Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 014


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(27)

«كِتَابَاتٌ حَولَ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(14/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(14/ 1/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
من خلال البحث العلمي الجادّ، والجمع والتحقيق لآثار الإِمام محمد الخضر حسين طوال مدة تربو عن عشرين عاماً، كنت أجد بين يدي كتابات لمفكرين وباحثين ورجال صحافة منشورة في الجرائد اليومية، والصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية، وفي المصنفات والكتب، تتحدث في مسيرة الإِمام ومراحل حياته.
تحفظت على تلك المقتطفات والمنتخبات بين أوراقي في المكتبة، وأنا أحرص عليها حرص البخيل على ديناره، وأعود إليها من حين لآخر، فأجد ورقاتها في ازدياد، حتى إذا تجمعت في سِفر، نادتني الأمانة العلمية أن أخرجه إلى النور.
لم تكن الغاية من نشر هذه الكتابات في كتاب، ووضعها تحت نظر القارئ، التطلع إلى المزيد من الشهرة للإمام، أو الافتتان بعبارات الثناء المرصعة، والمدائح البليغة، وهو أبعد من عرفنا من أهل العلم عن السعي وراء الإطراء والأضواء طوال حياته المباركة.
ولم يكن المرمى من إخراج الكتاب المفاخرة والمباهاة بكلمات التعظيم التي خطتها أقلام الكاتبين في مصنفاتهم المجموعة، فهي كلمات لا تزيد في صحيفة الإنسان عند ربه. وإنما هي الأعمال تنطق بعظمة صاحبها، وهي القول
(14/ 1/3)

الفصل يوم الحساب.
المراد الذي نرجو ثواب النفع به: أن يستفيد الدارس والمحقق والمؤرخ من التراجم والبحوث، ويجدوا بغيتهم التي يسعون وراءها، وعندما تحصل الفائدة العلمية، فهي الغاية والرجاء من هذا الكتاب.
من الواضح في هذه التراجم: التشابه البعيد في السرد والعرض، وتكرار الوقائع والأحداث بين ترجمة وأخرى، لا سيما الحديث عن الولادة والنشأة، والدرجات العلمية، والإقامة والترحال، وتعداد المؤلفات إلى الوفاة.
لا بد للكاتب الذي يخوض في البحث العلمي ليترجم علماً من الأعلام أن يتطرق بإيجاز أو إطالة إلى مراحل الحياة، ومن خلالها يتعرض إلى الأفكار والآراء، ويبث دراسته التي قصدها في مقاله أو كتابه.
إن هذا الكتاب "كتابات حول الإمام محمد الخضر الحسين" تعبير عن مطالعات كَتَبتِها، وأنظارهم وآرائهم التي ارتأوها في مسيرة الإمام عِلمًا وعملاً، وجهادًا شاقًا من أجل رسالة الإسلام، وإعلاء كلمة الله في المعمورة. ولا يعني بالضرورة قبولنا بكل ما ورد فيها من أقوال -ولنا وجهة نظر خاصة- ولكن قدمناها على حالاتها للتاريخ والمعرفة والأمانة العلمية. واكتفيت بذكر بعض التعليقات الموجزة في الهامش لا بد منها.
وطريقتنا في تقديم الكتاب: إيراد البحوث والمنتخبات حسب تواريخ صدورها، وذكر أسماء الكتّاب، وبيان المراجع التي أخذنا عنها من الصحف والمجلات والكتب، وتدوين كل ذلك في الهوامش ومطالع كل فصل.
وأدرجنا في أواخر الكتاب: (النشرة الأدبية لجمعية شباب الخضر بن الحسين النفطي)، بعض أبوابها؛ خدمة للتراث، وإحياء لتلك النشرة التي تمثل
(14/ 1/4)

وفاء تونس لعظمائها، وبالخصوص أبناء مدينة "نفطة".
جدير بي، ولزامٌ علي في هذا الموقف، أن أشيد بالكلمات الطيبة الطاهرة التي تلقيتها من السادة العلماء والكتَّاب، وتلامذة الإمام، والباحثين والجامعيين خلال قيامي بالواجب الديني في جمع ونشر هذا التراث الرائع.
ربنا تقبل أعمالنا خالصة لخدمة الإسلام، والحمد لله أن جعلنا من المسلمين، والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
(14/ 1/5)

باقات شعر مهداة إلى الإمام محمد الخضر حسين (1)
شعر: علي الرضا الحسيني
باقات شعري مهجتي فيها ... وإلى الإمام (الخِضْرِ) أرويها
وعلى مقام الطهر أنثرها ... مقرونة بوفاء مهديها
مهما نظمت قصائداً تتلى ... فأنا المقصّر لستُ أوفيها
في القلب حبٌّ لا تُصوِّرُهُ ... كفٌّ ولو بلغتْ مراميها
* * *
وفاء (2)
وفاؤكَ لا يُماثِلُه وفاءُ ... وعزْمُكَ لا يُكافِئُه الثَّناءُ
هو الإخلاص لا يدريه إلا ... رجالٌ في طبائعهم إباءُ
وما قبْرُ (الإِمام الخضْرِ) شمساً ... ولكنْ فيه تَسْتلقي ذُكاء (3)
__________
(1) أبيات من الشعر نظمتها بمناسبات مختلفة في الإمام محمد الخضر حسين، ونشرت في ديواني "تونسيات"، وديواني "بثينة".
(2) ديوان "تونسيات" - أبيات نظمتها بمناسبة زيارة الوزير الأول في تونس المرحوم السيد الهادي نويرة لقبر الإمام في القاهرة باحتفال رسمي.
(3) ذكاء: الشمس.
(14/ 1/6)

وليس مُقامُه في مِصْرً إلَّا ... دليلٌ أن تونُسَنا عَطاءُ
تَباهى الأزْهَرُ المعمورُ فيه ... وللإسلامِ في (الشَّيخِ) ارْتقاءُ
* * *
في المرسى (1)
وفي (المرسى) (2) دُعِينا للعَشاءِ ... فأكْرِمْ بالديارِ وباللقاءِ
أَعَدْنا ذِكرياتٍ خالداتٍ ... ومِنْ عهدِ المحبةِ والإخاءِ
هُنا (البحرانِ) (3) قد فاضا عُلوماً ... هنا (القَمَرانِ) (4) في أسنى ضِياءِ
كذا تسري المودَّةُ من جدودٍ ... إلى الأحفادِ في أجلى صَفاءِ
* * *
جامع الزيتونة (5)
وقْفتُ عند مَنارِ الدّينِ أسْألُه ... يا منبعَ النّورِ أينَ العلْمُ والأَدبُ؟
أين الشُّيوخُ بناةُ المجدِ ما صَنعوا ... أين (ابن عاشورَ) أين (الخِضْرُ) والشُّهبُ (6)
__________
(1) دعيت إلى العشاء في قصر آل عاشور بالمرسى. وتذكرت صداقة الإمامين الكبيرين، فقلت الأبيات بالمناسبة.
(2) المرسى: ضاحية من مدينة تونس على البحر، يقطن بها آل عاشور.
(3) البحران: الإمام محمد الخضر حسين، والإمام محمد الطاهر بن عاشور.
(4) القمران: كناية عن الضياء المشع من وجهي الإمامين.
(5) إن جامع الريتونة قلعة إسلامية أنجبت العديد من العلماء، وله الفضل الأكبر في استقلال تونس ودول المغرب العربي. نظمت الأبيات في إحدى زياراتي للجامع الأعظم.
(6) الإمام محمد الطاهر بن عاشور والإمام محمد الخضر حسين.
(14/ 1/7)

ما باله أظلَم المِصْباحُ من وَهَنٍ ... ودمعةٌ من ذرى المحرابِ تَنْسكِبُ؟!
يا وَيْحَ نفسي على الإِسلام ينهَشُهُ ... نابٌ ويعبَثُ في (الزيتونة) العَطَبُ
لن يهدمَ الشَّرُّ أبراجاً مشيدةً ... على الفضيلةِ أو تمضي بها النُّوَبُ
وطفْتُ في قلعة الإيمانِ أُخبِرُها ... أنَّ البقاءَ لها ما عَاشتِ العربُ
تونس - جانفي - كانون الثاني 1978 م
* * *
بهجة الإسلام (1)
يَسْقيكَ مِنْ عِلْمِ الألى أكواباً ... وُيريكَ من سحرِ البيانِ عُجابا
فَذٌّ حوى كلَّ العلومِ بصَدْرِه ... ثمَّ ارتقى في العالمين شِهابا
في كلِّ فنِّ قولُه موسوعةٌ ... وبِطُرفَةٍ يُملي عليكَ كتابا
فسَلِ المنابرَ هَلْ علاها مثلُه ... وتملّكَ الأسماعَ والألبابا؟
بحرٌ من الايمانِ غابَ قرارُهُ ... يهديك من درِّ الحديثِ صَوابا
طودٌ من العرفانِ يسكبُ حكمةً ... في كلِّ أرضٍ تعْشَق الآدابا
يا بهجةَ الإسلامِ فوقَ جبينهِ ... كمْ ذا فتحتَ إلى المعارف بابا
وكشفتَ عن وجه الشريعة غُمَّةً ... وأزحتَ عن تاريخها الأَوْصابا
هذا هو (الخِضْرُ الحسينُ) بفضلِه ... طربتْ دمشقُ وصفَّقتْ إعجابا
__________
(1) ديوان "بثينة". قيلت بمناسبة إحدى زيارات الإمام محمد الخضر حسين لمدينة دمشق.
(14/ 1/8)

ماذا أقول؟ (1)
لمّا دنا ومددْتُ مِنْ شوقي يدي ... للقائِه أحسَسْتُ قلبي في اليدِ
صافحتُ كفّاً أبْدَعتْ وتفنَّنتْ ... بصياغةِ الدُّرِّ النّفيس الجيِّدِ
جمعَ الفصاحةَ والبلاغة والحجى ... والصِّدْقَ في قلمٍ أَبِيٍّ أَصْيَدِ
أمّا الوفاءُ فإنَّهُ من أهْلِهِ ... وسيوفُه عن حَقِّها لمْ تُغْمَدِ
وافى كتابُكَ شامخاً فضممْتُه ... من بعْدِ تقبيلِ الغِلافِ الأمجدِ
وتلوتُه وأعدْتُ منه تلاوةً ... وسعدتُ بالبحثِ الفريدِ الأوْحدِ
ماذا أقول؟ لقد هتفتُ مُنادياً ... بُشراكِ تونسُ بالأديب (محمَّدِ)
* * *
مشيخة الأزهر (2)
يتساءلونَ هناكَ ما الخَبَرُ؟ ... لما بَدا في الجامِعِ القمرُ
وتهامَسوا في كلِّ زاويةٍ ... وتصايحوا وتطايرَ الشَّررُ
مِنْ تُونسُ الخضْراءَ صاحِبُها ... بالعِلْم والإيمانِ يأتَزِرُ
ما آزَرَتْهُ قبيلة كثُرَتْ ... أفرادُها حتى ولا مُضَرُ
__________
(1) ديوان "تونسيات". أهداني الأستاذ الأديب التونسي محمد مواعدة كتابه القيم "محمد الخضر حسين حياته وآثاره"، فنظمت إليه هذه الأبيات.
(2) ديوان "بثينة".
- عندما استلم الإمام محمد الخضر حسين مشيخة الأزهر، قامت ضجة في صفوف الفجار الذين لا يعترفون أن الأزهر لجميع المسلمين، ونظمت الأبيات.
(14/ 1/9)

جاءتْه طَوْعاً من فضائلهِ ... لا الأهلُ لا الأنصارُ قد نصَروا
* * *
أم المشاهير (1)
ما أقربَ اليوم بالأمْسِ الذي التقيا فيه ... الحفيدانِ في روضاتِ عاشورِ
إنيّ أرى (الطَّاهرَ) المبرورَ مُنْشرحاً ... يعانِقُ (الخِضْرَ) في عُرْس من النُّور
يحقُّ واللهِ للخضراء إن فَخَرَتْ ... بالفرقدين أضاءا كُلَّ دَيْجورِ
لو أن تونسَ لم تُنْجِبْ حرائرُها ... إلّا هما لغَدَتْ أمَّ المشاهيرِ
* * *
دمشق ترحب بالأمام محمد الخضر حسين (2)
مَرْحَبًا بالإمامِ يُكْرم جِلَّقْ ... فتعالى بها الإباءُ وحَلَّقْ
وتغنّى في دَوْحها كلُّ شادٍ ... وانْتشى القلبُ باللّقاءِ وصَفَّقْ
في عيونِ الجميع تلقى سَلاماً ... وابتساماً على الشّفاهِ ورَوْنَقْ
مرحبًا بالإمام خيْرِ إمامٍ ... بكَ قلبي من الرَّجاءِ تعلَّقْ
* * *
__________
(1) ديوان "بثينة".
- بين الإمامين محمد الخضر حسين ومحمد الطاهر بن عاشور أخوة كانت مضرب الأمثال في تونس. وقد اجتمعت في المرسى بالحفيد الصديق الدكتور عياض بن عاشور عميد كلية الحقوق مرات عديدة.
(2) ديوان "بثينة". أبيات نظمت في إحدى زيارات الإمام لمدينة دمشق.
(14/ 1/10)

الوسام (1)
شَرُفتُ وزاننَي ذاك الوسامُ ... وفي الصدْرِ الرَّحيبِ لهُ مُقامُ
كفاني أنَّ تُونسُ كرَّمَتْني ... وتونسُ كلُّها الأهْلُ الكِرامُ
وما نِلْتُ الذي فاخَرْتُ فيه ... وصاحِبُهُ هُوَ (الخِضْرُ) الهُمام
وللخِضرِ الحُسينِ تطيبُ ذِكْرى ... بُطولاتٍ يُسطِّرُها حُسامُ
لَهُ التَّكْريمُ في الدُّنيا وحقّاً ... بصَدْرِ (الخِضْرِ) يفْتَخِرُ الوِسامُ
حمى عن تونسُ ولها تَنادى ... وشُقِّقَ عندَ طَلْعتِه الظَّلامُ
تقلَّبَ في بلادِ الله غازٍ ... مِنَ (الخضراء) تدْعوهُ (الشَّآمُ)
وفي (استنبول) ناضلَ في ثباتٍ ... وفي (برلينَ) عَزْمٌ لا يُضامُ
وحطَّ رِحالَهُ في (مِصْرَ) طوداً ... من الإيمانِ ظلَّلَهُ الغَمامُ
أتاه الأزهرُ المعمورُ يزهو ... بمشْيَخَةٍ ترأَّسَها الإمامُ
فقلَّدَ تونسَ الخضراءَ تاجاً ... وأوسمةً تحارُ بِها الأنامُ
وكَمْ أنجَبْتِ تونُسُ من عظيمٍ ... حَكَتْهُ الشمسُ والبَدْرُ التمامُ
لزينِ العابدينَ مزيدُ شُكْرٍ ... وللخِضْرِ الحُسَيْنِ لَهُ السّلامُ
__________
(1) ديوان "بثينة". منحني السيد الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية وسام الجمهورية، وقلدني إياه في حفل بقصر قرطاج العامر بتونس في (23 ربيع الأول 1417 ه - 7 أوت آب 1996 م) نظراً لما قمت به من جمع وتحقيق تراث الإِمام محمد الخضر حسين وغيره من رجالات تونس. وإن السيد الرئيس قصد تكريم الإمام بوضعه الوسام على صدري.
(14/ 1/11)

الإمام محمد الخضر حسين (1)
هذا الإمامُ (محمدُ الخِضْرُ) الذي ... هزَّ السيوف وسدَّدَ الأقلاما
فهو الفتى والكهلُ والشيخُ فَسَلْ ... عنه المنابرَ واسأل الأيّاما
في كل ميدان أتاه مُجلِّياً ... رفعَ الأذانَ وحطَّمَ الأصناما
(ابنُ الحسين) وابْنُ سيدة النَّسا (2) ... من أرضَعَتْهُ لبانَها إسلاما
نسبٌ إلى شرف النبوة ينتمي ... أَكرِمْ به نَسَباً زكا إلهاما
دع أصلَهُ وصفاتِه وانظرْ إلى ... أمجادِهِ تروي لكَ الإِقْداما
* * *
الإمام محمد الخضر حسبن (3)
ألا إنّ الإمام الخِضْرَ بحْرٌ ... وفي أعماقِه الدُّرُّ الثمينُ
حباهُ اللهُ فِكْراً عبقرياً ... وقلباً فيه إخلاصٌ متينُ
تناهَتْ كلُّ مكْرُمةٍ إليهِ ... وأشرقَ من معارفه الجبينُ
تصدىّ للضَّلالِ بسيْفِ حقٍّ ... وينصرُهُ على الأعداء دينُ
__________
(1) ديوان "بثينة". أبيات قلتها في مقدمة كتاب "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر".
(2) والدته السيدة البارة المرحومة حليمة بنت سيدي مصطفى بن عزوز التي أشرفت على تعليم الإِمام في طفولته، ومن الشهيرات بالتقى والصلاح. ولدت بتونس سنة 1270 ه، وتوفيت بدمشق سنة 1335 ه.
(3) ديوان "بثينة".
(14/ 1/12)

الشجرة المباركة (1)
يعرّف شهودُه الأجلَّ الأمثل، الأمجد العلامة الأفضل، والفهامة الأمثل، صدر المدرسين، وعمدة البلغاء المدققين، وافتخار العلماء الراسخين، الذي جمع شمل العلوم ونسق نظامها، ورفع منار الإفادة وضاعف إعظامها، منهج منهاج العلوم، وجمع جوامع المنطوق والمفهوم، وإرث العلم كابراً عن كابر، الحائز من الكمالات ما قصرت عنه عقول الأكابر، المشار بالتعظيم إليه، والمفرد المتفق بالثناء عليه، أصيل الجدَّين، وشريف النسبين، الشيخ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن أحمد بن عمر بن أحمد بن علي بن عثمان معرفة صحيحة تامة، ويشهدون مع ذلك بأنهم لا زالوا منذ نشؤوا وعقلوا يسمعون سماعاً فاشياً مستفيضاً جارياً على ألسنة الثقات من أهل العدل وغيرهم إلى أن حصل لهم العلم بذلك، وقام عندهم مقام اليقين؛ كوجود مكة المكرمة، والمدينة المنورة -زادهما الله تشريفاً وتعظيماً -.
فإن الأجلَّ الشيخ محمد الخضر المذكور شريف النسب، إدريسي حسني من أحفاد الولي الصالح الشيخ سيدي علي بن عثمان المذكور، وإن نسبه المذكور متصل بالجناب الرفيع سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم -، ومشهور بذلك بين
__________
(1) النسب النبوي الشريف للإمام محمد الخضر حسين، والكتابة مأخوذة عن الأصل المحفوظ في مكتبتي.
(14/ 1/13)

الناس، وحائز للنسب المذكور، لا يعلمون من طعن عليه في ذلك، كل ذلك في علمهم، وعليه أدوا شهادتهم هنا مسؤولة منهم لسائلها، بالإذن من مولانا الإمام مرجع الخاص والعام، نعمة الله تعالى في هذا الزمان على الأنام، قدوة المحققين، وفخر العلماء الراسخين، إذا أتعب راحته بقلم الفتيا، أراح أرواح أهل الدنيا، تضحك ببكاء أقلامه الطروس، ويري في صورة خطوطه حظوظ النفوس، مفرد الزمان، إلا أنه قائم مقام الجمع، والمستغرق أوصاف الإنسان، عند كل منطق وسمع، أوحد العلماء الأعلام، الشيخ سيدي محمد بيرم مفتي الأنام، لا زالت أقلام الفتوى مشرّفة ببنانه، والأحكام الشرعية موضحة ببيانه، تلقى منه مشافهة بتاريخ يوم الإثنين سادس صفر الخير من عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف، والثالث عشر من جانفي سنة ثلاثة عشر وتسعمائة وألف.
واتصال نسب الشيخ المشهود فيه أعلاه، وسلسلة أجداده الأخيار، هو أنه الشيخ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن أحمد بن عمر بن الموفق ابن محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن يوسف بن عمران بن يوسف بن عبد الرحمن بن سليمان بن أحمد بن علي بن أبي القاسم بن علي بن أحمد ابن حسن بن سعد بن يحيى بن محمد بن يونس بن لقمان بن علي بن مهدي ابن صفوان بن يسار بن موسى بن عيسى بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر ابن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
شهد به:
المكرم الأجل العلامة الشيخ الصادق النيفر، الشريف - معروف.
(14/ 1/14)

شهد به:
المكرم الأجل الفقيه الخير الشيخ عبد الحميد بن باديس - معروف.
شهد به:
المكرم الأجل الفاضل المختار ابن المنعم الشيخ محمد التولة - معروف.
شهد به:
المكرم الأجل الخير محمد ابن المنعم العلامة عبد القادر البغدادي - معروف.
شهد به:
الأجل الفقيه العلامة الشيخ قدور بن حمودة باصوم - معروف.
شهد به:
الأجل الخير التالي كتاب الله عبد القادر بن إبراهيم الشريف - معروف.
شهد به:
الأجل الأمثل المرعي الأمين ابن المنعم العلامة إبراهيم بوعلاق - معروف.
شهد به:
الأجل الفقيه النبيه الشيخ محمد بن صالح شُهر بوصبع الورتتاني - معروف.
شهد به:
الأجل الفقيه النبيه الشيخ أحمد ابن الحاج بلقاسم الشعنبي - معروف.
شهد به:
الأجل الخير محمد عبد النبي أمين القوطاجية - معروف.
شهدبه:
الأجل الخير المسن عمر ابن المرحوم أحمد العتكي، به شهر - معروف.
(14/ 1/15)

شهد به:
الأجل الخير المسن الحاج الطاهر ابن الحاج عباس - معروف.
شهد به:
الأجل الخيرّ الخذار ابن المرحوم إبراهيم الرياحي - معروف.
شهد به:
الأجل الأمثل شقيقه عبد اللطيف الوكيل الرسمي - معروف.
الحمد لله:
يعرف شهيداه الشهود المذكورين أعلاه كالمعرفة أعلاه، ويشهدان مع ذلك بأن كل واحد منهم عدل رضيّ ممن تُقبل شهادته، وترضى أحواله، ويعمل بها شرعاً كل ذلك في علمهما، وعليه أديا شهادتهما هنا مسؤولة منهما لسائلهما بالإذن والتاريخ أعلاه.
شهد به:
الأجل الأمثل الخير محمد ابن المرحوم علي شهر بن فدير.
شهد بذلك:
الأجل الأمثل العفيف الطيب ابن المنعم محمد الأكبر بوخريص - معروف نفسه.
الحمد لله:
حرر شهادة الشهود المذكورين أعلاه أصلاً وتزكية، وقبلها منهم بالإذن والتاريخ أعلاه فقير ربه محمد بن الحبيب المكي.
ختم 20 في العشرين من صفر الخير عام أحد وثلاثين وثلاثمائة وألف.
(14/ 1/16)

الحمد لله:
وبمثل ما شهد به الشهود أعلاه يشهد فقير ربه، الراجي حسن عقباه، الصادق المحرزي -لطف الله به-.
الحمد لله:
وبمثل ما شهد به الشهود المذكورون أعلاه يشهد فقير ربه علي بن رمضان.
يشهد العاقد ثبوت وصحة النسب الطاهر لفضل صاحبه المشار إليه أعلاه، فقير ربه علي خليفة -وفقه الله تعالى-.
وبمثل ما نظمته الشهادة أعلاه يشهد فقير ربه أحمد بن عبد الله العياري -لطف الله به-.
أما بعد:
حمداً لله تعالى الذي أطلع في سماء النبوءة المحمدية نجوم عرفانها، وأسنى من أنوارها ما يقصر الشكر عن عظيم شأنها، والصلاة والسلام التأمين الأكملين على الذات الشريفة المحمدية، وعلى أهل البيت المطهر، والأصحاب أهل الشرف الأقعس الأطهر, فقد طالعت هذا الرسم المتضمن نسب السادة المحررة أسماؤهم في مضمونه، الساطعة أنوار نسبهم في غضونه، وعلمت أنه أخذ من الثبوت حقه، مفيد حق الإفادة مستحقه، لا سيما وواسطة ذلك العقد، المبرء من الوصم والنقد، الفاضل الاكمل الأرضى الزير الشيخ محمد بن الخضر بن الحسين.
فقد أتم الله عليه النعمة بشرف النسب، إذ حظي به بشرف العمل المكتسب، أفاض الله على الجميع سجال كرمه، وختم للجميع بالحسنى،
(14/ 1/17)

وبوأنا بفضله المقام الأسنى. آمين.
واعلم بذاك من يشهد على هذا الرقيم العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد الشريف، نقيب السادة الأشراف- أخذ الله بيده، في يومه وغده-. آمين. في 30 ربيع الأول، وفي 26 فيفري سنة 1331 ه - 1913 م.
* الحمد لله الذي جعل النسب المحمدي أكرم الأنساب، ونظم العترة الطاهرة في سلك المقربين والأحباب، وأجلُّ الصلوات وأكمل التحيات من المولى الوهاب، لمختاره المرسل رحمة عامة لأولي الألباب، وآله وصحبه الحائزين به من المفاخر اللباب، المفتوح لهم من أبواب الفوز أعظم باب.
أما بعد:
فقد قرت العين برؤية هذا العقد الثمين، الذي جواهره في أصداف السؤدد الأسنى، وفروعه كأصوله أهل المناقب الحسنى، فأكرم بمن خصه الله بهذا الانتساب العالي، وألبسه حلل العلم والفضل والمعالي، فرع زكي من هاته الشجرة المباركة الطيبة الثمار، التي لها في روض الصحة والقبول أتم قرار، ألا وهو العالم المسيب، الخلاصة الأريب، المدرس الشيخ السيد محمد الخضر بن الحسين، ولا جرم أنه حق على كل مسلم تعظيم هؤلاء السادة وودادهم، وهل جزاء من هم أمان لأهل الأرض إلا إكرامهم وإسعادهم. نسأل الله الكريم المتعال، أن يقدر لنا الفوز بحبهم في الحال والمآل، والسلام.
حرره فقير ربه مصطفى بن الخوجة المفتي الحنفي بتونس في ربيع الأنور 1331 ه
* الحمد لله الذي خص العترة النبوية بمزيد الاحترام، وبسط لهم من
(14/ 1/18)

فضله موائد الإكرام، وجعلهم أمان الأرض، وظل وارف من رواقه بالطول والعرض، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، مصباح السؤدد الذي لا يقضى ولا يطفى، وعلى آله وأصحابه، وكل من تحلى بآدابه.
أما بعد:
فقد تيمنت بهذا الرسم المبارك الذي أثبت لصاحبه النسب الشريف، وأوجب له من الفضل التليد والطريف، بلغه الله إسعاده، ورزقه الحسنى وزيادة، وأعاد علينا من بركة آل البيت الطاهر، ما يستفيد منه الباطن والظاهر. آمين.
حرره الفقير إلى ربه تعالى محمد الطيب النيفر، المفتي المالكي بالمملكة التونسية -وفقه الله تعالى- في 9 شعبان الأكرم سنة 1331

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فقد تيمنت بمطالعة هذا النسب الصحيح الثابت بالبينة أعلاه، وأشهد بما شهدت به هذه البينة، وأنا فقير ربه محمد الأزهري بن مصطفى بن عزوز، خادم الطريقة الرحمانية، وشيخ الزوايا العزوزية بتونس، وكتب في شعبان 1331 ه.
* الحمد لله على نعمه التي لا تعد، ومننه التي لا تحد، والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين، وعلى آله وصحبه وتابعيهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد تشرفت بمطالعة هذا النسب الشريف، شامخ القدر المنيف،
(14/ 1/19)

وما احتوى عليه من قلائد الفخر، عبيقة النشر، والشمس لا تحتاج لبرهان، والحق لا يخفى على العيان، والعبد الحقير أشهد بما شهدت به البينة أعلاه بالشهادة بالسماع الشائع على ألسنة الثقات وغيرهم منذ نشأنا إلى ساعة التاريخ. حقق الله لنا هذا الانتساب بجاهه عند الله. آمين. كتبه ببنانه فقير ربه أحمد الأمين بن المدني بن عزوز- لطف الله به في سائر أحواله، وأدام له بأحسن حال نعمة الجيرة بالنبي وآله- آمين. 8 في شوال المبارك سنة 1331 ه المدرس بالحرم النبوي.
الحمد لله:
* بعد ما تشرفت بهذا النسب الشريف، المشتهر ذكره بين الخاص والعام، شهدت بما شهدت به تلك البينة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وأنا الفقير إلى ربه محمد المصطفى بن التارزي بن عزوز، التونسي، المدرس بالحرم النبوي بالمدينة المنورة -زادها الله تكريماً- في 8 شوال سنة 1331 ه.
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى:
وبعد:
فقد تشرفت بالاطلاع على هذه الشجرة المباركة، شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأشهد بما شهد به الشهود أعلاه شهادة بلا ريب. نشأنا على سماع اتصال هذا البيت بالحضرة المحمدية نسباً فاطمياً ثابتاً، ينطق به كل لسان، ويعتقده كل جنان. يتحدث به كل صادر ووارد من العلماء والأشراف والعامة وغيرهم. لا أسمع إلا ذلك منذ عرفت اليمين من الشمال
(14/ 1/20)

إلى وقتنا هذا، فعلى الواقف عليها أن يعرف مقام صاحبها بالاحترام؛ لاتصال نسبه بسيدنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، مع ماله من الفضل والعلم، والعقل والحلم، كَثَّر الله من أمثاله في الإِسلام.
كتبه محمد المكي بن عزوز، مدرس التفسير والحديث في دار الفنون بالآستانة -وفقه الله، ومنحه رضاه-. بتاريخ 11 ذي القعدة الحرام سنة 1331 ه

بخير من دعا الورى ... إلى الصراط الأقومِ
وآله أهلِ التقى ... والشرفِ المسلَّمِ
أسلك مسالكَ الرضا ... بأحمدَ بنِ بيرمِ
قاله وكتبه عبد ربه أحمد بيرم، شيخ الإِسلام بتونس في 24 أشرف ربيعي سنة 1331 ه

بِسْمِ اللهِ الرَحَّمَنِ الرِحَّيمِ
* بعد حمده تعالى، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، ولمن لآل بيته والى.
وبعد:
فقد اطّلعت على هذه النسبة الحسنية الشريفة لصاحبها الصديق الصادق العالم النحرير السيد الشيخ محمد الخضر من أشراف تونس الغرب، وعين علمائها وفضلائها، ونزيل دمشق الآن. وقد حازت هذه العائلة الكريمة شرف العلم والنسب. وقد يحق لها الافتخار بهذا النسب المصدق عليه من
(14/ 1/21)

علماء أبرار، وسادة أخيار -نفعني الله برجاله وأهله-.
كتبه الفقير لله -عز شأنه-
محمد أديب تقي الدين الحصني الحسني
نقيب السادة الأشراف بدمشق

بِسْمِ اللهِ الرَحَّمَنِ الرِحَّيمِ
* يا ربنا لك الحمد حمداً يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد أنبيائك ورسلك، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار.
وبعد:
فقد أطلعني صديقنا الأخ بالله الشيخ الأجل الفاضل الأمجد العالم الأوحد الشيخ محمد الخضر على هذا النسب الشريف، والعقد اللطيف، المتصل بسيد الرسل الكرام، عليه وعليهم أفضل صلاة وأتم سلام. فقرّت برؤياه العين، وزال عن القلب الغين، فجزاه الله خير الجزاء في هذه الدنيا وفي الأخرى. ونفعنا بهم جميعاً. آمين.
كتبه الفقير محمد أبو الخير عابدين،
الحسني الدمشقي مفتي دمشق الشام

بِسْمِ اللهِ الرَحَّمَنِ الرِحَّيمِ
أما بعد:
حمداً لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. فأقول: إني قد تشرف ناظري، وابتهج خاطري، بالاطلاع على نسخة
(14/ 1/22)

هذا النسب الشريف، المحتوي من الطهارة على ما لا يحاوله الخيال الطريف، فتأثر منه مشام القلب لبروق أنواء التونسية في دمشق الشام، وصقل منها العارضان، فكأنما سُقي سقي البشام.
أسأل الله العظيم، بحرمة نبيه الكريم، أن يثفعني وإياه من بركات رجاله العظام، أئمة الدين وأساطين الإسلام. قاله أقل الأنام:
محمد أسعد صاحب زاده،
العثماني نسباً، الخالدي النقشبندي طريقة ومشرباً

بِسْمِ اللهِ الرَحَّمَنِ الرِحَّيمِ
* الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه.
وبعد:
فقد أطلعني الصديق العزيز والأخ في الله فضيلة الأستاذ الشيخ زين العابدين بن الحسين الحسني شقيق المرحوم الأستاذ الشيخ محمد الخضر ابن الحسين بن علي الحسني شيخ الجامع الأزهر على هذا النسب الشريف المتصل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فابتهجت به نفسي، وقرت به عيني. وأسأل الله الكريم أن يجزيه خير الجزاء، وينفع به المسلمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.
نقيب أشراف الشام
الفقير محمد سعيد الحمزاوي
12 صفر 1396 ه
(14/ 1/23)

بِسْمِ اللهِ الرَحَّمَنِ الرِحَّيمِ
* الحمد لله الذي جعل نسبة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فوق كل نسب، واختار المختار من أشرف العرب.
وبعد:
فإني قد تشرفت بهذه السلالة الطاهرة النبوية، والعترة التركية الحسنية - أمدنا الله بمددهم الرباني، والفيض الرحماني، وحفظهم وتولاهم، وأطال تعالى في الإِسلام تشريفهم -.
آمين آمين.
كتبه العبد الفقير في باب الله
محمد عيد السفرجلاني، عفي عنه. آمين
بدمشق الشام الشريف. ربيع الأول
(14/ 1/24)

تهنئة للإمام محمد الخضر حسين بتوليه القضاء في مدينة "بنزرت" (1)
* الإمام محمد الطاهر بن عاشور:
أيها السادة الأعيان! ويا أيها الصديق النحرير!
إذا تنازع العقل والوجدان، افتقرت اللغة، وضاق البيان، فالوجدان يقنع النفس بما تجده محضراً، والعقل يصرفها إلى غب الشيء وفائدته المرجوة.
وأنا الآن تتجاذبني قوتان بجاذب متضاد: أراني فيها ميتهجاً مسروراً بارتقاء صديقنا النحرير، واسطة عقد جمعنا في هاته الليلة النيرة، على حين أجدني -مهما تذكرت لازم هذا الارتقاء؛ من مبارحته نادي أنسنا - أسِفاً على بُعد من أبعته نفسي، واتخذته صديقاً خالصاً منذ سبع سنين.
ولكني أغالب وجداني، وأجمع حافظتي، وأزجر لساني، فأغلّب السرور على الأسف، وكذلك ينتصر أحد الخصمين على قِرنه متى قامت الحجة.
__________
(1) أوراق مخطوطة بخط الإمام محمد الطاهر بن عاشور تتضمن الخطاب الذي ألقاه مساء يوم 15 ربيع الثاني 1323 ه في داره بالمرسى من الضواحي الشمالية لمدينة تونس، بمناسبة تولية الإمام محمد الخضر حسين القضاء في مدينة "بنزرت".
وهذه الكلمة تمثل مدى سمو وصفاء الصداقة بين الإمامين - رضوان الله عليهما -.
(14/ 1/25)

وهذا احتفالنا الآن يمثل انتصار العقل على الوجدان، فلنا أن نعتبره رسمًا محسوساً يشخص معنى فلسفياً علياً.
ما كان للعقل أن ينتصر على وجداننا القوي، لولا تجلي المستقبل من خلال هذا الارتقاء باسمًا عن نتائج علمية، وأريج ثناء تفخر به الفيئة الأدبية (وربما غُلب القوي بابتسامة تملك لبّه) سيظهران للعيان في استقامة وكمال صديقنا هذا، اللذين لم يزالا مجهولين عن كثير من الذين لم يبتلوا أخلاقه، كما يجهل شذى العنبر من لم يختبره.
وقد عرفت الحكومة من صديقنا هذا، وعرف الناس منه، بما جاءت مجلته العلمية العظمى (1)، التي أنشأها في السنة الماضية من البرهان على أن في الطبقة العلمية العربية التونسية، المتهمة بالبعد عن الشعور بالحاجات القومية، رجالاً يقتاد الواحد منهم الأفكار، ويأتي بالآيات والأعمال الكبار.
هكذا جعل رفيقنا هذا بمجلته لهاته الفيئة اسماً شهيراً في النهضة، وهو اليوم يرفع شأن أهل التحرير في أعين من يسوء ظنهم فيه؛ إذ يرون كافة ثقة الحكومة، لهذا أسهم بواحد من رجال القلم .. وهو بذلك ثاني رجل في الإِسلام ارتقى من دور التحرير إلى مقام الخطط الشرعية، ولعلكم تعرفون أن الأول هو الأستاذ الشهير الشيخ محمد عبده.
عجباً لناموس الارتقاء كيف تأخذ نظائره بأيدي الاتحاد، فتنتاب الأفكار كما تنتاب الأمم والأفراد.
__________
(1) إشارة إلى مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الإمام محمد الخضر حسين بمدينة تونس.
(14/ 1/26)

لقد مضى حين من الدهر على مرسى "بنزرت" الجميلة المنيعة، كانت تعد مع الأخريات، فلما أتاح لها حكم القدر أن يعتني بها المعتنون، فتكون من أشهر المراسي الحربية على ساحل البحر المتوسط، وأن تصبح كما هيّأتها الخِلقة من المملكة التونسية على صورة العين من رأس الفتاة العربية (1). استدعت نباهتها السياسية إصلاح حالها المدنية، وابتدأت بإصلاح قضويتها؛ لأن القاضي هو سوط عدل الله يرفع على الظالمين؛ حتى يُصلح الناس أجمعين.
وعسى أن يقوم من شذى الثناء على صديقنا في تلكم الأصقاع، ما تفاخر به بقية البقاع، فتهرع كلها تطلبه إلى وظائفها وتنصاع.
أريد أن أختم قولي، فألتمس منك أيها الصديق المخلص، أن تتقبل مني أبيات أملاها عليّ الضمير، على بُعد ما بيني وبين الشعر:
قسماً بإحساس المودَّة بيننا ... أكَّدتُ في ملأ من الأحباب
لَسرورُ ساعات تذكِّر أُنْسَكُم ... في النفس أحلى من نَوال طِلاب
والآن قُدِّر أن يشطّ مزارُنا ... حتى يعوَّض جمعُنا بكتاب
ولتلك في قلب الصديق حزازةٌ ... ما هي دون نوافذ النشّاب
لكنَّ للعدل المضيَّع دعوة ... تقضي علينا بامتثال جواب
فاهنأ بهذا الارتقاء وكُن به ... مَثَلَ الفضيلة مظهرَ الإعجاب
__________
(1) أردت الإشارة إلى هيئة المملكة من الخريطة، فإنها تشبه فتاة عربية مادّة يدها للشرق، وبنزرت منها بمكان العين من الرأس شمالاً. "هذا التعليق للإمام محمد الطاهر بن عاشور في المخطوط".
(14/ 1/27)

وإليك أيها الصديق تحية طيبة، تصحبونها معكم؛ لتذكركم وداداً لا يفنى وإن طال الزمان، وتفارقت الأبدان (1).
(توقيع الإمام محمد الطاهر بن عاشور)
__________
(1) وفي نهاية المخطوط، دوّن الإمام محمد الطاهر بن عاشور بخطه هذه الكلمات: "خطاب ألقيته على مأدبة ودل الشيخ النحرير محمد الخضر بن حسين، إذ تعين قاضياً ببنزرت في يوم السبت مساء 15 ربيع الثاني 1323 بمنزلي بالمرسى، وبحضور طائفة من الأعيان، ومن رجال القلم والعلم".
(توقيع الإمام محمد الطاهر بن عاشور)
(14/ 1/28)

الملحق (1)
ينتظر السادة الحاضرون ما سألقيه على هذا البساط من العبارات في تهنئة صديق الجميع بولايته خطبة القضاء.
وبودي لو تستنزل الدراري، فأنظمها في جِيْدِ مديحه عقداً، أو تكون لي قدرة على تجسيم ألفاظ الهناء، وترصيعها بالجواهر واليواقيت. أو في الأقل أكون ذا براعة في صوغ البيان، واستجلاء عرائسه البديعة للعيان، حتى أظهر من المعاني الشعرية ما يكون لها التسلط على شعور الشاعر وذوق الأديب.
أقول هذا, ولا أرى محيصاً عن إظهار ما يضمه الفؤاد من صور المسرّة، وما ترسمه فيه من أشكال الانشراح.
فإن أحسن ليالي أيامي، هاته الليلة التي وقفت بها أمام صديقي هذا مهمماً له بهاته الخطة الشريفة، بعد أن ترقبناها من الزمان، ورجوناه تغيير رسوم أخلاقه الموقوفة على الشح والبخل.
__________
(1) ضُمت إلى الأوراق المخطوطة بيد الإمام الطاهر بن عاشور، ورقة بخط الأستاذ عبد الملك بن عاشور، وهو أخو الإمام، تضمنت بعض الأقوال التي وردت على لسان الإمام محمد الطاهر في الحفل، وأثبتناه بنصها.
(14/ 1/29)

ورجائي منك أيها الصديق، أن تغفر زلاته، وتغلب الآن حسناته على سيئاته، وتتقبل من ودودكم الهنا، فقد نيل المنى (1).
__________
(1) العبارات أعلاه، وقع سردها على مائدة وداع، أعدها أخبرنا الشيخ سيدي الطاهر ابن عاشور بمناسبة ولاية صديقنا الشيخ سيدي محمد الخضر بن الحسين خطبة القضاء ببنزرت - في 15 ربيع الثاني عام 1323.
(توقيع عبد الملك بن عاشور)
(14/ 1/30)

التهاني التدريسية (1)
الشاعر صالح السويسي القيرواني
أنعم ببشرى بها طير الهنا صدحا ... والقلب من طرب قد صار منشرحا
أنعم بخطة تدريس بها ابتهجت ... نفس الذي عن طريق الحق ما برحا
قد حازها (الخضر) الراقي بهمته ... صرح المعالي بحزم للسما نطحا
يا (ابن الحسين) رعاك الله من رجل ... عنه الثناءكمسك في الورى نفحا
أنلتَ كلَّ صديق من ولايتكم ... كأس المسرة حتى قلبه طفحا
لله درك من فرد به بزغت ... شمس العلوم ومن إيمانه رجحا
والمرء إن حسنت منه سريرته ... نال الكمال وحاز الخير والمنحا
فاهنأ بخطة علم أنت بهجتها ... واسعد بفضلك ما زند النُّهى قدحا
__________
(1) جريدة "المعارف" العدد 23 الصادر في 22 جمادى الثانية 1325 ه - أوت آب 1907 م - تونس. وجاء في مقدمة القصيدة تحت عنوان: (التهاني التدريسية): اتصلنا بقصيدة رائقة في تهنئة صاحب الفضيلة والكمال، العالم الأديب الشيخ سيدي محمد الأخضر بن الحسين المدرس الثاني بجامع الزيتونة الأعظم لإحرازه على منصب التدريس المشار إليه.
نظم عقدها الثمين فضيلة الأديب السيد صالح السويسي القيرواني. (ولم تنشر هذه الأبيات في ديوان الشاعر المطبوع).
(14/ 1/31)

تهنئة الأدباء (1)
محمد الطاهر بن العربي النفطي
جميل التهاني في جليل الرغائب ... لعمرك عن مثلي من إحدى الضرائب
ويجدر بي أن لا أرى متغاضيًا ... متى اهتزت الأعطاف من كل جانب
ليجري نفسي فوق طرسي محبّراً ... ويهتف لُسْني في إقامة واجب
وأشدو برنّات الثنا وضروبه ... لكي أجعل الأذواق صيد مطالبي
كما اصطادها ذاك الهمام وقد غدا ... به مُيَّلَ الأكوار وفدُ المناصب
توزع ذكراً عند بادٍ وحاضرٍ ... فبين أنوفٍ نشره وذنايب
أهنيكم (يا ابن الحسين) بما تلى ... وإن لم أكن فذاً فلي أجر صائب
وقلت أهنيكم وإن كنت مخطياً ... حذارك أن تعتدّها من مثالبي
__________
(1) جريدة "المعارف" العدد 24 الصادر في 29 جمادى الثانية 1325 ه - 8 أوت آب 1907 م - تونس. وجاء في مقدمة القصيدة: "اتصلنا بالقصيدة الآتية تهنئة لأستاذ العلم والأدب الشيخ سيدي الخضر بن الحسين بمناسبة ارتقائه لخطة التدريس. نظم عقد دررها الثمينة الأديب الكامل السيد محمد الطاهر بن أبو بكر بن العربي النفطي المتطوع بالجامع الأعظم. وخدمة للعلم والأدب ننشرها بنصها مع الافتخار على صفحات "المعارف".
(14/ 1/32)

وإلا صواب القول أهني وظيفكم ... بكم وأهالي الجامع المتطارب
على أنني أهني الأنام بأسرهم ... خصوصاً بني الآداب زهر المراكب
وذلك لما أعربت أن بيننا ... لواء التساوي مستحث الكتائب
رعى الله أعلاماً رعوا حرمة لِما ا ... دّخرت فمازوك امتياز الأقارب
أما سمعوا استدلالك الصبح واضحاً ... وقولك صبحاً كاشفاً عن غرائب
وليس ذوو التمييز غيرهم وإن ... يجزهم فمن أهل الحجا في المغارب
وما أنت إلا فوق ما أمّلوا بها ... وهل بخسوا يوماً حقوقاً لطالب
نهضت مكبّاً للمعالي مزاحماً ... وذاك بأطراف النهي لا المناكب
وعزّزت مجد الجَدِّ بالجِدِّ سالكاً ... حُزون الثنايا معضلات العواقب
وما زال هذا دأبك الدهر دائماً ... إلى أن خفضت النجم غب نواصب
فتِي خطّة أمَّتك عن وجا ... ألمَّ بها من قبل تثقيف ثاقب
أتتك تجر الذيل معلقة بما ... يليها بُعَيدٌ عند نشر الذوائب
تطوَّلْ عليها بالقبول وجلِّها ... كأبهى مهاة حليها بالترائب
بدرسك للآداب درساً مشرفاً ... لنا عن بسيط وافر متقارب
فنأتيك منها والعِياب مجفَّف ... ونرجع من مغذاك بجر الحقائب
فلولاك لم ندرِ المبرّد كاملاً ... ولولاك لم يونق يتيم الثعالبي
ومن مفصحٌ عن ثعلب وفصيحه ... إذا أنت لم تبد الصفي لصاحب
وهل أنسوا من مؤنس أو تقلدوا ... قلائد عقيان وحنّوا لراغب
وإني أرى لابن الحسين مواقفاً ... يسلمها لابن الحسين كواهب
متى ردَّ طرفاً في لآلئ نظمكم ... يعضُّ بناناً حيث فاه بعائب
(14/ 1/33)

رحلة مفتي القيروان الشيخ محمد الجودي (1)
وكان ممن اجتمعت به بالشام: الأخ العزيز الفاضل، العالم العامل، الشيخ سيدي الإمام محمد الخضر بن الحسين، كان من المدرسين بجامع الزيتونة، وهاجر إلى الشام، ورتب بمدرسة أسست لمدة نحو شهر، وجعل له في المرتب ما يساوي مئة وسبعين فرنكاً، وهي مدرسة تشتمل على عشرة أقسام، تزاول حفظ القرآن العظيم، والعلوم الشرعية والطبيعة.
وكان من المعلمين بها أخوه الشيخ زين العابدين، له في المرتب ما يساوي مئة وثلاثين فرنكاً.
وقد زرناها، فوجدناها في غاية الاتساع والانتظام، وبوسط صحنها خصة وحوض كبير، وهو يتدفق ماء، وبيوتها علوية وسفلية، وبوسط الصحن
__________
(1) رحلة مفتي القيروان الشيخ محمد الجودي المتوفى سنة 1943 م إلى الحج وبلاد الشام. نسخة خطية في كراس بخط المؤلف. بمكتبة الأستاذ إبراهيم شبوح. وقد زودني مشكوراً بورقات مصورة عن المخطوط، والتي تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين، والشيخ محمد الجودي التميمي القيرواني (1278 - 1362 ه = 1861 - 1943 م) مسند وفقيه ومؤرخ، نشأ في القيروان، وله عناية بالتاريخ والتراجم والبحث عن الكتب النادرة، زار الديار المقدسة للحج ثلاث مرات، وزار دمشق. من مؤلفاته: "تاريخ قضاة القيروان".
(14/ 1/34)

جنينة مغروسة أشجاراً، يتنزه بها التلامذة عند خروجهم للراحة.
واجتمعنا بمديرها، واسمه محمد كامل القصاب، وهو رجل في غاية الرياضة واللطافة، وله معارف جمة على الطراز الحديث، فتلقانا بأحسن الملاقاة، وفرح بنا كثيراً، وقدم لنا القهوة.
وكان ممن اجتمعنا به مع الشيخ الأخضر، إخوته: الشيخ الجنيد، والشيخ العروسي، وأخوهم الشيخ المكي معلم بالمدرسة العثمانية الدمشقية، والشيخ حسونة ابن أخيهم، وزرنا هاته المدرسة صحبة الشيخ العروسي، وتلقانا مديرها بالترحاب والإكرام، وعرفنا، وفرح بنا فرحاً شديداً، وهو الشيخ محمد كامل القصاب، رأسها السيد محمد كامل القصاب، ومديرها أحمد جودت المارديني، وأستاذ العلوم الدينية السيد محمد الحمصي، ومدرس الأخلاق الشيخ إبراهيم رمضان، وأستاذ القرآن اثنان هما: الشيخ محمد الحلواني، عبد القادر السرداني، وأستاذ العلوم العربية سليم أفندي الجندي، ومحمد أفندي البزم، ومحمد المكي بن الحسين التونسي أخ الشيخ الأخضر، وأستاذ الرياضية عبد الغني أفندي المحملجي، وكذا الطبيعيات، وأستاذ الرياضية واللغة الفرنساوية درويش أفندي القصاص، أستاذ التاريخ توفيق بك البساط، اللغة الفرنساوية مصطفى أفندي كاظم، والجغرافية واللغة العثمانية الأمير فايز الشهابي، حسن الخط والرسم موسى أفندي الشلبي، وسليم أفندي الحنفي، والتركية والفقه محمد أحنف الحقفي، والأعداد والحساب أفندي الحمصي، ومبادئ القراءة والكتابة توفيق أفندي، وأستاذ الرياضة البدنية وناظر المدرسة رضا أفندي الحلو.
وعرض علينا أربعة من أصغر التلامذة، لا يتجاوز سن الواحد سبعة
(14/ 1/35)

أعوام، وناولني مصحفاً، وقال: عين لهم مكاناً يقرؤون منه، ففتحت المصحف، فأول ما رأيت: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58} فناولته أحدهم، فقرأ قراءة تدبر مع حسن أداء، وإعطاء مخارج الحروف حقها، ثم سئل عن معاني الألفاظ، فأجاب بأحسن جواب، ثم سئل عن معاد الضمائر وإعراب الكلمات، فأجاب كذلك، لم يتلعثم في جوابه، ثم وقف أحدهم، وسرد قصيدة المعري التي منها:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
مع إشارة حسية بيده، وإعراب لكل ما سئل عنه من الأبيات، وبيان المعاني؛ بحيث أني شاهدت ما يبهر العقل من الأجوية الحاضرة على صغر السنن" ثم أذن لهم بالذهاب، فقاموا بآداب، وودعونا، وخرجوا.
ثم دعا أربعاً من قسم أعلى منهم، فأتوا بما هو أرقى، وكانت القراءة في المصحف من قوله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} [يوسف: 16] , فبينوا، وأعربوا، وفسروا المعاني بأحسن تفسير، ثم سئلوا عن الجغرافية، فأجابوا عن القطر المصري والأفريقي ومن احتله، ومن جملة ما ذكر عن تونس: أن جميع الدول صادقت على الاستعمار، إلا الدولة العثمانية فلم تصادق.
ثم سئلوا: هل يمكن للإسلام عود شبابه؟ فأجابوا: نعم، يعود باتباع ما جاء به الشرع، والاتحاد، فسئل عن الدليل، فأجاب بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. ثم قام أحدهم، وسرد قصيدة حماسية، تبعث النفوس على الشهامة وعلو الهمة، ثم أذن لهم بالانصراف بعد أن سقاهم المدير القهوة، وخرجوا بالآداب كالأول. واستأذنا بالخروج، وقام المدير مشيعاً لنا لباب المدرسة.
(14/ 1/36)

وأخبرنا الشيخ الخضر -لما أعلمناه بما ذكر- بأن ما وقع من إكرامنا لم يقع لغيرنا، وأن عادته إذا أتى أكبر كبير، يذهب معه للأقسام، ويقول له: سل عما شئت، ولا يعرض للوافد، ولا يشيعه، وكان ذلك في يوم الأحد المذكور.
وفيه زرنا العلامة النحرير، فريد عصره الشيخ بدر الدين، عالم البلد بدار الحديث، التي كان بها الإِمام النووي وغيره، وهي مدرسة كبرى، فوجدنا الشيخ ببيت منها، وهو رجل مسن عليه علامة الصلاح، وحوله كتب، وهو يتدفق علماً، فسأل سي العربي بسيس عن أحوال المسلمين مع الدولة الحامية، فأجابه بأن الشعائر مقامة على أحسن ما يكون، وأنهم أحسن من غيرهم في الدول الأجنبية، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: روينا بالسند إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحب في الله، والبغض في الله من الإيمان"، ثم سألته أن يجيزني، فأجابني إلى ذلك.
واستدعانا الشيخ الخضر للعشاء بداره، وحضر معنا إخوته وابن أخيه، وذكر لنا أنه لما ذهب إلى المدينة المنورة في رمضان، أنشأ قصيدة في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووعدني بإعطاء نسخة منها، وذكر أنها نشرت بالجرائد الشرقية، والتمستها منه ليسلم لي الجريدة التي فيها. وجرت بيننا مذاكرات أدبية، وأنشدنا بيتين، ذكر أن رجلاً أتى إلى صلاح الدين الأيوبي بمروحة، وقال له: هذه هدية لم ينلها أحد من أسلافك، ولا من الملوك، فغضب صلاح الدين، فقال له: اقرأ ما بها، فإذا بها منقوش:
أنا من نخلة تجاور قبراً ... ساد من فيه سائرَ الناس طرّا
(14/ 1/37)

شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أُقرا
فسرّ بذلك، وأجازه.
وذكر أن الشيخ سالم بوحاجب قرأ بين يدي الملك الناصر بأي تونس "فتح المتعال في مدح النعال" للمقري، وكان بخط الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي، فأنشأ بيتين على هذا المثال لم يستحضر إلا الثاني، وهو:
شملتني سعادة الخط حتى ... صرت في كف ناصر الدين أُقرا
وقد اجتمعت بمجلس مولانا العالم سيدي محمد أمين السفرجلاني بمسجد السنجقدار بتلامذته الأفاضل ذوي الأخلاق الحسنة الطيبة: سيدي الحاج محمود رمضان الدمشقي، وسيدي الحاج محمد الشرايبي، وسيدي الحاج علي بن سعيد حافز، والسيد رسلان الرفاعي، وسيدي كمال بن مصطفى الإِمام، والشيخ إبراهيم بن مصطفى العطري.
وفي يوم الاثنين من 22 صفر، زرنا مقام القطب الغوث سيدي محيي الدين، ورأينا بتابوته بيتين:
قبر محيي الدين ابن العربي ... كل من لاذ به أو زاره
قضيت حاجاته من بعدما ... غفر الله له أوزاره
وبأركان القبة الأربع:
إنما الحاتمي في الكون فرد ... وهو غوثٌ وسيدٌ وإمام
إن سألتم متى توفي حميداً ... قلت أرخ (مات قطب همام)
مولده سنة 560 - وفاته سنة 638
وبلصق ضريحه شريح ابنه سيدي عماد الدين جوفيه، وجوفيه ضريح
(14/ 1/38)

ابنه الآخر سيدي سعد الدين. وتوفي هذا الثاني المجاهد عبد القادر بن محيي الدين وعلى قبره:
لله أفق صار مشرق دارتي ... قمرين هلا من ديار المغرب
الشيخ محيي الدين ختم الأوليا ... قمر الفتوحات الفريد المشرب
والفذ عبد القادر الحسني الأمير ... قمر المواقف ذا الولى ابن النبي
من نال من أعلى رفيق أرخوا ... (أزكى مقامات الشهود الأقرب)
في 19 رجب سنة 1300 ه
وكان الذي بالمقام السيد محمد سليم الأكرمي الدمشقي، وابن عمه الشيخ مصطفى، وبعد زيارتنا للشيخ محيي الدين، زرنا ضريح الشيخ عبد الغني النابلسي، وهو بيت لطيف فيه قبره، وقبليه بيت صغير به قبر ابن ابنه سيدي مصطفى النابلسي، وأبو مصطفى إسماعيل بن الشيخ عبد الغني، والبيتان بوسطه مسجد جامع خطبه.
وبعد زياراتنا للمقامات المذكورة، توجهت مع الفاضل الكامل سيدي العروسي بن الحسين لحضرة الأستاذ سيدي بدر الدين، واستلمنا منه الإجازة التي وعدنا بها، ووجدناه يقرئ في "مختصر السعد على التلخيص" في مذهب الاستعارة بالكتاب على مذهب الجمهور، والسكاكي، بأحسن تقرير مع رياضة تامة. وكان من الحاضرين بدرسه الشيخ عبد الرحمن (1) ..
__________
(1) انتهت الأوراق المصورة من الرحلة، والمرسلة لي.
(14/ 1/39)

نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم" (1)
منذ عام تقريباً ظهر في عالم المطبوعات كتاب، كان لما تضمنه واشتمل عليه من آراء ونظريات، له مظهر فاتن، وباطن مظلم، فانخدعت بالمظهر عقول، ونفذت إلى الباطن عقول، فاحتدم الجدل، وثارت عاصفة وعاصفة، إحداهما تناقش الكتاب من الوجهة الدينية، والأخرى تحاسب المؤلف من الوجهة السياسية.
واشتدت العاصفتان حتى ألقت إحداهما مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" خارج زمرة العلماء، واقتلعت الثانية بعض الوزراء من كراسيهم اقتلاعًاا، تلاه حرمان الشيخ علي عبد الرازق مؤلف الكتاب من مركزه في القضاء الشرعي.
وليس عجيباً أن يثير هذا الكتاب مثل هاتين العاصفتين، ففي اسمه ما يدل على خطورة موضوعه، وعلى أن مؤلفه قد تعرض للخلافة، وللخلافة في نظر العالم الإِسلامي وغير العالم الإِسلامي أهمية عظيمة، ومكانة خطيرة؛ لأنها تمثل معنى الحكومة التي تقود المسلمين وتسوسهم، ولأنها المجمع
__________
(1) مجلة "المكتبة" الجزء الثاني من السنة الثانية، الصادر في رمضان 1344 ه. وهي مجلة شهرية تبحث عن المؤلفات وقيمتها العلمية، ومديرها الأستاذ عبد العزيز الحلبي - القاهرة.
(14/ 1/40)

الذي تجتمع حوله قلوب المسلمين على اختلاف مشاريهم، وتباين جنسياتهم، والمصدر الذي تصدر منه بواعث حركتهم، ودواعي سكوتهم.
على أن مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وقد تعرض لهذا الموضوع الخطير بصفمَه عالماً من علماء الإِسلام، وقاضياً من قضاة المحاكم الشرعية في مصر، لم يتجه في مباحثه الاتجاه الذي كان يجب أن يتجه فيه مؤلف اجتمع له مثل هاتين الصفتين الإسلاميتين، ولم يبن آراءه ونظرياته التي قصد إلى إذاعتها وترويجها بتأليف هذا الكتاب على أدلة تشهد بأنه درس العلوم الإسلامية، وتشبّع بمبادئها، وفهم أغراضها ومراميها، وأدرك حقيقة المصالح والثمرات التي يستفيدها الناس بالعمل بها، والسير على منوالها، بل كان اتجاهه في مباحثه اتجاه رجل يخالف المسلمين في عواطفهم وميولهم، وكانت الأدلة التي أقام عليها آراءه ونظرياته أدلة رجل لم يدرس العلوم الإِسلامية، ولم يدرك أسرارها, ولم يتشبع بمبادئها، وإنما هو رجل مهوّش أراد أن يستثمر ماله من صفة دينية في سبيل نشر مبادئ وآراء لا تقبلها العلوم الإسلامية، ولا ترضاها العقول السليمة، ولا تؤيدها أدلة صحيحة، فكأنما كان كل همه أن ينتزع من النفوس يقينها واطمئنانها، ويحل محلهما الشك والاضطراب.
ولسنا نتهم الرجل بسوء النية، وفساد الطوية، ولكنا نظن أنه كان يقرأ للعلماء الأجانب أكثر مما يقرأ للعلماء المسلمين، وان ذلك قد أثر في نفسه حتى خضعت لآراء الأجانب، واعتادت تلقيها بالقبول دون موازنة بينها وبين الآراء الإسلامية، وتمييز ما فيها من طيب وخبيث، وكان من أثر ذلك أن ضعفت الآراء الإسلامية في نظره، وانحطت قيمتها، وانطفأ نور أدلتها، والعقول مهما
(14/ 1/41)

رجحت، فلن تسلم من خطأ، والنفوس مهما قويت، فلن تبرأ من ضعف. وفوق ذلك، فإن موضوع كتابه من الموضوعات المتروكة التي يجهلها أكثر الناس، والتي لا يكاد يستطيع البحث فيها بحثاً علمياً صحيحاً إلا أفراد قليلون من علماء المسلمين ... كل هذه العوامل مجتمعة هي التي أثرت في مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، فحملته على أن يخرج للناس كتابه الذي أثار ما أثار من عواصف شديدة، وجدل عنيف.
على أن لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" فائدة عظيمة لم نكن لنحصل عليها لولا صدوره، ولم يكن ليستفيد منها كثير من الناس لو لم يثر ما أثار من عواصف وجدال.
تلك هي تحرك العلماء إلى البحث في هذه الموضوع، والكتابة فيه، مبينين وجه الحق والصواب، كل بقدر ما وسعه طوقه، وأحاط به علمه. فقد بقيت الصحف المصرية عدة شهور تنشر الفصول الممتعة، والمقالات الضافية في هذا الموضوع، والناس يقرؤونها باهتمام عظيم، ورغبة صادقة.
ولكن هذه الفصول والمقالات التي كانت تنشرها الصحف، لم تكن خالصة للبحث العلمي البريء الذي يهدم الشكوك، ويزيح عن وجه الحق سحب الغموض والإبهام، بل كانت مشحونة بما أثارته كهرباء الغضب والحنق التي استولت على أكثر الكاتبين؛ مما حطّ من قيمة هذه المقالات، وذهب برونقها، وأضعف من فائدتها.
لذلك بقي أكثر الناس يعتقدون أن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لا يزال قائماً يبث الشكوك والأوهام في النفوس والعقول، حتى ظهر كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" الذي ألفه فضيلة الأستاذ (السيد محمد
(14/ 1/42)

الخضر حسين) أحد مدرسي جامع الزيتونة، وأحد قضاة المحاكم الشرعية بتونس سابقاً.
فقد تناول هذا الكتاب نقض ما جاء في "كتاب الإسلام وأصول الحكم" مما يخالف المبادئ الإسلامية، ويحود عنها، بطريقة تدل على رسوخ قدم الأستاذ السيد محمد الخضر في العلوم الإسلامية والعربية، وتضلعه منها تضلعًا يجعله في صفوف كبار العلماء الباحثين الذين يعرفون كيف يصلون بالقارئ إلى الحق الناصع في رفق وسهولة، دون أن يرهقوا ذهنه، أو يحرجوا صدره.
فأدلة ناصعة، ولغة بينة، وقصد في التعبير في غير غموض أو إبهام، وأدب صريح، وخلق متين، يدل على أن صاحبه ممن تأدبوا بالأدب الإسلامي، وتشبعوا به، وفهموا معنى قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. ثم حسن ترتيب وتنسيق في المناقشة وسوق الأدلة، لا يدع في نفس القارئ مجالاً للشك، ولا يترك شبهة تتردد في صدره دون أن يقضي عليها قضاء نهائياً.
كل ذلك في تواضع العالم الصادق النظر، النزيه الغرض، الذي لا يقصد من بحثه وجدله إلا إحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
ونريد أن نأتي لك بمقدمة كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"؛ لتقوم عنا بإرشادك بعضَ الشيء إلى قيمة الكتاب، ومقدرة مؤلفة الفاضل، فقد نشعر بالعجز عن إيفائه حقه من المدح والتقريظ. قال:
"وقع في يدي كتاب (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبد الرازق، فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال
(14/ 1/43)

بالشبهات. وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازًا، ومعميات وألغازاً، ولعلها شغفته حباً حتى تخطى بها المقامات الأدبية، إلى المباحث العلمية، وما نشبت أن جعل المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق فلا تعبأ بالنداء. وكنت -بالرغم من كثرة بوارحها- أصبّر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصادقة. وما برحت أنتقل من حقيقة وضّاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرف على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب.
فوَّق المؤلف سهامه في هذا الكتاب إلى أغراض شتى، والتوى به البحث من غرض إلى آخر، حتى جحد الخلافة، وأنكر حقيقتها، وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإسلام، وبعد أن ألقى حبالاً وعصيًّا من التشكيك والمغالطات، زعم أن النبي - عليه السلام - ما كان يدعو إلى دولة سياسية، وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم، ومراكز الدولة ليست من الدين في شيء، وإنها هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ومسَّ في غضون البحث أصولاً لو صدق عليها ظنه، لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإسلام وآدابه مزلزلة العقيدة، مضطربة العنان.
كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب. من طائفة لم يتفقهوا في الدين، ولم يحكموا مذاهب السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزناً, ولا نحرك لمناقشتها قلماً، إذ يكفي في ردها على عقبها صدورها من نفر يرون الحط في الأهواء
(14/ 1/44)

حرية، والركض وراء كل جديد كياسة.
كنا نسمع هذه المزاعم، فلا نزيد أن نُعرض عمن يلفظون بها، حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما اليوم، وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي للأزهر الشريف، ويتبوأ في المحاكم الشرعية مقعداً، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة، ونضعها بين يدي الحجة، وللحجة قضاء لا يستأخر، وسلطان لا يحابى، ولا يستكين.
لا أقصد في هذه الصحف إلى أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقي فيه من عوج؛ فإن كثيراً من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند، أو تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر عليه من أجلها التاريخ الصحيح. ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث الدينية التاريخية، بقي الكتاب ألفاظاً لا تعبر عن معنى، ومقدمات لا تتصل بنتيجة.
والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب، وموضوع الكتاب الأول: (الخلافة والإسلام)، وموضوع الكتاب الثاني: (الحكومة والإسلام)، وموضوع الكتاب الثالث: (الخلافة والحكومة في التاريخ).
وطريقتنا في النقض: أن نضع في صدر كل كتاب ملخص ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم نعود إلى ما نراه مستحقاً للمناقشة من دعوى أو شبهة، فنحكي ألفاظه بعينها، ونتبعها بما يزيح لبسها، أو يحل لغزها، أو يجتثها عن منبتها، وتخيرنا هذا الأسلوب؛ لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها،
(14/ 1/45)

ويسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، ولو لم تكن بين يديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط النقد والمناظرة".
لا شك أن القارئ بعد أن اطلع على هذه المقدمة، قد أدرك شيئاً من قيمة الكتاب الذي نحدثه عنه، وعرف أنه كتاب يحوي بين دفتيه من المباحث الخطيرة، والموضوعات الهامة، ما لا يتيسر لكثير من العلماء الوصول إليها رغم البحث الطويل، والجهاد المستمر، وأنه ليس كتاباً دينياً فقط لا يهم إلا المشتغلين بالمسائل الدينية، بل هو كتاب يحتاج إليه أكثر متعلمينا أشد احتياج، لا سيما المشتغلون منهم بالمسائل العامة، بل نقول: إن المشتغلين بالمسائل العامة والقانونية أحوجُ الناس إلى دراسة هذا الكتاب، والانتفاع بما جاء فيه في أكثر مسائلنا الخطيرة؛ كمسألة وجوب نصب الخليفة بناء على القاعدة الشرعية الثابتة التي تقول: "الضرر يزال"، وكمسألة معرفة المسلمين لعلوم السياسة، وكمسألة النظام الملكي، وهل هو ينافي الحرية والعدل؟ ومسألة شكل حكومة الخلافة، ومسألة القضاء في الإسلام في العهد النبوي وبعده، ومسألة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً، وكان رئيساً سياسياً أيضاً، ومسألة الاجتهاد في الشريعة وشرائطه، والشريعة الإسلامية وإدارة البوليس، والتشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع، والتشريع الإِسلامي والأصول السياسية والقوانين ... إلى غير ذلك من المسائل المهمة التي ينبغي لكل مشتغل بالمسائل العامة أن يدرسها دراسة جيدة، وقد أوفاها الأستاذ الجليل الشيخ الخضر حقها من البيان والتفصيل، بما امتاز به من تعمق ورسوخ في العلوم الإسلامية، مع معرفة وافية بالآراء الغربية المختلفة فيما يجب أن يكون عليه نظام الحكم في الأمم ليكون أضمن للحرية والعدل.
(14/ 1/46)

السيد محمد الخضر حسين (1)
تجنس السيد محمد الخضر حسين التونسي بالجنسية المصرية، والسيد الخضر من أشراف تونس، وقد اشتهر أهله بالفضل والعلم والدين.
وجدّه لأمه محمد بن عزوز، أخذ طريقة الشيخ الحفني الكبير شيخ الطريقة الخلوتية، عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري تلميذ الشيخ الحفني، وعنه أخذ جده لأبيه الشيخ علي بن عمر، فكان خليفة هذه الطريقة في المغرب.
ولد السيد الخضر بمدينة "نفطة"، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، ثم انتقل مع والده إلى مدينة تونس، ودرس في جامع الزيتونة، ونال شهادة العالمية (2) وهو في الرابعة والعشرين من سني حياته، ثم سافر إلى طرابلس الغرب، وعاد إلى تونس، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية دينية ظهرت في تلك البلاد. فأقبل عليها العلماء، ونشّطه أهل الفضل،
__________
(1) مجلة "الفتح" العدد 290 من السنة السادسة الصادر في ذي القعدة 1350 ه - القاهرة.
ملاحظة: يبدو لي أن هذه المعلومات استقاها السيد محب الدين الخطيب صاحب المجلة من الإمام محمد الخضر حسين، ولعلها أوضح موجز عن حياته.
(2) المقصود بها: شهادة (التطويع).
(14/ 1/47)

وفي مقدمتهم الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ سالم بوحاجب.
ثم قُلِّد القضاء في مدينة "بنزرت"، والخطابة والتدريس في جامعها الكبير. ولم يكتف بعمله الرسمي، بل عمد إلى إلقاء المحاضرات العامة.
وضاق ذرعاً بقيود الوظيفة الرسمية وأصفادها، فاستعفى، وعاد إلى تونس متبرعًا لإلقاء الدروس في المعهد الزيتوني، وقدر ولاة الأمر خدمته، وشريف مقصده، فعينوه مدرساً رسمياً في معهد "الزيتونة"، وعضواً في ترتيب مكتبته، ومدرساً في المدرسة الصادقية، وعهدت إليه الجمعية الخلدونية في إلقاء محاضرات على طلبتها في آداب اللغة العربية. ولما قامت الحرب الطرابلسية، نظم عدة قصائد في الحث على معاونة الطرابلسيين كان لها أحسن وقع في القلوب، وبسط الأكف، ثم سافرت أسرته إلى دمشق، فلحق بها، وقضى بالقاهرة ثلاثة أيام، فألقى في الأزهر درساً في قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122]. فأدرك السامعون مقامه وفضله، وتابع سفره إلى دمشق، ثم قَصد الآستانة في أيام الحرب البلقانية، وزار مكتباتها ومعاهدها العلمية، وتعرف إلى علمائها وآدابها، وعاد إلى تونس مدرساً ومحاضراً، ثم قصد المدينة المنورة، فإستنبول، فدمشق مدرساً للفلسفة والآداب العربية في المدرسة السلطانية.
وقضى أيام الحرب العظمى متنقلاً بين برلين وإستنبول ودمشق. ففي برلين تعرّف إلى كبار العلماء المستشرقين، وزعماء الحركة المصرية، وفي مقدمتهم المرحومون الشيخ عبد العزيز جاويش، ومحمد فريد، وإسماعيل لبيب. وفي إستنبول عين في قسم المباحث السياسية بوزارة الحربية، فواعظاً
(14/ 1/48)

في مسجد (الفاتح). وفي الشام وشى به بعضهم وشاية سياسية إلى جمال باشا، فاعتقله ستة أشهر و 14 يوماً، ثم ظهرت براءته فأفرج عنه.
ثم نزل مصر، ومع تحاميه الإعلان عن نفسه، فإن عارفي فضله ونبله أحلّوه المحل اللائق بكرامته، وانتدب للعمل خمسة أعوام في دار الكتب المصرية، فانتهز الفرصة، وألقى على بعض الكتب القديمة نظرات دقيقة، واستخرج منها ما لم يفقه إليه أحد قبله، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادتها بتفوق.
وللسيد الخضر مؤلفات جمّة، منها: حياة اللغة العربية - الخيال في الشعر العربي- الدعوة إلى الإصلاح - مدارك الشريعة الإِسلامية - نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم" - وشرح وجيز على كتاب "الموافقات" للشاطبي - نقض كتاب "في الشعر الجاهلي" - تعليقات على "شرح القصائد العشر" للتبريزي ... إلخ.
وكانت له اليد الطولى في إنشاء "جمعية الشبان المسلمين" بالقاهرة، وأنشأ "جمعية الهداية الإسلامية" ويتولى تحرير مجلتها، وإدارة شؤونها، ويرأس الآن تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، ويدرّس في كلية أصول الدين بقسم التخصص.
ولا جدال في أن تجنيس السيد الخضر بالجنسية المصرية غنم لمصر، وجوهرة يزدان بها تاج علماء الدين.
(14/ 1/49)

إلى العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين بمناسبة سفره إلى الأقطار الحجازية (1)
محمد صادق عرنوس
سافرْ إلى الحجِّ ميموناً بك السفرُ ... واقْضِ المناسكَ مزهواً بكَ الحجرُ
جاهدتَ في الله فانزِلْ في ضيافتِه ... لك المثوبةُ والإكبارُ والظفرُ
إن الصفا مذ نويتَ الحجَّ مغتبطٌ ... لزَوْرة العالم الرِّبِّيِّ منتظرُ
وهلْ رأى منذ حين في مواسمِه ... كموسم حجَّ فيه السيدُ الخَضِرُ
هذا النحيفُ المغالي في تواضعِه ... به الحنيفيةُ البيضاء تفتخر
كم ذاد عنها أعاديها بمفرده ... في موقفٌ تتحاشى مثله الزُّمَرُ
فلم تصب منهمُ يوماً بكارثةٍ ... إلا وكان له في دفعها أثرُ
كأنه ديدبانٌ في حراستِها ... هيهات يثنيه عن إنقاذها وَطَرُ
إقرأ له الردَّ بعد الردِّ يرسلُه ... على العدا أين منه الصّارِمُ الذَّكَرُ
في قابي لم يطُفْ هجزٌ بساحته ... لكنّه من صميم الحقِّ منحدرُ
__________
(1) مجلة "الفتح" العدد 338 - السنة السابعة - الصادر في 4 ذي الحجة 1351 ه - قصيدة للشاعر الإسلامي الكبير محمد صادق عرنوس بمناسبة سفر الإمام محمد الخضر حسين لأداء فريضة الحج عام 1351.
(14/ 1/50)

في مهبطِ الوحي سلْ عن دائناً فئةً ... نامت وطالَ بنا في المحنة السهر
ألم يعد ثم في إنقاذنا أملٌ ... هل انطفا نورُه واستفحلَ الخطرُ
قلْ للحجيجِ إذا وافيتهم بمِنى ... قولاً له وقعه فالحجُّ مؤتمرُ
هنا انبثاق الهدى يا قومُ فاتّعِظوا ... ومهبطُ الروح بالتَّنزيلِ فاعْتبروا
يا أيّها الناسُ دينُ الله مُنتَهكٌ ... أينَ الكتابُ وأين الآيُ والسُّوَرُ
اللفظُ باقٍ ومعناهُ الكريمُ مضى ... والروحُ إنْ فُقِدَتْ ما تَنفعُ الصُّوَرُ
غوصوا على دُرَّه المكنونِ والتمسوا ... منه الشفاء ففيه الوِرْد والصَّدَرُ
يا للعجائب ظمأى والحيا معكم ... لو شئتم انهلَّ عذباً ما به كدرُ
موقوفة عودة العزّ القديم على ... أن يعمل العقل في التنزيل والبَصَرُ
إذا غدا عادةً فيكم مؤثلة ... تقلص الذل عنكم وانجلى الضررُ
(14/ 1/51)

الترحيب بالإمام محمد الخضر حسين بمناسبة عودته من أداء فريضة الحج (1)
محمد عبد العظيم الزرقاني
الحمد لله على سابغ نعمته، والصلاة والسلام على مظهر رحمته، سيدنا محمد وآله وصحابته.
أيها السادة!
قد علّمنا الحق فيما علّم، أن نحتفل بسلامة الهداة من عباده، ونجاة المصلحين من خلقه، وأقرب شاهد نضربه به مثلاً لذلك: هو هذه الليلة الغراء، ويومها الأغر (يوم عاشوراء) المبارك، الذي اعتبره الإسلام موسماً يتقرب فيه الخلق إلى الخالق، احتفاء بفوز طائفة من رسله، وشكراً على نجاة فئة من أنبيائه، في الأمس البعيد المتغلغل في أحشاء الماضي، قد تجلت عناية
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد الخامس، الصادر في شهر صفر سنة 1352 ه - القاهرة.
أقامت جمعية "الهداية الإسلامية" في القاهرة حفلة ترحيب بالإمام محمد الخضر حسين رئيس الجمعة، ورئيس تحرير المجلة، وذلك في ليلة الجمعة العاشر من المحرم سنة 1352. وقد ألقيت فيها القصائد والخطب، وهذه كلمة أحد العلماء الأفاضل، والعضو في الجمعية، والكاتب الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.
(14/ 1/52)

الكريم لبعض خاصته من خلقه، وأمنائه على رسله، فنجّاهم، وكتب لهم السلامة والفوز، ووافق ذلك يوم عاشوراء.
وفي هذا اليوم الحاضر الجديد، الذي يرفّ من الجدة، تتجلى العناية الإلهية لرجل من رجالات الإصلاح والجهاد، بل تتجلى هذه العناية الربانية لجمعية الهداية الإسلامية في شخص رئيسها الموقر، وأوبته إليها سالماً غانماً، ويصادف ذلك اليوم أيضاً يوم عاشوراء، فما أسعده يوماً يعيد التاريخ فيه نفسه، ويعتز فيه الحق وأهل الحق قديمًا وحديثا، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68} [وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].
نعم، إن هذه أول ليلة من ليالي محاضرات الجمعية بعد عودة عميدها إليها من الأقطار الحجازية المباركة، تصحبه سلامة السلام، وترعاه عناية الحق، وتترادف عليه أنوار الحج الأكبر، وينفح من لدنه أريج المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
وحقّ للجمعية أن تتخذ هذه الليلة عيداً تتبادل فيه آيات التهاني والتبريك، وتظهر معالم الفرح والبهجة، وتنشر أعلام السرور والغبطة، وتشكر مولي النعم على هذه النعمة؛ فإن الأستاذ يتبوأ من الجمعية مكان الرأس من الجسد، والنور من العين، والروح من البدن، وأي سرور يعدل سرور الجسم يعود إليه رأسه، والعين يردّ إليها نورها، والبدن تبعث فيه روحه.! لك اللهم من الحمد ما يفوق كل حمد، ومن الشكر أضعاف كل شكر، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
أي وربي! إن الأستاذ الخضر لنفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد به الجواد على هذا العالم العقيم، فأحيا به من موات الإسلام، وجدّد
(14/ 1/53)

بعزمه من شباب الدين، ونضر بأخلاقه من وجه الفضيلة، ورفع بنبوغه من منار العلم، وجبر بهمته من كسر الشرق وأهل الشرق ... فإذا نحن رحبنا به، فإنما نرحب بلسان الإسلام والدين، والفضيلة والعلم، والشرق والشرقيين. أطال الله في أيامه، وزاد في همته، وأكثر في المسلمين من أمثاله، وضاعف في الأمة من نفعه.
أيها السادة!
إن جمعية الهداية الإسلامية تشكر لكم هذا الشعور الفياض الذي دفعكم إلى مشاركتها هذا السرور، ومبادلتها هذه التهاني، ومشاطرتها ذلك الترحيب، نسأله -وهو الجواد الكريم- أن يهيئ لكل منا عهداً قريباً يتمتع فيه بما تمتع الأستاذ من حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يؤيد الإسلام والمسلمين بروح من لدنه، {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] , والسلام عليكم ورحمة الله.
(14/ 1/54)

محاضرة الأستاذ الخضر بن حسين (1)
في مساء يوم الجمعة الفائت، سمعنا (بالراديو) من مصر صوت أستاذنا
__________
(1) جريدة "المنار التونسي" العدد الثالث من السنة الأولى الصادر في 6 جمادى الثانية 1355 ه - 24 أوت 1936 م - تونس.
تعليق: هذا الخبر يمثل محبة الشعب التونسي الصادقة للإمام محمد الخضر حسين، وتقصيه لأخباره وأحاديثه عبر المذياع. ويشير من ناحسة ثانية إلى أن الإمام كان دائم التواصل مع وطنه تونس، وحرصه وعمله المخلص على نشر أنباء تونس، وبيان مكانتها في الشعر والأدب، ورجالاتها مع أهل تونس.
ونلفت النظر هنا إلى كتاب "تونس وجامع الزيتونة" للإمام، الذي خص فيه تونس ببحوث هامة عن شعرائها وفقهائها وأعلامها من شيوخ الزيتونة، وصفحات من تاريخها ونضالها.
واطلعت من خلال البحث في مجلة "العالم الأدبي" العدد الأول من السنة الرابعة الصادر في 11 محرم 1352 ه - 6 ماي 1933 م على كلمة بعث بها الإمام محمد الخضر حسين إلى إدارة المجلة تحدث فيها عن مجلة "البدر" التونسية، فقال: "فقد بلغتنا مجلة البدر، وهي من المآثر التي تفتخر بها البلاد التونسية؛ لأنّا في الشرق لا نجد دليلاً على رقي الشعب التونسي إلا بمثل هذه المؤلفات الحديثة الراقية. ولو عرفت الأمة أن سمعتها في الخارج، إنما ترتفع بمثل هذه الآثار, لبذلت مجهودها في مساعدتها، وفي تحصيل الآمال على سمعة فاخرة في الخارج خير كثير".
(14/ 1/55)

العزيز العلامة النحرير الشيخ الخضر بن حسين -كما نعهده- ذلاقة وفصاحة، لم تغير فيه لهجة المصريين وقلبهم لحروف المعجم.
وقد فتن الناس بسماع ذلك الصوت الذي حرموا سماعه عشرات السنين. وكان موضوع حديثه "الشعر التونسي في القديم والحديث".
فتكلم جنابه على الشعراء، وذكر من شعرهم، وبيّن أن نقد الشعر وفلسفة الأدب أول من ضرب في فنهما سهم أدباء تونس والقيروان والمهدية، وغيرها من بلدان المملكة التونسية؛ كابن رشيق، وغيره في القديم.
ويوجد الآن شبيبة ناهضة، ضربت في جميع فنون الشعر والتثر، ويلغت فيهما الكمال، وإذا عدَّ الشعراء والكتّاب في العالم، فيحتلون المراكز الأولى، ويوضعون في أول الصفوف، وإن ذلك الشبل من ذلك الأسد، ومن يشابه أباه فما ظلم.
هذا خلاصة ما سمعناه من الأستاذ الخضر بن الحسين يلقيه على مسامعنا من مصر بمعناه.
وإن السرور لعمَّ البلاد، وللشيخ أصدقاء وتلامذة وأقارب وأحباب كثيرون، يودون رؤيته وسماع حديثه العذب.
وها نحن نسمع كلامه ولا نراه، متعنا الله برؤية وجهه الكريم، وجمعنا الله به في أبرك الساعات.
(14/ 1/56)

مصنفات الأستاذ السيد محمد الخضر حسين
العلامة محمد بهجة البيطار (1)
1 - "رسائل الإصلاح"، الجزء الأول:
هي مقالاتٌ نافعة، بل أصول جامعة في الإصلاح العام، تشتمل على نحو خمس وعشرين رسالة أو مقالة في ضروب من الإصلاح الديني والمدني، وقد قسمها أربعة أقسام كما جاء في مقدمتها:
1 - قسم الأخلاق والاجتماعيات.
2 - قسم المباحث الدينية من أصول الدين وأصول الفقه، والأحكام العملية.
3 - قسم السيرة النبوية وتراجم الرجال والبحوث التاريخية.
4 - قسم مباحث اللغة وصناعة الأدب.
وأكثر رسائل هذا الجزء الأول من القسم الأول -أي: الأخلاق والواجبات-، ومن مباحثه الطريفة التي عالجها الأستاذ: التعليم الديني في مدارس الحكومة، العلماء والإصلاح، أصول سعادة الأمة، الغيرة على الحقائق والمصالح، الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم، الانحراف عن الدين علله وآثاره ودواؤه، ضلالة فصل الدين عن السياسة، الرِّفق بالحيوان، محاكاة المسلمين للأجانب، علة إعراض الشبان عن الزواج، النبوغ في العلوم والفنون.
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" بدمشق، الصفحة 81 من المجلد الثامن عشر - سنة 1943 م. عرض لبعض مؤلفات الإمام التي وصلت إلى المجمع في حينها.
(14/ 1/57)

2 - (محمد رسول الله وخاتم النبيين):
هذه شذرات من السيرة النبوية، بيّن فيها الأستاذ حال العرب قبل الإسلام، ونشأته - عليه الصلاة والسلام -، ودلائل نبوته، والقرآن الكريم وإعجازه، وبشارات الرسل بنبينا، ومعجزاته - صلى الله عليه وسلم -، وعموم رسالته، ودوام شريعته، وختم النبوة به، وخلقه وآدابه، واجتهاده في عبادة ربه، ثم ختمها بفصل في أثر دعوته في إصلاح العالم. وقد ذكر في طليعة الرسالة ما دعاه إلى تأليفها بقول: "ما أراه في تلك الصحف- صحف الطاعنين في الإسلام - من زور وبهتان، ثم ما أذاعته الصحف من قصص محاولة تلك الطائفة لتنصير بعض الفتيان والفتيات".
3 - "آداب الحرب في الإسلام":
وهذه الرسالة جمعت فصولاً في نظام الحرب وآدابه في الإسلام، بينت منشأها، والاستعداد لها، والتدريب عليها، وإعلانها، والشعار فيها، وتعهد الجند بالموعظة. ومن محاسن ما جاء فيها أيضاً: أثر الاستقامة في الحرب، والشورى فيها، والرِّفق بالجند، ومجاملة رسل العدو، وعدم التعرض لهم بأذى، وتجنب قتل من لا يقاتل، وحسن معاملة الأسرى، وختمها بأبواب منها: (عقد الصلح) إذا جنح له العدو. من تدبر هذه الرسالة النافعة علم أن الحرب في الإسلام ليست للقهر والاستعباد، بل لدفع الاعتداء والظلم، ونشر لواء الحق والعدل، وقد كان الخلفاء العظام يوصون قوادهم بأن لا يقطعوا شجراً، ولا يفسدوا ثمراً، ولا يقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، ولا يُجهِزوا على جريح، ولا يعتدوا على من كف عن الحرب، وأين منها الحروب التي تستخدم أفتك الآلات الحديثة لتدمير المدن، وتعذيب أهلها الآمنين؟!.
(14/ 1/58)

4 - "القياس في اللغة العربية":
أورد المؤلف لهذا الكتاب مقدمات في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية، وحالها في الجاهلية، وارتقائها في الإسلام، وجعله إياها لغة للشعوب، وبحث في وجه الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي ليرفع لواء اللغة العربية في الشرق والغرب، ثم بعد أن مهد المؤلف تمهيداً بين فيه حاجتنا إلى القياس في اللغة، عقد فصلاً ممتعاً تحت عنوان: أنواع القياس، وما الذي نريد من بحثه في هذه المقالات، استهله بقوله: تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
1 - حمل العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما.
2 - أن يعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال هذا اسم (الخمر) عند من يراه معتصراً خاصة.
3 - إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير والنسب والجمع.
4 - إعطاء الكلمة حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه؛ كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث. ثم قال- بعد أن بسط القول في هذه الأقيسة الأربعة التي أوردنا منها ما يدل عليها -: وهذا النوع من القياس، والذي قبله-أي: الثالث والرابع- هما موقع النظر، ومجال البحث في هذه
(14/ 1/59)

المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي، وعن الثاني بقياس التمثيل، وقد ذكر في القياس الأصلي ما يحتج به في تقرير أصول اللغة ومفرداتها، وألقى في القياس في صيغ الكلم واشتقاقها - نظرة على المصادر والأفعال ومشتقاتها؛ كاسمي الفاعل والمفعول، وأفعل التفضيل.
وقد استشهد بكلام المحققين على الاحتجاج بالكتاب العزيز، وفصل القول في القياس على الحديث الشريف، ثم عقد فصلاً مهماً في الاشتقاق من أسماء الأعيان، وتصرفِ العرب فيها، وأخذهم منها أفعالاً في أوزان مختلفة، وأسماء فاعلين ومفعولين. وذكر منها اشتقاق الفعل من أسماء الأعيان؛ لإصابتها أو إمالتها، (قلت: لعله: أو إنالتها -بالنون- كما ذكره من بعد، ومثل بنحو: شحمه ولحمه: أطعمه ذلك. ص 69).
وجاء بعده فصلٌ عنوانه: ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق؟ وقد حقق فيه أن الأفعال والمصادر التي لم يسمع لها فروع في الاشتقاق على نوعين:
منها: ما لم يتصرفوا فيه على كثيرة وروده في محاوراتهم ومخاطباتهم مثل: ويل وويح ونعم ويذر وما يماثلها، فيجب أن تبقى على هيئتها بدون اشتقاق منها، ولا أدنى تصرف فيها.
ومنها: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق؛ كاشتقاق فعل واسم فاعل مما سمع مصدره، أو إحداث مصدر لفعل مسموع -مثلاً-.
ثم أنشأ فصولاً قصيرة وغير قصيرة في أنواع الأقيسة الكثيرة؛ كأقيسة
(14/ 1/60)

التمثيل، والشبه، والعلة، وأقسام علة القياس، وأقسام قياس العلة، وشرط صحة قياس التمثيل، ومباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي، والقياس في الاتصال، وفي الترتيب، والفصل والحذف، ومواقف الإعراب، والعوامل، وشرط العمل والقياس في الأعلام. ثم ختم الكتاب باقتراح الأستاذ المغربي في الكلمات غير القاموسية، وجوابه على هذا الاقتراح.
وقد بحث الأستاذ في هذه الفصول جميعها بحث الناظر المستقل المستدل، فبين في كل منها ما يقبل وما يرد، وما يقاس عليه وما لا يقاس، ومذهبه وسط بين المعجميين الذين يجمدون على السماع فيهما يمكن إجراء القياس فيه لاستيفاء شروطه، وبين من يفتاتون على اللغة، فيشتقون من عندهم أقيسة لا تستند إلى نصوص لغوية، ولا قواعد عربية من صرفية أو نحوية.
ومن هذه الرسالة يعلم أن المعاجم اللغوية وحدها لا تفيد معرفة الأسس التي ينبني عليها القياس الصحيح من غيره؛ لأنها لم توضع لذلك، بل لا بد من الجمع بين معرفة النصوص ودراسة القواعد والأصول، التي تشتق منها الفروع، وتجري على مقتضاها الأحكام.
(14/ 1/61)

في طريق القاهرة (1) مع الأستاذ الخضر حسين
في مقهى قريب من الأزهر، قابلت زميل الدراسة الأخ إسماعيل بن شعبان، الذي كان موجوداً بالقاهرة، وأبديت له رغبتي في الاتصال بالشيخ محمد الخضر حسين العلامة التونسي الذي رفع اسم تونس بربوع أرض الكنانة عِلماً وعملاً، والمدرس بقسم التخصص بالجامعة الأزهرية، والعضو بهيئة كبار العلماء، ورئيس "جمعية الهداية الإسلامية".
فابتسم الأخ إسماعيل، وقال: اجلس، فأنا على موعد مع شيخنا هذه اللحظة.
وقدم الشيخ، وقُدِّمْتُ إليه، فصافحني بحرارة، وكان فرحه بوجودي عظيماً لأمور ثلاثة حسبما صرّح لي بذلك:
أولاً: لأنني تونسي زيتوني.
وثانياً: لأني أنتسب إلى المرازيق الحي العربي الذي عرفه الأستاذ في أيام شبابه.
وثالثاً: لأني أعمل مع أعز أصدقائه السيد الشاذلي القسطلي
__________
(1) جريدة "النهضة" التونسية - العدد الصادر في 27/ 4/ 1951 م. مقالات نشرت على حلقات باسم مستعار (زورق اليم)، الحلقة 12، وقد أخذنا منها ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
(14/ 1/62)

مدير جريدة "النهضة".
وانتقلنا إلى بيت الأخ إسماعيل بنزل الأزهر، وهناك انطلق الأستاذ الخضر يتحدث عن تونس في حرارة الابن المخلص البار.
شيخ جاوز السبعين، أو لعله شارف الثمانين، نحيل الجسم، معروق الوجه، يحمل نظارتين على عينيه، لم يكد يشرع في الحديث عن بلاده تونس حتى ارتفع صوته شيئاً ما حاملاً في نبراته حرارة الذكرى.
وتحدث عن أيامه بالزيتونة طالباً ومدرساً، وعن شيوخه، وعن تلاميذه، وعن كتب التعليم وأساليب الدراسة، ولكنه لا يريد أن يعلق بشيء عن حركة الطلبة الأخيرة.
ويذكر أصدقاءه من العلماء، وفي مقدمتهم سماحة الإمام الشيخ سيدي الطاهر بن عاشور، وعن أصدقائه من رجال السياسة والصحافة، وفي مقدمتهم حضرة مديرنا السيد الشاذلي القسطلي، وينتقل الأستاذ الخضر من هنا إلى السؤال عن صديقه القسطلي، وعن أعماله بالبلدية، وحدثته عن ذلك كله بما فيه الكفاية، فابتسم وقال: لقد عرفته من أيام الشباب رجلاً عملياً متحركاً، واعتقدت، ولست بمخطئ في اعتقادي: أنه أخلص العاملين لفائدة بلادهم، وأن في استطاعته أن يعمل كثيراً، وأن يصنع ما يعجز عنه غيره.
وحاولت استدراج الأستاذ بلباقة إلى الحديث عن السياسة، وعن الأحزاب الوطنية؛ لأستطلع رأيه، فلم أسمع منه إلا كلمة واحدة في معرض الحديث عن صديقه القسطلي، وهي قوله: إنه يعمل ما يعجز عنه (الغلاة)، ومن كلمة (الغلاة) عرفت رأي الأستاذ، فلم أحاول الدخول معه في حديث من هذا النوع.
(14/ 1/63)

في سبيل الله والوطن شيخ الأزهر الجديد
محمد عبد الله السمان (1)
ما تعودت أن أشارك الكتّاب في اصطناع الكتابة عن شيوخ الأزهر، كما احتلّ أحدهم كرسي رياسته، أو نحّي عنه؛ لأن الأزهر منذ أعوام طوال وهو في محنة قاسية، صنعها بأيديهم أبناؤه، والبكاؤون على مستقبله زوراً وبهتاناً، ومرت هذه المحنة القاسية بالأزهر، ولم يزد خلافاً على كونه ميداناً للمهازل التي يتعفف القلم عن ذكرها، ومجالاً للصخب والجلبة والغوغاء، ولعن الله المناصب؛ فقد كانت سبب محنة الأزهر، وكادت تخرجه عن هيبته ووقاره.
أصر كبار رجال الأزهر على أن يقلّدوا الزعماء السياسيين، فخلقوا بين جدران الأزهر أحزاباً متنافرة متشاحنة، وأصبح لكل منهم أشياع وأتباع يسيرون في ركبه، ويهتفون له في كل مناسبة، أو في غير مناسبة، وينتصرون لآرائه واتجاهاته وتصريحاته، حين يرى رأياً، أو يتجه إلى اتجاه، أو يصرح بتصريح، وهؤلاء الأشياع والأتباع يثبتون وجودهم وإخلاصهم لزعيمهم
__________
(1) كاتب إسلامي معروف -جريدة "منبر الشرق"- العدد الصادر يوم الجمعة 13 محرم سنة 1372 م الموافق 3 أكتوبر سنة 1952 م. وتصدر في "جنيف" بسويسرا.
(14/ 1/64)

كلما خلا كرسي المشيخة؛ فإنهم يشمرون عن سواعدهم ليدعوا له، وينشرون الأكاذيب، ويصنعون التهم والأباطيل التي تشوه سمعة منافسه، ويكتبون مطالبهم إلى الجهات المسؤولة، منها ما يرفع صاحبهم إلى القمة، ومنها ما يهبط بمنافسه إلى الحضيض، ولجأ كبار رجال الأزهر لتأكيد هذه الزعامة الجوفاء إلى كسب عواطف الأساتذة والطلبة، حتى بوسائل غير مشروعة.
ولعل مهزلة (الصعيدي والبحراوي) التي كانت تمثل على مسرح الأزهر لم يزل صداها يدوي في آذاننا إلى اليوم، وأما الدماء التي سالت فوق أرض الأزهر من جرائها، فلم تزل آثارها إلى اليوم، وما كنا نملك إلا أن نضحك - وشر البلية ما يضحك- على هذا الحصن الذي تهدف رسالته إلى إيجاد الوحدة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وقد عجز عن أن يوجدها بين جدرانه.
وفي سبيل المنصب باع البعض من كبار رجال الأزهر ضمائرهم، ولعلنا لم ننسَ بعد تلك البرقية المسهبة التي أرسلها شيخ كان مرشحاً لمشيخة الأزهر إلى الملك الخليع في "دوفيل" يتمنى له طيب الإقامة وسط رقصات الأكتاف، وهزات البطون من الساقطات اللاهيات، ولعلنا لم ننس أشباح العمائم الضخام وهي في ميناء الإسكندرية تودع هذا الملك الساقط، أو تستقبله حين كان يرحل ويعود.
وحدثت وثبة الجيش المباركة، ولم يكن هدفها سوى التطهير، وكان لا بد أن تشمل حركة التطهير هذه الأزهر (المعمور)، ولم تستطع هيبة الأزهر ولا وقاره أن يحولا دون ذلك؛ لأن هيبة الأزهر ووقاره قد تخليا عن أبناء الأزهر، وبقيا في البنيان الشامخ وحده، ووثبة التحرير لم يكن يلائمها لمشيخة
(14/ 1/65)

الأزهر إلا شيخ لا تجريح في سمعته، ولا تشويه في صفحته، ليس صعيدياً ولا بحراوياً، حتى لا تكون هناك فتنة، وليس من ورائه أشياع أو أتباع يهرجون، حتى لا تكون هناك مهزلة، وليس راغباً في المنصب حتى يظل للمنصب الكريم هيبته، وليس زاهداً في ذرة من كرامته حتى تظل كرامة الأزهر في إطار من الذهب الخالص، محوطة بالإجلال والوقار، وأعتقد أن ولاة الأمور ما تعبوا في شيء تعبهم في العثور على شيخ للأزهر تكتمل فيه هذه الصفات، كما أعتقد أن إخلاصهم للأزهر هو الذي وفقهم إلى اختيار هذا الشيخ الجديد الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات.
والشيخ الجديد -فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين- عالم جليل، لم يعترف إلا بالنسبة الإسلامية، فقد جاهد في مسقط رأسه من أجل الإسلام ووطنه، حتى أوشك حبل المشنقة أن يضرب حول عنقه، وجاهد في مصر والشام وغيرهما من أجل العروبة والإسلام، وجاهد في بلاد أوربا بقلمه ولسانه داعياً للإسلام وأمته.
والشيخ الجديد ليس من خلفه أشياع ولا أتباع حتى يهرجوا له؛ لأن وقاره يسمو به عن أن يتخذ من حوله أشياعاً أو أتباعاً، ولأن اعتزازه بنفسه يربآن عن اتخاذ هؤلاء الأشياع والأتباع.
والشيخ الجديد ليس راغباً في المنصب، ولا في المظهر؛ لأن مكانته العلمية والأدبية أغنته عن كل هذا؛ فقد ظل السنوات الطوال منعزلاً في حدود عمله، وهو أستاذ في كلية أصول الدين، وعضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع فؤاد للغة العربية، ورئيس جمعية الهداية الإسلامية، ورئيس تحرير مجلات: الأزهر، ولواء الإسلام، والهداية الإسلامية، ولا أعتقد أن الشخصية
(14/ 1/66)

التي تشغل مثل هذا الحيز في ميدان العلم والأدب، تتوق إلى أي منصب مهما كان شأنه.
والشيخ الجديد أكبر وأجل من أن يزهد في ذرة من كرامته، فهو مستعد لأن يبذل روحه وما يملك في سبيل كرامته، وليس مستعداً لأن يبذل ذرة منها في سبيل الإبقاء على حياته، ولا في سبيل الدنيا.
ولقد حدث ذات يوم أن قدم استقالته من جمعية الهداية الإسلامية، وأنا عضو في مجلس إدارتها، وكان سببها أن قسم الجمعيات الدينية بوزارة الشؤون خاطبه في رسالة بعبارة: (حضرة رئيس جمعية الهداية الإسلامية) دون أن يراعي مكانة الرجل الذي أصر على الاستقالة، لولا أن كتبنا إلى وزارة الشؤون محتجين على إجرائهم الخالي من الذوق.
وبعد:
فإن الأزهر اليوم ليبدأ عهداً جديداً، والأمل كبير جداً في أن يخطو إلى الإمام خطوات موفقة في سبيل الإصلاح الذي يعود على الإسلام ووطنه وأمته بالخير واليمن، وكل ما نرجوه أن يحفظ الله الشيخ الجديد من أن تكون له حاشية، فهي سر كل بلاء في كل عهد، والله الموفق.
(14/ 1/67)

حظوة شيخ الأزهر الجديد (1)
لأول مرة في تاريخ الأزهر، أو في تاريخ شيوخ الأزهر، يذهب ثلاثة من الوزراء يطرقون باب شيخ، شيخ يبعد كل البعد عن الأزهر، وسياسة الأزهر، وأزمة الأزهر، ومناصب الأزهر. ذهب ثلاثة من الوزراء إلى شارع خيرت؛ ليطرقوا باب الشيخ الخضر حسين التونسي الأصل، المصري الجنسية، وذهبوا إليه ليقولوا: أنت شيخ الأزهر.
وكان جواب الشيخ: أنه ابتهل إلى الله أن يعينه ويساعده.
وقد قوبل نبأ تعيين شيخ الأزهر الجديد بالرضا والغرابة:
الرضا؛ لأنه لا ينتمي لحزب سياسي، ولم يعرف أنه أيد زعيماً من الزعماء، أو حزباً من الأحزاب، ثم إنه لا يرجو مغنماً من الدنيا؛ لأنه شارف السين التي لا تسمح للإنسان بالتفكير إلا في الله، وبهذا، فالمنظور أنه سيعمل لله، وأنه سيعمل للأزهر، من حيث رفع مكانته. وأهم من ذلك كله: أنه لا حاشية له في الأزهر تسيره، بل إنه سيعمل من وحي إرادته، وما يرتضيه الأزهر، وهذا هو المهم، أما كونه تونسياً، فالأزهر للعالم الإسلامي أجمع.
أما الغرابة في التعيين، فلأنه تونسي الأصل، وغريب على الأزهر أن
__________
(1) جريدة "الوزير" التونسية - العدد 773 الصادر بتاريخ 7 ربيع الثاني 1372 ه - 25 ديسمبر 1952 م - تونس.
(14/ 1/68)

يتولى مشيخته غير مصري، فلم يعرف عن أجنبي تولى مشيخة الأزهر إلا اثنان تقريباً، هما: الشيخ المهدي العباسي، والشيخ عليش، فهما من المغاربة، إلا أن أصلهما تمصر، وكانا هما من الذرية؛ بخلاف الشيخ الحالي؛ فلقد جاء إلى مصر، ثم تجنس بالجنسية المصرية حديثاً.
والمهم أن اختياره جاء اختياراً موفقاً، فهو أصلح إنسان تولى هذا المنصب الخطير، ولا يستطيع أن يدس له إنسان، أو يحوله عن خطئه، وليس هناك مؤثر خارجي يستطيع أن يؤثر فيه، بل سيعمل من وحي إرادته فحسب.
والوكيلان
أما الوكيل الأول: فقد لقي قبولاً من الجميع؛ لأن الأستاذ محمد عبد اللطيف دراز عرف بين الأزهريين بجهاده المرير، وحسن إدارته، وسعة أفقه العلمي، وحبه، بل وتفانيه في خدمة الأزهر والأزهريين، ولم يشذ عن هذا التأييد إلا حفنة كانت تطمع في بعض المناصب التي ولت باستقالة شيخ الأزهر، والتهاني التي يتلقاها تدل على أنه رجل يستحق المنصب الذي تقرر أن يشغله وهو كفء له.
وأما الوكيل الثاني: وهو الشيخ محمد نور الحسن، فهو رجل سوداني المولد، عالم فاضل، عرف بسعة علمه في الدوائر الأزهرية، إلا أن بعض المسؤولين في الأزهر يقولون، ومنهم مصدر هذا الحديث: إنه لم يعلم أنه عين في الأزهر وكيلاً ثانياً إلا من الصحف، ومن التهاني التي أرسلت إليه، وهو- وإن كان من حاشية الشيخ السالف، وقد رشحه في شروطه -، فهو -كما قلنا - واسع الأفق والتفكير، وتقلد مناصب عدة في الأزهر، أظهر فيها براعة تدل على التفكير وحسن التدبير.
(14/ 1/69)

تهنئة إلى الأستاذ الإمام فضيلة شيخ الجامع الأزهر الجديد سماحة الشيخ محمد الخضر بن الحسين
سالم ضيف (1)
قف فوق منبر مجد الشرق يا خَضِرُ ... واهتف بأن العلا بالعلم يعتبرُ
ولا حياة لهذا الشرق راقية ... إلا بعلم وأخلاق لها أثر
وبالفنون فنون العصر أجمعها ... ما هي إلا من الإسلام تنحدرُ
ومن يرى غير هذا رأيه خطر ... إلى العروبة والإسلام يحتقر
(أبا محمد) يا من فزت واتجهت ... لك المحافل واهتزّت لك الفِكر
يا أيها (الخضر) المحمود سيرتُه ... الفوز يأتي لمن يسعى ويصطبر
يا (ابن الحسين) أيا من زان أمته ... أنت العظيم وبحر كلّه درر
ها هي الإمامة قد جاءتك طائعة ... بالجامع الأزهر السامي لها عبر
تقول يا من له في العلم منزلة ... رفيعة إنني أهواك يا قمرُ
عصر المحاباة قد ولّى بخسته ... وجاء عصرٌ إلى الأكفاء ينتصر
إلى الهداية والإصلاح بغييته ... وبالعروبة والإسلام يفتخر
__________
(1) شاعر تونسي من "نفطة". جريدة "الأسبوع" - العدد 309 - سنة 1952 م تونس.
(14/ 1/70)

فاهنأ بما نلته بالعلم محترماً ... وكن كأنت إلى الإسلام تنجبر
فالجامع الأزهر الزاهي بطلعتكم ... قد اعتراه سرور ليس ينحصر
ومصر كلها مثل الشرق في فرح ... وتونس جذلى لما جاءها الخبر
و"نفطة" أمك السمحا تباهى بكم ... وتدعو يا ابني لك الإسعاد مزدهر
(14/ 1/71)

أي مغزى سامٍ في وضع الشيخ الخضر على رأس الأزهر الشريف؟ (1)
العلامة محمد الفاضل بن عاشور
ما انفكت مدينة الفسطاط منذ أنشئت، ثم مدينة القاهرة منذ خلفتها، ترتبط مع القطر التونسي بأعمق المعاني، وأوثق الصلات.
فقد كان فسطاط عمرو مركز القيادة العامة لفتح إفريقية، ثم كان العمال والقواد المتعاقبون عليه أول المسؤولين عن إسلام المغرب وتعريبه.
وكانت الجيوش المرابطة بمصر، والزاحفة عليها، هي جيوش الغزو، وإمداد الفتح للبلاد التونسية. فعبد الله بن أبي سرح، ومعاوية بن حديج، وحسان ابن النعمان، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، لم تعقد ألويتهم، وترسم خططهم، وتنظم حركاتهم إلا بمصر.
والصحابة الكرام الذين شرفوا هذه التربة التونسية، قد كان في مصر سابق كفاحهم، وعلى أرضها ماضي عبادتهم، وفي جامع الفسطاط قديم حديثهم، والفقهاء العشرة من التابعين فقهوا مصر وأرشدوها وعلموها، قبل أن يفقهوا
__________
(1) صحيفة"الأسبوع"- العدد 334 الصادر في 18 ماي مايس 1953 م تونس.
ملاحظة: يبدو أن لهذ البحث تتمة لم أعثر عليها في الأعداد اللاحقة من الصحيفة، ونشرناه؛ لما فيه من فائدة علمية جليلة.
(14/ 1/72)

أو يرشدوا ويعلموا بأفريقية، لذلك بقيت الأرض التونسية مرتبطة ارتباطاً روحياً بالأرض المصرية، بلغ أوجَهُ في ختام القرن الثاني بتخريج سحنون عن ابن القاسم، وإمداد مصر للقيروان بمدونة فقه مالك.
من يومئذٍ لم يقم حكم، أو يجرِ عمل، أو ينتشر مذهب بأحد القطرين، إلا وهو يترامى إلى القطر الآخر تراميَ الشيء إلى صلته الضرورية، ومدى انتشاره الطبيعي، وذلك هو الذي يعلل الصدام الذي نشأ في القرن الثالث بين دولتي بني الأغلب، وبني طولون، فقد كانت كل واحدة منهما ترى أن حدود حكمها منقوصة الأطراف، ما دام أحد القطرين غير منضم إليها.
ونشأت في "المهدية" دولة العبيدين، فامتلكها -وهي في مهدها- شعور بأن لا دولة لها راسخة الدعائم، ولا دعوة فاطمية ثابتة سائرة، إلا بجميع القطرين المصري والتونسي تحت عرش المهدي، فتولدت عن هذا الشعور مدينة القاهرة، تونسية العمران، مغربية الوجهة، بربرية العصبية، وتأثرت بمحاكاة "المهدية" في شكلها وخططها، فكان لها كما للمهدية باب النصر، وباب الفتوح، وباب زويلة، والسقيفة، وحارة كتامة.
وانشق الجامع الأزهر على قواعد مذهب تأصلت عقائده في "المهدية"، وتفرع فقهه فيها، واستندت الروح الأزهرية في رواجها الشعبي على خطابة ونثر وشعر، كانت كلها تونسية العوامل، مهدوية الطبائع.
وتأثرت عمارة الأزهر في أشكالها الهندسية وفنونها الزخرفية بمحاكاة أقواس وعمد أشرقت عليها شمس المهدية، وأزهار وأقمار ترطبت بأنفاس نسيمها البليل، فاستوثقت بذلك كله وحدة القطرين، واتسقت الروابط بينهما، حتى إنه لما تحرك أحدهما حركة الانفصال عن الآخر بقيادة المعز بن باديس
(14/ 1/73)

الصنهاجي، كان لتلك الحركة من الرجّة والاضطراب والزعزعة ما يكون لمحاولة الفكاك بين جسمين منساقة جاذبيتهما إلى الائتلاف.
وفاضت عن أرض مصر الزحفة الهلالية السلمية تجدد اللحام المنفك بتجديد المدد البدوي الذي هو جرثومة التكون الاجتماعي، فتكوّن المغرب العربي بذلك تكوناً جديداً، وانتعشت فيه روح العروبة بعد الذبول.
وكان ما عانته البلاد التونسية من جراء ذلك حقبة من الدهر، هو ما تعانيه الأجسام الحية من أزمات العناصر الملقحة التي تدخل عليها لتجددها.
ثم جاء الدور الصليبي، فانتظم القطران صفاً في مكابدة المحنة، ومجابهة الهجمة، وكان تشابه الظروف التي جرى فيها الطغيان واتحاد أشخاص الطاغين مظهراً جليلاً لوحدة ما بين القطرين سياسياً، في الوقت الذي كانت فيه هذه الوحدة تزيد تأَكداً من الجهة الروحانية بنزول الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالإسكندرية، واتخاذها مهداً لطريقته التي عمت منها العالم الإسلامي، وتنفست في شاطئها عن مثل الأدب الصوفي الذي بلغ شأوه الأبعد في حِكَم ابن عطاء الله، وشعر ابن الفارض، والبوصيري، وتتوثق الوحدة من الجهة العلمية بمثل صلات محمد بن جابر الواد آشي بالبدر بن جماعة، ورواية شيخ الإسلام ابن حجر عن شيخ الإسلام ابن عرفة، وتخرج السخاوي والمقريزي عن ابن خلدون، وما انضم بُعد من سلاسل لا تحصى في الأخذ والتخرج والرواية والأجدة والتدبيج، حتى صارت تونس من إمداد الأزهر، وهو من مواردها، وسهل انضواء القطرين معاً تحت العلم العثماني لحماية الإسلام في البحر المتوسط صلاتُ الثغور التونسية بثغر الإسكندرية، وعلاقة رجال جامع الزيتونة بالجامع الأزهر وشيوخه على ما بدت في ارتباط اسم أحمد
(14/ 1/74)

الشريف باسم البشراوي، والغرياني بالحفني، والبليدي، واسم زيتونة باسم الزرقاني، واسم مرتضى باسم الغرياني، واسم البناني بالصعيدي والصبان، واسم ابن سعيد باسم العطار، والرياحي بالأمير.
(14/ 1/75)

حديث من عالم الخلد (1) الأستاذ الأكبر الشيخ الخضر حسين يتحدث إلى صوت الشرق
الشيخ الخضر حسين هو محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر، وهو جزائري الأصل، ولكنه ولد في تونس؛ لأن والده انتقل إليها مهاجراً بسبب دخول فرنسا جهة "بسكرة" بعد حرب دامت سنوات مع أهل الجزائر. وقد ولد سنة (1293 ه - 1873 م) في بلدة "نفطة" في إقليم "الجريد" بتونس، وحفظ القرآن في البيت وهو صغير، ثم دخل جامع الزيتونة الذي يشبه الأزهر. ونال شهادة مشابهة للشهادة العالمية الأزهرية، وبعد تخرجه أصدر مجلة "السعادة العظمى" التي كانت أول مجلة أدبية علمية أنشئت في المغرب العربي.
ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت"، ولم يطل عهده في القضاء؛ لأنه حال بينه وبين الدراسة العلمية الواسعة، ثم اشتغل بالتدريس في جامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية، وبقي في التدريس خمس سنوات، واشتغل أثناء ذلك
__________
(1) جريدة "الاستقلال" صدرت في تونس بداية من 30 سبتمبر أيلول 1955 م أسبوعياً، ورأس تحريرها الأستاذ محمد المنصف المنستيري، وهو من رجال الصحافة والكفاح الوطني. من مواليد تونس العاصمة 6 أوت آب 1901 م، وتوفي في 29 جانفي كانون الأول 1971 .. وهذا المقال نشرته جريدة "الاستقلال" نقلاً عن صحيفة "صوت الشرق".
(14/ 1/76)

بقضية بلاده، وبالقضايا الإسلامية والعربية؛ مما عرضه للأخطار والأهوال؛ إذ غضب عليه المحتلون، وضيقوا عليه الخناق، ثم أصدروا عليه حكماً بالإعدام، ولكنهم لم يستطيعوا تنفيذه؛ لأنه هاجر بنفسه في سبيل مبادئه وعقائده. فرحل إلى الشام، وإلى الحجاز، وإلى تركيا، وإلى ألمانيا. وفي أثناء الثورة العربية خلال الحرب العالمية الأولى اعتقله جمال باشا التركي الملقب بالسفاح. ويقي في الاعتقال فترة طويلة، ثم أفرج عنه، وكان في هذه المحنة رفيقاً للرئيس شكري القوتلي، وكان شكري إذا لقي الشيخ في مصر خلال السنوات الأخيرة يداعبه قائلاً: "أهلاً بزميلنا في أيام الشدة والبؤس" ..
ثم رحل الشيخ إلى مصر سنة 1919 م، ونال الشهادة العالمية من الأزهر، وبذلك تحققت آمال والدته فيه؛ لأنها كانت تحمله وهو صغير، وتغني له بغناء شعبي تقول له:
يا ربي الأكبر ... تخلّي لي محمد الأخضر
يقرأ في الجامع الأزهر ... ويشتهر في المالكية
وعين الشيخ مدرساً في الأزهر، ثم أستاذاً في كلية أصول الدين، واشترك في إنشاء "جمعية الشبان المسلمين"، وأسهم في وجوه كثيرة من النشاط العلمي والأدبي والديني. فكان محرراً لمجلة "نور الإسلام"، ورئيساً لجمعية "الهداية الإسلامية"، وعضواً في "المجمع اللغوي"، وعضواً في جماعة كبار العلماء، ومحرراً لمجلة "لواء الإسلام"، ثم اختير شيخاً للأزهر في عهد الثورة، وظل فترة في هذا المنصب الخطير، ثم استقال، واعتكف في بيته يبحث ويكتب، حتى وافاه الأجل المحتوم في الثاني من فبراير سنة 1958 م.
من كان يظن أن هذا الحديث الذي دار بيني وبين الشيخ -رحمه الله-
(14/ 1/77)

سيطالعه مطالعوه في عالم الخلد ودنيا البقاء؟ .. {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
في شارع (صفية زغلول) خلف بناء وزارة التربية والتعليم بالقاهرة، وفي جناح ضيق من بيت هادئ من بيوت هذا الشارع القصير، سعيت إلى الشيخ لألقاه، وأتحدث إليه، وأستمع منه، وما كنت أدري أن ركاب الموت ينتظره بعد قليل، وما كنت أتوقع أن يكون هذا اللقاءآخر لقاء لي مع ذلك الشيخ الوقور الهادئ ..
دخلت عليه وهو في حجرة مكتبه، وحوله أضابير أوراق، ومجموعة كتب، والصمت يعقد رباطه على المكان، فليس ثمة حركات ولا صوت، فالشيخ قد تزوج مرتين، ولكنه لم يرزق بأولاد .. وشاهدت على وجهه دلائل المرض، ومظاهر الشيخوخة المرهقة، فأردت أن أخرج به من عزلته ووعكته، فسألته: إنك مع علمك وفقهك واشتغالك بالقضايا الإسلامية تقول الشعر، فما هي الدوافع التي دفعتك إلى الشعر؟ ..
فأجاب: حينما تراجع ديواني "خواطر الحياة" يسهل عليك أن تتعرف إلى المحرضات التي حرضتني على النظم .. فقد نشأت في إقليم "الجريد" بتونس، وكان للشعر في هذا الإقليم مكانة ومنزلة، وكان الكثيرون من أقاربي يقولون الشعر، وكنت ألمس ما يلاقونه من تكريم وحفاوة عن طريق قولهم الشعر، فتعلقت بأسبابهم من أول النشأة، وحاولت النظم وأنا في الثانية عشرة من عمري، ولما التحقت بجامع الزيتونة، رأيت المنافسة على أشدها بين الطلاب والأساتذة في قرض الشعر.
ولكني أصارحك بأن حبي للعلم تغلب على ميلي للشعر، ولعل السبب
(14/ 1/78)

في ذلك هو أنني لم أرض عن شعري الذي أقوله، وأتذكر أنني قلت عن الشعر: "أجوده ليس في متناول قريحتي، وغير الأجود تتسامى عنه همتي" .. مع انصرافي إلى العلم والقضايا العامة، لم تنقطع صلتي بالشعر، بل ظللت أقر له بين الفينة والفينة في النواحي الإصلاحية والأخلاقية والاجتماعية والوطنية والدينية ..
فقلت للشيخ: هل يستفاد من ذلك أنه لا يمكن الجمع بين التوسع في العلم والعناية بالشعر؟ أو أن هناك تباعداً بين ميدان الشاعر وميدان العلم؟ وهل هناك غضاضة في أن يقول العالم الكبير شعراً؟ ..
فأجاب: ما إلى هذا قصدت، ولكنني أصور ما حدث بالنسبة إليّ، وفي الوقت نفسه أقول: إن هناك كثيرين انصرفوا إلى الشعر وحده، وكثيرين انصرفوا إلى العلم وحده، وبجوار هؤلاء وهؤلاء طائفة معدودة استطاعت أن تجمع بين العلم والشعر، فزادها ذلك الجمع مكانة ورفعة، منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، ومنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي القاضي، ويحيى بن يحيى الليثي الفقيه. ومنهم: أبو الوليد الباجي الفيلسوف، ومنهم: القاضي أحمد بن محمد الأرجاني، فهؤلاء كانت مكانتهم في العلم والدين والفتيا سامقة عالية، وكانوا يقولون الشعر، ولا يرون به بأساً ..
فسألته متبسطاً في الحديث: ألم تقولوا شعراً عاطفياً؟ ..
فقدم إلي نسخة من الطبعة الأخيرة لديوانه، وقال وهو يبتسم في وقاره المألوف، بعد أن وقع لي بإهدائه على النسخة: تصفح هذا الديوان، ففيه كل ما بقي بين يدي من الشعر ..
وقلبت الصفحات فإذا هي الأبيات:
(14/ 1/79)

ها هنا مرتعهم، خذ بيدي ... ودع الأينق في الروض طليقه
طال بي البين إلى أن أطفأت ... نظرة من ساكني البان حريقهْ
يا بدوراً حسنها ابتز النهي ... وهواها مدّ في القلب عروقه
عادت الأيام من هجرانكم ... لي خصماً بعد أن كانت صديقهْ
من دجى يقضيه جفني أرقاً ... وضحى يلبسه الليل غسوقه
وكفي جسمي نحولاً أن تخا ... لوه كالطيف خيالاً لا حقيقةْ
لم أضع للودحقاً، إنما ... حان أن يرعى الأخلاّء حقوقهْ
* غربة الفضلاء:
وسألت الشيخ الأكبر: لقد طال تنقلكم شرقاً وغرباً، ولم يستقر بكم المطاف فترة طويلة من حياتكم، فهل كنتم تحسون أثناء ذلك باضطراب أو قلق أو وحشة؟ ..
وأجاب في هدوئه المألوف: إن الذي يؤمن بعقيدة أو مبدأ، لا يحس بغربة مهما تنقل وارتحل، ما دام وفياً لعقيدته، متمكناً من مبدئه، ولقد طال تطوافي في جهات عديدة من أفريقيا وآسيا وأوروبا، ومرت بي فترات كنت أصبح فيها في مكان، وأمسي في مكان غيره، ومرت بي لحظات فيها سجن وقسوة، وعنف واتهام وتهديد، وحرمان ومطاردة، ومع ذلك كله كان للمرء أنيس، أي أنيس من ربه وإيمانه، ولقد كنت سجيناً في الشام، ومع ذلك كنت أرى في النوم أحلاماً أرضى بها وأستبشر، وبعض هذه الأحلام تحقق مفهومها، أو ما يقرب منه.
وليس معنى هذا أنني كنت حريصاً على حياة التنقل والاضطراب من
(14/ 1/80)

مكان إلى مكان، بل كنت أطمح إلى أن أستقر يوماً من الأيام في دار لا يحتمل الإنسان فيها مذلة أو هواناً، وقد وجدت طلبتي في مصر، فجعلتها داري ومستقري منذ قرابة أربعين عاماً.
ولقد صورت ضجري من كثرة أسفاري، واتصال ارتحالي في أبيات ثلاثة نظمتها سنة 1338 ه وفيها أقول:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
كم كؤوس هوت إلى الأرض صرعى ... بين كفٍّ تديرها واللهاة
فاسمحي يا حياة بي لبخيلٍ ... جفن ساقيه طافح بسبات
* رسالة المجمع اللغوي:
وانتقلت بالشيخ من ميدان هذه الذكريات إلى ميدان اللغة والمجمع اللغوي، فقلت:
- إنك عضو في المجمع منذ عهد بعيد، فهل نستطيع أن نقول: إن المجمع أدى رسالته؟
وأجاب الشيخ:
أقولها لك صريحة واضحة، لا مواربة فيها ولا مجاملة: إن المجمع اللغوي لم يؤد رسالته، وليس هو من الإهمال لهذه الرسالة والتفريط فيها بالصورة التي يصوره بها بعض الناس في نكتهم ودعابتهم، ولكنه في الوقت نفسه لم يقم بواجبه، وقد يرجع السَّبب في ذلك إلى اختلاف الآراء المتضاربة، وكثرة الاتجاهات المتعاندة، وتحكم الشخصيات أحياناً، مع تشتت في الأذواق والمشارب، مع قلة في المال المخصص له، ولو أن ميزانية المجمع
(14/ 1/81)

اتسعت، لاتسع نشاطه وإنتاجه، والواقع الذي لا ريب فيه أن المجمع يحتاج إلى إصلاح شامل، وتغيير جوهري في خطته وطريقته.
هذه مجلته -مثلاً- تنقطع وتتباعد مواعيد ظهورها، وهؤلاء أغلب الأعضاء يكادون يقتصرون على العناية بالمصطلحات العلمية وحدها، مع وجود كثير غيرها من الأعمال والواجبات. وهذا معجم القرآن لم يخرج للناس، على الرغم من كثيرة الوعود، وطول العهود، وتكرار التبشير بأنه سيسعى إلى عالم الحياة، وهذا المعجم الكبير الذي تطلعوا إليه منذ أمد طويل لم يحيى النور بعد، ولا ندري متى يتم أو يظهر، ولعل الأحفاد يشهدون ميلاد هذا المعجم ..
هنا سألت الشيخ: هل تذكرون بعض البحوث أو الأعمال اللغوية التي نهضتم م في المجتمع اللغوي؟
فأجاب: لقد اشتركت في أعمال كثيرة من نشاط المجمع، وقدمت بحوثاً عدة أذكر منها: بحثي عن "القياس في اللغة العربية" الذي شرحت فيه حقيقة القياس، وفصلت شروطه، ودللت على مواقعه وأحكامه، والقياس باب واسع المجال مترامي الأطراف، له صلة بكل باب من أبواب العربية، ويكاد ذكره يجري عند تحقيق كل مسألة لغوية، ولا أطيل الحديث عن هذا البحث، فقد نشرته في كتاب منذ أكثر من عشرين عاماً، وكذلك أذكر بحثي في الرد على الرأي الذي ارتآه بعض أعضاء المجمع- وهو الدكتور طه حسين- الذي ذهب إلى أن (الضمير) قد يستعمل كاسم الإشارة، فنقضت هذا الرأي.
* الأدب في تونس:
سألت الشيخ الأكبر عن الحياة الأدبية في تونس، فقال:
(14/ 1/82)

- يوجد في تونس أدباء لهم كتاباتهم ومؤلفاتهم. ولكنهم لا يبلغون مبلغ الأدباء في مصر، لا من ناحية العدد، ولا من ناحية الآثار وقيمتها، ولقد أخرجت مصر للناس شاعراً عظيماً نابغة؛ كالمرحوم أحمد شوقي، ولم تكتب الأقدار مثل هذا لتونس، وإن كان يوجد في تونس شعراء متوسطون، وهم -مهما اعتزوا بآثارهم- يرون في مصر الوجهة التي يتجهون إليها مقتدين ومقدرين.
ولقد كان في تونس شاعر ينتظره مجد عظيم لو طال به الأجل، وهو المرحوم أبو القاسم الشابي، ولكن الموت عاجله، فرحل عن الدنيا وهو في ريعان شبابه ..
والصحافة في تونس محدودة النشاط، وهي متواضعة في مظهرها ومخبرها.
ولا عجب، فتونس اليوم دولة ناشئة، ولم يمض عليها عهد بعد تخلصها من ظلمات المحتلين وظلمهم، والمنتظر أن تسير الحياة الأدبية قدماً نحو القوة والاتساع ما دامت تونس تسير في طريق القوة والبناء ..
وخرجت من حضرة الشيخ الأكبر، ولا يزال يستولي على تفكيري هذا الهدوء الذي يحيط به، وهذا الاعتكاف في محراب من محاريب البحث العلمي والتأمل العميق -رحمه الله-.
عن صوت الشرق (أبو حازم)
(14/ 1/83)

القياس في دراسات المحدثين
الدكتور عبد الصبور شاهين (1)
ومن دارسي القياس حديثاً: العالم اللغوي المجتهد الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (شيخ الأزهر الأسبق)، وقد بدأ يعالج هذه المشكلة منذ عهد بعيد (حوالي عام 1920 م) في مجموعة من المقالات، نشرت في كتاب عام 1934 بعنوان: "القياس في اللغة العربية".
وقد حاول أن يحصر من أول الأمر احتمالات القياس، على ما جرت به محاولات السلف، فوجدها أربعة أضراب:
أحدهما: حملُ العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها؛ لوجه يجمع بينهما؛ كما يقال: أُعرب الفعل المضارع قياساً على الاسم؛ لمشابهته له في احتماله لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب، وكما يقال: دخلت الفاء خبر الموصول في نحو قولهم: "من يأتيني فله درهم"؛ قياساً للموصول على الشرط؛ لمشابهته إياه في إفادة العموم.
__________
(1) كاتب ومفكر إسلامي معروف، وهذا المقال جزء من البحث الذي نشره في مجلة "عالم الفكر" عدد أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 1970 م الكويت - تحت عنوان: "مشكلات القياس في اللغة العربية"، واخترنا من البحث ما يتعلق بالإمام الإمام محمد الخضر حسين.
(14/ 1/84)

وكما يقال: نصبت (لا) النافية للجنس الاسم، ورفعت الخبر قياساً على (أن)؛ لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن (لا) لتأكيد النفي، كما تأتي (أن) لتوكيد الإثبات.
ثانيها: أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة.
ويضرب لهذا النوع مثلاً: إطلاق اسم (الخمر) -وهو الموضوع للمعتصر من العنب، حين يخامر العقل- على المعتصر من غير العنب إذا تحقق فيه مخامرة العقل أيضاً.
وإطلاق اسم (السارق) -وهو الموضوع لمن يأخذ مال غيره من الأحياء خفية من حرز مثله- على (النباش) الذي يأخذ ما على الموتى من كفان.
ويقول الشيخ الخضر: "وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه، عندما يتعرضون لمسألة: هل تثبت اللغة بالقياس؟ ".
ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب، حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع. وأصل هذا: أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة ما ينطق به من أمثالها.
رابعها: إعطاء الكلمة حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث. وكما أجاز طائفة
(14/ 1/85)

حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجر، قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيت الليلة التي ولدت في سرور؛ أي: ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب تساوي الورقة درهماً؛ أي: الورقة منه بدرهم.
ومن هذا التحديد يتضح لنا عدة أمور:
أولها: أن القياس في نظر الشيخ الخضر يجريه العربي القديم، كما يجريه الأصولي والنحوي، ولكنَّ لكل منهما مجالاً. فمجال العربي، وهو صاحب اللسان: هو الضرب الأول، ومجال الأصولي: هو الضرب الثاني، ومجال النحوي: الضربان الأخيران.
ثانيها: أن القياس قد يكون في الشكل، وقد يكون في الدلالة، فمن الأول: إلحاق المضارع بالاسم في الإعراب، ودخول الفاء على خبر الموصول قياساً على الشرط، وحذف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجر قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ. ومن الثاني: قياس الأصوليين السابق ذكره.
ثالثها: أن الهدف من قياس الشكل: طرد قاعدة معينة في مجال تصريف الكلمة، أو تركيب الجملة، والهدف من قياس الدلالة: خلق استعمالات جديدة لكلمات اللغة؛ أي: توسيع الدلالة الضيقة.
والواقع أن ما جعله الشيخ الخضر خاصاً بالعرب أنفسهم في الضرب الأول من القياس لا تنهض الأمثلة المسوقة بتفسيره على نحو ما أراد المؤلف؛ لأن من المؤكد أن العربي القديم لم يستشعر هذا التشابه المفترض بين المضارع والاسم؛ ليطرد في الأول قاعدة الإعراب، وإنما ذلك شيء لاحظه النحويون
(14/ 1/86)

من تتبعهم لاستعمالات المضارع، ومحاولتهم تعليل خروجه على قاعدة البناء في الأفعال، فألحقوه بالأسماء في العلة، وكذلك قياس فاء خبر الموصول على فاء جواب الشرط.
وأيضاً تعليل عمل (لا) التي تنفي الجنس عمل (إنَّ) بأن كلتيهما تفيد التوكيد، مع فارق أن (لا) لتأكيد النفي، و (إنَّ) لتأكيد الإثبات. فقد أثبت القدماء تفرقة بين (لا) و (إنَّ) تُضعف وجه الشبه بينهما عملاً، وذلك أن (لا) غير عاملة في الخبر. بخلاف (إنَّ)، أو أن (لا) ركبت مع الاسم النكرة بعدها، فصارا شيئاً واحداً، وأما (إنَّ)، فإنها لا تركب مع الاسم يعدها. "الإنصاف" (1/ 195).
وبذلك يظهر أن هذه الأمثلة القياسية هي من صنع النحاة، لا من وضع العرب أنفسهم. فقد نطق العرب باللغة، دون أن يكون منهم أدنى ملاحظة تقيس ظاهرة نحوية على أخرى.
ثم هذا الضرب الذي خصه الأستاذ الخضر بالأصوليين، أليس فحواه توسيع الدلالة في بعض ألفاظ اللغة؛ لتشمل مجموعة من الإطلاقات الجديدة على أساس مجازي؟
ومثل هذا العمل اللغوي يمارسه الأصوليون، وغير الأصوليين متى لوحظت العلاقة المجازية التي تربط بين مفهوم ذي لفظ موضوع، ومفهوم آخر جديد يحتاج إلى لفظ يدل عليه. ومن هذا القبيل: إطلاق ألفاظ: (قطار، وسيارة، وطائرة)، وسائر ما يدل على المفاهيم المستحدثة في اللغة، فقد اكتسبت هذه الألفاظ معانيها الجديدة بوساطة توسيع الدلالة على أساس مجازي، ومن البين أن هذا التوسيع لم يقم به الأصوليون.
(14/ 1/87)

على أن الشيخ الخضر لم يقف عند هذين الضربين من القياس، وإنما خص الضربين الأخيرين بدراسة مستفيضة، على أساس أن أولهما يقوم على التشابه الكامل بين المقيس والمقيس عليه، فاستحق المقيس الحكم الذي ثبت للمقيس عليه؛ كتصغير الثلاثي قياساً، والنسب إلى الأسماء، وجمعها جمع تكسير. أو جمعاً سالماً ... إلح.
وعلى أساس أن ثانيهما يخص الكلمة التي توجد بينها وبين غيرها مشابهة من بعض الوجوه، وكلا هذين الضربين من باب القياس الشكلي الذي أشرنا إليه من قبل، بيد أن الشيخ قد خص القياس القائم على التماثل باسم: (القياس الأصلي)، واختار للثاني اسم: (قياس التمثيل)؛ للتفرقة بينهما، ثم مضى في تتبع الفروع اللغوية؛ ليثبت وجود هذين النوعين من القياس.
ومن الواضح في هذا التقسيم أنه مشتمل على مفهومي القياس، من حيث هو تطبيق قاعدة على أفرادها، ومن حيث هو استنباط جديد على ضوء قديم، وإن جعل القاعدة في كلا الموقفين هي الأساس.
(14/ 1/88)

الحركة الأدبية والفكرية في تونس (1)
العلامة محمد الفاضل بن عاشور
وبقي معارضو الدعوة الإصلاحية متطلعين إلى الوفاء بالحاجة الثانية، وهي تكوين نشرة تناقش في المباحث الدينية على قاعدة التزام المذهب الذي عليه جمهور العلماء في مسائل أصول الدين الاعتقادية، وفروع الفقه العملية، وكان الحرص على محاكاة مصر في وسائل نهضتها، يحسن لأهل العلم إيجاد مجلة علمية بتونس. إذ كان النشر مقصوراً يومئذ على الصحف.
حتى انتدب لسد ذلك العوز نابغ من شباب شيوخ الزيتونة، هو الشيخ الإمام محمد الخضر حسين، وكان في شبابه بتونس على ما عرف منه الشرق في كهولته وشيخوخته؛ اعتدالاً، وهدوء طبع، وخلوص نية، وسعة علم، وبراعة قلم، فأصدر في شهر المحرم سنة (1322 ه -1904 م) مجلة علمية سماها: "السعادة العظمى"، ابتهجت لصدورها جميع الأوساط العلمية والفكرية؛ ثقة بعلم صاحبها وتحقيقه، وصلابة عوده في أمور الدين، مع ما اشتهر من تأييده لحركة المصلحين.
فكان ظهور "السعادة" في معمعة تلك الخلافات كطلوع الحكم العادل،
__________
(1) فقرات تتعلق بمجلة"السعادة العظمى" للإمام محمد الخضر حسين من كتاب "الحركة الأدبية في تونس" للعلامة محمد الفاضل بن عاشور، طبعة سنة 1972 م.
(14/ 1/89)

تنزهت به المجادلات عن الفحش، وتطهرت من الهمز واللمز، وتسامت عن التشهير والأذى الشخصي، فاقتبلها المجددون واثقين من أن التحيز والمبالغة والعناد ستزيف كلها على معيار هذه المجلة العلمية الراقية، وتلقفها خصوم التجديد حجة على أن شباب العلماء المتنورين، ليسوا على مذهب صاحب "المناردا وأتباعه، وقنع هؤلاء المحافظون بأن يعتضدوا بالشيخ النجار، ومجلة "السعادة العظمى"، مكتفين بذلك في باب الجدال العلمي، والنقاش النزيه، وإن بقيت لهم وسائلهم الأخرى في باب التشهير والسعاية والنكاية.
فقد عارضت هيئة النظارة العلمية بالجامع الأعظم في صدورها، وطالبت الحكومة بتعطيلها، وكان ذلك أصل الاضطهادات التي نالت صاحبها من طرف شيوخ النظارة، ومع ذلك، فقد أحاط بمجلة "السعادة العظمى" القبول الحسن، فقرظتها الجرائد، وانثالت عليها الرسائل والقصائد، في الثناء والتأييد من العلماء والأدباء وذوي الأفكار، وكانت نزعات التقارب تختلف باختلاف ما ينتمي إليه المقرظون من الشقين المتقابلين الواثقين بمجلة السعادة على السواء.
فكانت هذه المجلة مركزاً للحركة الفكرية، وقوة توجيه متصلة بجميع أهل الثقافة العربية، يجتمع تحتها شقان متباعدان، في سعيد الاحترام، وحسن الأدب، والتجرد، ولم تدم إلا عاماً ناقصاً، فصدر منها واحد وعشرون عدداً، أثيرت فيها مباحث مهمة حول المسائل الدينية التي كانت يومئذ شغل أفكار العلماء مع مجلة "المنار".
(14/ 1/90)

حديث مع المحامي علي الرّضا الحسيني (1) المؤلفات الكاملة للعلامة محمد الخضر حسين في طريقها للصدور
زار تونس هذه الأيام المحامي الأستاذ علي الرّضا الحسيني ابن العلامة الشيخ زين العابدين شقيق الإمام محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر.
والأستاذ علي الرضا ينحدر من أصل تونسي، وهو مقيم الآن في دمشق مع أسرته حيث يزاول مهنة المحاماة.
وفي بيت الأستاذ الهادي العبيدي الذي حوَّل -في هذه الأيام حيث يقضي فترة النقاهة- غرفة الاستقبال ببيته إلى نادٍ أدبي، يفد عليه رجال الفكر والأدب والفن من تونس، ومن شتى البلاد العربية، التقينا بالمحامي علي الرضا الحسيني الذي اتصل بالأستاذ الهادي العبيدي للاطمئنان عليه، والسؤال عن صحته، وأجرينا معه الحديث التالي:
س - ما هي الغاية من زيارتكم تونس؟
ج - إن الإقامة -وللأسف- قصيرة جداً إذا ما قيست بالشوق الذي أكنه لهذا البلد. والأمل الذي أرجو أن يتحقق مستقبلاً هو الإقامة لمدة أشهر؛
__________
(1) جريدة "الصباح، التونسية، أوسع الصحف انتشاراً في تونس والمغرب العربي، لقاء في دار الأديب الكبير المرحوم الهادي العبيدي الذي كان يشغل رئاسة التحرير في الجريدة.- العدد (7184) الصادر في 14 شعبان 1392 ه الموافق 21 سبتمبر 1972 م - تونس.
(14/ 1/91)

حيث أتعرف أكثر فأكثر على تونس بمدنها التاريخية، ومصايفها الرائعة، وأعيش مع شعبها الطيب فترة هي من أجمل ما تكون في مرحلة العمر.
أما الغاية من هذه الزيارة، فهي البحث العلمي، والتنقيب عن الآثار العظيمة التي تركها العم العلامة محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: للاطلاع والسياحة.
وقد تحققت الغاية العلمية؛ حيث كان لي شرف الاجتماع بأعلام تونس من أهل العلم والفضل، ممن عرفوا الشيخ الخضر، وكانوا إخوة صادقين؛ من أمثال: سماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي زودني بالتوجيهات القيمة، والآراء السديدة، فجزاء الله خيراً. كما التقيت بعدد من علماء تونس بهذا الاختصاص، ولهم جميعاً الشكر والامتنان.
وقد لازمتُ دار الكتب الوطنية (مكتبة العطارين)، وقمت بتصوير بعض الوثائق التي كنت أفتقدها، ولا سيما ما كتب في مجلة "السعادة العظمى" التي كان يصدرها الشيخ الخضر في تونس عام 1903 م، كما جمعت ما كتبه في مجلات: "البدر"، و"العرب"، و"الفجر" التي كانت تصدر في تونس، كما نقلت ما كتبته الصحف والمجلات التونسية عن حياته وآثاره.
س - علمنا أنكم قد باشرتم بطبع التراث الإسلامي للإمام الراحل، فهل تحدثون قراء "الصباح" عن هذا التراث، وإلى أين وصلتم في إخراجه؟
ج - منذ عشر سنوات خلت شرعتُ في جمع آثار الشيخ -رحمه الله- ومنها: رسائله المطبوعة على اختلافها، ومنها: مئات المقالات التي نشرها في المجلات الإسلامية والمصحف، وخاصة في المجلة التي كان يصدرها في القاهرة، والمعروفة باسم "الهداية الإسلامية". وكذلك المجلات التي كان قد
(14/ 1/92)

ترأس تحريرها مثل مجلة "نور الإسلام"، وهي مجلة الأزهر اليوم، ومجلة "لواء الإسلام".
وقد رتبت الأبحاث حسب مواضيعها في كتب طبعتها في دمشق. ومن الكتب التي ثم طبعها: رسائل الإصلاح - محمد رسول الله وخاتم النبيين - بلاغة القرآن - الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان - تونس وجامع الزيتونة - الخيال في الشعر العربي - تراجم الرجال.
أما الكتب التي ستطبع -إن شاء الله-، فهي: السعادة العظمى - دراسات في اللغة - هدى ونور- محاضرات إسلامية - الرحلات - القاديانية والبهائية - دراسات في الشريعة الإسلامية - نقض كتاب في "الشعر الجاهلي" لطه حسين - نقض "كتاب الإسلام وأصول الحكم" - خواطر الحياة، وهو شعر فقيدنا الكبير - أسرار التنزيل (1).
وقد سبق أن طبعت إحدى دور النشر في دمشق كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، وسيعاد طبعها -إن شاء الله- فيما بعد.
كما أني قمت بجمع آثار العم الشيخ محمد المكي بن الحسين، ولا سيما لغوياته التي كانت لها شهرة واسعة بين قراء الأدب، وسأطبعها -إن شاء الله- بعد أن يتم ترتيم في مجموعات أدبية (2).
س - وماذا تحدثنا عن مؤلفات والدكم -أطال الله عمره-؟
إن سيدي الوالد الشيخ زين العابدين -حفظه الله-، منذ أن أقام في
__________
(1) طبعت كافة هذه المؤلفات وغيرها للإمام، ولله- سبحانه وتعالى- الحمد والشكر.
(2) طبعت كافة الآثار العلمية للعلامة النحوي محمد المكي بن الحسين.
(14/ 1/93)

دمشق، قد احتضنته تلك المدينة العظيمة، وكان له شأن كبير فيها، حيث انصرف إلى التوجه الديني فقط، في حلقات للتعليم والتوجيه تكاد تكون يومية، وقد زود المكتبة العربية بآثار هامة، ما زال يتلقفها القارئ العربي بشوق، ومن مؤلفاته: "المعجم المدرسي" الذي قضى في تحضيره سنوات، و"المعجم في النحو والصرف"، و"دروس الوعظ والإرشاد"، و"الدين والقرآن"، و"المعجم في الكلمات القرآنية"، و"الأربعون الميدانية" في الحديث. وثمة رسائل صغيرة أخرى؛ كمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورسالة في الدين الإسلامي، ورسالة عن الأحاديث الواردة في رمضان، وغيرها.
ولسيدي الوالد شغف كبير بتونس، حيث ولد فيها، وقد بلغ هذا الشغف أنه كثيراً ما يحتفل بأبناء تونس الزائرين لدمشق، والذين يتميزون باللباس الخاص بهم، ويدعوهم إلى الدار دون معرفة سابقة، كل ذلك محبة في ذلك البلد.
ولا أعتقد أن هناك مواطناً تونسياً، سواء كان من الرسميين الذين زاروا دمشق ضمن وفود حكومية، أو من غيرهم، لم يجتمع بالوالد، إلا القليل -فيما أظن-، وستكون آثاره قريباً في المكتبات التونسية.
والواقع أنه يصعب علي الإفاضة بالحديث عن سيدي الوالد، وأترك هذا لمن عرفه من التونسيين؛ لتكون الصورة أوضح بتفاصيلها ووثائقها.
ومن المعروف أن الشيخ محمد الخضر حسين عبقرية إسلامية فذة، قلما يجود بها الزمان، وإن كانت ولادته في "نفطة" من الجنوب التونسي، فإن ميدان نضاله اتسع حتى شمل العالم الإسلامي.
وفي مثل هذه العجالة لا يمكن حتى الإيجاز عن حياة عظيم من عظماء
(14/ 1/94)

الإسلام في القرن العشرين، وإن آثاره أفضل سبيل لمعرفة هذا العظيم.
لقد ولد الشيخ الخضر في بلدة "نفطة" عام 1874 م من أسرة علم وصلاح وتقوى يتصل نسبها بالرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -. وقد انتقل إلى العاصمة تونس مع والده حيث التحق بالجامع الزيتوني، وحصل على شهادة التطويع، ومنذ مطلع حياته بدأ الكتابة وقرض الشعر، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وتولى القضاء في مدينة "بنزرت". وقام بالتدريس في جامع الزيتونة، والمدرسة الصادقية.
ارتحل مع عائلته إلى الشرق، فأقام مدة في دمشق، وغادرها إلى القاهرة؛ حيث استقر هناك بقية حياته مناضلاً مكافحاً في شتى الميادين السياسية والدينية.
وترأس تحرير مجلة "نور الإسلام"، وعين مدرساً في كلية أصول الدين - إحدى الكليات الأزهرية -، ثم أستاذاً في التخصص، وأنشأ جمعية "الهداية الإسلامية"، وأصدر مجلة تحمل نفس الاسم، وعين عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً في المجمع اللغوي بالقاهرة، وقدم رسالة "القياس في اللغة العربية" التي نال بها عضوية هيئة كبار العلماء، وفي الميدان السياسي قام بتشكيل عدة جبهات للدفاع عن المغرب العربي، ومن أبرزها: (جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية) التي كان لها دور كبير في التمهيد لاستقلال المغرب العربي.
وقد اختير عام 1952 م إماماً لمشيخة الأزهر، فكان الأزهر في عهده مزدهراً، وتوفي عام 1958 ودفن -بناء على وصية منه- مع صديقه المرحوم العلامة أحمد تيمور باشا في المقبرة التيمورية في القاهرة.
وأنهى الأستاذ علي الرّضا الحسيني حديثه معنا بقوله: وإني - في هذا
(14/ 1/95)

اللقاء الخاطف- آمل من الباحثين التونسيين دراسة آثار الشيخ دراسة وافية، وتعريفها إلى النشء التونسي، كما آمل موافاة قراء "الصباح" في المستقبل بأحاديث عن حياة الإمام - طيب الله ثراه-.
(14/ 1/96)

محمد الخضر حسين أحد زعماء النهضة الإسلامية
أحمد البختري (1)
يقف قلم الكاتب أمام ما يمليه عليه فكر حائر، لم يدر ما يكتبه عن حياة هذا العصامي والقطب العلمي، الذي تدور رحاه حول هذا العالم الإسلامي دوران الشمس في الأفق بشعاع نورها الوهاج، فيملأ أديم الأرض بأسرار العلم والحكمة الإلهية، ناشراً على زواياها المدلهمة ذلك النور المشرق من سماء الفكر، الذي خصّ الله به الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر النفطي شيخ الجامع الأزهر الشريف.
* حياته:
زاول الأستاذ تعليمه ب "نفطة" حيث ولد، فحفظ القرآن الكريم حفظاً جيداً، كما تغذى من مبادئ العلوم الدينية، ثم التحق بالكلية الزيتونية إلى أن صار من أعلامها الأفذاذ، وتصدى للدفاع عن عزة الإسلام. ولكن سلط الحماية إذا ذاك لم يرق لها هذا النشاط منه، ففكرت جهلاً منها إغراءه بإسناد خطة القضاء الشرعي، لعلها تصدّه وتحدّه عن نشاطه المتزايد.
__________
(1) من كتاب "الجديد في أدب الجريد" للأستاذ أحمد البختري -الشركة التونسية للتوزيع- طبعة سنة 1973 م تونس.
(14/ 1/97)

* خطة القضاء ببنزرت:
قبل هذه الخطة عام 1324 ه، وفي نفس الوقت قام بمحاضرة قيمة بعنوان "الحرية في الإسلام" طبعت بمدينة تونس، وبعد أيام من قبوله للقضاء ببنزرت، قدم تسليمه منها، وغادر البلاد التونسية إلى سوريا، ثم إلى مصر.
* بمصر:
وفي هذه البلاد العربية التي استقبلته استقبال أبنائها، وفتحت له نواديها، تولى بجامعها الأزهر خطة التدريس، وأنشأ "جمعية الهداية الإسلامية"، وتولى رئاستها، وسمّى مجلتها باسمها "الهداية الإسلامية" التي حياها الأستاذ محمد البسطامي بقوله:
طلعت في سماء (مصر) لتحيي ... في بني الشرق أنفساً وعقولاً (1)
وفي 10 محرم الحرام سنة 1352 - هجرية- عاد من زيارته إلى الأقطار الحجازية، فأقيم له حفل تكريم بنادي "جمعية الهداية" المذكورة، شارك فيها عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء المصريين وغيرهم، وقد ألقى الأستاذ علي سعيد أحمد منصور، (بقسم التخصص بالأزهر) قصيداً جاء فيه:
عدْ ناصر الدين عَوْدَ النصر والظفر ... يا حجةَ العصر بل يا مرشد البشرِ (2)
إلى أن يقول فيها:
نادي "الهداية" نادى وقت ظعنكمُ ... مَنْ لي بمجلس أنس السيد (الخَضِر)
__________
(1) ج 9 - م 5 - 1352 ه عن مجلة "الهداية الإسلامية".
(2) عن المجلة المذكورة.
(14/ 1/98)

ثم ألقى الأستاذ محمد أفندي عجاج هذا القصيد الفريد تقتطف منه ما يلي:
صوتُ "الهداية" قد أهاب فأسمعا ... بالله يا قومي أجيبوا مَنْ دعا (1)
* إسناد مشيخة الأزهر إليه:
وفي عهد الثورة الحالية التي حدثت بمصر 1952 م أسندت للأستاذ الخضر مشيخة الجامع الأزهر الشريف، ولكن سن الأستاذ أبى عليه البقاء بها طويلاً، وطلب من مجلس الثورة إعفاءه، وقبل منه ذلك.
وكان الأستاذ قبل تقليده ذلك المنصب أنشأ مجلة "الأزهر" تصدى فيها للدفاع عن الأزهر الشريف.
* الرحلة والتعارف في الإسلام:
ومما كتبه فضيلته في هذا الموضوع، فيقول:
أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع فيها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية. وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبه أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس إلى أن توفي بها سنة 586 ه خمس مئة وست وثمانين.
ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعري:
__________
(1) عن المجلة المذكورة.
(14/ 1/99)

والمالكيُّ ابنُ نصرٍ زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدْنا النأي والسفرا
إذا تفقَّه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشرُ الملك الضليل إن شعرا
ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى، كيف يلتقيان؟
تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تفقدهم شدة ألفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية الأدبية، فيسهل على (العالم) -ولا سيما أن بلاد الإسلام (وطن واحد) - أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً.
* بقصر آل عاشور بتونس:
ومن مصر نعود بالقارئ إلى تونس؛ لتحدثه على اجتماع علمي ضم عدداً من علماء تونس، ولم يحضره الأستاذ الخضر، وذلك بقصر الأستاذ الطاهر بن عاشور بالمرسى، فارتجل الأستاذ الطاهر بهذين البيتين، وهما (1):
__________
(1) ذكر لي الكاتب الإسلامي الكبير، والقاضي التونسي الفاضل الأستاذ محمود الباجي -رحمه الله-: أنه حضر من المغرب العالمان الجليلان الشيخ شعيب الدوكالي، والشيخ عبد الحي الكتاني، ونزلا في دار الإمام محمد الطاهر بن عاشور في المرسى، ولما لم يجدا الإمام محمد الخضر حسين، أرسل الإمام الشيخ محمد الطاهر البيتين إلى صديقه الإمام الخضر في جامع الزيتونة بتونس. وروى العجز في البيت الثاني: وفي مجمع البحرين لا يفقد الخضر
(14/ 1/100)

تألَّقت الآدابُ كالبدر في السحرْ ... وقد لفظ البحران موجهما الدُّررْ
فمالي أرى منطيقها الآن غائباً؟ ... وفي مجمع البحرين يُفتقد (الخَضِرْ)؟!
* شعره:
ومن شعره هذه القطعة الشعرية الرائعة في الفخر بعنوان: (نخوة)، هذا نصها بحروفها:
تبغي الليالي أن تفلَّ حُسامي ... وتصد وجدي بالعُلا وغرامي
طفقَتْ تحثُّ خُطا المطية بعدما ... ألقتْ بها أيدي النَّوى بزمام
أتخالني أبلى بسلوة خاملٍ؟ ... ما شطَّ عن وطني الأنيس مُقامي
العزمُ ما بين الجوانح مرهفٌ ... والمجدُ أنّى سرتُ فهو أمامي
والسهمُ يصدرُ راغماً ويُريك منْ ... جلدٍ ترنُّم ظافر بمرام
لولا السرى لم ترشف النكباء من ... نفحات ثغر الزهرة البسَّام
كم من يدٍ بيضاء طوَّقني بها ... حادي الرّكاب إلى ربوع (الشام)
وألذُّها سمرٌ يذكِّرني (البها) ... و (ابن العميد) إلى (أبي تمام)
وله أيضاً (الهمام):
يرمي الهُمام، وما غير العُلا هدفا ... ولا يباكرُ إلا الروضةَ الأُنُفا
والناس شعرٌ إذا ما جئت تنقده ... ألفيتَ سَبْكَ القوافي منه مختلفا
كم بين شهمٍ يُداري الصعبَ في شممٍ ... وخاملٍ بات في مهد الهوى دَنِفا
وللفضيلة نورٌ لا يكفكف منْ ... شعاعه، جاحدوها حيثما انعطفا (1)
__________
(1) هذه الأبيات الأربعة لم تنشر في ديوان "خواطر الحياة" للإمام. وقد أخذها =
(14/ 1/101)

انظرْ إلى السحب في الآفاق تكتمنا ... شمس النهار، وأرخت دونه سدفا
فمدَّ قوسُ غمامٍ بينها عنقاً ... وذكَّر الناس فضل الشمس وانصرفا
وللحشى نزعاتٌ شد ما صعدت ... إلى الحجى، فأنالت حدَّه رهفا
وله أيضاً هذان البيتان، قالهما ابن الحسين عندما كان القطار يلتوي من ربى بلدة (تارار) (1) في فرنسا وبساط مروجها السندسية. فقال:
لجَّ القطارُ بنا والنَّارُ تسحبه ... ما بين رائق أشجارٍ وأنهار
وإنَّ أعجب ما تدريه في سفرٍ ... قومٌ تُقاد إلى الجنَّات بالنَّارِ (1)
* وفاته:
وقبل وفاة الأستاذ ابن الحسين، تمنى أن لا يموت حتى يرى وطنه حراً مستقلاً، وأدرك ما تمناه، وقد رثاه رجال العلم والأدب من مصر وغيرها، ودفن بالقاهرة في الثالث من رجب الأصب عام 1377 سبعة وسبعين وثلاث مئة وألف هجرية، 1958 ميلادية.
__________
= الكاتب من كتاب (الأدب الفرنسي في القرن الرابع عشر" للأستاذ زين العابدين السنوسي.
(1) لم يذهب الإمام محمد الخضر حسين إلى فرنسا، وهذان البيتان قالهما عندما دخل القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة 1330 ه. انظر: ديوانه "خواطر الحياة"، وهما:
لج القطاربنا والنار تسحبه ... ما بين رائق أشجار وأنهار
ومن عجائب ما تدريه من سفر ... قوم يقادون للجنات بالنار
(14/ 1/102)

لماذا ذهب الشيخ الخضر إلى ألمانيا
محمد صالح الجابري (1)
في بحث جامعي مستوعب، قدّم لنا الأستاذ محمد مواعدة في أول كتاب له، وفي أول باكورة تقدم للطبع من باكورات رسائل التأهيل للبحث الجامعي التي تنظمها وتشرف عليها الجامعة التونسية وأساتذتها - قدم لنا شخصية تونسية إصلاحية، هي شخصية محمد الخضر حسين.
تلكم الشخصية التي تنال الاهتمام لثاني مرة خلال هذا الموسم الأدبي بكتاب أصدره عنها الأستاذ أبو القاسم كرو. ثم بهذه الدراسة الثانية، وإن دل هذا، فإنما يدل على مبلغ العناية التي أصبح أدباؤنا يولونها نحو الجيل المؤسس لحركة البعث والتثقيف والإصلاح.
على أننا نأمل أن تتلو هذه الالتفاتات غيرها يقوم بها الشباب نحو جيل رائد قدر له أن يعيش فترات حالكة صعبة مريرة، فرض عليه خلالها الصمت والقهر والكفاح، وحرم من أبسط ما كان يتمنى أن يراه في حياته، وللإبرار بتاريخنا، فإن علينا أن نوفي هؤلاء بعض الوفاء بنشر ما تركوا في
__________
(1) كاتب تونسي معروف - مجلة "الإذاعة التونسية" العدد 336 من السنة الخامسة عشرة الصادر في 1 ماي 1974 م. وهذا المقال عرض لكتاب الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين: حياته وآثاره".
(14/ 1/103)

مطاوي التاريخ، ونتخذ من أفكارهم - مهما كان مستواها - مقياساً نرى فيه مدى ما شملنا من التطور الذي لهم فيه فضل السبق، وشرف البداية.
ولعل الجامعة التونسية يدفعها الشباب من طلابها في هذا الاتجاه، تسهم مساهمة فعالة في تفتيح أعينهم وأذهانهم على تاريخهم وتراثنا؛ لأن من عادات الشباب منابذة الماضي بدعوى أنه ماض، وليس لأي شيء عداه.
وفي مضمار إحياء هذه الشخصية الإصلاحية، والتعريف بها، والتذكير بأهم آرائها، نلاحظ أن هناك جيلين اثنين متواكبين متكاملين: جيل أبي القاسم كرو، وجيل تلميذه محمد مواعدة، كلاهما يوفي هذا الماضي حقه، مما يدل على تكامل الجهود، وعلى الإحساس المشترك بعبء الوفاء ..
قسّم الأستاذ مواعدة رسالته إلى ثلاثة أقسام تخللتها فصول وأبواب عديدة ومقدمتان، إحداهما: للمؤلف، شرح فيها منهجه أثناء الدراسة، والطريقة التي اتبعها للوصول إلى ما وصل إليه من الاراء، والدوافع التي جعلته يختار هذه الشخصية لبحثه دون غيرها قائلاً بهذا الصدد: "اهتممت بدراسة شخصية الشيخ محمد الخضر حسين؛ لأنه علم بارز من أعلام الإسلام في العصر الحديث، شارك مشاركة فعالة في الحركة الفكرية، سواء في المغرب، أو المشرق العربيين، وارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين، قاموا بدرهم في ميادين مختلفة دينية ولغوية وأدبية وسياسية".
يضم القسم الأول من أقسام الكتاب الثلاثة: حياة المؤلف بالبلاد التونسية منذ ولادته ب "نفطة" إلى حين انتقاله إلى العاصمة. "فلقد تربى محمد الخضر حسين في بيئة يسيطر عليها العلم، وتغمرها الثقافة، ويحيط بها الورع الديني من كل جانب، فحفظ القرآن الكريم على مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ
(14/ 1/104)

اللموشي، ودرس بعض العلوم الدينية واللغوية على عدد من العلماء، وخاصة منهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز" (ص 25).
وبالعاصمة تابع الشيخ الحسين دراسته بجامع الزيتونة على عدد من الشيوخ البارزين، ثم تخرج منها ليؤسس مجلته "السعادة العظمى" التي تعتبر أولى المجلات بتونس، وذلك قبل أن يتقلب في وظائف عديدة في ميدان القضاء. وقد تأثر في هذه الفترة "بعدد من شيوخ العلماء الذين كان حريصاً لا على متابعة دروسهم فقط، بل كذلك على حضور مجالسهم، والاستماع إلى أحاديثهم ومناظراتهم في شتى فنون الأدب واللغة والدين. وأبرز هؤلاء الشيوخ ثلاثة، هم: الشيخ سالم بو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار" (ص 43).
وهؤلاء "وإن تشابهوا في القيمة العلمية، فقد اختلفوا في أسلوب التفكير، ومعالجة القضايا العلمية، وخاصة الإسلامية منها، كما اختلفوا في نظرتهم إلى الحركة الإصلاحية التي كانت محل حوار ونقاش وجدال لدى الأوساط الفكرية والثقافية في تونس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين" (ص 37).
ويشمل الباب الثاني حياة الشيخ محمد الخضر حسين بالبلاد السورية التي انتقل إليها أول مرة يزور إخوته الذين استقروا هناك. واتصل هناك بالأوساط العلمية والثقافية. وألقى المحاضرات، وتبادل الإعجاب مع جلة علماء الشرق إثر توقفه بالإسكندرية، ثم القاهرة أولاً قبل أن يصل مدينة دمشق في سنة 1912 م .. "وقضى الشيخ محمد الخضر بدمشق كامل شهر رمضان، زار خلاله أهم المؤسسات الثقافية بالعاصمة السورية، وخاصة الجامع الأموي،
(14/ 1/105)

حيث ألقى اثني عشر درساً في الحديث حضرها عدد كبير من طلاب العلم والشيوخ" (ص 62).
وعلى إثر عودته من دمشق، وجد قراراً بفصله من خطة التدريس بالمعهد الصادقي ينتظره، فحزّ ذلك في نفسه، وقرر الرحيل إلى الشرق نهائياً.
و"منذ المدة الأولى التي استقر فيها بدمشق، وقع انتدابه للتدريس بالمدرسة السلطانية. وهي من أبرز المعاهد الدينية بالبلاد السورية .. وبالإضافة إلى ذلك واصل إلقاء محاضراته العلمية بالجامع الأموي، وكتابة مقالاته في الصحف والمجلات، ويبدو أنه اهتم في هذه الفترة بالمشكلة العربية والتركية، ودعا إلى ضرورة تمتين روابط الإلفة بين العرب والأتراك في ظل الخلافة العثمانية" (ص 69).
وفي حمأة الأزمة التي أثارها بطش جمال باشا السفاح بالوطنيين الشاميين، أدخل الشيخ الخضر السجن، ثم لم يلبث أن أفرج عنه لبراءته، وانتدب في خدمة العثمانيين متنقلاً بين الآستانة وألمانيا في محاولة تثوير الوطنيين التونسيين، وتكتيل جهودهم ضد الاستعمار الفرنسي الذي كان يوالي الحلفاء ضد الألمان والأتراك.
وبعد نهاية الحرب، وبعد استباحة الاستعمار الفرنسي دمشق، قر قرار الشيخ الخضر بالهجرة إلى مصر التي قضى بها بقية حياته، وفيها أثبت خطوته التي أهلته لأن يكون ضمن أعضاء مجمعها اللغوي، وشيخ جامعها الأزهر في سنة 1952 م.
وقد كانت للشيخ الخضر في مصر نشاطات جمة: أبرزَها الأستاذ محمد مواعدة في الباب الثالث والأخير من كتابه .. نشاطات تهتم بوضعية المغاربة،
(14/ 1/106)

وبموقفه من الألفة الإسلامية، وتأسيس جمعية "الهداية الإسلامية"، ومجلة "نور الإسلام".
ولعل أبرز نشاطاته العلمية والفكرية ما كان يمارسه ضمن هيئة كبار العلماء، والتدريس بالأزهر، وظهور كتابيه وإنقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (1)، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين. وهما كتابان -على ما لصاحبهما من نظرة خاصة- بوأه مكانة ممتازة في نخبة المثقفين المصريين.
ولعل أهم هذه الأقسام وهذه الفصول التي كانت على غاية من الدقة والتفصيل والأناة العلمية القسمُ الثاني من الباب الثالث، وهو القسم الذي شمل حياة الشيخ الخضر الثقافية وآثاره؛ إذ تناول فيه الباحث جملة مؤلفاته في تفصيل ودقة .. تليق بمكانة الكتاب، وبمكانة شخصية الشيخ المصلح، وبمكانة الجامعة التي أهلت بحثه ليكون باكورة ما يطبع من بحوث طلابها. وهو القسم الذي أريد للقارئ أن يقرأه بنفسه؛ لأن تلخيصه يفسد متعة مطالعته.
__________
(1) لعلي عبد الرازق.
(14/ 1/107)

محمد الخضر حسين حياته وآثاره
الحبيب الشاوش (1)
يعرّف هذا الكتاب بأحد الأعلام المعاصرين، هو: محمد الخضر حسين، وهو من رجال الفكر والأدب التونسيين مولداً ونشأة، ساهم في إخصاب التراث العربي الإسلامي لإنتاج متنوع في الحقلين الديني والأدبي، إلا أنه كان - إلى حد كبير- مغمور الذكر والإنتاج (2)، لا سيما وأن ما خلفه من مؤلفات ومقالات عديدة في المجلات والمصحف العربية - التونسية منها والشرقية - كان شتاتاً مهملاً، لا يكاد يعرفه الكثيرون معرفة دقيقة شاملة. ويتضح من مطالعة آثار الرجل أنه كان يغلب على ثقافته وتفكيره واتجاهه الطابع التقليدي،
__________
(1) حوليات الجامعة التونسية - العدد 11 لعام 1974 م. قدم فيه الكاتب كتاب الأستاذ محمد مواعدة عن الإمام محمد الخضر حسين، وعنوانه "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" - الدار التونسية للنشر، سنة 1974 م.
(2) تعليق: هذا رأي الكاتب وحده، ولا يشاركه فيه أحد في تونس أو العالم الإسلامي، ولو كان مطلعاً على الثقافة الإسلامية، ومكانة الإمام محمد الخضر حسين الرفيعة في المشرق العربي ومغربه، لما سقط من قلمه هذا القول، إلا إذا كان الكلام مقصوداً. ثم أليس هذا القول يناقض فيه الكاتب نفسه بنفسه عندما قال في نهاية البحث: "وختاماً يعتبر هذا البحث مفيداً من حيث تمكينه القارئ الدارس من الاطلاع على جوانب من شخصية هذا العلامة التونسي في العالم الإسلامي!! ".
(14/ 1/108)

وهو بذلك ينتمي إلى شق المحافظين من الناحية الدينية، وحتى السياسية؛ كما سيأتي.
وظهر هذا الكتاب، مساهماً به صاحبه في إزاحة الغشاوة عن هذا العلامة في حياته ورحلاته وإنتاجه ونشاطه، وهو بحث أنجزه السيد محمد مواعدة تحت إشراف الأستاذ المنجي الشملي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة التونسية، لنيل شهادة الكفاءة في البحث (1).
ويشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام رئيسية (2) متبوعة بملحق (3)، وقد صُدر بتقديمين: الأول: للأستاذ المنجي الشملي (4)، والثاني للسيد محمد مواعدة (5)، ونجد في نهايته قائمة المراجع والمصادر، وفهرساً للأعلام.
وأول ما يسترعي انتباه القارئ لهذا الكتاب: عناية كل من صاحب البحث والأستاذ المشرف عليه بحب الإلمام بكل جوانب الموضوع على أساس الوضوح والشمول؛ مما يوفر للدارس سعة الانتفاع، ويسر الاستفادة بما جاء فيه، وإن الموضوع لعلى جانب من الطرافة تستهويك دراسته، ذلك أن شخصية محمد الخضر حسين طريفة في حد ذاتها، رغم بعض الشذوذ والتصلب في التفكير والاتجاه، بقدر ما كانت مجهولة أو تكاد، وقد ألمع
__________
(1) نوقش هذا البحث في الخامس عشر من شهر ديسمبر 1972 م.
(2) (ص 18 - 230).
(3) (ص 232 - 342).
(4) (ص 7 - 9).
(5) (ص 11 - 13).
(14/ 1/109)

الأستاذ الشملي إلى ذلك في تقديمه الكتاب بقوله (1):
"نذكر جميعاً هذا الرجل، فنكاد لا نتصوره إلا رمزاً غَامضاً، يعرف الواحد من أمره ما لا يعرفه الآخر، هذا يكبره ولا دليل، وذاك يستنقصه ولا حجة، والرجل الرشيد يقتصد في الحكم فيتوقف. أما الآن فقد تجلّت لنا عن حياة الرجل وأفعاله ومواقفه وآثاره صورة إلا تكن واضحة وضوحاً، فهي غير غامضة على كل حال، وإلا تكن مقنعة إقناعاً، فهي سبيل إلى اليقين ... ".
وقد خصص السيد محمد مواعدة القسم الأول من بحثه لدراسة حياة الرجل في أطوارٍ لها ثلاثة، موزعاً لدراسته على أبواب وفصول.
أما الطور الأول: فيتعلق بحياة محمد الخضر حسين بالبلاد التونسية؛ أي: مرحلة السنوات التي قضاها في تونس منذ ولادته ببلدة "نفطة" إلى تعلّمه ثم تعليمه، وهي (فترة التعليم والتكوين)، وتمتد من سنة 1873 - سنة ولادته (2) - إلى سنة 1912، وهي السنة التي غادر فيها البلاد التونسية نهائياً إلى الشرق.
وأهم ما يجدر ذكره أن الرجل قضى سنوات طفولته بمسقط رأسه بالجنوب التونسي حتى الثالثة عشرة من عمره، ثم انتقلت عائلته إلى تونس العاصمة (3) حيث واصل تعلّمه الابتدائي، وقد كان شرع فيه عندما كان ب "نفطة"، ثم التحق بجامع الزيتونة (4) للمزيد من التعمّق في العلم والتبحر فيه.
__________
(1) انظر بالخصوص: (ص 6 - 8).
(2) يوم 26 رجب 1293/ 21 جويلية 1873 م - انظر: (ص 21).
(3) في أواخر سنة 1306 ه / 1886 م - انظر: (ص 28).
(4) سنة 1307 ه / 1887 م.
(14/ 1/110)

ويمضي السيد محمد مواعدة متحدثاً في هذا القسم عن جامع الزيتونة في ذلك العهد، وعن شيوخ محمد الخضر حسين، وتخرجه عنهم، ثم توليه خطة القضاء ببنزرت، والتدريس بجامع الزيتونة إلى تاريخ رحلته إلى الشرق، وهو بداية الطور الثاني من حياة الرجل، وتخص هذه المرحلة الثانية كامل الفترة التي قضاها من حياته في دمشق، وانتقل أثناءها إلى الآستانة وبرلين، وتمتد من سنة 1912 إلى سنة 1920 م، وهي السنة التي غادر فيها سوريا للاستقرار نهائياً بمصر، ويمكن تسميتها بمرحلة التنقل والترحال.
وأهم ما يحتفظ به الدارس من هذه المرحلة الثانية من حياة الرجل: أنها امتازت بكثرة التنقل أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد قام فيها بمهام خطيرة لم يرد في شأنها ما يشفي الغليل من تفاصيل واضحة، بقدر ما نعرف من ناحية أخرى أن محمد الخضر حسين أمضى في دمشق أعواماً طويلة، ودرّس علوم الدين والعربية في المدرسة السلطانية (1)، كما نعلم عن الرجل من حيث اتجاهه السياسي (2): أنه كان يثتمي منذ كان بتونس إلى الحزب الدستوري
__________
(1) بدأ التدريس سنة 1913 م في هذه المدرسة، وهي أشهر مدارس دمشق. انظر: (ص 334).
(2) لم تكن للإمام الخضر حسين أية صلة مطلقاً بالحزب الدستوري، أو بالشيخ عبد العزيز الثعالبي. وكيف يبرر الكاتب هذا الادعاء، وقد علمنا أن الإمام قد غادر تونس نهائياً عام 1912؛ أي: قبل تأسيس الحزب بثمان سنوات. ثم إن المطّلع على حياة الإمام ومراحل حياته في دمشق والقاهرة يعلم أنه لم يكن هناك صفاء في الصدور، ولا عداوة ظاهرة بين الإمام والشيخ الثعالبي. ونترك التفصيل في هذا الموضوع إلى ميدان آخر، أو لعلنا نصرف النظر عنه خدمة للإسلام، ونطلب الرحمة للشيخين.
(14/ 1/111)

القديم الذي أسسه عبد العزيز الثعالبي سنة 1920 م.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته، فهي تشمل السنوات التي قضاها في مصر حيث استقر نهائياً، وتمتد من سنة 1920 إلى وفاته سنة 1958 م، وقد سماها صاحب الكتاب بمرحلة (المجد الثقافي)؛ لأنها الفترة التي أظهر فيها قيمته الثقافية، وبرزت فيها مكانته، وتقلد أثناءها مناصب علمية عالية كدت غزارة علمه، وعمق شخصيته، ومن أهم هذه المناصب: إشرافه بمصر على مشيخة جامع الأزهر (1).
واعتمد السيد مواعدة -كما نلاحظ مما سبق- في هذا التقسيم لحياة الرجل، الإطار التاريخي والجغرافي، متبعاً في ذلك طريقة كل الذين كتبوا عن حياة الخضر حسين، الذي درج هو نفسه على نفس النسق عند حديثه عن أطوار حياته بمناسبة حفل التكريم الذي أقامه له أحد تلامذته الدكتور عبد الوهاب المالكي عند زيارته دمشق سنة 1937 م (2).
وفيما يتعلق بآثار محمد الخضر حسين، فقد قدمها السيد مواعدة مع التعريف الموجز بمحتواها وقيمتها، ساعياً إلى تحليلها باقتضاب، مبيناً غزارتها وشمولها لميادين كثيرة من المعارف، ولا سيما الدين والأدب واللغة والسياسة، ومن الملاحظ أن هذه الآثار مرتبة في ثلاثة أبواب:
أ - الباب الأول: وهو يشمل المحاضرات المنشورة، والمقالات المجموعة في كتب، وأهم المواضيع التي تناولتها: الإصلاح في الإسلام،
__________
(1) من سنة 1952 إلى سنة 1954 م.
(2) انظر: (ص 19)، والمرجع التالي: "الهداية الإسلامية" (10 - ج 5 ص 257) الملحق: "حديث عن رحلتي إلى دمشق"، (ص 336).
(14/ 1/112)

وبلاغة القرآن، والحرية في الإسلام، ثم مواضيع لغوية وأدبية؛ مثل: حياة اللغة العربية، والخطابة عند العرب، وعلماء الإسلام في الأندلس.
ب - الباب الثاني: وهو يشمل ما ألفه الرجل من كتب في اللغة والآداب، ولا سيما كتابيه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (1). و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (2)، ويشمل هذا الباب أيضاً مجموعة من البحوث والرسائل.
ج - الباب الثالث: تعرض فيه السيد مواعدة إلى الحديث عن محمد الخضر حسين الشاعر الذي يجمع قسماً من قصائده في ديوان بعنوان "خواطر الحياة"، ولا يزال القسم الآخر موزعاً في المجلات والصحف (ينتظر الجمع والتبويب والنشر).
وفيما يتعلق بتبويب هذه الآثار، أشار صاحب البحث إلى أنه لم يعتبر فيه العامل التاريخي، وذلك (لتداخل المقالات الموجودة في هذا الميدان)، بل (اعتمد إطار العمل وشكله)، بقطع النظر عن محتواه حتى (يتجنب إعادة بعض المعاني، وذكر بعض الآثار في مناسبات عديدة) (3).
وقد عني السيد مواعدة بإبراز عناصر الشخصية الجذابة التي يتميز بها محمد الخضر حسين عناية خاصة، ولخصها في أربعة محاور، وهي:
- محمد الخضر حسين العالم في شؤون الدين.
__________
(1) وهو رد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، أحد علماء الأزهر انظر: (ص 163).
(2) رد على كتاب طه حسين: "في الشعر الجاهلي" الذي صدر سنة 1926 م.
(3) انظر: (ص 134).
(14/ 1/113)

- محمد الخضر حسين الأديب.
- محمد الخضر حسين المصلح.
- محمد الخضر حسين السياسي.
وسعى إلى تحليل كل منها بإيجاز اعتماداً على مراحل حياة الرجل، وما تركه من مؤلفات، وإلى بيان قيمة شخصيته الثقافية، ومكانتها ضمن الحركة الفكرية الإسلامية (1).
ويتضح من هذه الدراسة أنها شخصية قوية عميقة ساهمت مساهمة ملموسة في الحركة الإصلاحية، وقد علق عليها الأستاذ الشملي بقوله: "هي شخصية قوية لا شك، عنيدة صُلبة آسرة (2) ". وفي أواخر الكتاب (ملحق) يشتمل على مجموعة المقالات الوصفية التي ألفها محمد الخضر حسين عن رحلاته إلى البلاد الجزائرية، ويلدان المشرق العربي، ويلدان أورباوية مختلفة، وقد نشرها صاحبها في المجلات والمصحف، إلا أنها بقيت موزعة، لذلك عمد صاحب البحث إلى جمعها، والتعليق عليها، وغرضه من ذلك "تمكين القارئ من الاطلاع على آراء الرجل وأفكاره بالاعتماد على نصوص من تحريره، بالإضافة إلى ما أوردناه في شأنه في هذه الدراسة" (3).
ولئن كانت هذه الرحلات قد دُونت، أو دوّن جلّها في شكل مقالات محررة بقلم صاحبها، ألم يكن من الأجدر والأجدى أن تُضَمّ إلى مجموعة آثاره، وتُلحق بالقسم الثاني من الكتاب، وهو القسم المخصص لآثار الرجل
__________
(1) انظر: (ص 206 - 207).
(2) انظر: التقديم، (ص 9).
(3) انظر: (ص 232).
(14/ 1/114)

على تنوّعها، اللهم إلا أن يكون السيد مواعدة قد عثر عليها، أو دُلّ إليها بعد أن أنجز عمله كاملاً ... فيكون هكذا قد لجأ إلى إضافة هذه المقالات الوصفية الخاصة برحلات الرجل في شكل (ملحق) في آخر البحث، وقد يكون رائده من ذلك حب الإفادة بما ظفر به في آخر المطاف من هذه الآثار.
وعلى كل، فيبدو أقرب إلى المنطق أن تُعدّ هذه المقالات من جملة آثار محمد الخضر حسين، وتُحشر ضمنها، وأهم هذه المقالات ثلاث:
- "الرحلة الجزائرية" (1).
- "خلاصة الرحلة الشرقية" (2).
- "حديث عن رحلتي إلى دمشق" (3).
والملاحظ أن الكثير من الأعلام المذكورين في هذه الرحلات لم يقع التعريف بهم، على أن صاحب البحث يعترف بذلك لصعوبة وجدها في القيام بهذا العمل، وله فضل التواضع في الاعتراف بذلك إذ يقول (4):
"وقد اعترضنا صعوبة كبيرة في التعريف ببعض الأعلام المذكورين في هذه الرحلات خاصة في "خلاصة الرحلة الشرقية"، وقد تمكنا من التعريف بالبعض منها، وبقي عدد آخر لم نتمكن من التعريف به".
وفيما يتعلق بقائمة المراجع والمصادر -وهي عربية وفرنسية- فقد رتبها السيد مواعدة حسب تواريخ صدورها، وتشتمل المراجع على:
__________
(1) نشرت في مجلة "السعادة العظمى" (عدد 19 و 20 و 21).
(2) نشرت في جريدة "الزهرة" (مارس - أفريل سنة 1913 م).
(3) نشر بمجلة "الهداية الإسلامية".
(4) (ص 232).
(14/ 1/115)

أ - الكتب.
ب - المجلات.
ج - الجرائد.
أما المصادر، فتضمنت كلها ما نشر من مؤلفات محمد الخضر حسين.
وأما فهرس الأعلام - وهو مرتب حسب حروف الهجاء -، فلم يشمل الأعلام الموجودة بالحواشي (1).
هذا، وإن إخراج الكتاب وطبعه على جانب من الأناقة، ما عدا غلطات مطبعية وردت هنا وهناك، ونذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
- ص 333، س 13: رقم (6) أمام (العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني) عوض رقم (2).
- ص 335، س 12: (المحتلون) عوض (المحتفلون).
وختاماً يعتبر هذا البحث مفيداً من حيث تمكينه القارئ الدارس من الاطلاع على جوانب من شخصية هذا العلامة التونسي الشهير في العالم الإسلامي، وعلى جوانب هامة من نظرياته وآرائه واتجاهه الإصلاحي، وهو من شأنه أن يفتح أبواباً جديدة على طريق البحث العلمي بخصوص هذه الشخصية؛ لزيادة التعمق في تحديد معالمها لدى المهتمين بالحركة الفكرية في بلادنا والعالم الإسلامي.
__________
(1) انظر: (ص 349): لم يراع المؤلف في ترتيب الأعلام (ال) ولا (الكنية) ولا (ابن).
(14/ 1/116)

وثيقة تاريخية هامة صادرة عن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
الدكتور محمود عبد المولى (1)
* محرر الوثيقة:
أما محرر الوثيقة الخطيرة باسم: (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، فهو - دون ريب - محمد الخضر حسين، باعتبارها تحمل توقيع الشيخ بكل وضوح. فمن هو هذا الرجل؟.
لا يتسع مجال هذه المقدمة القصيرة للحديث عن جوانب الشيخ كلها؛ أي: باعتباره علماً بارزاً من أعلام الفكر الإسلامي الحديث، قد ساهم طويلاً مساهمة جادة في الحركات الفكرية والسياسية في تونس والمشرق على السواء؛ حيث ارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين الذين قاموا بدور هام في ميادين مختلفة: دينية ولغوية وأدبية وسياسية، فكتاب محمد
__________
(1) كاتب تونسي، وأستاذ العلوم الاجتماعية بجامعات تونس والجزائر وطرابلس، وهذه المقتطفات من كتابه "كشكول مسافر" صدر في تونس حزيران 1978 م، وهو كتاب يطرح قضايا تتعلق بالنقد والأدب والاجتماع.
وتحدث المؤلف عن وثيقة تاريخية هامة صادرة عن (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) عنوانها: (تونس 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي 1881 - 1948 م) للإمام محمد الخضر حسين، وسبق أن نشرنا هذه الوثيقة في كتابنا "تونس وجامع الزيتونة".
(14/ 1/117)

مواعدة عن الشيخ يحيط بهذه الجوانب إحاطة شاملة.
غير أن الجانب السياسي-في رأينا- يحتاج إلى دعم علمي بالوثائق، الأمر الذي جعل المؤلف محمد مواعدة يبدي تحفظات، واعترف- بتواضع نادر- بأنه لم يتمكن من تقديم صورة واضحة عن النشاطات السياسية للشيخ المترجم له؛ إذ اكتفى بما تجمع لديه من معلومات، واستخلاص صورة تقريبية راجياً أن تزداد جلاء عند الحصول على وثائق أخرى، هي الآن -حسب زعمه- لدى بعض أصدقاء الشيخ، وخاصة عن نشاطه بالبلاد المصرية.
والجدير بالتذكير هنا: أن الشيخ محمد الخضر حسين ولد في بلدة "نفطة" في الجنوب التونسي في (26 رجب 1293 ه -21 جويلية 1873 م)، وبعد حياته بالبلاد التونسية وبالبلاد السورية قضى -كابن خلدون- بقية عمره في مصر (إلى وفاته عام 1958 م) حيث رقي فيها إلى أعلى المناصب، نخص بالذكر منها: مشيخة الجامع الأزهر.
هذا بعد نشاطه الديني، والعلمي، والأدبي، والسياسي، في كل من تونس ودمشق والآستانة (تركيا)، وخاصة بأوربا (برلين وجنيف) أين اتصل بالأخوين باش حانبة (محمد، وعلي)، والشيخ صالح الشريف، وغيرهم من مناضلي المغرب العربي الذين يتفق وإياهم في النظرية والاتجاه السياسي اللذين يتمثلان في تحرير أقطاب المغرب العربي (خاصة) من الاستعمار الفرنسي (المسيحي)، والعمل في ظل الحكومة العثمانية بالآستانة، أو ببرلين من أجل:
1 - (رابطة إسلامية) ستضم -عند قيامها- المسلمين كافة، في نظام سياسي مركزي، وهو نظام الخلافة، كما يتبين لنا ذلك من خلال كتابه "نقض
(14/ 1/118)

كتاب الإسلام وأصول الحكم".
2 - تحرير المغرب العربي (أفريقية الشمالية)، ووحدة قضيته ومصيره، كما يتبين لنا ذلك من تأسيسه (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية)، ومن قراءتنا للوثيقة التي تخلفت عن هذه الجبهة.
ولا بد من التذكير أيضاً: أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أمضى التقرير الذي وجهته (اللجنة التونسية الجزائرية للدفاع عن مطالب الشعب الجزائري - التونسي) إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرنسا، وأمضى هذا التقرير حسب الترتيب كل من: الشيخ صالح الشريف التونسي، والمترجم له، ومحمد مزيان التلمساني، ومحمد الشيبي التونسي، ومحمد بيزار الجزائري، وحمدان ابن علي الجزائري، ومحمد باش حامبة.
ومما يذكر بهذا الصدد: أن مجلة "المصور" قامت بإجراء حديث صحفي مع الشيخ محمد الخضر حسين بعد أسبوع من توليه مشيخة جامع الأزهر، ومما قاله لمبعوثها:
"ولعلكم تنظرون إليّ نظرتكم إلى رجل عجوز هرم، ولكن هذه الشيخوخة البادية هي نتيجة الكفاح السياسي، أما القلب والرأس، فما زالا فتيين" (1).
__________
(1) مجلة "المصور" القاهرة. الأسبوع الأخير سبتمبر 1952 م.
(14/ 1/119)

علماء تونسيون في دمشق (1)
الدكتور صلاح الدين المنجد
وأُنهي هذا البحث بذكر عالمين تونسيين كبيرين، هبطا دمشق، وأفادا أهلها. وهما: الأخوان العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وأخوه الشيخ زين العابدين، وقد ترجمتُ لهما تراجم طويلة في كتابي "أعلام العصر". وقد وُلد الشيخ الخضر في بلدة "نفطة" بالقطر التونسي سنة 1294 هجرية، والتحق وهو في الثانية عشرة من عمره بجامع الزيتونة، فدرس فيه، وتخرج منه سنة 1316 ه. وأنشأ سنة 1904 م مجلة علمية أدبية كانت أول مجلة من نوعها في المغرب كله، سماها: "السعادة العظمى"، فأغلقتها السلطات الفرنسية، ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت" عام (1905 م / 1323 ه). ولم يطب له القضاء، فعاد إلى الزيتونة والمدرسة الصادقية مدرّساً.
وقبيل الحرب العالمية الأولى حكم عليه الفرنسيون بالإعدام؛ لاشتغاله بالسياسة، وإثارته الخاصة والعامة، فهاجر إلى دمشق مع أسرته، وأخيه.
__________
(1) بحث تقدم به الدكتور صلاح الدين المنجد في ذكرى مرور ثلاثة عشر قرناً على تأسيس جامع الزيتونة في (25 المحرم - 2 صفر عام 1400 ه الموافق 15 ديسمبر كانون الأول- 21 عام 1979 م)، تونس. واخترنا من البحث ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
(14/ 1/120)

وجلس في الجامع الأموي يلقي دروساً في أصول الفقه، والخلاف، والنحو، والأدب، والحديث النبوي. وكرمه علماء دمشق، وأحبّوه؛ للطفه، ودماثة خلقه، وحلاوة معشره. ثم سافر إلى الآستانة، وتولى التحرير في وزارة الحرب، وعاد منها أوائل سنة 1918 م.
وكانت دمشق تفور بفكرة الوطنية، فعاد يدرّس في الأموي. فلم ترُق دروسه لجمال باشا؛ لما كان يبثه في تلاميذه من معاني الوطنية والإصلاح، فاعتقله أشهراً في السجن، وفي سجنه نظم هذه الأبيات اليائسة:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرسِ فناما
أنا لولا همّةٌ تحدو إلى ... خدمةِ الإسلام آثرتُ الحِماما
ليست الدنيا، ومايبسم من ... زهرها إلا جَهاماً وقتاما
وتوسط له علماء دمشق، فأفرج جمال باشا عنه، وبقي في دمشق حتى عام 1920 م، وشهد مولد الحكومة العربية الأولى في سورية، وقرّبه الملك فيصل، ورأيت رسالة بخطه وقعّ فيها: محمد الخضر حسين التونسي الدمشقي.
فلما دخلت الجيوش الفرنسية دمشق، وقام عهد الانتداب، لجأ إلى مصر، وكان له فيها كفاح جديد وطويل في خدمة الإسلام. وكانت همته شمّاء، فالتحق بالأزهر، وقدّم الامتحان للشهادة العالمية، فنالها، وألّف "جمعية الهداية الإسلامية"، وأصدر لها مجلة باسمها رأس تحريرها، ثم درّس في الأزهر في كليتي الشريعة وأصول الدين، وعُيّن رئيساً لتحرير مجلة "الأزهر" (1)
__________
(1) هي نفسها مجلة "نور الإسلام" قبل تسميتها بمجلة "الأزهر"، ولم يتسلم الإمام =
(14/ 1/121)

مدة، كما تولى رئاسة مجلة "نور الإسلام". وانتهى به الأمر أن انتُخب شيخاً للجامع الأزهر عام 1952 م، وكان أول عالم غير مصري الأصل يُنتخب شيخاً للأزهر.
وكان له في مصر مواقف باهرة في الدفاع عن العربية والإسلام. فألّف كتاباً في "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق. وكتاباً في "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكتاب "الدعوة إلى الإصلاح"، و"رسائل الإصلاح"، و"دراسات في العربية وتاريخها"، و"الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، و "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، و"تراجم الرجال"، و"بلاغة القرآن"، وغير ذلك.
وانتُخب عضواً في مجمع دمشق، ثم في مجمع القاهرة عند إنشائه سنة 1932 م، وكان -رحمه الله- نمطاً خاصاً في ثقافته الإسلامية والعربية، التي أحاطت بكل شيء، فكان: فقيهاً، أصوليّاً، مفسراً، محدّثاً، أديباً، شاعراً، لغوياً، مصلحاً.- وتوفي بالقاهرة سنة 1958 م، ودفن بالمقبرة التيمورية.
أما أخوه الشيخ زين العابدين بن حسين، فقد ولد بتونس سنة 1317 هجرية، فدرس في الزيتونة، وحفظ القرآن الكريم، ونال شهادة (التطوع)، وكان من أساتذته -كما كتب لي بخطه-: الشيخ محمد بن يوسف، وشيخ الإسلام أحمد بيرم، والشيخ الصادق بن القاضي، والشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ بلحسن النجار، والشيخ صالح المالقي -رحمهم الله- وكلهم من
__________
= تحرير المجلة بعد التسمية الجديدة.
(14/ 1/122)

أعيان علماء تونس، ثم انتقل إلى دمشق مع أخيه الشيخ الخضر.
ودرّس اللغة العربية في مدرسة السلطاني العربي، وبقي في دمشق، ولم يغادرها مع أخيه، وعندما أُنشئت الجامعة السورية، التحق بكلية الآداب، ونال شهادة الآداب العليا. ثم درّس في مدارس دمشق الرسمية الابتدائية، ثم الثانوية، ثم دور المعلمين، حتى أُحيل على التقاعد عام 1950 م، بعد أن تخرج على يديه آلاف من التلاميذ الدمشقيين.
وكان أستاذي في (مدرسة البحصة) الابتدائية، يعلّمنا النحو والعربية. وكان التلاميذ يحبّونه؛ للطف كان فيه، ودُعابة. وألف مؤلفات مفيدة منها: "المعجم المدرسي"، و"المعجم في النحو والصرف"، وهو جيد، و"المعجم في القرآن" (1)، و"الدين والقرآن"، و"الأربعون الميدانية" في الحديث، وغير ذلك.
وكانت داره في حي الميدان مجمعَ الأفاضل، وكانت له دروس عامة يلقيها، ويجتمع فيها الكثيرون، ويفيدون منها. وكان في منتهى الذكاء، يخاطب كُلّاً على قدر عقله وفهمه، وكان لطيف المعشر، خفيف الظل، مع صلاح ووقار، وتوفي -رحمه الله- سنة 1977 م، جاءنا خبر وفاته إلى بيروت.
أيها السادة!
هؤلاء أنموذجات من علماء تونس الذين انطلقوا منها، ومن الزيتونة، فملؤوا دمشق والبلاد الإسلامية الأخرى بعلمهم، وقد تعمّدت ذكرهم؛ لأنهم أسهموا في ازدهار الثقافة الإسلامية في دمشق. ولي -ونحن في مطلع
__________
(1) "المعجم في الكلمات القرآنية".
(14/ 1/123)

هذا القرن الخامس عشر- أملان: الأول: أن يتصدّى زملاؤنا الأساتذة التونسيون الشباب لإتمام هذا الموضوع، والبحث عن الأثر الثقافي التونسي في كل بلد عربي وإسلامي، والثاني: أن ينطلقوا هم أيضاً على خُطا أولئك، ويفيدوا البلاد الإسلامية كلها بعلمهم وثقافتهم. وإنهم لخليقون بذلك -إن شاء الله-.
(14/ 1/124)

أعلام العلماء الشيخ الخضر حسين
محمد عبد الله السمان (1)
* العلم والجهاد:
قليلون (2) الذين يعرفون فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق، الذي ولي مشيخة الأزهر عام 1952، واستقال عام 1954 م، ولزم داره حتى وافته منيته في فبراير عام 1958 م.
وربما كان لهؤلاء عذر أو بعض العذر؛ فالشيخ مصري الإقامة، تونسي الأصل، ولد -رحمه الله- في بلدة "نفطة" في تونس سنة 1293 ه، وقد انتقلت أسرته إلى تونس العاصمة، والتحق الشيخ بجامع الزيتونة، وحصل على شهادة العالمية، ولم تشغله الوظيفة عن طلب العلم. وقد تولى قضاء "بنزرت"، وولي التدريس أيضاً بجامع الزيتونة، على أن يسهم بقلمه ولسانه وشبابه في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، ويسهم في النهضة العلمية
__________
(1) كاتب إسلامي معروف - مجلة "أكتوبر" المصرية، العدد 349 الصادر يوم الأحد 3 يوليو تموز 1983 م - القاهرة.
(2) استعمل الكاتب هذه الكلمة: (القليلون) بلاغة من قلمه؛ لأنه يريد الحث على المزيد من الاهتمام والعناية بمؤلفات الإمام محمد الخضر حسين، ودراسة أفكاره الإصلاحية والعلمية، وبثها في العالم الإسلامي.
(14/ 1/125)

والأدبية هناك باعتبار أن النهضة العلمية والأدبية تقف إلى جانب الحركة الوطنية في تحرير الوطن من الاستعمار الأجنبي الدخيل.
أصدر في تونس مجلة "السعادة العظمى"، وهي إسلامية سياسية أدبية ..
كانت عصا الترحال تلازم الشيخ، رحل إلى تركيا، ثم إلى تونس، ولما اشتدت وطأة الاستعمار الفرنسي، واشتدت في مواجهتها الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وأحس الشيخ الشاب أن عيون الاستعمار ترصده، قرر الهجرة إلى دمشق أولاً؛ ليواصل جهاده بقلمه ولسانه، وفي دمشق عين مدرساً في المدرسة (السلطانية) التي درس بها الإمام محمد عبده، ثم رحل من دمشق إلى الآستانة، وسافر إلى ألمانيا مرتين، وله هناك ذكريات سجلها في ديوان. ولم يطب له المقام في دمشق، فقرر الاستقرار بالقاهرة؛ حيث توثقت صلته بأبرز مفكريها؛ أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والعلامة أحمد تيمور باشا ..
الحق أن مصر فيما مضى كانت كعبة القاصدين من المجاهدين السياسيين، والمفكرين الإسلاميين الذين ضاقت عليهم الأرض بوجود الاستعمار، كانوا يجدون في مصر أهلاً، وينزلون سهلاً، قصدها الحكيم الثائر جمال الدين الأفغاني، والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وعبد الكريم الخطابي بطل الريف بالمغرب، والشيخ البشير الإبراهيمي شيخ علماء الجزائر، وغيرهم.
وحين حل الشيخ محمد الخضر حسين بالقاهرة التحق بالأزهر، وحصل على العالمية، ورأس تحرير مجلة نور الإسلام "الأزهر" فيما بعد منذ إنشائها عام 1929 م، وكانت في عهده مجلة ذات قيمة علمية وفكرية، يجد فيها الخاصة والعامة بغيتهم، وعين الشيخ أستاذاً متفرغاً في جامعة الأزهر، وأسهم في
(14/ 1/126)

تأسيس "جمعية الشبان المسلمين"، ثم أسس "جمعية الهداية الإسلامية"، ومجلتها التي تحمل نفس الاسم، وكان مقرها بميدان لاظوغلي. ومن خلال هذه الجمعية تعرفتُ على الشيخ، وتوثقت صلتي به، وكانت الجمعية تضم خلاصة العلماء والمفكرين، كما كانت مقصد الطلاب المغاربة من ذوي الحاجات المادية والعلمية، وكان الشيخ -رحمه الله- ينفق على هذه الجمعية ومجلتها من ماله الخاص ..
واختير الشيخ عضواً في هيئة كبار العلماء لدراسته القيمة عن القياس كمصدر من مصادر التشريع، ثم اختير عضواً في المجمع اللغوي.
وعندما أصدر الأستاذ أحمد حمزة -رحمه الله- مجلة "لواء الإسلام" اختار الشيخ الخضر حسين أول رئيس تحرير لها، ولا شك أن هذه المجلة سدت فراغاً في دنيا الفكر الإسلامي. وكان من كتابها المشايخ: أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، والأستاذ عبد الوهاب حمودة، وغيرهم - رحمهم الله-. ولم يكن الشيخ بمعزل عن التيارات الفكرية المناهضة للإسلام، فكان أول من تصدى للرد على كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق ..
* الشيخ ومواقف لا تنسى:
عين الشيخ شيخاً للأزهر عام 1952 م وعمره يناهز الثمانين، لذلك أشفق عليه من هذا المنصب تلامذته وعارفو قدره على ماضيه المشرق الحافل بأنصع الصفحات، ولكن الشيخ الذي كان يتمثل ببيت الشاعر:
إنّ الثمانين وبُلِّغْتها ... قد أحوجَتْ سمعي إلى ترجمانِ
كان بين جنبيه نفس أبية: وقلب فتى، وإيمان شجاع، واطمأننتُ حين
(14/ 1/127)

علمت من مصادر موثوق بها أن الشيخ لا يعتبر هذا المنصب غاية يصبو إليها. لذلك فمنذ توليه المنصب وهو يحتفظ في جيبه باستقالة محررة، ونسخة منها يحتفظ بها مدير مكتبه، وقد قال له -أي: لمدير مكتبه-: إذا أحسست بضعفي في موقف من المواقف، فقدم استقالتي نيابة عني ..
وفي عام 1953 م عزلت فرنسا السلطان محمد الخامس الولي الشرعي للمغرب مستعينة بعملائها الخونة من المواطنين، فجمع الشيخ هيئة كبار العلماء، وأصدرت بياناً اعتبرت فيه هؤلاء المارقين العملاء خارجين على الإسلام، وأرسل البيان إلى الصحف، فلم تنشره، وفي الصباح أرسل البيان مرفقاً به استقالته إلى رئيس الجمهورية، وكان أن نشر البيان، وكان له أثره في الحركة الوطنية في المغرب ..
وبعد:
فهذا هو الشيخ محمد الخضر حسين، العالم، الزاهد، الجريء، الذي قدم إلى المكتبة العربية والإسلامية ثروة أدبية ولغوية وفقهية.
(14/ 1/128)

الأدب التونسي وصداه في الشرق قديماً وحديثاً
أبو القاسم محمد كرو (1)
ويأتي بعد الثعالبي مباشرة رجل وديع ومتواضع، ويكاد أن يكون خجولاً خافت الصوت، إذا ما جالسته وتحدثت إليه، ولكنه جبّار في علمه وفي أدبه، رغم سلفيته ونزوعه إلى المحافظة، بحكم انتمائه العائلي، وتكوينه العلمي .. عنيتُ: الشيخ الجليل محمد الخضر حسين (2) .. هذا الذي جاهد الاستعمار الفرنسي في تونس، وفي كامل بلادنا المغربية، حتى حكم عليه غيابياً بالإعدام، ومصادرة أملاكه؛ لأنه كان أحد الذين ساهموا في بعث الثورات المسلحة بالجنوب .. وكان هو والشيخان: صالح الشريف (3)، وإسماعيل الصفائحي (3)
__________
(1) كاتب تونسي اهتم بسيرة الإمام محمد الخضر حسين وآثاره، وهذا المقتطف من مقاله المنشور في مجلة "المسار" تحت عنوان: "الأدب التونسي وصداه في الشرق قديماً وحديثاً"، وهي مجلة فصلية يصدرها اتحاد الكتاب التونسيين - العدد الأول من السنة الأولى خريف 1988 م. وله كتاب "محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق" طبع في تونس 1973 م.
(2) انظر كتابنا عنه: "محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق" ط تونس 1973 م.
(3) لنا عنهما دراسة مخطوطة "أذيعت عام 1981 م " راجع عنهما أيضاً تراجم محفوظ، وكتاب د. محمود عبد المولى عن الجهاد التونسي الليبي (1914 - 1918 م)، وهو بالفرنسية.
(14/ 1/129)

القادة الحقيقيين للنضال التونسي في أوروبا، خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن بعض المزورين للتاريخ يحاولون سرقة هذا الشرف، وإسناده كاملاً لمن كان دورهم يأتي حتماً في الدرجة الثانية، وذلك بشهادة الوثائق التي بدأ الآن ظهورها في أرشيفات ألمانيا وفرنسا وتركيا (1).
هذا الخضر حسين الذي استطاع بضلاعته النادرة في الأدب والشعر والبلاغة والعلوم الدينية، أن يتصدى -كما لم يتصد عالم أو أديب غيره- في أكبر معركتين من معارك الأدب والفكر في مصر العشرينات، معركة طه حسين وكتابه "في الشعر الجاهلي" (2)، ومعركة علي عبد الرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" (3)، وما أثاره من قضايا حول الخلافة، وهل هي من الإسلام، وضرورية اليوم للمسلمين أم لا؟.
ومن يرد أن يعرف مكانة الرجل، وقيمة كتبه، وردوده العلمية والأدبية على هذين الكتابين، فليعد إلى كتاب "مصادر الشعر الجاهلي" (4) للدكتور ناصر الدين الأسد، وإلى الدكتور محمد عمارة فيما كتبه عن قضية الخلافة وبخاصة ما نشره عنها في مجلة الدوحة الخليجية (5).
__________
(1) انظر: ما كشف عنه باحث ألماني من مكانة كبيرة ودور بارز لصالح الشريف "من خلال وثائق ألمانية" حوليات الجامعة التونسية عدد 24 سنة 1985 م.
(2) حوكم من أجله طه حسين وأتلفت نسخه، لكننا نحتفظ بنسخة أصلية منه في مكتبنا.
(3) طبع في ظروف سياسية معقدة عام 1925 م فور إلغاء الخلافة، ونحتفظ بنسخة من طبعته الأولى التي تمت بإشراف مؤلفه، أما طبعات بيروت اللاحقة، فهي تجارية، وفي بعضها تصرف غير علمي.
(4) صدرت طبعته الأولى عن دار المعارف بالقاهرة عام 1952 والثانية 1962.
(5) أعداد سنة 1987.
(14/ 1/130)

إن ما يعنينا هنا الآن، ليس ذلك فقط، بل حضوره الأدبي الطويل في مصر (40 سنة) بعد حضوره القصير -نسبياً- في دمشق والآستانة، وما تميز به هذا الحضور من إسهام كبير ومتواصل، لا في نهضة مصر الأدبية والعلمية، وفي تطوير أزهرها بالخصوص، وارتقائها إلى أعلى درجات المسؤولية فيه، حتى تولى مشيخته في فجر الثورة الناصرية (52 - 1954)، ليس ذلك فقط، بل وما قام به من نشاط أدبي وصحفي، ومن إشعاع تونسي في شتى الميادين (1)، ويكفي دليلاً على ذلك عدد المجلات التي تولى إدارة تحريرها، فضلاً عن مجلاته الخاصة، وأهمها مجلة "الهداية الإسلامية" التي عاشت معه، ومع جمعيتها التي تحمل اسمها، مدى ثلاثين عاماً، وكانت -كما كان هو- صوت تونس الأدبي والوطني والديني والثقافي، في مصر وفي أنحاء العالم العربي، هذا فضلاً عن عشرات الكتب والمحاضرات، وفي طليعتها كتاباه الفائقان "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، و"نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (2)، يضاف إلى ذلك كله مئات المقالات التي كانت -كما كان هو- بحق إشعاعاً للأدب التونسي في معظم أوساط الأدب والثقافة في مصر والشام، وخاصة أوساط الأزهريين.
صحيح أن تركيز الشيخ الخضر - من الناحيتين الأدبية والتاريخية - كان على جماعات الزيتونيين، وخاصة منهم شيوخه وأصدقاءه اللامعين؛ كعمر ابن الشيخ، وسالم بو حاجب، والطاهر بن عاشور، وعلي النيفر .. لكن هذا
__________
(1) للشيخ الخضر نشاط سياسي وطني للدفاع عن تونس والمغرب العربي، راجع ذلك في كتابنا عنه.
(2) طبع الأول عام 26، والثاني قبله بسنة.
(14/ 1/131)

بالنسبة إليه كان أمراً منطقياً بحكم ظروفه وانقطاع صلاته بتونس إلا مع هؤلاء.
وصحيح أنه قامت بتونس في مطلع الثلاثينات معارضة لأفكاره الأدبية والدينية المحافظة؛ كموقفه هو من دعوة الحداد إلى تحرير المرأة (1)، وموقف الشابي والمهيدي (2) والسنوسي (3) من آراء الخضر الأدبية.
لكن من الصحيح أيضاً أن كتاب الشابي "الخيال الشعري عند العرب" (4) كان في عمقه الخفي معارضة لكتاب الشيخ الخضر حسين "الخيال في الشعر العربي" المطبوع لأول مرة في القاهرة عام 1922 م؛ أي: قبل طبع كتاب الشابي بسبع سنوات، وأنا -وإن كنت أعتز بالرجلين العظيمين- فإني أختلف معهما في الكتابين.
لقد توسعت كثيراً في الحديث عن الثعالبي، والخضر حسين؛ لأننا نعتقد أن دورهما في المشرق هو الذي لفت أنظار واهتمام المثقفين العرب هناك إلى أن تونس لها تاريخ أدبي وثقافي هام جداً، وأن فيها نهضة حديثة، وأدباً جديراً بأن يعرف ويدرس، ثم لأن إشعاع الرجلين ما زال قائماً يضيء الكتابات والعقول إلى اليوم، خاصة في مصر والعراق وبلاد الشام.
__________
(1) انظر كتابه: "رسائل الإصلاح" (ج 3 ص 29)، أو كتابه "بلاغة القرآن" (ص 132)، وهو من تنسيق حفيده للأخ.
(2) عن موقف الشابي راجع: "رسائل الشابي" التي جمعها الحليوي، وقدمنا لها، ونشرناها عام 1966، وعن موقف المهيدي: مجلة "الندوة" عدد خاص بالشابي - أكتوبر 1953.
(3) راجع: مجلة السنوسي (العالم الأدبي)، وكتابه عن الشابي.
(4) طبعته الأولى عام 1929.
(14/ 1/132)

من تاريخ الصحافة التونسية "السعادة العظمى 1904" ودورها الحضاري
محمد الشعبوني (1)
إن صاحب مجلة "السعادة العظمى" هو أحد أعلام هذا العصر، الشيخ محمد الخضر حسين، ولدب "نفطة" سنة 1874، والتحق وهو ابن 12 سنة مع والده إلى تونس العاصمة، ودرس بالمعهد الزيتوني، وأحرز على شهائده العلمية والأدبية، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، ثم تولى القضاء ببنزرت حتى سنة 1905، فتولى التدريس بالزيتونة، وبالصادقية، ثم هاجر إلى دمشق مطارداً من طرف الاستعمار، ثم إلى مصر كلاجئٍ سياسي سنة 1922، واستلم رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، وعين مدرساً بكلية أصول الدين، ثم أستاذاً متخصصاً. وأنشأ جمعية "الهداية الإسلامية"، وأصدر مجلة باسمها، وعيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة، ونال عضوية مجلس كبار العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية"، وأدار تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وترأس (جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا)، ثم اختير شيخاً للأزهر سنة 1952، وتوفي سنة 1958 بالقاهرة، ودفن بالمقبرة (التيمورية).
__________
(1) كاتب تونسي معروف - جريدة "الصباح" العدد الصادر في 29/ 8 / 1990 م - تونس.
(14/ 1/133)

هذا هو صاحب "السعادة العظمى"، فإذا عن هذه المجلة؟ في وقت لم يكن فيه للمجلة الدينية مكان ببلادنا؟
ظهرت "السعادة العظمى" في 16 محرم 1322 م بقطع من الورق الجيد مقياس 17 - 24، وبعدد 16 صفحة، وقد جاء تحت اسم المجلة ما يلي: "مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر غرة كل شهر عربي، وفي سادس عشر منه". ولما ظهرت المجلة، استقبلها أهل العلم والأدب بكل حفاوة وترحاب، وكانت في الوقت نفسه وخزاً للمستعمرين الذين حاربوا ولاحقوا أصحابها، وضايقوا مديرها، حتى تعطل صدورها، ولم يمض عام على ظهورها، وكان آخر عدد ظهر منها يحمل رقم (21) قعدة 1322 ه، وكان صاحبها يصدرها من منزله نهج (رحبة الغنم) (1) بالعاصمة.
أما عن محتواها، فهو كما أشار العدد الأول في افتتاحيتها التي استغرقت صفحات كامل العدد ما نقتصر على بعض عناصره: "تفاتح مطالعيها بمقالة تتخذ مظهراً لبعض مطالب تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، ويتلوها باب تعتبره معرضاً لعيون مباحث علمية، ولا تريد إلا انتظامها في ما هو التحقيق، بما يتخللها من الأفكار السامية، ويتلوهما باب ثالث تنشر فيه من الآداب ما يكون مرقاة للتقدم في صناعتي الكتابة والشعر لا يتمتع بها عند المسايرة ثم ترقص كأضغاث أحلام - ونقصّ في هذا الباب من التاريخ أحسن القصص، ويتصل بذلك باب رابع في الأخلاق، ويلي باب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة عنوانها مسائل شتى.
ومن مقاصد هذه المجلة: التعرض لما تتناوله الألسنة، وتتناقله الأقلام
__________
(1) المعروف اليوم باسم: (معقل الزعيم).
(14/ 1/134)

من الأحاديث الموضوعة. وأورد المؤلف في افتتاحية مجلته اثني عشر استطلاعاً لبيان ما سيدرج تحت كل باب منها، من دراسات ومعارف، ذاكراً أن المجلة مستعدة لقبول ما يرد عليها من الرسائل المنقحة التي تنطبق على المنهج الذي كنا بصدد تسويته، ولا أخاله إلا صراطاً سوياً، ونؤمل من عواطف هؤلاء الفضلاء أن ينظروا إلى ما تنطوي عليه صحائف هذه المجلة كيفما صدرت نظر بحث وانتقاد، وإن عثروا على نوع ما من الخلل، جاهرونا به، ولا نتلقاه إلا بفساحة الصدر، وغاية الارتياح، بل ربما استدللنا على ذلك بنجاح المسعى، ومن انسدت أمامه طرق الإذعان إلى الحق، عميت عليه أنباء التحقيق.
يقول الشيخ محمد العربي الكبّادي:
(سعادتكم) فينا لقد طلعت شمسا ... فكلٌّ لها أضحى مشوقاً كما أمسى
ولله ما خطّت يراعتك التي ... برقَّة ما تبديه تمتلك النفسا
مجلة علم لم تجل في ضلالة ... ولكن جراحات الضلال بها تؤسى
أما الشيخ محمد الحشايشي، فقد حياها بقوله:
تشرفت باستطلاع فكركم الأسمى ... وما ذاك إلا الدرّ ترسمه رسما
مجلتكم روض من العلم يانع ... سترقى بفضل الله أغصانه النجما
وقد خلصت من كل بدعة زائغٍ ... فحقاً بأن تدعى: (سعادتنا العظمى)
ومن لم يشارك في السعادة قاصر ... على نيلها فاسعد ودم جهبذاً قرما
وكثير هم العلماء والأدباء الذين استقبلوا ظهور المجلة بقصائدهم؛ كالمشايخ: محمد النخلي، والصادق المحرزي، وإدريس محفوظ، وصالح سويسي، ومحمد شاكر، ومحمد العزيز الشيخ، والأمين بوعلاق، ومحمد
(14/ 1/135)

المذكور بن الصادق، والطاهر بو دربالة، والشاذلي خزندار، وغيرهم. مما نشرت قصائدهم بكتاب "السعادة العظمى".
يقول محمد الطاهر بودربالة:
ذا زهر روض عاطر الأردان ... أعقود درّ في نحور غوانِ
أم ذي السعادة للهدى قد أقبلت ... حيّت فأحيت مجمع العرفان
عربية شهدت لها أترابها ... وغدت تحليها بحسن بيان
أما علّامة العصر، ومفخرة القطر، الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فقد أورد في كتابه لصاحب المجلة ما يشير إلى رأيه فيها: "ما زلت راجياً أن أرى منا ناهضاً يحيى لهاته الأمة فخاراً، ويقول لأهلها: امكثوا إني آنست ناراً، فهذا رجائي قد أسفر عن مجلتكم العظمى، وعسى أن يقارنها من تعضيد المؤازرين ما تحقق به الآمال، وسيكون-إن شاء الله- من اسمها للأمة أصدق قال. لكنك ستجد في صنيعك هذا ألسناً شاجرة، وصدوراً ثائرة، وعيوناً متغامزة؛ كما وجد الناهضون من قبلك، فإن استطعت أن لا تزيدك أراجيفهم إلا معرفةً بكبر نفسك، وتصميماً على غاية فكرك، ولهواً عن قولهم؛ فإنهم حاسدون، ويأساً من نصرتهم، فأولئك هم الخاذلون، ولتكن استعانتك وتوكلك على من كفل الهداية إلى الصراط المستقيم، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم".
وهكذا أصبح اسم الشيخ الخضر حسين مقترناً باسم مجلته "السعادة العظمى"، هذه المجلة التي تناولت من المباحث العلمية: (الاعتصام بالشريعة)، و (الأخذ بالقول الراجح)، و (براءة القرآن من الشعر)، و (العمل والبطالة)، و (حياة الأمة)، و (التربية)، و (التقدم بالكتابة)، و (النهضة للرحلة)، و (مدنية
(14/ 1/136)

الإسلام والعلوم العصرية)، و (كبر الهمة)، و (التعاون والتعاضد)، و (الديانة والحرية المطلقة)، و (البدعة)، و (الزمان والتربية)، و (الصيام)، و "الأحاديث الموضوعة).
وتناولت عن المباحث الأدبية: (تقسيم الكلام بحسب أغراضه)، و (الإبداع في فنون الكلام)، و (طريق الترقي في الكتابة والشعر)، و (الشعر العصري)، و (الكلام الجامع). وحياة بعض الأعلام؛ كأبي بكر بن العربي، وأبي الوليد الباجي، ومنذر بن سعيد، وتحقيق مسائل تاريخية، والرحلة الجزائرية، أما الأسئلة والأجوبة، فقد كانت متنوعة عن اليلة النصف من شعبان)، و (صوت المرأة)، و (الاقتباس من القرآن)، و (الطب النبوي)، و (الاستخارة)، وغيرها.
هذه هي مجلة "السعادة العظمى" التي تعد أول مجلة دينية ظهرت بتونس في أوائل هذا القرن. نختم باستعراض حياتها بهذه الأبيات لشيخ شعراء "صفاقس" الأستاذ محمد شاكر يراسل بها صاحب المجلة:
هناء لهذا القطر بالمأمل الأسمى ... وبشراه إذ لاحت سعادته العظمى
مجلة علم طالما استشرفت لها ... نفوس ذوي الآداب ممن حوى العلما
فمدوا أولي الألباب أيدي جدّكم ... عسى أن ترى الإسعاد للقوم قد تمّا
(14/ 1/137)

شيخ الجامع الأزهر السابق تونسي الشيخ محمد الخضر حسين
حامد الحبيب براهم (1)
ليس من السهل أن تنسى تونس هذا العالم الكبير، ولابد للشباب التونسي أن يعرف من هو الشيخ محمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر السابق، هذا الرجل الذي آمن بالإسلام ودعوته، وأحب من صدر حياته أن يكون من الذين قال الله سبحانه فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
إن الاستقامة على طريق الله بعلم وحزم وحكمة ويقين هي الولاية، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الدنيا أمام الرجل المسلم، فآثر مصلحة الدين، ومضى على ذلك في تصرفاته كلها مدى الحياة، فهو من أولياء الله؛ أي: من أنصاره، والولاية هي النصرة، وقد جرت سنة الله أن يأخذ بايدي أوليائه، وينصرهم ما نصروا دعوته وسنته في الأرض، وهذه المرتبة في متناول يد كل من رامها من شبابنا وكهولنا وشيوخنا، إذا آلى أن يجعل وجهته في مراحل الحياة. وسأتحدث في هذه الجريدة المباركة "جريدة الصباح" إلى إخواني من الشباب التونسي عن حياة هذا الرجل المؤمن بالإسلام.
__________
(1) كاتب تونسي - جريدة "الصباح" العدد الصادر في 14 سبتمبر أيلول 1990 م - تونس.
(14/ 1/138)

ولد شيخنا المرحوم محمد الخضر حسين عام 1293 ه في مدينة "نفطة" الجمهورية التونسية، وأبوه من أسرة شريفة، أصلها من الجمهورية الجزائرية، وكانت أمه من صالحات النساء، وله فيها قصيدة: (بكاء على قبر) لما بلغه خبر وفاتها سنة 1335 ه. وكان أبوها الشيخ مصطفى بن عزوز من أهل العلم والفضل، له ترجمة في تاريخ الوزير أحمد بن أبي الضياف، وأبو جده لأمه محمد بن عزوز من الأفاضل أيضاً، وله ترجمة في كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" للشيخ الحفناوي بن عروس، وخاله السيد محمد المكي بن عزوز من كبار العلماء الصالحين، وكان موضع الإجلال والاحترام من رجال الدولة العثمانية في العهد الحميدي، وقضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة برغبة من السلطان، وله مؤلفات معروفة، ولشيخنا الفقيد قصيدة في تأبينه ووصفه بمناسبة وفاته سنة 1334 ه أثبتها في (ص 180) من "ديوانه" في طبعته الثانية.
وفي سنة 1305 انتقلت أسرتهم من "نفطة" إلى العاصمة التونسية، وكان الفقيد في الثانية عشرة من حياته، وقد تأدب قبل ذلك بأدب الإسلام، وتلقى كتاب الله، ومبادئ العلوم الشرعية والعربية، فلما نزلوا تونس، التحق بجامع الزيتونة الأعظم، وأخذ يتنقل في مراحل التعليم، وكان من أبرز شيوخه: العلامة الكبير المرحوم سالم بو حاجب المولود ببلدة بنبلة، والمتوفى سنة 1339 ه -رحمه الله-، ولفقيدنا أبيات في وصفه ورثائه هي في "ديوانه" (ص 101).
وفي سنة 1321 حصل على شهادة العالمية من جامعة الزيتونة المعمور، وما لبث أن أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأخذ يساهم في النهضة العلمية والأدبية، ويباري رجالها لإحراز قصبات السبق طمعاً في مرضاة الله، وفي
(14/ 1/139)

"ديوانه" (ص 73) قصيدة نظمها في هذه الحقبة، انطوت على روح الدعوة التي أنشأ هذه المجلة للقيام بها.
وفي سنة 1324 ه تولى قضاء مدينة "بنزرت" ومنطقتها. وفي مساء 17 ربيع الآخر من تلك السنة ألقى محاضرة عنوانها: (الحرية في الإسلام) في نادي قدماء خريجي المدرسة الصادقية بلغت 64 صفحة، ودلت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإسلام من هذه الناحية، ولم تطل مدة ولايته القضاء؛ لأن الجمع بينه وبين انطلاقه الفكري في بلد محتل بالاستعمار الملعون كان محاولة للجمع بين الضدين، لذلك رأيناه في سنة 1337 ه عاد مدرساً في جامع الزيتونة، ولعله فارق القضاء قبل تدريسه في الزيتونة، فتولى التدريس قبل ذلك في المدرسة الصادقية حيث كانت المدرسة الصادقية هي الوحيدة في كامل الوطن التونسي، وفي مساء السبت 11 شوال سنة 1327 ه ألقى في نادي الجمعية الخلدونية بتونس العاصمة محاضرة عنوانها: (حياة اللغة العربية) تحدث فيها عن أطوار هذه اللغة، وفصاحة مفرداتها، وحكمة تراكيبها، وتعدد أساليبها، وما تفردت به من إعجاز وبدائع التشبيه، وارتقاء مستوى اللغة بارتقاء التمدن العربي، وتحدث عن العامية والعربية الفصحى، وفي "ديوانه" (ص 23) قصيدة نظمها سنة 1328 ه بعد ولايته القضاء والتدريس يوجه بها أنظار القائمين على جامع الزيتونة إلى ضرورة العناية بتدريس الإنشاء، وتمرين الزيتونيين عليه؛ ليكون للوطن من علماء هذا المعهد الإسلامي كتّاب بارعون، يؤدون مهمة الدعوة، ويقودون الأمة إلى أهدافها.
وفي تلك السنة، مرت بتونس بعثة الهلال الأحمر العثماني قاصدة طرابلس الغرب بعد حملة البغي الإيطالي عليها، فنظم قصيدة يدعو فيها إلى معونة
(14/ 1/140)

هذه البعثة وإعانتها، وهي في "الديوان" (ص 33).
وفي السنة التالية (1329 ه) وجهت إليه التهمة ببث روح العداء للغرب، ولا سيما سلطة الحماية الفرنسية، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، ولما ظن أن الزوبعة هدأت، عاد إلى تونس بطريق "نابولي"، ولما استقر به المقام، رأى أنه لن يطيق البقاء في ذلك الجو الخانق، فأزمع الهجرة منه نهائياً، ووقع اختياره على دمشق، ليتخذها وطناً ثانياً له، وقد مر بالقاهرة سنة 1330 ه، وقد اجتمع بالشيخ طاهر الجزائري، وأحمد تيمور، والسيد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب الذي كان وقتئذٍ في قلم تحرير "المؤيد".
ولما وصل إلى دمشق، كانت الحركة العربية في بدايتها، وكانت الأمة تطالب الحكومة العثمانية بإعطاء اللغة العربية حقها من التعليم في المدارس الرسمية، فعين الشيخ محمد الخضر حسين مدرساً للعربية في المدرسة (السلطانية) بدمشق، وكانت سكة الحجاز الحديدية متصلة فيما بين دمشق والمدينة المنورة، فزار المسجد النبوي سنة 1331 ه، وله في هذه الزيارة قصيدة في "الديوان" (ص 106).
وفي هذه الفترة زار البلاد التونسية، وفي "ديوانه" من ذكريات هذه الزيارة أبيات في (ص 126 و 134). وذهب في هذه المرة إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا، واختير الشيخ محرراً عربياً في وزارة الحربية، وكان في هذه الحقبة قد عرف دخيلة الحال في الدولة، وأصيب بخيبة أمل ما كان يتصوره بعين الخيال، وبين ما رآه بعين الحقيقة، فنظم في سنة 1332 أبيات بعنوان: (بكاء على مجد ضائع) تجدها في "ديوانه" (ص 61)، وفي سنة 1333
(14/ 1/141)

أرسله أنور باشا إلى "برلين" بمهمة رسمية، فقضى في ألمانيا تسعة أشهر، اجتهد خلالها في تعلم الألمانية، وفي "ديوانه" قطع كثيرة مما نظمه هناك، ومن ذلك: أنه كان في قطار بضواحي برلين يرافقه مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية الألمانية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل مدير الأمور الشرقية على الشيخ، وقال له: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فنظم الشيخ في هذه الحادثة أبياتاً يقول فيها:
عذيري من فتى أزرى بقومي ... وفي الأهواء ما يلد الهذاءَ
سلوا التاريخ عن حكم تملت ... رعاياه العدالة والرخاء
هو الفاروق لم يدرك مداه ... أمير هزّ في الدنيا لواء
وعاد إلى الآستانة، فوجد أن خاله الشيخ المكي بن عزوز قد توفي بها، قبل قدومه بنحو شهرين، فرثاه بما في "الديوان"، ثم ضاقت به العاصمة العثمانية على سعتها، وصرفه عنها وعن عظمتها يومئذٍ ما كان يشعر به من الشوق إلى دمشق، حتى تمكن من الوصول إليها، والاستقرار فيها، غير أنه ما لبث أن ناله شواظ من شرور السفاح الجنكيزي أحمد جمال باشا، الذي لم يسلم فاضل من شره، فاعتقل في رمضان سنة 1334 ه، وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا الذي تولى رئاسة الوزراء اللبنانية بين الحربين العالميتين، وكان جريرة سعدي بك الملا: أنه كان سكرتيراً لشكري باشا الأيوبي من كبار رجال الجيش العثماني الذين أنجبتهم الشام، أما شكري باشا، فكان تحت التعذيب الأليم الذي يذكِّر الناسَ بديوان التفتيش الكاثوليكي في إسبانيا.
(14/ 1/142)

ومن شعر الشيخ محمد الخضر حسين في هذا الاعتقال:
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضحانا به ليل، وسامرنا رَمْسُ
فقال رفيقي في شقا الحبس: إن في ... الحضارة أنساً لا يقاس به أُنْسُ
فقلت له: فضل البداوة راجحٌ ... وحسبك أن البدو ليس به حَبْسُ
وأكبر ظني أنه كان لأنور باشا دخل في إنقاذ الشيخ من قبضة جمال باشا، فما كاد يفرج عنه، ويخرج، حتى أزمع السفر إلى الآستانة، وما كاد القطار يسير به حتى قال، وهي في "ديوانه" (ص 126):
أردد أنفاساً كذات الوقود إذ ... رمقتني من البين المشت رواشِقُ
وما أنت مثلي يا قطار وإن نأى ... بك السير تغشى بلدة وتفارقُ
فما لك تلقى زفرة بعد زفرة ... وشملك إذ تطوي الفلا متناسق؟!
ولما بلغ الآستانة، أوفده أنور باشا سنة 1335 للمرة الثانية إلى ألمانيا، فقضى فيها زمناً طويلاً، وعاد إلى الآستانة، ثم إلى دمشق، فتولى التدريس بالمدرسة السلطانية مرة أخرى بقية سنة 1335، وفي هذه المدة شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" فيعلم العربية لجمال الدين بن هشام (706 - 761) بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصل بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجد من الطلبة جمع هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها نظره بمصر، ونال بها عضوية جماعة كبار العلماء.
(14/ 1/143)

وفي سنة 1337 ه ذهب إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهاياتها، والحالة في دولة الاتحاد والترقي مؤذنة بالزوال، فتوجه إلى ألمانيا، وقضى هناك سبعة أشهر، وكانت عودته منها هذه المرة إلى دمشق رأساً، وهو يقول "الديوان" (ص 220):
سئمت وما سئمت سوى مقامي ... بدارٍ لا يروج بها بياني
فازمعت الرحيل وفرط شوقي ... إلى بردى تحكم في عناني
هلم حقيبتي لأحطّ رحلي ... فنفحُ زهور جِلَّق في تداني
ووافقت عودة الشيخ إلى دمشق دخول الجيش العربي، وولاية فيصل ابن حسين على سوريا، على أمل أن يعود إلى تونس، فيكمل حياته فيها، ولكن الله أراد له الاستقرار والبقاء بمصر.
وفي مصر أخذ يشتغل بالكتابة والتحرير والدرس، وفي سنة 1340 ه ألف رسالته "الخيال في الشعر العربي". وبعدئذٍ كسبته دار الكتب المصرية، فالتحق بقسمها الأدبي عدة سنين، ثم تجنس بالجنسية المصرية، وتقدم للامتحان في الأزهر، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كما اكتشفت آفاق علمه، زادت في التعمق بمناقشته، واستخراج كنوز فضله، وأصبح بعدئذ من أكمل أساتذة هذا الصرح العلمي العظيم في عصور الإسلام الطويلة، وإن تلاميذ الشيخ صاروا فحول العلماء، وأطواد التحقيق في الشريعة وعلوم العربية.
وفي سنة 1342 ه أسس "جمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية"، وسن لها قانوناً، وفي سنة 1343 مرض مرضاً شديداً، ردد صداه في شعره "الديوان" (26)، وفي سنة 1344 ه ظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
(14/ 1/144)

واصل -رحمه الله- السنين المباركة في حياته بعد ذلك في التدريس بكلية أصول الدين على طريقة العلماء الأقدمين في التحقيق والرجوع بقضايا العلم إلى أصولها، والغوص في أعماقها، ويقضي الليالي في محاضرة جماهير الشباب وأهل الفضل بدار "جمعية الهداية الإسلامية" داعياً إلى تجديد حيوية الإسلام في نفوس أهله، وتقرير حقائقه بأساليب بليغة، كانت موضع الحرمة والتقدير من جميع الطبقات.
وعندما أسس المجمع اللغوي، كان من أقدم أعضائه، وله فيه بحوث وقصائد ودفاع عن الفصحى، وتبيان لأسرارها، وعرض لجواهرها.
وفي سنة 1370 نال عضوية هيئة كبار العلماء برسالة "القياس في اللغة العربية" التي ألف أصولها وهو في دمشق أيام الحرب العالمية الأولى، وفي يوم الثلاثاء (26 من ذي الحجة 1371 ه - 16 سبتمبر 1952 م) خرج من مجلس الوزراء أثناء انعقاده ثلاثة من أعضاء ذلك المجلس، فتوجهوا إلى المنزل الذي كان يسكنه الشيخ، وعرضوا عليه مشيخة الجامع الأزهر باسم حكومة الثورة، وجاء الشيخ إلى مشيخة الأزهر، وللأزهر في ذهنه رسالة يتمنى لو اضطلع بها الأزهر؛ ليتم له بها حمل أمانة الإسلام.
وكان هذا الاختيار تحقيقاً للأخوة الإسلامية في الدستور الإسلامي، وبرهاناً من الله -عزَّ وجلَّ- على أن من كان مع الله، كان الله معه، وعلى أن من عاش يؤثر الآجلة على العاجلة عند اختلافهما، فإن الله يكافئه بخير مما يطمع فيه الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة.
ولما أضعفته الشيخوخة عن مواصلة الاضطلاع بحمل هذه الأمانة، عاد إلى منزله يواصل العكوف على الكتب والكتابة والتفكير، حتى لقد نظم ديواناً
(14/ 1/145)

كله مقطعات في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير ..
وفي يوم 13 رجب 1377 مساء اختاره الله إليه، وهو لا يزال على عهده الأول من الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا، فكان جديراً بما وعد الله به أمثاله أن تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، وفي ظهر اليوم التالي صُلي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر وأعيان الأمة المصرية والمنتسبون إلى العلم، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه -رحم الله الشيخ محمد الخضر حسين التونسي شيخ جامع الأزهر السابق-.
(14/ 1/146)

أعلام من تاريخنا الشيخ محمد الخضر حسين
عمر بُوشيبة (1)
في الجنوب التونسي، وفي زوايا العلم؛ حيث الإشعاع الفكري والروحي، وفي واحات النخيل الباسقة، ولد شيخنا الخضر حسين في بلده "نفطة" سنة 1873 ه من أسرة علم وتقوى يتصل نسبها بالرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، ولما بلغ من العمر الثانية عشرة، انتقل مع والده إلى العاصمة؛ حباً لطلب العلم، وانتسب إلى جامع الزيتونة الذي نهل من معينه العلم الكثير، وفي هذا الصرح الحضاري درس، ودرّس العلم، وتولى بعدها القضاء في مدينة "بنزرت"، فكان وقافاً عند كتاب الله، ولم يكتف بهذا، بل راح يخوض غمار الصحافة، فأسس مجلته الخالدة "السعادة العظمى" التي أوقفتها السلطات الفرنسية.
لقد كان صوتاً إسلامياً مدوياً في أنحاء المعمورة، يخشع لسامعه العدو والصديق. رحم الله شيخنا، لم يدع درباً ولا طريقاً إلا سلكه في سبيل تحرير تونس الحبيبة من براثن الاستعمار، لقد كان خطيباً مفوهاً يلهب حماسة الجماهير
__________
(1) كاتب تونسي - مجلة "الفجر" - العدد العاشر الصادر يوم السبت 10 ربيع الأول 1411 ه - 29 سبتمبر 1990 م - تونس.
(14/ 1/147)

من فوق المنابر، فلما شعرت فرنسا بالخطر المحدق عليها، لاحقته، وضيقت عليه السبل، فخرج فراراً بدينه إلى الشرق حاملاً قلماً بليغاً معطاءً لا ينفد خيره، وعقلاً مؤمناً ثاقباً، يتابعه حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة العدو.
وحط به الترحال في دمشق الفيحاء، فأقام فيها مدة طويلة تولى في مطلعها التدريس، ثم اعتقله جمال باشا فترة من الزمان؛ لاشتغاله بالسياسة، وتحريض الناس للجهاد المقدس، وعلى أثرها سافر إلى الآستانة وألمانيا داعياً؛ لأنه يدرك أنه يمثل خلية من خلايا جسم الدعوة الإسلامية، وأن قوة هذه الخلية وفاعليتها في مدى انسجامها وتفاعلها مع خلايا الجسم الأخرى. هكذا كان ينظر إلى عبء الدعوة الإسلامية.
وفي سنة 1920 م وصل إلى مصر بعد أن لاحقته فرنسا طويلاً، فبدأ النضال السياسي إلى جانب الدعوة والإصلاح، كانت داره عبارة عن سفارة تونسية، بل مغاربية، يؤمها الأمراء والمناضلون من أبناء المغرب العربي الكبير، فكان الشيخ يبعث فيهم روح النضال الموحد والمشترك؛ لأن عدوهم واحد، وهدفهم واحد، فأسس (رابطة تعاون جاليات أفريقيا الشمالية)، فعقدت المؤتمرات، وشرحت قضايا المغرب للعالمين العربي والإسلامي، ثم أنشأ (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية) التي قامت بدور فعال، وكانت إحدى الطعنات التي مزقت صدر الاستعمار، وهو في كل هذا بقي يحن إلى تونس مسقط رأسه، ومنبِت فكره، ونجد ذلك في شعره تحت عنوان: (أنباء تونس). قال عندما زاره أحد الأدباء قادماً من تونس إلى القاهرة:
أمحدّثي رُبِّيتَ في الوطن الذي ... رُبِّيتُ تحت سمائه وبلغت رشدا
(14/ 1/148)

وجنيتَ زهر ثقافة من روضة (1) ... كنتُ اجتنيت بنفسجاً منها ووردا
هاتِ الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جِدّا
وبعد رحلة طويلة من الكدح والجهاد، ناداه ربه إليه، فاستجاب لنداء خالقه، وكان ذلك في رجب سنة 1958 م حيث دفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة إلى جانب صديقه أحمد تيمور باشا.
استلم رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" التي يصدرها الأزهر، المعروفة اليوم بمجلة الأزهر، وانضم إلى علماء الأزهر، وعيّن مدرساً للفقه في كلية أصول الدين، ثم أستاذاً في التخصص، وعين أيضاً في المجمع العربي العلمي بدمشق، واختير عضواً في جامعة كبار العلماء بعد أن قدم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية". استلم رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وقام بتأسيس جمعية (الهداية الإسلامية)، وجمعية (الشبان المسلمين)، ثم تولى سنة 1952 م إماماً لمشيخة الأزهر.
* بعض أقواله في فكرة فصل الدين عن الدولة:
فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين.
* مؤلفاته:
كثيرة منها: ديوانه في الشعر - خواطر الحياة - أسرار التنزيل - الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان - القاديانية والبهائية.
رحم الله شيخنا، ما ترك فناً إلا وكتب فيه.
__________
(1) يقصد به: (جامع الزيتونة) المعمور بتونس.
(14/ 1/149)

أعلام الإعلام في تونس محمد الخضر بن الحسين
الدكتور محمد حمدان (1)
إذا كان تاريخ الصحافة بتونس زاخراً بالدوريات التي صدرت في شكل جرائد، فإن الدوريات التي صدرت في شكل مجلات تعد ضئيلة نسبياً. وإذا كانت الجرائد متصلة بالأحداث الآنية، وبالأخبار السياسية العامة، فإن المجلات تأخذ عادة بعدها الكافي عن الأحداث، لتكون وسائل تفكير نظري، وخلق أدبي، وتعبير عن الرأي. وتواجه المجلات بالتالي أكثر من الجرائد مشاكل في الصدور والاستمرارية؛ نظراً لجمهورها المحدود، ولتكاليف إخراجها المرتفعة.
وقد كان لمحمد الخضر بن الحسين الفضل في إصدار أول مجلة تونسية عنوانها "السعادة العظمى"، تبعتها بعد ذلك مجلات أخرى ذات طابع ديني أو أدبي إلى جانب المجلات الرسمية والمختصة.
ومحمّد الخضر بن الحسين من مواليد "نفطة" بالجنوب التونسي
__________
(1) كاتب تونسي معروف، وأستاذ محاضر في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، له كتاب قيم في الإعلام في تونس تحت عنوان "أعلام الإعلام في تونس 1860 - 1956" ط 1991 م، صدر عن مركز التوثيق القومي بتونس. ومن الكتاب المذكور أخذنا هذا البحث.
(14/ 1/150)

حوالي 1873 م، ودرس بالمكتب القرآني في مسقط رأسه قبل أن يلتحق بالزيتونة، حيث تحصل على (التطويع)، وبدأ حياته العامة بإصدار مجلة "السعادة العظمى" منذ شهر محرم 1322 ه (الموافق لشهر أفريل 1904 م)، وهي مجلة علمية أدبية إسلامية ونصف شهرية.
وأبرز الخضر بن الحسين من خلال مجلته نزعته الإسلامية الإصلاحية، ودعوته للتمسك بالدين، وبالتضامن الإسلامي لضمان النهضة. وقد انتهجت مجلة "السعادة العظمى" في شكلها ومنهجها ما سلكته مجلة "المنار" المصرية الشهيرة من خيارات.
وأحدثت المجلة هزة للفكر الديني التقليدي؛ إذ فتحت ودعت إلى فتح أبواب الاجتهاد، كما فتحت أبواباً للمقالات العلمية العصرية، لم يتعود عليها القارئ، وفتحت أيضاً أبواباً للجدل حول مواضيع دينية ودنيوية حساسة. وفتحت المجلة أعمدتها لبريد القراء. وقد واجهت المجلة معارضة واحتجاج علماء الدين التقليديين الذين حاولوا إخماد صوتها. ولم تتمكن مجلة "السعادة العظمى" من الصدور أكثر من واحد وعشرين مرة؛ إذ توقفت عن الصدور في شهر جانفي 1905 م. بعد أن قامت هيئة النظارة العلمية لجامع الزيتونة بمطالبة الحكومة بتعطيلها.
وكان لهذه المجلة تأثير كبير على المسار المهني للخضر بن الحسين في المؤسسة الزيتونية، وعلى الشهرة التي سيتمتع بها لدى جانب معين من الزيتونيين، وعلى الاضطهاد الذي سيمارسه عليه جانب آخر منهم، مما سيدفع به في النهاية إلى ديار الغربة.
ومن الناحية الصحفية، يمكن اعتبار "السعادة العظمى" أول مجلة تصدر
(14/ 1/151)

في تونس باللغة العربية، وإن سبقتها في الظهور مجلات أخرى باللغة الفرنسية؛ مثل: "المجلة التونسية" منذ سنة 1885، وإن سبقتها كذلك التقاويم السنوية التي صدرت في تونس مطبوعة باللغة العربية منذ 1881. وتعتبر مجلة "السعادة العظمى" امتداداً للكتاب؛ إذ أن صفحات مختلف أعداد المجلة متتابعة يمكن جمعها في كتاب، ولم تصل بعد في شكلها إلى مرحلة متطورة من الإخراج، إذ أنها لا تحتوي على رسوم أو صور، ولا تبرز بإخراج يميزها عن الكتب.
وبعد هذه التجربة الإعلامية الرائدة، انصرف محمد الخضر بن الحسين عن المهنة الصحفية، وإن واصل بعد ذلك مساهماته الصحفية، فإنه لم يتفرغ لهذا الميدان؛ فقد دعي الخضر بن الحسين إلى مباشرة القضاء في "بنزرت" سنتي 1905 و 1906، ثم إلى التدريس في الزيتونة، وشقّ طريقه بصعوبة في هذه المؤسسة التعليمية، كما زاول التدريس في (الصادقية).
وبدأ الخضر بن الحسين أسفاره للخارج بداية من سنة 1911 بعد تعرضه للمضايقات، واستقال من الزيتونة عام 1912 م؛ ليتجول بين بلدان المشرق والغرب، وليدافع عن القضية التونسية والجزائرية في "برلين" خلال الحرب العالمية الأولى إلى جانب صالح الشريف، ومحمد باش حانبة.
واستقر بالشيخ الخضر بن الحسين المطاف بمصر، حيث قرر الإقامة، فتحصل على الجنسية المصرية، وزاول التدريس في جامع الأزهر إلى أن تولى رئاسة مشيخة الجامعات الأزهرية الشهيرة سنة 1952. وفي مصر أيضاً كان للشيخ الخضر بن الحسين نشاط إعلامي؛ إذ تولى رئاسة تحرير المجلة الإسلامية التي تصدرها مشيخة الأزهر بعنوان "نور الإسلام"، كما تولى رئاسة (جمعية الهداية الإسلامية)، وأشرف على إصدار مجلة هذه الجمعية التي تحمل عنوان
(14/ 1/152)

"الهداية الإسلامية". واستلم أيضاً رئاسة تحرير مجلة أخرى بعنوان "لواء الإسلام". وهكذا حافظ الشيخ الخضر بن الحسين على وفائه لتوجهاته الإسلامية في الإعلام. كما حافظ على قالب المجلة في إصداراته الإعلامية نظراً لتماشيها مع المواضيع الجدية التي يتطرق إليها.
وبالرغم من بعده عن تونس، وحجز أملاكه بها، والحكم عليه بالإعدام غيابياً، فإن علاقات الشيخ الخضر بن الحسين لم تنقطع مع الصحافة التونسية، فقد نشر في جريدة "الزهرة" اليومية في سنة 1913 خلاصة رحلته الشرقية. كما راسل مجلة "الفجر" التي أصدرها الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920، وقدم في أعمدتها مساهمة حول النظرية السياسية في الإسلام، وراسل الشيخ الخضر بن الحسين كذلك مجلة "البدر" الزيتونية، فتطرق لموضوع الخلافة في الإسلام، ولمسؤوليات العلماء، وساهم أيضاً بمراسلات إلى "مجلة العرب" عام 1923. ويذلك تواصل حضوره على أعمدة الصحافة التونسية من خلال مقالاته.
كما تواصل هذا الحضور الإعلامي من خلال ما كان يكتبه عنه بعض الصحفيين الذين تتلمذوا على يديه. وقد كان الطيب بن عيسى صاحب جريدة "الوزير" ضمن التلامذة الأوفياء للشيخ، يتابع أخباره، ويفتخر بارتفاع شأنه في المشرق. أما طلبة "الجريد"، فقد بقي الشيخ الخضر بالنسبة إليهم رمزاً للكفاح والعلم، وأسسوا سنة 1947 جمعية (شباب الخضر بن الحسين النفطي)، وأسسوا نشرة أدبية سنوية لهذه الجمعية عام 1948، ساهم في تحريرها محمد صالح المهيدي، ومصطفى خريف، ومحمد العربي صمادح، وغيرهم. وبقي الشيخ الخضر بن الحسين متواجداً في الصحافة التونسية حتى
(14/ 1/153)

توفي في 12 فيفري 1958 بالقاهرة، فخصه الطيب بن عيسى في جريدته "المشير" بسلسلة من المقالات تمجد ذكراه.
وإذا برز الشيخ الخضر بن الحسين على الصعيد العلمي والتعليمي والسياسي غير من بروزه على الصعيد الصحفي، وإذا لم ينل من مهنة المتاعب إلا المتاعب، فيكفيه فخراً أنه كان صاحب أول مجلة عربية في تاريخ الصحافة التونسية. وقد قامت الشركة التونسية للتثقيف والترفيه بجمع كامل أعداد مجلته "السعادة العظمى" في مجلد واحد، ونشرها سنة 1987؛ حتى تكون في متناول جميع القراء.
* المراجع:
- محمد مواعدة: "محمد الخضر حسين: حياته: آثاره 1873 - 1858 م "، الدار التونسية للنشر، تونس 1974 م، 342 ص.
- جعفر ماجد: "الصحافة الأدبية في تونس" (بالفرنسية)، الجامعة التونسية 1979 م، (ص 30).
- مركز التوثيق القومي: ملف ب - 2 - 81 (الحركة الوطنية).
- محمد الفاضل بن عاشور: "أركان النهضة الأدبية بتونس".
- الطيب بن عيسى: مقالات عن محمد الخضر بن الحسين في "جريدة الأسبوع" (في 3 و 10 نوفمبر 1952، وفي 8 ديسمبر 1952 م)، وفي مجلة "المشير" (في 17 فيفري و 3 مارس و 14 أفريل و 19 ماي 1958 م).
(14/ 1/154)

من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر الشيخ محمد الخضر حسين
الدكتور محمود حمدي زقزوق (1)
ولد الشيخ محمد الخضر حسين بمدينة "نفطة" في جنوب تونس في 26 رجب 1873 م، وقد التحق بجامع الزيتونة بتونس عام (1307 ه - 1887 م)، وحصل على شهادة التطويع عام 1898 م، وهي شهادة تمكن حاملها من التطوع لإلقاء دروس في جامع الزيتونة، كما تؤهله للظفر بمناصب علمية أو دينية عديدة، وبخاصة إذا كان صاحبها يتمتع بنبوغ وجد وسعة معرفة.
وفي عام 1954 أنشأ أول مجلة عربية أدبية علمية في شمال أفريقيا هي مجلة "السعادة العظمى"، وتولى عام 1905 قضاء بلدة "بنزرت"، ولكنه استقال بعد شهور قليلة، وعاد للتدريس بجامع الزيتونة، ثم بالمدرسة الصادقية، ورحل إلى الشرق عام 1912، وأقام في دمشق، ورحل إلى الآستانة، وبرلين، وفي عام 1920 استقر في مصر، وحصل على الجنسية المصرية عام 1932، وامتدت فترة إقامته في مصر حتى وفاته. وفي مصر ظهرت قيمته العلمية، وبرزت مكانته الثقافية.
__________
(1) كاتب إسلامي معروف، ووزير الأوقاف المصري - نشر هذا البحث عندما كان يشغل منصب عميد كلية أصول الدين بالقاهرة - جريدة "الأهرام"، العدد الصادر يوم الأحد 4 رمضان (1412 ه الموافق 8 مارس آذار 1992 م).
(14/ 1/155)

وقد أسس عام 1928 مع عدد من علماء الأزهر (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان أول رئيس لها، وأصدرت الجمعية مجلة "الهداية الإسلامية" في أكتوبر 1928. وظلت تصدر شهرياً إلى أن توقفت أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد كان الشيخ مع صديقه الحميم تيمور باشا في طليعة المؤسسين لجمعية الشبان المسلمين عام 1928، وعندما أصدر الأزهر مجلة "نور الإسلام" (مجلة الأزهر فيما بعد) عام 1930 أسندت إليه رئاسة تحريرها، وقد ثم اختيار الشيخ عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق عام 1919، وعضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في أول تشكيل له عام 1933، وعين عضواً بجماعة كبار العلماء بالأزهر ومشيخة الأزهر عام 1952، واستقال منها عام 1954، ولكنه ظل يمارس نشاطه العلمي حتى آخر لحظة في حياته، وكان آخر مقال نشر له في عدد فبراير 1958 من مجلة "لواء الإسلام"، وهو الشهر الذي توفي فيه.
* مؤلفاته:
له مؤلفات عديدة، وأبحاث مختلفة، من أهمها: "القياس في اللغة العربية" (1934) - ويهذا البحث نال عضوية جماعة كبار العلماء. "الخيال في الشعر العربي" (1922)، "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (1922). "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (1922)، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (1927)، "رسائل الإصلاح" في ثلاثة أجزاء (1939)، "خواطر الحياة"، "بلاغة القرآن" (1971)، "القاديانية والبهائية".
وللشيخ بالإضافة إلى ذلك العديد من المقالات والبحوث في موضوعات متنوعة، نذكر منها: الحرية في الإسلام، حياة اللغة العربية، العظمة، الخطابة
(14/ 1/156)

عند العرب، علماء الإسلام في الأندلس، ويعد كتاباه في "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" من أبرز الكتب التي كان لها أثرها في ذيوع اسمه في الأوساط العلمية والأدبية.
* آراؤه واتجاهاته الفكرية:
لقد كان الشيخ صاحب غيرة دينية، ونزعة إصلاحية معتدلة، تجلت في مقالاته وبحوثه ومؤلفاته، وقد اهتم في مقالاته العديدة التي جمعت فيما بعد في كتابه "رسائل الإصلاح" بمجالات الدين والأخلاق والاجتماع. واهتم بصفة خاصة بالميدان الأخلاقي، فركز على الخصال التي يجب أن يتحلى بها الفرد، وبخاصة العالِم، وما يجب أن تتحلى به الأمة حتى تسلم من التفكك والانحلال. وتعرض لموضوع الإسلام والمدنية الحديثة مبيناً أهمية الدين في المجتمعات الحديثة، وضرورة عناية حكوماتها بنشره، وأن تستمد قوانينها من تشريعه الواسع النطاق، وهاجم العلمانية.
وقد كان الشيخ من دعاة الرابطة الإسلامية، المدافعين عن الدين، ودعوة المسلمين إلى ضرورة المحافظة عليها، وكان من دعاة الاجتهاد، وقد بين قيمته في الشريعة الإسلامية، مؤكداً على أن الشريعة الغرّاء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل.
ومن منطلق الغير الدينية أيضاً، رأينا الشيخ يرد على الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926.
وقد ردَّ الشيخ الخضر حسين رداً تفصيلياً على كل ما جاء في كتاب الدكتور طه حسين، مؤكداً أنه لا يعارض المؤلف في انتهاج الأسلوب الذي يريد في بحثه، بشرط ألَّا يكون في ذلك مساس بالدين الإسلامي، وانحراف
(14/ 1/157)

عن الحقيقة، وبيّن أن منهج الشك ليس جديداً، فقد ذهب إليه الغزالي، وابن خلدون قبل ديكارت.
وقد نال كتاب الشيخ الخضر حسين "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" تقدير عدد من علماء الإسلام المعاصرين، والأدباء العرب البارزين في ذلك الوقت؛ لما اشتمل عليه من نقاش موضوعي، ولما قدمه من حجج لغوية وتاريخية.
(14/ 1/158)

بين القاسم الشابي ومحمد الخضر حسين
البشير العريبي (1)
ظاهرة غريبة -وإن كانت بسيطة- تلاحظ في بعض إنتاج الأديبين التونسيين الكبيرين: أبي القاسم الشابي، ومحمد الخضر بن حسين.
وقبل بسط هذه الظاهرة تجدر الإشارة إلى حقائق تبدو ذات ارتباط بها، بل هي كالممهدة لها، والمؤذنة بها، وأخص ما فيها أنها -كلها- قدر مشترك بين الأديبين.
أولى تلك الحقائق: أن كلاً من الرجلين أصيل الجنوب الغربي التونسي المعروف باسم: (بلاد الجريد).
فالشابي ينتسب إلى "الشابية" من ضواحي "توزر".
وابن الحسين ينتسب إلى "نفطة"، وهي من نفس المنطقة "ولاية توزر".
وثانية الحقائق: أن كليهما يصدر عن بيت علم وصلاح وتصوف، كما أن كليهما كانت له - بعاً لذلك- اهتمامات بالعلم والفكر، والأدب شعره ونثره:
فالشابي جده: (سيدي عرفة الشابي) .. وأبوه كانت له رحلة في طلب
__________
(1) كاتب تونسي. جريدة "الصباح" الصادرة بتاريخ 21/ 3/ 1995 م، تونس.
(14/ 1/159)

العلم؛ حيث تخرج من الجامع الأزهر، وقد ولي بعد عودته إلى البلاد التونسية منصب القضاء الشرعي في مناطق متعددة يعرفها كل من تابع حياة أبي القاسم وتنقلاته.
والشابي نفسه درس بجامع الزيتونة الأعظم، وتخرج منه بشهادة (التطويع)، وانتسب إلى (دروس الحقوق الفرنسية) التي كانت شعبة من التعليم العالي، مهدت لقيام (كلية الحقوق).
وابن الحسين جدّه (سيدي الحسين) (1) الذي كان معروفاً في حياته بالإصلاح، وأنشأ له مريدوه بعد وفاته (زاوية) كانت قائمة الذات قبالة (سيدي عبد الله) على مرتفع كان يقع في الجانب الشرقي لكلية الآداب بتونس اليوم، وقبره في تلك الزاوية كان يزار ..
والشيخ الخضر نفسه كان من علماء جامع الزيتونة، وممن تولوا القضاء الشرعي بإحدى مناطق البلاد التونسية "بنزرت".
كما التحق بعد ذلك بالمشرق العربي الإسلامي، واستقر -كما هو معلوم - بمصر، وأصبح من كبار علماء الأزهر الشريف، بل وولي مشيخة الجامع الأزهر في مطلع ثورة 23 جويلية 1952 المصرية.
وثالثة الحقائق يمكن استخلاصها من ثانيتها، وهي: ميل الرجلين وعائلتيهما إلى توثيق الصلة ببلاد المشرق، والتعامل مع الإخوة الشرقيين كالتعامل مع مواطنيهم التونسيين.
فقد ذكرنا أن والد أبي القاسم الشابي درس بمصر، وتخرج من الأزهر.
__________
(1) الصحيح: والده سيدي الحسين، وجده سيدي علي بن عمر دفين "طولقة" في الجزائر.
(14/ 1/160)

ونعرف أن أبا القاسم نفسه كون صلات أدبية قوية بأدباء المشرق، وخاصة مصر، وفي مقدمتهم: (جماعة أبولو) التي كان يتزعمها الشاعر الشهير (أحمد زكي أبو شادي) الذي أصدر أول مجلة شعرية عربية تحمل عنوان (أبولو)، على صفحاتها ظهر شعر الشابي، وكان لها أكبر الفضل في تعريف قراء العربية به على نطاق أوسع من النطاق التونسي الصرف، مما أنشأ لسمعته رصيداً ملحوظاً،
وكثر من ذلك، فإن أحمد زكي أبا شادي كان صاحب مجموعات شعرية متعددة، ولعله أول شاعر عربي معاصر يصدر شعره في مجموعات بدل ديوان واحد. ومن تلك المجموعات: ديوان بعنوان "الينبوع" الذي كان صدر مصدراً بمقدمة كتبها أبو القاسم الشابي.
ولنتصور أبعاد هذا الموقف، وأي معنى يحمله: زعيم مدرسة شعرية متطورة، يبشر بها عن طريق مجلة ينشئها خصيصاً لذلك، يضع ثقته في شاعرنا التونسي؛ ليتولى تقديمه إلى قرائه في ديوان من أهم دواوينه.
ذكرنا -أو أشرنا- إلى أن محمد الخضر بن الحسين قد ارتحل إلى المشرق، ونذكر أنه تنقل بين مختلف أجزائه، وقام في كل منها بنشاط يستحق الذكر، في "الآستانة" "تركيا"، وفي "دمشق" إذ أقام حيث أقام بعض أفراد أسرته، وخصوصاً الشيخ زين العابدين بن الحسين. ثم استقر به المقام -كما سبق- في مصر التي أصبح فيها قطباً من أقطاب العلم والأدب والاجتماع، مما لا يتسع المقام لبسطه، وتسنَّم أعلى المناصب الدينية واللغوية.
هذه بعض الحقائق التي ارتأينا بسطها قبل عرض الظاهرة الأدبية التي أومأنا -منذ البداية- إلى أنها تجمع بين أديبينا: الشابي، وابن الحسين، بصفة
(14/ 1/161)

توشك أن تكون متعمدة، حتى كأن كلاً منهما يترصد خطا الآخر فيها، سواء في الشعر، أو في النثر، رغم ما بينهما من الفوارق، في التوجه الأدبي، والمنزع الشخصي:
فأبو القاسم الشابي كان ممتلئاً شباباً، وميلاً نحو التجديد إلى حد الثورة، وتعاملاً مع حداثي زمانه، وتأثراً بالأدب المهجري والأجنبي.
ومحمد الخضر بن الحسين كان شيخاً رصيناً، يتسم بالمحافظة، سواء عندما كان في تونس، أو عندما ارتحل عنها، وكان قوام معارفه: الدين، والأصالة اللغوية.
أقول هذا عن الشيخ الخضر، رغم علمي بأنه كان -هو الآخر- يحمل بذور الثورة، ولا مجال هنا للحديث عن أسباب هجرته من تونس، وهي وليدة ثورة عن موقفه في تركيا، وردود الفعل التي ترتبت عليها، أو عن مساهماته في النضال ضد المستعمرين .. ولكن يكفي أن أشير إلى أنه كان معنياً بإشاعة معاني التحرر الصحيح، ولا أدل على ذلك من كتابه الذي أصله محاضرة ألقيت بتونس، ودرس فيها بعناية معنى "الحرية في الإسلام".
وأخلُص إلى (الظاهرة) التي دعتني إلى الحديث عن الرجلين، فأقتصر هنا على ذكرها، وأفسح المجال أمام الآخرين ليبحثوا فيها، إن أرادوا، وقد أعود إليها في فرصة، أو فرص أخرى.
والظاهرة بسيطة في ذاتها، كما قلت من قبل، ولكنها تنم عن نوع آخر من الاشتراك بين أديبينا، اشتراكاً قد تكون بواعثه نفسية، أو بيئية، أو غير ذلك، رغم الفوارق التي ألمعنا إليها بينهما. وتتجلى تلك الظاهرة من جهة: في إنتاجهما الشعري، وبالخصوص
(14/ 1/162)

في عنواني ديوانيهما، ومن جهة أخرى: في أثرين من إنتاجهما النثري.
أما في الشعر، فقد تعلق كل منهما بالحياة، ولكن على طريقته، فكان إحساس الشابي بالألم، ومعاناته للمرض، وتوْقه الذي لم يتحقق إلى لون معين من الحب، وشعوره العارم بأن الموت يلاحقه في كل مجال، والفناء يطارده بكل سبيل .. كل ذلك ولَّد فيه ردود فعل إيجابية مرة، وسلبية مرة أخرى، ولكن الإيجابية هي التي تغلبت؛ إذ جعلته يتحدى كل تلك العوامل المؤلمة، ومما عبر عنه أصدق تعبير ببيته الشهير الذي سمي به وبأمثاله: (شاعر الحياة):
كالنسر فوق القمة الشماء ... سأعيش رغم الداء والأعداء
وانعكس تحديه على ديوانه الذي اتخذ من الحياة جزءاً من عنوانه: "أغاني الحياة".
وقد كان لصاحبه ابن الحسين نظرات إلى الحياة، قد تتفق مع نظرات الشابي، وقد تختلف عنها في جوانبها الشخصية والاجتماعية والسياسية .. ولكنها تتفق معها على كل حال في: الإحساس بالظلم والضيم، والتمرد عليهما، والْتماس حياة أفضل في الداخل، وإلا، كان التماسها في الخارج، ويتفق مع الشابي خاصة في انعكاس نظراته تلك على ديوانه، الذي اتخذ الحياة، كصاحبه جزءاً من عنوانه: "خواطر الحياة".
وأما في النثر، فقد عالج الأديبان الكبيران -كل بطريقته أيضاً- موضوعاً واحداً، أعتقد أن البون كان فيه شاسعاً بينهما .. وهو موضوع (الشعر العربي)، وما له صلة به من (الخيال) الذي هو في اعتبار العرب القدامى والوسيطين عنصر أساسي لا يسمى الشعر بدونه شعراً.
(14/ 1/163)

ومهما كان ما بين الباحثين في هذا الموضوع من الاختلاف عميقاً وجوهريا، فالذي يسترعي الانتباه فيه: اشتراكهما في عنواني كتابيهما إلى حد أنه يكاد يكون عنواناً واحداً.
فإذا كانت محاضرة أبي القاسم الشابي الشهيرة تحمل عنوان: "الخيال الشعري عند العرب"، فإن محمد الخضر بن الحسين له كتاب كذلك يحمل عنوان: "الخيال في الشعر العربي".
ترى أيكون هذا وسابقه كلاهما من باب الصدفة .. مجرد الصدفة؟ أم هناك تعمل وتعمد؟ فما بواعثه؟ وما مسماه وأبعاده؟
ولئلا نظلم أياً من الرجلين، نتساءل، ونحتفظ بالإجابة:
أي الأديبين أسبق إلى إعداد ديوانه، وإلى اختيار ما أزمع أن يطلقه عليه من تسمية؟
أي الرجلين أسبق عناية بالبحث في مدى توفر (الخيال) في الشعر الذي تناقلناه عن العرب أو عدم توفره؟
ثم ما الذي أثبته كل من الرجلين في بحثه؟ وما أدلته على ما وصل إليه من نتائج؟ وإلى أي حد كانا فيما عالجناه من ذلك متفقين، أو مختلفين، أو بين بين؟
الأسئلة التي يمكن أن تثار هنا كثيرة، والإجابات عليها قد تؤلف بحثاً مطولاً، رغم أن منطلقها بسيط -ظاهراً- كما سبق.
وعلى كل، فالموضوع يحتاج إلى دراسة جادة للكتابين، وإلى مقارنة واعية، وتحليل ودعم.
(14/ 1/164)

أعلام محمد الخضر حسين وخطابه الحداثي
الشاذلي الساكر (1)
* الرجل العامل:
ولد محمد الخضر بن الحسين (اسمه الأصلي: محمد الأخضر) ببلدة "نفطة" يوم (26 رجب 1293 ه الموافق ل 21 جويلية 1873 م)، وهو من عائلة مشهورة بالعلم، فجده للأم هو الشيخ مصطفى بن عزوز، وخاله هو الشيخ محمد المكي بن عزوز الذي تلقى عليه مبادئ العلم.
قضى الخضر سنوات طفولته الأولى بمسقط رأسه، ثم انتقل إلى تونس في العام 1886 م، أين واصل تعلمه الابتدائي، ثم التحق بجامع الزيتونة (1887 م).
وقد تأثر بجملة من العلماء المصلحين، من أبرزهم: سالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار.
في العام (1322 ه - شهر أفريل 1904 م) أسس مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية ظهرت في تونس، وبعد انقطاعها عن الصدور، تولى
__________
(1) كاتب تونسي - جريدة "الحرية" العدد الصادر يوم الخميس 12 جوان - حزيران 1997 - تونس.
(14/ 1/165)

خطة القضاء ب "بنزرت" بتحفيز من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
بقي في خطته هذه بعض الأشهر، ثم استقال منها، وعاد إلى مدينة تونس، وباشر التعليم بجامع الزيتونة، وفي نفس الوقت أشرف على تنظيم مكتبة هذا الجامع، كما درّس في الصادقية وبالجمعية الخلدونية.
وكان من بين شيوخ جامع الزيتونة الأوائل الذين تزعموا حركة إصلاح التعليم بتأسيس جمعية (تلامذة جامعة الزيتونة) سنة (1324 ه - الموافق لسنة 1906 م).
ثم زار الشيخ الخضر مصر، أين التقى بعدد من علمائها منهم: الشيخ (رشيد رضا)، ثم تجول في دول عديدة، منها: السعودية، وسوريا، وألبانيا، وبلاد البلقان، والآستانة، ثم استقر بدمشق أين تم انتدابه للتدريس بالمدرسة السلطانية.
أدخله جمال باشا السجن بدعوى التآمر، ثم أطلق سراحه بعد خمسة أشهر. بعدها تلقى صاحبنا دعوة من مركز الخلافة العثمانية للعمل منشئاً عربياً بوزارة الحربية، وقبل العرض. ثم تم تكليفه من طرف الباب العالي بمهام سياسية بألمانيا، مكث في هذا البلد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد أتقن في هذه الفترة اللغة الألمانية.
بعد مدة وجيزة قضاها في سوريا، انتقل الشيخ إلى مصر، واستقر بالقاهرة بداية من عام 1920 م، وانطلق في التدريس وتحرير المقالات.
وبمعية الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر وثلَّةٍ من العلماء أسسوا (جمعية الهداية الإسلامية)، كما ساهم في إصدار مجلة "نور الإسلام", وساهم في بعث (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة.
(14/ 1/166)

وقدم بحثاً موضوعه "القياس في اللغة"؛ لكي يتمكن من الانتساب ل (جمعية كبار العلماء)، وهي أعلى هيئة علمية، وتم قبوله بالإجماع.
ثم تولى مشيخة الأزهر في سنة 1952 م، وقد زاره وزراء منهم: الشيخ حسن الباقوري وزير الأوقاف الذي بادره بالقول: "لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخ الأزهر، وقد جئت مع زميلي لنبلغك هذا القرار".
واصل الشيخ نشاطه الإداري والعلمي بالأزهر إلى العام 1954 م، ثم استقال من هذا المنصب مبرراً ذلك "بأن هذه الخطة حالت دون تلقي العلم وكتابته".
تابع نشاطه التربوي والثقافي إلى أن توفي في (13 رجب سنة 1373 ه - 2 فيفري 1958 م)، وقد نعى العالم الإسلامي هذا الشيخ العامل والعالم، وحضر تشييغ جنازته عدد كبير من علماء المشرق والمغرب، ومن رجالات السياسة.
* إنتاجه العلمي والأدبي:
1 - "رسائل الإصلاح" (في ثلاثة أجزاء).
وهي ذات بعد تربوي، تعرض فيها إلى الخصال المحمودة التي يجب أن تتحلى بها المجموعة، حتى تسلم من التفكك، مؤكداً على ضرورة قيام العلماء بوظيفتهم؛ "لأن النهضة لن تقوم إلا بهم".
2 - "بلاغة القرآن".
3 - "تونس وجامع الزيتونة".
درس فيه عديد الجوانب التاريخية والحضارية والعلمية والأدبية بتونس، كما درس فيه عديد الأعلام من أمثال: ابن خلدون، مستنتجاً أن لتونس أعلاماً
(14/ 1/167)

هم في مقدمة العلماء الأدباء في تاريخ الحضارة الإسلامية.
4 - "الحرية في الإسلام".
يؤكد فيه على أن الحرية لا تستقيم بدون تربية وتعليم، ولا تتواصل بدون مساواة.
5 - "حياة اللغة العربية".
6 - "العظمة".
7 - "الخطابة عند العرب".
8 - "علماء الإسلام في الأندلس".
يذهب فيه إلى أن سبب نهضة العلوم في الأندلس ترجع إلى عناية رجالات الدولة بالعلم، وشعورهم بأهمية العلماء في كل نهضة حضارية. ويذهب إلى أن علماء الأندلس هم في طليعة من حاربوا الآراء الفاسدة والبدع.
9 - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
10 - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
11 - "الدعوة إلى الإصلاح".
12 - "الخيال في الشعر العربي".
أرجع فيه أسباب جودة الخيال الشعري إلى عنصرين:
أولهما: "أن يعيش الشاعر في إطار حضاري؛ لكي تكون مخيلته أكثر إبداعاً في إنشاء المعاني وبلورتها".
آخرهما: الشعور بالحرية "ومن ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه
(14/ 1/168)

في كل غرض، سيطلق العنان في كل حلبة، يكون أبعد مرمى، وأحكم صنعاً من خيال الشاعر الذي حاصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطة لا يفوتها؟ ".
13 - "القياس في اللغة العربية".
14 - "محمد رسول الله".
15 - "خواطر الحياة" (ديون شعر).
16 - "الرحلات"، وتضم:
أ - الرحلة الجزائرية.
ب - خلاصة الرحلة الشرقية.
ج - (حديث عن رحلتي إلى دمشق).
د - الرحلة إلى ألمانيا.
17 - مجلة "السعادة العظمى".
كتب فيها بنفسه، كما كتب فيها كل المنتمين إلى حركة الإصلاح والتحديث، ومن بينهم: سالم بو حاجب، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد النجار، ومحمد النخلي.
وقد طلب المحافظون بتوقيفها عن الصدور، فرفض الوزير بوعتور ذلك قائلاً: "ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون".
وقد تواصل صدور المجلة إلى شهر جانفي من العام 1905 م، ثم انقطع بعد ذلك وقد بلغت 21 عدداً.
* فكرة الحداثي:
نظر الخضر حسين في التراث الإسلامي من ناحية، وفي حضارة اليوم
(14/ 1/169)

من ناحية ثانية نظرة معتدلة حكَّم فيها عقله، فلم يتعصب تعصباً غير مشروط للتراث رامياً وراء ظهره ما جاءت به الحضارة من إيجابيات، كما أنه لم يهتز لهذه الحضارة وكأنها كلها الخير والتقدم، متناسياً منجزات الحضارة الإسلامية، وما جاءت به من إيجابيات:
1 - لم يناد بالتقوقع على الذات، والتغني بما فات، كما أنه لم يناد بالتحديث المجحف، كان موقفه موقف المعتدل، وقد عبر عنه بقوله: "يقع في وهم من لا يدري ما الإسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً، فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة هي دعوة إلى خطة غير صالحة، ذلك ما نقصد إلى تنفيذه، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين: أن الشريعة الغراء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل".
دعوة الخضر حسين هي أولاً: دعوة ضد الجمود والتعصب، والاكتفاء بالدوران في حلقة مغلقة، وثانياً: هي دعوة للاهتمام بقضايا العصر، والتفتح على الحضارة، بدون التفريط في مقوماتنا، وشخصيتنا الأساسية التي تميزنا عن غيرنا.
يقول: "وإن تعجب، فعجب ما يتخيله بعض من رُبي في مهد الجمود من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية".
هي دعوة إلى التوازن شعارها: (لا إفراط في الحداثة، ولا تفريط في التراث).
(14/ 1/170)

وبالتالي لم يكن مناصراً للمحافظة في كل شيء، أو مخالفاً للمصلحين في كل شيء، بل وقف موقفاً توفيقياً، فقد كان يوافق القائلين بالتراث بالتمسك بالثوابت والقيم التي جاء بها الإسلام، وكان يوافق القائلين بالحداثة في فتح باب الاجتهاد، وتوظيفه قصَد تمكين العالم الإسلامي من مسايرة ركب الحضارة والتقدم.
وهذا ما كان يفعله عندما كان يدرس الفقه والتفسير وعلم الأصول، لم يكن مجرد ناقل لأقوال الأئمة والعلماء، بل كان يناقش كل نظرياتهم، ويرجح ما يراه أقرب إلى المنطق، وإلى مسايرة العصر.
2 - يرى أن النهضة لن تكون إلا بالتربية والتعليم، وبمكافحة البدع التي هي ضد القيم "وإلى المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح"، وإلى مسايرة حضارة اليوم، والاستفادة من علومها وتقنياتها، مع الاستغناء عن سلبياتها وسقطاتها. يقول: "نود من صميم قلوينا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة".
وقد أكد على أن سبب انحطاط المسلمين، وتخلفهم عن ركب الحضارة، يكمن في التعليم، "وتهاون العلماء والحكام في التمسك بذلك والأخذ به".
كما أكد أن سعادة الأمة الإسلامية لن تتوفر إلا بالتعليم، وأن التوازن الاجتماعي والسياسي لن يحصل إلا به، وأنه يصعب على القادة تركيز هذا التوازن إذا كانت الأمة جاهلة؛ لأنه "يصعب على قادتها متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة أن يجدوها لينة القيادة خفيفة".
وأكد أن الأمة لن تنهض بالتعليم العلمي وحده، بل لا بد من توفر التربية، يقول: "سعادة الأمة أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، أما استنارة
(14/ 1/171)

عقولها، فبإقامة معاهد كافية للتعليم، وأما سمو أخلاقها، فلتستقيم أعمالها، وتنتظم المعاملات بينها".
وقد أرجح أسباب جمود المد الحضاري الإسلامي إلى جمود التعليم، ويرجع هذا الأخير إلى جمود علماء الإسلام، وتحجر الأفكار عندهم، وعدم مسايرتهم لروح العصر، "فكان انزواؤهم وزهدهم في الإرشاد العام فرصة لظهور الدعايات المنحرفة عن الطريق المستقيم، وهكذا فإن انحطاط العلماء نتج عنه انحطاط العالم الإسلامي".
والتربية التي يريدها وينادي بها هي: تربية ترتكز على القيم الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة، والتي لا تجاري (إيمان العجائز)، والتعصب والانغلاق.
وهو يعتقد أن التربية الصحيحة هي التي تركز على الحرية "إن الأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية، إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال".
والحرية عنده ترتكز على عاملين أساسيين، وهما:
- الشورى، وهو عامل سياسي.
- المساواة، وهو عامل اجتماعي واقتصادي.
وهو يرغب في تعليم منفتح على العلوم، والتقنية الحديثة التي شيدت حضارة اليوم.
وهكذا، فالخضر حسين يرى: أن كل تقدم حضاري يكمن في التعليم، وأن سعادة الأمة لن تتوفر إلا به، ولا يمكن أن ترقى أمة أغلب أبنائها غير متعلمين.
(14/ 1/172)

3 - حارب كل مثبطات العقل والعلم، وأخطرها بالنسبة إليه: السلفية؛ سلفية الطرقية التي تصف نفسها بالصوفية، أو هي صوفية حقاً، والتي تعادي التربية ذات المنهج العلمي والعقلي؛ لأن هدفها هو (ترويض مريديها)، والسيطرة على سلوكهم بواسطة الترهات والأوهام لكي تصير منهم كائنات خانعة قانعة خاضعة خائفة متقوقعة على نفسها، تعيش في عالم سحري مشبع (بالخوارق)، و (الكرامات) التي نسجتها (الإسرائيليات) لغايات أيديو لوجدية بحتة، متشبعة بأفكار ونظريات هي أبعد ما تكون عن الدين (ما جعل المسألة خطيرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة؛ لأن مثل هذه الطرق تمس الإسلام، وتلصق به وصمة تجعل بينه وبين الجاهلين حجاباً كثيفاً)؛ لأن مثل هذه الطرق تقتل مبادرات العقل، بل تقتل العقل ذاته.
4 - وقد تفطن إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام من صحف ونشريات، وكذلك إلى الدور الذي تلعبه النوادي والجمعيات، وهذا الدور با لإمكان أن يكون سلبياً، لكنه يكون إيجابياً حتماً إذا تحمل مسؤولية هذه الصحف والجمعيات العلماء الذين تتوفر فيهم الشروط التالية:
أولاً: أن يكونوا على بيّنة مما يقومون به.
ثانياً: أن يتميزوا "باستقامة السيرة؛ لأن الناس لا يقتدون برأي مرشد، ولا تلين قلوبهم لموعظة واعظ، إلا إذا وثقوا بأمانته، وأبصروا حالته الظاهرة مثالاً لما ينصحهم".
ثالثاً: قدرتهم على التأثير، وتمكنهم من العلوم الإنسانية؛ مثل: علم النفس، والعلوم الموازية، والرافدة، والممارسة، ويؤكد "إلى ضرورة مراعاة أذواق المخاطبين باللسان أو بالقلم، ودرجاتهم الثقافية، وأحوالهم النفسية".
(14/ 1/173)

رابعاً: استعمال الطرق والوسائل التي تتماشى مع "نفسية الأفراد والجماعات، والحالات التي تكون فيها".
خامساً: التحلي بالصبر، وتحمل المكاره.
5 - يعتقد أن اللغة هي الركن الأساسي لكل نهضة حضارية، ولكل تفوق مدني، "هذا بالنسبة لكل اللغات، فما بالك باللغة العربية التي كان لها الفضل الكبير في تأسيس الحضارة العربية؟ هذا من ناحية، ثم إن اللغة هي أداة الربط والاتصال بين أفراد المجتمع، وعاملٌ من عوامل وحدته وترابط أجزائه؛ لأنه "متى أهملت الأمة لغتها، وزهدت في تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة".
كما شدد على أن اللغة العربية قادرة على مسايرة حضارة اليوم، وقادرة على استيعاب حاجات المدنية الحديثة، ولأن القضية بالنسبة إليه ليست قضية لغة، بل قضية أصحابها، تأخروا، فتأخرت.
ونوه بقدرتها على الاقتباس من اللغات الأخرى "تتلقى العربية ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن بعد تنقيحه وسبكه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها، ونهذبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح".
وقد نبه إلى خطر اللهجات الدارجة على اللغة العربية، مع اعتقاده أن (لغة العامة) هي لغة عربية محرفة في حالة مرض "يجدر السعي إلى معالجتها وإصلاحها".
6 - يقول: بضرورة أن يقوم علماء الأمة بدورهم السياسي المتمثل في قولهم كلمة الحق، "ولا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب
(14/ 1/174)

والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجاً، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو رأوا حقاً مهملاً، لفتوا أنظارهم، وأعانوا على إقامته".
"ومن واجب العلماء أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي، فتجلد للأذى! ".
* مصادر محمد الخضر حسين:
أ - ديوان شعره "خواطر الحياة" الذي افتتحه بتوطئة تعرض فيها إلى أبرز محطات حياته، وإلى أهم مشاغله العلمية والعملية.
ب - رحلاته، وهي:
1 - "الرحلة الجزائرية" نشرت بمجلة "السعادة العظمى" (أعداد 19 - 20، و 21).
2 - "خلاصة الرحلة الشرقية"، نشرت بجريدة "الزهرة" مارس وأفريل 1913 م.
3 - "حديث عن رحلتي إلى دمشق" نشرت بالجزء الخامس من المجلد العاشر (جانفي 1938 م) - مجلة "الهداية الإسلامية".
هذه الرحلات تلقي أضواء كاشفة على نشاطه التربوي والعلمي والإعلامي، كما تمدنا بمعلومات قيمة عن حياته في الأقطار التي زارها.
ج - نتاجه العلمي والأدبي.
من محاضرات ورسائل وبحوث وجدال مذهبي، وقد خصصنا القسم الثاني من هذا البحث لمسحها، ولعرض أهم طروحاتها.
(14/ 1/175)

عرض مختصر عن حياة الشيخ الخضر بن الحسين (1)
محمد بلقاسم خمار
رئيس اتحاد الكتاب العرب الجزائريين
"طولقة" هذه المدينة الأصيلة في حضارتها، العريقة في تاريخها، الجميلة بظلالها، ومياهها، وثمارها، المتمسكة بإيمانها وقيمها وتقاليدها السامية. طولقة هذه الواحة الوارفة الرائعة كانت ولم تزل موئلاً للعلم، وملتقى للمآثر، وجامعة للإسلام، منبتاً للرجال المتفوقين فكراً وتقى، سلوكاً وأخلاقاً .. وصدق من قال: لا تنبت الأرض الطيبة إلا طيّباً .. وبالفعل فإن من مثل هذه الأرض الطيبة كانت الجزائر تبني تاريخها الثقافي المجيد، وتعلي راية فخرها بين الأمم والشعوب، وتفيض عبقريات، ورسالات، وجهاداً؛ لتغمر أشقاءها وجيرانها إصلاحاً وخيراً، ولتعمر العالم أمناً وحباً وسلاماً.
في هذه الأرض المباركة؛ انطلقت منابع العلم والتقى، ومن هذه الأرض المباركة تزودت أجيال وأجيال بكنوز معارفها، وسلاح حصانتها، ورسوخ مبادئها، ومن هذه الأرض المباركة أضاءت شموس نيّرة في أهم العواصم العربية والإسلامية؛ كتونس، والقاهرة، ودمشق، وإسطنبول،
__________
(1) مجلة "الثقافة" مجلة فكرية تأسست في دمشق عام 1958 م. العدد الصادر في (ربيع الثاني 1418 ه - آب 1997 م)، دمشق.
(14/ 1/176)

وما زالت أشعتهم ساطعة دافئة قوية حتى اليوم.
لقد كانت الروابط الوحدوية - التي تجمع بين أبناء المغرب العربي منذ القدم - روابط قوية متينة، جمعتها القرابة والنسب، ولحمتها العقيدة واللغة، وصقلتها التجارب التاريخية، والآلام والآمال المشتركة، وأكدتها الأرض والجوار، فلم يكن هناك فرق بين مراكشي أو جزائري أو تونسي أو ليبي، كلهم في مشاعرهم ومصائرهم سواء، رغم ما طرأ من اختلاف عليهم في أنظمة الحكم التي سادت أقطارهم خاصة منذ احتلال فرنسا للجزائر في بداية العقد الثالث للقرن التاسع عشر.
ودعماً لذلك أرى من المهم أن أثبت ما قاله الشيخ عبد الحميد بن باديس، عندما تكلم عن وحدة أبناء المغرب العربي، قال -رحمه الله-: حيثما توجهنا إلى ناحية من نواحي التاريخ، وجدنا هذا المغرب العربي: طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش، يرتبط بروابط متينة روحية ومادية، تتجلى في وحدته للعيان، ولسنا نريد هنا أن نتحدث عن التاريخ القديم، وإنما نريد أن نعرض صفحة من التاريخ الحديث الجاري.
ويذكر رائد النهضة الجزائرية الإمام ابن باديس كيف أن أبناء المشرق العربي ينسون، أو يتجاهلون أبناء المغرب العربي، مع أننا دائماً نمدهم بخيرة ما عندنا من رجالو السيف والقلم؛ كالأمير عبد القادر الجزائري وأبنائه الشهداء من أجل سورية، وأحفاده؛ مثل: الأمير خالد، ويسترسل في عرض أسماء بعض الأعلام؛ كسليمان باشا الباروني الطرابلسي، والشيخ السنوسي الطرابلسي الجزائري الأصل، والشيخ طاهر الجزائري الأصل، والشيخ عبد العزيز الثعالبي زعيم تونس، الجزائري الأصل، والشيخ الخضر حسين التونسي الأصل، وغيرهم
(14/ 1/177)

من أقطاب المعرفة والعلم.
من المعلوم أن الكثير من أبناء الجزائر كانوا يتوجهون إلى (القرويين) في المغرب، أو (جامع الزيتونة) في تونس، أو إلى (الجامع الأزهر) في القاهرة؛ لطلب العلم، والاستزادة من المعارف، خاصة بعد أن دبّ الضعف في كتاب الحكم العثماني، واستُعمرت الجزائر من طرف فرنسا، مما أثر في مسيرة نهضتها العلمية التي حوربت بشتى الوسائل والأساليب.
ومن المعلوم أيضاً أن الجزائر قد مدّت المغرب والمشرق العربيين بالكثير الكثير من العباقرة والعلماء، أولئك الذين حوصروا في آرائهم وعقائدهم، وحرموا من أداء أماناتهم العلمية، وواجباتهم الإسلامية، ومُسوا في كرامتهم وحرياتهم، فاتجهوا إلى ديارهم الأخرى في المغرب أو المشرق، يدافعون عن الشريعة، ويدعون إلى الإصلاح، وينشرون العلم، ويجاهدون في سبيل الله من أجل وحدة العرب والمسلمين، لا فرق بين قطر أو قطر، ولا بين مسلم ومسلم، إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ومن بين هؤلاء الجزائريين المهاجرين: الشيخ مصطفى بن عزوز، جدّ الشيخ الخضر لأمه، ثم الشيخ الحسين بن علي بن عمر والد الشيخ الخضر، وقد كان من مريدي الشيخ مصطفى بن عزوز، حيث التحق بالشيخ ابن عزوز إلى بلدة "نفطة" في منطقة الجريد التونسي، وتزوج من ابنته والدة الشيخ الخضر، وقد أسس الشيخ مصطفى بن عزوز البرجي في "نفطة" عندما هاجر إليها مع عدد كبير من أتباعه سنة 1837 م، أسس زاويته المشهورة، المشتملة على عدد كبير من المساكين لإيواء الواردين عليه من كل صقع، وأحدث بها مدرسته الحافلة، وأنشأ بها بيوتاً لسكنى المنقطعين لقراءة القرآن،
(14/ 1/178)

وتعلم العلم، وحشد لها العلماء والأعلام من كل جهة؛ ليدرسوا بها فنون العلم على اختلاف مشاربها.
ويبدو أن زاوية ابن عزوز في "نفطة" كانت فرعاً من الزوايا الكبرى في "طولقة"، و"البرج"، والتي تنتسب إلى الطريقة الرحمانية .. وكانت زاوية طولقة تعرف عندنا بالزاوية العثمانية، وبزاوية (سيدي علي بن عمر)، وقد ملأت شهرتها آفاق العالم الإسلامي، وذلك لما جمعته من علم وعلماء، وطلاب ومريدين، وكرم وزهد، وتقى، بالإضافة إلى مكتبتها العامرة.
وفي هذا الجو العائلي، المفعم بالعبادة، وحب العلم، وبالجلال والهيبة والوفاء، ولد الشيخ الخضر ب "نفطة" سنة 1873 م، داخل أسرة متمكنة من تعاليم الشريعة الإسلامية، مستنيرة بآدابها، متمسكة بتقاليدها وأعرافها السامية، حيث كان جده لأمه الشيخ مصطفى بن عزوز يشغل مكانة القطب فقهاً وتديناً، ويعتبر شيخاً وزعيماً كبيراً بين أتباعه ومريديه، وكانت والدته بنت الشيخ ابن عزوز على جانب كبير من الثقافة والتعليم وقوة الشخصية، وكان خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز عالماً جليلاً، متبحراً في أصول الشريعة واللغة والآداب، وكان والده الشيخ الحسين بن علي بن عمر فقيهاً تقياً زاهداً، وقد توفي وكان ولده الشيخ الخضر ما زال صغيراً.
في هذا الجو العائلي المهيب قضى الشيخ الخضر بن الحسين طفولته الأولى؛ حيث حفظ القرآن الكريم برعاية مؤدبه الخاص الشيخ (اللموشي)، وأخذ مبادئ بعض العلوم الفقهية واللغوية والأدبية على عدد من العلماء في زاوية جدّه، وكان في مقدمتهم الشيخ محمد المكي خال الشيخ الخضر، والذي أحب ابن أخته حباً عميقاً، وتوسّم فيه مستقبلاً زاهراً، فمنحه عناية كبرى،
(14/ 1/179)

وأشرف على توجيهه وتعليمه وتثقيفه، وكان الشيخ الخضر يعترف بذلك، ويذكره باعتزاز في أكثر من مناسبة، ومنها قوله: "من أعزها ما تشرفت به من قلم أستاذي الذي شبّت في طوق تعليمه فكرتي، وتغديت بلبان معارفه من أول نشأتي، العلامة الهمام القدوة، خالنا الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز".
وفي سنة 1886 م انتقلت عائلة الشيخ الخضر من "نفطة" إلى تونس للإقامة الدائمة، ويبدو أن سبب هذا الانتقال يعود إلى رغبة والدة الشيخ الخضر في أن يواصل أبناؤها تعليمهم في جامع الزيتونة الذي كان محطة أنظار طالبي العلم. وأن يتعمقوا في معارفهم وعلومهم خاصة، منهم: الشيخ الخضر الذي كانت تلوح منه سمات الذكاء والتفوق منذ صغره، والذي بدأ يقول الشعر وهو في الثانية عشرة من عمره، وكانت والدته تتوسم فيه العظمة والنجاح، وتغني له وهو صغير قائلة:
يا رب الأكبر ... خلّيلي محمد الأخضر
في الجامع الأزهر ... يعود يقزي وأنا حيّة
التحق الشيخ الخضر بجامع الزيتونة وهو في الرابعة عشرة من عمره؛ أي: بعد سنة من استقرار عائلته بتونس.
وبعد إحدى عشرة سنة من الدرس والجهد والتحصيل في علوم الدين واللغة والأدب، وهي المواد التي كانت متداولة بصفة عامة في جامع الزيتونة لذلك الوقت، وبواسطة علماء بارزين، ومن بينهم: الشيخ المكي بن عزوز، بعد هذه المدة تحصَّل الشيخ الخضر على شهادة (التطويع)، وهي شهادة يستطيع حاملها أن يكون مدرساً في جامع الزيتونة، أو أن ينال مناصب علمية أو
(14/ 1/180)

دينية في الوظيف، وقد فضل الشيخ الخضر التفرغ للعلم، واختار أن يكرس حياته للتعليم والتئقيف، والتزود بمختلف المعارف، والتعمق فيها، لذلك انخرط في سلك المدرسين بجامع الزيتونة، وفي الوقت نفسه تابع تحصيله بالمطالعة الجادة، وحضور الدروس الهامة، إلى أن تسامت مكانته، وارتفع شأنه بين أقرانه، وأصبح مضرب المثل في اتساع الباع، وقوة الحجة، وبلاغة المنطق، ورجاحة العقل، وجاذبية الشخصية التي كان يتميز فيها بهدوء الطبع، والتواضع، والتقى، وبالروح الأدبية المرحة.
حصل الشيخ الخضر على (التطويع) سنة 1898، وفي سنة 1904، أسس مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية تظهر في تونس، وكان يحرر أغلب مقالاتها، وينشر فيها مختلف المواضيع المتعلقة بالشريعة والأخلاق، واللغة والآداب، والتفسير، والفتوى، والرحلات، إلى غير ذلك من المواضيع الهادفة إلى إصلاح المجتمع، وترقية المسلمين.
وقد توقفت هذه المجلة عن الصدور سنة 1905؛ أي: بعد سنة من تأسيسها، وذلك لأسباب مادية، ولموقفها الحيادي بين صراعات العلماء المحافظين والمصلحين في تونس؛ حيث إنها كانت تعبر عن الاتجاه المعتدل لصاحبها، ولم تتورط في الذوبان لصالح فئة ضد أخرى.
وعلى أثر توقف مجلة "السعادة العظمى" تولى الشيخ الخضر منصب القضاء ببنزرت، بتأثير صديقه الحميم الشيخ الطاهر بن عاشور، ولكنه استقال بعد شهور من ذلك المنصب، وعاد إلى التدريس في جامع الزيتونة، وكان في طليعة الداعين إلى إصلاح التعليم، ومن أوائل المؤسسين لجمعية (تلاميذ جامع الزيتونة) سنة 1906.
(14/ 1/181)

ونشير إلى أن الشيخ الخضر كان قد قام برحلتين إلى الجزائر سنة 1953، وسنة 1904، زار فيها الأهل والأقارب، والتقى خلالها بعدد كبير من العلماء الأجلاء خاصة في "سوق أهراس"، و"عين البيضاء"، و"قسنطينة"، و"باتنة"، والجزائر العاصمة، كما سجل ذلك في كتاباته.
وربما يكون الشيخ الخضر قد قام بأكثر من رحلتين إلى الجزائر، خاصة عندما كان صغيراً، ويقيم في منطقة الجريد، ولا تفصله مسافة بعيدة من "طولقة". كما أن رحلاته من مصر إلى سورية كانت أكثر مما سجل وعرف عنها، فقد زار دمشق سنة 1952، وزارها كذلك سنة 1955، وتدخل كل تلك الرحلات في إطار خاص، ألا وهو زيارة الأهل والأقارب، سواء إلى "طولقة" لزيارة الأهل والأقارب، أو إلى "دمشق" لرؤية أخيه الشيخ زين العابدين وعائلته.
لقد اشتهر الشيخ الخضر بن الحسين خلال تواجده بتونس، وفي مطلع القرن العشرين، اشتهر بنشاطه الجم في مجالات الإصلاح الديني والاجتماعي، والدعوة إلى يقظة الشباب، وتكتلهم وتشجيعهم على الأخص بمختلف العلوم الحديثة، وممارسة فن الخطابة، والجرأة على قول الحق ومواجهة الصعاب .. اشتهر عنه هذا، إلا أن جانب الخوض في الصراعات السياسية ظل غير واضح إلى حد الآن؛ بسبب ما كان يتصف به الشيخ الخضر من هدوء ووقار، ومن تركيز على الجوانب الدينية الإصلاحية، والبحوث اللغوية والأدبية، غير أن هذا السلوك الظاهري لا ينبغي أن يكون الشيخ الخضر قد قام بأنشطة سياسية كثيرة، ولكن باشكال وصور خفية ومتسترة، نتأكد من ذلك فيما كان يتمتع به من حساسية ووعي ووطنية صادقة .. ومن رفضه عضوية المحكمة التونسية الفرنسية، ومن مشاركته الفعالة للتنديد بالحملة الاستعمارية الإيطالية
(14/ 1/182)

ضد ليبيا سنة 1911، ودعوة أبناء المغرب العربي لمساعدة إخوانهم الليبيين، وكذلك من مضايقة السلطات الاستعمارية الفرنسية، ومناوأة أتباعها؛ مما دعاه إلى الخروج من تونس، والهجرة إلى سورية سنة 1912 .. ونتأكد أيضاً من اهتماماته السياسية فيما كان ينشره أو يقوله من نثر وشعر، ومن ذلك ما جاء في قصيدته الداعية إلى نصرة ليبيا حيث يقول فيها:
ردّوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
ولاتعود إلى شعب مجادته ... إلا إذا غامرت همّاته الشهبا
وهي قصيدة عظيمة، منشورة في ديوانه: "خواطر الحياة".
إذن، فالشيخ الخضر -بالإضافة إلى شخصيته الدينية العلمية الأدبية الغالبة- كان يعيش أحداث وطثه السياسية، وكان يسعى بأسلوبه الخاص إلى ضرورة التحرر من الاستعمارة بمحاربته، والتصدي له.
ولعل الدوافع التي أدت لخروج والده وجدّه من "طولقة" إلى "الجريد"، ثم إلى تونس، هي نفس الدوافع التي أدت بهجرة خاله وأستاذه الشيخ محمد المكي بن عزوز إلى تركيا، ثم بهجرة والدته الفاضلة مع إخوته إلى دمشق بسورية سنة 1911، ثم التحاق الشيخ الخضر بهم سنة 1912، وهي دوافع لا تخرج عن مفهوم الابتعاد من مضايقة المستعمر، والبحث عن مناخ تتوفر فيه حرية طلب العلم، وحرية الحركة في ميادينه بكرامة واعتزاز.
كان للشيخ الخضر أربعة إخوة، وهم: الشيخ الجنيدي، وهو أكبرهم، وقد توفي في الجزائر، ويأتي بعده الشيخ الخضر، والشيخ العروسي، والشيخ المكي، والشيخ زين العابدين، ولهم ثلاث أخوات هن: ميمونة، وزبيدة، وفاطمة الزهراء، ومن المعروف أن كل أشقائه كانوا من العلماء الرجال الأفاضل،
(14/ 1/183)

ولهم مآثر قيمة في مجالات التدريس والتأليف.
وعندما هاجرت والدة الشيخ الخضر بأبنائها إلى دمشق، كان في استقبالهم عمنا الشيخ قدور خمار الذي كان قد سبقهم بالهجرة إلى تلك الديار سنة 1909، وكانت تربطه بعائلة الشيخ الحسين بن علي بن عمر علاقة قرابة ونسب، حيث كانت شقيقته متزوجة من أحد أفراد عائلتهم بطولقة، ثم بعد ذلك تزوج عمنا من بنات الشيخ العروسي شقيق الشيخ الخضر.
نشير إلى أن الشيخ الخضر عندما التحق بعائلته في دمشق، قد عاد إلى تونس بعد خمسة أشهر تقريباً أمضاها في عدة رحلات إلى سورية ولبنان وتركيا، وقام خلالها باتصالات كثيرة، وأنشطة ثقافية هامة، ولكنه عندما عاد إلى تونس، لم يطب له المقام؛ للمضايقات والتحرشات الاستعمارية التي وجدها، بالإضافة إدى فراغ الجو العائدي الذي أحس به، فعاد إدى سورية بعد شهرين فقط من مكوثه، واستقر بها، بعد أن ترك زوجته التونسية التي رفض أهلها مرافقتها له، وتزوج من دمشق، واستقر بها.
وقد لقي الشيخ الخضر في سورية كل تكريم وإجلال، وتولّى التدريس بالمدرسة السلطانية التي درس بها قبله عدد كبير من العلماء، من بينهم: الشيخ الإمام محمد عبده، كما كان يلقي المحاضرات في الجامع الأموي وغيره من الأماكن المشهورة، وكان يلتف حوله عدد كبير من الشخصيات العلمية والسياسية البارزة، وفي طليعتهم أبناء الجالية الجزائرية في سورية، وأبناء وأحفاد الأمير عبد القادر الجزائري، وذلك لطيب معشره، وارتفاع مكانته العلمية والعائلية، ولشهرته الواسعة التي كانت تعم البلاد العربية والإسلامية، خاصة بعد انتشار مؤلفاته، ومجلة "السعادة العظمى"، وكتب: "الدعوة إلى
(14/ 1/184)

الإصلاح"، و"الحرية في الإسلام" وغيرهما.
كان الشيخ من المؤيدين للخلافة الإسلامية، المؤمنين بوحدة المسلمين تحت راية واحدة، ولكنه خلال تواجده في سورية، وفي بداية الحرب العالمية الأولى، كان لا يخفي ألمه وحسرته أمام مظاهر الضعف والانحلال التي كان يراها تدب في كيان الدولة العثمانية، لذلك عندما قام الوطنيون السوريون خلال الحرب العالمية الأولى سنة 1916 ضد نظام الحكم العثماني، قام القائد التركي السفّاح جمال باشا بارتكاب مجزرته المشهورة في دمشق ضد رجال العلم والسياسة، فاعدمهم شنقاً، واتهم الشيخ الخضر بتعاطفه مع الوطنيين السوريين، وسجنه لمدة ستة أشهر، وكاد أن يعدم.
وبعد تبرئته وخروجه من السجن، استدعي من طرف الخلافة العثمانية للعمل في وزارة الحربية التركية ككاتب عربي بالآستانة، يشرف على المراسلات الواردة والصادرة من مركز الخلافة العثمانية إلى البلدان العربية والإسلامية المرتبطة بالدولة العثمانية، ثم أرسله الباب العالي بالآستانة في مهمة سياسية إلى ألمانيا التي كانت تربطها بتركيا علاقة تحالف محورية خلال الحرب العالمية الأولى، ورغم الغموض الذي ما زال لم يتضح تماما حول مهمات الشيخ الخضر في ألمانيا، إلا أنها -في الغالب- تتعلق بموضوع الحرب، ولها صلة بقضية تحرير المغرب العربي، وزعزعة نظام الحكم الفرنسي فيه، ونجد في الوثائق: أن الشيخ الخضر كان قد اتصل في "برلين" بالزعيم التونسي محمد باش حامبه، كما يشارك في إمضاء التقرير الذي أرسلته اللجنة التونسية الجزائرية للدفاع عن المغرب العربي إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرنسا سنة 1917 تحت عنوان: (مطالب الشعب الجزائري التونسي).
(14/ 1/185)

وعند سقوط الدولة العثمانية في أيدي الحلفاء، عاد الشيخ الخضر إلى تركيا، ثم إلى سوريا، وكان يعاني من ألمين محزنين: سقوط الخلافة العثمانية، وموت والدته -رحمها الله-.
وظل في دمشق يفيض نشاطاً وإبداعاً، يكتب، ويحاضر، ويدرس، ويؤلف الكتب، ويلتقي بأصدقائه في جلسات مسامرة وأدب، وفي سنة 1917 تم تعيينه كعضو عامل في المجمع العلمي العربي بدمشق، وباختصار، فقد كانت السنوات الثمانية التي عاشها في سورية من أسعد مراحل حياته، ومن أزخرها نشاطاً وحركة وإنتاجاً.
وتشاء الأقدار أن يظل الاستعمار الفرنسي يتتبع بشبحه الرهيب مسيرة شيخنا؛ حيث احتلت سورية سنة 1920 من طرف فرنسا، وكان دخولها إلى دمشق يحمل كل مخاطر التهديد والوعيد للشيخ الخضر، فما كان منه إلا أن يشد رحال السفر، ويهاجر إلى القاهرة عاصمة مصر.
صادف الشيخ الخضر بعض الصعوبات في مصر خلال المرحلة الأولى لإقامته فيها، ولكنه اعتمد على قوة علمه في شق طريقه بنفسه، والتفّ حوله أبناء المغرب العربي المتواجدين آنذاك بالقاهرة، فقام وأسس لهم جمعية (تعاون جاليات شمال إفريقيا)، وكان يدرّس في الجامع الأزهر، وينبري في كتاباته بالرد على المعارضين لمبدأ الخلافة الإسلامية، كما فعل في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" رد على كتاب الشيخ علي عبد الرازق، وكذلك فعل مع الدكتور طه حسين في الرد عليه بكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي". ووقعت بينه وبين الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" مشادات كتابية كبيرة، وأصبح الشيخ في مصر قبلة الأنظار، وكانت له المكانة السامية،
(14/ 1/186)

حتى لدى الملك فؤاد ملك مصر، واستقبله شخصياً.
ثم قام شيخنا مع بعض زملائه بتأسيس (جمعية الهداية الإسلامية) سنة 1928، وهي جمعية لتوحيد كلمة الشباب من أجل خدمة المجتمع والأخلاق، والاتجاه الديني الإسلامي الصحيح، كما قامت هذه الجمعية بإصدار مجلة تحمل اسمها وهي مجلة "الهداية الإسلامية"، وقد ترأس هيئتها الشيخ الخضر نفسه، ثم تأسست بعد ذلك مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، وقد أعطيت رئاسة تحريرها للشيخ الخضرة لما كان يمتاز به من عمق التجربة، وسعة الاطلاع، وعظمة المكانة العلمية والاجتماعية في مصر، وكان ذلك سنة 1930. وفي سنة 1933 عيّن الشيخ الخضر بمرسوم ملكي عضواً في المجمع اللغوي مع أول هيئة مؤسسة من مشاهير العلماء في العالم.
ورغم زخارة النشاط العلصي والديني والصحفي الذي كان يقوم به الشيخ الخضر يومياً، فإن علاقته بأبناء المغرب العربي ظلت قائمة ومستمرة، وكان يقدم المساعدات والتسهيلات للمناضلين، والطلبة الوافدين إلى مصر، ثم قام أخيراً بتأسيس (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية) التي لم ينقطع نشاطها حتى قيام مكتب المغرب العربي بالقاهرة.
وفي سنة 1950 اجتاز الشيخ الخضر امتحاناً علمياً صعباً، وتفوق فيه تفوقاً باهراً، وأحرز بامتياز على درجة الانتساب إلى (هيئة كبار العلماء)، وهي هيئة لا يصل إليها إلا المتحصلون على أعلى مراتب العلم والثقافة.
وفي سنة 1952 اختير العلامة الشيخ الخضر لتولي منصب مشيخة الجامع الأزهر، فامتنع عن ذلك؛ نظراً لحساسية المهمة وخطورتها، وهو منصب لم يتوله غير مصري من قبل، ولكنه قبل به بعد إلحاح أصدقائه، ووفد
(14/ 1/187)

الوزراء الذي زاره في منزله، وعرض عليه المهمة. ويعد تسييره لشؤون جامع الأزهر مدة سنتين، قدم استقالته؛ نظراً لكبر سنه، واعتلال صحته، وقد جاوز عمره الثمانين، وقد أمضى في التدريس بالأزهر أكثر من عشرين سنة، وأمضى عمره كله في الكد والجهد، والبحث والتنقيب، والحل والترحال، والكتابة والتأليف، بحيث لم يمض يوم واحد من عمره إلا وكان له فيه إبداع أو شعاع.
وفي يوم الأحد 13 رجب 1377 ه انتقل الشيخ محمد الخضر بن الحسين إلى جوار ربه عن سن يناهز الخامسة والثمانين سنة أمضاها جهاداً في سبيل الإسلام والعلم، فرحمه الله، وطيب ثراه. وقد دفن بالقاهرة في مقبرة آل تيمور بوصية منه إلى جوار صديقه الأستاذ أحمد تيمور باشا الذي كان يكنّ له كل الود والتقدير والوفاء.
وبعد:
هل تراني قد قدمت صورة واضحة عن حياة الشيخ الخضر بن الحسين .. ؟ لا أعتقد ذلك .. ومهما فعل الكاتب مثلي لا يستطيع أن يلم بجوانب حياة حافلة بالمآثر لأكثر من نصف قرن، ولرجل كرّس كل أيامه للجهاد والاجتهاد في مختلف ميادين البلاغة والأدب، وأصول الشريعة، والذود عن الإسلام وعن الوطن بالكلمة والقلم، وبالحجة والحق، وبالشجاعة والصراحة، وبكل ما أوتي من قوة في الفكر والروح والبدن.
وقد ترك -رحمه الله- آثاراً كثيرة مطبوعة، أذكر منها الكتب التالية: "أسرار التنزيل"، "بلاغة القرآن"، "محمد رسول وخاتم النبيين"، "رسائل الإصلاح"، "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، "محاضرات إسلامية"،
(14/ 1/188)

"القادياثية والبهائية"، "دراسات في الشريعة الإسلامية"، "السعادة العظمى"، "هدى ونور"، "الرحلات"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "تراجم الرجال"، "تونس وجامع الزيتونة"، "راسات في العربية وتاريخها"، "دراسات في اللغة"، "الخيال في الشعر العربي"، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، "خواطر الحياة"، وهو ديوان شعر.
كما أن للشيخ مخطوطات، وأشعاراً كثيرة، ما زالت لدى أقاربه أو أصدقائه، أو منشورة هنا وهناك في المجلات والصحف والمراسلات، لم تجمع وتنشر حتى الآن.
وأحسن ما اختتم به كلمتي هذه، هو: الدعوة إلى أن يخصص لقاء سنوي للشيخ الخضر بن الحسين، يكون على مستوى دولي عربي إسلامي، يجمع بين من كانوا على صلة به في مختلف أنحاء العالم، أو من لهم اهتمام به، وذلك لإعطائه بعض ما يستحق من الدراسة، والكشف عن شخصيته الفريدة من نوعها، والتي نعتز بها، ونرجو لها المزيد من التعريف والتكريم.
(14/ 1/189)

أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث محمد الخضر حسين
أحمد تيمور باشا (1)
ولد الشيخ محمد الخضر حسين (2) بمدينة "نفطة" بالقطر التونسي في 26 رجب سنة 1293 ه، واشتغل بالعلم بعد أن حفظ القرآن، فقرأ بعض الكتب الابتدائية ببلده، وفي آخر سنة 1306 ه رحل مع أبيه وأسرته إلى القاعدة التونسية، فدخل الكلية الزيتونية سنة 1307 ه، وقرأ على أشهر أساتذتها، وتخرج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها. فطُلب لتولي بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، لكنه أبى، وواظب على حضور دروس العلماء والأكابر؛ مثل: عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يدرّسان
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث" للمؤرخ والعلامة المحقق أحمد تيمور باشا. وطبعته لجنة نشر المؤلفات التيمورية - الطبعة الأولى (1387 ه -1967 م)، والتعليقات في الهامش من وضع اللجنة ....
(2) كتب الإمام هذه الترجمة في حياة المترجم، وكان صديقه، وأوصى بأن يدفن إلى جواره، وقد أنشأ الشيخ الخضر جمعية "الهداية الإسلامية" ,وأصدر مجلة لها، وعين عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم اختير شيخاً للأزهر في بداية ثورة 23 يوليو سنة 1952، وتوفي سنة 1958 م.
(14/ 1/190)

التفسير، والشيخ سالم بوحاجب، وكان يدرّس "صحيح البخاري".
ثم رحل إلى الشرق سنة 1317 ه ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام بها أياماً، فلازم جامع الزيتونة، يقيد ويستفيد إلى سنة 1321 ه فأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ولقي في سبيل بثّ رأيه الإصلاحي ما يلقاه كل من سلك هذا السبيل.
وفي سنة 1323 ه ولّي القضاء بمدينة "بنزرت"، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير. ثم استقال ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيل إليه تنظم خزائن الكتب بالجامع المذكور. وفي سنة 1325 ه اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي هذه المدة جعل من المدرسين المعينين بالجامع.
وفي سنة 1326 ه جعل مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة بالخلدونية. ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين، كان من أعظم الدعاة لإعانة الدولة. ونشر بجريدة "الزاهرة" قصيدته التي مطلعها:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
ثم رحل إلى الجزائر، فزار أمهات مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة. ثم عاد إلى تونس، وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف.
وفي سنة 1330 ه سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية، فدخلها يوم إعلان حرب البلقان، فاختلط بأهلها، وزار مكاتبها، ثم لما عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة، نشر رحلته المفيدة عنها، وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف.
(14/ 1/191)

ثم جعل عضواً في اللجنة التي ألفتها حكومة تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق. فرحل إليه، ونزل مصر، وعرف بعض فضلائها، ثم سافر إلى الشام، ثم للمدينة، ثم للقسطنطينية، ثم عاد إلى دمشق معيناً مدرساً لفغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بها، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى جمال باشا حاكم سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله سنة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم حوكم، فبرئ من التهمة، فاطلق سبيله في شهر ربيع الثاني سنة 1325 ه.
ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جهاما
ثم استمر في التدريس بالمدرسة بدمشق، إلى أن دعي إلى القسطنطينية سنة 1326 ه، فجعل منشئاً عربياً بوزارة الحرب، وواعظاً بجامع الفاتح، فبقي كذلك إلى سنة 1327 ه، ففارق الآستانة، وعاد إلى دمشق، وقال في ذلك:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأسِ هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كفٍّ تديرها واللهاة
فاسمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفن ساقيه طافح بالسبات
(14/ 1/192)

وعيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق ومدرساً ببعض المدارس، فلم يباشر شيئاً من ذلك، بل سافر قاصداً مصر، ونزل بها، فولي التصحيح، وعمل الفهارس بدار الكتب المصرية.
ومن مؤلفاته:
"فقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، و"حياة ابن خلدون"، و"الخيال في الشعر العربي"، و"حياة اللغة العربية"، وغيرها (1).
__________
(1) توفي إلى رحمة الله سنة (1378 ه الموافق سنة 1958 م)، وصلي على جثمانه بالجامع، وقد احتفل رجال الدين والعلماء ونحوهم بتشييع جنازته، ودفن بجوار جثمان المغفور له العلامة أحمد تيمور باشا بمدافن الأسرة التيمورية بالإمام الشافعي - رضي الله عنه - بناء على وصيته بذلك.
(14/ 1/193)

محمد الخضر حسين (1) (1293 - 1377 ه) (1873 - 1958 م)
محمد محفوظ
محمد الخضر (2) بن حسين بن علي بن عمر.
أصل سلفه من بلدة "طولقة" بالجنوب الجزائري، انتقل والده منها إلى "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي في إقليم الجريد، وهي غير بعيدة عن الحدود الجزائرية، حل بها إبان الاحتلال الفرنسي سنة 1843 صحبة صهره الشيخ مصطفى بن عزوز، الضليع من العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، الكاتب الشاعر، السياسي، الصحفي.
ولد ب"نفطة" يوم (26 رجب/ 23 جويلية)، وبلدة "نفطة" واحة جميلة حبتها الطبيعة برونق أخّاذ يثير الخيال، وينبه الشاعرية، قال المترجم في ديوانه "خواطر حياة": "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي، يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "تراجم المؤلفين التونسيين" للمحقق والأديب الأستاذ محمد محفوظ - تونس. طبعة 1982، بيروت.
(2) اسمه في الأصل: الأخضر، ثم حوره إلى الخضر، ووالده اسمه الحسين، ولما استقر بالمشرق، جرى على عادتهم في حذف كلمة ابن قبل اسم الأب، وحذف حرف التعريف من اسم والده.
(14/ 1/194)

تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم الشعر".
وهذه البلدة ذات المناخ الشاعري الملهم، أخرجت شعراء وعلماء على مدار العصور، وفي بعض العصور ازدهرت فيها الحركة العلمية ازدهاراً كبيراً حتى سميت بالكوفة الصغرى.
وفي سنة (1306 ه / 1888) انتقل مع أسرته إلى العاصمة حيث أتم تعليمه الابتدائي؛ أي: حفظ القرآن، ثم التحق بجامع الزيتونة في العام الموالي، أخذ عن أعلامه؛ كسالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وغيرهم، وتخرج منه محرزاً على شهادة التطويع في سنة (1316/ 1898)، وفي العام الموالي لتخرجه درّس متطوعاً بجامع الزيتونة، بعد أن قام برحلة إلى ليبيا.
وكانت عنايته بالأدب واللغة في عهد الطلب بجامع الزيتونة أكثر من غيرهما. وكان ينظم الشعر في بعض المناسبات؛ كتهنئة بعض شيوخه عند إتمام دراسة بعض الكتب، وهو تقليد شائع بجامع الزيتونة في ذلك العهد وما سبقه.
قال في مقدمة ديوانه "خواطر الحياة": "انتقلت إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة، وكان من أساتذة الجامع، ومن هم في الطبقة العالية من طلاب العلم من أولعوا بالأدب والتنافس في صناعة القريض إلى شأو غير قريب، فاقتفيت أثرهم، وكنت أنظم قصائد تهنئة لبعض أساتذتي عند إتمام دراسة بعض الكتب".
(14/ 1/195)

وفي سنة (1322 - 1904) أصدر مجلة "السعادة العظمى" وهي أول مجلة صدرت بتونس، صدرت نصف شهرية، واستمرت قرابة العام، وأعدادها 21 عدداً، وكان ظهور هذه المجلة حدثاً فكرياً بارزاً اهتزّ له رجال العالم المحبين للأدب والإصلاح والشباب، وساء المتزمتين ضيقي الأفق، عبّاد القديم؛ فإن هذه المجلة بدت فيها نزعة إلى حرية النقد، ودعوة إلى احترام التفكير، وتأييد لفتح باب الاجتهاد، ففي المقال الافتتاحي الذي قدّم به المجلة يقول: "إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيّدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد"، ومثل هذه الدعوى وأمثالها مما روجته مجلته، لم تكن لتلقى القبول والترحيب من وسط الجامدين دعاة التمسك بالقديم، وقامت هيئة النظارة العلمية بجامع الزيتونة (المديرة له) تطالب الحكومة بمنع صدور هذه المجلة، وتدعو إلى معارضتها ومقاومتها، وكانت بذلك مجلبة لكثير مما ناله من الاضطهاد طيلة مقامه بتونس.
وكشفت هذه المجلة عن مكانة صاحبها في النثر الفني والعلمي، واتجاهه إلى تجديد أغراض الشعر بصوغ القصائد في المعاني الاجتماعية والفلسفية، والتوجيه إلى مسالك النهضة والتحرر والتجدد.
وفي مدة تدريسه بجامع الزيتونة، درس كتاب "المثل السائر" لابن الأثير، كان درساً عظيم الصدى، ازدحم عليه المستفيدون، وحاز به شهرة ومكانة لدى الوسط العلمي، وبتوجيهه واعتنائه تأسست أول منظمة طاليية بتونس تحت إشرافه باسم: (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) سنة (1324/ 1907).
قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: "ولذلك بدا الشيخ الخضر يستهدف
(14/ 1/196)

لما استهدف له المصلحون العاملون من قبله من آثار المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرته أعين المسؤولين شزراً، عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (1328/ 1910) باعتبار كونه المسؤول عن ذلك التحرر".
وعندما تضايق المتزمتون من علماء الزيتونة ورجال المجلس الشرعي من أفكاره التحررية والإصلاحية، أبعدته الحكومة عن العاصمة، وسمته قاضياً ببنزرت سنة (1323/ 1905)، وباشر التدريس والخطابة بجامعها الكبير، وضايقته السلط الاستعمارية على أثر إلقائه محاضرة بنادي قدماء الصادقية بالعاصمة سنة 1956 بعنوان "الحرية في الإسلام"، فاستقال من خطة القضاء، وعاد للتدريس متطوعاً بجامع الزيتونة، وسمته النظارة العلمية عضواً في اللجنة المكلفة بوضع فهرس للمكتبة الصادقية (العبدلية) إحدى مكتبتي جامع الزيتونة.
واجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة في سنة (1325/ 1907)، وفي العام الموالي عيّن مدرساً بالمدرسة الصادقية، وفي هذه السنة ألقى دروساً في الآداب والإنشاء في المدرسة الخلدونية.
قام بثلاث رحلات إلى الجزائر، المرة الأولى سنة 1903، والثانية في رمضان (1322/ 1904)، والثالثة سنة (1327/ 1909)، فزار عدة مدن جزائرية، وألقى فيها المحاضرات والدروس، وفي سنة (1330/ 1912) شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى، فلم ينجح لغرضين؛ لأن لجنة المناظرة آثرت أن تقدم عنيه أحد أبناء البيوت العلمية الأرستقراطية، ولأنه من دعاة التحرر والإصلاح، وهي أمور تنقمها عليه اللجنة (وأعضاؤها من رجال الشريعة)،
(14/ 1/197)

وذلك بالرغم مما أبداه من كفاءة وتفوق.
وذاق مرارة الظلم والاضطهاد، وشهوة الإيذاء والوقيعة، لا سيما وهو من أنصار الجامعة الإسلامية (الذين يؤمنون بخدمة الملة الإسلامية خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان)، وقام برحلة استطلاعية، وسافر العام نفسه إلى إستانبول؛ حيث كان بها خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، ومرّ بمصر والشام، ودوّن وصفاً اجتماعياً وأدبياً لهذه الرحلة نشرته جريدة "الزهرة". وعاد عن طريق البحر إلى تونس في 2 أكتوبر 1912.
وبعد عودته منع من التدريس بالمدرسة الصادقية بحجة غيابه عن افتتاح المعهد بيومين، فقرر الهجرة إلى المشرق في نفس السنة، ومعه إخوته الأربعة، من بينهم: زين العابدين، ومحمد المكي، وزار مصر والشام والحجاز، وألبانيا، وتركيا، ومعظم بلاد البلقان، ثم استقر بدمشق، وعهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية إلى سنة (1336/ 1917)، وفي مدة إقامته بدمشق كتب المقالات، وألقى المحاضرات، ونشر بعض مؤلفاته.
دخل السجن بأمر من القائد التركي أحمد جمال باشا بتهمة علمه بالحركة السرية العربية المعادية للأتراك، ومكث سجيناً ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وخرج منه في 4 ربيع الثاني سنة (1335/ 29 جانفي 1917) بعد محاكمته وثبوت براءته، وبعد ذلك استدعي إلى إستانبول حيث سمي مفتشاً بوزارة الحربية.
ثم سافر إلى ألمانيا صحبة وفد من العلماء، من بينهم: الشيخ صالح الشريف التونسي (ت سنة 1338/ 1920) مكلفاً بمهمة من قبل الحكومة التركية، ولبث بها قرابة تسعة أشهر، تعلم أثناءها اللغة الألمانية، وتردد بين
(14/ 1/198)

برلين وإستانبول إلى أواخر الحرب العالمية الأولى، حيث أقام ببرلين مرة أخرى قرابة سبعة أشهر، ثم عاد إلى إستانبول التي سقطت بأيدي الحلفاء، فقرر العودة إلى دمشق التي أصبحت عاصمة الأمير فيصل بن الحسين، وما كاد يستقر في دمشق حتى سمي مدرساً في ثلاثة معاهد، وهي: المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية، وعيّن عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع العلمي العربي بدمشق على أثر جلسته المنعقدة في 30 جويليه 1919. وفي منتصف عام 1920 احتل الجيش الفرنسي دمشق، فبارحها، وصار عضواً مراسلاً للمجمع العلمي، واحتفظ بهذه العضوية إلى آخر أيام حياته، وأصدرت عليه فرنسا حكماً بالإعدام غيابياً أثناء مقامه في ألمانيا، قام بتحريض المغاربة -والتونسيين منهم خاصة- على الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، فكان خروجه من دمشق فراراً من تنفيذ حكم الإعدام عليه، وتوجه إلى مصر التي له فيها أصدقاء عرفهم في دمشق وإستانبول وأوربا، وفي القاهرة سمي مصححاً بدار الكتب المصرية، وهي خطة لا تسند إلا لمن تثبت مقدرته العلمية والأدبية واللغوية، وكتب في الصحف والمجلات، وألقى المحاضرات في الجمعيات، والدروس في المساجد.
وفي سنة 1923 أسس جمعية (تعاون جاليات شمال إفريقيا)، وهدفها رفع المستوى الثقافي والاجتماعي لتلك الجاليات، وتولى رئاسة هذه الجمعية.
ولما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم" لم تحل علاقاته بآل عبد الرازق من قولة الصدق، وبيان وجه الحق، والرد على أحد أفرادهم، ومن الهراء زعمُ بعضهم أنه ألف الكتاب خدمة لأغراض ملك مصر أحمد فؤاد الذي كان يسعى لمبايعته بمنصب الخلافة الإسلامية بعد
(14/ 1/199)

إلغائها في تركيا، وكأن علي عبد الرازق يرد عليه من طرف خفي، والحقيقة أن ما تضمنه الكتاب من آراء لا يوافق عليها أي عالم مسلم، فالرد عليه هو بيان لوجه الحق، وتبديد الشبهات، وإرضاء الضمير، لا خدمة لركاب أحمد فؤاد أو غيره من الأشخاص أو المؤسسات.
فلم تكد تهدأ العاصفة التي أثارها هذا الكتاب، حتى أصدر الدكتور طه حسين سنة 1926 كتابه في "الشعر الجاهلي" الذي أثار حملة من النقود والردودة لأنه زعم أنه يطبق منهج ديكارت على الشعر الجاهلي، وتطرق إلى إنكار نزول إبراهيم بالحجاز، فهو تكذيب صريح للقرآن؛ مما زاد اشتداد الحملة عليه، وكان من بين الذين تولوا الرد عليه المترجَم له في كتابه "نقض كتاب في: الشعر الجاهلي" ويهذين الكتابين حاز شهرة في الأوساط الأدبية والعلمية، ومنح الجنسية المصرية، واجتاز امتحان شهادة العالمية في الأزهر بتفوق؛ لأن الأزهر لا يعترف بالشهادات الزيتونية، والزيتونة لا تعترف بشهادات الأزهر، وبموجب إحرازه على شهادة العالمية صار من مدرسي الأزهر في معاهده الثانوية، ولما تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي سعى إلى تسمية المترجم أستاذاً في كليات الأزهر، وفي عام 1950 طلب قبوله عضواً في هيئة كبار العلماء، ومن شروط القبول تقديم بحث علمي ممتاز، فقدم بحثاً مطولاً عن "القياس في اللغة العربية"، فقبل بالإجماع. وواصل نشاطه في ميدان الدعوة الإسلامية، فأسس جمعية (الهداية الإسلامية) في (13 رجب سنة 1346 ه / 16 جانفي 1928 م) لخدمة مبادئ الدين الإسلامي وأصوله، وتولى رئاسة هذه الجمعية، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها، كما تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الاسلام", ومجلة "الأزهر"،
(14/ 1/200)

ولما تأسس المجمع اللغوي بالقاهرة بمرسوم من الملك أحمد فؤاد، وصدر عنه مرسوم ثان في العام الموالي في (16 جمادى الثانية 1352 ه / 16 أكتوبر 1933 م) تم بموجبه تسمية الأعضاء العاملين بالمجمع، وكان من بينهم المترجم له.
وفي يوم (الأحد 25 ربيع الثاني سنة 1356 ه / 4 جويليه 1937 م) سافر إلى دمشق، فأقام بها شهرين، ثم عاد إلى القاهرة يوم الاثنين غرة رجب/ 8 ديسمبر، واتصل فيها بأصدقائه من العلماء والأدباء الذين رحبوا بقدومه، وأقاموا له حفلات التكريم، وألقى محاضرة في قاعة المحاضرات بالمجمع العلمي عنوانها: (أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية).
ولم يترك الاهتمام بقضايا المغرب العربي، فأسس بعد الحرب العالمية الثانية (جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا) التي قامت بعدة أعمال لفائدة المغرب العربي، وكان من بين أعضائها: الزعيم الحبيب بورقيبة عند هجرته إلى مصر، ومحيي الدين القليبي عند زيارته الأولى لمصر.
وقدم المساعدة اللازمة للمجاهد الأكبر الأستاذ الحبيب بورقيبة عند قدومه إلى مصر في مارس 1946 الذي أوقفته السُّلَط المصرية للتثبت من هويته قبل دخوله القاهرة، وزار الزعيم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي في السفينة الراسية في ميناء السويس.
وعندما قامت الثورة المصرية سمي شيخاً للجامع الأزهر في يوم الأربعاء (27 ذي الحجة سنة 1371 ه / 7 سبتمبر 1952 م)، وكان قد أحيل على التقاعد منذ سنة 1950، ولما نحي اللواء محمد نجيب عن الحكم، ونفي إلى مكان مجهول في 20 أوت 1953، وكثرت أمراضه الجسمية، وهزلت صحته؛
(14/ 1/201)

مما عاقته عن القيام بمسؤولياته بما يرضي ضميره، وولوعه بالمطالعة، كل هذا دعاه إلى الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر في (2 جمادى الأولى سنة 1373 ه / 8 جانفي 1954 م)، وعقب الاستقالة قام برحلة إلى دمشق زار فيها شقيقه الشيخ زين العابدين، ثم عاد إلى القاهرة إلى أن أدركته الوفاة ظهر يوم الأحد (13 رجب 1377 ه / 12 فيفري 1958 م).
وترك وصية خطيّة طلب فيها دفنه بمقبرة آل تيمور حذو صديقه العلامة أحمد تيمور باشا الذي وجد منه المساعدة والعون عند قدومه إلى مصر سنة 1920، كما وجد منه النصح والتقدير خلال بقية السنوات، وقد طلب فخامة رئيس الجمهورية التونسية الرئيس الحبيب بورقيبة من الأستاذ الطيب السحباني سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، ولم تقع الموافقة عليه بالإيجاب لوصيته الخطية السالفة الذكر، ومات عن غير عقب، وترك مكتبة نفيسة أهداها إلى زوجته.
* مؤلفاته:
1 - "أسرار التنزيل"، وهي تفسير للفاتحة، وسورة البقرة، وبعض آيات من سورة آل عمران، والحج، والأنفال، ويونس.
2 - "بلاغة القرآن"، أشرف على طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيقه زين العابدين، وطبع بالمطبعة التعاونية بدمشق سنة 1979، ص 216، جمعه مما نشر في المجلات.
3 - "تونس وجامع الزيتونة"، أشرف على طبعه حفيده للأخ، المطبعة التعاونية بدمشق 1971، جمعه مما سبق نشره في المجلات أو الرسائل الصغيرة، وله علاقة بتونس، وخاصة تراجم العلماء المشهورين أمثال: ابن
(14/ 1/202)

خلدون، وأسد بن الفرات، وعمر بن الشيخ، ومحمود قابادو.
4 - "خواطر الحياة": (ديوان شعر ضخم) ط سنة (1366/ 1946)، وعلق عليه في الطبعة الثانية الشيخ محمد علي النجار الأستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر، نشرته المطبعة السلفية ومكتبتها لصاحبها الأستاذ محب الدين الخطيب أحد أصدقائه سنة (1373/ 1953).
5 - "الخيال في الشعر العربي"، نشره أولاً في شكل مقالات بمجلة "المنار" خلال سنة 1921، ط، بالمطبعة الرحمانية، 41 ص، وط للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (1346/ 1928)، -84 ص، ثم أعاد طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني بالمطبعة التعاونية بدمشق 1972، 203 ص، وأضاف إليه: "الخطابة عند العرب"، و"محاضرات في البلاغة والآداب".
6 - "الحرية في الإسلام"، محاضرة ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء يوم السبت 17 ربيع الثاني 1324، وهو يومئذٍ قاض ببنزرت، المطبعة التونسية 1959، 61 ص، وطبعت طبعة ثانية بالأوفيست، تونس 1972.
7 - "رسائل الإصلاح"، جمع فيها جملة كثيرة من بحوثه في الدين، والأخلاق، والتراجم، والتاريخ، واللغة، وقد جعلها أربعة أقسام هي:
1 - الأخلاق والاجتماعيات.
2 - قسم المباحث الدينية في أصول الدين، وأصول الفقه، والأحكام العملية.
3 - قسم السيرة النبوية، وتراجم الرجال، والبحوث التاريخية.
4 - قسم مباحث اللغة والآداب، وقد نشر منه في حياته ثلاثة أجزاء
(14/ 1/203)

تدور كلها على القسمين الأولين، ط، الجزء الأول بمطبعة الهداية الإسلامية، القاهرة (1358/ 1938)، ص 44 - 240، وقد أعاد طبع هذا الجزء حفيده للأخ بدمشق 1971 بعد الحذف، وإضافة موضوعات من الجزء الثاني، 240 ص.
الجزء الثاني بمطبعة حليم بالقاهرة بلا تاريخ، ص 231، وقد نقل الحفيد موضوع: (أديان العرب قبل الإسلام) إلى كتاب "محمد رسول الله"، كما نقل موضوع: التصوف إلى كتاب "الشريعة الإسلامية".
8 - "الدعوة إلى الإصلاح"، رسالة طبعت على نفقة شقيقه السيد محمد العروسي بن الحسين، بالمطبعة العربية بتونس (1328/ 1910)، 41 ص، وطبعت للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (1346/ 1921)، 84 ص بعد أن أدخل عليها تنقيحاً في بعض الفقرات والفصول، وتحويراً في التبويب.
9 - "الشريعة الإسلامية"، فيه معظم الجزء الثالث من "رسائل الإصلاح" في طبعتها الأولى، وأضاف إليها حفيده مقالات نشرت في مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "الهداية الإسلامية"، وأشار لها في الحواشي، المطبعة التعاونية بدمشق 1971، 222 ص.
10 - "طائفة القاديانية"، المطبعة السلفية سنة (1351/ 1932)، 40 ص، وطبعت للمرة الثانية ضمن رسائل الإصلاح، ج 3، ص 107 - 125.
11 - "علماء الإسلام في الأندلس"، محاضرة ألقاها في نادي جمعية الشبان المسلمين باسم جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الأربعاء 28 ذي الحجة (1346/ 1927)، وأردفها بخطبة في موضوع: (لماذا نحتفل بذكرى الهجرة النبوية؟) ألقاها في النادي نفسه في غرة محرم 1347، طبعت بالمطبعة السلفية (1357/ 1928)، 40 ص.
(14/ 1/204)

12 - "القياس في اللغة العربية"، لما درّس المؤلف كتاب "مغني اللبيب" بالمدرسة السلطانية بدمشق تجمعت لديه كثير من الآراء عن القياس في اللغة العربية قدمها إلى تلاميذه، وناقشها مع بعض أصدقائه من العلماء، وقد اقترح عليه بعضهم، ومنهم: الشيخ محمد بهجة البيطار عضو المجمع العربي بدمشق جمع هذه الآراء في كتاب يساعد قراء العربية على معرفة هذا الموضوع الهام، فكتب بحثاً في القياس في اللغة نشره تباعاً في مجلة "المنار" سنة 1922، ثم نشره في كتاب خاص في 127 ص، وطبع بالمطبعة السلفية (1353/ 1934)، والطبعة الثانية نشرها حفيده ضمن كتاب "دراسات في العربية وتاريخها" (ص 5 - 112)، دمشق 1965، ثم إنه نقحه وجوّده وقدمه إلى هيئة كبار العلماء، فقبلته بالإجماع، وأصبح عضواً فيها سنة 1950، ومما نشره وغلق عليه كتاب "الموافقات" للشاطبي، وعليه تعليقاته، وطبع بالمطبعة السلفية سنة (1341/ 1923) في أربعة أجزاء.
13 - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، المطبعة السلفية (1344/ 1925)، 44 ص 7 + 242.
14 - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، المطبعة السلفية (1345/ 1926)، 7 + 364.
* المراجع:
- "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" (2/ 193 - 230).
- "أركان النهضة الأدبية في تونس" (39 - 43).
- "أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث" لأحمد تيمور (القاهرة 1967) (378 - 381).
(14/ 1/205)

- "محمد الخضر حسين: حياته، وآثاره" لمحمد مواعدة (تونس 1974).
- "شيخ الأزهر الأسبق" دراسة مختارات سلسلة أعلامنا (4) لأبي القاسم محمد كرو، تونس 1973.
- "معجم المطبوعات" (1652).
- "مجمل تاريخ الأدب التونسي" (333 - 337).
- "معجم المؤلفين" (2/ 279 - 280)، وانظر عنه، وعن مجلة "السعادة العظمى":
(14/ 1/206)

محمد الخضر حسين (1) (1293 - 1377 ه) (1876 - 1958 م)
خير الدين الزركلي
محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي: عالم إسلامي، أديب، باحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر.
ولد في "نفطة" (من بلاد تونس)، وانتقل إلى تونس مع أبيه (سنة 1306) وتخرج بجامع الزيتونة. ودرّس فيه. وأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة (1321 - 23)، وولي قضاء "بنزرت" (1323)، واستعفى، وعاد إلى التدريس بالزيتونة (سنة 24)، وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين: العبدلية، والزيتونة. وزار الجزائر ثلاث مرات، ويقال: أصله منها. ورحل إلى دمشق (سنة 30)، ومنها إلى الآستانة. وعاد إلى تونس (31)، فكان من أعضاء (لجنة التاريخ التونسي)، وانتقل إلى المشرق، فاستقر في دمشق مدرساً في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى.
وانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى "برلين" مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين في كتاب الموسوعة "الأعلام" للأستاذ الأديب والشاعر خير الدين الزركلي - طبعة 1990، بيروت.
(14/ 1/207)

من أخبار رحلته، في جريدة "المقتبس" الدمشقية.
ولما احتل الفرنسيون سورية، انتقل إلى القاهرة (1922)، وعمل مصححًا في دار الكتب خمس سنوات. وتقدم لامتحان (العالمية) الأزهرية، فنال شهادتها. ودرّس في الأزهر. وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية، وتولى رئاستها، وتحرير مجلتها. وترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، ومجلة "لواء الإسلام"، ثم كان من (هيئة كبار العلماء)، وعُين شيخاً للأزهر (أواخر 1371)، واستقال (73)، وتوفي بالقاهرة. ودفن بوصية منه في تربة صديقه أحمد تيمور (باشا).
وكان هادئ الطبع، وقوراً، خص قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار، وانتخب رئيساً لجبهة الدفاع عن شمال إفريقية. في مصر. وله تًاليف، منها "حياة اللغة العربية- ط "، و "الخيال في الشعر العربي- ط "، و"مناهج الشرف- ط "، و"طائفة القاديانية- ط "، و"مدارك الشريعة الإسلامية- ط "، و"الحرية في الإسلام- ط "، محاضرة، و"نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم- ط "، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي- ط "، و "خواطر الحياة- ط " ديوان شعره، و"بلاغة القرآن- ط "، و"محمد رسول الله- ط "، و"السعادة العظمى- ط "، و"تونس وجامع الزيتونة-" (1).
__________
(1) من ترجمة له بقلمه وبخطه، عندي. وجريدة "الفتح" 17 ذي القعدة 1350، و"الأهرام" 21/ 9/ 52، ثم 3/ 2/ 58، ومجلة "الحج": (12: 66)، و"معجم المطبوعات"، 1652 ومجلة "المجمع العلمي العربي" (81: 18)، والأزهر في ألف عام (1: 165، 195)، و "مجمع اللغة" (14: 323 و 4: 232 - 33)، و"مذكرات المؤلف".
(14/ 1/208)

محمد الخضر حسين شيخ الأزهر (1) (1293 - 1377 ه) (1873 - 1958 م)
محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة
محمد الخضر، أو الأخضر (2) بن الحسين الشريف التونسي.
ولد ببلدة "نفطة" (3) في (26 رجب 1293 ه، الموافق 21 تموز 1873 م) لأسرة تهتم بالعلم، وتتصف بالفضل، وكان والده وجدّه من كبار العلماء، واشتهر خاله محمد المكي بن عزوز في تونس والجزائر وإستانبول، ويرجع أصل أسرته إلى أسرة العمري من قرية "طولقة"، إحدى واحات الجنوب الجزائري.
نشأ في بلدة "نفطة" بجو أسرته العلمي، فحفظ القرآن الكريم، ثم رحل به والده في ربيع الأول من سنة 1306 إلى تونس العاصمة لتلقي العلوم بجامع الزيتونة، وصحب معه إخوته: محمد الجنيدي، ومحمد العروسي،
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين من كتاب "تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر" (الجزء الثالث) للأستاذين: محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة، بدمشق - الطبعة 1991 م دمشق.
(2) أبدلت الخضر بالأخضر منذ طفولته للاختصار.
(3) في جنوب تونس، وتسمى عندهم: الكوفة الصغرى.
(14/ 1/209)

ومحمد المكي (على اسم خاله)، وزين العابدين. وفي تونس التحق بجامع الزيتونة سنة (1307/ 1887)، والتقى بالطبقة العالية من علمائه، وأشهرهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز (ت 1333)، والشيخ عمر بن الشيخ (ت 1329)، والشيخ محمد النجار (ت 1329)، وبه تأثر في الاتجاه المحافظ، والشيخ سالم بو حاجب (ت 1343)، وتأثر به في الاتجاه الإصلاحي. والشيخ مصطفى رضوان، والشيخ إسماعيل الصفايحي. وقد بقيت صلته بشيوخه هؤلاء حتى سفره إلى المشرق.
واصل الشيخ دراسته في الزيتونة باهتمام، حتى حصل على شهادة التطويع منه سنة 1316، وكان قبل انتهاء دراسته طُلب للمشاركة في بعض القضايا العلمية، فأبى.
ثم حاول القيام برحلة إلى الشرق عن طريق ليبيا، فخرج سنة 1317، لكنه لم يجاوز حدود مدينة طرابلس، فرجع إلى تونس. وبعد سنوات قام بزيارة إلى الجزائر دفعه إليها الصلة بين أصله الجزائري، وميله إلى الرحلة للعلم، فوصلها سنة 1321. ثم قام برحلة إليها ثانية في السنة التالية. وهناك تعرف على عدد كبير من الشيوخ؛ كالشيخ محمد بن شنب، والشيخ عبد القادر المجاوي. وفي هذه المدة أصدر مجلة "السعادة العظمى"، التي توقفت سنة (1323 ه / 1905 م).
تولى إثر ذلك القضاء في "بنزرت" بتأثير من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وبقي فيه أشهراً قليلة، قدّم بعدها استقالته، ورجع إلى بلده تونس سنة 1324؛ ليباشر التدريس بجامع الزيتونة، إضافة إلى عمله فيه بتنظيم المكتبة.
(14/ 1/210)

وفي سنة 1326 عيّن مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة في جامع الخلدونية.
ولما قامت الحرب بين الطليان والدولة العثمانية، كان من أعظم الدعاة للوقوف في وجه العدو، ونشر في جريدته ما يحمّس ضدّ الاحتلال الإيطالي.
رغب بالرحلة إلى الشرق، واشتاق إليه إثر انتقال إخوته الثلاثة إلى دمشق، واستقرارهم بها، فرحل سنة 1330 قاصداً بلاد الشام. واستغرقت رحلته أربعة أشهر وستة أيام، زار خلالها جزيرة مالطة، والإسكندرية، ثم القاهرة، واجتمع فيها بكبار العلماء، وألقى درساً في الأزهر، ثم بورسعيد، ويافا، وحيفا، ودخل دمشق أول رمضان سنة (1330/ 31 تموز 1912)، وفيها التقي بإخوته، واستقبله علماء دمشق ووجهاؤها استقبالاً حاراً، وألقى دروساً في الجامع الأموي، وبقي فيها شهر رمضان جممله. وزار خلال ذلك المؤسسات الثقافية، ثم غادرها في 2 شوال، وقصد بيروت، فالتقى فيها ببعض رجالات الفكر؛ كالسيد شفيق المؤيد. ومنها سافر إلى إستانبول، لزيارة خاله وأستاذه الشيخ محمد المكي بن عزّوز. وبقي في تركيا ما يقارب الشهرين، واتصل بكبار علمائها صحبة خاله. ثم غادرها إلى تونس، حيث وجد قراراً بفصله ينتظره هناك لسبب سياسي، لما قام به من أعمال تمسّ النظام الفرنسي الحاكم بتونس، فواصل على الأثر نشاطه العلمي، والتدريس في نادي جمعية قدماء الصادقية، وغيره، ونشر حديثاً ببعض الصحف عن رحلته.
بعد ذلك رغب بالهجرة إلى الشام، فودع زوجته سنة (1331/ 1912)، وقد رفض أهلها أن ترافقه، فحزن على فراقها، وأنشد:
جارتي منذ ضحوة العمر عذراً ... لأخي خطرة نأى عنه بيتك
(14/ 1/211)

قال يوم الوداع وهو يعاني ... سكرة البين: ليتني ما عرفتك
قصد أول أمره مصر، فاتصل بعدد من علمائها؛ كالشيخ رشيد رضا، ثم انتقل إلى دمشق، فأقام بها مدة يسيرة، سافر بعدها إلى الحجاز، ثم ألبانيا، والآستانة، ثم رجع إلى دمشق، واستقرّ بها مع إخوته في حيّ الميدان.
بدأ دروسه بدمشق بالجامع الأموي، والتدريس بالمدرسة السلطانية، فقدره أهل العلم، وتوثقت الصداقة بينه وبين الشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ جمال الدين القاسمي. وبعد وفاة هذا الأخير قرأ عليه طلابه أمهات الكتب؛ ك"المستصفى في أصول الفقه" للغزالي، و"بداية المجتهد" في علم الخلاف لابن رشد، و"المغني في النحو" لابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد، و"صحيح مسلم"، فكان في ذلك كله إماماً مستقلاً مستدلاً.
شارك في الكتابة بالصحف والمجلات، وكان له اهتمام واضح بالمشكلة العربية التركية، ودعا للألفة بين العرب والأتراك في ظل الخلافة العثمانية. وكان جلّ اهتمامه بالعلم والعلماء بدمشق. قال عنها: "نزلت دمشق، وللشعر فيها سوق غير كاسدة، ولكني آثرت أن أصرف القريحة في البحث العلمي، أو في العمل للقضية الإسلامية بقدر ما أستطيع" (1).
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، وتولى جمال باشا السفاح حكم سورية، عمل الشيخ مع عدد من المفكرين ضدّ حكمه الجائر، فسجن يوم 15 آب 1916، متهماً بالتستر على المتآمرين، وحوكم، ثم أطلق سراحه، بعد أن بقي في السجن حتى يوم 29 كانون الثاني 1917. وحزّ في نفسه وهو سجين أن يمنع من المطالعة والكتابة، وقال في هذا:
__________
(1) "خواطر الحياة" (ص 5).
(14/ 1/212)

غلّ ذا الحبسُ يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض من مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما
وعاد بعد سجنه إلى التدريس في المدرسة السلطانية، والجامع الأموي.
ثم استدعي للعمل في الآستانة منشئاً عربياً بوزارة الحربية، بسعي من الشيخ حسن ظافر، وعلي باش حامبة الزعيم التونسي؛ ليتولى الإرشاد في جامع الفاتح.
ولما استقر في الآستانة، كان خاله قد توفي سنة 1334، فباشر عمله، ثم كلف بمهمة في ألمانيا صحبةَ عدد من العلماء؛ كالشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفائحي التونسيينِ، وبقي هناك تسعة أشهر على اتصال مع النازحين من ظلم الفرنسيين إلى ألمانيا. وتعلم خلال شهر اللغة الألمانية. ثم رجع إلى الآستانة، فبقي فيها مدة قليلة، عاد بعدئذٍ منها إلى "برلين" سنة 1337، ومكث بها سبعة أشهر حتى انتهت الحرب العالمية، وحين هزمت تركيا، رجع إلى الآستانة، ومنها إلى دمشق، التي دخلتها الجيوش العربية بقيادة الأمير فيصل.
وفي دمشق تابع التدريس بالمدرسة السلطانية وغيرها. وعندما تأسس المجمع العربي سنة 1919، وعقد جلسته الأولى في 30 تموز من هذه السنة، وقع تعيينه عضو شرف (1).
__________
(1) "تاريخ المجمع العلمي العربي" (ص 10).
(14/ 1/213)

وبعد معركة ميسلون سنة (1339/ 1920) رحل إلى مصر هروباً من الحكم الفرنسي، الذي لاحقه خفية في تونس، ثم حكم عليه بالإعدام غيابيًا؛ لاتهامه إياه بالمشاركة بتحريض المغاربة في ألمانيا وتركيا ضدّ السلطة الفرنسية في شمال إفريقية، فأحزن سفره أصدقاءه ومحبيه في الشام، ومنهم: الأستاذ الشاعر خليل مردم، الذي وجه إليه -فيما يقول بعد- رسالة رقيقة تدل على مكانته عند الشاميين، وصداقته لهم، وفيها قوله:
إنّ خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي للأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، وإخوانه الفضلاء، وصحبتي لهم. وقد صحبت الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل، الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين، حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاضل".
وأتبع الشاعر رسالته بقصيدة سماها: الرتيمة (1)، ومطلعها:
طيفٌ للمياء ما ينفك يبعث لي ... في آخر الليل إن هوّمت أشجانا
يغري الدموع بأجفان مسهَّدَةٍ ... من حيث يوري على الأحشاء نيرانا
فلو تراني وأمر الليل مجتمع ... مشتت الرأي إثر الطيف حيرانا
حسبتني مطفلاً قد ضلّ واحدُها ... عنها فطبقت الآفاق تحنانا
إلى أن قال:
كاد أقضي جَوًى والدار جامعة ... فكيف حالي إذا وقت النوى حانا؟!
__________
(1) الرتيمة: خيط يعقد في الإصبع للتذكير. "المعجم الوسيط".
(14/ 1/214)

فأجابه الشيخ بقصيدة عنوانها: (الصداقة هي الرتيمة)، ومطلعها:
ما النجم تجري به الأفلاك غَسَقٍ ... كالدر تقذفه الأقلام في نَسَقِ
ومنها قوله:
هي الرتيمة فيما قال مبدعها ... وهل يغيب السنا عن طلعة الفلق
إني على ثقة من أنّ ذكرك لا ... ينفك مرتسماً في النفس كالُخُلق
وكيف أنسى (خليلًا) قد تضوَّع في ... حشاشتي ودُّه كالعنبر العَبِقِ
ولم ينس الشيخ بقية أصدقائه العلماء في دمشق، كما أنه لم ينس ما وجده في دمشق من تقدير واحترام، جعلاه يذكر تلك المرحلة من حياته في كل مناسبة، ويميزها عن بقية مراحل حياته. ويصف رحلته إلى الشام. فيقول: "هذه الأوطان الثلاثة: (تونس، وسورية، ومصر) التي قضيت بها عمراً غير قصير، وإذا كان فضل العلماء والمحققين، والأدباء المستقيمين، والرؤساء الراشدين قد غطى في تونس ومصر على ما أشرت إليه من مناوأة بعض الغافلين أو الجاحدين حتى أنسى، ولم تبلغ أن يكون لها في حياتي الأدبية أثر، فإن الأعوام التي قضيتها بين أهل دمشق، لم أشعر فيها -على ما أذكر- إلا برقة العطف، وحسن اللقاء أينما كنت، فإذا حننت إلى دمشق، فإنما أحن إلى الخلق الكريم، والأدب الأخاذ بالألباب، وقد شهد لها بهذه المزايا كثير من نزلائها العلماء والأدباء من قبلي".
ولما استقر في القاهرة بعيداً عن أهله وأقاربه وأصدقائه ومحبيه، تقدم إلى امتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادتها، واتصل ببعض المصريين الذين عرفهم في زياراته السابقة لمصر، وتعرف إلى العلامة أحمد تيمور، وقدّر
(14/ 1/215)

مكانته وقيمته العلمية، وساعده هذا الأخير على الاستقرار، وكان بينهما محبة وود.
عمل الشيخ مصححاً بدار الكتب المصرية، واشتغل بالفهارس، إضافة إلى الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها في المساجد، والبحوث والمقالات التي يكتبها في الصحف والمجلات.
أسس محمد الخضر في مصر (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية) (1343/ 1924)، ضمت أعضاء من تونس والجزائر والمغرب وليبيا. وكانت مهمتها رفع مستوى هذه الجاليات ثقافياً واجتماعياً. كما أسس (جمعية الهداية الإسلامية) سنة (1346/ 1927). وكان من أعضائها الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر، والشيخ عبد الحليم النجار. وكانت تهدف إلى تمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية، والتعريف بحقائق الإسلام، ورفع شأن اللغة العربية، عن طريق إلقاء المحاضرات، وإصدار المجلة المعروفة باسم هذه الجمعية. وقد استمرت هذه المجلة حتى الحرب العالمية الثانية.
وظهر تقدير علماء مصر للخضر حسين عندما وقع الاختيار عليه ليقوم بالتدريس في قسم التخصيص بالجامع الأزهر سنة (1346 ه / 1927 م).
وعندما أسندت مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (ت 1944)، اهتم بمشروع مجلة دينية، فصدرت مجلة "نور الإسلام " التي تمثل الجامع الأزهر، وتولى إدارتها عبد العزيز محمد، ورئاسة تحريرها محمد الخضر حسين. إضافة إلى الإشراف العلمي عليها. وهو الذي كتب افتتاحية العدد الأول الذي صدر في المحرم من سنة 1349 ه.
ثم ترأس الشيخ تحرير مجلة "لواء الاسلام"، وكان من هيئة كبار العلماء.
(14/ 1/216)

وعندما أنشئ مجمع فؤاد الأول في القاهرة مشة (1351/ 1932)، كان محمد الخضر من بين الأعضاء الأوائل، الذين صدر مرسوم بتعيينهم سنة (1352/ 1933)، وكان له نشاطه البارز في أعمال المجمع العلمية.
طان خلال حياته في مصر يتلهف إلى زيارة دمشق، ويحنّ إليها في كل مناسبة، وهو القائل عنها:
أحنّ إلى لياليها كصبٍّ ... يحنّ إلى ليالي الرقمتينِ
ومطمح همتي في أن أراها ... تسامي في علاها الفرقدينِ
واستجابة لهذا الشوق، وتلبية لرغبة أسرته، سافر إلى دمشق في 25 ربيع الثاني سنة (1356/ 1937)، وأقام بها شهرين، وكتب في مجلة "الهداية الإسلامي" حديثاً عن هذه الرحلة، تكلم فيه عن اجتماعه بالعلماء الشاميين، واستقبالهم له في عدد من حفلات التكريم، التي كانت تقام له (1).
وألقى بدمشق في بهو المجمع العلمي العربي محاضرة عنوانها: (أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية) (2)، ختمها بقصيدة مطلعها (3):
زارها بعد نوى طال مداها ... فشفى قلباً مجداً في هواها
ومنها قوله:
راحَ نشوانَ ولا راح سوى ... أن رأى الشام وحيّاه شذاها
نظرة في ساحها تُذْكره ... كيف كان العيش يحلو في رباها
__________
(1) العددان 5، 6 من المجلد العاشر.
(2) مجلة "مجمع اللغة العربية" (15/ 285).
(3) ديوان "خواطر الحياة".
(14/ 1/217)

ما شكا فيها اغتراباً وإذا ... حدثته النفس بالشكوى نهاها
ثم يقول:
فهنا قامت نوادي فتية ... تبلغ النفسُ بلقياهم مناها
أدب يزهو كزهر عطرٍ ... أرشفته السحبُ من خمر نداها
ملؤوا جلق أنساً فأرى ... ليلها طلقَ المحيا كضحاها
شدّ ما لاقوا خطوباً فانتضوا ... مرهفاتِ العزم طعناً في لَهاها
وعقّب على المحاضرة الشيخ محمد بهجة البيطار، عضو المجمع، فألقى كلمة تحدث فيها عن الشيخ محمد الخضر، وأثنى عليه.
وزار محمد الخضر دمشق مرة أخرى سنة (1363/ 1943)، فاحتفى به أهلها، وعند وداعه أقاموا له حفلًا ضمّ رجالات النهضة الإصلاحية، وألقى هو قصيدة مطلعها:
ولدتك تبغي في الحياة أنيساً ... يرعى عقولاً أو يقود خميسا
ولربَّ أمٍّ أملت في طفلها ... همم الملوك فقام يحدو العيسا
وعند مغادرته دمشق، وجّه رسالة إلى علمائها وأدبائها، شكر لهم فيها بقوله: "ما أبهج أياماً قضيتها في ربوع دمشق. وما بهجة الأيام إلا أن تلقى وجوهاً باسمة، وأنظارًا سامية، ومعارف زاهرة، وآداباً زاهرة، وغيرة على الكرامة ملتهبة".
فكان حنينه إلى دمشق لا ينقضي، ولا يزال ينشد شعره يتغنى بها دوماً، ومن ذلك قوله يخاطب شقيقه الشيخ زين العابدين، وقد دعاه لزيارة دمشق والتمتع بربيعها:
(14/ 1/218)

دعوتَ إلى دمشق وفي فؤادي ... لها شوق أحر من الهجير
تقول: حنا الربيع على رباها ... وحاك طنافسَ الزهر النضير
وهب نسيمها الفياح يُهدي ... إلى أرجائها أزكى عبير
هلم نُعد بها عهداً مليئاً ... بما نهواه من عيش غرير
أثرت بمهجتي ذكرى ليالٍ ... قضيناها بدمر في حبور
وكان الشيخ محمد الخضر متفتحاً للقاء الشخصيات المهمة، يزورها، ويأنس بها، ويودها. وقد زار الأمير محمد عبد الكريم الخطابي (1) عندما رست باخرته بميناء السويس في منتصف ليلة السبت 11 رجب (1366/ 1946)، وقال بعد عودته من زيارته:
قلت للشرق وقد قام على ... قدم يعرض أرباب المزايا
أرني طلعة شهم ينتضي ... سيفه العضب ولا يخشى المنايا
__________
(1) زعيم ثورة الريف بالمغرب ضد الاحتلال الإسباني، وقدر جيشه بمئة ألف، وأنشأ جمهورية الريف. وخاف الفرنسيون امتداد الثورة إلى داخل المغرب، فحالفوا الإسبان، وأطبقت عليه الدولتان، فاستسلم مضطراً إلى الفرنسيين في 12 ذي القعدة (1344/ 1925) بعد أن وعدوه بإطلاق سراحه، ولكنهم غدروا به، فنفوه مع أخ له وبعض أقربائهما إلى جزيرة "رينيون" في بحر الهند شرق إفريقية؛ حيث مكثوا عشرين عاماً، ثم صدر الأمر بنقلهم إلى فرنسا سنة (1366/ 1946)، فلما بلغوا السويس، كان شباب المغاربة قد هيؤوا لهم أسباب النزول من الباخرة، فنزلوا واستقروا في القاهرة، وبها توفي الخطابي بالسكتة القلبية سنة (1382/ 1926). "الأعلام" (6/ 216).
(14/ 1/219)

أرنيها إنني من أمة ... تركب الهول ولا ترضى الدنايا
فأراني بطل الريف الذي ... دحر الأعداء فارتدوا خزايا
غضبة حرّاء هزّته لأن ... يقنذ المغرب من أيدي الرزايا
شبّ حرباً لو شددنا أزرها ... لأصابت كل باغ بشظايا
وبعد قيام الثورة في مصر سنة (1372/ 1952) وقع الاختيار على الشيخ محمد الخضر ليكون شيخاً للأزهر (1)، ولم يُقبل منه اعتذاره بسبب كبر سنه، إذ أشرف على الثمانين، وكان أُحيل على التقاعد سنة (1370/ 1950). وبعد أن درّس في الأزهر عشرين سنة، وأقنعه وزير الأوقاف بالقبول، فتولى المشيخة حتى شهر جمادى الأولى من عام (1373/ 1954)، فقرر الاستقالة من المشيخة؛ لهزاله، وتأخر صحته.
عكف بعدئذٍ على كتبه في منزله، وبقي يتابع أعماله العلمية مع أعماله في مجمع اللغة العربية، واجتماعاته في جميعية كبار العلماء، وكتاباته في المجلات، ومجالساته العلمية مع أصدقائه ومحبيه. وبقي على هذه الحال حتى وافاه الأجل.
ترك محمد الخضر مؤلفات عديد: كتباً، وشعراً، ورسائل، ومحاضرات:
أ - المقالات:
- "السعادة العظمى" (مجلة صدر عددها الأول في نيسان 1904 بتونس، وأغلب مقالاتها من تحريره، واستمرت حتى كانون الثاني 1905).
__________
(1) كانت والدته في حال صغره عند ملاطفتها له تردد الدعاء له بقولها باللهجة الشعبية: "لَخْضَر يا لَخْضَر، تكبر وتُوَلّى شيخ لَزْهَرْ".
(14/ 1/220)

- "رسائل الإصلاح" (مقالات في الأخلاق والاجتماع والدين) (1).
- "بلاغة القرآن" (2).
- "تونس وجامع الزيتونة" (3).
ب - المحاضرات:
- "الحرية في الإسلام" (4).
- "حياة اللغة العربية" (5).
- "العظمة النبوية" (6).
- "الخطابة عند العرب" (7).
- "علماء الإسلام في الأندلس" (8).
ج - الكتب:
- "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (رد على الشيخ عبد الرازق في أسلوب الحكم في الإسلام) (9).
__________
(1) طبعت في حياته، ثم أعيد طبعها بدمشق 1971 م.
(2) ط دمشق 1971 م.
(3) ط دمشق 1971 م.
(4) ألقاها في تونس سنة 1906، وطبعت سنة 1909.
(5) ألقاها في تونس سنة 1909، وطبعت في السنة نفسها.
(6) ألقاها في القاهرة سنة 1928، وطبعت في السنة نفسها.
(7) ألقاها في القاهرة سنة 1928، وطبعت في السنة نفسها.
(8) ألقاها في القاهرة سنة 1928، وطبعت في سنة 1929.
(9) ط 1926 م.
(14/ 1/221)

- "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (رد على الدكتور طه حسين) (1).
- "دراسات في العربية وتاريخها" (2).
- "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" (3).
- "مناهج الشرف".
- "طائفة القاديانية".
- "مدارك الشريعة الإسلامية".
د - الرسائل والبحوث:
- "الدعوة إلى الإصلاح" (محاضرات في إصلاح المجتمع).
- "الخيال في الشعر العربي".
- "القياس في اللغة العربية".
- "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
وبدأ محمد الخضر بنظم الشعر وله اثنتا عشرة سنة. ثم نضج شعره. وله ديوان سماه: "خواطر الحياة"، تناول فيه أغراضاً شعرية متنوعة، أهمها: الإخوانيات، والرثاء، والوصف، والوجدانيات، والإسلاميات، إضافة إلى ما أهمه من قضايا وطنه الكبير.
ومن ذلك قوله بمناسبة احتلال الإيطاليين لليبيا:
ردوا إلى مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
__________
(1) ط 1927 م.
(2) ط 1961 دمشق.
(3) ط 1971 دمشق.
(14/ 1/222)

ولا تعود إلى شعب مجادته ... إلا إذا غامرت هماته الشهبا
حياكم الله قومي إنّ خيلكم ... قد ضمّرت والسباق اليوم قد وجبا

وقال في رثاء أمه التي توفيت سنة (1335/ 1916):
قطّب الدهر فأبديتِ ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما
لست أدري أن في كفيك يا ... دهر رزءاً يملأ العين ظلاما
لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومُذْكيها ضِراما
فإذا العين ترى عن كثب ... كيف تلقى نفسي الأخرى حِماما
يا سقاةَ التراب ماءً هاكُم ... عبراتي إنّ في الجفن جماما
أفلا يبكي الفتى نازحة ... سهرت من أجله الليل وناما؟!
(بنت عزوز) لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
ودرينا منك ألا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حُطاما
ودرينا كيف لا نعنو وإن ... حارب الحق وإن سل الحساما
كنتِ نوراً في حمانا مثلما ... مجتلى البدر إذا البدر تسامى
كان لي منك إذا أشكو النوى ... كتب تحمل عطفاً وسلاماً
فادخلي في سلف قمتِ على ... هديه الحق وأحسنتِ القياما
واسعدي نزلاً إلى الملقى إلى ... يوم لا نخشى على الأنس انصراما

وقال عندما دخل القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة 1330 ه:
لج القطار بنا والنار تسحبه ... ما بين رائق أشجار وأنهار
ومن عجائب ما تدريه في سَفَر ... قوم يقادون للجنات بالنار
ومن جميل شعره قوله:
(14/ 1/223)

أنشدتنا شعر لهفان على ... وصل ليلى وليالي الرقمتين
قلت خلّي ذكر من قال ولم ... يبرز المعنى: رأت بدراً بعيني
واذكري يوم تلاقينا على ... ربوة والماء صافٍ كاللجين
غادة ترنو إلى ورد الربا ... وفتى يلحظ ورد الوجنتين

وهذه الأبيات تشير إلى قول الشاعر المشهور:
رأت قمر السماء فأذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين
وقال:
رأت إذ كنت تخطبها غراماً ... ومن بعد البناء رأت نشوزا
أكانت يوم خطبتها فتاة ... وصارت إذ بنيتَ بها عجوزا؟!
هي العقبى لمن ركبت هواها ... وكم أخزى الهوى عرضاً عزيزا
ولو نشدت أخا خلق مجيدٍ ... بنت حرزاً لعصمتها حريزا

وقال يخاطب صلاح الدين الأيوبي
لو لم تبلّغك الحياة مناكا ... لكفاك أنك قد قهرت عداكا
لك سيرة كادت تمثل للنهى ... بشراً ينافس في العلا أملاكا
ومفاخر يوم استغاث الشرق من ... خطر ألم ولم يُجره سواكا
أيتاح للشرق المعذب ذائد ... يرمى ويبلغ في النضال مداكا؟

وقال في حب الوطن:
وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا
(14/ 1/224)

عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلاً
أنا لا أنسى على طول النوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلم لا ينثني ... عن كفاح ويرى الصبر جميلا
هو ذا طاعنْ به خصمك من ... قبل أن تخترط السيف الصقيلا

وعندما زار مصنع الزجاج بدمشق قال:
إن هذا الزجاج يُصنع كأساً ... ليبيت الحليم منا سفيها
ويصوغ الدواة من بعد كأسٍ ... ليصيرالجهول حبراً نبيها
فهو كالفيلسوف ينفث غياً ... ثم يأتي بما يروق الفقيها

كان الشيخ محمد الخضر رجل علم وشريعة، متمكناً في علومه، الأمر الذي أهّله لمشيخة الأزهر، معتدلاً في أموره، غير متعصب في دينه، ولا مجدد التجديد الذي يحمّل الشريعة فوق ما تتحمل، فقد كان يتمسك بالقرآن الكريم، والسنّة المطهرة، ويعتمد عليهما الاعتماد المطلق، ويقول في هذا المجال: "يقع في وهم من لا يدري ما الإسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً. فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة، هي في نظره دعوة إلى خطة غير صالحة، ذلك ما نقصد إلى تفنيده، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين: أن الشريعة الغراء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل".
وكان الشيخ محمد الخضر لغوياً، مصلحاً، دؤوباً على العلم والعمل، هادئ الطبع، وقوراً، خصص قسماً كبيراً من وقته لمقاومته الاحتلال.
(14/ 1/225)

توفي بالقاهرة في 13 رجب 1377 ه وفق 2 شباط (فبراير) 1958 م. وحضر تشييع جنازته كبار رجال الدولة، وعدد من علماء الشرق، ودفن في المقبرة التيمورية بوصية منه، حذو صديقه العلامة أحمد تيمور.

* المراجع:
- "الأعلام" (6/ 114)، خير الدين الزركلي.
- "أعلام الإسلام" (269)، محمد سعيد الطناوي.
- "أعلام الفكر الإسلامي" (378 - 381)، أحمد تيمور.
- "تاريخ المجمع العلمي العربي" أحمد الفتيح.
- مجلة "مجمع اللغة العربية" (5/ 50، 396، 569 - 6/ 577 - 7/ 2، 475 - 8/ 410 - 9/ 9 - 33/ 336 - 338 - 15/ 285).
- "مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاماً"، مهدي علّام.
- "محاضرات المجمع العلمي العربي".
- "محمد الخضر حسين" (سلسلة أعلامنا)، أبو القاسم محمد كرو.
- "محمد الخضر حسين: حياته وآثاره"، محمد مواعدة.
- "معجم المؤلفين" (9/ 279 - 13/ 418)، محمد رضا كحالة.
- "المعجم الوجيز للمستجيز".
- "ملف الشيخ محمد الخضر حسين في المجمع العلمي العربي بدمشق".
- "يوم ميسلون"، ساطع الحصري.
(14/ 1/226)

مشاهير القرن العشرين محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وأحد زعماء النهضة الإسلامية (1)
محمد بوذينة
"نفطة" تونس 23 جويلية 1873 - القاهرة 12 فيفري 1958.
نشأ ب"نفطة"، ثم التحق بجامع الزيتونة، وتفقه إلى أن صار من العلماء الأفذاذ.
أسس أول مجلة صدرت بتونس وهي مجلة "السعادة العظمى" (1904)، وتولى منصب قاض شرعي ب"بنزرت" (1905)؛ كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير.
وفي سنة 1906 تقدم بأول محاضرة علنية قامت في تونس عن الحرية، وهي المحاضرة التي ألقاها في نادي قدماء الصادقية بعنوان: (الحرية في الإسلام)، وهي من الأعمال الأولى الدالة على شجاعته ووطنيته وحبه لبلاده.
وفي نفس السنة قدم استقالته من منصب القضاء، وعاد إلى العاصمة ليلقي دروسه العلمية تطوعاً في جامع الزيتونة. وفي 1907 شارك في مناظرة التدريس بالجامع الأعظم، وعين أستاذاً بالمدرسة الصادقية. وانتدبته الجمعية
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "مشاهير القرن العشرين" للأديب والشاعر والمحقق الأستاذ محمد بوذينة - تونس. طبعة عام 1994.
(14/ 1/227)

الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء على طلابها.
وفي سنة 1912 شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس. وبدأ منذ هذه الحادثة يفكر في الهجرة نهائياً إلى الشرق.
في سنة 1915 رحل إلى المشرق، واستقر بدمشق، وعين أستاذاً في المدرسة السلطانية؛ حيث مكث إلى سنة 1917، وتحول إلى تركيا وألمانيا، ثم عاد إلى دمشق. وفي سنة 1921 أصدرت السلطات الاستعمارية حكم الإعدام غيابياً على الشيخ محمد الخضر حسين إثر قيامه في ألمانيا بتحريض المغارية والتونسيين على الثورة ضد المستعمر.
وفي سنة 1922 انتقل إلى مصر لاجئاً سياسياً، وتولى بجامعها الأزهر خطة التدريس، وأسس (رابطة تعاون جاليات إفريقيا الشمالية)؛ كما أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي قامت بدور فعال في توجيه نضال أبناء المغرب العربي. وأسس (1928) جمعية الهداية الإسلامية، وتولى رئاستها، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها. كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات الدينية التي أصدرها الأزهر؛ مثل: مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام". وفي سنة 1952 أسندت إليه مشيخة الجامع الأزهر، وكان قبل تقليده ذلك المنصب أنشأ مجلة "الأزهر" تصدى فيها للدفاع عن الأزهر الشريف.
* أشهر كتبه:
"حياة اللغة العربية" تونس 1909، "الحرية في الإسلام" تونس 1909، "الدعوة إلى الإصلاح" تونس 1910، والقاهرة 1921، "الخيال في الشعر
(14/ 1/228)

العربي" القاهرة 1922، "الخطابة عند العرب" القاهرة 1927، "العظمة" القاهرة 1927، "علماء الإسلام في الأندلس" القاهرة 1928، "القياس في اللغة العربية" القاهرة 1934، "رسائل الإصلاح" في أجزاء، القاهرة 1938، "محمد رسول الله وخاتم النبيين" القاهرة 1938، "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" القاهرة 1939، "بلاغة القرآن" القاهرة 1944، "أسرار التنزيل" القاهرة 1944، وديوان شعره "خواطر الحياة" القاهرة 1946.
كان الشيخ الخضر يتمنى أن لا يموت حتى يرى وطنه حراً مستقلاً، وأدرك ما تمناه؛ حيث توفي سنة 1958، ودفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة.
(14/ 1/229)

محمد الخضر بن حسين (1) مولده سنة 1293 (1876 ه) وفاته 1378 (1958 م)
حسن حسني عبد الوهاب
نشأ في مدينة "نفطة" من بلاد الجريد التونسي في وسط ديني وعلمي، وانتقل والده إلى العاصمة، والتحق هو بجامع الزيتونة؛ حيث درس العلوم الإسلامية واللغوية، وتخرج بشهادة ذلك المعهد المبارك - سنة 1316 (1898)، وأسس مجلة "السعادة العظمى" في مختلف المسائل الدينية والأدبية.
ثم إنه عيّن لمجلس القضاء الشرعي بمدينة "بنزرت"، وألقى عدة محاضرات اجتماعية مفيدة، وتولّى التدريس بالزيتونة، وفي عام 1330 (1912) انتقلت عائلته إلى سكنى الشام، واتخذت مدينة دمشق مقراً ومسكناً، فعيّن مدرساً للغة والفلسفة الإسلامية، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى اتهمته السلطات التركية بالمؤامرة ضد أمن الدولة، وفي محاكمته ظهرت براءته، وأُطلق سبيله (1335 - 1917)، فمن شعره وهو في السجن يشتكي منعه من تدوين خواطره:
__________
(1) ترجمة الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "مجمل تاريخ الأدب التونسي - من فجر الفتح العربي لإفريقية إلى العصر الحاضر" للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب - تونس. طبعة عام 1968 تونس.
(14/ 1/230)

غَلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فنامَا
هل يذود الغمض عن مُقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همّة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليستِ الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما (1)

وعاد بعد حين إلى دمشق، ومنها تحوّل إلى مصر، وتقلب في عدة وظائف علمية، منها: تدريس البلاغة بالأزهر - عام 1347 (1928)، واشتغل بجمعية (الهداية الإسلامية)، وكان رئيس تحرير مجلتها. ولم يزل الشيخ -رحمه الله- يتداول أعلى المراتب إلى أن تقلد في العهد الجمهوري وظيفة (مشيخة الجامع الأزهر)، وهي بمثابة مشيخة الإسلام في البلاد الأخرى.
وقد حصلت له بمصر شهرة واسعة، وإجلال كبير من أصدقائه وتلاميذه الوفيرين.
وكان -رحمه الله- في كتاباته العلمية والأدبية غزير المادة، متين اللفظ، تغلب عليه الآراء الحكمية، والوصف الدقيق.

فمن شعره في معنى الحياة:
إن الحياة هي الأيام زاهرة ... ولا أرى الموت غير العيش في نكد
ولا يطيب الفتى عيشاً إذا نسجت ... في أرضه مزنة والناس في جَرَدِ
فإنما الشعب أفراد مؤلفة ... في هيئة الفرد ذو قلب وذو جَسَدِ
أما الفؤاد فأرباب السياسة إن ... هُمُ بخير فباقي الجسم في رَشَدِ
__________
(1) الجهام: سحاب لا ماء فيه، ويقال: جاءنى من هذا الأمر بجهام؛ أي: بما لا خير فيه.
(14/ 1/231)

وإن زكت أمة لانت قلادتُها ... بكفّ قائدها في السهل والسَّنَدِ
والعزّ في الدولة العظمى إذا بُنِيَتْ ... على أساس من الأحكام مطّردِ
تحمي حقوق بني الإنسان قاطبةً ... لا يعتلي أحد منهم على أحدِ

وله قصيد رائع في حيوية اللغة العربية، مطلعه:
بصري يسبح في وادي النظرْ ... يتقصّى أثراً بعد أثرْ
وسبيل الرشد ممهود لَمن ... يتجافى الغمض ما اسطاع السهر
إنما الكون سجلٌّ رُسمتْ ... فيه للأفكار آيٌ وعِبَر

ومنها:
لُغَة أودع في أصدافها ... من قوانين الهدى أبهى دُرَرْ
لُغة نهصر من أغصانها ... زهر آداب وأخلاق غُرَر
ضاق طوْق الحصر عن بسطتها ... ولآلي البحر ليستْ تنحصر
فاض من نهر مبانيها على ... فُصَحاء العُرب سيْلٌ منهمر
فسرت روح بيان في اللهى ... كخصيب الأرض يحييه المطر
وابنها المنطيق إن زُجَّ به ... في مجال القول جَلَّى وبهر
يسبك المعنى متى شاء على ... صيغ، شأن الغني المقتدر
ثم لا يعوزه السيرُ على ... وضعها في كل معنى مبتكر
فاسأل التاريخ يُنبيك بما ... أنجبت أرض قريْش ومُضر
من خطيب مصقع أو شاعر ... مفلقٍ يسحب أذيال الفَخَر
ضربت في كل شرب ينتحي ... من فنون الحسن بالسهم الأغر
(14/ 1/232)

أرشفت من شنب الرقّة ما ... يذهل السامع عن نَغم الوَتَر

ومنها:
والكلام الجزل وضعاً واقع ... موقع السيف إذا السيف خطر
ضلَّ قوم سلكوا في حفظها ... سبباً أوهَن من حبل القصر
واحتست في نُطق بعضٍ أحرفًا ... من لُغَى أخرى فأضناها الخدر
بعض مَن لم يفقهوا أسرارها ... قذفوها بموات مستمر
نفروا عنها لِواذاً وإذا ... جفّ طبع المرء لم تُغِن النُّذُر
هكذا في نظر الأعشى استوى ... زهرُ روض وهشيم المحتظر
لغة قد عضد الدين لها ... ذمّة يكلؤها كل البشر
أوَلَمْ تنسج على منوالها ... كلم التنزيل في أرقى سُوَر؟
يا لَقومي لِوفاء إنَّ مَنْ ... نكث العهد أتى إحدى الكُبَرْ
فأقيموا الوجه في إحيائها ... وتلافوا عِقد ما كان انتثر

وله يرثي والدته:
قطّب الدهر فأبديت ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما
لستُ أدري أن في الأرزاء ما ... يرسل الدمع على الخدّ سجاما
لست أدري أن في كفّك - يا ... دهر - رُزْءاً يملأ الأفق ظلاما
لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومُذكيها ضراما
فإذا العين ترى شاخصة ... كيف تلقى ربّة العزّ الحِماما
كيف توريها أكف في الثرى ... كيف تحثو فوقها الترب رُكاما
(14/ 1/233)

أودعوها قعر لحدٍ ضربوا ... فوقه من لازب الطين خِتاما
يا سُقاة الطين بالماء خذوا ... عبَراتي إن في الجفن جماما
وضعوا إن شئتم من حدقي ... بل من القلب على القبر سِناما

ومنها:
إن جفتْ بالعتب أمٌّ فهي قد ... ضربتْ من خلق الحِلم لِثَاما
أفلا يبكي الفتى نازحةً ... سهرت من أجله الليل وناما
وانثنت ترشفه من أدب ... مُذْ لها من لَبَن الثدي فِطاما
كنتِ نوراً في حمانا مثلما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
كنتِ لي دوحةَ أُنس أينما ... سرت أهدت نفحَ وردٍ وخُزامى
كان لي من قلبك الطاهر في ... كل يوم دعوة لا تترامى
كان لي منك إذا أشكو النوى ... كُتُبٌ تحمل عطفاً وسلاما
لهفَ قلبي بات لا يرجو لقا ... ءَكِ إلا أن يرى الطيف مناما
وهي طويلة تقتصر على ما أوردنا من عيونها.
(14/ 1/234)

جمعية قدماء الصادقية تحيي ذكرى الشيخ محمد الخضر حسين العالم والمناضل
محمد بن رجب (1)
جانب كبير من الشباب التونسي، ويعض أهل الثقافة لا يعرفون أن الشيخ محمد الخضر حسين، من مواليد "نفطة" عام 1873 تولى مشيخة الجامع الأزهر عام 1952؛ أي: بعد أشهر قليلة من قيام الثورة المصرية التي قادها الضباط الأحرار.
وقد أمضى على وثيقة تعيينه في هذا المنصب العلمي الرفيع الرئيس محمد نجيب بنفسه، فقد كان يعرفه، ويكنّ له المحبة الخالصة، واستقبله في القصر الرئاسي أكثر من مرة قبل أن يقدم استقالته من الأزهر عام 1954. وكان يومها قد تجاوز الثمانين، ولم يعد قادراً على تحمل أعباء العمادة العلمية.
هذا الرجل الذي أصبح أحد زعماء النهضة العربية والإسلامية منذ العشرينات، خرج من تونس بحرقة في القلب بعد أن أثبت جدارته، وأكد حضوره العلمي، فجلب له الأعداء والمتآمرين عوض أن يجلب إليه المساندين والمؤيدين.
__________
(1) كاتب وصحفي تونسي معروف - جريدة "الصباح" التونسية، العدد الصادر في (10 رمضان 1418 ه 9 كانون الثاني جانفي 1998 م).
(14/ 1/235)

ولكنه رجل علم من خيرة ما أنجبت تونس، ولأنه درَّس في المعهد الصادقي في السنوات الأولى من هذا القرن الذي يستعد للرحيل، ولأنه ألقى أولى محاضراته الثقافية بهدف تحريك الهمم على منبر جمعية قدماء الصادقية، فإن هذه الجمعية التي ما زالت نشيطة، بل هي اليوم من أنشط الجمعيات الثقافية في تونس، مقرّة العزم على إقامة الذكرى الأربعين لوفاته.
وسيكون الموعد يوم الجمعة القادم 15 جانفي، وسيتولى الأستاذ محمود شمام الحديث عن الراحل محمد الخضر حسين لإبراز خصاله وفكره ونضالاته، كما يقوم الأستاذ البشير العريبي بالحديث عن شاعرية شيخ الأزهر من خلال شعره الغزير الذي كتبه في تونس أو في مصر، والذي صدر في ديوان عنوانه "خواطر الحياة" عام 1946.
ستكون سهرة ثقافية طيبة فيها الذكر الحسن، وفيها اعتراف بما قدمه محمد الخضر للغة العربية طيلة 65 سنة، كانت زاهرة بالعطاء العلمي من خلال التدريس والمحاضرات، فضلاً عن مؤلفاته الكثيرة.
وللإفادة نشير إلى بعض جوانب من حياة المحتفى بذكراه، مستعينين بكتاب "مشاهير التونسيين" للأستاذ محمد بوذينة، الذي عاد هو أيضاً في ترجمته لمحمد الخضر حسين إلى بعض المراجع، في مقدمتها كتاب لأبي القاسم محمد كرو عنوانه "أركان النهضة الأدبية في تونس".
شيخ الأزهر إذاً هو من مواليد "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي يوم 23 يوليو جويليه 1873. وهناك تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة، وواصل دروسه إلى أن أصبح فقيهاً في الدين الإسلامي، ومختصاً في اللغة العربية وآدابها.
(14/ 1/236)

وفي سنة 1904 دخل إلى الساحة الفكرية من الباب الواسع؛ إذ أسس مجلة اختار لها اسم "السعادة العظمى"، كان لها الأثر الطيب على طلبة العلم وأهل المعرفة.
وبعد سنة واحدة تولى منصب القضاء في "بنزرت"، وباشر التدريس بجامعها الكبيرة حيث كان الخطيب الأول.
وفي عام 1906 ألقى محاضرة على منبر نادي قدماء الصادقية بعنوان: (الحرية في الإسلام)، وهي المحاضرة العلنية الأولى في تونس عن الحرية لاستنهاض الفكر، وتحريك السواكن ضد المستعمر الفرنسي، وقد سجل بهذه المحاضرة أنه لن يكون من الصامتين، بل هو رجل وطني غيور، يحب بلاده، وهو على استعداد للتضحية.
ولأنه أحس بأن الساحة الفكرية والنضال الوطني يستدعي بقاءه في العاصمة، فإنه استقال من منصب القضاء ببنزرت، وانتمى إلى جامع الزيتونة لإلقاء دروس علمية متطوعاً.
وانتدبه المعهد الصادقي أستاذاً لتلاميذه عام 1957، كما انتدبته الجمعية الخلدونية لإلقاء دروس الآداب والإنشاء على طلابها.
وفي سنة 1912 شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، فحرم من النجاح باطلاً حسب تأكيدات الكثير من العارفين بتلك الفترة، وبعضِ معاصريه.
ولقد فهم محمد الخضر حسين أن عملية محاربته ليست بسيطة، فحزّ ذلك في نفسه، واستفحل الإحساس بالقهر في أعماقه، فظلمُ الأقربين أشد على النفس من ظلم الآخرين، وخوفاً على مستقبله، هاجر إلى المشرق العربي،
(14/ 1/237)

وحط رحاله في البداية بدمشق عام 1915، حيث عُيّن أستاذاً في المدرسة السلطانية، فاشتغل بها سنتين، ثم تحول إلى تركيا وألمانيا، ثم عاد إلى دمشق عام 1920.
وفي تركيا وألمانيا كان يدعو إلى الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، ولذلك فإن السلطات الاستعمارية أصدرت عليه حكم الإعدام عام 1921، فهرب إلى مصر لاجئاً سياسياً باعتبار أن فرنسا كانت تستعمر سورية أيضاً، واختياره لمصر يعود إلى أنها كانت تحت الهيمنة البريطانية.
وفي مصر انتمى إلى جامع الأزهر، وبدأ التدريس به عام 1922، فلمع في الوسط العلمي والطلابي، وأسس رابطة تعاون جاليات أفريقية الشمالية، كما أسس جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية، التي قامت بدور فعال في توجيه نضال أبناء المغرب العربي.
وهذه التعليمات التأسيسية للجمعيات المغاربية تؤكد أن الرجل لم ينسَ تونس، فلم يخرج غاضباً عنها، إنما خرج غاضباً من فئة كانت تتحكم في التعيينات للطبقة الأولى بجامع الزيتونة، فلقد عمل ما في وسعه لخدمة النضال التونسي، وخدمة النضال المغاربي بصفة عامة.
ففي النصف الثاني من العشرينات إذاً لمع اسمه، وتعرف عليه جُلّ أهل المعرفة. وبدأت كتابته تكتسح البلاد العربية والإسلامية، فقد أسس عام 1928 جمعية (الهداية الإسلامية) التي كانت تصدر مجلة تولى هو بنفسه رئاسة تحريرها، كما تولى رئاسة تحرير مجلات عديدة أخرى، آخرها مجلة "الأزهر" التي خصصها للدفاع عن جامع الأزهر .. وهذا الدفاع جعل منه رمزاً من رموز الجامع، ورمزًا من رموز المدافعين عن الإسلام بعيداً عن التعصب
(14/ 1/238)

ودعاة الظلام والركون إلى الكهوف. ولذلك استحق أن يكون إمام الأزهر، وعميده، وشيخه الأكبر عام 1952.
وقد توفي الراحل يوم 12 فيفري 1958، ودفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة. وقد ذكر محمد بوذينة أن محمد الخضر حسين كان يتمنى أن لا يموت إلا بعد أن تنعم تونس باستقلالها، وحقق الله أمنيته، إذ عاش سنتين في عهد الاستقلال، لكنه لم ينعم بالعودة.
وفي كلمة: كان الرجل مناضلاً ضد الاستعمار، وله رؤية شمولية للأمة العربية، ويؤمن بالمغرب العربي، ووطني صادق في دفاعه عن تونس وعن استقلالها.
وللعلم: فقد أصدر ثلاثة مؤلفات في تونس من سنة 1909 إلى سنة 1910، وهي على التوالي: "حياة اللغة العربية"، و"الحرية في الإسلام"، و"الدعوة إلى الإصلاح"، وهذا الكتاب الأخير أعاد نشره في القاهرة عام 1921، وفي عام 1922 أصدر كتاب "الخيال في الشعر العربي"، ثم عام 1927 صدر له كتاب "الخطابة عند العرب"، وفي نفس السنة كتاب "العظمة"، وبعد سنة كان كتابه "علماء الإسلام في الأندلس".
وفي سنة 1934 صدر كتابه الذي يحمل عنوان "القياس في اللغة العربية"، يليه كتاب "رسائل الإصلاح" في ثلاثة أجزاء عام 1938.
وله كتب أخرى دينية، كلها تدعو للإصلاح من الوجهة السلفية، ولكنه كان يدعو أيضاً إلى الأخذ بالعلم والمعرفة، واستعمال العقل، كما أنه لم يكن حداثياً حسب رؤية طه حسين وبعض العائدين من الجامعة الفرنسية والإنكليزية، بل قاوم التجديد، وكتب ضد طه حسين من رؤية التجديد الديني، وإن كان
(14/ 1/239)

يرغب في النهضة بالمجتمع من خلال محاربة الجمود والرفع من مستوى المرأة.
وفي الأخير: أريد أن أشير إلى أني قبل كتابة هذه الأسطر اتصلت بالأستاذ حمادي الساحلي، فحدثني عن الخضر حسين، وأبرز أهم الجوانب في شخصيته الدينية والنضالية، والإصلاحية السلفية، وذكر لي أن عدداً كبيراً من كبار الشخصيات التونسية درس على يديه في الصادقية، والخلدونية، فضلاً عن الزيتونة لما كان متطوعاً بالجامع، ومن بين تلاميذه المشاهير: الدكتور محمود الماطري، ومحمد بن الحسين الصحفي الذي كان تأثيره كبيراً على الساحة الثقافية والإعلامية التونسية لسنوات عديدة.
(14/ 1/240)

فهارس مؤلفات الإمام محمد الخضر حسين (1)
* أسرار التنزيل:
تفسير سورة الفاتحة - تفسير آيات: من سورة البقرة، من سورة آل عمران، من سورة الأنفال، من سورة يونس، من سورة الحج، من سورة ص.
* بلاغة القرآن:
بلاغة القرآن - نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية - رأي في تفسير القرآن - أمثال القرآن الكريم - المحكم والمتشابه في القرآن - اليمين في القرآن والحديث - الرقية والاقتباس والاستخارة والقرآن - إعجاز القرآن وبلاغته - ترجمة القرآن - حقيقة ضمير الغائب في القرآن - القرآن لا يقول إلا حقاً - الفن القصصي في القرآن - تحريف آيات الحدود عن مواضعها - كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد - كتاب يلحد في آيات الله - قصة أيوب عليه السلام ونقض آراء حديثة في تفسيرها.
__________
(1) تسهيلاً للبحث العلمي والباحث نثبت فهارس الكتب المطبوعة للإمام محمد الخضر حسين. باستئناء ديوان شعره "خواطر الحياة"، والكتب التي حققها وعلق عليها - رضوان الله عليه -.
(14/ 1/241)

* محمد رسول الله وخاتم النبيين:
أديان العرب قبل الإسلام - محمد رسول الله وخاتم النبيين (1) - صبر محمد عليه السلام ومتانة عزمه - الهجرة النبوية - رفقه وحكمته البالغة في السياسة - نظرة في دلائل النبوة - عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهدايته - شجاعته - صلى الله عليه وسلم - منقذ العالم من الظلمات - آداب الدعوة وحكمة أساليبها - رجاحة عقله - صلى الله عليه وسلم - وحكمة رأيه - هجرة الصحابة إلى الحبشة وأثرها في ظهور الإسلام - إبادته - صلى الله عليه وسلم - للأصنام - حياة الدعوة الإسلامية بجزيرة العرب - قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة - البلاغة النبوية - الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - الهجرة مبدأ التاريخ العام في الإسلام - المعجزات الكونية - من آداب خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة بركة - العظمة - الهجرة وشخصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملاحظات على مقال مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - تحية المقام النبوي ومناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكرى المولد - ذكرى المولد النبوي - مشاهداتي في الحجاز.
* تراجم الرجال:
نظرة في ناحية من خلافة عثمان - موسى بن نصير - علي زين العابدين - محمد الباقر وزيد - نظرة في حياة عمر بن عبد العزيز - نظرة في حياة الإمام مالك بن أنس - صقر قريش وكيف تأسست الدولة الأموية بالأندلس - أبو داود وكتابة "السنن" - صفحة من حياة أبي الحسن الأشعري - القاضي أبو الحسن الجرجاني - حجة الإسلام الغزالي - أبو بكر بن العربي - أحمد تيمور باشا.
__________
(1) بحث مطبوع في رسائل مستقلة.
(14/ 1/242)

* الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان:
الاجتهاد في أحكام الشريعة - بناء الشريعة على حفظ المصالح ودرء المفاسد - الأصول النظرية الشرعية - القياس - الاستصحاب - مراعاة العرف - سد الذرائع - المصالح المرسلة - الاستحسان - مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها (1) - النسخ في الشريعة الإسلامية - "صحيح البخاري" وأثره في حفظ الشريعة - السنة والبدعة - الرؤيا ليست طريقاً للأحكام الشرعية - وجوب العمل بالحديث الشريف - أسباب وضع الحديث - الحديث المتواتر وحكم ما رواه الإمامان البخاري ومسلم - اجتهاد ابن القاسم - ليلة النصف من شعبان - نظرة في أحاديث المهدي - لا عدوى ولا طيرة - باب في حديث السحر - السنن والحكم النبوية - شرح مسألة الاقتداء بالمذهب المخالف - صنع الصور واقتناؤها - مكافحة الجشع والغش في المعاملات المالية - التصوف - تعدد الزوجات - الأخذ بالديْن - الفتاوى والأحكام.
* دراسات في الشريعة الإسلامية:
الله موجود - الأحكام العادلة - كيف تستنبط القواعد من الكتاب والسنّة - الحديث الصحيح حجة في الدّين - الشهادة وأثرها في إقامة الحقوق - الذرائع: سدها، وفتحها - مراعاة العرف - حكمة الإسلام في العزائم والرخص - موقف الإسلام من الرؤيا وتأويلها - الكبيرة والصغيرة - الذوق وفي أي حال يعتد به - النذر - المتعة - استحضار الأرواح - حكم الإسلام فيمن بلغته الدعوة - العدوي والطيرة - الزكاة وأثرها في نهوض الأمة - الغيبة وأثرها في النفوس
__________
(1) بحث مطبوع في رسالة مستقلة.
(14/ 1/243)

- حقوق الزوجية - صلاة الجماعة وأثرها في اتحاد الأمة - الدعوة القائمة على حق - فساحة الصدر ونزاهة اللسان عن المكروه - مكافحة المظالم موجبة للسلام - ما يلاقيه العلماء من المكاره - ما يلاقيه العلماء من سماحة أهل العلم - ما يلاقيه العلماء من سماحة الأمراء - المال المباح في الإسلام - الطلاق في الإسلام - تعدد الزوجات في الإسلام - النظافة في الإسلام - العلوم في دائرة الإيمان - الرفق بالضعفاء - الأدباء العلماء - زينة الإنسان حسن السمت - المنافقون في عهد النبوة والملاحدة بعده - تحقيق مذهب مالك في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه - تحقيق مذهب مالك في إشارة المصلي في التشهد بأصبعه.
* رسائل الإصلاح:
المروءة ومظاهرها الصادقة - الإلحاد: أسبابه، طبائعه، مفاسده - في مفاسد البغاء - كلمة في المسكرات - الشجاعة - المساواة في الإسلام - إباعة الضيم وأثرها في سيادة الأمم - عظم الهمة- الإسلام والمدنية الحديثة - صدق اللهجة - فضيلة الأخلاص - الأمانة في العلم - القضاء العادل في الإسلام - الإنصاف الأدبي - العلماء والإصلاح - المدنية الفاضلة في الإسلام - أصول سعادة الأمة - صدق العزيمة أو قوة الإرادة - الغيرة على الحقائق والمصالح - الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم - كبر الهمة في العلم - الدهاء والاستقامة - الانحراف عن الدين - ضلالة فصل الدين عن السياسة - سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين - العزة والتواضع - المداراة والمداهنة - الرفق بالحيوان - محكاة المسلمين للأجانب - الاجتماع والعزلة - علة إعراض الشبان عن الزواج - النبوغ في العلوم والفنون - متى تكون الصراحة فضيلة.
(14/ 1/244)

* محاضرات إسلامية:
الحرية في الإسلام (1) - علماء الإسلام في الأندلس (2) - السعادة عند بعض علماء الإسلام (3) - التصوف في القديم والحديث - الدهاء في السياسة - الزينة والرفاهية في نظر الإسلام - هجرة الصحابة إلى الحبشة وأثرها في ظهور الإسلام - الصداقة- مضار الإسراف - تعاون العقل والعاطفة على الخير - حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام - السمو الخلقي في الإسلام - المعتزلة وأهل السنة - اختلاط الجنسين في نظر الإسلام - نقد آراء للأستاذ فريد وجدي.
* تونس وجامع الزيتونة:
فقهاء تونس - شعراء تونس - الحالة العلمية بجامع الزيتونة- الدولة الحسينية في تونس - الشعر التونسي في القرن الخامس - حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية (4) - حياة أسد بن الفرات (5) - كتاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر - نظرة في أدب الشيخ محمود قبادو التونسي - نظرة في حياة وزير تونسي - محمد ماضور من علماء تونس وأدبائها - محمد النجار - أحمد أبو خريص - محمد بيرم الثاني - محمد الخضار - محمد النيفر - محمد الطاهر بن عاشور - عمر بن الشيخ - أحمد كريم - محمد بن
__________
(1) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(2) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة
(3) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(4) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(5) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(14/ 1/245)

الخوجة - أحمد الورتاني - الطاهر بن عاشور - علي الدرويش - صالح الشريف - تونس (1).
* الرحلات:
الرحلة والتعارف في الإسلام - أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية - النهضة للرحلة - الرحلة الجزائرية - خلاصة الرحلة الشرقية (2) - حديث عن رحلتي إلى دمشق - رحلتي إلى سورية ولبنان.
* أحاديث في رحاب الأزهر:
من الأستاذ الأكبر إلى أبنائه الطلبة - شيخ الأزهر يعترض على القبعة - لا قيمة للعلم ما لم يلازمه الفضائل الخلقية - سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين - الميسر وورق اليانصيب - أكمل رسالات الله - موقف الإسلام من الشيوعية والرأسمالية - بيان إلى العالم الإسلامي عن قضايا المغرب - هل للمرأة أن تباشر الوظائف العامة - الرفق بالحيوان في الشريعة الإسلامية - خير نظام للحكم - قضية فلسطين وإخلال ألمانيا الغربية بحيادها في اتفاقية التعويضات لإسرائيل - الدعوة إلى عقد المؤتمر الإسلامي في القاهرة - جيل يؤمن بالأخلاق - لماذا صار المسلمون هدفًا للمستعمرين؟ - التقليد والمحاكاة في نهضتنا الحاضرة - الأزهريون والتدريبات العسكرية - الإسلام لا يقر المحسوبية - الجهاد أعلى مراتب العبادة في الإسلام - الاستعمار يقرب من نهايته - العلم بين الأساتذة والطلاب - الحج المبرور - جددوا أنفسكم في هذا العيد - موقف الإسلام من حوادث مراكش ومعاهدة ليبيا - إشاعات السوء
__________
(1) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(2) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(14/ 1/246)

وموقف الإسلام منها - لا تعرف الإنسانية حضارة قاومت الرق كالإسلام - الدعوة لتحديد النسل هدم لكيان الأمة - رأي الإسلام في شروط التوظيف- مولد رسول ومولد رسالة - ليس للمرأة شرعاً أن تمارس السياسة - طغيان الاستعمار وخطر الشيوعية - المعاهدات في الدول الإسلامية - أعجبتني هذه الكتب - كفانا قوتاً من الكلام - واجب الشباب إزاء التوسع الصناعي والزراعي - الاحتكار والربح الفاحش حرام كالربا - هدية العلماء لفاروق كانت غصباً - فقدان الحياء بين النساء هو السبب في أزمة الزواج - النفاق والملق والمداراة أمام الحكام وذوي السلطان.
* الدعوة إلى الإصلاح:
الدعوة إلى الإصلاح (1) - أثر الدين في إصلاح الاجتماع - أثر أدب اللغة في نجاح الدعوة إلى الإصلاح - حرية الدعوة دليل على رقي الأمة وعظمة الدولة - أصول الإصلاح الاجتماعي - من هو الواعظ بحق - الإسلام والعلم - التربية الدينية والشباب - التعليم الديني في مدارس الحكومة - العلماء وأولو الأمر - تعاون الدولة والأمة على انتظام الأمن - من هو الشاب المسلم - إلى شباب محمد - صلى الله عليه وسلم - مقاصد الإسلام في إصلاح العالم - نهوض الشباب بعظائم الأمور - جيل يؤمن بالأخلاق - مثل أعلى لشجاعة العلماء واستهانتهم بالموت في سبيل الحق - شجاعة العلماء وانصاف الأمراء - محاربو الأديان ونموذج من سلاحهم - العلماء وحياتهم الاجتماعية - العناية بالتعليم الديني - مناهج الشرف (2).
__________
(1) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(2) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(14/ 1/247)

* القاديانية والبهائية:
طائفة القاديانية: غلام أحمد، أصله، وولادته، ونشأته - ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة - زعمه أن له آيات على صدقه - غروره وتفضيله نفسه على رسل الله الأكرمين - تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته - القاديانية فرقتان - وجوب مقاومتهم، والتحذير من دعايتهم.
تفنيد مذهب القاديانية: خيبة مدعي النبوة كذباً - انقطاع النبوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع شبهة يتشبث بها القاديانية - نقض شبه القاديانية - البابية أو البهائية.
* الهداية الإسلامية:
آداب الحرب في الإسلام (1) - الروح العسكرية في الإسلام - الطيب في نظر الإسلام - حقوق الزوجية في الإسلام - القضاء العادل - مكانة القضاء - صفات القاضي في الإسلام - شريك قاضي الكوفة وموسى بن عيسى أميرها - كل الجيش أسلفه؟ - السياسة الرشيدة في الإسلام - الدين والفلسفة والمعجزات - حقوق الجار - السخاء وأثره في سيادة الأمة - الحلم وأثره في سعادة الحياة الفردية والاجتماعية - حالة الأمة في هذا العصر - اليد العليا خير من اليد السفلى - خير نظام للحكم - سعيد بن جبير والحجاج - استعمال الألفاظ في غير مواضعها ومضاره الاجتماعية - فضل شهر رمضان - بحث موجز في أشهر الفرق الإسلامية - إصلاح المعاهد الدينية والدكتور طه حسين - الأدوية المفردة بين دسقوريدس وابن البيطار - كلمات وخواطر وآراء.
__________
(1) بحث مطبوع في رسالة مستقلة.
(14/ 1/248)

* هدى ونور:
الإسلام والفلسفة - الحكمة وأثرها في النفوس - الحكمة العربية - التعاون في الإسلام - مكانة الأزهر وأثره في حفظ الدين ورقي الشرق - خواطر - الشورى في الإسلام - طرق الصوفية والإصلاح - رسائل إخوان الصفا - العمل للكمال - الجمعيات الإصلاحية - الخلافة الإسلامية - العرب والسياسة - أسباب سقوط الأندلس - الجزائر واستبداد فرنسا - الظهير البربري - طريق الشباب - للحقيقة والتاريخ - الشعور السياسي في الإسلام - العاطفة والتسامح في الإسلام - لهجة بلاد الجزائر - الدعوة الشاملة الخالدة - التراويح.
* دراسات في العربية وتاريخها:
القياس في اللغة العربية (1) - حياة اللغة العربية (2) - الاستشهاد بالحديث في اللغة - موضوع علم النحو - التضمين - تيسير وضع مصطلحات الألوان - طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية - حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها - الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع.
* دراسات في اللغة:
المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية - من وُثق من علماء اللغة، ومن طُعن فيه - اللهجات العربية في هذا العصر - نيابة بعض الحروف عن بعض - الأمثال في اللغة العربية - وصف جمع غير العاقل بصيغة فعلاء - اسم المصدر في المعاجم - شرح قرارات المجمع والاحتجاج لها - نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة - نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير -
__________
(1) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(2) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(14/ 1/249)

ملاحظات على البحث المقدم لمجمع اللغة العربية عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى- الألفاظ المؤنثة من طريق السماع.
* الخيال في الشعر العربي ودراسات أدبية:
الخيال في الشعر العربي (1) - الشعر البديع في نظر الأدباء - أثر الشعر في الترويح عن النفس وإثارة العواطف الشريفة - نموذج من نقد الشعر - الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية - نظرة في شعر حسان بن ثابت - الخطابة عند العرب (2) - نشأة علم البلاغة - الشعر حقيقته ووسائل البراعة فيه - قوة التخيل وأثرها في العلم والشعر والصناعة والتربية - البراعة في الشعر.
* نقض كتاب في "الشعر الجاهلي":
تمهيد: منهج البحث - مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي - الشعر الجاهلي واللغة - الشعر الجاهلي واللهجات - أسباب انتحال الشعر: ليس الانتحال مقصوراً على العرب - السياسة وانتحال الشعر - الرواة وانتحال الشعر - القصص وانتحال الشعر - الشعوبية وانتحال الشعر - الرواة وانتحال الشعر - الشعر والشعراء: قصص وتاريخ - امرؤ القيس - علقمة - عمرو ابن قميئة - مهلهل - جليلة - عمرو بن كلثوم - الحارث بن حلزة - طرفة بن العبد - المتلمس - نتيجة البحث.
* نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم":
الخلافة والإسلام: الخلافة وطبيعتها - في حكم الخلافة - في الخلافة
__________
(1) أبحاث مطبوعة برسائل مستقلة.
(2) أبحاث مطبوعة في رسائل مستقلة.
(14/ 1/250)

من الوجهة الاجتماعية - الحكومة والإسلام: نظام الحكم في عصر النبوة - الرسالة والحكم - رسالة لا حكم، ودين لا دولة. الخلافة والحكومة في التاريخ: - الوحدة الدينية والعربية - الدولة العربية - الخلافة الإسلامية.
* مجلة "السعادة العظمى" (1):
مقدمة المجلة: الاستطلاعات - الاعتصام بالشريعة - الأخذ بالقول الراجح - براءة القرآن من الشعر - تقسيم الكلام بحسب أغراضه - العربية الخالصة - البدعة - التمدن - مهيئات الإبداع - التأكيد - فلسفة شعرية اقتصادية - تحقيق مسألة تاريخية - الحياء - العمل والبطالة - الفصيح من الكلام - حياة الأمة - المولد النبوي - التربية - التقدم بالكتابة - النهضة للرحلة - طرق الترقي في الكتابة - فضل ليلة النصف من شعبان - الشعر العصري - الأحاديث الموضوعة - مدنية الإسلام والعلوم العصرية - الكلام الجامع - الأحاديث الموضوعة - رأي الشرع في الصحافة - مدنية الإسلام والخطابة - كبر الهمة - التعاون والتعاضد - الديانة والحرية المطلقة - منذر بن سعيد - الصيام - الرحلة الجزائرية - الزمان والتربية.
* نظرات في الإسلام وأصول الحكم:
بحث في الاحتجاج بالإجماع - المسلمون والسياسة - كلمات سياسية لبعض علماء الإسلام - الإسلام والفلسفة - بحث في مبايعة الخلفاء الراشدين، وأنها كانت اختيارية - بحث في قوة الإرادة - بحث في الخلافة والملك والقوة والعصبية - ملوك الإسلام وحرية العلم - القرآن والخلافة - السنة والخلافة -
__________
(1) أخذنا من المجلة عناوين الأبحاث التي كتبها الإمام محمد الخضر حسين. علماً أن هذه الأبحاث طبعت في كتاب مستقل تحت عنوان "السعادة العظمى".
(14/ 1/251)

الإجماع والخلافة - شكل حكومة الخلافة - وجه الحاجة إلى الخلافة - آثارها الصالحة - العرب والسياسة الشرعية - القضايا التي ترفع إلى الحكام نوعان - القضاء في عهد النبوة موكول إلى الأمراء - نبذة من مبادئ القضاء في الإسلام وآدابه - المالية في عهد النبوة - لماذا لم يكن في عهد النبوة إدارة بوليس؟ - الملك - الرسول عليه السلام ذو رياسة سياسية - الجهاد النبوي - الجزية - المخالفون أنلا ثلاثة - سر الجهاد في الإسلام - من مقاصد الإسلام أن تكون لأهله دولة - وجه قيام التشريع على أصول عامة - مكانة الصحابة في العلم والفهم - معنى كون الدين سهلاً بسيطاً - الاعتقاد بحكمة الأمر لا يكفي للعمل به - الشريعة فصلت بعض الأحكام، ودلت على سائرها بأصول يراعى في تطبيقها حال الزمان والمكان - الاجتهاد في الشريعة وشرائطه - سياسة الشعوب وقضاؤها في العهد النبوي - درة عمر بن الخطاب وإدارة البوليس - التشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع - التشريع الإسلامي والأصول السياسية والقوانين - أحكام الشريعة معللة بالمصالح الدنيوية والأخروية، والمصلحة الدنيوية منها هي ما يبحث عنه أصحاب القوانين الوضعية - لماذا لم يسم النبي - صلى الله عليه وسلم - من يخلفه - تحقيق أنه عليه السلام جاء للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده - حكومة أبي بكر وسائر الخلفاء الراشدين دينية - أسباب سيادة الإسلام لعهد الخلفاء الراشدين - بيعة أبي بكر اختيارية إجماعية - كلمة في سيرة أبي بكر - هل يقال: خليفة الله؟ - حكم المرتدين في الإسلام - حكم مانعي الزكاة - سبب حروب أهل الردة ومانعي الزكاة - واقعة قتل مالك بن نويرة - حكمة رأي أبي بكر في تلك الحروب - لا حرية للشعوب الإسلامية إلا أن تساس على مقتضى شريعتها - ضلالة فصل الدين
(14/ 1/252)

عن السياسة - خير نظام للحكم - العرب والسياسة - الخلافة الإسلامية - السياسة الرشيدة في الإسلام - الدهاء في السياسة - الشعور السياسي في الإسلام.
(14/ 1/253)

من رسائل الوفاء
إن اهتمام السادة العلماء الأفاضل، والأدباء والباحثين وطلاب العلم بآثار الإمام محمد الخضر حسين بلغ درجة عالية من حسن القبول، والاستبشار بصدورها ونشرها، ولقيت ترحيباً بالغاً من المؤسسات العلمية والجامعات في أنحاء العالم الإسلامي.
تحت يدي عشرات الرسائل التي أثلجت صدري، ومسحت عن جبيني التعب والجهد، وأنعشت القلب بطيب شذاها وبديع سناها، وكأن دماً نقياً جديداً سرى في الأعراق، ووجدت أن العمل الذي قمت به طيلة ثلاثين عاماً أتى كله ثمراً يانعاً في الحياة الدنيا، ودعاؤنا أن يتقبله الله - جل جلاله -، ويكون في مقدمة صحيفة الحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
تستحق تلك الرسائل المعبرة عن الوفاء للإمام، أن تعرض على صفحات الكتاب، وهي قطع من الأدب الرفيع، تتلمس الصدق في كلماتها، وتستنشق عبير المحبة من خلف حروفها، ولكنها على كثرتها، فإني أنشر بعضاً منها. أما الرسائل الأخرى فإلى ميدان آخر -إن شاء الله-.
علي الرّضا الحسيني
(14/ 1/254)

الجمهورية التونسية - رئاسة الجمهورية الكتابة الخاصة
(عدد - 4541)
تونس في 14 سبتمبر 1972 - دمشق
الحمد لله وحده.
حضرة الفاضل المحترم المحامي الأستاذ علي الرضا التونسي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
وافت فخامة رئيس الجمهورية التونسية السيد الحبيب بورقيبة هديتكم الكريمة المتمثلة في مجموعة من التآليف القيمة للعلامة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين، التي توليتم الإشراف على طبعها ونشرها.
وإنه ليطيب لي أن أتقدم لكم بخالص تشكرات سيادته وتقديره الكبير لعنايتكم بآثار فقيد الأمة الإسلامية الشيخ محمد الخضر حسين، ونشرها للناس، وفاء لهذا العالم الجليل، وخدمة للحركة الإصلاحية التي كان الشيخ من ألمع قادتها ومؤسسيها.
وإني أرجو في الختام التفضل بقبول فائق الاحترام والتقدير. وفي حفظ الله دمتم. والسلام.
رئيس الكتابة الخاصة
علّالة العويتي
(توقيع)
(14/ 1/255)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الصديق العزيز الأستاذ علي الرضا الحسيني المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد:
فآمل أن تكون سعادتكم في أوفر صحة، وأتم رفاهية، وكذلك جميع أفراد العائلة العريقة ذات المكانة الرفيعة، والمنزلة العالية.
عزيزي! منذ فترة انقطعت رسائل الاتصال بيننا؛ لظروف تتصل بمشاغل الحياة، والبحث العلمي والأدبي، وكل هذا لن ينسينا عظيم كرمكم، وجميل تعاونكم في إنجاز رسالتنا العلمية للدكتوراه عن الأديب الإسلامي الكبير (محمد الخضر حسين وأثره في النهضة الأدبية الحديثة)، والرسالة -والحمد لله- قد أنجزت. وسوف أرسل لسعادتكم نسخة منها؛ لتلمسوا بأنفسكم مدى الجهد الذي بذلته في إعطاء رائدنا ما يستحقه من التكريم الذي نشرف به جميعاً. علماً بأن الرسالة تقع في حوالي 400 صفحة عدا ذيل بالمصادر والمراجع (1).
أحمد يوسف محمد خليفة
جمهورية مصر العربية - قنا
كلية الآداب - قسم اللغة العربية
تحريراً في 3/ 12/ 1400 ه
__________
(1) هذا النص مختصر من الرسالة المطولة.
(14/ 1/256)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إلى فضيلة الأستاذ المحامي الكبير السيد علي الرضا الحسيني.
حفظه الله تعالى ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فأتقدم إليكم بخالص الشكر والتقدير على جهودكم الطيبة المباركة بنشر الكتب المفيدة، التي يستفيد منها كل طالب علم وفقه الله لاقتنائها. ومن أهمها: مؤلفات الإمام الأكبر محمد الخضر حسين شيخ أهل عصره -رحمه الله تعالى-.
وقد اقتنيت كثيراً من تحقيقاتكم ومنشوراتكم، وإني أطلب منكم، وألتمس من فضيلتكم أن تدلوني على كتاب "عمدة الأثبات - في الاتصال بالفهارس والأثبات) لخال والدكم المحدّث محمد المكي بن عزوز، وإن كان لديكم نسخة، فأرجو إرسال صورة عنها، وذلك لحاجتي الماسة لها. كما أنه يوجد ترجمة جميلة للسيد محمد المكي في كتاب "فهرس الفهارس" لتلميذه السيد عبد الحي الكتاني، فلو نشرتموها في مقدمة أحد كتبه، لكان حسَناً، كما فعلتم في الكتاب المسمى "رسائل ابن عزوز". والسلام عليكم ورحمة الله.
محبكم محمد عبد الله الرشيد (1)
الرياض - المملكة العربية السعودية
الثلاثاء 4/ 5/ 1414 ه
11451 - ص. ب 2187
__________
(1) باحث إسلامي، ومن أهل العلم العاملين في ميدان الثقافة، ومن المهتمين بالكتب الإسلامية ونشرها.
(14/ 1/257)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضيلة الأستاذ المكرم علي الرضا الحسيني المحامي - وفقه الله لكل خير.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد (1):
فقبل الشروع في المقصود، أتوجه إلى الله العلي العظيم أن يديم لك سوابغ نعمه، ويبلغك رضاه، ويلبسك لباس التقوى، ويزينك بزينة الأيمان، وبمتعك ببهجة الحياة.
سعادة المحامي! وصلت الكتب التي بعثتم بها إلينا، وصلكم الله بطاعته، فلقد تكرمتم علينا بأمر منيع الطلب، صعب المرام، بعيد المنال، كانت الحاجة تلفجنا إليها دائمأ، حتى زالت تلك اللفجة، فبوصول الكتب سدت شفاف المطامع، وملئت أجواد الاَمال.
كنا من قبل نرنو إلى كتب العلامة الشيخ محمد الخضر بالأبصار، ونتعلق لها بالآمال، ونتطاول لها بالأعناق، ونسمو إليها بالأنظار، ونشهوا إليها بالنفوس، ونشرئب إليها بالقلوب، حتى وصلت إلينا من طيب الثناء،
__________
(1) خطاب كريم سعدت به من علماء أفاضل، وهم السادة: الأستاذ عبد الله بن عبد الرحمن الشثري، والأستاذ جديم محمد الجديم، والأستاذ رياض محمد المسيميري من جامعة محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم المَرآن وعلومه - الرياض. رسالة تدل على مكارم أخلاقهم، وسمو فصاحتهم ويلاغتهم، وصفاء محبتهم للإمام محمد الخضر حسين، جزاهم الله خير ما يجازي به العلماء العاملين، وأحمد الله تعالى لهم ولي على نعمة الإسلام.
(14/ 1/258)

وجميل الذكر، وجم الفضائل، وكريم المعدن، وسليل الوفاء، وأليف المودة، وقريب الخلة.
أيها الأستاذ الفاضل!
نستأذنكم على استحياء في عتاب رقيق، حيث إنكم لم تشبعوا رغبتنا، ولم ترووا ظمأنا بتكميل مؤلفات العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، ولعل لكم عذراً في ذلك. ونرجوا في المستقبل القريب أن تحققوا لنا ذلك.
والله نسأل أن يضاعف لك الإحسان، ويمتعك بصحبة النعمة ولباس العافية، ويصلح لك أحوالك، ويحقق لك آمالك، زادك الله توفيقاً وتسديداً، ووفقك للأعمال الصالحة، وزادك الله من فضله، ولا أخلاك من إحسانه.
كما نسأله تعالى أن يصل الحبل، ويجمع الشمل، ويرزقنا اللقاء، إنه قريب يسمع ويجيب.
وفقك الله للحق تؤيد سواعده، وللصدق تشيّد قواعده، وللعمل تعلي معالمه.
وختاماً: فإن ما وصلنا جهد مشكور لكم، ونحن على أتم الاستعداد لتقديم ما نستطيعه من خدمة لكم في أي وقت وآن. وتقبلوا تحياتنا.
وكتب
عبد الله بن عبد الرحمن الشثري
جديع محمد جديع
رياض محمد المسيميري
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه
حرر في فجر الثلاثاء 27/ 10/ 1415 ه - الرياض
(14/ 1/259)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سعادة الأخ المحامي الأستاذ علي الرضا الحسيني الموقر -حفظه الله-!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة مباركة وبعد (1):
فكم كنت مستشرفاً لآثار سماحة شيخ شيوخنا عمكم العظيم -طيب الله ثراه-، ومتمنياً دراسة مصنفاته، والإفادة من بحار علمه وفضله.
وكنت أرى الكتاب تلو الكتاب في الأسواق، أو في أيدي الأصحاب، فأشتد لاقتنائه شراء أو استيهاباً أو عارية، لأني أعلم قيمتها الرفيعة، ومزاياها المنيفة، حتى جاء يوم علمت فيه بتشريفكم إلى مبنى الجامعة، جامعة العلوم الإسلامية والعربية - على غير موعد - فكان من سوء حظي أني لم أشرف برؤياكم، ثم قدمتم إلى مكتبة الجامعة من آثار صاحب السماحة عمكم الكريم الإمام، ما تقر به عيون الباحثين -إن شاء الله- في الجامعة والمعاهد التابعة.
ولقد توج ذلك كله تشريفكم ثانية متفضلين بإهداء أخيكم كاتب هذه السطور خادم العلم وأهله، ما تيسر الاَن من هذه الآثار العلمية الجليلة، والأسفار النفيسة، فطوقتم بذلك عنقي، وكنت بها حفيّاً، ودعوت الله لكم
__________
(1) نفحة من نفحات الإيمان خطتها يراع العالم الفاضل الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور، وهو الغني عن التعريف، كان الله معه في عمله الإسلامي، ورحم الله أباه العلامة الشيخ محمد صالح الفرفور الذي بث في صدور أبنائه عظمة الإسلام، فكانوا على سيرة أبيهم.
(14/ 1/260)

ببركة العمر، ويركة الوقت، وبركة الرزق، حتى تنشروا كل آثار الإمام - رضي الله عنه - الذي كان والدنا يحدثنا عنه بإكبار وإعجاب، ما بعدهما إكبار وإعجاب.
هذا، وإن مكتبتي المتواضعة قد اكتملت بهذه الأعلاق النفيسة النادرة، كما أن مكتبة الجامعة قد شرفت باحتوائها هذه الآثار الكريمة الزاهرة.
ولعل ما فاتنا اليوم من آثار الإمام العم والوالد الجليل -طيب الله ثراهما- مما نفد، يستدرك بهمتكم -حفظكم الله-، فأنتم -بلا ريب- غصن هذه الدوحة الباسقة، وخير خلف طاهر لخير سلف زاهر، ولعلكم بعلي همتكم القعساء تجددون مجد الآباء وكنوز الأجداد -إن شاء الله-:
وهل ينبت الخطيَّ إلا وَشيجُه ... وتطلع إلا في منابتها النَّخلُ
أما بعد:
فإني في هذه العجالة لأسجلُ شكري العظيم لهذا الجهد المشكور العظيم، ولا يفوتني أن أنوّه بأن كثيراً من هذه المؤلفات القيمة الخالدة كان من مناهج الجامعة والمعاهد التابعة قبل هذا التواصل الكريم؛ لما وقر في نفوسنا من عذوبة هذه الينابيع وأصالتها وطيبها. فكيف بعد هذا التواصل الذي بدأتم به مشكورين، يوم كنتُ فيه من قبل من المقصرين. وما ذلك عن قلى، بل عن زحمة أعمال تقدرونها، وسيادتكم خير من يعذر.
لهذا كله، فإن أكثر هذه الموضوعات، ستكون -إن شاء الله- من المقررات والمناهج التي يطالب بها الطلبة والباحثون. ويعضها مراجع ومصادر للبحث العلمي، ولا سيما في قسم الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه -إن شاء الله-.
(14/ 1/261)

شكر الله لكم جهدكم المبرور، وسدد خطاكم، وتقبل منكم، ورحم الله
الأشياخ العظماء، وجعل فيكم وفي إخوتكم الخلف الصالح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم
الدكتور عبد اللطبف الفرفور
رئيس المجمع والجامعة
دمشق 26/ 4/ 1417 ه
9/ 9/ 1996 م
(14/ 1/262)

النشرة الأدبية الأولى لجمعية شَباب الخضرِ بن الحُسينِ النفطِيّ
أرض الجريد دنيا من السحر والجمال، والإبداع في الطبيعة، وواحة من واحات الخلد، تاريخها مجد عريق بالأنفة والكبرياء، وعرفت باسم: (الكوفة الصغرى)؛ لما اشتهرت به من ثقافة، وما عرف في أبنائها من عقول نيرة، وقلوب مؤمنة. وقد جمعت بين الجمالين: جمال الطبيعة، وجمال مكارم الأخلاق العربية الأصيلة؛ من كرم، وصدق، وبطولات.
ومدينة "نفطة" من أرض الجريد في الجنوب التونسي، مولد الإمام محمد الخضر حسين، وفيها نشأته الأولى، وقد أحبه أهلها، وفاخروا وتباهوا فيه، ولم يتركوا مناسبة إلا عبّروا بها عن اعتزازهم بابن مدينتهم الذي انتقل منها عالماً مجاهداً حتى وصل إلى إمامة مشيخة الجامع الأزهر.
من مظاهر التكريم والاعتزاز: قيام جمعية أدبية راقية في مدينة تونس تحمل اسم (جمعية شباب الخضر بن الحسين النفطي)، وإصدار نشرة باسمها (النشرة الأدبية لجمعية شباب الخضر بن الحسين النفطي). وبثت لها الدعايات في الصحافة التونسية (1). ونشرت صحيفة "الأسبوع" التونسية في عددها الصادر
__________
(1) نجد مثلاً في صحيفة "لسان العرب" العدد (80) من السنة الثانية الصادر (يوم الأربعاء 11 جمادى الثانية 1367 ه - 21 إبريل نيسان 1948 م) إعلاناً ضمن إطار بالخط الكبير (انتظروا ... نشرية ... جمعية شباب الخضر بن الحسين النفطي).
(14/ 1/263)

يوم الأحد 25 أفريل نيسان 1948 صورة للإمام في صدر صفحتها الأولى قائلة: "زينا صدر جريدتنا بصورة العلامة العبقري، والمصلح الكبير الشيخ محمد الخضر حسين؛ تنويهاً بالمجهود الذي يقوم به لفائدة قضية المغرب العربي ببلاد الكنانة، مع إفادة القراء بأن جمعية شباب الخضر حسين التي مقرها الحاضرة، وتعمل لفائدة المزاولين للتعليم بالكلية الزيتونية، قد عزمت على إصدار نشرة باسمها تحتوي على مباحثات علمية وأدبية نظماً وشعراً، هي الآن تحت الطبع، فنلفت إليها الأنظار".
وصدرت النشرة الأولى، وطبعت بمطبعة الشريف - تونس 15 نهج المبزع، في 16 صفحة. وقد أثبتناها في الكتاب كاملة، وعلى الشكل الذي صدرت فيه، دون أي تعديل؛ خدمة للتراث.
ولعل تأسيس الجمعية باسم الإمام، ثم صدور نشرة أدبية عنه باسمه، قد أثار حفيظة من لا يريد الخير لتونس، وهو في مركز المسؤول في الدولة، ويكره أن يعتز التونسيون بالعظماء من رجالهم؛ لأنه يريد تاريخ تونس خالياً فارغاً من العباقرة الأفذاذ، فعمد إلى تعطيلها وإلغائها.
وقد اطلعت على مقال في صحيفة "أفريقيا الشمالية" الصادرة بتونس - العدد رقم 24 (يوم الثلاثاء 5 رمضان 1369 ه - 20 جوان حزيران 1950 م) بقلم (ابن "نفطة" المطلع) تحت عنوان: (كيف وقع طعن "نفطة" من بعض أناس يدعون الوطنية)، وهو بحث طويل نقتطف منه ما يلي:
"قبل كل شيء نلفت أنظار المعتدين على كرامة مدينة "نفطة" وعظمائها وأهاليها بصفة عامة، بأن هذه المدينة مدينة عريقة في المجد، وكانت في القديم تسمى: (الكوفة الصغرى)؛ كناية عن انتشار العلم بها، كثرة علمائها ومفكريها.
(14/ 1/264)

ولقد أنجبت عدة عظماء في عدة ميادين، أنجبت ذلك البطل الخطير طارق بن زياد فاتح الأندلس، كما أنجبت ذلك المصلح الجريء أبا علي السني، والعالم الإمام ابن خلف، والعالم الأصولي محمد بن إبراهيم، والعالم العظيم محمد المكي، والفيلسوف الديني الزعيم الشافعي الشريف، كما أنجبت غيرهم ممن لهم مقام ممتاز، وهم كثيرون.
هذا من حيث الماضي، أما في عصرنا الحاضر، فقد أنجبت مدينة "نفطة" العالم العلامة الشيخ الخضر بن الحسين نزيل الديار المصرية، وشهرته تغني عن التعريف، وأنجبت أخاه العالم اللغوي المعروف الشيخ زين العابدين ابن الحسين نزيل الديار الشامية. والأستاذ محمد الصالح المهيدي، والشاعر العبقري الأستاذ مصطفى خريف، وغيرهم من العظماء المعاصرين. هذا والشيء الذي يعنينا في هذه العجالة، هو بيان الاعتداءات التي وقعت على "نفطة"، واهتزلها سكانها، والتي مصدرها بعض من ينتسبون للوطنية، ويدعون أنهم يخدمون بلادهم، والحال أنهم على العكس من ذلك يخدمون ضدها، وبا ليتهم يشعرون.
وإلى القارئ الكريم جانباً من الاعتداءات التي طعنت "نفطة" في الصميمم.
أولاً: لما ظهر لتلامذة ("نفطة" الزيتونيين) بأن يؤسسوا جمعية تجمع شملهم، وتساعد فقيرهم، اتفقوا على تسميتها (بجمعية شباب الخضر بن الحسين النفطي) وبعد أن شكلوا هيئتها، ونشروها على ألسنة الجرائد، وقع إعلام مسيّريها من بعض الأنانيين السياسيين، بأن يتراجعوا في هذه التسمية، ويسموها باسم آخر؛ لأن الخضر بن الحسين -على زعمهم- لا يستحق هذا
(14/ 1/265)

الالتفات، وما إن سمع التلاميذ بهذا الاقتراح الخبيث، حتى قاموا بضجة ضد هذا التدخل الذي لا حق لهؤلاء المتطفلين فيه، وتبين لتلامذة "نفطة" الأباة من ذلك الوقت، كيف أن الوطنية أصبحت ألعوبة عند هذا البعض الذي صار لا يفكر في الاستعمار وكيف يقاومه، وإنما يفكر في الانتقام من عظمائنا، ويسعى في محو أسمائهم من عالم الوجود، فيا لها من أنانية لا تشرف صاحبها، بل وتبعده عن الوطنية الحقة، وتجعله في الحضيض".
أحببت "نفطة" من الوجدان، وشددت إليها الرحال في كل عام زرت فيه تونس، وبواحتها الرائعة، وتحت ظلال نخيلها اليانع قلت الشعر الذي يمثل صفاء المحبة لها. ومنه (1):
ضممتِ بصدرِكِ كلَّ الجمال ... وغيرُكِ ضمَّ الأسى والحجر
ربيعُك كلُّ فصول السنين ... ويسكن فوق سماك القمر
و (دِقْلةُ نورٍ) غذاء الحياة ... ونخلك أحلى صنوف الثمر
ومما قلته فيها أيضاً (2):
قالت: أراك بذكر "نفطة" هائماً ... ماذا بها؟ حتى رماك هواها
إن كان واحتها سبتك بنظرة ... فهناك واحات الجمال سواها
فأجبتها: لو تعرفين محبتي ... لترابها وهوائها وسماها
__________
(1) ديواني "قلب شاعر"، وقدمت الأبيات بقولي: "نفطة: واحة النخيل في جنوب تونس - إني أراها قطعة من الجنة".
(2) ديواني "بثينة"، وذكرت في المقدمة: "أحببت نفطة مدينة النخيل في الجنوب التونسي، مثوى الجد مصطفى بن عزوز، ومولد العم الإمام محمد الخضر حسين".
(14/ 1/266)

يكفي جمالاً مع جلالٍ أنّها ... ضمّت ولياً صالحاً بثراها
من طيب ساكنها المطهّر (مصطفى) ... من آل عزوزٍ تطيب رباها
يا روضةً ولد (الإمام) برَحْبها ... فسما بها التاريخ نحو علاها
أضحت مزار القاصدين تبركاً ... والباحثين بعلمها وسناها
شُهرَت بفضل (الخضر) حتى أصبحت ... أم المدائن لا يُزار سواها
وقلت فيها (1):
إيه يا "نفطة" الحبيبة مهلاً ... أنا من جاب في الهوى الآفاقا
لا عُجاباً أني عشقتك أرضاً ... وسماء وواحة ورواقا
لا أبالي ما قال زيدٌ وعَمْرٌ ... لم يكنّا إليك مثلي اشتياقا
أيها المدّعون حبَّ الثريا ... لم تكونوا فيما أرى عشّاقا
إنما الحب حبّ "نفطة" يروي ... للشفاه العطاش كاساً دهاقا
وفي الجدّ لأم الوالد سيدي مصطفى بن عزّوز قلت (2):
مرقد الطهرفي أجلّ الرموس ... ضاء كالشمس من علاء الشموس
هو وجه الخيرات وهو منارٌ ... وملاذ من هول ليل عبوس
أقبلت نحوه المكارم تسعى ... بابتهال وحانيات الرؤوس
__________
(1) ديواني "تونسيات"، وقلت في المقدمه: "بلدة نفطة في الجريد بالجنوب التونسي، واحة جميلة، بل أجمل الواحات، وإليها يعود أصل العائلة في تونس".
(2) ديواني "تونسيات" - أبيات قيلت بعد زيارتي للزاوية العزوزية في مدينة "نفطة" بالجنوب التونسي.
(14/ 1/267)

يتناهى إليه كل فخارٍ ... ولذاك المقام شوق النفوس
سائلوا "نفطه"الحبيبة عنه ... هو بالفضل مثل غيث نفيس
يا (ابن عزوز) هل قبلت سلاماً ... عن حفيد أتى بقلب أنيس
وفي "نفطة" قلت (1):
وما كلّ الحسان كحسن ليلى ... ولا جنّات "نفطة" كالجنان
بلادٌ رصَّع الخلّاق فيها ... مناظر من زبرجد في جمان
ولا تهوى العيان سوى رؤاها ... ومرآها ببالي كلَّ آنِ
فراديس يحيط بها نخيلٌ ... مباهج في الزمان وفي المكان
و (دقلتها) هو العسل المصفى ... ونخلتها عروس في المغاني
سلوا عنها ليالي باسمات ... سلوا عنها عبير الأقحوان
إذا مرَّ النسيم على رباها ... يقبّل خدَّها قبلات عاني
إليها حجَّ عشاق الأماني ... ونادوا: يا لساحرة الزمان
وبعد: هل أوفيت "نفطة" حقها في شعري؟؟.
علي الرّضا الحسيني
__________
(1) ديواني "تونسيات".
(14/ 1/268)

النشرة الأدبية الأولى لجمعية شَباب الخضرِ بن الحُسينِ النفطِيّ
(14/ 1/269)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمة الافتتاح
في العام الماضي فكرت نخبة من شبان "نفطة" العاملين، في إنشاء جمعية تكون رابطة متينة بينهم، ووازعاً يدفعهم إلى الأعمال الجدية المثمرة متعاونين في مضمار العلم والأدب.
فأنشأت هذه الجمعية التي اختارت لها اسم: (جمعية شباب الخضر بن حسين النفطي)، ذلك الرجل الذي يحق لتونس أن تفتخر به، ويحق للشبان أن يقتدوا به في جهاده العظيم في سبيل العلم والثقافة، والدفاع عن وطنه الذي ما هجره إلا لإعلاء شأنه، والكفاح في سبيل العروبة والإسلام.
فكان لتأسيسها الوقع الحسن في نفوس مواطنينا الأعزاء، ولاقت منهم التشجيع والتأييد مادياً وأدبياً؛ مما جعلها تدأب في طريق العمل بنشاط، وأتت بنتائج حسنة، أهمها: إعانة المعوزين من تلامذة "نفطة" بقسط من المال غرّة كل شهر، وبلغ عدد المعانين 15 فرداً.
وفي شهر فيفري المنصرم، أرادت تجديد هيئتها، فوقع ذلك بالانتخاب العام السري، فانتقلت بذلك إلى أيدي شبّان عاملين مخلصين، تصدّوا للعمل النافع بنشاط، وأودع فيهم إخوانهم ثقتهم بهم، يشعرون بهذا الواجب الملقى على عواتقهم، الذي إن قاموا به أحسن قيام، كان لهم الشكر، والثواب من الله، وأعدت الهيئة الجديدة قانوناً داخلياً فيما ستقوم به من أعمال -إن شاء الله-،
(14/ 1/271)

كما قسمت أعمالها إلى لجان مختلفة، كل واحدة تقوم بمهمتها.
على أن هذه الهيئة الجديدة، تتكل على الله في أعمالها أولاً، وعلى أبناء "نفطة" الذين نرجو منهم التأييد، والملاحظات الحسنة في سيرها، والنقد النزيه. ولا تشك في أنهم سيقابلون هذه النشرية المتواضعة التي تعد (زهرة أولى) بالتشجيع، حتى تستطيع أن تخرجها مرة أخرى في نطاق أوسع، وعلى الله الاتكال.
الرئيس
الطيب بن عبد الملك
(14/ 1/272)

نبذة من تاريخ "نفطة"
- قسطلية - كتهوار - أقارسل نبت - زعفران وحمزة - فورشانة - فطناسة ودرجين - "نفطة".
اتفق المؤرخون العرب، وفي طليعتهم ابن الشبّاط التوزري (ترجمة م. أفلوري): بأن مؤسس مدينة "نفطة" كان قسطل بن نوح - عليه السلام - بعد الطوفان، وإنما عرفت باسم مؤسسها. واعترف المؤرخون الغربيون بوجود علاقات سياسية واقتصادية في تلك العصور السحيقة بين أهل "نفطة" وإخوانهم الساميين أصحاب أعالي وادي النيل، ودلتا مصر، والصحراء الغربية، ومجانسة في اللغة والعادات (راجع: مجموع "مجلة قرطاجنة التونسية" سنة 1890: الهجرة المصرية، وعام 1895 و 1899: هجرة الرعاة).
ثم قالوا: اختفت القسطلية بعد ثلاثة قرون من تأسيسها، وظهرت شمالها (في مكان زاوية الشيخ أحمد بن الحاج المصري سيدي حمد الآن الذي هاجر إلى "نفطة" سنة 815 هجرية) مدينة "كتهوار"، وأصحابها من النفتوهيم من أبناء كاسلوجين ابن مصراتم بن سام بن نوح - عليه السلام -، ومصراتم وكوش أخوان، والنفتوهيم أول شعب آمن بالشمس وقدسها، واتخذ لها معابد ومحاريب في التاريخ، وأول شعب عرف باسمها.
وكتب العلامة (دي أكلام) رسالة قيمة نشرها المؤتمر الجغرافي العالمي
(14/ 1/273)

سنة 1889 في أصول عبادات الوثنيين، حاول فيها إثبات اقتداء وتقليد الرومان للساميين، وأخذهم عبادة آلهة الأنهار والعيون عندهم، وتحريفهم اسم نفتوهيم السامي إله الشمس الأعظم والقوة والجمال ورمز الوجود والخير، ورب النيل الأكبر إلى نبتوم إله المياه.
وكان تأسيس "كتهوار"سنة 2300 قبل الميلاد، أسسها النفتوهيم الفارين من مصر لجوار إخوانهم بمدينة "القسطلية" اتقاء غزوة وسلطان الرعاة (الهيكسوس)، وأسسوا بلداناَ بأسماء مدائنهم المفقودة للذكرى والعبرة. و"كتهوار" من أشهر مدنهم التاريخية، وترجمها (دي أكلام) من اللغة المصرية (كتر): المبعدون، (هوار): مدينة هوار: المبعدون من مدينة هوار. و"نفطة" ماخوذة من فتاه: ظرف مكاني معناه: معبد، أو دار، وحرف علة أيضاً من الكلمة المصرية: ها ... كا .. فا .. ، فتكون "نفطة": دار، أو معبد الشمس.
وقربت (1) "كتهوار" بعد خمسة قرون من تأسيسها، وظهرت في مكانها مدينة "أقارسل نبت"، وهي التي أدركت الفتح الروماني، وذكرها (ابتولومي) سنة 141، و (ينجور) 393 ميلادية بحروف كبيرة، مما يدل على مكانتها، وهي التي ولد بها الفيلسوف الديني الايتوس) القبطي الشهيد الذي قتله الوندال، وكتب حياته ودرسها كل من (فيكتوردي فيت)، و (فيكتور دي تونان) في رسالتين، وإلى اليوم تحيي الكنيسة الكاثوليكية ذكره، واكتشف مكانها وضبطه الرحالة (دفوري) سنة 1861، وترجمها العلامة (تيسو) في الجزء الثاني من كتابه "جغرافية أفريقيا الشمالية" من اللغة المصرية القديمة إلى أقار
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل الكلمة: (خربت).
(14/ 1/274)

سل - نبت. أقار ... لأبناء .. ر .. بين. س ... من. ر ... ل .. نفت .. نفتاه، ومعناه: الأشراف من بين أبناء النفتاه. وهي التي صالح أهلها عقبة ابن نافع سنة 65، وقاوموا حسان بن النعمان، فخربها عقاباً، وهي التي ولد بها طارق بن زياد البربري مولى موسى بن نصير فاتح الأندلس، كما حقق المؤرخ (دي أكلام) عن كلامه عن أشهر أخبار وحوادث مدينة "نفطة" في التاريخ.
وبعد تخريبها، ظهرت بالقرب منها مدن "زعفران وحمزة" سنة 70 هجرية، وخربت "زعفران" سنة 122 هجرية من عبد الله بن صفوان الكلبي بعد انتصاره على ثورة البربر الكبرى، ومشاركة أهلها للهوارة.
ثم ظهرت مدينة "فورشانة" غربي الواحة في مكان بساتين بلاق البهوب وابن عياش. وابن نور اليوم قرب زاوية أبي الحسن إسماعيل المعروف بسيدي حسن عياد، وهو حديث عهد عمر في أول القرن التاسع، وهي التي ولد بها ابن الزقاق صاحب "الافتراق الخامس في مذهب الوهبية" في قنطارة إحدى أرباضها، كما ذكر أبو زكرياء في "تاريخه"بترجمة المستشرق (أميل ماسكراي)، وهي التي عرفت بالكوفة الصغرى في الشرق العربي، وخرّب فلفول بن خزرون صاحب طرابلس مدينة (فورشانة) سنة 387.
وظهرت مدينتا (فطناسة ودرجين)، الأولى في الواحة، وهي التي نزل بها أبو علي الحسن بن إبراهيم (سيدي أبو علي) سنة 562، وكانت بين أهل المدينتين إحن وخلافات مذهبية، انتهت بقتل الشيخ أبي علي من يد إبراهيم النخيلي الدرجيني، وخراب "درجين " بواسطة حملة من أهل القيروان ونفزاوة بقيادة الشيخ يوسف الدهماني (المدفون قرب فسقية الأغالبة بالقيروان؛ كما
(14/ 1/275)

أثبت .. في كتابه دليل الرحالة في القيروان وسبيطلة والجريد) وفرار أهلها لواحة "ورقلقه "سنة 684، وخرب فطناسة الأمير أبو العباس بن أبي يحيى أبي بكر الحفصي سنة 735 انتقاماً من دويلة بني الخلف.
ثم أسس أهل فطناسة مدينة عرفت ب "نفطة" في مكان البلد الحالية الآن سنة 633، خربها أبو محمد الحسن بن المسعود بن المولى أبي عمر الحفصي؛ لثورة أهلها، وامتناعهم من دفع الأتاوات؛ لمحالفته الإسبان سنة 1534، ثم ظهرت مدينة "نفطقه"العامرة الموجودة من أرياض عشروات المدينة الأخيرة سنة 535 - 40 ه.
وفي إمكان الباحث والمؤرخ كتابة مجلد ضخم به أحاديث مجد وتضحية وفخار لكل مدينة من المدائن المختلفة، تحت اسم وحيوية وخلود اسم "نفطة" والنفتوهيم بين القرون.
(14/ 1/276)

والذكر للإنسان
بقلم الأستاذ الجليل
محمد الصالح المهيدي
إنها لسنة حسنة هاته التي شرعها الشبيبة النفطية، وهي اختيار الاسم الذي وضعته عَلماً على جمعيتها؛ اعترافاً بما لشخصية المسلم الصادق، والعلم الفرد، الكامل الإيمان: محمد الخضر حسين من الخدمات والمزايا التي قام بها في حياته الحافلة بجلائل الأعمال لفائدة العروبة والإسلام.
الخضر حسين الذي جاهد الباطل والمحسوبية، وكافح الجهل والأنانية، وتصدى لرد الباطل ودحضه أينما حل وارتحل، فكان موفقاً في عمله إلى أبعد حد.
ومن أجدرُ بتخليد ذكرى اسمه، وهو حي يرزق، من رجل هاجر وطنه في سبيل الله، يوم كانت عوامل الطغيان والظلم تتوافر في هذا الوطن، فانتقل إلى المشرق، وطاف في أرجائه باحثاً عن وكر جديد، عششت فيه الحرية، إلى أن ألفى ذلك في بلاد الكنانة، فاستقر فيها كوكباً نيراً، يضيء أرجاء العالم الإسلامي شرقيه وغربيه، عربيه وعجميه.
فأرشد ب"نور الإسلام " السارين في ظلمات الجهال. وأنار ب "الهداية الإسلامية" دجنة الغاوين المتمردين عن سبل الحق والرشاد، وحمل "لواء
(14/ 1/277)

الإسلام " بيد قوية، وساعد متين إلى عنان السماء، فأفاد المسلمين والمؤمنين.
ولقد أصابت الشبيبة النفطية المرمى والمحز، فسجلت ذكرى حي يرزق؛ ليكون ذلك أدعى لشحذ القريحة، وحفز الهمة، وراحة الضمير، وذلك أدعى لنُجح العمل، نظير ما هو متوافر لدى الأمم الحية الناهضة التي تقدر أعمال بنيها البررة، فتخلد أسماءهم وذكرياتهم بما تقيمه من معالمهم ومنشآت.
وأين هذا مما اعتادته بعض الأوساط التونسية، التي لا تقدر العاملين من أبنائها متى كانوا بقيد الحياة، ولا تساعدهم على سلوك العمل الذي يرتضونه لفائدة وطنهم، حتى إذا ما أدركوا الموت، حزنوا وتحسروا، وإن وجد من أصدقائهم أوفياء، قاموا بمآتم الذكريات يحيونها، ثم يندمون على ما فرطوا في جانب النبغاء، ولات حين مندم!.
وإذا كانت الشبيبة قد خطر لها هذا الخاطر، أو لم يخطر حين فكرت في إنشاء جمعيتها الفتية، فإن المرجو منها، والمؤمل أن تكون عند حسن الظن بها، وأن تجعل من ذلك العالم العامل الجليل قدوة في مستقبل عملها؛ لتضيف إلى فخرها فخراً، ومجدها أمجاداً.
محمد الصالح المهيدي
(14/ 1/278)

من حياة الشيخ الخضر بن الحسين
ولد الشيخ الخضر في "نفطة الجريد" يوم 26 رجب سنة 1293، ونشأ فيها، وترعرع في وسط علمي إلى أن انتقل والده إلى العاصمة التونسية سنة 1306؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي، والتحق بالزيتونة، وتخرج منها بشهادة التطويع سنة 1316، ومن أكابر أساتذته: الشيخ عمر بن الشيخ، والأستاذ محمد النجار، والشيخ سالم بوحاجب.
وفي سنة 1317 عزم على الرحلة إلى المشرق، ليدرس حالته العلمية والاجتماعية، إلا أنه لم يتم رحلته، إذ اضطر للرجوع من طرابلس الغرب، وبقي بالزيتونة يفيد ويسفيد. وفي سنة 1321 أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، فكانت من أحسن المجلات في ذلك العصر، تتبارى فيها أقلام الكتاب الزيتونيين في مختلف المسائل الدينية والأدبية، وقد لاقى في سبيلها ما يلاقيه كل مصلح من (المحافظين).
وفي سنة 1323 تقلد منصب القضاء ببنزرت، كما عهد له بالخطابة والتدريس في جامعها الكبير، ولم يكن التوظف بالمقيد له عن القيام بواجباته الاجتماعية، من ذلك محاضرته (الحرية في الإسلام) التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، وكان لها تأثير كبير، ونشرت، فنقلتها الصحف، ولما أحس أن الحكومة تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحه المتأججة؛
(14/ 1/279)

ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب، أبى عليه حزمه أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم تسليمه من وظيفته، ورحل للعاصمة متطوعاً بالقاء دروس بالكلية الزيتونية، وعندها عينته نظارة الجامع لتنظيم خزائن الكتب.
وفي سنة 1325 تولى وظيفة التدريس بالجامع بصفة رسمية، وفي سنة 1326 عين مدرساً بالصادقية، وانتخبته الخلدونية لإلقاء محاضرات في الإنشاء، فقام بهاته الوظائف أحسن قيام، وكان لا يفتر عن إتحاف الشعب ببنات أفكاره؛ كمحاضراته: (حياة اللغة العربية).
ولما قامت الحرب الطرابلسية، كان من أعظم الدعاة لإعانة المجاهدين في سبيل استقلالهم، وقام برحلة إلى الجزائر، زار فيها كر مدنها، وكان يلقي المحاضرات أينما حل، ويلاقي التعظيم والتبجيل.
وفي سنة 1330 انتقلت عائلته إلى الشام، ونزلت دمشق، فالتحق بها ماراً بمصر، ثم سافر إلى الاَستانة، ودرس حالتها العلمية والاجتماعية، ورجع إلى تونس 1330 في ذي الحجة، ونشر رحلته على بعض الجرائد التونسية، ورجع لما كان عليه، وأول محاضرة ألقاها بعد رجوعه: (مدارك الشريعة الإسلامية)، وعينته الحكومة التونسية في لجنة تبحث عن التاريخ التونسي، إلا أنه في شعبان من هذه السنة، عزم على مفارقة مسقط رأسه بتاتاً، والهجرة إلى الشرق.
سافر إلى الشرق بعد أن ودع أصدقاءه في الجزائر، حيث ركب من "عنابة"، فلما نزل بمصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية، مثل: رفيق بك العظيم صاحب "أشهر مشاهير الإسلام"، والشيخ رشيد رضا صاحب
(14/ 1/280)

"المنار"، ثم سافر إلى الشام، فقوبل من طرف عظمائه بالترحاب، ونوّهت الجرائد هناك بمسامراته.
وعزم على زيارة الإمبراطورية العثمانية، فنزل جنوباً حتى المدينة المنورة، وصعد شمالاً حتى الآستانة، ومن هناك تعين مدرساً للغة العربية والفلسفة بالمدرسة (السلطانية) بدمشق، وكان مثابراً على إلقاء المسامرات، ونشر المقالات الإصلاحية في الجرائد، واهتم بوجه خاص بالمشكلة العربية التركية، محاولاً تجديد روابط الألفة بين السلطنة العظمى، والأغلبية من رعاياها.
ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى، وتولى جمال باشا حكم المقاطعة السورية، كاد أن يكون أحد ضحايا الصرامة التي استعملها القائد مع كل من ينتمي إلى النهضة العربية؛ حيث ألقى عليه القبض بدعوى اطلاعه على حركة المتآمرين دون أن يحاول تنبيه السلطة من الأخطار، فاعتقله ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وظهرت براءته لما قدم للمحاكمة، فأطلق سبيله في ربيع الثاني سنة 1335، ورجع إلى التدريس بالمدرسة العثمانية، ثم نظم مسامرات علمية ودينية عالية لبعض طلبته المنتهين.
واستمر على ذلك إلى أن استدعاه المركز سنة 1336 منشئاً حربياً بالوزارة، كما عينته المشيخة الإسلامية واعظاً بجامع (الفاتح)، فبقي في وظائفه إلى سنة 1337 التي فيها ارتباكات الآستانة، فرجع إلى دمشق، وما كاد يصلها، حتى عين عضواً بالمجمع العلمي العربي، ومدرساً بالمدرسة العثمانية، والمدرسة السلطانية، إلا أنه عزم على الذهاب إلى مصر محورِ النهضة العربية، فلم يباشر وظائفه تلك، فقصدها، وهناك في بلاد النيل ولي التصحيح بدار الكتب
(14/ 1/281)

العربية، ثم صرح له جلالة ملك مصر في دخول الشهادة العالمية التي ما كاد يحرز عليها، حتى انتدب للتدريس بقسم التخصيص. وفي سنة 1347 أضيف لدرس البلاغة الذي كان يلقيه لطالبي التخصص درسان آخران، أحدهما: في الوعظ والإرشاد، والثاني: في التاريخ. ومع ذلك لا ينقطع عن إلقاء المسامرات العلمية، والاجتماعات المؤيدة بروح الدين.
وعمل في كثير من الجمعيات مثل: جمعية (الشبان المسلمين)، وأسس (الهداية الإسلامية)، كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات والصحف؛ مثل: مجلة "الهداية الإسلامي"، والمجلة الكبرى "لواء الإسلام"، و"نور الإسلام". ونشر عدة كتب قيمة في العلم والأدب مثل: كتاب "نقض الشعر الجاهلي"، و"حياة اللغة العربية"، وديوانه الشعري.
وهو الآن رئيس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا)، وركن من أركان النهضة العربية الحديثة في الشرق العربي الذين تفتخر بهم العروبة والإسلام.
هكذا كانت حياة الشيخ جهاداً وكفاحاً مستمراً في سبيل إعلاء كلمة الإسلام والوطن العربي، -أطالها الله-.
(14/ 1/282)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(28)

«الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين بِأقْلاَمِ نُخْبَةٍ مِنْ أهْلِ الفِكْرِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(14/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(14/ 2/2)

الإمام محمّد الخضر حسين

هذا الإمام (محمَّدُ الخِضْرُ) الذي ... هزَّ السيوفَ وسدَّد الأقلاما
فهو الفتى والكهلُ والشيخُ فسلْ ... عنه المنابرَ واسألِ الأياما
في كلِّ ميدانٍ أتاه مجلِّياً ... رفعَ الأذانَ وحطَّم الأصناما
ابن (الحسينِ) وابنُ سيدةِ النسا ... مَنْ أرضعتْه لبانَها إسلاما
نسبٌ إلى شرف النبوة ينتمي ... أكرمْ به نسباً زكا إلهاما
دع أصله وصفاتِه وانظرْ إلى ... أمجاده تروي لك الإقداما
علي الرّضا الحسيني
(14/ 2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الكتاب
اطلعت من خلال الأعمال التي قمت بها منذ أكثر من عشرين عاماً، والتي تهدف إلى جمع وضبط وتحقيق آثار الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- على مجموعة قيمة من المقالات والدراسات والكتب التي تناولت سيرته من جميع نواحيها: الذاتية، والعلمية، في الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية والشهرية، أو المطبوعات المستقلة برسالة أو كتاب، موجزة في البعض، ومفصلة في البعض الآخر.
وبعد أن أكرمنا الله -جل جلاله- بفضله وعونه، وتم جمع كل الآثار الفكرية للإمام، وطبعت ونشرت في كتب ورسائل تزيد عن ثلاثين مطبوعة، فقد اتجهت إلى بحوث السيرة، وانتقيت منها عدداً تكون طوع الغرض الذي أرمي إليه، وأهدف من مرماه غاية نبيلة تتجلى في التسهيل على الباحث والدارس وطالب العلم في معرفة حياة وآثار الإمام، ووضعت بين يديه مختارات تكون له العضد والسند في اختصار الوقت وبذل الجهد.
عشرات الأقلام أفاضت في سيرة الإمام، منها: قلم الكاتب، وقلم العالم، وقلم الأديب، والمحقق، والصحفي، وطالب العلم، ورسائل جامعية عدة من مختلف الأقطار، وبإشراف أساتذة الجامعات -وأغلب أولئك الأساتيذ ممن أخذوا العلم عنه، أو تلاقت أفكارهم مع فكره المنير الحكيم- كُتبت ونشُرت بين الناس.
(14/ 2/4)

وهذا الكتاب "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر" هو واحد من تلك الصحف المشرقة.
انتخبت محتوى الكتاب، وقدمته عقداً يزين تاريخ الأعلام ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ونخبت من الأقلام نخبة تناولت سيرة الإمام في مقال أو رسالة، وراعيت في الانتقاء:
أ - انفراد البحث المنتقى بموضوع لم يتطرق إليه الآخر.
ب - اختيار الكتّاب من أقطار عدة: من تونس، ودمشق، والقاهرة، والجزائر.
ج - التسلسل التاريخي في نشر البحث وصدوره.
د - الإشارة إلى المرجع والمصدر لكل بحث في الهامش من صفحته الأولى.
يلاحظ القارئ التشابه والتكرار بين كل الدراسات من جهة السيرة الذاتية للإمام؛ كالولادة، وتواريخ التعلم والتعليم، والتنقل والمهام والأعمال التي قام بها، منذ قدومه المبارك إلى الحياة الدنيا في مدينة "نفطة" في الجنوب التونسي، إلى يوم انتقاله -رضوان الله عليه- إلى رحاب الله في "القاهرة".
ولكن القارئ سيجد بشيء من الروية والتدقيق أن كل بحث له ميزة عن الآخر، وأن الميزات كلها تعطي الصورة الأوضح لحياة الإمام ونتاجه العلمي. ومن تمام الفائدة المتوخاة في هذه المقدمة: أن نوجز بالتعليق على المنتخبات للتعريف بها.
* "محمد الخضر بن الحسين":
أول ترجمة عن حياة الإمام طلعت على الناس، تلك التي نشرت في
(14/ 2/5)

مجلة "البدر" التونسية للكاتب والأديب والصحفي التونسي زين العابدين السنوسي. وقد قدم الترجمة بقوله:
"يظهر أن تونس لا زالت قاصرة عن كفالة عظمائها والنابغين من أبنائها، أو أن بها مرضاً -ونظنه سياسياً أكثر منه اجتماعياً- يجعلها غير المناخ الصالح لهؤلاء، فلا يكاد يشب أحدهم ويظهر، حتى يسلم وجهه شطر الشرق حيث النسيم يهب حراً مباحاً، فيجد مجال العمل والنبوغ مفتحاً بين يديه، ليس عليه إلا أن يكون عربياً مخلصاً عاملاً لأجل العرب ونفع العموم، فتستفيد منه حكومات هاتيك البلاد وشعوبها، بينما نحن نندب ثكل تونسنا، ونصمها بالعقم، منذ أنجبت أمثال الشيخ إبراهيم الرياحي، والمشير أحمد باي، والمصلح الخطير خير الدين، وأمثال هؤلاء النبغاء التونسيين الذين خلدوا لنا تاريخاً ماجداً.
واليوم وقد عثرنا على مذكرات مهمة عن حياة أحد أولئك النابغين التونسيين في هذا العصر الذين اضطرهم نبوغهم إلى تحمل آلام الاغتراب -ألا وهو الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين- فرأينا أن نثبتها فيما يلي خدمة للتاريخ".
وبعد المقدمة، أورد الكاتب ترجمة الإمام منذ الولادة، وحتى دخوله القاهرة.
هذه الترجمة بنصها الكامل مع تحوير بسيط في بعض الكلمات حذفاً أو زيادة أو تنقيحاً. صدرت ضمن كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" للأستاذ السنوسي، وقد اعتمدنا النص الوارد في الكتاب.
ومما أراه من مميزات هذه الترجمة: أنها الأولى في بابها، والأساس
(14/ 2/6)

الأقوى التي قامت عليه التراجم اللاحقة. وأخذ أكثر الباحثين عنها، فهي من المراجع الهامة التي يعتد بها.
* "الاحتفال بعودة الإمام من سورية":
أقامت جمعية "الهداية الإسلامية" التي كان يرأسها الإمام محمد الخضر حسين في القاهرة حفلًا إسلامياً بمناسبة عودته من زيارة إلى دمشق عام (1356 ه 1937 م)، وكانت كلمة الأستاذ محمود حافظ أحد أعضاء الجمعية في ذاك المنتدى الفكري من أهم الكلمات التي تحدثت عن حياة الإمام.
* "شيخ الأزهر محكوم عليه بالإعدام":
عنوان مثير، يخطف الأبصار، فتتهافت الأيدي لالتقاف المجلة، وقراءة التحقيق بمزيد من الرغبة والفضول. وهو أسلوب رجال الصحافة في انتخاب العناوين التي تملأ الآذان طنيناً ورنيناً.
وقلم الأستاذ الصحفي أحمد لطفي حسونة من الأقلام المهتمة بالقضايا الإِسلامية، فقد صحب الإمام في مرحلة مشيخة الأزهر، ونقل أخباره وأعماله.
وهذا البحث في حياة الإمام، بل التحقيق الصحفي لصحة التسمية، لا يعرف كاتبه تفاصيل سيرته، وإنما كان يتردد على مشيخة الأزهر ليلتقط عن النشاط الإِسلامي خبراً للصحيفة، أو يتبعه إلى المسجد ليصلي وراء الإمام، فأخذ منه معلومات صاغها في هذا التحقيقال في يمكن الاعتماد عليه، والوثوق به؛ لصدوره عن الإمام بالذات.
يقول الأستاذ حسونة: "ويروي الأستاذ الأكبر قصة إفلاته من أيدي الفرنسيين، فيقول،. .". . . "ويقول الشيخ في تواضع وطيبة. . . "، وهذا بحث له ميزته؛ لأن جلّه من حديث الإمام.
(14/ 2/7)

ولا بد من الإشارة إلى سهو وقع فيه الأستاذ حسونة عندما قال: "ولم يرزقه الله أولاداً. . . "، والصحيح أن له ابنة من زوجته الأولى في تونس.
* "معلوماتي الخاصة عن شيخي علامة العصر - الأستاذ محمد الخضر بن الحسين":
كتب شيخ الصحافة التونسية الأستاذ الطيب بن عيسى حلقات في ترجمة الإمام، ضمنها معلوماته الخاصة عن شيخه علامة العصر كما أشار إلى ذلك في العنوان.
نشرت في صحيفة "الأسبوع" التونسية، وهي ترجمة وافية وجامعة.
وقد أعاد الكاتب نشرها بالنص الكامل في صحيفة "المشير" التونسية عنود انتقال الإمام إلى الرفيق الأعلى تحت عنوان "في ذمة الله -العلامة محمد الخضر بن الحسين- بقلم تلميذه الطيب بن عيسى". وليس في الطبعة المكررة سوى زيادة في المقدمة التي قال فيها الكاتب: "نعت قاهرة مصر الأستاذ الكبير، والعالم المديني الشهير، شيخي محمد الخضر بن الحسين، فكان للخبر وقع عظيم لدى الأوساط العلمية الراقية؛ لما له من المكانة في قلوب عارفي فضله وعلمه، لا سيما تلاميذه بتونس وسورية ومصر، ولمعلوماتي الخاصة عن تاريخ حياة هذا الرجل العظيم الذي لعب أدواراً سامية في عصره المحفوف بالمشاكل الدينية والسياسية، فسأنشر نبذاً تاريخية عن حياته العامرة بالأعمال الجسام تباعاً، وابتداءً من هذا العدد؛ إذ خسارتنا في فقده لا تعوض".
وقد اخترنا النص المدون في صحيفة "الأسبوع"، وهي الأسبق تاريخاً.
* "شيخ الأزهر السابق السيد محمد الخضر حسين":
يقول الأستاذ محب الدين الخطيب في مطلع البحث: "وسأتحدث في
(14/ 2/8)

هذه الصفحات إلى إخواني من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم عن مراحل حياة هذا الرجل المؤمن بالإِسلام، كما راقبتها فيه، أو علمتها منه، من سشة 1330 إلى أن اختاره الله إليه".
وخير الأنباء ما يأتيك بها خبير صادق، والأستاذ الخطيب قضى برفقة الإمام ما يقارب من سبعة وثلاثين عاماً، فهو من الرجال القلائل الذين صحبوه هذه الفترة الطويلة، وأخلصوا له الود، واستمعوا إلى أحاديثه المطولة.
ويمكن أن نعتبر التواريخ والوقائع التي أوردها الأستاذ الخطيب عن حياة الإمام هي الأصدق والأقرب إلى الحقيقة؛ لأنه كما يقول: "راقبتها فيه، أو علمتها منه".
* "المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين":
أقام مجمع اللغة العربية بالقاهرة حفل تأبين الإمام، وقد ألقى فضيلة الشيخ محمد علي النجار الأستاذ في كلية اللغة العربية بالأزهر كلمة تناول فيها حياته، وأعماله الجليلة، وآثاره الخالدة، وألقيت في جلسة المجلس العلنية في 31/ 3/ 1958 الدورة الرابعة والعشرون.
* "الشيخ الخضر":
للأستاذ أحمد حمزة الوزير السابق، وصاحب مجلة "لواء الإِسلام" الصادرة في القاهرة اعتقاد كبير بالإمام وصلاحه، وعلمه وتقواه. لذا نراه يقول في كلمته: "ومذ اتجهنا إلى إنشاء مجلة "لواء الإِسلام" نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علماً يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين".
والأستاذ حمزة عندما يتحدث عن الإمام، فهو حديث عارف به، مرافق
(14/ 2/9)

له في رحلته وجهاده في "لواء الإِسلام" لنصرة الإِسلام.
* "تونس تفقد عبقرياً من أبنائها بمصر":
مقالة للأديب والصحفي الأستاذ علي الجندوبي في جريدة "النداء" التونسية، والمقال على إيجازه، فهو عرض سريع ومكثف لحياة الإمام وأعماله.
* "محمد الخضر حسين - شيخ الأزهر السابق":
الأديب والكاتب التونسي الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو، كان السّبَّاق في وضع دراسة مستفيضة عن الإمام أصدرها في كتاب مستقل. وهو من المهتمين بأعلام تونس، وله فيهم دراسات قيمة. وهذا البحث تقدم نشره على خمس حلقات في الملحق الثقافي لجريدة "العمل"، التونسية ثم أعاد نشره في سلسلة "أعلامنا".
بذل الأستاذ (كرو) جهداً في إعطاء ترجمة مسلسلة التاريخ، منسقة العرض، بديعة الأسلوب لحياة وأعمال الإمام محمد الخضر حسين، وكأني أحس من خلال قراءة الترجمة أن أديب تونس يوفي واجباً وطنياً ودينياً بذمته، ويحاول أن يزيح من سماء تونس غيوماً داكنة، نشرها جاهل ومغرور وأحمق فترة طويلة من الزمن، فأطبقت بكلكلها على تاريخ البلد والثقافة، فتصدى الأستاذ (كرو) للعاصفة الهوجاء، فأزاح عن تونس حجب الظلام، وأبان أنه في تونس "رجال أفذاذ في شتى ميادين الكفاح والنضال، وفي جميع نواحي الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية. فمنذ فجر يقظتها، وهي تلد الأفذاذ والعباقرة، كما تلد الأبطال والنبغاء في كل الميادين".
ثم يصفع أديب تونس ذاك الجاهل والمغرور والأحمق صفعته، فيقول:
(14/ 2/10)

"وها أنا أختار واحداً من أولئك الأفذاذ النبغاء، الذين أنجبتهم هذه التربة الولود، رجل جمع إلى الذكاء والجد والحصافة والنبوغ، صفاتِ الشهامة والبطولة والإخلاص الوطني".
وقد حييته بأبيات من ديواني "تونسيات" إثر إهدائه كتابه "محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق"، فقلت:
يا (أبا القاسم) يا أوفى أخٍ ... فاض آداباً وأرسى الخُلقا
لك كفٌّ أبدعت في قلمٍ ... سطَّر الفصحى وأحيا الرمقا
قد أضاء الدرب من إشعاعه ... فإذا الإشعاع طال الأفقا
خفقت ألوية الفكر له ... فغدت تونس تحكي المشرقا
* محمد الخضر حسين -عالم فذ، ومجاهد من الرعيل الأول":
من كتاب "من الفكر والقلب" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي اخترنا هذا المقال.
وفضيلة الدكتور البوطي أحدُ الذين تلقوا العلم عن الإمام في الأزهر، وهو في مقاله هذا يضرب المثل السامي على وفاء المتعلم للمعلم، ويؤكد على رابطة الشرف والطهارة بين التلميذ وأستاذه.
إن زيارة الدكتور البوطي للإمام في داره في أيامه الأخيرة، صفة من صفات العالم الفاضل الذي يذكر أهل الفضل، ولا ينسى أساتيذه الذين كانوا هداة طريقه، ومنارات حياته.
وعندما قرأت ما كتبه في آخر المقال: "ولا أزال أذكر يوم عدته في السنة الماضية في بيته في القاهرة، رأيته جالساً على مقعد إلى جانب مكتبه، وقد ذوى
(14/ 2/11)

منه الشكل، وذابت معظم ملامح وجهه، وامتزجت - من الضعف - الكلمات بعضها في بعض على شفتيه، ورأيت -رغم هذا- قلماً يرتجف في يده. . . ".
عندما قرأت هذه الكلمات، قلت: إن العلماء الأبرار يلاقون ربهم بذكر الله، وأقلام الحق قائمة في أيديهم.
* "محمد الخضر حسين - عالم مجاهد":
نشرت مجلة "الأزهر" في القاهرة بحثاً قيماً للكاتب الإِسلامي الدكتور محمد رجب بيومي. وقد عالج فيه الباحث أموراً شتى من حياة الإمام، وخص كتابيه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، و"نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" بعرض جيد، يستحق أن يحفظ في الكتاب. ولهذه الميزة في البحث ضممناه إلى المجموعة المختارة.
ولا بد من الإشارة إلى السهو الوارد في المقال عن مكان مولد الإمام، فقد ذكر الكاتب أنه ولد بقرية من قرى الجزائر، والصحيح أنه ولد في "نفطة" بالقطر التونسي.
* "محمد الخضر حسين ذلك الجندي المجهول":
بحث له أهميته؛ نظراً للرابطة المتينة بين الإمام، والكاتب الشيخ عبد القادر سلامة. وعندما يتحدث التلميذ عن أستاذه بوقار واحترام، مع طول العهد، وبُعد الدار والمزار، فإن حديثه ينبع من فكر وقلب مؤمنين، فكر أحاط بالمعرفة، وتلقى العلم الصافي من معلم صافي السريرة. وقلب غمره الإيمان الممزوج بحب الشيخ لشيوخه.
ولعل أهم ميزة اختص بها البحث: تناوله لأخلاق الإمام التي لمسها
(14/ 2/12)

منه بنفسه "كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن"، والتي تتجلى في:
- محبته لتونس الوطن الأم، وزيارته وحفاوته لكل تونسي يمر بالقاهرة، فيسأل عن أحوال تونس صغيرها وكبيرها.
- حفاظه على المودة والإخاء، وجمع العاملين لتحرير المغرب.
- مجلسه مجلس علم وحلم ودين ووقار.
- اهتمامه بشؤون جميع المسلمين، وسعيه لجمعهم على العمل لطاعة الله وطاعة رسوله.
ومن أجمل ما جاء في المقال: كلمات معبرة صادقة للشيخ سلامة إذ يقول: "وقد ترى أن النوابغ في المغرب، تشرق من المغرب، وتغرب بالمشرق".
* "مع العلامة محمد الخضر حسين في جهاده":
الأستاذ سعدي أبو حبيب جمع في قلمه خصائص لا تجدها إلا عند النادر من أصحاب الأقلام.
قلمه لا يكتب إلا ما يؤمن به حقاً، وإن الكلمات التي يخطها جديرة أن تسطر على الكاغد. فهو قلم مؤمن صادق.
وقلمه طيِّع في يد أديب، يجعل قراءة البحث المكتوب متعة أدبية للقارئ.
وقلمه قلم باحث يكتب عن روية وتمحيص، ويضع الكلمة في موضعها اللائق، ويعرض الأفكار عقداً مترابطاً.
وقلم المؤمن الصادق، وقلم الأديب البارع، وقلم الباحث المحقق،
(14/ 2/13)

كلها التقت في قلمه لتصوغ هذا البحث الممتع.
* "محمد الخضر حسين - تونس 67 عاماً الاحتلال الفرنساوي":
من سلسلة الكتاب الشهري لصحيفة "الحرية" بتونس: الكتاب الرابع تقديم وتحقيق الأستاذ كمال العريف. والمحققُ من الصحفيين والأدباء أصحاب الهمم السامية، والغيورين على تاريخ تونس، وقد أخذنا مقدمة الكتاب؛ لما تحويه من معلومات هامة.
* "أعلام الجزائر - الشيخ الإمام محمد الخضر حسين":
الأستاذ محمد الأخضر عبد القادر السائحي من الأدباء والصحفيين الجزائريين، أتى في جزء من دراسته على تلخيص لكتاب الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين- حياته وآثاره".
أوردتُ المقالات والبحوث دون أي تعليق، رغم أن في بعضها من الفقرات ما يحتاج إلى رد، وإذا شئنا تهذيب اللفظ، فنقول: إن هناك أفكاراً وآراء تحتاج إلى مناقشة، وهي بالشكل المرسومة فيه، إذا عبرت عن نظرات أصحابها، فلا يعني هذا رضاءنا عنها، ولكل مجتهد نصيب فيما اجتهد به.
لذا ندع التعليقات والإيضاحات إلى كتاب آخر -إن شاء الله تعالى-.
وكنت قد خطَّطت أن أجمع كل ما قيل في الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- على أقلام العلماء والأدباء، ورجال الصحافة والسياسة، فوجدت أن الطريق سيطول، وأن هذه المرحلة في هذا الكتاب كافية الآن. وعسى أن نحقق الأمل مع الأيام القادمة.
إن الإمام محمد الخضر حسين لم يكن تونسياً أو جزائرياً، أو سورياً
(14/ 2/14)

أو مصرياً، إن المكان لا يعني شيئاً بالنسبة له، فقد كان فوق النظريات الإقليمية، والدعوات الفاسدة. كان مسلماً حقاً، ومؤمنًا حقاً، وعالم الإِسلام هو عالمه الذي عاش فيه ومن أجله.
وأروي في خاتمة المقدمة أبياتاً من شعر الإمام في ديوانه "خواطر الحية" يقول فيها:
تسائلني هل في صحابك شاعر؟ ... إذا متُّ قال الشعر وهو حزين
فقلت لها: لا همَّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وإن أحظ بالرحمى فمالي من هوى ... سواها وأهواء النفوس شجون
وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد ... لها بين أحناء الضلوع حنين
وما كتابنا هذا كيل مديح للإمام، والمديح والاطراء لا يقدم أو يؤخر عند ربه، ومرمانا أن ينهج سيرته مجاهد مؤمن، فيدعو للإمام في سجوده دعوة صالحة. فيكون هذا الكتاب دعوة ساجد لله يبثها من حنين يملأ أحناء الضلوع أن يجعله مع الصديقين والشهداء والأبرار والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
والحمد لله رب العالمين
علي الرّضا الحسيني
ربيع الأول 1413 ه / أيلول 1922 م
(14/ 2/15)

محمد الخضر بن الحسين
بقلم زين العابدين السنوسي (1)
"الأديب والصحفي والمؤرخ التونسي، ولد بسيدي بوسعيد من ضاحية تونس الشمالية عام 1318 ه - 1901 م. وتوفي عام 1385 ه - 1965 م.
مؤلفاته عديدة أهمها: الأدب التونسي في القرن الرابع عشر".
* نشأته:
ولد مترجمنا يوم 26 رجب 1293 ه، بمدينة "نفطة" عاصمة الجريد التونسي، فنشأ في ظلال النخيل، وزقزقة (البوحبيبي) ذلك العصفور المتحبب الظريف، والمؤانس اللطيف، يرتل صلواته كل صباح على النوافذ وفوق الستائر، وقد يأنس فيقتحم سجف الفراش؛ حيث يقف على الوسائد نفسها، يقلب وجهه في النائمين، ويحييهم بأغنيته الرقيقة المبهجة، فيملي على الصغير من سيرة آبائه الثقات البررة ما يعلمه الصدق والدعة والأنس.
نشأ هناك على سلامة الطوية والصدق، وترعرع على مبادئ الورع، وفي وسط علمي، إلى أن انتقل والده إلى العاصمة التونسية سنة 1306؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي، والتحق في العام الموالي بالكلية الزيتونية، يدرس الدين
__________
(1) كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر".
(14/ 2/16)

واللغة إلى أن تخرج سنة 1316 بشهادة المعهد (التطوع) على أنه لم ينقطع عن حضور حلقات أكابر الأساتذة، مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والأستاذ محمد النجار، اللذين كانا يقرآن التفسير، والشيخ سالم بوحاجب في درسه "صحيح البخاري".
* قبل مهاجرته:
إلا أنه لم يكد يستقر على حاله هذا، ويرى تشابه يومه بأمسه، حتى عاف تلك الحياة المتماثلة، فعزم على الرحلة إلى الشرق؛ ليدرس حالته العلمية، ويعرف أحواله الاجتماعية. فسافر سنة 1317، إلا أنه لم يتم رحلته هاته، إذ اضطر للرجوع من طرابلس الغرب بعد أن أقام بها أياماً.
وهكذا رجع الأستاذ للمعهد الزيتوني الذي تخرج منه، يفيد ويستفيد إلى سنة 1321، حيث أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، فكانت من أحسن مجلات عصرها العلمية، والمسرح الحر الذي تبارت فيه أقلام الكتاب الزيتونيين في مختلف المسائل الدينية والأدبية. وقد لقي صاحب هاته المجلة الإصلاحية ما يلاقيه كل مصلح من المحافظين، حتى قال له الشيخ سالم بوحاجب في أحد الأيام: "لا يهمك ما تلاقيه في سبيل ما أنت آخذ به، ولتكن لك بنبيك أسوة، إذ قال له ورقة بن نوفل: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي".
وفي سنة 1323 تقلد منصب القضاء بمدينة "بنزرت"، كما عهد له بالخطابة والتدريس بجامعها الكبير. على أن التوظف لم يكن بالمقيد له عن القيام بواجباته الاجتماعية -خلاف متوظفي الحكومة التونسية في العهد الأخير-، فلقد تعود الشعب أن لا يرى من المتوظف إلا مظاهر حكومية بحتة، بما يستعمله
(14/ 2/17)

الرؤساء من الضغط على المتوظف التونسي، فكل حركة يأتيها يرعد لها الرؤساء، حتى المشاركة في الجمعيات الأدبية، ولا غرو، فإن الجمعيات الأدبية إنما تقصد تعضيد اللغة العربية لا الفرنسية، الأمر الذي يعتقد أولئك الرؤساء أنهم لم يأتوا من وراء البحار لتأييده. نذكر من ذلك محاضرته "الحرية في الإِسلام" التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، فلقد كان لها تأثير كبير، وحضرها الطبقة العالمة والمفكرة، وحتى بعض المستعربين من الأجانب، ونُشرت فتناقلتها الصحف.
هذا، ولما كان الرجل حراً بطبيعته، وقد أحس بأن الحكومة -إذاك- تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحاً نشيطة لا زالت متأججة بين جنبيه، ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب يأتي بانتظام، ويذهب بمثله.
لما أحس بذلك، أبى عليه حزمه أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم تسليمه، وأكده بإرادة قوية، حتى لما رأت عزمه، قبلته منه، فرجع للعاصمة متطوعاً بإلقاء دروسه المعتادة في الكلية الزيتونية، وعندها عينته نظارة الجامع لتنظيم خزائن الكتب. وفي سنة 1325 شارك مشاركة عملية في تأسيس جمعية زيتونية، وفي مدتها تولى وظيفة التدريس بالكلية بصفة رسمية، وفي سنة 1326 عين مدرساً بثانوية الصادقية، وانتخبته هيئة إدارة الخلدونية لإلقاء محاضرات في الإنشاء على تلامذتها، فقام بهاته الوظائف أحسن قيام، وكان لا يفتر عن إتحاف الشعب ببنات أفكاره بين الفترة والأخرى، كمحاضرته "حياة اللغة العربية".
ولما قامت الحرب الطرابلسية الإيطالية، كان من أعظم الدعاة لإعانة
(14/ 2/18)

المجاهدين في سبيل استقلالهم، والهلال الأحمر نفوذاً، وقد نشر بجريدة "الزهرة" الغراء قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دها حقبا
ثم رحل إلى بلاد الجزائر، فزار قواعدها وأكثر مدنها، وكان يلقي المحاضرات العلمية أينما ارتحل ليلاً ونهاراً، وكان يلاقي التعظيم والتبجيل أينما حل، ثم رجع لتونس مستمراً على إلقاء دروسه في الكلية الزيتونية، والنشر في الجرائد من علميات وأدبيات.
وفي سنة 1330 انتقلت عائلته إلى الشام، ونزلت دمشق، فالتحق بهم صاحب الترجمة ماراً بمصر، ثم سافر إلى الآستانة، فدخلها يوم إعلان حرب البلقان، فزار أهم مكاتبها، واختلط بأهلها، فدرس من حالتهم الاجتماعية والعمومية ما مكنه من نشر رحلة مفيدة على صفحات بعض الجرائد التونسية بمجرد رجوعه، وذلك في ذي الحجة سنة 1330؛ حيث رجع لما كان عليه. وأول محاضرة اجتماعية ألقاها بعد رجوعه كانت في "مدارك الشريعة الإِسلامية وسياستها". وقد شاءت الحكومة التونسية أن تتعرف بعض الحقائق عن تاريخ تونس، فعينته في اللجنة المكلفة بذلك، فعمل فيها، إلا أنه في شعبان من هذه السنة عزم بتاتاً على مفارقة مسقط رأسه، والمهاجرة إلى حيث يهب النسيم من الشرق وإلى الشرق حراً.
* في المهجر:
سافر الأستاذ التونسي إلى الشرق، بعد أن ودّع أصدقاءه في الجزائر، حيث ركب من مدينة عنابة، فلما نزل مصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية مثل: رفيق بك العظم صاحب "أشهر مشاهير الإِسلام"، والشيخ رشيد
(14/ 2/19)

رضا صاحب "مجلة المنار".
ثم سافر الأستاذ إلى الشام، فقابله عظماؤها بالترحاب، ونوهت الجرائد العربية هناك بمسامراته العلمية والأخلاقية. إلا أنه لم يقر له قرار حتى عزم على زيارة الإمبراطورية العثمانية، فنزل جنوباً حتى المدينة المنورة، ثم صعد شمالاً حتى الآستانة، فزار منها ما لم يزره في سياحته الأولى، ومن هناك تعين مدرسا للغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بمدينة دمشق، فقام بوظيفته أحسن قيام، وكان مثابرًا على إلقاء المسامرات العلمية في المساجد الكبرى، ونشر المقالات الإصلاحية في الجرائد السيارة، وقد اهتم بوجه خاص بالمشكلة العربية التركية، محاولاً تجديد روابط الألفة، مهما أحس بتوترها بين مركز السلطنة، والأغلبية العظمى من رعاياها.
فلما أعلنت الحرب العالمية، وتولى جمال باشا حكم المقاطعة السورية، كاد أن يكون الأستاذ أحد ضحايا الصرامة التي استعملها القائد مع كل من ينتمي إلى النهضة العربية؛ حيث ألقي عليه القبض بدعوى اطلاعه على حركة المتآمرين، دون أن يحاول تنبيه السلطة لما يدبر لها من الأخطار، فاعتقلته ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم قدمته للمحاكمة، فظهرت براءته، فاعتذرت له، وأطلقت سبيله يوم الأربعاء من شهر ربيع الثاني 1335.
فمن شعره في حبسه يوم حيل بينه وبين أدوات الكتابة:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذوذ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموتَ الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإِسلام آثرتُ الحِماما
ليست الدنيا وما يُقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما
(14/ 2/20)

وقال في محاورة بعض الأدباء الذين كانت المجالس العسكرية تلقي عليهم القبض بين الفترة والأخرى مدة الحرب وولاية جمال باشا الحكم في القطر السوري:
رأى صاحبي في الحبس أن الحياة في ال ... حضارة أرقى ما يتم به الأنسُ
فقلت له: فضلُ البداوة راجحٌ ... ويكفيك أن البدو ليس به حبسُ
قلت: إن الأستاذ أطلق سراحه سنة 1335، فرجع إلى التدريس بالمدرسة العثمانية، ثم نظم مسامرات علمية ودينية عالية، يلقيها على بعض طلبته المنتهين، واستمر على ذلك إلى أن استدعاه المركز سنة 1336 منشئاً عربياً بالوزارة الحربية، فلعب دوراً مهماً في ترويج سياسة الحكومة، كما عينته المشيخة الإِسلامية واعظاً بجامع الفاتح، فبقي في وظائفه إلى سنة 1337 التي جاءت فيها ارتباكات الآستانة، فبارحها الأستاذ عائداً إلى دمشق. فمن أدبياته في الموضوع قوله:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأس هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كف تديرها واللهاة
فاسمحي يا حياة بي لبخيل ... جفنُ ساقيه طافحٌ بالسبات
وقال
كأني دينار ودمشق راحة ... تعودت الإنفاقَ طول حياتها
فكم سمحت بي للنوى عقبَ النوى ... ولم أقض حق الإنس بين سراتها
وما كاد يصل دمشق عاصمة الأمويين، حتى عين عضواً بالمجمع العلمي العربي، ومدرساً بكل من المدرسة العثمانية والمدرسة العسكرية والمدرسة
(14/ 2/21)

السلطانية، إلا أنه عزم على الذهاب إلى محور النهضة العربية اليوم، فلم يباشر وظائفه تلك، وقصد مصر بلاد الفراعنة، حيث يعرف الشعب قيمة الحرية والاستقلال، ومكانة اللغة من تكوّن الشعب ومستقبله.
وهناك في بلاد النيل، ولي التصحيح بدار الكتب المصرية، ثم صرح له جلالة ملك مصر في دخول شهادة العالمية، التي ما كاد يحرزها حتى انتدب للتدريس بقسم التخصص.
ثم في سنة 1347 ه أضيف لدرس البلاغة الذي كان يلقيه لطالبي التخصص درسان آخران، أحدهما في الوعظ والإرشاد، والثاني في التاريخ، وهو مع ذلك لا ينقطع عن إلقاء المسامرات العلمية والاجتماعية المؤيدة بروح الدين، ومع ذلك فهو العضو النشيط في جمعيتي (الشبان المسلمين) و (الهداية الإِسلامية)، ولهاته الأخيرة مجلة يتولى رئاسة تحريرها.
* أدبه:
يذهب الأستاذ في أدبه مذهب الحقيقة والواقع، فأدبه غني بالحكمة، وغني بالوصف الدقيق، والبعيدِ عن كل شعوذة وكل خيال.
ولا غرو، فإن كثرة تنقلات الأستاذ، ووفرة محصوله العقلي، وسعة معلوماته واختباراته، لكفيلة بأن تغريه بذلك المذهب الذي لا تغويه عن العظة والفائدة غاوية، وهو على بينة من حقيقتها تلك، فيصفها:
أقول فلا أرتاد غير خصيب ... وأنظم لكن لا أطيل نسيبي
أجدّ وإن رام النديم دعابة ... فلم ترَ غيرَ الجد عينُ رقيبي
* ديباجته:
ومع أن تعلم الأستاذ كان زيتونياً بحتاً (نسبة لجامع الزيتونة)، ومع أن
(14/ 2/22)

نشأته كانت بين طبقة تحصر العلم بين شدقي الفقه ومحسنات البديع الذي كان في نظرهم الأدب كله، فقد منع الأستاذ بأدبه من تقعراتهم، وأسلس بيانه سائغاً سهلاً.
(14/ 2/23)

الاحتفال بعودة الإمام محمد الخضر حسين من سورية (1)
بقلم محمود حافظ
"أقامت جمعية "الهداية الإِسلامية" بالقاهرة حفلة تكريم للإمام بمناسبة عودته من سورية، وذلك مساء الجمعة 16 شعبان 1356 الموافق 22 أكتوبر تشرين الأول 1937. وتحدث عدد كبير من العلماء والأدباء عن فضله وعلمه وجهاده.
وقد ألقى فضيلة الأستاذ محمود حافظ أحد أعضاء الجمعية كلمة في المناسبة".
سادتي!
لئن حق علينا أن نكرم بعض الرجال، فأَولى هؤلاء بالتكريم هم العاملون المخلصون الذين يكرسون حياتهم في خدمة العلم والدين وإعلاء شأنه، ويبذلون الثمين والغالي في تثبيت قوائمه، وتدعيم أركانه.
وما المحتفل به في هذه الليلة إلا أحد هؤلاء الرجال الأبطال، الذين كان لهم من ماضيه المجيد، وله من حاضره السعيد، خير شاهد على تضحيته وجهاده، وأنصع دليل على خدماته الجليلة في شتى النواحي، ومختلف الميادين.
نشأ المحتفى به في تونس، ودأب على الدرس والبحث والاستقصاء
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الأول من المجلد العاشر.
(14/ 2/24)

حتى أحرز شهادة العالمية، وأقبل على التدريس في جامع الزيتونة متطوعاً، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وكانت حافلة بالفوائد ومباحث الإصلاح، إلى أن رأت الحكومة في ذلك الوقت الانتفاع بمواهبه في القضاء، فعين قاضياً شرعياً في مدينة "بنزرت"، ولما كان فضيلته من ذوي النفوس التي تريد الدأب على البحث وطلب المزيد من العلم، لم يرض أن يحصر نفسه في ذلك المحيط الضيق، والدائرة المحدودة، فاستقال من منصب القضاء طائعاً مختاراً، وعاد إلى الحاضرة، فعين أستاذاً في جامع الزيتونة، ومدرساً بالمدرسة الصادقية، وهي لأكبر مدرسة للحكومة في تلك البلاد، وانتخبته الحكومة عضواً في لجنة تنظيم كتب المكتبة الصادقية، والمكتبة الزيتونية، وعضواً بلجنة وضع التاريخ التونسي العام، وعضواً بمجلس النظر في شؤون المدارس، وأصبح التونسيون مجمعين على الاعتراف بفضله وخدماته، ويحملون له أطيب الذكريات.
وألقى في (نادي جمعية قدماء الصادقية)، و (المدرسة الخلدونية) محاضرات طبع منها: "الحرية في الإِسلام"، و"حياة اللغة العربية"، و"مدارك الشريعة الإِسلامية وسياستها"، وطبعت له في تونس رسالة "الدعوة إلى الإصلاح".
ثم شدّ رحاله إلى بلاد الشام، فاستقبلت فيه عالماً جليلاً، وباحثاً مدققاً، رأت أن تنتفع بعلمه وعرفانه، فعين أستاذاً لآداب اللغة العربية بالمدرسة السلطانية بدمشق.
انظر ماذا يقول أحد أعضاء المجمع العلمي في دمشق (1) عن فضيلة المحتفى به:
__________
(1) هو فضيلة علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار -رحمه الله تعالى-.
(14/ 2/25)

"أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، علم من أعلام الإِسلام، هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام: الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه ونزوره معهما، فأحكمت بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد، ولما توفي شيخنا القاسمي سنة 1332 ه، لم نجد نحن -معشر تلاميذه- من نقرأ عليه أحبَّ إلينا ولا آثرَ عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، والبر بالإخوان- إلى أن قال:
وأخذنا في ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالًا لمقامه، وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير".
واستمر كذلك في بلاد الشام يخدم الدين وأبناءه، وينشر العلم ولواءه، حتى إذا نشبت الحرب العالمية العظمى سنة 1914، ودارت رحاها، اتصل بالمرحوم أنور باشا وزير الحربية، ورحل إلى ألمانيا، وقضى بها نحو تسعة أشهر، تعلم في خلالها اللغة الألمانية، وانتهز هذه الفرصة، فدرس الشيء الكثير عن حالة المجتمع في "برلين" في ذلك الوقت، وعن عادات الناس وأخلاقهم هناك، وعنّ له في تلك الآونة أن يدرس علوم الكيمياء والطبيعة، فدأب على درسها بالألمانية على يد البرفسور (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين.
ثم عاد إلى دمشق، حتى إذا قاربت الحرب أن تضع أوزارها، نزح إلى
(14/ 2/26)

إسطنبول، وعين محرراً بالقلم العربي في إدارة الأمور الشرقية، واستمر ينشر العلم ويرفع راياته، إلى أن قارب عقد الهدنة، فاضطر إلى الرحيل إلى ألمانيا مرة أخرى، فمكث بها نحو سبعة أشهر، عاد خلالها إلى درس الحالة الاجتماعية الألمانية، ولما انتهت الحرب، وانقشعت سحبها المظلمة، انتقل فضيلته إلى إسطنبول، وعاد إلى الشام في عهد الدولة العربية، وعين مدرساً للعلوم الدينية بالمدرسة التجهيزية، وقبل أن يباشر وظيفته انقلبت الحالة السياسية العامة في ذي القعدة سنة 1338 ه، فنزح إلى مصر التي شاء الله أن تضم بين جنبيها عَلَماً من أعلام الدين، وقُطباً من أقطابه العاملين، فاستطاب العيش تحت سمائها، واستمرأ الحياة بين ظَهْرانَي أهلها، ولمَّا يمض عام على وصوله حتى عُيِّن مُصحِّحاً بدار الكتب المصرية، فلم تشغله وظيفته عن الاطلاع، ومواصلة البحث والتحقيق.
حتى أقبل عام 1344 ه فظهر كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، فعكف فضيلة الأستاذ الخضر على تأليف كتابه المشهور الذي يرد فيه على كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، ويقوض كل ما جاء فيه من دعاوى باطلة، ويَدْحَض كل شُبهه بسَعَة علمه، وقوة حجته، وما هي إلا أشهر حتى ظهر الكتاب، وتلقاه رجال العلم على اختلاف طبقاتهم بالاستحسان، أحق فيه الحق، وأزهَق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.
وما أقبل ربيع سنة 1345 ه حتى ظهر كتاب "في الشعر الجاهلي"، فاستقبله الناس بعاصفة هائلة من السخط والإنكار على هذه الطائفة التي جعلت نُصْب عينيها -في ذلك الوقت- النَّيْل من هداية الإِسلام، والغضَّ من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. فانبرى لهم فضيلة الأستاذ، وألف كتابه
(14/ 2/27)

الغنيَّ عن التعريف، نقضَ فيه كلَّ ما حوى كتاب "في الشعر الجاهلي"، وحلله تحليلاً علمياً نزيهاً، ردَّ فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، وأبان عن مواطن ضعفه، ودحض أباطيلَه بالأدلة الواضحة. وفي أثر ذلك باشر فضيلته التدريس بالأزهر الشريف.
وما حل رجب سنة 1346 ه حتى لمس طلاب العلم بالجامعة الأزهرية والمعاهد الدينية: أن مصر فقيرة في جمعياتها الإِسلامية: لم يكن في ذلك الوقت سوى (جمعية مكارم الأخلاق) و (جمعية الشبان المسلمين)، وأنَّ تأخر المسلمين في أغلب شؤونهم الحيوية، ونزولَهم من مكان عزتهم، إلى ما هم عليه اليوم من ضعف وانحلال، وتفكك في الوحدة، لا علة له سوى نكث أيديهم من تعاليم دينهم الحنيف، وانصرافهم عن هدايته السامية، فدعوا إلى تأليف جمعية تضع نُصْبَ عينيها بيان حقائق الإِسلام، وبث آدابه العالية، وتمد نظرها إلى أحوال الاجتماع، ومقتضيات المدنية؛ لتعرف مواقع الصلاح والفساد، وليمكنها أن تساهم في نهضة الأمة الأدبية والاجتماعية، كما تعمل على رقي اللغة العربية، وإحياء آدابها، وقد وجدوا في ذلك الوقت من إقبال إخوانهم ما شد عزمهم، فألّفوا جمعية (الهداية الإِسلامية) وانتخب الأعضاء فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين رئيساً لها.
وسارت الجمعية على بركة الله بقدم ثابتة، ونفس مطمئنة، نحو الرقي والتقدم، ولا يفوتني أن أذكر الجهود الجبارة التي كان يبذلها سعادة المغفور له أحمد تيمور باشا في تدعيم أركانها، وتثبيت قوائمها، فقد نالت الجمعية من عطفه وعنايته ما يجعلها حتى اليوم تُشيد بذكره وفضله. وستظل أعماله الجيدة، وخدماته الجليلة ماثلة في العقول والأذهان، لا يمحوها مر السنين، ولا كرُّ الأعوام -طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه-.
(14/ 2/28)

بدأت الجمعية في تحقيق رسالتها، يشد أَزْرها فضيلُة رئيسها، ويغذيها بعلمه واطلاعه، يتعهدها كما يتعهد الزارع الحَبَّ بالسقي والإرواء، حتى نمت وترعرعت، وشبّت وزكت، بين عناية الله ورعايته، وتدلَّت أُولى قُطوفها، فأصدرت مجلتها الشهرية في جمادى الأولى سنة 1347 ه حافلة بشتى الموضوعات الدينية والأخلاقية، والعلمية والأدبية، يقوم برئاسة تحريرها فضيلة رئيس الجمعية، فازدادت المجلة رَواجاً في داخل القطر وخارجه، ولما رأت وزارة المعارف أنها خيرُ عون لطلاب العلم، قررت الاشتراكَ فيها لمدارسها.
ودَأَبت الجمعية في العمل على تحقيق رسالتها، فأخذ رجالها ينشرون نور العلم والعرفان. بجانب رئيسها الذي يضحي بوقته الغالي وراحته في سبيل النهوض بالجمعية، ورفع مستواها، فأخذت تقوم بالمحاضرات والمناظرات المختلفة بوساطة نُخبة من العلماء ومشاهير المحاضرين، أذكر منهم: سعادة جاد المولى، والدكتور عبد العزيز نظمي بك، كما حاضرها في السنين الماضية المغفور له فضيلة الشيخ بخيت، والشيخ يوسف الدجوي، وسعادة زكي باشا، وغيرهم كثيرون.
وسارت الجمعية قُدُماً، وانتقلت من حَسن إلى أحسن، حتى أصبحت -بحمد الله- في مقدمة الجمعيات الإِسلامية التي ذاعت دعوتها، وعُرف جهادها في مصر والأقطار الشقيقة بفضل رئيسها المخلص، ورجالها الأبرار.
وجعلت الجمعية نُصب عينيها غرضاً سامياً، وهو السعيُ لتعارف الشعوب الإِسلامية، وتأكيد رابطة الإخاء والائتلاف بينها، فكلما وفد إلى مصر عالم، أو كبير من كبراء المسلمين، سارعت الجمعية إلى إقامة الحفلات ترحيبًا وتكريمًا، فيتم بذلك التعارف والائتلاف، وتتبادل الأفكار والمنافع،
(14/ 2/29)

كما حدث في العام الماضي، يوم كرمت الجمعية الزعيمَ الأندونيسي الدكتور سوتومو، وزعيم المسلمين في الصين الشيخ عبد الرحيم ماسونتين، كما حرصت الجمعية على تكريم البعثات العلمية المختلفة الموقَّرة من شتى الأقطار الإسلامية.
وكلما حانت المناسبة، وسنحت الفرصة، شاطرت الجمعية الشعوب الشقيقة -كفلسطين وغيرها- مِحْنتها، وظروفها العصيبة، باحتجاجاتها الصارخة لدى أولي الأمر حتى يُنصَف المظلوم، ويعود الحق إلى نصابه.
ولا ننسى للجمعية جهادها العنيف، وحملاتها المتواصلة، يوم حاولت شِرْذمة فاسقة من المبشرين المضلِّلين أن تحيك الشِّباك للدين، وتنصب الشراك للإسلام والمسلمين {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا} [الأحزاب: 25].
وأختم كلمتي بأن الجمعية بفضل رئيسها ورجالها العاملين، مع ما قامت به من جهود في سبيل تحقيق رسالتها وأغراضها، وبفضل ما تجده من مؤازرة أعضائها وأصدقائها أمثال: سعادة عبد العزيز محمد باشا وزير الأوقاف السابق، الذي يعطف على الجمعية كثيراً، ويغمرها بخيره ومعونته، بفضل هؤلاء جميعاً أصبح الأمل بمستقبل زاهر، وحياةٍ أحفلَ من ذي قبل بجلائل الأعمال، يمر طيفه بالجمعية، ويجول بخاطرها، وهي جِدُّ موقنة -بإذن الله- أن سيتحقق رجاؤها وأملها، فتعمل على تنفيذ مشاريع جديدة أخرى؛ كإنشاء مدارس لتعليم الفقراء، وإصدار مجلة أسبوعية.
أسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والفلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(14/ 2/30)

شيخ الأزهر محكوم عليه بالإعدام (1)
بقلم أحمد لطفي حسونة
"صحفي وأديب، وأحد كبار المحررين في مجلة "آخر ساعة المصرية".

كان أصحابُ الفضيلة كبارُ رجال الأزهر يلعبون -طَوال الأسبوعين الماضيين- لعبة الكراسي الموسيقية حول كرسي شيخ الجامع الأزهر.
كانوا يتنافسون على ضجيج الحوادث حولَ الجلوس على الكرسي المرموق، وكان كلٌّ منهم يتحيَّن الفرصة للتربعُّ على المقعد الكبير دون الآخرين، إلى أن هبط من السماء عالِمٌ لم يكن في المباراة، بل ولم يكن من المتفرِّجين، ولا ممن يعلمون قليلاً أو كثيراً عن هذا السباق.
وجلس الأستاذ محمد الخضر حسين على كرسي المشيخة دون أن يدور حوله، أو ينافس غيره، أو يسعى ليقف بين صفوف المتسابقين.
وأصبح الصبح على مفاجأة كبرى لم تخطر لأصحاب الفضيلة ببال، فقد غدا الرجل المتواضع الذي يقف على أبواب الثمانين، المتوسطُ القامة، الخفيضُ الصوت، بحيث لا يكاد يُسمع وهو يتكلم، غدا الأستاذ الأكبر شيخ
__________
(1) مجلة "آخر ساعة" المصرية - العدد 936 - تاريخ 1/ 10/ 1952 م.
(14/ 2/31)

الجامع الأزهر، وإمام المسلمين في العالم أجمع.
* قصة طويلة:
وقصة الأستاذ الأكبر طويلة شاقة، مليئة بالمفاجآت، وهو من بيت علم ودين، فوالده الأستاذ الحسينُ بن علي، من الجزائر، وكان متصوفاً لا يعرف إلا العبادة، وشيخاً للطريقة الخلوتية، وله جامع باسمه في بلدة "نفطة" آخر بلاد تونس من جهة الجزائر، وهي البلدة التي ولد فيها الأستاذ الأكبر.
* أول ليلة له في مصر:
ويروي الأستاذ الأكبر قصة إفلاته من أيدي الفرنسيين، فيقول: إنه غادر دمشق بعد أن احتلها الفرنسيون بعشرة أيام، وكانت الأداة الإدارية ما تزال في يد الإِنجليز، فتمكن من الحصول على جواز خروج من دمشق، ورحل بطريق البر إلى القاهرة، وقضى أول ليلة فيها في "لوكاندة دار السلام" قريباً من مسجد سيدنا الحسين، وبات ليلته حتى الصباح.
وأشرق الصبح على اللاجئ الغريب، فأخذ يفكر أين يذهب؟ وهو لا يعرف مكاناً يذهب إليه في القاهرة، ومن يقابل؟ وهو لا يعرف شخصاً واحد بين ملايين المصريين، وماذا يعمل؟ وهو لا يرى طريقاً واحداً يسلكه للحصول على عمل في مصر.
* إلى الرواق:
وهبطت الفكرة مع وحي لا يدري مصدره، وَحْيٍ يحثُّه على الذهاب إلى أحد الأروقة في الأزهر الشريف. ودخل الرواق، فلم يعرف أحداً، ثم اتجه إلى رواق المغاربة حيث لم يهتد إلى وجه يعرفه، ولكن المغاربة اشتبه عليهم أمره، ثم عرفوه، ورحبوا به، وزاملوه، وأكرموه.
(14/ 2/32)

* مسكن جديد:
ويقول الشيخ في تواضع وطِيبة: ثم بحثت عن مأوًى آوي إليه، حتى اهتديت إلى حُجرة في الربع قريبة من الجامع الأزهر، إيجارها الشهري 25 قرشاً، فاستأجرتها، وأقمت فيها، وظللت أتردَّد بين مسكني والرواق، وأقطع وقتي في القراءة والتأليف، وأُنفق من الدراهم التي أتيت بها إلى مصر.
* صحفي منذ نشأته:
وقد ولد الأستاذ الأكبر في سنة 1293 ه ب"نفطة"، وانتقل منها، وعمره إحدى عشرة سنة إلى تونس؛ حيث التحق بجامعة الزيتونة، ونال العالمية، وجذبته الصحافة، فأنشأ في تونس مجلة "السعادة"، وتفرغ لتحريرها وخدمتها إلى أن تولى القضاء في مدينة "بنزرت"، ثم عاد إلى جامعة الزيتونة مدرِّساً بها، وكان يقوم بتدريس النحو والفقه، والأصول والبلاغة، وكان في الوقت نفسه مدرساً بالمدرسة "الصادقية"، وهي المدرسة الوحيدة في تونس.
وقد تزوج الأستاذ الأكبر في هذه المرحلة من حياته خمس مرات، وكان الموتُ أو الطلاق يفرق بينه وبين زوجاته، وظل عزباً إلى ما بعد هجرته إلى مصر، حيث بنى بزوجته السادسة التي تقيم معه الآن، وهي من عائلة مدكور، ولم يرزقه الله أولاداً من زوجاته الست.
* هجرة إلى الشام:
وفي سنة 1331 ه، وعمره 38 عاماً انتقل مع والدته وإخوته إلى الشام، وكانت بلاد الشام في هذا الحين دولة واحدة تضم سورية ولبنان وفلسطين. ومنذ ذلك التاريخ -أي منذ قرابة أربعين عاماً- لم يعد إلى تونس، وكانت
(14/ 2/33)

هجرته لخدمة الإِسلام، ولضيقه بالحياة في موطنه؛ نظراً لفظائع الفرنسيين، وسلوكهم المُعْوَجّ، ورغبةً منه أن يعيش في كَنَف دولة إسلامية.
وتولى التدريس في المدرسة العربية السلطانية في دمشق، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا لحثِّ أسرى الحرب من التونسيين والجزائريين والمراكشيين على الانضمام للجيش التركي ضد فرنسا، واستمرت رحلته في ألمانيا تسعة شهور، عاد بعدها إلى سورية، ثم الآستانة؛ حيث تولى التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية التركية سنة 1917 م.
* يعود مع الصلح:
وفي سنة 1918 م، في أثناء الهدنة، سافر الأستاذ الأكبر إلى ألمانيا مرة ثانية للدعاية لاستقلال البلاد العربية، وكان ممن سافروا معه على نفس الباخرة للغرض ذاته: المرحوم عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وكان يوم وصولهم إلى ألمانيا هو يوم عقد معاهدة الصلح، فمكثوا فيها سبعة شهور، عاد بعدها الأستاذ الأكبر إلى تركيا؛ حيث اشتغل بالتدريس في المدرسة السلطانية، ثم سافر إلى دمشق، وكانت تحت الاحتلال الإِنجليزي، وظل فيها إلى أن نزل الإِنجليز عن احتلالها للفرنسيين.
* حكم الإعدام يتعقبه:
وشيخ الأزهر الحالي محكوم عليه بالإعدام، حكماً لم يصدر عنه عفو حتى الآن، ولولا هذا الحكم، ما كان لفضيلته نصيب في الجلوس على كرسي مشيخة الأزهر.
فقد أصدرت السلطات الفرنسية سنة 1916 م حكماً يقضي بإعدام الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ صالح الشريف من تونس؛ لاتهامهما بالتعاون
(14/ 2/34)

مع الدولة التركية ضد فرنسا.
وقد ظل هذا الحكم يطارد الرجل المجاهد، ويحول بينه وبين العودة إلى تونس، أو الإقامة في بلد يحتله الفرنسيون، ومن ثَمَّ هاجر الشيخ سنة 1919 م إلى مصر لاجئاً سياسياً بمجرد عودة الفرنسيين إلى احتلال دمشق.
* البحث عن عمل:
وظل الأستاذ الأكبر على هذه الحال قرابة السنتين، وهو ينفق من القليل الذي ادخره، ويجهد النفسَ في البحث عن مصدر من مصادر الرزق.
فاتجه التفكير إلى الحصول على الشهادة العالمية، وقدم طلباً إلى شيخ الجامع الأزهر الشيخ أبي الفضل؛ ليسمح له بدخول امتحان الشهادة العالمية الأزهرية، غير أن نفراً من العلماء وقفوا في وجهه، وقالوا عنه: إنه طريد سياسات مختلفة: ألمانية وتركية وعربية وفرنسية، فرفض طلبه، ولما تولى جعفر والي وزارة المعارف، وكان يعرف الشيخ محمد الخضر حسين عن قرب، عينه في دار الكتب بمرتب شهري قدره تسعة جنيهات، وكان مدير دار الكتب في ذلك الوقت أحمد صادق بك.
* بحر لا ساحل له:
وفي سنة 1922 م، شاء القدر أن يفتح أبوابه للاجئ الوحيد؛ ليدخره في جعبته، ويحمله بعد ثلاثين عاماً إلى كرسي المشيخة.
وشاء القدر أن يهيئ الفرصة أمامه، فيتعرف على المرحوم أحمد تيمور باشا، الذي كان حينئذ صديقاً للسراي، ومقرباً من المغفور له محمد توفيق نسيم باشا، واستعمل أحمد تيمور نفوذه القوي ليهيئ للشيخ فرصة الامتحان، وهي كل ما كان يطلبه.
(14/ 2/35)

وتم للشيخ ما أراد، ووافق الأزهرُ على أن يتقدم الشيخ محمد الخضر لامتحان العالمية، وتشكلت لجنة من قُساة الممتحِنين، ليؤدي امتحانه أمامها، وبهر الرجلُ الممتحنين بغزارة علمه، وفاض عليهم بما وهبه الله من معرفة.
ونال الشيخ شهادة العالمية من الأزهر، ونص في القرار على أن اللجنة "امتحنت الشيخ محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له. . . ".
ثم عُين مدرساً بتخصص كلية أصول الدين، ورئيساً لتحرير مجلة "نور الإِسلام" "وهي مجلة الأزهر الآن"، وظل يلقن دروس الدين والسياسة الشرعية في كليات الأزهر إلى أن أُحيل إلى المعاش.
* عضو في جماعة كبار العلماء:
وكانت الخطوة الباقية: أن يدخل الشيخ عضواً في جماعة كبار العلماء، وفي سبيل ذلك قدم رسالة موضوعها: "القياس في اللغة العربية"، حوت بحثاً لم يطرقه أحد من علماء الأزهر من قبل، وفي 29 أبريل من سنة 1951 م صدر أمر ملكي رقم 22 لسنة 1951 م بتعيين الشيخ محمد الخضر حسين عضواً في جماعة كبار العلماء. وكانت هذه العضوية هي سبيله إلى عرض اسمه على مجلس الوزراء، عندما أراد المجلس اختيار شيخ الأزهر من بين كبار العلماء.
* هل انتهى الصراع:
ويتساءلون في الأزهر اليوم: هل انتهى الصراع الذي عاش في الأزهر سنين وسنين، واتخذ أشكالاً ومظاهر ما كان يجوز أن يكون مصدرُها الأزهرَ الشريف، وعلماءه الأجلاء؟
إن الشيخ الجديد لا يعرف كيف يحب، ولا يعرف كيف يكره، والشيخ
(14/ 2/36)

الجديد ليس له في مصر أقرباء ولا محاسيب، والشيخ الجديد ليس من بَحْري ولا من قِبْلي، والشيخ الجديد ليس طرفاً في المنافسة والسباق حول الكرسي الكبير، والشيخ الجديد لم يفكر في المنصب العالي الخطير، ولم يحلم به. ولكن هل يَسْلَم من مناورات الذين سَعَوا للجلوس فوق الكرسي، فوجدوا أنفسهم فجأة يفترشون الأرض؟
نتمنى أن يسلم من هذه المناورات، فحياة الرجل كفاح طويل، وقصة كلها مفاجآت، والرجل مؤمن بالله، نقي القلب، طاهر السريرة، شريف القصد.
(14/ 2/37)

معلوماتي الخاصة عن شيخي علامة العصر الحاضر الأستاذ محمد الخضر بن الحسين شيخ الجامعات الأزهرية (1)
بقلم الطيب بن عيسى
"شيخ الصحفيين التونسيين في عصره. ولد بتونس العاصمة (1324 ه - 1906 م)، تلقى علومه بجامع الزيتونة، أصدر صحيفتين: "المشير"، و"الوزير".
من مؤلفاته: "المغرب الأقصى بين عهدين" - "ذكريات سجين" - "مشاهير المهاجرين" - "خواطر الحاج". توفي (1385 ه - 1965 م) ".

* مولده وأسرته:
ولد المترجَم له بمدينة "نفطة" من (بلاد الجريد) الواقعة في أقصى الجنوب الغربي التونسي، وهي آخر نقطة بالحدود التونسية، وتبعد "نفطة" عن العاصمة التونسية 475 ك م.
ولد في 26 رجب سنة 1293 هجرية، وهو محمد الخضر بن الحسين ابن علي بن عمر الشريف، فأسرتُه إذن ترجع إلى بيت العمري ب"طولقة" بيت العلم والمجد والشرف.
__________
(1) صحيفة "الأسبوع" التونسية - العدد 308 الصادر في 30 نوفمبر - تشرين الثاني وما بعده.
(14/ 2/38)

و"طولقة" تبعد عن مدينة "بِسَكْرَة" عاصمةِ الجنوب لمقاطعة "قُسَنْطينة" من القطر الجزائري بنحو 42 ك م. وبطولقة مركز دائرة الزيبان.
ووالد المترجَم له كان رحل منذ قرن من طولقة إلى نفطة التي استقر بها نهائيًا، وتزوج بأخت المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز هناك، وللشيخ الخضر إخوة، وهم: الشيخ الجنيد، والشيخ محمد العروسي، (المتوفَّيان) والشيخ محمد المكي، المستقر بالعاصمة، والأخير من كبار الأدباء واللغويين المشاهير.
والشيخ زين العابدين، نزيلُ العاصمة الأموية "دمشق الشام"، وجميعهم ولدوا ب "نفطة".
* تعليمه بنفطة:
قرأ المترجَم له القرآن، وحفظه بنفطة على مؤدبه الخاص المرحوم الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، كما تلقى مبادئ العلوم العربية على علماء نفطة، ومنهم: خاله المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز العالِمُ المصلح الشهير دَفينُ إستانبول عاصمةِ الخلافة الإِسلامية وقتئذٍ، المعدودُ من أقدم التونسيين المستقرين بالآستانة قبل الشيخ إسماعيل الصفايحي، والشيخ صالح الشريف، والشيخ عمر بيراز، والسيدين علي، ومحمد باش حانبة (الأخوين)، وجميعهم من رجال الوطنية الصادقة، والإخلاص المتين.
* تعليمه بتونس:
ولما استقر والد المترجَم له بالعاصمة نهائياً سنة 1307 ه زاول العلوم العربية الثانوية والعليا بجامع الزيتونة الأعظم.
(14/ 2/39)

* شيوخه:
قرأ على شيوخ أعلام، منهم: المرحومان، الشيخ سالم بوحاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، والشيخ مصطفى رضوان، والشيخ عبد العزيز الوزير.
* تطويعه ثم تدريسه:
حصل على شهادة التطويع عام 1314 ه ثم في عام 1324 ه نجح في مناظرة التدريس المالكية من الرتبة الثانية.
* توليه القضاء ب"بنزرت":
وقبل مناظرة التدريس بمدة، أُسندت إليه خطة القضاء الشرعية بمدينة "بنزرت"، فباشرها بضعة شهور، ثم ألح على الحكومة حتى تقبل استعفاءه من هذه الوظيفة خوفاً من الله، فقبلت طلبه، وأنجاه الله من تحمل المسؤوليات الكبرى.
* تلامذته بتونس:
وقد تعلم عليه طلاب كثيرون بجامع الزيتونة، وبالمدرسة الصادقية، ومن تلاميذه: صاحب جريدتي "المشير والوزير" كاتبُ هذا المقال، الذي قرأ عليه "السعد" و"المحلى" و"التهذيب"، وكانت شهادة الشيخ في دفتر تلميذه عدد 5187 مؤرخة بربيع الثاني سنة 1326 ه.
* من آثاره بتونس:
كان أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة صدرت بتونس، وكانت دينية وأدبية، وقام بمحاضرات ومسامرات بقاعة (الجمعية الخلدونية)، أو بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، ثم طبعت مسامرته بتونس، ووزعت.
(14/ 2/40)

* إقامته بدمشق الشام:
وفي سنة 1333 ه رحل إلى الشام، والتحق بأخويه الشيخين: محمد المكي، وزين العابدين، اللذينِ سبقاه للرحيل قبل سنة، فاستقر بدمشق بضعة أعوام، كان أثنائها يتردد على إستانبول، والمدينة المنورة، والقدس، وفي الأعوام الأخيرة أدى فريضة الحج.
* تدريسه بدمشق:
تخرج عليه تلاميذ كثيرون بسورية، سواء بالجامع الأموي، أو المدارس الأخرى الرسمية.
* حظوته لدى فيصل الهاشمي:
كان محظوظاً من طرف المرحوم الملك فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي، صاحب سورية في ذلك العهد، وعاهل العراق فيما بعد.
* أسفاره إلى أوربا:
وفي أثناء استقراره بدمشق قام برحلات إلى عواصم كبرى من الأقطار الأوروبية؛ كألمانيا، وإيطاليا، وسويسرة، وغيرها.
* استقراره بمصر:
وبعد خروج الملك فيصل من دمشق عاصمةِ ملكه، وإعلانِ الانتداب الفرنسي على سورية، خرج المترجم له من دمشق، واستقر نهائياً بمصر إلى اليوم، وكان ذلك سنة 1337 ه.
* مهمته العلمية بمصر:
كان مدة إقامته بالقاهرة المعزيَّة في أول أمره يطبع كتبه العلمية الكثيرة، ويلقي دروساً خاصة على بعض الطلاب بالأزهر، أو بالمعاهد العلمية الأخرى،
(14/ 2/41)

ثم انخرط في سلك أساتذة الأزهر بعد اجتيازه للمناظرة بصفة رسمية؛ حيث نجح نجاحاً باهراً.
* مجلة "نور الإِسلام":
ولما قررت مشيخة الأزهر إصدار مجلة إسلامية، أسندت مهمة الإشراف عليها إلى لياقة الشيخ الخضر، فكان رئيس تحريرها.
* مجلة "الهداية الإسلامية":
كما أصدر المترجَم له مجلة "الهداية الإِسلامية"، وكان رئيساً لتحريرها، والمشرفَ على إدارتها، فكانت من أرقى المجلات الدينية، ومساندةً لمجلة "المنار" التي كان يرأس تحريرها العلامة المصلح المرحوم الشيخ رشيد رضا الحسيني تلميذُه العلامة المرحوم الشيخ محمد عبد المصري، ومجلة "الهداية الإِسلامية" لسان حال (جمعية الهداية الإِسلامية) التي يرأسها الشيخ الخضر -بارك الله في أنفاسه-.
* ذكرياتي عن الشيخ بمصر:
في عام 1343 ه قمت برحلة إلى مصر، وما وصلت إلى القاهرة حتى اتصلت بفضيلة شيخي الخضر، وتقابلت معه مرات، وكان وقتئذٍ مصححاً بالمكتبة العامة المصرية (الكتب خانة) للتآليف التي تطبع على نفقة المكتبة، وهذه المهمة العلمية ليست بسيطة كما يُظَن من أنها مجردُ مقابلة الأصل بالمطبوع -حسب التعارف بين المؤلفين والمحررين للمجلات والصحف-، بل هي أعلى من ذلك وأدق وأصعب بكثير؛ لما يأتي بيانه:
* مقدرته العلمية:
إن التصانيف الخَطِّية المرادَ طبعُها -خصوصاً العتيقة منها- لابد أن يوجد
(14/ 2/42)

بها نقص في كلمات أو جمل، وأحياناً صفحات كاملة، وذلك لقدم العهد، وتلاشي البعض من أوراقها، إما أكلها الفأر، أو ثقبها السوس ثقباً، أو وسخت بالحبر، أو غير ذلك من عوامل الفساد، وبناء عليه، فمأمورية الأستاذ الخضر النابغة هي تكميل ما نقص من الأصل، مع مراعاة أساليب ذلك التأليف من تبويب وتقسيم وتفصيل، ومع مراعاة درجة المؤلف -أيضاً- من حيث الإنشاء والتعابير، سواء في النثر أو الشعر.
وطبعاً إن التآليف المعروضة للطبع مختلفة الفنون والعلوم، ويحتاج المصحح إلى اطلاع واسع، وإلمام تام بجميع العلوم العربية؛ كي يمكنه أن يكمل النقص في النحو أو الصرف، أو التوحيد أو المنطق، أو الحساب أو التاريخ، أو الهندسة أو الجغرافية، أو الطبيعة أو الكيميا، أو علوم البلاغة، إلى غير ذلك من المباحث الدينية أو الأدبية أو الرياضية.
فالتصحيحُ أو التكميل الذي من هذا النوع هو فني، ويحتاج إلى نبوغ وتخصص في جميع العلوم دون استثناء.
فمن هذه الناحية يكون الأستاذ الخضر نابغة عصره، ولولا أنه عَلَّمَ تلامذةً أصبحوا اليوم أخصائيين في التصحيح الفني، لصعب على إدارة المكتبة العامة الإتيانُ بعالم متفنن يقوم مقامه عند تخلِّيه عن مهمة التصحيح، وتفرّغه للتدريس بالأزهر في المعهد الأخير، ثم الارتقاء إلى أعلى المناصب العلمية.
* أخلاقه وصلاحه:
كان شيخي معروفاً في تونس، وفي البلاد الشرقية بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وحسن المعاشرة، ولم يعرف عنه الحمقُ والشراسة وضيق
(14/ 2/43)

الصدر، وغيرُها من الأوصاف، وهو ممن سلم الناس من يده ولسانه، وله أسلوب في الانتقاد لطيف؛ إذ مداره الإقناع بالبرهان القطعي على صواب رأيه، دون جدال بعنف، أو تصلب بحمق، مع تحاشي المبالغة في التنديد اللاذع، مقتدياً بنبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يمزح ولا يقول إلا حقاً.
هذا من جهة أخلاقه وطباعه، ومن جهة صحة إيمانه، وشدة شكيمته في الذود عن حياض دينه، فقد كان لا تغره في الحق لومة لائم، ويعد من أولياء الله الصالحين، لتقواه في السر والإعلان، وعليه، فهو داخل في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63].
فالشيخ عالم عامل بعلمه.
* لغته العربية:
إن لغة الشيخ الخضر هي العربية الصرفة، سواء في دروسه، أو محادثته العامة أو الخاصة، لسليقته المفطور عليها منذ أن تعلم العربية، بل كان يتحاشى استعمال اللغة العامية الدارجة بقدر الإمكان، وقد عرفتُ تعوده بذلك منذ أن كان مدرساً بجامع الزيتونة الأعظم.
* منهجه الإصلاحي:
إن هذا العلامة الديني يدعو إلى الإصلاح من الناحية الدينية بجميع الوجوه؛ اجتماعياً واقتصادياً، ولربما يحارب النعرة الوطنية البحتة التي جعلت المصريين ينقلون رفات المرحوم سعد زغلول الزعيم الأكبر من قبره الأول الإِسلامي لوضعه في قبره الثاني المماثل لقبور الفراعنةُ في شكله، والفراعنة جدود أقباط مصر المسيحيين.
(14/ 2/44)

* تصانيفه العلمية:
لصاحب الفضيلة شيخي الخضر تآليفُ عديدة، منها ما طبع بتونس، كمجلة "السعادة العظمى" التي أصدر منها عدة أجزاء، و"رسالة الدعوة إلى الإصلاح" عندما كان مدرساً بجامع الزيتونة، وبالمدرسة الصادقية، و"حياة اللغة العربية"، وهي المسامرة التي ألقاها بقاعة مكتبة الخلدونية عندما كان مدرساً بالمعهدين المذكورين -أيضاً-.
ومنها ما طبع بمصر؛ ككتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" الذي يرد فيه على الأستاذ الشيخ عبد الرازق مؤلف كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، وهو حينئذ من علماء الأزهر.
وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" يرد فيه على كتاب "في الشعر الجاهلي" تأليف طه حسين، وكان الأستاذ الخضر وقتئذٍ من علماء الأزهر، وكتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين" الذي ألفه بعد ما أصبح عضواً باللجنة العليمة لهيئة كبار العلماء المؤلفة لحماية الدين، والدعوةِ إلى سبيل الله.
هذه الكتب قرأتها، وما أزال أملكها، ما عدا "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" حيث لم أتصل به، ولم أطالعه.
ومن المحقَّق: أن لفضيلة الأستاذ الخضر تآليفَ أخرى لم أتصل بها، قد يمكن أنها طبعت في سورية عندما كان شيخي مدرساً بالجامع الأموي في دمشق، وبالمدرسة السلطانية، أو في مصر في أثناء المدة الطويلة التي أقامها هناك.
* دخوله في الجنسية المصرية:
ولما كانت قوانين مصر مانعةً من مباشرة غير المصريين للوظائف بأنواعها
(14/ 2/45)

بين شرعية وعادية، فقد انخرط في سلك المتجنسين بالجنسية المصرية منذ عهد بعيد.
* توليته مشيخة الأزهر:
إن انخراط شيخي في سلك العضوية باللجنة العلمية لهيئة كبار العلماء قد رشحته لأن يتبوأ مقعده من رئاسة مشيخة الجامعات الأزهرية عن كفاءة ولياقة وخبرة تامة غير محدودة.
ولهذا السبب فقد عينته حكومة مصر الحديثة شيخاً للجامعات الأزهرية.
وكان إسناد المشيخة إليه عندما عرضت عليه الخطة بوساطة ثلاثة وزراء قصدوا محلَّه لهذا الغرض حتى لا يردَّ لهم طلباً.
* صدى توليته المشيخة:
كان لتوليته هذه الخطة المعتبرة صدى كبير بالعالم الإِسلامي؛ لأن شخصيته معروفة، ولا سيما بتونس والجزائر وسورية ومصر؛ حيث يَعرفه تلاميذه الكثيرون، مع سمعة واسعة.
وقد اهتزت كافة الأوساط التونسية سروراً للفخر الذي ناله جامع الزيتونة الأعظم؛ إذ أنجب مثلَ هذا العالم الكبير الذي أصبح على رأس العلماء الأعلام بالعالم أجمع؛ لأنه يترأس الأزهر الذي يمثل أعظم كلية دينية بالعالم الإِسلامي.
وقد هنأته المنظمات الزيتونية، وهنأته تونس الفخورة بابنها البار، وكان على رأس المهنئين: عاهل المملكة التونسية ملكُنا المحبوب سيدنا ومولانا محمد الأمين الأول -أيده الله، وأطال عمره-.
أما كاتب هذا الفصل، فكواحد من أبنائه البارين، وتلامذته المخلصين،
(14/ 2/46)

فأهنئه من صميم فؤادي، أصالةً عن نفسي، ونيابة عن إخوانه، داعياً الله أن يعينه على ما أولاه، وأن يجري الخير على يديه، وأن يمد في أنفاسه، حتى ينتفع المسلمون بمواهبه الفطرية والكسبية، كما انتفع إخوانهم من قبلهم بعلمه الغزير.
(14/ 2/47)

شيخ الأزهر السابق السيد محمد الخضر حسين (1)
(1293 - 13 رجب 1377 ه)
بقلم محب الدين الخطيب
"الكاتب والصحفي والمجاهد. ولد بدمشق (1303 ه - 1886 م) وتوفي بالقاهرة (1389 ه 1969 م).
أصدر: مجلة "الزهراء"، و"الفتح" له مؤلفات، منها: "الحديقة" - "اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب" - "الدولة والجماعة" - "الزهراء".

هذا رجل آمن بالإِسلام ودعوته، وأحبَّ من صدرِ حياته أن يكون من الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
إن الاستقامة على طريق الله بعلم وحزم، وحكمة ويقين، هي الولاية، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الدنيا أمام الرجل المسلم، فآثر مصلحة الدين على مصلحة الدنيا، ومضى على ذلك في تصرفاته كلها مدى الحياة، فهو من أولياء الله؛ أي: من أنصاره. والولاية هي النصرة، وقد جرت سنة الله أن يأخذ بأيدي أوليائه، وينصرهم ما نصروا دعوته وسنته في الأرض، وهذه المرتبة في متناول يد كل من رامها من شبابنا وكهولنا وشيوخنا، إذا آلى أن
__________
(1) مجلة "الأزهر" القاهرة - الجزء الثامن من المجلد التاسع والعشرين.
(14/ 2/48)

يجعلها وِجْهَته في مراحل الحياة. وسأتحدث في هذه الصفحات إلى إخواني من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم عن مراحل حياة هذا الرجل المؤمن بالإِسلام؛ كما راقبتها فيه، أو علمتها منه من سنة 1330 ه إلى أن اختاره الله إليه.
ولد السيد محمد الخضر حسين عام 1293 في بلدة "نفطة" من بلاد الجريد في الوطن التونسي. وأبوه من أسرة شريفة أصلها من الجزائر، وقد حدثني قبل ولايته مشيخة الأزهر عن ظهير من أحد ملوك المغرب الأدارسة إلى جد من جدود الشيخ يتعلق بنسبهم. وأرجو ممن صارت إليهم أوراقه أن يُعْنَوا بما فيها من أمثال ذلك؛ ليستعان بها في تدوين سيرته، وإرسال شعاع من نور على الأزمان التي عاشها في مراحل حياته.
وكانت أمه من صالحات النساء، وله فيها قصيدة "بكاء على قبر" لما بلغه خبر وفاتها سنة 1335 م. وكان أبوها الشيخ مصطفى بن عزوز، من أهل العلم والفضل، له ترجمة في "تاريخ الوزير أحمد بن أبي الضياف"، وأبو جده لأمه محمد بن عزوز، من الأفاضل -أيضاً- وله ترجمة في كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" للشيخ الحفناوي بن عروس. وخاله السيد محمد المكي بن عزوز، من كبار العلماء الصالحين، وكان موضع الإجلال والاحترام من رجال الدولة العثمانية في العهد الحميدي، وقضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة برغبة من السلطان، وله مؤلفات معروفة. ولفقيدنا قصيدة في تأبينه ووصفه لمناسبة وفاته سنة 1334 م أثبتها في (ص 180) من "ديوانه" في طبعته الثانية.
وفي سنة 1305 ه انتقلت أسرتهم من "نفطة" إلى العاصمة التونسية،
(14/ 2/49)

وكان فقيدنا في الثانية عشرة من حياته، وقد تأدب قبل ذلك بأدب الإِسلام، وتلقى كتاب الله، ومبادئ العلوم الشرعية والعربية. فلما نزلوا تونس، التحق بجامعها الأعظم "جامع الزيتونة"؛ وأخذ يتنقل في مراحل التعليم، وكان من أبرز شيوخه: العلامة الكبير الشيخ سالم بو حاجب، المتوفى سنة 1339 ه -رحمه الله-. ولفقيدنا أبيات في وصفه ورثائه هي في "ديوانه" (ص 101).
وحوالي سنة 1321 ه حصل على شهادة العالمية من جامع الزيتونة، وما لبث أن أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأخذ يساهم في النهضة العلمية والأدبية، ويباري رجالها لإحراز قصبات السبق طمعاً في مرضاة الله. وفي "ديوانه" (ص 73) قصيدة نظمها في هذه الحقبة انطوت على روح الدعوة التي أنشأ هذه المجلة للقيام بها.
وفي سنة 1324 ه تولى قضاء "بنزرت" ومنطقتها.
وفي مساء 17 ربيع الآخر من تلك السنة ألقى محاضرة عنوانها: "الحرية في الإِسلام" في نادي (قدماء خريجي المدرسة الصادقية) بلغت 64 صفحة، ودلت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإِسلام من هذه الناحية.
ولم تطل مدة ولايته القضاء, لأن الجمع بينه وبين انطلاقه الفكري في بلد محتل بالاستعمار الملعون كان محاولة للجمع بين الضدين، لذلك رأيناه في سنة 1373 ه عاد مدرساً في جامع الزيتونة، ولعله فارق القضاء قبل تدريسه في الزيتونة، فتولى التدريس قبل ذلك في المدرسة الصادقية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في الوطن التونسي كله.
وفي مساء السبت 11 شوال 1327 ه ألقى في نادي (الجمعية الخلدونية)
(14/ 2/50)

بتونس محاضرة عنوانها: "حياة اللغة العربية"، تحدث فيها عن أطوار هذه اللغة، وفصاحة مفرداتها، وحكمة تراكيبها، وتعدد أساليبها، وما تفردت به من إعجاز الإيجاز، وبدائع التشبيه، وارتقاء مستوى اللغة بارتقاء التمدن العربي. وتحدث عن العامية والعربية والفصحى.
وفي "ديوانه" (ص 23) قصيدة نظمها سنة 1328 ه بعد ولايته القضاء والتدريس، يوجه بها أنظار القائمين على جامع الزيتونة إلى ضرورة العناية بتدريس الإنشاء، وتمرين الزيتونيين عليه؛ ليكون للوطن من علماء هذا المعهد الإِسلامي كتّاب بارعون، يؤدون مهمة الدعوة، ويقودون الأمة إلى أهدافها.
وفي تلك السنة مرت بتونس بعثة الهلال الأحمر العثماني قاصدة طرابلس الغرب بعد حملة البغي الإيطالي عليها، فنظم قصيدة يدعو فيها إلى معونة هذه البعثة وإعانتها، وهي في "الديوان" (ص 33).
وفي السنة التالية (1329 ه) وجهت إليه التهمة ببث روح العداء للغرب، ولا سيما سلطة الحماية الفرنسية، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، ولما ظن أن الزوبعة هدأت، عاد إلى تونس بطريق نابولي. انظر: "ديوانه" (ص 115 و 164)، ولما استقر به المقام، رأى أنه لن يطيق البقاء في ذلك الجو الخانق، فأزمع الهجرة منه نهائيًا، ووقع اختياره على دمشق ليتخذها وطناً ثانياً له، وقد مر بنا في مصر هذه المرة (سنة 1330 ه)، وسعدت بالتعرف به، واجتمع عندي بشيخنا الشيخ طاهر الجزائري، وأحمد تيمور باشا، والسيد رشيد رضا، وأضرابهم، وكثت وقتئذ أعمل في قلم تحرير "المؤيد".
ولما وصل إلى دمشق، كانت الحركة العربية في بدايتها، وكانت الأمة
(14/ 2/51)

تطالب الحكومة العثمانية بإعطاء اللغة العربية حقها من التعليم في المدارس الرسمية، فعين السيد محمد الخضر حسين مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية بدمشق، وكانت سكة الحجاز الحديدية متصلة فيما بين دمشق والمدينة المنورة، فزار المسجد النبوي سنة 1331 ه.
وله في هذه الزيارة قصيدة في "الديوان" (ص 106).
وفي هذه الفترة زار تونس، وفي "ديوانه" من ذكريات هذه الزيارة أبيات في (ص 126 و 134).
وذهب في هذه المدة إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا، واختير الشيخ محرراً عربياً في وزارة الحربية.
كان في هذه الحقبة قد عرف دخيلة الحال في الدولة، وأصيب بخيبة أمل بين ما كان يتصوره بعين الخيال، وبين ما رآه بعين الحقيقة، فنظم في سنة 1332 ه أبياتاً بعنوان: "بكاء على مسجد ضائع" تجدها في "ديوانه" (ص 61) ومنها:
أَدْمَى فُؤادي أَنْ أَرَى ال ... أقلامَ تَرْسُفُ في قُيودِ
فَهَجَرْتُ قوماً كنتُ في ... أنظارِهم بيتَ القَصيدِ
وَحَسِبْتُ هذا الشرقَ لم ... يبرحْ على عهدِ الرشيدِ
فإذا المجالُ كأنه ... من ضِيقه خُلُقُ الوليدِ
وفي سنة 1333 ه أرسله أنور باشا إلى "برلين" بمهمة رسمية، فقضى في ألمانيا تسعة أشهر، اجتهد في خلالها أن يتعلم الألمانية، وفي "ديوانه" قطع كثيرة مما نظمه هناك.
ومن ذلك: أنه كان في قطار بضواحي برلين يرافقه مدير الأمور الشرقية
(14/ 2/52)

بوزارة الخارجية الألمانية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل مدير الأمور الشرقية على الشيخ: وقال له: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعدُ الناس عن السياسة؛ فنظم الشيخ في هذه الحادثة أبياتاً يقول فيها:
عَذِيريْ منْ فَتًى أَزْرَى بقَومي ... وفي الأهواءِ ما يَلِدُ الهُذاءَ
سلوا التاريخَ عن حُكْم تَمَلَّتْ ... رَعاياهُ العدالةَ والرَّخاءَ
هو الفاروقُ لم يُدْرِكْ مَداه ... أميرٌ هَزَّ في الدُّنيا لِواءَ
وأدركه عيدُ الفطر في "برلين"، فقال:
يَوْمَ عيدٍ وما تَفتّقَ كِمٌّ ... عن أَنيسٍ ولا كَسَمِّ الخياطِ
أينَ جيرانُنا وأينَ المُصَلَّى ... وخَطيبٌ يَهدي لخيرِ صِراطِ
لو تقاضيتُ في اغترابيَ أَمْراً ... نهضَتْ همَّتي له ونَشاطي
لأَدَرْتُ العِنانَ نحوَ دمشقٍ ... وحَمِدْتُ السُّرى على الأشواطِ
وعاد إلى الآستانة، فوجد أن خاله المكي قد توفي بها قبل قدومه بنحو شهرين، فرثاه بما في "الديوان" (ص 180)؛ ثم ضاقت به العاصمة العثمانية على سعتها، وصرفه عنها وعن عظمتها يومئذ ما كان يشعر به من الشوق إلى دمشق، حتى تمكن من الوصول إليها، والاستقرار فيها. غير أنه ما لبث أن ناله شُواظ من شرور السفاح الجنكيزي أحمد جمال باشا، الذي لم يسلَم فاضلٌ من شره، فاعتقل في رمضان سنة 1334 ه وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا، الذي تولى رئاسة الوزراء اللبنانية بين الحربين العالميتين، وكانت جريرة سعدي بك الملا: أنه كان سكرتيراً لشكري باشا
(14/ 2/53)

الأيوبي، من كبار رجال الجيش العثماني الذين أنجبتهم الشام، أما شكري باشا، فكان تحت التعذيب الأليم الذي يذكر الناس بديوان التفتيش الكاثوليكي في إسبانيا، ومن شعر السيد محمد الخضر حسين في هذا الاعتقال:
جَرَى سَمَرٌ يومَ اعتُقِلْنا بفُندقٍ ... ضُحانا به ليلٌ، وسامِرُنا رَمْسُ
فقالَ رَفيقي في شَقَا الحَبْسِ: إِنَّ في ال ... حَضارَةِ أُنْساً لا يُقاسُ به أُنْسُ
فقلتُ لهُ: فَضْلُ البَداوةِ راجِحٌ ... وَحَسْبُكَ أنَّ البدَو ليسَ بهِ حَبْسُ
وأكبرُ ظني أنه كان لأنور باشا دخل في إنقاذ شيخنا من قبضة جمال باشا، فما كاد يفرج عنه، ويخرج، حتى أزمع السفر إلى الآستانة، وما كاد القطار يسير به حتى قال، وهي في "الديوان" (ص 126):
أُرَدِّدُ أَنفاساً كذاتِ الوقودِ إذْ ... رَمَتْني من البَيْنِ المُشِتِّ رواشِقُ
وما أنتَ مثلي يا قطارُ وإن نَأَى ... بِكَ السيرُ تغشى بلدةً وتُفارقُ
فما لكَ تُلْقي زَفْرَةً بعدَ زفرةٍ ... وشملُكَ إذْ تَطْوي الفَلا متناسِقُ
ولما بلغ الآستانة، أوفده أنور باشا سنة 1335 ه للمرة الثانية إلى ألمانيا، فقضى فيها زمناً طويلاً، وعاد إلى الآستانة، ثم إلى دمشق، فتولى التدريس بالمدرسة السلطانية مرة أخرى بقية سنة 1335 ه ثم في سنة 1336، وفي هذه المدة شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" في علم العربية لجمال الدين بن هشام (706 - 761 ه) بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجِدِّ من الطلبة جمعَ هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بَيِّنة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات
(14/ 2/54)

تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن هذه المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها نظره بمصر، ونال بها عضوية جماعة كبار العلماء وقمنا بطبعيها سنة 1353 ه.
وفي سنة 1337 ه ذهب إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهايتها، والحالة في دولة الاتحاد والترقي مؤذِنَة بالزوال، فتوجه إلى ألمانيا، وقضى هناك سبعة أشهر؛ وكانت عودته منها في هذه المرة إلى دمشق رأساً. وهو يقول "الديوان" (ص 200):
سئمتُ، وما سئمتُ سوى مُقامي ... بدارٍ لا يَروجُ بها بَياني
فأزمعتُ الرحيلَ، وفَرْطُ شوقي ... إلى بَرَدى تَحَكَّمَ في عِناني
هَلُمَّ حَقيبتي لأَحُطَّ رَحلي ... فَنَفْح زهورِ جِلَّقَ في تَداني
ووافقت عودةُ الشيخ إلى دمشق دخولَ الجيش العربي، وولاية فيصل ابن الحسين على سورية، وفيها اجتمعتُ بالشيخ مرة أخرى بعد عودتي من الحجاز لأتولى الجريدة الرسمية للحكومة السورية، وكنت أقوم بتأسيس المعهد العلمي، وأدير اللجنة الوطنية العليا مع المجاهد الكبير العلامة الشيخ كامل القصاب -رحمه الله- فكنت ألقى الشيخ الفقيد مراراً، ومن شعره يومئذ متضجراً من كثره أسفاره السابقة، ومتمنياً الاستقرار في دمشق المدينةِ التي أحبها، والأبيات في "الديوان" (ص 41):
أَنا كأسُ الكريم والأرضُ نادٍ ... والمَطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
كَمْ كؤوسٍ هَوَتْ إلى الأرض صَرْعى ... بَيْنَ كفٍّ تُديرُها واللَّهاةِ
فاسْمَحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقيهِ طافِحٌ بِسُباتِ
(14/ 2/55)

وأراد الله أن يقع الاحتلال الفرنسي، فعدت أنا إلى مصر على الإبل بزي أعرابي، وبقي الشيخ في دمشق على أمل أن يعود إلى تونس فيكمل حياته فيها، ولكن الله أراد له اللحاقَ بنا إلى مصر في العام التالي (1339 ه). وله في ذلك موشحة لطيفة في "الديوان" (ص 245). وقال عند سفره من دمشق "الديوان" (ص 160):
كَأَنِّيَ دينارٌ وجِلَّقُ راحَةٌ ... تُنافِسُ في الإنفاقِ راحَةَ حاتمِ
فكَمْ سَمَحَتْ لي بالرحيلِ، وليتني ... ضربتُ بها الأوتادَ ضربةَ لازمِ
وفي مصر أخذ يشتغل بالكتابة والتحرير والدرس. وفي سنة 1340 ه ألف رسالته "الخيال في الشعر العربي". وبعدئذ كسبته دار الكتب المصرية، فالتحق بقسمها الأدبي عدة سنين، ثم تجنس بالجنسية المصرية، وتقدم للامتحان في الأزهر، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت في التعمق بمناقشته، واستخراج كنوز فضله، وأصبح بعدئذٍ من أكمل أساتذة هذا الصرح العلمي العظيم في عصور الإِسلام الطويلة، وإن تلاميذ الشيخ صاروا فحول العلماء، وأطواد التحقيق في الشريعة وعلوم العربية. وإن كثيرين منهم كانوا يرغبون في القيام بواجب الكتابة عن فضله وأياديه الكريمة في التحقيق وتخريج الرجال، فلما علموا أني ساكتب عنه، تخلوا لي -حفظهم الله- عن هذه المهمة؛ لما يعلمونه من طول خلطتي به، وقديم صداقتنا التي أعتز بها، وطالما أفدت منها.
وفي سنة 1342 ه أسس (جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية)، وسَنَّ لها قانوناً قمت أنا بطبعه.
(14/ 2/56)

وفي سنة 1343 ه مرض مرضاً شديداً ردد صداه في شعره "الديوان" (26)، ومنه:
أَطَلَّ عليّ الموتُ من خَلَل الفنا ... فآنستُ وجَه الموتِ غيرَ كئيبِ
ولو جَسَّ أحشائي لَخِلْتُ بَنانَهُ ... وإنْ هالَ أقواماً بنانَ طَبيبِ
فلا كانَ من عيشٍ أرى فيه أُمَّتي ... تُساس بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ
وفي سنة 1344 ه ظهر كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، وكان السيد محمد الخضر صديقاً حميما لآل عبد الرازق ويزورهم، ويسر بلقائهم، فلما كاد الكتاب ينتهي طبعه، وكان لا يعرف مذهب مؤلفه فيه، طلبوا منه أن يمدهم بعناوين كبار العالم العربي والإِسلامي؛ ليهدوا الكتاب إليهم، فطلب الشيخ هذه العناوين مني، وكتبت له بها قائمة طويلة، ثم صدر الكتاب، وأهدوا نسخة منه إلى الشيخ، ونسخة أخرى لمجلة "الزهراء" التي كنت أصدرها، فراعنا من الكتاب أنه ينكر كونَ الإِسلام دينَ حكم، فانتقدته أنا في مجلة "الزهراء"، وكتب الشيخ علي مقالة افتتاحية في جريدة "السياسة" يجيب بها على نقدي، وتفرغ فقيدُنا لنقد الكتاب فقرةً فقرة، وفي أقرب وقت صدر كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها.
وفي السنة الثانية (1345 ه) افتضحت رسالة "في الشعر الجاهلي"، فعكف الشيخ على نقض كل ما فيها من باطل، وصدر كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وبقيت بقية من آخر أقلام استعملها في تأليفه، فأهداها إلى خزانة العلامة أحمد تيمور باشا.
(14/ 2/57)

وكتب -أيضاً- في بطاقة ربطها ببقية القلم، وهي في "الديوان" (ص 81)، وهي:
سَفَكَتْ دمي في الطِّرسِ أَنْمُلُ كاتب ... وطَوَتْني المبراةُ إلا ما تَرَى
ناضَلْتُ عن حَقٍّ يحاول ذو هَوًى ... تصويرَه للناسِ شيئاً مُنْكَرا
لا تَضْرِبوا وجهَ الثَّرى ببقيةٍ ... مني كما تُرمى النواةُ وتُزْدَرَى
فخزانةُ الأستاذِ تيمورَ ازدَهَتْ ... بِحُلًى من العرفان تَبْهَرُ مَنْظَرا
فأنا الشهيدُ وتلكَ جنّاتُ الهُدى ... لا أبتغي بسِوَى ذُراها مَظْهَرا
وفي سنة 1346 ه أسسنا المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين، وكان الفقيد مع تيمور باشا -رحمهما الله- ركنين ركينين في تأسيسه، وقد عُبِّئَت لذلك يومئذ كل الشخصيات المناصرة للإسلام من شباب وكهول، فكان تأسيس تلك الجمعية نقطةَ تحولٍ بين تيار العداء للإسلام باسم التجديد، وبين قيام كيان مرموق للإسلام في وادي النيل.
ولما تم النجاح في هذا العمل الحميد، تفرغ فقيدنا لتأسيس (جمعية الهداية الإِسلامية)، فضمت أهل الغيرة والنشاط من شباب الأزهر وشيوخه، ومن نَهَجَ منهجَهم من المثقفين ثقافة مدنية. وكما صدرت لجمعية الشبان مجلة، صدرت لجمعية الهداية مجلة. وكما قامت لجمعية الشبان فروع في الأقطار، قامت للهداية فروع مثلها.
وفي محرم سنة 1349 ه صدرت مجلتنا هذه "الأزهر"، وكان عنوانها يومئذ: "نور الإِسلام"، فتولى فقيدُنا رئاسة تحريرها من جزئها الأول إلى ربيع الآخر سنة 1352 ه، وفي سنة 1350 ه عاوده مرض مزعج أثار فيه خواطر شعرية تراها في (ص 42) من "ديوانه".
(14/ 2/58)

وواصل -رحمه الله- السنين المباركة في حياته بعد ذلك في التدريس بكلية أصول الدين على طريقة العلماء الأقدمين في التحقيق، والرجوع بقضايا العلم إلى أصولها، والغوص في أعماقها. ويقضي الليالي في محاضرة جماهير الشباب وأهل الفضل بدار جمعية (الهداية الإِسلامية) داعياً إلى تجديد حيوية الإِسلام في نفوس أهله، وتقرير حقائقه بأساليب بليغة كانت موضع الحرمة والتقدير من جميع الطبقات، وقد نشر بعضها مستقلاً، أو على صفحات مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم جمع الكثير منه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء.
وعندما أسس المجمع اللغوي، كان من أقدم أعضائه، وله فيه بحوث وقصائد ودفاع عن الفصحى، وتبيان لأسرارها، وعرض لجواهرها.
وما زال مستمراً في التأليف والخطابة والوعظ في "الهداية الإِسلامية"، والتدريس في الحلقات العليا بالأزهر. وفي سنة 1366 صدرت مجلة "لواء الإِسلام"، وعهد إليه برياسة تحريرها، وظل يواصلها ببحوثه إلى آخر حياته المباركة.
وفي سنة 1370 نال عضوية هيئة كبار العلماء برسالة "القياس في اللغة العربية" التي ألف أصلها وهو في دمشق أيام الحرب العالمية الأولى.
وفي يوم الثلاثاء (26 من ذي الحجة 1371 ه - 16 سبتمبر 1952 م) خرج من مجلس الوزراء أثناء انعقاده ثلاثة من أعضاء ذلك المجلس، فتوجهوا إلى المنزل الذي كان يسكنه الشيخ في شارع خيرت، وعرضوا عليه مشيخة الأزهر باسم حكومة الثورة، وجاء الشيخ إلى مشيخة الأزهر، وللأزهر في ذهنه رسالة يتمنى لو اضطلع بها الأزهر؛ ليتم له بها حمل أمانة الإِسلام.
(14/ 2/59)

وكان هذا الاختيار تحقيقاً للأخوة الإِسلامية في الدستور الإِسلامي، وبرهاناً من الله -عَزَّ وَجَلَّ- على أن من كان مع الله، كان الله معه، وعلى أن من عاش يؤثر الآجلة على العجلة عند اختلافهما، فإن الله يكافئه بخير مما يطمع فيه الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة.
ولما أضعفته الشيخوخة عن مواصلة الاضطلاع يحمل هذه الأمانة، عاد إلى منزله يواصل العكوف على الكتب والكتابة والتفكير، حتى لقد نظم ديواناً آخر كله مقطعات في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير.
وفي يوم 13 رجب مساء اختاره الله إليه، وهو لا يزال على عهده الأول من {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30]، فكان جديرًا بما وعد الله به أمثاله أن {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. وفي ظهر اليوم التالي صُلي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر، وأعيان الأمة، والمنتسبون إلى العلم، حتى بلغ النعش باب الخلق والموكب متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، رحمهما الله وصالحي المسلمين، وتغمدهم برحمته.
(14/ 2/60)

المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين
بقلم محمد علي النجار
"كلمة ألقاها الكاتب الإِسلامي الأستاذ محمد علي النجار في حفل تأبين الإمام محمد الخضر حسين، في جلسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتاريخ 13/ 3/ 1958 الدورة الرابعة والعشرون" (1).

كتب عليّ أن أؤبن أستاذي الأكبر والإمام الأجل الشيخ محمد الخضر حسين، فيتجدد عندي من الأسى والحسرة ما تجرعته عند نزول شَعُوب به، وجواره لربه. وكأنما هذا بديل بما تمتعت به في مجالسته، والاستماع إلى حديثه العذب ورأيه السديد وعلمه الغزير، والحظو بأدبه الجم، ومناقبة الغر.
وأذكر هنا فصلاً للأستاذ خليل مردم، من كتاب له إلى فقيدنا حين كان في دمشق، وأزمع مفارقتها: "إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، وإخوته الفضلاء، وصحبتي لهم. فقد صحبت الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ. فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار. فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر التواصل تكون حسرة التفاصل".
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" القاهرة - الجزء الرابع عشر.
(14/ 2/61)

والأستاذ خليل مردم يتوجع لمفارقة في الحياة يرجى بعدها اللقاء. فكيف تكون فجيعتنا فيه وهذا فراق لا لقاء بعده، إلا في يوم التلاق. وما أحرانا أن نتمثل بقول الشاعر يتوجع لفراق أخيه:
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببينٍ كان ميعاده الحشر
وهوَّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوماً وإن نفس العمر
أجل، كتب عليَّ هذا الموقف المحزن لأذكر حياة الأستاذ السيد الخضر الحافلة بالفضل والجهاد، وإعلاء كلمة الإِسلام والعروبة، والحفاظ على المجد الطارف والتليد، عملاً بسنة مجمع اللغة العربية المحمودة في تأبين من يرحل من أعضائه. وكان الشيخ - رضي الله عنه - يؤثر أن يُدعى له بعد موته، فذلك أحبُّ إليه من التأبين، وهو يقول:
تسائلني هل في صحابكَ شاعر ... إذا متَّ قال الشعرَ وهو حزين
فقلت لها: لا همّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وما الشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ ... يلاقي جزاء والجزاء مهين
وإن أحظ بالرحمى فمالي من هوى ... سواها وأهواءُ النفوس شجون
فخلّي فعولن فاعلاتٌ تُقال في ... أناس لهم فوق التراب شؤون
وإن شئتِ تأبيني فدعوةُ ساجد ... له بين أحناء الضلوع حنين
وبلى، والله! كان للشيخ فوق التراب شؤون وشؤون، فهو حقيق أن يرثيه الشعراء والكتاب، وأن تفيض عليه الشؤون. وإن شؤونه لتفتح عليهم أبواب الكلام، وتحوك لهم جياد القصيد.
ألم يكن علماً من أعلام الإِسلام والعربية ذاع أمره وطاب ثناه؟ ألم
(14/ 2/62)

يكن داعياً من دعاة الخير والهدى الحميد؟ ألم يكن المثل الأعلى في الخلق وطيب النحيزة؟ وقد تفضل الأستاذ الجليل محمد شفيق غربال، فأعطاني كتاباً لمستشرق كندي وصفه في تاريخ الإِسلام في العصر الحديث، تحدث في فصل منه عن مقالاته في مجلة "نور الإِسلام" -وهي مجلة الأزهر لأول نشأتها-، وعمق النظر فيها، وأثنى عليه أطيب الثناء، وهو يصفه أنه مثالي. ومن كلامه: "أما أنه رجل مثالي، فهذا ما يتبادر من كتابته. وهو مثالي من الوجهة النفسية والأخلاقية على حد سواء". ومن كلامه أيضاً في هذا المعنى: "ومثله في المشاركة الفعلية، وجهاده في إصلاح المجتمع، ومثله في الدماثة الشخصية -حتى مع أعدائه-، ولكن مع التحرر من معرة الملق والمداهنة، ومن نقيصة التظاهر والرياء، ومثله في الكمال العقلي الدقيق، واحترام النفس، والاعتدال، والبعد عن النقائص -مثل: الكبر والمهانة- هذه المثل وغيره يصورها الخضر بصورة واضحة خاصة به لرسم طابعها الخلقي".
أجل، ألم يبلغ أقصى ما يبلغه أمثاله، فكان شيخاً للجامع الأزهر، وإنما أتاه بهذا المنصب: العلم، والحلم، والحسب، والفضل الغزير، فحفظ للمنصب رونقه وجلاله؟!
والذي يتناول حياة الشيخ ينتشر عليه مجال القول، ولا يدري أي وجه يأخذ، فكل أمره بارع، وكل شأنه سامق. وهمّي في هذا المقام أن أذكر موجزاً بسيرته، وسيتناولها الناس بالبسط والتفصيل في مقاوم أخرى.
* نشأة الشيخ:
ولد الشيخ في "نفطة" من أعمال تونس، ويقول فيها ياقوت: "مدينة بأفريقية من أعمال الزاب الكبير. وأهلها شراة أباضية، وهبية متمردون".
(14/ 2/63)

وإفريقية هي إقليم تونس، وكأنما توارث أهل "نفطة" خلق الشراة -وهو العزة والأنفة من الجور-، فنشأ الشيخ على هذا الخلق، وحالفه طول دهره.
وكان مولد الشيخ في سنة 1294 ه (يوافق 1877 م) من أسرة كريمة. ونرى في شعره الحديث عن والدته إذ يرثيها في سنة 1335 ه (1916 - 1917 م)، وهي من بيت عريق في العلم والفضل: بيت عزوز، ويقول فيها:
بنت عزوز لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
كنت نوراً في حمانا مثل ما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
أفلم تُحْييه بالقرآن في ... رقة الخاشع ما عشتِ لزاما
كنتِ لي روضةَ أنسٍ أينما ... سرت أهدت نفحَ وردٍ وخزامى
ويذكر الشيخ كثيراً خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وكان مدرس الحديث في دار الفنون بالآستانة. ورثاه الشيخ إذ مات في هذه المدينة في سنة 1334 ه، ويقول فيه:
رب شمس طلعت في مغرب ... وتوارى في ثرى الشرق سناها
هاهنا شمس علوم غربت ... بعد أن أبلت بترشيش ضحاها
وترشيش: اسم قديم لتونس.
وقد حفظ القرآن، وشدا شيئاً من الأدب في بلدته. ونراه يقول في هذه الحقبة من حياته: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها. وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت -وأنا في سن الثانية عشرة- نظمَ الشعر. وفي هذا
(14/ 2/64)

العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة". ويؤرخ الشيخ دخوله جامع الزيتونة بسنة 1307 ه؛ أي: سنة 1899 م. ويذكر الشيخ أنه تلقى العلم عن جلة الشيوخ، وذكر منهم: الشيخ سالماً أبا حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ رضوان. . . وهو لا ينسى عهد طلبه العلم، ولا يفتأ يذكر شيوخه، ويرثي من مات منهم. ونراه يكثر الحنين إلى منازه تونس، ومعاهد صباه وشبابه. فهو يقول في كلمة بعث بها رداً على تحية له من تونس:
بعيشك حدثني عن المعهد الذي ... قضيت به عهد الشبيبة رائدا
حظيت بأشياخ ملأت الفؤاد من ... تجلتهم لما خبرت الأماجدا
بيان أديب يقلب الليل ضحوة ... وفكرة نحرير تصيد الأوابدا
فلم يُرني أدرى وأنبلَ منهم ... رحيلٌ طوى بي أبحراً وفدافدا
كان الشيخ يحن إلى تونس ومغانيها، ولكنه كان لا يرى العودة إليها إلا بعد تطهيرها من قذى الفرنسيين، ونراه يقول:
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبل بها عند الظماء كُبودُ
ليال قضيناها بتونس ليتها ... تعود وجيشُ الغاضبين طريدُ
وكان الشيخ أبو حاجب أحب الشيوخ إلى أستاذنا، فكان يكثر ذكره والحديث عنه. فلقد عرف الشيخ قدر تلميذه، وتوسم فيه النجابة ونباهة الشأن. يقول الشيخ الخضر: "وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، ويدعو للطالب بالفتح. كنت يوماً في درسه "الجامع" للبخاري، وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا، وصبر
(14/ 2/65)

عن كذا، فقال: صبرت عن المعصية؛ أي: تركتها، فقلت له: قد ترك الشاعر هذا الفرق إذ قال:
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
فمقتضى هذا الفرق أن يقول: إلا عنك فإنه مذموم. فاغرورقت عيناه، وظهر على وجهه ابتهاج، ودعا لي بخير. ولم يسعه إلا أن يقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فالشاعر استعمل (على) موضع (عن) كما قال الآخر:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير ... لعمرُ الله أعجبني رضاها
فإن رضي يتعدى -بحسب الأصل- ب "عن" كما قال الله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119]. ويقول أيضاً في شيخه هذا: "وممن لقيت من الأدباء العلماء: شيخنا الشيخ سالم أبو حاجب، فكان يقول الشعر مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب. سافر مع الوزير خير الدين التونسي إلى الآستانة، وخاطب السلطان بقصيدة، فأمر السلطان بإعطائه وسامًا، وقال له المكلف بإعطاء الأوسمة: هذا وسام براتب، فأبى قبوله، وقال: إن من العيب عندنا أن يحمل العالم وساماً، فلما عاد إلى تونس، قال له ملك تونس: لو قبلتَ الوسام، لغضبتُ؛ لأني كنت عرضتُ عليك مثل هذا، فأبيتَ".
ولقد تأثر الشيخ الخضر بشيخه في سمو النفس وظلفها عما لا يجمل بالكريم، وذلك أخص أخلاقه -عليه رحمة الله-، كان يحتذي من القدماء في هذا المعنى القاضي الجرجاني، وتراه يقول: "ومن خير الأدباء العلماء: القاضي عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه".
(14/ 2/66)

وحسبك في وصفه، والكشف عن أدبه أبياته التي يقول فيها:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
يقولون هذا مورد قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحر تحتمل الظما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
وأذكر هنا: أن التاج السبكي أورد أبيات الجرجاني في "معيد النعم" (70)، وقال عقبها: "فلقد صدق هذا القائل. لو عظموا العلم، لعظمهم. وأنا أقرأ قوله: لعَظما -بفتح العين-؛ فإن العلم إذا عُظِّم، يُعَظِّم، وهو في نفسه عظيم. ولهذا أقول: ولكن أهانوه، فهانوا. ولكن الرواية: فهان، ولعُظم -بضم العين-. والأحسن ما أشرت إليه".
* حياة الشيخ في تونس بعد تخرجه:
تخرج الشيخ في جامع الزيتونة في سنة (1316 ه - 1898 م)، وهو فقيه كاتب شاعر أديب يستشعر المرارة من سوء الحال في بلده، وبسطة يد الفرنسيين فيه، ويتحرق إلى إعادة مسجد الإِسلام. ورأى أن خير ما ينفق فيه جهده: تنبيه الأفكار، وبعث اليقظة في نفوس الناس، وأن من أقوم السبل في ذلك: الصحافة الواعية الرزان. فأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب، وأخاله كان فيها جسوراً، ينقد ما يراه في قومه من استسلام للأجنبي، ويرسم ما يرى من إصلاح في شتى النواحي، وينشر فيها نفثات الأفكار، ودرر الأخبار. ونراه يقول في شأن هذه المجلة: "وقد كنت -بعد أن نلت درجة العالمية من جامعة الزيتونة- أنشأت مجلة علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر علي بعض الشيوخ، وظن
(14/ 2/67)

أنها تفتح باب الاجتهاد؛ لأني قلت في أول عدد منها؛ "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا مع دليل يبطل الدليل الذي انفتح به أولاً". وشجعني على إنشائها شيخنا أبو حاجب، وقال لي في باب الشفاء من جامع الزيتونة: أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل: "ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي". وكان شجعني عليها كذلك الوزير محمد بوعتُّور. وشكا إليه بعض الشيوخ مما نشر في المجلة مما يتعلق بالخطابة، فأجابه الوزير -وكان من العلماء الأجلة، ورأيت له نسخة من "المفتاح" للسكاكي بخط يده الجميل-: إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون".
ونراه فيها يبكي مسجد المسلمين الضائع، ويستنهض الهمم للصناعة والعلوم المادية، فيقول:
أبناء هذا العصر هل من نهضة ... تشفي غليلاً حره يتصعد
هذه الصنائع ذللت أدواتها ... وسبيلها للعالمين ممهد
إن المعارف والصنائع عُدَّة ... بابُ الترقي من سواها موصد
وكان ينشر فيها شعره الحماسي أمير شعراء تونس السيد الشاذلي خازندار. وله يقول الشيخ الخضر:
ما زلت أذكر ما خطت يمينك في ... سفر السعادة من آدابك الغرر
وأنفع الشعر ما هاج الحماسة في ... شعب يقاسي اضطهاد الجائر الأشر
ولقد وضحت خطة الشيخ في حياته: إصلاح اجتماعي وديني، وإيقاظ النفوس لاستعادة مسجد الإِسلام، ونفض غبار الذل والاستكانة للأوربيين. وكان يسميهم تهكماً: المعمرين، وإنما هم المخربون، ودعوة للوحدة بين المسلمين، ونبذ للقوميات الوطنية التي فرقت المسلمين قِدَداً، وبددتهم عباديد
(14/ 2/68)

يتقسمهم المستعمرون الأجانب. ويقول في هذا:
نادوا بها قومية خرقاء أو ... وطنية لا حبذا ذاك النداء
وإذا ذكرت الدين قالوا خلِّنا ... من ذكره وعلى أُخوته العفاء
وتجلت مكانته، وعلا كعبه في هذه الحقبة، فولي القضاء في "بنزرت" في سنة 1905، ولكن لم ترقه حياة القضاء، إذ تحول دون ما يريد من الدعوة للجهاد، ومناهضة المستعمر. فترك هذا المنصب، وولي التدريس في جامع الزيتونة؛ حيث تخرج عليه الجلة الفضلاء. وكان مما درّسه إذ ذاك كتاب: "المثل السائر".
* هجرة الشيخ من تونس:
لبث الشيخ في تونس يحمل علَم الجهاد والإصلاح والاتجاه بالنقد على عسف الفرنسيين. ويقول في بعض حديثه: من يسمونهم بالمعمرين، فلهم في المظالم قصص تملأ أسفارًا، فلا أدري ما أذكر منها وما أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة 1325 ه بإشارة من شيخ المدينة أن أكون عضواً في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت من هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري.
وقد حدثت في هذه المدة في تونس ثورات وطنية، قمعت بالغلظة من الفرنسيين، والتنكيل بمن يهيِّج الناس عليهم، فأزمع الشيخ الرحيل من بلده المحبوب الذي عفَّى على محاسنه القومُ الظالمون، واتجه نحو الشرق عسى أن ييسر له في سبيل دعوته ما يجعلها مثمرة مجدية.
واستوطن دمشق إذ كانت لا تزال تحت سلطان العثمانيين لم يحتلها الأجنبي. وكان فضله قد سبقه إليها، فنصب للتدريس بالمدرسة السلطانية،
(14/ 2/69)

حيث درّس الإمام الشيخ محمد عبده، وكان ذلك سنة 1912.
ولقد أظلته الحرب العظمى وهو في دمشق. وكان جمال باشا سفاح الشام يناهض كل دعوة عربية، فوشي إليه بالشيخ، فاعتقله. ويقول الشيخ في اعتقاله:
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضُحانا به ليل وسامره رمس
فقال رفيقي في شقا الحبس إن في ال ... حضارة أنساً لا يقاس به أنس
فقلت له: فضل البداوة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس
ورحل بعد هذا إلى الآستانة، حيث أسند إليه التحرير بالقسم العربي بوزارة الحربية، ويقول في هذا: "ولما وليت التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية بالآستانة، قدموا إلي ورقة لأكتب فيها شخصيتي، وما أميل إليه من العلوم أكثر من غيره، وجهة تخصصي العلمي. فكتب أني مختص بعلوم البلاغة وأصول الفقه الإِسلامي. وكان بجانبي أحد علماء "شنقيط"، فقال لي: لم زدت وصف (الإِسلامي)؟ فلم يسعني إلا أن قلت له: كتبتها لزيادة الإيضاح. وقد سمعت من يسمي القوانين الوضعية: فقهًا، فيضعون بالطبيعة للقوانين الوضعية أصولاً، فتكون كلمة (الإِسلامي) للاحتراز عن غيره".
وقد سافر إلى ألمانيا مرتين. وكانت المرة الأخيرة حين احتل الحلفاء الآستانة، فرحل زعماء الحركة الإِسلامية؛ كالشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد -رحمة الله ورضوانه عليهم-، وقد عادوا -كما يقول هو- في الباخرة التي حملت العثمانيين من "همبرغ" إلى الآستانة، وكان ذلك سنة 1918 م.
وهو يتحدث عن ألمانيا في ذكريات كثيرة، يقول في جزء فبراير من
(14/ 2/70)

"لواء الإِسلام " 1957: "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق. وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرم من الحيوان: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3]، وهو ينطبق على ما كانوا يفعلون".
ويقول في "رسائل الإصلاح" (1/ 66): "أقمت في عاصمة ألمانيا وبعض مدنها وقراها زمناً غير قصير، فلم أر قط سائلًا سليم البنية، بل لم أر في تلك الديار متكففًا غير نفر قليل يتكفف، إذ لا يعدم سليم البدن أن يجد هناك عملاً حيوياً إذا شاء. والتعليم هناك -وهو إلزامي- يقبح لصاحبه أن يقف موقف الاستجداء".
ويقول في جزء نوفمبر سنة 1955 من "لواء الإِسلام": "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا في أيام الحرب الأولى حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية "ويزندرف"، سألني المدير في نهايته، فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: إن العرب لا يصلحون للملك، ولا يحسنون حكماً للأمم. قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية. وقرر أنهم في الإِسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام. وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في "مقدمته" ذكر فيه أن العرب أبعدُ الأمم عن سياسة الملك، فقال: "فبعدت طبائع العرب لذلك كله عن سياسة الملك. وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طبائعهم، وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم، وتجعل الوازع لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض. واعتبر ذلك بدولتهم في الملة،
(14/ 2/71)

لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً وباطناً، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم". وقد نظم في هذه الواقعة قطعة في ديوانه عنوانها: (العرب والسياسة).
وفي ديوانه قطعة دالية نظمها في ألمانيا حين زاره محمد بك فريد، وإسماعيل بك الأيوبي.
وقد ذكرت أنه عاد إلى دمشق في سنة 1918. وفي هذه المرّة وجد في الشام الحكومة العربية في عهد الملك فيصل الأول، وعهد إليه التدريس في المدرسة السلطانية كما كان أولاً. ولكن ما لبث أن بسطت فرنسا سلطانها على البلاد، فترك الشيخ دمشق إلى القاهرة؛ حيث استقر بها، وتأثل مجده، وانتشر علمه وفضله. وكان رحيله إلى مصر في سنة 1338 ه (1919 م).
أقام الشيخ بمصر، وأحس الغربة في مبدأ أمره، ورضي بها، وآثرها على الرجوع إلى وطنه الذي لا يزال تحت حكم الأجنبي. ويقول في ذلك:
رضيت عن اغترابي إذ لحاني ... فتى لا ينظر الدنيا بعيني
يقول: تقيم في مصر وحيداً ... وفقدُ الأنس إحدى الموتتين
ألا تحدو المطية نحو أرض ... تعيد إليك أنسَ الأسرتين
وعيشاً ناعماً يدع البقايا ... من الأعمار بِيضاً كاللجين
وقوم أمحضوك النصح أمسوا ... كواكب في سماء المغربين
فقلت له: أيحلو لي إياب ... وتلك الأرض طافحة بغين
وما غين البلاد سوى اعتساف ... يدنسها به خرق اليدين
فعيش رافه فيها يساوي ... إذا أنا سمته خُفَّي حُنين
(14/ 2/72)

أحن إلى لياليها كصبٍّ ... يحن إلى ليالي الرقمتين
ومطمح همتي في أن أراها ... تساوي في علاها الفرقدين
وقد عرفت مصر قدر الشيخ، وكثر أصدقاؤه ومريدوه. وكان من آثرهم وأجلهم: أحمد تيمور باشا -رحمه الله-. فقد آزر الشيخ، وكان له خير رفيق ومعين. ويقول الشيخ حين استأثر الله بصديقه الوفي:
تقاسم قلبي صاحبان وددت لو ... تمتلَّهما عيناي طول حياتي
وعللت نفسي بالمنى فإذا النوى ... تعل الحشى طعناً بغير قناة
فأحمد في مصر قضى ومحمد ... بتونس لا تحظى به لحظاتي
ويريد بمحمد: الشيخ الطاهر بن عاشور -مد الله في حياته-.
وقد قام الشيخ بأعمال جليلة، فاشترك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأسس جمعية الهداية الإِسلامية، وأصدر مجلتها، وظلت سفر الهداية وعلم رشاد. وقول تحرير مجلة "نور الإِسلام" (وهي مجلة الأزهر) لأول عهدها. وكذلك ولي تحرير "لواء الإِسلام" فيما بعد حيناً من الدهر، ووضع الخطة القويمة لها، ونهج لها السنة الواضحة.
ولقد ضمه الأزهر إلى علمائه، وكان أستاذاً في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء. وكان أن وقع عليه الاختيار لمنصب مشيخة الأزهر في سنة 1952 لأول عهد حكومة الثورة المبجلة.
واختير عضواً في مجمع اللغة العربية لأول نشأته، فكان من الذين رفعوا سمكه، ومكنوا له. واشترك في وضع الخطط التي يسير عليها المجمع، وإصدار القرارات التي يسير في هداها. ومن هذه القرارات: قرار تكملة المادة
(14/ 2/73)

اللغوية، وغيرها، ومجلة المجمع ومحاضره تشهد بفضله وتبريزه. وله عدة قصائد في افتتاح دورات المجمع. وكان في آخر حياته يحرص على حضور حفلات المجمع على الرغم من سوء صحته، وإن علته كثيرة نالت منه.
وأحب الشيخ مصر، وأعجبه نهضتها وقوة جيشها. وكان يتمنى لو يتاح مثل هذا للمغرب، وهو يقول في استعراض الجيش المصري في سنة 1949:
دمعة كالثلج برداً مَجَّها ... في المآقي فرطُ بشرٍ وارتياح
إذ شهدنا عرض جيش من بني ... مصر في أسنى عتاد وسلاح
وتلتها دمعة صور لي ... حرها أنفاس مكسور الجناح
إذ ذكرت المغرب الغارق في ... لجج سود من العسف الصراح
نهضت مصر إلى المجد وما ... نهضت إلا بعزم وكفاح
أترى المغرب يوماً ناهضاً ... للعلا بين سيوف ورماح
وكان الشيخ يجهد دهره في تحرير المغرب، فكان رئيس جبهة شمال أفريقية، وكانت هذه الجبهة تضم علية الأحرار الذين يسعون إلى نجاء المغرب من حكم فرنسا الجائر. وقد يكون من ثمار هذه الجبهة: ثورة الجزائر، ونهضة تونس ومراكش. وعني بمسألة فلسطين، فأنشأ قصيدة يذكر فيها وعد بلفور، يقول:
ما وعد بلفورسوى الزبد الذي ... يطفو ويذهب في الفضاء جُفاءَ
أفبعد فتح ابن الوليد وصحبه ... للقدس وعدٌ يستحق وفاء
أننام عن إسعافهم والدين قد ... عقد ائتلافاً بيننا وإخاء
لا تنجدوهم بالتحسر وحده ... إن التحسر لا يزيل عناء
(14/ 2/74)

وكان يدعو -كما قلت- إلى وحدة العرب والمسلمين. وكأنما بلغت نفسه بعض أمنيته بوحدة مصر وسورية، فمات عقب إعلانها قرير العين.
وكان الشيخ رقيق القلب، يحفظ عهد الصديق، وفياً للعشير. ماتت زوجه عقب توليه منصب مشيخة الأزهر، فرثاها بقصيدة أسى ورقّة، يقول فيها:
أعاذل غضّ الطرف عن جفني البكي ... لخطب رمى الأكباد مني بأشواك
ولي جارة أولى بها سقم إلى ... نوى دون منآها المحيط بأفلاك
أيا جارتا عهد اللقاء قد انقضى ... وصمتك إذ أدعوك آخر ملقاك
أجارة هذا طائر الموت جاثم ... ليذهب من زهر الحياة بمجناك
وكيف يروم الصحب مني تصبراً ... ومركبة حدباء أرست بميناك
وكنت ألاقي كلما جئت مؤنساً ... فمالي ألاقي اليوم صيحة منعاك
حنانيك هل ساءتك مني خليقة ... فأنكرتِ دنيانا وآثرتِ أخراك
وكنت أعزي النفس من قبل أنني ... أموت قرير المقلتين بمحياك
ولم أدر ما طعم المنون فذقته ... مساء لفظتِ الروح والعينُ ترعاك
هوى بك بَيْنٌ لست أرجو وراءه ... زمانا يجود الدهر فيه بمرآك
فهيهات أن أنساك ما عشت والأسى ... يموج بقلبي ما جرت فيه ذكراك
وهيهات لا أنسى مواطن كنت لي ... مسلية لا أنس إلا بمغناك
ولولاك لم أقض اليراعة حقها ... كأن نسيج الفكر حيك بيمناك
وأنت التي حببت لي العيش بعدما ... سئمت فطيب العيش بعض مزاياك
(14/ 2/75)

وإن سامني يوم شكاة تدفقت ... دموعك عن جفن يخال هو الشاكي
يجافي الكرى عيني إذا مسَّكِ الضنى ... ويرتاح ما بين الحنايا لمنجاك
تمر بنا الأيام موصولة المنى ... فما ضرنا ألا نكون كأملاك
أجارة لو شاهدت كيف وقفت في ... مزارك لكن ما ظفرت بنجواك
إذاً لرأيت الحزن يصلى بناره ... حشًى وكأن الحزن شد بأسلاك
وعدت إلى البيت الكئيب كأنني ... خلقت فريداً لست أعرف إلّاك
أغص بشجو كلما مر موضع ... حللت به والنفس مرآة سيماك
وجملة القول: أن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلا في الندرى؛ فقد كان عالماً ضليعاً، وكان مع ذلك عالماً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشد عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظا على العربية والدين، يرد ما يوجه إليهما، وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال. وكان عفَّ اللسان والقلم، لا يتناول المنقود بما يخزيه وما يثلم عرضه، وكان يكره ذلك لمجادله وخصمه. وهو يقول في بعض كلامه: "ووقع بيني وبين بعض العلماء نزاع في مسألة، فلم يقتصر على ما يراه صحة لرأيه، بل زاد على ذلك كلاماً لا يتعلق بالبحث، فأجبته بذكر الحقيقة والتاريخ، وقلت له: ما زاد على ذلك، فغير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم".
وإن مجال القول في الشيخ ذو سعة، ونواحي فضله تحتاج إلى كتب وكتب. وأحسب أن فيما ذكرت ما يجلي بعض هذه النواحي. وأختم هذا الحديث بالدعاء إلى الله أن يجزل ثوابه، وأن يجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
(14/ 2/76)

الشيخ الخضر
بقلم أحمد حمزة
"صاحب مجلة "لواء الإِسلام" بالقاهرة، ووزير سابق، ومن العاملين الصادقين في خدمة الإِسلام بالمال والجهد" (1).

إن الله لا ينزع العلم من صدور العلماء انتزاعاً، ولكن ينزعه بقبض العلماء إليه. ولقد قبض إليه سبحانه في شهر رجب الحرام عالماً يذكره الشرق والغرب، وتذكره المحافل والندوات، تعددت جهات نشاطه، وتنوعت أساليب خدمته للإسلام، فهو المجاهد الذي يجاهد أعداء الإِسلام في تونس، ويقود الثورات عليهم، حتى يحكم عليه بالإعدام، فلا يضعف ذلك من عزيمته، ولا يوهن من شكيمته، بل يستمر متنقلاً في الآفاق، داعياً للإسلام، مدافعاً عنه، يتنقل بين البلاد الأوربية ضاربًا في الأرض، حتى إذا ألقى به الرحيل في أرض فلسطين، اشترك في إنشاء مدرسة (الدعوة والإرشاد)، وكان يتولى التدريس فيها، وتخرج على يديه تلاميذ كثيرون انبثوا في البلاد العربية دعاة مجاهدين.
ولما احتلت فرنسا بلاد سوريا التي اتخذها مقاماً، طاردته في ضمن
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد 12 من السنة الحادية عشرة.
(14/ 2/77)

من طاردت من الأحرار، وهو كالسيف المسلول لا يضعف ولا يهن، فهاجر إلى مصر، وفي مصر عكف على العلم الذي كان ذخيرته وعدته دائماً، ولم ينس جهاده في سبيل الإِسلام، فأخذ يؤسس الجمعيات الدينية، ويعضدها بقلمه ولسانه، وأنشأ جمعية الهداية الإِسلامية، وكان يمدها بما يفيض ماله القليل.
ووقف قلمه على من يهاجمون الحقائق الإِسلامية، وله كتاب أفرده في الرد على من هاجموا نظام الحكم في الإِسلام. وقد امتاز بقوة الحجة، وإحكام الجدل العفيف النزيه.
ولما أنشئت الكليات الأزهرية، كان ممن أقاموا دعائم التدريس في كلية أصول الدين، وتلاميذه من الوعاظ وغيرهم يذكرون فضله عليهم، وعمق تفكيره، ويعتبرون ما كتبه حجة يرجعون إليها.
ومنذ اتجهنا إلى إنشاء مجلة "لواء الإِسلام" نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علماً يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين، فأرسى قواعد التحرير فيها، وتعهدها بتوجيهه وقلمه وقلبه المنير، ونيته وإخلاصه - رضي الله عنه -، فسارت قدماً إلى الإمام، تحمل رسالتها، وتتجه إلى غايتها، ومن ورائها (الخضر)، ونخبة مؤلفة من العلماء المخلصين المؤمنين.
ولم ينقطع عن رياسة التحرير إلا عندما شغل بمنصب شيخ الأزهر، وفي هذا المنصب أعاد إليه كرامته، وأكّد عزته، ولا يزال الأزهريون يذكرون له مواقف الشمم والإباء، وما زالت كلماته التي قالها، والتي استهل بها عهده فيه تدوِّي في آذانهم، يرددونها، ويعترفون له بتحقيقها، فقد قال - رضي الله عنه -: "ولّيت
(14/ 2/78)

الأزهر موفوراً عزيزاً، فإن لم يزد في عهدي، فلن ينقص منه شيء". ثم ترك الأزهر، وعكف على العلم والكتابة مرة أخرى في "لواء الإِسلام". واستمرت المجلة تشرق بمقالاته، وتضيء بإخلاصه حتى قبضه الله إليه.
فرضي الله عنه في الصديقين والصالحين والأبرار المجاهدين.
(14/ 2/79)

تونس تفقد عبقرياً من أبنائها بمصر
بقلم علي الجندوبي
"كاتب وصحفي له نشاط واسع في التحقيقات، ولد في تونس عام 1909 م، وتوفي بها عام 1966" (1).

مساء يوم الأحد 4 فيفري 1957 وصلت الأنباء بنعي فضيلة العلامة الهمام، والعالم العامل المبرز في علم التفسير وأصول الدين، المرحوم الشيخ الخضر بن الحسين، أحد نوابغ تونس، والذي زان وجه بلاده في كل من ميدان العلم والسياسة والأدب. قضى نحبه عن سن عالية تبلغ (86) سنة قضاها في العمل المتواصل، لا لفائدة تونس فقط، بل لفائدة العروبة والإِسلام.
وهو فذ من أفذاذ الجامعة الزيتونية، وأحد أقطاب حركتها، فارق تونس منذ نصف قرن متجهاً نحو مصر، بعد أن غبن في حقه من جراء الحيف والظلم، وبعد أن شارك في سلسلة من المناظرات في العهد الماضي عهد المحسوبية والمحاباة.
والتجأ إلى الشرق عام 1912، وعلى أثر هجرته، أصدرت عليه المحكمة
__________
(1) صحيفة "النداء" التونسية، العدد العاشر الصادر بتاريخ (21 رجب 1377 الموافق 10 فيفري شباط 1958).
(14/ 2/80)

العسكرية حكمها بالإعدام، والاستيلاء على مكاسبه بدعوى التعاون مع العدو، فلم تجد عند الشيخ إلا بعض كتب، وعمل مع رفقائه في الهجرة كل من العلامة الشيخ إسماعيل الصفايحي، وصالح الشريف في إسطنبول، واستقر في مصر بالقاهرة المعزية، وهناك اعترف له بمكانته العلمية وقدر نبوغه، ودرج في سلم العلم والتدريس، وزاول تدريس التفسير للقرآن الكريم، وأصول الدين، حتى أصبح بحق ضمن هيئة كبار علماء مصر، واحد رجال مجتمعها الأفذاذ، وهو الذي عمل لبلاده في الحقل الوطني من الرعيل الأول.
وهو مثل: جمال الدين الأفعاني، ورشيد رضا، ومحمد عبده، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالبي، ورفيقه وزميله العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور.
وكان ركناً من أركان الصحافة، فقد أسس بتونس مجلة "السعادة العظمى"، وكان داهية من أبرز الأفذاذ الذين دعوا إلى الوحدة العربية الإِسلامية في عدة مناسبات، وفي عدة هيئات.
ورغم عمله العلمي لفائدة مصر والأزهر، فقد كان دائماً يحن لبلاده، ويعلن زورته لتونس، له بها أهل وأقارب، وأخ هو الشيخ المكي بن الحسين، أحد رجالات الأدب والانقطاع إلى العلم، كما له أخ ثانٍ هو العلامة المبرز هو مثله في أعماله العلمية، وهو الأستاذ زين العابدين بن الحسين، مكون جيل كامل، وكان أكبر موجه ونبراس العلم في مدينة دمشق الشقيقة التي استقر بها نصف قرن أيضاً، وعمل بها للعلم وأهله -أطال الله عمره-.
ورجلنا هو الذي وقع عليه الاختيار في مبدأ الانقلاب المصري، والقضاء
(14/ 2/81)

على الملكية، فاختاره قائد الثورة إذ ذاك محمد نجيب للإشراف على إدارة الأزهر الشريف بفروعه، وقضى بهذه الخطة ردحاً من الزمن أبهر فيها مصر بما فيها من أهل العلم، وأحسن الإدارة والتوجيه المثمر.
وفارقها بمحض اختياره مكتفياً بصفته من كبار العلماء والمجمع اللغوي المصري، ومثله المجمع العلمي بدمشق، وهو الرجل الذي عرف مصر وأحبها، واختار أن يستوطنها ويعمل فيها ولها طول حياته، فهو رجل منقطع للعلم والعمل المتواصل، ولم يمنعه سنه العالي من الاستمرار في الإنتاج في ميدان الصحافة أيضاً والأدب. وقد كان راحلنا شاعراً ممتازاً في أطوار حياته المزدانة بالمفاخر والأعمال الجليلة، التي تشرف لا تونس فقط، بل العروبة والإِسلام.
هذا زيادة على توجيهاته للجالية التونسية المستقرة بمصر في الحقل التجاري، فهو أول سفير علمي سياسي اقتصادي لتونس بمصر في عهد منحتها هذه البلد التي كانت ولا زالت ملجأ لرجال الفكر من عهد عبد الرحمن بن خلدون، الذي يماثله في الاضطهاد والعقوق به، وأما اليوم، فإن تونس التي أصبح لها سفارة تونسية على رأسها الأستاذ الطيب السحباني، وثلة من رجال الفكر والأدب والعلم.
وآثار راحلنا تحت كل ورقة من المجلات الراقية العلمية، وعلى الأخص منها الدينية، المتمثل فيها أصول الدين، والمقاصد العليا التي أتى بها القرآن الكريم، والحديث الشريف، والسير على هدي السلف الصالح ممن وضّحوا الحقائق للبشر في هذه الأرض.
وبموته اليوم خسرت لا تونس فقط، بل العالم العربي، وأوساط الفكر
(14/ 2/82)

العلمي الذي كان الفقيد من رجاله الممتازين، وقد ترك مؤلفات ذات قيمة في الميدان العلمي والثقافي، أمثال: "ديوانه الشعري".
وقد علمنا أن هيئة المعهد الخلدوني فكرت في إقامة مهرجان لهذا العبقري المجاهد، والوطني الذي كافح الاستعمار بطريق العلم والسياسة معاً كلما دعت الحاجة لهذا، وفي أي ظرف من ظروف الحركة الوطنية، ولفائدة تونس ورجالها إلى آخر نفس من حياته.
العزاء للجامعة الزيتونية، ولبلد الجريد منبع النبوغ والعلم، وعزاء لآله وذويه وأشقائه، وزميله الشيخ الطاهر بن عاشور الذي يعتبره الفقيد أخاً له من عهد الدراسة، ولابنه الروحي الأستاذ الفاضل بن عاشور، ومحبيه، ولتونس طول البقاء.
(14/ 2/83)

محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق
دراسة - مختارات
بقلم أبو القاسم محمد كرو
"كاتب وأديب تونسي، له نشاط ثقافي واسع، وصلات وثيقة مع رجال الفكر. رئيس اللجنة الثقافية في تونس. يكتب في عدة صحف ومجلات أدبية داخل تونس وخارجها، من مؤلفاته: دراسات في الأدب والنقد - أبو القاسم الشابي حياته وآثاره - من أعلام تونس في الثلث الأول من القرن العشرين" (1).

* مقدمة:
لم تكن يقظة تونس في القرن التاسع عشر، ولا نهضتها المتواصلة صعوداً وعرضاً منذ مطلع القرن الماضي إلى اليوم، لم تكن هذه النهضة، ولا تلك اليقظة، نتيجة انتفاضة طارئة أو مفاجئة، بل كانت نتاج تطور طبيعي تعاقب أجيالاً، وثمار بذور تولت أيد كثيرة مخلصة بذرها في تربة الوطن ونفوس أبنائه، ثم سهرت على رعايتها وحمايتها، وتبليغ أمانتها لمن يأتي بعدها جيلاً بعد جيل.
وليس من شك في أنه لن تكون لأي شعب وثبة أو يقظة أو نهضة ما لم يحمل أعباءها رجال وهبوا من الذكاء والعلم والإخلاص ما يؤهلهم لذلك.
__________
(1) سلسلة كتب "أعلامنا" الطبعة الأولى 10/ 10/ 1973 - تونس.
(14/ 2/84)

وإن تونس المعتزة اليوم بما حققته من انتصارات، وما بلغت إليه من تقدم، لتعتز أيضاً بأن لها في ماضيها البعيد والقريب، بل وفي حاضرها الماثل، رجالاً أفذاذاً في شتى ميادين الكفاح والنضال، وفي جميع نواحي الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية.
فمنذ فجر يقظتها، وهي تلد الأفذاذ والعباقرة، كما تلد الأبطال والنبغاء في كل الميادين.
وها أنا أختار رجلاً واحداً من أولئك الأفذاذ النبغاء، الذين أنجبتهم هذه التربة الولود، رجل جمع إلى الذكاء والجد والحصافة والنبوغ، صفاتِ الشهامة والبطولة والإخلاص الوطني.
هذا الرجل هو الشيخ الإمام المرحوم محمد الخضر حسين، الذي سأكتفي بتقديمه في إطار تاريخي وتحليلي عام، قصدَ التعريف به، والترجمة له.
وسيرى القارئ أن حياة الشيخ ونضاله وتراثه الديني والأدبي واللغوي تحتاج كلها إلى مجلدات.
ولئن كان العمل الشامل المفصل هو من واجبات المتفرغين للبحث، أو الراغبين في التخصص، فإن في هذا العمل المحدود -والمحدد لمعالم شخصية الشيخ محمد الخضر، وحياته الغنية جميعاً بالإنتاج والنضال- ما يمهد لمثل هؤلاء الدارسين سبل البحث والتوسع والاستقصاء.
وبالفعل فقد كان لقسم كبير من هذه الدراسة أثر عند كثيرين ممن اطلع عليه حين نشره، حلقاتٍ، بجريدة العمل التونسية سنة 1969.
وهذا القسم المنشور، قد حافظنا عليه كما نشر تقريباً، إلا ما اقتضته
(14/ 2/85)

المراجعة من إضافة تصحيحات، وتحديد المراجع والمنابع الأصلية للمعلومات؛ تسهيلاً للباحثين أن يعودوا -إن أرادوا- إلى تلك الأصول.
لكن ما سبق نشره كان خاصاً بجوانب حياته الزمنية والمكانية، ونضاله الديني والوطني بصفة عامة، وعلى ذلك رأينا أن نضيف إليه فصولاً أخرى جديدة تتعلّق بآثاره الفكرية والدينية واللغوية، ويعض جوانب من حياته الأدبية والصحفية والوطنية.
كما ألحقنا بالدراسة قسماً ثانياً اخترنا فيه "نماذج أدبية ولغوية ودينية ووطنية" تمثل أهم الموضوعات التي كانت غالبة وبارزة في إنتاجه: كتباً وبحوثاً، ومقالات وقصائد.
ولما كانت غايتنا الأولى من هذا البحث (حين كتب القسم الأول منه، وألقي كمحاضرة في مسقط رأسه "نفطة" -سبتمبر 1967 - ثم في العاصمة فيفري 1968) هي أن يكون إحياء لذكراه، وتمجيداً لنضاله، وتحية له، ورمز تقدير وعرفان لما أسداه لأمته وتراثها من جليل الأعمال وفائق المؤلفات، فإن غايتنا منه اليوم هي تأكيد تلك المعاني وتعميقها بمناسبة مرور مئة عام هجري على ميلاده، وخمس عشرة سنة على وفاته.
آملاً أن يكون هذا العمل الأول نحوه بمثابة الارتياد والتمهيد للاحتفال القادم بالذكرى المئوية الشمسية لميلاده، التي ستحل بيننا بعد ثلاث سنوات فقط؛ أي: في شهر جويلية 1976.
إن الوفاء لأفذاذ أمتنا وأعلامها وأبطالها وشهدائها هو أول ما يجب علينا جميعاً نحوهم.
(14/ 2/86)

وهو أقل من القليل نحو الشيخ محمد الخضر حسين لما تركه من تراث، وما قام به من جهاد، وما له من مكانة باسقة في تاريخنا القومي والفكري، وفي العالم الإِسلامي على السواء.
أبو القاسم محمد كرو
تونس 1393 ه - 1973 م
(14/ 2/87)

حياته وأعماله
(1293 - 1377 ه , 1876 - 1958 م)

* أسرته:
ينحدر (1) الشيخ محمد الخضر حسين من أسرة عريقة في العلم والدين والشرف؛ إذ ينتمي جميعها إلى التصوف والدين والعلم، كما تنتمي إلى النسب النبوي الشريف، ومن أجل هذا كان لشيوخها -في عصرهم- مكانة مرموقة بين معاصريهم.
ويعود أصل الأسرة إلى جنوب الجزائر، وإلى بلدة (طولقة) بالذات، وهي تبعد زهاء الأربعين كيلومتراً عن مدينة "بسكرة" الواقعة في جنوب القطر الجزائري، وهي تابعة اليوم لولاية "قسنطينة".
يقول أحد تلاميذه:
"هو محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، وأسرته ترجع
__________
(1) هذا البحث مكرر حرفياً في كتاب "تونسيون في تاريخ الحضارات" للأستاذ الباحث والمحقق والشاعر محمد بوذينة - منشورات محمد بوذينة - الحمامات تونس - الطبعة الأولى/ أكتوبر 1998 م.
والثابت أن الأستاذ محمد بوذينة نقله عن الأستاذ محمد كرو.
ونشر الأستاذ محمد بوذينة هذه الترجمة للإمام محمد الخضر حسين ضمن "سلسلة مشاهير" تحت رقم 135.
(14/ 2/88)

إلى بيت العمري (بطولقة) بيت العلم والمجد والشرف".
"وطولقة مركز دائرة الزيبان الأكبر، والزبيان الأصغر مركزه سيدي عقبة، على بعد 18 كم من بسكرة".
"ووالد المترجَم له كان رحل منذ قرن (1) من طولقة إلى نفطة صحبة مصطفى بن عزوز، إذ كان متزوجاً بابنته، شقيقةِ العلامة الشيخ المكي بن عزوز. . . " (2).
وعلى هذا. . يكون الشيخ الخضر جزائري الأصل عن طريق أبيه وأمه معاً.
ويبدو أن الأسرة هاجرت من جنوب الجزائر إلى بلاد الجريد، واستقرت ببلدة "نفطة" إِثر الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، وكان بين أفرادها الشيخ الحسين والد المترجم له، ولعل هجرتها كانت في منتصف القرن الماضي، بعد أن أخذ الغزو الفرنسي يكتسح مناطق الجنوب الجزائري.
ولد الشيخ محمد الأخضر (3) بن الحسين في بلدة "نفطة" (4) الجميلة في منطقة الواحات -الجريد - بالجنوب الغربي التونسي، يوم (26 رجب
__________
(1) كتب هذا سنة 1958، فيكون تاريخ الرحيل حوالي منتصف القرن الماضي.
(2) الطيب بن عيسى: جريدة - المشير - عدد 17 - 2 - 1958.
(3) هكذا كان ينعت في طفولته وشبابه. وهناك نادرة تروى عن سبب إبداله الأخضر بالخضر، وهو إبدال اقترحه عليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رفيق دراسته وتدريسه في الزيتونة، وصديقه مدة الحياة.
(4) ثاني مدينة في بلاد الجريد بعد عاصمتها توزر.
(14/ 2/89)

عام 1293 هجرياً، الموافق ليوم 26 جويلية يوليو سنة 1876 ميلادية).
وكانت وفاته في القاهرة يوم (12 رجب أيضاً عام 1377 هجرياً، الموافق للثاني من فيفري سنة 1958 ميلادية). وبذلك يكون الشيخ الخضر قد عاش أربعة وثمانين عاماً قمرياً، أو اثنتين وثمانين سنة شمسية.
وبين ميلاده ووفاته، وخلال هذه العقود الثمانية من حياته، اتسعت آفاقه، وامتلأت صحائفه بجلائل الأعمال، وبالأمجاد العلمية والوطنية والدينية العريضة.
* في العاصمة:
ففي عام (1306 ه / 1888) انتقل الطفل محمد الأخضر الذي نُعت فيما بعد بالخضر، وهو في الثالثة عشرة من عمره، مع والده وأسرته إلى العاصمة حيث أتم تعلمه الابتدائي، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة في العام الموالي (1307/ 1889)، فواصل فيه تعلمه إلى أعلى مراحل تعليمه؛ أي: إلى شهادة التطويع، وكانت معظم العلوم المقررة يومئذ دينية ولغوية. ولكنه تتلمذ على عدد من الشيوخ البارزين الذين كان لهم في نفسه أثر محمود ظل يذكره بالثناء والتقدير إلى آخر حياته. ولعل أهم هؤلاء الشيوخ: سالم بو حاجب (ت 1923) (1)، وعمر بن الشيخ (ت 1911) (2) ومحمد النجار (ت 1913) (3)، وقد درس التفسير على الأخيرين، ودرس
__________
(1) انظر عنه: كتاب "أركان النهضة الأدبية بتونس" (ص 16 - 20).
(2) انظر عنه: مجلة "الثريا" (س 1 ع 1 ص 3 - 5) (1 - 12 - 1943).
(3) انظر ترجمته بقلم الشيخ الخضر: مجلة "الهداية الإسلامية" (3 ج 1 ص 53 - 55)، أو في كتابه "تونس وجامع الزيتونة" (ص 97).
(14/ 2/90)

"صحيح البخاري" على الشيخ سالم بو حاجب الذي اشتهر بميوله الإصلاحية، وبكثرة المتتلمذين عليه، وشدة تأثيره الإصلاحي فيهم؛ مما ساعد على ظهور عدد كبير من رجال الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي في عهده، والعهود الموالية إلى عصرنا الحاضر. .
ولا شك في أن مترجمنا الشيخ محمد الخضر كان من أنبغ تلاميذه، وأكثرهم تأثراً به، وعملاً بتعاليمه ومذهبه في الإصلاح.
وفي عام (1316/ 1898) نال شهادة التطويع، وهي شهادة سميت بهذا الاسم؛ لأنها تتيح لحاملها أن يتطوع بإلقاء الدروس في الزيتونة نفسها.
وكان هذا التطويع أمراً شائعاً في عصره، بل كان مرقاة للظفر بالمناصب العلمية والدينية، كما كان ميداناً للخبرة والتدريب العلمي على مهنة التعليم.
* رحلة قصيرة:
ويظهر أن الشيخ كان محباً للأسفار، وطموحاً إلى الشرق منذ البداية، وهي سنّة كانت الحياة العلمية بتونس تجري عليها منذ القدم. فقد حاول الشيخ في هذا الوقت السفر إلى الشرق عن طريق ليبيا، ولكنه لم يتجاوز مدينة "طرابلس"، ثم عاد ليتطوع في العام الموالي لتخرجه بالتدريس بين سواري الجامع الأعظم.
ورغم هذا التطوع كان مطية للشهرة، واكتساب الخبرة العلمية للمتخرجين الجدد، لا سيما للأذكياء والمتفوقين، فإن الشيخ الخضر لم ينل من تطوعه ذاك ما كان يرجوه منه من اهتمام ذوي الشأن به، خاصة مشيخة الجامع التي كانت مكونة من نظار عديدين، ولكنهم جميعاً منحدرون من عائلات تقليدية برجوازية احتكرت العلم الرسمي، كما احتكرت جميع المناصب العليا في
(14/ 2/91)

الإفتاء والقضاء والتدريس، ولم يكن أي متخرج زيتوني من أبناء (الآفاق) (1) يستطيع أن يشق طريقه بسهولة، ولا أن يفوز بأي منصب يتقدم إليه أحد أبنائهم.
غير أن الشيخ الذي لم ينل لدى هؤلاء من الاعتبار والمكانة ما هو جدير بهما، فقد نال شهرة كبيرة وتقديراً عالياً لدى طلاب الزيتونة، وفي الأوساط العلمية والأدبية خارج الجامع، مما حمل الشيخ على الدخول في الحياة العامة بشكل بارز، وبأسلوب جديد.
* السعادة العظمى:
فقد أسس أول مجلة صدرت بتونس عام 1904 هي مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها نصف شهرية، وتتابعت أعدادها إلى رقم واحد وعشرين، أي: قرابة العام.
ويبدو أنه تخلى عنها ليتولى منصب قاض شرعي ببنزرت عام 1905، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير.
* دفاع عن الحرية:
"على أن هذه الوظائف لم تكن لتقيده عن القيام بواجباته الاجتماعية والإصلاحية، والمجاهرة بالدعوة إلى الإصلاح الديني والوطني. وذلك منه خلاف ما كان شائعاً -يومئذ- بين الموظفين في دوائر حكومة الحماية؛ إذ تعود الشعب أن لا يرى منهم إلا ما يرضى السلط العليا، لهذا كانت أقل حركة يقوم بها الموظف خارج الإدارة -ولو كانت مشاركة في نشاط ثقافي
__________
(1) أي: المدن والقرى بداخل القطر.
(14/ 2/92)

أو جمعيات أدبية -فإن الرؤساء-أي: ممثلي الاستعمار - ينزعجون منها، ويتوعدون الموظف بأوخم العواقب، ولا غرو، فإن الجمعيات الأدبية إنما تهدف إلى معاضدة اللغة العربية، لا الفرنسية، الأمر الذي يعتقد أولئك الرؤساء -الأجانب- أنهم لم يأتوا من وراء البحر لتأييده" (1).
ولكن الشيخ الخضر ليس من هؤلاء الموظفين الخانعين الذين يجد لديهم المستعمر كل طاعة وعون وخضوع. لذا نراه يتقدم بأول محاضرة علنية قامت في تونس عن الحرية، وهي المحاضرة التي ألقاها الشيخ الخضر في نادي قدماء الصادقية عام 1906 بعنوان "الحرية في الإسلام"، والتي طبعت بعدُ بكتاب مستقل. وهي من الأعمال الأولى الدالة على شجاعته ووطنيته وحبه لبلاده.
"ولما كان الرجل حراً بطبيعته، فقد أحس بأن الحكومة -الاستعمارية إذ ذاك- تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحاً نشيطة لا زالت متأججة بين جنبيه؛ ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب يأتي بانتظام. لما أحس بذلك أبى أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم استقالته، وأصر على قبولها" (2)، فقبلت منه. وبذلك تحرر من أعباء الوظائف التي للاستعمار يد وسلطان عليها. ومن ثم عاد للعاصمة ليلقي دروسه العلمية تطوعاً في جامع الزيتونة. وهنا بدأت إدارة الجامع تهتم به، فكلفته -ضمن لجنة- بوضع فهارس لمكتبات جامع
__________
(1) عن مجلة "العرب" (م 3 ج 1 ص 28 - 29) بتصرف زهيد.
(2) المرجع نفسه بتصرف بسيط.
(14/ 2/93)

الزيتونة (1)، ثم شارك في مناظرة للتدريس من الطبقة الثانية، ففاز بها في عام (1325/ 1907)، ثم عين أستاذاً في العام الموالي بالمدرسة الصادقية. وبين توليه لهذين المنصبين عرضت عليه سلطات القضاء الاستعماري أن يكون عضواً في المحكمة المختلطة التي كانت تختص بالقضايا التي يكون فيها أحد الطرفين أجنبياً، فرفض الشيخ أن يكون قاضياً أو مستشاراً في محاكم تعيش في ظل الاستعمار، ولخدمة أغراضه ومصالحه، وهو موقف مشرف آخر من مواقفه المجيدة الكثيرة.
* في الخلدونية:
وفي هذا العام انتدبته الجمعية الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء على طلابها، وكان إلى جانب هذه المهام التدريسية الثلاث: في الزيتونية، والصادقية، والخلدونية -وهي أعلى معاهد تونس يومئذ، وكلها لم تكن معاهد للعلم فقط، بل كان خريجوها هم أقطاب الحركات الوطنية والاجتماعية والدينية والفكرية، لا في تونس وحدها، بل في المغرب العربي كله- إلى جانب مهامه التدريسية تلك، كان يواصل إلقاء المحاضرات، ونظم القصائد، وكتابة المقالات في مختلف شؤون الحياة التونسية. فمن محاضراته على منبر الخلدونية وقدماء الصادقية محاضرة عن "حياة اللغة العربية"، وأخرى عن "حياة ابن خلدون"، وثالثة عن "الدعوة إلى الإصلاح".
* داعية للإصلاح:
وخلال هذه الفترة كان يحث الطلاب على المطالبة بإصلاح التعليم
__________
(1) طبع من هذه الفهارس أربع مجلدات، شملت المخطوط والمطبوع.
(14/ 2/94)

الزيتوني، وعلى تنظيم صفوفهم في جمعية طالبية، وقد تكللت دعوته بالنجاح؛ إذ أسس الطلبة الزيتونيون أول منظمة طالبية في تونس عام 1907، وشرع الطلبة يطالبون يالإصلاح بإيعازه وتوجيهه الخفي لهم، حتى تطور الأمر إلى إعلان أول إضراب عن التعليم قام به الطلاب بتونس، وهو الإضراب الذي أعلنه طلاب الزيتونة يوم 16 أفريل عام 1910، وكان عددهم يومئذ زهاء السبع مئة طالب (1). وقد فطن الاستعمار إلى أن المحرك الحقيقي للطلاب إنما هو داعية الإصلاح الشيخ محمد الخضر حسين؛ مما جعل سلط الاحتلال تنظر إليه بريبة، وتعتقد فيه -رغم ما يظهر عليه من هدوء واعتدال- خطراً جسيماً يهيئ للاستعمار أجيالاً من الثائرين والمشاغبين.
* عصر الشيخ:
وكانت تونس في هذا العهد (2) تعج بالحركة والنشاط في ميدان الإحياء والبعث، وفي ميدان الكفاح الوطني، فقد كان حزب (تونس الفتاة) بزعامة المرحوم علي باش حانبة، ينبه الشعب من غفوته، ويحاول تنظيم صفوفه للقيام برد الفعل بعد صدمة الاحتلال العنيفة. كما كانت الحركة الفكرية تعج بالمناقشات والدعوات للنهوض والبناء من جديد، وكان الصراع شديداً بين دعاة التطور، وبين المحافظين، ولكن العلاقات بين قادة الكفاح الوطني وبين رجال الفكر والأصلاح كانت قوية متماسكة، رغم الاختلافات الجزئية بينهما في منابع الثقافة، أو في أهداف الإصلاح وعمقه ومداه.
__________
(1) "أركان النهضة الأدبية" (ص 42)، وانظر تفصيلاً أكثر عن حركة الطلاب في "الحركة الأدبية والفكرية بتونس" (ص 96 - 99).
(2) انظر عن هذه المرحلة: "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، و"هذه تونس".
(14/ 2/95)

يؤكد لنا المعاني موقف الأستاذ علي باشا حانبة من ذلك الإضراب الذي أعلنه الزيتونيون، حين حضر إلى جامع الزيتونة، وخطب فيهم معلناً تأييده التام، وممجداً لحركتهم، ومفاخراً بأنه يعتبر نفسه زيتونياً مثلهم؛ إذ كان قد تردد على دروس الجامع مدة عامين، كما أعلن فتح أعمدة جريدته "التونسي" لنشر كل ما يهم قضيتهم (1).
ويظهر أن السلط الاستعمارية بدأت منذ إضراب الطلاب تراقب الشيخ الخضر (2)، وتحاول انتهاز أي فرصة لإزعاجه، ولكنه -بما عرف عنه من هدوء في الطبع، وميل إلى قلة الكلام، واعتدال في الرأي- لم يتح للاستعمار أو للرجعية المتعاونة معه أي فرصة لذلك، غير أن الظروف المعاكسة أتاحت للاستعمار هذه الفرصة، كما ساندته فيها العقلية البرجوازية المسيطرة على الحياة في جامع الزيتونة يومئذ.
* الجهاد الليبي:
أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا المحكومة من طرف الأتراك العثمانيين، ومعظم البلاد العربية الأخرى، وكانت الحركات الوطنية والدينية في جميع البلاد العربية ذات صلة أو نزعة تميل للخلافة؛ إذ تراها الجامعة الوحيدة التي تجمع بين المسلمين، والتي يمكن أن تشد أزرهم في كفاحهم ضد الحكم والاحتلال الأجنبي.
وكانت تونس في هذا العهد قد شعرت بواجبها نحو جارتها الشقيقة ليبيا، فهبت لمساندة المجاهدين الطربلسيين بالقول والعمل وبالمتطوعين،
__________
(1) "الحركة الأدبية" (ص 98).
(2) انظر كتب: "معركة الجلاز"، "هذه تونس"، "الحركات الاستقلالية".
(14/ 2/96)

فتأسست لجان الهلال الأحمر لجمع التبرعات للمجاهدين، ومدهم بالمساعدات الطبية والمدنية؛ كما كانت الحركة الوطنية تساعدهم بالرجال والمال والسلاح.
وكانت الصحافة الحرة والوطنية تؤيد الكفاح المسلح الذي يخوضه أهل ليبيا دفاعاً عن وطنهم.
ورغم أن الشيخ الخضر لم يكن منخرطاً في أي تشكيل حزبي، فإنه بنزعته الإسلامية وما يجيش في نفسه من حب للحرية وتعلق بها، هبَّ -هو الآخر- يساندهم بشتى الطرق، ومن ذلك قصيدته المطولة التي نشرها بصحف تونس، والتي حث فيها المواطنين على مساندة الجهاد الليبي، بل ودعاهم هم بدورهم إلى القيام بعمل مماثل في بلادهم، ومطلع هذه القصيدة كافٍ وحده للدلالة على هذه الأفكار؛ إذ يقول فيه:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نومٌ دها حقبا
وكان ما كان بعد هذا من نفي زعيم الحركة الوطنية يومئذ المرحوم علي باش حانبة إلى الخارج عقب الاشتبكات الدموية التي قامت بين المواطنين وبين الجالية الإيطالية، وبينهم وبين سلط الاستعمار، إثر الحوادث المعروفة بحوادث الترمواي، وبمعركة الجلاز (1).
وكان واضحاً -بعد هذا كله- أن الخضر حسين لم يعد ينظر إليه بعين الرضا (2)، ولكن الاستعمار لم يجد أي حجة -مهما كانت واهية- للقيام بأي
__________
(1) انظر كتب: "معركة الجلاز"، "هذه تونس"، "الحركات الاستقلالية".
(2) "أركان النهضة. . ." (ص 52).
(14/ 2/97)

عمل ضده. غير أن الشيخ الخضر لم يعد يطيق الحياة في تونس، بعد أن أعلنت الأحكام العرفية فيها، وعطلت الصحافة الوطنية دفعة واحدة، وبعد أن نفي أو سجن معظم القادة والمفكرين الوطنيين (1). بعد كل هذا وجد الشيخ الخضر نفسه يعيش في جو مكبوت ومكفهر، ومحبوك بالمؤامرات والأحابيل الاستعمارية، فحاول تغيير الجو على نفسه، والتنفس خارج حدود الوطن، فقام بعدة سفرات متوالية إلى الخارج، كانت أولاها إلى الجزائر عام (1327/ 1909).
* في الجزائر:
وفي الجزائر لقي من أهلها وعلمائها ترحيباً، وصدى لنزعته الدينية الإسلامية، فطاف بعدد من المدن الجزائرية، وألقى فيها العديد من المحاضرات والدروس الدينية. ثم عاد إلى تونس، فكانت هذه الرحلة بداية جديدة لحياة جديدة شرع الشيخ الخضر في بنائها لنفسه، ولأفكاره وميوله الإصلاحية (2).
ولم يلبث بعد عودته إلا قليلاً حتى شرع يعد نفسه للقيام برحلة طويلة، عبر البلاد العربية والإسلامية التي تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية.
* انجذاب للآستانة:
وكان معظم مفكري تونس ورجال الحركات الوطنية والدينية فيها يومئذ، يشعرون برابطة قوية، وبانجذاب كبير نحو عاصمة الخلافة، والبلدان التابعة لها، ويرون فيها كلها مراكز إشعاع خاص للدين والفكر والثقافة، بل
__________
(1) "الحركات الاستقلالية ... " (ص 42).
(2) "أركان النهضة الأدبية" (ص 42).
(14/ 2/98)

وللحرية أيضاً، ويظهر أن النزعة الاستقلالية والانفصالية عن الخلافة التي كانت قد بدأت تنتشر بين كثير من الحركات والزعماء في الشرق لم تجد لها صدى في تونس يومئذ؛ إذ كان جميع الزعماء والعلماء الذين ينفون من تونس، أو يهاجرون منها، يقصدون رأساً عاصمة الخلافة. وهو أمر يسهل تفسيره وتبريره في تلك الظروف.
* المكي بن عزوز:
ولكن الشيخ الخضر كان يجذبه لبلاد الشرق ولعاصمة الخلافة بالذات حافز آخر، بالإضافة إلى ما كان يجذب غيره، وهو الجاذب العائلي والنفسي، فقد كان خاله العلامة الشيخ المكي بن عزوز قد سبقه إلى الهجرة إلى المشرق في ظروف مماثلة تقريباً (1)، واستقر في الآستانة عاصمة الخلافة بالذات، ونال فيها حظوة ومكانة مرموقة، كما نشر فيها العديد من كتبه ورسائله العلمية (2)، فكان هذا الحافز العائلي محركاً آخر خاصاً بالشيخ الخضر. أما العنصر النفسي، فهو تشوقه الدائم إلى الشرق، ورغبته في أن يرى مهبط الوحي، وأماكن الإسلام الأولى، خاصة وأن نهضة الشرق في ميدان العلوم والآداب والصحافة، كانت متقدمة أشواطاً عن مثيلاتها في المغرب العربي؛ لأسباب تاريخية واستعمارية معروفة.
وزاده شوقاً إلى الرحلة: إقدام مواطن آخر من أهل الجريد على الهجرة
__________
(1) انظر عنه: "الحركات الاستقلالية" (ص 47 - 48)، و"معجم المؤلفين" (ج 12 ص 49، وج 13 ص 4).
(2) أحصينا من هذه الكتب والرسائل زهاء السبعين عنواناً، بين مطبوع ومخطوط، وننوي أن نكتب عنها وعن صاحبها بحثاً مستقلاً.
(14/ 2/99)

في تلك الظروف بالذات، بعد أن كافح كفاح الأحرار والأبطال في ميدان الصحافة والدفاع عن حقوق الشعب. وهذا الرائد البطل هو الصحفي المغامر الشيخ الهاشمي ابن المكي صاحب جريدة "أبو قشة"، الذي ناله من اضطهاد الاستعمار لحريته ولصحفه وكلماته الشيء الكثير، حتى اضطر عام 1909 إلى الهجرة إلى الشرق الأقصى بعد الاستقرار بعض الوقت بطرابلس حيث أعاد إصدار صحيفة "أبو قشة" المعطلة بتونس (1).
* الحدث الحاسم:
كل هذه العوامل حركت في الشيخ نوازع السفر. ولكن عاملاً آخر حاسماً حدث في عام (1330/ 1912) حين شارك الشيخ الخضر في مناظرة للتدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وكان هو في الطبقة الثانية، فحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، وهو النجاح الذي كان يستحقه "بما أبدى من الكفاءة والتفوق" (2)؛ إذ أن لجنة المناظرة، وهي مكونة من شيوخ تقليديين، قدمت عليه أحد أبنائها، رغم تفوق الشيخ الخضر عليه علماً وأدباً، ومقدرة في إلقاء درس المناظرة بالذات، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس، وعلى علماء الزيتونة الكبار بالذات.
ويظهر لي: أن الشيخ الخضر بدأ منذ هذه الحادثة يفكر جدياً في الهجرة نهائياً إلى الشرق، ولكنه فضل القيام برحلة استطلاعية لمعرفة الأحوال هناك.
__________
(1) توفي بأندونيسيا سنة 1942. انظر عن حياته ونضاله كتاب "كفاح صحفي" للأستاذ علي مصطفى المصراتي.
(2) "أركان النهضة الأدبية" (ص 42).
(14/ 2/100)

فسافر في هذا العام نفسه إلى الآستانة ماراً بمصر والشام، وقد دون لنا الشيخ الخضر وصفاً أدبياً واجتماعياً لهذه الرحلة نشره تباعاً في جريدة "الزهرة" (1)، وعقب عودته في 2/ 10/ 1912 (2) منع من التدريس بالمدرسة الصادقية لأسباب واهية للغاية (3)، فأدرك الشيخ أن الاستعمار والرجعية قد تحالفا ضده. وأن الأمور قد تتطور إلى ما هو أسوأ، فقرر الهجرة نهائياً إلى الشرق، فهاجر في نفس السنة (4)، وكان معة إخوته الأربعة، وبينهم أخواه العالمان: الشيخ المكي ابن الحسين (5)، وأخوه الشيخ زين العابدين الذي بقي مستقراً إلى الآن في دمشق (6).
__________
(1) "المرجع السابق" (ص 42).
(2) في "الأدب التونسي" (ج 2 ص 197) أنه عاد إلى تونس في (ذي الحجة 1330 نوفمبر 1912) بينما أكد لي شخصياً المرحوم محمد الصالح المهيدي بأنه عاد بحراً في اليوم الثاني من كتوبر 1912. وقد أكد العودة بحراً محب الدين الخطيب مجلة "الأزهر" (29 ص 738)، و"الديوان" (ص 115 و 164).
(3) أكد المهيدي أيضاً أن فصله من التدريس بالصادقية كان بحجة غيابه عن افتتاح المعهد بيومين؟!
(4) أي: سنة 1912 التي يتفق أولها مع أواخر سنة 1330، ويتفق آخرها مع أوائل سنة 1331 الهجرية، وقد ظن بعضر مترجميه أنه هاجر سنة 1330، ثم عاد زائراً لتونس في 1331. وقد يكون هذا الظن مبنياً على أن أسرته (والدته وإخوته) قد هاجروا فعلاً سنة 1330 ه.
(5) عاد إلى تونس بعد سنوات، واستقر بها إلى وفاته سنة 1963، وهو شاعر، واشتهر أكثر بتنقيباته وأبحاثه اللغوية. انظر عنه: "الأدب التونسي" (ج 1 ص 193 - 201).
(6) له عدة كتب ورسائل مدرسية ودينية مطبوعة.
(14/ 2/101)

وإلى هنا تكون المرحلة الأولى من حياة الشيخ الخضر قد انتهت، وهي مرحلة استغرقت نصف حياته تقريباً.
* المرحلة الثانية بين التنقل والاكتشاف:
وبسفره إلى المشرق بدأت أيضاً المرحلة الثانية، التي أسميها: بمرحلة التنقل والاكتشاف. حيث إن الشيخ الخضر قد زار في هذه المرحلة الجزائر ومصر والشام والحجاز والآستانة وألبانيا، ومعظم بلاد البلقان التي كانت خاضعة للحكم العثماني، ثم استقر بدمشق مع عائلته. وكانت سورية يومئذ تحت الحكم العثماني. وقد عين الشيخ الخضر -عقب استقراره بدمشق- أستاذاً في المدرسة السلطانية بها حيث مكث إلى عام (1336/ 1917). وكان خلال إقامته بدمشق مثابراً على نفس النشاط العلمي والإصلاحي الذي كان يقوم به في تونس، فكان يكتب المقالات، ويلقي المحاضرات والدروس الدينية والأدبية واللغوية (1)، ويدعو إلى التضامن العربي التركي في ظل الخلافة الإسلامية. وهو في ذلك يدعو عن عقيدة قوية صادقة، أساسها ثقافته الدينية من ناحية، وإحساسه الخاص من ناحية أخرى، والبيئة الفكرية والسياسية التي نشأ وترعرع فيها بتونس من ناحية ثالثة.
* في السجن:
ورغم ما كان عليه دائماً من اعتدال في كل شيء، فإن السفاح المعروف باسم جمال باشا الحكم التركي لبلاد الشام، والذي كان يحمل أفكاراً عنصرية معادية لكل جنس غير الجنس الطوراني، قد زج بشيخنا في السجن، إثر حركة
__________
(1) مجلة "الأزهر" (مجلد 29 ص 740).
(14/ 2/102)

القمع الواسعة التي قام بها هذا السفاح في سوريا ولبنان، والتي أعدم فيها عدداً كبيراً من رجال الوطنية والفكر في كلا البلدين (1)، وكانت التهمة الموجهة للشيخ الخضر هي: أنه كان على علم بالحركة السرية المعادية للأتراك، والتي كان الأحرار من زعماء سوريا ولبنان ينظمونها ضد الاحتلال والحكم التركي لبلادهم. وقد مكث الشيخ الخضر في السجن مدة ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، "وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا، الذي تولى رئاسة الحكومة اللبنانية بين الحربين العالميتين" (2)، ثم قدم للمحاكمة، فثبتت براءته، وأطلق سراحه.
ولم يكن الشيخ الخضر في سجنه يشعر بأي خوف على حياته، فهو يعتقد من ناحية أنه بريء، ومن أخرى هو يعلم أنه إن قتل كغيره من العلماء العرب، فإنه سيموت شهيداً في سبيل الإسلام، ولم يكن يؤلمه شيء في السجن سوى أنه لا يجد قلماً ولا ورقاً ليسجل خواطره، ويكتب أفكاره وأشعاره، وفي هذا وذاك يقول الشيخ الخضر:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرس، فناما
هل يذوذ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما
وكان خروج الشيخ الخضر من السجن في الرابع من ربيع الثاني عام
__________
(1) راجع عن ذلك: "البلاد العربية والدولة العثمانية" لساطع الحصري.
(2) مجلة "الأزهر" (مجلد 29 ص 740).
(14/ 2/103)

(1235 ه، 29 جانفي - يناير - 1917 م)، فعاد إلى عمله السابق، ويظهر أن الآستانة قد علمت بحادثته هذه، فعطفت عليه، واستدعته إليها؛ حيث ألحق منشئاً عربياً بوزارة الحربية. وقد يكون هذا التعيين جرى نتيجة سعي منه للخروج من جحيم دمشق، وحكم جمال باشا السفاح، كما يحتمل جداً أن يكون الزعيم علي باش حانبة ورفاقه بالآستانة هم الذين سعوا في هذا التعيين؛ ليكون الشيخ الخضر قوة تعاضدهم في العمل من أجل تحرير المغرب العربي؛ حيث كان علي باش حانبة وأخوه محمد (1)، والشيخان صالح الشريف (2)، وإسماعيل الصفائحي (3)، وغيرهم يعملون في الآستانة وفي أوروبا على إعداد حملات تحريرية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي والفرنسي في المغرب العربي، وكانوا يتحركون بكثرة بين العواصم، ولهم اتصالاتهم السرية المنظمة، وأنصارهم الكثيرون في تونس وليبيا والجزائر. وقد نجحوا فعلاً في تنظيم حركات ثورية مسلحة بالجزائر وتونس وليبيا (4).
* رحلات إلى ألمانيا:
وما كاد الشيخ الخضر بن الحسين يستقر بالآستانة في منصبه الجديد بوزارة الحربية، حتى كلف بمهمة في ألمانيا التي كانت في حالة حرب مع فرنسا. وكان أبناء الشمال الأفريقي -خاصة من الجزائر وتونس، المجندين
__________
(1) انظر عن جهادهما معاً: "الحركات الاستقلالية"، و"هذه تونس".
(2) توفي سنة 1920 - انظر عنه: مجلة "البدر" (م 2 ج 2 ص 100 - 102).
(3) توفي سنة 1918 - انظر: ترجمته في مجلة "البدر" (م 2 ج 1 ص 26 - 33 - وج 8 - 9 ص 498 - 499).
(4) "هذه تونس" (ص 84)، و"الحركات الاستقلالية" (ص 53).
(14/ 2/104)

في الجيش الفرنسي، وفي واجهات القتال بالخصوص - يزيدون عن المئتي ألف.
وكان هدف علي باش حانبة ورفاقه هو بث الدعاية في صفوف المغاربة داخل الجيش الفرنسي، وبين أسراهم في ألمانيا؛ لحملهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن مصلحة بلادهم في هذا الموقف. كما كانت ترمي هذه الحملة إلى إقناع الجنود المغاربة -والأسرى منهم بالخصوص- بالتطوع في الحركات الجهادية التي كان يقودها علي باش حانبة ورفاقه، والتي كانت الدولة العثمانية تساندها معنوياً ومادياً، وقد حل الشيخ الخضر في ألمانيا مع بعثته من العلماء المسلمين بينهم الشيخ التونسي صالح الشريف، ومكث في ألمانيا زهاء تسعة شهور تعلم في أثنائها اللغة الألمانية، وقام بمهمته أحسن قيام، ثم تردد بين الآستانة و "برلين" إلى أواخر الحرب العالمية الأولى حيث أقام مرة أخرى زهاء السبعة أشهر (1).
* محمد باش حانبة:
وأثناء إقامته ببرلين توثقت الصلة بينه وبين عدد من رجالات تونس، وزعماء العرب المنضوبن تحت راية الخلافة العثمانية. نذكر منهم بالخصوص: الزعيم محمد باش حانبة شقيق علي باش حانبة؛ فقد كان محمد يمثل الحركة الوطنية التونسية والمغربية عموماً في أوروبا، كما أسس أول مجلة مغربية في أوروبا تدافع عن حقوق المغرب، وعن حريته واستقلاله.
وكان المحامي محمد باش حانبة قد أسس في برلين لجنة لتحرير المغرب
__________
(1) "الحركات الاستقلالية" (ص 53 - 54)، ومجلة "الأزهر" (مجلد 29 ص 740 - 741).
(14/ 2/105)

العربي سميت باسم: (اللجنة التونسية الجزائرية)؛ إذ لم يكن في "برلين" يومئذ من يمثل المغرب وليبيا، وإن كانت اللجنة تعمل لتحرير المغرب العربي كله.
ومحمد هذا وأخوه علي هما أول من فكر ودعا وعمل بالفعل على توحيد المغرب العربي، وتحريره جماعياً من الاستعمار. وكان محمد باش حانبة قد أسس مجلة "المغرب"، وأصدرها أسبوعية في "جنيف". ومحررة باللغة الفرنسية للتعريف بقضايا المغرب العربي إلى الرأي العام الأوروبي. وقد عاشت هذه المجلة مدة عامين، فلما انتهت الحرب عام 1918، انقطع المدد العثماني عنها، فتوقفت عن الصدور، وإذ ذاك استقر محمد نهائياً في "برلين"، وظل يكافح بوسائله الخاصة؛ إذ كانت الدولة العثمانية قد استسلمت للحلفاء. وكان أخوه علي قد توفي قبل احتلال الحلفاء للآستانة بأسبوع واحد، فشيع إلى مقره الأخير في موكب رسمي كبير (1).
* ضريح محمد باش حانبة:
وبقي محمد في "برلين" إلى عام 1920 حيث مات هو الآخر غريباً عن أرض الوطن الذي عاش له، ومات في سبيله. وقبر محمد معروف جداً في "برلين" لكل من يزور الجناح الإسلامي من مقبرة "تمبلهوف" حيث دفن الفقيد، وحيث شيد قبره كلٌّ من طلعت باشا الصدر الأعظم العثماني، وإسماعيل بك لبيب الوطني المصري الشهير (2).
__________
(1) "الحركات. . ." (ص 54)، و"مشاهير المهاجرين التونسيين" -خط- (ص 22).
(2) "الحركات الاستقلالية" (ص 55)، و"هذه تونس" (ص 85)، و"مشاهير المهاجرين" (ص 25)، ومجلة "الشعب" سنة 5 عدد 103 (16 - 4 - 1968).
(14/ 2/106)

* العودة إلى دمشق:
أما شيخنا الخضر، فإنه ما كاد يعوذ إلى الآستانة حتى استسلمت الحكومة العثمانية إلى الغزاة المحتلين الذين اقتسموا عاصمتها كما اقتسموا إمبراطوريتها.
فلم يجد بداً من النزوح عنها، والعودة إلى دمشق حيث كانت سوريا قد تحررت من الحكم العثماني، وأصبحت فيها حكومة عربية تحت حكم الأمير فيصل بن الحسين.
وقد أحس الشيخ الخضر وهو في طريقه إلى دمشق بمرارة الفراق للوطن، وبمحن الاغتراب عنه، وكثرة تنقلاته، وقلة استقراره، فوصف حاله في هذه الفترة بقوله:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأس هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كفٍّ يديرها واللهاة
فاسمحي يا حياة بي لبخيلٍ ... جفنُ ساقيه طافحٌ بالسبات
ما كاد الشيخ الخضر يستقر في دمشق عقب الحرب العالمية الأولى عائداً من الآستانة، حتى عين مدرساً في ثلاثة معاهد دفعة واحدة، وهي: المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية التي كان بها قبيل سفره الأخير إلى الآستانة (1).
* في المجمع العلمي العربي:
وفي منتصف 1919 م تأسس بدمشق المجمع العلمي العربي، وانعقدت جلسته الأولى يوم 30 جويلية من العام نفسه، وفي هذا الجلسة تم تعيين
__________
(1) "الأدب التونسي" (ج 2 ص 201 - 202)، ومجلة "الأزهر" (م 29 ص 741).
(14/ 2/107)

الشيخ محمد الخضر عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع، وقد مارس هذه العضوية طيلة إقامته بدمشق، ثم أصبح عضواً مراسلاً للمجمع، بعد اضطراره إلى النزوح عن دمشق عقب احتلال الجيش الفرنسي لها في منتصف عام 1920 م، وقد احتفظ بعضويته هذه إلى آخر أيام حياته (1).
* حكم بالإعدام:
ورغم حبه الخاص لدمشق، وتعلقه الشديد بها، وحنينه الدائم إليها، فإن الاستعمار الفرنسي الذي كان قد حارب آماله الوطنية والإصلاحية بتونس، والذي أصدر على الشيخ محمد الخضر حسين حكم الإعدام (2) غيابياً أثناء قيامه في ألمانيا بتحريض المغاربة -والتونسيين منهم خاصة- على الثورة ضد المستعمر، هذا المستعمر نفسه، قد أصبح سيداً وحاكماً لدمشق ولسوريا كلها عقب انتصاره على الجيش العربي في موقعة ميسلون الشهيرة حول مشارف دمشق يوم 24 جويلية 1920 (3).
* هجرة جديدة:
وهكذا لم يكن أمام الشيخ الخضر إلا أن يترك دمشق، وأن يفر من الطغاة المستعمرين حتى لا ينفذوا فيه حكم الإعدام، ويشفوا غليلهم منه (4).
__________
(1) راجع عن علاقته به، وعضويته فيه: كتاب "تاريخ المجمع العلمي العربي" لأحمد الفتيح.
(2) جريدة "الدعوة"، في استجواب أجرته مع الشيخ إثر توليه مشيخة الأزهر،
عدد 30 صفر 1372 ه.
(3) انظر عن هذه المعارك ونتائجها: كتاب "يوم ميسلون" لساطع الحصري.
(4) لم نجد حتى الآن أي وثيقة تثبت صدور هذا الحكم عليه، ومكان صدوره، والنص =
(14/ 2/108)

بارحها وهو يردد أسفه وحنينه قائلاً:
كأني دينار ودمشق راحة ... تعودت الإنفاق طولَ حياتها
فكم سمحت بي للنوى عقب النوى ... ولم أقض حق الأنس بين سراتها
فارق دمشق، وفارق أهله فيها. . وانطلق إلى مصر أمله الأخير، وهدفه القديم، وبذلك بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته.
* المرحلة الثالثة:
وفي مصر بدأ حياته من جديد معتمداً على أصدقائه من الوطنيين المصريين الذين تعرف عليهم في دمشق والآستانة وفي أوروبا (1)، ومعتمداً بوجه خاص على مواهبه وكفاءاته الأدبية والعلمية والدينية العالية.
وليس غريباً أن يظل في مصر مغموراً بعض الوقت، ريثما يتعرف إلى أحوالها ورجالاتها، ويدرك أهلُ الشأن فيها مكانته وقيمته.
ومن هنا كان عليه أن يجد لنفسه عملاً -مهما كان-؛ ليضمن سد حاجاته الضرورية، حتى لا يكون عالة على أحد، وهو من نعرف: شهامة نفس، وعفة لسان وقلب ويد.
وكان العلامة البحاثة أحمد تيمور (2) أول من قدر في شيخنا علمه وأدبه،
__________
= الوحيد الصريح في ذلك هو تصريح للشيخ أدلى به لجريد "الدعوة"، ونشرته في عدد 30 صفر 1372 ه.
(1) من هؤلاء محب الدين الخطيب الذي هاجر إلى مصر من دمشق. وعن هجرتهما انظر: مجلة "الأزهر" (م 29 ص 741)، وقد انفرد الخطيب بذكر أن الخضر فكر في العودة لتونس، ثم قرر الهجرة إلى مصر؟!
(2) راجع ما كتبه تيمور عن الخضر في كتاب "أعلام الفكر الإسلامي"، وما كتبه =
(14/ 2/109)

فأمده بكل رعاية وعناية ومساعدة. وقد ظلت العلاقة وثيقة بينهما إلى آخر أيام تيمور الكبير عام 1930، ويقيت بعد ذلك بين شيخنا وبين عائلة تيمور، ويكفي دليلاً على ذلك: أن الشيخ محمد الخضر حسين لما توفي في القاهرة مطلع عام 1958 وقع دفنه في تربة آل تيمور بوصية منه، وباتفاق سابق مع أسرة تيمور.
* بداية متواضعة:
قلت: إن الشيخ الخضر بدأ حياته في القاهرة معتمداً على نفسه، فاشتغل مصححاً بدار الكتب المصرية، وهي وظيفة صغيرة العنوان، ولكنها كبيرة الدلالة؛ إذ لا يكلف بها إلا من ثبتت مقدرته العلمية، وكفاءته الأدبية واللغوية.
ومع ذلك، فإن الشيخ الخضر لم يكن يرضي طموحه، ولا يساوي علمه هذا المنصب رغم دلالته الكبيرة، لهذا نشط في ميادين أخرى، منها: الكتابة في المجلات، والمحاضرة في الجمعيات، والدروس في المساجد.
ولم يكن في كل ذلك إلا مجاهداً في سبيل العلم والإسلام والوطن.
وقد وجه اهتمامه منذ البداية إلى تنظيم شؤون الجالية المغربية في مصر، فأسس عام 1923 (جمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا)، وكان يرأس هذه الجمعية بنفسه، وهدفها رفع مستوى تلك الجاليات من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.
__________
= الخضر عن تيمور في "الهداية الإسلامية"، وفي "ديوان"، وعن الشخصيات المصرية التي تعرف عليها الخضر بأوروبا والآستانة "حاضر العالم الإسلامي" (ط 3 ج 4 ص 378).
(14/ 2/110)

* فرصة العمر:
وفي عام 1925 م صدر في مصر كتاب أثار فيها وفي العالم العربي ضجة كبرى هو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، وكان هدف هذا الكتاب إبعاد منصب الخلافة عن الملك فؤاد ملك مصر يومئذ، فقد ألغى مصطفى كمال -محرر تركيا وبانيها الجديد- الخلافة العثمانية، وطرد السلطان التركي الذي كان خليفة للمسلمين، فبدأ أذناب الملك فؤاد يروجون فكرة انتخابه خليفة، وكان قصدهم من هذا: الحصول على زعامته للعالم الإسلامي، وما في هذه الزعامة من مكاسب أدبية ومادية وسياسية.
وكان الأحرار من المصريين بالمرصاد من هذه المحاولة، فتولى علي عبد الرازق إصدار كتاب في بيان أن الخلافة ليست ضرورية لقيام حكومات إسلامية حديثة، وأنها أصلاً ليست من الدين في شيء.
وكان من الواضح أن كتابه لن يرضى عنه أنصار الملك فؤاد، وبالأحرى: الملك نفسه، كما لن يرضى عنه معظم شيوخ الأزهر ورجال الدين في مصر؛ لأسباب دينية وفكرية معروفة.
وهكذا تصدى للرد عليه كثير من رجال الدين، وشيوخ الأزهر في مصر، بل وفي غيرها من البلاد العربية (1).
وكالعادة فإن تهمه الإلحاد كانت أولى التهم الموجهة لعلي عبد الرازق.
وهنا وجد الشيخ الخضر فرصته المنتظرة، فتصدى للرد عليه، بكتاب
__________
(1) من هذه الردود: رد الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
(14/ 2/111)

سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (1).
وقد بادرت هيئة كبار العلماء الأزهريين إلى طرد الشيخ علي عبد الرازق من صفوفها، كما حوكم الكتاب، وصودر من الأسواق.
* ضد طه حسين:
وما كادت الضجة حول هذا الكتاب تهدأ بعض الشيء، حتى ظهر في مصر كتاب آخر، أثار أيضاً ضجة أشد من الكتاب الأول، وقد وضعه أيضاً شيخ أزهري سابق، استطاع -رغم فقده لبصره- أن يشق طريقه نحو ثقافة عصرية أوروبية جديدة، وأن ينال في خلال خمس سنوات شهادة الدكتوراه في الآداب مرتين، وأعني به: الدكتور طه حسين، الذي أصدر عام 1926 كتاب "في الشعر الجاهلي".
وقد تصدى له كثير من الأدباء ورجال الدين بالرد أو التكفير، وكان من بين الرادين: شيخنا محمد الخضر حسين الذي نقض كتاب طه حسين بكتاب يساويه حجماً وصفحات وتبويباً (2)، وسماه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي أعيد نشره مراراً بعد تعديله تحت اسم: "في الأدب الجاهلي".
وكلا الكتابين قفزا بالشيخ الخضر إلى الصف الأول بين أدباء مصر وعلمائها، فأخذت شهرته تنتشر، ومكانته ترتفع بسرعة كبيرة.
وكان من الواضح أن رده على كتاب الخلافة، أدى إليه خدمة كبيرة
__________
(1) أهدى الشيخ الخضر لصديقه أحمد تيمور القلم الذي كتب به الكتاب مع أبيات ضمنها نضاله عن الحق، مستعيناً في ذلك بخزانة تيمور: "الديوان" (ص 81).
(2) وللشيخ الخضر ردود عليهما في موضوعات أخرى.
(14/ 2/112)

في القصر الملكي؛ مما جعله يتقلد المناصب، ويحظى بتقدير ذوي الشأن بصفة ظاهرة، كما منح الجنسية المصرية (1)، التي هي مفتاح الدخول إلى سلك الوظائف العمومية.
* تفسير مواقفه:
وفي الواقع، فإن الشيخ الخضر لم يكن مدفوعاً للرد على علي عبد الرازق وطه حسين بدوافع شخصية بقدر ما كان مدفوعاً بعقائده الدينية والأدبية؛ فقد رأيناه من قبل نشأ في بيئة علمية واجتماعية وسياسية تؤمن بالخلافة كرابطة للمسلمين، وكمبدأ من مبادئ الإسلام في الحكم؛ كما رأيناه بعد هجرته من تونس يكون في خدمة هذه الخلافة، رغم ما كان يعتريها من الفساد في الحكم، والانحراف عن الدين؛ كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في بعض قصائده (2).
وعلى ذلك، فإنه لا يمكن أن نصف ردوده على طه حسين، وعلى علي عبد الرازق إلا بأنها ردود عقائدية.
والحق أن الشيخ الخضر كان في ردوده عليهما أكثر اعتدالاً، وأقرب إلى المنهج العلمي من أي كاتب آخر تصدى للرد عليهما.
وإذا كان قد استفاد من عمله هذا فوائد خاصة، فإنه لم ينل شيئاً أكثر من علمه، أو فوق ما يستحق.
__________
(1) لم نعثر حتى الآن على التاريخ الرسمي لحصوله عليها. لكن صاحب مجلة "العالم الأدبي" نشر خبراً عنها في عدد (5/ 9/ 1932) يفيد حصوله عليها في نفس السنة. ويبدو لي أنه حصل عليها قبل هذا التاريخ بسنوات.
(2) "الديوان" (ص 61).
(14/ 2/113)

* مدرساً بالأزهر:
وفي عام 1928 تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي، فسعى إلى قبول الشيخ الخضر أستاذاً في كليات الأزهر، وكان الشيخ الخضر قد اجتاز امتحان شهادة العالمية بتفوق، ومنح الجنسية المصرية، وأصبح بذلك أحد شيوخ الأزهر، ومن علمائه البارزين، وكان قبل هذا التعيين مدرساً في معاهد الأزهر الثانوية. وقد تقدم الشيخ محمد الخضر حسين -فيما بعد، وعلى التحديد 1950 - إلى هيئة كبار العلماء طالباً قبوله عضواً بينهم، وكانت العضوية لا تكون إلا بشروط، منها: شهادة العالمية، وتقديم بحث علمي ممتاز، فقدم الشيخ الخضر بحثاً مطولاً عن القياس في اللغة (1)، فقبل بالإجماع، وأصبح من كبار علماء الأزهر، ابتداء من عام (1370 ه / 1950 م).
* العالم المناضل:
لم يخلد الشيخ الخضر إلى الراحة والاستمتاع بالحياة الخاصة، كما كان شأن معظم علماء الأزهر في القاهرة، والزيتونة بتونس، بل كان جم النشاط، كثير العمل في المجالات الأدبية والاجتماعية والدينية، بل وحتى السياسة.
ففي عام 1928 أسس جمعية (الهداية الإسلامية)، وتولى رئاستها، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها، كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات الدينية التي أصدرها الأزهر، مثل مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام".
__________
(1) أصل البحث وضعه في دمشق أثناء فترة إقامته وتدريسه بها، ثم نقحه وطبعه بمصر (1353/ 1943)، ثم جدده، وتقدم به إلى الهيئة. . . راجع مجلة "الأزهر" (م 29 ص 744).
(14/ 2/114)

كما كان من مؤسسي (جمعية الشبان المسلمين)، وهي جمعية تهتم بإصلاح أخلاق الشبان وتهذيبهم وتكوينهم دينياً وبدنياً وثقافياً.
* في المجمع اللغوي:
وفي ديسمبر عام 1932 تأسس في القاهرة (مجمع اللغة العربية) بمرسوم من الملك فؤاد. ثم صدر مرسوم ثان في أكتوبر من العام الموالي بتعيين أعضاء المجمع المصريين وغير المصريين (1)، فكان الشيخ محمد الخضر حسين أحد هؤلاء الأعضاء، كما كان من بينهم العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب (2).
وكان الشيخ الخضر يوم صدور هذا المرسوم أستاذاً في قسم التخصص بكلية أصول الدين في الجامعة الأزهرية.
* حب جارف للوطن:
عقب الحرب العالمية الثانية أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وكان غرضه منها: التعريف بقضايا المغرب العربي، وجمع شمل أبنائه المهاجرين في مصر، وجعلهم في خدمة بلادهم، مهما كانت ظروفهم وأعمالهم، وبذلك ترى أنه لم ينس وطنه الأول قط، رغم حصوله على الجنسية المصرية، وزواجه بامرأة مصرية، وإقامته الطويلة في الشرق، وفي مصر بوجه خاص.
__________
(1) انظر: مجلة "مجمع اللغة العربية" (المجلد الأول ص 12)، وكتاب "المجمعيون" (ج 1 ص 17، 19، 23).
(2) انظر عن الأعضاء التونسيين في المجمع: الملحق الثقافي لجريدة "العمل" (عدد 24/ 3/ 1972، و 31/ 3/ 1972).
(14/ 2/115)

وليس أدل على ذلك من الأعمال الكثيرة التي قام بها لفائدة قضايا المغرب العربي، ومساندة أبنائه ورجالاته المهاجرين والزائرين.
وها هو يقول لأحد زائريه من أدباء تونس:
أمحدثي رُبيتَ في الوطن الذي ... ربيتُ تحت سمائه وبلغت رشدا
وجنيتَ زهر ثقافة من روضة ... كنتُ اجتنيتُ بنفسجاً منها ووردا
هات الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جِدّا
وله في حب وطنه، والدفاع عن تونس، بل المغرب العربي كله قصائد كثيرة، تعد من عيون شعره. من ذلك قصيدة بعنوان: (حب الوطن) يقول فيها:
وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا
عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلا
أنا لا أنسى على طول المدى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلم لا ينثني ... عن كفاح، ويرى الصبر جميلا
هو ذا طاعنْ به خصمك من ... قبل أن تخترط السيف الصقيلا
* دفاع عن المغرب العربي:
وقد ظل دائماً يدافع عن المغرب العربي، ويشيد برجال العلم والكفاح من أبنائه، بل ويفاخر الشرق بهم أحياناً، كما كان يحمل الشرق مسؤولية عدم مناصرته العملية للحركات التحريرية في أقطار المغرب العربي مما يؤدي ببعضها إلى الفشل.
وها هو يذكر كل ذلك عقب زيارته للأمير عبد الكريم الخطابي على
(14/ 2/116)

ظهر الباخرة التي كانت ستقله من منفاه في أفريقيا إلى منفاه الجديد في فرنسا، وحين رست هذه الباخرة بميناء السويس عام 1947، كان الشيخ الخضر من بين الشخصيات التي زارت الأمير، وأقنعته بطلب اللجوء إلى مصر، والفرار من الأسر.
ها هو يصف بطولة الأمير عبد الكريم، باعتبارها مثلاً من بطولات المغرب العربي، ويحمل الشرق عدم مؤازرته له أيام كفاحه:
قلت للشرق وقد قام على ... قدم يعرض أرباب المزايا
أرني طلعة شهم ينتضي ... سيفه العضب ولا يخشى المنايا
فأراني بطل الريف الذي ... دحر الأعداء فارتدوا خزايا
غضبة حراء هزته لأن ... ينقذ المغرب من أيدي الرزايا
شب حرباً لو شددنا أزرها ... لأصابت كل باغ بشظايا
وبالإضافة إلى قصائده، وجمعياته، وأعماله الأخرى، كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغربية واضحة الدلالة؛ في كتابتها، وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية (1).
وقل مثل هذا عن مجلاته الأخرى، وقد شبهه بعض الكتاب المعاصرين بابن خلدون في هجرته إلى مصر، وفي نزعته المغربية، قال:
"لاشك أن محمد الخضر حسين كان علَماً من أعلام الفكر المغربي الإسلامي مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة. وأقام -كابن خلدون- بقية عمره في مصر، ورقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل
__________
(1) "الفكر والثقافة المعاصرة" (ص 176).
(14/ 2/117)

في ميدان الإصلاح الإسلامي، واللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني. ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء جمعية (الشبان المسلمين). وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب العربي وقضاياه، ورسولاً قوياً يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب والتجنيس والفرنسة. فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي" (1).
"وكان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو إلى الإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة، فهو يؤمن بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى صدق الغاية" (2).
* قمة مجده شيخ للأزهر:
هذا هو الشيخ محمد الخضر حسين، الذي بلغ في شهر سبتمبر عام 1952 قمة مجده الديني والعلمي حين أصبح شيخاً للأزهر، فكان أول عالم غير مصري يتولى هذا المنصب منذ قرون عديدة خلت (3). وكان اختياره لهذا المنصب من طرف اللواء محمد نجيب، ومجلس وزرائه، وقد زاره
__________
(1) "المرجع نفسه" (ص 173 - 174).
(2) "المرجع نفسه" (ص 174).
(3) عن مشيخة الأزهر، وأسماء شيوخه، انظر: كتاب "مساجد ومعاهد" سلسة الشعب - (ج 1 ص 66 - 67).
(14/ 2/118)

في بيته ثلاثة وزراء، وأعلموه بهذا القرار (1).
وكان الشيخ الخضر حسين حين تولى هذا المنصب قد شارف الثمانين من عمره، ورغم تقدمه في السن، فقد تحمل أعباء هذه المسؤولية الثقيلة بصبر وحلم اشتهر بهما منذ صباه، كما أهّله لذلك علمه الواسع، وماضيه المجيد في الكفاح الوطني والعلمي والإسلامي والأدبي والاجتماعي، وخاصة نزاهته وعفته، وشخصيته الرصينة المهيبة.
* دسائس ومنافسات:
ومنصب شيخ الأزهر تحيط به دائماً الدسائس والمناورات، والحسد والمنافسة. والشيخ الخضر كان يعرف ذلك كله. ولم يكن -حين قبل أعباء المنصب - ينوي أن يستمر فيه طويلاً، فلا سنّه تسمح له بذلك، ولا مغربيته أيضاً؟! ولكنه أراد أن يحقق أسمى هدف لعالم ديني، جاهد ستين عاماً في سبيل العلم والدين والوطن، وقد حققه. ولما شعر بأن المنافسة المصرية قد بدأت تتحرك بين شيوخ الأزهر، لم يكترث بذلك -لاعتماده على مناصرة حكومة اللواء نجيب له- رغم اللمز والغمز اللذين قامت بهما صحف معينة في القاهرة (2).
* استقالته، وفاته:
ولكن لما أُبعد اللواء محمد نجيب عن الحكم، ونفُي إلى مكان مجهول يوم 20 أوت 1953، شعر الشيخ الخضر بأن عليه أن يتنحى باختياره قبل أن
__________
(1) مجلة "الأزهر"، م 29 (عدد 20/ 2/ 1958) (ص 744).
(2) منها مجلة "روز اليوسف"، ومجلة "الجيل الجديد".
(14/ 2/119)

يحدث شيء آخر. فاستقال من منصبه في جانفي -يناير- 1954 م بحجة مرضه، وحاجته إلى العلاج والاستجمام. وقام فعلاً بزيارة شقيقه الشيخ زين العابدين المقيم في دمشق، ثم عاد إلى مصر؛ حيث أقام إلى أن توفي في شهر رجب وشهر فيفري (1377 ه / 1958 م)، ودفن في تربة آل تيمور. . . كما أسلفت القول.
وبهذا نكون قد أحطنا بعناصر حياته المدنية والعلمية والوطنية في جميع مراحلها، وفي مختلف ظروفها.
(14/ 2/120)

جوانب من شخصيته
. . . الشاعر. . . المؤلف. . .الصحفي

*. . . الشاعر:
من أهم جوانب شخصية الشيخ محمد الخضر حسين: شاعريته، وقد مرت بنا خلال الصفحات الماضية نتف من شعره، تدل -بعض الشيء- على مستوى هذه الشاعرية، وعلى الاهتمامات المختلفة والأغراض المتعددة التي عالجها في شعره.
والواقع أن الخضر حسين ابتدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن يبدأها ناثراً، فنحن نجد آثاره الشعرية الأولى أكثر اهتماماً بالحياة العامة، وأطرف أسلوباً، وأميل إلى التجديد والمطالبة بالإصلاح من نثره.
ولكنه سرعان ما انقلب إلى النثر، فعبر عن جميع قضايا الحياة والمجتمع والفكر، تاركاً للشعر بعض المناسبات الخاصة، والجوانب الأكثر التصاقاً بالعاطفة والوجدان والإخوانيات.
ورغم ذلك، فقد ترك الشيخ محمد الخضر حسين مجموعتين كبيرتين من شعره، تكون كل منهما ديواناً كاملاً.
وقد طبعت المجموعة الأولى تحت عنوان "خواطر الحياة"، عام (1366 ه -1947 م).
وأعيد طبعها ثانية عام (1373 ه - 1953 م)، وشرح هذه الطبعة الشيخ
(14/ 2/121)

محمد علي النجار، المدرس بكلية اللغة العربية من جامعة الأزهر، وكان الشيخ الخضر -يومئذ- يتولى مشيختها.
أما المجموعة الثانية، فما زالت مخطوطة، وإن كان كثير منها منشوراً في الصحف، ويقال: إنها أعدت للطبع، ولكن وفاته حالت دون ذلك، فعسى أن ترى النور مع بقية مؤلفاته الأخرى غير المطبوعة، وأن يتولى ذلك بعض تلاميذه أو أصدقائه، وما أكثرهم في جميع الأقطار (1)!.
* خواطر الحياة:
يقع ديوانه في (207 صفحة) من الحجم المتوسط، ويحتوي على زهاء مئة وثمانين قصيدة ومقطوعة، وهو قصير النفَس في معظم شعره؛ إذ أن كثره مقطوعات لا تتجاوز الأبيات الخمس إلا نادراً .. على أن هناك قصائد مطولة تصل إلى أربعين بيتاً. ونادراً ما تصل إلى ثمانين أو مئة، كما في موشحه (صقر قريش).
وتدور أغراض شعره بين الوطنيات، والإسلاميات، والرثاء، والوصف، والدعوة إلى النهوض والتحرر من ربقة الجهل والتخلف والحكم الأجنبي، مع عدد من قصائد الوجدان، ثم الإخوانيات.
وإذا نحن أخرجنا الإخوانيات من باب المديح، على اعتبار أنها عواطف مودة وأخوة صادقة، وليست من باب التملق أو الارتزاق بأي حال من الأحوال، فإن شعر الخضر حسين يكون قد خلا من المديح، كما هو
__________
(1) ذكر محب الدين الخطيب أن للشيخ ديواناً آخر (في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير)، وضعه بعد استقالته من مشيخة الأزهر، انظر: مجلة "الأزهر" (م 29 ص 744).
(14/ 2/122)

خالٍ من الهجاء، ومن جميع الأغراض التافهة الأخرى، وهذا في حد ذاته ينم عن خلق رفيع، واتجاه نظيف، وكلاهما ليسا بدعاً في أخلاق الرجل، فهو من عرفنا تمسكاً بأخلاق الإسلام، وحرصاً على الاستقامة التامة في حياته وعلاقاته مع الناس.
* المرأة في شعره:
يكاد شعر الخضر حسين يخلو تماماً من الحديث عن المرأة، وهو خالٍ تماماً من الغزل.
ولا شك أن اجتنابه الغزل واضح الأسباب، من حيث منزلة الرجل الدينية، وطبيعته الجدية الصارمة، وحرصه البالغر -إلى حد التزمت- على نظافة حياته، قولاً وعملاً من هذه الشبهات. كل ذلك يفسر خلو شعره من الغزل، ولكن ذلك لم يمنعه من الحديث عن المرأة بما يشبه الغزل. أقول: يشبه الغزل؛ لأنه لم يتغزل فعلاً، وإنما عالج موضوعاً عالجه غيره من الشعراء القدامى، فهو ليس من نوع المعارضات الشعرية، وإنما تضمين لمعنى اشتهر به شاعر قديم، أو محاكاة ومجاراة لقول مأثور في التشبب بالمرأة.
فمن ذلك محاكاته لقول عنترة المشهور:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المبتسم
يقول الخضر حسين:
ولقد ذكرتك في الدجى والجند قد ... ضربوا على دار القضاء نطاقا
وقضاة حرب أرهفوا أسماعهم ... وصدورهم تغلي عليّ حناقا
(14/ 2/123)

والمدعي يغري القضاة بمصرعي ... ويرى معاناتي الدفاع سياقا
أتروع أهوال المنون متيماً ... جَرَّعْتِهِ بعد الوصالِ فراقا؟!
وقضاة حرب المتحدث عنهم: قضاة المحكمة العسكرية التي حوكم فيها عام 1916 بدمشق في عهد حاكمها العثماني جمال باشا السفاح.
ومن هذا القبيل أيضاً: نظمه بيتين في الغزل الشعبي التونسي، يقول الخضر:
خطرت فلاح جبينها ... والناس غرقي في سبات
غرّ الإمام فخاله ... فجراً وأحرم بالصلاة!
أخذه من غزل بدوي تونسي قديم:
جات ظاهرة، نادوا عليها وَلي ... وأبرق خدها، قام الإمام يصلي
ولست في حاجة إلى القول بأن البيت الشعبي الدارج أجمل وأبلغ من اجتهاد الشيخ الخضر في "تفصيحه".
على أن شاعرنا يذكر المرأة في غير باب الغزل والنسيب، مرات قليلة، في مناسبات حزينة أليمة، أولاها: فراقه لزوجته التونسية اضطراراً، حين اعتزم الهجرة إلى الشرق عام 1912، ووافقت هي على الذهاب معه، ولكن أهلها عز عليهم فراق ابنتهم؛ إذ من يدري؛ لعلها لا تعود أبداً (1).
والطريف أن كلاً منهما ظل يذكر صاحبه بالاحترام والمحبة والثناء، رغم أن كلاً منهما قد تزوج من جديد.
يقول الشيخ الخضر متحسراً على فراق شريكة حياته بالحياة:
__________
(1) ترك معها الشيخ ابنته الوحيدة منها، ولم ينجب غيرها من كل زوجاته فيما نعلمه.
(14/ 2/124)

جارتي، منذ ضحوة العمر عذراً ... لأخي خطرة نأى عنه بيتك
قال يوم الوداع وهو يعاني ... سكرة البين: ليتني ما عرفتك!
وهذا معنى جميل بلا ريب، ويدل على مكارم الرجل، ووفائه وألمه في وقت واحد.
* رثاء زوجته:
وبهذه المناسبة نذكر أن الشيخ الخضر قد تزوج في الشرق ثلاث مرات -حسبما نعلم- ولكنه لم ينجب منهن أولاداً.
إحداها: في دمشق أثناء إقامته بها، في سنوات (1912 - 1920)، والثانية: في مصر، من عائلة النجمة القاطنة بمنطقة الهرم. وقد توفيت زوجته هذه بعد عِشرة دامت زهاء ثلاثين عاماً، فرثاها بقصيدة، يقول فيها:
أعاذل غض الطرف عن جفني الباكي ... فخطب رمى الأكباد مني بأشواك
ولي جارة أودى بها سقم إلى ... نوى دون منآها المحيط بأفلاك
أجارة هذا طائر الموت حائم ... ليذهب من زهر الحياة بمجناك
حنانيك هل ساءتك مني خليقة ... فأنكرت دنيانا وآثرت أخراك؟!
وكنت أعزي النفس من قبل أنني ... أموت قرير المقلتين بمحياك
ولم أدر ما طعم المنون فذقته ... مساء لفظتِ الروح والعينُ ترعاك
فهيهات أن أنساك ما عشت والأسى ... يموج بقلبي ما جرت فيه ذكراك
* زوجة جديدة:
كانت وفاة السالفة عام 1953، وهو شيخ للأزهر، فاضطر إلى الزواج من قريبة لها صغيرة السن؛ مما جعل الصحافة المصرية تلمزه بذلك، وتتخذ
(14/ 2/125)

من هذا الزواج غير المتناسب عمراً مغمزاً لمآرب أخرى.
وقد حقق لي -شخصياً- صديقه الوفي العلامة الشيخ محب الدين الخطيب بأن الشيخ الخضر كان "لا يحب أن يكون أعزب"، وليس من شك -عندي- في أن الشيخ الخضر قد اضطر للزواج، ومن قريبة زوجته بالذات، للأسباب التالية:
1 - ما ذكره الشيخ الخطيب من أنه لا يحب أن يكون أعزب.
2 - لكبر سنه، وحاجته إلى شريكة حياة ترعاه، وتحدب عليه، وتقوم بشؤونه في ساعة المرض أو الشدة.
3 - أنه لم ينجب أولاداً، وليس له أي قريب أو قريبة في مصر، مما يخفف عنه مشاعر الوحدة والوحشة والانفراد في شيخوخته.
4 - وأنه -في رأيي- إنما تزوج قريبة زوجته؛ لأنها كانت مطلعة على حياته العائلية، فهي بمثابة القريبة، كما وأن أهل الزوجة سهّلوا ذلك له، وشجعوا عليه؛ حرصاً منهم على صيانة حياة الشيخ، وتوفير الراحة والهناء النفسي له، وهم أقرب الناس إليه، وألصقهم به، وأكثرهم إدراكاً لمتاعبه ومشاغله وظروفه.
وعلى هذا، فلم تكن زوجته الجديدة زوجه بالمعنى الحسي، بل كانت ممرضة، وراعية لحياة الشيخ في تلك المرحلة الخاصة من شيخوخته.
وهكذا يمكن القول -باختصار- بأن الشيخ الخضر لم يوافق على الزواج إلا بسبب وحدته وغربته وشيخوخته، تلك الشيخوخة التي تحتاج لمن يرعاها، ويحنو عليها، وليس كالزوجة الوفية البارة راعياً وحانياً.
(14/ 2/126)

* رثاء والدته:
في سنة (1335 ه - 1916 م) فقد الشيخ والدته، فرثاها بقصيدة يقول فيها:
قطّب الدهر فأبديت ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما
لست أدري أن في كفيك يا ... دهر رزءاً يملاً العين ظلاما
لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومذكيها ضِراما
فإذا العين ترى عن كثب ... كيف تلقى نفسي الأخرى حِماما
يا سقاة الترب ماء هاكم ... عبراتي إن في الجفن جماما
أفلا يبكي الفتى نازحة ... سهرت من أجله الليل وناما
"بنت عزوز" لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
ودرينا منك أن لا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حطاما
ودرينا منك أن الله لا ... يخذل العبد إذا العبد استقاما
ودرينا كيف لا نعنو لمن ... حارب الحق، وان سل الحساما
كنت نوراً في حمانا مثلما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
كان لي منك إذا أشكو النوى ... كتب تحمل عطفاً وسلاما
فادخلي في سلف قمتِ على ... هديه الحق وأحسنت القياما
واسعدي نزلاً إلى الملقى إلى ... يوم لا نخشى على الأنس انصراما
من هذه الأبيات، ومن كامل القصيدة نحسّ بصدق العاطفة، وحرارة الإحساس، ودفق الشاعرية، وصفاء التعبير. وهي خصائص لم نجدها واضحة في رثاء زوجته، وهذا دليل على بره بالأمومة، وعلى تباين الظروف التي فقد
(14/ 2/127)

فيها أمه أولاً، وهو في كهولته، وزوجته ثانياً، وهو في شيخوخته، وربما كان الحرج الديني هو الحاجب لعواطفه نحو زوجته، بينما كان الواجب الديني هو المحرك لعواطفه -فوق دوافعه الإنسانية- للبر بوالدته.
*. . . المؤلف:
مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين كثيرة العدد، غزيرة المادة، متنوعة الموضوعات.
ولئن كان معظمها بحوثاً ومحاضرات دينية وإسلامية، فإن بحوثه ومحاضراته في اللغة والأدب والنقد، وبعض جوانب التاريخ العامة كثيرة هي الأخرى.
ولعل أبرز مجال ظهرت فيه شخصيته هو مجال النقد المدعم بالنصوص والحجج الأدبية والتاريخية واللغوية.
ومن أبرز أعماله في هذا الميدان كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين، فكلاهما كان سبب شهرته في مصر، واقتعاده مكاناً سامياً بين أقرانه من شيوخ الأدب ورجاله في القاهرة.
وتأتي بعد ذلك بحوثه اللغوية التي كان فيها مرجعاً وأستاذاً لا يجارى. وقد أعانته على النجاح في هذا المجال حافظته القوية جداً، وعنايته بالمراجعة والمقارنة. . مما جعله باحثاً مقتدراً بين زملائه، وأعطى لآرائه قيمة خاصة لدى المعنيين بالدراسات اللغوية (1).
__________
(1) انظر بوجه خاص: مجلة "الفكر" الكويتية، (مجلد 1 ع 3) (أكتوير - ديسمبر 1970) (ص 194 - 196).
(14/ 2/128)

وفي مجال البحث الأدبي القائم على التحليل والمقارنة، كان له فضل السبق إلى بحث موضوع طريف ومبتكر .. هو موضوع "الخيال في الشعر العربي"، فلست أعلم أن أحداً قبله عالج هذا الموضوع، وخاصة بشكل كتاب كامل ومستقل. وحتى صاحبنا الشهير (أبو القاسم الشابي) في كتابه: "الخيال الشعري عند العرب" كان متأخراً عنه، مترسماً خطاه، وإن لم يقلده، أو يجاريه في شيء مما ذهب إليه.
أما موضوعاته الدينية والإسلامية بوجه عام، فإنه كان يعتمد فيها مذهب السلف، وتمجيد أعمالهم، والتنويه بخصالهم، واعتبارهم المنار الذي لا يستنار إلا به.
لذلك تراه يكاد لا يخرج عما ذهبوا إليه، أو اجتهدوا فيه. وهذا لا يعني أن الرجل كان جامداً، أو محافظً، أو متعصباً لكل قديم .. وإنما كان يميل إلى الاعتماد على السلف، والاهتداء بهم وبآرائهم قبل غيرهم. لكنه كان -مع ذلك- يمتاز عن كثير من أمثاله الشيوخ بالتفتح والتبصر لفهم آراء غيره، ومناقشتها بهدوء -عُرف به- والرد عليها -عند اللزوم- بالحجة والنص، وإعمال الرأي.
وفي هذا الصدد يقول أحد مترجميه:
"كان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو للإصلاح على أساس قاعدة علمية واضحة (1). وهو يؤمن بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد. يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويثق بالرواية بعد أن
__________
(1) هي القاعدة السلفية.
(14/ 2/129)

يسلمها النقد إلى صدق الغاية" (1).
وأشهد أن الرجل، كباحث وناقد، كان رجلاً عفيف القول، نظيف اللسان، معتدل اللهجة. ولا تستطيع أن تقدر فيه هذه الخصال حق قدرها إلا إذا قرأت ردوده على طه حسين، وعلي عبد الرازق، وقرأت أيضاً ردود غيره عليهما.
والواقع أن جوانب فكره ومؤلفاته خصبة ومتعددة، ولا تستطيع هذه العجالة أن تعطيه حقه، وتوضح معالم شخصيته. وإلى أن نفعل ذلك في طبعة قادمة، نكتفي هنا بعرض مدقق لجميع ما وصلنا وتعرفنا عليه من بحوثه ومؤلفاته المطبوعة. ملاحظاً قبل ذلك ما يلي:
أولاً: أنه بدأ يحاضر ويكتب في الصحافة منذ سنة 1904، واستمر إلى سنة 1958، فالمدة تستغرق 54 سنة على الأقل؛ أي: أكثر من نصف قرن. يضاف إلى ذلك أنه كان غزير الكتابة، كثير البحث، دائب النشاط، وهو أمر نادر جداً بين أقرانه ومعاصريه من الشيوخ (2).
ثانياً: أن معظم إنتاجه من بحوث ومحاضرات ما زال متناثراً في المجلات والصحف التي نشر فيها. ورغم الجهد الطيب الذي قام به حفيده للأخ الأستاذ علي الرضا الحسيني المحامي بدمشق، فإن ما لم يجمع من آثاره أكثر مما جمع. ولعل عناية حفيده تتواصل حتى تشمل ما بقي.
ثالثاً: القائمة التي سنذكرها تشمل كل ما وصل إليه علمنا من كتب
__________
(1) أنور الجندي: "الفكر والثقافة المعاصرة في الشمال الأفريقي" (ص 174).
(2) يماثله في هذا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
(14/ 2/130)

ورسائل مطبوعة، مرتبة بحسب تاريخ طبعها للمرة الأولى، مع ذكر الطبعات الموالية إن كانت.
رابعاً: إن الطبعات التي أشرف عليها حفيده للأخ -التي تمت كلها بعد وفاة الشيخ- لم يكن معظمها على النسق الذي وضعه مؤلفها. فقد تصرف الناشر في بعض العناوين، وفي المحتوى، وعمد إلى تكديس كتب على كتب، أو جمع مقالات ومحاضرات إلى كتاب سبق طبعه مستقلاً. وقد نتج عن هذا عسر هضم لدى الباحئين.
وكنا نفضل لو سلك حفيده مسلكاً آخر يقوم على ما يلي:
أ - نشر كتبه القديمة كما هي في طبعاتها الأولى.
ب - جمع المحاضرات والبحوث الصغيرة -ما طبع منها وما لم يطبع- في كتاب متعدد الأجزاء، كما فعل المؤلف نفسه في كتابه "رسائل الإصلاح"، وكما فعل الناشر -مشكوراً- في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها" (1).
ج - جمع المقالات في كتاب مستقل متعدد الحلقات، تخصص كل حلقة بموضوع عام .. ديني، أدبي، اجتماعي، وطني. مع الإشارة دائماً إلى مكان النشر الأول، وتاريخه، وملابساته إن وجدت.
خامساً: وعلى ذلك، فإننا سنذكر أولاً: الكتب التي طبعت بالنسق الأول؛ أي: في حياة المؤلف، وثانياً: الكتب التي ذكرها الباحثون، أو ورد ذكرها في المراجع، أو أعلن عنها في غلاف كتبه المطبوعة، ولكننا لم
__________
(1) رأينا الطبعة الثانية منه، مؤرخة بسنة 1960، ولسنا نعلم هل توجد طبعة أولى قبلها، أم أن الناشر اعتبر جميع ما طبع مفرقاً طبعة أولى!.
(14/ 2/131)

نرها، ثالثاً: الكتب التي تولى حفيده للأخ نشرها، على الصورة والعناوين التي نشرها بها.
أولاً - كتب النسق الأول:
1 - حياة اللغة العربية:
محاضرة ألقاها بنادي الجمعية الخلدونية مساء يوم السبت (11 شوال 1327، وفي 23 كتوبر 1909) - طبعة أولى بالمطبعة التونسية، 1909، ص (60).
2 - الحرية في الإسلام:
محاضرة ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء يوم السبت (17 ربيع الثاني 1324)، وهو يومئذ القاضي بمدينة "بنزرت".
- طبعة أولى بالمطبعة التونسية 1909، ص (64).
- طبعة ثانية بالأوفست تونس 1972، ص (64).
3 - الدعوة إلى الإصلاح:
رسالة طبعت بتونس على نفقة السيد العروسي بن الحسين.
- طبعة أولى بالمطبعة العربية بتونس 1909، ص (41).
- طبعة ثانية بالمطبعة السلفية القاهرة (1346/ 1921)، ص (84).
4 - الخيال في الشعر العربي:
- طبعة أولى بنفقة عناية المكتبة العربية في دمشق، طبع المطبعة الرحمانية بمصر 1922، ص (91).
- طبعة ثانية بإشراف حفيده، مضافاً إليها بحوث أدبية أخرى. دمشق 1972 من (ص 5 - 72).
(14/ 2/132)

5 - نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم":
الأصل للشيخ علي عبد الرازق.
- المطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (1344/ 1925)، ص (4 - 252).
6 - نقض كتاب "في الشعر الجاهلي": والأصل للدكتور طه حسين.
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (1345/ 1926)، ص (7 - 364).
7 - الخطابة عند العرب:
محاضرة ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين) مساء الأربعاء 5 ذي الحجة 1346.
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (1346/ 1927)، ص (28).
- الطبعة الثانية، نشرها حفيده مضافة إلى كتاب "الخيال في الشعر العربي" ص (146 - 164) طبع دمشق 1972.
8 - العظمة:.
محاضرة ألقاها في دار (جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية) يوم الجمعة 26 ربيع الثاني (1346/ 1927).
وقد تضمنت الرد على مقالة علي عبد الرازق التي كان نشرها في جريدة "السياسة" يوم 12 ربيع الأول بمناسبة ذكرى المولد الشريف.
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (1346/ 1927)، ص (28).
- الطبعة الثانية نشرها حفيده مضافة لكتاب "محمد رسول الله وخاتم
(14/ 2/133)

النبيين"؛ لعلاقتها به. ص (140 - 154) طبع دمشق 1971.
9 - علماء الإسلام في الأندلس:
محاضرة ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين) باسم (جمعية الهداية الإسلامية) مساء الأربعاء 18 ذي الحجة (1346/ 1927).
- المطبعة السلفية بالقاهرة (1347/ 1928)، ص (32).
10 - ثلاث محاضرات:
ألقاها في نادي (جمعية الشبان المسلمين).
1 - السعادة عند بعض علماء الإسلام، ص (4 - 14).
2 - محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومتانة عزمه، ص (15 - 23).
3 - حياة أسد بن الفرات، ص (25 - 43).
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (1347/ 1928)، ص (43).
- الطبعة الثانية أعادها الحفيد للمحاضرة الثانية فقط في كتاب "محمد رسول الله"، ص (74 - 78)، وللمحاضرة الثالثة في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، ص (70 - 81) طبع دمشق 1971.
11 - طائفة القاديانية:
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية في القاهرة (1351/ 1932).
- الطبعة الثانية ضمن "رسائل الإصلاح" الآتي ذكره (ج 3 ص 107 - 125).
12 - حياة ابن خلدون، ومثل من فلسفته الاجتماعية:
- محاضرة ألقاها بتونس قبيل هجرته، وأعادها بالقاهرة في (جمعية
(14/ 2/134)

تعاون جاليات أفريقيا الشمالية) مساء يوم الجمعة 5 صفر (1343/ 1924)، وطبعت في نفس السنة بالمطبعة السلفية، ص (48)، وأعاد نشرها حفيده في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، ص (44 - 96) طبع دمشق 1971.
13 - القياس في اللغة العربية:
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (1353/ 1934)، ص (117).
- الطبعة الثانية نشرها حفيده ضمن كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، ص (5 - 112) طبع دمشق 1960.
14 - رسائل الإصلاح:
كتاب متعدد الأجزاء جمع فيه جملة كبيرة من بحوثه ودراساته في الدين والأخلاق وغيرهما. وقد جعله أربعة أقسام هي:
1 - قسم الأخلاق والاجتماعيات.
2 - قسم المباحث الدينية من أصول الدين وأصول الفقه والأحكام العلمية.
3 - قسم السيرة النبوية، وتراجم الرجال والبحوث التاريخية.
4 - قسم مباحث اللغة والآداب (1).
وقد نشر منه في حياته ثلالة أجزاء تدور كلها في القسمين الأول والثاني.
- الجزء الأول، مطبعة الهداية الإسلامية بالقاهرة (1358/ 1938)، ص (4 - 240)، وقد أعاد الحفيد طبع هذا الجزء بعد أن حذف وأضاف له موضوعات من الجزء الثاني، وأبقى على عنوانه كما هو. طبع دمشق 1971، ص (240).
__________
(1) مقدمة الجزء الأول.
(14/ 2/135)

- الجزء الثاني، مطبعة حليم بالقاهرة، بلا تاريخ، ص (231). وقد نقل منه الحفيد موضوع "أديان العرب قبل الإسلام" إلى كتاب "محمد رسول الله"، وموضوعات أخرى إلى الجزء الوحيد الذي نشره باسم "رسائل الإصلاح"، كما نقل موضوع التصوف إلى كتاب "الشريعة الإسلامية" ص (174 - 190).
- الجزء الثالث، نشرته مكتبة القدسي بالقاهرة (1358/ 1939)، ص (161).
وقد أعاد الحفيد بعض موضوعاته في كتاب سماه "الشريعة الإسلامية" ص (5 - 51)، و (92 - 111).
15 - خواطر الحياة:
ديوان شعر ضم مجموعة كبيرة من قصائده ومقطوعاته.
- الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية بالقاهرة (1366/ 1946).
- الطبعة الثانية، عليها تعليقات بقلم الشيخ محمد علي النجار. المطبعة السلفية (1373/ 1953)، ص (207).
15 م - تونس تحت الاحتلال:
رسالة كتبها ونشرها سنة 1948 بمناسبة مرور 67 سنة من فرض الحماية والاحتلال الفرنسي على تونس، وأصدرتها (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي كان يرأسها. وكان الأمير عبد الكريم الخطابي رئيساً شرفياً لها.
وعنوان الرسالة الكامل هو "تونس - 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي 1881 - 1948"، وهي بمثابة تقرير عام عن سياسة فرنسا الاستعمارية بتونس في جميع الميادين السياسية والدستورية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
(14/ 2/136)

- الطبعة الأولى: القاهرة 1948، ص (34)، وقد ختم الرسالة بقوله:
"ما زالت الحركات السياسية الوطنية في تونس تنهض مرة بعد أخرى، وترفع صوت الأمة عالياً بمطالبها المشروعة من أعلى المنابر، وتعقد المظاهرات لذلك، وتضرب البلاد عن الأعمال في كل مناسبة، وتقدم احتجاجات ضد كل تشريم أو تصرف يتصادم مع أهدافها الوطنية في الاستقلال التام، ولهم في جهادهم مواقف حفظها لهم التاريخ، وكم تعرضوا في هذا الجهاد لمصادمة الاستعمار لهم بالحديد والنار، وابتلوا بالاعتقال والسجن والإبعاد إلى أطراف القطر وخارجه، ونكبوا في أموالهم بالتغريم، وكانوا يحتملون ذلك الأذى، ويقابلونه بالتجلد والتصميم على العمل لخير وطنهم وحريته، حتى انتهت الأمة في هذا الدور الأخير إلى توحيد كفاحها وهدفها منه في المؤتمر الوطني العام الذي انعقد في 27 رمضان سنة 1365 هجرية، ونحن نختم هذه المذكرة بنشر مقررات ذلك المؤتمر فيها إثباتاً لتاريخ توحيد العمل والاتجاه".
وبعد أن أورد مقررات المؤتمر المذكور، والتي تضمنت إعلان إفلاس سياسة الحماية، وضرورة اتحاد الشعب لتحقيق الاستقلال، ختم الرسالة بقوله (ص 34):
"هذا هو الهدف الذي أضحت الأمة التونسية تعمل لتحقيقه، معرضة عن كل سياسة لا تتفق معه، أو تناقضه. . .".
ثانياً - كتب ذكرتها المراجع:
16 - تعليقات على كتاب "الموافقات":
طبعت بهامش كتاب "الموافقات"، وهو كتاب "في أصول الأحكام، تأليف الإمام أبي إسحاق اللخمي الشاطبي المتوفى سنة (790/ 1388)،
(14/ 2/137)

وعليه تعليقات للشيخ محمد الخضر بن الحسين التونسي، والكتاب يقع في أربعة أجزاء في مجلدين، المطبعة السلفية سنة (1341/ 1923) (1).
17 - مدارك الشريعة الإسلامية:
ذكره سركيس في "معجمه" (ص 1652) قائلاً: "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها، دمشق 1330"، ولم يذكر عدد الصفحات. ولكن حفيده أعاد نشرها في كتاب "الشريعة الإسلامية" (ص (55 - 77)، وذكر في تعليق ص 55: إنها محاضرة ألقاها المؤلف بنادي جمعية قدماء الصادقية بتونس يوم السبت 18 جمادى الثانية 1331، وطبعت في رسالة.
وعلى هذا تكون آخر عمل علمي قام به في تونس قبيل رحيله عنها نهائياً.
ويكون تاريخ الطبع كما ذكره سركيس فيه خطأ. وقد سبق له نشرها تباعاَ في مجلة "البدر" -المجلد الثاني ج 8 - 10 (1340/ 1924).
18 - مناهج الشرف:
- قال سركيس في (ص 1652): "وهو في الأخلاق -مط الترقي- دمشق 1331". ولعل هذا التاريخ هو تاريخ الانتهاء من الكتابة لا الطبع، لوجود عبارة على الكتاب تقول: "للسيد محمد الخضر التونسي أستاذ آداب اللغة العربية والفلسفة الإسلامية بالمدرسة السلطانية. . تم تحريره في جمادى الثانية 1331"، وهو الصحيح؛ إذ أنه كان في هذا التاريخ بتونس، ولم يستقر بعد في دمشق، ولا تولى فيها التدريس.
__________
(1) فهرست المكتبة اللزامية ببنزرت (ص 77)، باب: أصول الفقه رقم 7.
(14/ 2/138)

19 - الإمتاع فيما يتوقف تأنيثه على السماع:
- ذكره محب الدين الخطيب في غلاف عدد من كتب الشيخ الخضر التي تولى نشرها.
- ونشره حفيده في كتاب "دراسات في اللغة العربية وتاريخها" الآتي ذكره، ص (259 - 277).
25 - آداب الحرب في الإسلام:
- ذكره كحالة في "معجم المؤلفين" (ج 9 ص 820).
21 - محمد رسول الله وخاتم النبيين:
ذكره كحالة بعنوان "السيرة النبوية".
وذكرت طبعه بالعنوان الأول عائدة إبراهيم نصير في: "الكتب العربية
التي نشرت في مصر بين عامي 1926 - 1940" (ص 83 رقم 2/ 1213).
- طبعة أولى - إدارة الأزهر - القاهرة 1933، ص (47).
- الطبعة الثانية، نشرها حفيده سنة 1916، كما أشار إلى ذلك في تعليق (ص 38) من الطبعة الثالثة.
- الطبعة الثالثة، نشرها حفيده مضافاً إليها محاضرات وبحوث أخرى. طبع دمشق 1917 ص (38 - 73).
22 - هدى ونور:
ذكره ناشرو كتبه على غلافها، وخاصة حفيده في سرده لمؤلفات الشيخ.
23 - تراجم الرجال:
ذكره بعض مترجميه، وكذلك حفيده.
(14/ 2/139)

24 - أسرار التنزيل:
ذكره حفيده بما يفيد أنه "تفسير للفاتحة، وسورة البقرة، وبعض آيات من سور: آل عمران، الحج، الأنفال، يونس، ص) (1)، ويبدو أن الحفيد جمعه من المجلات، واختار له العنوان.
25 - دراسات في اللغة:
ذكره حفيده أيضاً (2).
26 - محاضرات إسلامية:
ذكره حفيده، ولعله ينوي جمع محاضراته الإسلامية في كتاب (3).
27 - دراسات في الشريعة الإسلامية:
ذكره حفيده، ولعله ينوي جمعه مما نشره في المجلات (4).
28 - السعادة العظمى في الإسلام:
ذكره حفيده، ولعله يقصد به مجلته "السعادة العظمى"، وكان يذكرها دائماً بهذا الاسم، ولكنه أضاف مؤخراً: "في الإسلام" (5).
__________
(1) "الخيال في الشعر العربي" -طبعه الحفيد- (ص 207)، ولم يشر إلى أنه مطبوع أم لا.
(2) "المرجع نفسه" (ص 204).
(3) "المرجع نفس" (ص 204).
(4) "المرجع نفسه" (ص 204).
(5) نفس المرجع والصفحة.
(14/ 2/140)

29 - تراجم الرجال والبحوث التاربخية:
ذكره حفيده (1)، ولعله يكمل به ما بقي من رسائل في طبعتها الأولى كما أشار إلى ذلك مؤلفها (راجع رقم 14).
ثالثاً- كتب نشرها حفيده:
30 - دراسات في العربية وتاريخها:
جمع فيه طائفة من رسائله وبحوثه المطبوعة في المجلات أو رسائل مستقلة، وضم بالخصوص:
أ - القياس في اللغة العربية ص (5 - 111). (راجع رقم 13).
ب - حياة اللغة العربية، ص (112 - 165). (راجع رقم 1).
ج - الاستشهاد بالحديث في اللغة، ص (166 - 180)، وكان المؤلف قد ألقاه في مجمع اللغة، ونشره في المجلد الثالث من مجلة المجمع، ونشره المشرف على جمع "رسائل الإصلاح" (ج 2 ص 158 - 176).
د - الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع، ص (259 - 277). (راجع رقم 19).
ه - موضوعات أخرى نقلها من مصادر غفل عن ذكر معظمها:
- طبعة ثانية (2)، مطابع دار المنار بدمشق 1960 - ص (282)، وهذا الكتاب أحسن عمل قام به الحفيد من حيث التنظيم والإشارة إلى المصدر. . . إلخ.
__________
(1) نفس المرجع والصفحة.
(2) راجع التعليق رقم 67.
(14/ 2/141)

31 - بلاغة القرآن:
جمعه مما نشر في المجلات، وأشار إلى المرجع في بعض دون بعض.
- المطبعة التعاونية بدمشق 1971، ص (216)، والكتاب بلا فهرست.
32 - تونس وجامع الزيتونة:
جمعه مما سبق نشره في المجلات، أو الرسائل الصغيرة، وله علاقة بتونس، وخاصة تراجم عدد من العلماء والمشهورين أمثال: ابن خلدون، وأسد بن الفرات، ومحمود قبادو، وعمر بن الشيخ.
- المطبعة التعاونية بدمشق 1971، ص (146).
وهذا الكتاب عمل جيد، وإن أهمل ذكر مراجع تراجم العلماء، مع أنها منثورة في مجلة "الهداية الإسلامية".
33 - الشريعة الإسلامية:
يمثل هذا الكتاب معظم الجزء الثالث من "رسائل الإصلاح" في طبعتها الأولى. (راجع رقم 14)، وقد أضاف له جملة مقالات وأبحاث نقلها من مجلات "نور الإسلام"، و"الهداية الإسلامية". وأشار لها في الحواشي.
- المطبعة التعاونية بدمشق 1971، ص (222).
34 - محمد رسول الله وخاتم النبيين:
جمع فيه عدة رسائل، خاصة المرقمة (8 و 10 و 14 و 20). أما بحث "أديان العرب" الذي استهل به الكتاب (ص 7 - 37)، فمنقول من "رسائل الإصلاح" (ج 2 ص 57 - 97)، وأضاف للجميع مجموعة مناسبة من المقالات الأخرى.
- مطبعة العلم بدمشق 1971 ص (240).
(14/ 2/142)

35 - رسائل الإصلاح:
في جزء واحد، ضم معظم الجزء الأول، وبعض الثاني من الطبعة الأولى (راجع رقم 14).
- المطبعة التعاونية بدمشق 1971 ص (240).
36 - الخيال في الشعر العربي:
جمع فيه كتاب "الخيال"، ومحاضرة: الخطابة عند العرب، ومحاضرات في البلاغة والآداب.
- المطبعة التعاونية بدمشق، ط 2 - 1972، ص (203).
*. . . الصحفي:
لم يشتغل الشيخ الخضر حسين بالصحافة كمهنة يرتزق منها، ولا انقطع لها كما ينقطع الصحفي المحترف. ولكنه مارسها كرسالة ومنبر للتعبير عن مذهبه في الإصلاح، وآرائه في الدين والحياة والفكر.
وطول ممارسته لها، وتحمله أعباء مسؤوليات كثيرة فيها، منذ فجر شبابه إلى آخر لحظة من حياته، وجب اعتباره صحفياً مناضلاً، ورائداً من رواد الصحافة العربية، وواحداً من بُناتها الأولين.
فبالإضافة إلى ما كتبه ونشره من مئات المقالات والفصول والأبحاث في مختلف الجرائد والمجلات بتونس ودمشق ومصر. وأسس عدداً من المجلات، وساهم في تحرير كثير غيرها، وكان بذلك مؤسساً للصحافة، وصاحب امتياز، ومحرراً، ورئيس تحرير.
وفيما يلي أهم المجلات والجرائد التي عمل بها، أو تولى تحريرها، أو ساهم بالكتابة فيها:
(14/ 2/143)

1 - مجلة "السعادة العظمى":
سبق أن قلت: إنه أسس في سنة 1904 مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة تأسست وصدرت في تونس (1)، وقد جعلها نصف شهرية، وذات اتجاهين: ديني، وأدبي. ولئن لم يصدر منها سوى 21 عدداً، فإن مجموعتها تعتبر مصدراً هاماً لتاريخ الصحافة العربية، وطليعة رائدة للإصلاح وبذوره الأولى بتونس.
ساهمت "السعادة العظمى" -برغم عمرها لقصير- بدور فعال في الحياة التونسية، وكان لها أثر محمود -إثر مطلع القرن- على الحركات الفكرية والدينية والاجتماعية.
ورغم نزولها إلى الاعتدال -كشأن صاحبها دائماً- فقد جوبهت بمعارضة عنيفة من طرف شق الجامدين والمحافظين من شيوخ الزيتونة وأمثالهم في الحياة العامة يومئذ.
ولكن عدداً غير قليل من كبار العلماء، وأعيان البلاد والمثقفين، وقفوا إلى جانبها بقوتهم المادية والاجتماعية والأدبية. ومن أبرز هؤلاء: الوزبر الأول الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ سالم بوحاجب، وحسن حسني عبد الوهاب، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد النخلي (2).
ولعل أهم ما عنيت به المجلة: تأييدها للإصلاح، ودعوتها لتغيير مناهج
__________
(1) فيليب دي طرازي: "تاريخ الصحافة العربية" (ج 4 ص 348)، و"أركان النهضة" (ص 40)، ومجلة "لواء الإسلام" (س 11 ع 11 ص 675).
(2) انظر حديثه عن بعض هؤلاء وتشجيعهم له: مجلة "لواء الإسلام" (س 11 ع 11 ص 675) (فيفري -فبراير- 1958).
(14/ 2/144)

التعليم الزيتوني، ومطالبتها بإدخال تدريس الأدب واللغة فيه، ونشرها لأولى محاولات التجديد في الشعر، ودفاعها عن اللغة العربية.
وإذا سلّمنا بما يقوله الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عنها (1)، فإنها كانت لسان جماعة من الشيوخ والعلماء الميالين إلى الاعتدال في تحقيق الإصلاح وبناء النهضة.
2 - مجلة "الشبان المسلمين":
صدرت سنة 1929 شهرية إسلامية أخلاقية، وكان الشيخ الخضر من أبرز مؤسسيها وكتابها. وهي ناطقة باسم (جمعية الشبان المسلمين) التي كان له يد كبرى في تكوينها في نفس السنة.
ورغم إصداره شخصياً مجلة "الهداية الإسلامية"، فإنه لم ينقطع عن الكتابة فيها، والمحاضرة في نادي الجمعية، والمساهمة في نشاطاتها الأخرى.
3 - مجلة "الهداية الإسلامية":
مجلة إسلامية شهرية، أسسها الشيخ الخضر في القاهرة بعد استقراره بها، وظهور شأنه وصيته فيها.
وكانت المجلة لسان (جمعية الهداية الإسلامية) التي دعا الشيخ إلى تأسيسها سنة (1346/ 1928)، وتولى رئاستها إلى آخر يوم من حياته (2).
__________
(1) "الحركة الأدبية" (ص 62)، وعن علاقتها بالمنار: (ص 64).
(2) انظر: نشرة صغيرة عن تأسيس الجمعية ونظامها الأساسي ومؤسسيها الأولين. والعدد الأول من مجلة "الهداية الإسلامية" الصادر في (جمادى الثانية 1347 نوفمبر 1928).
(14/ 2/145)

وهذه المجلة هي أكبر عمل صحفي قام به؛ لطول حياتها، وتواصل ظهورها، ولإشرافه على تحريرها، واتخاذه لها منبراً وصوتاً ينادي بالإصلاح والدفاع عن الإسلام والمسلمين.
وإلى جانب ذلك، كانت لسان المغرب العربي في مصر والشرق العربي، مدة ثلاثين سنة، حتى اعتبرت -بحق- مجلة مغربية تصدر في القاهرة؛ لما كانت تختص به من اهتمام كبير بقضايا المغرب العربي وتاريخه وثقافته وأدبه، وكفاحه التحريري ضد الاستعمار والفرنسة. وعن هذا الدور المغربي بالذات يقول كاتب مصري معاصر:
"كانت مجلة "الهداية الإسلامية" مجلة مغربية واضحة الدلالة، في كتابتها وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية" (1).
4 - مجلة "نور الإسلام":
مجلة شهرية إسلامية ذات مستوى رفيع في تحريرها وموضوعاتها، وقد أصدرتها مشيخة الأزهر، وعهدت برئاسة تحريرها إلى الشيخ الخضر، واستمر صدورها من سنة (1349 إلى 1353 ه) - (1930 - 1934)، وفي أثناء سنتها الخامسة أبدلتها المشيخة بمجلة جديدة هي:
5 - مجلة "الأزهر":
وهكذا حلت مجلة "الأزهر" محل "نور الإسلام"، وعهد إلى الشيخ الخضر برئاسة تحريرها، كاستمرار لعمله في المحلة السابقة، ولكنه تخلى عن هذه المسؤولية بعد سنوات قليلة، وإن لم ينقطع عن الكتابة فيها، وعن إصدار مجلته "الهداية الإسلامية".
__________
(1) أنور الجندي: "الفكر والثقافة" (ص 176).
(14/ 2/146)

6 - مجلة "لواء الإسلام":
في سنة 1945 - أصدر صديقه الشيخ العلامة أحمد حمزة مجلة "لواء الإسلام" شهرية دينية ثقافية اجتماعية، وطلب من الشيخ الخضر أن يتولى رئاسة تحريرها، فقبل هذه المسؤولية، واستمر في ذلك إلى أن تولى مشيخة الأزهر سبتمبر 1952، وعندها تخلى عن التحرير، واقتصر على الكتابة فيها، وظل كذلك إلى عدد شهر فيفري (فبراير) 1958، وهو الشهر الذي توفي فيه (1).
وعن دوره في هذه المجلة يقول مؤسسها:
"ومنذ اتجهنا إلى إنشاء مجلة "لواء الإسلام" نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علماً يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين، فأرسى قواعد التحرير فيها، وتعهدها بتوجيهه وقلمه وقلبه المشرق المنير، ونيته وإخلاصه - صلى الله عليه وسلم -، فسارت قدماً إلى الأمام تحمل رسالتها، وتتجه إلى غايتها، ومن ورائها (الخضر) ونخبة مؤلفة من العلماء المخلصين المؤمنين".
"ولم ينقطع عن رئاسة التحرير إلا عندما شغل منصب شيخ الأزهر. وفي هذا المنصب أعاد إليه كرامته، وأكد عزته، ولا يزال الأزهريون يذكرون له مواقف الشمم والإباء، وما زالت كلماته التي قالها، والتي استهل بها عهده فيه، تدوي في آذانهم، يرددونها، ويعترفون له بتحققها. . فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "وليت أمر الأزهر، فإن لم يزد في عهدي، فلن ينقص منه شيء". ثم ترك
__________
(1) كان آخر مقال له بعنوان (فساحة الصدر ونزاهة اللسان عن المكروه) نشرته "لواء الإسلام" (س 11 ص 673 - 675).
(14/ 2/147)

الأزهر موفوراً عزيزاً، وعكف على العلم والكتابة مرة أخرى في "لواء الإسلام"، واستمرت المجلة تشرق بمقالاته، وتضيء بإخلاصه حتى قبضه الله إليه" (1).
7 - مجلة "الفتح":
صحيفة أسبوعية إسلامية أسسها وأصدرها سنة 1926 صديقه الكبير الشيخ محب الدين الخطيب، وهو سوري مهاجر مثله إلى القاهرة. وكان قد سبقه إليها بنحو السنة، وهو كالشيخ الخضر من رعيل الكفاح الإسلامي الأول في بلاد الشام، وفي دمشق كان تعرفه به. فلما استقر كلاهما بمصر، ربطت بينهما رابطة الهجرة، فضلاً عما كان بينهما من روابط العلم والمودة والنضال المشترك عن الإسلام والمسلمين.
وللشيخ محب الدين دور هام في حياة الشيخ الخضر .. فهو الذي ربط الصلة بينه وبين عدد كبير من العلماء والشخصيات المصرية والعربية ذات النزعة الإسلامية. وهو أيضاً الذي شجعه -منذ البداية- على نشر مؤلفاته، وطبعها في المطبعة السلفية التي أسسه 11 لشيخ محب الدين الخطيب (2).
فلما أصدر مجلته "الفتح"، ساهم الشيخ الخضر في تحريرها، والكتابة فيها بما يلائم اتجاهاته الدينية، ويساعد صديقه على النجاح في مهمته الإسلامية.
__________
(1) "لواء الإسلام" (عدد مارس 1958، مجلد 11 ع 12 ص 743 - 744).
(2) راجع بحثاً جيداً عن حياة الخضر كتبه الشيخ محب الدين في مجلة "الأزهر": مجلد 29 ص 736 - 744 (20/ 2/ 1958)، وانظر ما كتبه محب الدين عن الخضر في مذكراته المنشورة في مجلة "الثقافة" الجزائرية عام 72 - 1973.
(14/ 2/148)

ولمجلة "الفتح" دور هام جداً في الدفاع عن قضايا المغرب العربي، وخاصة يوم تعرض إلى محنة التجنيس (1).
* مجلات وصحف أخرى:
لا نستطيع أن نعرف بالتحديد جميع المجلات والجرائد الأخرى التي نشر فيها الشيخ الخضر قصائده ومقالاته وبحوثه. ولبس ثمة شك في أنها كثيرة جداً، سواء منها الصادرة في مصر، أو تونس، أو في غيرها من البلاد، ومع ذلك نذكر هنا أسماء ما عرفناه منها؛ لتكون عوناً للباحثين الراغبين في الإحاطة والتوسع ومتابعة جميع آثاره المنشورة.
8 - مجلة "مجمع اللغة العربية":
وهي حولية يصدرها المجمع في القاهرة متضمنة بحوث أعضائه، وقرارات المجمع، وقد صدر عددها الأول سنة 1935 محتوياً جملة أعمال الدورة الأولى المنعقدة في سنة 1934، وهي السنة التي تأسس فيها المجمع، واختير الشيخ الخضر ليكون من بين أعضائه الأولين.
وفي العدد الأول نجد للشيخ بحثاً بعنوان: "المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية" ص (291 - 302) (2).
ولا يخلو عدد واحد من هذه المجلة -صدر في حياته- من بحث له، أو قصيدة، أو هما معاً.
__________
(1) من ذلك نشرها سلسلة من المقالات جمعتها بعد ذلك في كتاب بعنوان "ظاهرة مريبة ... ".
(2) لم ينشر هذا البحث في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها".
(14/ 2/149)

9 - مجلة "المجمع العلمي العريي":
وهي مجلة مجمع دمشق الذي كان الشيخ الخضر من أعضائه الأولين عند تأسيسه في سنة 1919 (1)، ولما هاجر إلى مصر، واستقر بها، انتخب عضواً مراسلاً (2). ومن يتابع فهارس المجلة يجد كثيراً من أخباره وبحوثه ومحاضراته مبثوثاً في أعدادها (3).
10 - مجلة "البدر":
وهي شهرية أدبية علمية، أصدرتها جماعة من (جمعية الجامعة الزيتونية) للتعبير عن مقاصدها، وللمساهمة بها في النهضة الثقافية التونسية. وكان صدورها بين عامي (1912 - 1922).
ومقالات الشيخ بها كثيرة، كما نشر فيها آخر محاضرة له بتونس بعنوان "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها". وقد اخترنا نماذج من مقالاته فيها في قسم: المختارات.
11 - المجلة الزيتونية:
وهي مجلة شهرية إسلامية تونسية أصدرتها نخبة من شيوخ الزيتونة ابتداء من سنة 1941.
12 - جريدة الزهرة:
يومية سياسية جامعة، أسسها المرحوم السيد عبد الرحمن الصنادلي (4)
__________
(1) راجع عن ذلك: "تاريخ المجمع العلمي العربي" لأحمد الفتيح.
(2) مجلة "المجمع العلمي العربي": مجلد 6 ج 12 (ص 556 - 557) ديسمبر 1926.
(3) انظر تفصيل ما نشره في فهارس المجلة التي وضعها الأستاذ عمر رضا كحالة.
(4) م. ص. المهيدي: "تاريخ الصحافة العربية" (ص 7).
(14/ 2/150)

سنة 1889، وهي رابع صحيفة عربية صدرت بتونس. وقد عمرت طويلاً، وعاشت بعد وفاة مؤسسها سنة 1935 بإدارة ابنه، وانقطعت عن الصدور عقب الاستقلال بمدة قصيرة.
13 - الزهراء:
مجلة علمية أدبية اجتماعية، منشئها محب الدين الخطيب، ودام صدورها شهرياً مدة خمس سنوات من (1343/ 1924 إلى 1347/ 1929).
* المراجع:
أولاً- المخطوطة:
1 - مشاهير المهاجرين التونسيين: (الطيب بن عيسى).
2 - مجموعة خاصة من الرسائل والوثائق.
ثانياً- الكتب المطبوعة:
1 - الأدب التونسي:
زين العابدين السنوسي.
جزآن -مطبعة العرب- تونس (1927 - 1928).
2 - أركان النهضة الأدبية بتونس:
محمد الفاضل بن عاشور، ط 1 تونس (1381/ 1961).
3 - أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث:
أحمد تيمور، ط 1، القاهرة 1967.
4 - البرنس في باريس:
محمد المقداد الورتاني، الطبعة الأولى - تونس 1914.
(14/ 2/151)

5 - البلاد العربية والدولة العثمانية:
ساطع الحصري - القاهرة 1957.
6 - تاريخ الصحافة العربية:
الفكونت فيليب طرازي. طبعة مصورة للطبعة الأولى - بيروت (1913 - 1927).
7 - تاريخ الصحافة العربية وتطورها بالبلاد التونسية:
محمد الصالح المهيري - تونس 1965.
8 - تاريخ المجمع العلمي العربي:
أحمد الفتيح - دمشق 1956.
9 - التوفيقات الإلهامية:
اللواء محمد مختار باشا، طبعة أولى - بولاق (1311/ 1893).
10 - حاضر العالم الإسلامي:
تعليق شكيب أرسلان، الطبعة الثالثة - بيروت 1971.
11 - الحركات الاستقلالية في المغرب العربي:
علال الفاسي - القاهرة 1948.
12 - الحركة الأدبية والفكرية بتونس:
محمد الفاضل بن عاشور، القاهرة -الطبعة الأولى- 1956.
13 - الفكر والثقافة المعاصرة في الشمال الإفريقي:
أنور الجندي - القاهرة 1965.
14 - كفاح صحفي: علي مصطفى المصراتي:
(14/ 2/152)

طبعة أولى - بيروت 1916.
15 - المجمع العلمي العربي في خمسين عاماً:
عدنان الخطيب، دمشق 1969.
16 - مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاماً:
المجلد الأول بقلم الدكتور إبراهيم مدكور، القاهرة 1964.
17 - محاضرات المجمع العلمي العربي - دمشق 1954.
18 - مساجد ومعاهد:
سلسلة كتاب الشعب، رقم 75، الجزء الأول - القاهرة 1960.
19 - معجم المؤلفين:
عمر رضا كحالة - الأجزاء 9 و 10 و 12 و 13 - دمشق 1960 - 1961.
20 - معركة الجلاز:
محمد المرزوقي، والجيلاني بن الحاج يحيى -طبعة أولى- تونس 1961.
21 - الموسوعة العربية الميسرة:
بإشراف محمد شفيق غربال - القاهرة 1965.
22 - هذه تونس: الدكتور الحبيب ثامر - القاهرة 1948.
23 - يوم ميسلون:
ساطع الحصري -طبعة جديدة- بيروت (؟).
ثالثاً - فهارس الكتب والدوريات:
1 - فهرس 3200 مجلة وجريدة عربية:
وضعه عبد الغني أحمد بيوض ومن معه -المكتبة الوطنية- باريس 1969.
(14/ 2/153)

2 - فهرس الدوريات العربية في دار الكتب المصرية:
جزآن -دار الكتب- القاهرة 1961.
3 - الكتب العربية التي نشرت بين 1926 و 1940:
عائدة إبراهيم نصر، الجامعة الأمريكية - القاهرة 1969.
4 - فهرس مجلة المجمع العلمي العربي:
دمشق - 1956 - 1971.
5 - معجم المطبوعات العربية والمعربة:
يوسف إليان سركيس - القاهرة 1928.
6 - فهرس المكتبة اللزامية:
وهي مكتبة خاصة ببنزرت (تونسى)، وضعه الشيخ أحمد حفصة الغمراسني -مطبعة النهضة- تونس 1350 - 1931.
رابعاً - المجلات والجرائد:
1 - الأزهر: مجلة - القاهرة - المجلد 29 (1958).
2 - البدر: مجلة - تونس - المجلد الثاني 1921 - 1922.
3 - الثريا: مجلة - تونس - المجلد الثالث 43 - 1944.
4 - الدعوة: جريدة - القاهرة -1372/ 1952.
5 - روز اليوسف: مجلة - القاهرة - 1952 - 1953.
6 - السعادة العظمى: مجلة - تونس - 1904.
7 - الشعب: مجلة - تونس - 1968.
8 - العالم الأدبي: مجلة - تونس - 1932.
(14/ 2/154)

9 - عالم الفكر: مجلة - الكويت مجلد 1970.
10 - العرب: مجلة - تونس - المجلد الثالث 1923.
11 - العمل: جريدة -الملحق الثقافي- تونس 1969 - 1972.
12 - لواء الإسلام: مجلة - القاهرة - 1945 - 1958.
13 - المجمع العلمي العربي: مجلة - دمشق (كل السنوات، والفهارس).
14 - مجمع اللغة العربية: مجلة - القاهرة - 1935 - 1958.
15 - المشير: جريدة - تونس - سنة 1958.
16 - نور الإسلام: مجلة - القاهرة -1930 - 1934.
17 - الهداية الإسلامية: القاهرة - كل السنوات.
* ملاحظة هامة:
جميع مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين التي وردت في متن الكتاب أو هوامشه كانت لنا عوناً ومصدراً أساسياً في كتابته.
(14/ 2/155)

محمد الخضر حسين عالم فذ ومجاهد من الرعيل الأول
بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (1)
"ولد في مدينة "بوطان" بتركيا عام (1348 ه - 1929 م)، وطلب العلم في صباه بدمشق، ثم درس في الأزهر، وعمل أستاذاً رئيس قسم في كلية الشريعة بجامعة دمشق. له مؤلفات غزيرة: من الفكر والقلب - من روائع القرآن - مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجاً - اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية - تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث - قضايا فقهية معاصرة - مدخل إلى فهم الجذور - وغيرها".

منذ أيام نعي إلى العالم الإسلامي في معظم أقطاره، وفاةُ أحد أعلامه الخالدين، هو فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين المغربي التونسي.
ومن الطبيعي أن يحدث صدى هذا النبأ المؤسف هزة قوية بين الأوساط، وأسى عميقاً في النفوس، وفراغاً بيناً في عالمنا الإسلامي الشاسع، فلقد كان الشيخ الجليل من أولئك القلة الذين لا يجود بهم الدهر إلا نادراً.
كان كأنما يستشعر دائماً أنه لم يخلق لنفسه، وإنما للإسلام. والروح التي تخفق بين جنبيه لم يكن يشعر أنها شيء آخر غير روح الإسلام التي يجب
__________
(1) كتاب "من الفكر والقلب" الطبعة الأولى عام (1389 ه -1969 م ".
(14/ 2/156)

أن تظل خفاقة في عالمه الذي يعيش فيه.
ولذا، فقد كان يلتمس في الدعوة إلى الحق والثورة على الباطل، وإنارة سبل الإسلام، غذاء حياته، وراحة نفسه، تماماً كأي شخص يبحث عن هذه الراحة في لقمة الطعام، وجرعة الشراب، وأسباب الدنيا. .
ويبدو أنه -رحمه الله- لم يكن ليشفي غلة نفسه أن يخدم الإسلام من الطريق التي يسلكها معظم أمثاله من الشيوخ والعلماء فقط، فشق أمامه كل طرق الفكر والفنون، وجندها كتلة واحدة مجتمعة لخدمة الإسلام والعالم الإسلامي. فلقد خدم الإسلام أديباً لامعاً، وجاهد في سبيله كاتباً مبدعاً، وتصدى لنصرته عالما من أفذاذ علماء التشريع وأصوله، وكان أروع قرين له في كل ذلك إخلاصه القوي الغريب.
لقد تناوبته مراحل مختلفة متتالية من صور الحياة، وهو عند كل مرحلة منها لا يلقي عصاه إلا ليتخذ منها ميداناً للجهاد الدائب في إخلاص راسخ لا يميله عنه شيء من زعازع الحياة ورياحها.
ابتدأت أولى مراحل جهاده على صفحات مجلة "الأزهر"، وكانت تلك المجلة إذ ذاك صوتاً إسلامياً مدوياً في شتى أطراف العالم، يخشع له العدو والصديق، ويهتز بتأثيره القاصي والداني، وكانت روح تلك المجلة متمثلة في شخصين عظيمين، لا يذكر أحدهما إلا وذكر معه الآخر، هما: الشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد الخضر حسين. والذي استعرض شيئاً من كتابات هذين العظيمين في تلك المجلة يستطيع أن يتخيلهما في وقفتهما المناضلة المكافحة عن حوزة الإسلام وقدسيته ضد قوى كثيرة متألبة تهدف إلى خدشه والنيل منه.
(14/ 2/157)

وكانت المرحلة الثانية من حياته الدائبة المجاهدة هي تدريسه في كلية الشريعة بالأزهر. كان -رحمه الله- يحاول جاهداً أن يدخل إلى قلوب طلابه مع العلم روحه، وكان يجاهد أن يلصق الوسائل بالغايات؛ لكيلا يقف الأزهريون بعد تخرجهم في نهاية الوسائل ودون الغايات وإذا بهم أعضاء أشلاء، لها صورة الثمرة أمام الأبصار، وليس لها حقيقتها وطعمها.
وكان يأبى أن يوقع على الساعة التي يدرسها إذا امتلأت من أول دقيقة فيها إلى آخر لحظة بالتعليم والإفادة. ومعنى ذلك: أن الساعات التي كانت تذهب ببعضها فوضى الطلاب بسبب بعض الشؤون العامة أو الخاصة لم يكن يرضى أن يأخذ عليها أي أجر.
ثم أقلته الدولة بعد ذلك إلى منصب مشيخة الأزهر، فضرب أكبر مثل للتاريخ بالإخلاص والتفاني في العمل لمصلحة الأزهر والإسلام. وراح يضع المشاريع الإصلاحية لنهضته وتقوية دعائمه. . ولما لم يمكن لكل ما أراد أن يطبق، أبى إلا الاستقالة عن منصبه، معتذراً بأنه ليس من الوفاء للحق أن يملأ منصباً دون أن يملك أن يعطيه حقه.
ولكنه لم ينزل ليستريح، ولم يترك مشيخة الأزهر ليخلد إلى السكون، بل ظل واقفاً نفسه لخدمة الإسلام، والدفاع عنه في كل ما يمكنه من مجال.
عمل رئيساً للتحرير في مجلة "لواء الإسلام"، ولما تملكته الشيخوخة، ودبّ إلى أطرافه الضعف، ولم يعد يستطيع الدوام في مركز المجلة، استأذن من مؤسسها أن يتولى الكتابة لها، والإشراف على موادها في مكتبه في البيت، ولم يرض أن يأخذ بعدئذ لقاء عمله أي شيء، كان يرى أن رئيس التحرير
(14/ 2/158)

ليس له أن يقعد في بيته، ثم يأخذ فوق ذلك أجراً.
وظلّ مثابراً على الكتابة، وظل ماضياً في طريقه إلى الدعوة والجهاد الفكري، رغم ما آل إليه جسمه من الضعف، والحاجة إلى الراحة والسكون، ولكنه -كما قلت- لم يكن يفرق بين ألم روحه التي في جسمه، وألم الروح الإسلامية في هذه الأرض. لقد كان عليه لكي يستريح أن يرى المجتمع الإسلامي من حوله سعيداً هادئاً مستقيماً.
ولا أزال أذكر يوم عُدته في السنة الماضية في بيته في القاهرة، رأيته جالساً على مقعد إلى جانب مكتبه، وقد ذوى منه الشكل، وذابت معظم ملامح وجهه، وامتزجت -من الضعف- الكلمات بعضها في بعض على شفتيه، ورأيت -رغم هذا - قلماً يرتجف في يده، وأوراقاً مبعثرة على (طربيزة) بين يديه.
ولقد سألته -إذ ذاك- عن هذه الأوراق، فأجاب بصوت خافت، وكأنه يتجاهل العجز المتشبث به: بأنه مقال يكتبه للواء الإسلام.
فقلت: ولكن ألا تشعرون أن هذا يتعبكم، وأنكم بحاجة إلى شيء من الراحة في هذه الفترة؟
فأجاب -رحمه الله- بلهجة متواضعة لا أزال أذكرها:
- قلما أشعر بالراحة ساكناً بلا عمل. .
لا أحسب أن مثل هذا الإنسان يبعثه الله في العالم إلا عبرة للكسالى الخاملين الذين تلويهم النسمات، ويقعدهم التثاؤب؛ كي يؤوبوا إلى رشدهم، وتنخسهم مشاعر الخجل والحياء إن كانت فيهم مشاعر. .
(14/ 2/159)

رحمه الله. . كان أهم ما يشتاق إليه في عالمنا هذا هو أن تعود إليه وحدته الإسلامية ليلتقي بقوته الجبارة التي رُكنت منذ دهر طويل في مخزن التاريخ.
وإني لأرجو أن يحقق الله عزاءنا فيه، وأن يأذن لهذا العالم أن يهب إلى وحدته ليستردها، وإلى قوته ليستعيدها.
(14/ 2/160)

محمد الخضر حسين عالم مجاهد
بقلم الدكتور محمد رجب البيومي
"كاتب وباحث في العلوم الإسلامية، له دراسات قيمة في مجلة "الأزهر"، وفي العديد من المنشورات المتخصصة في العالم الإسلامي. وأستاذ في كليات الجامع الأزهر" (1).

يحلو لكثير من النقاد أن يصنفوا المؤلفين طبقتين: طبقة العلماء، وهم أرباب البحوث العلمية في الفقه والتشريع والعلوم اللسانية؛ من نحو وبلاغة وتصريف، وطبقة الأدباء، وهم أصحاب الآثار الفنية؛ من نثر بارع الصوغ، صادق العاطفة، وشعر رائع المعنى دقيق التصوير، فإذا نظم العالم شعراً، أو ألف الأديب مصنفاً علمياً، فقد سلك مسلك التكلف والافتعال، وربما فى عم هذا التقسيم لديهم ما يشاهدونه كثيراً من ركاكة أشعار العلماء، وضحالة إنتاج الأدباء، وهذا حق في أكثر أحواله، ولكنه لا يمنع أن يوجد من الموهوبين من يبرز في الناحيتين على نحو يدهش ويروع!.
أذكر أني كنت أقرأ كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي الشهير علي بن عبد العزيز الجرجاني، فأجد الرائع المبدع من التحليل الأدبي والصوغ البياني، مع الاستشفاف الملهم لأسرار الروح ونوازع الوجدان،
__________
(1) مجلة "الأزهر" القاهرة - الجزء الأول - السنة الثانية والأربعون.
(14/ 2/161)

ثم أنتقل إلى ما رواه الثعالبي من شعره، فأجد المطرب المرقص مما يملك الوجدان، دقةَ إحساس، ولطافة منزع! والرجل بعدُ قاض فقيه يؤلف في الفقه والتشريع، ويحذق أساليب الاستنباط والقياس وقواعد الأصول ذات المنحى العويص!! وتفوقه في الناحيتين المختلفتين دليل ملموس على أن العلم لا يمنع الأدب؛ فقد يوجد في ذوي المواهب من يطير بجناحين متعادلين، فيحرز قصب السبق في مضماري العلم والأدب دون نزاع، ولقد كان السيد محمد الخضر حسين أحد هؤلاء دون جدال!! فالرجل قاض فقيه يكتب في الأصول والتشريع والتاريخ كتابة المتعمق الدقيق، وقد كان يدرّس لطلاب كلية أصول الدين أبواباً من السياسة الشرعية، ويغوص فيها مغاص الأصولي الجدلي المتكلم النظار، ثم هو صاحب رسائل أدبية، ومقالات تحليلية، وديوان شعري يجعله في طليعة أرباب الفن الرفيع، ولا ندري كيف تأتى له ذلك، ومنشؤه التعليمي بجامع الزيتونة في تونس إن استطاع أن يلهمه بصر العالم، فلن يستطيع أن يورثه ذوق الأديب دون جهد جهيد!
ولد الأستاذ بقرية من قرى الجزائر على حدود القطر التونسي، في أسرة تعتز بعراقة النسب، وتفخر بمن أنجبت من العلماء والأدباء، وحين بلغ الثانية عشرة من عمره التحق بجامع الزيتونة طالباً. وأكب على التحصيل والتلقي حتى نال الشهادة العالمية عن جدارة، وتهيأ للإفادة العلمية كاتباً ومدرساً وقاضياً.
وتسألني عن طريقة التدريس بجامع الزيتونة إذ ذاك، فلا أجد أحسن مما قاله الأستاذ أحمد أمين، في كتابه "زعماء الإصلاح" (ص 148):
"وعلى رأس هذه الكتاتيب: جامع الزيتونة، وهو صورة مصغرة من
(14/ 2/162)

الأزهر في ذلك العهد، تقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وعلوم اللغة؛ من نحو وصرف وبيان ومعان، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش، ويقضى الوقت في تفهم تعبيراتهم، وإيراد الاعتراضات والإجابة عنها، فالعلم شكل علم لا علم، والنتاج جدل لا حقائق، والناجح في الامتحان الذي يستحق أن يكون عالماً: أقدرهم على الجدل، وحفظ المصطلحات الشكلية، أما الجميع، فسواء في عدم التحصيل إذا مسوا الحياة الخارجية، فالمناقشة في أن شرب الدخان حلال أو حرام، والغيبة أشد حرمة أم سماع الآلات الموسيقية، وخيال الظل تجوز رؤيته أو لا تجوز".
ويقص الأستاذ محمد الخضر حسين نفسُه طريقة أحد أساتذته في التدريس، فيقول عن شيخه عمر بن الشيخ، نقلاً من مجلة "الهداية الإسلامية" جمادى الآخرة 1355 ه: "أما أسلوب الأستاذ في التعليم، فمن أنفع الطرق، كان يقرر عبارة المتن، ويبسطها حتى يتضح المراد منها، ثم يأخذ في سرد عبارات الشرح، وما تمس الحاجة إليه من الحواشي والكتب التي بحثت في الموضوع، لا سيما الكتب التي استمد منها شارح الكتاب، ويتبعها بالبيان جملة جملة، ولا يغادر عويصة أو عقدة إلا فتح مغلقها، وأوضح مجملها، بحيث يتعلم الطالب من دروسه كيف تلتقط الجواهر للمعاني من أفواه المؤلفين، زيادة عما يستفيده من العلم"، ثم يقول عنه: "تلقيت عن الأستاذ -رحمه الله- دروساً من "تفسير البيضاوي"، ودروساً من "شرح التاودي على العاصمية"، ودروساً من "شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي "، وكنت بعد أن استقال من منصبي الفتوى ونظارة الجامع أزوره كثيراً؛ حرصاً على الاستفادة من علمه".
(14/ 2/163)

هذه الطريقة في الشرح والتلقين هي نفسها الطريقة الأزهرية القديمة التي نادى محمد عبده بوجوب إصلاجها، ودعا إلى نمط آخر من الدراسة يهتم باللباب دون القشور، وأرجح أن بعض أساتذة الزيتونة لم يكونوا من هذا الطراز؛ لأن الشيخ الخضر في غضون مقالاته الكثيرة يتحدث عن أستاذه سالم أبو حاجب، فيرينا نمطاً من العلماء الأفذاذ يهتمون بالحقائق الخالصة، ويعملون على إحياء الوعي المجدد الناهض، فهو -مثلاً- في دروسه كان يستشهد على كل كلمة لغوية ببيت من الشعر مما ينبئ بكثرة محفوظة الأدبي.
وزملاؤه إذ ذاك كانوا لا ينظرون إلى دواوين الشعر العربي نظرة تأمل واستيعاب، وأكاد أجزم أن وجود هذا الأستاذ في حياة الخضر العلمية كان ذا أثر بعيد في اتجاهه الفكري، فهو الذي حدا إلى البعد عن دائرة الحواشي والمتون والتقريرات، وهيأه لأن يرد التراث العلمي من أصفى موارده في أمهات الكتب للشافعي، وابن حزم، والغزالي، والفخر، والشاطبي، وأمثال هؤلاء من أفذاذ العلماء!
ولا تجد تعليلاً لنبوغ الخضر في حداثته، وتفوقه عن أقرانه غير صفاء مورده، ودسامة غذائه الفكري، على حين يظل بعض الزملاء في مصر وتونس مولعين بكتب المماحكات، وحواشي المتون.
تخرج الأستاذ في الزيتونة صحيحَ العلم، واسع الأفق، فصيح العبارة، وراعه أن يرى الاحتلال الفرنسي يأخذ بمقبضه الحديدي على أعناق المسلمين في أصقاع المغرب بشتى نواحيه التونسية والجزائرية والمراكشية! فطفق يدعو إلى اليقظة والتحرر، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى" لتوضح للقارئين مأساتهم
(14/ 2/164)

الدامية، وتكشف تخلفهم الحضاري والعلمي، وبُعدهم عن تعاليم الإسلام في مجتمع يقول الأستاذ أحمد أمين في وصفه (ص 149):
"جزء كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، ولا يصل إليهم شيء من علم إلا في بعض أماكن أنشأ فيها الصوفية زوايا تعلم الناس شيئاً من الدين، وللجاليات الأجنبية من فرنسية وايطالية وانجليزية مدارس تعلم أبناءها، وقليلاَّ من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة، فتخرج من هم أقدر على فهم الحياة، فإذا انغمسوا فيها، تحولت مالية البلاد إلى أيديهم، أما إدارة البلاد، ففوضى، الحاكم حاكم بأمره، وأحب الناس إليه من يجمع له المال من حله وحرامه، ولا ضبط في دخل ولا خرج، والعدل والظلم متروكان للمصادفات، فإن تولى بعض الأمور عادل، عدل، وكان العدل موقوتاً بحياته -وقلما يكون-، ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وانفاقه على النمط العتيق البالي، وكثير من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوية، لا مرجع لها، ولا يمكن الحساب عليها".
هذه حال تونس، وهي مشابهة لأكثر أحوال الممالك الإسلامية في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، ولو كان الأستاذ الخضر ممن يفكرون في ذواتهم الخاصة، لقنع بما أسند إليه من وظائف القضايا بالمحكم، والتدريس والخطابة بالزيتونة وغيرها من المدارس، وهي وظائف تضمن العيش الرغيد، وتوفر صعاب الرزق، بل إنها كانت -عند بعض الوصوليين- مدعاة التقرب إلى المحتلين؛ إذ يصيرون لعبة هينة في أيديهم، يصدرون عن آرائهم، ويمهدون لتمكين سيطرتهم بما يلفقون من تقريب وتمهيد!
(14/ 2/165)

ولكن الرجل حي الضمير، شديد الحساسية؛ فقد رأى الأجنبيَّ يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون تهيم بالإسلام، كما يبذل قوته الحاشدة لتشويه اللغة العربية، والحكم عليها بالجمود والتقهقر؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديث نبيهم الكريم، ثم تنقطع صلاتهم بأصحاب الذخائر العلمية الرائعة من ورثة الأنبياء وهداة المصلحين.
لذلك أنشأ صحيفة "السعادة العظمى" على نمط "العروة الوثقى"؛ لتنشر محاسن الإسلام، وتفضح أساليب الاستعمار، وكانت خطة السيد -منذ حمل لواء الدعوة في صباه إلى أن لقي الله في شيخوخته- واضحة مفهومة، فهو يعتقد أن فساد الأمم الإسلامية يرجع -في أصح أسبابه- إلى انصراف المسلمين عن هدي الشريعة الإسلامية، ويرى أن السيطرة الأوروبية لم تملك زمام الأمور في الشرق إلا حين اعتصمت بالعلم، واستضاءت بالعقل، وأن الشلل العقلي لم تتمهد وسائله المؤسفة وأسبابه القاتلة في ربوع الحنيفية إلا حين استطاع الدخلاء أن يلبسوا الحق بالباطل، فيصموا الإسلام بما هو براء منه من الجمود والتزمت والاستسلام، والأخذ بالخرافات والبدع والغيبيات المزعومة، مما لم يأت به وحي سماوي، أو هدي محمدي!
ولذلك كانت مهمة "السعادة العظمى" شاقة خطيرة؛ إذ أخذت تحارب القوة والمال والنفوذ بعزم وأثق، وجهد صابر أمين! والرائع حقاً أن الأستاذ - رضي الله عنه - قد ثبت على معتقده ثبات الأبطال في كل مكلان رحل إليه، فهو في تركيا ودمشق، وألمانيا والقاهرة، شاباً وكهلاً وشيخاً، هو في تونس يافعاً غضّاً يناهض الباطل بالحق، ويحارب الكفر بالإيمان! ومن يطالع روائع قلمه، وبخاصة كتاب "رسائل الإصلاح" بأجزائه الثلاثة، يدرك يقينه الثابت بماضي
(14/ 2/166)

الأمة الإسلامية، فهو في كل مقال يخطه، أو محاضرة يلقيها يلتمس الأدلة اليقينية على مجد السلف، وعزّ الأجداد، وكان ذلك أمراً لابد له أمام مزاعم الاستعمار وأذنابه، ممن يرون في الشرق كل تأخر، وفي الغرب كل تقدم وازدهار، ويمكننا أن نستعير بعض ما كتبه السيد في مقدمة كتابه "نقض الشعر الجاهلي"؛ ليرى القارئ إجمال دعوة الرجل موجزاً بقلمه البليغ، قال الأستاذ:
"نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى، سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها نهضة أدبية لغوية، جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على سوقها في أيام بني العباس.
تمتع الشرق بنهضتيه الاجتماعية والأدبية حقباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو نتائج العقول، فإذا غفوة تدب إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، وإلى من شب في مهده من أعاظم الرجال، أخذ ينظر إلى ماضيه؛ ليميز أبناؤه بين ما هو من تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، ويشعروا بما كان لهم من مجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة، فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً".
هذا هو المجال الذي انطلق فيه يراع الأستاذ طيلة حياته: مجال التذكير
(14/ 2/167)

بالأمجاد عن دراسة وتنقيب، وكشف الخدل عن بهارج الغرب في استشفاف ونفاذ، ووضع العلاج لأدواء الشرق في بصر وتشخيص!! وقد ألح في ذلك إلحاحاً جعل فريقاً من المؤرخين يفهمون رسالته الإصلاحية على غير وجهها الصحيح. فالأستاذ (ولفريد كانتويل سميث) أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة (مونتريال) يضع كتاباً عن الإسلام في التاريخ الحديث، يتعرض فيه إلى مجلة "الأزهر"، موازناً بين رئيسي تحريرها السابقين: محمد الخضر حسين، ومحمد فريد وجدي، فيجعل الأول ممثلاً للمدرسة السلفية فقط، والثاني مجدداً عصرياً تسير طريقته في التجديد على قواعد المعرفة الحديثة، وهذا شطط بالغ تنبه إليه الأستاذ حين تعرض لنقد الكتاب، فقال نقلاً عن مجلة "الأزهر" رجب 1381 ه:
"ويقول صاحب الكتاب في مقابلته بين الشيخ الخضر، ومنهج الأستاذ وجدي: إن أولهما يعتبر الإسلام وحياً تاماً قد تنزل على صورته الكاملة منذ عصر الرسالة المحمدية، فلا إضافة إليه، ولا زيادة عليه، ولا تحوير فيه، وإنما الإيمان بالإسلام هو الذي يحتمل القوة والضعف، كما يحتمل زيادة المعرفة، أو النقص فيها، أو يحتمل المراجعة من عصر إلى عصر لتفقد الآثار العصرية فيه، وليس الأستاذ الخضر -كما يرى المؤلف- من أنصار الحنين إلى الماضي، بل هو من أنصار الدعوة التي لا زمان لها؛ لأنها صالحة لكل زمان، ومهما تتجدد مذاهب المعرفة، فالمسلم يسلم أمره إلى إرادة الله كما هدته معارفه إلى فهم تلك الإرادة الإلهية بالدرس والإلهام، وقد تساوى في نظر الشيخ الخضر كلا الطرفين من المسلمين في الحاجة إلى التصحيح والإصلاح، وهما -على تعبير المؤلف- طرف اليسار من المتعلمين الذين
(14/ 2/168)

جاوزوا حدود الإسلام، وطرف اليمين من الجامدين وأتباع الطرق الصوفية الذين ضيقوا حدوده عليهم، وان لم يجاوزوه".
ولم يسكت المستعمرون عن صاحب السعادة، وقد أقضّ مضاجعهم بما ينادي به من استقلال واصلاح، فآذوه وناوؤوه، وحكموا عليه بالإعدام، حتى اضطر إلى الفرار إلى الآستانة واهماً أن مجال الإصلاح بها أوسع وأرحب، ولكنه فوجئ بانهيار آماله حين وجد عاصمة الخلافة الإسلامية مسرحاً للدسائس المغرضة، والمؤامرات الرخيصة، وأن من يجعلون أنفسهم رجال الدين هناك لا يدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة، بل لا يتناهون عن كل منكر يفعلونه، فهم يحيكون المكائد بالليل، ويفسرون المنامات، ويقرؤون الكف بالنهار، على أنهم يضيقون بكل عالم مصلح يصدع بالحق، وينادي باليقظة والاستبصار، فهاجر الرحالة الصابر إلى دمشق، وحرص على البقاء بها مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية، ولكن مبادئه تهتف به أن يسهم بنصيبه في البعث الإسلامي، فيكتب ويخطب ويدعو، ثم يسافر إلى ألمانيا، فيلتقي بالأحرار من أنصار الفكرة الإسلامية أمثال: محمد فريد، وعبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، ويعملون جميعاً على استقلال الدول الإسلامية أمداً طويلاً في وطأة الحرب العالمية الأولى، وبين طلقات المدافع وأزيز الطائرات في مسرح جهنمي تشيب له الرؤوس؟
ثم يعود إلى دمشق ثانية، فيواصل التدريس بالدار السلطانية، ويقرأ كتاب "مغني اللبيب"؛ ليكون -فيما بعد - أساساً لمؤلف نحوي بلاغي شامل.
حتى إذا ختمت الحرب، وأسرعت فرنسا باحتلال الشام، رأى نفسه
(14/ 2/169)

مضطراً إلى الهجرة بنفسه فراراً من هؤلاء الذين حكموا عليه بالإعدام في تونس يسابقه جهاده، ورائعه ونضاله، فيمم وجهه شطر الديار المصرية، ليصبح له فيها شأن جديد. .
حضر السيد محمد الخضر حسين إلى مصر في وقت عصيب من تاريخها الفكري، وكانت الحاجة ماسة إلى كل رجل مثقف من رجال الدين قد فهم الشريعة فهماً صحيحا، يستند إلى الأصول من القواعد والأمهات من المراجع، مع مطاوعة سهلة للبيان النير المشرق، يوضح به للقراء ما التبس عليهم من أوجه الخلاف بين دعاة الإلحاد وأنصار الفكرة الإسلامية، هؤلاء الذين وُصفوا -فيما بعد- بأنصار القديم، ووصف خصوصهم بأنصار الجديد، كما حلا للدكتور طه حسين أن يسهب في ذلك ويزيد!
نعم، كان المخلصون من حماة الفكرة الإسلامية في غير الدوائر الدينية الرسمية كثيرين، ولكن وجود أمثال العالم المحقق الأديب المبين محمد الخضر حسين أمر ضروري، يحتم أن يقوم أحد أصحاب العمائم المستنيرة بالجهر بكلمة الإسلام فيما ران من شكوك، وما أذاعه أذناب الاستشراق من مفتريات!
وقد ملئ كتاب "الشعر الجاهلي"، و"الإسلام وأصول الحكم" بأقسى عبارات التهكم بالمعممين! فحق لأحدهم أن يقول فيجيد!
كانت سيطرة الثقافة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى مدعاة إلى إغراء براق بأوربا، وازدراء ناقم لأمجاد الشرق في رأيي من جهلوا الحق فضلوا عن سبيله، ومن عرفوا الحق مستبصرين، ولكنهم مالؤوا الباطل ليصلوا إلى الشهرة والجاه والزعامة الفكرية من سفاح دنيء لا يعرف معنى الشرف
(14/ 2/170)

في القول أو الفعل، وإن تستر بخداع زائف من التصايح بالحرية الفكرية، والمنهج العلمي، ويشهد الله أن لا حرية ولا منهج، ولكن الهوى يهمي وبصم!.
ما كاد الأستاذ الخضر ينزل حي الحسيين بمصر غريباً لا يعرف أحداً من الناس، ومهاجراً في سبيل الله بقلمه المجاهد الشجاع، حتى وفق لعمل بدار الكتب بأجر زهيد لا يتفق ومنزلته الكبيرة، ولكنه كان -بتوفيق الله- صلة حميدة إلى اشتهاره الأدبي، ونبوعه العلمي، ثم إلى اتصاله بأشباهه من الغُير على مقدسات الإسلام من أعلام المفكرين؛ كأحمد تيمور، ومحب الدين الخطيب، وعبد الحميد سعيد، وعبد الوهاب النجار، ومحمد رشيد رضا، ثم شاءت الأقدار أن تفتضح معركة الشعر الجاهلي، وأن يكون الأستاذ بطلاً معلماً من أبطال المعركة، يصيح بالحق، ويندد بالضلال.
لقد ظهر كتاب "الشعر الجاهلي" ينادي باحتقار كل قديم دونه في صحف الأدب والشك فيه، ويزعم أن جل ما قيل منسوباً إلى شعراء الجاهلية اختلاق زائف بغيض، وهذه الآراء مهما صادمت البداءة الواضحة، لا تحدث ضجة بين الناس يسعى إليها الدكتور طه حسين باذلاً جهده الجهيد، فلا بد إذن من الهجوم على المقدسات الدينية هجموماً لا هوادة فيه، فليتعرض الكاتب إلى القرآن المجيد، وليزعم أن حديثه عن إبراهيم وإسماعيل لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ!
إذ أن رواية ذلك وتسجيله لا يكفيان لإثباته دون بحث عن العوامل القريبة والبعيدة في الرواية والتدوين!
ونحن لا نريد أن نفيض في دعوى الانتحال الشعري؛ لأنها لب الكتاب
(14/ 2/171)

وفحواه، وهي دراسة أدبية يتبين وجه الحق في بطلانها من أيسر طريق، ولكننا نلخص ما تورط فيه الكاتب ملحاً ليهاجم الإسلام هجوماً يرضي أساتذته من قساوسة المستشرقين، ويجعل الرجل صاحب دعوة جديدة في الفكر الإسلامي الحديث.
فالدكتور طه يعلن أن محمداً قد استغل المقدسات بمكة، وفي مقدمتها البيت الحرام الذي بناه إبراهيم؛ كيلا يفقد قوته الروحية مع صراع الشرك، فالمسألة مسألة استغلال للسيطرة فحسب، لا أن بيتاً لله بناه إبراهيم على وجه التحقيق.
والدكتور يعلن أن القرآن لم يكن جديداً على العرب، إذ أن عقائده الجديدة كانت معروفة في شبه الجزيرة بدليل عجيب يرتضيه طه وحده، وهو قبول من قبل الدين، ومعارضة من عارض؛ إذ لو لم يكن مألوفاً، ما حفل به أحد.
والدكتور طه يعلن أن دعوة الإسلام دعوة محلية، في جماعة خاصة، وفي حياة خاصة، فهي ليست دعوة عامة للبشرية كما ينطق بذلك القرآن الصريح.
ومنطق هذا كله كما يقول الأستاذ الدكتور البهي -في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث" (ص 19): إن القرآن ليس وحياً لرسالة الله!! وإذا كان المؤلف النابغة قد أثبت اقتراب هذه الأفكار من كتاب "المذهب المحمدي" للمستشرق الإنجليزي (جب)، فإن الأستاذ الخضر قد استطاع أن يجد الأصل الاستشراقي الذي سطا عليه الدكتور سطواً فاحشاً فيما كتبه الدكتور (مرغليوث) في مجلة "الجامعة الآسيوية الملكية" سنة 1916، وفي كتاب
(14/ 2/172)

"محمد" المطبوع سنة 1905، وقارئ الرد المفحم الذي كتبه الأستاذ يرى عجباً حين يجد الدكتور يضطر للشك في المتواتر من أخبار القرآن بحكم منهج (ديكارت)، ثم يقبل كل رواية مريضة واهية يذكرها كتاب "الأغاني" كحق مسلَّم يستند إليه في قضية الانتحال، حتى اضطر القارئ إلى الاعتقاد بأن المنهج الديكارتي لا يصلح فقط إلا حين يجابه الحقائق لا الأراجيف.
وإذا كان فريق من الأساتذة الأعلام؛ كالأستاذ الرافعي، والدكتور الغمراوي، ومحمد لطفي جمعه، ومحمد فريد وجدي، قد مزقوا كتاب الدكتور تمزيقاً علمياً بما فضحوه من السرقة والتدليس ومجافاة الحق، فإن الأستاذ الخضر قد زاد عليهم جميعاً بشيء تفرد به، وهو غوصه على النصوص العربية من أمهات كتبنا العلمية التي جهلها الدكتور، فظن أفكاره في الشك والانتحال والاستشهاد بالقرآن ستكون جديدة على القارئ العربي! وأكثرها مدون بنزاهة في الكتب الأمينة التي حرفها الاستشراق عن قصد، ثم سطا عليها طه بعد التحريف، فثرثر وأطال.
فطه مثلاً يقول في (ص 9): "وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتاويله". والأستاذ الخضر يقول -مثلاً- في الرد على ذلك (ص 22): "لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً، ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم فيما سلف على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي، ومن هؤلاء: فخر الدين الرازي؛ حيث يقول في "تفسيره الكبير": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن
(14/ 2/173)

العظيم كان أولى، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وقفه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته أولى".
وأنكر أبو محمد بن حزم على من لا يمضي في الاحتجاج بظاهر القرآن، فقال في كتاب "الفصل": "ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الطرماح، أو لأعرابي أسدي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد الله تعالى خالقِ اللغات وأهلها كلاماً، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه".
وهكذا نرى في الكتاب عشرات النصوص القوية التي تسلك مسلكاً جديداً في الفهم، ولو كانت هذه مزية الكتاب وحده، لكفته فخراً، فكيف إذا لم يدع شبهة تحوم إلا بددها برأيه ونقله وعقله في بصر وتمكين؟!.
وكأن المصادفات العلمية الفذة قد هيأت للرجل أن يجول الجولة الثانية بمصر، حين صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعالم من علماء الأزهر، قد امتلأ يقيناً بأقوال الاستشراق، فجعلها المنبع الأول لفهم الحكم في الإسلام على نحو يقرب من تعاليم المسيحية وحدها، إذ أن المعروف المتفق عليه أن المسيحية دين لا دولة، ولكن الإسلام شيء، والمسيحية شيء آخر، فالإسلام دين ودولة، والرسول حاكم ومبلغ معاً، ونصوص القرآن مليئة بما يجعل هذه الحقيقة في مرتبة البدهيات!
ولكن الأستاذ علي عبد الرازق، يجهر بدعواه، واهماً أنه وحده صاحب
(14/ 2/174)

القول الفصل! وقد تطرق إلى الرد عليه في الصحف اليومية من لا يقف معه في مستوى واحد، كما وجد من تساند الإلحاديين وتكالبهم على تأييده بما يملكون من صحف وأندية وأقلام ما يخلع على كلامه بعض الوجاهة لدى الضعفاء، ولكن السيد محمد الخضر -نضر الله وجهه- يتصدى لهذا الإفك الصريح، فيأتي على بنيانه من القواعد، وكان مجاله النقدي هذه المرة في قمة من القوة والتمكن والإفحام؛ لأن الجدال ليس في الرواية والقصص والانتحال كما في أكثر فصول "الشعر الجاهلي"، ولكنه يدور حول قواعد أصولية عميقة في الفقه والحكم والتشريع، ويجد من تاريخ الإسلام الحافل برجاله وحوادثه ومؤلفاته ما يعين على جلاء الشك، ورد الزيغ، لذلك كان مؤلَّف الخضر حجة قوية تقود المنصفين إلى مراشد اليقين، وقد ظل الأستاذ علي عبد الرازق ضائقاً به حتى بعد ربع قرن من صدوره، وانتهاء المعركة على نحو يرضي المخلصين، فقد قرأت بالسنة الثامنة -على ما أذكر- من مجلة "لواء الإسلام" كلمة للأستاذ علي عبد الرازق تنبئ عن غضبه الموقد على الأستاذ، وتعيب طريقته في نقد الكتاب، ومجمل العيب في رأيي الأستاذ عبد الرازق أن الأستاذ الخضر ينقل كل نص من نصوص الكتاب على حدة، ثم يفنده بالرأي والدليل، وذلك أدعى إلى تمزيق الفصل الواحد وتشتيته. ونحن نقول للأستاذ عبد الرازق: إنه قد ظلم الحق فيما قال؛ لأن هذه النصوص تأتي متوالية متعاقبة، وقارئ النقد يستطيع أن يجمعها بسهولة لتكون كل ما جاء بالفصل الواحد من الكتاب، وهي بعد خير وأقوم من مسلك ناقد يلخص الموضوع من عنده، ثم يعقب عليه، إذ ربما فات من التلخيص شيء هام لا يعرفه القارئ المحايد، ولا ندري كيف يحافظ الخضر على نصوص الكتاب
(14/ 2/175)

جميعها، فلا يسقط منها شيئاً ذا بال، ثم يكون ذلك مطعناً يوجه إليه من ناقد نبيه؟! إن الغيظ وحده لم يستطع أن يخمد في نفس المنقود على تطاول الأيام به حتى وجد المنفذ على صفحات "لواء الإسلام"! ولو كان نقد الأستاذ عبد الرازق للأستاذ الخضر علمياً نزيهاً، ما تعرض لأمور شخصية لا تتصل بالبحث في شيء، ولكنه تخيل الموهوم، ثم خاله حقيقة، فتيقنه! على طريقة بعض الناس.
لقد كان تمكن الخضر في الدفاع مدعاة التقدير من ذوي الأحلام، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر، وكان الشيخ عبد المجيد اللبان رئيس اللجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبان صاح بملء فيه: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ". ونال الشهادة العالمية الأزهرية، وبها صار أستاذاً في الأزهر، فمدرساً بكلية أصول الدين، بل كانت طريقه فيما بعد إلى مشيخة الأزهر ذات القدر الخطير!
وقد اتجه الأستاذ إلى تأسيس الجماعات الدينية، فكان أحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، وقد وضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت هذه الجمعية برسالتها المخلصة في هداية الشباب الإسلامي، ومحاربة الإلحاد العلمي، والنزق الخلقي، واستطاعت أن تصد هجوم الحضارة الملحدة المادية بما تقوم به من ندوات ومحاضرات، وما تنشره من صحف ومؤلفات.
وكأني بالخضر وقد شاء أن ينشئ جماعة الهداية الإسلامية؛ لتساند أختها في الدعوة إلى الله، وقد كان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعياً؛ إذ أن
(14/ 2/176)

محاضراتها المتتابعة قد وجهت الأذهان إلى كنوز الثقافة الإسلامية، كما أن مجلتها الشهرية كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ. وإذا عرفنا أن مجلة "الأزهر"، ومجلة "لواء الإسلام" قد ظلتا سنوات عديدة تصدر عن رأيي الشيخ وتوجيهه، أدركنا جهاده الشاق في مضمار الصحافة العلمية الراقية، وعرفنا مصادر متنوعة تجمع إنتاجه الدسم الفياض، هذا ولم يفت الأستاذ أن يحارب على صفحات هذه المجلات جميعها ما يند من الأقوال المتطرفة في الأدب واللغة والدين، حتى اختلف في الرأي مع أناس مخلصين لا ترقى إليهم الشبهة في علم أو خلق أو دين، ولكن العلم الأصيل شيء غير الإخلاص والخلق، فقد يكون المخلص الغيور متسرعاً ينظر إلى زاوية واحدة، فلا بد أن يناقشه إنسان مطمئن ثاقب النظر منفرج الزوايا واسع الاطلاع كالأستاذ الخضر، والنقاش بعدُ سديد مفيد.
هذا وقد اختير الرجل عضواً بالمجمع اللغوي بمصر، فأبدى من الآراء السديدة في الإصلاح اللغوي ما تشهد به مجلة المجمع، ومحاضر جلساته، وهو أول من أعلن بالمجمع صحة الاحتجاج بالحديث النبوي، وأحد من اشتركوا في معارك النقاش اللغوي حول الوضع الاصطلاحي، وحق المحدثين في وضع الكلمات، هذا غير ما خاضه من بحوث تتعلق بالاشتقاق، والتعريب، والفصيح، والدخيل، وجموع التكسير قياسية وسماعية، مما يشهد بالتخصص الماهر الفاحص في فنون اللغة والبيان، على أنه تقدم إلى هيئة كبار العلماء برسالة في القياس، يقول المغفور له الأستاذ محب الدين الخطيب عنها بمجلة "الأزهر" شعبان سنة 1377 ه:
"وفي أثناء إقامته بدمشق شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" في علم
(14/ 2/177)

العربية لجمال الدين بن هشام، بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجد من الطلبة جمع هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات تشرح القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن هذه المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها النظر بمصر". وهي -كما رأيتها- تجمع الأصول العالية في أحكام القياس والسماع، وتضم فصولاً عن شروط القياس وأقسامه، وقياس التمثيل، والقياس الأصلي، مع إيضاح الأمور المشتركة بينهما، هذا إلى أبواب في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم المدنية، وحاجتها إلى المجتمع، وحاجة المجتمع إليها، وتأثيرها في التفكير، وتأير التفكير فيها! وغير ذلك كثير! فإذا أضفنا إلى رسالته عن القياس رسالته الأدبية في الخيال العربي، عرفنا جهد هذا الأديب، كما عرفنا من قبل مقام ذلك الفقيه!
أما مشيخته الكبرى للأزهر، فقد كانت دليلاً على أن الله لا يتخلى عن رجاله المناضلين، إذ يأبى عدله الرحيم أن يترك هذه الجهود المضينة في الدين واللغة والأدب تضيع بدداً دون تقدير مادي ملموس، فرأى الأزهر لعهده حلقة ذهبية من حلقات الكمال والجلال والوقار، وطفق الزائرون من كتاب وعلماء وصحافيين يتقاطرون على مكتبه، وكلهم يسأل عن أمور هامة في الإصلاح الديني، والتشريع الإسلامي، والتقدم الحضاري، فيجد الإجابة الرصينة السديدة يفوح بها شيخ الإسلام الدارس المستنير، ولكن أعباء السنين تتراكم على كاهله الضعيف، فيترك المشيخة معتكفاً محتسباً حتى يلبي نداء
(14/ 2/178)

ربه في 13 رجب سنة 1377 ه , وهو التاريخ الهجري الذي كان - رضي الله عنه - يحرص على تدوينه في كل مكاتبة أو رسالة، ونحن نسجل به رحيله الطاهر إلى ساحة الرحمة والرضوان في جنة عرضها السماوات والأرض.
(14/ 2/179)

محمد الخضر حسين ذلك الجندي المجهول
بقلم عبد القادر سلامة
"الأستاذ عبد القادر بن عمر سلامة، عالم، فاضل، حافظ لكتاب الله. ولد عام (1325 ه - 1908 م) في "قصبة المديوني" التابعة لولاية "المنستير" في تونس.
تلقى علومه في جامع الزيتونة، وحصل على شهادة التطويع عام (1345 ه - 1928 م)، وعمل في التجارة طيلة حياته مع المواظبة على المطالعة، والدعوة إلى الله بالحسنى. أصدر مجلة "المعرفة" في تونس عام 1960 م، وهي إسلامية شهرية" (1).

تسائلني: هل في صحابك شاعر ... إذا متَّ قال الشعر وهو حزين؟!
فقلت لها لا هم لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد ... له بين أحناء الضلوع حنين!!
(من ديوان "خواطر الحياة" طبعة ثانية، ص 177)

كان -رحمه الله- علماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين وجامع الزيتونة، ومفخرة للمغرب الإسلامي كله، كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن.
__________
(1) بحث منشور في مجلة "المعرفة" التونسية، العدد السادس من السنة الخامسة.
(14/ 2/180)

عرفته، وعجبت منه وهو يخف لزيارة كل تونسي يقدم القاهرة في طريق الحج، أو لأمر خاص، فيسأل عن أحوال تونس صغيرها وكبيرها:
هات الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جدا
"خواطر 72"
كان يحب تونس وأهلها حباً جماً، وحب الوطن من الإيمان:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة ... وأهلي وإن شَحُّوا عليّ كرام

كان نعم المشير والوزير، شديد الحفاظ على المودة والإخاء، واصل كل من وصل مصر من علماء تونس وقادة حركة تحريرها، وجمع العاملين لتحرير المغرب، واتصل بمن يزور القاهرة من أكابر وعظماء العالم الإسلامي. كان لا يجاهر بالسوء، ولكن سرعان ما يسل ثيابه من كل عمل أو زعيم يتبين له أنه داع لضلالة، أو مسرف على نفسه، أو عدو لله.
كان شديد الاستمساك بمذاهب أهل السنة والجماعة، لا يجامل في انحراف، ولا يماري في خلاف، ولا يطعن مخالفاً من خلاف، مجلسه مجلس علم وحلم، ودين ووقار، سمته سمة الصالحين.
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
ذو همة عالية، وطموح كبير، وأمل واسع، يجاهد لإعلاء كلمة الله، وقد حفظت منه هذه الآية وكأني لم أقرأها في كتاب الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
يهتم بشؤون جميع المسلمين، ويسعى لجمعهم على العمل لطاعة الله وطاعة رسوله، متحركاً لا يسكن، ولا يشكو رهقاً ولا ضنى ولا غربة.
(14/ 2/181)

إن الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله- لم يعتمد في خدمة قضيته الكبرى قضية الإسلام والمسلمين على الطبقة العامة، قاعدة الشعوب، كما يحلو لهم أن يقولوا، بل أوكل ذلك إلى كفاءة أعضاء الجمعية، ومجلس إدارتها، وكثرهم علماء من الأزهر، يتناوبون الخطابة والوعظ والدروس على المنابر، وعقب الجمعة في الجوامع، وفي مراكز فروع الجمعية بمصر والعراق وسوريا، أما جمعية الهداية الإسلامية، والتي أنشأ لها مجلة باسمها ترأس الشيخ إدارتها ورئاسة تحريرها أكثر من ربع قرن، فقد رزقه الله بسطة في العمر والعلم أحسب أنه عمل فيهما بما يرضي الله، وبما لا يلحقه في ذلك غيره.
الغرض من تأسيس جمعية الهداية الإسلامية ومجلتها (1346 - 1928): القيام بما يرشد إليه الدين الحنيف من علم نافع، وأدب رفيع، وخلق كريم، وتعتمد في تحقيق هذا الغرض على الوسائل الآتية:
1 - السعي لتعارف الشعوب الإسلامية، وتوثيق الرابطة بينها، ورفع التجافي بين الفرق الإسلامية، والتعاون مع كل جمعية تسعى لهذه الغاية.
2 - نشر حقائق الإسلام بأسلوب يلائم روح العصر.
3 - مقاومة الإلحاد والدعايات غير الإسلامية في الأوطان الإسلامية بالطرق العلمية.
4 - الجهافى في إصلاح شأن اللغة العربية وإحياء آدابها.
وقد كان همّ الشيخ وسعيه منصباً على توجيه وتثقيف المثقفين والواعين من الأمة، وتجميعهم، وهم قليل جداً في ذلك العهد السحيق في أول هذين القرنين، وابتدأ عمله المبارك بتونس، ثم بسوريا، ثم بتركيا في الحرب العالمية
(14/ 2/182)

الكبرى الأولى، وسوريا ثم بمصر بين الحربين العالميتين، ثم بعد الحرب الثانية إلى أن توفاه الله بالقاهرة (1378 - 1958).
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
كنا ونحن صغار يحدثنا شيوخنا عن فضائله ومآثره، ويقولون: هو رجل سبق زمانه، وكانوا يصفونه بالعلم الغزير، والجواب الحاضر، والنكتة اللطيفة، والملاحظة الدقيقة، مع الجسارة في الدعوة إلى الإصلاح، ورفع هذه الأمة من كبوتها، فكان يدرس ويحاضر، وينشئ القصائد، وجرى أترابه ومن بعده على ذلك؛ كزميله الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية في المغرب، وإن ذلك التحرك والنشاط لخدمة الإسلام والعربية في ذلك العهد السحيق ليعد بحق من العجائب والنوادر، وكلما زاد إعجاب الناس بأعماله، وإكبارهم له، وتأثرهم به، كلما زاد حنق المستعمرين عليه، وغضبهم منه، فضاقوا به ذرعاً، وضاق بهم، وهاجر إلى معقل آمال المسلمين في ذلك العهد دار الخلافة الإسلامية إسطنبول، وقد سبقه إليها وإلى الشرق علماء وفضلاء كثيرون، منهم: العلامة الرحالة محمد بيرم الخامس، صاحب "صفوة الاعتبار"، والشيخ صالح الشريف، وخال الشيخ العلامة محمد المكي بن عزوز، المتوفى بإسطنبول سنة 1334، وقد رثاه الشيخ بقصيدة في ديوان "خواطر الحياة" (ص 180).
وقد ترى أن النوابغ في المغرب تشرق من المغرب، وتغرب بالمشرق. وأقام وأهله وإخوته بدمشق، وكان لهم فيها مآثر محمودة لا تزال جاربة إلى الآن، وقد كانت سورية بعد الحرب الأولى عند قسمة تركة الرجل المريض من نصيب فرنسا، فلجأ الشيخ إلى مصر، وقد كانت مصر ملجأ
(14/ 2/183)

الأحرار، وقلب الإسلام الحنون، إليها يلجأ المستجيرون والعاملون لعز الإسلام وتحرير الأوطان:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما سر يوماً بالإياب المسافر
هناك، وقد سبقه صيته العلمي والحركي، أحاط به خبرة من علماء الجامع الأزهر وأهل الفضل ولا يعرف الفضل إلا ذووه، فانتضى قلمه المتبحر في العلوم الإسلامية، ليظهر ويحبط كيد المستشرقين والمعجبين بهم في محاولاتهم الإجهاز على المسلمين في عقائدهم وثقافتهم، بعد أن أجهزوا عليهم عسكرياً، واحتلوا أرضهم، واقتسموها بين الأقوياء منهم، فصمد إليهم الشيخ للرد على شبهاتهم واتهاماتهم، ونقض غَزْلهم أنكاثاً بما كان ينشره من المقالات والمحاضرات، وألف كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و"نقض كتاب الشعر الجاهلي" لطه حسين، وفي كتاب "الغارة على العالم الإسلامي" كشف زيغ المذاهب الهدامة؛ كالبهائية، والقاديانية، ووجدت فيه الجماعة الإسلامية بمصر نعم المعين على نوائب الحق، فوقروه، وعزرّوه، أمثال: المرحوم أحمد تيمور باشا، والشيخ علي محفوظ، واقتدى به وغبطه كثير من علماء الأزهر، فأسسوا هم بدورهم المجلات والجمعيات؛ كجمعية مكارم الأخلاق، ومجلتها، وكان بينهم نشاط محمود، وتنافس وتسابق إلى الوعظ والإرشاد والتعليم والدعوة إلى الله وإلى محاسن الأخلاق.
نزلتُ القاهرة سنة (1931 - 1348)، وزرت الشيخ في دار جمعية الهداية الإسلامية، ومجلتها بهذا الاسم، وسألني الشيخ المشوق لمعرفة أخبار تونس عما جد في مشروع التجنيس، وهو المشروع الذي فتح للتونسيين الحصول
(14/ 2/184)

على الجنسية الفرنسية، فيكون للمتجنس الوعد بالمساواة مع الفرنسيين الممتازين بزيادة الثلث على مرتباتهم، والدخول إن أمكن للوظيف العمومي، والقروض لإحياء الأرض الدولية التي توزع على الفرنسيين، ونقل قضايا الخصام إلى المحكمة الفرنسية في الأحوال الشخصية وغيرها، إلى آخر ما هنالك من الامتيازات للمستعمرين الذين يريدون إذابة الجنسية التونسية والملة الإسلامية، وكان قد أشيع بتونس أن شيوخ المجلس الشرعي قد أفتوا بجواز التجنيس وبقاء المتجنس على إسلامه، وسارت في الشعب فورة استنكار وغضب، وقصصتُ الإشاعة كما هي للشيخ، فاستفهمني عن هذه النقطة بالذات، فقلت له: إنها شائعة في البلاد، فظهر في نبرات السؤال الألم لهذا الاتهام، والإنكار له، فعلمت أني أخطأت في قول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
وإنا كنا ولا زلنا نشيع في الناس ما يوحى به إلينا من تحطيم المخالف في الرأي بكل الوسائل، وكان الواجب على المسلم أن يرفض ما يرمى به أخوه من السوء، وأن يحفظ لسانه من قول الزور {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
واستشرت الشيخ في أمر مرة، فقال بصراحة المؤمن: لا أستطيع ذلك، فكان الرد جميلاً، لا يعد فيخلف، واستشرت مرة أخرى آخر، فوعد وأخلف، ووصل الحديث مرة إلى التعليم في الأزهر والزيتونة، فقلت له: ما تركته ورائي بجامع الزيتونة أحسن مما وجدته هنا بالأزهر، فصادق على قولي، وقال: هو كذلك. وحضرت محاورة بينه وبين عضده في الجمعية المرحوم علي محفوظ
(14/ 2/185)

في دقاقة الأعناق، وهي العشر سنين التي بين الستين والسبعين، وقد وصلها، وكل عشر سنين من العمر لها اسم خاص، وقد رأيت له في ذلك أبياتاً في ديوانه "خواطر الحياة" (ص 182) طبعة ثانية منها:
قضيت ستين عاماً في الحياة وهل ... قضيت يومين منها في رضا الله؟
فلا يغرنك أقلام وألسنة ... تقول إنك ذو علم وذو جاه
وما أبرئ نفسي والهوى يقظ ... بين الجوانح وهو الآمر الناهي
وكان يأمر باستدعائي لحضور المآدب التي يحضرها ويقيمها للمشايخ التونسيين المنتسبين للجامع الأزهر في بيت صديقنا الحاج محمد أبو شعالة، وممن حضرها من الأحياء الذين أذكرهم: الأستاذ عبد السلام خليف، وابن عمه الشيخ البشير، وحدّث على ما كان يحدث في تلك المجالس من تعارف وود، وعلم وسياسة، وأدب وفكاهة، وقد كنت أتصل بالشيخ عبد العزيز الثعالبي، وعرفت اتجاه الشيخين والبعد ما بينهما، وكذلك ما يفصل بين الشيخ والشيخ رشيد رضا، وسبب انفصال الشيخ عن جمعية الشبان المسلمين بعد أن كان من أعضاء إدارتها، ومن المؤسسين لها، حتى آل أمرها إلى الانضواء تحت مظلة الناصرية أخيراً.
كانت لي مع الشيخ -رحمه الله- مراسلات، وكان لي مع أخيه الشيخ محمد المكي بن الحسين لقاءات، وكان آخر لقاء لي مع الشيخ الخضر حسين مرتين سنة (1375 - 1955): مرة بالقاهرة، ومرة بدمشق في دار أخيه الأستاذ زين العابدين، وكانت بحضرة ابن أخيه المحامي الآن الأستاذ علي الرضا الذي كان له الفضل الأكبر في جمع ونشر تراث عمه في كتب قيمة أثرت المكتبة الإسلامية، وعرّفت الناشئة ببعض مآثر ومفاخر هذه العائلة النبيلة،
(14/ 2/186)

ولولاه لضاع هذا التراث العظيم الذي لا زال مغموراً، ولم يكشف عن محاسنه بالدراسات والمناقشات الجامعية، ولم يدرس، ولم ينتفع به، فعسى الله أن يهيئ لهذا العالم المسلم المخلص من يكتب عنه، ويعرف به، وينشر كتبه وشعره وعلمه بين الشباب المسلم الناهض الذي كان عمل الفقيد العظيم من أجله، وأختم هذه الكلمة بفقرات من كلامه تيمناً وذكرى.
ختم كلمته في حفلة تأبين الدكتور ستومو الأندونيسي:
حقاً إن أرضنا لا تنبت من المجاهدين إلا قليلاً، ولا يغرنا كثرة أسماء الزعماء؛ فإن فيهم المرائي والجبان، وصاحب الذمة التي تباع بثمن بخس، ومن هؤلاء من ترونه ينوح على الإسلام علانية، ويقتل دموعه، ولكن بأنامل تبيت تطعن في مقاتله خفية، ولا عجب أن تروا الأنامل الملطخة بدم الجريح مبتلة بدموع البكاء عليها؛ فإن الذي يستطيع أن يلاقي الناس بوجهين، ويحدثهم بلسانين، يستطيع أن يتخذ دموعاً ليست من نوع الدموع التي تبعثها حرارة الإيمان على الحق.
في الزعماء ناصح للأمة يجاهد لسلامتها ورفعة شأنها، وفي الزعماء مخادع للأمة يتخذ زعامتها حبالة يصطاد بها مطمعاً لذيذاً، أو ملبساً أنيقاً، بل يتخذ زعامتها معولاً يهدم به الباقي من صرح سيادتها، وفلاح الأمة في ممايزتها بين المخلص الأمين، والمداهن الأثيم، ولا تطمح الأمة أن تسير سيرة رشيدة، أو ترقى في عزة راسخة إلا أن يكون في صدر سائسها إيمان بخالقها، وغيرة على حكمة شريعتها الإسلامية.
وقاوم الإلحاد وجمعيات التبشير ومدارسها، ونبه إلى أخطارها، ودعا إلى مقاطعتها:
(14/ 2/187)

إن المبشرين لم يأخذوا أبناء المسلمين وبناتهم بالقوة من بيوت آبائهم، وإنما الذي قذف بهؤلاء البنات والأبناء إلى هذه المدارس هم آباؤهم وولاة أمورهم، فجنوا بذلك على الوطن، وعلى الدين، وعلى رجال المستقبل وأمهات المستقبل أعظم جناية.
ومن ذلك ما كتب به لوزير المعارف على طه حسين الذي يسميه: عدو الله: "عرف الناس منذ سنين أن الدكتور طه حسين يعمل لهدم العقائد الإسلامية، وإفساد الأخلاق الكريمة، فكانوا يأسفون أشد الأسف على طائفة من شبابنا، يدخلون الجامعة ليتغذوا بالعلوم الصافية، والتربية الصحيحة، فيقعدون بين يدي هذا الرجل الذي يعمد إلى تلك الفطر السليمة، فينفخ فيها زيغاً، ويثير فيها أهواء. . . إلخ".
(14/ 2/188)

مع العلامة محمد الخضر حسين في جهاده
بقلم سعدي أبو جيب
"ولد في مدينة دمشق عام (1351 ه - 1932 م)، وحصل على الإجازة في الحقوق، وعمل في القضاء والمحاماة.
مؤلفاته: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - الوجيز من المبادئ السياسية في الإسلام -الماسونية - المعوق والمجتمع في الشريعة الإسلامية - القاموس الفقهي - التأمين بين الحظر والإباحة - مروان بن محمد وأسباب سقوط الدولة الأموية- دراسة في منهاج الإسلام السياسي- سحنون" (1).

من علماء أمتي من سفح على القرطاس عمره، وعاش في كهف العلم، حتى غدت الكلمة لا تخرج منه إلا على محفة من الكتب، في موكب من الأعلام ..
ومنهم من أتاه الله بسطة في القلب والفكر، فعاش مع العلم، وعاش حياة الأمة، ومتاعبها، وآلامها .. حتى غدت لا تبرح ضميره، ولا تفارق فكره .. فهو يقلب طرفه في سماء المجد، والسؤدد، والصلاح، يبحث عن أقصر سبيل يوصل أمته إلى كل ذلك.
__________
(1) مجلة "حضارة الإسلام" بدمشق - العدد الرابع - السنة 18 (جمادى الآخرة 1397 - حزيران 1977).
(14/ 2/189)

هؤلاء هم صفوة الصفوة من أهل العلم، بل هم العلماء الحق في قول علامتنا الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين - عليه رحمة الله ورضوانه-. . .: (من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة، حتى إذا اعترضها خلل، أرشد إلى إصلاحه، أو ضلت عن حق، قادها إلى مكانه. ومن تصدى لتقويم الخاطئين، ورد جماح المبطلين، يلاقي بالطبيعة أذى، ويجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت، وإقدام لا يتزلزل. وكم من عالم يفوقه أقرانه علماً وألمعية، ولكن ينهض لإحياء سنة، أو إماتة باطل، ويلاقي في جهاده شدائد، فيجتازها بنفس مطمئنة، ولا يلبث أن يرجح وزنه، ويبعد في حلبة السباق شأوه. ولو كشف لنا الغطاء عن حياة العلماء الذين أوذوا في سبيل الدعوة إلى الخير، ولم ينحرفوا عن خطتهم فتيلاً، لرأينا كيف ارتفعت منزلتهم، وتجلى وقارهم، حتى في عين من كان يسومهم سوء الأذية، أو يشفي غليل صدره أن يصرعوا في مصارع الاضطهاد.
الرجال الذين أحرزوا هذه المزايا، واستحقوا لقب العالم المصلح ليسوا بكثير. فلو قلبت نظرك في السنين الماضية، وصعدت به إلى عهد قريب، رأيت المعاهد العلمية إنما تبعث في العصر الواحد الرجل أو الرجلين. . ." (1).
هل ترى إمامنا الأكبر من هذه النخبة المختارة التي قلما يجود بمثلها الزمان؟
سنسير معه في درب الحياة خطوة خطوة؛ علّنا نهتدي إلى الجواب ..
__________
(1) "الدعوة إلى الإصلاح" (ص 146).
(14/ 2/190)

* مولده ونشأته:
أدرك علامتنا النور في يوم خير من سنة (1293 - 1873) في بلدة "نفطة"، واحة النخيل في جنوب تونس، البلدة التي أنبتت عدداً مباركاً من العلماء، حتى وصفوها بالكوفة الصغرى. . .
ولقد رضع علومه الأولى من بيته، من فكر أمه السيدة حليمة السعدية بنت العلامة الكبير مصطفى بن عزوز -رحمة الله عليه- التي قامت بتدريسه، مع إخوته العلوم الدينية واللغوية، حتى إنه أخذ عنها كتاب الكفراوي في النحو، وكتاب السفطي في الفقه المالكي. . .
هكذا الأم، وإلا فلا. . .!
وحين أشرف هذا الألمعي على المراهقة انتقلت أسرته إلى مدينة تونس العاصمة، واستقرت بها ...
* في الزيتونة:
وفي جامعة تونس العتيدة: الزيتونة، الدوحة المباركة بالعلم وأهله، التي لا ينضب نورها الدافق من الإسلام، ترعرع علامتنا الكبير، وزكا فكراً وأدباً، حتى حاز الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.
ولما أصبح في واحة العلم نخلة باسقة، ضمته الزيتونة أستاذاً ومربياً. وفي أيلول من عام 1912 غادر تونس وزيتونتها، وفي نفسه حرقة، وفي ضميره ثورة، وفي العين عبرة. . .
* الرحيل:
لماذا يرحل هذا الطود الشامخ من العلم؟
أملَّه الأهل والأحبة؟ أم ملّ هو من الأهل والأحبة. . .؟
(14/ 2/191)

لا. . . كل هذا لم يكن. . .
لقد لوثت أقدام الغزاة الفرنجية التراب التونسي العبق في يوم حزن من عام 1881، كما فعلوا قبل خمسة عقود من السنين في القطر الجزائري الحبيب.
هب عالمنا الكبير للجهاد، لا بالسلاح، ولا بالدم، فالاستعمار قد أناخ بكلكله السمج على بلاده الجريحة، وإنما بالقلم والفكر يبعث الروح، والأمل المتشوف إلى فجر مشرق لابد أن يأتي بعد الليل المدلهم. . ولذلك فقد أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأسس بنيانها على العلم، والعقل، وجعل رسالتها الدعوة إلى الدين الحنيف؛ بتفسير آيات التنزيل العزيز، وشرح الحديث الشريف، وترسيخ العقيدة الصحيحة لرد كيد الضالين المضلين، وإرساء قواعد التشريع العظيم في الحياة بكل أبعادها، ونشر الأخلاق والفضيلة، كل ذلك بلسان عربي مبين (1).
كانت هذه المجلة صرخة عنيفة في ضمير الأمة كي تنهض من كبوتها، وتدرك التخلف الذي أدى بها إلى أن تقع مهيضة العزة تحت الاحتلال.
وكانت وخزة مُرَّة في جنب العدو المستعمر تنخر في حياته، ولا بد أن تأتي عليه ..
وزاد في أثر هذه المجلة الغراء: أن بيت صاحبها غدا دار ثورة للفكر
__________
(1) مقدمة العدد الأول من المجلة الذي صدر في 16 محرم 1322 ه. تحدد رسالة المجلة ومنهجها. وعندي أن هذه المجلة، ومجلة "العروة الوثقى" التي أصدرها في باريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده قد أحدثتا ثورة فكرية -على قصر حياتهما- لم تعرفها الصحافة العربية.
(14/ 2/192)

والأدب، والثقافة والوعي الاجتماعي.
لكل هذا وذاك عمد المحتل الغاشم إلى المجلة، فأغلقها بعد أقل من عام من صدورها، وكان العدد الأخير يحمل الرقم الحادي والعشرين، وقد صدر قي ذي القعدة 1322 ه ..
فهل يسكن الثائر المجاهد، ويستكين؟ ...
ها هو ذا بعد سنتين من وأد المجلة يقف بشمم وإباء في عام 1324 يلقي محاضرة في تونس بدعوة من جمعية (قدماء تلامذة الصادقية) بعنوان: "الحرية في الإسلام" (1) قبض فيها قبضة من أثر الدين الخالد، ونثرها على الحاضرين، بل على مجتمعه بأسره، جواهر تصف الحرية ومعناها، والمشورة ومبناها، والمساواة بين السيد والمسود، والأمير والمأمور، وتحدث عن حرمة الدماء والأعراض والأموال ..
في مستهل كلمته حمل على المستعمر، ووصف الأمم التي تبيح لنفسها استعباد الأمم الأخرى، فقال: "الأمم المتوحشة يستهوي بها الاستئثار بالمنافع والنفيس من الفوائد أن ينسل أولو القوة منها نحو أموال الذين استضعفوا، ويصولوا عليها صيال الوحوش الضارية، ثم ينصرفوا بها إلى مساكنهم غير متحرجين من أوزارها، كأنما انصرفوا بتراث آبائهم وأمهاتهم، أو خصهم الله بما خلق في الأرض جميعاً".
وأخيراً طفح الحقد من قلب المستعمر، وكل إناء بالذي فيه ينضح، فأحكم التضييق على علامتنا الكبير حتى حمله على الرحيل عن الوطن، وأهداه
__________
(1) "محاضرات إسلامية".
(14/ 2/193)

بعد حين وسام العز الرفيع: حكم الإعدام، الذي يزين عنق المجاهدين.
أعلمتم إذن سبب الرحيل .. ؟
فإلى أين سيتجه يا ترى ... ؟
* في دمشق:
إنه في دمشق، عاصمة المجد العربي الخالد، لا يعرف أحداً، ولا يعرفه أحد ..
ولكن هل تخفى الشمس؟
وفي عصامية عجيبة انطلق وراء رزقه، ورزق عياله، يعمل في مدارسها، حتى اندفعت إليه نخبة مختارة من كرام أبناء هذه المدينة العتيدة، تنهل من نمير علمه العذب، ومن شخصيته الفذة، ومنهم: أستاذي الكبير علامة الشام محمد بهجة البيطار - عليه رحمة الله ورضوانه - .. ومن حديث شيخي وقعت في نفسي الهمة الشماء، والعصامية الأبية التي كان يتحلى بها الشيخ الكبير ..
ومرت الأيام .. حتى كان يوم نحس من عام 1920 حين دخل الفرنسيون دمشق على جماجم أبطالنا في ميسلون، إنهم نفس الغزاة، حملة رائحة الاستعمار والاستعباد التي تلوث جو الكون، الذين احتلوا المغرب العربي وشطراً من أرض الشام ..
فإلى أين يذهب العلامة المجاهد ... ؟
إلى أين ... ؟
* في مصر:
إلى القاهرة يمم وجهه، وذلك في عام 1922، كما فعل العديد من
(14/ 2/194)

كرام رجال الوطن السوري.
وهنا ندخل في طور جديد، وسعيد في حياة الجهاد التي عاشها علامتنا الجليل ...
في دنيا العلم أحرز قصب السبق، ها هو في الأزهر الشريف يدرّس الفقه في كلية أصول الدين، ثم يقدم رسالة علمية رائعة "القياس في اللغة العربية" ينال بها عضوية هيئة كبار العلماء.
وفي عام 1952 م تم اختياره شيخاً للأزهر، ولقي وجه ربه سنة 9581 م. أما في دنيا الجهاد، التي عنها نتحدث، فهل خبت جذوته في نفسه الكبيرة، وفي القاهرة ما فيها من علوم وعلماء، ومن دراسات وأبحاث، ولا سيما بعد أن أصبح عضواً في "المجمع اللغوي فيها، وفي المجمع العربي بدمشق؟
لا .. لن يكل السيف المشرع تحت راية الجهاد الحق حتى تتحرر بلاده، أو يهلك دون ذلك.
هو في القاهرة، وقلبه يحمل وطنه، وما يعاني .. أتريد أن تلمس وهج حب تونس في هذا الفؤاد العامر؟ ... ترنم معي إذن بهذه الأبيات التي انتقيتها لك من شعره (1):
وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا
عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلا
__________
(1) ديوان "خواطر الحياة".
(14/ 2/195)

أنا لا أنسى على طول النوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
بل هو يعجب من شعراء عكفوا على اللهو والمجون، ووطنهم يعاني ما يعاني:
وأنفع الشعر ما هاج الحماسة في ... شعب يقاسي اضطهاد الجائر الأشر
من ذا يقيم على أرض يظللها ... ضيمٌ، ويحسن وصف الدلِّ والحور
وتعاوده ذكريات صباه في تونس، فيجد شيئاً من حلوها، إلا أنه ينقلب علقماً في نفسه حين يرتد إليه طرفه مشمئزاً من صورة جيش الاحتلال، فيقول:
ليال قضيناها بتونس ليتها ... تعود وجيش الغاصبين طريد
نعم .. لقد عاد لتونس أريج الحرية، بفضل الله سبحانه؛ لأنه أقدرك يا سيدي العلامة على النضال الذي كنت تغذي به رجال السياسة والعلم والأدب، حين كانوا يتوافدون إلى دارك العامرة، وإلى رابطة (تعاون جاليات أفريقيا الشمالية) التي أسست، والتي قامت بعقد المؤتمرات والندوات لشرح قضية المغرب العربي للعرب، وللمسلمين، وللعالم (1)، وإلى (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي لعبت دوراً رائعاً في وحده النضال عند شباب المغرب العربي الأحرار.
كيف ينسى تونس الخضراء، وهو الذي ألقى المحاضرات، وكتب الدراسات المستفيضة عن الحالة العلمية في ذلك الوطن، وقدم بأدب وفخر
__________
(1) رفع علامتنا الكبير مذكرة إلى دول العالم شرح فيها مساوئ الاحتلال الفرنسي، وقد نشرت في كتاب: "تونس وجامع الزيتونة" (ص 128).
(14/ 2/196)

واعتزاز للمجتمع المصري أعلاماً من تونس لم يكن لاسمهم ولسيرتهم من ذكر في مصر (1)، فأي تعبير عن حب الوطن، والوفاء له، أصدق من ذلك؟.
هو في القاهرة بين إخوته العرب، فعليه إذن أن يؤدي شرف الأمانة الذي يحمل، وأن يقدم لهم كل ما يمليه عليه ضميره من واجب النصح، والعمل البناء الهادف ..
ولذلك كان المعلم الأمين، وكان المرشد الصالح، والمربي الصدوق ..
وجد في مدارس الدولة تقصيراً في التعليم المديني، فوجه المذكرات للسلطة لإصلاح ذلك (2).
وسمع بانحراف بعض أساتذة الجامعة عن أصالة الفكر العربي، فحذر من ذلك وزارة المعارف، ونبه على الخطر الذي ينزل بالأمة بسبب التهاون، والتغاضي عن ذلك .. وصدق؛ لأن النار من مستصغر الشرر.
هو في القاهرة، وما يشغله حب وطنه، ولا خدمة المجتمع الذي يعيش فيه عن خدمة دينه وشريعته.
ولذلك فقد اشترك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين) التي كانت في طليعة الجمعيات الهادفة إلى تربية الشباب المسلم تربية صالحة قويمة.
ومن فكره البنّاء ولدت (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان هدفها: "أن تعرض حقائق الدين الحنيف، وحكمة تشريعه في صورتها الخالصة النقية، وأن تبحث في تاريخ رجال الإسلام من العرب وغير العرب، وأن تنبه على
__________
(1) "تونس وجامع الزيتونة".
(2) "الدعوة إلى الإصلاح" (ص 148، 159).
(14/ 2/197)

ما كان لهم من عبقرية في العلم، أو فضل في البيان، أو شرف في الأخلاق، أو رشد في السياسة .. " .. وأن تعمل على رفع التجافي بين الفرق الإِسلامية، ولعلها تستطيع بتأييد الله وبوسيلة مجلتها (1) الضاربة في الشرق يميناً وشمالاً أن تضع مكان التجافي إلفة وسلاماً، وإذ عز على زعماء هذه الفرق الوصول إلى تقليل مواقع الاختلاف في الآراء، فلا يعز عليهم أن يخففوا وقعه في القلوب، ويكفوه عن أن يشيع فيها فاحشة التقاطع والقصد إلى الأذى ...
وحين طلع على العرب طه حسين بآراء في الشعر الجاهلي، استقاها من مدرسة الاستشراق، من (مرجليوث، وسانتيلانا) على وجه الخصوص، وفيها ما فيها من نيل يمس الإسلام في كتابه الكريم، هبّ علامتنا الكبير للرد على ذلك بعنف، وصدق لهجة (2)، وكذلك فعل أديب العروبة والإسلام مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع "تحت راية القرآن"، وأكرمْ بها من راية! .. وحين طلع علي عبد الرازق على العرب بكتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وفيه يجعل ديننا -الذي اختاره الله سبحانه ليكون نوراً للبشرية في مسيرة حياتها- مجردَ عبادات وأذكار فحسب، نهد أستاذنا الكبير -وهو فارس هذا الميدان- للرد على ذلك، وإظهار ما في هذا الدين الخالد من نظام شامل لشؤون الحياة في السياسة وأصول الحكم، وفي الفقه والمعاملات، وفي تنظيم أمور المجتمع على أقوم نظام، وأعدل تشريع (3).
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية".
(2) "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
(3) "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
(14/ 2/198)

وبعد:
إنها سيرة مجاهد لتحرير الوطن من العبودية، ولتحرير فكر الأمة من الجهل والتخلف، ولإعمار ضميرها بالعقيدة "الصحيحة" والخلق القويم، والرجولة، والشهامة، ولجعل لسانها عربياً مبيناً لا عوج فيه، ولا أمتاً ..
إنها مسيرة عالم عاش في ضمير أمته، وعاشت أمته في ضميره .. أليس كذلك؟
(14/ 2/199)

محمد الخضر حسين
(تونس 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي)

تقديم وتحقيق كمال التعريف
"كمال بن الحبيب التعريف، باحث، صحفي، ورئيس سابق لجمعية الصحفيين التونسيين، ولد عام 1924 في "أكودة" بالجمهورية التونسية، وتخرج من كلية الحقوق، وتقلد عدة مناصب إعلامية. له مؤلفات وبحوث عديدة في التاريخ والأدب والسياسة" (1).

* كلمة الناشر:
نعيد - في العدد الرابع من "كتاب الحرية" الذي بين يدي القارئ- نشر كتاب كان الشيخ محمد الخضر حسين أصدره في القاهرة ضمن نشاط (جبهة الدّفاع عن شمال إفريقيا) التي كان مؤسسها ومحور حركتها. وقد استهدف من هذا الكتاب الذي عنوانه:
"تونس 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي" التعريف بتونس ضحية الاستعمار الفرنسي لدى إخواننا في المشرق العربي، مثلما فعل الدكتور الحبيب ثامر، من خلال مؤلفه "هذه تونس" في الفترة نفسها. ونحن نقصد من إعادة نشر هذا الكتاب بتونس - بعد أن ظهر للوجود في القاهرة قبل نحو
__________
(1) العدد الرابع من سلسلة "كتاب الحرية" المصادر عن جريدة "الحرية" بتونس.
(14/ 2/200)

أربعين عاماً - إلى غايتين:
أولاهما: أن نرفع عنه تراب النسيان، حتى يتيسّر تداوله، ويُعتمد في كتابة تاريخ تونس المعاصر على الوجه الصحيح.
وثانيتهما: أن نُحيي ذكرى صاحبه الشيخ محمد الخضر حسين الذي عُرف كعالم وشيخ للأزهر، وأن نبرز جهاده في سبيل تونس والمغرب العربي، ذلك الجهاد الذي أدى به إلى الخروج من وطنه، والانخراط في صفوف العاملين تحت لواء الدولة العُثمانية، لتحرير الشعوب الإسلامية من الاستعمار الغربي، وتحمّل ما أُضير به من مُصادرة الفرنسيين لأملاكه في تونس، ومطاردتهم إياه في سوريا بعد أن احتلتها جيوشهم.
وأملنا أن يَتخذ الشيخ محمد الخضر حسين -الذي نشر ابن أخيه الأستاذ علي الرّضا الحسيني في السنوات الأخيرة كل مؤلفاته، باستثناء الكتاب موضوع حديثنا، والذي خصّ الأستاذ محمد مواعدة سيرته بأطروحه لا بأس بها- مكانه في سجل المجاهدين من أجل حرية تونس والمغرب العربي والأمة العربية قاطبة، ومن أجل نهضة شعوبها.
وأملنا أيضاً أن نواصل -في سلسلتنا هذه- جمع التراث الفكري والنضالي لغيره من المجاهدين أمثال: الدكتور سليمان بن سليمان، والطاهر صفر، والشيخ محيي الدين القليبي، ويوسف الرويسي، وسواهم؛ حتى ننقذ ذلك التراث الزاخر من البلى، ونثري بيبليوغرافيا النضال والتاريخ الوطنيين بالمراجع الأساسية التي لا يمكن كتابة التاريخ الصحيح من دون الرجوع إليها. "الحرية"
(14/ 2/201)

* حياته:
ولد الشيخ محمد الأخضر بن الشيخ الحسين بن الشيخ علي بن عمر الشريف في "نفطة" من بلاد الجريد بالجنوب الغربي لتونس في (26 جويليه 1867 الموافق ل 26 رجب 1293).
وقد أبدل اسمه -فيما بعد- إلى محمد الخضر حسين بناء على اقتراح الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رفيقه في الدراسة بالزيتونة، والتدريس بها، وصديقه مدى الحياة.
وهو من أسرة علم تنتسب إلى الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، وكانت تُلقب بالعمريّ، وتقطن بقرية "طُولقة"، وهي واحة بجنوب الجزائر، تبعد نحو أربعين كيلو متراً عن مدينة "بسكرة"، وقد هاجر والده وجده في متتصف القرن الماضي -على الأرجح- إلى "نفطة". أما أمه، فهي حليمة السعدية، بنت الشيخ مصطفى بن عزوز، الذي رافق أبا المترجم له وجدّه في هجرتهما، ولدت بتونس سنة 1270 ه، وتوفيت بدمشق في رمضان سنة 1335 (1917 م)، وخاله العلامة محمد المكي بن مصطفى بن محمد بن عزوز البُرجي النفطي الحَسَني الإدريسي، ولد بنفطة في 15 رمضان 1270 (1854)، وتعلم بتونس، وولي الإفتاء بنفطة، ثم قضاءها. وعاد إلى تونس، ثم رحل إلى الآستانة، فتولى تدريس الحديث في دار الفنون، ومدرسة الواعظين، ونال حظوة عالية في عاصمة الدولة العثمانية، وتوفي بها في 2 صفر 1344 (1915). وله مؤلفات عديدة في مختلف العلوم الشرعية والدنيوية.
درس محمد الخضر حسين في المكتب القرآني بمسقط رأسه على الشيخين: عبد الحفيظ اللموشي، ومحمد المكي بن عزوز. ولما بلغ
(14/ 2/202)

الثالثة عشرة، انتقلت عائلته إلى تونس (أواخر 1306 - 1888)، فأتم تعلمه الابتدائي وحفظ القرآن الكريم. التحق بجامع الزيتونة (1307 - 1889)، وحصل على شهادة التطويع (1316 - 1898) من أساتذته الشيوخ: سالم بوحاجب في "صحيح البخاري"، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجّار (في التفسير). درّس متطوعاً في العام الموالي لتخرجه، وواصل التعلّم. يقول ابن أخيه علي الرّضا الحسيني: إنه حصل كذلك على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية، ولكن هذه الشهادة لم تُحدَث إلا في أوائل سنة 1933. وأرفع شهادة كان يُسَلّمها جامع الزيتونة -حتى ذلك العهد - هي (التطويع).
رحل إلى طرابلس الغرب (1317 - 1899)، وزار الجزائر مرة أولى (1312 - 1899)، ثم ثانية (من 5 إلى 15 رمضان 1322، من 12 إلى 23 نوفمبر 1904).
أصدر مجلة "السعادة العظمى" في (16 محرم 1322 - أفريل 1904)، وهي "مجلة علمية أدبية إسلامية نصف شهرية"، وكانت أول مجلة تصدر بتونس باللغة العربية، وقد أبرز منها واحداً وعشرين عدداً، ثم أوقفها في ذي القعدة (1322 - 1905)، بعد أن طالبت هيئة النظّارة العلمية بجامع الزيتونة الحكومة بتعطيلها.
تولى القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت"، كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير، بضعة شهور (1905 - 1956)، ولكن القضاء لم يرقْه؛ إذ حال بينه وبين الدعوة إلى الإصلاح، فاستقال، وعاد إلى تونس حيث كلف بالإشراف على تنظيم المكتبة بجامع الزيتونة (1906)، ودرّس متطوعاً في
(14/ 2/203)

جامع الزيتونة، وألقى في نادي قدماء الصادقية سنة 1906 محاضرة عنوانها: "الحرية في الإسلام".
عين مدرساً مالكياً للعلوم الدينية والعربية من الطبقة الثانية بالجامع المذكور، بواسطة مناظرة (23 جمادى الثانية 1325 - 3 أوت 1907). وفي العام الموالي عُين أيضاً أستاذاً بالمدرسة الصادقية. وفي الأثناء رفض عرضاً بأن يكون عضواً بالمحكمة المختلطة. درّس كذلك الأدب والإنشاء العربيين في الجمعية الخلدونية (1908)، وحاضر وسامر فيها وفي نادي جمعية قدماء الصادقية. وكانت المواضيع التي تناولها في محاضراته ومسامراته أدبية ولغوية، ومن تلك المحاضرات: "حياة اللغة العربية" ألقاها سنة (1327 - 1909) في الخلدونية، ونشرها بتونس في العام نفسه، و"حياة ابن خلدون"، و"الدعوة إلى الإصلاح". انتخب نائب رئيس الجمعية الخلدونية سنة 1910. وفي خلال ذلك أخذ يكتب المقالات في مختلف شؤون البلاد إلى جانب قرض الشعر.
لاقى بجامع الزيتونة تهوينًا من شأنه سدّ في وجهه باب التدرج في المناصب العلمية؛ إذ فشل في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى (1330 - 1912)، فحزّ في نفسه أن يُحرم من النجاح بسبب المحاباة المسيطرة على الحياة العلمية في البلاد، وضاق بالقمع الذي سُلِّط على البلاد بعد حوادث الجلاز والترام، فتاقت نفسه إلى الهجرة، استقال من التدريس، ورحل إلى الشرق يوم الخميس (4 شعبان 1330 - 18 جويلية 1912)، فزار مالطة، والإسكندرية، والقاهرة؛ حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا، وبورسعيد ويافا وحيفا ودمشق. استقر مدة قصيرة مع إخوته الذين سبقوه إلى الشام قبل
(14/ 2/204)

عام، الشيوخ: محمد المكي، وزين العابدين، ومحمد العروسي، بحيّ الميدان. ألقى اثني عشر درساً في الحديث بالجامع الأموي. ثم قصد بيروت والآستانة لزيارة خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز. وعاد إلى تونس يوم الاثنين (16 ذي الحجة 1330 - 24 نوفمبر 1912)، فوجد إدارة المدرسة الصادقية قد فصلته عن التدريس الذي مارسه بها منذ سنة 1957، متعللة بغيابه. صوّر رحلته في مقالات نشرتها تباعاً جريدة "الزهرة"، وألقى دروساً بجامع الزيتونة، ومحاضرة عنوانها: "مدارك الشريعة الإسلام" بنادي جمعية قدماء الصادقية.
ثم عزم على الرجوع إلى دمشق، فودّع زوجته، وغادر تونس (1331/ ديسمبر 1912)، منتقلاً إلى الجزائر، فمصر، فدمشق. ثم قصد -عبر القدس- الحجاز؛ حيث حجّ، ثم زار ألبانيا، ومعظم بلاد البلقان، والآستانة، ومنها قفل إلى دمشق. وهناك استقرّ مع عائلته: والدته، وإخوته الأربعة الذين سبقوه إلى هناك عام 1330 ه، ودرّس العلوم الدينية والأدبية واللغوية في الجامع الأموي والمدارس الحكومية الثانوية والعليا، لا سيما مدرسة السلطانية العثمانية للدّراسات العربية، وكتب في الصحف والمجلات، مؤيداً الخلافة العثمانية، وداعياً إلى توثيق عرا الألفة بين العرب والترك، وألقى المحاضرات، ونشر الكتب والرسائل المدرسية والدينية، كما نشر في جريدة "الزهرة" اليومية التونسية "خلاصة الرحلة الشرقية" من (25 مارس إلى 7 أفريل، ومن 18 إلى 27 أفريل 1913).
اتهم بالضّلوع مع أحرار العرب في مؤامرة ضد الدولة العثمانية، أيام
(14/ 2/205)

أحمد جمال باشا السفاح (1)، وسجن في فندق مع سعدي بك الملا سكرتير شكري الأيوبي، ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، من (15 أوت 1916/ 1334 ه حتى 29 جانفي 1917/ 4 ربيع الثاني 1335)، وحوكم أمام مجلس عسكري، وطلب المدّعي إعدامه، ولكن المجلس برَّأ ساحته، وأخرج عنه، فعاد إلى سالف نشاطه، ثم رحل إلى الآستانة حيث عمل منشئاً عربياً في ديوان وزارة الحربية، ومدّرساً أيضاً.
كلفه الباب العالي (1336 - 1917) مع الشيخين التونسيين: صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وغيرهما من العلماء المسلمين بالسفر إلى ألمانيا للاتصال بالجنود المغاربة في جيوش الحلفاء الذين أسرهم الألمان، ومحاولة كسبهم إلى جانب الدولة العثمانية، فأسهم في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية)، وكتب في الصحف، وألقى المحاضرات على هؤلاء الجنود. وبقي هناك زهاء تسعة أشهر، تعلم في أثنائها اللغة الألمانية. وزار سويسرا وإيطاليا. عاد إلى الآستانة ودمشق، ثم رجع إلى "برلين"، وأقام بها نحو سبعة شهور، حتى سقطت الآستانة، (1337 - 1918)، فعاد إلى دمشق- حيث قام الحكم العربي بزعامة الأمير (ثم الملك) فيصل بن الحسين- على متن باخرة مع عدب من زعماء الحركة الإسلامية، عبر الآستانة، "همبورغ".
وفي تلك الأثناء حَجَزت السلطات الفرنسية في تونس أملاكه بتهمة المشاركة في تحريض المغاربة بألمانيا وتركيا على محاربة فرنسا. وتوفيت والدته وهو في ألمانيا (1335 - 1917).
__________
(1) انظر عنه: "الحركات الاستقلالية ... " (ص 47 - 48)، و "معجم المؤلفين" (ج 12 ص 49، وج 13 ص 4).
(14/ 2/206)

وفي دمشق استأنف الشيخ محمد الخضر حسين التدريس بالمدرسة السلطانية، كما درس في المدرسة العسكرية، واستأنف المحاضرة بالجامع الأموي، كما حاضر في جامع باب المصلّى. وكان مقرّباً من الملك فيصل.
اختير عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع العلمي العربي المؤسس بدمشق في أواسط سنة 1919، وأصبح عضواً مراسلاً لما ترك سوريا، وإلى آخر أيام حياته.
غادر دمشق بعد معركة ميسلون في (24 جويلية 1920) هرباً من ملاحقة سلطات الانتداب الفرنسي المفروض على سوريا إياه، ونزل لاجئاً سياسياً بمصر، والتقى بكبار رجالها وعلمائها. ثم قرر الإقامة بها، وحصل فيما بعد على جنسيتها، ودخل فحص الشهادة العالية الأزهرية، فاستحقها. عينته وزارة المعارف مُصَحّحاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، وقبل تولي تصحيح المخطوطات بالمكتبة العلمية المصرية في القاهرة (1343 - 1924). وحاضر في الجمعيات، وألقى دروساً دينية خاصة بالأزهر ومساجد ومعاهد أخرى، وكتب في الصحف والمجلات، وراسل مجلة "الفجر" التونسية الدستورية في موضوع: النظرية السياسية في الإسلام، كما راسل مجلة "الفجر" التونسية في موضوع: الخلافة في الإسلام، ومسؤوليات العلماء (1921 - 1922)، وأسهم في تحرير مجلة "العرب" التونسية سنة 1923.
ما إن استقر الشيخ محمد الخضر حسين في مصر حتى بادر في جوان 1924 إلى إنشاء (جمعية تعاون جاليات شمال إفريقية الشمالية). وقد تألفت هيئتها الأولى من: الشيخ محمد الخضر حسين (تونسي) رئيساً، وطاهر محمد التونسي (تونسي)، ومحمد عبد الوهاب المحامي (مغربي)، والدكتور الطبيب
(14/ 2/207)

عبد العزيز قاسم (مغربي)، ومحمد الرزقي (جزائري)، والدكتور محمد عبد السلام العيادي (جزائري)، ومحمد التهامي نصر (ليبي)، وعبد الله الكافي (ليبي) أعضاء، وكان مقرّها عيادة الدكتور قاسم بالسبع قاعات البحرية بالسكك الحديدية في القاهرة.
شارك في المعركة السياسية الدينية إثر صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" (1925)، فألف "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فنال به حُظْوَةً لدى الملك فؤاد الأول، الذي اقتبله في سراي قصر التين بالإسكندرية في 1 أوت 1926. ثم ألف "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" للرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين (1926)، فنال به
حُظْوَةً لدى شيوخ الأزهر.
حصل على الجنسية المصرية، وعُين مدرّساً في معاهد الأزهر الثانوية. عيّن سنة 1927 مدرّساً مؤقتاً في قسم التخصص بالجامع الأزهر، ثم أصبح سنة 1928 مدرساً رسمياً بعد أن اجتاز امتحان شهادة العالمية بتفوق.
أسِّس سنة (1346 - 1928) جمعية "الهداية الإسلامية"، ورأسها إلى وفاته. وفي (جمادى الثانية 1347/ نوفمبر 1928) أصدر مجلة تحمل الاسم نفسه "الهداية الإسلامية"، وتولى إدارتها ورئاسة تحريرها.
واشترك سنة 1929 في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، ومجلتها التي حملت الاسم نفسه. تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" التي أصدرها الأزهر (1349 - 1939) باشراف محمد الأحمدي الظواهري، والتي دُعيت بعد ذلك (1353 - 1934): مجلة "الأزهر". تخلى عن هذه المسؤولية بعد سنوات قليلة، ولكنه ظل يكتب فيها.
(14/ 2/208)

انضم إلى علماء الأزهر، وعيّن سنة 1932 مدرساً للفقه (علم السياسة الشرعية) في كلية أصول الدين، ثم أستاذاً في قسم التخصص.
عيّن في أكتوبر 1933 عضواً في مجمع اللغة العربية الذي أُنشئ في القاهرة في ديسمبر 1932.
أحيل على المعاش سنة 1950.
اختير، سنة (1370/ 1950) عضواً في هيئة كبار العلماء بالأزهر، بعد أن قدّم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية"، وهي في الأصل بحث وضعه بدمشق في أثناء فترة إقامته وتدريسه بها، ثم نقحه وطبعه بالقاهرة (1353/ 1934)، ثم جَدَّده وتقّدم به إلى الهيئة، فقُبل بالإجماع.
تسلّم رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام" التي أصدرها سنة 1945 الشيخ أحمد حمزة، وتركها لما تولى مشيخة الأزهر، ولكن واصل الكتابة فيها حتى وفاته.
وفي فيفري 1944 (1 ربيع الأول 1364) أسس الشيخ محمد الخضر حسين، مع جمع من المغاربة (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، وتولى رئاستها، ينوبه الأمير مختار الجزائري، والدكتور محمد عبد السلام العيادي، والشيخ السعدي عمار، واختير الشيخ الفُضيل الورتلاني سكرتيراً لها. وقد انضم إليها عدد من المناضلين المغاربة اللاجئين إلى مصر من الحزب الحرّ الدستوري التونسي الجديد، وحزب الشعب الجزائري، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هؤلاء: الحبيب بورقيبة (1945)، ومحمد محيي الدين القليبي عند زيارته الأولى لمصر. وقد انسلخ بورقيبة عنها بعد ذلك. وقامت الجبهة بنشاط دعائي طيِّب لقضايا الأقطار المغربية. وقد أُسندت
(14/ 2/209)

رئاستها الشرفية إلى الأمير محمد عبد الكريم الخطّابي، عند التجائه إلى مصر.
أُجريت على الشيخ محمد الخضر سنة 1365 عمليةٌ جراحية - في أعلى القفا بمستشفى الروضة في القاهرة.
عُين شيخاً للجامع الأزهر في 16 ديسمبر 1652.
استقال في (2 جمادى الأولى 1373 - 8 جانفي 1954) متعللاً بمرضه وحاجته إلى العلاج والاستجمام.
توفي ظهر الأحد (12 رجب 1377 - 2 فيفري 1958)، ودفن في مقبرة آل تيمور بالقاهرة، إلى جانب صديقه أحمد تيمور باشا.
إخوته الشيوخ: محمد الجُنيدي، ومحمد العروسي، ومحمد المكي (الذي عاد، بعد سنوات، من دمشق إلى تونس، وتوفي بها سنة 1963)، وزين العابدين الذي بقي مستقراً في دمشق.
تزوج تونسية بقيت في تونس هي وابنته الوحيدة منها لما هاجر سنة 1912، ثم تزوجت غيره، ثم تزوج سورية، فمصرية (1920)، هي زينب رحيم، وقيل: من عائلة النجمة القاطنة بمنطقة الهرم، وتوفيت بالقاهرة سنة (1372/ 1953)، ثم رابعة قريبة لها صغيرة السنّ.
بدأ محاولة نظم الشعر وهو تلميذ في الزيتونة، عمره اثنتا عشرة سنة. وصادق منذ تلمذته بالزيتونة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي كان يزوره -بعد ذلك- في مصر. وفي مصر صادق أحمد تيمور باشا. وكان الطيب بن عيسى، صاحب جريدة "الوزير" التونسية من تلامذته بالزيتونة، وقد ظل يتابع أخباره في مهاجره، وينوّه بعلو مكانته في المشرق.
وفي سنة 1947 أسس بعض تلامذة الزيتونة أصيلي الجريد جمعية
(14/ 2/210)

(شباب الخضر بن الحسيني النفطي)، وجعلوا لها في العام الموالي نشرية أدبية سنوية ساهم في تحريرها: محمد الصالح المهيدي، ومصطفى خريف، ومحمد العربي صمادح، وغيرهم.
كتب إلى جانب الدوريات التي سبق ذكرها في مجلة "الزهراء" الشهرية التي أنشأها في القاهرة محب الدين الخطيب (عاشت من 1343/ 1924 إلى 1347/ 1929)، ومجلة "الفتح" التي أنشأها الخطيب أيضاً في القاهرة (1926)، ومجلة "مجمع اللغة العربية" المؤسسة سنة 1953 إلى وفاته، ومجلة "المجمع العلمي العربي" بدمشق، وجريدة "الأهرام" (1365).
* مؤلفاته:
ترك الشيخ محمد الخضر تراثاً علمياً غزيراً من الدراسات الإِسلامية واللغوية والأدبية والتاريخية، طبع بعضه في حياته، وبقي أكثره متفرقاً في الصحف والمجلات، ثم نشر ابن أخيه علي الرضا بن زين العابدين بن الحسين الحسيني مؤلفاته بعد وفاته متصرفاً في بعض محتوياتها وعناوينها على النحو التالي:
1 - بلاغة القرآن:
بلاغة القرآن - نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية - رأي في تفسير القرآن - أمثال القرآن الكريم - المحكم والمتشابه في القرآن - اليمين في القرآن والحديث - الرقية والاقتباس والاستخارة والقرآن - إعجاز القرآن وبلاغته - ترجمة القرآن - حقيقة ضمير الغائب في القرآن - القرآن لا يقول إلا حقاً- الفن القصصي في القرآن- تحريف آيات الحدود عن مواضعها -كتاب يهذى في تأويل القرآن الكريم -كتاب يلحد في آيات الله- قصة أيوب عليه السلام.
(14/ 2/211)

2 - الشريعة الإِسلامية صالحة لكل زمان ومكان:
الاجتهاد في أحكام الشريعة - بناء الشريعة على حفظ المصالح ودرء المفاسد - الأصول النظرية الشرعية - القياس - الاستصحاب - مراعاة العرف - سد الذرائع - المصالح المرسلة - مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها - النسخ في الشريعة الإسلامية - صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة - السنة والبدعة - الرؤيا ليست طريقاً للأحكام الشرعية - وجوب العمل بالحديث الشريف- أسباب وضع الحديث - الحديث المتواتر وحكم ما رواه الإمامان البخاري ومسلم - اجتهاد ابن القاسم - ليلة النصف من شعبان - نظرة في أحاديث المهدي - لا عدوى ولا طيرة- باب في حديث السحر - السنن والحكم النبوية - شرح مسألة الاقتداء بالمذهب المخالف - صنع الصور واقتناؤها - مكافحة الجشع والغش في المعاملات المالية - التصوف - تعدد الزوجات - الأخذ بالدين - الفتاوى والأحكام.
3 - محمد رسول الله وخاتم النبيين:
أديان العرب قبل الإسلام - محمد رسول الله وخاتم النبيين - رفقه وحكمته البالغة بالسياسة - سيرته في الخليقة - صبر محمد عليه السلام ومتانة عزمه - البلاغة النبوية- شجاعته - عليه الصلاة والسلام - رجاحة عقله وحكمة رأيه - من آداب خطب النبي- الهجرة النبوية - إبادته - عليه الصلاة والسلام - للأصنام - نظرة في دلائل النبوة - آداب الدعوة وحكمة أساليبها - حياة الدعوة الإِسلامية في جزيرة العرب - قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة - العظمة - المعجزات الكونية - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - الهجرة وشخصيات الرسول.
(14/ 2/212)

4 - رسائل الإصلاح:
المروءة ومظاهرها الصادقة - الإلحاد: أسبابه، طبائعه، مفاسده - في مفاسد البغاء - كلمة في المسكرات - الشجاعة - المساواة في الإِسلام - إباءة الضيم وأثرها في سيادة الأمم - عظم الهمة - الإسلام والمدنية الحديثة- صدق اللهجة- فضيلة الإخلاص- الأمانة في العلم - القضاء العادل في الإسلام - الإنصاف الأدبي - العلماء والإصلاح - المدينة الفاضلة في الإِسلام - أصول سعادة الأمة - صدق العزيمة أو قوة الإرادة - المغيرة على الحقائق والمصالح - الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم - كبر الهمة في العلم - الدهاء والاستقامة - الانحراف عن الدين - ضلالة فصل الدين عن السياسة - سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين- العزة والتواضع - المداراة والمداهنة - الرفق بالحيوان - محاكاة المسلمين للأجانب - الاجتماع والعزلة - علة إعراض الشبان عن الزواج - النبوغ في العلوم والفنون - متى تكون الصراحة فضيلة.
5 - تونس وجامع الزيتونة:
فقهاء تونس - شعراء تونس - الحالة العلمية بجامع الزيتونة - الدولة الحسينية في تونس - الشعر التونسي في القرن الخامس - حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية - أسد بن الفرات - نظرة في أدب الشيخ محمود قبادو التونسي - نظرة في حياة وزير تونسي - محمد ماضور من علماء تونس وأدبائها - محمد النجار - أحمد أبو خريص - محمد بيرم الثاني - محمد الخضار - محمد النيفر - محمد الطاهر بن عاشور - عمر بن الشيخ - أحمد كريم - محمد بن الخوجة - أحمد الورتاني - الطاهر بن عاشور - علي الدرويش- تونس.
(14/ 2/213)

6 - دراسات في العربية وتاريخها:
القياس في اللغة العربية - حياة اللغة العربية - الاستشهاد بالحديث في اللغة - موضوع علم النحو - التضمين- تيسير وضع مصطلحات الألوان - طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية - حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها - الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع.
7 - الخيال في الشعر العربي:
الخيال في الشعر العربي- الشعر البديع في نظر الأدباء - أثر الشعر في الترويح عن النفس وإثارة العواطف الشريفة - نموذج من نقد الشعر- الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية - نظرة في شعر حسان بن ثابت - الخطابة عند العرب - نشأة علم البلاغة.
8 - نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم":
الخلافة والإسلام: الخلافة وطبيعتها - في حكم الخلافة - في الخلافة من الوجهة الاجتماعية - الحكومة والإسلام: نظام الحكم في عصر النبوة - الرسالة والحكم - الحكم والدين والدولة - الخلافة والحكومة في التاريخ - الوحدة الدينية والعربية - الدولة العربية - الخلافة الإسلامية.
9 - دراسات في اللغة:
المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية - من وُثق من علماء اللغة ومن طُعن فيه - اللهجات العربية في هذا العصر - نيابة بعض الحروف عن بعض - الأمثال في اللغة العربية - وصف جمع غير العاقل بصيغة فعلاء - اسم المصدر في المعاجم، شرح قرارات "المجمع" والاحتجاج لها -نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة - نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير -
(14/ 2/214)

ملاحظات على البحث المقدم لمجمع اللغة العربية عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى - الألفاظ المؤنثة عن طريق السماع.
10 - دراسات في الشريعة الإِسلامية:
الله موجود - الأحكام العادلة - كيف تُستنبط القواعد من الكتاب والسنة - الحديث الصحيح حجة في الدين - الشهادة وأثرها في إقامة الحدود - الذرائع سدّها وفتحها - مراعاة العرف - حكمة الإسلام في العزائم والرخص - موقف الإِسلام من الرؤيا وتأويلها - الكبيرة والصغيرة - الذوق وفي أي حال يُعتد به - النذر - المتعة - استحضار الأرواح - حكم الإسلام فيمن بلغته الدعوة - رسائل إخوان الصفا - العدوى والطيرة - الزكاة وأثرها في نهوض الأمة - الغيبة وأثرها في النفوس - صلاة الجماعة وأثرها في اتحاد الأمة - الدعوة القائمة على الحق - فساحة الصدر ونزاهة اللسان عن المكروه - مكافحة المظالم موجبة للسلام - ما يلاقيه العلماء من المكاره - ما يلاقيه العلماء من سماحة أهل العلم - ما يلاقيه العلماء من سماحة الأمراء - المال المباح في الإسلام - حقوق الزوجين - الطلاق في الإِسلام - تعدد الزوجات في الإسلام - النظافة في الإسلام - العلوم في دائرة الإيمان- الرفق بالضعفاء - الأدباء العلماء - زينة الإنسان حسن السمت- المنافقون في عهد النبوة والملاحدة بعده - ملاحظات على مقال مولد النبي.
11 - الرحلات:
أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية - النهضة للرحلة - الرحلة الجزائرية - خلاصة الرحلة الشرقية - حديث عن رحلتي إلى دمشق - رحلتي إلى سورية ولبنان.
(14/ 2/215)

12 - تراجم الرجال:
نظرة في ناحية في خلافة عثمان - موسى بن نصير- علي زين العابدين - محمد الباقر وزيد - نظرة في حياة عمر بن عبد العزيز - نظرة في حياة الإمام مالك بن أنس - صقر قريش وكيف تأسست الدولة الأموية - أبو داود وكتابه "السنن" - صفحة من حياة أي الحسن الأشعري - القاضي أبو الحسن الجرجاني - حجة الإسلام الغزالي - أبو بكر بن العربي - أحمد تيمور باشا.
13 - السعادة العظمى:
التقاريظ - الاعتصام بالشريعة - الأخذ بالقول الراجح - براءة القرآن من الشعر - العمل والبطالة - حياة الأمة - التربية - التقدم بالكتابة - مدنية الإسلام والعلوم العصرية - مدنية الإسلام والخطابة- كبر الهمة - التعاون والتعاضد - الديانة والتعاضد - الديانة والحرية المطلقة - البدعة - الزمان والتربية - الصيام - الأحاديث الموضوعة- تقسيم الكلام بحسب أغراضه - الإبداع في فنون الكلام - الفصيح من الكلام - طرق الترقي في الكتابة- الشعر العصري- الكلام الجامع - الأخلاق - أبو بكر بن العربي- أبو الوليد الباجي- منذر بن سعيد - تحقيق مسألة تاريخية - الرحلة الجزائرية - الأسئلة والأجوبة.
14 - أسرار التنزيل:
تفسير الفاتحة - تفسير آيتين من سورة البقرة - تفسر آية من سورة آل عمران - تفسير آيات من سورة الحج - تفسير آيات الصيام - ثلاث آيات من سورة الأنفال - أربع آيات من سورة يونس - خمس آيات من سورة ص.
(14/ 2/216)

15 - الدعوة إلى الإصلاح:
الدعوة إلى الإصلاح - أثر الدين في إصلاح المجتمع - أثر أدب اللغة في نجاح الدعوة إلى الإصلاح - حرية الدعوة دليل على رقي الأمة وعظمة الدولة - أصول الإصلاح الاجتماعي - من هو الواعظ بحق - الإسلام والعلم - التربية الدينية والشباب - التعليم الديني في مدارس الحكومة - العلماء وأولو الأمر - تعاون الدولة والأمة على انتظام الأمن - من هو الشاب المسلم - إلى شباب محمد - صلى الله عليه وسلم - مقاصد الإسلام في إصلاح العلم - نهوض الشباب بعظائم الأمور - جيل يؤمن بالأخلاق - مثل أعلى لشجاعة العلماء واستهانتهم بالموت في سبيل الحق - شجاعة العلماء وإنصاف الأمراء - محاربو الأديان ونموذج من سلاحهم - العلماء وحياتهم الاجتماعية - العناية بالتعليم المديني - مناهج الشرف.
16 - نقض كتاب "في الشعر الجاهلي":
تمهيد: منهج البحث - مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي - الشعر الجاهلي واللغة - الشعر الجاهلي واللهجات - أسباب انتحال الشعر: ليس الانتحال مقصوراً على العرب - السياسة وانتحال الشعر - الدين وانتحال الشعر - القصص وانتحال الشعر - الشعوبية وانتحال الشعر - الرواة وانتحال الشعر- الشعر والشعراء: قصص وتاريخ - امرؤ القيس - عبيد - علقمة- عمرو بن قميئة - مهلهل - جليلة - عمرو بن كلثوم - الحارث بن حلزة - طرفة بن العبد - المتلبس - نتيجة البحث.
17 - هدى ونور:
الإسلام والفلسفة - الحكمة وأثرها في النفوس - الحكمة العربية - التعاون
(14/ 2/217)

في الإسلام - مكانة الأزهر وأثره في حفظ الدين ورقي الشرق - خواطر- الشورى في الإسلام - طرق الصوفية والإصلاح - رسائل إخوان الصفا - الحلة والتعارضي الإسلام - العمل للكمال - تعدد الزوجات في الإسلام - الجمعيات الإصلاحية- الخلافة الإسلامية - العرب والسياسة - أسباب سقوط الأندلس - الجزائر واستبداد فرنسا - الظهير البربري - طريق الشباب - للحقيقة والتاريخ - الأستاذ صالح الشريف - قوة التخيل وأثرها في العلم والشعر والصناعة والتربية.
18 - محاضرات إسلامية:
الحرية في الإسلام - علماء الأندلس في الإسلام - السعادة عند بعض علماء الإسلام - التصوف في القديم والحديث - الدهاء في السياسة- الزينة والرفاهية في نظر الإسلام - هجرة الصحابة إلى الحبشة وأثرها في ظهور الإِسلام - الصداقة - مضار الإسراف - تعاون العقل والعاطفة على الخير- حقوق الفقراء على الأغنياء في الإِسلام - السمو الخلقي في الإسلام - المعتزلة وأهل السنة - اختلاط الجنسين في نظر الإسلام - نقد آراء للأستاذ فريد وجدي.
19 - القاديانية والبهائية:
طائفة القاديانية: غلام أحمد - أصله وولادته ونشأته - ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة - زعمه أن له آيات على صدقه - غروره وتفضيله نفسه على رسل الله الأكرمين - تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته - القاديانية فرقتان- وجوب مقاومتهم والتحذير من دعايتهم - تفنيد مذهب القاديانية - خيبة مدعي النبوة كذباً - انقطاع النبوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع شبهة يتشبث بها
(14/ 2/218)

القاديانية - نقض شبهة القاديانية - البابية أو البهائية.
20 - الهداية الإسلامية:
آداب الحرب في الإسلام - الروح العسكرية في الإسلام - الطب في نظر الإسلام - حقوق الزوجية في الإسلام - القضاء العادل - مكانة القضاء - صفات القاضي في الإِسلام - شريك قاضي الكوفة وموسى بن عيسى أميرها - أكُلُّ الجيش أسلفه؟ - السياسة الرشيدة في الإِسلام - الدين والفلسفة والمعجزات - حقوق الجار - السخاء وأثره في سيادة الأمة - الحلم وأثره في الحياة الفردية والاجتماعية - حالة الأمة في هذا العصر - اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى - خير نظام للحكم - سعيد بن جبير والحجاج - استعمال الألفاظ في غير مواضعها ومضاره الاجتماعية - فضل شهر رمضان - بحث موجز في أشهر الفرق الإسلامية - إصلاح المعاهد الدينية والدكتور طه حسين - الأدوية بين دسقوريدس وابن البيطار - كلمات وخواطر وآراء.
21 - تونس 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي (1881 - 1984):
مذكرة كما أسماها المؤلف أصدرتها (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي كان يرأسها، وكان الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رئيسها الشرفي.
22 - خواطر الحياة.
23 - تعليقات على كتاب "الموافقات".
* آثار أخرى:
24 - لماذا نحتفل بذكرى الهجرة النبوية؟
25 - الرحلة الألمانية.
26 - نظرات في الإسلام وأصول الحكم.
(14/ 2/219)

* المصادر:
- أحمد تيمور باشا:
"أعلام الفكر الإِسلامي في العصر الحديث" - الطبعة الأولى - القاهرة 1967.
- محمد الفاضل بن عاشور:
"أركان النهضة الأدبية بتونس" - الطبعة الأولى - تونس (1961/ 1381).
- عبد الوهاب سكر:
"أعلام الإسلام"- نشر وتوزيع المكتبة العربية بحلب.
- زين العابدين السنوسي:
"الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" - جزآن - الطبعة الأولى - مطبعة العرب - تونس - (1927 - 1928).
- أبو القاسم محمد كرو:
"محمد الخضر الحسين، شيخ الأزهر الأسبق - دراسة - مختارات" - سلسلة أعلامنا (4) - الطبعة الأولى- 10/ 10/ 1973 - دار المغرب العربي - تونس.
- جعفر ماجد:
"الصحافة الأدبية في تونس" - الجامعة التونسية - 1979 (بالفرنسية) - (ص 30).
- محمد مواعدة:
"محمد الخضر حسين: حياته - آثاره" (1873 - 1958) - الدار التونسية للنشر - تونس 1974 - (342 ص).
(14/ 2/220)

* التقاويم:
- أحمد توفيق المدني:
"تقويم المنصور"، الكتاب الأول، المطبعة العربية - تونس - 1922.
* المقالات:
- الإذاعة (مجلة - تونس):
عدد 1 - 5 - 1974.
- الأزهر (مجلة - القاهرة):
الشيخ محب الدين الخطيب - المجلد 29 - 25/ 2/ 1952 - (ص 736 - 744).
- الأسبوع (جريدة - تونس):
الطيب بن عيسى (من تلامذة الشيخ محمد الخضر وصاحب جريدة الوزير) - أعداد 3 و 10 نوفمبر و 8 ديسمبر 1952.
- الثريا (مجلة - تونس):
المجلد 3 - 1943 - 1944.
- الثقافة (مجلة - الجزائر):
الشيخ محب الدين الخطيب - مذكرات- عاما 1972 أو 1973.
- الدعوة (جريدة - القاهرة):
استجواب للشيخ محمد الخضر- عدد 30 صفر 1372 - 1952.
- الشعب (جريدة - تونس):
عام 1968.
(14/ 2/221)

- العالم الأدبي (مجلة - تونس):
عدد 9/ 5/ 1932 - عدد 5/ 27/ 1932 (ص 152).
- عالم الفكر (مجلة - الكويت):
المجلد 1 عدد 3 - أكتوبر/ ديسمبر 1970 - (ص 194 - 196).
- لواء الإسلام (مجلة - القاهرة):
الشيخ أحمد حمزة - المجلد 11 - العدد 12 مارس 1958 - (ص 743/ 744) - المجلد 11 العدد 11 - فيفري 1958 - (ص 675).
- مجلة مجمع اللغة العربية (دمشق):
المجلد الأول - (ص 12).
- المشير (جريدة - تونس):
الطيب بن عيسى - أعداد 17 فيفري، و 3 مارس، و 14 أفريل، و 19 ماي، و 6 أوت 1958.
* ملفات:
- مركز التوثيق القومي:
ملف ب 2 - 81.
- الأرشيف العام للحكومة التونسية.
(14/ 2/222)

الشيخ الإمام محمد الخضر حسين
(1393/ 1377 - 1973/ 1958)

بقلم محمد الأخضر عبد القادر السائحي (1)
إن الشيخ محمد الخضر حسين يعتبر من المصلحين المجددين في القرن الرابع عشر للهجرة، وإن أهم ما يمتاز به هو أنه طبّق بصدقٍ شعاره:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن واد أعيش به وحدي
فمن يكون؟
ومن اهتم به؟
وما هي آثاره؟
أما من يكون؟ فهو العبقري، المصلح، الإمام، المجدد، الكاتب، المناضل، المحارب للجهل والتعصب والإلحاد والدجل والخنا والسفاح.
هو المغربي الذي نال شرف الجلوس على قمة الهرم العلمي في مصر، فكرس الحقيقة الخالدة:
"من جد وجد"، وبرهن على مدى الترابط الوثيق بين الشعوب العربية،
__________
(1) صحيفة "الشعب" الجزائرية - العدد 7854 (جمادى الثانية 1409 - جانفي كانون الثاني 1989).
(14/ 2/223)

وأوجب على العلماء والأدباء والمفكرين أن يكونوا الجسور الصحيحة التي تتجاوز بها الشعوب خنادق النظم، وأودية الحكام، ومستنقعات الجهل والدكتاتورية والرجعية.
وزاد من مكانة مصر رفعةً وشأناً؛ إذ برهنت على أنها أم العروبة، فعلاً تخرج بأبنائها النجباء، وتفتح لهم صدرها كريمًا واسعاً حنونًا، بغض النظر عن الجهة التي نبتوا فيها.
انظروا معي في هذا المقطع من قصيدة رائعة لأمير شعراء الجزائر الشيخ محمد العيد آل خليفة -رحمه الله-، بعنوان: (تهنئة الأزهر بشيخه الجديد) قالها سنة 1952 حينما أسندت رئاسة مشيخة الأزهر إلى الشيخ الإِمام محمد الخضر حسين -رحمه الله-:
وحبا الأزهر الشريف رئيساً ... عبقرياً، ومصلحاً مسماحا
وإمامًا مجدداً مغربياً ... رفع المغرب المهيض جناحا
هنئ الأزهر الشريف بشيخٍ ... طاب أنساً به وزاد إنشراحا
رأسَ الأزهرَ الشريف فخلنا ... سادنَ البيت أوتي المفتاحا
وجلا الحق "بالهداية" حيناً ... فنفى عنه غيمه وأزاحا
حارب الجهل والتعصب والإلحاد ... والدجل والخنا والسفاحا
بيراع يفري المشاكل عضباً ... وحِجى يكشف الدُّجى لمَّاحا
حاز آلُ الحسين (بالخضر) الحر ... مدى فخرهم وفازوا قداحا
أورث الله منه "طولقة" العرق ... وأورى "بنفطة" المصباحا
"تونس" تقبل التهاني نشوى ... وتهادي "الجزائر" الأفراحا
(14/ 2/224)

إنّ كلتا الأختين من خمرة البشرى ... تعاطت على الصفا أقداحا
قد طوى سبعة وسبعين عاماً ... ناشراً نور علمه وضّاحا
فالشيخ الخضر هو أحد الأئمة الذين نافحوا وجاهدوا عن الإسلام بالقلم والكلمة أكثر من نصف القرن الرابع عشر للهجرة، وطيلة النصف الأول من القرن العشرين، فهو صاحب مجلة "السعادة العظمى" التي صدر العدد الأول منها بتاريخ (16 محرم 1322 ه سنة 1904) بتونس، وواصلت صدروها نصف شهرية إلى العدد 21؛ أي: قرابة عام.
وهو عضو (المجمع العلمي العربي) بدمشق منذ سنة 1919، ومن أول أعضاء (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة منذ تأسيسه سنة 1933، وصاحب مجلة "الهداية الإسلامية" التي أصدرتها بالقاهرة سنة (1347 ه / 1929 م) جمعية (الهداية الإسلامية) لتكون الناطقة باسمها، ورئيس تحرير مجلة "نور الإسلام" (1349/ 1353 ه الموافق لسنة 1930/ 1934 م) التي تحولت - فيما بعد - إلى مجلة "الأزهر"، ورئيس تحرير مجلة "لواء الإِسلام" 1954.
وبكلمة مختصرة: إنه أول من تصدى للشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بكتاب نقض فيه دعاويه سنة 1925. كما تصدى سنة 1926 للرد على الدكتور طه حسين بكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وهو الذي نقد اقتراح الأستاذ أحمد أمين الذي قدمه للمجتمع اللغوي بالقاهرة مطالباً (ببعض الإصلاح في متن اللغة)، ووقف كذلك في وجه الأستاذ فريد أبي حديد في مسألة (موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى).
(14/ 2/225)

هذه بعض المجالات التي جال فيها الشيخ محمد الخضر حسين وقال، سنزيدها تفصيلاً وتوضيحاً بعد أن نعرف أين نشأ؟ وأين نبت؟ وكيف تكون؟
يعود منشؤه إلى أسرة (العمري) بالزيبان، تلك الأسرة العريقة في العلم والدين والشرف، ينتمي أبناؤها إلى التصوف، كما ينتمون إلى النسب النبوي الشريف، وهو ما أعطى لشيوخها في عصرهم مكانة مرموقة بين معاصريهم، خاصة في موطنهم الأصلي مدينة "طولقة" أحد المراكز الثقافية الهامة في الناحية منذ قرون.
في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة (منتصف القرن التاسع عشر للميلاد) رحل السيد الحسين بن علي بن عمر الشريف عن مدينة "طولقة" بأسرته صحبة صهره الشيخ مصطفى بن عزوز جد محمد الخضر للأم، ووالد العلامة الشيخ المكي بن عزوز، وذلك بعد اكتساح قوات الاستعمار الفرنسي للمنطقة متجهين إلى مدينة "نفطة" حيث استقر بهم المقام في هذه الواحة الجميلة من واحات الجنوب الغربي التونسي.
في "نفطة" كان ميلاد محمد الخضر بن الحسين يوم (26 رجب 1293 ه الموافق ليوم 21 جويلية سنة 1873 م)، فهو جزائري قح، سواء من طريق أبيه، أو من طريق أمه.
ثم انتقلت أسرة الحسين مرة أخرى إلى تونس العاصمة، عام (1306 ه / 1888 م) , وسن محمد الخضر حينئذ ثلاث عشرة سنة، فأتم تعليمه الابتدائي، وحفظ القرآن الكريم، والتحق بجامع الزيتونة في العام الدراسي (1307 ه / 1889 م)، فواصل العلوم المقررة يومئذ علوماً دينية ولغوية، ولكنه تتلمذ على عدد من الشيوخ البارزين الذين كان لهم في نفسه
(14/ 2/226)

أثر محمود يذكرهم بالثناء والتقدير إلى آخر حياته، ولعل أهم هؤلاء الشيوخ هم: سالم بوحاجب (ت: 1923) وعمر بن الشيخ (ت: 1191) ومحمد النجار (ت: 1913)، وفي عام (1316 ه / 1899 م) نال شهادة التطويع، وهي شهادة سميت بهذا الاسم؛ لأنها تتيح لحاملها أن يتطوع بالقاء الدروس في الزيتونة نفسها.
أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب العربي، وأغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي، ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت" عام 1906 م، ولم يرقه ميدان القضاء؛ إذ حال بينه وبين الدعوة للإصلاح والجهاد، فتركه إلى التدريس في جامع الزيتونة أستاذاً للعلوم الدينية والعربية. كما تولى التدريس في مدرسة (الصادقية) بتونس.
حكم عليه بالإعدام لاشتغاله بالسياسة، ودعوته إلى النضال والتحرر، فهاجر إلى دمشق، وأقام بها مدة تولى في مطلعها التدريس في (المدرسة السلطانية)، واعتقله جمال باشا فترة من الزمن رحل بعدها إلى "الآستانة" وإلى ألمانيا. ثم عاد إلى دمشق، فلاحقته سلطات الاحتلال الفرنسي، فرحل إلى مصر لاجئاً سياسياً عام 1920، والتقى بكبار علمائها ورجالها، وآثره أحمد تيمور باشا -رحمه الله- بصداقته.
قام بتأسيس (جمعية الهداية الإسلامية)، وأصدر مجلة تحمل نفس الاسم، واشترك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، وانضم إلى علماء الأزهر مدرساً للفقه في كلية أصول الدين، ثم أستاذاً في التخصص، واختير عضواً في جامعة كبار العلماء بعد أن قدم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية".
(14/ 2/227)

ترأس جمعية (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، ثم عين - بعد قيام الثورة المصرية سنة 1952 - إماماً لمشيخة الأزهر.
توفي يوم (12 رجب عام 1377 ه الموافق للثاني من فيفري سنة 1958 ميلادية)، ودفن بوصية منه في المقبرة التيمورية القاهرية إلى جانب صديقه أحمد تيمور باشا -رحمهما الله-.
أما من اهتم به، فلست أدري هل أستطيع حصرهم؟ ولكني سأذكر ما استطعت منهم على سبيل المثل لا الحصر كما يقولون:
1 - الأستاذ محمد علي النجار الذي علق على ديوانه "خواطر الحياة" في طبعته الثانية سنة (1373 ه / 1953 م).
2 - الأستاذ أنور الجندي الذي خصه بترجمة في كتابه "الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا"، الصادر عن الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة سنة 1385 ه من صفحة (173 حتى 176).
3 - الأستاذ أبو القاسم محمد كرو في الكتاب الرابع من سلسلة "أعلامنا" الصادر عن دار المغرب العربي بتونس سنة 1975 بعنوان: "محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر الأسبق"، دراسات ومختارات صدرها ببيت من شعر الشيخ الخضر يقول:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيش به وحدي
يحتوي هذا الكتاب على 110 صفحة رتبه صاحبه على مقدمة وقسمين: الأول: خصصه لحياته وأعماله، والثاني: قدم فيه نصوصاً مختارة.
4 - الأستاذ محمد مواعدة الذي أعد بحثاً هاماً يعتبر لحد الآن أوفى البحوث عن شخصية الإمام محمد الخضر حسين في كتابه "محمد الخضر
(14/ 2/228)

حسين، حياته وآثاره" صدر عن الدار التونسية للنشر سنة 1974.
يحتوي هذا الكتاب على 363 صفحة، تقديم للأستاذ المنجي الشملي بصفته المشرف على هذا البحث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة التونسية، ومقدمة، وثلاثة أقسام. في القسم الأول:
1 - حياته بالبلاد التونسية.
2 - حياته بالبلاد السورية.
3 - حياته في مصر.
وفي القسم الثاني الخاص بآثاره ثلاثة أبواب أيضاً هي:
1 - مقالاته ومحاضراته.
2 - مؤلفاته.
3 - شعره.
وفي القسم الثالث تحدث عن شخصيته الثقافية:
الرجل: العالم - الأديب - اللغوي - المصلح - السياسي.
وخاتمة، ثم ملحق، أورد فيه بعد التمهيد النصوص التالية:
الرحلة الجزائرية - خلاصة الرحلة الشرقية - حديث عن رحلتي إلى دمشق.
ونظراً لأهمية هذا العمل، فإني سأقتبس كثيراً من فقراته، خاصة في التمهيد لكل قسم، مستسمحاً من المؤلف أولاً، ومنك أيها القارئ الكريم:
يقول الأستاذ محمد مواعدة في تمهيد القسم الأول:
"إن حياة الشيخ محمد الخضر حسين هي حياة رجل كرسها صاحبها في طلب العلم والتعمق فيه أولاً، ثم في تعليمه ونشره والسعي لرفع راية
(14/ 2/229)

الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين ثانياً.
فلم تكن حياة رجل عادي متشابهة في أيامها وسنواتها، بل كانت مليئة بالأحداث اللينة أحياناً، والصعبة أحياناً أخرى، ذلك لأن صاحبنا كان كثير التنقل، محباً للترحال والتعرف، واسع الطموح، زد على ذلك: ما صادفه من أحداث وظروف وطنية وعالمية لم تمر عليه كما مرت على كثير من الناس، ولم يتقبلها كما تقبلها كثير غيره، بل حاول أن يعيش ويتفاعل معها، ويساهم في تكييفها بقسط هو قسط العالم الذي يعتمد أسلوب التوجيه والإشارة والتنبيه حيناً، أو هو قسط الرجل السياسي الذي يعتمد أسلوب الحركة والعمل حيناً آخر.
وقد حاولت التعرف على أهم عناصر حياة الشيخ محمد الخضر حسين، وما مرت بها من مراحل مختلفة، والتوصل إلى أهم جوانبها، حتى نفهم شخصيته الثقافية، وما قامت به من أعمال لفائدة الدين والأدب والسياسة. ويمكن تقسيم حياة الشيخ محمد الخضر حسين إلى ثلاثة مراحل:
1 - المرحلة الأولى: حياته بالبلاد التونسية:
وتخص هذه المرحلة سنوات حياته التي قضاها في تونس منذ ولادته وطفولته إلى تعلمه، وهي فترة يمكن تسميتها بفترة (التعلم والتكوين)، وتمتد من سنة 1873 م سنة ولادته إلى سنة 1912، وهي السنة التي غادر فيها البلاد التونسية نهائياً إلى المشرق.
2 - المرحلة الثانية: حياته بالبلاد السورية:
وتخص هذه المرحلة كامل الفترة التي قضاها من حياته بدمشق، وانتقل أثناءها إلى الآستانة و"برلين"، وتمتد من سنة 1912 إلى 1920، وهي السنة
(14/ 2/230)

التي غادر فيها سورية للاستقرار في البلاد المصرية. ويمكن أن تسمى هذه المرحلة بمرحلة (التنقل والترحال).
3 - المرحلة الثالثة: حياته بالبلاد المصرية:
وتشمل سنوات حياته التي قضاها في مصر، واستقر بها نهائياً، وتمتد من سنة 1920 إلى وفاته سنة 1958. ويمكن أن تسمى بمرحلة (المجد الثقافي)؛ لأنها الفترة التي أظهر فيها قيمته الثقافية، وبرزت فيها مكانته، وتقلد أثناءها مناصب علمية عالية، أكدت غزارة علمه، وعمق شخصيته.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم الذي اعتمد الإطار التاريخي والجغرافي، قد اتبعه كل الذين كتبوا عن حياة الشيخ محمد الخضر حسين، (وخاصة منهم: الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، والأستاذ أبو القاسم محمد كرو). كما درج عليه هو نفسه عند حديثه عن أطوار حياته بمناسبة حفل التكريم الذي أقامه له أحد تلاميذه الدكتور عبد الوهاب المالكي عند زيارته دمشق سنة 1937، ويعتبر هذا التقسيم عملاً تنظيميًا يساعدنا فقط على فهم مراحل حياة الرجل وتدرجها. ذلك لأن حياة الإنسان حلقات متواصلة ومتداخلة في نفس الوقت من الصعب تقسيمها ومعرفة حدود كل مرحلة من مراحلها المتعاقبة.
ثم يقول الأستاذ محمد مواعدة في تمهيد القسم الثاني:
"قضى الشيخ محمد الخضر حسين حياته في التعلم والتثقف أولاً، ثم في التعليم وتوجيه المجتمع الإِسلامي ثانياً، متخذاً في ذلك كتابة المقالة، والقاء المحاضرة طريقة للتبليغ، فأشرف على تحرير مجلات عديدة هي:
"السعادة العظمى"، و"الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام"، و"لواء
(14/ 2/231)

الإسلام" وكان يكتب البحوث والمقالات العلمية والأدبية، كما كان يكتب أيضاً في عدد من المجلات الأخرى مثل: "المنار" ومجلتي "البدر" و"الفجر" التونسيتين، ومجلة "الفتح" التي كان يشرف عليها صديقه الشيخ محب الدين الخطيب، صاحب المطبعة السلفية بالقاهرة.
وقد كان الرجل كثير القراءة والمطالعة، كما كان كثير الكتابة، مسألة صحفي مصري بعد أن أصبح شيخاً للأزهر (مجلة المصور عدد الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر سنة 1952): هل تهوى الكتابة؟ فأجابه: وهل هناك من يجيد القراءة ولا يكتب؟! ويكفي أن نذكر أن آخر مقال صدر له بمجلة "لواء الإسلام" كان في عدد فيفري سنة 1958، وهو الشهر الذي وافته فيه المنية. ولذلك تتمثل أغلب آثاره في المحاضرات المنشورة، والمقالات والبحوث التي صدرت في مجلات مختلفة، ويبدو أنه كان يقوم بذلك عن قصد؛ لأن الغرض الذي كان يهدف إليه من الكتابة هو توضيح تعاليم الدين الإسلامي. وتوجيه المسلمين وإرشادهم، والدفاع عن الإسلام لحمايته من تهم الملحدين والزنادقة. ويقضي ذلك اتباع الوسائل الكثيرة الانتشار حتى تعم الفائدة عدداً كبيراً من القراء، ولا أجدى من استعمال المجلات والصحف لتحقيق هذا الغرض.
وهذا ما جعل الرجل لا يؤلف الكتب إلا عند نقض كتابي "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، و"في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، مع ملاحظة أن أسلوب هذا الرد لا يختلف كثيراً عن أسلوب البحث القصير أو المقالة.
وكان الشيخ محمد الخضر - بالإضافة إلى ذلك - شاعراً، وقد جمع
(14/ 2/232)

قسمًا من قصائده في ديوان "خواطر الحياة"، أما القسم الآخر، فلم يزل موزعاً في المجلات والصحف ينتظر الجمع والتبويب والنشر.
ويتبين مما تقدم: أن بحث آثار هذا العلامة، وتبويبها، وتحليلها العلمي الدقيق يتطلب دراسة مستقلة؛ نظراً لكثرة هذه الآثار وتشعبها، وتعدد مواضيعها. لكن ذلك لا يمنعنا من تقديم أهمها في هذا القسم من الدراسة والتعريف الموجز بمحتواها وقيمتها؛ حتى نستخلص أبرز أفكار الرجل ونظرياته في القسم الثالث من البحث، ويمكن تبويب هذه الآثار إلى ثلاثة أنواع:
1 - الباب الأول: ويحوي المحاضرات المنشورة والمقالات المجموعة في كتب.
2 - الباب الثاني: ويشمل ما ألفه الرجل من كتب في اللغة والأدب، وخاصة كتابيه في "النقض".
3 - الباب الثالث: ويخص آثاره الشعرية.
كما يقول الأستاذ محمد مواعدة في تمهيده للقسم الثالث بشخصيته الثقافة:
"تعرضنا في القسم الأول من هذا البحث إلى حياة الشيخ محمد الخضر حسين، والأطوار التي مر بها، والظروف التي أحاطت بتربيته وتكوينه، ثم بنشاطه العلمي والسياسي، سواء بالبلاد التونسية، أو بالمشرق العربي، وتبين لنا من خلال ذلك أن الرجل محب للمعرفة، طالب لها، ومهتم بإصلاح المجتمع الإسلامي، ساع إليه في كل المناسبات والأحوال.
ثم تحدثنا في القسم الثاني عن آثاره، فحللناها بإيجاز، وعرفنا بأبرز محتوياتها، فتبين لنا من ذلك غزارة علم الرجل، وسعة معارفه، وسمو ثقافته
(14/ 2/233)

في ميادين الدين والأدب واللغة والسياسة، وحدَّه مواقفه في الدفاع عن الإسلام، ونقض ما يوجه إليه وإلى رجاله من (تهم) و (أباطيل)، أو ما يمس -في رأيه- القرآن الكريم والحديث الشريف من تحريف وسوء تأويل، أو مبالغة في الشرح والتفسير.
أهم ما يمكن استنتاجه من التعرف عن مراحل حياة الشيخ وآثاره: أن هناك انسجامًا وترابطًا متينًا بينهما، فكانت مؤلفاته النثرية والشعرية صورة صادقة لما كان يؤمن به من أفكار، ويعتقده من آراء في حياته. وهذا ما يجعل الرجل شخصية ثقافية متميزة لها عناصرها الأصيلة، ومضمونها الجلي، ومركباتها البارزة. وأهم هذه العناصر هي في نظرنا:
- محمد الخضر حسين العالم في شؤون الدين.
- محمد الخضر حسين الأديب.
- محمد الخضر حسين المصلح.
- محمد الخضر حسين السياسي.
أما عن الملحق، فإنه يمهد له بما يلي:
"اهتم الشيخ محمد الخضر حسين بميدان الرحلات منذ شبابه؛ كما بينا ذلك في القسم الأول من هذا البحث، وقد كان هذا الاهتمام ناتجاً عن شعوره بفائدة الرحلات، سواء بالنسبة إلى القائم بها من حيث تكوين شخصيته الثقافية والعلمية، وتوسيع مداركه وخبراته، أو بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي من حيث النشاط الذي يقوم به الرحالة في المناطق التي يزورها به. لقاء المسامرات العلمية، والخطب التوجيهية، والمحاورات الأدبية.
وقد قام هذا الرجل بعدة رحلات في حياته، زار خلالها البلاد الجزائرية،
(14/ 2/234)

وبلدان المشرق العربي، وبلدان أوربية مختلفة. ثم كتب مقالات وصفية عن بعض هذه الرحلات نشرها في المجلات والصحف.
وقد بقيت هذه الرحلات موزعة مما يحمل الباحث جهداً كبيراً عند الرجوع إليها لدراساتها، أو الاستفادة بمحتواها. ولذلك قمنا بجمعها، والتعليق عليها حتى نساهم في تقريبها من المثقفين عامة، والدارسين خاصة.
كما نمكن القارئ من الاطلاع على آراء الرجل وأفكاره بالاعتماد على نصوص من تحريره، بالإضافة إلى ما أوردناه في شأنه في هذه الدراسة.
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ محمد الخضر حسين قد كتب مقالاً وصفياً عن رحلته إلى ألمانيا صدر بجريدة "البلاغ" البيروتية سنة 1918، وقد حاولنا الحصول على هذا النص لنشره في هذا الملحق، إلا أننا لم نتمكن من ذلك. أما النصوص التي قمنا بجمعها والتعليق عليها، فهي:
1 - "الرحلة الجزائرية" التي نشرت في مجلة "السعادة العظمى" عدد 19 وعدد 20 و 21.
2 - "خلاصه الرحلة الشرقية" التي نشرت في جريدة "الزهرة" (مارس - أفريل سنة 1913).
3 - "حديث عن رحلتي إلى دمشق" الذي نشره بمجلة "الهداية الإسلامية".
وقد اعترضتنا صعوبة كبيرة في التعريف ببعض الأعلام المذكورين في هذه الرحلات، وخاصة في "خلاصه الرحلة الشرقية"، وقد تمكنا من التعريف بالبعض منها، وبقي عدد آخر لم نتمكن من التعرف به".
(14/ 2/235)

(14/ 2/236)