Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 013


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(26)

«الإرثُ الفِكريُّ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(13/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(13/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
الإمام محمد الخضر حسين (بحر لا ساحل له) (1)، وآثاره العلمية ما زالت تتراءى لي من خلال البحث والتنقيب في المصادر والمراجع والمؤلفات من الكتب الإسلامية والأدبية، وتراجم الأعلام، والدوريات من الصحف والمجلات في مختلف المكتبات الإسلامية، وفي الأقطار التي أقام بها الإمام.
وكم من مِرار وقع في ظنّي أني وصلت إلى نهاية المطاف الذي أسعى فيه، وأني أحطت بإنتاجه الفكري من المظانّ التي نشدتها في طلبتي من الكد الحثيث والعمل الدؤوب طيلة سنوات طوال، إلا وطالعتني مقالات وبحوث فيّاضة للإمام يعزُّ عليَّ أن أدعها مطوية هنا، ومبعثرة هناك، فأسارع إلى جمعها وإعدادها في كتاب أبعثه إلى النور في أول فرصة مواتية، وأضعه
__________
(1) نال الإمام محمد الخضر حسين شهادة العالمية من الجامع الأزهر الشريف، وكان العالم الفاضل الشيخ عبد المجيد اللبّان رئيساً للجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبّان صاح -إعجاباً- قائلاً: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج!؟ ".
ونصَّ في القرار على أن اللجنة "امتحنت محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له ... ".
انظر كتابي: "أحاديث في رحاب الأزهر" (ص 169)، ومجلة "آخر ساعة" العدد 936 الصادر في المحرم 1372 ه - 1 أكتوبر 1952 م.
(13/3)

بين يدي الناس خدمة للعلم والباحثين والدارسين، وخدمة للإمام العالِم المتفضّل المتعدّد المواهب.
وخلال زيارة لي إلى القاهرة بين 14 - 21 من شهر ذي الحجة لعام 1424 ه - الموافق 5 - 12 من شهر شباط فبراير لعام 2004 م، اطّلعت على الملفّات الخاصة بالإمام محمد الخضر حسين، والمحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة (1) - وهي جديدة عليَّ لم أنظرها من قبل - ووجدت كنزاً دفينا وقعت عليه لا يقدر بثمن، ويحتاج إلى من ينفض عن لآلئه ومكنوناته الغبار، وإني ألفت نظر المهتمين بتراث الإمام إلى تلك الملفات التي تتضمن:
- مئات الأوراق من قصائد الشعر التي نظمها الإمام في شتى المواضيع، ولم تطبع في ديوانه "خواطر الحياة"، وتشكل وحدها ديواناً رائعاً ثرياً.
- صفحات مضيئة من مذكراته وخواطره طيلة حياته الشريفة، والتي أعدَّها كمذكرات له في مجلدات أسماها: "مراحل الحياة"، ولكنه صرف النظر عن نشرها، وقال: إنها حديث عن النفس (2)، ولا يريد أن يخوض هذا
__________
(1) كتب الإمام محمد الخضر حسين في إحدى الوريقات بخط يده عبارة تشير إلى رغبته في إيدل هذه الأوراق لدى دار الكتب المصرية بالقاهرة.
(2) يقول الدكتور زكريا البري في احتفال جرى بالقاهرة في ذكرى الإمام: "ذلك أن هذا الرجل، وقد ارتبطت به في حياتي طالباً درست عليه، ثم بعد ذلك عاملاً بجواره في مشيخة الأزهر، ثم بعد ذلك رغب إلي رغبة خاصة في أن أعاونه في كتابة مذكراته وذكرياته ... ترددت عليه في منزله العامر في شارع "صفية زغلول"، وبدأ يمليني مذكراته وأنا أكتبها، وأحيانا كان يخط بيده مسودات والمذكرات، ثم أتناول تبييضها في منزلي ... واستمر هذا طويلاً أثناء المشيخة ... ثم ذهبت إليه في يوم معين، وقلت له: إذن سنواصل ... ابتسم؛ لأن سمته سمت هدوء، =
(13/4)

المخاض. وسأذيعها -إن شاء الله تعالى- بعد أن انتقل الإمام إلى الرفيق الأعلى، وفيها الكثير من الذكريات النافعة، والحقائق التاريخية الهامة.
- مقالات في مختلف العلوم والفنون، ما زالت مخطوطة لم تطبع بعد. إضافة إلى مراسلات مع علماء وشيوخ ورجال سياسة وأدباء.
- الأوراق والوثائق المتعلقة ب "جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية" التي أسسها في القاهرة، وعمل من خلالها في الدفاع عن بلدان المغرب العربي، وخاصة الوطن الأول تونس الخضراء.
تمكنت من استنساخ البعض منها لأقدمه في هذا السفر، وأَملي وطيد أن أستخرجها كلها -إن شاء الله تعالى- فيما كُتِب لي من الحياة.
أقول: إن تعدد الميادين التي نشط فيها الإمام -ولاسيما تونس ودمشق وإستنبول وبرلين والقاهرة- كانت سبباً في تفرّق إنتاجه العلمي، وآثاره وأخباره، وفي تلك البلدان عشرات الصحف والمجلات التي كتب فيها. ومهما زعمت أني جمعت منها تراثه العظيم، فما فتئت تطل عليَّ صفحات ورسائل سطّرها بقلمه البليغ الصادق. وأرى من الواجب عليَّ أن أتتبع في المدن المذكورة ما أبدعه الإمام .. ومحاضرإته في كليات الجامع الأزهر خاصة (كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وقسم التخصص العالي في الكليات) لم أصل إليها، ومثالاً على ذلك كتابه أو رسالته "الملل والنحل" (1) طبعة خاصة بكلية أصول
__________
= وقال: لقد مزقت هذه المذكرات .. قلت: وفيما كان ذلك؟ قال: ... واستخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكي نفسي. انظر كتاب: "أحاديث في رحاب الأزهر" للإمام (ص 203).
(1) ذكر العلامة الفاضل الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة في كتابه القيم "السيرة =
(13/5)

الدين. وهذا يتطلب مني الإصرار على المتابعة، والإحاطة بها بحول الله تعالى.
وإني أقدم ما توفر من مادة علمية في حوزتي في هذا السفر: "الإرث الفكري للإمام محمد الخضر حسين" آملاً أن أقدم لاحقاً المزيد من الإرث الفكري للإمام بإذن الله تعالى وعونه.
ويتألف كل سفر من قسمين:
- القسم الأول: يضم مقالاته وبحوثه وشعره ورسائله.
- القسم الثاني: أجعل فيه تراجمه، وأخباره في الصحف والمجلات التي أتوصل إليها، وما قيل فيه من تحقيقات وكتابات من أقلام أهل الفكر، ومن كتبهم وبحوثهم الفائقة.
__________
= النبوية في ضوء القرآن والسنّة، في ثبته بأهم مراجع الكتاب عنواناً "الملل والنحل" للإمام الشيخ محمد الخضر حسين. ط خاصة بكلية أصول الدين قديماً. وكرر هذا المرجع في الجزء الأول (ص 500)، والجزء الثاني (ص 674) -طبعة دار القلم بدمشق- الطبعة الثالثة 1417 ه - 1996 م.
ولم أجد هذا الكتاب حتى اليوم. ولعلي أجده -إن شاء الله-.
ويذكر الدكتور أبو شهبة في الجزء الأول من كتابه (ص 21): "أذكر أنه طلب إلي منذ بضعة عشر عاماً أن أكتب مقالاً لمجلة الأزهر بمناسبة الميلاد النبوي، فكتبت مقالا تحت عنوان: "عبقرية النبي السياسية"، وقد عُرض المقال على أستاذنا الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين -رحمه الله رحمة واسعة-, وكان شيخ الأزهر آنذاك، فقرأ المقال وارتضاه، إلا أنه وقف عند العنوان، وصار يبتسم ابتسامته الوقورة المعبّرة، ففهمت ما أراد، واستشرته، فاشار عليّ أن أغيّر "عبقرية" ب "موهبة"، فأذعنت بعد أن اقتنعت، وكتبت تحت هذا العنوان بضع مقالات موسمية في مجلة "الأزهر"، ومن يومها وأنا أبالغ في التحرّي حينما أكتب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(13/6)

وستكون هذه الأسفار بحول الله تعالى مرجعاً للسادة أهل العلم والباحثين، وعوناً لهم في الدرس والتأليف، تسهّل الطريق أمامهم، وتخفف عنهم مشاق ومصاعب البحث عن المصادر إلى الإرث الفكري للإمام.
ومن المفيد الإشارة إلى أن القارئ يجد في تراجم الإمام محمد الخضر حسين التي كتبها السادة أهل القلم، وأوردناها في المطبوعات التي أصدرناها، تشابهاً وتكراراً لبعض المراحل من سيرته المباركة، وخاصة: "الولادة - النشأة - الرحلات - تنقله في الأقطار - مشيخة الأزهر ... إلخ "، ويوضح هذا؛ أن في كل ترجمة عن الإمام آراء وتعليقات ووجهة نظر لكاتبها نحترمها أولاً، ونذكرها للحقيقة والتاريخ بوجه عام.
والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
(13/7)

السياسة القضائية (1)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وآله المهتدين، وصحبه المجتهدين.
* السياسة:
مصدر ساس يسوس، وترد في كلام العرب لمعان ترجع إلى معنى: التدبير، والرعي، والضبط، يقال: ساس فلان الدابّة: إذا قام عليها، وراضها، وفلان ساس وسيس عليه؛ أي: أَدَّبَ وأُذبَ، ويسست الرعية: استصلحتها بالأمر والنهي.
فبينا نسوسُ الناسَ والأمْرُ أمْرُنا ... إذا نحن فيهم سُوقَةٌ نتنصَّفُ
وساس المُلْكَ: دبر شؤون المملكة، قال ابن زريق:
أعطيتُ ملكاً فلم أُحسنْ سياستَه ... كذاكَ من لا يسوس الملكَ يخلَعُهُ
__________
(1) محاضرة في السياسة القضائية ألقاها الإمام في السنة النهائية بقسم التخصص في القضاء بكلية الشريعة في الجامع الأزهر سنة 1365 ه - 1946 م عندما كان مدرّساً فيها، وجدتها في مكتبة الجامع الأزهر تحت رقم 1250 قوانين، وطبعت في مطبعة الأزهر 1363 ه - 1947 م.
(13/8)

* والقضاء:
ذكر له علماء اللغة معاني متعددة ترجع إلى معنى: إتمام الشيء قولاً أو فعلاً، يقال: قضى غريمه دينه؛ أي: أداه، وقضى عليه؛ أي: أماته، وقضى الشيء: فرغ منه، وقضى: حَكَمَ وفصَل.
وأما القضاء شرعاً، فقد اختلفت عبارات العلماء في تحديده، فمنهم من عرّفه ناظراً إلى ما يصدر عن القاضي من القول الذي يقع به الفصل، فقال: القضاء: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.
ونظر بعضهم إلى ما يترتب على هذا الإخبار من قطع الخصومات، فقال: هو الفصل بين المتخاصمين.
ورأى الشيخ ابن عرفة: أن القضاء في الشرع معنى حكمي؛ أي: اعتباري يختص بالقاضي، سواء فصل بالفعل، أو لم يفعل، فقال في حده: "صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح، لا في عموم مصالح المسلمين".
قوله: "حكمية" يريد: اعتبارية، وقوله: "توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي"؛ أي: أن هذه الصفة الحكمية توجب إيجاباً شرعياً إمضاء ما حكم به، فخرج به من ليس له تلك الصفة؛ فإنه لا يجب تنفيذ حكمه، وقوله: "ولو بتعديل أو تجريح" يريد: أنها توجب نفوذ حكمه في كل شيء، ولو كان بتعديل أو تجريح، وقوله: "لا في عموم مصالح المسلمين" أخرج به: الإمام؛ لأن القاضي ليس له قسمة الغنائم، ولا تفريق أموال بيت المال، ولا ترتيب الجيوش، ولا قتل البغاة، ولا الإقطاعات.
ويمتاز القضاء عن الفتوى مع اتحادهما في أن كلاً منهما إخبار عن الله
(13/9)

تعالى، وأنه لازم للمكلف: أن الفتوى إخبار محض، والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام. فالمفتي مع الشارع كالمترجم مع القاضي ينقل عنه ما تلقاه منه لإشارة أو عبارة، أو فعل أو تقرير أو ترك، أما الحاكم مع الشارع، فكنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام، فكأنه قال له: أي شيء حكمت به على القواعد، فقد جعلته حكمي (1).
ويمتاز القاضي والمفتي عن الفقيه المطلق؛ بأن القضاء والفتوى أخصّ من العلم بالفقه؛ لأن الفقه يتعلق بكلي من حيث صدقه على جزئيات، نحو: "البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر". أما القضاء والفتوى، فقائمان على إعمال النظر في الحوادث الجزئية، وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف، حق يتحقق انطباق ذلك الكلّي عليها، فحال الفقيه -من حيث إنه فقيه- كحال عالِم بكبرى القياس من الشكل الأول فقط، وحال القاضي والمفتي كحال عالِم بها مع علمه بصغراه، فالفقيه -مثلاً- يعلم أن البينة على المدّعي، وقد يخفى عليه متى عرضت عليه نازلة من هو المذعي من الخصمين؟ وتمييز المدّعي من المدّعى عليه في النوازل الجزئية من شأن القاضي والمفتي.
وللقاضي صفات هي شروط في صحة ولايته معروفة في كتب الفقه. وهي: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والذكورة والعلم والعدالة.
وشرط (الذكورة) معروف بين علماء الإسلام في القديم والحديث، ومن شواهده: ما جاء في الصحيح من قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، ونسبوا إلى ابن جرير الطبري: أنه يجيز أن
__________
(1) "الإحكام في الفتاوى والأحكام" للقرافي.
(13/10)

تكون المرأة قاضية، ونسبوا إلى أبي حنيفة: أنه يجيز قضاءها فيما تشهد فيه، أما ما نسب إلى ابن جرير، فلم يصح نقله عنه، ومن لم ينظر إليه من جهة صحة النقل، قال: "هو من الشذوذ ومخالفة الإجماع بحيث لا ينبغي الالتفات إليه" (1).
وأما ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة، فمحمول على أنه يصحّ أن تقضي في واقعة على وجه التحكيم، لا على أنها تقلّد منصب القضاء.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "ونقل عن محمد ابن جرير الطبري إمام الدين: أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله -كما نقل عن أبي حنيفة- أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستنابة في الفضية الواحدة؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، وهذا الظن بأبي حنيفة وابن جرير، وقد روي: أن عمر بن الخطاب قدَّم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه؛ فإنما هو من دسائس المبتدعة".
وأما صفة (العلم)، فشرط القاضي في الأصل أن يكون بالغاً رتبة الاجتهاد.
ولما قل في علماء الشريعة من يدرك هذه المرتبة، أجازوا ولاية المتابع لمذهب إمام من أئمة الاجتهادة حتى لا تتعطل الأحكام. ولا يعدل عمن له قدرة على الترجيح بين الأقوال إلى من قصر باعه عنها.
__________
(1) "الأحكام السلطانية" للماوردي.
(13/11)

وأما صفة (العدالة)، فمعدودة في شرط صحة القضاء كما قال سحنون: "من لا تجوز شهادته لا تصح ولايته". ومقتضى بطلان ولاية غير العدل: عدم نفاذ حكمه.
وقال بعض الفقهاء: "إن حكَمَ، ووافق حكمه وجه الحق، مضى حكمه". فالقاضي العدل تحمل أحكامه على أنها موافقة لوجه الحق، وتنفذ إلا إذا تبين أنها مخالفة له، وغير العدل لا تحمل أحكامه على إصابة وجه الحق، ولا تنفذ إلا إذا تبين أنها صواب.
والسياسة في قولنا: "السياسة القضائية" يراد بها: الأحكام والنظم المتعلقة بالقضاء، ويسميها الكاتبون في أسماء العلوم وتعريفاتها: (علم القضاء)، ويقولون في تعريفه." هو علم يبحث فيه على آداب القضاة في أحوالهم وقضاياهم، وفصل الخصومات، ونحو ذلك".
* حكم الحكم يرفع الخلاف:
إذا حكم حاكم في قضية على طريق الاجتهاد، فإن حكمه يرفع الخلاف، فليس لقاضٍ آخر أن ينقض الحكم في هذه القضية، إلا إذا خالف النص الجلي من الشريعة، أو الإجماع، أو القواعد القطيعة، وهذا هو المعروف في أحكام القاضي المحجتهد. وأما القاضي المتابع لإمام من الأئمة المجتهدين، فليس له أن يحكم إلا بالقول الراجح في مذهبه.
قال ابن نجيم في إحدى رسائله: "قولهم: حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية يمضي، ولا يجوز نقضه، إنما هو في حق المجتهد، أما القاضي المقلِّد، فليس له الحكم إلا بالصحيح المفتى به في مذهبه، ولا ينفذ قضاؤه بالقول الضعيف".
(13/12)

وقال التسولي في "شرح العاصمة": "إن قضاة اليوم لا يمضي حكمهم بخلاف المشهور، أو الراجح، أو المعمول به".
ووجه هذا الذي قرّروه: أن من لم يبلغ رتبة الترجيح من طريق الأدلة، لا يعدل عن الراجح إلا لقصد يخرج به عن سنّة العدل في القضاء.
* مكانة القضاء:
القضاء من الوظائف الشرعية الداخلة في مهمات الخلافة، ويكفيه شرفاً أنّ الرسل والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يتولونه بأنفسهم، ونبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - لفضله، وسموّ مكانته بقوله: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها". والمراد من الحسد: الغبطة، وهي أن تتمنّى مثل ما أوتيه غيرك. وحصر الغبطة في هاتين الخصلتين، وهي محمودة في كل خصلة من خصال الخيرة للتنبيه على بلوغ مكانة القضاء والإنفاق في الخير أقصى غاية في السموّ في نظر الشارع الحكيم، ومن أساليب البلاغة: استعمال أداة الحصر للدلالة على أهمية الشيء، وإحرازه المرتبة العليا في المعنى الذي قد يشاركه فيه غيره، فيرجع معنى الحديث إلى معنى: أنه لا غبطة كاملة إلا الغبطة في هاتين الخصلتين.
ومن سموّ مكانة القضاء: أن القاضي يستدعي أكبر شخص في الأمة؛ كالخليفة إلى مجلس حكمه، ويقضي عليه متى كان الحق في جانب خصمه، وكذلك كان يفعل قضاة العدل في الإسلام؛ كأبي يوسف: حكم ليهودي في قضية رفعها على الخليفة هارون الرشيد، وكان بشير قاضي قرطبة: حكم لتاجر خامل على الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقال له: إن لم تنفذ ما حكمت
(13/13)

به، فإني أستقيل من القضاء.
وإذا كانت الأعمال تتفاوت في الفضل على قدر تفاضل غاياتها، فإن للقضاء غاية تعد من أجل الغايات: هي نصر المظلوم، وكفّ يد الظالم، وقطع المنازعات، والإصلاح بين الناس، وأداء الحق لمستحقه، ومن ذلك يستتب الأمن في البلاد، وإذا استتب الأمن، فهنالك طمأنينة النفوس، وسعادة الحياة.
* سلطة القضاء:
كل أمة في حاجة إلى ثلاث سلطات:
سلطة تشريعية تضع قوانين تميز الحق من الباطل، والصالح والفاسد.
وسلطة قضائية تصدر أحكامها على من يشتبه عليه الحق من الباطل، أو تغلبه أهواؤه على أن يخرج عن تلك القوانين.
وسلطة تنفيذية تقوم على تنفيذ تلك الأحكام الصادرة من السلطة القضائية.
ومصدر التشريع في القضاء الشرعي: هو الله -سبحانه وتعالى- بما أنزله في كتابه الحكيم، وما جاء في سنة رسوله الصادق الأمين - صلوات الله وسلامه عليه -, وما تضمنه الكتاب والسنّة من الأصول التي يرجع إليها المجتهد في تقرير أحكام الواقع إن لم يجدها في نص آية أو حديث.
ومن هنا كان الإعراض عن الأحكام الشرعية إلى القوانين الوضعية؛ بزعم أن هذه القوانين أحفظ للمصلحة، وأشد مطابقة للحكمة كُفْراً لا مرية فيه، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
(13/14)

لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
ويرجع النظر في السلطة القضائية إلى ما يدخل في حدود ولاية القاضي من أنواع القضايا التي ترفع إليه، ثم الموطن أو الزمان الذي يصدر فيه حكمه، ثم انفراده بالقضاء، أو إشراك غيره له فيه.
أما ما يدخل في حدود ولايته، فيرجع إلى ما يرسمه له صاحب الدولة عند توليته، وقد كان القاضي في عصر الخلفاء الراشدين يفصل بين الخصوم فقط، ثم أضيف إليه -على التدريج- النظر في أمور أخرى، وصار يجمع إلى الفصل بين الخصوم: النظر في أحوال المحجور عليهم من فاقدي العقل واليتامى والمفلسين وأهل السفه، وفي الوصايا والأوقاف، والنظر في مصالح الطرقات والأبنية، وتصفّح الشهود والأمناء، واستيفاء الخبرة فيهم بالعدالة والجرح، وقسم التعازير، وإقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعاً (1).
وكذلك اتسعت دائرة القضاء في الأندلس، حتى صار القضاة ينظرون في القليل والكثير بلا تحديد، وينفردون دون غيرهم بالنظر في الدماء والأوقاف والوصايا والأيتام وأموال الغيب.
وإذا لم يرسم ولي الأمر لولاية القاضي حدوداً، كان المرجع في تحديدها إلى العرف، قال ابن القاسم: "اعلم أن عموم الولايات وخصوصها، وما يستفيده المولى بالولاية، يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حدٌّ في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب، وقد تكون في بعض الأمكنة والأزمنة قاصرة على الأحكام الشرعية فقط، فيستفاد من ولاية القضاء في كل قطر
__________
(1) "مقدمة ابن خلدون".
(13/15)

ما جرت به العادة، واقتضاه العرف".
وأما من جهة تخصيص السلطة القضائية بمكان، فيصح تولية القاضي الحكم في بلد، أو في محلة منه، وإنما ينفذ حكمه في المكان الذي عيّن له، ويصح توليته الحكم في القضايا التي ترفع إليه في داره، أو في مسجده، ولا يجوز له الحكم في غير داره، ولا في غير مسجده؛ لأن ولايته مقصورة على هذين المكانين. قال أبو عبد الله الزبير: "لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضياً على المسجد الجامع يسمونه: قاضي المسجد، يحكم في مئتي درهم وعشرين ديناراً فما دونها، ويفرض النفقات، ولا يتعدى موضعه، ولا ما قدر له".
وأما من جهة قصر قضائه على الزمن المعين، فيصح تقليده النظر بين الخصوم في يوم يعينه صاحب الدولة؛ كيوم السبت أو الأحد، أو أيام الأسبوع ما عدا الجمعة؛ ويكون حكمه في غير المدة المعينة غير نافذ؛ فإذا مضى يوم السبت، أو يوم الأحد -مثلاً-، استمرت ولايته التي هي صفة اعتبارية على أمثال اليوم المعين من الأيام، وإن كان ممنوعاً من النظر فيما عدا ذلك اليوم.
وأما إفراد شخص بالقضاء، أو إشراك غيره له فيه، فيصح تولية قاضيين في بلد واحد على أن يختص كل منها يجانب منه، وعلى أن يختص كل منهما بنوع من الأحكام؛ كالأنكحة، أو المواريث.
أما تولية قاضيين على أن يتصدر كل منهما للفصل في جميع القضايا التي ترفع إليه، فقد منعه بعض الفقهاء؛ حذراً من التشاجر في تجاذب الخصوم إليهما، وأجازه جمهور الففهاء، ويدفع ضرر التشاجر بأن يكون الحق في اختيار
(13/16)

أحد القاضيين للطالب، وفي تونس محكمتان: إحداهما حنفية، والأخرى مالكية، وجروا على أن يكون الحق في اختيار إحدى المحكمتين للمطلوب.
ويصح تولية قاضيين على أن يشتركا في القضاء، فإذا وقعت الواقعة، نظرا فيها حتى يتفقا على الحكم، فينفذا ما اتفقا عليه، فإن اختلفا، رفعا الأمر إلى من هو فوقهما، فينظر فيه (1).
* صلة القضاء بالحكّام:
القضاء خطّة داخلة في مهمات الإمامة، والإمام يولّي القضاة لينوبوا عنه في أداء هذه المهمة، فللقضاء صلة بالرئيس الأعلى للدولة، حيث إنه داخل في شؤون ولايته، ثم إن الرئيس الأعلى قد يجعل تنفيذ الأحكام بيد القاضي نفسه، وقد يقصره على فصل النوازل، ويجعل تنفيذ أحكامه بيد غيره؛ كرجال الشرطة (المحافظة)، أو وزارة العدل. فصلة القضاء بالحكام الذين هم رجال الشرطة، أو رجال وزارة العدل، هي أنهم يقومون بتنفيذ أحكامه عندما يتعاصى المحكوم عليه عن الإذعان إلى الحكم.
* الدعاوى:
جمع دَعْوى، والدعوى في الأصل: اسم مصدر لفعل ادّعى، يقال: ادّعى الشيءَ؛ أي: زعم أنه له، حقاً أو باطلاً، ومعناها شرعاً -كما عرّفها الشيخ ابن عرفة-: قولٌ بحيث لو سلم، أوجب لقائله حقاً.
* الدعوى الصحيحة:
ذكر الفقهاء للدعوى الصحيحة التي يسمعها القاضي، ويطالب المدّعى
__________
(1) القاضي أبو بكر بن العربي في: شرح أبواب الأحكام من "صحيح الترمذي".
(13/17)

عليه بالجواب عنها: ستة شروط:
1 - أن تكون الدعوى محققة؛ أي: مقطوعاً بها؛ كأن يقول المدّعي: إن لي على فلان ألفاً، فلو قال: أشك، أو أظن أن لي عليه ألفاً، لم تسمع هذه الدعوى؛ لاستنادها إلى شك أو ظن.
ونازع القرافي في الدعوى المستندة إلى ظن، ورأى قبولها، وأمر المدّعى عليه بالجواب عنها؛ بناء منه على أن الظن معتمد به في كثير من الأحكام الشرعية، وساق لهذا نظائر، منها: شهادة العدل الواحد، وهي لا تفيد إلا ظنّاً. ونوقش بأن الظن الذي تقوم عليه بعض الأحكام الشرعية إنما هو الظن القويّ الذي يكون قريبا من القطع، ويجوز للمدّعي أن يحلف معه على البتّ.
والقطع شرط في صحة الدعوى عند من لا يرى توجه يمين التهمة، أما من يرى توجهها متى كان المدّعى عليه ممن تلحقه التهمة، فلا يعدّه في شروط صحتها.
2 - أن يكون المدّعى فيه معلوماً ببيان عينه؛ كهذا الكتاب، أو الثوب، أو بصفته؛ كلي في ذمته دنانير مصرية، أو عراقية، فإن قال: لي على فلان شيء، لم تسمع دعواه.
ورأى الإمام المازري من فقهاء المالكية صحة الدّعوى بالمجهول، فيؤمر المدّعى عليه بالجواب؛ لعلّه يقرّ، فيؤمر بالتفسير، ويُسجن له، وموضع الخلاف: فيما إذا كان المدّعي لا يدري جنس المدّعى فيه، ولا قدره، فإن كان يعلم ذلك، وامتنع من ذكره، لم تسمع دعواه اتفاقاً.
3 - أن يكون المدّعى فيه ما لو أقرَّ به المدّعى عليه، لزمه، فلا تسمع
(13/18)

الدعوى على المحجور عليه ببيع ونحوه من المعاملات؛ لأن المحجور عليه لا يلزمه شيء من العقود، ولو أقرّ به، أو قامت عليه به بينة.
4 - أن تكون الدعوى فيما يتعلق به حكم شرعي أو غرض صحيح، فإن لم يتعلق بالمدعى فيه حكم، لم تسمع الدعوى؛ كأن يطلب المحكوم عليه من القاضي أن يحلف أنه لم يجر عليه في الحكم، أو يطلب المشهود له تحليف الشهود أنهم لم يكذبوا في شهادتهم.
وإن لم يتعلق به غرض صحيح، كادعاء شخص على آخر بنحو قمحة، أو شعيرة، رفضت الدعوى كذلك.
5 - أن تكون الدعوى مما لا تشهد العادة والعرف بكذبه؛ كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار بيد من حازها الحيازة المعتد بها مع تحقق الشروط المعروفة (1).
6 - بيان سبب المعاملة، فلا يكفي أن يقول: لي على فلان مئة أو ألف دون أن يذكر سبب المعاملة؛ لاحتمال أن يكون سبب ما يدعيه فاسداً، ككونه من خمر، أو ربا؛ إذ لا يلزم المدعى عليه دفع ثمن الخمر شرعاً، ولا دفع ما هو ربا، ولا ثبت عليه ببينة، ومن ثم قال بعض فقهاء المالكية: إذا لم يسأل القاضي المدّعي عن سبب المعاملة، فهو كالخابط خبط عشواء، فإن سأله عن السبب، وامتنع من بيانه، لم يكلف المدعى عليه الجواب. ومن لا يعتدّ بهذا الشرط في صحة الدعوى، يذهب إلى حمل ما يدعيه المدّعي
__________
(1) هي أن يراه يتصرف في الدار بنحو الهدم والبناء والإيجار مدة الحيازة، وهو ساكت لا يعارضه فيها، ولا يدعي أن له فيها حقاً، ولا عذر له من نحو رهبة أو رغبة.
(13/19)

على وجه الصحة، حتى يتبين أنه وقع على وجه فاسد، والسؤال عن السبب من حق المدّعى عليه، وللقاضي أن ينبهه له إن لم يتنبه.
* المدعي والمدعى عليه:
يدور علم القضاء على معرفة المدعي والمدّعى عليه، ولم يختلفوا في أن المدّعي مطالب بالبينة إذا أنكر المدعى عليه، وأن المدعى عليه مطالب باليمين إذا لم تقم البينة، وقد يخفى على القاضي في بعض القضايا تمييز المدعي من المدعى عليه.
وقد اختلفت عباراتهم في تحديدها، فقال ابن المسيب فيما ينسب إليه: كل من قال: "قد كان"، فهو مدع، وكل من قال: "لم يكن"، فهو المدعى عليه. ونوقش هذا بدعوى المرأة على زوجها المسيس في خلوة الاهتداء، فالزوج هنا هو المدّعي، وهو يقول: "لم يكن"، والمرأة مدعى عليها، وهي تقول "قد كان". وعرّفهما بعض الفقهاء بقوله: "المدّعي: من إذا سكت، ترك وسكوته، والمدّعى عليه: من إذا سكت، لم يترك وسكوت". ونوقش هذا باليتيم البالغ يطالب وليه بتسليم ماله له، فيقول الولي: قد دفعته لك، فالولي هنا هو المدّعي، واليتيم البالغ هو المدّعى عليه، ولو سكت الولي، لم يترك وسكوته.
وعرّفهما القرافي فقال: "المدّعي: من كان قوله على خلاف أصل أو عرف، والمدّعى عليه: من كان قوله على وفق أصل أو عرف". ومثله قول ابن الحاجب: "المدّعي: من تجرد قوله عن مصدق، والمدعى عليه: من ترجح بمعهود أو أصل". ويريد بالمعهود: شهادة العرف، وبالأصل: استصحاب الحال. وأورد على هذا التعريف: أن المدّعي الذي بيده بينة لم يتجرد قوله
(13/20)

عن مصدق. وأراد الشيخ ابن عرفة أن يتخلص من هذا الإيراد فقال: "المدّعي: من عريت دعواه من مرجع غير شهادة، والمدعى عليه: من اقترنت دعواه به".
وقد تتعارض أنظار الفقهاء في القضية يكون بجانب كل واحد من الخصمين مرجع يحتمل أن يجعله مدعى عليه؛ كالمرأة تدّعي على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها، فذهب المالكية إلى أن المرأة مدعية، والزوج مدعى عليه؛ لأن العرف والغالب يشهد بصدق الزوج؛ وذهب الشافعية إلى أن الزوج مدع، والمرأة مدعى عليها؛ لأن الأصل عدم الإنفاق.
* أقسام الدعاوى:
لا يسير القاضي بالدعاوى سيرة واحدة، بل تختلف أحوالها، فيختلف نظره إليها، وبذلك انقسمت إلى ثمانية أقسام.
1 - ما لا يسمعه الحاكم، ولا يلزم المدّعي من أجل ما ادعاه شيئاً، وهي الدعاوى التي يكذبها العرف والعادة.
2 - ما لا يسمعه الحاكم، ويؤدِّب المدعي على ما ادعاه؛ كالدعاوى على أهل الدين والصلاح بما لا يليق بهم؛ منعاً لتسلط أهل الشر على أعراض الأبرياء من الناس. ومن الفقهاء من قال: لا يعاقب المدّعي في هذه الصورة؛ وحقق الإمام مالك النظر فقال: إن نسب إليهم ما لا يليق بهم على وجه المشاتمة، أُدِّب، وإن قاله على وجه المطالبة بحق، لم يؤدَّب.
3 - ما يسمعه الحاكم، ويمكن المدّعي من إقامة البينة على دعواه، ولا يلزم المدعى عليه بالجواب؛ كالدعاوى على الصغير والسفيه.
4 - ما يسمعه الحاكم، ويمنع المدّعي من إقامة البينة على صحة ما ادعاه،
(13/21)

ولكن يرى فيه القاضي رأيه؛ كدعوى شخص على من اعتدى على مال غائب من غير وكالة من الغائب، يريد صيانة ماله من الضياع.
5 - ما يسمعه الحاكم، ولا يلزم المدعى عليه الجواب عنه إلا بشرط؛ كدعوى الرجل العقار على من هو حائزه زاعماً أنه صار إليه ممن ورثه عنه، فلا يلزم المدعى عليه الجواب حتى يثبت المدعي موت من ادّعى أنه ورث ذلك العقار عنه.
6 - ما يسمعه الحاكم، ويمكّن المدعي من إقامة البينة، ولا يحكم له بموجب ماشهد له به على الفور، وهي دعوى الرجل: أن المفقود أوصى له، أو أوصى إليه، فإن القاضي يمكّن المدّعي من إقامة البينة على دعواه، ولا يحكم له بشيء، إذ لا يجب له شيء إلا بعد موت المفقود.
7 - ما يسمعه الحاكم، ويمكّن المدعي من إقامة البينة على دعواه، ويلزم المدعى عليه بالجواب، وهي الدعوى المستوفية لشروط الصحة السالف ذكرها.
8 - ما لا يسمعه الحاكم، ولا يمكّن المدّعي من إقامة البينة على ما ادعاه؛ كالمودع يجحد الوديعة، ثم يدّعي أنه ردّها، فلا تسمع دعواه، ولا يمكّن من إقامة البينة على أنه ردها (1).
* دعاوى الحقوق ودعاوى التهم:
فى عوى الحقوق: ما يطلب المدّعي بها حقاً على سبيل التحقيق في الدعوى، ولو لم يقم عليه بينة؛ كدعوى البيع أو القرض أو الإعارة أو الوصية
__________
(1) "التبصرة" لابن فرحون.
(13/22)

أو الغصب محققاً الدعوى لا يعتربه فيها ريب.
ودعوى تهمة، وهي: ما لم يصدر عن تحقيق، وإنما يقول المدّعي: أتهم فلاناً بسرقة كذا، أو أتهم المدين مدّعي الإعسار بأن له مالاً حاضراً، وهذه هي الدعاوى التي اختلف الفقهاء في توجه اليمين قولاً واحداً، ومما تمتاز به دعوى التهمة: أنها لا تنقلب لو أراد المدعى عليه قلبها على المدعي.
* طرق الحكم:
البينات:
القضاء العادل ما تحقق فيه أمران: علم القاضي بالحادثة التي يتصدّى للقضاء فيها، وعلمه بالحكم الذي ناطه الشارع بتلك الحادثة.
أما علمه بحكم الشارع، فيستمده من نصوص الشريعة، أو من أصولها بطريق الاستنباط.
وأما علمه بالحادثة، فيحصل من طرق تسمى: طرق الحكم، أو أدلة ثبوت الدعوى، أو الحجج الشرعية.
وللفقهاء في هذه الطرق مذهبان: مذهب من يحصرها في أنواع معينة، ومذهب من يعوّل في ضبطها على حصول العلم بالحادثة، فكل ما يصل منه القاضي إلى ثبوت الواقعة، فهو طريق للحكم، ودليل بثبوت الدعوى.
والأنول المعينة التي حصر فيها بعض الفقهاء طرق الحكم هي: البينة؛ أي: الشهادة، والإقرار، واليمين، والنكول، والقسامة، وعلم القاضي.
وذهب آخرون إلى أنها ثلاثة فقط: الشهادة، واليمين، والنكول، وأسقطوا الإقرارة نظراً إلى أنه موجب للحق بنفسه، لا طريق للحكم؛ إذ الحكم: فصل الخصومة، ولا خصومة مع الإقرار، وليس على القاضي في حال
(13/23)

الإقرار إلا أن يأمر المدعى عليه بدفع ما أقر به. وأسقط القسامة؛ لأنها داخلة في اليمين، وأسقط علم القاضي؛ ترجيحاً لعدم صحة الإسناد إليه في فصل التوازن.
وأما مذهب من يجعل مدار طريق الحكم على ما يظهر به الحق، فقد قرره ابن القيم، فقال: "البيّنة: اسم كل ما يبين الحق، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعى: "ألك بيّنة؟ "، وقول عمر بن الخطاب: "والبينة على المدّعي" المراد بذلك: ما يبين الحق من شهود أو دلالة؛ فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق مما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه، وشواهد له، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصصه به؛ مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه؛ كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد ظهور حق المدعي أضعاف ما يفيده مجرد اليد عند كل أحد، فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة، ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره".
الشهادات:
وردت الشهادة في اللغة لمعانٍ:
منها: الحضور، تقول: شهدت مجلس كذا؛ أي: حضرته.
ومنها: الاطلاع والمعاينة، تقول: شهدت كذا؛ أي: اطلعت عليه، وعاينته.
ومنها: الإخبار بالشيء على وجه القطع، تقول: شهد فلان بكذا؛ أي: أخبر به جازماً.
(13/24)

وأما معناها في الاصطلاح، فقد أشار القرافي إلى صعوبة ضبطه، فقال: أقمت سنين أسأل، أطلب الفرق بين الشهادة والرواية، وأسأل الفضلاء عنها، فيقولون: الشهادة يشترط فيها: العدد والذكورة والحرية؛ بخلاف الرواية. فأقول لهم: اشتراط ذلك فرع تصورها، فلو عرفت بأحكامها، لزم الدور، ثم قال "ولم أزل في شدة قلق حتى طالعت "شرح البرهان" للمازري، فوجدته قد حقق ذلك، وميَّز بين الأمرين، فقال "هما خبران، غير أن المخبر عنه إن كان عاماً لا يختص بمعين، فهو الرواية؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "الأعمال بالنيات" فإن ذلك لا يختص بشخص معين، بل عام في كل الخلق؛ بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار، فإنه إلزام معين لا يتعداه، والأول هو الرواية، والثاني هو الشهادة".
وقد زاد بعض الفقهاء هذا الفرق تحقيقاً، فقال "إنَّ الخبر إنْ تعلق بجزئي، وقصد به ترتيب فصل القضاء عليه؛ كقولك: لفلان على فلان كذا، فهو الشهادة، وإن تعلق بأمر عام لا يختص بمعين، أو تعلّق بجزئي من غير قصد ترتيب فصل القضاء عليه؛ كحديث: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"، ونحوه، فهو الرواية، وقد أوجز هذا المعنى من الأصوليين من قال: "الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية، وخلافه الشهادة".
وقد عزَف الشهادة بعض فقهاء الحنفية، فقال: "إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القاضي، ولو بلا دعوى" (1).
فقوله: (إخبار) جنس، وقوله: (صدق) فصل أخرج الإخبار الكاذب، وقوله: (لإثبات حق) أخرج الإخبار الذي يكون لغرض غير إثبات الحق،
__________
(1) كتاب "التنوير".
(13/25)

وقوله: (بلفظ الشهادة) خرج به الإخبار بلفظ آخر، نحو: أعلم، وأجزم، وقوله: (في مجلس القاضي) أخرج الإخبار في غير مجلس القضاء، وقوله: (بلا دعوى) أدخل شهادة الحسبة، وهي ما يكون في حق الله تعالى (1)؛ فإنه لا يشترط فيها تقدم الدعوى.
وعرّفها الشيخ ابن عرفة من فقهاء المالكية فقال: "الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعُه الحكم بمقتضاه إن عُدل (2) قائله مع تعدد أو حلف طالبه".
صيغة الشهادة:
المعروف أن الحنفية يشترطون في أداء الشهادة لفظ: (أشهد). قال في "البدائع": "وأما الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة، فأنواع، منها: لفظ الشهادة، فلا تقبل بغيرها من الألفاظ؛ كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما، وإن كان يؤدي معنى الشهادة تعبداً غير معقول المعنى". وقال في "الهداية": "إن النصوص نطقت باشتراط هذه اللفظة".
ونصوص بعض المالكية تدل على أنهم لا يشترطون في أداء الشهادة لفظ: أشهد. وقال ابن قيم الجوزية: "وظاهر كلام أحمد بن حنبل: أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ: أشهد، بل متى قال الشاهد: رأيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، كانت شهادة منه".
وقصر الأداء في الشهادة على لفظ: أشهد لا يقوم عليه دليل، ودعوى
__________
(1) كمن يرى رجلاً يعيش مع امرأة عيشة الأزواج بعد أن طلقها ثلاثاً، فيشهد لدى القاضي.
(2) نسب إلى العدالة عند الحاكم نفسه.
(13/26)

التعبد في مثل هذا المقام لا يظهر له وجه وجيه.
شروط قبولها:
ترجع الشروط العامة إلى ثلاثة أصول:
1 - كون الشاهد من أهل الولاية على غيره، فيشترط فيه: أن يكون عاقلاً بالغاً حراً، فلا شهادة للمعتوه، ولا للصبي، ولا الرقيق. وأجاز مالك شهادة الصبيان في مواطن، وعلى شروط سيأتي بيانها.
واستبعد ابن الهمام في "فتح القدير" عدم قبول شهادة العبد، وذلك
ما قرره ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين"، إذ قال: حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته، فقال: ما علمت أحداً ردّ شهادة العبد، وقال: إذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]؛ فإنه منّا, وهو عدل وقوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]، وهو من رجالنا.
2 - العدالة، ومدارها على اجتناب الكبائر، واتقاء الصغائر، وحفظ المروءة. والعدل: من يجتنب (1) الكبائر، ويتحامى الصغائر غالباً (2)، ولا يأتي بما يخل بالمروءة من قول؛ كالتصريح بأقوال لم ينطق بها الشرع إلا بالكناية،
__________
(1) يراد من الاجتناب: ألا تصدر منه أصلاً، ويلحق بهذا: أن تكون قد صدرت منه، وعرفت توبته منها.
(2) هذا في غير الصغائر الخسية؛ كالنظر إلى الأجنبية بلذة، أما الصغائر الخسية؛ كسرقة لقمة، وتطفيف حبة، فتلحق بالكبائر في قدحها بالعدالة، وإن وقعت مرة.
(13/27)

أو فعل؛ كإدمان اللعب بالحمام، ويرجع معنى المروءة إلى المحافظة على فعل مباح يوجب تركه الذمّ عرفاً؛ كترك الانتعال للموسر في بلد يزري بمثله الحفاء، وعلى ترك مباح يوجب فعله الذم عرفاً؛ كالأكل في السوق لغير السوقي، وإنما يشترط في الشاهد العدالة في بلد يكون فيه، أو فيما يقرب منه عدول، وقال ابن العربي في "أحكامه": "إذا كانت قرية ليس فيها عدول، وبعدوا عن العدول، فالذي عليه الجمهور: أن لا تجوز شهادة بعضهم لبعض".
والمنقول عن كتاب "النوادر": "أما إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول، أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة، ويلزم ذلك في القضاء وغيره؛ لئلا تضيع المصالح، ولا أظن أحداً يخالف في هذا؛ لأن التكليف شرطه الإمكان. وبهذا عمل المتاخرون من فقهاء المالكية، وللخوف من ضياع المصالح ألغى الفقهاء التجريح بالكبيرة التي تعم بها البلوى؛ كالغيبة، ولا تجرح مسلماً بالغيبة؛ لأنها عمت بها المصيبة".
جاءتني أيام ولايتي القضاء في مدينة "بنزرت" (1) رسالة من المحكمة العليا في عاصمة تونس بإصدار إذن في تجريح شهود إحدى البينات، فوقع تجريح أحدهم بأنه يؤخر الصلوات عن أوقاتها، ولم يكتف أعضاء المحكمة -وفيهم أساتذة لي- بهذا التجريح؛ كأنهم يرون تأخير الصلوات عن أوقاتها، وإن كان معدوداً في الكبائر، ملحقا بالغيبة في كثرة ابتلاء الناس به.
3 - انتفاء التهمة عن العدل في شهادته:
تجيء التهمة إلى الشاهد من جهة القرابة، أو الزوجية، أو الصداقة،
__________
(1) مدينة في شمال تونس.
(13/28)

أو العداوة، أو كون الشهادة تجرّ إليه مغنماً، أو تدفع عنه مغرماً، أو حرصه على أداء الشهادة.
أما شهادة القريب لقريبه، فقد اختلفت فيها آراء الفقهاء، فمنهم من جوّزها بإطلاق، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، وهذا ما يقوله الظاهرية؛ كابن حزم وغيره احتجاجاً بالنصوص العامة الواردة في الإشهاد، وهي لا تفرق بين أجنبي وقريب. ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع، والفروع للأصول خاصة؛ نظراً إلى شدة القرابة التي قد تزحزح العدل عن مقتضى العدالة، وجوّزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل.
وأما شهادة الأخ لأخيه، فالجمهور يجيزونها، غير أن بعض الفقهاء قيدها بما إذا كان الشاهد عدلاً مبرزاً؛ وقيدتها طائفة أخرى بما إذا كان المشهود به يسيراً لا كثيراً؛ وقيدها آخرون بما إذا لم تنل الشاهد صلة المشهود له؛ كأن يكون في عياله.
وأما شهادة الزوج لامرأته، والمرأة لزوجها، فمنعها بعض الفقهاء، وأجازها آخرون، وممن أجازها: القاضي شريح: حكي عنه أنه أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقيل له: إنه أبوها وزوجها! فقال: من يشهد للمرأة غير أبيها وزوجها؟
قال الزهري: لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته، ثم دخل الناس، فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم
(13/29)

يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
وأما الصداقة، فتقدح في الشهادة متى اشتدت، ويلغت النهاية؛ إذ يكون صاحبها مظنة أن تنحرف به تلك العاطفة القوية عما توجبه العدالة، ومن أمارتها: أن يبسط كل منهما يده في مال الآخر.
وأما العداوة، فتقدح في الشهادة متى كان منشؤها أموراً دنيوية، فإن كانت ناشئة من انتهاك الشخص حرمة من حرمات الشريعة، لم تعد في قوادح الشهادة؛ إذ لا تلحقه تهمة الشهادة عليه زوراً، وشهادة الزور من كبائر ما حرّمه الدين.
وأما كون الشهادة تجرّ إلى الشاهد مغنماً، أو تدفع عنه مغرماً، فقد قالوا: لا تجوز شهادة رب الدين لمدينه المعسر، ولا الشريك لشريكه فيما يرجع إلى شركتهما، ولا المولى لعبده.
وأما ظهور حرص الشاهد على أداء شهادته، فيعد قادحاً متى تعلقت الشهادة بحقوق العبادة إذ يثير ظهور حرصه شبهة أن تكون شهادته من قبيل ما يجرّ إليه نفعاً من المشهود له؛ كأن يتقدم بشهادته إلى مجلس القضاء قبل أن يطلبه المشهود له، وإنما الشأن أن يعلمه بها، وهو الذي يطلبه لأدائها في مجلس القضاء. وأما الحرص على أداء الشهادة في حقوق الله، فليس بقادح؛ إذ لا يثير تهمة جرّ منفعة دنيوية.
وصفوة البحث: أن العدالة متى ثبتت، أوجبت لصاحبها قبول شهادته، ولا يقدح فيها مجرد قرابته من المشهود له، أو عداوته للمشهود عليه. ولكن التربية الدينية الصحيحة التي كانت سائدة في النفوس تضاءلت حتى لم تبق العدالة من القوة بحيث تسقط بجانبها تهمة محاباة أب أو ابن أو أخ، أو تهمة
(13/30)

قصد الإضرار بعدو من طريق شهادة الزور. وإذا كان الوهن في العدالة هو الغالب في الناس، صحّ أن تناط به الأحكام، ويبنى عليه عدم قبول شهادة من اشتدت قرابته، أو اتضحت عداوته، إلا أن يكون بالغاً في العدالة الدرجة العليا. وقد رأينا فيما عرفناه وصاحبناه من أهل النبل والتقوى من لو شهد لابنه أو أخيه، أو شهد على من يناصبه العداوة، لم يخالجنا ريب في صدقه، ولم نتردد في قبول شهادته.
شروطها الخاصة:
وأما الشروط الخاصة، فهي: الإسلام، والذكورة، والعدد، وتقدم الدعوى (1)، وكانت شرطاً لها خاصة؛ لأنها ليست شروطاً في جميع الشهادات؛ كما يظهر أمرها من بعض الفصول الآتية.
- تزكية الشهود:
قال الإمام أبو حنيفة: كل من أظهر الإسلام حُكم له بالعدالة، وقبلت شهادته حتى يظهر فسقه، فيقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن الشهودة إذ الظاهر: أن المسلم ينزجر عما هو محرّم في دينه، وفي الظاهر كفاية، فإن طعن الخصم في الشهود، أو كانت الشهادة على الحدود، أو القصاص، لم يكتف بظاهر العدالة، ولا بد من السؤال عن الشهود وتزكيتهم.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدّ من السؤال عن الشهود في السر والعلانية في جميع الحقوق، وهو مذهب الإمامين: الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ نظراً
__________
(1) شرط في الشهادة على حقوق العباد كما تقدم، لا في حقوق الله.
(13/31)

إلى أن الغالب في الناس عدم العدالة، وفصَّل الإمام مالك، فقال: من جهل الحاكم أمره، ولم يعرفه بعدالة أو فسق، فلا بد من تزكيته، فإن كان الشاهد معروف العدالة عند القاضي؛ بحيث يزكيه عند غيره لو لم يكن قاضياً، يقبل شهادته بدون تزكية.
شهادة الرجال:
يشترط لصحة الشهادة على الزنا أربعة رجال؛ لقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15]، وقد انعقد الإجماع على اشتراط الذكورة في هذه الشهادة، وكون الشهود أربعة. وإنما تضم شهادتهم إذا اتفقوا على موضع الزنا، ووقت رؤيته، وصفته؛ فإن اختلفوا في الموضع، أو الوقت، أو الصفة، بطلت شهادتهم؛ قال في "إعلام الموقعين": إنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالستر، ولذا غلظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حق يضيع، وإنما هو حدّ وعقوبة، والعقوبات تدرأ بالشبهات، ويقبل فيما عدا ذلك من المعاملات وسائر الحدود شهادة رجلين.
طائفة من قضاة:
وحكى ابن القيّم عن بعض السلف: أنهم أجازوا وقضوا بشهادة رجل واحد، وقال: فإذا علم الحكم صدق الشاهد الواحد، فإن له الحكم بشهادته، وإن رأى تقويته باليمين، فعل. وقال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود (1).
__________
(1) "الطرق الحكمية" (ص 66، وص 75).
(13/32)

شهادة النساء:
تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال من نحو: الولادة، والبكارة، وعيوب النساء. قال الزهري: "مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن"، وقال ابن عمر: "لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه غيرهن من عورات النساء وحملِهن وحيضِهن".
واكتفى الإمام أبو حنيفة في هذا الباب بشهادة امرأة واحدة، فألغى العدد كما ألغى الذكورة؛ ليخف النظر فيما لا يطلع عليه الرجال. وقال الإمام مالك: لا يقبل في ذلك إلا امرأتان، بناء منه على أن العدد معتبر في الشهادة، فيبقى بحاله، وإنما سقط اعتبار الذكورة للتعذر. وقال الشافعي: لا يكفي فيما ينفرد فيه النساء إلا أربع؛ لأن العدد معتبر في الشهادة، وقد جعل الله تعالى المرأتين قائمتين مقام الرجل الواحد، فيكون نصاب الشهادة أربعة من النساء.
الرجل الواحد والمرأتان:
يُقضى بشهادة رجل وامرأتين؛ فقال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282} (1).
__________
(1) هذه الآية ظاهرة في أن شهادة المرأة كانت بمنزلة نصف شهادة الرجل، حيث إن النسيان يعرض للمرأة أكثر مما يعرض للرجل، وهذا ما يقوله علماء الشريعة، ولم أر من شذَّ عنهم سوى شارح "فتح القدير"، فقد نفى أن يكون جعل شهادة المرأتين بمنزلة شهادة رجل لنقصان ضبط المرأة، وذهب إلى أن ذلك إنما كان لإظهار درجتهن عن الرجال، وقال: "ولقد نرى كثيراً من النساء يضبطن أكثر من الرجال، والفقهاء لا ينكرون أن بعض النساء يضبطن أكثر من بعض الرجال، ولكن الأحكام الشرعية تبنى على الغالب، وما تجري به العادة".
(13/33)

وقد اختلف الفقهاء فيما تقبل فيه شهادة الرجل والمرأتين، فقال أبو حنيفة: تقبل في جميع الأحكام إِلا القصاص والحدود، وقال الإمامان مالك، والشافعي: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إِلا في الأموال وتوابعه؛ كالآجال، والشفعة، والخيار، دون حقوق الأبدان، والنكاح، والطلاق، والدماء، والجراح، وما يتصل بذلك.
شهادة الصبيان:
يقول الفقهاء: إن البلوغ شرط في صحة الشهادة، وأجاز الإمام مالك شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح: قال في "الموطأ": "الأمر المجتمع عليه عندنا: أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها، لا تجوز في غير ذلك إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا أو يخيبوا ويعملوا، فإن افترقوا، فلا شهادة لهم إِلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفوقوا"، وقوله: (الأمر المجتمع عليه عندنا) ظاهر في أن هذا مما جرى به عمل أهل المدينة، ونسبه ابن القيم إلى عمل الصحابة وفقهاء الأمصار، وقال: "فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم، لضاعت الحقوق، وتعطلت، وأهملت، مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاؤوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطؤوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الأداء، واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل بشهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين".
شهادة غير المسلم على المسلم:
لا تقبل شهادة الكافر على المسلم في غير الوصية، واختلفوا في شهادته
(13/34)

عليه في وصية في السَّفر، فقال أبو حنيفة: تجوز على الشروط التي ذكرها الله تعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: 106].
وقال الإمامان مالك والشافعي: لا تجوز، ولو على هذه الشروط، ورأوا أن الآية منسوخة، وروى حديث الشيخ ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنه -.
"والآية صريحة في قبول شهادة الكافر على وصية في السفر لمن عدم الشاهدين المسلمين، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتّة (1).
شهادة غير المسلم على غير المسلم:
ردّها بعض الفقهاء. وقال آخرون: تمضي، واحتجوا بأنهم يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات، وعقود المعاوضات، وغيرها، ويقع بينهم الجنايات، ويتحاكمون إلينا، فلو لم تقبل شهادتهم بعضهم على بعض، لضاعت حقوقهم. واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إنما تجوز شهادة غير المسلم على أهل ملته. وروي عن الزهري أنه قال: تجوز شهادة النصراني على النصراني، واليهودي على اليهودي، ولا تجوز شهادة أحدهما على الآخر، وكذلك قال الحسن: إذا اختلفت الملل، لم تجز شهادة بعضهم على بعض. وهذا الرأي مبني على مراعاة العداوة التي تكون بين أصحاب الملتين المختلفتين. ورأى آخرون جواز شهادة نصراني على مجوسي، أو مجوسي على نصراني،
__________
(1) "إعلام الموقعين".
(13/35)

وصحَّ هذا عن عمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين، وهو قول الإمام أبي حنيفة.
شهادة غير العدل:
سبق في بحث العدالة ما قاله صاحب "النوادر" (عبد الله بن أبي زيد القيرواني) في أهل بلد لا يوجد بينهم عدول، وما صرح به جماعة من الفقهاء في التجريح بالكبيرة تغلب على الناس؛ كالغيبة، وتأخير الصلاة عن وقتها، ونزيد هنا: ما نقله حسن صديق في كتاب: "ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي" عن شيخه الشوكاني، وملخصه: أن كثيراً من القرى التي يسكنها جماعة من الحرَّاثين المعروفين الآن بالقبائل قد لا يوجد في القرية الواحدة -وإن أكثر الساكنون بها- من يستحق أن يطلق عليه اسم العدل قط، ثم يقع بينهم التظالم في الدماء والأموال، وليس بينهم عدل معتبر في الشهادة، ولا يحضرهم عدل من غيرهم، فيترافعون إلى حكام الشريعة، فماذا يصنع الحاكم عند ترافعهم إليه؟ ولو يسمعون على كثرتهم بأنه ليس على من قتل نفساً، أو أخذ مالاً، أو هتك حرمة إِلا اليمين، لكان ذلك من أعظم البواعث لهم على الإفراط في ذلك، والتهافت عليه، وهذه الشريعة المطهّرة مبنية على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فلو قال الحاكم المترافع إليه: هات البينة التي معك، ثم سمعها، واستكثر من عددها حتى تلوح له أمارات الصدق، كان ذلك أقرب إلى اعتبار جلب المصلحة الشرعية، ودفع المفاسد المخالفة للشرع.
تحليف الشهود:
المعروف أن الشاهد لا يحلَّف، وقال ابن وضّاح من فقهاء المالكية:
(13/36)

أرى لفساد الزمان أن يحلَّف الحاكم الشهود. وفعل هذا محمد بن بشير قاضي قرطبة، وقال ابن عباس - رضي الله عنه - بتحليف المرأة إذا شهدت بالرضاع، وورد في القرآن الكريم تحليف غير المسلم الشاهد على الوصية في السفر. ويتلخص من هذا: أنه يجوز للحاكم تحليف الشهود إذا اشتبه في أمرهم.
التفريق بين الشهود:
أوّل من فرق بين الشهود علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وكان فرَّق بين امرأتين شهدتا على يتيمة أنها بغت، وبالتفريق بينهما تبين أن شهادتهما زور، فقال علي: الله أكبر! أنا أوّل من فرّق بين الشاهدين (1). وصرح الفقهاء كلهم: أن الحاكم إذا ارتاب بالشهود، سألهم: كيف تحملوا الشهادة، وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه، أثم، وجار في الحكم (2).
الحكم بالتواتر:
التواتر لغة: تتابع أشياء واحداً بعد واحد بينهما مهلة، وأما اصطلاحاً، فهو: تتابع الخبر عن جماعة إلى حيث يحصل العلم (أي: الاعتقاد القاطع) بالمخبر به. ومن شرطه: أن يكون الجماعة قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب، وأن يكون عليهم مستنداً إلى حس، لا إلى دليل عقلي، ولا يشترط فيهم العدالة، ولا الإسلام، فإذا تضافرت الأخبار على شيء؛ بحيث اشترك في العلم به القاضي وغيره، حكم بموجب ما تواتر عنده؛ كأن يتواتر عنده صلاح رجل أو فسقه، أو عداوته لغيره، أو فقره، أو موته،
__________
(1) "الطرق الحكمية" (ص 90).
(2) "الطرق الحكمية" (ص 24).
(13/37)

أو سفره، فإنه يحكم بموجب ذلك، ولم يحتج إلى شاهدين عدلين. وبيّنة التواتر أقوى من الشّاهدين، ولا تقام بيّنة على خلاف التواتر؛ لأن البينة ظنية، والتواتر يقيني.
الاستفاضة:
استفاضة الشيء: اشتهاره بحيث يتحدث به الناس، ويستفيض بينهم، وهو درجة بين التواتر والآحاد، وهذا النوع من الإخبار، ويجوز الاستناد إليه في الشهادة، والاعتماد عليه في القضاء، والحكم به حكم يستند إلى حجة، لا إلى مجرد العلم، فلا يتطرق إلى الحاكم به تهمة، له أن يقبل شهادة شاهد استفاض في الناس صدقه من غير توقف على شهادة بعدالته، وهذه الشهادة كشهادة التواتر لا يصرح فيها الشاهد بالسماع، بل يجزم فيها بالشهادة.
شهادة السماع:
صفتها أن يقول الشهود: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم، أو يقولوا: لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن هذه الدار -مثلاً- صدقة على بني فلان. وعرّفها بعض الفقهاء بقوله: هي لقب لما يصرح فيه الشاهد بإسناد شهادته لسماع من غير معين. ولا تكون شهادة سماع إذا قالوا: سمعنا من أقوام بأعيانهم، يسمونهم ويعرفونهم، وإنما هي شهادة على شهادة، فتخرج عن حدّ شهادة السماع، وهذه الشهادة تفيد ظناً دون شهادة الاستفاضة، وإذا أطلقت شهادة السماع في كتب الفقه، تنصرف إلى هذا النوع من الشهادة. ويعمل بها في نحو: العزل والولاية، والتجريح والتعديل، والكفر والإسلام، والسفه والرشد، والإيصاء والأحباس والصدقات، والرضاع والنكاح والطلاق
(13/38)

والخلع، والقسمة والنسب، والو لادة والموت والحمل، والإضرار بالأهل.
وخصّها الإمام مالك بما تقادم زمنه تقادماً يبيد فيه الشهود، وتنسى فيه الشهادات (1).
خبر الواحد:
سبق في بحث شهادات الرجال: أن جماعة من الفقهاء قالوا: يجوز القضاء بشهادة الرَّجل الواحد من غير يمين متى وثق الحاكم بصدقه، وعزاه ابن القيم إلى أصحاب الإمام أحمد بن حنبل (2)، واكتفى المالكية بخبر الواحد فيما يرجع إلى أهل الخبرة والصنعة؛ كالأطباء العارفين بعيوب الحيوان أو السلع، وقيم المتلفات منها. وقال مالك: يقضى بقول الطبيب، ولو لم يكن على الإسلام؛ لأن قوله لم يكن على وجه الشهادة، إنما هو علم يأخذه الحاكم عمن يبصره ويعرفه مسلماً أو غير مسلم، واحداً كان أو اثنين، ومن هذا القبيل: القاسم إذا أرسله الحاكم لقسم شيء بين مستحقيه، ووثق به، ونصبه لذلك، فجاز للحاكم أن يعتمد على قوله وحده.
القرائن:
سبق في صدر بحث البينات: أنّ من الفقهاء من لا يحصرونها في أنواع مخصوصة، ويعد القرائن في جملة البينات. ودلالة القرائن تتفاوت في القوة والضعف، فتقوى حتى تفيد القطع، وتضعف حتى لا يصح الاعتماد عليها في القضاء، والمعتمد في تعرفها: قوة الذهن، والألمعية. قال صاحب "التبصرة":
__________
(1) وهو خمسون سنة كما في "المدونة"، أو عشرون سنة، وهو ما جرى به العمل.
(2) "الطرق الحكمية" (ص 84).
(13/39)

ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفقت عليها الطَّوائف الأربعة، وبعضها قال به المالكية خاصة. وقال ابن القيم: "الأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة، ولا تضبط، أمر لا يقدح في كونها طرقاً وأسباباً للأحكام، والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها، أو أقوى منها، لم يلغه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلاً؛ كالبيّنة والإقرار".
ومن الفروع التي ذكرها المالكية والحنفية في الاعتماد على القرينة: أناّ إذا رأينا رجلاً مذبوحًا في دار، والدم يجري، وليس في الدار أحد، ورأينا رجلاً قد خرج من عنده سريع الحركة في حالة خوف وفزع، ومعه سكين في يده، علمنا أنه الذي قتله، وكان لوثاً يوجب القسامة، والقود.
وفي كتب الفقه فروع كثيرة مبنية على الاعتماد على قرائن الأحوال (1).
اعتبار الرسول وأصحابه لها:
مما يشهد لاعتبار القرائن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط بدفع اللقطة لمن وصفها؛ بأن يعرف عفاصها ووكاءها (2)، فوصْفُه لها على هذا النحو المذكور أمارة على أنه صاحبها، فاستحقها بهذه الأمارة. وروى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله، قال: أردت السفر إلى خيبر، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أتيت وكيلي، فخذ منه خمسة عشر
__________
(1) انظر: "التبصرة"، و"معين الحكام".
(2) العفاص: الوعاء. والوكاء: الرباط.
(13/40)

وسقاً، فإذا طلب منك آية، فضع يدك على ترقوتهِ"، وهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة.
وحكم عمر بن الخطاب، وابن مسعود - رضي الله عنهما - بوجوب الحد برائحة الخمر من فم الرجل، أو قيئه خمراً؛ اعتماداً على القرينة الظاهرة (1).
اليمين:
اليمين في اللغة: القوة، وأطلقت على الحلف؛ لأنه يتقوى لها الصدق الذي هو أحد طرفي الخبر. وهي أقسام ثلاثة؛ لأنها إما أن تكون لدفع الدعوى، أو تصحيحها، أو تتميم الحكم، وسمي: يمين الاستظهار.
اليمين لدفع الدعوى:
هي ما يوجه إلى المدّعى عليه بمال، فينكره، وهي المشار إليها بقوله - عليه الصلاة والسلام -: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى أناس دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (2).
وروى البيهقي هذا الحديث بلفظ: "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر". وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين على المدعى عليه" (3). وتخاصم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان في أرض، فقال للحضري، وهو "المدّعي": "ألك بينة؟ "، قال: لا. قال: "فلك يمينه"، فقال: يا رسول الله! الرَّجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، قال: "ليس
__________
(1) قال ابن القيم: ولا مخالف لهما من الصّحابة.
(2) رواه مسلم، وأحمد.
(3) رواه البخاري، ومسلم.
(13/41)

لك منه إِلا ذلك" (1).
وجعلت البينة على المدّعي؛ لضعف جانبه؛ إذ يدّعي خلاف الظاهر، وجعلت اليمين على المدعى عليه؛ لأن معه ظاهر الحال، فأريد تقوية هذا الظّاهر باليمين.
وأخذ جمهور الفقهاء بظاهر الأحاديث المروية في حلف المدعى عليه، وأبقوها على عمومها. واشترط الإمام مالك في تحليف المدعى عليه: أن يكون بين المدّعي والمدّعى عليه مخالطة (2)، أو ملامسة، روى "الموطأ" عن حميد ابن عبد الرحمن: أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز يقضي بين الناس، فإذا جاءه الرجل يدّعي على الرجل حقاً، نظر، فإن كانت بينهما مخالطة، أو ملامسة، أحلف الذي ادّعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك، لم يحلفه. وقال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، وهو قول الفقهاء السبعة بالمدينة.
__________
(1) رواه مسلم، والترمذي.
(2) الخلطة عند المالكية تثبت بأشياء؛ كأن يتبايع المدّعي والمدّعى عليه مرتين أو ثلاثاً، أو يكونا شريكين، أو متقارضين، أو أن أحدهما أجير لصاحبه، أو أجر منه دابته أو داره، أو يثبت أن بينهما صحبة في دعوى الكفالة، أو يكون أحدهما صانعاً؛ كصباغ، أو صائغ.
(13/42)

أسماء الصفات وأسماء الأعيان المشيرة إلى وصف (1)
في كلام العرب أسماء أعيان لا تُشير إلى وصف؛ نحو: أسد، وسيف، وذهب، وعنب، ونمر، وليل، وصخر، وماء.
وفي كلام العرب أسماء مشتقة دلّت طريقة استعمال العرب على أنها مطردة في كل ما تحقق فيه الوصف الذي دلّت عليه، نحو: كاتب، وبليغ، وحسن، ومفضال.
وفي كلام العرب أسماء أعيان أخذت من صفات وجدت معانيها في تلك الأعيان، وصارت هذه الأسماء تستعمل لهذه الأعيان خاصّة؛ نحو: النظام للخيط ينظم به اللؤلؤ ونحوه، والسماء لمطلع الكواكب، أو سقف البيت، والحسام للسيف القاطع.
وهذان النوعان، أعني: أسماء الصفات، وأسماء الأعيان المشيرة إلى صفة، هما اللذان قد يتشابهان على الناظر، فكان القصد من هذا المقال: بحثها، وبيان وجوه الفرق بينهما في استعمال العرب، وفي عبارات المعاجم.
* الفرق بينهما في استعمال العرب:
يستعمل العرب اسم الصفة للدلالة على تلك الصفة من حيث قيامها
__________
(1) وجدت هذا البحث في أوراق الإمام المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة، مرقوناً على الآلة الناسخة.
(13/43)

بموصوف، فيحتاج التركيب إلى اسم يدل على الموصوف، ثم يأتي اسم الصفة تابعاً له، نحو: شَرود، وجَموح، إذ يقال: جَمَلٌ شَرودٌ، وفَرَسٌ جَموحٌ.
ويستعملون اسم العين المشير إلى صفة مستقلاً، فيقولون: سلَّ الحسام، وبعث إليه برسالة، وقبل منه الهدية.
ومدار وصفية المشتق أو اسميته: على غلبة استعماله متصلاً بموصوف، أو مستقلاً عنه، فورود المشتق غير تابع لموصوف في بعض الشواهد لا يدل على اسميته؛ لاحتمال أن يكون الكلام من باب ما حذف منه الموصوف لدليل، كما أن وروده في بعض الشواهد تالياً لاسم العين لا يدل على وصفيته؛ لاحتمال أن يقصد من الجمع بين الاسمين معنى يقتضيه الحال؛ مثل: التوكيد، فقول الحريش بن هلال القريعي:
ولكنّي يجولُ المُهْرُ تَحْتي ... إلى الغاراتِ بالعَضْبِ الحُسامِ
لا يقوم وحده شاهداً على أن الحُسام صفة، ولا ينفي أن يكون من أسماء الأعيان المشيرة إلى وصف.
وقول الشاعر العربي:
دونَكَها مترعةً دِهاقا ... كأساً ذُعافاً مُزِجَتْ زُعاقا
لا يقوم وحده شاهداً على أن الزُّعاق اسم للماء المرّ الغليظ، وينفي أن يكون اسم صفة للماء.
وينبني على هذا الفرق: أن الكلام الذي يذكر فيه اسم الصفة يقدر فيه موصوف، فيكون من قبيل الإيجاز، والكلام الذي يذكر فيه اسم العين المشير إلى صفة؛ حيث لا يقدر معه موصوف، يكون من قبيل المساواة.
(13/44)

ويفرّق العرب بين الاسمين في صيغ الجموع؛ فإن لأسماء الأعيان صيغاً من الجموع الخاصة بها؛ كما أن الصفات قد تختص بصيغ لا تشاركها فيها أسماء الأعيان، ونجد العرب تجري الأسماء المشيرة إلى وجه التسمية مجرى أسماء الأعيان المَحْضة، ومثال هذا: أن ما كان على وزن (فَعيل) يجمع على (فُعْل)، بشرط أن يكون اسماً لا وصفاً، ومما دخل في الأسماء، وساقه النحاة في أمثلتها: كلمة: "قضيب" للغصن المقطوع، وهو من القَضْب، فقالوا في جمعه: قُضْبٌ.
ومن هذا الباب: أنّ (فَعيلاً وفَعالاً)، يجمع على (أَفْعِلَة)، بشرط أن يكون اسماً، ومما توفر فيه شرط الاسمية، وجمعوه على (أَفْعِلَة): رغيف، وطعام، والرغيف مأخوذ من الرَّغْف الذي هو جمع العجين أو الطين كتلة، والطعام مأخوذ من طَعِم طَعْماً؛ أي: أكلَ، أو ذاق.
وقد يجد النحاة ألفاظاً تتبادر منها الوصفية، وهي جارية في بعض الجموع مجرى الأسماء، فيعتذرون لها بأنها من الصفات التي غلبت عليها الاسمية؛ نحو: عَبْد، جمعه العرب على (أَفْعُل)، و (أَفْعُل) من الصيغ المختصة بالأسماء، فقال: النحاة - جمع على (أَفْعُل)؛ لغلبة الاسمية فيه على الوصفية.
ومن وجوه الفرق بين الصفة واسم العين المشير إلى وجه التسمية: أن أسماء الصفات إذا تواردت على نوع من الأعيان، لا يحدث من تواردها عليه أسماء مترادفة، فلا يعدّ الناطق والضاحك المتواردين على الإنسان من قبيل المترادف؛ بخلاف الأسماء المشيرة إلى وصف؛ فإنها إذا تواردت على نوع من الأعيان، كانت أسماء مترادفة، ولو كانت الاسمية عارضة بغلبتها على الوصفية؛ كالحُسام والعَضْب للسيف.
(13/45)

ويفترق النوعان بأن اسم الصفة يصح إطلاقه على كل ما تحقَّق فيه الوصف إطلاقاً حقيقياً لغوياً، واسم العين اختلف أهل العلم في وجه استعماله، فأجاز بعضهم أخذ الأسماء التي تشير إلى معنى، وإطلاقها على ما يتحقق فيه ذلك المعنى، ولو لم يستعملها فيه العرب، ونسب هذا القول إلى نحاة البصرة، وحكى ابن جنّي في "الخصائص": أنه قول أكثر علماء العربية؛ كالمازني، وأبي علي الفارسي، وينسب إلى ابن درستويه.
وذهب آخرون إلى أن الاسم مختص بالمعنى الذي استعمله فيه العرب، ولا يتعداه إلى كل ما تحقق فيه وجه التّسمية، ومن هؤلاء: العلامة ابن سيده؛ فإنه قال:
"ليس لنا أن نطلق الاشتقاق على جميع الأشياء؛ لئلا يقع اللَّبْس في اللغة الموضوعة للبيان، ألا ترى انهم سمّوا الزجاجة: قارورة؛ لاستقرار الشيء فيها، فليس لنا أن نسمّي الجُبَّ أو البَحْرَ: قارورة؛ لاستقرار الماء فيهما".
وتناول هذا البحث علماء أصول الفقه، واختلفوا فيه كما اختلف علماء العربية، وممن منع من تعدية الأسماء إلى ما تحقق فيه وجه التسمية: القاضي أبو بكر الباقلاني، والإمام الغزالي، وممن ذهب إلى عدم اختصاصها بما أطلقها عليه العرب: أبو إسحاق الإسفراييني.
قال الإسفراييني في كتاب "الترتيب": تكلّمت يوماً مع أبي الحسن القطّان في هذه المسألة، ونصرت القول بجواز أخذ الأسماء قياساً، فقال أبو الحسن: من يقول بهذا يلزمه ما يلزم ابن درستويه، فقال: يجوز أخذ الأسامي قياساً إذا كان ما يقاس عليه مما أخذ واشتق اسمه من معنى فيه؛
(13/46)

مثل: القارورة، تسمى قارورة؛ لاستقرار الماء فيها، فكل ما في معناها يسمّى قارورة. قيل لابن درستويه: وماذا تقول في الجبّ يستقر الماء فيه، هل يجوز أن يسمّى: قارورة؟ قال: نعم، قيل: فما تقول في البحر والحوض؟ فالتزم ذلك، فاستبشعوا ذلك منه، وشنّعوا عليه.
قال أبو إسحاق الإسفراييني: "قلت لأبي الحسن -أيش إذا أخطأ واحد في القياس، بل كان من سبيله أن يحترز فيه بنوع من الاحتراز؛ بأن يقال: ما يستقر فيه الماء، ويخف عن اليد ونحوه).
ومنشأ الخلاف: أن اشتقاق الاسم من الوصف مبنيٌّ على رعاية: أن العين التي استعمل فيها قد اشتملت على معنى ذلك الوصف، وإذا كان وضع الاسم مبنياً على رعاية اشتمال العين على معنى الوصف، فمن المحتمل أن يقول قائل بصحة استعمال الاسم في كل عين تحقق فيها هذا الوصف، ولكن قصر العرب الاسم على نوع خاص من الأعيان لا يتجاوزونه في الاستعمال، يشعر بأن العرب قصدوا بأن يكون هذا الاسم خاصاً بالنوع الذي جرت عادتهم بإطلاقه عليه. فيكون هذا النوع هو الحقيقة، واستعماله في غيره -ولو تحقق فيه وجه التسمية- استعمالاً للفظ في غير ما وضع له. فالعرب -مثلاً- سمّوا الناقة تكون في أوائل الإبل عند الورود: "السُّلوف"، والظاهر أن هذا الاسم مأخوذ من سَلَف سَلَفاً وسُلوفاً؛ أي: تقلَّم، فلو أراد أحدٌ أن يستعمل السلوف في العربة الأولى من عربات متتابعة، لم يمنع من هذا الاستعمال مانع، وإنما يختلفون في طريق الاستعمال: أهو الحقيقة؛ لأن وجه التسمية الذي هو السَّلَف بمعنى التقدم متحقق في العربة الأولى، أم هو المجاز القائم على عدم وجه التسمية وجه شبه؟ وهذا هو الراجح فيما نرى.
(13/47)

ومما يرجع إلى الفرق بين اسم الصفة واسم العين في الاستعمال: أنك لا تستعمل اسم الصفة إِلا أن تفهم معنى الصفة، فلا تقول: افترسَهُ أسَدٌ وِرْدٌ إِلا أن تعرف معنى الوِرْد الذي جعلته صفة للأسد، أنها اسم العين، فإنك تستعمله في العين، وإن لم تدْرِ الوصف الذي يشير إليه الاسم، فتقول: فرَّ من القَسْوَرَة؛ أي: الأسد، مأخذ هذا الاسم، وما يشير إليه من القَسْر، وهو القَهْر.
وربما أراد العرب من الأسماء المُراعى فيها وجه التسمية: الأعيان، غير ملاحظين ما تشير إليه تلك الأسماء من صفات، فالمَشْرَفيُّ -مثلاً- هو في الأصل: صفة للسيف، على معنى: أنه صنع في مشارف الشام، وكثر استعمال المشرفي وصفاً للسيف، حتى صار ذكره يغني عن ذكر السيف؛ كما قال امرؤ القيس:
أيقتلُني والمَشْرَفِى مُضاجعي ... ومَسْنْونةٌ زرْقٌ كأنيابِ أغْوالِ
وصاروا بعدُ يستعملونه في السيف غيرَ ملاحظين كونه مصنوعاً في المشارف، فيقول قائلهم: تقلدت المشرفيَّ، يريد: السيف، ولم يكن مصنوعاً في مشارف الشام، ولا أظنّ المتنبي عند ما قال يمدح سيف الدولة:
ولا كُتْب إِلا المشرَفيَّة عنده ... ولا رسُلٌ إِلا الخميس العَرَمْرمُ
قد أراد بالمشرفيّة: السيوف التي صنعت في مشارف الشام، بل مقام المدح يستدعي أن يكون سيف الدولة يهيئ للعدو سيوفاً ماضية، ولا يلاحظ في هذا المقام أن تكون من صنع المشارف، بل لا يلزم أن تكون صادرة من هذا المصنع، كما يقولون: المُهَنَّدُ، ولا يلاحظون أن يكون مصنوعاً في الهند، ويسمّون الرمح: رُدْيْنياً، وإن / يكن من صنع رُدَيْنة؛ أعني: المرأة التي كانت هي وزوجها يصنعان الرِّماح.
(13/48)

وقد يشير علماء اللغة إلى أن العرب يتجاوزون بالاسم المواضع المشتملة على وجه التسمية إلى المواضع الخالية منه، كما قال صاحب "الصحاح": سُمِّي الفرس حصاناً؛ لأنه حصّن ماءه؛ أي: ضَنَّ به، فلم ينزُ إِلا على كريمة، ثم كَثُر حتى سمّوا كلَّ ذَكَرٍ من الخيل: حِصاناً.
ومن هذا النحو كلمة: القافلة، أصل وضعها للرفقة القافلة؛ أي: الراجعة من السَّفر، ثم توسع فيها على طريق المجاز، فاستعملوها في الرفقة راجعة من السفر، أو مبتدئة له (1).
ويشابه هذا -وإن لم يكن من بحث أسماء الأعيان- كلمة: (البناء) بمعنى: الدخول بالزوجة، فأصله أن الرجل كان إذا تزوج، بنى للعروس خباء جديداً، ثم قيل لكل داخل بأهله: بانٍ، وإن لم يحصل منه بناء بيت.
ومن قبيل هذا المثال كلمة: (الصفق، أو الصفقة) للعقد. فأصله: أن المتبايعين كانا إذا وجب البيع، ضرب أحدهما على يد صاحبه، فقالوا: صفَقَ له، أو على يده بالبيع، ثم استعملت الصفقة في العقد غير ملاحظ فيها ضرب اليد، وعلى اليد.
* الفرق بين اسم الصفة واسم العين في عبارات المعجمات:
قد يشير أصحاب المعجمات في شرح معاني الألفاظ أو توضيحها بالأمثلة إلى أن اللفظ من قبيل الصفات، أو من قبيل أسماء الأعيان المشيرة إلى وصف، ومن أبين ما يدلُّون به على الصفة: انهم يذكرون اسم العين، ويتلونه بذكر الصفة؛ كما قالوا: رجلٌ داهية: جيد الرأي، وسحابةٌ مذكية:
__________
(1) قد يقال في هذا المثال: إن وجه التسمية ثابت في الرفقة الراجعة على وجه التحقيق، وفي الرفقة المبتدئة للسفر على وجه التقدير الذي يجيء من قصد التفاؤل.
(13/49)

مطرت مرة بعد أخرى، وناقةٌ أُجُد: قوية موثقة الخَلْق، وموتٌ زؤام: كريه، وأرضٌ ناسكة: خضراء حديثة المطر.
ومما يدلّون به على أن اللفظ من قبيل الصفات: أن يذكروه، ويشرحوه بوصف دون أن يذكروا معه اسم العين، كما قالوا: الجواد: السخيُّ، والشّامخ: الرافع أنفه كِبْراً، والشجاع: الشديد القلب عند البأس، والكيِّس: الظريف، والزمّيت: الوقور.
فهذه العبارات من علماء اللغة ظاهرة في أن هذه المشتقات أسماء صفات، وشانها أن تذكر مع موصوفاتها، إِلا أن تقتضي الحال حذف الموصوف.
ومما يدلُّون به على أن المشتق اسم عين لا صفة: أن يصرحوا بأنه اسم لا صفة؛ كما قال صاحب "القاموس": واليَعْمَلَة: الناقة النجيبة المُعْتَمِلَة المطبوعة، والجَمَلُ يَعْمَلٌ، ولا يوصف بهما، إنما هما اسمان، وكما قال صاحب "المصباح": ناقة حلوبٌ؛ أي: ذات لبن يحلب، فإن جعلتها اسماً، أتيت بالهاء، فقلت: هذه حلوبةُ فلان. وهذا صريحٌ في أن لفظ: حلوب يستعمل صفة، أنها حلوبة، فإنه يستعمل استعمال أسماء الأعيان.
ويقرب من هذا: أن يذكروا للاسم وجهاً من التصرف ليس من شأنه أن يجري في أسماء الأعيان، ويقولون لك: إن العرب توهّموا أنه صفة، كما قال صاحب "المصباح": والفصيل لولد الناقة؛ لأنه يُفْصَلُ عن أمه، والجمع فِصْلان، وقد يجمع على فِصال، كأنهم توهموا فيه الصفة؛ مثل: كريم وكِرام.
وقد ينبّهون على اسمية المشتق بقولهم: سمِّي كذا بكذا لكذا، قال صاحب "المصباح": ويسمّى الحاجب: حدّاداً؛ لأنه يمنع من الدخول، وقال:
(13/50)

والجارية: السفينة، سمِّيت بذلك؛ لجريها في البحر، وكما قال صاحب "الصحاح": سميت النّاقة أو البقرة: بَدَنَةً؛ لأنهم كانوا يُسمِّنونها، وذكر صاحب "اللسان": أن سَبَأَ بمعنى: اشترى، لا يقال إِلا في الخمر خاصة، ثم قال: والاسم: السِّباءُ، ومنه سمِّيت الخمر: سَبيئة، قال حسان:
كأَنَّ سَبيئةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يكونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ
ومما هو ظاهر في الاسمية قولهم: كذا اسم كذا، كما قال صاحب "المصباح": واللَّقاح: اسم ما يُلقح به النَّخْلُ، وقال الأزهري: اللُّقَطَةُ: اسم الشيء الذي نَجده ملقى فنأخذه.
وقال ابن الأثير في "النهاية": والدّلوك - اسم لما يُتدَلَّكُ به.
ومما يدلُّّون به على الاسمية: اقتصارهم في شرح المشتق على ذكر اسم العين؛ كما قالوا: الوقود: الحطب، والأَسْحَم: زِقُّ الخمر، والصّارخ: الديك، والصراخ: الطاوس، والصهباء: الخمر، والأَدْهَم: القيد، والمدام: الخمر، والأنيسة: النار، واللَّبوس: الدرع، والأجْدل: الصقر.
وقد يتبادر إلى الذّهن: أن ذكر المعجمات لاسم العين مع المعنى الذي يشير إليه الاسم يدلّ على اسميته؛ كما قالوا: الواضحة: الأسنان تبدو عند الضحك، والحسام: السيف القاطع، والقابوس: الرجل الجميل الوجه حسن اللون، والسَّيّقُّ: السحاب لا ماء فيه، والهابِذَةُ: الناقة السريعة، والنزح: الماء الكدر، والمشجونة: المرأة الكثيرة العمل، النشيطة، وإنما كانت الاسمية متبادرة من مثل هذه العبارة. لأن ذكر اسم العين من نحو: الأسنان والسيف والرجل والسحاب في شرح تلك الأسماء ظاهر في أن الموصوف داخل في مفهوم هذا الاسم، فلا حاجة إلى ذكره قبله.
(13/51)

لاحظنا هذا الوجه في شرح الألفاظ، ولكنا وجدنا كلمات كثيرة تذكر بعض المعجمات في شرحها اسم العين، ويوردها بعضهم على أنها صفات صريحة، فصاحب "القاموس" -مثلاً- يقول: الإجْفيل: الظليم ينفر من كل شيء، ويقول صاحب "أساس البلاغة": وظليم إجفيل: يجفل عن كل شيء، ويقول صاحب "القاموس": اللَّديم: الثوب الخَلَق، ويقول صاحب "أساس البلاغة": وثوب وخُفٌّ لديم، ويقول صاحب "القاموس": والمُمانِح: ناقة يذهب لبنها بعد أن تذهب ألبان الإبل، ويقول صاحب "الأساس": وناقة ممناح ومنوح: تمنح لبنها بعد أن تذهب ألبان الإبل. ويقول صاحب "القاموس": والجماد: الأرض، والسَّنَة لم يصبها مطر، ويقول صاحب "الأساس": وسنة جَماد، وأرض جَماد: لا حيا (لا مطر) فيها، ويقول صاحب "القاموس": والمرقومة: الأرض بها نبات قليل، ويقول صاحب "الأساس": وأرض مرقومة: فيها نبذ من النبات، ويقول صاحب "القاموس": والملساء: الخمر السلسة في الحلق، ويقول صاحب "الأساس": قهوة ملساء: سلسة الجَرْع.
وإذا كان شرح اللفظ باسم العين مع الوصف لا يعدُّ دليلاً قوياً على اسميته، فأبعد منه دلالة على الاسمية: أن يشرحوا اللفظ بوصف، ويذكروا اسم العين بعد "من" البيانية مقدماً على الوصف، كما قالوا: والمَلُوس من الإبل: المِعْناقُ، السابق في كل مسير، أو مؤخراً عن الوصف؛ كما قالوا: السَّلوف: السريع من الخيل.
وقد رأينا بعض المعجمات تأتي في شرح الأسماء على هذا الطريق، ونرى غيرها يسوقون هذه الأسماء مَساق الوصفية الصريحة، كما قال صاحب "القاموس": والعوجاء: الضامرة من الإبل، ويقول صاحب "الأساس": والناقة
(13/52)

العوجاء: العجفاء التي أضناها السفر، وقال صاحب "القاموس": والفالج: الفائز من السهام، ويقول صاحب "الأساس": وخرج له سهم فالج؛ أي: فائز، وقال صاحب "القاموس": والهامد: البالي المسود المتغير من النبات، ويقول صاحب "الأساس": ونبات وشجرٌ هامدٌ: يابس.
* اختلاف الأسماء في الدلالة على وجه التسمية:
من أسماء الأعيان ما يكون وجه اشتقاقه واضحاً؛ كما سمّوا الحيوان الذي يطير في الهواء: (طيراً)، والبرهان؛ لفرقه بين الحق والباطل: (فرقاناً) والخَلْق الذي لا نراه لاجتنانه؛ أي: استتاره: (جنّاً)، ومنه ما يكون وجه اشتقاقه خفياً لا يعرف إِلا بعد بحث، أو يذكره بعضهم، ولا يزيد على أن يكون وجهاً محتملاً؛ كما قال بعضهم: سمّي الثَّوْرُ ثَوْراً؛ لأنه يثير الأرض، وسمِّي الثَّوْب ثوباً؛ لأنه ثاب لباساً بعد أن كان غَزْلاً.
قال أبو بكر الزبيدي: سئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فَمرَّ أعرابي، فسأله أبو عمرو عن ذلك، فقال الأعرابي: استفاد الاسم من فعل السَّيْر، فسأل بعض الحاضرين أبا عمرو عما أراد الأعرابي، فقال: ذهب إلى الخُيَلاءِ التي في الخَيْلِ، والعُجْبِ، ألا تراها تمشي العَرْضَنة (1) خُيَلاء وَتَكَبُّراً؟!
وقد يكون مأخذ اسم العين غير واضح وضوحاً يقطع الشبهة، فيختلف فيه علماء اللغة كما اختلفوا في وجه تسمية الخمر عُقاراً، فقال بعضهم: لمعاقرتها؛ أي: ملازمتها الدَّنَّ، وقال آخرون: لعقرها شاربها عن المشي، وكما اختلفوا في وجه تسمية الخِوان: مائدة، فقال بعضهم: سمّي مائدة من
__________
(1) مَشى العَرْضَنَة: مشى معترضاً.
(13/53)

مادَ يميد: إذا تحرَّكَ، وقال آخرون: المائدة مأخوذة من مادَ يميد؛ أي: مارَ، أو أعطى؛ لأن مالكها مادها للناس، فهي فاعلة بمعنى مفعولة.
* اختلاف اللغويين في وصفية اللفظ واسميته:
من الأسماء المشيرة إلى وصف: ما لا يختلف اللغويون في اسميته؛ نحو: (القَلَم)، وهو مأخوذ من القَلْم؛ أي: القَطْع؛ لأنه يُبرى مرة بعد أخرى، (والخَمْر)، وهي مأخوذة من مخامرة العقل؛ أي: مخالفته، (والسَّفينة)، وهي مأخوذة من السَّفْن، وهو القَشْر؛ لأنها تقشر الماء كما تمخره.
ومنها: ما تختلف عباراتهم في اسميته؛ كلفظ: (الوَرْدُ) فسَّره صاحب "القاموس" باسم العَيْن، فقال: الوَرْدُ: الأسد، وهذا ظاهر في أنه اسم من أسماء الأسد، وأتى به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وفرَسٌ وأسَدٌ وَرْدٌ (1). ونحو كلمة: (الذُّعاف) شرحها صاحب "القاموس" باسم العين، فقال: الذّعاف: السُّمُّ أو سمُّ ساعة، وجاء به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: يقال لسُمِّ الساعة سم ذُعافٌ ونحو كلمة: (العَضْب) شرحها صاحب "القاموس" بالسيف، وأتى به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وسيفٌ عَضْبٌ.
ومن هذا الباب ألفاظ يسوقها بعض علماء اللغة في أمثلة الأسماء المترادفة، ويوردها آخرون موارد الصفات، كما عدَّ ابن خالويه في أسماء السيف: المأثور، والصَّقيل، والجراز، وأتى صاحب "القاموس" بالمأثور وصفاً، فقال: وسيفٌ مأثورٌ: في مَتْنِه أثَرٌ، وأتى صاحب "المصباح" بالصّقيل وصفاً، فقال: وسيفٌ صقيلٌ: فعيل بمعنى فاعل، وأتى صاحب "الأساس" بالجُراز وصفاً، فقال: وسيفٌ جُرازٌ.
__________
(1) من الورودة، وهي حمرة تضرب إلى صفرة.
(13/54)

وكما أورد صاحب "القاموس" في كتابه: "الأسل في تصفيق العَسَل" كلمة: (الصموت) في أسماء العسل، وشرحها في قاموس باسم العين مع الوصف فقال: والصَّموت: الشَّهْدَة التي ليس فيها ثُقْبَةٌ فارِغةٌ، وأتى بها صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وشَهْمَة صَموتٌ: ليست فيها ثُقبة فارغة.
وربما كان سبب هذا الاختلاف: أن المشتق قد يرد في بعض الشواهد تلو اسم عين، فيذهب به بعض أهل العلم مذهب الوصفية، ويرد في بعض الشواهد مستقلاً، فيفهم آخر أن الاسمية غلبت فيه على الوصفية، فيقتصر في شرحه على اسم العين، أو يعدّه من قبيل الأسماء المترادفة. وقد نبَّهنا في صدر البحث على أن مدارَ الاسمية على غلبة الاستعمال.
وفي هذا المقام يرجع الناظر متى أراد الترجيح إلى كلام الفصحاء من العرب؛ ليستبين من موارد الكلمة اسميتها، أو وصفيتها، أو يرجع في الترجيح إلى ما عرف به هذا اللغوي، أو ذلك اللغوي من الرسوخ في علم اللغة، وجودة التعبير، ووضع الأقوال الشارحة للأسماء موضعها.
ولا يفوتنا أن ننبِّه على أن كثيراً من الأسماء المشيرة إلى وصف، وإن جرت مجرى أسماء الأعيان، قد يعود بها الفصحاء إلى معنى الوصفية المحضة، ونرى أصحاب المعجمات قد يذكرون في شرح الكلمة المعنيين الوصفي والاسمي، كما قال صاحب "القاموس": الهِزَبْرُ: الأسَدُ، والغَليظُ الضَّخْم، والشَّديد الصُّلْب، فيصبح الهزير اسم عين بمعنى الأسد كما في قوله:
أفاطِمُ لو شَهدْتِ بيطنِ خَبْتٍ ... وقد لاقى الهِزَبْرُ أَخاكِ بِشْرا
وأن يستعمل بمكان الوصف؛ أي: الشديد الصُّلب كما قال المتنبي:
أَسَدٌ دَمُ الأَسَدِ الهِزَبْرِ خِضابُه ... مَوْتٌ فَريصُ الموتِ منه تَرْعَدُ
(13/55)

فمن المحتمل القريب أن نرجّح بخلاف عبارات بعض اللغويين في اسمية الكلمة ووصفيتها إلى أن لها وجهين من الاستعمال، يذكر أحدهم وجه الاسمية، ويذكر آخر وجه الوصفية، وكلاهما عربي فصيح.
(13/56)

الحالة السياسية في تونس محاولة إدماج التونسيين في الجنسية الفرنسية (1)
أخذت الأمة التونسية منذ عهد بعيد تنهض من خمولها، وتجعل المعارف والنظام سلّماً لرقيها، وما برحت تسير في سبيل الحياة الزاهرة، وتسابق الأمم الراقية في ميدان الحضارة والآداب بخطا واسعة -ولاسيما يوم تقلّد إمارتها أحمد باشا- حتى عمدت إليها فرنسا مخترعة لبوس الحرية! ووضعت عليها سلطة تسمّى في لغة الاستعمار: بالحماية.
وليس الغرض من هذا المقال التعرض لهذه الحماية من الوجه الذي ينظر إليه جهابذة السياسة وأساتذة حقوق الأمم؛ ليحكموا عليها بأنها وليدة عقد مشروع، أو أنها بنت القهر والحرص على استرقاق النفوس الحرة، والاستئثار بما يسَّر الله لها من مرافق الحياة، وليس الغرض أيضاً الدخول في تفاصيل ما تمطره على رؤوس الوطنيين من فنون الإرهاق، وضروب الاستعباد، وإنما نرمي بالبحث فيه إلى حلقة من سلسة آثار تلك الحماية المنكرة؛ حتى
__________
(1) جريدة "السياسة" القا هرية، لسان حال الأحرار الدستوريين - رئيس التحرير المسؤول الدكتور محمد حسين هيكل - العدد 393 الصادر في 25 جمادى الآخرَة سنة 1342 ه الموافق 31 يناير 1924 م.
هذا المقال للإمام محمد الخضر حسين، في مقدمة ما كتبه من مقالات للدفاع عن تونس وجهاده الشاق الطويل في السعي لاستقلالها.
(13/57)

يرى حُماة الإنسانية، وأنصار الحقيقة، كيف يتخبط الشعب التونسي تحت نير من الاضطهاد، لا يمكنه المقام معه على هدوء وسكينة، وإن بلغ من الأناة وحبّ السلم أشدَّهما.
رأت فرنسا كيف أنفذت في التسلط على التونسيين كل ما تملك من قسوة، فبدا لها أن تفتح في سور سياستها الضاغطة منفذاً يردّدون منه أنفاس الحرية، ويمرقون منه إلى مستوى الكرامة عندها، فلم تسمح لها طبيعة الاستعمار -لسوء حظّهم- إِلا بأن تخلع عليهم ثوب التجنس بالقومية الفرنسية.
اشتد حنق التونسيين لهذا القانون، فجاءت صحفهم طافحة باحتجاجات بالغة، ومقالات تغلي كالمراجل غيظاً وجزعاً، وتنذر الشعب بما يجرّه ذلك القانون في أذياله من العواقب المشؤومة على حال الاجتماع والسياسة، ولكن عميد فرنسا في تونس تلقى ذلك السخط العام وشرار الشكوى المتطاير حوله بمنتهى الاستخفاف والغطرسة؛ فإنه لا يدري أن الأمة التونسية قد ارتقى بها الشعور والاعتبار بتاريخها المجيد إلى صفوف أولي العزم من الأمم، فإذا أحست مكيدة تدبر لها، أو مظلمة تحمل على عاتقها، أرهفت حدَّ الرأي والعزيمة، ولا تنفك تصارع من يحاول حرمانها من التمتع بما تتمتع به أمثالها من الأمم المستقلة؛ حتى تفوز ببغيتها، ويطلع فجر الحرية الصادقة في أفق سياستها.
ومن شاء أن يقضي العجب، فليقضه من جواب ذلك العميد إذ تظاهر بالعجب من هذه الثورة الفكرية المزعجة، قائلاً: "إن فرنسا لم تضع هذا القانون على وجه الإكراه، وللتونسي الذي يراه مخالفاً لدينه أن يحتفظ بقوميته".
ليتني أعلم كيف نطق لسان ذلك العميد بهذا الجواب، وهو يدري،
(13/58)

وكل أحد يدري: أن للسلطة المتصرفة في البلاد التونسية قلبين: قلباً مشتقاً من الفظاظة والجور، وهو الذي تحمله ضد الوطنيين، وقلباً مزاجه الرأفة، وملؤه العطف والسخاء، وهو ما تحمله في صدرها عندما تدير أمور الفرنسيين أو المتفرنسين.
وهذه المفاضلة المخجلة المزرية هي التي سهلت على فرنسا أن تصدر قانون التجنس في صورة الاختيار؛ حيث ترجو من أراذل القوم، ومن هم بمنزلة سقط المتاع: أن يهرعوا إليها، ويمدّوا سواعدهم لاعتناق قوميتها؛ حرصاً على جاه مصطنع، أو لذة عاجلة.
ففرنسا تعلم حقَّ العلم أن هدمها لقاعدة المساواة بين الوطني والمتفرنس، ورفع هذا إلى مقام السيادة والسيطرة على الآخر، يغني غناء الإكراه، ويقوم مقام إجرائه بالقوة القاهرة.
ولو كانت السلطة النافذة في تونس مفرغة في قالب العدل، ومدبرة لشؤون المتفرنس والوطني على النظام الذي تقتضيه حال الجماعة المشتركة في وطن واحد، لم ترض فرنسا أن تخرج هذا القانون في صيغة الاختيار، وعلى فرض أن تخرجه كذلك، وقانون المساواة مطرد، لم يكن لوقعه أثر غير استهانتها بشرف الحكومة؛ إذ من المحال أن يدور في خلد وطنيّ -وإن بلغ في السَّفَه بانحطاط الهمة الأمد الأقصى- أن يعتنق القومية الفرنسية مزدرياً بشرف قوميته، وحكمة شريعته.
نصبت فرنسا حبالة هذا القانون في بلاد الجزائر يوم كان الجهل بقيمة القومية معششاً في كثير من الأدمغة، فاستدرجت به نفراً كان من شأنهم الممقوت أن يشمخوا بأنوفهم كبراً وخيلاء، ويدوسوا حقوق قومهم الأولين بأرجل آثمة،
(13/59)

ولم تعدم الحكومة أن تتخذ من أمثالهم أفواهاً تطفئ بها نور الشعور من نفوس الوطنيين، ومعاول تنقض بها كل حجر يضعونه في أساس نهضتهم.
لقد كان في قصص هؤلاء المتفرنسين عبرة لأولي الألباب من التونسيين، وهي ما جعلتهم يحذرون من أن تمسخ نفوس منهم، وتصير بطبيعة التجنّس الفرنسي كالخوافي، بل القوادم للسلطة المستعمرة، فيزداد الشعب من بلائهم حنقاً على حنق، وربما عجل به ذلك الحنق المتراكم إلى أن تنقلب أناته عزماً نافذاً، وأنفاسه المكتومة شرراً متصاعداً، فينحل وكاء فتنة تفشل يد القوة الحاكمة عن وقف سيلها الجارف، وإعادة الراحة إلى قرارها المكين.
فإذا عمي على فرنسا سوء طالع هذا القانون، وأصرت على نفاذه؛ بالرغم من احتجاجات الأمة، ومظاهر استيائها الأليم، فقد بقي في يد زعمائها سبل لعلاج هذا الداء الفاتك، لا تستطيع أية قوة أن تسدّها في وجوههم، ومن بين هذه السبل: تلقين الشعب واجباته الإسلامية الاجتماعية، وجعله على بصيرة من أن مقتضى التجنس بالقومية الفرنسية أن يقاتل تحت راية فرنسا، وإن كانت هاجمة على جماعة من إخوانه لغة وديناً، وهم في عقر دارهم آمنين. ولا جرم أن الانضمام إلى صفوف المخالفين -إذا اشتبكوا في حرب مع المسلمين- نزول إلى حضيض الارتداد عن الاسلام، ونكث لليد من عروته الوثقى.
فامتشاق الطائفة المتنورة عزماً لا يُغْمد، وإشرابهم في قلوب الوطنيين كراهة الانسلاخ عن الوطنية، والاندماج في قومية المستعمر، مما يفتل عنق ذلك القانون، ويجعله كالمرقوم على صحيفة غدير ماء تخفق عليه أرواح عاصفة.
(13/60)

وليس لفرنسا وقتئذ إِلا أن تعضَّ سياستها ندماً على وضع قانون تعتدي به على مملكة مستقلة، ولم تجن منه ثمرة، بل غرست به أضغاناً بالقلوب، ومخازي في صحف التاريخ، وليست الأضغان في قلوب الرجال الناهضين إلا شرراً لا يلبث أن يتأجَّج، ويندلع منه لهيب فتنة شعواء.
محمّد الخضر حسين
(13/61)

رسالة الإمام محمد الخضر حسين إلى الأستاذ محمد الصادق بسيس (1)
القاهرة في 15 رجب 1355 ه
حضرة الأديب الماجد ابننا العزيز محمد الصادق بسيس رئيس جمعية الشبان المسلمين!
السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد:
فقد تلقيت أول أمس من الدكتور أحمد فكري خطابكم الكريم، وهديتكم النّفيسة التي هي أثر من آثار جمعيتكم المجاهدة، ثم جريدة "الزهرة" المنشور بها مقالكم في وصف محاضرتنا التي ألقيت بمحطة الإذاعة، وقد سررت بخطابكم؛ لما يحمله من روح الودِّ الصادق، والدّلالة على أن في تونس شباباً يجمعون إلى استنارة الفكر، ونباهة الذّهن، ثقافة إسلامية صافية، وقابلنا الهدية بجزيل الشكر، ولاسيما هدية نعدّها فاتحة صلة بين مجلة "الهداية الإسلامية" بالقاهرة، وجمعية الشبان المسلمين بتونس.
__________
(1) نشرت في كتاب "الصادق بسيس: حياته، وآثاره" جمع وإعداد الأستاذ أبو زيان السعدي - ط تحت إشراف مركز الاتصال الثقافي بتونس. (انظر المقال المنشور في: القسم الثاني من هذا الكتاب تحت عنوان: "الأدب التونسي في القرن الخامس - مسامرة الشيخ محمد الخضر حسين". وهذه الرسالة رد على المقال.
(13/62)

أما المقال، فقد حررتموه بحسن ظنّ جعل الصغيرَ من سيرينا في نظركم كبيراً، وقد قرأه شبابُ الهداية، ووضعوه في لوحة ذات إطار، وعلّقوه في بهو شعبة شباب الهداية بالمركز العام للجمعية. وفي هذه الشعبة أعضاء من كليات الجامعة: الحقوق، والعلوم، والطب، وغيرها من المدارس العادية.
وستوالي الجمعية إرسال مجلتها، وما يصدر عنها من مطبوعات إصلاحية أو أدبية إلى جمعيتكم النافعة.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي، وخالص شكري، وأسأل الله تعالى أن يؤيدكم، ويكثر من أمثالكم في الغيرة، ومواصلة الجهاد في حكمة وثبات.
محمّد الخضير حسين
(13/63)

من الأدب التونسي المجهول إرشاد ونصائح (1) شعر الشيخ محمد الخضر حسين
تقديم: ظافر
كان المرحوم الشيخ محمّد الخضر حسين قريباً من نفوس زملائه وتلاميذه؛ بما جُبل عليه من علم وأدب وحسن خلق، وإرادة قويّة، وتصميم لا يعرف التّسليم.
ولمَّا غادر البلاد التّونسية نهائياً بسبب العَنَت الذي لاقاه، لم يكاشف بما بيّت في نفسه إِلا صديق عمره الأستاذ الإمام الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور الذي آلمه الفراق، فكتب معرباً عن أسفه الشديد لمغادرة الشيخ الخضر بلاده مغادرة اليائس المهيض الجناح.
وما إن استقرّ الشيخ الخضر بدمشق، حتى توالت رسائل تلاميذه عليه تعبّر عن حسرتهم لغيابه، والأمل في الابه. ومن أبرز هؤلاء التّلاميذ: الشيخ محمد بن عبد الجواد (قاضي المهدية والقيروان)؛ فقد كان قريباً من الشيخ الخضر، ومن صنوه محمّد الطاهر بن عاشور؛ لذكائه وعلمه، وسرعة بديهته.
__________
(1) مجلة "الهداية" - العدد السّادس من السنة السادسة والعشرين الصادر في ذي الحجة 1422/ محرم 1423 ه - فيفري / مارس 2002 م - المجلس الإسلامي الأعلى للجمهورية التونسية.
(13/64)

وكان الشيخ الخضر يستنجب محمّد بن عبد الجواد، ويرى فيه الطالب المجتهد المخلص، فردّ على إحدى رسائله إليه بقصيد شعريّ عنوانه: "إرشاد ونصائح"، ضمّنه ما يختلج في ذهنه من خواطر صوّرها في هذا القصيد الذي لم يشمله ديوانه "خواطر الحياة".
لذا نقدِّمه إلى قراء "الهداية" فيما يلي:
إرشاد ونصائح
سلام يُستَهَلُّ به النِّظامُ ... ومِنْ أدبِ المخاطبةِ السّلامُ
تحيّيكم به من قبل رَقْم ... عَواطفُ في الضَّمير لها ارْتسامُ
(محمّدُ) زارَني طِرْسٌ بليغٌ ... وطِرْسُ أخي الوَفاءِ لهُ ذِمامُ
دعاني أنْ أخوضَ عُبابَ وَعْظٍ ... على نَسَقٍ يموجُ به انْسجامُ
ويبلُغُ مَنْ يسيرُ على أناس ... بهِ ما يبلغُ الرّجلُ الهمامُ
فأحجَمَ بالقريحةِ أَنَّ باعاً ... قصيراً لا يُساعفهُ اقْتحامُ
ولكنَّ القرائحَ كالمطايا ... إذا جمحَتْ يُراوضُها الزّمامُ
فهزّتْ للعلى القلمَ اقتياداً ... لفكرٍ فاستقادَ بما يُرامُ
وناجاني بأنَّ النفسَ يعدو ... بها في زهرةِ الدُّنْيا هُيامُ
فيسحبُها على حمَإِ الدّنايا ... إلى سوقٍ يروجُ بها الطَّغامُ
وينفضُ كَيسها في كسْبِ خيرٍ ... تمتُّ بهِ إذا نَزَل الحِمامُ
فإن يَنسج عليها العقلُ دِرْعاً ... حماها أن يشطَّ بها غَرامُ
فإن العقْلَ كالنِّبراسِ تَهدي ... أَشعّتُه لما فيهِ السَّلامُ
(13/65)

وإنْ لمْ نَسقِهِ بمدادِ عِلْمٍ ... ذَوَى ببهيجِ زَهْرتهِ أُوامُ
وإنَّ مَناهِلَ العِرْفانِ شتّى ... وكلٌّ حوْلٌّ حافَتِه ازْدحامُ
ومنْ ألقى الرِّحالَ بعلْمِ شَرْعٍ ... وطافَ بغيره فهو الإِمامُ
ومَا ثمرُ العلّومِ قريبَ مَجْنى ... يَطوعُ كما يطوعُ لكَ الثِّمامُ
فلا يجْنيهِ إلّا ربُّ حزْمٍ ... يَنام المَشْرَفيُّ ولا يَنامُ
تنافس في المعارف خاطبوها ... وكلّ في السباق له مَقامُ
فهذا ماسكٌ طَرْفاً وهذا ... تهاوى تحتَ أخْمَصِه السَّنامُ
وقد يتخطّفُ الرَّسْمينِ فِكْرٌ ... ودونَ الفَرْقِ بينهما قَتامُ
فيجري في القَضاءِ على استواءٍ ... ويختلطُ المُحَلَّلُ والحرامُ
وقد يبني الضلالُ خيامَ حقٍّ ... ويسكنُها فتشتَبِهُ الخِيامُ
ولا ينحطُّ فكرُك حينَ يَطْفو ... على معنى يغوصُ له الكَهامُ
فقد ينبو المهنّدُ عن مَحزِّ ... وما أوهى صرامتَه انْثلامُ
فخُذْ بِعُرى المشورةِ فالمعاني ... تبوحُ سنَىً إذا حَمِي الْتحامُ
لُباناتُ الرِّجالِ مثيلُ سُحْبٍ ... يمرُّ بها على النَّفْسِ اهتمامُ
فهذي مُزنةٌ شملَتْ، وهذي ... تخصُّ بوَدْقِها، وذِهِ جَهامُ
وهلْ يرتاحُ ذو قلبٍ لِغيْثٍ ... تكنَفهُ وقد قحطَ الأنامُ
فما في مستطاعِ الفَرْدِ عَيْشٌ ... ولم يدمجْه في القَوْمِ التئامُ
وهل تبقى الحياةُ خليطَ عُضْوٍ ... يفكّكُهُ عنِ الجسدِ اصطلامُ
(13/66)

فمنْ يبذُلْ لهم مسعاه يوماً ... تنادَوا أن ألمَّ به اهتضامُ
ومنْ يمسِكْ إذا ما استصرخوهُ ... عِناناً يُسلموهُ إِذاً يُضامُ
وفيهم من يرافقُ في صفاءٍ ... تفتقَ عن حقيقتهِ اللِّثامُ
ومَنْ هو ماسحٌ بصباغِ وُدٍّ ... وللبغضاءِ في الصدرِ اضطرام
ومَنْ يرمي على عَلَنٍ بضِغْنٍ ... يمثّله مقالٌ أو حُسامُ
فمنْ صافى يُصافَ ومن يهاجمْ ... يدافع بالتي فيها قَوامُ
ومَنْ لبِسوا المداجاةَ اسْتقمنا ... لهم عند التلاقي ما استقامُوا
وفي الإخوان من يجفو ولكن ... يلوح لصدقِ خُلَّته وِسامُ
فشدَّ إليكَ حَبْلَ الوصْلِ حينًا ... وإن شئت المَلامةَ فالمَلامُ
وشأو الحمدِ يدرك باعتلاءٍ ... على غضَبٍ يهيجُ به انْتقامُ
فكمْ قَدمٍ هَوتْ بمغاصِ ذَنْبٍ ... وسائقها لدى السعي احترامُ
وما مُلَحٌ بنادي الأنْسِ تُلقى ... إلى أدبٍ عَلا إِلا جِمامُ
فلا يطوي جلالَتَك انْبساطٌ ... يلَذُّ مع الرفيق به كلامُ
وفي الرؤساءِ ذو أدبٍ فسيحٍ ... وفي أذواقِ بعضهمُ انْخِرامُ
فنستوفي الخلوصَ لمنْ تَزَكّى ... ونحذرُ مَنْ يتيهُ به المَقامُ
وما شأن الحياةِ بمستقرٍّ ... على حالٍ يحالفُه الدَّوامُ
كِلا الحالين مِنْ كَدَرٍ وبِشْرٍ ... يُعانقُه على الأثَرِ انْصرامُ
ومنْ يَصعرْ إلى الدّيباجِ خدّاً ... ونُضِّدَ في موائده طَعامُ
(13/67)

كمنْ يحسو لمخمصةٍ سَويقاً ... وباتَ ولِصْقَ لمَّتهِ الرِّجامُ
يحول كلاهما في اللَّحْدِ قوتاً ... وينزَحُ ماءَ وجنتهِ الرّغامُ
فلا تملأْ فؤادك بارتياحٍ ... إذا حيّاكَ من فَمِها ابْتسامُ
تِلنْ أعطافُه للصبْرِ مهما ... تلاقت من نوائبها سِهامُ
ومنْ ضغطَتْ عليهِ يدُ البلايا ... بأرزاءٍ يطيش لها المَنامُ
توجَّهَ للذي نجّى (ابنَ متّى) ... وقد واراه في الحوتِ الْتقامُ
ووضعُ يدٍ على العملِ انتهازاً ... لوَفْرِ المالِ يفعلُه الكِرامُ
فتلكَ يدٌ تجولُ، وذاك قلبٌ ... له بمعونةِ الله اعتصامُ
ولا يبتزُّ من نسُكِ الفتى أن ... تحيطَ به الجنائبُ والسِّيامُ
وبسطُ الشكْرِ بين رُبى نعيمٍ ... أعزّ جنىً تفوقُ به السهامُ
وسَمْتُ الشرْعِ أجمل ما تراهُ ... بصائرُ لم يلامِسْها سَقامُ
فلا يجمد بصلبِكَ عن ركوعٍ ... تهكّمُ مَنْ عبادتُه المُدامُ
أرى عمَرَ الحكيمَ كبيتِ شعرٍ ... تراصَف من مقاصدِه رُكامُ
فذا لفظٌ لهُ معنى صُراحٌ ... وفي مطويِّهِ دُرَرٌ وِسامُ
وهذا حِليُ ظاهرِه مُساغٌ ... وملءُ ضميرِه هِمَمٌ عظامُ
ومنْ لم يفقهوا للوقتِ معنًى ... تباهَوا في خَلاعتهم ونامُوا
ولاقوا من يجاذبهم لرُشْدٍ ... بأذنٍ لا يفضُّ لها صِمامُ
إلى أن يستفيقَ بهم مشيبٌ ... وشيب الصَّدع للغاوي لِجامُ
(13/68)

ومنْ وافى النهايةَ في قصيدٍ ... دعاه لحسن مقطعِها خِتامُ
وسِلْكُ العُمْرِ منتظمٌ، ولكنْ ... جهلتُ مَتى يكون له انفصامُ
فأحسبُه وأحسبُ كلَّ يومٍ ... تبرَّج لي يُناطُ به التَّمامُ
(13/69)

رثاء الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتّور (1)

كُلُّ امرئٍ برسولِ الموْتِ مَوعودُ ... وكلُّ أُنْسٍ بذاتِ البَيْنِ مَحدودُ
فأَحْزَمُ القومِ مَنْ يَعنو لخالقِهِ ... وعزمُه بِعُرى الطّاعاتِ مشدودُ
لا يطمئنُّ بهِ عن شأوها ترفٌ ... ومورقٌ من خصيبِ العَيْشِ أُملودُ
__________
(1) قصيدة للإمام محمد الخضر حسين في رثاء الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور المولود في تونس في مستهل رجب 1240 وتوفي في غرة محرم 1325 ه، استلم الوزارة الكبرى سنة 1299، وهو من أهل العلم والأدب والذكاء. انظر ترجمته في: كتاب "تونس وجامع الزيتونة" للإمام محمد الخضر حسين في مقال تحت عنوان: "نظرة في حياة وزير تونسي".
نشرت قصيدة الرثاء في جريدة "المعارف" التونسية العدد السابع من السنة الأولى الصادر يوم الخميس 15 محرم 1225 ه - 28/ 2/ 1907 م. وهي جريدة إسلامية عمومية أسبوعية لصاحبها محمد صادق المحمودي. وقدمت الجريدة قصيدة الرثاء بقولها: "وردت علينا هذه المرثية البليغة من إنشاء صاحب الفضيلة العالم الأديب صديقنا الماجد السيد الخضر بن الحسين في رثاء فقيد العلم والسياسة المرحوم الوزير الأكبر، ولما اشتملت عليه من نفائس المعاني، وبلاغة القول، نشرناها إشعاراً بفضل صاحبها، وإيماء إلى مكانة الفقيد في نفوس أهل العلم والمعرفة، وهي مرثية أثَّر فينا حسن أسلوبها، واشتمالها على أخص صفات المَرثي، ومحاسن أخلاقه وسياسته العمومية.
(13/70)

ليس المدامةُ في رأي الحكيمِ سوى ... مرارةٍ قاءَها في الدَّنِّ عنقودُ
وما أعزّ حياةً بانَ صاحبُها ... وسعيُه بلسانِ الحمدِ معدودُ
هذا الوزيرُ العزيزُ اجتازَ سابلة الْ ... محيا وساعدُه في البِرِّ مجهودُ
أَنْسى الخطوبَ ولا أنسى غداةَ حَدا ... به الحِمامُ ورُكْنُ الصبْرِ مهدودُ
عينُ الشّريعةِ فاضتْ حسرةً بدمٍ ... وصدرُها بشُواظِ الحُزْنِ مُوْقودُ
كانت عزائمُهُ تَرْعى مصالِحَها ... إذا تَجافى عن الإصلاحِ جَلْمودُ
وكان جانِبُها السّامي بهمَّتِه ... عليه دِرْعٌ من الإعزازِ مَسْرودُ
يطاردُ الغَمْضَ عن جفنٍ حراستُه ... سِتْرٌ على مَعْهدِ العِرفانِ مَمدودُ
ولا يغوصُ على مَنْحى سياستِه ... إِلا حجًى بثقافِ العِلْمِ مَمْهودُ
وقد يجادلُ في مَعْنى عَدالتها ... لسانُ خَصْمٍ بأسْرِ الجهلِ مَصفودُ
يبني بفصلِ خطابٍ للحقوقِ حِمىً ... كما انْتقى سابغاتِ الحربِ داودُ
والنَّصْرُ في شُهُبِ الأرماحِ أولُه ... وتارةً ببليغِ القَوْلِ معقودُ
إنْ صاغَ لفظاً لدى تقريرِ حادثة ... لم ينفَلِتْ عن حواشي اللَّفظِ مَقْصودُ
تَخْطو بَراعتُه في طِرْسِه عَنَقاً ... فلا ترى الدُرَّ إِلا وهو مَنْضودُ
أما الأناةُ فَطودٌ لا يميدُ به ... سيْلٌ ومَرْكَزُه في الحُكْمِ مَوْطودُ
........................ ... يومٌ كقارعةٍ دهماءَ مَشْهودُ (1)
والناسُ من حولهِ هذا يساعفُه ... دَمْعٌ وهذا شجيُّ القلبِ مَكْمودُ
__________
(1) الشطر الأول من البيت مطموس في الأصل.
(13/71)

زاروا به مَضْجَعاً ثم انْثنوا زُمَراً ... وكُلُّهم بينهم في العود مَفْقودُ
بَلْ أوفدوهُ على مَوْلى تواجِهُهُ ... منه الكرامةُ والرضوانُ والجودُ
سيَنْجلي اليومُ ما لم يدرهِ فئةٌ ... بالأمْسِ والزُّهْدُ في الموجودِ معهودُ
فالشَّمْسُ لا يقدِرُ الرّائي فضيلَتها ... إلّا إذا غشِيَتْ أنوارَها السُّودُ
لا غَرْوَ إنْ قالَ ما سوف يؤرخه ... (ماتَ الوزيرُ فَرُكْن العَدْلِ مَضْهودُ)
سنة 1325
(13/72)

تهنئة لمقام المشيخة الإسلامية (1)
زُفَّت إلى بيرمَ الرِّئاسةْ ... فابْتَهَجَ العِلْمُ والسِّياسهْ
وثمرةُ العِلْمِ يَجْتنيها ... ذو هِمَّةٍ أَلقحتْ غِراسَهْ
يا مُحْرِزاً خَصْلَتَيْ سِباقٍ ... في حَلْبَةِ الفَهْمِ والدِّراسَهْ
تفرَّسَ النّاسُ فيك خيراً ... وطالما تصدُقُ الفِراسهْ
وهكذا يُرْتَجى لنَفْع ... مَنْ كانَ ثوبُ الهُدى لباسَهْ
فالعَدْلُ مِنْ مَفْصِلِ القضايا ... مِنْ نورِكُمْ آنسوا اقْتباسَهْ
والعِلْمُ بالفِقْهِ والفَتاوى ... أقامَ في بَيْتِكُمْ أساسَهْ
هذا حِمى الشَّرْعِ حَوَّطَتْهُ ... مِنْ عَهْدِ تقليدِكُمْ حِراسَهْ
وما يَلي رَعْيَهُ حكيمٌ ... لا يملِكُ الضَّيْغَمُ افتراسَهْ
وذا نظامُ العلّومِ ألقى ... إلى تدابيرِكم مِراسَهْ
__________
(1) نشرت في جريدة "الزهرة" العدد 727 الأحد 13 صفر الخير 1329 ه الموافق 12 فيفري 1911 م - تونس - وجاء في تقديم القصيدة: "العالم الفاضل الزكي المتفنن الأديب الشاعر المجيد الشيخ السيد الخضر بن الحسين المدرس بالجامع الأعظم دام عمرانه".
(13/73)

فانْهَضْ لإصلاحِ ما تعفّى ... وردَّ من جامحٍ شِماسَهْ
والحقُّ يا بن الكرامِ نورٌ ... وقد يُثير الهوى الْتباسَهْ
هلْ في نواياكَ بَسْطُ باعٍ ... لِكَبْحِ من يبتغي انْعِكاسَهْ
فما عَهِدْنا لديكَ إِلا ... أصالةَ الرأي والحماسَهْ
ومن يَقِسْ آتيًا بماضٍ ... بنى على حُكْمِه قِياسَهْ
لا بِدْعَ إن حُزْتَ في خصالٍ ... شهادةَ الطَّبْعِ والسَّلاسَهْ
فالسيفُ في حَدِّهِ مضاءٌ ... يَفْري وفي جَنْبِهِ مَلاسَهْ
لو فُوِّضَ الأمْرُ في انتخابٍ ... إلى حِجَى كُلِّ ذي كَياسَهْ
تضافروا في الجوابِ أَرِّخْ ... (تُعْطى إلى بَيْرَمَ الرِّئاسَهْ)
سنة 1329
(13/74)

من شعر الإمام محمد الخضر حسين
يتداول شيوخ الزيتونة والأدباء في تونس بيتين من الشعر، ينسب قولهما للإمام محمد الخضر حسين عند وداعه تونس في رحلته إلى الشرق، وكان في موقف الوداع الإمام محمد الطاهر بن عاشور، وجمع من تلامذة الإمام ومحبيه (1):
أُوَدِّعُكُمْ واللهُ يعلمُ أنّني ... شَغُوفٌ بِكُمْ لا أَبْتغي البُعْدَ عَنْكُمُ
وما عَنْ قِلىً (2) كانَ الفراقُ وإنَّما ... دولٍ تبدَّتْ فالسَّلامُ عَلَيْكُمُ
__________
(1) روى لي البيتين مع واقعة الوداع الشيخ محيي الدين قادي من علماء الزيتونة، كما سمعتهما من بعض رجال الفكر والأدب في تونس.
(2) القلى: البغض والهجر. يقال: قلَى فلاناً قِلىً: أبغضه وهجره.
(13/75)

تقريض كتاب "مرآة البراهين في مضار النشوق والتدخين"
للإمام محمد الخضر حسين تقريض لرسالة "مرآة البراهين في مضار النشوق والتدخين" من تأليف الأستاذ علي عبد الوهاب، وطبعت في تونس سنة 1317 ه:
ذِي روضةٌ فانْشَقْ شذى نفًحاتِها ... والْقُطْ نفيسَ الدُرِّ من زَهَراتِها
وتوَقَّ عن نارِ الدُّخانِ أخا الفَلا ... حِ بِجَذْوة من نورِ إرْشاداتِها
إيَّاكَ تُنسي النَّفْسَ أمراً بعدَ أنْ ... تتلو بألسِنَةِ الحِجا آياتِها
لله مُبْدِعُ نَسْجِها من عارفٍ ... وَشَّى الطُّروسَ بِحَلْي تَحْقيقاتِها
دُمْ (يا عليُّ) وفكرُكُمْ بمعارفٍ ... يَسْمو على الأقمارِ في هَلّاتِها
(13/76)

تقريض رسالة "إجمال القول في مضار الكحول"
للإمام محمد الخضر حسين تقريض لرسالة: "إجمال القول في مضار الكحول" من تأليف الأستاذ علي عبد الوهاب، وطبعت الرسالة بالمطبعة الأدبية بتونس سنة 1316 ه.
لله دَرُّكَ مُجْلياً لرسالةٍ ... تَصْبو لرَشْفِ رحيقِها الأَلبابُ
أبديْتَ فيها للخمورِ مَهالكاً ... كيْ يَنْتهي عن شُرْبها المُرْتابُ
فَلَنِعْمَ ما رَقمَتْ يداكَ وحبّذا ... صُنعاً بهِ عند الإله تُثابُ
أخوكم
محمد الخضر بن الحسين
(13/77)

(13/78)

(13/79)

* اسم الكتاب:
رواية قالون بوجه واحد.
* تصحيح الشيخ:
صح من كاتبه محمد البشير الفورتي، لطف الله به. آمين.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الشيخ المربّي السيد الحسين بن علي بن عمر التونسي العلوي، فتح الله تعالى عليه.
الحمد لله وحده، والصّلاة والسلام على من لا نبي بعده. هذا وإن التلميذ النّجيب المرقوم اسمه أعلاه يقرأ على العبد الفقير بالرواية المذكورة يمناه. وابتدأ من أمِّ القرآن. فتح الله على الجميع بمنِّهِ.
وكتب في 5 رجب عام سبعة وثلاث مئة وألف.
(13/80)

(13/81)

* اسم الكتاب:
الشيخ خالد -صُغرى الصُّغرى بشرح المؤلِّف- القطر بشرح مؤلفه.
* تصحيح الشيخ:
صح من كاتبه محمد كشير الشريف، وفّقه الله. آمين.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الشيخ الحسين الشريف العلوي، فتح الله عليه.
الحمد لله وحده. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
أما بعد:
فإن الابن الأنجب محمد الأخضر المذكور أعلاه، ابن الناسك المربي الزاهد سيدي الحسين لازمني في السنة الماضية في الدرس يمناه إلى أن منّ الله بختمه، ويحضر بمواظبة تامة في الدرسين للكتاب الثاني والثالث، وابتدأ الأول من الأول، ووصل إلى: ما يستحيل في حقه تعالى، والثاني من الأول إلى الفصل الثاني من النواسخ، مع التأهل له. فتح الله على الجميع، بجاه النبي الشفيع. وكتبه المصحح يمناه في 7 رجب الأصب من عام 1307.
(13/82)

(13/83)

* اسم الكتاب:
الشيخ خالد - القطر - الكفاية.
* تصحيح الشيخ:
صح محمد صالح الشريف.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، فتح الله عليه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فإن النجيب مواظب مع العبد بالدروس يمناه من أولها إلى ختم الأول، والبلوغ في الثاني السلكة الأولى إلى أثناء المنادى، والثانية علامات الأفعال، والثالث أثناء الصلاة، مع التأهل والاجتهاد، فتح الله على الجميع. وكُتب في رجب عام 1307.
(13/84)

(13/85)

* اسم الكتاب:
الماكودي.
* تصحيح الشيخ:
أحمد بوخريص.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر الشريف بن الحسين العلوي، فتح الله عليه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فإن المذكور أعلاه من المواظبين في الدرس يمناه بأهلية، وبلغنا في الأفعال الخمسة، فتح الله لنا وله أبواب الخير؛ بجاه البشير النّذير، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وكتب في حادي عشر ثاني جمادى 1308.
(13/86)

(13/87)

* اسم الكتاب:
المكودي على الخلاصة.
* تصحيح الشيخ:
صح من محمد صالح الشريف.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فإن النبيه النجيب المذكور أعلاه مواظب مع العبد بالدرس يمناه، من أوله إلى باب الحلل، مع اجتهاد وحسن تفهم، فتح الله على الجميع، وكتب 12 في جمادى الثانية عام 1308.
(13/88)

(13/89)

* اسم الكتاب:
الشيخ الزرقاني على العزبة -القطر بشرح مصنفه- الشيخ الملوي على السلم.
* تصحيح الشيخ:
محمد العزيز الوزير.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف.
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا الأوّاه، وآله ومن والاه.
وبعد:
فإن النجيب صاحب الدفتر أعلاه، ممن يحضر بالدروس يُمناه، مع المواظبة ويذل الجهد وحسن التلقّي، ولوايح النجابة خافقة عليه، من أوايلها إلى أن بلغ الآن في الأول: باب الحيض، وفي الثاني: أثناء باب الترخيم، وفي الثالث: أنواع الوكالة، حرر في ثانية جمادى سنة 1308.
(13/90)

(13/91)

* اسم الكتاب:
المكودي.
* تصحيح الشيخ:
إسماعيل الصفايحي.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، فتح الله عليه. الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، فإن صاحب الدفتر من المواظبين على الدرس يمناه من: كان إلى الاشتغال. وكتب في جمادى الثانية سنة 1308.
(13/92)

(13/93)

* اسم الكتاب:
القطر بشرح مؤلفه.
* تصحيح الشيخ:
صح على الشنّوفي.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف الحسني، فتح الله عليه.
الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافي مزيده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أَولي الخصائص الحميدة، صلاة وسلاماً دائمين ليوم حشر الله عبيده.
وبعد:
فإن الأنجب النبيه الحسني أعلاه ممن لازم باعتناء وحسن تلقٍّ الدرسَ يمناه من أوله للختم، ختم الله لنا وله بالسعادة، ورزقنا الحسنى وزيادة، كتبه في شعبان سنة 1308.
(13/94)

(13/95)

* اسم الكتاب:
الشيخ المكودي على الخلاصة - المكودي على السلم.
* تصحيح الشيخ:
صح محمد صالح الشريف.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر، فتح الله عليه والمسلمين آمين آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
وبعد:
فإن الأنجب الألمعي المذكور أعلاه ممن لازم العَبْد بالدرسين يمناه من أولهما إلى الختم، فتح الله على الجميع، كل ذلك مع مواظبة واجتهاد وحسن تفهّم، وكتب في شعبان عام 1309.
(13/96)

(13/97)

* اسم الكتاب:
صغرى الصغرى.
* تصحيح الشيخ:
صح محمد المكي بن عزّوز.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الشريف، فتح الله عليه.
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، وعلى آله.
وبعد:
فإن الابن النجيب المذكور أعلاه مواظب درس الحقير المشار إليه يمناه إلى أن وصلنا بهذا التاريخ مبحث النبوّات، نسأل الله الفتح على الجميع، كتب أوايل حجة الحرام سنة 1309.
(13/98)

(13/99)

* اسم الكتاب:
صغرى الصغرى - الحطاب على الورقات - الدردير على المختصر الخليلي - المكودي على الألفية - التجويد برواية قالون.
* تصحيح الشيخ:
محمد المكي بن عزوز -وفقه الله-.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين الشريف، فتح الله عليه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن الشاب الأديب، اليلمع النجيب، ابننا السيد محمد الأخضر صاحب الدفتر، يحضر في الدروس الخمسة يمناه من أوايلها إلى أن ختمنا الأول والثاني. أما الثلاثة الباقية، فلا زال على الحضور فيها بمواظبة واعتناء وسيرة يفوز بالعلم من يقتفيها، فتح الله على الجميع، بجاه مصطفاه الشفيع - صلى الله عليه وسلم -، كتب أواسط جمادى الأولى سنة 1310.
إلى أن بلغنا في الدردير: فضايل الوضوء، وفي المكودي: فما لذي غيبة أو حضور ... إلخ، وفي التجويد بالوجوه، فتح الله على الجميع. كتب في 11 شوال سنة 1310.
وفي التجويد قرأ عليَّ من أول سورة البقرة إلى قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرّ} [البقرة: 177]. بتاريخه.
(13/100)

(13/101)

* اسم الكتاب:
الأربعين النووية - بانت سعاد - الخزرجية في العروض - مقامات الحريري - الجزرية في التجويد.
* تصحيح المؤلف:
محمد المكي بن عزّوز.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الأخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، والصلاة والسلام على آله ومن والاه.
وبعد:
فإن الأنجب الأديب، الكيّس اللبيب، صاحب هذا الدفتر، حضر عند الفقير في الدروس الأربعة يمناه، بمواظبة واعتناء كلّي وحُسْنِ تلقٍّ إلى أن ختمنا الكتاب الأول دراية، وكذا الثاني ختم كذلك، ووصلنا في الثالث إلى: باب البحور، وفي الرابع إلى: المقامة الحادية والثلاثين، والخامس في الأثناء، فتح الله على الجميع، وكتب في 11 شوال 1310.
ولازال يحضر في الكتب الأربعة من أوايلها، المقامات إلى الختم. صح محمد المكي بن عزّوز، كتب أوايل جمادى الثانية سنة 1314.
(13/102)

(13/103)

* اسم الكناب:
لامية الأفعال - الأشموني - المطالع القطرية - مختصر السعد.
* تصحيح الشيخ:
إسماعيل الصفايحي.
* الشهادة للتلمبذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وبعد:
فإن صاحب الدفتر من المواظبين على الدروس الأربعة يمناه إلى أن يسر الله سبحانه ختم الأولين، وابتدأ الأخيرين إلى أن وصلنا في الآخر باب: متعلقات الفعل، مع اجتهاد وتأهل ونباهة وحسن سيرة -فتح الله عليه بمنّه-.
وحرر في 2 ذي الحجة الحرام سنة 1311.
والابتداء في اللامية من أولها، وفي شرح الأشموني من أثناء النواسخ أو الابتداء، وكتب في 2 المحرم سنة 1315.
(13/104)

(13/105)

* اسم الكتاب:
السمرقندية بشرح الملوي - إيساغوجي - الخبيصي على التهذيب.
* تصحيح الشيخ:
مصطفى بن خليل.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله العزيز الدايم، والصلاة والسلام على الفاتح الخاتم، وعلى آله أهل المكارم.
وبعد:
فإن صاحب هذا الدفتر ممن لازم قراءة الكتب المزبورة يمناه بحزم سندين، وجدّ عصامين، وذوق مصيب لشوارد المرامين، وفهم وثمر لكل خير جمع، ونظر منشدة الألمعي الذي يظن بها الظن كأن قد روى وقد سمع، إلى أن منّ الله بالاختتام -منَّ الله علينا بحسن الختام-.
وكتب في حجّة تمام عام 1311.
(13/106)

(13/107)

* اسم الكتاب:
الدردير على المختصر الخليلي - السّوسي.
* تصحيح الشيخ:
محمد المكي بن عزّوز.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين.
وبعد:
فإن ابننا الأنجب اللبيب الدرّاكة الشريف ابننا السيد محمد الخضر، لا زال يحضر بالكتاب المذكور على يمناه، بمواظبة واعتناء وحزم وحسن تفهم، إلى أن بلغنا: السترة من سنن الصلاة، وذلك دأبه في حضوره بالكتاب الثاني من أوله إلى أن ختمناه مرّتين.
وكذا ختمنا قصيد الإمام البوصيري المسمى بالهمزية دراية، مع ملازمته لنا في مجالس علوم الدين، وما ألحق بها من لطايف بيانية، ونكات عربية، وأسرار الآيات القرآنية -فتح الله علينا وعليه-.
وكتب في 8 قعدة سنة 1312.
(13/108)

(13/109)

* اسم الكتاب:
مختصر السعد.
* تصحيح الشيخ:
إسماعيل الصفايحي.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن النجيب الألمعي صاحب هذا الدفتر من المواظبين على الدروس يمناه إلى أثناء باب: الفصل والوصل، مع اجتهاد وأهلية وحسن تفهم -فتح الله على الجميع بمنَّه-.
وحرر في ذي القعدة سنة 1312.
(13/110)

(13/111)

* اسم الكتاب:
الحلي على جمع الجوامع.
* تصحيح الشيخ:
مصطفى رضوان.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه والتابعين من بعده.
وبعد:
فإن النجيب الأديب الألمعي المشارك المسمى أعلاه ممن حضر درس العبد الفقير للكتاب يمناه من أوله إلى أن بلغنا فيه: مبحث الاستثناء، وهو على غاية من الاجتهاد والمواظبة والتنبه، والله الميسر لختم الكتاب بمنّه، وكتب في ربيع الأنور سنة 1313.
ولم يزل مستمراً على قراءة الكتاب المذكور، وهو بحالته الموصوفة، وصفات النجابة المعروفة، إلى أن يسر الله ختم الكتاب، ختم الله لنا وله بخير، وكفى الجميع الرضى.
وكتب في المحرم سنة 1314.
(13/112)

(13/113)

* اسم الكتاب:
المزهر.
* تصحيح الشيخ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
أما بعد:
فإن الأنجب اليلمعي الفاضل، صاحب هذا الدفتر ممن انتظم في سلك درس الكتاب يمناه بمزيد أهلية وحسن تفهم إلى أن انتهينا فيه إلى: أثناء مبحث المتواتر والآحاد، والله المسؤول أن يبلغ الجميع من رضوانه غاية المراد، وقد كان ابننا المذكور حضر مع العبد بدرس الأشموني، ولامية الأفعال.
وكتبه المصحح يمناه في 5 رجب سنة 1314.
(13/114)

(13/115)

* اسم الكتاب:
الوسطى - البيقونية بشرح الزرقاني.
* تصحيح الشيخ:
مصطفى بن خليل.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فإن التلميذ المذكور أعلاه ممن حضر مع العبد في الدرسين يمناه من أولها إلى أن منَّ الله بالختم مع مواظبة واجتهاد، ونباهة وحسن سيرة فتح الله عليه- آمين.
كتب في 4 ذي الحجة الحرام سنة 1314.
(13/116)

(13/117)

* اسم الكتاب:
المطول - التاودي على العاصمية - الشامية.
* تصحيح الشيخ:
أحمد بوخريص.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، والصلاة والسلام على حبيب الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فإن المذكور أعلاه، من خيار النجباء النبهاء المجدين المواظبين في الدروس يمناه، فتح الله لنا وله أبواب الخير بجاه البشير النذير، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
بلغنا في الأول: وجوب التأكيد للمنكر، وفي الثاني: أثناء فصل البيع على الغايب، وفي الثالث: جمع الصفات، وبالله الإعانة.
كتب في 24 حجة عام 1314.
وابتدأ القراءة من الابتداء - صح من كاتبه أحمد بوخريص.
(13/118)

(13/119)

* اسم الكتاب:
الدردير على المختصر.
* تصحيح الشيخ:
حسين بن حمد.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه- آمين.
الحمد لله، صلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن صاحب هذا الدفتر مواظب على قراءة الكتاب يمناه مع جد واجتهاد، كفيلين -إن شاء الله- ببلوغ المراد، من باب: النكاح إلى أثناء: العدة، بأهلية.
وكتب في 3 ذي الحجة سنة 1314.
الحمد لله. لم يزل التلميذ المشهود له أعلاه يحضر معنا في قراءة الكتاب يمناه بمواظبة واجتهاد إلى أن بلغنا: أثناء بيع الخيار -فتح الله عليه- بجاه نبيه المختار، وآله الأخيار - في ذي الحجة الحرام سنة 1315.
(13/120)

(13/121)

* اسم الكتاب:
مختصر السعد - الدرة.
* تصحيح الشيخ:
إسماعيل الصفايحي.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه- آمين.
وبعد:
فإن النبيه الأنجب صاحب هذا الدفتر ممن واظب على الدرسين يمناه إلى أن يسَّر الله سبحانه ختم الأول، بهالى: بسط الكسور في الثاني، وهو على كمال الأوصاف، وأهلية واجتهاد وحسن سيرة وعفاف -كثَّر الله من أمثاله، وفتح عليه بمنِّه-.
وحرر في 2 المحرم الحرام سنة 1315.
(13/122)

(13/123)

* اسم الكتاب:
الشفا بشرح الشهاب.
* تصحيح الشيخ:
صح من محمد جعيط.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله، والصلاة والسلام على أكمل خلق الله.
وبعد:
فإن الأديب الفاضل، سليل الأفاضل، المذكور أعلاه، رزقني الله وإياه تقواه، هو ممن يحضر في درس العبد لكتاب يمناه، مع المواظبة وحسن التفهم، سهَّل الله على الجميع طريق التعليم والتعلم. وقد انتهينا فيه في التاريخ إلى الباب الثاني في تكميل الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - المحاسن خَلْقاً وخُلقاً ... إلخ.
وكتب له في محرم الحرام من عام 1315.
(13/124)

(13/125)

* اسم الكتاب:
شرح الشيخ الزرقاني على المختصر الخليلي.
* تصحيح الشيخ:
صح محمد النجار.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله الفتّاح العليم، والصلاة والسلام على من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، وآله وصحبه الناهجين نهجه القويم.
وبعد:
فإن الفقيه النبيه الأنجب، صاحب هذا الدفتر، قد صاحب كاتبه في قراءة الكتاب يمناه، مع كمال أهلية، ومزيد تقدم ومواظبة، من أول باب النكاح إلى قول المصنف: ومنع الإحرام من أحد الثلاث.
وكتب في 15 المحرم الحرام عام 1315، وربنا الفتّاح.
(13/126)

(13/127)

* اسم الكتاب:
شرح القطب على متن الشمسية.
* تصحيح الشيخ:
صح من أحمد بن مراد.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين -فتح الله عليه-.
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن التلميذ المزبور اسمه أعلاه، الفقيه النبيه المشمِّر عن ساعد جدّه واجتهاده، من الطلبة المواظبين على كاتبه في الكتاب يمناه، وذلك من قول المصنف: ونقيضا المتساويين، إلى قول المصنف: ويسمى حداً تاماً إن كان بالجنس والفصل الغريبين.
وحرر في 15 محرم الحرام من عام 1315.
(13/128)

(13/129)

* اسم الكتاب:
الشيخ التاودي على التحفة.
* تصحيح الشيخ:
صح من كاتبه عمر بن الشيخ -وفقه الله بمنِّه-.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه-.
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، وآله وصحبه أهل الصدق والوفا.
وبعد:
فإن الألمعي الحازم المشمِّر عن ساعد الجدّ والاجتهاد، الأنجب الأنبه، الفاضل اللوذعي المشارك، ابننا صاحب هذا الدفتر المبارك من المجدين المواظبين على العبد الفقير في دراسة الكتاب يمناه، من أوله إلى قول المصنف: فصل في مسائل من النكاح -منحني وإياه بالفتح خير مانح وواهب-.
وكتب في أوائل محرم 1316.
(13/130)

(13/131)

* اسم الكتاب:
الشفا بشرح الشهاب.
* تصحيح الشيخ:
صح من محمد جعيط.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه- آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على أكمل خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
فإن الثقة الأنجب الفاضل، سليل السادة الأفاضل، قد حضر على العبد في درس الكتاب يمناه -أظفره الله بمناه-، وهو في ذلك مواظب مجد، ذو فكرة وقّادة، تؤذن بأن ستصير له جياد المعارف منقادة، وذلك من الموضع الذي صحيح له فيه بصحيفة (24)، وقد بلغنا في التاريخ إلى أثناء فصل: في ذكر شجاعته - صلى الله عليه وسلم -.
وكتب له في محرم الحرام من عام 1316.
(13/132)

(13/133)

* اسم الكتاب:
شرح الشيخ الزرقاني على مختصر الشيخ خليل.
* تصحيح الشيخ:
صح من محمد النجار الشريف.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف -فتح الله عليه- آمين.
الحمد لله الفتّاح العليم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وصحبه الناهجين منهجه القويم.
وبعد:
فإن الفاضل الألمعي، الأنجب اللوذعي، صاحب هذا الدفتر المصحح له في (صفحة 35) لم يزل مواظباً على قراءة الكتاب يمناه، إلى أن بلغنا فيه إلى قول المصنف: وفيها يلزمه تجهيزها به، وهو على ما عهد من كمال أهليته، واعتنائه ومزيد تقدمه، وربنا الفتّاح.
وكتب في 18 المحرم الحرام عام 1316.
(13/134)

(13/135)

* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف العلوي.
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وعلى آله وأصحابه أولي العهد والوفا.
أما بعد:
فإن الفقيه النبيه المشارك الشيخ محمد الخضر صاحب هذا الدفتر ممن رغب في التقدم لمجلس الامتحان عام التاريخ، وتقدم فيه بثلاثة دروس أولها: من المطول لشيخه العلامة المفتي سيدي أحمد بوخريص، وثانيها: من شرح الشيخ سيدي عبد الباقي على المختصر لشيخه العلامة المفتي سيدي محمد النجار، وثالثها: من شرح الخبيصي على التهذيب لشيخه المنعم المرحوم العالم المدرس السيد مصطفى بن خليل. وأنتج النظر أن يكون هذا المتقدم مستحقاً لرتبة التطويع، فأذن له في ذلك ليجتهد في تحصيل الكمالات العلمية، والله ولي الرشد.
بتاريخ يوم الأحد 14 من صفر الخير عام 1316 ستة عشر وثلاثمائة وألف.
صح محمد بيرم. أحمد الشريف. وإسماعيل الصفايحي. محمد الطيب النيفر.
(13/136)

(13/137)

(13/138)

(13/139)

(13/140)

(13/141)

(13/142)

(13/143)

(13/144)

(13/145)

(13/146)

(13/147)

(13/148)

* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين الشريف العلوي.
إجازة العلامة محمد المكي بن عزّوز.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الحبيب سيدنا محمد إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد:
فإن الاشتغال بالعلم أشرف الأعمال، وبه يبلغ المرء من سعادة الدارين منتهى الآمال، وإقراؤه بلا سند كقتال بلا سلاح، والأسانيد هي أنساب الكتب، ولولا السند، لقال من شاء ما شاء، والسند من خصائص هاته الأمة المحمدية، وفي الإجازة من المدد والبركة ما هو مشاهد.
وممن تأهل لها، وكان أحق بها وأهلها: ابننا الألمعي الماجد، ذو الخلال الفاخرة والمحامد، الدرّاكة الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد الخضر ابن النّاسك الأوّاه، العارف بالله الأستاذ الشيخ سيدي الحسين الشريف العلوي العزّوزي، سار على الدَّرب فوَصَلْ، ودأَبَ بحزمٍ فأصبح والمقصود لديه حَصَلْ، جانبَ الكسل فاشتارَ العسل، جافى الرّاحة فملأ الرّاحة، بشهادة جهابذة الجامع، وحذّاق كرام المجامع، ولا اعتبار بكلام حاسد، أو متكبر أو متعصب معاند.
وكان السيد المذكور قرأ على العبد الحقير وعلى غيره، بل شاركنا في الأخذ عن بعض أشياخنا -أدام الله النفع بهم - فمما حضره من دروس الحقير: شرح الدردير على المختصر، والمكودي على الألفية، والحطّاب
(13/149)

على الورقات، والتجويد برواية قالون، والجزرية، وصغرى الصغرى، والأربعون النووية، والجامع الصغير، وبانت سعاد، والهمزية للبوصيري، والخزرجية، والمقا مات الحريرية، والسوسي، والربع المجيب، كلها بالتدريس، فبعضها ختمناه، وبعضها قاربنا ختمه، وبعضها انتهينا إلى أثنائه. هذا سوى ما جرى ذكره من إفادات المذاكرات، ولاحت أقماره في دوران أفلاك المحاورات، خلال الاستنطاقات الشفاهية، والمسايلات الكتابية، فهنيئاً له من شابٍّ نَبَغْ، وسيبلغ إن شاء الله من أخذ عنه ما بَلَغْ. والآن لمّا حُظي برتبة التقديم لإقراء العلوم بالجامع الأعظم، استحق أن تكتب له إجازات مؤذنة باستكمال الشهادات.
ومَنْ منعَ المُسْتوجبينَ فقد ظَلَمْ
فأقول مستعيناً بالله: أجزت الشيخ محمد الخضر المذكور بعلوم المعقول والمنقول من الفنون المتداولة، والكتب المتناولة، كما أجازني بذلك شيوخي بأسانيدهم المتصلة بالمؤلفين، وتعدادهم هنا يطول، ولنقتصر على البعض تيمُّناً بهم، ولم أذكر هنا من أسانيدنا التونسية الجليلة إلا قليلاً، لأن المجاز المذكور يريد أخذها عن الحاضرين منهم.
ولنبدأ بالحديث الشريف كما هو عادة المسندين مقدّماً موطأ الإمام مالك - رضي الله عنه - عن ساير الأئمة. فسندنا فيه عن العلامة الجامع للشريعة والحقيقة سيدي محمد أبي خضير المدني رحمه الله ورضي عنه، عن الشيخ أحمد بشارة الشافعي، عن الشيخ محمد الأمير الكبير، عن الشيخ علي السقّاط الفاسي، عن الشيخ محمد الزرقاني شارحه عن والده سيدي عبد الباقي، عن الشيخ علي الأجهوري، عن محمد بن أحمد الرملي، عن شيخ الإسلام زكريا،
(13/150)

عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن النجم محمد بن علي بن عقيل، عن محمد بن علي المكفي، عن محمد بن محمد الدلاصي، عن عبد العزيز ابن عبد الوهاب بن إسماعيل، عن جده إسماعيل بن الطاهر، عن محمد ابن الوليد الطرطوشي، عن سليمان بن خلف الباجي، عن يونس بن عبد الله، عن يحيى بن يحيى بن يحيى، عن عم أبيه عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى ابن يحيى الليثي الأندلسي، عن الإمام مالك بن أنس، هذا برواية يحيى بن يحيى. ولنا أسانيد في الموطأ برواية محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - عن الإمام مالك رضي الله عن جميعهم وغيرها، ولنكتفي بما ذكرناه. وسندنا للإماميين البخاري ومسلم في صحيحيهما عن العالم المسن الشيخ سيدي محمد المكي بن الصديق، عن عمنا الشيخ سيدي المدني بن عزوز، عن جماعة منهم الشيخ محمد المرزوقي، عن الشيخ محمد الأمير الكبير، عن علي العروي، عن محمد عقيلة المكي، عن حسن العجيمي، عن أحمد بن محمد العجل اليمني، عن يحيى بن مكرم الطبري، عن البرهان إبراهيم بن صدقة الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عبد الأول الفرغاني، وكان عمره 140 عاماً، عن محمد بن شادبخت الفرغاني، عن أبي لقمان يحيى الختلاني، وعمره 143 عاماً، عن محمد بن يوسف الفرَبْري، عن الإمام البخاري. هذا في خصوص "صحيح البخاري".
وأما سندنا في "صحيح مسلم"، فعن مجيزنا المذكور، عن شيخه سيدي المدني بن عزوز المذكور، عن الشيخ مصطفى بن عبد الرحمن مفتي الجزاير المالكي، عن الشيخ علي بن الأمين مفتيها المالكي، عن الإمام محمد الحفني القطب الشهير، عن شيخ الإسلام محمد الشرنبابلي، عن شمس الدين
(13/151)

البابلي، عن الحافظ سالم السنهوري، عن النجم الغيطي، عن القاضي زكريا. عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن محمد بن أبي اليمن، عن محمد بن عبد الحميد المقدسي، عن أحمد بن عبد الدائم النابلسي، عن أبي عبد الله بن صدقة، عن محمد بن الفضل الفراوي، عن أبي الحسن عبد الغافر الفارسي، عن أبي أحمد بن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد ابن سفيان، عن الحافظ مسلم.
وسندنا المسلسل بالمحمدين عن مجيزنا الشيخ سيدي محمد الشريف الإمام الأعظم بجامع الزيتونة، عن الشيخ سيدي محمد بن الخوجة شيخ الإسلام الحنفي، عن شيخ الإسلام سيدي محمد بيرم الثالث، عن شيخ الإسلام المالكي سيدي محمد المحجوب، عن الشيخ محمد الهدامحشي الحطاب، عن القطب محمد الحنفي المصري، عن محمد بن عبد العزيز، عن محمد البابلي، عن محمد حجازي الواعظ، عن محمد بن أحمد الغيطي، عن محمد الدلجي، عن محمد الخيضري، عن محمد المراغي، عن محمد الغرقشندي، عن محمد بن فليح، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن عبد الرحيم، عن محمد بن مكي، عن محمد المدني، عن محمد بن طاهر المقدسي، عن محمد بن عبد الواحد البزار، عن محمد بن أحمد بن حمدان، عن محمد الكُشْميصَني، عن محمد الفِرَبْري، عن محمد بن إسماعيل البخاري -نفع الله الجميع بهم -.
وقد منَّ الله عليَّ بسند عال في الصحاح الستة، أخذته عن الشيخ سيدي علي بن الحفاف المفتي المالكي بالجزاير، ومن الاتفاق الغريب: أني وجدته على فراش المرض ثابت العقل والميز، وعمره في نحو التسعين، ومنحني
(13/152)

هذا السند وغيره ظهر يوم الجمعة، وفي غيرها يوم السبت، توفي أواسط صفر ستة 1307.
والسند هو عن شيخنا العلامة المذكور، عن الشيخ محمد صالح الرضوي، عن عمر بن مكي، عن القاضي شمهورش الجني، عن أصحاب الصحاح الستة صحاحهم.
وسندنا في "الشفاء" للقاضي عياض، عن رئيس علماء الحرمين الشريفين الشيخ أحمد دحلان، عن الشيخ عبد الرحمن بن محمد الكزبري الشامي، عن صالح بن محمد العُمري، عن محمد بن سنة، عن مولاي الشريف محمد بن عبد الله، عن علي الأجهوري، والشهاب الخفاجي، وهما عن محمد الرملي، عن الإمام زكريا الأنصاري، عن محمد بن مقبل الحلبي، عن الصلاح ابن أبي عمر، عن علي بن عبد الواحد، عن أبي الحسن يحيى بن محمد، عن مؤلفه عياض، وبهذا نروي جميع تصانيفه كالمشارق، والإلماع، وشرح مسلم، وغيرها.
والأربعون النووية، وجميع ما هو من تصانيف القطب النووي؛ كشرحه على مسلم، وحزبه المجرّب الخاصية للحفظ من شرور الجن والإنس، نروي ذلك بسند الشفا المذكور إلى علي الأجهوري، عن النور العراقي، عن الجلال السيوطي، عن علم الدين البلقيني، عن والده السراج البلقيني، عن الحافظ يوسف المزي، عن الإمام النووي.
تآليف سيدي محمد السوسي في علم الكلام وغيرها: بسند الشفا المذكور إلى الشريف محمد بن عبد الله، عن أحمد المقري التلمساني، عن عمه سعيد المقري مفتي تلمسان ستين سنة، عن محمد بن عبد الرحمن بن
(13/153)

جلال التلمساني، عن سعيد الكفيف التلمساني، عن مؤلفها المذكور، وهو تلمساني.
تآليف ابن هشام في النحو؛ كالمغني، والتوضيح، والقطر، وغيرها: أخذنا ذلك عن جماعة منهم: ابن العم الشيخ سيدي محمد العربي بن عزوز، والشيخ عمر بن محمد اليزيدي، وكلاهما عن شيخنا العلامة المتبحر في العلوم عمنا سيدي المدني بن عزوز، عن الشيخ يوسف الصاوي، عن الشيخ محمد الأمير، عن الشيخ علي السقاط، عن الشيخ أحمد النخلي المكي، عن محمد بن علاء الدين البابلي، عن سالم السنهوري، عن النجم الغيطي، عن شيخ الإسلام زكريا، عن الإمام ابن حجر، عن محب الدين ولد ابن هشام، عن والده.
وكذا تآليف ابن مالك: أخذناها عن ابن العم الشيخ العربي بن عزوز، عن عمنا سيدي المدني بن عزّوز، عن مصطفى بن عبد الرحمن، عن علي ابن الأمين، عن القطب الحفني، عن العلامة البديري، عن علي الشَّبْرامَلِّسي، عن محمد الرملي، عن زكريا، عن صالح بن السراج البلقيني، عن إبراهيم بن أحمد التنوخي، عن الشهاب محمود بن سليمان، عن الإمام محمد بن مالك.
وسندنا للمكودي شارح الألفية، عن العالم السّنّي الشيخ محمد بن الفزادري، عن الشيخ محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الكريم، عن صالح العُمري، عن محمد بن سنة، عن مولاي محمد بن عبد الله، عن أحمد المقري، عن عمه سعيد المفتي، عن علي بن هارون، عن المحقق محمد بن غازي المكناسي، عن أبي زيد عبد الرحمن، عن الشيخ المكودي.
(13/154)

وسندنا في تصانيف الإمام سعد الدين التفتازاني، فبسندنا المذكور في "صحيح مسلم" إلى القطب الحفني، عن البديري، عن المنلّا عبد الرحيم اللاري، عن عبد الكريم الكوراني، عن الشمس الرملي، عن الزين زكريا بسنده إلى الأبيوردي، عن مؤلفها سعد الدين.
تفسير الجلالين: عن شيخنا الشيخ عمر بن محمد اليزيدي النفطي، عن عمنا سيدي المدني بن عزّوز، عن الشيخ يوسف الصاوي، عن الشيخ الأمير الكبير، عن الصعيدي، عن الشيخ عقيلة، عن حسن العجيمي، عن الإمام البابلي، عن سالم السنهوري، عن الشمس العلقمي، عن جلال الدين السيوطي، وهو مصنف النصف الأول من ذي الجلالين، وبهذا نروي تآليفه كلها؛ كالجامع الصغير، والإتقان، وكتاب الإعجاز، وغيرها. ونصف التفسير الأخير للجلال المحلي، فبهذا السند نفسه نرويه إلى السيوطي، عن شيخه الجلال المحلي.
وسندنا إلى شرحه على جمع الجوامع بالسند المذكور في المكودي إلى صالح العُمري، عن عبد الكريم، عن عبد الله الغوطي، عن مولاي أبي القاسم بن محمد، عن والده، عن أحمد المقري، عن ابن العافية، عن العلقمي، عن السيوطي، عن المحلي.
وسندنا للبيضاوي في تفسيره الجليل عن شيخنا العلامة سيدي عمر ابن الشيخ التونسي، عن الشيخ سيدي الشاذلي بن صالح الشريف، عن شيخ الإسلام سيدي محمد بيرم الثالث، عن الطاهر في الباطن والظاهر المحبوب سيدي حسن الشريف، عن العلامة محمد الغرياني، عن أحمد العمادي المالكي، عن محمد عقيلة المكي، عن عبد الله بن سالم البصري، عن محمد
(13/155)

ابن سليمان المغربي، عن علي الأجهوري، عن السراج عمر الجامي، عن الحافظ السيوطي، عن محمد المخزومي، عن تقي الدين بن يحيى، عن أبيه يحيى بن شمس الدين الكرماني، عن القاضي العضد، عن الشيخ زين الدين، عن القاضي البيضاوي.
وسندنا للعضد في شرحه على ابن الحاجب وغيره من تآليفه، لنا إليه طرق عديدة منها: عن الشيخ علي بن موسى، عن الشيخ ابن هني المجاجي، عن محمد الأمير الصغير، عن والده الأمير الكبير، عن الأستاذ محمد الحفني، عن البديري، عن الملّا إبراهيم، عن الملّا محمد الشريف الصديقي، عن علي ابن محمد الحكمي، عن ابن حجر الهيتمي المكي، عن الجلال السيوطي، عن محمد المخزومي، عن يحيى بن محمد بن يوسف الكرماني، عن العضد.
ومن أسانيدنا للقطب في شرحه على "الشمسية"، وعلى "المطالع"، وعلى "الإشارات": عن الشيخ سيدي عمر بن الشيخ، عن الشيخ الشاذلي ابن صالح، عن الشيخ بيرم الثالث، عن الشيخ عمر المحجوب، عن الشيخ الغرياني، عن أحمد العمادي المالكي الأحمدي، عن محمد عقيلة، عن عبد الله ابن سالم، عن أحمد العجل، عن الإمام يحيى الطبري، عن القاضي أبي إسعادات، عن جدّه القاضي عبد القادر بن أبي القاسم الأنصاري المالكي، عن المؤلف قطب الدين الرازي.
وسندنا في "المختصر الخليلي": عن ابن العم سيدي عبد الرحمن ابن عزّوز، عن عمنا الشيخ سيدي المدني بن عزّوز، عن ابن عم والدي الشيخ علي أبي سالم بن عزّوز، عن عم والدي العلامة الولي الشيخ سيدي المبروك بن عزّوز، عن الشيخ سيدي محمد رويجع الشريف البوزيدي،
(13/156)

عن الشيخ موسى الجمني، عن الشيخ عمر الجمني، عن القطب سيدي إبراهيم الجمني، عن شارحي المختصر سيدي الخرشي، وسيدي عبد الباقي، وهما عن الشيخ علي الأجهوري، عن محمد النيوفري، عن عبد الرحمن الأجهوري، عن أحمد الفشي، عن علي السنهوري، عن الشمس محمد البساطي، عن تاج الدين بهرام الدميري، عن المؤلف سيدي خليل.
وأما سندنا بالفقه إلى الإمام مالك: فعن شيخنا عمر بن محمد النفطي، عن عمنا سيدي المدني بن عزوز بسنده المذكور إلى علي السنهوري، عن طاهر بن علي النويري، عن حسين بن علي، عن أحمد بن هلال الربعي، عن قاضي القضاة فخر الدين، عن عمر الكِندي، عن العارف بالله القطب ابن عطاء الله الإسكندري، عن أبي بكر الطرطوشي، عن أبي الوليد الباجي، عن الإمام مكي القيسي، عن سيدي عبد الله بن أبي زيد القيرواني صاحب "الرسالة"، عن أبي بكر اللبّاد الإفريقي، عن يحيى الكناني، عن الإمام سحنون، عن الإمامين أبي القاسم، وأشهب، عن إمام الأيمة مالك بن أنس، وهو عن ربيعة، ونافع مولى ابن عمر، وتفقه ربيعة على أنس بن مالك، وتفقه نافع على مولاه ابن عمر، وأخذ أنس، وعبدالله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وحيث يطول بنا تعداد الأسانيد واستقصاؤها، فلنمسك عنان القلم خاتماً ب "دلائل الخيرات": أجازني به العالم المتفنن الشيخ علي بن عبد الرحمن الشهير: بابن سماية المدرس الحنفي بالجزائر، عن الشيخ محمد صالح البخاري، عن عمر بن عبد الكريم، عن صالح الغمري، عن محمد سعيد سفر، عن محمد طاهر الكردي، عن أحمد النخلي، عن وجيه الدين السيد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد الحسني المكانسي، عن أبيه أحمد،
(13/157)

عن جده محمد، عن أبي جده أحمد، عن المؤلف القطب الجزولي - رضي الله عنه -، وعن ساير السادات الذين جرى ذكر أسمائهم في هاته الورقات-.
وأنبّه السيد المجاز متى اتصل ب "ثبت" الحقير الذي لخَّصت فيه الأسانيد التي حصلت في من علماء تونس والجزائر ومصر والشام والحرمين الشريفين، وغيرها: أن يسند إليها كل ما أجازته هاته عامّة، وأذكره أن التثبت شرط في جميع الإجازات كما قاله المحقق التاودي في بعض إجازاته.
وأوصيه باستعمال العلوم النافعة؛ إذ العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، وأؤكد عليه في إخلاص أعماله لله، وعليه بحُسْن الخُلُق والإنصاف، وإنه على النفس شديد، ومن تحقق الإنصاف له، صار ولياً لله، أو كاد.
وأوصيه بالتواضع، ومن يراه متصفاً بضد ما ذُكِر، فمجانبته أكمل.
وكنت تلقيت بيتين من بعض أساتذة فاس، فاحْفَظْهما، وهما:
وإذا جلستَ إلى الرجالِ وأَشْرَقَتْ ... من جوِّ باطِنك العلومُ الشُرَّدُ
فاحذَرْ مناظَرةَ الَحسودِ فَرُبَّما ... تغتاظُ أنْتَ فيَسْتَفيدُ ويَجْحَدُ
وليذكرني بالدعاء، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
كتبه أحوج عباد الله إلى رحمة الله محمد المكي بن مصطفى بن عزّوز في جمادى الأولى سنة 1314.
(13/158)

(13/159)

* اسم الكتاب:
المواقف - شرح الشيخ الزرقاني على المختصر الخليلي.
* تصحيح الشيخ:
صح من محمد النجار الشريف.
* الشهادة للتلميذ:
محمد الخضر بن الحسين.
الحمد لله الواحد الأحد، رافع السماء وباسط الأرض من غير عمد، أشرقت على صفحات المكونات أنوار جوده، فشهدت بكمالاته ووجوب وجوده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه العلماء الراسخين.
وبعد:
فإن الفاضل الفقيه النبيه اليلمعي، المشارك البارع اللّوذعي، صاحب هذا الدفتر، قد صاحب في قراءة الكتابين يمناه المصحح في ثانيهما بصفحة 31 من هذا الدفتر، وكان حضوره في الأول من أوله، وقد بلغنا فيه إلى: المقصد الرابع من المرصد الثالث من الوقف الأول، كما بلغنا في الثاني إلى: أثناء فصل التفويض في الطلاق، وكل ذلك مع كمال الأهلية، ومزيد التقدم والاعتناء، وربنا الفتّاح.
وكتب في 15 رجب الأصب عام 1319.
(13/160)

الحمد لله - هذه حياتي (1)
للإمام الأكبر الدكتور
عبد الحليم محمود شيخ الأزهر
في كتاب: "الحمد لله - هذه حياتي" للعلامة الأجل الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، ذكر فيه صلته بالإمام محمد الخضر حسين فقال:
* جمعية الهداية الإسلامية:
وكنت أتردد -أيضاً- على جمعية "الهداية الإسلامية"، وكان المرحوم الإمام الأكبر الشيخ "محمد الخضر حسين" رئيساً لها.
* الشيخ محمد الخضر حسين:
والشيخ "محمد الخضر حسين" مؤمن صادق الإيمان، مجاهد، مناضل، وهو تونسي المنبت والنشأة، جاهد في صفوف الوطنيين، حتى حكم عليه بالإعدام، وجاء إلى مصر، عالماً، ثبتاً، فقيهاً، لغوياً، أديباً، كاتباً، من
__________
(1) طبع دار المعارف بمصر 1976 م. وهو العالم المتعمق الصوفي (1328 - 1398 ه = 1910 - 1978 م)، ولد في (عزبة أبو أحمد) في محافظة الشرقية، ونال شهادة العالمية في الأزهر، وتولى مناصب علمية رفيعة، وصار أميناً عاماً لمجمع البحوث الإسلامية، ووزيراً للأوقاف، وشيخاً للأزهر، له مؤلفات غزيرة قيمة.
(13/163)

الرعيل الأول. وقد أرضى بنزعته المعتدلة، وحجته القوية، وتثبته مما يقول جميع الطوائف، وذلك أن كل رأي يقول به إنما يستند إلى دليل واضح مقبول.
ولقد أسهم في الحركة الفكرية الإسلامية بنصيب وافر، فكتب في كل ما أثير في عصره الخصب في الفكر والبحث.
كتب في "الخلافة" (1)، وفي "الشعر الجاهلي" (2)، وفي "حكمة الشريعة"، وفي "صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان". فقد كان عالماً تفرغ للعلم، لم يشغله عنه شاغل من شواغل الدنيا، أو الجاه والسلطان.
وحينما تولى "مشيخة الأزهر" لم يغيّر شيئاً من عاداته، كان على استعداد كامل ودائم لأن يعيش على كسرة من الخبز وكوب من اللبن. ولأنه لم يكن له في شهوات المنصب من حظ، فإنه كان -دائماً- يحتفظ باستقالته في جيبه، ولقد كان يقول: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلّمها -حين أسلمها- موفورة كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يديَّ، فلا أقلَّ من ألا يحصل له نقص".
ومات -رحمه الله تعالى- لم يخلّف من حطام الدنيا شيئاً. مات وقد قدّم لأخراه النصيب الأوفر من حياته، بل كل حياته - رضي الله عنه -، وأرضاه-.
وقد جمع الكثير مما كتَب، وتمَّ طبعه في "لبنان" (3) بعد وفاته، وهو كنز نفيس جَمُّ النفع لمن يحصّله.
__________
(1) كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" الذي ردَّ فيه الإمام على علي عبد الرازق.
(2) كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" الذي ردَّ فيه على طه حسين.
(3) طبعت جميع الكتب في دمشق.
(13/164)

من وثائق محمد الصالح المهيدي (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
ترجمة الشيخ سيدي محمد الخضر بن الحسين

ولد في "نفطة"، وهي بلدة واقعة بناحية الجنوب من القطر التونسي.
__________
(1) محمد الصالح المهيدي (1322 - 1389 ه) - (1902 - 1969 م): الكاتب، والصحفي، والمؤرخ، والباحث، من أعلام تونس، ولد في مدينة "نفطة" بالجنوب التونسي، وتلقى علومه في "جامع الزيتونة"، وحصل على شهادة معهد الحقوق، وعمل بالتدريس، وبجمعية الأوقاف، شارك في تحرير الصحف والمجلات من سنة 1920 م حتى سنة وفاته، وله دراسات قيمة ومحاضرات في المعاهد والنوادي الأدبية، وعمل في وزارة التربية، والثقافة، والدار التونسية للنشر. كان مغرماً في تصنيف ملفات خاصة بمكتبه للأعلام والأحداث، وفي مختلف الفنون والآداب، ومن حسن حظ الثقافة التونسية أن آلت ملفاته وكافة أوراقه إلى دار الكتب الوطنية بتونس. وهذا كسب كبير، وتضم الملفات والوثائق التي اطلعت عليها في قسم الدوريات بدار الكتب الوطنية ثروة ضخمة من المعلومات، وقد استفدت منها إلى أبعد الحدود في تراجم الأعلام الذين اعتنيت بتراجمهم ومؤلفاتهم.
وللأستاذ محمد الصالح المهيدي -رحمه الله تعالى- عناية خاصة بكل ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين، وكلاهما من مواليد مدينة "نفطة". وهو مثقف مجدّ وجادّ، خدم أعلام تونس والثقافة أجل خدمة.
ومن مؤلفات الأستاذ المهيدي: تاريخ الصحافة التونسية وتطورها بالبلاد التونسية - أعلام الصحافة بتونس - تراجم التونسيين - تاريخ الصحافة المغربية - تاريخ المدن والقرى التونسية وغيرها. وله أحاديث قيمة ألقاها في الإذاعة التونسية.
(13/165)

كانت ولادته في اليوم السادس والعشرين من رجب 1293 ه. ونشأ في زاوية والده القائمة في تلك البلدة. وابتدأ تعلّم القرآن الكريم وهو ابن خمسة أعوام وخمسة أشهر وخمسة أيام على أحسن الحفّاظ الذين تفقهوا بين يدي الأستاذ الشيخ سيدي المدني ابن عزّوز.
وفي آخر صفر سنة 1306 ه رحل به والده في جملة العائلة إلى مدينة تونس، وضرب بها أطناب الإقامة. وفي آخر هذه السنة أتمَّ حفظ القرآن على ظهر قلب. وكان في خلال تعلّم القرآن يتلقى دروساً في التوحيد والفقه والحديث عن الأستاذ الشيخ أحمد الأمين بن عزوز، بعضها في بلدة "نفطة"، وبعضها في حاضرة تونس، كما أنه تمرَّن في صناعة القريض على يد هذا الأستاذ الجليل. ومما بثَّ في نفسه داعية حبِّ العلم والأدب: أنه كان لا يغيب عن مجالس والده التي كانت محطَّ رحال الزائرين من أهل العلم والأدب، وكثيراً ما تدور فيها المذاكرات العلمية والأخلاقية.
دخل صاحب الترجمة الجامعة الزيتونية سنة 1307 ه، ودرس علوم الشريعة من فقه وأصول وكلام وحديث وتفسير، وعلوم العربية من نحو وبلاغة وأدب وفقه لغة، وبعض العلوم النظرية؛ كالمنطق، وأخذ هذه العلوم من كبار الأساتذة مثل: رئيس العلماء بالديار التونسية الأستاذ الشيخ سالم بوحاجب -مدَّ الله في حياته-، والأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ، والأستاذ الشيخ أحمد بو خريص، والأستاذ الشيخ مصطفى رضوان، والأستاذ الشيخ محمد النجار، والأستاذ الشيخ ابن حسين، والأستاذ خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، والأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي، والأستاذ الشيخ مصطفى بن خليل، والأستاذ الشيخ طاهر صفر، والأستاذ الشيخ محمد بن يوسف. وشهد
(13/166)

دروس أساتذة آخرين أو مجالسهم على قلة؛ مثل: شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام أحمد كريم، والقاضي الشيخ الطاهر النيفر، والقاضي الشيخ محمود بيرم، والعلامة الشيخ الشاذلي بن القاضي، والشيخ محمد يحيى الشنقيطي، والشيخ النوري شيخ الشيوخ بوطن الجريد.
ومن الشيوخ الذين كان يشهد مجالسهم، ويلتقط من معارفهم: المفتي المالكي الشيخ الطيب النيفر، والأستاذ الشيخ محمد السنوسي، وشيخ الإسلام محمود بن الخوجة.
وخوطب صاحب الترجمة على ولاية القضاء خارج الحاضرة قبل أن يحرز شهادة العالمية، فامتنع؛ حيث رأى أن مبارحة المعهد الزيتوني تقف به دون الغاية المطلوبة.
وفي سنة 1316 ه تقدم لمجلس الامتحان، وألقى درساً من الشرح المطوّل على مختصر السعد، وآخر من شرح الزرقاني على مختصر الشيخ خليل، وثالثاً من شرح الخبيصي على التهذيب، وأحرز شهادة التطويع المساوية لشهادة العالمية بالجامع الأزهر، وأقبل على التدريس بالجامع الأعظم، مع الاستمرار على الحضور في بعض الكتب العالية؛ كتفسير القاضي البيضاوي الذي كان يدرّسه الأستاذان الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وشرح القسطلاني على صحيح البخاري الذي كان يدرسه الأستاذ الشيخ سالم بو حاجب، وشرح السعد للمؤلف الذي كان يدرسه الشيخ النجار.
وفي سنة 1317 ه عزم على الرحلة إلى مصر لاختبار الحالة العلمية، والمقام في ساحة الأزهر إن رأى في الأخذ عن أساتذته فائدة فوق ما يجتنيه من دروس الأساتذة بجامع الزيتونة.
(13/167)

فوصل إلى طرابلس الغرب، وأقام بها بضعة أيام نزيل الأستاذ محمد السماتي، ثم اعترضه عائق صرفه عن هذه الوجهة، فقفل راجعاً إلى الحاضرة، ومضى في سبيل التلقي والعلم بجامع الزيتونة.
وفي سنة 1321 ه أنشأ مجلة علمية أدبية تسمّى: "السعادة العظمى"، وأقبل عليها أهل العلم والأدب في تونس والجزائر، وانهالت عليه لأول بروزها رسائل التقريظ شعراً ونثراً. وقد حاول بعض من لم يفقهوا الغرض من تحريرها أن يلقوا في سبيلها عثرات، أو يمسوا صاحبها بأذى، فأومأ إليهم الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتّور بالكف عن ذلك، فأحجموا. وممن كان يشدّ عزمه على متابعة نشرها الأستاذ الشيخ سالم بوحاجب، حتى قال له يوماً بعد انتهاء درس "صحيح الإمام البخاري": لا يهمك ما تلاقي في سبيل القيام بهذه المجلة، فالأمر كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي".
وفي سنة 1323 ه تقلّد منصب القضاء بمدينة "بنزرت"؛ كما عهد له بالخطابة والتدريس بجامعها الكبير، واستمر قائماً بهذه الوظائف سنة وبضعة أشهر، ولما رأى خطّة القضاء محفوفة بمكاره، زيادة على كون العمل فيها أقل مما تتعلق به الهمة، راسل الحكومة بالاستعفاء منها، فتمهلت في قبوله، إلى أن كرر عليها المراسلة والخطاب مشافهة، وتحققت تصميمه على ذلك، فراسلته بقبول الاستقالة، وفي أثناء ولايته القضاء، ألقى محاضرة موضوعها: "الحرية في الإسلام" بنادي جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية، وحضرها جم غفير من العلماء والشبيبة المتنورة والمستشرقين.
عاد صاحب الترجمة إلى الحاضرة، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة
(13/168)

الأعظم متطوعاً، وعينته الحكومة في لجنة تنظيم المكتبة الصادقية.
وفي سنة 1325 ه قام طائفة من أهل العلم بتأسيس جمعية زيتونية، وأقاموا حفلة بنادي المدرسة الخلدونية، فارتجل صاحب الترجمة خطاباً في تحبيذ المشروع، واستنهاض الهمم لتعضيده، وانتخب يومئذ عضواً في مجلس إدارتها، وكان أحد المشاركين في وضع قانونها.
وفي سنة 1325 ه تولى وظيفة التدريس بالجامع الأعظم.
وفي سنة 1325 ه عين مدرساً بالمدرسة الصادقية، وفي هذه السنة انتخبته هيئة إدارة المدرسة الخلدونية لدرس الإنشاء في هذه المدرسة، وألقى بها محاضرة موضوعها: "حياة اللغة العربية"، وكان النادي غاصاً بالعلماء والناشئة المفكِّرة وبعض المستشرقين.
ولما قامت الحرب الطرابلسية الطليانية، كان من الداعين لمساعدة جمعية الهلال الأحمر، ونشر في جريدة "الزهرة" قصيدته التي يقول في طالعها:
ردّوا على مجدِنا الذّكْرَ الذي ذَهَبَا ... يكفي مضاجعنا نَوْمٌ دَها حُقُبا
ثم إن صاحب الترجمة رحل إلى بلاد الجزائر من عاصمتها إلى أكثر مدنها، وكان في أثناء رحلاته يلقي دروساً في الحديث والتفسير، والبلاغة والمنطق والعروض في بلاد مختلفة، وحضر دروس أو مجالس كثير من أفاضل علمائها؛ مثل: الشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ عاشور، والشيخ حمدان الونيّسي، والشيخ محمد بن الخمّار، والشيخ المدني بن أحمد بن عمر، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، والشيخ بن شريط.
(13/169)

وكان يلذّ له السفر إلى الجزائر؛ لما يجده لدى أهلها من شدة الحرص على المذاكرات العلمية، ولاسيما في أحكام الشريعة وآدابها، حتى إن سكان "وادي سوف" وما حوله من القرى كانوا يستقبلونه بغاية البشر والاحتفاء، ولشغفهم بدراسة الحديث والتفسير، كان يقضي الصباح والمساء وصدراً من الليل في إلقاء دروس وعظ بالجامع، أو في مجالس تعقد بمحل إقامته.
أقرأَ صاحب الترجمة بجامع الزيتونة الأعظم فنوناً وكتباً متعددة؛ مثل: "شرح الدردير لمختصر خليل"، و"مختصر السعد"، و"شرح المحلى بجمع الجوامع"، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك"، و"التنقيح" للقرافي، و"المثل السائر" لابن الأثير، وأقرأ دروساً من "تفسير القاضي البيضاوي" بمسجد الشيخ سيدي قاسم الزلّيجي، حضرها طائفة من أذكياء أهل العلم، ولم ينقطع عنها إلا برحلته الشرقية.
ونشر في الجرائد مقالات وقصائد اجتماعية إصلاحية؛ كقوله من قصيدة نشرت في جريدة "الزهرة":
إن الحياةَ هي الأيامُ زاهرةٌ ... ولا أرى الموْتَ غَيْرَ العَيْشِ في نكًدِ
ولا يَطيب الفتى عيشاً إذا نَسَجَتْ ... في أرضِه مُزْنةٌ والناسُ في جَرَدِ
وإنما الشعبُ أفرادٌ مؤلفةٌ ... في هيئةِ الفرد ذو قلبٍ وذو جَسَدِ
أما الفؤادُ فأربابُ السياسةِ إنْ ... هَمّوا بخيْرٍ فباقي الجسمِ في رَشَدِ
وإن ذَكَتْ أمةٌ لانتْ قِلادتُها ... بكفِّ قائدِها في السهْلِ والسَّنَدِ
والعِزُّ في الدولةِ العُظمى إذا بُنِيَتْ ... على أساسٍ من الأحْكام مُطَّرِدِ
تحمي حقوقَ بني الإنسانِ قاطبةً ... لايعتدي أحدٌ منهم على أَحَدِ
(13/170)

والعدلُ أن يرِدوا فصلَ القضيةِ مِنْ ... باب المساواةِ لا إيثارِ ذي حَفَدِ
وكيف يَرْجَحُ أقوامٌ ووزنُهُم ... فيما يُحَدُّ به الإنسانُ لمْ يزدِ
إن الرعيةَ أعضاءٌ مساعدةٌ ... للمُلْكِ بالرأي والأموال والحَشَدِ
تلكَ العظائمُ لا تشتدُّ أزْمتُها ... وطئاً إذا ضربوا فيها يداً بيدِ
كذا المشاكلُ لا تجلو غوامِضَها ... إلا بمجلس شورى راسخِ العُمُدِ
وإن تصادمتِ الأفكارُ لاح سنى ... حَقٍّ وأصبَح ذاك الحقُّ في زردِ
والقابضونَ على أمرِ السياسةِ لا ... يسرُّهُمْ أنْ تُرى الأقلامُ في صَفَدِ
يسمو بهم شرفُ الوجدانِ أن يضَعوا ... نظامَهُم بمكانِ العير والوَتدِ
الخضر بن الحسين
وفي سنة 1330 ه انتقل إخوته ووالدته إلى الشام، ونزلوا في دمشق، والتحق بهم صاحب الترجمة بعد شهر، فمرَّ بمصر، واقترح عليه الطلبة قراءة درس بالجامع الأعظم، فألقى درساً في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122} الآية. وبعد أن مكث فيها ثلاثة أيام سافر إلى دمشق، فقضى فيها نحو شهر ونصف، وتعارف من خلال هذه المدة بكثير من علمائها وفضلائها، وألقى دروس وعظ بالجامع الأموي، ثم سافر إلى الآستانة، ودخلها أيام أعلنت الحرب بين الدولة العلية والبلقان، وأقام بها نحو أربعين يوماً نزيل خاله الأستاذ الشيخ محمد المكي بن عزّوز، فتعارف ببعض أهل الشرف والعلم، وتروّر على مكاتبها، وعاد إلى تونس في ذي الحجة آخر تلك السنة، وتوارد العلماء والفضلاء من أهالي الحاضرة على تهنئته بالقدوم، وواصل دروسه بجامع الزيتونة، ونشر خلاصة من
(13/171)

رحلته في جريدة "الزهرة".
وفي سنة 1331 ه ألقى محاضرة موضوعها: "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها" بنادي جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية، وحضرها -كالمحاضرتين السابقتين- جمّ غفير من العلماء والناشئة المتنورة. وفي هذه السنة عقدت الحكومة لجنة لتأليف كتاب شامل لتاريخ المملكة التونسية، وعينته عضواً في هذه اللجنة، فعمل معها بضعة أشهر. وفي شهر شعبان من هذه السنة أزمع الرحلة إلى الشام، فسافر على طريق الجزائر، وفي بلدة "تبسّة" احتفل به مؤسسو مدرستها، والتمسوا منه الإقامة لديهم على الوجه الذي يختاره، فاعتذر، وغادرهم إلى مدينة "عنّابة" حيث ركب الباخرة إلى مرسيليا، ثم إلى الإسكندرية، ثم إلى مصر، فأقام بها ثلاثة أيام، التقى فيها بالأستاذ السيد رشيد رضا، ورفيق بك العظم صاحب "أشهر مشاهير الإسلام"، وغيرهم، ثم انتقل إلى الشام، ودخل دمشق في أوائل شهر رمضان، وألقى دروساً بالجامع الأموي، حضر بعضها الأستاذ محمد أفندي كرد علي، ونوَّه بشأنها في جريدة "المقتبس". ثم في أواخر هذا الشهر سافر إلى المدينة المنورة للتبرّك بالحضرة النبوية ومشاهدها المحترمة، فأقام بها نحو خمسة عشر يوماً، قضاها في مذاكرات علمية وأدبية، واقترح عليه طائفة من أهل العلم قراءة درس في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] الآية. فأجاب مقترحهم، وقرأه بالحرم النبوي ما بين المغرب والعشاء، وهناك أنشد قصيدته في الحضرة النبوية التي يقول في طالعها:
أُحَييك والآماقُ ترسلُ مَدْمَعا ... كأنيَ أحدو بالسلامِ مُوَدِّعا
وما أدمعُ البُشرى تموجُ بِوجْنَةٍ ... سوى ثَغْرِ صبًّ بالوصال تَمَتّعا
(13/172)

ولقي من أفاضل العلماء الأستاذ المحدّث السيد محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ أحمد شمس خليفة، والشيخ ماء العينين الشنقيطي.
وممّن لازم صاحب الترجمة في أغلب أوقات المذاكرات، وكان أحد الطالبين للدرس الذي ألقاه في الحرم النبوي: العالم الشيخ عبد العزيز البدّاح المدرّس لدى أمير الكويت الآن، وقد راسل هذا الشيخ بعد عوده إلى وطنه صاحب الترجمة برسائل متعددة، يطلب منه القدوم إلى الكويت بقصد الإقامة، فإن لم يتيسر، فعلى وجه الزيارة.
ثم عاد إلى دمشق، فأقام بها بضعة أيام، وسافر إلى الآستانة العلية، وحين وصوله إليها عينته وزارة المعارف مدرساً لآداب اللغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية الجديدة في دمشق، وفي هذه المرة زار دار الفنون صحبة خاله الأستاذ الشيخ محمد المكني بن عزّوز مدرس علم الحديث بها. وحضر مجلس امتحان الطلبة في آداب اللغة العربية.
وبعد أن أقام بالآستانة مقدار شهر ونصف، رجع إلى دمشق، فقام بوظيفة التدريس بالمدرسة المومأ إليها، وكان مع ذلك يحرر وينشر مقالات وقصائد في الإصلاح وتقويم الخلاف بين الأمتين التركية والعربية، زيادة على الدرس الذي كان يلقيه بالجامع الأموي في أيام رمضان.
وفي سنة 1332 ه قدم حاضرة دمشق الطيّاران فتحي وصادق، وتسابق الأدباء إلى نظم القصائد في هذا الغرض، فنظم من بينهم قصيدة نشرت في جريدة "المقتبس"، وكان لها وقع حسن في نفوس أهل الأدب من السوريين، وهي التي يقول في طالعها:
قضيتَ مدىً بمضمارِ الحياةِ ... تجولُ على مُتونِ الصّافناتِ
(13/173)

كأنَّ الخيلَ غايةُ مُستطاعٍ ... وأسرعُ نافذٍ بكَ في فَلاةِ
وفي سنة 1334 ه زاره أحد المحامين من أدباء طرابلس الشام بكتاب ألّفه في أدبيات اللغة العربية، ورغب إليه أن يطالعه، وينبهه على ما يحتاج إليه من زيادة وإصلاح. وبعد أيام زاره صاحب الترجمة بمكتب المحاماة، وكان بجانبه أحد الشيوخ من أقاربه، فأخذ ذلك المحامي يخوض في سياسة الدولة، ويشير إلى تأليف حزب يعمل ضدها، فقام صاحب الترجمة في معارضته، وأقام له الشواهد على سوء عاقبة هذا الرأي، حتى انقطع عن الكلام، وطُويَ بساطُ المجلس. وبعد شهرين وقفت الحكومة على ما جرى في ذلك المجلس لإبلاع من بعض أقارب المحامي نفسه، فاستدعت دائرة الشرطة صاحب الترجمة يوم عشرين في رمضان من تلك السنة بالحقيقة، وتيقنت براءته من المشاركة في ذلك الغرض، واعتذر على عدم المبادرة إلى إعلام الحكومة بما صدر من ذلك المحامي: أنه لم يكن بيده دلائل وأمارات يستطيع أن يثبت بها ما يدعيه على ذلك المحامي متى أقام قضية، وطالبته الحكومة بالإثبات.
والقانون يقتضي عقوبة من يتهم إنساناً بجريمة سياسية، ثم لا يثبتها ببينة، وقصَّ لهم حادثة رجل امتلأ منه الوالي غيظاً، وطرده من ساحته بعلّة أنه أبلغه بعض حوادث، ولما بحث عنها، لم يجد لها ما يصدقه. ورجل آخر اتهم فريقاً بمساعي ضد الحكومة، فلم تأخذ قوله على علاته، بل أودعته السجن، وطالبته بإثبات ما يدعيه على أولئك الفريق، فقنعت دائرة الشرطة بهذا الاعتذار، ووقع الإذن باعتقال صاحب الترجمة إلى أن تنتهي قضية المتهمين، فاعتقل في جملتهم بخان (مردم بك) ستة أشهر وأربعة عشر
(13/174)

يوماً، ولما عرضت أوراقه على المحكمة العرفية، أحضرته، وبحثت معه في القضية بتدقيق، ثم حكمت ببراءته، بل قدمت إلى جمال باشا طلباً بمكافأته، وقال له رئيس المحكمة العرفية فخري باشا يوم استدعاه من المعتقل ليخبره بحكم البراءة على ملأ من الناس: اطلب ماذا تريد، ونحن نسعى لك عند الدولة، فأجاب بأنه لا رغبة له في شيء، ولامه بعض الحاضرين من أعيان طرابلس الشام على عدم انتهاز هذه الفرصة، ولكن صار بعد ذلك يذكرها له في شواهد عدم الالتفات إلى المنافع المادية.
اعتقل صاحب الترجمة، ولم يتزحزح عن مبدئه، بل كان وهو في نفس المعتقل يجادل المتطرفين في الإنكار على الدولة، حتى قال بعض أعيان السوريين الذين صاحبوه في المعتقل: ما رأينا رجلاً يدافع عن الحكومة وهو بين جدران سجنها إلا فلاناً، يعنون: صاحب الترجمة.
ولما وصل خبر اعتقاله إلى الآستانة، كلّف وزير الحربية أحد رؤساء بعض أقسامها إرسال تلغراف على لسانه إلى جمال باشا يأمره بأن لا يفصل في قضية صاحب الترجمة شيئاً إلا بعد عرضها على وزارة الحربية بالآستانة.
وقدّم صاحب الترجمة إلى المحكمة العرفية -زيادة على الجواب الشفاهي- دفاعاً نثراً، وآخر شعراً يقول في أوله:
يسوسُ أخو الفِكْرِ القَضايا ويفصلُ ... وما كلُّ مَنْ ساسَ القضيةَ يَعْدِلُ
وما ضلَّ وجهُ الحقِّ عن رأي باحثٍ ... وإن راح في بحر الدّجى يَتَوَغَّلُ
ويلبس من صُنع القضاءِ مَحامِداً ... إذا كان من باب العَدالةِ يَدْخُلُ
فيا مجلسَ الحكّامِ دونَكَ بعضَ ما ... أرَتْنا الليالي والحقائق تُنْقَلُ
(13/175)

وقال أيام حيل بينه وبين أدوات الكتابة وهو في المعتقل:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عن قلمِ ... كان لايصحو عن الطّرسِ فنَاما
هل يذودُ الغَمْضُ عن مقلتِه ... أوْ يُلاقي بعلَه الموتَ الزّؤاما
أنا لولا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلامِ آثرتُ الحِماما
ليستِ الدُّنيا وما يقسُمُ مِنْ ... زَهْرِها إلا سراباً أو جَهاما
وقال في حال الاعتقال، وقد جرت بينه وبين بعض الأدباء محاورة في المفاضلة بين الحاضرة والبادية:
رأى صاحبي في الحبْسِ أن الحياةَ في ال .... حضارةِ أرقى ما يتم به الأنْسُ
فقلتُ له فضلُ البداوة راجِحٌ ... ويكفيكَ أنَّ البَدْوَ ليس به حَبْسُ (1)
أُطلق سراح صاحب الترجمة في اليوم الرابع من ربيع الثاني سنة 1335 ه، فأقبل إليه علماء دمشق وفضلاؤها وأدباؤها جماعات وفُرادى لتهنئته بالسلامة، ومن بينهم: جماعة من الموظفين الأتراك؛ لاطلاعهم على حقيقة القضية، ومعرفتهم بالأعمال التي قام بها صاحب الترجمة تجاه الأمة العثمانية.
ولما انتهى خبر الإفراج عنه إلى الآستانة، بعث إليه الأستاذ إسماعيل
__________
(1) الأبيات في ديوان "خواطر الحياة":
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضحانا به ليل وسامرنا رمس
فقال رفيقي في شقا الحبس إن في ال ... حضارة أنساً لا يقاس به أنس
فقلت له فضل البداوة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس
(13/176)

الصفايحي برسالة التهنئة، ومما يقول له ضمنها: "أنا على يقين من براءتكم وإخلاصكم، ولم يدخل علينا شك في ذلك".
وفي هذه السنة 1335 ه كان يلقي دروساً دينية وأدبية بالمدرسة العثمانية، والتمس منه جماعة من أهل العلم قراءة كتب منها "صحيح الإمام مسلم"، و"بداية المجتهد"، و"المستصفى" للغزالي، و"المغني" لابن هشام، و"الكامل" للمبرد، فأجاب طلبهم، وشرع في دراستها بجامع باب سريجة، وواظب على قراءتها أشهراً إلى أن اقتضى الحال سفره إلى الآستانة سنة 1336 ه، فسافر على طريق حلب، ثم أَدَنَةَ، ثم قونية، ثم أسكيشهر، ونزل في الآستانة ضيفاً مكرماً ببيت الأستاذ المرحوم الشيخ إسماعيل الصفايحي، وعيّن يومئذ كاتباً بالقلم العربي في بعض أقسام وزارة الحربية. كما عينته المشيخة الإسلامية واعظاً بجامع (الفاتح) في شهر رمضان مكان الأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي حيث تنازل له عن هذه الوظيفة. ومن حسن تواضع ذلك الأستاذ الشيخ العظيم: أن حضر بنفسه في أول درس ألقاه صاحب الترجمة، وكان جالساً بجانبه داخل حلقة الدرس.
ومما جرت إليه المناسبة في الدرس: أن صاحب الترجمة قرّر ما قاله ابن حزم في قصة داود - عليه السلام - من الأخذ فيها بظاهر القرآن، وأن قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21]، وارد في رجلين حقيقيين، لا كما يقوله بعض المفسرين من أنهما ملكان أتياه في سورة رجلين. فأورد أحد الحاضرين من الأتراك: أن هذا الوجه لا يصحّ معه قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24]؛ فإن هذه الآية تدل على صحة ما يقوله المفسرون من أنهما ملكان أرسلهما الله لتنبيهه وعتابه على
(13/177)

ما صدر منه، فأجابه صاحب الترجمة بأن الخصمين لما تسوّرا المحراب، فزع منهما داود - عليه السلام -، وظن أنهما يريدان إذايته، وهذا الظن الذي سبق إليه، ووقع على بريئين من تلك الإرادة السيئة هو الذي ندم عنه، وعدّه مما يستحق أن يستغفر الله منه، واستحسن الأستاذ الشيخ إسماعيل هذا الجواب جداً، حتى كلف صاحب الترجمة بعد عوده إلى البيت لكتابته.
وحضر صاحب الترجمة يوماً من أيام الجمعة بجامع تكية الشيخ ظافر، فرغب منه الإمام، وهو من الشيوخ المصريين، أن يقوم مقامه في الخطبة، فصعد المنبر، وارتجل خطبة في الحث على اتّباع الشرع العزيز، والتمسك بآدابه، وكان لها موقع في نفوس السامعين.
وشهد حفلة صلاة الجنازة على السلطان محمد رشاد، ومبايعة السلطان وحيد الدين بقصر "طوب كبو"، وكلفته وزارة الحربية بتحرير منشور في الإعلام بوفاة السلطان الأول، ووصف حفلة مبايعة السلطان الثاني، والدعوة إلى مبايعته؛ ليوزع في أنحاء المملكة العثمانية.
والتقى بالسيد أحمد السنوسي، وكان في صحبته يوم تجول بمحل آثار الانكشارية العتيقة، وحين أجري أمامه تمثيل بعض وقائع حربية بوسيلة السينما تغراف، وكلف بتحرير منشور في وصف استقبال هذا السيد، وعناية السلطان به، واختياره لأن يقلده سيف الملك، على خلاف عادة سلاطين آل عثمان الأقدمين من أن الذي يقلّدهم السيف إنما هو شيخ الطريقة المولوية.
وحضر أياماً متعددة في درس الأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي لصحيح البخاري بجامع الوالده، وتجري في الدرس أبحاث مفيدة، حيث إن الأستاذ الصفايحي يتصدى في الدرس لدحض الشبه التي يوردها زنادقة هذا العصر
(13/178)

على الإسلام، كما يتعرض لإبطال الآراء التي تنشرها بعض الصحف، وتكون مصادمة لتعاليم الشريعة.
ثم اتخذ صاحب الترجمة منزلاً خاصاً بالقرب من الباب العالي، ورغب منه أحد أهل العلم من الأتراك الذين كانوا يشهدون دروسه الوعظية بجامع الفاتح قراءة "تفسير القاضي البيضاوي"، فأجاب مطلبه، وكان ذلك الشيخ يتردد عليه لسماع دروس من التفسير المومأ إليه إلى أن عزم صاحب الترجمة على مبارحة الآستانة.
وفي أول يوم من رمضان سنة 1337 ه انطلق من الآستانة إلى "بالي كسي"، ثم "أزمير"، وأقام بها نحو عشرين يوماً، ثم ركب الباخرة إلى إيداليا، فجزيرة قبرص، فإسكندرونة، فطرابلس الشام، وشهد بها اليوم الثاني من عيد الفطر في جملة بعض أعيانها الذين انعقدت بينه ويينهم صداقة في دمشق، ثم انتقل إلى حمص، ومنها إلى دمشق الشام. ومما قاله في أثناء هذا السفر:
أنا كأسُ الكريمِ والأرضُ نادٍ ... والمطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
رُبَّ كأسٍ هوتْ إلى الأرض صَدْعاً ... بين كفٍّ تديرها واللَّهاةِ
فاسْمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جَفْنُ ساقِيه طافحٌ بسُباتِ
وقال:
كأنيَ دينارٌ ودِمَشْقُ راحةٌ ... تعودتِ الإنفاق طولَ حياتها
فكم سمحتْ بي للنّوى عقبَ النَّوى ... ولم أقْضِ حقَّ الأنْس بين سَراتِها
وبعدما استقر به النوى في دمشق، عُيّن عضو شرف في المجمع العلمي، وبعث إليه رئيس المجمع محمد أفندي كرد علي بكتاب يقول فيه: "بناء على
(13/179)

ما عهد بكم من العلم والفضل والغيرة على المصالح الوطنية، قد انتخبكم المجمع العلمي العربي عضو شرف فيه؛ للاستعانة بآرائكم السديدة، واختباراتكم الثمينة، فالمرجو أن تتكرموا بقبول ذلك".
وعاد صاحب الترجمة إلى إلقاء دروس دينية وعربية في المدرسة العثمانية، وهي أكبر مدرسة أهلية بدمشق، ثم عينته الحكومة لدرس صناعة الإنشاء والخطابة بالمدرسة العسكرية، وعينته وزارة المعارف مدرسَ العلوم الدينية بالمدرسة السلطانية "مكتب عنبر"، وبعد تعيينه هذه الوظيفة ترجح لديه السفر إلى مصر، فلم يتمكن من مباشرتها.
ولقي صاحب الترجمة من علماء دمشق وأدبائها وفضلائها سائر أيام إقامته بها حفاوة واحتراماً، ولما عزم على الرحيل منها، كتب إليه صديقه خليل مردم رئيس الرابطة الأدبية رسالة يذكر فيها أسفه على الفراق، وفي صحبتها قصيدة أومأ في الرسالة أن تكون كالرَّتيمة وتذكار الود والصداقة. فبعث إليه صاحب الترجمة بالأبيات الآتية:
ما النجمُ تجري بهِ الأفلاكُ في غَسَقٍ ... كالدُّرِّ تقذِفُه الأقلامُ في نَسَقِ
لقد سلوتُ محيّا البدْرِ إذ طلعتْ ... عقيلةُ الطِّرْسِ والأجفانُ في أَرَقِ
وكنتُ أرشُفُ من مجرى بَلاغَتِها ... راحًا فيهدَأ ما في الجأْشِ من قَلَقِ
تخشى إذا أفصحتْ عمّا توهَّج مِنْ ... حماسةٍ أن تَشُبَّ النارُ في الوَرَقِ
فألْبَسَتْها أساليبَ النَّسيبِ وكم ... ذاقَ الحشا لوعةً من ناعسِ الحَدَقِ
هي الرَّتيمةُ فيما قالَ مبدعُها ... وهل يغيبُ السَّنا عن طلعة الفَلَقِ
إني على ثقةٍ مِنْ أن ذكرَك لا ... ينفَكُّ مرتَسماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
(13/180)

وكيف أنسى خليلاً قد تضوَّعَ في ... حُشاشتي ودُّهُ كالعَنْبر العَبِقِ
وفي الورى خَزَفٌ لكن تبرَّجَ في ... نضَارةِ الذهبِ الأصفى أو الوَرِقِ
لا عتب إن ضاق باعي في القريضِ فلمْ ... يُضِئْ كما ضاءتِ الجوزاءُ في الأُفُقِ
فإنَّ إحساسي الشِّعريَّ أَوشَكَ أنْ ... يلاقي النَّفَسَ الأقْصى من الرَّمَقِ
لم تُبْقِ لي حادثاتُ الدَّهْرِ منه سوى ... أَثارةٍ كبقايا الشَّمسِ في الشَّفَقِ
وكان جماعة من أهل العلم مثل: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والسيد الشريف النص، والسيد توفيق، والسيد عارف الدّوجي يعقدون مجالس في بيوتهم لمطالعة كتب شرعية أو أدبية، وكان بينهم وبين صاحب الترجمة مودة خالصة، وصداقة محكمة، ولما طابت له مذاكراتهم، وحمد رقة آدابهم وشرف همتهم في العلم، كان لا يغيب عن هذه المجالس -التي تنعقد في أغلب أيام الأسبوع- إلا لعذر، وختموا بهذه السيرة كتباً؛ مثل: "المواهب اللدنية"، وقد فارقهم وبين أيديهم "إعلام الموقعين" لابن القيم.
وبما أن صاحب الترجمة باشر التدريس في مدارس الحكومة وبعض المدارس الأهلية مدة ليست بالقصيرة، تخرّج على يديه عدد كبير من التلاميذ، أصبحوا يشغلون اليوم دواوين الحكومة وغيرها من المصالح، وكان يلاقي منهم عاطفة احترام وإجلال يبدونها في مظهر جعله يشهد لتلك الناشئة بصحة العهد، وصفاء الذوق.
(13/181)

من وثائق محمد الصالح المهيدي
السيد محمد الخضر حسين
عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية والأستاذ بكلية أصول الدين ورئيس جمعية الهداية الإسلامية.

جاء في مجلة "الحديقة" الصادرة بالقاهرة في 7 أغسطس سنة 1939 م عدد 76، السنة الثانية: ما يأتي -محاطاً بصورة الأستاذ أبقاه الله-:
شخصية فذّة قوية، ونفحة من نفحات الحق الزكية، جاد به الدهر وهو البخيل بالرجال، كما تجود الصخرة بالماء الزلال، سمت به الرجولة الحقّة التي بثّها الدين بين جوانحه، فجعل منه مظهراً من مظاهر البطولة الصادقة، والتضحية النبيلة. فقد وهبه الله -سبحانه وتعالى- إيماناً قوياً لا تزعزعه الشدائد، وصبراً جميلاً على المكاره، وعملاً دائباً في نصرة الحق والدين، وكفاحاً عن العقيدة، وجهاداً في سبيلها، وتطلّعاً إلى المثل العليا، وهياماً بمعالي الأمور، وترفعاً عن صغائرها وسفاسفها.
تحادثه، فتلمس من حديثه حضور البديهة، وحسن البصيرة، وصفاء الذهن، وسرعة الخاطر، وتناقشه، فتجد نقاء النفس، وسداد الرأي، وهو يبدي الرأي بكل صراحة، فيدافع عنه من غير تغيير للحقائق، أو قلب للأوضاع، غزير المادة، وَساع الاطلاع، متّقد العقل، بعيد النظر، يحس نتيجة الشيء قبل حدوثه، ويقرأ في الناظر ما يجول في الخاطر، وهو إذ يعرف الحق
(13/182)

فيتمسك به، يفعل ما ينبغي عليه أن يفعله، ويقول ما يجب أن يقال. يشعر بالطريق المستقيم، فيسلكه، والسبيل السوي فيطرقه، ولا يحيد عنه بعدُ قيدَ أنملة. وهو -مع هذا- متواضع أشد التواضع، ولكنه تواضع في غير منقصة أو مذلّة، يترك عمله ليدلَّ عليه، ويتحدث عنه؛ بدلاً من أن يتحدث هو عن نفسه.
نشأ السيد سليلَ بيت مجد في تونس، فظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء منذ أن شبَّ وترعرع، فأخذ في البحث والاطلاع والتنقيب، تحدوه رغبة جامحة في العلم، ويدفعه الأمل في خدمة الدين والوطن، حتى إذا ما أحرز شهادة العالمية بتفوق، تطوّع للتدريس في الجامع الأعظم "جامعة الزيتونة"، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول صحيفة صدرت في تونس باللغة العربية، وكانت حافلة بالمواضيع العلمية، والمسائل الأدبية، والأمور الاجتهادية، وقد لقيت لدى ظهورها تأييداً وترحيباً من كافة الطبقات.
ثم رأت الحكومة أن تنتفع بجليل علمه، وعظيم مواهبه، فعيّن قاضياً شرعياً في "بنزرت"، ولكن أنّى للنفس الكبيرة أن تستكنَّ أو تهدأ، لقد وجد أن الحاضرة أولى بعلمه وجهوده، فاستقال من منصبه راضياً مختاراً، ورحل إلى تونس، فعين أستاذاً في جامعة الزيتونة، ومدرساً بالمدرسة الصادقية، وهي أكبر مدرسة للحكومة بتلك البلاد، وكانت له صولات وجولات في المباحث الدينية والأدبية والاجتماعية، وألقى محاضرات قيمة في نادي جمعية قدماء الصادقية، والمدرسة الخلدونية، وطبعت جميعاً، أذكر منها: "الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية"، و"مدارك الشريعة الإسلامية"، و"الدعوة إلى الإصلاح"، وغيرها.
(13/183)

وما إن وجدت الحكومة فيه عالماً جليلاً، وناقداً مصلحاً، حتى أرادت أن تستفيد من خبرته وسعة اطلاعه، فأشركته معها في كثير من المشروعات الإصلاحية، فكان عضواً في لجنة وضع التاريخ التونسي العام، وعضواً بمجلس النظر في شؤون المدارس، وعضواً في لجنة تنظيم كتب المكتبة الصادقية، والمكتبة الزيتونية، وغيرها من المشروعات العلمية والاجتماعية.
ثم رحل إلى الشام، فاستقبل هنالك استقبالاً حافلاً، وعيّن مدرساً لآداب اللغة العربية في المدرسة السلطانية، وإن أجمل ما توصف بها إقامته هنالك: ما ذكره أحد أعضاء المجمع العلمي (1) في دمشق إذ قال: "أستاذنا الجليل السيد محمد الخضر حسين، علم من أعلام الإسلام، هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام: الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه ونزوره معهما، فأحكمت بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد، ولما توفي شيخنا القاسمي سنة 1332 ه، لم نجد نحن -معشر تلاميذه- من نقرأ عليه أحبّ إلينا، ولا آثر عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، والبرّ بالإخوان، وأخذنا منذ ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الزاهرة، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالاً لمقامه، وإعجاباً بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعيين، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير".
وهكذا كانت مدة إقامته في الشام خالصة لخدمة العلم والدين، وتثقيف
__________
(1) العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار.
(13/184)

الشبيبة، وتنشئتهم على أسس قويمة من الخلق والعلم والدين، فلما أن [قامت] الحرب العالمية سنة 1914 م، خاض غمارها، وساهم فيها بنصيب وافر، فاتصل بالمرحوم أنور باشا التركي وزير الحربية حينذاك، ثم وصل إلى ألمانيا، فقضى فيها زهاء التسعة أشهر تعلم أثناءها اللغة الألمانية، ودرس حالة المجتمع هناك، ثم أقبل على دراسة علوم الكيمياء والطبيعة على البروفسور (هاردر) أحد كبار المستشرقين من العلماء الألمان، ثم رجع إلى دمشق، فمكث فيها قليلاً، ورحل إلى إستنبول، فعين محرراً بالقلم العربي في إدارة الأمور الشرقية، واستمر رافعاً لواء العلم حتى قارب عقد الهدنة، واشتدت الأحداث السياسية، فاضطر إلى الرحيل إلى ألمانيا ثانية، ومكث بها نحو سبعة أشهر، قضاها باحثاً ومنقباً، إلى أن خمدت نار الحرب، ووضعت أوزارها، فرجع.
(13/185)

من وثائق محمد الصالح المهيدي
الشيخ الخضر حسين
من زعماء الإصلاح الاجتماعي في العصر الحاضر: الشيخ الخضر بن الحسين، الذي جاهد الباطل والمحسوبية، وكافح الجهل والأنانية، وتصدى لرد الظلم ودحضه أينما حلَّ وارتحل، فكان من الموفقين. تستحق حياته المملوءة بالعمل الصالح التسجيل، وذلك يستدعي ويستلزم كتاباً، ولا يكفي لاحتوائه فصل في جريدة، ولكن طلب صاحب "العزة" الفاضل لنشر حياة هذا الرجل الكامل في ميدان الكفاح الإسلامي في جريدته، جعلني أضطر إلى استعراض ما لدي من المعلومات عن حياته وأعماله، حتى يكون في ذلك موعظة ودرساً للشباب المتحفز للنسج على منواله.
* مولده ونشأته:
ولد الشيخ الخضر بمدينة "نفطة" الواقعة في أقصى نقطة من الجنوب الغربي من المملكة التونسية في 26 رجب 1293 ه من أبوين كريمين، فوالده من قادة رجال التصوف الإسلامي في القرن الماضي، وأمه هي ابنة العالم التونسي الشهير والصوفي المعروف الشيخ مصطفى بن عزّوز دفين بلدة "نفطة"، والذي لعب دوراً كبيراً في سياسة الدولة التونسية في أواسط القرن الماضي، عندما اشتدت وطأة ظلم الولاة وبغي العتاة، فكان الملجأ لمن حاق بهم مكرهم، ومجيرهم عند ذوي السلطة والنفوذ.
(13/186)

وانتقل والد الشيخ من مسقط رأسه إلى الحاضرة التونسية في العام السادس من هذا القرن 1306 ه، وفيها بدأ يزاول حفظ القرآن الكريم إلى أن أتمّه، ثم أخذ يتعلّم مبادئ العلوم، حيث أدخل إلى جامع الزيتونة، وفيها تتلمذ إلى شيوخ أعلام أمثال المشايخ: عمر بن الشيخ، وسالم بوحاجب، ومحمد النجار، فزاول عنهم المنقول والمعقول إلى أن أحرز على شهادة التطويع سنة 1316 ه.
* الإصلاح الاجتماعي:
كانت الروح السائدة في التعليم الزيتوني لا تبعث على الاطمئنان، فالتوكل والتسليم للقضاء والقدر هي كل ما يتحدث به شيوخ الزيتونة إلى تلاميذهم، وقد كان ذلك يفضي إلى طغيان سيادة الجبرية، فإذا جادل مجادل في العمل والكسب، وجاهر بالسعي والعمل المتواصل لخير هذا الوطن، عُدّت عنه أنفاسه، وابتعد منه الخاصة فضلاً عن العامة، وسبب ذلك يرجع في معظمه إلى الجو السياسي الذي غمر البلاد التونسية بعد انتصاب الحماية، واستمرار حالة الحصار سنوات عديدة، فالحكم العسكري، واستمرار حالة الطوارئ جعل أكثر الناس يهمسون برغائبهم المشروعة همساً، وفي آذان بعض الدوائر المسؤولة في الحكومة، أما أن يقوم خطيب على منبر يدعو الناس إلى الإصلاح الاجتماعي أو السياسي، أو تتولى صحيفة محلية القيام بهذا العمل، فذلك ضرب من المحال.
* شجاعة نادرة:
لكن الشيخ الخضر حسين خرق الاجتماع، وتقدم إلى ميدان العمل بخطى ثابتة، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة 1321 ه فكانت أول صوت ارتفع
(13/187)

ينادي بوجوب الإصلاح الاجتماعي، وحاول أن تكون في خطواتها الأولى كمجلة "المنار" بمصر، فكانت تشتمل على بحوث في التفسير والحديث، وإصلاح المجتمع الإسلامي، يقوم على تحريرها نخبة من شيوخه وزملائه، وكان الأمل أن تستمر على الظهور والصدور، لكنها لم تقو على ذلك؛ لأنها كانت سابقة عن أوانها، فاضطر الشيخ إلى إيقاف إصدارها.
* إبعاده عن تونس:
لم يقف الشيخ بعد احتجاب مجلته مكتوف اليدين، بل أخذ يقوم بإلقاء دروس وعظية، ويعقد الاجتماعات الخاصة لإرشاد الشعب إلى طرق الصلاح والسداد، وبينما هو في تلك الحال، إذ سلطت عليه الحكومة بعض قرابته، فحبَّب إليه قبول خطبة قضاء مدينة "بنزرت"، وكان ذلك في سنة 1323 ه مع إسناد خطّة الإمامة والخطابة بجامعها الكبير، فقبل ما عرض عليه عساه يتخذ مما ذكر وسيلة لإبلاع رسالته إلى المجتمع، ومباشرة الحكم بالعدل بين الرعية، وإنقاذ السكان من ظلم القضاة المرتشين، حتى يكون قدوة لغيره من قضاة العدل.
فارق الشيخ مدينة تونس، وانتصب في مدينة "بنزرت"، ووضع برنامجاً إعلامياً ذا ثبتين: الأولى قضائية، يطبق فيها قواعد الشرع الإسلامي كما هي فيما يعرض أمامه من القضايا الاستدقاقية والشخصية، والثانية اجتماعية، وهي معالجة أمراض المجتمع الإسلامي على طريق الخطيب المنبرية كل يوم جمعة، يرشد الناس فيها إلى أمور دينهم ودنياهم. ولما شرع في تطبيق برنامجه الإصلاحي، بدأت الدسائس تحوم حوله، وأخذ المرجفون يتقولون عنه الأقاويل، فحمله ذلك على المبادرة بتقديم استقالته مما هو مسند إليه من
(13/188)

الخطط، فأعفي من تكاليفها، وعاد إلى تونس.
* التدريس بتونس:
عاد الشيخ الخضر إلى تونس، وشرع يلقي دروساً حرّة بجامع الزيتونة إلى أن فتحت مناظرة لاختيار مدرس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة سنة 1325 ه، فساهم مع المتناظرين، وكان الفوز حليفه، كما كان سبباً لتسميته مدرساً بالمدرسة الصادقية سنة 1326 ه وعهدت إليه الخلدونية بإلقاء دروس على طلابها في فنون الإنشاء والخطابة، فتصدى لذلك على أكمل وجه.
(13/189)

من وثائق محمد الصالح المهيدي
الشيخ الخضر حسين
* كيف يقضي يومه بالقاهرة:
يستيقظ الساعة 4 صباحاً، بعد نصف ساعة يكون بدار "الهداية الإسلامية"، حيث يستحم بالماء البارد كامل أيام السنة، وهي سنة اتبعها منذ كان بألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد الصلاة يبدأ كتابة التفسير إلى الساعة 8؛ حيث يذهب إلى محل مجمع فؤاد الأول للغة العربية الذي هو عضو رسمي وموظف به. وهناك يشتغل بالعمل الموكل إليه من طرف كتابه المجمع إلى الساعة 11؛ حيث يعود إلى محل "الهداية" لمباشرة أعمالها الإدارية، والنظر فيما يرد عليها من بريد ورسائل وتحارير لمجلتها المؤسسة منذ جمادى 2 - 1347 ه. ويمكث به إلى منتصف النهار؛ حيث يعود إلى منزله لتناول طعام الإفطار.
وبعد الزوال يذهب على الساعة 3 إلى مقر مجلة "لواء الإسلام" (1). وبعد صلاة الظهر والعصر يباشر أعمال هاته المجلة التي يرأس تحريرها، فيقدم إلى مطبعته ما حرره من تفسير، ثم تقدم إليه المقالات المعدّة للنشر ليراجعها، ويصادق على ما يراه صالحاً للنشر، ويعدّل ما يقتضي التعديل،
__________
(1) صدر عددها الأول في رمضان 1366 ه.
(13/190)

ويعيد إلى أصحابه مالم ير فائدة في نشره، ويمكث هناك إلى ما بعد الساعة 6، وبعد صلاة العصر ينتقل إلى محل جمعية الهداية لمقابلة الواردين، أو إلقاء محاضرة، أو السماع إليها، وإذا لم يكن هذا ولا ذاك، ينتصب مجلس للسمر يضم عدة علماء من الجمعية المذكورة، أو من الواردين عليها من الخارج، ويمكث هناك إلى الساعة 9؛ حيث يعود إلى منزله لتناول طعام العشاء والصلاة، ثم الراحة والنوم.

* اللغات التي يحسنها:
عندما هاجر الشيخ من تونس إلى البلاد العثمانية أولاً، وأقام بعاصمة دار الخلافة مدينة إسطنبول عند فضيلة الشيخ المكي بن عزّوز، تعلّم اللغة التركية حتى أحسن النطق بها وفهمها، وتدرّب على قراءة صحفها إلى أن ألمَّ بها إلماماً لا بأس به.
وعندما اشترك مع جماعة من المسلمين -منهم: الشيخ صالح الشريف، والأمير شكيب أرسلان- في الحرب العالمية الأولى، وسافر إلى ألمانيا، اغتنم فرصة وجوده هناك، فتعلَّم الألمانية تعلّم استفادة أولاً حتى أتقنها بعض الاتقان، وتدرب على قراءتها وفهمها، وأصبحت له القدرة على الفهم والإفهام، حتى إنه ساهم في ترجمة بعض كتبها إلى اللغة العربية.
وعندما انتقل إلى مصر، واستقر بها، بدأ يشعر بحاجته إلى تعلّم الإفرنسية، وقد تجاوز عمره السبعين، واشتدت رغبته في ذلك عندما أصبح عضواً في (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا) حيث ترد على هذه المنظمة بالقاهرة صحف من الشمال الإفريقي ومن غيره باللغة الإفرنسية، وفيها من الأبحاث ما يقتضي الاطلاع، فبحث عن مدرس مصري لهاته اللغة، واتفق معه على إعطاء درس
(13/191)

في كل يوم بمقابل مالي، وذلك بمقر جمعية الهداية، وكان ذلك في سنة 1948 م إلى أن أصبح قادراً على القراءة والمطالعة بها، وكتابة بعض الجمل البسيطة.
أمدّني بهاته المعلومات الأستاذ القليبي، ونحن ننتظر قدوم السيد بوحافة في عيادة الحكيم ابن ميلاد مساء يوم الجمعة 4 - 1 - 1371 ه، 5 - 10 - 1951 م على الساعة 5 والنصف.
(13/192)

من وثائق محمد الصالح المهيدي
الخضر حسين في سطور

ولد بنفطة في سنة. . . . 1876
انتقل إلى تونس. . . . 1888
أحرز على التطويع بالزيتونة. . . . 1898
أنشأ مجلة السعادة العظمى. . . . 1903
ولي قضاء بنزرت. . . . 1905
أحرز على التدريس من الرتبة 2 بالزيتونة. . . . 1907
أحرز على التدريس بالصادقية. . . . 1908
انتقل إلى الشام مع عائلته. . . . 1911
أسند إليه التدريس بدمشق. . . . 1916
سجنه جمال باشا بدمشق مدة 6 أشهر. . . . 1916
سمّي منشئاً بوزارة الحرب بإستنبول. . . . 1917
تردَّد على برلين من عام. . . . 1917
سمّي واعظاً بجامع الفاتح بإستنبول. . . . 1918
انتقل إلى مصر بالسكن. . . . 1922
أصدر كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم". . . . 1925
(13/193)

سمّي مدرساً بقسم التخصص بالأزهر. . . . 1927
أصدر كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي". . . . 1927
أسس بالقاهرة "جمعية الهداية الإسلامية". . . . 1928
ترأس تحرير مجلة مشيخة الأزهر "نور الإسلام". . . . 1930
ترأس (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية). . . . 1945
ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام". . . . 1947
أسندت إليه مشيخة الأزهر. . . . 10 - 3 - 1952
توفي بالقاهرة ودفن بها في. . . . 3 - 2 - 1958
(13/194)

تلامذة جامع الزيتونة (1)
تحركت همة نخبة من تلامذة الجامع الأعظم إلى إنشاء جمعية تؤكد بينهم روابط الإخاء والمحبة، وتحدث فيهم قوة التعاون على طلب الإصلاحات اللازمة لهم في ترقية حال التعليم، كما أنهم اعتمدوا في أصل تأسيس هاته الجمعية على مساعدة فقراء التلامذة، وإعانتهم على تحصيل العلوم والمعارف بتأسيس نادٍ يجمع شتاتهم على المباحثة والتوسع في تبادل الأفكار، وهو مقصد جليل نؤمل أن تحمد عواقبه، وتأمن مباديه من العوائق.
وقد حرر التلامذة قانوناً ذا فصول مختصرة تشتمل على مقاصد الجمعية، وأصول تأسيسها، وقرروا يوم الأحد الفارط موعداً لاجتماع عام بين التلامذة والأساتذة يتداولون فيه: تنقيح القانون، وانتخاب رئيس وأعضاء، وبعد توزيع الاستدعاءات على نجباء التلامذة وفضلاء المدرسين لحضور الجلسة التي أسندت رئاستها لفضيلة العالم النحرير الأستاذ الشيخ السيد الطاهر النيفر.
وانعقد الاجتماع في الساعة الثالثة مساء يوم الأحد بحضور العلماء
__________
(1) جريدة "المعارف" التونسية - العدد الخامس من السنة الأولى الصادر في المحرم الحرام سنة 1324 ه - 14 فيفري سنة 1907 م، ويرأس تحريرها محمد صادق المحمودي.
(13/195)

الأجلّة الذين أبدوا كامل الحنوَّ والمحبة لتلامذة الجامع الأعظم، وبرهنوا على كامل العناية بالشؤون النافعة، وفهمهم أسرار الاجتماع وفوائده بإجابتهم الدعوة هذه الجمعية الجديدة ..
وافتتح الرئيس المشار إليه الجلسة لإلقاء خطاب بليغ (أوردت الجريدة نص الخطاب) .. ولدى جدوس الرئيس عند الفراغ من الخطاب، قام حضرة البليغ البارع الشيخ السيد الخضر بن الحسين، وارتجل خطاباً لطيفاً خاطب به الرئيس والحاضرين، يستحسن به المشروع، ويحرَّض على إتمامه، بدون أن يصدَّهم عن ذلك ما عساه يعترضهم من العقبات التي يزيلها الثبات، ويمحوها الاتحاد. ثم جلس هذا السيد الحازم بين هتاف الاستحسان. . .
وبعد ذلك أجريت أعمال الانتخاب لرئيس وأحد عشر عضواً، فارتفعت الأصوات بانتخاب العلامة النحرير الأستاذ السيد محمد رضوان رئيساً. ثم تسمى أحد عشر عضواً بغلبية الأصوات (1). وهاكَ أسماءهم على ترتيب غلبية الأصوات:
السادة الأفاضل: الخضر بن الحسين - محمد بن الشاذلي بن القاضي - الطيب رضوان - الصادق النيفر - الطاهر بن عاشور - بلحسن النجار - محمد النخلي - الطاهر النيفر - عمر بن عاشور - علي الشنوفي - عثمان بن الخوجة. . .
__________
(1) من الملاحظ أن الإمام محمد الخضر حسين نال غالبية الأصوات في الانتخاب، وهذا دليل على مدى تعلق ومحبة رجال الزيتونة لفضيلته بتقدمه على كبار الشيوخ الزيتونيين.
(13/196)

ربع ساعة أمام المذياع
الأدب التونسي في القرن الخامس مسامرة الشيخ محمد الخضر حسين (1)
* كلمة في الشيخ -أبقاه الله-:
الشيخ محمد الخضر حسين من الرجال العظام الذين أنبتتهم تربة بلادنا، وترعرعوا في أحضانها، ولقد أنبته الله نباتاً حسناً، فنشأ نشأة طيبة تناسب شرف نسبه، وأصالة عائلته، وطوى الشيخ بساط شبابه في الكوع من منابع العلوم والآداب، حتى امتلأ بذلك امتلاء كانت آثاره أن كان الشيخ من علماء تونس الأفذاذ، ومن أدبائها المشار إليهم بالبنان.
وقد أخذ الشيخ في التدريس بالجامع الأعظم، فكان لدروسه الصدى
__________
(1) جريدة "الزهرة" التونسبة - العدد الصادر يوم الاثنين في 7 جمادى الثانية 1355 ه - أوت آب 1936 م، نقلتها تصويراً من ملف وثائق محمد صالح المهيدي المحفوظة في قسم الدوريات بدار الكتب الوطنية بتونس.
والباحث، الأديب، المفكر محمد الصادق بن محمود بسيّس (1332 - 1398 ه = 1914 - 1978 م) من أعلام الثقافة الإسلامية، ولد بتونس، وتلقى علومه بجامع الزيتونية، ودرّس فيه. له مؤلفات عديدة - انظر كتاب: "تراجم المؤلفين التونسيين". توفي بتونس في 10 ذي العقدة 1398 ه.
وفي هذا المقال يتضح مدى محبة وتعلق أهل العلم التونسيين بالإمام محمد الخضر حسين.
(13/197)

القوي، والفائدة العظيمة، وزيادة على قيامه بذلك، فقد كان يلقي المحاضرات النفيسة في جمعية "قدماء الصادقية"، وكانت هاته المحاضرات من ذلك النوع الرفيع من البحث، والمقام الكبير من التحقيق والتمحيص.
وألَّف الشيخ تآليف عديدة قبل هجرته إلى مصر، وأسس مجلة أسماها: مجلة "السعادة العظمى"، ومن تآليفه: "الدعوة إلى الإصلاح"، و"الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية".
ثم هاجت ريح زعزاع، وثارت عاصفة صخوب، أركبت الشيخ المركب إلى مصر، وأفئدةُ الناس تذوب حسرة، وقلوبهم تتقطّع لوعة.
ولقي الشيخ احتفاء وتكريماً من الشرق والشرقيين، وأصبح الشيخ من أعلام الجهاد الإسلامي، ومن المذاويد عن شرع الله الحكيم، فردَّ على طه حسين في كتابه "نقض الشعر الجاهلي"، وأتى على طعناته، فإذا هي كرماد اشتدت به الرياح، ثم ردَّ على علي عبد الرازق في كتابه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وبعث بأوهامه إلى مكان سحيق، وطعنها طعنة ما قدرت أن تعيش بعدها طرفة عين، وكذلك ردَّ الشيخ على "القاديانية" في كتاب نسيت اسمه، وهشَّم فيه مذهبهم.
وتولى الشيخ رئاسة "جمعية الهداية الإسلامية"، ورئاسة تحرير مجلتها، وهناك أجال قلمه، فترجم لكثير من علماء بلاده وأدبائها مما دلَّ على أن الشيخ مضرب الأمثال في الوفاء، وأنه أوفى من أم جميل، وأنه يحنُّ إلى وطنه حنيناً. ورحم الله ابن الرومي:
وحَبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم ... مآربُ قضّاها الزمانُ هنالكَا
إذا ذكروا أوطانهَم ذَكَرَتْهُمُ ... عهودَ الصبا فيها فحنّوا لِذَلِكا
(13/198)

وأبا تمام الطائي:
نقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى ... وحنينُه أبداً لأوَّلِ منزلِ
وتولى أيضاً رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" لسان الأزهر، وكان له فيها مقالات غُرَر، ومما يدل على قيمتها الجليلة: أنها ترجمت إلى اللغة الإنكليزية تبشيراً بالإسلام، والشيخ كان من أكبر الذين كوّنوا مشروع (الشبان المسلمين) بمصر، وهو الآن مدرس بكلية أصول الدين، يدرّس أصول الشريعة؛ كالحديث والتفسير، وهو شاعر مفلق حاذق، ومن شعره الذي أحفظه قوله:
بسطتَ شُعاعَ عِلْمك في نفوسٍ ... تسوقُ إليك ما اسطاعت حُتوفا
كذا الأقمارُ تكْسو الأرضَ نوراً ... ولولا الأرضُ ما لقيتْ خُسوفا
وقوله وهو من جيد الشعر:
أرى مُثْمِرَ الأغصانِ يَدْنو من الثَّرى ... وعاطِلُها يبغي بهامتِه الشِّعْرى
فَأَذْكُرُ إذْ يهوي الغمامُ تواضعاً ... وَيرْفَعُ مسلوبُ العُلا أنفَه كِبْرا
وقوله:
عذْرْتُكَ إذ صوَّرْتَ في نفسكَ الهُدى ... ضلالاً وصوَّرْتَ الضلالَ رَشادا
فإنَّ زُجاجاتِ المصوِّرِ تقلِبُ ال ... سَّوادَ بياضاً والبياضَ سَوادا
ومن شعره في السجن الذي سجنه فيه السفاك جمال باشا بدمشق، وقد مكث فيه ستة أشهر:
(13/199)

أنا لولا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خِدْمةِ الإسلامِ آثرتُ الحِماما
ليستِ الدُّنْيا وما يقسُمُ مِنْ ... زَهْرِها إلّا سَرابا وقَتاما
وما أبدع قوله وأجمله:
لا خَيْرَ فيمنْ خفَّ طبعاً واشترى ... بلطائفِ الأُدَباءِ كأسَ مُدامِ
والشِّعْرُ كالبَيْداء هذا مَهْمَهٌ ... قَفْرٌ وهذا كُنَّسُ الآرامِ
وبعد:
فقد رفع الشيخ تونس بعلمه الزاخر، وأدبه الكبير، وأخلاقه الإسلامية، نَعَمْ، رفعها مكاناً عليّاً، فله الشكر بكرة وعشيّاً.
وقد منَّ الله على الأستاذ أن سهَّل له الذهاب إلى الحج، فحجَّ الشيخ في عام 1352 ه، وعند رجوعه إلى مصر سالماً غانماً، احتفلت به جمعية "الهداية الإسلامية" احتفالاً لائقاً بمقامه الكريم، وعلمه الغزير، ومما قاله الأستاذ الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في خطبته: "أي وربّي الله! إن الأستاذ الخضر لنفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد بها الجواد على هذا الزمان العقيم، فأحيا به من موات الإسلام، وجدَّد بعزمه من شباب الدين، ونضَّر بأخلاقه من وجه الفضيلة، ورفع بنبوغه من منار العلم، وجبر بهِمته من كسر الشّرق وأهل الشرق، فإذا نحن رحّبنا به، فإنما نرحب بلسان الإسلام والدين والفضيلة والعلم، والشرق والشرقيين".
وأُلقيت في تلك الحفلة قصائد كلها تفيض إخلاصاً، وتتدفق محبة وحناناً لذلك الرجل الذَّكَر (1)، والعلّامة العَلَم.
__________
(1) يقال للكامل من الرجال: رجل ذَكَر، وللكاملة من النساء: امرأة أنثى.
(13/200)

ولقد ابتهج التونسيون ابتهاجاً عظيماً حين أعلن عن مسامرة بلديِّنا العلامة الشيخ الأخضر ابن الحسين، وكان ابتهاجي أنا على الأخص عظيماً حيث لم أتمتع لا برؤية الشيخ، ولا بالتلذذ بمجالسه العِذاب وأدبه، واطّلاعه الباهر الجميل، وسهراته الظراف، ومحاضراته الطراف، وبالأمس على الساعة التاسعة استمعنا مسامرة الشيخ عن الأدب التونسي في القرن الخامس.
ألقى الشيخ مسامرته الطريفة بصوت فخم ضخم، حلو النبرات، جميل، وبلغة بديعة التعابير، فصيحة التراكيب، هي -وربَّك- البيان الكريم. وتكلم عن مهيئات تلك النهضة، وأنها بطبيعة الحال يجب أن تجاري النهضات الزاهرة في العراق، وبلاد الشرق، ولقد وجدت في القرن الخامس نهضة لم تأت بها الأيام، نهضة راقية ساحرة، بلغت من السمو والكمال والحظوة الكبرى والصيت الذائع البعيد، ثم تكلم الشيخ، فاستعرض كثيراً من شعراء ذلك العهد المزدهر السعيد؛ كابن شرف، وابن رشيق، والحصري صاحب "زهر الآداب"، وألقى نتفاً من شعرهم البديع، ومقاطيعهم التي هي كسجع الحمائم في الأسحار، وعبث الكواعب بالأوتار. وجعل الشيخ من أعظم العوامل المقوية لروح تلك النهضة: ملك القيروان إذ ذاك (المعزّ بن باديس)؛ فقد كان هذا الملك كَلِفاً بالأدب، عطوفاً على أهله، يصلهم بالصلات الحسنة، والعطايا الكبرى، فكان يجتمع في مجلسه نحو من مئة شاعر، ويقولون الشعر، فينبعث المعزّ- وهو مَنْ هو ضلاعة واطّلاعاً على الأدب - ناقداً، كاشفاً للغطاء عن الغلطات والعثرات التي عثروا فيها في ميدان القول الرحيب الفسيح.
ثم تحدّث عن قيمة ابن شرف القيرواني النقدية، ومؤلَّفه في ذلك، وبيّن قيمة ابن شرف في النقد، وأنه من الذين كانوا ينقدون الشعر النقد العميق
(13/201)

البديع، وتكلم على ابن رشيق، وعلى كتابه الثمين "العمدة"، وعلى قيمة هذا الكتاب الجلّى، ومكانته في علم النقد، وأنه من الكتب التي كان لها الأثر الكبير في شدِّ ساعد هذا العلم، وذيوعه في العالمين، وأرسل الشيخ لفكره العنان، فأتى بالرائق الأنيق بالآيات البينات في هذا الموضوع، وأوسعه بحثاً طرياً، ورأياً شهياً.
وقد حُرمنا كثيراً من المسامرة بسبب الهزم الصاخب، والأصوات الهائلة التي كانت تنبعث من محطة (البلجيك). وأضرّت بنا الضرر البليغ؛ حيث قطَّعت علينا المسامرة العزيزة تقطيعاً، وشوَّشتها تشويشاً، منعتنا من خيرٍ غمرَ، وحديث عال شريف.
وختم الشيخ مسامرته المطرفة الرفيعة مبتهجاً بنهضتنا الأدبية، وبشعرائنا الحذّاق الذين لهم من وحي مجدهم ونهضاتهم التي أسدت للإنسانية أيادي بيضاء ومنناً حسناً بهيجة لهم من ذلك ما يبعث العزائم بعثاً دفّاقاً إلى جعل هاته النهضة تسابق تلك النهضة، فنسبق سبق الجواد، ونفوز بالقدح المعلّى، ثم قال الشيخ -أبقاه الله-: ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا ما تيسر في أن أتصيَّدَه من مسامرة الشيخ، وإن ما التقَطْتُه من تلك الدرر الثمان الغوالي التي نثرها، فأقر العيون، وأطرب الأسماع، وإنه لمتعة كم نود أن يرسل أمثالها الأستاذ من آونة إلى أخرى، فيمتِّعنا بذلك تمتيعاً، نحن متشوقون شوق المهجور لنظرة، والصادي لرشفة.
هذا وإن حُرِمْنا من رؤية الشيخ، ومن دروسه الفذّة، فلنا مما يرسله من بيانه السامي، وقلمه المجلّي في ميادين العلوم والآداب، وما يلقيه إلينا
(13/202)

من المحاضرات على طريق (المذياع) عوض.
ومما يستلفت النظر: أن الشيخ ألقى مسامرته بتلك اللهجة التونسية القريبة من اللهجة العربية قرباً كبيراً، على طول إقامته بين ظهراني إخواننا المصريين، وقد أخبرني أخوه العالم اللغوي السيد المكي بن الحسين: أنه متأثر بلهجة شيخه العلامة إسماعيل الصفايحي.
أدام الله الأستاذ علَمَ تونس في الشرق الخفّاق، ومثالاً كريماً للأخلاق النبوية الفضلى، وجعله شمساً تنير الحوالك، ومصباحاً يقي المهالك، والله على كل شيء قدير.
محمد الصادق بسيس
يوم السبت 4 جمادى الثانية 1355
(13/203)

العلامة التونسي الشهير الشيخ الخضر بن الحسين يسمى شيخاً على الأزهر الشريف (1)
بناء على ملاحظات كبار العلماء تقرر إسناد مشيخة الأزهر الشريف إلى فضيلة العلّامة الشيخ محمد الخضر بن الحسين من هيئة كبار علماء الأزهر، وقد روعيت في هذه التسمية نزاهة فضيلته، وكفاءته، ومقدرته العلمية الفائقة، وأخلاقه الإسلامية العالية.
وفضيلة العلامة محمد الخضر بن الحسين تونسي المولد والنشأة، وقد نشأ من أسرة معروفة في الجريد التونسي، وبعد أن حذق القرآن الكريم بمسقط رأسه في الجريد التونسي، شدَّ الرحال إلى العاصمة التونسية، وانخرط في سلك طلبة الجامع الزيتوني المعمور، وواصل التدرّج والسموّ في المراتب العلمية حتى أصبح من العلماء الأعلام الذين يشار إليهم بالبنان، واشتهر فضيلته بغيرته على الدين، وعمل 0 ه المتواصل على إصلاح حال المسلمين. وهو يرى أن بلاد الإسلام هي وطن واحد لجميع المسلمين، وإن فرقت بينهم الحدود الوضعية، والفواصل الجغرافية الصناعية والسياسية.
وبعد أطوار عديدة في حياته الحافلة، لا يتسع المقام والنطاق المحدود
__________
(1) جريدة "الزهرة" العدد 13760 الصادر في 29 ذي الحجة 1371 ه - 19 سبتمبر 1952 م - تونس. ومديرها الأستاذ محمد عبد الرحمن الصنادلي.
اقتطفت هذه الفقرات من مقال تحدث في مقدمته عن خلافات في الأزهر.
(13/205)

لتفصيلها، اعتزم الرحلة إلى الشرق، وزار مختلف الأقطار الإسلامية، ودرَّس العلم في مختلف أمهات المعاهد الشهيرة. ومنذ بضعة سنوات حطّ الرحال -بعد أن تقدمت به السن- في أرض الكنانة، فقوبل بالتبجيل والإجلال والتقدير اللائق بمقامه العلمي الرفيع، وأنيطت بعهدته مهام علمية سامية في الجامع الأزهر الشريف، وأخيراً اعتنق الجنسية المصرية، وأصبح عضواً بارزاً في هيئة كبار العلماء الأزهريين، حتى اختارته الحكومة المصرية الرشيدة منذ يومين لمشيخة الأزهر الشريف بموافقة هيئة كبار العلماء.
وفضيلة الشيخ محمد الخضر بن الحسين يبلغ الآن السنة الثامنة والسبعين من عمره الحافل بالأعمال الإسلامية الجليلة.
ونحن نهنئ فضيلته بهذا المنصب الجليل الذي أُسند لكفاءته، ونرجو له الحياة الطيبة الحافلة بالأعمال الصالحات في النهوض بالأزهر الشريف، ونسأل الله تعالى العلي القدير أن يبارك في عمره، وأن يمدّ في أنفاسه.
وإنا لنعتبر تسميته على رأس أعظم معهد إسلامي في العالم شرفاً وفخراً وكسباً لتونس والتونسيين، ورابطة جديدة من روابط القربى والتعاون بين الشعبين المكافحين: تونس، ومصر.
(13/206)

من وحي القلم
لمسة وفاء (1)
عندما ينظر الباحث إلى تاريخ الإنسان في هذه الربوع، تهزّه مشاعر جيّاشة، وتأخذه سِنَة من النّخوة والاعتزاز بالانتماء إلى أرض تونس المجيدة. . . وذلك بتأثير ما يقرؤه على صفحات التاريخ من مآثر رائدة صنعتها أيادي أعلام تونسيين أفذاذ، نذروا حياتهم لرفعة الوطن، ولإصلاح المجتمع، ولتنمية التراث كمّاً ونوعاً.
من هؤلاء الأعلام أريد أن أومض إلى جهود الشيخ محمد الخضر حسين، لاسيما وأن ذكرى وفاته الأربعين تمرّ بنا هذه الأيام، فقد مات -رحمه الله- في يوم 12 فيفري 1958 م بعد عمر ناهز 85 عاماً، حفلت بجليل الأعمال التي تذكر فتشكر. وبالمناسبة يمكنني القول باختصار شديد: إن الرجل قد برز طوداً شامخاً، شهدت بنبوغه وبفضائله منابر العلم مشرقاً ومغرباً، وقد أبان في هذا المجال عن جملة من الصفات العالية أذكر منها باختزال ثلاثاً:
1 - صفة العالم الإصلاحي الذي حرّك السواكن، وأيقظ النفوس، وأحيا الهمم، وهدَّ أقبية الجمود، وأقضَّ مضجع الرجعية الغائرة في التحجر، فعمل
__________
(1) مقالة للكاتب الأديب الأستاذ حسين المزوغي عن الإمام محمد الخضر حسين، نشرت في جريدة "الحرية" تونس - يوم الخميس 12 شباط فيفري 1998 م.
(13/207)

بكل ما أوتي من جهد من أجل تجاوز السلبيات، وهجر القوالب العقيمة، وإزاحة العوائق، وإجلاء سحب القتامة والظلام الحاجبة للرؤيا، والقابعة على الآفاق، تخنق الأمل، وتسدّ فرج النور والحياة. ومما يؤثر عنه: أنه دعا بحماس إلى فتح باب الاجتهاد، واستئنافِ آلياته من جديد، ونادى إلى حرية الرأي والتعبير، وانعتاق الإنسان التونسي بهدف بناء العقل، وتطوير أساليب التفكير التي لم تعد تواكب العصر. فتألب عليه المتزمتون والمحافظون، وعارضوه، وسعوا إلى النيل منه واضطهاده، لكن ذلك لم يثنه عن التشبث بقناعاته المستنيرة ..
2 - كان صاحبنا -إلى جانب صفاته الإصلاحية- شعلة من نار على أعداء الشعب، خصوصاً الاستعمار الذي احتل البلاد، واستعبد رقاب العباد. وفي هذا الإطار، رفع محمد الخضر حسين لواء الثورة الشاملة ضد قوات الاحتلال، واغتنم فرصة سفراته، وإقامته بالشام ومصر وألمانيا والجزائر؛ ليحرّض إخوانه المغاربة، وفي مقدمتهم التونسيين؛ لمقاومة الحماية الفرنسية، وكان يحفزهم ويؤلبهم حتى يكافحوا كفاحاً مستميتاً بهدف تقويض صرح العدو، وانتزاع حرية الوطن، والتخلص من ربقة الاحتلال. وقد أسس بمصر لهذا الغرض في سنة 1923 م جمعية "تعاون جاليات شمال إفريقيا"، ثم أنشأ بعد الحرب العالمية الثانية "جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا"، التي كان لها دور فعال في شد أزر الزعماء والمقاومين، وإبلاع صوتهم إلى المنظمات العالمية. . . وتضايقت فرنسا وقتها من نشاط الخضر حسين، فأصدرت عليه غيابياً حكماً بالإعدام وهو مقيم بدمشق، فهاجر إلى مصر لاجئاً حيث واصل نضاله إلى أن مات.
3 - ولعلّ الصفة الضاربة لرائدنا خلال حياته المليئة بالنشاط والحيوية،
(13/208)

هي: أنه كان -رغم تكوينه الزيتوني التقليدي- صاحب ثقافة واسعة، وفكر متفتح، ونفس ذوّاقة للفن والأدب، فقد كان يحب الشعر، وينظم القصائد العصماء، وله ديوان ضخم بعنوان: "خواطر الحياة" أصدره في سنة 1946 م. وألف كتاباً في "الخيال في الشعر العربي" ظهر في شكل مقالات، ثم طبع في عام 1928 م. . . كما له عدة مصنفات متنوعة يفوق عددها عشرة عناوين، دون بعض المجلات التي أسسها، وأبرزُها "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة تونسية في سنة 1904 م. . . وقد تأهل الشيخ محمد الخضر حسين- بفضل ثقافته القيمة، وسعة اطلاعه وعلمه الغزير- ليشع داخل الوطن وخارجه. . . فكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق، وعضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة. . . وانتمى إلى جامعة الأزهر، وشغل بها عدة وظائف، أهمها: توليه عن جدارة رئاسة مشيختها في سنة 1952 م.
هذه -أخي القارئ- لمسة وفاء مقتضبة أسوقها إلى روح أحد الأعلام الروّاد الذين أحبوا تونس، وآمنوا بحظوظها، فنذروا العمر لخدمة الفكر، وتطوير المجتمع، وازدهار البلاد، وأقدموا على تضحيات جسام بما فيها الموت. فهم قد آمنوا بأن الموت خلود وحياة. . . خلود لهم، وحياة لوطنهم وأمتهم. . .
(13/209)

شخصيات إسلامية
الإمام محمد الخضر حسين (1)
* الشخصية في سطور:
ولد محمد الخضر حسين في مدينة "نفطة " بتونس سنة (1293 ه = 1876 م).
تلقَّى تعلميه في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى تونس العاصمة مع أسرته، والتحق بجامع الزيتونة.
بعد تخرُّجه في جامع الزيتونة عمل بالخطابة والتدريس والقضاء.
أسَّس في تونس مجلة لخدمة الفكر الإسلامي بعنوان "السعادة العظمى".
غادر تونس إلى الآستانة سنة (1329 ه = 1911 م)، وتردّد بين دمشق والآستانة وبرلين، ودامت هجرته نحو عشر سنين.
استقر في القاهرة سنة (1338 ه = 1920 م)، وعمل في دار الكتب المصرية.
التحق بالأزهر، وحصل على عالمية الأزهر، واشتغل بالتدريس فيه.
دخل معارك فكرية كبيرة مع "طه حسين"، والشيخ "علي عبد الرازق".
تولّى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر"، ودخل مجمع اللغة العربية مع
__________
(1) ترجمة الإمام في الموقع على (الأنترنيت) www.ikhwanonline.com
(13/210)

الجيل الأول من علماء المصريين والعرب الأجانب سنة (1351 ه = 1932 م).
اشترك مع "أحمد تيمور" باشا في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأسس بمفرده جمعية "الهداية الإسلامية".
تولى مشيخة الأزهر سنة (1371 ه = 1952 م).
توفي "محمد الخضر حسين" سنة (1377 ه = 1958 م) تاركاً عدداً من المؤلفات المهمة.
* المجاهد بالقلم:
أتى على القاهرة حين من الدهر كانت مستقر العلماء، وقادةِ التحرير، وزعماءِ الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وشهد النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري نزوح عدد كبير من هؤلاء إلى قاهرة المعزّ التي فتحت لهم ذراعيها، وأحسنت استقبالهم، وكرمت وفادتهم، فقدم من الدولة العثمانية شيخ الإسلام "مصطفى صبري"، ووكيله "محمد زاهد الكوثري"، ومن الشام "طاهر الجزائري"، و"محمد كرد علي"، و"شكيب أرسلان"، ومن بلاد المغرب العربي "علال الفاسي"، و"محمد الخضر حسين"، و"البشير الإبراهيمي"، وغيرهم.
واستقر بعضهم في القاهرة، واتخذها وطناً له، وعمل في مؤسساتها، وتبوأ المناصب العليا في الدولة؛ مثل: الشيخ "محمد الخضر حسين"، الذي قدِم من تونس إلى القاهرة، وأقام بها، وعمل في هيئاتها، ومؤسساتها العلمية حتى اختير شيخاً للجامع الأزهر.
* المولد والنشأة:
وُلد "محمد الخضر حسين" في مدينة "نفطة" بجنوب تونس في (26 من
(13/211)

رجب سنة 1293 ه = 16 من أغسطس 1876 م)، وبها نشأ وتعلم، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وألمَّ بشيء من الأدب والعلوم العربية والشرعية.
ثم انتقل وهو في الثانية عشرة من عمره سنة (1305 ه = 1888 م) إلى تونس العاصمة، والتحق بعد عامين بجامع الزيتونة، وهو سورة مصغَّرة من الأزهر في ذلك العهد، تُقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير، وحديث، وفقه، ونحو، وصرف.
وفي الزيتونة تقدم الطالب النابغة في تحصيل العلم، وظهرت أمارات نبوغه في العلوم العربية، والشرعية، وتجلّى ذوقه الأدبي في الإنشاء، حتى تخرَّج سنة (1321 ه = 1903 م) حاصلاً على الشهادة العالمية، وأصبح بذلك من علماء الزيتونة.
* في معترك الحياة:
وفي العام الذي تخرج فيه أنشأ مجلة "السعادة العظمى"؛ لتَنْشر محاسن الإسلام، وتفضح أساليب الاستعمار الذي يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون المسلمين، ويبذل جهوداً مضنية لتشويه اللغة العربية، ورميها بالجمود والتخلّف؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديث نبيَّهم الكريم، وقامت المجلة بمهمتها -حسب الطاقة والجهد- في عزم وصبر شديدين، وإلى جانب التدريس والخطابة بالجامع الكبير بمدينة "بنزرت" تولَّى قضاءها في سنة (1324 ه = 1905 م)، غير أنه ما لبث أن ترك وظيفة القضاء المرموقة سنة (1326 ه = 1908 م).
وعاد إلى تونس العاصمة، وعمل مدرساً بالمدرسة "الصادقية"، وهي
(13/212)

المدرسة الثانوية الوحيدة بتونس يومئذ، وفي العام التالي تطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيلت إليه مهمة تنظيم خزائن الكتب الخاصة بهذه الجامعة العريقة، وتمَّ تعيينه رسمياً مدرساً بها.
وفي أثناء ذلك يقوم بالخطابة في المنتديات الثقافية، داعياً إلى إحياء قيَم الحرية والتحرُّر، وبثِّ روح العروبة في النفوس، والعناية بالنشء وتعلميه.
* رحلاته إلى العالم الإسلامي:
ولما قامت الحرب الإيطالية الطرابلسية سنة (1329 ه = 1911 م)، وزحفت الجيوش الغازية، واحتلت طرابلس، وبني غازي، وقف الخضر بقلمه من مغتصبيه، وأشعلت مقالات الشيخ الحماس في النفوس، ونبَّهت الغافلين من الأمة، وشعر المستعمر الفرنسي بخطورة ما يقوم به الشيخ المجاهد، فاتَّهمه ببثِّ روح العداء للغرب، وبدأ يضيّق عليه، واضطرَّ الشيخ إلى مغادرة تونس إلى الآستانة سنة (1330 ه = 1912 م)، وعُيِّن مدرساً للتربية في المدرسة "السلطانية" وتعمَّدت رحلاته بين دمشق والآستانة وبرلين؛ في سبيل خدمة قضايا العالم الإسلامي، والاتصال بزعماء الحركات الإسلامية، إلى أن عاد مرة أخرى إلى عمله في المدرسة السلطانية سنة (1335 ه = 1917 م)، وشرح لطلابه كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام.
* الاستقرار في القاهرة:
ولما وقعت سورية في قبضة الاحتلال الفرنسي سنة (1338 ه = 1920 م)، غادر الشيخ "الخضر حسين" دمشق، وقصد القاهرة، وما كاد ينزل حي الحسين غريباً لا يعرف أحداً، ومهاجراً في سبيل الله بقلمه المجاهد الشجاع، حتى وُفِّق للعمل بدار الكتب المصرية بأجرٍ زهيد لا يتفق ومنزلته الكبيرة، ثم توثَّقت
(13/213)

صلته بزعماء الفكر الإسلامي من أمثال: "أحمد تيمور"، و"محب الدين الخطيب"، و"عبد الوهاب النجَّار"، و"محمد رشيد رضا" الذين عرفوا قدر الرجل ومنزلته العلمية.
وفي أثناء ذلك حصل على الجنسية المصرية، وتقدَّم إلى امتحان العالمية بالجامع الأزهر، وكان الشيخ عبد المجيد اللبَّان رئيس اللجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكُّن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبّان صاح -إعجاباً- قائلاً: هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ونال الشهادة العالمية الأزهرية، وبها صار أستاذاً في الجامعة الأزهرية.
* معاركه الفكرية مع "علي عبد الرازق، وطه حسين":
شاءت الأقدار أن يدخل "الخضر حسين" معارك فكرية لفتت الأنظار إليه؛ لسعة علمه، وقوة حُجَجِه، ونزاهته في عرض آراء الخصوم، وموضوعيته في الردِّ عليها، وبدأت معاركه الفكرية الكبرى سنة (1344 ه = 1925 م) بنقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ "علي عبد الرازق" الذي ادَّعى فيه أن الإسلام دين ليست به شريعة لسياسة الدولة والمجتمع، وحاول تجريد الإسلام من طابعه ودوره السياسي، وتجريد الدولة في وطن المسلمين من صبغته"لإسلامية، وتقديم الإسلام ديناً لا دولة، ورسالة روحية لا شرع فيها ولا سياسة.
وتصدَّى الشيخ المجاهد هذا الكتاب الذي أثار ضجَّة واسعة، واحتفى به الكارهون لشرع الله، فنقده نقداً علمياً نزيهاً، معتمداً على الحجة والبرهان، والاستناد إلى القواعد الأصولية والفقهية، وضمن ذلك كتابه "نقض كتاب
(13/214)

الإسلام وأصول الحكم"، وفي العام التالي سنة (1345 ه = 1926 م) ظهَر كتاب "في الشعر الجاهلي" ل "طه حسين"، نادى باحتقار كل قديم دوِّن في صحف الأدب، والشكّ فيه، ويزعم أن معظم ما قيل منسوباً إلى شعراء الجاهلية اختلاقٌ زائف، وهاجم المقدّسات الإسلامية هجوماً لا هوادة فيه، وادَّعى أن حديث القرآن الكريم عن "إبراهيم" و"إسماعيل" - عليهما السلام - لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ.
وقد ردَّ الشيخ "الخضر" على "طه حسين" بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فصنع معه ما صنع مع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، عندما فنَّده فقرة فقرة، مع أدب رفيع في الحوار، وبراعة في الجدل كشفت عن عقل متمكن ومتمرس في ميدان البحث والمناظرة.
* جهوده الإصلاحية في القاهرة:
لم يكن الشيخ ممن يكتفون بوسيلة واحدة من وسائل الإصلاح، فهو معلّم متمكن، وخطيب بارع، ومؤلف موهوب، وصحفي مجاهد، وداع إلى إنشاء الجمعيات الإسلامية، وقد اشترك في سنة (1346 ه = 1927 م) مع صديقه العلامة "أحمد تيمور" في تأسيس "جمعية الشبان المسلمين"، التي تكونت للتعريف بالإسلام، والذَّود عن حضارته، وكانت مصر تتعرض لحملة ثقافية تغريبية لطمس هوية البلاد.
ولما نجحت جمعية "الشبان المسلمين"، تفرَّغ الشيخ لإنشاء "جمعية الهداية الإسلامية"، وضمَّ إليها جمهرة مستنيرة من شيوخ الأزهر وشبابه، ومن طبقات المثقفين ثقافة مدينة، وأنشأ بها مكتبة كبيرة كانت نواتها مكتبته الخاصة، وأصدر مجلة تحمل اسم الجمعية، وأنشأ لها فروعاً بالأقاليم، وكانت
(13/215)

محاضراته المستمرة فيها، ومقالاته في المجلة جُهداً منظماً ومستمراً قدَّم من خلاله معالم دعوته للإحياء الإسلامي، والنهضة العربية، وتحرير ديار العروبة والإسلام، وقد جُمعت مقالاته ومحاضراته هذه في كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان: "رسائل الإصلاح".
* في المؤسسات والهيئات العلمية:
عرف أهل العلم في مصر قدر الرجل، وسعة علمه منذ أن نزل بها، فعهدوا إليه بالقيام ببعض الأعمال التي تحتاج إلى الراسخين في العلم، فعندما أصدر الأزهر مجلته التي بدأت باسم "نور الإسلام" في سنة (1349 ه = 1930 م) عهد إلى الشيخ "الخضر" برئاسة تحريرها، فنهض بهذه المهمة ثلاث سنوات، وأرسى قواعد التحرير في المجلة، ونظم شؤونها، وعندما تكوّن مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1351 ه = 1932 م) كان الشيخ "الخضر" من الرعيل الأول الذي اختِير لعضوية المجمع ضمن عشرين عالماً وأديباً من كبار رجال العلم في مصر والعالم العربي وأوروبا، واشترك في كثير من لجان المجمع العلمية، ونشرت له المجلة عدداً من البحوث اللغوية العميقة، وتقديراً لعلمه اختاره المجمع العلمي العربي بدمشق عضواً به، وفي سنة (1370 ه = 1951 م) نال عضوية هيئة كبار العلماء- أكبر هيئة علمية إسلامية- برسالته: "القياس في اللغة العربية".
* في مشيخة الأزهر:
وعندما قامت حركة الجيش في (23 يوليو 1952 م) كان منصب شيخ الأزهر شاغراً، وقع اختياره على الشيخ "الخضر" إماماً أكبر، وشيخاً للإسلام، ووجهاً مشرقاً هذه الجامعة العريقة، ووُلي الأستاذ الشيخ المنصب الكبير،
(13/216)

وفي ذهنه برنامج إصلاحي كبير للنهضة الإسلامية التي يتطلع إليها العالم الإسلامي، لكنَّ رجال الحكم لم يتركوا الشيخ يعمل في هدوء، ووضعوا العراقيل في طريقه، وشعر الشيخ بضغوط تحُول بينه ويين ما يريد، أو تَطلب منه تنفيذ ما لا يرضيه، فتقدم باستقالته في (2 من جمادى الأولى سنة 1373 ه = 7 من يناير 1954 م) قائلاً كلمته الشهيرة: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
ويذكر له: أنه حينما تولَّى مشيخة الأزهر، لم يغير شيئاً من عاداته، ولم يكن له في شهوات المنصب من حظ، وكان دائماً يحتفظ باستقالته في جيبه، ويقول: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلمها -حين أسلِّمها- موفورة كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص".
* مؤلفات الخضر حسين:
لم يخلف الشيخ "الخضر" وراعه من حطام الدنيا شيئاً، لكنه ترك ذكرى طيبة، وسيرة حسنة في ميادين السياسة والجهاد والقدوة الحسنة، وترك كنوزاً من الفكر شاهدة على عقله المبدع، وجهده الدؤوب، ومن هذه المؤلفات:
= رسائل الإصلاح.
= نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
= نقض كتاب "في الشعر الجاهلي".
= القياس في اللغة العربية.
= الخيال في الشعر العربي.
= آداب الحرب في الإسلام.
(13/217)

= تعليقات على كتاب "الموافقات" للشاطبي.
= خواطر الحياة "ديوان شعره".
= وفاة الإمام الأكبر:
بعد استقالة الشيخ "الخضر" من مشيخة الأزهر تفرَّغ للبحث والكتابة والمحاضرة حتى وافاه الأجل، فانتقل إلى جوار ربه مساء الأحد الموافق (13 من رجب 1377 ه = 3 من فبراير 1958 م)، فشيَّعه العلماء وعارفو فضله ونضاله في مشهد مهيب، ودُفن في مدفن الأسرة التيمورية مع صديقه "أحمد تيمور" باشا.
* مصادر الشخصية:
= علي عبد العظيم - "مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن" -الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية- القاهرة (1399 ه = 1979 م).
= محمد عبد المنعم خفاجى - "الأزهر في ألف عام" - عالم الكتب - ببيروت (1408 ه = 1988 م).
= محمد رجب البيومي - "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين" - دار القلم - دمشق (1415 ه = 1995 م).
= محمد مهدي علام - "المجمعيّون في خمسين عاماً" - مطبوعات مجمع اللغة العربية - القاهرة (1406 ه = 1986 م).
= محمد عمارة - "معركة الإسلام وأصول الحكم" - دار الشروق - القاهرة (1410 ه = 1989 م).
(13/218)

رسالة العالم الجليل محمد الصادق بن عرجون (1) إلى العالم الفاضل اللغوي محمد المكي بن الحسين شقيق الإمام محمد الخضر حسين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
القاهرة المعزّية - في 20 ربيع الأول سنة 1351 ه - 24 يولية سنة 1932 م.
= من عبد الله، خادم "الهداية الاسلامية" في ظل لواء المصلح الأكبر، المجدّد لأمر الدين الأنور، ذي المناقب الغرر، سيدي أبي عبد الله تاج العلماء، نسيج وحده، وواحد عصره، السيد السند محمد الخضر -مدَّ الله في أجله- صادق إبراهيم عرجون المصري الأدفوي.
= إلى سماحة الفضل والتقى، ومعهد العلم والحسب، وذروة سنام المجد والنسب، السيد الأمجد فضيلة الأستاذ محمد المكي بن الحسين -أبقاه الله للغة الضاد ذخراً، وسلك به إلى العلا مذهباً-. آمين.
أما بعد:
حمداً لله لك ولآلك وصحابتك من أهل العلم وحملة الأقلام، فسلام
__________
(1) رسالة من العالم الجليل صادق بن إبراهيم عرجون في القاهرة إلى العالم اللغوي محمد المكي بن الحسين بتونس، وشقيق الإمام محمد الخضر حسين، بخصوص رغبته في كتابة ترجمة وافية عن شيخه الإمام محمد الخضر، صوّرت الرسالة من دار الكتب الوطنية بتونس - الدوريات - وثائق محمد صالح المهيدي ..
(13/219)

عليك وعليهم ورحمة الله ويركاته.
شرفني كتابكم، فحرَّك من النفس ساكناً، ومن الشوق إليكم كامناً، ذلك أن أهل العلم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص، وإن تباعدت جسومهم، وافترقوا بالعناصر المادية، فما كان ذلك سارياً على أرواحهم؛ لسموّ عنصرها عن القيد إلى الإطلاق، فهم متعارفون متآلفون. من يوم طربوا من لذيذ خطاب: ألست، فقالوا: بلى. فمنَّ الله عليهم بأنس المحبة والاجتماع، ووقاهم الوحشة والافتراق، كما أخبرنا بذلك كامل الأخلاق، فيما رواه الأثبات الثقات: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وحاشا أن تتناكر أرواح خدّام العلم وجنود الإسلام.
أيها السيد! قد عرَّفتُك بالرغبة المُلِحَّة مني على أستاذي ومولاي (الخضر) في أن أحيط علماً بكل ما يتعلق به، أو يقاربه، وفي الحق لست أعلم كنه هذه الرغبة، وأجهل حقيقة الباعث إليها، ولا أدرك من نفسي إلا إحساساً باطنياً يدفعني إلى تعرّف كل شيء. وهنا إذا فزت ببعض ما كنت أجهل، شعرت بلذة إن شئت -أيها السيّد- فسمّها: لذة الوصل بعد الهجر كما يقولون مبالغة في الحلاوة ورضا النفس، فهل يكون هذا هو الحب مع الإجلال؟ ولِمَ لا، وهو لله والعلم والدين.
عَرفتكَ بتقضي الفائقة الرائقة في اللغة وأسرارها، عرفتك بالحديث عنك كما سنحت الفرصة إزكاء للشوق، فهل يا تُرى تلتقي الأبدان؛ ليكون أبلغ في القرب والائتناس؟ سيكون -إن شاء الله- إذا سمحتم بزيارة مصر، حقق الله الآمال.
أما حديث الأستاذ الجليل مجدد عهد ولي الدين ابن خلدون السيد
(13/220)

حسن حسني عبد الوهاب المؤرخ الكبير -حفظه الله سنداً لتاريخ الإسلام- عن "الفقير"، فذاك انعكاس سورة من خلقه الكريم في مرآة نفسه، ففاضت بالحديث إليكم في مناسبة، فإذا شكرته، فإنما هو شكر الجميل، وحمد الأخلاق الفاضلة، جزاه الله عن حسن ظنّه بإخوانه وأبنائه خير الجزاء.
كوكب سنيّ أضاء من سماء المغرب في أفق (تونس الخضراء) شقيقة القاهرة وأختها، ومن القديم تزجي العناية الربانية بدور (تونس) إذا اكتملوا إلى مصر؛ ليبددوا سحباً من الشكوك، يحوك أديمها مراض الأفئدة ضعاف القلوب، وليضعوا في بناء الأخلاق أسساً، وليربّوا من الناشئة نفوساً، وحسبنا في القديم شيخ المؤرخين، وفيلسوف الاجتماع ولي الدين ابن خلدون، قاضي قضاتنا، وحضين تربتنا.
وفي الحديث، هو ذلك البدر المنير، فرع الدوحة الطاهرة المباركة، أستاذي - وشرف الإضافة - استفدناه من (يا عبادي)، العلامة مجدد القرن الرابع عشر، سيدي صاحب الفضيلة والفضل الأستاذ الشيخ (محمد الخضر) - أطال الله في حياته-.
كم أنا أيها الصديق الجليل شاعر بالغبطة والفخر، إذ كنت ملحوظاً بعناية هذا المربي العامل مشمولاً برعايته وفي كنفه، وإن نفسي لتدفعني بشدة إلى أن أصنع بقلمي -على عجزه- ترجمة وافية تحوي آثار قلم السيد المتفرقة شعراً ونثراً، والكلام على رحلاته في الشرق والغرب، ومناقبه، وسموّ محتده؛ تزلفاً إلى الله تعالى، وأداء بحق البنوّة والتلمذة، وقد استخرت الله تعالى في جمع المعلومات من مظانّها، ومراقبة ما يكتب عنه في الجرائد الإسلامية وغيرها، وساعدني -حفظه الله- وأرشدني إلى كثير منها.
(13/221)

وقد وقع في نفسي أنه لا بدَّ أن تكون لدى سيادتكم متفرقات منها وعنها، ولاسيما بعض أعداد مجلة "السعادة العظمى" التي كان يصدرها السيد في تونس، وفي بعض القصائد التي لم تنشر، أو نشرت قديماً في جرائد تونسية. وطالما دار بخلدي أن كتب إلى سيادتكم في هذا الشأن، حتى كنتم السابقين إلى الفضل، فجزاكم الله عني أحسن الجزاء، فإذا سمحتم بإسعادي بشيء مما ترونه مساعداً في محاولتي من حوادث تاريخية، ونوادر أدبية، حتى يتم لنا جمع أطراف الحديث، ثم نستعين الله في الوضع والترتيب عند توفيق الله، وفسحة الأوقات -إن شاء الله تعالى-.
شرفتموني بطلب ثلاثة أعداد من جريدة "طريقه متى"، وها هي ذي مرسلة إليكم الآن. وإني على استعداد تام لإجابة لازمكم من مصر. والله ولي الهداية والتوفيق. وختاماً تقبلوا سلامي وتحياتي.
المخلص صادق إبراهيم عرجون (1)
الهداية الإسلامية
__________
(1) العالم الجليل والداعية الإسلامي محمد الصادق بن إبراهيم عرجون (1321 - 1400 ه = 1903 - 1980 م) ولد في (أدفو) بمحافظة أسوان، من طلاب الإمام محمد الخضر حسين، ومن كتّاب مجلة "الهداية الإسلامية"، وله أبحاث قيمة فيها، نال شهادة التخصص من الأزهر، ودرَّس في معاهده وكلياته، وأصبح عميداً لكلية أصول الدين. له نشاط واسع في عدد من الجامعات الإسلامية، ولاسيما في جامعات أم القرى، والمدينة المنورة، والكويت، وبنغازي. وضع كتابه القيم: "محمد رسول الله منهج ورسالة" في أربعة مجلدات. وله مؤلفات عديدة (انظر ترجمته في: كتب الأعلام).
(13/222)

الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح"
أصدر المحقق والباحث الأستاذ محمد بن عبد الله آل الرشيد كتابه القيم: "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح" في مجلد يضم 695 صفحة، وهو ثبت العلامة المحدث الفقيه الأصولي الأديب المسند فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، المولود بحلب سنة 1336 ه، والمتوفى بالرياض سنة 1417 ه، دفين المدينة المنورة -رحمه الله تعالى-. . بذل فيه الأستاذ الرشيد الجهد الموفق في التحقيق والتخريج، ونشرته (مكتبة الإمام الشافعي) في الرياض، والعائدة للمحقق في الطبعة الأولى (1419 ه / 1999 م).
وفي مقدمة الكتاب تقاريظ من كبار علماء العصر، وعددها سبعة عشر تقريظاً، ومنها: كلمة الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي الأديب والمؤرخ المعروف الذي شغل عدة مناصب علمية، ومنها: أستاذ بقسم الأدب والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر في المنصورة.
يقول الدكتور البيومي في تقريظه تحت عنوان: (عبد الفتاح أبو غدة من بقايا السلف الصالح): "مازلت أذكر ما دار في ندوة لواء الإسلام المنعقدة لتأبين الإمام الأكبر محمد الخضر حسين، حيث قال أحد المتحدثين: إن الخضر بقية السلف الصالح، فاعترض الأستاذ محمد أبو زهرة قائلاً: إن معنى ذلك: أن السلف الصالح قد انتهى بموت الأستاذ الخضر، وما زال في المسلمين من يسير على منواله، فالأولى أن نقول: إنه من بقايا السلف
(13/223)

الصالح، وهذا حق، فبقايا السلف الصالح لا يزالون يُرسلون الضوء الثاقب في ظلام الحياة، ومن هؤلاء: الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة؛ حيث امتلأ وجدانه بحبّ الأطهار من متقدمي السلف، فسار على آثارهم، وجدّد ما تقادم من عهودهم.
وهناك وجه للشبه بينه وبين الإمام الخضر حسين، هو: التمكّن من علوم اللسان والشريعة معاً على نحو متساوٍ، فهما يقولان في كل علم ما يقوله المتخصص في موادّه، حتى ليظُن من يقرأ لهما في موضوع ما: أن الواحد منهما قد جعله هدفه الأول في التحصيل، وقد كان هذا النمط شائعاً من قبل، ولكنه نادر جداً هذه الأيام! أيام الماجستير والدكتوراه. . .".
أما ما جاء في كتاب "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح" عن الإمام محمد الخضر حسين في (الصفحة 324) من الكتاب، فهو الآتي:
محمد الخضر حسين (1)
العلَّامة المحققُ الفقيه الأصوليُّ اللغوي الأديبُ الشيخ محمد الخَضر
__________
(1) مصادر ترجمته: "الأعلام" (6: 113)، "تاريخ علماء دمشق" (3: 270)، "تراجم المؤلفين التونسيين" (2: 126)، "معجم المؤلفين" (9: 279)، "معجم مصنفي الكتب العربية" (ص 475)، "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين" (1: 51)، "محمد الخَضِر حسين: حياته وآثاره" بقلم: محمد مواعدة. و"الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر" جمع ابن أخيه السيد علي الرضا الحسيني الذي له -حفظه الله تعالى- سعي مشكور في جمع مؤلفات عمه الشيخ الخضر حسين؛ وتحقيقها ونشرها، كما قام كذلك بالعناية بكتب خال أبيه محمد المكي بن عزوز -جزى الله الأستاذ الفاضل العالم السيد علي الرضا عن العلم وأهله خير الجزاء- آمين.
(13/224)

ابن حسين التونسي شيخ الأزهر، ولد سنة (1292 ه)، وتوفي سنة (1377) - رحمه الله تعالى-.
ويروي عن:
1 - خاله محمد المكي بن مصطفى بن عزُّوز التونسي ثم الإسْلاَمْبُولي عن:
أ - محمد أبو خُضَيْر، عن أحمد بَشَارة، عن الأمير الكبير.
ب - محمد بن الصدِّيق، عن المَدَني بن عَزُّوز، عن مصطفى بن عبد الرحمن الجَزَائِري، عن عليِّ بن الأَمين، عن محمد بن سَالم الحِفْني، عن محمد الشّرنْبلالي، عن البَابِلي، وهو عن سالم السَّنْهُوري، عن الغَيْطِي، عن زَكريّا الأَنْصَاري.
ج - أحمد بن إبْرَاهيم بن عِيسَى النَّجْدِي، عن عبد الرحمن بن حَسَن آل الشيخ النَّجْدي الحنبلي، عن عبد الرحمن الجبرْتي (1) الحَنفي، عن مُرْتَضى الزَّبِيدي.
د- أحمد دَحْلاَن بما تقدَّم من أسانيده.
ه - محمد الشَّريف إمام جامع الزيتونة، عن محمد بن الخُوجَة الحنفي، عن محمد بيرم، عن محمد المحْجُوب.
__________
(1) جاء في كتاب الأستاذ أنور الجندي عن حياة أحمد زكي باشا المطبوع ضمن سلسلة "أعلام العرب" عند كلامه على خزانة زكي (ص 112): "ونسخة من الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي -أي: مخطوط- ويحتوي على فصول كثيرة اضطُرّ إلى حذفها من النسخة التي طبعت في بولاق؛ لأن فيها هجوماً على محمد علي، ويساوي على ما أضيف من الأصل حوالي خمسين صفحة". اه.
(13/225)

2 - أبي النجا سالم بن عمر بوحاجب البنبلي (1243 - 1342 ه)، عن:
أ - أبي حفص بن سُودَة، عن محمد صالح الرَّضَوي.
ب - محمد بن أحمد بن الخوجة، عن ابن التَّهامي الرِّبَاطي، عن الدُّمْهُوجي، والأمير الصغير، والعروسي، وبَيْرَم الثاني، وعن أحمد بن المبارك اللمطي، عن محمد بن أبي السُّعُود الفَاسي، عن أبيه، عن ابن أبي النعيم الغَسَّاني، عن أحمد بَابَا التنبكتي، عن عمِّه محمود، وهو عن جدِّه، عن السيوطي.
ويروي أحمد بَابَا، عن أبيه، عن قُطْب الدين النَّهْرَوالي، عن زكريا الأَنصاري، والسِّنْبَاطي.
ويروي أحمد بَابَا، عن أبيه، عن ابن حَجَر الهَيْتَمي، ويوسُف الأرميوني بسندهما، وعن عمَّه، عن ابن غازي، عن السَّخاوي، وعثمان الدِّيَمي، وابن مَرْزُوق الكفيف.
ويروي الأخير عن ابن حَجر، وعن أبيه، وهو عن ابن صدِّيق الرسَّام، والمجد الفيروزأبادي، والهَيْتَمي، وابن الكُوَيْك، والسِّراج البُلْقِيني، وأبي زُرْعَة العراقي، وأبيه الزَّيْن عبد الرحيم العِرَاقي، والسِّراج بن المُلقِّن، وابن خَلْدُون المؤرِّخ، وابن عَرَفة، ومحمود العَيْني بما لهم.
وعن جدَّه محمد بن أحمد بن مَرْزُوق، عن ابن سَيِّد الناس، وأبى حِيَّان، والتقيِّ السُّبْكي، ومحمد بن جَابر الوَادِيَاشي.
ويروي ابن أبي النعيم، عن القَصَّار، عن البَدْر الغَزَّي، والنجم الغَيْطِي، وأحمد بن أحمد السِّنْبَاطي، عن جلِّه عبد الحق، ويروي ابن أبي النعيم، عن المنجور، عن سقين، عن ابن غَازي، وأحمد زَزُّوق، والأخير عن السَّخاوي
(13/226)

والدِّيَمي، وابن طريف الشَّاوي، عن ابن أبي المَجْد.
وروى سقين، عن القَلْقَشَنْدي، وزكريا الأنصاري، وعبد العزيز بن فَهد.
وروى سقين، عن الونْشَرِيسي، عن ابن مَرْزُوق الكفيف بما له.
ج - محمد بيرم الرابع، عن بدر الدين الحَمَوي، وابن التِّهامي الرِّبَاطي، وأبيه بَيْرَم الثالث، وجدَّه بيرم الثاني بما لهم.
3 - أبى حفص عمر بن أحمد بن الشيخ (المولود نحو 1237 - 1329 ه): تأتي أسانيده عند محمد الطَّاهر بن عاشُور.
4 - محمد النَّجار (ت 1329 ه).
(13/227)

مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه
* محمد الخضر حسين، وعلي الورداني (1):
شاعت في هذا العهد فكرة تدوين الرحلات، وتنافس الكتاب في وصف الأقطار التي يزورونها، وفي تحليل أسباب الحضارات، وعوامل الترقي والنهوض إلى حيث العزّة والمجد والبحبوحة، والمغرب العربي من أكثر البلاد اتساعاً للرحّالة، وقد امتاز أبناؤه -من زمن بعيد- بالضرب في الأمصار، وتدوين الأخبار. . .
وقد اشتهر في هذا الميدان -فضلاً عمَّن أتينا على ذكرهم - محمد الخضر حسين، وعلي الورداني.
أما محمد الخضر حسين، فقد قام سنة 1906 م برحلة إلى الجزائر (2)، ووصف فيها المسالك والمعالم، وذكر الأدباء والعلماء الذين لقيهم، ودوّن ما كان بينه ويينهم من محاورات، وكان في ذلك كلّه كاتباً قديراً، تمتدّ عبارته امتداد متانة ورونق، وتترابط أجزاؤها ترابطاً وثيقاً، وكأني به من مدرسة عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، وهو في كتابته رجل العلم والفكر والدقّة،
__________
(1) من كتاب: "تاريخ الأدب العربي في المغرب" لحنّا الفاخوري - في حديثه عن عهد النهضة الحديثة.
(2) انظر كتاب: "الرحلات" للإمام محمد الخضر حسين.
(13/228)

تروقك آراؤه وملاحظاته، وتستهويك مساجلاته وتحليلاته، إنه يلاحق الفكرة، ويشبعها درساً، ويلاحق الموضوع، ولا يهن له عزم ولا قلم، يلفُّ موضوعه لفّاً، ويبسط فيه آراءه بسطاً أنيقاً ممتعاً، فلا تلهيه زخرفة ولا صنعة، ولا يُثقل كلامه تعقيد ولا إغراب، إنها السهولة في حلّة الرونق والجلال.
* مشروع كتاب تاريخ تونس (1):
نعم. إن الكاتب العام "روا" قد طلبني للمشاركة في تأليف كتاب في التاريخ التونسي مع جماعة من رجال العصر، (منهم: الشيخ محمد الخضر حسين)، توزعوا هذه الخدمة بينهم، وقد استجبت لهذا الطلب؛ لأني أرى أنه لا يوجد تاريخ لتونس على النمط الذي تعاطيناه، وأشعر بحاجة الناس إلى مثل هذ التأليف. وقد شرعنا فيه وكتبنا، ثم ركدت ريح هذا المشروع الجليل؛ لأنه عمل غير خالص، بل وراءه غاية أخرى رمى إليها هذا الداهية الهرم (برنار روا)، وللحرب التي دارت رحاها في 2 أوت (أغسطس) 1914 م بين فرنسا وألمانيا، وشاركت فيها غالب الأمم الأوربية، والدولة العثمانية، دخْلٌ في إيقاف هذا الأمر.
* كتاب "عَلَم الزيتونة الشيخ إبراهيم الرياحي" (2):
جاء في تقديم الكتاب للدكتور محمد اليعلاوي: "إن الشيخ إبراهيم الرياحي (ت 1366 ه / 1950 م) علم من أعلام جامع الزيتونة، يحق لتونس
__________
(1) من كتاب: "آثار الشيخ محمد النخلي" من كبار علماء وأدباء تونس - طبعة دار الغرب الإسلامي (ص 78 و 79).
(2) من تأليف الاستاذ أحمد الحمدوني، وقدم له الدكتور محمد اليعلاوي - طبعة عام 1996 م تونس.
(13/229)

أن تفخر به كما افتخرت بالإمام ابن عرفة (ت 803 ه / 1401 م) قبله، وبالشيخ الخضر بن الحسين (ت 1958) بعده.
أما ابن عرفة فقد أوفاه زميلنا الراحل سعد غراب -رحمه الله- ما يستحق من العناية والدّرس، فخصص له -علاوة على أطروحته الضخمة (نشرت بتونس سنة 1992) - ما لا يقل عن ثماني دراسات وتحقيقات، وكذلك الشيخ الخضر، فإنه حظي بدراسات تونسية؛ ككتّيب الأستاذ أبي القاسم محمد كرو (تونس 1973 م)، ومشرقية كثيرة، وكأن ارتقاعه إلى مشيخة الأزهر بين سنتي (1952 - 1954) جعل منه شخصية مشرقية ومغربية على السواء، ثم إن سهر حفيده الأخ الأستاذ علي الرّضا الحسيني على نشر آثاره، يزيدنا تعرّفاً بهذا العالم المشترك، وبإنتاجه المتنوع".
* كتاب "تاريخ المحاماة في تونس" (1) الأستاذ علي الرّضا الحسيني (التونسي):
يقول المؤلف في كتابه (ص 299): "لا أظن أنه يوجد محام تونسي بلغت تجربته في باب "التحقيق" ما بلغته تجربة الأستاذ علي الرضا الحسيني، أو الأستاذ علي الرضا التونسي، إن الأستاذ علي الرضا الحسيني التونسي، تونسي الأصل، ولئن هو يتعاطى الآن المحاماة بدمشق العاصمة السورية الشقيقة، فهو ابن أخ العالم التونسي المهاجر محمد الخضر حسين، وينتسب إلى عائلة الحسين بن علي بن عمر الشريف من عائلة العمري بنفطة بالجريد التونسي بعد النزوح من "طولقة" في الواحات الجزائرية.
ولئن اكتفى الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي بتحقيق آثار الشيخ
__________
(1) للأستاذ المحامي الزميل محمد بن الأصفر، ويقع الكتاب في 413 صفحة، ويعتبر الكتاب موسوعة رائعة عن مهنة المحاماة والمحامين في تونس.
(13/230)

الخضر بن الحسين، فهو عمل كبير بحد ذاته، إذ قد بلغت آثار الشيخ 23 أثراً، وذلك فضلاً عن الرسائل، وعددها 15 رسالة. وقد توزعت على عدة اختصاصات: علوم القرآن - السيرة النبوية - التشريع الإسلامي - علم الكلام - التاريخ الإسلامي - اللغة العربية - الخواطر الإسلامية - الإصلاح - التراجم - الرحلات.
وإن تحقيق آثار الشيخ الخضر حسين متعددة المشارب دلَّت على "موسوعية" ثقافة الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي، وذلك ما يشرف سلك المحاماة.
(13/231)

الجزائر (1) موقعها - سكانها - حالتها قبيل الاحتلال الفرنسي - وكيف وقع الاحتلال
يتناول شمال إفريقية أربعةَ أقطار: طرابلس، فتونس، فالجزائر، وتسمى: المغرب الأوسط، فالمغرب الأقصى، ويسمى الآن باسم مدينة كانت العاصمة الثانية لسلطان المغرب الأقصى، وهي: مراكش.
* موقع الجزائر:
الجزائر واقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ويحدها شمالاً هذا البحر، وشرقاً المملكة التونسية، وغرباً المغرب الأقصى، وجنوباً الحد الذي يفصل بين صحراء الجزائر، وما يسمونه: إفريقية الفرنسية، وهو خط يمتد من أقصى جنوب طرابلس إلى جهة وادي "ريبودي أورو"، وقد وضع هذا الحد سنة 1909 م.
* سكانها وعددهم:
يسكن بلاد الجزائر تسعة ملايين نسمة، وينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1 - المسلمون، وعددهم 8.100.000 ثمانية ملايين ومئة ألف.
2 - الأوربيون، وعددهم 900.000، وكلهم من المسيحيين الذين
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الخامس والسادس من المجلد الثاني والعشرين
الصادر في جمادى الأولى 1369 ه. مع ملاحظة أن المعلومات في المقال عن الجزائر
عام 1949.
(13/232)

جاؤوا البلاد مستعمرين، أو موظفين، أو تجاراً، وأغلبهم من الفرنسيين، والإسبانيين، والإيطاليين.
3 - اليهود، وعددهم نحو مئتي ألف 200.000.
وجميع الأوربيين واليهود مشمولون بالجنسية الفرنسية.
والسكان الأصليون بالجزائر هم من عنصر البربر، وبالفتح الإسلامي دخل بلاد الجزائر أقوام من صميم العرب، واختلطوا بالبربر، وأخذت الروح العربية تسري مع الروح الإسلامية في قبائل البربر، إلى أن خرج المعز الصنهاجي بتونس عن طاعة الخليفة الفاطمي بمصر، فأرسل الفاطمي القبائل العربية من بني هلال، وبني سليم، وغيرهم إلى إفريقية؛ لينتقموا من الدولة الصنهاجية، ففتكوا بالدولة الصنهاجية، واجتاحوا دولة الحماديين بالجزائر. ولا يعنينا أن نذكر في هذا المقام ما كان لهجوم هذه القبائل من آثار منكرة، وإنما يزيد أن نقول: قد كان لنزول هذه القبائل ببلاد البربر أثر كبير في تقوية العنصر العربي، وأخذ البلاد مظهراً عربياً راسخاً.
ثم نزح إلى الجزائر أيام الهجرة الأندلسية طوائفُ من عرب الأندلس، فازداد بهم العنصر العربي قوة.
واستوطن في العهد الذي صارت فيه الجزائر ولاية عثمانية طوائفُ من الأتراك، وردوها بصفة شخصية، أو لأعمال حكومية، ولم تلبث أُسَر هؤلاء الأتراك أن استعربوا في عاداتهم ولغتهم، واندمجوا في الأمة الجزائرية، فسكان الجزائر المسلمون: عرب، أو بربر، أو أتراك مستعربون.
* حالتها السياسية قبيل الاحتلال:
قامت في الجزائر بعد الفتح الإسلامي حكومات تختص بها؛ كحكومة
(13/233)

بني حماد في "بجاية"، وحكومة بني عبد الوادي في تلمسان، ويشملها في بعض العهود سلطان الدولة العبيدية "الفاطمية" بتونس، وكانت في بعض العهود مشمولة برعاية دولة الموحدين في المغرب الأقصى، إلى أن مدّ إليها الإسبان أيديهم سنة 1509 م، واستولوا على "وهران"، و"بجاية" وغيرها، ثم جاء عروج بن يعقوب بربروس، وأخوه خير الدين بربروس من الروملي، فطردوا الأسبان، وصارت منذ ذلك العهد تابعة للدولة العثمانية، وجرت في أحكامها مجرى الولاية العثمانية، وفي عهد السلطان أحمد خان الثالث أحست حكومة الجزائر بشيء من القوة، فنحَتْ نحو الاستقلال في الأحكام، وأصبحت صلتها بالدولة العثمانية اسمية.
وكان الوالي العام، وهو تركي يدعى: الباشا، أو الداي، وكانت الحكومة تتمتع باستقلال داخلي تحت السيادة الاسمية للخليفة العثماني، والأتراك بالجزائر هم الذين ينتخبون الوالي العام من أحد قدماء الجنود، ثم يرفعون تعيينهم له إلى السلطان بالآستانة، فيوافق على ذلك.
وتنقسم الجزائر إلى ثلاث مقاطعات: مقاطعة قُسَنطينة، ومقاطعة المديَّة، ومقاطعة وَهْران، وللوالي العام في كل مقاطعة نائب يدعى: الباي، وكل باي من هؤلاء يتصرف في مقاطعته تصرف المستقل، وتكاد علاقته بالوالي العام (الباشا) لا تتجاوز الجندية، ومال الجبايات المفروض على المقاطعة دفعُه للخزينة العامة.
* حالتها الثقافية:
لم يكن بالجزائر لذلك العهد معهد علمي؛ كجامع الزيتونة في تونس، أو جامع القرويين في فاس، ولا مدارس خاصة للتعليم، وإنما تدرس بها علوم
(13/234)

الدين والعربية وملحقاتها؛ من نحو: المنطق، والحساب، والفلك في المساجد، وزوايا (رياضيات) مشايخ الطرق، وهي منتشرة في طول البلاد وعرضها، وهذه الطرق لا تخلو من بدع ينكرها علماء الشريعة، ولكن زواياها قامت بتحفيظ القرآن الكريم، ودراسة العلوم الدينية والعربية في وقت لم يوجد فيه ما يقوم مقامها في ذلك القطر من المدارس والمعاهد العلمية.
وقد يرحل بعض طلاب العلم الجزائريين إلى الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو جامع القرويين، ثم يعودون إلى الجزائر، ويعلِّمون ما تلقوه في هذه الجامعات من علوم.
وقد اطلعنا على مؤلفات في العلوم الدينية أو العربية لجماعة من علماء ذلك العصر، فألفيناها تدل على اطلاع ورسوخ في العلم.
* كيف وقع احتلال فرنسا للجزائر؟
كان آخر الولاة الأتراك بالجزائر حسين باشا، تسلم ولايتها في 22 فبراير سنة 1818 م، وكان ذا شهامة وعزم، فأقبل على تنظيم الجندية، وتقوية الأسطول، وأخذ يُعِدُّ القوة ما استطاع، وفي عهده هجمت فرنسا على الجزائر، وتمّ لها احتلالها من بعد، أما الأمر الذي اتكأت عليه فرنسا في هذا الهجوم، فهو أنه كانت في الجزائر شركة تدعى: شركة باكري وبوشناق (اليهوديَّين)، وكان لهما معاملات جارية مع فرنسا، حتى صار للشركة على فرنسا من الديون سبعة ملايين من الفرنكات، وكان على هذه الشركة ديون كثيرة، بعضها لخزينة الحكومة الجزائرية، وبعضها لأفراد من التجار، فدفعت فرنسا لباكري وبوشناق من دَينهما المشار إليه 4.500.000، وأبقت 2.500.000 فرنك في خزينة الودائع إلى أن تنتهي قضية الشركة مع غرمائها، وأدرك حسين باشا من صنيع
(13/235)

فرنسا ضياعَ حق الخزينة الجزائرية، فبعث إلى ملك فرنسا رسالة في هذا الشأن، فلم يرد إليه الملك جواباً، وكانت فرنسا تترقب فرصة لوجود خلاف بينها وبين حكومة الجزائر؛ لتتذرع به إلى إعلان الحرب عليها.
قال (مسيو هنري فارو) في كتابه "التاريخ العام للجزائر" ما نصه:
كانت حكومة فرنسا قد عزمت على أن تضع حداً للقرصنة الجزائرية، وأرادت أن تغتنم فرصة مغيب أكبر السفن الحربية الجزائرية في الشرق؛ كي تجد دعوى تبرر إعلان الحرب على الجزائر، فأرسلت تعليمات خاصة إلى قنصلها تأمره بأن يغتنم أي فرصة لإيجاد الخلاف النهائي.
وكان حسين باشا يخاطب قنصل فرنسا (الجنرال دوفال) في شأن ما كتب به إلى ملك فرنسا من حق الخزينة الجزائرية في أموال (باكري وبوشناق)، فلا يجد عنده الجواب المرضي.
وفي أول يوم من شوال سنة 1243 ه دخل القنصل (دوفال) على الباشا مهنئاً بعيد الفطر، فسأله عن عدم رد الملك جواباً عن رسالته، فأجابه (دوفال) في حدَّة: ليس من عادة الملك أن يتنازل لإجابة من هو دونه، فاغتاظ الباشا من هذه الإهانة الخارجة عن حدود اللياقة، وكانت في يده مروحة من ريش النعام، فصاح بالقنصل مشيراً بالمروحة: "أخرج من هنا"، ولمست أطرافُ المروحة وجه (دوفال)، فخرج القنصل، وأسرع بإخبار ملك فرنسا بما وقع، فجاءه الأمر بمغادرة الجزائر، فغادرها هو ومن معه من الفرنسيين المقيمين في الجزائر.
أجمعت فرنسا على محاربة الجزائر، وسيّرت جيشاً بقيادة الأميرال (دوبري) في 21 ذي الحجة سنة (1245 ه، 19 يونيه سنة 1830 م)، ونزل
(13/236)

بمرسى قريبة من العاصمة تدعى: (سيدي فرج).
واتصل الخبر بحسين باشا، وتلقاهم بجيوش كانت عاقبتهم - بعد دفاع عنيف - الفشل، وتقدم الفرنسيون إلى العاصمة، فطلب الباشا الأمان لنفسه وأهله وجميع الأهالي، فأجابه قائد الجيوش الفرنسية على شروط تضمنتها معاهدة كتبها القائد الفرنسي، وأرسلها إلى الباشا للتوقيع عليها، ولم يسعه إلا التسليم، فوضع على المعاهدة توقيعه، ونص المعاهدة:
1 - على الساعة العاشرة من صباح يوم 5 يوليه، يسلّم إلى الجند الفرنسي حصن القصبة، وسائر الحصون الأخرى التابعة للجزائر، ومرسى هذه المدينة.
2 - يتعهد القائد العام للجند الإفرنسي نحو صاحب السمو داي الجزائر، بأن يترك له حريته، وكل ثروته الخاصة.
3 - يستطيع الداي بكل حريته، أن يسافر صحبة عائلته وأمواله إلى المكان الذي يختاره، وما دام مستقراً في الجزائر، فإنه يكون تحت حماية القائد العام للجند الإفرنسي، وتقوم فرقة من الجند الإفرنسي على حراسته وحراسة عائلته.
4 - كل الجنود الأتراك التابعين أوجاق الجزائر يتمتعون بنفس الحقوق المقررة في الفصول السابقة.
5 - إقامة الشعائر الدينية المحمدية تكون حرّة، ولا يقع أي مساس بحرية السكان من مختلف الطبقات، ولا بدينهم، ولا بأملاكهم، ولا بتجارتهم وصناعتهم، وتحترم نساؤهم، والقائد العام يتعهد بذلك عهد الشرف.
6 - يقع تبادل هذه الوثيقة ممضاة يوم 5 يونية قبل الساعة العاشرة
(13/237)

صباحاً، وفي الحال تتسلم الجنود الفرنسية القصبة، وقلاعاً أخرى.
وبعد أن استقرت العساكر بالعاصمة، انتقل حسين باشا وأتباعه إلى "نابلي"، ثم إلى "الإسكندرية"، ولما دخلها، احتفى به الخديوي محمد علي باشا، وتوفي هناك سنة 1254 ه.
* نهوض الوطنيين لمحاربة فرنسا:
بعد احتلال فرنسا لعاصمة الجزائر، جرت بينها وبين الجزائريين حروب في مواطن خارج العاصمة، فأحياناً ينتصر الجزائريون، وأحياناً ينتصر الفرنسيون، وفي أثناء هذه الحروب تداعى العلماء والأعيان للنظر في اختيار شخص توفرت فيه شروط الإمارة؛ ليبايعوه، فيجمع كلمتهم، وينهض بهم إلى دفاع العدو عن أوطانهم، فأجمع رأيهم على بيعة السيد محيي الدين عبد القادر المختاري، وكان معروفاً بالعلم والصلاح، وكانت له زاوية (رباط) لطلبة العلم وقراءة القرآن، فجاؤوه، وعرضوا عليه البيعة، فقبل بيعتهم على الجهاد، وجرت بينه وبين حاكم "وهران" الجنرال (يوبه) حروب ظهر فيها إقدام ابنه الأمير عبد القادر، وحسن سياسته. وتقدم عند هذا العلماءُ ورؤساء القبائل إلى السيد محيي الدين، وألزموه بقبول بيعة الإمارة له، أو لولده عبد القادر، فوافق على أن تكون الإمارة لابنه عبد القادر، فبايعوه بذلك، وتمت البيعة في (3 رجب سنة 1248 ه - 27 نوفمبر سنة 1832 م)، وكانت بلدة "معسكر" حاضرة الإمارة، فنهض الأمير لمحاربة الفرنسيين، واستمر في جهاده نحو 15 سنة، كانت له فيها انتصارات باهرة، وأخيراً قوي جانب فرنسا، وأحس الأمير بالضعف عن التمادي في الحرب، فجمع أولي الأمر من خاصته، وتداولوا الأمر بينهم، وقرروا التسليم للفرنسيين، وبعث الأمير إلى الجنرال
(13/238)

(لاموريس) حاكم ولاية "وهران" يخبره بقرار التسليم، وسار الأمير إلى العاصمة، وسلّم سيفه إلى (الدوك درمال) حاكم الجزائر في 22 ديسمبر 1847 م، وكانت عاقبته كما هو معروف في تاريخ حياته، أن صار إلى دمشق، وبقي بها إلى أن توفي ليلة (19 رجب سنة 1300 ه - سنة 1883 م)، عن 76 عاماً -رحمه الله-، وجازاه عن جهاده خيراً-.
وتتابع بعد هذا نهوض الوطنيين في وجه فرنسا؛ كوقائع القبائل وأولاد سيدي الشيخ، والمقراني، وأبي زيان، وابن الحداد، وغيرهم، وتستمر هذه الحروب في عنف، ويؤول أمرها إلى تغلب الفرنسيين، وفي سنة 1848 م أعلن المجلس الوطني الفرنسي أن الجزائر أرض فرنسية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمّد الخضر حسين
(13/239)

هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام (1)
شعر أبي تمام مملوء بالمعاني البديعة، وهو معرض استعارات مليحة، وكنايات لطيفة، وفنون من محاسن البيان، أبدع الشاعر صنعها، وأحكمَ وضعها، فما أشبه ديوان شعره بسماء تألقت كواكبها، أو روضة أينعت أزهارها.
يطالعه الغريب، فيسلو أوطانه، ويعلل به الكئيب، فينسى أشجانه، ولو كان الشعر حلية، لما كان شعر أبي تمام إلا قلائد في نحور الحسان.
ولعلك تعجز أن تجد شاعراً يسبق في كل حلبة، ويصيب في كل رَمْية، فلا عجب أن تصادف في شعر أبي تمام ما ينبو عنه ذوقك السليم، أو ما لا تصل إلى معناه إلا بعد تأمّل طويل.
ولارتفاع شعر أبي تمام إلى ذروة البراعة، وانحرافه في بعض الأحيان عن سنن الفصاحة، عُني به طائفة من الأدباء، فتناولوه بالشرح أو النقد، وما هم إلا كغيرهم كان الكتاب يصيبون ويخطئون، ويكفي الكاتبَ فضلاً أن تكون
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد السابع الصادر في رجب 1353 ه.
وتحت يدي صورة عن النص المخطوط بيد الإمام زودني بها الأستاذ الباحث محمد عبد الله آل الشيخ من الرياض.
(13/240)

إصابته أكثر من خطئه، ويكفيه إخلاصاً أن لا يعيب القول، وهو يعلم أنه سليم، أو يصفه بالصحة، وهو يعلم أنه سقيم.
أقول هذا وبين يدي كتاب يشتمل على ما لأبي تمام من أخبار، ويحتوي على لُمَع من شعره المختار، وإيراد ما يتعلق بذلك من الآثار.
ألف هذا الكتاب الأديبُ الفاضل المرحوم يوسف البديعي قاضي الموصل المتوفى سنة 1013 ه، وسمّاه: "هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام"، فتحدث فيه عن حياة أبي تمام، وما يتصل بها من نحو تراجم الرجال الذين تعرض هذا الشاعر لمديحهم، وسلك في حديثه هذه أحسن الطرق وأغزرها فائدة، يشرح ما يقصده الشاعر من المعاني، ويوضح ما يشير إليه من الحوادث.
وقد عُني بالنظر في هذا الكتاب حضرة الأديب الكامل الأستاذ محمود أفندي مصطفى أستاذ الآداب بكلية اللغة العربية من الجامعة الأزهرية، وعلّق عليه حواشيَ تعرَّض فيها للتعريف بالرجال الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب عرضاً، وأضاف إلى هذا: شرح كثير مما ورد في الكتاب من شعر أبي تمام. وطريقتُه في هذه الحواشي: أن يبين المعاني الأصلية للكلمات، وما خرجت إليه من مجاز أو كناية، ويصور المعنى الذي يفهم من النظم بأجود عبارة، ثم يتناوله بالنقد. فيطروه إن رآه أحسن الرماية، ويناقشه إن رآه ارتكب ما لا يلائم الذوق، أو ما لا تحتمله قوانين الفصاحة. ولم يَفُته أن ينقل من آراء المتقدمين الذين كتبوا في شعر أبي تمام؛ أمثال: الأسدي، ويتعقب هذه الآراء بالاستصواب تارة، والاستهجان أخرى.
وقد خرج كتاب "هبة الأيام" مع هذه الحواشي في طبع جميل على ورق جيد، فكان الكتاب وحواشيه فتحاً لطريق يصل منه عشاق شعر أبي تمام
(13/241)

إلى ما تهوى أنفسهم، وبسطاً لأشعة تجعل كثيراً من معانيه الجامحة تحت أنظارهم.
فعلى البديعي السلامُ والرحمة، وللأستاذ محمود أفندي مصطفى الشكرُ على ما بذله من همة، وأسداه إلى اللغة العربية من نعمة.
محمّد الخضر حسين
(13/242)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صوت الحق (1)
من الديوان الجديد لفضيلة الأستاذ رئيس التحرير
أقْبَلَ الصُّبْح بوجهٍ طَلِقِ ... وتوارى الليلُ خلْفَ الأُفُقِ
فنفضتُ النَّومَ عَنْ جفني عسى ... أقتني العِبْرةَ مما ألتقي
بادَهَتْني غَيْضَةٌ (2) قائمةٌ ... خِلْتُها باقيةً مِنْ غَسَقِ
خُضْتُ في ظلمائها إلا كُوى ... بين لُدْنٍ تنحني أو ترتقي
هزَّزَتْ أغصانَها الريحُ كما ... هزَّ كفٌّ وتراً في نَسَقِ
رُبَّ صوتٍ هبَّ في الغابِ ولمْ ... يَدْرِ مغزاه أسيرُ الوَرَقِ
مِنْ حفيفِ الشجر السامي الذُّرى ... وخريرِ السلسل المُنْدَفِقِ
وهديلٍ لحمام مُطْرِبٍ ... ونُعاقٍ لغرابٍ مُقْلقِ
سرتُ في الدَّوْح بسمعٍ مُرهَفٍ ... لهتافٍ وفؤادٍ ذَلِقِ
فإذا صوتٌ بديعُ الوَقْعِ لمْ ... يَكُ بالهمْسِ ولا بالصَّعِقِ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الحادي والعشرين، الصادران في جمادى الأولى والآخرة 1368 ه.
قصيدة لم تنشر في ديوانه "خواطر الحياة".
(2) بادهتني: فاجأتني الغيضة: مجتمع الشجر.
(13/243)

ليسَ باللَّحْنِ الذي يوقِعُه ... ناقرُ العودِ وحادي الأَيْنُقِ
أبهجَ الروحَ كما يكسو النَّدَى ... ذابلَ الأزهارِ أبهى رونَقِ
راعَني الصوتُ بصمتٍ والأسى ... حالَ ما بين الكَرى والحَدقِ
ضربَتْ بين ضلوعي غمرةٌ ... بجناحيها كغيمٍ مُطْبِقِ
قمتُ أسعى دائباً أنشدُه ... في حمى المثري وكوخ المُمْلِقِ
أُوجسُ الخيفةَ أنْ يَفجَعني ... صَوتُ بوُمٍ بعدَه أو عَقْعَقِ (1)
حام بي اليأسُ فعرَّجْتُ على ... هَضْبَةٍ شَمَّاءَ قَبْلَ الفَلَقِ
لُذْتُ بالسَّفْحِ وحيداً أبتغي ... سِنَةً أُشْفَى بها من أَرَقي
فإذا الصوتُ تهاوى من عُلاً ... كشعاعِ القمَرِ المتَّسِقِ
لبسَ النفسَ بعهدٍ خطَّه ... قلمُ الغيبِ بأجلى مَنْطِقِ
هو صوتُ الحقِّ من لم يُرْعِهِ ... سمْعَ مِطواعٍ يَعِشْ في رَهقِ (2)
__________
(1) طائر يُتشاءم به كالبوم.
(2) الرهق: السفه، وركوب الشر، وانتهاك المحارم.
(13/244)

تزويد أحد الشبان التونسيين بموعظة (1)
سرْ في هذه الحياة، واليقظةُ نورُ عينيك، والحزمُ عن يمينك، والتأني في الأمور عن يسارك، فإن من غلبت غفلته على يقظته، كان العطب أقربَ إليه من السلامة، ومن فاته الحزم، ذهب شطر حياته سُدى، ومن يقوم على الأمور قبل أن يتدبرها، لا يأمن أن يقع في غير رشد، ويعود بغير حمد، وإن رُزقت الاعتمادَ على الله من صميم قلبك، وَفَّقك لأن تكون يقظاً حازماً بصيراً بالعواقب.
محمّد الخضر حسين
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الحادي والعشرين، الصادران في جمادي الأولى والآخرة 1368 ه.
(13/245)

مِرْقاة العُلا (1)
من الديوان الجديد لفضيلة الأستاذ رئيس التحرير
نبتَتْ نفْسُكَ في وادي هُدى ... وشَفَتْ مِنْ مَنْهَل العلْمِ صَداها
واكتَستْ بالحمدِ أسنى حلَلٍ ... أورثَتْها في الورى عِزّاً وجَاها
تِلكَ مِرْقاةُ العلا والنفسُ إنْ ... أحرزَتْها بلغَتْ أقصى مُناها
أتراها أمِنَتْ عاصفةً ... من هوى تطفئ بالعَصْف سناها؟
يصرِفُ اللهُ الهوى عَنْ أنفُسٍ ... جعلَتْ طاعتَه قُطْبَ رَحاها
محمّد الخضر حسين
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الأجزاء من السابع إلى العاشر من المجلد الحادي والعشرين، الصادرة في محرم وصفر والربيعين 1368 ه.
(13/246)

إجازة الإمام محمد الخضر حسين للعلامة الشيخ حامد التقي الدمشقي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نحمدك يا من استنارت البصائر بطوالع هدايته، وتنافس الحكماء البالغون في مجال عبادته، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد أكمل الخليقة، وعلى آله وصحبه الذين أخذوا في سياسة الأمم ودعوتها إلى الخير بأقوم طريقة.
أما بعد:
فإن العالم الكامل صاحبنا الشيخ حامد بن الشيخ أديب، قد تنازل به حسنُ ظنه إلى أن التمس مني أن أكون في قَبيل من كتبوا له بالإجازة.
وكان -حفظه الله تعالى- من شاركنا بالتفاهم في عرض دروس "صحيح الإمام مسلم"، وكتاب "المستصفى" للغزالي، و"مغني اللبيب"، و"بداية المجتهد"، و"الكامل" للمبرّد، زيادة على المذاكرات والمسامرات العلمية المملوءة بالمباحث الدالَّة على سموِّ مداركه، وصفاء ذوقه، وشرف همته، حتى اتسع أملنا -بعد أن تضاءل- بأن الله سيقيم لهذه الشريعة المباركة رجالاً يذودون عن حقائقها ما يغشى من البدع، ويمزِّقون بحجبها الدامغة ظلماتِ الإلحاد.
(13/247)

فلم يسعني -بعد الإحجام مدة- إلا أن أساعد على ما اقترحه علىَّ مرة بعد أخرى، فأقول:
قد أجزت للعالم المستقيم الشيخ حامد المذكور ما ثبت إجازته لي في شعبَتي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، كما أجاز لي بذلك الأستاذان الكبيران: الشيخ محمد بن الشيخ المفتي المالكي بحاضرة تونس، وخالنا الشيخ محمد المكي بن عزّوز، وغيرهما.
وأوصيه كما أوصاني أولئك الأساتيذ، بأن يجعل تقوى الله تعالى لباسه في السر والعلن؛ فإن التقوى ملاك السعادة كلها، وأذكّره بأن من تعلم العلم لفضيلته، لم يوحشه كساده، وأن التعليم الذي تسري في مسالكه روح الإخلاص، لابدَّ أن يجتنى منه ثمرة طيبة.
وفي أملي أن لا ينساني من صالح دعواته.
والحمد لله رب العالمين
كتبه راجي عفو ربه محمد الخضر حسين التونسي
في 16 جمادى الثانية 1336 ه
(13/248)

الشيخ محمد الخضر حسين (1)
شاعت دعوة الإصلاح، وذاعت بين المفكرين بتونس، منذ ارتبطت النخبة الثقافية الناهضة في سيرتها نحو المثل العليا لحركاتها، بالحركة الإسلامية العالمية للإصلاح الديني والفكري: حركة العروة الوثقى.
وكان انتشار هذه الدعوة الإصلاحية من طريق التنويه، والانتماء المتغالي، والدعاية المتعصبة؛ فكان من الضروري أن يُحدث انتشارُ الدعوة من تلك الطرق ردّاً إنكارياً، ومقاومة خانقة، وإعراضاً نافراً، لا سيما وقد جاءت الدعوة الإصلاحية تتناول أوضاعاً مما حسنه الإلف، وخلع عليه قدمُ العهد حُللَ الوقار والاعتبار.
وإن الدعوة الإصلاحية قد دخلت إلى البلاد التونسية من أول أمرها تجرّ وراءها عاصفة من الإنكار والمقاومة، كانت قد قامت حولها في المشرق، فيما جندت القوات العديدة المتباينة بإستانبول والقاهرة وغيرهما من مدمرات لمعاقل الدعوة، وسدودٍ في مسالكها، فأحدث بلوغُ الدعوة الإصلاحية إلى تونس اضطراباً في الأفكار، ولّد انقساماً، وتناحراً، وتنابزاً بالجهل وبالكفر، واعترت الألبابَ دهشةٌ من جرّاء ذلك الاضطراب، أخذ بها الطلبة والمتتبعون
__________
(1) كتاب "أركان النهضة الأدبية بتونس" للعلامة البحر محمد الفاضل بن عاشور.
(13/249)

لنشريات الدعوة وكتبِها من ذوي المشاركة الثقافية المنزلين دون منازل العلماء، في حال أن العلماء وأصحابَ الأقلام كادت أن تتقسمهم الفتنة بين موقفي الإفراط في مناصرة الدعوة، والتفريط فيها.
فكانت هذه الحالة من الاضطراب والحيرة مقتضية ظهورَ شهاب ثاقب من شهب العلم والأدب يهدي الحائرين، ويؤمن المضطرين، إذ يتناول قضية الإصلاح، فيعرضها على معيار البحث العلمي الرصين، والنقد المنطقي النزيه، اللذين يسموان بها عن معركة المتبارزين من المفرّطين والمفرطين.
فكان ذلك الشهاب الثاقب الذي متَّن أركان النهضة الإصلاحية هو رجل الهداية، وصاحب السعادة، الشيخ الخضر حسين؛ الذي لو كان للنهضة العلمية والأدبية بتونس في القرن الرابع عشر أن تتمثل إنساناً ناطقاً، لما كانت إلا إيّاه، وهو الذي طافت في شخصه أرجاء البلاد الشرقية، حتى احتلت في عِطْفيه أسمى مقام علمي في الشرق الإسلامي، وهو مقام شيخ الأزهر الشريف.
وردَ الشيخ الخضر على العاصمة التونسية من بلاد الجريد، لا يحدو به وبأبيه وبأسرته كافةً إلا تعلقُ الفكر بجامع الزيتونة الأعظم، وهوى الفوز بما تزخر به العاصمة التونسية من أمجاد العلم، ومباهج الأدب.
فدخل مدينة تونس 1304 ه وهو يافع ابن اثني عشر عاماً، وانقطع إلى طلب العلم بجامع الزيتونة؛ فانغمس في غمار الحياة الفكرية والأدبية، لا يشعر بذاته، ولا يأنس بحياته، إلا في ذلك الأُفُق المشرق المنعش.
وظهرت قيمته الفكرية، وبرزت موهبته الأدبية، فأصبح مشاراً إليه بالامتياز بين أقرانه، وزاده خلقُه الزكي جلالاً، وطبعُه الهادئ حباً واعتباراً،
(13/250)

ومنذ انتصب لإلقاء الدروس، قبل ولايته التدريس بصفة رسمية، عظُمت مكانته في نفوس الطلبة، وذاع صيته في العلم الصحيح، والفكر الحر، فأصبح قائداً من قادة الفكر ذوي النفوذ البليغ في نفوس الشباب، واشتد تعصب الطلبة الزيتونيين له، وعظم اعتدادهم به.
وكانت الحركة الفكرية يومئذ متطلعة إلى بروز نشرة دورية تتناول ما كان يدور في الأفكار والمجادلات من بحوث ونقود، ولم يكن قد صدر قبل ذلك في البلاد التونسية من الدوريات غير الصحف، فتطلعوا إلى إيجاد مجلة، فكان مترجَمُنا العظيم هو الذي انتدب ليسدد ذلك العوز، فأصدر أول مجلة عربية في البلاد التونسية، وهي مجلة "السعادة العظمى" التي صدرت في شهر المحرم سنة (1322 ه - 1904 م).
وبقدر ما أحاط بمجلة "السعادة العظمى" من القبول الحسن والتأييد، وما قابلتها به الصحف من ترحيب، وما انثال عليها من التقريظ بالرسائل والقصائد من طرف رجال العلم وطلاب الشباب، فإن كثيرين آخرين قد ساءهم مطلعها، وآلمهم ما بدت به من نزعة إلى حرية النقد، ودعوة إلى احترام التفكير، وتأييد لفتح باب الاجتهاد، بمناداة صاحبها في المقال الأول الذي قدم به مجلته بقوله: "إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أُغلق، هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليلَ الذي فتح به باب الاجتهاد أولاً"، فثارت الثائرة في وجهه ووجه مجلته من جلّ هذه المقالة وأمثالها، وقامت هيئة النظارة العلمية بحامع الزيتونة الأعظم تعارض في صدور المجلة، وتطالب الحكومة بتعطيلها؛ وكانت بذلك مجلبة لكثير مما نال صاحبها من الاضطهاد طيلة مقامه بتونس.
(13/251)

وبرزت في هذه المجلة بصفة واضحة: قوةُ صاحبها في فني النثر الفني والعلمي، كما تجلّى فيها اتجاهه إلى تجديد أغراض الشعر بصوغ القصائد في المعاني الاجتماعية والحكمية، والإشادة بالمجد، والتوجيه إلى مسالك النهضة والتحرير والتجدد.
واتجهت المساعي نحو مترجَمنا من الجمعيات الرسمية وغير الرسمية، تنتخبه للاشتراك في الأعمال الهامة، فانضم إلى اللجنة العلمية التي قامت (بالتعريف بكتب خزائن جامع الزيتونة الأعظم)، واشترك في (لجنة تدوين التاريخ التونسي)، وسمي مدرساً بالجامع الأعظم بالمناظرة، وانتخب للتدريس بالمدرسة الصادقية، ودعا إلى إحياء الآداب العربية بالدراسة في قصيدة بديعة رفعها إلى النظارة العلمية، وكان له درس عظيم الصدى لكتاب "المثل السائر" لابن الأثير شُدَّت الرحال لشهوده بجامع الزيتونة.
وجاء دور المحاضرات العلمية على منابر الجمعيات الثقافية؛ مثل: الخلدونية، وقدماء الصادقية، فكان من السابقين الأولين من مبرزي ذلك الميدان، وقام بالمحاضرات البديعة الرنّانة؛ مثال: محاضرتيه الذائعتين: "الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية"، وبلغت فكرة إحياء الثقافة العربية وتمكنها من وسائل الانتشار والسيادة مبلغها الأعلى، واندفع طلبة الزيتونة تهزّهم الحماسة في سبيل إصلاح تعليمهم، فتأسست -تحت إشراف المترجَم وباعتنائه، وتوجيهه- أولُ منظمة طالبية بتونس باسم (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) سنة (1324 ه - 1907 م).
وبذلك بدأ الشيخ الخضر يُستهدف لما استُهدف له المصلحون العاملون من قبله، من آثار المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو
(13/252)

من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرَتْه أعين المسؤولين شزراً عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (1328 ه - 1915 م) باعتبار كونه المسؤول عن ذلك التحرر.
وبدأت مظاهر النقمة تنتابه، فناله في المناظرات التي شارك فيها للإحراز على منصب التدريس من الطبقة الأولى، اضطهاداتٌ أبعدته اصطناعاً عن الفوز في المناظرة، على ما أبدى من الكفاءة والتفوق، فزادت بتلك الاضطهادات منزلته ارتفاعاً، حتى أصبحت تلك الأحداث مادة للون من التفكير، وغذاء لصنف من الأدب لم تزل آثارهما حية إلى اليوم.
وأحسَّ المترجَم بتضايق عظيم يرتفع على نسبة ما يرتفع إقبال أنصاره عليه، ومفاداتهم في تعظيمه وإكباره، فترتفع بذلك نقمة أضداده، وتكالبُهم على أذاه والوقيعة فيه.
فدفع به ذلك التضايقُ إلى أن يطلب مجالاً لحياته الفكرية والعلمية خارج البلاد التونسية، لا سيما وهو من أنصار الجامعة الإسلامية الكبرى الذين يؤمنون بخدم الملة الإسلامية خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان.
فسافر أولاً إلى مصر، وسورية، وتركيا سنة (1330 ه - 1912 م)، وكتب عن ذلك رحلة بديعة نشرت تباعاً في جريدة "الزهرة" طافحة باعتباراته وأفكاره، ومقابساته ومساجلاته، ومقاطيع من شعره.
ثم عاد إلى الرحلة في العام الموالي، فكانت رحلته التي لم يقدر للبلاد التونسية أن تفوز به بعدها.
وقصد في رحلته سورية، وانتصب للتدريس بدمشق، وتخرجت عليه هنالك نخبة رجال العلم والفكر والأدب، الذين لم تزل ذكراه بينهم جليلة
(13/253)

مرعية إلى اليوم، وسافر من سورية إلى تركيا وألمانيا وبلاد البلقان، ثم عاد إلى سورية، فلم يستقر بها حتى فارقها، واستقر نهائياً بمصر.
ونشر من كتبه ومقالاته، وألقى من دروسه ومحاضراته في الأقطار التي تنقل بينها، ما رسخت به سمعته العلمية؛ فاعتبر قطباً من أقطاب العلم في البلاد الإسلامية مشاع الانتساب إلى دار الإسلام كلها.
وأسّس بمصر (جمعية الهداية الإسلامية)، وأشرف على إصدار مجلتها الراقية، وتولى التدريس بالجامعة الأزهرية، ثم دخل في هيئة كبار العلماء، وانتخب في عهد حكومة الثورة شيخاً للأزهر الشريف سنة (73 - 52)، فبلغ بذلك قمة المجد العلمي في عناوينه الرسمية.
وقد كان قبل ذلك من الأعضاء الأولين في المجمع العلمي العربي بدمشق، ومن الأعضاء الذين تأسس بهم مجمع اللغة العربية في مصر، وكان في كلٍّ من المجمعين ركناً من أركان العلم والعمل؛ بحيث إن معهده الأصلي، وهو جامع الزيتونة، والبلاد التي نشأ بها، وهي البلاد التونسية، يعتدان بذكر طيب، وفخر موثَّلٍ فازا به في أقطار الإسلام والعروبة، ما كان لذلك القطر ولا لذلك المعهد أن ينالاه، لو لم ينجبا هذا العبقري اللامع الذي رفع لهما الفخار في الخالدين.
* سنوات مع الشيخ الخضر (1):
من الإنصاف أن أقرر -بادئ ذي بدء-: المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين علم من أعلام الفكر الديني الأفذاذ الذين أضافوا إلى صفحاته المشرقة
__________
(1) مجلة "الهلال"، القاهرة، السنة الثالثة والتسعون، (29 جمادى الآخرة 1404 ه أول أفريل 1984 م).
(13/254)

أمجاداً مزدانة بالعلم والفضل والكفاح.
وقبل أن يسبقني يراعي إلى هذه الأمجاد، أود أن أنبه إلى أني لست فضولياً فأكتب عن المشاهير حباً في الاستبصار، ولكنها مشيئة الله التي قضت بأن كون قريباً من الشيخ محمد الخضر حسين، فقد كنت سكرتيراً عاماً لجمعية (الهداية الإسلامية) بالقاهرة منذ عام 1949 م، وكان فضيلة الإمام رئيساً لهذه الجمعية، كما كنت سكرتيراً لتحرير مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم مديراً لتحريرها، وكان -رحمه الله- رئيساً للتحرير.
من أجل ذلك عرفته، وارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، لا يختلف في مضمونه ومبناه عن ارتباط الابن بأبيه. كذلك فإنه يحق لي أن أقدمه للقراء في كلمة موجزة.
ولد الشيخ محمد خضر حسين سنة 1873 م في قرية "نفطة" من أعمال تونس؛ وتربّى فيها، حتى إذا اشتد عوده، انتقل إلى مدينة تونس؛ حيث التحق سنة 1899 م بجامع الزيتونة، وتلقى العلم فيه على كبار شيوخه.
وتقول "الموسوعة العربية الميسرة" التي تصدرها دار القلم: إن المرحوم الإمام أنشأ أول مجلة ظهرت في المغرب سميت ب: "السعادة العظمى".
لكن الإمام لم يمكث طويلاً في المغرب، فقد رحل إلى دمشق، وأقام بها، واشتغل مدرساً بالمدرسة السلطانية، ثم انتقل إلى الآستانة؛ حيث أسند إليه تحرير القسم العربي بوزارة الحربية. وعندما احتل الحلفاء الآستانة؛ هرب منها إلى ألمانيا، ثم جاء إلى مصر سنة 1918 م، فأقام بها، واشترك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، ورأس تحرير مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم رأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، كما اشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر،
(13/255)

وأصبح شيخاً له سنة 1952 م، وعيّن بالمجمع اللغوي منذ إنشائه.
وكان -رحمه الله- مثلاً حياً للخلق الحسن ... فما سمعته قطّ ينطق بشتم أو سباب، أو بلفظ بذيء، حتى في أشد حالات غضبه، كان عفّ اللسان، وقليلاً ما كان يغضب. وكان غضبه لما يغضب الله ورسوله. كان لا يخوض في سيرة أحد الناس، وإذا سمع أحداً يغتاب غيره، يبتعد عنه، ويترك له المكان. كان إذا تكلم، خفض من صوته، وإذا مشى، كان من الذين يمشون على الأرض هَوْناً، حتى لا نكاد نسمع له وَقع أقدام. وإذا خاطبه إنسان، مهما قل شأنه، أنصت لكلامه حتى يفرغ المتكلم من كلامه.
وكان -رحمه الله- يعتزّ بكرامته، فقد عاش ولم يطلب مخلوقاً في رجاء قط.
وأذكر في ذلك واقعتين طريفتين:
الأولى: تتلخص في أن الجمعية -وقتذاك- اعتادت أن تستضيف كل أسبوع محاضراً ليلقي محاضرة دينية في الجمعية، وكان "الأهرام" يعلن عن هذه المحاضرات، لكنه بعد فترة كفَّ "الأهرام" عن الإعلان، لذلك طلبت من المرحوم الإمام أن يتصل تليفونياً بصديق للجمعية في الأهرام؛ ليتوسط عند المختصين بالإعلان في الأهرام؛ من أجل الإعلان عن محاضرات الجمعية، لكن الإمام رفض. فلما قلت له: أعطني بطاقة منك لأقدمها لهذا الصديق، وسأشرح له الموضوع. لكنه رفض -أيضاً-. فقلت له: سأذهب إلى هذا الصديق، وأخبره بأن فضيلة الإمام كلّفني بالاتصال بك من أجل الإعلان عن محاضرات الجمعية. لكن الإمام ردّ على الفور قائلاً: "لا تقل إني كلفتك بشيء عنده؛ لأن هذا يعتبر رجاء، ولقد عشت سنين طويلة لم
(13/256)

أرجُ مخلوقاً، ولن أسمح للساني أن يلفظ بطلب أو رجاء ما دمت حياً".
أما الواقعة الثانية: فتنحصر في أنه بعد أن تم اختيار الإمام الشيخ محمد الخضر شيخاً للأزهر عام 1952 م، زاره الرئيس السابق محمد نجيب في الأزهر للتهنئة.
وبعد انقضاء فترة على هذه الزيارة، ذهب السيد حسين الشافعي إلى فضيلة الإمام، وأخبره بأن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، ثم قال للسيد حسين الشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم"، وعبثاً حاول السيد حسين الشافعي أن يثني الإمام عن الاستقالة.
مؤلفات الإمام قسمان:
1 - قسم مخطوط لم يطبع بعد.
2 - وقسم مطبوع.
أولاً - المخطوط عبارة عن كتابين:
الأول: سجل لآرائه المختلفة في بعض المسائل. وكان الإمام الراحل قد أوصى بأن يؤول هذا المخطوط إلى دار الكتب المصرية بعد وفاته، وكلف السيد أحمد عبد الرحمن سكرتير (جمعية الهداية الإسلامية) بتنفيذ وصيته بعد
وفاته.
أما المخطوط الثاني، فهو عبارة عن سجل لتاريخ حياة الإمام، ويقع في أربعة مجلدات كبيرة، وكان الإمام قد أعطاه لمدير مكتبه المرحوم الشيخ عبد الحليم بسيوني ليتولى طبعه. لكن الشيخ عبد الحليم توفي، ولم يكن الكتاب قد طبع بعد. وللآن لا نعلم شيئاً عن مصير هذا المخطوط.
(13/257)

ثانياً - كتب مطبوعة تربو على أربعة وثلاثين كتاباً، تشمل الأدب والفلسفة والاجتماع والتاريخ والدين. أذكر منها هذه الكتب:
1 - في الأدب: كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، كتاب: "الخيال في الشعر العربي".
2 - في الاجتماع والدين: كتاب باسم: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، كتاب باسم: "الدعوة إلى الإصلاح".
3 - في الفلسفة: كتاب: "مناهج الشرف"، كتاب: "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها".
4 - في التاريخ: كتاب: "تونس تحت الاحتلال الفرنساوي".
هذه لمحة سريعة عن الإمام الراحل محمد الخضر حسين، وكتبه التي فُقدت من المكتبات.
لذلك فإني أرجو أن تهتم الهيئات الحكومية المشتغلة بالنشر بطبع ونشر كتب هذا العالم الجليل؛ لتكون نبراساً لنا على الطريق (1).
السيد كمال الشوري
وكيل وزارة العدل سابقاً
__________
(1) ملاحظة: لقد طبعت كافة آثار الإمام محمد الخضر حسين، ولله الحمد والشكر.
(13/258)

علم من أعلام الزيتونة
الشيخ محمد الخضر حُسين من خلال آثاره العلمية (1)
الأستاذ محمود الشمام

عالم فقيه متعمق، جامع محقق، وطني مكافح، مدرس محاضر، خطيب حاذق، أديب شاعر متمكن، زيتوني صادقي، خلدوني أزهري.
انتسب إلى كل هذه المعاهد، ودرس بها، وأخلص في حبها، وذكرها، واعتزّ بالانتماء إليها.
يخوض معامع السياسة، ويرتمي في ساحات الكفاح بروح مغامر مكافح، مؤمن بأن التضحية في سبيل الوطن لا جزاء لها إلا الجنة.
هو وديع لطيف، خجول متواضع، يلتهب ناراً في بحوثه وأدبه وشعره، وسعيه السياسي.
هو رحّالة جاب البلاد الإسلامية، وبعض البلدان الغربية، وسخّر مواهبه وقدراته وإمكانياته وعلمه في سبيل مبادئه السياسية والعلمية، حتى ألقى عصا الترحال بالبلاد المصرية، وسكن القاهرة المعزِّية، فكان الجوهر الثاني مبعوثَ الجامعة الزيتونة؛ لتحصين ما أسسه الجوهر الأول
__________
(1) مجلة "الهداية" تصدر عن المجلس الإسلامي الأعلى بتونس، العددان الخامس والسادس من السنة الثانية والعشرين لعام (1418 ه - 1998 م).
(13/259)

مبعوثُ الدولة الفاطمية.
ذلكم هو الشيخ الإمام القاضي، المدزس بالجامع الأعظم جامعِ الزيتونة وشيخ الأزهر بالقاهرة، محمدُ الخضر بن حسين بن علي بن عمر الشريف النفطي الجريدي التونسي.
* ولادته:
اختلفت الروايات حول ضبط تاريخ ميلاده، فذكر حفيده للأخ الأستاذ علي الرّضا الحسيني: أنه ولد سنة 1874 م، لكن أثبت غيره -وهو الراجح-: أنه ولد سنة (1290 ه الموافق 1873 م).
وكانت ولادته بمدينة "نفطة" من الجنوب التونسي، مهدِ العلماء الفقهاء، والأدباء النبغاء، المعروفة بالكوفة الصغرى، كما عُرفت جارتها "توزر" بالبصرة. لا أحسب أني في حاجة للتعريف بهذه المدينة الفيحاء "نفطة"، فهي غنية عن التعريف.
وعائلة ابن الحسين ماجدة في حسبها ونسبها المتصلِ بالشرف النبوي الكريم، وإخوة الشيخ الخضر هم: محمد الجنيدي، ومحمد العروسي، ومحمد المكي، وزين العابدين.
وأفرادها الذين عرفناهم نجوماً لامعة في سماء العلم والمعرفة هم: مترجَمنا الشيخ الخضر، وأخوه الشيخ محمد المكي، وأخوهما الشيخ زين العابدين.
وقد عرفتُ ثلاثتهم عن قرب معرفة شخصية. ففي غضون زيارتي للقاهرة رفقة المولى الخال الشيخ سيدي الحاج علي ابن الخوجة، تشرفت بزيارة الشيخ محمد الخضر بمحله، فأكرمنا وأطعمنا، ورحّب بنا، ومدَّنا
(13/260)

ببعض إنتاجه، وزوّدنا بنصائحه وتوجيهاته، وفي غضون زيارتي لدمشق، زرت شقيقه الشيخ زين العابدين، فاستضافني، وفرح بمقدمي، وأهداني بعض كتبه. وهناك تعرفت على ابنه الأستاذ علي الرضا الذي زارني بتونس.
أما الشيخ المكي، فهو صديق العائلة، تعرفت عليه بواسطة شقيقي سيدي محمد شمام صديقه الحميم، وكان يزورنا بمحلنا من نهج الناعورة نهج الباشا، ونزوره برحبة الغنم، ونجالسه في مكتبة الاستقامة عند الشيخ الثميني، توفي الشيخ المكي -رحمه الله- في (20 شعبان سنة 1382 ه الملاقي 26 جانفي سنة 1963 م).
وثلاثتهم -رحمهم الله- من كابر العلماء، أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم وتحريراتهم، فخلّد التاريخ ذكرهم، وها نحن أولاء نعدد محاسنهم مترحِّمين عليهم.
وعائلة الشيخ محمد الخضر تنتسب إلى الطريق الصوفية، فأبوه، وجدُّه للأب ينتسبان للطريقة الرحمانية، أما جدّه لأمه، فهو الشيخ مصطفى ابن عزوز شيخ الطريقة الرحمانية، وخاله الذي رباه وعلمه هو الشيخ محمد المكي بن عزوز كان علماً من أعلام العلم والأدب والمعرفة الواسعة، وفذاً من الأفذاذ في معرفة الكتب، مع الحرص على اقتنائها وجمعها، كان أديباً شاعراً، تولّى خطة الإفتاء بنفطة، وانتقل إلى الآستانة ودرّس بها الحديث الشريف، ونقل معه من تونس مكتبته التي يصفها الشيخ الفاضل ابن عاشور بأنها مكتبة من أندر وأعز وأنفس المكتبات وأفضلها من الخزائن الخاصة في العالم الإسلامي. -توفي رحمه الله- سنة (1334 ه الملاقي 1916 م).
(13/261)

في هذه البيئة، وفي كنف خاله هذا، تربّى شيخنا الخضر، الذي تحدث عن نشأته، فقال: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم الشعر" حتى انتهى بإصدار ديوان "خواطر الحياة".
وهو يتحدّث عن عناية خاله به، فيقول:
"أستاذي الذي شبّت في طوق تعليمه فكرتي، وتغذيت بلبان معارفه في أول نشأتي، العلامة الهمام القدوة خالنا الشيخ محمد المكي بن عزّوز".
وخاله هذا يراسله مقرظاً مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها حفيده معرِّضاً بأنه ربّاه وسانده، فيقول له:
"وأنبئكم أنه لما أشرقت غرّتُها، وانبلجت ديباجتها، تصفَّحت دررَ عقودها، وتعمدت سبرَ عودها، لنعلم كيف نتيجة تربيتنا، وإلى أي طور بلغ فرعُ دوحتنا، وبأي ثمرة تفتر أكمامُه، وعلى الوطن بأي صفة تهب أنسامُه".
* التحاقه بجامع الزيتونة:
انخرط الشيخ الخضر في سلك طلبة الزيتونة سنة (1307 ه الملاقي 1887 م)، وأغرم من أول عهده في الدراسة بالأدب والشعر.
يقول متحدثاً عن نفسه في مقدمة ديوانه "خواطر الحياة": "انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة، وكان من أساتذة الجامع -وهم في الطبقة العالية من طلاب العلم- من أولعوا بالأدب،
(13/262)

والتنافس في صناعة الشعر والقريض إلى شأو غير قريب، فاقتفيت أثرهم، وكنت أنظم قصائد تهنئة لبعض أساتذتي عند ختم وإتمام دراسة بعض الكتب".
وأشار إلى بعض شيوخه، وتحدث عنهم؛ كالشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ عمر بن الشيخ. وقد ترجم للأخيرين في كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
وترجم لأستاذه سيدي عمر بن الشيخ في مجلة "الهداية الإسلامية"، وذكر أن الشيخ محمد عبده كان حضر أحد دروسه عند زيارته لتونس سنة 1884 م.
أما الشيخ محمد النجار، فقد صادقه، وشاركه في تحرير مجلة "السعادة العظمى".
وكتب عن شيخه سالم بو حاجب: "حضرت دروسه عندما أخذت في قراءة الكتب العالية، فشعرت بأني دخلت في مجال أفسح للنظر، وادعى لنشاط الفكر".
ولما مات الشيخ سالم بو حاجب كان شيخنا الخضر بالقاهرة، فقال يرثيه:
فقدَتْ سماءُ المجدِ بدراً عزَّ أن ... تحظى برؤية مثله الألحاظُ
وواصل دراسته الزيتونية حتى تحصَّل على شهادة التخرج، شهادة "التطويع" سنة (1316 ه الملاقي 1898 م). وتطوع للتدريس بالجامع الأعظم. وابتدأ جهاده الثقافي إثر تخرجه، فسعى لإصدار مجلة علمية أدبية جامعة هي الأولى من نوعها، مجلة: "السعادة العظمى". صدرت نصف شهرية
(13/263)

في محرم سنة (1322 ه الملاقي سنة 1904 م). وأيّدها علماء الإصلاح؛ مثل: الشيخ سالم بو حاجب الذي خاطب تلميذه الشيخ الخضر بقوله:
"أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي،، يشير إلى النقد الذي لقيته المجلة من بعض الناقدين.
وكانت أبحاث المجلة تشتمل على المواضيع العلمية والأدبية والأخلاقية، وتلقي الأسئلة والإجابة عنها.
وشيخنا الخضر يوجز مقاصده ومراميه الإصلاحية في بيت بليغ، وهو الشاعر الفحل، والمصلح المفكر، فيقول:
إنَ المعارِفَ والصنائعَ عدَّةٌ ... بابُ الترقّي من سِواها موصَدُ
ويقول:
ولا تعودُ إلى شعبٍ مجادتُه ... إلا إذا غامرتْ هِمّاتُه الشُّهُبا
وكأني به يتبنى قول شاعر تونس ومفتيها أبي الثناء محمود قبادو:
دليلُ اصطفاءِ اللهِ للعبْدِ علمُهُ ... وتشريفُه أن يكشفَ الحقَّ فهمُهُ
ومن لم يَجُسْ خُبراً أروبا وأهلَها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمُهُ
فذلك في كِنِّ البلاهةِ داجنٌ ... وفي مضجعِ العاداتِ يُلهيه حلمُهُ
وقد شارك في تحرير هذه المجلة عدة علماء من جامع الزيتونة؛ كالشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ محمد النجار، والشيخ بلحسن النجار، والشيخ محمد النخلي.
وصدر من هذه المجلة واحد وعشرون عدداً. ثم توقفت عن الصدور؛ لأن صاحبها تولى خطّة القضاء ببنزرت، وذلك عام (1323 ه الملاقي 1905 م)،
(13/264)

ولم يمكث بهذه الخطة إلا بضعة أشهر، عاد بعدها إلى تونس، وإلى التدريس بالجامع الأعظم.
وارتقى إلى خطة مدرس من الطبقة الثانية إثر نجاحه في مناظرة سنة (1325 ه الملاقي 1907 م)، كما عُين أستاذاً بالمدرسة الصادقية، ودُعي للتدريس بالجمعية الخلدونية، ثم انتخب عضواً بهيئة هذه الجمعية مع جماعة من كابر العلماء المشايخ: محمد رضوان، الطاهر النيفر، الطاهر ابن عاشور، بلحسن النجار، الصادق النيفر.
* رحلة الشيخ الخضر إلى الشرق:
لأمور سياسية، وضيق عام إثرَ الضغط المسلط على الناس من حكومة الاستعمار، وكبت الحريات، ثم لأجل أمور عائلية، منها: هجرة خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز إلى الآستانة، وهجرة إخوته إلى دمشق، ثم إخفاقه في نيل التدريس من الطبقة الأولى؛ لأجل كل هذه العوامل مجتمعةً فكر شيخنا في الرحيل، وزيارة الأهل والأقارب.
وفعلاً سافر يوم الخميس (4 شعبان سنة 1330 ه الملاقي 18 جويلية 1912 م)، وزار جزيرة مالطة، والإسكندرية، والقاهرة؛ حيث ألقى درساً بالأزهر، ثم زار فلسطين ودمشق، والتقى هناك بإخوته، وقضى معهم شهر الصيام، ثم انتقل إلى بيروت، ومنها إلى إسطنبول لزيارة خاله الشيخ محمد المكي، ورجع إلى تونس في ذي الحجة سنة (1330 ه الملاقي نوفمبر 1912 م)، ونشر بجريدة الزهرة سنة (1331 ه / 1913 م) خلاصة رحلته قائلاً:
"اقترح عليّ جماعة من الفضلاء أن أحرر خلاصة في آثار رحلتنا الشرقية، فعطفت عنان القلم لمساعفة اقتراحهم، بعد أن رسمت له الوجهة العلمية
(13/265)

سبيلاً لا يحيد عن السير في مناكبها. ولئن لم يلتقط الناظر منها درة علمية فائقة، فإنها لا تخلو من أن تنبسط له بملحمة أدبية رائعة، وإليك التحرير: سنح لي باعث الرحلة إلى بلاد الشام، وهو زيارة الأهل وفاءً بحق صلة الرحم" ..
وقال يخاطب ربان السفينة وقائدها:
حادي سفينتنا اطْرَحْ من حُمولَتها ... زاد الوقود فما في طرحِه خطرُ
وخُذْ إذا خمدت أنفاسُ مِرْجَلِها ... من لوعة البينِ مقباساً فتستعرُ
ثم يقول: وإني لأدرك في مثل هذا الموطن دقة نظر إمام الحرمين (عبد الملك النيسابوري المتوفى سنة 1085 ه) حين قيل له: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحبة.
وقد لاحظنا هنا أن بعض من أرَّخ لهذا الرجل ذكر أن سبب رحيله هو إخفاقه في المناظرة بسبب حيفٍ ناله من ممتحنيه، وهذا غير صحيح؛ لأمور، منها:
أ - أن الشيخ خرج من تونس لزيارة أهله وإخوته بسورية وفاء بحق صلة الرحم؛ كما ذكر هو نفسه.
ب - أن الشيخ لما ألف كتاباً في الردّ على الشيخ علي عبد الرازق، وضع مقدمة قال فيها:
"رأيت -وأنا بتونس- أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالاً واسعاً، وسماء صافية، فهاجرت منها والعيشُ رغيد، والأمة في إقبال، والإخوان في مصافاة، وأنزلت رحلي بدمشق الشام، فمدت لنا الأيام في الأمل ظرفاً، فإذا رحى الحرب العالمية تدور، وحامل رايتها يُنجد ويغور. وبعد أن وضعت
(13/266)

الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطتُ مصر".
فهو يذكر سبب خروجه من تونس متطلعاً إلى حرية الرأي والفكر والعمل.
وهو يذكر تونس بكل خير، ويعترف بأنه خرج منها والعيشُ رغيد، والإخوان في مصافاة، ولا شيء في كلامه مما يروِّجه الحاقدون من إساءات. ويؤيد هذا: ما أشار إليه الشيخ الفاضل ابن عاشور عندما ترجم للشيخ الخضر، فقال:
"وبدأ الشيخ يُستهدف لما استُهدف له المصلحون العاملون من قبله من المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرته أعين المسؤولين شزراً عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (1328/ 1915) باعتباره المسؤول عن ذلك التحرر. وبدأت النقمة تنتابه ... إلخ".
ج - لما زرته بالقاهرة، تجاسرتُ وألقيت عليه سؤالاً عن أبيات تُنسب إليه، وهل كانت الحوادث التي تشير إليها دافعاً دفعه إلى الهجرة؟ فضحك -رحمه الله- ملء شدقيه، وقال: تونس عزيزة، وأهلها كرام، وأنا لا أنساها، ولا أنسى حلو أيامها، وهذا الشيخ الكريم ابن الكرماء -يشير إلى الشيخ الخوجي- يشهد بصدق ما أقول، وبزيف تلك الأراجيف.
ولما خرجنا من عنده، سألت الشيخ الخوجي الكريم ابن الكرماء، فحقق لي أن المناظرة كانت بين رجلي علم، فاز أحدهما باستحقاق، ولم يقع فيها أي حيف.
ولما رجعت إلى تونس، سألت الشيخ الحطاب بوشناق، فحقق لي
(13/267)

أنه حضر المناظرة، وأن الشيخ محمد العنابي برز في إلقاء لدرس وشرحه، ونال إعجاب الحاضرين وإذا كانت المبارزة والمناظرة تقع علانية، فقد أيقن كل الحاضرين بفوز الشيخ العنابي قبل دخول المشايخ النظار للمفاوضة، وقبل التصريح بالنتيجة.
والأبيات -التي أشرنا إليها، والمنسوبة إلى الشيخ الخضر- نشرتها جريدة "إظهار الحق"، وهي جريدة معارضة لصاحبها محمد القبايلي، صدرت سنة (1904/ 1322)، ونصها:
تبّاً لهاتيك النَّظَارةِ أصبحَتْ ... كالثَّوْبِ يُطْرَحُ في يَدِ القَصَّارِ
وأناملُ القصّارِ تعملُ مثلَ آ ... لاتٍ تُحرِّكُها يدُ النَّجّارِ
والقصار هو قاضي تونس، والنجار هو الشيخ بلحسن النجار كاتبُ سر القاضي وقتَها، والمفتي فيما بعد سنة (1373/ 1953). وقد تحدث عنه الشيخ الخضر بالمدح والثناء عدة مرات.
وكان حدثني شيخي الجليل المرحومُ الحطاب بوشناق برواية أخرى رواها عن الشيخ صالح المالقي، ترجِّح استحقاقَ الشيخ الخضر للخطة، والفوز في المناظرة. وقال: إنه يحفظ أبياتاً تنسب للشيخ الخضر. ومضت الأيام، وعثرت على كنش المنعم الشيخ صالح المالقي، فوجدت به قصة المناظرة، وأنه حضرها، وكان وقتَها مدرساً من الطبقة الأولى، وأنه كان ينتظر فوز الشيخ الخضر؛ لأنه جاد. ثم أورد أبياتاً منسوبة إلى الشيخ الخضر، لكنه لم يجزم بصدورها عنه. والأبيات هي محاورة بين شاوش الوزير-أي: حاجبه-، وبين الشاكي، ثم بين الوزير وأعضاء اللجنة في الاسفسار عن النجاح والخيبة، وأسباب ذلك، وعن تظلم الشاكي. وهي أبيات ضعيفة في نسجها،
(13/268)

ضعيفة في تركيبها، ولا أعتقد أنها من شعر شيخنا -نعَّمه الله-. والوزير المشتكى إليه حينها هو الشيح يوسف جعيط -رحمه الله-.
* علاقة الشيخ الخضر بالصادقية:
لقد كانت للشيخ الخضر علاقة متينة بالصادقية وطلبتها ونادي قدمائها، لا تقلّ متانة عن ارتباطه بالجامع الأعظم جامع الزيتونة الذي تخرج منه، وبالمدرسة الخلدونية التابعة للجامع، والتي يدرّس بها. لقد انتدب الشيخ الخضر للتدريس بالصادقية، وزامل هناك كثيراً من مشايخ الزيتونة وتخرجت على يديه أفواج عديدة من طلبة الصادقية.
التحق كأستاذ بالمعهد الصادقي سنة (1325 ه / 1907 م)، وواصل عمله هناك مدة ستة أعوام، ولما سافر في رحلته الأولى -التي أشرنا إليها- تخلف عن الحضور للتدريس مدة طويلة، ولم يعلن استقالته، ولما رجع في 24 نوفمبر سنة 1912 م، أشعرته إدارة المعهد بفصله عن التدريس؛ لتغيبه، ولأنه عوض بغيره؛ خلافاً لما ذكره محفوظ من أنه رجع بعد يومين من افتتاح الدروس، وأن فصله كان لأسباب سياسية.
أما علاقته بنادي القدماء، فهي علاقة حميمية متينة.
وقد ألقى بنادي القدماء عدة محاضرات:
1 - "الحرية في الإسلام"، ألقاها مساء يوم (17 ربيع الآخر سنة 1324 ه / 1906 م)، تحت إشراف عضو هيئة النادي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي ألقى كلمة قيمة عقب انتهاء المحاضرة، وقد طبعت هذه المحاضرة عدة مرات، وهي معروفة متداولة.
2 - ثم ألقى شيخنا الخضر حسين (1327 ه / 1959 م) محاضرة أخرى
(13/269)

بنادي القدماء تحت عنوان: "حياة اللغة العربية"، وقد طبعت مرات، ونشر الجانب الشعري منها في ديوانه "خواطر الحياة"، وهو يقول:
لغةٌ قد عقدَ الدّينُ لها ... ذمة يكلؤُها كلُّ بَشَرْ
أولمْ تُنسج على مِنوالها ... كَلِمُ التَّنْزيلِ في أرْقى سُوَرْ
فأقيموا الوجْهَ في إحيائها ... وتلافوا عقدَ ما كان انتثرْ
3 - وألقى محاضرته الأخيرة على منبر نادي القدماء قُبيل هجرته إلى الشرق سنة (1331 ه / 1912 م) تحت عنوان: "مدارك الشريعة الإسلامية".
وبهذه المحاضرة ودّع وداع الهجرة إلى الشرق.
ولم تكن رحلته هذه كالأولى بنية الرجوع والعودة إلى وطنه ومعهده وطلبته.
* رحلته إلى الشرق:
ففي سنة (1331 ه / ديسمبر 1912 م) اعتزم الرحيل والهجرة إلى دمشق محل سكنى إخوته، وأبت زوجته أن تصاحبه، فودعها قائلاً:
قالَ يومَ الوداعِ وهو يُعاني ... سكرةَ البينِ: ليتني ما عَرَفْتُكْ
وبدمشق سكن مع إخوته، وباشر التدريس بأبرز معاهدها العلمية، خاصة الجامع الأموي، وهناك ناله الأسى، واتهم سياسياً، وسجن وحوكم، ثم ظهرت براءته، وخرج من السجن يشكو ضياع فترة من العمر لم يمسك فيها القلم:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عنْ قلمِ ... كان لا يَصْحو عن الطِّرْسِ فناما
وعاد إلى نشاطه العلمي المعرفي حتى دير للعمل بتركيا، فارتحل إليها،
(13/270)

وأوفدته إلى ألمانيا في مهمة. وهناك اتصل ببعض الأحرار من التونسيين، وعانى معهم مشقة الغربة، والسعي لتحرير الوطن بكشف عيوب أعدائه. وإثر انتهاء الحرب العالمية الكبرى عاد إلى دمشق، وعاد للتدريس، وانتخب عضواً بالمجمع بها مع الأستاذ حسني عبد الوهاب سنة (1338 ه / 1919 م).
ولما دخلت فرنسا إلى سورية، وكانت من نصيبها عند قسمة تركة الرجل المريض المنهار المغلوب، هاجر صاحبنا إلى القاهرة سنة (1339 ه / 1920 م)؛ لأن مصر لا علاقة لها بالدولة التي تستعمر بلاده تونس. وهو يقول في كلمة الإهداء لكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم": "وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطت مصر".
في مصر، وفي القاهرة المعزية، اشتد ساعدُه المعرفي، وتعددت نشاطاته العلمية الثقافية، وتمتنت صلاته برجال العلم والأدب، وتفرغ لكل ذلك، وابتعد عن المغامرات السياسية وأهوالها ومصائبها.
ولما راوده الحنين إلى دمشق وساكنيها من إخوته، قال:
يقولُ: تقيم في مِصْرٍ وحيداً ... وفَقْدُ الأُنْسِ إحدى الموتتَيْنِ
ألا تحدو المطيَّة نَحو أرضٍ ... تعيدُ إليكَ أنسَ الأسْرتَيْنِ
وعيشاً ناعماً يدعُ البقايا ... من الأعمارِ بِيضاً كاللُّجَيْنِ
فقلتُ له: أيحْلو لي إيابٌ ... وتلك الأرضُ طافحةٌ بغَيْنِ
وهكذا حكم على نفسه بالابتعاد عن كل أرض تحكمها فرنسا، ولو كانت مسقط رأسه، ولو كانت عائلته بها.
وهكذا استقر نهائياً بمصر التي أثمر بها زرعه، وكثر عطاؤه، وعرف
(13/271)

بها الناس مقامه حتى تربَّع على عرش العلم بتوليه مشيخة الأزهر، وهذه فترة طويلة يصعب الحديث عنها في صفحات قليلة.
واخترنا -كما اختار هو من قبلنا- الجانبَ العلمي الثقافي في الفقه والنقد والدراسات، تاركين الحديث عن نشاطه الأدبي والشعري والاجتماعي والصحفي، وبالأخص السياسي، إلى فرصة أخرى قد تسنح أو لا.
وهذه الناحية التي اخترناها لإبراز شخصيته هي أبرز نواحي حياته، تصور لنا أكبر ما بلغه هذا العالم الجليل من علو كعب في ميادين العلم والمعرفة، ومن إخلاص في الذود عن الدين واللغة العربية.
* الشيخ محمد الخضر الفقيه الناقد:
نحن نعلم أن الأديب أو الشاعر تتواجد داخلَه مَلَكَة النقد، فهو يسعى لنقد ذاته وأعماله وآثاره، وما يخطه قلمه معبراً عن وجدانه، يعمل جاهداً حتى لا يبعث بنتاجه يسعى بين الناس دون أن يغربله ويصفيه وينقيه، وإن لم يفعل، هزلت ثمرته، وتدنت، وأعرض عنها الناس.
وكذلك العالم الفقيه يعيش بين صحفه وأوراقه وكتبه، يفحص وبحقق ويدقق، ثم يكتب، لكن ملكة النقد عنده تبعث فيه الإحساس والشعور بمتطلبات الكمال والإبدل، والهروب من مطبات الأخطاء وهزيل الرأي. وهو لذلك يربو بنفسه عن الانزلاق والانحراف، ولا يرضى ذلك لغيره، بل يسعى لإنقاذ الآخرين من السقطات والهفوات والانحرافات.
والفقيه العالم الأديب المحقق صاحبُ الشعور الصادق، له مبادئ دينية ومقاييس علمية تسري مع دمه، وتسيطر على أفكاره وآرائه واتجاهاته، تنير طريقه، وتوضح سبل سيره. وإذا شعر يوماً بمن يهاجم تلكم المبادئ،
(13/272)

أو يسعى لإفساد تلكم المقاييس، ثارت ثائرته، وفزع إلى قلمه وقرطاسه؛ كما يفزع المقاتل إلى سيفه ودرعه يردُّ صولة كل صائل، ويدفع دفاعاً شرعياً هجمةَ كل مهاجم.
وهكذا كان شيخنا -رحمه الله- في مختلف مراحل حياته، يثور كلما مُسَّت مبادئُه، حتى جمع له الناس ملفات قضايا كان فيها فارساً مغواراً، يكرُّ ويهاجم بقلمه ولسانه.
ونشير إلى بعض هذه الملفات؛ لأن آثارها هي آثاره الخالدة الدالة على الرجل وقيمته العلمية المميزة.
* قضية علي عبد الرازق:
في خلال سنة (1344 ه / 1925 م) أُثيرت قضية فكرية سياسية بمصر، ترافَع فيها علماء أجلاء، وتراشق كتّاب مميّزون، وكئر اللّغط حولها في الصّحف المحترمة يومَها؛ مثل: مجلة "المنار"، ومجلّة "الهداية الإسلامية"، وصحيفة "السّياسة" الأسبوعيّة واليوميّة.
وكنّا -معشر الطّلبة- حينها نتلقف أخبارها، ونتنسّم شذى جديدها بلهفة وحرص، مدفوعين بعوامل متعدّدة ووطنيّة وسياسية.
ووجد بعضهم فرصته السانحة لترويج الجرائد المصريّة، خاصة جريدة "السياسة" الأسبوعية، وإيصالها إلى المتشوقين المتلهفين لأخبارها، وبيعها فورَ وصولها لتونس.
تلك هي قضية علي عبد الرازق أحدِ علماء الأزهر، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية؛ فقد ألف كتاباً سماه: "الإسلام وأصول الحكم".
(13/273)

شارك في هذه المعركة شيخنا الجليل محمد الخضر حسين مشاركة واعدة فاعلة ومؤثرة.
والواجب يدعونا إلى أن نشير إشارة عابرة إلى هذه القضية، وإلى دور شيخنا فيها، وما ألفه وكتبه عنها، وهو مؤلَّف نصنفه في الرتبة الأولى من تآليفه وكتاباته. وفي ذلك تسجيل وتأريخ للحركة الفكرية المصرية، في غضون عهد الملوكية والاحتلال الإنجليزي، والاتجاهات السياسية في ذلكم العهد.
في 3 مارس سنة 1924 م ألغى نظامُ البلاد التركية الثائر بقيادة أتاتورك الخلافةَ الإسلامية، بعد أن أعلنت الجمعيّة الوطنيّة التركيّة المنعقدة بأنقرة يوم (19 أكتوبر سنة 1924 م) النظام الجمهوري، فبادر رئيس الجمهورية مصطفى كمال باشا بإلغاء الخلافة.
وتأثّر العالم الإسلامي لهذا الأمر الجلل، وسعى رجاله ومفكروه إلى إيجاد حل لهذه المشكلة، وشارك في ذلك من تونس: الزعيم الثعالبي، والأستاذ أحمد توفيق المدني، والشيخ علي كاهية، والشيخ سليمان الجادوي، والأستاذ الطيب بن عيسى. وتهيأ أفرادٌ للجلوس على عرش الخلافة الشاغر، منهم: ملك مصر عهدئذٍ أحمد فؤاد. ووقع التحرك سريعاً لإنجاح مسعاه، وأقيم مؤتمر إسلامي، وأصدر مجلة تحمل اسم: "الخلافة الإسلامية"، ودعا بعض الكتاب إلى وجوب مبايعة خليفة مكان الخليفة المخلوع الذي أزاحه كمال أتاتورك عن عرش الخلافة.
وكان الظرف السياسي ساعتها بمصر ضد حزب الأغلبية حزب الوفد الذي فاز في الانتخابات، فأمر الملك فؤاد بحل البرلمان، وأقصى زغلول
(13/274)

باشا عن الحكم برغم متانة علاقته بالشعب.
واتّحد حزب الأحرار الدستوريين مع حزب الاتحاد، وتشكّلت وزارة برئاسة زغلول باشا؛ للوقوف مع الملك في وجه المد الوفدي الذي يتمتع بحب الشعب.
في هذا الجو المكهرب أصدر أحد شيوخ الأزهر من مناصري حزب الأحرار الدستوريين، من عائلة أصيلة ميسورة تناصر ذلك الحزب، وتشد أزره، وهو الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق ... أصدر كتابه: "الإسلام وأصول الحكم".
والكتاب موجه في تحريره ونقده أولاً وبالذات لمحاربة فكرة تنصيب فؤاد على العرش عرشِ الخلافة لعدة أمور، منها: أنه غير مؤهل دينياً وعلمياً وثقافياً ووطنياً لهذا المنصب، ثم لأن الإنجليز يناصرونه ويؤيدونه، ولهم غاية في هذه اللعبة السياسية ضد الإسلام والمسلمين، وكان موضوع الكتاب: الخلافة وموقعها الديني والسياسي، وسندها من التشريع الإسلامي. وثارت عاصفة هوجاء، وأتت على الائتلاف الحاكم، وخرج الأحرار الدستوريون من الوزارة.
يقول الشيخ علي عبد الرازق في كتابه هذا "الكتاب الأول، الباب الثالث، الفقرة الثامنة وما بعدها":
"من الطبيعي عند المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ولا يألفون إلا الله ربّ العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل في خمسة أوقاتهم للصلاة.
من الطبيعي أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من
(13/275)

غيرهم، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم؛ خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر.
والغيرة على الملك تحمل الملك على أن يصون عرشه من كل شيء قد يزلزل أركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته. وقد يصبح الملك وحشاً سفاحاً، وشيطاناً مارداً إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته، وتقويض عرشه، وقد يصبح عدواً لدوداً لكل بحث، ولو كان علمياً، إذا تخيل أنه قد يمس قواعد ملكه" انتهى النقل.
وبالرغم من أن الكتاب له وجهة وغاية سياسية، إلا أن صاحبه ضمَّنه أفكاراً رأى ناقدوه أنها خارجة عن اللياقة والكياسة، ووُجِّهت له تهم متعددة، نلخصها فيما يلي:
أ - جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية خالصة، لا ارتباط لها بأمور الدنيا وشؤونها.
ب - إنَّ جهاد الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان في سبيل اتساع نفوذه، لا في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغه.
ج - إنَّ نظام الحكم في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان غامضاً مبهماً موجباً للحيرة.
د- إنّ حكومة أبي بكر - رضي الله عنه - والخلفاء من بعده كانت لا دينية.
وكان التعبير الأخير موجباً لإثارة الغضب عند كافة الناس.
وظاهر أنّ المؤلّف لم يقصد أنّها كانت لائكيّة لا تدين بدين. لكن التعبير كان فيه تهوّر، ولو أنه لم يكن مقصوداً.
والإمام محمد عبده زعيم حركة الإصلاح عالج من قبل هذه النقط
(13/276)

المثارة من علي عبد الرازق، وأبدى رأياً فيها، وظهر أن الشيخ علياً تقفى خطاه، لكن بأسلوب فيه بعض العنف.
فالإمام عبده يقول (عن كتاب "الإسلام والنصرانية" طبعة ثانية ص 70 - 71):
"الأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت مصلحة في ذلك. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه تيوكراتيك (theocratique)؛ أي: سلطة إلهية، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة، وله في رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان".
وهو يقول: ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي قوة أو سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم.
وهو يشرح طرح الاجتهاد، وحرية الرأي والفكر؛ إذ يقول: ولا يجب على المسلم أن يأخذ عقيدته، ويتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف أو خلف، وإنما يجب عليه -قبل ذلك- أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم؛ كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب، خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، مع معرفة النّاسخ والمنسوخ من الآثار،
(13/277)

فإن لم تسمح حاله بالوصول إلى ما يعد لفهم الصواب من الكتاب والسنّة، فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما.
وله، بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل على إجابته، سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد، أو في حكم عمل من الأعمال، فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية من الوجوه" انتهى النقل.
وحوكم علي عبد الرازق من هيئة العلماء، ومن مشيخة الأزهر، وجُرِّد من وظائفه، حتى من خطة القضاء الشرعي.
هذا من النّاحية الرّسمية والعلمية والجامعية.
أما من ناحية الباحثين النقاد الذين هم بالمرصاد، فقد تصدى للرد عليه جماعة من علماء مصر، ومن بلدان إسلامية أخرى، منها: تونس.
فقد جَرَّد شيخنا الخضر قلمه، ورد بكتاب في حجم كتابه، به دراسة قيمة علمية نقدية تستند إلى الحجة والدليل والمراجع: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
وأفضل تقديم لهذا الكتاب هي مقولة لناقد أديب باحث عالم يظهر أنه منحاز للشيخ علي عبد الرازق يدافع عنه، لكن ذلك لم يمنعه من تحبير هذه المقولة في حق الشيخ الخضر.
يقول الأستاذ محمد عمارة في كتابه:
إن أجود دراسة فكرية كتبت ضد كتاب "الإسلام وأصول الحكم" هي التي كتبها الشيخ محمد الخضر حسين، وأخرجها في كتاب عنوانه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
(13/278)

وهذه الشهادة من باحث متبصر يمكن لنا أن نقول عنها: والحق ما شهد به الخصوم.
وإنّي أحقّق أنّ الشيخ الخضر كان في مؤلفه هذا مثالاً للعالم المحقق ذي الخلق الرفيع، يقرع الحجّة بالحجّة، ويرد الدّليل بالدّليل، ولا يُسِفُّ في تعبيره، ولا يخرج عن حدود النقد النزيه المدعم. وقد رأينا أنّ أحد مناصري الشيخ علي عبد الرازق يقرّر علوّ نقد الشيخ الخضر، وتماسكَ أجز الله، وتعمقه، وترابطَ ردوده، وسموها.
وكأنّه -برّد الله ثراه- أراد أن يترك مؤلفاً علمياً لا لغو ولا غث به يخدم العلم والفكر، فكان له ما أراد.
وللحقيقة والتّاريخ، فإن كتاب الشيخ الخضر هو شرح وإيضاح ونقد لكتاب الشيخ علي عبد الرازق، يبيّن غموضه، ويوضح عيوبه، ويكشف هفواته وزلاته، ويحاول إصلاحها.
كنت يوماً أطالع كتابَي الشيخين: عبد الرازق، والخضر، إذ دخل عليّ شيخ من شيوخي أستاذ لي، وقال: إنك تجمع بين النار والماء. فقلت: لعلّ هذا يخفّف من حدّة تلك.
والشيخ علي عبد الرازق واحد من أسرة فضل وعلم لها مجد تالد، منها: عبد الرازق باشا الكبير الذي وقف على قبر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده راثياً، مع خمسة من أقطاب مصر، منهم: حفني ناصف الذي راسل فيما بعد حافظ إبراهيم قائلاً:
أتذكرُ إذْ كنّا على القَبْرِ ستّة ... نعدّدُ آثارَ الإمام ونخطبُ
حتّى يقول:
(13/279)

أبو خطوة ولى وقفّاهُ عاصمٌ ... وجاءَ لعبد الرازق الموت يطلبُ
ومن أسرة عبد الرازق: الشيخ مصطفى بن حسن بن عبد الرازق، وهو باحث فقيه أديب، وزير للأوقاف، شيخ للأزهر، درس بفرنسا وبمصر، وله مؤلفات مطبوعة.
ومن الذين تصدّوا للرد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم": شيخنا الجليل علامة تونس محمد الطاهر بن عاشور الذي ألّف كِتاباً صغيراً سمّاه: "نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم"، طبع بالقاهرة بالمطبعة السلفية سنة (1344 ه / 1925 م). وهو لم يفعل كصاحبه وصديقه الشيخ الخضر، ولم يمسك بتلابيب الشيخ عبد الرازق، بل إنه ردّ عليه رداً جميلاً لطيفاً، مفنّداً بعض مزاعمه، شارحاً بعض مواقفه، وموافقاً لبعض المقولات مع تقويم مقوماتها. فهو يشرح -مثلاً- موقف الشيخ عبد الرازق من الخلافة شرحاً دقيقاً، فيقول: إن الخلافة ظهرت صدر الإسلام في أجلى مظاهرها، ثم أخذت تتضاءل من عهد الخليفة الرابع، فلم تزل في تضاؤل وتراجع، ومرض وسلامة إلى أواسط الدولة العباسية، واستمرّ خروج الخارجين حتى بلغت إلى حد صارت به بقية اسم يورث، وليس لصاحبها من الحط إلّا الدّعاء فوق المنابر؛ كما قال ابن الخطيب في "رقم الحلل"، وصار اللّقب مجازاً لا حقيقة، إلّا أنّه مجاز سوغته علامة اعتبار ما كان، ولو أريد إعطاؤه من أوّل الأمر على تلك الحالة، لما كان، إذ كيف يمنح هذا اللقب لمن يكون على تلك الحالة بعد منحه كحالة قبله، وما يستطيع أن يفعل إذا كان أعزل عن كلّ قوّة؟ وهل يستطيع بالألقاب اللّفظية أن ينجو من الهوة؟ وكيف يطمع في ذلك من لا يدفع عن نفسه، ولا يكون غده أفضلَ من أمسه؟ أليس إيجاد هذا المنصب
(13/280)

السامي من باب الجاد الموهوم؛ كما تحاول جمعيات الخلافة اليوم؟ ولا أحسب هذا يشتبه على من له حظّ من العلوم" انتهى النقل.
وجَلِيٌّ: أن كلمات الشيخ ابن عاشور كانت مقنعة وكافية، لو أخذ بها الشيخ عبد الرازق في كتابه.
ورسالة الشيخ ابن عاشور هذه من أفضل ما كُتب في هذا الموضوع من رجل محقق يصيب هدفه دون عنف، بل يدفع بالتي هي أحسن، فتكون الغلبة له، والنصر حليفه.
ولا تحسبن الشيخ الخضر بعيداً عن بعث هذه الرسالة العاشورية، فهي لصديقه الحميم الحبيب، طبعَها هو في مطبعة صديقه الآخر محبِّ الدين الخطيب.
ولم يقف الأمر بالشيخ الخضر عند هذا الحدّ، فقد شجع شيخاً آخر من تونس أحد أصدقائه الخلص على أن يخوض هذه المعمعة والمعركة الفكرية، وهو فقيه عالم جليل، شيخُنا محمد البشير النيفر، المدرسُ، والإمام الخطيب المفوه، الذي صدر له أخيراً كتاب قيم به تراجم لأعلام أسرته، وقد حقّقه ونشره صديقنا القاضي الأستاذ محمد المختار النيفر.
شارك شيخنا محمدُ البشير النيفر بدراسة قيمة جامعة ألقاها بجامع أبي محمد في رمضان سنة (1344 ه / 1925 م) تحت عنوان: "عبادات ونظم اجتماعية"، نقل فيها فقرات طويلة من كلام الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، ولم يذكر اسمه، وقفّى ذلك بتنفيذ ما جاء بها.
وهي دراسة طويلة نشرها صديقه وصفيُّه شيخُنا الخضر في مجلته مجلة
(13/281)

"الهداية الإسلامية" عدد 104 سنة (1347 ه / 1928 م)، وأثنى على صاحبها ثناء جميلاً.
ونجد الشيخ الخضر يعرض بمواطنه وبلديّه الزعيم الشيخ الثعالبي، وينتقده، وذلك بنشره لرسالة كتبها ناقد ضدّ تصريحات للثعالبي تناصر في نظره الشيخ علي عبد الرازق.
والشيخ الثعالبي صديق حميم لعائلة عبد الرازق، وللأحرار الدستوريين، ولمّا سأله صحفي بالعراق، أجابه إجابة استفاد منها الكاتب: أنها تناصر آراء كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، مع أنّها -في الواقع- كانت تناصر حريّة الرّأي، وحقّ الصّدع به. فتلقّفتها مجلة "الهداية الإسلامية"، ونشرتها في عدد 9 سنة (1348 ه / 1929 م). ونشرُها دليل على الرضاء بما جاء بها من نقد لاذع لا يقوم في نظري على أساس متين، بل أقرب إلى الأسلوب الخطابي المهاجم.
وعلى كلٍّ، فهذه التصريحات بالعراق، ونقدها بمصر تجعل الزعيم الثعالبي مشاركاً في هذه المعركة الفكرية الحادّة، حتى ولو لم يقصد هذه المشاركة.
وقد شاركت جريدة "الصواب" التونسيّة في ذلك التاريخ بمقال تدافع به عن حرية الرأي، وتناصر ما ذهب إليه الزعيم الثعالبي، فتقول: هذا التحامل على الكتاب وصاحبه هو لنيل رضا نواح معينة ذات مطاعم في تبوُّء منصب الخلافة.
وهو مقال طويل يشارك به قلم آخر من تونس دفاعاً عن حرية الرأي، وإن لم يخض في صلب الموضوع، فهو يناصر شقاً، ويقف في الصفّ المقابل
(13/282)

لصفّ شيخنا الخضر.
وقد كان شيخنا الخضر بالمرصاد لكل من تحدثه نفسه بالخروج عن المبادئ السليمة التي آمن بها، ولذا فقد ألف كتابه الآخر: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" رداً على طه حسين.
وكان كتابه هذا -أيضاً- من أحسن ما كُتب في الردّ على طه حسين، الذي اعترف بأنّ كتاب الشيخ الخضر أهم الردود، وأشدّها حجّة ضدّه؛ كما نقل عنه ذلك الشيخ الفاضل ابن عاشور.
وقد كتب شيخنا محمد الخضر نقداً آخر لطه حسين يرد به على البحث الذي قدّمه في مؤتمر المستشرقين بجامعة أكسفورد تحت عنوان: "حقيقة الضمير الغائب في القرآن"، وهو يقول في ردّه:
إنّ المحاضرة كانت طائشة الوثبات، كثيرة العثرات، وإنّ المحاضر وضع لمحاضرته أساساً خرباً، فكان ما بناه عليه متداعياً للسقوط متخاذلاً.
على أن الشيخ محمد الخضر لم يكف عن ملاحقة الشيخ علي عبد الرازق، وصد حركاته، والرد عليه كلما ظهر له نشاط علمي.
فقد نشر الشيخ علي عبد الرازق سنة (1346 ه / 1927 م) مقالاً في جريدة "السياسة" الأسبوعية عرّض فيه بالأشخاص الذين يتمسحون بالأعتاب، ويعظمون بعض أصحاب السلطة والنفوذ، وقال: إن الرسول الكريم - عليه أفضل الصلاة والتّسليم - لم يكن ملكاً، ولا ثرياً، ولا فيلسوفاً، ولا فاتحاً عظيماً، ولا مخترعاً، وإنما تبدو عظمته في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.
فرد عليه الشيخ الخضر بمحاضرة تحت عنوان: "العظمة" ألقاها بعد شهر واحد من ظهور مقال الشيخ علي، وطبعت عامها بالمطبعة السلفية
(13/283)

لصاحبها صديقه وصفيِّه محب الدين الخطيب.
وممّا شمله نقد الشيخ الخضر "كتاب الحدّاد عن المرأة" (1)؛ فقد نشر دراسة عنه في مجلة "نور الإسلام" التي يرأس تحريرها سنة (1349 ه / 1630 م).
ثمّ نشرت هذه الدراسة في كتاب "بلاغة القرآن" المطبوع سنة (1391 ه / 1971 م).
وهو -رحمه الله- يتابع ما يكتب في جريدة "السياسة" الأسبوعيّة صحيفة حزب عبد الرازق، وإن عثر بها على رأي مخالف، انتقده وفنّده.
ففي فاتح سنة (1356 ه / مارس سنة 1937) نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" نقداً علميّاً معمّقاً يردّ به على مقال لأحد العلماء يتعلّق بالحدود في الإسلام.
وقبل ذلك، وفي سنة (1349 ه / 1930 م) صدر كتاب "الهداية والعرفان في تفسير القرآن"، مؤلفه الشيخ محمد أبو زيد الدمنهوري، فنقده الشيخ الخضر نقداً طويلاً جامعاً، يعدّ -بحقّ- من المراجع العلميّة، أثرى به المكتبة الفقهيّة الإسلاميّة.
وهكذا واصل -رحمه الله- عمله الثقافي والنقدي اللغوي، يبذل الجهد، ويواصل العطاء دون كلل. ولم يتخل عن حضور جلسات المجمع اللغوي حتى وافته المنية، واختاره الله لجواره منذ أربعين عاماً، وذلك يوم الأحد (13 رجب الأصب سنة 1377 ه الملاقي 2 فيفري سنة 1958 م)، ودفن
__________
(1) كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد.
(13/284)

بمقبرة آل تيمور بالقاهرة حسب وصيته، رحم الله هذا الرّجل العظيم العالم الجليل الذي أحببناه كما أحبّنا، وها نحن أولاء نعدد بعض محاسنه وآثاره العلمية في ذكرى وفاته الأربعين، (رمضان 1418 ه - 1998 م).
محمود شمام (1)
__________
(1) من كبار القضاة في تونس، وكاتب إسلامي معروف.
(13/285)

على هامش ذكرى الإمام الشيخ محمد الخضر حسين
محاورة شعرية بين العالم الشاعر المرحوم علي النيفر، وشيخه العلامة الشاعر الإمام المرحوم الشعغ محمد الخضر حسين (1)

للأستاذ الفاضل محمد المختار النيفر (2)
لمّا سافر الوالد -عليه رحمة الله- للحجّ في موسم (1368 ه - 1948 م)، أقام أياماً بالقاهرة ذهاباً وإياباً، وسعى للاتصال بشيخه الخضر -رحمه الله-، وقد تيسر له ذلك، وحظي بكرم وفادته، ولدى رجوعه إلى تونس، حبّر هذه القصيدة البليغة؛ تنويهاً بشيخه العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، ووجّهها له بواسطة أحد أقاربه، وهو: المرحوم الشيخ محمد الطاهر النيفر؛ ليسلمها له في موسم الحج الموالي، وقد لبى له هذه الرغبة، وبلّغ هذه القصيدة لصاحبها، وإليكها:
أَزْجِ القوافي شُرَّداً وأوابدا ... لحمىً يعجُّ مكارماً ومَحامدا
وأَنِخْ كرائِمَها لديهِ فَساحُهُ ... ترْعى القصيدَ ولا تردُّ القاصدا
غيلُ الأعاربِ ملتقى أبطالِهم ... وربيعُ مُسْنِتِهِمْ وحَسْبُك رافدا
__________
(1) نشرت في "المجلة الصادقية" -تصدرها: جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية- العدد 16 أكتوبر 1999 م - تونس.
(2) من كبار القضاة في تونس.
(13/286)

حيثُ الرضا "الخضر الحسين" تخالُ ما ... يُبديه من غُررِ البيانِ قلائدا
حيثُ ابتنى في مصرَ للخضراءِ مِنْ ... عِرفانِه علماً يغيظُ الحاسدا
أعلى مناراً "للهداية" (1) في مغاني ... ها فعادَ به المضلَّلُ راشِدا
وبه "لوا الإسلام" (2) يخفق عالياً ... فأظلَّ مَحْروراً وأدفأَ صارِدا
قد أذكرانا منه صرح "سعادة ... عظمى" (3) بتونس كان أعلى شائدا
و"الأزهر" المعمور حبّر "سفره" (4) ... حقباً وأطلع في سَماهُ فَراقِدا
ولكمْ به قد بثَّ علماً نافعاً ... نقعَ الغليلَ لمن أتاه وارِدا
يحكي الذي أَحيا به "زيتونة" العرْ ... فان في علمٍ أضاء معاهدا
و"المجمع اللغوي" (5) في مصرَ غدا ... فيه لما يُعلي العروبة ماهِدَا
وبحسبِهِ أنْ راح يرأسُ "جبهةً" (6) ... لدفاعِ من ناوى المغاربَ صامدا
ما زال يرأسها بعزمةِ أيِّدٍ ... في صحبة الأبرار يدأبُ ذائِدا
سبحان من أولاك علماً واسعاً ... وتقىً وخلقاً مثل خِيمك ماجِدا
يا فخرَ تونس يا ميمّمَ من نأى ... عنها بمصرَ مُهاجِراً أو وارِدا
__________
(1) إشارة إلى جمعية (الهداية الإسلامية) التي كان يرأسها، وإلى مجلتها التي كان يصدرها بمصر.
(2) إشارة إلى مجلة "لواء الإسلام" التي كان يصدرها بمصر -أيضاً-.
(3) إشارة إلى مجلة "السعادة العظمى" التي كان أصدرها بتونس قبل هجرته لمصر.
(4) إشارة إلى مجلة "الأزهر" التي كان يرأس تحريرها عند ذلك.
(5) إشارة إلى عضويته بالمجمع اللغوي المذكور بمصر.
(6) إشارة إلى (جبهة الدفاع عن أقطار شمال إفريقية المحتلة) التي كان يرأسها.
(13/287)

يا أنسَ مغتربٍ وموئلَ لاجئٍ ... وكفى بما شهد البريّة شاهدا
أهدي لكم مني تحيةَ شائق ... لكريم خلقكم الهنيّ مواردا
ما زلتُ أذكرها بمصرَ مجالساً ... لكُم علينا قد نثًرْنَ فَرائدا (1)
أبقاك من رقاكَ أرفعَ رتبةٍ ... وحباك من كل الأمورِ مَراشِدا
وبقيتَ من كل الخُطوبِ مسلَّماً ... لجميعِ ما ترجو وتأملُ واجدا
علي النيفر
تونس 27 ذو القعدة 1368 ه
لما بلغت القصيدة الشيخَ الإمام محمد الخضر حسين، أنس بها، وأجاب عنها بقصيدة على نفس الروي والقافية، وجّهها للوالد (الشيخ علي النيفر) عن طريق البريد، بتاريخ المحرم سنة (1369 ه - 1949 م) قدّم لها بما يلي: "حضرة الأستاذ الماجد الشيخ علي النيفر -حفظه الله-.
بعد إهداء أطيب التحية، أتشرف بأن أجيب عن قصيدتكم الغرّاء بالقصيدة التالية":
رعى اللهُ حسنَ العهْدِ هزَّ قريحةً ... فألْقَتْ علينا من حَلاها فَرائدا
وما الكَلِمُ الفُصْحى سِوى دُرَرِ إذا ... تَلاقتْ على القِرْطاسِ صارت قَلائدا
وربَّ قصيدٍ هاجَ ذكرى تثيرُ مِنْ ... تَباريحِ شوْقٍ ما يُذيبُ الجَلامدا
قصيدٌ بدا من أفْقِ أرضٍ نشأتُ في ... مِهادِ رُباها لا عدِمْتُ القصائدا
__________
(1) إشارة إلى ما حباه به من كرم الوفادة عند اجتماعه به إبان مروره بمصر في أثناء ذهابه ورجوعه من الحج.
(13/288)

أبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا ورَمٍ أما ... ترى عزْمَه بين الجَوانح خامِدا (1)
ولا خيرَ فيمنْ عاد صارمُ عزْمِهِ ... كَهاماً وَيرْضى أن يُسمّى المجاهِدا
وأطربتَ ظمآنَ استبانَ لِداتُهُ ... مَواردَ عِرْفانٍ وضلَّ المَواردا
نظرتَ بعينِ الوِدّ سيرَتَه فما ... دَرَيْتَ الذي تَدْريه لو جِئْتَ ناقِدا
حَمِدْنا سُراكم يومَ وافيتَ قادماً ... على الطّائرِ الميمونِ للحجِّ قاصِدا
طَلعْتَ علينا واشتياقي لتونسٍ ... يقلِّبُ جَمْراً بين جنبيَّ واقدا
فأهْديتَ طاقاتٍ من الأُنْسِ طالما ... بَكَرْتُ لها بين الخَمائلِ ناشِدا
لقيتُ بلقياكَ الأريبَ الذي حكى ... بسيرته الحسناءِ جَدّاً ووالدا (2)
ذكرتُهما عندَ اللقاءِ وإنما ... ذكرتُ علوماً جمةً ومَحامِدا
ولم أنْسَ أنْ كان الموقَّرُ جدُّكُم ... غداةَ امتحاني مُستشاراً وشاهِدا
فنوَّهَ بي عَطْفاً وتنويهُ مِثْلِهِ ... يروّجُ ذِكْراً مثلَ ذِكْرِيَ كاسِدا (3)
بعَيْشِكَ حَدِّثْني عن المعهد الذي ... قضيت به عهدَ الشبيةِ رائدا (4)
حَظيتُ بأشْياخٍ ملأتُ الفؤادَ مِنْ ... تَجِلَّتهمْ لمّا خَبِرْتُ الأماجدا
بيانُ أديبٍ يقلِبُ الليلَ ضَحْوةً ... وفِكْرَةُ نِحْريرٍ تَصيدُ الأوابِدا
__________
(1) أبا الحسن: الشيخ علي النيفر من كبار أدباء تونس وعلمائها، وشبَّ في وسط آل النيفر العلمي.
(2) يعني بالجدّ: الشيخ محمد الطيب النيفر شيخ الإسلام المالكي، وبالوالد: الشيخ محمد النيفر والده، وهو قرينه في الدراسة.
(3) يشير إلى موقف الجدّ المذكور عند اجتيازه مناظرة التدريس.
(4) يعني: جامع الزيتونة الذي نهل من معارفه، وكان كثير الحنين إليه.
(13/289)

فلم يُرِني أدْرى وأنبلَ مِنْهُمُ ... رحيلٌ طوى بي أبْحُراً وفَدافِدا
ويأبى قريضي وهو ضَيْفُ حِماكَ أن ... يَمُرَّ بمرْسى المَهْدوِيِّ مُحايِدا (1)
فَلي في نَقاها جيرةٌ كنتُ أقتَني ... طَرائفَ من إيناسِهِمْ وتَلائِدا
فدعْهُ يُحيّيهم حِفاظاً لعهْدِهِمْ ... ويأوي إلى مَغْناكَ في الطّرْسِ عائِدا
المخلص
محمّد الخضر حسين
__________
(1) أشار الشيخ الخضر بالأبيات الثلاثة الأخيرة إلى رغبته في إطلاع صاحبه وصديقه الوفي العلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: على القصيدة. ويذكر الوالد -رحمه الله- أنه وفى له بطلبه، وأطلع شيخه على القصيدة المذكورة الذي أرجعها له بعد ذلك. وكان الشيخ الإمام في ذلك الوقت شيخ الجامع الأعظم، والوالد نائبه الأول.
ومرسى المهدوي: معروف في ضاحية المرسى بتونس.
(13/290)

في ذكرى الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (1873 ه -1958 م)
حول شعر الخضر (1)

موجز كلمة عن (شعر الشيخ محمد الخضر بن الحسين) ألقي في سهرة من سهرات رمضان (1418 ه، 1998 م)، إثر محاضرة عن حياة الشيخ وأعماله ألقاها الأستاذ محمود شمّام ... على منبر (قدماء الصادقية).
أعددت لهذه السهرة الرمضانية حديثاً موسَّعاً عن المغفور له العلامة الشيخ (محمد الخضر بن الحسين)، في خصوص (جانبه الشعري)؛ وذلك:
بالنظر في ديوانه "خواطر الحياة"، وإخضاعه للمقاييس الشعرية: قديمها وحديثها.
وبالنظر -أيضاً- فيما له- هو نفسه- من رأي في الشعر، أو في شعره خاصة، سواء من خلال شعره؛ كقوله:
لا خيرَ فيمنْ جفَّ طبعاً، واشترى ... بلطائفِ الأدباءِ كأسَ مُدامِ
والشعرُ كالبيْداءِ: هذا مَهْمَهٌ ... قفْرٌ، وهذا مرتعُ الآرامِ
أو من خلال كتابه: "الخيال في الشعر العربي" الذي وقفت عنده قليلاً:
أ - لأقارن -من حيث الشكل في الأقل- بينه وبين محاضرة شاعرنا:
__________
(1) "المجلة الصادقية": تصدرها (جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية) - العدد العاشر، جوان 1998 م - تونس.
(13/291)

(أبي القاسم الشابي) التي أُلقِيت على منبر جمعيتنا هذه: (قدماء الصادقية)، بعنوان: "الخيال الشعري عند العرب).
ب - لأتساءل: أكان لأحدِ الرجلَيْن تأثّر بالآخر في هذا المجال، أو تأثيره فيه؟ ثم انتقلت من المقارنة بين الشابي وابن الحسين في أثريهما المعنِيّيْن بالخيال الشعري، إلى المقارنة بينهما في عنواني ديوانَيْهما؛ إذ تعلّقا معاً فيهما بالحياة، فبينما سمّى صاحب سَهرتنا ديوانه: "خواطر الحياة"، نجد الشابيّ يسمي ديوانه: "أغاني الحياة"!.
وقد تساءلت -هنا أيضاً- عن مدى تأثّر أحد الشاعرين بالآخر، أو تأثيره فيه ...
قلت: إنّي أعددت حديثاً موسّعاً، ذلك موجز مدخله ... إلا أن حرصي على الاختصار في تدخّلي هذا دعاني إلى الاقتصار فيه على النتائج، وطيّ المقدّمات، إلا أقلّها.
ومن النتائج التي انتهيت إليها:
أنّ الشيخ الخضر يندرج -حسب رأي- في الطبقة الثانية (1) من طبقات الشعراء الذين تحدّث عنهم الشاعر -أو الناظم- الطريف الذي صنع هذه الأبيات:
الشعراءُ -فاعلمن- أربعهْ ... فشاعرٌ يجري ... ولا يُجرَى معَهْ
وشاعرٌ يخوض كُلَّ مَعْمَعَهْ ... وشاعرٌ لا تَشْتَهي أنْ تسمعَهْ
وشاعرٌ لا تَسْتَحِي أنْ تَصْفَعَهْ
__________
(1) جميع الأدباء والنقاد الذين درسوا شعر الإمام جعلوه في الطبقة الأولى من الشعراء.
(13/292)

ذلك؛ لأنّ صاحبنا مكتمل الأدوات الشعريّة، فهو متين الديباجة غالباً، عارفٌ بمداخل الشعر ومخارجه، قادرٌ على أن يلج به كل ميادين الحياة، ولكنّه لم يكن -في جُلّ شعره- بارع الخيال جدّاً، أو ذا صور شعريّة رائعة ... وإن كان من صوره ما يحرّك قارئه أو سامعه، وهو كثير، ويستجيب للقاعدة التي سنّها القديم القائل:
إذا الشعرُ لم يَهْزُزْكَ عندَ سمِاعِهِ ... فليس جديراً أن يُقال له الشعرُ!
ومن نماذج شعر الخضر: هذه القطعة التي اقتبس من عنوانها عنوان ديوانه: "خواطر الحياة"، والتي أنشأها وهو طريح الفراش، فظهر أثر ذلك في بعض أبياتها:
أرَقٌ وهل يبغي القريحُ سوى السُباتْ؟ ... والقلبُ خفّاق كقادِمَةِ القَطاةِ
لا تُرْهقيني -ياحياةُ- ضنىً ... أما ... يكفي خطوبٌ كالأسِنَّة في اللَّهاةِ؟
ما أنت ملقيةٌ بسلْمٍ أقتني ... في ظلّه الضافي مفاخرَ رائعاتِ
وإذا طغَى سَقَمٌ ليُسلِمَني إلى ... بطنِ الثَّرى ... أيقظتُ أجفَانَ الأُساةِ
إنْ كنتُ مرقاةَ الفلاح لأمَّةٍ ... ضَربت بسطوتها على أيدي البُغاةِ
فالمَوتُ مِرقاةُ الهناءَةِ يوم لا ... يجد الأسارَى مِنْ فداءٍ أو حُمَاةِ
ونزعة التأمّل والاعتبار التي تلوح في هذه القطعة، وفي عدد من مقطوعاته الأخرى، وأبياتٍ من قصائده، مع العلم -من الاطّلاع على حياته- أنه، إلى جانب تضلّعه في اللغة، كان من خيرة فقهاء عصره ...
هذان الأمران دفعاني إلى التساؤل عمَّا إذا كان شعر الخضر من (شعر الفقهاء)؟.
(13/293)

وانتهيتُ إلى الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب وبالسلب في آن واحد، دون الشعور بأيّ تناقض:
أجبتُ بنعم؛ لأنّ رَبَّ أيَّةِ صناعة لابدّ أن يتأثّر بصناعته تأثّراً يقوى حيناً، ويضعف حيناً. ولكن هذا التأثّر لا يبلغ مبلغ الانتقاص من قيمة إنتاج المنتج إذا كان يمتلك أدوات الإنتاج؛ وذلك ما أثبتناه قبلُ لصاحبنا.
فالفقيه -أيُّ فقيه- لا يَعيب شعرَه أنّه فقيه، بل يعيبه أنه لا يملك ما يُنتجِ به الشعر؛ بأن يكون ضَحْلَ الخيال الذي يولّد به الصُّوَر الشعريَّة، أو يكون غيرَ قادر على التصرّف في اللّغة التي يعبّر بها عن صُوَره، برغم أنه يعرفها حقَّ المعرفة، بوصفه فقيهاً دارساً لكتاب الله تعالى، ولسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهما من أروع النّصوص الأدبية التي تميّزت بها الفغة العربية. واستدللتُ على أنّ وصف المنتج بالفقيه لا يعيب شعره حتماً، بأمرين:
أوّلهما: أنّ من كبار الفقهاء، بل المجتهدين منهم، مَنْ كان معروفاً بالشاعريّة، وعنيت بذلك خاصة (الإمام الشافعي)، الذي جُمع له من شعره ديوانٌ، والذي يعتز بذلك الشعر، ويصل به الأمر إلى حد أن يفخر -وهو المتواضع- بشاعريّته، فيقول:
ولولا الشعرُ بالعلماءِ يُرزي ... لكنتُ -اليومَ- أشعرَ من لَبيدِ
ومن هذا القبيل: أن أهل الفكر والأدب، شعرِه ونثره، لم يكن أيٌّ منهم في المجتمع الإسلامي ليخلوَ من تمكّن من (الثقافة الإسلامية)، بما فيها: الفقه وأصوله، والعقائد ... ونحوها، ومع ذلك، فقد برع منهم مَن لا يحْصَون عدّاً في الإنتاج الأدبي -ومنه الشعر-، دون أن يُعاب أحدٌ منهم بفقهه أو عقيدته، وكفانا هنا ذكر (الجاحظ)، وما له من شهرة بالبراعة في النثر العربي، وهو
(13/294)

صاحب مذهب فيه، كما أنه صاحب مذهب في العقائد.
لكن لا يمكننا أن ننكر -مع كل ما ذكرناه- أن للفقيه حدوداً خلُقيّة يقف عندها، ولا يسمح لنفسه أن يتجاوزها في سبيل أن يوصف إنتاجه الشعري أو غيره بأنه جيّد. كما أنّ له قِيَماً ومبادئ تتسرّب في شعره- حتى إذا لم يتعمّد إقحامها - تأثّرَاً بمكوّناته ... بينما يتحللّ منها الشاعر غيرُ الفقيه، بما يُكسبه قَبولاً عند قرّائه ومستمعيه، ويجعل حظّه في النجاح أوفر.
وخاصّة لدى الشبّان، والمتطلّعين إلى دغدغة العواطف! وقديماً قيل: "الشعر نكِدٌ ... يضعف في الخير، ويقوى فيما عداه"، أو ما في معناه.
وقد ختمتُ هذا الاستدلال الأول بذكر (أبي العتاهية) في طوره الثاني، حين أعلى في شعره الزهد ... وقلتُ هنا: إنّ أحداً لم يقل بأنّ هذا الشاعر لم يعد في هذا الطور شاعراً؛ لأنه تزهّد، ومال إلى القول في الأخلاق والدين، وركّز بدل الدنيا على الآخرة. وأشرت إلى أنّه لم يحتفظ بمكانته الشعريّة إلّا لأنّ اكتمال أدواته الشعريّة لم يزُل عنه. وكذلك كل شاعر، ولو كان فقيهاً كالشيخ الخضر؛ مع بقاء الفوارق القائمة بين أيّ شاعر وآخر، أو طبقة وأخرى من الشعراء، طبعاً.
وثانيهما: -أي: ثَاني الاستدلالَيْن-: أنّه لا فرق عندي بين الشاعر الفقيه، والشاعر الحقوقي، وغيرهما من أصحاب الاختصاصات العلمية الأخرى، في عصرنا وبلدنا، وفي سواهما من الأعصار والأمصار، ومن أمثلة ذلك:
أ - في تونس:
- الشاعر الحقوقي: محمد الهادي المدني.
- الشاعر الصيدلاني: الحبيب جاوحدو.
(13/295)

- الشاعر الاقتصادي: محمد السعيد الخلصي.
- الشاعر الفيزيائي: علي بلحاج (علي عارف).
- الشاعر المؤرخ: الميداني بن صالح.
ب - في مصر:
- الشاعر المهندس: علي محمود طه.
- الشاعر الطبيب: إبراهيم ناجي.
الشاعر النحال: أحمد زكي أبو شادي ... إلخ.
ولمَ نذهب بعيداً، ونحن نعلم أن "رباعيّات الخيّام" من أروع الشعر العالمي، وصاحبها فلكي؟! وأن "إيليا أبو ماضي" آية في الشاعرية بين المعاصرين، وهو تاجر؟.
هذا ما يخصّ الإجابة ب "نعم" عن سؤالنا: هل كان شعر الخضر بن الحسين شعر فقهاء؟.
أمّها الإجابة ب "لا"، فقد اكتفيتُ فيها بإيراد نماذج من شعر الخضر، تُغني عن أيّ تعليق، وإن علّقت على بعضها، وهي تقيم الدليل على أنّ صاحبنا شاعر لا يخلو من إجادة، بل وبراعة.
فالرجل الذي يقف في مناسبات عديدة بين أقطاب اللغة والمعرفة والأدب من عرب مسلمين، وعرب غير مسلمين، ومُستشرقين، وغيرهم من السياسيّين المتضلّين في الخطاب وفنون القول، ويلقي قصائد مطوّلة، أو لنقل: معلّقات يصل بعضها إلى ستين بيتاً، لا يضعف فيها ولا تتداخل معانيه؛ لا يمكن أن يُحجب عنه وصفُ الشاعريّة، أو تُنتقص بأنّها من (شعر الفقهاء).
فلنستمع إليه وهو يخاطب أولئك المختصّين، مُحَييّاً (مجمع اللغة
(13/296)

العربية بمصر) الذي هو أحد أعضائه المؤسِّسين؛ فيقول في المطلع:
ما زلتَ تقتِنصُ المنى أسْرَابا ... وتُديرُ من خَمْرِ الصَّفا أكوابا
ويقول بعد:
أسلو البقاعَ سوى تهامةَ إنها ... كانتْ إذا خبروا البلادَ لُبابا
هي هالةُ العرْبِ الأُلى شادوا على ... هامِ النجوم الزاهراتِ قِبابا
وأمدّهم وحيُ السّماءِ بحكمةٍ ... ساسوا بها الأجسامَ والألبابا
إنْ سولموا كانوا الملائكَ سجَّداً ... أو حُوربوا كانوا الليوثَ غِضابا
عرّجْ على التاريح يُملِ عليك من ... خطراتِ هاتيكِ النفوسِ عُجابا
لا أظنّ أنّ مثل هذا الشعر فيه ما يعيب قائله! بل هو الشعر!
ولا أظنّ أننا في حاجة إلى الوقوف مع الخضر أمام (مجمع اللغة العربية) مرّة أخرى، برغم أنّه كرّر وقفاته عنده، وعدّد قصائده فيه، مُنَوّهاً بالمجمع وغاياته النبيلة، ومنتصراً للّغة العربية الفصيحة، ومُحَيِّياً رجالات الفكر الذين يعملون في صلب المجمع لإحياء اللغة وقواعدها وتراثها؛ جارياً في ذلك على نحو ما كان أنشده هو نفسُه من شعر في "حياة اللغة العربية"، على غرار ما فعل حافظ إبراهيم على لسانها ...
ومن أبيات الشيخ الخضر:
لُغَةٌ أُودِعَ في أصدافِها ... من قوانينِ الهدى أَبْهى دُرَرْ!
لغةٌ يُقطَفُ من أغصانها ... زهْرُ آدابٍ وأخلاقٌ غُرَرْ
هي بحرٌ ... غُصْ على حِليتها ... فلآلي البحر ليست تنحصر
ونخلص من حديث "اللّغة" في هذا الشعر، إلى استعراض جملة الأغراض
(13/297)

التي عني الخضر في قصائد ديوانه بالإنتاج فيها: وهي -في مجموعها- أغراض الشعراء الذين سبقوه، أو عاصروه من أبناء العروبة والإسلام، إلّا أنّه اهتمّ كثيراً بالمبادئ والقيَم؛ من دين، وأخلاق، واجتماعيّات ... خصّص لبعضها قصائد، واكتفى في بعضها الآخر بمقطوعات، أو خواطرَ عابرة.
وأحسب أن الأَنَفَة وعزّة النفس هي أبرز -أو من أبرز- ما أنشأ فيه شعره. مثلاً: (نخوة):
تبغي الليالي إن تَفُلَّ حُسامي ... وتصدَّ وجدي بالعلا وغرَامي
طفقَتْ تحثُّ خُطا المطيّةِ بعدَما ... أَلقت لها أيدي النّوى بزِمامِ
أتَخالني أبلَى بسلوةِ خاملٍ ... ما شطَّ عن وطني العزيز مقامي
العزمُ ما بين الجوانح مرهَفٌ .... والمجدُ أنّى سِرتُ فهو أمامي
والحديث عن (الوطن) الأنيس في هذه الأبيات ينبهنا إلى غرض آخر جليل من أغراض شعر الخضر، لا يكاد يغفل عنه، وهو (الوطنيات) التي ألهبت حماستَه إلى القول فيها غُربتُه الطويلة المبكرة، وكثرةُ ما عاناه في تنقّلاته ورحلاته (البَطّوطية).
ومن نماذج وطنيّاته: قَوله -إثر محادثة له مع أديب قدم عليه من تونس-:
أمحدّثي ... رُبّيتَ في الوطن الذي ... رُبّيتُ تحتَ سمائه وبلغتُ رُشْدا
وجَنْيتَ زهر ثقافة من روضَةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنفْسجاً منها ووَردا
هاتِ الحديث ... فإنّني أصبو ... إلى ... أنباء "تونسَ" من صميم القلب جِدّا
وهو لا يذكر "تونس" إلّا ذكر معها، أو في مقدّمة حديثه عنها "جامع الزيتونة"، ونوّه به وبأهله، معترفاً بفضله -وفضلهم- عليه، كما يتّضح ذلك
(13/298)

من المثال سالف الذّكر، وسواه.
ويرتبط بوطنيّاته أوثقَ ارتباط: غرضان آخران، هما: "المِلّيّات" بما يشمل "العروبة" و"الإسلام" وبلدانهما، ثم "الإخوانيّات" بما يشمل الكلام عن أصدقائه وأترابه القدامى والمحدَثين.
ففي مجال "المِلّيّات" نجد الرجل من السبّاقين إلى تناول موضوع "فلسطين والصهيونية"، وما لوعد "بلفور" من ظلم فادح للعرب والمسلمين، وفي قصيدة: "أي فلسطين" شاهدٌ على ما نقول؛ إذ جاء في أبياتها الأولى قوله:
نصبَ البُغاةُ على ذراكِ لواءَ ... وكسَوْا مرابعَكِ الحسانَ دماءَ
كنتِ الشّرى ... وديارُك الآجَامُ ... لا ... يبني حَوالَيْها الجبانُ خِبَاءَ
وبنوكِ أسْدٌ ... مَن يجسّ طبَاعَها ... لم يلقَ إلا نخْوةً وإِبَاءَ
وفي الأثناء نجده يقول:
ما لليهود استوطنوكِ ... وصاعروا ... بعد الهوانِ ... خُدودَهم خُيَلاءَ
هاتي -فلسطينُ- الحديثَ عن الذي ... خَلَعت يداه على اليهود وَلاءَ
وأعدَّ للعرب الكرام قذيفَةً ... فتّاكةً ... أو طعنةً نَجْلاءَ!
ما "وعد بلفورٍ" سوى الزَّبَدِ الذي ... يطفو ويذهبُ في الفضاءِ جُفاءَ
نرجو أن يكون كذلك، ولكن لا يظهر لهذه النّبوءة في الواقع أيّ أثر. وللشاعر في "الملّيات" قصائدُ ومقطوعاتٌ عن غير فلسطين، وأخصّها عن "دمشق الشام، والسعوديّة، وتركيا، وشمال إفريقية، ومصر"، وغيرها، ونحن نكتفي بما ذكرناه منها.
(13/299)

أما "الإخوانيّات"، فهي عند ابن الحسين ميدان فسيح، وعالم ممتع له ولقرّاء شعره؛ تلمس فيه وفاء الرجل وإخلاصه، وحسنَ تعامله مع الذين تربطه صلة الأخوة بهم، وتربطهم به.
وتتميّز إخوانيّاته التونسية عن سواها تميزاً واضحاً؛ إذ هي ترتبط عنده دائماً بذكرى الوطن، والحنين إليه وإلى ذويه.
ومن بين التونسيين يتميز الشعراء الذين بادَلَهم شعراً بشعر؛ كأمير شعراء تونس المغفور له "محمد الشاذلي خزنه دار"، والشاعر الملهَم المغمور الشيخ "عليّ النيفر" ... وحتى الشعراء غير المعروفين بإنتاجهم للشعر من التونسيّين؛ مثل: الشيخ "محمد المأمون النّيفر".
ومن طريف من نلتقي بهم في هذا المجال الإخواني: علّامتنا الشيخ "محمد الطاهر بن عاشور" الذي نكتشفه شاعراً في مراسلة لصديقه الحميم شاعرِنا العلّامة الشيخ "محمد الخضر بن الحسين" الذي يجيبه عنها بقصيدة من وزنها وقافيتها:
فقصيدة ابن عاشور منها: قوله في أولها:
بعدتَ ونفسي في لقاكَ تَصيدُ ... فلم يغنِ عنها في الحنانِ قصيدُ
وخلّفتَ ما بين الجوانحِ غُضَةً ... لها بَين أحشاءِ الضّلوعِ وَقودُ
وفي جواب الخضر نقرأ قوله، في المطلع:
بعدتُ بجثماني. . . وروحي رهينةٌ ... لديكَ. . . وللودِّ الصميمِ قيودُ
لقيت الوداد الحُرَّ في قلب ماجد ... وأصدق من يُصْفي الوداد مَجيد!
ويقول في بيت الختام ... ولا ينسى وطنيّه ونضاله:
(13/300)

ليالٍ قضيناها بتونس ... ليتَها ... تعودُ وجيْشُ الغاصِبين طَريدُ
وعلى ذكر ابن عاشور أقول: إنّ في شعر ابن الحسين ما يدل على أنّه يعتبره صفيّه وخلّه الودود، ولذا فإنه كلّما ذكر تونس، أو شأناً من شؤونها، أو بعضَ أهلها، جرّه ذلك إلى ذكر "ابن عاشور"، كما كان يذكر "الزيتونة"، ولا يوازي الشيخَ ابنَ عاشور في هذه المكانة إلا أحمد تيمور باشا في مصر، وفي ذلك يقول بعد موت تيمور:
تقاسَم فلبي صاحبانِ، وَدِدْتُ لو ... تملَّتْهُما عينايَ طولَ حياتي
وعلّلتُ نفسي بالمنى، فإذا النوى ... تُعِلّ الحشا طعناً بغير قَناةِ
ف (أحمدُ) في مصرٍ قَضى و (محمّدٌ) ... بتونسَ لا تَحظَى به لحظاتِي
أعيشُ وملءُ الصدْرِ وحشةُ مترفٍ ... رمتْه يدُ الأقدارِ في فَلَواتِ
ومن هذه "الإخوانيات" أنتقل مع شاعرنا الخضر إلى غرضين تقليديين، هما: "المدائح"، و"المراثي".
فأمّا "المدائح"، فهي نادرة في شعره، ولكنّها موجودة؛ وفي طليعتها ما لا يكاد يخلو منه ديوان شاعر مسلم، وهو: "مدح خير البريّة" - عليه الصلاة والسلام والتحيّة -. وللشيخ الخضر في ذلك أكثرُ من مدحة نبويّة، ومنها "قافيّة" في "ذكرى المولد" عام 1359 الهجري، يقول فيها:
ذكرْنا كيفَ لاحَ جبينُ طه ... وهَبَّ الفجرُ يُؤْذِنُ بانبثاقِ
كأن الفجرَ والميلادَ جاءا ... لإجلاءِ الظّلامِ على اتّفاقِ
ألا مَنْ مبلغٌ قمراً توارى ... وساطعُ نورِه في الناس باقِ
سلاماً كالصَّبا مرّت بروضٍ ... ولاقتها الكمائمُ بانفتاقِ
(13/301)

أرومُ مديحَه وإخالُ أنّي ... سأحظَى منه بالسيْلِ الدِّفاقِ
فيبهرُني عُلاه ... كأنّ فكري ... توثّبَ وهو مشدودُ الوَثاقِ
ومن مدائح الخضر الشهيرة: "موشحه التّام" المطوَّل الذي أنشأه في "عبد الرحمن الداخل": (صقر قريش) ... ولا مجال هنا لإيراده.
وأمّا "المراثي"، فهي عند الشيخ الخضر بابٌ آخر من أبواب القول الذي يتحرّى الإجادة فيه، والتعبير به عن الوفاء والإخلاص، فوقَ التعبير عن لوعة الفراق الأبدي، وما ينوب المفجوعين في الفقيد -أو الفقيدة- من خسارة لا تعوّض بحال.
وقد تناولت مرثيات الخضر في الطليعة: أمّه، السيّدة "حليمة بنت الشيخ مصطفى بن عزّوز"؛ وتناولت زوجته -بل إحدى زوجاته- السيدةَ "زينب".
كما تناولت عدداً من الشخصيات التاريخية؛ مثل: "صلاح الدين الأيوبي"، أو المعاصر مثل الوزير "محمد العزيز بو عتّور"، وشيخه المفضّل المحترم "سالم بو حاجب"؛ وله مراثٍ في سوى هؤلاء.
وممّا جاء في رثاء والدته: قوله:
أوْدَعُوها قعْرَ لحدٍ، ضرَبوا ... فوقَه من لازبِ الطينِ خِتاما
يا سقاةَ التّرب ماءً. . . هاكمُ ... عبراتي. . . إنّ في الجَفن جِماما
أفلا يبكي الفتى نازحةً ... سهرَتْ من أجله الليلَ وناما؟
هنا أقف عن عرض المختارات المبوّبة من شعر محمد الخضر بن الحسين، بل عن الكلام بالتمام، برغم أنّ عنوان ديوان شاعرنا "خواطر
(13/302)

حياة" حملني على تتَبُّع خواطره الحرّة المسجّلة في مقطوعات، والمنبثقة بين قصائده هنا وهناك؛ وبعد تتبّعها، اخترت منها الكثير، وبوّبتها، وعلّقت على بعضها تعليقات لا يتّسع المقام لتقديمها، ولا حتى لتقديم الخواطر مجرّدة عن التعليقات، وإن كان في بعضها طرافة وشاعريّة. فليقس ما لم يقل ...
الأستاذ البشير العريبي (1)
__________
(1) كاتب تونسي.
(13/303)

قال أمير شعراء تونس الشاذلي خزنة دار في تهْنِئَة الشيخ الخضر بن الحسين بمشيخَة الجامع الأزهر، ودخول العام الهجري الجديد
" لِمشيخةِ الجامعِ الأزهَرِيّ ... تَهاني ابن تُونسُ والجامِعَيْنِ
وَإِقْبال عَام جَديد سَعيد ... يُؤَرّخُهُ الخِضر بنُ الحُسَيْنِ"
1372 ه - 1952 م
(13/304)

محمد الخضر بن الحسين التونسي (1)
(السيد محمد الخضر بن حسين التونسي) المالكي، اللغوي، شيخ الجامع الأزهر، الإمام، العلامة، البحر، الحبر، الصالح، الفالح.
ولد -رحمه الله تعالى- سنة 1292 ه في "نفطة" من مقاطعة الجريد بتونس. ووالده من أسرة شريفة أصلها من الجزائر.
وكانت والدته من صالحات النساء، وله فيها قصيدة: (بكاء على قبر) أنشأها لما بلغه خبر وفاتها سنة 1335 ه، ووالدها جدّه لأمه من أهل العلم والفضل أبو النخبة مصطفى بن محمد بن عزّوز الولي العارف الفقيه التقي، المتوفى سنة 1282 ه، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، وتاريخ الوزير أحمد ابن أبي الضياف، وللشيخ إبراهيم الرياحي فيه مدائح شعرية ونثرية.
وأبو جدّه لأمه العالم الفاضل العمدة محمد بن عزّوز المقرئ، أخذ عن والده القراءات والعلوم، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، والشيخ الحفناوي ابن عروس في "تعريف الخلف برجال السلف".
__________
(1) من كتاب "تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع. أو إمتاع أولي النظر ببعض أعيان القرن الرابع عشر". جمع: أبي سليمان محمود سعيد بن محمد ممدوح الشافعي -عفا الله عنه-. طبعة دار الشباب للطباعة- القاهرة.
(13/305)

أما خاله، فهو الإمام الرحلة السيد محمد المكي بن عزوز المالكي، فهو من كبار علماء عصره، اشتهر بالحديث والفقه، والأصول والأدب، مع الصلاح الظاهر، وترى في "فهرس الفهارس" للسيد عبد الحي الكتاني- رحمه الله تعالى- ثناء كبيراً عليه في المقدمة، وفي ترجمته، توفي في إستانبول سنة 1334 ه -رحمه الله تعالي-، وترجمه ابن أخيه السيد محمد الخضر، وله قصيدة في رثائه أثبتها في "ديوانه"، وهو من أَمَنِّ الناس عليه في العلم.
وفي سنة 1306 ه انتقلت أسرته من "نفطة" إلى تونس، وكان قد تلقى بعض المبادئ الشرعية والعربية، وتأدب بأدب الإسلام، فالتحق بجامع تونس الأعظم الزيتونة سنة 1307 ه، وتلقى العلم عن جهابذة علماء الزيتونة، وفي سنة 1321 ه حصل على الشهادة العالمية، وطُلب منه التدريس، ولكنه أبى، وواظب على حضور دروس مشايخه، ومنهم: سالم بن عمر بو حاجب، وخالد المكي بن مصطفى بن عزّوز، وصالح الشريف، والمفتي محمد بن عثمان بن النجار، وغيرهم من أكابر علماء الزيتونة.
وفي سنة 1324 ه تولى القضاء بمنطقة (بنزرت)، والتدريس والخطابة بجامعها، ولكنه بعد عدة سنوات ترك القضاء؛ لأن الجمع بينه وبين حياته العلمية صار صعباً عليه، فجلس للتدريس بجامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية بتونس، واعتنى بالكتب الملحقة بالزيتونة، وقام بترتيبها.
وفي أثناء تدريسه، كان له عدة محاضرات في أماكن متعددة، دعا فيها إلى طاعة الله تعالى، والوقوف على أسرار أحكام الشريعة المطهرة، ومجاهدة الكفار، واعتنى باللغة العربية اعتناءً قلَّ نظيره.
وفي سنة 1329 ه، وجهت إليه -بسبب مهاجمته للكفار- تهمة العداء
(13/306)

للغرب، وأصبح ملاحقاً، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله المذكور، ثم عاد إلى تونس، ولكنه وجد الأمر كما هو أولاً، فعزم على الهجرة إلى دمشق الشام -حرسها الله تعالى-، فمرَّ في طريقه إليها بمصر، واجتمع بالنخبة المختارة؛ كالشيخ بخيت المطيعي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي، والشيخ طاهر الجيزاوي، وصديقه الحميم -فيما بعد- أحمد تيمور باشا، وغيرهم.
ولما وصل دمشق، اعتنى بمقابلة العلماء، وتفحّص المخطوطات، ودرّس اللغة العربية في (المدرسة السلطانية) بدمشق.
وفي سنة 1331 ه ركب سكة الحجاز لزيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأداء النسكين، فتم له ذلك، وله قصيدة في هذه الزيارة ذكرها في "ديوانه".
وفي أثناء تدريسه للغة العربية في دمشق، درّس كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام الأنصاري المتوفى سنة 761 ه بمحضر جماعة من حذّاق الطلاب، وكان يرجع في المسائل المتعلقة بالسماع والقياس إلى الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه بعض الطلاب جمع هذه المحاضرات، فألف مقالات تشرح حقيقة القياس في اللغة العربية، ومنها ألف كتابه الفذّ "القياس في اللغة العربية" المطبوع مرات. وتردد في هذه الفترة ما بين إستانبول ودمشق، وفي أثنائها دخل السجن في دمشق، ثم أُفرج عنه بواسطة أنور باشا.
وبعد تدهور الأحوال في الشام، ودخول الكفار، هاجر الشيخ إلى مصر سنة 1339 ه.
وفي مصر اشتغل بالكتابة والتحرير والدرس، مع المطالعة التي لا تنتهي.
(13/307)

ورغب -رحمه الله تعالى- في الانتظام في سلك علماء الأزهر، فتقدم لامتحان الشهادة العالمية -وهو العالم المشهود له بعلمه من العلماء-، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت في المناقشة، وتخرّج على يديه واستفاد بعلمه كثير من الحذاق.
وفي سنة 1344 ه كتب ردّاً قوياً دفع به شُبه كتاب "الإسلام وأصول الحكم" سمَّاه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها، ثم كتب رداً قوياً على كتاب "في الشعر الجاهلي"، سمَّاه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي".
وتسابق أصحاب المجلات الإسلامية إليه للكتابة على صفحاتها، فكتب في مجلات "نور الإسلام"، و"الأزهر"، و"الهداية الإسلامية"، و"الشبان المسلمين"، و"لواء الإسلام".
وأسس جمعية إسلامية كبرى اسمها: (جمعية الهداية الإسلامية) ضمت العديد من علماء الأزهر، وكان يقضي كثيراً من الليل بها في محاضرة الشباب وأهل الفضل بأساليبه البليغة السهلة، وتقريره الحسن، وقد جمع الكثير من محاضراته هذه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء.
وعندما أسس (مجمع اللغة العريية) بالقاهرة، كان المترجَم له من أقدم أعضائه، وكتب في مجلته، وساهم في نشاطه إسهاماً ملموساً، وله بحوث وقصائد في الدفاع عن اللغة العربية، وبيان أسرارها، وعرض جوهرها، وانتخب عضواً مراسلاً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
وواصل السيد محمد الخضر حياته في الخطابة والمحاضرات، والكتابة
(13/308)

والدرس في حلقات الأزهر وكلياته، فكان يدرِّس بكليتي أصول الدين والشريعة منذ حصوله على العالمية.
وفي سنة 1370 ه نال عضوية هيئة كبار العلماء بالأزهر المعمور برسالة "القياس في اللغة العربية".
وعندما وقع الانقلاب العسكري في مصر سنة 1371 ه , وحُلّت الأحزاب السياسية، اختاره قادة الانقلاب شيخاً للجامع الأزهر، فعيّن فيه يوم الثلاثاء 26 من ذي الحجة سنة 1371 ه، ولكنه ترك هذا المنصب بعد فترة؛ ليواصل العكوف على الكتب والكتابة.
وفي 13 رجب سنة 1377 ه انتقل إلى رحمة العليم الرحمن الرحيم المنّان، وفي اليوم التالي صُلّي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في جنازته العلماء من أحبابه وطلابه، والمنتسبين إلى العلم، وكانت جنازته كبيرة حتى بلغ النعش بابَ الخَلْق والموكبُ متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه العلامة البحّاثة أحمد تيمور باشا المتوفى سنة 1348 ه - رحمهما الله تعالى-.
وترك عدّة من المصنفات، ذكرتُ بعضها، وله غير ذلك: "تعليقات على كتاب الموافقات في الأصول للإمام الشاطبي"، و"تعليقات على شرح التبريزي للقصائد العشر"، و"رسالة في السيرة النبوية الشريفة"، و"رسالة في آداب الحرب في الإسلام".
أما مقالاته المتعددة، فهي بكثرة؛ بحيث إن جمعت، زادت عن عشرة مجلدات.
(13/309)

رثاء المنعم العلامة الشيخ محمد الخضر حسين نظم الشيخ المنعم على النيفر
قال الشيخ في رثاء شيخه العلّامة الإمام محمّد الخضر حسين هذه القصيدة، التي كان يعتزم المشاركة بها في حفل الأربعينية الذي أقامته (الجمعية الخلدونية) لتأبينه، إلا أنه يذكر أنه لم يتمكن من ذلك؛ لأنه لم يتمها. وهذه هي القصيدة:
ليَوْمِك خَطْبٌ صيَّر الدمعَ جامدا ... وساءَ أحبّاءً كما سرَّ حاسدَا
ومثلُكَ من تَهْمي عليه مدامعٌ ... ولكنَّ هوْلَ الخطْبِ قد لجَّ جاهِدا
إذا ذُكِرَ الأعلامُ في الشَّرْعِ واللُّغى ... عددناكَ ألْفاً لسْتَ في العَدِّ واحدا (1)
لكُمْ في صراع المبْطِلينَ موَاقفٌ ... تَرُدُّ عن الحقِّ الجريءِ المُجالِدا
لكَ اللهُ كَمْ أفحمْتُمُ مِنْ مُعانِدٍ ... لكَ اللهُ نِحْريراً لكَ اللهُ ناقِدا
لقد كنْتَ في ماضي حياتِك عِبرْةً ... وإنّك في ذا اليَوم أوعَظ هاجِدا
لئن مُتَّ ما ماتتْ مآثرُك التي ... تخطّتْ بحاراً للدُّنا وفَدافِدا
وما ماتَ من أبْقى جميلاً مخلَّداً ... ولا ماتَ من أولى عُلاً ومَحامِدا
لقد شِدْتَ للخضراءِ مَجْداً وسُؤدَداً ... وأبقيْتَ للزَّيْتونةِ الفَخْرَ خالِدا
__________
(1) اللُّغى: جمع اللغة.
(13/310)

وكم أبرزتْ زيتونةُ العِلْمِ تلكَ مِنْ ... فطاحلَ في جيدِ الزمانِ قلائِدا
كمثْلِ ابنِ خلدونٍ ومثلِ ابْن عَرْفةٍ ... وغيرهما ممن تجلّوْا فرائِدا
وكم بهمُ فاخرتَ دهراً وحسب ذي الْ ... حِفاظ وفاءً ذكرُه ما تباعَدا
بِهَدْيِهمُ ما بيننا كنتَ تهتدي ... ومَنْهَلَهم منه لقد كنتَ وارِدا
ب (زيتونةِ) العرفانِ و (الصادقية) انْ ... بَرَيْتَ لِبَثِّ العلْمِ تُلْقي فَرائِدا
وأنشأتمُ سِفْراً ب"عظمى سعادة" ... يضُمُّ علوماً جَمَّةً وفوائِدا
وفي (ثغرِ بنزرتٍ) وليتُمْ (قضاءه) ... فأنصفتَ مظلوماً يَؤُمُّك قاصِدا
لقد زِنْتَ ما وُلِّيتَه من مناصبٍ ... وحسْبُكَ ما يروي البريةُ شاهِدا
وأزمعتَ عنّا بعد ذاكَ ترحُّلاً ... إلى حيثُ قد لاقيتَ حَظّاً مساعِدا
وما الذنبُ يُعْزَى إذْ رحلتُم لتونسٍ ... ولكنَّ دهراً للكرامِ مُعانِدا
ففضلُكَ يتلوه الزمانُ ولا ترى ... بذا القطْرِ من يُلفي له الدهرُ جاحِدا
قضيتَ وخَلَّفْتَ الثناءَ معطّراً ... إلى مصرَ حيثُ الضيفُ يكرمُ وارِدا
ثويتَ بها في خير مَثْوىً يحل مَنْ ... أوى لحماه من ذوي الفضل وافِدا
فثابرتَ في نصْرِ الحقيقةِ جاهداً ... وفي نصر دينِ الحقِّ كنتَ مُجاهِدا
وأنشأتَ فيها (للهدايةِ) نادياً ... يردُّ إلى الحقِّ الجَحودَ المُعانِدا
وأصبحتَ فيها من كبارِ هداتِها ... و"أعلامِها" تهدي إلى الرُّشْدِ حائِدا
وللأزهَرِ المعمورِ صِرْتَ "عَميدَه" ... وأعظِمْ بكُمْ فيهم رئيساً وقائِدا
وللَّغةِ الفُصْحَى لقد زِنْتَ مجمعاً ... وأيقظْتَ منها فيه ما كان هامِدا
علي النيفر
(13/311)

تونس ملهمة الشعراء محمد الخضر حسين (1)
ما الأنسُ في أقداح تدورْ ... ما بينَ حورْ
إنَّ الَّتي تلفحنا في الصّدورْ ... نارُ الغيورْ
من الشعراء الّذين عشقوا تونس، وتغنّوا بها في كثير من القصائد والمقطوعات، وحنّوا إليها وهم في ديار الغربة، ونارُ الشّوق ملتهبة في نفوسهم، نذكر: محمّد الخضر حسين كما يبدو في ديوانه "خواطر الحياة". طبع الديوان مرّات عديدة بالقاهرة سنة 1946 و 1953 م، وبدمشق سنة 1978 م.
ولد الشاعر بنفطة سنة 1873 م، والتحق بجامع الزّيتونة وهو في الثّانية عشرة من عمره، وتحصّل على الشّهادة العالميّة في العلوم الدّينيّة والعربيّة، كان له نشاط ثقافي وصحفيّ باهر أوّلاً بتونس؛ حيث أصدر فيها مجلّة "السعادة العظمى"، ثم بالقاهرة حين التجأ إليها سنة 1920 م، وأصدر فيها مجلة "الهداية الإسلاميّة"، ورأس تحرير مجلّات عديدة، منها: مجلّة "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام". عيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللّغوي بالقاهرة، وتولّى مشيخة الجامع الأزهر سنة 1952 م وتوفّي سنة 1958 م.
__________
(1) كتاب "تونس ملهمة الشعراء" للدكتور أحمد الطويلي.
(13/312)

يتردّد اسم تونس في ديوان "خواطر الحياة" في عدد من القصائد والمقطوعات، منها: موشّح طويل يبثّ فيه أشواقه إلى وطنه تونس، ويرسل تحيّاته إليه، ويثير ذكرياته به، ويخاطب مواقع جميلة:
حيّا ربَى تونسَ ذات الزّهور ... عهدُ السّرورْ
وافترّ في طلعةِ تلكَ القصورْ ... أنسُ البدورْ
يصف محمّد الخضر حسين تونس بالجمال، ويرسم نفسه المشوقة التي تحسّ بداء الغربة وهو داء عضال، قد ذهب الشّاعر له فريسة يلهب خياله:
ما ليَ لا ألمحُ من ذي الجمالْ ... سوى الخيالْ
ألَمْ يكنْ يُدْني قطوفَ الوصالْ ... بلا مَلالْ
الشوقُ ألقى مُهْجتي في نضالْ ... ماضي النّصالْ
ماذا ترى والهجرُ فيما يُقالْ ... داءٌ عُضَالْ
ويقول:
يا موْطني لم أنس عهدَ الشّبابْ ... عذبَ الرِّضابْ
بَيْني وبين المجد عهدٌ يُهابْ ... فلا عِتابْ
إنهّ ابتعد عن موطنه لبناء مجده في دار الغربة، وليخدم بلاده، فكان من رجالات النّهضة في العالم العربي في النّصف الأوّل من القرن العشرين.
ويحنّ الشّاعر إلى شاطئ المرسى المونقال في طالما تمتعّ بالتّنزّه فيه،
فيشير إلى النّسمات العليلة التي تهبّ من البحر، فتسْتروح النّفوس، إنّها
نسمات الوطن المحمّلة بالنّفحات العبقة التي تهبّ برداً وسلاماً على القلوب،
فتحييها من ركودها، وتجدّد نشاطها وإلهامها:
يا نسمةً ماست كشارب راحْ ... قبل الصّباحْ
(13/313)

والطّلُّ أصفى من دموع المِلاحْ ... فوق الوِشاحْ
هُبّي وجُزي في النّوادي الفساحْ ... ذيلَ المرَاحْ
هبي وهاتي نفحَ أُنسٍ قَراحْ ... يَشْفِي الجراحْ
ومن المقاطع الجميلة التي تزخر بمشاعر الشّوق والحنين إلى تونس الخضراء، وإحساس الألم للبعد عنه، هذا المقطع يكشف فيه الشّاعر أنّه تلقّى دروس الحبّ منذ كان صغيراً فيه، وأن تونس في قلبه، وأنّها أرض طيّبة، "وطن طاب مبيتاً ومقيلاً":
وطني علّمتني الحبَّ الذي ... يدعُ القلبَ لدى البيْن عَليلا
لا تلمني إنْ نأى بي قَدَرٌ ... وغدا الشّرقُ من الغَرْب بَديلا
عَزْمةٌ قد أبرَمتْها همّةٌ ... وَجَدَتْ للمجد في الظّعن سبيلا
أنا لا أنسى على طولِ النَّوى ... وطناً طاب مَبيتاً ومَقيلا
في يميني قلمٌ لا ينثني ... عن كفاح وَيرى الصّبرَ جَميلا
وعندما زاره بمصر أديب قادم من تونس الخضراء، حرّك أشجانه، وألهب حنينهَ، وأثار ذكرياته، فعبّر عن حبّه لوطنه، ذاكراً علاقته به، ووفاءه له؛ إذ هو يَدين له بتكوّنه العلمي، ويتشوّق إلى أخبار تونس وناسِها، فيقول مخاطباً هذا الأديب، وكلّه عرفان بالجميل للوطن:
أمحدّثي رُبّيتَ في الوطن الذي ... رُبّيتُ تحتَ سمائه وبلَغْتُ رُشْدا
وجَنيْتَ زهْرَ ثقافةٍ من روْضةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنفْسجاً منها ووَرْدا
هاتِ الحديثَ فإننّي أصبو إلى ... أنباء تونسَ من صميم القلب جِدَّا
ونشير إلى القصيدة ائتي تعجّ بعواطف الأسى الناتجة عن البعد عن
(13/314)

الوطن، وكأنّ ضمير الشّاعر يؤنبه على الهجرة، وتركه تونس بلاد الأنس والعيش النّاعم والأهل الطّيّبين، فيعبّر عن لواعج الحنين إليها، وأسمى المشاعر نحوها، وأجمل التّمنّيات؛ لتعيش تونس أبداً "تسامي في علاها الفرقدين". وهذا هو الحوار الذي ضمّنه الشاعر قصيدتَه، حوار بينه وبين شخص لامه عن نزوحه إلى أرض المشرق، فيقول:
رَضيتُ عن اغترابي إذ لَحَاني ... فَتىً لا ينظرُ الدُّنيا بِعَيْني
يقولُ: تُقيمُ في مصرٍ وَحيداً ... وفقدُ الأنس إحدى الموتتَيْنِ
ألا تحدُو المطيّةَ نحو أرضٍ ... تُعِيدُ إليكَ أُنْسَ الأسْرتَينِ
وعيشاً ناعماً يدع البقايَا ... من الأعمار بِيضاً كاللُّجَيْنِ
وقومٌ أَمْحَضوكَ النُّصحَ أمسوا ... كواكبَ في سماء المغربَيْنِ
ويختم محمّد الخضر حسين قصيدته بعد أن يبيّن الظّروف القاهرة التي ألجأته إلى الهجرة بهذين البيتين المعبّرين عن نفثة المشتاق، والعلاقة الوطيدة بين الشّاعر ووطنه تونس الخضراء.
يقول وهو العاشق الولهان الذي تثور في نفسه الذّكريات الطّيبة، فيحنّ إلى تلك اللّيالي الّتي قضاها في الرّياض التّونسيّة:
أحنُّ إلى لياليها كصبٍّ ... يَحِنُّ إلى لَيالي الرَّقْمَتَيْنِ (1)
ومطمحُ همّتي في أن أراها ... تُسامي في عُلاها الفَرْقَدَيْنِ (2)
الدكتور أحمد الطويلي (3)
__________
(1) الرّقمتان: روضتان بناحية الصّمان.
(2) الفرقدان: نجمان قريبان من القطب الشمالي يهتدى بهما.
(3) أستاذ جامعي تونسي، وباحث وكاتب له عشرات المؤلفات.
(13/315)

رسائل محمّد الخضر حسين (1)
بقلم الدكتور أحمد الطويلي
صدرت بدمشق "رسائل الخضر" بعناية حفيدهِ للأخ علي الرّضا الحسيني، ومعلوم أن محمد الخضر حسين هو صاحب أول مجلة ظهرت في تونس، هي مجلة "السعادة العظمى" التي صدرت سنة 1904 م، وعُيّن إماماً لجامع الأزهر سنة 1952 م، وتوفي بالقاهرة سنة 1958 م، وهو صاحب العشرات من التآليف العلمية والأدبية، والمئات من المقالات كان نشرها في المجلات والجرائد بتونس ودمشق والقاهرة.
ويكشف كتاب "من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين، رسائل الخضر" الكثيرَ عن حياة الإمام الأديب من خلال رسائله، وعلاقته بعلماء تونس، وبأسرته التي بقيت فيها إثر هجرته إلى المشرق، ففي هذا الكتاب نجد رسائل نثرية وشعرية كتبها الخضر إلى محمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الصادق النيفر، ومحمد المقداد الورتتاني، وخاصة إلى أخيه محمد المكي بن الحسين، وغيرهم من علماء تونس.
فقد بقي محمد الخضر على صلة وطيدة بوطنه الأول، يتتبع أخباره،
__________
(1) جريدة "الحرية" تونس. العدد الصادر في 20/ 1/ 2000 م.
(13/316)

يبعث إليه بمنشوراته، ويحث الأساتذة على الكتابة في المجلات التي أسسها في مصر، أو التي رأس تحريرها.
إلا أننا نستقي كثيراً من الأخبار عن إقامته المصرية من خلال رسائله إلى أخيه محمد المكي بن الحسين، فهو يتصل بجريدتي "الوزير"، و"النديم" اللتين تصدران بتونس. وهو يقول في إحدى رسائله إليه: "نريد إطلاع المصريين وعلماء الشرق على آثار علماء تونس، وخصوصاً بعد أن رأيناهم يعجبون بما يكتبه أولئك الأساتذة، ويقوم لديهم شاهد على أن في تونس نهضة علمية راقية" (ص 66)، وهو يطلب من أخيه أن يتصل بالشيخ أبي الحسن النجار "إن كان له تحرير في بعض الموضوعات العلمية، فليتكرم بإرساله لينشر في المجلة" (ص 66).
هو يُعلِم أخاه بأنه اتصل بمقال من الشيخ الشاذلي النيفر، وسينشره له، ويفيد: بأن حسن حسني عبد الوهاب بادله الزيارة، وسافر إلى فلسطين، ومنها إلى الشام، "وقد قوبل هنا -أي: في مصر-، ما ولاسيما من وزارة الأوقاف بالاحترام، إذ رأوا فيه نباهة وفضلاً".
وقد كان للخضر الفضلُ في إدخال محمد الطاهر بن عاشور للمجمع العلمي بالقاهرة، يقول في رسالة موجهة إليه: "عُقدت في المجمع اللغوي جلسة لتعيين أعضاء مراسلين، وقد عرضتُ اسمَ فضيلتكم، ووقع الإجماع على انتخابكم عضواً مراسلاً للمجمع، وهذه العضوية ترشح صاحبها لعضوية المجمع من بعدُ عند الحاجة إلى ذلك، ولهذا رضيت الاكتفاء بهذه العضوية، وإن كان مقامكم أعلى منها" (ص 122).
وهو يرد تهمة أنه فرنسي تابع للحماية الفرنسية، فيقول في رسالة موجهة
(13/317)

إلى محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار": "الواقع أني بارحت تونس بقصد الإقامة في دمشق الشام سنة 1331 ه، وعندما نزلتها كتبتُ اسمي في سجل التابعين للحكومة العثمانية (...)، وبعد انتهاء الحرب قدمتُ مصرَ، وكلما اقتضى الحالُ أني أكتبُ تبعيتي في ورقة رسمية، أثبتُّ فيها أني تابع للحكومة المحلية، ولا أعرف -إلى كتابة هذه الأسطر- مكانَ السفارة أو القنصلية الفرنسية في القطر المصري، ولا أدري في أي شارع من شوارع القاهرة هي" (ص 96).
وقد بقي في مصر مصحِّحاً بالقسم الأدبي من دار الكتب قبل أن يُنتدب لإلقاء الدروس بجامع الأزهر، وكان يجمع بين العملين، ثم انفرد بالثاني.
وهو يعطينا تفاصيل عن عمله اليومي، ونشاطه العلمي ساعةً بساعة بالقاهرة (ص 62 و 68 و 95)، ويقول عن تجنسه بالجنسية المصرية في رسالة مؤرخة في ذي الحجة 1350 ه:
"قرر مجلس الوزراء منحي التجنس بالجنسية المصرية، وسعيت في هذا؛ لأن تعييني للتدريس على وجه ثابت يتوقف عليه" (ص 74).
وبالجملة: نجد 15 رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور، وإحدى عشرة رسالة إلى محمد المكي بن الحسين، وأربع رسائل إلى محمد الصادق النيفر، ورسائل شعرية مفردة إلى العديد من العلماء والشعراء، منهم: محمد الشاذلي خزندار، ومحمد المكي بن عزوز، ومحمد رشيد رضا، وزين العابدين بن الحسين ... إلخ
(13/318)

الخضر حسين، محمد (1) (27/ 7/ 1292 - 14/ 7/ 1377 ه) (1874 - 3/ 2/ 1958 م)
من هو- أول شيخ لجامع الأزهر في عهد حكومة الثورة في مصر، عالم جليل، شاعر، ومجاهد كبير، ومصلح اجتماعي، تونسي المولد والنشأة، مصري الدار والإقامة، وعضو (جمعية كبار العلماء في الأزهر) منذ عام 1951 م، وعضو (المجمع العلمي العربي) بدمشق، و (المجمع اللغوي) في مصر، ورئيس جمعية (الهداية الإسلامية)، ورئيس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقية)، ورئيس تحرير مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام"، ومنشئ مجلة "الهداية الإسلامية". هو شقيق السيد زين العابدين من كبار العلماء بدمشق، والسيد محمد المكي بن الحسين من كبار العلماء بتونس.
ولد في مدينة "نفطة" في تونس، وبها نشأ، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، وأحرز منه الشهادة العالمية، وتولى القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت" وضواحيها. أُسند إليه التدريس في الجامع المذكور، وفي المدرسة الصادقية، ونشر في تونس بواكير مؤلفاته. جاء دمشق عام (1331 ه، 1912 م)، وألقى دروساً له في الجامع الأموي. شدّته إلى الشيخ عبد الرزاق البيطار، وجمال الدين القاسمي آصرةٌ متينة من الود الخالص.
__________
(1) كتاب "مصادر الدراسة الأدبية - الفكر العربي الحديث في سير أعلامه" منشورات الجامعة اللبنانية - تأليف الأستاذ يوسف أسعد داغر - طبعة بيروت 1972 م.
(13/319)

سافر إلى "الآستانة" أيام الحرب العالمية الأولى، وتولى التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية، ثم عاد إلى دمشق، واعتقله جمال باشا مدة. هاجر إلى مصر عند احتلال الفرنسيين دمشق عام 1920 م، فأنشأ فيها (جمعية الهداية الإسلامية). عيّن مصححاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية. نال الشهادة العالمية من الأزهر، وتفرغ فيه للتدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين نحواً من 20 سنة. تولى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر" من جمادى الأولى 1352 إلى رجب 1371 ه، بعد أن تولى مدة رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام". وكسب بعد طول مكثه في مصر الجنسيةَ المصرية، وعيّن بعدها شيخاً للأزهر، فكان أول شيخ له في عهد الثورة.
* مؤلفاته:
- "آداب الحرب في الإسلام" (رسالة في نظام الحرب وآدابه في الإسلام).
- "الحرية في الإسلام" - تونس، 1907 م، ص 64) رسالة في حقيقة الحرية والشورى والمساواة).
- "الدعوة إلى الإصلاح" - تونس، المطبعة الرسمية العربية، 1328 (1910) ص 41.
راجع في هذه المؤلفات: مجلة "المجمع" (18: 81).
نقده في "المقتبس" (7: 782).
- "خواطر في الحياة" - القاهرة، 1947 م (ديوان شعر).
- "الخيال في الشعر العربي" - مصر، المطبعة الرحمانية، 1340 (1922)، ص 92 (رسالة أدبية في 92 صفحة تبحث في ماهية الشعر، وأهمية التخيل وأنواعه، وفنونه وأطواره، والغرض منه).
(13/320)

- "رسائل الإصلاح"، الجزء الأول- مجموعة تتضمن 25 مقالة أو رسالة في ضروب الإصلاح الديني والمدني مقسمة إلى أربعة أقسام:
1 - قسم الأخلاق والاجتماعيات.
2 - قسم المباحث الدينية.
3 - قسم السيرة النبوية وتراجم الرجال.
4 - مباحث اللغة وصناعة الأدب.
نقده في مجلة "المجمع العلمي العربي بدمشق" (18: 81).
- "القياس في اللغة العربية".
نقده في "مجلة "المجمع العلمي العربي" (مجلد 18: 83).
- "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (شذرات من السيرة النبوية).
- "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" - القاهرة، المطبعة السلفية، ص 245 (ردّ فيه على كتاب الشيخ علي عبد الرازق).
نقده في "مجلة المجمع" (5: 569).
- "نقض لكتاب: في الشعر الجاهلي" لطه حسين - القاهرة، المطبعة السلفية 1345 ه، ص 362 (رد فيه على آراء الدكتور طه حسين في "الشعر الجاهلي"، في عداد من ردوا عليه، وهم كثيرون، منهم: محمد جمعة في كتابه "الشهاب الراصد"، ومحمد أحمد الغمراوي في كتابه "النقد التحليلي لكتاب: في الأدب الجاهلي"، ومصطفى صادق الرافعي في كتابه: "تحت راية القرآن"، و"المعركة بين القديم والجديد"، والشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه: "نظرات في اللغة والأدب"، ومحمد فريد وجدي في كتابه: "نقد كتاب الشعر الجاهلي".
نقده في "المشرق" 27 (1929): 72.
(13/321)

مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها (1)
من علماء الدين رجالٌ اطلعوا على أسرار الشريعة، فأنشؤوا يبثّونها في صور مختلفة، وُيشربونها القلوبَ بلسان يوافق الأذواق العصرية، ومن هذه الفئة الفاضلة: السيد محمد الخضر بن الحسين، من مدرسي الجامع الأعظم في تونس سابقاً، فقد اعتاد هذا الأستاذ أن يلقي محاضرات يبيّن فيها حكمة الشريعة، ينشرها في كراسات خاصة يبثّها بين جميع الطبقات. وآخر محاضراته التي ألقاها في تلك العاصمة رسالة في "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها" أفاض فيها من حكمة التشريع والشراع وتقسيمها، ومنابع الشريعة الإسلامية، والإسلام دين وسياسة، واختلاف المذاهب وانتشارها، وطبقات الفقهاء، والفقهاء والأمراء، كل ذلك بعبارة منسجمة تجمع إلى الطلاوة متانة، وهاك نموذجاً مما قاله في اختلاف المذاهب:
كره الشارع التفرقَ في الآراء، وندب الأمةَ إلى الوفاق بقدر ما يمكنها، ولكنّه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غيرُ ميسر لهم، فأذن لهم -بعد بذلهم الوسع في اتفاق الرأي- أن تأخذ كل طائفة بما استقرت عليه أفهامهم، ولا يضرّهم -متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام، واستوفوا شروطها- أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حكم
__________
(1) مجلة "المقتبس" - دمشق المجلد الثامن (ص 310 و 311).
(13/322)

الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ، فله أجر"، وأطلق الشارع للعقول عنانها في الاجتهاد؛ ليفتح لها المجال في النظر، ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي، حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها، فيتخللها الجمود، ويصبح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حمأ، والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر.
ومن شعر بهذه الحكمة، لا يمكنه الغض من جانب علماء الإسلام، حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف، بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم، ويبرهن على أنهم نشؤوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر، ولو أنهم كانوا بعقول خامدة، وإرادة ميتة، لاتبعوا ما يفتي به أولُ فقيه منهم، وتسلموه بتقليد.
وبعدَ أن أبان الوجوه المتعددة التي تدعو المجتهدين إلى الخلاف، قال: ولو أن أهل الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية؛ لتحرير أحكام الحوادث، واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية، لالتأمت عدة خلافات حقيقية، وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف، وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة؛ فقد نقل الحافظ ابن عبد البرّ عن المسيب بن رافع: أنه إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السنّة، رُفع إلى الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم، فهو الحق اه.
(13/323)

حفلة الترحيب بالرئيس الجليل (1)
أقامت (جمعية الهداية الإسلامية) حفلة ترحيب بفضيلة رئيسها الجليل العلامة المجاهد السيد محمد الخضر حسين، احتفاءً بعودته سالما غانماً من الأقطار الحجازية. فأخذت دار الهداية زُخرفها، وازّينت، وأقبل العلماء والأدباء والجمهور من كل حدب؛ وافتتح الحفل بالقرآن الكريم قارئ الجمعية الشيخ عباس حسن، ثم نهض فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، فارتجل كلمته المنشورة فيما بعد، وقفّاه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد منجود بكلمة رقيقة مناسبة، وتلاه الأستاذ الشيخ علي سيد منصور، فأنشد قصيدته العصماء التي تراها في غير هذا المكان، ثم ألقى الشيخ عبد الوهاب سليم كلمة جيّدة جامعة، ووقف على أثره الأستاذ حسن أفندي، فارتجل كلمة جذابة فياضة، وتقذم فضيلة الأستاذ الشيخ علي محفوظ، فألقى كلمة ترحيب قيّمة، شفعها بالكلام على فضل يوم عاشوراء، وما أحدث الناس فيه.
وكتب وخطب ورحّب وهنّأ عدد كثير غير هؤلاء لا تتّسع المجلة لذكرهم، كما لا تنسى لهم صادقَ شعورهم، وجميلَ عطفهم.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد الخامس، الصادر في صفر 1352 ه.
(13/324)

وكان الأستاذ الرئيس قد انتبذ من الحفلة مكاناً قصياً؛ حياءً من مواجهة الثناء والتقدير والإكبار الذي يُفاض عليه من حضرات الخطباء والشعراء (1).
وأخيراً: أقبل فضيلته يمشي على استحياء، وجعل يشكر الحفلة والمحتفلين في أدبه الجم، ووقاره المعروف، وكلماته الحكيمة، وقد اعتذر فضيلته بأنه لم يعلم بالحفلة إلا من الصحف، بعد إعلان حضرات أعضاء الجمعية عنها، ثم وعد فضيلته أن يتحدث عن رحلته هذه في فرصة قريبة.
وختمت الحفلة كما بدأت بآي الذكر الحكيم من الصيّت المبدع والقارئ الممتع الشيخ عباس حسن.
__________
(1) لم تنشر جميع الخطيب والقصائد في مجلة "الهداية الإسلامية"؛ مما يؤكد عزوف الإمام محمّد الخضر حسين عن الإطراء والمديح.
(13/325)

حفلة تكريم رئيس الجمعية (1)
أقامت (جمعية الهداية الإسلامية) حفلة تكريم لفضيلة رئيس الجمعية السيد محمّد الخضر حسين بمناسبة عودته من البلاد السورية، وضمَّ إلى هذه المناسبة مرور عشر سنين على تأسيس الجمعية، وكان ذلك في مساء الجمعة (16 شعبان سنة 1356 ه - الموافق 22 أكتوبر سنة 1937 م).
ولما حلَّ موعد الحفل، أقبل على دار الجمعية نخبة من رجال الفضل والعلم والأدب، ثم قام الجميع إلى موائد الشاي، وبعد أن تناولوا الشاي، قام الأستاذ محمود حافظ أمين السر العام للجمعية، والمدرس بكلية العلوم، وخطب بإسهاب عن حياة فضيلة الرئيس، وقد نشرناها فيما بعد.
ثم تلاه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عرفة عضو مجلس إدارة الجمعية، والأستاذ بكلية اللغة العربية، فتكلم على حياة الأستاذ من الوجهة العلمية، ثم عرَّج على مكانته بين الأساتذة.
وبعد ذلك تكلم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الوهاب سليم عضو مجلس الإدارة، ونوّه بالخلق الحميد الذي نشأ عليه فضيلة رئيس الجمعية.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد العاشر الصادر في (رمضان 1356 ه - نوفمبر 1937 م).
(13/326)

وتلاه محمود عبد المجيد عضو مجلس الإدارة، وأمين سر شعبة شباب الهداية ورهط الجوالة، والطالب بكلية الحقوق، فذكر فضلَ فضيلة المحتفَى به على الشباب، وغرسَه فيهم الروح الدينية في أسلوب بليغ يجعلهم يقبلون عليها. ثم جدد العهد بين يديه نيابة عن زملائه شباب الجمعية وأعضاء الرهط.
ثم تكلم الأديب موس شوقي أحمد عضو مجلس الإدارة، وأمين السر المالي للجمعية، والطالب بكلية الحقوق، على أدب فضيلة الرئيس، وتلا القصيدة التي حيا بها دمشق في هذه الرحلة، فقوبلت بالاستحسان.
ثم قام الأستاذ الدكتور محجوب ثابت بك، فذكر ما لتونس من يد طولى على العلم والدين، كما ذكر ما كان لفضيلة المحتفَى به من طيب الأثر وحسن العمل.
وبعد ذلك تكلم الأديب عبد الغني محمود نيابة عن فرع الجمعية بالجيزة، فأجاد، ونوّه بفضل الرئيس وجهاده في سبيل الدعوة للخُلق والسجايا الحميدة.
ثم خطب الأديب محمد خير الجلاّد عن الجالية السورية، فأحسن، وذكر ما كان يسمعه من أساتذته الذين تلقوا العلم عن فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين، وما كانوا يذكرونه من غزارة علمه وتواضعه ووفائه.
وبعد ذلك تكلم أحد أعضاء النادي الأندونيسي نيابة عن رئيس النادي والجالية الأندنوسية في مصر، فشكر للرئيس كرم أخلاقه في معاملة ضيوف مصر من المسلمين.
ثم تكلم الأديب عبد الرزاق الحمود عضو البعثة العراقية، بكلية الحقوق
(13/327)

عن الجالية العراقية، والشباب العراقي، فشكر -أيضاً- للرئيس عطفه على الشباب الإسلامي، ونوّه بنواحي الفضل التي عرف بها فضيلته.
وخطب الأستاذ الهياوي، والدكتور عبد العزيز نظمي بك.
وألقى فضيلة الأستاذ المحتفَى به كلمته المنشورة فيما بعد.
وانتهت الحفلة حيث كانت الساعة العاشرة مساء، والكل يلهج بالثناء على ما تقوم به الجمعية من الأعمال، وما يصرفه فيها فضيلة الرئيس من المجهودات الموفقة (1).
محمود عبد المجيد
أمين سر شعبة شباب الهداية
__________
(1) لم تنشر الكلمات التي ألقيت بالحفل في مجلة "الهداية الإسلامية" وهذا ما يظهر ابتعاد الإمام محمد الخضر حسين عن الثناء والمديح لعلمه وفضله. وإنها خسارة للتاريخ والثقافة عدم نشرها.
(13/328)

تكريم أعضاء في جمعية الهداية الإسلامية (1)
* من خطبة الأستاذ عبد المنعم خلاف:
والواقع أنّ هنا مَنْ هم أحقُّ بالتكريم منا: هؤلاء هم الذين تعهدونا برعايتهم حتى وصلنا إلى الغاية التي كرمتمونا من أجلها. هم الذين أرونا النقص الذي يملأ حياتنا، وبصّرونا بالثغر التي كنّا فيها، ثم سمّدونا نحوها، فكنّا بهم طلبة غير عاديين، لا عن ذكاء فارط، ولا عن علم ضافٍ ... ولكن باهتمامنا بالمسالة الإسلامية، فإذا شئتم، فكرّموهم هم، فما يُكرم النبات لنموه وازدهاره، وإنما تُكرم الأيدي التي تعهدته وحاطته.
ومن أعظم الذين تعهدونا بتربيتهم: شخصيتان عظيمتان في الجماعات الإسلامية، هما: فضيلة السيد الجليل محمد الخضر حسين رئيس هذه الجمعية، وحضرة الكاتب الكبير السيد محب الدين الخطيب كاتم سرها.
أما أولهما، فمثَلٌ للإنسانية الفاضلة التي تدع من يتصل بها يشعر شعوراً عميقاً أنه أمام مثل يضربه الله بين يدي هذا العصر؛ ليفسر به قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، وهو خير مصداق
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الخامس الصادر في رجب 1351 ه. أقامت جمعية "الهداية الإسلامية" حفل تكريم أعضاء جمعية الهداية الإسلامية الذين أكملوا دراستهم العليا. وهذه مفتطفات من بعض الخطيب.
(13/329)

لقول القائل: "كلما زاد علم الرجل، خفض جناحه، كالشجرة كلما زادت ثمارها، تواضعت أغصانها".
وحقيقة يا سادتي! إن السيد الخضر طراز نادر في هذا الزمن! فهو - على امتلائه بقدر من العلوم والمعارف قلّما يتيسر لغيره من معاصريه، وعلى نباهة شأنه بين أهل زمانه، حتى إنه ليعدّ حجة من حجج الإسلام -هو- على هذا كله - خافض الجناح، مصفى الخلق، متواضع، يسير في طريقه كما يقف في صلاته. وناسُ هذا الزمان أعلى رؤوسهم أفرغُها، وأرفُع أصواتهم أنكرُها، فهم كالطبول تملأ الدنيا ضجيجاً، ولكنك إذا غمزتها بإبرة، تكشفت لك عن تجويف وفراغ.
وناحية أخرى في السيد الخضر جديرة بالاقتداء: هي عمله الدائب للإسلام -على شيخوخته وعلو سنّه-، ولن ينسى الذين رأوه في الاجتماعات التمهيدية لتأسيس (جمعية الشبان المسلمين) في ذلك المكتب التاريخي بدار المكتبة السلفية، تلك الشيخوخةَ الجليلة المتحمسةَ المواظبةَ، التي كانت تأبى إلا أن تتولى الأعمال الكتابية في تلك الجلسات، دون أن تتركها للشباب.
فبمثل هذا فليقتدِ الذين يريدون أن يعود مجد الإسلام.
فإلى هذا الينبوع يرجع قسط عظيم مما فينا من ماء، ولولاه لخرجنا كما يخرج أغلب شباب هذا البلد، لا نرمي إلى غاية، ولا نسعى إلى مثل، فهما أحق بالتكريم لا نحن -بارك الله فيهما، وأثابهما كفاء ما لهما من فضل-.
* من خطبة الأستاذ الشيخ عبد القادر يوسف:
منذ خمس سنين أو يزيد، فكرتُ أنا وفريق من إخواني شباب الأزهر الناهض فيما وصلت إليه حال المسلمين من الضعف والانحلال، تلك الحال
(13/330)

التي سهَّلت لأعداء الإسلام الاجتماعَ والتآمر ضدَّه، وفكرنا مع ذلك في الدعايات الواسعة النطاق التي قامت بها جيوش أهل الباطل، هذه الدعايات التي نظمت وأحكمت: فمن جمعيات للتبشير تغزو قلوب الشباب تحت ستار العلم، وتلقي في روعه الشك، وتزحزحه عن دينه بزخرف القول وزوره، ومن مستشفيات يستغل المشرفون عليها ما بالمريض من ضعف، وما عنده من أمل في الشفاء؛ ليؤثروا على عقيدته. ومن جرائد تنفث سموماً فتاكة باسم المدنية والتجديد.
في هذا الجو الذي تجاوبت فيه أصداء المضلّلين، وتكاثفت فيه سحب الباطل، حتى كادت تحجب ضياء الحق؛ عقدنا النية على القيام بعمل يُناهض عملَ المبطلين. ولما اختمرت الفكرة في نفوسنا، عرضناها على رجل من كبار المصلحين، عرفنا فيه العزم الصادق، والإيمان الثابت، والتضحية بمثلها الأعلى في سبيل إعلاء كلمة الله. ذلكم الرجل العامل هو صاحب الفضيلة السيد محمد الخضر حسين. عرضنا فكرتنا على فضيلته، فتقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً. فكان قبوله لها أكبر مشجع لنا على السير في طريقنا، وما زال يتعهدنا بنصحه، ويرسم لنا الطرق المجدية حتى برزت الفكرة من حيز القول إلى حيز العمل، فظهرت هذه الجمعية الناهضة، وشعارها: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
(13/331)

تقدير علمي (1)
كان رئيس تحرير هذه المجلة قدَّم نسخة من مؤلفه "رسائل الإصلاح" إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر سابقاً، فتلقى من فضيلته الخطاب الآتي:
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، عضو المجمع اللغوي، والمدرس بكلية أصول الدين، ورئيس جمعية الهداية الإسلامية بمصر.
السلام عليكم ورحمة الله.
وبعد:
فقد تلقيت بمزيد السرور والغبطة كتابكم القيم: "رسائل الإصلاح"، كما تلقيت من قبلُ كتبكم النافعة المفيدة، وإني أشكركم على ما تقدمونه من كتب نافعة في الدين والعلم والأخلاق. وأسال الله أن يُبقيكم لتفيدوا العالم الإسلامي بما تقدمونه من كتب نافعة مفيدة، والسلام على فضيلتكم، ورحمة الله.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الحادي عشر، الصادر في جمادى الأولى 1358 ه.
(13/332)

مذكرات شيخ الأزهر (1)
الأوراق الخاصة بشيخ الأزهر التونسي محمد الخضر حسين انتقلت إلى دار الكتب والوثائق؛ لتزيح عنها التراب، بينما تنفرد "روز اليوسف" بالاطلاع على المذكرات التي تؤرخ لمعارك مهمة في تاريخ هذا الوطن.
من الأوراق الكثيرة التي يصل عددها إلى الآلاف، كان لابد أن ننتقي الأهم.
وأوراقه تقول: إنه ولد في تونس في الثلث الأخير من القرن قبل الماضي، وتلقى العلم في جامع الزينونة الذي كان الجامعة الإسلامية الثانية بعد الأزهر.
ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت" التونسية، وهو يسجل هذا في مذكراته قائلاً: "في شهر ربيع الآخر سنة 1323 هجرية، وهو يوافق 1902 ميلادية، عُينت قاضياً لمدينة "بنزرت" وملحقاتها، وقد أصدر المرسومَ محمد الهادي باشا باي صاحبُ المملكة التونسية -سدد الله تعالى أعماله، وبلّغه آماله-".
__________
(1) مقتطفات نزيهة وشريفة اخترناها من تحقيق صحفي نشرته مجلة "روز اليوسف" في العدد 3778 تاريخ 10/ 11/ 2000 م القاهرة؛ لما فيها من أهمية ذكرها الإمام محمد الخضر حسين بنفسه. وصرفنا النظر عن فقرات أخرى لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وهي من نسج خيال وتصورات وأوهام المجلة.
(13/333)

وكما هو واضح، فقد كان الشيخ يملك طموحاً كبيراً تعجز تونس عن استيعابه، لذلك أدرك أنه لابد من الهجرة إلى الشرق، وخاصة أنه كان يعارض الاحتلال الفرنسي بشدة، ويعتبر السلطان العثماني هو صاحب الولاية الشرعية على بلاد المسلمين.
ولذلك اختار أن يسافر إلى دمشق التي كانت لا تزال في قبضة الوالي العثماني الصارم جمال باشا، وكان يحكمها باسم السلطان العثماني.
والأكيد أنه لعب دوراً أساسياً لصالح تركيا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وهو ما جعل الفرنسيين يطلبون رأسه، ويحكمون عليه بالإعدام عقبَ سفره من تونس، ثم يكررون الحكم عقب استيلائهم على دمشق في 1916 م.
ومن الواضح أن حياته في دمشق لم تكن سهلة؛ فقد تعرض هناك للاعتقال، وإن كان قد حقق ما أراد من الالتحام بالحركة السياسية في المشرق العربي.
لكن الجزء الأهم من أوراق شيخ الأزهر هو ذلك الذي يروي فيه سفره لألمانيا بعد سقوط "الآستانة" في يد قوات الاحتلال بثلاثة أيام. وهو يذكر علاقته بعدد من الساسة المصريين الذين كانوا وقتها رجال السلطان العثماني، قائلاً: "في سنة (1333 ه 1915 م) سافرت إلى الآستانة بطلب من وزارة الحربية، وقابلت أنور باشا، وتقرر سفري إلى ألمانيا، فسافرت يرافقني أحد الضباط الألمانيين، ومررنا على رومانيا، والنمسا حتى وصلنا إلى برلين، ووجدت في المحطة الشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور منصور رفعت، ونزلت المنزل الذي به الشيخ جاويش، والشيخ عبد الرشيد إبراهيم، وقابلت
(13/334)

سفير الدولة العلية إبراهيم حقي.
ثم ذهبت إلى وزارة الخارجية، وقابلت بعض موظفيها، ثم ذهبت إلى إدارة الاستخبارات الشرقية، ولقيت هناك الشيخ أحمد والي أخا الشيخ حسين والي، وكان مدرساً للغة العربية في جامعة برلين.
وأقمت في برلين عشرة أيام، وذهبت بعدها يصاحبني مدير إدارة الاستخبارات الشرقية إلى قرية تبعد عن برلين مسيرة نحو خمسين دقيقة في القطار، يقال لها "ويزندورف"، وبقرب من هذه القرية محلُّ أسرى الحرب التونسيين والجزائريين والمراكشيين (1)، ودخلت محل الأسرى، ورأيت بينهم كثيراً ممن كنت عرفتهم في تونس والجزائر، وأقمت في نُزُل بهذه القرية نحو شهرين، أتردد خلالها على برلين، ثم انتقلت إلى الإقامة في نفس برلين، وصرت أذهب منها إلى قرية "ويزندورف" في الأسبوع مرتين أو ثلاثة".
وفي جزء آخر من أوراقه عن أيامه في ألمانيا يقول: "وكنت ألاقي في إدارة الاستخبارات الشرقية كبير المستشرقين "نفرتمن"، وكان قد أنكر على الحكومة الألمانية موافقتها لتركيا على إعلان الجهاد الديني، ووجدت بينه وبين الشيخ صالح الشريف مناقشات في هذا الشأن.
وأخذنا نتحدث عن الفرنسيين، فأثنى على أخلاقهم، وقال: إن فيهم
__________
(1) لم يذكر الكاتب -قصداً وعن سوء نية- المهمة الجهادية الكبرى التي قام بها الإمام محمد الخضر حسين في ألمانيا، وهي الاتصال بالأسرى المغاربة لتنظيمهم وعودتهم إلى المغرب لمحاربة الاستعمار الفرنسي. (راجع: كتاب "جبهة الدفاع عن إفريقية الشمالية"، وفيه المشاهد الرافعة لنضال وجهاد الإمام محمد الخضر حسين).
(13/335)

أصدقاء، وإنما رجال السياسة هم الذين يحملون العداوة لألمانيا".
إن الشيخ -وكما روى في أوراقه- عاد من ألمانيا إلى دمشق بعد هزيمة دول المحور، لكن الحال لم يطل به هناك؛ إذ يقول في إحدى أوراقه: "دخلت فرنسا دمشق، وكانت قد حكمت عليَّ في تونس أيام الحرب بالإعدام، فقررتُ التخلص إلى مصر، وسعى الدكتور سعيد الأسيوطي لدى المعتمد الإنجليزي، فأصدر في جوازاً منه إلى مصر".
ثم يروي قصة دخوله مصر قائلاً: "سافرت من دمشق على سكة حديد يوم الاثنين 24 من ذي القعدة 1338 ه، وبتُّ ليلة بحيفا، واستأنفت السفر من الغد إلى القاهرة. نزلت بالمحطة، ولقيت بها الأستاذ خير الدين الزركلي، وأحمد أفندي عبيد، وبت تلك الليلة في نزل (دار السلام)، وذهبت صباحاً إلى رواق المغاربة، وأجرت غرفة متواضعة بربع في الباطنية.
ثم أخذ التعارف بيني وبين علماء الأزهر يزداد يوماً فيوم، فعرفت الشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ عبد الكريم عطا، والشيخ محمد شتاكرد، وزرت الشيخ أبا الفضل في الجامع الأزهر، فرأيت منه عطف شيوخ الأزهر الذين يراعون الصلة العلمية، ولا ينظرون بعدها إلَّا إلى الرابطة الإسلامية".
وعندما اشتعلت معركة "الإسلام وأصول الحكم"، شنّ الخضر حسين هجوماً ضارياً على علي عبد الرازق، وألف كتاباً يرد فيه على كتابه. وهو يروي هذه الوقائع في أوراقه قائلاً: "وكنت أزور جعفر باشا والي بالمطريَّة، فأرى منه احتفاءً وحسنَ لقاء. وفي أيام ولايته لوزارة المعارف نُدبت للتصحيح بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية.
(13/336)

وفي شهر محرم سنة 1342 ه قدمت مذكرة لشيخ الجامع الأزهر الشيخ أبي الفضل أطلب فيها قبولي لأداء امتحان شهادة العالمية الأزهرية، فقبلها شيخ الأزهر، وحولها إلى مجلس الإدارة، فوافق مجلس الإدارة يومئذ على دخولي الامتحان، وعرضت بعد ذلك على المجلس الأعلى للأزهر، وكان الشيخ أبو الفضل يقول: سنعطيك شهادة العالمية الأزهرية، ولكن أحد الأعضاء ممن له رأي في المجلس ذكر للمجلس أنني أشتغل بالسياسة، فرفض الطلب.
وفي سنة 1343 ه ظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ عبد الرازق، فرأيته قد مشى في غير طريق، وفرغ إلى غير تحقيق، وأخذت أبين غلطاته، وأوجِّه انحرافَه عن قصد السبيل، ولما انتهيت إلى هذا النقد، سميته: "نقص كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فطبعته، وكتبت عليه إهداء إلى خزانة صاحب الجلالة ملك مصر فؤاد الأول، ودفعت نسخة منه إلى يد كبير أمناء جلالة الملك، وقابلته في صحبة أحمد تيمور باشا، وتوفيق نسيم باشا، وكان رئيسَ الديوان الملكي، وقدمت إليه نسخة من الكتاب، فقدَّره قدره، ووجدت منه بعد ذلك مودة، وقياماً بحق هذه المودة عند كل مناسبة".
"ظهر في سنة 1343 ه كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتفق أن زرتُ السيد رشيد رضا، فوجدت عنده هذا الكتاب، وقرأته كله، وفهمت مراميه، ورأيت أن فيه آراء خاصة.
فعزمت أن أكتب في مناقشته، وألفت كتابي في "نقض الإسلام وأصول الحكم"، وشرعت في طبعه ... وكان الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار
(13/337)

المصرية يطلع على كل ملزمة تطبع منه.
والتقيت بالشيخ أبي الفضل شيخ الأزهر في منزل السيد أحمد رافع، وصرت أقدم إليه ما يطبع من بعد. وعرض عليَّ عند قرب انتهاء طبع الكتاب أن أمنح شهادة عالمية الأغراب، فأبيت، وقلت: إني مستعد لامتحان شهادة العالمية الأزهرية، فراجع السكرتير العام الشيخ حسن والي بمحضر، فأظهر صعوبة في ذلك، وتمسكت أنا برفض شهادة الأغراب.
وصدر الكتاب سنة 1344 ه، وقدمت نسخة من الكتاب لحضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول، وصاحبني عند تسليمها إلى كبير الأمناء ذي الفقار باشا سعادةُ أحمد تيمور باشا. وبعد قليل تولى رئاسة الديوان توفيق نسيم باشا، فقابلته، ودار بيننا حديث يدل على أنه يُعنى ببحث المسائل الفقهية".
"وفي هذه السنة 1347 هجرية، سافر الدكتور طه حسين إلى مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة (أكسفورد)، وألقى هناك محاضرة موضوعها: "ضمير الغائب، واستعماله اسمَ إشارة في القرآن"، ونشر في مجلة "الرابطة الشرقية" ملخصَ لهذه المحاضرة، فحررتُ في نقده رسالة بينت فيها خطأه في فهم عبارات علماء العربية بوضوح، ونشرت الرسالة في مجلة "الهداية الإسلامية".
ولما بلغني أن شيخ الأزهر -أعني: الشيخ المراغي- يريد بحث ما كتبه الدكتور طه حسين، زرته، وقدمت له نسخة من المجلة، فأخذ يقرأ ما كتبته إلى أن أتى على آخره، وقال في: ابعث إلى الدكتور نسخة منه، ثم قال: هم يقولون: إن الذي يقدم بحثاً إلى المؤتمر لا يأخذ على عهدته صحته، بل يلقي ما بدا له من الرأي، والمؤتمر يبحثه، ويقرر صحته أو خطأه.
(13/338)

وفي سنة 1348 ه ألقى الدكتور طه حسين محاضرات، وذهب فيها إلى أن علم البيان العربي مأخوذ من بيان اليونان، فألقيت محاضرات بجمعية الهداية الإسلامية، بينت فيها كيف نشأ علم البلاغة، وتكامل في أحضان علماء العربية تحت ضوء بحثهم في كلام البلغاء وأساليبهم، ونشرت هذه المحاضرات في مجلة "الهداية الإسلامية" -أيضاً- ".
والحقيقة أن أوراق الشيخ الخضر مليئة بالعشرات من المواقف، فهو يروي في أوراقه قائلاً: "وفي 21 ذي القعدة سنة 1350 ه حضرتُ مجلس النواب الذي حضّر فيه الدكتور عبد الحميد استجواباً موجهاً إلى معالي وزير المعارف حلمي عيسى باشا عن حال الدكتور طه حسين، ومسلكه في الجامعة من جهة الدين والأخلاق، واتفق أن كان هذا أول يوم شهدت فيه مجلس النواب".
وفي موضع آخر من مذكراته يوضح "وفي أول أكتوبر سنة 1929 م صدر إذن ملكي على لسان رئيس الديوان توفيق نسيم باشا إلى شيخ الأزهر بالنيابة للشيخ عبد الرحمن قراعة يندبني للتدريس بالأزهر، فندبت لتدريس آداب اللغة والتاريخ الإسلامي بقسم التخصص".
ويقول الشيخ: "حضرت في حفلتين خطب فيهما سعد باشا زغلول في القضية الوطنية، وكان تأثيره على الجمهور الطامح يومئذ لاستقلال البلاد عظيماً، ولم يتفق لي أن رأيته في غير هاتين الحفلتين، وكان الشيخ عبد العزير جاويش حدثه سنة 1344 ه عن كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ثم خاطبني عن طريق التليفون، وأنا بدار الكتب المصرية، يطلب مني تحضير نسخة من الكتاب لتقديمها للباشا، وقال لي: سآخذ منه موعداً للمقابلة،
(13/339)

وأخبركم، فاحضرت النسخة، ولكن الشيخ جاويش لم يعد لمخاطبتي في هذا الشأن، ولم أسأله بعد".
والأكيد: أنه من الصعب الحكمُ على رحلة عمر طويلة من زاوية واحدة، فالشيخ الخضر كان طموحاً، وكان دائماً على علاقة حسنة بالحكام الذين كانوا يتوسم أنهم سيرفعون راية الخلافة الإسلامية. ولكنه كان -أيضاً- ذا تاريخ مشرِّف في زعامة (جبهة تحرير شمال إفريقية، ومعاداة الاستعمار الفرنسي.
لكن أوراقه تؤكد أنه خاض معارك ضارية، وأن ذلك لم يقتصر على طه حسين، وعلي عبد الرازق، ولكنه امتد ليشمل الشيخ محمود شلتوت الذي أصبح شيخاً للأزهر في الستينات ... فهو يكتب عن معركته مع الشيخ شلتوت قائلاً: "وفي سنة (1361 هجرية 1940 م) نشر الشيخ محمود شلتوت مقالة في مجلة "الرسالة" تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وأنكرها أهل العلم؛ إذ كان فيها تقويض جانب عظيم من أصول الشريعة الغراء، فكتبتُ في الرد عليه رسالة طُبعت مستقلة بعد نشرها في مجلة "الهداية الإسلامية"، وعنوانها: (نقد مقالة الهجرة وشخصيات الرسول)، ووقعت هذه الرسالة عند العلماء المستنيرين موقع القبول، وأقبلوا على اقتنائها؛ إذ رأوها كافية لرد الشُّبه التي حامت على رأي الشيخ شلتوت".
تحقيق وائل لطفي
(13/340)

من أعلام الاجتهاد الإسلامي الحديث
الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين (1)

* عقل إسلامي مجدِّد، ومناضل في سبيل النهضة العربية والإحياء الإسلامي.
* كلان لسان الأصالة المعبّر عن مشكلات المعاصرة وضرورتها.
ليست هذه بالترجمة المستفيضة لحياة الشيخ الفاضل محمد الخضر حسين، وإنما هي "بطاقة" تجتهد لتكثف هذه الحياة الخصبة في سطور.
- فمن أسرة جزائرية "شريفة" - يرتفع نسبها إلى الأمراء الأدارسة بالمغرب - جاء والده، ومن أسرة تونسية - اشتهرت بالعلم والفضل والتقوى هي أسرة عزوز - جاءت والدته ...
- وفي مدينة "نفطة" من أعمال "الجريد" بجنوب القطر التونسي، ولد شيخنا في (26 رجب سنة 1293 ه 16 أغسطس سنة 1876 م) ... وفي "نفطة" كانت نشأته الأولى، التي تأثر فيها بأبيه، وبخاله السيد محمد المكي ابن عزوز، الذي كان من كبار العلماء، وموضع احترام رجالات الدولة العثمانية يومئذ، والذي قضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة؛ تلبية لرغبة السلطان عبد الحميد (1258 - 1336 ه 1842 - 1918 م) ... وله مؤلفات علمية
__________
(1) مجلة "الدوحة"، العدد 125 الصادر في (شعبان 1406 ه - ماي أيار 1986 م)، قطر، مقالة الدكتور محمد عمارة.
(13/341)

معروفة، وترجمة في بعض كتب التاريخ.
وفي هذه النشاة الأولى ب "نفطة"، حفظ شيخنا القرآن الكريم، وألمَّ بجانب من الأدب، والعلوم العربية، والشريعة.
* نبوغ مبكر:
- وفي الثانية عشرة من عمره (سنة 1305 ه، سنة 1888 م) انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة، وبعد عامين (سنة 1307 ه , سنة 1889 م) التحق "بجامع الزيتونة" المناظر في تونس والمغرب للجامع الأزهر الشريف.
وفي الزيتونة تقدم الفتى في تحصيل العلم، وظهرت أَمارات نبوغه في علوم العربية، وعلوم الشريعة، وتجلى ذوقه الأدبي في الإنشاء وفي التذوق، حتى لقد طلبتْه الحكومة ليتولى بعض الخطط العلمية، قبل إتمام دراسته، لكنه اعتذر عن عدم القبول لرغبة حكومة تونس الفرنسية!
- كانت رحلته الأولى خارج تونس إلى الشرق، ولما يزل طالباً، فزار طرابلس الغرب في ليبيا سنة (1317 ه، سنة 1899 م)، فأقام بها أياماً، ثم عاد إلى تونس، فلازم جامع الزيتونة.
- وفي سنة (1321 ه سنة 1902 م) نال شهادة العالمية، وأصبح من علماء الزيتونة، وفي العام نفسه الذي تخرج فيه من جامع الزيتونة أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، التي كانت رائدة المجلات العلمية والأدبية في بلاد الشمال الأفريقي يومئذ، فلفَتَ الأنظار إلى قلمه ولسانه، فلقد كان خطيباً، ومحاضراً، إلى جانب كونه أديباً وشاعراً وكاتباً.
- وفي سنة (1324 ه سنة 1905 م) تولى قضاء مدينة "بنزرت" ومنطقتها، إلى جانب التدريس والخطابة بجامعها الكبير.
(13/342)

- وفي (17 ربيع الآخر سنة 1324 ه 9 يونيو سنة 1906 م) ألقى في نادي قدماء خريجي المدرسة الصادقية محاضرة عن "الحرية في الإسلام"، فكشف بها عن موقف فكري ذي مغزى في بلد يستبد بحكمه المستعمرون الفرنسيون، ثم ما لبث أن استقال من قضاء "بنزرت"، وعاد إلى تونس العاصمة مدرساً بالمدرسة الصادقية، وكانت المدرسةَ الثانوية الوحيدة بتونس يومئذ، وكان ذلك في سنة (1326 ه سنة 1908 م)، وفي العام التالي لتدريسه بالصادقية (1327 ه سنة 1909 م) تطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيلت إليه مهمة تنظيم خزائن الكتب الخاصة بهذه الجامعة، وتم تعينه، رسمياً، مدرساً بجامع الزيتونة.
- وفي سنة (1325 ه سنة 1907 م) اشترك في تأسيس (الجمعية الزيتونية)، ثم كلف بالخطابة في "الخلدونية"، وفي (11 شوال سنة 1327 ه 26 أكتوبر سنة 1909 م) ألقى محاضرة في نادي الجمعية الخلدونية عن "حياة اللغة العربية"، وفي العام التالي (1328 ه سنة 1910 م) نظم قصيدة يدعو فيها علماء جامع الزيتونة إلى العناية بتنشئة جيل من الكتاب والأدباء والدعاة، فوضحت مقاصده من وراء الدعوة إلى إحياء قيم "الحرية"، و"العروبة"، وأدوات "الكتابة" و"الخطابة" في وطن يخضع لاستعمار ينهب خيراته، ويستبد بمقدراته، ويمسخ هويته العربية الإسلامية!
- ولما قامت الحرب الطرابلسية في (5 شوال 1329 ه 29 سبتمبر 1991 م) بين إيطاليا والدولة العثمانية، وزحفت الجيوش الإيطالية، فاحتلت طرابلس، وبنغازي، وقف الشيخ الخضر بقلمه ولسانه، ومن خلال مجلته "السعادة العظمى" يستنفر الأمة لتقاوم الغزو الإيطالي، ويستنهض الدولة
(13/343)

العثمانية لاستخلاص الحق من غاصبيه.
ومن بيانه في ذلك: قصيدة مطلعها:
رُدُّوا على مجدِنا الذكْرَ الذي ذهبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ مضى حقبا!
- ثم سافر إلى الجزائر زائراً لأمهات مدنها، ومحاضراً فيها، وعاد إلى تونس يواصل دروسه بالزيتونة، ونشاطه في المحاضرات والخطابة، والكتابة في الإصلاح الإسلامي، والنهضة العربية، وإذكاء الروح الوطنية.
* صِدَام مع الاستعمار:
- وفي هذه الفترة رفض رغبة الحكومة ضمَّه إلى سلك القضاء في محكمة فرنسية!
- وكان لابد من الصدام بين سعي الشيخ المناضل، وبين سلطات الاستعمار الفرنسي في تونس، فوجهت هذه السلطات إليه في سنة (1329 ه سنة 1911 م) تهمةَ "بث روح العداء للغرب، وبخاصة لسلطة الحماية الفرنسية في تونس".
فلما استشعر الشيخ الخطر على حياته، غادر تونس إلى الآستانة؛ بحجة الرغبة في زيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، الذي كان يعيش هناك، وكانت رحلته هذه إلى الآستانة عبر مصر، فدمشق، لكنه لم يلبث أن حسن إلى وطنه تونس، فعاد إليه، عبر نابولي في إيطاليا، ونشر أخبار رحلته هذه، وعينته الحكومة عضواً بإحدى لجان التاريخ التونسي. لكن الجو الخانق الذي كان مفروضاً على تونس من سلطات الاحتلال الفرنسي دعاه إلى الهجرة ثانية، فقصد إلى دمشق، وفي طريقه إليها مر بالقاهرة، فلبث فيها مدة وجيزة تعرَّف فيها على كوكبة من العلماء الأعلام المناضلين في سبيل النهضة العربية، والإحياء
(13/344)

الإسلامي، منهم: الشيخ طاهر الجزائري (1268 - 1338 ه 1852 - 1920 م)، والسيد محمد رشيد رضا (1282 - 1354 ه 1865 - 1935 م)، والسيد محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور باشا (1288 - 1345 ه 1871 - 1930 م).
وفي دمشق عُين مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (1330 ه سنة 1912 م). وخلال تلك الفترة سافر إلى القسطنطينية، فوصلها يوم إعلام حرب البلقان "الروسية - العثمانية" في (ذي القعدة سنة 1330 ه، أكتوبر سنة 1912 م)، ثم عاد إلى دمشق، ومنها سافر بسكة حديد الحجاز إلى المدينة المنورة سنة (1331 ه 1913 م)، ثم عاد إلى دمشق.
ومن دمشق سافر إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا (1299 - 1340 ه، 1882 - 1922 م)، فاختاره محرراً عربياً بالوزارة، ولقد أتيحت له الفرصة ليلمس عوامل الفساد التي تفتك بمقومات الدولة، فسجل ذلك شعراً في قصيدته التي نظمها سنة (1332 ه 1914 م)، والتي يقول فيها:
أَدْمى فؤادي أَنْ أرى ال ... أقلامَ ترسُفُ في القُيودِ
فهجَرْتُ قوماً كنتُ في ... أنظارِهِمْ بيتَ القَصيدِ
وحسبتُ هذا الشرقَ لم ... يبرحْ على عهدِ الرشيدِ
فإذا المجالُ كأنَّه ... من ضيقِه خُلُق الوليدِ!
- وفي سنة (1333 ه، سنة 1915 م) أرسله أنور باشا إلى العاصمة الألمانية برلين في مهمة رسمية، فمكث بها تسعة أشهر، اجتهد خلالها أن يتعلم اللغة الألمانية، وعندما تحدث إليه المدير الألماني للقسم الشرقي بوزارة الخارجية الألمانية، خلال صحبته بقطار ضواحي برلين، عن قول ابن خلدون (732 - 808 ه، 1332 - 1406 م): إن العرب أبعدُ الناس عن السياسة،
(13/345)

رفض هذا التفسير العنصري لكلام ابن خلدون، ودافعَ عن العرب، ونظم أبياتاً قال فيها:
عَذيري من فَتى أَزْرى بقومي ... وفي الأهواءِ ما يلد الهذاءَ
سَلُوا التاريخَ عن حكمٍ تملَّتْ ... رعاياهُ العدالةَ والإخاءَ
هو الفاروقُ لم يدركْ مداهُ ... أميرٌ هَزَّ في الدنيا لِواءَ
ومن برلين عاد إلى الآستانة، وما لبث أن ضاقت به، فحن إلى دمشق، وعاد إليها.
* ويدخل السجن:
وفي دمشق اعتقله السفاح أحمد جمال باشا (1289 - 1340 ه 1872 - 1922 م) الحاكمُ العام في سورية، في (رمضان سنة 1334 ه، يوليو سنة 1916 م) لعدة أشهر، حتى أنقذه من السجن تدخُّل وزير الحربية العثمانية أنور باشا، فغادر دمشق بعد الإفراج عنه إلى الآستانة، فأوفده أنور باشا ثانيةً، إلى برلين سنة (1335 ه، سنة 1917 م)، فالتقى فيها بزعماء الحركات الإسلامية هناك، من مثل: الشيخ عبد العزيز جاويش (1293 - 1347 ه، 1876 - 1929 م)، والدكتور عبد الحميد سعيد (1299 - 1359 ه، 1882 - 1940 م)، والدكتور أحمد فؤاد، ثم عاد بعد فترة طويلة إلى الآستانة، ومنها رجع إلى دمشق، وإلى التدريس في المدرسة السلطانية بقية سنة (1335 ه وسنة 1336 ه، سنة 1917 وسنة 1918 م)، فشرح لنجباء الطلاب كتاب ابن هشام (708 - 761 ه 1309 - 1360 م) "مغني اللبيب" في علم العربية، وهو الشرح الذي كان الأساس لبحثه في "القياس وشروطه ومواقفه وأحكامه"، وهو البحث الذي طوره، فيما بعد، كتاباً نال به عضوية "هيئة كبار العلماء"
(13/346)

بالجامع الأزهر، وطبع سنة (1353 ه، سنة 1934 م).
- وفي سنة (1337 ه , 1918 م) سافر من دمشق إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهاياتها، ومنها توجه إلى ألمانيا للمرة الثالثة، فقضى بها سبعة أشهر، وكانت نُذُر الزوال للدولة العثمانية تُطل في الأفق، فعاد من ألمانيا إلى دمشق مباشرة! ...
- وصادفت عودته إلى دمشق إقامةَ الحكم العربي بقيادة فيصل بن الحسين (1300 - 1352 ه , 1883 - 1933 م) سنة (1338 ه , سنة 1919 م)، لكن الاحتلال الفرنسي عاجل هذا الأمل العربي سنة (1338 ه , سنة 1920 م)، ففكر الشيخ الذي هاجر من تونس المحتلة بالفرنسيين في العودة إليها، بعد أن احتلوا دمشق أيضاً! ... لكنه رحل إلى القاهرة، وألقى بها عصا ترحاله الذي استمر عشر سنوات، فاستوطن القاهرة سنة (1399 ه، سنة 1921 م).
- وفي القاهرة أعانه الاستقرار في الإنتاج العلمي المنظم، والنشاط الإصلاحي الدائم، فوضحت معالم نهجه في التجديد والإصلاح، وتكونت من حوله حلقات الطلاب والمريدين، وأخذت تأثيرات علمه وإصلاحه تلفتُ إليه أنظار العلماء وطلاب الإصلاح.
ففي سنة (1340 ه ,1922 م) ألف رسالته: "الخيال في الشعر العربي".
واشتغل عدة سنوات في التحقيق لكتب التراث بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وتجنس بالجنسية المصرية، ثم تقدم إلى امتحان العالمية لجامع الأزهر، فحصل عليها بجدارة، وأصبح واحداً من علماء الأزهر الشريف.
- ولم يكن التجنس بالجنسية المصرية، ولا الانخراط في "هيئة كبار
(13/347)

العلماء"، والاشتغال بالبحث والتحقيق، لم يكن في ذلك ما يعوق الشيخ الخضر عن مواصلة النهوض بمسؤولياته وواجباته كعالم مسلم، ومجاهد عربي، و-أيضاً- رعاية حقوق وطنه الأصلي تونس، وأشقائه الرازحين بالمغرب تحت نير الاستعمار الفرنسي، فنهض الشيخ في سنة (1342 ه , سنة 1924 م) بتأسيس (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)؛ لتكتيل وتحريك جهود أبنائها في خدمة قضية تحرير هذه البلاد من الاستعمار، ولقد كانت هذه الجمعية مكان اللقاء والتعاون بين أحرار تلك البلاد ومناضليها، فضمت عضويتها من المغرب: الفضيل الورتلاني، ومن الجزائر: البشير الإبراهيمي (1306 - 1385 ه , 1889 - 1965 م)، ومن تونس: الحبيب بورقيبة (1221 ه، 1903 م).
* معاركه الفكرية:
- وفي سنة (1344 ه , سنة 1925 م) بدأت معاركه الفكرية الكبرى بكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ولقد كان الشيخ صديقاً لأسرة عبد الرازق، يتردد على منزلهم، وبينه وبينهم علاقات المودة والاحترام، وعندما قارب طبع كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" على التمام، طلب آل عبد الرازق من الشيخ الخضر عناوين زعماء العالم الإسلامي ومفكريه؛ ليهدوا إليهم الكتاب، فأتاهم بقائمة العناوين من صديقه محب الدين الخطيب، فلما طبع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، أهديت إليه نسخة منه، ففاجأته أفكار صاحبه، فعكف على الرد عليه ونقضه، فطبع الرد في نفس السنة، ونفدت طبعته خلال شهر واحد!
وفي العام التالي (سنة 1345 ه، سنة 1926 م) ظهر كتاب "في الشعر
(13/348)

الجاهلي" للدكتور طه حسين، فرد عليه الشيخ بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فصنع معه ما صنع مع كتاب "الإسلام وأصول الحكم" عندما فنده فقرة فقرة، وفكرة فكرة، مع أدب رفيع في الحوار، وبراعة في الجدل، كشفت عن عقل متمكن ومتمرس في ميدان البحث والمناظرة، يغترف صاحبه من معين من العلم لا يغيض.
لقد أدى الرجل بهذين الكتابين حقَّ دينٍ وأمة، ونهض بفرض كفائي وجب على الأمة جمعاء، وكان -بحق- كما قال هو:
ناضلْتُ عن حقٍّ يحاولُ ذو هَوى ... تصويرَهُ للناس شيئاً مُنْكَرا
- وفي سنة (1346 ه، سنة 1927 م) اشترك مع صديقه العلامة أحمد تيمور باشا في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، التي جاءت طليعة الجمعيات الإسلامية التي تكونت للتعريف بالإسلام، والذود عن حضارته في تلك الحقبة التي تميزت بزحف فكرة "التغريب" على وطن العروبة، وعالم الإسلام، ولقد رأس أولَ اجتماع تحضيري لتأسيسها في (25 نوفمبر سنة 1927 م).
كذلك نهض الشيخ الخضر بتأسيس (جمعية الهداية الإسلامية)، التي ضمت كوكبة من المثقفين ثقافة دينية ومدنية، وأصدر لها مجلة "الهداية الإسلامية"، وكون لها مكتبة عامة، جعل من مكتبته الخاصة نواة لها، ولقد امتد نشاط هذه الجمعية إلى الأقاليم، فقامت لها فروع فيها، وكانت محاضراته المستمرة فيها، ومقالاته في المجلة جهداً منظماً ومستمراً، قدم -من خلاله- معالم دعوته للإحياء الإسلامي، والنهضة العربية، وتحرير ديار العروبة والإسلام، ولقد جمعت مقالاته ومحاضراته هذه في كتاب من
(13/349)

ثلاثة أجزاء هو "رسائل الإصلاح".
- وعندما أصدر الأزهر مجلته، التي بدأت باسم "نور الإسلام" في سنة (1349 ه، 1930 م) عهد إلى الشيخ الخضر برئاسة تحريرها، فنهض بهذه المهمة من عددها الأول (محرم سنة 1349 ه، مايو سنة 1930 م) حتى عدد ربيع الآخر سنة (1352 ه، يوليو سنة 1933 م) عندما استقال من رئاسة تحريرها، رافضاً التعاون مع الأستاذ محمد فريد وجدي (1295 - 1373 ه , 1878 - 1954 م) الذي عين -دون إذن الشيخ الخضر- مديراً لتحرير المجلة، وكان بينهما جدل فكري يومئذ في الصحف والمجلات، ولم تفلح وساطة الشيخ الظواهري (1295 - 1363 ه، 1878 - 1944 م) -شيخ الأزهر- في أثنائه عن الاستقالة، وكان معاشه -يومئذ- أقل من خمسة جنيهات؟! لكن نشاطه تواصل في التدريس بكلية أصول الدين.
* في المجمع اللغوي:
- وعندما تكون "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة في سنة (1351 ه , سنة 1932 م) من عشرين عضواً عاملاً، كان الشيخ الخضر واحداً من أقدم هؤلاء الأعضاء، ومن أكثرهم إنتاجاً، فلقد شارك في كثير من لجان المجمع العلمية، من مثل: لجنة اللهجات، ولجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة دراسات معجم (فيشر)، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة الأصول، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، ولجنة المساحة والعمارة، ولجنة المعجم الوسيط، الأمر الذي يعكس وزنه العلمي، وثقله الفكري، وثقافته الموسوعية، وجهده الدؤوب في خدمة الفكر.
كذلك نشرت له مجلة المجمع العديد من الأبحاث، من مثل:
(13/350)

1 - "المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية".
2 - "شرح قرارات المجمع، والاحتجاج بها، وتكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات، ولم ترد بقيتها".
3 - "الاستشهاد بالحديث في اللغة".
4 - "وصف جمع العاقل بصيغة فعلاء".
5 - "اسم المصدر في المعجم".
6 - "طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية".
7 - "شعر البديع في نظر الأدباء".
8 - "من وُثِّق من علماء العربية ومن طُعن فيه".
ولم يقف نشاطه المجمعي عند مجمع القاهرة، فلقد اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
- وفي سنة (1366 ه , سنة 1947 م) رأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وبدأ فيها تفسيره للقرآن الكريم.
- وفي سنة (1370 ه، سنة 1951 م) نال عضوية (هيئة كبار العلماء) برسالته "القياس في اللغة العربية".
وعندما قامت الثورة المصرية في 23 يوليو سنة 1952 م، كان منصب شيخ الأزهر شاغراً، فوقع اختيار الثورة وحكومتها على الشيخ الخضر إماماً أكبرَ، وشيخاً للإسلام، ووجهاً مشرقاً لهذه الجامعة العريقة تطلّ من خلاله على عالم العروبة والإسلام، فتوجه ثلاثة من الوزراء إلى منزل الشيخ بشارع خيرت، في يوم الثلاثاء (26 ذي الحجة سنة 1371 ه , 6 سبتمبر سنة 1952 م) طالبين منه قبولَ مشيخة الأزهر، فنهض بالأمانة ما وسعت طاقته، وعندما
(13/351)

أحس بضغوط تحول بينه وبين تنفيذ ما يريد، أو تطلب منه تنفيذ ما لا يرضى، صمم على الاستقالة في (2 جمادى الأولى سنة 1373 ه، 7 يناير 1954 م) قائلاً كلمته الشهيرة: "يكفيني كوب لبن، وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدهما العفاء"؟! ... ولقد ألمح إلى ملابسات استقالته عندما قال: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسلِّمها -حين أُسلِّمها- موفورةً كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيدٌ من الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص".
- ومنذ ذلك التاريخ تفرغ للبحث والكتابة والمحاضرة، حتى وافاه الأجل، فانتقل إلى جوار ربه مساء يوم الأحد (13 رجب سنة 1377 ه، 3 فبراير سنة 1958 م)، فشيعه العلماء والفضلاء والعارفون لفضله وعلمه ونضاله، حتى لقد امتد موكبُ جنازته ما بين ميدان باب الخَلْق، والجامع الأزهر الشريف.
* الكنوز الباقية:
ولم يخلف الرجل وراءه من حطام الدنيا شيئاً، حتى لقد دفن - بناء على وصيته - بمدفن الأسرة التيمورية، مع صديقه العلامة أحمد باشا تيمور، لكنه خلّف - غيرَ النضال، والأثر الطيب، والذكر الحسن، والقدوة الصالحة - كنوزاً من الفكر، شاهدة على عقله المبدع والمجدد، وجهده الدؤوب، وعزمه الذي لم يعرف الوهن أو التقصير، فغير خطبه ومحاضراته ومقالاته وأبحاثه التي لم تجمع خلَّف لنا هذه المؤلفات:
1 - "رسائل الإصلاح" - في ثلاثة أجزاء.
2 - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
3 - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
(13/352)

4 - "القياس في اللغة العربية".
5 - "الخيال في الشعر العربي".
6 - "آداب الحرب في الإسلام".
7 - "خواطر الحياة" (ديوان شعر).
8 - "تعليقات على كتاب "الموافقات" للشاطبي".
لقد كان -رحمه الله- عقلاً إسلامياً مجدداً، ومناضلاً في سبيل النهضة العربية، والإحياء الإسلامي، يتحلَّى بخلق الأولياء والصديقين والشهداء.
- فهو في تونس يواجه الاستبداد الاستعماري، والمسخ الحضاري بالدعوة إلى إحياء العربية؛ لتكون سلاحاً في معركة الأمة من أجل حريتها، واستخلاص هويتها العربية الإسلامية، ويستنهض الشعب بإبراز قيمة ومكانة "الحرية" في الإسلام، ويدفع الثمن هجرة من الربوع التي نشأ فيها.
- وهو في المشرق، بدمشق، يواجه تسلط السفاح أحمد جمال باشا، فيدفع الثمن سجناً وتعذيباً، فلقد كان عداؤه للاستعمار الأجنبي وللاستبداد الداخلي شديداً ودائماً.
فَلا كانَ من عيشٍ أَرى فيه أُمَّتي ... تُساسُ بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ!
وهو في مصر يتصدى لخطر الغزو الفكري، ممثلاً في تياره "التغريب"، فينقض كتابي علي عبد الرازق، وطه حسين، ويسهم بالفكر في إنهاض العروبة، وتجديد الإسلام، ويسلك سبل التنظيم - الاجتماعي والفكري والقومي والعلمي - من خلال (جمعية الهداية الإسلامية)، ومجلتها، و (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، و (جمعية الشبان المسلمين)، و (وهيئة كبار
(13/353)

العلماء)، و (المجامع اللغوية)، و (القسم الأدبي بدار الكتب المصرية)، ومجلات "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام" ... إلخ؛ ليجمع الأنصار حول فكره التجديدي، وليمهد السبل لهذا الفكر؛ كي يوضع في الممارسة والتطبيق.
لقد جمع إلى وعيه بتراث أمته وكنوزها الحضارية، وعياً بالتحديات المعاصرة التي تحول بينها وبين النهضة والإحياء، فكان لسان "الأصالة"، المعبر عن مشكلات "المعاصَرَةِ"، وضروراتها، يذود عن "فكر الإسلام ومجد العروبة"، ويدعو إلى النهضة الحديثة المرتكزة على "المعارف"، و"الصناعات".
أبناءَ هذا العصرِ! هل من نهضةٍ ... تشفي غَليلاً حرُّه يتصعَّدُ؟!
هَذِي الصنائعُ ذُلِّلَتْ أدواتُها ... وسَبيلُها للعالَمينَ مُمَهَّدُ
إِنَّ المعارفَ والصنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ الترقِّي من سِواها مُوصَدُ!
ولقد أصاب صديقُه العالم الفاضل محبُّ الدين الخطيب، عندما وصفه، فقال: "هذا رجل آمن بالإسلام ودعوته، وأحبَّ من صدر حياته أن يكون من الذين قال الله سبحانه فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30} (1).
محمد عمارة
__________
(1) لقد جمعنا مادة هذه الصفحات عن حياة الشيخ الخضر من مقال صديقه محب الدين الخطيب، وعنوانه: (شيخ الأزهر السابق: السيد محمد الخضر حسين) مجلة الأزهر، عدد شعبان سنة 1377 ه. وكتاب "مشيخة الأزهر" لعلي عبد العظيم (ج 2 ص 147 - 162)، طبعة القاهرة سنة 1979 م
(13/354)

مقدمة عَلَّامة الشام محمد بهجة البيطار (1)
كان من حكمة الله تعالى ورحمته أن يسر لنا -معشر طلاب العلم- بعد وفاة شيخنا علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي: إماماً حكيماً، وهو أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين -رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما-؛ فقد شملنا بعنايته بعد وفاة صديقه القاسمي (1332 ه)، وخيّرنا فيما نحب أن نقرأه من العلوم والفنون والكتب، فكان أن وقع اختيارنا -بتوجيهه وإرشاده- على كتاب "المستصفى في أصول الفقه" لحجة الإسلام الغزالي، وكتاب "بداية المجتهد" للفيلسوف ابن رشد في فن الخلاف، و"صحيح الإمام مسلم" في علم الحديث، و"المغني في العربية" لشيخ النحاة ابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد.
فتولى شيخنا قراءة هذه الكتب على أفضل طريقة، وأنشأ تعليقات مهمة عليها، يصح أن تكون مرجعاً فيما يُشكل على الباحث في مطالبها المنوعة، ومقاصدها العليا، وقد نظمت أبياتاً في ذلك العهد في شأنها، وقرأتها على
__________
(1) مقدمة علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار لكتاب "دراسات في العربية وتاريخها" للإمام محمد الخضر حسين - الطبعة الأولى (1380 ه - 1960 م) بدمشق، ولم تكرر في الطبعات التالية للكتاب؛ لذا اقتضت الأمانة العلمية أن نوردها هنا.
(13/355)

أستاذنا الخضر والطلاب في جلسة الدرس، فأعجبته -عليه الرحمة والرضوان- من حيثُ كونهُا تاريخاً لمجتمعنا، وقراءتنا عليه، وقدمت له منها نسخة، وها هي هذه:
يا سائلي عن درْسِ رَبِّ الفضلِ مولانا الإمام
ابنِ الحسينِ التونسي محمدِ الخضرِ الهمام
سَلْ عنه مُستصفى الأُصول لليثِ مُعْتَرك الزِّحام
أعني الغزاليَّ الحكيمَ رئيسَ أعلامِ الكلام
وكذاكَ في فَنِّ الخلافِ بدايةَ العالي المقام
أعني ابنَ رشدٍ مَنْ غدا بَطَلَ الفلاسفةِ العِظام
وكذلك المغني إلى شيخِ النحاةِ ابنِ الهشام
وكذا كتاب أبي يزيدَ ابنِ المبرِّدِ في الختام
تلك الدروسُ كما الشموسِ تُنير أفلاكَ الظلام
فتكونُ منكَ حقائقُ المعنى على طرفِ الثمام
فالحقُّ عَوَّضَنا به من شيخِنا شيخِ الشآم
وكذا صحيحُ أبي حسينٍ مسلمٍ حبرِ الأنام
فعليه ما ذرّ الغزالة رحمةُ الملكِ السلام
وقد أشار أستاذنا الجليل في مقدمة هذا الكتاب إلى دراستنا إياه عليه، وإلى اقتراحنا جمعَ أصوله المفرقة، وإلى استجابته لنا بقوله -رحمه الله رحمة الأبرار-: واستخدمت القلم في تحرير مطلبهم، فألفت مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصِّل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، وقد كتبتُ هذه الرسالة
(13/356)

في عهده، وأطلعته على كلمتي فيها، فراقته، وأذنَ في بنشرها، وها هي ذي بنصِّها:
* القياس في اللغة العربية:
أورد المؤلف لهذا الكتاب مقدمات في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية، وحالها في الجاهلية، وارتقائها في الإسلام، وجعله إياها لغة الشعوب، وبحث في وجه الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي؛ ليرفع لواء اللغة العربية في الشرق والغرب، ثم بعد أن مهد المؤلف تمهيداً بين فيه حاجتنا إلى القياس في اللغة، عقد فصلاً ممتعاً تحت عنوان: "أنواع القياس، وما الذي نريده من بحثه في هذه المقالات؟ " استهله بقوله:
تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
1 - حمل العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها؛ لوجه يجمع بينهما.
2 - أن تعمد إلى اسم وُضع لمعنًى يشتمل على وصف يدور معه الاسمُ وجوداً وعدماً، فتعدِّي هذا الاسمَ إلى معنى آخر تحقَّقَ فيه ذلك الوصف، وتجعلَ هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال ذلك: اسم (الخمر) عند من يراه معتَصراً من العنب خاصة.
3 - إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لنا باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع.
4 - إعطاء الكَلِم حكَم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيمَ المركب
(13/357)

المزجي؛ قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث.
ثم قال -بعد أن بسط القولَ في هذه الأقيسة الأربعة التي أوردنا منها ما يدل عليها-: "وهذا النوع من القياس، والذي قبله-أي: الثالث والرابع- هما موقع النظر، ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبيرَ عن الأول: بالقياس الأصلي، وعن الثاني: بقياس التمثيل".
وقد ذكر في القياس الأصلي ما يحتج به في تقرير أصول اللغة ومفرداتها، وألقى في القياس في صيغ الكلم واشتقاقها نظرة على المصادر والأفعال ومشتقاتها؛ كاسمي الفاعل والمفعول، وأفعل التفضيل.
وقد استشهد بكلام المحققين على الاحتجاج بالكتاب العزيز، وفصّل القول في القياس على الحديث الشريف، ثم عقد فصلاً مهماً في الاشتقاق من أسماء الأعيان؛ لإصابتها أو إمالتها، (قلت: لعله أو إنالتها، كما ذكره من بعد، ومثل بنحو: شحمه ولحمه: أطعمه ذلك، ص 69).
وجاء بعده فصل عنوانه: "ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق؟ "، وقد حقق فيه أن الأفعال والمصادر التي لم يُسمع لها فروع في الاشتقاق على نوعين:
1 - منها: ما لم يتصرفوا فيه، على كثرة وروده في محاوراتهم ومخاطباتهم؛ مثل: وَيْل، ووَيْح، ونعم، ويذر، وما يماثلها، فيجب أن تبقى على هيئتها بدون اشتقاق منها، ولا أدنى تصرف فيها.
2 - ومنها: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق؛
(13/358)

كاشتقاق فعلٍ واسمِ فاعلٍ مما سُمع مصدرُه، أو إحداثِ مصدرٍ لفعل مسموعٍ -مثلاً-.
ثم أنشأ فصولاً قصيرة وغير قصيرة في أنواع الأقيسة الكثيرة؛ كأقيسة التمثيل والشبه والعلة، وأقسام علة القياس، وأقسام قياس العلة، وشرط صحة قياس التمثيل، ومباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي، والقياس في الاتصال، وفي الترتيب، والفصل والحذف، ومواقع الإعراب، وشرط العمل، والقياس في الأعلام، ثم ختم الكتاب باقترل الأستاذ المغربي في الكلمات غير القاموسية، وجوابه على هذا الاقتراح.
وقد بحث الأستاذ في هذه الفصول جميعها بحث الناظر المستقل المستدلّ، فبين في كل منها ما يُقبل وُيرد، وما يقاس عليه وما لا يقاس، ومذهبه وسطٌ بين المعجميين الذين يجمُدون على السماع فيما يمكن إجراء القياس فيه لاستيفاء شروطه، وبين من يفتاتون على اللغة، فيشتقون من عندهم أقيسة لا تستند إلى نصوص لغوية، ولا قواعد عربية من صرفية أو نحوية، ومن هذه الرسالة يعلم أن المعاجم اللغوية وحدَها لا تفيد معرفة الأسس التي ينبني عليها القياس الصحيح من غيره؛ لأنها لم توضع لذلك، بل لابد من الجمع بين معرفة النصوص، ودراسة القواعد والأصول التي تشتق منها الفروع، وتجري على مقتضاها الأحكام.
هذا ما كتبته في موضوع العلامة الإمام - عليه من الله الرحمة والرضوان والسلام -.
دمشق في 28 ذي الحجة 1379 ه
22 حزيران 1960 م
(13/359)

محمد الخضر حسين لغوياً وناقداً أدبياً (1)
سأتناول في هذه الدراسة طُروحاتِ محمد الخضر حسين بخصوص اللغة والنقد الأدبي، وذلك بتحليل للكتابات التي عالج فيها المواضيع المرتبطة بالمادتين المذكورتين، ويتقويمهما، وياستخلاص أفكارها الرئيسية، ونتاجها، وهذه الكتابات هي:
أ - "حياة اللغة العربية".
ب - "القياس في اللغة العربية".
ج - "الخيال في الشعر العربي".
د - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين".
1 - محور اللغة:
أ - كتاب "حياة اللغة العربية":
هي -في الأصل- محاضرة ألقاها محمد الخضر حسين بنادي (جمعية قدماء الصادقية) في مساء السبت (11 شوال 1327 ه الموافق ل 23 أكتوبر 1909 م)، وطبعت في نفس السنة في كتاب يحتوي على ستين صفحة، ثم
__________
(1) دراسة قيمة للباحث والكاتب التونسي الأستاذ محمد الشاذلي الساكر - نشرت في الملحق الثقافي في جريدة "الحرية" 29 نوفمبر 2007 م - تونس.
(13/360)

أدمجت في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، تركزت مضامين هذا البحث حول:
- دراسة اللغة العربية من حيث ألفاظُها، والأطوارُ التي مرت بها، واتساع نطاقها، وإشعاعها الحضاري، وعنده: أن الألفاظ أو الكلمات ودلالاتها ووظائفها هي لا تعني شيئاً في حد ذاتها إلا حين يتفق على إسنادها هذا المعنى أو ذاك، وأن اللغة هي اصطلاح قبل كل شيء، أو ضبط الغرض القائم في النفس، وتمييزه عما سواه، وأن اللغة هي ظاهرة اجتماعية أولاً، وظاهرة نفسية ثانياً، وهي الأداة المثلى لتكوين المجتمعات؛ لأنها وحدها القادرةُ على تأسيس كل أنماط الاتصال بين أفراد المجتمع الواحد، ليس هذا فحسب، بل هي الضامنةُ لترابط أفراده، وتوحدهم روحياً، فمتى أهملت الأمة لغتها، وزهدت فيها وفي تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة، وخصوصاً الأمة العربية.
واللغة العربية مثلها مثل جميع اللغات، عرفت عدة أطوار في حياتها، لكنها لم تبلغ أشدها إلا مع القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، لكن، ومع انحدار الحضارة العربية، عرفت هذه اللغة نفس المصير؛ إذ ضعفت، وانتشر التحريف في تراكيبها وصيغها، وسيطر التزويق والبهرجة اللفظية على أساليبها، وكثر المنظرون فيها حد التطرف؛ يقول عبد القاهر الجرجاني: "إن الألفاظ خدم للمعاني، وإن المعاني مالكة سياسة الألفاظ".
والخضر حسين يعتقد أن هذا الكلام لا يصح على اللغة العربية؛ لتجانس معنى اللفظ مع الصوت، وتطابق الكلمة مع مضمونها، واعتدال تركيب الكلمات، وخاصة الثلاثية منها، وحكمة ترتيبها بحسب معانيها القائمة في
(13/361)

النفس، ويذهب إلى: أن اللغة العربية تطورت مع الحضارات التي عرفها العرب، وعبر المراحل التاريخية التي مر بها الإسلام والمسلمون، ولذلك فهي قادرة على الارتقاء، وعلى مزيد التطور، وعلل ذلك بقوله:
1 - تعدد وجوه دلالات الألفاظ واشتقاقها.
2 - تعدد الأساليب اللغوية، واقتباسها من اللغات الأخرى، وأخذها للمصطلحات الأجنبية التي تزيد في إغنائها، وتُكسبها قوة وتجدداً: "تتلقى العربية ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن، بعد تنقيحه وسكبه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها وتهذيبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح".
3 - ثراء العربية بالألفاظ، وبأدوات الربط، وترادف عدد كبير من هذه الألفاظ نفسها، والتمييز بين المذكر والمؤنث.
وفي اعتقاده: أن أخطر الأمراض التي تتعرض إليها لغة الضاد هو: "لغة العامة" التي يعتبرها لغة عربية محرّفة ... يجدر السعي إلى معالجتها وإصلاحها، وينصح بالكف عن استعمال هذه اللهجات، والامتناع عن تدوينها.
ب - كتاب "القياس في اللغة العربية":
في الأصل هو بحث نشره تباعاً بمجلة "المنار" في سنة 1922 م، ثم أصدره في كتاب يحتوي على 120 صفحة، وذلك في سنة (1353 ه / 1934 م). وهو نفس البحث الذي قدمه -بعد ذلك- إلى هيئة كبار العلماء، فقبلته بالإجماع، وأسندت له عضويتها سنة 1950 م.
(13/362)

وقد أعاد طبع هذا البحث علي الرّضا الحسيني ناشرُ آثار محمد الخضر حسين في كتاب تحت عنوان: "دراسات في العربية وتاريخها"، وقد ضم هذا الكتاب عدة بحوث أخرى ودراسات كتبها المؤلف في مناسبات مختلفة حول اللغة العربية.
وقد أوضح الخضر حسين في بحثه المتحدث عنه مرونةَ اللغة العربية، وقدرتها الفائقة على مسايرة الحضارة والعلم.
كما أكد على العلاقة الجوهرية بين اللغة والفكر، و"أن هذه لن تكون إلا بذلك، والحكمس صحيح"، وبيّن تأثير كل منهما على الآخر، وتفاعله معه، وسيطرة هذه على ذلك، والعكس، بإيجاز بيّن أن اللغة هي فكر، والفكر هو لغة.
كما أكد على استحالة تأسيس لغة عالمية واحدة (الاسبرنتو)؛ لاختلاف الأمم والشعوب من حيث العقليات، وظروف المعيشة، والظروف البيئية، واختلاف الإحساس والتفكير، والرؤية إلى العالم.
كما اقترح "تأليف مجمع لغوي" يحدد أسباب هذا التخلف الحاصل في اللغة العربية، وعجزها عن مواكبة الحضارة المعاصرة والعلم، وتخلفها الواضح عن بقية اللغات، ثم يضع وسائل علمية وناجعة للنهوض باللغة العربية؛ لكي ترتفع إلى مستوى اللغات الراقية.
كما بيّن حاجة العربية إلى القياس؛ حتى تتمكن من إيصال كل المعاني والعواطف والصور، وقسم القياس إلى:
- قياس أصلي، ويكون فيه المقاس عليه لغةً من لغات العرب على اختلافها؛ كما جاء في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف.
(13/363)

- قياس تمثيلي، ويراد به: إلحاق نوع من الكلام بنوع آخر في حكم، وذلك إذا انعقد بينهما شبه من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، ويسمى: "قياس الشبه"، أو اشتراكاً في الصلة التي يقع في ظنهم أن الحكم قائم عليها، ويسمى: "قياس العلة".
وحلل الخضر حسين أشكال القياس مستشهداً بنصوص نثرية وشعرية لتدعيم طرحه، مبيناً الفروق بينها، وبين طروحات النحاة واللغويين الذين سبقوه في الزمان.
كما أبرز القواسم المشتركة بين نوعي القياس المذكورين، وخاصة في الاتصال بين الألفاظ وترتيبها، والفصل بين بعضها البعض، سواء باستعمال الأدوات؛ مثل: حروف الجر، أو بالرجوع إلى عوامل الإعراب وحالاته التي جاءت في كتب النحو العربي، وعنده: "أن اللغة هي نظام أو لا تكون".
2 - "محور النقد الأدبي":
إن العمل الذي قام به محمد الخضر حسين هي عملية إحياء وتجديد للنقد الأدبي، وهو دعوة لفتح باب الاجتهاد في نظرية الخيال التي قال بها فلاسفة الإسلام: الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وقلة من المهتمين بالشأن البلاغي، وعلى رأسهم: عبد القاهر الجرجاني، عاملاً على إيضاح هذه النظرية، والإضافة إليها، وتطويرها؛ بهدف إحيائها، وذلك بربطه الإبداع الشعري بالخيال، والنظر إلى فن الشعر على أنه عملية تخييلية عمادُها الخيال.
وقد بسط طرحه في كتابه "الخيال في الشعر العربي" الذي نشره في سنة 1922 م، وهو الأول من نوعه في النقد العربي التنظيري الحديث، باتفاق كل النقاد العرب.
(13/364)

وقد رجع في عمله هذا إلى التراث العقلي بخصوص الخيال والتخييل والمخيلة، دون أي اتكاء على أي تراث آخر (الصوفي مثلاً)، ودون الرجوع إلى أي شكل من أشكال المعرفة التي لها قول في الخيال مغاير لمقولات الفلاسفة العرب، ولبعض البلاغيين.
والخضر لم يتردد في تطعيم أفكاره بمعطيات غربية رآها تتلاءم مع الفلسفة الإسلامية والبلاغة العربية، وهذه المعطيات تتعلق بالخصوص بالعلوم الإنسانية، وفي مقدمتها علمُ النفس.
ويذهب إلى: أن تعريف النقاد القدامى للشعر قد اقتصر على اللفظ، ونسي الروح التي تجعل الكلام شعراً، وتميزه عن النثر، وهو التخييل.
ثم حَوْصل آراءَ فَلاسفة الإسلام حول مفهومهم لهذه الملكة النفسية التي هي الخيال، وناقشها، ثم عرّف المخيلة بأنها: "قوة تتصرف في المعاني؛ لتنتزع منها صورًا بديعة"، وتعتمد في ذلك على تداعي المعاني، ثم يذهب إلى: أن جمال التخيل هو أعظم أركان الشعر، وأن الخيال هو المبدأ الأساسي الذي يجب أن نعرف به ماهية الشعر.
يقول: "ذهب بعضهم في حد الشعر إلى أنه كلام موزون مقفّى، وهذا مثل من يشرح لك الإنسان بأنه حيوان بادي البشرة، منتصب القامة، فكل منهما قد قصر تعريفه على ما يدرَكُ بالحاسة الظاهرة، ولم يتجاوزه إلى المعنى الذي تقوم به الحقيقة، ويكون مبدأ لكمالها، وهو التخييل في الشعر، والنطق في الإنسان، فالروح التي يعدّ بها الكلام المنظوم من قَبيل الشعر إنما هي: التشابيه والاستعارات، وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب التخييل".
(13/365)

والخيال عنده: خاصية نوعية ضرورية للشعر، وبدونها لا يكون الشعر شعراً، وأن نقد الشعر وتنظيره لابد أن يراعى فيهما ملكة الخيال؛ لأن هذه الملكة هي القادرة وحدها على إبداع شعر عظيم بواسطة التصرف في تشكيل المعاني، أو كما يقول: "قدرة على سبك المعاني وصوغها في شكل بديع".
وهو يعتبر أن الخيال هو نشاط نفساني بَحْت، له تأثيره الحاسم على الشاعر المبدع في لغته، وفي مضامينه، وفي أسلوبه، وهي القدرة على التعبير عن نفس المعنى بطرق مختلفة، بالتصرف في كل عناصر البلاغة؛ من استعارة، وتشبيه، وتصوير، تجعل المتقبل يتمثل هذا الشعر، ويستسيغه، ويتمثله، ويتجاوب معه؛ لطرافته، وجِدَّته، وحيويته، واصفاً إياه بالبديع.
والخيال وحده، أو عملية التخييل هي وحدها التي تعطي كساء اللغة الشعرية، وترتفع بها عن لغة الحديث والخطاب العادي؛ لأن اللغة الشعرية هي لغة تجتذب النفوس، وتسحرها؛ لأن النفوس في جوهرها ترتاح للجديد، وللمبتكر، وللغريب، وللطريف، ولكل شيء "تشاهده في زي غير الذي تعهده به"، والتخييل هو وحده الذي يعرض على النفس المعاني في لباس جديد، ويجليها في مظهر غير مألوف.
ويذهب هذا الناقد إلى أن العملية الإبداعية في الشعر تنهض بواسطة التخييل التي تربط بين ملكتي الإدراك والذاكرة، وبفعل هذه الملكات الثلاث تشكل المعنى البديع الذي يكون له التأثير الحاسم لدى المتقبل له، محفزاً عنده ملكة الانفعال.
والخضر يفرق بين مصطلحات ثلاثة هي: التخيل، والتخييل، والمخيلة.
والمخيلة هي "القوة النفسية"، أو الملكة التي تمكن الشاعر من استعادة
(13/366)

الصور التي اختزنتها ذاكرته، فيستحضرها، ويعيد تشكيلها من جديد بصيغة مبتكرة؛ لكي يصدم بها مخيلة المتلقي، ويُثريها انفعالياً إلى درجة التجاوب الكلي معها.
أما مصطلح الخيال عنده، فلا علاقة له بالمصطلح الفلسفي، فقد حول معناه، فأصبح يشمل كل جوانب العملية الإبداعية الشعرية، والمتكونة من: التخيل، والمخيلة، والذاكرة، والانفعال.
ويذهب إلى: أن مخيلة الشاعر تستخلص من صور الذاكرة ما يلائم الغرض، وتطرح ما زاد على ذلك، فتفصل الخاطرات عن أزمنتها، أو ما يتصل بها مما لا يتعلق به القصد من التخييل، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل: التكبير أو التصغير، وتأليف بعضها إلى بعض، حتى تظهر في شكل جديد.
وهذا الشكل الجديد الذي أنتجته مخيلة الشاعر قسمه إلى ظاهرتين يقول: إنهما متعارضتان من حيث الظاهر.
الظاهرة الأولى: وهي عملية التجسيد التي يقوم بها الإدراك الحسي.
الظاهرة الأخرى: وهي عملية التجريد التي يقوم بها العقل.
وإن الإبداع الشعري هو نتيجة للتفاعل بين الإدراك الحسي المتجه نحو الموضوع والعقل الذي هو الذات، والخيال الرابط بين هذه العناصر، أو بين الحس والعقل والخيال، وهو الأهم.
إن الإدراك الحسي في هذا الطرح هو مجرد مستقبِل لما يحدث خارجه في عالم الناس، وفي عالم الطبيعة، وإن الموضوع المادي هو مجرد معطًى لم تعمل الذات على تشكيله، واقتصر دورها على إدراكه، ثم تخزينه في الذاكرة.
(13/367)

ولذلك تبقى (المخيلة) بالنسبة للخضر هي العنصر الأساسي لكل إبداع شعري؛ لتوسطها لطرفي المعرفة، وهما: الإدراك الحسي، والعقل.
وهو يعتبر الإحساس أدنى مرتبة من المخيلة؛ لأنه منبع الانفعالات والغرائز. وفي المقابل: يعتبر العقل أرقى مرتبة من المخيلة؛ لأنه عماد المنطق والمعرفة اليقينية.
وهذا يعني عنده: أن المخيلة كما اقتربت من الحس، واقترنت به، كانت الأشعار عرضة للخطأ، همُّها إرضاءُ النزعات الدونية للإنسان، وهذا ما "تتشوق إليه نفسه الأمارة بالسوء".
ولأن الحس يقرب المتخيلة من الغريزة، ويربطها بها، فإن ذلك ينتج عنه معرفة زائفة، أو خيالاً زائفاً ينتج عنه الانحطاط الروحي والأخلاقي والذهني للإنسان.
وحَوْصَل الخضر حسين الشروطَ الواجب توفُّرها لكي يستطيع العقل الإمساك بالمعاني، والتفريق بينها، في عناصر ثلاثة، هي:
- اقتران معنيين في الذهن؛ حيث يكون الإحساس بهما في وقت واحد؛ لارتباطهما بمكان، أو زمان، أو حادثة معينة.
- تبايُن الصور وتضادُّها؛ مما يجعلها تحيل إلى بعضها، ومثالها: الشجاعة والجبن، الصدق والكذب، الجمال والقبح، العدل والظلم، وهكذا.
- التشابه والتماثل بين المعاني في أمور خاصة؛ أي: اشتراك المعاني في مواصفات ما.
وأشار هذا الناقد إلى أن تداعي المعاني يختلف من شاعر إلى آخر؛ نظراً
(13/368)

لاختلاف الطبائع والعواطف، والمحيط وظروف الحياة ودرجة التمدن.
والخلاصة هي أن الحس يرجع بالمخيلة إلى عالم الغرائز، والعقل يرتفع بها إلى عالم الحقيقة، وأن الخيال لا يمكن أن يكون حراً طليقاً دون أي قيد، بل من الضروري تدخُّلُ العقل؛ لكبح جماحه، وهديه؛ لكي لا تصبح القصائد مجردَ هلاوس.
وهو يعتبر: أن الخيال ليس مجرد ملكة نفسية، بل هو -أيضاً- ملكة بلاغية، قادرة على المزاوجة المتكاملة بين البناء والمضمون، بين الشكل والمعنى، وهذه المزاوجة يلعب فيها العقل الدور الأساسي، وقد عبر عن ذلك بقوله: "إن التخييلي من الكلام هو: الذي يرده العقل، ويقضي بعدم انطباقه على الواقع، إما على البديهة، أو بعد نظر".
وهو يَعْتَبر أن الخيال الشعري هو بدرجة أُولى: أداء لغوي متميز وممتاز لمعان سابقة عليه، وهو إعادة تشكيل لمعان مجترة بواسطة لغة جديدة، وأن البناء اللغوي هو الذي يحدد درجة الخلق الشعري.
وهو بذلك يُرجع القيمةَ الفنية للشعر العظيم إلى المظهر الشكلي اللغوي، وليس فقط إلى المعنى ذاته، ومحتواه المجرد. وقدرةُ الشاعر المبدع تكمُن في تمكن خياله في إعادة تشكيل مفردات في مجازات وعلاقات وتراكيب جديدة، يعبّر بها عن نفس المعاني، لكن بأكثر خصوصية، وأكثر دقة، وأكثر عمق، وبأكثر فنية، وبأكثر حذق بلاغي.
واعتقاده أن اللغة وفنون البلاغة قادرة على تحمل أي عبء يرهقها به الشاعر، على شرط أن يتدخل الخيال المحكوم بالعقل.
وعنده: أن هذا الشكل من الخيال اللغوي البلاغي مهمته هي:
(13/369)

- تكثير القليل.
- تكبير الصغير.
- تصغير الكبير.
- جعل الموجود بمنزلة المعدوم.
- تصوير الأمر بصورة أخرى.
ولهذا العنصر الأخير أربعة أحوال:
أولها: تخيل المحسوس في صورة المحسوس.
وثانيها: تخيل المعقول في صورة المحسوس.
وثالثها: تخيل المعقول في معنى المعقول.
ورابعها: تخيل المحسوس في صورة المعقول.
ومثل هذه الصيانات لا تتم -عنده- إلا بواسطة لغة مرجعيتُها البلاغة بكل روافدها وتفرعاتها، وأن مرجعية هذه البلاغة لابد وأن تكون العقل، وقد أرجع الناقد جودة الخيال إلى:
- الحياة في إطار حضاري؛ "لما في ذلك من كثرة الصور، وتعدد المناظر، فتغزر مادته، وتكون مخيلته -الشاعر- أكثر عملاً في إنشاء المعاني".
- توفر الحرية "ومَنْ ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه في كل غرض، ويُطلق له العِنان في كل حلبة، يكون أبعدَ مرمى، وأحكم صنعة من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطبة لا يفوتها؟! ".
أما المفاضلة بين الشعراء، فإنها لا تصل -عنده- إلا إذا تناول الشاعران معنى واحداً لواقعة واحدة، أو مختلفة، أو قصدا غرضاً واحداً، واختلفا في
(13/370)

الصورة المعبرة عنه، أما المفاضلة بين إنتاج شاعرين، فهذا لا يصح إلا بالنسبة للناقد الذي تناول معظم شعرهما، على أن يعرف بالرجحان وبالموضوعية.
وعنده: ما يميز الشاعر الجيد عن غيره، هو: من كان "شعره أقل خطوراً على الذاكرة، أو أوسع نطاقاً في التخييل، أو ألذ وقعاً على الذوق".
- غرابة المعاني المتخيلة مع الجمع الجيد لكل أجزاء القصيد.
- التوسع في الخيال مع ابتعاد عن البساطة، وعن التعقيد المفرط.
- الالتزام بالذوق السليم.
والخضر حسيَن يعتبر أن المعاني المطروقة عن الشعراء هي نفسها تقريباً، ولذلك فإن السرقات الشعرية مقبولة مادام الشكل أو البناء مبتكراً، فكلما كان هذا الأخير جيداً، كان القصيد بليغاً، وفي بعض الأحيان تكون السرقة أبلغَ وأكثر براعة من الأصل، وهنا يرجع الفضل لللاحق، لا للسابق؛ أي: للفرع، لا للأصل.
ولاحظ: أن "فن التخيل كسائر الملكات والصنائع يترقى شيئاً فشيئًا ... وهذا ما حصل في الشعر العربي، فالخيال في الجاهلية شحيح يسير على نفس المنوال، وإن أمثله الخيال الراقي نادرة في أشعار الجاهليين"، وأرجعَ ذلك إلى أن العرب في الجاهلية كانوا لا يشاهدون إلا مناظر فطرية؛ كالكواكب والحيوانات والصحراء.
ثم وبعد نزول القرآن، وما أضافه من معان جديدة وصور طريفة، ترقى الخيال الشعري وتطور، ثم ترقى في العهد العباسي نتيجة لاختلاط الأمة العربية بأمم أخرى، واحتكاكها بحضارات مغايرة لحضارتهم، فازداد
(13/371)

الذوق العربي تهذيباً، والمعاني غزارة وتنوعاً.
واعتقاده هو أن مسيرة الشعر العربي هي مسيرة موصولة الحلقات، بدايتها الشعر الجاهلي، ونهايتها الشعر المعاصر؛ أي: أن هذا الشعر حافظ على روحه، وعلى أركانه، وأنه لم يتعرض إلى طفرات أو فواصل فارقة ذهبت به، هي مجرد قفزات حققها بعض الأفذاذ من الشعراء.
وعنده: أن التراث الشعري العربي هو تراث ثري بإبداعاته وبأساليبه، وبمضامينه وبلغته، وأنه من المستحيل تجاوزه من قبل أشعار الأمم الأخرى، أو تدميره واجتثاثه.
والأهم في الأزمنة المعاصرة، هو: إعادة قراءته ونقده بموضوعية، واستخلاص جوهره؛ لأن ذلك يساعد على النهوض به.
* نقض كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين:
أثار كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" ضجة كبيرة في الوسطين الديني والأدبي، فتصدى للرد عليه جمهور من علماء الدين، ومن الأدباء، من ضمنهم: محمد الخضر حسين، الذي وضع كتاباً في الغرض عنونه ب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة أبواب، وستة عشر فصلاً، وهو نفس التقسيم الذي اتبعه طه حسين.
يقول الخضر حسين بأن كتاب "في الشعر الجاهلي" ليس فيه ما يثير سخط الناس سوى ما كان طعناً في الإسلام صراحة أو غمزاً، وما عدا هذا، إنما هو الخطأ، أو الشذوذ الذي اعتاد أهل العلم سماعه في طمأنينة، وتقويمه برفق وأناة، والآراء التي يقول طه حسين: إنه سيعلمها إلى الناس على الرغم من سخطهم، إنما هي آراء سبقه إليها آخرون، منهم: عمر بن الخطاب الذي
(13/372)

قال: "تشاغل العرب عن الشعر وروايته في صدر الإسلام بالجهاد، ولما جاءت الفتوح، واطمأنت العرب، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه الكثير".
وقد تبع ابن الخطاب في قوله ابنُ سلام الذي كان ينقد ما كان يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير في الشعر يضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق.
كما تبعه جرجي زيدان، ومصطفى صادق الرافعي، ومرغليوث، الذي ادعى أن الشعر الجاهلي مزور ومصنوع، وذلك منذ سنة 1916 م.
ويعقب الخضر حسين: "صحيح أن في الشعر الجاهلي تزويراً، وهو ما لا يختلف فيه النقاد القدامى والجدد، أما أن يكون التزوير قد استحوذ على الشعر الجاهلي بأسره، أو أتى على الكثرة المطلقة؛ بحيث يكون الصحيح قليلاً جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، فدعوى لا تتكئ على رواية، ولا يقوم بجانبها برهان".
ويضيف: "صحيح أن صفوة الشعر كان يُتلقى بالرواية حفظاً، ولكن من المحتمل جداً أن يصل شيء منه عن طريق الكتابة. وقد حكى ابن جنّي في "الخصائص ": "أن النعمان بن المنذر أمر، فنسخت له أشعار العرب في كراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فاخرج تلك الأشعار"، كما أن ابن سلام أورد في "طبقات الشعراء" ما يوافق هذه القصة، قال: "وقد كان عند النعمان بن المنذر ديوان فيه أشعار الفحول، وما مُدح به هو وأهل بيته، فصار
(13/373)

ذلك إلى بني مروان".
وُيروى عن ذي الرمة: أنه قال لعيسى بن عمر: "أكتب شعري، فالكتاب أحبُّ إلي من الحفظ".
والخضر حسين لم ينزه رواة العرب من الغلط والغلو، والإضافة والحذف والانتحال، يقول في ذلك:
"ولا ندري مَن هذا الذي يعتقد أن خَلَفاً، أو حَمَّاداً، أو أبا عمرو، والأصمعيَّ أذكى من المعاصرين أفئدة، ولم يقع في الناس سوى أنهم يرجعون إليهم وإلى أمثالهم في أمر كانوا يقومون عليه، ولا طمع في الوصول إليه من غير طريقهم، وهو هذا الشعر العربي".
ويذهب هذا الناقد إلى أن الأخطاء المنافية للمنهج العلمي السليم التي وقع فيها طه حسين هو تشكيكه في اللغة الجاهلية، وقد تبين من كلامه أنه يجهل هذه اللغة، وقصارى ما فعل أن قال ما سمع النقاد من قبله يقولونه، وهو أن البحث الحديث أثبت خلافاً قوياً بين لغة حمير ولغة عدنان، متأثرين يقول أبي عمرو ابن العلاء:
"ما لسانُ حِمير بلساننا، ولا لغتهم لغتنا".
وكانت النزاهة العلمية وأصول البحث العلمي تحملان على طه حسين التفصيل في خاصيات كلٍّ من لغة حمير، ولغة عدنان، وضرب الأمثلة الشعرية والنثرية؛ للتدليل على وجاهة رأيه.
والخضر حسين لا يقصد أن الشرق هو في غنى عن الغرب، أو أن الشرق هو أعظم من الغرب، بل عنده أن الشرق اليوم هو في تراجع حضاري خطير،
(13/374)

وأن الغرب يتحمل الآن وحده مسؤولية الرقي والتقدم في العالم.
كما أنه لا ينكر ما "لديكارت" من فضائل على العلم والفلسفة ومناهج البحث، بل يذكر الغلو في إصدار الأحكام، والحط من شأن الحضارة العربية، والتغافل عن القول بأن الغزالي وابن خلدون وأضرابهما كانوا من المؤسسين للمناهج وللعلوم التي ارتكز عليها ديكارت وأضرابه.
وعنده: أنه لا شك في أن في الغرب ثقافة وعلماً، وأساليب بحث وتأليف، لكن من الضروري مناقشتها، وأن لا نمنحها من التقدير أكثر مما تستحق، وأن لا نحجم عن نقدها، والبحث عن منشئها، وما يترتب عليها من نتائج، ثم الحكم على إيجابياتها وسلبياتها معاً كأي عمل بشري قابل للخطأ وللصواب.
وهذا يقال إنما بالنسبة لما أبدعه العرب من علوم وآداب، ومناهج بحث وتأليف.
لكن من غير العلمي الرفع من شأن علم أو أدب أو منهجِ بحث على حساب آخر دون التمحيص والتدقيق، والإدلاء بالحجة والبرهان القاطع.
ويضيف: "صحيح أن المحدثين أوسعوا دائرة العلوم، وحققوا أشياء كانت غامضة، واستكشفوا أموراً كانت مجهولة، وهذا يدل على أن عقولهم أكبر من عقول القدماء، وإنما سنّة ترقي العلوم والفنون، وأن يبني المتأخر على أساس، أو الحجرِ الذي يصنعه المتقدم، ولو أخذنا نبغاء هؤلاء المحدثين، وحشرناهم في بعض العصور القديمة، لم يأتوا أحسن مما أتى نبُغاء ذلك العصر".
(13/375)

ويقول: "إن القدماء من المسلمين درسوا علوماً شتى، فخاضوا غمارها، وسابقوا الغير في الوقوف على أسرارها، وأبصروا فيها حقاً وباطلاً، ولم يقتصروا في علمهم بالحق حقاً على دليل موافقته للدين، ولا في معرفتهم للباطل باطلاً على دليل مخالفته له، بل كانوا يتوسمون في ذلك منهج المنطق الصادق، ويقرعون الحجة النظرية بمثلها".
وعنده: ليس من العلم في شيء تأليف كتاب بهدف الازدراء بانجازات الغير، أو بهدف ازدراء العلماء والأدباء، وهنا يضع الكاتب نفسه في مثل ما يشهر به؛ إذ أنه سيتهم بدوره بالتعصب والتحيز، وبعدم التثبت.
وهنا يضيق بمناهج النقد الديكارتية وغيرها ذرعاً، يتجاوز قواعدها، ويتجاهل قوانينها، ولا يحترم الصدق في البحث مغلباً هواه، ويصبح شغله الشاغل إيجاد مبررات لما تخيله، ويسوق أفكاره في صورة قطعية زاهية.
وعنده: ليست المزية في تصوير المنهج، وإنما المزية في العمل عليه بجد واستقامة، صانه من الخطل الاعتقاد في أن كل جديد هو جديد حقاً، وإن كل قديم يشير إلى التخلف والباطل.
والخضر حسين يعتقد: أن توظيف مناهج البحث الحديثة في النقد الأدبي غير كاف، خصوصاً إذا استعملت بهدف التحقير والتهجم، أو بهدف زعم الناقد بأنه أحاط بما لم يحط به أحد من قبله.
وعنده: البحث في الرأي أو الرواية دأب كل عالم نقّاد، وما البحث إلا أثر الشك في صحة الرأي، أو صدق الرواية، والشك قد يكون ذريعة للعلم، وقد ينحدر بصاحبه في جهالة، والأول محمود العاقبة، والثاني لا خير فيه.
(13/376)

وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلا غلواً في القول، وجحوداً لكثير من الحقائق.
وملخص ما عابه الخضر حسين على طه حسين هو:
- توظيف النقد الأدبي لأغراض لا علاقة لها بالأدب.
- إغفاله ذكر مصادره، وكأن ما قاله هو من بنات أفكاره، ومن استخلاصه الشخصي، وفي الواقع: أنه اقتصر على ترديد ما قال به النقاد قبله، ومرغليوث دون إضافة حقيقية.
- التعميم والتسرع في الإدلاء بالأحكام دون تثبت ولا رواية، ولا تدليل موضوعي بالشعر أو بالتثر على أقواله.
- اعتقاده في إمكانية تعميم منهج ديكارت على النقد الأدبي، مع أن العلوم الإنسانية تفتقر إلى منهج صارم، وأنه لا علاقة بين مناهج العلوم الصحيحة والأدب (1).
__________
(1) أ - لعبت مجلة "السعادة العظمى" التي أسسها محمد الخضر حسين دوراً رائداً وأساسياً في تحديد مفهوم الشعر العصري ... وفي المناداة بتكريسه؛ ليكون رافداً للنهضة الأدبية التونسية.
وقد نشرت هذه المجلة مقالاً مسترسلاً (في فضاء 6 أعداد) لعبد العزيز المسعودي بالإمكان مفصلته إلى المعاني التالية:
- نقد شديد لمضامين الشعر التقليدي، وقد عاب عنها التعقيد والمديح.
- وأن الشعر معنى عظيم يدرك بالوجدان، وكل تضييق عليه (بناء ومضموناً وأسلوباً) هو قتل له.
(13/377)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= - أن الخطر كل الخطر هو النظر إلى فن الشعر كلفظ وعروض وقافية؛ لأن الشعر في جوهره هو حالة من حالات النفس.
- الشعر هو شقيق الرسم، ولذلك على الشاعر أن يرسم بالكلمات ما يشاء حتى "يخال من يقرأ أشعاره أنه ينظر إلى لوح من الألواح المصورة بقلم الرسام وفرشاته".
- ولمزيد من تحرر الشعر من قيوده ضرورة كتابة الشعر الحُرّ، أو القصيد النثري.
ب - لقد ذكرنا مصادر هذا البحث داخل المتن، وهي الكتابات التالية:
- "حياة اللغة العربية".
- " القياس في اللغة العربية".
- "الخيال في الشعر العربي".
- "نقض كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين"، وقد أوفيناها حقها.
(13/378)

الإمام محمد الخضر حسين (1)
في الثاني من الشهر الثاني في العام القادم، يمرُّ خمسون عاماً على وفاة عالم جزائري جليل، خطّت الأقدار في صحيفته أن يولد في خارج الجزائر، وأن يقضي حياته بعيداً عنها، وأن ينسب إلى غيرها، إنه العلامة الخضر حسين.
إنني أقترح بهذه المناسبة أن يُعقد ملتقى دولي لدراسة حياة هذا العالم وآثاره، فهو ذو شهرة واسعة، وترك تراثاً علمياً ثرياً.
لقد استعجلت الحديث عن هذه الذكرى؛ لكي يتمكن المسؤولون -إن خلصت نياتهم، وصحّت عزائمهم- من الإعداد الجيد لهذه المناسبة بما يتناسب مع قيمة هذا العالم العلمية والنضالية، حتى لا يقول المعذّرون: إن الوقت داهمنا.
إن المؤسسات المؤهلة لإقامة هذا الملتقى هي المجلس الإسلامي الأعلى، وزارة الشؤون الدينية، وزارة التعليم العالي، المجلس الأعلى للغة العربية، مجمع اللغة العربية. فإن لم تتمكن هذه المؤسسات من إقامة هذا الملتقى، أو رَغِبَتْ عنه، فلْتتولَّ إقامته الزاويةُ العثمانية في "طولقة"، أو الزواية القاسمية في "الهامل"؛ لما بينه وبينهما من رحِمٍ مادية وروحية.
__________
(1) للكاتب والباحث الجزائري الأستاذ محمد الهادي الحسني - جريدة "الشروق"، العدد 1912 الصادر في (8 فيفري 2007 م - الموافق 20 محرم 1428 ه) - الجزائر.
(13/379)

ولد الإمام محمد الخضر حسين في 21/ 7/ 1873 م بمدينة "نفطة" التونسية، التي استقرت بها أسرته بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر. وبعد أن استظهر آي الذكر الحكيم، وألم بمبادئ العلوم الشرعية واللغوية، انتقل إلى مدينة تونس، وهو في الثالثة عشرة من عمزه، فالتحق بجامع الزيتونة، وتخرج فيه بشهادة التطويع عام 1898، وكان من شيوخه فيه: خاله محمد المكي بن عروز، والشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ عمر بن الشيخ، وقد أثر كل واحد من هؤلاء الشيوخ في جانب من جوانب شخصية الإمام محمد الخضر، الذي أشاد بهم، ولم ينس فضلهم عليه.
ومما يلفت النظر: أن الإمام محمد الخضر حسين لاحظ -وهو طالب- أن مادة الإنشاء التي تُعِدُّ الطالب للكتابة، وتهيئه للتحرير لا تجد الكفاية من العناية، فوجّه أبياتاً شعرية إلى أشياخه، يلفت فيها أنظارهم إلى هذا النقص، داعياً إلى تداركه، ومنها:
بذلتم في نَفاقِ العلمِ وُسعاً ... وذلَّلتم طرائقه الصِّعابا
ولكنَّ الخصاصةَ في فنونٍ ... تساورني المخافة أن تُعابا
أصابَ صناعةَ الإنشاء مَحلٌ ... وغاض مَعينُها إلا سرابا
أني علم البيان نغوص فهماً ... ونملأ من جواهره الوِطابا
وإن ركبتْ أناملنا يراعاً ... تعاصى أن يشق بها عُبابا
ولا ترقى شؤونُ الشعب إلا ... بأقلامٍ تناقشه الحسابا
كانت همة محمد الخضر حسين متعلقة بالانضمام إلى هيئة التدريس بجامع الزيتونة، ولكن المؤامرات والمناورات حالت بينه وبين ما يشتهي، فاكتفى بإلقاء الدروس تطوعاً.
(13/380)

لم يقل محمد الخضر حسين ما يقوله المعذِّرون: "صحَّ مني العزمُ والدهر أبي"، فقرر أن يُوسع ساحة تأثيره، وأن يكون معلماً غير مباشر لأكبر عدد من الناس، فأسس في عام 1904 م مجلة "السعادة العظمى"، و"هي أول مجلة عربية ظهرت في تونس" (1)، ولكن عمرها لم يطل؛ إذ توقفت في يناير 1905 م بعدما صدر منها واحد وعشرون عدداً.
رأى المستعمرون الفرنسيون وأولياؤهم من التونسيين أن يقيدوا محمد الخضر حسين بوظيفة تحدد حركته، وتقلل نشاطه، فعينوه قاضياً في مدينة "بنزرت"، وخطيباً في جامعها، و"كان للشيخ محمد الطاهر بن عاشور قسط كبير في التأثير عليه لقبول هذه الوظيفة" (2)، ولكن الشيخ لم يستطع صبراً، فاستقال بعد بضعة أشهر، ولا يُستبعد أن تكون هذه الاستقالة قد وقعت بعد ضغوط عليه إثر محاضرته الشهيرة: "الحرية في الإسلام" التي لقيت صدًى واسعاً، ونالت قبولاً كبيراً.
قام الشيخ محمد الخضر حسين برحلتين إلى الجزائر، موطنِ آبائه وأجداده، وكانت أولى الرحلتين في عام 1903 م، وكانت ثانيتهما في 1904 م، ولعله كان يستكشف من خلالهما إمكان العمل في الجزائر، ولكنه أدرك أن الجزائر تعيش في سَموم وحميم، وأن الوضع فيها أسوأ من تونس أضعافاً مضاعفة، وأن يوماً من العذاب فيها كألف يوم في غيرها.
وفي سنة 1912 م سافر الشيخ إلى دمشق، وكان قد سبقه إليها في السنة التي قبلها إخوانه: زين العابدين، والمكي، والعروسي، كما أن خاله
__________
(1) محمد مواعدة: "محمد الخضر حسين"، ط 2، (ص 32).
(2) المرجع نفسه (ص 38).
(13/381)

العلامة محمد المكي بن عزوز قد سبقهم إلى الإقامة بمدينة إستانبول منذ عام 1898 م.
وجد الشيخ في دمشق من الحرية النسبية ما لم يجده في تونس، فنثر معارفه، فتهافت عليه عِلْيَة القوم ووجهاؤهم، وعقدت المجالس العلمية، وكان الشيخ الخضر "واسطة العقد في تلك المجالس" (1)، وانتصب للتدريس في "كرسي الشيخ محمد عبده" (2) في المدرسة السلطانية.
اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت تركيا طرفاً فيها إلى جانب ألمانيا، فضيقت الحكومة التركية حرية القول ومجال الحركة على الناس، وكانت ممارسة ممثليها في الشام -وعلى رأسهم جمال باشا- سيئة ظالمة، فتعرضت إلى انتقادات، خاصة أن أمر تركيا يزيد من يسمون: الشبان الأتراك ذوي الاتجاه اللائكي، المتورطين في التعامل مع الصهيونية والماسونية، وكان الشيخ محمد الخضر ممن مسّهم نصب وعذاب جمال باشا؛ إذ ألقاه في السجن بضعة شهور.
* نضال في سبيل القضبة الوطنية:
دُعي الشيخ محمد الخضر إلى إستانبول في عام 1917 م، وعهد إليه بوظيفة "التحرير بالقلم العربي" في وزارة الحرب التركية، ولكن مقامه لم يطل في تركيا، فانتقل رفقة مواطنه صالح الشريف (من الصومام) إلى ألمانيا وسويسرا، وشكَّلا لجنة لتحرير الجزائر وتونس، يؤازرهما فيها مجموعة
__________
(1) "آثار الإمام الإبراهيمي" (ج 3، ص 566).
(2) أنور الجندي: "الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقية" (ص 17).
(13/382)

من المناضلين الجزائريين والتونسيين، وكان من أهداف هذه اللجنة: إعلان الثورة على فرنسا في شمال إفريقية، واعلان "جمهورية شمال إفريقية"، و"ذهب وفد برئاسة الشيخ الخضر حسين إلى وزارة الخارجية الألمانية، ووعد الألمانُ الوفدَ بإمداد الثورة بالسلاح ولوازم الحرب" (1).
وكان المعوّل في هذه الثورة على الجنود المغارييين في الجيش الفرنسي، الذين وُجهت إليهم فتاوى بوجوب ترك صفوف الجيش الفرنسي، والالتحاق بالجيش الألماني، وقد أُعدَّ في برلين معسكرٌ لتجميع هؤلاء الجنود سُمي: "معسكر الهلال"، ولكن الحرب توقفت في سنة 1918 م قبل أن تكتمل الاستعدادات.
واصل الشيخ محمد الخضر عمله مع مواطنه الشيخ صالح الشريف، ومجموعة من المناضلين الجزائريين والتونسيين، وكان أبرز عمل قاموا به هو: توجيه تقرير إلى مؤتمر الصلح بباريس بحقوق الشعبين، وكان التقرير تحت عنوان: "مطالب الشعب الجزائري والتونسي"، وقد وقعه من الجزائريين كل من الشيخين: صالح الشريف، ومحمد الخضر حسين، ومحمد مزيان التلمساني، ومحمد بيزار الجزائري، وحمدان بن علي الجزائري، ومن التونسيين: محمد الشيبي، واسماعيل الصفايحي، ومحمد باش حامبة ...
عاد الشيخ إلى دمشق، وما كاد يلتقط أنفاسه، ويعود سيرته الأولى في التدريس ونشر العلم حتى كانت جحافل الجيش الفرنسي تحتل سورية، فانتقل الشيخ إلى القاهرة حيث ذاع صيته، وسما مكانه، وسطع نجمه.
__________
(1) أحمد العباسي: "الشيخان المجاهدان" (ص 50).
(13/383)

وفي القاهرة أسس الشيخ في عام 1924 م (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، كما أسس في الأربعينيات (جمعية الدفاع عن إفريقية الشمالية)، رفقة الأمير سعيد الجزائري، والشيخ الفضيل الورتلاني، والأمير عبد الكريم الخطابي، وغيرهم.
واختير للتدريس في جامع الأزهر، ورأس (جمعية الهداية)، و"مجلتها"، وتولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، ونال عضوية هيئة كبار العلماء، كما عين عضواً في (مجمع اللغة العربية) عندما أسس المجمع في سنة 1932 م، فقد "جمع بين التفقه في الدين واللغة والأدب" (1)، وكان أرقى ما تقلده من مناصب هو: مشيخة الأزهر، الذي عُين شيخاً له، من غير سعي منه، في أواخر عام 1952 م، إلى أن تخلى عن إدارته بإرادته في جانفي 1954 م، بعد أن "ضرب أكبر مثل للتاريخ بالإخلاص والتفاني في العمل لمصلحة الأزهر والإسلام" (2)، وقد قال عندما وُلي رئاسة الأزهر الشريف: "وُليتُ أمر الأزهر، فإن لم يَزِد في عهدي، فلن ينقص منه شيء".
* معارك علمية:
إن أهم ما أبان عن مكانة الشيخ محمد الخضر العلمية، ولَفَت إليه الأنظار، وحاز بسببه الإعجاب والتقدير هو: رده العلمي، القوي الحجة، الساطع البرهان على كل من الشيخ علي عبد الرازق، والدكتور طه حسين.
فقد كتب الشيخ عبد الرازق في سنة 1925 م كتاباً سماه: "الإسلام
__________
(1) "مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاماً"، القسم الثاني (ص 158).
(2) محمد سعيد البوطي: "من الفكر والقلب" (ص 242).
(13/384)

وأصول الحكم "، نفى فيه أن تكون الخلافة من الدين، وزعم أن الدين لا يتدخل في شؤون الحكم، وقد ردّ عليه الشيخ محمد الخضر بكتاب من 552 صفحة، سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
كما كتب الدكتور طه حسين في سنة 1926 م كتابه المشهور: "في الشعر الجاهلي"، ادعى فيه أن هذا الشهر منحول، مردّداً في ذلك دعوى المستشرق (مارجوليوث)، فتصدى الشيخ محمد الخضر لهذه الدعوى ولصاحبها، وكتب رداً تحت عنوان: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وقد لاحظ بعض الدارسين أن كلمة "نقض" التي استعملها الشيخ أكثر حدة وشمولًا من كلمة نقد، وقد اعترف الدكتور طه حسين -كما روى الشيخ محمد الفاضل بن عاشور-: أن "كتاب الشيخ محمد الخضر من أهم الردود، وأشدها حجة" (1).
رحم الله الإمام محمد الخضر حسين، وبوأه مقعد الصدق؛ فقد عاش "كأنما يستشعر دائماً أنه لم يخلق لنفسه، وإنما للإسلام" (2)، الذي ما هوجم في وقعة إلا وكان للأستاذ -محمد الخضر- دفاع أمتن من الفولاذ، وأرسخ من الجبال الراسيات" (3).
__________
(1) محمد مواعدة: مرجع سابق، (ص 86).
(2) البوطي ... (ص 241).
(3) محب الدين الخطيب: نقلاً عن آثار الإمام ابن باديس، ج 3، (ص 114).
(13/385)

الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين (1)
عُين الشيخ الخضر حسين شيخاً للأزهر في يوم الأربعاء (27 من ذي الحجة 1271 ه 17 سبتمبر 1952 م).
وكان أحمد تيمور في مقدمة الذين قدّروا فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر السابق حين قدم مصر من أكثر من ربع قرن.
وقد عشر السيد خليل ثابت رئيس لجنة نشر المؤلفات التيمورية بين آثار العلامة أحمد تيمور على ترجمة لحياة محمد الخضر حسين هذا نصها:
ولد بمدينة "نفطقه بالقطر التونسي في (27 رجب سنة 1293 ه)، واشتغل بالعلم، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ بعض الكتب الابتدائية في بلده، وفي آخر سنة 1306 ه رحل مع أبيه وأسرته إلى القاعدة التونسية، فاشتغل بالطلب، ثم دخل الكلية الزيتونية سنة 1307 ه، فقرأ على أشهر أساتذتها، وتخرج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها، فطُلب لتولي
__________
(1) من كتاب "الأزهر في ألف عاماً"، الجزء الأول، للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، الطبعة الثانية (1408 ه - 1988 م).
(13/386)

بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، فأبى، وواظب على حضور حلقات الأكابر؛ مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يدرِّسان التفسير، والشيخ سالم بو حاجب، وكان يدرس "صحيح البخاري".
ثم رحل إلى الشرق في سنة 1317 ه، ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام بها أياماً، فلازم جامع الزيتونة يفيد ويسفيد، إلى سنة 1321 ه، فأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ولاقى في سبيل بث رأيه الإسلامي ما يلاقيه كل من سلك هذا السبيل.
وفي سنة 1323 ه ولي القضاء في مدينة "بنزرت"، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير، ثم استقال، ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوع للتدريس في جامع الزيتونة، ثم أحيل إليه تنظيمُ خزائن الكتب بالجامع المذكور.
وفي سنة 1325 ه اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي هذه المدة جعل من المدرسين المعينين بالجامع المذكور.
وفي سنة 1326 ه جعل مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة في مواضيع إنشائية بالخلدونية، ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين، كان من أعظم الدعاة لإعانة الدولة، ونشر بجريدة الزاهرة قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
رُدُّوا على مَجْدِنا الذِّكْرَ الذي ذَهبا ... يكفي مضاجعنَا نومٌ دَهَى حِقَبا
ثم رحل إلى الجزائر، فزار أمهات مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة، ثم عاد إلى تونس، وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف.
وفي سنة 1230 ه سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية،
(13/387)

فدخل يوم إعلان حرب البلقان، فاختلط بأهلها، وزار مكاتبها، ثم عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة، ونشر رحلته المفيدة عنها، وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف، ثم جُعل عضواً في اللجنة التي ألفتها حكومة تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق، فرحل إليه، ونزل مصر، وعرف بعض فضائلها، ثم سافر إلى الشام، ثم للمدينة المنورة، ثم إلى القسطنطينية، ثم عاد معيناً مدرساً للغة العربية والفلسفة بالمدرسة (السلطانية) بدمشق، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى جمال باشا حكم سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم حوكم، فبرئ من التهمة، فأطلق سبيله في شهر ربيع الثاني سنة 1335 ه.
ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة:
غَلَّ ذا الحبسُ يدِي عن قلمٍ ... كان لا يَصْحو عن الطِّرْسِ فناما
هل يذودُ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعدَه الموتَ الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرتُ الحِماما
ثم استمر على التدريس بالمدرسة بدمشق إلى أن دُعي إلى القسطنطينية سنة 1136 ه. ثم هاجر إلى إستنبول بعد عام، وعمل محرراً بالقلم العربي بوزارة الحربية، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا للقيام بعمل سياسي، وهو تذكير الأسرى هناك بظلم فرنسا، ثم رجع إلى الشام، فدرس الفقه بالمدرسة السلطانية العربية ... وبعد أن احتلت فرنسا الشام بعشرة أيام هاجر إلى مصر في عام 1329 ه، ثم نال الشهادة العالمية بالأزهر، وتولى التدريس بكلية أصول الدين والتخصص اثنتي عشرة سنة.
(13/388)

وتولى رئاسة تحرير "مجلة الأزهر"، و"لواء الإسلام"، ورئاسة (جمعية الهداية الإسلامية)، واختير عضواً بهيئة كبار العلماء 1951 م، وهو إلى ذلك عضو بمجمع اللغة العربية منذ أنشئ. وقد استقال فضيلته من المشيخة في (2 جمادى الأولى 1373 ه - 8 يناير 1954 م)، وتوفي -رحمه الله- في 14 رجب عام 1377 ه.
وقد نعى الأزهر في يوم الاثنين 14 رجب سنة 1377 ه عالماً إسلامياً جليلاً، ومجاهداً من الرعيل الأول، ممن أبلوا البلاء الحسن في كفاح الاستعمار: الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق، ورئيس (جمعية الهداية الإسلامية) عن نيف وثمانين عاماً، قضى معظمها في التدريس، وفي الكتابة والتأليف، وفي جهاد مرير في شبابه دفاعاً عن حقوق عرب شمال أفريقية وغيرهم من أقطار العروبة.
ولد الفقيد الجليل في وطنه الأول في بلدة "نفطة" من مقاطعة الجريد بتونس، ونشأ في بيت علم ينتمي أصله إلى الجزائر، وشرع في طلب العلم في بلدته، ثم أتم تعليمه في جامعة الزيتونة، وتخرج منها، ومارس بعد تخرجه التدريس، ثم القضاء، كما قام وإنشاء أول مجلة علمية أدبية بالمغرب، ثم رحل إلى تركيا، وأقام بها وقتاً قصيراً، ثم حضر إلى دمشق؛ حيث عين مدرساً بمدرستها الثانوية الوحيدة يومذاك -وكانت تعرف بمدرسة عنبر-, وطل في دمشق إلى أوائل الحرب العالمية، ثم رجع إلى إستانبول، فانتدبته الدولة العثمانية إلى برلين مع بعثة مؤلفة من كبار علماء شمال إفريقية للاتصال بأبناء شمال إفريقية ممن وقعوا في أسر الألمان في أثناء الحرب، وبانتهاء الحرب عاد إلى دمشق مدرساً في نفس المدرسة، وكان العهد عهد
(13/389)

الحكومة الفيصلية الوطنية.
وكانت الحكومة الفرنسية قد حكمت عليه بالإعدام؛ لانضمامه إلى الدولة العثمانية، ولذهابه إلى ألمانيا -كما مر ذكره-، فما إن دخلت فرنسا سورية حتى غادرها جميع الأحرار من المجاهدين العرب، وكان منهم الفقيد الشيخ الخضر، فجاء إلى مصر حوالي عام 1920 م، وظل فيها بعض الوقت مغموراً، ثم عرف فضله ومكانته، فعين أولاً مصححاً بدار الكتب المصرية.
وفي هذه الأثناء صدر في مصر كتابان شهيران أحدثا دوياً في ذلك الوقت في الأوساط الفكرية، وهما: كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للعالم الأزهري الشيخ علي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، ونظراً لما اشتمل عليه هذان الكتابان من آراء مضللة، تصدى بعض كبار الباحثين للرد على كل منهما، وكان للمرحوم الشيخ محمد الخضر حسين فضل الرد على كلا الكتابين حينئذ؛ حيث أفرد لكل منهما كتاباً مستقلاً، كانا من خير ما كتبه الكاتبون في هذا المجال.
وظل الفقيد يعمل مصححاً بدار الكتب بضع سنوات إلى أن مُنح شهادة العالمية الأزهرية، ثم تعين مدرساً بالأزهر، وكان ذلك في عهد الشيخ المراغي ... وأخيراً تعين عضواً في هيئة كبار العلماء، وهو المنصب الذي أهله -فيما بعد- لأن يصبح شيخاً للأزهر.
وعقب تعيينه مدرساً بالأزهر أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية) بمصر، وظل يرأسها، ويرأس "مجلتها" إلى عهد قريب، كما كان أول رئيس تحرير لمجلة "نور الإسلام "، وهي المجلة التي أصدرتها مشيخة الأزهر سنة 1349 ه.
(13/390)

وللشيخ محمد الخضر حسين يرجع الفضل في تكوين جمعية (تعاون جاليات إفريقية الشمالية) في مصر قبل حوالي عام 1924 م، وكان يرأس هذه الجمعية بنفسه، وهدفها: رفع مستوى تلك الجاليات من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.
غير أن هذه الجمعية لم تعش طويلاً؛ لأن استعماراً ثلاثياً: إيطالياً، وفرنسياً، وإسبانياً كان لها بالمرصاد، فقضى عليها في سنواتها الأولى.
وللفقيد الكبير -عدا كتابيه السالفي الذكر- محاضرات، ورسائل عديدة مطبوعة ومتداولة، وهو كاتب بليغ، وله ديوان شعر مطبوع، وقد اشتهر بمقالاته وبحوثه في كبرى المجلات الإسلامية.
وعندما صدرت مجلة "لواء الإسلام" لصاحبها الوزير السابق الأستاذ أحمد حمزة، كان الشيخ الخضر يرأس تحريرها، وظل بها إلى عين شيخاً للأزهر، ثم استأنف نشر مقالاته فيها بعد تنحيه من المشيخة، وآخر مقالاته فيها في جزء رجب الأخير.
كما كان عضواً في (مجمع اللغة العربية) بمصر منذ إنشائه قبيل الحرب العالمية الثانية.
وكتب الأستاذ أنور الجندي عن محمد الخضر حسين يقول:
"كان نظام التعليم في المعهد الزيتوني من أسباب تنافس أصحاب المذهبين: المالكي، والحنفي في ميدان العلم، وقد أخرج جامع الزيتونة فقهاء يعتزون بعلمهم، ويزهدون في المناصب، أدركت من هؤلاء فقهاء وأساتذة بلغوا الغاية في سعة العلم، وتحقيق البحث؛ مثل: عمر بن الشيخ، وأحمد بن الخوجة، ومحمد النجار، ومن نظر في فتاوى هؤلاء الأساتذة،
(13/391)

أو رسائلهم التي حرروا بها بعض المسائل العويصة، رآهم كيف يرجعون إلى الأصول والقواعد ومراعاة المصالح، ولا يقنعون بنقل الأقوال دون أن يتناولوها بالنقد والمناقشة.
ويدلنا التاريخ القريب على أن بعض رجال الدولة التونسية عندما اتجهوا إلى إصلاح الحالة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية، وجدوا فقهاء يدركون مقتضيات العصر، ويعرفون كيف تسعها أصول الشريعة بحق، فكانوا يعقدون منهم بعض لجانهم، ويستنيرون بآرائهم؛ مثل أساتذتنا: عمر بن الشيخ، وسالم أبو حاجب، ومصطفى رضوان، ومازال الرسوخ في الفقه، وربط الأحكام بأصولها، من مواضع عناية الأساتذة في جامعة الزيتونة لهذا العهد، يشهد بهذا: ما نقرؤه في محاضراتهم ومقالاتهم التي تنشر في الصحف التونسية والمصرية.
كانوا يدرسون الفقه بأنظار مستقلة، وآراء تستضيء بالأدلة، ويتفاضلون فيها على قدر تفاضلهم في العبقرية وسمو الهمة ... ".
لاشك كان محمد الخضر حسين علماً من أعلام الفكر المغربي الاسلامي، مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة، وأقام كابن خلدون بقية عمره في مصر، ورقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل في ميداني الاصلاخ الإسلامي، والقياسي اللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني، ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء (جمعية الشبان المسلمين)، وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب وقضاياه، ومعلماً قوياً يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب، والتجنيس والفرنسة،
(13/392)

فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي.
وكان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو إلى الإصلاح على أسس قاعدة علمية واضحة، فهو يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية، بعد أن يسلمها النقد إلى صدق الغاية.
ومن رأيه: أن على العلماء قول كلمة الحق لأهل الحل والعقد دائماً، وعدم التوقف عنها.
"لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجاً، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو رأوا حقاً مهماً، لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوا على إقامته.
ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي، فتجلد للأذى! ".
وقد كانت حياة الخضر حسين رمزاً على هذا المعنى، معنى: طلب الحرية، والهجرة من بيئة الظلم؛ فقد فر من تونس، ومن الشام، ومن تركيا، وكان فراره؛ ليحتفظ لنفسه بحقه في الكلمة، يقول: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب من مجالس علمائها، كان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت الأدب من أولى نشأتي. وحاولت وأنا
(13/393)

في سن الثانية عشرة نظمَ الشعر. وفي هذا العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقتُ بطلاب العلم بجامع الزيتوطا)، وكان ذلك عام 1899 م، أحب أستاذَه الشيخ سالم بو حاجب الذي كان يحثه على البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، ويدعو للطالب بالتفتح، يقول: "كان يقول الشعر، مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب"، وكان الشيخ بو حاجب قد رفض وِسَام السلطان، ووسام الباي، فأحب منه الشيخ الخضر هذا الاعتداد بالنفس، "بعد أن نلت درجة العالمية، أنشأت مجلة علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر علي بعضُ الشيوخ، وظن أنها تفتح باب الاجتهاد، وشجعني على إنشائها شيخنا بو حاجب، كما شجعني عليها الوزير محمد بو عتور".
كانت خطته: الإصلاح الاجتماعي والديني، والعمل لإعادة مجد الإسلام، ولكنه لم يلبث أن اختلف مع السلطات بشأن العمل في القضاء، بعد أن وليّه في "بنزرت" 1905 م؛ إذ فضل العودة إلى التدريس في الزيتونة، فلما خاطبته المحكمة الفرنسية 1325 ه بالعمل في المحكمة عضواً؛ ليحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، امتنع، ولم يقبل أن يصدر الحكم الجائر.
واستقر رأيه إثر ذلك على الهجرة إلى الشرق، فاستوطن دمشق عام 1912 م، وكانت تحت سلطات العثمانيين، فنصب للتدريس في المدرسة السلطانية في كرسي الشيخ محمد عبده.
ثم اعتقله جمال باشا حاكمُ الشام، ورحل إلى الآستانة، فأُسند إليه التحرير بالقسم العربي بوزارة الحربية، وحين احتل الحلفاء الآستانة، رحل
(13/394)

مع زعماء الحركة الإسلامية: عبد العزيز شاويش، وعبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد.
وعاد إلى دمشق 1918 م في عهد الحكومة العربية لفيصل، وعهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية، ولكن فرنسا لم تلبث أن بسطت سلطانها على سورية، فترك دمشق إلى القاهرة 1919 م، وفي مصر عرف الشيخ أحمد تيمور باشا، الذي كان خير رفقائه، وكان له فضل واضح في إنشاء (جمعية الشبان المسلمين) مع السيد محب الدين الخطيب صاحب "الفتح". كما أنشأ من بعد (جميعة الهداية الإسلامية)، ومجلة "الهداية الإسلامية"، وتولى ثمة مجلة "لواء الإسلام"، ومجلة "الأزهر"، واتصل بالأزهر، ونال إجازته، وعمل في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء، فشيخاً للأزهر عام 1952 م، وعضواً في (مجمع اللغة العربية).
وتطلع إلى مجد المغرب وحريته.
وقد كانت مجلة "الهداية": مجلة مغربية واضحة الدلالة في كتابتها وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية، ورأس (جبهة شمال إفريقية)، التي ضمت الرجال الذين سعوا نحو مصر من أجزاء المغرب العربي.
وكان الشيخ الخضر كاتباً، وشاعراً له شعر كثير جيد، وقد وصفه الفاضل ابن عاشور (1)، فقال: كان كاتباً بليغاً، ذا طبع خاص، وأسلوب قوي الروح الأدبية، فصيح العبارة، بليغ التركيب، ينزع إلى طرائق كتاب
__________
(1) "الحركة الفكرية والأدبية في تونس".
(13/395)

الترسل الأولين، رحل عام 1912 م إلى مصر وسورية وتركية، فكتب رحلة بديعة نشرت في مجلة "الزهرة"، طافحة بانتقاداته وأفكاره.
وأشار إلى مجلة "السعادة العظمى" (التي أصدرها في تونس 1904)، فقال: إنها كانت مركزًا للحركة الفكرية، وقوة توجيهية متصلة بجميع أهل الثقافة العربية، يجتمع تحتها شقان متباعدان ... ولم تدم إلا عاماً ناقصاً.
وللخضر حسين مؤلفات عديدة، أهمها:
"محمد رسول الله"، "رسائل الإصلاح"، "آداب الحرب في الإسلام"، "القياس في اللغة العربية"، هذا بالإضافة إلى عشرات الفصول والمقالات في صحف مصر والمغرب والشام ...
(13/396)

الأخوَّة بين الإمامين محمد الخضر حسين , ومحمد الطاهر بن عاشور (1)
كان من أعزّ أقرانه إليه الشيخُ الإمام محمد الخضر حسين، الذي زامله في الزيتونة دراسة، وتوجّهاً فكرياً؛ إذ انعقدت بينهما صداقة بدأت سنة (1317 ه = 1899 م)، كان يحوطها العلم والفكر، وتحمل في طيّاتها روحَ الصفاء، ولهجَةَ الصدق، وكان في محطّات حياتهما كثير من التشابه، فالشيخ محمد الطاهر بن عاشور تولّى مشيخة الجامع الزيتوني، وتولَّى الشيخ محمد الخضر حسين مشيخة الجامع الأزهر، وهو أوّل من يتولَّى هذا المنصب من غير مصر، ومن مظاهر التشابه بينهما: أنهما كانا من المعتنين بالأدب، إضافة إلى عنايتهما بالعلوم الشرعية، وكان ذلك نادراً بين أقرانهما، كما تولَّى الاثنان الردّ على الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، كما دعا كلاهما إلى اعتماد الإصلاح والنظام الاجتماعي، فكتب محمد الخضر حسين: "رسائل الإصلاح "، وكتب ابن عاشور: "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام".
وهذه العلاقة جسّدها الرجلان بقصائد ومراسلات.
__________
(1) من كتاب "محمد الطاهر بن عاشور علامة الفكر وأصوله والتفسير وعلومه" من سلسة (علماء ومفكرون معاصرون، لمحات عن حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم) لفضيلة الأستاذ إياد خالد الطباع.
(13/397)

منها: أنَّه لمَّا تولّى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التدريس في جامع الزيتونة سنة (1323 ه)، هنَّأه الشيخ محمد الخضر حسين بقصيدة من ستة عشر بيتًا، منها (1):
مَسَاعي الوَرَى شَتَّى وكلٌّ لَهُ مَرمَى ... ومسعى ابنِ عاشور له الأمدُ الأسمى
فتىً آنَسَ الآدابَ أوَّلَ نشئِهِ ... فكانتَ لهُ روحاً وَكَانَ لها جِسْما
وما أدبُ الإنسانِ إلا عوائدٌ ... تَخُطُّ لهُ في لَوْحِ إحسَاسِه رَسْما
وَذِي خُطة التَّدريس توْطئَةٌ لأنْ ... نرَاهُ وِقَسْطاسُ الحقوقِ بِهِ يُحْمَى
رَجاءٌ كَرَأْي العينِ عندَ أُولي الحِجا ... يوافيْه كالمَعْطوفِ بالفاءِ لاثُمَّا
بَلَونْا حُلى الألفاظِ في سلْكِ نُطْقِهِ ... فَلَمْ يُلْفِ صَافِي الذَّوْقِ في عِقدِهَا جَشمْا
وفي سنة (1330 ه)؛ مرَّت بالشيخ محمد الخضر حسين الباخرة التي كان يركبها في أثناء رجوعه من الآستانة إلى تونس بالقرب من شاطئ المرسى؛ حيث كان يقيم صديقه الشيخ محمد الطاهر (2)؛ فقال:
قَلبي يُحَيِّيك إذْ مَرَّتْ سَفِينتُنَا ... تُجَاهَ وَاديكَ والأموَاجُ تَلْتَطِمُ
تَحِيةً أَبرقَ الشّوقُ الشَّديْدُ بِهَا ... في سِلْكِ وِدٍّ بأقْصَى الرُّوحِ يَنْتَظِمُ
وبعد هجرة الشيخ محمد الخضر حسين إلى دمشق من تونس سنة (1331 ه) بعث صديقه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وهو قاضي القضاة بتونس رسالةً مصدّرة بالأبيات التالية (3):
__________
(1) "خواطر الحياة" (ص 226)، وهو ديوان شعر للشيخ محمد الخضر حسين.
(2) "خواطر الحياة" (ص 231).
(3) "خواطر الحياة" (ص 93).
(13/398)

بَعُدْتَ ونفسي في لقاكَ تصيدُ ... فلمْ يُغنِ عَنهْا في الحنانِ قصيدُ
وخَلَّفْتَ ما بين الجوانحِ غُصَّة ... لها بَينَ أحشاءِ الضُّلوعِ وَقودُ
وأضحَتْ أماني القُربِ منك ضئيلةً ... ومُرُّ الليالي ضعفُها سيزيدُ
أتذكرُ إذا ودّعتنا صبحَ ليلةٍ ... يموجُ بها أنسٌ لنا وبرودُ
وهل كانَ ذا رمزاً لتوديع أُنسِنا ... وهل بعد هذا البينِ سوفَ يعودُ
ألم ترَ هذا الدهرَ كيفَ تلاعبَتْ ... أصاِبعُه بالدرِّ وهو نَضيدُ
إذا ذكروا للودّ شخصاً محافظاً ... تجلّى لنا مرآكَ وهو بعيدُ
إذا قيلَ: مَن للعلمِ والفكرِ والتُّقى ... ذكرتُكَ إيقاناً بأنْكَ فريدُ
فقل لليالي: جَدِّدي من نظامِنا ... فحسبُكِ ما قد كانَ فهو شديدُ
وكتب ابن عاشور تحتها:
وهذه كلماتٌ جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثّها على علّاتها، وهي إنْ لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة؛ فإنَّ الودّ والإخاء والوجدان النفسي يترقرقُ في أعماقها.
فأجابه محمد الخضر حسين بقصيدة؛ من ثلاثة عشر بيتاً (1)؛ أذكر منها:
أَيَنْعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ ... وأسلو بطَيفٍ والمنامُ شريدُ
إذا أَجَّجَتْ ذِكراكَ شوقي أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري -بدمع المُقلَتينِ- خُدودُ
بعُدْتُ وآمادُ الحياةِ كثيرةٌ ... وللأمدِ الأسمَى عَليَّ عُهودُ
بعُدْتُ بجُثماني وروحي رهينةٌ ... لديكَ وللودِّ الصَّميمِ قُيودُ
__________
(1) انظر: "خواطر الحياة" (ص 93 - 95).
(13/399)

عرفتُكَ إذ زُرْتُ الوزير (1) وقَدْ حَنا ... عَلَيِّ بإقبالٍ وأنتَ شَهيدُ
فكانَ غروبُ الشَّمسِ فجر صداقةٍ ... لها بينَ أحناءِ الضُّلوعِ خُلودُ
ألَمْ تَرْمِ في الإصلاحِ عن قَوس ناقدٍ ... درى كيف يُرعى طارِفٌ وتَليدُ
وقُمتَ على الآداب تحمي قديمها ... مخافةَ أن يَطغى عليه جديدُ
أتذكُرُ إذ كُنَّا نبُاكر معهداً ... حُميَّاهُ عِلْمٌ والسُّقاةُ أُسودُ
أتذكُرُ إذْ كُنَّا قَريْنَينِ عِنْدَما ... يَحِينُ صُدورٌ أو يَحِينُ وُرودُ
فأين ليالينَا وأسمارُها التي ... تُبَلُّ بها عِندَ الظّماءُ كُبُودُ
ليالٍ قضيناها بتونسُ ليْتَها ... تعودُ وجيشُ الغاصبينَ طَريدُ
وعندما بلغه تولّي صديقه ابن عاشور القضاء بتونس سنة (1332 ه) هَنّأه بقصيدةٍ من ثلاثةَ عشرَ بيتاً، وكان يومَها بدمشق، أذكر منها (2):
بسطَ الهناءُ على القلوب جناحا ... فأعادَ مُسوَدَّ الحياةِ صَباحا
إيهٍ مُحَيّا الدهرِ إنَّكَ مؤِنسٌ ... ما افترَّ ثغرُكَ بِاسماً وضَّاحا
وتَعُدُّ ما أوحشتنا في غابرٍ ... خالاً بوَجْنَتِكَ المُضيئة لاحا
لولا سوادُ الليلِ ما ابتهج الفتى ... إنْ آنَسَ المصباحَ والإصباحا
ياطاهرَ الهِمَمِ احتمَتْ بكَ خُطَّةٌ ... تبغي هُدًى ومروءة وسماحا
سحبتْ رداءَ الفخرِ واثقةً بما ... لكَ من فؤادٍ يعشقُ الإصلاحا
__________
(1) الوزير: هو محمد العزيز بوعتّور، وقد من ذكره، وفي البيت اشارة إلى أول لقاء بين الخضر حسين وابن عاشور.
(2) "خواطر الحياة" (ص 65 - 66).
(13/400)

ستشدُّ بالحزمِ الحكيمِ إزارَها ... والحزمُ أنفسُ ما يكونُ وِشاحا
أنسى ولا أنسى إخاءكَ إذْرمَى ... صرفُ الليالي بالنَّوى أشباحا
أسلُو ولا أسلُو عُلاكَ ولو أتتْ ... لبنانُ تُهدي نَرجِساً فيّاحا
أوَلَمْ نكُن كالفَرْقَدَيْنِ تَقارَنا ... والصَّفْوُ يملأُ بيننا أقداحا
ويلحظ القارئ لهذه الأبيات عظمَ المحبّة والمودّة التي نشأت بين هذين العَلَمَيْن التونسيين، بدءاً من عهد الطلَّب، وانتهاءً بافتراق الرجلين كل منهما في قطر، وهي تشير إلى الاحترام وتقدير العلم عنده، ونزعة الإصلاح التي يميل إليها الشيخ الطاهر، ويشاركه فيها محمد الخضر حسين، وقد بلغ من مقدار حبّه له: أنْ مسألة بعض الأدباء: كيف كانت صلتكم بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تونس؟ فأجابه بهذه الأبيات (1):
أَحْبَبْتُهُ مِلْءَ الفؤَادِ وَإنَّما ... أحْبَبْتُ مَنْ ملأَ الوِدادُ فؤادَهُ
فظفرتُ مِنْهُ بصاحِبٍ إنْ يَدْرِ ... مَا أشْكُوهُ جافَى ما شَكَوْتُ رُقادَهُ
ودَرَيَتُ منه كما دَرَى منّي فَتًى ... عَرَفَ الوفاءُ نِجَادَهُ وَوِهَادَهُ
ويقول فيه (2): ولما كان بيني وبينه من الصداقة النادرة المثال، كنّا نحضر دروس بعض الأساتذة جنباً لجنب؛ مثل: دروس الأستاذ الشيخ سالم بو حاجب ل "شرح القسطلاني على البخاري"، ودرس الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ ل "تفسير البيضاوي"، ودرس الأستاذ محمد النجار لكتاب "المواقف"، وكنت أرى شدّة حرصه على العلم، ودقّة نظره؛ متجلّيتين في لحظاته وبحوثه.
__________
(1) "خواطر الحياة" (ص 90).
(2) "تونس وجامع الزيتونة" (ص 125 - 126).
(13/401)

ويقول فيه: انعقدت بيني وبينه سنة (1317 ه) صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغايةَ التي ليس بعدها غاية، وصداقةٌ بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيراً، وأن يكون كلٌّ منّا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنتُ أرى لساناً لهجتُه الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيّئ، وهفة طفاحة إلى المعالي، وجدّاً في العمل لا يمسّه كل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال: ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقلّ من إعجابي بعبقريته في العلم.
(13/402)

تدهور الفكر العربي
* لم يكن كتاب "الشعر الجاهلي" يحتاج إلى قرع كل هذه الطبول.
* أخالف د. مؤنس في أهمية كتابي: "الإسلام وأصول الحكم"، و "الشعر الجاهلي" (1).
* الحقيقة ولو مرة ... الفكر المصري لم يولد بعد:
قضية طرحتها مجلة "الهلال" تحت عنوان: (تدهور الفكر العربي). وقد طرحها الدكتور حسين مؤنس في عدد شهر يوليو 1977 م، وقد شارك في هذه القضية عدد من الكتاب، وأدلوا بآرائهم وتعليقاتهم، ومنهم: الأستاذ فتحي رضوان في بحث قيم (الحقيقة ولو كانت مرة - الفكر المصري لم يولد بعد) في مجلة "الهلال" العدد الصادر في سبتمبر 1977 م.
وقد تعرض الأستاذ فتحي رضوان بكثير من الجرأة لهذا الموضوع، ومما قاله: "فإنني أرى الفكر العربي لم يولد بعد". إن الأسماء التي ذكرها الدكتور حسين مؤنس، والتي نشر صور بعض أصحابها، هي أسماء مترجمين، وملخصين، وقصاصين، ورواة، ومفتشين، وأصحاب خواطر أدبية حيناً، وفلسفية حيناً، وجامعي شذرات تاريخية آناً، ومحللي شخصيات آناً ثانياً،
__________
(1) مجلة "الهلال" المصرية، عدد سبتمبر 1977 م، الأستاذ فتحي رضوان.
(13/403)

ولكنهم جميعاً لا يندرجون تحت قسم: (المفكرين).
ويهمنا من هذا الحديث ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
يقول الأستاذ فتحي رضوان:
(ولقد درجنا أن نعدّ عدداً من الكتب كأنها معالم طريق التجديد، وفي مقدمتها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي".
والحق أنني أستأذن في أن أخالف الدكتور حسين مؤنس في إضفاء الخطر والأهمية على هذين الكتابين، لا لأني أخالف صاحبي الكتابين الشهيرين فيما أورداه في كتابيهما، فهو -في نهاية الأمر- ليس بالشيء الجسيم، وهو لا يدل على نزعة تجديد، ولا شجاعة رأي، لا أن يكون كل منهما بداية سلسلة من المقالات والدراسات والبحوث، تهدف إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات في مجالات الدين والأدب.
على أن مواطن الخسارة كان في مجافاة كل المؤلفين للمنهج العلمي، الذي افترض الناس أن الكتابين في حقيقة الأمر دعوة عملية إلى تطبيقه، فإن خلاصة كتاب "الإسلام وأصول الحكم": أن الخلافة ليست ركناً من أركان الإسلام، فالإسلام -كدين وعقيدة-، يمكن أن يقوم، وأن يؤدي المسلمون الفرائض التي فرضها الله عليهم؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج، دون أن يتعلق شيء من ذلك بقيام الخلافة، واختيار خليفة، وأن الخلافة ليست إلا صورة من صور الحكم اهتدى إليها المسلمون الأوائل عقب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن المسلمين أصبحوا يكوِّنون شعباً متحداً، يشغل شبه الجزيرة العربية. وما يجتمع قوم في موقع من الأرض إلا احتاجوا إلى حكومة تدبر أمرهم، أياً
(13/404)

كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم، والمسلمون ليسوا بدعاً بين الناس.
وخلص من هذا إلى: أن رسالة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - كلها رسالة روحية، جاء ليدعو الناس إليها، وليبشر بأحكامها وأصولها، فإذا كان قد تولى شيئاً من شؤون الدنيا؛ كتولية الولاة، أو إرسال البعوث، أو توجيه السرايا، أو عقد المحالفات، أو فض الخصومات، أو الحكم في المنازعات، فذلك كله بقصد أداء الرسالة، لا لأنها من عمله أصلاً، ولا لأنها تدخل في جوهر دعوته، أو تكمل رسالته، ويمكن تصور حياته كلها خالصة للدعوة، ولتلقين أحكام الدين، وتثبيت المسلمين على محبته، وتفسير ما تمخض من آيات القرآن الكريم، وضرب الأمثلة؛ لتوضيح ما قصده رب العالمين.
ومثل هذا القول، لا يعد ضرباً من التجديد في الإسلام، وكان المسلمون جديرين بأن يسمعوه في هدوء وأناة، وأن يردوا عليه في رفق ولطف؛ ذلك لأن الخلافة فقد معناها منذ قرون، وقد سقطت كثير من دول المسلمين وشعوبهم في أيدي دول الغرب، يستأثرون بالحكم والسلطة فيها دون أهلها.
ولكن الذي هاج غضب المسلمين: أن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ظهر في وقت كان أمرهم جرحاً دامياً، فقد أسقط مصطفى كمال هذه الخلافة، بعد انتصار الأتراك بقيادته على اليونانيين الذين كان يؤيدهم ويحرضهم (لويد جورج) رئيس وزراء بريطانيا، وكانت هذه الانتصارات قد أرضت كبرياء المسلمين، وعوضتهم عما لحق بهم بعد هزيمة تركيا وألمانيا في حرب 1914 - 1918، وبعد انسلاخ دول العرب كلها من سلطان الخلفية العثماني، واقتسام الإنجليز والفرنسيين ...
وقد تقدم العلماء بنقد متسم بالوقار والرصانة لكتاب "الإسلام وأصول
(13/405)

الحكم "، وفي مقدمة هذه الدراسات: كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم " للشيخ محمد الخضر حسين، وهو من علماء تونس، وكان قد لجأ إلى مصر يطارده حكم بالموت من محاكم فرنسا العسكرية بتونس، فجاء كتابه أثراً علمياً جليل القدر، فقد خلا من كلمة جارحة يوجهها للمؤلف الشيخ علي عبد الرازق، أو عبارة نابية، بل قنع بتوجيه الكلام إليه، إما بلفظ: "المؤلف"، أو: "صاحب الكتاب".
وكان المأمول أن يرد الشيخ علي عبد الرازق على كتاب الشيخ الخضر حسين- رحمهما الله- بشيء يساويه عمقاً وشمولاً، ولكنه آثر الصمت، واختار العافية، ولا يستطيع أن يدعي أنه فعل ذلك إشفاقاً من شر خطير يناله؛ فقد وجه -وهو يودع العمامة والزيَّ الأزهري- إلى علماء الأزهر كلاماً عنيفاً، وهو يعلم أن هؤلاء الأزهريين قادرون على أن يؤلِّبوا عليه الرأي العام. ثم ماذا كان معه؟ اشتغل بالمحاماة الشرعية، واطمأن إليها، وكسب منها مالاً غير قليل -كما يقول بعض المتصلين به-, ثم شارك في السياسة، حتى اختير وزيرًا، وظفر بلقب الباشاوية، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أنه كان في وسعه أن يواصل نشر فكرته، وبث دعوته، وأن يخلق من كتابه حركة فكرية.
فإذا أضفينا إلى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" نعتاً من النعوت التي تجعله معلَماً من معالم الفكر المصري أو العربي، فنحن نصف الأشياء بأكثر مما تستحق، وإذا أردنا أن نضع اسم صاحب الكتاب في قائمة المجددين، وأبطال التحرير العقلي في بلادنا، فالتاريخ والحقيقة يأبيان ذلك ويرفضانه.
وقد حدث مثلُ ذلك تماماً مع الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر
(13/406)

الجاهلي"؛ فقد أصدر الدكتور طه هذا الكتاب.
ولسنا نريد هنا أن نتعقب هنا آراء الدكتور طه حسين، إنما نريد أن نقول: إن الذين طمعوا في أن يأتي من وراء هذا الكتاب -أياً كان نصيب صاحبه من الأمانة، وأياً كان نصيب الأفكار فيه من السلامة- حركةُ تجديد فيها أساليب النقد، ويعاد بفضلها النظر في مناهج البحث.
ولقد فتحت أبواب هذه الفرصة المجيدة واسعة أمام الدكتور طه حسين، فقد نهض للرد عليه علماء أفاضل، أحسنوا قراءة كتابه، واجتهدوا في الرد عليه بالحجة والبرهان، والنص والدليل، فترك لهم الميدان، ولاذ بالصمت كصاحبه وزميله الشيخ علي عبد الرازق.
كتب في الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" الأساتذة: محمد فريد وجدي، والشيخ محمد الخضر حسين، ومحمد لطفي جمعة، والدكتور كامل الغمراوي، كتباً هي حقاً من مفاخر الفن الأدبي العلمي، فلم تكن مهارة تتقزز لها النفس، ولا تطاولاً يضيق به الذوق، ولا تعالماً تنحط به معايير الحياة الأدبية.
(13/407)

حكم عليه بالإعدام في تونس ... فأصبح شيخاً للأزهر (1)
تولى الإمام محمد الخضر حسين مشيخة الأزهر في الفترة من (1952 وحتى 1954 م)، وهو أول شيخ للأزهر من أصل تونسي؛ فقد درس في جامع الزيتونة، وحصل الشهادة العالية، وعمل قاضياً ل "بنزرت" لفترة ... إلا أن مناهضته للاحتلال، وتنديده بالوجود الأجنبي في الدول العربية، جعلاه يفر إلى تركيا ... ثم الشام، كان مسك الختام الاستقرار في مصر، وحصوله على الجنسية المصرية، والدراسة في الأزهر ليحصل على "الشهادة العالمية" ... كتب الشيخ الخضر حسين الشعر، وألف الكتب، وأصبح عضواً في (مجمع اللغة العربية).
ثم شيخاً للأزهر مع بداية ثورة يوليو 1952 م؛ ليكون أول شيخ له من أصل تونسي.
ولد الشيخ محمد الخضر حسين عام (1293 ه، 1877 م) في قرية "نفطة" في تونس من أسرة كريمة ترجع أصولها إلى الجزائر ... وينتمون إلى أسرة الأدارسة التي أسست الدولة المعروفة باسمها. نشأ وتربى في تلك القرية، وحفظ القرآن صغيراً، وحين اشتد عوده، انتقل إلى مدينة "تونس"
__________
(1) مجلة "نصف الدنيا"، العدد 667 الصادر في 24 نوفمبر 2002 م -بقلم جيهان لطفي- القاهرة.
(13/408)

حيث التحق بجامع الزيتونة سنة 1899 م، والذي يشبه جامع الأزهر في عظمته وشموخه كقبلة لعلوم الدين، ونال فيه شهادة العالمية عام 1317 هجرية، وعندما تخرج، تولى قضاء "بنزرت" ومنطقتها، وكان يخطب في جامعها، وشارك في تأسيس (الجمعية الزيتونية)، ثم عين مدرساً بمعهد الزيتونة.
كان يهوى الشعر ... فكان شاعراً مجيداً، نظم قصائد رائعة، وندد فيها بالاستعمار الفرنسي لتونس، وقد اشتهر بعدائه للسياسة الفرنسية، التي كان يهاجمها في مجلة "السعادة العظمى"، وكان يبث روح المقاومة في تلاميذه، ويريد بذلك أن يغرس فيهم الروح الوطنية، والحرية الإنسانية التي يدعو إليها الإسلام، فحقد عليه الاستعمار، ودُبرت له مكيدةٌ سياسية قُدِّم من أجلها للمحاكمة، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام ... فهاجر إلى بلاد الشام، ومعه عائلته، وفيها تولى تدريس العلوم العربية والدينية في المدرسة (السلطانية)، وقد أوفده أنور باشا وزير الحربية التركية إلى ألمانيا في مهمة سياسية، فقضى فيها 9 أشهر حتى عاد بعدها للشام، وفي تركيا أسند إليه تحرير القسم العربي بوزارة الحربية، وكانت له أنشطة فكرية وأدبية واسعة هناك، وعندما احتل الحلفاء الآستانة، عاد إلى ألمانيا مرة أخرى، وبعد ذلك رحل إلى مصر عام 1922 م ليشتغل بالكتابة والتحرير، وإلقاء الدروس حتى عام 1931 م.
وكان الشيخ محمد الخضر حسين قد التحق بالجامع الأزهر، وحصل على شهادة العالمية، ثم حصل على الجنسية المصرية.
وألف رسالته القيمة "الخيال في الشعر العربي"، وأسس (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، وكان دائب الحركة، يحاضر، ويسطر المقالات، ويكتب البحوث، وعندما ظهر كتاب "أصول الحكم" للشيخ (علي عبد الرازق)،
(13/409)

تصدى له الشيخ الخضر، ونقده نقداً شديداً، وفند آراءه، ثم تصدى لكتاب (طه حسين) في "الشعر الجاهلي" عام 1345 هجرية، وقسا عليه، وأرجع آراءه إلى أساتذته المستشرقين، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر" عام 1349 هجرية، وعين أستاذاً لكلية أصول الدين، فأفاد طلابه، وجمع مجموعة "رسائل الإصلاح"، واشترك في كثير من لجان المجمع اللغوي، ونال عضوية جماعة العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية"، وقد اشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر.
وفي عام 1952 م تولى مشيخة الأزهر ... وبدأت حكاية توليه المشيخة في سبتمبر عام 1952 م بزيارة السيد فتحي رضوان، والشيخ أحمد حسن الباقوري، وعبد العزيز علي من مجلس قيادة الثورة في أثناء انعقاده، وذهبوا إلى الشيخ محمد الخضر حسين عضو جماعة كبار العلماء، ورئيس تحرير مجلة "الأزهر"، وعرضوا عليه باسم مجلس الوزراء، واللواء محمد نجيب مشيخةَ الأزهر، وعلق وقتها للصحف فور توليه المنصب: أنها مفاجأة سارة، وأرجو المعونة من الله، وأن يحقق أملنا في الأزهر، وعندما سئل عن رأيه في كبار علماء الأزهر الذين يشغلون مناصب هامة، فقال: ليس في رأي معين في واحد من حضراتهم، وكلهم موضع إجلالي واحترامي وتقديري، وكان عمرُ الشيخ الخضر حسين حين تولى مشيخة الأزهر 78 عاماً.
* آراؤه في مسائل مختلفة:
كان يرى أن طلاب البعوث هم المرايا التي تصورنا عند أممهم وشعوبهم -بما فينا من مزايا وخصائص ومناقب- أصدقَ تصوير، وإذا كان ذلك، فلا بد من العناية بوضع نظام خاص بإعدادهم لتقديم رسالتهم على خير وسلام،
(13/410)

ويجب أن تكون العلاقة بين طالب الأزهر وأستاذه علاقة روحية، قوامها الحب والمودة، والإخاء والخير.
"أميل بطبعي إلى الخير والسلام، ولم بن في حياتي متحزباً ولا متعصباً، بل كنت دائماً أكره التعصب والتحزب، وأؤثر أن آخذ الأمور باللين والهوادة، وشيخ الأزهر يمثل الأزهر، ويقوم على تحقيق معاني الخير والتواد والتحاب بين الناس، والأزهريون -بحكم وضعهم ووصفهم- هم الذين يبصرون الناس بحقائق دنياهم، لذا كان طبيعياً أن يكونوا متحابين في الله".
وعندما أثير أن هناك اتجاهاً لتوحيد الزي في مصر، والاستعاضة عن الطربوش بالبيريه، أو القبعة، عدا رجال هيئة العلماء، والعلماء المشتغلين بالتدريس، علق بقوله: "إنني علمت أن هناك اقتراحاً أن يكون الزي الموحد هو الزي الأوربي، لأنه أصبح عالمياً، ولأنه من الناحية العلمية أكثر ملاءمة لهيئات العمال والفلاحين، وهذا الزي يتألف من قميص وبنطلون بأثمان مناسبة، وأوضح: بأن القبعة والبيريه ليست زياً عالمياً، وأن فئات كثيرة من الملايين في آفاق لا حد لها من قارات الأرض لم تتخذ هذا الزي، وليس من الحتم على أية أمة أن تجاري الشكليات -حتى لو كانت عالمية- قبل أن تقنع بأنه أصلح لها، والأصلح لجو كل أمة هو ما دلتها عليه تجارب ألوف السنين، ومصر -على وجه الخصوص- عضو ممتاز في العالم الإسلامي الذي يزيد تعداده على 500 مليون لن يرضى بأن يُفني شخصيته في غيره، ويندمج في الزي الأجنبي المزعوم عنه أنه عالمي.
لاسيما وأن في سنن الإسلام الجوهرية، التي لا يمكن أن يتساهل فيها المسلمون إلا بانحرافهم عن دينهم: أن يكونوا متميزين عن غيرهم، وأئمةُ
(13/411)

المسلمين يعدون من الخروج على الإسلام الانحراف عن زيه إلى زي غير المسلمين فيما اختصوا به من علامات".
وقد اتفق معه الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت، وقال: "إن قول الإمام الأكبر ... قول فصل".
وفي التعامل مع غير المسلمين كان يرى: أن الإسلام ينظر إلى رسالات الله كلها على أنها دين واحد تتفق في أصولها وروحها وغاياتها، وإن اختلفت في صورها ومظاهرها وتطورها.
تحدث عن الشيوعية والرأسمالية بقوله: إن من مظاهر الكمال في دين الإسلام وأحكامه: أنه لم يعارض الفطرةَ الإنسانية في أي من طبائعها، ومنها: مبدأ الملكية الشخصية، فاعترف به، وأكده، ولكنه جنح فيه إلى الاعتدال، وشرط أن يكون ذلك بالأسباب المشروعة التي أحلها الله، ثم رتب عليه تكاليف شرعية هي نصيب الجماعة من أموال أصحاب الأموال، وحث أهل الغنى على الأخذ بيد أهل الفاقة، ومبدأ آخر هو: تفاوت الناس في مواهبهم ومداركهم، وقدرتهم على الكسب، والحث على قيمة العمل، ومن أعظم ما اتخذه الإسلام لحماية الفقراء من استغلال الرأسمالية وأصحاب الأموال: تحريمه للربا وقطع دابر المراباة في المجتمع الإسلامي.
أما الشيوعية، والتي تزعم أنها نزعت الثروة من يد أفراد، ووضعتها في يد مجموعة قليلة العدد، صادارةِ واحدة ... يعيشون الآن في ترف وغطرسة، والجماعة كلها تعاني من مَلَل ورَتابة، مسلوبي الإرادة.
وكتب قصيدة مطولة عند توقيع المعاهدة (الليبية - الإيطالية) ... رافضاً الاستعمار الذي يفرض شروطه على الدول.
(13/412)

ويحكي عنه السيد كمال الشوري سكرتير عام (جمعية الهداية الإسلامية) بلاظوغلي عام 49، وكان الشيخ الخضر حسين رئيساً لها، ومدير مكتبه ...
إنه -رحمة الله عليه- من أعلام الفكر الديني الأفذاذ، الذين أضاؤوا سجل الخالدين، وأضافوا إلى صفحاته المشرقة أمجاداً مزدانة بالعلم والفضل والكفاح، وكان مثالاً حياً للخلق الحسن؛ حيث لم يكن ينطق بسباب أو شتائم، حتى في أشد حالات الغضب، فقليلاً ما كان يغضب، إلا لما يغضب الله ورسوله، وكان عف اللسان، لا يخوض في سيرة إنسان، وإذا سمع أحداً يغتاب غيره ... غضب، وابتعد عنه، وترك له المكان ... كان إذا تكلم، خفض من صوته، وإذا مشى، سار الهوينى، حتى لا تكاد تسمع له وقع أقدام، وإذا خاطبه إنسان -مهما كان صغيراً-، أنصت إلى كلامه، ولا يتكلم أبداً حتى يفرغ المتحدث من كلامه، كان كريماً، فلا يُبقي من راتبه- ثم معاشه بعد ذلك- شيئاً، بل يوزع الفائض عن حاجته على الفقراء، وكان يقول: لا أحب أن يفاجئني الموت ومعي شيء من متاع الدنيا. وعندما توفيت زوجته الأولى، ولم يكن قد أنجب منها، تزوج بغيرها في خلال أيام من وفاتها، وقال: لا أريد أن أترك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان وقت زواجه بالثانية قد جاوز ال 70، ولم يعش مع زوجته الثانية طويلاً؛ فقد توفي ولم ينجب منها.
ويضيف السيد كمال الشورى في حديثه عن شخصية الإمام الخضر حسين اعتزازه بالكرامة:
وكان -رحمه الله- يجمع بين خصلتين حميدتين: التواضع المحبوب، والاعتزاز بالكرامة، أما تواضعه، فكان حديث أهل العلم والفضل.
(13/413)

الاجتهاد والفكر المستنير بالبلاد التونسية في القرن العشرين نماذج من المجتهدين التونسيين في القرن العشرين
الشيخ محمد الخضر حسين (1)
ولد سنة (1293 ه الموافق 1876 م)، وتوفي سنة (1377 ه الموافق 1958 م).
وهذا الشيخ المصلح ذو الفكر الاجتهادي التنويري هو: محمد الخضر ابن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي، عالم، أديب، وباحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر، أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية) إثر انتقاله من سورية إلى القاهرة (مصر)، وتولى رئاستها وتحرير مجلتها، إنه من كبار المصلحين التونسيين، والمجتهدين الذين دعوا إلى التجديد وإعمال العقل.
وكأدلة على اجتهاده التنويري: ما ورد في كتابه "الدعوة إلى الاصلاح"، حيث قال عند حديثه عن الإسلام والعلم ما يلي:
... والواقع أن الإسلام قد رفع قدر العلم، ونوه بشأن العقل، وسلك بطلاب العلم مسالك النظر والاجتهاد، وعودهم على نقد الآراء، وتمييز زائف
__________
(1) جريدة "الصباح" العدد الصادر في 28 جويلية 2006 م تونس. من بحث للأستاذ الدكتور محمد بوزغيبة.
(13/414)

الأخبار من صحيحها، فلما نقلت العلوم النظرية إلى اللغة العربية، وجدت منهم نفوسًا تلذ العلم، وعقولاً تنشط للمناظرة، وألسنة تعرف كيف تقرر الحجة، ففتحوا لها صدورهم، ووضعوها تحت سلطان أنظارهم، ولم يمنعهم إعجابهم بها، وتنافُسهم على التضلُّع من مواردها، أن يطلقوا الأعنة في مناقشاتها، وتقويم المعوَجّ من مذاهبها، فسدوا ثغوراً يأتي من قِبَلها الباطل، وذللوا لطلاب العلم الطريقال في تفيؤوا فيه ظلال الرشد، وتُدني فيه الفلسفةُ المعقولة قُطوفَها، فقامت للعلوم -على اختلاف موضوعاتها- سوق نافقة، وأصبحت ترى علوم الشريعة، وعلوم الفلسفة المعقولة يلتقيان في النفوس المطمئنة بالإيمان، وتسنَّى للتاريخ أن يحدثك عن كثير من علماء الإسلام، ويصفهم بأنهم جمعوا بين العلوم الشرعية، والعلوم الفلسفية؛ كالغزالي، وابن رشد أبي عبيدةَ مسلمِ بن أحمد الأندلسي، وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم الفلسفة، وكان -مع هذا- صاحبَ فقه وحديث.
فمن خلال كلامه في كتابه "الدعوة إلى الإصلاح" نلحظ ميله إلى إعمال العقل عند دراسة المسائل، واستحسانه للنقد البناء، ومناقشة الآراء، كما نفهم دعوته إلى تنشئة الجيل الصاعد من التلاميذ والطلبة على الاجتهاد التنويري، واستخدام العقل؛ للوصول إلى نتائج إيجابية؛ قصدَ النهوض بأوطاننا، وتتبين -أيضاً- من كلامه حثه الشباب على الاقتداء بالمفكرين العرب المسلمين الذين لم يهملوا العقل في أعمالهم واجتهادهم، وقد ذكر من بين هؤلاء:
- الغزالي أبو حامد محمد بن محمد.
- وابن رشد الحفيد صاحب "تهافت الفلاسفة"، و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".
(13/415)

رجل عظيم ويزيده عظماً وقدراً أنه يعرف قدر العظيم (1)
ما كنت أحسب - وأنا أنعي إليه (2) شيخَنا وإمامنا الراحل (3)، وقد أسلم الروح إلى بارئها - إلا أنه يجاملني بكلمة عزاء تمر كما يمر غيرها من الكَلِم، ولكن ما كان أعظمَ دهشتي حينما فزع واسترجع، ثم أخذ يلقي عليَّ درساً في تقدير العظماء الراحلين، درساً خليقاً بأن يسجل ويروى في تاريخ الخالدين.
كانت بين الشيخين خصومة في بعض مسائل العلم (4)، ولكنها كانت خصومة نبيلة كريمة، من قبيل (الخصومة بين الأكابر)، تلك التي سجلنا نماذج من طرازها الأول في المجلد الخامس والعشرين.
وكان من أدب فقيدنا الراحل -تغمده الله برحمته-: أن يسجل مسائل
__________
(1) مجلة "الأزهر"- الجزء الأول من المجلد التاسع والعشرين، يصور لنا العالم الأزهري الفاضل طه الساكت مشهداً من أخلاق الإمامين: محمد الخضر حسين، ومحمود شلتوت -رحم الله الجميع-.
(2) أي؛ الإمام محمود شلتوت.
(3) أي: الإمام محمد الخضر حسين.
(4) رد الإمام محمد الخضر حسين على مقالة الإمام محمود شلتوت (الهجرة وشخصية
الرسول).
(13/416)

الخلاف بينه وبين خصمه في مقال أو رسالة، ثم يأتي عليها بالحجة الساطعة، والبيان الناصع، في أمانة من النقل، وعفة من القول، هما المثال الأعلى لمن يبتغي الإنصاف والحق من أعدل طريق وأمثلِه.
ويقرأ خصمه الرد عليهم في مقالاته وكتبه، وكلهم أو جُلُّهم من عِلْية القوم، وأكابر الكتّاب، فيعجبون للأدب الرشيد، والقول السديد، والحجة البالغة، والعلم المصفى، والحكم البصير النافذ، الذي يتقدمه الإخلاص والإيمان، ويصحبه العدل والإحسان، فيخشع له كل عالم وأديب، ويهابه كل دفع أو تعقيب.
لكن النبلاء من خصمه، يفيدون من ذلك النبع الفياض، والأدب العالي الرفيع، ثم ينوِّهون به في حياته، ويدعون إلى التخلق به بعد وفاته، وكذلك فعل "الرجل العظيم".
كانا عضوين بالمجمع اللغوي، إلا أن "إمامنا" (1) كان أسبق؛ إذ كان ركنًا من أركان المجمع منذ أنشئ، وكانا عضوين في جماعة كبار العلماء، إلا أن "عظيمنا" (2) كان أسبق منذ بضع سنين.
فلما تقدم إمامنا إلى عضوية الجماعة، ظن من لا يعرفون"الرجل" (3): أن الفرصة قد هيئت للوقوف في طريق خصمه، لكنها كانت مفاجأة كريمة حاسمة أن زكّاه الخصم النبيل وهو يقول: "إنَّ من لا يزكي السيد الخضر في عضوية الجماعة، فإنما يلغي عقله، أو يسقط نفسه"، أو قال كلمة نحوها.
__________
(1) الإمام محمد الخضر حسين.
(2) الإمام محمود شلتوت.
(3) الإمام محمود شلتوت.
(13/417)

فلما قضى الله قضاءه، واستأثر شيخنا برحمته، هزّني الرجل بكلماته هزّاً، وهو يدعو إلى التأسي به، حتى كأن المسرة كانت ترتجف من هوله ما أصابه، أو من عظمة ما يقول.
أما بعد:
فإن أهمك أن تعرف "الرجل"، فحسبك أنه يشغل مركزاً اجتماعياً خطيراً، ما خلا منصباً أزهرياً كبيراً، فإن لم تعرفه بعد ذلك، فحسبك درس عظيم، من رجل عظيم، في إمام كريم، عاش في الله، وجاهد في الله، ثم مات في الله، ورحل -بإذن الله- إلى الرفيق الأعلى {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ} [النساء: 69].
العالم الأزهري
طه محمد الساكت
(13/418)

القياس في اللغة العربية للأستاذ محمد الخضر حسين عضو مجمع اللغة العربية الملكي (1)
القياس فن واسع الأطراف، متشعب المسالك، يمتُّ إلى كل باب من أبواب اللغة بصِلة، ويكاد يجري ذكره عند كل مسألة، ولولاه، لضاقت الفصحى على أبنائها، وقعدت بهم عن مسايرة ركب الحياة.
لم يؤلَّف فيه -على ما أعلم- غيرُ هذا الكتاب.
وسبب تأليفه: أن مؤلفه البحاثة الأستاذ محمد الخضر حسين كان يمر في أثناء دراسته لعلوم العربية على أحكام تختلف فيها آراء العلماء، فيقصرها بعضهم على السماع، ويراها آخرون من مواطن القياس.
وقد يحكي بعضُهم المذهبين، دون أن يذكر الأصول التي قام عليها ذلك الاختلاف، فرأى فضيلته: أن التمسك بمثل هذه الأقوال من المتابعة التي لا ترتاح إليها نفس العالم الحر -ولا سيما أن الكتب التي اعتمد عليها أصحاب هذه الأقوال قد أصبحت في متناول أيدينا-، فأخذ يوجه نظره الثاقب إلى الأصول العالية التي يراعونها في أحكام القياس والسماع، حتى ظفر بقواعد صريحة أضاف إليها غيرها مما استنبطه، أو ابتدعه، فكان من ذلك "كتاب القياس".
__________
(1) مجلة "الرسالة" العدد 149 - 20 صفر 1455 ه , القاهرة - للأستاذ سيد أحمد صقر.
(13/419)

شرح الأستاذ في هذا الكتاب حقيقة القياس، وفصَّل شروطه، وجمع أصوله، وضم أشتاتها، وأبرزها في ثوب قشيب، سهلةَ القطاف للراغبين، وقدم له بمقدمة رائعة في فضل اللغة العربية، ونشأتها، ومسايرتها للعلوم المدنية، وحاجتها إلى المجتمع، وتأثيرها في الفكر، وتأثير الفكر فيها، إلى غير ذلك من الأبحاث الموجزة الشائقة.
ثم تكلم عن القياس، ووجه الحاجة إليه، وذكر أقسامه، وخص منها بالبحث: القياس الأصلي، وقياس التمثيل، وتكلم عن الأمور المشتركة بينهما؛ كالقياس في الاتصال، والترتيب والحذف والفصل، إلى آخر تلك المباحث التي طبق فيها المؤلف مفاصل السداد، وأصحاب شواكل المراد، ودل بها على تبحره في علوم اللغة، وتمكنه من ناصيتها.
بيد أني كنت أحب أن يطلق الأستاذ ليراعته العنان، ويبسط القول بعض البسط، ويكثر من المثل والشواهد؛ لتكون الفائدة بكتابه أعم وأعظم. وإن كان للأستاذ العذر فيما ذهب إليه من الإيجاز.
السيد أحمد صقر
(13/420)

الشيخ محمد الخضر حسين (1)
[1]
في ظهر الاثنين (14 رجب 1377 ه - 3 فبراير 1958 م) شيعنا جنازة شيخ من شيوخ الإسلام، وإمام من أئمة الدين، هو: المغفور له الشيخ محمد الخضر حسين -طيب الله ثراه-.
تولى الشيخ الخضر مشيخة الأزهر الشريف في ظلال الثورة المصرية، وبعطف ثوار مصر الأحرار، وذلك يوم الأربعاء (27 من جمادى الأولى 1371 ه -17 سبتمبر 1952 م)، وكان خلال توليه لهذا المنصب الإسلامي الجليل يضرب الأمثلة الرفيعة في العزة والسمو، والكرامة والغيرة على الأزهر ورجاله، وعلى الإسلام ومستقبل المسلمين، واستقال من المشيخة لظروفه الصحية في الثاني من (جمادى الأولى عام 1373 ه - 8 يناير 1954 م).
وتولى تحرير مجلة "نور الإسلام" منذ أصدرها الأزهر الشريف، كما كان رئيساً لتحرير مجلة "لواء الإسلام".
وعين عضواً في (المجمع اللغوي) بالقاهرة منذ إنشائه، واختير عضواً في (جماعة كبار العلماء) بالأزهر الشريف عام 1951 م، وهو منشئ مجلة
__________
(1) من كتاب "من تاريخنا المعاصر" للأستاذ محمد عبد المنعم الخفاجي - الطبعة الأولى (1377 ه - 1958 م).
(13/421)

"الهداية الإسلامية"، وجمعيتها، وقد تولى التدريس في كلية أصول الدين سنين عديدة قبل اختياره لمنصب المشيخة الرفيع.
[2]
ولد الشيخ الخضر بمدينة "نفطة" بالقطر التونسي في (27 رجب عام 1293 ه)، وتلقى ثقافته الأولى، وحفظ القرآن الكريم في بلاده، وفي هذا الحين كان قد انتقل مع أسرته إلى العاصمة "تونس" عام 1306 ه، ودخل الكلية الزيتونية عام 1307 ه , وتلقى تعليمه الديني فيها على شيوخ أجلاء.
وفي عام 1317 ه رحل إلى طرابلس، ثم عاد إلى تونس، ووالى دراسته في الزيتونة إلى عام 1321 ه، وأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ثم ولي القضاء في مدينة "بنزرت" عام 1323 ه، وعمل كذلك في الخطابة والوعظ والتدريس في جامعها الكبير، وسرعان ما استقال، ورجع إلى العاصمة، وتطوع للتدريس في الزيتونة، وأشرف على خزائن الكتب فيها.
وفي عام 1323 ه اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وعين مدرساً رسميًا بالمدرسة الصادقية، وفي المدرسة الخلدونية.
وأخذ يكافح الاستعمار، واشترك في الكفاح في الحرب الطرابلسية التي نشبت بين الطليان والعثمانيين، ونشرت له قصيدته:
رُدُّوا على مجدِنا الذِّكْرَ الذي ذَهَبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ دَهَى حِقَبا
ورحل إلى الجزائر، فزار مدنها، وألقى الدروس في مساجدها، ثم عاد إلى تونس يوالي تدريسه في الزيتونة.
وفي عام 1330 ه سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ومنها سافر إلى القسطنطينية، وأقام فيها وقتاً قليلاً، ثم عاد إلى تونس في آخر هذه السنة،
(13/422)

ونشر رحلته المفيدة عن عاصمة الخلافة، وعين عضواً في اللجنة التي أُلفت لكتابة التاريخ التونسي وتحقيقه.
ثم هاجر إلى مصر، وسافر إلى دمشق، فالمدينة المنورة، فالقسطنطينيهَ، ثم عاد إلى دمشق، وعمل مدرساً بالمدرسة السلطانية فيها، ونشبت الحرب، وثار الشيخ مع الأحرار ضد الاستبداد التركي، فاتهمه جمال باشا حاكم سورية بالتآمر، واعتقله أكثر من ستة شهور، وحوكم، فبرأته المحكمة، وأطلق سراحه في ربيع الثاني عام 1335 ه، فعين محرراً بالقلم العربي بوزارة الحربية، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا؛ ليعظ الجنود المسلمين فيها، ورجع إلى الشام مدرساً بالمدرسة السلطانية، ولما احتلت فرنسا الشام عام 1336 ه , هاجر إلى مصر، وأقام فيها مكرماً من شعبها وحكومتها، وشتى الهيئات العلمية والدينية والأدبية فيها.
وألَّف عدة كتب مرموقة، منها: "الرد على آراء الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي".
وظلَّ عاكفاً على المحاضرة في (جمعية الهداية)، والكتابة في المجلات التي تولى التحرير فيها، والتدريس في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، والبحث في المجمع اللغوي، حتى اختير عضواً في جماعة كبار العلماء، فشيخاً للأزهر الشريف.
ولما ترك الأزهر، عاد إلى نشاطه العلمي والإسلامي مبجَّلاً مهيباً مرموقاً، حتى توفاه الله إلى رحمته ورضوانه، مذكوراً بالخير والتقدير والإكبار من جميع عارفي فضله، ومبجِّلي علمه، ومن تلامذته ومريديه والمستفيدين من تفكيره -رحمه الله، وأكرم مثواه-.
(13/423)

محمد الخضر حسين (1) (1877 - 1958 م)
عَلَمٌ من أعلام الإسلام والعروبة، جمع بين التفقه في الدين واللغة والأدب.
ولد المرحوم الشيخ الأكبر محمد الخضر حسين في سنة 1877 م في بلد من أعمال تونس، وحفظ القرآن الكريم، وشدا شيئاً من الأدب في بلدته على أيدي علمائها، فتذوق طعم الأدب منذ نشأته، بل حاول نظم الشعر وهو في الثانية عشرة، وبعدها التحق بجامع الزيتونة سنة (1307 ه / 1889 م) بعد أن نال منه درجة العالمية، ودخل بعد ذلك معترك الحياة، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة أنشئت ببلاد المغرب العربي، وكانت مجلة علمية أدبية، ثم تولى القضاء في "بَنْزَرْت" سنة 1905 م، وتركه ليعمل بالتدريس في جامع الزيتونة، ثم رحل عن تونس إلى دمشق إثر ثورات وطنية؛ حيث صمم الفرنسيون على التنكيل بكل من يوقظ روح الوطنية ضد المستعمر الفرنسي.
وعمل في دمشق بالتدريس بالمدرسة السلطانية سنة 1912 م، ثم رحل بعدها إلا الآستانة، وسافر بعد ذلك إلى ألمانيا مرتين، كانت المرة الأخيرة
__________
(1) من كتاب "المعجميون في خمسة وسبعين عاماً" للدكتور محمد مهدي علام، والدكتور حسن عبد العزيز - طبع (1428 ه - 2007 م)
(13/424)

حين احتل الحلفاء الآستانة، وهناك المنتقى بزعماء الحركة الإسلامية، كالشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد، وانتقل الشيخ بعد ذلك إلى مصر، وقام فيها بأعمال جليلة، فاشترك في تأسيس مجلة "نور الإسلام"، وهي التي أصبح الآن اسمها مجلة "الأزهر".
وضمه الأزهر إلى علمائه أستاذاً في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء، ثم عين شيخاً للأزهر سنة 1952 م. وعندما أنشئ (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة سنة 1932 م كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته سنة 1933 م.
وقد كانت حياة الشيخ كلها دفاعاً عن الدين والوطن العربي، ولقي في سبيل ذلك تغربه عن موطنه.
يقول الشيخ في بعض حديثه: "خاطبتني المحكمة الفرنسية سنة 1325 ه -بإشارة من شيخ المدينة- أن أكون عضواً في المحكمة؛ لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت عن هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري".
وكان يرى أن الطريق إلى إعادة مجد المسلمين الضائع هو الإيمان، والاتجاه إلى الصناعة والعلوم المادية وفي ذلك يقول:
أبناءَ هذا العصر هل من نَهضةٍ ... تَشْفِي غليلاً حَرُّه يَتَصَعَّدُ
هَذي الصَّنائعُ ذُلّلتْ أدواتها ... وسبيلُها للعالمينَ مُمَهَّدُ
إنَّ المعارفَ والصَّنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ التَّرقي من سواها مُوصَدُ
قال عنه الأستاذ محمد علي النجار في حفل تأبينه:
"وجملة القول: إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره
(13/425)

إلا في النَّدْرَى، فقد كان عالماً ضليعاً، وكان -مع ذلك- عالماً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصدُ الناس ومعاقد شؤونهم، حفظاً على العربية والدين، يردُّ ما يوجه إليهما، وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال. وكان عفَّ اللسان والقلم، لا يتناول المنقود بما يُخزيه، وما يَثْلم عرضه، وكان يكره ذلك لمجادله وخصمه". مجلة "المجمع" (ج 14).
وله مؤلفات كثيرة، منها:
1 - "بلاغة القرآن".
2 - "العظمة".
3 - "تونس وجامع الزيتونة".
4 - "الموافقات في أصول الأحكام".
5 - "علماء الإسلام في الأندلس".
6 - "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان".
7 - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، المكتبة العلمية - بيروت.
8 - "حياة اللغة العربية".
9 - "الدعوة إلى الإصلاح".
10 - "الخطابة عند العرب".
11 - "تراجم الرجال".
12 - "خواطر الحياة"، (ديوان الشعر).
13 - "رسائل الإصلاح".
(13/426)

14 - "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
15 - "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها".
16 - "الخيال في الشعر العربي".
17 - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
18 - "دراسات في العربية وتاريخها".
* أعماله المجمعية:
أ - اللجان التي اشترك فيها:
اشترك في كثير من لجان المجتمع؛ مثل:
لجنة اللهجات، ولجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة دراسة معجم (فيشر)، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة الأصول، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، ولجنة المساحة والعمارة، ولجنة المعجم الوسيط.
ب - البحوث والمقالات:
البحوث والمقالات التي ألقاها أو نشرها بالمجلة كثيرة، نذكر منها:
1 - التضمين. (محاضر جلسات دور الانعقاد الأول).
2 - نيابة بعض الحروف عن بعض. (محاضر جلسات دور الانعقاد الأول).
3 - المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية. (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج 1).
4 - شرح قرارات المجمع والاحتجاج لها (تكملة مادة لغوية ورد بعضُها في المعجمات، ولم ترد بقيتها). (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج 2).
(13/427)

5 - الاستشهاد بالحديث في اللغة. (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج 3).
6 - وصف جمع العاقل بصيغة فعلاء. (د 14، جلسة 11 للمؤتمر - مجلة "مجمع اللغة العربية"ج 7).
7 - اسم المصدر في المعاجم. (د 16، جلسة 9 للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغة العربية" ج 8).
8 - طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية. (د 17، جلسة 12 للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغير العربية" ج 8).
9 - الشعر البديع في نظر الأدباء. (د 21، جلسة 8 للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغة العربية" ج 11).
10 - من وثق من علماء العربية ومن طُعن فيه. (د جلسة 2 للمؤتمر - مجلة "مجمع اللغة العربية"ج 12).
وقد صدرت له في تونس ترجمة وافية في كتاب "أعلامنا: محمد الخضر حسين" للأستاذ أبي القاسم محمد كرو. وقد وصلني هذا الكتاب وأنا أقدم: "المجمعيون في خمسين عاماً" للمطبعة.
(13/428)

شهادة عن الشيخ محمد الخضر حسين (1)
التقيت بأحد تلامذة الشيخ محمد الخضر حسين بجامع الأزهر بالقاهرة، وهو الشيخ أحمد بوقرة العوني التونسي، وكان تتلمذ على يديه طيلة عشر سنوات.
قلت له: هاتِ حدثني عن شيخك شيخ الأزهر، والعالم التونسي الكبير، صاحبِ المؤلفات الكثيرة، ومن أشهر العلماء التونسيين في الشرق، ممن أسدَوا له الخدمات العلمية الجليلة.
قال الشيخ: ولد محمد الخضر في "نفطة"، ثم تحول إلى تونس وعمره ستَّ عشرة سنة، كانت له علامة بالكيِّ في عنقه. وسكن بتونس في الأول في نهج المرّ بباب منارة، في منزل أخيه العالم محمد المكي بن الحسين.
وسرعان ما ارتبط بعلاقة وثيقة مع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ولم يكن يفرق بينهما في العمر غير سنتين، وكان يسهر معه في داره، وكان
__________
(1) بقلم الباحث والكاتب التونسي الدكتور أحمد الطويلي، صحيفة الحرية، الملحق الثقافي، الصادر في 31/ 1/ 2002 م، تونس. وقدمت الصحيفة المقال بقولها: "يبقى الشيخ محمد الخضر حسين علماً تونسياً بارزاً، استفادت من خدماته وعلمه وفكره كل الأمة العربية والإسلامية".
(13/429)

الشيخ الطاهر يقاسمه طعامه، وقد نظم محمد الخضر شعراً توجه به لمحمد الطاهر بن عاشور قال له:
أَينعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ ... وأسلو بطيفٍ والمنامُ شريدُ
لقيتُ الودادَ الحرَّ في قلب ماجدٍ ... وأصدقُ مَنْ يُصفي الودادَ مجيدُ
فأين ليالينا وأسمارُنا التي ... تُبَلُّ بها عند الظَّماء كبودُ
ليالٍ قضيناها بتونسَ ليتها ... تعود وجيشُ الغاصبين طريدُ
فأجابه محمد الطاهر بن عاشور من قصيدة:
إذا ذكروا للودِّ شخصاً محافِظاً ... تجلّى لنا مرآك وهو بعيدُ
إذا قيل مَنْ للعلمِ والفكرِ والتُّقى ... ذكرتُك إيماناً بأَنكَ فريدُ
فقل لليالي جَدِّدي من نظامنا ... فحسبكِ ما قد كان فهو شديدُ
عيِّن محمد الخضر حسين قاضياً ببنزرت، وكان يخطب في الجُمع، وضايقته حكومة الحماية الفرنسية حينما أصدر مجلة "السعادة العظمى"، فأراد الانتقال إلى الشرق، وتحول إلى مصر، وألقى بالجامع الأزهر درساً حضره أكبر المشايخ، فأعجبوا بعلمه، وقال له الشيخ عبد المجيد الغرياني: لقد ذكرتنا بابن عرفة.
وسمع وهو غائب في مصر بأنه عُزل من التدريس بجامع الزيتونة، فعاد إلى تونس، ثم صمم على الرحلة إلى بيت الله الحرام، فباع منزله، وتوجه إلى المشرق عن طريق أوربا. وقصد سويسرا مع ثلاثة من المشايخ، وقد نفد ما عندهم من مال، واتصل بهم وزير مشرقي حينما علم بهم، واقترح عليهم الذهاب إلى ألمانيا للقيام بنشاط سياسي، فرحبوا بالفكرة؛ لأن ألمانيا كانت
(13/430)

حليفة الدولة العثمانية، وقاموا هناك بخدمات لفائدة سياسية ضد الحلفاء.
وفي ألمانيا اتصل الخضر بألماني، واقترح عليه تعليمه الألمانية، وبالمقابل يعلمه العربية، وهذا ما كان.
وفي ألمانيا بلغه نعيُ خاله العالم محمد المكي بن عزّوز، فرحل إلى إسطنبول، وأسرع بالتوجه إلى قبره، ورثاه بقصيدة قال فيها:
رُبَّ شمسٍ طلعتْ في مغربٍ ... وتوارى في ثَرى الشرقِ سَناها
ها هنا شمسُ علومٍ غَرَبَتْ ... بعد أن أبلَتْ بترشيشَ (1) ضُحاها
بفؤادي لَوْعَةٌ من فقدِها ... كما أذكرُهُ اشتدَّ لَظاها
طِبْ مقاماً يا بنَ عَزُّوزٍ فقدْ ... كنت تُعطي دعوةَ الحقِّ مُناها
وأقام في إسطنبول، ودرس الحديث النبوي الشريف، ثم رحل إلى سورية، وألقى فيها دروساً لاقت الاستحسان والإعجاب. وإذ ذاك سمع بأن فرنسا أرسلت قواها إلى سورية، وخشي من أن تلاحقه، وأُوصي بأن يغادر بَرَّ الشام، وقيل له: إنك محكوم عليك بالإعدام في تونس؛ لنشاطك السياسي بها وبألمانيا، فانتقلَ إلى القاهرة، ونزلَ بحيّ خان الخليلي قرب سيدِنا الحسين.
وقد ارتبط محمد الخضر بعلاقة وطيدة مع أحمد تيمور، فكنت تراهما دومًا معاً، وكانا صديقين وفيين لبعضهما بعضاً، وهو الذي قربه إلى الملك فؤاد، فصار يجالسه، وكتب له كتاب "نقض كتاب الشعر الجاهلي" رداً على طه حسين، وكان يشتغل في دار الكتب، فأمر الملك بأن يكون مدرساً بالجامع
__________
(1) اسم قديم لتونس.
(13/431)

الأزهر، وامتُحن بالرواق العباسي، ونال شهادة العالمية هنالك، وصار مدرساً بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، يُدرِّس للقضاة السياسة الشرعية إلى أن تولى مشيخة الأزهر.
(13/432)

الشيخ الخضر حسين منافح عن الإسلام والعروبة (1)
فتحت مصر أبوابها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري لزعماء النهضة والإصلاح، واستقبلت قادةَ التحرير في العالم الإسلامي، فحلُّوا بها خيرَ محلّ، ولَقُوا من الحفاوة والكرم ما جعلهم ينعَمون بالاستقرار فيها، وصارت القاهرة كعبةَ العلماء، ومهوى الأفئدة، اتخذها بعضهم موطناً دائماً له، واستقر بعضهم فيها حيناً من الدهر، ثم عاد إلى بلاده.
واستقبلت مصر في هذه الفترة محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار"، ومحب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية المجاهد المعروف، والعلامة محمد صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، ووكيله الشيخ محمد زاهد الكوثري، والشيخ محمد الخضر حسين، وغيرهم.
ولم تكتف مصر بحسن استقبال هؤلاء الأعلام النابهين، بل منحت بعضَهم جنسيتها، وبوأته أعلى المناصب الدينية، مثلما فعلت مع الشيخ محمد الخضر الحسين؛ حيث اختارته ضمن الرعيل الأول المؤسس ل (مجمع اللغة العربية)، وعينته أستاذاً في كلية أصول الدين، وكافأته بتنصيبه شيخاً للجامع الأزهر.
__________
(1) http://www.nahdha.net/library/khidhrweb.htm
(13/433)

* المولد والنشأة:
ولد محمد الخضر حسين بمدينة "نفطة" التونسية في (26 رجب 1293 ه / 16 أغسطس 1876 م)، ونشأ في أسرة كريمة تعتز بعراقة النسب، وكرمِ الأصل، وتفخر بمن أنجبت من العلماء والأدباء، وفي هذا الجو المعبق بأريج العلم نشأ "الخضر حسين"، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وشدا شيئاً من الأدب والعلوم الشرعية، ثم انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة سنة (1305 ه، 1887 م)، وهو في الثانية عشرة من عمره، والتحق بجامع الزيتونة، وأكبّ على التحصيل والتلقي، وكانت الدراسة فيه صورة مصغرة من التعليم في الجامع الأزهر في ذلك الوقت، تُقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير وحديث وفقه وعقيدة، وعلوم اللغة؛ من نحو وصرف وبيان، وكان من أبرز شيوخه الذين لصل بهم، وتتلمذ لهم: عمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وكانا يدرسان تفسير القرآن الكريم، والشيخ سالم بوحاجب، وكان يدرس "صحيح البخاري"، وقد تأثر به الخضر الحسين، وبطريقته في التدريس.
* بعد التخرج:
تخرج محمد الخضر الحسين في الزيتونة، غزيرَ العلم، واسع الأفق، فصيح العبارة، محباً للإصلاح، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة (1321 ه، 1904 م)؛ لتنشر محاسن الإسلام، وترشد الناس إلى مبادئه وشرائعه، وتوقظ الغافلين من أبناء أمته، وتفضح أساليب الاستعمار، وقد لفت الأنظار إليه بحماسه المتقد، ونظراته الصائبة، فعهد إليه بقضاء "بنزرت"، والخطابة بجامعها الكبير سنة (1324 ه، 1905 م)، ولكنه لم يمكث في منصبه طويلاً،
(13/434)

وعاد إلى التدريس بجامع الزيتونة، وتولى تنظيم خزائن كتبه، ثم اختير للتدريس بالمدرسة الصادقية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في تونس، وقام بنشاط واسع في إلقاء المحاضرات التي تستنهض الهمم، وتنير العقول، وتثير الوجدان، وأحدثت هذه المحاضرات صَدًى واسعاً في تونس.
ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الدولة العثمانية وإيطاليا، وقف الخضر حسين قلمه ولسانه إلى جانب دولة الخلافة، ودعا الناس إلى عونها ومساندتها، وحين حاولت الحكومة ضَمَّه إلى العمل في محكمة فرنسية، رفضَ الاشتراك فيها، وبدأ الاستعمار الفرنسي يضيق عليه، ويتهمه ببث روح العداء له، فاضطر الشيخ محمد الخضر الحسين إلى مغادرة البلاد سنة (1329 ه، 1910 م)، واتجه إلى إستانبول.
* بين إستانبول ودمشق:
بدأ الخضر حسين رحلته بزيارة مصر وهو في طريقه إلى دمشق، ثم سافر على إستانبول، ولم يمكث طويلاً، فعاد إلى بلاده ظاناً أن الأمور قد هدأت بها، لكنه أصيب بخيبة أمل، وقرر الهجرة مرة ثانية، واختار دمشق وطنًا له، وعُين بها مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (1331 ه , 1912 م)، ثم سافر إلى إستانبول، واتصل بأنور باشا وزير الحربية، فاختاره محرراً عربياً بالوزارة، ثم بعثه إلى برلين في مهمة رسمية، فقضى بها تسعة أشهر، وعاد إلى العاصمة العثمانية، فاستقر بها فترة قصيرة لم ترقه الحياة فيها، فعاد إلى دمشق، وفي أثناء إقامته تعرض لنقمة الطاغية "أحمد جمال باشا" حاكم الشام، فاعتقل سنة (1334 ه، 1916 م)، وبعد الإفراج عنه عاد إلى إستانبول، وما كاد يستقر بها حتى أوفده أنور باشا مرة أخرى إلى ألمانيا
(13/435)

سنة (1334 ه , 1916 م)، والتقى هناك بزعماء الحركات الإسلامية؛ من أمثال: عبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، وأحمد فؤاد، ثم عاد إلى إستانبول، ومنها إلى دمشق؛ حيث عاد للتدريس بالمدرسة السلطانية، ودرّس لطلبته "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام النحوي المعروف، حتى إذا تعرضت الشام للاحتلال الفرنسي، اضطر الخضر الحسين إلى مغادرة دمشق، والتوجه صوب القاهرة.
* الاستقرار في القاهرة:
نزل محمد الخضر القاهرة سنة (1339 ه , 1920 م)، واشتغل بالبحث وكتابة المقالات، ثم عمل محرراً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، واتصل بأعلام النهضة الإسلامية في مصر، وتوثقت علاقته بهم، ثم تجنّس المصرية، وتقدم لامتحان شهادة العالمية بالأزهر، وعُقدت له لجنة الامتحان برئاسة العلامة عبد المجيد اللبان، مع نخبة من علماء الأزهر الأفذاذ، وأبدى الطالب الشيخ من رسوخ القدم ما أدهش الممتحنين، وكانت اللجنة كلما تعمقت في الأسئلة، وجدت من الطالب عمقاً في الإجابة، وغزارة في العلم، وقوة في الحجة، فمنحته اللجنة شهادةَ العالمية، وبلغ من إعجاب رئيس اللجنة بالطالب العالم أن قال: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ".
* معاركه الفكرية:
شاءت الأقدار أن تُمتحن الحياة الفكرية بفتنة ضارية أثارها كتابا: "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكان الشيخ محمد الخضر حسين واحداً ممن خاضوا هذه المعركة بالحجة القوية، والاستدلال الواضح، والعلم الغزير.
(13/436)

أما الكتاب الأول، فقد ظهر في سنة (1344 ه ,1926 م)، وأثار ضجة كبيرة، وانبرت الأقلام بين هجوم عليه، ودفاع عنه، وقد صدم الكتاب الرأي العام المسلم حين زعم أن الإسلام ليس دين حكم، وأنكر وجوب قيام الخلافة الإسلامية، ونفى وجود دليل عليها من الكتاب والسنّة، وكانت الصدمة الثانية: أن يكون مؤلف هذا الكتاب عالماً من علماء الأزهر.
وقد نهض الشيخ محمد الخضر حسين لتفنيد دعاوى الكتاب، فأصدر كتابه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" سنة (1344 ه، 1926) تتبع فيه أبواب كتاب علي عبد الرازق، فكان يبدأ بتلخيص الباب، ثم يورد الفقرة التي تعبر عن الفكرة موضوعِ النقد، فيفندها، ونقد استخدام المؤلف للمصادر، وكشف أنه يقتطع الجمل من سياقها، فتؤدي المعنى الذي يقصده هو، لا المعنى الذي يريد المؤلف.
وقد كشف الخضر الحسين في هذا الكتاب عن علم غزير، وإحاطة متمكنة بأصول الفقه، وقواعدِ الحجاج، وبصيرة نافذة بالتشريع الإسلامي، ومعرفة واسعة بالتاريخ الإسلامي ورجاله وحوادثه.
وأما الكتاب الآخر، فقد ظهر سنة (1345 ه , 1927 م)، وأحدث ضجة هائلة؛ حيث جاهر مؤلفة الدكتور طه حسين بالاحتقار والشك في كل قديم دُوِّن في صحف الأدب، وزعم أن كل ما يُعد جاهلياً، إنما هو مختلَق ومنحول، ولم يكتف بهذه الفرية، فجاهر بالهجوم على المقدسات الدينية؛ حيث قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي ... "، وقد انبرت أقلام غيورة لتفنيد ما جاء في كتاب "الشعر الجاهلي" من أمثال: الرافعي،
(13/437)

والغمراوي، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضر حسين، الذي ألف كتاباً شافياً في الرد على طه حسين، وكتابه بعنوان: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فَنَّدَ ما جاء فيه، وأقام الأدلة على أصالة الشعر الجاهلي، وكشفَ عن مجافاة طه حسين للحق، واعتماده على ما كتبه المستشرق الإنجليزي (مرجليوث)، دون أن يذكر ذلك.
* في ميادين الإصلاح:
اتجه الشيخ إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فاشترك مع جماعة من الغيورين على الإسلام سنة (1346 ه، 1928 م) في إنشاء (جمعية الشبان المسلمين)، ووضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت الجمعية بنشر مبادئ الإسلام، والدفاع عن قيمه الخالصة، ومحاربة الإلحاد العلمي، ولا تزال هذه الجمعية -بفروعها المختلفة- تؤدي بعضاً من رسالتها القديمة.
وأنشأ -أيضاً- (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعيًا، وضمت عدداً من شيوخ الأزهر وشبابه، وطائفة من المثقفين، وكوّن بها مكتبة كبيرة كانت مكتبته الخاصة نواة لها، وأصدر مجلة باسمها كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع، واللغة والتاريخ.
وإلى جانب هذا النشاط الوافر تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" -الأزهر الآن- التي أصدرها الأزهر في (المحرم 1349 ه , 1931 م)، ودامت رئاسته لها ثلاثة أعوام، كما تولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام" سنة (1366 ه، 1946 م)، وتحمَّل إلى هذه الأعباء: التدريس بكلية أصول الدين، فالتف حوله الطلاب، وأفادوا من علمه الغزير، وثقافته الواسعة.
(13/438)

وعندما أنشئ (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة (1350 ه , 1932 م)، كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته، كما اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة ببحوثه القيمة عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل، وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدِها في البلاد العربية.
* مشيخة الأزهر:
نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (1375 ه، 1955 م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخاً للجامع الأزهر في (26 ذي الحجة 1371 ه، 16 سبتمبر 1952 م)، وكان الاختيار مفاجئًا له، فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما أكبر في السن، وضعفت صحته، لكن مشيئة الله تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح؛ حيث اعتلى أكبرَ منصب ديني في العالم الإسلامي.
وكان في ذهن الشيخ حين ولي المنصب الكبير وسائلُ لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، وبرامج للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، ئم لم يلبث أن قدم استقالته احتجاجاً على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي، وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساسي للتشريع، وكانت استقالته في (2 جمادى الأول 1372 ه، 7 يناير 1954 م).
ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيدٌ من
(13/439)

الازدهار على يدي، فلا أقلَّ من أن لا يحصل له نقص". وكان كثيراً ما يردد: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
* مؤلفاته:
كان الشيخ عالماً، فقيهاً، لغوياً، أديباً، كاتباً من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر، وترك للمكتبة العربية زاداً ثرياً من مؤلفاته، منها:
- "رسائل الإصلاح"، وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية، ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.
- "الخيال في الشعر العربي".
- "آداب الحرب في الإسلام".
- "تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي".
- ديوان شعر "خواطر الحياة".
بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة الأزهر "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام"، و"الهداية الإسلامية".
* وفاته:
وبعد استقالته من المشيخة تفرغ للبحث والمحاضرة حتى لبى نداء ربه في مساء الأحد (13 من رجب 1377 ه , 28 فبراير 1958 م)، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره، إلا في النّدْرى؛ فقد كان عالماً ضليعاً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظًا على العروبة والدين، يردُّ على ما يوجَّه إليهما،
(13/440)

وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عفَّ اللسان والقلم ... ".
* من مصادر الدراسة:
- أنور الجندي: الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقية -الدار القومية للطباعة والنشر- القاهرة- (1385 ه، 1965 م).
- علي عبد العظيم: مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن -مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية- القاهرة - (1399 ه , 1979 م).
- محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق - (1415 ه، 1995 م).
- محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عاماً - مطبوعات مجمع اللغة العربية - القاهرة - (1406 ه، 1986 م).
- محمد علي النجار: كلمة في تأبين الشيخ محمد خضر حسين - محاضر جلسات مجمع اللغة العربية - الجزء الحادي والعشرون.
(13/441)

العَلَّامة محمد الخضر الحسين (1)
* نسبه:
هو العالم، العلامة، اللاحق السابق، خاتمة العلماء المحققين، الشيخ محمد الخضر بن السيد حسين التونسي.
* ولادته:
ولد المترجم في بلدة "نفطة" من مقاطعة الجريد بالقطر التونسي سنة ألف ومئتين واثنين وتسعين، الموافق سنة ألف وثمان مئة وأربع وسبعين ميلادي.
* نشأته:
نشأ المترجم على الأخلاق الفاضلة، والفعال الجميلة، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، انتقل مع والده إلى عاصمة البلاد "تونس"، والتحق بجامع الزيتونة أرقى المعاهدِ الدينية في تلك البلاد، وحصل منه على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.
* أعماله في بلاده:
تولى المترجَم القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت" وملحقاتها سنة ألف وتسع مئة وخمس، ثم ترك القضاء رغبة في التعليم، فعيِّن مدرساً للدروس
__________
(1) من كتاب "أعلام الإسلام" للأستاذ عبد الوهاب سكر - طبع المكتبة العربية بحلب.
(13/442)

الدينية والعربية في جامع الزيتونة، كما تولى التدريس في المدرسة الصادقية.
وأنشأ مجلة تسمى: مجلة "السعادة العظمى"، وأغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي.
* هجرته إلى دمشق وأعماله فيها:
ولما حكم عليه بالإعدام؛ لاشتغاله بالسياسة، ودعوته إلى النضال ضد فرنسا، هاجر مع عائلته إلى دمشق، سنة ألف وثلاث مئة واحدى وثلاثين، واتصل بطبقاتها، فحصلت له المكانة عند الجميع. وتولى في دمشق التدريس في المدارس الرسمية، والأهلية، ثم عُين محرراً في ديوان وزارة الحربية التركية، وفي إبان الحرب العالمية الأولى سافر مرتين إلى ألمانيا بمهمة رسمية موفَداً من قبل أنور باشا وزير الحربية.
* اعتقاله في دمشق:
ولما رجع من مهمته قادماً من دمشق، اعتقله جمال باشا -فورَ وصوله- أشهراً بدمشق، بدون سبب ولا موجب، سوى منعه من التدريسة خشية أن يبث أفكاراً تنافي رغبة السفاح، ثم أفرج عنه.
* هجرته إلى مصر، وأعماله فيها:
وفي سنة ألف وتسع مئة واثنتين وعشرين ميلادية هاجر المترجم إلى القاهرة لاجئاً سياسياً؛ فراراً من ملاحقة الافرنسيين، ودخل فحص الشهادة العالمية الأزهرية، فاستحقها، ثم عين من قبل وزارة المعارف مصححاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، ثم رغب في التدريس، فعين مدرساً للفقه في كلية أصول الدين، ثم عين أستاذاً بأقسام التخصص في كليتي الشريعة وأصول الدين، وبقي مدرساً قريباً من عشرين سنة، كما عين عضواً في (المجمع
(13/443)

اللغوي بالقاهرة، وقدم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية"، فنال بها عضوية هيئة كبار العلماء، وفي سنة ألف وتسع مئة واثنتين وخمسين اختير لمشيخة الأزهر.
* جهوده الدينية والاجتماعية:
وفي مدة إقامته في القاهرة، أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية)، وأصدر مجلة تحمل نفس الاسم، واستلم تحرير مجلة "نور الإسلام"، كما استلم تحريرها حينما سميت: مجلة "الأزهر"، وترأس (جمعية جبهة الدفاع الإفريقي الشمالي).
* مؤلفاته:
له مؤلفات كثيرة ونافعة، منها: "رسائل الإصلاح"، ثلاثة أجزاء، "القياس في اللغة العربية"، وهو الذي نال به عضوية هيئة كبار العلماء، "الحرية في الإسلام"، "مناهج الشرف"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "الخيال في الشعر العربي"، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكلها مطبوعة، وغير ذلك.
* وفاته:
توفي -رحمه الله- عصر يوم الأحد الثاني عشر من شهر رجب سنة ألف وثلاث مئة وسبع وسبعين هجرية، الموافق اليوم الثاني من شهر شباط سنة ألف وتسع مئة وثمان وخمسين ميلادية، ودفن بتربة آل تيمور -رحمه الله رحمة واسعة- (1).
__________
(1) الأستاذ الجليل الشيخ بهجة البيطار في أول كتاب للمترجم "دراسات في العربية وتأريخها".
(13/444)

إفريقيا الشمالية حديث لرئيس جبهة الدفاع عنها (1)
قال مندوب "الأهرام" فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين لمناسبة عودته إلى جبهة الدفاع عن إفريقية الشمالية. وقد تحدث فضيلته عن هذه الجبهة، فذكر أنها تتألف من تونسيين، وجزائريين، ومراكشيين درسوا قضية المغرب دراسة وافية، وآمنوا بأن نضالهم من أجلها إنما هو نضال عن حقوق خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، ما زالوا يزدادون على مر الأيام حماسة لقضيتهم، وعزماً على تذليل كل ما يعترض سبيلهم من صعاب.
وهنا قال: إن الصلة بين الجبهة وأمانة جامعة الدول العربية وثيقة العرا، وقد ازدادت توثقاً بتصريحات سعادة عبد الرحمن عزام باشا، وبالقرار الذي أصدره مجلس الجامعة بشأن الاتجاه إلى تحرير المغرب من الاحتلال المزري بالكرامة والإنسانية.
وخلص من ذلك إلى الحديث عن البرنامج الوطني للجبهة، فذكر أنه يقوم على التماس جميع الوسائل التي تبعها الأحرار المناهضون لمكافحة أو نصرة حق. وقد عقدت الجبهة العزم على المضي في سبيل الوصول إلى غايتها الوطنية.
__________
(1) مجلة "سعادة الشباب"، العدد 3، تاريخ 19/ 3/ 1366 م.
(13/445)

التعريف والنقد دراسات قي العربية وتاريخها تأليف محمد الخضر حسين (1)
المدرسة القديمة في تلقي علوم الدين وعلوم اللغة العربية، التي كان يتربم فيها الشيخ على دكة، أو على الأرض، مستنداً إلى عمود في مسجد، أو غيرَ مستند، وأمامه حلقة من الطلاب يقرؤون عليه كتباً صفراء قديمة، وهو يشرح ويعلق ما يطيب له الشرح والتعليق؛ كمثل الكتب التي ذكر الأستاذ بهجة البيطار في مقدمة الكتاب الذي نحن بصدده: أنها الكتب التي كانوا يقرؤونها على أستاذهم الشيخ محمد الخضر حسين، وهي: "كتاب المستصفى في أصول الفقه" لحجة الإسلام الغزالي، وكتاب "بداية المجتهد" للفيلسوف ابن رشد في فن الخلاف، و"صحيح الإمام مسلم" في علم الحديث، و"المغني في العربية" لشيخ النحاة ابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد، هذه المدرسة القديمة أوشك أن يعفي عليها الزمن، ولم تستطع الجامعات الحديثة - بما فيها الجامعة الأزهرية - أن تكون الخلائف الصحيحة لها، وأن تقوم بوظيفتها.
تلك مشكلة خطيرة من مشكلات تكون العلماء والباحثين في علوم الدين وعلوم العربية، لسنا في مجال بحثها، ولكن ذكرني بها الكتاب القيم:
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" بدمشق، الجزء الأول من المجلد السادس والثلاثين، مقال للأستاذ عبد الكريم زهور.
(13/446)

"دراسات في العربية وتاريخها" للمغفور له محمد الخضر حسين. وقد جمع الأستاذ علي الرضا التونسي (1) في هذا الكتاب أبحاثاً طُبعت أول مرة في كتيبات منفردة، وهي: "القياس في اللغة العربية"، و "حياة اللغة العربية"، و"الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع"، وأخرى نُشرت في مجلة "الهداية الإسلامية"، وهي: "الاستشهاد بالحديث في اللغة"، و"موضوع علم النحو"، و"التضمين"، و"تيسير وضع مصطلحات الألوان"، و"طوق وضع المصطلحات"، و"حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها".
وقد ذكر لي الأستاذ أحمد راتب النفاخ: أن هنا سقطاً (2) في بحث القياس، وحين قرأته اختل بالفعل أمامي المعنى بين آخر صفحة (31)، وأول صفة (32)، وحين رجعت إلى كتيب "القياس في اللغة العربية" (المطبوع في المطبعة السلفية سنة 1353 ه) وجدت أن أربعة أسطر قد سقطت هي: " ... أن يجري حذف "أن" المصدرية -كما ورد في الآية- مجرى ما يصح القياس عليه".
"وقرر جماعة من النحاة: أنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، من نحو: "ضربَ عمراً زيدٍ"، وقد ورد على نحو هذا المثال قوله تعالى في قراءة ابن عامر: {قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} ".
__________
(1) الحسيني.
(2) تم استدراكه في الطبعات اللاحقة للكتاب، علماً أن السقط وقع في طبعة 1960 م، دمشق - مكتبة دار الفتح.
(13/447)

العلامة الشيخ محمد الخضر حسين الطولقي مشيخة الأزهر, وتأسيس أول مجلة بتونس (1)
(1873 م - 1958 م)

مما لا شك فيه: أن بلاد المغرب العربي، والجزائر بالخصوص، قد أنجبت الكثير من فطاحل الأعلام والعظماء في شتى الميادين، إلا أن أكثرهم، ولظروف عديدة، قد نبغ، وامتد عطاؤه في المشرق العربي أكثر منه في المغرب، ومن هؤلاء: العلامة الشيخ محمد الخضر حسين الطولقي.
وللأسف الشديد: أن جلّ المشارقة يعلمون أنه من عائلة جزائرية الأصل كانت تسكن منطقة "برج ابن عزّوز"، دائرة طولقة، ولاية بسكرة، إلا أنهم ولأسباب لا يُقرون بذلك!
وفي هذه الدراسة سوف نسلِّط بعض الأضواء واللمحات، حول شخصيته، ومسيرته العلمية، والإصلاحية، والفكرية، والأدبية، والصحفية، كما وجبت الإشارةُ إلى العراقيل التي اعترضت سبيلي في أثناء إعدادي لهذه الترجمة، وخاصة منها: قلة المراجع، وشُحُّها التي تطرقت إلى هذا العَلَم بالدراسة والتحليل، باستثناء بعض الإشارات المقتضبة والمتقطعة في ثنايا مؤلفاته للتعريف به، وكذا كتاب "محمد الخضر حسين الطولقي حياته وآثاره"
__________
(1) من كتاب "أعلام من بسكرة" للكاتب والباحث الجزائري الأستاذ فوزي المصمودي.
(13/448)

للأستاذ محمد مواعدة الذي نال به درجة الكفاءة في البحث سنة 1972 م بتونس، وقد اتخذته أساساً لهذه الدراسة.
* شيء من حياته:
ولد العلامة الشيخ محمد الخضر حسين بنفطة بتونس، في 21 جويلية 1873 م الموافق ل 26 رجب 1293 ه؛ كما أكد ذلك الأستاذ محمد مواعدة في كتابه، وقيل: سنة 1874 م؛ كما في كتابه "القياس في اللغة العربية" الذي طبع -أيضاً- بالجزائر. وقد كان أبوه الحسين بن علي بن عمر من مريدي وأتباع الشيخ مصطفى بن عزوز، وصاحب الطريقة الرحمانية، وجدّ الشيخ محمد الخضر حسين من أمه، أما جده من الأب الشيخُ عليُّ بن عمر، فهو من العلماء الكبار، ومؤسس الزاوية العثمانية الرحمانية بطولقة في 1780 م.
وفي 1837 م هاجر الشيخ مصطفى بن عزوز بمعية عائلته وأتباعه ومريديه إلى "نفطة" بتونس؛ نتيجة للأوضاع المزرية التي تسبَّبَ فيها الاستعمار الفرنسي، وصحب معه ابنَ أخته الشيخ حسين بن علي بن عمر والدَ مترجَمنا الشيخ محمد الخضر حسين، أما خاله، فهو الشيخ العلامة محمد المكي بن عزوز، مفتي "نفطة"، والمدرس بجامع الزيتونة، ومدرس الحديث بمدرسة دار الفنون بالآستانة بتركيا، وقد توفي ودفن بها سنة 1915 م.
وفي هذا الجو العلمي، وببلدة "نفطة" موطن العلماء، والمركز العلمي الشهير بتونس، يترعرع شيخنا محمد الخضر حسين، وينهل من مَعينها، ويسعفه الحظ أن يتتلمذ على يد عدد من علمائها وشيوخها؛ حيث حفظ القرآن على يد مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، ودرس بعض العلوم على يد خاله العلامة محمد المكي بن عزوز.
(13/449)

يقول العلامة محمد الخضر حسين في ديوانه الشعري "خواطر الحياة": نشأت في بلدة من بلاد الجريد التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحاتٌ تهب في مجالس علمائها، كان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم العشر. (من ديوانه الشعري "خواطر الحياة" (ص 6).
وعند بلوغه الثانية عشرة، انتقلت عائلته إلى العاصمة تونس سنة 1886 م، أين تمكن من مواصلة دروسه بجامع الزيتونة مع إخوته الأربعة، وقد كان -زيادةً على دروسه النظامية- يختلف إلى بعض الحلقات والمجالس، وأبرز الذين تاثر بهم هم الشيوخ: سالم بو حاجب، عمر بن الشيخ، محمد النجار، وقد أثنى عليهم في كثير من المناسبات والكتابات، وخاصة من خلال مجلة "الهداية الإسلامية".
وقد بقي شيخنا كذلك حتى تخرج في جامع الزيتونة، وتحصَّل على شهادة التطويع سنة 1898 م، وقد حاول بعدها السفر إلى المشرق العربي؛ لطلب العلم، والاحتكاك ببعض العلماء والمصلحين، لكنه لم يتمكن من ذلك لأسباب مجهولة، برغم أنه وصل إلى ليبيا، ثم عاد أدراجه.
* رحلاته إلى الجزائر:
تمكن شيخنا من زيارة موطنه الأصلي الجزائر مرتين طوال حياته، وقد دَوَّن رحلته الثانية بالتفصيل في مجلة "السعادة العظمى" عددي 19/ 20، وقد كانت الرحلة الأولى سنة 1903 م، أما الثانية، فكانت سنة 1904 م، اتصل من خلالها بعدد من العلماء والمصلحين الجزائريين؛ كالشيخ المصلح
(13/450)

محمد بن أبي شنب، والعلامة الشهير عبد القادر المجاوي، وقد أخذ عن شيخنا: أنه لم يتطرق في وصفه لهاتين الرحلتين للأوضاع المزرية التي يعيشها بنو قومه في ظل الاستعمار الفرنسي الغاشم، وربما تناولها في كتابات أخرى تظل مجهولة.
* إصداره مجلة "السعادة العظمى" (1904 م):
إضافة إلى الدروس التي كان الشيخ يلقيها بجامع الزيتونة والأماكن العامة، ظل يفكر في إيجاد وسيلة أخرى تكون أكثر شمولية، وفي متناول الجميع، فاهتدى إلى إصدار مجلة أطلق عليها اسم: "السعادة العظمى"، وذلك في أفريل 1954 م، وهي أول مجلة عربية صدرت بتونس، وقد كانت نصف شهرية، صدر منها 21 عدداً، ثم انقطعت عن الصدور، وقد كان الشيخ يُعِدُّ بنفسه مادتها الإعلامية، ولهذا عُدَّت تأليفاً من تآليفه، وقد واجهتها العديدُ من العقبات، حتى إن بعض المغرضين طلب من السلطات التونسية توقيفها، وقد رفض الوزير التونسي -آنذاك- محمد العزيز بو عتّور توقيفها، قائلاً: "إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون"، فآزره ثلة من العلماء والمصلحين، ووقفوا بجانبه في هذه المحنة.
* رحلته إلى سورية (1912 - 1920 م):
لم ينقطع شوق الشيخ إلى زيارة المشرق العربي إلى أن تمكن من ذلك سنة 1912 م؛ حيث سافر إلى سورية ماراً بمصر؛ حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا، ومنها إلى الحجاز، وألبانيا، والآستانة، ثم استقر به المقام بدمشق، وقد ابتهج به علماء دمشق، وفرحوا بقدومه؛ لأن شهرته وصلت إليهم من خلال مؤلفاته؛ ك: "الحرية في الإسلام"، و"الدعوة إلى
(13/451)

الإصلاح"، و"حياة اللغة العربية"، كما اتصل بالعديد من العلماء؛ كالشيوخ: يوسف النبهاني، وسعيد الجزائري.
وفي أثناء مقامه بدمشق ساهم في بعث الحركة الإصلاحية، والثقافية، والإعلامية؛ من خلال دروسه بالمدرسة السلطانية، والجامع الأموي، ومقالاته ومجالساته.
كما عُرف عنه الميل إلى تأييد الخلافة العثمانية، ويرغم ذلك، فقد اتهمه الأتراك بالثورة عليهم، فسجن، ولما حوكم، ثبتت براءته، بعدها عيّن منشئاً عربياً بوزارة الحربية العثمانية.
وفي سنة 1919 م تأسس (المجمع العلمي العربي) بدمشق، فعين العلامة محمد الخضر حسين عضواً عاملاً به.
* رحلته إلى مصر:
بعد احتلال سورية من طرف الاستعمار الفرنسي سنة 1920 م إثرَ معركة ميسلون الشهيرة، قرر شيخنا الرحيل إلى مصر، وهي الفترة التي عَرف فيها الشيخ الاستقرار والشهرة العلمية وقيمة العطاء، وفي أثناء مكوثه بمصر سقطت الخلافة العثمانية سنة 1924 م على يد كمال أتاتورك، فثارت ضجة كبرى في العالم الإسلامي بين المؤيدين للإلغاء، والمعارضين له، وكان علي عبد الرازق أبرز المؤيدين؛ حيث أصدر كتابه الشهير: "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925 م نافياً من خلاله صلة الإسلام بالسياسة، وفصل الدين عن الدولة، فانبرى له شيخنا العلامة محمد الخضر حسين بالرد عليه من خلال كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، نال بعده حظوة عظيمة بين العلماء، وحتى لدى الملك المصري فؤاد، وفي سنة 1926 م ألف الدكتور طه حسين كتابه
(13/452)

"في الشعر الجاهلي"، فتصدى له الشيخ مُفَنِّداً مزاعمه من خلال مؤلفه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي"؛ مما تسبب في نشوب خلافات فكرية بينه وبين الدكتور طه حسين استمرت حتى بعد هذه الضجّة.
* تأسيس (جمعية الهداية الإسلامية) (1928 م):
لم يقتصر نشاط الشيخ -رحمه الله- على الكتابة والدروس فقط، بل جمع حوله ثلة من العلماء؛ كالأستاذ مصطفى المراغي شيخ الأزهر، والأستاذ عبد الحليم النجار، والشيخ عبد الحليم مدكور، والشيخ عبد الوهاب النجار، فأسسوا (جمعية الهداية الإسلامية) سنة 1928 م، واختاروا العلامة الخضر حسين رئيساً لها، وكانت تهدف أساساً إلى:
- السعي إلى تمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتوثيق الروابط بينها، والقضاء على الخلافات.
- التعريف بحقائق الإسلام، ونشرها بأسلوب عصري، ومقاومة الإلحاد والتفسخ.
- إصلاح شأن اللغة العربية.
وقد أصدرت الجمعية مجلتها "الهداية الإسلامية" الغراء التي لعبت دوراً بارزاً في نشر الوعي والإسلام الصحيح، وقد استمرت في الصدور شهرياً منذ 1929 م إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبموازاة ذلك استمر الشيخ في التدرشى بالجامع الأزهر، كما أسندت إليه مجلة دينية علمية أخلاقية تاريخية حكيمة، وذلك سنة 1930 م.
* تقليده مشيخة الأزهر الشريف (1952 م):
في سبتمبر 1952 م، وقد ناهز الشيخ الثمانين من عمره، وبعد انتصار
(13/453)

الضباط الأحرار بمصر، وإلغاء الملكية، تقرر تعيين الشيخ محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر الشريف، فأبدى الشيخ امتناعاً في البداية، وذلك لخطورة وأهمية المسؤولية، لكنه قبلَ بها بعد إلحاح السيد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري، قائلاً: "هذا أمر تجنيد، وفي هذا العهد المبارك تجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر"، فأجابه الشيخ بعد قبوله: "وأنا لا أهرب من الجندية، ويوفق الله"، ولا شك أنه تذكر حينها والدته التي كانت تداعبه وهو صبي، وهي تقول له بالعامية: "لخضر يا لخضر، تكبر وتولي شيخ الأزهر"، بعدها بسنتين أحس شيخنا بالتعب والكلل؛ مما منعه من أداء واجبه، فقدم استقالته سنة 954 أم ليتفرغ بعد ذلك للحياة الثقافية.
* من مؤلفاته وآثاره (المطبوعة):
1 - "الحرية في الإسلام" تونس 1909 م.
2 - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" القاهرة 1926 م.
3 - "نقض كتاب الشعر الجاهلي" القاهرة 1927 م.
4 - "الدعوة إلى الإصلاح" القاهرة 1928 م.
5 - "علماء الإسلام في الأندلس" القاهرة 1928 م.
6 - "القياس في اللغة العربية" القاهرة 1935 م، وقد طبع بالجزائر كذلك.
7 - ديوان شعر بعنوان "خواطر الحياة" القاهرة 1953 م.
8 - "دراسات في العربية وتاريخها" دمشق 1961 م.
9 - "رسائل الإصلاح" دمشق 1971 م.
10 - "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" دمشق 1971 م.
11 - "بلاغة القرآن" دمشق 1971 م.
(13/454)

12 - "تونس وجامع الزيتونة" دمشق 1971 م.
13 - "الخيال في الشعر العربي" دمشق 1971 م.
14 - "محمد رسول الله وخاتم النبيين" دمشق 1972 م.
إضافة إلى مئات المقالات والمحاضرات التي نشر أغلبها، وإذا سمحت الظروف، سنتناول بالدراسة -إن شاء الله- مؤلفاته، وكذا الشيخ محمد الخضر حسين الرجل العالم والسياسي والشاعر والمصلح.
* وفاته:
وقد التحق الشيخ محمد الخضر حسين بربه في 2 فيفري 1958 م، وحضر جنازته كبار رجالات الدولة المصرية، والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ودفن بمقبرة آل تيمور، بالقرب من صديقه الأستاذ أحمد تيمور، وعملاً بوصيته.
* المراجع:
1 - محمد مواعدة - محمد الخضر حسين حياته وآثاره - الدار التونسية - تونس - 1974 م.
2 - الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي - من الفكر والقلب (فصول من النقد في العلوم والاجتماع والآداب) - دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع - عين مليلة - أم البواقي - الجزائر) 1990 م.
3 - الدكتور عمار طالبي - ابن باديس - حياته وآثاره.
4 - مجلة الدوحة القطرية- عدد ماي 1986 م.
5 - فوزي مصمودي - جريدة الشعب - العدد 10749 - الاثنين 24 جويلية 1995 م.
(13/455)

مقابلة فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين (1)
يوم الأحد 12/ 5/ 1370 ه، 18/ 2/ 1951 م
"ونزلت أنا والشيخ عبيد الله (البلياوي) عند دار (جمعية الهداية الإسلامية)، وقد كان الأستاذ طه الساكت طلب مني الحضور في دار الجمعية الساعة السادسة مساء، وقابلَنا هنا الشيخ محمد الخضر حسين رئيسُ الجمعية، ومدرسٌ في كلية أصول الدين سابقاً، وكنت أعرفه من مقالاته، ورسائله العلمية، وبحوثه اللغوية من زمان، وأعرفه كعالم راسخ في العلوم الدينية والأدبية، فاعتذر عن تخلفه في الموعد بسبب المرض.
وسألته عن مدة إقامته في مصر، فقال: لي الآن ثلاثون عاماً في مصر، وأصلي من الجزائر، ومولدي تونس، وقضيت نحو عشرة أعوام قبل مصر في سورية وغيرها.
وقد تخرج في جامع الزيتونة بتونس، وأقام في ألمانيا.
كذلك سألته عن الأزهر، وجامع الزيتونة، أيهما أقدم؟ وأيهما أعظم؟ فقال: الأزهر أقدم وأعظم، ويليه في التقدم وكثرة الطلبة جامعُ الزيتونة؛ فإن
__________
(1) من كتاب "مذكرات سائح في الشرق العربي"، بيروت، مؤسسة الإرسال - الطبعة الثالثة 1403 ه - 1983 م، لفضيلة الأستاذ أبي الحسن علي الحسني الندوي.
(13/456)

المتعلمين فيه الآن يبلغون عشرة آلاف، مع أن إحصاء تونس لا يزيد على ثلاثة ملايين ونصف مليون.
ثم ذكر ردَّه على القاديانية، وسأل أسئلة عنها، وعن بعض رجالها، وأهدى إلينا كتباً من تأليفه، منها: "رسائل الإصلاح"، وهي مجموعة مقالاته في الدين والاجتماع والأخلاق، في ثلاثة أجزاء، و"آداب الحرب في الإسلام"، و"خواطر الحياة"، وهو ديوان شعره، و"طائفة القاديانية"، وقد تذكرت بوؤيته والحديثِ معه كثيراً من علماء الهند في الهدوء، ورسوخ العلم".
(13/457)

الإمام محمد الخضر حسين الجزائري حياته وآثاره (1)
الهجرة في سبيل الله متنفَّس الأحرار، وملاذ الثوار، الذين حوصروا في آرائهم وعقائدهم، وحرموا من أداء أمانتهم العلمية، وواجباتهم الإسلامية، ومُسُّوا في كرامتهم وحرياتهم، فتراهم يتخذون الهجرة سفناً، شعارُهم قول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100].
وهكذا كان الجزائريون إبان الحقبة الاستعمارية الصليبية الحاقدة، يضربون في الأرض مهاجرين؛ حفاظاً على دينهم، ونشراً لتعاليمه، وإبلاغاً لقضيتهم، ومن بين هؤلاء الجزائريين المهاجرين: الشيخ سيدي مصطفى ابن عزوز البرجي، جد الشيخ الخضر لأمه، الذي فر إلى "نفطة" في منطقة الجريد التونسي، وأسس زاويته المشهورة سنة 1837 م، والتي تنتسب إلى الطريقة الخلوتية الرحمانية، والجدير بالذكر: أن أتباعه ومريديه الذين هاجروا معه حملوا عبء التأسيس، ومن بين هؤلاء: الشيخ الحسين بن علي والدُ الإمام الخضر، الذي تزوج بنتَ شيخه مصطفى بن عزّوز السيدةَ حليمة السعدية.
__________
(1) لفضيلة العلامة الشيخ أحمد رشيق بكيني أستاذ بالزاوية الحملاوية والمعهد الإسلامي بالتلاغمة - الجزائر - عن مجلة "منبر الإمام مالك بن أنس"، العدد الرابع - ربيع الأول (1423 ه / 2002 م).
(13/458)

وفي هذا الجو العائلي، المفعَم بالصلاح والعلم والتقوى، ولد الإمام الخضر بنفطة سنة 1873 م، وقضى طفولته الأولى في زاوية جده الرحمانية؛ حيث حفظ القرآن الكريم، وأخذ مبادئ العلوم اللغوية والشرعية على عدد من العلماء والمشايخ، من بينهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز.
والإمام الخضر شريف النَّسبين، يتصل نسبه بسيد الوجود سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهو: الإمام محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر بن الموفق ابن محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن يوسف بن عبد الرحمن بن سليمان ابن أحمد بن علي بن أبي القاسم بن علي بن أحمد بن حسن بن سعد بن يحيى بن محمد بن يونس بن لقمان بن علي بن مهدي بن صفوان بن يسار ابن موسى بن عيسى بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل ابن الحسين المثنى بن الحسن السبط بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي سنة 1886 م انتقلت عائلة الإمام الخضر من "نفطة" إلى تونس للإقامة الدائمة، وبعد سنة من استقرارها التحق الإمام الخضر بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره.
وفي سنة 1898 م تحصل الإمام الخضر على شهادة التطويع بعد إحدى عشرة سنة قضاها في رياض الزيتونة متقلباً بين علمائها ومشايخها.
ولأن أسرته حملت لواء التعليم في منطقة الزاب الجزائري -ولا زالت- والجريد التونسي، فقد فضل أن ينخرط في سلك المدرسين بجامع الزيتونة، وأن يواصل تحصيله العلمي بالمطالعة الجادة.
وفي سنة 1904 م أسس مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية تظهر في تونس، التي توقفت عن الصدور بعد سنة من تأسيسها، وبتوقفها
(13/459)

سنة 1905 م تولى الإمام الخضر منصب القضاء ببنزرت، ولكنه استقال منه بعد شهور، وعاد إلى التدريس في جامع الزيتونة، وكأني به خُلِقَ للتعليم، أو خُلِقَ التعليم له.
وفي سنة 1906 م أسست (جمعية تلاميذ جامع الزيتونة)، وكان الإمام -رحمه الله- من المؤسسين الأوائل لهذه الجمعية، ولأن الإمام جزائري، فقد كان كثيراً ما يتردد لزيارة الأهل والأقارب، سواء في أثناء إقامته في "نفطة"، أو إقامته في "تونس"، أو غيرهما.
وفي سنة 1911 م هاجرت والدته مع إخوته إلى دمشق بسورية، وبعد سنة من إقامتهم التحق بهم الإمام الخضر، مقتفياً بذلك سُنَّة أجداده الذين هاجروا من الزاب الجزائري إلى الجريد التونسي؛ حفاظاً على دينهم، ونشراً لتعاليمه، وإبلاغاً لقضيتهم.
وفي سورية تولى الإمام الخضر التدريس بالمدرسة السلطانية، وإلقاء المحاضرات في الجامع الأموي، وغيره من الأماكن المشهورة، كما كان موئلاً للجالية الجزائرية.
وفي سنة 1916 م اتهم الإمام الخضر بتعاطفه مع الوطنيين السوريين الذين قاموا ضد نظام الحكم العثماني، فسجن لمدة ستة أشهر، وكاد أن يعدم لولا أن الله سلم، وإثر تبرئته التحق للعمل في وزارة الحربية التركية ككاتب عربي بالآستانة، ثم كلفه الباب العالي بمهام سياسية إلى ألمانيا.
وفي سنة 1920 م وجد الإمام الخضر نفسه في ملاحقة فرنسا الصليبية إثر احتلالها لسورية، فما كان منه إلا أن يهاجر إلى القاهرة.
وفي القاهرة كان الإمام الخضر يشتعل نشاطاً، ويلتهب حيوية، ومن
(13/460)

بين النشاطات والأعمال التي قام بها، والمناصب التي شغلها:
- تأسيس (جمعية تعاون جاليات شمال إفريقية).
- التدريس في الجامع الأزهر.
- تأسيس (جمعية الهداية الإسلامية).
- ترأس هيئة تحرير مجلة "الهداية الإسلامية".
- ترأس تحرير مجلة "نور الإسلام الأزهرية".
- تعيينه عضواً في (المجمع اللغوي) بالقاهرة، كما عُين من قبلُ عضواً عاملاً في (المجمع العلمي العربي) بدمشق.
- تأسيس (جبهة الدفاع عن إفريقية الشمالية).
- انتسابه إلى (هيئة كبار العلماء).
وأخيراً توّجت نشاطاته وأعماله باختياره لتولي منصب مشيخة الجامع الأزهر سنة 1952 م، فقبل به بعد إلحاح أصدقائه، ووفدِ الوزراء الذي زاره في منزله.
ولقد كان -رحمه الله - كما حدثني شيخنا العلامة سيدي أحمد إدريس عبده عن شيخنا العلامة إبراهيم أبو الخشب: خيرَ رجل تولى مشيخة الأزهر.
وفي سنة 1954 م قدّم استقالته؛ نظراً لكبر سنه، واعتلال صحته، وقد جاوز عمره الثمانين.
وفي يوم 2 فيفري 1958 م انتقل الإمام الخضر إلى جوار ربه عن سن يناهز الخامسة والثمانين سنة، وقد دفئ بالقاهرة في المقبرة التيمورية بوصية منه، فرحم الله إمامنا رحمة واسعة، وألحقه بالذين أنعم الله عليهم.
وقد ترك الإمام الخضر آثاراً كثيرة منها الكتب التالية:
(13/461)

- "أسرار التنزيل".
- "بلاغة القرآن".
- "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
- "تراجم الرجال".
- "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان".
- "دراسات في الشريعة الإسلامية".
- "رسائل الإصلاح".
- "محاضرات إسلامية"
- "الرّحلات".
- "القاديانية والبهائية"
- "الهداية الإسلامية".
- "دراسات في العربية وتاريخها".
- "دراسات في اللغة".
- "الخيال في الشعر العربي ودراسات أدبية".
- "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
- "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
- "نظرات في الإسلام وأصول الحكم".
- "القياس في اللغة العربية".
- "أحاديث في رحاب الأزهر".
- "هدى ونور".
(13/462)

ذلكم هو غيث الجزائر، ينزل على ربوع العالم الإسلامي، فينبت القرآن والعلم والجهاد، وتلكم هي منطقة الزاب الجزائري، تسطع أشعتها على الأمة الإسلامية، فتنقلب مضيئة وضاءة.
(13/463)

محمد الخضر بن الحسين (1)
(1873 - 1958 م)

عَلَم من أعلام تونس، من أصل جزائري، اسمه في الأصل: محمد الأخضر، ثم غيره إلى محمد الخضر. مصنّف من روّاد الكتّاب الإسلاميين، صار شيخاً للأزهر الشريف، وعضواً في (مجمع اللغة العربية) بمصر.
ولد في "نفطة" بالجنوب التونسي في 23 تموز (يوليو). انتقل مع أسرته إلى العاصمة التونسية (1888 م)؛ حيث أتم حفظ القرآن، ثم التحق بالزيتونة، فأخذ عن شيوخها، ومنهم: سالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وغيرهم.
كان محباً للأدب واللغة، ونظم الشعر في المناسبات.
أصدر مجلة "السعادة العظمى" (1904 م)، وهي أول مجلة تونسية، امتازت هذه المجلة بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، واحترام حرية النقد، وحرية التفكير.
تولى التدريس بجامع الزيتونة، وحين أضرب هؤلاء لسبب ما، عُدَّ هو المسؤول عن ذلك.
__________
(1) من كتاب "موسوعة أعلام العرب"، الجزء الأول، بيت الحكمة، بغداد - الطبعة الأولى سنة 2000 م - 1420 ه، بغداد.
(13/464)

تضايق المتزمتون الرجعيون من سلوكه وأفكاره، فأُبعد عن العاصمة؛ حيث عين قاضياً في "بنزرت" (1905 م). وحدث أن ألقى محاضرة في نادي قدماء الصادقية سنة (1906 م) بعنوان: "الحرية في الإسلام"، فضايقته السلطة الاستعمارية، فاستقال من منصبه القضائي.
ثم اجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية في جامع الزيتونة (1907 م)، فعين بعدها مدرساً بالمدرسة الصادقية.
وبسبب كونه من دعاة الجامعة الإسلامية، فقد ذاق مرارة الظلم في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى. فرحل بعدها إلى الآستانة، حيث يقيم خاله محمد المكي بن عزوز، وعاد إلى تونس بحراً في (2 كتوبر/ سنة 1912 م)، فمنع من التدريس بالصادقية؛ بحجة تأخره يومين عن افتتاح العام الدراسي بالمعهد، فآثر الهجرة إلى بعض أقطار الشرق، ومعه إخوته الأربعة.
زار مصر والشام والحجاز، وبلداناً أخرى؛ كألبانيا، وتركيا، ومعظم دول البلقان، واستقر بدمشق، ومارس التدريس بالمدرسة السلطانية فيها إلى سنة (1917 م). وقد سجنه جمال باشا السفاح بضعة أشهر بتهمة التستر على الحركة العربية السرية المناهضة للأتراك، حوكم، فثبتت براءته مما اتهم به.
ثم أرسل في وفد من العلماء إلى ألمانيا مكلفين بمهمة من قبل الدولة العثمانية، ولبث فيها نحو تسعة أشهر، تعلم في أثنائها اللغة الألمانية، وتردد بين برلين والآستانة خلال الحرب العالمية الأولى، ومكث ثانية ببرلين نحو سبعة أشهر، وحين عاد إلى الآستانة، وجدها قد سقطت بأيدي قوات الحلفاء، فذهب إلى دمشق، وفيها الأمير فيصل بن الحسين، فسمي مدرساً في ثلاثة معاهد هي: (المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية).
(13/465)

وصار بعد ذلك عضواً في (المجمع العلمي العربي) بدمشق.
وحين احتل الفرنسيون دمشق في منتصف عام 1920 م - وكان الفرنسيون قد حكموا عليه بالإعدام غيابيًا بتهمة تحريضه المغاربة والتونسيين للثورة على الاستعمار الفرنسي- فرَّ من دمشق، وتوجه إلى مصر، وعُيِّن مصححاً للمطبوعات في دار الكتب المصرية، وهي وظيفة لا تسند إلا للأكفياء.
وفي عام 1923 م أسس جمعية (تعاون جاليات شمال إفريقية)، وتولى رئاستها.
وتجلى نبوغه حين تصدى للشيخ علي عبد الرازق، حين صنف كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وادعى أن الخلافة ليست شرطاً من شروط الحكم في الإسلام، فنقضه صاحبنا بكتاب طبع عام 1925 م عنوانه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فكان مبدأ شهرته.
وفي عام 1926 م طلع طه حسين على الناس بكتابه "في الشعر الجاهلي" الذي طبق فيه منهج (ديكارت) في الشك في الشعر الجاهلي، وزعم أن جُلَّه منحول، وأنكر نزول سيدنا إبراهيم بالحجاز -خلافاً للنص على ذلك في القرآن الكريم-, فرد عليه مترجَمنا بكتاب عنوانه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي" طبع في السنة ذاتها بمصر، ثم طبع غير مرة، فاستطالت شهرته.
ومنح الجنسية المصرية، واجتاز امتحان شهادة العالمية في الأزهر بتفوق، وغدا من مدرسيه في معاهده الثانوية، ثم أستاذاً في كليات الأزهر الشريف.
عيّن عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1933 م). وفي عام 1950 م طلب قبوله عضواً في هيئة كبار العلماء، ومن شروطها: تقديم بحث علمي ممتاز، فقدم بحثاً مطولاً عن القياس في اللغة العربية، فقبل بالإجماع.
(13/466)

وكان -قبل ذلك- قد أسس (جمعية الهداية الإسلامية)، وتولى رئاستها، كما تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "الأزهر". كما أسس بعد الحرب العالمية الثانية "جبهة الدفاع عن شمال إفريقية" في القاهرة، التي تبنت الدفاع عن قضايا المغرب العربي.
وحين قامت ثورة يوليو 1952 م بمصر، سمي شيخاً للجامع الأزهر في أيلول من العام نفسه. وبسبب ما تعاوره من الأمراض التي أنهكت قواه البدنية، استقال من منصبه في كانون الثاني 1954 م. وفي 12 شباط (فبراير) أدركته المنية بالقاهرة، ودفن فيها، ولم يعقِّب، وترك مكتبة نفيسة أهداها لزوجته.
من آثاره الأدبية واللغوية: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (القاهرة 1926 م)، "الخيال الشعري عند العرب" (القاهرة 1928 م)، "القياس في اللغة العربية" (القاهرة 1934 م)، و"خواطر الحياة" ديوان شعر، (القاهرة 1946 م).
ومن مؤلفاته الدينية المطبوعة:
"أسرار التنزيل"، وفيه تفسير لبعض آيات القرآن الكريم.
"تونس وجامع الزيتونة"، وهو مجموعة مقالات جمعها ابن أخيه بعد وفاته مما له علاقة بتونس، وطبع بدمشق (1971 م).
"بلاغة القرآن"، وهو مجموعة مقالات نشرت في مجلات مختلفة، جمعها وطبعها السيد علي الرضا الحسيني ابن شقيقه زين العابدين، ونشرها في دمشق (1979 م).
و"رسائل الإصلاح"، وهو في عدة أجزاء، نشر المترجَم له في حياته
(13/467)

منها ثلاثة أجزاء، وتتناول جملة كبيرة من بحوثه في الدين والأخلاق، والتراجم والتاريخ، وأصول الفقه، والأحكام العملية، والسيرة النبوية. وقد طبع هذه الأجزاء في القاهرة بدءاً من عام 1938 م.
ثم طبعه ابن أخيه بعد وفاته بعد تغيير في ترتيبه:
"الحرية في الإسلام" طبع في تونس سنة 1909 م، ثم طبع في تونس -أيضاً- سنة 1972 م ضمن منشورات دار المغرب العربي:
"الدعوة إلى الإصلاح" تونس 1910 م، ثم أعيد طبعه منقحاً في القاهرة سنة 1921 م.
"طائفة القاديانية" القاهرة 1932 م.
"علماء الإسلام في الأندلس" القاهرة 1928 م.
و"نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" الذي مر ذكره.
وثمة كتاب عنوانه: "تراجم الرجال" تونس 1972 م مجموعة مقالات ترجم فيها لعدد من أعلام الإسلام.
كتب عن الشيخ محمد الخضر الحسين كلٌّ من: أحمد تيمور، الفاضل ابن عاشور، حسن حسني عبد الوهاب، أبو القاسم محمد كرو، محمد مواعده، والأخيران خصَّه كلُّ واحد منهما بكتاب يرأسه.
(13/468)

سلالة الشيخ علي بن عمر (1)
هذه السلالة ضمّت في حلقاتها علماء أعلاماً، ومجاهدين، ودعاة أسسوا مساجد وزوايا؛ لبث القرآن والعلوم الإسلامية، ومحاربة الجهل، وإيواء اليتامى وأبناء السبيل، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ولبعضهم مؤلفات ساهمت في إثراء التراث الإسلامي واللغوي.
ولنذكر فيما يلي بعضهم.
أنجب الشيخ علي بن عمر عشرة أولاد: أربعة منهم لم يعقِّبوا، وهم: محمد، والطيب، والحسين، والشيخ، وهو آخر إخوته وفاة، وذلك في سنة 1333 ه.
والباقون هم:
- الحسن، وقد مات صغيراً.
- بلقاسم، الذي اشتهر بالتقوى والورع، والتواضع والصدقات، وهو مدفون بقرب والده، وترك ثلاثة أولاد: محمد، والطاهر، والحاج.
- أحمد بن عمر، الذي اشتهر بالعلم، واستوطن تونس، ولما جاء
__________
(1) من كتاب "أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية" للأستاذ عبد الباقي مفتاح - كاتب وباحث جزائري.
(13/469)

لزيارة إخوته وزاوية والده، مكث فيها نحو اليومين، وتوفي ودفن بها. وترك أربعة رجال من أعلام العلماء المدرسين: كبيرهم الأستاذ الشيخ المدني، والأستاذ الشيخ الحسن، والشيخ المكي، وعلي، وهو أصغرهم.
- إبراهيم، وهو مدفون بالزاوية، وترك ولدين: عبد العالي، وعبد المجيد.
- الحفناوي، وهو رجل عالم عامل، تخرج على يديه تلاميذ، وحاز على شهرة عظيمة، توفي ولم يبلغ الخمسين من عمره، ودفن بالزاوية، وترك ثلاثة رجال: العلامة الأستاذ الشيخ الهاشمي، والشيخ المختار، وكبيرهم العلامة الشيخ المبروك، وهو والد العلامة الأديب الشاعر الحاج عبد الله، الذي له قصائد عديدة ممتازة، منها: قصيدته المشهورة في سلسلة رجال الخلوتية، وهي تتألف من 51 بيتاً.
- الإمام الشيخ المربي الأستاذ علي بن عثمان، الذي خلف والده على مشيخة الزاوية، وقد توفي عن ثلاث نسوة، وخمسة أولاد، كبيرهم خليفته على الزاوية الشيخ عمر، وخليفته بعده أخوه الشيخ سيدي الحاج، وأخوهما الحسين، الذي اشتهر بالكرم والتواضع، وأصغرهم مصطفى، الذي استوطن مدينة "بو سعادة".
- الحسين، الذي تربى عند الشيخ مصطفى بن محمد عزوز في زاويته بنفطة، وبعد وفاة الأستاذ المذكور، قطن ببلدة تونس إلى أن توفي، ودفن بها سنة 1309 ه، له رسالة مخطوطة عنوانها: "فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم"، وهي منشورة في كتاب "زاوية مصطفى بن عزوز نفطة تونس"، مع ترجمة وافية لحياته، لعلي الرّضا الحسيني، وله "رسالة لطيفة
(13/470)

في الطريقة"، وله "دقائق النكت".
وقد رثاه الشيخ المكي بن مصطفى بن عزوز بأبيات بدأها بقوله:
ما ثمَّ موعظةٌ لكلِّ مشاهدِ ... مثلُ المنيةِ وهي أرصدُ راصِدِ
خلّف الشيخ الحسين أبناء، أشهرهم: الشيخ زين العابدين، والشيخ الأكبر إمام الأزهر محمد الخضر، والعلامة اللغوي محمد المكي.
ومن أشهر أبناء الشيخ: زين العابدين الكاتب الأديب، الشاعر الدمشقي علي الرّضا الحسيني، الذي طبع كافة مؤلفات والده وعمّيه المذكورين، وله دواوين شعر عديدة، ومسرحيات، ومجموعات قصص، وبحوث أخرى، وكتب حول زوايا وعلماء أسرة الشيخ علي بن عمر، منها:
- "من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين".
- "من أقوال محمد الخضر حسين".
- "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر".
- "كتابات حول الإمام محمد الخضر حسين".
- "صفحات من سيرة محمد الخضر حسين وأخويه زين العابدين ومحمد المكي".
- "سيدي الوالد زين العابدين بن الحسين التونسي".
- "محمد المكي بن الحسين، حياته وشعره".
- "محمد المكي بن عزوز، حياته وآثاره".
- "محمد بن عزوز نور الصحراء".
- "زاوية علي بن عمر طولقة الجزائر".
(13/471)

- "زاوية مصطفى بن عزوز نفطة تونس".
- "أعلام المهاجرين التونسيين: محمد بن يوسف الكافي - صالح الشريف".
- "أعلام الهداية الإسلامية".
- "صالح بن الفضيل التونسي - حياته وآثاره".
- "جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية".
- "الطريق إلى القمة: قصة عن ثورة الجزائر".
- "رسائل إلى ولدي ماهر".
- "من أسبوع لأسبوع".
- "المقدمات".
- "كتب تونسية مهداة".
- "من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة".
لكن أشهر أعلام علماء سلالة الشيخ علي بن عمر خارجَ الجزائر هو: شيخ الأزهر الخضر بن الحسين، الذي نقف عند ترجمته في السطور التالية:
* الإمام محمد الخضر حسين الجزائري:
من أبناء زاويتي "طولقة"، و "نفطة" الإمامُ الأكبر لجامع الأزهر في بداية الخمسينات من القرن العشرين، العلامة المتبحر، الشيخ محمد الخضر الحسين.
في العدد الرابع من مجلة "منبر الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - " ربيع الأول
(13/472)

1423 ه، 2002 م، ص 15 - 55، التي تصدر من الزاوية الحملاوية، يوجد مقال للأستاذ أحمد رشيق بكيني حول الشيخ محمد الخضر، نصُّه فيما يلي (1):
وقد جمع علي الرضا الحسيني بحوثاً من أعداد مجلة "الهداية الإسلامية" قال عنها في آخر كتابه "زاوية علي بن عمر بطولقة وشيوخها"، المطبوع بالدار الحسينية للكتاب في دمشق سنة (1423 ه، 2002 م): بين يدي وتحت نظري مجلدات مجلة "الهداية الإسلامية" الأربعة والعشرون، أصدرها الإمام محمد الخضر حسين بالقاهرة، بدءاً من الجزء الأول الصادر في جمادى 1347 ه , وحتى الجزء الأخير في ربيع الثاني 1347 ه , عشت معها، وراجعتها مدة خمسة وعشرين عاماً أقطف ثمارها، وأستعين بها على جمع وتحقيق تراث الإمام محمد الخضر حسين؛ حيث أديت الرسالة كاملة بحول الله وفضله. وجدت في تلك الموسوعة الإسلامية الكبرى روائع في مختلف العلوم والآداب لكبار العلماء والباحثين ... لذا عزمت وتوكلت على الله -جل جلاله- لإصدارها بكتب تكون في متناول الراغبين فيها.
__________
(1) المقال المنشور في هذا الكتاب. وحذفناه منعاً للتكرار.
(13/473)

العلامة محمد الخضر حسين التونسي (1) (2)
العلامة الخضر بن الحسين التونسي المالكي، ولد بتونس، وبها نشأ، وطلب وحصل، ودرس بجامع الزيتونة، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها مدة، ثم ارتحل إلى بلاد الشام، ثم قدم القاهرة واستوطنها.
ودخل لامتحان العالمية الأزهرية على أكبر؛ لينخرط رسمياً في علماء الأزهر، ويوظف مدرساً به، وذلك في سنة أربع وأربعين، فحاز الشهادة الأزهرية، ووظف مدرساً به.
وله مؤلفات مطبوعة، وأسس مع جماعة من علماء الأزهر (جمعية الهداية الإسلامية)، وتولى رئاستها، وصارت الجمعية تصدر مجلة باسمها، كان هو المحرر لها، والكاتب بها، وكان يتردد إلى منزلي، ويسألني عما يحتاجه من الأحاديث، ولاسيما أيام تأليفه للرد على كتاب "الإسلام وأصول
__________
(1) محمد الخضر بن حسين (محمد الأخضر بن الحسين) بن علي بن عمر الحسيني، التونسي مولداً، دفين القاهرة (بتربة صديقه أحمد تيمور) سنة 1377 ه.
انظر: "الأعلام" (6/ 113/ 114)، وكتاب "محمد الخضر حسين حياته وآثاره" تأليف محمد مواعدة.
(2) من كتاب "البحر العميق في مرويات ابن الصديق" للأستاذ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري - دار الكتبي القاهرة، 2007 م.
(13/474)

الحكم" لعلي عبد الرازق.
وأجاز لي إجازة عامة، كما أجاز له خاله (العلامة المطلع الشهير الشيخ) (1) محمد (2) المكي بن مصطفى بن عزوز، وليس له رواية عن غيره، وهو يروي عن جماعة كثيرة.
منهم: محمد أبو خضير المدني، عن أحمد بشارة الشافعي، عن الأمير الكبير.
ومنهم: المكي بن الصديق، عن المدني بن عزوز، عن المرزوقي، عن الأمير الكبير.
ويروي المدني بن عزوز المذكور عن مصطفى بن عبد الرحمن الجزائري، عن علي بن عبد القادر بن الأمين، عن الشمس محمد الحفني، عن محمد الشرنبلالي، عن الشمس محمد بن علاء الدين البابلي في "ثبته".
ومنهم: محمد الشريف إمام جامع الزيتونة، عن محمد بن الخوجة، عن محمد بيرم، عن محمد الهدّي مُحَشِّي الحطاب، عن الحفني بما في "ثبته".
ومنهم: علي بن الحفاف، عن محمد صالح بن خير الله الرضوي،
__________
(1) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(2) محمد المكي بن مصطفى بن محمد بن عزوز الحسني الإدريسي، ولي الإفتاء، ئم القضاء، من مؤلفاته: "الأجوبة المكية عن الأسئلة الحجازية"، و"عمدة الإثبات"، "وتلخيص الأساتذة".
ثوفي بالآستانة سنة 1334 ه.
انظر: "فهرس الفهارس" (1/ 4، 2/ 229)، و"الأعلام" (7/ 109 - 110).
(13/475)

عن عمر بن المكي، عن شمهروش، عن أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، والأربعة، وليس لهذا أصل.
ومنهم: الشهاب أحمد زيني دحلان، عن عثمان بن حسين الدمياطي، وعبد الرحمن بن محمد الكزبري، فالأول عن الأمير، والثاني عن جماعة، منهم: الفُلّاني، ومنهم: غيرُ هؤلاء من المذكورين في ثبته "عمدة الأثبات".
ولما انقلب الحكم بمصر، وتولاه العسكريون، وقضوا على الأحزاب، عزلوا من كان شيخاً للأزهر؛ لدخوله في الأحزاب، ثم لم يجدوا من يتولى المشيخة ممن هو بعيد عن النزعة الحزبية غيرَهُ, فولوه مشيخة الأزهر، فبقي بها نحو سنتين.
ولما زرت القاهرة بعد خروجي من الاعتقال سنة ثلاث وسبعين، زرته بمقر المشيخة، ثم لم يبق بعد ذلك إلا نحو ثلاثة أشهر، ثم حصل ما أوجب فصلَه وتوليةَ غيره، ولا يزال حياً إلى وقتنا هذا (آخر سنة ست وسبعين في القعدة منها).
(13/476)

محمد الخضر بن حسين التونسي (1)
(السيد محمد الخضر بن حسين التونسي) المالكي اللغوي، شيخ الجامع الأزهر، الإمام العلامة، البحر الحبر، الصالح الفالح.
ولد -رحمه الله تعالى- سنة 1292 ه في "نفطة" من مقاطعة الجريد بتونس.
والده من أسرة شريفة أصلها من الجزائر.
وكانت والدته من صالحات النساء، وله فيها قصيدة: (بكاء على قبر)، أنشأها لما بلغه خبر وفاتها سنة 1335 ه، ووالدُها جده لأمه من أهل العلم والفضل، أبو النخبة: مصطفى بن محمد عزوز، الولي العارف الفقيه التقي، المتوفى سنة 1282 ه، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، و"تاريخ الوزير أحمد ابن أبي الضياف"، وللشيخ إبراهيم الرياحي فيه مدائح شعرية ونثرية.
أبو جده لأمه العالمُ العمدة محمدُ بن عزوز المقرئ، أخذ عن والده القراعات والعلوم، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، والشيخ الحفناوي بن عروس في "تعريف الخلف برجال السلف".
__________
(1) من كتاب "تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع" تأليف: محمود سعيد بن محمد ممدوح - دار الشباب للطباعة بالقاهرة، 1984 م.
(13/477)

أما خاله، فهو الإمام الرحلة السيد محمد المكي بن عزوز المالكي، فهو من كبار علماء عصره، اشتهر بالحديث والفقه، والأصول والأدب، مع الصلاح الظاهر، وترى في "فهرس الفهارس" للسيد عبد الحي الكتاني -رحمه الله تعالى- ثناءً كبيراً عليه في المقدمة، وفي ترجمته: توفي في إستنبول سنة 1334 ه -رحمه الله تعالى-. وترجمه ابن أخيه السيد محمد الخضر، وله قصيدة في رثائه أثبتها في "ديوانه"، وهو من أمنِّ الناس عليه في العلم.
وفي سنة 1306 ه انتقلت أسرته من "نفطة" إلى تونس، وكان قد تلقى بعض المبادئ الشرعية والعربية، وتأدب بأدب الإسلام، فالتحق بجامع تونس الأعظم الزيتونة سنة 1307 ه، وتلقى العلم عن جهابذة علماء الزيتونة.
وفي سنة 1321 ه حصل على الشهادة العالمية، وطلب منه التدريس، ولكنه أبى، وواظب على حضور دروس مشايخه، منهم: سالم بن عمر بوحاجب، وخاله المكي بن مصطفى عزوز، وصالح الشريف، والمفتي محمد بن عثمان بن النجار، وغيرهم من أكابر علماء الزيتونة.
وفي سنة 1324 ه تولى القضاء بمنطقة "بنزرت"، والتدريس والخطابة بجامعها، ولكنه بعد عشر سنوات ترك القضاء؛ لأن الجمع بينه وبين حياته العلمية صار صعباً عليه، فجلس للتدريس بجامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية بتونس، واعتنى بالكتب الملحقة بالزيتونة، وقام بترتيبها.
وفي أثناء تدريسه كان له عدة محاضرات في أماكن متعددة، دعا فيها إلى طاعة الله تعالى، والوقوف على أسرار أحكام الشريعة المطهرة، ومجاهدة الكفار، واعتنى باللغة العربية اعتناء قلَّ نظيره.
(13/478)

وفي سنة 1329 ه وُجهت إليه بسبب مهاجمته للكفار تهمةُ العداء للغرب، وأصبح ملاحَقًا، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله المذكور، ثم عاد إلى تونس، ولكنه وجد الأمر كما هو أولاً، فعزم على الهجرة إلى دمشق الشام -حرسها الله تعالى-, فمر في طريقه إليها بمصر، واجتمع بالنخبة المختارة؛ كالشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي، والشيخ طاهر الجزائري، وصديقه الحميم -فيما بعد- أحمد تيمور باشا، وغيرهم.
ولما وصل دمشق، اعتنى بمقابلة العلماء، وتفحص المخطوطات، ودرس اللغة العربية في المدرسة السلطانية بدمشق.
وفي سنة 1331 ه ركب سكة حديد الحجاز لزيارة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأداء المنسكين، فتم له ذلك، وله قصيدة في هذه الزيارة ذكرت في "ديوانه".
وفي أثناء تدريسه للغة العربية في دمشق درس كتاب "مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب" لابن هشام الأنصاري، المتوفى سنة 761 ه بمحضر جماعة من حذاق الطلاب، وكان يرجع في المسائل المتعلقة بالسماع والقياس إلى الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه بعض الطلاب جمعَ هذه المحاضرات، فألف مقالات تشرح حقيقة القياس في اللغة العربية، ومنها ألف كتابه الفذ "القياس في اللغة العربية" المطبوع مرات. وتردد في هذه الفترة ما بين إستانبول ودمشق، وفي أثنائها دخل السجن، ثم أفرج عنه بواسطة أنور باشا.
وبعد تدهور الأحوال في الشام، ودخول الكفار، هاجر الشيخ إلى مصر سنة 1329 ه.
(13/479)

وفي مصر اشتغل بالكتابة والتحرير والدرس، مع المطالعة التي لا تنتهي.
ورغب -رحمه الله تعالى- في الانتظام في سلك علماء الأزهر، فتقدم لامتحان الشهادة العالمية -وهو العالم المشهود له بعلمه من العلماء-, فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت المناقشة.
وتخرج على يديه، واستفاد بعلمه كثير من الحذاق.
وفي سنة 1344 ه كتب رداً قوياً دفع به كتاب "الإسلام وأصول الحكم" سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها.
ثم كتب رداً قوياً على كتاب "الشعر الجاهلي" سماه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي".
وتسابق أصحاب المجلات الإسلامية إليه للكتابة على صفحاتها، فكتب في مجلات "نور الإسلام"، و"الأزهر"، و"الهداية"، و"الإسلام"، و"الشبان المسلمين"، و"لواء الإسلام".
وأسس جمعية إسلامية كبرى اسمها (جمعية الهداية الإسلامية) ضمت العديد من علماء الأزهر.
وكان يقضي كثيراً من الليل في محاضرة الشباب وأهل الفضل بأساليبه البليغة السهلة، وتقريره الحسن، وقد جمع الكثير من محاضراته هذه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء.
وعندما أسس (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة، كان المُتَرْجَم له من
(13/480)

أقدم أعضائه، وكتب في مجلته، وساهم في نشاطه إسهاماً ملموساً، وله بحوث وقصائد في الدفاع عن اللغة العربية، وبيان أسرارها، وعرض جوهرها.
وانتخب عضواً مراسلاً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
وواصل السيد محمد الخضر حياته في الخطابة والمحاضرات، والكتابة والدرس في حلقات الأزهر وكلياته، فكان يدرس بكليتي أصول الدين، والشريعة، منذ حصوله على العالمية.
وفي سنة 1370 ه نال عضوية هيئة كبار العلماء بالأزهر المعمور برسالة "القياس في اللغة العربية".
وعندما وقع الانقلاب العسكري في مصر سنة 1371 ه , وحُلت الأحزاب السياسية، اختاره قادة الانقلاب شيخاً للجامع الأزهر، فعين فيه يوم الثلاثاء (26 من ذي الحجة سنة 1371 ه)، ولكنه ترك هذا المنصب بعد فترة؛ ليواصل العكوف على الكتب والكتابة.
وفي (13 رجب سنة 1377 ه) انتقل إلى رحمة العليم الرحمن الرحيم المنان، وفي ظهر اليوم التالي صلي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في جنازته العلماء من أحبابه، وطلابه المنتسبين إلى العلم، وكانت جنازته كبيرة، حتى بلغ النعش باب الخلق، والموكب متصل بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه البحاثة أحمد تيمور باشا المتوفى سنة 1348 ه -رحمهما الله تعالى-.
وترك عدة من المصنفات ذكرتُ بعضها، وله غير ذلك: "تعليقات على كتاب الموافقات في الأصول للإمام الشاطبي"، و"تعليقات على شرح
(13/481)

التبريزي للقصائد العشر"، و"رسالة في السيرة النبوية الشريفة"، و"رسالة في آداب الحرب في الإسلام".
أما مقالاته المتعددة، فهي بكثرة؛ بحيث إن جمعت، زادت عن عشرة مجلدات.
(13/482)

القاديانية (1)
الندوي - المودودي - محمد الخضر حسين:
رابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة - طبعة 1972 م
- 130 ص - 16.5 × 11.5 سم.
هذا الكتاب يبين حقيقة حركة من الحركات الهدامة في العالم الإسلامي، وهي الحركة القاديانية التي استفحل أمرها في بكستان في مطلع الخمسينات.
الكتاب عبارة عن مقدمة، وثلاث مقالات، المقدمة بقلم حسين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقاً، والمقالات هي على التوالي: (القاديانية ثورة على النبوة المحمدية والإسلام) بقلم الأستاذ أبي الحسن علي الحسني الندوي، و (المسألة القاديانية) للمرحوم العلامة أبي الأعلى المودودي، و (طائفة القاديانية) للشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر سابقاً.
وهي تستعرض تاريخ القاديانية ونشوءها في مطلع القرن العشرين على يد مرزا غلام أحمد القادياني، وبمباركة الاستعمار الإنجليزي ورعايته، ولذلك كان من جملة ما دعت إليه القاديانية: إعطاء الولاء للإنجليز، وإلغاء فريضة
__________
(1) من كتاب "دليل مكتبة الأسرة المسلمة" خطة وإشراف عبد الحميد أحمد أبو سليمان - طبع المعهد العالمي للفكر الإسلامي - "فرجينيا" الولايات المتحدة - سنة (1412 ه - 1991 م).
(13/483)

الجهاد، وقد ادعى غلام أحمد القادياني أن روح المسيح حلّت فيه، وأنه يأتيه الوحي من الله، وأن الله أوحى إليه أكثر من عشرة آلاف آية هي مثل القرآن والإنجيل، وجعل بلدة "قاديان" مدينة مقدسة بعد مكة والمدينة، وفرض الحج إليها، وادعى أن من لا يؤمن به كافر، وحرم الزواج والمصاهرة مع المسلمين، إلى آخر ما هنالك من ضلالات.
وقد دعم المؤلفون بحثهم بالنقول الدقيقة من كتب القاديانيين أنفسِهم بما لا يدع مجالاً لأحد لأن يدافع عنهم.
وبعد:
فالكتاب يعد كتاباً قيماً وافياً، الغرض منه كشف حقيقة القاديانية المارقة الهدامة، ومما يجدر ذكره: أن القاديانيين قاموا بأعمال دموية بشعة ضد مجموعة من الطلبة المسلمين في باكستان عام (1395 ه / 1975 م)، وأدى هذا العمل في حينه إلى ضجة كبيرة، وردود فعل واسعة، وكان مما تمخضت عنه هذه الردود: اعتبار القاديانيين في باكستان، وللمرة الأولى "رسمياً" أقليةً غيرَ مسلمة، وتم ذلك بعد مناقشات واسعة وساخنة احتدمت في باكستان كلها، وعلى شتى الأصعدة والمستويات.
والكتاب مناسب للطلاب المتفوقين في الثانوي، ولطلاب الجامعة ومَنْ في مستواهم.
(13/484)

العلامة السيد محمد الخضر بن حسين التونسي الأزهري شيخ الأزهر (1)
(ت 12 رجب 1377 ه) (2)
اتصل به (أي: الشيخ محمد ياسين الفاداني)، واستفاد كثيراً، واستجازه له الشيخ محمد الحافظ القاهري، فأجازه لفظاً إجازة عامة بمروياته.
* شيوخه:
من أجلّهم: خاله المحدث المسند محمد المكي بن مصطفى بن محمد ابن عزوز التونسي، وهو عاليًا عن المعمر محمد أمين النويني الحسيني الشرواني، عن المفتي السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل بما في ثبته "النفس اليماني"، وعن تلميذه محمد عابد السندي المدني بهما ثبته "حصر الشارد".
وروى المكي بن عزوز -أيضاً- عن شيخ الإِسلام حميدة بن محمد ابن الخوجة التونسي، عن أبيه الشمس محمد بن الخوجة، والبرهان إبراهيم الرياحي، وبيرم الرابع، بأسانيدهم.
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن المعمر محمد فرهاد بن عمر الديزوي
__________
(1) انظر ترجمته في "تشنيف الأسماع" (ص 190).
(2) من كتاب "بلوغ الأماني في التعريف بشيوخ وأسانيد مسند العصر محمد ياسين الفاداني" للأستاذ محمد مختار الفلمياني - دمشق (1408 ه - 1988 م).
(13/485)

الإسلامبولي، عن أبي القاسم الطرابلسي الأزهري، عن محمد بن صالح البنا الإسكندري، عن زين العابدين جمل الليل، عن محمد بن محمد بن عبد الله المغربي، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن الفاسي، بما ثبته "المنح البادية".
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن السيد محمد دلال اليمني الصنعاني، عن عبد الكريم بن عبد الله أبو طالب، بما فيه في ثبته "العقد النضيد في متصل الأسانيد"، وعن أحمد بن علي الشرعي اليمني، وهو عن القاضي أحمد بن محمد الشوكاني، عن أبيه الإمام القاضي محمد بن علي الشوكاني، بما ثبته "إتحاف الأكابر".
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن العلامة السلفي أحمد بن إبراهيم بن عيسى السديري النجدي، عن عبد اللطيف بن عبد الرحمن النجدي، عن أبيه.
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن محمد صالح بن محيي الدين اللاذقي، عن عبد القادر بن عمر الحبال الزبيري، عن الشيخ أحمد بن شنون الحجاز الحلبي، عن الشمس محمد الكزبري الأوسط، بما في "ثبته".
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن شيخ الجماعة بتونس أبي حفص عمر بن الشيخ، وعن إمام مسجد الباشا بتونس محمد بن أحمد الشريف، كلاهما عن الشاذلي بن صالح التونسي.
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن أبي العلاء إسماعيل حقي بن إبراهيم الزعيمي المناستيري، عن أبي المحاسن يوسف ضياء الدين أفندي، الإستانبولي، عن حافظ سيد أفندي، عن أسعد المعروف إمام زاده، عن عثمان أفندي، عن مفتي بعلبك الشيخ هبة الله بن محمد بن يحيى، بما في "ثبته".
(13/486)

وروى ابن عزوز -أيضاً- عن الشيخ محمد المكي المرزوقي، عن الشيخ محمد المدني بن عزوز، عن الشيخ مصطفى الكبابطي، عن علي بن الأمين، عن محمد الأمير الكبير، بما في "ثبته" الشهير.
وروى ابن عزوز -أيضاً- عن الشيخ محمد نور أفندي أمين الفتوى بالآستانة، عن محمد أمين المعروف بشهري حافظ، عن محمد أفندي الفوزاني، عن مصطفى القونوي، عن الحاج محمد بن مصطفى اليغليجوي، عن قره خليل القونوي، عن أبي سعيد الخادمي، عن والده مصطفى الخادمي، عن الشيخ الأركلوي، عن الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بأسانيده، وهذا سند عجيب وغريب.
(13/487)

أعلام مصر والعالم. . . لوديع فلسطين (1)
من أعلام المغرب محمد الخضر حسين

ذكره بلا صورة ص 126، وأحال إلى الصفحة 999؛ حيث قال عنه: "شيخ الجامع الأزهر، تونسي الأصل، ولد سنة 1876 م وتوفي سنة 1958 م، تولى مشيخة الأزهر في مصر، وانضم إلى عضوية مجمع القاهرة في بداية تكوينه.
وهذه الترجمة ليس فيها من مؤلفاته أي كتاب، وفيها أمران بارزان من حياته، وكثير منها أحداث بارزة: توليته مشيخة الأزهر، وتعيينه في المجمع عند تكوينه.
وأكتفي هنا بالإضافات التالية:
أ - سجنه السفاح جمال حاكم الشام، وكاد يعدمه.
ب - حكم عليه الاستعمار الفرنسي غيابياً بالإعدام في نهاية الحرب العالمية الأولى.
ج - ولد في "نفطة" (جنوب تونس)، وتعلم في الزاوية، ونبغ في تونس قبل أن يهاجر إلى الشرق.
__________
(1) من مقال منشور في جريدة "الحرية" (الملحق الثقافي) العدد 720، الصادر في 13 مارس 2003 م. وتناول كاتب المقال كلّاً من: جوهر الصقلي، وعبد الكريم الخطابي. وأخذنا منه ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
(13/488)

د - له أكثر من 40 كتاباً مطبوعاً، منها: ديوان شعر.
ه - من أشهر كتبه: ردّه عام 1925 م على كتاب "الإِسلام وأصول الحكم " لعلي عبد الرّازق، وردّه المتزن عام 1926 م على طه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي"، الذي حذف منه فصلاً، وأعاد طبعه باسم: "في الأدب الجاهلي".
و- تولى رئاسة تحرير خمس مجلات مصرية، منها: مجلته "الهداية الإِسلامية" الناطقة شهرياً باسم الجمعية لمدة ثلاثين عاماً.
ز - هو أول من أنشأ مجلة في تونس عام 1904 م باسم "السعادة العظمى".
ح - كان العضو الأيمن للمجاهد محمد عبد الكريم الخطابي، كما ساعد الحبيب بورقيبة عام 1945 م على لجوئه إلى القاهرة. وكذلك فعل مع غيره، خاصة محيي الدين القليبي.
ط - كان يحب بلده "تونس"، ويدافع عنه، ولم تنقطع كتاباته عنه. وكذلك رسائله إلى رجاله وعلمائه، وخاصة صديق حياته: محمد الطاهر ابن عاشور.
أبو القاسم كرّو
(13/489)

تونسي ثائر في ثورة عبد الناصر
الشيخ محمد الخضر حسين الذي قال لعبد الناصر بالصوت العالي: "لا" (1)
ولد الشيخ بنفطة يوم 23 جويلية 1873 م، وبها نشأ، وتذوق طعم الأدب، فحاول نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من عمره.
انتقل مع أسرته إلى تونس سنة 1888 م؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي، والتحق بجامع الزيتونة، فأحرز على شهادة التطويع سنة 1898 م.
وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، فتضايق بعض المدرسين، ورجال المجلس الشرعي من أفكاره التحررية فيها، فأُبعد عن العاصمة، وسمي قاضياً ببنزرت، لكنه عاد إلى جامع الزيتونة بنجاحه في مناظرة التدريس من الطبقة الثانية.
وقام برحلات متعددة، وزار دمشق مراراً، ولما أصدرت عليه فرنسا حكماً بالإعدام غيابياً في أثناء قيامه بتحريض المغاربة عامة، والتونسيين خاصة على الثورة ضد الحكم الفرنسي، توجّه إلى مصر، وهناك وضع عصا الترحال، واستقر بها يدرس ويحاضر، ويدخل في معارك فكرية كبرى، إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1950 م.
__________
(1) مجلة "الصريح"، العدد 343 الصادر في (10 جمادى الأولى 1422 ه - 31 جويلية 2001 م) - تونس.
(13/490)

ولما قامت الثورة المصرية، سمّي شيخاً للأزهر في يوم الأربعاء من شهر سبتمبر 1952 م.
وتقول بعض الوثائق: إنه لما ولي الخطة، كتب استقالته بخط يده، وأمضاها، وترك تاريخها فارغاً، وسلمها لكاتبه الخاص وهو يقول: "هذه أمانة بين يديك، أكمل تاريخها يوم أن تراني قد تركت الحق، وسرت في طريق الباطل، ولا تراجعني".
ويقول التاريخ وهو يشهد له: إن الرئيس جمال عبد الناصر كان يهابه، ويقدّره، ولما أصدر عبد الناصر يوماً قانوناً يتنافى مع الشريعة الإِسلامية، لم يطلب الشيخ موعداً لزيارة عبد الناصر لمراجعته، وإنما كلمه هاتفياً، وهو يصيح ويغضب لله، ولشرع الله.
فما كان من عبد الناصر إلا أن اعتذر له، ووعده بإلغاء القانون توّاً، وقد فعل.
ولما أحس الشيخ بمرضه، وعجزه عن مواصلة الأمانة، استقال سنة 1954 م، وتوفي في 12 فيفري سنة 1958 م.
السلامي
(13/491)