Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 015


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(29)

«مُلتَقَى الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين في الجَزَائر»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(15/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(15/ 1/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
تزينت مدينة "بسكرة" عاصمة الزيبان في الجنوب الجزائري، وأسفرت عن وجهها الثقافي والإبداعي والمِضْياف خلالَ عيدها الفكري الرائع أيام 25 - 26 - 27 ديسمبر كانون الأول من عام 2007 م، واكتست أبهى حُللها وأجملَها عندما نظمت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) ملتقىً ثقافياً تحت عنوان: (ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري).
أعلنت ولاية "بسكرة" طَوال أيام العيد الثقافي الذي عاشته عن فرحها وسعادتها بهذا الحدث الهام، وامتلأت شوارعها بصور الشيخ الإمام، وانتشرت اللافتات التي غصّت بها أفحاء الولاية؛ لتعبر عن مكانته العلمية، والاعتزاز بانتمائه إلى مدينة "طولقة" التابعة لولاية "بسكرة"، وسطرت بالمداد الملون الزاهي على لوائحَ ضخمةٍ من القماش المتعدد الأشكال آيات الترحيب والمباهاة، وبعض المنتخب من أقواله؛ كما قام الرسامون ببذل جهد كبير في رسوم الإمام الزيتية المعلقة في أنحاء الولاية.
وأمَّ المدينةَ من كافة إنحاء القطر الجزائري النخبةُ من رجال الفكر والتعليم الجامعي، ورجال الصحافة، وشاركت مؤسسات التلفزة والإذاعة، ووسائل الإعلام الأخرى في هذا الإطار الذي أحاط شخصيةَ هذا الإمام الجليل
(15/ 1/3)

بهالة من النور والطهارة والقدسية والاحترام.
وهو -في واقع الحال- يستحق كل هذا، وأَكثرَ منه، وبما يليق ويتماشى مع رحلة حياته الإيمانية التي امتزج بها جهاد القلم مع جهاد النفس، وتنوعت فيها المواهب المتعددة التي اصطفاها الله -جلَّ جلاله- لهذا الإمام.
أليس هو: العالم، والمناضل، والمفكر الإسلامي، والمفسر، والمحدِّث، والخطيب، والداعية، واللغوي، والقاضي النزيه، والمصلح، والشاعر، والرحالة، والصحفي، وإمام مشيخة الأزهر؟ صفات وضعها الله فيه، فأحسن الإمامُ لها، وأخلص.
أتقنت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) إظهارَ هذا الملتقى بوجه مشرق ومشرّف، وهيات له أسباب النجاح، فأعطى ثماره، وبذلَت الجهد المضني؛ ليكون صورة صادقة عن حياة الإمام.
هذه الجمعية الخلدونية، ويرعاية رئيسها الأستاذ الأديب فوزي مصمودي، وإخوانه من الأعضاء المنتخبين العاملين بإخلاص ودأب لدينهم ووطنهم، وهي تنشط في ميدانها نشاطًا لم نلحظه في جامعة أو جامعات، أو مؤسسات ثقافية أخرى إذا قيست بإمكانياتها. وهي بعملها المجيد المبدع هذا لها التحية والتقدير، وإن أجرها الأوفى والأسمى عند الله -سبحانه وتعالى-، ولا يستطيع العبد أن يوفي حقَّ المحسن بالقلم واللسان.
أما عن كرم الضيافة، وحسن الوفادة، والاستقبال الصادق مع الوجوه الباسمة، فلا يمكن التعبير عنها بالكلمة. والمَشاهِد التي صورها الملتقى لا يمكن أن يرسمها حرف على الورق، فهي في الذهن منقوشة، وفي القلب محفوظة، وأُكرر: إن اللسان والقلم يعجزان عن بثّ عبارات الشكر والامتنان.
(15/ 1/4)

بادر العديد من كبار أساتذة الجامعات الجزائرية -وما أشرفَ وأجلَّ أولئك الأساتذة بعد أن عرفتهم عن قرب- إلى الملتقى بمحاضراتهم القيمة التي دلت على سَعَة في المعرفة، ودقة في التحقيق، ورغبة صادقة في بيان سيرة الإمام الخضر، والتعريف بآثاره.
- شارك من تونس: الأستاذ الفاضل، والمحبّ الوفي محمد مواعدة، الذي كان له الفضل الأسبق والأهم في إصدار أول كتاب ترجم وحقق في حياة الإمام وآثاره "محمد الخضر حسين حياته وآثاره".
- وشارك من مصر: أحد المدرسين في الجامع الأزهر الدكتور مجاهد توفيق الجندي.
- ومن دمشق: حضر وحاضر علي الرضا الحسيني ابن أخي الإمام محمد الخضر حسين.
وفي هذا الملتقى الذي تمَّ تحت إشراف وزارة الثقافة الجزائرية، واهتمام وعناية والي ولاية "بسكرة" الأستاذ ساعد أقوجيل، الذي رافق الملتقى من ألفه إلى يائه، وأبدى من المؤانسة وحسن الاستقبال والحضور المستمر طوال أعمال الملتقى ما لم نشاهده عند كثير من رجال السلطة.
أشرف على رئاسة الجلسة الافتتاحية: المؤرخ الجزائري الدكتور محمد عربي الزبيري، وكانت إدارة الجلسات موضع إعجاب وإكبار الحضور؛ لما تميز به الدكتور الزبيري من محبة رجال الفكر والثقافة له، واحترامهم، مع روح الدعابة الأدبية التي عُرفت عنه ضمن حدود الإدارة المنضبطة للجلسات.
وحفظاً على ما تضمنه الملتقى من محاضرات وتعليقات ذات مستوى علمي وتاريخي رفيع، وما أنجز على هامش الملتقى من ندوات ومحاورات
(15/ 1/5)

في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة"، وما نشره بعض السادة الكتّاب من المقالات في الصحافة، كان من المفيد للباحث أن تجمع هذه الأعمال في كتاب يحتوي بين دفتيه كل محاضرات الملتقى، وما رافقه من نشاط إذاعي وصحفي.
وجرت أعمال الملتقى حسب البرنامج المخصص لها:

أ - اليوم الأول للملتقى الثلاثاء في 25 ديسمبر كانون الأول 2007 م:
- الافتتاح بالنشيد الوطني الجزائري.
- كلمة السيد والي ولاية بسكرة.
- كلمة فضيلة الأستاذ عبد القادر عثماني شيخ (زاوية علي بن عمر) في مدينة "طولقة".
- كلمة فضيلة العلامة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
- كلمة رئيس الجمعية بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني.
- كلمة الأستاذ الأخضر رحموني، وتضمنت: التعريف بالباحث علي الرضا الحسيني.
- الاحتفال بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني.
- تحية شعرية لولاية "بسكرة" للباحث علي الرضا الحسيني.
- كلمة موجزة للدكتور مجاهد توفيق الجندي من علماء الأزهر.

ب - اليوم الثاني للملتقى الأربعاء في 26 ديسمبر كانون الأول 2007 م:
- محاضرة الباحث علي الرضا الحسيني - من دمشق.
(15/ 1/6)

- محاضرة الدكتور كمال عجالي- أستاذ في جامعة "باتنة".
- محاضرة للأستاذ محمد مواعدة - خبير لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة - جامعة الدول العربية - من تونس.
- محاضرة الدكتور مجاهد توفيق الجندي - من علماء الجامع الأزهر - من القاهرة.

ج - اليوم الثالث للملتقى الخميس في 27 ديسمبر كانون الأول 2007 م:
- محاضرة الدكتور عمار الطالبي - أستاذ بجامعة الجزائر.
- محاضرة الدكتور نجيب بن خيرة - أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر - قسنطينة.
- محاضرة الأستاذ محمد الهادي الحسني - أستاذ بجامعة الجزائر.
- محاضرة الدكتور مولود عويمر - أستاذ بجامعة الجزائر.

د - اليوم الرابع للملتقى الجمعة في 28 ديسمبر كانون الأول 2007 م:
خصص هذا اليوم للقيام بجولة في ولاية "بسكرة": زيارة مقام الشيخ عبد الرحمن الأخضري، مقام الشيخ محمد بن عزوز في "برج ابن عزوز"، مقام الشيخ علي بن عمر في مدينة "طولقة" .. وأداء صلاة الجمعة في الزاوية.
وأقام الشيخ عبد القادر عثماني شيخُ الزاوية حفل غداء لأكلة جزائرية شعبية مشهورة (الشكشوكة) في داره العامرة.
وانتهت أعمال الملتقى، وودّع المشاركون بعضهم البعض بحرارة وشوق، وانصرف كل منهم إلى وجهته. والحمد لله.
(15/ 1/7)

* على هامش الملتقى:
- ندوة في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة"، شارك فيها الأساتذة: مجاهد توفيق الجندي، علي الرضا الحسيني، كمال عجّالي مساء 26/ 12 / 2007 م.
- ندوة في الإذاعة الجزائرية بمدينة "بسكرة" شارك فيها الأساتذة: عمار الطالبي، محمد الهادي الحسني، نجيب بن خيرة، محمد مواعدة، مولود عويمر، مساء 27/ 12/ 2007 م.
- برنامج (أعلام من الزيبان) للأستاذ عبد الحليم صيد - في الإذاعة الجزائرية ببسكرة مع علي الرضا الحسيني.
- بعض عناوين الصحف الجزائرية حول الملتقى.
- مقالة (ملتقى الإمام محمد الخضر حسين) للأستاذ محمد الهادي الحسني.
- مقالة في ذكرى الخمسين لوفاة العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق) للأستاذ محمد مواعدة.
- مقالة (بسكرة عاصمة الثقافة باحتفالها بالإمام محمد الخضر حسين، إمام العالم الإسلامي وأستاذ الشيخ ابن باديس) للدكتور عمار الطالبي.
- مقالة (ربيع في الشتاء) للأستاذ محمد الهادي الحسني.
- مقالة (تذكرة - ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين) للدكتور محمد أيمن سمينة.
إننا نسجل بأحرف من النور، وبكلمات من الذهب في سجل (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) مبادرتَها الوطنية الصادقة، وإخلاصَها لعظماء الأمة، ودعوتَها إلى تنظيم ملتقى خاص بالإمام العلامة محمد الخضر
(15/ 1/8)

حسين، وتقديمه بشكل رائع.
وشكراً مجدداً لرئيسها الأستاذ فوزي مصمودي وإخوانه من أعضاء الجمعية الماجدة، ووفّق الله خطاهم في البحث والدراسة التي يعدونها للمستقبل -إن شاء الله- وهنيئاً للجزائر بهذه الجمعية، وهذه المؤسسة الجليلة القدر، العالية الهمة، الرفيعة المستوى.
وقد لمست من أساتذة الجامعة، والمثقفين الذين اجتمعت بهم خلال الملتقى رغبةً شديدة ومُلِحَّة لتوفير الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين في المكتبات الجزائرية؛ لاقتنائها من الراغبين في الاطلاع والدراسة. وبرغم أني طبعتُ كل آثار الإمام، فالبشرى لهم أن الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين، قد باشرت إحدى دور النشر الهامة والكبرى في دمشق (دار النوادر) لصاحبها العالم الفاضل الشيخ نور الدين طالب بإعادة طبع كامل التراث في حلّة فاخرة، وسيطرح -إن شاء الله- في الأسواق للتداول. والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام.

علي الرّضا الحسيني
(15/ 1/9)

حفل افتتاح الملتقى
كلمة افتتاح الملتقى لوالي ولاية "بسكرة" الأستاذ ساعد أقوجيل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي - السادة أعضاء البرلمان بغرفتيه - السادة الإطارات المنتخبون والمحليون - السادة الأساتذة الأجلاء - السادة أعضاء الأسرة الإعلامية - ضيوفنا الكرام - أيها السيدات الفضليات -أيها السادة الأفاضل!
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أود في البداية أن أرحب باسمي الشخصي، وباسم كافة سكان ولاية بسكرة ومواطنيها بالسادة الضيوف المشاركين في هذا الملتقى، وفي مقدمتهم: الأساتذة المحاضرون من داخل الوطن، وأخص بالذكر: الأساتذةَ المحاضرين من الدول العربية الشقيقة: تونس، مصر، سورية.
متوجهاً لكل من حضر معنا اليوم بأصدق عبارات الشكر والتقدير على أن شرفوا عاصمة الزيبان بهذه الزيارة، والتي جاءت ونحن نعيش أجواء مناسبة عيد الأضحى المبارك، وأغتنم المناسبة لأتقدم من الجميع بأخلص التهاني، وأصدق التمنيات بمناسبة سنة 2008 م، راجياً المولى العلي القدير لكم
(15/ 1/10)

ولذويكم دوام الصحة والعافية، ولوطننا المزيد من الرقي والازدهار في كنف السلم والاستقرار.
أيتها السيدات، أيها السادة!
ها نحن أولاء نلتقي اليوم بمناسبة الطبعة السادسة من التظاهرة التي دأبت على تنظيمها الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية، والتي خُصصت لعَلَم من أعلامنا الأفاضل، وأحد أبناء عاصمة الزيبان البررة، ومنارة من منارات علمائها الطيبين، الذين انطلقوا من ديارهم سائرين على درب طلب العلم؛ لإنارة وتبديد ظلمات الجهل: فضيلةِ الإمام شيخ الأزهر الشريف العلامة محمد الخضر حسين- رحمه الله، وتغمد ثراه-.
وبالمناسبة: أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ فوزي مصمودي - ومن خلاله كافة طاقم الجمعية الخلدونية - على المجهودات والمساعي التي تبذل من سنة لأخرى في سبيل ترسيخ الذاكرة التاريخية في أذهان أبنائنا، ونفض الغبار عن شخصيات خُلدت أسماؤها عبر التاريخ بأحرف من ذهب.
أيها الحضور الكرام!
إن الحديث عن سيرة الرجال العظام هي أقل ما يمكن تقديمه تقديراً وعرفاناً بما بذلوه خدمة لدينهم ووطنهم، ورفعة وسموّاً بأسمائهم، فإذا كانت مشيخة الأزهر مرتبة ليست بالهيّنة ولا اليسيرة، فإن شرف نَيْلها من طرف العلامة محمد الخضر حسين الطولقي، هي شرف للجزائر الوطن، ولبسكرة الأصل والمنبت على حد سواء. وفي ذلك شرف مضاعف له ولنا، وما ذلك إلا دليلٌ على مكانته العلمية والدينية.
وفي مقام آخر: فإن الإمام كان صورة لوحدة الأمة التي أراد الله أن تكون
(15/ 1/11)

موحدة؛ إذ حمل عِلْم الجزائر بطولقة، ونال عِلْم الزيتونة بتونس، فاستحق مشيخة الأزهر بمصر.
أيتها السيدات، أيها السادة!
لا يسعني -في الأخير- إلا أن أرحب من جديد بالسادة الضيوف، وأشكر الجمعية مرة ثانية على هذه المبادرة، متمنياً لأشغال ملتقانا هذا كل التوفيق والنجاح، وللجميع الإقامة الطيبة.
شكراً على كرم إصغائكم، وحسنِ انتباهكم، وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والسلام.
تحيا الجزائر. المجد والخلود للشهداء الأبرار، وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر. شكراً لكم.
(15/ 1/12)

حفل افتتاح الملتقى

كلمة رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية الأستاذ فوزي مصمودي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أيها الجمع الكريم!
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
السيد والي ولاية بسكرة. السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي. السيد رئيس المجلس البلدي ببسكرة. السادة المنتخبون في المجلس الشعبي الوطني والولائي والبلدي. فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني -حفظه الله-. السيد الدكتور محمد عربي الزبيري رئيس الجلسة. السادة المحاضرون، والضيوف الذين لبّوا دعوتنا، وقدموا من مصر الكنانة، وسورية الشام، وتونس الخضراء، ومن كل فج عميق من جزائرنا الحبيبة بلدِ المليون ونصف المليون شهيد.
نقول لكم: حللتم أهلاً، ووطئتم سهلاً، في عاصمة الزيبان ولاية "بسكرة" مرقد الصحابة والتابعين، وعلى رأسهم: فاتحُ بلاد المغرب البطل عقبة بن نافع الفهري.
(15/ 1/13)

أهلاً بكم في بلدة العلم والعلماء، والمناضلين والشهداء، بلدة أحمد ابن نصر الداودي، أولِ شارح ل"صحيح البخاري" في العالم الإسلامي، والمحدّثة أم الحياء البسكرية، والعلامة عبد الرحمن الأخضري، وسيدي خالد بن سنان العبسي، والشاعر محمد العيد آل خليفة، والصحفي القدير محمد سعيد الزاهري، والكاتب محمد الهادي السنوسي الزاهري، والمصلح الطيب العقبي، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، والشيخ محمد بن عابد الجلّالي، والشاعر عاشور الخنقي، والأبطال: محمد العربي بن المهيدي، ومحمد شعباني، ومحمد خيضر، وزيان عاشور، وسي الحواس، وغيرهم من أبطال الجزائر، ووصولاً إلى العلامة الشيخ محمد الخضر حسين العثماني، الطولقي، البسكري، الجزائري.
أيها السادة الأفاضل!
ها هي ذي الجمعية الخلدونية في موعدها السنوي، وتقليدها القارّ: (ملتقى بسكرة عبر التاريخ)، الذي اخترناه في الملتقى الماضي، الذي خصصناه للفاتح عقبة بن نافع الفهري، أن لِكون محور هذه الطبعة خاصاً بالعلامة محمد الخضر حسين شيخِ الأزهر سابقاً، وصاحب التآليف الكثيرة، ومنشئ أول مجلة في تونس هي "السعادة العظمى" عام 1904 م، ورئيس تحرير مجلات: "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام"، و"لواء الإسلام" بمصر، وممثل الدولة العثمانية بألمانيا، ورئيس لجنة تحرير بلاد المغرب وشمال إفريقية من الاحتلال، وأول عالم من خارج مصر يتبوأ منصب شيخ الأزهر الشريف، اخترناه ليكون المحور الرئيس في هذا الملتقى؛ ليتناوله نخبة من المؤرخين والباحثين: عالماً، ومصلحاً، وأديباً، وشاعراً، ولغوياً، وسياسياً، ومؤرخاً، وصحفياً،
(15/ 1/14)

وشيخًا للأزهر، فهو علامة موسوعي بكل جدارة واستحقاق.
واسمحوا لي -سادتي- أن أتذكر فارساً من فوارس الجزائر، كان دائماً حاضراً معنا هنا في "بسكرة" في ملتقياتنا الماضية، ولكنه لحق بربه منذ أسابيع معدودة، ألا وهو المؤرخ الجزائري الدكتور يحيى بوعزيز -رحمة الله عليه- فتحية له. وقد قامت الخلدونية بتكريمه في الملتقى الثاني الخاص بالمقاومة الشعبية بمنطقة الزيبان، رفقة رفيقه الأستاذ والباحث والمحامي سليمان صيد -رحمة الله عليه- كذلك.
ولا يفوتني -في الأخير- أن أشكر كلَّ من أسهم معنا من قريب أو من بعيد، ووقف إلى جانبنا في مواصلة تنظيم هذا الملتقى، وأخص بالذكر: معالي السيدة وزيرة الثقافة، ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف، والسيد والي ولاية "بسكرة" الذي ما بخل علينا بشيء، وظل متابعاً ومشرفاً على هذا الملتقى.
و-أيضاً-: بنك البركة، وبلدية بسكرة، ومديرية الثقافة، والمجلس الإسلامي الأعلى، والزاوية العثمانية بطولقة.
وكذلك: المكتبة الوطنية بالحامة، والغرفة الجهوية للصناعات التقليدية والخزف، ومؤسسة التلفزة الوطنية، وإذاعة بسكرة الجهوية التي تنقل هذا الحفل على المباشر، فلها جزيل الشكر -أيضاً- وجريدتي: "الشروق" و"صوت الأحرار"، وكل الصحف الوطنية التي أسهمت وتفاعلت مع هذا الحدث.
و-أيضاً-: الوكالة العقارية، ومؤسسة عموري ومناني.
كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى حضرة المؤرخ الدكتور محمد عربي الزبيري الذي كان معنا منذ البداية، وقد ذلل لنا الكثير من الصعاب؛ كما
(15/ 1/15)

ننوه بمجهودات ضابط جيش التحرير الوطني المجاهد ابن عاشور محمد، فتحية لهما.
كما نرجو من الهيئات المعنية مستقبلاً اعتماد هذا الملتقى بصفة رسمية، وتخصيص الغلاف المالي، وخاصة وزارة الثقافة؛ لتمكيننا من مواصلة تنظيمه بصفة سنوية ومنتظمة مع طبع أعماله.
وبالمناسبة: فقد قمنا بطبع كتاب الشيخ أحمد خمّار "تحفة الخليل في نبذة من تاريخ بسكرة النخيل"، وقد طبع برعاية وتدعيم السيد والي ولاية "بسكرة"، كما وعد هو شخصياً السيد المرحوم أحمد خمّار، و-أيضاً- أذكركم أن هناك معرضاً لمخطوطات أعلام الزيبان، و-أيضاً- هناك معرض علماء الزيبان، ومعرض لمؤلفات العلامة محمد الخضر حسين بدار الثقافة (أحمد رضا حوحو).
مرة أخرى أشكر الجميع، ووفقنا الله لما فيه خير العباد والبلاد.
تحيا الجزائر، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(15/ 1/16)

حفل افتتاح الملتقى

كلمة الشيخ عبد القادر عثماني شيخ زاوية (علي بن عمر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم أيها الجمع الكريم المبارك.
في هذا اليوم المبارك، نلتقي فيه على ذكرى أمجادنا وعلمائنا، والذكرى -كما قال تعالى-: {تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وإحياء الذكريات هو إحياء للقلوب، وإحياء للقيم، صاحياء لمجد الوطن ولأمجاده، وإحياء للعلم الذي هو بضاعتكم -أيها الشيوخ- وهو شعاركم وزادكم وزينتكم.
نلتقي في هذا اليوم المبارك برعاية وعناية السيد والي الولاية، والسيد رئيس المجلس الشعبي الولائي، اللذين يوليان مثل هذه الملتقيات كل عناية واهتمام، وإعانة ورعاية، فجزاهما الله خيراً.
وأشكر الجمعية الخلدونية التي نظمت هذا الملتقى، وعلى رأسها رئيسها الأستاذ فوزي مصمودي، وجماعته العاملة الناشطة؛ فقد قام بتنظيم هذا الملتقى بعزيمة صادقة، وصمود قوي.
نسأل الله له ولجمعنا هذا دوام التوفيق والنجاح في كل حال وعمل.
والسلام عليكم ورحمة الله.
(15/ 1/17)

حفل افتتاح الملتقى

كلمة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السيد والي ولاية بسكرة -السيد رئيس المجلس الشعبي الولائي- حضرات السادة المنتخبين- أيها الإخوة الباحثون العاملون في هذا الميدان، ميدان تاريخ عظمائنا وأمجادنا!
إنه ليسعدني أشد السعادة أن أحضر هذا الملتقى الذي يبحث في تاريخ الإمام محمد الخضر حسين، الذي جمع بين جوانب كثيرة في شخصه الواحد، فهو رجل قرآني، مؤرخ، صحفي، مفسّر، لغوي، جمع هذه الجوانب كلها، ودعا إلى الوحدة الإسلامية، وناضل في ذلك المجرى النهضوي التاريخي من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده، إلى غيرهما من المصلحين الذين وهبوا حياتهم وعقولهم وأبدانهم -أيضاً- في سبيل النهضة الإسلامية، والنهضة العربية، والتحرر.
وهو رجل سياسي، ورجل مصلح، جمع هذه الجوانب الغنية كلها، فهو نور، انطلقت نشأته من هذا الشمال الإفريقي إلى الشام، إلى مصر، وأشع
__________
(1) ألقاها نيابة عنه الدكتور عمار الطالبي نائب رئيس الجمعية.
(15/ 1/18)

على هذه المواطن كلها العلمَ والمعرفة، والصدق والكفاح؛ من أجل تحرر هذه الشعوب من رِبْقَة الاستعمار، فقد حُكم عليه بالإعدام، وسجن، ولكنه لم تلن له قناة، ولم يسترح له بال إلى أن أصبح شيخاً لأكبر جامعة إسلامية تاريخية في أرض الكنانة مصر.
وفي هذه المواقف السياسية كلها -بما فيها هذا المنصب- الذي لم يكن ليرغب فيه، ولم يكن يطمح إليه، بل جاءت السلطة الثورية في مصر، ورغبت منه أن يتولى هذا المنصب؛ لما يعرفون عنه من صدق وإخلاص، وثبات وجهاد، ولكنه -أيضاً- لم يرض عن هذا المنصب، واستقال منه؛ لأنه لم يرض عن أشياء كان يرجو أن لا تكون كذلك.
كما أنه تولى القضاء في "بنزرت" سنة وأربعة أشهر، ولكنه -أيضاً- رأى أن هذا المنصب لا يليق به، فاستقال منه، وحنَّ إلى موطنه الأصلي العلمي، وهو الزيتونة، التي أخذ يدرِّس بها. وأخذ يقوم بحركته الإصلاحية السياسية في البلاد التونسية؛ بإلقاء محاضرات، وإنشاء صحافة ومجلات، وكان يشارك في هذا النشاط الحي القوي في البلاد التونسية التي سبقت البلاد الأخرى في هذا الميدان، ونحن في الجزائر كنا نطبع الكتب في تونس، وأغلب المؤلفين في الجزائر يذهبون إلى تونس لطبع مؤلفاتهم، فكانت تونس، وكان جامع الزيتونة موئلاً للدارسين والباحثين، والطلبة الذين يهبون أنفسهم للدرس، لا من أجل تولي منصب؛ لأنهم إذا رجعوا للجزائر، فلا منصب لهم، ولا حظ لهم، وإنما يكافحون من أجل العربية، ومن أجل الإسلام؛ ليحافظوا على هذا التراث الذي أخذت السلطة الفرنسية -في ذلك الوقت- تطمس معالم هذا الدين، ومعالم هذه الثقافة، وأخذت العربية تندرس في هذه البلاد،
(15/ 1/19)

وأصبح الناس في ظلام حالك، لولا هذه النهضة التي قام بها هؤلاء، وأشعت أيضاً على الزيبان، فكان الطلبة في هذه المناطق: الزيبان الشرقية، والغربية يطالعون "العروة الوثقى" سراً، يتداولونها بينهم، ويتابعون هذه النهضة التي يقوم بها كبار المصلحين في المشرق الإسلامي، وفي مغربه، فكان هناك أنصار حركة محمد عبده في الزيبان، وكذلك في العاصمة الشيخ عبد الحليم بن سمّاية، ومحمد مضرَّبة، ومن إليهم.
وكذلك هنا في هذه المنطقة ابن ناجي وغيره، كانوا يتابعون هذه الحركة، ويتدارسون أمرهم في هذه البلاد، فنهضت نهضة جديدة في الجزائر، وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- وأصحابه.
وإني هنا أعتذر لكم عن عدم حضور فضيلة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي كلفني أن أعتذر لكم باسمه، وأن أنوبه في هذه الكلمة، التي أرجو أن تكون نافعة لشبابنا هذا: أن يتوجه إلى دراسة هذه الأمجاد -كما تفضل الشيخ عبد القادر- التي غفلنا عنها، وشبابنا لا يُعنى كثيراً بدراسة العظماء من رجالنا؛ فإن الأمة إذا نسيت رجالها وأبطالها وأمجادها، فقد نسيت تاريخها، ونسيت جذورها، فهذه الأعلام التي ناضلت من أجل حياتنا اليوم حياةِ الحرية التي نعيش فيها باستقلال وطننا، هذا كله بفضل هؤلاء، فلا بدّ أن نسجل حياتهم في قلوبنا قبل أن تُسجل في طروسنا وصحائفنا الورقية أو غير الورقية، فالشباب اليوم مدعو لأن يسلك هذا المسلك، وأن يدرس تراثه وأمجاده، وأن لا يكون عنها من الغافلين.
وكذلك في هذا الجنوب الصحراوي، أنتم تعلمون الشيخ الطيب العقبي كيف بدأ في إنشاء جريدة "صدى الصحراء" في هذه المنطقة، ثم انتقل بعد
(15/ 1/20)

ذلك إلى الجزائر، وغيَّرها تغييراً، حوَّل أولئك المجرمين في العاصمة إلى أناس مصلحين، وغيَّر وجه الجزائر العاصمة من حيث العادات الاجتماعية والأمن الاجتماعي.
وكذلك -كما لا يخفاكم- إخواننا الإباضيون: إن الشيخ بيوض، وقبله الشيخ اطفيش، وغير هؤلاء الأعلام. إخواننا الإباضية قاموا بنهضة، وحافظوا على اللغة العربية، وعلى الإسلام، ولم يكونوا من دعاة العرقية، ولا البربرية، وما إلى ذلك من نزعات ربما يدعو إليها بعض الناس، إنما حافظوا على هذه الثقافة التي عجنت العرب والبربر في بوتقة واحدة، فأصبحنا لا نستطيع أن نفرق أن هذا بربري أو عربي؛ لأن الدماء امتزجت، وامتزج التاريخ بهذه الأرض الطيبة، وتنازل الناس عن مصالحهم الشخصية.
فنسال الله -سبحانه وتعالى- أن يتغمد برحمته شيخنا وإمامنا الشيخ محمد الخضر حسين، وأن يجزيه أحسن الجزاء؛ لما قدم لهذا الوطن، ولأوطان الإسلام كلها من خدمات، ومن علم وجهاد. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
(15/ 1/21)

حفل افتتاح الملتقى

كلمة رئيس الجمعية بتكريم الباحث علي الرضا الحسيني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في هذا الملتقى -الذي خُصص لحياة ومسيرة العلامة الموسوعي محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري- يسعد الجمعية الخلدونية أن تكرم واحداً من الذين أبلَوْا عناية فائقة وكبرى لجمع أعماله وأبحاثه ودراساته.
هذا الشخص البحاثة قام بجمع جميع أعماله، وقام بطبعها في أكثر من أربعين أو خمسين كتاباً، وهي موجودة في المعرض هنا، الأعمال الكاملة للعلامة محمد الخضر حسين، ومحمد المكي بن عزوز البرجي من برج ابن عزوز، و -أيضاً- قام بجمع أعمال والده الشيخ زين العابدين، ألا وهو الأستاذ البحاثة علي الرضا الحسيني ابن أخي الشيخ محمد الخضر حسين. فليتفضل مشكوراً.
ولكن هناك كلمة حول إنجازات هذا الباحث، يقدمها الأستاذ الأخضر رحموني عضو هيئة تحرير المجلة الخلدونية واللجنة العلمية، فليتفضل مشكوراً، ثم نعرض -إن شاء الله- على التكريم.
(15/ 1/22)

حفل افتتاح الملتقى

كلمة تكريم الباحث علي الرضا الحسيني للأستاذ الأخضر رحموني
أيها الجمع الكريم!
إن اجتماعنا في هذا الحفل البهيج الذي تُزيِّن صفوفه نخبةٌ من رجال العلم والثقافة، والجهاد والسياسة، والتي تستحق منا كل الشكر والعرفان، تسعى من خلاله الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية إلى تكريم الأستاذ الباحث علي الرضا الحسيني كعربون وفاء، واعتراف بفضائل الأستاذ في إحياء التراث المغاربي، وخاصة إعادة بعث لأعمال العلامة محمد الخضر حسين إلى النور.
وبرغم مشقة السفر، والابتعاد عن الأهل والخلّان في سورية الشقيقة، فقد أبي إلا أن يكون حاضراً بيننا اليوم، ولبى إيجابياً دعوة الجمعية الخلدونية عندما علم أن ولاية "بسكرة"، ومن خلالها الجزائر ستحتفي بالعلامة محمد الخضر حسين، وقد خُصص له ملتقىً وطني يحمل اسمه. وليس هذا بالغريب عن رجل هو من ورثة الأنبياء؛ لأننا نكرم في شخصه صفة العالم الذي كرمه الله، وأوجب تكريمه وطاعته.
إن الأمة العظيمة هي التي تقدر أبناءها الذين بذلوا من أجلها الغالي، من أجل عزتها وكرامتها وحريتها، والتعريف برجالاتها، وتخليد مآثرهم، والأمة الهلوك هي التي تقلل من شأن من عظَّم شأنها، ورفع راية مجدها عالياً،
(15/ 1/23)

وحافظ على مقومات شخصيتها.
فبورك في كل من سعى إلى هذا التكريم، وخاصة أن الأستاذ علي الرضا الحسيني يستحق منا جميعاً كل التقدير والإجلال؛ فقد قضى سبعاً وثلاثين سنة في البحث والجمع والتحقيق، وطبع تراث عمه الإمام محمد الخضر حسين؛ حيث نشر أعماله الكاملة، ومنها: روائع مجلة "الهداية الإسلامية" التي عاش معها، وراجعها مدة خمسة وعشرين عاماً لقطف ثمارها. وكذا الأعمال الكاملة لوالده العلامة زين العابدين بن الحسين، وعمه اللغوي محمد المكي ابن الحسين، وخال والده النابغة محمد المكي بن عزّوز، والآخرين من السادة الفضلاء أهل التقوى والصلاح.
فقد نشر الأستاذ علي الرضا الحسيني أكثر من ستين كتاباً بين تحقيق وبحث، وإنتاج وإبداع شعري؛ تقديراً لجهود هؤلاء المصابيح الأعلام، وإثراء للخزانة العربية. والغاية من هذا الجهد الكبير، لا يهدف منه الترويج لاسم العائلة، بل تقريب أعمال هذه النجوم الساطعة إلى القارئ، والتسهيل على الدارس، وحفظ الآثار في كتاب، بدلاً من ضياعها متناثرة في الصحف والمجلات الدورية. وكيف لا؟! والأستاذ علي الرضا الحسيني من أسرة خَدمت، وعُرفت بخدمة العلم ونشره، وبالزهد والتقوى، وينسب فرعها إلى الدوحة النبوية الشريفة، فجَدُّ والده من جانب الأب هو الشيخ علي بن عمر مؤسس زاوية (طولقة) العريقة، والتي تُعد من القلاع العلمية في الجزائر، التي حافظت على لغة القرآن الكريم منذ تأسيسها؛ عن طريق نشر العلم الصحيح، والتربية، ومساعدة الفقراء والمساكين، وتعليمهم بالمجان، ولا تزال تواصل رسالتها الاجتماعية إلى يوم الناس هذا تحت إشراف فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني -حفظه الله-.
(15/ 1/24)

وجَدّ والده من جانب الأم هو الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي رفض الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأرشده شيخه علي بن عمر بالذهاب إلى تونس، وفعلًا هاجر إلى بلدة "نفطة" بالجريد، وأسس بها زاوية رحمانية كبرى، تحولت بمرور الزمن إلى ملجأ وملاذ لكل الفارين من الاستعمار الفرنسي، والمهاجرين الجزائريين طوال القرن التاسع عشر والعشرين.
وقد أفرد الأستاذ علي الرضا الحسيني لكل من زاوية "طولقة"، وزاوية "نفطة" كتاباً قيماً.
ووالده هو العلامة زين العابدين بن الحسين الذي ولد في تونس، وآثر مع كامل أسرته الفرار من الاستعمار الفرنسي، وكانت وجهتهم مدينة دمشق، عندما بدأت السلطات الفرنسية في ملاحقة أخيه الإمام محمد الخضر حسين، وحكمت عليه بالإعدام؛ لاشتغاله بالنضال الوطني، ودعوته المبكرة إلى تحرير أقطار المغرب العربي واستقلالها.
فاحتضنت سورية هذه العائلة، كما احتضنت عائلات جزائرية أخرى لعبت دوراً عظيماً ومؤثراً في التاريخ الحديث لسورية، وقاومت الاستعمار، وحررت الشعوب، وحافظت على الإسلام والعروبة في وجه الأعداء، وما الشيخ طاهر الجزائري إلا نموذج.
وفي سورية عمل الأستاذ زين العابدين في حقل التربية أربعين عاماً مدرساً للعلوم الإسلامية واللغوية في مختلف المدارس الرسمية، وكان يلقي الدروس الأسبوعية باستمرار طوال أيام حياته في مساجد دمشق، لا سيما في الجامع الأموي.
(15/ 1/25)

وفي دمشق ولد الأستاذ علي الرضا الحسيني في 17 نوفمبر 1932 م، وبها تلقى تعليمه.
أما عمّ المحتفى به، فهو العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين، الذي عَدّه بعض الدارسين بأنه جاحظ عصره، وكتبُه العديدة تؤكد تضلعه في اللغة، وتعمقه في الدراسة، وقدرة فائقة على الإحاطة بالموضوع، وتتبع تفاصيله.
أما عمّه الآخر، فهو شخصية هذا الملتقى الذي ستذكر فعالياته مجموعة من الأساتذة الجامعيين، نتعرف من خلالهم على محطات مهمة في حياته، ومسيرته العلمية والنضالية.
وأكتفي هنا بتهنئة الجزائر التي رفَعَتْها إليه عند تقلده مشيخة الأزهر الشريف، وهي قصيدة بتوقيع أمير شعراء الجزائر الشيخ محمد العيد آل خليفة، نشرها في جريدة "البصائر" العدد 208 الصادر سنة 52، ومن قوله:
هَنِّئِ الأزهرَ الشَّريفَ بشيخٍ ... طابَ أُنْساً به وزادَ انْشِراحا
حازَ آلُ الحسينِ بالخِضْرِ الحرِّ ... مَدَى فَخْرهِمْ وفازوا قِداحا
أورثَ الله منه طولقة العِرْ ... قَ وَأَوْرَى بِنفْطَةَ المِصْباحا
تونسٌ تقبلُ التّهاني نَشْوَى ... وتُهادي الجزائرَ الأفراحا

وخالُ والد الأستاذ علي الرضا الحسيني هو العلامة محمد المكّي بن عزّوز، أحدُ العلماء الكبار الذين طرقوا أبواب العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، ولروحه الوطنية دعا الجزائريين إلى مقاطعة فرنسا اقتصادياً؛ مما دعا سلطات الاحتلال الفرنسي إلى مطاردته، فرحل إلى إستنبول؛ حيث عينه السلطان عبد الحميد مدرِّساً للحديث والتفسير في (دار الفنون)، وتوفي في
(15/ 1/26)

"الآستانة" تاركاً وراءه مجموعة من الكتب القيمة والرسائل.
أفلا يحق للأستاذ علي الرضا الحسيني سليلِ هذه العائلة المباركة، أن يفتخر بنسبه، والانتماء إلى هذه الكوكبة من العلماء الذين أضاؤوا بأعمالهم طريق الهدى:
ذاكَ عَمِّي (الخِضْرُ) و (الزَّيْنُ) أَبي ... والنَّدى (المكِّيُّ) بَحْرُ الأدبِ
وجُدودي سِيَرٌ مَنْقوشةٌ ... في ذُرا المَجْدِ بماءِ الذَّهبِ
وخَؤول يُنْسَبُ العزُّ لهم ... إنْ تَسَلْ أهلَ التُّقى والنَّسَبِ
لِمَ لا أَمْضي على مِنْهاجِهمْ ... ورِضا الله قُصارى مَطْلبي

وبرغم أن الأستاذ علي الرضا الحسيني مسكون بهاجس البحث، فإنه يمازج هذه الهواية المفضلة، مع مهنة المحاماة التي بدأ في ممارستها منذ 26 كتوبر 1965 م، وما زال حتى اليوم، إضافة إلى حبّه للأدب والشعر، فهو الشاعر الذي عانق في قصائده وجدانَ الفرد المسلم الذي ينبض قلبه بالاعتزاز والشعور العميق بالانتماء إلى هذه الأمة الماجدة، فعبَّر عن هموم الضعفاء في عصر العولمة، وانحطاطِ قيم حضارة الغرب.
فجاء شعره أصيلاً في منطلقاته، غنياً في مضمونه، حيّاً متدفقاً بالعاطفة النبيلة الصادقة، متوهجاً بالثقة المطلقة بأن القصيدة وحدها التي تقودنا إلى المجد والسؤدد، خاصة في قصائده التي رفعها إلى أبنائه وأحفاده ووطنه الكبير. وكان لفلسطين النصيبُ الأوفر من قصائده.
وقد أصدر من الدواوين الشعرية: "بثينة"، "زين"، "قلب شاعر"، "أنا شيد الطفولة"، "ورد وأشواك"، وغيرها.
(15/ 1/27)

ومن قصائده في الشوق إلى الوطن:
وَطني نشَرْتُ على رباكَ حَياتي ... وغَرَزْتُ في قَلْبِ العِدا راياتي
لا نَجْمَ يَعْلو فوقَ نجمِكَ عِزَّةً ... أوْ مَنْعَةً وعَراقةَ الهاماتِ
وَطني أحِنُ له حُنوَّ أُمومةٍ ... وأُبوَّةٍ وصَبابِة النَّفَحاتِ
فيكَ الحَلاوةُ والمَرارةُ تُشْتَهى ... والخيْرُ فيكَ بأطيبِ الثَّمَراتِ
إنْ غِبْتُ عنكَ أَهيمُ طِفْلاً شارداً ... في غُرْبَتي وَترحُّلي وشَتاتي
قَلَمي وشِعْري والفُؤادُ وخَاطرِي ... لكَ تَنْتمي بالحبِّ والصَّبَوات

وعندما نتذكر تونس، يقتضي الواجب أن نشير إلى أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، قد وشَّح صدرَ الأستاذ علي الرضا الحسيني بوسام الاستحقاق الثقافي؛ تقديراً للخدمات الثقافية التي قدمها لتونس، وخاصة اهتمامه الكبير بآثار عائلة الحسين.
وإذا كان أستاذنا قد أهدى تونس ديوانه الموسوم "تونسيات"، فقد خصَّ ملحمةَ القرن العشرين الثورةَ الجزائرية الكبرى برواية تحمل عنوان: "الطريق إلى القمة"، تدور أحداثها حول ثورة أول نوفمبر. ومن الأعمال نتمنى أن تكلل أعماله الشعرية بديوان جديد يختار له من العناوين: "جزائريات".
شكراً أستاذنا، ونتمنى لكم موفور الصحة والعافية لمواصلة المشوار الأدي والفكري، والمرابضة في خندق الكلمة المضيئة كدليل اعتراف للسلف، والإشارة إلى حمل المشعل الذي أناره علماؤنا في الماضي، فصنعوا به أقوى أمة لا تعرف الخلاف ولا الهوان في ظل الأخوة والوحدة، وشكراً للجميع. والسلام عليكم.
(15/ 1/28)

حفل افتتاح الملتقى

التكريم
افتتح الأستاذ فوزي مصمودي رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية التكريمَ قائلاً:
ومباشرة نشرع في تقديم بعض الهدايا لهذا البَحَّاثة الذي إن صح التعبير؛ اعترافاً بعلمه وثقافته وبكتبه، وما أخرجه لنا من نفائس ودرر خاصة بعائلته والعائلة الحسينية.
وليتفضل السيد المكرَّم علي الرضا الحسيني.
ونتشرف بالسيد والي ولاية "بسكرة" ليقدم له هاته الهدايا، وهي:
- لوحة آيات قرآنية مذهبة.
- (برنس) (1) أصلي من وبر الجمل من ولاية "بسكرة".
- شهادة شرفية باسمكم جميعاً، وباسم جميع سكان عاصمة الزيبان "بسكرة" بدون استئناء، نقدمها لأستاذنا البحاثة علي الرضا الحسيني.
- وسام منقوش على النحاس.
__________
(1) (البرنس): كل ثوب رأسه منه، ملتزق به .. وهو لباس تقليدي مشهور، وخاصة في المغرب العربي، والجمع (برانس).
(15/ 1/29)

حفل افتتاح الملتقى

تحية شعرية لعلي الرضا الحسيني بعد التكريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الحفل الكريم!
والله! إني عاجز عن شكر هذه الولاية العظيمة المجاهدة المباركة. وقد أوحت لي عند مجيئي بالطائرة إلى هنا بعد ظهر اليوم أبيات، فلتتقبل مني هذه الولاية الكريمة هذه الأبيات البسيطة:

تحية إلى بسكرة
لسانُ الوَفا نادى بصَوتٍ مُجَلْجلِ ... بِسِكْرَةُ ميلادي وأَهْلي ومَنْزلي
على بابِها يلقاكَ وَجْهُ بُطولةٍ ... وفي ساحِها آياتُ نَصْرٍ مُحَجَّلِ
إذا نطقَتْ أحجارُها أوْقدَتْ لَظًى ... وكمْ جَحْفَلٍ أفْنَتْه في إِثْرِ جَحْفلِ
وفي ثَوْرةِ التَحريرِ هبَّتْ طَليعةً ... تذيقُ العِدا قَهْراً بأَكْؤُسِ حَنْظلِ
وفي السِّلم دارٌ لِلضيافَةِ والنَّدى ... تعانِقُ روّادَ التُّراثِ بمَحْفِلِ
وحَقّاً غَدَتْ للفِكْر مَرْقًى ومُلْتقًى ... ومنبرَ إلهامٍ لأِعْذَبِ مَنْهَلِ
بِسِكْرَةُ يا أُمَّ الكِرامِ تَحيَّةً ... وقُبْلةَ شُكْرٍ في جَبيِنكِ مِنْ (علي)
(15/ 1/30)

محاضرات الملتقى
ومضات من حياة العلامة محمد الخضر حسين
الأستاذ علي الرضا الحسيني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الحفل الكريم!
ماذا أُحاضِرُ بينكم أو أَخْطُبُ ... في مُلْتقَى الأَفذاذِ أَمْرٌ يصعُبُ
ومُحَمَّدُ الخِضْرُ الحُسَينُ شعارُهُ ... ذاكَ الإمامُ المَغْرِبيُّ الكَوْكَبُ
عُذْرًا فقد يكبو الجوادُ بفارسٍ ... إِنَّ الحروفَ مِنْ المهَابةِ تَهْرُبُ

يقف المرء أمام بحر لا ساحل له، ويتساءلُ مع فكره وقلمه من أين يسبرُ غوْرَه، ويغوص في أعماقه، ويستطلعُ مكنوناتِه؟؟
هل يُقدِّمُ الإمامَ محمدَ الخضر حسين مفكراً مغربياً إسلامياً؟ أَمْ مفسّراً؟ أم محدّثاً؟ أو وطنياً مكافحاً؟ أم داعية؟ أم خطيباً؟ أم محاضراً؟ أم قاضياً؟ أم مصلحاً؟ أم لغوياً؟ أم أديباً شاعراً؟ أم رحّالة؟ أم صحفياً؟ أم إماماً للأزهر؟
(15/ 1/31)

كل هذه الصفات كان من عمادها، وانتمى إليها، وعَمِل لها بإخلاص، فقد أودع الله -سبحانه وتعالى- فيه من المواهب المتعددة التي قلّما نجدها في عَلَم من أعلام الإسلام.
في كلِّ أَصْقاعِ البلادِ مآثِرٌ ... تُنْبيكَ أنَّهُ شَمْسُها لا تَغْرُبُ
أمضيتُ ما يزيد عن أربعين عاماً بين آثاره وآخرين من أعلام الأسرة وغيرهم بحثاً ونشراً. وإذ ألتفتُ اليومَ إلى الماضي وما فعلتُ، أجدني مقصَّراً فيما أنجزتُ، وفي كُلِّ حالٍ ومآل، أحمد الله -سبحانه وتعالى- على نعمائه، بما استطعتُ أن أُثري المكتبة الدينية الإسلامية بهذا التراث القيَّمِ.
هذه وَمَضات من حياة الإمام تلمعُ كلمح البصر، وتظهرُ للعيان:
في مدينة "طولقة" الطاهرة، وشقيقتها "البرج" المباركة، تفتحت عائلتان شريفتان، وتصاهرتا، وتفرعتا إلى شجرتين باسقتين، امتدت فروعهما في العالم الإسلامي، وضُرِبَتْ جذورُهما في أعماقِ التُّراب الجزائري المقدَّس، فأينعتا ثماراً طيّبة، منها: الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه-.
أبوهُ التّقي الزاهد الحسينُ ابن الولي الصالح علي بن عمر، وأمه السيدةُ الفاضلة حليمة السعدية بنتُ الولي الصالح مصطفى بن عزّوز ابن الولي الصالح محمد بن عروز.
الجَدُّ والأبوانِ مَنْبَتُ "طولْقَةٍ" ... فترابُها مِسْكٌ شَميمٌ طَيِّبُ
مَن كانَ في تُرْبِ الجزائرِ جَذْرُهُ ... فإلى المعالي والمفاخرِ يُنسَبُ
(15/ 1/32)

وهنيئاً للإمام بأصوله الجزائرية.
* الانتقال إلى تونس:
انتقل الشيخ مصطفى بن عزّوز من "طولقة" إلى مدينة "نفطة" في الجنوب التونسي سنة 1257 ه - 1837 م لتأسيس زاوية علمية فيها، بناء على توجيه شيخه علي بن عمر، وتزوج الشيخ الحسين بابنة شيخه السيدةِ حليمةَ السعدية. وقامت الزاوية بتعليم القرآن والعلوم الشرعية، وأعمال الجهاد ضد المستعمر، كما تشهد بذلك الوثائق التاريخية.
ولد الإمام في مدينة "نفطة" في 29 من رجب 1293 ه، وعرفت بالكوفة الصغرى، لما اشتهر بها من العلماء والفقهاء، واكتسب شرفَ الانتساب إلى الدوحة النبوية الطاهرة من الجهتين: أبيه، وأمه:
نالَ الوصولَ بآلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ... شَرَفاً فما لي في صِفاتهِ أُطنِبُ
بدأ في تعلّم القرآن وحِفْظِه في الخامسة من عمره، وتلقى العلوم الشرعية على أيدي كبار الشيوخ، وساهمت والدته في تربيته، كما يروي عن محفوظاتها في المعارف الإسلامية.
في دَوْحَةِ التّقوى وفي أَظْلالِها ... يُسْقى منَ العِلْم الرّفيعِ وَيشْرَبُ
انتقلت العائلة إلى مدينة تونس، ودخل الإمام الجامع الأعظم جامعَ الزيتونة في 4 من شهر رجب 1307 ه، وحصل على شهادة التطويع يوم الأحد 14 صفر عام 1316 ه، وأخذ عن كبار شيوخه؛ كالشيخ سالم بو حاجب، وعمر بن الشيخ، وأحمد بو خريص، وخالهِ الشيخ محمد المكي بن عزوز، والشيخ محمد بن يوسف، والطيب النيفر.
(15/ 1/33)

يا قلعةَ الإسلامِ يا زيتونةً ... وبِحِضْنِها شَمَخَ الإمامُ الأَنجبُ
وفي سنة 1325 ه تولى وظيفة التدريس فيه، وفي نفس العام عُيّنَ مدرساً في الصادقية لدرس الإنشاء.
وعُيِّنَ عضواً في لجنة لتأليف كتابٍ شامل لتاريخ المملكة التونسية.
وأجازه خاله العلامة محمد المكي بن عزوز بِخَطّه في دفتر التلامذة الخاص بالإمام، قال فيها: "وممن تأهل لها -أي: الإجازة- وكان أحق بها وأهلَها: ابننا الألمعيُّ الماجد، ذو الخلال الفاخرة والمحامد، الدرّاكةُ الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد الخِضْر ابن الناسك الأوّاه، العارف بالله، الأستاذ الشيخ سيدي الحسين، الشريف العلوي العزّوزي، سارَ على الدَّربِ فَوصَلْ، ودَأب بحزم فأصبح والمقصودُ لديه حَصل، جانَبَ الكسَلَ، فاشْتار العَسَلْ، جافى الرّاحة، فملأ الرّاحة، بشهادة جهابذة الجامعِ، وحذّاقِ كِرامِ المجامع".
تقلّد الإمام منصب القضاء في مدينة "بنزرت"، والخطابة والتدريس في الجامع الكبير في ربيع الثاني 1323 ه، وأقام له الإمام محمد الطاهر بن عاشور في داره بالمرسى حفلاً مساء يوم 15 رييع الثاني، وألقى كلمة تدلُّ على سُموٍّ وصفاء الصداقة والأُخوةِ بينهما - رضي الله عنهما -، واستمر سنة وسبعة أشهر، وكان مِثالاً للقاضي النّزيهِ العادلِ:
زانَ القضاءَ عَدالةً ونزَاهةً ... والعَدْلُ في كَفَّيهِ نَبْعٌ صَيِّبُ
ولما أحسَّ أن عمله في القضاء هو أقلّ مما تسعى إليه هِمَّتُه، استقالَ، وعادَ للتَّدريس في جامع الزيتونة.
وألقى محاضرته الشهيرة: (الحرية في الإسلام) يوم السبت في 17 ربيع
(15/ 1/34)

الثاني 1324 ه، وهو القاضي بمدينة "بنزرت"، وهذه المحاضرة هي المجابهة الأولى بينه وبين المحتل الفرنسي.
والحديث عن الحرية، والدعوة لها جهاراً - في أرض يتسلّط على رقاب أبنائها سيفُ الاستعمار الرهيب، وفي ظلِّ حكومة تَعَفَّر جبينُها تحت أقدام الغزاة إرضاءً لشهواته- لا يقل جرأة وأثراً عن مجابهة المحتلّ في ساحات القتال، ومقاومته بالحديد والنار. هذه المحاضرة دلّت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإسلام؛ لذا نجد أن الإمام بعدها أصبح مطلوباً من المتسلّط المحتل، ومراقباً من عيونه وأعوانه.
* الهجرة إلى الشام:
هاجرت العائلة المكوَّنة من ثلاثة وثلاثين فرداً -بين شيوخ ونساء وأطفال- إلى دمشق؛ للاستقرار فيها، تتقدم الطليعةَ المهاجرةَ: السيدةُ حليمة السعدية بنتُ الشيخ مصطفى بن عزّوز والدةُ الإمام، وذلك عام 1913 م.
وسبب الهجرة -حسب ما توصلت إليه-: أولاً: رغبة الإمام في الانتقال إلى الشرق، بعد أن ضاق عليه الخناق في تونس، وملاحقة السلطات الاستعمارية له، وحيث مجالُ عمله الإسلامي أوسعُ نطاقاً، وأفسح ميداناً، وسبب آخر هو: نظرة المغاربة إلى بلاد الشام، ويدعونها: (الشام الشريف).
* إخوة الإمام:
إخوة الإمام، وهم من الرجال:
الشيخ محمد الجنيدي، وعاد إلى تونس، ثم الجزائر، وهو دفين مدينة "طولقة".
(15/ 1/35)

والشيخ محمد العروسي، وتوفي بدمشق، وابنته متزوجة من المرحوم قدور خمّار من بسكرة، ومقيمة حتى اليوم في الجزائر، وقد قاربت المئة عام -حفظها الله-.
والعلّامة اللغوي المعروف محمد المكي بن الحسين، عاد إلى تونس، ودفن فيها.
وسيدي الوالد زين العابدين بن الحسين، ودفن في دمشق، وكان عالماً ومؤلفًا، ولا أدلّ على شهرته ومكانته: أن وزارة التربية أطلقت اسمه على أكبر ثانوية في حي الميدان، ووزارة الأوقاف على مسجد حديث وكبير في حي الميدان -أيضاً- حيث سكناه.
وهناك الشقيقات: زبيدة، وميمونة، وفاطمة الزهراء، ودُفِنَّ في دمشق.
* الرحلات:
قام الإمام برحلات علمية باعتبارها وسيلةً لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع، وكتبَ عن الرحلات وأثرها في الحياة العلمية والأدبية:
رَحّالةٌ كالبَدْرِ طافَ على الدُّنا ... بضيائهِ لا يَخْتفي أو يُحْجَبُ
له: "الرحلة الجزائرية" نشرها في العددين الأول والثاني من مجلة "السعادة العظمى" سنة (1321 ه - 1903 م)، وعاد لزيارتها 1322 ه - 1904 م.
وله: "خلاصة الرحلة الشرقية" سنة (1320 ه - 1912 م) زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهر، ويافا، وحيفا، ودمشق، وييروت، وإستانبول، وعاد إلى تونس، ودامت قرابة خمسة أشهر. وفي عام 1913 م عاد والتحق
(15/ 1/36)

بالعائلة في دمشق؛ حيث المقر الثاني له بعد تونس، وزار سويسرا، وإيطاليا لأغراض سياسية.
وهناك رحلته من دمشق إلى القاهرة، وهي المقر الثالث والأخير للإمام عام (1339 ه -1920 م)، وهناك سطع نجمه، ويرز علمه، وفي كل المدن التي زارها في رحلاته المتعددة كان يلقي الدروس الدينية في مساجدها، والمحاضرات في نواديها في مختلف الفنون.
* في معتقل جمال السفاح بدمشق:
والسِّجْن للأحرارِ خيرُ شهادةٍ ... تُهدَى لأِمْثالِ الإمامِ وتُكْتَبُ
من صفحات الجهاد الإسلامي التي نقرؤها في سجل حياة الإمام محمد الخضر حسين: اعتقاله في شهر رمضان (1334 ه - 15 آب 1916 م)، وحتى 29 كانون الثاني 1917 م وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري. وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام بالإمام؛ بحجة أنه حضر مجلساً خاض فيه أحد المحامين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، والخروج عنها. ثم إن إدارة البوليس رأته مسؤولاً عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه.
ودام الاعتقال ستة أشهر، وأربعة عشر يوماً في (خان مردم بك) بدمشق، وهو مكان مخصّص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا. ومن رفاقه في السجن: الرئيس شكري القوتلي، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزارة في لبنان.
وحكم المجلس العرفي بالبراءة، وقرر المجلس طلب المكافاة للإمام
(15/ 1/37)

على ما أصابه، ولكن الإمام يقول: "لم أتشبث بهذا القرار، وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرُّعي إلى النفخ في لهب الفتنة على غير هدى".
ومن شعره في السجن:
جَرى سَمَرٌ يَوم اعْتُقِلْنا بفندُقٍ ... ضُحانا به لَيلٌ وسامِرُنا رَمْسُ
فقالَ رفيقي في شَقا الحَبْس إنّ في ال ... حضارَةِ أُنساً لا يُقاسُ به أُنْسُ
فَقُلتُ له فَضلُ البداوةِ راجِحٌ ... وحَسبُكَ أنّ البدوَ لَيسَ بهِ حَبسُ
ومن شعره في السجن -أيضاً-:
غَلَّ ذا الحبسُ يَدي عَنْ قَلَمٍ ... كانَ لا يَصْحُو عَن الطِّرسِ فَناما
أنا لوْلا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خِدْمةِ الإسلام آثرْتُ الحِماما
* جهاد الأمام في برلين:
سلْ عنهُ "برلينَ" التّي عَجِبتْ لَهُ ... والشَّيْخُ في لَهبٍ يَجيءُ ويذْهَبُ
تحت دويِّ القاذفات والمدمرات، وفي الأَتُّون المشتعل لهباً وسعيراً, في ذلك الجوّ المرعب الرهيب، وقف الرجل المؤمن الصابر، يدعو الجنود المغاربة الذين وقعوا أسرى الألمان إلى الثورة ضد فرنسا.
زجَّ الاستعمار الفرنسي مئات الآلاف من أبناء شمال إفريقيا في حرب لا تعنيهم، وساقهم إلى مذابح الحرب، ودفع بهم إلى الخطوط الأولى من المعارك التي يخوضها مع ألمانيا، ووقع في الأسر عدد كبير من الجزائريين والتونسيين خاصة، فكان الإمام يتصل بهم ويؤانسهم، ويحرّضهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن بلادهم تحتاج إليهم في هذا الموقف.
(15/ 1/38)

أقام في ألمانيا تسعة أشهر في عام 1917 م، ومرة ثانية مدة سبعة أشهر عام 1918 م مع رفقة من المجاهدين المغارية. شارك في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها، وكتب المقالات في الصحف، وألقى المحاضرات.
تعلّم اللغة الألمانية وأجادها، ودرس المجتمع الألماني، وعاداتِ الأمة وأخلاقَها، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البروفسور الألماني (هاردر) أحدِ العلماء الألمان المستشرقين، وكتب: "مشاهد برلين".
وأصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً، لتحريض المغاربة على الثورة ضد المستعمر، كما صدر الأمر المؤرخ في 15 جوان 1917 م، والذي تضمن: "حُجزت بقصد بيعها أملاكُ الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه"، ونشر الأمر في "الرائد التونسي" النسخة الفرنسية الصادرة في 20/ 6/ 1917 م.
* في الميدان الصحفي:
أصدر في تونس مجلة "السعادة العظمى" مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر في غرّة كل شهر، وفي سادس عشرة.
صدر العدد الأول في 16 محرم 1322 ه حتى العدد 21 الصادر في غرّة ذي القعدة 1322 ه، وللمجلة تاريخ حافل في ميدان الإصلاح.
- وفي القاهرة أصدر مجلة "الهداية الإسلامية" عن "جمعية الهداية الإسلامية" التي يرأسها، وصدر العدد الأول في جمادى الثانية 1347 ه على مدى ثلاثة وعشرين مجلداً.
- ترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" مجلة جامع الأزهر، وشعارها:
(15/ 1/39)

المجلة الدينية العلمية الأخلاقية التاريخية الحكمية. وهي المعروفة اليوم باسم مجلة "الأزهر"، وصدر العدد الأول في شهر (محرم 1349 ه - جوان 1930 م)، واستمر في تحريرها حتى عام 1935 م.
- ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وصدر العدد الأول في أول رمضان (1366 ه الموافق 19 يوليو 1947 م)، وحتى عام 1953 م، وانقطع عنها؛ لارتقائه مشيخة الأزهر.
وكتب في العديد من الصحف والمجلات في العالمين العربي والإسلامي.
وكَسا الصَّحافةَ وجْهَها (بسعادةٍ ... عُظمى) ففازَ معَ السِّباقِ المغربُ
* الإمام اللغوي:
من العلوم التي برع فيها الإمام محمد الخضر حسين، وصال فيها، وجال في ميادينها الواسعة: علومُ اللغة العربية وآدابها. أَحبَّ اللغة العربية؛ لأنها لغة القرآن، وخدمها خدمة المؤمن الصادق.
ومن أوائل المحاضرات اللغوية التي تحدثت عنها الأندية الأدبية: مسامرتُه حول "حياة اللغة العربية" التي ألقاها في الجمعية الصادقية بتونس في جمهور غفير من الأدباء، وأساتيذ اللغة العربية سنة 1327 ه.
وفي دمشق كان عضواً في (المجمع العلمي العربي) الذي عقد جلسته الأولى في 7/ 30/ 1919 م، وعيِّن الأمام عضواً عاملاً فيه طوال الفترة التي قضاها في سورية، ثم أصبح مراسلًا للمجمع عند انتقاله للسكنى نهائياً في القاهرة.
والمَجْمَعانِ بمصرَ أو في جِلَّقٍ ... دارانِ فُصحى وهو بينَهُما الأبُ
(15/ 1/40)

والإمام من الأعضاء المؤسسين في (مجمع فؤاد الأول للغة العربية) بالقاهرة، والذي عرف فيما بعد بمجمع اللغة العربية، تأسس بمرسوم أصدره الملك فؤاد في (14 شعبان 1351 ه - 13 كانون الأول 1932 م)، وصدر مرسوم بتعيين الإمام عضواً عاملاً فيه في 16 جمادى الثانية (1352 ه - 6 تشرين الأول 1933 م)، وساهم الإمام بكل جهد في أعمال المجمع حتى آخر حياته المباركة، وترأس لجنة اللهجات، وشارك في لجان الآداب والفنون: "المعجم الوسيط"، "الأعلام الجغرافية"، "دراسة معجم المستشرق فيشر" المتعلق بالألفاظ القرآنية، وله العديد من البحوث المنشورة في مجلة "المجمع".
وأصدرتُ له كتابين: "دراسات في العربية وتاريخها"، و"دراسات في اللغة".
ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى بحثه اللغوي القيِّم "القياس في اللغة العربية" الذي نال بموجبه عضوية هيئة كبار العلماء بالقاهرة.
* معاركه الفكرية:
قَلَمُ الإمامِ هِدايةٌ ومَعارِكٌ ... وعلى الغِوايةِ مِثْلُ نارٍ تُسْكَبُ
خاض الإمام معارك الفكر مع عدد من أصحاب الأقلام المعروفة:
- وفي المقدمة: طه حسين، الذي ردَّ عليه في كتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وردّ على بحثه "حقيقة ضمير الغائب في القرآن".
- وردَّ على علي عبد الرازق في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وعلى مقالاته "العظمة"، وعلى "ملاحظات على مقال مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -".
- وردَّ على الشيخ محمود شلتوت حول "الهجرة وشخصيات الرسول".
(15/ 1/41)

- وردَّ على محمد خلف الله في مقاله "الفن القصصي في القرآن".
- وردَّ على محمد أبو زيد الدمنهوري في كتابه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن"، وعنوان بحث الإمام "كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد".
- وله ردٌّ تحت عنوان: "كتاب يلحد في آيات الله" ردَّ فيه على كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" تأليف الطاهر حداد من تونس.
- وردُّه "تحريف آيات الحدود عن مواضعها" على مقال عبد المتعال الصعيدي.
- و"نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة" ردَّ به على أحمد أمين.
- و"ملاحظات على البحث المقدم عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى، ردَّ على الأستاذ فريد أبو حديد. وله نقد آخر لآرائه.
- و"حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها" رد على اللجنة المؤلفة من طه: حسين، وأحمد أمين، وعلي الجارم، ومحمد أبي بكر إبراهيم في (مجمع اللغة العربية بالقاهرة).
وله ردود أخرى على الشيخ رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وغيرهم.
* جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية:
أسس الإمام (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية) سنة (1342 ه، جوان 1924 م)، وسنَّ قانوناً لها، ويقول عنها: "تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات إفريقيا الشمالية، حتى يسيروا مع إخوانهم المصريين جنباً إلى جنب، يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شؤون حياتهم الاجتماعية".
(15/ 1/42)

وقد ساهمت الجمعية في نشاط ثقافي، وشكلت لجنة تنشر آداب إفريقيا الشمالية، وكانت برئاسة الإمام، ومن أعضائها الجزائريين: الدكتور محمد عبد السلام العيادي، ومحمد الرزقي.
* جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية:
من الصفحات المشرقة والمشرّفة في سيرة الإمام: دعوته لتنظيم جاليات المغرب العيلي المقيمة في القاهرة في جبهة واحدة متراصة، غايتها: الدفاع عن شعوب شمال إفريقيا: تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا.
نظر الإمام إلى حال دول شمال إفريقيا، وما آلت إليه الأمور على يد المستعمر من محاربة شرسة عنيفة للغة القرآن، ونشر ويلات الجهل والفقر، و (فَرْنسَة) المعاهد العلمية، والمؤسسات الحكومية، ونقل البلاد إلى الجنسية الفرنسية من عروبتها وإسلامها، وتحويل المساجد إلى ثكنات عسكرية. وكسرت فرنسا الأقلام الحرة، وكممّت الأفواه، ولم تعد الأذن تسمع إلا قرقعة السلاح، والدعوات إلى اعتناق الأفكار الأجنبية الخبيثة، وفي اعتقادهم أن هذا الأسلوب يقود المغرب إلى أن يصبح قطعة من فرنسا، ولم يعلموا أن القرآن حافظ للغة، وأن الإسلام سيبقى إلى اليوم المشهود.
نظر إلى هذا كله، فلم يطق صبراً، وخفقت الروح بين جنبيه، والإمام من أكثر الناس شعوراً بإرهاب فرنسا التي لاحقته من تونس إلى دمشق، وإستنبول وبرلين، ثم إلى دمشق والقاهرة، وحكمت عليه بالإعدام، وأمرت بمصادرة أمواله في تونس.
لبت الجاليات المغربية دعوته المباركة، والتفَّت حوله في مشهد رائع، واتخذت مقراً لها دار "جمعية الهداية الإسلامية"، ولم تتخذ لنفسها مكتباً مستقلاً
(15/ 1/43)

في البناء؛ حفظاً على مال الجبهة، وفي بناء الجمعية متسعٌ لكل عمل إسلامي ووطني.
عقدت الجبهة اجتماعها الأول في شهر ذي الحجة 1363 ه، وتم انتخاب الإمام رئيساً، ومثّل الجزائرَ فيها المناضلُ الكبير الفضيل الورتلاني، والأمير مختار الجزائري.
قامت الجبهة برسالتها خير قيام، وقامت بأقصى جهد للتعريف بقضايا المغرب، وعقدت المؤتمرات واللقاءات مع المسؤولين العرب والأجانب، وشرحت ما تتعرض له شعوب المغرب، وعملت على مساندة المقاومة بالقوتين المادية والمعنوية. وانضم إلى الجبهة أكثر اللاجئين السياسيين المقيمين في مصر، ونخبة من المناضلين المغارية، ومن جمعيات العلماء المسلمين الجزائريين، وحزب الشعب الجزائري.
وأطلق عليه أحد الباحثين اسم: (ابن خلدون العصر)؛ لأن في سيرة الرجلين تشابها كبيراً في مراحل حياتهما وإنتاجهما العلمي.
* عضويته في جماعة كبار العلماء:
تقدم الإمام برسالته "القياس في اللغة العربية" لعضوية جماعة كبار العلماء، وتشكلت لجنة من قساة الممتحنين، وكان العالم الفاضل الشيخُ عبدُ المجيد اللبّان رئيساً للجنة، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكُّن ما أدهش، ويهرهم بغزارة علمه، وفاض عليهم بما وهبه الله من معارف؛ حتى إن الشيخ اللبّان صاح إعجاباً قائلاً:
هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ونص القرار على أن اللجنة امتحنت الشيخ محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له.
(15/ 1/44)

وفي 29 أبريل من سنة 1951 م صدر أمر ملكي برقم 22 بتعيين الشيخ محمد الخضر حسين عضواً في جماعة كبار العلماء، وكانت هذه العضوية سبيله إلى عرض اسمه على مجلس الوزراء، عندما أراد المجلس اختيار شيخ الأزهر من كبار العلماء.
* الإمام في مشيخة الأزهر:
كان موسوعة علمية، يضرِب في جميع العلوم بسهم وافر، وقد جاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه ونفسه.
جاءته مشيخة الأزهر تسعى إليه بنفسها، دون أن يطلب هذا المركز يوماً، فهو أزهد الناس بالمناصب والألقاب.
وافته مشيخة الأزهر اعترافاً بفضله العميم، وعلمه الغزير، وسيرته النقية التي غدت مضرب الأمثال في التقوى والنضال والدعوة.
لم تكن لديه في القاهرة عشيرة تكون له سنداً، ولا حرب يدفع عنه، ولا أخ يشد أزره، ولا ولد يرفع عن كاهله عبء الحياة.
ولكن الله -سبحانه وتعالى- كان معه، ومن كان الله معه، فقد بلغ أقصى مراتب السؤدد، ولأمثاله تعقد ألوية الدعوة والإصلاح، ولأمثاله تعقد القيادات الإسلامية.
ويروي الشيخ: أنَّ أمه حينما ولدته، وكَبُرَ، قالت له: إنها كانت تربِّت عليه وهو صغير، وتقول له: إن شاء الله يا أخْضَرْ، تكبر وتروح الأزهرْ.
واستجابت السماء لدعوة الأم الطاهرة، وإذا بأصيل "طولقة"، ووليد "نفطة" يجوب العالم داعية للإسلام، وتنتهي به رحلة الإيمان إلى أن يصبح
(15/ 1/45)

إماماً وشيخاً في الجامع الأزهر. وهكذا يكرِّم الله أولياءه الصالحين في الدنيا قبل ثواب الآخرة.
الأزْهَرُ المَعْمورُ سُرَّ بِشيخِهِ ... لَمَّا اعتلاهُ من التُّقاةِ مُجرِّبُ
وفي مشيخة الأزهر قال: "إن كانت جنّة، فقد دخلتها، وإن كانت ناراً، فقد خرجت منها".
بعد اختيار الإمام شيخاً للأزهر، زاره الرئيس محمد نجيب في مكتبه بالأزهر للتهنئة، وبعد أيام على هذه الزيارة، أتاه السيد حسين الشافعي عضوُ قيادة الثورة، وأخبره أن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام -وقلّما يغضب -، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، وقال للشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم".
هنأه الشاعر الجزائري الكبير محمد العيد بقصيدة طويلة ومطلعها:
بارقٌ مِنْ بوارِق الرُّشْدِ لاحا ... جَرَّ للشَّرْقِ غِبْطَةً وفَلاحا
وفيها يقول:
وحَبا الأزْهَرَ الشريفَ رئيساً ... عَبقرياً ومُصْلِحاً مِسْماحاً
وإماماً محدِّثاً مَغْرِبيّاً ... رفعَ المغرِبَ المهيضَ جَناحا
واستقال من المشيخة في (2 جمادى الأولى 1373 ه - 8 جانفي 1954 م)، وتفرَّغ للعلم والكتابة.
* آثاره العلمية:
حدِّثْ عن نبع لا ينضُب، وفكر لا يتعَب، وقلم أوقفه صاحبه لخدمة
(15/ 1/46)

الإسلام، وآثارُه العلمية كلها طُبعت بحمد الله وعونه، وهي تزيد عن ثلاثين كتاباً.
آثارهُ تَروي لنا في طَيِّهَا ... أَنَّ الإمامَ الخِضرَ عَصْرٌ مُذْهَبُ
* مشاهد من حياته الخاصة:
أخْلاقهُ القرآنُ ترسُمُ سيْرَه ... ومكارمُ الأَخلاقِ منه تَصَبَّبُ
فإذا مَشَى فالأرضُ لا تَدْري بهِ ... وخُطاهُ تَمضْي هِينَةً لا تَضْرِبُ
أمّا على قِمَمِ المنَابرِ فارْتَقِبْ ... أَسدًا يُزمْجِرُ في العَرينِ وُيرْعِبُ
- الكتابُ رفيقه وجليسه، يضعه إلى جانبه إذا خاض في حديث، ويمسك به للمطالعة إذا خلا بنفسه.
- كان مهداءً لكتبه، يقدمها إلى كل زائر، ويبعث بها إلى معارفه من الشيوخ والعلماء في المعاهد الدينية، ولم يستفد مالاً من عائداتها، لقد وجدْتُ كتبه المهداة في كل بلد عربي زرته.
- لم يكن يتقاضى من (جمعية الهداية الإسلامية) بصفته رئيساً لها، أو من مجلة "الهداية الإسلامية" بصفته رئيساً لتحريرها، ولا عن محاضراته في الجمعية أيَّ أجر - وهذا مبلغ علمي.
- كان مشّاءً يحب السير على قدميه، فينتقل من سكناه في حي السيدة زينب إلى دار الجمعية في شارع مجلس النواب بالقاهرة ماشياً.
- سكناه بسيطة، يتجلى فيها زهدُ الإمام وورعه، شقة بالكراء من غرفتين، وفسحة بينهما، وفرش متواضع، لذا نراه يستقبل كبار زوّارِه في دار (جمعية الهداية) لا لسبب إلا لضيق داره.
(15/ 1/47)

- وذكرت لي زوجته: أن الحبيب بورقيبة عندما لجأ إلى تونس، نام ليلته الأولى في مطبخ دار الشيخ، حتى هيأ له غرفة في اليوم التالي لدى إحدى الجمعيات.
- فُطوره قطعة من الخبز، وكوب من الحليب، ووجباته لا تتعدى لقيمات من لون واحد من الطعام.
- يغتسل بالماء البارد طوال السنة، وهي عادة اتخذها منذ أن كان في "برلين".
- راتبه الضئيل لم يتجاوز ثلانين جنيهاً، يقتطع نصفه لمعاشه، والنصف الآخر يرسله مجزّأً إلى أقاربه في دمشق وتونس مساعدة لهم.
- لم يقتن سيارة في حياته، ولم يمتلك عقاراً، وعند وفاته لم يترك إلا مكتبته التي أهداها إلى دار الكتب المصرية، وآثاره العلمية التي ينتفع بها الناس.
* مذكرات الإمام:
وضع مذكراته في ثلاث مجلدات تحت عنوان: "مراحل الحياة"، وتهافتت عليه المجلات المصرية، وكاد الاتفاق أن يتم مع جريدة "المصري" إلا أن الإمام قال:
"استخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكّي نفسي، وليستفد من شاء بما شاء من كتاباتي"، ومزّقها.
وتحت يدي بعض منها.
(15/ 1/48)

* انتقاله إلى الرفيق الأعلى:
ولما أحبَّ الإمامُ لقاءَ الله، أحبَّ البه لقاءه. انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد ظهر يوم الأحد (13 رجب 1377 ه، الموافق 2 فيفري 1958 م)، ودفن إلى جوار صديقه المرحوم أحمد تيمور باشا جانب مسجد الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بالقاهرة.
رحم الله الإمام، وأنزله منزل الأنبياء والصدّيقين، والشهداء والأبرار والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
وختاماً: حيّاكم الله وبيّاكم يا شعبَ الجزائر المظفرَّة، يا أهل ووالي بسكرة، يا رئيس وأعضاء الجمعية الخلدونية المزهرة، ملتقاكم مفخرة المفخرة:
القَوْلُ لا يوفي الجزائرَ حَقَّها ... والشِّعْرُ يَعْجِزُ واللِّسانُ مُجَلْبَبُ
حيِّ الجزائرَ والعُلا تاريخُها ... يا أَطْهَرَ الأَرَضِينَ عَيْشُكِ مُخْصِبُ
وُاذكُرْ بِسِكْرَةَ وانتَخِبْ جَمْعِيَّةً ... هيَ لابْنِ خَلْدونَ المؤرِّخِ تَقْرُبُ
وقبل ختم الكلمة، أتمنى على الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة، أن تضع في برنامجها المستقبل ثلاثة من عظماء الأمة:
الحسن بن عزّوز، ومحمد المكي بن عزّوز، والفضيل الورتلاني.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 1/49)

محاضرات الملتقى

الإمام الشيخ محمد الخضر حسين ومنهجه في التراجم
الدكتور عمار الطالبي
نعتمد في بيان منهج الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (1874 ه - 1958 م) على كتابه "تراجم الرجال" (1)، وإن كان المؤلف كتب تراجم أخرى، منها: "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، كما كتب تراجم نشرها ضمن كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
هذه التراجم التي ضمّها كتاب "تراجم الرجال" كتبها في مجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام، بالقاهرة، كما ألقى بعضها في صورة محاضرات في بعض النوادي الإسلامية بالقاهرة -أيضاً-، ورتبّها جامعها تبعاً للتسلسل التاريخي لولادة المترجَم لهم، وعددهم أربعة عشر علماً: اثنان من الخلفاء، وهما: عثمان بن عفان، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - واثنان من القادة، وهما: موسى بن نصير، وصقر قريش عبدُ الرحمن الداخل، وإن كان منازعاً للخلافة العباسية، فأنشأ أخرى أموية بالأندلس، وواحد من الفقهاء المجتهدين من أصحاب المذاهب الفقهية، وهو: الإمام مالك بن أنس، وثلاثة أئمة من أئمة آل البيت، وهم: علي زين العابدين، وابناه: محمد الباقر، وزيد، وواحد
__________
(1) جمع هذه التراجم ونشرها علي الرضا الحسيني سنة (1392 ه - 1972 م) بتوجيه من والده الشيخ زين العابدين الحسين التونسي.
(15/ 1/50)

من المحدّثين، وهو: أبو داود صاحب "السنن" المشهورة، وواحد من أصحاب المذاهب الاعتقادية، وهو: الإمام أبو الحسن الأشعري، وواحد من الأدباء الشعراء، وهو: القاضي أبو الحسن الجرجاني، وواحد من الصوفية الفقهاء معاً، وهو: الإمام الغزالي، وآخر من كبار فقهاء المالكية، وهو: أبو بكر بن العربي الأندلسي.
وختم هذا الكتاب بترجمة لصديقه الحميم أحدِ كبار المثقفين المصريين، وهو: أحمد تيمور باشا، وترجمته له عبارة عن تابينه له، وصَف فيه خصاله الحميدة، وفضله، وعلمه، وصداقته التي اعتز بها، وأثرت في نفسه أيما تأثير.
ونريد أن نشير إلى منهجه في هذه التراجم، وإلى غايته منها:
* الغاية والمقصد:
يرمي من هذه التراجم إلى: تعريف الشباب المسلم بعظمة الرجال الذين يترجم لهم، قال في خاتمة ترجمة علي زين العابدين: "هذه صحيفة من سيرة رجل من عظماء آل البيت، نعرضها على حضراتكم، وسيرة العظماء عظة وأسوة لأولي الألباب" (1).
وبيّن غرضه -أيضاً- من سيرة محمد الباقر قائلاً: "وفي سيرة العظماء عبرة لمن يريد أن يكون عظيماً في علمه، أو في شرفه، وسمو همته أو في المسارعة إلى عمل الخير ما استطاع" (2).
__________
(1) "تراجم الرجال" (ص 28).
(2) المصدر نفسه (ص 29).
(15/ 1/51)

واتجه إلى الشباب في ترجمته للخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -:
"إن من الأسباب التي جعلت كثيراً من شبابنا يُسرفون في إكبار رجال أوربا، ولا يرفعون رؤوسهم فخراً بعظماء الشرق: أنهم لم يدرسوا تاريخ علمائنا بعناية ورويَّة وإنصاف" (1).
وأن هذا السبب هو الذي "دعا رجال (جمعية الهداية الإسلامية) إلى أن توجه همتها إلى إلقاء محاضرات في إحياء ذكر رجال نبغوا في العلم، أو برعوا في السياسة، أو كانوا مُثُلاً كاملة في الأخلاق، والآداب" (2).
وأشار إلى تطور الجانب السياسي بتعاقب الخلفاء، والانتقال من عهد الخلافة الراشدة إلى المُلْك العَضوض (3).
فالخلفاء الراشدون قامت دولتهم على العدل في السياسة، وإيثار الحق، ثم جاء بعدهم خلفاء فقدت معهم الخلافة شيئاً مما كانت تعهده في أولئك، وشعر الناس بالفرق الواضح بين العهدين، وما زالت تلك الأساليب تتزايد حتى كادت تذهب بمعظم ما جاء في الإسلام "من عدل وحرية ومساواة" (4)، وجاء فتى هو عمر بن عبد العزيز، في العهد الذي صارت فيه الخلافة إلى ملك عَضوض؛ ليقيم شريعة، ويبسط العدل والأمن، ويرفع راية العلم، ومقام العلماء، فكان يستشير مجلساً من العلماء والخبراء؛ ليدلوا على الظلم إذا
__________
(1) المصدر نفسه (ص 35).
(2) المصدر نفسه (ص 36).
(3) المُلْك العضوض: فيه عسف وظلم.
(4) المصدر نفسه (ص 36).
(15/ 1/52)

وقع من عماله، ويبدي رأيه في هذا: "وكذلك يكون حال من يتقلد الولاية وليس صالحاً، أما من يتقلدها للمباهاة، واتباع الشهوات، وطول الباع في اضطهاد الضعفاء، فلا يرتاح له بال إلا أن يضع على أفواه دعاة الإصلاح كمائم، أو ينفيهم من الأرض" (1).
ولما قدّموا إليه مراكب الخلافة من الخيل والبراذين، قال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة، فقال: "دابتي أوفقُ لي، فركب بغلته، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، مالي ولك؟! إنما أنا رجل من المسلمين" (2).
وعلّق الشيخ الخضر على هذا: بأن الخليفة عمر بن عبد العزيز لم يكن حريصاً على الولاية، وهذا "يعين الرجل على السير فيها باستقامة دون أن يخشى سخط شخص، أو رهط من الناس، وإن بلغوا منتهى الوجاهة، أو عرفوا من وسائل الكيد ما لم يعرفه أحد من قبل" (3).
كما علَّق على ردِّ المظالم الذي قام به الخليفة، ونقض بعض ما كان يفعله غيره من الخلفاء: "أما ما يفعلونه استبداداً وعدواناً، فهذا ما يجب على من أتى بعدهم أن ينظر في شأنه، ويردّه عليهم بكل قوة، وكذلك فعل عمر ابن عبد العزيز" (4).
__________
(1) المصدر نفسه (ص 38).
(2) المصدر نفسه (ص 39).
(3) المصدر نفسه (ص 40).
(4) المصدر نفسه (ص 41).
(15/ 1/53)

وسوّى العطاء بين بني أمية وغيرهم؛ إدراكاً منه لقيمة المساواة في الإسلام.
وأشار إلى أن السياسة الحكيمة لا تولي عملاً لظالم غشوم؛ لأن من "اعتاد على الظلم لا يصلح للعمل في دولة العدل" (1)، ولذلك كان عمر بن عبد العزيز لا يستعمل من كان عاملاً لنحو الحجاج (2).
وعدَّ من فضائل عمر بن عبد العزيز: نشره للعلم؛ إذ أرسل عشرة من التابعين؛ ليعلموا البربر بالمغرب القرآن والفقه والدين (3).
وكد الشيخ هذا التعليم ووجوبه في عهده "وكذلك يجب على كل حكومة إسلامية أن تُعنى بعلوم الدين، وتعطيها حقّها من التعليم، والآباء الذين يستطيعون الوسيلة إلى أن يكون أبناؤهم على تربية دينية صادقة، ولم يفعلوا، إنما يحاربون الله في أرضه، ويكثرون سواد الأرواح الخبيثة" (4).
كما أكد ضرورة العدل في سياسة الأمة، وعرّف الحاكم العادل بأنه "هو الذي يستوي في نظره القوي والضعيف، والقريب والبعيد، ولا يستقيم أمر أمة حتى يكون القابض على زمامه فعّالاً لما يراه الحق، ولا يكون لأولي القربى أثر في نفسه، إلا أن يهيئ لهم عزماً صارماً يكف بأسهم، ويعلمهم كيف يحترمون حقوق غيرهم، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز" (5).
__________
(1) المصدر نفسه (ص 41).
(2) المصدر نفسه (ص 41).
(3) المصدر نفسه (ص 41).
(4) المصدر نفسه (ص 42).
(5) المصدر نفسه (ص 42).
(15/ 1/54)

وللعلماء عند عمر بن عبد العزيز مقام رفيع، لذلك أعانهم على الاحتفاظ بكرامتهم، وعلّق الشيخ محمد الخضر على هذا بأنه "لا تحيا أمة أو ترقى في سماء المجد إلا أن يكون فيها علماء مخلصون محترمون" (1).
فأنت تراه قد وظّف هذه التراجم لبثِّ دعوته الإصلاحية في الأخلاق والدين، والسياسة والمعرفة؛ لعل الناس -وخاصة الشباب والحكام- أن يكون لهم هؤلاء الأعلام قدوة ومثلاً أعلى، ولذلك ختم ترجمته للخليفة عمر بن عبد العزيز بما يدل على ذلك: "هذه محادثة أخذنا فيها بطرف من سيرة رجل من أعظم رجال الإسلام، عسى أن يكون موضع قدوة لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وأراد أن يكون له لسان صدق في الآخرين" (2).
كما ختم الإمام مالك بقوله: "هذه صفحة من حياته، نعرضها على حضراتكم، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب" (3).
كما عقّب على عرضه لسيرة الإمام أبي الحسن الأشعري: "فإذا عرضنا عليك صحيفة من حياة أبي الحسن الأشعري، فإنما نعرض عليك شيئاً من سيرة رجل كان له في إصلاح النفوس وتقويم العقول جهادٌ وأيُّ جهاد" (4).
وفي ترجمته للعلامة أحمد تيمور باشا أكَّد غرضه هذا: "وإنما هي كلمة أصف بها جانباً من خصاله الحميدة؛ عسى أن يكون في إلقائها تذكرةٌ
__________
(1) المصدر نفسه (ص 44).
(2) المصدر نفسه (ص 48).
(3) المصدر نفسه (ص 61).
(4) المصدر نفسه (ص 83).
(15/ 1/55)

لطلاب الفضيلة من أبنائنا الناهضين" (1).
* منهجه في التراجم:
بيَّن طريقته في ترجمة الإمام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بأنه "نعول في هذا على أقوال المحدثين، والمحققين من المؤرخين (2) "، وميَّز بين المحدّثين في روايتهم، والمؤرخين: "ولكن حفّاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون أشد الإنكار" (3)، وهو يعتمد في هذا على أبي بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم"، فرَّد كل التهم التي وجهها الثائرون على الإمام عثمان، على طريقة أهل الحديث في توثيق أخبار الفتنة، وعددها ثلاث عشرة تهمة، استعرضها كلها، وردّها واحدة تلو الأخرى، اعتمد في ذلك أكثر ما اعتمد على كتاب "العواصم من القواصم" كما قلنا.
ولخص محاضرته في المجال بأن "عثمان - رضي الله عنه - لم يأت حدثاً منكراً، ولم يرتكب ظلماً ولا إثماً، وأن الصحابة جميعاً بريئون من دمه، وإنما حاول خلعه، أو خان الله في سفك دمه نفرٌ ليسوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من القوم الذين يريدون الإصلاح" (4).
وألحَّ في غرضه من تربية الشباب المسلم بالتثبُّت في الأخبار، وأن لا يأخذوا بكل ما يجدونه في كتب بعض المؤرخين: "ولعل في محاضرتنا
__________
(1) المصدر نفسه (ص 108).
(2) المصدر نفسه (ص 12).
(3) المصدر نفسه (ص 16).
(4) المصدر نفسه (ص 19).
(15/ 1/56)

هذه تنبيهَ شبابنا النابتين نباتاً حسناً على أن يتثبتوا فيما يقصه المؤرخون عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولاسيما الذين صاحبوه أعواماً، ووردت الأخبار الصحيحة أنه توفي وهو عنهم راض" (1).
وأنتم تعلمون أن خطوات الترجمة عند القدماء تتمثل في الخطوات الآتية:
- اسم المترجَم له، ونسبه، ولقبه، وكنيته.
- مولده، أو إثبات عمره.
- نشأته، ودراسته، وشيوخه.
- مؤلفاته، وتلاميذه.
- مكانته العلمية، وآراء العلماء فيه.
- وفاته.
وتتوقف الترجمة على شخصية المترجَم له من كونه سياسياً، أو فقهياً، أو محدّثاً.
وسلك الشيخ محمد الخضر في ذلك مسلكاً دقيقاً، وصاغَ التراجم صياغة أدبية واضحة، مع إبداء آرائه الشخصية، ونقد لما لا يراه صحيحاً.
وكان القدماء يبنون التراجم على طبقات، والطبقة: وحدة زمنية، تتمثل في العقد؛ أي: عشر سنوات، وترتب حسب السنوات، سواء في ذلك الحوادث التاريخية، أو التراجم؛ كما فعل الذهبي في كتابه: "تاريخ الإسلام" كتب فيه الحوادث والتراجم ابتداء من السنة الأولى للهجرة، إلى العصر الذي عاش فيه، وهو القرن السابع الهجري، وسلك مسلك المحدّثين -أيضاً- في نقد
__________
(1) المصدر نفسه (ص 19).
(15/ 1/57)

رجال الحديث والتاريخ، وكتب كتاب: "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" كما نقد المصادر والموارد التاريخية والحديثية.
وكما فعل ابن الجوزي في كتابه: "المنتظم" الذي يذكر فيه الحوادث التاريخية، ثم يعقبها بالتراجم.
ومنهج المحدثين يتشدد في رواية الأحداث الخطيرة؛ كالفتن التي تحيط بها الأهواء والعصبيات، فيحتاط في نقد المصادر المتعلقة بها، وكذلك الروايات التي لها صلة بالعقائد، أو الفتن التي وقعت في عهد الصحابة، فيطبقون قواعد نقد الحديث ورواته.
وجاء الغربيون بعد ذلك، ووضعوا منهجاً نقدياً للتاريخ، لا يبعد كثيراً عن مناهج المحدثين النقدية، كما بيّن ذلك أسد رستم في "مصطلح التاريخ".
ولا تقتصر التراجم على رجال الحديث، وإنما تشمل غيرهم؛ كالفقهاء، والشعراء، والملوك، والقضاة، وترتب على حسب الطبقات، أو حروف المعجم.
ومنهج المحدثين النقدي أدى إلى نمو نقد المصادر، وبيان مدى ثقة الناقلين وإتقانهم لما ينقلون من روايات وأخبار، فتقبل روايات الرواة ذوي الضبط والإتقان، وتأثر المؤرخون والأدباء بهذه الطريقة في الرواية وسندها، ولكنهم لم يتشددوا في رواية التاريخ تشدُّدَهم في رواية الحديث؛ لما يترتب عليه من أحكام شرعية.
وقد بلغت تراجم الذهبي (1040) ترجمة في كتابه "تاريخ الإسلام"، وكان الأوزاعي يقول: "إنا كنا لنستمع الحديث، فنعرضه على أصحابه كما
(15/ 1/58)

نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا، أخذنا، وما أنكروا، تركنا" (1).
ويمتاز الشيخ محمد الخضر بأنه يعنون للأفكار التي يريد تبليغها، ورؤوس الموضوعات التي يعالجها، وهو منهج تربوي إصلاحي سلكه ابن باديس في تراجمه، وفي تفسيره للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.
- ملاحظات:
1 - من قراءة هذه التراجم ندرك جوانب من حياة الشيخ العلمية، وتكوينه العقلي، فهو متأثر بابي بكر بن العربي غاية التأثر، فغيَّر من اتجاهه العلمي جذرياً:
"ولأبي بكر هذا فضل في انصرافي عن دراسة علوم الدين دراسة تقليد ومتابعة، شأن من لا يزيد في التفقه على قراءة "مختصر خليل"، وشروحه، وحواشيه، ذلك أني اتصلت بمكتبة خالي وأستاذي المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزّوز، واستعرت منها كتاب "العارضة" (2)، وكتاب "القبس"، وجزءاً من "ترتيب المسالك" (3)، ثم اتصلت بمكتبة صديقي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشورِ شيخ الإسلام المالكي بتونس هذا العهد، واستعرت منها كتاب: الأحكام "أحكام القرآن"، وكتاب "العواصم من القواصم"، فأعجبت بطريقة المؤلف في التأليف، ووجدتها التي تنهض بالفكر حتى يكون
__________
(1) ابن عساكر، تاريخ دمشق ج 10، ق 346 في ترجمة عبد الرحمن الأوزاعي.
(2) هو "عارضة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي".
(3) يقصد: "المسالك في شرح موطأ مالك" طالع جزءاً منه في إحدى مكتبات الجزائر كما علق في هامش للترجمة.
(15/ 1/59)

مثمراً، بل الطريقة التي تحبب إلى ذوي الفطرة السليمة دراسةَ العلوم الدينية، والواقع أن هذه الكتب كانت أول ما أخذني إلى النظر في علوم الشريعة بتلهف، بعد أن كنت قد انقطعت إلى علوم اللغة وآدابها" (1).
فصلتهُ بخاله محمد المكي بن عزوز -علامةِ هذه المنطقة، المعروفِ في العالم الإسلامي في ذلك العهد- ذاتُ أهمية بالغة، ونسخته من "العواصم من القواصم" موجودة بدار الكتب المصرية، وعليها خطه، وقد اعتمدت عليها في تحقيق "العواصم من القواصم"، مع غيرها من النسخ، وكذلك صلته بصديقه الحميم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان يزوره بدمشق عندما كان مقيماً بها، وقبل أن يستقر بمصر، كما كان يزوره بها، فهذا التحول في اتجاهه الفكري والعلمي في غاية الأهمية في حياته وتطورها، وأشار إلى أنه تولى القضاء ببنزرت بتونس مدة مشة وأربعة أشهر، ولكنه فضل إلى أن يعود للزيتونة للتدريس بها، والاشتغال بالتعليم، معرِضاً عن منصب القضاء (2).
2 - ترجمته لعدد من أئمة آل البيت يدل على سعة أفقه، والبعد عن التعصب لأهل السنّة، وعندما ترجم للإمام زيد بن علي، وصفه بأنه مات شهيداً، وقال: "نحن نوافق الزيدية في الاعتقاد بفضل زيد وعلمه وجلالة قدره" (3).
وأشاد بالباقر، وزيد، ووصف كل واحد منهما بأنه: "كان عظيماً في
__________
(1) المصدر نفسه (ص 106).
(2) المصدر نفسه (ص 104).
(3) المصدر نفسه (ص 134).
(15/ 1/60)

علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه" (1).
واحترم ثورة الإمام زيد، ومخاطرته وصراحته، وإنكاره الفساد. قال فيه: "كان يطمح إلى أن يكون له سلطان يبتغيه وسيلةً إلى إصلاح حال الأمة، وإعادة ما ضاع على أيدي بعض أمراء بني أمية من العدل" (2). "ولا ننكر على زيد مخاطرته في سبيل الإصلاح إذا أخذ بالعزيمة" (3).
وامتدح الشيخ نقده للخليفة هشام بن عبد الملك، ووصفه بأنه: "كان من كبار المحدثين" (4)، وأنه: "كان فقيهاً مجتهداً" (5)، وهذا يعد تقريباً بين الشيعة وأهل السنّة، سبق إليه الذين يعملون للتقريب اليوم.
انتقد الباطنية، والبابية، كما انتقد بعض المعتزلة الذين يرى أنهم انحرفوا تأثراً بالفلسفة، وتعسفوا في تأويل بعض النصوص (6).
وأشاد بالأشعري، الذي رأى أنه عبّر عن مذهب أهل السنة، وأنه على مذهب السلف، وما كان عليه الأئمة، ودافع عن الأشعري ضد خصومه، ولكنه لم يطلع إلا على كتابه: "الإبانة" الذي قرر فيه عقيدة السلف.
وأشاد بالجرجاني أبي الحسن، الذي جمع بين النثر والشعر والذوق الرفيع في نقده الأدبي، متأثراً بعبد القاهر الجرجاني، فجمع بين نثر الجاحظ،
__________
(1) المصدر نفسه (ص 34).
(2) المصدر نفسه (ص 34).
(3) المصدر نفسه (ص 34).
(4) المصدر نفسه (ص 32).
(5) المصدر نفسه (ص 32).
(6) المصدر نفسه (ص 82 - 83).
(15/ 1/61)

ونظم البحتري، وكتابه: "الوساطة بين المتنبي وخصومه" كان فيه مع ميزان العدل في النقد، ولم يتابع فيه الصاحبَ بنَ عباد.
كما دافع عن الغزالي في كتابه "الإحياء" ضد خصومه أيما دفاع.
واعتز بشخصية أحمد تيمور باشا، ويصداقته، وعلمه وتواضعه، واعتزازه بالعربية، وبالتاريخ الهجري الذي لا يكتب غيره في مراسلاته، حتى إذا كاتب الشركات الأجنبية، ولا يقبل أي طعن في الإسلام.
وبدأت علاقة الشيخ محمد الخضر به سنة (1340 ه - 1922 م)، ولم يذكر تاريخ وفاته في هذه الترجمة أو التأبين، ولا تاربخ ولادته، وهو ولُد سنة 1288 ه، وتوفي سنة 1348 ه (1871 - 1930)، ومعنى هذا: أنه دامت صداقتهما ثمانية أعوام.
وكان أحمد تيمور قد صحب الشيخ طاهر الجزائري، وأخذ عن محمد عبده، وخزانته تضم ثلاثة عشر ألف مجلد، نصفها مخطوط (1).
3 - تشتمل هذه التراجم على نموذج من شعر الشيخ محمد الخضر حسين، تدل على قيمة جمالية واضحة، ويتمثل هذا النموذج في قطعتين:
الأولى: في قصة عبد الرحمن الداخل (2) مع الشاعر أبي المخشِيّ، نظم هذه القصة في موشح رائع مطلعه:
خلّ نفسَ الحرِّ تَصْلى النُّوَبا ... لا تُبالي
__________
(1) عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، مؤسسة الرسالة بيروت، 1414 ه / 1993 م، ج 1، (ص 105).
(2) ديوان "خواطر الحياة".
(15/ 1/62)

ليستِ الأخْطارُ إلا سبَبَا ... لِلْمَعالي
وهي قطعة تستحق دراسة أدبية لسانية خاصة، وتقع في 112 بيتاً.
وأما القطعة الثانية، فنظمها عندما أنهى كتابه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين في خمسة أبيات على لسان القلم، وأهداها إلى أحمد تيمور باشا مع الكتاب، ومطلعها:
سفكَتْ دمي في الطِّرْسِ أنملُ كاتبٍ ... وطوتنِيَ المبراةُ إلّا ما ترى (1)
* مصادر التراجم:
موارد الشيخ محمد الخضر حسين في تراجمه متعددة، يأتي في مقدمتها "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي، اتخذ منهجه في الدفاع عن العثمانية، وفي معالجة مشكلة الفتنة الكبرى (2)، على طريقة المحدثين التي لا تتفق مع روايات كثير من المؤرخين، يقول: "لكن حفاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون" (3).
أما ما نقله عن المؤرخين، فإنه لا يسميهم، ولا يذكر مؤلفاتهم -غالباً-, ويقتصر على عبارة: "يذكر المؤرخون" (4).
ومن مصادره: "صحيح البخاري" (5)، في مسألة: حماية الأرض، وغياب
__________
(1) المصدر نفسه في هامش (ص 113).
(2) المصدر نفسه (ص 12، 16، 81، 90، 91، 97).
(3) المصدر نفسه (ص 16).
(4) المصدر نفسه (ص 13، 17، 18، 20).
(5) المصدر نفسه (ص 18، 19).
(15/ 1/63)

الإمام عثمان عن بعض الغزوات.
ونقل عن الحافظ ابن عبد البر، من كتابه: "الاستيعاب" (1)، ورجع إلى "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وسماه: "تاريخ ابن خلكان" (2)، وابن قتيبة في كتاب: "المعارف" (3)، و"سيرة محمد بن إسحاق"، وكتاب الزمخشري: "ربيع الأبرار" (4).
ويذكر أحياناً مصادر غير واضحة؛ مثل: "صاحب الإرشاد" (5)، أو: "قال صاحب القاموس" (6)، أو "كتب الأدب والتاريخ" (7).
ويورد أحاديث لا يخرجها غالبا بذكر مصادرها الحديثية (8).
ومن مصادره: كتاب أبي بكر بن الخطيب في الرواة (9)، ويرجح أحياناً بعض الروايات (10) على بعض، ورجع إلى كتاب "المدارك" للقاضي عياض (11)،
__________
(1) المصدر نفسه (ص 15).
(2) المصدر نفسه (ص 15).
(3) المصدر نفسه (ص 22).
(4) المصدر نفسه (ص 24).
(5) المصدر نفسه (ص 29).
(6) المصدر نفسه (ص 30).
(7) المصدر نفسه (ص 44).
(8) انظر تخريجه للحديث: (ص 53).
(9) المصدر نفسه (ص 58).
(10) المصدر نفسه (ص 58).
(11) المصدر نفسه (ص 85، 89، 103).
(15/ 1/64)

و"معالم السنن" لأبي سليمان الخطابي، وهو شرح لسنن أبي داود (1)، وتكلم على منحى البخاري ومسلم في مدونتيهما في الحديث في أثناء كلامه عن سنن أبي داود (2)، ونقل من "المنقذ من الضلال" للغزالي (3)، وابن السبكي في "طبقات الشافعية" (4)، وابن الجوزي في كتابه "شذور العقود" (5)، ورجع إلى "الإبانة" للأشعري (6)، وبعض "رسائل الصاحب بن عباد" (7)، و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" لأبي الحسن الجرجاني (8)، و"زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري" لأبي العباس أحمد القرطبي (9)، و"عقيدة المطلبي" لأبي عبد الله الجويني (10)، وكتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (11)، و"قانون التأويل" لأبي بكر بن العربي (12)، وكتاب "الإحياء" للغزالي (13)، و"المغني عن
__________
(1) المصدر نفسه (ص 78).
(2) المصدر نفسه (ص 78).
(3) المصدر نفسه (ص 83).
(4) المصدر نفسه (ص 85، 90).
(5) المصدر نفسه (ص 58).
(6) المصدر نفسه (ص 58).
(7) المصدر نفسه (ص 92، 94).
(8) المصدر نفسه (ص 94).
(9) المصدر نفسه (ص 89).
(10) المصدر نفسه (ص 88).
(11) المصدر نفسه (ص 97).
(12) المصدر نفسه (ص 97، 101، 104، 106).
(13) المصدر نفسه (ص 68).
(15/ 1/65)

حمل الأسفار" لزين العابدين عبد الرحيم العراقي (1)، و"مقدمة ابن خلدون" (2)، و"ترتيب المسالك" لأبي بكر بن العربي (3)، و"مقالات الآثار النبوية" لأحمد تيمور باشا، التي حررها في مجلة "الهداية الإسلامية" (4).
ويبدو أنه اطلع على ما ذكره من مؤلفات أحمد تيمور، ومقالاته في " المؤيد"، "والهلال"، و "المقتطف"، و"المقتبس"، ومجلة "الزهراء"، و "الفتح"، ومجلة "المجمع العلمي بدمشق"، فضلاً عن مقالاته في مجلة "الهداية الإسلامية"، التي أنشأها الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله-، ولعل دفنه بالمقبرة التيمورية له صلة بصداقته لأحمد تيمور باشا، ولنجليه الماجدين (5)، على حد وصفه لهما.
__________
(1) المصدر نفسه (ص 99).
(2) المصدر نفسه (ص 105).
(3) المصدر نفسه (ص 106).
(4) المصدر نفسه (ص 112).
(5) المصدر نفسه (ص 114).
(15/ 1/66)

محاضرات الملتقى

الإمام العلامة محمد الخضر حسين شاعرا ً
للدكتور كمال عجالي (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على. سيدنا محمد، وآله وسلم تسليماً.
عاش محمد الخضر حسين في أسرة وفي عائلة مفعمة بحب الأدب
__________
(1) قدمه رئيس الجلسة بقوله: "الأستاذ كمال عجالي غني عن التعريف، هو أحد الأسماء الباقية معنا هنا، لم ترحل لحسن الحظ، لم تهاجر، بقيت تضيء من حولنا. هو قاموس متكامل حقيقة بالأدب. في وقت فقدت فيه الكلمات مفرداتها، فهو الأستاذ والكاتب والباحث والمحقق، لا بأس أن أقدمه كأكاديمي في بعض الومضات، مقحصل على دكتوراه الدولة في الأدب الجزائري الحديث حول أدب الشيخ الطيب العقبي، متحصل -أيضاً- على شهادة الماجستير حول أدب الشيخ أبي بكر مصطفى بن رحمون، بالإضافة إلى شهادة الليسانس في الحقوق. ومن مؤلفاته: أبو بكر مصطفى بن رحمون حياته وشعره - الفكر الإصلاحي في الجزائر الشيخ العقبي - بين الأصالة والتجديد - الشيخ الطيب العقبي مواقف وآراء - محمد ابن عزوز البرجي وكتابه "قواطع المريد" - ديوان شعر حدث "وإرهاص. وللأستاذ كمال العجالي كتب أخرى تحت الطبع، نذكر منها: آثار الشيخ الطيب العقبي- ديوان أبي بكر مصطفى بن رحمون، ومن أعلام الجزائر. وهو يشتغل الآن -والحمد لله- أستاذاً في التعليم العالي في كلية الآداب بجامعة "باتنة".
(15/ 1/67)

والشعر، والثقافة العربية والإسلامية، فلا غرابة أن يقرض الشعر، ويكتب مبكراً من سني عمره.
ثم انصرف عنه إلى طلب العلم، ومزيدٍ من التحصيل المعرفي، ولم يعد ينظم الشعر إلا لدواعي الضرورة القصوى، فهو لم يقل الشعر إلا لتهنئة صديق، أو تذكيره بما يربط بينهما من الصلات، أو لرصد ناحية خلقية أو اجتماعية مشاركة منه في إصلاح المجتمع الإسلامي وتهذيبه، ولكن ذلك كله لم يمنعه من أن يقول شعراً كثيراً، وخاصة في السنوات الأخيرة من حياته.
وأكثر شعره جاء في موضوعات متفرقة؛ كوصف منظر، أو رصد موقف، أو تسجيل حكمة، أو التقاط مفارقة، أو تأمل في تجارب الحياة وأخلاق الناس.
يقول في رصد منظر الغروب وتصوير الشفق:
هذا الدُّجى اغْتالَ النَّهارَ ودَسَّهُ ... تحتَ التُرابِ مُضرَّجاً بدمائهِ (1)
ما حُمْرَةُ الشَّفَقِ التي تَبْدو سِوى ... لَطْخٍ مِنَ الدَّمِ طارَ نحو رِدائهِ (2)
لقد كان الشيخ الحسين مجبولاً على حب الحرية، والعرة النفسية العالية، وقلما سنحت له الفرصة، وكثيراً ما كان يفعل ذلك، إلا ونبّه الأمة إلى الأخذ بأسباب التقدم والازدهار، والعمل على الانعتاق من ربقة الاستعمار.
__________
(1) الدجى: الظلمة.
(2) الشفق: الحمرة في الأفق من الغروب الى العشاء الآخرة، أو الى قريب العتمة.
اللطخ: اليسير القليل من كل شيء.
(15/ 1/68)

يقول في موقف، وهو على فراش المرض بعد أبيات كلها تصبر وثبات على المكاره:
أَطَلَّ عَلَيَّ الموتُ من خَلَلِ الضَّنا ... فآنَسْتُ وجْهَ الموْتِ غيرَ كئيبِ (1)
ولوْ جسَّ أَحشائي لخِلْتُ بَنانَهُ ... وإنْ هالَ أقْواماً بنانَ طبيبِ
فلا كانَ مِنْ عَيْشٍ أرى فيه أُمَّتي ... تُساسُ بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ (2)

كما كان الشيخ ودوداً، صائناً للعشرة، محافظاً على الصداقة، مراعياً لآداب الأخوة، ما لم تمس كرامته، أو يطعن في ذمته، لذلك نجده يقول في متفرقاته:
خَلُّوا عِداتي يَمْلَؤونَ بخَيْلِهمْ ... وبِرَجْلِهمْ أَكَمَ الثَّرى ووِهادَهُ (3)
لا هَمَّ في الدُّنْيا إذا ظفَرتْ يَدي ... بأخٍ عَشِقْتُ ذَكَاءَه ورَشادَهُ
أصْفو لهُ أمدَ الحياةِ وإنْ رَمى ... سَمْعي بقَوْلٍ خادِشٍ ما اعْتادَهُ
لستُ المُقاطِعَ إنْ جَفا خِلٌّ ولَمْ ... يَكُ قَطْعُ رابطةِ الوِدادِ مُرادَهُ

إن متفرقات الشيخ الخضر كثيرة ومتنوعة ومتداخلة، لا يكاد يحصيها الباحث عدّاً، وعليه: فشعره أغلبه من المقطوعات الشعرية التي تحوي البيتين، أو الثلاثة، أو الستة أبيات. ولا يتجاوز عدد قصائده الطويلة سبعين قصيدة؛ فقد كان الرجل قصير النفس في جلِّ أشعاره، إلا فيما يتصل ببعض المواضيع
__________
(1) الضنا: المرض والهزال، سوء الحال.
(2) ساس الأمة: قام بها. الغاشم: الظالم والغاصب. الغريب: المستعمر إطلاقاً.
(3) العداة: واحده العادي، وهو العدو. الأكم: جمع أكمة: التل.
(15/ 1/69)

الهامة التي يبدو أنها كانت توافق مزاجه؛ مثل: تمجيد العرب والإسلام، وتهئة الأصدقاء، ورثاء الأقارب.
وقد تناول في شعره أغراضاً كثيرة، أهمها: الإخوانيات، والقضايا الوطنية والسياسية، والرثاء، والو صف، والوجدانيات، والاجتماعيات، والإسلاميات.
وقبل الحديث عن شعر الإخوانيات لابد أن نعرف أولاً: ما المقصود بهذا اللون من الشعر؟
وفي الحقيقة يصور هذا اللون من الشعر الاجتماعي الصلات والروابط التي كانت تربط الأصدقاء من الشعراء، ويتحدث هذا الشعر بين سطوره عن الصداقة، والأخوة، والتهنئة، والاعتذا ر، والعتاب، والشكوى، والتعزية، والاستعطاف.
ولقد ساعدت المساجلات والمراسلات الشعرية، واستخدامها استخدام النص على انتشار هذا اللون من الشعر بين الكثير من الشعراء والأدباء، كما يذهب البعض إلى تسميته بشعر المجاملات، أو الشعر الإخواني.
ولكثرة تجوال شاعرنا وأسفاره، ودماثة أخلاقه، فقد اكتسب إخواناً وأصدقاء من الأدباء والشعراء والعلماء في بلدان متعددة، وكان من أبرزهم: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من تونس، وخليل مردم بك من سورية، إلى آخرين غيرهم من أفراد أسرته وأقاربه.
بعث ذات مرة إلى الشيخ عبد القادر بن المبارك الجزائري المقيم في دمشق، بعد أن قزظ كتاب "الخيال في الشعر العربي" للخضر حسين، فقال الشيخ محمد الخضر حسين شاكراً الفضل، وحامداً الصنيع:
(15/ 1/70)

أَمْحَضُ الأُستاذَ شُكْراً ساطِعاً ... بَيْنَ صافي الوِدِّ والشَّوْقِ المُذيبِ (1)
وسلاماً مِنْ بَعيدٍ كُلَّما ... عَزَّ إِلقاءُ سلامي مِنْ قريبِ
وحين تولى الشيخ الطاهر بن عاشور خطة القضاء في تونس، بعث إليه الحسين مهنئاً، فقال:
يا طاهِرَ الهِمَمِ احْتَمَتْ بِكَ خُطَّةٌ ... تَبْغي هُدًى ومروءَةً وسَماحا (2)
سحَبَتْ رِداءَ الفَخْرِ واثقةً بما ... لكَ مِنْ فؤادٍ يَعْشَقُ الإِصْلاحا
ستشُدُّ بالحَزْمِ الحكيمِ إزارَها ... والحَزْمُ أنْفَسُ ما يكونُ وِشاحا (3)
وتذودُ بالعَدْل القَذَى عَنْ حَوضِها ... والعَدْلُ أَقْوى ما يكونُ سِلاحا (4)

وفي ردّه على خليل مردم بك الشاعر السوري الشهير، الذي اشتكى أن ينساه الحسين، وينسى أيامه التي قضياها معاً في دمشق، فقال الخضر:
إنّي على ثقةٍ مِنْ أنَّ ذِكْرَكَ لا ... ينفَكُّ مُرْتَسِماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكيفَ أنسى "خليلاً" قَدْ تضوَّعَ في ... حُشاشَتي وِدُّهُ كالعَنْبَرِ العَبِقِ
كان شاعرنا مخلصاً في صداقته، مجدداً تواصله مع أحبائه، متطلعاً إلى
__________
(1) مَحَضَ: أخلص.
(2) الخطة: الأمر والطريقة. ويطلقها أهل الأندلس على أي منصب من مناصب الحكومة، فيقال: خطة الفتوى، وخطة التعليم.
(3) الإزار: الملحفة. الوشاح: شيء شبه قلادة تلبسه النساء.
(4) تذود: تطرد. القذى: ما يقع في العين أو الشراب من تبنة أو غيرها. الحوض: مجتمع الماء.
(15/ 1/71)

لقياهم وسماع أخبارهم، ولا غرو في ذلك، فهو قد نظم في موضوع الصداقة والأصدقاء أكثر من عشر قصائد، تعرض في بعض منها إلى أهمية الصداقة، ودورها في حياة الإنسان، وتعرض في البعض الآخر إلى خصال بعض أصدقائه، وصلاته المتينة بهم، وخاصة منهم: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي أفرد له مقطوعات وقصائدَ عديدة تبين مدى الود الذي كان يربط بين الرجلين، والمحبة الخالصة التي كانت تجمع بينهما.
وكما كان الشاعر محباً لأصدقائه، فقد كان محباً -أيضاً- لأمته، مخلصاً لها، محضها الود والإخلاص، والرشدَ والنصيحة طوال حياته، فبعد وعد بلفور المشؤوم في نوفمبر 1917 م، بدا تألُّم الشاعر وتحسّره على ما آلت إليه فلسطين من عصابات الإجرام اليهودية، الذين نخروا في جسمها كالسوس بالمال والمؤامرات والرشاوى، وشراء المواقف في المحافل الدولية، واستنكرَ تباطؤ العرب وتخاذلَهم في نصرة إخوانهم الفلسطينيين بالمال والسلاح، فقال:
لا تُنجِدُوهُمْ بالتَحَشُرِ وَحْدَهُ ... إنَ التَحَشُرَ لا يُزيحُ عَناءَ
لا تنهَضُ الأوطانُ من كَبَوَاتها .... إلّا على أيدٍ تَفيضُ سخاءَ
ما سادَ قومٌ أُشْرِبوا شُحّاً وإنْ ... بَلَغوا السّماءَ شَجاعةً وذَكاءَ (1)
أمِنَ المُروءةِ أنْ ننُادَى للّتي ... فيها النَّجاةُ ولا نُجيبُ نِداءَ
بسطَ اليهودُ إلى اليهودِ أكُفَهُمْ ... بالمالِ مِنْ بَيْضاءَ أوْ صَفْراءَ (2)
__________
(1) الشُّح: البخل مع الحرص.
(2) البيضاء: الفضة. الصفراء: الذهب.
(15/ 1/72)

ومتى أرى قَوْمي قَدِ اسْتَبَقوا العُلا ... بِسخاء كَفٍّ يكْشِفُ اللأْواءَ (1)
مثلما أحب الشاعر أمته، فلم ينس وطنه الذي ولد فيه، وتربّى في ربوعه، فأشاد به في كل موقف، وتغنّى فيه بكل محفل ومناسبة ذكَّرته به.
ودعا إلى التحرر والاستقلال، والعمل على طرد الباغي الغريب، وحرَّضهم على أن يفعلوا مثلهم مثل إخوانهم في طرابلس الذين يخوضون حرباً ضد الإيطاليين (1911 - 1912 م)، فقال:
رُدّوا على مَجْدنا الذكْرَ الذي ذَهَبا ... يَكْفي مَضاجِعنَا نومٌ دَهَى حُقُبا (2)
ولا تعودُ إلى شَعْبٍ مُجادَتُه ... إلا إذا غامَرَتْ هِمّاتُهُ الشُّهُبا (3)
حَيّاكُمُ الله قَوْمي إنَّ خَيْلَكُمُ ... قَدْ ضُمّرَتْ والسِّباقُ اليومَ قد وَجَبا (4)
وقد ظلت عين شاعرنا ترقب كل كبيرة وصغيرة في الساحة الدولية، فراعه ما كانت تقوم به قوى الاستعمار من أساليب المكر والخداع، ومنها: خدعة التجنيس التي كان يهدف الاستعمار من ورائها إلى احتواء النخبة، وتخلية الوطن من قواه الحية التي يمكن أن يعقد عليها الأمل. فقال الحسين في قصيدته: (صرخة المغرب):
__________
(1) اللأواء: يقال: لأواء العيش شدته. وفي الحديث الشريف: "من كان له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن، كُنَّ له حجاباً من النار".
(2) دهاه: أصابه بأمر عظيم. الحُقُب: ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك.
(3) مجادته: عزته وشرفه. غامرت: قاتلت، ولم تبال بالموت. هماته: جمع همّة، وهي العزم القوي. الشهب: شعلة من نار ساطعة، أو كل شيء مضيء متولد من نار.
(4) ضمّرت: ضمَّر الخيل: ربطها وأكثر ماءها وعلفها حتى تسمن، ثم قلَّل ماءها وعلفها مدّة وركّضها في الميدان حتى تهزل. ومدة التضمير عند العرب أربعون يوماً.
(15/ 1/73)

لاذَ بالتجْنيسِ والقَوْمُ أَبَوْا ... خَوْفَ أنْ يَصْلَوْا بهِ النَّارَ الحِراقا (1)
وبَنو المغربِ عُرْب شِيَماً ... ولِساناً، لا ادِّعاءً واخْتِلاقا
وما دام بنو المغرب مسلمين، رفضوا التجنيس، وخافوا أن يصلَوا النار، فواقعُ الحال يدعو فرضاً أن يكسروا هذه القيود، ويحطموا تلك السدود التي ينصبها لهم المستعمر الغاشم، فقال مخاطباً تونس:
يا شاطِئَ المرْسى إلامَ الهُجودْ ... فُكَّ القُيودْ (2)
وكُنْ كما كُنْتَ لعهدِ الجُدودْ ... غِيلَ الأُسودْ (3)
يَمْرَحُ فيكَ العزُّ بين الجُنودْ ... ضافي البُرودْ
فأنت لا تَزْهى بِتَلْحينِ خُودْ ... ونَقْرِعودْ (4)
إن تحرير الأوطان يتطلب تضحية وفداء، ولا بدَّ أن تراق الدماء القانية في طريق الحرية، وتروى الدروب بدماء الشهداء، وتغسل الأرض من درن الاستعمار وأوضاره، لذلك قال الخضر:
حديثُ عنقاء شَعْبٌ أنقذَ الوطنا ... ولم يسلَّ سيوفاً أو يَهُزَّ قَنا (5)
__________
(1) التجنيس: فتح باب التجنيس بالجنسية الفرنسية. الحراق: التي لا تبقي شيئاً.
(2) المرسى: بلدة في ضواحي تونس فيها متنزهات تجمع بين منظر البحر الأبيض، والحدائق الأنيقة، وطالما تمتع الشاعر بالتنزّه فيها؛ إذ هي مقر صديقه منذ عهد طلب العلم العلامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. الهجود: النوم.
(3) الغيل: الشجر الكثير الملتف، ويقصد به: العرين.
(4) الخود: الحسنة الخَلْق.
(5) العنقاء: طائر معروف الاسم، مجهول الجسم لا يعرف، ويراد بحديث عنقاء: =
(15/ 1/74)

إلى أن يقول:
عُسْفُ العدا دَرَنٌ فاسْكُبْ عليه دماً ... مِنَ الدّماءِ الغَوالي تَغْسِلُ الدَّرَنا (1)
ولا يَروعَنْكَ جُنْدٌ شنَّ غارَتَهُ ... على البُغاثِ فَلاقى الجُبْنَ والوَهَنا (2)
إن الصُّقورَ إذا انْفضَّتْ تُنافحُ عَنْ ... أوْكارِها لم تَهَبْ جُنْداً ولا ثَكَنا (3)
وعزة الأوطان غالية، وأغلى منها مهرُها الذي يتجسد في أرواح شبابها حين يتقدمون إلى ساح الوغى فداء وتضحية مع الاستعداد وإعداد العدة، فقال:
عِزَّةُ الأُمَّهِ في نَشْءٍ إذا ... نَشَبتْ في خَطرٍ كانوا فِداها
وجَناحا فَوْزِها اسْتِمْساكُها ... بِهُدى الله وإرهافُ قَناها

ولما كان شاعرنا من دعاة الجامعة الإسلامية الذين كانوا يعمدون إلى العمل السياسي المنظم الشامل، وسعوا إلى الوحدة العامة بين الأقطار الإسلامية، وكان منطلقهم الأول: أن الإسلام صالح لنهضة المسلمين المطلوبة لكل زمان،
__________
= الأمر لا حقيقة له. قال الشاعر:
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن
وقال آخر:
ثلاثة ليس لها وجودُ ... الغول والعنقاء والودود
(1) العسف: الظلم. الدرن: الوسخ.
(2) البغاث: طائر لا يصطاد، ولا يرغب في صيده، شرار الطير.
(3) الثكن: جمع ثكنة: مركز الأجناد ومجتمعهم على لواء صاحبهم، وإن لم يكن هناك لواء ولا عَلَم.
(15/ 1/75)

لكل ذلك تأثر شاعرنا بالضربة القاصمة التي وجهها كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية حين ألغاها، فازدادت آلام شاعرنا أضعافاً مضاعفة، إلى جانب ما كان يقاسيه من معاناة بسبب استعمار أوطانه العربية التي دعاها مرات ومرات إلى الثورة وفك القيود.
كان الخضر حسين مدركاً الخلافة الإسلامية، فقال:
حتى تحكَمَ فيهِ رَهْطٌ بَدَّلوا ... خَبَثَ الحديدِ بِعَسْجَدِ مَسْبوكِ (1)
نزَغاتُ وَسْواسِ تَخَبَّطَهُمْ فَما ... لَبِثوا أنِ اغْتَرّوا بِوَحْيِ أَفوكِ (2)
وتبلغ الحسرة مداها، فيتمنى شاعرنا لو يقيض الله لهذه الأمة رجلاً يجمع شملها، ويعيد لها وحدتها؛ مثل: صلاح الدين الأيوبي الذي أبلى البلاء الحسن في سبيل نصرتها، ولمِّ شملها، وتحرير أوطانها. وها هي ذي اليوم قوى الاستعمار تمرح في ربوعها:
جاسُوا المَدائنَ والقفارَ وأَرْصَدوا ... في كلِّ وادٍ غاشمٍ فَتّاكا (3)
يا لَيْتَني أدري ومِثْلُكَ يُقْتَدى ... بمثالِهِ بينَ الوَرى ويُحاكى
أَيُتاحُ للشَّرْقِ المعذَّبِ ذائدٌ ... يَرْمي ويَبْلُغُ في النِّضالِ مَداكا

ومن أهم عناصر كيان الأمة: الأخلاق الفاضلة، والسجايا الحسنة التي دعا إليها شاعرنا بأكثر من موقف، وفي أكثر من مناسبة، وهاجم الآفات الاجتماعية، والأمراض الخلقية، وكل ما تفشَّى في المجتمعات العربية
__________
(1) الرهط: قوم الرجل وقبيلته. خبث الحديد: ما نفاه الكير.
(2) الوسواس: الشيطان. أفوك: كاذب، ويعني به: الشيطان.
(3) المدائن: جمع المدينة. أرصدوا الرقيب: نصبوه في الطريق.
(15/ 1/76)

والإسلامية من جراء تقليدها للحياة الأوربية المستجدة. وانتقد ما تقدمه المدارس الحكومية من علوم ومعارف مجافية لروح الدين، وكرَّ كرّة عنيفة على دعاة الإلحاد والتفسخ، وكشفَ مخاطر البهائية والبابية والقاديانية التي تدَّعي الإسلام، والإسلامُ منها براء.
وانتقد الرؤساء والحكام المتخاذلين والمتقاعسين لنصرة شعوبهم، وإصلاح أمر مجتمعهم؛ بحجة قوة الاستعمار وغلبته:
لاخَيْرَ في الرُّؤساءِ إنْ لَمْ يَنْهَضوا ... بالشَّرْقِ حتى يَخْلُفَ الدّاءَ الشِّفاءُ
قالوا: حَوالَيْنا غَريبٌ رُبَّما ... يُبْدي رَغائبَ قَدْ تُعارِضُ ما نَشاءْ (1)
قُلْنا: الرئيسُ الحرُّ لا يُثْنيِه عَنْ ... إِصلاحِ شَأْنِ الشَّعْبِ خَوف أوْ رَجاءُ

كان الخضر حسين في كل مناسبة يدعو إلى إصلاح المجتمع، ويحث على التمسك بعرا الدين القويم، ويستنهض الهمم، ويضرب الأمثال بالنماذج وأصحاب السير الخالدة الذين تركوا بصماتهم في الحياة، وكانوا النبراسَ المضيء لشعوبهم، كما دعا إلى الحفاظ على اللغة العربية؛ لكونها عنصراً مهماً في حياة الأمة العربية والإسلامية، وشجع على تعلم الآداب والفنون، وأرشد الأدباء وأصحاب الأقلام إلى تسخير طاقاتهم الإبداعية لخدمة مجموعتهم وملّتهم الغراء.
وبيَّن أن العلم في عصرنا واجب وفرضٌ طلبُه، واللغة العربية التي استطاعت مواكبةَ كل تطور قادرةٌ على استيعاب علوم العصر، ولا تقدُّم للشعوب إلا بالعلوم والمعارف والأخلاق والآداب والثقافة (التكنولوجيا)، والذي
__________
(1) الغريب: يقصد به المستعمر إطلاقاً.
(15/ 1/77)

رام التقدم من غير هذا السبيل أضاع عمره سدى.
كان محمد الخضر حسين شاعراً وعالماً، ومصلحاً منفتحاً على العصر وعلومه، يأخذ منه كل ما يعتقد أنه مفيد لأمته؛ شريطة أن لا يتصادم مع أصول الدين الإسلامي الحنيف. وهذا الذي يعبر عنه بالانفتاح، ونعني به: الانفتاحَ الحضاري للاستفادة من المعطيات الحضارية الغربية الجديدة؛ باقتباس علوم الطبيعة، وعلوم التمدن المدني والعلمي؛ مثل: علوم الزراعة والحيوان، وعلوم الصناعة والحرف والتجارة، وعلوم الطب والصيدلة، ووسائل الاتصال والمواصلات، وعلوم طبقات الأرض وأنواعها ومعادنها، والرياضيات والكيمياء والفيزياء والفلك، وعلم الجغرافية والبحار والملاحة، وما إلى ذلك من المعارف التي تتصل بعلوم المادة وظواهرها.
وبقدر ما كان الخضر حسين ذا شخصية قوية معبرة ذات أنفة وكبرياء، فقد كان رقيق القلب، شفيقاً رؤوفاً، ويبدو أن نفس الشاعر كانت مشوبَة بحزن وألم دائمين، مما جعله يجيد فن الرثاء، ويعبر عن أحاسيسَ وعواطفَ تتجاوز المرء إلى أبعاد أعمقَ وأشمل، فقد رثى خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز الذي توفي بالآستانة، وزوجته الثالثة المتوفاة سنة 1953 م في القاهرة، ورثى صديقه الحميم أحمد تيمور باشا الذي كانت تربطه به صداقة متينة، وودٌّ متين.
وأبلغُ مرثياته في نظرنا: هي التي قالها في والدته التي توفيت بدمشق سنة 1917 م، وكان وقتئذ في البلاد الألمانية.
وأبّن الشيخ علي محفوظ أحدَ علماء الأزهر الكبار، ورثى أستاذه سالم بو حاجب من تونس.
(15/ 1/78)

ولقد كان أعمقَ عاطفة، وأرقَّ أسلوباً في مراثيه، التي قالها في والدته التي كانت تمثل له شيئاً كبيراً، وقيمة ثمينة؛ بما كانت تغرسه فيه وفي إخوته من قيم ومُثُل، فقال:
(بِنْتَ عَزّوزَ) لَقَدْ لَقَّنْتِنا ... خَشْيَةَ الله وأنْ نَرْعى الذِّماما (1)
وَدَرَيْنا مِنْكِ أنْ لا نَشْتري ... بِمعالينا مِنَ الدُّنْيا حُطاما (2)
وَدَرَيْنا منكِ أنَّ الله لا ... يَخْذِلُ العَبْدَ إذا العَبْدُ اسْتَقاما (3)
ودرينا كيفَ لا نَعْنو لَمِنْ ... حاربَ الحَقَّ وإنْ سَلَّ الحُساما (4)
كُنْتِ نوراً في حِمانا مِثْلَما ... نَجْتَلي البَدْرَ إذا البَدْرُ تَسامى
أَفَلَمْ تُحْييه بالقرآنِ في ... رِقّةِ الخاشِعِ ما عِشْتِ لِزاما
كُنْتِ لي رَوْضَةَ أُنْسٍ أَيْنما ... سِرْتُ أهْدَتْ نَفْحَ وَرْدٍ وخُزامى (5)

والدارس لمرثيات الحسين يلاحظ أن الرجل يمجد قيماً، ويبكي خصالاً وسجايا حميدة في الأشخاص الذين رثاهم، سواء كانوا أقارب، أو غيرهم. ويدعو ضمنياً إلى التخلق بتلك الصفات، والتشبت بتلك القيم؛ لما فيها من
__________
(1) بنت عزوز: السيدة البارة المرحومة حليمة السعدية بنت الشيخ مصطفى بن عزوز، والدة الشاعر، ومن الشهيرات بالتقى والعلم والصلاح. ولدت بتونس سنة 1270 ه، وتوفيت بدمشق سنة 1335 ه. الذمام: الحق والحرمة.
(2) الحطام: ما تكسر من اليبس. ويقصد الشاعر: مال الدنيا وزخرفها.
(3) خذل الرَّجُلَ: ترك نصرته وإعانته.
(4) نعنو: عنا له: خضع وذل.
(5) الخزامى: نبت زهره أطيب الأزهار نفحة، ويتمثل به في الطيب.
(15/ 1/79)

النفع والفائدة لصالح الأفراد والجماعات.
بالإضافة إلى ما سبق: نجد الشاعر يُعمل فكره في الحياة، وسلوك الخَلْق، ويتأمل ويخلُص إلى أخذ العبرة مما وصل إليه من عظات وعبر في شؤون الناس والحياة، وما رصد من مفارقات تستلفت نظر الإنسان وتتطلب منه.
وشعر الخضر حسين شعر تقليدي إذا ما قيس بمقاييس المعاصرة، وإن عدّه البعض شعراً عصرياً أو جديداً، إلا أن الروح المحافظة المسيطرة عليه جعلت النزعة التقليدية لديه أقوى.
يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في هذا المضمار: ويظهر أن نشأة الطريقة الشعرية المصورة للنزعة الفكرية والقومية إنما ظهرت في سبك متين، ومنطق رصين على يد الشيخ محمد النخلي، ثم سمت وأشرقت على يد الشيخ الخضر، إلا أنهما لم يلتزما.
خلاصة القول التي يمكن أن نختم بها: إن هذا الديوان "خواطر الحياة" لصاحبه محمد الخضر حسين وثيقة هامة، تفيد الباحث في التعرف على كثير من المعطيات التاريخية، والنظريات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي كانت تشغل بال هذا العالم، وبالَ غيره من المثقفين المعاصرين له، والمهتمين بشؤون العالم الإسلامي وقضاياه.
كما يبيّن هذا الديوان قيمة صاحبه الشعرية، وهو ديوان يحتاج إلى دارسة علمية أكاديمية متأنية، وما قدمناه اليوم لا يكاد يتجاوز حد الانطباع، أو قلْ: هو خطرات حول ديوان "خواطر الحياة".
وشكراً لكم.
(15/ 1/80)

محاضرات الملتقى

جهود الأزهر في مواجهة التغريب الإمام محمد الخضر حسين الجزائري نموذجا ً
الدكتور نجيب بن خيرة (1)
* محمد الخضر حسين ... في سطور:
- أصله من "طولقة" بالصحراء الجزائرية، ولا تزال أسرته بطولقة، وهي أسرة "عثماني" القائمين على الزاوية العثمانية العامرة، وبلدة "برج ابن عزّوز"؛ حيث أحفاد أخواله هناك، ومنهم: العلامة محمد المكي بن عزّوز -رحمه الله-.
- ولد في مدينة "نفطة" بتونس (1293 ه = 1876 م).
- تلقى تعليمه في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى تونس العاصمة مع أسرته، والتحق بجامع الزيتونة.
- بعد تخرُّجه في جامع الزيتونة عمل بالخطابة والتدريس والقضاء.
- أسَّس في تونس مجلة لخدمة الفكر الإسلامي بعنوان: "السعادة العظمى".
- في سنة (1329 ه / 1911 م) وجّهت إليه التهمة ببثّ روح العداء
__________
(1) الدكتور نجيب بن خيرة الأستاذ المحاضر بقسم التاريخ/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية/ قسنطينة - الجزائر.
(15/ 1/81)

للغرب، ولاسيما سلطة الحماية الفرنسية، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله السيد محمد المكي بن عزّوز، ولما ظنَّ أن الزوبعة هدأت، عاد إلى تونس بطريق "نابولي" ولما استقر به المقام، رأى أنه لا يطيق البقاء في ذلك الجو الخانق، فازمع الهجرة منه نهائياً، ووقع اختياره على دمشق ليتخذها وطناً ثانياً له.
- تعرض في بلاد الشام -أيضاً- للاضطهاد والسجن بسبب اتهام جمال باشا له بالتآمر على السلطة.
- نزل محمد الخضر حسين القاهرة سنة (1339 ه = 1920 م)، واشتغل بالبحث وكتابة المقالات، وقد ساقت له الأقدار الأستاذ الأديب أحمد تيمور باشا الذي قدّر موهبته، وعرف قدره، فساعده على الاستقرار في القاهرة باختياره مصححاً بدار الكتب المصرية، فسمحت له هذه الوظيفة أن يتصل بأعلام النهضة الإسلامية في مصر، وتوثقت علاقته بهم، وتقدم لامتحان شهادة العالمية بالأزهر، وعقدت له لجنة الامتحان برئاسة العلامة عبد المجيد اللبان مع نخبة من علماء الأزهر الأفذاذ، وأبدى الشيخ من رسوخ القدم ما أدهش الممتحنين، وكانت اللجنة كلما تعمّقت في الأسئلة، وجدت من الشيخ عمقاً في الإجابة، وغزارة في العلم، وقوة في الحجّة، فمنحته اللجنةُ شهادةَ العالمية، وبلغ من إعجاب رئيس اللجنة بالشيخ العالم أن قال: "هذا بحرٌ لاساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ".
* إلغاء الخلافة الإسلامية ... أول الوهن السياسي:
في شهر مارس 1924 م، وقع إلغاء الخلافة الإسلامية نهائياً من طرف الجمعية الوطنية التركية الكبرى، مدعية أن الشعب التركي قد فوض الجمعية
(15/ 1/82)

التي تمثله تمثيلاً حقيقياً جميعَ حقوق سيادته وحاكميته .. وقد أثار هذا القرار ضجة كبيرة في العالم الإسلامي، فكُتبت المقالات المعارضة، وعُقدت المؤتمرات للتشهير بهذا الإلغاء الذي يتعارض مع مذهب أهل السنَّة، الذي يشير إلى أن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسةِ دنيا الناس به.
وقد كان الملك فؤاد ملكُ مصر من أكبر المعارضين والحاثّين لرجال الدين وشيوخ جامع الأزهر على التنديد بهذا القرار وبأصحابه؛ ذلك لأنه كان يسعى لتولي خلافة المسلمين، وزعامة العالم الإسلامي.
وقام أنصار الملك فؤاد وأتباعُه بترويج الفكرة، والدفاع عنها باستعمال وسائل عديدة.
وفي خضم هذا الاختلاف الشديد القائم بين المدافعين عن هذه الخطة الإسلامية، وبين المناوئين لها، أصدر الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الأزهر كتابه: "الإسلام وأصول الحكم" في غرة أفريل 1925 م، وأكد فيه أن الخلافة ليست ضرورية لقيام حكومات إسلامية حديثة، وأنها ليست من الدين في شيء ...
وقد أثار هذا الكتاب ضجة كبرى في أوساط علماء الأزهر، وعدّوه خروجاً على إجماع الأمة، وما ألفته وتلقته بالقبول عبر تاريخها السياسي الطويل.
واغتنم الشيخ محمد الخضر حسين هذه المناسبة للمساهمة في خوض هذه المعركة الدينية والسياسية، فألّف كتاباً ردَّ فيه على الشيخ عبد الرازق سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ورتّبه نفس الترتيب المتبع
(15/ 1/83)

في الأصل المردود عليه (1).
واعتبر الشيخ محمد الخضر حسين أن كتاب علي عبد الرازق مظهر من مظاهر التغريب التي هبّت على المجتمعات الإسلامية تريد النيل من خلافتها، وتأجيج خلافاتها، وتشتيت صفوفها، بعدما كانت تحت مظلة خلافة إسلامية جامعة ..
ولكن الشيخ استطاع أن يحقق مأرباً آخر بتأليفه لهذا الكتاب، وهو: تلبية رغبة القصر الملكي، واستجابة لطلب أنصاره ومؤيديه مما ناله به من حظوة ومكانة عند الملك، ويؤكد ذلك: إهداء الكتاب إلى خزانة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملكِ مصر المعظم، يقول في خاتمته: "تلك المزية (رعاية الدين) التي أصبح بها صاحب الجلالة واسطة عِقْد ملوك الأمم الشرقية قد أخذت في نفسي ماخذ الإكبار والإجلال، ودعتني إلى أن أقدم إلى خزانته الملكية مؤلَّفاً قمت فيه ببعض حقوق إسلامية علمية، وهو: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ورجائي أن يتفضل عليه بالقبول، والله يحرس ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد"، ويختم هذا الإهداء بالعبارة التالية: "المخلص في الطاعة: محمد الخضر حسين".
وقد تمكن الشيخ من الحصول على الجنسية المصرية، مما سمح له أن يندمج كلياً في المجتمع المصري، ويحقق ما كان يصبو إليه.
* الخضر حسين ... ينقض طه حسين!
لا شك أن حياة الشيخ الخضر في بلاد "الجريد" جعلته يعيش كالنخلة،
__________
(1) انظر: محمد مواعدة، الشيخ محمد الخضر حسين، حياته وآثاره. دمشق: الدار الحسينية، (ص 76 - 82).
(15/ 1/84)

أصلُها ثابت، وفرعها ثابت، لا تهزها أعاصيرُ التغريب التي هبت على المؤسسات العلمية التي رعى المستعمر غراسها، واستطاع أن يُلَمِّعَ بعضَ رجالاتها، ومن بينهم: الأديب طه حسين، الذي ألف سنة 1926 م كتاباً سمّاه: "في الشعر الجاهلي"، اعتبر فيه أن الشعر مُنتَحَل، لا يمثل الحياة الدينية أو العقلية أو الاجتماعية فيه، ولا يمكن أن نعتمد على هذا الشعر في تصور اللغة وخصائصها وأساليبها عند الجاهليين، محتجاً بما يرويه الرواة من الخلاف بين لغة الشمال، وبين لغة الجنوب.
ويتناول ذكرَ إبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - بكلام أقلُّ ما يوصف به من أنه كُفر بكُتبه ورسله يؤذي إيمانَ المؤمنين، ويفسد عقائد صغار الطلاب الذين ألقي عليهم، فيقول مثلاً:
"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما -أيضاً-، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب المستعربة فيها. ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين العرب واليهود من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى" (1).
وواضح من كلام طه حسين مدى التأثير الاستشراقي المتحامل في فكر الرجل، وإعداده بوقاً يردِّد كلاماً طالما ردَّدته كتابات الغربيين من أمثال (مرجليوث)، وغيره.
__________
(1) محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ط 8، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986 م، 298 - 299.
(15/ 1/85)

هاج هذا الكتاب الرأي العام، فثار الناس، وتوالت المقالات في نقد الكتاب ومهاجمة مؤلِّفه، وفضح نُقوله عن الكتابات الغربية المغرضة، وقد شارك الشيخ محمد الخضر حسين بتأليف كتاب لا في النقد، بل في نقض كتاب "الشعر الجاهلي"، ولا شك أن كلمة (نقض) أكثر حدة وشمولاً من كلمة (نقد)، "وكان أسلوب الكتاب أدنى إلى أسلوب الأزهر المتبع في الحواشي، والذي يتحرى الدقة في تتبع النص كلمة كلمة. فهو يتناول في نقده طه حسين صفحة صفحة، بل سطراً سطراً. فيقدم بين يدَيْ نقدِه نصَّ الفِقرة أو الجملة التي سيتناولها بالمناقشة، مشيراً إلى رَقْم الصحيفة التي جاءت فيها، ثم يُعقب بمناقشتها، مفيضاً في ذلك ما بدا له، في صبر وحرص واستقصاء. وقد كان كتابه أطولَ ما أُلف في الرد على طه حسين، إذ يقرب من أربع مئة صفحة. وقد ظهر في سنة (1345 ه / 1926 - 1927 م) (1).
وقد نال هذا الكتاب شهرة واسعة في الأوساط الثقافية والعلمية، وخاصة لدى علماء الأزهر، وبيق غزارة علم الشيخ، وسعة اطلاعه في ميادين اللغة والأدب والدين.
* في ميادين الاصلاح:
لم يرض الشيخ الخضر حسين أن يقضي حياته موظفاً بدار الكتب، يتقاضى المرتب، ويتطلع للترقية في المنصب، ويعيش كيفما اتفق .. بل كانت نفسه تؤاقة تعشق المعالي، ولا ترضى بالخمول والسعي وراء مطالب العيش الرتيب ... نزل إلى الميدان يبارز التغريب في ميادين العمل الصحفي
__________
(1) المرجع نفسه (ص 302).
(15/ 1/86)

والجمعوي .. يلقي الدروس والمحاضرات في الأندية والمجامع، ويحرر المقالات في الصحف والمجلات، وينشئ الجمعيات، ويشترك مع الغيورين على الإسلام في إصلاح أوضاع الأمة التي أنهكها الدخيل، واستولى عليها بقوته وفكره، فأحالها شبحاً لا تصلح للحياة، ولا تصلح الحياة بها! فنفخ الشيخ -عبر مقالاته- في طوايا الأمة العزّةَ والإباء، راجياً منها البرء والشفاء؛ بما أوتي من سعة العلم، وقوة العارضة، وحسن البلاغ.
وهو في طريقه إلى تحقيق هدفه يبحث عن العلل التي لبست الأمم الإسلامية، وقعدت بها في خمول، حتى ضربت عليها الدول الغربية بهذه السلطة الغاشمة، فيقول: "وأنت إذا تدبرت هذه الأسباب، وجدت السبب الحق منها يرجع إلى تهاون هذه الأمم بتعاليم الشريعة، ونكث أيديهم من المشروعات التي عهدت إليهم للقيام عليها، والعلة في ضعف هممهم، وقلة إقبالهم على ما أرشد إليه القرآن -من وجوه الإصلح ووسائل المنعة والعزة- إنما هي تقصيرهم في التواصي بالحق، وعدم استقامة زعمائهم على طريقة الدعوة والإرشاد" (1).
"والشيخ حسين -بحكم هدوء طبعه، وتوازن مزاجه، وقوة ثقافته- عُدّ من "حزب المصلحين المعتدلين" كما وصفه صاحب "المنار" الشيخ رشيد رضا، والعلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور" (2).
__________
(1) محمد الخضر حسين، "الدعوة في الإصلاح"، القاهرة: المطبعة السلفية، 1346 ه (ص 50).
(2) محمد مواعدة، الشيخ محمد الخضر حسين .. مرجع سابق، (ص 209).
(15/ 1/87)

والظاهر: أن رحلته إلى ألمانيا، وإقامته هناك، وتعلمه اللغة الألمانية، واطِّلاعه من خلالها على الثقافة الغربية، فتحت فكره، وأنضجت أفكاره، ووسَّعت أفقه، وأعطت لمنهج إصلاحه بُعداً حضارياً وعالمياً لم يعهده الكثير من شيوخ الأزهر في عصره.
كما اتجه الشيخ إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، وهو المنهج الذي اختاره أنصار (الجامعة الإسلامية) في التعريف بقضايا الأمة، والدفاع عنها، وجمع كلمتها تحت راية إسلامية واحدة (1).
فاشترك مع جماعة من الغيورين على الإسلام سنة (1346 ه = 1928 م) في إنشاء (جمعية الشبان المسلمين)، ووضع لائحتها الأولى مع صديقه محبِّ الدين الخطيب، وقامت الجمعية بنشر مبادئ الإسلام، والدفاع عن قيمه الخالصة، ومحاربة الإلحاد العلمي. ولا تزال هذه الجمعية بفروعها المختلفة تؤدي بعضاً من رسالتها القديمة. وقد كان ميثاق الجمعية يبدأ بهذه الكلمات: "عليّ عهدُ الله وميثاقه، لأقومَنَّ بقدر طاقتي: أولاً - بإحياء هداية الإسلام في عقائده وآدابه، وأوامره ونواهيه ولغته، ومقاومة تيار الإلحاد والإباحية، المهددين لهذه الهداية ... "، وأصدرت الجمعية العدد الأول من مجلتها في جمادى الأول سنة (1348 ه / أكتوبر 1929 م).
وكتب يحيى الدرديري المقالة الافتتاحية، مشيراً فيها إلى ما ينشره دعاة الإلحاد من سموم باسم التجديد، داعياً إلى الرجوع للقرآن، واتخاذِه
__________
(1) انظر: عميراوي الحميدة، الأمير خالد وخطاب الحركة الوطنية الجزائرية، ط 1، الجزائر: دار الهدى، 2007 م، (ص 89 - 92).
(15/ 1/88)

أساساً ومرشداً ومرجعاً لنهضتها الخلقية التي بدونها لا تصلح أي نهضة أخرى، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو غيرها، وجعله المرجع الأول والأخير في تمييز ما يصلح اقتباسه مما ينبغي تركه من المدنية الغربية الحديثة ... (1).
وقد وصف محب الدين الخطيب الحال في ذلك الوقت، فقال في حديثه عن أول اجتماع عقدته الجمعية في دار "سينما الكوزمو" بدعوة من الشاعر أحمد شوقي، وقد حضره نخبة من الشيوخ والشباب:
"كنت أنا وأحمد تيمور باشا -رحمه الله-، والسيد محمد الخضر حسين - حريصين على أن تكون هذه المؤسسة الأولى للإسلام في مصر قائمة على تقوى من الله وإخلاص، وكنا حريصين على أن يتولى إدارتها رجال يعرفون كيف يصمدون لتيار الإلحاد الجارف بعد أن استولى على أدوات الثقافة والنشر في العالم الإسلامي، وفي مصر على الخصوص، فكنا نبحث عن هؤلاء الرجال بين من نعرف ومن لا نعرف، ونستقصي الحقائق عن دخائلهم من غير أن يعلموا ... " (2).
وأنشأ -أيضاً- (جمعية الهداية الإسلامية) التي برز هيكلها إلى الوجود يوم 31 رجب سنة (1346 ه / جانفي 1928 م)، وكان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعياً، ضمَّت عدداً من شيوخ الأزهرة كالشيخ مصطفى المراغي، والأستاذ عبد الحليم النجار، وطائفة من شباب الأزهر المثقفين، وكوَّن بها مكتبة كبيرة كانت مكتبتُه الخاضةُ نواة لها، وأصدر مجلة باسمها كانت تحمل
__________
(1) محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية ... مرجع سابق، (ص 323 م).
(2) المرجع نفسه، (ص 324).
(15/ 1/89)

الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ.
وكانت تهدف هذه الجمعية إلى:
1 - السعي لتمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتوثيق الروابط بينها، والقضاء على الخلافات بين الفرق الإسلامية المختلفة.
2 - التعريف بحقائق الإسلام، ونشرها بأسلوب يلائم روح العصر.
3 - مقاومة الإلحاد والدعايات المناوئة للدين الإسلامي بطرق علمية.
4 - السعي لإصلاح شأن اللغة العربية، وإحياء آدابها (1).
وقد استعمل أعضاء الجمعية وسيلتين أساسيتين لتحقيق ذلك، وهما:
1 - إلقاء المحاضرات والمسامرات في المساجد عقب صلاة الجمعة، وفي بعض النوادي، وخاصة التابعة لفروع جمعية (الهداية الإسلامية).
2 - إصدار مجلة تحمل اسم الجمعية، يشارك في تحريرها نخبة من العلماء والفقهاء في الدين والأدب واللغة (2).
والجدير بالذكر: أن مجلة "الهداية الإسلامية" لم تكن تهتم بنشر المقالات السياسية، بل كان التركيز فيها على الفكر والأخلاق والقيم، وهذه هي مداخل التغريب إلى قلب الأمة، يريد الشيخ بناء أسوار عالية حولها تحميها من كل غاشم كفور.
ومما يدل على سعة أفق الشيخ في الإصلاح، فإن دور (جمعية الهداية) لم يقتصر على النشاط في مصر فقط، بل أنشئت لها فروع في
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية"، مج 1، مج 3.
(2) محمد مواعدة، الشيخ محمد الخضر حسين. مرجع سابق (ص 89).
(15/ 1/90)

بلدان عربية؛ مثل: سورية والعراق.
"وقد قضت مجلة "الهداية الإسلامية" عشر سنين متتالية، وهي تدعو إلى الخير والصلاح، وتُواصل البحث عن الحقائق الدينية والعلمية والأدبية، سالكة في جهادها سبيل الحكمة، لا تجمد عن حق، ولا يطيش لها قلم في باطل .. فكبر حجمها، كما أصبحت تحتوي على سبعة عشر باباً، يتناول فيها العلماء والفقهاء في اللغة والدين جميع القضايا التي تتصل بالإسلام والمسلمين؛ مثل: تفسير وشرح الأحاديث النبوية الصحيحة، ونشر الفتاوى والأحكام، والقيام بمقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية ومدى تلاؤمهما، ومكافحة بعض البدع والعادات السيئة.
وكان لهذه الأعمال الجليلة نتائجُها المثمرة؛ إذ اهتم جميع المثقفين بهذه المجلة "الإسلامية العلمية الأدبية"، فانتشرت في جميع الأوساط، وابتهج بها القراء المسلمون؛ مما مكنها من القيام بدور كبير في توجيههم وإرشادهم، وفي إصلاح المجتمع الإسلامي بصورة عامة" (1).
ويبدو أن مجلة "الهداية الإسلامية" بعثت في نفوس العلماء والكتّاب عزيمة لا تلين في مقاومة الفكر التغريبي الوافد الذي يتسلل إلى الثقافة الذاتية للأمة، ويعبث بمقدساتها، ويبث الشك والريب في ثوابتها؛ مما جعل السيد عبد العزيز بك محمد المستشارَ بمحكمة الاستئناف، وعضوَ المجلس الأعلى للأزهر يقدم اقتراحاً يقضي بإنشاء مجلة إسلامية، تساهم في تنوير المسلمين، وفضح مخططات أعدائهم، ومكافحة التيارات المنحرفة النابتة بين ظهرانيهم ..
__________
(1) المرجع نفسه، (ص 92 - 93).
(15/ 1/91)

ولما أسندت مشيخة الأزهر إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر محمد الأحمدي الظواهري، كان أول ما توجهت إليه عنايته مشروع هذه المجلة، فأخذ يدبر بجد وحكمة حتى لانت صعابه، وتهيأت بتأييد الله أسبابه .. فقرر المجلس الأعلى- بعد دراسة الموضوع - تخصيصَ مبلغ مالي ينفق على المجلة، التي تحمل اسم "نور الإسلام"، وأسندت رئاسة تحريرها إلى الشيخ محمد الخضر حسين. وذلك في (المحرم من عام 1349 ه = 1931 م)، ودامت رئاسته لها ثلاثة أعوام.
وقد أوضح الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله تعالى- في أول افتتاحية عدد منها أسبابَ إصدارها، ومبيناً خطتها، فيقول: "خرجت هذه المجلة بعد أن رسمت لنفسها خطة لا تمس السياسة في شأن، وقصارى مجهودها: أن تعمل على نشر آداب الإسلام، وإظهار حقائقه نقية من كل لَبْس، وتكشف عما أُلصق بالدين من بِدَع ومحدَثات، وتنبه على ما دُسَّ في السنَّة من أحاديث موضوعة، وتدفع الشُّبه التي يحوم بها مرضى القلوب على أصل من أصول الشريعة، وتعنى- بعد هذا - بسِيَرِ العظماء من رجال الإسلام، وإن في سيرهم لتذكرةً لقوم يفقهون، ويضاف إلى هذا: ما تدعو فائدته إلى نشره من المباحث القيمة، علمية كانت أو أدبية ... والمجلة ليست منقطعة عن الحركة الفكرية في عصرها، بل تابعت ذلك عن ما يجيء في الصحف الأجنبية من مباحث علمية، أو مقالات تتحدث فيها عن الإسلام، غير أننا لا نضع أمام القراء مقالة في الإسلام من غير منصِف، إلا أن نصلها بما يستبين بها خطأُ كاتبها، ناقلاً كان أو مدَّعياً ...
هذا غرض المجلة، وهو -بلا ريب- غرض نبيل، وهذه خطتها، وهي
(15/ 1/92)

كما عرفت خطة من يمشي على سواء السبيل، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل" (1).
ويشير الشيخ محمد الخضر حسين في تقديمه العدد الأول من السنة الثالثة (المحرم 1351 ه / مايو 1932 م) إلى خطر الذين يتخفّون في زِيِّ المسلمين، ويتظاهرون بالدفاع عنه، من فاسدي العقيدة الذين ينشرون سمومهم باسم الباحث العلمي، فيقول: "لاحظت المجلة أن من المُضلّين مَنْ يكشف الغطاء عن سريرته، ويركب الصراحة في دعايته، ومنهم من يدس الباطل في عبارات يصبغها بما يشبه لون الحق، فيكون أثره في نفوس بعض الأحداث أشد من أثر الداعي إلى الضلالة علانية. فلم تقصُر المجلة جهادها على دفاع ما يصدع به المبطلون من آرائهم المردية، وعُنيت بنقد المقالات أو المؤلفات التي تصدر تحت اسم: البحث العلمي، أو الدعوة إلى التجديد، وهي تنطوي على روح لا يأتي على نفس غافلة إلا أطفأ نورها، وخالطها من الحيرة أو الجحود ما كان بعيداً عنها ... " (2).
* محمد الخضر حسين ... وجهالات دعاة التنوير:
اصطدمت مجلة "نور الإسلام" منذ بداياتها بالكتابات المنحرفة عن الإسلام، والتيار الإلحادي القويّ آنذاك، الذي كان ينادي بأن يتحكم العقل والعلم في مسيرة الحياة، دون أيّ تدخّل من النصوص الشرعية، أو سيطرة للدين على شؤون الحياة.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام"، العدد الأول، محرم 1349 ه / 1930 م، المجلد الأول.
(2) محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية ... مرجع سابق، (ص 326).
(15/ 1/93)

فهاجم الشيخ محمد الخضر حسين دعاة العَلْمانية، وأنصارَ فصل الدين عن الدولة؛ بدعوى أن الجمع بين السلطتين الدينية والزمنية سبب لتأخر المسلمين، وأرجع سبب محاربة هذا التيار للدين إلى الإعجاب غير المتعقّل بالغرب، عبرَ وسائل الغزو الفكري في المجتمعات الإسلامية، ويرى أن الصورة في ذهن الشرقي عن أوروبا صورة مبالغَ فيها نحو الكمال والرقي الإنساني؛ بفضل الدعاية الثقافية والأدبية التي تقوم بها الأفلام السينمائية، ومدارس الإرساليات الأجنبية، والنشرات التي تحمل طابع البحث العلمي.
وقد كتب -رحمه الله- مقالاً في افتتاحية "نور الإسلام" (1) بعنوان: "ضلالة فصل الدين عن السياسة" ردّ فيه ردّاً علمياً منصفاً على مقال خرجت به إحدى المجلات تحت عنوان: "داء الشرق ودواؤه"، وفيه دعاية إلى فصل الدين عن السياسة، زعم فيه صاحبه: أن سبب تأخر المسلمين عدمُ فصل الدين عن السياسة، ورذ عليه فقرة فقرة، موضحاً زَيْفَ ما ورد فيه من أباطيل، وما نفخ فيه من نفاثات الفكر الغربي وفلسفته في الحكم والسياسة، مستمداً رده العلمي من آي القرآن، وسنّة المصطفى، وسير السلف الصالحين.
وعندما قال صاحب المقال: "ولو رزق المسلمون رجالاً ينظرون بعين الناقد البصير، من قبل قرنين، وفصلوا الدين عن السياسة، لكان للإسلام اليوم من الشأن والسيادة في الممالك التي اغتصبتها الدول الأورويية ما لا يقل عما للفاتيكان، وما كان خطر الاستيلاء عليهم عظيماً ... ".
رد عليه الشيخ بقوله: "إن فصل الدين عن السياسة هدمٌ لمعظم حقائق
__________
(1) الجزء الخامس، مج 2، جمادى الأولى، 1350 ه.
(15/ 1/94)

الدين، ولا يُقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقلَّ مما يعتدي به الأجنبي على الدين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة عَلَناً كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتَلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب لو ملكت قوة، لألغت محكم يُقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تُدَرَّس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهدِ لغوِ ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجدَ يذكر فيها اسمُ الله تَصَرُّف من لا يرجو الله وقاراً.
يقول الكاتب: "لو فصلوا الدين عن السياسة، ما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً"، يقول هذا كأنه لا يدري أن السياسة الطاغية لا تهاب إلا حديداً أشدَّ بأساً من حديدها، وناراً أشد حرّاً من نارها، فليس من المعقول أن تردها عن قصدها سلطةٌ دينية ليس في كِنانتها سهم، ولا في كفها حُسام، أما قياسه حال السلطة الدينية الإسلامية -على فرض صحة إقامتها- بحال السلطة الكاثوليكية في احترام مؤسساتها، وإطلاق يدها في عمل يرفع أهل ملتها، فمغالطةٌ أو غفلة عن الفرق بين سلطة دينية يجد فيها الاستعمار مؤازرة أو موافقة على أي حال، وسلطة دينية قد يكون في بعض أصولها ما لا يلائم طبيعة الاستعمار.
ولو ربط المسلمون سياستهم بالدين من قبل قرنين ربطاً محكماً، لم يجد الغاصب للعبث بحقوقهم مدخلاً، ولو أعلنوا فصل الدين عن السياسة، لظلوا بغير دين، ولوجد فيهم الغاصب من الفشل أكثرَ مما وجد، فليست
(15/ 1/95)

مصيبة المسلمين في تركهم السياسة، مربوطة بالدين كما زعم الكاتب، وإنما هي ذُهولهم عن تعاليم دين لم يدع وسيلة من وسائل النجاة إلا وصفها، ولا قاعدة من قواعد العدل إلا رفعها".
بهذه الروح ظل الشيخ محمد الخضر حسين يدافع عن حقائق الإسلام، ويرد أباطيل خصومه، بقلم صلب على الحق، ماض غير هياب ..
وقد تعرضت مجلة "نور الإسلام" -أيضاً- إلى فضح أنشطة التنصير في العالم الإسلامي، وكشف مخططاته الرامية لهدم الدين الإسلامي، وإزالته بشتى الوسائل الخبيثة من قلوب المسلمين، فنقلت عن مجلة "العالم الإسلامي" التي يحرّرها القس "زويمر" مخطّطاتِ التنصير في العالم الإسلامي، تحت غطاء المستشفيات والمدارس والأعمال الخيرية، وخير مثال على ذلك هو مستشفى "هنري" في أسيوط.
وكذلك قامت المجلة بعرض الشُّبهات التي يقذفها المنصِّرون والمستشرقون في مؤلفاتهم إلى المسلمين البسطاء بغيةَ زعزعة الدين في قلوبهم، وتولّت المجلة الردّ على هذه الشبهات بأساليب منهجية علمية، وممن تولّى الردّ عليهم في هذا السبيل: الكاتب "محمد فريد وجدي"، فقد ردّ على "أندريه هارفيه" ما كتبه في جريدة "كوكب الشرق" المصرية من شبهات كاذبة على الإسلام.
وكذلك تولّى وجدي الردّ على المستشرق "فرنك فرستر" الذي كتب سلسلة عن تاريخ الإسلام، فنبذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعض التهم الكاذبة، وكشفَ زيفَها وبطلانها بحجج قوية متينة.
وخاضت المجلة العديد من المعارك الفكرية على الكثير من الجبهات،
(15/ 1/96)

وعبر العديد من المحاور الفكرية، إلا أن الباحث الدكتور "جمال النجار" في دراسته القيمة عن صحافة الاتجاه الإسلامي في مصر بين الحربين العالميتين يُجمل القول عن أبرز اهتمامات مجلة "نور الإسلام" -كما يراها- على النحو التالي:
1 - تفسير آيات من القرآن الكريم، وبيان ما في الذِّكر الحكيم، والسنّة النبوية المشرفة من أصول الأخلاق الفاضلة، وقواعد الأدب الكريمة التي يجدر بالمسلم أن يتبعها.
2 - متابعة الحركة الفكرية العالمية، وترجمة بعض ما يجيء في الصحف الأجنبية من مباحث علمية، أو مقالات صحفية تتحدث عن الإسلام، ومقاومة تيار الإلحاد ودعاتِه من العلمانيين والملحديين الذين يروّجون لفصل الدين عن شؤون الحياة العامة.
3 - مهاجمة التبرج والتعري والسُّفور، والاختلاط بين الجنسين، ومهاجمة الدعوة إلى تقليد المرأة المصرية للمرأة الأجنبية في كل أنماط الحياة، والدفاع عن الشرعية الإسلامية وأصولها، وبيان فساد النظريات والمذاهب الوضعية التي تتعارض معها.
4 - التصدي لحركة التبشير النصراني في العالم الإسلامي، وفضح خطط وتآمر المبشرين على المسلمين، ودحض الشبهات التي يُثيرها المستشرقون ضد الإسلام.
5 - الدعوة إلى إدخال الدين في المدارس الحكومية، ومحاربة المدارس الأجنبية، والدفاع عن اللغة العربية، وبحث مسألة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، والتصدي للمذاهب الضالة، والحركات الهدامة المنتسبة
(15/ 1/97)

إلى الإسلام؛ كالصوفية، والقاديانية، والبابية، والبهائية".
والذي يتتبع افتتاحيات الأعداد الأولى من مجلة "نور الإسلام" التي كان يحررها الشيخ محمد الخضر حسين بقلمه يتبين له مدى حرصه على صناعة أجيال جديدة تضبط حركتها في الحياة على أوامر الدين ونواهيه، وتشريعاته وقيمه، كما تتطلع إلى مستقبلها بكل عزيمة وإرادة مثلما تتطلع إليه الأمم التي تأخذ بأسباب السعادة والتقدم والنهوض.
وهذه بعض عناوين هذه المقالات:
- الانحراف عن الدين - علله - آثاره - دواؤه -. (العدد 2 مج 1 صفر 1349 ه).
- العلماء والإصلاح. (العدد 3، مج 1، ربيع الأول 1349 ه).
- المدينة الفاضلة الإسلامية. (العدد 4، مج 1، ربيع الثاني 1349).
- أصول سعادة الأمة. (العدد 5، مج 1، جمادى الأولى 1349 ه).
- صدق العزيمة أو قوة الإرادة. (العدد 6، مج 1، جمادى الثانية 1349 ه).
- الغيرة على الحقائق والمصالح. (العدد 7، مج 1، رجب 1349 ه).
- كبر الهمة في العلم. (العدد 8، مج 1، شعبان 1349 ه).
- الدهاء والاستقامة. (العدد 9، مج 1، رمضان 1349 ه).

وفي معركته مع التغريب وآثاره البادية في أخلاق المجتمع، وما طرأ عليها من الانحراف المبين، الذي أخذ يدب في نفوس الناشئة دبيبَ السم الناقع في جسم اللسيع، أرجع الشيخ سبب ذلك كله إلى زيغ في العقيدة، وزيغُ العقيدة مصدر الأخلاق المرذولة في كل حين، واعتبر أن الدعاية إلى القبائح لم تبلغ علانيتها ما بلغته في أيامه، واعتبر أن دعاة التنوير والتحرير
(15/ 1/98)

والفن الجميل كثيراً ما يخادعون الشباب بهذه الشعارات الخادعة. وقد كتب -رحه الله- مقالا استهل بهه مجلة "نور الإِسلام" (1)، بعنوان: التعليم الديني في مدارس الحكومة: "ولم تتفش - الرذيلة وزيغ العقيدة وقبائح الأخلاق-؛ لأن وسائل ساعدت على سريان وبائه لم توجد قبل، وأمهات هذه الوسائل ثلاثة أمور:
أحدها: هذه المدارس التي يفتحها الأجانب في أوطاننا باسم العلم، ويغفل بعض المسلمين عن سريرتها، فتأخذم بظاهرها، حتى يسلِّموا أطفالهم وهم على الفطرة إلى من يصبغ هذه الفطر بسواد، وينزع منها روح الأدب الذي يجعلهم أولياء لعشيرتهم، نصحاءَ لأمتهم.
ثانيها: تهاون بعض الآباء بواجب أبنائهم؛ إذ يرسلون الناشئ إلى معاهد العلم بأوربا قبل أن يتلقن من علوم الدين ما يجعل عقيدته مطمئنة، فيلاقي في أثناء الدراسة هنالك، أو في بعض المحادثات شُبَهاً لا يجد في نفسه من الحجج ما يدفعها، وإذا تواردت الشبه على الناشئ، رانت على قلبه، وأصبح يبصر وجهَ الحق أسود قاتماً، فيعود إلى وطنه وهو يحمل لأبويه عقيدة أنهما في ضلال قديم، وذلك جزاء من يستهين بهدى الله، ولا يهمه إلا أن يكون لابنه رزق واسع، أو منصب في أحد الدواوين وجيه.
ثالثها: أن كثيراً من الحكومات الإِسلامية ضعف فيها روح الاعتزاز بالدين الحنيف، فاستباح واضعو برامج التعليم العام في مدارسها أن لا يضربوا
__________
(1) الجزء السادس، جمادى الآخرة، المجلد الثاني، مطبعة المعاهد الدينية الإسلامية، 1350 ه / 1931 م، (ص 395 - 401).
(15/ 1/99)

لعلوم الدين بسهم، ومن يضرب لهم، فبسهمٍ لا يغني من جهل، والتعليم الذي يُهضم فيه جانب العلوم الدينية، لا يرجى منه تهيئة لنشء تتساقط عليهم الشُّبه فيطردونها، أو توسوس إليهم الشياطين فيستعيذون منها".
لذلك حرص الشيخ محمد الخضر حسين على الدعوة إلى تعميم التعليم الديني في جميع المراحل والتخصصات؛ لأنه يدرك أن هذا النوع من التعليم هو صمّام الأمان الذي يحمي الأجيال الناشئة من حملات التغريب الهاجمة على عقلها وفكرها، فمنه تستمد المنهج، ومن خلاله تعرف الأحكام والتشريعات، وتترقى بتوجيهاته في مدارج الرقي الخلقي المنشود، وما ينبغي أن يحرم طلاب العلوم الحديثة من هذا كله، لتتوحد الرؤى والمنهل بين الطلاب جميعاً، فيقول -رحمه الله-: "ولو كان التعليم الديني آخذاً حقه في جميع مدارسنا، لم ير الناس ما يرونه فيها من التجافي بين أفراد نشؤوا في مدارس دينية، وآخرين نشؤوا في مدارس ليس للدين فيها نصيب، ولا منشأ لهذا التجافي إلا بُعد ما بين النشأتين، وإدخال العلوم الحديثة في المعاهد الدينية يذهب بجانب من هذا التجافي، فإذا عُنيت وزارة المعارف بدراسة علوم الدين درساً جديًا، اتحد أبناؤنا في أصل التربية، فيكون فضل المعاهد الدينية والمدارس الرسمية على الشرق في إخراجهما نشئاً يتقارب شعورهم، وتتدانى عواطفهم، فيتسابقون إلى أعباء الحياة بكواهل ملتئمة، ويرمون في وجوه العظائم عن قوس واحدة".
لم يقتصر النشاط الإصلاحي للشيخ محمد الخضر حسين على مواجهة التغريب، وكشف أساليبه، وفضح مؤامراته، بل تعدى ذلك إلى الكشف عن خطر الحركات التي تبرقعت باسم الدين، ولبست لبوس الإِسلام، ورفعت
(15/ 1/100)

شعارات توهم الغافلين أنها من صميم القرآن، وحقائق التشريع، وهم -في حقيقة الأمر- من الدجاجلة المفسدين الذين ادّعوا كذباً وزوراً أنهم مهبط الوحي، وأنبياء العصر، ورسل رحمة للعالمين، فكتب -رحمه الله- كتاباً فضح فيه ثلّة من هؤلاء، وهم "طائفة القاديانية"، وذكر في مقدمته:
"لقد دلنا التاريخ الصادق أن الدين الحنيف يُبتلى في كل عصر بنفوس نزّاعة إلى الغواية، فتتنكب عن الحقائق، وتمشي في تحريف كلمه مُكبّةً على وجهها، وليس هذا الإغواء بمقصور على من يدّعون التفقه في الدين، ولم يتفقهوا؛ ككسر من زعماء الفرق المنحرفة على الرشد، بل يتعداهم إلى فئة تسول لهم نفوسهم ادعاء أنهم مهبط الوحي، وأنهم يتلقون ما يقولونه بأفواههم من الله تعالى بدون وسيلة كتابه الحكيم، وحديث رسوله الكريم. . . ومن هذا الصنف غلام أحمد مبتدعُ النِّحلَة القاديانية، وكثيراً ما وردتنا رسائلُ من البلاد العربية وغيرها؛ كأمريكا يسأل كاتبوها عن أصل هذه النحلة، ومبلغ صلتها بالإِسلام، وبالأحرى: بعد أن ظهر المقال الذي كشفنا فيه الغطاء عن النحلة البهائية، ونشرناه في الجزء الخامس من المجلد الأول من مجلة "نور الإِسلام"، ووردتنا رسائل أخرى مطوية على ما يصرح به دعاة هذه النحلة من الآراء، ويقترح مرسلوها نقد هذه الآراء، وتحذير المسلمين من الوقوع في مهالكها، ولم نشأ التعرض للكتابة في شأنها قبل اليوم؛ إذ لم يكن لدينا من كتب أصحابها ما نطلع به على أساسها، ونعرف منه حال واضعها.
وقد انساق إلينا اليوم من كتب مبتدعها غلام أحمد، وبعض دعاتها ما جعلنا على بينة من أمرها، وها نحن أولاء نضع أمام حضرات القراء فصولاً فيما تقوم عليه هذه النحلة من المزاعم الخاطئة، ونلقي عليهم كلمات في
(15/ 1/101)

نشأة واضعها؛ ليكونوا على بصيرة من أنها دعوى زائغة، ولا يغيب عنهم أن دعاتها الذين يجوسون خلال ديار الإِسلام إنما يثيرون في نفوس شبابنا فتنة، والفتنةُ أشد من القتل" (1).
وهكذا استطاع الشيخ محمد الخضر حسين أن يكشف زيف نحلة خطيرة ظلت حيناً من الدهر مطية ذلولًا للمستعمر الدخيل في بلاد الإِسلام، وأغرت بالدين حتى جعلت الناس -وخاصة في بلاد الهند- يعتقدون أن صاحبها مجددٌ من دعاة الإِسلام الحق، وأعلامه المصلحين!!.
"لقد عاش الشيخ الخضر حي الضمير، شديد الحساسية؛ فقد رأى الأجنبي يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون تهيم بالإِسلام، كما يبذل قوته الحاشدة لتشويه اللغة العربية، والحكم عليها بالجمود والتقهقر؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديثِ نبيهم الكريم، ثم تنقطع صلاتهم بأصحاب الذخائر العلمية الرائعة من ورثة الأنبياء وهداة المصلحين.
لذلك أنشأ صحيفة "السعادة العظمى" على نمط "العروة الوثقى"؛ لتنشر محاسن الإِسلام، وتفضح أساليب الاستعمار، وكانت خطة السيد منذ حمل لواء الدعوة في صباه إلى أن لقي الله في شيِخوخته واضحة مفهومة، فهو يعتقد أن فساد الأمم الإِسلامية يرجع -في أصح أسبابه- إلى انصراف المسلمين عن هدي الشريعة الإِسلامية، ويرى أن السيطرة الأوروبية لم تملك زمام الأمور في الشرق إلا حين اعتصمت بالعلم، واستضاءت بالعقل، وأن الشلل العقلي لم تتمهد وسائلُه المؤسفة، وأسبابُه القاتلة في ربوع الدين
__________
(1) طائفة القاديانية: الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986 م، (ص 5 - 7).
(15/ 1/102)

الحنيف، إلا حين استطاع الدخلاء أن يَلْبِسوا الحق بالباطل، فيصِموا الإِسلام بما هو براء منه من الجمود والتزمت والاستسلام، والأخذ بالخرافات والبدع والغيبيات؛ المزعومة مما لم يأت به وحي سماوي، أو هَدْي نبوي.
ولذلك كانت مهمة "السعادة العظمى" شاقة خطيرة؛ إذ أخذت تحارب القوة والمال والنفوذ بعزم واثق، وجهد صابر أمين" (1).
ومن يطالع روائع قلمه، وبخاصة ما كتبه في "رسائل الإصلاح" بأجزائه الثلاثة، يدرك مدى اعتزاز الشيخ الخضر بأمجاد أمته، وافتخاره بتراثها العريق، والشموخ بحضارتها الزاهرة، وكان ذلك أمراً لا بد منه في عصر تتبرج فيه الأفكار والفلسفات؛ لتدل بأفضالها على الناس بحق أو بغير حق، وتُلحق بالشرق كل ضعف ونقيصة، وتنعت الغرب بجميل النعوت، وكمالِ الأوصاف.
وقد جاء في مقدمة كتابه "نقض الشعر الجاهلي" ما يلي: "نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية، ابتدأت بطلوع كوكب الإِسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى، سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب.
ومن فروعها: نهضة أدبية لغوية، جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على سوقها في أيام بني العباس.
__________
(1) محمد رجب البيومي، النهضة الإِسلامية في سير أعلامها المعاصرين، ط 1، دمشق: دار القلم، 1995 م، 1/ 55.
(15/ 1/103)

تمتع الشرق بنهضته الاجتماعية والأدبية حُقُباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو نتائج العقول، فإذا غفوة تدبُّ إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها، إلا ويدٌ أجنبية تقبض على زمامها.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مسجد، وإلى من شبَّ في مهده من أعاظم الرجال، وأخذ ينظر إلى ماضيه؛ ليميِّز أبناؤه بين ما هو تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، ويشعروا بما كان لهم من مسجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن ينضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذريّة أولئك السراة، فلا يرضَوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً" (1).
هذا هو المجال الذي انطلق فيه يراع الشيخ محمد الخضر حسين طوال حياته: مجال التذكير بالأمجاد عن دراسة وتنقيب، وكشف الخداع عن بهارج الغرب في استشفاف ونفاذ، ووضع العلاج لأدواء الشرق في بصر وتشخيص.
وقد ألّح في ذلك إلحاحاً جعل فريقاً من المؤرخين يفهمون رسالته الإصلاحية على غير وجهها الصحيح.
فالأستاذ (ولفريد كانتويل) أستاذ الدراسات الإِسلامية بجامعة (مونتريال) يضع كتاباً عن الإِسلام في التاريخ الحديث، يتعرض فيه إلى مجلة "الأزهر"، موازنًا بين رئيسي تحريرها السابقين: محمد الخضر حسين، ومحمد فريد وجدي، فيجعل الأول ممثلاً للمدرسة السلفية فقط، والثاني مجدداً عصرياً
__________
(1) محمد الخضر حسين، "نقض الشعر الجاهلي".
(15/ 1/104)

تسير طريقتُه في التجديد على قواعد المعرفة الحديثة، وهذا شَطَط بالغ تنّبه إليه الأستاذ عباس العقاد حين تعرّض لنقد الكتاب، فقال (1):
"ويقول صاحب الكتاب في مقابلته بين منهج الشيخ الخضر، ومنهج الأستاذ وجدي: إن أولهما يعتبر الإِسلام وحياً تاماً، قد تنزل على صورته الكاملة عند عصر الرسالة الإِسلامية، فلا إضافة إليه، ولا زيادة عليه، ولا تحوير فيه، وإنما الإيمان بالإِسلام هو الذي يحتمل القوة والضعف، كما يحتمل زيادة المعرفة، أو النقصَ فيها، أو يحتمل المراجعة من عصر إلى عصر لتفقّد الآثار العصوية فيه، وليس الأستاذ الخضر -كما يرى المؤلف- من أنصار الحنين إلى الماضي، بل هو من أنصار الدعوة التي لا زمان لها؛ لأنها صالحة لكل زمان، ومهما تتجدد مذاهب المعرفة، فالمسلم يسلم أمره إلى إرادة الله كما هَدَته معارفه إلى فهم تلك الإرادة الإلهية بالدرس والإلهام، وقد تساوى في نظر الشيخ الخضر كلا الطرفين من المسلمين في الحاجة إلى التصحيح والإصلاح، وهما -على تعبير المؤلف-: طرف اليسار من المتعلمين الذين جاوزوا حدود الإِسلام، وطرف اليمين من الجامدين وأتباع الطرق الصوفية الذين ضيقوا حدوده عليهم، وإن لم يجاوزوه".
كما تولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإِسلام" سنة (1366 ه = 1946 م)، وتحمَّل إلى هذه الأعباء التدريس بكلية أصول الدين، فالتفَّ حوله الطلاب، وأفادوا من علمه الغزير، وثقافته الواسعة، وعندما أنشئ (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة سنة (1350 ه = 1932 م)، كان من الرعيل الأول الذين اختيروا
__________
(1) مجلة "الأزهر"، رجب، سنة 1381 ه.
(15/ 1/105)

لعضويته، كما اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة ببحوثه القيمة عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية.
* مشيخة الأزهر:
نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (1370 ه = 1950 م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخاً للجامع الأزهر في (26 ذي الحجة 1371 ه = 16 سبتمبر 1952 م)، وكان الاختيار مفاجئاً له، فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما كبر في السن، وضعفت صحته، لكن مشيئة الله أبت إلا أن تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح؛ حيث اعتلى أكبر منصب ديني في العالم الإِسلامي.
وكان في ذهن الشيخ -حين ولي المنصب الكبير- وسائلُ لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، ويرامجُ للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، ثم لم يلبث أن قدّم استقالته احتجاجاً على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإِسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساسي للتشريع، وكانت استقالته في (2 جمادى الأولى 1372 ه = 7 يناير 1954 م)، ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسلمها حين أُسلمها موفورةً كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل الأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقلَّ من أن لا يحصل له نقص"، وكان كثيراً ما يردد: "يكفيني كوبُ لبن،
(15/ 1/106)

وكسرةُ خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
* مؤلفاته:
كان الشيخ عالماً، فقيهاً، لغوياً، أديباً، كاتباً من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر، وترك لقراء العربية زاداً ثرياً من مؤلفاته، منها:
- "رسائل الإصلاح"، وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإِسلامية، ووسائل النهوض بالعالم الإِسلامي.
- "الخيال في الشعر العربي".
- "آداب الحرب في الإِسلام".
- "تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي".
- ديوان شعر "خواطر الحياة".
بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة "الأزهر"، و"نور الإِسلام"، و"لواء الإِسلام"، و"الهداية الإسلامية".
وقد جمع ابن أخيه الأستاذ الباحث علي الرضا الحسيني تراث عمه في مؤلفات بلغت الأربعة عشرة كتاباً، قدمها باقة للمكتبة العربية، وذخراً للأجيال، تسطر حياة وفكر وجهاد عَلَم من أعلام النهضة الإِسلامية المعاصرة.
* وفاته:
وبعد استقالة الشيخ محمد الخضر حسين من المشيخة، تفرغ للبحث والمحاضرة، حتى لبى نداء ربه في مساء الأحد (13 من رجب 1377 ه = 28 من فبراير 1958 م)، وصُلي عليه في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر، وأعيان الأمة، والمنتسبون إلى العلم، حتى بلغ
(15/ 1/107)

النعش (باب الخلق)، والموكب متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلا في النّدْرَى؛ فقد كان عالماً ضليعاً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصدُ الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظاً على العروبة والدين، يردّ ما يوجَّه إليهما، وما يصدُر من الأفكار منابذاً لهما، قويَّ الحجة، حسنَ الجدال، عفَّ اللسان والقلم. . ." (1).
__________
(1) أحمد تمام (الخضر حسين). ذكرى توليه مشيخة الأزهر، 26 ذي الحجة 1371 ه موقع إسلام أون لاين - محب الدين الخطيب، شيخ الأزهر السابق السيد محمد الخضر حسين، مجلة "الأزهر"، الجزء الثامن، مج 29، شعبان 1377 ه / فيفري 1958 م، (ص 736).
(15/ 1/108)

محاضرات الملتقى

الإمام محمد الخضر حسين رجل العلاقات والمؤسسات العلمية (1)
الدكتور مولود عويمر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في حدود الوقت الباقي أحاول أن ألخص هذه المحاضرة المكتوبة.
أنا أنطلق من ملاحظة، ومن خلال دراستي مجموعة من أعلام المسلمين. وأنا أبحث عن هؤلاء العلماء والمفكرين والمعاصرين: شكيب أرسلان، محمد إقبال، حسن البنا، والمودودي، وغيرهم، أجد دائماً في طريق البحث الشيخ محمد الخضر حسين.
وصلت إلى نتيجة بأن هذا العالم هو رجل العلاقات، تربطه علاقات متينة مع كبار العلماء المفكرين المعاصرين، سواء من المغرب العربي، وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، أو من رجالات وعلماء المشرق، منهم: شكيب أرسلان، وأبو الحسن الندوي، وغيرهم من العلماء المسلمين.
هذه العلاقات، كيف أقامها؟ كيف وصل إليها؟ لقد استثمرها لخدمة قضايا المشرق العربي في المغرب، وقضايا المغرب في المشرق العربي، واستثمر هذه العلاقات من خلال تأسيس مؤسسات، فهو بالإضافة إلى أنه رجل
__________
(1) ملخص المحاضرة كما قرأها الدكتور مولود عويمر من جامعة الجزائر.
(15/ 1/109)

علاقات، هو رجل مؤسسات، وهو رجل رحلات، عاش أربعين سنة في تونس، وثمان سنوات في سورية، وسنة في الآستانة، وسنة أو أكثر في ألمانيا، وثمان وثلاثين سنة في مصر.
في أي بلد ينزل فيه هذا العالم يقيم فيه علاقات تربط المغرب بالمشرق، و -أيضاً- يقيم مؤسسات من خلال تأسيس جمعيات وصحف. أسس مجلة "السعادة العظمى" في تونس بين (1903 - 1904)، وفتحها لغيره من علماء المغرب.
عندما ذهب إلى ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، أقام علاقات مع علماء من المشرق؛ مثل: محمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وشكيب أرسلان، كل هؤلاء رموز النهضة العربية المعاصرة. و-أيضاً-: أسس جريدة مع جماعة من المناضلين، هذه الجريدة موجهة إلى السجناء من الجنود المغاربة الذين كانوا في الجيش الفرنسي، ووقعوا في قبضة الألمان، كتب نشرية موجهة إليهم، يحثهم على التخلي عن هذا الانتماء للجيش الفرنسي، والتعاون فيما بينهم لتأسيس جيش لمحاربة فرنسا في شمال إفريقيا.
وعندما ذهب إلى مصر فعل نفس الشيء، أسس مجلة "الهداية الإِسلامية" عام 1928 م، وعندما تأسست مجلة "نور الإِسلام"، وهي لسان الأزهر، أصبح رئيسَ تحريرها؛ بالإضافة إلى أنه كان يكتب في كثير من الصحف والمجلات المصرية.
نلاحظ من خلال هذه العلاقات، ومن خلال هذه المؤسسات، أو من خلال الجمعيات، أسس "جمعية الهداية الإِسلامية" في مصر جانفي 1928 م، وساهم بشكل كبير في تأسيس جمعية معروفة بالعالم الإِسلامي هي (جمعية
(15/ 1/110)

الشبان المسلمين) عام 1926 م، وهو من المؤسسين الذين وضعوا قانون هذه الجمعية، و-أيضاً- من خلال تأسيس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وفي كل مرة نجد في دراسة نشاط مجلة "الهداية" -كما تفضل الأستاذ الحسيني من قبل-، وفي دراسة نشاط (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، ودراسة نشاط (جمعية الشبان المسلمين) في مصر، وفي امتداداتها في سورية، وفي تونس، نجد دائماً أن هذه الجمعيات والمجلات تفتح أبوابها، ويستضيف فيها علماء من المشرق، ومن المغرب؛ لكي يقدموا المحاضرات والندوات التي تمس القضية الفلسطينية، وتمس القضية التونسية، وتمس القضية المغربية؛ مثل: الظهير البربري في نشاط دؤوب عام 1930 م.
إذن هذا تلاقح الأفكار بين علماء المغرب وعلماء المشرق، نجده بانتظام في كل مؤسسة، سواء كان صحيفة، أو جمعية، وهذا يدل على تفتح هذا الرجل العالم على المشرق والمغرب.
وإذا أردتم، أعطيكم نماذج عن هذه النشاطات:
ففي جمعية (الشبان المسلمين) كانت تفتح أبوابها لزعماء المغرب العربي، فالحبيب بورقيبة عندما ذهب إلى مصر، استقبلته هذه الجمعية، وأقام فيها إلى أن وجد مكاناً يليق به في مصر.
وكذلك الشيخ محيي الدين القليبي، وكذلك من الذين فتحت لهم الأبواب، وساهموا في الجمعية شخصية معروفة هو: الشيخ الفضيل الورتلاني، هذا الرجل العظيم الذي ساهم مع الشيخ محمد الخضر حسين في تأسيس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية).
فالشيخ محمد الخضر حسين كان رئيس هذه الجمعية، والشيخ الفضيل
(15/ 1/111)

الورتلاني كان أميناً عاماً لها، وأي واحد يطلع على كتاب الفضيل الورتلاني "الجزائر الثائرة" سيجد -تقريباً- كل البيانات والنشريات التي كانت تصدرها (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية). هذه الجمعية دامت حتى عام 1947 م.
و-أيضاً-، ومن خلال هذه العلاقات بين محمد الخضر حسين وعلماء المشرق، نجد أن هذه العلاقات نجدها أحياناً علاقات سياسية، فهو رجل سياسة -أيضاً- بالإضافة إلى أنه رجل علم. ونشاطه السياسي واسع، نجده يربط علاقات سياسية مع رجال السياسة في مصر، وفي بعض الأحيان نجد نوعاً من التناقض؛ يعني: الشيخ محمد الخضر حسين تربطه علاقات ممتازة مع ملوك مصر، وخاصة الملك فؤاد الأول، الذي منحه الجنسية المصرية، والملك فؤاد أُعجب كثيراً بمحمد الخضر حسين عندما ألف كتابه المعروف "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وكان هذا سبب اللقاء بين فؤاد الأول، والشيخ محمد الخضر حسين.
وكذلك نقضَ كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين في حوالي 400 صفحة.
وإن جميع الذين هاجموا طه حسين هاجموه بعد موته، وكل الدراسات حول نقض هذا الكتاب جاءت بعد موت طه حسين. والقلائل من العلماء الذين واجهوا طه حسين في حياته، ومنهم: الشيخ محمد الخضر حسين، والعالم الآخر الشيخ محمود شاكر، وكان سبباً لطرده من جامعة القاهرة.
وفي هذا الكتاب يرد الشيخ الخضر على كل ما كتبه طه حسين حرفاً حرفاً، على طريقة العلماء المسلمين في الحواشي، يضع النص، فيرده سطراً سطراً.
(15/ 1/112)

وهذا الكتاب لقي رواجاً كبيراً في العالم الإِسلامي، ليس فقط في مصر؛ بدليل أن الشيخ أبا الحسن الندوي عندما زار مصر في عام 1952 م كان شغوفاً إلى التعرف على شخصية محمد الخضر حسين الذي قرأ عنه هذا الكتاب، وسجل ذلك في كتابه "مذكرات سائح في المشرق"، أو الشرق العربي، هذا الكتاب مشهور، طبع عدة طبعات.
وكذلك نجد الشيخ الخضر تربطه علاقة متينة برجال الثورة المصرية؛ بدليل أنه أول شيخ للأزهر بعد إسقاط نظام الملك فاروق، وإقامة الجمهورية في مصر عام 1952 م، فأول عالم، وأول شيخ للأزهر هو الشيخ محمد الخضر حسين، الذي تعاون مع رجال الثورة، ولكن عندما اصطدمت قناعاته في بعض الأعمال التي قام بها رجال الثورة؛ مثل: الإصلاحات على مستوى الأزهر، أو حول قضية المحاكم الشرعية، وقضية الإصلاح الزراعي في مصر، لم يرض الشيخ الخضر حسين عن هذه الإصلاحات، وقدَّم استقالته. وهذه الاستقالة -كما فسرها- هي استقالة سياسية تختلف عن الاستقالات التي عرفها الجامع الأزهر: وقليل من علماء الأزهر الذين استقالوا في تاريخه، ولكنها كانت استقالات علمية أكاديمية مرتبطة بإصلاحات داخل الأزهر.
وكان التعيين في مشيخة الأزهر من قبل هيئة كبار العلماء، وأصبح قراراً سياسياً. وقلما نجد عالماً يأخذ هذا الموقف السياسي، ويرفض هذه المشاريع السياسية التي طرحها رجال الثورة في مصر.
وأضاف الشيخ الخضر حسين ميزة عندما قال: "إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم". عندما طُلب إليه الذهاب لمقابلة الرئيس محمد نجيب، وأعتقد أن هذه ميزة نقلها الشيخ محمد الخضر حسين إلى مصر.
(15/ 1/113)

إن دراسة تاريخ هذا العالم الجليل مطلوبة الآن حقيقة، خاصة بعد الأعمال التي قدمها الأستاذ علي الرضا الحسيني بجمع أعمال الشيخ محمد الخضر حسين، وخاصة في الصحافة: مجلة "الهداية"، ومجلة "السعادة العظمى"، كلها تحتاج إلى دراسة أعمق لاكتشاف عظمة هذا الرجل العظيم في جميع مواهبه وأعماله المختلفة.
هذا بالاختصار الشديد للعلاقات التي تربط بين الشيخ محمد الخضر حسين ومجموعة من العلماء المسلمين، سواء -كما قلت- في مؤسسات، أو كشخصيات، وتسليط هذه الأضواء على شريط التواصل بين المشرق والمغرب، وتأكيد على حقيقة أن المغرب والمشرق كانا عبر التاريخ متلاحمين متواصلين، عكس الفكرة الرائجة في أن حساسية المغرب بالمشرق، أو حول استكبارات المشرق.
هذه الأفكار تطرح في كثير من الصحافة الآن، وفي أدبيات الفكر الإِسلامي المعاصر، وعن القطيعة بين المشرق والمغرب، فنضال الشيخ محمد الخضر حسين يثبت العكس؛ بأن التواصل بين المغرب والمشرق فيه ترابط بين الطرفين.
فالشرق لم يستطع أن يواصل إشعاعه الفكري والحضاري إلا بمساعدة ومساهمة عقول علماء المغرب، ومن بينهم: الشيخ محمد الخضر حسين -كما ذكرت- والذين استقروا في مصر خاصة، أو في الشام، أو في الحجاز، قدموا خدمات جليلة في هذه الدول.
والمغرب العربي لم يكن باستطاعته أن يتحرر من الاستعمار الفرنسي إلا بفضل وجهود وتعاون وتضامن شعوب وعلماء ومفكري المشرق العربي.
(15/ 1/114)

هذا إذن العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، نموذج من التفاعل والتواصل بين المشرق والمغرب، وأنا أعترف -بنهاية ملخص هذه المحاضرة- بأن هذه هي مشروع بحث، وليس البحث؛ لأنه برغم اطلاعي على الصحافة العربية خلال عامي (1941 - 1962 م)، فإني وجدت البارحة عندما اطلعت على أعمال الشيخ محمد الخضر حسين، بفضل جهود علي الرضا الحسيني، ونحييه على ذلك، فأدركت أنني في الحقيقة الآن في الخطوة الأولى من البحث، وأدعو نفسي وغيري إلى مواصلة هذا البحث؛ لأنه حقيقة يحتاج منا كل اهتمام.
وشكراً لكم على الاستماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 1/115)

توصيات الملتقى
نظَّمت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة)، وبالرعاية السامية لمعالي وزير الثقافة، والسيد والي بسكرة، وبمساهمة العديد من المؤسسات العمومية والخاصة أيام (25، 26، 27 ديسمبر 2007 م) بقاعة مداولات الولاية، وقاعة الفكر والأدب (الملتقى الوطني السادس - بسكرة عبر التاريخ) حول شخصية العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري.
يتميز الملتقى بحضور عدد كبير من الأساتذة المحاضرين من دول عربية: من سورية، ومصر، وتونس، ومن جامعات جزائرية، إضافة إلى أساتذة معقبين ساهموا في مناقشة وإثراء محاور الملتقى.
علاوة على ثراء الجانب العلمي، تمَّ تنظيم معرض للمخطوطات والتراث، وأعلام منطقة الزيبان، والأعمال الكاملة للشيغ محمد الخضر حسين ببهو دار الثقافة (أحمد رضا حوحو)، عرف إقبالاً كبيراً من طرف المهتمين.
بعد الاستماع لكلمات السيد والي بسكرة، ورئيس (الجمعية الخلدونية)، وسماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان، ومحاضرات الأساتذة، والقراءات الشعرية، وتكريم الأستاذ علي الرضا الحسيني من سورية تقديراً للجهود العلمية الكبيرة
(15/ 1/116)

في إحياء التراث، وجمع وطبع الأعمال الكاملة للشيخ محمد الخضر حسين، وتكريم انشراح مدكور من مصر حرم الشيخ محمد الخضر حسين.
اجتمعت لجنة التوصيات الخاصة بالملتقى، وبعد النقاش رفعت التوصيات التالية:
1 - التعريف بشخصية العلامة محمد الخضر حسين وأعماله عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وإنجاز أشرطة وثائقية، وفيلم سينمائي.
2 - إنشاء موقع على الانترنيت يحمل اسم العلامة محمد الخضر حسين، يشمل أعماله الكاملة، وكل الكتابات التي تناولت حياته ومسيرته النضالية والعملية مدعّمة بالصور.
3 - دعوة للجامعات الجزائرية إلى توجيه طلبة الدراسات العليا إلى تناول آثار العلامة محمد الخضر حسين بالدراسة والتحليل.
4 - السعي لإطلاق اسم الشيخ محمد الخضر حسين على أحد المرافق الثقافية والتربوية والدينية بولاية بسكرة.
5 - دعوة وزارة البريد إلى إصدار طابع بريدي يخلّد شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
6 - التأكيد على جمع وطبع المحاضرات والتعقيبات المقدمة في الملتقى في كتاب، وعلى أقراص مضغوطة، وتوزيعه على نطاق واسع للاستفادة منها أكثر.
7 - لعدم توفر كتب الشيخ محمد الخضر حسين في المكتبات الجزائرية، نلتمس بإعادة طبع أعماله الكاملة، وكلِّ ما كُتب حول شخصيته وأعماله.
8 - للروابط التاريخية بين مدينة "طولقة" بالجزائر، ومدينة "نفطة"
(15/ 1/117)

بتونس، نقترح توءمة بينهما؛ من أجل التواصل الثقافي والعلمي في جميع المجالات.
9 - العمل على تدعيم الملتقى، وتقديم ميزانية خاصة من أجل مواصلة هذه الجهود المبذولة، وتجسيد التوصيات على أرض الواقع.
10 - دعوة الجامعات الجزائرية، والمؤسسات التربوية لبرمجة رحلات علمية إلى منطقة الزيبان لفائدة الطلبة والتلاميذ؛ للتعرف عن قرب على المواقع التاريخية والمعالم الحضارية التي تزخر بها الولاية.
وفي الأخير: نرفع آيات الشكر والتقدير والامتنان لكل من كانت له أيادٍ بيضاء، وعونٌ مادي أو أدبي لإنجاح هذا الملتقى، وإبرازه في حلة زاهية الألوان، وضّاءة الملامح، مشرقة الجنبات، ونخص بالذكر بدءاً وانتهاء: وزيرة الثقافة، كما نخص بالذكر الرجلَ الأول في الولاية السيدَ الوالي الذي أعطى الأنموذج الحي للمسؤول العاشق للعلم والعلماء.
كما لا ننسى كل الدعم الذي لاقيناه من جميع السلطات المحلية والأمنية، ورجال الإعلام في مختلف القطاعات؛ ممن أحاطوا هذا المهرجان العلمي بكل رعاية وإحسان.
ولو أَنْ لنا في كُلِّ مَنْبَتِ شَعْرَةٍ ... لِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيهم لَقَصَّرا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 1/118)

على هامش الملتقى
ندوة إذاعية (1) الدكتور مجاهد توفيق الجندي الأستاذ علي الرضا الحسيني - الدكتور كمال عجالي
المذيع مقدم الندوة: أيها الأحبة! سأكون سعيداً أن ألقاكم على ضفاف هذا المساء؛ لتناول وجبةٍ علمية، غذاء كامل؛ كما لو أننا سنتناول حلواً تمراً من تمور "طولقة" التي تمور هذا المساء في أحلامها.
الحضرة حضرة علماء، وحينما يحضر العلم، يبطل كل شيء، يبطل كل ما يمت بصلة إلى اللغو.
سأكون سعيداً أن أكون بين حضرات العلماء؛ حيث سكون واحداً من بين الذين يغرفون من بحر هؤلاء.
بداية أيها الأحبة يحضر معنا:
- الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق الجندي أستاذ كرسي الحضارة الإِسلامية والتاريخ الإِسلامي، ومؤرخ الأزهر، وعضو اتحاد المؤرخين العرب.
- الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيق المحتفى به العلامة الإمام محمد الخضر حسين، مهتم بتراث العائلة على مدى أربعين عاماً. وكان قد
__________
(1) ندوة إذاعية على الهواء مباشرة من الإذاعة الجزائرية في مدينة "بسكرة" على هامش الملتقى. مساء يوم 26/ 12/ 2007 م.
(15/ 1/119)

جمع كل أعمال العلامة والفهَّامة والتكلامة (1) الشيخ محمد الخضر حسين.
- الأستاذ الدكتور كمال عجالي من جامعة "باتنة"، وهو مهتم -أيضاً- بالحضارة الإِسلامية والأدب.
نتحول إلى الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيق المحتفى به الشيخِ محمد الخضر حسين.
أود أن أشير إلى أن العلامة محمد الخضر حسين قد ولد في مدينة "نفطة" بالجنوب التونسي، لو تحدثنا عن نشأته؛ لأنكم كنتم بين الذين اهتموا بتراث العلامة.
الحسيني: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
أريد -قبل الدخول في هذا الحوار- أن أوجه التحية إلى هذه المدينة الرائعة الخالدة، والتي شاءت أن تحتضن هذا الملتقى العظيم.
هذه أبيات قلتها أولَ أمسِ عندما جئت بالطائرة من مدينة الجزائر، أوحَتْها لي هذه المحبة التي أُكنها لهذه المدينة:
لسانُ الوَفا نادَى بصوتٍ مُجلْجِلِ ... بِسِكْرَةُ ميلادي وأَهْلي ومَنْزِلي
على بابِها يلقاكَ وجْهُ بُطولةٍ ... وفي ساحها آياتُ نَضرٍ مُحَجَّلِ
إذا نطقتْ أحجارُها أوْقدَتْ لَظًى ... وكمْ جَحْفَلٍ أفْنَتْهُ في إثْرِ جَحْفَلِ
وفي ثورَةِ التَّحرير هَبَّتْ طليعةً ... تُذيقُ العِدا قَهْراً بأكْؤُسِ حَنْظَلِ
وفي السِّلْمِ دارٌ للضيافةِ والنَّدى ... تعانِق رُوّادَ التُّراثِ بِمَحْفِلِ
__________
(1) التكلامة: الجيّد الكلام، الكثيره.
(15/ 1/120)

وحَقًا غدَتْ للفِكْرِ مَرْقًى ومُلْتَقًى ... ومنبرَ إلهامٍ لأِعذَبِ مَنْهَلِ
"بِسِكْرَةُ" يا أُمَّ الكِرامِ تحيةً ... وقُبْلةَ شُكْرٍ في جبينكِ مِنْ (علي)

قبل "نفطة" نحن نقول: إن أصوله جزائرية من مدينة "طولقة"، والده التقي الشيخ الحسين ابن شيخ الزاوية سيدي علي بن عمر. ووالدته السيدة حليمة السعدية بنت سيدي مصطفى بن عزوز ابن الشيخ محمد بن عزوز في (برج ابن عزوز).
انتقلت العائلة من جنوبي الجزائر - في الواقع لم يكن هناك حدود، ولم يكونوا يعرفون الحدود بين تونس والجزائر.
وكان سبب انتقال الشيخ ابن عزوز سبباً نضالياً، وهو أن يجعل الزاوية في "نفطة" مكان راحة للمجاهدين الجزائريين -بالإضافة إلى دورها الأول في التوجيه الديني-، هذه الحقيقة غابت عن كثير من المؤرخين، ولكن لدي من الوثائق ما يؤكد هذه الحقيقة.
استقر في "نفطة"، وأقبل عليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، وخاصة من الجزائر، ثم من بعد، انتقلت العائلة إلى تونس؛ لظروف خاصة؛ فقد توفي الشيخ مصطفى بن عزوز -رحمه الله- وانتقل الشيخ الحسين إلى مدينة تونس، وأسس هناك زاوية، واستولد هؤلاء العظماء من الشيوخ: الشيخ سيدي محمد الخضر حسين، وسيدي الوالد زين العابدين، والشيخ محمد المكي بن الحسين من رجال العلم، ومن المختصين في اللغة العربية. والمشهود له بذلك، وطبعت كل آثارهم والحمد لله، إلى جانب مهنة المحاماة، مهنةُ المحاماة بالذات قاسية، فكنت أستقطع من الوقت ساعات حتى استطعت أن أجمع هذا التراث خلال أربعين سنة، والحمد لله على هذا.
(15/ 1/121)

المذيع: ما علمته من خلال قراءاتي: أن فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد ترأس تحرير مجلات عديدة في تونس، وفي مصر، ومن أهم هذه المجلات مجلة "الهداية الإسلامية".
الحسيني: أخي الكريم! الشيخ محمد الخضر حسين متعدد المواهب، فإن شئت أن تقرأه صحفيًا، أو فقيهاً، أو مفسراً، أو محدثاً، أو شاعراً، أو لغوياً، أو رحّالة، أو ما شئت قل فيه من الأوصاف؛ فقد وهبه الله هذه الخصال، وعمل عليها بإخلاص، لذلك نجح في حياته.
أما بالنسبة -حسب طلبك- للنواحي الصحفية، فهو أول ما بدأ بالعمل الصحفي، أصدر مجلة "السعادة العظمى" في تونس، أول مجلة صدرت في المغرب، وصدر منها واحد وعشرون عدداً، وتوقفت لأسباب ما جابهه به التقليديون من الشيوخ القدماء؛ لأنه حاول أن يجعل منها دورية إصلاحية، فجابهوه لهذه الناحية؛ مما أدى إلى توقفها، هي لم تغلق، ولكن توقفت؛ مما اضطره إلى الهجرة بعدها إلى الشرق.
ليس إغلاقها هو العامل الوحيد، هناك أسباب أخرى دعته إلى الهجرة إلى الشرق؛ لأنه حاول خلال إقامته في مدينة "بنزرت" كقاضٍ. نزل إلى تونس، وألقى في (جمعية قدماء الصادقية) محاضرة عنوانها: "الحرية في الإِسلام"، وختمها بالحديث عن الاستبداد، فما بالُكَ برجل في عهدِ محتلٍّ قاسٍ غاشم، يتحدث عن الحرية، ويدعو إلى مقاومة المحتل؟! مما جعل عيون المحتل تراقبه، وتضغط عليه، وتلاحقه، في الواقع هذا السبب الأول في انطلاقه إلى الشرق.
لأنه كان يرى أن همته أوسعُ من تونس، ورسالته تضيق في هذا البلد،
(15/ 1/122)

فأحب أن ينطلق إلى آفاق، كما قال في مقدمة ديوانه الشعري "خواطر الحياة".
أما بالنسبة لتتمة أعماله الصحفية، أول عمله في مصر كان رئيساً لتحرير مجلة "نور الإِسلام"، والتي هي مجلة الأزهر منذ العدد الأول، وصدر منها أربع سنوات، كان يحرر الافتتاحية، وله مقالات هامة فيها، وفي هذه الأثناء أسس مجلة "الهداية الإِسلامية"، و (جمعية الهداية الإِسلامية)، وصدرت المجلة على مدى ثلاث وعشرين سنة، حتى قيل في مجلة "الهداية الإِسلامية" من كثرة ما كتبت عن المغرب: هذه ليست مجلة مصرية عربية، هذه مجلة مغربية عربية، حتى إن أحد الكتاب المصريين أطلق عليه لفظ: (ابن خلدون عصره)، هذا الرجل هو ابن خلدون عصره.
وإذا رجعنا الآن إلى مجلدات "الهداية الإسلام" فإننا نجد أنه لا يخلو عدد من الأعداد من الحديث عن المغرب، سواء لترجمة رجل من الرجال، أو لوصف جغرافي، أو تاريخي، (مسقطُ الرأس غالي) كما يقولون.
ثم عمل في مجلة "لواء الإِسلام" التي أصدرها السيد أحمد حمزة، وقال في مقدمتها: عندما شاءت الإرادة الإلهية أن نباشر في إصدار هذه المجلة، لم نجد علماً من الأعلام سوى الخضر حسين لترؤُّس هذه المجلة. دام في هذه المجلة حتى عام 1952 م عندما استلم مشيخة الأزهر، وبرغم هذا، لم يتخل عن وفائه لمجلة "لواء الإِسلام"، إنما استمر في الكتابة بها حتى وفاته عام 1958 م.
حتى في السنة التي توفي فيها كتب مقالاً، وما زال مستمراً على هذا، وتوفي عندما سقط القلم من يده.
هؤلاء هم أهل الإيمان والفكر الإِسلامي كما ترى.
(15/ 1/123)

المذيع: نتحول إلى الدكتور كمال عجالي، مهتم بالحضارة الإِسلامية والأدب، وله دراسة حول الطيب العقبي.
لما أصدر عميد الأدب العربي طه حسين كتابه: "في الشعر الجاهلي"، لم يجد من يردّ عليه في تلك الأثناء -أثناء حياته- إلا العلامة محمد الخضر حسين، هل هي ثقة بالنفس؟
الدكتور عجالي: في الحقيقة هناك بعض الأسماء التي حاولت الرد على طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي"، ولكن البحث الحقيقي، أو البحث الذي اعترف به طه حسين، واعترف بنزاهته وموضوعيته، وبحيادية صاحبه هو كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، هذه بشهادة طه حسين، هو الكتاب الذي اعترف بموضوعيته، أما بعض الردود الأخرى، فكان يعتبرها من قبيل التهريج، أو الاندفاع، أو من قبل العواطف، كان ينظر إليها أنها عاطفية أكثر منها عقلانية أو علمية بمعنى الكلمة.
المذيع: دكتور مجاهد توفيق الجندي. . . يقال: إن العلامة محمد الخضر حسين كان نابغة؛ لدرجة أنه لما بُعث في بعثة علمية إلى ألمانيا، كان قد أتقن اللغة الألمانية في ظرف وجيز. ما المسوغ الذي جعله يترأس الأزهر، هل هي الغزارة في العلم؟
هل هي موسوعيته؟
الدكتور الجندي: الشيخ محمد الخضر حسين كان موسوعة، كان من العلماء الموسوعيين، نجده فقيهاً، نجده أديباً، نجده سياسياً، نجده كاتباً، ناقدًا، صحفيًا، متعدد المواهب. وقد خصص نفسه للعلم، ليس عنده مشاغل
(15/ 1/124)

أخرى؛ حيث إنه لم ينجب أولاداً (1)، وكان أبناؤه هي الكتب، زوجته ساعدته في حياته؛ بحيث إنه لا يحمل همَّ أي شيء. تزوج من مصر الحاجه زينب مدكور من قبيلة النجمة التي تقطن منطقة الهرم، وجلس معها ثلاثين سنة، وبرغم أنها كانت عاقراً، لم يتزوج عليها، وعاشا سوية عيشة هنية، وبعد وفاتها تزوج ابنة أختها الموجودة الآن الحاجة انشراح مدكور، وابنُها المستشار أحمد البطران رئيسُ محكمة جنوب القاهرة. وهذه جلستْ معه خمس سنوات.
أما كونه قد تعلم اللغة الألمانية، فقد تعلمها فعلاً في ثمانية شهور، وهذا يدل على ذكائه، وعلى عظمة هذه الرجل. ونرجو الله أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويسكنه فسيح جناته.
وقد دخل إلى جماعة كبار العلماء في كتاب هو رسالة قيمة "القياس في اللغة العربية". هذه الرسالة دخل بها بجدارة إلى جماعة كبار العلماء، وهيئةُ كبار العلماء في الأزهر هيئةٌ أُنيط بها تحديث الأزهر الشريف، وإدخال العلوم الحديثة في الأزهرة يعني: هيئة كبار العلماء هذه خصصت لتحديث الأزهر الشريف؛ بمعنى: أن الشيخ الفلاني يدرس الرياضة، والشيخ الفلاني يدرس الكيمياء، اختيروا اختياراً، والشيخ محمد الخضر حسين كان من هؤلاء العلماء العظماء.
وقد حصل على الجنسية المصرية، أعطاها له الملك فؤاد؛ لأنه عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه "الإِسلام وأصول الحكم"، نقض الشيخ
__________
(1) أنجب من زوجته الأولى في تونس بنتاً فقط.
(15/ 1/125)

محمد الخضر حسين هذا الكتاب، وردَّ عليه رداً مفحماً، وبهذا الرد عطف عليه الملك فؤاد؛ لأن الملك فؤاد كان يريد أن يكون خليفة بعد إسقاط كمال أتاتورك للخلافة.
بهذه الجنسية، وبدخوله جماعة كبار العلماء، اختارته الثورة المصرية لمشيخة الأزهر الشريف. . . حيث زاره ثلاثة وزراء، فيهم: الشيخ أحمد حسن الباقوري الذي كان وزيراً للأوقاف في ذلك الوقت، وكان صديقاً للشيخ الخضر، بالإضافة إلى أن أعضاء مجلس قيادة الثورة كان معظمهم معه في (جمعية الهداية الإِسلامية).
المذيع: أعود ثانية إلى ندوة هؤلاء العلماء التي تجمعني بهم. ومعنا في هذه الجلسة -الدكتور مجاهد توفيق الجندي- والأستاذ علي الرضا الحسيني، شاعر، وأستاذ باحث، ابن شقيق المحتفى به، وكان قد جمع آثار العلامة محمد الخضر حسين- ومعنا الدكتور كمال عجالي أستاذ في جامعة "باتنة"، والمختص بالحضارة الإِسلامية والأدب. مرحباً بكم إذن لأعود إلى الأستاذ الدكتور كمال عجالي.
دكتور عجالي! يقال: إن كتاب "القياس في اللغة العربية" هو درّة نادرة
في هذا الظرف؟
الدكتور عجالي: طبعاً كما قال السادة الأساتذة، الشيخ محمد الخضر حسين لغوي بمعنى الكلمة، وهو جدير بهذا المعنى، وقد ألف كتابه هذا "القياس في اللغة العربية" ليبين أن اللغة العربية قادرة على أن تستوعب العصر، وتستوعب مستجدات العصر، وهذا المقصود من الكتاب.
وقد تقدم به كبحث لينال به درجة أحد كبار علماء مصر، وعندما ناقشه
(15/ 1/126)

السادة الأساتذة، وكان على رأسهم الأستاذ عبد المجيد اللبان -كما قال الدكتور توفيق- على أن الأساتذة أو اللجنة عندما ناقشت الرجل، وسمعت منه ما طرحه في الكتاب من آراء، ومن نظرات، ومن آفاق للغة العربية، ومن رؤى ثاقبة، قال رئيس اللجنة: هذا بحر لا ساحل له، فكيف ندخل معه في لجاج، أو كيف ندخل معه في حجاج؟! هذا اعتراف من اللجنة، ومن رئيس اللجنة على أن كتاب "القياس في اللغة العربية" كتاب فريد من نوعه، ومن حسن الحظ أن الجزائر شاركت في طبعه، وهي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، وأنا عندي نسخة منه، قرأته مرات عديدة، هذا الكتاب جدير بالقراءة للمتخصصين، وغير المتخصصين.
المذيع: أعود إلى الأستاذ علي الرضا الحسيني.
العلماء، أو أغلب العلماء يُزَجّ بهم في السجون، فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد زُجّ به في السجن، هلّا حدثتنا عن هذا؟
الحسيني: زُجّ به في السجن في عهد السفاح جمال باشا، وكان الشيخ في مجلس علمي، ويظهر أن أحد المحامين من مدينة طرابلس بلبنان كان حاضراً هذا المجلس، وتحدث عن تشكيل ناد، أو بمعنى جماعة لمقاومة الخلافة العثمانية، أو مقاومة الحكم، هذا الخبر انتقل إلى البوليس التركي، فألقي عليه القبض، وزُجّ به في السجن. وكان السجن في مدينة دمشق، في (خان مردم بك)، وهو الآن سوق تجاري وكان من رفاقه في السجن: المرحوم الرئيس شكري القوتلي رئيس أول جمهورية في عهد الاستقلال، وسعدي بك الملا، وفارس الخوري رئيس الوزراء، وأقام في السجن مدة ستة أشهر، أو يزيد، وما اشتكى من اضطهاد أو تعذيب أو قلة طعام، وإنما اشتكى من
(15/ 1/127)

عدم وجود قلم كان يحتاج إليه ليكتب حتى في السجن، ومنعوا عنه الورق. . . قال:
غلَّ ذا الحبْسُ يَدي عن قَلَمٍ ... كانَ لا يَصحُو عن الطِّرْسِ فَناما
أنا لولا هِمَّةٌ تَحْدو إلى ... خِدْمةِ الإِسلامِ آثَرْتُ الحِماما
وله بعض أبيات جميلة قالها في السجن عندما جرى نقاش مع الأستاذ سعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان؛ عن أيهما أفضل: البداوة، أم الحضارة؟ وكان الشيخ برأيه أن الحضارة نوع من المدنية، وأما بالنسبة للبداوة، فكان الشيخ قد عاش أول حياته في "نفطة"، وتأثر بالجو الريفي البدوي، وقال شعراً:
جَرى سَمَرٌ يومَ اعْتُقِلْنا بفُنْدُقٍ ... ضُحانا به لَيْلٌ وسامِرُنا رَمْسُ (1)
وقالَ رَفيقي في شَقا الحَبْسِ إنَّ في الْ ... حَضارةِ أُنسًا لا يُقاسُ بهِ أُنْسُ (2)
فقلتُ لَهُ: فَضْلُ البَداوةِ راجحٌ ... وحَسْبُكَ أن البَدْوَ لِيْسَ بهِ حَبْسُ
المذيع: طيب أستاذ حسيني. حدثتنا عن العلّامة محمد الخضر حسين كعالم، ولم نتحدث عنه كشاعر.
الحسيني: الشيخ الخضر شاعر رقيق، قوي السبك، إذا تصفحت ديوانه "خواطر الحياة"، تجده طرق كل فنون الشعر ما عدا الغزل، وقد حَقَّقته، كما حَقَّقه الأستاذ محمد علي النجار من الشيوخ في الأزهر، وأستاذ
__________
(1) الرمس: القبر مستوياً على وجه الأرض.
(2) رفيق الحبس: الأستاذ سعدي الملّا الذي كان سكرتيراً لشكري الأيوبي وقت الاعتقال، ثم أصبح رئيساً للوزارة اللبنانية.
(15/ 1/128)

اللغة العربية فيه. كما نجد في الديوان أبياتاً لا تصدر إلا عن شاعر ذي حس صادق.
لقد قرأت في شعره من أجمل ما قرأت في حياتي، وأنا محب للشعر، وأقوله في بعض الأحيان. لنستمع إلى قوله:
وغلامٍ قرَّبَ السّاعةَ مِن ... أُذْنِه يَسْمعُ منها النَّقَراتِ
قَالَ ما في جَوْفِها قلتُ له ... سوسةٌ تقرُضُ أيامَ حَياتي
المذيع: طيب أستاذ حسيني. لا شك أن العلامة محمد الخضر حسين من خلال بيت نرصده له يقول:
ولولا ارْتياحي للنّضالِ عن الهُدى ... لَفتَّشْتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
في الشطر الثاني يظهر أن العلّامة يجنح إلى الاعتزال بعض الشيء.
الحسيني: لا أستطيع أن أفهم هذا البيت من هذه الوجهة، كان الشيخ اجتماعياً واعتزالياً، هو اجتماعي مع رجال الحق، مع الشيوخ الكرام، مع السياسيين الأباة كان اجتماعيًا. أما عندما يجد أن هذه الطبقة لا تناسبه، فكان يعتزل.
ثم إن الشيخ لا يجلس في مقهى، ولم يدخل في نادٍ، كان همه خدمة الإِسلام، يتنقل من داره إلى (جمعية الهداية الإِسلامية)، إلى كلية أصول الدين، ثم يعود إلى داره، هذا برنامجه اليومي تقريباً.
المذيع: الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق! إذا تتبعنا أعمال العلامة محمد الخضر حسين التي تهتم بالشريعة الإِسلامية، فإننا نرصد أن هذه العلامة كان يهتم بالجانب الإصلاحي. وفي تصوري أن هذا الإحصاء الأولي: الحرية في
(15/ 1/129)

الإِسلام -الدعوة إلى الإصلاح- رسائل الإصلاح. هذه كلها عناوين لهذا العلامة. لا شك أنه كان يدعو إلى الإصلاح كثيراً. . . ربما هو امتداد لبعض العلماء الذين سبقوه؟
الدكتور الجندي: بالطبع. هو عالم جليل، عالم موسوعي، كان امتداداً للإمام محمد عبده، بل أنا شخصياً أعتبره مثل الإمام محمد عبده، وربما يفوق الشيخ محمد عبده في سفرياته إلى ألمانيا، وأعماله الأخرى.
إن الإمام محمد عبده ذهب لزيارة إيطاليا وفرنسا، وزار جزيرة إلى جانب إيطاليا التي أصوله منها، ولعلها ليست على ذاكرتي الآن. فالشيخ محمد الخضر حسين -أيضاً- طوّف في سويسرا، وألمانيا، وتركيا، وبلاد الشام، وبلاد المغرب، وزار الجزائر أكثر من مرة، كل هذه دعوات للإصلاح، كل هذا في سبيل نشر العلم، وفي سبيل إصلاح أحوال الأمة الإِسلامية، وإنقاذها من رقدتها؛ لتحارب وتواجه الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإنكليزي، وهذا الرجل يعتبر فلتة من فلتات الزمن، لا يجود بها الزمن كثيراً.
المذيع: نعود إلى الدكتور الأستاذ كمال عجالي.
لا شك أنكم درستم الحركة الإصلاحية في الجزائر، وما جلب انتباهي: أن الرجلين: عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد الخضر حسين كانا إصلاحيين، وكانا قد درسا على العلامة الشهير محمد الطاهر بن عاشور، لعل هذا الأصل هو الذي جعل الرجلين يتفرغان في مذهب الإصلاح إن صح القول؟
الحسيني: أريد أن أصحح في السؤال؛ فالإمام لم يدرس على الشيخ
(15/ 1/130)

محمد الطاهر بن عاشور، بل كانا زميلين معاً في الدراسة. والشيخ ابن باديس درس عليهما. أردت فقط أن أوضح هذا.
الدكتور عجالي: في الحقيقة -كما قال السادة الأساتذة- الشيخ محمد الخضر حسين رجل متعدد المواهب، ومتعدد الوظائف؛ كان رجلاً سياسياً، وكان رجلاً إصلاحياً، وكان رجل دين، كان لغوياً، كان شاعراً، كان صحافياً، رحّالة.
وبالنسبة لقضية الإصلاح عند الشيخ محمد الخضر حسين، أنا درست ديوانه "خواطر الحياة"، لا أقول: إني درسته، بل ألقيت عليه نظرة، فوجدت أن الرجل كان يدعو إلى الإصلاح، والتمسك بالأصول من صحيح الدين المتمثلة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، ويدعو إلى الرجوع لهذه الأصول. . . في نفس، الوقت كان -أيضاً- من الذين لا يمانعون من الأخذ من الحضارة، ومن مظاهر المدنية المعاصرة، وبالتالي كان الرجل رجل إصلاح، ورجل انفتاح، وبالتالي كان يدعو إلى الأخذ بالأصول، والأخذ بمستجدات الحياة. وهذه هي نفس النظرة التي دعا إليها الشيخ محمد عبده، ونفس النظرة التي تبناها الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله-، ومنهج (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). فالرجل كان إصلاحياً بمعنى الكلمة، ولا جدال في هذه النقطة.
المذيع: طيب، الأستاذ علي الرضا الحسيني! ما علمتُه من حضرتكم؛ أن العلامة محمد الخضر حسين يتقن ثلاث لغات أجنبية، هل تحدثنا عن تمكنه وبراعته في إتقان هذه اللغات؟
الحسيني: حسب ما وصلتُ إليه من وثائق أثناء تحقيقي في موضوع
(15/ 1/131)

الشيخ: أنه درس الألمانية في برلين عندما قام هناك بأعمال مجيدة، وهي في الغاية: تأليب الجنود المغاربة الذين وقعوا في أسر الألمان؛ ليجندهم للحرب ضد فرنسا في المغرب العربي.
ووجوده في ألمانيا لمدة ستة أشهر في زيارته الأولى، ثم ولمدة أربعة أشهر ويزيد في المرّة الثانية، أتقن اللغة الألمانية على يد مستشرق ألماني اسمه (هاردر)، وأسس مسجداً في برلين، وألقى به خطاباً، يقال: إنه بعد الخطاب ألقاه باللغة الألمانية.
ثم في تركيا عُين في ديوان وزارة الحربية عند أنور باشا، كان هو صديقاً له في ديوان اللغة العربية، فكان مضطراً أن يدرس اللغة التركية، فدرَسها وأتقنها.
ثم في أواخر أيامه، عندما أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) في مصر، ومهمتها عبارة عن حرب ضد فرنسا، والدعاية ضدها، فأتى بمصري يتقن الفرنسية، وعلمه اللغة الفرنسية حتى أتقنها.
الشيخ لا يتبجَّح، ولا يُكابر، لا يقول في أي مجلس كذا وكذا، ولكني سمعت ممن أثق بدينه وبقوله أن الشيخ يتقن هذه الثلاث لغات.
المذيع: طيب، أستاذ رضا الحسيني! أنت كنت ملازماً للشيخ محمد الخضر حسين، هل كان يتردد عليه بعض العلماء -مثلاً-؟
الحسيني: يا أخي! أنا لم أكن مقيماً معه، إن إقامتي في دمشق مع الوالد زين العابدين، إنما التقيت بالشيخ عندما استلم مشيخة الأزهر، وأقمت لديه شهراً. وكان يأتينا بين سنة أو ثلاثة إلى دمشق للاصطياف وللتنزه، والترويح عن النفس؛ يعني: يمكن أن أجمع لك الأيام بالنسبة للشيخ بما لا تتجاوز
(15/ 1/132)

أربعة أو خمسة أشهر. ولكن عرفت كل شيء عن الشيخ؛ لأن الشيخ لا يخفي شيئاً عن الناس، تراه على طبيعته.
والسادة العلماء يعرفون أكثر مني عن العلماء الذين يترددون عليه في مصر. والشيخ لا يستقبل أحداً في داره. في السيدة زينب شقة تتألف من غرفتين، وفسحة صغيرة، كانت لا تتسع أن يستقبل فيها أحداً، كان يأتيه كبار القوم من العالم الإِسلامي، فكان يتفق معهم على موعد في (جمعية الهداية الإِسلامية)، يستقبلهم هناك مساء، وإذا دعاهم، يدعوهم إلى مطعم، أو يأتيهم بالطعام إلى (جمعية الهداية الإِسلامية). ما كان يستقبل أحداً في بيته.
وعندما استلم مشيخة الأزهر، أصبحت داره أوسع في شارع صفية زغلول، فيها أربع أو خمس غرف. حتى يقال: إن الحبيب بورقيبة عندما فرَّ من تونس إلى مصر، أوقفوه في السلّوم، فقالوا له: من أنت؟ قال لهم: أنا الحبيب بورقيبة، واتصل بالشيخ الذي اتصل بدوره باللواء صالح حرب باشا، كان وزيراً للداخلية وقتها، وكان صديقاً للشيخ. وكان كبار عظماء الرجال في مصر -كما تفضل الأستاذ الجندي- كانوا من أصدقاء الشيخ. كثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا أعضاء في (جمعية الهداية الإِسلامية)، ليسوا بأعضاء عاملين، بل أعضاء مؤازرين. اللواء محمد نجيب كان يترد على الشيخ باستمرار، فلما قامت الثورة، استدعي الشيخ لتسلم مشيخة الأزهر. وكانت (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) إحدى حركاته النضالية. ومقرها في (جمعية الهداية الإِسلامية)، وكثير من الجزائريين فيها، وكان الفضيل الورتلاني هو الأمين العام للجبهة، والمكي الشاذلي.
(15/ 1/133)

أنا عندي الآن وثائق للفضيل الورتلاني أكثر من خمسين مقالة يتحدث فيها عن نضال الجزائر، والقضية الجزائرية، وله كتاب "الجزائر الثائرة"، كتبها في جريدة "المنار"، وكانت تصدر بدمشق.
المذيع: إن الفضيل الورتلاني الذي تحدث عنه الأستاذ علي الرضا الحسيني هو من أكبر المجاهدين، وعضو في (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
وأخيراً: شكراً للسادة المشاركين في هذه الندوة.
(15/ 1/134)

على هامش الملتقى

ندوة إذاعية (1) الدكتور عمار الطالبي - الأستاذ محمد الهادي الحسني الدكتور نجيب بن خيرة - الدكتور محمد مواعدة الدكتور مولود عويمر
المذيع مقدم الندوة: مرحباً بكم إلى هذه الندوة التاريخية العلمية، التي نتناول من خلالها جوانبَ من شخصية العلامة التكلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري.
ها هو ذا مساء آخر يفتح أكمامه، ويلقي عصاه في بحر آخر من بحور المعرفة؛ بحثاً عن الحقيقة التاريخية، وما يحوطها من أسرار.
يتجدد الموعد إذن في موسم من مواسم العودة إلى مدن الجنوب، في عرس معارفي تحييه نواميس الحياة، فنجلس معاً في حضرة العلماء، ونتناول ما لذّ وطاب من علم ومعرفة.
أهلاً بكم إلى هذه الجلسة الأثيرية، وهذه الندوة التاريخية العلمية التي يحضر من خلالها معنى:
- فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور عمار الطالبي أستاذ بجامعة الجزائر.
__________
(1) ندوة إذاعية على الهواء مباشرة من الإذاعة الجزائرية في مدينة "بسكرة" على هامش الملتقى. مساء يوم 27/ 12/ 2007 م.
(15/ 1/135)

- الأستاذ محمد الهادي الحسني.
- الدكتور نجيب بن خيرة أستاذ في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.
- الدكتور محمد مواعدة، خبير لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة من تونس.
- الدكتور مولود عويمر أستاذ بجامعة الجزائر.
نتحول إلى فضيلة الشيخ والعلامة الدكتور عمار الطالبي من جامعة الجزائر؛ لنضع هذا السؤال: حياة اللغة العربية -الخطابة عند العرب- القياس في اللغة العربية - دراسات في العربية وتاريخها. هذه العناوين هي للعلامة محمد الخضر حسين. هل هو شعوره القوي بالانتماء؟ الهوية؟ أم دافع التوسع والتطلع إلى مجالات أخرى، واختصاصات أخرى غير الشريعة، جعله يهتم باللغة العربية بهذا الشكل؟
الدكتور الطالبي: إذا ما درسنا أعمال العلامة محمد الخضر حسين من جوانبها اللغوية، فإنا نجده ينشط في هذا المجال لسببين:
السبب الأول: هو سبب نضالي، ودفاع عن اللغة العربية في عصر حوصرت، وضيَّق عليها الاستعمار، وخاصة في الجزائر، وإن كانت تونس بقيت بمنجاة عن كثير مما حلّ بالجزائر من الطمس والاندثار، ويدافع الدفاع عن اللغة العربية وعن وجودها؛ باعتبارها وسيلة لفهم القرآن الكريم، ولفهم الإِسلام، فهو يدافع عنها بكل ما لديه من قوة.
والسبب الثاني: هو دافع علمي، لذلك إنه في أول حياته كان شغوفاً بالدراسات اللغوية والعربية وآدابها، ثم بعد ذلك وقع له تحوّل أساسي، انصرف إلى علوم الشريعة بأسلوب جديد غير الأسلوب التقليدي الذي كان
(15/ 1/136)

يألفه الناس في عصره؛ من اختصار الخليل، وشروحه، وحواشيه. والذي نبهّه إلى هذا: هو أبو بكر بن العربي، حينما قرأ مؤلفاته، فهو يدرس الشريعة بذوق عقلي إن صح التعبير، وهذا التعبير قاله ابن رشد: الذوق العقلي، ولم يستعمله غيره؛ لذا أعجب بأسلوب أبي بكر بن العربي، وهو أسلوب قوي في اللغة العربية، وبأسلوبه في تناول الدراسات الحديثية، والدراسات الفقهية، وتفسير القرآن، فانصرف إلى هذا الجانب.
ولكنه لم يتخلّ عن اللغة العربية؛ بدليل أنه لما تقدم إلى جماعة كبار العلماء في القاهرة، قدّم هذا الكتاب، وهو: "القياس في اللغة العربية"؛ لينال به هذه العضوية، التي تشترط بصاحبها أن يقدم بحثاً جديداً فيه أصالة، وفيه تظهر شخصية الباحث، فنال هذه الدرجة لإجماع الذين قبلوا عضويته في هذه الجماعة.
وكذلك الدراسات اللغوية الأخرى انتهى إليها بدافع علمي، وهي الدراسات التي قدمها لمجمع اللغة العربية في القاهرة، وكان عضواً فيه، وكذلك "المجمع العلمي العربي بدمشق. قدّم لهذين المجمعين أبحاثاً لغوية متميزة في وضع المصطلحات، سواء كانت تتعلق بمتن اللغة نفسِها، أو تتعلق بالمدارس الأخرى؛ بتصحيح الروايات التي تتحدث عن مشافهة العرب، واستعمالاتها، وأوضاعها في اللغة.
فهو لا يقبل إلا ما كان صحيحاً في سنده وروايته، ولا يقبل أقوال بعض علماء اللغة الذين لا سند لهم بالطريقة التي يراها هو صحيحة تصل إلى كبار المصادر والموارد اللغوية القديمة؛ كسيبويه، ونفطويه، والسكاكي، والأخفش، ومن إليهم من كبار العلماء.
(15/ 1/137)

هو جال جولة عظيمة، ودافع عن اللغة العربية، وعن الشعر الجاهلي ضد طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي"؛ لأنه شكَّ في هذا الشعر أنه منحول، ونسب إلى الجاهليين، ولا يمكن أن يستعمل في فهم القرآن؛ لأنه ليس مصدراً موثوقاً به، وهذا ما دفعه للدفاع عن اللغة العربية، والدفاع عن الشريعة في "نقض كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين"، وهو ليس أمراً سهلًا أن تعارض شخصية مثل هذه الشخصية الأدبية اللغوية، الأمر ليس من السهولة في مكان. ولكنه اقتحم، ومع أنه في مصر وليس مصرياً، بمعنى الكلمة، ومع ذلك اقتحم ذلك بجرأة، ولم يخش إلا الله.
وكذلك في كتابه "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وإن كان الجانب الشرعي غير الجانب اللغوي.
المذيع: أفهم من كلامكم هذا -فضيلةَ الدكتور-: أن العلامة محمد الخضر حسين أراد أن يطبق علمَ الجرح والتعديل على الأسانيد اللغوية؟
الدكتور الطالبي: منهجهُ هو منهج المحدثين في التوثق من رواية الأخبار والمتون اللغوية، أو المتون الحديثية. ولذلك نجده في تراجمه للرجال يعتمد على منهج المحدّثين أكثر مما يعتمد على منهج المؤرخين؛ لأن المؤرخين -كما تعلم- يتساهلون فيما لا يتساهل فيه أهل الحديث؛ لأن الحديث يترتب عليه أحكام شرعية، ولذلك يشترطون شروطاً قاسية ومضبوطة حتى يقبلوا رواية من الروايات. أما المؤرخون، فلا يترتب على الأخبار التي ينقلونها، والروايات التي يوردونها أشياء خطيرة، إلا في أخبار الفتن التي وقعت بين الصحابة، والأحداث الكبرى التي تحيط بالأمة. وسلك في هذا منهجاً هو في الحقيقة منهج أبي بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم".
(15/ 1/138)

أنكر كثيراً من الروايات التاريخية، ولم يصدق إلا ما رواه الطبري، والثقات من المحدّثين؛ لأن السيرة -مثلاً- إما أن نأخذها من كتب التاريخ، وإما أن نأخذها من كتب الحديث، فالسيرة الصحيحة إنما تعتمد على السند الحديثي، وهو أكثر وثاقة من السند التاريخي، والمحدثون هم ابتدعوا هذا الطريق، وهذا المنهج النقدي، ثم تبعهم بعد ذلك المؤرخون، حتى الأدباء يروون النصوص الأدبية بطريق السند. أظن أن هذا منهج متشدد فيه.
المذيع: نتحول إلى الدكتور محمد مواعدة: لا شك أن الشيخ محمد الخضر حسين كانت نشأته الأولى في "نفطة" من الجنوب التونسي، ومعلوم أن هذا العلامة كان موسوعياً متعدد المواهب، كان شاعراً، مفكراً، رجل دين، وكان إعلامياً.
بتصوري هل هذه المواهب كانت قد تشكلت مع إقامته الأولى في الجنوب التونسي، أو في تونس بالأحرى، وحتى درس في جامعة الزيتونة؟
الأستاذ مواعدة: أشكر إذاعة "بسكرة" على هذا اللقاء الحميم مع نخبة من المثقفين من الجزائر الشقيقة، ومع نخبة ليست فقط مهتمة بالشيخ محمد الخضر حسين، بل مهتمة بقضية الهوية والانتماء.
الملاحظة الأولى: أن قيمة الشيخ محمد الخضر حسين هو بحر، وكما قال أحد الإخوان في الندوة: هو رجال في رجل. ولكن أقول شيئاً آخر: إنه من الشخصيات العديدة بين الجزائر وتونس التي وحَّدت، تجاوزت الحدود المصطنعة الاستعمارية، وأكدّت أن هذه الشعوب هي شعب واحد، هي أمة واحدة.
ومن "طولقة" كأصول، إلى "نفطة" نشأة وتكوين، إلى تونس، إلى
(15/ 1/139)

الأزهر؛ يعني: أنه أصبح رجل الأمة الإِسلامية انطلاقاً من إطار محدود جداً. هذا نوع من الشخصيات التي تتجاوز الإطار الجغرافي إلى الإطار الحضاري.
الذي أثر أولاً في شخصيته، أعتقد: الأساس الجذور، هو مثل النخلة، النخيل جذورها عميقة، ورؤوسها في السماء مرتفعة إلى أبعد الحدود، وهذا هو نوع الشخصية التي يرمز إليها الشيخ الخضر حسين.
لا شكَّ أن انتماءه إلى جذوره له أثره: الشيخ مصطفى بن عزوز جدّه لجهة الأم، وعلي بن عمر من جهة الأب، العائلة في جذورها في مدينة "طولقة" بسكرة عاصمة الزيبان، له أهمية كبيرة أن ينشأ الإنسان في عائلة محاطة بجو ديني شرعي، ثم باهتمام لغوي. والاهتمام اللغوي -كما قال الدكتور عمار- هو أساس الاهتمام بالنصوص الدينية.
وحوله خاله المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز في "نفطة".
قلت للإخوان ونحن أطفال صغار، ونسمع بالشيخ محمد الخضر حسين، ومن منا لا يزور زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز؟!. ونعرف أن الشيخ مصطفى ابن عزوز جاء من منطقة "طولقة"، والعائلة كلها منحدرة منها.
إن العلاقات العائلية بين "نفطة" في الجريد -مثلاً- وبين هذه المنطقة -الزيبان- علاقات لا تحصى. بل يستحيل أن لا تجد هنا وهناك عائلة من هنا وهناك.
المذيع: حتى بعض العلماء هنا -في منطقة الزاب الكبير-، كانوا قد درسوا في "نفطة"، ومنهم: العلامة الشيخ العربي التبسّي، وغيره. ومؤسس (زاوية الهامل).
(15/ 1/140)

الأستاذ مواعدة: صحيح، كثيرون من الجزائريين تلقوا العلم في زاوية "نفطة". ثم بعد ذلك البيئة التي عاشها في "نفطة"، وتسمى: الكوفة الصغرى في ذلك الوقت نتيجة الدروس والمعاهد العلمية. عندنا مثل يقول: بين كل جامع وجامع هناك جامع، وبين كل مسجد ومسجد هناك مسجد. وهذا طبعاً له تأثيره.
ثم الانتقال إلى جامع الزيتونة في تونس في المرحلة الموالية، مع إخوته بطبيعة الحال. والعائلة انتقلت إلى تونس للتمكين، والمزيد من التعمق في جامع الزيتونة. وقد سبقه قبل ذلك خالهُ الشيخ محمد المكي بن عزوز، والعديد من أقاربه.
عاش الشيخ الخضر، واستفاد من ذلك الجو العلمي، وليس فقط العلمي، بل العلمي والأدبي؛ لأنه هو يذكر عن نفسه في تاريخه: أنه من الطفولة اهتم بالشعر، وبدأ يقول الشعر، ويقول: عندما كبرت، اهتممت بالجانب العلمي أكثر من الجانب الأدبي الذوقي الشعري، إضافة إلى الجانب الأدبي، وإضافة إلى الجانب العلمي. ووصل في جامع الزيتونة إلى درجة رفيعة -كما هو معلوم - فهو من كبار علماء جامع الزيتونة، قبل أن ينتقل -طبعاً- إلى الشرق.
ومن المعلوم: أنه أحدث أول مجلة عربية في الساحة المغربية، هي مجلة "السعادة العظمى"، التي تعتبر نموذجاً لذلك الوقت، نموذجاً للمحتوى العلمي، ولمحتواها العقائدي والفكري، والمحتوى الأدبي. كانت تنشر الشعر، وكان في ذلك الوقت نوع من الشعر العصري الذي هو شعر رصين رقيق، ومن النوع الرفيع من حيث الصياغة، ولكن في الوقت نفسه من حيث
(15/ 1/141)

المضمون هو حداثي، يدعو للاستفادة من الجانب الحديث. وكانت من بين المجلات القليلة التي نشرت هذا النوع من الشعر الذي يسمى بالشعر العصري.
إذن. بيئته وأصوله وجذوره، ينتمي إلى عائلة لها قيمة في "طولقة" منها أجداده وأخواله. ثم البيئة في "نفطة" هي نفس البيئة -تقريباً- مع البيئة في المدينة التي عاش فيها، كل ذلك له تأثير كبير جداً، وله تأثير -فيما بعد - على مستقبله العلمي ومكانته.
المذيع: نتحول إلى الدكتور نجيب بن خيرة من جامعة الأمير عبد القادر في قسنطينة:
بلا شك -دكتور نجيب - أن العالم أو الدارس الذي يستطيع أن يعلق ويشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي، لا شك أنه وصل إلى هامة عالية من العلم، وما بلغني، وما أطلعت عليه: أن فضيلة الشيخ الخضر حسين كان قد علّق، أو لديه تعليقات على كتاب "الموافقات" في عام 1923 م؟
الدكتور بن خيرة: الحقيقة ما أجيب به لن يكون أكثر مما يقوله الدكتور عمار الطالبي، وهو متخصص في مجال الفقه والأصول والفلسفة. ما كتبه الشيخ الخضر حسين عندما كتب عن "الموافقات" للشاطبي، هذا دليل على الزاد الشرعي الذي كان يحمله من خلال الرحلة العلمية التي تلقاها عبر جامع الزيتونة، وقبل ذلك في الكتاتيب.
كانت المعارف اللغوية، والمعارف الفقهية التي تعتبر آليات لفهم علم الأصول. . . ونعرف أن الإمام الشاطبي كان من أواخر من كتب في المقاصد الشرعية، بعد أن استكمل دراسة علم الأصول، كتب كتاب "الموافقات" الذي
(15/ 1/142)

هو في مقاصد العلوم الشرعية. والذي يشرح هذا الكتاب يعني: ألمَّ بعلوم، الفقه، وأصول الفقه، والمنطق، ودلالة الألفاظ، وأقيسة اللغة. كل هذه درسها، وتمكن فيها، ورسخت قدمه في جوانبها، ثم بعد ذلك يتناول كتاباً مثل "الموافقات" للإمام الشاطبي.
وأظن أن هذه الكتابة، وهذا التخصص يأتي دائماً كتتويج للمعارف الشرعية التي يدرسها العالم، ويدرِّسها. وبعد جهد جهيد يؤلف في ميدان مثل ميدان المقاصد، أو يشرح كتاب "الموافقات" للشاطبي الذي نحن الآن في هذا العصر هناك "أطروحات دكتوراه" كثيرة في جامعات إسلامية في جوانب من الشاطبي. ولا يكتب عن الشاطبي إلا ضليع في الفقه والأصول. وليس في نظرية المقاصد فقط. والخضر حسين كان سباقاً في شرح "الموافقات" للشاطبي، وشرح الموافقات التي يلدّ فهمها إلا على الألبّاء من العلماء الفطاحلة والفقهاء.
الدكتور الطالبي: ما تفضل به بن خيرة. كتاب "الموافقات" طبع أول ما طبع في تونس، لجنة من العلماء صحّحوه على مخطوطات موجودة في تونس، ولكنه لما ذهب إلى مصر الشيخ محمد الخضر حسين، أراد أن ينشر هذا النص المحقق؛ لأن عبد الله دراز كان قد علق عليه، وطبعه، ولكن هذه النشرة يتولاها هو والشيخ بخيت المطيعي، وهو مفتي الديار المصرية، والذي أجاز الشيخ ابن باديس في منزله في حلوان.
أنا قرأت هذه التعليقات، وأعجبت بأسلوبه، ليس كأسلوب القدماء في التعليق، بل أسلوب حديث، وأسلوب التعبيرات السياسية، تشمّ منه رائحة النضال السياسي في أصول الفقه ومقاصده. تجد هذه التعليقات في غاية القوة،
(15/ 1/143)

وفي غاية الحداثة. لهذا يختلف تماماً عن تعليقات اللجنة التي حققته في تونس. وكان لهذا الكتاب الذي أوحى بالاهتمام به الشيخُ محمد عبده نفسه، وقدم له بمقدمات مهمة مع تعليقات، ولكن تعليقات الشيخ لها طابعها الخاص. كما لاتجاهه طابعه الخاص، ليس هو اتجاه البخيتي، والشيخ البخيتي مفتي وفقيه، ولكن طريقة القدماء. أما صاحبنا، فهو واقعي، عينه في الواقع أكثر من عينه في النص.
الدكتور بن خيرة: اطلعت بالأمس على مجلة "نور الإِسلام"، فوجدت أن مقالات الشيخ التي يستهل بها المجلة كلها في الأخلاق، وفي تربية النشء؛ لأن الجيل يتعرض للمسخ، والهوية تتعرض للطمس، فهو ليس لديه الوقت على أن يتتبع دقائق التفسير، ودقائق الأقوال والأدلة والمذاهب.
الأستاذ الحسني: ربما حصل في هذا الوقت التيار التغريبي، لم يستطع أن يواجه الأمة بالتنكر للإسلام مباشرة، وإنما هذا التيار بمصطلح المثالية: مثالية الإِسلام، والمقصود: أن هذا الكلام الذي تقولونه جميل جداً، لكنه لا يصلح للواقع، فكان الشيخ الخضر وغير الشيخ الخضر ردّ عليهم.
المذيع: الأستاذ محمد الهادي الحسني! باعتباركم أنكم إعلامي كبير، لا شك أنكم مهتمون بالجانب الإعلامي: فضيلة الشيخ الخضر حسين -إلى جانب أنه عالم- كان قد أسس بعض المجلات. . . مجلة "السعادة العظمى"، مجلة "الشبان المسلمين"، مجلة "نور الإِسلام"، مجلة "الهداية الإِسلامية"، وغيرها، وكنت اطلعت له على مقال له في مجلة "الهداية الإِسلامية" في المجلد السابع، كان قوياً في كتابته، وكان رقيقاً، كان إعلامياً يوصل المعلومة إلى قارئها من حيث لا يدري؟
(15/ 1/144)

الأستاذ الحسني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يظهر لي أولاً بالتعليق على "السعادة العظمى" حتى خاله محمد المكي بن عزوز قال له: هذه مستواها عالي كثيراً -عندما راسله-. لكن يظهر لي هناك أمران: يريدان أن يثبت؛ كما يقول المثل العربي: (إن في بني عمك رماحاً)، يريد أمرين: هذا تحليل، وليس نتيجة دراسة واستنتاج، يريد أن يضع المنبهرين بمجلة "المنار" أننا يمكن أن ننشئ منارنا هنا، ويمكن أن يضع الذين يعارضون اتجاهه وتياره بأن ما أعرضه عليكم فيه جدوى، وفيه فائدة من حيث المبنى، ومن حيث المعنى، يعني: من حيث الشكل، وإلا من حيث المضمون.
لكن صراحة نقول: إنني لم أطلع على كل ما كتب، لكن "السعادة العظمى" قرأتها من أولها إلى آخرها، والكثير منها استغلق عليَّ فعلاً، حتى الذين جاؤوا من بعده، وأتيحت لهم ظروف للانفتاح، لم يصلوا إلى مستوى دقة كثير من المقالات تقرؤها في الجرائد في الثلاثينات والأربعينات، لا ترقى أبداً لمستواها. ويبدو لي أن هذه اللغة مطواعة له، يكتب في الشعر، يكتب في الدين، يكتب في الأمور الاجتماعية، في الأخلاق، فمستواه لا ينزل، لا يُسِفّ، هذا يعني: أن فيه الاستعداد الفطري، وفيه اكتساب، الرجل درَس وقرأ. . . هذا درسٌ لنا ولأبنائنا الشبان: أن الثقافة لا تأتي من صحيفة، ولكن من أمهات الكتب، أن تقضي معها الأوقات. فتقدر أن تقول ما يقول ابن مالك على ابن معطي. حتى ولو الذين جاؤوا بعد الشيخ الخضر حسين نبغوا وكتبوا، ولكنه الرائد له الريادة، فهو أول من أصدر مجلة في شمال إفريقيا، ولذلك -كما قال ابن مالك- فهو مستحق التفضيلة بهذه الريادة. ولكن حتى الريادة، من طبيعة الأشياء: أن الرائد دائماً يكون عمله فيه نقص،
(15/ 1/145)

ولكنه كان في مستوى رفيع جداً وعالي.
وننبه على فكرة: الشيخ الخضر لم يدرس على الشيخ الطاهر بن عاشور، بل درسا معاً، وهما زميلان، وإنما الشيخ ابن باديس تتلمذ على الاثنين.
الدكتور الطالبي: الأسلوب الجديد عنده في الصحافة والكتابة نتحرى فيه أمرين: الأمر الأول: المحسنات اللفظية، والأسلوب اللفظي. والأمر الثاني: المضامين. مضامين جديدة تتناول الحياة السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والأخلاقية، والدفاع عن اللغة العربية. هذا شيء مهم، وحرر الصحافة بشمال إفريقيا بهذا الأسلوب، وابن باديس حررها هنا. وأتى بأسلوب جديد يخالف أسلوب القدماء. .
المذيم: الدكتور عويمر! كأني بالرجل يتقن الفنون الثلاثة: علم البيان، علم المعاني، وعلم البديع.
الدكتور عويمر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قضية الصحافة في المشروع الإصلاحي للشيخ محمد الخضر. هو لم يدخل الصحافة كصحافي، هو عالم ومصلح، واستغل هذه الآلة الجديدة التي ابتكرت في الغرب وسيلة يستطيع من خلالها أن يوصل أفكاره إلى شعوب، وإلى أقوام، وإلى المسلمين، لا يستطيع أن يحققها من خلال الكتب، أو من خلال المسجد. هذا الخطاب الذي يحمله يمكن أن يمر عن قناة ووسيلة أنجح.
وعندما يكتب الشيخ الخضر المقالة، يكتب وهو يحافظ على هويته، هويته المثلى، هوية العالم، هوية المفكر، ولا يتقمص شخصية الصحافي. بدليل: أن هذه الصحافة في الحقيقة هي صحافة علمية. هو لم يؤسس جريدة، هو أسس مجلة، المجلة هي علم، هي كتاب. المجلة طابعها أنها تحمل
(15/ 1/146)

مقالات ليست مقالات صحفية، ولكن مقالات علمية بشكل مبسط.
الأستاذ مواعدة: المجلة -أحياناً- كان يكتبها وحده كاملة. العدد الأول يحدد وجهة المجلة وسياستها. فنجده كتب العدد الأول كاملاً فيه مجموعة من الاستطلاعات، هو رجل كان يريد إصلاح المجتمع من خلال نظرته للشريعة. فاستعمل كل الوسائل: المجلة، والجرائد، والمحاضرات، والكتب، واللقاءات. في كل المجالس يتحدث عن الإِسلام، والشريعة، وإصلاح المجتمع. حتى اللقاءات الخاصة في البيوت، وإلي آخره.
المذيع: أتحول إليك الدكتور عويمر مرة أخرى. ما لاحظته من خلال أعمال الخضر حسين أنها تنقسم إلى شقين: هناك الجانب الإصلاحي الذي تناول الشريعة، وهناك الجانب اللغوي. وربما حذا في دربه هذا حذو محمد عبده، أليس كذلك؟
الدكتور عويمر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. في الحقيقة أن الشيخ محمد الخضر حسين ابنُ زمانه، لا يمكن أن نفصل أي عالم من زمانه، فليس هناك فاصل بين الاهتمام باللغة، وبين الاهتمام بالإصلاح، فاللغة هي وسيلة.
وكما تفضل الدكتور عمار الطالبي أن هذه اللغة كانت مهددة، لا ننسى أنه في فترة العشرينات والثلاثينات قامت صيحات داخل العالم العربي تنادي إلى القضاء على اللغة العربية، وتعميم ونشر العامية، وفيه جدال وسجال كبير في داخل الأزهر، وفي الساحة الثقافية العربية، وخاصة بعد أن حاول كمال أتاتورك أن يقضي عليها، ويضع اللغة اللاتينية بدل اللغة العثمانية المكتوبة بالحروف العربية.
إذن. فإن مسألة اللغة كانت مطروحة بقوة في العالم العربي، وهي
(15/ 1/147)

موضوع اشتغل به المصلحون، اللغة والهوية والتربية والتاريخ والقرآن والتفسير، كل هذه المواضيع دخل منها العلماء والمصلحون في بداية النصف الأول من القرن العشرين للاشتغال بالإصلاح، ومحاولة تغيير هذا المجتمع الإِسلامي.
فليس هناك فاصل بالاهتمام باللغة العربية؛ بحيث يهتم باللغة العربية فترة معينة، ثم يشتغل بقضايا اجتماعية وسياسية، ثم يعود إلى اللغة العربية، فلا أرى فاصلًا، وإنما فيه تكامل. هذه النظرة هي نظرة شمولية تكاملية إلى القضايا الأساسية المطروحة على الساحة الفكرية. . . وهذه هي رسالة المفكر، كلما طرحت قضية شائكة ومهمة في المجتمع، لا بدَّ أن يتصدى لها، ويناقشها، ويقدّم تصوره حول هذه المشكلة، خاصة إذا تزاحمت الأفكار، وغلبت الأفكار الخاطئة الأفكار الصحيحة، وكان هذا هو دور الشيخ محمد عبده، ودور الشيخ ابن باديس، ودور الشيخ محمد الخضر حسين.
المذيع: نتحول إلى فضيلة الشيخ الدكتور عمار الطالبي. يبدو من أن الذي يدرس فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، من الوهلة الأولى، يبدو أنه كان حضارياً، أي: بكلمة أخرى: حدثياً؛ أي: بمعنى أنه كان مسايراً إلى ما يحدث في الغرب، وهكذا العلامة محمد الخضر حسين، أليس كذلك؟
الدكتور الطالبي: أعتقد بأن محمد الخضر حسين متأثر بابن خلدون، كما كان ابن باديس أيضاً، ويدرِّسه لطلبته. وابن خلدون رجل واقعي، ويهتم بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس رجلاً يحلق في المستوى الخيالي. وهذه الواقعية التي أكسبته هذا المنهج التجريدي التاريخي النقدي.
نجد أن هناك قدراً مشتركاً -كما أشار الإخوان-: محمد عبده لم
(15/ 1/148)

يهتم بإصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية، اهتم بإصلاح اللغة، فرجع، وأصدر قرارات في التعليم بالأزهر، وأدخل "نهج البلاغة" و"شرحه"، كما أدخل العديد من الكتب -أيضاً- من عبد القادر الجرجاني، ومنها: "مقدمة ابن خلدون"، عرضها على الأزهريين، وبعضهم امتنع من تدريسها. والشيخ له هذا الجانب -أيضاً- اهتم باللغة، وبالقياس اللغوي، وبمصادر اللغة. وهو أول من أراد أن يجعل الحديث حجة في اللغة العربية، الحجة في الشعر الجاهلي، وصدر الإسلام، والجماعة الذين رووا عن العرب في البادية، وعن المناطق البعيدة عن التأثر بالرومان والفرس.
وابن خلدون أتى بمنهج جديد في التاريخ، نقد الأخبار، ولم يقبل كثيراً من الروايات التاريخية التي تعتمد على الخرافة، وعلى ما لا حجة فيه ولا سند. وهو يريد أن يعيد المؤرخين إلى الناحية الواقعية، وإلى الأسباب، كما أنه أكد في دراسة الظواهر الاجتماعية، منهج واقعي يقوم على المشاهدة، وليس على التخيل. وفيه شبه بين ابن خلدون والشيخ الخضر: ابن خلدون كان يرحل ويكتب، وهذا الرجل كان يرحل، رحّالة ينتقل في بلاد الله، وكلاهما استقر به المقام في مصر، وانتهى أمره في البلاد المصرية، ودفن هناك.
فهذا المنهج الواقعي الاجتماعي والتربوي لابن خلدون؛ لأن ابن خلدون تحدث عن التربية، وتأثيرها في تكوين الذهنيات العلمية، وأما صاحبنا الشيخ محمد الخضر حسين، فهو متصل بالتربية العلمية في النوادي، ويخاطب الشباب، ويعطيهم التوجيهات، إن في الواقع، وإن في التاريخ، وإن في السلوك الأخلاقي والسلوك اللغوي.
(15/ 1/149)

فكان الرجل لا يتكلم عن التربية، وإنما يطبقها. نجد -مثلاً-: أن محمد عبده تكلم عن التربية، وتغيير المناهج في تونس، وحاول أن يطبق دراسته ومنهجه في الأزهر، إلا أنه فشل إلى حد ما. والشيخ الطاهر بن عاشور كتب "أليس الصبح بقريب" في التربية، نهج منهج محمد عبده، ولكن تفسيره يختلف عن تفسير محمد عبده. ابن عاشور رجل مهندس اللغة، ويأتي بأشياء مبتكرة لا تجدها في القواميس، رجل بحاثة، ويغوص في هذا.
والشيخ محمد الخضر حسين يناقش القدماء، ويناقش المحدثين في مناهجهم اللغوية، وآرائهم اللغوية، كما ناقش طه حسين، وله صولة وجولة في مصر، لا يسمع لمن ينتقده. ولم يخشى الشيخ الخضر القوى التي كانت وراء طه حسين. ولكن دافع بجوأة عن اللغة، وعن الشعر الجاهلي، واعتبره مصدراً من مصادر اللغة العربية يحتج به.
وتجوُّله في أوريا أعطى له بعداً حضارياً، ورأى أشياء لم يعهدها شيوخ الأزهر. ولعل تكلمه اللغة الألمانية ساعده على معرفة ما يكتبه الغربيون. ولذلك نحمد لشيخنا دفاعَه المستميت عن اللغة وصحة متونها وصحة أساليبها، والدفاع ضد كل من يحاول أن (يخربش) فيها.
المذيع: نتحول للدكتور مواعدة. فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين كان قد درس في جامع الزيتونة في عام 1889 م، وفي ذلك الوقت كان جامع الزيتونة منارة تضاهي جامع الأزهر الشريف؛ أي: بمعنى أن الخضر حسين لما انتقل إلى مصر، كان قد شبع علماً، أليس كذلك؟
الأستاذ مواعدة: ملاحظة أحببت الرجوع إليها. هل كان يعرف ما يدور في الغرب؟ أعتقد أن الشيخ الخضر حسين ومن معه كانوا يواجهون تيارين
(15/ 1/150)

متناقضين، والاثنان سلبيان، أحدهما: الغرب الذي كان يشكك في الحضارة العربية الإسلامية واللغة، وله أنصاره، والتيار الآخر: التقليد والانغلاق. هناك تياران متناقضان، وليسا في صالح الأمة العربية الإسلامية؛ لأنه إذا انتصر أحدهما على الآخر -لا سمح الله- لا يمكن لهذه الأمة أن تواصل وتحافظ على هويتها. طبعاً جامع الزيتونة جامع معروف، ولكن الإطار الزيتوني وقتها كان إطاراً تقليدياً، ولذلك نجد الشيخ الخضر حسين اعتبرها قضية جوهرية، ومع علاقته بالطاهر بن عاشور، هما كانا معاً يقودان هذا التيار، وهو تيار للمطالبة بإصلاح التعليم الزيتوني، كان هذًا الهاجس هو تطوير التعليم، درس في جامع الزيتونة، ولكنه وجد أن هذا الإطار إذا بقي على هذه الصورة، لا يمكن أن يساهم في التطوير والمحافظة على الهوية، خاصة إزاء هذه الهجومات من جانب الاستعمار الغربي، وما حوله من مثقفين وأنصار، ومن جانب أن الإطار التقليدي ليس قادراً على هذه المواجهة. هنا يأتي دوره في إصلاح النظام التعليمي.
أعطيك مثالاً: وهو ما زال في طور الدراسة، وجه الشيخ الخضر رسالة، قال: لماذا الإنشاء غير موجود في التعليم؟ وأهمية القلم عنده في توجيه الإصلاح أساسية؛ لأن الذي ساعده في الإصلاح هو الإنشاء والتحرير والكتابة الجيدة.
المذيع: نتحول إلى الدكتور نجيب بن خيرة من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة. ربما حتى لا أقول بأن الرجل كان متصلباً، بل كان متشبثاً بأسلوب فكره، وبهويته، وبدفاعه عن القضية الإسلامية. لذلك زُجَّ به في السجن، أليس كذلك؟
(15/ 1/151)

الدكتور بن خيرة: زُجَّ بالعلماء في السجون في أواخر الحكم العثماني في بلاد العالم الإسلامي، وخاصة في مصر والشام، وليس الشيخ محمد الخضر حسين لوحده. كثير من العلماء بقسنطينة عارضوا نماذج رديئة للحكام العثمانيين الأواخر، الذين كانت سياستهم السبب في سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية. وهذا السجن ضريبة يدفعها كل عالم حر، وكل أبيٍّ شهم، عندما يعرض آراءه بقوة، ويريد أن يواجه تيارات التغريب، بل الامتيازات التي كانت تعطى للدول الأجنبية في العالم الإسلامي، هذه الامتيازات التي وقف ضدها العلماء الأحرار؛ لأن هذه الامتيازات الأجنبية هي التي كانت في العالم الإسلامي مطايا ذُلُلاً ركبها الاستعمار، ودخل بها، ووجد الأبواب مشرعة أمامه للدخول إلى بلاد العالم الإسلامي.
لذلك؛ الشيخ محمد الخضر حسين، سواء في بلاد الشام، أو غيرها، ظل صليب الرأي، شامخاً في مواقفه؛ مما جعله يدفع ثمن ذلك بدخوله إلى السجن في بلاد الشام، وهي فترة ليست طويلة جداً، وإنما هي فترة قليلة، بعدها غادر إلى مصر، واستقر به المقام هناك. كانت مصر أكثر حرية من بلاد الشام من ناحية التيارات الفكرية والوطنية والثقافية، والرأي والرأي الآخر.
الدكتور الطالبي: اتهم في الشام بالمؤامرة ضد السلطة التركية، مع أنه -في واقعه- يريد أن يجمع بين العرب والأتراك، ويتشبث بالخلافة العثمانية، ويدافع عن الجامعة الإسلامية، ولكن هذا خلط للأوراق، واتهم باطلاً.
المذيع: نتحول إليكم الأستاذ محمد الهادي الحسني: بما أنكم إعلامي،
(15/ 1/152)

الشيخ محمد الخضر حسين ربما إتقانهُ لثلاث لغات -كما بلغتي أمس: أنه يتضمن اللغة الألمانية، والتركية، والفرنسية- هذا ما مكنه على التفتح على الحضارة الغربية، والإعلام الغربي، وما جعل هذا الرجل يكون متمكناً إعلامياً؟
الأستاذ الحسني: هو هكذا -كما أشار الإخوة - هو لم يهيئ نفسه ليكون إعلامياً؛ كما أنه لم يقرأ عن الإعلام ... القضية في رأيي ليست قراءة فن من الفنون، فالإنسان إخلاصُه، وإيمانه بالقضية التي يدافع عنها، وإخلاصه لها. ولذلك لو غير الشيخ الخضر حسين، ربما يستنكف أن يعترف بأنه ينهج نهجاً خاطئاً. أما الشيخ - الخضر، انتقد نفسه عندما حضر درس الشيخ عبد القادر المجاوي في "جوهرة التوحيد" ماذا يقول؟ يقول: نستحسن من دروس هذا الشيخ: اقتصاره في كل فن على تقرير مسائله التي يشملها موضوعه، وعدم خلط بعضها ببعض، وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من "ألفية ابن مالك" -مثلاً-، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة عن الإنتاج، وأقلع عنها.
فالرجل كان بين أمرين: الشيء الذي يهمه، وأعز شيء عنده هو الإسلام، ولغة هذا الإسلام، ويرى أن هذا الشيء العزيز الثمين النفيس يتعاوره خصمان: خصم من الداخل، والآخر من الخارج، وكلا الخصمين -حتى الخصم الداخلي- مدعوم من الخارج الذي هو ذو بأس شديد. عندما يجد (مارسينيون) إلى جانبه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويكيد للغة العربية.
(15/ 1/153)

لكن الجوهر الذي نستفيده من الشيخ محمد الخضر حسين وأمثاله، هؤلاء الذين بفضلهم - والحمد لله - الأمة أولاً. زرع رغم ما أحاطه من مصاعب وقوى، وربما لو رأى أحد هذه القوى تناوشه من كل جانب، ربما ييأس ويستسلم. أما هذا الرجل الشيخ الخضر، يواجه علي عبد الرازق، وما أدراك بعائلة ثرية مدعومة؟! ويواجه طه حسين، وهو لا عصبة له. فالشيخ ثقته بنفسه، ثقته بمصير الأمة قوية، وبعض الناس وقفوا مع الشيخ؛ لأنهم يعرفون أنه يحاول ويدافع عن مشروع مشترك للأمة كلها.
ولكن النقطة التي نحب أن أشير إليها: هي السجن. في هذه الفترة ظهرت نبتة، جرثومة، ميكروب، هي: القومية الطورانية. ولهذا جنح كل الجزائريين الموجودين في المشرق، والذين قرأت عنهم وعرفتهم، نبذوا ضد هذه الفكرة دون أن يمسوا الدولة العثمانية، حاربوا جماعة الطورانيين القومية التركية، لكنهم -في الوقت نفسه- حافظوا، ودعوا إلى الجامعة الإسلامية، ويتردد أسماء الشيخ محمد الخضر حسين، وصالح الشريف، وغيرهم، حتى الأمير خالد في المؤتمر العربي في عام 1913 م لم يحضر مع الذين حضروا في فرنسا، وبعث برسالة قال: أرجو أن لا يكون هذا المؤتمر ضد الدولة العثمانية، ننتقد تجاوزات المسؤولين الحكام والولاة في الأقاليم، أما أن نضرب الدولة العثمانية، فهذا سيقلب الأمر علينا.
المذيع: نتحول إلى الدكتور عويمر. ما يلحظه القارئ -في تاريخ تلك الحقبة التي كان قد عاش فيها فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين-: أنه كان مستنداً للحركات التحررية في المغرب العربي بصورة أخص، فكان قد ساعد الجهاد في ليبيا، واتصل بالزعيم المغربي عبد الكريم الخطابي،
(15/ 1/154)

وربما تلقى عبد الكريم الخطابي توجيهات، أو ربما نصائح من قِبَل الشيخ الخضر حسين، وحتى إن الشيخ الخضر كتب كتاباً عن تاريخ الاحتلال في تونس، يبدو لي أن الرجل كان سياسياً -أيضاً-؟
الدكتور عويمر: نعم، بالنسبة للشيخ محمد الخضر حسين، أنا لا أقول: سياسي، وإنما أقول: المصلح السياسي، أو المفكر السياسي. وهو لم يؤسس حزباً، ولم يدخل الانتخابات، وإنما كان يطرح أفكاراً سياسية، ويدافع عن إصلاح السياسة. وكان أستاذ السياسة الشرعية في جامعة الأزهر عدة سنوات.
واهتمامه بقضايا المغرب العربي، سواء بالاحتلال البريطاني لليبيا، أو بحرب الريف في المغرب، أو مؤتمر أفخارست في تونس، أو الاحتفالات بالذكرى المئوية في الجزائر، والظهير البربري في المغرب عام 1930 م، كل اهتماماته بهذه القضايا ليست اهتماماً بما تحمله هذه الكلمة من معنى، وإنما السياسة جزء من نشاطه، بمعنى: أنه يقدم تصوراً لهذه القضايا، ويساندها. لا يساندها فقط بخطاب، أو كلام مكتوب في الجرائد أو الكتب، وإنما أيضاً بتأسيس جمعيات. فهو عندما أسس جمعية "الهداية الإسلامية" في القاهرة في جانفي 1922 م، وأسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، هذه المؤسسات جعلها منابر لكل الزعماء السياسيين المغاربة، وغيرهم الذين كانوا في مصر، ومن بينهم: الحبيب بورقيبة، الذي عندما دخل مصر اعتُقل للتأكد من جنسيته، فتدخل الشيخ محمد الخضر حسين، وكان عنده وزن لدى السلطة المصرية، فأفرج عنه، وكان يبيت في دار الشيخ حتى هيا له مكاناً للإقامة.
و-أيضاً- الشيخ محمد الخضر حسين هو الذي استقبل الزعيم عبد الكريم
(15/ 1/155)

الخطابي عندما جاء ماراً بمصر وأرادت فرنسا أن ترجعه من منفاه إلى المغرب، فكثير من الزعماء زاروه في الباخرة، وتعاونوا على تهريبه من الباخرة الفرنسية حتى لا يذهب، ويقع تحت الإقامة الجبرية في المغرب، ومن بينهم كان الشيخ الخضر في استقباله. وكان الزعيم الخطابي عضواً في (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، ويوجد بيانات ونشريات كلها تحمل إمضاءات الأمير عبد الكريم الخطابي، والحبيب بورقيبة، ومحيي الدين القليبي، والشاذلي المكي، والبشير الإبراهيمي، والفضيل الورتلاني.
فهو دائماً يعتبر النضال من أجل التحرر قضية من القضايا الأساسية في مشروعه الإصلاحي، الإصلاح ليس فقط إصلاح الأفكار، وإصلاح الأنظمة، وإنما كان عنصر التحرر في مشروعه الإصلاحي.
وكان يستعمل منابر أخرى؛ مثل: جمعية (الشبان المسلمين) التي كان العضو المؤسس لها في مارس 1927 م. وأنا قرأت للدكتور أبي القاسم سعد الله: أنه في جمعية الشبان المسلمين كنا نتدرب على العمل العسكري.
فكان الشيخ الخضر، هذا الرجل كان حقيقة فعالاً في المجتمع، كان يحمل هموم هذه الأمة عبر عمره الطويل، هذا الرجل الموسوعة علمياً، وهذا الرجل الشامل نضالياً.
المذيع: أعلن انتهاء الندوة.
(15/ 1/156)

على هامش الملتقى

أعلام من الزيبان (1) الحسين بن علي بن عمر (والد الإمام محمد الخضر حسين)
الأستاذ صيد: مستمعيَّ الكرام! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
مرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي (أعلام من الزيبان)، هؤلاء الأعلام الذين شرّفوا المنطقة بعملهم وعلمهم، منهم من مكث في الزيبان حتى توفي، ودفن فيها، ومنهم من هاجر إلى دول عربية أخرى، وذلك نظراً لأسباب سياسية واجتماعية.
من هؤلاء الأعلام: رجل عالم، وولي صالح من بلدة "طولقة"، ولد ونشأ وترعرع في هذه البلدة، ثم شاء له القدر الإلهي الهجرة إلى تونس الشقيقة، التي عاش فيها إلى آخر حياته.
هذا العالم -مستمعيَّ الأفاضل- هو الشيخ العالم الصالح الحسين بن علي بن عمر الطولقي النفطي والتونسي، ولأجل التعرّف عليه، والوقوف على أهم المحطات التاريخية في حياته، استضفتُ حفيدَه الأستاذ الفاضل علي الرضا الحسيني، وهو أديب وشاعر ومؤلف معروف، أصله من "طولقة"،
__________
(1) برنامج إذاعي من إعداد وتقديم الأديب الأستاذ عبد الحليم صيد من إذاعة مدينة "بسكرة" جرى على الهواء مباشرة في 26/ 12/ 2007 م الساعة السابعة مساءً.
(15/ 1/157)

وولد سنة 1932 م في دمشق عاصمة سورية، وما يزال مقيماً بها.
للأستاذ الحسيني العديد من التآليف التاريخية، والروايات الأدبية، والدواوين الشعرية، أذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر-: "محمد المكي ابن عزوز حياته وشعره" - وديوان شعر بعنوان "تونسيات"، كما أن له كتاباً عن الشيخ محمد بن عزوز البرجي، وآخر عن زاوية الشيخ علي بن عمر في "طولقة".
الأستاذ الفاضل علي الرضا الحسيني! مرحباً بك في "بسكرة"، وإذاعة بسكرة.
الأستاذ الحسيني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
الحديث عن هذا الناسك المربي حديث يطول، ولكن سنختصر ما أمكننا الحديث عنه.
هو العالم الزاهد المرَبِّي السالك، شيخ شيوخ الطريقة الخلوتية، والرجل الفاضل الكامل، ولد عام 1246 للهجرة في مدينة "طولقة" ما يعادل سنة 1830 ميلادية، وتوفي عام (1309 ه -1893 م) في مدينة تونس.
هذا التقي النقي الصالح كان هَمُّه في الحياة أن يدعو الناس إلى الموعظة الحسنة، واشتهر بسعيه لتأليف القلوب بالحسنى، والدعوة إلى الخير، ومساعدة الفقراء، إلى جانب هدفه السامي في نشر الطريقة الخلوتية في القطرين الجزائري والتونسي.
صحيح أنه انتقل إلى "نفطة"، وأقام بتونس، لكن له إقامات ورحلات متعددة إلى الجزائر، ويعرف كل الولايات الجزائرية، ومن الممكن أن نقول:
(15/ 1/158)

إن إقامته في الجزائر هي أكثر من إقامته في تونس.
الأستاذ صيد: أي بعد هجرته من الجزائر لم ينقطع عنها؟
الأستاذ الحسيني: يقضي في الجزائر الأشهر الطوال، وهو يدعو إلى الطريقة، ويصلح بين الناس، ويبث العلم والفضيلة. ولد -كما قلنا- في مدينة "طولقة" بالجنوب الجزائري في بلاد الزاب، والدُه الولي الصالح الصادق الشيخ علي بن عمر صاحب الزاوية المشهورة، وفي رحاب تلك الزاوية - التي يتردد فيها ذكر الله ليلاً ونهاراً -كانت ولادته، وفيها تعلم القرآن الكريم، وأخذ عن كبار الشيوخ والعلماء، وخاصة علامة عصره الشيخ محمد المدني بن عزوز، أخذ عنه علوم التوحيد، والفقه، واللغة، والأدب. وفي ذاك البيت الطاهر نشأته، وتدرّجه ومعيشته التي يحيط بها الإيمان من كل جانب.
انتقل إلى مدينة "نفطة" عام 1259 ه برفقة شيخه مصطفى بن عزوز، واعتنى الشيخ عناية فائقة به، وأسكنه إلى جواره، واعتمد عليه في بناء الزاوية وعمرانها، وأدى فريضة الحج معه، واتخذه صاحباً ومعاوناً ورفيقاً في السفر والإقامة، ومبعوثاً له إلى كافة المريدين والمحبين في أنحاء البلاد، يظهر ذلك ملياً من رسائل الشيخ مصطفى بن عزوز إلى الشيخ الحسين، كان يراسله في أية ولاية جزائرية.
أعطيك فكرة عن هذا الرسائل: من الرسائل المخطوطة للشيخ مصطفى أبن عزوز - التي بعث بها إلى أهل "سوف" في الجزائر - يتحدث فيها عن أخلاق الشيخ الحسين، ومدى محبته واحترامه له: "الحمد لله. وصلى الله على سيدنا محمد كثيراً كثيراً. من محبكم في الله خديم الخلق مصطفى بن
(15/ 1/159)

عزوز مقدّم علي بن عمر إلى كافة أهل المحبة الصافية في وطن "سوف". عمَّركم الله آمين، وأحسن عافيتكم دنيا وآخرى، وبعد:
بلغنا أن السيد وابنَ سيدنا ذا الرأي الرشيد، والرأي المستقيم، الأجلّ الذّاكر سيدي الحسين بن مولانا الزاهد الصادق بربه، مولانا علي بن عمر بلغكم، وفرح به وطن "سوف" كله، جازاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، وأنكم لم تقصّروا جميعاً، وحُقّ لكم ذلك؛ لأنه ولد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أولاً، وثانياً ولد القطب الأكبر، والغوثِ الأشهر مولانا علي بن عمر -رحمه الله-".
هذه أمثولة من الرسائل التي كان يرسلها إلى الشيخ الحسين في أنحاء القطرين.
الأستاذ صيد: طيب، أستاذنا الحسيني! زاوية "نفطة" التي أسسها الشيخ مصطفى بن عزوز، نريد أن نعرف بعض النشاطات التي كانت تقوم بها، على اعتبار أن مؤسسها جزائري.
الأستاذ الحسيني: صحيح. هذه الناحية كانت تحتاج من سنوات إلى التحقيق والتوسع في معرفتها. استطعت من خلال البحث في الوثائق القومية الموجودة في المركز القومي بتونس أن أصل إلى أشياء عجيبة عن هذه الزاوية.
قد يكون من الظاهر: أن غاية هذه الزاوية: الدعوة إلى الدين، وإلى الطريقة، ولكن تبين لي أنها ليست فقط للتعليم، إنما اتخذ التعليم الديني غطاء لما كانت تهدف إليه هذه الزاوية من الأعمال الجهادية للجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، فكانت محطة. تعرف أن المُدافع والمجاهد يحتاج إلى خط خلفي يستريح فيه، ويتهيأ فيه، وأسس هذه الزاوية لهذه الغاية.
(15/ 1/160)

حتى إن القنصل الفرنسي في تونس، هناك وثائق أرسلها بخطه إلى وزير خارجية فرنسا في باريس، يقول فيها ويؤكد: أن هذه الزاوية خطر على الوجود الفرنسي في الجزائر، وهناك تقارير أكثر من واحد.
الأستاذ صيد: مما يؤكد كلامكم هذا: أن المؤرخ الكبير في الجزائر الدكتور يحيى بوعزيز -رحمه الله- ذكر في كتابه "ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين" أن زاوية "نفطة" -زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز - كانت ملجأ للهاربين والمضطهدين والمطلوبين من الجزائريين الذين هربوا من الاستعمار الفرنسي.
وحتى نربط الكلام بموضوع حلقتنا اليوم، وهو الحسين بن علي بن عمر، فقد كان هذا الشيخ الذراع الأيمن للشيخ مصطفى بن عزوز.
نواصل الحديث عنه: هل أضاف شيئاً جديداً إلى جانب الزاوية، أم لا؟
الأستاذ الحسيني: لديَّ بعض الرسائل التي كان يرسلها له الشيخ مصطفى، وأجد بين السطور أشياء لم يكتبها الشيخ مصطفى، ويفهم عليه الشيخُ الحسين. مثلاً: يقول له في إحدى رسائله: "أرسلنا لك عشرة أحمال من الجمال". ما اشتغل الشيخ مصطفى بالتجارة، ولا الشيخ الحسين غايتُه التجارة، والحمولة غير معروفة، "أرسلت لك مع فلان عشرة أحمال إلى المنطقة الفلانية في الجزائر، أو سبعة أحمال ... وهكذا".
أفترض إما أنها سلاح، أو ربما مواد تموينية تعين الثوار المجاهدين ..
ثم لا ننسى أن كثيراً من الإخوة الجزائريين درسوا في "نفطة": الشيخ العربي التبسّي، وعاشور الخنقي، والشيخ العربي كمجاهد وعالم، ومن كبار جمعية العلماء الجزائريين المسلمين، تربّى في "نفطة".
(15/ 1/161)

أما عن أخلاق الشيخ الحسين، فقد قال فيه الشيخ محمد المكي بن عزوز بن الشيخ مصطفى: "كان طلق المحيا، جميل الملتقى، عارفاً بمقتضيات الأحوال، ليّن الجانب، كان ذا فطنة قوية، غيوراً على أهل الله".
أحببت أن أذكر هذه الأوصاف؛ لأخذ صورة عن هذا الرجل الصالح.
"حازماً في أموره، منصفاً، صاحب بلاغة في مراسلاته، ملاطفاً في مخاطباته، مهاباً، معظّم الجانب، حريصاً على إطفاء الفتن، مثابراً على إزالة الشحناء".
كان من مهمة رجال الدعوة الصالحة الصادقة المعتدلة أنهم يصلحون بين الناس وبين الأعراش، وخاصة في القبائل التي تصل فيها الأحقاد إلى درجة قد يستخدم فيها السلاح والقوة، وكان يتدخل الشيخ الحسين في هذا الخلاف، ويجري الموضوع صلحاً.
الأستاذ صيد: وذلك نظراً لمكانته الاجتماعية.
الأستاذ الحسيني: مثلما يقولون في الشام: إنه "تنطبش برأس كام خاروف" تذبح بعض الخرفان، وتتم الوليمة، فتزول الفتنة بين العشيرتين، وهذا نوع من إصلاح ذات البين، وُيستغنى عن القضاء، وإطالة الأعمال في القضاء.
الأستاذ صيد: إذن، أستاذ الحسيني! هناك زاوية "نفطة"، وأظن أن الشيخ الحسين أنشأ زاوية أخرى، أو مسجداً تقام فيه الصلوات في "نفطة".
الأستاذ الحسيني: بعد وفاة شيخه أحبَّ أن يترك زاوية مصطفى بن عزوز لأبناء الشيخ مصطفى، وهذا كرم أخلاق منه، وحتى لا يكون هناك
(15/ 1/162)

شيء ما، فإن لكل شيخ من شيوخ الزاوية طريقه في الدعوة، وأسلوبه الخاص به.
فانتقل إلى مكان آخر مقابل الزاوية، واتخذ له مسجداً، وفي هذا المسجد الذي مازال قائماً حتى الآن في "نفطة" ولد في دار إلى جانبه الشيخُ محمد الخضر حسين، وما زال مدخل الدار نفس الدار والمسجد، وقد زرت هذا المسجد مراراً.
الأستاذ صيد: إذن، كل هذه الأعمال التي تحدثنا عنها تنبئ: أن هذه الشخصية العلمية والدينية والاجتماعية كانت تتمتع بهذه الصفات الجليلة.
(فاصل موسيقي).
الأستاذ صيد: ما زلنا معكم -مستمعيَّ الكرام- مع شخصية هذه الحلقة، وهو الحسين بن علي بن عمر الطولقي. وبعد أن تعرفنا على جوانبه العلمية، وومضات من حياته الاجتماعية -أيضاً-، والدور الذي كان يقوم به بالإصلاح بين ذات البين.
أستاذي الكريم الحسيني! ننتقل إلى الجانب العلمي في شخصية هذا الرجل. لا شك أنه كان رجلاً عالماً ومؤلفاً، فما هي الآثار التي تركها وراءه؟
الأستاذ الحسيني: في الواقع لم يترك آثاراً كثيرة؛ لأنه كان منصرفاً إلى التوجيه والإصلاح، إنما -حسب ما وصل إلينا- له رسالة لطيفة في التصوف، سماها: "فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم"، رسالة في التصوف، فيها نوع من الهداية.
(15/ 1/163)

لكن الشيخ لم يكن له آثار علمية كبيرة كأولاده -مثلاً- الذين تفرغوا للكتابة. هؤلاء الرجال الصالحون -غالباً- ما يكتفون بالتوجيه في اللسان. هذه الرسالة طويلة، ولكن أحب أن أقدم بعضاً منها.
الأستاذ صيد: هذه الرسالة أين نشرتها؟
الأستاذ الحسيني: نشرتها في كتاب: "أعلام زاوية مصطفى بن عزوز"، وجعلته هو من أحد الأعلام. وأغلب أعلام زاوية مصطفى بن عزوز هم جزائريون، ومن ولادات الجزائر، إلا النادر منهم.
ما كان هناك فرق بين تونس والجزائر، أو بين "نفطة" و"بسكرة"؛ أعني: أن الواحد كان يغادر صباحاً إلى نفطة، ويتغذى، ويعود إلى واد "سوف"، ويتعشى، ويبيت في "طولقة"، أو "بسكرة"؛ لقرب المسافة، وطبيعة وحدة العشائر.
وجدت كثيراً من العائلات في "نفطة" من أصول جزائرية من "بسكرة"، يأتي أحدهم، ويتزوج من بسكرة، ويعيش في نفطة، أو العكس. هناك علاقات وثيقة بين البلدين، وكأنهما مدينة واحدة. وبودّي أن تتم التوءمة بينهما.
الأستاذ صيد: هذه الرسالة كم عدد صفحاتها؟
الأستاذ الحسيني: عدد الصفحات لا تتعدى العشرين، هذه الرسالة وجدتها ناقصة، ويقول أبو القاسم سعد الله: إنه وجدها كاملة في مخطوطات المغرب.
الأستاذ صيد: ولكن الأستاذ أبا القاسم سعد الله ينسبها إلى الأب، وهو علي بن عمر.
(15/ 1/164)

الأستاذ الحسيني: هذا خطأ. ومن المؤكد أنها للشيخ الحسين. من المؤكد للابن، والحكم بيننا قول الشيخ نفسه: "وبعد: فيقول العبد الفقير المضطر، الحسينُ بن علي بن عمر" إذن، هي لسيدنا الحسين. ويقول: "المقصود من كتابة هذه الرسالة: التعريفُ على سبيل الاختصار لمن أراد أن يعرف أحوال السند ورجاله".
تعرف -الأستاذ عبد الحليم- أن هناك أربع عشرة زاوية حصرتها في تونس، تابعة لزاوية "نفطة". يعني: أن الشيخ مصطفى ما قَصَر عمله على نفطة فقط، إنما انتشرت حتى العاصمة.
حتى إن سيدي الحسين أسس زاوية في العاصمة تونس، وعاش فيها الشيخ، وهاجر من نفطة إلى تونس وأولاده صغار، والشيخ الخضر عمره أربع عشرة سنة.
الأستاذ صيد: لعل هذه الهجرة سببها القرب من جامع الزيتونة.
الأستاذ الحسيني: السيدة حليمة بنت الشيخ مصطفى بن عزوز كانت ترغب أن يدرس أولادها في جامع الزيتونة، وهي السيدة التي أشرفت على تربية أولادها، وتعليمهم من الصغر، وتلقينهم مبادئ علوم الدين واللغة.
هناك طرفة لطيفة من المناسب أن نقولها في هذا اللقاء: إن السيدة حليمة والدةَ الإمام الخضر كانت تُرَبِّت على كتفه وهو صغير، وتقول: إن شاء الله يا أخضر، تكبر وتروح الأزهر. وهي قالت له ذلك عندما كبر، فاستجاب الله -سبحانه وتعالى- لدعاء تلك الأم النقية الصالحة. وأصبح الشيخ الطولقي الأصل، المولد نفطة، الدراسة في تونس، ثم انتقل في أنحاء
(15/ 1/165)

العالم من دمشق إلى إستنبول إلى برلين، وكان جهاده الكبير فيها، وهذا يحتاج إلى شرح طويل، ثم عاد إلى دمشق، وانتقل إلى القاهرة، وإذ به يصبح شيخاً للأزهر، وهذا دليل على أن الله تعالى يكرم أولياءه في حياتهم، إلى جانب ما هو مكتوب لهم من الجزاء في الآخرة.
الأستاذ صيد: يذكر الأستاذ نويهض في كتابه: أن للشيخ الحسين كتاباً آخر اسمه: "دقائق النكت".
الأستاذ الحسيني: لم أطلع على هذا الكتاب، وإن كان قد سمعت به.
الأستاذ صيد: إن للشيخ الحسين تراجم في كثير من الكتب، له ترجمة في كتاب "معجم المؤلفين"، وغيره، وهذا دليل على أنه علم من الأعلام.
الأستاذ الحسيني: الشيخ الحسين علم من أعلام التصوف في عصره، وهو معروف.
الأستاذ صيد: يعني: أنه جمع بين العلم والتصوف.
الأستاذ الحسيني: أقول: إنه في التصوف أكثر، من أجل أن نكون صادقين في جلستنا.
هو رجل صالح فاضل، تقي نقي، إنما هو في التصوف متعمق، بينما أولاده أحرزوا التقدم البعيد في العلم، والإمام محمد الخضر حسين انتقل إلى دمشق سنة 1913 م مع كافة العائلة، ووضع هدفه أن تكون القاهرة إقامته، وميدان نشاطه العلمي والسياسي، وأن خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز كان قد سبقه في الهجرة إلى إستنبول، ووصل إلى رتبة علمية عالية، كادت أن توصله إلى شيخ الإسلام في تركيا، وكان مدرساً في دار الحديث
(15/ 1/166)

التي هي بمثابة جامعة إستنبول اليوم، كما كان مدرساً في جامع (الفاتح)، ومساجد أخرى، وكان مقرباً من السلاطين من ناحية الاستشارات الدينية هو والشيخ إسماعيل الصفايحي، والشيخ صالح الشريف.
الأستاذ صيد: نعود الآن إلى أبناء الشيخ الحسين، من هم الأبناء الذين تركهم؟
الأستاذ الحسيني: منهم: الشيخ محمد الجنيدي، رجل فاضل صالح، وهو مدفون هنا في "طولقة" في زاوية سيدي علي بن عمر، والرجوع إلى الأصل فضيلة إن لم نقل فريضة، وأعتقد أن أغلب الشيوخ الذين هاجروا كانوا يرغبون بالعودة إلى المغرب، وكثير منهم عاد إليه، لكن إذا ارتبط بأسرة خارج المغرب، ولا سيما إذا استولد أولاداً، صار من الصعوبة العودة إلى بلده الأصلي.
ثم من أبناء الشيخ: الإمام محمد الخضر حسين، الذي وصل إلى إمامة الأزهر.
والأخ الآخر هو: الشيخ محمد المكي بن الحسين، عالم اللغة الشهير، وقد أصدرتُ له ثمانية كتب في اللغة من تأليفه، كان ينشر في الصحافة التونسية والمصرية، ولاسيما في مجلة "الهداية الإسلامية".
والشيخ المكي بن الحسين أقام أربع سنوات في دمشق، ودرّس في المعهد السلطاني، وله دراسات في بعض مجلات دمشق، وكلها دراسات لغوية، ولم يكتب بغير اللغة، كانت كل أبحاثه منصرفة إلى اللغة.
لقد زرت مرة تونس، وسألت: أين آثار العم الشيخ المكي بن الحسين؟ فقيل لي: في مدرسة في سيدي البشير، وهو حي من أحياء تونس، وقد ضاقت
(15/ 1/167)

الدار عن هذه الأوراق، فأرسلناها إلى المدرسة. وانتقلت إلى المدرسة التي رحب مديرها، ووجدت في إحدى الغرف المهملة أكواماً من الأوراق، بدأ السوس يقرضها، وكلها مخطوطة غير مطبوعة، فنقلتها جميعاً إلى مكان آمن، وأصلحت فيها، وأصدرت له من الكتب: "عادات عربية - نوادر في اللغة - نوادر في الأدب - أسماء لغوية - أمثال عربية - حكم وأخلاق عربية - كلمات للاستعمال - لغويات - المستدرك"، وكل كتاب يزيد عن مئتي صفحة.
ومن أبنائه -أيضاً-: محمد العروسي، وعلي بن عمر، وعبد العلي، وله ولدان توفيا صغيرين: العروسي، وعبد اللطيف.
الأستاذ صيد: هذا مجهود كبير تُشكر عليه، وأريد أن أنتقل بك إلى الوالد الكريم، وهو ابن الشيخ الحسين -أيضاً- الأستاذ زين العابدين -رحمه الله-.
الأستاذ الحسيني: والله! أنا أخجل أن أتحدث كثيراً عن الوالد، والواقع أنه يحرج الإنسان أن يتحدث عن والده؛ لأنه في الشام قبل شهر دُعيت من قبل هيئة تبحث عن أعلام الرجال، وطلبوا مني أن أعمل محاضرة عن الشيخ الوالد زين العابدين، فقلت لهم: أفضِّل أن تجدوا شخصاً آخر يتحدث عنه؛ لأنني قد أخجل من قول الحقيقة كلها.
الأستاذ صيد: إن الذي أعرفه عن والدكم: أنه مؤلف كبير، ولغوي ونحوي، وله مؤلفات كثيرة، له معاجم في الصرف، وفي النحو، وفي اللغة، وغيرها.
الأستاذ الحسيني: سأقول لك عناوين مؤلفاتهِ: "المعجم المدرسي - المعجم في الكلمات القرآنية - المعجم في النحو والصرف - دروس الوعظ
(15/ 1/168)

والإرشاد - الدين والقرآن - القرآن القانون الإلهي، وغيرها".
وسأترك لك الحكم والقول في الوالد.
الأستاذ صيد: هل قيل في الشيخ الحسين رثاء من بعض الشعراء؟ حبذا لو نسمع شيئاً منه.
الأستاذ الحسيني: رثاه الكثيرون من شعراء تونس، منهم: العلامة الشيخ محمد الصادق المحرزي، والشاعر أحمد الأمين بن عزوز، والشاعر الحسين بن الشيخ، والشاعر أحمد الأديب، وغيرهم.
ولعل أهم المرثيات: مرثية للعلامة محمد المكي بن مصطفى بن عزوز، أسمعك منها بعض الأبيات:
ما ثمَّ موعظةٌ لكلِّ مُشاهِدِ ... مثل المنيَّةِ وهي أَرْصَدُ راصدِ
وهو اليقين المشبهُ الشكَّ الذي ... عنه تغافَلْنا كأزهدِ زاهدِ
كمْ من أبٍ وأخٍ ونَجْلٍ منجب ... وأخي ودادٍ من رفاقِ شدائدِ
واراهُمُ المرُّ القسيُّ وراح في ... لهوٍ عن المنبوذِ تحت جلامدِ
يغدو المغفَّلُ باتِّباعِ جنازةٍ ... ويَبيت معتنقاً لصدرِ خرائدِ
يا وَيْحَ مَنْ وافاهُ يومُ حِمامِهِ ... ولقلبه غُلُفٌ كغُلْفِ الراقدِ
والفوزُ للمتأهبينَ على رجا ... مثل الرِّضا الأسنى الحُسَيْنِ الماجدِ
حاوي الفضائلِ من زكا جرثومةً ... من آلِ بيتٍ للمكارمِ شائدِ
جَمُّ الخلالَ الفاخراتِ يَحوطُها ... زينُ التواضعِ من شَكورٍ حامدِ
كم نالَ مضطرٌّ به ما يرتجي ... كم أرشدَ المحتارَ حسنَ مواردِ
فجزاؤه عدنٌ ومن هو في الورى ... زرعَ الرشادَ يكون أنجحَ حاصدِ
(15/ 1/169)

آهٍ على تلك اللطافةِ والوفا ... آهٍ على الحزمِ النبيهِ السائدِ
آهٍ على مرضي الأحّبة أنسهم ... آهِ على حامي الذّمار الزائدِ
أَبَنيهِ صبراً والرّضا عند القضا ... سبَبٌ لرضوانِ الإلهِ الواحدِ
الخطبُ خطبٌ هائلٌ لا مسّكم ... أَسَفٌ يَشُقُّ من ارتحالِ الوالدِ
سيروا على منهاج أصلِكُمُ الذي ... منه سرَتْ في الناس خيْرُ محامدِ
لا تُشغلوا أوقاتكم بتأسّفِ ... عمَّنّ ثوى الفردوسَ بين فرائدِ
ربَّ البريّةِ كُنْ له في رَمْسهِ ... وابعثْ له بالفضل بُشرى الواردِ
وارْحَمْه رحمةَ من تحبُّ ورَقِّهِ ... في ظِلِّ عَرْشٍ يومَ حشرٍ حاشدِ
وأَنِلْهُ في الجنَّاتِ عَيْشاً ناعماً ... بدلاً عن الفاني بأفخر آبدِ
فجزيلُ فضلِكَ لا يُحدّ نهايةً ... لا سيّما في مُرْتجيكَ الوافدِ
الأستاذ صيد: في الختام نشكر الأستاذ علي الرضا الحسيني على هذه الإضاءة التي قدمنا فيها عالماً نقياً من "طولقة" في الجزائر، وامتدت آثاره ومعارفه إلى تونس.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 1/170)

على هامش الملتقى

بعض عناوين الصحافة الجزائرية عن الملتقى
* العلامة محمد الخضر حسين يعود إلى بسكرة (1).
* الملتقى الوطني للعلامة محمد الخضر حسين ببسكرة: الجزائري الوحيد الذي تقلد مشيخة الأزهر (2).
* بسكرة تحتفي بأول جزائري نال مشيخة الأزهر (3).
* العلامة محمد الخضر حسين موضوع الملتقى الوطني: "بسكرة عبر التاريخ" (4).
* انطلاق فعاليات الملتقى الوطني السادس "بسكرة عبر التاريخ" (5).
* بحضور عدة مشايخ أزهريين، بسكرة تذكر شيخ الأزهر الجزائري محمد الخضر حسين (6).
__________
(1) صحيفة "البلاد"، العدد 2460، تاريخ ديسمبر 2007 م.
(2) صحيفة "البلاد"، العدد 2464، تاريخ 29 ديسمبر 2007 م.
(3) صحيفة "النصر"، العدد 2464 الصادر تاريخ 26 ديسمبر 2007 م.
(4) صحيفة "الأحرار"، العدد 2993، تاريخ 26 ديسمبر 2007 م.
(5) صحيفة "الفجر"، العدد الصادر في 29 ديسمبر 2007 م.
(6) صحيفة "الشروق"، العدد 2180 الصادر في تاريخ 24 ديسمبر 2007 م.
(15/ 1/171)

* بمبادرة من الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية، انطلاق فعاليات الملتقى الوطني السادس "بسكرة عبر التاريخ" (1).
* شيخ الأزهر محمد الخضر حسين يعود إلى موطنه (2).
* بسكرة تتذكر شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (3).
* انطلاق ملتقى عن العلامة محمد الخضر حسين (4).
* اختتام ملتقى شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ببسكرة - هدد باستنفار الشعب لزلزلة الحكومة - وبورقيبة اقترح نقل جثمانه عبر طائرة خاصة (5).
__________
(1) صحيفة "الأيام"، العدد 685، الصادر في 27 ديسمبر 2007 م.
(2) صحيفة "الشعب"، العدد 14456، الصادر في 24 ديسمبر 2007 م.
(3) صحيفة "المساء"، العدد الصادر في 24 ديسمبر 2007 م.
(4) صحيفة "الفجر"، العدد الصادر في 24 ديسمبر 2007 م.
(5) صحيفة "الشروق"، العدد الصادر في 29 ديسمبر 2007 م.
(15/ 1/172)

على هامش الملتقى

ملتقى الإمام محمد الخضر حسين (1)
للأستاذ محمد الهادي الحسني
كتبتُ في جريدة "الشروق" اليومي في 28/ 2/ 2007 م مقالاً عرَّفت فيه الشباب بأحد أعلام الجزائر الذين ولدوا خارجها، وعاشوا خارجها، ودفنوا خارجها؛ بسبب اللعنة الفرنسية التي نزلت على هذا الوطن، لم يكن ذلك العَلَم إلا الإمام محمد الخضر حسين، الذي رفعه الله بالإيمان والعِلْم، وبوَّأه علمُه أرفعَ منصب ديني في العالم الإسلامي، وهو مشيخة الأزهر الشريف، من غير رغبة فيها، ولا سعي إليها.
وقد دعوت في ذلك المقال إلى عقد ملتقى عن هذا الإمام؛ بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته -رحمه الله-، ولم أكتف في الدعوة إلى الملتقى بما كتبت، بل افترصت عدة فرص، التقيت فيها بعض الإخوة المسؤولين على مؤسسات دينية وثقافية، فأعلنت لبعضهم، وأسررت لبعضهم، فأعرض بعضهم، وأعطاني بعضهم من طرف اللسان حلاوة، وألقى معاذيره، ووعدني بعضهم خيراً، وما أظنه موفياً بما وعد، ولعله قال لمن حوله بعدما غادرته:
__________
(1) جريدة "الشروق"، العدد 2183، الصادر يوم الخميس (27 ديسمبر 2007 م، الموافق 18 ذي الحجة 1428 ه)، الجزائر.
(15/ 1/173)

ماذا قال آنفاً؟ ومهما يكن، فإنا لوعده لمنتظرون.
وأحمد الله أن صيحتي التي أذّنت بها في "الشروق اليومي" لم تكن صيحة في واد، ولم تكن نفحة في رماد، وَعَتهْا أُذُن خيرٍ واعية، هي: أُذُن (الجمعية الخلدونية) بمدينة "بسكرة" التي لم يثنها قلّة ما بيدها من إمكانات، وما يعترضها من مثبطات من عقد ملتقى دولي عن الإمام محمد الخضر حسين في أيام 25 - 26 - 27 من هذا الشهر، وقد دعت إليه ثلّة من العلماء ومن الأساتذة من داخل الوطن، ومن خارجه؛ لاستعراض حياة هذا الإمام الغنية، ومناقشة جوانب شخصيته الثرية، فقد علم الله خيراً في هذه الجمعية، فأدّخر لها هذه المزية، وحتى لو وفّى من وعد بما وعد، فهي حائزة بالسبق تفضيلا، مستحقة الثناء الجميلا، ومن لا يشكر الناس، لا يشكر ربَّ الناس؛ كما صحَّ عن أخيَر الناس - صلى الله عليه وسلم -.
لقد استسمَنَتْني هذه الجمعية، فتكرمت بدعوتي للمشاركة في هذا الملتقى، وحَمَّلتني أثقالاً مع أثقالي، فعهدت إليَّ بتناول الكلمة، وحددت لي موضوعاً يقصر عنه باعي، ويضؤل أمامه متاعي، وهو: "الإمام محمد الخضر حسين مصلحاً".
إن احتفاءنا بهذا العالم الجليل وأمثاله، قديماً وحديثاً، والتذكير بجليل أعمالهم، والإشادة بجميل فعالهم، إنما هو للتأكيد على ما قاله الشاعر الفحل محمد العيد آل خليفة، وهو:
إنّ الجزائرَ لم تزلْ في نَسْلها ... أمّاً وَلوداً خصبةَ الأرحامِ
وإنها بلد الرأي الحصيف، لا بلد الرأي السخيف، وبلد الجهاد الشريف، لا بلد العمل العنيف، وبلد الشُّمِّ الأماثل، لا بلد الأراذل، فإن طفا هؤلاء
(15/ 1/174)

على حين غفلة من أهلها الكرام، فمثلهم كمثل الزبد الرابي الذي يحتمله السيل، لهم نَشَب (1)، وما لهم نسب ولا حسب، وسيذهب ذلك الزبد جُفاء، وأما الدرّ النفيس الذي ينفع الناس، فهو في الأعماق كامن، وسيجلّيه الله لوقته.
لقد علم الإمام محمد الخضر حسين، وآمن أن الله - جلّ وعلا - سائلُه يوم يقوم الناس: "ماذا عمل فيما علم؟ "، ولذلك ملأ حياته عملاً صالحاً، فما إن تخرج من جامع الزيتونة -أتمّ الله نوره- حتى راح يبلِّغ ما ورثه من ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم - من علم نافع، وحكمة بالغة، وأوتي رشداً، فلم يقعد مع القاعدين، ولم يتخلف مع الخوالف؛ متعللاً بظاهر الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، بل عمل بما فَقِهه منها ثاني اثنين، صِدّيقُ هذه الأمة، الذي رُوي عنه: أنه قال في شأن هذه الآية: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يعمّهم بعقابه" انظر: "تفسير ابن كثير" دار الأندلس (ج 2 ص 667).
ولهذا كان شعار الإمام محمد الخضر قوله:
ولولا ارتياحي للنِّضالِ عن الهدى ... لفتَّشتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
لا يتسع المجال لتفصيل القول في آراء الإمام محمد الخضر حسين
__________
(1) النّشب: المال والعَقَار.
(15/ 1/175)

الإصلاحية التي بسطها، وأبدأ فيها وأعاد، في كتبه ومقالاته الكثيرة، ومنها: "رسائل الإصلاح"، و"الدعوة إلى الإصلاح". ولكني أودُّ التنبيه إلى نقطتين أنا مقتنع بهما: أولاهما: أن الإصلاح لا يَشْنأُ -كما يشاع- التصوفَ السنّي الخالي من البدع والخرافات والشطحات، وأن التصوف السنّي لا يشنأ الإصلاح.
وقد كان محمد العيد آل خليفة -رحمه الله- متصوِّفاً أوَّاهاً، وكان في الوقت نفسه أحد عُمُد الإصلاح، الدّاعي إليه، المجادل عنه، حتى شُرِّف بلقب: (حسَّان الحركة الإصلاحية)؛ تشبيهاً له بحسّان بن ثابت - رضي الله عنه -.
ودليل آخر على أن الإصلاح لا يعادي، ولا يعارض التصوف السنّي: هو هذا الإمام محمد الخضر حسين، الذي ينتسب إلى عائلة صوفية، ونشأ في أجواء التصوف الصافي، لم يجد في صدره حرجاً من اعتناق الإصلاح، والدعوة إليه، ولهذا وجدت رموز الإصلاح في الجزائر، وقادته؛ كالإمامين: ابن باديس، والإبراهيمي، لا يجدان حرجاً ولا تناقضاً عندما يُكْبِران الإمام محمد الخضر حسين، ويشيدان به.
ومما قاله الإمام ابن باديس -تعليقاً على مقال للإمام محمد الخضر-: "دعاني إلى كتابة هذا: مقال نفيس نشرته مجلة "الهداية الإسلامية" بقلم أستاذنا العلامة الجليل محمد الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري، التونسي، ثم المصري ... وأحببت أن تكون مقدمتي هذه الصغيرة أمام ذلك المقام الكبير تذكرة لجلوسي لتلقي "تهذيب المنطق" بين يدي الأستاذ بجامع الزيتونة، وسماع دروس من صدر "تفسير الييضاوي" بدار الأستاذ بشارع باب منارة من تونس الخضراء".
(15/ 1/176)

ويضيف الإمام ابن باديس قائلاً: "ولا يخفى أن الأستاذ -أبقاه الله- ابن أخت العلامة الجليل الشيخ المكي بن عزوز -رحمه الله-، وكلاهما من أبناء الطرقية، ولكن العلم سما بهما إلى بقاع التفكير والهداية والإصلاح. ولكليهما -أحسن الله جزاءهما- كتاباتٌ في التحذير مما عليه الطرقية اليوم، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح، وإلى القراء الكرام نص مقال الأستاذ -أبقاه الله-، وهو من ذلك الطراز". (انظر: الشهاب، ج 8، مجلد 15، سبتمبر 1939 م) وهذا آخر مقال كتبه الإمام ابن باديس في الشهاب؛ لأنها توقفت في هذا التاريخ. وقد عثر على هذا المقال في مطبعة الشهاب.
وأما الإمام الإبراهيمي، فقد كتب عن مجالس العلم في دمشق عندما كان مقيماً بها قبل عودته إلى الجزائر في عام 1920 م، وذكر: "أن واسطة العقد في تلك المجالس: الأستاذ الجليل، والأخ الوفي الشيخُ الأستاذ محمد الخضر حسين -مدَّ الله في حياته-". (آثار الإمام الإبراهيمي، ج 3، ص 566. والمقال منشور في 24 جانفي 1949 م في جريدة البصائر).
ولو رأى الإمامان ابنُ باديس والإبراهيمي في أقوال الإمام محمد الخضر حسين وأفعاله ما يوجب النقد، لما ترددا في ذلك، وهو ما فعلاه مع الإمام محمد الطاهر بن عاشور، على قيمته العلمية، ومكانته الدينية، عندما اعتبر أحد مواقفه مناصرة للبدعة، منابذة للسنّة (انظر: آثار الإمام ابن باديس، ج 3، ص 270 - 285. وآثار الإمام الإبراهيمي، ج 1، ص 221 - 226).
أما النقطة الثانية، فهي أن الإصلاح لا يجعل الإسلام عِضين، ولا يراه تفاريق، بل يعتبره شاملاً، فيه العقيدة، والعبادة، والمعاملات، والتربية، والسياسة، والحرب. فالذين ينفون السياسة عن الإسلام يجهلونه أو يَكْفُرونه.
(15/ 1/177)

والذين يرون الإصلاح عقيدة وعبادة وتربية فقط، يتجنّون عليه.
وها هو ذا الإمام محمد الخضر حسين الذي لا يرتاب أحد في سعة علمه، وانفتاح ذرعه، يخوض لُجج السياسة، فيكتب عن الحرية، ويتصدى لمن زعم أن الإسلام لا شأن له بالحكم وسياسة أمور الناس، ولا يكتفي في ذلك بالقول والكتابة، ولكنه يضرب بسهمه في تأسيس الجمعيات والهيئات السياسية، ويجري الاتصالات مع الدول، والمؤتمرات والمنظمات السياسية، ويؤمن بالحرب لدفع الظلم، وردّ العدوان، واسترجاع الحقوق المغتصبة، من غير تهوّر بإلقاء الناس إلى التهلكة، وزجِّهم في معركة لم يُعَدَّ لها، ولم تتَّخذ أسبابها.
إن الإصلاح عند الإمام محمد الخضر حسين وأمثاله من العلماء المصلحين فكرة ثابتة؛ لأنها لبّ الدين، وغايته، ولكن وسائل الإصلاح تتعدد بتعدد ميادينه، وتتجدد حسب الظروف المحيطة والإمكانات المتوفرة، والكيِّس من فَقِه ذلك، وعمل على ضوء ذلك الفقه.
لقد كان الإمام محمد الخضر حسين يجمع في انسجام تام، وفي تناغم جميل بين الإصلاح، السلفية المتنوِّرة، والتصوف السنّي، وهذا ما يحتاجه المسلمون في كل عصر، وخاصة في هذا العصر.
أمطر الله شآبيبَ رحمته على هذا الإمام الجليل، الذي لم يحضر ذكراه أحد من كبار المسؤولين؛ ربما لانشغالهم بالإعداد ل ... ولعل عدم حضورهم من علامات قبول الله لهذا الصالح، وأمارات رضوانه عنه.
(15/ 1/178)

على هامش الملتقى

في الذكرى الخمسين لوفاة العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيغ الأزهر السابق (1)
الأستاذ محمد مواعدة (2)
مرت خلال الأسبوع الأول من فيفري 2008 م، الذكرى الخمسون لوفاة العلّامة التونسي محمد الخضر حسين شيخِ جامع الأزهر السابق (2 فيفري 1958 - فيفري 2008).
وفي هذا الإطار تعتزم (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بإشراف رئيسها المثقف، والجامعي المتميز الدكتور كمال عمران، تعتزم تنظيمَ ندوة علمية خلال هذه السنة بمشاركة باحثين تونسيين وجزائريين ومشارقة للتعريف بهذه الشخصية العلمية التي تجاوزت الحدود، وبلغت أوج الشهرة والمجد العلمي والثقافي خلال النصف الأول من القرن الماضي.
ولا يحتاج إلى تأكيد أهمية منصب علمي مثل مشيخة جامع الأزهر الشريف، هذه المؤسسة الدينية والعلمية التي كان مجرد الدراسة فيها، والتعلم
__________
(1) جريدة "الصباح" التونسية، العدد الصادر في 24 فيفري (شباط) 2008 م.
(2) الأستاذ محمد مواعدة من كبار الباحثين والكتاب التونسيين، له مؤلف مشهور "محمد الخضر حسين حياته وآثاره".
(15/ 1/179)

بها يعتبر شهادة امتياز وتقدير.
ومما يستحق الإشادة في هذا المجال: أن الشيخ محمد الخضر حسين لم يطلبها ويعمل من أجلها، بل جاءته هذه الخطّة ساعية إليه من خلال الوفد الوزاري الذي أرسله إليه الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1952 م بقيادة الوزير الشيخ الباقوري عارضاً عليه تولي هذه الخطة، فاعتذر، فألحَّ عليه، وهو صديقه القديم بما معناه: إن الثورة تهدف إلى بناء مجتمع جديد، وهو أحد جنودها، ولا يمكن له أن يعتذر عن المساهمة في هذا البناء ...
فقبل عندئذ تولي مشيخة الأزهر، وبقي يباشرها إلى سنة 1954 م، ثم استقال منها متعللاً بكبر سنه ... لكن السبب الحقيقي كان اختلافه مع مجلس قيادة الثورة في قضايا عديدة، منها: وضع المحاكم الشرعية.
ومما يذكر عنه في هذه المرحلة من حياته: أن اللواء محمد نجيب قد زاره في بيته -بحكم العلاقة القائمة بين الرجلين قبل الثورة-، ثم طلب منه بعضُ الأصدقاء القيام بزيارة اللواء نجيب في مقر مجلس قيادة الثورة، فكان جوابه: "شيخ الأزهر لا ينتقل إلى مقر السلطة ... بل على السلطة أن تنتقل إليه؛ لأنها هي التي تحتاجه".
* حياته ثرية ونشيطة:
إن كل من تعرف على هذه الشخصية -من خلال البحث والدراسة- يتبين غزارة حياتها وثراءها، إذ هو العالم في القضايا الشرعية، وفي اللغة، والأدب، وهو الشاعر، والمحاضر، والرحالة، وكاتب المقالة، والمناضل المغاربي السياسي.
فقد قال عنه أحد علماء الأزهر الكبار -الشيخ اللبان- عند إلقائه درساً
(15/ 1/180)

في "القياس في اللغة العربية" وهو البحث الذي تأهل به للدخول إلى هيئة كبار العلماء ... وهي أعلى هيئة علمية بالجامع الأزهر. قال الشيخ اللبان: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ".
ونظراً إلى أن هذا العلامة هو كما قال عنه أحد زملائه: "هو رجال في رجل"؛ فإننا في هذه المناسبة -الذكرى الخمسين لوفاته- سنكتفي بالإشارة بإيجاز إلى بعض الجوانب (1):
1 - جذور هذه الشخصية وأصول عائلته هي أصول جزائرية من بلدة "طولقة" من منطقة الزاب على الحدود التونسية ... وهي منطقة واحات النخيل المجاورة لمنطقة الجريد بالجنوب التونسي ... وهو ما يجعل المتجول في إحدى هذه الواحات لا يستطيع التفريق بين هاتين المنطقتين: نخيلاً، بشراً، عادات، أنواع الأطعمة والمأكولات ... إلخ.
2 - انتقل جده للأم الشيخ مصطفى بن عزوز إلى بلدة "نفطة" خلال النصف الأول من القرن 19 م، واستقر بها، وبنى بها زاويته الشهيرة القائمة إلى اليوم ... وانطلاقاً منها قام بنشر الطريقة الرحمانية.
قد أشار الشيخ إبراهيم خريف (والد الأديبين البارزين: مصطفى خريف، والبشير خريف) في كتابه "المنهج السديد في التعريف بقطر الجريد" - (مخطوط) إلى الحظوة الكبيرة، والعناية الفائقة التي استقبل بها علماء "نفطة" ورجالها الشيخ مصطفى بن عزوز.
__________
(1) محمد مواعدة: "محمد الخضر حسين: حياته وآثاره"، ط 1، تونس 1974 م، قريباً طبعة جديدة مفصلة في جزأين.
(15/ 1/181)

وكان لهذا الشيخ مكانة خاصة ومتميزة لدى العلماء والشيوخ في مختلف أنحاء البلاد التونسية، وكذلك لدى سلطة البايات، وهو ما أهله للقيام بدور فاعل للوساطة بين باي تونس وعلي بن غذاهم، أشار إليها بتفصيل ابن أبي الضياف في ج 5 من كتاب "الإتحاف".
3 - كان -أيضاً- جد محمد الخضر حسين للأب علي بن عمر من علماء "طولقة" وشيوخها، وله -حالياً- زاوية باسمه في هذه المدينة، هي من أكبر الزوايا التي زرتها أخيراً بمنطقة الزاب ... وبها مكتبة ثرية جداً بالمخطوطات العلمية والأدبية النادرة ... ويشرف على شؤونها عالم جليل هو الشيخ عبد القادر عثماني.
4 - إذن كانت العائلة التي ينتسب إليها علامتنا من أعظم العائلات وأعرقها علماً وورعاً ... إذ -إضافة إلى ما ذكرنا- فإن الشيخ محمد بن عزّوز والد الشيخ مصطفى بن عزوز ... هو العالم والورع المتصوف المعروف ب "نور الصحراء"، وزاويته الشهيرة قائمة إلى اليوم.
ومن أبرز أبناء هذه العائلة -أيضاً- الشيخ المكي ابن عزوز (خال محمد الخضر) الذي كان من علماء جامع الزيتونة، وأحد قضاة مدينة "نفطة" ... والذي ارتحل فيما بعد إلى "الآستانة" واستقر بها للتدريس ... وكان من أبرز وجهائها إلى أن توفي بها، ودفن هناك.
5 - ولد الشيخ محمد الخضر حسين بمدينة "نفطة" يوم (26 رجب سنة 1293 ه / 21 جويلية سنة 1873 م)، واسمه الأصلي: محمد الأخضر ابن حسين، وقد حدث تحوير في الاسم على مرحلتين:
الأولى: منذ طفولته، عندما أبدل لفظ "الأخضر" ب "الخضر"؛ تيمناً
(15/ 1/182)

ب "الخضر" الذي رفعه القرآن إلى درجة الأنبياء، ويحظى عند رجال التصوف بمكانة خاصة.
أما التحوير الثاني الذي حدث في صيغة الاسم، فبحذف لفظ "الابن"، وذلك عندما هاجر إلى المشرق العربي، واستقر ب"دمشق، ثم القاهرة" مسايرةً لأسلوب المشارقة في التسمية؛ مثل: طه حسين ...
6 - تلقى تعلمه الابتدائي "بنفطة" على يد خاله الشيخ محمد المكي ابن عزوز، وعلى مؤدبين وشيوخ من أبرز مؤدبي وشيوخ "نفطة" في ذلك العهد.
وتجدر الإشارة إلى أن مدينة "نفطة" التي كانت تسمى بالكوفة الصغرى (في كتب الرحالة العرب)، ومنطقة الجريد عامة: توزر، دقاش، كانت كلها زاخرة بالعلماء والأدباء والشعراء.
7 - عندما بلغ محمد الخضر سن 13 من عمره انتقلت العائلة سنة (1307 ه / 1886 م) إلى العاصمة تونس؛ لتمكينه وإخوته من مواصلة الدراسة بجامعة الزيتونة ... وكان خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز مدرساً متطوعاً بالجامع الأعظم، وصاحبَ منزلة وتقدير لدى أبرز شيوخ هذه المؤسسة العلمية.
8 - تخرج محمد الخضر حسين من جامع الزيتونة بنجاحه في شهادة التطويع سنة (1316 ه / 1898 م)، وكان لهذه المرحلة الزيتونية من حياته شديدُ التأثير في مساره العلمي والفكري والأدبي، أشاد به في عديد المناسبات. (انظر كتابه: "تونس وجامع الزيتونة")، وخاصة انبهاره وتعلقه بشيوخه الكبار:
(15/ 1/183)

- الشيخ سالم بو حاجب (ت: 1343 ه / 1925 م).
- الشيخ عمر بن الشيخ (ت: 1329 ه / 1911 م).
- الشيخ محمد النجار (ت: 1329 ه / 1911 م).
أشار العلامة محمد الخضر حسين إلى مراحل حياته في مناسبات عديدة، وهي ثلاثة:
- المرحلة التونسية:
وقد امتدت طيلة 40 سنة، من ولادته بمدينة "نفطة" بالجريد سنة 873 م إلى هجرته النهائية إلى المشرق العربي سنة 1912 م.
وقد قال العلامة محمد الفاضل بن عاشور عن هذه المرحلة التأسيسية لشخصية صاحبنا:
تميزت هذه المرحلة الأولى من حياته التي قضاها بتونس بالتعلم والتثقف، فتكونت شخصيته، ونضجت أفكاره، واشتهر في الأوساط العلمية باعتداله، وهدوء طبعه، وخلوص نيته، وسعة علمه، وبراعة قلمه.
ولئن باشر التدريس بالجامع الأعظم خلال هذه المرحلة، وكذلك بالمعهد الصادقي، وتقلد خطة القضاء بمدينة "بنزرت" تلبية لطلب صديقه الحميم العلامة محمد الطاهر بن عاشور، ثم استقال منها سريعاً؛ لعدم تلاؤم شخصيته وبيئته العائلية والعلمية مع ضوابط الوظائف الرسمية وحدودها، وانشغاله الأساسي بالعلم والأدب والثقافة درساً وتعلماً وتعليماً.
لئن قام بكل ذلك وبغيره خلال هذه المرحلة التونسية، فإننا نعتقد -تأكيداً لما قاله العلامة محمد الفاضل بن عاشور- أن من أهم ما يستحق الإشادة والذكر في هذه المناسبة الخمسينية:
(15/ 1/184)

أ - بداية بروزه في مجال الدعوة إلى إصلاح المجتمع الإسلامي من خلال المسامرات والمحاضرات والتي من أشهرها:
- "الحرية في الإسلام": التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية) سنة 1906 م، ونشرت سنة 1909 م، ونالت اهتمام جميع الأوساط العلمية والثقافية في ذلك العهد.
- "حياة اللغة العربية": والتي ألقاها بنادي الجمعية نفسها خلال سنة 1909 م.
ب - إصدار مجلة "السعادة العظمى" (1)، والتي هي في نظرنا أهم إنجاز قام بتحقيقه في مرحلته التونسية، والتي قال عنها العلامة محمد الفاضل بن عاشور: " ... كان ظهورها في معمعة تلك الخلافات كطلوع الحكم العادل، تنزهت به المجادلات عن الفحش، وتطهرت من الهمز واللمز، وتسامت عن التشهير والأذى الشخصي".
ويقصد شيخنا ابن عاشور بهذا القول: محاولةَ مجلة "السعادة العظمى"، وبالتالي صاحبها الشيخ محمد الخضر حسين التعاملَ بهدوء ورصانة مع الخلاف الذي كان وقتها محتدماً بين الإصلاحيين والمحافظين حول قضايا فكرية ودينية عديدة؛ مما جعل أصحاب التيارين وأنصارهم "المتطرفين" يخاصمون المجلة، وصاحبها، (وهو موضوع يحتاج إلى بحث خاص) ... باستثناء صديقه الوفي العلامة محمد الطاهر بن عاشور. وقد كانت بينهما
__________
(1) نجاة الحامي بوملالة: مجلة "السعادة العظمى"، بحث جامعي متميز عن هذه المجلة وظروف صدورها وتوجهاتها الدينية والفكرية.
(15/ 1/185)

مودة استمرت طيلة حياتهما ... هذه المودة التي تبرز في الرسائل التي كان يوجهها إمام الجامع الأزهر إلى إمام الجامع الأعظم جامعِ الزيتونة ...
وأغتنمُ هذه المناسبة؛ لأشير إلى أن هذه المودة والوفاء والتقدير قد لمستها شخصياً خلال إعداد كتابي عن الخضر حسين والجلسات العديدة التي خصصها لي المرحوم العلامة محمد الطاهر بن عاشور ببيت ابن عاشور العامر بالمَرْسى ... وتمكيني من معلومات وتدقيقات علمية وتاريخية نادرة لم تكن متوفرة لغيره من العلماء والشيوخ والمؤرخين ... فله منا -رحمه الله- كامل الثناء والتقدير، ولهذه العائلة -آل ابن عاشور- التي مكنت تونس والعالم الإسلامي -وما زالت- من خيرة العلماء والباحثين في عديد المجالات العلمية والثقافية والفكرية والقانونية ... إلخ.
ج - العناية البارزة بمجال الإصلاح الديني والاجتماعي والتربوي: وقد تجلى ذلك بالدعوة إلى الإصلاح من خلال المحاضرات والمسامرات والمقالات ...
أما في الميدان التربوي، فقد كان منشغلاً بإصلاح التعليم الزيتوني منذ حياته الطالبية ... وبعد تخرجه من الجامع الأعظم كان من بين شيوخ الزيتونة وعلمائها العاملين على تطوير التعليم مضموناً وأسلوباً ومنهجاً.
وفي هذا الإطار شارك في تكوين جمعية (تلاميذ جامع الزيتونة) سنة (1324 ه / 1906 م)، إضافة إلى نخبة من العلماء، في مقدمتهم: العلامة محمد الطاهر بن عاشور ... وخلال سنة (1325 ه / 1907 م) انحلت هذه الجمعية وتكونت جمعية جديدة باسم (الجمعية الزيتونية)، تولى رئاستها الشيخ ابن عاشور، وعضويتها العلماء: الطاهر النيفر، محمد رضوان، محمد النخلي،
(15/ 1/186)

محمد الخضر حسين، أبو حسن النجار ...
وفي هذا الإطار الإصلاحي التربوي يتنزل كتاب (أليس الصبح بقريب) لشيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور.
- المرحلة السورية:
وهي المرحلة الثانية من حياة العلامة محمد الخضر حسين، والتي امتدت طيلة 8 سنوات، من سنة (1912 م إلى سنة 1920 م).
وقد كانت -حسب تعبير العلامة محمد الفاضل بن عاشور- مرحلة التنقل والترحال والاكتشاف ... والنضال السياسي.
وتجدر الإشارة -في هذا الإطار- إلى أن أسباباً عديدة دفعت بالشيخ الخضر حسين إلى الهجرة إلى المشرق العربي، منها: انتقال عائلته إلى دمشق، والاستقرار بها سنة 1911 م، وهي حالياً من أشهر العائلات علماً وورعاً وقيمة ثقافية، وفي مقدمة هذه الأسرة التونسية السورية: الأستاذ الكبير والمحامي المتميز والأخ العزيز علي الرضا الحسيني التونسي، الذي سخّر جهوده العلمية والمعرفية، وكل إمكانياته المادية لتحقيق وجمع ونشر آثار عمه العلامة الخضر حسين، وكذلك آثار والده الشيخ زين العابدين بن الحسين، وأعمال آل عزّوز، والحسين، وهي الجهود التي من أجلها قلّده الرئيس زين العابدين ابن علي وساماً ثقافياً متميزاً، ومن أجلها استحق كامل التقدير من أبرز الجامعيين والمثقفين العرب والمسلمين المعنيين بتراث هذه الأمة، وبرجالها الأجلاء مثل: علامتنا محمد الخضر حسين.
قد كانت هذه المرحلة السورية مليئة بالنشاط العلمي والثقافي، والتنقل والترحال، وبالخصوص بالنضال السياسي.
(15/ 1/187)

ونظراً إلى ضيق المجال، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى أبرز ما تميزت به هذه المرحلة:
1 - منذ حلوله بالعاصمة السورية دمشق، واسعقراره عند إخوته وعائلته، واصلَ نشاطه العلمي والثقافي بالتدريس بالمدرسة (السلطانية)، وهي من أبرز المعاهد العلمية، ومن أشهر من درّس بها الإمام محمد عبده.
كما واصل إلقاء المحاضرات في الجامع الأموي، وكتابة المقالات بالصحف السورية.
ومن الجدير بالذكر: أن قدومه إلى الشام وجد حظوة كبيرة لدى العلماء والمثقفين السوريين.
2 - كان من أبرز الداعين إلى تمتين الروابط بين العرب والأتراك في إطار الأمة الإسلامية، وسخر جهده الإعلامي والثقافي في هذا الإطار، وهو ما عبر عنه في قصيدته الشهيرة: "بكاء على مجد ضائع".
3 - كان حاكم سورية في تلك المرحلة التركي جمال باشا المعروف بتعسفه وجبروته، وقد أدخل العديد من العلماء والمفكرين السجن، منهم: الشيخ الخضر حسين.
وعند إطلاق سراحه -بعد ثبوت براءته- عاد إلى التدريس والمحاضرات العلمية والثقافية.
4 - سافر إلى عاصمة الخلافة العثمانية الآستانة؛ حيث عمل منشئاً عربياً بوزارة الحربية.
5 - كان استقرار خاله وأستاذه الشيخ محمد المكي بن عزوز بالآستانة، والمكانة التي كان يتمتع بها لدى الباب العالي، ولدى أبرز العلماء والساسة
(15/ 1/188)

بعاصمة الخلافة الإسلامية وقتئذ، كل ذلك ساعد الخضر حسين على حصوله على ثقة الباب العالي؛ مما جعل السلطة التركية تعهد له مهمة في ألمانيا التي كانت في الحرب العالمية الأولى حليفة لتركيا ضد فرنسا.
6 - سافر الخضر حسين إلى ألمانيا، واستقر ببرلين صحبةَ عدد من العلماء المسلمين، منهم: الشيخان: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي. وكان الهدف من هذه البعثة العلمية: تحقيق رغبة السلطة العثمانية في تكوين تنظيمات ثورية شعبية من المغاربة المقيمين بألمانيا ضد الاستعمار الفرنسي في بلدان شمال إفريقيا.
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى صلة الشيخ الخضر حسين بالأخوين المناضلين: محمد، وعلي باش حامبة، واتفاقهم مع بقية المغاربة المقيمين وقتها بالآستانة وبرلين على ضرورة الدفاع عن الخلافة الإسلامية، ومجابهة الاستعمار الفرنسي.
وفي هذا الإطار يندرج تكوين (اللجنة التونسية الجزائرية) التي وجهت إلى مؤتمر الصلح المنعقد بباريس سنة 1917 م تقريراً مفصلاً تحت عنوان: (مطالب الشعب الجزائري التونسي)، ويإمضاء مجموعة من المناضلين المغاربيين، منهم: محمد باش حامبة، محمد الخضر حسين، صالح الشريف ...
7 - عندما سقطت تركيا في أيدي الحلفاء، عاد الشيخ الخضر صحبة عدد من زعماء الحركة الإسلامية من ألمانيا إلى الآستانة، ومنها إلى دمشق. وقد أثر هذا الحدث في نفسه التأثير البالغ؛ لما كان يعلقه من آمال عريضة على الباب العالي في مساعدة القضايا الوطنية التحريرية بالعالم العربي، وخاصة بشمال إفريقيا، وكذلك لما كان يؤمن به من ضرورة تدعيم الخلافة
(15/ 1/189)

الإسلامية وتقويتها؛ لما في ذلك من دعم للدين الإسلامي، وتقوية له.
8 - عند عودته إلى دمشق واصلَ نشاطه العلمي والثقافي والإعلامي، كما وقع تعيينه عضواً للمجمع العلمي العربي بدمشق، الذي عقد جلسته الأولى يوم 30 جويلية 1919 م. وبقي عضواً عاملاً بهذا المجمع مدة إقامته بالعاصمة السورية، ثم أصبح عضواً مراسلاً عند انتقاله إلى القاهرة، واستقراره بها سنة 1920 م.
9 - عند احتلال الجيش الفرنسي لسورية إثر معركة ميسلون يوم 24 جويلية 1920 م، أصبحت إقامة الخضر حسين بدمشق معرضة للخطر، وهو المتابَع من السلطات الفرنسية من تونس، ثم لنشاطه السياسي بالآستانة وبرلين. ولذلك برغم حنينه إلى وطنه تونس، فقد قرر الانتقال إلى مصر، والاستقرار بها. فقد كانت القاهرة مقر الجامع الأزهر، وكعبة العلماء والباحثين، ولذلك قال في مقدمة كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم": "وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئاتها، هبطت مصر، فلقيت على ضفاف وادي النيل علماً زاخراً، وأدباً جماً".
- المرحلة المصرية:
هذه المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة العلامة محمد الخضر حسين امتدت طيلة 37 سنة، من سنة 1920 م إلى وفاته سنة 1958 م. وهي المرحلة التي أطلق عليها الشيخ محمد الفاضل بن عاشور بمناسبة أربعينية الشيخ الخضر في مارس 1958 م: "مرحلة المجد الثقافي والشهرة العلمية".
ولذلك كانت من أغزر مراحل حياته إنتاجاً علمياً وثقافياً وإعلامياً،
(15/ 1/190)

وأبرزها مكانة وشهرة وفاعلية. وبرغم هذه الأهمية، فإننا نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:
1 - تنقسم هذه المرحلة بدورها إلى ثلاث فترات:
أ - ما قبل توليه مشيخة الأزهر (1920 م - 1952 م).
ب - مدة توليه مشيخة الأزهر (1952 م - 1954 م).
ج - بعد استقالته من الأزهر إلى وفاته (1954 م - 1958 م).
2 - مما يستحق الذكر في أيامه الأولى بالقاهرة هو: اعتماده على نفسه، وهو الوحيد البعيد عن الأهل والأقارب والأصدقاء، وتحمله لشتى الأتعاب والمشاق ... فقد كان ذا شخصية قوية، وأنفة وكبرياء، وشعور بعزة النفس ... ولا غرابة، وهو سليل عائلة علم وورع، وتجرَّد لخدمة الإسلام وقيمه وأهدافه الإنسانية.
وقد اختار شعاراً لحياته:
ولَوْلا ارتياحي للنِّضالِ عنِ الهُدى ... لفتَّشتُ عن وادٍ أعيشُ به وحدي
ومن المعلوم بداهة: أن الذين يختارون طريق النضال من أجل أهداف وطنية وإنسانية عالية، ويسخّرون حياتهم ووجودهم كله لتحقيق هذا المطمح النبيل، هؤلاء يكونون دائماً عن وعي عميق بما يستحقه ذلك من تضحيات، وما يطرحه من استعداد لتحمل التبعات، مهما كانت شاقة وقاسية.
3 - منذ أيامه الأولى بالقاهرة قام بالاتصال بالطلبة المغاربة بالجامع الأزهر، ورُواقُ المغاربة بهذه المؤسسة العلمية ما زالت آثاره بارزة إلى اليوم، برغم زوال الرواق نفسه، وبقية الأروقة الأخرى. كما تمكن من الحصول على خطة مصحّح ومراجع النصوص بدار الكتب المصرية بتدخل من صديقه
(15/ 1/191)

الحميم الذي بقي يُكِنُّ له كامل التقدير والاعتراف بالجميل إلى آخر حياته، وهو العلامة أحمد تيمور.
وهذا الاعتراف هو الذي جعل الشيخ محمد الخضر حسين يوصي بدفنه في مقبرة آل تيمور بالقاهرة بجانب صديقه الوفي. وقد زرتُ شخصياً هذه المقبرة خلال زيارتي الأخيرة للقاهرة في جانفي الماضي 2008 م، حيث لاحظت قبر المرحوم علامتنا ضمن المبنى المخصص للعائلة، بل وفي مقدمة قبور أسرة تيمور، وبمبنى ضخم مكتوب عليه العديد من الآيات القرآنية، وفي أعلاه لوحة رخامية تُشيد بصاحب القبر، وبقيمته العلمية، وخاصة مشيخة الأزهر.
4 - خلال السنوات الأولى من هذه المرحلة ساهم في تأسيس (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية) التي تألفت من عدة شخصيات مغاربية؛ من تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا، وقد تحمل مسؤولية رئاستها. وكان هدفها: الرفع من مستوى هذه الجاليات مادياً واجتماعياً وثقافياً.
وتجدر الاشارة في هذا المجال إلى: أن اهتمام الشيخ الخضر حسين بالمغرب العربي وقضاياه قد استمر طيلة حياته، ومساعدته للزعماء المغاربة ولعلمائه تواصلت إلى آخر أيام حياته.
5 - كانت له مساهمات هامة وفاعلة في المناظرات، بل الصراعات الفكرية والدينية والأدبية خلال هذه المرحلة المصرية، وأبرز هذه المساهمات:
أ - تأليفه كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، الصادر في أفريل 1925 م، إثر صدور قرار إلغاء الخلافة في مارس 1924 م.
(15/ 1/192)

وقد كان لنقض الخضر حسين الصدى الكبير في الأوساط الإسلامية، وخاصة في مصر. ونال حظوة متميزة لدى الملك فؤاد ملك مصر. وقد كان حكم مصر يسعى إلى اغتنام الفرصة لتحل القاهرة محل الآستانة عاصمة للأمة الإسلامية.
ب - تأليفه كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، الصادر سنة 1926 م.
وقد نال هذا الكتاب -أيضاً- شهرة كبيرة، وخاصة لدى علماء الأزهر، ورجال الدين عموماً.
وقد قال العلامة محمد الفاضل بن عاشور عن هذا الكتاب: إن الدكتور طه حسين يعتبر كتاب الشيخ محمد الخضر حسين من أهم الردود، وأشدها حجّة.
6 - إن المتابع لنشاط الشيخ محمد الخضر حسين -طيلة حياته الزاخرة بالأعمال الجليلة- يلاحظ مدى اهتمامه بتكوين الجمعيات في مختلف مجالات الإصلاح الديني والاجتماعي والتربوي والسياسي.
وفي هذا الإطار نراه يقوم بتأسيس "جمعية الهداية الإسلامية" بتاريخ 6 جانفي 1928 م، وذلك صحبة نخبة من أبرز، العلماء، منهم: الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر، والشيخ عبد الحليم النجار.
لم تكتف هذه الجمعية بتنظيم المحاضرات والمسامرات، وتكوين الفروع داخل مصر وخارجها. بل قامت بإصدار مجلة "الهداية الإسلامية" الشهرية، وذلك منذ أكتوبر 1928 م.
ومن الملاحظ: أن هذه المجلة تنشر أخباراً عن تونس، كما تقوم بالتعريف
(15/ 1/193)

بأبرز الشخصيات العلمية؛ مثل: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وتنشر -أيضاً- بحوثًا ومقالات لعلماء تونسيين، أمثال: الشيخ ابن عاشور، والشيخ محمد النيفر، وكان من مراسليها الشيخ محمد المكي بن الحسين.
وقد نالت هذه المجلة حظوة خاصة لدى علماء الإسلام مغرباً ومشرقاً، نذكر منهم: الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" الذي حثّ المسلمين على قراءتها ... ومما قاله عن الشيخ الخضر حسين: "هو صديقنا الأستاذ التونسي الزيتوني الأزهري، العالم الفاضل، الكاتب الخطيب المتفنن" (مجلة "المنار" م 29، ج 9، ص 720).
... هذا برغم أن العلاقة بين العالمين الخضر حسين، ورشيد رضا لم تبق على هذا الود؛ إذ انقلبت إلى خصومة فكرية وشخصية لاذعة، بدأها صاحب "المنار"، ولم يتجاوزها صاحب "السعادة العظمى" و "الهداية الإسلامية"، وهذه قضية تحتاج وحدها إلى مقال تحليلي ليس هذا مجاله.
7 - إن تواصل نشاط الخضر حسين، وكثافة هذا النشاط العلمي والثقافي والإعلامي أكد حضوره البارز والمتميز في المجتمع المصري، وخاصة لدى علماء الأزهر.
ولذلك وقع انتدابه للتدريس في قسم التخصص بهذه المؤسسة العلمية سنة 1927 م بصورة مؤقتة، ثم بصورة رسمية سنة 1928 م عندما أصبح صديقه الشيخ المراغي شيخاً للأزهر.
وفي هذه المرحلة من حياته العلمية، أصدر الأزهر مجلة "نور الإسلام" (محرم 1349 ه / جوان 1930 م)، التي تولى الشيخ الخضر رئاسة تحريرها.
8 - تأسيس "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة بمرسوم ملكي أصدره الملك
(15/ 1/194)

فؤاد الأول في 14 شعبان سنة (1351 ه / 13 ديسمبر 1932 م).
ثم صدر مرسوم ثان تَمَّ بموجبه تعيين الأعضاء العاملين بالمجمع، وهم من أبرز العلماء والمستشرقين، منهم:
"الشيخ محمد الخضر حسين، الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب، والمستشرقون: هملتون جيب، ونالينو مارسينيون ...
وقد ترأس الشيخ محمد الخضر لجنة اللهجات، وشارك في أعمال عدة لجان علمية، وألقى عديد البحوث نشرت بمجلة المجمع؛ كما مَثَّل هذه المؤسسة اللغوية في مؤتمرات دولية عديدة.
9 - أصبح الشيخ محمد الخضر عضواً بهيئة كبار العلماء سنة 1950 م إثر تقديمه بحث "القياس في اللغة العربية"، وهي أكبر هيئة علمية في مصر.
وخلال مناقشة اللجنة لصاحب البحث، قال الشيخ اللبّان رئيس اللجنة عبارتَه المشهورة التي ما زال شيوخ الأزهر يرددونها إلى اليوم، وقد سمعتها منهم شخصياً خلال زيارتي الأخيرة إلى الجامع، واستقبالي من طرفهم بتقدير لن أنساه. وقد شاركت بالمناسبة في نقاش علمي بكلية اللغة العربية يوم 16 جانفي 2008 م.
أما عبارة الشيخ اللبّان، والتي أشرتُ إليها في بداية هذا المقال، فهي: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ".
10 - تولى خطة شيخ الجامع الأزهر -كما أشرت إلى ذلك في بداية المقال - في سبتمبر 1952 م. هذا وقد تحصل على الجنسية المصرية خلال سنة 1932 م حتى يتمكن من تحمل مسؤوليات في مؤسسات وهيئات علمية مصرية مثل هذه الخطة.
(15/ 1/195)

وقدم استقالته من مشيخة الأزهر في جانفي 1954 م لكبر سنه؛ إذ تجاوز الثمانين من العمر، ولتدهور حالته الصحية، ولخلافات عديدة بينه وبين مجلس قيادة الثورة، وهو العالم الجليل صاحب الشهرة الكبيرة، والشخصية القوية، والكبرياء والأنفة، والذي لا يخشى في قول الحق لومة لائم، ولو كان سلطاناً متسلطاً.
ومما يذكر عنه في أثناء توليه مشيخة الأزهر قوله: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسلِّمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذ لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من أن لا يحصل له نقص"، وكان كثيراً ما يردد: "يكفيني كوب لبن، وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
11 - واصل بعد الأزهر نشاطه في (المجمع اللغوي)، وفي (هيئة كبار العلماء)، وكتابة المقالات والبحوث الدينية في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام" التي صدر له فيها آخر مقال. وقد وافته المنية، ورجعت نفسُه إلى ربها راضية مرضية بعد ظهر يوم الأحد (13 رجب سنة 1377 ه، فيفري 1958 م).
وقد نعاه العلامة محمد علي النجار بكلمة تأبينية، مما جاء فيها:
" ... إن الشيخ اجتمعت فيه من الفضائل ما لم تجتمع في غيره إلا في الندرى؛ فقد كان عالماً ضليعاً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظًا على العروبة والدين، يردّ ما يوجه إليهما، وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجّة، حسن الجدال، عف اللسان والقلم ... " (محاضر جلسات مجمع اللغة العربية، ج 21، القاهرة).
(15/ 1/196)

لقد فارق عالمنا هذا إلى العالم الآخر، وقد ترك من جليل الأعمال والآثار الشيء الكثير الكثير؛ مما أغنى المكتبة العربية والإسلامية، وبالتالي حضارة هذه الأمة بكنوز لا تفنى، وموارد لا تنضب.
حرصنا في هذه المناسبة - الذكرى الخمسون لوفاة العلامة محمد الخضر حسين - على التعريف بإيجاز شديد بهذه الشخصية التي نشأت على أرض تونس - بنفطة - وواصلت حياتها بثبات ومثابرة جعلتها تبلغ أعلى الدرجات العلمية في مجالات عديدة، في مغارب العالم العربي والإسلامي ومشارقه.
على أن هنالك جوانبَ عديدة تستحق الإشارة والتحليل إزاء هذه الشخصية، وخاصة منها الجوانب التي حولها خلاف بين الباحثين، منها: جنسيته، علاقته بالزعيم الحبيب بورقيبة، وموقفه من الإصلاح الاجتماعي والديني والسياسي، نضاله السياسي ... إلخ.
لكن المجال لا يسمح بذلك، وفي الوقت نفسه نرى لزاماً علينا للأمانة والتاريخ ضرورة الإشارة إلى بعضها على الأقل، وبإيجاز شديد، وتوضيح القليل مما يشوبها من غموض.
* الخضر حسين والزعيم بورقيبة:
مرت العلاقة بين الزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة والعلامة الزيتوني الأزهري محمد الخضر حسين بحالات مد وجزر، تعود أسبابها إلى عوامل عديدة لا يسمح المجال بتعدادها وتحليلها، لذلك سنكتفي بالإشارة إلى ما يلي:
تناول بورقيبة شخصية الخضر حسين بالحديث في مناسبات عديدة
(15/ 1/197)

ومختلفة، أحياناً بالاحترام والتقدير، وأحياناً أخرى بالتنقيص والاحتقار -مع الأسف-.
والمهم في هذا الإطار: أن أول مناسبة جمعت بين الرجلين كانت زيارة بورقيبة إلى المشرق، وتوقفه بمنطقة السلُّوم على الحدود الليبية المصرية، وعدم تمكنه من دخول الأراضي المصرية؛ لجهل حرس الحدود المصريين بالزعيم الوطني التونسي في تلك الفترة، وإشارته لهم بمعرفته بالشيخ التونسي الخضر حسين، ونظراً إلى العلاقة المتينة التي كانت تربط وقتئذ وزير الداخلية المصري وبين الخضر حسين، وضمان علامتنا في زعيمنا الوطني، ومساندته له، تمكن بورقيبة من دخول مصر، والاتجاه إلى بيت الخضر حسين.
وخلال زيارتي إلى القاهرة (جانفي 2008 م) أكَّدت لي شخصياً زوجةُ الخضر حسين الأخيرة: أنهما استقبلوا الزعيم بورقيبة في بيتهم ليلاً، وبقي معهم عدة أيام إلى أن أوجدوا له مقراً للإقامة، كما أكدت لي: أن الشيخ الخضر كان شديد الاحترام والتقدير للزعيم الوطني والمناضل الكبير الحبيب بورقيبة.
لكن هذا التقدير المتبادل لم يستمر على هذه الحال، ونترك التفاصيل التاريخية والدينية إلى الفصل الذي سنخصصه لهذه القضية في الطبعة الجديدة القادمة لكتابنا عن الخضر حسين.
ومن بين هذه التفاصيل: ما دار في اللقاء الذي دعانا إليه الزعيم بورقيبة إثر صدور كتابنا المذكور سنة 1974 م، والذي حضره نخبة من الجامعيين التونسيين، نذكر منهم: أساتذتنا وأصدقاءنا الأفاضل: المنجي الشملي، وعبد القادر المهيري، وجعفر ماجد ... إلخ، إضافة إلى السيدين المحترمين:
(15/ 1/198)

الشاذلي القليبي، ومحمد الصياح.
على أن ما يمكن الإشارة إليه بايجاز شديد جداً في هذه المناسبة هو: أن ما سمعناه مباشرة من الزعيم بورقيبة عن الإسلام وشيوخه، والخضر حسين أحدهم، وهو موضوع اللقاء، يساهم إلى حد كبير في توضيح الكثير من الجوانب؛ مما يجعل ما نقرؤه حالياً من تحاليل وكتابات عن بورقيبة والإسلام يحتاج إلى كثير من التصحيح والتدقيق ... وهذه قضية أخرى قد نعود إليها في مناسبة لاحقة.
وعودة إلى العلاقة بين بورقيبة والخضر حسين: فبرغم تأرجح موقف الزعيم من العلامة الزيتوني الأزهري بين التقدير والاحترام والإشادة حيناً، ومحاولة الاستنقاص حيناً آخر، فإن بورقيبة لم يتردد بمجرد علمه بوفاة الخضر حسين من تكليف سفير تونس بالقاهرة السيد الطيب السحباني وقتئذ من السعي إلى نقل رفات المرحوم لدفنها بتونس، لكن وصية الخضر حسين بدفنه بجانب صديقه الحميم أحمد تيمور بمقبرة التيمورية بالقاهرة حالت دون ذلك.
* المحافظ "المصلح":
من الجوانب الخلافية بين الباحثين: موقع العلامة الخضر حسين من الإصلاحيين والمحافظين في المجتمع الإسلامي، فهل هو محافظ متزمت منغلق ومتعصب، وبالتالي هو معارض عنيد لكل إصلاح ديني واجتماعي وسياسي في المجتمع الإسلامي، أم هو مصلح يمكن اعتباره من بين المصلحين العاملين على تطوير الأمة الإسلامية في مختلف المجالات الدينية والاجتماعية والفكرية والسياسية؛ مثل: الأفغاني، وعبده، وخير الدين التونسي، والطاهر الحداد؟
(15/ 1/199)

ودون الدخول في تفاصيل لا يسمح المجال بذكرها، وهي عديدة جداً ومعقدة، فإننا نكتفي بالتأكيد، وهذا هو موقفنا الثابت نتيجة درس وتمحيص لهذه الشخصية العلمية الفذة، التأكيد على: أن العلامة الخضر حسين ليس من الصنف المحافظ المنغلق المعارض لكل إصلاح وتطوير، وليس -أيضاً- من الصنف الإصلاحي على غرار زعماء الإصلاح المعروفين، إنه في منزلة بين المنزلتين؛ كما يقال عند المعتزلة.
ولهذا السبب عارضه أنصار التيارين معاً عند صدور مجلة "السعادة العظمى"، ولم يجد سنداً إلا صديقه الوفي العلامة محمد الطاهر بن عاشور؛ إذ هو مثله المصلح المعتدل؛ فقد ساعده على مواصلة إصدار المجلة، والتي اضطرت إلى التوقف - حسب رأينا - لأسباب مادية؛ كما يبدو في أعدادها الأخيرة، وبالخصوص العدد المزدوج 19 و 20، وعدد 21 الأخير الصادر في جانفي 1905 م.
وللمزيد من التدقيق، وضمن ترتيب "المنزلة بين المنزلتين"، هل هو "محافظ مصلح"، أم "مصلح محافظ"، ما دام أنه ليس "محافظاً صرفاً"، ولا "مصلحاً صرفاً"؟
إننا نعتقد أنه محافظ مصلح، -وخاصة في المجالين الديني والاجتماعي- كثرَ منه مصلحاً محافظاً ... وهذا لا يقلل أبداً من شأنه، بل إنه ما كان يتميز به من وضوح في المواقف، ومن جرأة في التعبير عنها، والتدليل عليها: إن كل ذلك يؤكد ما يستحقه من مكانة وقيمة علمية ودينية وفكرية على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء.
ويجدر التذكير -في هذا الإطار- بمجهوده المتميز في مجال الإصلاح،
(15/ 1/200)

والدعوة إليه - حسب مفهومه وتصوره له - بالتآليف والكتابة والمسامرات والمحاضرات في مختلف المحافل الدينية والاجتماعية والتربوية، وخلال جميع رحلاته المتعددة في البلاد الإسلامية مغرباً ومشرقاً.
* هل هو: تونسي ... أم جزائري ... أم مصري؟
خلال الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2007 م قامت (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) بمدينة "بسكرة" بالجزائر الشقيقة بتنظيم ندوة علمية موضوعها: "العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري"، وذلك بالرعاية السامية لمعالي وزير الثقافة، والسيد والي بسكرة.
وأغتنم هذه المناسبة للإشادة بجهود الجمعية الثقافية النشيطة بإشراف رئيسها الباحث والإعلامي المتميز الأستاذ فوزي مصمودي، وهي جهود قلما نجد مثيلاً لها على الساحة الثقافية العربية.
وقد شرفتني هذه الجمعية بالدعوة إلى المشاركة في هذه الندوة العلمية صحبة الأخوين العزيزين: الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن أخي الخضر حسين، وناشرُ آثاره، والأستاذ الدكتور مجاهد توفيق الجندي مؤرخ الأزهر، وأستاذ كرسي الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وعضو العديد من الهيئات العلمية العربية والإسلامية.
وقد شارك في هذه الندوة نخبة من خيرة الباحثين والجامعيين الجزائريين، وقد كانت -فعلاً- من أهم اللقاءات العلمية العربية التي شاركتُ فيها خلال هذه السنوات.
وإضافة إلى عنوان الندوة: "العلامة محمد الخضر حسين الطولقي الجزائري"؛ أي: من بلدة "طولقة" من منطقة الزاب ... لاحظت أن هذه الندوة
(15/ 1/201)

قد سبقتها ندوات سابقة خلال سنوات مضت، وتأكدتُ من مدى تمسك الإخوة في الجزائر الشقيقة بجزائرية العلامة محمد الخضر حسين. ونظراً إلى دراستي الشاملة والمتواصلة لهذه الشخصية المتميزة، ونظراً إلى إيماني العميق والدائم بأن العلم لا يعرف المجاملات، فقد أكدت في البحث المطول الذي قدمته في هذه الندوة على الجوانب التاية:
1 - إن أصول محمد الخضر حسين وجذوره العائلية هي فعلاً جزائرية. فجده للأم الشيخُ الجليل مصطفى بن عزوز صاحب الزاوية الشهيرة بمدينة "نفطة"، وهو -فعلاً- من منطقة الزاب؛ حيث توجد زاوية والده الشيخ الورع (نور الصحراء) محمد بن عزّوز.
وكذلك جده للأب الشيخ علي بن عمر هو -أيضاً- من "طولقة"، وزاويته قائمة حالياً بإشراف الشيخ عبد القادر عثماني العالم الجليل، وعضو المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر الشقيقة. وقد وجدنا منه ومن عائلة الخضر حسين الأصيلة بطولقة وبرج ابن عزوز خلال زيارتنا لهذه الزاوية (ديسمبر 2007 م) كامل التبجيل والاحترام، فلهم منا جليل الشكر.
2 - لكن محمد الخضر حسين شخصياً ولد بمدينة "نفطة" التونسية، ونشأ بها، وتربى وتلقى تعليمه القرآني والابتدائي العام بها إلى أن بلغ سن 13 من العمر، ثم انتقل إلى العاصمة، ودرس بجامع الزيتونة المعمور إلى آخر المرحلة التونسية من حياته؛ كما أشرنا إليها بشيء من الإيجاز والتدقيق في هذا المقال.
3 - إن الشيخ الخضر بقي متعلقاً بوطنه تونس طيلة مراحل حياته، سواء عند انتقاله إلى سورية، أو الآستانة، أو برلين، وأخيراً استقراره بالقاهرة.
(15/ 1/202)

ويبرز هذا التعلق المتين والدائم في كتاباته وأشعاره في ديوانه "خواطر الحياه"، وفي متابعاته الدقيقة لما يجري في وطنه من أحداث. كما يبرز -أيضاً- في مراسلاته المتعددة والمتوالية مع صديقه العلامة الطاهر بن عاشور. وقد أكدت لنا هذا الموقف زوجتُه الفاضلة عند زيارتنا لها ولابنها (من زوجها الثاني) المستشار القانوني رئيس محكمة جنوب القاهرة حالياً الأخ الفاضل أحمد البطران.
هذا برغم حصول الشيخ الخضر على الجنسية المصرية سنة 1932 م، وتحمله لعديد المسؤوليات العلمية، وفي مقدمتها: مشيخة الأزهر، هذه الخطة الرفيعة والمتميزة التي لا يتحملها إلا علماء مصر، وكبارُ شيوخها، وهو ما أثاره بقدر كبير من الاستفزاز والتوتر الشيخ محمد رشيد رضا صاحب "المنار" عند بروز خلافه الشديد مع الخضر حسين.
على أن ما يستحق الإشادة بهذه المناسبة هو: تقدير علماء مصر وكبار رجالها في مختلف المجالات للعلامة التونسي (هذا البحر الذي لا ساحل له)، وهو ما لاحظتهُ خلال زيارتي الأخيرة للقاهرة، وللأزهر الشريف.
4 - قام الشيخ الخضر بزيارتين إلى الجزائر خلال سنتي (1903 - 1904 م)، ولئن لم نعثر على نص رحلته الأولى، فإن رحلته الجزائرية الثانية التي نشرها في الأعداد الأخيرة من "السعادة العظمى" لم يشر فيها أبداً إلى جذوره الجزائرية، ولا إلى زيارة موطن أجداده وأهله، وهو ما أثار استغرابنا خلال دراسة هذا الجانب من حياة علامتنا الجليل.
5 - وبهذه المناسبة يجدر التذكير بمدى اعتزاز أهل "نفطة" بالشيخ الخضر، وبوالده (سيد الحسين) صاحب المسجد المعروف بحي الشرفة،
(15/ 1/203)

جوار حي المواعدة، وتجلى هذا الاعتزاز بتكوين جمعية سنة 1947 م هي (جمعية شباب الخضر حسين النفطي) (هكذا)، والتي كانت تُعنى بالتلاميذ والطلبة المعوزين، ويمساعدتهم على مواصلة دراستهم في أحسن الظروف.
كما تجلى هذا الاعتزاز بحدث لن أنساه أبداً، وهو: أننا بعد أسابيع قليلة من وفاته -رحمه الله- في 2 فيفري 1958 م، قمنا نحن تلاميذ تلك الفترة بتنظيم ندوة ألقيتُ فيها بحثاً عن حياة هذا العلامة، وهي أول محاضرة ألقيتها في حياتي، ولم أتجاوز 20 سنة ... وحضرتها نخبة مدينة "نفطة", وفي مقدمتهم: المعلمون الذين درسنا عنهم في المرحلة الابتدائية، وما زلنا نذكرهم بكل الاحترام والتقدير.
ولا شك أن هذا الاعتزاز هو الذي دفعني إلى إعداد بحث جامعي - بإشراف الأستاذ الفاضل المنجي الشملي - عن هذا العلامة، والذي صدر في كتاب سنة 1974 م.
وفي ختام هذا المقال التعريفي - بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاة محمد الخضر حسين - يجدر التأكيد على: أن هذا العلامة مثلُ علامتنا التونسي النشأة والتكوين الأساسي ابنِ خلدون، وأمثالهما كثيرون، وخاصة بين الشعبين الشقيقين تونس والجزائر، وما يجمعهما من تواصل تاريخي ونضالي وثقافي، اهتم به المثقف الموسوعة الدكتور محمد صالح الجابري، الذي نعتبره - دون منازع - المرجعَ الثقة في هذا المجال، ومؤلفاته وأبحاثه الغزيرة والممتعة لأكبر دليل على ذلك، منها - على سبيل المثال لا الحصر -: (النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس 1900 م - 1962 م)، الصادر بكل من تونس والجزائر سنة 1983 م.
(15/ 1/204)

وبالخصوص كتابه "التواصل الثقافي بين الجزائر وتونس" الصادر عن دار الحكمة بالجزائر سنة 2007 م، والذي جاء في بداية مقدمته: "الصلات الفكرية والثقافية بين تونس والجزائر تعتبر نموذجاً فريداً وطريفاً لما يمكن أن ينشأ من صلات حميمة بين قطرين شقيقين، كما تعتبر مثالاً نادراً لعلاقات الجوار الإيجابي الخصيب بين الأقطار العربية التي تجمع بينها حدود مشتركة". إن هذا التواصل الحضاري والثقافي يدعم أسسه رجالٌ مثل: الخضر حسين الجزائري الأصول، التونسي النشأة والتكوين والبروز، المشرقي الإسلامي الشهرة والمجد؛ حسب عبارة العلامة محمد الفاضل بن عاشور. هؤلاء هم جسور هذا التواصل مما يجعلهم يتجاوزون الحدود العائلية والجغرافية إلى الفضاءات الحضارية والثقافية الرحبة واللانهائية.
ولذلك، فلا غرابة أن يتواصل الاهتمام بالخضر حسين، وبعلمه وآثاره، ودوره الديني والفكري في الجزائر، وتونس، ودمشق، والقاهرة، وأن تنعقد الندوات العلمية هنا وهناك؛ فالرجل هو (رجال في رجل)، وهو (بحر لا ساحل له ...)، يتسع للجميع، ويستوعب الجميع، ويحتضنهم، وما يختزنه من كنوز وجواهر يمكِّن الجميع من إثراء معارفهم وترسيخ هويتهم الحضارية.
(15/ 1/205)

على هامش الملتقى

بسكرة عاصمة الثقافة باحتفالها بالإمام محمد الخضر حسين إمام العالم الإسلامي، وأستاذ الشيخ ابن باديس (1)
الدكتور عمار الطالبي
نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
والأستاذ بجامعة الجزائر
الثقافة روح الأمة، ودمها الذي يجري في عروقها، تحيا بحياتها، وتندرس باندراسها، وهذه المدينة العريقة في التاريخ، مدينة "بسكرة" تنشأ فيها جمعية تحمل اسم مؤرخ لامع، وعالم اجتماع مازال نجمه يهتدي به الباحثون، ويلجأ إلى نوره الدارسون، هي: (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية)، تقوم بما لم تقم به مؤسسة ثقافية كبيرة من مؤسساتنا، فتعيد لبسكرة مجدها، وتحيي ذكراها، وتبعث تراثها.
وها هي ذي تذكِّر الجزائريين بعلَم من أعلامها الشامخة، وإمام من أئمة المسلمين، وداعية من دعاة الحرية والإصلاح، هو: الإمام الشيخ محمد الخضر حسين.
وليس هذا الإمام الذي نبتت شجرته في الزيبان في "طولقة" النخيل،
__________
(1) مجلة "البصائر"، العدد 372 الصادر في (21 - 28 من ذي الحجة 1428 ه / 31 ديسمبر 2007 - 7 جانفي 2008 م) - الجزائر.
(15/ 1/206)

وعلا فرعها في سماء "نفطة" بالجنوب التونسي، وأضاء في الزيتونة المباركة بعاصمة تونس، وتألق في سماء الشام، وأشرق في مصر، فأصبح إماماً للأزهر، اختارته الثورة المصرية لأن يكون شيخاً للأزهر، يقوده في طريق الإصلاح والتغيير المثمر.
إنه العالم بالشريعة ومداركها، وباللغة العربية وآدابها، والصحفي المبدع، والداعية الصادق، والمناضل المدافع عن شرف الأمة وأوطانها، إنه رئيس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي أسسها بالقاهرة، وهو الشاعر، والمحاضر، لسان العربية في (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة، وبدمشق، بدراساته العلمية في تاريخ العربية ومصادرها، ومواردها ومتونها، ومنشئ (جمعية الهداية الإسلامية)، ومجلتها التي تحمل اسم الجمعية، ومنشئ أول مجلة عربية في تونس هي "السعادة العظمى".
ولولا جهود ابن أخيه الأستاذ المحامي الشاعر علي الرضا الحسيني -حفظه الله- في جمع آثاره ونشرها، لذهبت أدراجَ الرياح، وأتت عليها الأرضة "سوسة الكتب"، وحرم الناس من ثمراتها، ولذلك كرّمت هذه الجمعية هذا العمل الجليل الذي أنجزه، فأحسنت الصنع.
كان لوالي "بسكرة" فضل بمساعدة هذه الجمعية التي يرأسها الشاب النشط، المتّقد حماسة وجدية، فقامت بتنظيم هذا الملتقى الكريم، الذي حضره باحثون: من تونس: "الدكتور محمد مواعدة"، ومن سورية: "الأستاذ علي الرضا الحسيني"، ومن مصر: "الدكتور مجاهد توفيق"، ومن جامعات الجزائر: عدد من الباحثين الشباب، الذين نفخر بأبحاثهم الجادة التي قدموها، ولا ننسى فضل شيخنا الكبير، وإمام بسكرة العظيم، فضيلة الشيخ عبد القادر
(15/ 1/207)

عثماني، الذي جمع هذه الوفود، وأكرم وفادتها، على عادته في الكرم الجمّ، والهمة العالية، جمعنا في زاويته العامرة بطلاب القرآن، وحفاظه، وزرنا مكتبته الغنية بالمخطوطات والمطبوعات، التي لا يبخل بها على الباحثين والدارسين؛ كما يفعل الآخرون الذين يضنّون بما لديهم من مخطوطات تفنى وتبيد، ولا ينتفع بها مستفيد، فلنعمَ الزاويةُ، ولنعم شيخُها ومكتبتها.
وإمامنا هذا الذي احتفلت به "بسكرة" إمام عظيم في خلقه، عظيم في جهاده، عظيم في علمه، أستاذ للشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي درس عليه "تفسير البيضاوي" في منزله بتونس، كما درس عليه المنطق في جامع الزيتونة الأعظم، وعلق في آخر مقال كتبه (سبتمبر 1939 م) على مقال للشيخ محمد الخضر عن (أولي الأمر)، وأشار إلى فضله ونبله وعلمه، وأنه جزائري، تونسي، مصري، من منبت صوفي أصيل، ومن مورد الشريعة الغراء.
وأنا أقول: إن صوته ونضاله وأعماله وصل صداها إلى الهند، وقد أشاد الشيخُ الهندي الجليل "أبو الحسن الندوي" بفضله، فهو إمام العالم الإسلامي بلا منازع، ناضل من أجل وحدته، ودافع عن الجامعة الإسلامية، وعن القرآن والعربية، فناقش طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي" ونقضَه، كما نقضَ كتاب الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، ورد عليه، ولم يخش في ذلك كله لومة لائم، فارتفع ذكره، واشتهرت شخصيته في مصر وغيرها، وشاركه في ذلك صديقه الحميم العلامة محمد الطاهر بن عاشور، صاحب "التحرير والتنوير"، فنقض -أيضاً- كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وأبطل دعاواه بأسلوب علمي رصين، كما أبطل شيخنا الإمام محمد الخضر دعاوى طه حسين، وما أثاره علي عبد الرازق من شكوك.
(15/ 1/208)

فهنيئاً للجمعية الخلدونية بهذا العمل الجليل، وبهذا النشاط المتواصل، وهنيئاً لوالي "بسكرة" السيد ساعد أقوجيل، الذي لازم حضور المحاضرات، وتابعها بكل عناية، وهنيئاً لسكان "بسكرة" على هذا الشباب الذي يلمع في سمائها، من شعراء مبدعين، وباحثين جادين، وهم جيل جديد يبشر بمستقبل مشرق وضّاء، وإني شخصياً أقرأ فيهم صفحة جديدة واعدة في تاريخنا الثقافي، تحمل الأمل في حسن العمل، ومجال الإبداع في كل فن.
وليس هذا غريباً عن "بسكرة" التي تزهو بواحتها الأخّاذة، وينخيلها الذي يغذو هذا الشباب، ويعلو بهم مراتب المعرفة، وينمي عقولهم، ويثمر الحلو الجميل من الإبداع.
(15/ 1/209)

على هامش الملتقى

ربيع في الشتاء (1)
الأستاذ محمد الهادي الحسني
استعجلت الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية ببسكرة فصل الربيع، فاستقدمت أربعة أيام منه إلى فصل القرّ والصرّ.
إذا كان ربيع البحتري كاد أن يتكلم، فإن الأيام الخلدونية الربيعية قد تكلمت، لا بالأزهار الفوَّاحة، والنسيم العليل، ولكن بالعلم النافع الذي يغذي العقول الجائعة، والأدب الطريف الذي يطرب النفوس الحزينة، والشعر اللطيف الذي يشرح الصدور الحرجة، والقول الحسن الذي ينعش الأرواح الذابلة.
كنت أسمع بالجمعية الخلدونية، فأحسبها كإحدى الجمعيات التي كثرت أسماؤها، وقلَّ غَناؤها، تصحو أياماً، وتسْبت أعواماً، وتصوم دهراً، وتنطق نكُراً، فلما حضرت ملتقاها (الخلدونية) السادس الذي خصصته للإمام محمد الخضر حسين، أصيل مدينة "طولقة"، رأيت منها العمل المنهجي السليم، والسعي الدائب الجاد، والغيرة الصادقة على تراثنا، والحرص الشديد على إحياء أمجادنا، والعناية الفائقة بتدوين تاريخنا، حتى ظننت أنها لا تنام
__________
(1) جريدة "الشروق"، العدد 2188 الصادر في (3/ 1/ 2008 م - 25 من ذي الحجة 1428 ه).
(15/ 1/210)

ولا تُنيم، فعذراً للقائمين على تلك الجمعية العاملة عن ذلك الظن السيئ، والعذرُ عند كرام الناس مقبول ...
يشرف على هذه الجمعية النشيطة ويسيِّرها نخبة من الشباب الطموح المتسلح بالعلم، المتخلق بالحلم، المتدرع بالعزم، ولهذا لم يستنكف كبار السن فيها أن يكونوا -برغم سعة علمهم، وغناء تجربتهم- تابعين لأولئك الشبان، يمدونهم بصالح الدعوات، ويساندونهم بصادق التوجيهات، ويباهون بما يحققونه من إنجازات.
لقد أضاف أولئك الشبان الكرام البررة إلى جمال أم قرى الزيبان جلالَ الفكر، وطيب الذكر، وحلال السحر، فنالوا محبة الحميم، وانتزعوا احترام الخصيم، فلا يشنؤهم إلا من في قلبه مرض، وفي نفسه غرض.
تظهر جِدِّية هذه الجمعية، ويبدو عملها المنهجي فيما أقامت -لحد الآن- من ندوات وملتقيات وطنية ودولية، ومنها: بسكرة عبر التاريخ، والمقاومة الشعبية بمنطقة الزيبان، وتاريخ الحركة الوطنية بمنطقة الزيبان، والعلامة عبد الرحمن الأخضري، وعقبة بن نافع الفهري.
كما تتجلى جديتها فيما نشرته من كتب قيمة عن تاريخ المنطقة وأعلامها، ومنها: "تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة، وأعلام من بسكرة، وزهير الزاهري، وملحمة الزيبان، وغيرها"، ولم تنس هذه الجمعية فضل السابقين، فكرّمت ثلة من علماء الجزائر الذين خدموها بإخلاص، وناضلوا بصدق، لا يريدون من وراء ذلك جزاء ولا شكوراً، ومنهم: بقية السلف الصالح رمضان محمد الصالح، تلميذ الإمام ابن باديس، وخليفة الإمام الإبراهيمي في إدارة مدرسة دار الحديث بتلمسان، ومؤسس التعليم الديني في الجزائر المستقلة،
(15/ 1/211)

وأول مُحْيٍ لتراث الإمام ابن باديس ... والأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي أحيا تاريخ الجزائر الثقافي، وأرّخ لحركتها الوطنية ... والمرحوم الدكتور يحيى بو عزيز، والشيخ الفاضل عبد القادر عثماني ...
إن نجاح هذه الجمعية يعود -في رأيي- إلى الانسجام الذي يسود بين مسيِّريها، فهم لا يتنافسون إلا في الجديات، ولا يسارعون إلا في الخيرات، لا يزدهيهم مدح، ولا يثبطهم قدح، كلٌّ قد وثق في نفسه وفي إخوانه، وكل قد علم مكانه ودوره، فلا سعي لنيل شهرة، أو إحراز لقب، أو تحقيق مكسب، فهمُّهم الدائم، وشغلهم الشاغل هو: تحريك الركود، وإيقاظ الرقود، ولذلك فلا تعرف منهم رئيساً من مرؤوس، ولا تميز تابعاً من متبوع، وميزتهم جميعاً أن كل واحد منهم ذو فكر جوَّال، ولسان قوَّال، وقلم سيَّال، يحسن إذا خطب، ويتقن إذا كتب، راحتهم في التعب، ولذتهم في النصَب.
لقد خصصت الجمعية بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين (1)، وقد ألقيت في الملتقى عدة محاضرات من قبل أساتذة من الجزائر، وتونس، وسورية، ومصر، تناولت جوانب من شخصية الإمام، وإن لم توفِّها حقها؛ لتعدد جوانبها، وثرائها، ولضيق الوقت، ولعدم توافر كتابات الإمام في الجزائر.
وأغتنم هذه الفرصة لأُشيد بشخصيتين كريمتين لهما فضل كبير يُذكر وُيشكر، أولهما: الأخ الدكتور محمد مواعدة، من تونس الشقيقة، والأستاذ علي الرضا الحسيني الذي تتبع حياة الإمام محمد الخضر حسين، وهو مقيم بدمشق، ويتمثل فضلُه في حصر نشاطه، ووقف حياته على آثار الإمام
__________
(1) توفي الشيخ محمد الخضر حسين يوم 2 فبراير 1958 م.
(15/ 1/212)

جمعاً ونشراً، وقد طبع منها -حتى الآن- بضعاً وثلاثين أثراً ما بين كتاب ورسالة، ونطمع أن يزيد.
ولا يتم فضل هذا الأستاذ، ويكمل عمله إلا إذا سعى لإدخال هذه الكتب القيمة إلى الجزائر؛ باتخاذ وكيل لمؤسسته "الحسينية" في الجزائر، أو -على الأقل- بالمشاركة في معرض الكتاب الدولي.
وهل تستطيع "بسكرة" صبراً على الشعر؟
وأنَّى لها ذلك، وقد نسبت إليه، فقيل: "بسكرة الشعر" (1).
ولهذا لم يجد المنظمون للملتقى مناصاً من تخصيص الجزء الأكبر من أمسية الخميس (27/ 12/ 2007 م) لثلة من الشعراء الشبان، الذين أحسنوا الغوص في بحور الشعر، وروَّضوا قوافيه، فأطربوا الآذان، وهيَّجوا الأشجان، ونبهوا الأذهان، فلا فُضَّت أفواههم، ولا عقمت قرائحهم.
وفي صباح يوم الجمعة (28/ 12) توجه الركب إلى بلدة "بنْطيوس" لزيارة ضريح العلامة عبد الرحمن الأخضري، والترحم على روحه، وهو من أعلام القرن العاشر الهجري (16 م)، له تآليف قيّمة في البلاغة، والمنطق، والفقه، أشهرها؛ "الجوهر المكنون ... "، و"السلم المرونق"، و"الدرة البيضاء"، وقد وجدنا الضريح على غير ما تصورنا، ولو قُدّر الرجل حق قدره، وعرفت قيمته العلمية، لأقيم بجوار الضريح معهد علمي ينسِل إليه طلاب العلم من كل حدب، ويضم مؤلفاته وما كتب عنه.
إذا صحت العزائم، وصدقت النوايا، فما زال في الأمر مستدرك،
__________
(1) سليم كرام - ملحمة الزيبان (ص 26).
(15/ 1/213)

وما على البلدية وكبراء المنطقة إلا السعي لدى أولي الأمر لإقامة صرح علمي ومركز ثقافي، فتحيا بهما "بنطيوس"، وتعود سيرتها الأولى في أيام الشيخ عبد الرحمن الأخضري.
ثم يمَّم الجمع تلقاء مدينة "طولقة"، ويالتحديد إلى الزاوية العثمانية (زاوية علي بن عمر) التي أسست في عام 1789 م (1)، فكانت لبنة التمام، ومسك الختام.
كان في استقبال الزائرين فضيلة الشيخ عبد القادر عثماني شيخ الزاوية، وعضو المجلس الإسلامي الأعلى، وقد استولى على مجامع القلوب بتواضعه، وطلاقة وجهه، ودماثة خلقه.
يتميز الشيخ عبد القادر بأنه لا يحيط نفسه بهالة من الغموض كما يفعل كثير من أدعياء التصوف، فمظهره ينبئ عن مخبره، وقد انعكس ذلك على مريديه، فلا تراهم يتصرفون أمامه كأنه هبط من كوكب آخر؛ لأنه علّمهم أنه -مثلُهم- ابنُ امرأة تأكل القديد.
وقد زار الوفد مكتبة الزاوية الزاخرة بآلاف الكتب المخطوطة والمطبوعة، وتفضل الشيخ فكان مرشداً ودليلاً، شرح للزوار ما تحتويه المكتبة، منبِّهاً إلى بعض الكتب المتميزة في موضوعها أو منهجها، فالزاوية زاوية علم، لا زاوية رقص السَّمَاح (2).
وقد كرم الشيخ ضيوفه، فأقام لهم وجبة غداء، وأبى إلا أن يظل
__________
(1) تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة - فوزي مصمودي، (ص 235).
(2) رقصة يستعملها بعض المشايخ الذين جعلوا الذكر مكاء وتصدية. (انظر: المنجد في اللغة، مادة: سمح).
(15/ 1/214)

واقفاً يطوف على ضيوفه، ويؤنسهم بلطف حديثه، معتبراً ذلك شرفاً له.
وتمتاز الزاوية العثمانية باتساع رحابها، ونظافة أرجائها، وجمال تنسيقها، فهذه أزهار، وتلك أشجار، ويتوسط ساحتها نافورة ماء، قد أدينا صلاة الجمعة في مسجدها البسيط النظيف، ثم ودَّعَنا الشيخ بمثل ما استقبلنا به من اللطافة والبشاشة، ملحاً على إعادة الزيارة جميعاً أو أشتاتاً.
وأما الأمر الذي أدهشنا وعقدَ ألسنتنا، فهو ما رُقِم في لوح الإعلانات في مدخل الزاوية، وهو أن "الزاوية لا تقبل هدايا ولا عطايا، لا من الأشخاص، ولا من الهيئات".
وهذه بدعة حسنة انفردت بها هذه الزاوية؛ لأن أكثر الزوايا ليس لها من عمل إلا جمع المال، دون إلقاء بال لمصدر ذلك المال، أمن حرام هو أم من حلال، حتى صح فيها قول القائل: "إنها فراج لجمع الخراج".
وقد اقترحت أن يتبرع الحاضرون بما استطاعوا من كتب لمكتبة الزاوية، يستفيد منها الباحثون الذين يقصدونها لإنجاز أبحاثهم، ولم يعترض الشيخ على هذا الاقتراح.
بارك الله في عمر الشيخ الجليل، ومتَّعه بسمعه وبصره ما أبقاه، وهدى به إلى الصراط المستقيم، والخلق القويم، وعَمَر زاويته بالذكر الحكيم.
وشكر الله للجمعية الخلدونية سعيها، وجعلها نوراً تنير "بسكرة"، وتضيء ما حولها، وجعل اسمها للخلود، وأعضاءها للخُلْد، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون.
(15/ 1/215)

على هامش الملتقى

تذكرة ملتقى الإمام العلامة محمد الخضر حسين (1)
للدكتور محمد بن سمينة
جامعة بن يوسف بن خدة - الجزائر
كنت قد حللت بمدينة "بسكرة" -في زيارة إلى الأهل- يوم 24 ديسمبر المنصرم، وكنت وأنا بمدخل المدينة قد لفت نظري الإعلان عن عزم الجمعية الخلدونية ببسكرة على تنظيم ملتقى (الإمام العلامة محمد الخضر حسين) في الأيام (25، 26، 27 ديسمبر 2007 م)، فسعدت بهذه المصادفة الطيبة، وشعرت أن هذه الزيارة ستكون -إن شاء الله- مباركة ومثمرة؛ لأنها ستمكنني من حضور هذه التظاهرة الثقافية الهامة التي لم يكن لي سابقُ علم بها، مع أنني أحرص على أن لا تفوتني قراءة الصفحة الثقافية في بعض الجرائد، ومع ذلك، فقد فاتني الاطلاع على خبر الملتقى.
وقد يعود ذلك لأني لم أقرأ الجريدة ذلك اليوم، أو يعود لما يميز وسائل إعلامنا -بوجه عام- من ضعف عنايتها بما يجري في الحقل الثقافي والأدبي - بالمقارنة مع اهتمامها البالغ، وحرصها الكبير بما يجري في المجال الترفيهي (غناء كان ذلك، أو موسيقى، أو فلكلوراً، أو رياضة، وما إلى ذلك).
__________
(1) مجلة "البصائر"، العدد 375 الصادر في (13 - 20 محرم 1429 ه / 21 - 28 جانفي 2008 م).
(15/ 1/216)

باستثناء ما كان من بعض الاهتمام بشيء من النشاط الثقافي الجاد هذه السنة، سنة الجزائر عاصمة الثقافة العربية.
ومهما يكن من ذلك، فقد حرصت على أن أحضر جلسات هذا الملتقى، وإن كنت غير مدعو لحضوره.
كان افتتاح الملتقى برعاية السيد والي ولاية "بسكرة"، ويحضور السلطات المحلية، وعدد من السادة الأساتذة المحاضرين والمدعوين، وجمعٍ من المواطنين المهتمين.
وكان السيد الوالي قد افتتح هذا الملتقى بكلمة ترحيبية، متمنياً لهذا الملتقى النجاح والتوفيق، ثم أعقبه رئيس الجمعية الخلدونية مرحباً بالحاضرين، شاكراً لهم استجابتهم للدعوة، ثم تلاه الشيخ عبد القادر عثماني رئيسُ الزاوية العثمانية بطولقة، ممثلاً لأسرة الشيخ محمد الخَضِر، فأشاد بعلم الشيخ، وجهاده وجهود أسلافه من رجالات الأسرة في خدمة الدين والعلم والوطن.
ثم جاء دور كلمة سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيسِ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد تعذر عليه الحضور جسدياً -لمهامه وظروفه الصحية- إلى هذا الملتقى، ولكنه كان حاضراً بأفكاره وتوجيهاته بين الذين حضروه، فقد أناب عنه الدكتور عمار الطالبي في إلقاء كلمته التي نوه سماحته فيها بعلم الإمام محمد الخَضِر، مشيداً بجهوده، مقدراً إسهاماته، مُكْبِراَ جهاده في خدمة الإسلام والعربية وقضايا الأمة.
ثم أُعطيت الكلمة للأساتذة المحاضرين الذين جاؤوا من عدد من جامعات الوطن، ومن بعض البلاد العربية الشقيقة: الأستاذ علي الرضا الحسيني
(15/ 1/217)

ابن أخ الإمام من سورية، والدكتور مواعدة من تونس، والدكتور مجاهد توفيق الجندي من مصر.
لقد تناول الأساتذة المحاضرون في هذا الملتقى بالدرس والتحليل جوانب عديدة من حياة الشيخ تتصل بشخصيته، وبما اضطلع به من مهام ومسؤوليات، وبما قام به من جهود وجهاد في مختلف المجالات العلمية والإصلاحية والفكرية والأدبية.
1 - معالم شخصية، وحياة جهاد في سطور:
يقول الشيخ محمد الخضر:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيش به وحدي
ينتسب الشيخ محمد الخَضِر إلى أسرة عريقة في الدين والعلم والتصوف، من أهل مدينة "طولقة" ولاية "بسكرة". رحل والده الشيخ الحسين إلى تونس، واستقر لإحدى حواضرها مدينة "نفطه" وفيها ولد ابنه الإمام محمد الخَضِر في (1293 ه / 1873 م).
استهل تعلمه بنفطة، ثم انتقلت أسرته إلى تونس العاصمة، فأتم حفظ القرآن الكريم وتعليمه الابتدائي بها، ثم التحق بجامع الزيتونة العامر 1889 م، فتخرج منه بشهادة التطويع 1898 م، وهي أعلى شهادة علمية يمنحها جامع الزيتونة يومئذ للخريجين منه، وتعادل آنذاك شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، ولا تعادل شهادة الدكتوراه؛ كما جاء في كراس الملتقى الموزع على الحاضرين.
2 - جهود الأمام وجهاده في الحياة العملية:
استهل الشيخ حياته العملية (العلمية والإصلاحية والاجتماعية والثقافية)
(15/ 1/218)

بالتدريس في جامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية، ثم دخل ميدان الإعلام 1904 م، فأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عرفتها تونس في تاريخها الحديث. ثم تولى 1905 م مسؤولية القضاء. وكان الشيخ إلى جانب هذه المهام يسهم في الميدان السياسي، ما جعله عرضة لمضايقات سلطات الاحتلال الفرنسي في تونس، فاضطر للارتحال إلى الشرق العربي، فنزل بدمشق الشام إبان الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن اندمج فيها بحركة النهضة العلمية والفكرية والسياسية، فجعله ذلك متابعاً من سلطات جمال باشا حاكم دمشق، فزجَّ به في السجن، ولم يخرج منه إلا بعد عام ونيف، ثم سافر إلى ألمانيا. وفي أعقاب الحرب رجع إلى سورية، واستأنف بها نشاطه العلمي والإصلاحي، فعين عضواً بالمجمع العلمي العربي في دمشق، وقد أدى به نشاطه ذلك أن حكم عليه الاحتلال الفرنسي في سوريا بالإعدام 1920 م. فنجاه الله من ذلك.
فارتحل إلى مصر، والتحق بالأزهر الشريف، فنال منه الشهادة العالمية 1928 م، وعين على إثر ذلك أستاذاً به في كلية أصول الدين.
اندمج الشيخ فيما تشهده مصر يومئذ من حركة علمية وفكرية نشطة، فأسس في السنة نفسها "جمعية الهداية الإسلامية"، ثم عين 1932 م عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. تفرغ في هذه الفترة إلى تأليف مجموعة من المصنفات، أسهم بها فيما يجري يومئذ في مصر من مناقشات وحوارات في الساحة الفكرية والأدبية.
وكان من بين مؤلفاته: كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" ضَمَّنه نقدَه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
(15/ 1/219)

وكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" تصدى فيه بالرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
كما أصدر في هذه الفترة 1928 م مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم مجلة "نور الإسلام" في سنة 1932 م.
كان الشيخ قد ترقى بهذه المكانة العلمية السامية أعلى مرتبة علمية ودينية في العالم الإسلامي، وهي تعيينه على رأس مشيخة الأزهر الشريف 1952 م، فمكث في هذه المهمة يشرف على تسيير شؤون هذه المؤسسة، وَيسُوس أمورها قرابة حولين، فاضطربت الأوضاع العامة بعدهما في مصر، وكان قد بلغ من الكبر عتياً (تجاوز الثمانين من عمره)، فآثر حينئذ أن يقدم استقالة من هذه المسؤولية، فكان له ذلك، وأُعفي منها في شهر جانفي 1954 م. تفرغ الإمام بعد ذلك إلى استئناف نشاطه العلمي والإصلاحي الذي بدأ به حياته في شبابه، وظل ينهض بذلك إلى وفاته (في رجب 1377 ه / فيفري 1958 م) - رحمه الله، وأسكنه فسيح جنانه إلى جانب عباده المؤمنين الصالحين المصلحين والشهداء الأكرمين -.
ترك الشيخ مجموعة من الأعمال العلمية والفكرية يرجع القضل في جمعها وتصنيفها إلى ابن أخيه الأستاذ علي الرضا الحسيني -جازاه الله عن ذلك أحسن الجزاء، وأجزل المثوبة -.
(15/ 1/220)

(15/ 1/221)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(30)

«الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين وإصْلاَحُ المُجْتَمَعِ الإسلامِي - تُونس»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(15/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(15/ 2/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
أصبحتِ (نفطةُ) فوقَ كلِّ لسانِ ... وفَخَرْتِ ب (الخِضْرِ) عظيمِ الشّانِ
وغدوتِ جوهرةَ الثقافةِ منذ أنْ ... وُلِدَ الإمامُ بحضنِكِ الريّانِ
و (الكوفةُ الصُّغرى) تُسمَّى بعدَهُ ... ب (الكوفةِ الكبرى) مِنَ الأوطانِ
تتوجّهُ الأنظارُ نحوكِ كلَّما ... ذُكِرَ الإمامُ بمجلسِ الإيمانِ
لكِ في القلوبِ وفي العيونِ مكانةٌ ... ما حازَها بلدٌ من البلدانِ (1)
زهت مدينة "نفطة" أو (الكوفة الصغرى) -كما عُرفت عبر تاريخها العريق - خلال أيام 16 - 17 - 18 جانفي كانون الثاني من عام 2009 م التي انعقدت فيها (الندوة العلمية العالمية الأولى للإمام العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي)، وارتدت، وتزيّنت بأبهى وأحلى وأجمل حللها القشيبة، وتعلقت على جدرانها العتيقة البديعة لافتاتٌ احتوت ما جَمُلت قراءتُه، وجلّت معانيه من أقوال الإمام الخضر حسين - رضوان الله تعالى عليه -، وبدت في بهجة عيد انتظرته طويلاً.
أقول: برزت "نفطة" من بلاد الجريد - مولد الإمام محمد الخضر حسين - وضاءةَ الوجه، رافعةَ الجبين، تتباهى وتجرُّ ذيول الفخر والاعتزاز بوليدها
__________
(1) هذه الأبيات في ديواني "خماسيات الحسيني".
(15/ 2/3)

وابنها البارّ الإمام، الذي أجمع العالَمان العربي والإسلامي على مكانته السامية، وفضله وعلمه الوفير، ونضاله من أجل تونس والعرب والإسلام، وأوقف حياته في هذا الميدان -محتسباً أوّاباً صدّيقاً- إلى رب العالمين، إلى الله - جل وعلا - الذي لم يعبد سواه، ولم يمالئ أو يدارِ أحداً من الخلق في دنياه، مردِّداً قوله في بيته الشعري الشهير:
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمةِ الإسلامِ آثرتُ الحِماما
وقوله الذي كان كثيراً ما يردّده:
ولولا ارْتياحي للنضالِ عن الهدى ... لَفَتَّشتُ عن وادٍ أعيشُ به وَحْدي
هذا قوله الصادق، وقلبه السليم، وعمله الدؤوب طوال حياته المباركة، وكتابُه الذي حمله بيمينه للقاء رب العالمين.
إن مبادرة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بإقامة هذا الملتقى الإسلامي الجامع، عملٌ أُكبره وأُجِلُّه، وأُثني وأُحَيي القائمين عليه، فقد آن لتونس أن تكرِّم عظماءها وعلماءها، ورجالها المناضلين المخلصين بحق وأمانة، وأن ترفعهم إلى مكانتهم اللائقة والمستحقة لهم، لاسيما أولئك الذين هاجروا من ديارهم، وانتقلوا في آفاق الدنيا حاملين رسالة الوطن الكبرى، رسالَة الاستقلال وطرد الغاصب المحتل؛ من أجل أن تتبوّأ تونس مكانها بين كواكب الدول في سماء الحرية والسيادة ... وأن يتطلع إليها العالم كأمة أنجبت الأفذاذ والنبغاء وروّاد الكفاح، وزاحمت بمنكبيها سائر الأقطار المتقدمة والمتطلعة دوماً إلى المستقبل؛ لتقول: إن فيها رجالاً مفكرين ومبدعين، ومناضلين أحراراً وأشرافاً يستحقون أن ينالوا بفضل علمهم وعملهم أعلى المناصب السياسية والدينية، وأرفعَها منزلة؛
(15/ 2/4)

كمشيخة الأزهر التي ارتقى إليها الإمام محمد الخضر حسين بقوة إيمانه وتقواه وورعه، وعلومه التي زوّده بها الجامع الأعظم - جامع الزيتونة في تونس -، وضم إليها علوم الجامع الأزهر، فتوّجته إرادة الله -سبحانه وتعالى- شيخاً للجامع الأزهر.
والله -سبحانه وتعالى- يكافئ رجاله الصادقين المخلصين في دنياهم قبل أن يثيبهم في آخرتهم أولئك {لَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]. والحديث عن سالف الزمن لم يعد من المفيد ذكرُه في هذه المقدمة. عندما حاول الطغيان والجهل والغباء أن يطمس وجه تونس المشرق، ورجالاتها وزعماءها المخلصين. والله - سبحانه وتعالى- عنده الجزاء والحساب.
ولكن بعد زوال الغمّة، وانكشاف العسر والهيمنة والضياع، عادت تونس إلى تاريخها الصحيح الصادق، وفتحت صفحاتها الناصعة المضيئة والحمد لله.
لقد كان من حق الجزائر أن تحتفل بالإمام محمد الخضر حسين من خلال الملتقى الهام الذي أقامته (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) في مدينة "بسكرة") أيام 25 - 26 - 27 ديسمبر كانون الأول 2007 م. كذلك من حق تونس أن تقيم المهرجان العلمي العالمي الأول خلال أيام 16 - 17 - 18 جانفي كانون الثاني 2009 م ... بل ومن الجدير بالعالم الإسلامي أن يقيم الندوات والدراسات حول الإمام.
إن هذه الندوات والملتقيات حافز للمثقفين والدارسين والباحثين لاستكشاف آراء الإمام الإصلاحية، ودعوته الإسلامية، ونضاله السياسي. لا للدراسة والقراءة، بل للعمل بموجبها في كافة مناحي الحياة، وهي في
(15/ 2/5)

حقيقتها منارة من منارات الشريعة الإسلامية، هذه الشريعة التي هي صالحة لكل زمان ومكان.
إن ميزات هذه التظاهرات العلمية، تعبير عما تكنه الأمة من تقدير واحترام لرجالها الأوفياء، وإن ما ننَشده هو الانتفاع، والاستثمار لتراث الإمام وأفكاره وعلومه المبثوثة في الكتب التي نشرناها له، والتي يأمل الإمام أن تكون دعوة صالحة عند الله تعالى.
ليس من المهم مطلقاً أن نكتفي بإطلاق الصفات عليه، سواء كان إصلاحياً، أو تجديدياً، أو تنويرياً، فإن فكر الإمام -بمواهبه المتعددة في كل ميدان من ميادين العمل الإسلامي- يدعونا إلى الأخذ به، والسير على منهاجه؛ لأن النهج الذي دخله من باب الإسلام، ولخدمة الإسلام، ولا غاية من وراء ذلك إلا أن يرى الإسلام عزيز الجانب؛ لأنه الدين الذي اختاره الله لعباده.
والحمد لله على ما هدى. والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
(15/ 2/6)

الجلسة الافتتاحية

كلمة اللجنة التنظيمية (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يشرفني أن أكون معكم في هذه الندوة، وفي هذه الجلسة، باسم اللجنة التنظيمية والعلمية لهذه الندوة التي تنعقد بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاة أحد أعلام تونس والعالَم الإسلامي: الشيخِ العلامة محمد الخضر حسين.
ويشرفنا جميعاً أن يكون بيننا المثقف والمبدع المتميز والأصيل والأخ العزيز عبدُ الرؤوف الباسطي وزيرُ الثقافة والمحافظة على التراث، والذي أصر على أن يكون معنا في هذه الجلسة؛ إذ كانت الجلسة بعد الظهر، فاضطر أن يأتي هذا الصباح، وسيعود مباشرة بطائرة خاصة لمواكبة نشاطه الوطني في البلد، وهذا الإصرار نعتبره تشريفاً لنا بكل صراحة، وشكراً له.
طبعاً الشكر له، والشكر للسيد الوالي الذي لقيته وزرته، وأكدت له أننا نساعد وندعم كل الجهود التي تتم في هذه المنطقة.
وإني أوجه الشكر الخاص لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي الذي دعَّم هذه الندوة أدبياً ومادياً، وساندها، ويكفي أن أشير إلى أمرين:
__________
(1) ألقاها ارتجالاً الكاتب والأديب التونسي الأستاذ محمد مواعدة عضو مجلس المستشارين، والخبير لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة التابعة للجامعة العربية.
(15/ 2/7)

الأول: أن سيادة الرئيس في عام 1996 م من القرن الماضي، وسّم، وقام بتقليد وسام ثقافي لأخينا علي الرضا التونسي الحسيني ابن أخ العلامة الخضر حسين.
وهذا الوسام للجهود التي قام بها الأخ علي الرضا في طبع مؤلفات الخضر حسين.
لا غرابة أن يكون هذا من رئيس الدولة، ونحن في سنة 2009 م حيث القيروان -يعني: تونس- عاصمة الثقافة الإسلامية، وفي عام 2009 م مئويةُ أبي القاسم الشابي. إذن، كل هذه الأجواء فيها يتضمن هذا العمل الثقافي، هذه الندوة.
وإني أشكر كل الإخوة الذين حضروا معنا.
أبدأ بالإخوة من الجزائر الشقيقة: الدكتور العربي الزبيري، وهو مؤرخ، والأستاذ فوزي المصمودي، ومعه نخبة من الجمعية الجزائرية (الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية) في "بسكرة"، وهذه الجمعية نظمت قبل سنة ندوة عن الخضر حسين، وتشرفتُ بالمشاركة فيها، وهم الآن يشاركوننا في هذه الندوة، وسينتظم عمل مشترك تونسي جزائري في هذا الاتجاه.
أوجه شكري -أيضاً- بالإضافة إلى الإطارات الإدارية والجهوية والتجمع، إلى الأساتذة الذين شرفونا بالحضور، أذكر في مقدمتهم: أستاذنا الكبير الأستاذ المنجي الشملي، والأخ فؤاد قرقوري، وهو أستاذ ودكتور وأمين عام مساعد بالتجمع، مسؤول عن الثقافة، ورئيس اللجنة الثقافية والتربوية في مجلس النواب التونسي، والدكتور أحمد الطويلي.
(15/ 2/8)

ونرحب بالأساتذة الذين شاركوا معنا، وعددهم كبير جداً، ونُجلّهم جميعاً.
هذا العمل تقوم به (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، ويمثلها الأخ العزيز الدكتور فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية، ورئيس الجمعية الدكتور كمال عمران مدير إذاعة الزيتونة بتونس، ولاعتبارات تنظيمية جامعية سيكون معنا بعد الظهر -إن شاء الله-.
هذه الندوة -كما قلت- بمناسبة الخمسين، وتنتظم في جلسات اليوم بعد الظهر، وغداً، ويوم الأحد، يشارك فيها نخبة من المثقفين من تونس والجزائر، وستكون اللحمة بين هذين الشعبين الشقيقين. و-أيضاً - يشارك معنا بداية من الغد شيخٌ من الأزهر، هو العلامة الدكتور مجاهد توفيق الجندي، يأتي هذا المساء، وهو مؤرخ الأزهر، وعضو في الجمعية التاريخية الإسلامية والعربية والدولية.
في هذه الندوة، هناك كفاءات تونسية وجزائرية، وطبعاً من سورية الأخ علي الرضا، وإن كان هو سورياً تونسياً جزائرياً، فهو يجمع بين هذه الأصول جميعاً.
هذه أجواء الندوة الدولية، وكان في نيتنا مشاركة كفاءات من الخارج من أوروبا.
ما قلته للسيد الوزير، وللسيد الوالي: إن الكفاءات الوطنية في تونس من هذه الجهة -ولاية "توزر" وغيرها- مطالبة بالمشاركة في هذا المجال. هذه الندوة بداية لعمل آخر ستشارك فيه كل كفاءات أبناء الجريد بدون استثناء، هذا الجريد الذي أنجب ابن الشباط، وأبا علي السني، وأبا العباس الدرجيني
(15/ 2/9)

صاحب "طبقات الدرجيني " ... إلى آخره، بالإضافة إلى الشعراء الجدد؛ كالشابي، والميداني بن صالح، والخريف، وغيرهم.
يعني: نحن مطالبون بدعم ومساندة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، ووزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، وا لإطارات المعتمدية والجهوية أن تشارك في إثراء هذا الحوار وتعريفه؛ ولأن في ذلك تأصيلاً لهذا الإطار، وهناك الكلمة السابقة التي ألقاها السيد الرئيس عن قيمة الثقافة، وقيمة الثقافة التونسية في تأصيل ودعم الثقافة الإنسانية.
دون أن أطيل، أحب أن أؤكد التقدير لكل الإطارات الإدارية، والجهوية والتجمع في هذا العمل المشترك. وتونس تحتاج إلى الجميع دون استثناء. والسلام عليكم.
(15/ 2/10)

الجلسة الافتتاحية

كلمة السيد والي توزر الترحيبية (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- السيد الكاتب العام للتنسيق بالتجمع التونسي الديمقراطي!
- السادة أعضاء لجنة التنظيم، وأعضاء الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
- حضرات السيدات والسادة!
في البداية أرحب بكل ضيوف مدينة "نفطة" بولاية توزر الوافدين من الدول الشقيقة: مصر، وسورية، والجزائر، وكل الأساتذة والباحثين الأجلاء من الجامعة التونسية.
أرحب الترحاب الحار بالسيد عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث، الذي يشرف على افتتاح هذه الندوة الفكرية، والتي تنظم ببادرة من الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، بدعم من وزارتي: الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي.
__________
(1) ألقاها الأستاذ صلاح رمضان والي توزر. وإن مدينة "نفطة" تابعة لولاية توزر؛ لذا كانت الكلمة للوالي.
(15/ 2/11)

هذه الندوة تقام في مدينة "نفطة" بولاية توزر المشهورة عبر التاريخ برسا لاتها، ويمخزونها وموروثها الثقافي، ولاية توزر التي تعتبر ولاية التغيير، وتحظى بعناية موصولة من الرئيس زين العابدين بن علي. ولاية توزر، هذا القطب السياحي، والقطب الفِلاحي، والقطب الجامعي والثقافي. هذه الولاية التي تعيش حركية وتنمية شاملة.
أحب بالمناسبة أن أتمنى لكم إقامة طيبة في هذه الربوع، وهناك فرصة سواء للإطارات التونسية من مختلف الولايات، أو من الدول الشقيقة؛ من الاطلاع عن كثب على ما تشهده ولاية توزر، مثلها مثل مختلف الولايات الأخرى في العهد الجديد من تنمية شاملة، متمنياً لكم طيب الإقامة، ومتمنياً لكم ولأشغال ندوتكم هذه النجاح والتوفيق، والسلام عليكم.
(15/ 2/12)

الجلسة الافتتاحية

كلمة السيد وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي بافتتاح أعمال الندوة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
- السيد والي توزر!
- الكاتب العام للتنسيق بالتجمع التونسي الديمقراطي!
- السيد المعتمد الأول!
- أعضاء مجلس النواب، وأعضاء مجلس المستشارين، وأعضاء اللجنة المركزية للتجمع!
- السيد فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
- الأستاذ محمد مواعدة عن الهيئة التنظيمية لهذه الندوة!
- الأساتذة الأجلاء!
-أيها السيدات والسادة!
يسعدني أن كون بينكم اليوم في هذه المدينة الجميلة، هذه المدينة العريقة التي تعتز بعطائها المستمر في المجال الثقافي والفكري، وفي بناء
(15/ 2/13)

الوطن، وإلى مزيد من التقدم، مدينة "نفطة" الجميلة.
يسعدني أن أكون بينكم في هذه المدينة لافتتاح هذه الندوة الدولية حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاخ المجتمع الإسلامي. هذه الندوة التي تنظمها الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، والتي تندرج في سياق سعي دؤوب انطلق منذ فجر التغيير المبارك بهدي من سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، وسعي متصل الحلقات على درب تحقيق المصالحة، مصالحة التونسي مع مقومات هويته، ومع تراثه الإصلاحي السَّرِيِّ والثريّ.
ولا شك بأن بلادنا قد أنجبت أعلاماً أفذاذاً، ومصلحين روّاداً، كان لهم -منذ القدم- إسهام بارز في إنماء الثقافة العربية الإسلامية، وتغييرِ الفكر الإنساني. وإن المتتبع لتاريخ الأفكار، وللتاريخ الثقافي في تونس عموماً، يتبين -من خلال محطات هذا التاريخ ومناراته- خصوصيةَ المدرسة التونسية التي اتسمت على مرّ العصور بالنظر العميق، وبالرؤية المتزنة، وبالتيقظ المبكّر للقضايا المحورية والفكرية. وياستشراف منعطفات الصيرورة التاريخية، وبالانفتاح على الآخر، انفتاح التكافؤ والحوار، مع نبذ الانكفاء والانغلاق والتصادم والتعصب.
إن التراث الفكري الثري والمتنوع الذي أنتجته هذه المدرسة العريقة المتأصلة، جدير بأن يعكف عليه أهل العلم والبحث؛ نظراً وتحقيقاً وتمحيصاً وتحليلاً وتأليفاً؛ من أجل مزيد استكمال جوهره الثمين، وأبعاده المتعددة، ومن أجل تبيان تراكمية البناء في مراحله المتعاقبة، وتوجهات المنزع التنويري والتحقيقي الذي كان من أهم ثوابته؛ حتى يدرك الجيل الصاعد من المثقفين
(15/ 2/14)

أن لحركة الإصلاح في بلادنا مرجعياتٍ فكرية وثقافية متينةَ الأسس، وضاربة الجذور في قرار مكين من ذاكرتنا ومن موروثنا. وحتى يدرك -أيضاً-، وبالخصوص: أن حفظ هويتنا وخصوصيتنا من الذوبان في عصر العولمة، وتحقيق الحضور الفاعل، والانخراط النشيط في مجتمع المعلومات يقتضيان -بالضرورة- حرصاً مستمراً على إحياء الذاكرة، وسعياً لا يكلّ، وتعهداً هدْياً. لعلاقتنا بالمرجعيات، نستقرئها ونسائلها، ونجدد تمثلنا لها، ووضعها في كل آنٍ وحين على محك البحث والتمحيص، وهو ما تعمل (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) بجدّ ومثابرة من أجل تحقيقه، وهو جهد يستحق منا كل الشكر والثناء والتقدير، جهد نحييه في هذه المناسبة.
حضرات السيدات والسادة، أيها الأساتذة الأجلاء!
لقد ظهرت في البلاد التونسية - منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإلى الثلث الأول من القرن العشرين - كوكبةٌ من رجال الإصلاح والتنوير، برّزوا في العلم، وحققوا ودققوا، ووصلوا مجد الأسلاف بمبتكرات الأخلاف، وأسهموا بقسط وافر في نشر مبادئ العقلانية والواقعية والفكر الاجتهادي، وإشاعة قيم التسامح والانفتاح والحوار، وكانوا منارات مضيئة في تاريخ تونس الفكري والثقافي.
وُيعدّ الشيخ العلامة محمد الخضر حسين الذي تعلّم في جامع الزيتونة، وعلّم فيه، ركناً من أركان الحركة الإصلاحية، وعلَماً من أعلام النهضة الفكرية والأدبية، ورمزاً من رموز النضال الوطني التونسي خلال العقد الأول من القرن العشرين.
(15/ 2/15)

وقد سطع هذا النجم الثاقب في سماء تونس في فترة مخاض عسير، مثّلت منعطفاً حاسماً في التاريخ الفكري والأدبي والسياسي لبلادنا، وأجمع الكلّ على تثمين قيمة الرجل العلمية، ومنزلته الإصلاحية، وتوجهاته الوطنية. وشهدت تآليفه الحجّة -في العلوم الإسلامية، وفي اللغة، وفي الأدب، والتراجم- على رسوخ قدمه وعلوها.
ولم تكن هجرته إلى الشام أولاً، ثم إلى مصر حيث استقر وبلغ قمة المجد العلمي خلال توليه مشيخة الأزهر عام 1952 م لتنسيه واجب الوفاء لتونس، والاعتزاز بالانتماء إليها، أو تثنيه عن النضال من أجل استقلالها.
فقد كان دائم الاتصال والتواصل مع أهل العلم والأدب في تونس، واحتضن العديد من الطلبة الذين أتموا دراساتهم الجامعية في مصر، وأسس سنة أربع وأربعين وتسع مئة وألف (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا) وكان من خلالها سنداً ونصيراً للقضية التونسية، وللوطنيين الذين ولّوا وجوههم قبَل القاهرة؛ للتعريف بهذه القضية لدى الرأي العام العربي، كما كان سنداً لقضايا التحرر في شمال إفريقية عموماً.
وإن من دواعي مزيد اعتزازنا بهذا الشيخ الجليل، التونسي المنشأ: إشعاعَه العربي والإسلامي الذي لم يُنسه يوماً أصوله ومنبته، وحرصه على أن يكون فاعلاً في حركة التحرر في شمال أفريقية بشكل عام.
حضرات الأساتذة الموقرين!
إن تونس التغيير بقيادة سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، اختارت منذ فجر التحوّل بلا مواربة طريقَ المصالحة مع هويتها وتراثها، وأكدت، وتؤكد كل يوم وشائجَ الاعتزاز بأعلامنا الروّاد الذين سطروا بمداد من ذهب
(15/ 2/16)

التاريخَ المجيد في المجالات الفكرية والأدبية، والعلمية والوطنية، وحرصت على تكريم هؤلاء الأعلام، وإحياء ذكراهم، والعمل على مزيد التعريف بآثارهم ومآثرهم.
وما تفضّل سيادة الرئيس زين العابدين بن علي سنة ست وتسعين بتوسيم الأستاذ علي الرضا الحسيني الذي تولى الاعتناء بتراث عمه العلامة محمد الخضرحسين، وتحقيقه، وإخراجه إلى أهل العلم والبحث، وإعادة نشره، إلا دليلٌ قاطعٌ على هذا التوجّه، وشهادة معبرة عن وفاء سيادة الرئيس وتكريمه لكل من تفانى ويتفانى في خدمة الوطن، وأخلص له.
وإني لمتأكد من أن ما سيتفضل به الأساتذة الأجلاء - بهذه المناسبة نود أن نحيي الأشقاء من بين الأساتذة الذي يشاركون في أعمال هذه الندوة من الأقطار الشقيقة من الجزائر، من سورية، من مصر - إني متأكد، قلت: إن ما سيتفضل به الأساتذة الأجلاء من تونس، ومن هذه الأقطار الشقيقة في هذه الندوة من أبحاث، سينير السبيل، ويسلط مزيد الأضواء على جوانب عديدة ثرية متصلة بهذا العَلمَ الفذّ الذي كان من أعلام الإصلاح الديني والاجتماعي، ومن أقطاب النهضة اللغوية والأدبية، ومن رموز النضال الوطني.
أشكر كل المساهمين في هذه الندوة على حُسن إعدادها، وعلى ما بُذل، وكل ما بذلوه من جهود من أجل إعدادها وتنظيمها، وأتمنى لأعمالكم كل النجاح والتوفيق.
وأجدد الترحاب والشكر، الترحاب بالأشقاء، والشكر لهم على حضورهم معنا، ومشاركتهم في هذه الندوة حول هذا الرجل الذي نعتبره
(15/ 2/17)

تونسياً، وعربياً، وإسلامياً، وهو من الرجالات، ومن المنارات التي حققت إشعاعاً يجعل انتماءها انتماءً واسعاً إلى الأقطار العربية الإسلامية.
أشكركم جزيل الشكر على حسن استماعكم وصبركم، والسلام عليكم.
(15/ 2/18)

الجلسة الافتتاحية

كلمة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي (1)
يسر الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي في مفتتح هذه السنة الإدارية 2009 م أن تستهل أنشطتها العلمية في رحاب (الكوفة الصغيرة) مدينة "نفطة" الساحرة ببنائها، وهندسة بنائها، والآسرة بدفء الحياة فيها، وبحرارة الاستقبال الذي عودنا به أهله.
"نفطة" درة الجنوب في بلاد الجريد، ومولد العلماء والشعراء، وممن نفاخر بأنهم أفادوا وأجادوا، ومنهم: العلامة محمد الخضر حسين، الذي تربى في أرض الجريد، وأُشرب قلبه في "نفطة" حب العلم وأهله.
وكان يخطو خطواته الأولى في "نفطة" في الزاوية العزوزية، زاويةِ جده الشيخ مصطفى بن عزوز، المنحدرِ كما يقول ابن أبي ضياف في "الإتحاف" من بيت فضل وعلم وصلاح، أتى من الجزائر الشقيقة، واستقر بنفطة.
وقد سدّد خطا الشيخ الخضر، العلامةُ محمد المكي بن عزوز، وهو خاله، وهو -أيضاً- نزيل إستنبول، وسراج العلماء في عصره.
وإن مرور نصف قرن على وفاة العلامة محمد الخضر حسين فرصة
__________
(1) ألقاها الدكتور فتحي القاسمي أمين عام (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي).
(15/ 2/19)

سانحة لنكرَّم هذا العَلَم في رأسه نار، نال الشهرة في المغرب والمشرق وأوروبا، وتعددت مواهبه، وسطع نجمه في تونس مع مطلع القرن العشرين، عندما كان مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ الضرير محمد شاكر، ومع ثلة من خريجي (لصادقية)، منهم الأخوان: علي، ومحمد باش حانبة، يبذر في المجتمع التونسي روح المبادرة والتجديد والتنوير من خلال مجلته "السعات العظمى"، ومحاضراته ومسامراته المجذّرة للهوية التونسية، والمدافعة عن الأصالة، والمواجهة بكل أشكال الطمس والمراقبة والمعاقبة التي كان يفرضها نظام الحماية الفرنسية.
دافع عن الحرية، ودعا عالياً إلى الإصلاح، وردَّ على متهم اللغة العربية بالجمود والموت. وعندما ضاقت به السبل، شدّ الرحال إلى الشام، فكان في العقد الثاني من القرن العشرين إلى جانب الشيخ صالح الشريف خير مدافع عن العروبة والإسلام، الأمر الذي عرّضه للسجن، وهدده بالإعدام.
ثم رحل إلى مصر، وانتسب إلى الأزهر، فانضمت إلى ما نهله في الزيتونة لَبِناتٌ أزهرية، زادته رسوخاً في العلم، وبوّأته مكانة كبرى في أرض الكنانة.
فاختير شيخاً للأزهر، وجد د فيه الحياة، وأحدث في الإسلام طفرة من التجديد، وكذلك -كما قال عنه عبد العظيم الزرقاني-: جدّد بعزمه من شباب الإسلام.
لقد جمع الشيخ العلامة بين التدريس والمحاضرة، والتحرير والإفتاء. وكان بيته بالقاهرة قبلة القصّاد، ومحط رحال التونسيين الوافدين إلى مصر، ومنهم: الرئيس الراحل الحبيب بورقيية، والشيخان: محمد الفاضل بن عاشور،
(15/ 2/20)

ووالده محمد الطاهربن عاشور.
وإن عشرات الكتب التي تركها، والتي جمع شتاتها ونشرها اينُ أخيه الأمين على ذلك التراث الفكري الهام الأستاذ علي الرضا الحسيني.
إن ذلك لمادة ثرية تحتاج إلى الدراسة والإبراز، ولعل ندوتنا هذه ستسلط الأضواء على جوانب كثيرة من سيرة الشيخ محمد الخضر حسين، وسيعمق الأساتذة الأجلاء والمحاضرون النظرَ في المشروع الإصلاحي التونسي، انطلاقاً من الشيخ، ومن مساجلاته الفكرية، ومجادلاته العلمية التي دلت على انخراط رجال الإصلاح في تونس في الجدل الديني والحضاري، الذي تأجج في النصف الأول من القرن العشرين.
وكانت الأطروحات التونسية متجاوزة القطرية، والنظرة الدينية الضيقة، نزاعةً إلى الاختراق، والاستشراف والانفتاح على الآخر.
أيها السادة الكرام!
إن جمعيتنا لفخورة منذ انبعاثها سنة أربع وألفين على التعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، التي ما انفكت تدعمها، وتيسر لها نشاطها الذي امتد إلى تسع ولايات في البلاد التونسية.
كما أن تعاوننا متصل مع مؤسسة بيت الحكمة، وتكفلها بطبع الندوات التي تعقدها بالاشتراك مع الجمعية لدليلٌ على أهمية التعاون من أجل إشاعة المعرفة الدقيقة برجالات الفكر والثقافة في تونس.
إنه إذا كان الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزيرُ الثقافة والمحافظة على التراث قد شرفنا بافتتاح ندوتنا، فإننا نتشرف بالتعاون مع وزارة الشؤون الدينية، والسيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري الذي سيتولى
(15/ 2/21)

الإشراف على اختتام هذه الندوة ... وقد تفضل إلى جانب السيد وزير الثقافة عبدِ الرؤوف الباسطي باستقبالها استقبالاً حاراً في مكتبيهما.
كما أن حضور الوفد الجزائري في الندوة لجديرٌ بمواصلة الفكر والرؤية بين الشقيقتين: تونس، والجزائر منذ عشرات القرون.
ولا يفوتنا التنويهُ بما بذله الأستاذ محمد مواعدة من عناية فائقة؛ لتكون ندوتنا في مستوى ما نطمح إليه جميعاً.
وإن شكرنا متجددٌ للسيد والي توزر، والمندوب الجهوي للثقافة من إنجاح هذا الحدث العلمي.
كما أن حضور الباحث المصري الشيخ مجاهد توفيق الجندي تجذير -أيضاً- لما أرساه الشيخ الخضر حسين، الذي ليس إلا فرداً من كوكبة الأعلام التونسيين الذين شدوا الرحال من تونس إلى مصر، مثل: العلامة ابن خلدون، والشيخ محمد بيرم الخامس، فكان مقامنا بها طريقاً للاتصال التاريخي والروحي والعلمي.
أيها السادة الكرام!
إننا -أيضاً- سعداء بتكريم ثلة من أعلام تونس ممن خدموا الثقافة، وهم حاضرون بيننا، بمبادرة من الجمعية، شهادة سنوزعها على كل من الأساتذة: المنجي الشملي، الحبيب الجنحاني، ومحمد مواعدة، ومحمد صالح الجابري، وعلي الرضا الحسيني، الذين أكدوا بتآليفهم إلى هذه اللحظة في خدمة الثقافة التونسية أنهم جديرون بكل تكريم. وهذا غيض من فيض؛ لأن الكثيرين -أيضاً- سنحاول أن نكرمهم في مناسبات لاحقة.
وإن جمعيتنا بندوتها العشرين تأمل الانتقال إلى بقية الولايات في
(15/ 2/22)

الجمهورية التونسية؛ للتعريف بأعلام منسيين، والنبش على آثار المتقدمين، وإبراز مضامين أفكارهم الخالدة. ولا شك أن وزارة الثقافة ستكون لنا -كالعادة- خير سند في ذلك.
نأمل أن تكون سنة تسع وألفين زاخرة بالأنشطة النافعة للفكر، ومدعمة للحياة الثقافية التونسية، وسيكون لنا -قريباً- موقع على الأنترنت، وندوتان: الأولى: حول الحكيم أحمد بن ميلاد في عشرين مارس تسع وألفين، والثانية مغاربية حول مفدي زكرياء، وسوف يحتضنهما قصر بيت الحكمة.
كما أننا نأمل في نشر أبحاث لطلبتنا المنخرطين في الجمعية، ممن يُعدُّون ماجستير ودكتوراه حول التراث الفكري التونسي.
ولا شك أن كل عمل جماعي سندٌ لها؛ لتحقيق مثل هذه الرهانات في بلد راهنَ -منذ القديم- على الإتيان بما لم تستطعه الأوائل. وشكراً.
(15/ 2/23)

الجلسة الافتتاحية

كلمة رئيس الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية (1) بسكرة - الجزائر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
- السيد معالي وزير الثقافة والمحافظة على التراث الفكري التونسي!
- السيد والي توزر!
- السادة الإطارات بتونس الشقيقة!
- السادة من الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي!
من خارج مصر يتقلد مشيخةَ الأزهر الشريف عن جدارة واستحقاق هذا الرجلُ الفذ، وإن كان تونسيَّ المولد والنشأة، والتعلّم والنبوغ، فإن دولاً أخرى تشترك فيه، على غرار الجزائر بلدِ أجداده، وسوريةَ التي لبث فيها بضع سنين، ومصر التي تقلد مشيخة أزهرها، وتوفي ودفن فيها، وهو رجل عالمي بامتياز ولولاه -بعد الله- لما اجتمعنا بعد خمسين عاماً على رحيله في هذه البلدة، بلدة "نفطة" التي شهدت ميلاد هذا النور ذاتَ يوم من عام ألف وثمان
__________
(1) ألقاها الباحث والكاتب الجزائري الأستاذ فوزي مصمودي بصفتة رئيساً للجمعية.
(15/ 2/24)

مئة وثلاثة وسبعين، بلدة "نفطة" التي لا يخلو كتاب في التاريخ، وأدبِ الرحلات في الجزائر وفي غيرها، إلا وكان اسمها بين دفتيه؛ فقد كانت ملاذاً آمناً للمقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر ميلادي، هؤلاء الذين قاوموا المحتل، وتصدوا لجبروت احتلال استيطاني، ومن هؤلاء: الشيخ مصطفى بن عزوز المولود في "برج ابن عزوز" التابعة لولاية "بسكرة"، وهو جد العلامة الشيخ محمد الخضر حسين لأمه. والشيخ محمد الصغير ابن الحاج، خليفة الأمير عبد القادر على "الزبيان" الولاية الثامنة في دولة الأمير عبد القادر، هذه الولاية التي جئناكم منها، ومازال أحفاده إلى اليوم في "نفطة"، وفي غيرها من المدن التونسية. وبعضهم يحضر معنا في هاته الندوة.
أفاضل السيدات والسادة!
جئنا من الجزائر للمشاركة في هذه الندوة؛ لمواصلة درب آبائنا وأجدادنا الذين كانت -وما زالت- تربطهم وشائج القربى والأخوة والتعاون في السراء والضراء بأبناء تونس الشقيقة.
وإن كنا ننسى، فلن ننسى أبداً ما حيينا -لأننا أهل للوفاء- لن ننسى وقفاتِ الشعب التونسي إلى جانب الشعب الجزائري في أحلك ليالي الاحتلال الفرنسي، فكم من معركة ومحطة امتزجت فيها دماء الشعبين، واستضافت حكومتها المؤقتة، مع جيش من الطلبة الجزائريين الذين تخرجوا في جامع الزيتونة الزاهر، وفي مختلف المعاهد والمدارس التونسية؛ كالمدرسة الصادقية، والخلدونية، التي تتشرف جمعيتنا الخلدونية الجزائرية بحمل اسمها؛ تيمناً بدورها الطلائعي والمتميز.
(15/ 2/25)

وفي الختام -أيها السادة الكرام- وباسم وفد الجزائر، وعلى رأسه عميد المؤرخين الجزائريين البحاثة الدكتور محمد العربي الزبيري، كذلك رئيس الجمعية الخلدونية، والأستاذ محمد قويدري المستشار بالمحكمة العليا الجزائرية، والسيد علي الأخضري حاضر معنا كذلك، وهو حفيد العلامة عبد الرحمن الأخضري.
باسم هؤلاء جميعاً، وياسم الجزائر إن شئتم، أتقدم إلى الجميع بأحر الشكر والتقدير، وخاصة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث المنظمة لهذه الندوة العلمية الشيقة، والتي ستربطها بنهاية أشغال الندوة توءمة مع الجمعية الخلدونية الجزائرية.
وعاشت تونس والجزائر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 2/26)

الجلسة الافتتاحية

كلمة عائلة الإمام محمد الخضر حسين (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها السادة الكرام!
إن عائلة الإمام محمد الخضر حسين في تونس ودمشق والجزائر ومصر، يسرها أن ترفع آيات الشكر والامتنان والاحترام الصادق إلى السيد الرئيس زين العابدين بن علي، الذي دأب على مباركة وتشجيع الأعمال التي من شأنها التنويهُ بعظماء ورجال تونس الحبيبة.
وقد شرّفني -كرّمه الله- بوسام الجمهورية؛ من أجل عنايتي بتراث العم الإمام محمد الخضر حسين.
كما أشكر الأستاذ الفاضل عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث على رعايته هذه الندوة، وحضوره بالذات للمشاركة بنفسه في هذا الملتقى.
والشكر إلى الأساتذة والدكاترة والمحاضرين، وكل من شارك وساهم
__________
(1) ألقاها علي الرضا بن زين العابدين الحسيني ابن أخي الإمام محمد الخضر حسين.
(15/ 2/27)

وآزر في أعمال الندوة بأي وجه من الوجوه.
وإني أُتوِّج هذا الشكر والامتنان بأبيات قلتها أولَ أمسِ تحيةً إلى "نفطة"، والجريد.
تحية إلى نفطة والجريد
شَدْوِي (لِنَفْطَةَ) أُمِّ النُخْبَةِ الصِّيدِ ... دَأْبِي وَ (لِلْكُوفَةِ الصُّغْرَى) (1) أَناشيدي
رَصَّعْتُ فيها قَصيدي وَهْيَ مُلْهِمَتي ... جَواهراً منْ نفيسِ الدُّرِّ مَنْضُودِ
كَمْ أَنجَبتْ للدُّنى مِنْ عالِمٍ عَلَمٍ ... واللهُ بارَكَ فيها كلَّ مَوْلودِ
نورُ (ابْنِ عَزُّوزَ) (2) يَسْري في جَوانِحِها ... هدْيَ المدائنِ والآفاقِ والبيد
والطُّهْرُ في الواحةِ المِعْطاءِ ساكِنُها ... (أبو عَليٍّ) (3) بِتسْبيحِ وتَحْميد
__________
(1) اشتهرت مدينة "نفطة" عبر التاريخ باسم (الكوفة الصغرى)؛ لكثرة ما أنجبت من علماء وأدباء.
(2) الولي الصالح مصطفى بن عزوز له مقام يُزار في "نفطة"، وهو جد الإمام محمد الخضر حسين.
(3) الولي الصالح أبو علي السني دفين واحة "نفطة" , وله فيها مقام يُزار.
(15/ 2/28)

سبْحانَهُ وتعالى اللهُ أَبدَعَها ... وَبَثَّ فيها دَواماً بَهْجَةَ العيدِ
عَشِقْتُ تُونسُ مِنْ عِشْقِي لِنَفْطَتِها ... وَهَلْ يُلامُ عِناقُ الحسْنِ والغيدِ
هواؤها، صَفُوها يَشْفِي العَليلَ إذا ... أتى لها شاكياً آلامَ تسْهيدِ
ويا لِواحَتِها تَزْهو (بدِقْلَتِها) (1) ... مَعسولةٍ تَتراءى كالعَناقيد
مَهْما أُعدِّدُ لا تُحصى روائِعُها ... وَفي مَرابِعِها تَحْلو أَغاريدي
أَما كَفاها فَخاراً أَنَّها وَلَدَتْ ... نوَابغَ الفِكرِ فامْتازَتْ بِتَخْليد
(الخِضْرُ) (2) قالَ ويا طوبى لمِقْوَلهِ ... ذَاكَ الإمامُ سَليلُ الِعلْمِ والجوُدِ
أنا الجريديُّ والعَلياءُ مَنزِلَتي ... وَللْجَريدِ شعاعٌ غَيْرُ مَحدودِ
__________
(1) الدقلة: اسم لثمار النخيل في واحة نفطة، وهو من أشهر التمور في العالم.
(2) الإمام محمد الخضر حسين.
(15/ 2/29)

ومَوطني تونسُ الخَضْراءُ مَفْخَرتِي ... والجذْرُ في (طُولْقَةِ) (1) مَأْوى الصَّناديدِ
وفي الشَّآمِ سَقاني المَجْدُ أَكْؤُسَةُ ... فَيْضاً وفي مِصْرَ قدْ بُلِّغْتُ مَقْصودي
__________
(1) مدينة "طولقة" في الجنوب الجزائري تابعة لولاية بسكرة، وفيها زاوية سيدي علي بن عمر جداً الإمام محمد الخضر حسين، ومكان ولادة والده سيدي الحسين.
(15/ 2/30)

الجلسة الافتتاحية

كلمة المشاركين في الندوة (1)
باسم الله، وبه نستعين.
- حضرة السيد الوزير المحترم صديقي العزيز الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي!
- حضرة السيد الوالي المحترم والصديق العزيز -أيضاً-!
- حضرة السادة المسؤولين السياسيين والمثقفين أجمعين!
تحيتي لكم، وتقديري لكم جميعاً.
ماذا أقول بعد ما قيل؟ وكل شيء قد قيل، وقد أتيت متأخراً، والحقيقة أني أريد أن أحييكم باسمي الخاص أولاً، وياسم جميع المشاركين في الندوة ثانياً.
في نفسي تختلج خواطر كثيرة؛ لأني أزور أول مرة (الكوفة الصغيرة) "نفطة" ذاتَ الخمائل والواحات الرائعة الجميلة. ولو كان هنا كاتب ألماني، لبقي هنا طول حياته؛ لأن كاتباً ألمانياً أحب الشرق، وأحب الواحات،
__________
(1) كلمة ارتجلها الأستاذ المنجي الشملي شيخ أساتذة الجامعة التونسية، وكان المشرف على الرسالة المهمة التي ألفها الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين حياته وآثاره".
(15/ 2/31)

وأحب الخمائل، وكتب في ذلك ديواناً عظيماً خالداً يسمى: "الديوان الشرقي للأديب الغربي" أنا الآن بصدد دراسته.
أتيت إلى هنا طبعاً لأحييكم، وأقول ذلك تخليداً للذكرى الخمسين لوفاة العلامة المرحوم محمد الخضر حسين، أصيلِ نفطة، وأصيلِ -أيضاً- الجزائر من جهة أمه، وحبيب دمشق، وحبيب مصر، وحبيب العالم كله، إذن هو عربي بالمعنى الحقيقي.
وهذه الأصول وهذه المراجع، رفعته ليس بالعلم فقط، ولكن داخل السياسة بالعلم، وأي مثقف أصيل لا يكون سياسياً؟! فإن الثقافة الأصيلة هي سياسة عميقة، اعترف بذلك العلماء، واعترف بذلك رجال السياسة الكبار.
واعترف بها -أيضاً- رئيسنا زين العابدين بن علي الذي جعل هذه الندوة العلمية مؤطّرة بوزيرين مهمين، أولاً: الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي في الافتتاح، والأستاذ الأخزوري في الاختتام، إني أعتبر هذا التأطير عملية ثقافية سياسية بعيدة المدى. نذكر بها الرئيس ابن علي، ويشكر عليها، وتحيتي إليه من هذا المنبر.
هذا من وجه. ومن وجه آخر: أنا أحس بقلق في نفسي؛ لأني عندما ألقيت دروسي في الجامعة التونسية عن الحركة الإصلاحية الإسلامية في البلاد العربية، كنت مقصراً؛ لأني لم أذكر الشيخ الخضر حسين؛ لأني لم أكن أعرفه تماماً معرفة جيدة، والاعتراف بالفضل دون الفضل فضيلة.
لقد أفادني محمد مواعدة حقاً؛ لأنه هو الذي اقترح عليَّ موضوعَ دراسته الجامعية أن تكون عن الخضر حسين، ففرحت بما قاله لي، وخشيت
(15/ 2/32)

-أيضاً- مما قاله لي، وأشرفت على عمله العلمي، كان عملاً ممتازاً، ونوقشت سنة 1972 م.
وكان محمد مواعدة -حقيقة- عالماً بحاثة، كان عالماً علامة بحاثة جيداً، أتعبني وأتعبته، لكن ذلك التعب كان تعباً لذيذاً، وإن لهذا الكتاب الذي هو بين أيديكم اليوم قصة، إن له قصة وهو يُعد البحث فيه، وله قصة -أيضاً- بعد أن تم البحث، والقصتان سياسيتان:
القصة الأولى: أشير إليها في إيجاز؛ لأنه لم يحن الحين لتفصيلها، وإن كان في العمر فضل، فستكون في مذكراتي: كنت يوماً مع محمد مواعدة في قهوة (الشيلينك) (1) يوم كانت قهوة ممتازة، فرأيت شخصاً ينظر إلينا بنظارتين سوداوين، قال لي محمد مواعدة: إنه من الشرطة، ومن حق الدولة التونسية أن يكون لها شرطة سرية مثل كل دولة، ومن الغد دُعيت إلى الداخلية، دعاني السيد وزير الداخلية شخصياً، وانتهت هذه القضية، وحُفظت القضيةُ -كما يقال- إدارياً.
وبعد أن نوقش بحث محمد مواعدة، دُعينا إلى رئاسة الجمهورية من قِبل الرئيس الراحل الزعيم بورقيبة، وقضينا معه أربع ساعات في القصر، والحديث كان عن محمد الخضر حسين، فيه الصحيح، وفيه الذي ينظر فيه -أيضاً-. إذن هذا الكتاب خطير جداً الذي بين يديكم، أول كتاب -في رأيي- علمي أكاديمي عن المرحوم محمد الخضر حسين -حسبما أعلم -.
وليس صدفة إذن أن يكون محمد مواعدة هو القطب الصلب لهذه
__________
(1) مقهى في شارع محمد الخامس بمدينة تونس.
(15/ 2/33)

العملية، إلى جانب أصدقائي الأعزاء (أصحاب الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، ورئيسها صديقي المعتز كمال عمران، وأخي -أيضاً- فتحي القاسمي.
إذن، محمد الخضر حسين قضية، قضية فكرية عظيمة، وقضية سياسية خطيرة؛ أي: مهمة.
كيف ندرسه؟ وقد نهج محمد مواعدة الطريقة، والعلماء الآخرون سيواصلون البحث.
وإني -حقيقةً- أحيي أصدقائي من الجزائر الذين أَعتز بحضورهم هنا.
كما أعتز بأخينا علي الرضا التونسي الحسيني لما بذل من مجهود عظيم جداً في تعريفنا بآثار الشيخ محمد الخضر حسين.
محمد الخضر حسين وصل إلى مصر، وقد ناهز الخمسين قليلاً، تماماً كما فعل ابن خلدون، وصل عالماً إلى هناك، وإخواننا المصريون أحبوه، وكرموه، وانتخبوه شيخاً في الأزهر، ثم رقوه إلى رتبة شيخ الأزهر، وما أدراك ما شيخ الأزهر؟! هو تونسي المنشأ، ولكن لا نقلل من شأن مصر؛ لأن تونس ومصر إخوة.
وإلى اللقاء.
(15/ 2/34)

الجلسة الافتتاحية

كلمة الأمين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف الموسلين.
- الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث!
- الأستاذ صلاح رمضان والي توزر!
رجائي إليكم أن تسمحوا لي لأُعرب عن عميق الاعتزاز الذي يغمرني، وعن عظيم الشرف الذي نالني اليوم؛ إذ تتاح لي هذه الفرصة السعيدة لأكون معكم وبينكم في سياق حدث ثقافي كبير متميز.
وقد حصل هذا بدعوة كريمة من (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، تعهّدها تعهداً حريصاً أخي وصديقي وزميلي الأستاذ الجامعي وعضو مجلس المستشارين المحترم الأخ محمد مواعدة.
وإني أذ ألبي هذه الدعوة لممنونٌ؛ لأني -كما قلت- تتاح لي هذه الفرصة أن أعيش هذه اللحظات الاستثنائية، لحظات استثنائية نحتفي فيها بعَلَم من أعلام تونس، في شخصية فذّة من شخصيات تونس الفكر والحضارة،
__________
(1) كلمة الأستاذ فؤاد القرقوري، أستاذ جامعي، ورئيس لجنة التربية والثقافة فى مجلس النواب، ونائب الأمين للعام للتجمع الدستوري الديمقراطي.
(15/ 2/35)

قلت: شخصية تونسية، لكنها -أيضاً- جزائرية، وهي كذلك سورية، وهي كذلك مصرية.
فالرجل مفرد في صيغة الجمع، رجل متعدد الأبعاد، ولا يكون الرجال الأفذاذ إلا كذلك متعددي الأبعاد حتماً.
وأحس بالنخوة والاعتزاز؛ إذ أجد نفسي معكم ويينكم أيها الملأ الكريم، أيها الإخوة والأصدقاء.
في سياق هذا الحدث، في سياق إبراز عمق الرصيد الفكري الإصلاحي في بلادنا، هذا الرصيد الفكري الإصلاحي الذي اختار رئيسُ بلادنا، رئيسُنا وقائد مسيرتنا الوطنية سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، اختار اختياراً سياسياً واعياً أن يكون هذا الفكر الإصلاحي مرجعية مشروعنا الإصلاحي الوطني، الذي يسهر على الوصول به قائدُ مسيرتنا الوطنية إلى أبعد الآفاق الممكنة.
فلا عجب أن يحظى هذا الحدث الكبير برعايته السامية، ولا عجب أن نهبَّ نحن تلبيةً لنداء جمعيتنا النشيطة التي ننوّه بمبادرتها، ولا عجب أن تحظى هذه الندوة وهذا اللقاء الكبير بإشراف متميز من وزبرنا، من والينا، من سلطتنا الإدارية والثقافية، وبحضوركم أنتم جميعاً.
فلا أقل من أن نرفع من رحاب هذه الندوة الكبيرة، التي تنعقد في "نفطة" بالذات، نفطة العراقة، ونفطة الخير، ونفطة العطاء، ونفطة التي أعطت الرجال والنساء، ولا تزال، ولن تزال.
قلت: لا أقلَّ من أن نرفع من "نفطة" اليوم، من رحاب هذه الندوة، أسمى مشاعر التقدير والاعتزاز لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي، نحن
(15/ 2/36)

الذين نمثل النخبة المثقفة، فما أسعدَنا بقيادتنا الوطنية وهي ترعى مسيرتنا الثقافية؛ حيث الثقافةُ صنو الحضارة، وحيث السياسة موعدٌ مع التاريخ، يتفاعل فيه الماضي مع الحاضر، ويستثمر فيه الرصيد الحضاري الكبير من أجل الارتقاء بالواقع، ومن أجل تحقيق أهداف المستقبل.
وفي الخاتمة: لابد أن أشير إلى أننا نعتز بهذه الندوة المشتركة بين نخبة تونسية، ونخبة جزائرية. فبمثل هذا تؤسَّس المشاريع الحضارية، وبمثل هذا التعاون نبني مغربنا العربي الثقافي في إطار حرصنا على بناء مغربنا العربي الحضاري الديمقراطي في مختلف وجوهه.
أختم أيها -الحفل الكريم - بتأكيد اعتزازي وشكري وتقديري وإشادتي بهذه المبادرة، وكان الله في عوننا جميعاً.
الشكر كل الشكر للجمعية، والشكر كل الشكر للمسؤولين الذين ارتقوا بهذا الحدث إلى المستوى، وتمنياتي لهذه الندوة الكبيرة بوافر النجاح والتوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 2/37)

محاضرات الندوة

المرحلة التونسية في حياة الإمام العلامة محمد الخضر حسين (1)
حضرات الأخوات والإخوة!
الإمام العلامة محمد الخضر حسين هو شخصيات متعددة بشخصية واحدة، شخصية متنوعة متكاملة ليست متناقضة، وهنا تبدو قيمة الرجل العلمية والأدبية والوطنية التي أوصلته إلى قمة المجد.
سأركِّز على القضية الأساسية في حياة الشيخ محمد الخضر حسين بتونس، وما سمي بالمرحلة التونسية، وهي تسميته هو، وتشمل الجزء الأول من حياته بالبلاد التونسية، وهي الفترة التي تكونت فيها شخصيته العلمية، ونعتبرها -من هذه الناحية- مرحلة أساسية؛ ككل شخصية في تكوينها الأساسي.
الجذور لها أهمية كبيرة جداً، الجذور جزائرية، وهذه العائلة -حتى في جذورها الجزائرية- هي جذور دينية وسياسية في آن واحد، ونعني بذلك: نشر الثقافة العربية الإسلامية، وإصلاح المجتمع الإسلامي، ومقاومة الاستعمار
__________
(1) محاضرة الأستاذ محمد مواعدة، وتجدر الإشارة أن كتابه "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" أهم وأوسع كتاب حول الإمام، وقد صدر في طبعته الأولى في جزء واحد، وسيصدر -إن شاء الله- في جزأين بعد التوسع في البحث، وإضافة الجديد عليه.
(15/ 2/38)

الفرنسي، نفس التوجه الذي كان قائماً في الجزائر انتقل إلى تونس، وبالذات إلى مدينة "نفطة".
ومنذ البداية فقد اهتممت بدراسة شخصية الشيخ محمد الخضر حسين؛ لأنه علم بارز من أعلام الإسلام في العصر الحديث، شارك مشاركة فعالة في الحركة الفكرية، سواء في المغرب، أو في المشرق العربيين، وارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين الذين قاموا بدور هام في ميادين مختلفة دينية ولغوية وأدبية وسياسية.
وفي كتابي "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" أوضحت أن المرحلة الأولى من حياته التي قضاها في تونس -منذ ولادته وطفولته، إلى تعلمه ثم تعليمه-، وهي فترة يمكن تسميتها بفترة (التعلم والتكوين)، وتمتد من سنة 1873 سنة ولادته إلى سنة 1912 م، وهي السنة التي غادر فيها البلاد التونسية نهائياً إلى الشرق، ونميز فيها:
- حياته بنفطة.
- حياته بتونس العاصمة حتى سفره إلى المشرق العربي.
ومدة إقامته في "نفطة" هي مدة الطفولة، ولها أهمية كبيرة من ناحية الوسط العائلي الذي عاش فيه، وسط علمي ثقافي ديني، هذه البيئة العائلية، عائلة ابن عزوز، وما أدراك بابن عزوز؟ فيها العلم والثقافة، إلى جانب السياسة والجهاد الوطني. هذه البيئة التي عاش فيها، وهذا الوسط العائلي الذي تُلقن فيه الأم أبناءها علوم الشريعة واللغة، وتتحدث عن الأزهر. وكما روى الشيخ نفسه، ورواها أقاربه: أن أمه السيدة حليمة السعدية بنتَ الشيخ مصطفى بن عزوز كانت تربِّت على ظهره، وهي تداعبه وتقول له:
(15/ 2/39)

الأخضر يا الأخضر ... تكبر وتولي شيخ الأزهر
وكان اسمه الأصلي: (محمد الأخضر)، ثم أبدلت منذ طفولته ب (الخضر) اختصاراً، وفي نفس الوقت تيمناً بأحد أولياء المسلمين الذي كان يسمى: (الخضر).
وفي مدينة "نفطة" ذات واحات النخيل الجميلة الفيحاء، والمياه المتدفقة الصافية، في ذلك العهد، ومقر العلم والعلماء، وكان رجل العلم فيها هو النموذج الاجتماعي البارز في ذلك العهد، صاحب الكلمة المسموعة، والرأي الراجح، لقد تربى في هذه البيئة التي يسيطر عليها العلم، وتغمرها الثقافة، ويحيط بها الورع الديني من كل جانب، فحفظ القرآن الكريم على الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، ودرس بعض العلوم الدينية واللغوية على عدد من العلماء، وخاصة منهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، الذي كان مهتماً به اهتماماً خاصاً، ويرعاه رعاية كاملة.
وانتقلت العائلة -وقد بلغ الشيخ السنة الثالثة عشرة من عمره- إلى تونس العاصمة في أواخر سنة (1306 ه - 1886 م). ويبدو أن سبب هذا الانتقال هو حرص العائلة على تمكين الشيخ الخضر من مواصلة الدرس والتعلم بجامع الزيتونة مع إخوته الآخرين؛ إذ كان جامع الزيتونة قبلة طلاب العلم من جميع الأمصار، ومن إخوته: العلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين، الذي استقر في تونس، والعلامة الشيخ زين العابدين بن الحسين، الذي استقر وتوفي بدمشق.
وبرغم انتقال عائلة الشيخ الخضر إلى مدينة تونس، فان مدينة "نفطة" وأهلها الأوفياء مازالوا فخورين ومعتزين بالشيخ حتى اليوم، وأذكر أنني في
(15/ 2/40)

مطلع حياتي -وأنا طالب في مدارس "نفطة"- طلبت من صاحب مقهى قديم أن أستخدم المكان كقاعة محاضرات، وكانت مقهى مهدمة خراباً، هيأناها بإمكانياتنا البسيطة، وألقيت فيها محاضرة عن الشيخ محمد الخضر حسين نالت إعجاب أهل "نفطة".
كما أصدرت (جمعية شباب محمد الخضر حسين النفطي) نشرة اعتزازاً بابن نفطة.
ونجد أن طبيعة نفطة قد أثرت بالشيخ الخضر حتى آخر حياته؛ إذ كان يتمتع بصفات الإباء والشمم وعزة النفس، بالإضافة إلى سماحته وتواضعه، وأذكر -هنا- واقعة تنم عن هذه الصفات التي اكتسبها منذ طفولته: بعد اختيار الإمام شيخاً للأزهر زاره الرئيس محمد نجيب في مكتبه بالأزهر للتهنئة، وبعد مدة من هذه الزيارة، أتاه السيد حسين الشافعي عضو قيادة الثورة، وأخبره أن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام -وقلما يغضب إلا للحق-، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، وقال للشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم".
إن هذا الموقف هو تأثير تربيته في تونس.
وهناك خصلة أخرى تأثر بها من تونس، وخاصة من نفطة التي تنمي في المرء الكرم والإيثار وصلة الرحم، وغيرها من الفضائل، ففي أول حياته في القاهرة كان راتبه خمسة عشر جنيهاً شهرياً، كان يرسل خمسة جنيهات إلى ذوي القربى في دمشق، وخمسة جنيهات إلى ذوي القربى في تونس، وهذا الحال استمر معه إلى أن وصل إلى ما وصل إليه.
وفي جامع الزيتونة درس الشيخ محمد الخضر حسين منذ سنة (1307 ه -
(15/ 2/41)

1887 م) على كبار الشيوخ، ومنهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وسالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وتحصل على شهادة التطويع سنة (1316 ه - 1898 م).
ويلاحظ أن النشاط العملي الكبير الذي بذله إثر تخرجه من جامع الزيتونة يدل على أن هذا الرجل صاحب طموح كبير، فلم يقنع بالعمل في الإدارة والاستقرار فيها، بل اختار سبيلاً وعرة في حياته.
فهو -بالإضافة إلى الجهد العلمي الذي كان يبذله في سبيل نشر المعرفة عن طريق الدروس التي كان يلقيها على الطلاب الزيتونيين- لم تثنه عن خلق وسائل أخرى أكثر تأثيراً وانتشاراً؛ فقد أسس مجلة "السعادة العظمى" في شهر أفريل 1904 م، وهي موضوع محاضرة الأخت نجاة بوملالة في هذه الندوة.
وقد تولى في أثناء تعيينه قاضياً في "بنزرت" الخطابةَ والتدريس بجامعها الكبير؛ لرغبته أن يكون دائماً على صلة بالناس مباشرة، كما ألقى في المدة محاضرته الشهيرة: "الحرية في الإسلام" بنادي (جمعية قدماء الصادقية) سنة 1906 م، ونالت اهتمام جميع الأوساط الثقافية في ذلك العهد، واستقال من القضاء للعودة إلى التدريس بجامع الزيتونة، وكلفته إدارة الجامع بالإشراف على تنظيم المكتبة ضمن لجنة للقيام بهذا العمل، كذلك نجده ضمن شيوخ جامع الزيتونة الأوائل الذين تزعموا حركة إصلاح التعليم بتأسيس جمعية (تلامذة جامع الزيتونة) سنة (1324 ه - 1906 م).
تبين من ذلك: أن الشيخ محمد الخضر لم يقصر نشاطه على التدريس، بل كان له نشاط اجتماعي وثقافي، يتمثل بإلقاء المحاضرات، مثل محاضرته:
(15/ 2/42)

(حياة اللغة العربية) التي ألقاها بنادي قدماء الصادقية. . . كما قام برحلتين علميتين إلى الجزائر، الأولى: سنة 1903 م، والثانية: سنة 1904 م، ونشر عن الرحلتين في مجلة "السعادة العظمى". وقد اهتم في أثناء ذلك بالميدان الثقافي والديني، فزار المساجد والمكتبات، وحضر بعض الدروس الدينية واللغوية، كما ألقى بعض المسامرات في الفقه والحديث والتفسير، وشارك في بعض المجالس الأدبية.
ومن خلال نشاطه السياسي، فقد شارك في التنديدِ بالحرب التي شنتها إيطاليا سنة 1911 م ضد ليبيا، ودعوةِ المواطنين إلى مساعدة شعب ليبيا المسلم والحكومةِ العثمانية ضد الإيطاليين، ونشر قصيدته الشهيرة التي نجد فيها بوضوح حبه للحرية، وعواطفه الوطنية الجياشة، وقال في مطلعها:
رُدُّوا على مجدِنا الذّكْرَ الذي ذهبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ دهى حِقَبا
ولا تعودُ إلى شعبٍ مَجَادَتُهُ ... إلا إذا غامرت هماتُه الشُّهُبا
وكانت النخبة المثقفة التونسية تعيش في جو نفسي خانق في النصف الثاني من سنة 1912 م نتيجة ما سلطه على البلاد من إرهاب وتعسف النظامُ الاستعماري القائم، ولاشك أن الشيخ محمد الخضر حسين كان يعاني نفس الأزمة، ويشعر بنفس الشعور، وهو الوطني الحساس، وقد زاد في ضيق نفسه خيبتُه في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى التي اجتازها في أثناء تلك المدة، وسعى شيوخ النظارة إلى إسقاطه نتيجةَ وجود بعض العوامل الشخصية والميول الخاصة، جعلت هؤلاء الشيوخ (وخاصة منهم الشيخ بلحسن النجار) لا يعتمدون على مقاييس الكفاءة العلمية؛ مما أدى بالشيخ محمد الخضر إلى قول البيتين المشهورين:
(15/ 2/43)

عَجَباً لهاتيكَ النظارةِ أصبحَتْ ... كالثوبِ بينَ أناملِ (القَصَّارِ)
وأناملُ (القصارِ) تعبثُ مثل آ ... لاتِ تحركُها يُد (النجَّارِ)
والقصار والنجار من كبار شيوخ جامع الزيتونة، وهما من هيئة نظارة الجامع الأعظم.
رأى الشيخ الخضر: "أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالاً واسعاً، وسماء صافية"، فقرر الارتحال إلى الشام نهائياً خلال شهر ديسمبر سنة 1912 م، (وكانت سنه تناهز الأربعين)، وقد تكونت فيه شخصيته العلمية، وغزرت معارفه؛ مما جعلها تبحث عن مجالات أوسع، وآفاق أرحب.
أنا سأقول جملة: "إن المرحلة التونسية استمرت مع الشيخ محمد الخضر حسين كامل حياته؛ من ناحية التأثير والتأثر، ومن ناحية مسيرته حتى وصل إلى مشيخة الأزهر"، والدليل على ذلك: لجوء الرئيس الحبيب بورقيبة إلى مصر، فقد أُوقف على الحدود الليبية المصرية، فاتصل وزير الداخلية اللواء صالح حرب -آنذاك- بالشيخ الخضر ليلاً ... وكانا معاً في جمعية (الشبان المسلمين)، فضمن الشيخ الخضر الرئيس بورقيبة الذي أنزله الشيخ في داره لمدة يومين حتى وفّر له غرفة في إحدى الجمعيات.
ثم إن دار الشيخ الخضر في القاهرة كانت محطة استقبال وترحيب بالتونسيين من علماء وساسة وأدباء.
وفي مقالاتي الأخيرة، ذكرت أن زوجته توفيت، وتزوج ابنة أختها التي كانت تعيش معه، للخدمة والعناية بالشيخ، ومازالت موجودة للآن، وكنا سنأتي بها، ولكنها مريضة، وقد ذهبتُ إليها السنة الماضية، ووافقت أن نقوم بتسجيل كامل حياتها مع الشيخ، ويكون هذا فصلاً من الكتاب الذي سأطبعه
(15/ 2/44)

عن الشيخ فيما بعد، وسيكون في جزأين، وأنا في طور التحضير فيه، وإن شاء الله في الندوة القادمة للشيخ الخضر سيكون حاضراً، وهذا الكتاب تمَّ بدعم كامل من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي تربطه بالشيخ الخضر أخوة صادقة.
هذا باختصار ما سمي بالمرحلة التونسية من حياة العلامة محمد الخضر حسين، التي أعتبرها من الناحية التاريخية هامة جداً، شخصية لها أبعاد عديدة، تجاوزت الإطار، ولذا قررت (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي): أن هذه الندوة العلمية الأولى.
وهناك ندوات، وبالتعاون مع (الجمعية الخلدونية) ببسكرة، هذه الشخصية غنية جداً، ويمكن للجمعيتين أن تقوما بتنظيم ندوات مشتركة.
قلت في الجزائر، وقلت في مقالاتي، وأقول الآن: إن شخصية الشيخ محمد الخضر حسين، وابن خلدون، هي شخصيات تتجاوز الإطار الجغرافي إلى إطار عالمي، وهذه الشخصيات لها قيمة علمية وعالمية، والسلام.
(15/ 2/45)

محاضرات الندوة

المرحلة السورية في حياة الإمام محمد الخضر حسين (1)
الأمم الماجدة العظيمة، تلك التي تعتز وتفاخر بمسيرة عظمائها، وتعقد الملتقيات والندوات بين الفينة والفينة؛ لتكون عبرة ومنهجاً لمن يريد أن يسلك مسلك العزة والشرف، وليكون بهما عظيماً في علمه وعلو همته.
وفي الندوات درْس إلى أفراد الأمة -وخصوصاً شبابها وطليعتها المتنوّرة المثقفة- ليستدلوا به إلى سبيل العمل الصادق الجاد لرفعة شأن الأمة وصلاح حالها، وارتقائها إلى أسمى درجات الكرامة ومراتب المجد.
في هذه الندوة التي تحتضنها مدينة "نفطة"، والتي تؤكد استمرارها لما سمّيت به آنفاً (بالكوفة الصغرى). تقدم ابناً لها، غزيرَ العلم والمعرفة، رائع الأدب، كامل الخلق، أودع الله تعالى فيه من المواهب ما لا نجدها في الكثير من أهل عصره، وممن لا يجود بهم الدهر إلّا قليلاً في النادر، في هذه الندوة يشرق فيها وجه الإمام الخضر حسين.
ومن حق تونس أن تفاخر بوليدها، ومن حق الجزائر أن تتباهى بأصيلها، ومن حق دمشق أن تعتز بمعلّمها وعالِمها، ومن حق مصر أن ترفع الرأس
__________
(1) محاضرة علي الرضا الحسيني.
(15/ 2/46)

بشيخها وإمامها في مشيخة الأزهر، بل من حق أي بلد إسلامي أن يحتفل بالرجل العظيم.
فهو المصلح الاجتماعي، والمفسّر، والمحدث، والمناضل، والمدرّس، والقاضي، والإعلامي، والرّحالة، واللغوي، والشاعر، والأديب، وأكرمه الله أن يكون شيخاً للأزهر، وهكذا يكرّم الله رجاله في الحياة الدنيا قبل ثواب الآخرة.
والإمام محمد الخضر حسين من الرجال الذين صبروا وصابروا ورابطوا من أجل الدعوة إلى الإسلام، وإصلاح المجتمع، والدفاع عن حال الأمة، برغم ما لاقاه في سبيل ذلك من أذى، وترحال من بلد إلى بلد، وملاحقة من قبل المستعمر، إلا أنه كان عظيماً في علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه.
والمرحلة السورية في حياة الإمام محمد الخضر حسين تنحصر من تاريخ الرابع من شعبان (1331 ه - الموافق ديسمبر 1912 م) عندما أقلعت الباخرة من مرساها في تونس إلى دمشق، حتى عام (1939 ه -1920 م) خروجه من سورية إلى مصر.
غادر التراب التونسي وهو ينشد:
حادِي سَفينتِنا اطْوَحْ مِنْ حُمولَتِها ... زادَ الوقودِ فَما في طَرْحهِ خَطَرُ
وخُذْ إذا خمدَتْ أنْفاسُ مِرْجَلِهَا ... مِنْ لَوْعةِ البَيْنِ مِقْباساً فَتَسْتَعِرُ
عندما أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد، وحر الآسف لمفارقة الأصحاب يتصاعد.
وفي هذه المرحلة نميز ثلاث ومضات هامة من حياته:
(15/ 2/47)

أ - نشاطه العلمي الغزير، ومكانته السامية في الأوساط السورية.
ب - دخوله السجن في عهد السفاح جمال.
ج - نضاله السياسي في ألمانيا من أجل المغرب العربي والإسلام.
هاجر الشيخ الخضر إلى دمشق وفي صدره أسى، وفي نفسه لوعة على فراق وطنه تونس. وتجمعت عدة أسباب لديه لاتخاذ هذه الخطوة:
1 - رغبته في الالتحاق بأسرته التي انتقلت بكامل أفرادها إلى دمشق، بعد أن أرتأت والدته السيدة حليمة السعدية بنتُ مصطفى بن عزوز ضرورةَ الانتقال إلى بلد آمن، والمغاربة يعتقدون أن الشام بلد شريف.
2 - أضف إلى هذا: عامل التضييق والمراقبة والملاحقة من قبل السلطة الاستعمارية الفرنسية، ووجد أن ميدان العمل أصبح ضيقاً لا يتناسب مع روحه الوثّابة، وطموحه وآماله الكبرى في العمل الإسلامي. وفي انتقاله إلى الشام فسحة من المكان، يجد فيه المجال الأوسع لرسالته العظمى.
* نشاطه العلمي الغزير، ومكانته السامية في الأوساط السورية:
دخل إلى دمشق على القطار القادم من بيروت، وعند مدخل مدينة دمشق حيث الغوطة الغربية الجميلة، والوادي الضيق بين جبلين، ونهر بردى يقطع الوادي عند (الربوة)، فاضت شاعريته ببيتين هما من أجمل ما قاله شعراً:
لجَّ القطارُ بنا والنارُ تَسْحَبُه ... ما بَيْنَ رائق أشْجارِ وأنهارِ
ومِنْ عجائبِ ما تَدْريهِ في ... سَفَرِ قَوْم يُقادوُنَ للجَنَّاتِ بالنّارِ
سبقته شهرته العلمية إلى الوسط الثقافي بدمشق، فبادر العلماء والأدباء
(15/ 2/48)

للترحيب به في المجالس والنوادي، كما التف حوله طلبة العلم في حلقات الدرس والبحث، فأعطى كل فريق حقه، ووزّع أوقاته للتدريس بين الجامع الأموي، ونوادي دمشق - والمدرسة (السلطانية)، وفي مجالسه الخاصة التي كانت تُقصد على مدار الأسبوع.
يقول الإمام الخضر في إحدى رسائله إلى الشيخ محمد الصادق النيفر في تونس، والمؤرخة في 20 محرم 1331 ه: "لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراماً فوق ما نستحق، لاسيما الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهنئتها عندما بلغهم تعيننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة في المدرسة السلطانية بدمشق".
والإمام -من خلال هذه الاحتفالات والمسامرات التي تتصل حلقاتها يوميا- لم ينسَ وطنه تونس، ولم يغب عن باله الأصحاب، ولاسيما صديق الوفاء والمحبة الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وها هو ذا يرسل له تحية شعرية:
أيَنْعمُ لي بالٌ وأَنتَ بَعيدُ ... وأَسْلو بطَيْفٍ والمنامُ شَريدُ
بَعُدْتُ بِجثماني ورُوحي رهينةٌ ... لَدَيْكَ وَلِلْودّ الصّميمِ قُيودُ
إلى أن يقول:
فأين ليالينا وأسمارنا التي ... تُبَلُّ بها عند الظِّماءِ كُبودُ
ليالٍ قَضَيناها بِتويسَ ليْتها ... تعودُ وَجيْشُ الغاصِبينَ طريدُ
ويقول في رسالة من دمشق بتاريخ 29 جمادى الأول 1332 ه موجهة إلى الشيخ محمد الصادق النيفر: "أما سيرتنا بدمشق، فلم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهو أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم،
(15/ 2/49)

وبالجملة: فقد لقيت منهم أخلاقاً حسنة، وآداباً مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا، ومعجبون بمسالكنا في التعليم.
كما أن للتلاميذ أدباً كامل معنا، وعواطف زائدة، ولاسيما نجباؤهم، وكثيراً ما أحادثهم بالحالة العلمية في تونس، وأحاضرهم بشؤون جامع الزيتونة. . . وعلمائه، فأصبحوا يجلّون التونسيين، ويدركون شيئاً من مقدراتهم العلمية".
إن عبارات الخطاب تشير إلى اهتمام الإمام محمد الخضر حسين ببلده تونس، والحرص على التعريف بها، وعن مكانتها العلمية.
عقد الشيخ الخضر صداقات مع كبار العلماء والمفكرين بدمشق، ومنهم: محمد كرد علي رئيس (المجمع العلمي العربى بدمشق)، وخير الدين الزركلي صاحب كتاب "الأعلام"، وعلامة الشام محمد بهجة البيطار، وشاعر الشام الأستاذ خليل مردم بك، وغيرهم الكثير.
وأصبح عضواً عاملاً في (المجمع العلمي العربي بدمشق) بجلسته الأولى في 30/ 7/ 1919 م.
وعندما عزم الإمام على الارتحال من دمشق، كتب له الشاعر الأستاذ خليل مردم بك وزيرُ خارجية سورية، ورئيس (المجمع العلمي العربي) في ذلك العهذ كتاباً رقيقاً، قال فيه: "سيدي! إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه، معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي.
فقد صحبتُ الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظَفَرها بهذا الكنز
(15/ 2/50)

الثمين، حتى فاجأني خبرُ رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقةُ المثل: (بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل).
فلم يعد لي إلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه، وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم إليه بهذه القصيدة؛ لتكون لي رتيمة عنده، وذكرى أحد المخلصين إليه. أمتع الله به، وأدام الكرامة، وكتب له السلامة في حله وترحاله". ومطلعها:
طَيْفٌ لِلَمْياءَ ما ينفك يبعثُ لي ... في آخرِ الليل إنْ هَوَّمْتُ أشجانا
وأجابه الشيخ الخضر بقصيدة طويلة، ومطلعها:
ما النّجْمُ تجري به الأفلاكُ في غَسقٍ ... كالدرِّ تقذفُه الأقلامُ في نسقِ
ويقول فيها:
وكيف أنْسى خليلاً قد تَضَوَّعَ في ... حُشاشتي ودُّه كالعنبرِ العَبِقِ
هذا مشهد نضربه لبيان المرتبة العلمية الرفيعة التي تبوأها الإمام في قلوب أهل العلم والأدب في دمشق.
ونظم خلال إقامته في دمشق قصائد رائعة في مناسبات عدة مختلفة، نكتفي بالإشارة إلى عنوان ومطلع بعضها:
عن الضجر من كثرة الأسفار يقول:
أنا كأسُ الكريمِ والأرضُ نادٍ ... والمطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
كَمْ كؤوسٍ هَوَتْ إلى الأرضِ صَرْعى ... بين كفٍّ تديرها واللَّهاةِ
فاسمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقِيه طافحٌ بسُباتِ
ومن قصيدة في تهنئة أخيه الإمام محمد الطاهر بن عاشور عند ولايته
(15/ 2/51)

القضاء بتونس 1332 ه:
بسطَ الهناءُ على القلوبِ جناحا ... فأعاد مُسْوَدَّ الحياةِ صباحا
ومنها:
أَوَ لَمْ نكُنْ كالفَرْقَدَين تَقارَبا ... والصَّفْوُ يملأُ بينَنا أَقْداحا
وله قصيدة تحت عنوان: (بكاء على مجد ضائع) قالها في دمشق سنة 1322 ه حين وجد للدولة العثمانية شيئاً من الضعف، ولقنصل فرنسا أمام قناصل الدول الأوروبية شيئاً من النفوذ، ومطلعها:
بين الجوانحِ همةٌ ... تسمو إلى أمدٍ بعيدِ
ومنها:
أدْمى فؤادي أَنْ أَرى ال ... أَيامَ ترسُفُ في قيودِ
وأرى سياسةَ أمتي ... في قبضةِ الخَصْمِ العنيدِ
ومن أروع ما قاله في الحنين متشوقاً إلى تونس ومَنْ فارقهم فيها من الأصدقاء تحت عنوان: (تحية الوطن)، ومطلعها:
ماليَ لا ألمحُ من ذي الجمالْ ... سوى الخيالْ
إلى أن يقول:
يا موطني لم أنسَ عهدَ الشبابْ ... عذبَ الرُّضابْ
وريثما شمَّر يبغي الذهابْ ... صاح الغرابْ
بِنا وخُضْنا في غِمار الصِّعابْ ... بلا حسابْ
بيني وبين المجد عهدٌ يُهابْ ... فلا عتابْ
حيا رُبا تونسَ ذات الزهورْ ... عهدُ السرورْ
(15/ 2/52)

وقال قصيدة تحت عنوان: (الشعور طليعة الفلاح) أيام الحرب العظمى في دمشق سنة 1334 ه، ومطلعها:
وإن ساورَتْ بعضَ القلوب ضغينةٌ ... وعادت من البغضاءِ كالحَشَفِ البالي
وفيها يقول:
لنا هممٌ تسمو إلى العِلْمِ رفعةً ... وهِمّاتُ بعضِ الناس تصبو إلى المالِ
وله قصيدة (بكاء على قبر) يرثي بها والدته البارة السيدة حليمة السعدية بنتَ مصطفى بن عزوز. وقد عاد إلى دمشق من ألمانيا، ووجدها ارتحلت إلى الله تعالى. وهي من أهم قصائده في الرثاء، ومطلعها:
قطَّبَ الدهرُ فأبديتُ ابتساما ... وانْتضى الخطبُ فما قلتُ سلاما
"بنتَ عزّوزٍ" لقد لقنْتِنا ... خشيةَ الله وأَنْ نرعى الذِّماما
ودَرَيْنا منكِ أن لا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حُطاما
ودَريْنا منكِ أن الله لا ... يخذُلُ العبدَ إذا العبدُ استقاما
ودَرينا كيف لا نعنو لمن ... حاربَ الحقَّ وإنْ سَلَّ الحساما
وقال عند سفره من دمشق:
كأنيِّ دينارٌ وجِلَّقَ راحةٌ ... تُنافِسُ في الإنفاق راحةَ حاتمِ
فكمْ سمحتْ بي للرّحيل وليتني ... ضربتُ بها الأوتادَ ضربةَ لازمِ
وخاطب صديقه الشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي صاحب كتاب "الأعلام" بعد أن ألقى قصيدة من نظمه في مجلسى الإمام:
يا محضراً في بُردِ شعرٍ رائعٍ ... روحَ ابْنِ بُرْدٍ وهو يلفظ بالحِكَمْ
(15/ 2/53)

من علّمَ الشعراءَ أن يتحضّروا ... روحاً تَرَذَّى جسْمُها ثوبَ العدمْ
هذه بعض أشعاره خلال المرحلة السورية في حياته التي قالها بدمشق، وله قصائد أخرى عن دمشق خلال زيارته لها قادماً من القاهرة.
* دخوله السجن في عهد السفاح جمال:
عندما نقرأ سيرة الإمام محمد الخضر حسين نجد صفحاتِ قاسيةً مؤلمة من جراء دفاعه عن الحق، وقد عانى الأذى والاضطهاد على يد السفاح التركي جمال باشا في دمشق، وقَبِلَ الابتلاء بكل إيمان وصبر، وبقلب مؤمن صادق.
اعتقل الشيخ الإمام مدة ستة أشهر وأريعة عشر يوماً في شهر رمضان سنة (1334 ه الموافق آوت آب 1916 م) حتى الرابع من شهر ربيع الثاني 1335 ه. وأحيل إلى المحاكمة أمام المجلس العرفي العسكري تحت رئاسة فخري باشا؛ بحجّة أنه حضر مجلساً خاض فيه المجتمعون في سياسة الدولة، وسعى فيه أحدُ المحامين إلى تناول الدولة بعبارات قاسية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، والخروج عليها، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية.
واعتبرت السلطة الطاغية في دمشق أن الشيخ يحمل المسؤولية لعدم إبلاغ الإدارة المختصة بهذا الاجتماع، وما جرى فيه من حديث يتعلق بسياسة الدولة، وأذنت باعتقاله حتى يرى المجلس العرفي رأيه.
وتم الاعتقال في (خان مردم بك) بمدينة دمشق، وهو مكان مُعَدٌّ لاعتقال رجال السياسة، وكان من رفاقه في السجن: الرئيس شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري أحد رؤساء الوزارة،
(15/ 2/54)

وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان، وكان سكرتيراً لشكري الأيوبي.
وحكم المجلس العرفي على الشيخ الإمام بالبراءة مما نسب إليه , وقرر مخاطبة الدولة بطلب إعطائه مكافأة بما لحقه من ضرر.
ويقول الإمام: "ولكني لم أتشبث بهذا القرار، وقنعت بما ظهر للدولة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى".
ومن شعر الإمام في السجن:
غلَّ ذا الحبْسُ يدي عن قلمٍ ... كانَ لا يصحو عن الطِّرْس فناما
هل يذودُ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعدَه الموتَ الزُّؤاما
أنا لولا همةٌ تدعو إلى ... خِدْمة الإسلام آثرتُ الحِماما
ومن روائع شعره في المعتقل: أن الأستاذ سعدي الملا كان رفيق الإمام في زنزانة واحدة، وجرت بينهما محاورة عن البداوة والحضارة، فقال الشيخ:
جَرَى سمرٌ يومَ اعْتُقلنا بفندقِ ... ضُحانا به ليلٌ وسامرُنا رَمْسُ
فقالَ رفيقي في شَقا الحبسِ إنَّ في الْ ... حضارةِ أُنْساً لا يقاسُ به أُنسُ
فقلتُ له: فضلُ البداوة راجحٌ ... وحسْبُكَ أن البَدْوَ ليس به حَبْسُ
وله أشعار أخرى في المعتقل الذي لم يزِدْه إلا قوةً في العزيمة، وإصراراً على النضال والاستمرار بصلابة في طريق الحق، ودون أن تؤثر في إيمانه الراسخ حوادث الأيام العابرة.
ومن ذكريات السجن قال في دمشق:
ولقد ذكرتُكِ في الدّجى والجندُ قد .. ضربوا على دار القضاء نِطاقا
(15/ 2/55)

وقضاةُ حربِ أرهفوا أسماعَهم ... وصدورُهم تغْلِي عَلَيَّ حِناقا
والمدّعي يُغري القضاةَ بمصْرَعي ... ويرى مُعاناتي الدفاعَ سِياقا
أتروعُ أهوالُ المنونِ متيَّماً ... جَرَّعْتِهِ بعدَ الوصالِ فِراقا
* نضاله السباسي في ألمانيا من أجل المغرب العربي والإسلام:
جند الاستعمار الفرنسي -بالترغيب والترهيب - الآلافَ من أبناء المغرب العربي في صفوف جيشه، وزجَّ بهم كالقطيع من الأغنام في مذابح الحرب، وألقى بهم في خطوط النار الأولى من المعارك التي خاضتها فرنسا ضد ألمانيا، ووقع منهم العدد الكبير أسرى لدى القوات الألمانية. وقد سافر الإمام إلى ألمانيا؛ للاتصال بهؤلاء الأسرى؛ ليحرضهم على القتال ضدَّ فرنسا، لأن بلادهم أحوجُ إليهم في هذا الموقف، ويحثهم على التطوع لمحاربة فرنسا.
أقام في ألمانيا على مرحلتين: تسعة أشهر في عام 1917 م، وسبعة أشهر في عام 1918 م، وكان رفاقه في النضال: الشيخ صالح الشريف، والشيخ إسماعيل الصفايحي من تونس، بالإضافة إلى مناضلين عرب؛ كالأستاذ عبد العزيز شاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى.
قام بتأليف (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير المغرب، وألقى المحاضرات على الجنود المغاربة الأسرى في المعتقلات، وسعى إلى ضمِّهم تحت لواء الثورة على الاستعمار من أجل الاستقلال والحرية لأوطانهم.
وكان يكتب مناشير التحريض؛ لتلقى بواسطة المدافع وراء خطوط القتال على الجنود المغاربة، يدعوهم فيها إلى التمرد والعصيان.
أتقن اللغة الألمانية خلال مدة إقامته في برلين، واطلع على أحوال
(15/ 2/56)

المجتمع الألماني وعاداته وأخلاقه، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البرفسور الألماني (هاردر) أحدِ العلماء المستشرقين الألمان. وتقول بعض المصادر: إنه كان يخطب باللغة الألمانية في بعض المناسبات.
حتى تحت أزير الرصاص، وفي الأتون المشتعل لهيباً ودماراً، والحرب بضجيجها وعجاجها تقرع الأسماع ليل نهار، لم يترك الشيخ القلم جانباً، وإنما دوّن مشاهداته في برلين، ونشرها في جريدة "المقتبس" بدمشق، الجزأين السابع والثامن من المجلد الثامن، كما طبعت في كتاب مستقل، وله شعر بديع في مناسبات عدة في ألمانيا ضمن ديوانه "خواطر الحياة".
أصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريض المغاربة على الثورة ضد المستعمر الفرنسي. كما صدر الأمر المؤرخ في 15 حزيران 1917 م، والذي تضمن: "حُجزت بقصد بيعها أملاكُ الأخضر ابن الحسين المدرسِ السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه"، ونشر الأمر في "الرائد التونسي" - النسخة الفرنسية الصادرة 20/ 6/ 1917 م.
أقول في خاتمة هذه المحاضرة المقتضبة عن المرحلة السورية في سيرة الإمام الخضر التي تستغرق مجلداً لباحث ودارس، ولعلِّي بهذه العجالة أوجزت كثيراً، وأوفيت. أقول:
- إن الإمام محمد الخضر حسين خزانة علم متنقلة في حله وترحاله.
- إن الإمام محمد الخضر حسين نبع إلهي لا يغور ماؤه، ولا ينضب عطاؤه.
- إن الإمام محمد الخضر حسين -كما قال فيه الأستاذ محمد مواعدة-: هو رجال في رجل.
(15/ 2/57)

- إن الإمام محمد الخضر حسين -كما قال فيه أحد كبار علماء الأزهر، ويردده الأزهريون من بعده-: هذا. بحر لا ساحل له.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 2/58)

محاضرات الندوة

المرحلة المصرية في حياة الإمام محمد الخضر حسين (1)
أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضي الله عن صحابة رسول الله، وعن التابعين، وتابعي التابعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ورضي الله عن مشايخنا ووالدينا والحاضرين، وجميع المسلمين، آمين يا رب العالمين.
وبعد:
الإمام الشيخ محمد الخضر حسين عَلَم من أعلام الإسلام، فريدُ عصوِه، ووحيدُ دهرِه، وهو فلتة من فلتات الزمن، لن يجود الزمن بمثل هذا الرجل.
صحيح اْن الأمة الاسلامية ولّادة، ولكن هذا الرجل يعتبر فعلاً فلتة
__________
(1) محاضرة الدكتور مجاهد توفيق الجندي مؤرخ الأزهر، وعضو في الجمعية التاريخية العربية الإسلامية.
مع ملاحظة أن هذه للمحاضرة هي نفسها بنصها مع حذف وإضافة القليل، والتي سبق أن ألقاها في (ملتقى الإمام محمد الخضر حسين) في مدينة "بسكر" بالجزائر ديسمبر 2007 م , ونوردها مجدداً هنا حسب نصها السابق، لعل القارئ لم تصل يده إلى محاضرات الملتقى في الجزائر.
(15/ 2/59)

من فلتات الزمن، فهو المصلح لهذه الأمة أمرَ دينها، وهو الذي أنار السبيل لها؛ لتنهض من كبوتها، لتحارب الاستعمار، وتخرجه من بلادها.
وهو السياسي الذي قاد السفينة إلى برِّ الأمان وسطَ الأمواج المتلاطمة، والأعاصير القاتلة، والرياح العاصفة، والبروق والرعود المدوية.
وهو الصحفي الذي لا يُشق له غبار، صاحب مجلة "السعادة العظمى" في تونس، ومجلة "الشبان المسلمين" في مصر، ومجلة "الهداية الإسلامية"، ومجلة "نور الاسلام" التي هي مجلة "الأزهر" بعد ذلك، ومجلة "لواء الإسلام" ومجلة "مجمع اللغة العربية"، وجريدة "الفتح".
ومجلات وصحف أخرى لا نستطيع أن نعرفها بالتحديد، نشر فيها الشيخ الخضر قصائده ومقالاته وبحوثه، سواء الصادرة منها في مصر، أو سورية، أو تونس، أو غيرها من البلاد، ومنها: مجلة "المجمع العلمي العربي" بدمشق. ومجلة "البدر" التونسية، والمجلة "الزيتونية" التونسية، وجريدة "الزهراء" الصادرة بتونس، ومجلة "الزهراء"، وهي علمية أدبية اجتماعية، منشئها محب الدين الخطيب.
وهو الشاعر، والأديب، والخطيب المفوّه الذي يهز المنابر.
والواقع أن الشيخ محمد الخضر حسين ابتدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن يبدأها ناثراً؛ حيث نجد آثاره الشعرية الأولى أكثر اهتماماً بالحياة العامة، وأطرفَ أسلوباً، وأميلَ إلى التجديدِ والمطالبةِ بالإصلاح من نثره.
ولكنه سرعان ما انقلب إلى النثر، فعبّر به عن قضايا الأمة والحياة، والمجتمع والفكر، تاركاً للشعر بعض المناسبات الخاصة، والجوانب الأكثر التصاقاً بالعاطفة والوجدان والإخوانيات، وقد ترك ديوانين كبيرين، أحدهما
(15/ 2/60)

طبع، وهو "خواطر الحياة"، والثاني مازال مخطوطاً، لكن كثيراً منه منشور في الصحف. وكان قد أعدّ للطبع، ولكن وفاة الشيخ حالت دون ذلك.
وقد رثى والدته السيدة حليمة السعدية التي توفيت سنة (1335 ه - 1913 م) بقصيدة يقول فيها:
قَطَّبَ الدَّهْرُ فأَبْدَيْتُ ابتساما ... وانتضى الخطبُ فما قلتُ سَلاما
لستُ أدْري أنَّ في كفَّيكَ يا ... دهرُ رُزْءاً يملأُ العيْنَ ظَلاَما
إلى آخر القصيدة.
وقد رثى زوجته المصرية الأولى السيدة زينب مدكور -وهي من عائلة مدكور، وهي عائلة كبيرة في مصر تتبع قبيلة النجمة التي تعيش في منطقة الهرم، وأعتقد أنها قبيلة من أصول يمنية- بقصيدة منها:
أعاذلُ غُضَّ الطَّرْفَ عَنْ جَفْني الباكي ... فخَطْبٌ رمى الأكْبَاد مني بأشواكِ
ولي جارةٌ أَوْدى بها سَقَمٌ إلى ... نوًى دونَ منآها المحيطِ بأفْلاكِ
إلى آخر القصيدة.
* معارك الشيخ محمد الخضر حسين الأدبية والفكرية:
ألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية سنة 1322 ه. وقد أثار هذا القرار ضجة كبرى في العالم الإسلامي، فعقدت المؤتمرات، وكتبت المقالات المعارضة للتشهير بهذا الإلغاء الذي يتعارض مع أهل السنّة والجماعة. وقد كان الملك فؤاد -رحمه الله- ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار؛ لأنه كان يسعى لتولِّي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقام أنصار الملك فؤاد بترويج هذه الفكرة بوسائل عديدة، وفي خضم
(15/ 2/61)

هذا الخلاف الشديد بين المناوئين للملك فؤاد، والموافقين له، والمدافعين عن هذه الفكرة، أصدر الشيخ علي عبد الرازق أحدُ علماء الأزهر كتابة "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925 م.
في الحقيقة: أن الشيخ علي عبد الرازق -رحمه الله-، وهو من بيت علم قديم في قرية أبو جرج التابعة لمحافظة المنيا في مصر، وهذا الرجل قد وهبه أبوه مع ثلاثة من إخوته للأزهر الشريف، وهو من بيت أثرياء، بيتهم مفتوح لعابري السبيل، ولا يذهب أي قاصد لصدقة، أو لطلبة فيرجع خائباً.
في حديث لي مع المرحوم الشيخ أحمد إدريس وكيلِ لجنة الفتوى بالأزهر، عندما قلت له: عندنا ندوة غداً، أو بعد غد في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور سبعين سنة على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وتحدثنا بشأن كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، قال: يا بني! هذا الكتاب ليس للشيخ علي عبد الرازق، ولكنه لطه حسين، أضافه إليه، ليأخذ به شهرة.
وكان بينه ويين طه حسين علاقة ما من النسب أو القرابة، فخجل الرجل، كان رجلاً طيبا جداً، لم يشأ أن يُحرج طه حسين، برغم أن هيئة كبار العلماء اجتمعت، ومحت اسمه من سجلات الأزهر، وأخرجته من زمرتها.
قلت للشيخ أحمد إدريس: ما الذي عَرفك؟ قال: كنت واعظاً لهذا المركز في محافظة المنيا، مركز يتبع بني مزار، وبني مزار بلدة بها العديد من الصحابة، صحابة رسول الله الذين استشهدوا بالمعارك، الذين صاحبوا عمرو بن العاص في الفتوحات الإسلامية.
بلدة أبو جرج هذه بلدة علي عبد الرازق، وآلُ عبد الرازق بيت كريم، الشيخ أحمد إدريس ذهب إلى هذا البيت، وكان واعظاً للمركز، ذهب ليتغذى
(15/ 2/62)

هناك، وليبيت. وعندما انتصف الليل وأراد الرجل أن يذهب إلى الحمام، وجد الشيخ علي عبد الرازق يبكي، والدموع تُبلل لحيته في جوف الليل، يُصلّي في جوف الليل والناسُ نيام، والدموع تبلل لحيته، قال له: يا مولانا! ولماذا كتبت هذا الكتاب؟ قال: يا ابني! هذا الكتاب -والله- ليس لي، ولكنه لطه حسين، أضافه إليَّ؛ لشيء من القرابة، أو شيء من المصاهرة، لآخذ به شهرة، وهذا الكتاب ليس لي.
قال: لماذا لم تتبرأ من هذا الكتاب؟ قال: ما أردت أن أُحرج طه حسين، وتحمَّل الرجلُ ما حدث له، وأنا اليوم سعيد. هذا ما أؤكد عليه بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
في ندوة طه حسين في المجلس الأعلى للثقافة، قمن بمداخلة، وقلت هذا الكلام، فغضب عليَّ الدكتور جابر عصفور، وهو من العَلْمانيين المعروفين في مصر. ولكن هو لا يعوف الحقائق، وعندما قلت هذا الكلام، قام وثار وغضب، وقال: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً، لوقف في وجه هيئة كبار العلماء الذين أخرجوه من زمرتهم، فقلت: اذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، والصحفيون تجمعوا حولي؛ لأن هذا الكلام جديد بعد مرور أكثر من سبعين سنة على هذا الكتاب. وذهبوا إلى الشيخ أحمد إدريس، وأكد لهم ما قلته، ونشر ذلك في الصحف.
هذا بخصوص "الإسلام وأصول الحكم"، وقد عارضه مولانا وشيخنا الجليل الشيخ الخضر حسين، عارض هذا الكتاب، فأُعجب به الملك فؤاد؛ لأنه كان يريد أن يكون خليفة للمسلمين.
كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، يقول فيه طه حسين؛ لأنه ليس لعلي
(15/ 2/63)

عبد الرازق، يقول: إن الحكومات الحديثة لا تحتاج إلى الخلافة، والخلافة ليست ضرورية، وليست من الدين، هذا كلام طه حسين، وهو كلام المستشرقين.
وطه حسين -بالطبع- حاقد على الأزهر الشريف، برغم أنه أكل من خيرات الأزهر، ولحم أكتافه من خيرات الأزهر الشريف، وجلس في زاوية العميان، يحترمونه، ويأكل ويشرب ويكتسي على نفقة الأزهر الشريف، حيث كان فقيراً، الأزهر الشريف خيرُه على أشداق الذين درسوا فيه، وبرغم هذا يشتمون الأزهر، ويلعنون المشايخ.
قال طه حسين يشتم اللجنة التي ناقشته في الدكتوراه، أو في العالمية، في قصيدة طويلة يشتم فيها المشايخ:
جلسةٌ في الضُّحى ... بين العمائمِ واللِّحَى
أتذكَّر هذا البيت.
وثار عليه المشايخ، وسألوه أسئلة عويصة كانت سبباً في أنه لم ينجح في العالمية، فغضب على الأزهر الشريف، واتجه إلى المستشرقين أربابِ النعمة عليه، وقيل: إنهم أعطوه الدكتوراه في جلسة شاي. هكذا يقولون.
وأنا أخذت في هذه الندوة، ندوةِ كتاب "في الشعر الجاهلي"، حصلت على ملف الدكتور طه حسين، اشتريته بثمن غالٍ، وليس ببخس، وجئت به إلى جابر عصفور. فقال لي: جبت الملف ده منين؟ قلت: أنا صحّيته من النوم، وقلت له: قم يا طه، هناك مؤتمر بالنسبة لك.
قال بعد أن قلّب الملف: أريد أصوّر هذه الأوراق، وهي الأوراق التي يدافع بها المستشرقون عن طه حسين، وهم أساتذة جامعة فؤاد الأول،
(15/ 2/64)

أو الجامعة المصرية من الفرنسيين. يدافعون عنه، ويقولون: إن الأستاذ في الجامعة حرّ يقول ما يريد. وشهد شاهد من أهلها. هم أهلُه وأحبابه شهدوا له.
فقلت له: لا تصوِّر ولا ورقة واحدة، فاسوَدَّ وجهه، وامتقع، وقال لي: لماذا قلت: أنا لا أريد أن أصور شيئاً من هذا الملف؟ قال: أنا أريد أن أتفاوض مع وزارة الثقافة لأشتري منك هذا الملف بما تحب؛ لنضعه في (راماتان) -هي فيلا طه حسين-، فقلت: أنا لا أريد أن أبيع هذا الملف، أنا أريد أن بيقى عندي.
خُذْ صوِّر هذه الثلاث ورقات، هذه الثلاث ورقات قرأتها على الحاضرين. وفيها دفاع طبعاً عن طه حسين، المستشرقون الفرنسيون يدافعون عن طه حسين. هذا كلام أقوله أمام حضراتكم.
هذا بخصوص كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي أُعجب به الملك فؤاد، واستدعاه إلى الإسكندرية ليقابله هناك، وأعطاه الجنسية المصرية، فرحاً وحباً في دفاعه عن الخلافة، ونقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي هو لطه حسين، وليس للشيخ علي عبد الرازق.
وقد كان الملك فؤاد ملكُ مصر من أكبر المعارضين لهذا القرار، قرارِ إلغاء الخلافة؛ لأنه كان يسعى لتولي خلافة المسلمين؛ لما في ذلك من مكاسب مادية وأدبية وسياسية.
وقد أثار هذا الكتاب ضجة في أوساط رجال الدين والأزهر، سواء من مؤلفه الذي هو من رجال الإسلام، ولا يمكن لمثله أن يصدر عنه كتاب من هذا النوع، أو بالنسبة لمحتواه المخالف لما يعتقده العلماء والشيوخ،
(15/ 2/65)

فتصدى له الشيخ محمد الخضر حسين بكتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وقد بادرت هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، ومحو اسمه من سجلات الأزهر، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق.
* خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الدكتور طه حسين:
في سنة 1926 م أصدر طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي"، وتصدى له الشيخ محمد الخضر، طبعاً جاء في هذا الكتاب: أن الشعر الجاهلي منحول، وهذا يعني: أن القرآن الكريم منحول، وهذه الأشياء كلها منحولة، وتصدى له الشيخ الخضر بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبوبياً، أسماه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أُعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم "في الأدب الجاهلي".
وقفز هذا الكتاب بالشيخ الخضر حسين إلى الصف الأول بين علماء مصر وأدبائها، فارتفعت حكمانته وشهرته بسرعة فائقة جداً.
* خلاف الشيخ محمد الخضر حسين مع الأستاذ إبراهيم مصطفى:
وهو -أيضاً- من تلاميذ طه حسين، ألف الأستاذ إبراهيم مصطفى كتابه "إحياء النحو" الذي تعرض فيه إلى بعض علماء النحو القدامى، ونظرياتهم في هذا الميدان، وردّ عنيه الشيخ محمد الخضر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ومما قاله:
والواقع: أن المؤلف سلك أعوج الطرق في التحامل على علماء العربية، والمبالغة في نسبتهم إلى التقصير، وهي الطريقة التي يسلكها الدكتور طه حسين على جهالة، أو قضاءً لحاجة في النفس.
(15/ 2/66)

وقد شكر طه حسين جهودَ إبراهيم مصطفى، وسعة علمه، فتعرض له الشيخ الخضر حسين بقوله: وهذا التقريظ دائر بين أمرين: إما أن الدكتور طه حسين لم يقرأ هذا الكتاب، وقرّظه مع العاطفة والمبدأ، وإما أنه قرأه، ولضعفه -أي: ضعف طه حسين- في عِلْم العربية بدا له أن هذا الكتاب إحياء لعلم النحو.
ويبدو من مقال "الهداية الإسلامية" أن الشيخ الخضر كان يعتزم تأليف كتاب بالرد على إبراهيم مصطفى، لكن لأن الشيخ محمد عرفة -وهو عالم جليل من علماء الأزهر المصلحين أيضاً- كفاه مؤونة ذلك عندما ألف كتاباً حقق نفس غرضه، وهو "النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة".
* خصومة الشيخ محمد الخضر حسين مع الشيخ رشيد رضا:
كان الرجلان متفقين في النظرة إلى اللغة العربية؛ من حيث الدفاعُ عنها باعتبارها وسيلة للتعريف بأصول الدين الإسلامي، وهي لغة القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وتزداد الصلة مكانة ومتانة عند صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين، ويقف منهما الشيخ الخضر الموقفَ الذي بيّناه، ويسانده الشيخ رشيد رضا، ويشيد بكتابيه، وبقيمة صاحبهما العلمية والدينية، كما يقرّظ مجلة "الهداية الإسلامية".
كانوا متقفين سوياً، ثم برزت القطيعةُ بينهما عند صدور العدد الأول من مجلة "نور الإسلام"، وما كتبه بشأنها الشيخ رشيد رضا، خاصة لومه على رئيس التحرير الشيخ الخضر؛ لعدم ذكره الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي هو شيخ الأزهر الذي ثبّت الشيخ الخضر حسين في وظيفته بالأزهر
(15/ 2/67)

رسمياً، وكان أستاذاً في كلية أصول الدين في قسم التخصص، يدرّس السياسة الشرعية لطلبة التخصص، و-أيضاً- في كلية الشريعة طلبة التخصص في السياسة الشرعية، وهذه لا يدرسها إلا فطاحل العلماء. لعدم ذكر الشيخ مصطفى المراغي، وابتعاد المجلة عن السياسة، اختلف في حاجتين: لأنه ما ذكر الشيخ المراغي في العدد الأول، وأنه كان صاحب فضل عليه في تثبيته رسمياً في الوظيفة عندما أصبح شيخاً للأزهر، و-أيضاً- لخلافه أن المجلة بعيدة عن السياسة.
وقد ردّ الشيخ الخضر على الشيخ رشيد رضا بمقال عنوانه: "للحقيقة والتاريخ"، وهو خطاب مفتوح نشر في مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم يذكر ما قاله الشيخ رشيد رضا بخصوص مساعدة الشيخ المراغي للشيخ الخضر حسين بجعله مدرساً في قسم التخصص في كلية أصول الدين بعناية خاصة استثنائية، فيشير الشيخ الخضر إلى أن مجلس الأزهر قد ندبه بالتدريس قبل ولاية الشيخ المراغي بنحو سنة، عندما كان الأستاذ عبد الرحمن قرّاعة رئيساً لهذا المجلس.
* دخول الشيخ محمد الخضر حسين جماعة كبار العلماء:
أخذ عضوية هذه الجماعة، وحصل عليها بكتاب "القياس في اللغة العربيق"، وهي رسالة؛ لأن من شروط الانضمام إلى هذه الجماعة: أن يقدم العالم رسالة جديدة فيها كل جديد.
فقويل بالإجماع سنة 1952 م. وعندما ناقشت اللجنة الشيخ، أجاب على الأسئلة باستفاضة ودقّة متناهية، ولذلك قال الشيخ اللبان -وهو رئيس الممتحنين- للجنة: هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟!
(15/ 2/68)

وأعطي العالمية بالإجماع بدرجة ممتازة.
* مشيخة الأزهر الشريف:
تقلد الشيخ محمد الخضر حسين منصب شيخ الأزهر الشريف في ظروف سياسية واجتماعية معينة، جعلت بقاءه في هذا المنصب العلمي الهام لا يطول كثيراً، برغم ما للرجل من قيمة علمية وأخلاقية ودينية.
في يوم الأربعاء (27 من ذي الحجة 1371 ه - 17 ديسمبر 1952 م) زار ثلاثة من الوزراء على رأسهم الشيخ أحمد حسن الباقوري صديقُ الشيخ، ووزير الأوقاف المصرية منزلَ الشيخ محمد الخضر حسين، وبعد الترحيب بهم، بادره الشيخ صديقُه الباقوري بالقول: لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخاً للأزهر، فأبدى الرجل امتناعاً؛ نظراً لخطورة المهمة، وكبرها، ولعجزه البدني، وشيخوخته، وقد أشرف سنّه على الثمانين، فرفض الوزير الاعتذار قائلاً: هذا أمر تجنيد، وفي هذا العهد المبارك تُجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر. وعند ذلك قَبِل المسؤولية الجديدة، وأجاب: وأنا لا أهرب من الجندية، وليوفقنا الله.
ولم يكن الشيخ الخضر ينتظر بلوغه هذا المنصب لأسباب عديدة، لذلك أجاب عن سؤال يتعلق ببرنامجه الإصلاحي في الأزهر بقوله -عندما سأله المحرر بمجلة "المصور" المصرية بذلك الوقت-، قال: ليس لدي برنامج مدروس؛ إذ كنت لا أتوقع أن أكون شيخأ للأزهر، بعد أن قضيت عمراً طويلاً أدرّس السياسة الشرعية في كليتي الشريعة وأصول الدين، ثم أُحلت على المعاش بعد عشرين سنة في هذا العمل، ولزمت بيتي.
وتجدر الملاحظة: أن قلة المصادر المتعلقة بهذه الفترة الهامة من حياة
(15/ 2/69)

الخضر هي التي عاقتنا عن معرفة الأسباب التي أدت إلى اختياره شيخاً للأزهر، ولعل ما نفترضه هو: أن غزارة علمه، وشهرته الواسعة في الأوساط الدينية والثقافية، وهدوء طبعه في معالجة الأمور، وفي مشيخة الأزهر بالذات التي تكثر حولها الفتن، وتكثر حولها المؤامرات.
بالإضافة إلى الصداقة التي كانت تربط بينه وبين عدد كبير من علماء مصر وفضلالها، وأعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو كانوا زملاءه في جمعية "الهداية الإسلامية"، كانوا أعضاء، ربما ليسوا أعضاء عاملين، ولكن كانوا يساعدون بالمال، ويساعدون بأشياء كثيرة.
* استقالة الشيخ محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر:
واصل الشيخ محمد الخضر حسين نشاطه الإداري والعلمي بمساعدة عدد من العلماء البارزين في الأزهر إلى سنة 1954 م؛ إذ كثرت أمراضه الجسمية؛ مما منعه من القيام بمسؤولياته التي يرتضي ضميره، لذا قرر الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر، وبارح هذا المعهد العلمي يوم (2 جمادى الأولى 1372 ه - 8 جانفي 1945 م). طبعاً هذا كلام سياسي، ولكن الحقيقة أنه استقال نظراً لقانون الإصلاح الزراعي. وهذا يلغي كل من عنده أكثر من مئة فدان من الإقطاعيين المصريين بذلك الوقت. وغضب الشيخ غضباً، وقال: هذا حرام أن نأخذ أموال الناس، ونوزعها على آخرين، وقدم استقالته، لكن وجد من يطرق عليه الباب، فتح الباب، فوجد محمد نجيب وجمال عبد الناصر يقفان أمام البيت بعد الاستضافة، قالا له: إننا نرجوك أن تسحب هذه الاستقالة، ونحن نلغي هذا القانون. وفعلاً أُلغي مؤقتاً إلى أن رجع الشيخ؛ لأن استقالة الشيخ فضيحة، كون الشيخ يستقيل من الثورة هذه فضيحة لهم،
(15/ 2/70)

ولأن الشيخ من العلماء العظام الذين اختيروا من بين جماعة كبار العلماء، وليس معيناً من قبل الثورة، ولكنه آخر العلماء العظام الذين كانوا مختارين لمشيخة الأزهر الشريف، لذلك رجع مرة إلى المشيخة، والمرة الثانية قالوا: إنه استقال؛ لأنهم أرادوا أن يضموا المحاكم الشرعية إلى القضاء الأهلي، فقال: العكس هو الصحيح، يُضم القضاء الأهلي إلى القضاء الشرعي، وقدم استقالته نهائياً، ولم يرجع، ونفذوا كل ما أرادوه بعد ذلك.
* حياته بعد الأزهر:
ترك الشيخ الخضر جامع الأزهر وسنّه إحدى وثمانون سنة، وانزوى بمنزله إلى كتبه العلمية، وقد أنهك جسمَه الإعياء، ولم يبق له من المهام العلمية إلا عضويةُ المجمع اللغوي التي واصل القيام بها إلى آخر يوم من حياته، وكذلك عضوية جماعة كبار العلماء التي لم تكن تكلف صاحبها عناء كبيراً.
ولم ينقطع عن كتابة المقالات الدينية في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام" التي كان أحد المشرفين عليها، ومحرراً لقسم تفسير القرآن فيها.
* وفاة الشيخ محمد الخضر حسين:
انتقل الشيخ محمد الخضر حسين إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال يوم الأحد (13 رجب سنة 1377 ه - 2 فيفري 1958 م).
وفي نفس ذلك التاريخ وقع الإعلام بمدينتي القاهرة ودمشق عن ميلاد الجمهورية العربية المتحدة. وكأن الصدفة أرادت اقتران هذا الحدث السياسي بوفاة رجل كان يدعو طول حياته إلى دعم الرابطة الإسلامية، وتقوية التعاون والوحدة بين المسلمين.
(15/ 2/71)

وقد نعى العالم الإسلامي هذا العلّامة الكبير، وحضر تشييع جثمانه كبارُ رجال الدولة المصرية، وعدد من علماء المشرق العربي البارزين.
وقد طلب رئيس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة من سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، إلا أن المرحوم كان قد ترك وصية خطية طلب فيها دفنه بجوار صديقه أحمد تيمور باشا، الذي وجد منه الشيخُ التقدير والعون والمساعدة، ولذلك دفن في مصر تاركاً شهرة علمية واسعة.
وبذلك انتهت حياة العالم الجليل عن سن 86 عاماً قضاها في طلب العلم، وتقوية الرابطة الإسلامية.
(15/ 2/72)

محاضرات الندوة

زواية الشيخ مصطفى بن عزوز، وأشهر أعلامها (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
في بداية هذه الندوة المباركة، أشكر (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، والقائمين عليها، كما أشكر الأستاذ محمد مواعدة على جهوده الصادقة في التحضير لها، والعمل المخلص الجاد على إنجاحها، وإبرازها في صورة واضحة. كما أشكر الأستاذ فتحي القاسمي الكاتب العام للجمعية، لهم الشكر جميعاً على أن أتاحوا لي هذه الفرصة للمشاركة في هذه الندوة، وأن أحاول أن أتحدث عن زاوية الشيخ سيدي مصطفى بن عزوز، وعن أبرز أعلامها في "نفطة".
والحديث عن هذه الزاوية هو الحديث عن جذور الشيخ سيدي مصطفى ابن عزوز العائلية والفكرية، والروحية -أيضاً-، وصلة هذه العائلة الشريفة بعائلة سيدي الحسين من جهة النسب، والصلة العائلية، وخدمة الطريقة الرحمانية التي عملوا لها ومن أجلها.
__________
(1) محاضرة الدكتور الطبيب حسين بن عزوز، من أحفاد الشيخ مصطفى بن عزوز. وهو طبيب، وله اهتمامه الخاص (بعائلة آل عزوز).
(15/ 2/73)

إن الشيخ مصطفى عزوز هو جدّ الإمام محمد الخضر حسين للأم. وإن هذه الزاوية هي المدرسة الأولى للشيخ الخضر، والذي أصبح من أبرز أعلامها.
إن العلامة الإمام محمد الخضر حسين مولود في "نفطة" سنة 1873 م، وينتمي إلى عائلة جزائرية صوفية، ووالده الشيخ الحسين بن علي بن عمر الطولقي نسبة إلى "طولقة" من دوائر "بسكرة"، وكان مريداً خاصاً للشيخ مصطفى ابن عزوز، وقد دخل معه "نفطة" مهاجراً سنة 1843 م، وأم الإمام الخضر هي السيدة حليمة السعدية إحدى بنات الشيخ مصطفى بن عزوز، ورابطة النسب بين عائلة الشيخ الخضر وعائلة ابن عزوز متأصلة متشعبة.
ثم إن هذه علاقة القربى ترافقها علاقة روحية قوية، وهي علاقة الشيخ بخليفته، وعلاقة الخليفة بشيخه؛ إذ أن الشيخ سيدي علي بن عمر الطولقي هو جد الخضر، وأبرز خلفاء سيدي محمد بن عزوز البرجي والد سيدي مصطفى.
كما أن الشيخ مصطفى بن عزوز هو شيخ سيدي الحسين بن علي بن عمر والد الشيخ الخضر.
وبعد هذه التوطئة أريد أن أقرأ عليكم هذه الكلمة عن أعلام تونس.
"أشد ما يؤلم ذا الشعور الحي، والنفس اليقظة: ذلك الكابوسُ العجيب الذي نزل على التاريخ التونسي في أحداثه وآثاره ورجاله، فلزَّه إلى زاوية الإهمال، وكساه ثوب الذبول والخمول، وضرب عليه التلاشي والضياع، وألزمه انعدام المصادر، وفقدان التآليف، وتعطل البروز، حتى أصبحت الجهالة بأحواله سنّة متبعة، والنكران لرجاله مشرعاً سائغاً، والطمس لمعالمه
(15/ 2/74)

حقاً مرعياً، ولقد كنت -حين ألاحظ أمر هذا الكابوس- يشتد عجبي، ويحتد غضبي من كونه عمَّ بلا استئناء، حتى دس الجهل في أوساط العلم، وأساغ النكران في شارع المعرفة ... "
هذه الصرخة هي من العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور -رحمه الله- في كتابه "تراجم الأعلام"، وفي مقدمة له لترجمة الشيخ محمد المكي بن عزوز، وهي صرخة لهذا العَلَم، ولغيره من أعلام تونس.
وللأسف الشديد، هذا الإهمال مازال موجوداً حتى اليوم، ولكن الآن -والحمد لله- هذه هي (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، إلى جانب وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية، تقوم بمجهود طيب في التعريف بالأعلام المنسيين.
ولعلي بهذا العرض ألقي الضوء على بعض جوانب زاوية سيدي مصطفى ابن عزوز وأعلامها.
من هو الشيخ سيدي مصطفى بن عزوز؟ وما هي ظروفه التي هاجر فيها؟ وما كان نشاطه ونشاط الزاوية؟ ثم ما أنتجَه من دعوة؟
الشيخ مصطفى بن عزوز هو ابن المربي الشهير الشيخ محمد بن عزوز البرجي الإدريسي، ينتمي إلى النسب النبوي الشريف، ولد في مدينة "البرج" القريبة من "طولقة"، وهي قرية صغيرة في الواحة، وتبعد 140 كم عن "بسكرة" بالجنوب الجزائري.
في هذه الروضة الشريفة، والدوحة الطاهرة ولد الشيخ مصطفى بن عزوز سنة 1220 ه "وهو ينحدر من بيت عريق في الديانة والفضل، والمنزلة الجليلة المنقطعة النظير، والصيت المطلق في الخير والهداية والصلاح، ولقد ارتكزت
(15/ 2/75)

قيمة هذا البيت على ما شهر به الشيخ محمد بن عزوز من الورع والصلاح، والقدم الراسخة في السلوك الشرعي؛ إذ تخرج على الصوفي الأشهر الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري الجزائري، ناشرِ الطريقة الرحمانية الخلوتية، وعمَّ ذكر فضله بانتشار الطريقة التي عظُمت بها سمعته، وعلت شهرته".
كما كتب الشيخ محمد الفاضل بن عاشور -رحمه الله-:
لقد أخذ الشيخ مصطفى العلم عن والده، وعن شيوخ كبار، أخذ عن محمد الأمير أحدِ شيوخ الأزهر الشريف، وإبراهيم الباجوري، ومحمد بن علي السنوسي مؤلفِ الطريقة السنوسية، وغيرهم.
هذا ما جاء في كتاب الأستاذ عبد المنعم القاسمي -وهو حاضر معنا- عن "أعلام التصوف في الجزائر"، وهو من العائلة القاسمية الفاضلة.
تعلم الشيخ مصطفى، وأخذ طريقته الرحمانية عن شيخه سيدي علي بن عمر الطولقي جد الشيخ الخضر؛ إذ بعد وفاة الشيخ محمد بن عزوز دفن في زاويته بالبرج، وما زالت الزاوية حتى الآن يؤمها المصلون والزوار، وهي عامرة بالصلاة والذكر. بعد وفاة والده، ويوصاية منه، اعتنى به شيخه سيدي علي بن عمر، وانتصب في زاوية والده بالبرج، ثم دعاه شيخه، وألح عليه بالهجرة إلى تونس -كما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن الحاج بن علي بن عثمان ابن علي بن عمر في كتابه "الدر المكنوز في حياة سيدي علي بن عمر، وسيدي ابن عزوز" لنشر الطريقة الرحمانية في هذه الربوع، زيادة عن البحث عن ملجأ للثوار الجزائريين. فاختار الشيخ مصطفى بن عزوز "نفطة" موطناً لعائلته؛ لقربها من الحدود الجزائرية، ولِبَثِّ الطريقة الرحمانية، ولأهداف بعيدة المدى، منها: مساعدة المجاهدين في الجزائر.
(15/ 2/76)

يقول الشيخ إبراهيم خريف في كتابه "المنهج السديد في التعريف بقطر الجريد":
"وورد على بلدة "نفطة" من بلاد الزاب مهاجراً، القدوةُ المرشد، صفوةُ البررة، وخلاصة الصالحين الخيرة، صاحبُ المآثر العديدة، والأخلاقِ الحميدة، الشيخُ سيدي مصطفى بن عزوز، فاستوطن مع عائلته وعددٍ كبير من أتباعه وأشياعه، فأقبلت عليه البلاد، وهرعت إليه العباد، يلتمسون بركته، ويستمدون فيوضاته. ثم أحدث زاويته المشهورة، المشتملة على عدد كبير من المساكن لإيواء الواردين عليه من كل صُقْع، وإنشاء مطابخ لإطعام كل مَنْ يرد مِن أبناء السبيل وغيرهم".
أقام في "نفطة" مدرسةً مهمة لتعليم القرآن الكريم وحفظِه، مع تعليم كافة العلوم الأخرى، وجهز بيوتاً لإقامة طلاب العلم، وأحضر من كبار الشيوخ للتدريس، ومنهم: العلامة محمد المدني بن عزوز، والفقيه العالِم أبو العباس أخو الشيخ مصطفى، والشيخ محمد بن حمادي، وجلب من "قفصة" العالم الشيخ أحمد السنوسي بن عبد الرحمن القفصي، ومن "توزر" العلامة إبراهيم بو علّاق التوزري، والشيخ محمد بن عزوز، والشيخ أحمد الأمين بن عزوز، والشيخ التارزي بن عزوز، وكثير غيرهم من الفضلاء الأجلّة.
فما هي الطريقة الرحمانية التي جاء لبثِّها؟
الطريقة الرحمانية هي طريقته، وطريقة والده، المنبثقة عن الطريقة الخلوتية التي أسسها سراج الدين الخلوتي المتوفى في "تبريز" 800 ه، وهي ترجع إلى فرع من فروع السهروردية وترجع بالطبع إلى الإمام علي -كرم الله وجهه-.
(15/ 2/77)

سميت بالرحمانية؛ لأن ناشرها الأول بالجزائر والمغرب العربي هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجرجري الأزهري، عن الشيخ محمد بن سالم الحفناوي، وقد لازمه أكثر من ربع قرن قبل أن يرجع إلى الجزائر؛ حيث عرفت الطريقة انتشاراً واسعاً على يديه بين بلاد القبائل في القطر الجزائري، وتونس، وامتدت إلى جوبا، وإلى طرابلس في ليبيا، وعند وفاة الشيخ عبد الرحمن خلف 23 خليفة من كبار الشيوخ ساهموا في نشر الطريقة، منهم: سيدي عبد الرحمن باش تارزي القُسَنْطيني، وسيدي علي بن عيسى، وسيدي محمد أمزيان بن الحداد، وسيدي محمد بن عزوز البرجي والد سيدي مصطفى بن عزوز، الذي كان له أثر عظيم في الجنوب والشرق الجزائري، كما ذكره الأستاذ عبد الباقي مفتاح في عرضه (لمحة تاريخية حول الطريقة الرحمانية الخلوتية)، وذلك في ندوة أقيمت في "طولقة" تحت عنوان: (الملتقى الأول للعلامة الشيخ محمد بن عزوز) نور الصحراء في زاوية الشيخ علي بن عمر بين (11 - 12 ربيع الأول 1418/ 16 - 17 جويلية 1997 م).
وطلب الشيخ محمد بن عزوز من شيخه محمد بن عبد الرحمن الإذن بزيارة والدته، فقال له شيخه- بعد أن أذن: - إذا لم تجدني في قيد الحياة، فاتمم دروسك وتربيتك عند الشيخ عبد الرحمن باش تارزي دفينِ قسنطنية.
وبالفعل توفي الشيخ في غياب تلميذه، فلازم الشيخ باش تارزي صاحبَ "المنظومة الرحمانية" حتى أتم تربيته، وقفل راجعاً إلى بلدته "البرج" حيث أسس زاويته هناك إلى أن توفي سنة 1233 ه، ودفن بزاويته المشهورة حتى اليوم.
وللشيخ محمد بن عزوز أرجوزة عنوانها: "رسالة المريد في قواطع
(15/ 2/78)

الطريق وسوالبه وأصوله وأمهاته"، وله شرح عجيب مفيد عليها.
وترك الشيخ محمد بن عزوز ثمانية أبناء، وهم:
1 - الحسين، ودفن في "البرج" جانب والده.
2 - محمد الشيخ، ودفن في "طولقة".
3 - أبو العباس، توفي ودفن في "نفطة".
4 - محمد، انتقل إلى القيروان، واستوطنها، وتوفي بها، ومازال فرعه حتى اليوم.
5 - الحسن بن عزوز الذي عينه الأمير عبد القادر خليفة على مقاطعة الزاب، وله تاريخ مجيد في البطولات. ويحتاج إلى ندوة كاملة، وقد تحدث عنه مطولاً الأستاذ محمد علي دبوز في كتابه "نهضة الجزائر".
6 - الشيخ مصطفى صاحب زاوية "نفطة"- وموضوع محاضرتي في هذه الندوة.
7 - الشيخ محمد التارزي صاحب كتاب "الهواتف"، وهاجر إلى المدينة المنورة، وتوفي بها.
8 - الشيخ المبروك، انتقل إلى الأغواط في الجزائر، وأسس زاوية هامة لازالت حتى اليوم.
يذكر الباحثون أن الشيخ مصطفى بن عزوز أسس قرابة خمسين زاوية ومسجد للصلاة في أنحاء القطر التونسي، ودخل في الطريقة عشرات الألوف، حتى كانت الأولى بين الطرق المنتشرة في تونس، وبلاد المغرب العربي.
وعرفت الطريقة الخلوتية بالعزوزية؛ لشهرتها بآل عزوز الذين خدموا العلم والطريقة، بدءاً من شيخها الأول سيدي محمد بن عزوز، وإخوته،
(15/ 2/79)

إلى الأبناء والحفدة من أسرته المباركة.
لا بد أن نشير هنا باختصار شديد إلى مساعي الصلح التي قام بها الشيخ مصطفى بن عزوز مع علي بن غذاهم، وثورته سنة (1280 ه - 1864 م)، وقد تناولها الباحثون والمؤرخون في العديد من المؤلفات.
فقد أصدر المشير محمد الصادق باي أمراً فرض بموجبه إعانة -وهي ما يعرف اليوم بالضريبة- على كل تونسي تُجبى لصالح الخزينة، وقدرها 72 ريالاً، وشكل هذا عبئا على الناس، ولاسيما طبقة العمال والفلاحين، ومنهم من اشتكى، ومنهم من تمرد وحمل السلاح في وجه الباي، ومنهم: علي بن غذاهم من مدينة "ماجر"، وعمت الفوضى البلاد التونسية، وقامت حملات عسكرية عنيفة على المواطنين.
ونظراً للمكانة السامية للشيخ عند الباي محمد الصادق، ومكانة الشيخ عند عامة الناس، فقد طلب الباي إليه التوسط في هذا الموضوع.
يقول الشيخ الوزير أحمد بن أبي ضياف في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان": "ولم يزل الحال في اضطراب وشدة إلى أن قدم من الجريد بركةُ القطر المشارُ إليه بالبنان، المتدرجُ في مقامات العرفان، الوليُّ السالك المحبّبُ لعباد الله، شيخُ الطريقة الرحمانية، أبو النخبة، الشيخُ مصطفى بن عزوز، واجتمع بعلي بن غذاهم ووجوه جموعه، وقد مسهم نصبُ الملل، بعد أن أخذ لهم الأمان من الباي، واستوثق منه بالعهود والأيمان، وقرأ للباي قوله تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91]. ثم قال لهم: لا جواب لكم عند الله تعالى على إراقة دماء المسلمين. وقد أعطاكم
(15/ 2/80)

الباي الأمان على يد أمير المحلة، وخفف عنكم أكثر مما يُظن، إلى غير ذلك مما تفضل به عليكم خشيةَ إراقة الدماء.
وقال لعلي بن غذاهم: "أنت لستَ بقائمِ تطلب ملكاً، وزعمت أنك جامعُ عصابة شاكية لكفِّ عادية جهالها، وقد زال السبب، فلابد أن يزول المسبب، وقد عطلتم الناس عن السعي في ابتغاء رزقهم".
"وبلّغ الشيخ مصطفى الناس أوامر الباي في الأمان، وإسقاط ما ثقل من الأوامر، فانقادوا معه، بعد أن عقد الباي يده بيد الشيخ، وعاهده على الوفاء بالعهد في أمان الناس ظاهراً أو باطناً، ووثق الشيخ بهذا العهد". ثم جرى ما جرى من نقض العهد، وقتل ابن غذاهم.
يقول الأستاذ علي الرضا الحسيني في كتابه "زاوية مصطفى بن عزوز": "إن الشيخ مصطفى بن عزوز بصفاء سريرته، ونقاء نيته، لا يعرف أن السياسة في الملك لها طرقها وأساليبها، وأن العهود والعقود لا تعني شيئاً للحاكم إلا بمقدار ما تحفظ له سلطته، وتحقق له غاياته، حتى ما إذا تمكن من مراده، وحصل على مقاصده، تنكر لما عاهد به دون أي عناء. وكان الذي تمَّ من نقض عهد الدولة، ومآل علي بن غذاهم".
ولابد من الإشارة إلى جهاد الشيخ مصطفى بن عزوز في مقاومة الفرنسيين بالجزائر، وهذا يحتاج إلى متسع من الوقت. كما يحتاج إلى مراجعة المؤرخين والباحثين في الملفات لذلك العهد. وهذه مهمة جداً في تاريخ الشيخ المجاهد الصالح.
وما أحوجَنا إلى ندوة خاصة تقوم بها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) حول الشيخ مصطفى بن عزوز،
(15/ 2/81)

تتناول سيرته وأعماله وجهاده بالتفصيل، وتضيء النواحي المشرقة في حياة هذا الشيخ البركة الذي اختار "نفطة" لنشر الطريقة والجهاد، ونالت "نفطة" شرف إقامته فيها حتى وفاته -رحمه الله- في آخر ليلة من ذي الحجة سنة 1282 ه، ودفن بزاويته هنا.
ونظراً لضيق الوقت، فإن الحديث عن كبار أعلام زاوية مصطفى بن عزوز، ولاسيما الشيوخ:
- محمد المدني بن المبروك بن عزوز الذي دفن بضريح ضيف الله في (عرش الشرفا) بمدينة "نفطة" سنة 1285 ه.
- التارزي بن محمد بن عزوز، وتوفي بالمدينة المنورة سنة 1310 ه.
- سيدي الحسين بن علي بن عمر والد الإمام محمد الخضر حسين، وتوفي في مدينة تونس سنة 1309 ه.
- أحمد الأمين بن محمد المدني بن عزوز، توفي بالمدينة المنورة سنة 1354 ه.
- المجاهد العربي التبسي رئيس جمعية العلماء الجزائريين المسلمين في الجزائر وغيرهم، نجعله في فرصة أخرى -إن شاء الله-.
وأخيراً أقول: رحمة الله عليك يا ابن الحسين، يا الخضر، شرّفت أجدادك، وشرفت "بسكرة"، و"نفطة"، وشرفت تونس والجزائر، وشرفت جامع الزيتونة المعمور، وجامع الأزهر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 2/82)

جلسة مناقشة

مناقشة حول المحاضرات وتعقيبات المحاضرين
* الأستاذ فتحي القاسمي (1):
- أريد أن أشكر الشكر كلّه لأساتذتي الذين تفضلوا بهذه المداخلات. هناك بعض التساؤلات التي أسوقها سريعاً:
بقدر ما أنا مسرور بصدور كتاب الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" مستقبلاً في جزأين، أتساءل: أليس من باب الإضافة والطرافة أن نضيف إلى هذه اللبنات: المرحلةَ الأوروبية، خصوصاً أن هناك وثائق ومخطوطات كثيرة موجودة في برلين. وأنا بلغني منذ مدة قصيرة أن الأستاذ منير فندي قد جلب من المكتبات الألمانية وثائق هامة جداً حول فترة إقامة الشيخ الخضر في ألمانيا، وكانت للشيخ لقاءات هامة مع كبار المستشرقين، وأنا أضم صوتي إلى ما قاله الأستاذ علي الرّضا الحسيني من أنه كان يتقن اللغة الألمانية كتابة وقراءة.
- بالنسبة إلى المرحلة السورية، أتساءل: ألا يمكن أن نتحدث بهذا الإطار عن الدور التونسي في تأجيج مقاومة السوريين للاستعمار الفرنسي،
__________
(1) الكاتب العام للجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي، وأستاذ محاضر مختص في النهضة الفكرية في الوطن العربي عموماً، وتونس خصوصاً.
(15/ 2/83)

وقد وظف الشيخ صالح الشريف، والخضر حسين اللذان اكتويا من الاستعمار الفرنسي، وقد وظفا تلك الثقافة لتأجيج شعور المقاومة ضد الجيش الفرنسي في سورية؟
ألا يمكن الحديث عن الخضر في تعاونه مع كوكبة من التونسيين الذين استقروا فترة ما بدمشق، وكان لهم دور في هذا الوعي الوطني؟
- بالنسبة إلى صديقي الدكتور حسين بن عزوز، لماذا مررتَ مرور الكرام عن تلك القضية الكبيرة التي جرى حولها حديث كثير؟ وهي وساطة الشيخ مصطفى بن عزّوز في قضية ابن غذاهم، خصوصاً أن وساطة الشيخ مصطفى ابن عزوز لإقناع علي بن غذاهم في إيجاد حل سلمي، في حين أن غاية الباي الغدر، وقتل بالسم علي بن غذاهم وهو في ريعان شبابه. وربما نجد هنا أن الشيخ التقي الورع لم يكن له الدهاء السياسي، وأنه ربما لو لم يتوسط في هذه القضية، لكان لابن غذاهم شأن آخر، وشكراً لكم.
* الأستاذ الحبيب الجنحاتي (1):
في الحقيقة، نظراً لما استمعت إليه، وخاصة في النقاش، حرصت على أن أسهم إسهاماً متواضعاً.
وقعت إشارة في كلام الأستاذ محمد مواعدة عن قضية تصنيف فكر الشيخ محمد الخضر حسين ضمن مفهوم الإصلاح.
أولاً: من المعروف أن الحركات الإصلاحية التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي، وخاصة في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما بعد ذلك: أن هذه
__________
(1) باحث وكاتب وأستاذ في الجامعة التونسية.
(15/ 2/84)

الحركات مرت بمراحل وتيارات مختلفة، ويمكن تصنيفها بأكثر من تيار.
ثم نجد ضمن التيار الواحد من روّاده خصوصيات، وهذا الرائد ضمن تيار معين يتغير موقفه من هذه القضية، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، ومنها: شخص محمد عبده، كانت له علاقات مع الأفغاني، ثم أصدروا "العروة الوثقى"، ثم اختلف معه في الرأي.
بالنسبة للشيخ الخضر حسين، أعتقد -أيضاً- أن فكره الإصلاحي مرَّ بمراحل مختلفة، وليس هنا المجال للحديث عن هذه المراحل، المهم في هذا تفاعله، خاصة وأنه عاش في بيئات ثقافية وسياسية متنوعة، كيف أثرت هذه البيئات في تحوله الفكري الإصلاحي، ومواقفه الإصلاحية والسياسية.
مثلاً عندما نأخذ المرحلة السورية، هناك بدأ تيار واضح في قضية العروبة، وموقفه من السلطة العثمانية، ونجده في بعض الأحيان تحدث عن هذه العروبة، هل هو تحوّل؟
ما أريد أن أصل إليه، هو: المهم تنزيل هذه المراحل المختلفة في سياقها التاريخي؛ لأن هناك-أيضاً- فترة مهمة، هي قضية رحلته من إستنبول إلى ألمانيا، وانضمامه إلى حركة أصبحت تظهر الآن حولها الوثائق، وليس فقط مجهود أفراد، وإنما حركة تمثل تياراً يستغل ظروف الحرب العالمية الأولى؛ ليخدم القضايا الوطنية في المغرب العربي والعالم الإسلامي، وهناك علاقته المتينة مع أنور باشا.
وأختم بهذه الملاحظة: بأنه إلى جانب الدراسات المعروفة، ولاسيما الدراسات الأخيرة التي خرجت بالألمانية، وبعضٌ منها مذكرات ممن عرفوا بالقرب في برلين الشيخَ الخضر حسين، وليست مذكرات أنور باشا فقط، فهذه
(15/ 2/85)

الكتب معروفة نسبياً، الجديد هو الوثائق الألمانية الأصلية الرسمية؛ لأنه من حسن الحظ أن الوثائق الأصلية في برلين، والذين ترددوا على الشيخ الخضر، هذه الوثائق منعتها الحرب الثانية، موجودة، وأهم ما في هذه الوثائق هي: المراسلات من سفير ألمانيا في إستنبول إلى الخارجية الألمانية في برلين، وكثير من هذه الوثائق تحدثت عن هؤلاء الأشخاص، كيف نتعامل معهم؟ ما هي أهدافهم؟ هل هي متناقضة مع مصلحة ألمانيا؟ كل هذه التفاصيل أصبحت- والحمد لله- متوفرة بالنسبة للدارسين في المستقبل لهذه القضية. وشكراً.
* الأستاذ محمد قويدري (1):
شكراً للجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي على دعوتنا للمشاركة في هذه الندوة الهامة، وفي هذا اللقاء. عندي عدة ملاحظات:
أولاً: ذكر الأستاذ علي الرضا الحسيني: أن الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- عندما كان في دمشق، كان له اتصال مع تونس والجزائر.
أقول: وكذلك لم ينس الشيخ الخضر الجزائر عندما كان في تونس، فكان له اتصالات وزيارات ورحلات كتبها في مجلة "السعادة العظمى"، فهو قلبه دائماً على تونس، وعلى الجزائر، وعلى الأمة العربية والإسلامية -رحمه الله-.
ثانيا: إن والدة الشيخ الخضر حسين السيدة حليمة السعدية هي بنت
__________
(1) باحث ومستشار في المحكمة العليا بالجزائر.
(15/ 2/86)

سيدي مصطفى بن عزوز، وجدته السيدة (للا دخَّة) أخت سيدي مصطفى بن عزوز، والدة سيدي الحسين، وزوجة جده سيدي علي بن عمر؛ أي: إن الشيخ مصطفى خاله وجده من جهة الأم، فجدّه عزوزي، ووالدته عزوزية -رحمه الله-.
ثالثاً: أحب أن أقول عن الطريقة الرحمانية: إنها تختلف عن الطرق الأخرى، القادرية والتيجانية يقدمون الرجل، والطريقة الرحمانية يقدمون الرجال والنساء، ومنهن من تولى شيخ الطريقة الرحمانية، وزينب البتول في زاوية الهامل تولت مشيخة الزاوية بعد وفاة والدها، وهي أول شيخة تحكم الزاوية في الجزائر، وسميت البتول؛ لصلاحها وتقواها.
رابعاً: إن الشيخ مصطفى بن عزوز دخل تونس سنة 1837، وأقام زاويته الشهيرة بنفطة لنشر الطريقة الرحمانية، ولتكون موئلاً وملجأً للثوار المجاهدين الجزائريين. وقامت هذه الزاوية بتقديم خدمات جليلة في نشر الطريقة والجهاد الوطني. والسلام.
* الأستاذ المنجي الشملي (1):
أتيت إلى هنا؛ تقديراً واعتزازاً بمحمد الخضر حسين، وتقديراً لأهل "نفطة"، والجزائر، والعرب جميعاً.
القضية، هي قضية شخصية العلامة محمد الخضر حسين، ولكن كنت أود في التدخل بالمرحلة التونسية، لكن لماذا ترك تونس؟ يجب أن نحلّل، لِمَ؟
__________
(1) أستاذ في الجامعة التونسية، وباحث ومحقق.
(15/ 2/87)

عندما غادر الشيخ الخضر حسين تونس كان محروماً مقهوراً، هي قضيته، لما تقدم وشارك في امتحان الطبقة الأولى في الزيتونة، ولم ينصف؟
ثم مسألة أخرى وأخيرة، هي المرحلة الألمانية، وبعد صدور الوثائق الألمانية يجب أن ندرسها درسا هادئاً وموضوعياً. وشكراً.
* الأستاذ أنور بن خليفة (1):
لقد بحثت في تفسير الإمام محمد الخضر حسين للقرآن الكريم، وأعتبره في نهاية البحث شيخي وإمامي ووالدي؛ لأني صراحة عشت معه مرحلة طويلة جعلتني وإياه في روح واحدة.
سؤالي موجه إلى الأستاذ محمد مواعدة: في خدمة هذه الشخصية العظيمة غيّبت بكتابك موضوعاً هاماً، وهو تفسيره للقرآن الكريم برغم أهمية هذا الموضوع؟
* الأستاذ شمام:
لست مؤرخاً، وإنما أهتم بحضارتنا، عندما استمعت إلى ما قيل حول شخصية الشيخ الخضر، تبادر إلى ذهني شخصية أخرى تشترك مع الشيخ الخضر حسين في اهتماماته وجذوره، أعني بذلك: شخصية اهتمت بالإصلاح والسياسة، وعانت كذلك من المطاردة والنفي.
لماذا لم نذكر هذه الشخصية؟ وهو عبد العزيز الثعالبي.
سؤالي هو الآتي: هل للشيخ الخضر علاقة بهذه الشخصية، هل كانا يتصلان ببعضهما في الخارج والداخل؟ والسلام.
__________
(1) أستاذ في معاهد الجامعة الزيتونة، وباحث ومحقق.
(15/ 2/88)

* مداخلات أخرى من الحضور:
- عندي اقتراح، هذا الاقتراح يتعلق بحياة الشيخ، وباعتبار أن حياته مليئة بالأحداث، وأن لنا دراسات مستفيضة عن فكره ونضاله السياسي، لماذا لا تكون هذه الدراسات ضمن إنتاج تلفزي كما هو الحال في الشرق يكرمون علماءهم؟
- المداخلات التي تمت وتناولت هذه الشخصية الجديرة بالاهتمام، مداخلات جيدة بالنسبة لما ذكره الأستاذ علي الرّضا الحسيني، ما هي الأسباب الوجيهة التي أدت إلى محاكمة الشيخ أمام المحكمة العرفية بدمشق أيام جمال باشا؟
- وغيرها من المداخلات التي تتضمنها إجابة المحاضرين عليها.
* تعقيب المحاضر الأستاذ محمد مواعدة:
أيها الإخوة والأخوات!
جواباً على الأسئلة والتساؤلات التي طرحت:
- حقيقة هذه الجلسة اليوم هي بداية الجلسات العلمية، أعطت الندوة البعد الحقيقي العميق.
نقول بكل صراحة: في بعض الندوات، تقع الجلسة الافتتاحية فقط، بعد الافتتاح تنطلق الأمور عادية، ولكن هذه الندوة أخذت أبعاداً علمية جادة بفضل الأساتذة والمحاضرين والمشاركين الذين أبدوا اهتماماً خاصاً بهذه الشخصية، شخصية محمد الخضر حسين بكافة وجوهها الإصلاحية والأدبية والنضالية.
- أقول بصراحة -أيضاً-: إنه ترددنا كثيراً في مكان تنظيم الندوة،
(15/ 2/89)

في تونس العاصمة، أم في نفطة؟ ولكن جميع الأساتذة والمهتمين بهذا العلامة كدوا أن تنعقد في "نفطقة"، والإخوة في (الجمعية التونسية للبحوث والدراسات حول التراث الفكري التونسي) قالوا: لابدَّ أن تنعقد في "نفطقة" لسبب أساسي، هو: أهمية تنظيم هذه الندوة من حيث الهوية الوطنية الحضارية، برغم أنه كان هناك اتجاه أن تنعقد في تونس.
هذه الشخصيات الهامة هي ركائز موجودة في مكان ما، ولكل بلد له وضعه ومكانته: ابن الشباط في "توزر"، الحبيب بورقيبة في "المنستير"، وغيرهم. هذه الشخصيات هي ركائز حضارية تؤكد تثبيت الهوية الوطنية في الأماكن التي ولدت فيها.
- بالنسبة للمرحلة التركية، والمرحلة الألمانية للشيخ. أنا قلت في كتابي ملاحظة إن هذه الشخصية لها جوانب متعددة تستحق الدرس والتحليل، وفي الطبعة الأولى لكتابي أشرت إلى العديد من الأمور التي تحتاج إلى بحث واستقصاء توضيح.
وهناك مساعٍ جادة للتوصل إلى وثائق الخارجية الألمانية والتركية، ووزارة الحرب التركية والألمانية؛ للتمكن منها، وسأتناول في الطبعة الثانية من كتابي هاتين المسألتين الهامتين، وهما مرحلتان سياسيتان، بالإضافة إلى العديد من الأسئلة التي مازالت تطرح في سيرة الرجل، وتحتاج إلى جواب.
- بخصوص وساطة الشيخ مصطفى بن عزوز بين الباي وابن غذاهم، فإن الشيخ تدخل بصفة دينية وعلمية، وبالإضافة لذلك: مكانته لدى السلطة الحاكمة في عهده، وخاصة لدى الباي محمد الصادق، ولولا ما كان يتمتع به
(15/ 2/90)

شيخ الطريقة الرحمانية من تقدير وإكبار من قبل الجانبين المتنازعين، لما نجحت هذه الوساطة، أما ما نتج عن هذه الوساطة، فالواقع يحتاج الموضوع إلى التوسع في البحث والدراسة لنصل إلى الحقيقة، هذا يحتاج إلى ندوة في المستقبل.
- رداً على الأستاذ ابن خليفة، فإن كتابى قد استوفى كل ناحية من حياة الشيخ الخضر، وإذا قرأ كتابي بإمعان، فسيجد أني أوليت مكانة القرآن الكريم في حياة الشيخ مكانها الأول، وقد أبرزت في الكتاب البيئةَ التي عاش خلالها الشيخ في نفطة، وقلت: إن عدداً كبيراً من الجوامع والمساجد يتجاوز الأربعين كانت كلها مواطن عِلْم يتلى فيها كتاب الله، وتلقى فيها دروس الفقه والحديث واللغة والأدب.
وقلت بشكل واضح: إن الشيخ محمد الخضر حسين تربى في هذه البيئة العلمية الثقافية، وما يحيط بها من ورع ديني، وحفظ القرآن الكريم على مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ اللموشي.
ثم إن الشيخ الخضر هو ابن زاوية عاش فيها، وتعلم في صغره العلوم الدينية واللغوية، بما في ذلك تفسير القرآن الكريم، وهذا واضح في كتابي.
- إن هذه الندوة ستتبعها ندوات، وستتناول بشكل دقيق كل المواضيع التي طرحها الإخوة المتداخلون، والجواب على كافة التساؤلات التي مازالت حتى اليوم على الألسنة.
وهذه الندوة لا يمكن أن تلمّ بكل ما يتعلق بشخصية متعددة المواهب والكفاءات، مثل شخصية الشيخ محمد الخضر حسين، والندوات القادمة
(15/ 2/91)

سوف تبين كل ما يمكن السؤال عنه.
- بالنسبة للعلاقة بين الشيخ الخضر حسين والشيخ الثعالبي لم تكن قائمة، هذا باختصار شديد، وهذه معلوماتي الخاصة، وهذه قضية تحتاج إلى بيانها، والأسباب التي كانت في تلك الفترة، والتي أدت إلى هذا الأمر.
- لماذا غادر الشيخ محمد الخضر حسين تونس؟ هذه الأسباب أوضحتها في كتابي "محمد الخضر حسين حياته وآثاره"، وفي الطبعة الجديدة ساتناولها بتفاصيل أكثر.
هناك ثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول: هي الطريقة التي عومل بها الشيخ من قبل علماء الزيتونة عندما تقدم للمناظرة للطبقة الأولى من المدرسين ... هذه القضية طرحتها مع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وقال لي: إن الشيخ الخضر لم يجد حقه.
والسبب الثاني: القضية السياسية.
والسبب الثالث: وجود عائلته بدمشق؛ لأنه ذهب إلى دمشق مرتين، ذهب في المرة الأولى برحلة إلى بلاد الشام كما يقول الشيخ: "إن الباعث هو زيارة الأهل وفاء بحق صلة الرحم" في جويلية 1912 م، ثم عاد إلى تونس يوم 24 نوفمبر 1912 م، ومن ثم قرر العودة إلى الشرق، والاستقرار مع إخوته بدمشق، ورأى: "أن القيام بحق الاسلام يستدير مجالاً واسعاً، وسماء صافية"، وتم ذلك خلال شهر ديسمبر 1912 م.
- بخصوص البحوث والدراسات حول الشيخ محمد الخضر حسين، هناك عدة دراسات حوله، وهناك في الجامعة التونسية توجهات حول هذا
(15/ 2/92)

الموضوع، بعد أن توفرت مؤلفاته التي كانت نادرة، ونامل المزيد من دراسة هذه الشخصية وتحليلها والتعريف بها، والاستفادة من آرائها في كافة المجالات العلمية التي يتناولها الشيخ.
- إن هذه الندوة ليست للتعريف فقط بالشيخ، إنما هي للدراسة والتحليل، والبحث في علومه وآثاره، إن هذه الشخصية عظيمة، صامدة، لها أبعاد متعددة، وكما قلت في كتابي: هو الرجل العالم، والأديب، واللغوي، والمصلح، والسياسي، ومع ذلك عندما ستعقد الندوات عن الشيخ الخضر مستقبلاً ستتناول هذه الشخصية وفق تلك الصفات. وشكراً.
* تعقيب المحاضر علي الرضا الحسيني:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هناك نقاط هامة تساءل عنها المتداخلون والحضور الكرام، أحببت أن أوضحها باختصار:
- أرى أنه من الواجب تجاه الشيخ الإمام محمد الخضر حسين أن لا نفسر أمراً من أموره بأكثر مما يستحق من التفسير؛ لأن تفسير الأمر يتعلق حسب زمانه ومكانه، والشيخ في حياته المباركة من "نفطة" إلى مشيخة الأزهر في القاهرة لم يكن غامضاً، ولم يكن ذا وجهين، ولم يكن في السر ما لم يكن في العلن، فإن صلته بالله -سبحانه وتعالى-، وإيمانه القوي برسالة الإسلام، فتح له الطريق واضحة لا عوج فيها، على هذا المبدأ يجب أن نفهم الشيخ، ونقرأه، وندرسه، ونحلله.
- لماذا لم يتعامل مع المجاهدين العظيمين: إسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف بدمشق؟
(15/ 2/93)

سبق وأن قلت: إنه لاشك ولا ريب عند كل منصف: أن الإمام محمد الخضر حسين، والمجاهد الشيخ صالح الشريف، والعلامة المناضل الشيخ إسماعيل الصفايحي، هؤلاء الأبطال الثلاثة تونسيو الولادة، زيتونيون تعلماً وثقافة، إسلاميون نضالاً وفكراً ودعوة.
لم يجتمع الإمام الخضر حسين بالشيخين في دمشق؛ لأن الشيخ الخضر قدم دمشق سنة 1912 م، وقد سبقه الشيخان بمدة، فالشيخ صالح الشريف غادر تونس 1906 م، وعاش مدة ستتين في دمشق، وكان له شأن عظيم لا مجال لذكره في هذه العجالة، ثم سافر إلى تركيا، أما الشيخ إسماعيل الصفايحي، فقد توجه إلى الشرق سنة (1324 ه - 1906 م)، وأقام مدة قصيرة في دمشق، وانتقل إلى تركيا.
فالشيخان سبقا الشيخ الخضر إلى دمشق، وغادراها قبل قدومه، وهذا سبب عدم تعامله معهما في دمشق، وكان تعامله ولقاؤه بهما لأول مرة في إستنبول سنة 1915، أو 1916 م) ثم كان كفاحهم المشهود له في برلين. وهذا يحتاج إلى متسع من الوقت للإفاضة، وما أكثرَ ما في الجعبة من تلك المشاهد الرائعة!
- لماذا لم يحارب الشيخ الخضر الاستعمار الفرنسي الذي فرَّ منه في تونس، لماذا لم يحاربه بدمشق؟
إن حياة الشيخ الخضر -منذ مغادرته تونس وحتى آخر حياته الشريفة- كلها نضال وكفاح، ولتونس القسم الأكبر من هذا النشاط.
لقد حارب الشيخ الخضر فرنسا في كافة الميادين، بدمشق، وألمانيا، ومصر. وبالرجوع إلى نشاطه في برلين، وقيامه بتحريض الجنود المغاربة
(15/ 2/94)

في الجيش الفرنسي للفرار من الجبهة الألمانية - الفرنسية، وانضمامهم إلى جيش وطني يعمل على تحرير تونس والمغرب من الاحتلال الفرنسي الغاشم. وما حكمُ الإعدام الذي أصدرته فرنسا، ومصادرةُ أملاكه إلا الدليل القوي على أثر محاربته ونضاله ضد فرنسا عند المحتل الفرنسي. وآمل من السائل أن يرجع بإمعان إلى تاريخ الشيخ؛ ليجد الجواب الكافي والشافي.
- لماذا اتصل بالتونسيين، ولم يتصل بالجزائريين؟
لا أدري ماذا يقصد الأخ السائل؟ هل يقصد اتصاله بالتونسيين والجزائريين في دمشق؟ أم مراسلة بعض التونسيين والجزائريين من دمشق؟
للشيخ اتصالات واسعة بدمشق مع كل من أبناء تونس والجزائر، ولمزيد من الإيضاح هنا أشير أن أبناء المغرب العربي من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا هم في عرف السوريين مغاربة، لا فرق بين هذا وذلك -أقول هذا بصدق لا عن عاطفة-، وكان اتصاله بهم مستمراً ومتيناً، حتى إن حي المغاربة في مدينة دمشق، وفي منطقة تسمى: "السويقة" حي كبير يضم كافة أبناء المغرب دون تفريق.
أما مراسلاته من دمشق مع المغاربة، فلاشك أنها كانت قائمة، ولا ندري حجمها، أما مراسلاته خاصة مع التونسيين، فقد اتصل بشخصين -حسب ما وقع تحت يدي من رسائله- هما: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الصديق والأخ الوفي، والشيخ محمد الصادق النيفر، برسائل عاطفية، ولم يتدخل فيهما بالسياسة.
إن المهام العظام التي يحمل الشيخ رسالتها لم تسمح له بالمراسلات الكثيرة التي لا طائل منها إلا بث الشوق. فقد كان الشيخ وقتُه مليئاً بالأعمال،
(15/ 2/95)

وحتى الشيخ محيي الدين القليبي -رحمه الله- يتحدث عن يوم في حياة الشيخ، إذا قرأناه، نستغرب هذه الطاقة الإيمانية عند الشيخ، فهو يخرج من داره بعد صلاة الفجر ... وتبدأ أعماله، ولا أريد أن أطيل هنا، ولعلها في مناسبات أخرى.
- يسأل الأستاذ عن الصلة بين الشيخ الخضر حسين والشيخ الثعالبي، وهل كانا يتصلان بالداخل والخارج؟
لم تكن هناك علاقة قائمة بين الشيخين، أما عن الأسباب، فالله أعلم بذلك، إلا أنني لم أجد في كافة كتبه وأوراقه الخاصة التي حصلتُ عليها كلمةً واحدة عن الشيخ الثعالبي، ومن طبيعة الشيخ الخضر لا يرغب في عمل حزازات شخصية مع أي شخص كان، أما إذا كان الأمر يتعلق بعظمة الإسلام -كالرد على طه حسين، وعلي عبد الرازق وغيرهما-، فلن يقف صامتاً، بل يغضب لله، ويقول حقاً.
- لم تقم أية صلة بينه وبين الشيخ محمد عبده، ولا علم لي بالسبب، ولم أجد في أوراقه وكتبه ما يتعلق بهذا الأمر.
- الشيخ الخضر من دعاة الوحدة الإسلامية، وله في هذا الميدان بحوث ومقالات عديدة، وقد انتقد رجال الخلافة الإسلامية؛ لما شاهده من ضعف ووهن في نظامها، ولكنه كان من دعاة التقاء المسلمين ووحدتهم؛ لما في ذلك من قوة للإسلام.
- دعوته إلى الإصلاح من أولى مبادئه وعقيدته، وإن مؤلفاته مليئة بالبحوث التي تدعو إلى الاصلاح في كافة ميادين الحياة، الدينية والاجتماعية والأدبية، وأول كتاب نشر في تونس: "الدعوة إلى الإصلاح"، وهو - على
(15/ 2/96)

صغر حجمه - يمثل مدرسة في الإصلاح، وفي القاهرة أصدر كتابه: "رسائل الإصلاح".
إن مواضيع الإصلاح واضحة في مؤلفاته، ولا تحتاج إلى عناء للوصول إليها.
- لماذا ترك تونس؟
سؤال يتناقله الكثير من الباحثين، ويفردون له التحاليل والظنون، وأنا أرى من خلال دراستي لحياة الشيخ، وطموحه في خدمة الإسلام: أنه ليس هناك غرابة، صحيح أن ما ناله من شيوخ الزيتونة من أذى، هذا سبب، ولا أعتقد أنه السبب الأهم؛ لأن الشيخ فوق هذا التفكير. ولعل السبب المهم في الدرجة الأولى: رغبته في الانتقال إلى ميدان أوسع للنضال والكفاح، والإصلاح والعمل السياسي، فأتى إلى سورية، ووجد فيها مبتغاه، يضاف إلى هذين السببين: وجود عائلته في دمشق.
- أما اعتقاله في دمشق في عهد جمال باشا؟
من سجل الإمام المتعلق بجهاده الإسلامي اعتقاله في دمشق في (شهر رمضان 1334 ه - 15 أوت 1916 م) لمدة ستة أشهر وعشرة أيام، وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري، وطلب المدعي العام عقوية الإعدام، والتهمة: أنه حضر في مجلس خاض فيه أحدُ المحامين اللبنانيين في سياسة الدولة، وسعى إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، وقد استفتي الشيخ في هذا، ورأت إدارة البوليس أنه مسؤول عن عدم إبلاغ الحكومة في حينه، وحكم المجلس العرفي بالبراءة. ومن رفاقه في السجن: شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري
(15/ 2/97)

رئيس وزرائها، وسعدي بك الملا الذي أصبح رئيسا للوزارة اللبنانية، فكان اعتقال الشيخ سياسيا، وقضت المحكمة ببراءته.
- أقول في الختام: إن كثيراً من مراحل حياة ومؤلفات وأفكار الشيخ الخضر حسين تحتاج إلى مزيد من الدرس والتحقيق، ولعل الندوات القادمة تنجز هذه الآمال في هذه الشخصية الإسلامية العالمية، والسلام عليكم.
(15/ 2/98)

محاضرات الندوة

الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث (1)
أيها الزملاء والأصدقاء!
أشكر في البداية المشرفين على تنظيم هذه الندوة، وأشكر الإخوة في (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي).
الدعوة الكريمة للمشاركة في هذه الندوة قد مكنتني من التعرف إلى جوانب جديدة من شخصية محمد الخضر حسين، وهذه الجوانب ذاتها لها علاقة بالفكر الإصلاحي في المجتمع العربي الإسلامي بالمرحلة الحديثة بصفة عامة.
واسمحوا لي -قبل الحديث عن الفكر الإصلاحي ومشروعات التحديث- أن أبدأ بنقطة تمهيدية.
من حسن الحظ أن مرحلة تراكم الدراسات والبحوث حققت في السنوات الأخيرة في تونس وفي خارجها تقدماً كبيراً، تراكم البحوث والدراسات حول الفكر الإصلاحي بصفة عامة، والفكر الإصلاحي في تونس.
وقد أُنجزت -عملياً- عن الفكر الإصلاحي التونسي في مراحل مختلفة
__________
(1) محاضرة الأستاذ الحبيب الجنحاني، كاتب وباحث وأستاذ في الجامعة التونسية، ألقاها ارتجالاً مستعيناً بأوراق دوّن بها ملاحظاته حول الموضوع.
(15/ 2/99)

رسائل جيدة في الحقيقة، البعض منها طبع، وعرفناه، والبعض الآخر بصدد النشر بحول الله. هذه البحوث الجديدة أضواء جديدة عن شخصيات رواد الإصلاح وعن فكرهم، كما أنه توجد وثائق عرفت في الأعوام الأخيرة فقط، وهنا أذكر مثالاً، وهو: مثال الشخصية المحتفى بها، والتي عقدت هذه الندوة الأولى لدراستها، وأعني: الشيخ الخضر حسين.
إلى جانب النصوص الأصلية، وهي الأساس، وهي المنطلق، النصوص التي رعاها الأستاذ علي الرّضا الحسيني مشكوراً بنشرها وتوزيعها، هناك نصوص أخرى تعتبر جديدة، اطلعت على بعضها في بعض الرسائل التي كتبها باحثون ألمان باللغة الألمانية، هذه البحوث تناولت شخصيات متعددة من رواد الحركة الإصلاحية التي عرفتها نصوص الثلث الأول من بداية القرن العشرين، ومنهم: شخصية الشيخ الخضر الحسين.
واعتمدت على مجموعة من مذكرات أشخاص عرفوا مباشرة الشيخ الخضر حسين، منهم: مذكرات أنور باشا، وشكيب أرسلان، ومحمد فريد، ومذكرات بعض الألمان الذين عاشوا -أيضاً- تلك الفترة، ونشروا مذكراتهم بالألمانية، وفيها -أيضاً- إشارة إلى هؤلاء الرواد.
هذا ذكرته كمثال عن المراجع والمصادر والنصوص الجديدة.
وإني أستطيع أن أقول: إن المدونة حول هذه الشخصية التي وقع إثراؤها والإضافة إليها في جوانب مختلفة، سواء كانت رسائل جامعية، أو مذكرات، ولكن أبرز هذه النصوص التي كانت غير معروفة تماماً، ولا أدري بالضبط هل لم يكشف عنها من قبل؛ لأنه في الوثائق الرسمية يسمح بالاطلاع عليها
(15/ 2/100)

بعد مرور فترة زمنية معينة. أبرز هذه النصوص هي وثائق وزارة الخارجية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى، هذه مهمة جداً؛ لأنها تتضمن نشاط التعريف بهؤلاء الأشخاص وغيرهم، ونظرة الألمان لهؤلاء، والحديث مع هؤلاء الساسة.
واْبرز هذه النصوص هي مراسلات السفير الألماني في إستنبول إلى وزارة الخارجية، أو مراسلات وزارة الخارجية الألمانية إلى سفيرها في إستنبول؛ لأخذ معلومات عن هؤلاء الرواد الذين اتصلوا بها، أو وصلوا إلى ألمانيا خلالها، ومجموعة أساسية من هؤلاء الرواد الذين كانوا موجودين، وقاموا بأعمال في ألمانيا، أو في سويسرا، ثم انتقلوا إلى ألمانيا، أبرز مجموعة من العربي الإسلامي هي المجموعة التونسية.
إذن، نذكر بسرعة بعض الأسماء؛ كصالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، والشيخ محمد الخضر حسين، ومحمد باش حانبة، هؤلاء بالأساس، وهناك أسماء في درجة ثانية.
البعض منهم كانوا ضباطاً في الجيش الفرنسي، ووقع الاتصال بهم في نطاق الهدف الذي سعوا لتحقيقه من خلال تعاونهم مع ألمانيا في تلك الفترة.
في هذه الملاحظة التي ذكرتها هنا، من الأشياء الجديدة التي لا نعرفها، كشفت عنها الوثائق، هو انتساب هؤلاء أو البعض منهم؛ كالشيخ الخضر إلى تنظيم كان يشرف عليه أنور باشا بالصيغة التركية، وباسم رسمي (تشكيلات مخصوصة) في المراجع الأجنبية يذكرونها بهذه الصفة.
هذه الملاحظة التركية أختمها بملاحظة:
(15/ 2/101)

بعد أن توفرت هذه المدونة بأصنافها المتنوعة: رسائل جامعية، ومذكرات، وسائر الدراسات، هذه المدونة توفرت، ووقع إثراؤها خلال عشرين سنة الماضية، الآن المرحلة القادمة، وأعتقد أنه ضمن المرحلة القادمة تندرج الدراسات المستقبلية عن العلامة الشيخ محمد الخضر حسين.
المرحلة القادمة هي القراءة الجديدة لهذه المدونة في ضوء مناهج البحث الجديدة، التي وصلت إليها - هذه المناهج الجديدة لدراسة القضايا الاجتماعية والفكرية.
اسمحوا لي أني توقفت عند هذه الملاحظة، ربما تساعد بعض الباحثين الجدد الذين يهتمون بهذه الجوانب.
أصل الآن إلى موضوع الفكر الإصلاحي، وعلاقته بمشروعات التحديث في المجتمع العربي الإسلامي، ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر إلى ما بعد ذلك، إلى المرحلة التي عاشها وناضل من خلالها المرحوم محمد الخضر حسين.
من أبرز دراسة ملامح هذا الفكر الإصلاحي عادة، إلى جانب النصوص، وإلى جانب الصحافة من المراجع التي عدتُ إليها هي: رحلات هؤلاء الروّاد، رحلاتهم إلى أوروبا، يكتشف المرء -في نظري- في النهاية بعد دراستي لنصوص هذه الرحلات، يشعر أو يلمس في يسر هذه الرحلات، كتبوا هذه الرحلات وهم هادفون، كتبوها عن وعي، ليست مجرد تسجيل رحلات.
نأخذ -مثلاً- رحلة الطهطاوي "تخليص الابريز" في رحلته إلى باريز، أو "أقوم المسالك" لخير الدين، أو ما كتبه الشيخ أحمد بن أبي ضياف في رحلته مع أحمد باي إلى فرنسا سنة 1846 م، أو فارس شدياق في كتابه
(15/ 2/102)

"المخبى"، أو بيرم الخامس، أو محمد السنوسي، إلى آخر هؤلاء.
هؤلاء من كبار الرواد في الفكر الإصلاحي العربي والإسلامي. تشعر - في النهاية- أنهم كتبوا ذلك عن هدف، وأرادوا من خلال الرحلة، ومن نصوص الرحلة أن ينقلوا إلى مجتمعاتهم وإلى شعوبهم صورة التقدم في أورويا، فليس من الصدفة أن يتحدثوا عن الدساتير، وعن أنواع السلطة، وعن عمل البرلمان، وكيف أن البرلمان في فرنسا -مثلاً-، أو في أوربا يقوم بعملية المحاسبة، ويستعمل المفهوم التقليدي الحسبة، وكيف أنهم يستطيعون أن يحاسبوا الحكومة، ويسحبوا منها الثقة، كل هذه القضايا للفت النظر إليها في بلدانهم وفي شعوبهم، ثم إلى جانب ذلك هناك جوانب أخرى في الحقيقة، وبكل وضوح، أبرز هذه الأفكار الإصلاحية لم يعالجوها مباشرة، وإنما تحدثوا عنها هادفين.
لما نريد أن نحوصل ونلخص أبرز هذه التيارات. أنا عادة أصنفها إلى ثلاثة تيارات:
التيار الأول: هو التيار الذي يهدف إلى تجديد الفكر الديني، وإلى نشر التعليم والتربية؛ باعتبار أن نشر التعليم والتربية هو خطوة أساسية أولى في نشر الوعي والتقدم، والخروج من التخلف بصفة عامة.
وهنا تندرج مساعي محمد الخضر حسين، وصديقه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ضمن هذا التيار.
وكذا ألمحتُ أمسِ بسرعة، نجد أن التيار الواحد الكبير نجد ملامح مختلفة؛ لأن أحد المصلحين -مثلاً- هو نفسه مرَّ من مرحلة إلى مرحلة ثانية. وهذا معروف في التاريخ، الشيخ محمد عبده في المرحلة الأولى كان
(15/ 2/103)

ينتسب إلى التيار الذي نتحدث عنه، ولما تخالف مع أستاذه الأفغاني، أصبح ينتسب إلى هذا التيار الأول: نشر التعليم والتربية، وابتعد عن السياسة والعمل السياسي.
التيار الثاني: يرى أنه لا يمكن التفكير في التحديث والحداثة والتقدم قبل إنجاز مرحلة الإصلاح السياسي، وقسم من هؤلاء سعى هذا المسعى التحديثي من داخل السلطة.
وليس من الصدفة أن أبرز تيارات الفكر الإصلاحي في المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة انطلقت من عدة مراكز: إستنبول عاصمة الخلافة، ومصر وتونس؛ لأن مشروعات التحديث البارزة في هذه البلدان الثلاثة انطلقت من داخل السلطة: محاولات مدحت باشا بالباب العالي، الطهطاوي وعلاقته مع محمد علي في مصر، ثم خير الدين في تونس.
وأبرز نقطة يمكن أن نلمح الآن إليها بسرعة في هذا: الفكرة التحديثية من داخل السلطة. أبرز نقطة -في رأي الشخصي- أن هذه المحاولات الثلاث للإصلاح من داخل السلطة من رجال يباشرون السلطة، الصدر الأعظم أو الوزير الأكبر في تونس، وشخص أكبر من الوزير، في النهاية اكتشفوا أنه لا إمكان لمشاريع تحديثية تقدمية ضمن سلطة استبدادية، وأبرز من تفطن إلى هذا هو خير الدين، ولذا أنا طرحت هذا السؤال وتساءلت في أحد النصوص التي نشرتها: هل كان أنصار الفئة الثانية مدركين أنه لا يمكن أن يتحقق التقدم، وأن تؤتي الإصلاحات التحديثية أُكلها في ظل نظم سلطوية استبدادية، وأن الحل يبدأ بالإصلاح السياسي كما تفطن إلى ذلك خير الدين حكيم السياسة -كما كان يسميه الطهطاوي-؛ لأنه في ممارسة السلطة تفطنوا إلى هذا التناقض الكبير؟ غير أن خير الدين وجد نفسه أن ذلك غير ممكن في ظل السلطة
(15/ 2/104)

الاستبدادية سلطة البايات، مدحت باشا مع السلطان عبد الحميد، نفس القصة في مصر مع محمد علي وابنه إبراهيم باشا ... إلى آخره.
وهنا نجد صنفاً آخر ضمن هذا التيار الذي ذكر أنه لا يمكن أن يتقدم المجتمع العربي الإسلامي، وأن تتحقق مشاريع التحديث بدون إصلاح سياسي، لكنه كان خارج السلطة؛ بحيث هو يلتقى مع التيار الآخر، ولكن التيار الثاني يقول: يمكن أن يحقق من داخل السلطة، والصنف الآخر يقول: لا يمكن أن يتم ذلك، ومنهم: الأفغاني، وولي الدين يكن، وسليم سركيس، وهؤلاء لقوا عنفاً شديداً، ومتابعة واضطهاداً من طرف السلطة القائمة يومئذ.
أصلُ الآن إلى التيار الثالث، وأختم هنا مع ملاحظة أساسية، سواء كانوا أنصار التيار الأول التجديدي الديني البحت، أو التيار الثاني الذي انتبه إلى الإشكالية السياسية وإئما مع الهاجس الكبير أو مشاريع التحديث، الاقتداء بالنموذج الغربي، لكن دوماً مع التوفيق مع الشريعة الإسلامية، يسمونها: الاقتباس والتوفيق مع الشريعة الإسلامية.
التيار الثالث يختلف، ولكن هو أبعد من التيارين السابقين، ولكنه يؤمن بضرورة الإصلاح الفكري والسياسي، والإفادة من الجوانب المضيئة المشرقة في التراث العربي الإسلامي في مرحلة معينة. الوضع يقتضي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الإفادة من هذه الجوانب، الجوانب المشرقة المضيئة، ليست القضية شغلهم الشاغل التوفيق مع الشريعة، لا، وهذا التيار فيهم من المسلمين، وفيهم من غير المسلمين. بل بالعكس، إنهم يرون -بعد ذلك- أنه يجب القطيعة مع التراث، من أبرزهم: شبلي شميل، وحنتور. وحنتور يستشهد بابن رشد، ولكن يقول: أرجو أن يأتي يوم وننسى ابن رشد، وهؤلاء
(15/ 2/105)

على أساس يصبح التفكير حداثياً بحتاً.
وأنا حريص أن أقف عند شخص في خاتمة هذه الكلمة، ولماذا هذا الوقوف؟ لأن هذا الشخص من الجيل الذي سبق الخضر حسين، وتوفي في السنة التي وُلد فيها الخضر حسين، وهو أحمد بن أبي ضياف، هذا الزيتوني المعمم في رحلته التي كتبها، ورافق فيها أحمد باي تفطن -أيضاً-، وهو طبعاً من الزمرة الأولى. خير الدين تفطن -أيضاً- إلى أن مشروعات التحديث، والتي تزعمها صديقه أحمد باي: أنه لا يمكن أن تصل إلى نتائج في ظل سلطة استبدادية، وهي سلطة البايات.
فخرج يوماً مع أحمد باي في شارع الشانزليزيه خارج البرنامج الرسمي، وقال له أحمد باي: ما أشوقَني إلى الدخول في تونس من باب عليوه، وأشتم رائحة داخله. فقلت له مداعباً: وأنا أتنفس في هواء الحرية، وأرد من مائها، وأقف على أرضها، قلت له: يحق لك ذلك؛ لأنك إذا دخلت من هذا الباب، تفعل ما تشاء، أما الآن، فأنت واحد من الناس، فقال له: سامحك الله، ولماذا لا تحملني على حب الوطن وأهله، فقلت له: إن هذا البلد يُنسي الوطن، وكما قال الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن نزيلَهم ... يُعاب بنسيانِ الأحبةِ والأهلِ
إذن، أصبحت الحرية التي شاهدها الزيتوني المعمَّم تتجاوز الحدود الجغرافية.
اذكر هذا؛ لأنه يندرج ضمن التيار الذي واصله بعد ذلك الشيخ الخضر حسين.
ومع الشكر على اجتماعي بكم.
(15/ 2/106)

محاضرات الندوة

الإصلاح التربوي في فكر الإمام العلامة محمد الخضر حسين (1)
أيها السيدات والسادة!
جاء في مقال الأستاذ محمد مواعدة، الذي صدر بجريدة "الصباح" يوم الأحد في 24 فيفري 2008 م (محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق): أن هذا العَلَم الإسلامي المتميز كان منشغلاً في الميدان التربوي لإصلاح التعليم الزيتوني منذ حياته الطلابية، وبعد تخرجه من الجامع الأعظم كان من بين شيوخ الزيتونة، وعلمائها العاملين على تطوير التعليم مضموناً ومنهجاً.
هذه الإشارات التي أتى بها تدل على المكانة التي حازتها القضية التربوية لدى عالِمنا الشيخ محمد الخضر حسين.
ومع ذلك، لا يمكن الادعاء بأنه كان صاحب نظريات، أو صاحب مدرسة في هذا المجال، وإنما نجد في مختلف كتاباته بذوراً للإصلاح التربوي، وخاصة في مجال التعليم؛ لأن التربية لا تقتصر على التعليم فقط.
وأفكاره التربوية الإصلاحية مبثوثة هنا وهناك في مؤلفاته ... تارة في شكل فصول كاملة، وطوراً في شكل فقرات تتخلل مشهداً إصلاحياً عاماً.
__________
(1) مختصر محاضرة الدكتور مصدق الجليدي، باحث في مشاريع الحضارة والتربية، ودكتور في علوم التربية.
(15/ 2/107)

وسنعتمد بدراسة الفكر التربوي للشيخ محمد الخضر حسين على المدونة التالية:
1 - "رسائل الإصلاح".
2 - "الدعوة إلى الإصلاح".
3 - "تونس وجامع الزيتونة".
4 - "الرحلات".
5 - مجلة "الهداية الاسلامية" الجزء 10 و 11 من المجلد التاسع، والجزء الثاني من المجلد الثالث عشر.
6 - مجلة "السعادة العظمى" العدد 7.
للشيخ محمد الخضر حسين مجالان أساسيان في الإصلاح التربوي، وكلاهما يتبع المجال الديني، وهما: الإصلاح التربوي الأخلاقي، والإصلاح التربوي العقلي.
نقد الشيخ محمد الخضر حسين التعليم الديني على عهده تحت عنوان: (عيوب التعليم الديني الحاضر).
في نظر الشيخ الخضر، المثالبُ والنقائص التالية في التعليم على عهده بمصر: - وأكتفي بأن أقرأ عناوين هذه النقائص-
1 - ضآلة المحتوى في التعليم الديني.
2 - عدم اعتبار المادة الإسلامية مادة أساسية.
3 - سوء العناية بمادة القرآن الكريم.
4 - عدم الاهتمام بالسيرة النبوية، وبالتاريخ الإسلامي.
(15/ 2/108)

5 - الاقتصار بالتعليم الديني على الأحداث دون الكبار.
6 - التساهل مع المقصرين بأداء الواجبات الدينية، والمخالفين لمكارم الأخلاق.
7 - حصر التعليم الديني بالأزهر، وفي المعاهد الدينية.
8 - نقده الطرق البيداغوجية التقليدية المعتمدة على نظام العقوبات البدنية القاسية. وهذه نتوقف عندها قليلاً من خلال ما رواه الشيخ في كتابه "الرحلات" مما شاهده بنفسه عند أحد الشيوخ التقليديين، فيقول:
"ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكاناً بين مجتمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفاً لأحد المعلمين، إذ كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من قوة.
وربما قفز الصبي آبقاً من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبراً، فيثب في أثره بخطوات سريعة، ويجلده بالمقرعة جلداً قاسياً، حتى قلت لأزهري كان بجنبي: من جلس إزاء هذه المزعجات، فقد ظلم نفسه ... وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلدة "بنزرت"، حالما كنت قاضياً بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب "المدخل" من الرفق بالصبي، وعدم زيادة المعلم -إن اضطر إلى ضربه- على ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة الضرب؛ مثل: عصا اللوز اليابس والفلقة، ولما خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتاباً على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول: إن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا".
(15/ 2/109)

مما يدل على انتقاده للقسوة في التعامل مع الصبيان، وهذا من خلقه، وكذلك مما أخذه عن ابن خلدون في "المقدمة".
* سبل الإصلاح:
يذكر الشيخ محمد الخضر حسين طرقاً خمسة لإصلاح أوضاع التعليم الديني، ففي رأيه:
1 - يحب تقرير التعليم الديني مادة أساسية، شأنه شأن بعض اللغات الأجنبية -على الأقل-.
2 - يجب أن يكون التعليم الديني عاماً يشمل كل دور من أدوار التعليم.
3 - يجب تعديل مناهج التعليم تعديلاً يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم، وفي نوع دراستهم ومستقبلهم.
4 - يجب أن يكون التعليم عملياً، يحرص على الالتزام بالشعائر الدينية؛ من حيث الأخلاق، والحشمة، وحُسْن الزي، واحترام المعلمين، وغير ذلك.
5 - يجب أن يُعنى بدراسة التاريخ الإسلامي دراسة حية واسعة، تطبع في نفس التلميذ طابعاً لا ينمحي؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة.
6 - وفي كتابه "تونس وجامع الزيتونة" يورد الشيخ الملاحظات والمطالب التالية، وهو الطلب السادس.
يقول: من الملاحظ أن ليس في مواد الامتحان علم الحديث والتفسير، مع أنهما يدرسان في المعهد، ونحن نود أن يكون هذا العلمان في أول
(15/ 2/110)

ما يجري فيه الامتحان، ولو أفضى الحال إلى مد أجل الدراسة سنتين أو ثلاثة.
7 - وفي ملاحظة سابعة يقول: لو أن المشايخ النظّار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان، حتى يتضح مقدار فهم الطالب جلياً، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس، وإقبالهم على ما يقرر الأستاذ؛ ليكونوا من كل ما يلقيه على بيّنة.
كما أنه دعا لتعويد الطلاب على المناقشة والنقد والتمحيص.
وفي مجلة "السعادة العظمى" يقول: "لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يفتك من الصبي سائر إرادته، ويسلب منه جميع عزائمه، كما يفعل الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب، إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام.
لا ريب أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أصاب قدراً في مجال الإصلاح التربوي خلال النصف الأول من القرن الماضي، ويظهر ذلك من خلال المعاني التحديثية التي تضمنتها أفكاره وخواطره التربوية. وشكراً.
(15/ 2/111)

محاضرات الندوة

مجلة "السعادة العظمى" وقضايا الإصلاح (1)
مجلَّة "السعادة العظمى" هي أول مجلَّة عربية في تونس، أسسها الشيخ محمد الخضر حسين في (محرم 1322 ه / أفريل 1904 م)، وهي (مجلة علمية أدبية إسلامية) تصدر في أول كل نصف شهر، انقطعت في (ذي القعدة 1322 ه / جانفي 1905 م) بعد أن صدر منها واحد وعشرون عدداً.
فما هي ظروف نشأتها؟ وكيف ظهرت فكرة المجلة؟ ولماذا اختير لها هذا الاسْم؟ وما هي الأبواب التي تحتوي عليها؟ وما هي أهدافها؟ وما هو مضمون أبوابها؟.
* ظروت نشأة المجلة:
يعود اهتمام التونسيين بالصحافة إلى بداية الحركة الإصلاحية، ومنذ احتكاكهم بالغرب؛ إذ أنهم أدركوا قيمتها، ودورها في التربية والرفع من مستوى الشعب وتوعيته.
وقد أعجب خير الدين بالطباعة والصحافة في البلدان الأورويية، وكان سياسياً واعياً لرسالة النشر والصحافة، وتأثيرهما في حركة النهضة، لذلك
__________
(1) محاضرة الأستاذة نجاة الحامي بو ملآلة - باحثة.
(15/ 2/112)

شجَّع الطباعة، واهتم بالصحافة، واعتنى شخصياً بجريدة "الرائد التونسي"، فوجَّهَ مقالتها، وأشرف على سياستها، وتعتبر هذه الجريدة من أقدم الصحف في تاريخ الصحافة العربية على الإطلاق.
وقد عدَّت حركة الطباعة وميلاد الصحافة التونسية من أبرز معالم النهضة الثقافية في عهد خير الدين، وكان لهما تأثير قوي في الحركة الأدبية وتجديد اللغة، ولكن برغم هذا الوعي بدور الصحافة، فإننا نجد عدد الصحف محدوداً، فلعل تطبيق قانون الضمان المالي للصحافة الصادر في 14 أكتوبر 1884 م كان أكبرَ عائق أمام انتشار الصحف بالبلاد، ودفع التونسيين إلى التلهف على الصحف، والدوريات الواردة من الخارج، ولاسيما من الشرق. وهذا ما يفسر استبشارهم بمجلة "العروة الوثقى"، والالتفاف حولها؛ لأنها لسان الأمة الإسلامية جمعاء، وإن تقريظ الشيخ محمد السنوسي لهذه المجلة لأكبر شاهد.
وكلما تقدمنا خطوة في تاريخ الإصلاح بتونس، تبين لنا الدور الأساسي الذي تقوم به الصحف فيها، فجريده "الحاضرة" كانت محور الحركة الإصلاحية، وجريدة "الزهرة" لسان القوى الوطنية. ويقوى اهتمام النخبة الإصلاحية بالصحافة خاصة بعد صدور مجلة "المنار" المصرية التي عرفت انتشاراً كبيراً في البلاد التونسية، تحدث عنه رشيد رضا نفسه: "وجاءنا من تونس أن الجزء الواحد من المنار يدار على العشرات من الناس".
وفي سنة 1901 م أصدر الشيخ عبد العزيز الثعالبي جريدة سمّاها: "سبيل الرشاد"، جاءت لتدعم الحركة الإصلاحية، وتقوي صفوف المجددين، وبرغم أنها لم تعمر طويلاً، فإن صاحبها كان داعية إلى التطور والحرية،
(15/ 2/113)

ومروِّجاً لأفكار الأفغاني، وعبده، والكواكبي.
وبصدور قانون جديد للصحافة يخفف من قيودها، ويرفع عنها الضمان المالي، زادت روح النهضة اتقاداً، وانتشرت دعوتها، وكثرت صحفها مناصرة الفكرة الإصلاحية، ومنوّهة بمجلة "المنار" ومقالاتها التي تقاوم الأولياء وزيارة القبور، وتثير مسائل كلامية، ومسائل فقهية.
فأصبح الخطر يهدد المحافظين والمناهضين لحركة الإصلاح، سيما وأنهم لا يملكون وسيلة ناجعة تربطهم بالناس، وتوضح مواقفهم؛ لأن الصحافة كانت كلها بأيدي المجددين، وقد قَوَّت الضجّة التي قامت حول مسألة الفتوى الترنسفالية سنة 1903 حاجةُ هذه المجموعةِ المحافظةِ إلى عالم شهير يقود حركتهم، كما يفعل الشيخ سالم بو حاجب مع الإصلاحيين، ولسان نشر يعرف بمواقفهم وآرائهم يقابل مجلة "المنار".
وكان الشيخ محمد النجار المفتي المالكي معروفاً بغزارة علمه، وسعة اطلاعه، ورده على المسائل الدينية التي تتناولها مجلة "المنار"، فالتف حوله المحافظون، ووفروا بذلك العنصر الأول من حاجتهم، أما العنصر الثاني، فقد توفر لهم بصدور مجلة "السعادة العظمى" التي أسسها الشيخ محمد الخضر حسين سنة 1904 م، الذي كان يتحين الفرص لتحرير مجلة يساير بها أبناء نشأته، ويؤدي بها واجبه نحو دينه. وقد قال "وكثيراً ما ترصدنا فترة من العوائق لمسايرتهم بتحرير مجلة علمية أدبية توفية ببعض حقوق دينية، ولم تهب رياح القدر مسعفة بفصالها، إلا في هذا الإبان".
إذاً، رغبة شخصية نابعة من اقتناع بقيمة الصحافة، ودورها في الإرشاد وترقية الأمة، وهذا ما يثبته اختيار محمد الخضر حسين للمقال الذي صدر
(15/ 2/114)

في جريدة "اللواء" بعنوان: "رأي الشرع في الصحافة" ونشره في العدد الثاني عشر من مجلة "السعادة العظمى" نشًّطتها رغبةُ جماعة المحافظين في إيجاد وسيلة نشر تدعم مركزهم في المجتمع، وتثبت شخصيتهم وقدرتهم على المساهمة في إثراء الأفكار ونقدها، وإبداء الآراء في المسائل الدينية والعلمية والاجتماعية، وتخرجهم من طور استهلاك ما يفد من الشرق، إلى طور الفعل والعطاء.
تفاعل هذا العاملان: الحاجة الشخصية، والحاجة الجماعية، فأنتجا مجلة "السعادة العظمى".
ولكن نتساءل هنا عن سبب اختيار مجلة، وليس جريدة؟ ولماذا وقع اختيار هذا الاسم "السعادة العظمى"؟.
* فكرة المجلة، وسبب اختيار هذا الاسم:
مجلة "السعادة العظمى" هي أول مجلة عربية في تونس؛ إذ كان النشر مقصوراً على الجرائد.
وتعريف المجلة في القاموس هي: "الصحيفة فيها الحكمة - الكراسة، وخصت الآن بالجريدة التي على شكل كراس". وهذا التعريف نفسه يورده الشيخ محمد الخضر حسين عندما يسأله أحد الفضلاء بالجزائر العاصمة عن معنى مجلة، فيقول: وَصحبنا أحد الفضلاء، فذُكر لفظ (مجلة)، فاسْتنبأنا عن معناه لغة، فسقنا إليه عبارة القاموس: "مجلَّة -بالفتح-: الصحيفة فيها الحكمة، أو كل كتاب".
ويعرفها المقال المنقول عن "اللواء" في مجلة "السعادة العظمى": "إن حرفة الصحافة قسمان: قسم يبحث فيه عن علوم مخصوصة للإرشاد عما
(15/ 2/115)

تبحث فيه؛ كالمجلات الغير اليومية، وهذه شرفها بمقدار شرف ما تبحث فيه، وهي صحافة جليلة"، وبما أن هدف المجموعة التي كانت وراء تأسيس هذه المجلة مناقشة المباحث الدينية والمسائل العلمية، وإرشادُ الأمة إلى ما تراه صالحاً عن طريق الحكمة، فإن الجريدة لا تفي بحاجتهم، لذلك ظهرت فكرة المجلة.
كما أن حرص العلماء على محاكاة مصر في وسائل نهضتها، ورغبتهم في تأسيس مجلة تقابل مجلة "المنار"، وترد عليها، جعلهم يفضلون المجلة عن الجريدة.
أمّا تسميتها: "السعادة العظمى"، فإن صاحب المجلة يرمز به إلى أن هذه المجلة تعين الأمة على تحقيق السعادة العظمى؛ بما تحويه من حكم، وما تتناوله من مواضيع، وما توضحه من مسائل، وما تبذله في سبيل الدين من جهد؛ لتقريبه إلى الأذهان، وشرح حقائقه، وتصفيته من الشوائب، وما تعدده من سبل الرقي والتمدن، فجاء العنوان بمثابة المبتدأ الذي يخبر عنه مضمون المجلة.
هذا الاسم له خلفية دينية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى مجلتي: "العروة الوثقى" و"المنار". فقد أبرز الأفغاني أن أفضل رابطة للأمة الإسلامية هي القرآن، والتمسك به، ورمز إليه (بالعروة الوثقى).
أما "المنار"، فهو الذي يهدي إلى السبيل القويم، وكأن محمد رشيد رضا يتمم المهمة التي بدأها الأفغاني بالمناداة إلى (العروة الوثقى)، وذلك يهدي المسلمين إلى سبيل هذه العروة، ومن يعرف سر نجاح، ويهتدي إلى سبيله، فإنه يحقق (السعادة العظمى)، وعلى هذا الأساس نشعر بخيط رابط
(15/ 2/116)

بين هذه المجلات الثلاث؛ لأن الواحدة جاءت تواصل مهمة سابقتها، أو تعاضدها، ثم إن الترتيب الزمني يوحي لنا بهذه الفكرة.
كما أن هناك توافقاً في اختيار الصيغة، فكلمتا: (الوثقى)، و (العظمى) جاءتا على وزن واحد، لتدل على أن ما يبغيه الرجلان للأمة، يحتل أفضل المراتب، فهو السر في استعمال صيغة التفضيل.
ولنعد إلى مجلة "السعادة العظمى"؛ لنتعرّف على أبوابها وأهدافها.
* أبواب المجلة، وأهدافها:
صدر العدد الأول من هذه المجلة في (16 من شهر محرم سنة 1322 ه 1 أبريل 1904 م)، بقطع من الورق مقياس الصفحة (16 × 25).
فرحب بظهورها جريدة "الحاضرة" لعلي باش حامبة، و"المنار" لرشيد رضا، وكثير من رجال الفكر والأدب وشيوخ الزيتونة. وقد قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور "فكان ظهور السعادة في معمعة تلك الخلافات كطلوع الحَكَم، انتهت به المجادلات عن الفحش، وتطهرت من الهمز واللمز، وتسامت عن التشهير والأذى الشخصي".
تحتوي المجلة على 336 صفحة، وصدر منها واحد وعشرون عدداً، ثم انقطعت عن الصدور في (ذي العقدة 1322 ه / 1905 م).
تحتوي المجلة على ستة أبواب، ذكرها الشيخ محمد الخضر حسين في العدد الأول منها، وهي:
1 - الافتتاحية تتناول مواضيع "تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم".
2 - المباحث العلمية.
(15/ 2/117)

3 - المباحث الأدبية؛ نشر ما يكون "مرقاة للتقدم في صناعتي الشعر والكتابة".
4 - الأخلاق: "كيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها؟ ".
5 - الأسئلة والاقتراحات.
6 - مسائل شتى.
وتهدف المجلة إلى:
- إصلاح وضع المسلمين، وإعادة مجدهم الضائع.
- الدعوة إلى الاتحاد والتعاون للاهتمام بقضايا العصر، ومسايرتها في إطار ديني إسلامي.
- التمسك بالأخوة الإسلامية هي التي تسير المجموعة.
- الدعوة إلى نهضة جديدة.
- التمسك بالإسلام دون حرمان المؤمنين من حقوقهم في التمتع بالدنيا.
ومما يقول في الحثّ على مسايرة قضايا العصر: "وإنْ تعجب، فعجبٌ ما يتخيله بعض من ربّي في مهد الجمود من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية".
وقد ذكرنا الظروف التي صدرت فيها المجلة.
أما أسباب انقطاعها، فيبدو أنها مادية، تتعلق بعجز صاحبها عن توفير ما تتطلبه مستلزمات المجلة من مال، وما إلحاحه في الأعداد الأخيرة على المشتركين لإرسال مبالغ اشتراكاتهم، إلا دليل واضح على هذا العجز.
ويختم العدد الأخير من المجلة بهذا الإعلان: "يتأخر العدد 22 على
(15/ 2/118)

غرّة ذي الحجة؛ لعارضة من الضروريات ألجأتنا إلى ذلك"، ولكن هذا العدد لم يصدر.
العددان الأول والثاني: صدر هذان العددان مزدوجين، ويعلّل محمد الخضر حسين هذا الازدواج ببطء طول المقدمات الأولية لإصدار المجلة، ولا يذكر ذلك إلا في العدد الرابع، ويستدرك هذا الخلل بإصدار أربع ورقات في العدد الرابع، وأربع ورقات في العدد الخامس، وفاءً بذمته حتّى لا تكون المجلة منساة.
احتوى هذا العدد على مقدمة تقليدية ذات صبغة تقليدية، تلاها مدرج للعلم والعقل، ثم الحديث عن بروز فكرة المجلة، ثم بيان لأغراضها وأبوابها، ويلي ذلك ثلاثة تلويحات، احتوى التلويح الثالث منها على اثني عشر استطلاعاً.
والملاحظ أن الشيخ محمد الخضر حسين قد حرر جميع صفحات هذا العدد، وقصد إلى الإطالة في الافتتاحية؛ ليعرِّف بالمجلة، وظروفها، وأبوابها، وأغراضها، ومنهجها، حتى يكون مسلكها واضحاً، ويقبل عليها مَنْ يجد في نفسه تجاوباً مع هذا المنهج والأغراض، ولا ننسى أن هذه المجلة هي أول مجلة تصدر بتونس، وربما هذا سبب آخر من أسباب طول الافتتاحية، حتى لا ينفر الناس من شكل لم يألفوه.
نلاحظ أن ترتيب الأبواب روعي في الأعداد الأولى، ثم بداية من العدد الخامس بدا بعضها يحتجب، ومن العدد السادس عشر لم يعد هناك محافظة على التبويب أو الترتيب، بل تذكر مقالات بدون تصنيفها في أي باب كان.
(15/ 2/119)

الباب الأول موجود في كل الأعداد، باب الأخلاق لم يُذكر إلا في عددين.
احتوت المجلة على خمسة وسبعين مقالاً، منها خمسة وعشرون غير ممضاة، وخمسون ممضاة، كتب منها صاحب المجلة أربع عشرة مقالة.
وقد ذكر لي الأستاذ محمد مواعدة أن المقالات غير الممضاة هي من تأليف صاحب المجلة؛ اعتماداً على ما أكده له الشيخ محمد طاهر بن عاشور؛ من أن الشيخ محمد الخضر حسين كان يقوم بجل ما تتطلبه المجلة من أعمال أدبية ومادية.
وإستناداً على هذه المعلومات، فإن المقالات التي كتبها الشيخ محمد الخضر حسين في مجلة "السعادة العظمى" تكون تسعاً وثلاثين مقالة، مع العلم أن كل صفحات العدد 1 - 2 قد كتبها صاحب المجلة.
إذن، أكثر من ثلثي المجلة هو من تأليف الشيخ محمد الخضر حسين، ولذلك اعتبرها الأستاذ محمد مواعدة أول تأليف له، فقال: وتجدر الملاحظة إلى أن أغلب مقالات المجلة كانت من تحريره، ولذلك اعتبرتها تأليفاً من تآليفه، وليست مثل المجلات التي كان يشرف عليها ضمن هيئة تحرير منظمة لمجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام".
* التقاريظ:
أشرنا في تقديم المجلة إلى أنه رحب بظهورها عدد كبير من رجال الفكر والأدب، ورجال الزيتونة، وقد تمثل ذلك في التقاريظ التي وصلت إلى المجلة، ونشرتها في أعدادها تحت باب: (مسائل شتى) والمتأمل فيها يتبين قيمة أصحابها، ونوعية الذين يتعاملون مع المجلة، ووجودهم في مناطق
(15/ 2/120)

مختلفة دليل آخر على مدى رواج هذه المجلة، وإقبال الناس عليها.
لقد احتوت المجلة -أيضاً- على العديد من الملاحظات، هي استدركات، وتشكرات، وإعلانات، واعتذارات، وقد تنوعت، فجاءت -أحياناً- لتعرف بمجلة أو جريدة، و-أحياناً- أخرى لتوضح كيفية التعامل مع المجلة في إرسال المقالات، أو لتلح على إرسال مبالغ الاشتراك في المجلة، وهذا خاصة في- الأعداد الأخيرة من المجلة.
أما مضمون المجلة، ونوعية المقالات التي تضمنتها، والقضايا التي عالجتها، والمواقف التي عبرت عنها، فإننا نقدمها حسب المحاور التالية:
- الجانب الديني.
- قضايا اجتماعية وأخلاقية.
- الأدب.
- العلوم. ونعتبرها العلوم العصرية، لا العلوم بمفهوم رجال الدين.
- المواقف التجديدية.
- التقاريظ.
وإن حلّلنا افتتاحية هذه المجلة، تبينّا مدى علاقتها بهذه المحاور.
لقد اعتبر رجال الإصلاح انتشار الزوايا والطرق السببَ الأساسي لانتشار العادات الفاسدة، والعقلية الحائدة عن مبادئ الدين الصحيح، وكرّسوا جهودهم لمحاربة الأباطيل والبدع، وتطهير العقليات من الأوهام، واتخذوا الصحف والمجلات منابر للوعظ والتوعية، ووسيلة للدفاع عن الدين، وتجديد مفاهيمه، وسعَت مجلة "السعادة العظمى" إلى الاستجابة إلى ما تفرضه عليها الشريعة الإسلامية من نصح الأمة وإرشادها، لاسيما وأن صاحبها يجعل
(15/ 2/121)

تأسيس هذه المجلة "توفية ببعض حقوق دينيه"، ورداً على من (زاغ بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها"، ويضبط مسلكها في التمسك بالشريعة، ويلتزم بعدم الخوض فيما يخالفها، فيقول:؟ "إن هذه المجلة لا تنثر من كنانتها إلا ما يشمله نظر الشارع بعنايته".
والناظر في افتتاحية هذه المجلة - التي خصص لها الشيخ محمد الخضر حسين العدد 1 - 2 بأكمله- يتبين -بوضوح- أن خدمة الدين الإسلامي، والعمل على صيانته وتجديد مفاهيمه، هو الهدف الأساسي لهذه المجلة، حتى تستعيد الأمة مجدها الأول، وترتفع في درجات الرقي.
وقد أفاض في الحديث عن الأسباب التي جعلت "أبناء النشأة الأولى" ينجحون في مسعاهم، ويصلون إلى العزة والشدة والبأس، وأوضح أن السرّ في كل ذلك، يتمثل في تمسكهم بالمعارف والهداية، ونبذهم الظواهر، والاهتمام باللب، والبعد عن الكسل والبطالة والخمول والتجمد، وفتحهم لباب الاجتهاد.
ولما تنكر المسلمون إلى كل هذه المبادئ، انقلب الوضع، وساءت حالهم، ونقضت عُرا الاستحكام بينهم، فعمّهم الفشل، ودبّ في أجسادهم الضعف.
إذن، العودة إلى ينابيع الإسلام الصافية، والتمسك بمبادئ الشريعة، هو علاج العلة التي أصابت المسلمين، ولذلك جعل أغراض المجلة وأبوابها، تهدف إلى الوصول إلى هذا العلاج.
فالغرض من مقالات الافتتاحية: "المحافظة على حياة مجدنا القديم"، والمباحث العلمية تخوض في علوم الدين، والغرض منها: "تحقيق ما يتخللها
(15/ 2/122)

من أفكار سامية"، توضح السبيل القويم للمسلمين؛ ليتمسكوا بما جاء فيها من أفكار من شأنها أن تصلح وضعهم، وتبرز لهم حقوقهم وواجباتهم الأخروية والدنيوية، فالعلوم الدينية هي العلوم الأساسية.
أما المباحث الأدبية، فالهدف منها: "التقدم في صناعتي الشعر والكتابة"؛ لأن الشعر يخدم المجتمع، والفنون الأدبية والبحوث اللغوية تساعد على فهم الشريعة ونصوصها. وفي هذا أسباب تخصيص قسم للتاريخ، فالإعلام عن الماضي يستخلص الدرس منه، ويكون عبرة لأولى الألباب، فنلاحظ أن المباحث الأدبية تهدف إلى خدمة العلوم الدينية.
والباب الرابع خُصص للبحث في الأخلاق، وكيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها، وما مقياسه في ذلك إلا القيم الأخلاقية في الإسلام، وما أمر به، ونهى عنه، ونجد في هذا القسم استشراف العوائد من خلال الشريعة؛ أي: بحث في العادات والتقاليد، وتمسك الناس بهما، ومدى علاقتهما بالشريعة. وهذا الباب -أيضاً- له خليفة دينية.
ثم إن الباب المخصص للأسئلة لا يخرج عن هذا السياق، ففتح مجال الأسئلة لقراء ينتمون إلى مجتمع الربع الأول من القرن العشرين، يعيش الأوضاع التي وصفناها في السابق، ويبحث عن مخرج من الأزمة التي تردى فيها، لا يمكن أن يفضي إلا إلى صنف واحد من الأسئلة، وهو الصنف الديني، والمتتبع لأعداد المجلة يلاحظ ذلك بوضوح.
وأما الباب الأخير، فيتركه صاحب المجلة مفتوحاً لمسائل شتى، دون تخصيص أو تحديد لنوع معين من المسائل.
ومن خلال هذا العرض لأبواب المجلة، يتبين اهتمامها بالجانب الديني؛
(15/ 2/123)

إذ هو أساس الحياة، وتتفرع عنه بقية المسائل الأخرى، ولذلك وضعت العلوم الدينية في المرتبة الأولى، ثم تليها الآداب، فالأخلاق. إذن، يمكن أن نستنتج أن هذه المجلة ترمي إلى إصلاح المجتمع على هذه الأسس: الدين، والعلوم، والآداب، والأخلاق. وهكذا جاءت التلويحات التي تلت أبواب المجلة تزيد منهجها وضوحاً.
ونفصل القول في العلوم التي ستتناولها المجلة بالبحث، وهي ثلاثة تلويحات:
خصص التلويح الأول لإبراز شرف العلوم بالاعتماد على الشريعة، ولا يكون العلم شريفاً إلا إذا كان مفيداً، فالعلم النافع طريق إلى الجنة، وهذه نظرة دينية تنزهه عن شبهة اللذة، ولذلك حثّ الشيخ محمد الخضر حسين على الخوض في المسائل المفيدة، أما غير ذلك، فيعدّ لغواً، وإضاعة للوقت. ويحصر مسلك المجلة فيما لا يخرج عن الشريعة.
وهذه العلوم النافعة يقسمها في التلويح الثاني إلى قسمين: ما دوَّنه أهل الإسلام؛ أي: العلوم الدينية، وما دونه الفلاسفة. ويخصص الجزء الأوفر من هذا التلويح لإبراز النوع الأول، وتعريف كل علم من علومه، بينما يتحدث عن النوع الثاني في سطر واحد.
ثم يعود إلى تفصيل هذه العلوم، وبيان مقاصدها في التلويح الثالث، الذي احتوى على اثني عشر استطلاعاً، كان نصيب العلوم الفلسفية استطلاعاً واحداً، وهو الأخير، بينما تناولت بقية الاستطلاعات العلوم الإسلامية.
وبهذه النسبة المتفاوتة بين نوعي العلوم، يتدعّم ما ذكرناه في بداية هذا الفصل، من أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أولى مباحث الجانب الديني
(15/ 2/124)

المرتبة الأولى في مجلته، فما هي هذه القضايا؟ وما هو موقفه منها؟
1 - الجانب الديني:
أوّل مهمة تكفلت بها المجلة هي: الدعوة إلى إعادة مجد الأمة، وإصلاح وضع المسملمين، والدفاع عن الإسلام، وصيانته من التحريف والتشويه. لذلك دعت إلى ضرورة الاعتصام بالشريعة، والتمسك بها، وسعت إلى توضيح مقاصدها، وخصصت افتتاحيات الأعداد الثالث والرابع والخامس لهذا الغرض، وقد كتبها على التوالي: الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ محمد طاهر بن عاشور، والشيخ محمد النخلي.
أما النقطة الثانية التي دعت إليها المجلة بعد التمسك بالشريعة، فهي: فتح باب الاجتهاد في الإسلام، وأحكامه، وأساليبه؛ لأن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، لذلك يقول الشيخ محمد الخضر حسين: "أما من استكمل شروطه المقررة في الأصول، فلا يسوغ له المقام في حوزة التقليد. ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق، لا تُسمع إلا بدليل ينسخ الأدلة التي انفتح بها أولاً".
وقد كان الاجتهاد، والبعدُ عن الجمود من أسباب نهضة المسلمين في أول عهدهم، ووصولهم إلى أعلى المراتب.
إذن، كانت أهم النقاط التي عالجتها المجلة في الجانب الديني، هي: الدعوة إلى التمسك بالشريعة في أصولها ومبادئها، والاعتماد على الكتاب والسنَّة والإجماع، وفتح باب الاجتهاد، والقيام بالوعظ والإرشاد والفتاوى؛ لمقاومة البدع والضلالات؛ لتخلِّص الإسلام مما علق به من شبهات، وردِّ ما زاغ بالشريعة عن مقاصدها. وما تخصيص ركن قارٍّ في أربعة أعداد متتالية
(15/ 2/125)

للرد على الفتوى الترنسفالية، إلا دليل واضح على عزم المجلة على هذا
الاتجاه.
2 - قضايا اجتماعية وأخلاقية:
لقد اهتمت المجلة اهتماماً كبيراً بهذا الجانب، وتحدثت عن حياة الأمة، وأسباب ترقيها، وأبرزت أن التعاضد والتعاون بين أفراد الأمة هو سر عيشها، والدافع إلى تقدمها، فدعت إلى الابتعاد عن الكسل والجمود، ومحو المزاعم الباطلة، وربط القلوب بالاعتقاد الصحيح، مع الاستفادة بحضارة العصر الحديث ومدنيته.
يقول الشيخ محمد الخضر حسين: (وإن تعجب، فعجبٌ ما يتخيله بعض من رُبّي في مهد الجمود، من أنّ هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية"، فالكسل والبطالة خطران يؤديان بالأمة إلى الانهيار والسقوط، وبالفرد إلى الوحدة والعزلة، ولا يمكن للفرد أن يعيش بمعزل عن غيره، فالتعاون وليد الحاجة.
لذا، وجب على أفراد الأمة صيانة مدنيتها، وذلك بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل لوازمها المدنية والعقلية، وسدِّ كل ثلمة من الحاجات ما تزايدت.
وقد قسمت الأمة إلى أربع طبقات، حددت المجلة دور كل واحدة منها:
فالأولى: تدبر أمور الرعية، وتحفظ حقوقها، وتقتلع مفاسدها، وتثبت مصالحها.
والثانية: تنشر المعارف، وتحث على العلم والعمل.
(15/ 2/126)

والثالثة: تهتم بالتجارة، وتوفير المال.
والرابعة: تشتغل بالصنائع، وهي الطبقة الغالبة؛ لأهمية هذه الصنائع، فهي العنصر الذي يقوم عليه سوق التجارات، ومعظم أسباب العمران.
وبما أن الأخلاق دعامة المجتمع، فإن المجلة خصصت لها باباً كاملاً، ودعت إلى مكافحة الرذائل وفساد الأخلاق، ومقاومة العادات الشاذة عن الإسلام، والحث على التمسك بالقيم الأخلاقية في الإسلام، وهي: الحياء، والحلم، والتواضع، وكبر الهمة، والشجاعة، والإخلاص، والعزة، ولا تحصل هذه القيم إلا بغرسها في النفوس منذ النشأة الأولى.
لذا، أبرز الشيخ محمد الخضر حسين منافع التربية المتشبعة بما جاء في كتاب الله من المواعظ الحسنة، والإرشادات الصحيحة، فهي تعصم الإنسان من مخاطر التقليد، وما ينشأ عنه من مفاسد، ودعا إلى وجوب الاهتمام بالطفل منذ النشأة الأولى؛ لأنه يولد على الفطرة، والشرور ليست جبلّية في الإنسان، ومن نشأ نشأة صالحة، كان صالحاً، ومن نشأ في الفساد، يكون فاسد الذوق، لا يخضع لسلطة الأحكام الدينية.
فالتربية الأولى تكون بغرس عزة النفوس، وقوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق، وفي هذا الصدد تنادي المجلة بوجوب تعميم التربية بين طبقات الأمة؛ لأنها أساس الحياة، وعماد كل تقدم.
فيقول الشيخ الخضر حسين: "وخاتمة المقال: أن تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه".
ومن الأخلاق التي حثت عليها المجلة: كبر الهمة، فهي سجية من
(15/ 2/127)

سجايا الدين، والعزة من شعائر الإيمان؛ لأنها تردع النفوس عما نهى الله، وتغلق أبواب الفسوق والملاهي، وتسمو بها إلى الوقوف على أسرار الهداية، وأصحاب هذه النفوس تستضيء الأمة بأنوار عقولهم، فتخطو إلى المجد بخطا سريعة. أما من ضعفت هممهم، فإنهم ينزلقون بها إلى الحضيض والرذائل.
وقد جعل الشيخ محمد الخضر حسين الهمة مقياساً لرفعة الأمة وانحطاطها: "وإنما هو كبر الهمة وضعفها، يمثلان لك الإنسانية بالسلك التي ينظم خرزاً كثيراً، تباينت معادنها شرفاً وحِطَّة، واختلفت مناظرها سماحة وجمالاً".
ودعت المجلة العلماء إلى الاضطلاع بدورهم في تقويم المعوج من الأخلاق، وتعديل الزائغ من العقائد، والنهي عن البدع المذمومة.
وقد خصصت العديد من المقالات لإبراز ما تفشّى في المجتمع من الرذائل وسوء المعاملات، وطغيان المصلحة الشخصية، والتعامل بالربا الذي أفردت له مقالة؛ لتبين مدى تلاعب البعض بما جاء في القرآن من تحريم الربا، وتفسيرهم له تفسيراً يرضي حاجتهم، ويخدم مصالحهم.
وفي هذا خطر كبير على المجتمع، وبُعْدٌ عن مقاصد الشريعة، وتشويه للوجه الحقيقي للإسلام.
* الأدب:
تحتل المباحث الأدبية مرتبة ثانية بعد المباحث العلمية في المجلة، وقد أشرنا إلى أن الأدب واللغة وُظِّفا لخدمة الدين، فهما فرع من العلوم الدينية، لذلك نرى أن جل المقالات المخصصة للأدب في هذه المجلة خاضعة
(15/ 2/128)

إلى هذه النظرة، فالأدب يجب أن يتطور، وتتناول مواضيعه ما يحصي مجد الأمة، ولذلك حثت المجلة العلماء أولي القوى والأفكار الرشيدة على خدمة الأمة بأقلامهم؛ للنهي عن البدع المذمومة، والتنفير من العوائد الهجينة، ودعتهم إلى تحرير الموضوعات المفيدة، والثبات أمام الانتقاد، والتمثل بالسلف الصالح، وما بلغوه من ترقٍّ وتقدم عن طريق الكتابة؛ لأنهم لم يرفعوا
أسس هذا التقدم باستعداد زائد في فطرتهم، أو قوة خارقة في إنسانيتهم، وإنما بسعيهم وحزمهم، ونشاطهم وجدهم، وبعدهم عن الركود والتخاذل عن الإصدل بكلمة الحق.
يقول الشيخ الخضر حسين: "هم رجال، ونحن رجال، أقلامهم من القصب الذي ننحت منه أقلامنا، ولا يحملونها إلا بمثل أناملنا قوة وشكلاً ... "، فالكتابة إذن هي إحدى دعائم التقدم والإصلاح، وقد بينت إحدى المقالات في المجلة طرق الترقي في الكتابة، وخصصت أربع مقالات للحديث عن حياة الشعر وترقية، نشرت في أعداد متتابعة.
3 - العلوم العصرية:
رأينا أن المجلة تسعى إلى بعث مجد الأمة، والوصول بها إلى مراتب التقدم والرقي، ولذلك فإنها لم تنكر الأخذ بالعلوم العصرية، بل دعت إلى تجديد العلوم الدينية ببعض العلوم الأخرى؛ تلبية لمتطلبات العصر.
وقد أبرز الشيخ الخضر حسين -خاصة فىِ حديثه عن حياة الأمة- فوائدَ الأخذ بالآلات والطرق الجديدة، والأساليب الحديثة؛ تطبيقاً لأوامر الشريعة التي ألحت على الاقتصاد في الأموال والمجهود، ويطالب بقيام نخبة من أهل النهضة بتعليم أبناء الوطن هذه الطرق؛ لأنها سبب القوة، وازدياد الملك
(15/ 2/129)

والثروة، فيقول: "وهكذا سائر الصنائع التي تمس الحاجة إليها، ينبغي الأخذ فيها بالطرق التي هي أيسر كلفة، وأربى فائدة، وقد حكم العيان بأن الآلات الجديدة حققت كثيراً من الأعمال التي لا تبلغ غايتها إلا بشق الأنفس".
ونظراً إلى أهمية هذه القضية، فإن المجلة تفرد لها مقالاً يتحدث عن "مدنية الإسلام والعلوم العصريقا، نتبين من خلاله أن المجلة لا تعادي هذه العلوم، بل تدعو إلى الأخذ بها؛ متأسية في ذلك بالسلف الذي أخذ الأشياء النافعة من "أي وجهة صدرت، فمحّصوها بتطبيق أصول الديانة عليها، وغرسوها في معادن معارفهم العالية".
تدعو المجلة إذن إلى معرفة هذه العلوم العصرية، وتمحيصها، وإلحاقها بالعلوم الإسلامية؛ لتضمن بذلك تقدم الأمة، وتؤكد أن ذلك لا يخالف الشريعة الإسلامية، بل إن ما ذهب إليه البعض من إساءة الظن بتعاطي هذه العلوم، واتهامه بالإلحاد، هو عينُ الجهالة والغي.
وموقف المجلة من العلوم العصرية يعتبر من المواقف التجديدية، فما هي هذه المواقف؟.
4 - المواقف التجديدية:
من يتابع أعداد هذه المجلة، يرى أنها سعت إلى التجديد في أغلب المحاور التي طرقتها، فهي تنادي بضرورة التجديد في المفاهيم الدينية بما يلائم روح العصر، حتى تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وهي تؤمن بمنافع الاجتهاد، وما يهيئه للدّين من حياة جديدة، وتعدد سبل الترقي والوسائل التي تدفع بالأمة إلى التقدم في كل المجالات؛ كالكتابة، وترقية الشعر، وتطعيم العلوم الإسلامية بالعلوم العصرية، ولكنها تُخضع كل ذلك
(15/ 2/130)

إلى مقياس الشريعة الإسلامية.
وهذا ما جعل المجلة تلقى رواجاً كبيراً في أوساط المثقفين التونسيين، وشارك في الكتابة فيها العديد من العلماء، باختلاف انتمائهم إلى الطرفين المتصارعين: المحا فظين، والإصلاحيين، وقرَّظها الكثيرون، وابتهجوا لصدروها.
* المجتمع التونسي من خلال مجلة "السعادة العظمى":
ذكرنا عند تعريفنا بمجلة "السعادة العظمى": أنها أنشئت سنة 1904 م؛ أي: في أوائل القرن العشرين، وقد اتصفت هذه الفترة بسيطرة السلطات الاستعمارية الفرنسية على البلاد، ومحاولاتها مَحْقَ العقلية الإسلامية، وصبغتها بعقليتها؛ لاستيلائها على أهم المراكز التي تقوم عليها البلاد؛ كالتعليم والاقتصاد، وضعفت حالة الشعب، وشعَرَ بالذل والهوان، وطغَت عليه روح الخمول والاستسلام، فانتشرت الأوهام والبدع، وساءت المعاملات التجارية، وتغلغل الشعور بالعجز، وبان البون شاسعاً بين العقليتين المسيطرتين على المجتمع: عقلية الغرب المتطور، وعقلية الشرق المتخلف.
فتحركت همم العلماء لحماية الإسلام من الاندثار، والوقوف في وجه الغرب الزاحف بحضارته وقيمه.
واتخذ هؤلاء العلماء الصحافةَ وسيلةً للجهاد، ومنبراً للوعظ، ولم تتخلف مجلة "السعادة العظمى" عن أداء دورها ضمن هذه الحركة، فاختارت المواضيع من صميم الواقع الاجتماعي، وصوّرت لنا اهتمامات السكان بمختلف طبقاتهم، وعكست القضايا التي تشغلهم، وكتب فيها المحافظون المجددون، وقرَّظها العلماء وغيرهم من الموظفين، ووجهت إليها أسئلة من مختلف
(15/ 2/131)

المناطق، فكانت هذه المجلة مرآة عاكسة للحياة الاجتماعية التونسية في تلك الفترة.
ويبرز هذا خاصة في المواضيع التي خاضت فيها؛ كالبدع "هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحّروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باخترل أحكام على قالب أغراضهم".
والتمدن الذي يُبرز صاحب المقال مفهومه الحقيقي، ونظر الناس إليه، فيقول: "وقد يخطئ بعض المنتمين إلى هذا القبيل، فيخرجون بتلك اللوازم عن هذا الاعتدال، بل ربما فهموا من هذه اللفظة غير المراد منها، وحاولوا التلبس بشعارها، فيفضي سوء الفهم إلى التقدم، ولكن في الهمجية لا المدنية".
والأحاديث الموضوعة التي تداولها الناس دون تمييز بين خبيثها وطيبها، فيحذر منها صاحب المقال، ويبرز طريقة الأخذ بالأحاديث، والعمل بها، وموقف أئمة الدين منها، فيقول: "ونحن لا نرى إلا ما رأته أئمة الدين، وهو: أنه لا يستباح لأحد أن يروي حديثاً إلا بعد تحققه عدم وضعه، ولا يكفي في ذلك سماعُه من عالم أو خطيب، أو رؤيته في كتاب، إلا إذا أُسند إلى من يوثق بروايته".
ومن بين المواضيع التي عالجتها المجلة: موضوع الربا؛ لأنه كان منتشراً في أوساط المجتمع، يستغل به الغني حاجة أخيه الفقير، فيستشهد صاحب المقال بما أورده الله من آيات في تحريم الربا، ويوضح المقصد الحقيقي منها؛ لأن المرابين قد فسروها بما يخدم مصلحتهم، واحتالوا في قياصها على مآربهم، ويُبرز أن الربا مفضٍ إلى الخراب، ويقرل: "وأن الحكمة
(15/ 2/132)

في التحريم: إزالة نحو هذا الظلم، والمحافظة على فضيلة التراحم، وأن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير إليه".
أما المشكل الذي كان يشغل بالَ أغلب المسلمين، فهو: موقف الإسلام من الحضارة، ومدى مسايرة الشريعة لمقتضيات هذا العصر، وقد أَوْلَته هذه المجلة عناية هامة، وخصصت له مقالتين منفردتين: "مدنية الإسلام والعلوم العصرية"، و"مدنية الإسلام والخطابة"، وتناولته في مقالات أخرى متفرقة، تتناول وسائل الرقي والتقدم؛ كالصحافة، والكتابة، والعلم، والتربية المطلقة.
وقد أوضحت هذه المجلة السبل التي تمكّن الأمة من مستقبل زاهر، يعيد لها ما غبر من مجد، وأبرزُها: الاعتصام بالشريعة، والاجتهاد في فهم مقاصدها، والإقبال على العلم، والتحلّي بالأخلاق والقيم الإسلامية، مع مراعاة روح العصر.
ولن يتحقق هذا إلا بالتعاون والتعاضد بين كل أفراد الأمة خدمة للمصلحة العامة؛ لأن "التعاون شرعاً يتمحض القصد منه في استجلاب المنفعة، صازالة الضرر اللاحق، ولو لفرد واحد من أفراد الجماعة؛ رعاية للأخوة الدينية، واحتراماً للعهد الذي أخذه عنه الشارع".
وفي الختام: نرى أن هذه المجلة تفاعلت مع البيئة في أوائل هذا القرن، وساهمت في الحركة التي تميزت بها هاته الفترة.
(15/ 2/133)

محاضرات الندوة

تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين (1)
أيها السيدات والسادة
عنوان مداخلتي: تطور الخطاب الديني عند الشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" التي تأسست سنة 1904 م إلى "الهداية الإسلامية" التي تأسست في مصر سنة 1928 م.
لا مراء في أن الشيخ محمد الخضر حسين كان ركناً من أركان النهضة الفكرية والأدبية، كما بيّن ذلك الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابيه: "الحركة الفكرية والأدبية في تونس"، و "أركان النهضة الأدبية في تونس". وهو معدود من أبرز من أرّخ للحركة الفكرية والأدبية في بلادنا.
والمعلوم أن الشيخ محمد الخضر حسين كان من أبرز ناشطي شيوخ الجامع الأعظم في العقد الأول من القرن العشرين، كما كان حضوره بارزاً وفاعلاً ومنتظماً في أبرز المؤسسات التحديثية التي أسسها إصلاحيو القرن التاسع عشر، أو أسسها الجيل الأول من تلاميذه، أقصد: المدرسة الصادقية. كان الرجل مدرساً في هذه المؤسسة، الجمعية الخلدونية التي تأسست عام 1896 م، وكان من أبرز محاضريها، وكان حضوره فيها منتظماً، جمعية
__________
(1) محاضرة الأستاذ جمال الدين دراويل، باحث، ورئيس تحرير مجلة "الحياة الثقافية" بتونس.
(15/ 2/134)

قدماء الصادقية التي تأسست سنة 1905 م، وكانت محاضرته عن "الحرية في الإسلام" من أبرز المحاضرات التي ألقيت على منبر هذه الجمعية، وما زالت الكثير من الأفكار التي تضمنتها هذه المحاضرة تحتفظ بأهميتها.
تأسست بإشرافه وتوجيهه أولُ منظمة طالبية بتونس سنة 1907 م، وهي: (جمعية طلبة تلاميذ جامع الزيتونة). وكان حراكه الفكري، ومنزعه الإصلاحي، ووعيه الوطني سببَ استهدافه من الجبهتين: الداخلية، وأقصد: المعهد العتيقال في كان علماً من أعلامه، وهو جامع الزيتونة، والجبهة الخارجية، وأقصد: الاستعمار الفرنسي الذي سلّط عليه أنواعاً من النكاية. وكان هذا الاستهداف من الجبهتين الداخلية والخارجية وراء إغرائه سنة 1912 م إلى الرحيل إلى الشام أولاً، فمصر ثانياً؛ حيث استقر، وبلغ قمة المجد العلمي كما تعلمون.
إذن، في أفريل 904 أم أسس الشيخ محمد الخضر حسين مجلة علمية هي الأولى في البلاد التونسية، سماها: "السعادة العظمى"، والملاحظ: أن تأسيس هذه المجلة كان في مرحلة الشباب والتوثب بالنسبة إلى هذا الرجل، وعمره في سنة 1904 م إحدى وثلاثون سنة.
* "السعادة العظمى"، أو النظرة العالية:
تجدر الملاحظة: أن خروج الشيخ الخضر من دائرة المسجد، ومن حدود الدرس العلمي داخل المعهد العتيق، واقتحامه لأول مرة في التاريخ الثقافي التونسي مجالَ الصحافة الفكرية، يقيم الدليل على سعة أفق الرجل، وإدراكه أن مجال النشاط الإصلاحي ينبغي أن يشمل الرأي العام الفكري والثقافي، وأن لا يبقى في الدوائر العلمية الضيقة. وهو ما يفسّر توجُّسَ هيئة
(15/ 2/135)

النظّارة العلمية في جامع الزيتونة من صدور هذه المجلة، ومطالبتها للوزير الأكبر في ذلك الوقت محمد العزيز بو عتّور بإيقاف إصدارها.
إذ لم يستوعب أعضاءُ هذه الهيئة من الشيوخ المنحدرين في معظمهم من عائلات بورجوازية تونسية تجاسرَ هذا العالم الشاب من نقل مجال المداولات العلمية والفكرية المتصلة بالقضايا الفقهية والأخلاقية، والأدبية واللغوية من الدوائر التقليدية التي كان يتولاها هؤلاء الشيوخ إلى الرأي العام؛ حيث المقاهي والنوادي، إلى غير ذلك.
إذ كانوا يعتبرون أن هذه الوظيفة هي وظيفتهم، وليس فيها لغيرهم أن يتولاها، وأن يضيق دائرة سلطتهم العلمية والمعرفية في ذلك الوقت.
صدع الشيخ محمد الخضر حسين منذ المقال الأول مين مجلة "السعادة العظمى"، المقال الافتتاحي للعدد الأول، فقال: "إن دعوى غلق باب الاجتهاد لا يُسمع إلا بدليل ينسخ الدليل الذي انفتح به هذا الباب أولاً"؛ رداً على النظرة الضيقة المغلقة التي كان يروِّجها المحافظون من شيوخ جامع الزيتونة، ووعيا من الرجل بأن في "السعادة العظمى" استقلالاً وحرية ونهضة معرفية وعمرانية، وهي قضايا مركزية وجوهرية بالنسبة إليهم، فالرجل كان ذا نزعة استقلالية لا مراء فيها، وكان يعتبر أن قضايا الحرية وحقوق الإنسان من القضايا التي ينبغي أن تعالج في المجتمع الحديث.
كما راهن وركز وعالج النهضة المعرفية والنهضة الفكرية التي لابد أن تكون المقدمةَ الضرورية لدخول المجتمعات العربية الإسلامية - والمجتمعُ التونسي مثالٌ لها- إلى مرحلة التحديث، والخروج من أَسر الأُطر المغلقة التي أراد المحافظون من علماء جامع الزيتونة أن يُبقوا مسارَ
(15/ 2/136)

الحراك الفكري والأدبي ضمنها.
فكانت هذه الفكرة -المعبّرة عن التحدي للجمود والمحافظة- سبباً في الهياج الذي قام في وجه الشيخ الخضر ووجهِ مجلته، وكان سبباً لكثير مما نال صاحبَها من الاضطهاد والنكاية خلال مقامه بتونس، علماً أن الصراع بين الطرفين، العلمي يستلزم الاستحواذ على المناصب العلمية والشرعية والدينية، وآفاقي يتطلع إلى اعتلاء سدة التفكير الفكري والإيديولوجي، كان يغذي موقف هؤلاء الشيوخ من صاحب "السعادة العظمى".
وإضافة إلى المقال الافتتاحي للعدد الأول من مجلة "السعادة العظمى" الذي جاء واضح العبارة، صريح الموقف، لا مواربة في رفضه للتقليد والاستحواذ النظرة المذهبية على المذهب التشريعي.
بيّن الشيخ الخضر -في ذات العدد الأول-: أنه ينتهج في نظره الفقهي فَهْمَ مقاصد الشريعة، ولا يساير من انفرد بضيق النظر، فزاغ بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها. والرجل واضح المسلك في رفضه للجمود والتقليد، وفي كونه يروم المنزع الاجتهادي التنويري الذي لابد منه لإحداث الحراك الفكري والاجتماعي الضروري لخروج المجتمع التونسي من دائرة التقليد والجمود إلى دائرة النهضة المعرفية والاستقلال والحرية، إلى غير ذلك.
وعبّر عن موقفه ممن سلك مسلك الجمود والقعود والركود إلى ما قدمه القدامى اعتقاداً من أنه منتهى ما يمكن الوصول إليه، عبَّر عن ذلك في ذات المقال، فقال: "فإليك إيابه، وعليك حسابه" في أول جملة قالها في هذا المقال "اللهم كذا وكذا"، ثم أنهاه بقوله: "فإليك إيابه، وعليك حسابه"، والمقصود
(15/ 2/137)

هو من الجامدين من الزيتونيين المحافظين.
على هذا الأساس عبّرت مقالاته عن نظر فسيح، ورؤية عميقة، ومنزع إصلاحي، وهو ما يبرز للوهلة الأولى من خلال إمعان النظر في العنونة التي توخاها في جملة مقالاته في "السعادة العظمى".
وأسوق لكم بعض هذه العناوين: حياة الأمة - التقدم والكتابة - النهضة والرحلة - الشعر العصري - مدنية الإسلام والعلوم العصرية - الديانة والحرية المطلقة - كبر الهمة. هذا المعجم الذي كان الرجل يتوخاه في العنونة، بالإضافة إلى المضامين التي سآتي عليها بإيجاز بطبيعة الحال، تبين وجهة الرجل النهضوية، وطريقه الإصلاحي.
وفي مقاله الافتتاحي الموسوم ب: "حياة الأمة" جاء في الأسطر الأولى: "لتجدن أشد الناس فتوراً، وأضعفهم عقدة في رابطة بني جنسه، من يرى أمة متمسكة بأذيال المدنية، ساعية وراءها بحركات تبهر العيون، وتدهش الألباب، ترفل في ملابس الرفاهية تحت ظلال عزّ مكين، ويشاهد أمة أخرى في أسوأ منظر من خشونة الحال، وشظف العيش، وجهومة المسكنة، ثم لا يسأل الناس إلحافاً عن الأسباب التي ترتفع بها قواعد العمران، والعلل التي تخربها على عروشها".
هذا هو سؤال التقدم الذي يمثل مركز الاهتمام بالنسبة إلى إصلاحي القرن التاسع عشر، واللافت للنظر: أن الشيخ الخضر وصف من ركنوا إلى الجمود، ووضعوا الحواجز والموانع أمام كل محاولة للتجاوز؛ بأنهم إخوان الأنعام، ودعا على أيديهم التي تمتد بالأذى على المصلحين والتنويريين بالشلل، فقال: "رماها الله بالشلل"؛ لذلك قلت: إن مرحلة "السعادة العظمى"
(15/ 2/138)

بالنسبة إلى خطاب الرجل هي مرحلة النظرة العالية.
فالتقدم المشاهَد في المجتمعات الأوروبية بالعيان، وليس بعده بيان -كما عبَّر عنه المصلح خير الدين-، وسقوط المجتمعات العربية والإسلامية في وَهْدة التخلف، وانحباس أعضائها الحضاري قابلٌ -كما بيّن الشيخ الخضر- لكل ذي همة عالية أن يسأل ويبحث، ويقارن ويحلل، ويضع مظاهر التخلف تحت محك البحث والمساءلة؛ وصولاً إلى معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الانحدار في وهدة السقوط الحضاري، وتوصلاً بالمعالجات الصحيحة العلمية المبنية على النظر الدقيق، والفحص العميق؛ للخروج من دائرة التخلف إلى دائرة النهوض والتقدم.
ولا يكون التقدم قابلاً للتحقق في مواقع الوجود الفعلي في رأي الشيخ الخضر، ولا يتسنى للأمة أن تستعيد عافيتها وتوازنها، وتسترجع نضارتها وحيويتها، وتستأنف دورها في تنشيط الحركة الحضارية، ولا يمكن للمجتمع العربي والإسلامي، وتونسُ أنموذجٌ له، أن يعرج إلى الأفق الأعلى من الأمن والسعادة -كما قال- إلا من خلال كبر الهمة، إلا إذا كانت الهمة تواقة إلى المعالي. ومن قوله: "جرت سنّة الله في خلقه أن لا ينهض بأحد المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة، التي يشد بها نطاق السيادة الكبرى، غيرُ النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تعلق إرادتها بسفاسف الآمال".
هذه النوعية من الرجال والشباب التي كان الشيخ الخضر يعمل على تحريكها، وعلى صناعتها؛ للوصول بالمجتمع التونسي بعد حين إلى الغاية التي كان يروم؛ من الاستقلال، ومن الحرية، ومن النهضة المعرفية.
(15/ 2/139)

ودعا الشيخ الخضر إلى أن تتجه المؤسسة التربوية والفكرية إلى بث هذه الروح في الناشئة التي هي مناط المستقبل، فقال: "وإذا استبنّا أن أكبر الهمة سجيةٌ من سجايا الدين، تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائلَ شتى، فلم لا تعقد عليها نفوس أبنائنا، ونرشحهم بلبانها في أدوار تربيتهم الأولى؛ ليستشعروا بالأداب المضيئة، ويتجلببوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاء غير مجذوذ في الآجل".
وكبر الهمة، والتَّوق إلى المعالي والوجدان الأفضل والأكمل والرَّوْم على الدوام، هي مركزية في النطاق الفردي، وفي النطاق الجماعي بالنسبة إلى المجتمع التونسي، وخصص لها كتابا مفرداً هو في حقيقته محاضرة ألقاها على منبر (جمعية قدماء الصادقية) سنة 1906 م، وفي هذا الكتاب الصغير الحجم، الجليل الفائدة، جليلُ الأفكار المتضمنة فيه، بيَّن أن المجتمع الذي جثم الاستعمار عليه، أو كان تحت نفوذ سلطة مستبدة، غيرُ قادر على إنجاز الأعمال الجليلة، فقال: "الأمة التي بُليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها"، ويقصد: السلطة الاستعمارية، "أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستعباد": النظام الملكي للبايات المطلق، "هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية". وفي المقابل، فالتجمع الحر المستقل الذي يتمتع أفراده بالحرية التي عرّفها الشيخ الخضر بمضامينها الحديثة، فقال: "حيث عرف الحرية أن تُقرر للمرء حقوق لا تعوقه عن استيفائها يد غالبة"، هذه الحرية هي المنطلق والأساس بالنسبة إلى تحقق كبر الهمة، ثم إلى النهوض المعرفي والسياسي، والعلمي والاجتماعي، وإحداث الحراك اللازم لهذا النهوض.
(15/ 2/140)

يمكن أن نقول: إن المباحث التي تصدى لها الشيخ الخضر في مجلة "السعادة العظمى" عالجت بنظرة عالية قضايا الحرية والنهضة والتقدم والمدنية في مرحلة كانت البلاد التونسية تشهد فيها مخاضات وتحولات تُؤذِن بأن التونسيين بدؤوا يستعدون لإدارة بلادهم بأنفسهم، وهو ما عبّر عنه الشيخ الخضر إذ قال في كتابه "تونس 67 عاماً من الاحتلال الفرنساوي"، قال: "أصبحت تونس مستعدة للقيام بواجبات استقلالها، وليست في حاجة إلى ما يسمونه: حماية". علماً أن الرجل بعد الحرب العالمية الأولى أسس (جمعية استقلال تونس والجزائر) صحبةَ الشيخين: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، ثم في أربعينات القرن الماضي أسس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا)، وهي منظمة سياسية بالدرجة الأولى، غايتها استقلالية.
لم يساير الشيخ الخضر في هذه المرحلة التونسية التي أسس فيها مجلة "السعادة العظمى" المؤسسةَ التقليدية، والعلماء المحافظين، وكانت نظرته فيها معارضة للتوجه الذي كان سائداً في تلك الفترة.
* مجلة "الهداية الإسلامية":
الحجة البالغة في مجلة "الهداية الإسلامية" هي الوصول للبحث العميق والدقيق، وهي وسيلة في ذلك بينها وبين النظرة العالية في مجلة "السعادة العظمى".
إذ كان الشيخ الخضر حسين علماً بارزاً، وطوداً شامخاً، ينبغي أن نهتدي به، وإن مدونته تتيح للباحثين أن يمرسوه مفسراً، وفقيهاً، ومصلحاً، ولغوياً، وبلاغياً من الدرجة الأولى.
(15/ 2/141)

والحقيقة أن الأبحاث مازالت ضنينة إلى حد بعيد في هذا الاتجاه، ونرجو أن تكون هذه الندوة محفّزاً لمن يهتم من الباحثين بهذا العَلَم.
وشكراً على إصغائكم.
(15/ 2/142)

محاضرات الندوة

تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى" (1)
بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيمِ
ما أريد أن أقول في هذا العمل الذي قمت به هو: أن الشيخ محمد الخضر حسين له مكانة في تونس، حينما كان يعيش في تونس، حينما أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، جدير بنا أن نفكر بها، لا أن نستعرضها.
فلذلك سأبدأ بمقدمة، ثم سأتطرق إلى جوهر الموضوع من خلال نقاط ثلاث.
أما المقدمة، ففيها جانبان:
الجانب الأول: يتمثل في قدوم، "الآفاقي" (2) إلى الحاضرة، هذا الذي جاء من "نفطة" كما جاء الشيخ سالم بو حاجب من "بنبلة" إلى تونس الحاضرة بما فيها من "علماء".
ماذا أحدث؟ من أين انطلق؟ وماذا أحدث؟
__________
(1) محاضرة الدكتور كمال عمران رئيس (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، وأستاذ جامعي، ومدير إذاعة الزيتونة بتونس.
(2) تطلق كلمة (الآفاقي) في تونس على القادم من خارج المدينة، من الريف أو الصحراء، وهي كلمة كانت تعني في الماضي شيئاً من الحطّ بالقيمة.
(15/ 2/143)

انطلق من "نقطة" حيث الاتساع، حيث الجرأة، حيث الشجاعة، حيث الفطرة، الفطرة الذي يجعل التفكير بداية لا نهاية؛ لأن هناك من يستعمل الفطرة؛ بكون الأنسان بلا فطرة، وانتهى، لا الفطرة باعتبارها بداية للتفكير.
حينما دخل -في تقديري- الشيخُ محمد الخضر حسين بعقلية (الآفاقي) فتح فتحاً مبينا في الحاضرة (1)، وفي جامع الزيتونة، بهذه القيم التي استلهمها من موطنه من "نقطة" كما استلهم الشيخ سالم بو حاجب، وغير هؤلاء الكثير الذين دخلوا إلى تونس، لا أذكر الشابي، لا أذكر الحداد، لا أذكر زعماء السياسة الذين جاؤوا من الآفاف، ودخلوا الحاضرة، فأهاجوا في الحاضرة نوعا من التفكير غيَّر نزعة الثقافة التونسية العربية الإسلامية. وحينما أقول: تونسية، فإني أتكلم على ثقافة تونسية عربية إسلامية قومية.
هذا الجانب -في تقديري- مهم، والتفكير فيه ضروري، حتى ندرك فضل هؤلاء الذين جاؤوا إلى تونس، وفتحوا الفتح المبين، بأن جعلوا من النسق الفكري نسقاً فيه من الجرأة، وفيه من الشجاعة ما جعل الشيخ الخضر يكتب هذه الكتب، وأكثر منها غير موجود على المنصة.
النقطة الثانية: الجامع الأعظم في تونس حينما جاء الشيخ الخضر حسين، كان فيه -في تقديري- نزعتان: نزعة يترأسها الشيخ سالم بو حاجب، ونزعة يترأسها شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة.
سأذكر حادثتين، وهما تكفيان عن الإبانة عن خصائص جامع الزيتونة بين هذين المفترقيْن:
__________
(1) يطلق لفظ (الحاضرة) على مدينة تونس العاصمة.
(15/ 2/144)

الشيخ أحمد بن الخوجة كان هو شيخ الإسلام حينما دخلت فونسا تونس ليلة 12 ماي 1881 م، ولعله من الصدف أن مراسل جريدة "التايمز" أحدث معه حواراً، مختصرُ هذا الحوار هو ما يلي: كيف لك سيدي شيخ الإسلام، وأنت نصير الإسلام، ترتضي أن يُمضي الباي معاهدة فيها حماية أجنبي مسيحي غربي على تونس المسلمة الشرقية إلى آخره، كيف كان الجواب؟ جواب شيخ الإسلام هو: أنه لا يُمضي إلا بعد أن أمضى ولي أمره، وشأنه أن يكون خاضعأ لولي أمره، فالصادق باي أمضى، فعليّ أنا -شيخ الإسلام- أن أمضي. لا أريد أن أعلق، الأمر واضح.
الشيخ أحمد بن الخوجة هو الذي أفتى فى مشكلة (الشوكولاته) (شوكولاته مينييل) التي دبَّ في تونس الحاضرة أن هذه الشوكولاته التي تأتي من مرسيليا كانت تصنع من شحم الخنزير، فعطّل الناس شراء هذه الشوكولاته، فأفتى في حِلِّية أكل الشوكولاته. هذا نموذج من شيوخ جامع الزيتونة، مع احترامنا لهم.
الشيخ سالم بو حاجب كان صفة أخرى من الآفاق، الذي جاء فحرر بالجرأة والشجاعة. أكتفى بأن أقول بأنه في المحاضرة التي افتتح بها دروس المدرسة الخلدونية سنة 1897 م، قال كلاماً ليس له من نظير لربما إلى يوم الناس هذا، وإذا قارنته بمحاضرة الشيخ محمد عبده في نفس المكان، وبعد سنوات، فمانني أرى البون بائناً بين الشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد عبده؛ لأن الشيخ سالم بو حاجب خلاصة ما قاله، قال: إن العلوم الدينية لا ترقى إلا إذا ارتقينا بالعلوم الدنيوية، شرط الارتقاء بعلوم الشرع: الارتقاء بالعلوم الدنيوية. الشيخ محمد عبده قال، وأطال في الطريقة التقليدية في
(15/ 2/145)

استنهاض همة المدرسين والطلبة في جامع الزيتونة.
هاتان المقدمتان أردت بهما أن أشير إلى الوضع، البيئة، التي نشأ فيها الشيخ محمد الخضر حسين، وشارك فيها. كيف شارك؟
في تقديري، منظومة التطوير عند الشيخ محمد الخضر حسين فيها مجالات تحتاج إلى المراجعة، مراجعتنا نحن؛ لأننا -في تقديري- من المقصرين إزاء الشيخ محمد الخضر حسين وغيره من الذين كانوا أعلاماً، وأعطوا للفكر التونسي إلى يوم الناس هذا الثوابتَ التي ينبغي أن نعرفها، وأن نعرّف بها شبابنا على وجه الخصوص.
أول فكرة -في تقديري- جوهرية، هي فكرة العقل. كيف عاد الشيخ محمد الخضر حسين إلى منظومة العقل لتطوير المنظومة الدينية، العقل في تاريخ المسلمين له شأن كبير، ولكنه شأن منزلق من القوة إلى الضعف.
بدأ العقل اجتهاداً واستنباطاً، ونشراً للعلوم والمعارف، ثم ارتبط بالتقليد، والتقليد إنما هو كسر للعقل، واتباع لآراء البشر، وتبني الآراء المقلدة بدلَ العودة إلى القرآن والسنّة، والتماس الحجج منهما. الشيخ محمد الخضر حسين حينما نظر إلى العقل كأني به يسترجع ما قاله أبو سليمان المنطقي، ابن بهرام السجستاني له كتاب عنوانه: "سوار الحكمة"، نقل عنه أبو حيان التوحيدي ما يلي، يقول: إن الشريعة حق، ولكنها ليست من الفلسفة في شيء، وإن الفلسفة حق، ولكنها ليست من الشريعة في شيء، فوجب الأخذ بهما في مكانين متوازيين؛ وصولاً إلى السكينة الإلهية، أو إلى الحكمة الإلهية.
انظروا العقل الذي كان صافياً إلى درجة التمييز بين الفلسفة، وهي واجب على المجتمع، والشريعة، وهي واجب على المجتمع.
(15/ 2/146)

لم ينفِ هذا بذاك كما سيحصل انطلاقاً من القرن الخامس إلى يوم الناس هذا تقريباً حينما أصبحت الفلسفة بدعة أو زندقة، وعلم الكلام بدعة. وما أدراكم أن المقَّري يخبرنا أن أمراء الأندلس كانوا يقتلون الفلاسفة تقرباً من العامة.
العقل عند الشيخ محمد الخضر حسين -والشاهد على ما أقوله مأخوذ من مجلة "السعادة العظمى"- هو المؤسس لكل تطوير في المنظومة الدينية الإسلامية.
فإذن العقل عند الشيخ هو أداة للتأسيس، وأداة لمراجعة الثقافة العربية الإسلامية.
الجانب الثاني: هو التطوير بالعودة إلى الأصل، وهنا من النقاط الجوهرية التي وجدتها واضحة لدى الشيخ في "السعادة العظمى".
ما معنى الأصل؟ كيف نعود إلى الأصل لنطوّر؟ كيف نعود إلى الوراء لنطوّر؟
هنا التمس الشيخ مبدأً جوهرياً يتمثل في مناقشة معنى الأصل، ما هو الأصل؟
الأصل عنده: هو مقتضى حديث نبوي شريف "خيرُ القرون قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، ما معنى هذا الحديث؟ القرن هو: الجيل، ثلاثة أجيال زكّاها النبي، وجعلها المرقاة إلى كل تطوير.
ما معنى العودة إلى الأصل؟ العودة إلى الأصل: العودة إلى القديم.
والقديم في مناقشة لطيفة بين الأستاذ عبد الوهاب بو حدييه، والمستشرق الفرنسي (جاك بيرك).
(15/ 2/147)

يعالج الأستاذ عبد الوهاب بو حديية فكرة القديم، ويقول لجاك بيرك: القديم عندنا ليس نصّه عندكم. ثمة فرق كيير بين القديم عندنا بمقتضى العلاقة بين التجديد والقديم، يقول: القديم عندنا فترة من التاريخ، نعم، فترة من الزمان، نعم، حددت بالسنوات اثنين، ثلاثة، تسعين سنة، أو مئة سنة على أقل تقدير. هي في الزمان، ولكن أصبحت أنموذجاً على الزمان.
الاختراق، فترة الأصل فترة القديم من الزمان تسعين أو مئة سنة التي عاشها الصحابة بأخطائهم بالفتنة الكبرى، بما فيها من معايب، لكن بما فيها من الخصال الممارسة عن النبي، والتابعين عن الصحابة، وتابعي التابعين عن التابعين.
هذه الأشياء الثلاثة يقول الأستاذ عبد الوهاب بو حديية ما لم يقله الشيخ، ولكن كان ليختصره اختصاراً ... الفترة القديمة التي كانت في الزمان من الزمان، ولكنها أصبحت أنموذجاً لذي ينبغي أن يعود إليه البشر حتى يدركوا ثوابت الإسلام، حتى يستصلحوا أحوالهم في ضوء هذه الفترة القديمة؛ لأن شريعة الحق، شريعة الأصل: الفترة التي ذكرها "خير القرون قرني"، هي الشريعة تؤدي إلى حقوق الإنسان بلا منازع، ولكن الركام ساد على الفكر الإسلامي، الركام هو الذي أفقدها نظرتها.
هل يمكن أن نعد الشيخ مصلحاً في هذا السياق؟
أظن أنه نجنبه مصطلح الإصلاح بالمعنى الضيق، أما بالمعنى العام لعبارة الإصلاح، فنعم، لم يكن الشيخ محمد الخضر حسين مصلحاً كشأن الشيخ بيرم الخامس، وإن كان الشيخ بيرم الخامس متطوراً، أو غيره من الذين عاشوا؛ كخير الدين الذي تكلم عن الإصلاح، والطهطاوي، وكل الذين
(15/ 2/148)

تكلموا على موضوع الإصلاح بالمعنى الذي ذكرته.
الفكرة الأخيرة تتعلق بالتطوير انطلاقاً من القيم المدنية، وهذا لافت في نظر الشيخ؛ لأن العودة إلى الأصل، التطوير بالتفقه بالدين، هذا من شأن المنظومهّ الدينية الداخلية، ولكن للشيخ فكراً يدعو إلى تطوير المنظومة الدينية عبر القيم التي هي إسلامية محضة؛ كالوقت، كالعمل، كالعمران، هذه المصطلحات التي تناولها الشيخ في "السعادة العظمى".
هذه القيم التي كان يبدو أن ثقافة المسلمين كانت خالية منها، فجاء يدعو إليها بمقتضى الأصل، بمقتضى القرآن والسنّة، وبمقتضى حال الوقت، أو بمقتضى روح العصر الذي عاشه، وهو في سنة 1904 م، وقد أصدر مجلة "السعادة العظمى".
أريد أن أختم بأن الشيخ اهتدى لأول مرة في تونس إلى الصحافة الدينية.
صحافة، ما دورها؟ من كان يكتب فيها في تلك الفترة من 1860 إلى 1888 م بجريدة الحاضرة إلى "السعادة العظمى"، وإلى المجلة "الزيتونية"؟
أقطاب الفكر التونسي كلهم كانوا يكتبون في الصحافة.
جلّ المفكرين التونسيين من المدرسيين، أو من المسجديين كانوا يكتبون في الصحافة.
أليس من الجرأة التي تعيدني إلى من جاء من "نقطقه" حيث الاتساع إلى الحاضرة؛ حييث الضيق والمحبس، لكي ينشر قيما في الصحافة التي كانت تقرأ في المقاهي الأدبية، وفي الجمعيات، وفي المنتديات؛ حيث كان عامة الناس من الذين يجهلون القراءة والكتابة، يصغون إلى من يقرؤون عليهم الصحف والمجلات، ومنها: "السعادة العظمى".
(15/ 2/149)

خاتمتي: هي كون الشيخ لم يكن من الإصلاحيين، بل كان من التطويريين، لم يكن من المجددين، بل كان من التطويريين، وحسبه أنه نفخ في البلاد التونسية عبر "السعادة العظمى" هذه النسمات التي سيجني منها الفكر التونسي من خلال "المجلة الزيتونية" ما به يرسي ثوابت للفكر الديني.
وكانت "السعادة العظمى" تجذف مع تيار لمجلة أخرى هي مجلة "العالم الأدبي" لزين العابدين السنوسي، وكانت نفحاتها تحديثية. و"المجلة الزيتونية" كانت تجذف مع تيار مجلة "المباحث"، وإن كانت -أيضاً- تحديثية.
انظروا هذا التوازي في المجلات الدينية التحديثية، كيف أننا إزاء تيارين هما اللذان سيصنعان هويتنا اليوم، فأية هوية نختار خارج هذا الاعتدال بين منابت دينية ومنابت حداثية.
وهذا ما أرساه فينا الشيخ محمد الخضر حسين.
وشكراً لكم على الصبر.
(15/ 2/150)

محاضرات الندوة

الإمام الشيخ محمد الخضر حسين مفسرا ً (1)
يُعَدُّ الشيخُ محمد الخضر حسين من روّاد الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة؛ مثل: محمد عبده (1849 - 1905 م)، ورشيد رضا (1865 م - 1935 م)، وعبد الرحمن الكواكبي (1854 م - 1902 م)، وسالم بو حاجب (1828 م -1925 م)، وغيرهم.
ومِنَ المعروف أنَّ شخصيةَ الخضر حسين رجلِ "الهداية"، وصاحبِ "السعادة" شخصيةٌ ثريةٌ متعددةُ الاهتمامات.
فمنها: الاهتمامُ الصحفي الذي بدأ به نشاطه.
ومنها: الاهتمامُ التربوي؛ إذ اشتغل بالتدريس في جامع الزيتونة، والأزهر، والاهتمامُ الصحفي الإصلاحيُّ الإسلاميُّ التنويريُّ، والاهتمامُ الديني الذي يتبوَّأ مكانةً بارزةً في حياته، إنْ لم نقل: إنه يحتل الحيِّزَ الأَوفرَ في شخصيته.
وهو من رجال الفكر والأدب التونسيين مولداً ونشأةً، ساهم في إخصاب التراث العربي الإسلامي بإنتاج ثري ومتنوع في الحقلين الأدبي والديني؛ إذ كان -رحمه الله- "عَلَماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين
__________
(1) محاضرة الأستاذ أنور بن خليفة - باحث ومدرّس في معاهد الجامعة الزيتونية.
(15/ 2/151)

وجامع الزيتونة، ومفخرةً للمغرب الإسلامي كلِّه" (1).
وقد كان الرجلُ -إلى جانب كل ما ذكرنا- مُفَسِّراً للقرآن الكريم -كما تشهدُ بذلك آثارهُ-؛ إذ كانت أغلبُ آثاره تتصل بالعلوم الدينية مباشرة، وكانت الطاغيةَ على شخصيته الثقافية؛ مما يجعل آراءَه في المجال الديني تستحق بحثاً مفصلاً، وخاصة: تفسيره للقرآن الكريم. والمُتَمَعِّنُ في إنتاج الخضر حسين في التفسير يُدْركُ -دونَ عناءٍ- أهميةَ منهجه في التفسير، واستقلاليتَه عن التفاسير السابقة والمعاصرة له، والحديثُ عن الشيخ محمد الخضر حسين مفسراً من خلال تفسيره "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره يقتضي منّا التركيز على المسائل التالية:
أولاً: إنتاجه في التفسير.
ثانياً: مصادره في تفسير القرآن الكريم.
ثالثاً: منهجه في تفسير القرآن الكريم.
ولكن -باعتبار أنَّ ثقافةَ المفسِّر، واتجاهاتِه الفكريةَ، وما يسود عصرَه من علوم ومناهجَ واتجاهاتِ وأحداث مختلفة، ينعكس غالباً على تفسيره- يجدر بنا أن نقف على بيئته، وتكوين شخصيته، ومختلف المراحل التي مرَّ بها في حياته.
والشيخُ محمد الخضر حسين صورةٌ عن عصره الثقافي، والبيئات المختلفة التي تقلَّبَ فيها؛ حيث وُلد في بلدة "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي
__________
(1) علي الرضا الحسيني (الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر) -مقال محمد الخضر حسين ذلك الجندي المجهول- بقلم عبد القادر سلامة - الدار الحسينية للكتاب، ط 1/ 1992/ م ص 146.
(15/ 2/152)

يوم (26 رجب 1293 ه 21/ جويلية 1873 م) (1) في أسرة شريفة عُرِفَتْ بعلمها وفضلها. و"نفطة" مدينةٌ ذاتُ تاريخ، عُرفت بأثرها في العلوم الدينية والأدبية حتى لُقِّبَتْ "بالكوفة الصغرى" (2)، فقد برز فيها عددٌ من كبار العلماء، كان لهم دورٌ بارزٌ في حفظ العلوم، ونقلها إلى الأجيال اللاحقة عنهم. وقد تميَّزت بكثرة مساجدها، وما كانت تقدِّمهُ للتلاميذ الوافدين عليها من تعليم وتكوين؛ إذ كان يقصدها طلبةُ العلم من الجزائر وتونس".
أما في أسرته، فقد عُرِفتْ أمه بثقافتها الواسعة، وحرصها الشديد على حسن تربيتها لأبنائها، وإشرإفها على تعليمهم. وجثُهُ للأم هو الشيخ مصطفى ابن محمد بن عزوز، وقد اشتهر أبوه الحسين بالعلم والورع والصلاح، تتلمذ على الصوفي الشهير الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري ناشر الطريقة الرحمانية (3). وخالهُ هو الشيخ محمد المكي بن عزوز العالمُ الجليلُ الذي وُلد سنة (1270 ه / 1850 م) بنفطة، واشتهر بنبوغه في الفنون الأدبية، والعلوم الرياضية، والعناية بعلوم الحديث، وكانت له وجهةٌ إصلاحيةٌ.
وقد أشار الشيخ محمد الخضر حسين إلى البيئة العلمية الأولى حيث تلقى تكوينه الأول، فحفظ القرآن الكريم، ودرَس الكتب الأولى في علوم
__________
(1) اختلفت الروايات في ضبط تاريخ ميلاده:
- ذكر علي الرضا الحسيني سنة 1874 م في كل ما نشر من مؤلفات الشيخ.
- أبو القاسم محمد كرو سنة 1876 م في "أعلامنا" تونس 1974 م، وكذلك "دائرة المعارف التونسية" (ج 3 ص 690).
(2) محمد الفاضل بن عاشور "تراجم الأعلام "/ 1970/ م، ص 190.
(3) محمد الفاضل بن عاشور "تراجم الأعلام" / 1970/ م، ص 187.
(15/ 2/153)

اللغة والدين إذ يقول: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحاتٌ تهُبُّ في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقتُ طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظمَ الشعر" (1).
والتحق الخضر حسين سنة (1307 ه / 1887 م) بجامع الزيتونة، وكان متهيئاً لتلقي العلوم؛ لما أُتيح له من تكوين خاص، وقد وافق دخولُهُ حركةً إصلاحيةً عميقةً شملتْ العلومَ والكتبَ المقرَّرَةَ ومناهجَ التدريس، وكان لهذا الإصلاح أثرُهُ الإيجابيُّ في تكوبن شخصيته، مع ما تلقاه من علم على عدد من الشيوخ الذين تأثر بهم، وتلقى عنهم العلمَ، ومن أبرزهم: الشيخُ سالم بو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، ومحمد النجار (1839 م - 1912 م). وبذلك فقد تلقى علومَه من شيوخ تميزوا بالبراعة في التدريس والمحاضرة، والتبحر في العلوم اللغوية والشرعية، وكان لهذا الاتصال أثرُهُ؛ إذ تجلَّت هذه الخصال فيه، وظهرتْ في مقالاته ومحاضراته.
ثم انتقل إلى سورية في ديسمبر 1912 م؛ حيث استقر بدمشق مع عائلته، والدته وإخوته الأربعة الذين سبقوه إلى هناك، وخلال إقامته كان مثابراً على نفس النشاط العلمي والإصلاحي الذي كان يقوم به في تونس، فكان يكتب المقالاتِ في الصحف والمجلات، ويلقي المحاضرات. وقد امتازت هذه المرحلة من حياته في سورية بكثرة التنقل والسفر بين البلدان العربية والأوروبية خاصة.
__________
(1) محمد الخضر حسين ديوان "خواطر الحياة"، القاهرة سنة 1953 م، (ص 5).
(15/ 2/154)

ومن سورية انتقل إلى مصر في 24 جويلية 1920 م؛ حيث قضَّى فيها بقية عمره. وقد توجَّهَ اهتمامُه إلى تأسيس الجمعيات، وواصل نشاطَه العلمي والثقافي؛ إذ كان يلقي المحاضرات والدروسَ الدينية بالمساجد، ويكتب المقالات في بعض الصحف والمجلات لخدمة الإسلام والمسلمين. وانتُدِب للتدريس بالأزهر في قسم التخصص سنة (1927 م)، وبلغ مجدَه العلمي والديني حيث أصبح شيخاً للأزهر يوم الأربعاء (27 ذو الحجة سنة 1371 ه / 17 ديسمبر 1952 م). وواصل جهوده العلمية، فكان ينشر البحوثَ الدينية والمقالات في بعض المجلات؛ مثل: "لواء الإسلام"، التي كان أحد المشرفين عليها، ومحرراً لقسم تفسير القرآن الكريم فيها تحت عنوان: "أسرار التنزيل"، ثم جُمعت هذه البحوث في كتاب واحد يحمل نفس الاسم، بعد أن قام علي الرّضا الحسيني بجمعها وتحقيقها. وبذلك فلقد تكونت شخصية الخضر حسين تكويناً شاملاً بعد أن مرَّ بمراحل عديدة، واتصل بشخصيات علمية.
ولئن امتازت المرحلة الأولى التي قضاها بتونس بالتعليم والتكوين، واختصت المرحلة الثانية التي قضاها بالشام، وبعض البلدان العربية والأورويية بكثرة التنقل والترحال، فإن المرحلة الأخيرة التي سماها محمد الفاضل بن عاشور (16/ أكتوبر 1901 م -/ 19 أفريل 1970 م): "مرحلة المجد الثقافي والشهرة العلمية" (1)، هي التي عرف فيها أعلى المراتب العلمية، وأشرف على مشيخة الأزهر.
__________
(1) في محاضرة ألقاها بمناسبة أريعينية الشيخ محمد الخضر حسين في 20 مارس 1958 م محمد مواعدة "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" (ص 86).
(15/ 2/155)

وقد تبين لي: أن للشيخ محمد الخضر حسين مكانة علمية كبيرة، وأنه يتميز بسعة المعارف، وتنوع المؤلفات وغزارتها. فهو القائدُ الذي واجه الاستعمارَ الفرنسي في تونس، فعمل على استنهاض الشعب بإبراز قيمة الحرية في الإسلام، وقد دفع ثمنَ ذلك الهجرةَ من الوطن الذي نشأ فيه وترعرع.
وقد واجه تسلُّط أحمد جمال باشا وجبروته في دمشق، خاصة مع المفكرين ورجال النخبة المثقفة، فعمل على بث العلم في صفوف شبابها من خلال تدريسه بالمدرسة السلطانية، وشحذ همم رِجالها من خلال إلقاء المحاضرات العلمية بالجامع الأموي. فدفع ثمنَ ذلك السجنَ والتعذيبَ. وتصدَّى لخطر فكر أراد النيل من الدين الإسلامي وسماحته في مصر، فنقض كتابي: علي عبد الرازق، وطه حسين، وعمل على تنظيم النظم الاجتماعية وتطويرها "من خلال بعث الجمعيات"، وأثرى الحياة الفكرية "إنشاء المجلات"، فلاقى جزاءَ ذلك التدريس بالأزهر قرابة العشرين سنة، ودخول هيئة كبار العلماء، وتقلَّد مشيخة الأزهر.
وقد ساهمتْ هذه المحطاتُ في إثراء الزاد المعرفي والفكري للشيخ؛ حيث لاقى في كل مرحلة علماءَ الأمة وأقطابَها، وهو ما ساهم في بلورة فكره الديني، وترجيح كفّة العلوم الدينية في كتاباته، ترجيحاً توَّجَهُ باتجاهه إلى علم التفسير من خلال كتاب "أسرار التنزيل"، الذي وضعه بداية من سنة (1366 ه / 1947 م).
أولاً - إنتاجه في التفسير:
طرق الخضر حسين بابَ التفسير، فعقد دروساً دينية في تفسير القرآن
(15/ 2/156)

الكريم (1)، وكَتبَ في المجلات (2)، وقد جُمعت وطُبعت ووُزعَتْ ليعمَّ نفعُها، ويزدادَ أثرُها، وقد "استمر في هذا العمل الجليل حتى أثقلتْهُ السنون، وقد قارب عمرُه الطاهرُ الثمانين عاماً" (3).
ولم تكن هذه الدروسُ والكتاباتُ على شيء من الكثرة، فلم يكن مقدارُ ما تناوله من آيات القرآن بالمقدار الكبير الذي كنّا نرغب في أن تُزوَّد به المكتبة الإسلامية.
وإذا نحن ذهبنا نستقصيه، فإنا نجده في تفسيره لسورة (الفاتحة) (4).
وكذلك قام بتفسير القسم الأكبر من سورة (البقرة) من بدايتها إلى الآية 193 من قوله سبحانه وتعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} [البقرة: 193] (5).
__________
(1) دروس التفسير التي ألقاها في بعض النوادي والجمعيات الإسلامية والمساجد، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة.
(2) مجلة "لواء الإسلام" التي كانت تصدر بالقاهرة، وكان رئيساً لتحريرها بدءاً من العدد الصادر بتاريخ الأول من شهر رمضان لعام (1366 ه / 1947 م) حتى العدد الثاني عشر من السنة الرابعة، والصادر في شهر شعبان لعام (1370 ه / 1951 م).
(3) علي الرضا الحسيني - تقديم كتاب أسرار التنزيل" الذي قام بجمعه، وصدر سنة 1976 م.
(4) مجلة "لواء الإسلام"، العدد الأول من السنة الأولى/ كتاب "أسرار التنزيل" من (ص 7 إلى 12).
(5) مجلة "لواء الإسلام" من العدد الثاني إلى العدد السابع السنة الأولى/ كتاب "أسرار التنزيل" (13 - 311).
(15/ 2/157)

وقام بتفسير آيتيْ سورة (البقرة) (119 - 120) من قوله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 119] إلى قوله {... مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] (1).
تفسير الآيات (52 - 53 - 54 - 55) من سورة (آل عمران)؛ أي من قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ...} [آل عمران: 52]، إلى قوله: {فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] (2).
تفسير الآية (159) من سورة (آل عمران) من قوله تعالى: ({فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ...} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] (3).
تفسير الآيات (24 - 25 - 26) من سورة (الأنفال) من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ...} [الأنفال: 24]، إلى قوله: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] (4).
تفسير الآيات (62 - 63 - 64 - 65) من سورة (يونس) من قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ ...} [يونس: 62] إلى قوله: {نَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس: 65] (5).
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الحادي عشر/ كتاب "أسرار التنزيل" (318 - 322).
(2) ن م - الجزء الثاني من المجلد الثامن عشر/ كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (323 - 328) ..
(3) ن م - ج 3 مج 11/ كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (329 - 333).
(4) ن م - ج 2 مج 11/ كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (334 - 340).
(5) محمد الخضر حسين كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (341 - 345).
(15/ 2/158)

تفسير الآيتين (27 - 28) من سورة (الحج) من قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ...} [الحج: 27} إلى قوله: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] (1).
قام بتفسير خمس آيات (21 - 25) من سورة (ص) من قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا ...} [ص: 21]، إلى قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] (2).
ونجد من آثار الخضر حسين في التفسير تلك الدروسَ التي ألقاها في الأزهر الشريف "محافظة على سُنَّة الكثير من أهل العلم حيث يمرُّون بالأزهر" (3)، فقام بتفسير الآيات:
(122) من سورة (التوية) من قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ...} إلى آخر الآية.
(26) من سورة (غافر) من قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ...} إلى آخر الآية.
(22) من سورة (الأنبياء) من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ...} إلى آخر الآية.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام"، العدد 4 من السنة 1، كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (346 - 350).
(2) مجلة "الهداية الإسلامية" 1، ج 4 من المجلد 11 - كتاب "أسرار التنزيل" من الصفحة (351 - 358).
(3) محمد الخضر حسين من دروسه في التفسير التي ألقاها في الأزهر - نشرت بجريدة "الزهرة" يوم الثلاثاء (17 ربيع الثاني 1331 ص 25/ مارس 1913 م).
(15/ 2/159)

(69) من سورة (يس) من قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ...} إلى آخر الآية (1).
وقام بتفسير الآيات (21 - 22) من سورة (البقرة) من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...} [البقرة: 21]، إلى قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] (2).
وكذلك نجد له بعض البحوث التفسيرية عالج فيها بعض مشكلات القرآن، ودفع بها بعض ما أثير حول القرآن من شكوك وإشكالات؛ كشرحه لقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ..} [القيامة: 3] (3).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ...} [الأعراف: 157] (4).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ...} [الأنعام: 20] (5).
وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
__________
(1) ن م.
(2) ملخص درس من دروس التفسير التى كان يلقيها فى دار (جمعية الهداية الإسلامية) بالقاهرة - وقد نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" ج 12 من مج 13 - كتاب "أسرار التنزيل" من (312 - 317).
(3) "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (ص 44).
(4) ن م ص 45 - 46.
(5) ن م ص 46.
(15/ 2/160)

وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)} [يس: 36] (1).
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ...} [التوبة: 6] (2).
وكانت له بعض المقالات المتضمنة لتفسير بعض الآيات؛ مثل قوله تعالى: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ...} [الكهف: 20} (3).
قولى تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ...} [النساء: 135] إلى قوله: {وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] (4).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ...} إلى قوله: {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] (5).
هذا كلّ ما للخضر حسين -رحمه الله- من إنتاج في التفسير، وهو -على قلّته- عملٌ كبيرٌ وعظيمٌ، بالنظر لما يهدف إليه من إصلاح، وما يحمل في طياته من توجيه حَسَنٍ في التفسير، وحَسْبُ الشيخ أن يكون قد لفت قلوباً كثيرة من المسلمين إلى القرآن بعد أن أعرضوا عن هديه، وضلوا عن إرشاده، وتلك حَسَنةٌ نرجو له برّها وذخرَها عند الله تعالى.
وهذه القلة في التفسير لا تعني مطلقاً أن الشيخ لم يكن مطلعاً على
__________
(1) ن م ص 48.
(2) ن م ص 108.
(3) ن م ص 109.
(4) ن م ص.
(5) "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (ص. 11).
(15/ 2/161)

ما كتبه أهم أعلام التفسير، سواء ممن سبقه، أو من عاصره، وهو -كما ذكرنا سابقاً- يُمضي أغلب أوقاته في القراءة والاطلاع على أمَّهات الكتب، وهو ما يوضِّح بصورة جلية تنوُّع مصادر الشيخ في التفسير وثراءَها.
ثانياً - مصادره في تفسير القرآن الكريم:
كان الشيخ يستند في تفسيره للقرآن الكريم على كتاب الله تعالى ذاته؛ إيماناً منه بأنه مصدر للتفسير؛ باعتبار أن ما أُجمل في موضع قد فُصِّل في موضع آخر، وما أُبهم في آية قد عُيِّن في آية أخرى ...
وكان يستند -أيضاً- إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبيان السلف من الصحابة والتابعين استنادَه إلى أساليب اللغة والبلاغة، وما كتبه المفسرون، ولكنه لم يُلْغ عقله، بل كان يضع هذه المصادرَ والمراجعَ كلَّها أمام نظره.
وقد كان الخضر حسين ينهج في الإشارة إلى مصادره ومراجعه الطرقَ التالية: إما أن يصرِّح باسم المؤلف، ولا يذكر اسم الكتاب. وإما أن يذكر اسم الكتاب، ولا يصرِّح باسم المؤلف. وإما أن يصرح باسم المؤلف والكتاب معا. وسوف أستعرض مصادر الخضر حسين من خلال ثلاثة أوجه رئيسية:
أولاً: مصادره في التفسير وعلوم القرآن.
ثانياً: مصادره في الحديث وعلومه.
ثالثأ: مصادره في اللغة والنحو والأداب.
أولاً - مصادره في التفسير وعلوم القرآن:
التفسير: إن المتأمل في تفسير الخضر حسين يقف على مصادر متنوعة في العلوم الإسلامية الأساسية، وخاصة التفسير، وكان اعتماده الأكثرُ في هذا العلم على تفسير الزمخشري (ت 538 ه) "الكشاف"، وابن العربي
(15/ 2/162)

(ت 638 ه) في تفسيرآيات الأحكام "واضح السبيل إلى معرفة قانون التأويل بفوائد التنزيل"، و"كشف المعاني" لابن جماعة (1422 م - 1457 م)، وتفسير القاضي البيضاوي (ت 658 ه / 1286 م) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل".
وبرغم أنه لا يغفل عن ذكر المصادر والمراجع التي ينقل عنها، إذ تجده في عديد المقالات يعدد كتب التفسير التي نهل من معينها، والتي ركز عليها في أثناء تفسيره للقرآن الكريم، فهذا لا يعني حصره لكل ما جاء في تفسيره من مراجع، فقد نجد الكثير مما لم يتطرق إليه بالذكر؛ إذ نجده رجع في بعض المواضع إلى كتب "شروح الكشاف" للجرجاني (1340 م / 1413 م)، وابن جريج (699 م / 767 م)، والطبري (ت 315 ه)، ويكتفي -في بعض الأحيان- بالإشارة إلى ذلك بالقول: "ذهب كثير من المفسرين إلى"، و"قال المفسرون"، "جمهور المفسرين"، دون الإشارة إلى الكتب.
وبذلك فإن الخضر حسين في اعتماده على بعض أعلام المفسرين قد انتهج الطرق التالية:
- نقل بعض المواقف والأفكار والآراء، ومخالفتهم في مواقف أخرى؛ كما فعل مع الزمخشري.
- مجرد النقل الحرفي لمواقف مفسرين آخرين طالما اعتبرهم معلمين له، ودرسهم لتلاميذه، فالتقى معهم في الأفكار والآراء؛ مثل: البيضاوي، وابن العربي.
- الاعتماد على بعض المفسرين لتدعيم مواقف يراها، وذلك قصد تدعيم وإثبات توجهاته.
علوم القرآن: اعتمد الخضر حسين في مجال علوم القرآن على السيوطي
(15/ 2/163)

(1445 م / 1505 م) في "الإتقان"؛ إذ نجده يُكثر من الرجوع إليه في أغلب مقالاته المتعلقة بالقرآن، وخاصة في تفسيره "أسرار التنزيل".
وللإشارة، فإن السيوطي قد مثّل مصدراً أساسياً في علوم القرآن بالنسبة لجميع المفسرين من بعده، وخاصة في العصر الحديث.
ثانياً - مصادره في الحديث وعلومه:
الدَّارسُ لتفسير الخضر حسين "أسرار التنزيل"، والمُطَّلعُ على بقية آثاره، يعثر -دون عناء- على مصادره من الحديث النبوي التي يعتمد عليها.
والملاحظ: أن مجموعة من الكتب وأصحابها كانت تتصدر القائمة، وأخرى لم تزد الإشارة إليها على مرة أو مرتين خلال تفسيره للقرآن الكريم.
أما أكثرُ هذه المصادر التي كان كثيراً ما يعود إليها، ويستقي منها -فيما بدا لي-، فهي: "صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم، و"سنن التّرمذي"، و "النسائي"، و "موطا مالك"، و "السنن الكبرى للبيهقي" ...
وهي -في مجملها- أصحُّ الكتبِ المتضمنةِ لأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولا غرابةَ في أن تحتلَّ الأولويةَ في مصادره، ذلك أنه التزم بضرورة الأخذ بما صحَّ من الأحاديث.
أمّا منهجُهُ في ذلك، فهو الرجوعُ إلى سائر المصادر الأخرى؛ من حيث ذكرُ المرجع ومؤلفه معا، أو ذكر المرجع دون الإشارة إلى اسم مؤلفه، أو الاكتفاء بالإشارة إلى صاحب المرجع فقط.
وبذلك فإن الخضر حسين قد حافظ على سنَّة المفسرين في اعتماد الحديث النبوي لتفسير القرآن الكريم، معتمداً على أهمّ الكتب في الحديث، وقد كان أميناً في نقله عن المحدِّثين برغم أنه يكتفي بالإشارة فقط إلى
(15/ 2/164)

مصدر الحديث بصيغة تدل على درجة الحديث فقط. وفي بعض الأحيان يذكر الحديث بالمعنى دون المحافظة على الألفاظ التي ورد بها الحديث.
ولئن كان مُقَلِّداً في اعتماد الحديث للتفسير، فإن كتابه يخلو من الضعيف والموضوع، متجنباً لخوض في بعض الاختلافات الحاصلة حول رفض بعض الأحاديث.
وبذلك تظهر إضافة الخضر حسين في مجال الاعتماد على الحديث في أنه تجاوز سُنَّةَ القدامى من المفسرين في ذكر أسانيد الأحاديث، ولم يُثقل قارئ تفسيره بأسماء الرواة.
ثالثاً - مصادره في اللغة والنحو والأداب:
ما تجب الإشارة إليه: أن المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في هذا المجال عديدة ومتنوعة، وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا: إنها تفوَّقت على جميع المصادر التي اعتمد عليها في تفسيره، برغم أنه نادراً ما يذكر المصدرَ أو صاحبَه.
ومن الملاحظ: أنه لا يقتصر في استشهاده بآراء أغلب هؤلاء الأئمة على التأييد فقط، بل كان يخالفهم الرأي، أو يُفنِّد ما أقرُّوه، برغم أنه يُظهر نفسَه بمثابة التلميذ المتعلم من شيخه، والساعي إلى الاستفادة بمذاهبهم في النحو، فهو غالباً ما يسعى لتقريب وجهات النظر، والعمل على تقليص الهوَّة والاختلافات، خاصة في فهمه لآيات الذكر الحكيم.
ومن أكثرِ الأسماء التي تداولها في تفسيره "أسرار التنزيل"، ابن هشام (ت 761 ه) في كتابه "مغنى اللبيب"، وعبد القاهر الجرجاني (ت 1078 م) في كتابيه: "أسرار البلاغة"، و"دلائل الإعجاز"، وسيبويه في "الكتاب"،
(15/ 2/165)

ثم السكاكي (ت 1229 م)، والزجاج (ت 923 م)، والكسائي (ت 850 م) ...
وتتعدد الأسماءُ في مختلف الكتب، وكذلك تتالت أسماءُ عديدةٌ للعلماء الذين اهتموا بالقرآن من حيث دراسةُ معانيه وإعجازه البياني واللغوي؛ من أمثال: الكسائي، والزمخشري، وابن قيم الجوزية (ت 751 ه)، والفيروزبادي (ت 1415 م)، الذي يشير إليه دائماً بصاحب "القاموس".
وله مصادرُ في فنون أخرى متنوعةٌ؛ مثل: التراجم والسير، والتاريخ والعلوم ... رأيتُ أن لا اْذكرها، إذ لو جمعتُ كل ما ذكر من مؤلفات ومصنفات، لاستغرق مني ذلك حيزاً كبيراً، ولكن اقتصرت على ذكر نماذج منها، علّها توضِّح منهجه في مساره الفكري والثقافي، وخاصة في تفسيره للقرآن الكريم.
ثالثاً- منهجه في تفسير القرآن الكريم:
يمكن استخلاص منهج الشيخ محمد الخضر حسين في المفسير من خلال تعريفه لعلم التفسير، وتحديد موضوعه وأغراضه، وهو يراه: علماً "من أشرف الصناعات؛ لأن موضوعَه كلامُ الله تعالى، والغرضُ منه الاعتصامُ بالعُروة الوثقى، مع أن الناس في حاجة شديدة إليه ... " (1).
وهو -في نظره- ينبني على علوم كثيرة شرعية ولغوية، من ذلك: أنه يرى من شروط المفسر "أن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها ... " (2).
__________
(1) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 23).
(2) ن م ص.
(15/ 2/166)

وقد بَيَّنَ الغرضَ من علم التفسير، فحددَ له أمرين أساسيين: فهمَ معاني القرآن المُمَكِّنَ من استخراج أحكامه، والاستدلالَ به على صدق النبوة؛ إذ يقول: "أُنزل القرآن لمقصدين ساميين: أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة، وثانيهما: دلالته على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ادّعاه من الرسالة التي هي مطلعُ تلك الهداية العامة، فكان أعظمَ معجزة وأخلدَها على وجه الأرض" (1).
هذه أهمُّ الأغراض التي حرص على بيانها من خلال تفسيره، وقد تعرَّض في مجمل آثاره، وفي أثناء حديثه عن التفسير إلى أنواعه، فذكر التفسيرَ بالمأثور، والتفسيرَ بالرأي، وخصائصَ كلِّ واحد منهما، وبعضَ نقاط الضعف فيها؛ مثل: الإسرائيليات في التفسير بالمأثور.
أما التفسير بالرأي، فقد جاءه النقص من ناحيتين: عدم الأخذ بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التفسير من ناحية، أو بعدم الموافقة لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها من ناحية أخرى.
كما ذكرَ بعضَ أنواع التفسير التي اعتُبرت مخالفةً للحكم المقصود من التفسير، بل خرج البعضُ منها عن الدين وأصوله، وخالف أحكامَه، وأهمُّها: التفسير الإرشادي، والتفسير الباطني.
أما المنهجُ الذي اتبعه في تفسيره للقرآن الكريم، والوسائل التي اعتمدها لبيان ما فيه من أهداف سامية، وأغراض ومعانيَ جليلةٍ، فيقوم على أسس ثلاثة، هي: اللغة، المأثور، والرأي.
__________
(1) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 26).
(15/ 2/167)

ولا يعني التّركيز على هذه الدعائم أنّ مباحثه لم تستند إلّا عليها، وإنما هي ركائزُ بدتْ أكثرَ وضوحاً، ورأيتُ أنها الأجدرُ بالدراسة والتّحليل، إضافة إلى تضمُّنِها موضوعاتِ مهمّةً على صلة وثيقة بموضوع عملنا.
الأساس الأول - اللغة:
إن الأساسَ الأولَ -وهو اللغة- استحوذ على النصيب الأوفر، ولأن "خلفية المفسر العلمية تبدو في تفسيره واضحة، وقد تطغى على الجوانب العلمية الأخرى في تفسيره، فالزمخشري العالم المفسر اللغوي ظهرت آثار بلاغته وتقدمه في تفسيره الكشاف" (1).
فقد ظهرت براعةُ الخضر حسين، وقدرتُه في اللغة في تفسيره للقرآن الكريم؛ بحيث يمكننا اعتباره تفسيراً لغوياً. وتعتبر اللغة في تفسيره من أهم وأبرز الأسس التي قام عليها، واستوى على سوقه، بل هي العَصَبُ الذي يشدُّ أركانَ هذا التفسير ويُقوِّيه، ويميزه ويتميز به. فهو يقدِّم علوم العربية على ما سواها في مجمل آثاره، وذلك لأهميتها العظمى عنده؛ إذ يقول في ذلك:
" ... يفهمه (القرآن) كل من له إلمام باللغة العربية، سواء عليه كان خبيراً بطرق البلاغة، أم فاقد الإحساس التي يتذوق به طعمها ... " (2).
ومن خلال تفسيره للقرآن الكريم تبين لي: أنه عَكَفَ في مجمل مباحثه المتعلقة بالعربية على:
__________
(1) مرتضى محمد تقي الإيراواني "الشيخ الطبرسي وآراؤه النحوية من خلال كتابه: مجمع البيان" رسالة ماجستير، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة 1980 م (ص 91).
(2) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 12).
(15/ 2/168)

- المعجم.
- النحو والإعراب.
- علم البلاغة (المعاني، البيان، البديع).
- المعجم: يعتمد الخضر حسين اعتماداً كبيراً على اللغة، فيهتم:
ببيان المفردات: اهتم الشيخ بإيضاح المفردات القرآنية، وبيان أصولها اللغوية العميقة؛ ليوفر لقارئ كتاب الله تعالى معرفةً بأصول كلام العرب الذي به نزل القرآن، ويكون أقدرَ على فهم النصوص التي تتألف من مثل هذه المفردات. والأمثلة توضِّح ذلك: قال في شرح كلمة "الفاسقين" من قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26].
"الفاسقون: جمع فاسق. وهو في أصل اللغة: الخروج. يقال: فَسَقَت الرطبة من قشرها؛ أي: خرجت منه. وشرعاً: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروجَ من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر. ولكنه اختص في العرف من بعدُ بارتكاب الكبيرة. ولم يُسمَع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة. فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية، وقَصْر الإضلال بالمثل على الفاسقين إيذانٌ بأن الفسق هو الذي أعدَّهم لأن يضلوا به؛ حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه .. " (1).
- عنايته بالاشتقاق: اهتم الخضر حسين بالاشتقاق في تفسيره، وذلك
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 48). (انظر -أيضاً-: أمثلة أخرى (ص 323، ص 350).
(15/ 2/169)

لأنّ معرفة اشتقاق الكلمة يزيد في بيان معناها، ويوضحه. ومن أمثله ذلك: يقول في تفسير قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180].
" ... والوصية: اسم من أوصى يوصي، فهو بمعنى: الإيصاء، وقد تستعمل بمعنى: الموصى به. ومعنى الجملة: إذا حضر أحدكم الموت، وقد ترك مالاً كبيراً، وجب عليه الإيصاء بجانب منه لوالديه: أبيه وأمه، وأقاربه، وبدأ بالوالدين؛ لعظم حقهما ... " (1).
- معاني الحروف: ومن نماذج ذلك نذكر ما قاله في تفسيره للآية: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19]:
"و (من) في قوله تعالى: (من الصواعق) للتعليل، وإنما كانت الصواعقُ داعيةً إلى سدّهم آذانهَم بأصابعهم؛ من جهة أنها قد تُفضي بصوتها الهائل إلى الموت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ}، يقال: صعقته صاعقةٌ: إذا أهلكته بشدّه صوتها، أو با لإحراق. والمعنى: يسدُّون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها" (2).
كما يعتمد الخضر حسين على النحو والإعراب، وقد تميز منهجه في ذلك بخصائص عديدة منها:
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 287). (انظر -أيضاً-: أمثلة أخرى (ص 14، ص 15).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 34). (انظر -أيضاً-: أمثلة أخرى) ص 186، ص 316).
(15/ 2/170)

* المزج بين المباحث النحوية والبلاغية:
كان كلَّما تعرَّض لآية خلال تفسيره للقرآن الكريم، ذكرها بطريقة تدل على تمكنه من المادة التي يتناولها، مع ما عُرف به من الجمع بين المباحث النحوية الإعرابية، والمباحث البلاغية عند إعراب الآية الواحدة.
فقد يبدأ بإعراب الآية إعراباً نحوياً، ويفاجئ القارئ بالدخول إلى مبحث بلاغي في نفس الوقت واللحظة، ومن نماذج ذلك تفسيره الآية الكريمة:
يقول في تفسيره لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26].
"وأمَّا: حرف تصدَّر به الجملة للتأكيد. تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدْتَ تأكيدَ ذلك، وإفادةَ أنَّ ذهابَه واقع لا محالة، قلت: فأما زيد فذاهب، والضمير في قوله: (أنه) يعود على المثل، أو على ضربه من قوله: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26]. والحق: خلاف الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكارُه. ووجه كون المثل أو ضربه حقاً: أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها.
وقال: (أنه الحق) معرَّف ب "ال"، ولم يقل: أنه حق؛ للمبالغة في حقيقة مثل. ومن المعروف في علم البيان: أن الخبر قد يؤتى به معرَّفاً ب "ال"؛ للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال. وأشار إلى ما يتلقى به الكافرون هذه الأمثلة عندما تتلى عليهم، فقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26].
(15/ 2/171)

"ماذا: ما الذي. والإرادة في أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل. وإذا أُسندت إلى الله تعالى، دلَّت على صفة له تتعلق بالممكنات. فيترجح بهذا أحدُ وجهَي المقدور. وقد كان جائزَ الوقوع، وعدم الوقوع. وقوله: (مثلاً) واقعٌ موقع التمييز لاسم الإشارة. هذا كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول: "ماذا أردت بهذا الجواب؟ ". وكلامُ هؤلاء الكافرين هي لفظة استفهام عما أراد الله من الأمثال، ومعناه: استحقارٌ لهذه الأمثال، وإنكارٌ لأن يكون الله قد ضربها للناس" (1).
* كثافة المادة النحوية:
تكثفت المادةُ النحويةُ الواردةُ خلال إعراب الشيخ محمد الخضر حسين للآيات القرآنية، حتى أصبحتْ سِمةَ تميَّز بها منهجُه الذي اعتمد فيه على ثقافته اللغوية النحوية دون العودة إلى ذكر مصادره، منها -على سبيل المثال- تفسير لقوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58].
" ... الحِطَّة: مِنْ حَطَّ بمعنى: وضع. وقد وردتْ هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول: (وقولوا حطة)، والمعروف أن القول لا يُحكى به إلا الجُمل، ولا يُحكى به المفردات إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة ...
ومن أقرب ما تفسر به الجملة: أن يكون (حطة) مصدراً مراداً منه طلبُ حِطَّةِ الذنوب. وقد يجيء المصدرُ المرادُ منه الطلب مرفوعاً؛ نحو:
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 47)، (انظر -أيضاً-: أمثلة أخرى (ص 20).
(15/ 2/172)

"سلام عليكم"، ويُحمل من جهة صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة؛ أي: أن تحط عنا ذنوباً، والاقتصارُ في لفظ الجملة على الخبر وحده لقيام قرينة تدل على المبتدأ من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان" (1).
* استخراج الأسرار اللغوية بالاعتماد على أسلوب العرب:
لمّا كان الخضر حسين شغوفاً باللغة وأسرارها، ضليعاً في معرفة خباياها، كان يعود إلى استعمالات العرب وأساليبهم، قاصداً من وراء ذلك أن يصل بالكلمة على القرار المكين بحسب مبلغ علمه وإدراكه.
ومن نماذج ذلك: ما قاله في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة: 85].
" ... هذا تقريعٌ لهم؛ لعصيانهم بارتكاب ما نُهوا عنه. وقد وردتْ هذه الجملة على أسلوب قول العرب: "ها أنت ذا قائماً"، فالضمير (أنتم) مبتدأ، واسم الإشارة (هؤلاء) خبر عنه. وجملة: (تقتلون أنفسكم) حال، وهي من قبيل الأحوال التي لا تحمل الفائدة من الأخبار إلا ذكرها ... " (2).
وبعدَ أن تتبَّعْتُ منهجَه وموقفَه من استخدام النحو والإعراب في تفسير القرآن الكريم من خلال آثاره، وخاصة كتاب "أسرار التنزيل"، تبيَّن لي أنه يمتاز بثقافة نحوية كبيرة، جعلتْه يتخلص من أسر أئمة النحو؛ كسيبويه،
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 97)، و"الهداية الإسلامية" (ص 106).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 137)، (انظر -أيضاً-: أمثلة أخرى (ص 352، 181).
(15/ 2/173)

والخليل، والفرّاء ... وهذا إنما يدلُّ على تمكُّن الخضر حسين من اللغة العربية، وامتلاكه لثقافة نحوية واسعة أهَّلته لتفسير القرآن الكريم.
ويندرج ضمن اعتماده على التفسير البياني واللغوي: استشهادُه بالشعر العربي، وهو كثيرٌ جداً، ومتناثرٌ في "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره.
وقد تميزتْ شواهده الشعرية بالقوة والبيان والتنوع، وكان منهجه يراوح بين إسناد هذه الأشعار إلى قائليها، وعدمه، وهو في كل ذلك ملتزم ب:
- أن يكون الشعر شارحاً لبعض كلمات القرآن ومفرداته: مثال ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93].
" ... الإشراب: السّقي، وهو إيصال مائع إلى الجوف من طريق الفم، واستُعمل على وجه التجوُّز في خلط لون بلون؛ كأنَّ أحدَ اللونين سقى الآخرَ، فقالوا: بياض مُشْرَبٌ بحمرة، وقالوا: أُشرب قلبُه على حب كذا: إذا خالط حبُّه قلبَه:
إذا ما القلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ ... فلا تأملْ له الدهرَ انصرافا (الوافر)
"ففي جملة: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} مضاف بمحذوف؛ لدلالة المعنى عليه، وهو لفظ: "حب"، والتقدير: حب العجل. والمعنى: أنّ حب العجل خالطهم حتى خلص إلى قلوبهم؛ كما يخالط الماء أعماق البدن. وحذفُ لفظ الحب من نظم الكلام يُشعر بشدّة تعلق قلوبهم بالعجل؛ حتى كأنهم أُشربوا ذات العجل ... " (1).
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 152).
(15/ 2/174)

- أن يؤكد بالشاهد من الشعر ما ترشد إليه الآية من معان: مثل ما قاله في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].
"تفيد هذه الجملة -بحسب وضعها الأصلي- النهيَ عن الموت في حال غير حال الإسلام، وليس الموت في استطاعة الإنسان حتى يَنهى عنه، أو يأمر به، وإنما النهي في المعنى متوجِّه إلى أن يكون المخاطبون في حال لو جاءهم الموتُ وهم متلبِّسون به، لوقعوا في خسران مبين، فنهيهم عن الموت في حال غير حال الإسلام يراد منه: الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الوفاة.
والمعنى: اثبتوا على الإسلام، واستقيموا على مَحَجَّتِهِ البيضاء حتى يدرككم الموت، وأنتم في حال كونكم مسلمين.
وكما ينهى عن الموت في حالة، والمراد: عن التلبس بتلك الحالة، يأمر بالموت في حالة، والمراد: الحث على التلبس بتلك الحالة؛ كما يقال: مُتْ وأنت شهيد. المراد: الحث على الاستشهاد في سبيل الله. ومن هذا القبيل قول المتنبي:
عِشْ عزيزاً أو مُتْ وأنتَ كريمٌ ... بينَ طعنِ القنا وخفقِ البُنودِ (الخفيف) (1)
- أن يورد الشعر بياناً وتأييداً لأوجه البلاغة: مثال ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61].
يقول "الذلّة: الهوان. والمسكنة: الخضوع، وضرب الذلة والمسكنة
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 213).
(15/ 2/175)

عليهم كنايةٌ عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبة بمن ضُربت عليه. كما قال زياد الأعجم في عبد الله بن الحشرج:
إِنَّ السماحةَ والمروءةَ والنَّدَى ... في قُبَّةٍ ضُرِبتْ على ابنِ الحَشْرَجِ (البسيط) (1)
وهكذا نراه في عرضه للآيات القرآنية يتعامل معها بروح اللغوي الأديب، والمفسر الذي ينطلق من قاعدة اللغة، ويجعلها أساس التفسير، ثم يعضِدُها بالشعر العربي انطلاقاً من أن في القرآن بعض الآيات التي تستوجب العودة إلى الشعر لكشف معانيها، وتبيان ألفاظها، وهو ما يؤكد اهتمامَه الشديد بديوان العرب، وإلمامَه بوجوه الإعجاز البياني.
والبلاغة القرآنية كانت من أكبر أهداف الخضر حسين، فعِلْمَا: المعاني، والبديع- اللذان أشار إليهما الشيخ في مختلف آثاره التفسيرية- من الأمور التي تأثَّر بها من مدرسة عبد القاهر الجرجاني، والزمخشري.
ولعل أهم الأوجه والقضايا البلاغية التي تناولها الشيخ بالبحث والدراسة هي:
- الإيجاز: حين يعرض الشيخُ لأسلوب الإيجاز في القرآن الكريم نراه معنِياً بالإشارة إلى ما أُوجز فحسب، دون أن يومئَ إلى موضع الحُسن في ذلك الأسلوب، وقد اعتبر الشيخ للإيجاز أنواعاً منها:
حذف المبتدأ، وحذف الجمل التي يدل الكلام على تقديرها، واستعمال المفرد في معنى الجمع، إضافة إلى إيجاز الحذف، وذكر البدل
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 105).
(15/ 2/176)

وحذف المبدل منه.
- المجاز: والمجازُ من المباحث البلاغية التي عرض لها محمد الخضر حسين في تفسيره، من ذلك -مثلاً-: قوله في تفسير قوله تعالى: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61].
يقول: إخراج النبات: إظهاره بإيجاده، والمنبِت له -في الحقيقة- هو الخالق -جلّ شأنه-. وإسناده إلى الأرض في قوله: (تنبت الأرض) أخذاً بعادة إسناده إلى الأرض على وجه المجاز، وإسناد الفعل إلى المكان الذي يقع فيه أسلوبٌ عربي فصيح، والحقيقةُ في قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] (1).
* الأساس الثاني - التفسير بالمأثور:
يعتمد الشيخ محمد الخضر حسين في تفسيره للقرآن الكريم نهجَ التفسير بالمأثور؛ حيث يفسِّر القرآن بالقرآن، والقرآن بالحديث النبوي، والقرآن بأقوال الصحابة والتابعين، فمَنْ بعدَهم من العلماء والفقهاء، وكذلك أسباب النزول، واعتماد أوجه القراءات، وأصحاب السير والأخبار.
* تفسير القرآن بالقرآن:
اشترط العلماءُ على من أراد تفسير القرآن: أن ينظر أولاً في كتاب الله العزيز؛ ليصل إلى المعنى الصحيح؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فما جاء منه مجملاً في مكان يفسر ما جاء مُبيناً في مكان آخر، وما جاء موجزاً يستعان على بيانه بما جاء مُسهَباً، وقد اعتد الخضر حسين بهذا النوع من
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 104).
(15/ 2/177)

التفسير اعتداداً واضحاً في "أسرار التنزيل"؛ إذ نجده في تفسيره للقرآن الكريم يعتمد القرآن في:
- الاستدلال على معنى كلمة بما ورد من معناها في آيات أخرى:
ومن نماذج ذلك: تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35].
يقول: "القرب: الدنُّو. ولم يذكر القرآن نوعَ هذه الشجرة على عادته من عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه. والمنهيُّ عنه: هو الأكلُ من ثمار الجنة، وتعليق النهي بالقرب منها، إذ قال: (ولا تقربا) لقصد المبالغة في النهي عن الأكل؛ إذ في النهي عن القرب من الشيء قطعٌ لوسيلة التلبُّس به؛ كما قال تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، فنهى عن القرب من الزنى؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه، وهي القرب منه (1).
- الاستدلال على معنى كلمة مجمَلة بما فُصِّل في مكان آخر: يقول في تفسير قوله - سبحانه تعالى -: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136].
"ما أُنزل إلى إبراهيم: الصحفُ المشارُ إليها بقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18 - 19] (2).
- الاستدلال بالقرآن على تعدُّدِ المعاني للكلمة الواحدة: تفسيره لقوله
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 61)، "روائع مجلة الهداية الإسلامية" إعداد وضبط علي الرضا الحسيني، الدار الحسينية للكتاب، دمشق 1999 م، (ص 107 - 108).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 218)، وانظر -أيضاً -: (ص 243).
(15/ 2/178)

تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53].
"والشاهدون: الذين يشهدون بالتوحيد، وما لا يتم الإيمان إلا به، أو الأنبياء - عليهم السلام -؛ فإنهم شهداء على أممهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] (1).
- نفي الاحتمالات، وتعدد الأقوال، فيحمل الآية على آية أخرى: ومن نماذج ذلك: تفسيره لقوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40].
"والنعمة: المنعَم به، وتُجمع على نِعَم، وقد وردت في القرآن بمعنى النعم، ولا تحتمل غير هذا المعنى؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34].
فلفظ العدّ والإحصاء يعني: أنه أريد بها: النعم الكثيرة. والنعمة في هذه الآية التي نحن بصددها يترجح حملها على معنى النعم، إن لم يقم دليل من الآية على أنه أريد بها نعمة معهودة" (2).
- تأييد ما ورد في آية بما نص عليه في آيات أخرى: قال في معرض تفسيره لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...} [البقرة: 185].
"هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفِطْر، وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق؛ كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 325)، وانظر -أيضاً -: (ص 163).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 71)، وانظر -أيضاً -: (ص 163).
(15/ 2/179)

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] (1).
* تفسير القرآن بالحديث:
كما فسّر القرآنُ الكريم بعضُه بعضاً، فسرت السنة النبوية كثيراً من القرآن. وإذا رجعنا إلى كتاب الله - تبارك وتعالى -، وجدناه يشهد بذلك، فقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
المطلع على تفسير الخضر حسين للقرآن الكريم، وخاصة في كتابه "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره يجده يعتمد الحديث النبوي ل:
- تفسير معنى لفظ في الآية، أو يعاضدها ويساندها فيما ترمي إليه.
- توضيح حكم في القرآن.
- اعتماد الخضر حسين الحديث لتأكيد وتأييد ما ورد في القرآن.
- الحديث يأتي بحكم جديد ليس في القرآن.
تميز منهجُ الخضر حسين في تناول الحديث النبوي الشريف بملامح متباينة، تمثلت في ذكر الحديث دون الإشارة إلى مصدره، أن يذكر الحديث مشيراً إلى المصدر، وإن كان لا يعنى بذكر درجته من الصحة والضعف، أو التعليق على رجال الحديث، أن يذكر درجة الحديث دون ذكر المصدر.
وبالرغم من عدم انتظام طريقته في تخريج الحديث النبوي الشريف بذكر مصادره التي استقى منها، إلا أنّي أرى أنه قد انتفع في تفسيره بقواعد المحدثين وأصولهم في الرواية. فقد امتلأ تفسيره بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وابتعد ابتعاداً تاماً عن الأخذ بالأحاديث الموضوعة، وهذه ميّزة
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 296).
(15/ 2/180)

تُذكر للشيخ، وتبيّن لنا مدى التزامه بالمنهج السليم في البحث في تفسيره، وهو في طريقته تلك لا يعتمد على كتب التفسير فقط، وإنما يرجع إلى مصادر الحديث الشريف، ويأخذ منها.
* تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين:
من مصادره في التفسير بالأثر: ما روي عن الصحابة - رضي الله عنهم -، وخاصة ما جاء عن طريق ابن عباس "ترجمان القرآن". وقد اعتبر الشيخ محمد الخضر حسين أن تفسير الصحابة للقرآن يلي بالمكانة تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
والنماذج التالية من التفسير تُظهر مدى اعتماده على هذا الجانب الذي يعتبر أحد أركان التفسير بالمأثور، حيث قال محمد الخضر حسين في تفسير قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].
"ذكر اسم الله: حمدُه وتقديسه. والأيام المعلومات: الأيام العشر عند جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وبه قال أبو حنيفة، وذهب جماعة، منهم مالك بن أنس وأصحابه، إلى أن الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده ... والمعنى: يقدسون الله ويحمدونه شكراً على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" (1).
* تفسير القرآن باعتماد أسباب النزول:
الذي يطلع على تفسير الشيخ محمد الخضر حسين يلفت انتباهه كثرةُ عنايته بأسباب النزول، ورفضُه اعتمادَ المفسرين على الكثير من الروايات
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 349).
(15/ 2/181)

الضعيفة، حتى أوهموا كثيراً من الناس أن القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث. والقرآن الكريم عنده "أتى للإصلاح والهداية ... " (1).
ونموذج ذلك: ما ذكره بصدد تفسير قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189].
"لما ذكر في الآية السابقة أن الأهلة مواقيت للحج، صح أن يوصل ذلك بإنكار عادة جرى عليها الأنصار في حجهم، فقال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا]، هذه العادة -كما روي في سبب نزول الآية-: أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية، لم يدخل بيتاً من بابه، بل كان يدخل من نَقْب من ظهره، أو يتخذ سُلَّماً يصعد فيه، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من إتيان المنازل من أبوابها" (2).
* تفسير القرآن باعتماد القراءات:
اهتم الخضر حسين في تفسيره بالقراءات، واعتمدها في بيان معاني القرآن الكريم، وترجيح بعض المعاني على بعض، ومن نماذج ذلك: ما قاله في معرض تفسيره لقوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4].
يقول: "المالك: وصف من المِلْك -بكسر الميم-. والدين: الجزاء؛ أي: إنه تعالى يتصرف في أمور الدين تصرفَ المالك فيما يملك؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]. وقُرئ: {ملك يوم الدين} من المُلك -بضم الميم-، ومعناه: المدبّر لأمور يوم
__________
(1) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 26).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 307).
(15/ 2/182)

الدين؛ كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] (1).
ومما تقدم نلاحظ أن محمد الخضر حسين قد اقتصر على الروايات الصحيحة دون الشاذة، حيث لم نجده يطرح قضية اختلاف القراءات. ونهجُه لهذا الخط جعله في غنى عن نقد بعض القراءات، وقد كانت موافقة القراءة للغة العربية من أهم الشروط التي حرص الشيخ على توافرها في القراءة، خاصة لغرض تفسير آيات الذكر الحكيم.
* الأخذ عن التوراة والإنجيل:
لم يختلف المعاصرون عن القدامى في الرجوع إلى التوراة والإنجيل في تفسيرهم للقرآن، فها هو محمد الخضر حسين يعتمدها في تفسيره لبعض الآيات، على غرار ما قاله في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157].
"فهذه الآية صريحة في أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مكتوب في التوراة والإنجيل، والمراد بكتابته فيهما: ذكر مبعثه، ودعوته، وشيء من نعوته، وهذا المعنى موجود في الكتابين يقيناً. ومن البشائر الباقية في التوراة والإنجيل إلى هذا العهد. ما جاء في سفر التثنية من التوراة: (أقم لهم نبياً من وسط إخوتك مثلك، واجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به).
والنبي المماثل لموسى - عليه السلام - في الرسالة العظيمة، والشريعة المستأنفة هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإخوة بني إسرائيل هم العرب؛ لأنهما يجتمعان
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 9).
(15/ 2/183)

في إبراهيم - عليه السلام - ... " (1).
ومن خلال هذا النموذج وغيره يتجلى لنا أن الشيخ محمد الخضر حسين قد اعتمد على التوافق الوارد بين القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية؛ من حيث تأكيدهُا على نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتكامل بين الرسالات السماوية؛ مما يثبت وحدة المصدر.
الأساس الثالث - التفسير بالرأي:
يعتبر التفسيرُ بالرأي من الوسائل المعتمدة في تفسير الشيخ محمد الخضر حسين للقرآن الكريم، إضافة إلى التفسير باللغة، والعكسير بالمأثور.
والتفسيرُ بالرَّأي، أو التفسيرُ العقلي هو ما يقابل التفسيرَ النقلي؛ إذ "يعتمد على الفهم العميق والمركز لمعاني الألفاظ القرآنية، بعد إدراك مدلول العبارات القرآنية التي تنتظم في سلكها تلك الألفاظ، وفهم دلالاتها" (2).
وعلى هذا، فالتفسير بالرأي يقوم على الاجتهاد في فهم الآيات القرآنية، وإدراك مقاصدها اعتماداً على كلام العرب، و "الوقوف على معرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما يتبع ذلك من الأدوات التي يحتاج إليه المفسر" (3).
وكان رجالُ التفسير الذين أخذ عنهم الشيخ محمد الخضر حسين
__________
(1) محمد الخضر حسين "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (ص 45 - 46).
(2) خالد عبد الرحمن العك "أصول التفسير وقواعده" دار النفائس، بيروت، ط 2، 1986 م، (ص 117).
(3) ن م ص.
(15/ 2/184)

في معظمهم ينتمون إلى المدرسة العقلية في التفسير (1)، بدءاً بالزمخشري (ت 538 ه)، فالرازي (ت 606 ه) في القديم، وانتهاءً بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في العصر الحديث.
ومن هذا المنطلق سأحاول أن أبيّن منهج الشيخ محمد الخضر حسين، وموقفه من قضية التفسير بالرأي، وكيف اعتمد المنهج العقلي في "أسرار التنزيل". ونجده يحدد ضوابط التفسير بالرأي إذ يقول: "تفسير يستند إلى فهم علماء اللغة والبلاغة" (2).
ومن مظاهر التفسير بالرأي نجد:
- استخدام الترجيح: استخدم الشيخ محمد الخضر حسين في ترجيحه لما يتعرض له من تفسير بعض الآيات على قواعد أساسية، وهي -كما وقفتُ عليها - أولها لغوي، والثاني مأثور، والثالث عقلي.
ومن النماذج الدَّالَّةِ على استخدام الجانب اللغوي في الترجيح أو التضعيف ما يلي:
1 - الترجيح باللغة: قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].
يقول: "لعل: حرف موضوع ليدل على الترجي، وهو توقُّع حصول الشيء عندما يحصل سببه، وتنتفي موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هي: التقوى، وسببه هي: العبادة؛ إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة
__________
(1) لمزيد التعرف على المدرسة العقلية القديمة والمدرسة العقلية الحديثة راجع: "منهج المدرسة العقلية في التفسير" لفهد الرومي.
(2) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 23).
(15/ 2/185)

التقوى، وهي الفوز بالهدى والفلاح.
والترجي قد يكون من جهة المتكلم، وهو الشائع، وقد تستعمل "لعل" في الكلام على أن يكون الترجي مصروفاً للمخاطب، فيكون المترجي هو المخاطب، لا المتكلم.
وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية؛ لاستحالة حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة؛ لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه، مع رجحان الوقوع، والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، وهم البالغون الغاية في الهدى والفلاح (1).
2 - الترجيح بالأثر: ومن نماذج استخدام المأثور في الترجيح: ما ذكره الخضر حسين عند تفسيره قوله تعالى: {. . . فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38].
إذ يقول: " ... وليس ببعيد أن يكون معنى (لا خوف عليهم): أنهم بلغوا استقامة السيرة وفضل التقوى؛ حيث لا يخاف عليهم أحد أن يصيبهم في يوم الجزاء مكروه. ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره: أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم، ولا في آخرتهم.
ولكن قوله فيما يقابله من جزاء الكافرين: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] يرجح أن يكون المراد: نفي الخوف والحزن عنهم في الدار الآخرة. ثم إن الذين يتقون الله حق تقاته قد يأخذهم شيء من الحزن في الدنيا.
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 38).
(15/ 2/186)

وأوضح شاهد على هذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند احتضار ابنه إبراهيم - عليه السلام -: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (1)، وقول يعقوب - عليه السلام - فيما قصه الله في القرآن: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعم الخالدة في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين، وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] (2).
3 - الترجيح بالعقل: أما استخدامه للجانب العقلي في الترجيح، فمن شواهد ذلك: ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى:
أ - {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16].
يقول: "جاءت هذه الجملة عقب الحديث عن استبدال المنافقين الضلالةَ بالهدى، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشد، وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق. ويصح أن يراعى في هذه الجملة إخراج لك الاستبدال في صورة المبايعة التجارية، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة؛ حيث باعوا الهدى -الذي هو مطلع النجاح والسعادة- بالضلالة التي هي مهواة الخيبة والشقاء" (3).
__________
(1) رواه البخاري كتاب: "الجنائز"، باب: "قول النبي: إنا بك لمحزونون" (ج 1/ ص 402 حديث رقم/ 1303).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 67).
(3) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 30).
(15/ 2/187)

ب - {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
يقول: "ذكَّر المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب يلاقي خصومُهم مثلَها، فكأنه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم -وهم أشياع الباطل- أصبرَ على الآلام، وأثبتَ في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة يرجون نصر الله وجزاء مثوبته ما لا يرجوه أعداؤهم الغاوون المفسدون" (1).
* موقف الخضر حسين من الأقوال المختلفة في التفسير:
نجد محمد الخضر حسين يعرض الأقوال المختلفة في تفسير الآية الواحدة، ثم يحاول التوفيق بينها، إن أمكن له ذلك. فإن لم يمكن الجمع، قارن بين الآراء، ورجح فيها ما رآه راجحاً بالدليل ... ومن نماذج ذلك كما ورد في تفسيره نذكر:
قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24].
يقول: "من المفسرين من حمل الآية على قوم ينكرون وجود الخالق، وهذا ما سلكه القرطبي في تفسيره؛ إذ قال في تفسير هذه الآية: وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع، وينكر البعث. وجرى على هذا أبو البقاء في "كلياته"، فقال: والدَّهري -بالفتح- هو: الذي يقول: العالم موجود أزلاً وأبداً، ولا صانع له، وما هي إلا حياتنا الدنيا ...
__________
(1) محمد الخضر حسين "رسائل الإصلاح" (ص 30).
(15/ 2/188)

ومن المفسرين من جعل الآية محتملة لأن تكون في قوم لا يعرفون الله، ولا يقرون به، وهم الدهرية، وأن تكون في قوم يقرون بالخالق، وينكرون البعث، وينسبون الآفات إلى الدهر؛ لجهلهم أنها مقدَّرة من الله، وجرى على هذا أبو حيان في تفسيره "البحر".
وليس في الآية ما يدل على أن هؤلاء القوم يقرون بالإله، أو يجحدون به. فمن ذهب إلى أن موردها قوم لا يقرون بالإله، فلأن إضافة الحوادث إلى الدهر مقترنة بإنكار البعث؛ شأن الدهريين الذين ينكرون وجود الخالق -جل شأنه-" (1).
* التفسير بالعقل والنقل:
يتضح لي من خلال ما وقفتُ عليه من "أسرار التنزيل"، وبقية آثاره: أن الشيخ محمد الخضر حسين يراوح بين التفسير بالرواية (النقل)، وبين التفسير بالدراية (العقل)، ويزاوج بينهما.
1 - المراوحة بين العقل والنقل:
قال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].
يقول: "هذا الخطاب لمطيقي الصيام من الذين خُيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].
والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية؛ ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجحُ من الفوائد التي تحصل بالفدية،
__________
(1) محمد الخضر حسين "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (ص 28 - 29).
(15/ 2/189)

ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، فيكون المراد منها: فُرض عليكم الصيام إلخ. ثم قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]؛ أي: إن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيراً عظيماً (1).
2 - المزاوجة بين العقل والنقل:
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [البقرة: 164].
يقول: "لما تضمنت الآية السابقة إثباتَ وجوده تعالى، ونفيَ الإلهية عما سواه، جاءت هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها منبهةً لبعض الأدلة على وجوده تعالى. وقد اشتملت على آيات يخرج الناظر من التفكير فيها إلى بطلان ما يفعله طوائف من البشر من عبادة بعض المخلوقات؛ كالكواكب، والنار، والحيوان، والأحجار، بزعم أنها آلهة، أو شركاء الله في إلهيته.
وأول هذه الآيات: السموات. فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} السموات: جمع سماء. والسماء: كل ما علا؛ كالسقف. المراد في الآية: الأجرام المقابلة للأرض، وهي سبع كما ورد ذلك صريحاً في قوله تعالى: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [الطلاق: 12].
ذكرها القرآن هنا في جملة المصنوعات التي يجد فيها الناظر آياتٍ عظيمةً على وجود الله ووحدانيته. ونبه في آيات أخرى على بعض وجوه الاعتبار فيها؛ من نحو تزيينها بمصابيح، ورفعها بغير عمد" (2).
__________
(1) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 294).
(2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 256).
(15/ 2/190)

* الصيغ الدالة على إعماله الرأي:
إذا نظرنا إلى تفسير محمد الخضر حسين للقرآن الكريم من خلال كتاب "أسرار التنزيل"، وجدْنا صيغاً متنوعة ومتعددة عبر بها عن استعماله للرأي، وإعطاء وجهة نظره المخالفة لغيره من المفسرين، ويمكن حصرُ هذه الصيغ في التعابير التالية:
(الأقرب إلى الذهن: ص 115)، (ويصح فيما نرى ص 126)، (ويصح فهم ص 125)، (ويصح أن يفهم ص 221)، (ويصح أن يفسر ص 146)، (صح تفسير ص 146)، (ويصح أن يراعى ص 30)، (فيؤول معنى ... إلى معنى ص 85)، (ومن أقرب ما تفسر به الجملة: ص 97)، (ويصح تفسير ص 142)، (ويصح أن يراد ص 88 - 242 ...)، (ويحتمل أن يراد ص 105)، (هنا صح تفسير ص 106)، (والتقدير ص 101، 111، 118، 119، 215)، (ويصح أن يكون المراد ص 127)، (ويصح أن تحمل على معنى ص 221)، (ويصح أن يكون المعنى ص 317)، (هذا ما يصح أن تفسر به ص 357)، (فمن تعسف وأتى ... تألفه العقول الراجحة: ص 159)، (ومن المحتمل القريب أن يفهم ص 304)، (وإذا نظرنا على ما جاء في آية أخرى ص 85)، (ومن أقرب ما تفسر به الجملة ص 97) ...
ولم يقتصر على استعمال الصيغ الدالة على إعمال الرأي في تفسيره من خلال "أسرار التنزيل"، بل كانت هذه الصيغ مميزة لكل مقالاته في التفسير.
والمتأمل لمقالاته في كتاب "تفسير الهداية الإسلامية" يلاحظ العديد من الصيغ، ومن أمثلة ذلك: (والأقرب أن يقال ص 106)، (ويصح أن يكون
(15/ 2/191)

المعنى ص 109)، (ويفهم من الآية بعد هذا ص 114).
وفي كتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين":
(بيان هذا ص 43)، (فهنه الآية صريحة ص 45)، (فهذه الآية تفهم على معنى ص 158)، (فالمقصود في الآية ص 160)، (فرأيت في الآية مرعى خصباً ومجالاً فسيحاً ص 160).
* الخاتمة:
بعد هذه المداخلة المتواضعة لاستجلاء منهج الشيخ محمد الخضر حسين في تفسير القرآن الكريم، يمكن الإقرارُ بأنّ كتاب "أسرار التنزيل"، وما ورد في بقية آثاره، يعدُّ محاولة جادة في إرساء مدرسة جديدة في التفسير، حاول صاحبُها ملامسةَ الجوانب الاجتماعية، والحِكَم التشريعية، والوقوف على أهم القضايا المعاصرة التي كانت تشغل الأمة، وهي تعيش التخلف والتجزئة والاستعمار الغربي، وتتوق إلى النهضة والوحدة؛ لتسترد وعيها لبناء المشروع الحضاري العالمىِ.
ولعل أهم النتائج التي يمكن التوصلُ إليها، هو: أن للنشأة والبيئة التي عاش فيها الخضر حسين دوراً كبيراً في تكوين شخصيته، فمنذ طفولته توجَّه إلى حفظ القرآن الكريم، وتلقَّى علومَ الشَّرع والالتزام بآدابه.
وكانت رغبتُه في طلب العلم حيث استفاد من المناخ الثقافي، فأقبل على دروس التعليم، ولازم عدداً من الشيوخ المعروفين؛ مثل خاله "محمد المكي بن عزوزا" والشيخ "سالم بوحاجب"، و"عمر بن الشيخ"، وغيرهم.
وقد حرص -برغم كثرة الترحال والتنقل- على دوام الكتابة، وإلقاء الدروس والمحاضرات في المساجد والجمعيات، وإنشاء المجلات، والإقبال
(15/ 2/192)

على مطالعة أمهات الكتب في التفسير وعلوم اللغة والأدب والحديث. فكان تفسيرُ "أسرار التنزيل" من التفاسير السهلة التي اعتنى فيها صاحبُها بالصور البيانية، والمحسِّنات المعنوية، برغم شغفه بالأسلوب. وابتعد فيه عن ذكر مصطلحات الفنون، والتوسع فيما لا تفهمه العامَّةُ، وهو في ذلك يتفق مع "تفسير المنار" لرشيد رضا، برغم عدم التأثر المباشر بمدرسة المنار.
وما يتميز به الخضر حسين -روَّحَ الله روحَه- من استقلال في التفسير عن بقية المفسرين، على الرغم من اعتماده على العديد من التفاسير، وما توصل إليه أصحابها، قد أظهره شديد الالتزام بتفسير القرآن بالقرآن، دون إهمال للحديث النبوي الشريف، والاعتماد على الشعر العربي.
هذه الميزة وغيرها جعلته تفسيراً عصرياً يعكس بصدق ووضوح توجهاتِ العصر، وحاجة المجتمع الإسلامي والمكتبة الإسلامية إلى هذه النوعية من التفاسير، ومن ثمَّة بدتْ علاقتُه بمعطيات عصره الثقافية والاجتماعية والسياسية وثيقةً جداً.
لذلك يمكن اعتبار "أسرار التنزيل" في منهجه المعتدل تفسيراً مثالياً بكل معاني الكلمة، وذلك في ظل الضوابط والشروط التي وضعها العلماءُ والمفسرون لبناء تفسير سليم. ويُعتبر صاحبُه من المجتهدين القلائل المعدودين في العصر الحديث ممن دَعَوْا إلى نبذ التقليد والجمود.
والمُطَّلعُ على بعض مواطن من التفسير، يلحظ -دون عناء- أن الخضر حسين قد جمع في طريقة تفسيره بين اتجاهات ثلاث، ولم يكن أسير مذهب أو مدرسة. فنجد الاتجاه اللغوي؛ إذ ركًّز على الأساس اللغوي، فتوسع لقبول
(15/ 2/193)

كل المعاني التي يتحملها اللفظ، ويشترط على المفسر "أن يكون عارفاً لعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها" (1).
والملاحَظ: أن قيمة هذا المنهج برزتْ تاريخياً في الردّ على التيارات الباطنية التي أدَّى بها تأويلُها إلى العبث باللغة العربية، فاندفع الخضر حسين لغوياً بارعاً إلى دحض هذه النزعات الرامية إلى إهدار الدلالة اللغوية التي تقوم عليها معاني القرآن الكريم.
وركّز على المأثور، فأخذ من القرآن الكريم، وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يساعد على استخراج المعاني، ويقرِّب الدلالة إلى الأفهام، دون إهمال لما تركه الصحابة والتابعون، ولا تغافل عن أسباب النزول. واشترط على المفسر: "أن يتَّجه إلى تمحيص الروايات، ولا يعوِّل إلا على ما صحت روايته" (2).
وقيمة هذا المنهج تبدو أساساً في الرد على مختلف من زيَّنتْ له نفسه إمكانية النظر إلى القرآن الكريم نظرة مجردة عن كل ما ظهر حوله من نصوص، حتى ولو كانت سنّة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقد عمل الخضر حسين على إحياء هذا النسق، مؤمناً بأن المأثور هو الأداة الأنجعُ والأسلمُ في العملية التفسيرية.
وبين اللغة والمأثور يظهر الرأي نبراساً يعتمده الخضر حسين؛ ليستخرج ما توحي به اللغة، وما يكشفه المأثور؛ إذ لا يمر بآية إلا استحضر رأيه.
__________
(1) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 24).
(2) محمد الخضر حسين "بلاغة القرآن" (ص 24).
(15/ 2/194)

ويلحظ القارئ ذلك من خلال الألفاظ والمصطلحات المستعملة من جهة، وما يصل إليه من فهم لدلالات الآيات من جهة أخرى.
وقيمة هذا المنهج تبدو في سعي صاحبه إلى أن يجعل أحكام القرآن ومعانيه مستجيبة لمتطلبات العصر وتطوره، مؤمناً بأن القرآن الكريم هو أهم دستور يضمن للأمة السلامة، ويخرج بها من بوتقة التخلف لمعالجة أهم المعضلات.
وقد تبين لي أن الخضر حسين عَلَمٌ من أعلام التفسير الإسلامي، ساهم بشكل كبير في إثراء المكتبة العربية الإسلامية بكتاباته في التأليف، والمقالات في المجلات والصحف، والقاء المحاضرات، كما كان له الدور الريادي في كشف معاني القرآن الكريم من خلال تفسيره، ودعوته إلى التمسك بأحكامه وتشريعاته، وجعلها مسايرة لمتطلبات العصر وضرورات التقدم. كل ذلك كان باعتدال يعكس قوة شخصيته، وهدوء طبعه، وغزارة علمه، وسعة اطلاعه.
ولا يسعنا -في خاتمة هذا العمل- إلا أن نقترح على المهتمين بالحقل المعرفي جمعَ ما كتبه الشيخ محمد الخضر حسين في التفسير، ونشره مستقلاً عن تآليفه الأخرى، وتحقيقه.
وعلى المشرفين على وضع البرامج إدراجُ دراسة تفسيره في برامج المعاهد والجامعات الإسلامية في فصل من الفصول تحت عنوان مادة "التفسير في العصر الحديث".
كما أدعو المختصين من أهل الفكر والثقافة، والمهتمين بتفسير القرآن إلى مواصلة بناء مشروعه التفسيري الذي رسم معالمه، وبيّن أسسه. على نحو
(15/ 2/195)

ما قام به محمد رشيد رضا مع محمد عبده في مصر. وفي تونس المراهنة على إحياء التراث رجال صدقوا ما عاهدوا عليه أنفسهم من بر للمعارف والعلوم، وخاصة ما تعلق بتفسير القرآن الكريم، نأمل أن يوجهوا هممهم لهذا المبحث سبيلاً لمساوقة التغيرات التي يشهدها العصر، والتحديات التي يفرضها، فتفرض علينا أن نتوجَّه إلى ما به يكون تأصيل الهوية.
* المصادر:
القرآن الكريم:
- برواية قالون لقراءة نافع من طريق أبي نشيط، الطبعة الأولى، صادر عن دار الفجر الإسلامي، دمشق (1426 ه / 2005 م).
حسين محمد الخضر:
- "أسرار التنزيل" - المطبعة التعاونية، دمشق، 1976 م.
- "بلاغة القرآن"، طبعة المطبعة التعاونية، دمشق، 1971 م / طبعة الدار الحسينية للكتاب، 1997 م.
- "خواطر الحياة"، المطبعة التعاونية، دمشق، 1978 م.
- "رسائل الإصلاح"، المطبعة التعاونية، دمشق، 1971.
- "محمد رسول الله خاتم النبيين"، المطبعة التعاونية، دمشق، 1971 م.
- "الهداية الإسلامية"، المطبعة التعاونية، دمشق، 1976 م.
* المراجع:
ابن خلكان أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر:
- "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت لبنان.
(15/ 2/196)

الحسيني علي الرضا:
- "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر"، الدار الحسينية للكتاب، طبعة 1، 1992 م.
الزركلي خير الدين:
- "الأعلام" - دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 2، 1982 م.
ابن عاشور محمد الفاضل:
- "تراجم الأعلام" - الدار التونسية للنشر، تونس، 1970 م.
العك خالد عبد الرحمن:
- "أصول التفسير وقواعده" - ط 2، دار النفائس بيروت، 1986 م.
محمد كرو أبو القاسم:
- "أعلامنا" - دار المغرب العربي، تونس، 1973 م.
مواعدة محمد:
- "محمد الخضر حسين حياته وآثاره"، الدار التونسية للنشر، 1974 م.
(15/ 2/197)

محاضرات الندوة

دور المثقف في توثيق العلاقات المغاربية (1)
أخواتي وإخواني!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محورٌ أساسي، ويبدو أن كثيراً من الجهات الثقافية -في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي- تحاول دائماً العناية به، ولكن حتى الآن لم نجد الطريق السوي الذي يمكننا من المعالجة الصحيحة.
لكن قبل ذلك عندي ملاحظة: ملاحظة حول الشيخ محمد الأخضر ابن الحسين:
أعرف أن الشيخ زار الجزائر مرتين سنة 1903، و 1904، وفي سنة 1903 م كان قد زار الجزائر قبلها الشيخ محمد عبده، وفي الوقت الذي نجد آثاراً وتأثيراً، آثاراً علمية ثقافية للشيخ محمد عبده، سواء فيما يتعلق باتصالاته بشيوخ العلم والمثقفين في ذلك الوقت، وحتى الآن مازالت بعض الرسائل تدرس في هذا الموضوع، نرى أن الشيخ محمد الخضر قد مرَّ هناك، ولم يترك شيئاً، في حين أن المثقفين الذي كانوا موجودين في الجزائر في تلك
__________
(1) محاضرة المؤرخ والكاتب الجزائري الدكتور محمد عربي الزبيري، ألقاها دون الاعتماد على أوراق مكتوبة.
(15/ 2/198)

الفترة كانوا على ثلاثة أصناف، لم نجد أثراً له عند أي من هذه الأصناف.
كان هناك المثقفون المفرنسَون الذين انسلخوا عن جلدتهم، وكانوا يسعون للاندماج في المجتمع الفرنسي، لكنهم كانوا مثقفين، كانوا يكتبون على أعمدة الصحافة، وكانوا ينشطون ثقافياً، والمثقفون الوطنيون الذين كانوا -أيضاً- نوعين: كان نوع مزدوجَ اللغة، وكان نوع زيتونياً، وخاصة أنه في النوع المزدوج باللغة نجد أن الشيخ محمد بن رحّال كان يكتب في موضوعات عالجها الشيخ محمد الخضر حسين، فالشيخ محمد بن رحّال كان يلقي محاضراته باللغة الفرنسية في باريس في ذلك الوقت حول الحرية في الإسلام، حول نظرة الإسلام إلى المرأة، ونظرة الإسلام إلى المجتمع، إلى غير ذلك. موضوعات مهمة نجد أن الشيخ قد عالجها، وفي نفس الوقت عالجها الشيخ محمد بن رحّال، والمفروض أن هذا يربط بين الرجلين، خاصة وأن الشيخ محمد بن رحال كان مزدوج اللغة، ثم الزيتونيون، فكانوا في الجزائر في تلك الفترة، كان يوجد عمر القدور، وهو زيتوني، وعمر راسم الذي هو زيتوني، اللذان كان لهما مساهمة كبيرة في تنشيط الحياة الثقافية المغاربية على أعمدة الصحافة التونسية، وعلى أعمدة الصحافة الجزائرية.
هذا السؤال بقي يحيرني، بحثت فعلاً، ولكني لم أجد الجواب الشافي الكافي، هذه الملاحظة أطلب من الجميع أن يفكر معي في أسباب عدم وجود التلاقي في تلك الفترة بين هذه الرجالات التي كانت تعمل بالفعل من أجل إعادة بعث هذا المجتمع المغاربي، ودفعه نحو ما كان يسميه مالك بن نبي: المجتمع الموحد.
نعود الآن إلى صلب الموضوع: دور المثقف في تمتين أو توثيق العلاقات
(15/ 2/199)

المغاربية بين الشعبين الجزائري والتونسي على الأقل، وحتى في هذه التسمية أرى أن هناك تقهقراً؛ لأن التعبير كان غير ذلك، كان أسلافنا يقولون: الشعب في الجزائر وتونس، لا أن يقولوا: الشعبين الجزائري والتونسي.
سؤالي أولاً من هو المثقف؟ هل المثقف هو حامل الشهادات؟ أقول: لا، إن الشهادات -مهما علت- ليست مقياس المثقف الثقافي.
أنا أقيس الثقافة بشيء آخر هو الوعي، أن يكون الإنسان واعياً أولاً بذاته، واعياً بمحيطه الضيق، وبمحيطه الواسع، والعامل من أجل تحقيق أهداف تعود بالخير على الذات، وعلى محيطه، وعلى غيره، من أجل ذلك لكي يكون المثقف فاعلاً يجب أن ينطلق من مشروع المجتمع، ينطلق من مرجعيته الفكرية، أن ينطلق لتحقيق أهداف وأغراض ومعالم بينة واضحة. فإن لم يكن هذا موجوداً، فلست أدري كيف يمكن لإنسان أن يُسمى مثقفاً، وكيف يمكن أن يقوم بدوره؟
وفي مستهل القرن كان المثقف موجوداً بالفعل، ويبدو لي: صحيح أن الاستعمار موجود، ولكن مقاومة الاستعمار كانت قد فتحت للمثقفين مجالاً للعمل من أجل ترقية المجتمع، ومن أجل الدفاع عنه، ومن أجل وضع الأسس التي يكون منها المنطلق لتحقيق ما هو الأفضل.
قرأت مرة للشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي تعرفونه جيداً يقول: إننا في الجزائر، ويتكلم عن المثقفين في الجزائر، يقول: نحن في الجزائر نعرف عن إخواننا في تونس، وعن إخواننا في ليييا ما لا يعرفونه هم عن أنفسهم؛ لأننا نهتم بواقعهم، ونتمنى لهم كل الخير.
اليوم نرى أن هناك انحساراً، نرى أن من نسميهم: المثقفين، سواء في
(15/ 2/200)

الجزائر، أو في تونس، أو ليبيا، هؤلاء لا يعرفون ما يجري حتى في بلدانهم، لماذا؟ لأنهم حبسوا أنفسهم فيما يمكن أن نسميه: الوظيفة، أو العمل الرسمي، أو الجري وراء أشياء أخرى لا علاقة لها بالثقافة؛ لأن الثقافة -كما قلت- هي الوعي.
ثم إن الثقافة هي مواقف، عندما يكون الإنسان واعياً، لا بد له من مواقف تجسد ذلك الوعي، والمواقف -اسمحوا لي- لها أثمان تدفع لكي تتجسد على أرض الواقع.
ما هي مواقف المثقف في الوقت الحالي؟ مواقف المثقف -على الأقل- هي أن يؤاخي، هي أن يفتح طريق الوحدة، هي أن يعمل على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع ككل، الشعب هنا، والشعب هناك.
لكن -مع الأسف- عندما نرى المثقف، أو ما نسميه مثقفاً يسعى دائماً لتحقيق ما يصدر عن الجهات الرسمية، هذا لم يعد مثقفاً. المفروض أن المثقف هو الذي يخط الطريق للجهات الرسمية، وليست الجهات الرسمية هي التي تخط الطريق للمثقف.
ولقد أكبرت بالأستاذ الجليل الشيخ المنجي موقفه مع وزير الداخلية، الذي أراد أن يملي عليه موقفاً من تلميذه في ذلك الوقت، هذا هو المثقف. كان يدرك، وكان يعرف أنه سيدفع ثمن موقفه هذا مع وزير الداخلية يجر عليه أتعاباً؛ لأنه كان يعرف ويدرك، فكان مستعداً لتقديم الثمن.
موضوع آخر في الجزائر جرى، هو عمر بن قدور، هذا هو زيتوني، وكان يكتب في الصحافة التونسية، والصحافة الجزائرية، وكان يظهر بموقفه المعادي للاستعمار، والداعي إلى اليقظة في أوساط المجتمع، دُعي ليغيّر
(15/ 2/201)

مواقفه، ويغيّر كتابته، فرفض، وهُدد، فتحدى التهديد، وحُكم عليه بالحبس والنفي في مدينة "الأغواط"، وهو موجود في الجزائر، وكان في الحكم قرار أن ينتقل إلى منفاه مشياً على الأقدام 450 كم. وبالفعل انتقل، وعندما وصل، وكان في حالة سيئة، سأله صحفي، فقال له: أنا مستعد إلى أكثر من هذا، وإلى أن أموت إن اقتضى الحال. وقع نفس الشيء مع الشيخ المكي بن شباح في بداية القرن عندما دعته السلطات الاستعمارية، وطلبت منه أن يتخلى عن النضال السياسي، ورفض، فحكم عليه بالنفي من "بسكرة" إلى "أولاد جلال"، وهو مربوط في ذيل الفرس التي كان يقودها التابع لدائرة الشرطة، هذه هي شروط المثقف.
لذلك كنت دائماً أقول للطلبة عندما يتحدثون عن الذين فجروا فتيلاً: هؤلاء لم يكونوا مثقفين. أقول لهم: لا، لم يكونوا حاملي شهادات، ولكنهم كانوا مثقفين؛ بدليل أنهم أدركوا: أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأدركوا -أيضاً- أنه ما ينبغي أن نسترجعه إن كان ثميناً يجب أن نقدم له ما هو أسمى، وهي أنفسنا، فهؤلاء هم المثقفون.
نعود إلى دور المثقف في توثيق العلاقات بين الشعب الجزائري والشعب التونسي، ما دام أرغمنا على هذه التسمية، وأرغمنا على التنازل عن كثير من المفاهيم. كنا -نحن المثقفين- نتحدث عن الإمبريالية، وكنا نتحدث عن الاستعمار، وأرغمنا على التخلي عن كثير من المفاهيم، وأتمنى أن يأتي مثقفون حقيقيون يعيدون المياه إلى مجاريها.
فالعلاقات كانت أمتن في الفترة الاستعمارية بين مثقفي الجرائر ومثقفي تونس مما عليه الآن. لم تعد هناك علاقات.
(15/ 2/202)

كنت أتمنى أن أرى أساتذة أجلاء من تونس يزورون الجزائر مثلما كان يقع في السابق. وعندما تقع اللقاءات، وعندما تقع الاحتكاكات والحوارات، فهذا هو سبب تطور وتقدم للمجتمع. أما إذا انزوى كل على نفسه، وتقوقع، فإننا نبقى دائماً ندور في حلقة مفرغة، ومع الأسف بدلاً من أن نتقدم، فإننا نتقهقر. كنا نعتبر نفسنا شخصاً واحداً، شعباً واحداً، أصبحنا نعتبر نفسنا شعبين، وحدود تقام بيننا تمنع.
هذه الحدود لم تمنع انتقال الجزائريين إلى تونس، والتونسيين إلى الجزائر في عهد الاستعمار، ولو كنا مثقفين بالفعل، ونقوم بدورنا، فإننا نرفع هذه الحقائق إلى من يهمه الأمر، ونطالب بإزالة هذه الحدود؛ لكي يتمكن المثقفون من الاتصال فيما بينهم، ويتمكنوا من معرفة ما يجري هنا، وما يجري هناك.
والمعرفة هي التي تساعد على حل المشاكل. وما لم نعرف، لا يمكن أن نصل إلى ذلك بالطبع. أعود إلى المثقفين بالفعل، أعرف في الجزائر مثقفين ليست لهم شهادات، باعوا أملاكهم ليؤسسوا جريدة. الجريدة يأتون بمقالاتها إلى تونس، وتطبع في تونس، ويعودون بها إلى الجزائر، ويوزعونها هناك، هذه العائدات لا تفي بالمصاريف اللازمة لإعادة طبع العدد الآخر، فكانوا يبيعون أملاكهم لكي يستمروا في طبع هذه الجرائد، وهذه موجودة، وشارك في تحريرها كثير من التونسيين، وشارك كثير من الجزائريين في تحرير الكثير من الجرائد التونسية.
ويبدو لي أن الجريدتين اللتين كان يشرف عليهما كل من عمر بن قدور، وعمر راسم كانتا متنفساً بالنسبة إلى المثقفين التونسيين، وقد اطلعت على
(15/ 2/203)

كثير من المقالات، عندما تقرأ لهذا لا تكاد تفرق بين مقال هنا، ومقال هناك. لماذا؟ لأن الهدف واحد، ولأن التكوين واحد، وليست هناك مصالح شخصية تدفع هؤلاء المثقفين.
إذن، نعود إلى إعطاء الوصف، وإعطاء المعنى الصحيح للمثقف، من هو المثقف؟
عندما أصل إلى من هو المثقف، في هذه الحالة. وهذا يتطلب منا أن نعود إلى الثقافة، ما هي الثقافة؟ فنحن اليوم -مع الأسف- نجلس إلى جانب ثقافتنا، ولا ننشط في داخلها؛ لأنها ممسوخة بتأثيرات خارجية كثيرة. ولست أدري إذا كانت الجامعة التونسية تتألم مما تتألم منه الجامعة الجزائرية.
فأنا لا يمكن أن أطلب من طلبة جامعيين يُعِدّون رسائل دكتوراه، أو رسائل ماجستير في موضوعات فلسفية، أو في موضوعات تاريخية أو اجتماعية، أو في علم النفس من دون وجود مدارس وطنية.
إذا كنا نطلب من المثقف أن يكون له دور. يجب أن نحدد ما هو نوع الثقافة، قبل أن نتحدث عن دور المثقف؛ لأنه إذا كان يرتوي من مَعين ليس هو ثقافة، فلا يمكن أن تطلب منه أن يقوم بدور المثقف. والسلام.
(15/ 2/204)

الجلسة الختامية

كلمة وزير الشؤون الدينية الدكتور أبي بكر الأخزوري في اختتام أعمال الندوة (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
يطيب لي -في البداية- أن أعبّر لكم عن عميق سعادتي بوجودي بين هذه النخبة الفكرية النيِّرة، هذه النخبة المشهود لها بالارتباطات بالعلم، وجودة البحث.
كما أعبّر عن كبير اغتباطي باختتام هذه الندوة العلمية الدولية ذاتِ الموضوع الهام: (العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وإصلاح المجتمع الإسلامي).
أهمية هذه الندوة متأتية -أساساً- من كونها حلقة من حلقات السلسلة الإصلاحية التونسية من بداية القرن التاسع عشر إلى التغيير المبارك بقيادة رائد الإصلاح والتغيير سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، الذي انطلق في مشروعه الحضاري من فكره الثاقب من المخزون الوطني، ومن ثوابت المرجعية الفكرية لرّواد الإصلاح. يقول سيادته ما يأتي: "إن التغيير مسار متواصل،
__________
(1) في الواقع لم تكن هذه كلمة، بل محاضرة أكسبت الندوة ثراء ثقافياً مهماً.
(15/ 2/205)

والإصلاخ استشراف مستمر للمستقبل، لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يعدّ لها، ولما بعدها.
وقد اخترنا الإصلاح منهجاً؛ لأننا انطلقنا من مخزون وطني عميق، واستلهمنا ثوابتنا ومراجعنا من فكر روّاده، ونضال شعبنا، ومقومات شخصيته الوطنية، وحضارته المتميزة. ونحن نذكر -بهذه المناسبة- بكل اعتزاز وإكبار روادَ الإصلاح في بلادنا، وزعماء الحركة الوطنية وقادتها، وشهداءها ومناضليها، ونحيى مآثرهم وتضحياتهم، وننزّلها المكانة اللائقة بها، لتبقى مراجعَ لأجيالنا القادمة، ومحطاتٍ وضاءة في تاريخنا الوطني". هذا من خطاب سيادته الذي ألقاه بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم سنة (1423 ه , الموافق 2002 م).
كلمة المفاتيح تحدد أغراضنا من مثل هذه الملتقيات، هذه الملتقيات التي تتناول بالدرس أعلام الفكر والثقافة، والتغيير والإصلاح، ومواكبة التحولات، الهوية، الثوابت، وليس من أغراضنا إطلاقاً التبرير والتنديد. إنما نروم الإسهام في بناء الشخصية المتميزة المشدودة إلى خلفية فكرية تاريخية، المعتزة بالتمسك بالهوية، وبالانتماء الحضاري، والانتماء إلى الوطن، الوطن لا كحيّز جغرافي فقط، إنما ككيان روحي حضاري بغايته السامية، وقيمه النبيلة، بما يمكّن تلك الشخصية الأصيلة المتجذّرة من التماس أسباب التحديث والارتقاء بالفرد والمجموع إلى أسمى ما يمكن أن يتحقق من المناعة والسؤدد، تلك هي المعادلة التي تتآخى فيها الأصالة والحداثة، التاريخيُّ والآنيُّ، والتي نراها في عهدنا السعيد تتحقق، بل قل: تنمو وتينع.
إن كل سعي إلى هذا الغرض مطلوب محمود، نطرب له وندعمه،
(15/ 2/206)

ويقيني: أن غطاء الثقافة والمحافظة على التراث، و (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) قد نزّلت هذه الندوة في هذا الإطار بالذات، والشاهد إنما يتمثل في هذه المداخلات القيمة، وفي هذا الخيط الجامع الذي يؤلف بينها جميعا.
ولا يسعني هنا إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل المستحق إلى السادة الأساتذة الأجلاء من تونس، ومن أشقائنا الوافدين من الجزائر ومصر وسورية ومن الكويت؛ لأنني رأيت كويتياً بيننا والحمد لله، بغية الإسهام في طرق الموضوع على النحو المنهجي الذي يضمن موضوعية الاستنتاج والنتائج.
كما لا يفوتني أن أشكر الذين بذلوا جهداً ملحوظاً بالإعداد والتنظيم المحكمين، والسلط الجهوية والمحلية على اختلاف مواقعها التي دعمت العمل، وأسهمت بالتالي في إنجاح فعالياته، وعلى رأسها السيد والي "توزر".
أيها السادة والسيدات!
لقد تناولت البحوث القيّمة التي تفضلتم بإعدادها بالدرس، تناولت بالدرس فكر عَلَمٍ من أعلامنا الأفذاذ، حريٌّ بنا جميعاً أن نستلهم من فكره ومواقفه ما به نستحث الخطا للأفضل. نعم إننا لا نشرب من النهر مرتين كما يقول بعض الفلاسفة، فلا نقر الماضوية والتشبث بالقديم، لكن التاريخ مثقل بالمعاني والعبر، ورحم الله ابن خلدون الذي سمى كتابه في التاريخ: "العبر".
إن جوانب كثيرة من شخصية محمد الخضر حسين جديرة بالانضباط، ولعل أبرزها -على الإطلاق- منهجه التنويري في تناول قضايا الإصلاح الاجتماعي، وليس غريباً أن يوصف بكونه رصيناً عقلانياً، فبالتتبع والاستقراء
(15/ 2/207)

ندرك أنه سلك سبيل الدرس المعمق، والنظر الشامل السديد.
فقد كان يعرض القضايا التي يتقبلها على معيار البحث العلمي الرصين، الذي قوامه النقد والتحليل والتعريف. يقول المرحوم الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور في كتابه "الحركة الأدبية والفكرية في تونس": "اقتضت هذه الحيرة ظهور شهاب ثاقب من شهب العلم والأدب، يهدي الحائرين، يتناول قضية الإصلاح، فيعرضها على معيار البحث العلمي الرصين، والنقد المنطقي الرزين".
إن منهجه هذا أهّله إلى أن يكون مستنيراً، رافضاً لكل فكر خرافي أسطوري، لكل فكر ماضوي، كان متفتحاً غير متعصب لقديم، يعتمد الرأي المستند إلى دليل، حتى أدبه الرائق جاء غنياً بسديد الأنظار، وبمزيد الحكم المتعلقة بالخصوص بالإصلاح الاجتماعي.
لقد رفض الشيخ الخضر حسين القول بغلق باب الاجتهاد -وأقول هذا وبأعلى الصوت لأننا بحاجة ماسة إلى ما التمسه من الاجتهاد-, واستدل بمقتضى المنطق، فقال في أول مقال كتبه في أول مجلة عربية في بلادنا أسسها هو بنفسه "السعادة العظمى" قال ما يأتي: "إن دعوى أن الاجتهاد قد أغلق هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن بقوته الدليل الذي انفتح به باب الاجتهاد أولاً".
إننا اليوم نتمسك بهذا المنهج العقلاني، الذي لا غنى عنه في تحقيق تطلعات المجتمعات الإسلامية إلى الرقي الحضاري المتوازن. ومن حق أبنائنا علينا أن نطلعهم على هذه الشواهد مثال الحصافة والجدّ والنبوغ، بما هي لحظات وضاءة تنير السبيل، وتعطي الخطوة الصحيحة. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ
(15/ 2/208)

الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6 - 7].
لقد تولدت عن هذا المنهج قيم خالدة (نعضّ عليها بالنواجذ) كما جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كحرية النقد، واحترام التفكير، والوسطية والاعتدال، واعتبار النسبية لضبط الظواهر والمواقف؛ بحيث لا إفراط في فكره. ولعل قمة نبوغه في مواقفه من نزوعات عصره وأحداثه، فما إن ظهرت "العروة الوثقى" إلى تونس، ظهر اضطراب بالأفكار، ولّد -كما يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور- تناحراً وتنابذاً، واهتزت الألباب دهشة من جراء ذلك الاضطراب.
ووقف الشيخ الخضر حسين في الوسط العدل، ونأى بنفسه الانحياز إلى نزعة من النزعات المتقابلة، رافضاً الإغراء في الحكم، معايشاً القضايا بكل هدوء وموضوعية، موجهاً الرأي إلى ما فيه الصلاح العام، وما يقتضيه من قيم زكية ينبغي أن تسود، وكل خلق قويم يجب أن يكون الرابط بين الطرفين.
ومما يزيدنا إكباراً لفكر محمد الخضر حسين، ويعمم رغبتنا في الاستزادة من دراسته بالعمق اللازم -وقد سمعت نباً أطرب له: أنه ستتناول هذه القضايا التي تقبلها مراراً وتكراراً في المستقبل إن شاء الله تحقيقاً-: وعيُه الكبير لضرورة تربية الشخصية الفردية والجماعية على التمسك بالهوية، الهوية المتحركة، المتشبثة بالثوابت، المعتبرة لمتغيرات الزمان والمكان، ولا تعارض بين هذه وتلك، آملة في مستقبل تواكب حركة المجتمع ومواقعه من علوم ومعارف وتقنيات كفيلة بتيسير إنجاز التقدم، وتحقيق النمو، ودعم القدرة على الإسهام في صنع التاريخ. كفانا استهلاكاً، لا بد أن نصل إلى
(15/ 2/209)

مرحلة صنع المعرفة، صنع التاريخ، وهذا لا يتأتى إلا بالاستناد إلى هويتنا.
إن موضوع الهوية، ويناء الشخصية المتميزة القادرة على مواكبة التطورات والتغيرات الطارئة، مازال مركز اهتمام. اليوم بحاجة ماسة إلى أن نحث الخطا حتى نجذّر أبناءَنا في هويتنا، بل أقول: اقتضى الأمر مع العولمة في جوانبها جميعاً وخاصة منها الثقافية، وهذا ما أكد عليه رئيس الدولة سيادة الرئيس زين العابدين بن علي غير ما مرة، منها قوله: "إننا نتقدم على درب الحداثة والرقي متمسكين بمقومات هويتنا الوطنية، مستلهمين من ثرائها العريق ما يدفعنا إلى مزيد الإنجاز والإضاءة، لقد اخترنا لبلادنا سبيل العمل والكد، والجد والتنوير والتحديث في مدارج المعرفة والعلوم والرخاء والنماء، لتبقى تونس واحة أمان واستقرار، وأرض تسامح واعتدال، ومنارة حضارية مشعة على الدوام".
إننا عندما نتحدث عن الهوية، نعني -بالطبع- مقوماتها المتماثلة من تاريخ، ودين، ولغة، ومصالح مشتركة، هذا تعريفنا للهوية.
في خصوص التاريخ: كما نوهنا -سابقاً-: أن لذاكرة الشعوب أهمية كبرى في تحريك الثوابت، ومن هنا تأكدت ضرورة معرفة أبنائنا لتاريخ بلادهم بكل ما يتسع له من احتمالات الظواهر والأحداث، على اختلاف دروبها، ودرجات أهميتها، ولا يتأتى ذلك إلّا بقراءة موضوعية نقدية للوقائع وعللها ومتطلباتها، ومن لا تاريخ له، لا حاضر له، ولا مستقبل له.
جاء في كلمة رئيس الدولة بتصديره البريد لكتاب "تونس عبر التاريخ" ما يأتي: "التاريخ بنظامه ورموزه ومراميه هو مبنى الهوية، والعمود الفقري للشخصية الوطنية، نرى فيه دلالات تكرس تعلقنا بهويتنا وأمجادنا التاريخية،
(15/ 2/210)

ونستلهم مآثر أجدادنا، ومكانتهم السامية". هنا أذكر أن الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- اشترك في لجنة (تدوين التاريخ) بتونس؛ مما يظهر فهمه الصحيح للتاريخ، والرأي عندي: أن له في ذلك بعض ما يذكّر بالمنهج الخلدوني، إنه كان واعي التأثر بقواعد علم العمران البشري، ويشهد بذلك اهتمامه بحياة الرجل الذي تخرج مثله في جامع الزيتونة المعمور، واستقر مثله في مصر حيث مجاله، وقد ألقى محاضرة بعنوان: (حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية).
ومن الكتّاب المعاصرين من شبّه الشيخَ محمد الخضر حسين بابن خلدون، حتى في تنقلاته وأغراضه، سواء في هجرته إلى مصر، أو إلى البلاد المغربية، نقول اليوم: المغاربية.
بخصوص الدين كمقوّم من المقومات: كل منطلقات الشيخ هي منطلقات إصلاحية، كانت مبنية على النصوص التأسيسية، على العلوم الشرعية، على الفكر الديني النيّر المؤسَّس على الاجتهاد والقيم السمحة، ومن مآثره هنا -زيادة على ما أسلفنا- يدعو إلى الاجتهاد المنضبط، إنه يعتمد الرأي حيث يثبت بالدليل، ولا يثق بالمرويات إلا بعد نقدها وعرضها على معقول المعنى. وهذا هو علم المنهج المستنير الذي ننشده اليوم، والذي به نسلم من هذه الفتاوى المضحكة المبكية التي اتسع سوقها هذه الأيام، وضمتها مذهبية مقيتة.
نعم، إن ديننا الحنيف هو عصمة أمرنا، وقوام مسارنا الحضاري، كما يقول سيادة الرئيس، والدين عقيدة وقيم ومُثل، وقراءة مقاصدية، وسند للتنمية، التنمية تستغرق كل سبل التنمية ... الدين لا ينضب معينه، وليس
(15/ 2/211)

الدين تشبثاً -كما قلنا- بالماضي، وبأقوال رجال عبّروا عن واقعهم الذي ولّى ولن يعود. وهؤلاء رجال، ونحن رجال -كما يقول علماؤنا-. وعلينا أن نجتهد كما اجتهدوا، وأن نفهم نصوصنا لنعبّر عن واقعنا كما عبّروا، ونجدّد كما جدّدوا بكنف التمسك الواعي في ثوابت شخصيتنا.
والمقوم الثالث اللغة: - وأرى لافتة كُتب عليها: اللغة مقوّم أساسي من المقومات - يجدر القول هنا: إن الشيخ محمد الخضر حسين لم يكتف بطرح المسألة اللغوية في محاضرته التي ألقاها في نادي الجمعية الصادقية بعنوان: (حياة اللغة العربية)، لم يكتف بتدريس اللغة، بل تجاوز ذلك إلى العمل الميداني من خلال الجمعيات الثقافية ... وأقصد: هنا هذه الجمعيات الثقافية، ومن خلال العمل المؤسساتي، وأقصد هنا: المجمع العلمي العربي في دمشق، الذي يعد محمد الخضر حسين من أعضائه الأولين، كما أنه كان من أبرز الأعضاء الذين تأسس بهم مجمع اللغة العربية بمصر، فقد أبرز أن اللغة وعاء حضاري، ولابد أن تواكب حركة المجتمعات العربية، وذلك يتأتى بالانفتاح على العلوم الأخرى، واستيعاب العلوم والمعاني الجديدة. وهو ممن حرص على حذق اللغة الأجنبية، والتفتح على الآخر. وزار ألمانيا مرتين، ومن فرط ذكائه ونبوغه: أنه حفظ اللغة في أشهر معدودة، فاكتسب الخصال الثورية لمعرفة الواقع المتجدد.
هذا المقوم نحرص عليه اليوم، ومن أغلب الدلالات على ذلك: ما تفضل به سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بإطار المرجع الذي ألقاه يوم 7 نوفمبر 2008 م دعا فيه إلى إحكام الإحاطة بالشباب، وتجنيبهم الاغتراب الحاصل من التحولات المتسارعة، وإلى الاهتمام باللغة العربية.
(15/ 2/212)

وإن الإحاطة بالشباب اليوم من أدق المهام المطروحة على المجتمعات والبلدان، بحكم ما يشهده عالمنا من تطور، وما تعيشه الحضارة البشرية من تحولات متسارعة تفتح آفاقاً وفرصاً جديدة، مما يحتم حسنَ تهيئة الشباب للتأقلم معها، ومواكبتها، والاستفادة منها حتى يكون فاعلاً فيها، وحتى نجنبه ما قد ينشأ عنها من مخاطر الاغتراب، وفقدان التوازن، وغياب الوعي بالهوية. الهوية التي حرصنا دوماً على حماية مقوماتها، ومن بينها: اللغة العربية، التي ندعو وسائل الإعلام -وخصوصاً المرئية منها والمسموعة- بحكم انتشارها إلى أن تكون أول من يحافظ على سلامتها، ويعزز من حيويتها.
أيها السادة والسيدات!
إن تعلقنا بمقومات هويتنا، وحرصنا عليها لا يحتاجان إلى دليل، هنا لابد أن نرد على من أراد أن يمس من شخصيتنا، أو من انتمائنا، إننا أمناء أوفياء، نحتضن مدارك مصلحينا، وتونس لم تعد قاصرة عن كفاية عظمائها -كما سجل زين العابدين السنوسي في ترجمة لمحمد الخضر حسين- بل أضحت -وخاصة من فجر التغيير المبارك- أضحت معروفة بدائم اعتزازها بعظمائها، والنابغين من أبنائها، وأنها تذكرهم اليوم، وتكرمهم أحياء وأمواتاً، فحمداً لله.
إذن، نتجاوز هذا الاحتضان؛ لنؤسس ما به نحقق الرغبة الملحة لجميع المصلحين والمناضلين، ومن بينهم: الشيخ المصلح محمد الخضر حسين. بماذا؟ بالتواصل مع الأشقاء مغرباً ومشرقاً. إن الشيخ محمد الخضر حسين رحل إلى الجزائر؛ حيث وجد التبجيل أينما حلَّ، وحَسَناً فعل المنظمون للندوة حين أدرجوا في فعاليتها دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية
(15/ 2/213)

الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية عامة. كما رحل إلى مصر، وإلى سورية، وإلى تركيا، ولقي في جميعها الاحترام والتقدير. وهنا -فعلاً- كانت الندوة دولية.
نعم، إن الفكر هو القاطرة، فلنعمق الصلة الثقافية والعلمية في مجتمعاتنا، وهنا أثمّن هذه التوءمة التي قامت البارحة بين جمعيتنا، والجمعية الجزائرية. وهذا مكسب كبير نريد أن يتوسع؛ لأن وحدة الفكر هو الأسّ الذي يمكن أن نبني عليه مصيرنا المشترك، فلنعمق الصلة الثقافية والعلمية بين مجتمعاتنا؛ فهي الطريق الأمثل لكشف عقول أبنائنا على قيمنا المشتركة، أملاً في بلوغ أعلى درجات النماء والتقدم.
وإننا نرجو أن تتكرر مثل هذه الملتقيات، وستتكرر -إن شاء الله- تحقيقاً، لتناول هذا العَلَم وأعلاماً آخرين من أعلامنا الذين كان لهم الفضل في النهج الإصلاحي الذي نعتز به ونفتخر.
وإن ساعدت الأبحاث والدراسات التي تناول بها أصحابها عدداً غير قليل من المواضيع المتصلة بسيرة الشيخ محمد الخضر حسين ومواقفه وفكره، فإن المرتجى هو: أن يمضي البحث في فكر الرجل إلى أعماق ما أفضى فيه إلى الآن من نتائج ومعين لا ينضب؛ تأكيداً للحقيقة، واعتباراً لتمثيل رؤاه ومواقفه في سياقها التاريخي والسياسي بما يوسع مدى نقدها من جديد.
قلت: أن نجلي أسباب ما نشاهد من تطوير في مراحل حياته على أساس من الاعتصام بالقيم الخالدة، والثوابت التي لا مهرب منها.
أجدد الشكر للجمعية، والأساتذة الأجلاء، والوافدين، والمنظمين الأكفاء، والسلط الجهوية والمحلية، أشكر كل أهل الجريد. عندما أنشد
(15/ 2/214)

الأستاذ علي الرضا تلك الأبيات، انقدح في ذهني أن العامل الجيني له دور كبير جداً.
أشكر كل أهل الجريد الذين كان لهم -على الدوام- دور كبير، ومفترق هام في بناء الوطن وتماسكه وإشعاعه، بفضل ما أنجب من نبغاء تجاوزت حدود بعضهم حدود البلاد؛ ليقيموا جسور المحبة والإخاء والتضامن والتعاون، وبناء المصير المشترك بيننا وبين إخوتنا في المغرب والمشرق.
سدّد الله الخطا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/ 2/215)

اختتام الندوة

تعقيب الأستاذ محمد مواعدة (1) على خطاب السيد وزير الشؤون الدينية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شكراً للأخ العزيز، وللأستاذ المتميز الدكتور أبي بكر الأخزوري وزيرِ الشؤون الدينية.
لا أقول: على هذه الكلمة، ولكن على هذا البحث الدقيق والعميق، وليس كلمة. هو بحث من أستاذ جامعي متميز معروف بتواضعه، فهذه الكلمة الآن عميقة تمثل إضاءة جوهرية في هذه الندوة. والإخوة يعرفون أن مثل هذه الندوات العلمية، هناك بحث في الافتتاح، وبحث في الاختتام، وهذا بحث الاختتام، وليس كلمة.
وأشكركم -أيضاً- على التركيز في قضية جوهرية هي قضية الهوية، خاصة وأنتم تعلمون أن قضية الهوية الوطنية والحضارية هي الآن محل مهاجمة.
نحن نعيش الآن مرحلةَ، الهويةُ معرضة فيها للأخطار، ولذا قلت: ندوتُنا هدفها هدفنا هذا، وهو أن المساهمة في الحفاظ على الهوية وحمايتها، من
__________
(1) كلمة الأستاذ محمد مواعدة تعقيباً على خطاب الدكتور أبي بكر الأخزوري في اختتام أعمال الندوة.
(15/ 2/216)

بينها: العودةُ إلى مثل هذه الشخصيات التي تمثل ركائز للهوية.
إننا في هذه الندوة جعلنا العنوان: (الندوة العلمية الأولى للعلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي). وهذا الاقتراح جاء من قبل رئيس الجمعية الذي قال: "الندوة العلمية الأولى" ثم إن اللجنة التنظيمية باركت هذا التوجه؛ أي: إن هناك ندوات، وهذه الندوات -كما قال السيد الوزير- ستكون في تعميق القضايا التي تناولها الشيخ خضر حسين طوال حياته.
وبهذه المناسبة أبين للسيد الوزير ما يلي: خلال لقائي بالسيد الوالي المحترم أشرت إلى مبادرة هي الآن في دور التطور، وهي أن هدف هذه الندوة، أهميتها إلى غيرها من الندوات ستسعى إلى تكوين هيئة تهتم بأبناء الجريد قديماً وحديثاً، ونحن الآن -بالاتفاق مع الجمعية وأهل الجريد- سنسعى إلى هذا التوجيه.
وأشكر أهل الجريد، وأهل "نفطة"، وآل عزوز، والذين تعاونوا بشكل مباشر وكامل مشاركة أدبية ومادية.
وشكراً للسيد الوزير، وأطلب إبلاع السيد الرئيس زين العابدين بن علي كامل تقديرنا، وستوجه الندوةُ برقية إلى سيادته؛ لاهتمامه بصفة شخصية في هذه الندوة، هذا التوجه الذي يسعى إلى تأصيل الكيان الوطني والحضاري، وشكراً.
(15/ 2/217)

تحية إلى نفطة والجريد في ختام الندوة (1)
ثلاثةُ أعيادٍ على ندوةِ (الِخضْرِ) ... توالتْ سِراعاً في محاورةِ الفِكْرِ
وشاهدتُ أيامَ السُّرورِ قصيرةً ... وياليتَها دامتْ إلى آخرِ العُمْرِ
و"نفطةُ" فَرْحى إذْ أعدتُمْ إمامَها ... مُعافى من الإهمالِ والنَّسْيِ والنُّكْرِ
ولو تَنطِقُ الأحجارُ عمّا تُكِنُّهُ ... لَدَوَّتْ بشكرٍ وامتنانٍ إلى الفَجْرِ
وآمنْتُ بعدَ اللهِ أنَّ اْرتقاءَنا ... بتونسَ في خيرٍ ونمضي إلى خيرِ
وآمنتُ أنَّ الله سدَّدَ خَطْوَها ... وَحفَّتْ بها الأملاكُ بالسِّرِّ والجَهْرِ
ومن يجعلِ الإخلاصَ نورَ طريقهِ ... مُنيباً إلى الرحمن واصلَ للنَّصْرِ
رأيتُ وجوهاً ترسم العِلْمَ صورةً ... وأنصَتُّ للأَفواهِ تنثر بالدرِّ
فطاحلُ، بلْ أفذاذُ، بلْ خيرُ نخبةٍ ... تجودُ بها الأيامُ في زَمنِ العُسْرِ
وقولوا إلى الشَّرْقِ الحبيبِ بحكمةٍ ... ألا فاْنظروا الأمجادَ في المغْرب الحُرِّ
تَعالوا جميعاً نَبْتني خيرَ أمَّةٍ ... بوحدَةِ أوطانٍ تُنَوِّرُ كالبَدْرِ
وننقذُ هذا الدِّينَ من كفِّ ظالمٍ ... وعالَمَنا المجنونَ من سُلْطةِ الكُفْرِ
__________
(1) أبيات ألقاها علي الرضا الحسيني في ختام ندوة: (الإمام العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي).
(15/ 2/218)

ولَمْ امْتدِحْ بالشِّعْرِ يوماً وإنَّما ... (مواعدةٌ) (1) أهديهِ شعري مع النَّثْرِ
وأُهدي إلى (عِمران) (2) تَمَّ (كمالُه) ... وفاءً لما أبداه في ساحةِ النَّشْرِ
تحيةَ تقديرٍ تُزَفُّ كريمةً ... لجمعيةٍ تُحيي التُّراث مِنَ الهَجْرِ

علي الرّضا الحسيني
__________
(1) الأستاذ محمد مواعدة الذي بذل الجهد الأكبر بنشاطه واتصالاته لإنجاح الندوة.
(2) الأستاذ كمال عمران رئيس (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي).
(15/ 2/219)

ملاحظة واعتذار
ألفت نظر القارئ الكريم إلى أني استنسخت المحاضرات والكلمات والمداخلات التي ألقيت في الندوة من أقراص (D.V.D)، وقد عانيت الكثير من الاستنساخ لسببين:
أ - أن المتكلم من وراء (الميكروفون) قد يلتفت يمنة أو يُسرة دون قصد منه، فيغيب وضوح بعض الكلمات، وبعضها لا يُسمع إطلاقاً، لذا يكون التسجيل مطموساً.
ب - هناك أحد الحاضرين في جميع جلسات الندوة كان مصاباً بالسعال الحاد، ويبدو أنه اختار الجلوس بالقرب من (كاميرا) التصوير والتسجيل، وسعاله يطمس بعض الكلمات التي لم أتمكن من استيضاحها.
ولئن كانت الكلمات المطموسة معدودة على الأصابع، ولم تؤثر على المضمون، إلا أنه اقتضى التنويه والاعتذار.
ونشير إلى أن بعض المحاضرات لم تكن مسجلة على أقراص (D.V.D)، ويرغم طلبنا من أصحابها ليبعثوا بها، فلم يستجيبوا -للأسف-.
(15/ 2/220)

الورقة العلمية (1)
ظهرت في البلاد التونسية مع مطلع القرن العشرين كوكبة من رجال الإصلاح والتنوير، تخرّج أفرادها من الجامعة الزيتونية، ونهلوا مما كانت تقدّمه (الجمعية الخلدونية) من دروس في شتّى المعارف باللسان العربي، وتعاضدوا مع أقرانهم الصادقيين.
وقد اضطرت فئة منهم إلى شد الرّحال إلى الشّرق نتيجة ملابسات وإكراهات، وسعت إلى التعريف بالقضيّة التونسية، والاستزادة من المعارف والعلوم؛ مما بوّأهم أعلى المراتب العلمية والثقافية.
وقد كان الشيخ محمد الخضر حسين في مقدّمة هؤلاء، بعد أن سعى إلى إشاعة مبادئ الإصلاح والحرية في تونس، وأصدر مجلة "السعادة العظمى". ثم سطع نجمه عند انتقاله إلى الشرق في الشام ومصر، وقد بوّأه علمه الغزير، وشهادة أولي العلم له بالمعرفة الواسعة، للعضوية في مجمع اللغة العربية في كل من دمشق والقاهرة، وبالخصوص: تولّيه منصب مشيخة جامع الأزهر، وهو مركز جليل لا يُعهد إلّا لمن رسخت قدمُه في العلم.
وقد تميّزت شخصية هذا العلامة بالمساهمة الميدانية في الحركة التحريرية
__________
(1) الأستاذ فتحي القاسمي.
(15/ 2/221)

لبلدان المغرب والمشرق والعالم الإسلامي، وكانت له صلات وروابط فكرية مع جمّ من علماء الشرق والمغرب، وطائفة من المستعربين.
وألّف كثيراً من الكتب في شتى الأغراض؛ مما جعل آراءه في حاجة إلى البحث والمساءلة؛ ذلك أنها تثير عدداً من الإشكاليات المتعلّقة بدور العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربيين عموماً إلى الشرق والغرب، في حركة التحرير الوطني والإصلاح الفكري في النصف الأول من القرن العشرين.
كما تكشف آراؤه عن ملامح المشروع الفكري التنويري الذي عرضه الشيخ محمد الخضر حسين ومعاصروه من ذوي الأفكار المناوئة للاستعمار من ناحية، وللعقول المتحجّرة ودعاة التقليد من ناحية أخرى، ما يرتبط بالمناهج المبتكرة لدى العلماء الزيتونيين لإصلاح مؤسسة التعليم (مناهج ومقررات)، وتطوير الفكر الديني في المغرب والمشرق العربيّين.
وتثير شخصية الشيخ الخضر حسين - من خلال ردوده على كلٍّ من علي عبد الرّازق، وطه حسين، ومقالاته الكثيرة حول مسائل أدبيّة وفكرية واجتماعيّة - تساؤلاتٍ جوهريةً ترتبط بخصوصيّات التفكير الديني لدى العلماء التونسيين المهاجرين والمغاربة عموماً، ومدى التزامهم بالأطروحات والمواقف المتعلقة بقضايا الدين والدنيا.
كما يطرح السؤال حول مدى مساهمة نشاطهم في الشرق والغرب في إغناء آفاقهم الذهنية، وتسديد تجاربهم النضالية، وترسيخ معارفهم العلمية.
وتطمح هذه الندوة إلى تبّين أهم ما يُميّز الفكر الإصلاحي الإسلامي، انطلاقاً من هذا العالم الذي ارتبط اسمه بمسيرة الحركة الفكرية الإصلاحيّة،
(15/ 2/222)

والنظر في مدى إشعاعها وتأثيرها في فترة تاريخية هامة وحسّاسة، مثّلت منعطفاً في تاريخ العالم العربي والإسلامي. ونظراً إلى أصول العلامة محمد الخضر حسين الجزائرية، ونشأته وتكوينه التونسي، وبروز شخصيته العلمية والثقافية، وبلوغ أوجها في كل من سورية ومصر، حسب تعبير العلامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، فإن هذه الندوة تطمح -أيضاً- إلى المساهمة في ترسيخ العلاقات الثقافية والفكرية بين المغرب والمشرق العربييّن، وبالخصوص بين الجارتين الشقيقتين تونس والجزائر. وهو ما ستسعى المائدة المستديرة - حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسيّة الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة، من خلال شخصية الشيخ محمد الخضر حسين - إلى إبرازه.
(15/ 2/223)

برنامج الندوة
* اليوم الأول - الجمعة 16 جانفي 2009:
- صباحاً:
10,00: 11,30 - الجلسة الافتتاحية:
10,00: 10,10 - كلمة اللجنة التنظيمية يلقيها الأستاذ محمد مواعدة.
10,10: 10,20 - كلمة السيد والي توزر الترحيبية.
10,20: 10,30 - كلمة السيد وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي.
10,30: 10,40 - كلمة الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي.
10,40: 10,50 - كلمة العائلة يلقيها الأستاذ علي الرّضا الحسيني.
10,50: 11,00 - كلمة الجمعية الخلدونية بالجزائر يلقيها الأستاذ فوزي المصمودي.
11,00: 11,10 - كلمة الأستاذ المنجي الشملي باسم المشاركين.
11,10: 11,30 - استراحة، وزيارة المعارض المقامة على هامش الندوة (مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين - صور تذكارية له - صور حول نفطة والجريد - كلمات مأثورة للشيخ محمد الخضر حسين - معرض تشكيلي حول مدينة تونس أيام العلّامة محمد الخضر حسين - معرض بيت البناني حول الشيخ محمد الخضر حسين).
(15/ 2/224)

- بعد الظهر:
16. 00: 18. 20 - الجلسة العلمية الأولى:
محورها: شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
رئيس الجلسة الأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية).
00. 16: 16.20 - المحاضرة الأولى: المرحلة التونسية في حياة محمد الخضر حسين. الأستاذ محمد مواعدة. (تونس).
16.40: 16.20 - المحاضرة الثانية: المرحلة السورية في حياته، الأستاذ علي الرضا الحسيني (سورية).
17.00: 16.40 - المحاضرة الثالثة: المرحلة المصرية في حياته، الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (مصر).
00. 20: 17. 17 - المحاضرة الرابعة: عرض حول زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز وأشهر أعلامها، الدكتور حسين بن عزوز.

* اليوم الثاني - السبت 17 جانفي 2009 م:
- صباحاً:
30. 9: 12.30 الجلسة العلمية الثانية:
محورها: العلّامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي.
رئيس الجلسة: الأستاذ مجاهد توفيق الجندي.
9.30: 9.50 - المحاضرة الأولى: الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث، الأستاذ الحبيب الجنحاني (تونس).
50. 9: 10.10 - المحاضرة الثانية: الإصلاح التربوي في فكر العلامة محمد الخضر حسين، الأستاذ مصدق الجليدي (تونس).
(15/ 2/225)

10.10: 30. 10 - المحاضرة الثالثة: مجلة "السعادة العظمى"، وقضايا الإصلاح، الأستاذة نجاة بو ملالة (تونس).
30. 10: 50. 10 - المحاضرة الرابعة: تطوّر الخطاب الديني للشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية"، الأستاذ جمال الدين دراويل (تونس).
50. 10: 11.10 - المحاضرة الخامسة: العلامة محمد الخضر حسين فقيهاً مُجدّداً، الأستاذ مختار الجبالي (تونس).
10. 11: 12.30 - نقاش.
- بعد الظهر:
30. 15: 18.00 - الجلسة العلمية الثالثة:
محورها: العلّامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية.
رئيس الجلسة: الأستاذ محمد مواعدة.
30. 15: 50. 15 - المحاضرة الأولى: الشيخ محمد الخضر حسين صحفياً، الأستاذ فوزي المصمودي (الجزائر).
50. 15: 16.10 - المحاضرة الثانية: تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى"، الأستاذ كمال عمران (تونس).
10. 16: 16.30 - المحاضرة الثالثة: نقائض الشيخ محمد الخضر حسين، الأستاذ فتحي القاسم (تونس).
30. 16: 16.50 - المحاضرة الرابعة: الشيخ محمد الخضر حسين شاعراً، الأستاذ محجوب عون (تونس).
50. 16: 17.10 - المحاضرة الخامسة: الشيخ محمد الخضر حسين مُفسّراً، الأستاذ أنور بن خليفة (تونس).
10. 17: 18.00 - نقاش.
(15/ 2/226)

* اليوم الثالث - الأحد 18 جانفي 2009 م:
- صباحاً:
30. 9: 12.00 - مائدة مستديرة بإشراف السيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري، يُديرها الأستاذ الحبيب الجنحاني، ويُقدّمها الأستاذان: محمد الصالح الجابري، والعربي الزبيريّ.
00. 12: 30. 12 - اختتام الندوة، وتكريم المحاضرين والمساهمين في إنجازها.
- تكريم ثلة ممن خدموا التراث الفكري التونسي.
- غداء على شرف المحاضرين والضيوف.
50. 15: 18. 30 - زيارات ميدانية إلى الواحة، وسيدي بو علي، وزاوية الشيخ مصطفى ابن عزوز، وضريح الشاعر مصطفى خريف.
- زيارة جماعية إلى توزر، ودار شريط ...
(15/ 2/227)

شهادات حول العلامة محمد الخضر حسين
* الشيخ محمد الطاهر بن عاشور:
"قد عرفت الحكومة من صديقنا هذا، وعرف الناس عنه بما جاءت مجلته العلمية العظمى "السعادة العظمى" (...) من البرهان على أنَّ في الطبقة العلمية العربية التونسية المتهمة بالبعد عن الشعور بالحاجات القومية رجالاً يقتاد الواحد منهم الأفكار، ويأتي بالآيات والأعمال الكبار، هكذا جعل رفيقنا هذا بمجلته لهاته الفئة اسماً شهيراً في النهضة".
* محبّ الدين الخطيب صاحب مجلة "الفتح" المصرية:
"نزل مصر، ومع تحاميه الإعلان عن نفسه، فإن عارفي فضله ونبله أحلُّوه المحلّ اللائق بكرامته، وانتدب للعمل خمسة أعوام في دار الكتب المصرية (...)، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادته بتفوق (...)، ولا جدال في أن تجنس السيد الخضر بالجنسية المصرية غُنمٌ لمصر، وجوهرة يزدان بها تاج علماء الدين".
* عبد العظيم الزرقاني:
"الأستاذ الخضر نفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد به الجواد على هذا العالم العقيم، فأحيا به من أموات الإسلام، وجدّد بعزمه من شباب الدّين".
(15/ 2/228)

* جريدة "الوزير" التونسية (العدد 773 الصادر في 25/ 12/ 1952 م):
"لأول مرة في تاريخ الأزهر، أو في تاريخ شيوخ الأزهر يذهب ثلاثة من الوزراء يطرقون باب شيخ، شيخ يبعد كل البعد عن الأزهر، وسياسة الأزهر، وأزمة الأزهر، ومناصب الأزهر، ذهب ثلاثة من الوزراء إلى شارع خيرت؛ ليطرقوا باب الشيخ الخضر حسين التونسي الأصيل، المصري الجنسية، وذهبوا إليه ليقولوا له: أنت شيخ الأزهر".
* الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:
"كان في شبابه بتونس على ما عرف من الشرق في كهولته وشيخوخته اعتدالاً، وهدوء طبع، وخلوص نية، وسعة علم، وبراعة قلم".
* د. صلاح الدين المنجد السّوري:
"كانت داره في حي الميدان مجمعَ الأفاضل، وكانت له دروس عامة يلقيها، ويجتمع فيها الكثيرون، ويفيدون منها، وكان في منتهى الذكاء، يخاطب كلاً على قدر عقله وفهمه، وكان لطيف المعشر، خفيف الظل، مع صلاح ووقار".
* الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو:
"كان أحد الذين ساهموا في بعث الثورات المسلحة بالجنوب ... وكان هو والشيخان: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي القادةَ الحقيقيين للنضال التونسي في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى".
* خير الدين الزركلي:
"كان هادئ الطبع، وقوراً، خصّ قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار، وانتخب رئيساً لجبهة الدفاع عن شمال إفريقيا".
(15/ 2/229)

ترجمة الشيخ مصطفى بن عزّوز (1) في كتاب (الإتحاف) لابن أبي الضياف
العالم الوليّ، العارف بالله، أبو النخبة، سيدي مصطفى بن عزوز.
هو من بيت فضل وعلم وصلاح، وزاويتهم بصحراء الزاب من عمل "بسكرة". ومحل زاويتهم ببلدة صغيرة تسمى بالبرج. ولآل بيته شجرة بتلك النواحي؛ كما له بهذا القطر الإفريقي. ودخل هذا الولي للقطر التونسي، وبث الطريقة الرحمانية في العروش، وجدد لهذه الأمة أمر دينهم، وطريقته لا تشديد فيها لمن أراد التوغل في السلوك والخلوة، ويأمر الناس بأداء فريضة الصلاة، وذكر لا إله إلا الله بقدر الإمكان.
وطار صيته، وظهرت كرامته في العربان، لاسيما في الجهة الغربية، وأنشأ زاوية بنفطة للصادر والوارد. وكان المشير أبو العباس أحمد باي يعظم شأنه، ويجلُّه، واجتمع به غير مرة ... وسافر لأداء فريضة الحج، ورجع لتونس.
ومنّ الله به على هذا القطر، فأطفأ نار فتنة تأجّجت في سنة ثمانين؛ لأجل مغرم الاثنين وسبعين. وضمن للناس الأمان، وطوّع العاصي، وقرب القاصي، واستنزل أهل المنعة من الصياصي، ساق لذلك من بيده النواصي،
__________
(1) جد الإمام محمد الخضر حسين من جهة الأم.
(15/ 2/230)

ورجع لزاويته بنفطة. وكان ما كان من الاغترار بالأمان، فتغير الشيخ، وأصبح من النادمين من أجل ذلك، والمؤمن لا يلدغ من جُحْر مرتين.
وكان تقياً، نقياً، فقيهاً، صوفياً، قسم حياته بين تلاوة وذكر، ونظر في الملكوت بإعمال فكر، ووعظ وإفادة، وإخلاص في التهجّد والعبادة، وهداية إلى طرق السعادة، وإصلاح ذات البين، داعانة المحتاجين، ورحمة المساكين، وهداية الضالين، وإلى غير ذلك من أخلاق الصالحين.
وكان -رحمهُ الله- فصيح اللسان، بليغ البيان في أسرار آي القرآن، صاحب ذوق في مقام العرفان، متواضعاً على رفعة هذا الشأن. يرشح وعاؤه بالرحمة والرأفة والحنان، يحب الخير لكل إنسان، داعياً لعباد الله بالهداية والإيمان والإحسان، ما شئت من محاضرات أبرار، ومطالع أسرار وأنوار، وزهد أخيار.
ولم يزل على حاله، ناظراً لمآله، يحاسب نفسه عن دقائق أعماله، ولقاءُ الله أحبُّ آماله، إلى أن أحب الله لقاءه ليلة الاثنين، آخر ذي الحجة سنة (1282 ه، 14 ماي 1866 م)، ودفن بزاويته بنفطة. وترك الدنيا وأهل عصره يثنون عليه بخير. والآخرة خير -رحمه الله-.
* حول مدينتي "نفطة"، و "توزر":
"بَلدَان صِنْوان، وأختان توءمان جاثمان وسط رمال الصحراء، بين شط الجريد وشط الغرسة، ودُورُهُما مبنية بالآجر، وقد خطت على جدرانهما أشكال هندسية تجدها مرسومة بالزاربي، والمناطق (ج نطاق) الحريرية المزركشة التي تصنع هناك. يشرب أهلها من العيون النضاخة المنبجسة من الرمال، فتسقي واحتيهما الفاتنتين (...).
(15/ 2/231)

وقد امتازت الوديان (منطقة دقاش) (فيهما) بالخصب وطيب الثمر، بفضل السد الجبلي الذي يحمي واحتهما من ريح الرمال والزمهرير. كما أن بلاد الجريد -عامّة- تنتج أحسن ثمار العالم طعماً وجمالاً (...).
حامة الجريد: واحة ذات مياه حارّة، فيها عدّة حمّامات طبيعية عمومية، يؤمها سكان الجريد خاصة في فصل الصيف؛ لطيب هوائها، وعذوبة مائها، وحمّاماتها المعدنية.
واشتهرت بلاد الجريد -عامة- بنسج البرانس الرفيعة، والجبب الحريرية والصوفية الدقيقة".
(انتهاء النشرة الإعلامية عن الندوة)
إبراهيم بن علي العبيدي النفطي
جغرافية تونس الحديثة
تونس: مطبعة الشريف (المقدمة 1950) ص: 11
(15/ 2/232)

على هامش الندوة

نفطة (الكوفة الصغرى) تحتضن ندوة علمية حول العلامة محمد الخضر حسين (1)
بين أحضان واحات الجريد في أحد نزل "نفطة"، التأمت الندوة العلمية الأولى حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي، بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته، وذلك أيام 16 - 17 - 18 جانفي 2009 م.
هذه الندوة نظمتها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، بالتعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية.
* العلامة محمد الخضر حسين في سطور:
محمد الخضر حسين، تونسي، ينحدر من عائلة جزائرية الأصل، ولد بنفطة سنة 1873 م، حصل على شهادة التطويع من جامع الزيتونة 1898 م، أنشأ أول مجلة في تونس أسماها: "السعادة العظمى" ناطقة بالفصحى، ومزاحمة لمجلة "المنار" المصرية، وفي سنة 1905 م تولى خطة القضاء ببنزرت، واستقال منه بعد شهور قليلة.
كما شارك الشيخُ في تأسيس (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) قبل هجرته
__________
(1) الملحق الثقافي الصادر في الخميس 5 فيفري 2009 م بجريدة "الحرية" تونس. بقلم عبد الكريم عمار.
(15/ 2/233)

إلى الشرق سنة 1912 م. وهناك في دمشق وقع اختياره عضواً في (مجمع اللغة العربية) سنة 1919 م. وانتقل إلى مصر، واستقر بها سنة 1920 م، تألق نجم الشيخ في الأوساط العلمية بعد ردّه على كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وذلك سنة 1926 م، كما ردّ على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" بكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" سنة 1927 م.
أسس العلامة محمد الخضر حسين مجلة "الهداية الإسلامية" سنة 1928 م، بالتعاون مع ثلة من علماء الأزهر، وكان أول رئيس لها، تواصل صدورها سنوات، ثم توقفت في أثناء الحرب العالمية الثانية، وشارك كذلك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين) بمصر في نفس السنة.
عُين الشيخ عضواً بجماعة كبار الأزهر، تولى مشيخته سنة 1952 م، واستعفى من ذلك المنصب لتقدم سنه بعد سنتين، واستمر يمارس نشاطه العلمي دون انقطاع إلى أن توفي في شهر فيفري 1958 م، ودفن -رحمه الله- في التربة التيمورية بالقاهرة.
* افتتاح الندوة:
في صباح الجمعة 16 جانفي 2009 م، افتتحت الندوة بحضور السيد عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث، الذي ألقى كلمة بعد اللجنة التنظيمية والكلمة الترحيبية للسيد والي توزر، وبعد ذلك ألقى الأستاذ فتحي القاسمي كلمة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث التونسي).
وقد حضر الندوة من سورية: الأستاذ علي الرضا الحسيني "ابن أخي الشيخ"، ومن الجزائر: الأستاذ فوزي المصمودي عن (الجمعية الخلدونية)،
(15/ 2/234)

والأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية).
وحضر من مصر: الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (جامع الأزهر)، ومن الكويت: الأستاذ فهد سالم الراشد.
* محاضرات الندوة:
تمحورت محاضرات ومداخلات الندوة حول ثلاثة محاور رئيسية:
- شخصية الشيخ محمد الخضر حسين.
- العلامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي.
- العلامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية.
في الجلسة العلمية الأولى سلطت محاضرة الأستاذ مواعدة الضوء على المرحلة التونسية من حياة الشيخ، وجاءت المحاضرة الثانية التي ألقاها علي الرضا الحسيني (سورية) مبينة المرحلة السورية من حياته.
أما المحاضرة المتعلقة بالمرحلة المصرية، فقد أُجلت إلى الغد؛ بسبب تأخر قدوم الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، وفي ختام الجلسة قدم الأستاذ حسين بن عزوز محاضرة حول زاوية مصطفى بن عزوز، وأشهر أعلامها، خاصة: المكي بن عزوز خال العلامة الخضر حسين.
وفي اليوم التالي 17 جانفي 2009 م تناولت الجلسة العلمية الثانية محور الإصلاح الديني والاجتماعي عند العلامة؛ فقد نزل الأستاذ الحبيب الجنحاني تجربة الشيخ الإصلاحية في سياقها التاريخي والفكري بمحاضرة متميزة عنوانها: "الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث"، كما تناول الأستاذ أنور ابن خليفة في محاضرته "تجربة التفسير عند الشيخ"، فأبرز منهجه في ذلك المجال من خلال تفسيره لسورة "البقرة"، وبعض السور الأخرى.
(15/ 2/235)

أما الأستاذة نجاة بو ملالة، فقد تطرقت في محاضرتها إلى قضايا الإصلاح من خلال دراسة مستفيضة لمجلة "السعادة العظمى".
وألقى الأستاذ جمال الدين دراويل محاضرة رصد فيها تطور الخطاب الديني لدى الشيخ من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية". ولم تكن الجلسة العلمية الثالثة أقل أهمية من الجلستين الأوليين؛ فقد تناولت مساجلات الشيخ الفكرية، فجاءت محاضرة الأستاذ فوزي المصمودي (الجزائر) لتبين النشاط الصحفي الذي قام به الشيخ منذ بداية مسيرته العلمية إلى حين وفاته.
وعن تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى" ارتجل الأستاذ كمال عمران محاضرة متميزة بيّن فيها إسهامات الشيخ في هذا المجال.
أما الأستاذ فتحي القاسمي، فقد تناولت محاضرته نقائض العلامة محمد الخضر حسين من خلال دراسته لكتابيه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
وفيما يخص تجربة الشيخ الشعرية، فقد تناولها الأستاذ محجوب عون في محاضرة بيّن فيها رسوخ قدم الشيخ في مجال الشعر من خلال دراسته لقصائده.
وفي اليوم الثالث من أيام الندوة، قدّم الأستاذ مصدق الجليدي محاضرة حول الإصلاح التربوي في فكر الشيخ، وبعدها أتم الأستاذ الجندي عرض بعض الوثائق والأدوات التي جلبها من رواق المغاربة بالأزهر الشريف، ثم دارت مداولات حول دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية
(15/ 2/236)

خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين أنموذجاً.
* اختتام الندوة:
اختتمت الندوة بكلمة ألقاها الأستاذ أبو بكر الأخزوري وزير الشؤون الدينية، أكد فيها على مقومات الهوية وثوابتها، وبارك أعمال الندوة، كما تولى تكريم الأستاذ المنجي الشملي، بمنحه شهادة تقدير؛ اعترافاً بمساهمته العلمية في الندوة، وكرم السادةُ: والي توزر، معتمدُ نفطة، المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التراث، والكاتبُ العام للجنة التنسيق بتوزر، كرموا المحاضرين والمساهمين في إنجاز الندوة.
وإلى جانب النجاح العلمي الذي حققته الندوة، وثقت عرا التواصل والتعاون الثقافي بين تونس والجزائر بالإعلان عن توءمة بين (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، (والجمعية الخلدونية بالجزائر).
وعلى هامش الندوة أقامت الفنانة التشكيلية روضة يحيى معرضاً لمجموعة من لوحاتها، كما احتفت (المدرسة الأساسية الخضر حسين) بنفطة بضيوف الندوة؛ إذ قدم كورال أطفالها مجموعة من الأناشيد والأغاني.
(15/ 2/237)

على هامش الندوة

الفن يحتفي بخريج الزيتونة - شيخ الأزهر (1)
من الأمور التي سعت إليها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي) ضمن ندوتها العشرين، والتي خصصتها للعلامة محمد الخضر حسين، بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته، وذلك أيام 16 - 17 - 18 جانفي 2009 م، إلى جانب تتبع الوعي الإصلاحي لدى الرجل، هو: محاولة استعادة عناصر الحياة بكل تفاصيلها في الفترة التي عاش فيها هذا المفكر الفذّ، سواء في تونس، أو في الشرق العربي، أو في الغرب.
ويتجلى ذلك -بالنسبة إلى مصر- في العرض الذي قدمه الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، الذي حمل للندوة الأدوات التي كان للأزهر، بالإضافة إلى عديد الوثائق والملبوسات وغيرها.
كما مثلث المعارض التي أقيمت بالمناسبة مظاهر من تلك الحياة منذ تأسيسه لأول مجلة عربية في تونس بعنوان "السعادة العظمى" سنة 1904 م، وحتى سنة 1958 م شهر فيفري؛ حيث نشر آخر مقال له في مجلة "لواء الإسلام"، وهو الشهر نفسه الذي توفي فيه.
__________
(1) الملحق الثقافي الصادر في الخميس 12 فيفري 2009 م بجريدة "الحرية" تونس. بقلم أحميدة الصولي.
(15/ 2/238)

وتؤكد المعارض التذكارية التي أقيمت حول حياة الشيخ في نفطة، والجريد، ومعرض بيت البناني، ومعرض مؤلفاته: أن الرجل يمثل مؤسسة عتيدة، سيكون موضوع أكثر من ندوة في المستقبل.
ويقدم معرض الرسم حول مدينة تونس أيام العلامة محمد الخضر حسين، للرسامة الناشئة روضة يحيى، مظهراً من مظاهر الحياة العامة إذ ذاك، وخاصة من حيث العمارة التي تعكس هدوء الحياة وبساطتها، ولا تنسى الأعمال بما يتحرك في الأعماق من ردود فعل تجاه ما يجري في مواجهة المستعمر، ومن طابور المحافظين على تكريس الاستسلام والقبول بما يأتيه الأجنبي، إلا أن الشيخ محمد الخضر حسين مزّق الصمت، ونبش في الضمائر، وحرك السواكن بمجلته "السعادة العظمى"، وبما استحدثه من أساليب في التناول والطرح وما إليهما.
ففي معرض اشتمل على 17 لوحة من أحجام متوسطة -غالباً-، جميعها تتناول العمارة من خلال الزوايا والكتاتيب والمساجد والأسواق القديمة، وفيها تتجلى خصوصيات العمارة والفضاءات؛ كأماكن العبادة بأقواسها وصوامعها.
كما أنجزت هذه الرسامة صورة الشيخ محمد الخضر حسين جاءت ألوانها تتميز بالهدوء، ومتماهية مع المظهر العام، وناهلة منه، وهو ما يمكن مشاهدته في بعض البناءات المتداعية، أو التي في حالة ترميم، هنا أو هناك في البلاد التونسية. وفيها يستذكر المشاهد، أو ربما تحمله تلك الألوان إلى سنوات بداية القرن العشرين، وما ينتشر فيها من البناءات البسيطة، ولكنها تتمتع بجمال خاص، وتحمل طابعاً معمارياً متميزاً، وبتلك المعارض كان
(15/ 2/239)

للفن حضور الاحتفاء بالشيخ محمد الخضر حسين.
كانت مدينة "نفطة" بكل ما فيها، تذكرنا بشخصية الشيخ محمد الخضر حسين، وقد أسهم عدد من أبنائها في فتح فضاءاتهم لتكون امتداداً للتظاهرة؛ مثل: المتاحف الخاصة، والمحلات، وغيرها.
وباعتبار أن أصل عائلة الشيخ من الجزائر، فقد أسهم وفد هام من الأساتذة الجزائريين في الندوة، وكان تداخلهم لافتاً ومؤثراً، ومؤكداً: أن الشيخ شخصية عربية تؤسس للإصلاح، وتتصدى لمعوقات التطور والنمو الفكري، والتحرر من الاستعمار، والبناء الحضاري.
يذكر أن ابن أخي المحتفى به الأستاذ علي الرّضا الحسيني قد قام بطباعة جميع آثاره في دمشق حيث يقيم، وينتظر أن تصدر طبعة بأعماله الكاملة في تونس. وتوجد بنفطة مدرسة باسمه تتميز بتفوق تلاميذها، وحصولهم على عديد الجوائز التي تؤكد نبوغهم وإبداعهم، خاصة من خلال نشريتهم، علماً بأن للمدرسة فرقة أطفال للإنشاد، ساهمت بعدد من الأغاني والأناشيد في أمسية اليوم الثاني من الندوة التي استمرت ثلاثة أيام.
وليس هنا التعرض إلى ما أسهم به بعض المشاركين من أفكار حركت في الجميع روح التحفز الإيجابي؛ مثل: الأساتذة المنجي الشملي، ومحمد مواعدة، والحبيب الجنحاني، وكمال عمران من تونس، والعربي الزبيري من الجزائر، وغيرهم.
مع ذلك، نلاحظ أن ثلاثة عناصر أساسية ميزت هذه الندوة، أشار إليها أحد الأساتذة بالجامعات الجزائرية، هي: الوضوح في الأهداف، وهدوء الخطاب، واتباع المناهج العلمية. وهذه العناصر إذا ما توفرت، تنتج عملاً
(15/ 2/240)

أو أعمالاً هادفة، وذات فوائد جمة. وهو ما يُجمع على توفره فيها كل من حضر هذه الندوة، أياً كانت مشاربهم.
وقد افتتح الندوة وزير الثقافة والمحافظة على التراث، واختتمها وزير الشؤون الدينية، وقدم كل منهما بحثاً يتعلق بالمحتفى به الشيخ محمد الخضر حسين، والمدرسة التونسية في الفكر الإصلاحي، وهي المدرسة التي كان من أهم مميزاتها: النظر العميق في المسائل الفكرية، والانفتاح، وهي المميزات التي طبعت فكر الزيتوني التونسي وشيخِ الأزهر المصلح الفذ.
ومروراً بكل من حضر فعالياتها، وانتهاءً بما تمخض عنها من بحوث، ارتفعت الندوة بالطرح إلى مستوى لفت الأنظار إلى خصوصيات العلامة، وتأثيره الفعلي في الحياة العربية مشرقاً ومغرباً.
وقد ارتأى المنظمون أن موضوع المائدة المستديرة "دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين نموذجاً" سيكون موضوع الندوة المقبلة بحول الله.
(15/ 2/241)

على هامش الندوة

شيخ الأزهر العلامة التونسي محمد الخضر حسين محل ندوة علمية في "نفطة" (1)
نظَّمت "الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي" بالتعاون مع وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، ووزارة الشؤون الدينية ندوةً علمية أولى بنفطة من ولاية توزر حول العلامة محمد الخضر حسين وإصلاحِ المجتمع الإسلامي، وذلك بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاته.
وافتتح الجلسة العلمية الأولى وزير الثقافة والمحافظة على التراث الأستاذ عبد الرؤوف الباسطي، الذي أكد أن هذه الندوة التي تنظمها (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، والتي تندرج في سياق سعي دؤوب انطلق بهدي من سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، على درب تحقيق المصالحة، مصالحة التونسي مع هويته الحضارية، ولا شك أن بلادنا قد أنجبت أعلاماً أفذاذاً، ومصلحين رواداً أسهموا في تغذية الفكر الإنساني، وإن المتتبع لتاريخ الأفكار يتبين خصوصية المدرسة التونسية التي اتسمت بالرأي العميق، والرؤية المتزنة، وباستشراف منعطفات السيرورة التاريخية،
__________
(1) مجلة "الملاحظ" العدد 829 الصادر في 25 مارس 2009 م - تونس بقلم الأستاذ محمد علي الشتيوي.
(15/ 2/242)

وبالانفتاح على الآخر، ونبذ الانغلاق والتعصب.
ثم ألقى الأستاذ فتحي القاسمي كلمة (الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي)، وبين أن مرور نصف قرن على وفاة العلامة محمد الخضر حسين يمثل فرصة سانحة لتكريم هذا العَلَم الذي تعددت مواهبه، وسطع نجمه، وقد كان بَثَّ في المجتمع التونسي روح المبادرة والتجديد والتنوير، دافع عن الحرية، ودعا عالياً إلى الإصلاح، وعندما ضاقت به السبل، شدّ الرحال إلى الشام، فكان خير مدافع عن العروبة والإسلام، ثم رحل إلى مصر أين اختير شيخاً للأزهر الذي جدد فيه الحياة، وأحدث في الإسلام طفرة من التجديد.
وقد تخللت هذه الجلسة الترحيبية بالضيوف كلمة اللجنة التنظيمية، ألقاها الأستاذ محمد مواعدة، وكلمة السيد والي توزر، وكلمة العائلة ألقاها علي الرضا الحسيني، وكلمة (الجمعية الخلدونية بالجزائر)، وكلمة الأستاذ منجي الشملي باسم المشاركين.
وقدم الأستاذ محمد مواعدة مداخلة حول المرحلة التونسية في حياة الشيخ محمد الخضر حسين، خاصة وأنه أول من أنجز بحثاً جامعياً حول الخضر حسين منذ أكثر من ربع قرن تحت إشراف الدكتور المتميز منجي الشملي، وقد ركز على أهمية الفترة التونسية في ثقافة الشيخ الذي استطاع أن يساهم في الحراك الثقافي التونسي ببعثه أول مجلة تنويرية في مطلع القرن العشرين (1904 م)، وبالرغم من استقراره في الشرق، فإنه ظل وفياً لتونس، تدل على ذلك العديد من كتاباته.
كما أن بيته في القاهرة كان قبلة القصّاد من تونس، بل إن له الفضل
(15/ 2/243)

على بورقيبة عندما كان نكرة بالنسبة إلى المصريين؛ فقد تدخل الشيخ لتمكينه من اجتياز الحدود المصرية، كما جسم الشيخ وهو في مصر شخصية متعددة الأبعاد، فهو جزائري الأصول، تونسي التكوين والنشأة، رحل إلى الشرق، فكان له التميز، وسطع نجمه في مصر خصوصاً، وكانت له مساهمات في الثقافة الكونية في عصره.
ثم تحدث الأستاذ علي الرضا الحسيني عن المرحلة السورية في حياة الخضر حسين؛ حيث تتلمذ على يديه في سورية كثير من العلماء والأدباء، وكان له دور في (مجمع اللغة العربية) بدمشق، كما تركت أسرته كثيراً من الآثار الأدبية والعلمية، منها: مؤلفات شقيقه زين العابدين، وقدم الحسيني معرضاً يضم جلّ مؤلفات الشيخ الخضر، وقد اختص بطبع كتب الشيخ والمهاجرين التونسيين الذين استقروا في الشرق؛ من أمثال: محمد المكي ابن عزوز خالِ الإمام الخضر، وإسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف، والشيخ الكافي.
أما الدكتور حسين بن عزوز، الذي قدم مداخلة حول زاوية الشيخ مصطفى بن عزوز وأشهر أعلامها، وكانت حرمه الرسامة روضة يحيى قدمت على هامش الندوة معرضاً ضم لوحات تشكيلية استلهمتها من بيئة الشيخ في الحاضرة التونسية.
لقد لفت الدكتور ابن عزوز الانتباه إلى جذور الشيخ خضر حسين، وإلى عائلته التي وفدت من الجزائر، واستقرت بالجنوب التونسي مع عميدها الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي تربى على يديه الشيخ الخضر حسين، ونهل من علمه، كما تتلمذ على خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة.
(15/ 2/244)

وفي الجلسة العلمية الثانية التي كان محورها: (العلامة محمد الخضر حسين والإصلاح الديني والاجتماعي)، وترأسها الأستاذ مجاهد توفيق الجندي، فقد افتتحها الأستاذ الحبيب الجنحاني بمحاضرة عنوانها: "الفكر الإصلاحي ومشاريع التحديث"، وقد أكد أنه اطلع على نصوص أخرى للشيخ الخضر تعتبر جديدة، وهي باللغة الألمانية، بحوث تناولت شخصيات متعددة من رواد الحركة الإصلاحية، واعتمدت على مجموعة من مذكرات أشخاص عرفوا مباشرة الخضر حسين، منهم: شكيب أرسلان، وإن من أبرز ملامح الفكر الإصلاحي رحلات هؤلاء الرواد إلى أوروبا، ومن أبرزهم: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، والخضر حسين، ومحمد باش حامبة، وقد كتبوا هذه الرحلات عن وعي، وهي ليست مجرد تسجيلات، بل أرادوا من خلال هذه النصوص نقل صورة التقدم في أورويا إلى مجتمعاتهم، وتحدثوا عن الأفكار الإصلاحية.
وإنّ من أبرز هذه التيارات الإصلاحية:
1 - تيار يهدف إلى تجديد الفكر الديني، ونشر التعليم والتربية، والخضر حسين يندرج ضمن هذا التيار.
2 - تيار يرى أنه لا يمكن التفكير في التحديث والحداثة قبل إنجاز مرحلة الإصلاح السياسي، قسم من هؤلاء سعى هذا المسعى التحديثي من داخل السلطة (ليس من الصدفة أن أبرز تيارات الفكر الإصلاحي انطلقت من إسطنبول ومصر وتونس، فمشروعات التحديث لهؤلاء الثلاثة انطلقت من داخل السلطة)، وقد تفطّن "حكيمُ السياسة" خيرُ الدين التونسي إلى أنه لا إمكان لمشاريع تحديثية تقدمية ضمن سلطة استبدادية.
(15/ 2/245)

3 - تيار يختلف عن البقية، ويؤمن بضرورة الإصلاح الفكري والسياسي، والإفادة من الجوانب المضيئة والمشرقة في التراث العربي الإسلامي في مرحلة معينة.
أما المحاضرة الثانية، فقد كانت للدكتور كمال عمران، وهي بعنوان: تطوير الفكر الديني من خلال مجلة "السعادة العظمى".
وقد أكد في مستهل محاضرته: أن قدوم هذا "الآفاقي" إلى الحاضرة انطلق من "نفطة" حيث الشجاعة والجرأة والفطرة، وأن هؤلاء العلماء من أمثال العلامة الخضر حسين قد أهاجوا في الحاضرة نوعاً من التفكير غيّر الوجهة الثقافية؛ فقد جاؤوا إلى تونس، وفتحوا فتحاً مبيناً، وحملوا نسقاً فكرياً فيه من الجرأة والشجاعة الشيء الكثير، وأن الجامع الأعظم حين جاءه الشيخ الخضر كان فيه نزعتان:
أ - نزعة يترأسها الشيخ سالم بو حاجب.
ب - نزعة يترأسها الشيخ أحمد بن الخوجة، شيخ الإسلام.
فكيف شارك محمد الخضر حسين في هذه البيئة؟
1 - فكرة العقل: كيف عاد الخضر حسين إلى فكرة العقل لتطوير المنظومة الدينية؟
إن العقل عنده هو المؤسس لكل تطوير في المنظومة الدينية، فهو أداة للتأسيس، ولمراجعة الثقافة العربية الإسلامية.
2 - التطوير بالعودة إلى الأصل، والأصل عنده مقتضى حديث نبوي شريف: "خير القُرونِ قَرني، ثم الذين يلونَهُم، ثم الذين يلونهم"، فإذا أردت أن تستصلح أحوال الدين، ينبغي أن تعود إلى هذه الفترة من الزمان.
(15/ 2/246)

3 - التطوير بالتفقه في الدين انطلاقاً من آلية الاجتهاد.
4 - التطوير انطلاقاً من القيم الحديثة، وهذا لافت في نظر الشيخ. نستنتج إذن: أن للشيخ الخضر حسين:
أ - فكراً يدعو إلى تطوير المنظومة الدينية عبر القيم الإسلامية البحتة، وبيّن ذلك من خلال مقالاته في مجلته "السعادة العظمى".
ب - الشيخ اهتدى لأول مرة في تونس إلى الصحافة الدينية.
ج - الشيخ لم يكن من الإصلاحيين، بل كان من التطويريين، وحسبه أنه نفخ في البلاد التونسية هذه النسمات التي سيجني الفكر التونسي ما به يُرسي ثوابت الفكر الديني.
أما المحاضرة الثالثة، فقد كانت للأستاذة نجاة بو ملّالة، وهي بعنوان: "مجلة السعادة العظمى وقضايا الإصلاح"، ويينت فيها: أن هناك رغبة شخصية من الشيخ الخضر حسين، واقتناعاً بقيمة الصحافة، ودورها في تقدم الأمة ونحت شخصيتها، وقد تعرضت إلى ظروف نشأة هذه المجلة في وقت كانت تعيش فيه تونس طفرة وحركة إصلاحية، واهتمت بدور مجلة "السعادة العظمى" في نشر الوعي الإصلاحي، وقد كان من أبرز أهدافها: إصلاح وضع المسلمين، وإعادة مجدهم الضائع، ودعوة إلى الاتحاد والتعاون من أجل قضايا العصر، والدعوة إلى نهضة جديدة، وقد حاولت أن تقاوم انتشار الطرق والزوايا، وتطوير الشريعة الإسلامية، وتطهيرها من الأفكار البالية.
أما المحاضرة الرابعة، فقد كانت للأستاذ جمال الدين دراويل، وهي بعنوان: تطور الخطاب الديني لدى الشيخ محمد الخضر حسين من "السعادة العظمى" إلى "الهداية الإسلامية".
(15/ 2/247)

لقد كان الشيخ ركناً من أركان النهضة الفكرية والأدبية؛ كما بيّن ذلك محمد الفاضل بن عاشور، وقد كان من أبرز ناشطي شيوخ الزيتونة في العقد الأول من القرن العشرين، وكان من أبرز محاضري الجمعية الخلدونية (1896 م) والجمعية الصادقية (1905 م)، وتأسست تحت إشرافه وتوجيهه أول جمعية طالبية بتونس، وهي (جمعية طلبة جامعة الزيتونة).
لقد أسس الشيخ الخضر مجلة (السعادة العظمى) وهو في مرحلة الشباب، وكان اقتحامه مجال الصحافة الفكرية دليلاً على سعة أفق الرجل ونشاطه.
لقد صدع الشيخ منذ المقال الافتتاحي بدور الاجتهاد في تطوير منظومة الشريعة الإسلامية، إنها نبرة معتبرة عن تحدّي الجمود والمحافظة، وهو ما سبب له الكثير من الاضطهاد والنكاية طوال مقامه في تونس، خصوصاً أنه كان ينتهج في فكره فهمَ مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد عبرت مقالاته في المجلة عن نظر فسيح، ورؤية عميقة، ومنزع إصلاحي، وعالج الشيخ فيها قضايا الحرية والتقدم والتمدن.
أما المحاضرة الخامسة، فقد كانت للأستاذ أنور بن خليفة، وهي بعنوان: "الشيخ محمد الخضر حسين مفسراً"، وقد تعرض فيها إلى منهج الشيخ في تفسير القرآن الكريم، ومصادره، وإنتاجه في التفسير، وقد كانت له بصمته الخاصة في تفسير بعض آيات القرآن تدل على سعة اطلاع الرجل على مدونة التفسير في حقب زمنية مختلفة.
أما الجلسة العلمية الثالثة، فقد كان محورها: العلامة محمد الخضر حسين ومساجلاته الفكرية، ترأسها الأستاذ محمد مواعدة، وافتتحها الأستاذ
(15/ 2/248)

فوزي المصمودي (الجزائر) بمحاضرة عنوانها: الشيخ محمد الخضر حسين صحفياً.
لقد كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغاربية بامتياز، دافعت عن القضايا الإسلامية والوطنية والعربية، مدير المجلة الخضر حسين خصص افتتاحية العدد للدولة الحسينية بتونس، معرّجاً على الدول التي تعاقبت على تونس، وقد كان الشيخ محمد النيفر، والطاهر بن عاشور، والمكي بن عزوز من محرري هذه المجلة، وقد كانت تصل إلى الجزائر عن طريق عبد الحميد ابن باديس، وأسندت مشيخة الأزهر رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" للخضر حسين، وهي مجلة شهرية تصدر عن الأزهر الشريف تعمل على إنارة سبيل المسلمين، ومكافحة الطرق المنحرفة التي تنشرها مختلف التيارات الدينية، وقد أضاف إليه الشيخ الخضر قسماً بالإنجليزية وهو ما يحسب له.
مجلة "لواء الإسلام" كان للشيخ نصيب في إخراجها سنة 1945 م، وهي إحدى المجلات المصرية التي قامت بدور كبير في التثقيف الإسلامي، وأسندت له رئاسة تحريرها، وتصدت إلى الملحدين، ولأفكارهم الدخيلة، وعزفت حقيقة الإسلام.
إن الشيخ الخضر حسين لم تقتصر مواكبته للحركة الصحفية على هذه المجلات، بل كان مواكباً للكثير من المجلات والجرائد، فقد كتب في جريدة "الزهرة" اليومية، و"الفجر" للحزب الدستوري، وراسل مجلة "البدر" الزيتونية، أما بمصر، فقد كتب في مجلة "الفتح"، وكتب في مجلة "مجمع اللغة العربية"، إضافة إلى مجلة "مجمع اللغة العربية" بدمشق.
أما الدكتور فتحي القاسمي، فقد كانت محاضرته بعنوان: "نقائض
(15/ 2/249)

العلامة محمد الخضر حسين"، وقد عرف بكثرة ردوده ومجادلاته، وتمحور حديثه حول ثلاثة آثار هامة للشيخ:
1 - "حياة اللغة العربية"، وهو رد على أحد الفرنسيين الذي تساءل بقوله: هل العربية لغة حيّة؟ وقد انتصب له هذا العالِم، وردَّ عليه رداً فيه كثير من العمق والدقة.
2 - ردّه على كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بمؤلف: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
3 - رده على كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" بمؤلف: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
وما نلاحظه: مركزية المجادلة في المدرسة الإصلاحية عموماً؛ إذ كثير من هذه المؤلفات موسومة بروح جدالية أثارت كثيراً من الخبر، وقد انكبت نقائض الخضر حسين على معالجة مسائل وقضايا ترتبط بالآنية، وبين في رده على مقال (شارل نويل) أن الذي يتهم الإسلام ولغته بالعقم له رصيد كبير من الجهل بأسرار اللغة العربية وبحقائقها، وقد كان رده على هذه الدعوى قوياً، ومشبعاً بالدليل والحجة، ويرى أنه لابد من تضافر الجهود من أجل الدفاع عن اللغة العربية، وربطَ الشيخ بين الدفاع عن اللغة والوطن؛ حيث اعتبرها قضية وطنية، وبيّن بالحجة والدليل من واقع بيئته قدرة اللغة العربية على مواكبة الحداثة، وهي مسكونة بهاجس التطور.
أما فيما يخص الكتاب الثاني: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فما نلاحظه: أن الشيخ الخضر انخرط في دوامة الولاء السياسي؛ لأنه أهدى الكتاب إلى الملك فؤاد الأول، وقد كتب في ذلك المفكر محمد عمارة "أجود
(15/ 2/250)

دراسة كتبت وقتذاك، إلا أن صاحبها ساقها في الموكب الملكي"، وقد وظّف الشيخ ثقافته الزيتونية المتينة، والأزهرية العميقة لنقض هذا الكتاب، وإبطال آراء علي عبد الرازق، وجادل هذا المؤلف بدقة متناهية، فكان عالماً ثبتاً، متمكناً من المنظومة الفقهية والسياسية في حقب زمنية متلاحقة، وفيما يتعلق بمؤلفه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فما نلمسه أن الشيخ الخضر حسين كان مهتماً بالأدب، وتمرس بالآداب، وعرف شواردها، وقد بيّن أن طه حسين تلقّف أفكاراً وافدة تطعن في الإسلام والعربية، وقد كان متأثراً بأطروحات بعض المستشرقين الذين ناصبوا الإسلامَ العداء، وندّد الخضر بمن ينادون ويلهجون بحرية الفكر، وهم ينالون من الشريعة الإسلامية، وقد كانت الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب: تفنيد مطاعن طه حسين، وكان من أهم ما جادل به الشيخ طه حسين هو: ضرورة أن ينطلق من النص التأسيسي؛ أي: من القرآن، وليس مما كتبه الرواة.
إن اطّلاع الشيخ الدقيق على فرائد العربية ودقائقها اقترن بردّ من منطق دفاعي.
إن الشيخ الخضر حسين في ردوده ونقائصه الكثيرة خزانة علم، وأحد العلماء الذين اقتنعوا بضرورة المجادلة لتقديم إضافة معرفية دقيقة، وقد تميّز بالجدل العنيد، والحصر الشديد على المخاطرة الدقيقة، والحجة الصارمة.
لئن كان جدل الشيخ قائماً على روح تحررية نزاعة إلى الاعتدال، فإننا نلاحظ في مقابل ذلك -من خلال نقائضه- تضييقه الخناق على العقل.
أما الأستاذ محجوب عون، فكانت محاضرته بعنوان: الشيخ محمد
(15/ 2/251)

الخضر حسين شاعراً، وبين فيها: أن الشيخ نشر شعره قبيل وفاته بعقد من الزمان، وبإلحاح من المقربين منه، وذكر أن شعر الخضر حسين حَكَمَه أمران اثنان: أمر الشيخ العالم من جهة، والذي يجد حرجاً في قرض الشعر؛ كما كان الحال مع الإمام الشافعي، والأمر الثاني: هو أمر الناقد؛ فقد كان الخضر حسين ناقداً من طراز رفيع، فقد رد على طه حسين في كتابه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي"، وردّ على علي عبد الرازق بكتاب: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وألف كتابه المهم في التنظير للشعر، وهو كتاب: "الخيال في الشعر العربي".
وهذه الشخصية العلمية النقدية كان لها تأثير كبير في الشخصية الشعرية للشيخ الخضر حسين، ولذلك كان شعره صدى لروح العالم، فلم يعالج من القضايا إلا ما ارتبط بالأخلاق، وإصلاح المجتمع، وخلا شعر الشيخ "خواطر الحياة" من الغزل، وحضرت فيه الإخوانيات، والتغني بالأوطان، والرثاء ... وختم الأستاذ محجوب عون مداخلته بالإشارة إلى أن الشيخ كان شاعراً ملتزما بقضايا الوطن والأمة، حتى وهو في ديار الغربة، ولكن هذا الشعر لم يكن شغل الشاعر الشاغل، فعملت فيه أصابع الشيخ الملتزم كما أصابع الشاعر المسكون بعواصف العواطف.
ثم كانت الجلسة العلمية الثالثة محورها: "دور المثقف في توثيق العلاقات التونسية الجزائرية خاصة، والعلاقات العربية الإسلامية عامة: العلامة محمد الخضر حسين أنموذجاً"؛ بإشراف السيد وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبي بكر الأخزوري، وقد ركّز الأستاذ العربي الزبيري (الجامعة الجزائرية) في تدخله على الأمانة المنوطة بعهدة المثقف المغاربي لجبر
(15/ 2/252)

ما كسرته السياسة، والاضطلاع بدور طلائعي في صلب الفضاء المغاربي الذي يعاني من الأزمات، وعدم تكتّل رجال الفكر من أجل كسب الرهان، ومواجهة أسباب الصراع.
كما دعا المثقفين في المغرب العربي خصوصاً إلى الاضطلاع بدورهم المنشودة لإنقاذ الوضع الذي تردّى فيه الواقع المغاربي؛ نتيجة استقلال المفكر، وعدم انخراطه في اتجاه التحرير والتنوير، وبناء صرح الأفكار الجديرة بإصلاح الواقع المغاربي.
أما الأستاذ مجاهد توفيق الجندي (مصر)، فقد أحضر بعض معدات الشيخ الخضر حسين، والأدوات التي كان يستعملها في حياته اليومية، وأكد أن الشيخ عالم من أعلام الإسلام، فريد عصره، ووحيد دهره، سياسي قاد السفينة إلى برّ الأمان، صحفي لا يشق له غبار، شاعر وأديب وخطيب، وأشار الأستاذ مجاهد إلى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وقال: إن هذا الكتاب ليس له، ولكنه لطه حسين، فقط أكد فيه أن الخلاقة ليست من الدين في شيء، وهذا أسلوب طه حسين؛ لأنه يريد تصفية حسابه مع شيوخ الأزهر، ولا يمكن لمثل علي عبد الرازق أن يصدر منه هذا الكتاب، بل ذهب أكثر من ذلك، وقال: إن طه حسين أعطاه الفرنسيون الدكتوراه في جلسة شاي، ثم تحدث عن انتساب الخضر حسين إلى أعلى هيئة علمية في مصر، وعن سبب اختياره لمشيخة الأزهر الشريف سنة 1952 م، والتي مثلت نقطة تحول كبيرة في حياته، وقال: إن ملفه موجود في رئاسة الجمهورية، ولم يفرج عنه إلى الآن، لذلك كانت المصادر -ولا زالت- شحيحة حول فترة مشيخته للأزهر.
(15/ 2/253)

واختتم الندوة العلمية وزير الشؤون الدينية الأستاذ أبو بكر الأخزوري بمداخلة قيّمة، أشار فيها إلى أهمية هذه الندوة المتأتية من كونها حلقة من حلقات السلسلة الإصلاحية التونسية من بداية القرن 19 إلى التغيير، فقد تناولت البحوث القيّمة بالدرس فكرَ عَلَمٍ من أعلامنا الأفذاذ، حريّ بنا جميعاً أن نستلهم من فكره ومواقفه ما يدفع بنا إلى الأفضل، وهناك جوانب كثيرة من شخصية الشيخ جديرة بالاعتبار، ولعل أبرزها: منهجه التنويري في تناول قضايا الفكر الإصلاحي، وقد سلك سبيل الدرس المعمّق، والنظر الشامل، قوام بحثه: النقد والتعريف والتعليل، منهجه أَهَّله لأن يكون مستنيراً، رافضاً لكل فكر ماضوي، كان متفتحاً، يعتمد الرأي المستند إلى دليل، رفض القول بغلق باب الاجتهاد، واستدلّ بمقتضى المنطق.
وبيّن السيد الوزير أننا اليوم نتمسك بهذا المنهج العقلاني الذي لا غنى عنه في تحقيق تطلّع المجتمعات الإسلامية إلى الرقي الحضاري، مستدلاً بنُبذ من خطب الرئيس زين العابدين بن علي، وأشار إلى أن الخضر حسين كان واعياً بضرورة تربية الشخصية الفردية والجماعية على التمسك بالهوية المتشبثة بالثوابت؛ إذ يجب علينا أن نصل إلى مرحلة صنع المعرفة، وصنع التاريخ، وذلك استناداً إلى هويتنا.
ويضيف الأستاذ أبو بكر الأخزوري: أن كل منطلقات الشيخ منطلقات إصلاحية مبنية على النصوص التأسيسية، وعلى العلوم الشرعية، وعلى الفكر الديني النيّر المؤسس على الاجتهاد، وبيّن -أيضاً-: أن الشيخ الخضر حسين لم يكتف بطرح المسألة اللغوية في محاضراته، بل تجاوز ذلك إلى العمل الميداني من خلال الجمعيات الثقافية، ومن خلال العمل المؤسساتي؛ فقد
(15/ 2/254)

أدرك أن اللغة وعاء حضاري ولابد أن تواكب تطور المجتمعات العربية، وهو ممّن حرص على حذق اللغة الأجنبية، والتفتح على الآخر، فاكتسب الخصال الثورية لمعرفة الواقع المتجدد ...
(15/ 2/255)

الجمعية التونسية للدراسات
والبحوث حول التراث
الفكري التونسي

شهادة تقدير
سلّمت إلى الأستاذ: على الرضا الحسيني بمناسبة
تكريم الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي له, اعترافا بفضله على تونس وبدور أبحاثه ومؤلفاته وأنشطته الفكريةُ والمتنوعة في تحقيق مزيد من الإشعاع والتميُّز.

حرّرت بتونس في 18/ 01/ 2009
الرئيس د. كمال عمران
(15/ 2/256)