Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 012


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(23)

«هُدى وَنورٌ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(12/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(12/ 1/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
كلّما ظننت أني وصلت إلى نهاية المطاف، وأحطت بالأعمال الكاملة للإمام محمّد الخضر حسين -رحمه الله تعالى- إلا وتقع تحت يدي مقالة من هنا، وبحث من هناك، في صحف ومجلات لم تكن متوفرة عندي آنذاك.
وقد تجمع لديَّ عدد من المقالات الإسلامية والأدبية تضمنها هذا الكتاب "هدى ونور"، وكنت آمُل أن أضمَّ كل مقال إلى الكتاب الخاص بالبحوث المشابهة، ولكن وجدت أن لا أبدل وأغير في الطبعات السابقة للمؤلفات التي أصدرتها إلى الآن، حتى في حالة إعادة الطبع، وأن أحافظ على استقلال كل كتاب.
هذه الأبحاث وجدتها في مجلات: "البدر" التونسية، و"نور الإسلام"، و"الهداية الإسلامية"، و"لواء الإسلام"، و"الفتح" المصرية ... وقد أشرت في الحاشية إلى مصادرها.
وآمل أن أكون قد أديت الأمانة خالصة لله -سبحانه وتعالى-.
والحمد لله رب العالمين على الدوام.
علي الرّضا الحسيني
(12/ 1/3)

خواطر (1)
- إن أكبر عقلك، فأصبح يعلّمك ما لم تعلم، واتسع خيالك، فبات يلقي عليك من الصور البديعة ما يلذه ذوقك، فأنت ما بين أستاذ يمحض نصيحته، ونديم لا تمل صحبته.
- يعلمك الأستاذ كيف تغوص في عميق البحار، ويريك نموذجاً من الدرّ يتميز بينه وبين الأحجار، وهمتك تخلد بك إلى الإِملاق، أو تجعلك المجلّي في حلبة السباق.
- سمَّيت الاستخفاف بالشرع حرية، فقلت: برع في فن المجاز، وتهكم بمن أصبح عبداً للهوى، وسمّيت النفاق كياسة، فقلت: خان الفضيلة في اسمها، أو خانه النظر في فهمها.
- تنظر النفس في سيرة الرجل العظيم كما تنظر العين في الزجاجة النقية، فتدرك مساويها، أفلا تصنع بمآثرك الحميدة مرآة يبصر بها الناشئ بعدك صورته الروحية فيصلحها؟
- سرتَ والنور أمامك، فانطلق ظلك على أثرك، ثم وليته قَفاك، فكان
__________
(1) نشُرت الخواطر على حلقتين في مجلة "البدر" الصادرة باسم: "العرب" الجزء الرابع من المجلد الثالث في شهر ربيع الثاني 1342 ه والجزء السابع من المجلد الثالث الصادر في شهر رجب 1343 ه - تونس.
(12/ 1/4)

الظل يسعى وأنت على أثره، وهكذا العقل، يتقبل الحقيقة، فيتبعه الخيال، فإذا أدبر عنها، انقلب الخيال إلى الإمام، وقاده في شُعب الباطل بغير لجام.
- تبسط لسانك بالنكير على من يقلد في الدين، ولولا أنك تتلقى قول الفيلسوف على غير هدى، لقلت: هذه باكورة الاجتهاد قد أينعت.
- هذه الدنيا كالعدسة الزجاجية في الآلة المصورة، تضع الرأس بموطئ القدم، وترفع القدم إلى مكان الرأس، فزنوا الرجل بمآثره، لا بما يبدو لكم من مظاهره.
- يبسط الشجر ظله للمقيل، ويقف بعد موته بقناديل الكهرباء على سواء السبيل، أفأنت تجير من البؤس، وهو أحر من الرمضاء، وتوقد سراج حكمة يهدي بعد موتك إلى المحجة البيضاء؟.
- يصنع الصائغ الحلي، وتضع ما تتجمل به النفوس في محافل العلى، فإن ظلت تتهافت على صانع الخواتم والسلاسل، فاعلم أنها ما برحت لاهية عن هذه المحافل.
- حسبتَ العلم ضلالاً، فناديت إلى الجهل، وآخر يزعم التقوى بلهاً، فكان داعية الفجور. ولولا ما تلقيانه في سبيلنا من هذه الأرجاس، لكنا خير أمة أخرجت للناس.
- ربما كان صاح الأسنّة أرقَّ عاطفة من الطبيب، والسفيهُ أحفظَ للحكم البالغة من الأديب، ولكني أطلب نفس الرجل حثيثاً، وأناجيها، فلا تكتمني حديثاً.
- كان هذا الغصن رطيباً، وعيش البلبل به خصيباً، ولكنه سحب عليه ذيل الخيلاء، فأصبح يتقلب في ذلك البلاء، ويرتجف كما ترتجف اليد الشلّاء.
(12/ 1/5)

- كل جوهرة من عقد حياة محمد - عليه السلام - معجزة؛ فإن أساليب دعوته، ومظاهر حكمته لا يربطها بحال الأمية إلا قدرة تتصرف في الكائنات بحكمة أبلغَ مما تستدعيه طبائعها.
- العفاف نور تستمده النفس من مطلع العقل، فإن ضرب عليها الهوى بخيمته السوداء، خسفت كما يخسف القمر إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس.
- ينزوي البحر، فتضع السفينة صدرها على التراب، وينبسط، فتمر على الماء مرَّ السحاب، والعقل يظل في موقعه من النفس طريحاً، فإن فاضت عليه الحكمة، سار في سبيل النظر عَنَقاً فَسيحاً.
- إن تخبطك السَّفَه، أهانوك، وإن قعد بك البَلَه، أعانوك؛ لأنك تستطيع أن تكون تقياً، وليس في يدك أن تكون أَلمعِيّاً.
- تتجلى فضيلتك، فتنسج في هذه النفس عاطفة أرقَّ من النسيم، وتوقد في أخرى حسداً أحر من الجحيم، وكذلك المزن ينسكب على أرض، فتبتسم بثغر الأُقحوان، وينزل على أخرى، فتقطب بجبهة من حَسَك السَّعدان.
- جنيتُ وردة لأخلصها من الشوك الذي يساورها من كل جانب، فما لبثتْ أن طَفِئت بهجتُها، وسكنت أنفاسها، فعلمت أن النفوس الزاكية لا تتخلص من النوائب إلا يوم تموت.
- الشر نار كامنة في قلوب تحملها صدور المستبدين، فإن قدحتَها بنقد سياستهم، كنتَ لها قوتاً، إلا أن تكون بإخلاصك وحكمتك البالغة ياقوتاً.
- إذا قلت في السياسة ما لا تفعل، أو همت في واد لا تعرِّج فيه على
(12/ 1/6)

حقيقة، فانفض ثوبك من غبارها، فإنه ليس من الغبار الذي يصيبك في سبيل الله.
- إنما يقطف الفيلسوف من المنافع ما تتفتق عنه أكمام الحقيقة، ولا يعرِّج السياسي بنظره على الحقائق إلا إذا أطلَّت عليه المنفعةُ من ورائها.
- لا تجادل المعاند قبل أن يأخذ الاستهزاءُ به في نفسك مكان الغضب عليه، فالغضب دخان يتجهم به وجه الحجة المستنيرة، وابتسام التهكم برقُه يخطف البصر قبل أن تقع صاعقة البرهان على البصيرة.
- لا يمنعك من وضع المقال على محك النظر، أن تتلقاه ممن هو أصفى منك ذهناً، أو أرجح وزناً، فإن الورق لا يقبل ما يرتسم في الزجاجة من الصور إلا بعد إصلاح خطئها، وإعادته الألوان إلى مبدئها.
- أرى موقع الليل من هذه البسيطة لا يفوت مقدار نهارها، فرجوت أن لا يكون الباطل أوسع مجالاً من الحقيقة، ولكن الشمس ترمز بكسوفها، إلى أن أخطأتُ في القياس، وبنيتُ رجائي على غير أساس.
- العالم بستان، تجوَّل فيه الفيلسوف فقال: كيف نشأت هذه الأزهار والثمار؟ ولماذا اختلفت في النعوت والآثار؟ وطاف فيه السياسي فقال: متى يقطف هذا الثمر؟ وتؤتي تلك الشجرة أكلها؟
- سكبت ماء حاراً في زجاجة، فتأثر أحد شطريها بالحرارة، واستمر الآخر على طبيعة البرودة، فتصدع جدارها. وكذلك النفوس الناشئة على طبائع مختلفة لا يمكن التئامها.
- كان لسان الدين بن الخطيب جنة أدب تجري تحتها أنهار المعارف، فآتت أُكلها ضعفين، ولكن تنفست عليه السياسة ببخار سام، فخنقته، وشبت
(12/ 1/7)

نار الحسد في القلوب القاسية، فأحرقته.
- تلهج بأن الشيخ لا يسوس المصلحة بحزم، فإن بلي بُرد شبابك، ولم تُلق زمامها من تلقاء نفسك، فقد فَنَّدت رأيك، أو أضمرت العبث في السياسة.
- في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم، إلا أن تدخل عليه من باب البَلَه، أو تلطخ لسانك بحمأة التملق. فاحتفظ بألمعيتك وطهارة منطقك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يعقلون.
- بين جناحك قوة تجذب إلى جوارك العمل، وهي الإرادة، فاستعذ بالله أن تكون كالجاذبة الأرضية تستهوي الصخرةَ الصماء إلى النفس المطمئنة فتمحقها.
- شددت وصلك إلى سوق العرفان؛ ليقتني ما يلذ ذوقك من درر حسان، فإذا اغبرت لؤلؤة إيمانك بوسواس المفتون، فقد خسرت تجارتك ولو أصبحت تتهكم على آراء أفلاطون، وكشف لك من الكيمياء والزراعة عن كنوز قارون.
- لا ترسل فكرك وراء البحث عن حقيقة قبل أن ينفخ فيه روح الاستقلال، فإن التقليد موت، وما كان لجثث الموتى أن تغوص في بطون الأبحر العميقة.
- لا عجب أن يتفجر بين أيديهم ينبوع الآداب صافياً، وتهوى أنفسهم أن تغترف غرفة من مستنقعها الأقصى؛ فإن من الأبصار المعتلة ما لا يقع نظره إلا على شبح بعيد.
- النفس راحلة تحمل أثقالك إلى بلد السعادة، فإن لم تسر بها إثر
(12/ 1/8)

الشريعة القيمة، أولجتْ بك في مهامهَ مغبرة، وإن بلغت في الفلسفة ما بلغ شاعرُ المعرة.
- سيروا في تهذيب الفتاة على صراط الله المستقيم؛ فإن منزلتها من الفتى منزلة عجز البيت من صدره، ولا يحسن في البيت أن يكون أحد شطريه محكماً، والآخر متخاذلاً.
- لا يدرك أعشى البصيرة من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذاتِ أفنان، وثمار ذاتِ ألوان، وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة.
- لا تداهنوا المولع بقتل حريتكم، فأبخس الناس قيمة من تصرعه الخمر، كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم لا يلبث أن يُلبسها من تسبيح مدحه حللاً ضافية.
- إن من الجهّال من يرمي به الزمن على مقام وجيه، فعلمه بسير تلك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً، وإن وضع بازائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة.
- بذرت أيام الشباب آمالاً لم تقطف ثمرها إلا حين أقبل المشيب، وهل يتمنى الحاصد للثمار أن يعود إلى أيام الحراثة والزراعة والانتظار؟!
- يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يرقب من ورائها منفعة لنفسه، أن يكون في حل من وخزات أقلامها، وإنما يُحمد الذي يجاهد لسعادتها، وهو لا يرجو نعماء ينفرد بها في هذه الحياة.
- لا تنقل حديث الذي يفضي به إليك عن ثقة بأمانتك، ويمكنك -متى كان يرمي إلى غاية سيئة- أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله، فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها.
(12/ 1/9)

- لو فكرت في لسانك حين يتعرض لإطراء نفسك، لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيصة، لا يحتاج في إثباتها إلى بينة.
- ألا ترى الماء الذي تقع في مجاريه الأقذار، كيف يتجهم منظره، ويخبث طعمه، فاطرد عن قلبك خواطر السوء، فإنه المنبع الذي يصدر عنه عملك المشهود.
- قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حل وطنك متغلباً، طرحك في وهدة الاستعباد، واتخذ من عنقك الحر موطئاً.
- لا يحق للرجل أن يكاثر بمن يتقلد رأيه على غير بينة، إلا إذا وازنه وقارنه بالصحف المطوية على آثارهم في نسخ متعددة.
- إن هذا الزجاج يصنع كأساً ... ليصير الحليم فينا سفيها
ويصوغ الدواة تلقاء هذا ... ليرى خامل الشعور نبيها
مثل الفيلسوف ينفث غياً ... ثم يأتي لما يروق الفقيها
- جَرَسٌ يصيح كحاجب ... طلق اللسان معربدِ
حيناً ينوح كموجَع ... من لطمة المتعمِّدِ
والآن رنّ كمِزهر ... جسَّته أنملُ معبَد
زار الصديق فهزّه ... من بعد ضغطة جلمَدِ
فحدا كما يحدوا لهزا ... رُ على الغصون الُميَّدِ
والودُّ يسكن في الحشا ... لكن يُحس من اليد
(12/ 1/10)

الحكمة العربية (1)
الحكمة: معرفة الحقائق على ما هي عليه، وقد يراد بها الكلام النافع الذي يمنع من الجهل والسفه، وهي بهذا المعنى فن من فنون الكلام المنظوم أو المنثور، وذلك ما نريد الحديث عنه في هذا المقال.
وهذا النوع من الحكمة ثمرة التجارب والتفكير على الوجه الصحيح، فنصيب الأمة من الحكمة على قدر نصيبها من جودة التفكير، والشعور بما تشترك فيه الحوادث من الأسباب والآثار.
ومن الذي ينكر ما للأمة العربية من صفاء الذهن، وتوقد الذكاء؟ فلا بد أن يكون حظها من الحكمة عظيماً.
نطق العرب في جاهليتهم بحكم تدل على تجارب صادقة، وألمعية مهذبة، وأسوق لك مثلاً على هذا قول النابغة الذيباني:
ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلُمُّه ... على شَعَث أيُّ الرجال المهذّبُ؟
فهذه الحكمة لا تصدر إلا من ألمعيّ خالط طبقات الناس زمناً طويلاً، ونقدهم طبقة بعد طبقة، فاستخلص من طول صحبتهم أنه لا يوجد من بينهم
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد السادس من المجلد الرابع الصادر في جمادى الثانية سنة 1352 ه - القاهرة.
(12/ 1/11)

الصاحب الذي يصفو لصاحبه في كل حال. والإِنسان محتاج إلى الإِخوان احتياجَه إلى الماء والهواء، فليس له إلا أن يتمسك بصحبة من وثق بمودتهم، ويغضي عن هفواتهم التي لم يقع فيها لفساد ضمير، أو نكث عهد مودة.
كان للعرب براعة في صوغ الحكمة، حتى طلع عليهم القرآن الكريم، وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فامتلأت أسماعهم بالحكمة البالغة.
أما القرآن، فقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} [فصلت: 34]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وقوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100].
وأما الأحاديث النبوية، فكقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
أفاض القرآن والحديث النبوي أمثال هذه الحكم الرائعة، وفتحا للحكمة طرقاً كانت مقفلة، فالإِسلام ساعد الخطباء والشعراء والوعاظ على أن يسيروا في هذا الفن من الكلام بخطا واسعة، ويقطعوا فيه أشواطاً بعيدة، فأصبح الناس يسمعون من الحكم أبلغ مما كانوا يسمعون، ويجمعون منها أكثر ما كانوا يجمعون.
وإذا هممتُ أن أسوق إليك أمثلة من حكم العرب في الإسلام، تكاثرت علي تكاثُرَ الظباء على زياد، فلم أدر ما آخذ منها وما أَذَر، فانظر إلى ما شئت من الدواوين التي تحوي خطب البلغاء، ورسائل الأدباء، وقصائد الشعراء، ومحاورات العلماء، ففيها ثمرات قرائحهم الخصيبة، ونظراتهم الصادقة.
(12/ 1/12)

ولأبي الطيب المتنبي في هذا الميدان جولات سبق بها أقرانه من الشعراء، وللصاحب بن عباد صحائفُ جمع فيها ما يحسن التمثل به من شعر المتنبي؛ كقوله:
ومن ينفقِ الساعاتِ في جمع مالِه ... مخافةَ فقر فالذي فعل الفقرُ
وقدمها هدية لمخدومه فخر الدولة، الذي كان يتمثل كثيراً بأبيات من نظم هذا الشاعر الحكيم.
وأورد ابن أبي حجة في "شرح بديعته" ما ملأ به صحائف كثيرة من حكم أبي الطيب المتنبي، وربما أورد بعد البيت أو قبله ما يدل على إعجابه به، كما تعرض لقصيدته التي يقول فيها:
وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرِّب
وقال منها وأجاد إلى الغاية:
وأظلمُ أهل الظلم من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلب
وكما أشار إلى قصيدته: "واحرّ قلباه ممن قلبه شَبِم"، وقال: ومنها، وليس لمثله مثيل:
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هُم
وفي لامية الطغرائي أبيات كثيرة تشتمل على حكم غزيرة، فجرت على ألسنة الأدباء والكتاب مجرى الأمثال السائرة؛ كقوله:
وعادةُ السيف أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
الحِكَم لذيذة، وأحسنها وقعاً ما صدر على البداهة؛ فإنه أدل على عبقرية الرجل، وكثرة انتفاعه بتجاربه.
(12/ 1/13)

لام عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أباه على إرجائه تنفيذ بعض ما يراه حقاً، فقال عمر بن عبد العزيز: "أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة".
وامتدح شاعر الإمام محمد بن مسلم الزهري، فأعطاه جائزة، فقيل له: أتجيز كلام الشياطين؟ فقال: "من ابتغاء الخير اتقاء الشر".
وأشد ما يغبط الشاعر شاعراً آخر، في البيت العامر بالحكمة.
أنشد محمد بن كناسة إسحاق بن إبراهيم البيتين:
فيّ انقباضٌ وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
فقال إسحاق: وددت -والله- لو أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك، فقال ابن كناسة: قد وفر الله عليك مالك، والله! ما سمعهما أحد، ولا قلتهما إلا الساعة، فقال إسحاق: فكيف لي بعلم نفسي أنهما ليسا لي؟ وإسحاق إنما غبط ابن كناسة في البيتين؛ لما اشتملا عليه من الحكمة، وهي وضع كل من الحشمة والاسترسال على السجية في مقامه اللائق به.
والخلاصة: أن في آداب اللغة العربية حكماً غزيرة في ألفاظ عذبة وجيزة، فنودُّ من القائمين على تعليم النشء وتربيتهم تلقينها لهم بطريقة واسعة، حتى لا يحتاجوا إلى الاستشهاد بأقوال الغربيين، وفي كلام حكمائنا وبلغائنا ما يغني عنه.
(12/ 1/14)

التعاون في الإسلام (1)
الإسلام في مقدمة الشرائع المتضافرة على حفظ حقائق، هي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والنسل، والمال.
فمِنْ قَصْدِهِ إلى المحافظة على الدين: فرْضُه القيام بالدعوة إليه، والدفاع عن حوزته.
ومِن قصده إلى المحافظة على النفس؛ شرْعُه القصاص، وفرضه حضانة الأطفال ورعايتهم.
ومِن قصده إلى المحافظة على العرض: تقريره لعقوبة القذف بالزنا، وأمره بتأديب من يتطاول على غيره بلمز أو هجاء.
ومِن قصده إلى المحافظة على العقل: شرعه لعقوبة من يتناول المسكرات، أو يسعى في إزالة عقل شخص بالضرب ونحوه.
ومن قصده إلى المحافظة على النسل: حثُّه على النكاح، وسنُّه لعقوبة من يعتدي على شخص، فيبطل منه قوة التناسل.
ومن قصده إلى المحافظة على المال: شرعُه لعقوبة السارق وقاطع الطريق.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الرابع من المجلد الرابع الصادر في شهر ربيع الثاني 1352 ه - القاهرة.
(12/ 1/15)

وقد يقع بعض هذه الحقائق في ضياع، أو يكون مشرفاً على الضياع، ويتعذر على الشخص الواحد العمل لسلامتها، فكان من مقتضى ثقل أعبائها أو كرة شُعَبها أن يمد إليه أشخاص آخرون أيديهم ليتعاون الجميع على حفظ دين، أو نفس، أو عرض، أو عقل، أو نسل، أو مال.
ومن المعلوم الماثل أمام كل من تفقَّه في الدين: أن الإسلام قد راعى عجز الأفراد عن القيام بكثير من المصالح الخاصة أو العامة، فأمر بالتعاون على وجه عام، ثم أقام كثيراً من أحكامه وآدابه على القاعدة التي ينتظم بها العمران، وتخف بها متاعب الحياة.
أما الأمر بالتعاون على وجه عام، فمن شواهده قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
يتناول التعاون على البر والتقوى: المؤازرة في كل عمل ينتج عنه الخير، سواء كان القائم به فرداً، أم جماعة، وسواء كان الخير عائداً إلى فرد، أم إلى جماعة، أم إلى أمة، ولا فرق في أصل طلب التعاون بين أن يكون الخير من مصالح الحياة الدنيا التي أذنت الشريعة بإقامتها، وأن يكون من وسائل السعادة في الأخرى.
فمن التعاون على البر والتقوى: أن يقوم الرجل للصلاة، فتناوله وضوءاً، أو تهيئ له مصلَّى.
ومن التعاون على البر والتقوى: أن ينهض القوم لإعلاء كلمتهم بنحو بناء المدارس، أو المستشفيات، أو الملاجع، أو إقامة مصانع تسد جانباً من حاجاتهم المدنية، فتبذل في إسعادهم ما تستطيع من قوة.
ويدخل في الإِثم والعدوان: كل عمل يعطل شريعة من شرائع الدين،
(12/ 1/16)

أو يعود على النفس أو العرض أو العقل أو النسل أو المال بالفساد.
فمن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تقضي للخصم بقطعة من مال خصمه، وأنت تعلم أنه يدعيها زوراً وبهتاناً.
ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تشهد حفلات ترتكب فيها محرمات، كتعاطي المسكرات، أو رقص الفتيان مع الفتيات.
ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تشتري ورقة من تلك الأوراق التي يصدرها جماعات، ويسمونها: "اليانصيب"؛ فإنها من الميسر الذي وصفه الله تعالى بأنه رجس من عمل الشيطان.
ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تكون كاتب البطاقة التي يأمر
فيها الظالم بالاعتداء على نفس أو عرض أو مال.
ومما ورد في التعاون: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فإن قصد أحد إلى مَن بينَك وبينه إخاءة ليعتدي عليه في نفسه أو ماله أو عرضه، وجب عليك الانتصار للمعتدى عليه، ودفعُ المعتدي بما يكفي للخلاص من شره، وذلك معنى الانتصار له وهو مظلوم، أما الانتصار له وهو ظالم، فقد بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفس الحديث بمعنى: الأخذ على يده، ومنعه من الظلم، وفي كفِّه عن الظلم الذي يذيقه عذابَ الهون في الآخرة، ويُلبسه ثوب الخزي في الأولى، انتصارٌ له أيُّ انتصار.
ومن الوجوه التي تدل على قصد الشريعة إلى التعاون: تحريم السؤال على مستطيع الكسب، وفي هذا التحريم باعث له على القيام بجانب من حاجات الأمة، وفي إخلاد القادر على الكسب إلى السؤال بليتان اجتماعيتان:
أولاهما: فوات الانتفاع بشخص يمكنه أن يكون كقطرة صالحة في دم
(12/ 1/17)

حياة الأمة، فتزداد به قوة على قوتها.
ثانيهما: بقاؤه في جسم الأمة كعضو يشرب من دمها، ويأكل من لحمها، بل كعضو يسري منه مرض البطالة إلى أشخاص لا تعرف نفوسهم العزَّة، فيكثر سواد هؤلاء الثقلاء في البلاد، قال - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خيز له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه" (1).
فحرام على من يستطيع كسب الرزق أن ينكث يده من العمل، ويجلس متشوفاً لما سمحت أو تسمح به نفوس المحسنين لمن قعد به العجز عن طريق الاكتساب.
فلو بدا لأولي الأمر أن يهيئوا للعاجزين عن الكسب ملاجئ، ويأخذوا على أيدي المتسولين؛ حتى يضطر صحيح البنية إلى مباشرة بعض الأعمال الحيوية، لوجدوا في الإِسلام ما يحثهم على أن يبنوا الملاجئ، ويمنعوا المتكففين من التجول في الطرق والأسواق.
وقد بث الإسلام روح التعاون في النفوس لأول ظهوره، ترى هذا في حياة المسلمين بالمدينة عقب الهجرة، فقد ورد في الصحيح: أن المهاجرين قدموا من مكة وليس بأيديهم شيء، فعرض الأنصار على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم النخيل بينهم وبين المهاجرين، فقال: لا، فعرضوا عليه بعدُ أن يكفيهم المهاجرون مؤونة العمل، ويشركوهم في الثمرة، فأجاب لذلك، فقاسمهم الأنصار على ذلك، وكان الأنصار يؤثرون المهاجرين بما عندهم، وإن كانوا في حاجة إليه، وهو الإيثار الذي مدحهم الله تعالى به في قوله: {وَيُؤْثِرُونَ
__________
(1) كتاب "الموطأ".
(12/ 1/18)

عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
ومِن قصد الشارع إلى التعاون على وجه عام: أنه نظر إلى الأعمال المنطوية على مصالح، فكان منها ما تحصل مصلحته لكل شخص يقوم به، وتوجد هذه المصلحة كلما قام به قائم وهو مستوفي الشروط والأسباب والأركان، فجعل الخطاب فيه موجَّهاً إلى كل من بلغ سن التكليف؛ كالصلاة والصيام والحج والزكاة، وهذا ما يسميه الفقهاء: بالواجب على الأعيان، ومنها ما تحصل مصلحته بفعل شخص أو أشخاص، ولو قام غيرهم من بعدهم ليفعله، وجد المصلحة قد تحققت، فجعل الخطاب فيه موجَّهاً إلى الأمة على أن تقوم به طائفة منها؛ كتجهيز الموتى، وإنشاء ما يكفي حاجة البلاد من المدارس، وهذا ما يسمَّى في عرف الفقهاء: بفرض الكفاية.
والحقيقة: أن الطلب في فرض الكفاية يتوجه إلى من فيهم الكفاية للقيام بالعمل المطلوب، وإذا قام به بعضهم، سقط عن سائرهم، فولاية القضاء -مثلاً- يُتوجه فيها إلى من درسوا أحكام الشريعة، وكان لهم مقدرة على تطبيق الأصول على الوقائع. وإِنقاذُ الغرقى يتوجه الطلب فيها إلى من يستطيعون الإِغاثة.
ونصرة المظلوم يتوجه الطلب فيها إلى من كان قادراً على أن ينصره بإنفراده، أو بالانضمام إلى غيره. وإِنما جُعل الخطاب في فرض الكفاية موجهاً إلى الأمة؛ لأنه يجب على من لم يكن فيهم أهلية للعمل المطلوب أن يهيئوا وسائله لمن فيهم أهلية، أو يجبروهم على القيام به إذا أهملوا أو تباطؤوا. فدفعُ الشُّبه وتقويم الزيغ واجب على العارفين بأصول الدين، فإذا دخلت الضلالة في قرية لا يوجد فيها من فيهم الكفاية لتقويم الزائغين، وجب على من فيهم
(12/ 1/19)

الكفاية ببلد آخر أن ينتقلوا لإِرشاد أولئك الضالين، وإِن احتاجوا إلى نفقة أو وسيلة غيرها، وجب على القادرين على مساعدتهم بالمال، أو بتهيئة ما احتاجوا إليه من وسائل أن يعينوهم على أداء واجب الإِرشاد، فيسقط الوجوب عن الجميع. وقيادة الجيوش تجب على من جمع إلى الشجاعة العلم بالفنون الحربية، فإذا امتنع من تحققت فيه شروط القيادة من الخروج إلى مواقع القتال، لا يتركون وشأنهم بعلَّة أن الأمر بقيادة الجيش موجه إليهم وحدهم، بل على أولي الشأن إجبارهم على تولي قيادة الجيش، فإن لم يجبروهم، كانوا في العقوبة سواء، بل لولي الأمر أن يعمد إلى من فيهم الكفاية لأمر من الأمور، ويعين من بينهم شخصاً أو أشخاصاً للقيام به، فيصير بهذا التعيين فرض عين لا يسوغ لهم التأخر عنه.
ومن المطلوب على الكفاية ما هو ديني محض؛ كالصلاة على الميت، ومنه ما يرجع إلى مطالب مدنية؛ كتعاطي بعض الحرف أو الصنائع المحتاج إليها في انتظام حال الجماعة. والنوع الأول يبعث على القيام به القصد إلى امتثال أمر الله تعالى، وأما النوع الثاني، فقد يبعث عليه داعية فطرية، ذلك لأن همم الناس تختلف في توجهها إلى ما تستدعيه الحياة من الحرف والصنائع، فيوجد في أغلب البلاد الحداد والنجار والبناء والصائغ والخائط والحمال والكنَّاس، إلى غير هذا من الحرف والصنائع الضرورية، ومن المحتمل أن لا تطَّرد هذه السنَّة في بلد أو في عصر، فيزهد الناس في حرفة، أو في صناعة، فلم يدع الشارع هذه الضروريات أو الحاجيات إلى الدواعي الفطرية وحدها، بل جعل القيام بكل حرفة أو صناعة يُحتاج إليها في الحياة فرضَ كفاية، حتى يستقيم أمر الحياة، فإن لم تختلف همم الناس اختلافاً يفي بما تحتاج إليه
(12/ 1/20)

البلاد من الحرف والصنائع، وجب على أولي الشأن العملُ لسد حاجات الأمة، وإقامة الحرفة أو الصنعة المفقودة، ولو ببعث طائفة إلى خارج البلاد ليتعلموها، ويحسنوا القيام عليها.
وقد دلنا التاريخ الصحيح لعهد النبوة: أن الناس كانوا يتعاونون على مرافق الحياة، ووسائل السعادة، فقد روى الإِمام البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه قال: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق (1) بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يَلْزم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون".
فدل الحديث على أن طائفة من المهاجرين كانوا يشتغلون بالتجارة، وطائفة من الأنصار كانوا يشتغلون بالفلاحة والزراعة، وأن أبا هريرة كان منقطعاً لطلب العلم، وعرفنا من طريق غير هذه الرواية: أن في الأمة لذلك العهد طائفة كانت تتعاطى بعض الصنائع؛ كالتجارة، والحدادة.
ولم يكن أهل الصُّفّة (2) إلا بمنزلة الجند المهيأ للدفاع، زيادة على ما كانوا يتلقونه من علم، فلهم من هذه الناحية قسط عظيم من التعاون المطلوب في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
يجري على شاكلة الحرف والصنائع: العلومُ والفنون، فقد قرر علماء الشريعة أن كل علم أو فن يحتاج إليه في الحياة يجب أن تقوم به طائفة الأمة، فمن التعاون على تنمية العلوم وتحقيقها: إقبالُ كل طائفة على علم يقتلونه بحثاً، ويحيطون به من كل جانب، وإنما اتسعت دوائر العلوم بمثل
__________
(1) البيع والشراء.
(2) موضع مظلل في مسجد المدينة يأوي إليه المساكين.
(12/ 1/21)

هذا العمل المسمَّى بالتخصص.
وقد أدرك علماء الإِسلام في القديم فائدة انفراد كل طائفة بعلم تُفْرِغ فيه جهودها، وتَصرِف فيه جانباً كبيراً من أوقاتها، فاختلفت وجهاتهم على قدر ما كان بين أيديهم من العلوم، وظهر النبوغ في هذه العلوم على اختلاف موضوعاتها، وتباعد أغراضها.
وقد يكون اختلاف الناس في إِتقان هذه العلوم من دواعي الفطرة، بأن يقبل كل إِنسان على العلم الذي يجد في نفسه الميل إلى تعاطيه، فإن وجد الرئيس همم الناس منصرفة عن بعض العلوم، اتخذ وسيلة إلى حمل طائفة منهم على مزاولته.
وأما أن الشمريعة بَنَت كثيراً من أحكامها وآدابها على قاعدة التعاون، فشواهده كثيرة، تجد هذه الشواهد في التعاون على حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والنسل.
من شواهد التعاون على حفظ الدين: أن الشريعة نظرت إلى ما ينبني على التفقه في الدين من إنارة الجاهلين، وإنذار المسرفين، وتنظيم الحياة على وجه أدعى إلى الارتياح والاطمئنان، فلم تتركه لهمم الأفراد التي قد يطرأ عليها ضعف أو انصراف عن التعلم، بل فرضت على كل فرقة من المسلمين أن يرحل منها طائفة إلى المواضع التي يمكنهم أن يتفقهوا بها في الدين، ثم يعودوا إلى قومهم، فتبقى عقائد الدين وواجباته وآدابه محفوظة بينهم.
قررت رحلة طائفة للتفقه في الدين، وفيه معنى التعاون على حفظه، وورد في الشريعة الأمر بالتعاون على حفظ الدين من وجه آخر، وهو أن رجال القبيلة أو القرية قد يغفلون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتضيع
(12/ 1/22)

أحكام الدين وآدابه، ففرضت على الأمة أن يقوم طائفة منها بالدعوة إلى الحق والإصلاح، والتحذير من الباطل والفساد، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104].
وقد تختلف وجوه التعاون على حفظ الدين اختلافَ الأحوال والأزمان. ومما حدث في هذا العصر: أن بعض المخالفين يعملون لزلزلة أركانه، وطمس معالمه بوسيلة ما يفتحونه من مدارس ومستشفيات وملاجئ، يزعمون أنهم يخدمون بها العلم والإِنسانية، فهنالك يجدون الأطفال والمستضعفين من الرجال والنساء واقعين في حبائلهم، لا شاهد عليهم ولا رقيب، فيحدثونهم عن الإِسلام بألسنة تفتري عليه الكذب، ويلقنونهم آراء تجعلهم أشد الناس عداوة لدينهم، وازدراء لآبائهم.
فمن التعاون على الدين في هذا العصر: أن ينهض المسلمون نهضة صادقة، فيبسطوا أيديهم بالبذل في سبيل إنشاء مدارس ومستشفيات وملاجئ تغني عن تلك المباني المفتوحة لإِغواء الغافلين.
ومن التعاون على حفظ الدين: أن ينشط العلماء للإرشاد، فيطلقوا ألسنتهم وأقلامهم في نصح من في قلوبهم بقية من خير، بأن لا يرسلوا أبناءهم إلى تلك المدارس التي لو غفل عنها الناس اليوم غفلتهم عنها بالأمس، لطوي بساط الدين طيّ السجل للكتاب.
ومن شواهد التعاون على حفظ النفوس: أن الشريعة قد نظرت إلى ما يحدث بين الطوائف من التنازع فالتقاتل، فأشفقت من أن تذهب نفوس بريئة، وتراق دماء كثيرة، فأمرت الباقين من المسلمين بالسعي للصلح بين الطائفتين المتقاتلتين.
(12/ 1/23)

ومن هذا القبيل فرض إغاثة العطشان والجائع، حتى قال الفقهاء: من لقي عطشاناً ومعه ماء، أو لقي جائعاً ومعه طعام، فمنع العطشان الماء، أو الجائع الطعام، وهو يعلم أنه لا يجوز منعه، وأنه يموت إن لم يسعده بما عنده، حقت عليه عقوبة القصاص.
دعت الشريعة إلى التعاون على حفظ النفوس، وجعلت له من الزكاة النصيب الأوفى، فكان من مصارفها الفقراء والمساكين؛ ليسدوا بها حاجاتهم، ويصونوا بها ماء وجوههم، ثم ندبت إلى وجوه أخرى من وجوه البر؛ كالصدقة، والهبة، فالقصد من الصدقة أو الهبة: مواساة من يُتصدق عليه، أو يوهب له، وإعانته على حفظ نفسه، أو نفس من يعوله -غالباً-.
وفي الناس من لا تسمح نفسه برفع يده عن الشيء المنتفع به جملة، فجعل له الشارع طريقاً إلى أن يعين غيره بمنفعة الشيء مع بقاء ذاته تحت ملكه، كالعارية، والعُمْرى (1).
ومن الوجوه الراجحة في تفسير قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7]: أن المراد: ما يتعاوره الناس من متاع البيت؛ كالقدر والجفنة والسكين، وإذا طلب منك إعارة أمثال هذه الأدوات في حال ضرورة، كان منعها حراماً، فإن طلب منك إعارتها في حال لا تبلغ الضرورة، كان منعها خادشاً في المروءة، دليلاً على أنك تطوي نفسك على شيء من البخل بما آتاك الله من خير.
ومن شواهد التعاون على حفظ العرض: أن الشريعة قد وضعت على القذف بالزنا عقوبة محدودة، وعلى من يتناول غيره بسباب أو هجاء التعزيرَ
__________
(1) أن تعطي شخصاً منفعة شيء مدةَ حياته أو حياتك، أو إلى أجل مسمى.
(12/ 1/24)

بما يكفي لردعه، وعهدت بإجراء ذلك الجزاء إلى الرئيس الأعلى، أو من يقوم مقامه، وفي إجراء ذلك الجزاء تعاون على حفظ الأعراض. والقاضي الذي لا يحقق النظر في قضايا السباب والهجاء، ولا يقرر لها جزاء وفاقاً، يعدّ فيمن لا يقدر حق صيانته الأعراض، ويلحق بمن يجهل أن العرض أعزّ على الرجل من ماله ونفسه.
ومن مقتضى التعاون على حفظ الأعراض: أن لا تترك مجلسك ميداناً يتسابق فيه الطغام إلى ثلب الأعراض، فإذا حرّك أحد لسانه بالقدح في عرض بريء أو بريئة، ألجمته بالحكمة. وكذلك يفعل الصالحون والمصلحون، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يخذل امراً مسلماً في موضع ينتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته" (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ذبّ عن عرض أخيه، رد الله النار عن وجهه يوم القيامة" (2).
ومن شواهد التعاون على حفظ العقل: أن الشريعة وضعت عقوبة على من يتناول شيئاً من المسكرات، أو يؤذي شخصاً فيزيل عقله، وعقوبةُ الأول معروفة، وعقوبةُ الثاني الديةُ كاملة، وهذه العقوبات يجريها القائمون على المصالح العامة، وإجراؤها من قبيل التعاون على حفظ العقول.
ومن مقتضى التعاون: أن تحول بين الإنسان وما يذهب بقوته العاقلة، أو يضعفها ما استطعت أن تحول، فإن كان لك سلطان، منعته بيدك الغالبة،
__________
(1) أبو داود.
(2) الترمذي.
(12/ 1/25)

وإن كنت مرشداً، منعته بموعظتك الحسنة. ونصحُ الطبيب في معالجة من تصاب عقولهم بشيء من الخلل داخل في قبيل هذا التعاون المطلوب.
ومن شواهد التعاون على حفظ النسل: أن الشريعة رغَّبت في النكاح، وجعلت من شروط صحته الإشهاد، فمن حضر ليشهد به، فقد أخذ بأدب التعاون على حفظ النسل، ومن الآخذين بهذا الأدب المحمود: الخاطبُ، ومن يشفع لدى الزوجة أو وليها في تخفيف نفقات العرس، أو الرضا بالميسور من المهر.
ومتى ظهر في الناس قلة الإِقبال على الزواج، وجب على حكماء الأمة والقائمين على مصالحها أن يتعاونوا في البحث عن علل قلة الزواج، ويتخذوا الوسائل إلى علاج هذه العلل حتى تعود الأمة إلى الفطرة السليمة، وتسير في طهر، وينمو عددها نماء يكفل حياتها، ويكسبها قوة على القيام بنفسها.
ومن شواهد التعاون على حفظ المال؛ بحمايته من التلف، أو العمل على نمائه: أن الشارع قرر الإِيصاء، وهو أن يعهد الأب لمن يعرف فيه الأمانة وجودة الرأي بالنظر في شؤون ابنه من بعده، ومن مقتضيات الإِيصاء: حفظ مال الطفل، والتصرف فيه على ما تقتضيه المصلحة، فقيام الوصي على أمر الطفل بحزم ونصح معونةٌ على حفظ ماله وإصلاح حاله.
ومن هذا الباب: تقرير الشارع لباب القِراض، وهو إعطاء مال لمن يَتَّجر به على أن له جزءاً من ربحه، فصاحب المال يعين العامل على كسب جزء من المال كانت يده فارغة منه، والعامل يعين صاحب المال على تنمية ماله، ولولا إعانة هذا العامل، لبقي المال عند حَدّ، وقد يُنقصه الإِنفاق حتى يذهب به جملة.
(12/ 1/26)

ومن هذا القبيل: فتح الشارع لباب عقد الشركات في الأموال، وهي خلط شخص ماله بمال آخر على أن يتصرف كل منهما في المالين في حضرة شريكه وغيبته، أو في حال حضرته فقط.
وفي هذا النوع من التعاون فائدة عظمى لا توجد عند عمل كل واحد في ماله منفرداً، فإنّ ضَمَّ القليل إلى القليل يُصيره كثيراً، وهذه الكثرة تجعل الشركاء قادرين على جلب بضائع مرتفعة القيم، أو مختلفة الأجناس والأصناف، ولولا الشركة، لضاق باعُ كل منهم أن يصل إلى تلك البضائع ذات القيم المرتفعة، أو ذات الأجناس والأصناف المختلفة، فتقل الأرباح، ولا يجد أهل البلد على تفاوت طبقاتهم كلَّ ما يقوم بحاجاتهم، ويوافق رغباتهم، ونجاحُ الشركات قائم على تحقق الأمانة، والسير على نُظم علم الاقتصاد الصحيح، فمن الملائم لروح التعاون في الإسلام: تأليف شركات تحتفظ بعهد الأمانة، وتسير على نظم يراعى فيها قواعد الاقتصاد المعقولة، وتسعها أصول الشريعة الغراء.
والتعاون بالنظر إلى ما تقع به المعونة إما أن يكون تعاوناً بالنفس؛ كأن تدفع بيدك أو سلاحك صائلاً على نفس أو مال، وإما أن يكون تعاوناً بالمال؛ كالقرض والهبة والصدقة، وضرب الدية في قتل الخطأ على العاقلة، وإما أن يكون تعاوناً بالرأي؛ كأن تشير على الرجل بما يخرجه من حيرة، أو ينقذه من عطب، وإما أن يكون تعاوناً بالجاه؛ كأن تشفع لذي حاجة عند من يملك قضاءها، قال - صلى الله عليه وسلم -: "اشفعوا تؤجَروا" (1)، وقال - عليه السلام -: "واللهُ
__________
(1) النسائي.
(12/ 1/27)

في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (1).
وتتفاوت همم الناس في مصارف الجاه، وأصغرهم همة من يستخدمه في منافعه الخاصة، ولا يوجهه إلى قضاء المصالح العامة. وقد دلنا التاريخ على كثير من زعماء الإسلام وعلمائه يدوسون منافعهم الخاصة بأقدامهم، وإذا وجدوا موضعاً لنفوذ الكلمة، لم يذكروا إلا مصلحة عامة، أو مصالح أشخاص يبتغون من السعي لها رضا الله في الدنيا والآخرة.
وخلاصة المقال: أن الإسلام أقام التعاون على أساس محكم، ومدّ له في كل ناحية من نواحي الحياة بسبب، فإذا وضع المسلمون أيديهم على هذه الأسباب الوثيقة، بلغت بهم المكانة المحفوفة بالعزة، المشار إليها بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
__________
(1) مسلم.
(12/ 1/28)

الرحلة والتعارف في الإسلام (1)
كان لعلماء الإسلام شغَف بالاطلاع على أحوال الأمم، وحرص على معرفة ما تجدد في العالم من شؤون عمرانية وآراء علمية، ومن أثر هذه الخصلة الفائقة: شدة عنايتهم بالرحلة، ورغبتهم في لقاء أهل الدراية، فكانت الممالك الإسلامية -على سعة مجالها، وبُعْدِ ما بين أطرافها- تتقاذف برجال العلم والأدب، بالرغم عمّا كان في الأسفار من تحمل المشاق، واقتحام الأخطار.
ومن هؤلاء الذين تقلّبوا في البلاد مَن حملوا إلى أوطانهم علماً جماً؛ كأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي، ومنهم من صرفوا عنايتهم إلى وصف ما شهدوه من نظام الدول، وشؤون الأمم، وآثار الحضارة؛ كابن بطوطة، وابن جبير، وخالد البلوي، وبعضهم استقرت به الرحلة في غير وطنه؛ كأبي العلاء صاعد البغدادي، وأبي علي القالي، وَفَدا على الأندلس، وضربا أطناب الإقامة، فانتظما في سلك أدبائها، وازدادت بهما سمعة نهضتها الأدبية نغماتٍ رائقة.
ومما كان يفتح للعلماء طريق الرحلة، ويجعلها أمراً ميسوراً: متانة
__________
(1) مجلة "البدر" - الجزء الثالث من المجلد الثاني الصادر في منتصف ربيع الأول 1340 ه - تونس.
(12/ 1/29)

الصلة الدينية، فيغادر العالم مسقط رأسه، وهو على ثقة بأنه إنما ينزل بقوم يماثلهم في مزاجهم الروحي، ويشاركهم في إحساسهم السياسي والأدبي، فلا يلبث أن يدخل في قبيلهم، ويعدّ عضواً في مجتمعهم.
أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع بها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية، وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبة أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس، إلى أن توفي بها سنة 586 ه، ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعرّي:
والمالكيّ ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنَا فحمدْنا النأيَ والسَّفَرا
إذا تفقّه أحيا مالكاً جَدَلاً ... وينثر الملِكَ الضِّلِّيلَ إن شعرا
ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ؟
تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تقعد بهم شدة إلفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية
(12/ 1/30)

الأدبية، فيسهل على العالِم -ولاسيما أن بلاد الشام وطن واحد- أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً.
يرحل العلماء؛ لما أومأنا إليه من إحراز علم نافع، أو اغتنام حياة شريفة، ولم تكن رحلاتهم لتخلو بعد هذا من فائدة التعارف، وتوثيق عرا الجامعة التي لا تقوم السعادة إلا على أركانها؛ فإن الأمراء الراشدين، والعلماء المستقيمين، لا يحل بدارهم عالم نبيه، أو يؤوب إليهم من سفره، إلا التقطوا من محاورته أنباء البلاد التي نزح عنها، أو عرج بها؛ ليقتدوا بآثارها، أو يسعوا جهدهم إلى تلافي الخطر الذي نزل بساحتهم.
وربما قام بعض العلماء بسفر، لا ينوي به سوى خدمة الجامعة ولمِّ شعثها، كما طاف أبو الوليد الباجي بين أمراء الأندلس، يدعوهم إلى نبذ الشقاق، والعود إلى الاتحاد والتناصر. وسافر أبو عبد الله بن الأبّار القضاعي من الأندلس إلى سلطان تونس أبي زكريا؛ ليهز عاطفته إلى نجدة الأمير زّيان بن أبي الحملات، ومعاضدته على إنقاذ "بلنسية"، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول في طالعها:
أدركْ بخيلِك خيلَ الله أَندلُسا ... إن السبيل إلى منجاتها دُرِسا
ثم خمدت داعية الشوق إلى البحث عن أحوال الشعوب، وعقد روابط التعارف بين الجماعات والأفراد، ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن التخاذل إنما دخل على الحالة الاجتماعية من ناحية التهاون بهذه الغاية، وإقبال الطوائف على مآربهم القاصرة عليهم، وشؤونهم الخاصة بهم، ولا يسع المقال الخوض في العلل التي أماتت داعية التعارف، وأقامت التجافي مقامه، ويكفي أن أقول بإيجاز: إن بعض من ألصقوا نفوسهم بالصوفية غلوا في الإخلاد
(12/ 1/31)

إلى العزلة، وأطلقوا القول في التشويق إليها، وسرت هذه الدعوة على علاتها، فاستولت على النفوس الضعيفة، وحسب كثير منهم أن الاعتزال عن الناس قاطبة من شعار الصلاح ومطالب التقوى، وربَّ حالةٍ تنشأ عن رأي خاص، وتتحكم إلى أن تصير طبيعة من الطبائع الغالبة في الجمهور، ويظهر أثرها حتى على منكري ذلك الرأي ومفنديه، فمن الممكن أن ينشأ الرجل في بيئة تهافت الناس فيها على إيثار العزلة، فتعتاد نفسه الانقباض عن لقاء الناس، وإن لم يستصوب مذهبَ الداعين إلى العزلة والانفراد.
حثَّ الإسلام على التعارف، وشرَّع في وسائله آداباً كثيرة؛ كحج البيت الحرام، والصلاة في الجماعة، وسنّة إلقاء السلام، وفضيلة التزاور، والحكمة في مثل هذا: طبع النفوس على خلق الميل إلى أن تتعارف، وتدخل في مسالك الحياة الاجتماعية، حتى تكون الرابطة محكمة، والمصالح قائمة.
لسياحة النبهاء في بلاد الإسلام فائدة لا تقل عن فائدة السياحة في البلاد الأجنبية، فإن كانوا يرحلون اليوم إلى البلاد الغربية للاطلاع على آثار قوتها، ومظاهر مدنيتها، فالتجول في البلاد الشرقية يجعلهم على بصيرة من كنه حالتها، ويقف بهم على العلل التي أوهت رابطتها، وكادت تلقي بها في شقاء وبلاء، لا تجد عنهما مخرجاً.
والحكيم الذي يدرك منشأ الضعف والوهن الساري في نظام الأمة، يهتدي إلى وسائل علاجه بسهولة، ولا يمسه الضجر والملل، ولو طال عليه أمد المعالجة، أو لقي في سبيلها نصباً.
(12/ 1/32)

الشعور السياسي في الإسلام (1)
بثّ الإسلام في نفوس معتنقيه ديناً قيماً، وأدباً راقياً، وسنَّ لهم قواعد؛ ليقيموا عليها أحكام مدنيتهم، ويهتدوا بها في تدبير سياستهم، وبعد أن
__________
(1) مجلة "الفجر" -المجلد الثاني من السنة الثانية الصادر في شهري صفر وربيع الأول سنة 1340 ه - تونس.
وقدمت المجلة البحث بقولها:
لفضيلة الأستاذ الجليل العالم النحرير المعلم الكبير الشيخ محمد الخضر بن الحسين مكانة سامية في العلم والأدب، وله قلم سيّال وقوة شاعرية، فقد جمع -أبقاه الله- لغزارة العلم المقدرةَ على الكتابة والتحرير، وصوغ القريض، وهذا لعمر الحق! مما يندر وجوده.
كل التونسيين -لاسيما أبناء الكلية الزيتونية عمّرها الله- مجمعون على الاعتراف بمزايا الأستاذ وفضائله الجمّة، وآثاره العالية، ولهم نحوه من الإجلال والتوقير ما عزَّ أن يكون لغيره.
كانت حياة الأستاذ مدة إقامته بربوع الوطن المفدى كلها خير ونفع. باشر التدريس بجامع الزيتونة متطوعاً ومدرساً، وأقرأ كتباً جمة. وانتفع عليه خلق كثير لا تكاد تخلو قرية أو حي من تلاميذه ومريديه.
وأصدر مجلة "السعادة العظمى" التي عاشت ما يناهز العامين، وكانت حافلة بالفوائد، ومباحث الإصلاح النافعة. وتولى قضاء مدينة "بنزرت، زمناً ما، فكان مثال العفة والعدالة الشرعية. ثم رأى أن لا قدرة له على تحمل هذا العبء الثقيل =
(12/ 1/33)

وقف ذوو البصائر منهم على كنه الروح الذي يتماسك به العمران، ولا ينهض شعب أو يملك حياة مستقلة إلا إذا ضرب فيه بأشعته، شعروا بحق القيام على تدبير شؤونهم بأنفسهم، وأخذوا ينشرون تلك المبادئ الشريفة والتعاليم المحكمة بين أمم كانت تعثو في الأرض فساداً، وتخوض في الباطل خوضاً، إلى أن كان ما أدهش العقول عن فتوحات نسخت ليل الجهالة، وجعلت آية العلم الصحيح مبصرة.
__________
= الذي كادت تخرجه القيود الإدارية عن الصبغة الشرعية، فاستعفى، وانقطع بعد ذلك إلى التدريس والتأليف.
ومن أعماله الجليلة: قيامه بمسامرات مفيدة جداً، منها مسامرة "اللغة العربية" قد طبعت، ومنها مسامرة "الحرية في الإسلام" وقد طبعت أيضاً. كما طبعت له رسالة في "الدعوة إلى الإصلاح".
ثم ارتحل إلى البلاد المشرقية، وزار المدينة المنورة، وأقام مدة بالديار الشامية تصدى فيها لنشر العلم، وكانت له حظوة سامية، ثم رجع إلى الوطن وفي نفسه عزيمة الهجرة، فمكث مدة ما، رجع فيها إلى التدريس بالجامع الأعظم، ونشر في "جريدة الزّهرة" الغراء رحلته، وقد راعى في كتابتها ظروف الزمان والمكان، فلم يطلق لقلمه العنان. ثم سافر الأستاذ الجليل إلى الديار الشرقية، وانقطع لبث العلم والدعوة إلى الإصلاح.
ثم كانت الحرب العظمى، فأظلم الأفق بيننا وبينه.
ولما انقشعت سحبها المظلمة، ضاعت لنا أفكار أستاذنا المحبوب من ناحية الكنانة، فرأينا جرائدها ومجلاتها طافحة بنفثات يراعه، وها نحن نزف اليوم لقرائنا الكرام هذا المقال الجليل الذي يدل على مقدرة الأستاذ، وتبحره في أسرار الشريعة الحنيفية السمحاء، وفي الأمل أن نمتع قراءنا في المستقبل بِنُبذ من مباحث الأستاذ النافعة -إن شاء الله-.
(12/ 1/34)

كان الشعور السياسي منبثاً في نفوس الأمة قاطبة، حتى إذا نهض الرئيس الأعلى لقتال يحمي ذمارهم، أو عمل يرفع شأنهم، خفُّوا إلى دعوته، فأسلموا أنفسهم وأموالهم إلى رأيه وتدبيره.
ما هي العوامل التي أحيت ذلك الشعور، وجعلته يتألق بين جوانحهم تألقَ القمر في سماء صاحية، فأكبر هممهم، وشدّ عزائمهم، حتى تراءى لهم الجبل ذرة، واستهانوا بالموت الذي -كما قال بعض الحكماء- لا مرارة إلا في الخوف منه؟؟.
أحيا ذلك الشعور: تلقيهم للكتاب الحكيم عن تدبر وإنعام في مراميه الاجتماعية والسياسية، ومما يبعثهم على تجريد النظر لاجتلاء حقائقه، والكشف عن مقاصده: أنه القانون الأساسي الذي لا تخضع الأمة إلا لسلطانه، فكان العلماء -وهم بمنزلة نواب الأمة- يرقبون سير الهيئة الحاكمة، وما عليهم سوى أن يزنوا أعمالها بذلك الميزان السماوي، فيصفوها للناس بأنها جادة أو هازلة.
فالشعور السياسي نور يسطع في الشعوب على قدر ما ينتشر بينها من معرفة حقوقها، والطرقِ الكافلة لحفظ مصالحها، ولقد كنّا نتلقى عن تجربة أن السلطة القابضة على زمام شعب، يسوء أن يتنبه لحياته الشريفة، وينهض للمطالبة بحقوقه العالية، تصرف دهاءها إلى منابع التعليم، فتسد مسالكه، فإن لم تستطع، ضيقت مجاريه، أو خلطته بعناصر تفتك بالإحساسات السامية، وتقلب النفوس التي فطرها الله على الحرية إلى طاعة عمياء.
أحيا ذلك الشعور: أن الله قيض لهم رؤساء ما كانوا ليعدُّوا أنفسهم سوى أنهم أفراد من الشعب يقومون بتدبير جانب من مصالحه، فطرحوا
(12/ 1/35)

التعاظم جانباً، وجلسوا لذوي الحاجات على بساط المساواة، وكذلك قلوب الرعية إنما تنجذب إلى رجال الدولة، وتلتف حولهم بعاطفة خالصة، على قدر ما يبعدون عن مظاهر الأبهة، ويخففون من شعار العظمة.
أرسل سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة إلى رستم القائد الفارسي، فأقبل إليه حتى جلس معه على سريره، فوثب عليه أتباع رستم، وأنزلوه، فقال المغيرة بصوت جهير: "إنا -معشر العرب- لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض. اليوم علمتُ أنكم مغلوبون، وإن مُلْكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول".
أراد المغيرة أن يبثّ في الجنود الفارسية النفرة من قائدها، حتى ترتخي عزائمهم عن نجدته، فما كان إلا أن أيقظهم لِما خص به ذلك القائد نفسه من الميزة والاعتلاء بغير حق، وأومأ إلى أن الإسلام قرر قاعدة المساواة على وجهها الصحيح، فلا فضل لرئيس على أدنى السوقة إلا بتقوى الله. وقد نجح دهاؤه ونفذت فيهم مقالته، حتى صاحت طائفة منهم قائلة: "صدق -والله- العربي فيما قال".
ومن مثل هذه القصة، نفقه أن سقوط تلك الممالك تحت رايتهم لم يكن نتيجة البسالة والسيف وحدهما، بل كان الأثر الأعظم للدهاء في السياسة.
أحيا ذلك الشعور: أن رأوا باب الحرية مفتوحاً على مصراعيه، ولم يجدوا دون مناقشة أولي الأمر حاجباً، فكان اطمئنانهم في سيرهم، ووثوقهم بسلامة مستقبلهم، مما يذكرهم بالسكينة، ويعظهم بأن يكونوا كالكنانة بين يدي أميرهم العادل، يرمي بعيدانها الصلبة في وجه من يشاء.
(12/ 1/36)

ومن ألقى نظرة في التاريخ الإسلامي، عرف أن الرجال الذين أسسوا ملكاً لا سلف لهم به؛ كعبد الرحمن الداخل، أو جددوا نظامه بعد أن تقطعت أوصاله، كعبد الرحمن الناصر، إنما استقام الأمر بما كانوا ينحرونه في سياستهم من العدل في القضية، وتلقي الدعوى إلى الإصلاح بأذن صاغية وصدر رحب.
ماذا يخيل إليك من حال الأمة لعهد المنصور بن أبي عامر حين تقرأ في تاريخ دولته: أن أحد العامة رفع إليه الشكوى بأحد رجال حاشيته، فالتفت إليه، وكان ممن انتظم بهم عقد مجلسه، وقال له: انزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه، حتى يرفعك الحق أو يضعك، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره.
وإن الذي يتحلى بمزية إنصاف الضعيف من القوي، وتتمتع رعيته بمثل هذا العدل، لجدير بأن يبلغ من العز الشامخ والتأييد الراسخ؛ حيث جذب عنان الملك من يد هشام بن الحكم، واستقل بالأمر، وغزا ستاً وخمسين غزوة، دون أن تنتكس له راية، أو يتخاذل له جيش.
ذاق المسلمون طعم سياسةٍ أعدلَ من القسطاس المستقيم، وعرفوا أن الدولة التي لا تقوم على قواعد المساواة والشورى، وحرية التصريح بالرأي، ليست هي الدولة التي أذنت لهم شريعتهم بأن يُلقوا إليها أمرهم عن طاعة وإخلاص.
والحركات التي قلبت الدول رأساً على عقب؛ كنهضة أبي المسلم الخراساني في الشرق، والمهدي بن تومرت في الغرب، إنما نجحت، وكان
(12/ 1/37)

لها ذلك الأثر الخطير؛ لأنها تقوم بجانب دولة نامت عينها عن الحقوق الموكولة إلى رعايتها، وهامت بها الأهواء في أودية السرف والتفنن في الملاذ، حتى سئم الناس تكاليفها، ومالؤوا الثائرين على إبادتها، ولكن الفتن التي ترفع رأسها في مثل إمارة عمر بن عبد العزيز. أو صلاح الدين الأيوبي، أو عبد المؤمن بن علي لا تلبث أن تتضاءل وتنطفئ كما تنطفئ الذبالة إذا نفذ الزيت من السراج، وما ذاك إلا أن العدل متماسك العرا، وجمال الشرع يلوح في محيا الدولة، فلا تجد نار الفتنة من القلوب النافرة ما يذهب بلهبها يميناً ويساراً.
فالإحساس السياسي الذي يربيه الإسلام في نفوس من يتقلدونه، إنما يرمي بأشعته إلى مبادئ مقدسة، وغايات شريفة، فإذا ربطوا قلوبهم باحترام أمير أو وزير أو زعيم، وبسطوا أيديهم إلى مؤازرته، فلأنه يرعى مبادئهم، ويولي وجهه شطر غاياتهم.
(12/ 1/38)

العاطفة والتسامح في الإسلام (1)
يظهر الناس في نسق الائتلاف، وينهض بعضهم لإِسعاد بعض على حسب ما يكون بينهم من الاتحاد والتماثل في مسالكهم الحيوية، وأحوالهم النفسية من آراء وآداب، بل تنعقد الألفة بين الرجلين؛ لتشابههما في بعض أحوال عارضة؛ كغربة، وقد أشار إليها الشاعر العربي بقوله:
وكلُّ غريبٍ للغريب نسَيبُ.
وكون كل منهما مضطهداً لسلطة واحدة، أو غرضاً لمتحفز ينوي القبضر على ناصيته.
تتقوى العاطفة بمقدار التماثل، وكثرة وجوهه، وتخف على قدر ضعفه،
__________
(1) مجلة "البدر" - الجزء الثاني من المجلد الثاني الصادر في منتصف شهر صفر سنة 1345 ه - تونس.
وقدمت المجلة هذا البحث بقولها: "الكثير من قرائنا اطلع على كتابات الأستاذ محمد الخضر بن الحسين، سواء بمجلة "السعادة العظمى"، أو بالصحف التونسية، أو بمؤلفاته النفيسة، وكثيراً ما يتشوق غواة قلمه السيال إلى الاطلاع على قطرات من ذلك اليراع. ولإطفاء غلة الصادي سعينا في مكاتبة الأستاذ ومخاطبته في شأن أن لا يحرمنا من نفثاته.
وها هو قد لبى الطلب، فجازاه الله خيراً، وأرسل عدة مقالات ننشر منها في هذا العدد: هذه، وأخرى في غير هذا المكان. وإليكم هي بنصها الفائق، ومعناها الرائق.
(12/ 1/39)

وقلة مقوماته، فالألفة التي ينتظم به أولو العلم والأدب -مثلاً- أمتن من الألفة التي تدور بين طائفة لا جامع بينها سوى الاشتراك في نسب أو صناعة:
وقرابةُ الأدباء يقصر دونها ... عند الأديب قرابةُ الأرحام
وعلى هذا المبدأ تقوم الرابطة الدينية، أو القومية، أو الوطنية، فيعطف الإنسان على من يدينون بشريعته، أو ينتمون إلى قبيلته، أو يشبون في وطنه، والمثير لهذه العاطفة: شعوره بوفاقهم له في كثير من مبادئه وتقاليده وطرزِ حياته.
وإذا كانت العاطفة الدينية تتولد من الاتحاد في كثير من الأحوال النفسية والتقاليد العملية، دخلت في جملة العواطف الفطرية؛ أعني: ما يقوم بالنفس من أسباب واقعية، دون أن يتوقف عن أمر الشارع، أو موعظة الخطيب. وينبئك بكونها من الطبائع التي ترتسم في النفس لمجرد التوافق في العقيدة أو المسلك: أنك لا ترى أمة تنتحل ديناً، أو مذهباً اعتقدت حكمته، إلا وقد اشتبكت بينها أوصال التراحم، ولو لم تتلقن من دينها أو مذهبها تعليم هذه العاطفة، والحث على تأكيدها، فمن تقلد ديناً، وادعى أن عواطفه على شيعة هذا الدين وغيرهم في درجات متساوية، فقد ادعى ما تأباه الفلسفة، ويرده الاختبار والتجربة.
فلسلطان المغرب -الذي راسله صلاح الدين الأيوبي طالباً منه المدد بالأساطيل لحماية ثغور الشام- عاطفة دينية، ولكنها كانت من الضعف بحيث أخمدها، وأطفأ بارقتها: أن ذلك المجاهد العظيم خاطبه بأمير المسلمين بدل أمير المؤمنين الذي هو لقب الخلفاء، فرد البعثة الصلاحية إلى مرسلها خائبة، ولم يبال بالسهام التي ترشقه بها أقلام المؤرخين، والحيرة في الجواب
(12/ 1/40)

عندما تُنصب لأمثال الموازين.
حذر الإسلام أن تتضاءل العاطفة الدينية، فيضيع كثير من حقائق الشريعة وعزة أهلها، فجاء بما يربيها ويحييها في النفوس حياة زاكية؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، ثم كره أن تطغى كما طغت في نفوس أمم أخرى، فتحملها على التحيز إلى من يوافقها في الدين، فتؤثره بحقوق غيره، وتشد أزره وإن كان مبطلًا، فجاء بما يهذب حواشيها، ويسكبها في قالب عمراني يتمكن معه الشعب المسلم من معاشرة غير المسلمين، فيعيشون على صعيد واحد، ولواء السلام والعدالة الصادقة يخفق على رؤوسهم كما قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وكقوله تعالى في حق الوالدين: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، فقد أرشدت الآيتان وما يشاكلهما إلى صحة معاشرة غير المسلمين، وإقامة معاملتهم على قواعد البر والعدالة، ولكنها أذنت للمسلم إذا ابتغوا الخروج به عن سيرة الشرع المحكمة، وآدابه اللامعة، أن يقبض يده عن وفاقهم، ويلوي بعنقه عن طاعتهم، وإن كانوا بمنزلة والديه اللذين هما أشد الناس به صلة، وأحقهم بامتلاك زمامه.
فالعاطفة الإسلامية لا تصادم غيرها من سائر العواطف الصحيحة، فيستقيم للنفس الواحدة أن تحمل عاطفة تحنو بها على من يسايرونها في طريق سعادتها الباقية، وأخرى تشفق بها على من نشؤوا معها في منبت، أو قاسموها القيام
(12/ 1/41)

بمرافق الحياة الدنيا.
فالمسلمون أصفى البشر ضمائراً، وأفسحهم صدوراً في مرافقة من تجمعهم به رابطة الإنسانية، فقد كانوا يوم لا يرهبون سلطة أجنبية، ولا يرون في العالم دولة تسير على منهج عدل، أو تقيم سياستها على دعامة حرية ومساواة، يعترفون بمزية غير المسلم، ويشركونه في إدارة شؤونهم، ويبذلون وسعهم في الدفاع عنه، ولو أفضى إلى إراقة دمائهم، وينطقون في رثائه بأبلغ القصائد، كما فعل الشريف الرضي، وهو من آل بيت النبوة عند موت أبي إسحاق الصابي، وقال: رثيته لفضله.
لئن كان في القوم الذين يقال فيهم: إنهم حماة الإنسانية، ورافعو لواء الحرية مَن يفرق في سياسته بين الشعوب التي تناضل عن حقوقها، وتشن غارة الاحتجاج على من يريد أن يستبد في أمرها، وبين الشعوب الجاهلة الصامتة، فيخفف وطأته على الأولى، ويشد خناق الاستعباد على الثانية، فقد كان المسلمون من قبل أن تبزغ شمس الصحافة في الكرة الأرضية، وحيث لا مسيطر يقوم على رؤوسهم، ولا رقيب يحصي عليهم أعمالهم، يحترمون ذمام إخوانهم في الوطن، ويبسطون إليهم بوسائل المودة؛ إجابة لداعي الإنسانية، وامتثالاً لأوامر شريعتهم السمحة.
فلو قال قائل: إن الإسلام أول من أرى البشر كيف تتحد الأمم المتباينة في مللها، المختلفة في شرائعها، وتستقيم لهم الإقامة في وطن واحد، يتمتع كل منها بحقوقه المدنية، وشعائره الدينية، لوجد في التاريخ ما يناصره، ويذهب بالريبة من قلب مخالفه.
(12/ 1/42)

الشورى في الإسلام (1)
أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه - بعزم لا يحوم عليه كَلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض، فأخذ يضع مكان الباطل حقاً، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أصرح مظهر، وأحسن تقويم.
وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا، أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً، أوصى الرعاةَ بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وآية: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، ومناقشتهم الحساب فيما لا تراه مطابقاً لشرط الاستقامة، فقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
ولم يكن الأمراء الراشدون؛ احتراماً لهذا القانون الإِلهي، يكرهون
__________
(1) مجلة "البدر" - الجزء الخامس من المجلد الثاني الصادر في منتصف جمادى الأولى 1340 ه - تونس.
(12/ 1/43)

من الناس، أو يحجرون عليهم البحثَ في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين.
وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر ابن الخطاب -وهو يخطب على منبر المسجد الجامع-، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأي عزم على أن يجعله قانوناً نافذاً، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق عن بينة: "أصبت"، ويرد على من أخطأ في المناقشة رداً جميلاً.
وإن شئت مثلاً من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته بروداً ضافية، فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتاً تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة، حتى اهتز طرباً، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة ثم قال:
يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل
فما زاد الناصر على أن قال: "إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسُقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله"، فقال منذر: "اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي".
في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذرَ بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غيرَ آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خُطبه التي كان يلقيها على منبر الجامع، ويتصدى فيها لنقد أعمال الدولة بلهجة قارصة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغراء، ودرس تاريخ
(12/ 1/44)

الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة؛ حتى يمتطوا منصسب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكونوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر وبقية الشعب في مظهر أمة تولي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مئل ذلك الخليفة العادل: أن الدولة لا تحرز مجداً خالداً، وسمعة فاخرة، إلا أن يعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيحاً.
يصفون بعض الأمم بمحررة الشعوب، ويلقبون عاصمة بلادهم بمطلع الحرية، إلا أن ناشر لواء الحرية بحق، ومعلمَ البشر كيف يتمتعون بالحقوق على سواء: من وضع لطاعة الأمراء حداً فاصلاً، فقال: "إنما الطاعة في المعروف"، وجعل الناس في موقف القضاء أكفاء، فقال - صلوات الله عليه -: "أيها الناس! إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها".
كم ظهر في بلاد العرب من سيد بلغ في الرئاسة أن أحرز لقب ملك؛ كآل جفنة، وغسان، وربما وجد من بينهم من لا يقل في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق - رضي الله عنه -، فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته، ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!.
لا عجب أن يمتطي ابن الخطاب تلك السياسة الفائقة، ويجول بها بين الأمم جولته التي رفعت الستار عن أبصارهم، حتى شهدوا الفرق بين سيطرة الدول المستبدة، وسيرة الخليفة الذي ينام في زاوية من المسجد
(12/ 1/45)

متوسداً إحدى ذراعيه.
إن هو إلا الإسلام أقام له أساسها، وأنار سراجها، فبنى أعماله على أساس راسخ، واستمد آراءه من سراج باهر، فكانت صحف آثاره أبدعَ -عند عشاق السياسة القيمة- من مناظر الروضة الغناء.
تدرب الخلفاء العادلون على مذاهب السياسة وفنون الحرب بما كانوا يتلقونه من حضرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الحكم السامية؛ كحديث: "الحرب خدعة"، أو ما يشهدونه من التدابير المحكمة؛ كوسيلة التكتم في الأمر الجاريةِ عند الدول لهذا العهد، وهي أن يبعث الرئيس الأعلى إلى الرئيس الأدنى، أو يناوله رسالة مختومة، ويأمره أن لا يفك ختامها إلا في محل أو وقت يسميه له، وقد جاء في "صحيح البخاري"، وغيره: أن حضرة صاحب الرسالة - عليه الصلاة والسلام - ناول عبدَ الله بن جحش -وهو أمير نجد- كتاباً، وقال له: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا"، فلما بلغ عبد الله ذلك المكان، قرأ الكتاب، وأخبر الجند بما في ضمنه من الأمر.
إن اختلاف الأمم في عاداتها وحاجاتها، يستدعي أن تكون سياستها ونظاماتها مختلفة، كما يقتضي أن يكون المدبرون لأحكام الأمة وتراتيبها المدنية ممن وقفوا على روحها، وأحاطوا خبرة بمزاجها؛ حتى لا يضعوا عليها من الأوامر والنواهي ما يجعل سيرها بطيئاً، أو يردها على عقبها خاسرة. وكذلك الإسلام يقيم السياسة على رعاية العادات، وشير بها على ما يطابق المصالح، ولهذا فصل بعض أحكام لا يختلف أمرها باختلاف المواطن؛ كآية: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه"، ووكل البقية إلى أنظار الراسخ في العلم بمقاصد
(12/ 1/46)

الشريعة، البصير بما يترتب على الوقائع من آثار المفاسد والمصالح.
وإن تعجب، فعجب لبعض من لا يدري أن الإسلام نور إذا نفذ في قلب، لا ينطفئ منه، حتى يكون الواحد ثلاثة، والثلاثة واحداً، فكتب في إحدى المجلات مقالة عقد فيها موازنة بين الإسلام والدين الذي يعتنقه، إلى أن قال: "قد يقول البعض: إن الإِسلام تطور عما كان عليه، وقطع إلى الإمام شوطاً بعيداً؛ لأن الأتراك قد أعلنوا الدستور، ولأن الفرس أدخلوا الإصلاحات البرلمانية، ولأن معاهد العلم والجامعات منتشرة في كل نواحي العالم الإسلامي، ولكنا نحيل القارئ الكريم إلى ما جاء في تقرير المذابح الأرمنية، والفظائع الوحشية التي أتاها الأتراك أنفسهم".
وليس في وسع هذا المقام ولا من غرضه التعرضُ للروايات المصنفة في حوادث الأرمن، كما أنني لن أنبش مقابر التاريخ الأندلسي، أو ألفت نظر ذلك الكاتب لفتة حقيقية إلى ما تقاسيه بعض الشعوب الإِسلامية اليوم من أهل دين يقدسه ويتقلد عقائده، ولكني أذكره بأن الطرق المنطقية لا تبيح له الاحتجاج على عدم مطابقة التعاليم الإِسلامية للإصلاحات المدنية بمذابح الأرمن، ولو انعقد الإجماع على صحة رواياتها، وإنما يرجع في الترجيح بين الأديان -إن شاء- إلى شرائعها، ونصوص الذين أوتوا العلم من أئمتها، وإن شريعة تقوم على قواعد: "الضرر يزال. المشقة تجلب التيسير. العادة محكمة"، ويقول أحد العظماء من فقهائها: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من المعاملات والسياسيات"، لا يحق لأحد أن يرميها بمجافاة الإصلاح، والبعد عما تقتضيه طبائع العمران، إلا أن يفوته العلم بحقائقها، أو يحمله التعصب الجامد على جحودها.
(12/ 1/47)

الدعوة الشاملة الخالدة (1)
بينما العالم يتخبط في جهل وغواية، فإذا بنور يلوح تحت سماء مكة، وتنبعث أشعته في اليمين واليسار، حتى أخذت بلاد العرب من أطرافها، وضربت في أقاصي الشرق والغرب، فانقلب الجهل إلى علم، والغواية إلى هدى، ذلك هو نور الدعوة التي قام بها أكمل الخليقة محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه -.
ترمي هذه الدعوة الصادقة إلى أهداف سامية: إصلاح العقائد، والأخلاق، والأعمال، وتنقية النفوس من المزاعم الباطلة، وتحرير العقول من أسر التقليد، حتى تحت ضياء الحجة، وعلى ما يرسمه لها المنطق السليم.
جاء الرسول الأعظم بهذه الدعوة الشاملة، فكانت مصدر خير، ومطلع حكمة، وقد أيدها الله تعالى بما يضعها في النفوس موضع القبول، ويجعلها قريبة من متناول العقول، ومن أقوى مؤيداتها: الآياتُ القائمة على أن المبلِّغ لها رسول من رب العالمين، وسيرته - عليه الصلاة والسلام - مملوءة بأرقى الفضائل، وأسنى الآداب، وأجلِّ الأعمال، حتى إن الباحث في السيرة على بصيرة ليجدُ في كل حلقة من سلسلة حياته معجزة، ولو استطعت -ولا إخالك
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الأولى الصادر في أول ربيع الأول سنة 1367 ه والموافق 12 يناير كانون الثاني 1948 م - القاهرة.
(12/ 1/48)

تستطيع- أن تضعها في كفة، ثم تعمد إلى سيرة أعظم رجل تحدَّث عنه التاريخ، فتضعها في الكفة الأخرى، لعرفت الفرق بين من وقف في كماله عند حد هو أقصى ما يبلغه الناس بذكائهم وحزمهم، وبين من تجاوز ذلك الحد بمواهبه الفطرية، وبما خصه الله به من معارف غيبية، وحكم قدسية.
هي دعوة الحق، اتجه إليها أقوام لا يؤمنون بأنها وحي سماوي، فاطلعوا على جملة من حقائقها، ووقفوا على جانب من أسرارها، فشهدوا لها بأنها محكمة الوضع، سامية الغاية، وألمُّوا بأطراف من سيرة المبعوث بها، فاعترفوا بأنه أكبر مصلح أنقذ الإِنسانية من غمرات الاستبداد، وعلّمها بأقواله وسيرته العملية كيف تتمتع بحقوقها كاملة، وتحتفظ بحريتها وهي آمنة.
دعوة تأبى الخمول والإِحجام، حيث ينبغي لها أن تظهر في شهامة وإقدام، تُوجّه نصائحها إلى الأمم على اختلاف طبقاتها، وتفاضلِ درجاتها، فتسدي النصيحة إلى الملوك فمَن دونهم من ذوي المناصب السياسية والقضائية والتنفيذية، وتأخذ بأيدي العاملين من نحو: التجار والصناع والزراع إلى أن يسيروا في الطريق الكافل للسلامة والنجاح، وأقبلت على الأسرة، فرسمت لها نظماً تيسر لها أن تعيش في ألفة وهناءة، فقررت للزوجة والقرابة من نحو الأبوة والبنوة حقوقاً عادلة، وأوجبت على من يستطيع إسعاد ذوي الحاجات بمال أو جاه أن يسعدهم ما استطاع، وأوصت مع هذا برعاية حقوق الجوار.
وراعت في معاملة المخالفين ما تستدعيه من الحزم، ثم ما تستدعيه العاطفة الإِنسانية من الرفق، ففرقت بين من يدخل تحت سلطانها، وبين من يناصبها العداء، فمنحت المسالمين من الحقوق ما تطمئن به نفوسهم، وتنعم به حياتهم، وأذنت في تقويم المناوئين بالقدر الكافي للنجاة من عدوانهم.
(12/ 1/49)

طلعت الدعوة المحمدية على الناس فصيحةَ البيان، قوية الحجة، حكيمة الأساليب، ولم تسلم -مع هذا- من طوائف يرمون أمامها أو وراءها عن قوس إلحاد وقح، أو جهل قاتم، ولولا أن الله تعالى تكفل بحفظها، وقيض لها في كل عصر أنصاراً رسخوا في فهم مقاصدها، وتصدوا للذود عن ساحتها بيقظة وحزم، لتمكن أولئك المفسدون من إخفات صوتها، وطمس معالمها.
وليست دعوة الإسلام بالدعوة التي ترشد إلى مواطن الإصلاح، ثم تترك الناس وشأنهم كما يفعل وعاظ المساجد والجمعيات، بل هي دعوة تحمل في مبادئها فرضاً على الأمة أن تقوم بتنفيذ ما تقرره من حقوق، أو تفرضه من واجبات، إذ لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
(12/ 1/50)

طرق الصوفية والإصلاح (1)
انقلب كثير من الطرق المنتمية إلى الصوفية يتنفس بريح سامة، ويلتوي
__________
(1) مجلة البدر "العرب" - الجزء الرابع من المجلد الثالث الصادر في شهر ربيع الثاني سنة 1342 ه - تونس.
وقدمت المجلة هذا البحث بمقدمة جاء فيها:
الطرق الصوفية والزوايا مبثوثة في جميع العالم الإسلامي عموماً، والإفريقي خصوصاً، وهي غنية بأحباسها غنًى يمكن أن يفيد الهيئة الإسلامية فوائد تذكر، لو عرفت كيف تستفيد منها، على أن الدولة التونسية والمصلحين التونسيين ما كانوا قبل الاحتلال غافلين عن ذلك، إلا أن الاحتلال قلب السير القديم رأساً على عقب؛ إذ حاول إدخال النظم الأوروبية على الحكومة والأمة إدخالاً، لا تحوير خصائص البلاد بما يوافق الزمان، والسير بها حسب النظام الطبيعي، فاندرست أكثر معالم المشاريع القديمة التي كان يمكن أن يستفاد منها فوائد جمة بأقل عناء وأخف تكاليف مما وقع. وما لم يندرس؛ لمتانة أساسه، وقوة ضلعه بقي عضواً أثرياً تهدم من جلاله أيدي الانتفاعيين، وتزيد غرابته أصابع الضالين والمخدوعين، حتى أصبح ملهى السواح، ومغمز المنتقدين. فالطرق اليوم وزواياها ليست إلا محشر الصبيان والبطالين الذين يزدادون باستثمار الشعب المسكين كسلاً، أو بؤرة يقصدها المهووسون، فتزيدهم جنوناً بما فتح باباً فسيحاً للأوروبيين؛ ليغمزوا وينتقدوا ليس التونسيين فقط، ولا الأفارقة فقط، بل الإسلام نفسه!! واستمر الحال على هذا المنوال إلى اليوم، والحكومة متشاغلة عنه، ورجالها صامتون. على أننا رأينا =
(12/ 1/51)

إلى حيث يستدرج طوائف من الناس، ويلقي بهم في عماية وخسران مبين. والمسألة خطرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة، ومن مقتضى السداد في النظر أن نناقش أنفسنا الحساب في كل شيء، ولا نغادر صغيرة ولا كبيرة من أحوالنا الاجتماعية إلا وقفنا لسبر غورها، وتمييز طيبها من خبيثها وقوفَ البصير المخلص؛ لعلنا نشتفي من العلل التي قعدت بنا في مضجع الخمول، ونسلك الصراط السوي الذي رسمته الحكمة الإلهية لتسير فيه الأمم الرشيدة، فنكون من الفائزين.
كان السلف من الصحابة والتابعين ومن تحرى سيرتهم، يأخذون أنفسهم
__________
= حضرة سمو باينا الحالي منذ ما جلس على عرش البلاد (16 ذي القعدة 1340 ه) يظهر اعتناء وشغفاً بتلك الطرق، وهاتيك الزوايا، بما أعاد إليها بعض الحياة، ونشطها من جديد. فهل في عزم جنابه العالي إصلاحها بما يطابق الشرع، وينفي الزغل والفساد اللذين يسودانها اليوم، ويما يرفع عن شعبه والدين الإسلامي هاته المعرة التي عدتها الصحافة الأوروبية منه؟
ذلك ما كان يجيش بخاطرنا، ونتمنى لو تقدم أهل النظر لحضرة الأمير بآرائهم الصائبة في طرق إصلاح هذا العضو، حتى يصبح عاملاً في رقي الأمة وإصلاحها. وقد وصلنا من مصر المقال الآتي، فعساه يكون فاتحة تمحيص هاته المسألة؛ حتى يكون الشعب وحكومته على بينة من الأمر، فيسعون إلى رتق الصدع بالطرق الإجرائية الناجعة. ومما يزيد في قيمة هذا المقال: أنه من قلم الشيخ الخضر الكاتب التونسي والمصلح الاجتماعي، ولا غرو؛ فإن حكماً يصدره في مثل هاته المسألة الاجتماعية رجل خبر الشعوب في سفراته، ودرس الأمم في إقاماته، واعتمدته مثل الدولة التركية ليكون الصلة بين الخطوط الحربية والفكر العام المستفز أيام الحرب الأوروبية بإسنادها إياه خطة المنشئ العربي بالوزارة الحربية العثمانية، إن مقالاً يصدر من مثله لحريٌّ بأن نهتم به، وبالاستنتاجات التي يحصحصها.
(12/ 1/52)

بآداب الشريعة أخذَ العارف بحكمتها، المطبوعِ على النهوض بتعاليمها، ثم يقبلون على الناس يرشدونهم إلى أن يزنوا أعمالهم بميزان الشرع، ويسوسوا أنفسهم بزمام هدايته؛ حتى تستنير بصائرهم، وتكون الأخلاق العالية منه؛ مثل: الإخلاص، والغيرة على الحق، وخشية الله تعالى ملكاتٍ راسخةً في فطرهم، ومحوراً تدور عليه سائر تصرفاتهم ومعاملاتهم، ولا يعرِّجون في خلال إرشادهم إلا على آية، أو حديث، أو حكمة صريحة، أو قصة نستخلص منها عبرة.
أحرز أولئك الرجال المنتصبون لهداية الناس بحق مقاماً محموداً، وحياة طيبة، وجاهاً واسعاً؛ من حيث لم يجعلوا هذه الكرامة مناط سهامهم، أو الركن الأشدَّ من مقاصدهم، وإنما هي قسط من العاقبة التي وعد الله عباده المخلصين. وما لبثوا أن غبطهم أناس يحرصون على أن تكون لهم الكلمة النافذة، والعيش الخصيب، ولو من غير طريقهما المشروع، فظهروا في مظهر أولئك الهداة، ولكن أكبر عليهم أن يعنوا بشرطه، وينهضوا بأعبائه، وهو الاستقامة على الطريقة المثلى، ففتحوا في سور الشريعة ثلمة، وابتدعوا مقالات ليختموا بها على أفواه الناس، فلا تضطرب قلوبهم بإنكار متى شاهدوهم يستخفون بواجب، أو يقتحمون حراماً؛ كقولهم: إن الولي إذا انتهى إلى منزلة عليا في رضوان الله، سقطت عنه التكاليف جملة. وتوكأ على هذه المقالة الوقحة كثير ممن يدعي الولاية، ويرتكب الفواحش على مرأى ومسمع من جماعات يلثمون أقدامه، وينشرون بين يديه أموالهم؛ ليقربهم إلى الله زلفى.
وقادت الأهواء وحبُّ الرئاسة طائفة أخرى، لم ينفذوا إلى روح الشريعة، ويذوقوا طعمها، فترامى بهم الجهل الأكمه إلى أن استعاروا من اللهو وتقاليد
(12/ 1/53)

أهل البطالة ما حسبوه عملاً يتناوله اسم القربة، وحشروه في جملة ما استحبه الإسلام، فكان القذى في مقلته النجلاء. ومن هذا القبيل: الرقص، والتصدية، واللهو بآلات الطرب في المساجد.
وبصر بما لهذا المظهر من السلطان على القلوب فريق من الملاحدة، فما لبثوا أن اتخذوه ذريعة إلى تغيير معالم الشريعة، واستدراج الناس إلى هاوية الضلالة، ومن صنيع هؤلاء نشأت مقالة الحلول والاتحاد، ودعوى أن الصوفي يتلقى أحكاماً عن مُنَزِّل الشريعة من غير واسطة، وانسلوا بهذه الدعوى عن كثير من حقائق الإسلام، وألصقوا به من صور الباطل ما لا يليق السكوت عنه، بل يجب محو أثره، وإن كانت اليد التي خطته خرجت وتدلَّت من كُمِّ ناسك متعبد؛ فإن ثوب النسك والعبادة مما يمكن استعارته والمواظبة على الاستتار به أعواماً وأحقاباً.
وقف علماء الدين تجاه هذه الفرق ومن بنى على أساسهم الخرِب في طائفتين:
(طائفة) ثبتت أمامهم، ووضعت أقوالهم وأعمالهم في محك النظر، ووزنتها بميزان الحكمة، ثم ضربت بهذه الضلالات والسخافات في وجه مفتريها ومبتدعيها، لا تخاف لومة لائم، ولا بطشة صائد؛ كما صنع ابن الجوزي، وأبو بكر بن العربي، وابن تيمية، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهم ممن طعنوا في أصحاب هذه المقالات الزائفة، والدعاوى الباطلة.
(وطائفة) أخذها الجبن عند لقائهم، واسترهبوها بمثل قولهم: "إن الإنكار على أهل الطريق يفضي إلى الموت على سوء الخاتمة"، فكانت تصغي إلى مقالاتهم بأذن هادئة، وتنظر إلى أعمالهم بعين راضية، حتى إذا عرضتَ
(12/ 1/54)

عليهم شيئاً من آثارهم، وأريتَها كيف يكدر مورد الشريعة أو ينقض بعض أركانها من أساسه، طفقت تخرج الأقوال عن موضعها اللغوي والعرفي، وتحملها على معان ليست من منطوقها ولا مفهومها، ولا مما تفتح له الاستعارة أو الكناية صدرها، وأخذت تحاول بما يشبه تخبط العشواء في ليل، أو اعتساف المدلج في غير سبيل، أن تدخل بعض الأعمال المنكرة في قالب قاعدة أو قياس شرعي، كما فعل النفر الذين تصدوا للاعتذار عن المقالات الصريحة في نفي حكمة الباري، أو حلوله في مخلوقاته، أو دعوى رؤيته بالعين الباصرة في حال اليقظة، أو نهي المريد عن زيارة غير أستاذه، أو ترك صلاة الجماعة والجمعات أيام الخلوة لرياضة النفس ومجاهدتها.
ولا ننسى أن كثيراً من هذه المقالات المخالفة للمعروفِ من الشريعة وسيرةِ السلف الصالح، قد يعزوها إلى أولي الصلاح بعضُ أشياعهم جهالة، أو بعضُ أعدائهم؛ ليضعوا من شأنهم، ويصدوا عن سبيل هديهم، وربما صدرت عن سليم النية على وجه الخطأ في النظر. وعلى أي حال، فشأننا معها أن نأخذ منها حذرنا، ولا نلاقيها إلا بإنكار، ثم نكل أمر من اصطنعها إلى الجزاء العادل، فإلى الله إيابه، وعليه حسابه.
ومما انجر في أذيال هذه الطرق من الخطر على اتحاد الأمة: أن المتشبثين بطريقة قد يتغالون في التعصب لها إلى أن يقصروا عاطفة محبتهم ومساعدتهم على من تقلدوا عهدها، ويتجافون عمن تمسك بعهد طريقة أخرى، ويقبضون أيديهم عن مرافقته، ومن العامة -كما رأيناه رأي الباصرة- من يباغض الرجل، ويسلكه في حساب أعدائه، ولا يجد لهذه العداوة من باعث سوى أنه لم يكن من شيعته في الطريق، ولا ممن يحرك لسانه بالأذكار الممتازة بها؛ كأن
(12/ 1/55)

رؤساءهم لا يذكرونهم بمثل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، ومن أولئك الرؤساء من يحبذ ذلك التعصب الضال؛ إذ يرى أنه ليس له سلطان إلا على من نفضوا قلوبهم من كل احترام وتعاطف إلا عليه، أو على من انخرطوا في الطريق التي قام على رأسها.
وأكبر من هذا جريمة: أن في رؤساء الطرق من يعرف الباطل باطلاً، ولا يبالي أن يطاطئ له رأسه، ويؤازره على محاربة الحق، حتى يزيده أهل الباطل بسطة في الجاه، ولا يعترضوه في سبيل يتصيد منه بعض مآرب شخصية. وأهونُ ما تشهده من خضوع هؤلاء: أن يبرز أتباعهم في الاحتفالات العامة كل بالأوضاع التي تلذها أذواقهم، ويمتازون بها عن أصحاب الطرق الأخرى، ثم لا يجرح أفئدتهم ما يسومهم به الناظرون من الازدراء والتهكم. ومن أكبر البلايا أن يسبق إلى بعض الظنون أنها أوضاع شرعية، فلا يكفي ما تجره إلى واضعيها، أو الذين أصبحوا مظهراً لها من المعائب والاحتقار، حتى تمس جانب الشريعة الغراء، وتلصق بالإسلام وصمة تجعل بينه وبين الجاهلين به حجاباً كثيفاً. ولو درينا أن تعرضهم للحط من كرامتهم كان تحت الإكراه الذي يقارنه الوعيد، ويأتي من ورائه العقاب الصارم، لقلنا لهم في وصف الدواء الناجع: اخلعوا أطواق هذه الطرق من أعناقكم، حتى لا تكون سبب إهانتكم، بدل أن تكون من وسائل سعادتكم، ولكنه الهوى، أو ضعف الجأش وارتعاده أمام كل رغبة يلوح إليها القوي الغالب، ولو بأداة عرض أو تحضيض.
كان لمشايخ الطرق قبل هذا العصر فوائد لا يصح إنكارها؛ كاتخاذ
(12/ 1/56)

زوايا لتعليم القرآن، وتلقين جانب من مبادئ الدين والأحكام الفقهية، والإرشاد إلى بعض الأخلاق الفاضلة، والمحافظة على العبادات، وترك المنكرات، ثم قبضهم لأموال بعض الأغنياء وإنفاقها على فقرائهم. والقيام على هذه المشروعات والتعليم -ولاسيما في العصور المظلمة- مزية لا يستهان بها. وربما اكتفينا منهم بتأدية هذه الواجبات، وصرفنا عنان السؤال عن عدم غرسهم في قلوب أتباعهم خلق الإقدام على مجاهرة الرؤساء بالنصيحة، ومطالبتهم بالاستقامة على السبيل الذي يكفل لهم الأمن من كارثة الاستعباد. نكف أقلامنا عن أن تحمل طرفاً من هذه المسؤولية على كواهلهم، ونقنع منهم بذلك المقدار من الخير، حيث لم يكونوا سلاح الباطل، ولا أعواناً للسلطان الجائر، ولكنا لا نقنع من بعض رؤساء الطرق في هذا العصر بذلك المقدار من تعليم وإرشاد على فرض أن ينهضوا له كما نهض سلفهم الصالح، ما دامت قلوبهم وأقلامهم بين إصبعين من أصابع حليف الباطل، يملي عليها ما يشاء، ويقلبها كيف يريد.
لا نرمي في هذا المقال إلى ما يقوله بعضهم من أن هذه الزوايا أصبحت عقبات قائمة في سبيل الإصلاح لا بد من العمل على إماطتها، فإني أعلم أن لمشايخ الطرق كلمة نافذة لدى العامة، ومكانة يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى إصلاح عظيم، ومساعدة الأمة على اتحادها المتين، فلا نريد لهم حينئذ إلا أن ينقوا ساحتهم من مظاهر لا تنطبق على الشريعة، ثم يصرفوا سلطانهم على القلوب إلى إسعاد الوطن، والذبِّ عن حقوق الأفراد والجماعات.
أما تنقية زواياهم ومظاهرهم لما هو خارج عن رسوم الشريعة، فبوقوفهم في العمل على ما ينطق به الكتاب والسنّة الصحيحة، أو ما يفهمه الراسخون
(12/ 1/57)

في العلم منهما، ثم لا يحيدون عن القسطاس المستقيم، وهو سيرة السلف من الصحابة والتابعين، فإذا لم ينقل عن جماعة من السلف -مثلاً- أنهم احتفلوا في المساجد بالنفخ في المزامير، أو ساروا في الشوارع يحملون الرايات لغير جهاد، أو تحدثوا عن حضرة الخالق بالعبارات الموضوعة لعشق الحسان ومعاقرة الخمور، علمنا أن هذا الصنيع من اللهو الباطل الذي يلفت وجه صاحبه عن سبل الله. وإذا لم يرد في حق أحد من الصحابة أو التابعين أنه كان يسمي نفسه أو يسميه غيره باسم يدل على تصرفه في الكون تصرفًا غيبياً، كان الأحرى بالرئيس في الطريق أن لا يصف نفسه، ولا يفسح المجال لبعض مريديه حتى يصفوه بما لم يوصف به صحابي قضى حياته في عبادة خالصة، وسياسة عادلة في سبيل الله.
وأما احتفاظهم على ما رزقوا من الكلمة النافذة، وتصميمهم على أن لا يبذلوها حيث يأمرهم ذو سلطة باغية، فمهما يربطه على قلوبهم، ويجعله كالخلق الراسخ في نفوسهم أن يتفقهوا في قوله تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)} [آل عمران: 175]، ثم يصرفوا قلوبهم عن المنافع التي يمكن لصاحب تلك السلطة أن يحول بينهم وبينها، ويدوسوها بتعاليمهم، ويضربوا بها وراء ظهورهم، وعلى فرض أن يتجاوز المستبد في حكومته إلى أن يسوم القابض يده عن العبث بالحق سوء العذاب، فيخلق بمن وقف موقف الزعامة والإرشاد، أن يكون مثال أكمل المزايا، وهي احتمال الأذى، وتجرع غصص البلاء المر في سبيلي العفاف والمروءة، تلك الخصلة التي يقوم عليها التصوف الحر، وبها يعلم الله الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين.
(12/ 1/58)

الخلافة الإسلامية (1)
يرمي الإِسلام في هدايته على تعليم النفوس كيف تعمل على نظام، وتسير في استقامة، وليس بالخفي أن كثيراً من الناس لا تلين قناته للموعظة، ويرخي لأهوائه الشكيمة، وهو يشعر بأنها تخوض في باطل، وتجمح به إلى عاقبة وخيمة. فكان من مقاصد الإِسلام: إقامة دولة تحمي بما لها من الشوكة وعزّة الجانب ذمارَ الذين يأوون إلى ظله، وتقيم سننه على قاعدة صحيحة. وأول لبنة وضعها صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - في أساس هذا الغرض الأسمى: ما أخذه على الأوس والخزرج من عهد البيعة على أن يكونوا أنصاره إلى الله، ثم واصل العمل بما قام به من جهاد يدافع به مهاجماً، أو يبادر به متحفزاً لقتاله، إلى أن انتهت وظيفة الوصي، وصعدت تلك الروح الكريمة إلى مقام ربها الأعلى.
صدرت عنه - صلى الله عليه وسلم - أحاديث في معنى الوصاية بنصب أمير يقوم مقامه في تدبير المصالح العامة؛ كحديث البخاري: "إن هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين "، وحديث مسلم: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما"، وكذلك عرف أصحابه أنهم لا يملكون عزتهم من بعده، ولا يتمكنون من التمادي
__________
(1) مجلة "البدر" - الجزء الرابع من المجلد الثاني الصادر في منتصف ربيع الثاني 1340 ه - تونس.
(12/ 1/59)

على مناصرة الحق والدعوة إليه إلا بإزاء قوة اجتماعية يكون زمامها بيد رئيس عادل، فبادروا إلى سقيفة بني ساعدة، وائتمروا في قضية الرئاسة، فقال الأنصار للمهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير، حتى سمعوا الحديث الذي يرشد إلى أن الإمامة في قريش، فانحلت عقدة العصيبة من قلوبهم، وعدلت بهم الحجة عن رأيهم، وما لبثوا أن مدوا أيديهم بعد يد عمر بن الخطاب إلى مبايعة الصدِّيق، فانعقدت رئاسته باتفاق أهل الحل والعقد، وسمّوه: خليفة رسول الله. ومن هنا نشأت تسمية تلك الرئاسة خلافة.
فالخلافة نيابة عن صاحب الشريعة في رفع لواء الحق، والسير بالأمة على مناهج السياسة القيمة.
تنعقد الخلافة بمبايعة أهل الحل والعقد؛ كخلافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، أو بايصاء من الخليفة السالف كما انعقدت خلافة الفاروق بعهد من أبي بكر، وخلافة عمر بن عبد العزيز بعهد من سليمان بن عبد الملك. ولم يعهد بها عمر بن الخطاب إلى رجل يثق بكفايته ومقدرته كما فعل الصديق، ولا وكلها إلى آراء الأمة جملة كما فعل أكمل الخليقة - صلوات الله عليه -، بل وقع اجتهاده ذلك العين على أن يلقي أمرها إلى أولئك النفر الذين عرفوا بين الأمة بسداد الرأي والأمانة، فائتمروا فيما بينهم، ووضعوا مقاليدها يزيد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
وقد ينهض لها بعض من يعد في بادئ أمره متغلباً، ويملك من القوة ما يحمل صاحبها الشرعي على أن يتخلى عنها بنفسه؛ كما صنع الحسن بن علي إذ جنح إلى سلم معاوية بن أبي سفيان، أو تنقلب إليه بموت من تولاها بحق؛ كما صارت إلى عبد الملك بن مروان بموت عبد الله بن الزبير، وانتقلت
(12/ 1/60)

إلى عبد الله السفاح بهلاك مروان بن محمد، وانقراض دولة بني أمية.
وردت أحاديث صرحت بأن الأئمة من قريش، فوقف كثير من العلماء الأقدمين عند ظاهرها، وأخذوا في وصف الخليفة كونه قرشياً، ولكن المحققين الذين يتفقهون في النصوص، ولا يغفلون عن النظر إلى المصالح والمفاسد التي بنيت الشريعة على رعايتهما، انتبهوا إلى أن الإِسلام أول من قرر قاعدة المساواة بين البشر على وجه ثابت، وألغى في نظره التفاضل بالأنساب، فلم يجعل له في تقرير الأحكام العامة نصيباً، فبدا لهم أن التصريح بنسب القرشية في الحديث إنما يرمي إلى ما يحقق شرط الكفاية والقدرة على القيام بأعباء الخلافة، وهو قوة الحامية.
وقد اختصت قريش لذلك العهد من بين سائر القبائل بقوة العصبية وشدة المراس، فإذا تلاشت عصبيتهم، وتمزقت جامعتهم، ووقع عنان الخلافة في يد أمير قوي سلطانه، وكانت يده أبسط وأقوى على حماية الحقوق والبلاد، وجب الوثوق بطاعته، والمسارعة إلى نجدته، وإن لم يكن قرشياً.
وقد بسط هذا التحقيق العلامة ابن خلدون في مقدمة "تاريخه"، وذكر أن القائلين بنفي اشتراط القرشية في الخلافة القاضي أبا بكر الباقلاني، حيث أدرك ما آلت إليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال. وممن صرح بصحة الخلافة من غير القرشي القاضي محمد بن علي الشوكاني، فقال في كتاب "وبل الغمام": إن عمومات القرآن تدل على وجوب الطاعة لغير القرشي، ومن الأدلة الخاصة بذلك حديث: "أطيعوا السلطان، وإن كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة"، ومن زعم أن ثم فرقاً بين الإمام والسلطان، فعليه الدليل. وبمثل هذا أفتى القاضي أبو عبد الله المقري؛ إذ قال للسلطان أبي عنان -وهو من
(12/ 1/61)

قبيل البربر-: أنت أهل للخلافة؛ إذ بعض الشروط قد توفرت فيك. ويعني ببعض الشروط: الركن الذي عليه مدارها، وهو جودة الرأي، وشدة البأس.
ولا شبهة أن الوجه الذي تقررت به الخلافة في بني عثمان، لا تقل عن الوجه الذي ثبتت به خلافة بني العباس، إلا أن عبد الله السفاح أول العباسيين أرسل وراء آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد جيشاً، فقتله، أما السلطان سليم، وهو أول خليفة عثماني، فإنه دخل مصر، وقد ضرب ملوكها على يد الخليفة العباسي، فسلبوه النفوذ جملة، ولم يُبقوا له من أثر الخلافة غير السكة والخطبة، فلم يلبث الخليفة محمد المتوكل أن تنازل للسلطان عن الخلافة، ثم جاء إليه ابن أبي البركات شريف مكة المكرمة، وقدم له بيده مفاتيح الحرمين الشريفين من تلقاء نفسه، وصارت الخطب تتلى باسم السلطان سليم بزيادة: خادم الحرمين الشريفين. ثم إنه أخذ في صحبته محمد المتوكل إلى الآستانة، وأطلق له بعد ذلك سبيل العود إلى مصر، وأقام بها إلى أن توفي، واستقرت الخلافة في بيت آل عثمان على وجهها المشروع.
فقيام سلطان يحمل راية الخلافة حقيقةٌ شرعية، وأمر لا غنى للمسلمين عنه، ما داموا يطمحون إلى عزهم المكين، ويهمهم أن يقفوا في صفوف الأمم الأخرى موقف القرين. ويتعين عليهم أن يبذلوا في تأييد الخلافة جهد استطاعتهم؛ إذ متى تزلزل عرشها، وجمدت القلوب والأيدي عن مؤازرتها، تعدى ما يمسها من سخف وشقاء إلى سائر الشعوب، واستولى اليأس على النفوس، وحل التخاذل محل التعاطف، فيصبح العالم الإِسلامي كعقد تناثر على سطح محدب، فتفرقت جواهره بحيث لا تلتقي حبة بأخرى.
كانت الشعوب الأندلسية تتماسك بعرا الاتحاد تحت راية الخلافة بقرطبة،
(12/ 1/62)

فعميت على عدوهم السبيل لأن يملك ولو قيد شبر من بلادهم، ولما تقطعت الدولة الأموية إربًا إربًا، واقتسم ملوك الطوائف تراثها، فاستقل كلٌّ بناحية لا يلوي على غيره بعاطفة، ولا يمد يده إلى تحالف، إذا ريح الشقاق تخفق بعروشهم، وتقذف بها في مخالب أعدائهم، سنَّة الله في الذين أضاعوا صلة التعاضد والاتحاد، ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً.
(12/ 1/63)

الإسلام والفلسفة (1)
سار الإِنسان في حياته على ما أودع الله في فطرته من القوة الناطقة، وذهب يفكر في حقائق الموجودات، ويكشف عن وجه تباينها في الطبائع، واختلافها في الآثار. ولم يزل يرفع الحجاب عن مخبآتها، ويقف على أسرارها، إلى أن أخذ يرسم لها حدوداً، ويقرر لها قوانين وسنناً، وهذا هو العهد الذي يعده المؤرخ مبدأ لنشأة الفلسفة، وأول حلقة في سلسلة أدوراها.
فالفلسفة: العلم بحقائق الموجودات وأحوالها على ما هي عليها بقدر ما تسع الطاقة البشرية، ومدارها على النظر فيما وراء الطبيعة، ثم الرياضيات والطبيعيات والكيمياء، وعلم التكوين وعلم النفس، وعلم النظام والاجتماع.
خفقت ريح الفلسفة في بعض البلاد الشرقية؛ كمصر، والهند، وجالت في أندية اليونان أمدًا بعيداً، وما برحت تنتثر من أفواه الأساتيذ، وتلتقط من صحائف المؤلفين، إلى أن طلع كوكب الهدي الإسلامي، وتدفقت أشعته على البصائر النقية، وما لبثت الفلسفة أن التقت بذلك التعليم السماوي، والتحقت بالعلوم الخادمة له في تأييد قواعد السياسة ونظام الاجتماع.
لا يذهب إلى أن الإسلام يتجافى عن الفلسفة سوى رجل التقم ثديَ
__________
(1) مجلة "البدر"- الجزءان السادس والسابع في عدد واحد من المجلد الثاني، المصادر في منتصف رجب 1340 ه - تونس.
(12/ 1/64)

الفلسفة، وشب في أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين على بصيرة وروية، أو مسلم لم يخض في غمار المباحث الفلسفية، وحسب أن جملتها قضايا باطلة أو لاغية، ولاسيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى نبذة من الآراء المنكرة على البديهة، أو يصغي إلى استدلالات بعض المتفلسفة الذين ينزعون إلى المقدمات الوهمية، ويتشبثون بخيوط واهية من ضروب التمثيل.
ومما أثار الشبهة في عدم مطابقة الدين للفلسفة: ما ألصقه بعض المبتدعة أو الزنادقة من مزاعم باطلة، وأحاديث مختلقة، وتأويلات سخيفة. وهذه السيئات، وإن كشف الراسخون في العلم ستارها، وطهَّروا أكناف الشريعة من أوضارها، لا تزال آثارها كشامات سوداء في سيرة بعض من وصفوا أنفسهم، أو تصفهم الرعاع بالزعامة في الدين، ودأب من يتحرّون في أنظارهم ومحاكماتهم القوانين النطقية، والسنن المتبعة فيما يعقد بين ذوي الإِنصاف من المناظرات، أن يرتكبوا خطيئة وزن الشرائع بحال من انتمى إليها، ويرموها بنقيصة من يدخل في حساب أهلها.
في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا تصادم نصوص الدين من كتاب أو سنَّة، والذي لا يلتقي مع هذه النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة بينة، أو نظر راسخ. وقد ضاعت في شعاب هذا النوع قلوب من استخفهم الحرص على أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا اللقب لا يحرزه إلا من آمن بكل ما بين دفتي فلسفة "أرسطو"، أو "ديكارت"، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها، إلى أن اقتحموا لذلك وجوهاً تخرج
(12/ 1/65)

بها عن قانون الفصاحة وحسن البيان.
خرجت الفلسفة على علماء الإسلام، وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم، وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويمِ المعوج من مقالاتها؛ كما صنع "الغزالي"، و"الرازي"، وكثير من علماء الكلام.
ماذا يكون مبلغ أولئك الأعلام من الحكمة، لو لم يزنوا قضايا الفلسفة بميزان العقل، ويميزوا بين ما ينبني على علم أصيل، وما يأخذ زخرف الحق من الشبه الكاذبة، فتعلقوا فيمن تعلق بمذهب "دارون" في أصل الأنواع، أو "سبينوزا" في وحدة الوجود، وقدموا إلى بعض النصوص التي يرونها مخالفة لهاتين النظريتين، فتأولوها على غير ما يفهم من مساقها، حتى إذا انكشف السراب الذي خادع "دارون"، و"سبينوزا" وانقلبت دعاويهما إلى أساطير ملفقة، عادوا إلى ما أبرموه في تأويل تلك النصوص، فنقضوه بأيديهم، وكذلك يفعل من يستهويه كل ناعق في واد، ويفتنه قول يخرج في صبغة جديدة.
كم يوماً قال أدعياء الفلسفة -وهم يتلقفون بعض آرائها على غير بينة-: "قد ثبت كذا فناً". حتى إذا كنت الألمعي الذي لا يضع بجانب معلوماته قضية غير مقرونة بحجة، وناقشتهم الحساب في طريق ثبوتها، لم يكن منهم سوى أن يقولوا: هذا رأي الفيلسوف فلان، وقد أصبح من النظريات المعقود عليها بالخناصر. ثم لا تلبث بعيداً حتى يحدثوك بأن فيلسوفاً آخر قد كشف الغطاء عن وجه فسادها، ورشقها بنظرة المتهكم بها، فوقعت إلى حضيض الآراء
(12/ 1/66)

المنادى عليها بالسفه والضلال.
لست ممن يستخف بشأن الفلسفة، أو أرى التردد على أبوابها، والتوغل في مناكبها إنفاقاً للوقت في غير جدوى، ولكني أنصح للعالم المسلم أن يجعل الكتاب العزيز والسنَّة الثابتة بالمكانة العليا، ولا يعدل في تفسيرهما عما ينساق إليه الذهن ويقتضيه الظاهر من اللفظ، إلا أن يمانعه المحسوس، أو تجاذبه نظرية ثبتت بأدلة لا تخالجها ريبة.
ومن العجب أن يقوم بعض الكاتبين في الفلسفة إلى الإسلام الذي ألقى تعاليمه على صعيد الحرية، وأوعز إلى العقول أن لا تقبل رأياً بغير برهان، فيصفه بمناوأة العلم، ويقذفه بأنه قتل العلوم، وقتل نفسه بقتلها. وإن وصمة كهذه لا تجد مساغاً لأن تلتصق بدين يأتي في نسق آياته: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، إلى ما يشاكل هذا من الآيات والأحاديث الطافحة بالحث على النظر، البالغةِ في التنويه بفضيلة العلم، والتشويه برذيلة الجهل، ما لا يجحده إلا من كان بينه وبين الإِنصاف مهاق مغبرة، أو أسرَّ في نفسه القضاء على الإِسلام. وإن الإِسلام دين لا ينتقص نورَه إلا النفوس المصابة بعلل لا ينجع فيها علاج.
فأصول الدين قائمة على الأساس الذي بنيت عليه الفلسفة؛ أعني: الفكر والتدبر، ومن فروع الشريعة ما هو عائد على العبادات، ويعدونه فيما يتلقى من صاحبها على وجه المتابعة، ومعنى هذا: أن العقل الصحيح لو خلى ونفسه، لا يهتدي إلى حكمة تشريعه، كما أنه لا يستطيع إنكاره ورده بالمعروف،
(12/ 1/67)

وهذا النوع -على قلته في شريعة الإِسلام- لا يقضي بالتقاطع بينه وبين الفلسفة، وإنما يرينا أن من القضايا الدينية ما لا تستقل الفلسفة بتفصيل أحكامه، كما أن للفلسفة مجالاً لا يعرج عليه الدين، ولكنهما إذا تواردا على أمر، ونظرا إلى غاية، سارت الفلسفة في أثر الشريعة، فإن حادت عن سبيلها، عرفنا أنها فلسفة زائفة، وآراء سخيفة، ونقد الأفكار الثاقبة من ورائها محيط.
(12/ 1/68)

التراويح (1)
ندب الشارع الناس إلى التطوع بالصلاة كما استطاعوا لذلك سبيلاً، وسنّ صلواتٍ في أوقات معينة؛ كالصلوات المسنونة عقب الصلوات المفروضة، وصلاة العيد، والكسوف والخسوف والاستسقاء. ومن هذا القبيل صلاةُ التراويح، وهي صلاة التطوع في ليالي رمضان. وسميت: "التراويح"؛ لأنهم كانوا يستريحون فيها بعد كل تسليمتين، ومما يشهد بفضلها: قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه".
والمعروف أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أولُ من جمع لها الناس في المساجد. ورد في الصحيح عن عبد الرحمن بن عبد، قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ "متفرقون" يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثلَ، ثم عزم، فجمعهم على أُبيّ بن كعب).
وقد يخطر على البال: أن عمر بن الخطاب ابتدع هذه الصلاة في المساجد جماعة، إذ لم يكن الناس يصلونها كذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الثانية الصادر في غرة رمضان سنة 1367 ه الموافق 8 يوليو تموز 1948 م - القاهرة.
(12/ 1/69)

ولا في عهد أبي بكر، ولا في صدر من خلافة عمر نفسه.
والحقيقة: أن ما فعله عمر من إقامة هذه الصلاة بالمساجد جماعة لا يدخل تحت اسم البدعة المذمومة شرعاً؛ فإن البدعة المذمومة هي العمل المخترع في الدين دون أن يشهد له أصل من الشريعة. وصلاة التراويح بالمساجد في جماعة يشهد للازن فيها السنّةُ الصحيحة، وهي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كما ورد في "الصحيحين"، وكتاب "الموطأ" -: صلى في المسجد ذات ليلة من رمضان، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى ليلة القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم"، وذلك في رمضان، وفي رواية مسلم: "خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها". وفي "شرح معاني الآثار" للطحاوي: "خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم، ما قمتم به".
يتضمن هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة القيام في رمضان في جماعة، ثم تركها، وبين وجه تركه لها، وهو الخوف من أن تفرض عليهم، فيعجزوا عنها، وهذه العلة التي استدعت تركه لها، وهي خوفُ افتراضها، قد زالت بوفاته - عليه الصلاة والسلام -؛ إذ لا وحي بعده حتى يخشى أن تفرض على الناس إذا التزموها، وواظبوا عليها، وإذا زالت علة ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لفعل هذه النافلة في جماعة، رجعت إلى ما كانت عليه في عهد النبوة من السنية.
وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب من الحديث عندما جمع الناسَ فيها على قارئ واحد، وهذا ما فهمه الصحابة - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كانوا معه على وفاق فيما
(12/ 1/70)

صنع، ولما قال عمر عندما رأى الناس في صلاة التراويح: "نعم البدعة هذه" لم يرد البدعة المقابلة للسنّة، وهي إحداث أمر في الدين ليس من الدين في شيء، وإنما سماها بدعة؛ نظراً إلى أنه استؤنف العمل بها بعد أن تركها النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وانقطع الناس عنها مدة، فكان لها شبه بما استحدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأعمال التي لم توجد في عهد النبوة.
ولم يصنع أبو بكر ما صنع عمر من إحياء هذه السنة؛ لكثرة ما كان يشغله من مهام الأمور؛ كقتال أهل الردة، مع قصر مدة خلافته، إذ كانت سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
وتضمن الحديث: "إلا أني خشيت أن تفرض عليكم": أن علة عدم خروجه - عليه الصلاة والسلام - لصلاة التطوع في الليلة الثالثة أو الرابعة هي خوفه من أن تفرض عليهم، وإنما جاء الخوف من جهة توقعه - عليه الصلاة والسلام - أن يكون إظهارهم المقدرة على إقامة هذه الصلاة في المسجد جماعة سبباً لفرضها عليهم، ثم يجدون بعد فرضها عليهم مشقة فادحة، فيعجزون عنها، فلم يشأ أن يقع منهم ما يحتمل أن يكون سبباً لفرض صلاة أخرى عليهم في رمضان، فنبههم لترك إقامتها جماعة في المسجد؛ حذراً من أن يكون سبباً لفرضها.
وشرعُ الأحكام يكون من الله ابتداء؛ حفظاً للمصالح التي تترتب على الفعل نفسه، وقد يبنى أمر التكليف على رعاية عمل يأخذ به المكلفون أنفسهم، ويظهرون أنهم قادرون على القيام به من غير تكلف، فيفرض الله عليهم ذلك العمل على وجه الابتلاء، حتى إذا عظمت عليهم مشقته، وأدركوا أن الله لم يوجبه عليهم ابتداء رحمةً بهم، خفف عنهم، وعاد بهم إلى أصل
(12/ 1/71)

طبيعة الدين من اليسر والسماحة، حتى يسيروا في الاقتداء به على قدر ما يأمرهم به، وينهاهم عنه.
فمن الممكن أن يجيء تكليف شاق تقتضيه حكمة الابتلاء، وإنما يكون هذا حيث يكون باب الوحي مفتوحاً، وتبديله بما هو أيسر قريباً، ولا نجد فيما تقرر من أحكام الشريعة تكليفاً تشتد مشقته إلى حد أن يعجز الناس عن القيام به.
واختلفت الروايات في عدد ركعات التراويح التي كانت تُصلى بالمسجد في عهد عمر، فروى مالك في "الموطأ": أن عمر أمر أُبَيَّ بن كعب، وتميماً الداريّ (1) أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، ويصح أن يكون هذا العدد مأخوذاً من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي حديث الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن صلاته في رمضان، فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"، وهناك رواية أخرى في "الموطأ": أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. وأمر هذا الاختلاف هين، والجمع بين الروايتين سهل: هو أن عدد الركعات كان يختلف باختلاف الأحوال، ومن المحتمل القريب أنه يرجع إلى تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث طولوا القراءة، خففوا الركعات، وحيث قللوا القراءة، أكثروا من الركعات.
__________
(1) كان أبي بن كعب يصلي للرجال، وتميم الداري يصلي للنساء.
(12/ 1/72)

رسائل إخوان الصَّفا (1)

سأل سائل فقال: لعلكم اطلعتم على رسائل إخوان الصفاء، وعرفتم وجهتها، فما رأيكم فيها؟
فأجبت: بأني اطلعت على هذه الرسائل، وقرأت شيئاً مما كتب حولها، فتجمع عندي ما يأتي:
في المئة الرابعة من الهجرة ظهر كتاب يسمّى: "رسائل إخوان الصفاء"، ولم يكتب مؤلفه اسمه عليه، فاختلف الناس في مؤلفه، فالإسماعيلية من الشيعة ينسبونه إلى أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، من عقب الإمام جعفر. وأبو حيان التوحيدي، ينسبها في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" إلى زيد بن رفاعة وصحبه؛ حيث مسألة وزير (2) صمصامِ الدولة بن عضد الدولة البويهي في حدود سنة 373 ه عن زيد بن رفاعة، فقال: قلت: إن زيداً أقام بالبصرة زمناً طويلاً، وصادف جماعة، منهم: أبو سليمان محمد بن نصر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، وغيرهم، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" -العدد السابع من السنة الثامنة- الصادر في شهر ربيع الأول سنة 1374 ه الموافق شهر نوفمبر تشرين الثاني سنة 1954 م - القاهرة.
(2) الوزير هو الحسين بن سعدان.
(12/ 1/73)

وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال. ووضعوا اثنتين وخمسين رسالة، وسموها: "رسائل إخوان الصفاء"، وبثوها في الوراقين.
ولا عجب أن يقوم جماعة في البصرة بمزج الشريعة بالفلسف؛ فقد كانت البصرة لذلك العهد مظهر الآراء البعيدة، أو الخارجة عن الشريعة؛ كالاعتزال، والباطنية، كما أنها مظهر الآراء السليمة، فكان هناك المعترك بين الحقائق والمكايد.
وصف أبو حيان التوحيدي في حديثه هذا زيدَ بن رفاعة بالذكاء. والذكاء منه ما يتجه إلى الخير، فيأتي بثمر طيب، ومنه ما يتجه إلى الكيد والمكر، فيكون عدمه خيراً من الاتصاف به.
وقال أبو حيان التوحيدي: "إن هؤلاء الجماعة اجتمعوا على القدس والطهارة". ولما قرأنا الرسائل، وجدناهم اجتمعوا على أن يسلكوا بالمسلمين طريقة لا يستقيمون بها، ولا يسعدون. والفلسفة مطروحة بين أيدي المسلمين قبل أن يوجد هؤلاء الجماعة، فيستحسنون ما كان منها صواباً؛ كالهندسة، والحساب، والمنطق، والطب، وأحكام النجوم المعروفة بالتجارب، ويرفضون ما كان خطأً، كبعض النظريات الإِلهية، والاجتماعية، وفيما وراء الطبيعة.
وحكى أبو حيان في حديثه: أن مؤلفي "رسائل إخوان الصفاء" قالوا: "إن الشريعة قد في نست بالجهالة، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة".
والواقع أن الشريعة كما أنزلت، ليلها كنهارها، وإذا اختلف الأئمة المجتهدون في بعض الأحكام، فلأدلة من الكتاب، أو السنّة، أو الأصول
(12/ 1/74)

المستمدة منهما، فما يكون أرجح من جهة الدليل، فذلك حكم الشارع. وإذا أراد: الأقوال التي تصدر من غير المجتهد، فتلك الأقوال لا تعد في الشريعة، حتى يقال: دنست بالجهالة، واختلطت بالضلالات.
ولو كانت الأقوال الخارجة عن الشريعة إذا ذكرت في كتبها تعد جهالة مدنسة للشريعة، وضلالات مختلطة بها، لوجب علينا أن نطهر جانب الشريعة من كتاب "إخوان الصفاء"؛ لأنه جهالة وضلالات، من حيث يريد مزجها بالفلسفة وإخراجهما مذهباً واحداً.
وينسب آخرون هذه الرسائل إلى مسلمة بن أحمد بن قاسم المجريطي.
قال صاحب "تاج العروس شرح القاموس" في مادة مرجطة: والصواب المشهور عنها: "مجريطة" -بتقديم الجيم على الراء وكسر الميم-، ومن هذا البلد الفيلسوف الماهر المجريطي مؤلف "إخوان الصفاء" وغيرها، واسمه أبو القاسم مسلمة بن أحمد بن القاسم بن عبد الله، وتوفي سنة 335 ه.
وفي "كشف الظنون": "رسائل إخوان الصفاء أملاها أبو سليمان محمد ابن نصر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد الشهرجوري، والعوفي، وزيد بن رفاعة، كلهم حكماء، اجتمعوا وصنفوا إحدى وخمسين رسالة ... ثم قال: رسائل الصفاء للحكيم المجريطي القرطبي المتوفى سنة 395 ه، وهذه نسخة مغايرة على نمط رسائل إخوان الصفاء".
ومن لا يريد تخطئة صاحب "كشف الظنون" يقول: الحكيم المجريطي لما بلغته "رسائل إخوان الصفاء"، ومؤرخو الأندلس عرّفوا بمسلمة المجريطي، ولم يذكروا أن من مؤلفاته ما يسمى: "رسائل إخوان الصفاء"، وما ذكروا
(12/ 1/75)

أنه رحل إلى المشرق، ورحلة العالم إلى المشرق لا تخفى على المؤرخين. وعرف القفطي من تاريخ الحكماء بأبي الحكم عمر الكرماني من أهل قرطبة، وقال: إنه رحل إلى المشرق، وهو أول من جلب "رسائل إخوان الصفاء" إلى الأندلس، ولم يعلم أن أحداً أدخل الرسائل قبله. وعمر الكرماني توفي سنة 458 ه.
وقال مؤلفون: اثنتين وخمسين رسالة. ويعد أن عدوها، وذكروا موضوع كل رسالة، قالوا: "والرسالة الجامعة لما في هذه الرسائل المتقدمة كلها، المشتملة على حقائقها ... "، وطبعت هذه الرسائل، ولم تطبع الرسالة الجامعة معها. والدليل على أن مؤلفها هو من ألف هذه الرسائل: قولهم عندما تكلموا على إدريس - عليه السلام -: "وقد ذكرناه في رسالتنا الجامعة، وأشرنا إليه في رسائلنا". وطبعت الرسالة الجامعة في المجمع العلمي العربي بدمشق منسوبة إلى الحكيم المجريطي. ولم تثبت نسبتها إلى المجريطي تاريخيًا، وإنما كتب على بعض النسخ المخطوطة اسم الحكيم المجريطي. ثم إن الرسالة الجامعة مؤلفة على نمط "رسائل إخوان الصفاء"، ومكتوبة بلسانهم، فأسلوبها يدل على أن من ألف رسائل إخوان الصفاء هو نفسُه الذي ألف الرسالة الجامعة.
ولا يهمنا كثيراً في هذا المقال تحقيق نسبة هذه الرسائل إلى مؤلفيها، وإنما يهمنا الغرض الذي صنعت من أجله، وما اشتملت عليه، أحق هو أم باطل؟.
قال أبو سليمان المنطقي -فيما حكاه أبو حيان التوحيدي في حديثه مع الوزير ابن سعدان- عن رسائل الصفاء: " قد تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا،
(12/ 1/76)

وحاموا وما وردوا، وغَنَّوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا ... وظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة، وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحدَّ أنيابًا، وأحضر أسباباً، وأعلى أقدارًا، وأرفع أخطاراً، وأوسع قوى، وأوثق عرا، فلم يتم لهم ما أرادوا، ولا بلغوا منه ما أملوا، وحصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات واضحة موحشة، وعواقب مخزية".
وقال أبو حيان التوحيدي في وصف هذه الرسائل: "وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات، وتلفيقات وتلزيقات".
وقال الإِمام الغزالي في كتاب "المنقذ من الضلال": "ولو تطرقنا إلى أن نهجر كل حق سبقنا له خاطر مبطل، للزمنا أن نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر آيات من آيات القرآن، وحكايات السلف، وكلام الحكماء الصوفية، لأن صاحب كتاب "إخوان الصفا" يوردها في كتابه، ويستشهد بها، ويستدرج بها قلوب الحمقى إلى باطله".
وقال: "من نظر في كتبهم -يعني: أهل الباطل-؛ كإخوان الصفاء وغيرهم، فرأى ما مزجوه في كلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها، وقبلها، وحسن اعتقاده فيها، فسارع إلى قبول باطلها؛ لحسن ظن حصل فيما رآه واستحسنه، وذلك نوع استدراج".
ومما يدل على أن هذه الرسائل كانت معروفة لذلك العهد بإفساد العقيدة: ما حكاه ابن تيمية في "شرح العقيدة الأصفهانية" من أن الإمام المازري أنكر على الإِمام الغزالي لما بلغه أنه عاكف على قراءة "رسائل إخوان الصفاء".
وتبين أن الإِمام الغزالي كان عاكفاً على قراءة الرسائل؛ ليعلم ما فيها
(12/ 1/77)

من باطل؛ حتى يحذر المسلمين من الانخداع بها.
وعدّهم الشيخ ابن تيمية من الفرق الضالة، فقال في "العقيدة الأصفهانية": ولهؤلاء القرامطة صنعت "رسائل إخوان الصفاء"، وهم الذي يقال لهم: الإِسماعيلية.
وقال في "بغية المرتاد": وكذلك سلك الإِسماعيلية الباطنية في رسائلهم الملقبة برسائل إخوان الصفاء.
ويدلك على أن مؤلفيها من الشيعة الباطنية: كثرة تملقهم لقارئ رسائلهم بمدحه، والدعاء له، وتظاهرهم بشدة الخضوع لله، والتقوى، ويدمجون في أثناء ذلك الاستشهاد بالآيات على ما يشاؤون، ويحرفونها تارة عن مواضعها؛ كتأويلهم في الجزء الأول من "الرسالة الجامعة" لقوله تعالى: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، يعني: عذاب الشك في الدين. فأظهروا بهذا التأويل أنهم على اعتقاد في الدين متين، ولم ينظروا إلى ما يقتضيه لفظ القرآن من أن المراد من عذاب النار: عذاب الحريق. ولهذه التأويلات لهم لم تَرُج بضاعتهم عند من يؤمن بأن القرآن من عند الله العزيز الحكيم.
(12/ 1/78)

الجمعيات الإصلاحية (1)
لم يكن المسلمون فيما سلف يشعرون بالحاجة إلى تأليف جمعيات إصلاحية؛ إذ لم تكن طرق الفساد والغواية مفتحة على الوجه الذي نشاهده في هذا العصر، ولم يكن الناس يتركون الخير جماعات بزعم أنه ليس بخير، وإنما هي الشهوات الغالبة، أو الجهالات القائمة تأخذ بنفوس أفراد، حتى إذا قام دل إلى الإِصلاح، ولو لم يكن له أعوان، أمكنه أن يكبح جماحها، ويدفع شرورها.
أما اليوم، فقد انفجرت ينابيع الفتن بحال لم يكن له نظير في العهود الخالية، فإذا تقدمت العلوم مراحل بعيدة المدى، فإن الفضيلة والهداية لقيتا فيه كساداً، بل نكراً وعداء.
تلك طائفة تدعو في بلاد الإِسلام إلى دين أو أديان غير الإِسلام، دون أن تجد قوة تصرفها، أو تقف بها عند حد، وإذا لم تنجح دعاية هؤلاء في تحويل أبنائنا إلى دينهم، فقد استحوذوا على عقول كثير منهم، وانحدروا بهم في ريب، بل ألقوهم في حفرة من الإلحاد، حتى أصبحت هذه الشرذمة تحارب هدى الله بمثل السلاح الذي يحاريه به أولئك المخالفون.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الثالث والرابع من المجلد السابع عشر الصادران في عدد واحد عن شهري رمضان وشوال 1363 ه - القاهرة.
(12/ 1/79)

قامت طائفة الملاحدة بجانب أولئك الذين يسمونهم: المبشِّرين، وانقسمت هذه الطائفة إلى فرقتين: فرقة كشفت اللثام، وأخذت تحارب الإِصلاح الإِسلامي علانية، وفرقة اختارت أن تحاربه تحت اسم الإِسلام، وقد بلغت هذه الفرقة المتوارية من إفساد قلوب شبابنا الغافلين ما لم تبلغه الفرقة المرتدة عن الدين جهرة.
وقد أدرك هذا بعضُ من كان يعلن إلحاده، فرجع إلى ستره بكلمات يقولها بفمه، أو يكتبها بقلمه؛ ليصيد ضعفاء الإِيمان، ومن يستهويهم زخرفُ القول غروراً.
وهؤلاء هم الذين اخترعوا لمخادعة أبناء المسلمين الكلمة المشؤومة، وهي: أن العلوم نتلقاها بعقولنا، وأمور الدين نتلقاها بقلوبنا ووجداناتنا، وزعموا: أن مناقضة العقل للدين لا تضر بالعقيدة، وقالوا وهم يزعمون أنهم مسلمون: إن القرآن قد يجيء بما يخالف العلم اليقين، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا شاهداً على ما زعموا، وجرت في مع بعض هؤلاء محاورات في هذا الزعم يضيق المقام عن حكايتها بتفصيل.
وهؤلاء هم الذين دعوا المرأة إلى خلع لباس الحشمة، ونزعِ ما كانت تتحلى به من حياء وصيانة، وحثوا الفتيات على الاختلاط بالفتيان، ولو في حال خلوة، وزعموا أن الدين لا يمنع من هذا الاختلاط، وكيف لا يمنعه الشارع الحكيم وقد دلت المشاهدات والتجارب على أنه لا يأتي إلا بأشنع المنكرات، وأسوأ العواقب؟!
وهؤلاء هم الذين اخترعوا للدين أسماء منفرة، فسموا الدعوة إليه: "رجعية"، والغيرة على حقائقه وآدابه والدفاع عنه: "تعصباً".
(12/ 1/80)

وهؤلاء هم الذين اخترعوا ضلالة فصل الدين عن السياسة، وحاولوا أن يوهموا ببعض مؤلفاتهم ومقالاتهم: أن دين الإسلام عقائد وعبادات، ولا صلة له بأحكام المعاملات والسياسات والقضاء، وقد قهرتهم الحجة، وسقطوا من أعين الذين يزنون أقوال الرجال بقسطاس المنطق السليم.
وهؤلاء هم الذين يعادون اللغة العربية الفصحى، ويسعون لقلب أوضاعها، وإحلال اللغة العامية في التعليم والكتابة والخطابة محلها، ولا ذنب لها -فيما يضمرون- إلا أنها لسان هدى الله، تعرض حكمته، وتقرر حجته، وبوسائل لست أدرى بها منكم، فإن هؤلاء المبطلون بمظاهر مكنتهم من ترويج دعايتهم، والوصول إلى بعض مآربهم، حتى وقع كثير من صغار العقول في حبائل تضليلهم.
وكان من أثر هذه المظاهر: إحجام كثير من الناس عن دعوة الحق، يخشون سطوتهم، أو فوات بعض المنافع التي شأنها أن تجيء على أيديهم، وكان من أثر انتشار دعوتهم: يأس الناس من أن توجد قوة تكسر قناتهم، وتنصر الحقائق على أباطيلهم، ونعوذ بالله من الجبن.
وكنت أوشكت أن أقف على شفا حفرة من اليأس، وخيل إلي أن الروح الإِسلامية النقية السامية ستذهب حيث يذهب الجيل الذي نشأ قبل أن يكون للإلحاد دولة، ولمعتنقيه صولة، وسرعان ما أرانا الله تعالى شباباً في مصر وغير مصر تقلبوا في بيئات تلك الدعايات الغاوية، وترددوا على مجالس زعمائها، ولكنهم يحملون في صدورهم إيماناً راسياً، ويعتزون بآدابهم الإِسلامية أينما كانوا، ويفقهون أن سبيل العزة والحياة الطيبة، هي السبيل التي هدى إليها الدين الحنيف.
(12/ 1/81)

بلقاء أمثال هؤلاء الشبان الموفقين أخذ الأمل في إصلاح شؤوننا الاجتماعية ينمو في القلوب، ويبعث على العمل للنهوض، وأذكر شاهداً على هذا: أني كنت لقيت أحد المتصلين بجمعية الشبان المسيحية في القاهرة، ففاجأني بنبأ هو: أن بعض الشبان المسلمين دخلوا في جمعية الشبان المسيحية، وصاروا من أعضائها، فأخذني أسف يقطع الأكباد، وقلت في نفسي: هل من الميسور تأليف جمعية للشبان المسلمين تصرفهم عن غشيان جمعية بطانتها الدعوة إلى المسيحية؟ وذهبت تواً إلى المطبعة السلفية، فلقيت طالباً من طلاب دار العلوم، فعرضت عليه هذه الأمنية، وقلت له: اذكر هذا بين الطلاب، وانظر ماذا ترى منهم، وأيدني في هذا الاقتراح الأخ الأستاذ محب الدين الخطيب، فجاء الطالب من الغد، وقال: وجدت من بعضهم إقبالاً، وحضر بالمطبعة السلفية بعض طلاب الجامعة المصرية، وخاطبناهم على أن يقوموا بالدعاية للجمعية في الجامعة، ففعلوا، وكان هذا بداية تأسيس جمعية الشبان المسلمين في القاهرة، وعرفنا من ذلك النجاح أن الشاب المسلم إنما تأخذه الشبهة، ويحيد عن سبيل الرشد، حيث لا ترعاه قيادة رشيدة، أو يطرق سمعه دعوة حكيمة.
وإني لأرتاح -أيها السادة- لكل مقالة أو محاضرة تقرر فيها حقيقة، أو تدفع فيها شبهة، ويبلغ ارتياحي أشده عندما تكون المقالة أو المحاضرة صادرة من شباب استضاء بنور الإيمان الصادق، وعزّزه بثقافة عصرية راقية.
ولقد حمدت الله تعالى من صميم فؤادي إذ عرفت في سورية شباباً لم يكتفوا أن يكونوا في أنفسهم على بصيرة من هدى الله، بل ترقَّى بهم نبلهم أن أصبحوا يبحثون عن نواحي الإِصلاح، ويدعون إليه بأساليبهم البارعة،
(12/ 1/82)

مثل الأساتذة: مصطفى الزرقا، ومحمد المبارك، وعلي الطنطاوي، وأحمد مظهر العظمة، ومحمد بن كمال الخطيب.
وما دامت أصوات هؤلاء الشبان المجاهدين تعلو مع أصوات شيوخ سورية الموقرين نكون على ثقة من أن مستقبل الإِسلام في هذه البلاد ضياء وسناء.
والواقع أيها السادة: أن الأمة لا تظفر بحريتها، أو تستعيد مجدها إلا بشباب يقفون بجانب الحكماء من شيوخها، فإن للشيوخ تجارب تساعد على أن يكون تدبير الأمور محكمًا، وفي الشباب إقداماً وقوة على النهوض بجلائل الأعمال، قال الشاعر في القديم:
إن الأمورَ إذا الشبّانُ دبرها ... دونَ الشيوخ يُرى في بعضها خَلَلُ
ويصح أن يقال:
إن الأمور إذا الأشياخُ باشرها ... دون الشباب يُرى في بعضها خَلَلُ
وأعود فأقول: إن تأليف الجمعيات الثقافية الإِسلامية من مقتضيات هذا العصر، وليس على هذه الجمعيات إلا أن تقوم على نشر حقائق الإِسلام وآدابه بالحجة، وتتحامى في سيرتها ما لم يأذن به الدين الحق، حتى تفوز برضا الله - صلى الله عليه وسلم - وإقبال الأمة.
وأختم كلمتي بعرض خاطر تبادر إلى بعض أذهان في مصر، وسعوا له، ولم يأت سعيهم بثمرة، وهو: توحيد الجمعيات الإِسلامية بجعلها جمعية واحدة، وفي رأي هؤلاء أن صوتها يكون حينئذ أقوى من صوتها وهي متفرقة.
ولا نرى بأساً في تعدد الجمعيات؛ فإن القائمين بها قد تختلف أنظارهم
(12/ 1/83)

في الوسائل التي توصل إلى الغرض الذي هو الإصلاح، ثم إن تعاونها -عندما تعرض أمور مهمة تحتاج إلى تآزر- يغني عن توحيدها الذي هو متعسر أو متعذر، وربما أفضى إلى أن تحرم الجمعية مجهودات رجال يريدون أن يتخيروا العمل في الجمعية التي تلائم عواطفهم، وترتاح إليها ضمائرهم.
(12/ 1/84)

العرب والسياسة (1)
كثر القول بين المستشرقين، ومن نقل عنهم: بأن ابن خلدون يذم العرب، ويتنقصهم، وينفي عنهم القدرة على سياسة الملك، والنهوض بأمر الرعية، وأطلقوا هذا القول إطلاقاً لم يفرقوا فيه بين حياتهم الجاهلية، وحياتهم الإِسلامية. وأذكر أني حين كنت في ألمانيا، أيام الحرب الأولى، حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية ويزندرف، سألني المدير في نهايته فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: "إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكماً للأمم"، قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإِسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام، وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في "مقدمته" ذكر فيه أن العرب أبعدُ الأمم عن سياسة الملك، فقال: "بعدت طباع العرب لذلك (2) كله عن سياسة الملك، وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم، وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم، وتجعل
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام "- العدد الثامن من السنة التاسعة الصادر في شهر ربيع الثاني 1357 ه الموافق شهر نوفمبر تشرين الثاني 1955 م - القاهرة.
(2) يشير بذلك إلى ما قدمه من بداوتهم وخشونة حياتهم، وامتناع طباعهم على الخضوع لحاكم.
(12/ 1/85)

الوازع لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض، واعتبر ذلك بدولتهم في الملة، لمّا شيّد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً، وباطناً، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم".
فابن خلدون حكم على العرب بالبعد عن سياسة الملك عندما كانت طباعهم الجاهلية لا تلائم الملك، ولكن لما بدل الإِسلام طباعهم الخشنة بطبائع لينة، مارسوا الملك بسياسة رشيدة، ونهجوا في الحكم أقومَ نهج، وسلكوا أعدلَ سبيل، فعظم ملكهم، وقوي سلطانهم.
ويحسن أن نشير هنا إلى أن سياسة الملك هي: التصرف في الوقائع العامة على حسب مقتضى أحوال العصر الذي يعيش الناس فيه، والبراعةُ في السياسة، وملاءمتُها لهذه المقتضيات تتوقف على ذكاء وافر، وحلم واسع منضبط، وعزم صارم في إنفاذ العقوبة فيمن يستحقها.
أما الذكاء، فقد كان موفوراً لهم، ومن دلائله: لغتهم التي نزل بها القرآن على ما يستعملونه من حقيقة ومجاز، واستعارة وكناية وتعريض.
وأما الحلم والعزم، فقد لازمهم النقص فيهما زمن الجاهلية، فكانوا يقتلون القوي بالضعيف، والجماعة بالواحد، والحر بالعبد، والذكر بالأنثى، ويعتدي أحدهم أشدَّ مما اعتُدي عليه، حتى قال بعضهم:
ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
وكان رئيسهم يشعر بالحاجة إلى العصبية لكل من يقول بنصرته ظالماً أو مظلوماً، فيكفّ يده عن معاقبة المعتدين إذا كان من قبيلته خشية أن يخذله هو وأقاربه، وشأن العرب، بل الناس ألا يحكموا على أبيهم وأقاربهم بالاعتداء
(12/ 1/86)

على الحقوق، وشأنهم أن ينسبوا إلى عدوهم الاعتداء.
فلما جاء الإِسلام، سلك سبيلَ الرشد في ذلك كله، فنهى الله -سبحانه وتعالى- من اعتُدي عليه عن أن يعتدي بأكثر مما اعتُدي به عليه، فقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وأذن للمعتدَى عليه بأن ينتقم ممن اعتدى بمثل اعتدائه، قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وحث على العدل دائماً، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
وندب الإِسلام إلى الحكم ممن صدر منه الزلل مراعاة لمكارم الأخلاق، فمن أغضى عن زلل معتد، فقد قضى حق مكارم الأخلاق، ومن اعتدى بمثل ما اعتدي به عليه، فقد قضى حق نفسه، وقد قال الخليفة المأمون: لو علم الناس ما أجده من لذة العفو , لتقربوا إلينا بفعل الجنايات. لكن إذا علم الإِنسان أن قصد من اعتدى عليه إذلاله ومهانته، فذلك موضع العمل بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39].
ومعرفة موضع الانتقام من موضع الحلم يرجع إلى الذكاء المهذب، كما قال الشاعر:
يقولون رفقاً قلت للحلم موضعٌ ... وحلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ
ومن صفات من يتولى سياسة الناس أن يكون شجاعاً؛ حتى يكون قادراً على إنفاذ العقوبة فيمن وجبت عقوبته، فقد يكون مرتكب الكبيرة شديداً بنفسه أو بأنصاره، فلا ينفذ فيه العقوبة إلا شجاع قوي، وكانت الشجاعة من أظهر صفات العرب في الجاهلية والإِسلام، ومن الدلائل على ذلك:
(12/ 1/87)

الحروبُ المتواصلة بين القبائل، وعجزُ الدول الكبيرة عن الاستيلاء على بلادهم، إلا أطرافًا اقتطعت أيام المناذرة في العراق، وأيام الغساسنة في الشام.
ومن اجتمعت فيه صفات السياسي البارع؛ من ذكاء، وحلم، وشجاعة، وعزم على إنفاذ العقوبة في الجناة، لزمه أن يتخذ رجالاً أقوياء، كما قال الشاعر في معز بن باديس:
وإنَّ ابنَ باديسٍ لأكبرُ حازمٍ ... ولكن لعمري ما لديه رجالُ
فلم يُخذل ابن باديس إلا من جهة أنه ليس له رجال يقومون بمساعدته، ومدّ يد المعونة له، وشدّ أزره.
واستطرد ابن خلدون في تحليل أخلاق الساسة، فذكر: أنه قلما تكون مَلَكة الرفق فيمن يكون يقظاً شديد الذكاء، وكثيراً ما يوجد الرفق في الغفل والمتغفل، وأكثر ما يكون في اليقظ أن يكلف الرعية فوق طاقتهم؛ لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم، واطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بألمعيته، فيهلكوا، ولذا اشترط الشارع في الحاكم قلة الإِفراط في الذكاء.
وفي قصة زياد بن أبيه دليل على هذا، وهي: أنه لما عزله عمر عن العراق، قال: لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أم خيانة؟ فقال عمر: لم أعزلك لواحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس.
فيؤخذ من هذا: أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء والكيس؛ كزياد، وعمرو.
وفات ابنَ خلدون أن التاريخ الصحيح ذكر أن عمرو بن العاص فتح مصر، وبقي والياً عليها حتى توفي - رضي الله عنه -، فعلمنا -مما سبق-: أن الشريعة
(12/ 1/88)

إنما كرهت ولاية المفرط في الذكاء؛ لأنه يحمل الناس على ما يدرى في العواقب من الحقائق، فيعنف بهم، على حين أن الحال توجب حملهم على ما يقتضيه عصرهم الحاضر؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: "لولا أن قومك حديث عهد بكفر، لبنيتُ الكعبة على قواعد إبراهيم".
فالإِسلام أخرج العرب من بداوتهم، وأنشأ منهم أمة صالحة السياسة، مصلحة الحكم، عادلة السيرة، عرف منهم التاريخ مُثلاً عالية في الحكمة والرفق بالرعية، والعدل في الحكومة، وهم الخلفاء الراشدون، كما عرفت السياسة من المسلمين دهاة اشتهروا بأصالة الرأي، وجودة التدبير؛ كمعاوية ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وزياد بن أبييه، والمغيرة بن شعبة، فذلك أثر الإِسلام في العرب، وفضل الله بالنبوة عليهم، وكان فضل الله عظيماً.
(12/ 1/89)

لهجة بلاد الجزائر (1)
الجزائر: اسم مدينة على شاطئ البحر الأبيض، كانت تسمى: جزائر بني مزغنان. ويطلق اسم الجزائر على المملكة نفسها، ويحدّ هذه المملكةَ من الشمال: البحر الأبيض، ومن الجنوب: الصحراء الكبرى، ومن الشرق: تونس، ومن الغرب: المغرب الأقصى.
وسكان هذه البلاد في الأصل من قبائل البربر، وهي القبائل التي كانت مواطنها بلاد المغرب، من بُرقة إلى البحر الأطلنتي "المحيط الأخضر"، ثم استوطنها بعد الفتح الإِسلامي جماعات كبيرة من العرب، منهم الفاتحون، وبعضهم مهاجرون، وجموع من بني هلال بن عامر وسليم بن منصور، الذين هبطوا مصر، ثم نزحوا إلى بلاد المغرب سنة 444 ه بإغراء من الخليفة الفاطمي المستنصر؛ لينتقم بهم من أمراء صنهاجة الذين كانوا متعلقين بخلافة بني العباس، ثم نزل بلاد الجزائر كثير من مسلمي الأندلس عندما استولى الإسبان على بلادهم سنة 897 ه، وفي سنة 1509 م هجم عليها الإسبان، واحتلوا بعض البلاد الساحلية حتى جاء الأتراك فأجلَوهم عنها، وأصبحت الجزائر تابعة للدولة العثمانية في حدود سنة 945 ه - 1516 م.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الرابع من المجلد التاسع الصادر في شهر شوال 1355 ه - القاهرة.
(12/ 1/90)

وفي سنة 1246 ه - 1830 م احتلتها فرنسا، واستوطنها من الفرنسيين وغيرهم من الأوربيين أمة كبيرة، ويبلغ عدد الأوربيين من الفرنسيين وغيرهم نحو ثمان مئة ألف نسمة، ويبلغ عدد الوطنيين نحو خمسة ملايين، وست مئة ألف. ومن بين الوطنيين طائفة اليهود الذي وردوا من فلسطين، أو من إسبانيا، أو كانوا من قبائل البربر، ودخلوا في الديانة الموسوية على أيدي أولئك الواردين.
* لغة الجزائر عربية معرفة:
كان سكان الجزائر يتكلمون باللغة البربرية، ثم دخلتهم اللغة العربية مع الفتح الإِسلامي، ولأن العربية لسان الفاتحين، ولسانُ الدين الذي أقبل عليه أهل البلاد، ودخلوا فيه برغبة واغتباط، أخذت تطارد اللغة البربرية، وتنتشر في المدن والقرى حتى أصبحت الجزائر معدودة في الأقطار التي تتكلم باللغة العربية؛ كمصر، والشام، والعراق. والذين يتكلمون بالعربية في ذلك القطر "وهم عرب أو مستعربون " يقدّرون بنحو أربعة أخماس الأمة، أما الخمس الباقي، فمن قبائل البربر، وهؤلاء يتكلمون باللغة البربرية، ومعظمهم يجيدون العربية زيادة على لغتهم الأصلية.
فلغة الجزائر عربية، ولكنها عربية معرفة، ومن غرضنا: البحث عن أسباب تحريفها، ووجوهه، ثم النظر في طرق ردها إلى العربية الفصحى.
* أسباب تحريفها:
حدثناك -فيما سلف-: أن أصل لغة الجزائر البربرية، وأن اللغة العربية طارئة عليها، والشأن أن يكون للغة الأصلية أثر ظاهر في اللغة الطارئة، وعرفت أن أمماً غير عربية استولوا على البلاد من بعد، وهم الإِسبان، والأتراك،
(12/ 1/91)

والفرنسيون، ولا بد أن يكون لهذه الأمم أثر تزداد به خروقُ التحريف سعةً على سعتها.
وإذا وجدنا في لهجة الجزائر العربية ألفاظاً من غير لغات الأمم السالفة الذكر، فلا ننسى أن من الواردين على الجزائر طوائف من الأندلس، فمن القريب أن يكونوا قد حملوا إليها ألفاظاً مما دخل في لهجتهم الخاصة. ثم إن البربرية نفسها قد دخل فيها ألفاظ كثيرة من لغات الأمم، التي كانت مجاورة لبلاد البربر؛ كالمصريين الذين كانوا مجاورين لسكان لوبيا الجنوبية، واليونان الذين استولوا على جانب من لوبيا الشمالية، والكنعانيين الذين نزلوا بتونس، وأنشؤوا بها مدينة قرطاجنة.
ويضم إلى هذا: أن تعليم العربية لم يجر في الجزائر على وجه يقاوم هذه الأسباب، ويقف أثرها عند حد، وإذا وجد في العصور الماضية دراسة للغة العربية، ففي مواطن خاصة؛ مثل: الجزائر، أو قسنطينة، أو تلمسان، أو بجاية، أو بسكرة، ثم إن هذه الدراسة خاصة بأفراد لا يبلغ عددهم من الكثرة أن يحدثوا في اللغة الدارجة إصلاحاً، وربما كان من أولئك المجيدين للعربية من يجاري العامة في لهجتهم، وهو يشعر بوجوه تحريفها، ويدري كيف يعيدها إلى أصولها الصحيحة.
وإذا حدثناك عن التحريف الذي يوجد في لهجة الجزائر اليوم، فإنما نحدثك عما يجري في حديث الجمهور، أو الطبقات التي تلقي الكلام على فطرتها، ولا ننكر أن لهجة الطبقة المتعلمة في الجزائر أخذت ترتفع عن اللهجة العامية، وأن عدد هذه الطبقة آخذ في النمو. والسبب في هذا: أن النهضة الاجتماعية العلمية التي ظهرت في الشرق، وكان من أغراضها إصلاح
(12/ 1/92)

اللغة، قد امتدت أشعتها إلى بلاد الجزائر، فقام هنالك نشئ يعنون بقراءة الصحف العربية، ويلقون المحاضرات، ويحررون المقالات على الطريقة الملائمة لروح العصر.
وقد عُني أهل الجزائر في العهد الأخير بالرحلة في طلب العلم، فكثر عدد الطلاب الذين يلتحقون بالمعاهد الدينية والمدارس العلمية في تونس، ومصر، وغيرها من البلاد، فيحرزون الشهادات العالية، ثم يعودون إلى أوطانهم، والمؤمل أن تجد اللغة العربية من هؤلاء النابهين أيدياً عاملة لبسط سلطانها، وإعلاء شأنها.
وفي الجزائر طائفة من العامة يتصلون بالفرنسيين كثيراً؛ كبعض العَمَلَة، ومن يقضون في الجندية مدة طويلة، فلهؤلاء لهجة تحتوي من الألفاظ الفرنسية أكثر مما تحتويه لهجة الجمهور، حتى بعدت عن العربية إلى حد بعيد، وهؤلاء هم الذين يعسر على الشرقي فهم كلامهم، ومن لم يعرف أن هذه لهجة خاصة بتلك الطائفة، حسبَها لهجةَ الجزائريين عامة، واعتقد أن لسان سكان الجزائر خرج، أو كاد يخرج عن لهجات العربية الدارجة (1).
__________
(1) ذكر في نهاية البحث كلمة: (يتبع)، ولم نجد تتمة للبحث في أعداد مجلة "الهداية الإسلامية" التالية.
(12/ 1/93)

إلى كل مسلم يحب العمل في سبيل الله (1)
لقد انكشف الغطاء عما كان مستوراً من خفايا المدارس التي تديرها جمعيات التبشير، وما لهذه الجمعيات من ملاجئ ومستشفيات، وثبت للجمهور أن ما ارتكبه هؤلاء المضللون في بناتنا وأبنائنا مخالف للقوانين والمروعات وأصول الديانات، فضلاً عن إهانتهم الأمة؛ بتحاملهم على دينها، واستخفافهم بقرارات الحكومة، ومحاولتهم مخالفة النظام.
وقد رأى المسلمون بعيونهم، ولمسوا بأيديهم الخطرَ المحقق؛ من إدخال أبناء المسلمين وبناتهم مدارس هؤلاء المعتدين على الإسلام، ومن تردد الرجال والنساء على مستشفياتهم وملاجئهم.
إن المبشرين لم يأخذوا أبناء المسلمين وبناتهم بالقوة من بيوت آبائهم، وإنما الذي قذف بهؤلاء البنات والأبناء إلى هذه المدارس هم آباؤهم، وولاة أمورهم، فجنَوا بذلك على الوطن، وعلى الدين، وعلى رجال المستقبل،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الخامس الصادر في شهر ربيع الثاني 1352 ه - القاهرة.
ونشر في مجلة "الفتح" العدد 351 من السنة الثامنة الصادر في 6 ربيع الأول 1352 ه بالقاهرة تحت عنوان: "نداء من جمعية الهداية الإسلامية إلى المسلمين لإخراج أولادهم من مدارس المضللين".
(12/ 1/94)

وأمهات المستقبل أعظمَ جناية.
إن "جمعية الهداية الإسلامية" توجه هذا النداء إلى كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، بأن يعمل ما استطاع لإنقاذ هذه الضحايا من هذه الأماكن الخطرة، فمن وصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وله ابن أو بنت، أو قريب أو قريبة، في أية مدرسة غير إسلامية، يجب عليه أن يبادر في الحال إلى إنقاذه منها، لاسيما والسنة الدراسية انتهت، فيجب أن لا يتجدد دخول تلميذ مسلم أو تلميذة مسلمة مدرسة غير إسلامية بعد الآن، مهما كانت الحال.
وكل من يصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وهو يعلم أن لصديقه أو جاره، أو زميله أو مواطنه ولداً أو بنتاً في مدرسة غير إسلامية، عليه أن يبذل ما استطاع من قوة لحمل هؤلاء على إخراج أولادهم وبناتهم من ذلك الوسط الذي رأى الناس جميعاً شدة ضرره وخطره.
لا ريب أن المسلمين في ألم عظيم من الإهانات الواقعة على الإسلام في جهات كثيرة، وكل مسلم يسأل عن العمل الذي يستطيع أن يقوم به، فجمعية الهداية الإسلامية توجه نظر كل من يقع نظره على هذا النداء من المسلمين إلى هذا النوع من أنواع الجهاد، وتؤكد لهم أن العمل فيه له عند الله ثواب العبادة.
أيها المسلمون! يجب أن لا تبدأ السنة الدراسية الجديدة وفي مدارس المبشرين مسلم أو مسلمة، وإذا مضى سنتان أو ثلاث على مدارسهم، وليس فيها مسلم، فإنها ستقفل من نفسها، وتستريح الأمة منها. هذا ميدان من ميادين العمل، والله يحب العاملين.
(12/ 1/95)

تعقيب على حديث (1)
نشر في الجزء الثامن من هذه المجلة مقال بقلم حضرة صاحب السعادة الأستاذ علي زكي العرابي باشا موضوعه: "الشريعة الإسلامية والقانون المصري " أثنى فيه سعادته على فقهاء الإسلام، وقال: "إنهم سبقوا الأوروبيين في الإحاطة بجميع المسائل الفقهية أصولاً وفروعاً بما لا نجد زيادة عليه اليوم من الفقه الأوروبي"، ووصف شروحهم بالدقة في الفكر، والسعة في البحث.
وهذه شهادة من سعادته بأن في الفقه الإسلامي ثروة طائلة من القوانين تفي بمقتضيات الحياة الاجتماعية، وتنتظم بها شؤون المدنية على أقوم سبيل.
وتعرض سعادته في عبارة مجملة للمقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون المصري، وقال: "فإذا نظرنا إلى القسم المدني، وقارناه بالمعاملات في الشريعة الإسلامية، واستثنينا من القانون المدني مادة واحدة، هي الخاصة بالربا، خرجنا من هذه المقارنة بأن كلا القسمين يطابق الآخر مطابقة تكاد تكون تامة".
كيفما يكون حال الفرق بين الشريعة والقانون المصري من القلة أو الكثرة، فإنه لا يمس الشريعة بشيء، ما دامت الشريعة هي السابقة على القانون
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الأولى الصادر في الأول من جمادى الأولى سنة 1367 ه والموافق 12 مارس آذار 1948 م.
(12/ 1/96)

الفرنسي المأخوذ منه القانون المصري، وقد نبه سعادته لهذا، فقال: "إن فقهاء المسلمين قد سبقوا الباحثين في القوانين الأوروبية إلى بحث المسائل القانونية، وأدلوا برأيهم فيها".
وتعرض سعادته للحدود والتعازير، وقال: "إن القرآن الكريم قد نص على جرائم خاصة، ووضع لها حدوداً توقع على مرتكبيها، وترك ما عدا ذلك من الجرائم للحاكم يقرر عقوبتها حسبما يشاء، مع مراعاة الزمان والمكان والبيئة، وهذا هو الذي يسمى: التعزير".
ثم قال: "ومن أجل ذلك نستطيع القول بأن قانون العقوبات الحالي هو كله من قبيل التعزير المباح شرعاً".
حقٌّ أن الشريعة الإسلامية وكلت أمر التعازير إلى اجتهاد الحاكم. ونزيد على هذا: أن التعزير على الجرائم لا يعد تنفيذًا لحكم شرعي إلا أن يتولاه الحاكم على اعتبار أن الشارع أذن فيه، وأنه ينفذه احتفاظاً بالمصلحة التي راعاها الشارع في تشريعه، أما إذا تولاه بصفته منفذاً لقانون وضعي، فقد انقطعت الصلة بينه وبين الشريعة، وفاته ما يترتب على تنفيذ أحكامها من تلقي أوامر الخالق تعالى بحسن الطاعة، ثم إن الأمة لا تطمئن إلى أن تساس بالقوانين الوضعية، وإن قيل لها: إن هذه القوانين تطابق الشريعة مطابقة تامة. وكأن سعادته على ذكر من هذا المعنى الذي هو روح التشريع الإسلامي، فأشار في آخر مقاله على المتخصصين في الشريعة الإسلامية أن يجروا في مؤلفاتهم على الأساليب التي يأخذ بها العلماء المؤلفون اليوم في علم الحقوق من الأوروبيين، ورأى أن أجدر الناس بالقيام بهذه المهمة العظيمة "الذين درسوا القوانين الأوروبية، وكانوا مع ذلك متعمقين في دراسة الشريعة الإسلامية".
(12/ 1/97)

ربما كان الجمع بين دراسة القوانين الأوروبية والتعمق في الشريعة الإسلامية نادراً لا يكاد يتحقق في أفراد يصح أن تناط بهم هذه المهمة، وأيسر من هذا أن يجتمع أساتذة ممن رسخوا في فهم الشريعة الإسلامية، وأساتذة درسوا القوانين الأوروبية دراسة وافية، ويجلسون وهم مؤمنون بمصدر الشريعة، وموقنون بحكمتها، فليس من شك في أنهم سيؤدون كما قال الباشا في آخر مقاله: "للشريعة السمحة، وللملايين الذين يعملون بأحكامها أجلَّ خدمة تبقى على تعاقب الأجيال".
وذكر سعادته: "أن الجرائم ذات الحدود في القرآن الكريم لم يتركها القانون المصري، بل لا يزال يعتبر كثرها جرائم، ووضع لها عقوبات جديدة رادعة".
أشار سعادته إلى أن القانون المصري لم يعتبر بعض الجرائم ذات الحدود في القرآن الكريم جرائم، فقد قال: "لا يزال يعتبر أكثرها جرائم". وهذا فرق بين الشريعة والقانون المصري لا يُستهان به. ثم إن ما يعتبره القانون المصري جرائم قد وضع له عقوبات غير ما نص عليه القرآن، وأمر بتنفيذه في غير هوادة. وإذا اختلف القرآن والقانون المصري في بعض ما يرتكب من الأفعال: القرآنُ يعده جريمة، والقانونُ يعده شيئاً لا حرج فيه، واختلفا في عقوبات ما يتفقان على أنه جريمة، فالأمة المسلمة معذورة كلَّ العذر إذا طالبت بأن تكون سياستها القضائية والتنفيذية والاجتماعية قائمة على أساس التشريع الإسلامي دون ما سواه.
(12/ 1/98)

مناظرة البطريرك الماروني (1)
أرى أن المناظرة الشفوية لا تجدي نفعاً، ولسنا في حاجة ملحة إليها، ولدينا غير ذلك وسائل كثيرة؛ لأنها -غالباً- لا يتوفر فيها الجو الصالح، ويغلب عليها التحيز، وعدم التمييز الصحيح، وكثيراً ما يندس فيها من لا يفقهون قيمة هذه المناظرات، وتكون أشبه بحلبة رياضية، لكل فريق من يؤيده، ويحاول بشتى الطرق المشروعة كسبَ النصر لشيعته، وإظهارَ أمرها، سواء كانت على الحق، أم على الباطل.
ولم يعهد في المناظرات العادية ذات المواضيع البسيطة أن تنتهي على وجه قاطع، أو صورة نهائية، فما بالك بمناظرة تقوم على أساس البحث حول: أيّ الأديان أحق؟!
لذلك فإني أرى أن المناظرة على طريقة الكتابة أفيد؛ إذ يمكن بها تسجيل الآراء، ولا يخشى معها حدوث ما لا تحمد عاقبته، أو تخشى مَغَبته،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السابع والثامن من المجلد التاسع عشر، الصادران في عدد واحد عن شهري محرم وصفر سنة 1366 ه - القاهرة.
وكان مندوب إحدى المجلات في القاهرة قد استطلع رأي الإمام فيما دعا إليه البطريرك الماروني في لبنان من المناظرة في: أي الأديان حق؟ وقد أجاب الإمام بهذه الكلمة.
(12/ 1/99)

ولا سيما مناظرة يؤخذ فيها بالأناة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويكون هدفها الوصول إلى الحقائق، والسعي إليها، خصوصاً وأن المناظرة بالكتابة تكون أكثر ذيوعاً وانتشاراً، فتطَّلع عليها كبرُ مجموعة من الناس، إذا كان المقصود من المناظرة الشفوية شهود جماعة من الناس لها، وتتاح حيمئذ فرصة كبيرة لكي يدرس الناس الإجابات المختلفة، ويتمكنوا من إصدار حكم صحيح عليها.
فإن كان البطريرك الماروني مخلصاً في دعوته، ورضي بأن تكون المناظرة على طريقة الكتابة، فليفتتح البحث في الموازنة بين الأديان، ونحن مستعدون لأن نأخذ معه بأطراف المناظرة في هذا الموضوع، حتى يتبين الحق من الباطل.
(12/ 1/100)

طريق الشباب (1)
العصور في أنفسها متماثلة، وتفاضلُها على قدر ما تُنبت من الرجال المصلحين:
وما فاقت الأيام أخرى بنفسها ... ولكنَّ أيامَ المِلاحِ مِلاحُ
وإذا كان افتخار العصور وضياؤها على مقدار ما تخرجه من عظماء الرجال، فسيكون لعصر هؤلاء الشبان فخر يناطح الثريا، وضياء يرمي بشعاعه أينما التفتوا؛ فإني ألمح بين تلك الجوانح يقظة، وشجاعة أدبية، واليقِظُ يسير في سبيل الحكمة، والشجاع يخوض المصاعب في طمأنينة وتؤدة.
لا يختص اسم العبقري بالعالم المبدع، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والفاتح الظافر، والسياسي الماهر، بل العبقريُّ كلُّ من يبلغ في خَصلة من خصال الكمال الذروة العليا، فيحق في أن أصف بالعبقرية ذلك الفتى الذي تتبرَّج له الغواية في مظاهر خلابة، فيقف دونها مطمئناً راشداً.
ومن الذي لا يعلم أن حول شبابنا فتناً شأنُها أن تصرف قلوبهم عن
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد 75 من السنة الثانية الصادر في 21 جمادى الثانية سنة 1346 ه والموافق 15 ديسمبر كانون الأول سنة 1927 م - القاهرة.
وهي كلمهَ ألقاها الإمام يوم انتخاب مجلس إدارة "جمعية الشبان المسلمين" بالقاهرة.
(12/ 1/101)

الهدى، وشأنها أن تجعل بينهم وبين السعادة حجاباً غليظاً؟ ولكن نهوضهم بهذه الجمعية، وإقبالهم عليها بمجامع أفئدتهم، يخبرنا اليقين بأن تلك الفتن لم تستطع أن تتجاوز أسماعهم أو أبصارهم إلى أن تصمن قلوبهم، ذلك طيب المنبت، وصفاء الألمعية، ولا ترون ممن زكا منبته، وصفت ألمعيته إلا رشداً فيما يعمل، وسدادًا فيما يقول، وناهيكم بفتيان وجدوا الشرق على شفا موتة خاسرة، فأجمعوا سعيهم على أن ينفخوا فيه حياة ناعمة، ويُلبسوه مدنية طاهرة زاهرة.
فكرة إنشاء هذه الجمعية -أيها السادة- منبعثة عن شعور تحمله قلوب الأمة على اختلاف مشاربها، وتباين مذاهبها، وما هو إلا الشعور بالحاجة إلى أن يكون أبناؤها على علم من مجد أسلافهم الأثيل، وأن يجمعوا إلى الثقافة العصرية هداية إسلامية، وقد صيغ قانون الجمعية على قياس هذا الشعور، فالجمعية لا تتدخل في أي ناحية من نواحي السياسة، ولا تحمل لرفقائنا من ذوي الملل الأخرى إلا مجاملة وسلاماً.
فجمعية الشباب المسلمين جمعية الأمة قاطبة، وإن جمعية محفوفة برعاية شعوب عافت الخمول، وانطلقت في طرق الإصلاح بتلهف، لا تسكن ريحها، ولا تذبل -إن شاء الله- زهرتها.
فامضوا -أيها الشبان النبغاء- في نهضتكم الغراء، ولتكن جمعيتكم مثالَ الإرادة القوية، والحرية المهذبة، والنظام الذي لا يدري التخاذل أين مكانه "وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا".
(12/ 1/102)

الحكمة وأثرها في النفوس (1)
أريد بالحكمة: الكلام الذي يمنع من الجهل والسفه؛ كالمواعظ، والأمثال النافعة، وهي وليدة الذكاء والتجارب، فإِذا أقبل الذكي على ناحية من نواحي الحياة المدنية؛ كالاقتصاد، وغيره من شؤون الاجتماع، أو الخلقية؛ كالكرم، والشجاعة، ودرسها بذهن حاضر، كانت أقواله فيها أقرب إلى الصواب، وآراؤه فيها أرسخ في الحكمة، ولاسيما ذكياً يقرن النظر بالتجارب العملية، فقلما يقول الجبان كلمة تحمل على الإِقدام في مواقع الخطوب، وقلما يقول البخيل كلمة تحث على الإِنفاق في وجوه الخير.
ولا غرابة في أن تصدر الحكمة ممن لقيَ العلماء، وضربَ في العلوم بسهم، وموضعُ الغرابة أن تخرج الحكمة من أفواه أناس لم ينشؤوا في علم، ولم يُعرفوا بجودة رأي، والحكمة في نفسها فضيلة، والتمسك بها غنيمة، وصدورها من غير ذي علم أو رأي لا يبخس قيمتها، ولا ينقص شيئاً من فضلها، فلا ينبغي للرجل يسمع الكلمة من رجل غير معروف بعلم، أو سداد رأي، فيستخف بها، ويزهد في اقتنائها، قال - صلى الله عليه وسلم -: "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها، فهو أحقُّ بها"، فالحديث الشريف ينبه على أن الحكمة قد
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الثامن من المجلد الرابع - الصادر في شهر شعبان 1352 ه.
(12/ 1/103)

توجد في غير مظانها، وتستفاد من غير أهلها؛ كما يقولون: "رمية من غير رام".
قال ابن الأثير في كتاب "المثل السائر": "ومذ سمعت هذا الخبر النبوي، جعلت كَدِّي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم؛ فإنه قد تصدر الأقوال البليغة، والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله"، وأوردَ من كلام بعض العامة شواهدَ على أن الحكمة قد تستفاد من غير أهلها، ثم قال: "يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم مما سمعه منهم حِكَمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره، لأعجزه، ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي يقول فيها:
عل مثلِها من أربُعٍ وملاعبِ
انتهى منها إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب
ثم قال:
وأحسنُ من نوَرٍ يفتحه الصَّبا .....
ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا سائل يسأل عن الباب، وهو يقول:
"من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا"
فقال أبو تمام: بياضُ العطايا في سوادِ المطالب
فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.
قد يقصد الرجل لإلقاء الحكمة في لفظ يستقل بها، وقد تجيء تبعاً
(12/ 1/104)

للحديث عن أشخاص، أو أشياء معينة؛ كما فعل ذلك الشاعر الذي قصد في نظمه الاعتذارَ عن قوم التزموا اللثامَ في سائر أحوالهم، حتى قال:
لماحووا إحرازَ كل فضيلة ... غلبَ الحياءُ عليهمُ فتلثَّموا
والحكمة التي انساقت تبعاً لهذا الاعتذار، هي: أن كثرة الفضائل تستدعي غلبة الحياء.
ومن الشعراء من يقصد للهزل، ويرمي إلى غرض المزح، فتجود قريحته في أثناء ذلك بالحكمة، نظم علي بن عبد الواحد الملقب (صريع الدلاء) مقصورة في الهزل يعارض بها مقصورة ابن دريد، وما زال يخوض بها في هزل إلى أن جاء فيها بيت يقال: إنه قد حُسد عليه، وهو:
من فاته العلمُ وأخطأَه الغِنى ... فذاك والكلب على حد سَوا
وقد يتوهم متوهم أن الشعر يغلب فيه التخييل، فلا يكون موطناً للحكمة، فأزاح - عليه الصلاة والسلام - مثل هذا الوهم بقوله: "إن من الشعر حكمة".
يختلف الناس في النطق بالحكمة اختلاَفهم في ألوان نشأتهم، وأساليب تربيتهم، ويختلفون في الإِصغاء إلى الحكمة، أو الإِعجاب بها اختلافهَم في الارتياح للغرض المسوقة إليه، فالكريم -مثلاً- يطرب لسماع الحكم الواردة في الكرم أكثرَ مما يطرب له البخيل، والشجاع يرتاح لسماع الحكم الواردة في الشجاعة أكثرَ مما يرتاح له الجبان.
اتلُ في حضرة جواد وبخيل قول الشاعر:
ولو لم يكن في كفه غير نفسِه ... لجاد بها فليتق اللهَ سائلُه
لا شك أنك ترى أثرَ الطرب في وجه الجواد أكثرَ مما تراه في وجه البخيل.
(12/ 1/105)

واتلُ على مسامع شجاع وجبان قولَ الشاعر:
أقول لها وقد طارت شَعاعاً ... من الأبطال: ويحك لن تُراعي
فإنك لو سألتِ بقاء يوم ... على الأجل الذي لكِ لن تُطاعي
ثم انظر كيف وقع البيتان من أنفسهما، فإنك ترى وجه الشجاع في ابتهاج، ولا تكاد ترى في وجه الجبان طلاقة، إلا أن يتكلفها تكلفاً.
وانظر في كتب التراجم، تجدِ المؤلفين ينبهونك في كثير من الأحيان للحكمة التي أخذت من نفس صاحب الترجمة مأخذَ القبول والإِعجاب، ينبهونك لهذا حين يقولون لك: "وكان كثيراً مما ينشد كذا"؛ كما قالوا في سيرة الإمام مالك بن أنس - رضي الله تعالى عنه-؛ إنه كان كثيراً ما ينشد:
وخيرُ أمور الدين ما كان سُنَّةً ... وشرُّ الأمور المحدَثاتُ البدائعُ
وقالوا: كان عضد الدولة كثيراً ما ينشد قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وقالوا: كان الحسن بن علي الملقب: "فخر الكتاب" كثيراً ما ينشد:
يندم المرء على ما فاته ... من لُباناتٍ إذا لم يقضِها
وتراه فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأن لم يُمضها
إنها عندي وأحلام الكرى ... لقريبٌ بعضُها من بعضها
وقالوا: كان الخليل بن أحمد كثيراً ما ينشد قولَ الشاعر:
وإذا افتقرتَ إلى الذخائر لم تجدْ ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
ولا أريد من هذا أن الحكمة لا تلقى إلا لمن شأنه الارتياح لسماعها،
(12/ 1/106)

بل عليك أن تقرع بها أسماع المنحرفين عن الحق أو الفضيلة أو العمل الصالح؛ لعلهم يألفونها، ويعود انقباضهم منها ارتياحاً.
وكثيراً ما ينهض الرجل للعمل الصالح يكون في غفلة عنه، وما ينبهه له إلا بيت يحتوي حكمة.
قال عبد الملك بن جريج: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر وقتُ الحج، ولم تحضرني نية، فخطر ببالي قولُ عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليَمَنِ
إن كنت حاولت دُنيا أونعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمنِ
قال: فدخلت على معن، فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فجهزني، وانصرفت.
(12/ 1/107)

العمل للكمال (1)
ما أشبهَ اليومَ بالأمس! وإنما تتفاضل الأيام بقدر ما يظهر فيها من الخير، أو بقدر ما يزل فيها من الشر.
وما فاقت الأيامُ أخرى بنفسها ... ولكنَّ أيام الملاح ملاحُ
ولشهر رمضان مزايا أحرزَ بها فضلاً، واكتسى بها ملاحة، فهو الشهر الذي نزل فيه الكتاب المشهود له بالأثر البالغ في تهذيب النفوس، وإصلاح الاجتماع، وهو الشهر الذي وقعت فيه واقعة بدر التي هي فاتحة ظهور التوحيد على الشرك، وهو الشهر الذي فتحت فيه مكة، وانكسرت بهذا الفتح شوكة عبّاد الأوثان؛ حتى تسنّى لدعوة الحق أن تأخذ جزيرة العرب من أطرافها في وقت قريب، وهو الشهر الذي قدم فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفدُ ثقيف طائعين بالإِسلام، وانهالت عقبهم وفودُ العرب يَرِدون من كل وجه، ويدخلون في دين الإِسلام أفواجاً، وهو الشهر الذي استحب الشارع للناس أن يحسنوا فيه إلى البائسين فوقَ ما كانوا يحسنون، وثبت في الصحيح: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الحادي عشر والثاني عشر -جمادى الأول والثاني 1365 ه - القاهرة.
(12/ 1/108)

وهو الشهر الذي جعل مظهراً لأحد أركان الإسلام الخمسة -أعني: الصيام -، وللصيام آثار مشهودة في ارتياض النفوس الجامحة، وتمرينها على الخلق العظيم؛ كالصبر، والعفاف، والسخاء، على ما هو مبسوط في الكتب التي عُنيت بالبحث عن أسرار التشريع.
وهو الشهر الذي تزداد فيه الأرصل صفاء من كثرة الإِقبال على الطاعات، وكذلك كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون الصادقون.
وهذه المعاني السامية -التي حاز بها رمضان فضلاً وملاحةً- جديرة بأن يكون لنا فيها مأخذ عبرة، وموضع قدوة، فنتجه بعزيمة نافذة إلى الدعوة إلى الخير، والذود عن الحق، ومكافحة الباطل والبغي، والطموح إلى العزة، والرسوخ في الأخلاق السنية، والأخذ بوسائل المنعة، والعيش في حرية وطمأنينة، والتنافس في حسن الطاعة للخالق -جلّ شأنه-.
وغفل بعض الناس عن هذه المعاني المنبئة أن رمضان شهر العمل لكمال الإنسانية، وحسبوه شهر عبادة لا تتجاوز الإِمساك عن الأكل والشرب بياضَ النهار، فلم يبالوا بعدَ هذا الإِمساك أن يشغلوا أوقاتهم النفيسة بما لا يقربهم من الفلاح شبراً، ولا يرفع لأمتهم ذكراً:
شهرُ صومٍ وجهادٍ والفتى ... إن رمى عن قوس رشد لا يُبارى
أنِّب النفسَ إذا هَمَّتْ بأن ... تقضيَ اليوم كما يقضي السُّكارى
إنما الحازمُ من صام ولو ... لمح العزةَ في النجم لطارا
هممٌ يختطّها الفكر دُجىً ... ويدُ الإصلاحِ تَبنيها نهارا (1)
__________
(1) هذه الأبيات للإمام - ديوانه "خواطر الحياة".
(12/ 1/109)

أسباب سقوط الأندلس (1)
الأندلس قطعة من غربي أوربا، فتحها طارق بن زياد، وموسى بن نصير. واشتهرت فيها مدن؛ كقرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، وغرناطة. وآلَ أمرُها إلى ولاة يتبعون العباسيين، إلى أن أتى عبد الرحمن الأموي، الذي عرف بعبد الرحمن الداخل، وسمّاه أبو جعفر المنصور: (صقر قريش).
وأولى ما سقط في أيدي الإِسبان من بلاد الأندلس طليطلة، وهي وسط الأندلس كما قال بعض أدبائها:
الثوبُ ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط
وهي السبب في استدعاء ملوك الطوائف ليوسفَ بن تاشفين سلطانِ مراكش، فكانت واقعة الزلاقة، التي انتصر فيها المسلمون على أعدائهم، وما زالت الحرب قائمة بين الفريقين، وبلادُ الأندلس تسقط واحدة إثر أخرى، إلى أن استولى الإِسبان على غرناطة، وملحقاتها، وصارت ولاية إسبانية. وهي آخر الأندلس خضوعاً للعدو.
ومن أسباب سقوط الأندلس: تفرق أمرائها، وعدمُ اتحادهم، فتسمَّى
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الحادية عشرة الصادر في شهر جمادى الأولى سنة 1377 ه الموافق شهر ديسمبر كانون الأول 1957 م - القاهرة.
(12/ 1/110)

كل من ملك شيئاً ملكاً كما قال ابن رشيق:
مِمَّا يزهِّدُني في أرض أندلس ... ألقابُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ سلطنةٍ في غير موضعها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ
وجاء أبو الوليد الباجي من الشرق، فوجدهم متفرقين، وهو يعلم عاقبة التفرق، فأخذ يطوف عليهم، ويدعوهم إلى الوفاق والاتحاد، وهم يجملونه في الظاهر، ويستبردونه ويستثقلون نزعته.
ومن أسباب سقوطها أيضاً: جبنُ كثير منهم بعد أن كان جيشها يستخف بالموت في سبيل الدعوة إلى الله، ورفعِ راية الإِسلام.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي في "الأحكام" عند قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]، وكان قد خرج في جيش واجه العدو حين هجم على بعض المدن، وانتصر العدو: "ولقد نزل العدو سنة سبع وعشرين وخمس مئة، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا، فقلت للوالي والمولّى عليه: هذا عدو الله قد دخل في الشَّرَك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم في نصرة الدين المتعينةِ عليكم حركة، وليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيحاط به، فإنه هالك لا محالة، فغلبت الذنوب، ورجفت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وِجاره، وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله، وإنا إليه راجعون".
ومن أسباب سقوط الأندلس: أن العدو أغرى أهلها بالمال، فساعدوه على الاستيلاء عليها.
وأذكر بهذه المناسبة: أن من الأمثال التي عرّبها العرب من لسان الفرس: أن الأشجار رأت فأساً ملقاة في أرضها، ففزعت منها، فقالت لهن شجرة:
(12/ 1/111)

لا تجزعوا منهاة فإنها لا تستطيع أن تكسرنا إلا إذا دخل فيها عود منا. وكذلك المستعمر لا يغلب المؤمنين إلا إذا عاونه طائفة من المسلمين.
ومن نظر في تاريخ الأندلس، وجد كثيراً منهم ينفقون الأموال الطائلة في البناء الضخم وزخرفته، وقد أدرك هذا منذر بن سعيد البلوطي، فكان يعظ عبدَ الرحمن الناصر بخطبه وقصائده حين اعتنى بزخرفة البناء، فدخل عليه منذر وقد بنى مدينة الزهراء، فقال له:
يا بانيَ الزهراء مستغرِقاً ... أوقاتَه فيها أما تمهلُ؟!
للهِ ما أحسنَها منظراً ... لو لم تكن زهرتُها تذبُل!
فقال له الناصر: إن سُقيت بماء الدموع، وهبَّ عليهما نسيم الخشوع، لا تذبل إن شاء الله. فقال المنذر: اللهم اشهد، فقد بلغت.
وروي في تاريخها: أن المأمون بنَ ذي النون، صاحبَ طليطلة بنى قصراً، وأنفق أموالاً طائلة، فسمع منشداً يقول:
أتبني بناء الخالدين وإنما ... بقاؤك فيها قد علمت قليل؟!
ومن نظر في تاربخ الأندلس، وجد كثيرا منهم يتغالون في شرب الخمور، ومجالس اللهو، ويدل على أن كثيراً منهم وقعوا في المدنية الزائفة: أن أهل بلنسية حين هاجمهم العدو، خرجوا إليه في حلل من الحرير والزينة، فقال شاعرهم:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستُمُ ... حللَ الحرير عليكمُ ألوانا
ما كان أقبحَهم وأحسنَكم بها ... لو لم يكن في بترنة ما كانا
يشير الشاعر إلى واقعة "بترنة" التي انهزم فيها أهل بلنسية.
(12/ 1/112)

ولما استولى العدو على غرناطة، خيّر المسلمين بالأندلس بين الدخول في النصرانية، أو الخروج من أرض الأندلس، أو القتل، فمنهم من غلب عليه حب ممتلكاته من المزارع والمباني، فاختار الإقامة، ومنهم من عز عليه دينهُ، فهاجر إلى إفريقية؛ كفاس، وتلمسان، وتونس.
وقد أخرجت الأندلس علماء أجلّة في الشريعة؛ كابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، ومنذر بن سعيد، وأبي بكر بن العربي، والفقيه ابن رشد، وحفيده القاضي الفيلسوف صاحب "بداية المجتهد"، وكأبي محمد بن حزم، وأبي إسحق الشاطبي، ونحاة متضلعين؛ كابن عصفور، والشلوبين، وابن خروف، وابن مالك، وأبي حيَّان، ولغويين مبرزين؛ كابن سيده، صاحب "المحكم"، و"المخصص"، وأدباء بارعين؛ كابن هانئ، وابن خفاجة.
وقد ألف ابن حزم رسالة عما ألفه علماء الأندلس من الكتب، وما تمتاز به من إحاطة وتحقيق، وذيل ابن سعيد رسالةَ ابن حزم برسالة أورد فيها ما فاته، أو أُلِّف بعده.
وهذا المصير المحزن الذي صارت إليه الأندلس، قد حذرنا منه الكتاب الكريم في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، والرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيح: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنهلك وفينا صالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث".
وبيان ذلك: أن الصالحين في الأمة إذا سكتوا على المعاصي، ولم يأمروا بالمعروف، ولا نهوا عن المنكر، كانوا هم أنفسهم ظالمين، فاستحقوا أن تصيبهم الفتنة عقوبةً لهم، وإن امتثلوا ما أمر الله به، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، تصبهم الفتنة عقويةً لهم على بقائهم مع الظالمين، وقعودِهم
(12/ 1/113)

عن الهجرة وهم قادرون عليها، وهو مصداق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].
وعلماء الأندلس قاموا بواجبهم، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وحذّروا الناس عاقبة إنفاق الأموال في تنميق البناء وزخرفته، وما يفضي إليه التفرقُ من الضعف، واستيلاء العدو على الممالك، واستنجدوا الممالك الخارجة إلى مساعدتها، فلم يجدوا من الوجهاء ومحبي متاع الدنيا قبولاً، وإشفاقاً مجدياً؛ كقول شاعرهم يخاطب ملك تونس:
أدرِكْ بخيلِك خيلَ الله أندلسا ... إن الطريق إلى منجاتها درسا
(12/ 1/114)

الجزائر واستبداد فرنسا (1)
الجزائر مملكة في أفريقيا الشمالية، وموضعها بين تونس والغرب الأقصى (مراكش)، تارة تكون تابعة للمغرب الأقصى، ومرة تستقل بنفسها، وهي ثلاث ولايات: ولاية العاصمة، وولاية وهران، وولاية قسنطينة، وأرضها واسعة المناكب، ويعد سكانها الآن بتسعة ملايين.
وفيها ضريح الفاتح الأعظم عقبةَ بن نافع؛ فإنه دفن في الموضع الذي اغتاله فيه البربر عند رجوعه من المغرب الأقصى بعد فتحه كله، وفيها من الحفّاظ: علي بن جبارة أبو القاسم الهذلي، ومن كبار العلماء: أبناء الإمام، وهم: أبو زيد، وأبو موسى التلمساني، وابن مرزوق، والشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ المقري جه، صاحب "نفح الطيب"، وغيرهم من علماء دولة بني حماد، وعلماء دولة بني زياد، ومن أدبائها الكبار: محمد بن خميس التلمساني، الذي بهر الشيخ ابن دقيق العيد بإحدى قصائده، وصار يقرؤها مرة بعد أخرى، وله ديوان ألّفه القاضي أبو عبد الله الحفدني، وسماه: "الدر النفيس في شعر ابن خميس".
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الحادية عشرة الصادر في شهر صفر 1377 ه الموافق شهر أغسطس آب 1957 م - القاهرة.
(12/ 1/115)

وأرسلت فرنسا أسطولاً إلى عاصمة الجزائر، واستولت عليها سنة 1246 ه، وآل حسين باشا حاكمها إلى الإسكندرية، وتوفي هناك.
وقد أعد سلطان المغرب الأقصى مولاي عبد الرحمن بن هشام جيشاً لجهاد فرنسا، والدفاع عن الجزائر، ولكن الجيوش التي أرسلها لم تستقم على أمره كما قال صاحب "تاريخ الاستقصاء"، فاضطر السلطان إلى مهادنة فرنسا.
وأقام الوطنيون بالجزائر في وجه فرنسا عدة محاربات، وأشهرها محاربة الأمير عبد القادر بن محيي الدين الحسني، فقد استمر على محاربتها نحو خمس عشرة سنة، وانتصر في مواقع كثيرة، ولكن فرنسا تغلبت بجندها وسلاحها على هذه المحاربات، واستولت على ولايات الجزائر الثلاث: العاصمة، ووهران، وقسنطينة.
واختار الأمير عبد القادر -حسب المعاهدة التي وقعت بينه وبين فرنسا- السكن بدمشق، واستقر بها إلى أن توفي، ودفن في ضريح الشيخ محصي الدين ابن عربي.
وأخبرني من أثق بروايته: أن قنصل فرنسا طلب من ملك تونسى أن يكتب إلى سلطان المغرب كتاباً يحذره فيه من الانضمام إلى الأمير عبد القادر، ولا أدري هل كتب ملك تونس بذلك إلى سلطان مراكش، أم لا؟ وإذا كتب ملك تونس إلى مولاي عبد الرحمن بن هشام، فإن السلطان عبد الرحمن ابن هشام لا يترك محاربة فرنسا إلا لضرر يحصل بالمغرب الأقصى؛ كما قال صاحب "الاستقصاء".
وسبب حرب الزعاطشة التي رأينا أثره: أن الحاكم الفرنساوي أهان
(12/ 1/116)

رئيس القبيلة بعبارات سيئة أدت إلى أن هاجت الحرب مدة بين فرنسا وقبيلة الزعاطشة، ولما تغلبت فرنسا، دخل الحاكم الفرنسي إلى غرفة الشيخ، وضربه بسلاح على عنقه، فقتله.
وقد دخلتُ بلدة الزعاطشة، ووجدت ديارهم خاوية على عروشها، ومنعت فرنسا من بنائها. ولم تسمح للجزائر بحكومة وطنية، والحاكم العام في الجزائر هو الوالي العام الفرنساوي، ويقيم بالعاصمة، وكان الفرنسي يعتبر في الجزائر كملك، والوطني في منزلة دونها بمراحل.
وقلبت بعض المساجد كنائسَ وثكناتٍ لعساكرها، ورأيت بعيني مسجد أحمد باي في قسنطينة جعل كنيسة، ورأيت بعيني أيضاً مسجداً بعنابة جعل ثكنة لعسكرها، وألحقت الأوقافَ كلَّها بأموال الدولة. وقررت فرنسا سنة 1848 م أن الجزائر أرض فرنسية.
وقال بعض الفرنسيين: كما صارت أرض الجزائر قطعة من أرض فرنسا يصير الجزائريون فرنسيين، فقال بعض من فيه شيء من الإِنصاف من الفرنسيين: احرصوا أنتم على ألا تكونوا كمسلمي الجزائر، وأما أن يكون الجزائريون كالفرنسيين ديانة، فمستحيل أن يكون.
وألزمت فرنسا مسلمي الجزائر بالخدمة العسكرية، كما ألزمتهم أن يعترفوا بأنهم يقومون بالخدمة العسكرية تطوعاً، وهذا من أسباب مهاجرة عائلات كثيرة من الجزائر إلى الشرق الشامي وغيره.
وكانت الزوايا -أي: الطرق الصوفية- تنشر التعليم الديني؛ من تفسير، وحديث، وفقه، وتوحيد، والعلوم العربية، وقد رأت فرنسا أنها لا تؤلف الجزائريين إلا إذا فتحت لهم محاكم شرعية، فأنشأت المدرسة الثعالبية
(12/ 1/117)

بقصد تعليم القضاء في الأحوال الشخصية، ولكن استئناف الحكم يكون لمحكمة فرنسية.
ولما أخذت فرنسا الجزائر من يد الأتراك، ألزمت بعض الأشخاص بكتابة خطابات يمدحون فيها سياسة فرنسا، ويذمون سياسة الأتراك، وطبعته فرنسا، وسمته: "شواهد الإِخلاص".
واطلعتُ في بعض رحلاتي إلى الجزائر على خطاب نسبته فرنسا إلى الأمير عبد القادر يأمر فيه بمسالمة فرنسا، ويمدح سياستها، ولعل هذا الكتاب مزوّر على الأمير.
ويسيء فرنسا جداً أن يتصل الجزائريون بالتونسيين، ولما جئت من الشرق سنة 1330 ه، وجدت كتاباً أرسلته الحكومة الفرنسية إلى العمال في تونس تقول فيه: إن جماعة يسعون لاتصال الجزائريين بالتونسيين، فأخبرونا بأسمائهم.
وأهل الجزائر بقُوا محافظين على عقيدتهم السليمة، وأخلاقهم الرضية، كنت زرت العاصمة في رمضان سنة 1318 ه، فوجدتهم يقرؤون في المساجد كتب التوحيد عقب صلاة التراويح، وقد حضرت بعض هذه الدروس؛ كدرس الشيخ سعيد الزواوي مفتي العاصمة، ودرس الشيخ عبد الحليم بن سماية، ودرس الشيخ عبد القادر المغربي الذي تخرج من درسه بقسنطينة كثير من القضاة الشرعيين.
وفي الجزائر نهضة جديدة، فقد عرفوا أن شيخ الطريقة الصوفية إنما يكون مستقيماً إذا اقتدى بسيرة السلف الصالح، فإذا خرج عنها، فقد خرج عن الطريقة التي هدى إليها الإسلام، ووجد في الجزائر مدارس أنشئت لتحفيظ
(12/ 1/118)

القرآن الكريم، وما يتبعه من آداب ورياضيات. ووجد فيها معهدان على نسق جامع الزيتونة في تونس: أحدهما معهد أنشأه أبناء سيدي الحسين في قسنطينة، والفضل فيهما لمن أسسهما، لا إلى الحكومة. ومن نهضة الجزائر الجديدة مطالبتها لفرنسا بحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى حد المحاربة على ذلك.
والجزائريون لهم مجد قديم شامخ، فقد عرفت أنه تخرج فيها كبار العلماء والمؤلفين والأدباء والملوك، وكل ما تفتخر به الأمم، فلا يرضون أن يتصرف أجنبي كفرنسا في شأنهم، وقد عرفوا أن غيرهم من الأمم وصلوا إلى حقوقهم، واستقلوا بشأنهم، والحروب هي التي يتبين بها رفيع الهمة من سافلها، وناهض العزيمة من خاملها.
(12/ 1/119)

مكانة الأزهر وأثره في حفظ الدين ورقي الشرق (1)
ليس من غرض هذا المقال أن نحدثك عن حال الأزهر من حيث هو حجر وطين، وأرض فوقها سماء، وإنما نقصد إلى أن نضع نصبَ عينك صورة موجزة من حياته العلمية، ومكانته الدينية؛ لنريك أنه الحصن الذي لا يتصاع، ومطلع النور الذي لا يتقلص، ومبعث القوة التي لا تغلب، حتى تكون على ثقة من أنه الكفيل بإعلاء كلمة الإِسلام، ورفع لواء المدنية النقية من كل قذى.
في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة 359 ه شرع القائد الفاطمي أبو الحسن جوهر بن عبد الله "الصقلي" في بناء مسجد بالمدينة التي أنشأها، حيث ضرب خيام جيشه، وسماها: "المنصورة"، ثم سماها المعزّ بعدُ: "القاهرة المعزية"، وتم بناء هذا المسجد في نحو ثلاثين شهراً، ذلك المسجد هو الأزهر الشريف.
وفي صفر عام 365 ه جلس قاضي مصر أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون بهذا الجامع، وأملى مختصر أبيه المؤلف في الفقه على مذهب الشيعة.
وفي سنة 378 ه تولى الوزارة يعقوب بن كاس للخليفة نزار بن المعز،
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد العاشر من المجلد الأول في شهر شوال سنة 1349 ه - القاهرة.
(12/ 1/120)

وكان هذا الوزير من رجال العلم، فانتخبت الدولة خمسة وثلاثين عالماً، وعينتهم للتدريس بهذا الجامع، وأنشأت لهم منازل حول الأزهر، وكانوا يحضرون يوم الجمعة، ويدرسون بعد الصلاة: الفقه، والعقائد، وفنون الأدب.
ولما قضى صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية، وكان قاضي القضاة بدولته صدر الدين عبد الملك بن درباس شافعيَّ المذهب، أمر بأن لا تقام الجمعة في مساجد متعددة، وقصر الخطبة على جامع الحاكم؛ إذ كان أوسع جامع بالقاهرة، وبقي الأزهر عاطلاً من صلاة الجمعة إلى أن جاءت دولة الملك الظاهر بيبرس، فعُني أحد أمرائها هو عز الدين أيدمر الحلي بعمارة الأزهر، فأصلح ما اختل من مبانيه، وأعاد إليه صلاة الجمعة في 18 ربيع الأول سنة 665 ه، وأقام لذلك حفلة حضرها رجال الدولة، وأعيان الأمة.
وما زال الأمراء والسلاطين، والكرام من ذوي اليسار يبسطون أيديهم بالإنفاق على الأزهر، ويقفون عليه الأوقاف بسخاء، وكثير منهم يعملون لترقية شأنه من حيث هو جامعة دينية علمية، حتى أصبح منذ عهد بعيد معهداً عامراً بدراسة العلوم الشرعية والعربية، ومجالس الوعظ.
وما فتئ هذا الجامع المورد الذي يؤمه طلاب العلم من كل ناحية، حتى أنشئت له شعب في القطر المصري هي: معهد الإسكندرية، ومعهد طنطا، ومعهد أسيوط، ومعهد الزقازيق، ومعهد دمياط، ومعهد دسوق.
وكان في إنشاء هذه المعاهد تيسير على طلاب العلم من سكان هذه البلادة حتى لا يحتملوا كلفة المقام في القاهرة إلا حيث يتأهلون لدراسة الكتب العالية في نفس الأزهر الشريف، وفي هذه المعاهد مظاهر تجعل الشعور الديني
(12/ 1/121)

ساريا في الأمة، والأممُ صور قائمة، وأرواحهُا الشعور بأن لها ديناً حقاً، وشريعة عادلة.
* أقسام التعليم:
في الأزهر قسم ابتدائي، ومدته أربع سنوات، وثانوي، ومدته خمس سنوات، ومواد هذين القسمين تدرس في أماكن خاصة بها خارج الجامع الأزهر، وبعد هذين القسمين قسم عال، ومدته أربع سنوات، ودروسه الآن تلقى في نفس الجامع الأزهر، وبعد القسم العالي قسم التخصص، ومدته ثلاث سنوات.
أنشئ هذا القسم في 13 محرم سنة 1342 ه - 26 أغسطس سنة 923 م؛ ليخرج رجالاً لهم مزيد اختصاص في بعض العلوم الدينية، أو العربية، وما يتصل بها، وهو ضرب من ضروب الإِصلاح التي يعمل لها الرؤساء الناصحون، وفي هذا القسم نحو خمسين مدرساً، وبه نحو 200 طالب علم ما عدا المتطوعين، وترجع العلوم التي يقصد الطلاب إلى التخصص بها إلى تسع مجموعات:
1 - التفسير والحديث.
2 - الكلام والمنطق.
3 - الأصول والفقه الحنفي.
4 - الأصول والفقه المالكي.
5 - الأصول والفقه الشافعي.
6 - النحو والصرف.
7 - البلاغة.
8 - الوعظ والإرشاد.
9 - التاريخ والأخلاق.
وإذا كان الأزهر قد أخرج قبل إنشاء هذا القسم رجالاً لهم رسوخ في بعض العلوم أكثر من رسوخهم في غيرها، فسيكون الرسوخ بعد هذا على طريق منظم؛ بحيث لا تبقى ناحية من نواحي العلوم التي تدرس في هذه الجامعة إلا وقد قام عليها طائفة خاضوا عبابها، وتوغلوا في أحشائها، وأصبحت
(12/ 1/122)

كلمتهم القول الفصل في تقرير مسائلها، وليس ببعيد على الأذكياء المجدين من طلاب هذا القسم أن تكبر هممهم، ويخلص في سبيل العلم قصدهم، حتى نرى فيهم رجالاً يبهرون النفوس علماً، ولا تشهد منهم العيون إلا استقامة ورشداً.
* العلوم التي تدرس بالأزهر:
يدرس في الأزهر: التفسير، والقراءات، والحديث، والسيرة النبوية، وعلم الكلام، والفقه وأصوله، والنحو، والصرف، والبلاغة، والإِنشاء، وآداب اللغة، والعروض، والقوافي، والوضع، والمنطق، وعلم النفس، والتا ريخ، والأخلاق، والفلسفة، والحساب، والهندسة، والطبيعة، والكيمياء، والجغرافيا.
وربما أشار بعض الكاتبين في إصلاح الأزهر بقصر التعليم فيه على العلوم الدينية والعربية، وهو رأي لا يستقيم مع ما يقتضيه حال العصر من أن يكون العالم الديني على جانب من العلوم الكونية والاجتماعية، وبهذا يكون الأزهر كفيلاً بإخراج نشء يمثلون القاضي العادل، والمدرس النحرير، والمصلح الخطير، والمرشد الحكيم، والكاتب البارع، والمدير لبعض الشؤون العامة في حزم ونظام.
* الأروقة:
بالأزهر أروقة معدة لسكن طلاب العلم، والرواق يحتوي على غرف ومرافق، ومن هذه الأروقة ما هو خاص بالقطر المصري؛ كرواق الصعايدة، ورواق البحاروة، ورواق الشراقوة، ورواق الحنفية، ورواق الطيبرسية، ورواق السنارية، ومنها ما هو خاص ببعض الأقطار الإِسلامية من غير مصر؛ كرواق
(12/ 1/123)

الحرمين، ورواق الشوام، ورواق المغاربة، ورواق الهنود، ورواق الأتراك، ورواق الأفغان، ورواق اليمن، ورواق الأكراد، ورواق جاوة، ورواق الدكارنة البرناوية.
وفي هذه الأروقة، وما وقف عليها من كتب وجرايات معونة للمنتسبين إليها على طلب العلم، وإذا وجد في نبهاء الطلاب بها حرص على الخير، أمكنهم أن يعقدوا فيما بينهم صلة التعارف والتعاطف التي أرشد إليها الدين بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فيعمل فوق ما يستفيدونه من علم وأدب عمل صالح هو تأكيد الرابطة بين الشعوب الإِسلامية المتفرقة.
وبهذه الأروقة صار الأزهر ملتقى أمم إسلامية متباعدة الأقطار. ومتى اشتدت عناية أولي الشأن بأمورهم، فنظروا إليهم بعطف ورعاية، وراقبوا سيرهم في التعليم، وأخذوهم بالنظم الحازمة، وجدت فيهم أوطانهم -إذا انقلبوا إليها- القدوة الصالحة، وكانوا ألسنة تلهج بفضل الأزهر، وتمجيدُ الأزهر يرجع فخره إلى سكان وادي النيل قاطبة.
فتوجيه طلاب العلم بهذه الأروقة -ولاسيما النبهاء منهم-, وحملهم في التعليم على النظم الصالحة، حق من حقوق العالم الإسلامي على الأزهر الشريف، ومفخرة يزداد بها ذكر الأزهر رفعة، وبمثله تبقى القاهرة عاصمة الشرق الأدبية، ومبعث الهداية الإسلامية.
* مشيخة الأزهر:
ما زال الأمراء ينظرون في شؤون الأزهر بأنفسهم حتى اتسعت دائرته، واقتضى حاله أن يسند النظر إلى أحد الكبار من شيوخه، وأول من عرف بولايته شيخاً للأزهر: الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي المالكي المتوفى
(12/ 1/124)

سنة 1101 ه، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم بن محمد البرماوي (1) الشافعي المتوفي سنة 1106 ه، وتولاها بعده الشيخ محمد النشرتي (2) المالكي المتوفى سنة 1120 ه، وتولاها بعده الشيخ عبد الباقي القليني (3) المالكي، وتولاها بعده الشيخ محمد شنن الجداوي المالكي المتوفى سنة 1133 ه، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومي المالكي المتوفى سنة 1137 ه، وتولاها بعده الشيخ عبد الله بن محمد عامر الشبراوي الشافعي المتوفى سنة 1171 ه، وتولاها بعده الشيخ محمد بن سالم الحفني (4) الشافعي المتوفى سنة 1181 ه , وتولاها بعده الشيخ عبد الرؤوف السجيني (5) المتوفى سنة 1182 ه، وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (6) المتوفى سنة 1192 ه، وتولاها بعده الشيخ أحمد العروسي (7) الشافعي المتوفى سنة 1218 ه، وتولاها بعده الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي الشافعي المتوفى سنة 1227 ه، وتولاها بعده الشيخ محمد الشنواني (8) الشافعي المتوفى سنة 1233 ه، وتولاها
__________
(1) نسبة إلى بلدة (برمة) بلد بمديرية الغربية بمصر.
(2) نسبة إلى (نشرت) بلد بمديرية الغربية بمصر.
(3) نسبة إلى (قلين) بلد بمديرية الغربية، ولم نقف على تاريخ وفاته.
(4) نسبة إلى (حفنا) بلدة بالشرقية، وهو صاحب "حاشية الجامع الصغير".
(5) نسبة إلى (سجين) قرية بمديرية الغربية.
(6) تفقه مذهب الإمام الشافعي، ثم درس بقية المذاهب، وكان يكتب في توقيعه: الشافعي الحنفي المالكي الحنبلي. ومن مؤلفاته: "شرح الجوهر المكنون".
(7) نسبة إلى (منية عروس) بلدة بإقليم المنوفية تابع مركز أشمون.
(8) نسبة إلى (شنوان) بلدة بإقليم المنوفية .. وهو مؤلف "حاشية مختصر ابن أبي جمرة".
(12/ 1/125)

الشيخ محمد بن أحمد العروسي الشافعي المتوفى سنة 1245 ه وتولاها بعده الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله الدمهوجي (1) الشافعي المتوفى سنة 1246 ه , وتولاها بعده الشيخ حسن بن محمد العطار (2) الشافعي المتوفى سنة 1255 ه , وتولاها بعده الشيخ حسن القوششي (3) الشافعي المتوفى سنة 1254 ه , وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد الجواد الشهير بالصائم السفطي (4) الشافعي المتوفى سنة 1263 ه، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم البيجوري (5) الشافعي المتوفى سنة 1277 ه، وتولاها بعده الشيخ مصطفى بن أحمد العروسي الشافعي، وعزل عنها سنة 1287 ه، وتقلدها الشيخ محمد المهدي العباسي الحنفي، وعزل عنها في المحرم سنة 1299 ه , وخلفه فيها الشيخ محمد بن محمد بن حسن الأنبابي (6) الشافعي إلى شهر ذي الحجة من تلك السنة، ثم أعيد إليها الشيخ المهدي حتى استقال سنة 1304 ه , وأعيد إليها الشيخ الأنبابي إلى أن استقال سنة 1312 ه , وتقلدها بعده الشيخ حسونة (7) بن عبد الله النواوي الحنفي
__________
(1) نسبة إلى (دمهوج) قرية بالقرب من بنها العسل.
(2) هو صاحب "حواشي شرح الخبيصي على التهذيب"، و"حواشي شرح الجلال المحلي لجمع الجوامع".
(3) نسبة إلى (قوسنا)، وله شرح على السلم.
(4) نسبة إلى (سفط الوفاء) قرية بمدينة المنيا.
(5) نسبة إلى (البيجور) قرية بمديرية المنوفية.
(6) نسبة إلى (أمبابة) قرية بضواحي القاهرة.
(7) مما يحفظ التاريخ لهذا الأستاذ: أن بطرس باشا غالي حين كان وزيراً للحقانية، أراد أن يدخل إلى المحكمة الشرعية عضوين من المستشارين بمحكمة الاسشاف. فغضب القاضي التركي أمام هذه الإرادة. أما الشيخ حسونة، فقد وقف في وجهها =
(12/ 1/126)

حتى استقال سنة 1317 ه , وتولاها بعده حضرة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي الحنفي، وتوفي بعد ولايتها بشهر فجأة، وخلفه فيها الشيخ سليم البشري المالكي حتى استقال سنة 1320 ه، وتولاها بعده السيد علي ابن محمد الببلاوي المالكي، واستقال سنة 1323 ه وتقلدها بعده الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي، واستقال سنة 1327 ه، فأعيد إليها الشيخ سليم البشري إلى أن توفي سنة 1335 ه , وتولاها بعده الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي الوراقي (1) المتوفي في 15 محرم سنة 1346 ه، وتولاها بعده حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي في 2 ذي الحجة من تلك السنة، واستقال في 5 جمادى الأولى سنة 1348 ه , وتولاها بعده حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر محمد الأحمدي الظواهري، وهو شيخ الجامع الأزهر لهذا العهد.
* واجبات شيخ الجامع الأزهر:
ينظر شيخ الجامع الأزهر في شؤون المدرسين، وطلاب العلم، ونظم التعليم، وبما أن الجامع الأزهر أكبر معهد ديني في العالم الإسلامي، كان لرئيسه حق النظر في حالة الأمة من حيث موافقتها لروح الدين، أو بعدُها عنه، وعليه أن يوجه نصيحته إلى أي قطر إسلامي متى انحرف جماعة من المسلمين عن السبيل، أو فتنهم ذو يد طائشة عن دينهم الحنيف، وإذا كانت أحوال
__________
= موقف من يرى مقامه العلمي فوق كل منصب، حتى قال لبطرس باشا عندما أخذ يدافع عن رأيه في شيء من الشدة: "اسكت يا بطرس، لكم دينكم ولي دين"، فدفع عن المحاكم الشرعية أمراً ربما انقلبت بعده إلى صبغة غير صبغتها.
(1) نسبة إلى (وراق الخضر) بلدة بالجيزة.
(12/ 1/127)

الشعوب الإِسلامية قبل هذا غير معروفة لشيوخ الأزهر بتفصيل، أو كانت كلمة الأزهر لا تصل إلى من في أقصى الشرق والغرب إلا بعد أمد طويل، فإن وسائل الاطلاع على أحوال الجماعات الإِسلامية في هذا العصر متيسرة، والطرق التي تصل منها نصيحة رئاسة الأزهر إلى جماعات المسلمين على بعد أوطانهم غير متعسرة، وقد أصبحت الرسائل بتمهيد وسائل المواصلات ترد هذه الرئاسة من البلاد القاصية في أيام معدودة، ولا شك في أن انتظام المواصلات يجعل ارتباط الأزهر بالأقطار الإِسلامية في هذا العصر أشد من ارتباطه بها في العصور السالفة.
وأذكر -على وجه المثل-: أن مسلمي الصين -وهم عشرات من الملايين- لا تعرف لهم صلة بالأزهر، وقد بلغهم صوته في هذا العهد، فقاموا يسعون إلى تأكيد الرابطة بينهم ويينه؛ لينالوا ما نالته الشعوب الأخرى من علم وهداية. وجاء في رسالة لهم إلى رئاسة الأزهر: أنهم عقدوا العزم على إرسال طائفة منهم إلى الأزهر؛ ليتفقهوا في الدين، ويقوموا بالدعوة والإِرشاد في بلادهم إذا رجعوا إليها، وتلقت الرئاسة هذه الرسالة بارتياح.
* المدرسون:
في سنة 1293 ه كان عدد المدرسين 361، وفي هذا العهد سنة 1349 ه يبلغون زهاء 713 مدرساً: مدرسو العلوم الدينية والعربية 505، ومدرسو العلوم الحديثة والخط والإملاء 208، وكثير من مدرسي العلوم الحديثة أزهريون تخرجوا من الأزهر بعد أن صارت تدرس فيه هذه العلوم.
والمدرسون في الأزهر أحرار في نقدهم وآرائهم، فللمدرس أن ينقد آراء أهل العلم من قبله ما شاء، فإن وجده أهلُ العلم على حجة، تقبلوا رأيه
(12/ 1/128)

بقبول حسن، وإن وجدوه في خطأ، نبهوا على وجه خطئه بالتي هي أصوب، وإذا أبدى بعض المدرسين أو الكاتبين رأياً حاول به هدم أساس من أسس الشريعة، أو نقضَ أصل من أصول الدين، فلقي بعد تفنيد رأيه بالحجة شيئاً من الإِنكار، فذلك لأنه نادى على نفسه بقلة العلم، أو مرض القلب، وليس من مصلحة طلاب العلم أن يجلسوا إلى من يبادرهم بآراء في أصول الدين يخرج بها عما أجمع عليه أئمة الإِسلام جيلاً بعد جيل، فلا يرمي التدريسَ في الأزهر بعدم الحرية في النقد إلا من فاته أن يعرف حال المحققين من علمائه، أو من أراد من كلمة الحرية معنى غيرَ المعنى الذي يعقله العالمون.
* طلاب العلم به:
يقص علينا التاريخ أن طلاب العلم بالأزهر كانوا في سنة 818 ه سبع مئة وخمسين شخصاً، وكانوا في سنة 1293 ه عشرة آلاف، وسبع مئة وثمانين طالبأ، أما عددهم اليوم، فيقدر بنحو 9461: في الأقسام الابتدائية 5106، وفي الثانوية 2182، وفي القسم العالي 1033، وفي القسم الموقت 490، هذا عددُ الطلاب المصريين، ويضاف إليهم نحو 650 من المنتسبين إلى أقطار إسلامية مختلفة.
وبهذا العدد الكبير من الطلاب المصريين الذين يردون الأزهر في أول السنة، ويعودون إلى بلادهم في آخرها، بقي احترام الدين وطاعة أوامره في نفوس الأمة المصرية راسخاً، ولولا هذه الروح التي يبعثها الأزهر في كل ناحية، لوجدت دعاية الفسوق عن الدين الحنيف المجال واسعاً.
ولا أحرص من طلاب العلم بالأزهر على فهم مقاصد المؤلفين، فلا تجدهم يقنعون بفهم مسائل العلم في نفسها حتى ينقدوا عبارة الكاتب,
(12/ 1/129)

ويعرضوها على قواعد الوضع والنحو؛ ليعرفوا وجه دلالتها، ويميزوا حقيقتها عن مجازها، ويتبينوا ما فيها من حذف أو تقديم أو تأخير، والنجباء منهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يتجاوزونه إلى المناقشة فيما يدخل في موضوع العلم، ومن أجل هذه الطريقة ترى النابغة المكب على العلم في الأزهريين أقدرَ على حل المشكلات، وأسرعَ إلى تطبيق كلام المؤلف على ما يراد منه.
يكتب بعض من يتلقى عادات الغربيين بتقليد، ويزين فيما يكتب قبول الفتيات للتعلم بالأزهر الشريف، يكتبون ولا يخجلون أن يقولوا في الاستدلال على هذا الرأي: "إن إيجاد البنت مع الولد في التعليم يساعده على تلمس الكمال والأدب، ويثير فيه حب النجاح والتفوق".
والحقيقة أن في خصال الشرف ما يسمى: صيانة وعفافاً، واختلاط الفتيان بالفتيات مما لا يبقي للصيانة والعفاف عيناً ولا أثراً، ومن نازع في هذه الحقيقة، فإنما ينكر الشمس وهي طالعة في سماء صاحية، وخير لمن يرائي في الناس، فيزعم أن اختلاط الفتيان بالفتيات لا يأتي بشر، أن يرفع صوته بطرح العفاف من حساب الشرف والفضيلة، حتى إذا أقنع الناس بأن العفاف شيء لا يقيم له علم الأخلاق وزناً، بلغ مأربه، ولم تجد دعوته إلى الجمع بين الفتيان والفتيات في معاهد التعليم عقبة.
* الأزهر أساس النهضة الشرقية:
إذا كان الأزهر قد تجرد للبحث العلمي حيناً من الدهر، وغفل عن الأمراض التي تصيب المسلمين في دينهم ومدنيتهم، فقد تنبه اليوم من غفلته، وادكر ماضيه، وأحسن رفعة مكانته، ووثق بأن في مستطاعه مداواة هذه الأمراض، والنهوض بالشرق إلى ذروة السعادة، فهو سائر في سبيله واضعاً
(12/ 1/130)

يده في يد كل مجاهد أمين.
في الأزهر علم وأدب، وفيه الإرشاد إلى أصول العزة والمنعة؛ كتأكيد رابطة الإِخاء، وتربية الغيرة على الحقوق والمصالح؛ لأنه يدرس فيه القرآن، ولم يغادر القرآن كبيرة ولا صغيرة من نواحي السعادة والعظمة إلا دل عليها بأبلغ بيان.
كيف يكون حال من يتفقه فى مثل قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8]، أفلا يشب على التخوف من أن يستولي على قومه من يجحد دينهم، ولا يحترمون شريعتهم؟ ومن مقتضى هذا التخوف البحث عن طريق النجاة من أولئك الذين شأنهم اضطهاد الأمم المستضعفة، والبحث عن طرق النجاة يذهب بالفكر مذاهبَ بعيدة المدى، والفكر الذي يسوقه الإِخلاص، وترافقه الحكمة، يبلغ بتأييد الله غايته، وإن بعد ما بينه وبينها، ووقفت العقبات دونها.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139]، أفلا يزدري كل عزة ينالها من أشياع الباطل، واثقاً بأن عزة الله فوق كل عزة؟ ومقتضى هذا أن لا يبيعهم عيناً يبصرون بها، أو أذناً يسمعون بها، أو يداً يبطشون بها، بل يأبى له أدبه المتين أن يلقي إليهم السلم، وهو يستطيع أن يكف بأسهم، أو يخفف في الأقل من طغيانهم.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]، أفلا يشب على خصلة الإِقدام والتفاني في مواقف الدفاع عن الحق، حتى إذا لقي نصباً، أو مسه أذى، تذكر أن خصمه يلاقي مثل ما يلاقيه هو من العناء والألم،
(12/ 1/131)

واستمر في جهاده عالماً أن أولى الفريقين بالصبر والثبات مَن حَسُن في الله ظنه، ورجح بالتوكل عليه وزنُه؟.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، أفلا يصب نظراته الصائبة في أحوال أمته باحثاً عن علل وهنها وخمولها؛ ليعمل على تغيير ما بها من الأحوال التي أخلدت بها إلى الاستكانة، وقعدت بها عن مغالبة خصومها راضية بحياة لا أمن فيها ولا كرامة؟.
والكتاب الكريم والحديث النبوي عامران بأمثال هذه الحكم التي لم تخالط نفوساً زاكية إلا فزعت لأن ترسمها في حياة الأفراد والجماعات خططاً، فحق على أولي الشأن أن ينظروا إلى النشء الأزهريين نظرهم إلى رجال خُلقوا لأن يجاهدوا في سبيل الإِصلاح بما استطاعوا من حكمة وقوة، فالأزهر جاهد، وسيجاهد في ظهور الحق على الباطل، وإعلاء الفضيلة على الرذيلة، وإنما ينهض نهضته الطاهرة المطمئنة إذا سار تحت إشراف الهداية الدينية، وكان ولاة أموره ممن يرجون لله وقاراً.
(12/ 1/132)

من لم ير مصر، لم ير عزّ الإسلام (1)
أيها السادة!
قرأت في بعض كتب التاريخ: أن أحد أهل العلم بالمغرب رحل إلى بلاد الشرق، وبعد أن عاد من رحلته، سئل عن مصر، فقال: "من لم ير مصر، لم ير عزّ الإسلام".
وإنما كانت مصر مظهراً لعزّ الإسلام بهذا المعهد الذي أنشأه القائد جوهر، فأصبح مطلع علم وهداية.
ولنطو الحديث عن الغفوة التي أخذت هذا المعهد ليالي وأياماً، ولنطو الحديث عن أسباب هذه الغفوة، فلعلكم أدرى بها، وأملكُ للسان الذي لا يردّه شيء عن بيانها، وشأني في هذأ المقام أن أقول: إن في مصر اليوم نهضة علمية اجتماعية، ولا أحد يتردد في أن الثقافة الأزهرية كانت أول عامل في أساس هذه النهضة الناجحة. وأذكر بهذا أن أول نداء أيقظ الأمة التونسية من سباتها، إنما صدر من ناحية الجامعة الزيتونية، وأن الدعوة إلى الإصلاح من
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد 81 من السنة الثانية الصادر في الثالث من شعبان سنة 1346 ه، الموافق 26 يناير كانون الثاني 1928 م.
وهي كلمة الإمام في الحفل الذي دعا إليه فريق من نبهاء كلية الأزهر إلى تأسيس جمعية تعمل لتأييد الهداية الإسلامية.
(12/ 1/133)

طبيعة القائمين على العلوم الإسلامية متى غاصوا على أسرارها، وأحسنوا النظر في تطبيقاتها.
وإذا كنا نخشى على شعب أن يتهافت في غير هدى، فلا بد أن يكون ذلك الشعب غير الشعب المصري؛ فإن لهذه المعاهد والمدارس العلمية الدينية نوراً يفرق بين الجد واللهو، ويقطع دابر كل باطل يصاغ في زخرف القول غروراً.
إن في مصر حياة علمية راقية، وروحاً إسلامية بالغة، هما اللتان يبعثان النبهاء من شبابنا إلى السعي في إنشاء جمعيات إصلاحية، تعمل لغاية واحدة، هي الأخذ بأيدي الأمة إلى حيث تعيد مجدها، وتملك عزتها، وما هذه الجمعيات إلا جند يجاهد في سبيل العلم والأدب صفاً، وما اختلاف أسمائها إلا كاختلاف أسماء فرق الجند: هذه الميمنة، وتلكم القلب، وأخرى الميسرة، فحقيق علينا أن نؤازر هؤلاء الفتيان من طلاب العلم على ما تطمح إليه هممهم من وسائل السيادة، وشعوري بهذا الحق هو الذي هداني لأن أجيب دعوى حضراتكم إلى هذه الحفلة الكريمة، فسيروا أيها السادة في مشروعكم هذا على الصراط السوي، واعملوا للأمة صالحاً، ويكفيكم من وسائل العمل الصالح بصائركم الثاقبة، وأقلامكم الحرة البليغة:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززتُه ... فما ضرّني أن لا أهزَّ المهنَّدا
(12/ 1/134)

تكريم جمعية الهداية الإسلامية لرجل من عظماء الإسلام (1)
أقامت الجمعية مساء يوم الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1353 ه 21 أغسطس 1934 م حفلة تكريم لحضرة الهمام المفضال الأستاذ حافظ عامر قنصل مصر في الحجاز سابقاً، والقائم بأعمال المفوضية المصرية في العراق الآن، فأجاب حضرته الدعوة، واستقبله حضرات أعضاء الجمعية بترحيب وحفاوة، وكان الحديث في أثناء جلوسهم إلى مائدة الشاي وبعده يدور على شؤون العالم الإسلامي الحاضرة، وفيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من التمسك بأصول الدين وآدابه، وألقى بعض حضرات الأعضاء عبارات الثناء على حضرة الأستاذ المحتفل به، والشكر له على المساعي الجليلة التي كان يبذلها في الحجاز لمساعدة المسلمين، ولاسيما أهل العلم والفضل، على اختلاف شعوبهم.
وبهذه المناسبة أذكر أني عندما نزلت جدة سنة 1351 ه قاصداً أداء فريضة الحج، قال لي بعض رفقائي: تعال بنا نزور قنصل الحكومة المصرية، فقلت: نزوره بعد العودة من مكة -إن شاء الله-, قلت ذلك، وفي ظني أن هذا القنصل ككثير من الولاة الذين يلاقون زائريهم بشيء من التعاظم وقلة الاحتفاء، ورحلت إلى مكة المكرمة، ويعد أن أقمت بها يومين، قال لي أحد الأصدقاء:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد السادس الصادر في شهر جمادى الثانية سنة 1353 ه - القاهرة.
(12/ 1/135)

إن قنصل مصر نازل بالتكية المصرية، وهو يسأل عنكم، وراغب في لقائكم، فقلت له: سأزور التكية بعد قضاء المناسك، فقال: إنه يسأل عن محل إقامتكم، ويريد زيارتكم، وها هي هذه التكية على مقربة من أحد أبواب الحرم الشريف، فوافقته على أن نذهب إلى التكية بعد صلاة العشاء، وذهبنا حسب الوعد، فوجدت طائفة من فضلاء المصريين، من بينهم حضرة القنصل الأستاذ حافظ عامر، فجلس إلى جانبي، وأخذ يجاذبني أطراف الحديث في استنارة فكر، وصفاء سريرة، ورقة اشاس، حتى خيل إليّ أني أتحدث مع صديق حميم قضيت في صداقته سنين، وأبدى رغبته في أن نكون رفقة في أيام عرفة والمزدلفة ومنى حتى العودة إلى جدة، وكذلك قضينا تلك الأيام الزاهرة في قضاء المناسك، يتخللها مذكرات لذيذة، ولندع بقية الحديث عن تلك الأيام إلى ما سنكتبه -إن شاء الله تعالى- في مشاهد تلك الرحلة المباركة.
وملخص القول: أن الأستاذ حافظ عامر مثلٌ كامل لرجل دولة إسلامية يحق لها أن تكون زعيمة للعالم الإسلامي، فإنا في حاجة إلى أن يكون لنا رجال دولة يجمعون إلى بعد النظر في السياسة سماحة الأخلاق، واحتراماً للدين، واعتزازاً به أشدَّ من اعتزازهم بالإمارة والوزارة وغيرها من المناصب السامية. وذلك ما كان يتمثل لنا في روح الأستاذ المحتفل بتكريمه، جزاه الله عن الإسلام خيراً، وأكثر من أمثاله.
(12/ 1/136)

تأسيس جمعية الشبان المسلمين (1)
سادتي الكرام!
أحييكم، فأحيي أصالة الرأي، وأشكركم، فأشكر حرية الضمير، وإن اجتماعكم هذا لفاتحة حيياة نبيلة، وعنوان مستقبل مجيد.
فتية من أبناء وادي النيل عزَّ عليهم أن يكون الشرق متقطع الأوصال، بطيء السير إلى الأمام، وهو حريّ بأن يكون صبيح المنظر، سليم العاقبة، فقاموا يبسطون أيديهم لإحكام صلة التعارف والتآزر، ويسابقون إلى تأليف جمعية تنحو نحو الإنسانية الصادقة، وتسير على ما يرضي الضمائر العامرة بالإخلاص.
وإن أمة يكون نشؤها على بصيرة من حاضرها، واحتراس مما يدنّس مستقبلها، لأمة خليقة بأن تبلغ السماء، وخليقة بأن تبغي فوق السماء مظهراً.
أما وجه الحاجة إلى تأليف هذه الجمعية، فأعظمُ من أن أصفه في هذا المقام بتفصيل.
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد 73 من السنة الثانية الصادر في السابع من جمادى الثانية سنة 1346 ه الموافق الأول من ديسمبر كانون الأول 1927 م - القاهرة.
وهي الكلمة التي ألقاها الإمام في حفلة تأسيس جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة.
(12/ 1/137)

ولعل شبابنا النجباء يشعرون بأن انتظامهم في جمعية يديرونها بأيديهم، ويسلكون بها محجةً ليلُها كنهارها، أطهرُ لقلوبهم، وأرفع لذكرهم، وأسرع بهم إلى امتطاء العزة القعساء.
إن موقع مصر الجغرافي، وتبريزها العلمي يجعلانها أهلاً لأن تكون عاصمة الشرق الأدبية، وهذا ما يستدعي أن تقوم بها جمعية تنتظم الشبان على اختلاف أوطانهم؛ حتى تسري روح الأدب الخالص في سائر الشعوب يميناً ويساراً، وإن هذا العمل لمما يزيد الأمة المصرية فخراً على فخرها، ويضيف إليها عظمة على عظمتها.
حدث تباعد بين طائفتين: طائفة تنفر من الجديد، وأخرى لا تحترم القديم، وقد بصر بهذا التباعد بعض من يضعون أقلامهم في غير نصيحة، فانهالوا يوسعونه طولاً وعرضاً.
وشأن هذه الجمعية أن تعمل لحثّ البطيء تارة، ولرد الجامح عن السبيل تارة أخرى، وبهذا يتيسر لها أن تضع مكان التباعد ائتلافاً، ومتى فتحت نادياً يؤمه الناشئون على اختلاف طرز تعليمهم، خلصت أفكارهم، وتقاربت آراؤهم، وتقاربُ الأفكار والآراء وسيلة ائتلاف القلوب، واتحاد العواطف، والأمة التي تأتلف قلوبها، وتتحد عواطفها، لا يبقى بينها وبين الحياة الآمنة المطمئنة إلا قاب قوسين أو أدنى.
كانت النهضة الاجتماعية في مصر بريئة من أن تحمل في أي ناحية من نواحيها لوناً جافياً، فأقبلت الشعوب الشرقية تحفها بالإجلال، وتلقي إليها بمقاليد الزعامة من صميم أفئدتها، ولا أكتمكم حديثاً هو: أننا أصبحنا نسمع في حسيس هذه النهضة المباركة نغمة غير طيبة، ولا أرى شبابنا المخلصين
(12/ 1/138)

إلا أن يعيدوا على النهضة المصرية أدبها الجميل؛ فإن مصر قلب الشرق، وإذا صلح القلب، صلح الجسد كله.
في الناس من لم يقدر للغة العربية بيانها الراع، وأساليبها البديعة، وفي الناس من لا يعنيه أن تكون هذه اللغة رابطة شعوب هم في أشد الحاجة إلى أن يتعارفوا، وقد قام هذا وذاك يناديان الأدباء إلى أن يزيغوا عن اللغة الفصحى، ويلوثون ألسنتهم وأقلامهم باللغة العامية المرذولة. ومن اللائق بجمعية الشبان المسلمين أن تحتفظ بهذه اللغة المهذبة، وتقيم لآدابها سوقاً نافقة.
تلذ طائفة منا تقليد الأمم الغالبة من غير قيد ولا شرط، والحكمة تنادينا إلى أن نسايرها في العلوم والفنون جنباً لجنب، ونذهب معهم في إعداد وسائل القوة والغلبة أينما ذهبوا، أما ما سوى ذلك، فينبغي أن تكون لنا أذواق تميز الرديء من الجيد، وعقول لا يلتبس عليها النافع مما لا خير فيه. ولعل هذه الجمعية تنظر في هذا الشأن برويّة، فتقتبس من تلك الأمم ما زكا، وتحمي أوطاننا مما فيه بأس، ولاسيما تقاليد أصبح عقلاء تلك الأمم أنفسهم يمقتونها.
سيضرب ذكر هذه الجمعية في نواحي الشرق والغرب، وستلاقيها نوادي العلم والأدب بابتهاج واحتفاء. فكونوا عند أمل هذه النوادي، وأروها على ضفاف وادي النيل فتياناً تتلألأ قلوبهم هداية، ولا يرضون من العلم إلا باللباب.
وستجد هذه الجمعية من حولها ألسنة لامزة، وكذلك المشروعات الإصلاحية لا تمر إلا على جسر من اللمز، فاصرفوا عن اللمز أسماعكم، وقولوا كما قال أكرم الخليقة - صلوات الله عليه -: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون".
قد يقول من لا يحسن أن يقول: إن في اسم هذه الجمعية رائحة الرابطة
(12/ 1/139)

الدينية، ونحن نريد رابطة شرقية، أو قومية، أو وطنية، فخذوا بيده إلى جمعيات غير إسلامية قد فُصّلت على مقدار الصلة الدينية، وعلّموه أن ليس على تلك الروابط من بأس؛ فإن في الإسلام تسامحاً وحرية يسعان كل اتحاد يستدعيه التعاون على المصالح المشتركة بين أولي ملل مختلفة.
ولعلكم تنظرون إلى جمعيات أخرى في أُبّهة وفخامة، فيعز عليكم أن تخرج جمعيتكم هذه في مظهر غير عظيم، فاضربوا بهذا الخاطر ثبجَ البحر، فإن المشروع الذي ينشأ صغيراً، ثم ينمو من حين إلى آخر، يكون أثبتَ أساساً، وأحكم بناءً، وأبلغ شاهداً على حزم الناهضين بأعبائه.
ولا تنسوا بعد هذا أن من ورائكم أمة رشيدة ستشتري راحة ضمائرها وسعادة مستقبل أبنائها بما تبذله في مؤازرة مشروعكم الجليل. والله المستعان على أن تكون هذه الجمعية فسيحة المدى، سامية المظاهر، خالدة الأثر، وما ذلك النجاح ممن يدّرعون الحزم والحكمة ببعيد.
(12/ 1/140)

الشعر - حقيقته - وسائل البراعة فيه الارتياح له - تحلي العلماء به - التجديد فيه (1)
الكلام إما نثر، وهو ما يلقى من غير قصد إلى تقييده بوزن، ولا يلزم بناؤه على حرف معين تنتهي به جمله، وأما منظوم، وهو الكلام الذي يصاغ في أوزان خاصة، وتُبنى قطعه على حرف خاص يختاره الناظم، ويلتزمه في آخر كل قطعة منه، وهذا هو فن الشعر.
ورأى بعض الأدباء: أن من المنظوم ما لا يختلف عن الكلام العادي إلا بهيئة الوزن، والتزام القافية، فلا يحسن أن تجعل ميزة الشعر شيئاً يعود إلى مقدار الحروف وأشكالها، والتزام حرف منها في آخر كل قطعة منه، دون أن تكون له خاصة تميزه عن غيره من جهة المعنى، فزادوا في بيانه قولهم: من شأنه أن يحبّب إلى النفوس ما قصد تحبيبه إليها، ويكرّه إليها ما قصد تكريهه إليها، وتحبيبه الأشياء أو تكريهها بوسيلة ما يشتمل عليه من حسن التخييل.
فالكلام الموزون المقفى الذي يحبّب إلى النفوس شيئاً، أو يكرهه إليها، بوسيلة الحجة التي يصوغها العقل، وتجري عليها قوانين المنطق، لا يسمى شعراً على وجه الحقيقة؛ لأنه خال من روح الشعر الذي هو حسن التخييل.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد التاسع من المجلد الثالث الصادر في شهر رمضان 1351 ه - القاهرة.
(12/ 1/141)

والحق أن الشعر: ما يقصد به حمل النفوس على فعل الشيء أو اعتقاده، أو صرفها عن فعله أو عن اعتقاده، من جهة ما يشتمل عليه من حسن التخييل، أو براعة البيان، ومن هنا دخل في الفنون الجميلة، ولا جمال في المنظوم إلا أن يكون في معناه غرابة، أو في تركيب ألفاظه براعة.
فالكلام الموزون المقفى إنما يكون حفياً باسم الشعر متى بدأ فيه وجه من حسن الصنعة؛ بحيث يكون هذا الحسن زائداً على أصل المعنى الذي يقصد بالإِفادة أولاً، ولا فرق بين أن يكون أثر البراعة في التخييل، أو أثر البراعة في ترتيب المعاني، وإيرادها في ألفاظ مؤتلفة سنيّة.
ولا ننسى أن للنفس عند سماع الكلام الموزون حالاً من الارتياح غير حالها عند سماعه منثوراً، يدل لهذا الجملُ البليغة المرسلة إذا تُصرف فيها بنحو التقديم والتأخير حتى وافقت وزناً من الأوزان المألوفة، فإن ارتياح النفس لها بعد هذا التصرف يكون أوفر.
ومن أمثله ما جرى فيه التخييل البارع: قول أبي زيد عبد الرحمن الفنداقي الأندلسي من قصيدة ألقاها بين يدي إدريس بن يحيى أحدِ أمراء الأندلس:
ومصابيحُ الدجى قد طفئت ... في بقايا من سواد الليل جونْ
وكأن الظلَّ مسك في الثرى ... وكأن الطل درٌّ في الغصونْ
والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسكبتهنَّ الجفونْ
والثريا قد هوت من أفقِها ... كقضيبٍ زاهرٍ من ياسَمينْ
وانبرى جنحُ الدجى عن صبحه ... كغراب طار عن بيضٍ كَنينْ
(12/ 1/142)

فلو تحدث الشاعر عن انجلاء الليل، وطلوع الصبح، وانبساط الظل، ونزول الطل، وتساقط الندى، وهويِّ الثريا من أفقها بالعبارات المجردة عن مثل هذا التخييل، لما اهتزت النفوس لها هذا الاهتزاز البالغ.
ومن أمثله الشعر الذي جاءه الجمال من حسن ترتيب معانيه، وبراعة نسجه: قول أبي العلاء المعري:
كم بودرت غادةٌ كَعوبُ ... وعُمّرت أُمُّها العجوزُ
أحرزها الولدان خوفاً ... والقبر حرز لها حريزُ
يجوز أن تبطئ المنايا ... والخلدُ في الدهر لا يجوزُ
فمعاني هذه الأبيات يستوي في معرفتها القرويّ والبدوي، ومن الذي لا يدري أن داعي الموت كثيراً ما يبادر الفتاة، ويدع أمها وهي عجوز؟ وأن المنايا قد تبطئ عن بعض الأشخاص، فتطول أعمارهم؟ وأن الخلود في الدنيا غير مطموع فيه؟ ولكن الشاعر صاغ هذه المعاني في سلك التناسب، وأبرزها في ثوب قشيب من الألفاظ العذبة، والنسج الحكيم، فكان لها وهي في ائتلافها، وزخرف أثوابها وقعُ ما تبتهج له النفوس ابتهاجَها لمعان جديدة لم تخطر لها من قبلُ على بال.
ومن الشعر ما هو باطل، وهو الذي وصف الله تعالى أصحابه بقوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 224 - 227} الآية.
ومنه ما هو حق، وهو المشار إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الشعر حكمة"، وسنخص البحث عن تأثير الشعر في الأخلاق والاجتماع بإحدى محاضراتنا
(12/ 1/143)

الآتية -إن شاء الله تعالى-، وكل آت قريب.
* وسائل البراعة فيه:
لا يطوع الشعر البارع، إلا لمن يردد نظره على كثير من الأشعار البليغة، ويملأ منها حافظته، ثم يأخذ قريحته بالتمرين على النظم الفينة بعد الفينةَ، فهذان ركنان لتربية ملَكة الشعر وترقيتها، فإذا أتيح للشاعر -مع هذا- جودةُ هواء المنازل التي يتقلب فيها، وحسن مناظرها، ووثق بأن في قومه من يُقبل على الشعر، ويقدر مراتب الشعراء، لم يلبث أن يأتي بما يسترقُّ الأسماع، ويسحر الألباب.
وشأن من يزاول العلوم ذاتَ المباحث العميقة، والقوانين الكثيرة، أن لا يبلغ الذروة في صناعة القريض، ذلك أن الناشئ الذي يقبل على طلب العلوم إقبال من يروم الرسوخ في فهمها، والغوص على أسرارها، لا يجد من الوقت ما يصرفه في حفظ المقدار الكافي من أشعار البلغاء، وفي تمرين قريحته على النظم تمريناً يصعد بها إلى الذروة، وإذا صرف من وقته في الحفظ والتمرين ما فيه الكفاية، وجد من قريحته المعنية بالبحث عن الحقائق العلمية ما يبطئ به عن اختراع معان خيالية بديعة.
ونظر ابن خلدون في وجه قصور العلماء عن التناهي في صناعة الشعر، وأبدى أن السبب: ما يسبق إليهم من حفظ المتون العلمية، فإن عبارات هذه المتون -وإن كانت على وفق العربية- لا يراعى فيها قانون البلاغة، وامتلاء الذهن من الكلام النازل عن البلاغة، لا يخلو من أن يكون له أثر في النظم، فيقصر به عن المرتبة العالية من الفصاحة، فلو انبعثت قريحته في فضاء واسع من الخيال، واستطاعت اختراع صور غريبة، لخدشت تلك المحفوظات ملكة
(12/ 1/144)

فصاحته، فيخرج الشعر وفي ألفاظه، أو في نسج جمله ما يتجافى عنه الذوق، فلا تتلقى تلك الصور بالارتياح، وان كانت في نفسها غريبة.
فالتوغل في العلوم يضايق ملَكة الشعر، وأشدُّ ما يضايقها العلومُ النظرية؛ كالمنطق، والكلام، والفلسفة، والفقه، ولاسيما ما يُعنى صاحبه بالبحث في طرق الاستنباط، ويتعلم كيف يطبق الأصول على الوقائع الخارجية.
وعلوم النحو والصرف والبيان معدودة في وسائل إحكام صنعة الشعر، ومتى درست على طريقة التوسع في مسائل الخلاف، ومناقشة الآراء والأدلة والعبارات، أصبحت في خدش ملكة الشعر كالمباحث الفلسفية أو الفقهية.
وقد يكون في الرجل قوة الشاعرية، فيهجرها، فتضعف حتى لا تواتيه عندما يهم باستدرارها.
قال أبو القاسم الأندلسي: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر، فقال: إني أغبطكم على قول الشعرة فإن خاطري لا يوافقني على قوله، على تحقيقي في العلوم التي هي موادّه، فقال له رجل: فما قلتَ قطُّ شيئاً منه؟
قال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات في الشيب، وهي قولي:
خضبت الشيبَ لما كان عيباً ... وخضبُ الشيب أولى أن يُعابا
ولم أخضِب مخافةَ هجرِ خلٍّ ... ولا عيباً خشيتُ ولا عتابا
ولكن المشيبَ بدا ذميماً ... فصيرت الخضابَ له عِقابا
فهذه الأبيات تدل على أن في أبي علي الفارسي مبدأ نظم الشعر، وعدمُ مواتاة الشعر له عندما يهم بنظمه ناشئ من عدم إقباله على هذه القوة بالتربية والتهذيب.
(12/ 1/145)

* الارتياح للشعر:
ترتاح النفس لصور من المعاني يصنعها الخيال، أو تخرج في ثوب قشيب من حسن البيان، ذلك الارتياح لذة الشعر الذي هو صنع الألمعية المتلألئة، والتخيل الواسع، والذوق الصحيح. ولا أظن أن في الناس من لا يلذ الشعر البديع متى أحسّ معانيه، ووقعت في ذهنه باديةَ الوجوه كما كانت في ذهن مصوّرها، وإنما المشاهد أن الناس يتفاوتون في الارتياح للشعر على قدر تفاوتهم في صفاء الذوق، وتقدير ما في معانيه من غرابة وحسن التئام، أو تقدير ما في ألفاظه من حسن السبك وجودة التركيب.
فإذا رأيت الرجل يسمع الشعر البارع، ولا تلوح عليه أَمارة الارتياح لسماعه، فلأنه لم يحس ما فيه من إبداع، وجودةِ صنعة، وكثيراً ما يعيب الناقد صورة معنى خيالي حيث لا يحس الناحية التي فعل فيها الخيال البارع فعلته.
أورد بعض الكاتبين في الأدب قول الشاعر:
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحاً ... وليس يدخله إلا إذا انطبقا
وعابه بقوله: إن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس. ولو اعتاد هذا الكاتب النظر إلى الصور الخيالية من مسالكها اللطيفة، لما أتعب فكره في البحث عن الباب الذي يدخل منه الطيف المتخيل للنفس في صورة المرئي رأي العين.
يصفو الذوق، فيحس براعة الشعر، ولطفَ مسلكه، فتأخذ النفس من شدة الإِعجاب به حالة ربما عبروا عنها بالإِغماء.
أنشد عمرو بن سالم المالقي في مجلس أبي محمد عبد الوهاب أبياتاً لبعض الأندلسيين، منها:
(12/ 1/146)

ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم ... فتقلدوا شهب النجوم عُقودا
فأخذ أبا محمد حالٌ من الإِعجاب بهذه الأبيات حتى تصبّب عرقاً، وقال: إني مما يقهرني، ولا أملك نفسي عنده: الشعرُ المطبوع.
وروى حماد بن إسحاق: أن أباه قال له: كان العباس بن الأحنف، إذا سمع شيئاً استحسنه، أطرفني به، وأفعل معه مثل ذلك، فجاءني يوماً ووقف بين البابين، وأنشد لابن الدمينة:
ألا يا صَبا نجد متى هجت من نجدِ ... لقد زادني مسراك وجداً على وجد
إلخ الأبيات، ثم ترنحّ ساعة، وقال: أنطح العمودَ برأسي من حسن هذا؟ فقلت: لا، ارفق بنفسك.
وكان سعيد بن المسيب ماراً ببعض أزقة البصرة، فسمع منشداً ينشد قصيدة لمحمد بن عبد الله النميري يقول فيها:
تضوعّ مسكاً بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوةٍ خفراتِ
يخبئن أطراف البنَان من التقى ... ويخرجن جنحَ الليل مُعتجرات
فضرب سعيد برجله الأرض، وقال: هذا -والله- يلذ سماعه.
وصام أبو السائب المخزومي يوماً، فلما صلى المغرب، وقدمت له المائدة، خطر بقلبه بيتا جرير:
إن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلاً بعينك لايزال مَعينا
غيّضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فاشتد ارتياحه لهما، حتى حلف أن لا يفطر في تلك الليلة إلا على هذين البيتين.
(12/ 1/147)

وكثيراً ما يكون ارتياح الأمير لبيت واحد سبباً في إغناء الشاعر، ودفع مظلمته.
نقرأ في أخبار ابن شرف: أن أحد عمال المعتصم ناقشه في قرية له، فورد ابن شرف على المعتصم شاكياً هذا العامل، وأنشد بين يديه قصيدة في الغرض، ولما بلغ قوله:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حَوَرِ
قال له المعتصم: كم في القرية التي تحرث فيها من بيت؟ قال: فيها خمسون بيتاً، فقال له: أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقّع له بها، وعزل عنها كل وال.
وكيف ترى ابتهاج أبي عمرو بن العلاء، حين سمع قول بشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنمْ ... ونفى عني الكرى طيفٌ أَلَمْ
روّحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبدَ من لحمٍ ودمْ
إن في بُردَيَّ جسماً ناحلاً ... لو توكأتِ عليه لانهدمْ
لا شك أن ابتهاجه لسماعه كان بالغاً ما يمكنه أن يبلغ، ينبئك بهذا أنه سئل عن أبرع الناس بيتاً، فقال: الذي يقول: "لم يطل ليلي"، وأنشد الأبيات الثلاثة.
* العلماء والشعراء:
في العلماء من يلذ استطلاع الحقائق إلى حد أن يستغرق أوقاته في البحث العلمي، ويرغب عن أن يصرف في صناعة الشعر أو تذوّق بلاغته ولو ساعة من شهر.
(12/ 1/148)

حكى المقري: أنه أنشد بحضرة العلامة محمد بن إبراهيم الأبلي، قولَ ابن الرومي:
أَفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبه ... وبكحلهِ الأحياءَ والبُصَراءَ
فإذا مررتَ رأيتَ من عميانِه ... جمعاً على أمواته قُرّاءَ
قال: فاستعادني الأبيات، حتى عجبتُ منه، مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر، ثم قال: أظننتَ أنني استحسنتُ الشعر؟ إنما تعرفت منه أن العميان كانوا في ذلك الزمان يقرؤون على المقابر، فإني كنت أرى ذلك حديث العهد، فاستفدت التاريخ.
وفي العلماء من يأخذ الشعرُ البارع بمجامع قلبه، ويجد في نفسه قوة على نظمه، فيضرب مع الشعراء بسهم؛ ليزين علمه بهذا الفن الجميل، وسبْقُ الشعراء المتجردين للشعر وحده في هذه الحلبة لا يثني العلماء عن تعاطيه؛ نظرا إلى أنه فن من فنون الأدب الجميلة، وقد ويتخذ وسيلة إلى جلب خير، أو دفع أذى.
والتاريخ يحدثنا أن في أعلام العربية من كانوا يجيدون صناعة القريض؛ كابن دريد، الذي كانوا يصفونه بأنه أعلم الشعراء، وأشعر العلماء، ومن مختارات شعره الأبيات العينية التي يقول فيها:
ومن لم يَزَعْه لبّه وحياؤه ... فليس له من شيب فَودَيه وازعُ
ومثل الإمام النحوي أبي الحسين علي بن أحمد بن حمدون، ومن جيد شعره:
تناءت ديار قد ألفتُ وجيرةٌ ... فهل لي إلى عهد الوصال إيابُ
(12/ 1/149)

وفارقت أوطاني ولم أبلغ المنى ... ودون مرادي أبحرٌ وهضابُ
مضى زمني والشيبُ حل بمفرقي ... وأبعدُ شيء أن يُردَّ شبابُ
ويحدثنا أن في رجال الفقه من يجيد التخيل، ويحسن صياغة الكلام المنظوم؛ كالقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، الذي قال فيه أبو العلاء المعري:
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملكَ الضِّلِّيل إن شعرا
ومن نظم هذا القاضي:
متى تصل العِطاشُ إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الرَّكايا
ومن يثني الأصاغرَ عن مراد ... وقد جلس الأكابرُ في الزوايا
وإنَّ ترفُّعَ الوُضَعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى البلايا
إذا استوت الأصاغر والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
ويحدثنا بأن في علماء الحديث من يجيد صنع الشعرة مثل: الحافظ سليمان بن موسى الكلاعي؛ فإن له من الشعر ما يشبه أن يكون عربياً مطبوعاً، ومما قال:
أحنُّ إلى نجد ومن حلّ في نجدِ ... وماذا الذي يغني حنيني أو يُجدي؟
وقد أوطنوها وادعين وخلَّفوا ... محبهم رهنَ الصبابة والوجدِ
وضاقت عليّ الأرض حتى كأنّها ... وشاح بخصر أو سِوارٌ على زَنْدِ
ونجد للقاضي عياض -وهو من علماء الحديث والفقه- شعراً ذاهباً
(12/ 1/150)

في التخيل إلى حد بعيد، ومما قال:
انظر إلى الزرع وخاماتُه ... تحكي وقد ماست أمام الرياحْ
كتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائقُ النعمان فيها جراحْ
ويحدثنا أن في علماء المنطق والرياضيات من يصنع صوراً خيالية، ويبرزها في ألفاظ عذبة رقيقة؛ مثل: أبي بكر بن الصاغ الأندلسي، ومن نظمه البديع قوله:
ضربوا الخيام على أقاحي ... روضةٍ خطر النسيم بها ففاح عبيرا
وتركت قلبي سار بين حمولهم ... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا
لا والذي جعل الغصون معاطفاً ... لهمُ وصاغ من الأقاح ثغورا
ما مر بي ريح الصَّبا من بعدهم ... إلا شهقت له فعاد سعيرا
يبرع بعض العلماء في الشعر، ولكن فحول الشعراء من غير العلماء يكون جيدُ أشعارهم أكثر، ونفَسهم في الشعر أطول، وقرائحهم إلى المعاني الغريبة أسرع.
* التجديد في الشعر:
يجري على ألسنة المحاضرين، وأقلام الكتاب حديثُ التجديد في الشعر، ولسنا ممن يتجافى عن رأي التجديدة إذ التجديد سنة من سنن الشعراء النابغين، ولاسيما شعراء ينشؤون أو ينزلون في بلاد عامرة بمظاهر المدنية، وإنما نريد بحث ما يُعنى بكلمة التجديد، حتى نصل إلى ما فيه إصلاح الشعر، ونتحامى هدم ناحية من نواحي اللغة الفصحى.
للشعر مقاييسُ، وقوافٍ، ومعانٍ، وألفاظٌ، وأساليب، وفنون.
(12/ 1/151)

أما المقاييس، فقد نظم العرب في ستة عشر مقياساً، وهي المدونة في كتب العروض، ومازال الشعراء يصوغون أشعارهم على هذه المقاييس إلى عهد الدولة العباسية، وفي ذلك العهد حدثت موازينُ خارجة عن الموازين السالفة، ووجدت؛ كما تجد الأزجال في هذا العهد، من يعجب بها، ويلذ سماعها.
ومن الموشحات الأندلسية ما يختلف فيه أشطار القصيدة بالطول والقصر اختلافاً بيّناً؛ كقول أبي الحسن بن سهل:
كحل الدجى يجري ... من مقلة الفجر ... على الصباح
ومعصم النهر ... في حلل خضر ... من البطاح
ومن هذا القبيل موشحة ابن الوكيل، التي دخل بها على أعجاز قصيدة ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ومما يقول في الموشحة:
يا جيرة بانت ... عن مغرم صَبِّ
لعهده خانت ... من غير ما ذنبِ
ما هكذا كانت ... عوائدُ العربِ
لا تحسبوا البُعدا ... يغير العهدا ... إذ طالما غيّر النأي المحبينا
وإذا كان الأدباء في العصور الماضية لم يقصروا شعرهم على المقاييس المعروفة، فأحدثوا مقاييس جديدة، فلا نكره لأديب أن يصوغ الشعر في مقياس محدَث متى وثق من موافقته لأذواق الناس، وارتياحهم لحركاته وسكناته.
(12/ 1/152)

وأما القافية، فقد التزمها العرب على النحو المعروف في أشعارهم، حتى اخترع الأدباء الموشحات، فأخذت القافية هيئة غير هيئتها الأولى، كما رأيتها في المثُل التي أوردناها آنفاً.
وفي التزام القافية على الوجه الذي اختاره العرب سابقاً، أو على نحو ما أحدثه الأدباء من بعد، دلالةٌ على البراعة، ومحافظة على وجه من الوجوه التي يمتاز بها المنظوم على المنثور.
وأما المعاني، فللشاعر أن يذهب فيها كل مذهب، وله أن يأخذ في التشبيه والاستعارات كل ما أخذ، فيرسل خياله فيما احتوته الحافظة من المعاني القديمة والحديثة، والطبيعية والصناعية، ويؤلف منها ما شاء من الصور الخيالية، مراعياً أذواق الطوائف التي يريد إثارةَ عواطفها نحو الشيء، أو صرفَها عنه.
وما زال فحول الشعراء في كل عصر يبتكرون المعاني، وينتزعون من مظاهر المدنية المتجددة صوراً يبرعون في صنعها، فلشعراء العصر العباسي بالشرق، أو شعراء الأندلس بالغرب، معانٍ وتخيلات لم يطرقها الشعراء في الجاهلية، أو في صدر الإِسلام، أو عهد الدولة الأموية. وقع هذا التجديد من فحول شعرائنا، وكانوا على شعور من الحاجة إليه، ونبه أدباؤنا على هذا الشعور فيما كتبوا قديماً.
قال ابن سعيد يفاخر أهل القيروان بشعراء الأندلس: "وهل منكم شاعر رأى الناسَ قد ضجُّوا من سماع تشبيه الزهر بالنجوم، وتشبيه الخدود بالشقائق، فتلطف لذلك في أن يأتي به في منزع يصير خلقه في الأسماع جديداً، وكَليلُه في الأفكار حديداً، فأغرب أحسنَ إغراب، وأعرب عن فهمه بحسن تخيله أنبلَ إعراب؟ ".
(12/ 1/153)

وإذا لم تَجُد قرائحُ شعراء عصر أو بلد بمعان جديدة، ورأيناهم لا يزيدون عن أن يرددوا معاني أسلافهم، فلضعف ملكاتهم الشعرية، وقصورها عن أن تُخرج للناس ثمراً جديداً.
وأما الألفاظ، فحقها أن يراعى فيها ما ثبت عن العرب، وما تقتضيه قوانين الصرف، وما تضعه المجامع العلمية على حسب ما تدعو إليه حاجة التعبير عن المعاني المحدثة.
والألفاظ الجديرة بأن يصاغ منها الشعر هي الألفاظ التي لا يخفى المراد منها على أكثر من يقصد استمالة عواطفهم إلى الشيء، أو صرفها عنه، ولا يكفي لجواز استعمال اللفظ في القصيدة خلوُّه من تنافر الحروف، وموافقته للوضع العربي، ووجوده في كتب اللغة القريبة التناول؛ إذ ليس كل لفظ يتحقق فيه شرط الفصاحة يصلح للشعر، بل وراء الفصاحة شيء آخر هو: مراعاة حال قراء الشعر، فيصاغ لهم في ألفاظ تطرق أسماعهم، فتحضر معانيها في أذهانهم، فلو هُجرت ألفاظ في عصر من العصور، أو قل استعمالها؛ بحيث لا يصل السامع إلى معانيها إلا بعد الرجوع إلى كتاب من كتب اللغة، وشاعت ألفاظ ترادفها؛ بحيث تكون أسرعَ بالمعنى إلى ذهن المخاطب، كان من حق الشاعر اختيار الألفاظ التي يكون بها المعنى أقربَ إلى الذهن، ولاسيما ألفاظ تساوي الألفاظ المهجورة، أو النادرة الاستعمال؛ في خفة النطق، وحسن تأليف حروفها.
فطبيعة الشعر تستدعي التجديد في الألفاظ على النحو الذي وصفنا، فالشاعر المجيد لا يجمد على الألفاظ التي استعملها الشعراء في عصور ماضية، ثم قل دورانها في كلام البلغاء من بعد.
وإذا لم يكتف الشاعر في خدمة اللغو بحفظ مذاهب بلاغتها، وفنون
(12/ 1/154)

بيانها، وأراد أن يكون له نصيب في إحياء ما هجرته الألسنة من كلماتها العذبة السائغة، ففي استطاعته أن يأتي إلى الكلمة التي تخفى معانيها على أكثر القراء، ويوردها حيث لا يفوتهم فهم المراد من البيت، والارتياح لما فيه من حسن التخييل.
فلو أصبحت كلمة "امتشق" -مثلاً- غيرَ جارية في استعمال الشعراء في عصر، لما كان على شاعر أراد إِحياءها من حرج في استعمالها حيث ينبه مساقُ الكلام على المراد منها، كما استعملها العزازي، في قوله:
والبدر نحو الغروب أسرع ... كهارب ناله فرَقْ
والبرق بين السحاب يلمع ... كصارم حين يُمتشقْ
ومن ذا يسمع هذا البيت، ولا يفهم أن القصد: تشبيه حال البرق عند لمعانه بحال السيف عند تجريده من قرابه؟
وأما الأساليب، فيراعى فيها قوانين النحو والبيان المسلَّمة، فلا نقبل من الشاعر أن يقدم خبر "إن" مثلاً عليها، فيقول: "كاتب إن زيداً" بدعوى التجديد في الأسلوب، ولا يحسن منه أن يتكئ على علة التجديد، ويسقط حرف العطف في نحو "لا ورحمك الله"، أو يدع الكلمات والجمل التي توضع في أثناء الكلام، فتكسو البيت لطفاً، وتدفع عنه أوهاماً يفقد بها المعنى قوته، أو ينقلب بها إلى غير مراد، إلى ما يشاكل هذه التصرفات التي تخرج بالشعر العربي عن حدود البلاغة وحسن البيان.
وللشاعر أن يتخذ من الأساليب بعد رعاية قوانين النحو والبيان ما يشاء، وقد اختلفت أساليب الشعراء في دائرة قانون اللغة الصحيح اختلافاً واضحاً، حتى إن الألمعيّ الدارس لأشعار الفحول من الشعراء في عصور متعددة، يكاد
(12/ 1/155)

يعرف من أسلوب القصيدة الشاعر الذي قالها، أو العصر الذي قيلت فيه.
وأما فنون الشعر -أعني: الأغراض العامة التي يتوجه إليها الشاعر بالنظم؛ نحو: تهذيب النفوس، وإصلاح الاجتماع، والحماسة، والفخر، والمديح، والهجاء، والوصف، والنسيب، والاستعطاف، والاعتذار-، فقد نظم فيها العرب كثيراً، وسلكوا فيها طرقاً بديعة.
ومن الشعراء من يبرع في فن أو فنون، كما يبرع عمر بن أبي ربيعة في فن الغزل، والمتنبي في إرسال الحكمة.
ومن العصور ما يشيع فيه بعض فنون الشعر أكثر مما سواه؛ كالعصر الذي يحمى فيه وطيس الحروب؛ فإنه يغلب فيه الحماسة والفخر، والعصر الذي يشيع فيه الفسوق يغلب فيه النسيب ووصف الخمور.
وإذا غلب فن من الفنون، وجد رواجاً حتى عند من لا ناقة له في ذلك الفن ولا جمل، فتسمع الحماسة -مثلاً- في شعر الجبان الذي "إذا رأى غيرَ شيء ظنه رجلاً"، وتسمع الغزل ممن لم يحمل قلبه صبابة، ووصفَ الخمر ممن لا يعرف للخمر رائحة.
أما عصرنا هذا، ففيه إباحية وإلحاد، فلا عجب أن نرى من الشعر الرفيع ما تنبذه مجالس أهل الفضل، ولا عجب أن نرى من الشعر المارقِ من الدين ما يلقي بالمستضعفين في تهلكة، وإننا اليوم في حركة علمية اجتماعية، تنادي كل طائفة منا لأن تسعفها بما لديها من قوة، ولكثير من شعرائنا في تقوية هذه الحركة مواقف محمودة، وأملنا أن يكون الفن الذي يُعرف به الشعر في هذا العصر فنَّ استنهاض الهمم، والصعود به إلى ذروة العزة والمجد، فن تقويم الأخلاق، وإصلاح الحياتين: العلمية والمدنية.
(12/ 1/156)

قوة التخيل وأثرها في العلم والشعر والصناعة والتربية (1)
في النفس قوة تحفظ الأشياء بعد غيبتها، وتجدد إحساس الإِنسان للصور المودَعة في هذه القوة، تسمى: تصوراً، أو تخيلاً.
ولتجددِ إحساس الصور المسمّى: تخيلاً، أو تصوراً أسباب، وأكثر هذه الأسباب عملاً في النفوس: المماثلة، ويليه: التضاد، ثم: الوحدة المكانية، ثم: الوحدة الزمانية.
والتماثل: أن يكون بين الشيئين تشابه في بعض الوجوه المحسوسة أو المعقولة، فمن رأى الماء الصافي، تذكر المرآة الصقيلة، ومن رأى القمر، تذكر طلق المحيا، ومن رأى النرجس، تذكر العيون، ومن جلس إلى كاذب، تذكر مسيلمة الكذاب، ومن سمع أن معتوهاً ادعى أنه نبي، أو أن باطنياً حرَّف آيات الذكر الحكيم عن مواضعها، تذكر زعيم طائفة القاديانية، أو زعيم طائفة البهائية.
وانظر إلى أبي الإِصبع، كيف يخطر في باله ريقَ المرأة وثغرَها، فيذكر ما بين العذيب وبارق، ويخطر في باله قدها، ومدامعها تجري لفراقها، فيذكر مجر الرماح، ومجرى الخيل، أخبر بذلك في قوله:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - العدد السادس من المجلد الثامن الصادر في شهر المحرم سنة 1355 ه القاهرة.
(12/ 1/157)

إذا الوهمُ أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قدّها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
والتضاد: أن يتنافى الشيئان بحيث لا يجتمعان في محل؛ كالسرور والحزن، والضحك والبكاء، والشجاعة والجبن، والإِخلاص والرياء. فإذا خطر في البال أمر، تبعه ضده، فمن حضر في ذهنه الشتاء، تذكر الصيف، ومن وقع في خاطره التقوى، انتقل إلى معنى الفسوق، ومن هذا الباب ترى شخصاً، فتذكر خصمه المبين، وترى آخر في بلاء، فتذكر العافية، ولهذا عدّ علماء البلاغة التضاد من علاقات المجاز.
والوحدة المكانيه: أن تحس الشيئين في مكان، وإن اختلف زمن الإحساس؛ كأن ترى شخصاً في مكان صباحاً، وترى شخصاً آخر في المكان نفسه مساء، فمن كثرت مشاهدته لشخصين في مكان، ثم رأى أحدهما، حضرت في ذهنه صورة الآخر.
ويتصل بهذا أن يجري ذى الواقعة، فينتقل ذهنك إلى مكانها، أو تشاهد المكان، فيحضر في ذهنك صورة الواقعة.
ومما يجري على هذا قول ابن الرومي:
وحبّب أوطانَ الرجال إليهم ... مآربُ قضَّاها الشباب هنالك
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصِّبا فيها فحنوا لذلكا
والوحدة الزمانية: أن تحس الشيئين في زمن واحدة، فإذا وقع بصر الإِنسان على شيئين في وقت واحد، ثم رأى أحدهما بعدُ، تذكر الآخر، بل إذا حدّث عن شخصين في وقت واحد حتى ارتسم لكل منهما صورة في قوته
(12/ 1/158)

الحافظة، ثم رأى أحدهما، أو جرى ذكره في المجلس، حضر في ذهنه صورة الشخص الآخر. ويدخل في هذا الباب تذكرُ الأسباب عند ذكر مسبباتها، أو تذكر المسببات عند ذكر أسبابها؛ كتذكر النار عند ذكر الحرارة أو الدخان، وتذكر الأجنحة عند ذكر الطيران، وتذكر الأمة وسعادتها عندما يطرق سمعك كلمة الاستقلال، ولهذا عدّ علماء البلاغة من علاقات المجاز: السببية، والمسببية.
ومما ينبهك على أن اقتران الشيئين في الزمان يجعل حضور أحدهما داعياً إلى حضور صورة الآخر: قول الخنساء:
يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأذكره بكل مغيب شمس
فإنها تذكره عند طلوع الشمس؛ لأنها كانت تراه وقت الطلوع في مظهر الشجاعة والتهيؤ للغزو، وتذكره عند مغيب الشمس؛ لأن وقت المغيب وقت توارد الضيوف عليه، وإطعامِه الطعام في الغالب.
وتسلسل الأفكار يتكون من هذه الروابط، ذلك أنك تنتقل من صورة أمر إلى صورة آخر، ومن هذه الصورة إلى غيرها، وهكذا يذهب بك التخيل من الأمر إلى ما يناسبه، حتى تضع سلسلة حلقاتها تلك الصور المتماثلة أو المتضادة أو المحسوسة في زمان أو مكان واحد. فإذا شاهدت مصادفة ثلجاً على شجر حوله رمل، وفي منتهى الرمل بحر، فقد يخطر ببالك الثلج في وقت آخر، فتنتقل منه إلى الشجر، ومن الشجر إلى الرمل، ومن الرمل إلى البحر. ولو كنت شاهدت في البحر سفينة، لكنت تنتقل من الرمل إلى البحر، ومن البحر إلى السفينة.
ولو شاهدت الثلج مركوماً في الشارع، والشارع محاط بمبانٍ ذات
(12/ 1/159)

نوافذ مفتحة، لكان لك عندما يذكر الثلج سلسلة أفكار، حلقاتها: الثلج، والشارع، والجدران، والنوافذ المفتحة. ولو اتفق لك أن كنت شاهدت في زمن آخر نوافذ يشرف منها وجوه بيض، لانتقلت من النوافذ إلى الوجوه البيض، ومن الوجوه البيض إلى الوجوه السود بوسيلة التضاد، ثم إلى البلاد التي تكثر فيها الوجوه السود، فتصل هذه السلسلة في التخيل بالسلسلة الأولى.
فالفكر يتسلسل بحسب المناسبة بين الصورة، وما يقع الانتقال منها إليه، وقد يتحد الشخصان في بعض حلقات التفكير؛ لتوافقهما في أسباب ارتباط هذه الحلقات، ثم يفترقان في غيرها من الحلقات، فتضع مخيلة كل منهما سلسلة غير السلسلة التي تضعها مخيلة الآخر.
ومثال هذا: أن يجري في حضرة المولع بالخمر، والقائمِ على أدوات الطعام، ذكرُ الكأس، فينتقل المولع بالخمر من الكأس إلى الخمر، ويذهب منتقلاً فيما يتبع الخمرَ من لهو وفسوق، أما القائم على أدوات الطعام، فإنه ينتقل من الكأس إلى الملعقة، إلى الشوكة، إلى الطبق، إلى المنديل، حتى يصنع سلسلة من هذه الأدوات وما يتصل بها غيرَ السلسلة التي صنعتها مخيلة المولع بشرب الخمر.
وتسلسل الأفكار يكون على قدر ما تحتويه الحافظة من صور الأشياء، فأفكار البدو لا يطول تسلسلها؛ لعدم كثرة ما تحتويه حافظته من الصور؛ بخلاف الناشئ أو المتردد على مدينة امتلأت بمظاهر العمران والزينة؛ فإنه يطول تسلسل أفكاره، وتجد مخيلته مسارح بعيدة المدى.
فالناس يتفاضلون في التخيل على قدر تفاوتهم فيما وقع إلى قواهم الحافظة من الصور، ويتفاضلون في التخيل أيضاً من جهة قوة الانتباه لما بين
(12/ 1/160)

الأشياء من المناسبات.
فالناشئ في مدينة كبيرة يفوق في التخيل الناشئ في بداوة، أو ما يشبه البداوة، وما ذاك إلا لكثرة ما يجده في حافظته من الصور المساعدة له على تأليف المعاني الجيدة.
وإذا وجدت رجلين يعيشان في بيئة واحدة منذ النشأة، ورأيت في أحدهما براعة في نحو الشعر والصناعة قد فاق بها صاحبه، فإن وجه فضله عليه من جهة قوة الانتباه لما بين صور الأشياء من المناسبات.
وقد يكون بين الشيئين ما يقتضي اقترانهما في الذهن، ولكن النفس قد تحس أحدهما، ويشغلها عن الانتقال إلى الأمر الآخر ما في ذلك الأمر الذي أحسته من معنى يجلب اهتماماً شديداً من حزن أو سرور.
وانظر إلى الشاعر حين أراد التنبيه على أن ذكر حبيبه لا يفارقه قط، كيف أخبر أنه يذكره في أشد حال من شأن الإِنسان أن يذهل فيه عن كل غائب، فقال:
ولقد ذكرتُك والرماح نواهِلٌ ... مني وسيف الهند يقطر من دمي
ثم إن المخيلة قد تنتقل من صورة إلى أخرى من غير قصد إلى غرض، ومن غير أن تكون تحت رعاية العقل، فتسمى: مخيلة آلية، وقد يكون انتقالها صادراً عن إرادة، ومحاطاً بانتباه، وهذا قد يكون الغرض منه الوصول إلى إدراك حقيقة، فتسمى: مخيلة علمية، وقد يكون الغرض منه الوصول إلى تأليف صور من المعاني جديدة، فتسمى: مخيلة إبداعية.
فالمخيلة الآلية: هي التي تسير دون قصد إلى جهة خاصة أو غرض معين؛ كأن يحصل للانسان استغراق في التخيل، ويذهب متنقلاً من معنى
(12/ 1/161)

إلى آخر، ويجول في جملة من صور الأشياء التي عرفها في الماضي من غير انتظام، ولا قصد إلى استنتاج.
ومن المرائي المنامية ما يرجع إلى عمل هذه المخيلة؛ حيث يزول الانتباه، ولا يبقى للاررادة سلطان، فتجري المخيلة طلقة من غير عنان، فتعرض على النفس صوراً غريبة، أو لذيذة، أو مؤلمة.
ومن المرائي ما هو إلهام إلهي؛ كما ثبت في نصوص الشريعة القاطعة، ودلت عليه التجارب الصحيحة.
والمخيلة العلمية: هي التي تتوجه بإرادة صاحبها، وتعمل تحت مراقبة قوته العاقلة، فتنتقل من صورة إلى أخرى تناسبها، حتى تجتمع في الذهن صور يحصل من ترتيبها على قانون المنطق إدراك حقيقة كانت خافية.
ويقول المتحدثون عن العالم "نيوتن": إن مخيلته العلمية قد انتقلت به من مشاهدة تفاحة سقطت على الأرض، وانساقت به إلى النظر في قانون الجاذبية.
والمخيلة الإبداعية: يتمكن بها الشخص من إحداث صور غريبة، إما محسوسة كما يفعل الصانع الماهر، أو معنوية كما يفعل الشاعر المجيد، فالصانع يفسح المجال لمخيلته، فتنطلق في صور ما شاهده من الأشياء، ويساعده ذوقه على أن ينتفي من تلك الصور ما يركب منه صورة جديدة.
وكذلك الشاعر يبعث مخيلته فيما عنده من صور الأشياء، ومازال على صورة بعد أخرى حتى يجتمع عنده ما يمكنه أن يركب منه صورة معنى لا عهد للأذهان به من قبل.
أما أثر التخيل في التربية، فإنك إذا لقنت الناشئ الأخلاق الحميدة،
(12/ 1/162)

والأعمال الصالحة، وذكرت له ما يترتب عليها من خير وسعادة، وجدته لا يذكر تلك الأخلاق والأعمال إلا وقد حضر في ذهنه ما يقع عقبها من الخير والسعادة، فينهض لها بقوة، وهذا شأنه حين تذكر له السيرة القبيحة، وتبين له ما يتصل بها من عواقب تعود عليه بالضرر والتهلكة، فإنه لا يخطر بباله شيء من الخلق الرذيل أو العمل القبيح إلا وقد حضر في ذهنه ما يعقبه من ضرر، فيدعوه ذلك إلى الكف عنه.
ولا ريب أن من لم يلقن فوائد الآداب الفاضلة والأعمال الصالحة، ويكون خالي الذهن مما يترتب على الأعمال المكروهة من فساد، تجده يذكر الفعلة القبيحة، فلا ينتقل ذهنه إلى شيء يردعه عنها، فيأتيها إجابة لداعي الشهوة.
ومتى كان تعليم الأخلاق وتقويم السيرة من جهة الدين، رأيت الناشئ يذكر جلال الله في كل وقت يهم فيه بامر نهى عنه ذو الجلال، وفي ذلك عصمة أي عصمة.
(12/ 1/163)

البراعة في الشعر مظاهرها - مهيئاتها - آثارها (1)
الشعر كلام يصاغ في أوزان مألوفة، على أن يستقل البيت أو الأبيات منه بإفادة المعنى الذي أراد المتكلم التعبير عنه. فإن ورد كلام في أسلوب النثر، ووُجدت قطع منه موافقة لوزن من الأوزان التي يتوخاها الشعراء في نظمهم، وهي لا تستقل بأداء المراد، وإنما تتم دلالتها عليه بأن تضم إليها شيئاً من النثر قبلها أو بعدها، فليست تلك القطع بشعر. وبملاحظة هذا القيد في تعريف الشعر، تحقق أن ليس في القرآن شعر، فإن ما يوجد من الآيات التي اتفق أن كانت موافقة لوزن من الأوزان المعروفة عند العرب، لا يخلو من أن يتوقف في إفادة المعنى على كلام ورد قبله، أو كلام يرد بعده. فالقطعة الموزونة إذا كانت متصلة بكلام غير موزون تقدمها، أو تأخر عنها اتصالَ التراكيب التي تصور كلاماً واحداً، لا تسمى شعراً.
كتب كاتب لأحد الأمراء ينذر عاملاً ويهدده بأوجز عبارة، فقال: "أما بعد: فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن، عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن، أغنت عزائمه، والسلام"، وفي هذا الخطاب كلمات إذا نطقت بها مقطوعة عما قبلها وما بعدها، وجدتها موزونة، وهي قوله:
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الأولى الصادر أول رجب 1367 ه الموافق 10 مايو مايس 1348 م - القاهرة.
(12/ 1/164)

أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمُهْ
ومثل هذا لا يسمى شعراً، ولا يسمى كاتبه شاعراً؛ لأنه مرتبط بقول قبله ليس بشعر، فإن الضمائر في قوله: "عقب"، وقوله: "عزائمه" إنما تعود على أمير المؤمنين الواقع في نثر قبله. ثم إن كلمة "أناة" مرتبطة بذلك النثر من جهة الإِعراب، إذ هي منصوبة على أنها اسم لحرف التوكيد في قوله: "فإن لأمير المؤمنين".
والشعر كسائر الكلام من مرسل وسجع، تتفاوت درجاته في فنون البيان، ويرتقي في سماء البراعة إلى أن يأخذ بالألباب، ويوجهها إلى أهداف كانت غافلة، أو صارفةَ النظر عنها. وإنما تظهر براعة الشعر في ناحيتين: ناحية نظم الألفاظ، وناحية تصوير المعاني.
ومن الشعر ما تكون براعته في نظم ألفاظه دون تصوير معانيه. ومن هنا ترى نقاد الشعر قد يقولون لك: جودة هذا الشعر في فصاحة ألفاظه دون ما يُصوره من المعاني، كما قال ابن الأثير في "المثل السائر" بعد أن ساق أبياتاً وصف فيها أبو نواس الخمر: "وجودة هذا الشعر في فصاحة ألفاظه، وأما معناه، فليس فيه كبير فائدة".
ويدخل في هذا القبيل أشعار محكمة النظم، ولكن صُور معانيها مشوهة؛ لاختلال في التخيل، أو سخافة في الرأي، أو خطأ في علم، أو استخفاف بدين حق، أو خرق لسياج أدب كريم.
ومن الشعر ما تكون براعته في تصوير المعاني دون صياغة الألفاظ؛ كالأبيات التي يقصد قائلها إلى معان جيدة، ويرد بعض ألفاظها في نظم غير محكم، أو على وجه لا تسيغه قوانين العربية الفصحى.
(12/ 1/165)

والشعر الحائز لمزيتي الإبداع في الناحيتين: اللفظية، والمعنوية، هو الذي يستحق أن يوصف بالبراعة على الإِطلاق، وهذا هو الذي يتنافس الناس في روايته، ويكثرون من ترديده على ألسنتهم، وهو الذي يتجه الأدباء إلى اختياره من أشعار الشعراء؛ كما فعل أبو العباس المبرّد، في كتاب اسمه: "الروضة"، بدأ فيه بأبي نواس، وأورد فيه طائفة لشعراء عصره، وكما صنع كل من أبي محمد عبد الله بن الفياض، وأبي الحسن علي بن محمد السماطي؛ حيث اختار كل منهما من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت، وكما اختار ابن سعيد الأندلسي من ديوان كل شاعر بيتاً جعله ملك شعره، وجمع من ذلك كتاباً سماه: "ملوك الشعر".
والشعر الحائز للمزيتين هو الذي يقولون في مثله: كان الأمير أو العالم الفلاني كثيراً ما ينشد قول الشاعر كذا؛ كما قالوا: كان سيف الدولة يكثر من إنشاد قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وكان الناصر كثيراً ما ينشد قول الشهاب التلعفري:
وتفردت بالجمال الذي خلا ... ك مستوحشاً بغير رفيق
وكان أبو منصور قايماز كثيراً ما ينشد قول أسامة بن منقذ:
إذا أدمتْ قوارضُكم فؤادي ... صبرت على أذاكم وانطويتُ
وجئت إليكمُ طلقَ المحيا ... كأني ما سمعتُ وما رأيتُ
والشعر الممتاز بالإِبداع في تأليف لفظه وتصوير معناه: هو الذي يرتاح له صاحب الذوق اللطيف في أدب اللغة، ويبدو أثر هذا الارتياح في حال، أو قول يدل على شدة إعجابه به.
(12/ 1/166)

أنشد أبو الحسن الأبياري بين يدي الصاحب بن عباد قصيدته التي رثى بها الوزير ابن بقية: علوٌّ في الحياة وفي الممات.
ولما أنشد قوله منها:
ولم أر قبلَ جذعِك قطُّ جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
قام إليه الصاحب، وعانقه، وقبَّل فاه.
ولما اطلع العلامة ابن الدقيق على قصيدة ابن خميس التي يقول في طالعها:
عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
استوى قائماً من فرط إعجابه بها.
وسمع ابن جني قول المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
فقال: لو لم يقل المتنبي غير هذا البيت، لتقدم به أكثر المحَدثين.
ودخل الشاعر المدعو ابن جاخ على المعتضد بن عباد، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول في طالعها:
قطّعتَ يا يوم النوى أكبادي ... ونفيت عن عيني لذيذ رقادي
فلما انتهى من إنشادها، قال له المعتضد: اجلس، فقد وليتك رئاسة الشعر، ولم يأذن في الكلام لأحد من بعده.
والشعر البارع بصياغة الألفاظ وتصوير المعاني: هو الذي يقصد كبار الشعراء إلى موازنته؛ كقصيدة أبي الحسن علي الحصري:
يا ليلُ الصبُّ متى غدُه ... أقيام الساعة موعده
(12/ 1/167)

فقد وازنها من المتقدمين: نجم الدين أبو موسى المعروف بالقمراوي، ومن المتأخرين: أمير الشعراء شوقي بك.
ومثل قصيدة الشاعر صرّدر، التي يقول في طالعها:
أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم الظباء العين
فقد وازنها ابن التعاويذي بقصيدة نظمها في وزنها وعلى قافيتها، وكذلك فعل ابن المعلم.
والشعر الحائز للمزيتين: هو الذي يرتفع به قدر الشاعر، ويأخذ به في قلوب الأدباء مهابة، ويحميه من أن يتعرض الشعراء لهجائه.
هجا الأحوص رجلاً، فجاء الرجل إلى الفرزدق يطلب إجازته بهجاء الأحوص، فقال له: أليس الأحوص هو الذي يقول:
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما ... فقد هاج أحزاني وذكرني نُعما
قال: بلى، قال: والله! لا أهجو رجلاً هذا شعره!
وأكثر ما يختلف الرواة في نسبته من الشعر: هو الشعر البارع في نظمه ومعناه، مثل الأبيات المصدرة بقول قائلها:
وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعَف الغيث العميمِ
فقد نسبها بعضهم إلى المنازي من أدباء الشرق، ونسبه الآخرون إلى حميدة الأندلسية.
ومثل قول القائل:
رعى الله ليلات تقضت بقربكم ... قصاراً وحياها الحيا فسقاها
فما قلت إيه بعدكم لمسامرٍ ... من الناس إلا قال قلبي آها
(12/ 1/168)

فقد نسبت لأبي البركات المعروف بالمستوفي، ونسبت لحسام الدين الحاجري؛ حيث توجد في أثناء قصيدة من ديوانه.
وقد يتنازع الشعراء أنفسهم في الشعر البالغ في الجودة درجة قصوى، فيدّعي كلٌّ أن الشعر وليد قريحته، كما تنازع أبو طالب المعروف بابن الخيمي، وابن إسرائيل في القصيدة التي جاء فيها البيت المشهور:
يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وحكّما ابن الفارض في ذلك، فحكم بها لابن الخيمي، بعد أن نظر في شعريهما، ووجد القصيدة إلى شعر ابن الخيمي أقرب، وأسلوبها بأسلوبه أشبه (1).
__________
(1) ذكر في نهاية البحث كلمة (يتبع)، ولم تنشر التتمة في الأعداد التالية من المجلة. كما لم أعثر على بقية البحث في المجلات الأخرى.
(12/ 1/169)

كتّاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر (1)
عهدتُ الأدب في تونس بطيءَ السير، قصير الخطا. وما بطء سيره وقصر خطاه لبخل في قريحة الفتى التونسي، أو لضيق في متقلب خياله، أو لإِملاقه من مباني اللغة وفنون بيانها، فإن في ذلك الفتى ألمعية، وفي ذلك الوطن حضارة، وفي الجامعة الزيتونية والمدارس التي تستمد منها لغة فصحى وبلاغة، وإنما هي وسائل النشاط على الإنشاء والنظم لم يحظ منها الأديب التونسي بمثل ما حظي به الأديب الناشئ على وادي النيل، ولهدوء السياسة وطغيانها أثر في نهضة الأدب شديد، فشأن السياسة القاسية أن تقلب النباهة إلى خمول، وتعيد الفصاحة إلى ما يشبه الفهاهة، وإذا نبت في بيئتها أديب فائق، فإنما هي عبقريته الفذة تسمو به حتى يخرج عن طبائع هذه البيئة ما استطاع.
ما برحت النفس مشوقة إلى أن تعلم المدى الذي بلغته نهضة الأدب في وطن ابن رشيق، وابن خلدون، حتى طلع علي كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" صنع الكاتب البليغ السيد زين العابدين السنوسي.
أسمتُ النظر في هذا الكتاب، وما انثنيت عن مطالعته، حتى ملكني ابتهاجٌ بطريقة بحثه، وإعجاب بما تجود به قريحة ابن الخضراء، أو القيروان،
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد 89 من السنة الثانية الصادر يوم الخميس 30 رمضان 1346 ه - القاهرة.
(12/ 1/170)

أو الساحل، أو بلاد الجريد.
أبتهج لأن أرى في تونس أقلاماً يدق مسلكها، وتنحو فيما تكتب نحو الصراحة، وكذلك صنع مؤلف كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر"؛ فقد أخذ في الوصف والنقد مأخذاً طريفاً، ونحا فيهما نحو من لا يضرب قلمه على مداجاة، وإنك لتقرأ ما يحدّث به عن نزعة الشاعر الأدبية، فلا تحس منه إلا أنه يقصد إلى تصوير ما يراه واقعاً، وانما يترقى فن الوصف والنقد بمثل هذه الأقلام.
أُعجبت بما اتسق في الكتاب من أدب موزون؛ إذ آنست فيه معاني وسيمة، وتخييلاً بديعاً، وغيرة على حقوق البلاد، ولا أُحجم أن أقول في كثير منه: إنه وليد عبقرية نادرة.
يخبرنا هذا الكتاب بأن نهضة الأدب في تونس أخذت -بفضل نبغائها- تقاوم طبائع العسف والسيطرة الجافية، وإذا كان في يد المسيطر أن يحول بين الجماعة والتطور الذي يجرها إليها الجهل أو الأهواء، فإن التطور الذي تنساق إليه بباعث من الحق لا تقف دونه سيطرة. فخير لمن يضرب على نهضة الأدب حصاراً، أو يشد عليها وثاقاً، أن يدرأ عنها العذاب، ويدعها تمشي في مناكب الأرض، أو تصعد إلى عَنان السماء.
يخبرنا هذا الكتاب بأن الزمن ابتدأ يعيد لذلك القطر عهدَ الحصري، وابن رشيق، وما شهدنا فيه من فلسفة وخيال يرمز إلى أن تونس ستفوز باستقلالها الأدبي، ولا ترضى أن يكون لشاعر شرقي أو غربي على أبنائها من إمارة.
أما في الموازنة بين من تلا علينا هذا الكتاب شذوراً من أشعارهم، فإن يوم الموازنة بين الشعراء يوم عسير، وهذا ما يتلبث بي أن أورد من مجموعة
(12/ 1/171)

هذه الأشعار طائفة تمثل صفاء الذوق، وسعة الخيال، وجودة التنسيق، وحسبي في هذه الصحيفة أن أقول: إن من يلقي نظرة على كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" نظرة مجردة من كل شيء ما عدا الإِنصاف، لا يسعه إلا أن يذكر تونس في نسق البلاد التي نبت فيها الأدب نباتاً حسناً، وكيف يأبى أن يذكرها في هذا الصدد، وهو لا يستطيع أن ينشدنا لابن عشرين من نابتة الأقطار الأخرى شعراً أرقى من شعر هؤلاء الذين عرض علينا هذا الكتاب مختارات من بنات قرائحهم، وما بلغوا أو برحوا سن العشرين.
ولعل السيد زين العابدين السنوسي يكون مرتاح الضمير إذا شاركته فيما دار بينه وبين الأستاذ صالح النيفر من محاورة، ولا خير في تقريظ لا يمثل الصراحة، وإنما الخير في تمحيص بحياة الجماعة وطرق سعادتها من آراء.
يقول السيد زين العابدين السنوسي في الحديث عن الأستاذ صالح النيفر: "ولا يتصور صاحبنا إصلاحاً اجتماعياً، ولا حركة سياسية، ولا نهضة ولا حرية، ولا علماً إلا على طريق الدين والزعامة الدينية"، ثم قال: "وقد راجعناه في الأمر، فلم نر له من تقهقر ولا رجوع، فإذا قلت له كلمة في الفروق بين التيارات التاريخية، وإذا ألفته لحوادث العصر في طول البلاد، ومن خط الاستواء إلى القطبين، وإذا عددت له زعماء العالم اليوم، وليس فيهم من يمت إلى التعاليم الدينية بسبب، سد أذنيه عنه، وأعلمك أن الوسط التونسي وسط مسلم، لا يحيا بدون دين، ولا يقاد إلا بزعامته!.
أنا لا أذهب في فهم رأي الأستاذ صالح النيفر إلى أنه ينفي عن أمة لا تدين بالإِسلام أن تكون ذات مدنية وقوة وسلطان، أو أنه ينفي عن رجل
(12/ 1/172)

لا يدين بالإِسلام أن يقود أمة غير مسلمة، ويتقدم بها في هذه الحياة إلى غاية، أو يصل بها إلى أن تكون مستقلة، أو مستعمرة، وإنما يريد -فيما يُفهم- أن الإِسلام رسم للاجتماع والسياسة خططاً، ومن يؤمن بحكمة هذه الخطط يرى أن ما لا يجري عليها من الأعمال لا يستحق أن يسمى إصلاحاً، أو سياسة رشيدة، ومقتضى هذا: أن الزعيم الذي يتبع غير سبيل المؤمنين ليس بالزعيم الذي تمنحه الأمة المسلمة ثقتها، وتضع في يده زمام نهضتها، إلا أن تكون قد نسيت حكمة الله البالغة.
والتاريخ القديم والحديث يصدق أن ليس من أحد ينال الزعامة على شعب يبتغي الإِسلام ديناً إلا أن يعتقدوا به الإِخلاص للإسلام، وقد شهدنا رجالاً وقفوا موقف الزعامة بين أمم إسلامية، وكانوا يحملون في صدورهم جهالة على الإِسلام، فلم ينشبوا أن بدت هذه الجهالة على أفواههم، وظهر لها لون في سيرتهم، فما كان من المسلمين بحق إلا أن ضربوا بزعامتهم إلى وراء.
ونحن لا نتحدث عن زعامة يتمتع الرجل بها أياماً، أو زعامة يلقب بها الرجل على ألسنة طائفة من الناس، وإنما نريد زعامة يرضى عنها أولو الأحلام من الأمة، ويسير بها صاحبها في حزم وأمانة وثبات، وهذه الزعامة لا تستقيم إلا على رعاية ما ينصح به الإِسلام.
فمن يتحدث عن حال أمة إسلامية، وقال: لا يصلح اجتماعها، أو لا تنتظم سياستها، أو لا تنجح زعامة عليها إلا أن تكون من ناحية الدين، إنما يريد هذا المعنى الذي اهتدى له طائفة عظيمة من طلاب العلم بالمدارس العالية، فأنشؤوا (لمجمعية الشبان المسلمين) واطمأنت له قلوب طائفة عظيمة
(12/ 1/173)

من طلاب العلم بالمعاهد الدينية، فأنشؤوا "جمعية الهداية الإِسلامية". وبصر به قبل هؤلاء قوم آخرون، فأنشؤوا "جمعية مكارم الأخلاق الإِسلامية".
والذي يقول: لا تقوم زعامة في شعب إسلامي إلا على الدين، إنما يقصد إلى أن يأخذ في شرط الزعيم احترام مبادئ الشرع الحنيف، وسواء بعد هذا أكانت نشأته في نحو الأزهر وجامع الزيتونة، أم كانت في إحدى جامعات لندن وباريس.
فالمذهب الذي يجعل لإِصلاح الاجتماع والسياسة والزعامة صلة بالدين، هو مذهب كل من وقف على روح الإِسلام، ودرس أحوال الشعوب، ونظر إلى هؤلاء الزعماء كيف يحيون، وكيف يموتون وهذا المذهب -وإن ذهل عنه بعض شبابنا اليوم- فسيدرون أنه أقوم الطرق لإِحراز قوة تبلغ بها الأمة حيث تشاء، وبالأحرى حين يدخل أولو العلم في ملاحم الحياة الاجتماعية والسياسية أفواجاً، ويعبرون عن مقاصد الإِسلام بلسان الناصح الحكيم.
والأمل لا يزال راسياً على أن السيد زين العابدين السنوسي سيحقق النظر في صلة الإِسلام بالاجتماع والسياسة والزعامة، حتى تجد منه أمته المسلمة مصلحاً حازماً، كما وجد منه الأدب كاتباً ناقداً مجيداً.
والذي يعنينا بعد هذا أن يقدر الشعب التونسي صناعة الأدب، ويدرك فضل الشاعر والناقد، ولا يستهين بمثل هذا التأليف الذي صاغته براعة الماجد السيد زين العابدين السنوسي، فإنه عمل قيم نبيل، وأكبر عامل لإِعلاء شأن الأدب أن يقدر الشعب شعراءه وكتّابه، وأن يكون بالمبدعين من هؤلاء وهؤلاء حَفِيّاً.
(12/ 1/174)

رثاء عمر بن الشيخ (1)
داعي المنية من بعد الهجوع سرى ... ليلاً وحلّ نظام المجد فانتثرا
يمد باعاً إلى نهب النفوس وإن ... كانت ينابيع خير في الورى انتشرا
لو كان يرهب نفساً في العلى بلغت ... أعلى الذرى ما انتقى ابن الشيخ واهتصرا
ذاك الهمام الذي كنّا نشدّ به ... مآذر الفهم أو نستمطر الدُّررا
كان المدير لأقداح العلوم إلى ... أن أوردته المنايا وِرْدها الصّبرا
وهو الأمين إذا يروي المقول وإن ... أورى قوادح فكر حقق النظرا
من ذا يرجّى لكشف المعضلات ومن ... نأوى إليه إذا ما حادث عسرا
ضاهى أبا حفص الفاروق في لقب ... ونصرِ شرعةِ حقّ حيثما ظهرا
نضى لدى مجلس الأحكام سيف هدى ... يذود عن حوضها الأقذاء والكدرا
__________
(1) أبيات نظمها الإمام محمّد الخضر حسين في رثاء شيخه المرحوم العلامة عمر بن الشيخ، ولم تطبع في ديوان الإمام "خواطر الحياة". عثرت عليها في كتاب مخطوط في تونس "تراجم المفتين" للشيخ محمد البشير النيفر -رحمه الله-, وجاء في المخطوط:
هذه مرثية للعالم الشاعر محمد الخضر بن الحسين يرثي فيها الشيخ عمر بن الشيخ المدرس بجامع الزيتونة يومئذ.
(12/ 1/175)

وسار في خطة الفتوى على رشد ... عشرين حولاً فكان القوس والوترا
له من الله غفران ومكرمة ... جزاء سعي وإخلاص به اشتهرا
ورزؤه قد شبا بين الضلوع لظى ... وفجَّر الدمع من أجفاننا نهرا
فقال باكيه مأسوفاً يؤرخه ... بدر العلى كاسف من فقده عُمَرا
(12/ 1/176)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(24)

«السَّعَادَةُ العُظمَى»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(12/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(12/ 2/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
لعل من أندر التراث الفكري الإسلامي للإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين، هو ما فاض به بحره في أول ميدان صال فيه وجال، ونعني به المجلة الإسلامية الكبرى "السعادة العظمى" التي كان لها شأن، وأي شأن في صدق الدعوة وإخلاصها لله سبحانه وتعالى.
وقد عثرت في صيف عام 1972 م عندما زرت تونس، ومن خلال بقايا مكتبة العم اللغوي المرحوم محمد المكي بن الحسين على مجموعة فريدة من كامل الأعداد التي صدرت من المجلة، وكان قد أعياني البحث عنها في مختلف المكتبات العربية -العامة منها والخاصة- سواء في دمشق أو بيروت أو القاهرة، ولكن دون جدوى حتى وقعت على هذه المجموعة النادرة، وإنها مشيئة الله أن يبقى هذا الأثر في حفظ حتى ينشر بين الناس، وأن لا يضيع هذا الجهد الإسلامي العظيم مع الأيام.
وثمة مجموعة من مجلة "السعادة العظمى" طالعتها في دار الكتب الوطنية بتونس، غير أن أعدادها ناقصة.
وإني أرى من الواجب أن أشير إلى مجلة "السعادة العظمى" إشارات خاطفة؛ وفاء للشيخ أولاً، وللتاريخ من بعد، وإن هي إلا كلمة موجزة:
صدر العدد الأول من مجلة "السعادة العظمى" في 16 محرم من عام
(12/ 2/3)

1322 هجري بِقطْع من الورق الجيد، مقياس 17 - 24 سم، وبعدد من الصفحات لا تتعدى 16 صفحة، وقد جاء تحت عنوان المجلة ما يلي: "مجلة علمية، أدبية، إسلامية تصدر في غرة كل شهر عربي، وفي سادس عشره".
ما إن صدرت المجلة حتى استقبلها أهل العلم والأدب بحفاوة تتناسب والمكانة العلمية المرموقة التي يتمتع بها صاحبها لدى كافة الأوساط الفكرية، سواء في العالم الإسلامي، أو في مكان صدورها تونس، وخاصة في جامع الزيتونة أكبر معهد إسلامي في المغرب العربي، وكيف لا يحتفل بها الزيتونيون؟ وصاحب المجلة طود من أطواد تلك القلعة الإسلامية الخالدة التي تخرَّج منها الثائرون على الاستعمار الفرنسي، والذين قادوا الحركات الاستقلالية في تونس والجزائر والمغرب.
ولا أدل على صدق الصورة التي خرجت فيها المجلة إلى النور من التقاريض التي يطالعها القارئ في مقدمة هذا الكتاب، والتي أثبتناها بنصوصها الكاملة؛ حفاظاً على قيمتها الأدبية، ومن أهم التقاريض التي وردت إلى المجلة، ما بعث به العلامة القدوة الشيخ سيدي محمد المكي بن عزّوز -وهو خال الإمام- ومما جاء في التقريض قوله:
"وبالجملة فتلك مفخرة للخضراء (1) بين الممالك، ويفهم من آثار أهلها اعترافهم بذلك، وأبلغكم -لتحمدوا الله- أن كل من رآها هنا في الآستانة العلية أُعجب بها، وتحقق بمجموع ما احتوت عليه نموَّ العلم في تونس ونشاط طالبيه، وأن سوق التفنن بجامع الزيتونة معمور، وهذا مما يعم به
__________
(1) تونس، ويقال تونس الخضراء.
(12/ 2/4)

في العالم الإسلامي السرور، والمظنون أن سيكون لها شأن يعتبره المشرقان والمغربان ... ".
ولا أطيل الحديث عن التقريض، فهذا مما يطالعه القارئ في هذا الكتاب، كما لا أطيل الكلام على نهج المجلة وأبوابها، فإن مقدمة الإمام في هذا الأثر هي مقدمة مجلة "السعادة العظمى" بالنص الكامل، وإن دراسة المقدمة توضِّح سياسة المجلة في شتى العلوم والفنون، وأنها وزعت على أبواب، باب يشمل الافتتاح بمقالة تتخذ مظهراً تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، وباب تعده معرضاً لعيون مباحث علمية، وباب للآداب، وباب رابع للأخلاق، وباب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة في مسائل شتى.
ولئن قوبلت المجلة بالترحاب، وملأت فراغاً كبيراً في ميدان الثقافة الإسلامية في تونس، فإنها كانت وخزاً للمستعمر الفرنسي الذي دأب منذ صدورها على محاربتها، وملاحقة صاحبها، ومضايقته بشتى الطرق، حتى تم له إغلاقها ولم يمض عام على صدورها، وكان عددها الأخير يحمل عدد 21 غرة ذي القعدة 1322 ه.
وقد حدثني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين -رحمه الله-: أن العم الإمام كان يصدر المجلة من داره في العاصمة تونس "نهج رحبة الغنم"، وكانت داره منتدى إسلامياً كبيراً يؤمه رجال العلم والأدب من تونسيين وعرب، وهذا هو السبب الذي دفع الاستعمار الفرنسي للتضييق على الشيخ مما أدى به الأمر إلى مغادرة البلاد تحت وطأة الاضطهاد، يتابعه حكم بالإعدام يحول بينه وبين العودة إلى الوطن.
(12/ 2/5)

وقد عمدت عند تحقيق هذه المجلة، وإعداد مباحثها التي كتبها الإمام الأكبر فقط للطبع، إلى جعل مقدمة المجلة مقدمة لهذا الكتاب الذي له نفس اسم المجلة "السعادة العظمى"، ومن ثم أوردت التقاريض حسب تسلسل نشرها في مختلف الأعداد، ومن بعد يطالع القارئ آثار الإمام التي نشرها في المجلة، وقد رتبتها بثلاثة فصول: يضم الفصل الأول المباحث العلمية، والفصل الثاني المباحث الأدبية، وأخيراً الأسئلة والأجوبة (1).
والله سبحانه وتعالى نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا حسين
__________
(1) ملاحظة: حذفنا من الكتاب المقالين: "النهضة للرحلة" و"الرحلة الجزائرية" لسبق نشرهما في كتاب "الرحلات" للإمام.
(12/ 2/6)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين (1)
نتحرى باسمك اللهم أسلوباً حكيماً، ونضع لعارضة اليراع قسطاطاً مستقيماً، ونستفتح خزائن النعم، ونستمنح لطائف الحكم، بحمد تنفث فيه الأفئدة روح الاخلاص، وتسلك بصيغته الألسنة مسلك الاختصاص، ونصلِّي على مبدأ عقد الرسل ومنتهاه، وواسطته الذي لم يتمخض الكون بمثل محيَّاه، وعلى آله وأصحابه، القابضين على سننه وآدابه، وننشر بيد الاستعطاف ألوية الرضا، على من له في فهم مقاصد الشريعة اليد البيضا، أما من انفرد بمضيق في بنيّات الطريق، فزاع بالكلم عن مدلولها، وانتزع الفروع من غير أصولها، فإليك إيابه، وعليك حسابه.
أمّا بعد:
فإن العلم أساس ترفع عليه قواعد السعادة، ولا تنفتح كنوزه إلا بتدقيق النظر ممن تصدى للإفادة أو الاستفادة، وهاته مقدمة لا يؤود اللسان حفظها، ولا يكبر على صدف المسامع لفظها.
أما العقل الذي يقدر الأشياء حق قدرها، ويسير بمعيار التدبر والانصاف
__________
(1) المقدمة التي افتتح بها الإمام مجلة "السعادة العظمى"، وقد استوفت جميع صفحات العددين الأول والثاني الصادرين بتاريخ 16 محرم 1322 ه.
(12/ 2/7)

بعد غورها، فلا ينسج إلا على منوالها، ولا يرسم حركاته إلا على أشكالها، وباستفراغ الوسع بالسعي وراء نتائجها العظام، دبَّر أبناء نشأتنا الأولى شؤون العالم بأبدع نظام، انفلق أمامهم صبح المعارف والهداية، فاستنقذوا من عماية الجهالة وظلمات الغواية، ونبذت مداركهم الوقوف مع الظواهر ظهرياً، ونشبت بلبابها فاقتطفته من أفنانه غضاً طرياً، ولم تستفزهم نزعات الكسل إلى البطالة والخمول، أو تجمد بهم عن التصرف فيما أضافه الشارع إلى المعقول، ولم تطرقهم -وهم الأشداء- نكبات الضعف، ولم يساموا وهم الأعزة بسوء الهوان والخسف، واستنكفوا من أن تكون ألسنتهم مركزاً للهذيان، واشمأزوا من أن تصبحَ سرائرهم مغمزاً لأصابع الشيطان، وما برحوا يعملون على هاته الشاكلة، متعاضدين على تأييدها بالاتحاد والمشاكلة، إلى أن استحوذ الفشل على بعض النفوس المستضعفة، وانخدعت بدسائس ما زيَّنه من الأباطيل وزَخرفه، ومدَّ يده "رماها الله بالشلل"؛ لنقض شيء من عرى ذلك الاستحكام وقد فعل.
ومن ثم أزمع أبناء النشأة الآخرة، علاج تلك العلة الفاقرة، ومما تنافسوا في اتخاذه ذريعة لنجاح الأمنية، وتسابقوا إلى انتضاء غاربه فكان أسرع مطية، تدوين المجلات والجرائد، وترصيع عقودها بنفائس الفرائد.
وكثيراً ما ترصدنا فترة من العوائق لمسايرتهم بتحرير مجلة علمية أدبية، توفية ببعض حقوق دينية، ولم تهب رياح القدر مسعفة بفصالها إلا في هذا الإبان، فخطرت بأمر مليكنا الأسمى، ومطلع السعادة العظمى، من أحيا بشباب ملكه مجد الأمة، ورفع سمك ترقيها بأكمل تبصر وأفخم همة، وانشرح به صدر الإسلام، وابتهجت بطالعه الأسعد ثغور الأيام، حضرة مولانا وسيدنا
(12/ 2/8)

"محمد الهادي باشا باي" أطال الله أمد حياته كما أطال له برود الإسعاد، وفاضت على يد تدبيره ينابيع الصلاح والسداد، ولا برحت حدائق آماله مثمرة، ورياض أنسه بأنجاله الأكرمين مزهرة.
ولنتجاوز إثر هذا إلى صوغ سبيكة، تتجلى في مرآتها الأغراض التي تناط بها إرادة هاته المجلة فنقول:
تفاتح مطالعيها بمقالة تتخذ مظهراً لبعض مطالب تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، ويتلوها باب نعده معرضاً لعيون مباحث علمية، ولا نريد إلا انتظامها في أسلاك ما هو التحقيق بما يتخللها من الأفكار السامية، ويقفوهما باب ثالث تُنشر فيه من الآداب ما يكون مرقاة للتقدم في صناعتي الشعر والكتابة لا ليتمتع بها عند المسامرة، ثم ترفض كأضغاث أحلام، ونقصُّ في هذا الباب من التاريخ أحسن القصص، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب، ويتصل بذلك باب رابع يبحث فيه عن الأخلاق كيف ينحرف مزاجها، وبماذا يستقيم اعوجاجها، ويندرج تحت عنوانه الاستشراف إلى العوائد من خلال الشريعة، ويليها باب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة عنوانها مسائل شتى.
ولنعطف عنان القلم قبل نشويه بأطراف المقاصد إلى الإفصاح عن ثلاث تلويحات، يزداد بها المنهج الذي نصرف إليه الوجهة اكتشافاً:
التلويح الأول: لا ينازع في شرف العلم إلا جاهل لم يضرب له مع أهله بسهم، ولكن ذلك الشرف لا يثبت له بشهادة الشارع إلا من جهة أنه يفيد عملاً مكلفاً به، وهذا منتزع من عدة مواضع من الشريعة، كالإعراض عن إجابة المسائل التي لا يتعلق بها تكليف، والنهي عن كثرة السؤال؛ لأنه
(12/ 2/9)

مظنة السؤال عما لا يفيد، وبهذا تقيد النصوص المطلقة الواردة في فضله، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة".
وصرَّح بعض الكاتبين بأنه شريف لذاته، واستند في ذلك إلى أنه لذيذ في نفسه، إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم، ومحبة الاستيلاء قد جُبلت عليها النفوس فيطلب لذاته، وهاته شبهة، والذي ينفض قتامها أن مجرد الاشتمال على اللذة لا يقتضي شرفاً من قبل أن تقام عليه شهادة من الشارع، وكأين من لذة تقع من الإنسان موقع الطيبات، والأحكام الشرعية تريه أنها من أفرد الخبائث، كالزنا وشرب الخمر وسائر وجوه الفسوق والمعاصي، ولا ينتقض ما عقدناه بأنَّا نجد من العلوم ما هو فضيلة مثاب عليها، كالعلم ببعض الأحكام التي لم يحدث في الخارج ما تنطبق عليه، لأنه مظنة الانتفاع عندما يوجد محله.
ويتفرع من هذا الأصل أن الخوض في المسائل التي لا يستنتج منها فائدة أو يستعان بها على ذلك الاستنتاج، ضرب من اللاغية وتعطيل للوقت النفيس من حلية الأعمال النافعة، ويلتحق بها في السقوط عن درجة الاعتبار الخلافات التي لا تنشق عن ثمرة، كاختلاف الأصوليين في مسألة هل كان عليه الصلاة والسلام قبل النبوءة متعبداً بشرع أم لا؟ ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ومسألة أمر المعدوم، وكاختلاف أهل العربية في مسألة اللهم، ومسألة أشياء، ومسألة اشتقاق الفعل من المصدر وغير ذلك.
ويجتنى من هذا الفرع أن هاته المجلة لا تنثر من كنانتها إلا ما يشمله نظر الشارع بعنايته.
(12/ 2/10)

ومن ههنا نتخلص بطريق وجيز إلى خلاصة العلوم التي تنطق هاته الصحائف ببدائها، وهو التلويح الثاني:
تتنوع هاته العلوم إلى نوعين:
الأول: ما دونه أهل الإسلام، وهو إما لبيان ألفاظ القرآن فعلم التفسير، أو ألفاظ السنّة فعلم الحديث، أو لإثبات ما يستفاد منها وهو: إما عن الأحكام الأصلية الاعتقادية فعلم الكلام، أو عن أحوال النفس فعلم الأخلاق، أو عن الأحكام الفرعية فعلم الفقه. ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهو أصول الفقه، أو ما دوّن لمدخليته في استخراج تلك المعاني من الكتاب والسنّة وهو علم الأدب، وينقسم على ما صرح به الأئمة إلى اثنى عشر علماً، منها أصول ومنها فروع، أما الأصول فالبحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها وهو علم متن اللغة، أو من حيث صور هيئاتها وهو الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية وهو علم الاشتقاق، وإما عن المركبات على الإطلاق فإما باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية وهو النحو، أو باعتبار إفادتها معاني متغايرة الأصل وهو علم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب الوضوح فعلم البيان، وإما عن المركبات الموزونة، فإما من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر بقيتها فعلم القوافي، وأما الفروع فالبحث فيها إما أن يتعلق بنقوش الكتابة وهو علم الخط، أو يختض بالمنظوم وهو العلم المسمى بقرض الشعر، أو بالمنثور هو علم الإنشاء النثري من الرسائل والخطب، أو لا يختص بشيء منها وهو علم التاريخ والمحاضرات، وأما البديع فقد
(12/ 2/11)

جعلوه ذيلاً لعلم البلاغة.
النوع الثاني: ما دوّنه الفلاسفة كعلم المنطق والهندسة والعدد والطبيعة والطب والهيئة.
ولنلمع بعد أن انضبطت هاته العلوم بوجه إجمالي إلى استطلاعات يتطرق بها إلى أبوابها، وهي التلويح الثالث:
- الاستطلاع الأول:
لما استيقن الصحابة أن فهم القرآن مرتقى صعب لا يتسنمه كل نظر، انتهضوا يفتتحون باب تفسيره وتأويله، والعلماء بعدهم على آثارهم مقتدون؛ رعاية لجانب من لا يهتدي إلى ذلك سبيلا، أما من تبحر في أصول الشريعة وفروعها، وبرع في الصناعة العربية بأنواعها، وتوفر له بذلك وجدان يدرك به كنه الإعجاز، فما كان ينبغي له الإقامة تحت قيد الحجر عالة على غيره، وروي عن ابن عباس أنه قال: "إن في القرآن علماً لا يسع أحداً جهله، علماً تعرفه العرب، وعلماً تعرفه العلماء، وعلماً لا يعرفه إلا الله".
وهذا تقسيم للقرآن بحسب انقسام الناس فيه، فمنهم المقصر الذي لا يعلم إلا البيِّن، ومنهم الفصيح الذي لا يخفى عليه قصد المتكلم من تفسير الألفاظ ومقاطع الكلام، فيختص بمعاني خفية دون الأول:
ولكنْ تأخذ الأفهامُ منه ... على حسب القرائح والفهومِ
وحديث "من تكلم في القرآن بغير علم فقد أخطأ وإن أصاب"، معناه صحيح، وإن لم يصح سنده، وذلك بتخريجه على من تكلم في المشكل وهو لا يجد إليه سبيلاً مما يرجع إليه في تفسير ألفاظه.
(12/ 2/12)

ويشترط لفهمه أن يكون مطابقاً لما تقتضيه قوانين اللغة العربية انطباقاً مَحكماً لورود القرآن على أساليبها، بحيث لا يقتبس من مشكاة أنواره إلا ما يفهمه بلغاء العرب الذين نزل في عصرهم، ولا يكن في صدرك حرج من أن الصحابة كانوا على علو كعبهم في الفصاحة، وذلك كثيراً ما يرجعون إليه عليه الصلاة والسلام بالسؤال عن أشياء لم تصل إليها أفهامهم، بل ربما التبس عليهم الحال ففهموا غير المراد، كما وقع لبعضهم في الخيط الأبيض والأسود، لأن عدم توصلهم لفهم تلك الآيات، لم يكن ناشئاً عن استعمالها في غير المعاني المعهودة عندهم، أو على غير النمط المتداول بينهم، وإنما منشؤه الإبهام أو العموم أو الإطلاق، وهاته الطرق يرتكبها فصحاء العرب، فتحتاج إلى بيان أو تخصيص أو تقييد، وأما الاشتباه الذي وقع لعدي بن حاتم فلعدم اهتدائه لقرينة ذلك المجاز، يشهد لذلك ما أجابه به عليه الصلاة والسلام.
وقد انجر الغلو ببعضهم في تفهم قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38} {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، فأضافوا إليه كل علم للمتقدمين أو المتأخرين، حتى أهل المعمى والألغاز لم يتركوا حظهم، فقالوا في قوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56] ما يمجه السمع ويتبرأ منه العقل، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والمراد بالشيء في الآيتين على ما قاله المحققون، ما يتعلق بحال التكليف، وحمل الكتاب في الآية الأولى على اللوح المحفوظ وما هو من سياق الآية ببعيد.
وإذا تحقق هذا الأصل الأصيل، فإنا نجعله مركزاً لدائرة هذا الفن،
(12/ 2/13)

فلا نتقدم للخوض في عبابه إلا بعد الاعتصام به.
- الاستطلاع الثاني:
كان للسابقين الأولين توفر رغبة في رواية حديثه عليه الصلاة والسلام، حتى كان أحدهم لشدة اعتنائه بذلك يقطع المراحل الشاسعة، ويجوز المفاوز المتسعة، غير مكترث مما يتجشمه من العناء في طلب حديث واحد يسمعه من روايه:
وكنتُ إذا ما جئتُ سعدى أزورها ... أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدها
ولما قلَّ الضبط والتحري من الرواة "وما آفة الأخبار إلا رواتها" اشتدت الحاجة إلى تدوينه محافظة على ما فيه منافع للناس، من أهمها تبيينه لهم ما أنزل إليهم، واختلف أول ما صنف في الإسلام، قيل: "كتاب ابن جريج"، وقيل: "موطأ مالك بن أنس"، وقيل: إن أول من صنف وبوَّب، الربيع بن صبيح بالبصرة.
ومن أهل هذا الشأن من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً؛ ليحفظ لفظه، ويفهم معناه، كما فعل "عبد الله بن موسى الضبي" وغيره، ومنهم من أثبت الأحاديث من مسانيد رواتها، فيذكر مسند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ويثبت فيه كل ما رووه عنه، ثم يذكر الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق، وهاته طريق "أحمد بن حنبل" وجماعة اقتفوا أثره في ذلك، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فإن كان في معنى الصلاة ذكروه في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه فيها، كما فعل "مالك بن أنس" في "الموطأ" ثم اقتدى من بعده.
(12/ 2/14)

- الاستطلاع الثالث:
كانت العقائد في صدر الإسلام متمكنة تمكناً لا تزلزله الشبهات، كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، إلى أن خرجت طائفة من المبتدعة الضالين يبتغون الفتنة باتباع المتشابهات، وقام في وجوههم العلماء الراسخون يعلمونهم تأويلها، وكلما أوقدوا ناراً للفتنة أطفؤوها بأفواه الحجج القاطعة، ولما لم ينقطع ما في قلوبهم من الزيغ الذي هو مثار تلك الفتن، دوَّن أولئك العلماء علماً يُقتدر به على إثبات العقائد، وهاته العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليُعتد بها.
ومما يوجد في طوالع الكتب المؤلفة في هذا الفن، أنَّ أرفع العلوم الدينية ورئيسها علم الكلام، ووجهه أن المفسّر إنما يبحث عن معنى كلام الله تعالى، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم، وأما المحدِّث فإنما يبحث عن كلام رسول الله وذلك فرع التوحيد والنبوة، إلا أنه مرؤوس لعلم التفسير من جهة أخرى، وهو ما أشرنا إليه من أن تلك العقائد لا يُعتد بها إلا إذا أخذت من الشرع الذي أصله الكتاب، وعلى هذا صنيع القاضي البيضاوي حيث قال: "علم التفسير رئيس العلوم الدينية ورأسها".
- الاستطلاع الرابع:
كانت العرب على جانب من التعلق بمكارم الأخلاق، ولعقلائهم عناية كبرى بالشجاعة والوفاء بالعهد والكرم، ومن طالع أشعارهم الحماسية، وتردد في بيوتها ينخل من معظمها إلى هاته الأوصاف الثلاثة، إلا أنهم أُشربوا في قلوبهم غِلظة وفي ألسنتهم فظاظة، وكلٌ يسعى وراء داعية هواه، ولذلك كانت الحروب بينهم ناشبة أظفارها، حاملة على الدوام والاستمرار أوزارها، ولما
(12/ 2/15)

تنفس صبح الشريعة المحمدية، أخذت تنزع من نفوسهم ما استغلظ فيها من الرذائل، وتطبع فيها ما تتحلى به من الفضائل، وذلك أول ما خوطبوا به، وأكثر ما تجده في السور المكية، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النحل: 90] الآية. وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151]. وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} {الأعراف: 33] إلى غير ذلك من الآيات، وابتدئت المخاطبة في هذا النوع بما كان مألوفاً عندهم قريباً لعقولهم، حتى تمكنوا منه ورسخوا فيه، ثم خاطبهم بما كانوا يظنونه صلاحاً ولا يُعقل معناه من أول وهلة، كتحريم الخمر والميسر والربا وهو من آخر ما حُرِّم، والحكمة الغرّاء في ابتداهم بهذا النوع، إيناسهم بما يعهدونه في الجملة ويتمدحون به وهو من بديع السياسة، ولأن الأعمال الصالحة لا تقام إلا على تزكية النفس وطهارتها، يحقق لنا هذا قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا} [الأعراف: 58]، كما أن أضدادها لا تصدر إلا عن خبث ضربت عليه السريرة {وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا} [الأعراف: 58].
وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصعاد
وإذا نظر الإنسان نظرة أخرى، يجد ملاك الفضائل كلها إنما هو إشراق العقل، ويقع التفاوت فيها بحسب ذلك قوة وضعفاً، والذي يستوقده التعليم ينبئنا على هذا تقديمه على التزكية في قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129]، ومن أعار هذا الموضوع نظرة ثالثة استقبل منه
(12/ 2/16)

ما استدبر على غيره، وهو أن الأخلاق ليست كلها طبيعية، ولو كانت كذلك لرُفضت السياسات، وتُرك الناس همجاً، ولتُرك الأحداث والصبيان إلى ما تُلقيهم إليه قذفات الصدفة، ولعلنا نزيد هذا المبحث بسطة فيما يستقبل، والنظر إلى هذا المطلب من خلال الشريعة أقرب للإصابة لأنها مما أتقنت صنعه، وأحكمت بيانه.
- الاستطلاع الخامس:
القصد من التشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية على وجه يستقيم به نظامها، وهذا يستدعي إرشاد المكلفين إلى حكم كل ما عسى أن يُعرض لهم من الوقائع، ومن ثم أخذت الشريعة بالاحتياط الكافي لتعميم الأحكام، فنصت على بعض الجزئيات؛ ليقاس عليها ما يشاركها في علل أحكامها، وأفصحت عن كليات يدخل تحت ظلها سائر ما لم يُفصَّل حكمه تفصيلاً، ولوَّحت بذلك إلى أنظار المجتهدين، فبذلوا أقصى ما عندهم من الاستطاعة في استخراج الفروع من أدلتها، وأفردوها بالتدوين، وعلقوا عليها اسم الفقه؛ ليسهل تناولها على من لم يصل إلى درجة الاجتهاد، أما من استكمل شروطه المقررة في الأصول، فلا يسوغ له المقام في حوزة التقليد، ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا بدليل ينسخ الأدلة التي انفتح بها أولاً.
- الاستطلاع السادس:
بعد أن قضى العلماء حق الاستدلال عن الأحكام الفرعية بأدلتها، الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، استأنفوا الالتفات إلى كيفية ذلك الاستدلال، فانكشفت قضايا كلية تتعلق بكيفية الاستدلال، فدوّنوها وأضافوا إليه من اللواحق وسمّوا العلم المتعلق بها أصول الفقه، وأول من
(12/ 2/17)

صنف فيه الإمام الشافعي.
- الاستطلاع السابع:
من العلل التي طرأت على الألفاظ العربية استعمالها في غير ما وضعت، وهو من أتعس الذرائع للجهل بالقرآن والحديث، ولما انتبه لذلك عظماء الإسلام صرفوا هممهم في استيعاب الموضوعات اللغوية، وواصلوا فيها الدواوين، وهي موضوعة على أسلوبين، لأن من الناس من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظاً ويطلب معناه، ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ، ولكل من الطريقين وضعوا كتباً ليصل كل إلى مبتغاه، فمن وضع بالاعتبار الأول فطريقه ترتيب حروف التهجي، إما باعتبار أواخرها أبواباً وأوائلها فصولاً، كما اختاره "الجوهري في الصحاح"، و"مجد الدين في القاموس"، وإما بالعكس، كما اختاره "ابن فارس في المجمل"، ومن وضع بالاعتبار الثاني فطريقه أن يجمع الأجناس بحسب المعاني، ويجعل لكل جنس باباً، كما اختاره "الزمخشري في قسم الأسماء من مقدمة الأدب".
وقد اطلع أرباب هاته الصناعة على مأخذ عزيز، وهو أنهم وجدوا بعض الألفاظ عامة باعتبار وضعها خاصة بحسب استعمالها، ومعرفة الوضع في هذا النوع غير كافية، بل لا بدَّ من العلم بموارد الاستعمال، فتتبعوا ما كان من الألفاظ بهاته المثابة وأفردوها بالتدوين، وهو المسمّى "بفقه اللغة"، وهو من أكد ما يحيط به الكاتب والشاعر خبراً كي لا يُحرِّف الكلم عن مواضع استعماله.
- الاستطلاع الثامن:
كانت اللغة العربية في صدر الإسلام آخذة من الاعتدال والاستقامة
(12/ 2/18)

هيئتها الأولى، وفي آخر عهد الصحابة ألمَّ بمزاجها بعض انحراف نشأ من دورانها على ألسنة لم تتعودها منذ النشأة، فأوجسوا خيفة من سريان تلك العلة إلى جميع الألسنة، فتجتث اللغة من أصولها، وتنغلق عند ذلك أبواب فهم الكتاب والسنّة، فدونوا علم النحو، ولهذا السبب نفسه دونوا علم الصرف أيضاً، وما روي من قول سيدنا عثمان أن في القرآن لحناً وستقيِّمه العرب بألسنتها فغير ثابت نقلاً، ومستحيل عقلاً وشرعاً، والدليل على ما نقوله أن الاشتمال على اللحن إن ادعي أنه ثابت للقرآن حال نزوله، طعن في نحر هذه الدعوى قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وإن ادعي أن بعض القارئين لم يتله حق تلاوته، رد بأن الصحابة لا يقع منهم اللحن في الكلام فضلاً عن القرآن، وعلى فرض وقوعه فكيف يُظن بعثمان عدم تغييره؟ وكيف يتركه لتقيِّمه العرب؟ وأصل الرواية لمَّا فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال: "أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً سنقيِّمه بألسنتنا"، وهذا لا إشكال فيه لأنه عُرض عليه عقب الفراغ من كتابته فرأى في رسمه ما لا ينطبق على التلفظ به.
- الاستطلاع التاسع:
لما تحصحص بالبرهان الفصل أن القرآن معجز، أخذ العلماء يتفحصون الجهة التي وقع بها الاعجاز، والذي تخلص للجمهور أن عجز العرب عن معارضته لبلوغه الغاية القصوى في البلاغة، وحيث كان الكشف عن ماهيتها وتلخيص فروعها من أصولها لا يهتدي إليه كل عارف بأوضاع اللغة، أنشأت طائفة من ذوي الفِطَر السليمة تدقق النظر في كل كلام توسمت فيه أمارات البلاغة، حتى استئارت بذلك دقائق عجيبة ولطائف بديعة، انتظمت منها
(12/ 2/19)

أصول يُدرك العارف بها أن الكتاب العزيز له السابقية في هاته الحلبة، وصارت بهاته الجهة من العلوم الدينية، واشتغل بها طائفة من أهل هذا الشأن، وأولهم: "الشيخ عبد القاهر"، وبحسب اختلاف جهات البحث رتبوها على ثلاثة فنون:
فن يبحث عن المركَّبات من حيث تختلف صورها لاختلاف الأغراض منها، وسمّوه فن المعاني، وفن يبحث عن الألفاظ من حيث كونها مستعملة في معانيها التي وضعت لها، أو فيما يناسبها اعتماداً على المناسبات، وسموه فن البيان، وفن يبحث عن أحوال تُعرض للكلام فتكسبه حسناً، وسموه البديع، ولغموض مسائل العلمين الأولين، عظمت العناية بهما عندنا بالحاضرة دون الفن الثالث؛ لسهولة مأخذه، عكس ما كان عليه أهل المغرب لعهد "ابن خلدون".
- الاستطلاع العاشر:
ينقسم الكلام العربي إلى نوعين:
الأول النثر: وهو ضربان: سجع وهو الذي يؤتى به قطعاً، ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة، ولا يستحسن إيراده في مثل المخاطبات الإدارية والتحريرات العلمية إلا إذا أرسلته المَلَكة إرسالاً من غير تعسف، ومُرسَل وهو ما يطلق فيه الكلام إطلاقاً من غير تقييد بقافية. والعلم بصياغة هذين الضربين يسمّى بفن الكتابة وصناعة الإنشاء، ومما ينبهنا على شرفها، ما ناله أهلها من الرفعة ونباهة الذكر، "كالربيع والفضل ابنه"، و"بني برمك يحيى وابناه الفضل وجعفر"، و"بني الفرات" وغيرهم في الدولة العباسية، والأستاذ "ابن العميد"، و"الصاحب بن عباد"، وغيرهما في سلطنة بني بويه،
(12/ 2/20)

و"عبد الرحيم المشهور بالقاضي الفاضل"، و"العماد الأصبهاني" في سلطنة بني أيوب، و"ابن زيدون ولسان الدين بالمغرب"، و"عبد الحميد بن يحيى" كاتب مروان آخر ملوك دولة بني أمية، إلا أنه أطال النفس في الكلام، وزاد في المقاصد زيادة يخرج الكلام عن حد الإفادة، بحيث إذا ورد الكتاب على مأمور ينفذه، قال لكاتبه: "خذ هذا الكتاب واقرأه، وتأمل ما فيه، واستخرج لي غرضه"، فيتعب الكاتب في ذلك حتى يلخص عبارة وجيزة تتضمن المقصود، وتكون هي روح الكتاب، ويكون الباقي بمنزلة اللغو، وينقل عن "جعفر بن يحيى" أنه كان يقول لكتّابه: "إن استطعتم أن تجعلوا كتبكم كلها توقيعات فافعلوا"، والتوقيع هو ما يكتبه الكاتب عن السلطان فمن دونه من أولي الأمر في أواخر الكتاب مما يريد المكتوب عنه إجراءه، ويكون ذلك بعبارات مختصرة، وافية بالغرض، متمكنة في باب البلاغة، وكان الناس يطلبون توقيعات "جعفر بن يحيى"، حتى قيل: "إن الورقة من كتبه ربما اشتريت بدينار".
- الاستطلاع الحادي عشر:
النوع الثاني الشعر، وهو كلام مفصل قِطَعاً متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير، وله مباحث شتى، وليس من الغرض الآن الانطلاق إليها، فإن ظلها لغرة هذه المجلة غير ظليل، وخلاصة ما نقوله الآن: إن دراسة شعر العرب يُتَذرع بها إلى فهم نظم القرآن وأقوال النبي عليه الصلاة والسلام، فعدُّها من الدين ضربة لازب، وأما إنشاؤه فمع إحكام وضعه وانتفاء مواده التي يجب تحته منها فحلية للعلماء وزينة للأدباء، ومن تعاطاه لفضيلته لم يوحشه كساده.
(12/ 2/21)

- الاستطلاع الثاني عشر:
لما انتهت الخلافة إلى بني العباس، كان أول من عُني منهم بالعلوم "الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور"، فبعث إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات، ولما أفضت الخلافة إلى السابع "عبد الله المامون"، تمم ما بدأ به جدُّه، فداخل ملوك الروم وسألهم وصله ما لديهم من كتب الفلاسفة، فأرسلوا إليه ما حضرهم من كتب "أفلاطون" و"أرسطو" و"بقراط" و"جليانوس" و"إقليدس" و"بطليموس" وغيرهم، وأحضر مهرة المترجمين فترجموا له على غاية ما أمكن، ثم كلف الناس قراءتها ابتغاء الانتفاع بها من حيث العلم والعمل.
ومن فروعها علم الطبيعة والمنطق والهيئة والطب والهندسة والعدد، ولقد بالغ بعض المفسرين في نسبته الجهل للعرب بهذا العلم الأخير، حتى ذكره نكتة للتصريح بالعشرة في قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، وسنأتي على ما يخص هاته العلوم الفلسفية في فصل يستقل بها، نتصدى فيه لييان فوائدها مع تحرير المقدار الذي يجب الانتهاء إليه. هذا ونقدم لحضرة كل عالم نحرير، أو ألمعي مهذب، أو أديب بارع، ممن كتب على نفسه مراقبة أحوال جنسه العمومية، أن هاته المجلة مستعدة لقبول كل ما يرد عليها من الرسائل المنقحة، التي تنطبق على المنهج الذي كنا بصدد تسويته، ولا أخاله إلا صراطاً سوياً، ونؤمِّل من عواطف هؤلاء الفضلاء، أن ينظروا إلى ما تنطوي عليه صحائف هاته المجلة كيفما صدرت نظر بحث وانتقاد، وإن عثروا على نوع ما من الخلل جاهرونا به، ولا نتلقاه إلا بفساحة الصدر وغاية الارتياح،
(12/ 2/22)

بل ربما استدللنا بذلك على نجاح المسعى، ومن انسدت أمامه طرق الاذعان إلى الحق عميت عليه أنباء التحقيق.
* استدراك:
من مقاصد هاته المجلة التعرض لما تتداوله الألسنة وتتناقله الأقلام من الأحاديث الموضوعة، قال أبو بكر بن العربي: "إن ناقلها عن غير ثقة من غير أن يبين وضعها، يشمله وعيد قوله عليه الصلاة والسلام: "من كذَّب عليَّ ... " الحديث. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
محمّد الخضر حسين
16 محرم 1322 ه
(12/ 2/23)

التّقاريض
العلامة الشيخ محمد النخلي - العالم الشيخ عبد العزيز المسعودي - العلامة المحقق الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - العلامة الشيخ محمد الصادق المحرزي - العالم محمد الحشايشي الشريف - الأديب السيد محمد الكامل ابن عزّوز - العالم الشيخ إدريس بن محفوظ الشريف - الأديب صالح سويسي - الشيخ محمد شاكر - العالم الشيخ محمد العروسي السهيلي الشريف - العلامة الشيخ محمد بن سالم الأكودي - العالم الشيخ علي بن رمضان - العالم الشيخ علي السنوسي - السيد محسن زكرياء - السيد محمد العزيز الشيخ - الشيخ الأمين بوعلاّق - الأديب السيد محمد المذكور بن الصادق - الأديب الشيخ العربي الكبَّادي - العالم الشيخ محمد بن مصطفى زروق - السيد محمد الطاهر بودربالة - العلامة القدوة الشيخ محمد المكي بن عزّوز - الشيخ عبد الحفيظ القاري - الشيخ صالح صفر - السيد أحمد بن سليمان.
- منها ما صاغه العلامة، الفهامة، الماجد، الشيخ السيد محمد النخلي، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم، ونصه (1):
أيها الفاضل البارع، النازع بهمته السامية إلى أرقى المنازع، بعد تحية
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/24)

يعبق من نشرها الورد، بما انطوى في ردنها من الود، فقد جاءتني ونعم المجيء، جاءت سعادتكم العظمى، التي هي سعادتنا العظمى، وما شاء الله فقد رميت وأبعدت المرمى، سبحان الله ما أسبك ذلك التحرير، وما أبرع ذلك التقرير، فقد وجب أن يكتب بالنضير، على ورق الحرير، وقصارى ما أقول، كثَّر الله من أمثال حضرتك، وأبدر هلال مجلتك:
مجلتكم جلَّت وأسعدها السعدُ ... وحازتْ فخار العلم والشاهد النقد
ومنيتنا القصوى ابتدار هلالها ... إلى قنة الإبدار كي يكمل القصد
إذا شرَّف الموضوع مقصد عاقل ... فذي بعلوم الدين تشريفها يبدو
وخاتمة الدعوى نجاح مقاصد ... لفاتحة الأعمال يا أيها الود
- ومنها ما جادت به قريحة العالم الأبرع، الماجد الشيخ السيد عبد العزيز المسعودي، أحد الكتبة بالوزارة الكبرى، ونصه (1):
الصديق الأعز منشئ "السعادة العظمى" الشيخ السيد محمد الخضر ابن الحسين.
سنا بارق الإقبال في أفق القطر ... يعنون عن معنى كمال ذوي العصرِ
ولستَ ترى غير الصحائف آية ... تُقام على صدق المقال لذي فكر
ولا سيما إن شخصت في مسارح ... من القول تحقيقاً يبين لمن يدري
تشير لأسباب التقدم في الورى ... وتبعث روح الفخر في الرجل الحرِّ
وتضرب في الإبداع ما إن تنوعت ... وفي كل ما تبديه مُستجلِب الشكر
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/25)

فإنْ رفع الأستارفيها ممثِلٌ ... لشيء من الأخبار كنتَ على خبر
وإن ذُكرت فيها التراجم ربما ... رأيتَ وجوه القوم تبدو من السطر
وخُيِّلتَ أن اللفظ ينطق بعد ما ... فنى موجد الإفصاح وهو من النشر
وإن جاب ميدان الفنون مديرها ... وقام بذكر العلم حدِّث عن البحر
وأنت أيا منشي السعادة بيننا ... ويا رائد الإسعاد والنجح والظفر
دريتَ دواء الجهل غبَّ تبصر ... فجئتَ به للقوم في مظهر الذكر
وخبرتَ ماهم والنصيحة إن جرت ... وحالهم في العلم والذوق والفكر
فأبرزتَ مرآة الصحيفة هادياً ... ليرقى مريدُ الخير في مرتقى الفخر
فلله أنتَ من عليم سَمَيْدَعٍ ... ولله أنتَ من أديب ومن حرِّ
ولا فُضَّ فو تلك المجلة بعد ما ... تبسم عن مثل العقود من الدر
ولا زال منشيها العزيز مؤيداً ... يقابَل بالإقبال مع سعة العمر
- ومنها ما حرره العلامة المحقق، صفوة الخير، الشيخ السيد محمد الطاهر ابن عاشور، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم (1):
إلى العلامة النحرير، صديقي السيد منشيء مجلة "السعادة العظمى" أيده الله تعالى، سلام وتحية وإجلال، كما يليق بذي قلم سعى بصريره في تقويم الأمة، وتأييد شرعة الحق، وأطلع لأهل لغتنا العربية شمساً طالما حجبها دونهم سحاب مركوم، وأعقب نهارها ليل عطَّل سماءه أفول البدر وإدبار النجوم.
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/26)

أما بعد:
ما سكنت هواجسي، ولا اختلف إدراكي، بأن كنه حياة الأمم ونفثة روح استفاقتها من سنة الجهالة وفساد الأخلاق، ليس غير بث الفضيلة وإيقاظ العيون إلى الواجبات والحاجات الأولية بعد حيرتها في ظلمات الشبهات التي غشيت أبصارها، وخيلت لها جميع ما يحيط بمركزها مهاوي تتوقع السقوط إلى قعرها، فلا ريبة أنها إن أشرقت عليها أنوار التيقظ أضاءت لها الأرجاء، فتقدمت نحو غايتها بخطى واسعة فما وصولها إليها بعد بعزيز.
أما إن ذهبتُ أفكر كيف يكون إيصال هذا المعنى إلى أمة كاملة، وأي لسان يُسمعها إن ناداها، وهي تملأ من الكون فضاء رحباً، وتختلف في الشرب الخلاف الذى صيَّر جميعها صعباً، فإني لا أجيد خليقاً بذلك غير لسانين: لسان التعليم (وإنه للسان حكيم)، لكنه يشتمل على عقدة ربما لا تجعله نافعاً في ذكرى الذاهلين وعظة المسرفين، ولسان النشرات العلمية التهذيبية تموج صدى صوته تجاويف حروف الطبع، فيخترق آذاناً طالما تصاممت عن عظة الواعظين، ويبلغ إلى قلوب غرق بها منام الحالمين، فلا تسل بعد عنها، وقد أشرقت عليها أنوار المعارف، كيف تنهض إلى سماء حقائق الأشياء فتصافح أفلاكها، فإن عجزت عن إدارتها لا تعدم نقد حركاتها.
ثم ما زلت راجياً أن أرى منّا ناهضاً يحمى لهاته الأمة فخاراً، ويقول لأهلها: {امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [القصص: 29]، فهذا رجائي قد أسفر عن مجلتكم العظمى، وعسى أن يقارنها من تعضيد المؤازرين ما تحقق به الآمال،
(12/ 2/27)

وسيكون إن شاء الله من اسمها للأمة أصدق فال. لكنك ستجد في صنيعك هذا ألسناً شاجرة، وصدوراً ثائرة، وعيوناً متغامزة، كما وجد الناهضون من قبلك، فإن استطعت أن لا تزيدك أراجيفهم إلا معرفة بكر نفسك، وتصميماً على غاية فكرك، ولهواً عن قولهم، فإنهم حاسدون، ويأساً من نصرتهم فأولئك هم الخاذلون، ولتكن استعانتك وتوكلك على من كفل الهداية إلى الصراط المستقيم، فسيكفيهم الله وهو السميع العليم، وإليك تحية صديق مخلص، ونصير مؤازر.
- ومنها ما أنشأه العلامة الدرّاكة، الماجد، الشيخ السيد محمد الصادق المحرزي، أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم، ونصه (1):
يا صاحب القلم الذي ... فَصْلُ الخطاب غدا مداده
وافتني منك مجلة ... جاءت على وفق الإرادة
علمية أدبية ... تختال في حلل الإفادة
فعسى توشحها بما ... في نشره نيل السعادة
فيحق قول مؤرخ ... هي السعادة في السعادة
- ومنها ما سبك نظامه الفاضل، العالم، الماجد، الشيخ السيد محمد الحشايشي الشريف، متفقد خزائن الكتب بالجامع الأعظم، ونصه (1):
تشرفتُ باستطلاع فكركم الأسمى ... وما ذاك إلا الدر ترسمه رسما
تطوقت الأعناق من سمط نظمه ... فأكرِمْ به ذخراً، وأعظم به علما
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/28)

وقد شنّف الأَسماع منا وقد غدا ... يزيل عن الألباب من نوره الرسما
إليك (أبا عبد الاله) (1) محمداً ... شهادة عبد قاصر صاغها نظما
مجلتكم روض من العلم يانع ... سترقى بفضل الله أغصانه النجما
وماذا أقول في مجلة فاضل ... حوت من صنوف العلم ما نوَّر الفهما
وقد خلصت من كل بدعة زائغ ... فحقاً بأن تُدعى سعادتنا العظمى
ومن لم يشارك في السعادة قاصر ... على نيلها فاسعد ودم جهبذاً قرما
- ومنها ما أنشأه الأديب، البارع، الماجد، السيد محمد الكامل بن عزّوز، ونصه (2):
بدت تختال في بُرْد السعادة ... وزفت والقبول لها قلادة
مجلة بارع فهدى سناها ... يضيء الفكر إذ يوري زناده
رَقَتْ في دوحة العليا فأضحت ... يُقِرُّ بفضلها أهل المجادة
فيابن الأكرمين أصبت مرمى ... وحزت السبق في تلك الإرادة
كمال جنابك السامي حريٌ ... بأن يجري بحلبتها جياده
وخضتَ بها علوماً لا تُجارى ... فكان بها عظيم الاستفادة
وإنك قد زرعت خصال خير ... لما ستنال في الأخرى حصاده
خدمتَ بها بني الوطن المعلَّا ... ليجني من تفننها إفادة
وأقرب ما يكون النجح يوماً ... إذا ما العلم أصبح في زيادة
__________
(1) أبو عبد الله: لقب الإمام محمد الخضر حسين.
(2) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/29)

ولما أشرقت في الكون أرِّخ ... بدا في تونس نهج السعادة
- ومنها ما جادت به همة الهمام الأمجد، الأبرع، الأعز، السيد محمد بوسن، رئيس مجلس عدلية الكاف، ونصه (1):
أتشرف بأن أنهي لمجادتكم أيها الجهبذ المفضال كامل التهاني الودية، الصادرة عن إحساسات خالصة قلبية، ببزوغ شمس مجلتكم "السعادة العظمى" الفيحاء البهية، في أفق سماء حاضرتنا المحمية، والشمس عن مدح المادح غنية، ولعمر الحق إنها مجلة جلَّت عن النظير، وتجلت بوجه مشرق نضير، فقوبلت من الخاص والعام، بما يليق بحسنها وبهائها من جزيل التبجيل والإكرام، مرموقة من جميعهم بأعين الإجلال والإعظام، والمسؤول من فيض نوال الملك العلَّام، أن ينيل من فوائدها ومباحثها المهمة المسلمين والإسلام، بحق نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.
- ومنها ما تفضل به العالم الدرّاكة، الماجد، الشيخ السيد إدريس بن محفوظ الشريف، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم (1).
زهر المعارف بالرياض المزهر ... قد لاح يخطو في الجمال الأفخرِ
يُجلى بدست مجلة قد أسفرت ... تفترُّ عن ثغر عقيق جوهر
تزري بكل مليحة في حسنها ... سحرت عقولاً بالبديع المبهر
برزتْ مجلات بنعت فائق ... عظمى سعادتها لنيل المفخر
جمعت فوائدَ من فنونِ عوارفٍ ... قد رامها مَنْ خاض كل الأبحر
__________
(1) العدد الرابع - الصادر في 16 صفر 1322.
(12/ 2/30)

وحوتْ من الدُّر النفيس لطائفاً ... ومن المعاني رائق المستندر
خفقتْ لها رايات فضلٍ نفعها ... يعلو على رغم الحسود المنكر
يا فوز من أضحى سمير حديثها ... يشفى بلطف في مذاق السكر
من ذا الذي يحكي نسيج برودها ... فاقت طراز السندسي العبقري
لله ما أسنى مقاصدها التي ... جرّت ذيول محاسن المتبختر
كلّا فما تلك المقاصد رامها ... غير العليم الأوحد المتبصر
ذاك الجليل "محمد الخضر" الذي ... من أشرف البيت الكريم المعشر
نجل الحسين العارف الأسمى ومن ... هو منهل أحيا طريق الأزهر
شهم ترقى في معارج مجده ... كل الفضائل نالها بالأوفر
أما شمائله ونفحة علمه ... بين الحديقة والغمام الممطر
أكرِمْ به حَسَباً زكا وبأصله ... نسباً شريفاً مثل صبح مقمر
من بضعة المختار أكرم مرسَل ... فبكل مكرمة فذاك هو الحري
صلى عليه الله ما دام الحجا ... متأنقاً في روض وشي الأسطر
والآل والأصحاب ما هبَّ الصبا ... وترنم القُمري بغصن مثمر
- ومنها ما صاغته قريحة الفاضل، البارع، المهذب، السيد صالح سويسي، أحد الأدباء بالقيروان، ونصها (1):
نور "السعادة" لاح في الآفاق ... وسناء فجر الرشد في إشراق
وكؤوس راح العلم دارت بينتا ... من غير مهل، فاسقني يا ساقي
__________
(1) العدد الرابع - الصادر في 16 صفر 1322.
(12/ 2/31)

قم عاطني لا خير فيمن قد صحا ... عن خمرة العرفان والأذواق
من لم يذق من دنِّها باع العلا ... وغدا بنار الجهل في إحراق
فمن المؤكد صاح أن تسعى لها ... أهل النُّهى سعياً على الأحداق
بادر بنا فالوقت راق لذي الحجا ... وفيالق الإنكاد في إخفاق
أو ما ترى نادي "السعادة" قد زها ... والقلب طار له من الأشواق
كل السعادة في "السعادة" أُدرجت ... فانهض إلى باكورة الإطراق
لله حسن مجلة أبدت لنا ... ما فيه تبصرة لفكر راقي
ومديرها ذاك الغيور من اكتسى ... حلل المحامد والثناء الباقي
قد قام يوقظ قومه بمواعظ ... من نومة التأخير والإغراق
دفعته للإرشاد غيرة حازم ... قد حركته عوامل الإشفاق
يا أهل تونس عاضدوا مشروعه ... فلكم جميل مكارم الأخلاق
وتجملوا بمحامد من نصحه ... فالنصح للإسلام نعم الواقي
فالعبد يرجو من صميم فؤاده ... حسن النجاح له من الخلّاق
- ومنها ما صاغه الفاضل، الدرّاكة، الأبرع، الشيخ السيد محمد شاكر، أحد أعيان العلماء بصفاقس، ونصه (1):
هناءً لهذا القطر بالمأمل الأسمى ... وبشراه إذ لاحت سعادته العظمى
مجلة علم طالما استشرفت لها ... نفوس ذوى الآداب ممن حوى العلما
تجلتْ ونور الرشد من أفقها أضا ... وعرف الفلاح الصرف من روضها شما
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/32)

ستثمر إن شاء الكريم تقدماً ... تُباهي به الخضرا موالية بسما
وتخفق للإسلام رايات مجده ... ويعلو بها العلم المفيد ذرى شما
وتنفث في روع المطالع رشده ... وتؤتيه من آياتها العلم والحكما
ولا غرو إذ كان المرصع درها ... فتى مثله في العصر ما خلته ثما
فتى جامع بين المعارف والتقى ... وفي كرم الأخلاق حاز المدى الأسمى
هو الخضر الحبر الأريب محمد ... سليل ولي الله مَنْ سِرُّه عمّا
دعا ذلك النحرير أمته إلى ... سعادتها العظمى فأعظم بها غنْما
فهل يرتضي شهم فوات اقتنائها ... فرائد في سلك الهدى نظِّمت نظما
لعمرك إن كانت لأنفس قنية ... ينافس فيها كل من لبس الحزما
فمدوا أولي الألباب أيدي جدكم ... عسى أن نرى الإسعاد للقوم قد تما
- ومنها ما كتبه الفاضل، العالم، الثقة، الشيخ، السيد محمد العروسي السهيلي الشريف، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم (1):
نحمدك يا من منحت كل مخلوق ما تيسر له، وهديت للخير من أسعدته فقام به وأحسن عمله، ونصلي ونسلم على من أرسلته بالحكم النافعة، وأيدته بالبراهين الساطعة، وخصصته بالكلم الجامعة، وعلى آله الطيبين وأصحابه الهداة الأقطاب، ما توشحت الصحف بثمار المعارف والآداب.
أما بعد:
فإن العلم أبهى مطلب، وأسنى مأرب، وأنفع غنيمة، وأرفع من كل
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/33)

شيء قيمة، وفق الله رجالاً هجروا في تحصيله المنام، وقاموا ببثه نصيحة للأنام، فألَّفوا التآليف المفيدة، وحلوا مشكلات المسائل بما امتازوا به من الآراء السديدة، ومن أجلِّ محبراتها مجلة "السعادة العظمى" التي ظهرت في عالم الطباعة، تجر ذيل تيه البلاغة والبراعة، ولقد أسعدنا الحظ بمطالعتها، فنزهنا الفكر في رياض آدابها، وكرعنا من عذب عبابها، فألفيناها وأيمن الحق حديقة آداب، وروضة فخر مفتحة الأبواب، طافحة بالمسائل العلمية، مطرزة بالفوائد الأدبية، والنصائح الدينية، فقراتها بحور زاخرة، وبدور سافرة، ودراري زاهرة، على غاية ما يمكن من الوشي والتحبير، ونهاية رقة السبك والتحرير، كيف لا وهي تنضيد من استمدت من نوره السعادة، ونسيج من أضحى في جبين الدهر غرة الإفادة، لا زال ناشراً لواء العلم، لابساً حلل الكرم والحلم، فقد جاد فيها بما دلَّ على تضلُّعه في المعارف والآداب، وفتح بها للصواب أقرب باب، فجاءت رقيقة المعاني، متينة المباني، نسأل الله لها الدوام في عالم الإقبال والتبجيل، ولصاحبها النجاح والجزاء الجميل، على هذا الأثر الجليل.
- ومنها ما حرره العلامة الهمام، الماجد، الشيخ، السيد محمد بن سالم الأكودي، القاضي ببنزرت، ونصه (1):
راية السعادة التي افتخرت بها يمين المعارف، وآياتها الباهرة وظل عزها الوارف، العلامة الصهميم (2) والخل الحميم، منشئ مجلة "السعادة العظمى" أدامه الله ولواء سعادته خافق منشور، وحديث فضله على
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(2) الصهميم: السيد الشريف.
(12/ 2/34)

صفحات الأيام مسطور.
بعد تحتية يعبق شذاها، ويشرف بكم محياها، فقد وصلتني مجلة "السعادة العظمى" التي يسطع نورها، وينصع نَوْرها، وتجر ذيول الفخر على سحبان وائل، وتصدع بكم ترك للأواخر الأوائل، فما شئت من معان حرة، وبلاغة مدت أطنابها على المجرة، تخرق بأشعتها حجب الألفاظ، وتسفر عن فتكات مراض اللحاظ، وألفاظ تميس في حلل إبداعها، ويشدو طير البيان على أفنان يراعها، ونثر تحسبه على الورق، حصباء در على أرض من الوَرْق، ونظم لا للجواهر، بل للنجوم الزواهر، وتلك الفضائل لا تلمع بروقها إلا من السحب التي لم تزل يتفيأ ظلها، وأنتم أحق بها وأهلها، فجازاكم الله عنا أحسن الجزاء، وجعل أطناب سعادتكم منوطة بمناكب الجوزاء، فلا يرتاب أن صنيعك هذا تهز به أعطاف الفخر، وتدخر فيه عند الله أعظم ذخر، فالله عزَّ اسمه يُكثِّر من أمثالك، ويهدي القلوب بأقوالك وأعمالك.
- ومنها ما كتبه العالم، البارع، الشيخ، السيد علي بن رمضان، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم، ونصه (1):
إن أفصح كلام سمع وأعجزه، وأوضح نظام جمع وأوجزه، حمد الله الذي أحاط بكل شيء علماً، وخصص من شاء بما شاء رحمة منه وفضلاً وحلماً، والصلاة والسلام على نبينا سيدنا محمد صاحب السعادة العظمى، وعلى آله وصحبه وكل من كان لحزبهم منضماً.
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/35)

أما بعد:
فقد اطلعت -أعزك الله- على فاتحة سعادتكم العظمى، وذخركم الأسمى، فوجدتها روضة حكم قطوفها بالفضائل دانية، ودرة طلاب بجواهر المحاسن سامية، تحلت بها لشقيقتها الأخرى نحور، وتجلت لها منها حور، كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فأزرَتْ محاسنها بالبدر اللياح، وسرت فضائلها سرى الرياح، وتشوقت لعلاها الأقطار؛ ووكفت تحكي نداها الأمطار، ونالت بها الأمة الأرب، وأتنها تنسل من كل حدب:
عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت ... إليها النجوم الزاهرات تطلع
زففتُ بها بكراً تَضوَّع طيبها ... وما طيبها إلا الثناء المضّوع
لها من طراز الحسن وشي مهلل ... ومن صنعة الإحسان تاج مرصع
فلله من سعادة امتزجت بعقولنا أنوار محاسنها امتزاج الماء بالراح، وتعلقت بها تعلق الأرواح بالأشباح، حتى أهدت معانيه لمعانيها زهو الشقيق على الأقداح، وسمت مبانيها على يد بانيها سمو الصبا في الصباح، ولعمري ما هو في الفضل بدخيل، ولا يعزى إليه المجد بقيل، فلو تسابق مع فرسان البلاغة لقال: جاء الكل بعدي، أو سُئل عن الفصل لقال: الماء ماء أبي وجدي، وبالجملة فليس القول في كمالات مشروعكم ذا حصر، إذ لو مددتُ باع مدحي له لوجدته ذا قصر، ولو تكلفتُ أن أصف جميله لخرجت عن الطاقة، واعترفت بأني ذو فاقة، وكيف أعدّ من المحاسن ما لا يُعدُّ؟ أو كيف أحصر من الفضائل ما لا يقف عند حد؟ وها أنا قد عجزت فأوجزت، وقصَّرت فاقتصرت.
(12/ 2/36)

- ومنها ما كتبه العالم، البارع، الماجد، الشيخ، السيد علي السنوسي، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم، ونصه (1):
أيها العالم النحرير، الموشي حلة الفصاحة بتحبير التحرير، مدير "السعادة العظمى"، والبالغ من قنن الآداب المرتبة القصوى، أتم الله سراج عملك، وقرن بالسعادة خلاصة أملك، وحرس دينك ودنياك، وأدام تمكينك وعلياك، وبعد سلام تستنير في سماء الود أنواره، وتزهو في حدائق الصداقة أنواره، فقد تشرفت بمزيد السرور، ووقفت موقف الحامد الشكور، بالثمرة الشهية، والدرة النقية، التي بزغ في أفق السعادة هلالها وبدا جمالها، ومن أجله أفل القمر وبدا نقصه بعد أن ظهر كماله، فياحبذا طالع الجمال، الذي كان في غرتها كبراعة الاستهلال، قارنه العمر المزيد، للأمد البعيد، حتى يصان من الأفول هلالها، ويصير بدراً نيراً لنرى كمالها.
ولما أرسلت رائد الفكر في حياضها، وسرحت بريد النظر في رياضها، وجدتها جنة العلوم، مزهرة بأنواع من منثور ومنظوم، نشرت النسائم زواهر أغصانها؛ وباحت حمائمها بترديد سجعاتها وترنمت بأعذب الأساليب فنون ألحانها، بالدر طرزت ألفاظها، وبالفرات فاضت حياضها، ففاقت بحسن نظامها على عقود اللآل، ولم يتقدم لنا نظيرها في العصر الخوال، جامعة لعوارف المعارف، وطريف اللطائف، من كل الأرجاء، وكل الصيد في جوف الفراء، فهي آية للألباء وذكرى، وإن من البيان لسحرا، فحق للقطر أن يفتخر بمجلة حافلة بالمزايا، كافلة باستخراج الفرائد من خبايا الزوايا، فمطالعها تتسع دائرة إطلاعه، ويمتد إلى المعالي طويل باعه، ويجتني
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/37)

الآداب، من حدائقها الرحاب، فإنها جهينة الأفكار، وخزينة الآثار، والأصل في الصلاح، والمرشد إلى سبيل النجاح، أنبتها الله نباتاً حسناً، ومنحها سناء وسنى.
- منها ما صاغه الماجد، الأبرع، الأعز، السيد محسن زكرياء، ونصه (1):
إلى صفوة الأخيار العلّامة صاحب "السعادة العظمى".
حمداً لمن بسط علينا جناح العلم، لإزاحة ظلمات الجهل والوهم، وأحيانا بعد الممات، للنهضة وإدارك ما فات، ونصلي ونسلم على من زرع فينا روح السعادة العظمى، وعلى آله نور الهداية، من بسيوف علمهم قطعوا كل ضلالة وغواية، ومهَّدوا بأعظم عناية، طرق الرواية والدراية.
أما بعد:
تقديم تحيتي المعطرة بالهناء والوداد، لحضرتكم أيها العالم الخبير، والدراكة النحرير، أشكركم حيث أدخلتموني في زمرتكم أهل العلم والأدب، بدليل إرسال مجلتكم العلمية بديعة الطرز، لأشارككم في الإفادة والاستفادة، فبعد فك ختامها، سرَّحت نظري في ساحة رياضها، واستنشقت نسيم أزهارها وذقت سلسلبيل حياضها، وجدتها غادة فريدة أم لؤلؤ منثور، أم عقد درّ في نحور الحور، أم عروس الأزهار تجلى بين غروس الأشجار؟ ترنمت بمعرب ألحانها، وطربت بذلاقة لسان أغصانها، فناهيك بها من خريدة فازت في حلية الكتابة والتأليف، وحازت قصب السبق باشتمالها على حسن الترصيع والترصيف، مشحونة بفوائد لطيفة، واستطلاعات ظريفة، ألفاظها رائقة
__________
(1) العدد السادس - الصادر في 16 ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/38)

فسيحة، وأبحاثها من مثل وتاريخ صحيحة، يعترف المنصف لها بالصواب، ويذعن الحسود لفضلها فلا ينبسر للرد عليها ولو بجواب، لله مجلة سمت في الحاضرة، لما حوت من علوم وآداب يانعة ناضرة، يمتد لها أعناق ذوي الهمم من كل جانب، ويشخص أبصار ذوي الفضائل من المشارق والمغارب، سترد الأمة بصيرة، لما تقدم لها به من إرشاد ونصيحة، فما أعظمه حظاً قمتم به في مجتمع الإنسان الضروري ليجتني مصالحه المتوقفة على التعاون، الذي لا يحصل إلا إذا كانت الأمة قلباً واحداً.
ولما وجدت حزمتها منحلة، أردت جمع ما تشتت منها وربطها بكلمة الدين، أعانك الله على ذلك الجمع تحت الكتاب والسنّة، وعلى محو البدع والضلالات المشينة للدين اللاتي دسهن أناس أرادوا بنا هبوطاً إلى ما نحن عليه من الإنصرام، صرّم الله حبال جمعهم، وفرّق شملهم وكلمتهم، فبهمتكم من حثكم على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرقال في هو أمر أولي هيولي، لا بد منه لأن كل ما سواه ثانوي، ولأن الوقت يوجب على كل من فيه أدنى شعور، الالتحام مع أخوته، ثم على العلم والعمل، وأن يعمل الإنسان للدنيا كما يعمل للآخرة، كما جاء به صريح نص السنّة، تستيقظ الأمة من سنتها.
فلا شك أن هذا غاية تأسيسكم لهاته الوسيلة السامية في برد العلم والفضل، وهي أقرب وأسهل طرق الإفادة، وتنبيه أمة استهواها شيطان الغفلة والكسل وتسيطرت عليها الشهوة، وإن كان الله تعالى نَوّرها بالبصيرة التي من شأنها تقودها إلى الخير وتصدها عن الشر، إلا أن تلك الشهوة والأغراض النفسانية التي تهبط بالأمم إلى الذل والخسران "أعاذنا الله وإياكم" تخالف تلك البصيرة عما تراه، فتريد سلوكه من حميد الخصال، والإقبال على صالح
(12/ 2/39)

الأعمال، فبخالص نصحكم تعمل لما فيه خيرها، والله يوفر أجركم على سلوككم هذا المسلك الحسن والسلام.
- منها ما نظمه الفاضل، البارع، المجيد، السيد محمد العزيز الشيخ، ونصه (1):
بدت كما شاء أهل العلم والبصر ... تزري بدائعها بالأنجم الزهر
وافت وفي طيها نشر العلوم وتح ... قيق الفهوم بما تحويه من غرر
مجلة نظمتْ شمل المحاسن إذ ... جاءت بأنفس في الأسماط من درر
زُفّت إلينا، وعين الحظ تلحظها ... واللطف يبرزها في المنظر النضر
تختال في حلل التحرير قائلة: ... بي أيها العصر، فاسحب ذيل مفتخر
فهي السعادة في نيل السعادة قد ... أضحت بطلعتها الخضراء في وطر
عن نفسها كتبتْ أن لا يفوز بها ... إلا الذي صدره خال من الوجر
دلتْ على فضل منشئها وغيرته ... كالسيف دلَّ على التأثير والأثر
لو لم تكن خدمة الإسلام نيتها ... لما بها حف إقبال من البشر
وهي الغريبة في الإبداع قد تركت ... من راح ألفاظها الأرواح في سكر
وكيف لا وهي من إنشاء نادرة ال ... عصر الكريم "أبا محمد الخضر"
أستاذنا الأبرع النحرير من كُتبتْ ... حقاً مناقبه في صفحة القمر
في كل فن له الباع الطويل يرى ... وزند فكرته في المشكلات وري
لله درك من حبر نهضت لإر ... شاد العباد نهوض الحازم الخبر
فأطربت من له فهم مقاصدكم ... ففاض يثني عليكم بالثنا العطر
__________
(1) العدد السابع - الصادر في غرة ربيع الثاني 1322.
(12/ 2/40)

تالله يا صاحب المجد الأثيل لقد ... نظرت فيما صنعت موقع النظر
فدم عزيزاً قرير العين مرتقياً ... أسنى المراتب محفوظاً من الغير
- ومنها ما كتبه الفاضل، الأمجد، الأبرع، الشيخ، السيد الأمين بوعلاق، أحد علماء توزر (1):
أخاطب سعادة عزيزي الحسيب، الفذ الأريب، والجنان يهاب محيط علومه، ويحبر مناخ معلومه، كيف لا ويراعه يشن الإغارات المتوالية على ثغور المعاني، ويتولى من منثورها على القاصي والداني، معززاً بجنود البيان، لدى فرسخ التبيان، فأعجز ببراعته ذوي البلاغة والعرفان، وبسبقه لم يفته فارس رهان، ولم يجاره فخر همذان، أعني الندس الأبرع، العلامة الأورع، الشيخ "سيدي محمد الخضر بن الحسين الشريف"، لا زال كل فضل لديه منيف.
أما بعد:
إهداء تحتية زكية، يتضوع أينما حللت رياها، ويعطرك أين توجهت شذاها، فقد تشرفت بنميقتكم العلمية المعنونة "بالسعادة العظمى" رافلة في مطارف الجمال، تعلن بأنها روضة حدائقها الكمال، فقبلتها وقبَّلتها، وعظَّمتها وجلَّلتها، بيد أنها وحياتكم ذكَّرني لطفها عهد تلك الدروس بالجريد، زبرجد الصحراء الفريد، المقول فيه:
قطر كبغداد غدا في خطه ... تصفو به الأفهام والأفكار
والعلم يشحث فيه طبعاً مثل ما ... يهمى من السيف الصقيل غزار
__________
(1) العدد العاشر - الصادر في 16 جمادى الأولى 1322.
(12/ 2/41)

وعلم الله أنه لآثر بأن يقرَّ بكم عيناً، وينافس بكم ديناً ودنيا، هذا وإني أرفع لسعادة أبناء وطني خالص التهاني، بما أدرتموه في كؤوس الألفاظ الجزلة من لطائف المعاني:
عرِّج فديتك واقصدَنَّ بلادي ... وأقرأ سلامي عن ربوع ودادي
وأنخ رحالك في حدائقها وعج ... إن كنت طمآناً بذاك الوادي
وانظر بديع رسومه يغنيك عن ... غرناطة، وعلى قصور زياد
واغنم رواحاً بين ظل نخيله ... واطرب لرنات الهزار الشادي
وأسأل على نزل الحسين وأهله ... إن تبغ علماً، أو طريق رشاد
وإذا سُئلت عن الذين تولهوا ... بالفضل، أو مَنْ بالفلاح ينادي
فأنبئهم أن الهمام محمد ... نشر السعادة في زمان الهادي
بمجلة علمية، أدبية ... تحيي النفوس، فيالها من زاد
سطعت تنير بهمة، ودراية ... طرق الهداية من صميم فؤاد
تدعو الأنام إلى المكارم، والنهى ... وتزيد في وسع الحجا بسداد
حرس الإله كمالها، وجمالها ... من أعين الأضداد، والحساد
وانهلَّ وِدقُ العلم في أرجائنا ... ما جاد غطريف بحسن مراد
- ومنها ما نظمه البارع، الأديب، المهذب، السيد محمد المذكور بن الصادق، ونصه (1):
وكاساً دهاقاً قد شربنا على الظما ... بكف فتاة زانها اللعس واللما
__________
(1) العدد الحادي عشر - الصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/42)

لعوب كأن الوتق في ضرباتها ... يحاكي ثنايا ثغرها إذ تبسما
غزت قلبي المتبول باللحظ عنوة ... بروحي غزاة ما أتين محرَّما
جنى جنة العشاق في وجناتها ... على أن فاها بالعقيق تختما
تآلف جيش من شمائل حسنها ... ائتلاف بني اليابان في الحرب عندما
تسائلني: ماذا لقيت من الهوى؟ ... وقد علمت ما قد لقيت وإنما
فيا خالها رفقاً ويا جيدها ارحمنْ ... ويا خصرها مهلاً على الصبّ ريثما
ثنت عطف مختال وتاهت كأنها ... سعادتنا العظمى التي نفعها نما
سعادتنا العظمى مجلتنا التي ... تراءت إلى نيل السعادة سلّما
روت مُلَحَ الآداب في كل محفل ... عرائس أفكار لأشرف منتمى
هو الخضر الشهم الغيور محمد ... هو السند الفرد الحيي تكرما
حسيب، نسيب، أريحي، مهذب ... سني، سريٌ حين تلقاه ضيغما
لأن شغلت هند ودعد وزينب ... أناساً فحاشا أن يرى ذاك مغنما
يَرى كل حظ ما سوى العلم ناقصاً ... وحظ الفتى من دهره ما تعلما
فعلت وما كل امرء قال فاعل ... وقلت وما كل امرء قال أحكما
ولا زلتَ في أوج السعادة نيِّراً ... تباهي بكَ الخضراء شوطاً تقدما
وخذها مهاة، ناهداً، بدوية ... فلا الطقس أضناها، ولا الضغط أسأما
وما مهرها إلا القبول فجد به ... عليها فدتك النفس يا حامي الحمى
- ومنها ما كتبه البارع، الأديب، الماجد، الشيخ، السيد العربي الكبّادي، أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم، ونصه بعد الديباجة (1):
__________
(1) العدد الحادي عشر - الصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/43)

وما كان فضلك ليمنعني أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، لذلك تحركت مني للأدب صبوة نسجت عليها العناكب، وهبت عليها الصبا والجنائب فقلت:
سعادتكم فينا لقد طلعت شمسا ... فكلٌ لها أضحى مشوقاً كما أمسى
ولله ما خطْت يراعتك التي ... برقة ما تبديه تستملك النفسا
مجلة علم لم تجل في ضلالة ... ولكن جراحات الضلال بها تؤسى
تقول لقاريها مقالة مرشد ... سنقرئك الحق المبين فلا تنسى
فدمتم ودامت للأنام سعادة ... وأيدي العدا لا تستطيع لها مسّا
- ومنها ما صاغه الماجد، العالم، الأكتب، الشيخ، السيد محمد بن مصطفى زرّوق، أحد أعيان الكتبة بالوزارة السامية، ونصه (1):
حمداً لمن أشرق شمس السعادة، وجعلها منبعاً للاستفادة والإفادة، وصلاة وسلاماً على نور الهدى، ونبراس الحق والاهتداء، إمام البررة العلماء، وخاتم المرسلين والأنبياء، وعلى آله الفائزين وصحابته المقربين.
هذا ويا أيها الفاضل النحرير، والعالم المحقق الشهير، رب الفصاحة والبراعة، والبلاغة واليراعة، لما أمعنا النظر في مجلتكم الغراء، التي هي كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء:
وإذا السعادة راقبتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
وجدناها درراً فاخرة، ومحاسن للعيان باهرة، زيادة على ما بها من
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/44)

التحقيق والتدقيق، للمسائل العلمية بأبدع أسلوب رشيق، خصوصاً في إشهارها للحق، بلين القول وجميل الرفق، فهي إن شاء الله ستكون خادمة للوطن والدين، حتى يكون صاحبها حاملاً لراية العلم باليمين، ولاقتنائها فليتنافس المتنافسون، وللسير على إرشادها، فليعمل العاملون، والله سبحانه يبلغكم من كل ما تأملونه النجاح، ما حيعل المحيعل بحي على الفلاح.
- ومنها ما نظمه الأنجب، الأريب، المهذب، السيد محمد الطاهر بودربالة، أحد أعيان الأدباء بالجامع الأعظم (1):
ذا زهر روض عاطر الأردان ... أعقود دُرٍّ في نحور غوان
أسلاف بكر عُتِّقت فاستحكمت ... وجرت كمجرى الروح في الإنسان
أبروق وصل سعادَ لاحت بعد ما ... ذاب الفؤَاد بلوعة الهجران
أَم ذيِ السعادة للهدى قد أقبلت ... حيَّت فأحيت مجمع العرفان
عربية شهدت لها أترابها ... وغدت تحلِّيها بحسن بيان
قد صاغها علم العلوم "محمد" ... من دوحة الفضلاء والأعيان
العالم الكشّاف كلَّ عويصة ... بفصاحة تربو على سَحبان
فلتفتخر بك خطة الإنشاء، يا ... نجل "الحسين" العارف الرباني
أهنيك يا قمر الدجى بسعادة ... سحر ومعناها سلافة حان
تسبي العقول فصاحة ولطافة ... وظرافة تسمو على الأقران
لا زلت ترفل في السعادة سابقاً ... في حلبة التحقيق والتبيان
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/45)

- ومن أعزها ما تشرفتُ به من قلم أستاذي الذي شبّت في طوق تعليمه فكرتي، وتغذيت بلبان معارفه من أول نشأتي، العلامة الهمام، القدوة، خالنا الشيخ سيدي محمد المكي بن عزّوز أبقاه الله، ونصه (1):
حفظ الله مقام الابن العزيز العالم النحرير، والبارع الخطير، الشيخ "سيدي محمد الخضر الشريف الحسني" دام للحق ناصراً، وللعلم والكمالات ناشراً، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإنَّا بمجلتكم الرائقة مبتهجون، ولتحريراتها السديدة شاكرون، وأنبئكم أنه لما أشرقت غرَّتها، وانبلجت ديباجتها، تصفحت درر عقودها، وتعمدت سبر عودها، لنعلم كيف نتيجة تربيتنا، وإلى أَي طور بلغ فرع دوحتنا، وبأي ثمرة تفتر أكمامه، وعلى الوطن بأي صفة تهب أنسامه، فألفيتها شريفة المقاصد، بصيرة المراصد، مشرئبة إلى المباحث العالية، ساعية إلى حصحصة الحق في المسائل القريبة والقاصية، واسعة العارضة، أفهمت أنها بكل عبء من المشكلات ناهضة، فحمدنا الله حيث أظهر ما كنا تفرسناه، وبالتأسيس تحريناه، غير أني نقمت منها علو تعبيرها، وإن كانت جليلة في بلاغتها وتحبيرها، فحالها إذ ذاك يقول: لا يستطيبني إلا عالم، أو أديب خبير بالمعالم، فتربصت ليتضح مسلكها، ويخلص مسبكها، ففي العدد الثالث وما بعده وجدتها تنازلت في تعبيراتها، واشترك أواسط الطلبة مع الأساتذة في اجتناء ثمراتها، واستمرت على تلك الخطة الحميدة، وصدق عنوانها بأن السيرة المستضيئة بها سعيدة، وما أظن ذا ذوق وإنصاف يغض منها، أو يحيد عنها، كيف وقد أبرزت لميدان المذاكرة مباحث مهمة، وحررت جانباً وافراً من
__________
(1) العدد الثالث عشر - الصادر في غرة رجب الأصب 1322.
(12/ 2/46)

المسائل الملمة، وذبَّت عن الإسلام دواهي مدلهمة، تتبادل بها الأفكار، وتتمخض بها زبد الأنظار، أفادت العلماء تذكرة، والمستفيدين تبصرة، مراميها سامية، وقطوفها دانية، حتى ورقاتها من حسن الفال كأبواب الجنة ثمانية، وعلاوة على ذلك أعربت على كل من كتب فيها سطراً مبلغه من العلم والعقل ومقدار همته، ولامتياز الأخلاق منها نصيب وافر، فهي كالمرآة الصقيلة، وبملاحظة هذا المعنى تسابق قراؤها ومكاتبوها إلى اكتساب المعالي، وابتناء المجد العالي:
السباق السباق قولاً وفعلاً ... حذر النفس حسرة المسبوق
وبالجملة فتلك مفخرة للخضراء بين الممالك، ويفهم من آثار أهلها اعترافهم بذلك، وأبلغكم لتحمدوا الله أن كل من رآها هنا في الآستانة العلية أعجب بها، وتحقق بمجموع ما احتوت عليه نمو العلم في تونس ونشاط طالبيه، وأن سوق التفنن بجامع الزيتونة معمور، وهذا مما يعم به في العالم الإسلامي السرور، والمظنون أن سيكون لها شأن يعتبره المشرقان والمغربان، فحافظوا على خطة الاعتدال، غير غافلين عن مقتضيات الأحوال، ودوموا على اعتناق السنَّة والكتاب، مستحضرين أنكم مسؤولون غداً، والله عنده حسن المآب، أدامكم الله لنفع الدين والوطن، ورزقكم العافية والتوفيق في السر والعلن.
- ومنها أنفسها ما تفضل به الهمام النحرير، الماجد، الأعز، الشيخ، السيد عبد الحفيظ القاري، أحد أعيان العلماء بمكة والطائف حرس الله كماله، ونصه (1):
__________
(1) العدد الرابع عشر - الصادر في 16 رجب الأصب 1322.
(12/ 2/47)

حضرة مقام صاحب الفضيلة، والمآثر الجلية، مولانا السيد "محمد الخضر العلوي".
إن أشرق ما يجتنى به وداد الأفاضل، وأسنى ما يكتسب به توجه كل كريم كامل فاضل، مخاطبة العلماء بلسان اليراع، حيث لم يتيسر لهم الاجتماع، ويحصل للقلب سرور الوصل بالسماع، أخص أشرف من سما بهمته في هذا العصر، وقام بعزمٍ بعجز عن مثله الدهر، حيث وقف فقاوم الزمن وردَّ معاندة أهله، وساعدته سعادة الله العظمى حتى أظهرها بسعيه وفضله، منبع العلم ومنهل العرفان، نور حديقة الفضل بل نور حديقة الإنسان، ذو العلم الشامخ، والفضل الجليل الباذخ، الشيخ المصقع الحلاحل، محط رحال العلم وحلّ المسائل، بهجة العلم والعلماء في المحافل، السيد الذي ذبَّ عن شريعة جَدِّه، بمقوله ومنقوله وجهده وجِدِّه، فرفع أعلام الدين بجيوش "السعادة العظمى"، وطارت بأجنحة الصدق فبلغت المقام الأسمى، فنرجو لصاحبها السلامة والابتهاج، وللسعادة الدوام والرواج:
آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
وبعد إبلاغي جزيل التحية وأوفر الإكرام، أنهي إلى فضيلتكم أني بينما كنت أضرب أخماس الأسف، بأسداس الفكر، على ما دهى الإسلام من دجاجلة الزمان وبدر، إذا شمس أنوار السعادة بازغة، ولسراب الأهواء الزائغة دامغة، وبرزت على الأفكار الجديدة حجة الله البالغة، فشكر الله سعي منشئها وأدامه، وثبَّت على نصر الدين أقدامه.
- ومن ذلك ما صاغه الأمجد البارع، الأعز، الشيخ، السيد صالح صفر،
(12/ 2/48)

أحد أعيان المتطوعين بالجامع الأعظم، ونصه (1):
نحمدك يا من أسست صنع العالم على أكمل قواعد الإبداع والإتقان، وأدمت بسعة فضلك استهلال غيوث الإنعام والإحسان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي تخلصت ببعثته البرية من المهالك، وشربت من حياض كرامه كأساً ختامه مسك وفي ذلك، وعلى آله وأصحابه المحرزين قصبات السبق في مضمار البلاغة، أكمل صلاة وأشرف تسليم.
أيها الفاضل الجليل، والبارع الذي عزَّ أن يكون في هذا العصر له مثيل، حميد الأخلاق الحدبه المذاق، ومظهر أسنى المثاقب والكون في الانغلاق، مصدر حميد المآثر المنفرد بجمعه بين حسن البراعة والسكينة، والمشير بحسن براعته من خمائل الترسيل كمينه وثمينه، العالم المحقق الثبت ذو اللسانين، "الشيخ محمد الخضر بن الحسين"، زان الله تعالى دوائر المعارف بأمثال كماله، وكمال أمثاله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإن الله جلَّت قدرته قد اقتضت حكمته الصمدانية، أن ألبس هذا القطر المحروس ثوب الفخار، وأطلع في سمائه سعادتكم شمساً في رابعة النهار، ولقد أسعدنا الحظ برؤيتها، والكرع من عذب موردها، فألفيناها كما قيل وفوق ما قيل:
بدائع أبدتها محاسنك التي ... يكلُّ لساني أن يحيط بها وصفا
ثم لو حاول المحاول تمجيدها بصفة الإطناب أو الأخرى كفاه ثم
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/49)

كفاه أن من البيان سحرا.
- ومن ذلك ما كتبه الثقة الزكي، البارع، السيد أحمد بن سليمان، أحد العدول ببلد الصمعة، ونصه (1):
الحمد لله الصمد العزيز الواحد، المثيب في مواقف القيامة على إخلاص النيات وحسن المقاصد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي هدى الله الأنام بآياته، السيد الذي نالت أمته به السعد وبلغت من الفخر نهاياته، وعلى آله وأصحابه أولي الهمم العظيمة، والعقول الفياضة والأذواق السليمة.
أما بعد:
فيا بدر سماء المعارف، وشمس الفضائل والعوارف، ويا معدن السر المصون، ومن بلغ رتبة لا تنبغي لأحد من أهل عصرك أن تكون:
إمام له قَدْرٌ منيفٌ ورفعةٌ ... وأغربُ مِنْ ذا ليس يوجد مثله
من غدا في بحر المجادة يسبح بالباعين، أخونا الشيخ "سيدي محمد الخضر بن الحسين"، كيف لا وأنت المقتفي سبيل أسلافك العلماء الأعلام، وخلاصة أهل المجد الجهابذة الفخام، لا زالت معاليك الجامعة وأعلامك الخافقة عالية المرصاد، بين كل رائح وغاد من العباد. آمين آمين وأمناً للأمين، فقد أسعدنا الحظ برؤية ما شرفتم به ابننا من سعادتك العظمى، وكرعنا من عذب موردها الأحمى:
الله أكبر إنها عربية ... ختْمت كما بدئت بإسماعيلِ
فألفيناها كما قيل وأعلى ما قيل، فقد أتيتَ فيها بمعاني فصل الخطاب،
__________
(1) العدد السادس عشر - الصادر في شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/50)

واستعرت لها قلائد الإعجاز من كرائم أم الكتاب، استدرت بها أخلاف العلوم، وحررت فيها رقائق المنطوق ودقائق الفهوم، ينزه ناظرها طرفه في روض من الفضل ظليل، ويرشف من عيون معانيها كوثراً ومن رحيق ألفاظها سلسبيل، درَّ سحاب تحقيقاتك فنقط الروض بالدرر، وابيضت شيات جياد مروياتك فكانت في جباه البلاغة غرر.
فحق أن تقتدي بك الأعلام ولا فخر، ويتصدع من مهابة صدعك بالحق الصخر، تبتهج بك القلوب والصدور مسرّة وانشراحاً، وتعلل بسلافك على مر الدهور اغتباقاً واصطباحا:
سلالةُ سادة سعدوا وجادوا ... ولم يلدوا امرءاً إلا نجيبا
وما ريح الرياض لها ولكن ... حباها منهمُ في الأرض طيبا
أبقاك الله مشرقاً للفضائل، سابقاً إلى تناولها من حاول نيلها من الأواخر والأوائل، وبارك فيك للعلوم والمعارف، وجعلك قرّة عين لكل عارف.
(12/ 2/51)

المباحِث العلميّة
- الاعتصام بالشريعة.
- الأخذ بالقول الراجح.
- براءة القرآن من الشعر.
- العمل والبطالة.
- حياة الأمة.
- التربية.
- التقدم بالكتابة.
- مدنية الإسلام والعلوم العصرية.
- مدنية الإسلام والخطابة.
- كبر الهمة.
- التعاون والتعاضد.
- الديانة والحرية المطلقة.
- البدعة.
- الزمان والتربية.
- الصيام.
- الأحاديث الموضوعة.
(12/ 2/53)

الاعتصامُ بالشّريعة (1)
مما تكلفت المشاهدة ببيانه، أن الاسترسال مع الأهواء كلما دعت، ومحاذاة الأغراض أينما توجهت، يفضي إلى فوات المصالح الأُخروية والدنيوية، ويقضي بالتخبط في مضاجع الفساد، وأشدها وطأة قطع رابطة الأخوة بعد توكيدها.
ولذلك انعقد الإجماع بين جميع الشرائع على ذم كل من اتخذ إلهه هواه، بل تجد الأمة التي لا شريعة لها، ولكنها عنيت بإصلاح شؤونها الدنيوية، لا تألو جهداً في كبحها لجماح كل من تَعبَّدَه الهوى في نظر عقولهم، ويسمونه السياسة المدنية.
كما أن إيداع الأنفس في أسر الضغط وحرمانها من سائر حظوظها، يثبطها عن النهوض بأعباء ما يضرب عليها من التكاليف، فمن الحكمة أن يُتوخى بها طريق معتدل يكون بين ذلك قواماً.
ولما كان العقل وحده غير كاف لتحري ذلك الطريق، فأحياناً يهمل النظر، وآونة يهوي به الخطأ في مكان سحيق، جاءت الشريعة المحمدية في الاحتياط لدرء كل مفسدة، وجلب كل مصلحة بالحكمة البالغة، وما يعقلها
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/55)

إلا العالمون. افتكت إرادة الأنفس من داعية الشهوات، ولم تحل بينها وبين التمتع بحظوظها جملة بشهادة كثير من الآيات البينات. فمما يؤيد المعنى الأول قوله تعالى {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]، ومما يعضد المعنى الثاني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]، وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
ومن استقرأ أحكامها، وكشف القناع عن أسرارها، أبصر معنى انطباقها على السياسة العادلة التي تتحاشى من الإفراط وتتبرأ من التفريط، وبذلك ألفتها العقول، فأنست بها أنس الطفل بثدي أمه، واستقرت تحت سلطتها قرار ذات الصدع، تحت ذات الرجع.
فالمضطلع بأصولها، المستشعر أنها تنزيل من حكيم حميد، نزل بها الروح الأمين على قلب أكمل الخليقة لنجعلها نوراً نمشي به في الناس، يتجنب مصارع الضلال، ولا يلم بشيء من التصورات الباطلة، إلا نسف غبارها نسفاً، فيستبين سبيل الحق الذي لا غبار عليه، ولمثل ذلك فليعمل العاملون.
ولا أقسم بالذي جعلها شريعة الحق الذي لا يعارض، والعدل الذي لا ينكسر قانونه، أنه لجدير بالمسلمين أن يتمسكوا بعهدها الوثيق، ويزكوا أنفسهم من الدسائس المثقفة لهم عن التقدم إلى حياة طيبة، فيجددوا إلى الأمة سالف مجدها، ولهم من الله فضل جزيل، ومن التاريخ ثناء جميل.
(12/ 2/56)

الأخذ بالقول الرّاجح (1) (2)
يعتمد كل من انبسطت خطاه في سنن التحقيق، على أنه لا يسوغ لأحد
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في غرة صفر 1322.
(2) جاء في العدد الخامس من مجلة "السعادة العظمى" التعليق التالي للإمام:
يقول بعض من يتخافت بالانتقاد: أن صاحب هذه المجلة أخطأ في قوله لا يسوغ لأحوإن يعمل بمقتضى القول الضعيف في خاصية نفسه، أو يفتي به صديقه، بل العمل في مذهب مالك جرى على خلاف ذلك وهو الجواز، وما قاله هذا المنتقد ورام به الدخول في زمرة المتفقهين، يبطله ما حققه أئمة المذهب في الكتب العالية. قال موضح أسرار الدين "أبو إسحاق الشاطبي" في "موافقاته": "كما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معاً، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معاً، ولا اتباع أحدهما من غير ترجيح، وقول من قال: إذا تعارضا عليه تخير غير صحيح، لما تقدم من الأصل الشرعي وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل وهو غير جائز، فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته، وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلاً تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقاداً، وقولاً، وعملاً، فلا يكون متبعاً لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع". إلى أن قال: "ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف، كما إذا اختلف المجتهدون على قولين، فوردت كذلك =
(12/ 2/57)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= على المقلد فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيراً فيهما، كما يخير في خصال الكفارة، فيتبع هواه وما يوافق غرضه دون ما يخالفه، وربما استظهر على ذلك بكلام بعض المفتين المتأخرين، وقواه بما روي من قوله - عليه السلام - "أصحابي كالنجوم" وقد مر الجواب عنه، وأن صح فهو معمول به فيما إذا ذهب المقلد فاستفتى صحابياً أو غيره فقلده فيما أفتاه به فيما له أو عليه، وأما إذا تعارض عنده قولا مفتيين فالحق أن يقال: ليس بداخل تحت ظاهر الحديث، لأن كل واحد منهما متبع لدليل عنده يقتضي ضد ما يقتضيه دليل صاحبه، فهما صاحبا دليلين متضادين، فاتباع أحدهما اتباع للهوى، فليس إلا الترجيح بالأعلمية وغيرها، وأيضا فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف كذلك المقلد، ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا، لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع، وأيضا فكان ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضا فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل حالة مختلف فيها، لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد للترجيح، فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعاً للهوى ولا مسقطاً للتكليف" اه.
وقال القرافي: "إذا كان في المسألة قولان، أحدهما فيه تشديد، والآخر فيه تسهيل، فلا يفتى العامة بالتشديد، والخواص وولاة الامور بالتسهيل، وذلك قريب من الفسوق والخيانة، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى".
تأييد ما قاله هذان المحققان، أن الشريعة عامة بحسب المكلفين، لا يختص بأحكامها الطلبية بعض دون آخر، وهذا الأصل جار مجرى البديهيات، وهو يقتضي أن لا يعمل الإنسان إلا بالقول الراجح، كما أنه لا يفتي غيره إلا به، لأن ذلك هو حكم الشارع، ففإذا تجاوزه إلى العمل بغيره، فقد انسلخ عما كلف به ودخل تحت العمل على مقتضى شهوة النفس، ومن ثم صرح الفقهاء بأن فائدة ذكر =
(12/ 2/58)

أن يعمل بمقتضى القول الضعيف في خاصية نفسه، أو يفتي به قريبه أو صديقه فضلاً عن التجاهر به للجمهور، طبقاً لما قرره المحققون من الأصوليين والفقهاء.
وسرُّ هذا الأصل، أن الأقوال الشاذة إما أن تكون مائلة إلى الشدة أو الانحلال، وكلاهما على خلاف مقصد الشارع حسبما مهدناه في المقالة الافتتاحيةِ.
ومنهم من أغفل هذا الأصل، فتجده يورد الخلافات في صورة الاستدلال على الإباحة، حتى إذا سأل سائل عن حكم نازلة متطلباً لما هو الأصلح له في نظر الشرع الحكيم، رده على عقبه إلى ما كان عليه من التخيير المطلق، فقال له:
في مسألتك قولان، ويعني بذلك إفتاعه بالجواز من غير دليل يدل عليه سوى ما جرى في المسألة من الخلاف، وما علم أن للشارع حكماً مسمطاً ينزع بالمكلف من الانخفاض لسلطان الشهوة التي هي عين ذلك التخيير.
__________
= الأقوال الضعيفة أمران: اتساع النظر ومعرفة مدارك الأقوال، وليعمل المكلف بالضعيف في خاصيهّ نفسه إذا تحقق الضرورة، ولا يجوز للمفتي أن يفتي بغير الراجح خوف أن لا تكون الضرورة محققة.
ولعل هذا هو الذي اشتبه على المنتقد، ومن زاد النظر بسطة لم يجد العمل بالقول الضعيف عند تحقق الضرورة خروجاً عن القول الراجح، لأن القول الراجح إذا اقتضى المنع مثلاً كان المنع مقيداً بانتفاء الضرروة قطعاً، فكأن صاحبه يقول: يُمنع فعل كذا ما لم تدع إليه ضرورة فيفعل، وعليه فلا يكون في الفعل عند تحقق الضروة عدول عن القول الراجح أصلاً، ولا توفيق إلا بالله.
(12/ 2/59)

وبالجملة فإن مَنْ عدل عن الأقوال الراجحة لغير ضرورة شرعية فقد ضل ضلالاً بعيداً.
"قال أبو بكر بن العربي" عند قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] "إن المفتي إذا خالف نص الرواية في نص النازلة، وعدل عن قول من يقلده فإنه مذموم داخل في الآية، ومن قال من المقلدين هذه تخرج من قول مالك في موضع كذا فهو داخل في الآية"، فإن قيل: أنت تقول هذا وكثير من أهل المذهب يقولون هكذا: قلنا، نحن نقول هذا في ترجيح أحد القولين، لا على أنها فتوى نازلة يعمل عليها السائل، فاذا جاء السائل عُرضت على الدليل الأصلي لا على التخريج، فيقال: له الجواب كذا فاعمل عليه.
(12/ 2/60)

براءة القرآن مِنَ الشِّعِر (1) (2)

كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أفصح ولد آدم، ولكنه حجب عنه الشعر لما ادخره الله له في ضمير الغيب من جعل فصاحة القرآن معجزة له ودلالة على صدقه، بشهادة قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} [الحاقة: 41] الآية. وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69].
وقد اعترض جماعة من فصحاء الملحدة في نظم القرآن بآيات يريدون بها التلبيس على الضعفة، منها قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ
__________
(1) العدد الثالث - الصادر في صفر 1322.
(2) أورد الإمام في العدد الثالث من مجلة "السعادة العظمى" التعليق التالي:

ورد على ما حررناه في العدد الثاني من المجلة تحت عنوان: " براءة القرآن من الشعر"، أن قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] وكلام تام، وعليه فلا محيص من الرجوع إلى الجواب العام الذي هو مراعاة القصد الأولي، وجوابه أن الآية لا تكون على وزن شيء من الشعر إلا بإشباع الميم من قوله: {الرَّحِيمُ]، وإذا أشبعت لم يكن قرآناً، هذا وقد أورد "الفخر الرازي" في تفسيره قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا} [آل عمران: 92] الآية، ولم يذكر إلا ذلك الجواب العام مع أنه لا يوافق وزن مجزوء الرمل الذي ادعوه إلا بحذف النون من قوله: {تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] أما قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} [سبأ: 14] الآية، فجوابه أنه غير تام لتوقفه على ما قبله من جهة عطفه عليه.
(12/ 2/61)

عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] قالوا: "إن هذا من بحر المتقارب"، قلنا: "إنما يقول هذا من لا خلاق له في هاته الصناعة، لأن الذي ينطبق على وزن هذا البحر من الآية قوله: {فَلَمَّا} إلى قوله {كُلِّ]، وإذا وقفنا عليه لم يستقم الكلام، وإذا أتممناه بقوله: {كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} خروج عن وزن الشعر".
ومنها قوله تعالى: {وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] ادعوا أنه من بحر الوافر، قلنا: "هذه الدعوى على جانب عظيم من الفساد، لأنها إنما تكون على وزن هذا البحر، إذا زيدت فيها ألف بإشباع حركة النون، وأشبعت حركة الميم في قوله {وَيُخْزِهِمْ} وإذا غُيِّر لم يكن قرآناً، وإذا قرأ على الأصل لم يكن شعراً".
ومنها قوله: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] زعموا أنه من جزوء الرمل، وهذا باطل أيضاً، لأنه إنما يكون من هذا الوزن إذا زيدت فيه ياء بعد الباء في قوله {كَالْجَوَابِ]، وإذا حذفت فليس بكلام تام على وزن شيء.
ومنها قوله {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 30] قالوا: "هذه آية تامة على وزن بيت من الرمل"، وهذا غلط فاحش، لأنها إنما تكون من وزنه إذا حذف من قوله: {لَا تَسْتَأْخِرُونَ} لا النافية والياء والسين، وتوصل يوم بقولك تأخرون، وتقف على النون من قولك تأخرون، فتقول: تأخرونا بالألف، وإذا قرأناه كذلك لم نتبع قرآنه، ومتى قرآناه على أصله فما هو بقول شاعر.
ومنها قوله: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} [الإنسان: 14] ادعوا
(12/ 2/62)

أنه من بحر الرجز، وهذه الدعوى من الطراز الأول، لأنه إن قرئ بإسكان الميم يكن على وزن فعول، وليس في بحر الرجز فعول، وإن أشبعت حركة الميم لم يكن من هذا البحر إلا باسقاط الواو من {وَدَانِيَةً]، وإذا حذفت الواو بطل الكلام.
ومنها قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 1 - 2] زعموا أنه من الخفيف، قلنا: "زعمتم ولكنكم أخطأتم، لأنه لا يكون من هذا الوزن إلا بحذف اللام من قوله: {فَذَلِكَ]، وبإشباع الميم من قوله: {الْيَتِيمَ]، فيكون اليتيما، والقراءة سنة متبعة لا مبتدعة".
ومنها قوله: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] قالوا: "هذا من بحر الرجز"، وقلنا: "افتريتم على الله كذباً، لأن الذي يوافق هذا الوزن من الآية قوله، {إِنِّي وَجَدْتُ} إلى قوله: {عَرْشٌ]، والكلام غير التام لا يكون شعراً"، فإن قالوا: "يقع قوله: {عَرْشٌ عَظِيمٌ} بعد ذلك إتماماً للكلام على معنى التضمين"، قلنا: "التضمين إنما يكون في بيت على تأسيس بيت قبله، وأما أن يكون التأسيس بيتاً والتضمين أقل من بيت فذلك ليس بشعر عنه أحد من العرب".
وخلاصة هذا المطلب، أنك لا تجد آية تامة أو كلاماً تاماً من القرآن على وزن بيت تام من الشعر.
وغالبهم يقتصر على جواب عام، وهو أخذ القصد الأولي قيداً في حقيقة الشعر.
(12/ 2/63)

العمل والبطالة (1)
لا يزال الذين ينظرون إلى ما أنزل الله بعيون حشوها التبصر، وقلوب ملؤها الاعتبار، يؤمنون بأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الإرشاد والتهذيب إلا حثَّ عليها، ولا رذيلة أو مفسدة إلا صدَّ عن سبيلها، وبذلك كان المعظِّمون لشأنه، المقيمون لشعائره في أعلى طبقة من أدب النفس وتربيتها على محاسن الشيم وتمرينها على الأعمال النافعة، وهذا مما يعرفه الذين آمنوا، كما يعرفون أبناءهم، ولكن للهمم خمود وللعزائم فترة لا يتقيظ من موتتها إلا من استفزته صروف الحوادث، وأرته كيف ترقى أمة إلى مكانة العز، وتنحط أخرى إلى وهدة السقوط، ولا تفعل ذلك إلا بمن أدركت منه رمق حياة لم يزل نبضها خافقاً. أما من سكنت إحساساته حتى التحق عند أولي البصائر ببهيمة الأنعام فلا يحس لها وجبة ولا يسمع لها ركزاً.
وإن تعجب فعجب ما يتخيله بعض من رُبِّي في مهد الجمود، من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وإنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية، وروَّج هذا التخيل الزائف على البسطاء وقوفهم عند ظواهر آيات وأحاديث واردة في ذم متاع الحياة الدنيا، ولو اتسعت
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/64)

خطواتهم في التدبر لأبصروا ما هو التحقيق، وإيضاحه أن الشارع يفعل بالمكلف فعل الطبيب الرفيق إذا أصابت المريض علة بانحراف بعض الأخلاط، قابله في معالجتها على مقتضى انحرافه في الجانب الآخر ليرجع إلى الاعتدال.
لما آمن الناس وظهر من بعضهم ما يقتضي الرغبة في الدنيا رغبة ربما أمالته عن الاعتدال في طلبها، قال عليه الصلاة والسلام: "إن مما أخاف عليكم ما يفتح لكم من زهرات الدنيا"، ولما لم يظهر ذلك منهم ولا مظنته، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32]، ولما ذمَّ الدنيا ومتاعها، همَّ جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أن يتبتلوا ويتركوا النساء واللذة والدنيا وينقطعوا إلى العبادة، فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعا لأناس بكثرة المال والولد بعد ما أنزل الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] وأقر الصحابة على جمع الدنيا والتمتع بالحلال منها، ولم يزهدهم ولا أمرهم بتركها إلا عند ظهور حرص أو وجود منع من حقه، وقد كان المتعبدون من قبل يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها، فنفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهى المسلمين عنها فقال: "لا رهبانية في الإسلام"، ومن الآيات الشاهدة لهذا الغرض قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، لما وقع الأمر بصرف المال إلى الآخرة في قوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} [القصص: 77] بيَّن الواعظ بعد بقوله: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل، قال مادح عمر بن عبد العزيز:
(12/ 2/65)

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
وعلى نحو هذا جرى ذكر التجارة في معرض الحط من شأنها، حيث شغلت عن طاعة، في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} [الجمعة: 11] الآية، ولما فقد ذلك المعنى العارض ذكرت، ولم يهضم من جانبها شيء، كما في قوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]. فقد أثبت لهؤلاء الكمل أنهم تجار وباعة، ولكنها لم تشغلهم ضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية.
أما ما يقوله بعضهم من أنه نفى كونهم تجار أو باعة أصلاً، فخلاف ظاهر الآية، والسر في اختصاص الرجال بالذكر، أن النساء لسن من أهل التجارات والجماعات وما ينبغي لهن ذلك، كما أن تخصيص التجارة من بين سائر أسباب الملك، لكونها أغلب وقوعاً، وأوفق لذوي المروءات، ومما يزداد به هذا المقصد بياناً قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، فقد بين بهاته الآية أن الزينة من علائق العبادة، وأنها غير منافية، وأن العبادة تستدعي الإعراض عن اللذات الحسية المعتدلة، وبالجملة فإن الآيات التي تحث على العمل والكسب كثيرة قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]. {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12]. {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
فالحكيم الخبير من يقدِّر الوقت حق قدره، ولا يتخذه وعاء لأبخس الأشياء وأسخف الكلام، ويعلم أنه أجلُّ شيء يصان عن الإهمال والإضاعة،
(12/ 2/66)

ويقصره على المساعي الحميدة التي ترضي الله وتنفع الناس، وبذلك ينتشر العمران في أطراف البلاد، وتتوفر مواد الصلاح وتنقطع أسباب الفساد، وذلك هو معنى المدنية.
أما من كتب على نفسه البطالة، فقد رضي لها بأسوأ الحرف وأخسها، إذ لا صنع لهذا المحترف غالباً إلا التمضمض بكلمات التشنيع والتسخط على ما يفعله غيره، وإن غزرت فائدته، ولا تراه إلا متردداً على المجالس التي تساق إليها بضائع اللغو؛ ليكون أحد الحاملين لأسفارها، ومما يعجب منه أنك تجد الرجل يحسن القراءة، وحواليه كتب مفيدة يمكنه أن يقتبس منها فوائد يستضيء بها صدره من ظلمات الجهالة ولا يفعل، وتجد آخر يتقن صناعة، أو له استعداد لإتقانها، وليس له حركة إلا الانتشار في الطرق، كأنما أوجر على قيسها، ولا توفيق إلا بالله.
(12/ 2/67)

حياة الأمّة (1)

لتجدن أشد الناس فتوراً وأضعفهم عقدة في رابطة بني جنسه، من يرى أمة متمسكة بأذيال المدنية ساعية وراءها بحركات تبهر العيون وتدهش الألباب، ترفل في ملابس الرفاهية تحت ظلال عز مكين، ويشاهد أمة أخرى في أسوأ منظر من خشونة الحال وشظف العيش وجهومة المسكنة، ثم لا يسأل الناس إلحافاً عن الأسباب التي ترتفع بها قواعد العمران، والعلل التي تخرُّ بها على عروشها.
من الناس من لا يعرف للحياة معنى سوى ما يشاركه فيها أخس الحيوانات، حتى إذا نال طيباً في مطعمه، وليناً في مضجعه، قال: "على الدنيا العفاء"، كان لم يكن آمناً في سربه. فلا وربك إن للأمم حياة وراء الصفة التي تقتضي الحس والحركة، وبها تقف في مصاف المستظلين بسُرادق السعادة.

حياة الأمة بتعاضد أفرادها على صيانة سياجها المدني من الاضمحلال، وتدعيم أصوله بيد الإتقان والاختراع. حياة الأمة بنهوض أبنائها إلى قرع أبواب التقدم جهد أنفسهم، رغماً عن أنوف الذين يئسوا منه، ورضوا بأن
__________
(1) العدد السادس - الصادر في 16 ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/68)

يكونوا مع الخوالف، وطفقوا يدسون في كل مهجة سم الذل والخور، بعد استفراغها من نخوة العز والشهامة. حياة الأمة بانصراف وجهائها إلى توفية المصالح العامة حقها وإيثارها على مصالحهم الخاصة، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله. حياة الأمة بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل لوازمها البدنية والعقلية، وسدِّ كل ثلمة من الحاجات ما تزايدت، ولنضرب لذلك مثلاً:
الفلاحة التي هي أقدم الصنائع وأجداها نفعاً، عبارة عن عمارة الأرض، باستصلاحها واستثمار نباتها، فإذا أمعنا في الأعمال التي تتألف منها هذه الصناعة، وهي إثارة الأرض، وازدراعها وعلاج النبات، وتعهده بالسقي والتنمية، إلى بلوغ غايته، ثم حصاده واستخراج حبه من غلافه، رأينا في مباشرتها ضروباً من المعاناة لا يهون على العملة اقتحام أخطارها إلا رجاؤهم لاستدرار خيراتها من بعد، فإذا استحدثت آلات جديدة، وابتكرت طرق تخفف وطأة تلك المصاعب، وتعظم بها نتائج الاستغلال، أفلا يجدر بنا أن نضرب فيها بالسهم الوافر طبقاً لما أمرنا به من الاقتصاد في الأموال، وتربية فوائدها، والتباعد عن الحرج والمشقة ما استطعنا لليسر سبيلا؟. ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها، يعلم أن الأعمال الاعتيادية مدار أحكامها على رعاية المصالح وجوداً وعدماً، فلو لم تقم نخبة من أهل النهضة، يغتنمون استجلاء تلك الطرق وتعليمها لأبناء الوطن، مجاراة لمن اتخذها وسيلة لاستعمار الأرض فكملت بها قوته، وازداد بها ملكه وثروته بسطة، لبقيت خدشة في وجه الجامعة الإسلامية، وهكذا سائر الصنائع التي تمس الحاجة إليها، ينبغي الأخذ فيها بالطرق التي هي أيسر كلفة وأربى
(12/ 2/69)

فائدة، وقد حكم العيان بأن الآلات الجديدة خففت كثيراً من الأعمال التي لا تبلغ غايتها إلا بشق الأنفس.
الحاجات التي تعتري هذه الجامعة، يقوم بسدادها كل فرد مما عدا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وينقسم القائمون بذلك السداد إلى أربع طبقات:
الطبقة الأولى: طائفة تدبر أمور الرعية بحفظ حقوقها عن الضياع، ويبلغ ذلك الحفظ أشده بالفحص عن المفاسد لتقتلع جراثيمها، والبحث عن المصالح لتقام أركانها على أسس ثابتة.
الطبقة الثانية: طائفة تتميز بنشر المعارف بعد أن يشدّوا عراها بمثقف الفكر، ويطووا عليها كشح التحقيق، ويسيروا بالتعليم في طريق معتدل؛ لكيما تصل حركاته السريعة بالمتعلمين في وقت وجيز إلى الرتبة الكافية لمن اقتصر عليها، سواء في ذلك علم الحلال والحرام، وما يستعان به عليه كعلوم العربية والحساب والهندسة، أو العلوم التي تعود على الوطن بعوائد الثروة وتحسين الحال كالصنائع، فإن تعلمها فرض كفاية أيضاً. مع تجمل المعلم بالتؤدة والأناة التي هي سمات النبوءة والتلبس بمكارم الأخلاق تلبساً علمياً فإن ذلك نوع من التعليمات التشخيصية التي هي أقوى تأثيراً في النفوس المستعدة لانطباع الكمالات، وأفٍ ثم أفٍ من التصنع في الهيئات الذي ينحرف بصاحبه عن خطة أهل المروءات والآداب.
الطبقة الثالثة: طائفة من أرباب اليسار، تدير دولاب التجارة بترويج المصنوعات وتصريف المحصولات.
الطبقة الرابعة: طائفة عظيمة تتصدى للاشتغال بالصنائع وتجويد
(12/ 2/70)

صنعتها، وبمقداره يرتفع شأنها ويزخر نفاقها، ولا يتسنى إحكامها بأخذها عن أربابها الماهرين، وينبغي أن يكون غالب أهل البلد هم أهل هاته الطبقة، لأن الصنائع هي العنصر الذي تقام عليه سوق التجارات ومعظم أسباب العمران.
إن قلت: مَنْ المستضعف من الرجال الذي لا ينتظم في سلك هذه الطبقات؟
قلنا: رجل يجب على من جرت في عروقهم دماء الغيرة على حياة جامعتهم أن ينكثوا منه الأيدي، وهو كل من ضربت على نفسه ذلة وصغار، حتى تخدرت مشاعره، وأصبح كالعضو الأشل متعلقاً ببني جلدته، الذين هم كالجسد الواحد في التآزر على إحياء مجد آبائهم السابقين الأولين دون مبالاة بطعن طاعن، أو انتقاد منتقد، فتهرع الألسن لنشر مفاخرهم، وتستبق أقلام الكرام الكاتبين لنشر مآثرهم جزاء بما كانوا يعملون.
(12/ 2/71)

التّربية (1)

ألم يأن للذين آمنوا أن تكون لهم آذان صاغية وقلوب واعية، فيستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم! يحييهم كتاب الله إذا تشبعت عقولهم بأنوار مواعظه الحسنة، وإرشاداته الصحيحة، وارتبطوا بالعمل به ارتباطاً يهن كيد المردة عن نقض عراه، حتى إذا رسخ في أذواقهم طعم شجرته المباركة، استقذروا ما ترميه أفواه الذين اتبعوا أهل المدنية الحديثة المصفدين بأغلال التقليد لهم في كل مثال جديد.

ذلك التقليد الأعمى، علته سوء التربية الأولى، وعدم ارتواء النفس من أول النشأة بمحاسن الشريعة الغراء، ومن ثم كان الغالب على من شبّوا في كفالة المقدِّرين لها حق قدرها علماً وعملاً، شرف الوجدان وسلامة القصد، والاستماتة في مدافعة الشُّبه التي تحركها استحسانات النفوس الكدرة، ولعلك تتلو قوله تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] فتجد المنكرين عليها فيما اتهموها به، أرادوا بنفي البغي والسوء عن أبويها المبالغة في توبيخها عما يراها الله منه تنبيهاً على أن من كان أبواه صالحين ليس من شأنه التجرد عن طورهما والتردي بغير ردائهما، وما كان ينبغي له إلا أن يسلك سنن أعمالهما الصالحة شبراً بشبرٍ وذراعاً
__________
(1) العدد السابع - غرة ربيع الثاني 1322.
(12/ 2/72)

بذراع، كما أنك تجد أكثر الناشئين في جحور السفلة، أو من أطلقت حبالهم على غواربهم زمن الحداثة في أفظع حال من فساد الأذواق، وعدم الخضوع لسلطة الأحكام الدينية، والانخداع بالظواهر المزخرفة عن الغوص على الحقائق التي لا يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم من الحكمة.
تَعجَبُ العامة لرجل يبرع في فنون كثيرة، ويبدع في التصرف في مباحثها المشكلة، فيفرغها في قالب التحقيق، حتى إذا فاوضته في أي علم منها، خيل لك أنه الواضع لأصوله، ولا تلبث زمناً يسيراً تجس نبض أخلاقه إلا وجدت فيها عوجاً وأمتاً، أما الفيلسوف النقّاد فلا يرى ذلك شيئاً عجاباً للنكتة التي لوَّحنا إليها، وهي سوء التربية الأولى، والدليل على ما نقوله أن الصبي يولد على الفطرة الخالصة والطبع البسيط، فإذا قوبلت نفسه الساذجة بخلق من الأخلاق، انتقشت صورته في لوحها، ثم لم تزل تلك الصورة تمتد شيئاً فشيئاً إلى أن تأخذ بجميع أطراف النفس، وتصير كيفية راسخة فيها، حائلة لها عن الانفعال بضدها، يؤيد هذا أنَّا إذا رأينا من الغرباء من هو لطيف الخطاب، جميل اللقاء، مهذب الألمعية، لا نرتاب في دعوى أنه ممن أنبته الله في البيوت الفاضلة نباتاً حسناً.
ومن الناس من يدرك أن التقام الأطفال لثدي التربية، مما يؤثر في نفوسهم إصلاحاً عظيماً، ولكن فرط الرأفة الذي ينشأ من التغالي في حبهم، يكسر من صلابة الآباء شيئاً كثيراً، فيدفعهم عن مكافحة طباع أبنائهم الرديئة ومقاومتها بالتأديب، وينفض بهم ذلك الإهمال إلى التنقل في مراتع الشهوات الزائغة. كلّا هذه رأفة غير ممزوجة بحكمة. التنقل في مراتع الشهوات، تتولد عنه نتائج وخيمة، تثير بين الآباء والأبناء من النفرة والتباعد بمقدار ما كان
(12/ 2/73)

بينهما من الحنان والمقاربة، وتصير بهم إلى أن تضرسهم أنياب الاضطهاد، وتدوسهم أقدام الامتهان.
لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يفتك من الصبي سائر إرادته، ويسلب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب. إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام، فيكون ألعوبة بيد معاشريه، كالكرة المطروحة بينهم يتلقفونه رِجْلاً رِجْلاً، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون.
التربية النافعة ما كانت أثراً لمحبة يطفئ البأس شيئاً من حرارتها، وصرامة تلطف الشفقة نبذة من شدتها، وهي التي يستوجب بها الوالدان دعاء الولد بقوله: "رب ارحمهما كما ربّياني صغيراً"، ولما كان الابن مثالاً لمن جعله الله عليه كفيلاً ومظهراً لآثار تعود على وليه بكِفْل من جزائها، فما بالنا لا نرسم في طباع أبنائنا أشكالاً محمودة، تمثل لمن بعدنا هيئة ما كان عليه سلفهم الصالح، عوض أن ننقشها لهم في عمد ممددة أو خُشُب مسندة؟!
وخاتمة المقال، إن تعميم التربية بين طبقات الأمة شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائف تاريخها بسواه.
(12/ 2/74)

التّقدم بالكتابة (1)
الأمة عبارة عن نظام يتألف من أفراد شتى، تجمعها جهة واحدة كالجامعة الدينية أو الوطنية، ولا يلزم في استمرار حياتها واستقامة بنيتها أن تتناسب أفرادها كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، بل تتفاوت رتبهم رفعة وحطة، وتختلف إرادتهم في التفنن على جلائل الأعمال وصغائرها.
سنّة الله في الذين خلوا من قبل، ولا يؤدي ذلك التفاوت والاختلاف إلى انتهاك قواها وانشقاق عصاها، ما دام أولو القوة منها، وهم علماؤها ذوو الأفكار الرشيدة، باذلين جلَّ عنايتهم وأقصى مجهودهم في تقويم المعوج من أخلاقها، وتعديل الزائغ من عقائدها، والنهي عن البدع المذمومة بألسنة من يُعتدُّ بهم في الدين، والتنفير عن العوائد التي ترتعد من هجنتها فرائص أهل البصائر، غير مشتبه عليهم ما يُهيِّج الفتن ويُحرِّك سواكن المزعجات فيتجنبونه، وما يتأيد به حق أو يدمغ به باطل فينتهزون فرصته، مع الاستطلاع على غايات ما ينشر من المصنوعات المبتدعة والفنون المخترعة، ليرتبوا أحكامها على قواعد راسخة، فما اشتمل على مصلحة شيَّدوا له ذكراً، ورفعوا له شأناً، حتى تتناوله جمهور الأمة بصدور سليمة من عقدات التحرج، وما شابه أن يكون مفسدة أو لا نتيجة له إلا الاستغراق في فضول الحضارة،
__________
(1) العدد الثامن - الصادر في 16 ربيع الثاني 1322.
(12/ 2/75)

أسرعوا إلى إطفاء نيرانه قبل تسعُّرها صيانة لوجه المدنية الكبرى من أن تغشاه غبرة أو ترهقه قترة، وقياماً بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وهم على خبرة أيَّدهم الله، إن هذه المقاصد التي صعَّدنا إليها النظر، لا تنفك عنهم تبعتها إلا بإفراغ الجهد في التجاهر بما لها أو عليها، ولا أرفع صدى وأبعد مدى من لهجات أقلامهم المرتاضة، ونفثاتها الفعالة في النفوس الآخذة بمجامع القلوب.
وبذلك يتجلى في عالم الشهادة ما لساداتنا العلماء من الشرف الرفيع والمقام المحمود، ويعلم المستخفون الآن بحرمتهم، أن خطتهم أفسح مجالاً من أن تقتصر على حكاية ما بين دفتي كذا، مع التماوت في ثوب الخمول والإعراض عن النظر في كل ما يُعدُّ ظاهراً من الحياة الدنيا، وعدم الاعتبار بما تضعه بطون الليالي من الحوادث الجليلة، وفي عناية الذين أوتوا العلم بشأن الكتابة مآرب آخرى.
منها المحافظة على ما للإنشاء العربي من الأساليب المؤثرة على الأذهان، وإحياء ما اندرس من آيات سحر بيانها، وفي ذلك أخذٌ بيد الخلف إلى حيث يقفون تجاه قوم سروا في مضمار هذه الصناعة شوطاً بعيداً، ولقد نعلم أنهم لم يقيموا جدار هذا الارتقاء باستعداد زائد في فطرتهم، أو لقوة فائقة في إنسانيتهم، أو لسر خصَّه الله بأقلامهم، وإنما سلكوا مسلك الحزم والنشاط، فمسحوا عن أعينهم نوماً كان شره مستطيراً. هم رجال ونحن رجال، أقلامهم من القصب الذي ننحت منه أقلامنا، ولا يحملونها إلا بمثل أناملنا قوة وشكلاً. أما مدادهم فمن نوع ما نكتب به الحروف الهجائية لصبيان المكاتب، وأما محابرهم فليست غير تلك الظروف التي نبتاعها من الزجّاجين، ولنا أن نتخذها
(12/ 2/76)

زجاجات كأنها قوارير من فضة، وأما ورقهم الذي ينشرون فيه ذلك الطراز البديع فها هو ذا بين أيدينا لم ندرك فرقاً بينه وبين ما يضع فيه الباعة سقط متاعهم، ويكأنهم تقدموا وتقاعدنا، وافتكّوا عزائمهم من سلاسل التكاسل وأغلال التواني، واستماتت هممنا تحت إصرها الثقيل، ونحن بما عندنا راضون، ويقول بعض الملأ الذين استكبروا لمثل ذلك السكون فليعمل العاملون.
وههنا نكتة أخرى نستأذن حضرات القرّاء في إرسالها، وهي أن بعض الشعب يريد كل أمرئ منهم أن لا يصدع بكلمة حتى يتسلمها جميع من في العالم بيد القبول والاحترام، وإلا فلا يكلم بها إنسياً خشية أن يسترق الشياطين سمعها، علة ذلك أن قلوبهم مستضعفة لا تتجلد بالمصابرة على سهام الانتقادات الراشقة، يود الكاتب أن يخر من السماء فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، ولا يبدي رأياً ترده النقاد على عقبه، لما يُقدِّره من أن دحض رأيه ولو مرة تسقط به جلالته من أعين الذين يتهيبونه، مع أنه كثيراً ما يحكم على بعض الجهابذة بعدم الإصابة في عدة مسائل، ولا يهضم ذلك من جانب عظمتهم شيئاً.
ولا يختلج في ضمائرنا أن تلك الأمة التي تقدمت في طريق الأدب شعراً وكتابة، بمجرد ما تنبهوا بعد ذلك السبات المديد، انتصبوا قائمين على هذه الصورة التي نشخِّصهم بها اليوم، حتى نستصعب أن نكون غداً أو بعد غد واقفين حيالهم، ويقودنا هذا الاستصعاب إلى التمسك بحبال اليأس والقنوط والزهد في رقيهم الأسمى، بل نستيقن أنهم لم يصلوا إلى هذه الدرجة القصوى إلا بالتنقل في طريقها رويداً رويداً، ومجاهدة مصاعبها
(12/ 2/77)

شيئاً فشيئاً، في أزمنة متسعة.
ونحن نُؤمِّل من أبناء وطننا العزيز، أن ينزفوا غلالة جهدهم في تحرير الموضوعات المفيدة كتابة، كما صرفوا إليها وجهتم تدريساً، ويعدّوا لنبال الطعن والانتقاد ما استطاعوا من ثبات وقوة الجأش، وُيرضخوا شوكتها بالإغضاء وعدم الاكتراث برماتها "وأنا الكفيل بأن تعود حياتهم". ولقد امتلأت صدورنا جذلاً حين استهلت في وجوهنا تباشير رسائلهم العلمية والأدبية، ويوشك أن يعقبها صباح يزيد شعور إخواننا تنبهاً وعواطفهم رقة، فيكتال لهم التاريخ من جميل الذكر ما يكتاله للأمم المترقية، ويوفيهم الله أجرهم بغير حساب.
(12/ 2/78)

مدنيّة الإسْلام والعلوم العصريّة (1)
خذ أيها الباحث الحكيم بمجامع نظرك السديد، وجل به جولة بديعة الإحاطة في قوانين الشريعة المقدسة، التي نعت بها الكتاب العزيز. وأرشدت إليها السنة الثابتة، ثم ارجع البصر كرتين إلى الأسباب، أسباب ارتقاء الأمم الحية وبسطها أجنحة الاستعمار في الأرض، ولتكن هكذا كل ذرة من ذرات جسمك عيناً تبصر وأذناً تصغي وفؤاداً يذكر، إلى أن تتأصل في صدرك شجرة الحكمة البارعة، وتتفرع أغصانها تحت طي لسانك، وهلم إلينا من بعدُّ نتجاذب أطراف الأحاديث بيننا بقسطاس صحيح، ولهجة صادقة لا تدخل على الأَحكام إلا من باب الإنصاف، لكيما نعلم عين اليقين أن لا سبيل إلى استيفاء لوازم الحياة الاجتماعية إلا بإقامة قواعد الدين على الوجه الذي اهتدى إليه الخلفاء الراشدون ومن كان على شاكلتهم من السلف الصالح، وهو المثال الذي لا بد لنا من محاذاته ولو بعد حين من الدهر، لأنهم أبناء العصر الذي نزل فيه القرآن، وأُخوان اللغة التي ورد على أساليبها، فهم أعرف بمساقاته وأعرق في فهم مغازيه ممن سواه.
ما تسنى لهم انتهاج تلك الطريقة الواضحة إلا لخلو جامعتهم على
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/79)

سعة دائرتها من طائفة تجهل ماهية الحياة الصالحة، وقفت عرضة في وجوه الخلف تسد عليهم طرق العلم بأسباب الانتظام في شؤونهم السياسية والمعاشية، حتى توهم ذو بصيرة عشواء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان، ولربما رجفت هذه الراجفة في صدور ضعفاء الأحلام من الناشئة الحديثة. ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً!! أي مدنية قويمة لم يكشف الإسلام غشاوتها أو حضارة نافعة لم ينشر بين إخوانه لواءها؟
تسابقت الدول في طباق العمران، بمعرفة العلوم الرياضية التي من فروعها الحساب، والمساحة، وعلم التكسير، وعلم رفع الأثقال، وعلم الحيل المائية والهوائية، والمناظر، والحرب، والهيئة، والميقات، والفنون الطبيعية التي من فروعها علم الفلاحة، وعلم المعادن، وعلم الطب وفروعه، ومن كان على بيِّنة من الشريعة القيِّمة عارفاً بغايات هذه الفنون لاسيما في مثل هذا العصر الذي كشف عنَّا الغطاء وأرانا من نتائجها ما أرى، لا يسعه إلا استلحاقها بالعلوم الإسلامية، لتستخدم في بعض الشعائر المفروضة، ويتطرق بها إلى اغتنام السعادة في الدنيا التي هي الكافل للسعادة الأبدية.
ولقد فعل ذلك ذوو الفطر السليمة من علمائنا الذين لم ينكثوا أيديهم من التأسي بذلك السلف في التمتع بلذة النظر، وأخذ الأشياء النافعة من أي وجهة صدرت، فمحصوها بتطبيق أصول الديانة عليها وغرسوها في معادن معارفهم العالية، فربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولقد أعجب من سوانا نباتها، فاستمالوا إليهم غصونها، فاستحكمت جذورها عندهم، واجتنوا منها ثمراً لذيذاً. شهد الله أن ليس الغرض من ترديد صدى هذه الجملة الأخيرة على الآذان نشر فضيلة كانت مطوية، أو الإعلان بمنة قوبلت بالكفران، كلا
(12/ 2/80)

ثم كلا، إن ذلك لا يجدي نفعاً ولا يطفئ لوعة، بل المراد إيقاد نار الغيرة على استرجاع ما أورَثَنَاه آباؤنا الأولون.
وليست العلة في تجافينا عن هذه الفنون وعدم تعهدها بالتنمية إلى أن أصبحت بضاعتها لدينا مزجاة، إلا ما خيل إلى بعض الجاهلين بحقائقها من أنها حية تسعى، تساور الأفكار فتلسع عقائدها الصحيحة:
واذ امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يُجَرُّ حبلٌ يفرق
ثم سرت عدوى ذلك الوهم إلى إحساسات كثير ممن يظن بهم القيام بأحمالها الخفيفة، ولربما تحاشى عن تعاليمها بعض العالمين بما فيها من المنافع، رهبة من إساءة الظن به واتهامه بالإلحاد الذي تزعم العامة أنه منقوش على كل سطر من صحائفها. هذا مع إخلادنا إلى الخمول إخلاد مهيض الجناح إلى الأرض، فلا تتطاول أعناقنا أو تشخص أبصارنا إلى الاستطلاع عن الوسائل التي تأخذ بساعد الأمة إلى التدرج في طبقات السؤدد والاستعلاء، فنسعى لها سعيها.
ومن الناس من أُشربوا في قلوبهم اليأس والقنوط، فلا يرجون للإسلام تقدماً، فيميتون في أنفسهم كل قوة واستعداد، ويثبطونها عن المجاراة في مثل هذه الفنون، مما يُستجلب به مصلحة أو يدرأ به مفسدة، فإذا سمعوا منادياً ينادي لمراجعة التفاتنا واستدراك ما فاتنا، نغضوا إليه رؤوسهم سخرية، كأنما تطلَّبّ نشر الأموات أو كلَّفهم البلوغ إلى أسباب السماوات. سبحانك هذا ضلال مبين ننفذ له ماء الشؤون ونأسف له أسفاً أليماً.
كما أن بعض المتدربين في هذه الفنون، قد يأخذهم التعاظم شأن المقلد الأعمى إلى أن يلقوا على أفواههم كلمات يهتضمون بها جانب العلوم الدينية
(12/ 2/81)

ومستتبعاتها، يرددونها بكل مكان، ويلوكونها لوك الخيل للشكائم صباحاً ومساء، غدواً ورواحاً، ويريدون أن تردى الناس جميعاً في أسواء الجهالة بها. أبمثل هاته الإرادة ينفخون في عروق الأمة حياة جديدة؟ أو لم يشعر هؤلاء بأن علوم الديانة هي عنصر المدنية الكبرى؟ ولماذا لا يقتدون بأهل النجارة والحياكة والفلاحة وسائر الصنائع؟ فإنهم على علم "أعانهم الله " أن الهيئة الاجتماعية لا يستقيم أودها إلا بحركاتهم اليومية، ولا يحومون حول هذه الآراء العقيمة التي لا تصدر إلا ممن حرم نظره من التعلق بما وراء هذه الدينا. اللهم ألهمنا طريقة عادلة يستوي على ظهرها القيِّم السائرون في مضيق الإفراط والخابطون في مهامه التفريط.
(12/ 2/82)

مدنيّة الإسلام والخطابة (1)
أتى على هذا العالم حين من الدهر، ومعظمه تحت قبضة دولتي الفارسيين والرومانيين، لا يخشون فيه منازعاً ولا يهابون معارضاً، وذلك قبل بعثته عليه الصلاة والسلام بنحو ثلاثة قرون، وانتشبت خلال هذه الأزمنة المستطيلة والآماد البعيدة بين هاتين الدولتين حروب دموية كان شررها مستطيراً، ولم تأخذهم بأبناء جنسهم المُكرَّم رأفة تغل أيديهم عما أرهقوهم به من الخسف والعدوان، وساموهم به من سوء العذاب الذي كانوا يصبُّون صواعقه على رؤوسهم صبّاً متوالياً.
انقسمت دولة الرومان سنة 395 مسيحية إلى قسمين: قسم في الشرق، وعاصمته القسطنطينية، وقسم في الغرب وعاصمته روما، وبعد هذا التقسيم بنحو ثمانين سنة، منيت الدولة الرومانية الغربية بغارة شعواء شنتها عليهم البرابرة، اندفعوا عليهم من آسيا اندفاع السيل من عل، فأيقظوا في قارة أوروبا فتنة رمت بشواظها ذات اليمين وذات الشمال، وعاثوا فيها بأضرُب الفساد وأنول البغي، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعل المتوحشون.
كل ذلك يُفصِّله لك التاريخ بتبيان لا يشوبه غموض، ويذكرك بأيامه
__________
(1) العدد الثالث عشر - الصادر في غرة رجب الأصب 1322.
(12/ 2/83)

الخالية تذكرة نافعة.
ولم تزل تلك الفتن قائمة على سوقها، والجهالة المظلمة ضاربة أطنابها بمشارق الأرض ومغاربها، إلى أن انفتحت في الحجب المحدقة بأنوار الحضرة المحمدية كوة نفذت منها بوارق لمعت في جزيرة العرب أولاً، ثم انبعثت منها أشعة إلى سائر أطراف المعمورة، فقشعت ببهرتها سحائب الهجمية الغالبة، وأخمدت نيران الضلالة المرهقة، وإن المنصفين من مؤرخي الإفرنج على ذلك لمن الشاهدين. قال أحد فلاسفتهم وكتّابهم "شارل ميسمر" في كتابه "تذكار العالم الإسلامي": "الإسلام أفاد العالم، فيلزم أوروبا أن تحافظ على حياة أهله".
وقال المسيو "دروي" أحد وزراء معارف فرنسا السابقين في كلامه على الأمة العربية -نقلته إحدى المجلات المصرية-: "وبعد ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أمة كبيرة، مدت جناحها من نهر تاج في إسبانيا إلى نهر الغانج في الهند، ورفعت على الإشادة أعلام التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوربا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة"، ثم قال: "إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الأمم، وانقشعت بسببهم سحائب البربرة التي امتدت على أوروبا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين، ورجعوا إلى الفحص عن ينابيع العلوم القديمة، ولم يكفهم الاحتفاظ على كنوزها التي عثروا عليها، بل اجتهدوا في توسيع دائرتها، وفتحوا طرقاً جديدة لتأمل العقول في عجائبها".
ولعلك بعد أن تصغي إلى هذه الشهادة التي لا تختلج بريبة، تنفث في
(12/ 2/84)

روعك، ما لنا نرى إخوان الإسلام بمعزل عن سعادة الحياة وراحة العيش، يوم أصبح غيرهم يتقلب في سعة الملك وبسطة من الرفاهية، فنجيب: "تأمَّلْ جيداً بصَّرك الله أن الوادي الذي يهيم فيه المسلمون لهذا العهد غير الطريقة التي سنّها كتاب الله وشرحت وجهتها السنَّة الصحيحة.
ما عليه غالب المسلمين الآن إنما هو مثال ينطبق عليه ما توسوس به الكتب المحشوة بالترهات الباطلة والخرافات التي تؤثر في العقائد والأخلاق خمَّة وفساداً، ككتاب "ألف ليلة"، وقصة "عنترة"، وقصة "فتوح اليمن"، وكتاب "أعلام الناس"، وكتاب "قصص الأنبياء"، المنسوب لأبي منصور الثعالبي وكتاب "مجاني الأدب"، وبعض كتب المواعظ والتفاسير المملوءة بالأحاديث الموضوعة وقصص الاسرائيليين. هذه الكتب وأشكالها هي الآن أكثر انتشاراً بين عامة المسلمين من الكتب المعتمدة، ويحسبون أن ما فيها هو من التعاليم الدينية، ولا يدرون بأنها فتحت علينا باباً من الغواية وآخر من المعرَّة لا يسدهما إلا البراءة منها وحرقها أينما وجدت، ولو طهرنا أفكارنا مما اشتملت عليه هذه الأسفار من القاذورات، وأفرغنا فيها من التعاليم الثابتة والآداب الحقة وابلاً غزيراً، لأثمرت في جوارحنا أعمالاً صالحة نستوفي أجورها مرتين.
من المسؤول أولاً عن هذا الانقلاب العظيم الذي أودى بالمسلمين قاطبة إلى مرارة العيش وكدر الأنفس وهم لا يشعرون؟
هم ساداتنا العلماء، فإنهم تنازلوا عن شيء كثير من خطتهم، وضيَّقوا في نطاقها إلى حد لا يسع إرشاد الأمة وإصلاحها، ولا ينكر ما حدث منذ أزمنة غير قريبة، وامتدت سلسلة تعسة وشقاية لهذا العصر من اتخاذ بعض المتردين برداء العلم اسم الدين شراكاً يقتنصون به مآربهم الشخصية، ومنهم
(12/ 2/85)

من تختم المطامع والجشع على أفواههم فيكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمناً قليلاً، والذي يتولى أكبر هذه المسؤولية خطباء المنابر، فإن كثيراً منهم غيّروا الخطب تغييراً فاحشاً كاد يخرج بها عن دائرة حكمتها التي شرعت لها.
شرعت الخطب للإرشاد إلى ما غايته راحة في الدارين وسعادة في الحياتين، وما مثل الخطيب في قومه إلا كمثل الطبيب الحكيم يسلم إليه شخص ليتكفل بالمحافظة على صحته، فلا يمكنه توفية هذه المحافظة حقها إلا بتفقد بدن ذلك الإنسان وتعهده في جميع الأزمنة، فإن طرأ على بنيته اعتلال أو مزاجه انحراف بادر إلى معالجته بدوائه المناسب له، وإلا فشأنه التحذير مما تتولد منه العلل وتتعفن به الأخلاط.
وكما أن الطبيب لا يخص مراقبته بالأعضاء الرئيسية الدماغ والقلب مثلاً، ويترك ما عداه غير مأسوف عليه، كذلك الخطيب لا يقف بتذكرته النافعة عند حد العبادات المحضة، فإن التمكن من القيام بقواعدها له شروط ووسائل لا يتم إلا بها، فلا بد من استلفات الأنظار إلى استجماعها والتنشيط إلى الاستعداد فيها، ومن هنا وجب أن يكون الخطيب بحاثاً عن أحوال الأمة، متفطناً لمصالحهم الدينية والدنيوية.
إنْ أدركَ الناسَ فتورٌ عن إقامة شعائر الدين استمالهم إليها ببواعث الترغيب تارة، وقرعهم بسيوف الترهيب تارة أخرى، وإن تخبطتهم شياطين التدابر والتخاذل، عوذهم من شر عاقبتها الوخيمة برقية الآيات والأحاديث التي تحيى في نفوسهم عواطف المحبة والائتلاف، وإن آنس من أخلاقهم عوجاً وحيفاً كعدم الصدق في المعاملات والتظاهر بالمداهنة والنفاق بشبهة
(12/ 2/86)

أنها دهاء وسياسة، عالج استقامتها بمواعظه الحسنة وفي المواعظ شفاء الصدور، وإن خامر عزائمهم داء الفشل والتلذذ بالراحة الوقتية فقيَّدا سواعدهم عن أعمالهم الصناعية التي بلغت بها الأمم التي يضرب بها المثل في القوة والسيادة مبلغاً عظيماً، استنهضهم بلسان الشريعة السامية للمسابقة في ميدانها والمزاحمة على إحراز غاياتها، وأنذرهم سوء المنقلب الذي ينقلب فيه البطالون.
(12/ 2/87)

كبر الهِمَّة (1)

جرت سُنَّة الله في خلقه، أن لا ينهض بأصر المقاصد الجليلة، ويرمي إلى الغايات البعيدة، التي يشد بها نطاق السيادة الكبرى، غير النفوس التي عظم حجمها، وكبرت هممها، فلم تعلق إرادتها بسفاسف الآمال.

ولذلك لما بُعث عليه الصلاة والسلام لإسعاف الأمة بجميع وسائل الحياة الأدبية، أنشأ يؤسس مبادئ العزة والكرامة، ويعبر عن مكانتها الرفيعة باليمين والشمال، فاجتث من الأنفس شجرة الذلة من جذورها، وأعتق رقابها من الاستكانة مخافة أن تهوي بها إلى أدنى درجات الضعة والدناءة، ولم يأل جهداً في إجراء دم الشهامة وكبر الهمة في عروقها الميتة، حتى أخرجها في قالب الكمال، لا تتردد إلا على أبواب الفضائل، ولا تبسط ساعديها إلا لمبهمات الأمور.
أليس من الإيماء إلى هذا الخالق العظيم النهي عن السؤال لمن وجد طريقأ عملياً للاكتساب؟ في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده، لياخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله، أعطاه أو منعه".
__________
(1) العدد الرابع عشر - الصادر في 16 رجب الأصب 1322.
(12/ 2/88)

ومن أحكام الشريعة إباحة التيمم للمكلف وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنقص حظاً وافراً من أطراف الهمة الشامخة، ومنها عدم إلزامه باستهابة ثوب يستر به عورته في الصلاة، وأبيح له أن يصلي عارياً صيانة لضياء وجهه من الانكساف بسواد المطالب، وليحذر الذين يحاولون الوصول إلى هذا الخلق الأسمى، أن يهرعوا إليه من طريق يدع التواضع دبر آذانهم فيعودون كما بدؤوا.
ليس من كبر الهمة الترفع عن الرجل يبسط لك وجهاً رحباً ويمنحك لساناً رطباً، وتشهد لك ألمعيتك الوقادة بمطابقة ظاهره لما يكنّه ضميره، بل ذلك نفور من النفس وجموح إلى جهة العلو بغير انتظام وهو ما نسميه كبراً.
ماذا يردع النفوس عن أن تُرى حيثما نهى الله، ويغلق في وجوهها أبواب الفسق والملاهي؟ كبر الهمة.
ماذا يقبض من الأيدي ويسد اللهى عن ابتلاع ما يدلي به الظالمون ليأكلون فريقاً من أموال الناس؟ كبر الهمة.
ماذا يوحي إلى الرجل أن يقيم لسائر تقلباته وزناً بالقسط، حتى إذا جستها يد الناقد الحكيم لم تجد في حركاتها طيشاً عن الأغراض التي ترمي إليها ذوو العقول النيرة؟ كبر الهمة.
كبر الهمة يعقد الألسنة عن الانطلاق في مجاري التملق والمداهنة، ويصفد الأقدام عن غشيان المنازل التي لا تطأ فيها على بساط الاحترام والحفاوة، كبر الهمة يصيِّر العالِم الأمين عوداً مراً ومكسراً صلباً يقف للمبتدعين المرجفين موقف الشجى بين الحلق والوريد، ويصارعهم بقول
(12/ 2/89)

الحق الذي تشتد عراه على أكنتهم إبراماً، كبر الهمة يستفز الموسر الكريم إلى أن يقول بمال الله الذي أتاه هكذا وهكذا، متحرياً به مصارف المبرات التي تقربه إلى الله زلفى.
يقف أحد أمام بعض الكبراء، فيسترسل في مخاطبته بثبات جأش وسكون في الأعضاء ومهل في القولِ، ويعقبه آخر ليقوم مقامه فيرجف فؤاده وترتعد فرائصه ويتعثر لسانه في أذيال الفهاهة، فهل يختلج في ضمير ذي عقل رشيد، أن الأَول اتسم بالقحة المذمومة، والآخر طبع على الحياء المحمود؟ معاذ الله، إنما هو كبر الهمة وضعفها، كبر الهمة وضعفها يمثلان لك الإنسانية بالسلك الذي ينظم خرزاً كثيراً تباينت معادنها شرفاً وحطة، واختلفت مناظرها سماجة وجمالا، فمن الناس من تسمو بهم نفوسهم إلى الوقوف على أسرار الهداية، فيتقلبون في أبوابها، ويتمسكون بأسبابها إلى أن تعرج بهم إلى الأفق الأعلى، فيحلون من العلم بطرقها محل القطب من الرحى، وهذا الفريق هو الذي تستضيء الأمة بانوار عقولهم، وتتوكأ على كواهلهم القوية، ولا ينوء بهم عبؤها الرزين، فيخطون بها سراعاً إلى مجادة شامخة الذرا، ويوقدون في كل شعبة منها سراجاً منيراً، ومنهم من تتضاءل هممهم حتى يتمكن الذبول والخمول من نواصيهم، فيزلقان بهم إلى الحضيض الأسفل من الحطة والرذالة، وتمحى من إحساساتهم آيات الشعور ورسوم العواطف التي يكون بها الإنسان رجلاً حقيقياً، فينشرون الخبائث نشر الفريق الأول للأفعال المحمودة، وتقهقر الأمة وشقاؤها بمقدار ما يتناسل فيها من مثل هؤلاء الأرذلين.
تجد الذين تربوا على مبدأ الإذلال والإهانة، يحبون أن تشيع فاحشة الذلة في إخوانهم الذين آمنوا، فيتغالون في إطراء كل من تزمل بثياب الهوان
(12/ 2/90)

وخفض لهم جناح المسكنة، وإنها لإحدى العلل التي نُخرت منها عظامنا من قبل أن يدركنا الموت الذي يجعلنا من أصحاب القبور.
أما الحر الذي ربي في مهاد العز، وفطر على كرامة النفس، فإنه لا يرفع إلا من شأن شريف الهمة، الناسج على مثال العزة التي هي من شعائر الإيمان.
وإذا استبنا أن كبر الهمة سجية من سجايا الدين، تصدر عنها الأعمال العظيمة، وتضم تحت جناحيها فضائل شتى، فلم لا نعقل عليها نفوس أبنائنا ونرشحهم بلبانها في أدوار تربيتهم الأولى؟ ليستشعروا بالآداب المضيئة، ويتجلبوا بالقوانين العادلة، ولنا حياة طيبة في العاجل، وعطاء غير مجذوذ في الآجل.
(12/ 2/91)

التّعاون والتّعاضد (1)
هل يستوى رجل لا يفتأ ينظر بعين التفكر والاعتبار في نظام هذه الموجودات، ويجيل أقداح البحث عن دقائق الحكم السارية فيها سريان الماء في الغصن الرطيب، وآخر نسجت على بصيرته عناكب الذهول والبلاهة، فلا ينظر إلى الإبل كيف خلقت، ولا إلى السماء كيف رفعت، ولا إلى الجبال كيف نصبت، ولا إلى الأرض كيف سطحت؟ حاشا لله. ما بين الذين يعلمون كيف وضع هذا العالم، ويدرون معنى حياة جنسهم الذي استعمره الله فيه، والذين لا يعلمون إلا ظاهراً من صوره المحسوسة، ولا يفقهون إلا اختلافها في الألوان وتفاوتها في الأشكال والمقادير، مثل ما بين الحضيض الأسفل والسموات العلى.
إن من تدرجوا في استقراء أحوال الكون شيئاً فشيئاً إلى أن وقفوا وراء غاية المرتبة الحيوانية، لأوسع براعة في التدبير المتقن لتسوية الطرق التي تتقوَّم بها ماهية الحياة الصالحة، وأطول يداً في تأسيس الدعائم التي يشيِّدون عليها صروح العزة والأبهة. إرسال نظراتك الصادقة في طبقة الحيوان على أكمل وجه وإحاطتك بأطرافها خبراً، يقيم لك على معنى قولهم "الإنسان
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/92)

مدني بالطبع" برهاناً جلياً، ويشرحه لك شرحاً جيداً.
نجد كل واحد، ما عدا الإنسان، من الحيوان مكتفياً بنفسه غير مفتقر في حياته إلى معونة غيره، خلقه الله مكتسياً بما يوافقه من صوف أو شعر أو وبر أو ريش أو ما أشبه ذلك، وأعطاه سلاحاً يدافع به عن نفسه، كالقرون للبقر والغنم، والحافر للفرس والحمار، والمخالب للسباع، والشوك للقنفذ، وبعض جعل له آلة العدو كالأرانب والظبي، وأودع فيه إلهاماً يتناول به ما يلائم طبيعته من الأغذية، ويهتدي به لاتخاذ كنٍّ يسكن إليه.
أما البشر فإنه خُلق على خلاف خلقة الحيوان عارياً أعزل من السلاح الذي يكون مظهراً لإباء الضيم وشدة البأس، غير مهتد لشيء من مصالحه إلا بالتربية والتعليم، فاحتاج في بقائه إلى لباس يتقي به سورة الحر والبرد، ومسكن يأوي إليه ويأنس به، وآلات يذود بها عن حرمه ويحمي بها حماه، وغذاء يدفع به ألم المخمصة، وتعلمُّ ما ينفعه ليسارع إليه ومعرفة ما يضره لينصرف عنه.
وأنت خبير بأن هذه الضرورات والحاجات، ولا سيما إذا انضم إليها ما هو من محسناتها، لا يستطيع الشخص الواحد تحصيلها بنفسه، وإن تعاظم قدره وقوي ساعده، بل لا يحمل أثقالها إلا إذا أعانه عليها قوم آخرون، فمن التمسك بقوانين العدل والإنصاف، أن تمدَّ يد المعونة لأبناء جنسك كما تطلبها منهم، وإلا نفّضوا أيديهم من مؤازرتك عند الحاجة إليهم، ويلوح إلى هذا النكتة، صيغة المفاعلة في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] , ولا يخفى على من له أدنى شعور أن المصالح العامة وسائر الأمور العظام،
(12/ 2/93)

لا يخفف وطأتها ويزيح من مشاقها إلا المعونات الكثيرة، ومما يومئ إلى أن للاجتماع مزية وقوة هي مفقودة في حال العزلة والانفراد قوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} [يوسف: 14] وقوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، وقوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 14] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
التعاون شرعاً يتمخض القصد منه في استجلاب المنفعة وإزالة الضرر اللاحق، ولو لفرد واحد من أفراد الجامعة، رعاية للأخوة الدينية، واحتراماً للعهد الذي أخذه عنه الشارع {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] وكثير من الناس وما هم من الناس، لا تدور مقاصدهم إلا وراء منفعتهم الخاصة، فلا يتحركون إلا لمعاضدة تجر لهم نفعاً عاجلاً، فإذا استُنجدوا لقضية لا يضربون فيها بسهم ولا يستثمرون منها فائدة تخصهم، قالوا: في آذاننا وقر، بل ختم الله على قلوبهم بغشاوة الطمع ودناءة القصد وهم يعلمون، ويلتحق بهذا القبيل بعض من ضربت في نفسه الدنايا، فيقنع بمنزل يؤوي جثته، وإن أُعدِّ له في بحبوحة الخزي والهوان، وميسور من العيش يسد رمقه، وإن كان ذراع خنزير ميت تدفعه إليه يد مجذوم، وجنة تستر عورته وإن كانت أكثر دنساً من عرض لئيم فاجر، حتى إذا ظفر بما يبتغيه من هذه الشهوات الحيوانية، هاجت في صدوره الطمأنينة والسراء، وبات ريان الجفون من الكرى، ولا يعطف عنقه إحساس ديني إلى النظر، ولو بمؤخر عينه، فيما يعوز الأمة التي هو منها بمنزلة الأنملة من الراحة.
إنما رجل الدنيا وواحدها من يكون خضوعه لسيطرة الدين سجية، وعنايته بما يرفع من راية قومه جبلَّة، فلا يرى محزاً في مفاصلهم إلا واصله،
(12/ 2/94)

ولا يستصرخون به في مهمة إلا أجاب دعوتهم بجميع ما يملكه من الاستطاعة، يتلمح مثل هذا الرجل العظيم مبدأً من أصول الإصلاحات الكلية، فتلتهب في جأشه الغيرة، وتهب على عواطفه أرواح الفتوة، فلا يتمالك أن يستثير بأقواله السديدة همم أولي العزم من الرجال إلى وضع قاعدته على أساس متين، كراهة أن ينقصهم شيء من المواد الحيوية، فيبلغ صدى استغاثته غالباً إلى ثلاث طوائف:
أحدها: فتية شبوا في أحضان التربية والتعليم، وأخذوا من النبهاهة ورقة الوجدان بنصيب، فيستقبلون كل ما يلقى على كواهلهم من إرشادات الناصح الأمين بمهج ثابتة وعزم صادق لا وَنْيَة فيه، وهؤلاء هم أعضاء الأمة الذين يتركب منهم جسمها الصحيح، وهم الوقاية الضافية التي يستعاذ بها من شر الحوادث الخطيرة.
ثانيها: طائفة ضربت بها الغباوة في غمرات الجمود، فكانت دائرة نظراتها أضيق عليها من سَمِّ الخياط، فإذا عرض عليها ما تفترعه الأذهان المتسعة من الأفكار الجليلة، لم يجد للجولان فيها مساغاً، فتضرب عنه دفعة وتلفظه جملة، ويُقبل عليها الباطل في ثياب الحق، فتُفرِغ له زاوية من القبول، ولا مصدر لما يسميه أهل الدين بدعة إلا هؤلاء الساقطون.
ثالثها: ناشئة لها قابلية للدخول في مضمار السعادة، ولكنهم لم يلقوا أعنة نفوسهم بأيدي عقولهم، بل أرسلوها على غواربها، فهامت بهم في أودية شاسعة لا يسمعون فيها تذكرة الواعظين، ولو سمعوا ما استجابوا لهم.
وكل من الفئة الثانية والثالثة عقبة يعسر على مدارك الحكماء تقويم
(12/ 2/95)

حدبتها وإماطة أذاها عن الطريق، ولا يعلق بهما رجاء في سد منافذ البلاء عن الأمة، أو رفع شيء من سقوطها، وعلى كل حال فلا يترك تقريعهم بزواجر الموعظة واستدراجهم إلى الوحدة والمعاضدة {فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].
(12/ 2/96)

الدّيانة والحريّة المطلقة (1)
لو سُئل الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب، أن يشرِّعوا للناس طرائق تكون لهم أجمل مكان يستشرفون منه على حقيقة العدالة والأخلاق الكاملة، وحدوداً تلم لهم بحفظ الحقوق الإنسانية، تتناولهم إصلاحاتها ما تداولت الأيام، وتضم عليهم أزرارها أينما سكنوا، لضلت عليهم أنباؤها، وعثرت عقولهم في ذيل الحصر، وإن اجتمعوا على صعيد واحد وكان بعضهم لبعض ظهيراً.
إن البشر مهما اتسعت مداركهم، وسمت أفكارهم، لا يمكنهم الإحاطة بمطالب الحياة الاجتماعية والتوصل إلى كل ما يحتاجه الإنسان في وجوده المدني، لأن العقل الذي امتازوا به عن سائر الحيوان، وصاروا به معدن العلم ومركز الحكمة، غايته معرفة كليات الأشياء دون الاطلاع على جميع جزئياتها، فلا يكاد يدرك كل مصلحة مصلحة، ويتصور كل مفسدة مفسدة، نحو أن يعلم حسن اعتقاد الحق وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة، لكنه قد يخفى عليه أن اعتقاد كذا حق، وفعل كذا من العدالة، وترك كذا من العفة، كمثل الفقيه، يعلم أحكام الحوادث الكونية، وليس له قوة فائقة في إعطاء الوقائع حكمها الواجب لها، أو مثل الطبيب يعلم الأدوية وخواصها،
__________
(1) العدد السابع عشر - الصادر في غرة رمضان المعظم 1322.
(12/ 2/97)

وليست له مهارة في علاج كل مرض بما يلائمه، وهو المسمى بالتطبيق، ومن أجل ذلك لم يكتف به الإله جلّ وعز في إقامة الحجة على الناس، بل عذر أهل الفترات في عدم اهتدائهم، فقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، وقال: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134]، وقال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [لإسراء: 15].
فلا جرم أن السياسة العادلة لا تأخذ منتهى غايتها إلا باستناد أحكامها إلى من أحاط بكل شيء علماً، ولو اطلعت على التواريخ العتيقة والحديثة، ودرستها درساً مدققاً، لملئت يقيناً وازدت إيماناً مع إيمانك بذلك الحق الذي هو أوضح من محيَّا النهار، ولا يرتاب فيه إلا ذو بصيرة غشيها غبار الغباوة، فلم تنعكس أشعة الحقائق في مرآتها.
فكَّر "داسولون" متشرع أثينا ليسنَّ في قومه قانوناً يقشع عنهم ظلمات ما هم فيه من البغي، ويحول بينهم وبين كل جناية، فخطر على باله أن يقرع أسماعهم بروعة القانون، فشدد عليهم إصر العقوبة بتقريره القتل جزاء لكل جريمة صغيرة كانت أو كبيرة.
خفي على هذا الفيلسوف، أنَّ جعل القتل عقوبة ولو على الكذبة الواحدة، فضلاً عما فيه من الإفراط في الحكومة والنقص من الأنفس، هو من الانحرافات المفضية إلى قتل الهمم وغمس القلوب في صبغة الجبن والخوف، ولن تفلح أمة كُسيت بكسوة الفزع والذلة أبداً.
وأخذت "أفلاطون" وريث "سقراط" الرأفة بقومه من أن تتسرب إليهم
(12/ 2/98)

العدوى بالأخلاق الفاسدة من الأجانب، فقرر أن تغلق أبواب بلاده أمامهم، ولم يُحسن السياسة في ذلك لجملة أسباب، منها أن الأمة إنما تحفظ استقلالها الذاتي بالتيقظ لنوايا الأمم الأخرى، والتخرص على حركاتها الخفية، ومثل ذلك لا يحصل إلا بمداخلتهم وتبادل المعلومات معهم.
ومن جملة غلطات هذا الفيلسوف، أنه عمد إلى القطب الذي تدور عليه ترقيات الشعب وهي "التجارة" فرمقها بعين الاحتقار، لما دار في حسبانه أنها من المهن الخسيسة، فقرر في قانونه أن يعاقب كل يوناني تطمح نفسه إلى استدارة دولابها.
وظنَّ "أرسطو" أبو الفلسفة أن جميع الحرف والصنائع من الدنايا السافلة، فقرر في شريعته أن يعامل كل من يتعاطاها بحرمانه من الحقوق الوطنية، فمثل هاته القوانين لو تمسكت بها أمة ولو بضعة أيام لسقطت في دركات الشقاوة السفلى.
ذلك التشريع الذي يحمل على المناهج السوية، ويتكفل بتحديد الحقوق الإفرادية والاجتماعية، لا يتوغل في مناحيه العميقة، ويوضح ما دق من مشاكله الغامضة، إلا الدين الذي هو وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى الانتظام في أعمالهم الدنيوية والتأهل للزلفى من الله في الحياة الأبدية، وإن له عند الرجل العظيم لصولة موهوبة وسلطنة مقدسة، يخر لها صعقاً، ولا تبغي نفسه الكريمة عن السكون تحتها حولاً، لكنه عند هزيل العقل عريض الوسادة عسير الاتباع.
نريد للرجل العظيم من كمل اطلاعه على أحكامه الفرعية، وأبعد فيها نظره إلى أن رآها كيف انتزعت من مداركها الأصولية، فتوفرت في نفسه الثقة
(12/ 2/99)

بأن الدين حكم عدل، لا يحسن في الخليقة غير آثار تدبيره.
وما هو عريض الوسادة؟
عريض الوسادة كل من يتميز إلى الفئة التي انتقضت في مستنقع الجهالة أمداً مديداً، ثم قاموا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ليتجردوا من أثواب الديانة المحكمة، ويستعوضوه بلباس الحرية المطلقة {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]. إن إطلاق التصرف للإنسان يعمل ما شاء، وتخلية سبيله يعتقد ما سنح له، وعدم ارتباطه في ذلك بالأوضاع الدينية، لمفسدة كبرى تعم الأفراد في أشخاصها والأمم في اجتماعها.
واعتبر في ذلك بحال العرب في الجاهلية، حين كانوا أوزاعاً في مذاهبهم وأخيافاً في وجهاتهم، كل يعمل على نفاذ داعيته، لا رادع من الدين يرد شكيمتهم، ولا سبيل لسلطة غالبة على كبح جماحهم، يتبين لك أن الحرية المطلقة والهمجية المقلقة أخوان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ثم حوَّل نظرك إلى زمن الرسالة، وعصر الخلفاء الراشدين، فلا تجد سبباً امتد بالإِسلام في أَطراف الأرض، فاستوثق لهم ملك متماسك العرى غير إجرائهم لتلك المبادئ التي أركزها الوحي في عقولهم.
قال قائل من الذين يريدون أن ينفذوا من أقطار الشريعة المباركة: "ما لبعض شعائرها لا يعقل له معنى".
قلنا "عَدْس" (1) لم يجعل الله لأحداث السفاهة على ذوق أسرار شريعته
__________
(1) العدْس: الحدس - القاموس.
(12/ 2/100)

سبيلاً، إن تكاليف الشرع على نوعين: عبادات وعادات، أما قسم العادات: وهو ما تقوم به قوانين العمران في هذه الحياة الدنيا، فقد توسع الشارع في بيان علله وحكمه الخاصة صراحة أو رمزاً كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179] , وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 91] الآية. وفي الحديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". وقال: "القائل لا يرث" إلى غير ذلك.
وأما ما كان من قبيل العبادات، كالصلاة والصوم والحج، فالأصل فيه بالنسبة إلى المكلف التعبد، وحكمته العامة الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع والتعظيم، وقد يبين له الشارع علة خاصة، لكن التقرب إلى الله تعالى بما لم يطلعنا على حكمته، أدل على كمال العبودية له والإخلاص في التوجه إليه؛ لأن الإتيان بالقربات التي أدركنا حكمتها المناسبة، لا يخلو عن شائبة القصد إلى المصالح المترتبة عليها، وهو وإن لم يكن محبطاً بعملها يهضم شيئاً قليلاً من خلوصها؛ فإن قال غير متشرع: لماذا كانت صلاة الظهر أربع ركعات وصلاة المغرب ثلاثاً؟
فألقم فاه بحجر هذه النكتة الحكمية، وإن قاله متشرع، قلنا له: الله ورسوله أعلم.
(12/ 2/101)

البدْعة (1)

هذه الضلالة لعبت بعقول طائفة لم يتبحروا في قواعد الدين، فآلت بهم إلى التوسع في دائرته باختراع أحكام على قالب أغراضهم، يهدجون بها حول أقوام يستمعون القول ولا يتبعون أحسنه، كما أن حقيقتها تشابهت على بعض المتعرضين لضبطها، وإنا إن شاء الله لمهتدون.

البدعة شرعاً: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه، وإن شئت فقل: هي إحداث أمر على أنه قربة وليس بقربة لا مطلق الإحداث، إذ قد تتناوله الشريعة بأصولها فيكون راجعاً إليها، أو بفروعها فيكون مقيساً عليها، وعلى هذا فلا تشمل البدعة إلا ما كان محرما أو مكروهاً بحسب قوة الشبهة وضعفها، فإن قويت لم يبلغ بها التحريم، وإن ضعفت جداً كانت محرمة، وإنما قسَّمها بعضهم إلى أقسام الشريعة الخمسة نظراً لمعناها من حيث اللغة، ومنه قول عمر - رضي الله عنه - في شأن التراويح "نعمة البدعة هذه".
وأصح ضابط نعتمده في هذا الباب، ونجعله عروضاً للمحدثات المذمومة بألسنة من يُعتد بهم في الدين، هو أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين، أحدهما: أن يسكت عنه لعدم الحاجة الداعية لبيانه، كالوقائع
__________
(1) العدد الرابع - المصادر في 16 صفر 1322.
(12/ 2/102)

التي حدثت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمد المجتهدون إلى استنباط أحكامها من كليات الشريعة، وما أحدثه السلف الصالح كجمع المصحف وتدوين العلوم راجع إلى هذا القسم، ومن جزئياته تضمين الصناع وسائر الفروع المبنية على رعاية المصالح المرسلة، والثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، بحيث لم يقرر فيه حكم عند نزوله زيادة على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص، على أن قَصْدَ الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، فتكون الزيادة فيه والنقص بدعة مخالفة لما قصده الشارع، وهي المشار إليها بقوله عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور"، وقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وسنأتي على بعض أمثلته في المستقبل.
(12/ 2/103)

الزّمان والتّربية (1)
طالعوا أيها القراء من نجوم الشريعة ضياء، ثم استبقوا إلى غاية ترفع لقوانين التربية لواء، وناقشوا القوم الحساب، وتنفسوا في تصاريف الخطاب، فليس على الكتَّاب حرج فيما يسبكونه من الفواصل، ولا على الشعراء جناح فيما ينحتونه من البيوت، إذا ما سارت أقلامهم التي ينعتونها بدعاة الإصلاح تحت مراقبة عقولهم، ولم تجر على شاكلة أغراضهم.
واعلموا أنكم لا تجدون في أعطافنا ارتياحاً وهزة لمقال تدفقت على جوانبه الفصاحة، إلا إذا وقع موقع الحكمة، وخرج بنا عن سبيل الذين لا يعلمونه، ولا ينطلي على فطنتكم المتيقظة زخرف تلك القضية "فسد الزمان ولا دواء له"، فتلصق بألسنتكم لكنة، وتطفئ من عزائمكم توقداً، فتفقدون منها حدة ونشاطاً.
تصور تلك القضية في نفوس الضعفاء من الناس، أن الأزمنة مختلفة بالحقائق اختلاف الجبن والشجاعة، ولؤم النفس وكرمها، حتى يتخيل بعضهم أنك لو حللت له قطعة من الأزمنة المرقومة بالسعادة وأذقته إياها, لوجد في مذاقها طعماً لذيذاً، ولو فعلت له مثل ذلك من هذا الزمان، لكنت جرعته
__________
(1) العدد الحادي والعشرون - المصادر في غرة ذي القعدة 1322.
(12/ 2/104)

من طعام الأثيم ما لا يكاد يسيغه، من أجل هذه الوساوس الباطلة والأوهام العاطلة، يتخذه بعض البسطاء معذرة يلقيها إليك إذا ما قذفت ابنه أو أخاه بسوء التربية وسماحة الطبيعة.
إنما الليالي حلقات تماسكت فتكوَّنت منها سلسلة نسميها بالزمان، وإنها لأشبه ببعضها من الماء بالماء والهواء بالهواء، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما مثل الأيام إلا كمثل أكواب من قوارير تتلون بلون ما تشغل به، فإن ضمنت سُمَّاً زعافاً لاحت فيها مخائل الاستيحاش، وإن حفظت شراباً طهوراً انطبعت فيها شمائل الإيناس.
ينظر إخوان الأنعام إلى ما بين أيديهم من الزمان بعيون حشوها الغفلة وأفئدة منزوعة من التدبر، حتى إذا مرَّ مر السحاب، وآيسوا من عوده أياس الشيخ من الشباب، سقط في أيديهم على ما فرطوا في جنب الله، وعضوا الأنامل من الندم على ما خسروه من المشروعات النافعة.
"الزمان" لا يقدِّر قيمته الثمينة حق قدرها غير رجل تلقته الحكمة من كل جهة، تمكن من جانب التبصر في حقائق الأشياء، فينظره بعين المشوق المستهام، ويستفرغ في نقده كل ما لديه من الاستطاعة، ولا يعز عليه أن يبقى نتاج ما يدفنه في بطونه من المساعي الخيرية منسية، يستأثر بباكورته اللذيذة من يولد من بعده.
إن فرغ الفؤاد من عواطف الإنسانية، لا ينسج بمساعيه إلا على المقدار الذي يعلق عليه أمل حياته، حتى إذا مكنته الفرصة من بذر ما يستأخر حصاده لعشيرته التي تجمعهم به صلة القربى، صاعر خدّه إباية ونام على صماخ أذنيه سباتاً عميقاً. بهاته الهمة نفسها حشي دماغ رجل آخر يذوق حلاوة التعليم،
(12/ 2/105)

ويستمرئ لذة التهذيب، ويترك ابنه ساذجاً الحد الذي يبغضه الله ويمقته الناس.
أي شهادة على سخافة مدرك الرجل وفقد شعوره، أعظم من أن يمثل أمام عينه الزمن الذي يبلغ فيه الطفل أشده، ويرسم في مخيلته كيف ينتظم في دائرة رجاله، ولا يؤهله بالتربية الحسنى لأن يكون سيداً نبيلاً.
لا يدري كثير من الناس أن الطفل واحد من رجال الأمة إلا أنه مستتر بثياب الصبا، فلو كشف لنا عنه وهو كامن تحتها لرأيناه واقفاً في مصاف الرجال القوَّامين، لكن جرت سنَّة الله أن لا تتفتق أزوار تلك الأستار إلا بالتربية شيئاً فشيئاً، ولا تؤخذ إلا بالسياسات الجيدة على وجه من التدريج، قد يعرض للصبي أن يظهر في مظاهر تخالف قاعدة الحكمة قولاً أو فعلاً، فتدخل على كافله شبهة أن تكون تلك الأحوال ناشئة عن غرائز لا تقوى يد التربية على نسخها من صحيفة النفس، فيعدل عن تقويم التوائه جانبا ويخلِّي بينه وبين تلك الأعراض السيئة مغضوبا عليه، لا ينبغي أن تعتبر الحركات التي تظهر على جوارح الأطفال علامات يهتدى بها على شعائرهم الغريزية، فكم من غلام تتوسم في طبعه ليناً وسهولة وإذا ضربته على قانون التربية وجدته يبساً صلداً، وتتفرس في طبع آخر فظاظة وأمتاً، فإذا مسكت بعنانه وهويت به على مضمار التعليم كان أسرع لتلبيتك من الصدى، وألين ديباجة تنقش عليها آيات الفضائل.
لم يفقه بعض أرباب البيوت ومن يحاول اللحاق بهم أهمية التربية حتى الآن، فيفرطون في مجاراة الولد على جميع أهوائه، ويفوضون له أن يقضي ما هو قاض، وربما تغنوا بمديحه في المجامع الحاشدة، وأطروه بما لا تنطبق
(12/ 2/106)

شهادة ثماره عليه، ولبئس ما كادوه به لو كانوا يعلمون، إنما نصبوا لهذا المسكين مكيدة تسد في وجهه أبواب الآداب الجميلة، وتجعل بينه وبين السعادة حجاباً مستورًا، ليت شعري بماذا تجادل عن نفسك أيها الكفيل، إذا ألقيت على عواهنك مسؤولية إغفال الطفل في مراتع وخيمة، وأنت تعلم علماً كاشفاً أَن لا محيص عنه في عرضه على بعض مطالب الاجتماع، ولم يكن بد من قيامه مقاماً يكون عدم تأهله له جناية على الهيئة بتمامها؟!
أخشى أن يضاعف لك العذاب ضعفين، تعذب على تشويه تلك الجوهرة المكرمة عذاباً نكراً، وتحوز من عقوبة تلك الجناية العامة نصيباً مفروضاً. إن الأرواح لتنمو بالتربية اللطيفة كما تنمو الأجسام بالغذاء الصحيح، ولنماء الجسم حد معلوم وغاية لا تتجاوز، إذا أُدرك شأوها أخذ في التقهقر إلى وراء، أما نماء الروح فموصول بحياة الإنسان، لا يقف إلا إذا خمدت أنفاسه وبارح مدرسة هذا العالم الكبرى.
نؤسس على هذا أن المعلم لا يمكنه الإحاطة للولد بصغائر التربية وجزئياتها من جميع أطرافها ضرورة، إن من أصولها ملاحظة العوائد ما يعم الجمهور منها وما يخص الأفراد، وجزئيات هذا الأصل مما تفوق حد الوصف، ويكلُّ لسان الإحصاء دون نهايتها، فليس في مقدرته إلا تلقيح ذهن الطفل بقواعد كلية لا يهجم منها على البعيد الشارد قبيل أن يذلل مراسه بالقريب الذي يؤخذ بالأيدي مع النظر في مظاهر أمياله نظر المنجم في الميقات، حتى إذا أبصر فيها إحديداباً قوّمه بالتي هي أحسن والسلام.
(12/ 2/107)

الصّيام (1)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
هذه الآية مدنية، وهكذا الشأن في كل آية استفتحت بهذا العنوان، بخلاف ما افتتح بيا أيها الناس، فقد وقع في الآيات المكية والمدنية، وإنما ابتدأت بهذا المطلع الذي يخص المؤمنين لأنها سيقت للتكليف بأمر فرعي وهو الصوم، وكذلك جرت سنّة كتاب الله أن يفتتح الأوامر الفرعية بيا أيها الذين آمنوا، نحو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] الآية، ونحو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254] , وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآية إلى غير ذلك.
ويصدر الأوامر الاعتقادية بيا أيها الناس، والسر في ذلك أن الفروع لا تصح إلا مع وجود شرطها وهو الإيمان, فناسب توجيه الخطاب إلى من حصلوا على شرط صحتها وهم الذين آمنوا، مع ما في ذلك من تقوية الداعية لهم والمبالغة في التهييج إلى العمل، فكأنه يقول لهم أيها المؤمنون شأن المؤمن بالله أن يتلقى أوامره بغاية القبول وسرعة الامتثال، ومن يرى من الأصوليين عدم تكليف غير المؤمنين بفروع الشريعة لا يحتاج إلى بيان وجه
__________
(1) العدد السابع عشر - المصادر في غرة رمضان المعظم 1322.
(12/ 2/108)

العدول عن يا أيها الناس في الأوامر الفرعية.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] الصيام في اللغة: الإمساك عما تنازع إليه النفس، كالكلام والطعام والشراب والنكاح، وفي الشريعة: الإمساك عن المفطرات بياض النهار.
وشرِّع الصيام لتصفية مرآة العقل، ورياضة النفس بحبسها عن شهواتها، وإمساكها عن خسيس عاداتها, وليذوق الموسرون لباس الجوع فيعرفون قدر نعمة الله عليهم، وتهيج عواطفهم إلى مواساة الفقراء.
وللصوم عند من تنبهوا لأسرار العبادات ثلاث درجات:
صوم العامة: وهو كف البطن والفرج عن شهوتيهما، وصوم الخاصة: وهو ما تقدم مع قصر الجوارح عن أفعال المخالفات، وصوم خاصة الخاصة: وهو صوم القلب وترفعه عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية التي لا تراد للدين، وإلا فهي من زاد الآخرة ومطاياها، وهذه هي الدرجة الكاملة التي جمعت بين عمل الظاهر والباطن، وينبئك على حطة الدرجة الأولى، وقصور صاحبها عن الانخراط في زمرة الصائمين حقيقة، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وقال أبو بكر بن العربي: "كان من قبلنا من الأمم صومهم الإمساك عن الكلام مع الطعام والشراب، فكانوا في حرج، ثم أرخص الله لهذه الأمة في الإمساك عن الكلام ليرفعها بالكرامة في أعلى الدرج، فوقعت في ارتكاب الزور واقتراب المحظور في حرج، فأنبأنا الله سبحانه على لسان رسوله أن من اقترب زوراً أو أتى من القول منكوراً، أن الله سبحانه في غنى عن الإمساك عن طعامه وشرابه".
يسمع الناس بحديث "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
(12/ 2/109)

المسك"، وحديث "كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به"، وحديث "الصيام جُنة"، فيضعونها في غير مواضعها، ويحملونها على غير محاملها، باعتقاد أنها صادقة على أهل الدرجة الأولى وهو خطأ صراح.
كيف تكون رائحة فم تقذر بتناول الأعراض، والتمضمض بنحو الكذب والهذيان والمراء أطيب عند الله من ريح المسك؟ وكيف يستاهل صيام تجهم وجهه بسماجة المعاصي أن يضاف إلى ملك الملوك جلّ جلاله ويتولى جزاءه بنفسه؟ وكيف يكون الصيام جُنّة ووقاية من عذاب الله، وقد انخرق سياجه وتدنّسَ ذيله بقول الزور، والتلبس بالآثام التي تهيء له في نار جهنم وطاء وغطاء؟ نعم لأهل تلك الدرجة ثواب عن صيامهم، ولكنه لا يبلغ في الموازنة مبلغ ثقل أوزارهم فيستحقون هذه الكرامات.
ومما يعاكس حكمة الصيام، ويهدم أصل مشروعيته، الإسراف في الأكل سواد الليل، والتفنن في الأطعمة تفنن ذوي الأرواح القدسية على الأذواق العجيبة وأسرار الملكوت، ومنهم من لا يقنعهم التمتع بها في بيوتهم حتى ينقلون أحاديثها اللذيذة عندهم إلى المنتديات العامة والمجتمعات التي تضم أشتاتاً من الناس، ويتواجدون لسماعها ولا تواجد الأم بنغامات صبيِّها عندما يكاد يبين لها عن مآربه الخفية؛ وإنه ليعظم في عينك الرجل بادي الرأي حتى تحسبه من رجال الأمة، فما يروعك إلا وقد أخذ يسوق إليك حديث الأطعمة، ويشخص لك هيئاتها يحللها لك تحليلاً كيماوياً، ثم يطبخها بلسانه مرة أخرى، وإن لفقه النفس أثراً عظيماً في تعديل المخاطبات وتحسين العادات.
(12/ 2/110)

{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] هذا التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، والمعنى أن الصوم لم يفرض عليكم وحدكم حتى يعظم وقعه في نفوسكم، بل كان مكتوباً على الأمم الماضية من لدن آدم إلى عهدكم، وما يقوله بعض المفسرين من أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وقدره أيضاً لا يُلتفت إليه بدون أثر صحيح يثبته، وكل ما جاء في القرآن مطلقاً أو مبهماً لا ينبغي تقييده أو حمله على معنى معين إلا بحديث ثابت، وفائدة هذا التشبيه تهوين هذه العبادة الشاقة، وتخفيف وطأتها على الأنفس ببيان عدم اختصاصهم بإيجابها؛ لأن الأمور الشاقة إذا عمَّت سهل تحملها، ولم تشفق الأعناق من التطوق بعهدتها.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] تصيرون أتقياء، فإن الصوم يقهر النفس ويخطمها عن مألوفاتها، وذلك مما يورث التقوى، وقد فسرت "الجُنَّة" في حديث "الصيام جُنَّة" بالوقاية والسترة من المعاصي رعاية لهذا المعنى، وهو ثاني فهمين في الحديث. أولهما ما أشرنا إليه فيما سبق، وقد كنّى عليه الصلاة والسلام عن طهارة نفوس الصائمين من رجس المعاصي، وتخلصها من البواعث على الفواحش بغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين، كما كنّى عن تنزيل الرحمة وحسن القبول للأعمال بفتح أبواب الجنة في قوله: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة -وللبخاري أبواب السماء- وغُلِّقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"، وحمل هذا الحديث على الكناية أعظم للمنة، وأتم للنعمة، وأفيد للصائمين من حمله على ظاهره، ولا مانع من حمله على الحقيقة أيضاً.
(12/ 2/111)

الأحاديث الموضوعة (1) (2)
يتجاسر كثير ممن لم يتفقهوا في الدين على سرد الأحاديث الموضوعة،
__________
(1) العدد الحادي عشر - المصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(2) كتب الإِمام في العدد اللاحق لبحث الأحاديث الموضوعة التعليق التالي:
رأى بعض البسطاء أن تنبيهنا على الأحاديث التي وضعت في فضل الصيام في رجب والقيام في لياليه، مما يثني عزائم الناس عن الإكثار من العبادة في هذا الشهر، فالأجدر بنا عدم التعرض لذلك، وهذا رأي عجيب لم يسبقهم به الأئمة الذين يكبر عليهم مخالفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبينوا وضعها وشنَّعوا على من افتراها كذباً.
وقد كان بعض الزهاد بخراسان يضع الأحاديث في فضائل القرآن وسوره، حتى أخرج لكل سورة حديثاً، فكُلِّم في ذلك، فقال: "رأيت الناس قد زهدوا في القرآن فأردت أن أرغِّبهم"، فقيل له: "فأين الوعيد في الكذب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "، فقال: "أنا لم أكذب عليه إنما كذبت له". قال أبو بكر بن العربي في "العارضة": "ولم يعلم البائس أن من كذب له بما لم يخبر به أنه كذب عليه، أو علم، ولكنه استخف بكبر ذلك"، وقد قال العلماء: "لا يحدِّث أحد إلا عن ثقة، فإن حدَّث عن غير ثقة فقد حدَّث بحديث يرى أنه كذب".
ولقد بلغ الاستخفاف بشأن رواية الأحاديث أن تسمع العامي يقول: "قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا" يملأ به فاه ويميل به شدقيه وهو يجهل رتبة ذلك الحديث، ونحن لا نرى إلا ما رأته أئمة الدين، وهو أنه لا يستباح لأحد أن يروي حديثاً إلا =
(12/ 2/112)

ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، منها الأحاديث التي يضعونها في فضائل الأيام والشهور التي يتسلمها خطباء المنابر من كتب لا تتحرى في رواية كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما كان ينبغي لهم أن يسندوا حديثاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد البحث عن رتبته في الكتب التي تكفَّلت بذلك، ولقد أكمل الله الدين من قبل أن يتجشأ أولئك الدجالون بما افتروه على رسول الله كذباً، ومن ذلك الأحاديث الموضوعة في فضل رجب وصيامه، ونذكر الآن بعضها:
منها حديث: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقام مائة سنة، وهي لثلاث ليال بقين من رجب، في ذلك اليوم بعث الله محمداً نبياً" قال "الحافظ السيوطي" في "الذيل": في إسناده هياج، وهو متروك الحديث.
ومنها الحديث الطويل، وهو أن رجلاً سأل أبا الدرداء عن صيام رجب، فقال: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإِسلام إلا فضلاً وتعظيماً، فمن صام منه يوماً إلخ. قال "السيوطي في الذيل": إسناده ظلمات بعضها فوق بعض وفيه داود وهو كذَّاب وضَّاع.
ومنها حديث "رجب من أشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوماً" إلخ الحديث. قال "السيوطي في الذيل" أيضاً: "في إسناده إسماعيل بن يحيى التميمي متهم بالكذب".
__________
= بعد تحققه عدم وضعه، ولا يكفي في ذلك سماعه من عالم أو خطيب أو رؤيته في كتاب، إلا إذا أسند إلى من يوثق بروايته.
(12/ 2/113)

ومنها حديث "من صام يوماً من رجب وقام ليلة من لياليه، بعثه الله تعالى آمناً يوم القيامة، ومرَّ على الصراط وهو يهلل أو يكبر" موضوع, لأن في إسناده إسماعيل بن يحيى، وهو كذاب، قاله "السيوطي في الذيل".
ومنها حديث "من أحيا ليلة من رجب، وصام يوماً منه، أطعمه الله من ثمار الجنة، وكساه من حلل الجنة، وسقاه من الرحيق المختوم" في إسناده حصين بن مخارق، قال "السيوطي في الذيل": "وهو ممن يضع الأحاديث".
ومنها حديث أن "شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يوماً كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام يومين كتب الله له صيام ألفين سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب له صوم ثلاثة آلاف سنة إلخ" قال: "الحافظ ابن حجر" هو موضوع بلا شك.
ومنها حديث "رجب شهر الله، ورمضان شهر أمتي، فمن صام" إلخ الحديث الطويل، ذكره صاحب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة"، وقال: "ابن الجوزي": "في إسناده الكسائي وهو لا يُعرف"، وكذلك قال "الحافظ ابن حجر": "الكسائي هذا لا يعرف، وليس هو علي بن حمزة المقري لأنه أقدم طبقة من هذا بكثير، وفيه علّة أخرى فإنه من رواية علقمة عن أبي سعيد الخدري، ولا يعرف لعلقمة سماع من أبي سعيد" ثم قال: "وللحديث طرق أخرى واهية وفي روايتها مجاهيل، رويناه في أمالي أبي القاسم بن عساكر من طريق عصام بن طليق عن أبي هرون العبدي عن أبي سعيد فذكره بطوله، وفيه زيادة ونقص وتقديم وتأخير، وعصام بن طليق ليس بشيء وأبو هرون العبدي متروك".
ومنها حديث "أكثروا من الاستغفار في شهر رجب، فإن لله في كل ساعة
(12/ 2/114)

منه عتقاء من النار، وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب". في إسناده الأصبع ليس بشيء كما في "الذيل"، وفي "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" أن صوم أول خميس من رجب مما أحدثه العوام من البدع.
الغرض من بيان وضع هذه الأحاديث إنما هو تمييز الخبيث من الطيب، وإلا فالصوم، والاستغفار، والصلاة هي من العبادات التي يستحب فعلها ممن استطاعها في كل وقت غير منهي عنه.
مما شاع على الألسنة حديث "يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم" وهو موضوع، كما نبّه عليه صاحب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة"، وقد اغترّ بعض المفسِّرين، فحمل قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] على معنى ذلك الحديث.
قال في "الكشاف": "إن من بدع التفاسير أن الإِمام جمع أم، كخف وخفاف، وأن النَّاس يدعونَ يوم القيامة بأمهاتهم، وإنَّ الحكمة في الدُّعاء بهنَّ دون الآباء رعاية حق عيسى عليه السلام، وشرف الحسن والحسين، وأن لا يفضح أولاد الزِّنى، وليت شعري أيُّهما أبدع أصحة تفسيره أم بهاء حكمته؟! ".
وقد ثبت ما يخالفه، ففي "سنن أبي داوود" بسند جيِّد، كما قاله النووي من حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً "أنَّكم تدعونَ يومَ القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسِّنوا أسماءكم".
وفي الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً "إذا جمع الله الأوليِّن والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، هذه غدرة فلان بن فلان".
(12/ 2/115)

المباحث الأدبيّة
- تقسيم الكلام بحسب أغراضه.
- الإبداع في فنون الكلام.
- الفصيح من الكلام.
- طرق الترقي في الكتابة.
- الشعر العصري.
- الكلام الجامع.
- الأخلاق.
- الحياء.
- أبو بكر بن العربي.
- ترجمة القاضي أبي الوليد الباجي الأندلسي.
- منذر بن سعيد.
- تحقيق مسألة تاريخية.
(12/ 2/117)

تقسيم الكلام بحسب أغراضه (1)
من المطالب التي ينبغي تقديمها في هذا الباب، تقسيم الكلام إلى الأغراض الباعثة على تأليف المعاني بعضها إلى بعض، وإبرازها في قوالب أوضاعه- الثلاثة: المرسل، والسجع، والشعر. وأحسن التقسيمات إحاطة وجمعاً ما بيانه أن القصد من جودة التصرف في تلك الأوضاع الثلاثة استجلاب المنافع، أو استدفاع المضار ببسط النفوس، أو قبضها لما يخيل لها من خير أو شر، وما يرى أنه خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وحصول ما من شأنه أن يرتاح له يسمى ظفراً، وفواته في مظنة الحصول يسمى إخفافاً، وحصول ما من شأنه أن يُنفر منه يسمى رزءاً، وكفايته في مظنة الحصول يسمى نجاة، فالقول في الظفر والنجاة يسمى تهنئة، ويسمى القول في الإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسياً، وإن قصد تحسرها تأسفًا، ويسمى القول في الرزء إن قصد استدعاء الجَلَدِ على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيعاً، فإن كان المظفور به على يد المقاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحاً، وإن كان ما ينفِّر منه على يد قاصد للمضرة فأدى إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإن كان الرزء بفقد شيء فندب ذلك الشيء يسمى رثاء.
__________
(1) العدد الثالث - المصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/119)

ولما كانت المنافع كلها تنقسم إلى ما يكون بالملائمة، مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس، فيحصل لها بمشاهدة تلك الصور المناسبة لها ابتهاج وذلك الابتهاج نوع من المنافع لتلك النفس، وإلى ما يكون بالفعل، مثل ما يفعله الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمآل أو بتشفي النفس فقط، مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان فينتفع ذلك الإنسان بأن تضعفه له وتقويه على مقاومته والانتصاف منه.
وكانت المضار تنقسم إلى أضداد ما ذكرته، اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق من المنافع بالأشياء المناسبة لهوى النفس، ويسمى ذلك نسيباً، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضاء النفس، ويسمى ذلك مديحاً، وكان ما يتعلق من الذكر القبيح بالأشياء المنافرة لهوى النفس، والأشياء المتباعدة عن رضاها كلاهما داخل تحت قسمة واحدة وهي الهجاء، ولما كان ما يُنفِّر منه قد يقع ممن يُحتمل منه ذلك ولو أدنى احتمال، فلا يؤاخذ به جملة أو لا يؤاخذ به كبير مؤاخذة، ومنه من يؤخذ به أشد المؤاخذة سمي ما يتعلق من القول بذلك بحسب طبقات من يقع ذلك منهم، ونسبتهم إلى القائل معاتبة وتوبيخاً وتقريعاً، ولا يخلو الشيء الحاصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه، من أن يكون ذو العناية به واحداً كان القائل أو غيره ويكون هو حاكياً ذلك عنه، أو يكون قد عني به متنازعان في استجلابه أو مدافعته كان القائل أحد المتنازعين أو لم يكن.
غير أنه يحكي حالهما أو يكون حاكماً بينهما، فيكون الكلام على هذا اقتصاصاً أو مشاجرة وإما فصلاً في مشاجرة، وقد تكون المشاجرة والفصل فيهما متعلقين بما يُستقبل، فأما الأمور التي لم تحصل مما شأنه أن يطلب
(12/ 2/120)

أو يهرب عنه، فلا يخلو الحال من أن يكون المتكلم هو الطالب لها، أو الهارب منها من تلقاء السامع، أو يكون السامع هو الطالب لها، أو الهارب عنها من تلقاء المتكلم، فما كان من المتكلم إلى السامع مما شأنه أن يُطلبْ يُسمى إذا لم يُعلم رأيه فيه غرضاً، وما كان من تلقاء السامع إلى المتكلم وكان طلباً جزماً يسمى اقتضاء، فإن كان بتلطف يسمى استعطافاً، وإن كان يُرى أنه قد جاوز الوقت الذي كان يجب فيه سُمي استبطاء، فإن كان مما شأنه أن يُهرب منه وانتدب المتكلم من تلقاء نفسه، أو من غيره سُمي ذلك إيعاداً أو تهديداً أو إنذاراً أو تخويفاً، فإن خافه من تلقاء السامع، واستدفعه إياه سُمي ذلك استعفاء أو استقالة أو ترضيَّاً، وقد يكون الشيء المطلوب أو المهروب منه أحد شيئين، فيُشكِل على القائل أو السامع أيهما يجب أن يُطلب أو أيهما يجب أن يُهرب منه، أو يُشكِل الطريق الهادي إلى ذلك، فيشير القائل على غيره، فيكون الكلام على هذا إشارة أو استشارة.
(12/ 2/121)

الإبداع في فنون الكلام (1)
الإبداع في فنون الكلام له أغراض وقد استهل بها وجه السعادة الثانية (2)، ومهيئات وهي ما تناجيك به هذه الصحيفة، يقول الباحثون عن دقائق هذه الصناعة، المهيئات طيب البقعة وفصاحة الأمة وكرم الدولة، فقلَّما برع في المعاني من لم تنشئه بقعة فاضلة، ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة، ولا في جودة النظم من لم يحمله على مصابرة المخاطر في أعمال الروحة الثقة بما يرجوه من كرم الدولة.
يعنون بطيب البقعة نزاهتها عما يوحش بتدفق ماء الحسن على مناظرها، يؤكد قولهم هذا أن غالب المتصرفين في صياغة الألفاظ، الغواصين على المعاني المبتدعة هم أهل الحواضر (3)، وما ذلك إلا لتوفر أسباب الانبساط بها، واشتمالها على معان شتى، ينتزع الذهن منها هيئات غريبة لا طريق لتصورها إلا المشاهدة، وأما فصاحة الأمة فلأن اللغة ملَكَة تحصل للسامع على نحو ما يلقيه إليه السمع، فتكون عبارة المتكلم بالضرورة متابعة في جودتها ورداءتها لما عليه لغة قومه التي رُبِّي بها وليداً، ولبث فيها من عمره سنين،
__________
(1) العدد الرابع - المصادر في 16 صفر 1322.
(2) إشارة إلى المقال السابق "تقسيم الكلام بحسب أغراضه".
(3) نعني بأهل الحواضر من لهم خبرة بشؤونها سواء نشؤوا فيها أو وردوا عليها.
(12/ 2/122)

ولتوغل "قريش" في البلاد العربية وبعدهم عن أهل اللغات الأجنبية، كانت لغتهم أفصح لغات العرب، ثم من اكتنفهم من "ثقيف، وهذيل، وخزامة، وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم"، وأما من بعد عنهم "كربيعة، ولخم، وجذام، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة"، فلم تكن لغتهم تامة الملكة، وعلى نسبة بعدهم من قريش وقع الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية.
ويعنون بكرم الدولة إقبال عظمائها على من آنسوا منه رشداً وبراعة في فن من الفنون لترقيته لما هو به جدير، وبذلك ينشط غيره من عقال التماوت، ويثب على بضاعة تجارتها نافقة، والسعي وراء أعمال نتيجتها محققة، ويدلنا لهذا ما يحكيه المؤرخون عن الملك المعظَّم المتوفى سنة 624 ه من أنه شرط لكل من حفظ "مفصَّل الزمخشري" مائة دينار وخلعة، فحفظه خلق كثير لهذا السبب، ومن لطائف هذا الملك أن "شرف الدين بن عنين" حصل له توعك، وكان بينهما مؤانسة، فكتب إليه:
انظر إليَّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندا وتلاف قبل تلافِ
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي
فجاء إليه بنفسه يعوده ومعه جائزة، وقال له: "هذه الصلة وأنا العائد"، قال القاضي "ابن خلكان": "وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسة النحو طول عمره لاستعظمت منه".
ومن تتبع تواريخ الفحول الذين اشتهروا في هذه الصناعة الأدبية أو غيرها من الفنون، وجد الغالب منهم مرموقاً من قبل الدولة بعناية تقوي العزائم، وتبعث في الهمم العالية روح النشاط.
(12/ 2/123)

الفصيح من الكلام (1)
ترى كثيراً منهم يسارعون إلى التصنع في التركيب والتوغل في الغرابة ما استطاعوا، ظنا منهم أن التصنع فيها مما يرتفع به شأن الكلام في الحسن والقبول، كلا، لا يكسبه ذلك إلا هِجنة وانحطاطاً إلى الدرك الأسفل في هذه الصناعة، وإنما الممدوح عندهم ما كانت معانيه واضحة وعبارته مستعذبة، بعيداً عن تكلُّف الاصطناع، ولذلك إذا اشتغل الشاعر العربي بالتنقيح اختلف أهل العربية في الأخذ عنه، فقد كان "الأصمعي" يعيب "الحطيئة"، واعتذر عن ذلك بأن قال: "وجدت شعره كله جيداً فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه جيده على رديئة".
ومما يوجب التعقد في الكلام وصعوبة الفهم، القصد إلى المعاني التي يتوقف فهمها على مقدمة من معرفة صناعة، أو حفظ قصة، فالواجب ألا يستعمل من الأخبار والأقاصيص إلا ما اشتهر بين غالب الأدباء، أما الذي لا يعهده إلا الخاصّة منهم فالإشارة إليه إحالة على مجهول، وينبغي التحاشي عن استعمال شيء من معاني العلوم والصنائع أو شيء من عباراتهم، إذا كان
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322.
(12/ 2/124)

الغرض مبنياً على ما هو خارج عن تلك العلوم والصنائع، فإذا كان الغرض مبنياً على وصف أشياء علمية أو صناعية، فإيراد تلك المعاني والعبارات غير معيب في ذلك الغرض، ومما عيب على "أبي تمام" قوله:
مودة ذهبٌ أثمارها شبه ... وهمةٌ جوهر معروفها عرضُ
لأن الجوهر والعرض من ألفاظ المتكلمين الخاصة بهم، وكقول "أبي العلاء المعري":
تلاق تفري عن فراق تذمه ... مآق وتكسير الصحائح في الجمع
وحكي أن "عزّ الدولة" قال لندمائه: "لينشدني كل واحد منكم أغزل ما يعرفه من الشعر"، فأنشد كل منهم ما حضره، فلما انتهى القول إلى "أبي الخطاب بن ثابت الصابي" وكان أبوه طبيباً أنشد:
قال لي أحمدٌ ولم يدر ما بي ... أتحبُّ الغداةَ عتبةَ حقا
فتنفست، ثم قلت: نعم ح ... باً جرى في العروق عرقاً فعرقا
فقال له بعضهم: "لا تخرج بنا يا أبا الخطاب عن صناعة الطب التي لم ترثها عن كلالة".
وكان بعض الأدباء إذا سمع قول "المهلبي":
"يا من له رتب ممكنة القواعد"
قال: "هذا يصلح أن يكون شعر بناء"، وعندي أن المراسلات الخصوصية يحسن فيها ملاحظة القصص المستظرفة، وإن لم تكن مشتهرة، كما يحسن فيها إيراد المعاني العلمية، وعدَّ أهل البديع للتلميح لها من الحسنات رعاية لهذا المقام، ومما يُعاب به الشاعر إيراد المعاني الكثيرة في
(12/ 2/125)

البيت الواحد لما فيه من التعقيد على الفهم، قال "ابن خلدون": "كان شيوخنا يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر شرق الأندلس، لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية".
ولما أكثر "مسلم بن الوليد" و"أبو تمام" من استعمال المحسنات، بَعُدَ شعرهما عن الانسجام وسهولة المأخذ، وأخذ الشعر من ذلك العهد هيئة غير هيئته العربية، حتى إنَّ فحول الشعراء إذ ذاك كانوا يقولون: "قد أفسد هؤلاء الشعر بذلك الشيء الذي يسمونه البديع".
وكما يجب تجنب المعقد والحوشي من الألفاظ، ينبغي التحفظ من السوقي المبتذل، فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضاً، ويخدش وجه مَلَكة الفصاحة ويفسدها على صاحبها، وما على الفصيح إلا أن يقصد من التراكيب ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم بالنسبة للأواسط الذين لهم إلمام باللغة العربية، ولا تستنزله عن هذه الرتبة لومة لائم ليس له من اللغة إلا القدر الذي تتلقفه ألسنة العامة، فمن أسباب تلاشي اللغة واندراس أطلالها، تنازل فصائحها إلى استعمال الألفاظ العامية الساقطة.
وحقيق على علماء التدريس أن يكونوا على نسق واحد في التزامهم عند إلقاء دروسهم محاذاة الأساليب العربية، فإنه ضرب من التطبيق للقواعد التي يلقنها التلميذ، وبذلك تتقوى عارضته، ويتسع مجاله في التعبير عما في ضميره بألفاظ متمكنة في البيان؛ لأن السمع أبو الملكات اللسانية.
(12/ 2/126)

طرُق التّرقي في الكتابة (1)
ليست هذه الصناعة كغيرها من الفنون لها قواعد مضبوطة، ومسائل مدوّنة يتدارسها الكتَّاب، فتنتهي بهم إلى معرفة إيراد الكلام في معاريض الفصاحة وحسن الإطراد في أنحائها، وإنما هي عبارة عن تنبيهات ترشد إلى الجهات التي تنمو بها قوى التفنن في تصاريف الألفاظ والتأنق في تحسين هيئاتها التأليفية.
ولا نستفيق جهداً إن شاء الله في البحث عن تلك التنبيهات واستقصائها، والإيماء إلى الكيفيات التي ينبغي أن توضع التراكيب في قوالبها، عسى أن تبعث تذكرتها في أفئدة نصراء اللغة العربية من أبناء هذا العصر نشاطاً جديداً، فيجهدوا أنفسهم عصبة واحدة، ليلجُّوا بنا في حدائق ناضرة ومروج خضرة مما تستبدعه الأنفس وتلذه الأسماع.
الإجادة في وضع الأقاويل أحكم وضع، لا يأخذ بناصيتها إلا من كانت له قوة حافظة، وقوة مايزة، وقوة صانعة، فالقوة الحافظة: يستوعب بها الكاتب من مواد اللغة ما يسعه لكل غرض يأخذ في تفصيله وتفهيمه، حتى يكون آمناً مطمئناً من أن يكبو لسانه عيَّاً وفهاهة، عندما يدفع لوصف خيل أو نظام جيش أو حالة حصن أو سلاح أو معمل أو صورة حرب مثلاً.
__________
(1) العدد العاشر - المصادر في 16 جمادى الأولى 1322.
(12/ 2/127)

والقوة المايزة: يمتاز بها ما يحسن من الكلام بالنظر إلى ترصيف كلمه وتآلف حروفه، وبالنسبة إلى المقامات التي يوجه إليها بسياقاته، فقد يتفق مقولان لشخص واحد، ويكون أحدهما أحسن في نفسه والآخر أحسن بالنسبة إلى موقعه.
والقوة الصانعة: هي التي تتولى العمل في ترتيب الألفاظ والمعاني، والتدرج من بعضها إلى بعض، فتصدرها ملتئمة النسج غير متخاذلة النظم، بريئة من التمايز الذي يجعل كل جملة كأنها منحازة بنفسها.
لا تكمل القوة المايزة إلا بالانصباب على مطالعة المنشآت البعيدة الغور في بيانها، المنتمية إلى الطرف الأعلى في عذوبة ألفاظها ورشاقة معانيها، وبتوسم ما أرسل في طيها من الاعتبارات المناسبة بذوق جيد ومهل في النظر، فمعرفة الفنون البلاغية وحدها غير كافية لاستواء هذه القوة واستحكامها، فقد نجد في المتضلِّعين من قوانينها الخبيرين بلحمتها وسداها من لا يُفرِّق بين الأقاويل المتفاوتة في بلاغتها وصفاء ديباجتها، وإن ارتفع بعضها فوق بعض درجات.
ولا تبلغ القوة الصانعة مبلغ التمكن وسرعة الترسل، إلا بعد ارتياضها بالتمرين والاستخدام في كل غرض تخفق عليه إرادتها، في أزمنة متوالية، ومما يربط بالأسف والتحسر على قلب كل مسلم أينع في صدره غصن المغيرة على اللغة الفصحى، أنك ترى في الذين أوسعوا العلوم الأدبية خبرة، وساروا في التطلع على الإنشاءات الرفيعة عنقاً فسيحاً، حتى أدركوا مغامزها وأشرفوا على ما وراء أكماتها، يعجز عن التصرف في صوغ فقرات تُلمُّ شقاقاً أو تؤكد إخاءَ مثلاً، ذلك لفقده القوة الصانعة، التي لا يقيم صلبها إلا الإدمان على
(12/ 2/128)

العمل، وهو القاعدة التي يجري عليه كل تقدم وارتقاء.
ومن الطرق التي تنهض بالكاتب في زمن يسير، وتساعد قوته الصانعة على الإجابة في طرفة عين، وتطبع في صحيفتها ملكة الهجوم على المعاني وبثّها في ألفاظ رصينة غير متوعرة، انحيازه إلى دري بشعاب هذه الصناعة، يقف به على المنافذ التي يسري منها الخلل إلى التأليف، ويبصره بالمذاهب التي ارتقت من نحوها التحارير الفائقة، ولقد قال أئمة الصناعة الشعرية: "لا تجد شاعراً إلا وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة، وتعلَّم منه قوانين النظم، واستفاد منه الدِربة في أنحاء التصاريف البلاغية". فقد كان "كُثيِّر" أخذ علم الشعر عن "جميل"، وأخذه جميل عن "هدبة بن خشرم"، وأخذه هدبة عن "بشر بن أبي حازم"، وكان "الحطيئة" قد أخذ علم الشعر عن "زهير"، وأخذه زهير عن "أوس بن حجر"، وكذلك جميع شعراء العرب المجيدين، والشعر والكتابة أخوان.
(12/ 2/129)

الشّعر العصْرىّ (1)
أيعاتبُ الزَّمنُ الذي لا يُسعدُ ... وبنوهُ في مَهدِ البطالةِ هجّدُ
مَهلاً فما هوَ بالملومِ ومن رمى ... سهمَ الملامةِ نَحوه فمفنَّدُ
لو أفرغوا في وسعه ما جل من ... عملٍ لأغدقَ فيهِ عَيشٌ أرغد
أَرأَيْتَ كيْفَ شدت بلابلُ سعده ... وزهت ببهجته غصونٌ مِيَّدُ
إذ أَنفقَ الأسلاف في سُبلِ الهدى ... جُهْدَ استطاعتهم، ونِعْمَ المقصد
حتى استدار بهيئةٍ منضودةٍ ... وطِلاعُه أَفعالُ برٍّ تُحمدُ
كنَّا بني الإِسلامِ أصدقَ لهجةٍ ... وأَصحَّ عهْداً بالوفاء يُؤكَّدُ
عقدَ التآخي في الديانة بيننا ... نسباً قرابتُه أَشَدُّ وأَفيَدُ
ما سام ذو رأي سديدٍ مطلباً ... إلّا غدا بيد المعونةِ يُعضدُ
ولنا نفوسٌ لم تنط آمالها ... إلّا بما هو في المعاني أمجدُ
نُنْضي عزائمَ كالسيوفِ صرامةً ... لكنْ لِوَفْرِ طِعانها لا تُغمدُ
كنَّا بدورَ هدايةٍ ما من سنا ... إلّا ومن أَنوارها يُستوقدُ
وإذا تكامل واستوى بدرٌ بدا ... في أُفق طلعته السنيّةِ فَرقدُ
__________
(1) العدد الحادي عشر - المصادر في غرة جمادى الثانية 1322، ونشرت في ديوان "خواطر الحياة" للإمام.
(12/ 2/130)

كنَّا بحورَ معارفٍ ما من حُلىً ... إلّا ومن أغوارِها يتصيَّدُ
ما صَرْصرتْ أقلامُنا في مَهْرقٍ ... إلّا رأيتَ الدُّرَّ فيه يُنضَّدُ
من كلِّ معنى يبهرُ الألبابَ أو ... نسجٍ يقومُ له البليغُ ويقعدُ
ويقومُ فينا للخطابةِ مِصقع ... فترى بناتِ الفكر كيف نولِّدُ
كنَّا جلاءً للصدورِ من القذى ... ولواؤنا بيدِ السعادةِ يُعقَدُ
ما صافحتْ راحاتنا دوحاً ذوى ... إلّا وأينعَ منه غصنٌ أغيدُ
ومن احتمى بطِرَافِنا السامي الذُّرى ... آوى إلى الحرمِ الذي لا يُضهدُ
لا يمتري أهل التَّمدُّن أنَّهم ... لو لم يسيروا إثرنا لم يَصعدوا
فسلوا متى شئتم سُراتهم فما ... من أمةٍ إلّا لنا فيها يَدٌ
لا فخرَ في الدنيا بغير مجادةٍ ... تعنو لها الأممُ العظامُ وتسجدُ
لكنَّنا لم نرعَ فيه حرمةً ... بذمامِها منَّا الرقابُ تُقلَّدُ
أخذت مطيَّاتُ الهوى تحدو بنا ... في كلِّ لاغيةٍ كساعةِ نُولدُ
حتَّى انزوى من ظِلها الممدودِ ما ... فيه مقامٌ يُستطابُ ومَقعدُ
أبناءَ هذا العصر هل من نهضةٍ ... تُشفي غليلاً حَرُّه يَتصعدُ
هذي الصنائعُ ذَلَّلت أدواتها ... وسبيلها للعالمين مُمهّدُ
وكذاك بذر العلم أخرج شطأه ... ودنا جناه فما لنا لا نَحصدُ
بهما جرى القومُ الذين استُضعفوا ... من قبلُ شوطاً في المتقدم يُبعَدُ
أفلا نسير مسير ذي رُشدٍ إلى ... آثار ما قد أسَّسوه وشيَّدوا
فلطالما حوت الغنائمُ جولةً ... من رائدِ النظرِ الذي لا يُخمدُ
إنَّ المعارفَ والصنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ الترقي من سِواها مُوصدٌ
(12/ 2/131)

الكلامُ الجامع (1)

مما يُفضَّل به إنشاء الكلام، فيقع من النفوس أحسن موقع، ويؤثر فيها تأثيراً بليغاً، تذييله بفقرة أو بيت أو شطر على جهة الاستدلال على ما قبله أو على جهة التمثيل، تقريراً للمعنى الأول وتأكيداً لمفهومه، ويسمَّى الكلام الجامع أو إرسال المثال.
وممن سبق إلى هذا النوع الأغر، وحجَّل به مقاطع قصائده ونهاية فصولها زهير، ومن ذلك ما تمثل به في آخر معلقَّته:
"أمن أمّ أوفي دمنةً لم تكلَّمِ"
ثمَّ عُني به من المولدين "أبو الطيِّب المتنبي"، فولع به وأخذ به قريحته حتى أحرز قصبات السبق دون أقرانه.
قال "أبو منصور الثعالبي" في كتابه "يتيمة الدَّهر" عند ترجمة المتنبي:
"ليس اليوم مجالس الدَّرس أعمر بشعر أبي الطيّب من مجالس الإنس، ولا أقلام كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون القوّالين والمغنيّين أشغل به من كتب المؤلفين والمصنّفين".
ولا ينبغي الإسراف منه والاستكثار من إيراده عقب كل فصل، ولكن
__________
(1) العدد الثاني عشر - المصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/132)

يلمع به في بعض الفواصل دون بعض خوف السآمة والملل، فإن النفوس لا ترتاح لما يرد عليها من أفانين الكلام، إلا إذا غشيها على فترة وكانت زيارته غباً.
وفي كتاب الله من هذا المهيع البديع والنموذج الذي تُنسج عليه الحكم ما تندهش له العقول الراسية، وقد عقد له "جعفر بن شمس الخلافة" في كتاب "الآداب" باباً يخصه.
وروي أن بعضهم كان يستخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فقيل له: "أين تجد في كتاب الله من جهل شيئاً عاداه؟ " قال: "نعم في موضعين، قوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] وقوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] "، وقيل له: "هل تجد ليس الخبر كالعيان؟ " قال: "في قوله: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] "، وقيل له: "هل تجد فيه لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟ " قال: "في قوله: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 64} "، وقيل له: "هل تجد فيه للحيطان اَذان؟ " فقال: "في قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] "، وقيل له: "هل تجد فيه من أعان ظالماً سُلِّط عليه؟ " قال: "في قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 4] "، وقيل له: "هل تجد فيه لا تلد الحية إلا حية؟ " فقال: " {وَلَا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27] "، وقيل له: "فهل تجد فيه كما تدين تدان؟ " قال: "في قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] " وقيل لآخر: "أين تجد في القرآن أن المحب لا يعذب حبيبه؟ " قال: "في قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] الآية".
(12/ 2/133)

ولأبي الطيب وغيره من فرائد هذا النوع ما تحُلَّى به الرسائل، وتُرصَّع به أحاديث المحاضرات على اختلاف أغراضها وتنوع مشاربها، نحو:
إذا لم تكن نفسُ النسيبِ كأصلهِ ... فماذا الذي تُغني كرامُ المناصبِ
والغِنى في يدِ اللئيمِ قبيحٌ ... قَدْر قُبحِ الكريمِ في الإِملاقِ
وما منزلُ اللّذاتِ عندي بمنزلٍ ... إذا لم أُبجَّل عندَه وأُكرَّمِ
وما كلُّ هاوٍ للجميلِ بفاعلٍ ... ولا كلُّ فعالٍ له بمتمِّمِ
وإنَّ ابن أختِ القومِ مُصفىً إناؤه ... إذا لم يُزاحِم خالَه باب جِلد
فتىً إن يرضَ لم ينفعكَ شيئاً ... فإنْ يغضبْ عليك فلا تبالِ
وإذا لم يكنْ من الموتِ بدٌ ... فمن العجزِ أن تكونَ جبانا
وأشرفُهم من كان أشرفَ هِمةً ... وأكثرَ إقداماً على كلِّ مُعظَم
إنما تنجحُ المقالةُ في المرءِ ... إذا وافقتْ هوىً في الفؤادِ
وإذا الخنا حلَّ الحيا من معشرٍ ... ورأَيتَ أهلَ الطيشِ قاموا فاقعدِ
وللسرِّ مني موضعٌ لا يَنالُه ... نديمٌ ولايُفضي إليه شَرابُ
يَرى الجبناءُ أن العجزَ عقلٌ ... وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيمِ
وكلُّ شجاعةٍ في المرء تفنى ... ولا مثلُ الشجاعة في حكيمِ
(12/ 2/134)

الأخلاق (1)
متى انعطف النّاقد البصير يبحث عن الوسائل التي تترقى بها الأمة إلى سنام السعادة القصوى، لا تطمئن نظراته السَّامية إلا على أخلاقها، فبمقدار ما لها من المحافظة على محاسنها، يملأ منظرها أعين الملأ الذي لا يعبأ إلا بجلائل الأمور.
والدليل على ما نقوله، أنَّ الامتزاج بمكارم الخلاق يجبي إلى صاحبه عرفان ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات، فلا يُخِلُّ حينئذ بواجب ولا يُدعى إلا بحق، وذلك يدعو بالضرورة إلى شِمَّة الارتباط وكمال الالتئام الذي يجعل أفراد الأمة عضواً واحدً للتعاون على البرِّ والتَّقوى، والتعاضد على الأعمال التي تُنتج لهم التقلب في عيشة راضية، وتحفظ لأعقابهم مستقبلاً حسناً.
وذلك السبب الذي اندفع بنا إلى جعلها -أي الأخلاق- شعبة من شعب ما تصدع به هاته الصحائف وهذا أوانها.
الخلق: حال للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، وإن شئت فقل: "هي حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية".
وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون في أصل المزاج كالإنسان
__________
(1) العدد الثالث - المصادر في غرة صفر 1322.
(12/ 2/135)

الذي يستفزه أدنى غضب يعرض له، أو يفرْق من أدنى صوت يقرع سمعه، أويفرط في الضحك من أقل شيء يعجبه، أو يغتم من أيسر شيء يلم به.
ومنها ما يكون مستفاداً بالتربية والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية، ثم يتدرَّج شيئاً فشيئاً حتى يصير مَلَكةً وخلقاً.
وللأخلاق ثلاث قوىً متباينة:
أحدها القوّة الناطقة: وتسمّى بالملكية، ثانيها القوّة الشهوية: وتسمّى بالبهيمية، ثالثها القوّة الغضبية: وتسمى بالسبعية؛ فمتى كانت حركة النفس الناطقة معتدلة، وكان التفاتها دائماً إلى المعلومات "الصحيحة" نشأت عنها فضيلة العلم وتتبعها الحكمة، ومتى كانت حركة النفس البهيمية معتدلة بدخولها تحت سلطة القوّة العاقلة، حدثت عنها فضيلة العفّة وتتبعها فضيلة السَّخاء. ومتى كانت حركة النَّفس الغضبية معتدلة منقادة إلى النفس العاقلة، بحيث لا تهيج في غير حينها ولا تحمى أكثر مما ينبغي لها، حدثت منها فضيلة الحِلم وتتبعها الشجاعة.
ثم يحدث باجتماع هاته الفضائل الثلاث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة، وهذه الأربع أصول وما عداها متفرع عنها، ثم إن تلك الفضائل لا يمدح عليها صاحبها ويتسمّى بها إلا إذا تعدت إلى غيره، وانتشرت آثارها عند بني جنسه، وأما إذا اقتصر بها على نفسه فإنه تصرف عنه أسماءها ولا يذكر بمسمياتها، فإذا لم يبسط الإنسان يده ببذل مال الله الذي أتاه في وجوه المصالح العامة، وخصص صرفه بمآربه الشخصية، سُمّي منفاقاً، وإذا اقتصر بشجاعته على الذَبِّ عن حوزته دون أن يحمي ذمار المستجيرين أو يناضل على حقوق المستضعفين، سُمّي أنفاً، وإذا لم يتجاوز إلى غيره سُمي متبصراً.
(12/ 2/136)

الحياء (1)
هذا الخلق إذا غُرز في النَّفس ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاء، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خيرات حسان، يعبِّر عنها عشَّاق الفضائل بصبغة الإنسانية، وإذا انتزع من شخص فقد المروءة، وثَكِل الدَّيانة التي هي الجناح المبلِّغ لكل كمال، والدليل على ما نقوله، أن الحياء عبارة عن انقباض النَّفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عمّا تنزع إليه الشهوة من القبائح، فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النَّفس، اختلت هيئة الإنسانية بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق؛ وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.
ويرشدنا إلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام "لكل دين خلق، وخلق الإِسلام الحياء" رواه "مالك في الموطَّأ"، وفي الصحيح أيضاً أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجل وهو يعض أخاه في الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعه فإنَّ الحياء من الإيمان". قال العلماء: "وإنَّما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جِبلَّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن فعبَّر عنه بفائدته".
وأعجب ما عثرنا عليه في كتب الأخلاق، أنَّ الحياء مركَّب من جبن
__________
(1) العدد الرابع - المصادر في 16 صفر 1322.
(12/ 2/137)

وعفّة، ولذلك لا يكون المستحيي فاسقاً، ولا الفاسق مستحيياً، وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً والمستحي شجاعاً لتنافي اجتماع الجبن والشَّجاعة.
أمَّا قوله لا يكون المستحي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً فمسلَّم؛ لأنَّ الحياء متفرع عن العفَّة، وأمَّا قوله وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً إلخ. فباطل لأنه يؤدي إلى تنافي الكمالات، وما سمعنا بهذا من قبل ولا نسمعه من بعد، ويدعو إلى إماطة برقع الحياء حيث كان فيه نوع مباينة للشجاعة التي هي أعز ما يتعاظم بها الرجال، وكلمة الحق التي نقولها أن الحياء من متممات الشجاعة ولا تستقيم بدونه، ثم إن الحياء وسط بين رذيلتين إحداهما الوقاحة والأخرى الخجل. ويقال لها: الخَرَقُ، أما الوقاحة فمذمومة بكل لسان بالنسبة لكل إنسان، وحقيقتها لجاج النَّفس في تعاطي القبيح:
صلابة الوجه لم تغلب على أحدِ ... إلّا تكامَل فيه الشرُّ واجتمعا
وأما الخَرَقُ: وهو الدهشة من شدة الحياء، فيذم به الرجل اتفاقاً لا سيما في المواطن التي تقتضي حدة وإقداماً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم بالحقِّ والقيام به وأداء الشهادات على وجهها، ثم إن الحياء ولو كان جليَّاً، قد يزيد بالكسب بواسطة مطالعة أخلاق الكُمَّل وهي إحدى فوائد علم التاريخ" أو كثرة الحضور بمجالستهم، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فإذا شعر العاقل بذلك استحيا أن يستعين بها على معصيته، ولا ينشأ ذلك الشعور إلا عن عظمٍ في النَّفس وسِعةٍ في العقل.
(12/ 2/138)

أبو بكر بن العرَبيّ (1) (2)
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري
__________
(1) العدد السادس عشر - المصادر في 16 شعبان الأكرم 1322.
(2) للإمام بحث آخر عن أبي بكر بن العربي في كتابه "تراجم الرجال".
كتب الإِمام مقدمة للتراجم التي عزمت المجلة على إنجازها قال فيها:
"من الفنون التي أخذت العرب من العناية منها قسطاً وافراً علم التاريخ" وهو معرفة أحوال الأمم الماضية من أخلاقهم وعاداتهم وصنائعهم وأنسابهم ووفياتهم إلى غير ذلك، وفائدته العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب بالوقوف على طبائع الكائنات وتقلبات الزمن وأطواره، ليتحرز عن أشباه ما أملاه عليه من الخطوب التي نزلت بالأفراد والأمم عن عروش الفخامة والجلال، ويعلم كيف التخلص منها بعد السقوط في مهواتها، ويعمد إلى التأسي بهم في الأشياء التي كانت أساس ارتقائهم، واستوجبوا بها حسن الذكرى وجميل الأحدوثة، ولذلك جعلته الشريعة الغرّاء ذريعة إلى الاعتبار والتهذيب، وعلَّمت الناس كيف ينتفع به في الاجتماع البشري.
وقد احتفل القرآن في ذلك، فأفاض على عقول أهله أشعة من مواعظه الحسنة، وألقي إليهم بشذر من أسراره، ليتفقهوا بها في دينهم ودنياهم، وأكثر قصصه وأخباره من الغيوب التي لا يعلمها العرب، قال تعال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] لكنها من جنس ما كانوا ينتحلونه وينظمونه في سلك مذاكراتهم".
هذا وقد عزمنا على إنجاز ما وعدنا به طالع هذه المجلة من فتح باب لهذا الفن، =
(12/ 2/139)

الأندلسي الإشبيلي، ولد ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وما بلغ ست عشرة إلا وقد قرأ من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه، وتمرَّن في الغريب والشعر واللغة، ثم رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فدخل الشام والعراق وبغداد وسمع بها من كبار العلماء، "كأبي بكر بن الوليد الطرطوشي"، و"أبي بكر الشاشي"، ثم حجَّ في سنة تسع وثمانين، وعاد إلى بغداد ولقي "أبا حامد الطوسي الغزالي".
قال في "قانون التأويل": "ورد علينا ذا نشمند "يعني الغزالي" فنزل برباط أبي سعد لإزاء المدرسة النظامية معرضاً عن الدنيا مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنّا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه "علي بن العباس" لما قال:
إذا ما مدحت امرءاً غائباً ... فلا تغلُ في مدحه واقصدِ
فإنَّك إن تغلُ تغل الظّنو ... نُ فيه إلى الأمدِ الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمته ... لفضلِ المغيبِ على المشهد
__________
= الذي ندب إليه الشارع بقوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5] وسبق إلى استحساننا التصدي للتعريف ببعض العلماء الأعلام، الذين اعتنت الجهابذة بنقل أنبائهم العظيمة وتخليد آثارهم الفخيمة، ونذكرها بعون الله على حسب ما تسمح به الفرص، من غير نظر إلى ترتيبهم في الزمان ورفعة المكان.
(12/ 2/140)

وذكر في العواصم أنه لقيه بمدينة "السلام" سنة تسعين وأربعمائة، ثم صدر القاضي أبو بكر عن بغداد، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدّثين، فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ومات أبوه -رحمه الله- "بالإسكندرية" أوّل سنة ثلاث وتسعين، فانصرف حينئذ إلى "إشبيلية" بعلم كثير لم يدخل أحد قبله بمثله ممّن كانت له رحلة إلى المشرق، ولذا نقل عنه أنه قال: "كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به أنا و"القاضي أبو الوليد الباجي"، أو ما هذا معناه، واستقضي بها فنفع الله تعالى به أهلها لصرامته وشدَّته على الظالمين والرفق والرأفة بالمعتدلين، شأن العالم الذي لا تدور أعماله إلا على محور الشريعة، والتزم هذا القاضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فقابل ذلك كله بالصبر الجميل، وكان كثير التحمل ثابت الفؤاد.
قال في "العواصم": "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن في الأرض منكر، واشتدَّ الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبَّوا وثاروا إلى فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي أن لا يدفعوا عن دْاري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار".
ومما وقع في زمن ولايته أن احتاج سور "إشبيلية" إلى بنيان جهة منه، ولم يكن بها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى فأحضروها وهم كرهون، ثم صُرِف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثِّه.
(12/ 2/141)

وذكره "ابن الزبير في صلته"، وقال في حقه: "كان فصيحاً، حافظاً، أديباً، شاعراً، كثير الملح، مليح المجلس"، ثم قال: "قال القاضي عياض بعد أن وصفه بما ذكرته: لكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته؛ أكثر الناس الكلام وطعنوا في حديثه".
ويؤيد لك ما نقله ابن الزبير عن عياض، ما روى "ابن مسدي" في "معجم شيوخه" أن أبا بكر بن العربي قال "لأبي جعفر المرخي" حين ذكر أنه لا يعرف حديث "ابن خطل" والأمر بقتله إلا من حديث "مالك عن الزهريّ": قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، فقالوا له: "أفدنا هذه الفوائد"، فوعدهم ولم يخرج لهم شيئاً، قال "الحافظ في نكته": "قد استبعد أهل إشبيلية قول ابن العربي حتى قال قائلهم:
يا أهلَ حمصَ ومن بها أوصيكم ... بالبرِّ والتَقوى وصيةَ مشفقِ
فخذوا عن العربي أسمارَ الدُّجى ... وخذوا الروايةَ عن إمامٍ متَّقِ
إن الفتى ذربُ اللِّسانِ مهذبٌ ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يَخْلُقِ
وعنى بأهل حمص أهل اشبيلية، قال: "وقد تتبعت طرقه فوجدته كما قال ابن العربي بل أزيد".
وقال المحدِّث "أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال" في حقه: "هو الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفّاظها". ومما قاله في ترجمته "الفتح بن خاقان" في "مطمح الأنس" ما نصه: "علم الأعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء أياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع من غير أصل، وغدا في الإِسلام أمضى من النصل، سقى الله به
(12/ 2/142)

الأندلس بعد ما أجدبت من المعارف، ومدَّ عليها منه ظله الوارف، وكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله"، إلى أن قال: "حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه رئاسته محيداً، فكرَّ إلى الأندلس فحلَّها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقى، ومن عزة سقى، ومن رفعة سما إليها ورقى، وحسبك من مفاخر قلَّدها، ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلّدها" اه.
ومن اطلع على ما انطوت عليه تآليفه من التحقيقات البديعة والفوائد النفيسة، عظمت في عينه مكانة هذا الرجل، وعلم أن مقامه الأسمى فوق ما وصفه به هؤلاء الواصفون.
* تآليفه:
منها كتاب "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس"، وكتاب "ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك"، وكتاب "عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي"، وكتاب "الخلافيات"، وكتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "مراقي الزلف"، وكتاب "نوا هي الدواهي"، وكتاب "العواصم والقواصم"، وكتاب "سراج المريدين"، وكتاب "المشكلين مشكل الكتاب والسنة"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ في القرآن"، وكتاب "النيرين في الصحيحين"، وكتاب "سراج المهتدين"، وكتاب "الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى"، "وتبيين الصحيح في تعيين الذبيح"، و"تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل"، ورسالة "الكافي في أن لا دليل على النافي"، وكتاب "التوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد"، وكتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف" عشرون مجلداً، وكتاب "المحصول في علم الأصول"، وكتاب "أعيان الأعيان"، وكتاب "ملجأة المتفقهين في معرفة
(12/ 2/143)

غوامض النحويين"، وكتاب "ترتيب الرحلة"، وكتاب "حديث الإفك"، وكتاب "حديث جابر في الشفاعة"، وكتاب "شرح حديث أم زرع"، وكتاب "أنوار الفجر"، وكتاب "قانون التأويل"، قال "ابن جزّي" في تفسيره: "أما ابن العربي فصنَّف كتاب "أنوار الفجر" في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب "قانون التأويل"، إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه، وألَّف في سائر علوم القرآن تآليف مفيدة".
وقد يسَّر الله لصاحب هاته الجملة مطالعة جانب منها، ككتاب "العارضة" في مجلدين وجزأين من الأحكام، يبتدآن من المائدة إلى سورة الناس، وثلاثة أجزاء من "ترتيب المسالك"، وكتاب "العواصم والقواصم" وانتفعنا بها نفعاً عظيماً.
* وفاته:
قال ابن الزبير توفي، أي ابن العربي، من منصرفه من "مراكش" من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول مدينة إشبيلية، فحبسوا بمراكش نحو عام ثم سُرحوا، فأدركته منيته بطريقه على مقربة من مدينة "فاس" بمرحلة، وحمل ميتاً إلى مدينة فاس، فدفن بها "بباب الجيسة".
وقال القاضي "أبو الحسن النباهي" في كتاب "المرقبة العليا في القضاء والفتيا": "الصحيح في القاضي أبي بكر أنه دفن خارج باب المحروق من فاس، وما وقع من دفنه بباب الجيسة وهْمٌ من ابن الزبير وغلط، وقد زرناه وشاهدنا قبره حيث ذكرناه، وكانت وفاته رحمه الله سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة".
(12/ 2/144)

* فوائده:
منها قوله رحمه الله تعالى: "تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا "أبي بكر الفهري الطرطوشي" حديث أبي ثعلبة المرفوع "أن من ورائكم أيّاماً للعامل فيها أجر خمسين منكم" فقالوا: بل منهم، فقال: بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً، وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإِسلام وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضاء، ومهدوا الملة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "لو أنفق أحدكم كلَّ يوم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أَحدِهم ولا نصيفه" فتراجعنا القول وتَحصَّل ما أوضحناه في شرح الصحيح.
وخلاصته أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من مرفوع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلَّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإِسلام، وهو أيضاً انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإِسلام صعب المرام وفي آخر الزمان أيضاً يعود كذلك، لوعد الصادق - صلى الله عليه وسلم - بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لتركبنَّ سنن من قبلكم شبراً بشير وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموه" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ الإِسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ"، فلابد والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإِسلام إلى واحد كما بدأ من واحد، ويصعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف
(12/ 2/145)

وباع نفسه من الله تعالى في الدُّعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكناً منه معانا عليه بكثرة الدعاء إلى الله تعالى، وذلك قوله: "لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً" حتى ينقطع ذلك انقطاعاً باتاً لضعف اليقين وقلة الدين كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم السَّاعة حتى لا يقالُ في الأرضِ الله الله"، فروي برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن منكر يقول: أخاف الله، وحينئذ يتمنى العاقل الموت، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه".
"السعادة" يبتغي بعض المنتسبين إلى العلم أن تكون لهم اليد المطلقة في النهي عن كل منكر يشاهدونه، حتى إذا لم يتمكنوا من النهي عن بعض المنكرات أعرضوا ونأوا بجانبهم عن القيام بحقوق هذا الواجب رأساً، وخلعوا عهدته من رقابهم ولو فيما تنفذ فيه كلمتهم، ومنهم من يهملها استناداً لقضية اختلقتها ألسنة الذين يؤثرون الحياة الدنيا عن الآخرة، ليتخذوها وليجة لإرضاء من لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ألا وهي دعوى فساد الزمان وعدم إفادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند غلبية الفساد، والله يشهد أنهم لمخطئون، لا تكون الحيلولة بينهم وبين النهي عن بعض المنكرات حجة يستبيحون بها التخلف والتنازل عن هذا المنصب مطلقاً، ولا يكون ظنهم عدم إفادة أمرهم ونهيهم عذراً صحيحاً يقدمونه عندما يُسألون.
ومنها قوله في "الأحكام" عند قوله تعالى: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: 16] قيل: إنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية, حتى أن لقيت يوماً مع "خالي الحسن بن
(12/ 2/146)

أبي حفص" رجلاً من الكتاب، فودعنا بنية السفر، فلما فارقنا قال لي خالي: إنك لا تراه أبداً لأنه سافر في يوم أربعاء لا يتكرر وكذا كان، مات في سفره، وهذا ما لا أراه لأن يوم الأربعاء يوم عجيب، بما جاء في الحديث من الخلق فيه والترتيب، فإن الحديث ثابت بأن الله تعالى خلق يوم السبت التربة، ويوم الأحد الجبال، ويوم الاثنين الشجر، ويوم الثلاثاء المكروه، ويوم الأربعاء النور، وروي النون، وفي غريب الحديث أنه خلق يوم الأربعاء التقن، وهو كل شيء تتقن به الأشياء، يعني المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا تعافه النفس، واليوم الذي خلق فيه النور أو التقن يعافونه، إن هذا لهو الجهل المبين.
وفي "المغازي" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظهر والعصر فأستجيب له وهي ساعة فاضلة، فالآثار الصحاح تدل على فضل هذا اليوم، فكيف يُدعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها، وقد صوَّر قوم أياماً من الأشهر الشمسية ادعوا فيها الكراهة، لا يحل لمسلم أن ينظر إليها ولا يشغل بها بالاً، قبَّحهم الله.
"السعادة" بهذا يعلم أن ما جرت به العادة من عدم عيادة المريض في هذا اليوم وتطيره بذلك، وهو وسوسة وهوس لا تشتغل به إلا الخواطر المبرسمة التي تبني معتقداتها على شفا جرف الأوهام الباطلة.
(12/ 2/147)

ترجمة القاضي أبا الوليد الباجيّ الأندلسيّ (1)
سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، أصله من "بطليوس"، ثم انتقل جدّه إلى "باجة" (2) وإليها نسب أبو الوليد، ثم سكنوا بعد "قرطبة"، ولد في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، وكان على عهد دولة "المعتضد عبّاد" ملك "إشبيلية" ووالد "المعتمد بن عباد"، وله فيه من شعره قوله:
عبّاد استعبد البرايا ... بأنعُمٍ تبلغ النعائم
مديحه ضمن كل قلبٍ ... حتى تغنت به الحمائم
__________
(1) العدد الثامن عشر - الصادر في 16 رمضان المعظم 1322.
(2) باجة هذه إحدى كور الأندلس العربية، كانت في التقسيم القديم متابعة لمملكة إشبيلية زمان تشعب الطوائف أيام دولة بني عبَّاد ملوك إشبيلية "وتسمى حمصاً لنزول جيش حمص ولوائِهم بها عند وفود الأموية" وبباجة كان مولد المعتمد بن عباد أحد ملوك إشبيلية الشهير في التاريخ وكتب الأدب الأندلسي.
أما اليوم فقد انفصلت عن إشبيلية، وأصبحت في نصيب مملكة البرتغال من تركة العرب، وهي إحدى المدن الكبرى من ولاية "النتيجو -أو- اليمتيجو" البرتغالية. وربما وقعت تسميتها في بعض الخرائِط العربية الجديدة "بيجا" وهو خطأ منشؤه نقلها عن بعض الخرائط الفرنسية وما كلها سمَّتها كذلك.
(12/ 2/148)

وتوفي "بالمرية" سنة أربع وسبعين وأربعمائة لسبع عشرة خلت من رجب.
* نشأته العلمية:
أخذ العلم بالأندلس عن "ابن الرحوي"، و"أبي محمد مكي"، والقاضي
"يونس بن مغيث" الموثِّق الشهير، ثم بدا له أن يرحل إلى طلب العلم ليجمع
بين الطريقة المشرقية فيمزجها بالطريقة الأندلسية، فرحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فحجَّ وأخذ بالحجاز عن الحافظ "الإِمام أبي ذر الهروي" الذي ترجع إلى روايته أكثر نسخ "صحيح البخاري" بالمغرب بواسطة "أبي الوليد الباجي"، لازمه ثلاث سنين، ثم وفد على "بغداد" فدرس بها الفقه والحديث عن جلَّة من العلماء، منهم "أبو إسحاق الشيرازي"، والقاضي "أبو الطيب الطبري"، و"الصيرفي"، و"ابن عمورس"، ومكث بها ثلاث سنين، ثم وقد على "الموصل" فأقام بها سنة في صحبة "أبي جعفر السمناني" يأخذ عنه علم الكلام، ولقي الحافظ "أبا بكر الخطيب البغدادي" فروى كل واحد منهما عن الآخر، فمكث في رحلته كلها نحواً من ثلاثة عشر عاماً.
وكان في سني رحلته ضيق الحال، حتى كان قد قصد بشعره، وحتى استأجر نفسه في بغداد لحراسة درب، فكان يستعين بمقدار أجرته على نفقته ومطالعته، ثم قفل راجعاً إلى الأندلس سنة 439 ه، فدخلها على ضنك حاله، فكان يخلط أوقات تدريسه ومطالعته بضرب ورق الذهب، حتى اشتهر من خبره أنه كان يخرج إلى درسه إذا جاء التلامذة للقراءة وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل.
دام على ذلك إلى أن اشتهرت تآليفه وفشا علمه، فعُرف حقه وعَظُم
(12/ 2/149)

جاهه، وقرَّبه الملوك حتى مات عن مال كثير. أخذ عنه الإِمام "أبو بكر الطرطوشي"، والقاضي "ابن شيرين"، و"أبو الصدفي الحافظ"، والقاضي "أبو القاسم المعافري"، وروى عنه حافظاً المغرب والمشرق "أبو عمر ابن عبد البر"، و"الخطيب أبو بكر ابن ثابت البغدادي".
كان أبو الوليد رحمه الله فقيهاً، نظاراً، محققاً راوية محدِّثاً، يفهم صفة الحديث ورجاله، متكلماً أصولياً، فصيحاً، حسن التأليف، ألَّف كتباً مهمة أكبرها في الفقه ومعاني الحديث كتاب "المنتقى شرح الموطأ"، وهو موجود غالبه، طالعنا منه جزأين ضخمين يقربان من نصفه أو أكثر، قيل كان ابتداء تأليفه كتاب سمّاه "الاستيفاء على الموطأ" بلغ فيه الغاية من التطويل، لكنه لم يأت فيه بغير شرح الطهارة في مجلدات، واختصر من المنتقى كتاباً سمّاه "الإيماء"، وكتاب "السراج في مسائل الخلاف" لم يتم، وكتاب "المقتبس في علم مالك بن أنس" لم يتم، وكتاب "المهذب" اختصار المدونة، "وشرح المدونة" لم يتم، وكتاب "اختلافات الموطأ"، وكتاب "التعديل والتجريح لمن خرَّج عنه البخاري في الصحيح"، وله في الكلام كتاب "التسديد لمعرفة طريق التوحيد"، وفي الأصول كتاب "أحكام الأصول"، وكتاب "الإشارة في الأصول" موجود وهو مؤلف في جزء صغير يشتمل على علم كثير، و"تفسير القرآن" لم يتم، وكتاب "الانتصار لأعراض الأئمة الأخيار"، ورسائل، ورسالة في الجدل توجد ببعض مجاميع خزائن الجامع الأعظم.
كان له مع ذلك شعر مطبوع حسن، لكنه لم يبلغ به صناعة الشعر، وهاك نموذجاً منه في مقام تنقدح فيه القرائح الشعرية، وتبرز المكنونات النفسية،
(12/ 2/150)

قوله في رثاء ابنه وأخيه وماتا مغتربين عنه (1):
رعى اللهُ قبرين استكانا ببلدةٍ ... هما أسكناها في السوادِ من القلب
لئن غُيّبا عن ناظري وتبوّءا ... فؤادي لقد زاد التباعدُ في القرب
يقرُّ بعيني أن أزورَ ثراهما ... وألزق مكنون الترائبِ بالتُّرب
وأبكي وأبكي ساكِنَيها لعلَّني ... سأنجدُ من صحبٍ وأسعدُ من سُحب
فما ساعدت ورقُ الحمام أخا أساً ... ولا روَّجت ريحُ الصبا عن أخي كرب
ولا استعذبت عيناي بعدَهما كرى ... ولا ظمأت نفسي إلى البارد العذبِ
أحنُّ ويثني اليأسُ نفسي عن الأسى ... كما اضطر محمولٌ على المركب الصعب
فما زاد رحمه الله في شعره على الطبع اللفظي والمحسنات، وما أودع فيه من معنى الخطب إلا معاني مطروقة معلومة لا تستحق أن توصف بوصف الشعر، وكذلك رثى ابنه في قصيدة أخرى بمعان وإن كانت أقل شهرة من هذا إلا أنها سبق بها جمع كثير من الشعراء، وهي بعد على طرف الثمام، فلا يفيدنا سردها حكماً جديداً على شعر أبي الوليد.
* نهضته بالنظر في فقهاء الأندلس:
قلنا: إن أبا الوليد الباجي قد بعثته نفسه على الرحلة للمشرق في طلب العلم، وتلك علامة على كبر نفسه وطلبها للمعالي، فاستفاد من الثلاثة عشر عاماً التي قضاها علماً زاخراً من أئمة العصر يومئذ، وجمع بين
__________
(1) وَهمَ من ظن أن القصيدة في رثاء ابنيه, لأنه إنما فقد أحد ابنيه في حياته وهو أبو الحسن محمد وكان ذكياً نبيلاً مرجواً لمرتبة علمية، أما ثاني ابنيه فهو أبو القاسم بلغ من العلم مبلغ خلف أبيه في مجلسه ودرسه.
(12/ 2/151)

الطريقتين، ورجع مزجاً من إقليمين.
وقد كان فقهاء الأندلس يومئذ يقتصرون من الفقه على تخريج مسائل المدونة شرحاً واستنباطاً، ويضمون إلى ذلك ما ينزل بهم من الأقضية المحدثة تحت اسم "العمل"، فجاءت عدة أعمال، "عمل قرطبة" "عمل طيطلة" ... إلخ، إلا أن ذلك كله كان في فصاحة عبارة وحسن تبويب كما تشهد بذلك كتبهم التي ترى لنا اليوم، ولم يكن فيها من النظارين يومئذ إلا "أبا محمد ابن حزم" الإِمام الشهير، لكنه كان منبوذاً بينهم بمتابعته مذهب "داوود الظاهري"، على أنه كان ينال من الفقهاء وطريقتهم بالشتم والتحقير ما أضاق نفوسهم منه، ولم يجدوا من سعة العلم والعرفان بالسنّة والعلوم الكلامية من يقدر على مناظرته أو إقناعه في الأقل، فكانوا متشوقين لمن يقوم بذلك، فلما قدم أبو الوليد، قام بمناظرة ابن حزم وبيَّن له مسائل كان يخلط فيها، حتى اضطره إلى مفارقة البلد الذي هو فيه، ولكنه مع ذلك لم يكن يجري بينهما شيء زائد على المناظرة من نحو سباب الجهال وتنابز الطغام، حتى لقد كان كل منهما يعترف لصاحبه بقوة العلم والنظر، قال عياض: "بلغني أن أبا محمد ابن حزم على بعد ما بينهما كان يقول: لم يكن للمالكية بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد".
قال الباجي يوماً مفاخراً لابن حزم: "أنا أعظم منك همة في طلب العلم، لأنك طلبتَه وأنت تعان عليه، تسهر بمشكاة الذهب "يشير إلى سعة ثروة ابن حزم وآبائه"، وطلبتُه وأنا أسهر بقنديل بائن السوق "جمع ساق"، فقال له ابن حزم: "هذا الكلام عليك لا لك, لأنك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته،
(12/ 2/152)

فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة"، فأفحمه.
وأدخل للأندلس طريقة النظر في الفقه، فكان ينزع منازع الاجتهاد على طريق النظّار من البغداديين وحذّاق أئمة القرويين والقيام بالمعنى والتأويل، قال عياض: "وكانت كتبه مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها في الفقه وإتقانه". قال القاضي أبو بكر بن العربي: "ولولا أن طائفة نفرت إلى ديار العلم، وجاءت منه بلباب كالباجي والأصيلي فرشت على هذه القلوب الميتة، وعطرت أنفاس الأمة الزفرة، لكان الدين قد ذهب".
كانت الفلسفة اليونانية يومئذ قد مدَّت أطنابها على الأندلس، وروَّجت كثيراً من العقائد المقارنة لها في كتب أصحابها، في قلوب كثير من ضعفاء الذين مازجوها حتى أفضت ببعضهم إلى الإلحاد في الدين، ولم يجدوا مع ذلك كله من يقوم بتبيان الحق ويفسِّر حقائق الإِسلام وآدابه للذين استهوتهم فلسفة الأخلاق اليونانية والفارسية على ما فيهما من تبديل وقِدَمٍ، ومن خلط العقائد بالفلسفة، فلما جاء أبو الوليد ابتدأ يبين لخاصة المتفلسفين أن الفلسفة شيء والعقيدة شيء، وأن لهم في كتابهم من فضائل الأخلاق ما لو شرحوه ودوَّنوه لفاق غيره، ومن حديثه في ذلك أنه كان يوماً في مُناخ "أحمد بن هود" الملقب "بالمقتدر ملك سرقسطة" ينتظر إذنه، فجالسه ابنه "يوسف" الملقب "بالمؤتمن" الذي ورث بعده ملك سرقسطة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وكان قائماً على الفلسفة والعلوم الرياضية وله فيها تآليف مثل "الاستهلال والمناظر"، وجاذبه ذيل الحديث، فقال أبو الوليد للمؤتمن: "هل قرأت زجر النَّفس لمحمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -؟ "، يُعرِّض له "بكتاب أفلاطون" في الأخلاق الذي يُسمّى "زجر النَّفس"، وعنى ما تضمنت الشريعة في هداية النُّفوس.
(12/ 2/153)

بهاته النهضة وما تبعتها، ممن خطَّ على تسطير أبي الوليد الباجي مثل "ابن العربي"، و"ابن رشد الحفيد"، و"ابن السيد"، كملت النهضة العلمية بالأندلس وجمعت طرق العلم والتعليم، ونخلت العلوم المختلطة، دام ذلك الأمر إلى أن خبت نارها بِبرْكة التفرق والتنازع.
نال أبو الوليد وجاهة عند الملوك والرؤساء ما بين "سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية"، فاغتنم وجاهته هذه فرصة، فسعى بين ملوك الطوائف يؤلفهم على وحدة الإِسلام، ويروم جمع كلمتهم مع جنود المغرب المرابطين، ليحفظوا الأندلس من السقوط المتوقع، وهم يجلّونه في الظاهر ويستثقلون نزعته في الباطن، ولذلك لم يفلح له سهم فيما أراد حتى مات "بالمرية" في هذا الغرض.
* ماذا لقي أبو الوليد من جزاء على حسن صنيعه؟
كان أن لم تتخلف سنَّة الزمان عن اطرادها، حتى لحقت الباجي على سعة علمه وشهادة الأمة له ونصحه لها وإيقاده بصائرها ومكانه من الوقار، فإنه ما لبث شجى في حلوق حاسديه لم يجدوا فيه مغمزاً أوهنة ينسبونها إليه، ليسقطوا من جنبه في نظر الأمة، ويمحوا من اسمه ما اشتهر، ولم يرقبوا فيه حقاً، فتربصوا به الملجأ الأخير مخالفة المعتاد والإتيان بشيء جديد، ذلك الأمر الذي يسخط صغار العقول من العلماء، فيسعون به لدى العامة يستعينون بغضبها الأعمى على اضطهاد الرجال الكبار، فإن أبا الوليد لما كان بالمنزلة التي عرفتم، وكان علم الحديث كدأبه يتضاءل في الأمة بعد القرون الأولى، لا يجد حاملاً لا ينوء به حمله، فكان درس "حديث صلح الحديبية" من "صحيح البخاري" حين أبي المشركون أن يكتب كاتب رسم الصلح كلمة
(12/ 2/154)

رسول الله، وألحوا في استبدالها بابن عبد الله، فحين أبي أن يمحوا هذا الوصف محاه رسول الله وكتب ما طلبوا. فأنكره عليه "ابن الصايغ" وكفَّره بإجازته الكتابة على رسول الله، وهي تكذِّب الأمية الموصوف بها في القرآن، وأكبرها الناس إذ لم يسمعوها من قبل، وكان من حقهم لو كانوا يعلمون، أن يكبروا الحديث لا مقال أبي الوليد، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وأكثر المقالة فيه من لم يفهم غرضه حتى أطلق عليه اللعنة علماؤهم، وضمنوا البراءة منه في أشعارهم، وحتى قام بذلك بعض خطبائهم في الجمع، وحتى قال "عبد الله بن هند" فيه قصيدة استهلها بقوله:
برئتُ ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إنَّ رسول الله قد كتبا
قال عياض: "ولم ينكر عليه أولو التحقيق في العلم، وكتب بالمسألة إلى شيوخ صقلية فأثنوا عليه وسوغوا تأويله، وأنكروا على من أنكر عليه، وألَّف في ذلك رسالة بيّن فيها وجوه المسألة، وأنها لا تقدح في المعجزة كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد إن لم يكن قارئاً من قبل، بل في هذا معجزة أخرى"، ولولا تعلقه بجانب من الدولة لخشي من هاته العصبية الضالة على حياته، رُوي عنه أنه كان يقول -وقد ذكرت له صحبة السلطان-: "لولا السلطان لنقلني الذر من الظل إلى الشمس". من أجل هذا لم يُولَّ إلا قضاء مواضع من الأندلس تقصر عن قدره، فكان يبعث لذلك خلفاءه.
* ثناء الأفاضل عليه:
مثل أبي الوليد لا تذعن له النفوس حتى يموت، فشهد له "ابن العربي"، و"عياض"، و"ابن بسام"، و"ابن خلكان"، و"ابن بشكوال"، وسُئل عنه "الصدفي الحافظ" فقال: "هو أحد أئمة المسلمين لا يُسأل عن مثله وما رأيت
(12/ 2/155)

مثله"، وذكره تلامذته كلهم بأحسن ما يذكر به تلامذة نجباء بارّون شيخاً نوَّر عقولهم في الظلمات مثله، وأبى الله إلا أن يتم نوره ويخلِّد اسمه ولو كره الضالون.
(12/ 2/156)

منذر بن سعيد (1)
القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البلوطي"، كان واسع العلم، غزير الفضل، قوي الجأش، لا تأخذه في نصرة الحق لومة لائم، ولد سنة خمس وستين ومائتين، وسمع من "عبيد الله بن يحيى" ونظرائه، ثم رحل حاجاً سنة ثمان وثلاثمائة، فالتقى بعدة أعلام من فحول العلماء، واشتهر فضله بالمشرق، وممن سمع عليه منذر بالمشرق ثم "بمكة محمد بن المنذر النيسابوري" أخذ عنه كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمَّى "الإشراف"، وروى بمصر كتاب "العين" "للخليل" عن "أبي العباس بن ولاد"، وروى عن "أبي جعفر ابن النحاس"، قال القاضي منذر: أتيت وأبو جعفر ابن النحاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر "قيس المجنون" حيث يقول:
خليليَّ هل بالشام عينٌ حزينةٌ ... تبكي على نجدٍ لعلّي أعينُها
قد أسلمها الباكون إلا حمامةً ... مطوقة باتت وباتَ قرينُها
تجاوبها أخرى على خيزرانةٍ ... يكاد يدنيها من الأرض لينها
فقلت له: "يا جعفر ماذا أعزك الله تعالى باتا يصنعان؟ " فقال لي: "وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ "، فقلت له: "بانت وبان قرينها"، فسكت وما زال
__________
(1) العدد السابع عشر - المصادر في غرة رمضان المعظم 1322.
(12/ 2/157)

يستثقلني بعد ذلك حتى منعني كتاب "العين" وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته، فلما قطع بي قيل لي: "أين أنت من أبي العباس بن ولاد"، فقصدته، فلقيت رجلاً كامل العلم حسن المروءة، فسألته الكتاب فأخرجه إليّ، ثم ندم أبو جعفر لما بلغه إباحة أَبي العباس الكتاب إلي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه.
ثم عاد منذر وولي قضاء الجماعة "بقرطبة" زمن ولاية "عبد الرحمن الناصر لدين الله". قال "الفتح بن خاقان" في "مطمح الأنفس": "وناهيك من عدل أظهر، ومن فضل اشتهر، ومن جور قبض، ومن حق رفع ومن باطل خفض، وكان مهيباً طيباً صارماً، غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم".
واستمر في القضاء إلى أن مات "الناصر لدين الله"، ثم ولي ابنه "الحكم" فاقره وفي خلافته توفي بعد أن استعفى مراراً فما أعفي، فلم يحفظ عليه مدة ولايته قضية جور، ولا عدّت عليه في حكومته زلة، وكان غزير العلم، كثير الأدب، متكلماً بالحق، متبيناً بالصدق له، وقال: "وكان القاضي "منذر ابن سعيد" شديد الصلابة في أحكامه والمهابة في أقضيته، وقوة القلب في القيام بالحق في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه".
وأول سببه في التعلق في "الناصر لدين الله"، ما حكى "المقري" قال: "لما احتفل الناصر لدين الله لدخول رسول ملك الروم بقصر قرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير
(12/ 2/158)

الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه "محمد بن عبد البر الكسيباني" بالتأهب لذلك، واعداد خطبة بليغة يقدم بها بين يدي الخليفة، وكان يدّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رأى، هاله وبهره هول المقام وأُبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل "لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي" صاحب "الأمالي والنوادر"، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة، قم فارقع هذا الوهي، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - "، هكذا ذكر "ابن حبّان" وغيره، وكلام "ابن خلدون" يقتضي أن القالي هو المأمور بالكلام أولاً والخطب سهل، ثم انقطع القول بالقالي، قال في "المطمح": "إن" أبا علي القالي انقطع، وبهت وما وصل إلا قطع، ووقف ساكتاً متفكراً لا ناسياً ولا متذكراً، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء، قام بذاته بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في ذلك المقام كل مجيب، وقال: "أما بعد، فإن لكل حادثة مقاماً ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إليّ بأسماعكم، وأمنوا عليَّ بأفئدتكم، معاشر الملأ إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت"، ثم استرسل في خطبته، وقد ذكرها الفتح بتمامها، وختمها بإنشاد أبيات يقول في طالعها:
مقالٌ كحد السيف وسْطَ المحافلِ ... فَرَقْتَ به ما بين حقٍ وباطلِ
بقلب ذكي ترتمي جنباته ... كبارق رعدٍ عند رقشِ الأناصلِ
(12/ 2/159)

فما دحضتْ رجلي ولا زلَّ مقولي ... ولا طار عقلي يوم تلك البلابل
إلخ". ثم قال: "فخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر لدين الله أشدَّ تعجباً منه، وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفة عينه وقد سمع باسمه، فقال الحكم: هذا منذر بن سعيد البلوطي، فقال: والله لقد أحسن ما شاء، ولئن أبقاني الله تعالى لأرفعن من ذكره، فضعْ يدل يا حكم عليه واستخلصه وذكّرني بشأنه، فما للصنيعة مذهب عنه". وذكر "ابن سعيد" في "المغرِب" أن الناصر قال لابنه الحكم بعد أن سأله عنه: "لقد أحسن ما شاء، فلئن كان حَبَّر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار فتيلاً في الوهي فإنه لبديع من قدرته واحتياطه، ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته فإنه لأعجب وأغرب".
ثم قال: "وكان الخليفة الناصر كلفاً بعمارة الأرض، وإقامة معالمها، وتكثير مياهها، واستجلابها من أبعد بقاعها، وتخليد الآثار الدالة على قوة ملكه وعزّة سلطانه وعلو همته، فأمضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة "الزهراء" الشائع ذكره الذائع خُبره المنتشر في الأرض خبره، واستفرغ وسعه في تنجيدها وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها، فانهمك في ذلك حتى عطَّل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه، فأراد القاضي منذر بن سعيد -رحمه الله- في أن يعظه ويُقرِّعه في التأنيب، ويقص منه بما يتناوله من الموعظة بفصل الخطابة والتذكير بالإنابة، فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 128 - 129] إلخ الآية.
ووصل ذلك بكلام جزل وقول فصل، جاش به صدره وقذف به على
(12/ 2/160)

لسانه بحره، وأفضى في ذلك إلى ذم المشيد والاستغراق في زخرفته والسرف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طلقًا وتلا فيه قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 109 - 110].
وأتى بما شاكل المعنى من التخويف للموت والتحذير منه، حتى بكى الناس وخشعوا وضجّوا وتضرعوا، وأعلنوا الدعاء إلى الله تعالى، فعلم الخليفة أنه هو المقصود به والمعتمد بسببه، فاستجدى وبكى وندم على ما سلف من فرطه، واستعاذ بالله من سخطه، واستعصمه برحمته، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد للفظه الذي قرعه الذي به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه، وقال: "والله لقد تعمدني منذر بخطبته وأسرف في ترويعي، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي وصيانتي عن توبيخي"، ثم استشاط وأقسم أن لا يصلي خلفه الجمعة أبداً، فقال له الحكم: "وما الذي يمنعك عن عزل منذر بن سعيد والاستبدال به؟ "، فزجره وانتهره، وقال: "أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعمله وحلمه لا أمّ لك، يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد، هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله تعالى ألا أجعل بيني وبينه شفيعاً في صلاة الجمعة مثل منذر بن سعيد، ولكنه وقذ نفسي وكاد يذهبها، والله لوددت أن أجد سبيلاً إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا فما أظننا نعتاض منه أبداً".
"السعادة" هكذا ينبغي أن تكون حَمَلة الشريعة في الترفع عن المحاباة في الحق والتحاشي عن مجاراة الوجهاء والأعيان ابتغاء مرضاتهم، وهكذا
(12/ 2/161)

ينبغي أن يكون أولو الأمر في إطراح الأغراض وعدم الانتصار لها متى خاطبهم العلماء بألسنة تطهرت من المداهنة، وساقوا إليهم النصائح البليغة من سرائر لا تضمر إلا خيراً، أما تزلف العالم فمما يخلد له في وجه خطته وصمة لا ترتفع لها الأنظار إلا بسوء، ومثله تعاصي أولي الأمر عن الرجوع إلى النصائح الشرعية.
ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر، ما روى "الحجاري" في "المسهب" قال: "إنه دخل عليه مرة وهو في قبة، قد جعل قرمدها من ذهب وفضة، واحتفل فيها احتفالاً ظنَّ أن أحداً من الملوك لم يصل إليه فقام منذر خطيباً، والمجلس قد غصّ بأرباب الدولة، فتلا قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] الآية، وأتبعها بما يليق بذلك، فوجم الملك وأظهر الكآبة، ولم يسعه إلا الاحتمال لعظم قدر منذر في علمه ودينه"، وحضر معه يوماً في "الزهراء" فقام الرئيس "أبو عثمان بن إدريس" فأنشد للناصر قصيدة منها:
سيشهدُ ما أَبقيتَ أنك لم تكن ... مضيتَ وقد مكنتَ للدين والدنيا
فبالجامع المعمور للعلم والتقى ... وبالزهرةِ الزهراء للملك والعليا
فاهتز الناصر وابتهج، وأطرق منذر بن سعيد ساعة، ثم قام منشداً:
يا بانيَ الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهلُ
لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبلُ
فقال الناصر: "إذا هب عليها نسيم التذكار والحنين، وسقتها مدامع
(12/ 2/162)

الخشوع يا أبا الحكم فلا تذبل إن شاء الله تعالى"، فقال منذر: "اللهم اشهد أني قد بثثت ما عندي ولم آل نصحاً".
وقال "المقري": "كان منذر خطيباً، بليغاً، عالماً، بالجدل، حاذقاً فيه، شديد العارضة، حاضر الجواب، عتيده، ثابت الحجة، ذا إشارة عجيبة، ومنظر جميل، وخلق حميد، وتواضع لأهل الطلب وانحطاط إليهم، وإقبال عليهم، وكان مع وقاره التام فيه دعابة مستملحة (من الناس من يتخذ الدعابة وسيلة لإذاية مجالسيه، فلا تكون مستملحة وخصوصاً عند ذوي النفوس الأبية والنباهة التي لا تنخدع بالظواهر) "، ثم قال: "وله نوادر مستحسنة، وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر إلى أن توفي -رحمه الله تعالى- عقب ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فكانت ولايته لقضاء الجماعة المعبر عنه في المشرق بقضاء القضاة ستة عشر عاماً كاملة، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية، ولا قسم لغير سوية، ولا ميل إلى هوى ولا إصغاء إلى غاية".
ودفن بمقبرة قريش بالربض الغربي من قرطبة -أعادها الله تعالى-، وفي مسجد "السدة الكبرى" بقرب داره، وله رحمه الله تعالى تآليف مفيدة منها كتاب "أحكام القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ"، وغير ذلك.
(12/ 2/163)

تحقيق مسْألة تاريخيّةٍ (1)
ابتُليت بطون بعض التواريخ بأمراض من الأراجيف، وإنها لبلية كبرى على من لم يكن له باع مديد في تمييز الخبيث من الطيِّب، فحذار أيها السائر تحت لواء الحق، إذا أغطشت ليلها أمامك أن تفتتن بها فتوناً، لا سيما ما يعزونه إلى "الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - " (2) استناداً إلى روايات تتصل بأقوام يلمزونه بها لحاجة في أنفسهم قضوها:
منها قولهم: أزعج "أبا ذر" من "الشام" حين غيّر على "معاوية" المنكر، وأجلاه إلى "الربذة". قلنا: "ما أتى معاوية منكراً يغير عليه، وإنما كان أبو ذر على طريقة من الزهد لا تمكن لجميع الخلق، وكان يقرع عمال عثمان ويتلو عليهم {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الآية, ويراهم يتسعون في المراكب والملابس فينكر ذلك عليهم، ويدعوهم إلى تفريقه في وجوه البر وهو غير لازم لهم؛ لأن ما أُديت زكاته ليس بكنز، فخشي معاوية من أن تثور من العامة فتنة، إذ كان أبو ذر يأمرهم من الزهد بما لا يحتمله الناس كلهم، وإنما يقوى عليه بعضهم، ورفع الأمر إلى عثمان فاسترده إلى
__________
(1) العدد الرابع - المصادر في 16 صفر 1322.
(2) للإمام بحث تحت عنوان "نظرة في ناحية من خلافة عثمان - رضي الله عنه - " في كتابه "تراجم الرجال".
(12/ 2/164)

مجاورته بالمدينة، فاجتمع إليه الناس، وجعل يسلك بهم ذلك الطريق، فقال له عثمان: "لو اعتزلت". معناه أن من كان على هذا المذهب فحاله ينبغي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويُسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام من الشريعة، فخرج إلى "الربذة" زاهداً فاضلاً وترك أجلَّة فضلاء"، وكلٌّ أوتي حكماً وعلماً، وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين.
ومنها قولهم: "ضرب "عماراً" و"ابن مسعود" ومنعه عطاءه، قلنا: "هذا باطل سنداً ومتناً، ولا يلتجأ إلى الاعتذار عنه وان تشاغل به بعضهم، لأن الروايات المختلقة ليس لها حد تنتهي إليه، فالاشتغال بتأويلاتها لا يسعه العمر الذي له أجل مسمى".
ومنها قولهم: ردَّ "الحكم" بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلنا: "كان قال: "لأبي بكر" و"عمر" إني سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رده فسمح به ثم مات، فطلبا منه الشهادة معه فلم يجدها، فلما ولي قضى بعلمه، وقضاء الحاكم بعلمه له أصل في الشريعة، وإنما تردد فيه الناس من بعد لما حدث من التهمة، قالوا: وصله بمال الله، قلنا: وصله بماله، وكان من أغنياء الصحابة وذلك مستحب".
ومنها قولهم: عزل "عمرو بن العاص" وولى "عبد الله بن أبي سرح"، قلنا: "الولاية موكول أمرها إلى الاجتهاد، وقد عزل "عمر بن الخطاب" "سعد ابن أبي وقاص" وقدَّم أقل منه درجة، وكان "عبد الله بن أبي سرح" ممن يناط بعهدته مقاليد الأمور، ولهذا فتح الفتوح في بحر المغرب وبرِّه، ورضي عنه من معه من أبناء الصحابة وأطاعوه".
ومنها قولهم: ابتدع في جمع القرآن فأحرق المصاحف، قلنا: "هذه
(12/ 2/165)

من الأيادي التي أثقل به كواهل المسلمين، اختلف الناس في القراءة، فأدركهم بالرد إلى مصحف جمعه "أبو بكر الصديق" - رضي الله عنه -، وأحرق غيره من المصاحف حسماً لمنشأ الاختلاف في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفها.
ومنها قولهم: زاد في الحمى، قلنا: "شرع الحمى للحاجة الداعية إليه، فزاد فيه لزيادتها"،
ومنها قولهم: كتب مع غلامه إلى "عبد الله بن أبي سرح" يأمره بقتل من ذكر في الكتاب، قلنا: "قد يكتب على لسان الرجل، وينقش على خاتمه، ويرسم على خطه"، ولقد قال لهم عثمان: "إما أن تقيموا شاهدين على ذلك وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت".
قالوا لم يسلِّم إليهم "مروان" حين طلبوا ذلك منه، قلنا: "لو سلَّمه لكان ظالماً، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان".
ومنها قولهم: ولّى مروان، ولم يكن من أهل الولاية، قلنا: "مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وغيرهم، أما الصحابة فإن "سهل بن سعد الساعدي" روى عنه، وأما التابعون فروى عنه "عروة بن الزبير" و"علي بن الحسن"، أثبت ذلك "ابن عبد البر" في "الاستيعاب"، وأما فقهاء الأمصار فإنهم يعظمونه ويعتبرون إمارته وينقادون إلى روايته، قال "أبو بكر ابن العربي" في "العواصم": "وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم".
ومنها قولهم: عزل "أبا موسى" عن "البصرة" وولي "عبد الله بن عامر"، ابن خالة عثمان، قلنا: "إنَّ عزله لأبي موسى لاختلاف الجند عليه جند البصرة
(12/ 2/166)

والكوفة، وولى عبد الله لأنه ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسمها "أم حكيم"، وأي حرج على الحاكم أن يولي أخاه أو قريبه ولاية هو لها أهل، وإنما ينكر من ذلك ما كان عن غير أهلية"، قال "ابن عبد البر": "لم يختلفوا أن "عبد الله بن عامر" افتتح أطراف "فارس" كلها و"عامة خراسان" و"أصبهان" و"حلوان" و"كرمان"، وهو الذي شق نهر البصرة".
ومنها قولهم: كان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا، وأعطى لمروان خمس "أفريقية"، قلنا: "هذه دعاوي باطلة ينسجها الَحسَدَةُ على منوال أغراضهم، فاضرب أيها المستبرئ لدينه عن سماعها صفحاً"، وأما ما يضعونه في قصة قتله من تلويث جانب الصحابة بدمه، فقد قال فيه "صاحب العواصم": "قد انتدب المردة الجهلة إلى أن يقولوا: "أن كل فاضل من الصحابة كان عليه شاغباً، وبما جرى عليه راضياً، واخترعوا كتاباً فيه فصاحة وأمثال كتب "عثمان " بها إلى "علي" مستصرخاً، وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين، وإن الصحابة براء من دمه بأجمعهم"، وقال في "العارضة": "ولقد قُتل عثمان، وطالبوه أربعة آلاف، وفي المدينة أربعون ألفاً كلهم لا يريد قتله ويريد نصره، لكنه استسلم للأمر ولم يرض أن يراق بسببه دم، ورضي أن يكون عند الله المظلوم ولا يكون عند الله الظالم" اه.
وجاء "زيد بن ثابت" فقال له: "إن هؤلاء الأنصار بالباب، يقولون: إن شئت كنَّا أنصار الله مرتين"، قال: "لا حاجة لي في ذلك"، فسلموا له رأيه في إسلام نفسه. فاربأ أيها العاقل بنفسك الزكية من أن يعلق بها ما يلصقه المؤرخون بالصحابة، مما يثلم شيئاً من عدالتهم، وجنِّبْ اعتقاداتك الصحيحة
(12/ 2/167)

من أن تختلط بغثَّه، فإنَّا لم نجد من ذلك النوع ما رواه عدل ضابط عن مثله، ولولا خشية الاغترار بما سُودت به الصحائف التي لا تمحص الصحيح من المريض، لما عرَّجنا على الخوض في مثل هذا، وما توفيقي إلا بالله.
(12/ 2/168)

الأسئلة والأجوبة
- عقدة نكاح بين ذمييِّن بشهادة مسلمين.
- كتابة القرآن بلفظه العربي بالأحرف الفرنسية.
- أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان.
- هل صوت المرأة عورة؟
- جواز الاقتباس من القرآن في المقالات.
- قصة رتن الهندي.
- تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه.
- الطب النبوي.
- تلقين الميت لا إله إلا الله.
- الاستخارة بالقرآن.
- فتوى ابن العربي.
- وصول ثواب الذِّكر للميت.
- الخطبة الثانية في الجمعة.
- دخول ولد الزِّنى للجنَّة.
- كيف التخلص من البدع؟
- الرؤيا والحكم الشرعي.
- جوائز التفوق في المسائل العلمية.
- إجزاء إخراج القيمة من الزكاة.
- حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر.
- الصوم بخبر السلك البرقي.
(12/ 2/169)

عقد نكاح بين ذميين بشهادة مسلمين (1)
سؤال:
ورد إلينا سؤال من بعض الفضلاء وهو: اطلعت في "تاريخ الدولتين" "للزركشي" على ما نصه: شوور "القاضي أبو علي" في عقدة نكاح بين ذمييِّن بشهادة المسلمين فأباحه، فسمع قاضي الجماعة فأنكره، فوجه قاضي الأنكحة هذا لعدول "تونس"، وأمرهم بالشهادة فيه، وأَلَّف كتاباً في إباحة الحكم بينهم والشهادة عليهم وفي أنكحتهم، وسمّاه "إدراك الصواب في أنكحة أهل الكتاب" وألَّف قاضي الجماعة كتاباً على صحة قوله، ذكر ذلك "ابن عبد السلام" عنهما، قال "ابن عرفة": "قلت لابن عبد السلام ما الصواب عندك؟ " قال: "المنع، لأنهم لا يتحفظون في أنكحتهم". قال ابن عرفة: "والصواب عندي الجواز، لأنا لا نطالبهم بما يجوز عندنا شرعاً ولا تضرنا مخالفتهم في ذلك، نقله السلاوي" اه.
المطلوب بيان ما يتحرر لديكم في المسألة من كتب أهل المذهب.
جواب:
أنكحة أهل الذِّمة إذا استوفت شروط النكاح المقررة في شريعتنا، كانت
__________
(1) العدد السابع - المصادر في غرة ربيع الثاني 1322
(12/ 2/171)

صحيحة على ما ذهب إليه القرافي، واعتمده المحققون من أهل المذهب، وعليه فإذا تحقق المسلم استكمالها لشروطها الشرعية جازت شهادته عليها، ومدرك الجواز هو أن هذه الشهادة تدفع عنهم ضرراً وتحفظ لهم حقاً من حقوقهم، ومثل ذلك مما يزيدهم شعوراً بكمال الدين، ويغرس في صدرهم حرمته ومودته، وعسى أن يثمر ذلك استمالتهم إلى جميع أحكامه العالية، ويمنع الذهاب معهم إلى ديارهم وفاقاً لما قاله "البرزلي" احتياطاً للعزّة وسد لذرائع الإهانة إذ في التردد على الديار خفض لشيء من جناح الذل.
وأما إذا صدرت أنكحتهم عن غير الأوضاع الشرعية، كانت غير صحيحة عندنا، فيتعين وقتئذ المنع من الشهادة عليها للقاعدة المقررة، وهو أنه لا يسوغ لأحد أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه، ولذلك يعاقب شاهدي نكاح السر.
وسرُّ هذا الأصل أن الشهادة على العقدة إعانة على إيجاد آثارها المترتبة عليها، وفساد العقدة يستلزم بطلان آثارها, ولا يستباح للإنسان أن يعين على شيء يعتقد أنه باطل، لقاعدة أن "إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبِّب".
(12/ 2/172)

كتابة القرآن بلفظه العربي بالأحرف الفرنسية (1)
سؤال:
طلب مني بعض الأوروباويين ممن لا يحسنون القراءة والنطق باللغة العربية، ودخل في الديانة السمحاء، أن أكتب له بعض سور من كلام الله تعالى بلفظها العربي والأحرف الفرنساوية "لاتينية"، ليمكن له حفظها وقراءتها وقت أدائه فريضة الصلاة، حيث يعسر عليه الاجتماع بمن يلقنه ذلك مشافهة، وبما كنّا نجهل الحكم في ذلك، نرجو من كمالكم إرشادنا لما تقتضيه أحكام الشريعة الإِسلامية من الجواز والمنع، والله يحرسكم ويُكثِر من أمثالكم.
جواب:
إن القرآن يشتمل على أحرف لا يوجد في القلم الفرنسوي أشكال تدل عليها، مثل "ح خ ذ ث ط ض ص ع غ ق"، فالآيات التي تضمنت بعض هذه الأحرف تمتنع كتابتها بالقلم الفرنسوي قطعاً؛ لأن الكاتب إما أن يترك تلك الأحرف أصلاً، أو يرسمها بأشكال أحرف أخرى، كوضع الهاء موضع الحاء، أو السين موضع الصاد، والأول نقص والثاني تبديل، وما كان لنا أن نحذف منه ولا أن نبدّله من تلقاء أنفسنا.
__________
(1) العدد الثامن - الصادر في 16 ربيع الثاني 1322
(12/ 2/173)

نعم. لو أمكن وضع أشكال باصطلاح جديد، تدل على معاني الأحرف التي سردناها، بحيث يتوصل من كتبت له إلى معرفتها وكيفية النطق بها على أصلها, لم يمتنع مراعاة للضرورة التي تضمنها السؤال، كما أنه لو فرض وجود آية وجميع أحرفها له أشكال فرنسوية بأن تكون خالية من الأحرف المسرودة أولاً، لجازت كتابتها بها، وتكون تلك الأشكال المصطلح عليها وأشكال الأحرف الفرنسوية تفسيراً، أي علامات على ما هو القرآن، وُيلوِّح إلى ذلك قول القرافي: "فلو كتب بالعجمي جاز مسّه للمحدث لأنه تفسير للقرآن لا قرآن".
(12/ 2/174)

أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان (1)
سؤال:
أورد بعض الفقهاء أحاديث في صلاة ليلة النصف من شعبان وفضلها، ونسبها بعضهم إلى الضعف، فنطلب الجواب بما يصح عندكم في ذلك.
جواب:
أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان منها ما أخرجه "البيهقي" في "شعب الإيمان"، ومنها ما أخرجه "أحمد" في "مسنده"، قال الحفّاظ: "وأمثل ما ورد فيها الحديث الذي يتضمن أن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب"، فقد أخرجه "ابن ماجه" في "سننه"، و"ابن حبان" في "صحيحه"، ولكن ضعفه "الإِمام البخاري"، قال "ابن العربي" في "العارضة": "وطعن فيه البخاري من وجهين، أحدهما أنه مقطوع في موضعين من سنده، والثاني أن "الحجاج" الذي هو أحد رواته ليس بحجة، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماع هذا الحديث" اه.
وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3}: ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو
__________
(1) العدد العاشر - الصادر في 16 جمادى الأولى 1322.
(12/ 2/175)

باطل، إن الله قال في كتابه الصادق القاطع {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيَّن من زمانه الليل ها هنا بقوله: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوَّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تتعدى إليها" اه.
وأما أحاديث فضل الصلاة فيها، فمنها الحديث الوارد في فضل صلاة مائة ركعة، وقال في حقه "ابن الجوزي": "جمهور رواته مجاهيل وفيهم ضعفاء"، ومنها الحديث الوارد في فضل أربعة عشر ركعة وفيه قال "السيوطي": "أخرجه البيهقي في الشعب، ويشبه أن يكون موضوعاً"، ومنها الحديث الوارد في فضل اثنتي عشرة ركعة وقال "ابن الجوزي": "في رواته مجاهيل أيضاً"، وقال "الحافظ ابن الجزري": "وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح وسندها موضوع" اه.
هذا وممن بالغ في إنكار هذه الصلوات "أبو بكر الطرطوشي" و"أبو بكر بن العربي" من المالكية، و"النووي" و"ابن عبد السلام" من الشافعية، وقال النووي: "لا يغتر بذكرها في الأحياء والقوت فالعلم حجّة".
(12/ 2/176)

هل صوت المرأة عورة؟ (1)
سؤال:
حضرة الأستاذ النحرير دام كماله، بعد أداء التحية اللائقة بجنابكم، فإني أسترشد حضرتكم فيما يختلج في ضميري من المسائل التي فيها شيء من الالتباس معتمداً على مكارم أخلاقكم واتساع دائرة نطاقكم، فأقول:
"قد تقرر في كتب الفقه، أن صوت المرأة عورة، وعليه فلا يمكن لها أن تسمعه لغير المحرم لها، وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خُذوا نِصف دِينَكم عَن هاتِهِ الحُميراء" وعنى بذلك "السيدة عائشة رضي الله عنها"، كما ورد أيضاً من أنه عليه الصلاة والسلام، لما قَدِمَ "ليثرب" ومرَّ علي بنات النجار حيينه بألحان وأناشيد منها قولهنَّ "أقبل البدرُ علينا" إلخ. ولم ينكر عليهن ذلك، وأقرهنَّ عليه مع أن الأناشيد لا تكون إلا بصوت عال، وأيضاً فكيف للنسوة إسماع العدول فيما تدعُ إليه الحاجة من المعاملات؟ " نرجو الجواب أدام الله مقامكم العلمي محفوفاً بالإجلال، وأيد سعادتكم مقرونة بكل كمال. جواب:
إسماع المرأة صوتها للأجنبي وسماعه منها إن ترتبت عنه مصلحة،
__________
(1) العدد الحادي عشر - الصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/177)

كالتعليم والشهادة والإشهاد والبيع والشراء وسائر المعاملات الشرعية، جاز بلا خلاف، ومن أدلته خطاب النساء الأجنبيات واسترشادهن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمحضر الصحابة، ورواية الصحابة عن أمهات المؤمنين وغيرهن، وإن كان مما ينشأ عنه مفسدة في الأغلب، كالغناء والتكلم بما فيه تعريض بالفواحش أو تمطيط وتكسير وتشويق، حُرم قطعاً إذ لا مرية أنه مما يُهيِّج النفوس، ويثير هواها ويحرك الساكن من شهواتها الزائغة، ومن القواعد التي بنيت عليها أحكام الشريعة المطهرة، قطع الوسائل التي تجر إلى المفاسد في الغالب بمنع سائر المكلفين من التلبس بها، وقال تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [الأحزاب: 32] أي ليكن قولكنَّ جزلاً وكلامكنَّ فصلاً ولا يكن على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع.
ولا يرد على هذا حديث الجاريتين المغنيتين في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقرهما على ذلك؛ لأن غناءهما ليس من النوع الذي أشرنا إليه، المقول فيه الغناء رقية الزنى، ألا يرى إلى قول "عائشة - رضي الله عنها -" وليستا بمغنيتين، أي ليستا ممن يحسن الغناء الذي فيه التمطيط والتكسير، وإنما سمَّت ما صدر منهما غناء على عادة العرب في تسميتها لرفع الصوت غناء، ولو لم يكن بترنم، كما أنه لم يكن في التشبيب بأهل الجمال، وإنما كان في الحرب والشجاعة والتفاخر بالظهور الذي يبث في جأش سامعه قوة وإقداماً مع أمن الافتتان بهما وقتئذ، ومثله حديث بنات النجار الذي تضمنه السؤال، على أن الوارد فيه عن "عائشة - رضي الله عنها -"، لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: "طلع البدر علينا" ... إلخ.
نعم يكره للمرأة رفع صوتها في المواطن التي يستغنى فيها عن ذلك،
(12/ 2/178)

ولا تدعوها إليه حاجة خشية الفتنة، ولندورها هنا وضعفها عما يهيجه الغناء المحرم والكلام المرخم المتكسر فيه لم يبلغ به إلى التحريم على ما اعتمده في الشامل، ورفع المرأة صوتها لا سيما مع تكرره مما ينخرق به حجاب الحياء الذي هو شعار الصيانة ودثارها، وقد فُسِّر القول المعروف في قوله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] بالكَلامِ المُنْخَفِض، قال "ابن العربي" في "الأحكام": "قيل القول المعروف هو المفسِّر بأن المرأة مأمورة بحفظ الكلام"، فتلخص: أن معنى قول الفقهاء صوت المرأة عورة، أنها مطالبة بستره إلا لحاجة تدعو إليه خشية الافتتان.
(12/ 2/179)

جواز الاقتباس من القرآن في المقالات (1)
سؤال:
رأيناكم كثيراً ما تقتبسون من القرآن في مقالاتكم فهل يجوز ذلك؟
جواب:
نعم، ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وقد ألَّف في جوازه قديماً "أبو عبيد القاسم ابن سلام" كتاباً، جمع فيه للصحابة والتابعين من ذلك بالأسانيد المتصلة إليهم، وألَّف فيه من المتأخرين "الشيخ داود الشاذلي" كراسة قال فيها: "لا خلاف بين الشافعية والمالكية في جوازه"، ونقله عن "عياض" و"الباقلاني"، وقال: "كفى بهما حجة"، غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة، وروى "الخطيب البغدادي" وغيره بالإسناد عن "مالك" أنه كان يستعمله فما ينقله بعضهم من أن مذهب مالك تحريمه غير صحيح، نعم هو محرَّم في المجون والخلاعة وهزل الفساق وشَرَبة الخمر ولا ينبغي أن يختلف في ذلك.
* * *
__________
(1) العدد الحادي عشر - الصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/180)

قصة رتن الهندي (1)
سؤال:
ذكر بعضهم قصة "رتن الهندي" التي تتضمن صحبته وطول عمره، فهل ما ذكره هذا البعض صحيح أم لا؟
جواب:
المحققون على أنها باطلة غير صحيحة، قال "الذهبي" في "الميزان": "رتن الهندي وما أدراك مارتَّن؟ شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون، وقد ألفت في أمره جزءاً، وقد قيل: إنه مات سنة اثنين وثلاثين وستمائة، ومع كونه كذاباً فقد كذبوا عليه جملة كثيرة من أسمج الكذب والمحال". قال "ابن حجر" في "اللسان": "قد وقفت على الجزء الذي ألَّفه الذهبي، ومما نقله منه قوله: أن هم الناس ودواعيهم متوفرة على نوادر الأخبار، فأين كان الهندي في هذه الستمائة سنة، أما كان من قرب بلدة، إنه يتسامع به ويرحل إليه، أين كان لما فتح "محمود بن سبكتكين" "الهند" في المائة الرابعة"
وقد صنفوا سيرته وفتوحه، ولم يتعرض أحد من أهل ذلك العصر لذكر
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/181)

هذا الهندي، ثم اتسعت الفتوح والهندي ولم يسمع له بذكر في الرابعة ولا فيما بعدها، بل تطاولت الأعمار إلى عام ستمائة، ولم تنطبق بذكره رسالة ولا عرَّج على أحواله تاريخ، ولا نقل وجوده جوّال ولا رحّال ولا تاجر سفّار، ولعمري ما يصدق بصحبة رتن إلا من يؤمن برجعة عليّ أو بوجود "محمد بن الحسن" في "السودان"، وهؤلاء لا يؤثر فيهم علاج، وقد اتفق أهل الحديث على أن آخر من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّة "أبو الطفل عامر بن واثلة"، وثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قبل موته بشهر أو نحوه "أَرأَيتُكمْ لَيْلتكم هذهِ فإن على رأْس مائة سنَة مِنْها لا يَبْقى على وجهِ الأَرض ممَّنْ هوَ اليَوم علَيْها أَحدٌ"، فانقطع المقال، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
وممَّن ذكر قصته "الصلاح الصفدي" في "تذكرته"، ثم قواها وأنكر على من ينكرها، وعوَّل في ذلك على الإمكان العقلي، وردَّ عليه "القاضي برهان الدِّين ابن جماعة"، بأن المعول في ذلك إنما هو النقل، وليس كل ما يجوِّزه العقل يستلزم الوقوع، ثم قال "ابن حجر": "والذي يظهر أنه كان طال عمره فادعى ما ادعى، وتمادى على ذلك حتى اشتهر، ولو كان صادقاً لاشتهر في المائة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ولكنه لم ينقل عنه شيء إلا في أواخر المائة السادسة ثم في أوائل المائة السابعة قبيل وفاته".
(12/ 2/182)

تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه (1)
سؤال:
هل ورد شيء في تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه؟
جواب:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقدم على اسم المكتوب إليه، فمن فعل ذلك بقصد الاقتداء فنعما هو، وكنت اطلعت على كلام "لابن رشد" في "جامع البيان والتحصيل" ينطبق على ما هو الجاري الآن في المكاتبات، وهو: قال "القاضي أبو الوليد": "أنكر مالك الحديث الذي ذُكر له أنه جاء في أن يبدأ الرجل إذا كتب إلى أخيه باسمه قبل اسم أخيه، ورأى أن التزام ذلك على كل حال كان أخوه أصغر منه أو أكبر ليس على ما ينبغي، والاختيار عنده إذا كاتب إلى أخيه وهو أصغر منه أن يبدأ في الكتاب فيقول في الكتاب إليه، من فلان بن فلان، فإذا قدمه على نفسه لكونه أهلاً لذلك لدينه أو لفضله لا لغرض من أغراض الدنيا فلا بأس بذلك".
وفيه وإن كتب الرجل إلى من هو دونه في السن والفضل، فبدأه على نفسه تواضعاً لله ومخافة أن يكون عند الله أفضل منه فقد أحسن، وفي موضع
__________
(1) العدد الحادي عشر - الصادر في غرة جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/183)

آخر قال: "حدَّثني مالك أن رجلاً أتى عائشة - رضي الله عنها -، فسألها الكتاب إلى زياد، فكتبت إليه وبدأت باسمها، فسألها الرجل أن تبتدئ باسم زياد فإنه أقضى للحاجة، ففعلت وبدأت باسمه".
(12/ 2/184)

الطب النبوي (1)
سؤال:
جوابكم الشافي في مسألة الطب أهي من المشروعيات أم من العاديات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات على ما قاله بعض العلماء، ودليلهم قوله - صلى الله عليه وسلم - في واقعة تلقيح النخيل: "أَنْتمْ أَعلَمُ بأُمور دُنْياكمْ" وهذا يدلُّ صراحة على أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أُرسل ليعلم الناس الشرائع كما تقدم.
وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر عدَّة أنفار من الصحابة - رضي الله عنهم - بالتَّداوي بأدوية مخصوصة، كأمره المبطون أكل العسل وغير ذلك، وهاته الأدوية ليست مركبة على قواعد طبيعية على ما قاله الأطباء.
جواب:
كان للعرب معرفة بشيء من علم الطب غير مبنية على علوم الطبيعة التي يقررها حكماء الفلاسفة، بل مأخوذة من تجاريب الأُميِّين، والأحاديث التي جاءت في التعريف ببعض الأدوية واردة على هذا المساق، وهي صادقة مطابقة لقواعد حفظ الصحة عند من يحقق النظر في فهمها بتقييدها وتخصيصها، وفي
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/185)

تطبيقها على الأمراض بحسب الاختلاف في السنن والزمان والعادة والهوى، فإن الأطباء مجمعون على أن العلة المعينة يختلف علاجها بحسب الاختلاف في ذلك، ويكفي في صدقها تحقق الشفاء بها في الجملة، فالنبي - عليه الصلاة والسلام - بُعث لتعليم الشرائع، ولكنه إن صدر منه في غيرها قول كأحاديث الطب، كان بمنزلة الشرعيات عندنا لا نرتاب في صحته وإن ارتاب المبطلون.
أما واقعة تلقيح النخل، فقد بيَّن - عليه الصلاة والسلام - من أول الأمر أن قوله: "لو لمْ تَفعلُوا لصلحَ" إنما هو بمقتضى الظن بقوله: "ما أظن ذلك يغني شيئاً"، فهو بمثابة قوله "أظن أنكم لو لم تفعلوا لصلح"؛ لأن اعتقاد سببية أمر لحصول آخر يكون لإعلام من الشارع ولم يقع هنا أو بالتجربة، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يمارس الفلاحة لاستغراقه فيما هو أشرف مكانة وأعم فائدة للأمة، فرجع إلى ما هو الأصل، وهو أن لا تأثير إلا لله، وعندما تبين له بالتجربة أن التلقيح سبب في صلاح الثمر، قال لهم: "أَنْتم أَعلمُ بأمرِ دنياكم" فالأمر في هذه الجملة يصرف إلى الأمور التي لم يتكلم فيها بصورة جزم كواقعة التلقيح، فتخرج أحاديث الطب فإنها أوامر وأخبار لم تعلق بظن، فلا يسعنا إلا التصديق بصحتها تصديقاً لا ينقض ميثاقه تشكيكات المتطببين، فإنهم يختلفون اختلافاً كثيراً.
(12/ 2/186)

تلقين الميت لا إله إلا الله (1)
سؤال:
اطلعت في الجزء الثالث من "نفح الطيب" على ما نصه: "شهدت مجلساً آخر عند هذا السلطان "ابن تاشفين عبد الرحمن بن أبي حم" قُرئ فيه على "أبي زيد الإِمام" حديث "لَقِنوا مَوْتاكم لا إله إلا الله" في صحيح مسلم"، فقال له الأستاذ "أبو إسحاق ابن حكم السلاي": "هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازاً، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل الحقيقة؟! " فأجابه "أبو زيد" بجواب لم يقنعه"، وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح: فقلت: "زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال مختلفاً فيه في الماضي إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً إجماعاً، وعلى هذا التقرير لا مجاز فلا سؤال"، فالمراد منكم بيان أن هذا الجواب صحيح أم لا؟
جواب:
كلام "القرافي" لا يصح تطبيقه على الحديث الشريف، وإيضاح ذلك أن قول القرافي "أما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقةٌ مطلقاً" معناه أنه لا يشترط
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/187)

في إطلاق اللفظ المشتق على الذات حصول معناه فيها عند النطق وهو زمن الحكم، ولكن لا بد من شرطية حصول معنى المشتق عند تعلق الحكم به، فنحو أكرمْ العالم، يصدق على من سيكون عالماً في المستقبل حقيقة، ولكن لا بد من حصول العلم فيه عند تعلق الحكم به وهو الإكرام، ولو أبقينا كلامه على إطلاقه للزم عليه أن قول القائل: أكرمْ القائم مثلاً يقتضي إكرام المجالس الذي سيقوم لأنه يقال فيه قائم حقيقة وهو باطل بالضرورة، وإذا أجرينا الحديث على هذا التحقيق، يتضح لنا أن التلقين الذي هو الحكم لا يقع إلا إذا حصل المعنى الذي يقوم بمتعلقه وهو الموت، ومن ثم جاء الإشكال فيتعين العمل على المجاز، وله نكتتان: إحداهما ما قررها المقري بعد، وهي الإشارة إلى أن التلقين يكون عند ظهور العلامات التي يعقبها الموت, لأن التلقين قبل ذلك يُدهش ويُوحش. ثانيها أن ذلك من الإيماء إلى علة الحكم، والإشارة إلى وقت نفع تلك الكلمة النفع التام وهو الموت عليها، أي لقنوهم إياها ليموتوا عليها.
(12/ 2/188)

الاستخارة بالقرآن (1)
سؤال:
هل تجوز الاستخارة بالقرآن أو لا؟
جواب:
الاستخارة من القرآن والاستفتاح به بدعة لم ينقل فعلها عن السلف، والأثر الذي ينسبونه إلى "سيدنا علي بن أبي طالب" غير صحيح، وقد صرح "أبو بكر الطرطوشي" بالمنع، ورأى أنه من الأزلام، وجزم بذلك المنع تلميذه "أبو بكر بن العربي" وأشار إلى وجه المنع في الأحكام بقوله: "إنّ المصحف لم يُبيَّن ليعلم به الغيب إنما بُيِّنت آياته ورُسمت كلماته ليُمنَع عن الغيب، فلا تشتغلوا به ولا يتعرض أحدكم له"، ولقد أغنانا الله تعالى بالاستخارة النبوية عن سائر الاستخارات التي لم يثبت فعلها عن الصدر الأول.
* * *
__________
(1) العدد الثاني عشر - الصادر في 16 جمادى الثانية 1322.
(12/ 2/189)

فتوى ابن العربي (1)
سؤال:
المرجو من أستاذنا الشيخ صاحب السعادة، أن يفصح لنا عن رأيه في فتوى الإِمام "أبي بكر بن العربي" بجواز أكل ما يخنقه الكتابي أو يحطم رأسه من الحيوان بنية الذكاة، ورجاؤنا أن يكون جوابكم مقصوراً على البحث في المسألة من جهة أدلتها الأصولية رداً أو تأييداً.
جواب:
ما يذكيه الكتابي بالخنق وحطم الرأس، أفتى "ابن العربي" بإباحة أكله، ونص هاته الفتوى من "الأحكام": "ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاماً؟ فقلت تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا, ولكن الله أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكاً في الصلح فيحل لنا وطؤهم، فكيف لا نأكل ذبائحهم والأكل دون الوطئ في الحل والحرمة؟ " اه.
وقال قبل هذا ما نصه: "فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق
__________
(1) العدد الثالث عشر - الصادر في غرة رجب الأصب 1322
(12/ 2/190)

وحطم الرأس، فالجواب إن هذه ميتة وهي حرام بالنص، فإن أكلوها لا نأكلها نحن، كالخنزير والميتة فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا فهذا مثله" اه.
فانعقد بين كلاميه تعارض بحسب الظاهر، وجمع بينهما "ابن عرفة" بأن الأول فيما إذا نوى بذلك الذكاة، والثاني فيما إذا لم ينو ذلك، وأيَّد هذه الفتوى "أبو عبد الله الحفار" بما خلاصته: "ولا يشترط أن تكون ذكاتهم كذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى وذلك رخصة من الله، وإذا كانت الذكاة تختلف في شريعتنا فتكون ذبحاً في بعض الحيوانات ونحراً في بعض وقطع رأس وشبهه كما هي ذكاة الجراد أو وضع في ماء حار، فكذلك قد يكون شرع في غير ملتنا سلّ عنق الحيوان على وجه الذكاة، ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك بل إذا رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك أكلنا" اه.
ونقلها جماعة من فقهائنا, ولم يتصرفوا فيها بشيء، وقامت في وجهها طائفة بالإنكار وإن لم يطعنوا في نحرها بما يزحزحها عن موقف التمكن بحسب الدليل سوى "الشيخ ابن عرفة"، ونص ما في التفسير المنسوب إليه عند الآية المصدر بها، "أخذ من هذا "ابن العربي" جواز أكل المسلم من الدجاجة التي فكَّ النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه وأطعمه معه لأنها من طعامه، وردّه "ابن عرفة" بأنه ليس من طعامكم الفعلي الوجودي، بل طعامهم الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذاً في شرعهم محرم عليهم" اه. وقريب منه كلام "ابن عبد السلام "، ورد "ابن ناجي" كلام الشيخين "بأنه مبني على أنه وقع التبديل في شرعهم وليس كذلك" اه.
وكأني بك لأن كنت لا ترضى إلا بالنفوذ في أعماق الاستدلالات، تورد
(12/ 2/191)

على قول الإِمام، وهو إذاً في شرعهم محرم عليهم إن هذا عبارة أو في مما بنيت عليه؛ لأن قصارى ما يقتضيه التبديل التوقف في أفعالهم لا الحكم عليها بأنها محرمة، وسيأتيك أن اقتضاء التبديل للتوقف غير كاف في الرد، ثم نلتفت إلى قول "ابن ناجي" "وليس كذلك" فنقول له: "كلا بل إن ذلك كان كذلك"، وقد كشف الغشاوة عن ذلك الوقوع صاحب "إظهار الحق" و"الشيخ الألوسي" في "تفسيره".
هذا وممن رام إماطة مدرك هاته الفتوى عن طريق الاعتماد "أبو عبد الله الرهوني"، ففوَّق لها من كنانته سهمين، ولكنهما لم ينبعثا لها على خط مستقيم، ويكاد أولهما يتحد بما رماها به الشيخان، ونصه بعد نقل الفتوى وتأييدها قوله: "إنه يقبل قول أحبارهم ورهبانهم أنَّ ذلك حلال عندهم ويصدقون فيه"، إذ كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرّفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة النبوية، وقد ثبت في أصح الصحيح كذبهم بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ما مرة، وتوقعهم تكذيب الله إياهم بإعلامه نبيه بذلك، فلم يخشوا الفضيحة مع وقوع تكذيبهم ثم يعترفون، فكيف بغير النبي - صلى الله عليه وسلم -, وفي أصح الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُصَدِقوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِبوهمْ" الحديث، فتصديقهم فيما ذكر مخالف للأدلة والقواعد، الثاني على تسليم تصديقهم تسليماً جدلياً فلا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة والمسلولة العنق حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فُرق به من أن الله كذبهم في حليتها فليس في الآيات ولا في الأحاديث شيء من ذلك، وإن عني أن الله كذَّبهم بقوله: {حُرِّمَتْ} [المائدة: 3] الآية، فهذه مصادرة لأن الله كذَّبهم فيما زعم أنهم
(12/ 2/192)

مصدقون فيه لأنها منخنقة أو موقودة، وقد ذكر الله حرمة كل منهما في الآية نفسها، وقد قال "ابن العربي، نفسه في "الأحكام": "والمنخنقة هي التي تخنق بحبل قصداً أو بغير قصد أو بغير حبل".
فأما أن يحمل "ابن العربي" قوله تعال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] على ظاهره فيدخل فيه الميتة والخنزير وما ذكر معهما، وإما أن يقصر على غير ذلك كله، وقصره على بعض دون بعض عمل باليد ودعوى لا دليل عليها، ولعلك لم تزل متذكراً ما فاتحك به الاستدراك في قولنا: "ولكنهما لم ينبعث إلخ"، فنقول: "يمكن رد الوجه الأول بأن وقوع التبديل والتحريف لا يقضي بتكذيبهم في غير ما لم يكذبهم فيه الوحي، كما هو صريح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُصَدِقوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِبُوهمْ" وعليه فنتوقف في تناول ما ذكي بغير ذكاتنا، إلا أن الشارع لما أباح طعامهم مطلقاً بشبهة ما معهم من الكتاب وهو أعلم بما يفعلون، اندرج فيه ذلك فيكون هذا العموم متضمناً لتصديقهم في حلية ما يأكلونه فيباح لنا، إلا ما نص على تحريمه علينا بالخصوص كالخنزير والميتة".
ويرد قوله في الوجه الثاني "ولا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة والموقوذة حلال عندهم وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم" بأن "ابن العربي" صرَّح بأنهم مصدّقون بأن الميتة والخنزير حلال عندهم أيضاً، حيث قال: "كالخنزير والميتة فإنه حلال لهم ومن طعامهم"، وقوله: "وما فُرِّق به من أن الله كذَّبهم في حليتها فليس في الأحاديث ولا في الآيات شيء من ذلك" مردود بأنه لم يعن بما كذَّبهم الله فيه الميتة والخنزير، إذ هو خلاف قوله: "كالميتة والخنزير فإنه حلال لهم"، بل أراد بذلك الربا ونحوه، كاليهودي
(12/ 2/193)

يستحل الربا قال تعالى: نساء: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161]. وقوله: "وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام، والمنخنقة هي التي تخنق بحبل قصدًا" إلخ. يجاب عنه بأن يحمل ذلك على ما خنقت بقصد إزهاق روحها، فلا يشمل تعريفه ما خنقت على وجه الذكاة، وقوله: "فأما أن يحمل ابن العربي وطعام الذين أوتوا الكتاب على ظاهره فيدخل فيه الميتة" إلخ. يدفع بأن الميتة والخنزير قد حرمهما الله بالخصوص، فلا ترتفع الحرمة عنها إلّا بنص خاص.
وأما ما خنق أو حطم رأسه بنية الذكاة فليس بمحرَّم، إذ ليس هو من مشمولات آية والمنخنقة والموقوذة عند ابن العربي، ولكن يقال له: بأي دليل لم تره داخلاً في قوله والمنخنقة والموقوذة وأدرجته تحت عموم وطعام الذين ... الآية، ومن هنا نتخلص إلى منزع أصولي:
وهو أن ما ذكاه أهل الكتاب بالخنق وحطم الرأس أحلَّه قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] وحرمه قوله: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] لما بين الآيتين من العموم والخصوص الوجهي، فذلك المذكى هو محل الاجتماع، وتنفرد الأولى بالذبائح والثانية بما لم تقصد ذكاته، والمرجع عند تعارض مثل هذين الأصلين إلى ما يرجح أحدهما عن الآخر بالنسبة لما وقع فيه التعارض، ولنا في ذلك لفتتان،
أولاهما إلى طريق العموم من حيث الدلالة، فيترجح مذهب "ابن العربي" بناء على ما للإمام في المحصول من أن الإضافة أدل على العموم من اللام، وإما على ما نص عليه جماعة من التسوية بينهما فلا ترجيح.
وأما الترجيح بدليل آخر وهو اللفتة الثانية فللنظر فيه شعب، منهما أن
(12/ 2/194)

العموم في آية {وَطَعَامُ الَّذِينَ} [المائدة: 5] مخصوص بالميتة والدم ولحم الخنزير قطعاً، بخلاف عموم آية {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] فإنا لا نعلم له مخصصاً، والعام الذي لم يدخله تخصيص أقوى في الدلالة مما دخله التخصيص، وعليه فيترجح القول بالتحريم هذا على ما لجمهور الأصوليين، وأما على رأي "ابن السبكي" من أن المخصوص أقوى فيترجح مذهب "ابن العربي"،
ثانيها أن الآية الأولى للإباحة والثانية للحظر ودليل الحظر مقدم على دليل الإباحة، وهو مذهب "الأبهري" من أصحابنا، وعزاه "التفتزاني" في "حواشيه على ابن الحاجب" إلى الجمهور، ووجهه بأن مخالفة المحظور توجب الإثم بخلاف المباح فكان أولى للاحتياط، وأيد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "دع مَا يُريبُكَ إلى مَا لا يُريبُكَ".
ووجَّهه غيره بأن النهي يعتمد درء المفسدة، وقد قُدِّم على الأمر المتضمن لجلب المصلحة، فلأن يقدم على ما عرى عن ذلك أولى.
نعم يترجح مذهب "ابن العربي" بناء على ما ذهب إليه "أبو الفرج" وغيره من تقديم دليل الإباحة، وأما على ما رجّحه في "المستصفى" وصحّحه "الباجي" في "المنهاج" من التسوية بينهما فلا ترجيح، ولكن مذهب "الأبهري" أقوى مدركاً وأعلى نظراً، ومما يدعم أصل الحرمة دليل الخطاب في قوله تعالى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] على أن الاستثناء منقطع، فإن مفهومه أن ما ذكّاه غيرنا كالكتابي لا يباح، لكن ما كانت ذكاته موافقة لذكاتنا قد قام الدليل على إباحته، فيبقى ما عداه ممنوعاً بدلالة هذا المفهوم، ويعضده أيضاً قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] على أن الآية بيان لنا لا لهم
(12/ 2/195)

على رأي "السدي" وغيره، والمعنى كما قال "الآلوسي" "طعامهم حلٌّ لكم" إذا كان هو الطعام الذي أحللته لكم، ولذلك لو أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا هو حل الذي شريعتنا وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا كذَّبناهم، وقلنا: "إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحلُّ لنا لا غيره".
ولقائل أن يقول: "إن هذا المعنى إنما تفيده الآية لو اشتملت على طريق من طرق القصر"، فإن قيل: يؤيد أصل الحرمة أيضاً، أن الذكاة شُرعت لإخراج الفضلات، وبالخنق وحطم الرأس لا يتحقق ما شرعت لأجله، قلت: صحيح ذلك على القول به، إلا أن الراجح في المذهب أنها شرعت لإزهاق الروح بسرعة، وأما قياس "ابن العربي" أكل ذبائحهم على وطئ نسائهم، فلا يُعدُّ من فرائد بدائعه، وقد كفانا المحقق "الرهوني" مؤونته الخفيفة، فقد اتضح لك أيها الناقد البصير أن القول بالحرمة أقرب إلى الصواب وأرجح من جهة النظر.
(12/ 2/196)

وصول ثواب الذكر للميت (1)
سؤال:
سيدي الفاضل صاحب السعادة. هل ينتفع الميت بثواب الذكر والتسبيح والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أهدي ثواب ذلك إليه؟ أو هو حبس على صاحبه لا يصل للميت منه شيء، كما يشهد لذلك قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] الآية؟.
جواب:
انتفاع الميت بما ذكر في السؤال يجري فيه اختلاف الأئمة في وصول ثواب قراءة القرآن، وقد ذهبوا في ذلك مذاهب شتى وإليك خلاصتها:
فذهب "مالك" و"الشافعي" إلى أنه لا يحصل شيء من ذلك للميت، وقال "أبو حنيفة" و"أحمد بن حنبل" يصل ثواب القراءة للميت.
قال "القرافي" في "فروقه": "فمالك والشافعي - رضي الله عنهما - يحتجان بالقياس على الصلاة ونحوها مما هو فعل بدني، والأصل في الأفعال البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن الآخر ولظاهر قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] ولقوله عليه السلام: "إذا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَمَلهُ إلَّا
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/197)

مِنْ ثَلاثْ: عِلْمٌ يُنتفعُ بِهِ وَصَدقَةٌ جَارَيةٍ وَوَلَدٌ صالح يَدْعو لَه"، ثم قال: "وهذه المسألة وإن كان مختلفاً فيها فينبغي للإنسان أن لا يهملها، فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، فإن هذه أمور مغيبة عنَّا, وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في واقع هل هو كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي عادة الناس يعملونه اليوم، ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله ويُلتمس فضل الله بكل سبب ممكن".
ونصَّ "ابن رشد" في "الأجوبة"، و"ابن العربي" في "الأحكام"، على أن الميت ينتفع بالقراءة التي يُوهب له ثوابها قرئت على القبر، أو في البيت، أو في بلاد إلى بلاد، وقال "ابن الحاج" في "المدخل": "من أراد وصول قراءته بلا خلاف، فليجعل ذلك دعاء بأن يقول: (اللهم أوصل ثواب ما أقرأ إلى فلان)، فإن الدعاء متَّفق عليه". وقال "الأبيّ": "رأيت لبعضهم أن القارئ للغير، إن صرَّح أو نوى قبل قراءته للغير كان ثوابها للغير، وإن كان إنما نوى الثواب بعد القراءة فإنه لا ينتقل, لأن الثواب حصل للقارئ والثواب إذا حصل لا ينتقل"، وهذا المذهب الذي كان يختار الشيخ "أبيُّ ابن عرفة".
أما آية {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] فأجيب عنها، بأن الغير لمّا نوى ذلك الفعل له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه، فكأنه بسعيه، وأجيبُ أيضاً بأن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه من الإيمان فكأنه سعيه.
وقول الأبيُّ إن الثواب إذا حصل لا ينتقل غير ظاهر، والظاهر الذي نعتمده ونعول عليه هو الوصول والانتفاع مطلقاً، كما هو مذهب جماعة من المحققِّين.
(12/ 2/198)

الخطبة الثانية في الجمعة (1)
سؤال:
هل التزام الخطبة الثانية بعينها في كل جمعة له وجه أم لا؟
جواب:
إجراؤها مجرى الخطبة الأولى في إيرادها على حسب ما يقتضيه الحال، ويحتاج إليه في ذلك الوقت هو الأفيد للأمة والأقرب من السنة، قال الشيخ "كنون" في "حواشي المختصر" قال "ابن عاشر": "انظر من أين أخذ خطباء فاس التفريق بين الخطبة الأولى والثانية في كيفية الجهر بهما، حتى إنَّ بعضهم ربما أسرَّ في الثانية. وقال بعضهم باسرار الخطباء بأول الخطبة الثانية حتى لا يكاد الخطيب يسمع لا أصل له فهو بدعة، وكذا التزامهم للثانية لفظاً واحداً دائماً، وكذا إخلاؤها من الموعظة، فإن الجميع خارج عن عمل الماضين من السلف الصالح".
* * *
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/199)

دخول ولد الزنى للجنة (1)
سؤال:
هل يدخل الجنة ولد الزنى أو كيف الحال؟
جواب:
ولد الزنى كغيره، إن أحسن جُوزي، وإن أساء عُوقب كما "قال ابن عباس"، وحديث "لا يدخل الجنة ولد زانية" رواه "النسائي" و"ابن حبّان" و"أبو نعيم" في "الحلية"، وأعلَّه "الدارقطني" بأنه ورد من رواية "مجاهد" عن "أبي هريرة" ولم يسمع "مجاهد" منه، وأيضاً يعارضه ما رواه "الحاكم" وصححه مرفوعاً "ولدُ الزِّنى ليسَ عليه من وزر أبويه شيء"، وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ} [الأنعام: 164] الآية. وقال "ابن حجر": "واتفق العلماء على أن حديث "لا يدخلُ الجنَّة" إلخ أنه لا يُحمل على ظاهره، وفسَّروه على تقدير صحته بأن معناه إذا عَمِل بعمل والديه، أو المراد من يواظب عليه، كما يقال للشهود بنو الصحف، وللشجعان بنو الحرب".
نعم، أخرج "الإِمام أحمد" و "أبو داود" و"البيهقي" و"الحاكم" بإسناد حسن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولدُ الزّنى شرُّ الثلاثة" أي
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322
(12/ 2/200)

هو وأبواه، وهذا إنما قاله - عليه الصلاة والسلام - في رجل بعينه كان يؤذيه، وبذلك فسَّرته عائشة - رضي الله عنها - لما بلغها ما حدَّث به أبو هريرة.
روى "الحاكم" في "المستدرك" من طريق عروة أن عائشة بلغها حديث أبي هريرة فقالت: رحم الله أبا هريرة، أساء سمعاً فأساء إجابة، لم يكن الحديث هكذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: من يعذرني من فلان، فقيل: يا رسول الله إنه مع ما به ولد زنى، فقال "هو شرُّ الثلاثة" والله تعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ".
وروى "ابن ماجه" في كتاب "العتق من سننه" بلفظ: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ولد الزنى فقال: "نعلان أُجاهدُ بهما خير من أن أعتق ولد الزنى"، وهو مؤول أيضاً بالحمل على من كثر منه الزنى حتى نسب إليه، كقولهم لمن كثر منه السفر ابن السبيل، حتى لا يصادم آية {وَلَا تَزِرُ} فتبقى مطردة في سبيل عمومها.
(12/ 2/201)

كيف التخلص من البدع؟ (1)
أسئلة متعددة:
هل يخلص العبد في توحيده ومتابعته للحق وهو جاهل؟
وهل يخلص ظنّه بالله ويحسن، وهو مخلط مسيء ومتمن مغرور؟
وهل يمنح الفضل والهداية واليقين والتوفيق، وهو متلبس بالبدع المضلة؟
وهل يكون ميسر العمل البر، مشروح الصدر، كريم النفس، مع الكبر والحسد؟ وهل يحب الحق ويكره الباطل ويواسي في الله ويعادي فيه، وهو مخالط لأهل المنكر والضلال؟ وهل يصدّق ويصدْق في الحق ويعطي فرقاناً، وهو آكل حراماً أو ما فيه شبهة؟ وهل يعتقد الحق ويعمل به، وهو مع المؤولين المتعصبين المدعين الدجالين؟ وهل تيسر له التوبة النصوح، مع الإصرار والتمرد والنفاق والمداهنة؟ وهل يكون من أهل الصراط المستقيم المخبتين الخائفين الراجين المحبين أهل السبق والبشارة، وهو راكس في هواه وعوائده الطبيعية والبلدية والمذهبية والعشيرية؟ وهل يكون مختاراً مجتبى تنفعه الذكرى، ويخشى الله ويتقيه، ومتوكلاً عليه منور القلب فيُيسر للخير ويُرحم وينصح ويأمر وينهي، وُيعطي ويمنع وهو متلبس بأنواع من الفساد الظاهر والباطن، وتضييع أكثر الواجب، وارتكاب كل ما يقدر من المخالفات من كل
__________
(1) العدد الخامس عشر - الصادر في غرة شعبان الأكرم 1322
(12/ 2/202)

ما يغضب الله ويسخطه ويكرهه؟ وهل يتصور إسلام، مع نبذ الشرع والعهود والاعتداء على حدود الله، وما لا يعد ولا يحصى من التكلم بالباطل، وبكلام المردة الذي ينقض عرى الإِسلام عروة عروة من حيث لا يدري، وذكر أهل المخالفة للشرع والميل إليهم، واستحسان ما هم عليه والدعوة إليه؟ وهل من سبيل إلى النجاة من هذه الأحوال؟
جواب:
سبيل النجاة من تلك الأحوال بالنسبة للملتبس بها، هو الرجوع إلى التمسك بالكتاب والسّنة، والاقتداء بسيرة السلف الصالح، وكل ذلك لم يزل محفوظاً مذكوراً.
أما المشاهد لها، فلا يضره من ضلَّ، إذا اهتدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجد لذلك سبيلاً، وإن البدع وإن انتشرت بيننا انتشار السنن في الصدر الأول، فباضت وفرَّخت في كل ناد، وهبّت عواصفها في كل واد، لا يعسر اقتلاعها من حيث نبتت، وطيها من حيث نشرت، لو يقوم السادة العلماء يداً واحدة يستقصون آثارها، ويقرطسون فيها سهام الرد والإنكار بألسنتهم وأقلامهم الشديدة العارضة، من غير التفات إلى تفنيد وتثريب {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] , وقد جمعنا في الأسبوع الفارط محفل مبارك مع بعض المدرسين المحققين، فوقعت عينه على بعض محدثات مكروهة شرعاً، فأمر بإزالتها في الحال، فبادر أهل ذلك "المجمع إلى امتثال ما أمر به الأستاذ مع هيبة واحترام، ومثل هذا مما ينبئك على ما قذفه الله في القلوب من الانقياد والتعظيم للعلماء العاملين، وأنهم القدوة والمثال الذي ولع الناس بتقليده.
(12/ 2/203)

الرؤيا والحكم الشرعي (1)
سؤال:
من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وأمره بفعل شيء، هل يلزمه فعل ذلك الشيء، لقوله: "من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي"، أم لا؟
جواب:
الحكمة البالغة تقتضي أن تكون طرق معرفة الأحكام مضبوطة جلية، تسع مداركها كل من يحاول الوصول إليها من المكلفين لا يختص بها واحد دون آخر، ولهذا لم يعدّ الأصوليون من دلائل الفقه الإلهام ولا المرائي المنامية، وأما ما يذكره بعض العلماء من الاستدلال بالمرائي فإنما هو من باب الاستئناس والتأييد للأدلة الظاهرة.
فرؤيته - عليه الصلاة والسلام - مناماً، وإن كانت حقاً لا يقرّر بها حكم شرعي على جهة الاستقلال, لأننا نخشى أن نرى رجلاً يعمل عملاً على خلاف مما يقتضيه ظاهر الشريعة، فإذا كُلِّم في ذلك قال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرني بذلك مناماً". هذا مع عدم تحقق ضبطه للرؤيا واحتمال تأويلها على خلاف ما فهمه منها, ولذلك قال "القرافي": "لو قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرائيه في المنام امرأتك
__________
(1) العدد السادس عشر - الصادر في 16 شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/204)

طالق ثلاثاً هل يلزمه الطلاق ثلاثاً لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقاً أو لا يلزمه شيء، هو الأظهر, لأن إخباره - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة مقدم على إخباره في النوم، ولأن احتمال الغلط في ضبط المثال في النوم أرجح من الغلط في ضبط عدم الطلاق لأن هذا لا يختل إلا على النادر من الناس، وأما لمثال في النوم فلا يضبطه إلا الأفراد من الحفاظ لصفته - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بالراجح واجب".
(12/ 2/205)

جوائز التفوق في المسائل العلمية (1)
سؤال:
هل يجوز للرجل أن يُعيِّن جانباً من المال ليأخذه من فاق غيره في تحقيق مسألة علمية؟
جواب:
ورد في الشريعة جواز المسابقة على الخيل بعوض من غير المتسابقين تدريباً على الحروب وترغيباً في الأخذ بالاستعداد لها عند الحاجة، وهذه العلة يصح إجراؤها في مسألتنا، بل الترغيب في العلم والتنافس فيه أكيد، ولا سيما عند ضعف الهمم في طلبه وقلة الاعتناء به من حيث أنه فضيلة، وعليه فما يقع الآن من المناظرات لإحراز مرتب التدريس والامتحانات للفوز بجوائزها سائغة لا بأس بها.
* * *
__________
(1) العدد السادس عشر - الصادر في 16 شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/206)

إجزاء إخراج القيمة من الزكاة (1)
سؤال:
نطلب منكم أن تبينوا لنا ما هو المعتمد عليه في المذهب من إجزاء إخراج القيمة في الزكاة وعدمه.
جواب:
مشهور المذهب كما نص عليه "القاضي عبد الوهاب" في "التلقين" و"أبو الوليد" في "المنتقى" وغيرهما، وبه قال الشافعية، إنه لا يجزئ إخراج القيم بدلاً عن الأعيان المنصوص عليها في الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة وإذا أتي بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، وقال بعض فقهائنا بالإجزاء، وبه قال الحنفية بناء على أن الزكاة حق للمساكين، فلا فرق بين العين والقيمة، وقال أصحاب القول الأول: "لنا أن نقول، وإن سلَّمنا أنه حق للمساكين، أن الشارع إنما علق الحق بالعين قصدًا منه لتشريك الفقراء مع الأغنياء في أعيان الأموال"، وقال القائلون بالإجزاء: "إنما خصت بالذكر أعيان الأموال تسهيلاً على أربابها, لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه".
__________
(1) العدد السادس عشر - الصادر في 16 شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/207)

ومشهور المذهب مقيد بما إذا لم يجبره المصدق على دفع القيمة وإلا أجزاه لأنه حاكم، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ونص المدونة ومن أجبره المصدق على أن أدى في صدقته ثمناً رجوت أن يجزئه إن كانت للحول وكانت وفاء لقيمة ما وجب عليه.
(12/ 2/208)

حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر (1)
سؤال:
ما حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر؟
جواب:
رأي بعض الأئمة أنها لا تطلق حتى تتم عاماً من يوم يمينه؛ لأنها تكون ليلة في العام ويحتمل أن تكون آخر ليلة من تلك السنة، ولا تطلق عليه لاحتمال أن تكون الليلة القابلة إذ لا يبطل يقين النكاح بشك الطلاق.
وقال بعضهم "إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان طلقت"، لما ثبت من الآثار أنها في رمضان وبانقضاء ليلة تسع وعشرين تعين حصولها.
ومذهب "مالك" أنها تطلق في الحال، وهكذا الحكم في كل طلاق عُلِّق على أجل آت لا محالة، وكان مما يبلغه عمر الزوجين عادة لأن الفرج لا يقبل تأقيت الوطء، ولذلك أبطل العلماء نكاح المتعة، وليس مبنياً على الطلاق بالشك كما توهمه بعض الفقهاء، فإن مالكاً لم يُطلِّق بشك قط، ولا يُرفع اليقين عنده بالشك أصلاً.
* * *
__________
(1) العدد السادس عشر - الصادر في 16 شعبان الأكرم 1322.
(12/ 2/209)

الصوم بخبر السلك البرقي (1)
سؤال:
هل يجوز الصوم بخبر "التلغراف" أو "التلفون" إذا لم يكن لأهل بلد رؤية الهلال، وثبت في بلد آخر واستفدنا منهم ذلك على طريق "التلغراف" أو "التلفون"، أو كيف الحال نرجوا منكم الجواب أثابكم الله؟
جواب:
سمعت أهل العلم يقرر وجوب العمل بأخبار "السلك البرقي" رعاية لعدم إخبار المستخدمين فيه بخلاف الواقع منذ حدث، وخالفه بعضهم مستنداً لفقد شروط عدل الشهادة شرعاً، ولا تثبت الأحكام إلا عند توفرها، فلو فرض أنك عاشرت إنساناً السنين المتطاولة، ولم تعثر له على كذب قط، لا يجوز لك العمل على مقتضى روايته، إذا لم تتوفر فيه شروط العدالة.
ثم إن المباشر لاستخدام "السلك البرقي"، وإن كان هو في نفسه متحرياً للصدق ليس من شأنه البحث عن الذي أتاه بالخبر، هل هو الممضي باسمه ذلك الخبر أو غيره؟ فمن المحتمل أن يأتيه إنسان غير صادق بخبر ثبوت الشهر بعد أن يمضيه باسم غيره من الثقات، فإن السفهاء الذين يتجرؤون بالعبث
__________
(1) العدد السابع عشر - الصادر في غرة رمضان المعظم 1322.
(12/ 2/210)

في أمور الدين كثيرون، وعدم وقوع مثل هذا في الماضي لا يقتضي عدم وقوعه في المستقبل.
وبالجملة فإنَّا لا نرى العمل بأخبار هذا "السلك البرقي"، إلا في صورة وهي أن تتفق مع رجل عَدْلٍ على أن يخبرك بثبوت الشهر عندهم، ويقع التوافق بينكما على وضع أمارة خفية يتضمنها ذلك الخبر، كأن تقول له: "إن ثبت عندكم الشهر فاكتب لي مع ذلك الخبر لفظة كذا"، أعني كلمة تعنيها له، فمثل هذا مما يفيد ظناً قوياً يجب العمل بمقتضاه، وأما "التلفون"، فإنه يدرك في صوت المخابر فيه نوع تغير يوجب ريبة في الخبر، فلو كان ذلك الخبر مصحوباً بكلام خاص بينك وبين مخاطبك العدل مثلما اشترطناه للعمل بالتلغراف، لزالت تلك الريبة ووجب العمل بمقتضى المخابرة فيه.
(12/ 2/211)

المستدرك من "السعادة العظمى" (1)
* استدراك (2):
من مقاصد هاته المجلة -"السعادة العظمى"-: التعرُّضُ لما تتداوله الألسنة، وتتناقله الأقلام من الأحاديث الموضوعة.
قال أبو بكر بنُ العربي: إن ناقلها عن غير ثقة من غير أن يبين وضعها، يشمله وعيدُ قوله - عليه الصلاة والسلام -: "من كذب عليَّ ... " الحديث، وما توفيقي إلا بالله.

* التمدن (3):
هذه اللفظة مأخوذة من "المدينة"، و"المدينة" اضطرب فيها صاحب "القاموس"؛ فجعلها مرة مِنْ "دان"، وعليه فتكون ميمُها زائدةً، ومرَّةً من
__________
(1) رجعنا إلى أعداد مجلة "السعادة العظمى" للإمام محمد الخضر حسين، فوجدنا بعض البحوث والتعاليق للإمام لم تَرِد في الكتاب الذي طبعناه بتاريخ سنة (1392 ه - 1973 م)؛ لذا استدركنا ذلك في هذه "الموسوعة الكاملة" لأعمال الإِمام - رضوان الله عليه -.
(2) العدد الأول - الصادر في 16 محرم 1322 ه.
(3) العدد الرابع - الصادر في 16 صفر 1322 ه.
(12/ 2/212)

"مَدَن" بمعنى: أقام، فتكون ميمُها أصليةً، وهو الصحيح؛ إذ لو كانت الميم زائدة، لم يجز جمعُها على "مُدُن".
وأما معناها، فقد شاع استعمالها في استجماع كلِّ ما يلزمُ لأهل المدينة من اللوازم البدنية؛ من الملابس والمراكب والمآكل، والعقلية، وهي المعارف، وقد يخطئ بعض المنتمين إلى هذا القبيل، فيخرجون بتلك اللوازم عن حدِّ الاعتدال، بل ربما فهموا من هذه اللفظة غير المراد منها، وحاولوا التلبس بشعارها، فيفضي بهم سوء الفهم إلى المتقدم، ولكن في الهمجية لا المدنية، وسنزيد هذا المطلب بسطة في بعض المقالات الافتتاحية.

* وفاء ذمة (1):
قد كُنَّا عزمنا أنْ نصدِرَ هاته المجلةَ في غُرَّة محرم، حتى لا تكون سَنتُها بتراءَ، ولكنَّ بُطْءَ المقدمات الأولية لإصدارها، قضى علينا أن لا نصدر العدد الأول إلا في نصف محرم، مع بذل كل حَزْم؛ فأصدرنا ذلك العدد، واعتبرناه عددين، ونحن ننوي قضاء ذلك العدد المعتبر، وكنا نرصُد الفُرصَةَ لذلك، حتى تكرَّرَ علينا من بعض المشتركين الكرام، الاشتراطُ بأنهم لا يعتبرون السَّنة إلا من نصف محرم إلى نصف محرم 1323 ه؛ اعتبار لوقت صدور المجلة، وهو الحق؛ إلا أن هذا يشوِّشُ نظامَنا، ويجعلُ سَنةَ مجلتنا كالسَّنة المنسأة؛ ولذلك بادرْنا إلى قضاء ما في ذمتنا من صحائفِ العدد الأول، بإصدار أربعِ ورقاتٍ منها في العدد الرابع، وأخرى في الذي يليه، وبهذا تكون السنة منتهية إلى حيث أنهاها الله.
__________
(1) العدد الرابع - الصادر في 16 صفر 1322 ه.
(12/ 2/213)

* تعليق (1):
أيها الصديق الأعز! إن الشعر هو الكلام الموزون بحسب الحالة التي يورده المتكلم عليها، وجنابُكم خبيرٌ بأنَ النونَ في الآية مفتوحةٌ، وهكذا نقرؤها، شأن كلِّ نونٍ وقعت إثْرَ واو الجمع، وتغييره بالسكون إنما هو أمرٌ عارِضٌ من أجلِ الوقف. والأحوالُ العارضة في بعض الأحيان لا ينبني عليها حكمٌ مستمر؛ كالوصف بالشعرية. وهذا بخلاف البيت المستشهَد به، فإنه موزون بحسب الحال التي ورد عليها أولاً؛ لأن الشاعر نفسَه سكّن نونه لإقامة الوزن، ولو تلفظ بها محركة، لم يكن من الشعر في شيء، وإنْ سَكَّناها نحن في حال الوقف.
وتحرير مقصدنا: أن المعتبر في الحكم على التركيب بأنه شعر، إنما هو الحالة الأصلية، وهي ما ينسج عليه المتكلم هيئة كلامه.
__________
(1) العدد الخامس - الصادر في غرة ربيع الأنور 1322 ه.
* تعليق الإِمام محمد الخضر حسين على مقال العلامة المحقق الشيخ محمد النخلي أحد أعيان المدرسين بالجامع الأعظم الذي قال فيه: "أما ما ورد من الآي الكريم مما جاء على الأوزان الشعرية، فقد قام بتحرير جوابها صاحب هاته المجلة الغراء مستوفي البيان. ولكن الجواب بالقصد الأول لا محيص عنه في بعض الآيات؛ كقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]؛ فإنه موزون، ولو بزيادة النون؛ إذ هو من مجزوء الرمَل المسبغ الضرب، وبيته:
يا (خَليليَّ اربَعَا واستَخْبِرا رَبْعاً بعُسْفانْ)
وهذا الموضوع الذي وفقنا الله لخوض عُبابه يتشعب إلى أغراض كثيرة لا نضيع البحث عنها كما سنحت فرصة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
(12/ 2/214)

* وفاة عالم جليل (1):
ليلة التاسع والعشرين من ربيع الثاني، استلمت يدُ المنية روحَ العلامة المحقق الأستاذ الشيخ سيدي مصطفى رضوان (2)، فتفَطَّرت لوفاته الأكباد تأسُّفاً، وتصدَّعت لها الأحشاء حسرة وانفعالاً. والفقيد -تغمده الله برضاه- تضلع من العلوم الدينية، وبراءة فائقة في الفنون الأدبية، وخبرة تامة بالعلوم الرياضية. وله نثرٌ فصيح، ونظمٌ بليغ، وخطٌّ جيد.
وكان -رحمه الله- متجملاً بالسكينة الممزوجة بالتواضع وعلوِّ النفْس، لا تمنعه رفعةُ مكانته في العلم من الانبساط لمحاورة جلسائه، ولا يصدُّه قربُ الصلة عن الوقوف مع الحقوق التي تُناط بعُهدته. أما دروسُه، فكانت مفيدة جداً، يقررها بعبارات عربية حسنة السبك، في صوت لا يَجهر به ولا يُخافت، واسترسالٍ لا تتخلله فتراتٌ إلا وقت المباحثة، وعليها من التوادّة طلاوةٌ تعين الفهم على الثبات والرسوخ، ولا يُعَرِّج فيها على المناقشات اللفظية، أو ينتقل من موضوع إلى آخر بدعوى المناسبة، وإن فعله بعض الكاتبين.
لازمتُ الحضورَ بدرسه "جمع الجوامع" بشرح الجلال المحلي من بدايته إلى نهايته في مدة تناهز ثلاثين شهراً، وما رأيته يفيض الكلام إلا في المباحث المهمة.
خلّف نجلين فاضلين: أحدهما: من نخبة المدرسيّن بالجامع الأعظم، والثاني: من أعيان المتطوعين به.
__________
(1) العدد العاشر - الصادر في 16 جمادى الأولى 1322 ه.
(2) من كبار شيوخ الإِمام محمد الخضر حسين في جامع الزيتونة.
(12/ 2/215)

أما آثاره الفكرية، فإنما هو عِلْمٌ بثّه في صدور الرجال. واجهه الله بالرضوان، وعوّض المسلمين منه خيراً.

* إحياء سنّة (1):
كنا كتبنا جملاً في شأن الخطبة الثانية من يوم الجمعة، وبينّا صراحة أن الأفيد للأمة، والأقربَ من السنّة، عدمُ التزام الخطيب خطبة واحدة يعيدها في كل جمعة؛ فإن الخطب لم تشرع للتعبد المحض.
وقد لمعت بوارق هذه السنّة المحمدية، وعسى أن يتنفس صُبْحُها على جميع المنابر. شهدنا صلاة الجمعة الماضية في بعض الجوامع، فأسمعنا خطيبه من الخطبة الثانية مواعظ بالغة، زيادة عَمَّا تعودنا سماعَه في كل جمعة، فنشكر لهذا الخطيب صنعه، ونحمد الله على إحياء هذه السنّة.
__________
(1) العدد الحادي والعشرون - الصادر في غزة ذي القعدة 1322 ه.
(12/ 2/216)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(25)

«المُغْنِي عَنِ الحِفْظِ وَالكِتَابِ»
للْإِمَام الْحَافِظ
ضِيَاء الدّين أبي حَفْص عمر بن بدر بن سعيد الْمُصَلِّي الْحَنَفِيّ
الْمَوْلُود بالموصل سنة 557 ه والمتوفى بِدِمَشْق سنة 622 ه رَحمَه الله تَعَالَى

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(12/ 3/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(12/ 3/2)

مقدمة الكتاب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
طبع الكتاب "المغني عن الحفظ والكتاب" عام 1342 ه في القاهرة، وكتب الإِمام محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - مقدمة له مع تعليقات هامة، نقلاً عن النسخة المخطوطة في "الخزانة التيمورية" رقم 286 حديث، مع المعارضة بنسخة "دار الكتب المصرية".
وجاء في مقدمة الطبعة الأولى ما نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وبعد: فإن مجلس إدارة جمعية (نشر الكتب العربية) بالقاهرة قررت في جلستها المنعقدة مساء الاثنين 29 جمادى الثانية عام 1342 ه نشر هذه الرسالة، وناط بأحد أعضائه حضرة الأستاذ الفاضل السيد محمد الخضر التونسي التعليق عليها، وكتابة مقدمة لها، فقام بذلك على الوجه الذي يراه القاري في هذا الكتاب، والله يتولى النفع به، وهو الموفق لما فيه الخير والصلاح - القاهرة 15 ذي القعدة 1342".
ولما كانت العزيمة قد انصرفت -بعون الله تعالى- إلى إعادة طبع كافة آثار الإِمام من مؤلفات خاصة به، أو شروحات، أو تعليقات له على بعض المصنفات، لذا أعددت وضبطت هذه الرسالة، واستخرجت أسماء السور القرآنية الكريمة، وأرقام الآيات، وأضفتها في الحواشي.
(12/ 3/3)

* ترجمة المصنف:
قال الإِمام المحدث أبو محمد عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية في طبقات الحنفية":
عمر بن بدر بن سعيد بن محمد بن تنكير الموصلي ضياء الدين أبو حفص. قال الحافظ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن أحمد ابن محمد بن أحمد الدمشقي: ولد شيخنا الإِمام العالم الفقيه الحافظ ضياء الدين أبو حفص عمر بن بدر في جمادى الآخرة من سنة سبع وخمسين وخمس مئة، وتوفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من رمضان سنة اثنتين وعشرين وست مئة بدمشق بالبيمارستان النوري. وله عدة مصنفات في علوم الحديث وغيره. وسمعت عليه "جزء" الحسن بن عرفة، واجتمعت معه بالموصل، وفي دمشق. وكان حسن السمت، طيب المحاضرة، مشتغلاً بما هو تصنيف أو تأليف أو عبادة حتى مضى لسبيله. كذا وجدته بخط الإِمام أمين الدين أبي محمد عبد القادر بن محمد بن أبي الحسن الصبغي. سمع منه الحافظ رشيد الدين بن العطار، قال: لقيته بالبيت المقدس، وكان يتولى التدريس في مدرسة هناك للحنفية. وذكر لي أنه صنف في علم الحديث كتباً منها: "العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة"، و"استنباط المعين من العلل والتاريخ لابن معين"، وغير ذلك. أخبرني شيخنا أبو إسحاق إبراهيم بن الظاهري وغيره عن الحافظ رشيد الدين، عنه.
* وقال صاحب "كشف الظنون":
إن مصنف هذا الكتاب هو ضياء الدين عمر بن بدر أبي بكر الموصلي المتوفى سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
(12/ 3/4)

* وقال صاحب "شذرات الذهب في أخبار من ذهب":
وفي سنة 623 توفي عمر بن بدر الموصلي الحنفي ضياء الدين. حدث عن ابن كليب وجماعة. وتوفي في دمشق في شوالها عن بضع وستين سنة.
* وقال الزركلي في "الأعلام":
(577 - 622 ه = 1162 - 1225 م)
عمر بن بدر بن سعيد الوراني الموصلي الحنفي، ضياء الدين، أبو حفص: عالم بالحديث، مولده بالموصل، ووفاته بدمشق، له كتب منها: "المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم: لم يصح شيء في هذا الباب"، و"العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة"، و"معرفة الموقوف على الموقوف" في الحديث، و"استنباط المعين في العلل والتاريخ لابن معين"، و"الجمع بين الصحيحين".
والله أدعو أن يتقبل أعمالنا خالصة في خدمة الإِسلام
علي الرّضا الحسيني
(12/ 3/5)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
إن في القرآن لآية كبرى، ومعجزة خالدة. وهو المَطْلَعُ الذي تتجلّى فيه روح الشريعة بأكمل معنى، وتستقر فيه حقائقها بأبدع نظام. وهذه المزايا السامية تقتضي من حكمة الذي أوحى به أن حفّه بعنايته، وضرب عليه بسور من حفظه، حتى لا يجد الزنادقة وأصحاب الأهواء والمتخبطون في ليل الجهالة منفذاً لأن يسوموا أصول الشريعة بتحريف، أو يمسوها بما يثير شبهة، أو يجر إلى ريبة، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ولم يجد السفهاء من الناس طريقاً يمكنهم من طعن الإسلام في لبه، فمدوا أيديهم إلى الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يختلقون مزاعم سخيفة، ويلفقون صوراً من الباطل، ووضعوها بجانب حقائق الدين؛ فكانت هذه الأحاديث الموضوعة كالأقذاء، تتهافت حول الزجاجة الغراء.
تسرب الوضع في الأحاديث النبوية من وجوه شتى، وصدر عن أغراض مختلفة. ومن هذه الوجوه: أن في أعداء الإسلام من أدركوا أنه شريعة محكمة، ودين قيم، ولم يجدوا في مبادئه وتعاليمه ما تتجافى عنه الفطرة السليمة، أو ينبو عنه النظر الصحيح. وكانوا قد خرجوا في زي المسلمين، واندمجوا في جماعتهم، فصنعوا أحاديث يناقضها المحسوس، أو يصادمها المعقول، أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها، وإنما ينصبون بذلك المكيدة لضعفاء الأحلام
(12/ 3/6)

حتى يقعوا في ريبة، وتتزلزل من نفوسهم عقيدة أن الإسلام تنزيل من حكيم حميد. ومن هؤلاء الزنادقة: المغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد الشامي، ومن موضوعاته حديث: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا إن يشاء الله".
وقد يضع بعض الزنادقة أحاديث؛ ليأخذوا بها الناس إلى العمل على شاكلتهم؛ كحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر، لنفعه". فقد قال ابن القيّم: هو من كلام عبّاد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار. وقال ملّا علي قاري في آخر "الموضوعات": إنه من وضع المشركين عبّاد الأوثان.
وفي المسلمين من خفَّ وزنهم، وكانوا قد اتخذوا رأياً في العقائد، أو قرروا مذهباً في الأحكام، فطاشت بهم الأهواء، وفرطُ التعصب إلى أن يشدوا أزر دعاويهم بأحاديث يسندونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليدمغوا حجج خصومهم، ويكثروا سواد أشياعهم. ومن هؤلاء من شرح الله صدره للتوبة، وأقر على نفسه بارتكاب جريمة الوضع، كما قال أحد شيوخ الخوارج إذ أخذه الندم على ما فرط في جانب الأمانة في العلم: "إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم؛ فإنَّا كنا إذا هَوِينا أمراً، صيرناه حديثاً".
ومن أسباب وضع الحديث: الحرص على التقرب من ذوي الرياسة؛ مثلما صنع غياث بن إبراهيم حين رأى المهدي معجباً بالحَمام، فروى له حديث: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل"، وزاد فيه: "أو جناح"، فأدرك المهدي كذبه، وسقطت منزلته من عينه، وأمر بذبح الحَمام.
ومنها: الغلو في حب؛ كالأحاديث الموضوعة في فضل الإمام علي، أو معاوية، أو أبي حنيفة، أو الشافعي. ومن هذا القبيل: الأحاديث الموضوعة
(12/ 3/7)

في فضل بعض البلاد؛ كالأحاديث الموضوعة في فضل مصر، أو فاس، أو عسقلان.
وربما كان الباعث عليها: ثائرة حسد أو بغض؛ كالأحاديث المصطنعة في ذم الترك والحبشة، والإمامين أبي حنيفة والشافعي، ومن هذا: الحديث الذي رواه مأمون بن أحمد المروزي في ذم الإمام الشافعي حين قيل له: ألا ترى إلى الشافعي وإلى من تبعه بخراسان؟!. ووضع سعد بن طريف حديث: "معلمو صبيانكم شراركم" حين رأى ابنه يبكي، وقال له: ضربني المعلم.
وقد تجرأ على وضع الأحاديث أناس يبتغون شهرة، أو يلتمسون دنيا، فيتبوؤون في المساجد أو الأسواق مقاعد الوعاظ، ويملؤون آذان العامة بأحاديث يفترونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ كانت أدمغتهم من الأحاديث الثابتة فارغة.
ومن أسخف الدواعي إلى الوضع: أن يقصد الواضع للحديث ترويج ما يتعاطاه من بعض المصنوعات؛ كحديث: "أتيت بهريسة فأكلتها، فزادت في قوتي أربعين ... إلخ "؛ فقد وضعه محمد بن الحجام اللخمي، وكان صاحب هريسة، وغالب طرق الحديث يدور عليه، ثم سرقه منه كذابون آخرون.
وقد يضع الحديث بعض الأغبياء؛ للحث على خير، أو الردع عن شر، بزعم أن هذا النوع من الوضع لا يدخل في الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو كذب له، لا عليه؛ كما وضع أبو عصمة المروزي أحاديث في فضائل السُّورَ، وقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق عن القرآن، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وقال عبد الله النهاوندي:
(12/ 3/8)

قلت لغلام خليل: "هذه الأحاديث التي تحدث بها من الرقائق"، فقال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العامة". قال ابن الجوزي: غلام خليل كان يتزهد، ويهجر شهوات الدنيا، ويتقوت الباقلاء صرفاً، وغلقت أسواق بغداد يوم موته. وقد حسَّنَ له الشيطان هذا الفعل القبيح. وليس قصد هؤلاء لحمل الناس على عمل الخير بعذر يزحزحهم عن وعيد الكذب على صاحب الشريعة؛ فإن معنى "من كذب عليَّ متعمداً ... إلخ ": من نسب إليّ ما لم أقله، كان منزله يوم القيامة في النار.
وقد استجاز قوم وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ورفعه إلى النبي - عليه الصلاة والسلام -. وكان محمد بن سعيد يقول: لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسناداً. وفي الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ما يكفي لتذكير الغافلين، وإرشاد الضالين، ولاسيما إذا تولى بيانه ذو فهم منتج، وأسلوب حكيم.
وقد يجيء وضع الحديث من قلة تَثَبُّتِ الراوي؛ كما وقع لثابت ابن موسى الزاهد، إذ دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر متن الحديث -، فلما نظر إلى ثابت، قال: من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وإنما أراد بذلك ثابت بن موسى؛ لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعاً بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدِّث به عن شريك عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. قال صاحب "جامع الأصول" وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه.
وقد يقع في وضع الحديث من لا يقصد إلى الكذب، وإنما تضيع كتبه،
(12/ 3/9)

أو تحترق، فيرجع إلى حفظه، فيخونه، ويحدّث عن غلط في الرواية. ومن هؤلاء: عبد الله بن لهيعة الحضرمي؛ فقد تلفت كتبه بمصر، ورجع إلى حفظه، فتخبط في خلط، وحدّث بالمناكير.
رأى - عليه الصلاة والسلام - ما في جناية الكذب عليه من سوء الأثر، وعظم الخطر، فقال: "من كذب عليَّ متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار". وقد بلغ هذا الحديث من حيث المعنى مبلغ التواتر، وكادت استفاضته على ألسنة الموثوق بروايتهم تنتهي به إلى درجة المتواتر بلفظه. أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وغيرهم. وقال السيوطي: روى هذا الحديث أكثر من مئة من الصحابة. ونقل ابن الجوزي عن أبي بكر محمد بن عبد الوهاب الإسفرائيني: أنه ليس في الدنيا حديث اجتمع عليه العشرة المشهود لهم بالجنة غير حديث: "من كذب عليَّ ... إلخ".
ولهذا الحديث، وما فيه من الوعيد البالغ والإنذار الرائع، كان بعض الصحابة - رضي الله عنه - يقلل من رواية الحديث عن النبي - عليه الصلاة السلام -؛ ففي الصحيح عن أنس: أنه قال: ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تعمد عليَّ كذباً، فليتبوأ مقعده من النار". وفي "البخاري"، وغيره عن عبد الله بن الزبير، قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدِّث عن رسول الله كما يحدِّث فلان وفلان. قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: "من كذب عليّ، فليتبوأ مقعده من النار"، زاد الدارقطني: والله! ما قال: "متعمداً"، وإنكم تقولون: متعمداً.
ولخطر الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضرره الذي يمس حكمة الدين، أو يقلب بعض حقائقه، كان بعض الخلفاء الراشدين يتحرزون في الأخذ بالحديث،
(12/ 3/10)

فلا يقبلون رواية الواحد، ويطالبون من يروي لهم حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإقامة بينة. فقد جاء في "الصحيحين ": أن عمر بن الخطاب قال لأبي موسى الأشعري حين روى له حديث الاستئذان: لتأتيني على هذا بالبينة، فقام أبو سعيد الخدري، فشهد معه، فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى الحاكم: أن أبا بكر الصديق زكاته قال للمغيرة حين روى حديث إعطاء الجدة السدس: ومن سمع ذلك معك؟ فشهد محمد بن سلمة.
والعبرة في هاتين القصتين: أن أبا بكر، وعمر طلبا البينة من رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفاهما بكمال التقوى والأمانة، حتى إذا عرف الناس أن خبر الواحد لا يقبل بغير بينة، لم يتجاسر المنافقون وأصحاب الأهواء الذين يستعيرون سمات المتقين على أن يحدّثوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يقيموا على ذلك بينة عادلة.
اختلف أهل العلم في حكم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذهب الجمهور إلى أنه معصية كبرى. وقال أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين: إن من تعمد الكذب على رسول الله يكفر كفراً يخرجه عن الملة. وتبعه في هذه الفتوى طائفة، منهم: ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية. ومن أدلة هؤلاء: أن الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذب على الله؛ فإنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 144]، وقال: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] والمراد: افتراء الكذب على الله ورسوله، لا مطلق الكذب؛ فإن الكذب؛ على غيرهما لا يبلغ أن يخرج بصاحبه من دائرة الإيمان،
(12/ 3/11)

ولا يصح قصره على الذين لا يؤمنون بآيات الله. وممن نص على الخلاف في تكفير من كذب على الله: الإمام ابن عرفة في "تفسيره"؛ إذ قال عند قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103]: إن من كذب على الله مستحلاً، فهو كافر بإجماع، وكذلك من كذب فيما هو معلوم من الدين ضرورة. وإن كان غير مستحل، فهو محل الخلاف.
وقد صدرت من علماء الشريعة مقالات في تشديد العقوبة على من يختلق الأحاديث، فقال ابن عيينة في معلى بن هلال لما روي له عنه حديث موضوع: إن كان معلى يحدث بهذا الحديث عن أبي نجيح، فما أحوجه أن يضرب عليه. وسئل الإمام البخاري عن حديث موضوع، فكتب على ظهر كتاب السائل: من حدّث بهذا، استوجب له الضرب الشديد، والحبس الطويل. وقال يحيى بن معين في سويد الأنباري الواضع لحديث: "من عشق وعف وكتم": هو حلال الدم. وقال: لو كان لي فرس ورمح، غزوت سويداً.
وقد بذل علماء الحديث مجهودهم في نقد الأحاديث، وتمييز طيبها من خبيثها، ففتحوا باب الجرح في الرواة على مصراعيه، ولم يخشوا أن يكون ذلك من باب الغيبة والطعن في الأعراض. قيل ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماء لك عند الله تعالى؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحبُّ إليَّ من أن يكون النبي - عليه السلام - خصمي، يقول: لِمَ لم تذبَّ الكذب عن حديثي.
وكان سفيان الثوري يقول: فلان ضعيف، وفلان لا تأخذوا عنه، وكان لا يرى ذلك غيبة. وسئل مالك، وسعد، وابن عيينة عن الرجل لا يكون بذاك
(12/ 3/12)

في الحديث، فقالوا جميعاً: بيّن أمره. وقيل لشعبة: هذا الذي تكلم في الناس، أليس هو غيبة؟ فقال: يا أحمق! هذا دين، وتركه محاباة. وقال محمد بن بندار الجرجاني لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليَّ أن أقول: فلان ضعيف، وفلان كذَّاب، فقال أحمد: إذا سَكتَّ أنت، فمتى يعرف الجاهلُ الصحيحَ من السقيم؟!.
قال ابن الجوزي: والوضّاعون كثيرون، ومن كبارهم: وهب بن وهب القاضي، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب، وأبو داود النخعي، وإسحاق بن نجيح الملطي، وعباس بن إبراهيم النخعي، والمغيرة بن شعبة الكوفي، وأحمد بن عبد الله الجويباري، ومأمون بن أبي أحمد الهروي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، ومحمد بن القاسم الطايكاني، ومحمد بن زياد اليشكري.
وقال النسائي: الوضّاعون المعروفون بوضع الحديث أربعة: ابن يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام.
لم يقف العلماء عند نقد الحديث من حيث سنده، بل تعدوا إلى النظر في متنه، فقضوا على كثير من الأحاديث بالوضع، وإن كان سندها سالماً؛ إذ وجدوا في متونها عللاً تقضي بعدم قبولها.
ومن هذه العلل: مخالفة الحديث لصريح القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة؛ فإنه لا يثبت أمام قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ} [الأعراف: 187]. وحديث: ولد الزنا لا يدخل الجنة؛ فإنه باطل، ومن وجوه الحكم عليه بالبطلان:
(12/ 3/13)

معارضته بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 164]، ويدخل في هذا السبيل حديث: "لم يبعث الله نبيّاً إلا وهو غريب في قومه"؛ فإنه مخالف لقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65]، وقوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73].
ومن الوجوه القاضية بوضع الحديث: مناقضته للسنّة الصريحة المسلَّمة؛ كالأحاديث التي تروى في فضل من اسمه أحمد، أو محمد، أو كل من يسمى بأحد هذين الاسمين لا يدخل النار. فوجه القضاء عليها بالوضع: أنها جاءت على خلاف ما هو معروف في الدين من أن النار إنما يجار منها بالأعمال الصالحة، لا بالأسماء والألقاب.
ومنها: مخالفة للمحسوس؛ كحديث: "الباذنجان شفاء من كل داء"، فهو باطل بحجة أن المشاهدة تقضي بأن كثيراً من الأمراض يزيدها الباذنجان شدة.
ومنها: اشتماله على بعض المجازفات التي يرتفع عنها كلام النبوة؛ كحديث: "من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له".
ومنها: سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه؛ كحديث: "لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي "، وحديث: "الديك الأبيض الأفرق حبيبي، وحبيب حبيبي جبريل،، وحديث: "لو كان الأرز رجلاً، لكان حليماً".
ومنها: تضمنه خبراً يشهد التاريخ الصحيح ببطلانه؛ كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر الذي قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ. فمن وجوه تفنيد هذا الحديث: أن سعداً توفي في غزوة الخندق، وكانت قبل فتح خيبر،
(12/ 3/14)

ثم إن الجزية لم تشرع لعهد خيبر، ولم تكن معروفة للصحابة، ولا للعرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك.
ومن أمثلة هذا: حديث: "اتقوا البردة فإنه قتل أخاكم أبا الدرداء"، فهذا حديث لا أصل له. ومن أدلة وضعه: أن أبا الدرداء عاش بعد النبي - عليه الصلاة والسلام - زمناً غير قريب.
ومنها: تضمنه أمراً شأنه أن تتوفر الدواعي إلى نقله، ويصرح الحديث نفسه بأنها وقعت في مشهد عظيم من الصحابة، ثم لا يشتهر، ولا يرويه إلا واحد. وقد ضرب المحدثون من أمثلة هذا النوع رواية بعض الطوائف: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى الخلافة علياً - رضي الله عنه - في غدير خم حين رجوعه من حجة الوداع بحضرة جم غفير أزيد من مئة ألف. وساق بعض المحدثين من أمثلة هذا أيضاً: حديث رد الشمس لعلي - عليه السلام -؛ فقد ذكر في روايته أن الواقعة كانت مشهودة للناس، مع أنه لم يشتهر حديثها، ولم تعز روايته إلا لأم سلمة.
ومنها: مجيئه على خلاف مقتضى الحكمة المتفق عليها بين ذوي العقول السليمة؛ كحديث: "جور الترك ولا عدل العرب"؛ فإن الجور مذموم على الإطلاق، كما أن العدل محمود في كل حال.
ومنها: ادعاء أحد رواته أنه أدرك من العمر فوق ما جرت به سنّة الله في الخليقة حتى لقي من تقدمه بزمن بعيد، وتلقى عنه؛ كالأحاديث التي رواها الرتن الهندي مدعياًا لصحبة، ولقاء النبي - عليه الصلاة والسلام -، وهو لم يظهر إلا بعد ست مئة سنة من الهجرة. ومن هذه الشاكلة ما يزعمه المتصوفة الملقبون بالقلندرية من صحبة عبد الله الملقب بعلم بردار، ويدعون
(12/ 3/15)

بقاءه إلى قريب من المئة السادسة بعد الهجرة، وإليه ينسبون خرقتهم، وصنعوا في ذلك إسناداً متصلاً.
ولا ينبغي الاستناد في العمل بالحديث -الذي لم يثبت علماً ورواية- إلى الرؤيا التي يفهم منها جواز العمل به؛ كما حكي عن نور الدين الخراساني: أنه كان عندما يسمع الأذان يقبَّل إبهامي يديه، ويمسح بظفريه أجفان عينيه عند كل تشهد، ولما سئل عن ذلك، قال: كنت أفعله من غير رواية حديث، ثم تركته، فرأيته - صلى الله عليه وسلم - مناماً، وأمرني بالعودِ إلى المسحِ.
ويلحق بهذا القبيل: الأحاديث التي يقضي عليها الحفاظ بالوضع، ويقول بعض المتصوفة: إنها ثبتت من طريق الكشف؛ إذ من المتفق عليه بين الراسخين في علم الشريعة: أن الرؤيا والكشف لا تتقرر بهما حقيقة شرعية، وإضافة شيء إلى الدين بالاستناد إلى واحد منهما، دون أن يقوم له شاهد من الكتاب أو السنّة الثابتة بالطرق العلمية المعروفة، لا يخرج عن أن يكون ابتداعاً في الدين، وفتحاً لباب من أبواب المزاعم الباطلة، والمظاهر المنكرة.
نشأ عن وضع الأحاديث آثار سيئة بين العامة، ومن هذه الآثار: دخول فساد في العقيدة، وقد وقع هذا الفساد على نوعين:
أحدهما: أحاديث جمد عليها بعض الأغبياء، فبعدت بهم عن التوحيد الخالص؛ كحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر، لنفعه"؛ فإنه مما استدرج كثيراً من العامة إلى أن نفضوا قلوبهم من الثقة بالله وحده، وصرفوا وجوههم يرجون النفع أو دفع الضرر بطريق المدد الخفي من بعض المخلوقات، حتى علقوا رجاءهم ببعض الأشجار أو الأحجار أو الفجّار.
ثانيهما: الأحاديث المصنوعة في قالب السخافة، أو النافرة عن وجه
(12/ 3/16)

الحكمة، فقد حسبها بعض الجاهلين بالشريعة أنها من جملة أقوالها المأخوذة عنها، فتزلزلت عقائدهم، وضلوا عن سبيل هدايتهم، وكثيراً ما نسمع من بعض المبتلين بسوء العقيدة أحاديث موضوعة يتجشؤون بها في المجلس باعتقاد أنها من أقوال صاحب الشريعة، ويقصدون من ذلك التوسل إلى الطعن في الدين، أو إقامة العذر في انصرافهم عنه.
ومن تلك الآثار: تكثير سواد البدع والمحدثات؛ كحديث لبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية. وفي بعض الروايات الباطلة: أن أبا محذورة أنشد بين يدي النبي - عليه السلام - بيتين، فتواجد حتى وقعت البردة الشريفة عن كتفيه، فتقاسمها أصحاب الصفة، وجعلوها رقعاً في ثيابهم. وهذا كله كذب، لا خلاف فيه بين أهل العلم بالحديث.
ومما مهد به العاملون على إلصاق البدع بالدين، واتخذوه في وسائل إقبال الناس عليها: أن وضعوا حديث: "كل بدعة ضلالة، إلا بدعة في عبادة".
ومن تلك الآثار: التهاون بالأعمال الصالحة، وقلة المبالاة بارتكاب المآثم؛ كحديث: "سفهاء مكة حشو الجنة"، وحديث: "الكريم حبيب الله، وإن كان فاسقاً"؛ فإن أمثال هذين الحديثين مما يغتر به بعض العامة، ويجعلهم لا يبالون أن يرتكبوا الفواحش، أو يستخفوا بالفرائض متى كانوا من سكان البلد الحرام، أو كانت أيديهم تجود بشيء من مال الله الذي آتاهم.
ومن مفاسد الكذب على الرسول - عليه الصلاة والسلام -: تعطيل الناس عن العمل النافع؛ كحديث: "من أحب حبيبتيه أو كريمتيه، فلا يكتبن بعد العصر". وليس لهذا الحديث أصل في المرفوع، وإنما هو من كلام بعض من يدّعي الطب؛ كما نبه عليه ملّا علي قاري في "موضوعاته". ومن هذا
(12/ 3/17)

القبيل حديث: "من قضى صلاة من الفرائض في آخر جمعة من شهر رمضان، كان ذلك جابراً لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة". فأمثال هذا الحديث الباطل مما يجعل العامة تستخف بحق الصلوات المفروضة سائر أيام السنة باعتقاد أن صلاة واحدة في آخر جمعة من رمضان تغني غناءها، وتسقط العقوبة عن تاركها. وقد كان وضع حديث: "إن من قطع صلاة الضحى بتركها أحياناً يعمى" سبباً لترك كثير من الناس لصلاة الضحى، وبدا لهم أن يتركوها جملة؛ مخافة أن يتهانوا بها بعض الأوقات، فتعمى أبصارهم. قال ملّا علي قاري: ومن هنا ترك النساء صلاة الضحى ونحوها؛ لعلمهن بأنهن سيقطعنها بحدوث الحيض فيهن.
محمّد الخضر حسين
(12/ 3/18)

تنبيه على اصطلاح للمصنف
من الأحاديث الموضوعة ما يقطع بوضعه؛ كالأحاديث المعارضة للكتاب، أو السّنة الصريحة، أو التي يشهد العقل أو الحس بكذبها، أو يعترف راويه نفسه بأنه افتراه على الله كذباً.
ومنها: ما لم يقطع بوضعه؛ كالحديث الذي يوجد في سنده من عرف بالكذب، ولم يوجد في متنه علة تقضي عليه بالوضع.
ومن أهل الحديث من يطلق الموضوع على القسم الأول، ويعبر في جانب القسم الثاني بنحو: "لم يصح"، أو: لم يثبت. قال الزركشي: بين قولنا: "لم يصح"، وقولنا: "موضوع" بون بيِّن؛ فإن الوضع إثبات الكذب، وقولنا: لم يصح إنما هو إخبار عن عدم الثبوت، ولا يلزم منه إثبات العدم.
والظاهر من صنيع المصنف: أنه في هذا الكتاب يريد من قوله: "لا يصح"، أو "لا يثبت": معنى الموضوع الذي يقابل الصحيح والحسن والضعيف؛ بدليل عدّه هذا الكتاب من قبيل ما صنفه في الموضوعات، كما صرح بذلك في خطبته. وأكثر الأبواب يعبر فيها بنفي الصحة أو الثبوت. ولكنه ذهب في بعض الأحاديث إلى عدم الصحة أو الثبوت، وقد تكون بحسب علم دراية الحديث من نوع الحسن أو الضعيف. وسننبه على هذا في التعليق. والله الهادي إلى أقوم طريق.
(12/ 3/19)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي لا أمَدَ لِمَداه، ولا غاية لمنتهاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا إله سواه. وأن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الكافة، فكفهم عن الكفر وأكُفَّهم كفاه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن وافقه على مقصده ومغزاه، صلاة دائمة إلى يوم يلقاه. وسلمَ تسليماً كثيراً.
وبعد:
فإني صنفت في الموضوعات مصنفاتٍ لم أُسبق إليها، ولا دللت عليها. ومن أبدعها هذا الكتاب، المغني عن الحفظ والكِتاب؛ إذ لا متنَ فيه ولا إسناد، ولا تُكرَّر فيه الأحاديث ولا تعاد. وإنما جعلتُ ترجمة الأبواب، تدلكَ على الخطأ من الصواب. وإنما فعلت ذلك لوجوه:
أحدها: مبالغة في إيصال العلم إلى المتعلمين.
الثاني: أن في الناس من لا يتفرَّغ للعلم ودراسته؛ كالأمراء والوزراء والقضاة وأرباب الحرف.
الثالث: أن الإنسان إذا وجد حلاوة القليل، دعاه ذلك إلى الكثير.
وعلى الله أعتمد فيما أقصِد وأتوكل، وبرسوله وآله أتوسّل؛ لبلوغ الآمال، وتقويم ما منّي مال. إنه قريب مجيب.
(12/ 3/20)

* باب في زيادة الإيمان ونقصانه، وأنه قول وعمل (1):
قال المصنف -رحمه الله-: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب في المرجئة (2) والجهمية (3) والقَدَرية (4) والأشعرية:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب في أن كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- قديم غير مخلوق (5):
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: قد ورد في هذا الباب أحاديث ليس
__________
(1) حديث: "الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" رواه ابن ماجه، وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع. وقال الفيروزبادي في كتابه "الصراط المستقيم". الحديث المشهور أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، كله غير صحيح. وذكر الزركشي في أول كتابه عن البخاري: أنه سئل عن حديث: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فكتب: من حدّث بهذا، استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل.
(2) فرقة من الفرق الإسلامية، ولقبوا بالمرجئة؛ لأنهم يرجئون العمل؛ أي: يؤخرونه عن النية والاعتقاد في الرتبة، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وفي هذه المقالة فتح باب الرجاء في وجوه المكلفين. قال السيد في "شرح المواقف": وعلى هذا الوجه ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجية.
(3) هم أصحاب جهم بن صفوان، وهو من القائلين بالجبر، وله آراء سخيفة. ظهر في "ترمذ"، وقتله سالم بن أحوز المارني بمرو في آخر دولة بني أمية.
(4) نسبة إلى القدر، وهو اسم للفرقة التي تنكر القدر في أفعال العباد، وتقول: إنها مسندة إلى قدرتهم.
(5) قال الذهبي في "الميزان":
قال جعفر بن الحجاج الموصلي: قدم علينا محمد بن عبد الله السمرقندي بموصل، =
(12/ 3/21)

فيها شيء ثبت عنه.

* باب في خلق الملائكة:
عن أبي هُريرةكأنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمر جبريل كلَّ غداة، فيدخل بحر النور، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج، فينتفض انتفاضة سبعين ألفَ قطرة يخلُق الله تعالى من كل قطرة مَلَكاً" الحديث. قال عبد الغني ابن سعيد الحافظ -رحمه الله-: له طرق، ولا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها شيء، ولا من غيرها.

* باب في التسمية بمحمد أو أحمد (1):
قال أبو حاتم الرازي: قد ورد في هذا الباب أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها ما يصح.

* باب في العقل (2):
قال أبو جعفر العقيلي: لا يثبت في هذا المتن شيء. وقال أبو حاتم
__________
= وحدَّث بأحاديث مناكير، فاجتمع جماعة من الشيوخ، وصرنا إليه لننكر عليه، فإذا هو في حلق من العامة. فلما بصر بنا من بعيد، علم أنا جئنا لننكر عليه، فقال: حدّثنا قتيبة عن ابن لهيعة، عن ابن الزبير، عن جابر: أنه - عليه السلام - قال: القرآن كلام الله غير مخلوق"، فلم نجسر أن نقدم عليه خوفاً من العامة، ورجعنا. وقال السخاوي: وهذا الحديث -يعني: حديث القرآن كلام الله غير مخلوق- من جميع طرقه باطل.
(1) مما أيد به المحدثون بطلان أحاديث هذا الباب: أنها تناقض ما هو معلوم من الدين من أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، إنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.
(2) قال الدارقطني: لعبد العزيز بن رجاء تصنيف في العقل موضوع كله. وقال ابن =
(12/ 3/22)

حاتم البستي: ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر صحيح في العقل.

* باب في تعمير الخَضِر وإلياس:
سأل إبراهيمُ الحربي أحمدَ بن حنبل عن تعمير الخَضِر وإلياس، وأنهما باقيان يُرَيانِ، ويروى عنهما، فقال: من أحال على غائب، لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطانُ. وسئل البخاري -رحمه الله- عن الخَضِر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا يبقى على رأس مئةِ سنةٍ ممن هو على ظهر الأرض اليومَ أحدٌ". وقال ابن الجوزي: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34].

* باب طلبُ العلم فريضة:
قال أحمد بن حنبل: لا يثبت عندنا في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).

* باب من سُئل عن علم فكَتَم:
قال أحمد بن حنبل: لا يصح في هذا الباب شيء (2).
__________
= عدي: سليمان بن عيسى بن نجيح يضع الحديث، له كتاب "تفضيل العقل" في جزأين. والمعروف في هذا الباب حديث: "إن الله لما خلق العقل، قال له: أقبل، فأقبل ... إلخ"، قال ابن تيمية: هو حديث باطل موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.
(1) حكاه عنه ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، وقد مثل بحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ابن الصلاح للمشهور الذي ليس بصحيح. ولكن قال العراقي: قد صحح بعض الأئمة بعض طرقه كما بينته في "تخريج [أحاديث] الإحياء". وقال المزي: إن طرقه تبلغ به رتبة الحسن. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة": قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث: "ومسلمة"، وليس لها ذكر في شيء من طرقه، وإن كان معناها صحيحاً.
(2) أصل الحديث: "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار" رواه أحمد، =
(12/ 3/23)

* باب ذكر فضائل القرآن:
قد ورد: "من قرأ سورة كذا، فله [أجر كذا] " من أول القرآن إلى آخره. قال ابن المبارك: أظن الزنادقة وضعتها (1). قال المصنف: فلم يصح في هذا الباب شيء غيرُ قوله في فاتحة الكتاب لأُبَيّ: "ألا أعلِّمُكَ سورة هي أعظم سورةٍ في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ". وقوله - عليه السلام -: "البقرة وآل عمران غمامتان". وفي آية الكرسي لأبيّ بن كعب: "أتدري أيُّ آية من كتاب الله معكَ أعظمُ (2)؟ "، قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. وقوله: "يؤتى يومَ القيمة بالقرآن وأهلِهِ الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقدَّمُهم سورةُ البقرة"، و"إن الشيطان يفرّ من
__________
= وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه كما في "المقاصد الحسنة" للسخاوي. وقال ابن تيمية في "الفتاوى": ما يروونه عنه - عليه الصلاة والسلام -: "من علم علماً نافعاً، وأخفاه عن المسلمين، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" هذا معناه معروف في السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".
(1) قال أبو عمار المروزي: قيل لأبي عصمة بن أبي مريم المروزي: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورةً، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ قال: إني رأيت الناس أعرضوا غن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. قال علي قاري: ومن الموضوعات: ذكر فضائل السور، وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذا من أول القرآن إلى آخره، كما يذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كل سورة، والزمخشري في آخرها، وكذا تابعه البيضاوي، وأبو السعود المفتي. قال عبد الله بن المبارك: أظن الزنادقة وضعتها. وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره.
(2) كذا في الأصل، وفي صحيح مسلم: قلت.
(12/ 3/24)

البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة"، وقوله: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، كفتاه". وقول الشيطان لأبي هريرة زكانه: إذا آويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربُك شيطان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق، وهو كذوب (1) "، وفي الكهف: "من قرأ منها عشر آيات، أمِنَ من فِتنة الدجال ". و"قل هو الله أحد تعدِل ثلث القرآن"، وفي المعوِّذتين "أنزلَ على آيات لم يُرَ مثلُهُن قط: المعوذتين".

* باب في فضائل أبي بكر الصديق:
منها: "أنه تعالى يتجلى للناس عامة، ولأبي بكر الصديق خاصة". و"ما صَبَّ الله في صدري شيئاً إلا صببتُه في صدر أبي بكر". و"كان إذا اشتاق إلى الجنة قبَّل شَيْبة أبي بكر". و"أنا وأبو بكر كفَرسَيْ رِهان". و"إن الله تعالى لما اختار رُوح أبي بكر" إلى غير ذلك مما يعرف وضعه ببديهة العقول (2). قال ابن الجوزي -رحمه الله-: لم أر لهذه الأحاديث أثراً في الصحيح، ولا في الموضوع، وإنما تسمع من العوام.

* باب فضل علي بن أبي طالب (3):
قد ورد أنه سئل: من يحمل رايتك يوم القيمة؟ فقال: الذي كان يحملها
__________
(1) كذا في الأصل، والذي في البخاري: "صدقك وهو كذوب".
(2) ورد في الصحيح أحاديث كثيرة في فضل أبي بكر الصديق كأنه، وإنما يريد المصنف بقوله: إلى غير ذلك: أمثال حديث: "لو حدثتكم بفضائل عمر عمر نوح في قومه، ما فنيت، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر".
(3) قال الحافظ أبو يعلى: قال الخليلي في كتاب "الإرشاد": وضعت الرافضة في فضل علي وأهل البيت نحو ثلاث مئة ألف حديث. ولا يستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت =
(12/ 3/25)

في الدنيا: عليُّ بن أي طالب. قال ابن مَردوَيه: ليس فيها ما يصح.

* باب فضل قبائل العرب:
سئل عن بني عامر، فقال: جمل أزهر. وعن بني تميم، فقال: هضبة حمراء. الحديث بطوله. قال العقيلي: الرواية في هذا الباب ليس فيها شيء يصح.

* باب فضائل بيت المقدس والصخرة (1) وعسقلان وقزوين (2):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ثلاثة أحاديث في بيت المقدس:
أحدها: "لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد (3) ".
والآخر: أنه سئل عن أول بيت وضع في الأرض، فقال: المسجد الحرام. ثم قيل: ماذا؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قيل: كم كان بينهما؟
__________
= ما عندهم من ذلك، وجدت الأمر كما قال. وقال ملّا علي قاري ناقلاً عن بعض المحققين: إن وصايا علي المصدرة بياء النداء كلها موضوعة، غير قوله - عليه الصلاة والسلام -: "يا علي! أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ".
(1) كل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى. والقدم الذي فيها كذب موضوع، مما عملته أيدي المزوّرين. اه. علي قاري في "الموضوعات".
(2) قال أبو زرعة الرازي: كان ميسرة بن عبد ربه يضع الحديث، وقد وضع قي فضائل قزوين نحواً من أربعين حديثاً. كان يقول: إني أحتسب في ذلك. قال في "اللآلئ المصنوعة": ويلحق بهذا كله حديث في بغداد وذمّها والبصرة والكوفة ومرو والإسكندرية ونصيبين وأنطاكية.
(3) تمام الحديث: "المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"، وهو في "الصحيحين".
(12/ 3/26)

قال: أربعون عاماً.
والآخر: "إن الصلاة فيه تعدل سبع مئة صلاة".

* باب فضل معاوية بن أبي سفيان (1):
قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائل معاوية بن أبي سفيان شيء.

* باب ما ورد في مدح أبي حنيفة والشافعي وذمهما (2):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء على الخصوص.

* باب إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يحمِل خبثاً (3):
قال المصنف: لم يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي
__________
(1) للأحنف بن أبي عاصم جزء في "مناقب معاوية "، وكذلك أبو عمرو غلام ثعلب، وأبو بكر النقاش. وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" بعض الأحاديث التي ذكروها. ثم ذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه قال: لم يصح في فضل معاوية شيء. وأخرج ابن الجوزي أيضاً من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: أعلم أن علياً كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه، فأطروه كياداً منهم بعلي. فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له.
وقد ورد في فضل معاوية أحاديث كثيرة، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد. وبذلك جزم إسحاق بن راهويه، والنسائي، وغيرهما. اه "فتح الباري ".
(2) ويلحق بهذا الأحاديث المصنوعة في ذم عمرو بن العاص، وذم بني أمية، ومدح المنصور والسفاح، وكذا ذم يزيد والوليد ومروان بن الحكم اه من "موضوعات" الملّا علي القاري.
(3) قال ابن عبد البر في "التمهيد": ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب =
(12/ 3/27)

"الصحيحين" ضد ذلك.

* باب في الماء المشمَّس:
قال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند، إنما يروى فيه شيء عن عمر بن الخطاب.

* باب في التسمية على الوضوء:
قال أحمد: ليس فيه شيء يثبت.

* باب كراهية الإسراف في الوضوء:
قد ورد: "إن للوضوء شيطاناً يقال له: الوَلهان، فاتقوا وَسواس الماء". قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب في التنشيف من الوضوء (1):
قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.
__________
= ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم.
وقال في "الاستذكار": قد رده إسماعيل القاضي، وتكلم فيه.
وقال ابن تيمية: أما حديث القلتين، فأكثر أهل العلم على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه. وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءاً رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره. وقال في هذا حديث الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد احتجا بجميع رواته. وقال ابن منده: إسناد حديث القلتين على شرط مسلم.
(1) جاء في حديث ميمونة الوارد في الصحيح: "فناولته ثوباً، فلم يأخذه". قال الحافظ ابن حجر: قد استدل به بعضهم على كراهة التنشيف بعد الغسل، ولا حجة =
(12/ 3/28)

* باب تخليل اللحية (1) ومسح الأذنين والرقبة (2):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب في الوضوء بنبيذ التمر (3):
قد ورد من طرق. قال أبو زرعة: هذا الحديث ليس بصحيح.

* باب إن لمس النساء لا ينقض الوضوء:
قال البخاري: لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء.
__________
= فيه؛ لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك.
وقال التيمي: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك، لم تأته بالمنديل.
(1) روي فيه حديثان: أحدهما رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه. وفي سنده عامر ابن شقيق. قال البخاري: حديثه حسن. وضعفه يحيى بن معين. ثانيهما رواه أبو داود. وفي سنده الوليد بن زوران، وهو مجهول الحال. قال الحافظ ابن حجر: وله طرق أخرى ضعيفة.
(2) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على عنقه في الوضوء، أو أحد من أصحابه؟ فأجاب بأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على عنقه في الوضوء، ولا روي عنه ذلك في حديث صحيح. ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبهم. ومن استحبه، اعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة، أو حديث يضعف نقله: أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال. ومثل ذلك لا يصلح عمدة، ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث.
(3) الوارد في هذا: حديث ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ما في إداوتك؟ "، قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" رواه أبو داود، والترمذي، وزاد: فتوضأ به. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.
(12/ 3/29)

* باب الأمر بالغسل لمن غسل ميتاً:
قال أحمد: لا يثبت في هذا حديث صحيح.

* باب النهي عن دخول الحمّام:
قال المصنف: لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من كل سورة:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب في الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1):
قال الدارَقطني: كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فليس بصحيح.

* باب الإمام ضامنٌ والمؤذن مؤتَمَن:
قد ورد من طرق. قال ابن المديني: لا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح إلا حديث رواه الحسن مرسلاً.

* باب لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (2):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء. وكذلك
__________
(1) رويت أحاديث صريحة في الجهر بقراءة البسملة في الصلاة، ساقها الشوكاني في "نيل الأوطار"، وأضاف إليها أحاديث تتضمن قراءة البسملة في الصلاة دون الجهر بها، وأخرى تتضمن الجهر بها دون تقييدها بحال الصلاة. وبعد أن نقدها من جهة سندها، قال: ولا ينتهض للاحتجاج من هذه الأحاديث إلا ما ذكر فيه أنها آية من الفاتحة، أو ما كان مقيداً بالجهر بها بدون ذكر الصلاة.
(2) قال ابن حجر في "تلخيص تخريج الرافعي": ليس لهذا الحديث إسناد ثابت. وقال ابن حزم: هذا الحديث ضعيف، وقد صح من قول علي - كرَّم الله وجهه -.
(12/ 3/30)

الحديث في الجمعة: "من تركها وله إمام عادل أو جائر، ألا لا صلاة له، ألا لا حج له" إلى غير ذلك.

* باب الصلاة خلف كل بَرٍّ وفاجر:
قد ورد من طرق. قال العقيلي والدارقطني: ليس في هذا ما يثبت. وسئل أحمد عنه، فقال: ما سمعنا بهذا (1).

* باب لا صلاة لمن عليه صلاة:
سأل إبراهيمُ الحربي أحمدَ بن حنبل: ما معنى هذا الحديث؟ فقال: لا أعرف هذا البتة. قال إبراهيم: ولا سمعت أنا بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قط.

* باب إثم إتمام الصلاة في السفر:
قد ورد فيه أحاديث. قال العقيلي: إنما روي: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" مع ضعف في الرواية. وليس في هذا المتن شيء يثبت.

* باب القنوت في الفجر إلى أن فارق الدنيا:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي "الصحيحين" من حديث أنس - رضي الله عنه -، قال: "قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب، ثم تركه (2) ".
__________
(1) قال الحافظ: وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وقد انعقد إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة والتابعين إجماعاً فعلياً على الصلاة خلف الأمراء الجائرين. أخرج البخاري عن ابن عمر: أنه كان يصلي خلف الحجاج ابن يوسف. وأخرج مسلم وأهل السنن: أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في واقعة تقديمه الخطبة على الصلاة.
(2) رواه البيهقي والحاكم بزيادة: "فأما الصبح، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا". =
(12/ 3/31)

* باب النهي عن الصلاة على الجنازة في المسجد (1):
قال المصنف: لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء في هذا الباب.

* باب رفع اليدين في تكبيرات الجنازة:
قال المصنف: ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أنه لم يَرْفع.

* باب أن الصلاة لا يقطعها شيء:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب صلاة الرغائب، والمعراج، والنصف من شعبان (2)، وصلاة الإيمان والأسبوع كل يوم وليلة، وبر الوالدين، ويوم عاشوراء، وغير ذلك:
قال المصنف لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح
__________
= قال الشوكاني: وهذه الزيادة -لو صحت- لكانت قاطعة للنزاع، ولكنها جاءت من طريق أبي جعفر الرازي، وقد حكم عليه جماعة من الأئمة بالخطأ والغلط؛ كابن معين، والدوري، وأبي زرعة، ويعارضه ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لم يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم".
(1) روى أبو داود وابن ماجه في النهي عن الصلاة على الميت في المسجد حديثاً تفرد به صالح بن التوءمة، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه. فأنكروا ذلك عليها، فقالت: لقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء في المسجد: سهيل، وأخيه.
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "فتاويه": أما إنشاء صلاة بعدد مقدر، وقراءة مقدرة، في وقت معين تصلى جماعة راتبة؛ كهذه الصلوات المسؤول عنها؛ كصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب، والألفية في أول رجب ونصف شعبان وليلة سبع وعشرين من رجب، وأمثال ذلك، فهذا غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام. وفتح =
(12/ 3/32)

من النوافل: السننُ الرواتب، والتراويحُ، والضحى، وصلاة الليل، وتحية المسجد، وشكر الوضوء، وصلاة الاستخارة، والعيدين -على قول من لا يراهما واجبين-، وصلاة الكسوف، والاستسقاء.

* باب صلاة التسابيح (1):
قال العقيلي: ليس في صلاة التسابيح حديث صحيح.

* باب عدد التكبير في صلاة العيدين (2):
قال أحمد: ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
= مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام، وأخذ نصيب من حال الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. وقد ألف عز الدين بن عبد السلام رسالة في مخالفة صلاة الرغائب للشرع، ذكرها ابن السبكي في ترجمته من الطبقات. قال علي قاري: وهذه الصلاة -أي: صلاة ليلة النصف من شعبان- وضعت في الإسلام بعد الأربع مئة، ونشأت من بيت المقدس، فوضع لها عدة أحاديث.
(1) أورد ابن الجوزي أحاديثها في "الموضوعات". ورد عليه بعض الحفاظ ذكرها في الموضوعات، ولكنهم لم يستطيعوا أن يرفعوها إلى درجة الصحة. وقد ضعفها المزي، وابن تيمية، كما حكاه عنهما ابن عبد الهادي في "أحكامه". وقال الجلال السيوطي بعد أن بحث في أسانيد حديثها: والحق أن طرقه كلها ضعيفة، وأن حديث ابن عباس فيها يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ؛ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات.
(2) ورد في هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية" رواه أحمد، وابن ماجه. قال في "منتقى الأخبار": وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذا. قال العراقي: وإسناد هذا الحديث صالح. ونقل الترمذي في "العلل المفردة" عن البخاري: أنه قال: إنه حديث صحيح.
(12/ 3/33)

* باب زكاة الحليّ (1):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب زكاة العسل:
لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كبير شيء.

* باب لولا كَذِبُ السائلِ ما أفلحَ من رَدَّه:
قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب زكاة الخُضراوات:
عن معاذ قال: كتبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخضراوات، فكتب: "ليس فيها شيء". قال الترمذي: الحديث ليس بصحيح. قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء. وفي "الصحيحين": "في ما سَقت السماءُ والعيونُ، أو كان عَثَرِيّاً: العُشر، وما سُقي بالنضح: نصف العشر".

* باب الطلب من الرُّحماء والحسان الوجوه:
قال العقيلي: ليس في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء يثبت.

* باب في التحذير من التبرُّم بحوائج الناس:
قال العقيلي: قد روي في هذا الباب أحاديث ليس فيها شيء يثبت.
__________
(1) المشهور في هذا حديث: "زكاة الحلي عاريته". قال السخاوي: روي عن ابن عمر من قوله. قال البيهقي: وأما ما يروى عنه مرفوعا: "ليس في الحلي زكاة"، فباطل لا أصل له. وقال الشوكاني في "السيل الجرار": لم يرد في زكاة الحلي حديث صحيح؛ أي: يصح أن يعتمد عليه. ثم قال: وقد كان للصحابة وأهاليهم من الحلية ما هو معروف، ولم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالزكاة في ذلك، بل كان يعظ النساء، ويرشدهن إلى الصدقة.
(12/ 3/34)

* باب فعل المعروف محل الضيعة:
قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء.

* باب إن السخيَّ قريبٌ من الله، والبخيل بعيد من الله:
قال الدارقطني: لا يثبت منها شيء بوجه.

* باب في فضل عاشوراء:
قد صنف ابن شاهين جزءاً كبيراً، وفيه من الصلوات والإنفاق والخضاب والادِّهان والاكتحال والحبوب وغير ذلك. قال المصنف: لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أنه صامه، وأمر بصيامه، وصومُه يكفِّر سنة.

* باب الاكتحال فيه:
قال الحاكم: لم يرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه أثر، وهي بدعة ابتدعها قتلة الحسين.

* باب لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل:
قال المصنف: لا يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي "الصحيحين" ضد ذلك: أنه كان ينوي النفل من النهار.

* باب صيام رجب وفضله:
قال عبد الله الأنصاري: ما صح في فضل رجب وفي صيامه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب أن الحجامة تفطر الصائم - وأفطر الحاجم والمحجوم (1):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) هذا الحديث أورده البخاري تعليقاً، فقال: ويروى عن الحسن عن غير واحد =
(12/ 3/35)

* باب حجوا قبل أن لا تحجوا، ومن أمكنه الحج، ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً، إلى غير ذلك:
قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء. وقال الدارقطني: لا يصح منها شيء.

* باب: قال أحمد: أربعة أحاديث تروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسواق ليس لها أصل:
" من بشرني بخروج نيسان، ضمنت له على الله الجنة"، و: "من آذى ذِمِّيّاً، فكأنما آذاني (1) "، و: "يومُ صومكم يوم نحركم"، و: "للسائل حقٌّ كان جاء على فرَس (2) ".
__________
= مرفوعاً: "أفطر الحاجم والمحجوم". قال الحافظ ابن حجر: وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وقال ابن حزم: صح حديث: "أفطر الحاجم والمحتجم". بلا ريب. لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: "أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة للصائم"، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجماً أو محجوماً.
(1) روى أبو داود حديث صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آبائهم دنية؟ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا من ظلم معاهداً، أو تنقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة". قال السخاوي: وسنده لا بأس به، ولا تضره جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد تنجبر به جهالتهم. ولذا سكت عليه أبو داود. ورواه البيهقي من هذا الوجه، وقال: عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آبائهم دنية؟.
(2) رواه أحمد، وأبو داود. وقال ابن عبد البر: إنه ليس بالقوى. قال ابن الديبع: وقد قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "حديثان يدوران في الأسواق، =
(12/ 3/36)

* باب كل قرض جرَّ منفعة فهو رِبا (1):
قال المصنف: لم يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي الصحيح: أنه اقترض صاعاً، وردَّ صاعين.

* باب بيع الكالئ بالكالئ:
قال أحمد: ليس في هذا الباب ما يصح.

* باب لا نكاح إلا بولي (2) وشاهدَي عدل:
قال المصنف: لا يصح في النكاح بغير وليّ وأنه باطل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح. وكذلك في الشهود في النكاح. قال أحمد بن حنبل: لم يثبت في الشهادة في النكاح شيء. وقال ابن المنذر: الأحاديث في الشهادة في النكاح لا تصح.

* باب اتخذوا السراري؛ فإنهن مباركات الأرحام:
قال: لا يصح في ذكر السراري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.
__________
= ولا أصل لهما ولا اعتبار: قولهم: للسائل حق كان جاء على فرس. والثاني: يوم صومكم يوم نحركم". وقال السيوطي: قال العراقي في حديث "للسائل حق ... إلخ ": لا يصح هذا الكلام عن أحمد؛ فإنه أخرجه في "مسنده" بسند جيد رجاله ثقات.
(1) رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده". وقال الإمام ابن الديبع: إسناده ساقط.
(2) رواه أحمد، وابن ماجه، والطبراني، وصححه الحاكم، وابن حبان، والترمذي. وقال ابن حجر العسقلاني في "تلخيص الحبير": وفي سنده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومداره عليه. وقد أورده البخاري ترجمة -حيث لم يكن على شرطه-، فقال: باب: من قال: لا نكاح إلا بولي.
(12/ 3/37)

* باب إياكم وأبناء الملوك؛ فإن لهم شهوةً كشهوة العذارى:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب مدح العزبة نحو: "عُزَّابها نُجّابها"، وأشباه ذلك:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء. وفي الصحيح: "لكن أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني".

* باب النهي عن قطع السِّدر:
قال العقيلي: لا يصح في قطع السدر شيء. وقال أحمد: ليس فيه حديث صحيح.

* باب في إيثاره اللبن، ومدحه العسل والباقلَّاء، والجبن داء والجوز دواء، والباذنجان لما أكل له، وماء زمزم لما شرب له (1)، والرمان والزبيب:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، وإنما الزنادقة وضعوا مثل هذه الأحاديث، وقصدوا بها شَين الإسلام، وإنه ما كان يعرف الحكمة وتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم:
قال العقيلي: لا يصح في هذا المتن [شيء] عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب النهي عن قطع اللحم بالسكين، وأنه من صنع الأعاجم:
قال أحمد: ليس بصحيح. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتزُّ من لحم الشاة ويأكل.
__________
(1) اختلف المحدثون في تصحيحه وتضعيفه، قال السخاوي في "المقاصد الحسنة": وقد رواه الحاكم، وقال: إنه صحيح الإسناد. وصححه من المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين الدمياطي في "جزء" جمعه فيه، والمنذري، وضعفه النووي.
(12/ 3/38)

* باب في الهريسة:
قد صنف في ذلك جزء. قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب النهي عن أكل الطين:
قال أحمد: ما أعلم في كله شيئاً يصح. وقال مرة: ليس فيه شيء يثبت، إلا أنه يضر بالبدن.

* باب الأكل في السوق:
قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب في البطيخ وفضائله:
قال أحمد: لا يصح في فضائل البطيخ شيء، إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأكله.

* باب في النرجس والورد والزرنجوش والبنفسج والبان:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب الديك الأبيض صديقي ... الحديث:
قال الخطيب: لا يصح متن هذا الحديث، ولا إسناده.

* باب فضائل الحناء، [وأنه] قد ورد: أنه من الجنة (1). وأنه يجعل في الأكفان، وغير ذلك. وأنه يجوز للرجال:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) قال علي قاري: من الموضوع أحاديث الحناء وفضله، والثناء عليه، وفيه "جزء" لا يصح منه شيء. وأعيد الضمير على الحناء مذكراً؛ لأن همزته أصلية، ووزنه =
(12/ 3/39)

* باب النهي عن نتف الشيب (1):
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب النهي عن تغيير الشيب:
أما بالحناء والكَتَم، فقد صبغ بهما أبو بكر وعمر بحتاً. أخرجاه. وفي أفراد البخاري من حديث أم سلمة: كان إذا أصاب صبياً عين، أخرجت لهم أم سلمة شعراً من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما بالسواد، فقد صبغ به الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص، ومن التابعين خلق كثير. وفي "صحيح البخاري": أن رأس الحسين لما جيء به، كان مخضوباً بالوشمة. وقد ورد: "يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا يريحون رائحة الجنة".
قال المصنف: ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير قوله في حق أبي قحافة: "وجنبوه السواد". والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أحاديث مسلم لا تقاوم أحاديث البخاري، والثاني: أن الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص قد صبغوا بالسواد، فلو كان حراماً، لما فعلوه، وكذلك كانوا في زمان الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -, فلو
__________
= فِعَّال، وهو مفرد؛ خلافاً لابن دريد وابن ولاد في قولهما: إنه جمع لحناءة -بالهاء-؛ كما نبه على ذلك صاحب "تاج العروس".
(1) حديث: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه". وأخرج مسلم في " الصحيح" من حديث قتادة عن أنس بن مالك، قال: كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته. قال ابن الديبع في "تمييز الطيب من الخبيث": وقول القاضي مجد الدين في "سفر السعادة": لم يثبت فيه (نتف الشيب) شيء؛ أي: في الوعيد عليه.
(12/ 3/40)

كان حراماً، لأنكروا عليهم. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم" أخرجاه. وفي "الصحيحين": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتغيير الشيب مطلقاً.

* باب التختم بالعقيق:
قال العقيلي: لا يثبت في هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب التختم في اليمين:
قال المصنف: لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الدارقطني -رحمه الله-: اختلفت الروايات فيه عن أنس، والمحفوظ أنه كان يتختم في يساره.

* باب النهي عن أن نقص الرؤيا على النساء:
قد ورد ذلك من طرق. قال العقيلي: لا يحفظ من وجه يثبت.

* باب كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - الفارسية:
قد ورد: العنب دودو، درد، اشكنب، إلى غير ذلك. قال المصنف: لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ثلاثة أحاديث: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قوموا؛ فقد صنع لكم جابر سوراً" (1) أخرجاه. وقوله عليه السلام للحسن: "كخ، كخ" أخرجه مسلم. وقوله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام -: "لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، وأدس في فرعون؛ مخافة أن تدركه الرحمة".

* باب كراهية الكلام بالفارسية، وأنها لغة أهل النار:
قال المصنف: لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا
__________
(1) قال ابن الأثير في "النهاية": "سوراً"؛ أي: طعاماً يدعو إليه الناس. واللفظة فارسية.
(12/ 3/41)

آنفاً: أنه - صلى الله عليه وسلم - تكلم ثلاث كلمات بالفارسية.

* باب إن ولد الزنا لا يدخل الجنة:
قال ابن الجوزي: قد ورد في ذلك أحاديث ليس فيها شيء يصح، وهي معارضة لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].

* باب ليس لفاسق غيبة (1):
فقد ورد من طرق، وهو باطل. قال الدارقطني، والخطيب.

* باب النهي عن سَبِّ البراغيث:
قال العقيلي: لا يصح في سب البراغيث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب ذم السماع:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب تحريم اللعب بالشطرنج:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب لا تقتل المرأة إذا ارتدت:
قال الدارقطني: لا يصح هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي "الصحيحين" "من بَدَّلَ دِينَه، فاقتُلوه".
__________
(1) قال الحاكم: إنه غير صحيح، ولا معتمد. وقال ابن حجر بعد إيراد أحاديث في معناه: وبالجملة: فقد قال العقيلي: إنه ليس لهذا الحديث أصل. وقال القلانسي: إنه منكر. وقال المنوفي: وحسنه الهروي، وليس كذلك؛ فقد صرح جمع من محققي الحفاظ بأنه منكر موضوع لا أصل له. وذهب علي قاري إلى أنه غير موضوع، وأنه ضعيف لذاته، أو حسن لغيره.
(12/ 3/42)

* باب إذا وُجد القتيل بين قريتين، ضَمِن أقربُهما:
قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل.

* باب فيمن أهديت إليه هدية وعنده جماعة، فهم شركاؤه (1):
قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء.

* باب ذم الكسب وفتنة المال:
قد ورد في ذلك أحاديث: أن عبد الرحمن بن عَوْف - رضي الله عنه - يدخل الجنة حَبواً، إلى غير ذلك. قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أعني: ذم الكسب.

* باب ترك الأكل والشرب من المباحات:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب في الحجامة:
قال العقيلي: ليس يثبت في الحجامة شيء، ولا في اختيارها والكراهة شيء ثبت. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها شيء، إلا أنه أمر بها.

* باب الاحتكار:
قال المصنف: قد ورد في ذلك أحاديث مغلظة، وليس فيها ما يصح غير قوله - عليه السلام -: "من احتكَر، فهو خاطئ" انفرد به مسلم. والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن راوي الحديث سعيد بن المسيّب عن مَعْمَر بن
__________
(1) أورده ابن الجوزي في "الموضوعات". وقال البخاري في "صحيحه": ويذكر عن ابن عباس: أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح.
(12/ 3/43)

أبي معمر، وكان سعيد بن المسيب يحتكر، فقيل له في ذلك، فقال: إن معمرًا الذي كان يحدّث بهذا كان يحتكر، والراوي إذا خالف الحديث، دلَّ على نسخه، أو ضعفه (1). والثاني: أن للناس في انفراد مسلم بهذا كلاماً. والثالث: أنه يحمل على ما إذا كان يضرُّ بأهل البلد.

* باب مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:
قال أحمد: لا يعرف هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يروى عن الحسن البصري.

* باب موت الفجأة:
قال الأزْدِيّ: ليس فيها صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب المَلاحِم والفِتَن:
قد روي: أن عليّاً - رضي الله عنه - خلا بالزبَير يوم الجَمَل، فقال: أنشدك الله! هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت لاوي يديك، وأنت في سقيفة بني فلان: "لتقاتلنه وأنت ظالم له" الحديث. قال العقيلي: لا يروى في هذا المتن حديث من وجه يثبت.
__________
(1) الحديث الذي يعمل راويه بخلافه يسقط الاحتجاج به عند أصحاب أبي حنيفة؛ أخذاً بظاهر أن راويه إنما خالفه لدليل يقضي بتعطيله. وقال أصحاب مالك والشافعي: يبقى محل الثقة والاعتماد؛ لاحتمال أن راويه إنما خالفه عن اجتهاد منه. فإذا علم الوجه الذي عول عليه الراوي في مخالفة ما روى، وظهر أنه إنما خالف عن اجتهاد، ساغ للمجتهد أن يتمسك بالرواية، ولا يبالي مخالفة الراوي بإجماع، وهذا كرواية أبي حنيفة ومالك لحديث: "المتبايعان بالخيار"، مع قولهما بنفي خيار المجلس، فأبو حنيفة لم يعمل به لما علم في أصوله من تقديم القاعدة على خبر الآحاد. ومالك لم يأخذ به لهذا الوجه بنفسه على ما رجحه أبو بكر بن العربي، أو لأن عمل أهل المدينة جرى على خلافه على ما يذكره غيره.
(12/ 3/44)

* باب في ظهور الآيات في الشهور:
قد ورد: "تكون في رمضان هدّة، وفي شوال هَمْهَمَة"، إلى غير ذلك. قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل عن ثقة، ولا من وجه يثبت.

* باب ذم المولودين بعد المائة:
قد ورد فيه أحاديث. قال أحمد بن حنبل: ليس بصحيح، كيف وقد من الأئمة والساعات وُلدوا بعد المئة (1)؟!.

* باب وصف ما يكون بعد الثلاثين ومئة، والستين ومئة:
قد ورد: "الغُرباء ثلاثة: قرآنٌ في جَوْف ظالم، ومصحفٌ في بيتٍ لا يقرأ فيه، ورجلٌ صالح بين قوم سوء"، زاد: "في سنة ستين ومئة مسجد لا يصلى فيه". قال المصنف: لا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* باب ظهور الآيات بعد المئتين:
قال الدارقطني: ليس في الروايات فيه شيء صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* باب لأنْ يُرَبِّيَ أحدكم جَرْواً خيرٌ له مِن أن يربي وَلداً. وفي حديث آخر: يكون المطرُ قَيْظاً، والولدُ غيظاً:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.

* باب تحريم قراءة القرآن بالألحان:
قال المصنف: لا يصح في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي "الصحيحين": "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مكَّةَ يومَ الفَتْح وهو يقرَأ سُورة الفَتْح
__________
(1) كذا بالأصل، وفي "اللآلي المصنوعة": وكيف يكون صحيحاً، وكثير من الأئمة السادة ... إلخ.
(12/ 3/45)

يُرَجِّعُ بها". قال الراوي: والترجيع: آء آء آء. والبخاري أخرجه عن معاوية، ومسلم أخرجه عن عبد الله بن مغفَّل.

* باب تحليل النبيذ:
قد روي: أن أعرابياً شرب من إداوة عمر، فسكر، فأمر بجلده، فقال: أنا شربت من إداوتك. فقال عمر: إنما نجلدك على السُّكر. قال أحمد: ما أعلم في تحليل النبيذ حديثاً صحيحاً، فاتهموا الشيوخ. قال المصنف: المراد منه: التشديد.
أكمل "كتاب المغني"،
والحمد لله وحدَه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله - صلى الله عليه وسلم -، وسلمَ تسليماً كثيراً، والحمد لله على كل حال ونعمة آمين
(12/ 3/46)