Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 011


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(20)

«توْنس وَجامِعُ الزَّيْتُونَة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(11/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(11/ 1/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
لئن كان العلامة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين لم يدع باباً من أبواب العلوم الدينية والعربية إلا زانه، ولئن كان - رضوان الله عليه - علَماً إسلامياً خفاقاً في العالم الإسلامي أجمع، يجاهد في ميادينه الواسعة بقلمه وفكره، فإنه -رحمه الله- كان دائم الذكر والحنين لتونس التي ولد فوق أديمها الطاهر، وتحت سمائها الصافية، من أسرة شرف وعلم، فخصَّها ببعض الدراسات والتراجم لبعض عظماء رجالها ومعاهدها، وازدهارها العلمي والأدبي، مما يطالعه القارئ في هذا الكتاب.
ففي الجنوب التونسي "نفطة" ولد الإمام -رحمه الله-، وفي تونس العاصمة، وفي جامعها الإسلامي "جامع الزيتونة" - الذي حفظ وحافظ على دين وعروبة المغرب العربي الكبير، بما دفع من أجيال مؤمنة قادت الثورات، فحررت الأرض، وحمت العرض، في هذا الجامع دَرَسَ ثم درَّس، وتولى القضاء في "بنزرت": وخاض غمار الصحافة، وأسس مجلة "السعادة العظمى"، فأغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي، ولم يدع درباً إلا سلكه في سبيل تحرير تونس، فألهب حماسة الجماهير فوق منابر المساجد والميادين، وفي الدروس الخاصة والعامة، وبثَّ في طلبة العلم روح النضال، ولما شعرت دولة الاحتلال بالأثر الذي أحدثه في الجماهير، لا حقته، وضيقت
(11/ 1/3)

عليه السبل، فخرج فراراً بدينه إلى الشرق حاملاً قلمًا بليغاً، وعقلاً مؤمناً، يتابعه حكم بالإعدام أصدرته السلطة الفرنسية، وحطَّ به الترحال في دمشق؛ ليتابع فيها جهاده الكبير.
بعد رحيله إلى القاهرة لاجئاً سياسياً عام 1920، بدأ هناك بالعمل السياسي إلى جانب الدعوة إلى الإسلام، وكانت داره "سفارة" تونس في القاهرة، يؤمها الأحرار والمناضلون من أبناء المغرب، وأسس "رابطة تعاون جاليات أفريقيا الشمالية"، فعقدت المؤتمرات، وشرحت قضايا المغرب العربي للعالمين العربي والإسلامي. وأنشأ "جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية" التي قامت بدور هام وفعال في توحيد نضال أبناء المغرب العربي -تونس والجزائر والمغرب-، وكانت إحدى الطعنات التي مزقت صدر الاستعمار الفرنسي.
والحديث عن الكفاح السياسي للعلامة محمد الخضر حسين لا تسعة هذه المقدمة، وإنما نتركه لكتاب يضم أمثولة عالم مجاهد، له في ميادين الدين جولات، وفي ميادين الدولة صولات (1).
والحنين إلى تونس نجده في شعر الإمام، وهو على كثرته -فإننا نكتفي- بأبيات نوردها من ديوانه "خواطر الحياة": وتحت عنوان "أنباء تونس" قال: عندما زاره أحد الأدباء القادمين من تونس إلى القاهرة:
أمحدِّثي رُبيّتَ في الوطن الذي ... رُبيّتُ تحتَ سمائه وبلغتُ رشدا
وجنيتَ زهْرَ ثقافةٍ من روضةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنَفسجاً منها ووردا
__________
(1) انظر كتابنا: "جبهة الدفاع عن إفريقية الشمالية - صفحات من جهاد الإمام محمد الخضر حسين".
(11/ 1/4)

هاتِ الحديثَ فإنني أصبو إلى ... أنباء تونسَ من صميمِ القلب جِدّا
والروضة في البيت الثاني هي جامع الزيتونة.
وكان أمير شعراء تونس الشاذلي خازندار قد بعث إلى المؤلف قصيدة مطلعها:
يزجي القوافيَ بين الأنجم الزُّهْرِ ... تحنانُ تونسنا الخضراء (للخِضْر)
فأجابه المؤلف بقصيدة نقتطف منها الأبيات التالية:
دَرَيتَ حقاً وما أدراكَ أنّيَ من ... حرِّ اشتياقي إلى الخضراء في ضَجَرِ
من لي بأن أردَ الأرض التي صدرتْ ... منها وأفتح في أرجائها بصري
هناكَ ما شئتَ من علمٍ ومن أدبٍ ... ومن حدائقَ تؤتي أطيب الثمر
ومن قصيدة أجاب بها على أبيات بعث بها إليه صديقه الحميم العلامة محمد الطاهر بن عاشور يذكر فيها تونس:
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبَلُّ بها عند الظّماءِ كبودُ
ليالٍ قضيناها بتونسَ ليتها ... تعودُ وجيشُ الغاصبينَ طريدُ
ومن قصيدة راسل بها الأديب التونسي محمد المأمون النيفر رداً على أبيات بعث بها إلى الإمام:
ذكرتُ ربي المرسى الأنيقة والصَّبا ... تذيعُ شذا أزهارها البهجاتِ
وسامرَ آدابٍ حسانٍ كأنّهُ ... مراتعُ ما بالقاعِ من ظَبياتِ
وروضةَ علمٍ كنتُ أجني ثمارَها ... وأرشِفُ منها أعذَبَ اللَّهجاتِ
ومن قصيدة في محاورة شعرية مع صديقه الشيخ علي النيفر قال:
(11/ 1/5)

طلعتَ علينا واشتياقي لتونسٍ ... يقلب جمراً بين جنبيَّ واقِدا
وفي حب الوطن ينشد:
وطني علَّمتني الحبَّ الذي ... يدعُ القلبَ لدى البينِ عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدرٌ ... وغدا الشرقُ من الغربِ بديلا
عزمةٌ قد أبرمتها همةٌ ... وجدَتْ للمجدِ في الظَّعنِ سبيلا
أنا لا أنسى على طولِ النَّوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلمٌ لا ينثني ... عن كفاح ويرى الصَّبرَ جميلا
وللإمام قصيدة (تحية الوطن) قالها متشوقاً إلى تونس ومن فارقهم بها من الأصدقاء:
حيّا ربى تونس ذات الزهور ... عهد السُّرور
وافترَّ في طلعة تلك القصور ... أنس البدور
يا نسمة ماست كشارب راح ... قبل الصباح
هُبي وهاتي نفح أنس قَراح ... يشفي الجراح
هذا الحب الصادق لبلد رأى النور في رحابه، وتلقى العلوم في معهده العظيم جامع الزيتونة، وفي ميادينه سطر الصفحات الأولى من كفاحه الإسلامي المشهود له. هذا الحب كان له أثره الكبير في توجيه الإمام مجلة "الهداية الإسلامية" التي أصدرها في القاهرة في ثلاث وعشرين سنة إلى التعريف بتونس ورجالها وثقافتها (1)، وفتح صفحاتها أمام كبار العلماء والكتاب
__________
(1) انظر كتابنا: "روائع مجلة "الهداية الإسلامية" - تونس التاريخ والثقافة" خصصناه بالمواضيع والأنباء التي نشرتها المجلة عن تونس.
(11/ 1/6)

التونسيين؛ أمثال: الإمام محمد الطاهر بن عاشور، والعالم محمد البشير النيفر، وغيرهما.
وقلّما نجد جزءاً من المجلة لا يضم اهتماماً بتونس، وأثراً لها.
والحمد لله رب العالمين

علي الرّضا الحسيني
(11/ 1/7)

فقهاء تونس (1)
ألقيت نظرة على تاريخ الفقه في تونس، واستخلصت منه هذا الحديث: وإذا تحدثت عن فقهاء تونس، فلا أتحدث عمَّن يحفظ أقوال أهل العلم ويلقيها في الدرس، أو يجمعها في كتاب على نحو ما حفظها، وإنما أتحدث عمَّن درس أحكام الشريعة، وعرف وجه ارتباطها بأصولها، وإذا تجددت حادثة، استطاع أن يرجع إلى دلائل الشريعة، ويستنبط لها حكماً ينطبق عليها.
أخذ الفقه الإسلامي يدخل البلاد التونسية منذ ابتداء فتحها في عهد معاوية بن أبي سفيان؛ فقد توارد عليها أيام الفتح جماعات من الصحابة والتابعين والمتفقهين في الدين؛ مثل: عبد الله بن الزبير، وعقبة بن نافع، وينبئنا التاريخ: أن الفقه كان في عهد عمر بن عبد العزيز يتلقى في تونس على طريق الدراسة والتعليم، فإن هذا الخليفة ندب عشرة من أعيان التابعين، وبعث بهم إلى أفريقية ليعلموا البربر واجبات الدين وأحكامه، ومن بين هؤلاء الأعيان: عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهو أول من ولي القضاء بالقيروان، وكانت مدينة القيروان يومئذ مقر الإمارة، فأصبح جامعها الذي أسسه الفاتحون
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول والثاني من المجلد السادس عشر الصادران في رجب وشعبان 1362.
(11/ 1/8)

الأولون معهداً للعلوم الإسلامية، ومصدراً للفتاوى والأحكام.
وأخذ أهل تونس يرحلون إلى الشرق لتلقي علوم الشريعة، ومن هؤلاء الراحلين: عبد الرحمن بن زياد المعافري، فتلقى العلم عن جماعة من التابعين، وكان من رفقائه في طلب العلم الخليفة أبو جعفر المنصور، ثم عاد عبد الرحمن إلى القيروان بعلم غزير.
ورحل بعد هذه الطبقة طائفة أخذوا عن الإمام مالك وغيره من الأئمة، ثم عادوا إلى تونس بعلم واسمع؛ مثل: علي بن زياد، وهو أول من دخل تونس بموطأ مالك بن أنس، ومثل أسد بن الفرات الذي تلقى العلم عن مالك بالمدينة، ثم عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة بالعراق، وعاد إلى تونس وهو على علم بأصول مذهبي مالك وأبي حنيفة وفروعهما، وهذا الفقيه هو البطل الذي فتح صقلية في عهد الأغالبة، فجمع بين القضاء العادل، وقيادة الجيوش المظفرة.
وما أتى على تونس مئتا سنة من الهجرة النبوية إلا وقد ظهر فيها أعلام بلغوا الذروة في الفقه، وأحكموا صناعة القضاء
وظهر بعد هؤلاء الذين لاقوا مالكاً طبقة أشهرهم: الإمام عبد السلام ابن سعيد المعروف بسحنون، نشأ سحنون وشبّ في القيروان، ثم رحل إلى مصر، وتلقى فقهاً كثيراً عن ابن القاسم، وألف كتاب "المدونة"، وعنه انتشر مذهب مالك في تونس، بل في المغرب كله، وتخرج بين يديه رجال خدموا الفقه بالاستنباط والتدريس والتأليف.
هذا هو الأساس الذي ارتفع عليه صرح الفقه في تونس، واستمر جامع القيروان يخرج للناس أكابر الفقهاء الذين بلغوا درجة الاستنباط أو الترجيح
(11/ 1/9)

بين الآراء، وألفوا فأحكموا صناعة التأليف، كما أخرج في المئة الثالثة محمد ابن إبراهيم بن عبدوسي، والقاضي موسى بن عمران المعروف بالقطَّان، وأخرج في المئة الرابعة عبد الله بن أبي زيد صاحب كتاب "النوادر"، وأخرج في المئة الخامسة عبد الحميد المعروف بابن الصائغ، وعلي بن محمد المعروف باللخمي، وعبد الخالق السبوري.
وبين أيدي هؤلاء الأساتذة تخرج الإمام محمد بن علي المعروف بالمازري، فازدهرت بعلومه المئة السادسة.
وفي أواخر المئة السادسة انتقل كرسي الإمارة إلى مدينة تونس؛ حيث اختارها عبد المؤمن بن علي وخلفاؤه مقراً للإمارة، وأصبحت الحركة العلمية تنمو في هذه المدينة إلى أن صار جامع الزيتونة محطَّ رحال طلاب العلم بدل جامع القيروان.
وظهر في المئة السابعة علماء أجلاءة مثل: أبي أحمد المعروف بابن زيتون، وهو أول من أظهر بعد عودته من الشرق مؤلفات فخر الدين الرازي في الأصول، ودرسها بتحقيق.
وظهر في المئة الثامنة أعلام يشار إليهم بالبنان؛ مثل: محمد بن عبد السلام الهواري، ومحمد بن هارون الكناني، وتحدث أبو عبد الله المقري قاضي فاس عن زيارته لتونس في ذلك العهد، وذكر لقاعه لهذين الإمامين، ثم قال: "ولقيت غير واحد من علمائها".
ومن تلاميذ محمد بن عبد السلام: أبو عبد الله محمد بن عرفة، وأبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وتخرج في دروس ابن عرفة علماء ازدانت المئة التاسعة بدراساتهم وآرائهم ومؤلفاتهم؛ مثل: أبي عبد الله
(11/ 1/10)

الأبي، وأبي القاسم البرزلي.
وجرت في تونس بعد هذا فتن وحروب عطلت سير العلم، وأتلفت كثيراً من خزائن الكتب حتى كادت المئة العاشرة تنقضي دون أن يكون هنالك رجال لهم في الفقه أقدام راسخة، وأنظار ثاقبة.
وفي آخر المئة العاشرة التحقت تونس بولايات الدولة العثمانية. ويقول المؤرخون: أول من كسا القضاء فيها عظمة وكرامة بعد الاستيلاء العثماني: أبو الحسن النفاتي المتوفى سنة 1049.
وكان القضاة بعد هذا يبعثون من البلاد التركية، وهم متفقهون على مذهب أبي حنيفة، وورد غيرهم من العلماء، فشدوا أزر النهضة العلمية، فسارت في قوة ونشاط، وأخذت تونس تخرج كبار الفقهاء؛ مثل: الشيخ محمد زيتونة، والشيخ محمد سعادة.
ومن هنا رأى الأمير محمد حسين باي أن البلاد في غنى عن القضاة الذين يبعثون من الآستانة، وعين من الوطنيين قاضياً مالكياً، وقاضياً حنفياً، وكان هذا الأمير يصطفي لمجلسه صفوة العلماء، فأقام للعلم سوقاً نافقة، وما أقبلت المئة الثالثة عشرة حتى كانت تونس عامرة بأجلة الفقهاء. وجاء الأمير أحمد باي، ونظم التعليم بجامع الزيتونة سنة 1256 ه، فازدادت النهضة العلمية قوة على قوتها، واشتهرت بيوت بإقبال أبنائها على العلم، وتوليهم للمناصب الشرعية، كآل النيفر، وآل عاشور بين فقهاء المالكية، وآل بيرم، وآل أبي الخوجة بين الفقهاء الحنفية.
كان نظام التعليم بالمعهد الزيتوني من أسباب تنافس أصحاب المذهبين: المالكي، والحنفي في ميدان العلم، ويضاف إلى هذا: أن في العاصمة محكمة
(11/ 1/11)

مالكية، ومحكمة حنفية، وكل منهما يتألف من قاض، ورئيس للفتوى، وثلاثة أو أربعة من المفتين، أما القضاة والمفتون في سائر البلاد، فيعينون من الفقهاء المالكية، نظراً إلى أن المذهب المالكي هو الذي يأخذ به معظم الوطنيين.
وقد أخرج جامع الزيتونة بعد هذا النظام فقهاء أجلة، يعتزون بعلمهم، ويزهدون في المناصب، إلا أن تحيط بها العزة والكرامة، وأدركت من هؤلاء الفقهاء أساتذة بلغوا غاية بعيدة في سعة العلم، وتحقيق البحث؛ مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ أحمد بن الخوجة، والشيخ محمد النجار، ومن نظر في فتاوى هؤلاء الأساتذة، أو رسائلهم التي حرروا بها بعض المسائل العويصة، رآهم كيف يرجعون إلى الأصول والقواعد ومراعاة المصالح، ولا يقنعون بنقل الأقوال دون أن يتأوَّلوها بالنقد والمناقشة.
ويدلنا التاريخ القريب أن بعض رجال الدولة وجدوا عندما اتجهوا إلى إصلاح الحالة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية فقهاء يدركون مقتضيات العصر، ويعرفون كيف تسعها أصول الشريعة بحق، فكانوا يعقدون منهم بعض لجانهم، ويستنيرون بآرائهم؛ مثل أساتذتنا: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ سالم أبي حاجب، والشيخ مصطفى رضوان.
وما زال الرسوخ في الفقه، وربط الأحكام بأصولها، من عناية الأساتذة في جامع الزيتونة، يشهد بهذا ما نقرؤه من محاضراتهم وفتاواهم ومقالاتهم التي تنشر في الصحف التونسية أو المصرية.
وإذا كان لهذا الحديث خلاصة، فهي: أن كثيراً من فقهاء تونس كانوا يدرسون الفقه بأنظار مستقلة، وآراء تستضيء بالأدلة، وكانوا يتنافسون في هذه الطريقة، ويتفاوتون فيها على قدر تفاضلهم في العبقرية وسموِّ الهمة.
(11/ 1/12)

فإذا ما تصدى مؤرخ للحديث عن الفقهاء الذين برعوا في فهم حكمة التشريع، وشملوا الحقوق برعاية وصيانة، فإن كثيراً من فقهاء تونس أهل لأن يذكروا في مقدمة أولئك الفقهاء.
(11/ 1/13)

شعراء تونس (1)
دخل أدب اللغة العربية البلاد التونسية مع الفتح الإسلامي؛ فقد كان في الفاتحين الأولين من يجيد الشعر؛ مثل: أبي الخطار الحسام بن ضرار، والحسن بن حرب الكندي. ونشأ في أوائل المئة الثانية من الهجرة أدباء يقولون الشعر الجيد؛ مثل: عبد الرحمن بن زياد، وهو أول مولود ولد للعرب في أفريقية، ومما قاله في بغداد وقد عزم على العود إلى القيروان:
ذكرتُ القيروانَ فهاج شوقي ... وأين القيروانُ من العراقِ
مسيرة أشهرٍ للعير نصاً ... وللخيل المضَّمرة العتاق
فبلِّغ أنعماً وبني أبيه ... ومن يرجو لنا وله التلاقي
بأنّ الله قد خلى سبيلي ... وجدَّ بنا المسير إلى فراق
وفي ذلك العهد ولِّي القيروان يزيد بن حاتم، وقصده الشعراء من المشرق؛ مثل: مروان بن أبي حفصة، وربيعة بن ثابت الذي مدحه بذلك البيت السائر:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم واليزيد بن حاتم
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الخامس والسادس من المجلد الخامس عشر الصادران في ذي القعدة وذي الحجة 1361.
(11/ 1/14)

ويزيد نفسه كان شاعراً، وهو القائل:
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
وما من شك في أن ولاية أمير سخي يقدر الأدب قدره، من أقوى أسباب نهوض أدب اللغة، ولا سيما أميراً يفد إليه الشعراء البلغاء من آفاق شتى.
ويتراءى لنا في المئة الثالثة أدباء يجيدون الشعر؛ مثل: أحمد بن سليمان الربعي، بل نجد فيها أديبات ينظمن الشعر الجيد؛ مثل: ابنة الحسن بن غلبون، ومن شعرها الذي رثت به أخاها غلبون:
يا شقيقاً ليس في وجدي به ... علة تمنعني من أن أجنّ
وإذا تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
ومن بين أولئك الأدباء علماء تعلقوا بعد العلم بصناعة الشعر؛ مثل: عيسى بن مسكين؛ فقد كان معدوداً في زمرة الفقهاء الأدباء، ومن شعره قوله آسفاً على عهد الشباب:
لعمري يا شبابي لو وجدتك ... بما ملكت يميني لارتجعتك
ولو جعلت لي الدنيا ثواباً ... بما فيها عليك لما وهبتك
واشتملت المئة الرابعة على أدباء يقولون الشعر الحسن؛ مثل: زياد ابن يونس اليحصبي، وعلي بن العباس الأيادي، ومن شعره قوله في وصف سجع الحمائم عند فلق الصبح:
قد ولد الصبح فمات الدجى ... صاحت فلم ندر غِنا أم نواح
وابن عبدون السوسي، ومن شعره قوله متشوقاً إلى القيروان:
(11/ 1/15)

يا قصر طارق همي فيك مقصور ... شوقي طليق وخطوي عنك مأسور
إن نام جارك إني ساهر أبداً ... أبكي عليك وباكي العين معذور
عندي من الوجد ما لو فاض من كبدي ... إليك لاحترقت من حولك الدور
وتناول الشعر في ذلك العهد بعض السيدات المهذبات؛ مثل: خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافري. وفي هذا العهد ورد القيران من الأندلس الشاعر المعروف أبو القاسم بن هانئ، واستوطنها، وشأن البلاد التي يستوطنها شاعر عبقري كابن هانئ أن تزداد فيها نهضة الأدب قوة وصفاء.
أما المئة الخامسة، فقد ازدهر فيها الأدب بتونس، وأصبح بمنزلة هي منزلته في أرقى البلاد، وأبهج العصور، ويصح لي أن أقول: إن هذا العصر واسطة عقد العصور الأدبية من جهة الإبداع في الخيال، وإتقان صناعة النظم.
ومن مهيئات هذه النهضة الفائقة: أن المعز بن باديس الذي تولى الملك بالقيروان في طالعة المئة الخامسة كان أديباً بارعاً، ومعنياً بإكرام الشعراء، حتى اجتمع حول قصره -فيما يقصه التاريخ- نحو مئة شاعر يرأسهم أستاذه ووزيره علي بن أبي الرجال.
فلا عجب أن يظهر في ذلك العصر أمثال: الحسن بن رشيق، ومحمد ابن شرف، وإبراهيم الحصري صاحب كتاب "زهر الآداب"، وابن خالته علي الحصري صاحب قصيدة:
ياليل الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
وظهر في المئة السادسة أدباء لهم شعر رائق؛ مثل: عبد العزيز بن أبي الصلت، وعلي بن فضال، ومن شعره الأبيات السائرة:
(11/ 1/16)

وإخوان حسبتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... نعم صدقوا ولكن من ودادي
وإذا ألقينا نظرة على المئة السابعة، وجدنا للأدب نهضة ذات آثار مليحة، ومن رجال هذه النهضة: عثمان بن عتيق المعروف بابن عريبة.
ومن أسباب نهوض الأدب في هذا العهد: أن أمير تونس أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد، وابنه المستنصر بالله، عنيا بنشر العلم، والإقبال على الشعراء، وكان أبو زكريا هذا معدوداً من الشعراء، وفي عهد ولايته قدم من الأندلس محمد المعروف بابن الأبار، وأنشده قصيدته في الاستنهاض لإنقاذ الأندلس، وطالعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وفي هذا العهد ورد تونس من الأندلس أيضاً الأديب الكبير علي بن سعيد متمم كتاب "المغرب"، ومدح السلطان بقصائد بليغة.
وفي عهد ولاية ابنه المستنصر، وفد حازم بن محمد القرطاجني من الأندلس، ومدح المستنصر بمقصورته القصيدة الطائية التي يقول في طالعها:
أمن بارق أودى بجنح الدجى سقطا ... تذكرت من حل الأجارع والسقطا
ولما وجد هؤلاء الأدباء الثلاثة سوق الأدب في تونس نافقة، اتخذوها وطناً، وكان لهم في رقي الأدب أثر كبير.
وكانت المئة الثامنة عامرة بكثير من الأدباء، ومن أعيانهم: أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، وأخوه يحيى بن خلدون، وشعر ابن خلدون معروف،
(11/ 1/17)

ومن شعر يحيى القصيدة التي يقول في مطلعها:
ما على الصب في الهوى من جناح ... أن يُرى حلف عَبرة وافتضاح
أما المئة التاسعة والعاشرة، فقد انقطعت عنا أخبار أدبائها؛ لما كان يحدث في تونس من الحروب والفتن السياسية، وإنما وصل الباحثون في تاريخ الأدبي التونسي إلى طائفة قليلة جدّاً؛ مثل: أحمد بن عبد الرحمن بن الخلوف، ومثل: أبي الفتح محمد بن عبد السلام، ولهذا العالم الأديب قصيدة يتحسر فيها على ما حل بتونس لذلك العهد من حوادث اضطربت لها الحالة العلمية والسياسية.
ورجع الأدب في المئة الحادية عشرة إلى الظهور، وأخذ التاريخ يحدثنا عن رجال عاشوا في ذلك العهد، وكانت لهم في الأدب أقدام راسخة؛ مثل: الشيخ محمد فتاتة. واتصل أدب هؤلاء بأدب المئة الثانية عشرة، فكان حظ هذه المئة فوق حظ المئة السالفة. ومن أعيان أدبائها: الشيخ حمودة بن عبد العزيز، والشاعران البارعان: أبو عبد الله محمد الورغي، وأبو الحسن علي الغراب، ولكل منهما ديوان معروف عند التونسيين.
وكان لنهوض الأدب في المئة الثانية عشرة أثر كبير في رواج سوقه في المئة الثالثة عشرة، ومن أدباء ذلك العهد: الشيخ محمد الخضار، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ بيرم الرابع، والشيخ محمود قبادو، ولهؤلاء دواوين من الشعر، والذي طبع منها: ديوان الشيخ محمود قبادو، وهو أول من أخذ ينحو بالشعر نحو ما يقتضيه حال العصر، وأذكر من قصيدة له يحث فيها الأمة على مسايرة الأمم المجدة في إعداد وسائل القوة والعظمة:
لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بان عدمه
(11/ 1/18)

وممن برعوا في النثر الفني: الأستاذ أحمد أبو الضياف، فقد تولى رياسة الديوان في عهد الأمير أحمد باي، وأخذ ينسج في مراسلاته على مثال لسان الدين بن الخطيب، فسار النثر الجيد بجانب الشعر، وما أتى هذا العصر -وهو القرن الرابع عشر- حتى تهيأت في تونس نهضة أدبية محكمة الأساس، فلم تتبطأ أن صارت تنافس نهضة الأدب في البلاد الشرقية.
(11/ 1/19)

الحالة العلمية بجامع الزيتونة (1)
في قارة أفريقية ثلاثة معاهد إسلامية: الجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس. أما الأزهر، فله الشهرة في الشرق والغرب؛ لأن دائرة التعليم فيه أوسع، وطلاب العلم يؤمونه من كل ناحية، والمكاتب -عامة أو خاصة- لا تكاد تخلو من مؤلفات علمائه.
أما المعهدان الآخران، فلعل موقعهما الجغرافي، وحال محيطهما الاقتصادي وقفا منهما دون أن يحوزا كما حاز الأزهر سمعة لم تدع داراً إلا غشيتها، ولا أذناً إلا ولجتها، فما كنت لأعجب إذا لقيت رجالاً من أهل العلم لا يعرفون من شأن جامع الزيتونة كثيراً أو قليلاً.
ولما كانت جمعية الهداية الإسلامية قد أخذت على نفسها أن تكون وسيلة تعارف بين جماعات المسلمين عامة، ورجال العلم خاصة، رأيت أن ألقي كلمة في الحالة العلمية بجامع الزيتونة، ولعلّ الجمعية توفّق إلى إلقاء محاضرة في الحالة العلمية بجامع القرويين، وبهذا العمل تكون الصلة
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية "الهداية الإسلامية" بالقاهرة، ونشرت في الجزء الرابع من المجلد الثالث من مجلة "الهداية الإسلامية" لعام 1349 ه. مع ملاحظة التبديل الطارئ على النظام والمنهج وعدد المدرسين والطلاب في جامع الزيتونة حتى الآن.
(11/ 1/20)

بين المعاهد الثلاثة كما تقتضي مصلحة الأمة على متانة وصفاء.
وقد رأيت أن أمر بنظرة قصيرة على حال العلم منذ نشأته في تلك البلاد إلى أن دخل جامع الزيتونة في هيئته النظامية؛ لنرى كيف كان العلم هنالك ضارباً بشعاعه منذ أعصر قديمة، وإن اختلفت حالته قوة وضعفاً، وظهوراً وخمولاً.
* نشأة العلم في البلاد التونسية:
كان الذين يعمرون البلاد التونسية والجزائرية والمراكشية صنف البربر، ولكن بعد الفتح الإسلامي هاجر إليها خلق كثير من العرب الخلص، فانتشرت هنالك اللغة العربية، وأصبح سكان تلك البلاد بعد هذا الاختلاط أقواماً مستعربين، إلا قبائل متفرقة، معظمها بالمغرب الأقصى، ويعضها في الجزائر، وقليل منها في تونس.
وإذا نحن رجعنا إلى التاريخ؛ لنعلم كيف أخذت العلوم الإسلامية تنتشر في تلك البلاد، نجد أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ندب عشرة فقهاء من أعيان التابعين، وبعثهم إلى أفريقية؛ ليعلموا البربر واجبات الدين وأحكامه.
وكان رئيس هؤلاء المبعوثين: أبا عبد الرحمن عبد الله الحبلي، ومن بينهم: أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهو أول من ولي القضاء بالقيروان.
ومن ذلك العهد ابتدأ أهل تونس يرحلون إلى الشرق لتلقّي ما فيه من علوم، ومن هؤلاء الراحلين: عبد الرحمن بن زياد المعافري: رجل قروي من جماعة من التابعين، وكان قد صحب أبا جعفر المنصور طلب العلم، وعاد إلى القيروان بعلم غزير، وأدب جم، حتى تقلد أبو جعفر المنصور
(11/ 1/21)

الخلافة، فولاه قضاء القيروان، وكانت مدينة القيروان عاصمة الإمارة، ومحط رحال طلاب العلم حتى أواخر المئة الخامسة.
ورحل في طلب العلم بعد طبقة عبد الرحمن بن زياد طائفة لقوا مالك بن أنس وغيره من الأئمة، ثم عادوا بما جمعوا من علم؛ مثل: علي بن زياد، وعبد الله بن غانم، وأسد بن الفرات فاتح صقلية.
وكانت المئة الثالثة مستنيرة بأمثال سحنون ومن أخذوا عنه؛ كأبي سعيد البرادعي، وحماس بن مروان الهمذاني.
وأذكر أن يحيى بن عمر رحل إلى العراق، ثم جاء القيروان، وحضر مجلساً كان يعقده حماس هذا للمذاكرة في الفقه، وبعد أن انصرف من المجلس، قال: ما تركت في بغداد من يتكلم في الفقه بمثل ما سمعت اليوم.
ومما قال أبو القاسم الفزاري أحد أدباء القيروان لذلك العهد:
فهل للقيروان وساكنيها ... عديل حين يفتخر الفخور
بلاد حشوها علم وحلم ... وإسلام ومعروف وخير
عراق الشام بغداد وهذي ... عراق الغرب بينهما كثير
بلاد خطها أصحاب بدر ... وتلك اختط ساحتها أمير
وفي ذلك العهد ظهر في تونس الطبيب المعروف بابن الجزار صاحب المؤلفات التي عني بها الأوروبيون، ونلقوها من العربية إلى اللاتينية.
* في القرن الرابع:
ومن أعلام المئة الرابعة: أبو العباس عبد الله بن إسحاق المعروف بالإبياني، وكان من حفاظ مذهب مالك، ويميل إلى مذهب الشافعي، ورد مصر، فقال في حقه ابن شعبان: ما عدا النيل منذ خمسين سنة أعلم منه.
(11/ 1/22)

ومن أعلام هذا القرن أبو محمد عبد الله بن أبي زيد صاحب المؤلفات التي من جملتها كتاب "النوادر"، والزيادات على "المدونة"، وقد أخرجه في نحو مئة جزء.
* في القرن الخامس:
ومن أعلام المائة الخامسة عبد الحميد بن محمد الهروي المعروف بابن الصائغ، وأبو الحسن علي بن محمد المعروف باللخمي صاحب كتاب "التبصرة"، وله آراء في الفقه، وإليه يشير بعض الأدباء بقوله:
لقد مزقت قلبي سهام لحاظها ... كما مزق اللخمي مذهب مالك
وفي هذا العهد ظهر الأدب في تونس ظهوره في العراق والشام والأندلس، فظهر بالقيروان: الحسن بن رشيق صاحب كتاب "العمدة"، وابن شرف صاحب الرسائل التي من جملتها "أعلام الكلام"، وأبو إسحاق إبراهيم الحصري صاحب كتاب "زهر الآداب"، وابن خالته أبو الحسن علي الحصري صاحب القصيدة التي حاكاها كثير من الأدباء في القديم والحديث:
ياليلُ الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
* في القرن السادس:
ومن أعلام المئة السادسة: أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالمازري، وكان معدوداً فيمن بلغوا رتبة الاجتهاد، ومن مؤلفاته "شرح كتاب البرهان" لإمام الحرمين، و"شرح التلقين" للقاضي عبد الوهاب.
* في القرن السابع:
ومن أعلام المئة السابعة: أبو أحمد بن أبي بكر المعروف بابن زيتون،
(11/ 1/23)

رحل إلى الشرق، وأخذ عن عز الدين بن عبد السلام، وعاد إلى تونس، وكان بها قاضي القضاة، وهو أول من أظهر ودرَّس في تونس مؤلفات فخر الدين الخطيب الأصولية.
وفي هذا العهد أنشأ الأمير أبو زكريا يحيى داراً للكتب جمع فيها نحو ستة وثلاثين ألف مجلد.
وورد تونس في هذا القرن حامل لواء العربية بالأندلس علي بن موسى المعروف بابن عصفور، وأقام حتى توفي، وقبره بمكان قريب من جامع الزيتونة.
* في القرن الثامن:
ومن أعلام المئة الثامنة محمد بن عبد السلام، وهو معدود فيمن بلغوا رتبة الاجتهاد، ومن مؤلفاته "شرح جامع الأمهات لابن الحاجب".
ومن أعلام هذا القرن: أبو عبد الله محمد بن عرفة المؤلِّف في الفقه والتفسير والمنطق، وأصول الفقه، وأصول الدين، ومر في رحلته إلى الحج بالقاهرة، وأخذ عنه البدر الدماميني، واجتمع بالملك الظاهر، فأكرمه، وأوصى أمير الحج بخدمته.
ومن أعلامها: المؤرخ الشهير عبد الرحمن بن خلدون المتوفى في القاهرة سنة 807.
* في القرن التاسع:
ومن أعلام المئة التاسعة: محمد بن عمر الأبي شارح "المدونة"، و"صحيح الإمام مسلم"، وأبو القاسم البرزلي صاحب "الفتاوى"، ويحكى: أن الشيخ ابن عرفه ليم على كثرة الاجتهاد، وإتعاب نفسه في النظر، فقال:
(11/ 1/24)

وكيف أنام وأنا بين أسدين: الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله.
وفي هذا القرن أنشأ الأمير أبو فارس عبد العزيز خزانة كتب في الجانب الشمالي من جامع الزيتونة، ووقع عليها آلافاً من المجلدات.
* في القرن العاشر:
وكان الأمير في مبتدأ القرن العاشر أبا عبد الله محمد الحفصي، وكان له عناية بالعلم، ومن آثاره: إنشاء مكتبة لجامع الزيتونة، وهي التي تسمى الآن: "المكتبة العبدلية".
وفي سنة 70 من هذا القرن بليت تونس بحلول عساكر الإسبان، فعاثوا في المكاتب، وأطلقوا أيديهم في إتلافها حتى صارت نفائس الكتب ملقاة في الطرق تدوسها خيلهم بأرجلها، ولم يبق في مكتبة جامع الزيتونة -فيما يقال- إلا بضع نسخ من "صحيح الإمام البخاري". ويقول بعض الشيوخ معتذراً عن قلة ما يوجد من مؤلفات التونسيين: إن هذه الكارثة الإسبانية قد أتلفت وأضاعت كثيراً مما ألفوا.
ولكن البلاد لم تلبث بيد الإسبان حتى جاء الأتراك وطردوهم منها سنة 981، وصارت تونس من الأقطار المتعلقة بالدولة العثمانية، ويظهر من مطالعة التاريخ: أن سوق العلم بتونس كانت في القرن العاشر خاملة؛ إذ لم نجد فيها ما وجدنا في القرون قبلها أو بعدها من الأعلام الذين يدل وجودهم في القطر على أن هناك علوماً ساطعة، وأنظاراً واسعة، وأفهاماً راسخة.
* في القرن الحادي عشر:
بمناسبة اتصال تونس بالدولة العثمانية وردها في أوائل القرن الحادي
(11/ 1/25)

عشر بعض علماء الروم، فأخذت بهم الحركة العلمية نشاطاً، ومن هؤلاء الواردين: أستاذ يقال له: "منلاً أحمد"، كان بارعاً في الفقه والأصول والتفسير والنحو والبيان والمنطق، فتخرج في درسه جماعة من أعلام القرن الحادي عشر؛ مثل الشيخ: محمد الغماد، والشيخ أبو يحيى الرصّاع.
وينبئكم برسوخ منلا أحمد هذا في الفهم: أن بعض الطلاب أراد أن يسرد عليه تركيباً من كتاب، فقال له: إني لست بقصاص، فعبر لي من شدقك بعبارة تنبئ عن مراد المؤلف.
* في القرن الثاني عشر:
تدلنا آثار كثيرة على أن الحياة العلمية في القرن الثاني عشر قد أخذت في نشاط؛ فإنا نرى لكثير من أمراء تونس في ذلك العهد اعتناء بإحياء العلم، وتهيئة وسائله.
نرى محمد بن مراد باي المتوفى سنة 1108 بنى مدارس في نواح مختلفة من المملكة؛ كالقيروان، والكاف، وقابس، وباجة، والجريد، ونرى الأمير حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية القائمة حتى الآن قد أنشأ مدارس بالحاضرة، والقيروان، وسوسة، وصفاقس، ونفطة.
ونرى علي باشا قد أنشأ مدارس، ووقف في كل مدرسة خزانة من الكتب، وأرسل الشيخ حسين البارودي مفتي دولته إلى الآستانة ليشتري له ما يصل إلى يده من الكتب القيمة.
ونقرأ في تاريخ حسين بن علي الثاني: أنه كان من الأدباء والشعراء، ومن شعره قصيدة ميمية شرحها الشيخ أبو عبد الله محمد الشافعي، وقصيدة قافية شرحها العلامة الشيخ محمد صالح الكواش.
(11/ 1/26)

ونقرأ في تاريخ علي باي بن حسين بن علي: أنه كان مشتركاً في العلوم، وكان يصطفي العلماء.
ويقص علينا التاريخ: أن طائفة من العلماء كانوا قد رحلوا إلى تلقي العلم بالأزهر؛ مثل: علي بن موسى الأندلسي، ورد الأزهر، فأخذ عن الشيخ الأجهوري، وعبد الباقي الزرقاني، ومحمد الخرشي، وعاد إلى تونس بعلم كثير.
ومن أعلام هذه المئة الشيخ محمد زيتونة، والشيخ محمد الخضراوي، والشيخ حموده فتاتة، ونجم الدين المعروف بابن سعيد صاحب "حواشي شرح الخيصي"، "للتهذيب وحواشي شرح الأشموني للخلاصة".
وفي ذلك القرن كان للأدب سوق نافقة، وظهر فيها الشاعران: علي الغراب الصفاقسي، ومحمد الورغي، بل نجد في أشعار أهل العلم جزالة وإحكام نسج.
وأذكر من شعر الشيخ ابن سعيد قوله يشكو حساده:
ومالي ذنب عندهم غير أنني ... إذا شئت قلت الشعر وهو رقيق
وإن خضت في بحر من العلم لجَّ بي ... تطاير دُرٍّ فوقه وعقيق
خليلي هل يجني على المرء مجده ... فإني بالمجد العريق حريق
وأذكر من شعر الشيخ حمودة بن عبد العزيز يتحدث عن الحرب:
فلا وأبي لا يبلغ المجد عاجز ... يعلل نفساً بالأماني الكواذبِ
ولكن فتى قد جرَّد السيف طالباً ... به من حقوق الحمد أسنى المطالبِ
يهاب الدنايا أن تدنس عرضَه ... وليس لأسباب المنايا بهائبِ
(11/ 1/27)

هي الحرب من يعلق بها يبلغ المنى ... وهل نال أقصى المجد غير المحاربِ
* نشأة جامع الزيتونة:
كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي عاصمة للملكة التونسية، وكان جامعها الذي اختطه عقبة بن نافع - رضي الله عنه - من أكبر المعاهد التي يؤمها طلاب العلم من نواح مختلفة، ولما استولى على القطر الفرنسي أصحاب المهدي بن تومرت: عبد المؤمن بن علي وحلفاؤه، اتخذوا مدينة تونس دار الإمارة، وبقيت العاصمة إلى هذا اليوم.
وبعد أن صارت مدينة تونس عاصمة البلاد، أصبحت مورد العلوم، ومحط رحال العلم، فأخذ جامع الزيتونة يغالب جامع القيروان، وأخذ اسمه يتردد أكثر مما كان يتردد على الألسنة والآذان.
ابتدأ بناء جامع الزيتونة الأمير حسان بن النعمان الغساني الداخل لإفريقية سنة 79، ثم جاء الأمير عبد الله بن الحبحاب الداخل سنة 114، وأتم بناءه سنة 141، ولما تولى زيادة الله بن الأغلب الإمارة بالقيروان، أحدث به أبنية فخمة، وصار من أحسن الجوامع القائمة على أساطين من المرمر والرخام.
* جامع الزيتونة والنظام:
رأى أمير تونس المشير أحمد باشا أن تكون الدولة قائمة بنفسها، وأخذ ينظر في وسائل القوة والمنعة، وأول ما يعنى به طالب القوة: ترقية شأن التعليم، وإنبات طلاب العلم نباتاً حسناً، فكان من تدبير هذا الأمير: أن قصد إلى تنظيم التعليم بجامع الزيتونة، وأصدر في ذلك مرسوماً سنة 1258، وتلي هذا المرسوم في يوم مشهود، ورسم في صحيفة محاطة بإطار، وعلق داخل باب من أبواب الجامع يقال له: "باب الشفاء".
(11/ 1/28)

واقتضى هذا المرسوم أن ينتخب للتدريس بجامع الزيتونة خمسة عشر عالماً من المالكية، ومثلهم من الحنفية، على أن يقرئ المدرس في كل يوم -ما عدا يومي الخميس والجمعة- درسين من أي فن أراد، وفي أي وقت تيسر له، وإذا فقد أحد هؤلاء المدرسين، انتخب نظَّار الجامع بدله أعلم الموجودين في العصر، وإذا اشتبه عليهم الحال فيمن يستحق ولاية التدريس، عقدوا مسابقة بين من يرغبون في إحرازها بطريق المسابقة، ومن وقع عليه الاختيار، فصل في تعيينه المشايخ النظّار، وبعثوا قرارهم إلى حضرة سمو الباي يصدر مرسوماً في ولايته.
وفي عهد الأمير محمد الصادق باي، ووزيره المصلح خير الدين باشا صاحب كتاب "أقوم المسالك في أحوال الممالك"، دخل على نظام التعليم تبديل وتهذيب، ووضعت مناهج سارت به إلى الإمام مرحلة كبيرة، وكان هذا الوزير يتردد على الجامع، ويشهد حلقات الدروس بنفسه، فكان فيما يظهره رجال الدولة من العناية بهذا المعهد الإسلامي داعية إقبال وتنافس في ميدان العلوم.
وفي سنة 1310، وسنة 1312 دخل على هذا النظام شيء من التنقيح.
وفي سنة 1329 عقدت الحكومة لجنة من كبار أهل العلم وبعض رجال الدولة؛ للنظر فيما تحتاج إليه مناهج التعليم من تهذيب وإصلاح، فصار التعليم بما قررته اللجنة أقرب إلى التعليم المحاط بالنظم المدرسية من كل جانب.
وكانت أقسام التعليم من ابتدائي وثانوي وعال، كلها في نفس جامع الزيتونة، وفي سنة 1345 فصل التعليم الابتدائي عن الثانوي والعالي، فخصص
(11/ 1/29)

للابتدائي جامع فسيح يقال له "جامع سيدي يوسف"، ويقي القسمان الثانوي والعالي في جامع الزيتونة.
ونؤمل من ذوي الشأن هنالك أن ينشئوا في الجامعة الزيتونية قسماً للتخصص؛ حتى تسير تلك الجامعة بجانب الأزهر الشريف في المستقبل كما سارت بجانبه فيما سلف من الأيام.
وظهر في عهد النظام نبغاء في علوم الدين واللغة العربية؛ مثل: الشيخ معاوية الذي يذكره الشيخ الأنباني في تقاريره البيانية، فيناقشه تارة، ويسلم آراءه تارة أخرى.
وفي أوائل ذلك العهد أخذت تونس في حياة مدنية نامية، وصارت في مقدمة الشعوب التي تيقظت لما تحتاج إليسه من إصلاح. ومن شواهد هذا: قصائد المفتي المالكي الشيخ محمود قبادو المتوفى حوالي سنة 1280، فإن قارئها يجد فيها تذكرة وتنبيهاً على جانب من طرق الإصلاح، ويحضرني من شعره قوله في إحدى القصائد:
أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزاً إلى الأعوان فيما يؤمُّه
فذلك نوتيٌّ يعين بفعله وآخر ... خِرِّيتٌ قُصاراه علمُه
ومقصده جري السفين وحفظها ... ليسلم كل أو ليعظم غنمه
أيركب هول البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه
لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتد يَمُّهُ
ومملكة الإسلام يقلص ظلها ... وينقص من أطرافها ما تضمُّه
على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمه
(11/ 1/30)

وأعرق في منمى الحضارة موضعاً ... وأطول باعاً يقلق الهام دمه
ودوخ مغزاها الأقاليم سبعة ... وتاخمها من سد يا جوج رَدْمُه
ويقول في الأمم الغربية:
هم غرسوا دوح التمدن فرعه الر ... ياضي والعلم الطبيعي جذمه
أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزوننا علماً لنا كان فخمه
ويقول:
لقد قتلوا دنيا الحياتين خبرة ... فمن لم يساهمهم فقد طاش سهمُه
ومن نبغاء ذلك العهد: الأستاذ الشيخ أحمد بن أبي الضياف، تولى رياسة الديوان بالوزارة الكبرى، وكان الأمير أحمد باي قد جعل اللسان الرسمي للدولة اللغة العربية بعد أن كانت المراسلات تحرر باللسان التركي، فأخذ الشيخ ابن أبي الضياف ينسج في رسائل الدولة على طرز لسان الدين ابن الخطيب، وتلاه الشيخ محمد العزيز بوعتور في رياسة الديوان، وكان كاتباً بليغاً، فصارت مخاطبات الحكومة ببراعة هذين الأستاذين ومن ينحو نحوهما تحرر بأقلام راقية.
* إدارة المعهد الزيتوني:
يتولى إدارة شؤون ذلك المعهد أربعة من الشيوخ، وهم: رئيس الإفتاء الحنفي، ورئيس الإفتاء المالكي، والقاضي الحنفي، والقاضي المالكي، ويسمى هؤلاء الشيوخ من جهة نظرهم في شؤون المعهد: "المشايخ النظّار"، ويرأس المجلس شيخ الإسلام الحنفي، واكتسب الحنفية التقدم على المالكية في المواطن الرسمية؛ حيث إن أمراء الدولة الحسينية القائمة لهذا العهد
(11/ 1/31)

يتقلدون مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
يجتمع النظار بمكان معد لهم بجانب من المعهد في صبيحة يوم السبت من كل أسبوع، ثم يتناوبون بعد هذا بقية الأيام، فيجيء كل واحد منهم في يوم لإجراء ما قرروه عند اجتماعهم، وينص القانون على أن للناظر أن يختبر أحوال المدرسين بنفسه، فيجلس قريباً من المدرس بحيث يسمع إلقاءه؛ حتى تتميز عنده مراتب المدرسين.
ويساعد المشايخ النظار في الإشراف على التعليم أستاذان من المدرسين يحضران جلسات المشايخ النظار، ولهما إبداء ملاحظاتهما في تلك الجلسات، ولا يعتد برأيهما عند الاقتراع.
وهذان الأستاذان يحرران -أو أحدهما- كل يوم أحوال الطلبة، وأحوال المدرسين غيبة وحضوراً، ويعرضان ذلك على من يحضر من المشايخ النظار في يومه.
* العلوم والفنون التي تدرس بالمعهد الزيتوني:
يدرَّس في ذلك المعهد: التفسير، والحديث، والسير، والتوحيد، والقراءات، والمصطلح، والفقه، والأصول، وآداب الشريعة، والنحو، والبيان؛ واللغة، والأدب، وعلم العروض، والمنطق، والتاريخ، والجغرافية؛ والحساب، والهندسة، والهيئة والميقات، والمساحة.
ينص القانون على أن هذه العلوم والفنون تدرس في نفس الجامع، ولكن الطلاب -فيما أعرف- يتلقون بعض العلوم الحديثة؛ كالجغرافيا والهندسة بمدرسة الخلدونية، وهي مدرسة بمقربة من المعهد تقوم بها جمعية أهلية، إلا أنها تتناول مساعدة سنوية من إدارة الأوقاف.
(11/ 1/32)

ولم يكن الإنشاء مما يتلقاه الطلاب على طريقة التمرين، وأذكر أني كنت وجهت إلى المشايخ النظار خطاباً مفتوحاً أطلب فيه العناية بدرس الإنشاء على طريقة عملية، آثرت أن يكون الخطاب نظماً، ويحضرني منه الآن:
بذلتم في نَفاق العلم وسعاً ... وذللتم طرائقه الصعابا
فأصبح معهد العرفان صرحاً ... رفيعاً لا نظير له غرابا
ولكن الخصاصة في فنون ... تساورنا المخافة أن نعابا
أصاب صناعة الإنشاء محل ... وغاض معينها إلا سرابا
أنرمي نحو وادينا بقشر ... ويحرز غيرنا منها اللبابا
* * *
أفي علم البيان نغوص فهماً ... ونملأ من جواهره الوطابا
وإن ركبت أناملنا يراعاً ... تعاصى أن يشق بها عبابا
ومن ركب الأتان لدى سباق ... أبى إلا الزراية والعتابا
وليس بنافع تقليد رمح ... لشخص لم تعلمه الحرابا
وأذكر منها:
ولا ترقى شؤون الشعب إلا ... بأقلام تناقشه الحسابا
وتكشف عن شموس الجو لبساً ... تراكم تحت غرتها سحابا
وما الحادي بشعر أبي فراس ... وقد جست أنامله الربابا
بأعذب من صدى قلم تهادى ... على طرس يخط به كتابا
(11/ 1/33)

وأرشق منظراً من لحظ قلبي ... توسد باللوى الذهب المذابا
دواة في زجاجتها مداد ... نصوغ على البعاد به خطابا
* الكتب التي تدرس بالقسم العالي:
أقتصر هنا على ذكر ما يدرس في المرتبة العالية من الكتب؛ إذ هي التي يعرف بها مدى التعليم، وكفاية المتخرجين الذين استمروا على تلقي العلم إلى انتهاء أمد الدراسة.
يعين القانون لقراءة التفسير: "الجلالين"، و"أسرار التنزيل" للقاضي البيضاوي، ولقراءة الحديث: "الموطأ بشرح الزرقاني"، و"صحيح الإمام البخاري بشرح القسطلاني"، و"صحيح الإمام مسلم بشرح الأبي"، وكتاب "الشفا" للقاضي عياض بشرح الشهاب.
ولقراءة علم الكلام؛ "العقائد العضدية بشرح السعد"، و"المواقف بشرح السيد الشريف"، ولقراءة الأصول: "التوضيح بشرحه المسمى بالتلويح"، و"مختصر ابن الحاجب بشرح العضد"، و"جمع الجوامع بشرح الجلال المحلي". ولقراءة علم النحو: "مغني اللبيب"، و"شرح الأشموني على الخلاصة"، ولعلم البلاغة: "التلخيص بشرح المطول للسعد"، والقسم الثالث من "المفتاح بشرح السيد"، ولقراءة علم اللغة والأدب: "المزهر" للسيوطي، و"الحماسة بشرح المرزوقي"، و"المثل السائر لابن الأثير"، ولقراءة المنطق: "شرح القطب على الشمسية"، ومما يدرس للتاريخ: "مقدمة ابن خلدون".
ومن هنا يستبين الناظر أن الأزهر وجامع الزيتونة يتحدان في أغلب ما يدرس من الكتب، إذن، فالثقافة في المعهدين واحدة، أو متقاربة.
(11/ 1/34)

المدرسون:
الذين يقومون بالتدريس في ذلك المعهد ثلاث طبقات:
1 - مدرسون من الطبقة الأولى، وهم ثلاثون مدرساً.
2 - ومدرسون من الطبقة الثانية، وهم اثنا عشر مدرساً.
3 - ومدرسون من الطبقة الثالثة، وهم خمسون مدرساً.
وبعد هؤلاء أستاذان يختصان بدرس القراءات.
والمدرسون من الطبقة الأولى يقرئون كتب المرتبة العالية، ويشتركون مع مدرسي الطبقة الثانية في إقراء كتب المرتبة المتوسطة، والمدرسون من الطبقة الثانية يدرِّسون كتب المرتبة المتوسطة، ويشاركون في تدريس كتب المرتبة الأخيرة.
والمدرسون من الطبقة الثالثة مقصورون على دراسة كتب المرتبة الثالثة، وللنظارة أن تأذن لهم في إقراء كتب المرتبة المتوسطة.
لا يجلس للتدريس في المعهد إلا من كان بيده شهادة من نفس المعهد، أما العلماء الذين يردون على حاضرة تونس، فإنما يسوغ لهم التدريس بعد إجازة المشايخ النظارة، وموافقة الدولة.
ويحتوي القانون على نصائح وآداب للمدرسين؛ كما يقول: "على المدرس أن يتثبت في الفهم والنقل حتى يكون على بصيرة من أمرهما، ولا يتوثق بأول بارق، ويستبرئ لدينه ولعوضه من نقل الخطأ عنه، وإذا أخطأ في فهم أو نقل، فعليه بمقتضى ديانته أن يصدع بالحق".
ومما يقول: "ليس لأحد أن يبحث في الأصول التي تلقتها العلماء جيلاً بعد آخر، ولا أن يكثر من تغليط المصنفين؛ فإن كثرة التغليط أمارة الاشتباه
(11/ 1/35)

والتخليط، بل عليه أن يبذل الوسع في فهم مراد الفضلاء، ولا يلقي البحث إلا بعد التحري والإحاطة بأطراف الكلام، والتدبر في فهم المراد".
* التلاميذ:
يتخذ كل تلميذ دفتراً يكتب له فيه أساتذته في كل شهر شهاداتهم بالحضور، وحال المواظبة، ودرجته في النجابة والفهم، ويذكرون الباب أو المسألة التي كانت مبدأ حضوره في الكتاب، كما يذكرون البحث الذي انتهى إليه وقت كتابة الشهادة.
ويبلغ عددهم في هذا المعهد زهاء ألفين، ومعظمهم من القطر التونسي، ومن بينهم كثير من القطر الجزائري، ويوجد من بينهم طلاب من طرابلس الغرب، والمغرب الأقصى.
وقد اشتمل قانون المعهد على نصائح وآداب للطلاب؛ كما يقول: "يلتزم التلميذ آداب السؤال، فيسأل سؤال مسترشد ملتزماً اللطف في سؤاله". ويقول: "لا يسوغ للتلميذ التلهي عن الدرس بحديث أو غيره، وإذا سأل التلميذ، فليس لغيره من الطلاب أن يجيبه إلا إذا أذن له الشيخ في الجواب".
ويقول في التلميذ يسيء الأدب مع أستاذه: "فعلى الشيخ أن يلومه أولاً فيما بينهما، فكان عاد، وبخه بمحضر أقرانه، فكان عاد، رفع الأمر للنظارة كتابة؛ لتجازيه بما ترى من لومه أو توبيخه أو رفته من المعهد رفتاً مؤقتاً أو باتاً".
* الامتحان:
تعقد عند انتهاء أيام الدراسة من كل سنة لجان من المدرسين لاختبار التلاميذ فيما قرؤوه في تلك السنة، (وهو امتحان النقل).
(11/ 1/36)

ويجرى امتحان لأخذ شهادة "التطويع"، وهذه الشهادة منظور إليها كشهادة العالمية في الأزهر؛ من جهة ما يترتب عليها من نيل بعض المناصب، إلا أن دراسة الطالب نحو سبع سنين تكفي لقبوله للامتحان، وإحرازه هذه الشهادة، والمقرر لهذا الامتحان مقالة تحرر ارتجالاً، وعلى مرأى من المراقبين في باب من أبواب الفقه، ثم إلقاء درس بعدها في الأصول، أو الفقه، أو الكلام، أو النحو، أو المنطق، أو البلاغة، على حسب ما تقع عليه يد الطالب من أوراق كثيرة تعين فيها دروس من هذه العلوم، وتوضع في ربعة، ومدة مطالعة الدرس -فيما أعرف- ست ساعات، ثم تلقى على الطالب في يوم بعد يوم الدرس تسعة أسئلة من تسعة علوم ليجيب عنها حال السؤال، والعلوم التي تطرح منها الأسئلة هي: الفقه، والنحو، والصرف، والمنطق، والبلاغة، والحساب، والهندسة، والجغرافية، والتاريخ.
يتولى هذا الامتحان المشايخ النظار بأنفسهم، ويلقي الممتحنون الدروس، وتلقى عليهم الأسئلة في مجمع عام يشهده من شاء من المدرسين والطلاب وغيرهم.
والذي يلاحظ: أن ليس في مواد الامتحان علم الحديث والتفسير، مع أنهما يدرسان في المعهد، ونحن نود أن يكون هذا العلمان في أول ما يجري فيه الامتحان، ولو أفضى الحال إلى مد أجل الدراسة سنتين أو ثلاثاً.
ونود لو أن المشايخ النظار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان حتى يتضح مقدار فهم الطالب جلياً، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس، وإقبالهم على ما يقرره الأستاذ؛ ليكونوا من كل ما يلقيه على بينة.
(11/ 1/37)

* مثل ممن تلقينا عنه في ذلك المعهد:
أذكر لحضراتكم من كبراء أساتذتنا ثلاثة امتاز كل واحد منهم بناحية جعلته عبقرياً متناهياً:
أحدهم: أستاذنا المرحوم الشيخ سالم أبو حاجب، حضرت دروسه عندما أخذت في قراءة الكتب العالية، فشعرت بأني دخلت في مجال أفسح للنظر، وأدعى لنشاط الفكر؛ إذ لم يكن الأستاذ مما يقصر مناقشته على عبارات المؤلفين، بل كان يتجاوزها إلى نقد الآراء نفسها، ويتجاوز النقد إلى الغوص على أسرار المباحث، دينية كانت أم عربية، ولا يترك في درس الكتب الشرعية أن يعقد الصلة بين أصول الإسلام ومقتضيات المدنية الحاضرة.
ثانيهم: أستاذنا المرحوم الشيخ عمر بن الشيخ، وكان هذا الأستاذ نافذ الفكر في المباحث الغامضة، قديراً على حل المسائل العويصة، ولكنه لا يكثر من مناقشة المؤلفين وذوي الآراء، وإذا ناقش في عبارة أو رأي، فبأدب واحترام، وقد درس هذا الأستاذ كتاب "المواقف" من فاتحته إلى منتهاه، وكان يوم ختمه لهذا الكتاب يوماً مشهوداً.
ثالثهم: أستاذنا المرحوم الشيخ محمد النجار، وكان هذا الأستاذ واسع الاطلاع، غزير العلم، وإذا صح لنا أن نعد الأستاذ الشيخ سالم أبا حاجب إخصائياً في علوم اللغة والنحو والبلاغة والأدب؛ لظهور رسوخه في هذه العلوم أكثر من غيرها، وصح لنا أن نعد الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ إخصائياً في الفقه والكلام والمنطق والفلسفة؛ لظهور مكانته في هذه العلوم أكثر مما سواها، فإن الأستاذ الشيخ محمد النجار كان نحريراً في العلوم
(11/ 1/38)

التي تدرس في جامع الزيتونة في درجات متساوية أو متقاربة.
هذا ما وسع المقام من الحديث عن الحالة العلمية في جامع الزيتونة، وكانت الحكومة منذ أشهر قد ألفت لجنة للنظر في إصلاح قانون ذلك المعهد، ونرجو أن تكون اللجنة قد عملت صالحاً.
(11/ 1/39)

الدولة الحسينية في تونس (1)
بقيت البلاد التونسية منذ الفتح الإسلامي ولاية تابعة للخلافة في الشرق حتى تولى أمرها إبراهيم بن الأغلب بعهد كتبه له هارون الرشيد سنة 184 ه، فأسس دولة تسمى: الدولة الأغلبية، ثم انقرضت هذه الدولة، وقامت بعدها الدولة العبيدية، ومؤسسها عبيد الله المهدي جد المعز لدين الله الذي انتقل إلى مصر وأسس الدولة الفاطمية. وخلفت الدولة العبيدية الدولة الصنهاجية، ومؤسسها بلكين بن زيري من قبيلة صنهاجة إحدى القبائل البربرية، ثم وقعت البلاد في يد عبد المؤمن بن علي، أحد أصحاب المهدي بن تومرت، فساسها الموحدون حيناً، ولم تلبث أن تولاها أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد الحفصي، فأعلن استقلاله عن سلطان مراكش من آل عبد المؤمن، وأقام بانفصاله عنهم دولة تسمى: الدولة الحفصية، ولما ذهبت ريح هذه الدولة، وتداعت إلى السقوط، أزمع خير الدين باشا -الذي كانت صناعته (القرصنة) في البحر الأبيض- الاستيلاء على تونس، وضمها إلى ممالك الدولة العثمانية، فدخلها سنة 935، وخطب بها للسلطان سليمان القانوني.
ثم أن الأمير الحفصي الذي فر من وجه خير الدين باشا استنجد بملك
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء السادس من المجلد الأول الصادر في ذي القعدة 1347.
(11/ 1/40)

إسبانيا (شارلكان)، فأمده بقوة بحرية استطاع بها أن يستعيد ملك تونس، ولكن تحت الحماية الإسبانية.
ثم إن علي باشا أحد ولاة الدولة العثمانية ببلاد الجزائر زحف إلى تونس فطرد منها الإسبان سنة 977، وأخذ البيعة للسلطان سليم الثاني.
وقدم بعد هذا أسطول ملك إسبانية، واستولى على تونس مرة أخرى، ونصبوا بها محمد بن الحسن الحفصي على شرط الحماية والمشاركة.
ثم إن السلطان سليمان الثاني جهز أسطولاً، وبعث به تحت قيادة الوزير سنان باشا سنة 981، فأنقذ تونس من يد الإسبان، وخطب فيها باسم السلطان سليم، ووضع لحكومتها نظاماً، ثم قفل راجعاً إلى الآستانة.
ومما صنع في هذا النظام: أن رتب لحراسة البلاد عسكر، وجعل على كل مئة منهم ضابطاً يلقب بالداي، وجعل لهؤلاء الضباط رئيسا يدعى: (الآغا)، وأقام لجباية الأموال والياً يلقب: (الباي)، وعهد بالسفن الحربية إلى قائد يدعى: (قبودان رائس)، أما ما سوى هذا من قضاء، أو تدبيرِ شأن، فيجتمع إليه هؤلاء الأمراء بمحضر طائفة اختارهم سنان باشا من أعيان البلاد.
واستقل بالأمر بعد هذا رؤساء يلقبون بالدايات، وظهرت بعدهم الدولة المرادية، وكان رجالها يلقبون بالبايات، وصارت الولاية من بني مراد إلى المدعو إبراهيم الشريف باي الذي أقام حسين بن علي تركي (مؤسس الدولة الحسينية) كاهية له، يتولى النظر في كثير من شؤون الحرب والسياسة.
وجرى بعد هذا ما دعا أهل الحل والعقد من العقلاء والأعيان ورجال العسكرية أن اجتمعوا، وبايعوا حسين بن علي تركي في 20 ربيع الأول 1117،
(11/ 1/41)

وكان هذا مبدأ عهد الدولة الحسينية.
وعلي تركي من "كندية" (بلد بجزيرة كريت)، وفد إلى تونس في عهد الدولة المرادية، وانتظم في الجندية إلى أن توفي سنة 1103، ونشأ ابنه حسين تحت رعاية البايات من بني مراد، وتقلب في مناصب كبيرة إلى أن بويع الإمارة كما قصصنا.
ومن مآثر حسين باي: أنه شاد بمدينة تونس (المسجد الحسيني)، وأقام بجانبه المدرسة الحسينية، وأنشأ مدرسة إزاء جامع الزيتونة يقال لها: مدرسة النخلة، وبنى مدارس بالقيروان، وسوسة، وبلاد الجريد.
وقام بالأمر بعده ابن أخيه علي بن محمد، وكان حسين باي قد وجه عنايته إلى تعليمه حتى أدرك في العلم منزلة عالية، وله على كتاب "التسهيل" لابن مالك شرح لا يزال موجوداً بالمكاتب التونسية.
ومن مآثره: المدرسة الباشية، والمدرسة السليمانية (نسبة إلى ابنه سليمان)، ومدرسة بئر الحجار، ومدرسة حوانيت عاشور، وأقام في كل مدرسة بالحاضرة وغيرها من البلاد خزانة كتب، وكان قد بعث الشيخ حسين البارودي أحد كبار أهل العلم إلى الآستانة ليشتري له جانباً من أعز الكتب وأنفسها، ومن الأدباء الذين اشتهروا في عهده: الشاعر علي الغراب الصفاقسي، وأبو عبد الله محمد الورغي.
وقام بالأمر بعده محمد الرشيد بن حسين باي، وكان عالماً بارعاً في الفنون الأدبية، وما لبث أن توفي سنة 1172، وخلفه أخوه علي بن حسين باي، كان مولعاً بمجالسة العلماء، وله مشاركة في العلوم الإسلامية، وبالأحرى: علم الحديث.
(11/ 1/42)

ومن منشأته: المدرسة التي أقامها بجانب تربته، وملجأ (تكية) يحتوي قسمين: قسماً للرجال، وآخر للنساء، ووقف عليه ما يقوم بحاجاتهم من طعام وكسوة وفراش، ومما يذكر عنه: أنه قاد إليه بنفسه نفراً من العُمي، وأطعمهم بيده، ومن محامده: أنه هدم الحانات، ونفذ حكم الشرع في المنع من تعاطي المسكرات.
وخلف علي بن حسين ابنه حمودة بن علي، قرأ هذا الأمير العلوم الدينية والأدبية، ومن مزاياه: أنه كان يفاخر بمصنوعات مملكته، ويسابق إلى لبسها، فيقتدي به رجال الدولة وغيرهم، ومن أقواله المأثورة: "الحلية للنساء لا للرجال، وزينة الرجل ماله وأعماله"، ومن آثاره: المسجد المعروف بجامع حمودة باشا (1).
وقام بالأمر بعده أخوه عثمان بن علي، وتولى بعد عثمان محمود بن محمد الرشيد. وتولى بعد محمود ابنه حسين باي الثاني، وهو الذي أمر أرباب الوظائف والرتب العسكرية بتغيير زيهم على نحو ما جرى في الدولة العثمانية.
وقام بالأمر بعده أخوه مصطفى بن محمود باي، وهو أول من وضع أوسمة الافتخار تصاغ مرصعة بالألماس، ومنقوشاً عليها اسم ملك البلاد.
وتولى الملك بعده ابنه أحمد باي، ونحا هذا الأمير في سياسته نحو الاستقلال التام، فأنشأ مدرسة حربية بباردو، وطلب إليها أساتذة من أوروبا
__________
(1) جرى تصحيح في المجلد الأول - الجزء الثامن - من مجلة "الهداية الإسلامية" تضمن أن الجامع المعروف بجامع حمود باشا هو من حسنات حمودة باشا المرادي ثاني ملوك الدولة المرادية المتوفى سنة 1076 ه.
(11/ 1/43)

سنة 1255، وأخذ في ترجمة كتب في الفنون العسكرية، وهو أول من وضع نظاماً للتعليم في جامع الزيتونة، وأقام به نحو عشرين خزانة من الكتب القيمة، وهو أول من احتفل بمولد أفضل الخليقة محمد - عليه الصلاة والسلام - في المظهر الذي يقام به في الحاضرة لهذا العهد، فيشهد الملك في اليوم الحادي عشر صلاة العصر، ثم صلاة العشاء في جامع الزيتونة، وهو حافل بقراءة القرآن، ثم يعود في صبيحة اليوم الثاني عشر إلى الجامع نفسه ليحضر تلاوة قصته التي ألفها الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي.
ومما يذكر في تاريخ هذا الأمير: أنه أصدر أمراً بمنع بيع الرقيق في المملكة التونسية سنة 1262، وبعتق كل من كان بها من الأرقاء، وقد رأيت للعلامة الشيخ إبراهيم الرياحي -الذي كان يمثل في كثير من مواقفه أمام أمراء تونس موقف عز الدين بن عبد السلام في مصر والشام- كتاباً يستحسن فيه ما صنعه هذا الأمير من تحرير الأرقاء، ومنع الاتجار بهم، استناداً إلى أن أصل الاستيلاء عليهم لم يكن على وجهه المشروع، ونظراً إلى ما غلب على مالكيهم من سوء معاملتهم، وعدم الاحتفاظ بما تأمر به الشريعة من الرفق بهم، واتخاذهم كإخوان أو أبناء، وهو أول من خاطب الدولة العثمانية في مكاتبيه باللسان العربي، وكانت قبل هذا تحرر باللسان التركي.
وقام بالأمر بعد أحمد باي ابن عمه محمد بن حسين الثاني، ومما يذكر به هذا الأمير: أنه وضع قانوناً أساسياً يكفل لسكان البلاد الحرية والمساواة في الحقوق، ويدعى هذا القانون: "عهد الأمان"، وقرئ هذا القانون في موكب شهده رجال الدولة، وأعيان البلاد، ومعتمدو الدول الأوربية في 20 المحرم سنة 1274، وحلف الملك في هذه الحفلة على إنفاذه.
(11/ 1/44)

وعني هذا الأمير بتنظيم المحكمة الشرعية، فأقام دار الشريعة التي تسمى: "الديوان"، وحضر يوم فتحها بنفسه، وهو أول من استجلب أدوات الطباعة، واستعملها في البلاد التونسية، وأول من ضرب السكة باسمه جاعلاً اسمه، في أحد وجهي المسكوك، واسم السلطان العثماني في وجهه الآخر.
وتولى بعد محمد باي أخوه محمد الصادق بن حسين الثاني، نظم هذا الأمير منهج التعليم في جامع الزيتونة، وأضاف إلى خزائنه التي أنشأها أحمد باي كتباً كثيرة، وأنشأ هذا الأمير مدرسة الصادقية، وهي معهد أنشأه لتدرس فيه مبادئ العلوم الإسلامية والعربية، ثم العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وأحيا المكتبة القائمة بجوار جامع الزيتونة، وهي مكتبة عامة تدعى: (المكتبة الصادقية)، وأوسع العمل بدار الطباعة، فظهرت بها الصحيفة التي تسمى: "الرائد التونسي"، وانتخب للتحرير بها أساتذة من كبار العلماء بجامع الزيتونة، فكانت صحيفة علمية أدبية سياسية، زيادة على ما تنشره من القوانين والمرسومات الحكومية.
وقام بتنفيذ مشروع عهد الأمان الذي أسسه محمد باي، وأنشأ مجالس أهلية، وألف مجلساً أعلى للنظر في مصالح الأمة.
وفي عهد هذا الأمير وضعت الدولة الفرنسية يدها على تونس، ولم يلبث أن توفي سنة 1299، وخلفه أخوه المغفور له علي باشا باي، وبعد وفاته سنة 1320 انتقل الملك إلى المغفور له ابنه محمد الهادي باي، وعرف هذا الملك بشهامة وغيرة جذبتا إليه قلوب الأمة، وكان أثرها يظهر في شؤون الدولة بقدر الإمكان، وتوفي سنة 1324، وورث الملك بعده المغفور له ابن عمه محمد الناصر بن محمد باي حتى توفي سنة 1340، وخلفه المغفور له
(11/ 1/45)

محمد الحبيب بن المأمون بن حسين الثاني، وهو الذي توفي في يوم الاثنين غرة رمضان من هذه السنة، وجلس على عرش الملك بعده حضرة صاحب الجلالة أحمد باي، وهو أحمد الثاني بن علي باي الثالث بن حسين الثاني ابن محمود بن محمد الرشيد بن حسين الأول مؤسس الدولة الحسينية.
ومجمل القول: أن آثار البيت الحسيني في نشر العلوم، والمحافظة على أصول الدين الحنيف غير قليلة، وما زهت العلوم الإسلامية والعربية وغيرها في تونس، وتسابق فيها العلماء والأدباء إلى غاية بعيدة إلا بما كان يظهره أمراء هذه الدولة من العناية بالعلم ورعاية العلماء، ولولا جامع الزيتونة، وما أحيوا فيه من علوم، لبقيت تلك البلاد في عذاب من الجهالة مهين.
(11/ 1/46)

الشعر التونسي في القرن الخامس (1)
نهضة أدبية راقية، ظهرت بتونس في القرن الخامس للهجرة، نهضة أشرقت سماؤها بنجوم زاهرة، وقذفت بحارها بدرر فاخرة، ولهذه النهضة مهيئات ساعدت على نشأتها، وسمو غايتها، وبهجة أثرها.
من مهيئاتها: أن للأدب في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس سوقاً قائمة في الشرق؛ أعني: العراق والشام ومصر، وسوقاً قائمة بالغرب؛ كبلاد الأندلس.
وموقع البلاد التونسية بين هاتين النهضتين، بحيث يعبر عليها أدب الشرق إلى الغرب، وأدب الغرب إلى الشرق، فلا جرم أن تهز تونس نشوة البلاغة حتى تسابق في حلبة البيان بخطا واسعة المدى.
ومن مهيئات تلك النهضة الأدبية: أن القيروان التي هي مبعث نورها، كانت دار العلوم بالمغرب، يرحل إليها طلاب العلم، ويغترفون من بحار معارفها الزاخرة، ومن بين علومها الزاهرة: علوم اللغة العربية وآدابها.
ولا أطيل الحديث عن ازدهار هذه العلوم بالقيروان، فقد ألف في أخبار القيروان وتراجم علمائها وأدبائها كتب كثيرة، وأكتفي بأن أقول:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد التاسع الصادر في رجب 1355.
(11/ 1/47)

إن من علمائها الذين عاشوا في أواخر القرن الرابع، أو أدركوا بضع سنين من القرن الخامس رجالاً يشار إليهم بالبنان؛ مثل: محمد بن جعفر القزاز صاحب المؤلفات في اللغة والأدب ونقد الشعر، وهو صاحب كتاب "ضرائر الشعر"؛ أي: الضرورات التي يجوز للشاعر ارتكابها دون غيره، ومثل: عبد العزيز بن أبي سهل الخشني؛ فقد كان من الراسخين في اللغة والنحو، وكان الشعراء الحذاق يجلسون بين يديه، ويعرضون عليه أشعارهم لنقدها.
وانتشار علوم اللغة وآدابها في وطن، مما يبعث قرائح أبنائه على صناعة الشعر، ويساعدها على أن تصوغ القريض في أسلوب حكيم.
ومن مهيئات تلك النهضة الراقية: أن الشعر التونسي كان له في القرن الرابع جودة وحسن بيان، ومن حذاق شعرائه: علي بن العباس الأيادي، وهو الذي وصف سجع الحمائم عند فلق الصبح في أبيات قال فيها:
قد ولد الصبح فمات الدجى ... صاحت فلم ندر غِنا أم نواح
ومنهم: ابن عبدون السوسي، رحل إلى صقلية، ومما قال أيام رحلته متشوقاً إلى القيروان:
يا قصر طارق همي فيك مقصور ... شوقي طليق وخطوي عنك مأسور
إن نام جارك إني ساهر أبداً ... أبكي عليك وباكي العين معذور
عندي من الوجد ما لو فاض من كبدي ... إليك لاحترقت من حولك الدور
ويدلكم على ازدهار الشعر التونسي في القرن الرابع: أنه كان في متناول بعض السيدات المهذبات؛ مثل: خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافري.
وفي ذلك القرن ورد القيروان الشاعر المبدع أبو القاسم المعروف
(11/ 1/48)

بابن هانئ، وحط بها رحله، ونال لدى المعز العبيدي حظوة وكرامة. وأديب عبقري كابن هانيء ينزل وطناً، لا بد أن يكون له في حركته الأدبية أثر مبين.
ومن مهيئات تلك النهضة الراقية: أن الحضارة بالقيروان ما زالت تتقدم شوطاً فشوطًا، إلى أن أدركت في أوائل القرن الخامس غاية بعيدة، وأخذت مناظر أنيقة، فارتقت الصناعة، واتسعت طرق التجارة، وأنشئت القصور المشيدة، والمتنزهات الرائقة، فكان في بدائع المدنية وزخارف العمران ما ينمي قوة التخيل، وشماعدها على أن تسرح في حدائق فسيحة، وتصوغ المعاني في صور غريبة.
ومن مهيئات تلك النهضة الأدبية: أن المعز بن باديس الذي تولى الملك سنة 406 كان على جانب عظيم من علوم اللغة وآدابها، فكانت دراسته لآداب اللغة العربية معينة له على تقدير قيمة الشعر، وباعثة له على الاحتفال بنوابغ الشعراء؛ ويحدثنا التاريخ: أنه كان لا يسمع بشاعر بارع إلا ويدنيه من حضرته، حتى اجتمع حول قصره نحو مئة شاعر يرأسهم أستاذه ووزيره علي بن أبي الرجال.
وتولى الملك بعد المعز ابنه تميم، وكان أديباً بليغاً، وقصدته الشعراء من الآفاق، فكانوا يجدون عنده من الاحتفاء البالغ ما كانوا يجدونه من والده المعز.
ولا شك أن إقبال المعز وابنه تميم من بعده على الشعراء إقبالاً يفتح في وجوههم أبواب الأمل، ويجعلهم في هناءة وراحة بال، مما يزيد الهمم تعلقاً بهذه الصناعة النبيلة.
(11/ 1/49)

ثم إن الأمة التي يجد منها الشعر أذواقاً لطيفة، وإحساساً رقيقاً، شأنها أن تحتفل بالأدباء، ولا ترفع إلا من رفعه أدبه، وذلك ما يدعو إلى التنافس في صوغ القريض، وإطلاق القرائح في مراعيه الخصيبة، وفنونه البهيجة.
تجمعت هذه المهيئات بتونس، فولدت في القرن الخامس نهضة أدبية، قلما تجود بمثلها الأيام، فظهر في هذا العهد رجال أحكموا صناعة القريض، وذهبوا في فنونه كل مذهب، وأتوا بما يسترعي الأسماع، ويأخذ بالألباب.
ولا يسع المقام أن أذكر من عرفتهم من شعراء ذلك العصر؛ وأورد لكل شاعر شيئاً مما قرأته له من الشعر، وإنما أريد أن أسوق شواهد على أن الشعر التونسي في ذلك العهد يساير الشعر الراقي في سائر البلاد العربية جنباً لجنب، وأن شعاره جودة التصرف في المعاني، وإيرادها في صور شيقة، ثم تخيّر الألفاظ المأنوسة الرشيقة ووضعها في سلك الوئام والائتلاف.
فمن الأدباء البارزين في ذلك القرن: أبو علي الحسن بن رشيق، وشعره يدور في كتب الأدب كثيراً، ومن بديع شعره: قوله مخاطباً لشخص كان ابن رشيق قد رجاه في أمر، فساوفه فيه، ثم قطع رجاءه:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أُمَنِّي النفس فيها الأمانيا
فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البير طالباً ... لإجمامها أو يرجع الماء صافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
ويعجبني من شعره قوله:
قد أحكمت مني التجا ... رب كل شيء غير جودي
(11/ 1/50)

أبداً أقول لئن كسب ... ت لأقبضن يدي شديد
حتى إذا أثريت عد ... ت إلى السماحة من جديد
وممن أحرز شهرة في ذلك العصر: أبو إسحاق المعروف بالحصري، وهو صاحب، كتاب "زهر الآداب". ومن شعره يصف سجع الحمائم في الأسحار:
يا هل بكيت كما بكت ... وَرْقُ الحمائم في الغصون
هتفت سحيراً والربا ... للقطر رافعة العيون
ذكرتني عهداً مضى ... للأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامه ... وكأنها رجع الجفون
ومن هذه الطبقة: أبو الحسن علي بن عبد الغني المعروف بالحصري أيضاً، ومن شعره السائر في الأندية قصيدته التي يقول في طالعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
وقد وازنها جماعة من الشعراء في القديم والحديث.
ومن لذيذ شعره: قوله متشوقاً إلى صديقه أبي العباس النحوي ببلنسية من بلاد الأندلس:
قامت لأنفاسي مقام طبيبها ... ذكرى "بلنسية" وذكر أديبها
حدثتني فشفيت مني لوعة ... أمسيت محترق الحشا بلهيبها
ما زلت أذكره ولكن زدتني ... ذكراً وحسب النفس ذكر حبيبها
أهوى بلنسية وما سبب الهوى ... إلا أبو العباس أنس غريبها
هب النسيم وما النسيم بطيب ... حتى يشاب بطيبه وبطيبها
(11/ 1/51)

ومن هذه الطبقة الذائعة الصيت: محمد بن شرف، وشعره كشعر قرينه ابن رشيق، يجري في نوادي الأدب كثيراً، ومن أبدع تشابيهه قوله:
إني وإن عَزَّني نيلُ المنى لأرى ... حرص الفتى خلّة زيدت على العدمِ
تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
وقوله:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم
هؤلاء الأدباء الأربعة: ابن رشيق، وابن شرف، والحصريين، قد طارت لهم سمعة في الشرق والغرب، وترددت أسماؤهم وأشعارهم في كتب الأدب كثيراً، وهناك شعراء أدرك أسماءهم شيء من الخمول، ولم يحفظ التدوين من آثارهم إلا قليلاً.
ومن أهل هذه الطبقة: علي بن حبيب التنوخي الصفاقسي، ومن شعره يتشوق إلى ليال قضاها عند صديق كناه بابن حسين: قوله:
يا ليالي في ذرا ابن حسين ... هل معاد قبل الممات إليّا
قد نشرنا صحائف الحزن نشراً ... وطوينا العزاء بعدك طيّا
وأطلنا البكا عليك وإني ... لعليم أن ليس يرجع شيّا
فإلى الله من فراق رماني ... عنك بعد الدنو مرمى قصيّا
ومن هذه الطبقة: الشاعر المعروف بالتراب السوسي، ومن رقيق شعره: قوله من قصيدة يمدح بها جبارة بن كامل المتغلب على سوسة:
بات بالأبرق برق يتسامى ... فجفا الجفن لرؤياه المناما
طلعت راياته خافقة ... خفقان القلب صبّاً مستهاما
(11/ 1/52)

بذمام الحب يا برق عسى ... لك علم، حبهم أعيا الأناما
آنسوا عاماً فلما ملكوا ... رِقَّ قلبي أوحشوا عاماً فعاما
ومنهم: علي بن فضال القيرواني، ومما ينسب إليه من الشعر: تلك الأبيات السائرة:
وإخوان حسبتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقالوا قد سعينا كلَّ سعي ... لقد صدقوا ولكن في فساد
ولم تكن نهضة الأدب في ذلك العهد واقفة عند حد البراعة في النظم، وحسن التصرف في المعاني، بل تجاوزت هذه الناحية إلى ناحية النظر في قوانين هذه الصناعة، ووجوه نقدها، وفنون محاسنها، ففي هذا العهد ألف ابن رشيق كتاب "العمدة في صناعة الشعر ونقده"، وكتاب "قراصنة الذهب في نقد أشعار العرب"، وألف ابن شرف كتاب "مسائل الانتقاد" تعرض فيه لنيف وخمسين شاعراً، ونبه فيه لبعض أصول النقد، وألف قبلهما عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي كتابه المسمى "الممتع" بيَّن فيه أساليب النقد ومناحيه، ومن نظراته السامية: قوله في فصل من هذا الكتاب:
"قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن في وقت مالا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه؛ وكثر استعماله عند أهله بعد أن لا تخرج من حسن الاستواء، وحد الاعتدال، وجودة الصنعة".
دقت صناعة النقد في ذلك العهد، حتى نرى الأدباء يلحظون من خفي
(11/ 1/53)

المآخذ في الشعر ما لا يتنبه له إلا ذو ألمعية متقدة، وكان المعز بن باديس نفسه يباري الأدباء في هذا المجال، فيبدي لبعض الشعراء عثرات قد يخفى عليهم مكانها، وهم من أبصر الناس بصناعة الشعر، وأدراهم بوجوه نقده، ومما يساق مثلاً لهذا: أن ابن رشيق أنشده قصيدته التي يقول أولها:
تثبت لا يخامرك اضطراب ... فقد خضعت لعزتك الرقاب
فعاب المعز قوله في هذا البيت:
"تثبت"، وقال له: متى عهدتني لا أتثبت!
أيها السادة!
هذا الحديث نبهنا به لنهضة الشعر بتونس في القرن الخامس؛ وإذا كانت صروف الأيام قد جعلت البلاد بعد ذلك العهد لا تنبت من الشعراء المبدعين إلا قليلاً؛ فليس ببعيد أن يكون لتلك النهضة الفذة أثر في رقي الشعر التونسي لعهدنا هذا؛ حتى تقف تونس في صف أخواتها: مصر والشام والعراق؛ فإن القوم الذين يشعرون أن لأسلافهم ضرباً من شواهد النبل والفخار جالت فيه يد الحوادث، يجدون من الحرص على إحيائه؛ والجد في رفع بنائه، ما لا يجد مثله العاملون لإنشاء فخار لا عهد لهم به من قبل.
وقد ظهر في شباب تونس اليوم أدباء ينحون في الشعر نحو الإجادة، بل الإبداع؛ وكأني بعهد الحصريين، وابن شرف، وابن رشيق، قد عاد؛ ولكن في زي يلائم روح هذا العصر؛ وأرجو أن يسير مع المدنية الفاضلة شبراً بشبر، وذراعاً بذراع؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(11/ 1/54)

حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية (1)
* نسب ابن خلدون:
هو وليُّ الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي (2). ويتصل هذا النسب إلى وائل بن حجر الصحابي الذي وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، ودعا له.
ذكر ابن خلدون نسبه على هذا النسق، وقال: لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة.
* دخول سلفه إلى الأندلس:
كان خلدون المذكور قدم من المشرق في رهط من قومه أهل حضرموت، ونزل "إشبيلية"، وهي حمص التي يقول فيها صاحب مرثية الأندلس:
وأين حمصٌ وما تحويه من نُزَهٍ ... ونهرها العذب فَيّاضٌ وملآن
__________
(1) محاضرة ألقاها الإمام في (جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية) بالقاهرة مساء يوم الجمعة 5 صفر 1343.
(2) خلدون بفتح أوله كما نص عليه صاحب "الحلل السندسية" (مخطوط)، وصاحب "نيل الابتهاج" (ص 169 هامش الديباج المذهب). وأصل اسمه خالد، وعرف بخلدون كما جاء في تاريخ المترجم به.
(11/ 1/55)

تفرّع آل خلدون في إشبيلية، وكانت لهم فيها زعامة ورياسة، ثم رحل جده الحسن عقب فتنة خفقت ريحها في تلك البلاد، فنزل "سبتة"، ثم أرخى زمام مطيته متوجهاً إلى مدينة "عناية"؛ لصلة كانت بين بعض أسلافه وبين صاحبها الأمير زكريا، فلقيه الأمير باحتفاء، وأدخله في سلك رجال دولته، وجرى ابنه محمد على سنته في خدمة الدولة، وأدرك ما ناله والده من وجاهة وإقبال. وانتهى أمر ابنه محمد -الذي هو الجد الأدنى للفيلسوف ابن خلدون- إلى السكنى بمدينة "تونس"، والانتظام في هيئة الدولة، وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من مدينة تونس يستعمله عليها، ولكن ابنه محمداً -وهو والد الفيلسوف المتحدث عن حياته- عدل عن مسلك السياسة وخدمة الدولة، وآثر مدارسة العلم ومجالسة الأدباء، فأصبح معدوداً في زمرة العلماء، ومشهوداً له بالتقدم في فن الأدب.
* نشأة ابن خلدون في تونس:
في هذا البيت -الذي تقلَّب رجاله في أطوار خطرة، ثم بسط فيه العلم أشعة باهرة- ولد أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في غرة رمضان سنة 732، فكانت نشأة ابن خلدون في أسرة امتطت ذرا الرياسة، وخفق فيها روح العلم والأدب، مما ساعد ذكاءه الفطري على أن يشتعل بشدة، وجعل نفسه الذكية بمقربة من الهمم الكبيرة.
نشأ ابن خلدون وكانت رياض العلم في مدينة تونس زاهية، وسوق الأدب نافقة. فاستظهر بالقرآن، وتلقى فن الأدب عن والده، ثم أقبل يجتني ثمار العلوم بشغف، ويتردد على مجالسة العلماء الراسخين - مثل: قاضي القضاة محمد بن عبد السلام، والرئيس أبي محمد الحضرمي، والعلامة الأبلي -.
(11/ 1/56)

ولم يكد يستوفي سن العشرين حتى تجلت عبقريته، واستدعاه أبو محمد ابن تافراكين المستبد وقتئذ إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق، وهي "الحمد لله، والشكر لله" تكتب بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم، وهذا مبدأ دخول ابن خلدون في حياته السياسية.
* عزمه على الارتحال:
تولى هذا العمل وهو يطوي ضميره على الرحلة من إفريقية؛ لوحشة أثارها في نفسه معظمُ شيوخه، وانطواء مجالس كانت أنهار علومها دافقة، وقطوف آدابها دانية. ويمكنك من هاهنا أن تعرف لابن خلدون وهو في شرخ شبابه مبدأ من مبادئ الفطرة السليمة، والهمة الشامخة، وهو الاستخفاف بالمقام الوجيه لدى الدولة، وإيثار ما فيه كمال نفسي ولذة روحية على مظاهر الأبهة ومواطن الراحة والنعيم.
* رحلته إلى بجاية:
لبث ابن خلدون بعد تقليده رسم العلامة أمداً غير بعيد حتى أمكنته الفرصة من أمنيته، وغادر تونس سنة 753 إلى "قفصة"، ثم إلى "بسكرة"، ونزل فيها ضيفاً مكرماً لدى صاحبها يوسف بن مزني.
ثم خرج منها قاصداً السلطان أبا عنان، وهو يومئذ "بتلمسان"، فصرفه عن قصد أبي عنان، وحمله على المسير معه إلى "بجاية"؛ ليغتبط بصحبته، وتزدهي بمثل ابن خلدون أيام دولته.
* ابن خلدون عنه سلطان تونس:
لم يكد ابن خلدون يقضي في كنف صاحب "بجاية" برهة حتى طار صيته، وعبق ذكره في حضره السلطان أبي عنان، وقد جعل هذا السلطان
(11/ 1/57)

بعد عوده إلى "فاس" يؤلف من جلة العلماء مجلساً حافلاً، فاستدعاه من "بجاية" سنة 755، فأكمل به نظام مجلسه العلمي، واختاره للكتابة والتوقيع بين يديه. قال ابن خلدون: "فتحملت هذا العمل على كره مني؛ إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي".
* اتهامه بالمؤامرة على ما يغضب السلطان:
حظي ابن خلدون لدى أبي عنان، وارتقى في دولته مكاناً علياً، فأخذ حَرُّ الحسد يلفح قلوب بعض منافسيه، فأخذوا يبيِّتون له المكايد، وينصبون له شرك السعاية، حتى استطاعوا أن يدخلوا إلى إفساد قلب السلطان عليه من باب السياسة؛ إذ رموه بالدخول في مؤامرة مع الأمير محمد صاحب "بجاية". ولتهمة الائتمار على نقض شيء مما تبنيه يد الدولة سهام لا تكاد تخسأ، إذا لم تصب المقاتل، أوهت العظم، وقلقلت الحشا، وسلبت الأجفان نومتها الهادئة، ويالأحرى حيث لم تكن قضاياها مما يوكل إلى اجتهاد محكمة عادلة، وإنما ينفرد بسماع بلاغها، ويستبد بتقدير عقوبتها أحد الخصمين الذي هو الرئيس الأعلى.
* ابن خلدون في السجن:
انطلت تلك التهمة على فكر أبي عنان، فقبض على ابن خلدون والأمير محمد، وزجَّهما في السجن. وكانت هذه النكبة أول ما لقيه ابن خلدون من بلاء السياسة، وأيقن بها أن إقبال الدولة سرعان ما ينقلب إدباراً، وأنَّ عزاً تبنيه للرجل صباحاً قد يأتي عليه المساء فإذا هو الدرك الأسفل من الهوان.
ثم إن السلطان أطلق سبيل الأمير محمد، وترك ابن خلدون يقاسي شدة
(11/ 1/58)

الحبس، ويتجرَّع مرارة المحنة، حتى التجأ في استعطافه وجلب مرضاته إلى وسيلة الشعر والمديح، وخاطبه بالقصيدة التي يقول في طالعها:
على أيَّ حال لليالي أعاتبُ ... وأيَّ صروفِ للزمان أغالبُ
وقد تنجح شفاعة الشعر لدى الحاكم المطلق، وتأتي بالأثر الذي تذهب الحجج الساطعة دونه عبثاً، وما كان من أبي عنان إلا أن هشَّ للقصيدة -وكان وقتئذ بتلمسان-، ووعد بالإفلاج عن ابن خلدون عند حلوله بحاضرة "فاس"، ولكنه لم يلبث بعد إيابه إلى الحاضرة إلا خمس ليالي، فطرقه الوجع، لقي أجله قبل أن يفي بوعده لابن خلدون.
* خروجه من السجن، وولايته كتابة السر وخطَّة المظالم:
وبعد مهلك السلطان بادر الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق سراح ابن خلدون من الاعتقال، وخلع عليه من الإكرام بُرداً ضافياً، وأعاد إليه ما كان يتقلده من أعمال الدولة.
وعندما استلم السلطان أبو سالم زمام الملك استعمل ابن خلدون على كتابة سرِّه، وألقى إليه الأمر في إنشاء مخاطباته، فعدل بالإنشاء عن طريقة التسجيع، وأخذ به في طريق الترسل -ولم يكن كتَّاب الدولة لذلك العهد من يجيد صناعة الترسل-، فكانت هذه المزية من أسباب تفوقه، وإحرازه قصب السبق في حلبة البيان والتحرير.
ولم تزل مكانته لدى أبي سالم راضية، ولم تزحزحه سعاية ابن مرزوق -التي تناولت أكثر رجال الدولة- عما كان يتولاه من كتابة السر، وإنشاء المخاطبات، بل لم تقف في سبيل تقليده خطةَ المظالم آخر عهد الدولة، حتى ثار الوزير عمر بن عبد الله على السلطان، ونبذ الناس بيعته من أعناقهم.
(11/ 1/59)

* ابن خلدون في دولة الوزير عمر بن عبد الله:
وقع زمام الحكم في قبضة الوزير عمر بن عبد الله، وكانت بينه وبين ابن خلدون قبل توليه أمر الدولة مودة وصحبة، فأقره على ما كان يتولاه من العمل، وزاد في جرايته. وكان ابن خلدون يطمح بطغيان الشباب إلى غاية أسمى مما يتولى من الأعمال، وفي أمله أن عناية صديقه المقتدر لا تتريث في إسعافه ببغيته. ولما لاح له أن الوزير أخلَّ بعهد الصحبة، أخذه الاستياء من تقصيره إلى أن انقطع عن دار السلطان وهجرها إدلالاً بسابق المودة، ولكن منصب الوزارة أنسى عمر بن عبد الله أن من أساليب عتب الأصدقاء وتذكيرهم بحق أغمضوا عنه هجرهم من غير جفاء، وصرف القدم عن زيارتهم لا عن ملل، ولم يشأ منصب الوزارة إلا أن يفهمه أن تقاعد ابن خلدون عن مقر السلطان زلةٌ، جرَّه إليها تعاظمه، وقلة وفائه بما يستحق مقام الرياسة العليا من إكبار وخضوع، فبدلاً من أن يرعى الوزير مقام الصداقة، ويجعله أرفع مكاناً، وأقوى سلطاناً من مقام الرياسة، أخذته نخوة السلطة، وقابل هجر العتاب والإدلال بهجر الجفاء والتقاطع.
ولما رأى ابن خلدون منه التنكر، والإصرار على الإعراض عنه، استأذنه في العود إلى أفريقية، فلم يجز له ذلك، وشدَّد في منعه، حتى دخل عليه يوم عيد الفطر، وخاطبه بقصيدة يقول في طالعها:
هنيئاً لعيد لا عراه قبول ... وبشرى لعيد أنت فيه منيل
فحلت هذه القصيدة عقدة من إبائه، وأذن له في السفر، على شرط أن لا يتخذ سبيله إلى "تلمسان"؛ كراهة أن يتصل بصاحبها أبي حمو، ويشتد به أزر دولته.
(11/ 1/60)

* رحلة ابن خلدون إلى الأندلس:
احتمل ابن خلدون هذا الشرط، ووليَّ وجهه شطر الأندلس وافداً على السلطان ابن الأحمر بغرناطة. ولما بات بمقربة منها، وافته من وزيرها لسان الدين بن الخطيب رسالة يهنئه فيها بالقدوم، ويعبِّر بها عن شدة ابتهاجه للقياه، ووضع في صدر الرسالة أبياتاً -على سنة من يجيد صناعتي الشعر والنثر-، وهي:
على الطائر الميمون والرحب والسهل ... حللت حلولَ الغيثِ في البلد المحْلِ
يميناً بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المعصب والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطةٌ ... تُنَسي اغتباطي بالشبيبة والأهلِ
* إرساله سفيراً إلى ملك الإسبان:
نزل ابن خلدون من السلطان ابن الأحمر منزلة الاحتفاء والإنعام، وندبه للسفارة بينه وبين ملك الإسبان، فعرف الملك قيمته، وأعجب بكماله ومقدرته، حتى دعاه إلى الإقامة معه بدار ملكه "إشبيلية"، ملتزماً له بأن يرد عليه ما كان لسلفه من أملاك، فرفض ابن خلدون هذه الدعوة، ولم يكن ممن يشغفه المال حبًا، فيؤثره على المقام بين أمته التي يشرف بشرفها، وينحط شأنه بانحطاط سمعتها.
* تنكر وزير الأندلس له:
حاز ابن خلدون لدى ابن الأحمر رعاية ضافية، فجأش الحسد في نفوس بعض معاديه، وطفقوا يُسرون لابن الخطيب ما يزلزل الصداقة بينه وبين ابن خلدون، حتى اغبرَّ صدره، وبدا عليه انقباض أحسَّ به ابن خلدون، فجعل وجه البلاد في عينيه قاتماً، ولم يسعه بعد تنكر ابن الخطيب -وهو
(11/ 1/61)

القابض على مقاليد الدولة- إلا أن يعتزم على الرحلة، واتفق أن وافته كتب من أبي عبد الله صاحب "بجاية" يستدعيه للقدوم عليه، فاتخذها ذريعة لاستئذان السلطان في الانصراف إلى أفريقية دون أن يطلعه على ما كان بينه وبين ابن الخطيب، فامتعض في مبدأ الأمر ضَناً بفراقه، ثم ادكر أن للحنين إلى الوطن حكماً لا يغالب، فأذن له بالظعن، وأصدر في تشييعه مرسوماً من إملاء ابن الخطيب، يشهد له فيه برفعة القدر، واستقامة السيرة، والتحقيق في العلم، ويوصي قواد الدولة وأعوانها برعايته وإسعافه في كل حال.
* سفره الثاني إلى بجاية:
سافر إلى "بجاية" سنة 766، وأقيمت له يوم مقدمه حفله مشهودة، فأركب السلطان خاصته لاستقباله، وهرع إليه أهل البلد بنفوس متعطشة إلى لقائه، وانهالوا يمسحون أعطافه، ويلثمون يده. فاجتمع له في هذا الاحتفال إقبال الدولة، وانعطاف الأمة، وهما لا يجتمعان لشخص بانتظام إلا حيث تكون الدولة رشيدة، وإذا كانت الدولة قد تقبل على غير عظيم، فإن الأمة لا تخلع عطفها وإجلالها إلا على من تقدر عظمته، وتثق بإخلاصه.
* ولايته الحجابة لسلطان "بجاية":
تقلد ليوم خلا من قدومه منصب الحجابة، وهي لدى دول المغرب: الاستقلال بإدارة شؤون الملك، والانفراد بالوساطة بين السلطان وبين أهل دولته. بيد أنه استلم زمام السياسة بعد أن نشأت بين السلطان أبي عبد الله وابن عمه أبي العباس صاحب "قسنطينة" فتنة نفدت التدابير دون إطفائها، وما برحت تتأجج إلى أن كانت عاقبتها قتل أبي عبد الله، واستيلاء أبي العباس على "بجاية".
(11/ 1/62)

خرج ابن خلدون باسطاً يد الطاعة إلى أبي العباس، ولقي منه احتفاء وإنعاماً، وسرعان ما أنكفأت عقارب السعاية به تدب حول السلطان، فلم ينشب أن استأذنه في الانصراف، فأجاب طلبه بعد تمنع، وارتحل حتى عرَّج على "بسكرة"؛ لصحبة كانت بينه وبين أميرها أحمد بن يوسف بن مزني.
* انصرافه إلى العلم:
وما كان يمتحن به ويقاسيه من مشاكسة المنافسين له في مقاعد الرياسة، ونصبهم حبائل السعاية به، ثم تنكر السلطان له بعد الرعاية والإقبال، صرفَ قلبه عن التعلق بأسباب السياسة، وجعله يفرغ همته في تحقيق العلوم ودراستها.
ومن أجل هذا قعد عن السفر إلى أبي حمو صاحب "تلمسان" حين استدعاه ليقلده الحجابة وكتابة العلامة، ووجه إليه أخاه يحيى ليقوم بعمل هذه الوظيفة مكانه.
* المراسلة بينه وبين الوزير ابن الخطيب:
بعث إليه الوزير ابن الخطيب من "غرناطة" برسائل يشكو فيها مضض النوى، ويتلهف على عهد اللقاء. وقلوب الأصدقاء قلَّما تتصدع بحزازات الوشاية، وتعود إلى عنفوان ودها الصميم، ولكن الرقة الدافقة على ذوق ابن الخطيب، والأدب المنسجم في مزاج خلقه الرصين، ذهبا بأثر ما سعى به إليه قوم لا يفقهون، ونهضا به إلى تأكيد صداقة انتظمت بينه وبين رجل يدانيه علماً وأدباً، ويضاهيه في طرق التفكير، والعمل لرقي نظام الاجتماع.
وإذا كانت الرسائل مثالاً لمنهج الرجلين في المحاورة ساعات اللقاء، فإن هذه المراسلة تنبئك أن المجالس التي كانت تعقد بين هذين الوزيرين
(11/ 1/63)

الخطيرين لم تكن مضمار علم وأدب فقط، بل كانت ممتعة بالنظر في الشؤون السياسية الداخلية والخارجية، فقد أتى ابن الخطيب في بعض هذه الرسائل على تفاصيل من أحوال الدولة بغرناطة، وألم فيها بأنباء عن دولة الإسبان في إشبيلية. وكذلك تجد ابن خلدون تعرض في الجواب عن تلك الكتب لحوادث دول شتى: فنسق فيها قسطاً من الحديث عن شؤون دول: تونس، والجزائر، والمغرب الأقصى، والحجاز، ومصر.
ولو أن علماء الإِسلام أخذوا في هذا السبيل أينما كانوا، ومدوا جانباً من عنايتهم إلى الاطلاع على تصاريف الدول ومجاري سياستها، لبلغوا منتهى السؤدد، وبرئوا من تبعة وقوع الشعوب الإِسلامية في هذا البلاء المبين.
* مساعيه السياسية وهو في بسكرة:
أقام ابن خلدون في "بسكرة" مقبلاً على دراسة العلم، ولم ينكث يده مع ذلك من التدخل في شؤون الدولة، فكان يشايع أبا حمو صاحب "تلمسان" حين نهض يجلب بخيله ورجله على "بجاية"، فكان وسيلة إلى توثيق عرا الصلة بينه وبين السلطان أبي إسحاق صاحب "تونس". وحمل بعض القبائل على مناصرته حتى سار إليه بطائفة من قبيل "الذواودة"، والتقى به في البطحاء، ثم قفل معه راجعاً إلى تلمسان، إذ بلغ أبا حمو أن السلطان عبد العزيز صاحب "المغرب الأقصى" يتحفز للوثوب على "تلمسان". ولما اقتربت ساعة استيلائه عليها، وأخذ أبو حمو في أهبة الانجلاء عنها إلى الصحراء، اعتزم ابن خلدون على الارتحال إلى الأندلس، وحمله أبو حمو رسالة إلى ابن الأحمر صاحب "غرناطة"، فاتصل نبأ سفره بالسلطان عبد العزيز، ونمى إليه أنه يحمل وديعة إلى ابن الأحمر، فأنفذ إليه سرية اعترضت سبيله، فلم تلق عنده ما يحقق هذه
(11/ 1/64)

التهمة، وانقلبت به إلى السلطان، فلقيه حوالي تلمسان، فقضى ليلته في اعتقال، وفي الغد أطلق سبيله، فانصرف إلى رباط الشيخ أبي مدين، ونزل بجواره على قصد التفرغ للعلم، ونثرِ درره الشائقة بين يدي طلابه.
* استدعاؤه إلى فاس:
ولم يزل متمتعاً بحياة علمية خالصة، حتى استدعاه السلطان عبد العزيز، وأوعز إليه في الخروج إلى بلاد "رياح"؛ ليجمعهم على طاعته ومناصرته، فانبعث يعمل في هذا السبيل بكلمة نافذة، ودعاية ناجحة، إلى أن قضى المأرب، وبلغ الغاية المنشودة، وكان يسعى إلى هذه المهمة السياسية وهو مقيم ببسكره في جوار أميرها أحمد بن يوسف بن مزني الذي هو صاحب زمام رياح، وما راع ابن خلدون إلا أن أخذ حساده ينفثون سموم الوشاية في أذن أحمد بن مزني، فهاجوا غيرته، وأوغروا صدره حتى تنفس بالشكوى منه إلى صاحب شورى السلطان، وترمار بن عريف، ورفع صاحب الشورى هذه الشكوى إلى السلطان، فما كان من نظره إلا أن استدعى ابن خلدون إلى حاضرة "فاس"، فخرج بأهله وولده.
ولقيه في الطريق نعي السلطان، وتولية ابنه الصبي أبي بكر السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي، فدخل "فاس"، وكان له مع الوزير سابق صحبة، فأدرَّ عليه من معصرات بره وكرامته فوق ما يحتسب، وظل عاطفاً على التدريس، صارفاً همته إلى الوجهة العلمية إلى أن ظهر السلطان أحمد ابن أبي سالم على الوزير أبي بكر بن غازي، واجتذب مقاليد الأمر من يده، ولم يستقر به الحال حتى قام وزيره محمد بن عثمان يدخل عليه الريبة من جانب ابن خلدون، ويغريه بالقبض عليه.
(11/ 1/65)

وما هذا الوزير بأول من ازدهت به الرياسة، وتطوحت به في غرور حتى عمي عليه أن لأعاظم الرجال كابن خلدون تاريخاً باقياً، وصحائف لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من مجاملة أهل عصره له، أو إساءتهم إلا أحصتها.
* عودته إلى الأندلس سنة 776:
قبض عليه السلطان ابن أبي سالم، وسرعان ما نهض إلى خلاصه الأمير عبد الرحمن الذي شارك السلطان في حرب الوزير أبي غازي، واتفق معه على أن يستقل بولاية "مراكش" وأعمالها، ولم يطمئن به المقام بعد أن رأى من تنكر السلطان وسوء طوية وزيره ما رأى، فابتغى الوسيلة إلى إذن السلطان له الانصراف إلى الأندلس؛ ليتفرغ للعلم ومدارسته في ظل دولة ابن الأحمر الذي أولاه في رحلته الأولى سابغ الكرامة والإنعام، ولم يظفر بالجواز إلا بعد تسويف، وعلى رغم من وزيره ورجال دولته.
دخل الأندلس سنة 776، فجرى السلطان على عادته من بسط يد الإكرام، وإنزاله منزلة الاحتفاء والرعاية إلى أن وفد على "غرناطة" مسعود ابن ماسي من حاضرة "فاس"، وأبلغ السلطان بإغراء من رجال دولتها أن ابن خلدون كان يبذل مساعيه وجاهه في خلاص لسان الدين بن الخطيب (1)،
__________
(1) كان لسان الدين بن الخطيب -بفضل ما له من التبحر في العلم والأدب، والخبرة بمذاهب السياسة- قبض على زمام دولة ابن الأحمر، وانفرد بالتصرف في شؤونها، فشجيت به بطانة السلطان وحاشيته، وانسابوا إلى السعاية به من كل حدب، حتى أحس بأنها أخذت من السلطان مأخذ القبول، فاحتال للتخلص من الأندلس، والتجأ إلى السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى، وبقي في ظل رعايته، ثم في حماية الوزير أبي بكر بن غازي من بعده. ولما استولى أحمد بن أبي سالم =
(11/ 1/66)

فانقلب عطف السلطان عليه جفاء، وأنسه به وحشة، وأجلاه إلى "العدوة" من بلاد المغرب الأقصى.
وموضع العبرة في هذه الواقعة: أنك تقارن بين عودتيه من الأندلس، فتجده في المرّة الأولى قفل من "غرناطة" والسلطان يبسط له يد المجاملة، ويودعه بقلب يأسف لفراقه، ثم هو متوجه نحو "بجاية"، والدولة متأهبة لاستقباله بأجمل ما يتصور من مظاهر الاحتفاء. وتراه في هذه المرة انصرف عنها والسلطان يكره إقامته، وتطوى عنه بساط أنسه، خرج وهو لا يدري أين يلقي عصا التسيار: هذه دولة الأندلس تنفيه من أرضها، وتلك دولة المغرب الأقصى تلحظه بعين الحنق، وترمي من ورائه بسهام الكيد والأذى، وهذا أبو حمو صاحب "تلمسان" لم يزل ينقم عليه مشايعته للسلطان عبد العزيز، وسعيه في صرف وجوه العرب عنه يوم كان طريداً في الصحراء. بيد أن أبا حمو كان على روية لا يفوتها أن الأخذ في معاملة رجل خطير كابن خلدون بالرفق والأناة إنما توضع في حساب الحسنات التي ينوه بها التاريخ، ويرتقي بها شأن دولته، فسمح له بدخول "تلمسان"، فجاءها وقد ذاق من صروف السياسة عذاب الهون، فما كان إلا أن تجرد للقراءة، ولم يشغل وقته بسوى المذاكرة في العلم ودراسته.
وقد يكون انحراف الدولة عن النابغة، أو اضطهادها له، أشد داعية
__________
= على حاضرة فاس حسبما قصصناه في المحاضرة، وكان استيلاؤه عليها بمساعدة وموالاة من السلطان ابن الأحمر، قام سليمان بن داود يغري السلطان بالقبض عليه، فأودعوه السجن، وائتمروا على قتله بدعوى أنه وقعت له كلمات في كتاب "المحبة" تنطق بزندقته. ثم أوعز سليمان بن داود إلى بعض الأوغاد بقتله، فهجموا عليه ليلاً، وقتلوه خنقاً في محبسه.
(11/ 1/67)

إلى بذله كل ما يملك من الجد والألمعية في توسيع دائرة معارفه، أو الحذق في صناعة التأليف أو الاستنباط؛ فإن الكدر الذي قد يثيره تغابيها عن مكانه، أو بخسها من قيمته إنما يكشفه ارتياح النفس وتمتعها باستطلاع حقائق العلوم التي هي أصفى لذة، وأبقى سؤدداً من نيل الحظوة، والقرب من مجالس الأمراء.
* تصنيف ابن خلدون تاريخه ومقدمته:
ما برح ابن خلدون منقطعاً لبث العلم، حتى بدا لأبي حمو أن يبعثه سفيراً إلى "الذواودة"؛ ليراوضهم إلى طاعته، ويجمعهم على ولائه، فلبى طلبه في الظاهر، وخرج وهو يسر في نفسه أن لا يعمل لهذا السبيل بعلَّة أنه أصبح يعزُّ عليه بذلُ شيء من أوقاته في غير الوجهة العلمية، ولعله سئم التدخل في السياسة التي قد تلتوي به مع أهواء الأمراء، وتحمله على أن يسعى في استنجاد القبيلة لمن كان يغريها عليه.
ولما وصل إلى البطحاء، ولى وجهه عن ناحية الذواودة جانباً، وثنى عنانه إلى أولاد عريف، فأنزلوه بقلعة أولاد سلامة، وأقام بينهم أربع سنين في جو هادئ، وبيئة لا تجيش فيها مراجل الحسد، ولا تنفث فيها الوشاية سماً ناقعاً. وفي هذه السنين -التي كانت مهبط السكينة وصفاء الفكر وارتياح الضمير- شرع في تأليف "تاريخه" الفائق، ولذلك الحين أتم في "مقدمته" على نسجها الحكيم، وتحقيقها البديع.
* عودته إلى وطنه:
سلّ يده من كل شاغل، وألقم فكره ثدي الاستنتاح والتفقه في المقاصد العلمية والشؤون العمرانية، حتى بلغ في مجالها شأوا لا يشق غباره. فتاقت
(11/ 1/68)

نفسه إلى زيادة التوغل في أسرار العلم، والاستفادة من كتب لا تنالها الأيدي إلا في الحواضر، فراسل صاحب تونس أبا العباس بالعودة إلى تونس التي هي مسقط رأسه، ومسحب ذيل شبابه، ومجرى جياد أنسه، فما تريث أن طلع عليه جواب السلطان يأذن له بالقدوم، ويحثُّه عليه، فانبرى يطوي الفيافي حتى أوى إلى ظل عنايته، وأنزله منزلة المغتبط بسابقات عزه ومظاهر كرامته.
ظن ابن خلدون -مذ حطَّ رحله بين قومه، وسحب رداء العز في وطنه- أن الزمان صافحه بيد المصافاة، وأن الحوادث أصبحت تهاب أن تغشى ساحته، فإذا تقريب السلطان له، واستخلاصه جليساً يضرم في قلوب فريق من الناس نار الغيرة والحسد، فلم يتمالكوا أن باتوا ينصبون له حبائل الوشاية، يهمسون في أذن السلطان بما يوغر صدره عليه، ومما تعلقوا به في أسباب الكيد به: تخليه عن صوغ الشعر في مديح السلطان، وزعموا لديه أنه لم يعن بمديحه كما عني بمديح سلاطين المغرب والأندلس؛ استخفافاً بمقامه، وكفراناً لنعمته.
وقد ضلَّ هؤلاء عن سواء السبيل: فإن العالم الأديب قد يهفو به نزق الشباب، أو ينساق بحكم الضرورة إلى مديح بعض الرؤساء، حتى إذا بلغ في العلم أشده، وخلع عليه التقدم في السن حلة السكينة والوقار، عافت نفسه ذلك الفن المزري من الشعر، وجمدت قريحته دون أن تنطف فيه بقطرة. فيجب على صاحب الدولة الرشيدة أن يكون على همة أسمى من أن تتشوف إلى سفاسف الأمور، وأطهر من أن ترضى للذين أوتوا الحكمة أن يلقوا بأنفسهم في حضيض الملق والاستعطاف، بل الأمجد لذكره، والأدعى لحمده: أن يكون إكرام العلماء في نظره حقاً تقتضيه العلم بنفسها.
(11/ 1/69)

* تقديم تاريخه إلى صاحب تونس:
فاجأه صديق له -كان أحد بطانة أولئك السعاة- بما يكيدونه به تحت ستار، وكان قد اعتزم على أن يقدم للسلطان نسخة مما أكمل من "تاريخه"، فانتهز الفرصة، وأنشده ساعة إهدائه الكتاب قصيدة أمتعها بذكر سيره وفتوحاته، ونسج في ذيلها الاعتذار عن انتحال الشعر بأسلوب بليغ. ويقول في هذا الاعتذار:
وإليكها مني على خجل بها ... عذراء قد حليت بكل نفيسِ
لولا عنايتك التي أوليتني ... ما كنت أعني بعدها بطروسِ
والله ما أبقت ممارسة النوى ... مني سوى رسم أمرِّ دريس
أضنى الزمان عليَّ في الأدب الذي ... دارسته بمجامع ودروس
فسطا على فرعي وروَّع مأمني ... واجتث من روح النشاط غروسي
ورضاك رحمتي التي أعتدُّها ... تُحيي مُنى نفسي وتُذهب بوسي
* ابن خلدون في مصر:
وما برحوا يركبون في السعاية به كل فن، حتى شاهد أثرها في معاملة السلطان له، فرام التخلص من مثار هذه الفتنة، وابتغى الوسيلة إلى ذلك باستئذان السطان في السفر لأداء فريضة الحج، وقدم الاسكندرية لمضيِّ عشر ليال من جلوس الملك الظاهر على عرش الملك، ثم انتقل إلى القاهرة، وتصدى للتدريس بالجامع الأزهر، واتصل بالسلطان، فأكرم مثواه، وأعاد ليل غربته ووحشته صباح أنس وطمأنينة، وأولاه وظيفة التدريس بمدرسة القمحة، ثم قلده خطة قضاء المالكية على وفق النظام المتبع لذلك العهد من إقامة قضاة على عدد المذاهب الأربعة، يلقب كل واحد منهم بقاضي
(11/ 1/70)

القضاة، فتحرى بهذه الخطة صراطاً سوياً، ولم يدخر وسعاً في العمل على إصلاحها، وتجديد ما درس من معالمها، ولم تألف العامة الصرامة في إقامة الحق على وجهه الصريح، ولم يعتد ذوو الجاه والشوكة من رجال الدولة إغلاق باب الشفاعة والتوسل في وجوههم، فتعاقد الفريقان على التظلم منه، والتهويش عليه لدى السلطان؛ بدعوى أنه غير خبير بالتقاليد المعبر عنها بالمصطلح، وانضم إلى هذه المحنة نكبته في أهله وولده إذ أبحروا من تونس ليلتحقوا به، فغشيتهم ريح عاصف، وهلكوا في البحر غرقاً.
وقف السلطان تجاه تلك الشكوى موقف الحكمة، فجمع بين الحزم في السياسة، وكرم الهمة، ففصله عن الخطة؛ تهدئة لثائرة الجمهور، واستمر على مواصلته بالرعاية والإنعام؛ وفاء بحق العلم، واقتناصاً لمفاخر يزدهي بها وجه تاريخه المجيد.
* ابن خلدون والوزير ابن زمرك:
وبعد أن قضى ثلاث سنين عاكفاً على التدريس والتحرير، خرج لقضاء فريضة الحج سنة 789، وقفل راجعاً إلى القاهرة، واتصل حين بلغ الينبع بكتاب يحتوي على شعر ونثر راسله به أبو عبد الله بن زمرك وزير السلطان ابن الأحمر صاحب "غرناطة"، ولجودة نظمه، وصفاء ديباجته بحيث يسوغ لنقاد الأدب أن يضعوه بالمكان الأسمى من الشعر، ويقضوا له بالسبق في حلبة البلاغة، رأينا من اللائق بهذه المحاضرة أن نحلي جيدها بطوق فرائده، ومما يقول في أوائل هذه القصيدة:
ويا زاجري الأظعان وهي ضوامرٌ ... دعوها ترد هيماً عطاشاً على نجدِ
ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصَّبا ... فإن زفير الشوق من مثلها بعدي
(11/ 1/71)

براها الهوى بري القداح وحطها ... حزون على صفح من القفر ممتدِّ
عجبت لها أنّي تجاذبني الهوى ... وما شوقها شوقي ولا وجدُها وجدي
لئن شاقها بين العذيب وبارقٍ ... مياه بفيء الظل للبان والرند
فما شاقني إلا بدور خدودها ... وقد لِحْن يوم النفر في قُضُب مُلْدِ
وكم صارمٍ قد سل من لحظ أحورٍ .. وكم ذابلٍ قد هز في ناعم القدّ
خذوا الحذر من سكان رامة إنها ... ضعيفات كسر اللحظ تفتك بالأُسد
واسترسل في هذا الطرز البديع والنسيب الساحر حتى تخلص إلى خطاب ابن خلدون بقوله:
إليك -أبا زيد- شكاة رفعتها ... وما أنت من عمرو لديَّ ولا زيدِ
بعيشك خبرني ولا زلت مفضلاً ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرِّح ... فظلت يد الأشواق تقدح في زندي
يقابلني منك الصباح بوجنة ... حكى شفقاً فيه الحياء الذي تبدي
وتوهمني الشمس المنيرة غرة ... بوجهك وإن الله وجهك عن ردِّ
محياك أجلى في العيون من الضحى ... وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
واطرد في هذا النسق المعبر عن الوداد المحض، والشوق الطافح، وبلوغ الشعر في جودته إلى هذا الحد مما ينبه على رفعة منزلة ابن خلدون في نفس الوزير ابن زمرك؛ إذ الشاعر وإن كان مغلقاً لا يطيل نفس الشعر ويرتقي في إبداعه إلى هذا المظهر إلا عن داعية تزعج قريحته، وتأخذ بمجامع عنايته. وليست الداعية في هذا المقام سوى الإعجاب بكمال ابن خلدون، والحنين إلى حدائق آدابه الزاهرة.
(11/ 1/72)

وبعد عودته إلى القاهرة تقلد خطة القضاء مرة ثانية، ثم عزل عنها، وقد تولاها مراراً، وبلغت ولايته لها، ثم تخليه عنها منذ هبط مصر إلى أن توفي نحو ست مرات.
* ابن خلدون والطاغية تيمورلنك:
وكان الملك الناصر فرج يسلك في رعايته والإقبال عليه بوجه البر والإنعام مسلك أبيه الملك الظاهر، واستصحبه في خروجه إلى الشام أيام الفتنة التترية، فكان ابن خلدون ممن وقعوا في الأسر، ثم غشي مجلس تيمورلنك في طائفة من الأعيان والقضاة، ومكنه دهاؤه وبراعته في فن السياسة من افتتاح باب المخاطبة، والدخول معه في حديث أصاب مواقع هواه، وأخذ بمجامع لبه، حتى أحرز لديه مكانة الرعاية والإكرام، وحمله الإعجاب بسمو مداركه، وكياسة منطقه على اصطفائه لنفسه، والانقلاب به إلى مقر ملكه؛ ليكون شهاباً ثاقباً في سماء دولته، ودرة وضاءة في سلك علمائه.
ولم تطب نفس ابن خلدون لأن يحط في أهواء هذا الطاغية، ويتطوح في مجاراته أن يدخل في شيعته، ويعمل تحت لوائه، وتلطف في مخادعته باستئذانه في العودة إلى مصر؛ ليجمع أمره، ويضم إليه أهله وكتبه، فنفذت الخدعة، وبلغ أمنيته، فعاد إلى القاهرة، ومدَّ بها طنب الإقامة إلى أن أدركه أجله وهو في منصب القضاء لأربع بقين من رمضان سنة 808، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر.
وقبره غير معروف، شأن من يوافيه الحمام في دار غربة، أو يقبره قوم كسدت لديهم بضاعته الغالية، وكلَّت أبصارهم دون الوصول إلى مراميه السامية.
(11/ 1/73)

* أخلاق ابن خلدون:
يمكن للناظر فيما اقتبسناه من سيرة ابن خلدون أن يشهد له ببعض خصال سامية؛ كعلو الهمة، ورقة الحاشية، وقلة المبالاة باقتحام المصاعب والأخطار، وقد وصفه لسان الدين بن الخطيب في كتاب "الإحاطة" ببعض أخلاق شريفة إذ قال: "هو حسن الخلق، جم الفضائل، ظاهر الحياء، وقور المجلس، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرياسة. جواد، حسن العشرة، عكف على رعي خلال الأصالة". ووصفه الوزير أبو عبد الله بن زمرك في قصيدته المومأ إليها آنفاً بشدة الحياء إذ قال:
يقابلني منك الصباح بوجنة ... حكى شفقاً فيه الحياء الذي تبدي
وبحسن الخلق إذ قال:
لقيتك في غريب وأنت رئيسه ... وبابك للأعلام مجتمع الوفد
فآنست حتى ما شكوت بغربة ... وواليت حتى لم أجد مضض الفقد
وعدت لقطري شاكراً ما بلوته ... من الخلق المحمود والحسب العدِّ
وقد أثنى عليه الأستاذ إبراهيم الباعوني الشامي، وكانت بينهما مودة وصحبة، ووصفه بعلو الهمة.
وأومأ ابن الخطيب إلى مغمز في خلقه، وهو بعده عن حسن التأني، وشغوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، وجعل هذا هو العلة في تحامل رجاك الدولة عليه، وانطلاق ألسنتهم في السعاية به لدى السلطان.
ولمزه ابن حجر في كتاب "رفع الإصر" بخلق كبير، والازدراء بمقام غيره.
(11/ 1/74)

وذكر في شواهد هذا: أن القضاة دخلوا للسلام عليه حين تولى منصب القضاء، فلم يقم لأحد منهم، واعتذر لمن عاتبه على ذلك. ومن تقصى أخبار النوابغ من أهل العلم والأدب، وجد أكثرهم يتطوح في الاحتفاظ بالمظهر اللائق بعظمته إلى الحال الذي يعده علم الأخلاق في قبيل الكبر والخيلاء.
وقذفه ابن حجر بخلق الفظاظة، وجفاء الطبع أيام كان قاضياً، وحكى عنه: أنه كان يعزر الخصوم بالصفع -ويسميه: الزج-، فإذا غضب على إنسان، قال: زُجُّوه،. فيصفع حتى تحمرَّ رقبته.
وتجاوز ابن حجر في التشنيع عليه، حتى رماه بارتكاب ما لا يحل لنا الأدب الجميل إيراده في هذه المحاضرة، فإلى الله إيابهُما، وعليه حسابهما. ومن قرأ ما كتبه ابن حجر في ترجمة ابن خلدون، وجدها منسوجة على قصد الحط من شأنه، وكتم شيء من فضله، فلا يبعد أن يدخل في عبارته غلو، أو يتساهل في النقل عمن كان بينه وبين المترجَم له منافسة وتحاسد.
* مكانته في العلم:
أنبتت المعاهد العلمية الإِسلامية من فحول العلماء رجالاً لا تحيط بهم أقلام الحاسبين، ولكن الرجال الذين يتسنمون في العلم الذروة القصوى، وتنفجر قرائحهم بمدارك فائقة، فيخرجوها للناس في أسلوبها الحكيم، ليسوا بكثير، ومن هذه الطائفة العزيزة المثال: أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون.
كان بعيد الشأو في العلوم الشرعية والعربية، خبيراً بالعلوم النظرية، ضليعاً في الفنون الأدبية، ويشهد له بالرسوخ في العلم: الكتب التي درسها؛ مثل: "تهذيب البرادعي" في الفقه، و"مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي"،
(11/ 1/75)

وكتاب "الموطأ"، و"صحيح مسلم"، وغيرهما من الأمهات في علم الحديث، وكتاب "التسهيل" لابن مالك في النحو.
وأخذ العلوم العقلية والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الأبلي.
وحسبكم شاهداً على تقدمه في هذه العلوم النقلية والعقلية: مقدمة تاريخه التي أمتع فيها البحث عن حقائق هذه العلوم وفلسفتها على طرز لا يبتكره إلا من مارسها على بينة من أمرها، وتوغل في أحشائها.
وأضاف إلى ثقافة الفكر، والتبريز في الفهم: قوةَ الحفظ، فكان يحفظ القرآن الكريم، والمعلقات، وديوان الحماسة، وشعر حبيب، وقطعة من شعر المتنبي، وسقط الزند، وطائفة من أشعار كتاب "الأغاني"، وغير ذلك من المنظومات العلمية.
* ابن خلدون والحافظ ابن حجر:
قصد الشيخ ابن حجر الحط من شأنه في العلم، فقال في "رفع الإصر": وقد ذكره ابن الخطيب في "تاريخ غرناطة"، ولم يصفه بعلم، وإنما ذكر له تصانيف في الأدب، وشيئًا من نظمه. وقد نقل صاحب "نفح الطيب" ترجمة ابن الخطيب لابن خلدون في كتاب "الإحاطة"، وهي تتضمن وصفه بالعلم؛ حيث قال: متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصور.
وقال ابن حجر: وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن بن أبي بكر يبالغ في الغض منه، فلما سألته عن سبب ذلك، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين ابن علي في "تاريخه"، فقال: قتل بسيف جده، قال ابن حجر: ولم توجد
(11/ 1/76)

هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنه ذكرها في النسخة التي رجع عنها.
والعجب من الحافظ أبي الحسن حين يغض من مقام ابن خلدون لبلاغ مزوِّر عنه، ثم من الحافظ ابن حجر حين ينفي ذلك من "تاريخه"، ويرجو أن يكون ذكره في النسخة التي رجع عنها. والحقيقة أن ابن خلدون أورد ذلك في الفصل الذي عقده في ولاية العهد من "المقدمة"، عازياً له إلى القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، ومتعقباً له بالرد، ونصه:
"وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا، فقال في كتابه الذي سماه: "بالعواصم والقواصم" ما معناه: أن الحسين قتل بشرع جده، وهو غلط، حمله عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومَن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟! ".
ومن مثل هذا يستدل على أن بعض الطاعنين على ذوي الآراء الإصلاحية، قد يؤتون من عدم اطلاعهم على نفس مقالاتهم، واستيفاء النظر في مؤلفاتهم.
ثم قال ابن حجر مستشهداً على ما يدعي من ضعف مكانة ابن خلدون العلمية:
"حتى إن ابن عرفة لما قدم إلى الحج، قال: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب، فلما بلغنا أن ابن خلدون ولي القضاء، عدنا بالضد من ذلك".
غير بعيد صدور هذه المقالة من الشيخ ابن عرفة؛ فإن ابن خلدون لم يكن مملوء الحافظة بتفاصيل علم الفقه؛ بحيث يكون أخصائياً في أحكام نوازله الجزئية، وهذا هو المنظور إليه في أهلية القضاء لذلك العهد. أما أن يكون الرجل مكيناً في علم الأصول، قاتلاً قواعد الفقه خبرة، ذا حذق في
(11/ 1/77)

صناعة تطبيق القواعد على ما يعرض من الوقائع -وهي المرتبة التي لا يقصر عنها ابن خلدون فيما نعتقد-، فلهم أن ينفوا عنه أهلية القضاء، ويطرحوه من حساب من يتقلدها بحق.
ثم أن البون الشاسع الذي كان بين مسلكي الشيخ ابن عرفة وابن خلدون في العلم يقتضي أن يكون بينهما من المنافسة ما لا يمنع أحدهما من القدح في مكانة صاحبه، وقد كان بينهما في تونس مجافاة، وادعى ابن خلدون أن لابن عرفة إصبعاً في السعايات التي بلوه بها لدى صاحب الدولة التونسية.
* مؤلفاته:
أتى ابن الخطيب في كتاب "الإحاطة" على بعض مؤلفات ابن خلدون، فقال: شرحَ البردةَ شرحاً بديعاً دلَّ به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ولخص كثيراً من كتب ابن رشد، وعلق للسلطان -يعني: ابن الأحمر- أيام نظره في العقليات تقييداً مفيداً في المنطق، ولخص "محصل" الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتاباً في الحساب، وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال.
وقال صاحب "نفح الطيب" بعد نقل ما جاء في "الإحاطة" من التعريف بابن خلدون: هذا كلام لسان الدين في حق المذكور في مبادئ أمره وأوسطه، فكيف لو رأى "تاريخه الكبير"؟!.
ومما قاله المقريزي في وصف "مقدمة" هذا التاريخ: وإنه لعزيز أن ينال مجتهد مثالها، إن هي إلا زبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة
(11/ 1/78)

والفهوم، توقف على عنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبح على أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر النظيم، وألطف من الماء مر به النسيم.
ورام الشيخ ابن حجر أن يبخس كل أثر له، حتى هذه المقدمة، فقال في كتاب "رفع الإصر" بعد حكايته كلام المقريزي: وما وصفه به فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية، فمسلم، وأما ما أطراه به زيادة على ذلك، فليس الأمر كما قال، إلا في بعض دون بعض، إلا أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن.
وقد نقلت هذه المقدمة إلى لغات أخرى: تركية، وإيطالية، وفرنسية، فكانت أحد الآثار العربية التي شهد بها الغربيون كيف يرتقي الفكر الناشئ في معاهد العلوم الإِسلامية حتى يتسنى له أن يبحث في نظم الاجتماع، وطرق الإصلاح، على وجه بديع، وأسلوب حكيم. ومتى صح أن النابغة لا يبدع في فن من فنون النظر، ويطيل فيه النفس إلى الأمد الأقصى إلا أن يتقدمه سلف يكون كواضع الأساس، أو يحظى بصحبة من ينسج في البحث والمحاورة على منوال ذلك الفن؛ فإنا لم نر من الرجال الذين لقيهم ابن خلدون من يصح أن يكون مساعداً له على هذا المسلك الفلسفي الاجتماعي غير لسان الدين بن الخطيب، ولهذا كان ابن خلدون ينوه بشأنه، ويشيد بذكره أينما حل.
قال الشيخ إبراهيم الباعوني الشامي -فيما رآه صاحب "نفح الطيب" بخطه-: وكان -يعني: ابن خلدون- يكثر من ذكر لسان الدين بن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع،
(11/ 1/79)

وتتقاصر عن إدراكه الأطماع.
* شعره:
يعد ابن خلدون في قبيل الشعراء المجيدين، ولكن انكبابه على مدارسة العلوم، وقلة غدو قريحته ورواحها على النظم، عاقه عن أن يبلغ في إتقان نسجه والإبداع في فنون التخيل مبلغ المشهود لهم بالتفوق في هذه الصناعة.
وقد اعترف هو نفسه بما يجده من استصعاب الشعر عليه، وبعدِ مأخذه منه عندما يحاول نظمه، قال في "مقدمة تاريخه": ذاكرت يوماً صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر -وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة-، فقلت له: أجد استصعاباً علي في نظم الشعر متى رمته، مع بصري به، وحفظي للجيد من الكلام؛ من القرآن، والحديث، وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظي قليلاً، وإنما أتيت -والله أعلم - من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية، والقوانين التأليفية، وعدَّدَ جملة من محفوظاته، ثم قال: وامتلأ حفظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها. فنظر إلى ساعة معجباً، ثم قال: لله أنت! وهل يقول هذا إلا مثلك!
ولصفاء فطرته، وسلامة ذوقه، قد يدرك شعره مع تلك العلة التي أومأ إليها غاية بعيدة في الإجادة. ومن مُثُله الرائقة: قصيدته التي أنشدها سلطان المغرب ليلة الميلاد النبوي عام 763، وافتتحها بقوله:
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عَبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين ساعة وقفة ... لوداع مشغوف الفؤاد كئيبِ
(11/ 1/80)

ومنها:
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا ... وتواصل الإسآد بالتأويب
متجافياً عن رحل كل مذلل ... نشوان من أينٍ ومس لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمأ الصبابة صحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب
أو تعترض مسراهم سدف الدجى ... صدعوا الدجى بغرامه المشبوب
هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لبانة أعين وقلوب
فتؤمَّ من أكناف يثرب مأمناً ... يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوة آيها مجلوة ... تتلو من الآثار كل غريب
ومن أجود شعره وأعلاه مطلعاً في البلاغة: قوله من قصيدة يهنئ بها أبا حمو بعيد الفطر:
هذي الديار فحيهن صباحا ... وقف المطايا بينهن طلاحا
لا تسأل الأطلال إن لم تروها ... عبرات عينك واكفاً ممتاحا
فلقد أخذن على جفونك موثقاً ... أن لا يرين مع البعاد شحاحا
ايه على الحي الجميع وربما ... طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا
وتعرض الشيخ ابن حجر لشعر ابن خلدون، وقال: إنه لم يكن ماهراً في النظم، وكان يبالى في كتمانه، مع أنه كان جيداً لنقد الشعر. وعدم مهارته في الشعر مسلم على معنى أنه لم يصل إلى درجة من أفرغوا جهدهم في هذه الصناعة، وأصبحوا لا ترى تراجمهم إلا في طبقات الشعراء. وقد أريناك من شعره مثلاً يشهد بأن له قوة شاعرية فطرية، وهو المثل الأعلى لشعر من
(11/ 1/81)

انصرف بهمته إلى التضلع من العلوم النقلية والنظرية، ثم مد يده إلى الشعر على وجه التحلي بفن من فنون الأدب الجميلة.
* مُثل من فلسفته الاجتماعية:
لابن خلدون في الاجتماع والسياسة آراء سامية استمدها من مطالعاته الواسعة في التاريخ، ومشاهداته أزمان الرحلة؛ إذ تقلب في أمم، ودخل في أحشاء دول. ولنسق إليكم أمثلة من فلسفته الاجتماعية التي لها مساس بمشروع جمعية أدبية كجمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية:
* المغلوب مولع بتقليد الغالب:
يقول ابن خلدون: إن المغلوب "مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده". وعلل هذا بأن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت إليه، إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو بما تغالط به نفسها من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب.
وهذه نظرية صحيحة، وعلتها ظاهرة، وهي مطردة في الأقوام الجاهلة والشعوب التي يلقى حبلها على غاربها، فتأخذ في تقليد الغالب، والتشبه به في الشعار والعادات، وتفرط في ذلك حتى تندمج في بني جنسه، وتفنى في قبيل عنصريته.
فجدير بزعماء الشرق ودعاة إصلاحه اليوم ألا يدعوا النشء منهمكاً في تقليد الأمم الغربية، ويحق عليهم أن يمعنوا النظر في أحوالها ومظاهر مدنيتها، ويميزوا بين ما كان من أسباب رقي حالتها الاجتماعية، وانبساط يدها إلى القبض على أزمَّة السياسة في الشرق، فيحرضوا الشرقيين على اقتباسه،
(11/ 1/82)

وإضافته إلى وسائل حضارتهم، وما كان من الأوضاع المنكرة، أو أنه كان ناشئاً عن عادة ولدتها البيئة الخاصة، ضربوا عنه صفحاً، وأنذروا الشرق عاقبة الاقتداء به.
وفحصُ أحوال تلك الأمم، وتمييزُ طيبها من خبيثها يحتاج إلى نظر حكيم، وذوق سليم، فقد يجد الناظر ما قد يكون نافعاً في أوطانهم، ولكن عمله في بلادنا اليوم ضرر محض. ومن أمثلة هذا: إضراب التلاميذ عن الدروس احتجاجاً على قضية سياسية، فهذا النوع من الإضراب قد يلتجئ إليه تلاميذ دولة مستقلة حريصة على ترقيتهم في العلوم والفنون، فيكون نافعاً لهم، وذريعة لنجاح مطلبهم، ولكن الدولة الأجنبية لا يسوءها أن ينقطع أبناؤنا عن التعلم ليالي وأيامًا، بل يرتاح ضميرها إلى أن تغلق المدارس أحقاباً؛ حتى يتسنى لها أن تسوقهم كالأنعام إلى حيث تشاء.
* الأمة المغلوبة يسرع إليها الفناء:
يقول ابن خلدون: "إن الأمة إذا غُلبت، وصارت في ملك غيرها، أسرع إليها الفناء". وجعل العلة في هذا ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها، وصارت بالاستعباد آلة لسواها، فيقصر الأمل، ويضعف التناسل، والاعتماد إنما هو عن جدة الأمل، وما يحدث عنه من النشاط في القوة الحيوانية.
وهذه النظرية حادثة، وعلتها معقولة، فيتحتم على زعماء الشعوب المغلوبة للأجنبي أن يعالجوا هذا الداء القاتل للأمم الجاهلة بما يبثونه فيها من أمل الخلاص، ويضربوا لها الأمثال بالأمم التي تخلصت من سلطة الغريب؛ مثل: اليونان، وبلغاريا، ورومانيا، وأمريكا، ويعلموها أن وسيلة النجاة منافسة
(11/ 1/83)

الغالب في أسباب القوة من المال والعلم والاتحاد، ويربُّوها على العظمة وإباءة الضيم واستصغار العظائم؛ فإنها تعود إلى حياة وقوة تصارع بها حاكمها الغاصب، وإن كانت فئة قليلة، وبلغت جنود خصمها من الكثرة ما لا يخطر على البال.
لا تحقرن صغيراً في مخاصمة ... إن الذبابة أدمت مقلة الأسد
* العرب والسياسة:
عقد ابن خلدون في "مقدمة تاريخه" فصلاً ذهب فيه إلى أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك. وتدور هذه المقالة على ألسنة بعض من يريد الحطَّ من شأن العرب، ولا سيما الأعاجم الذين يريدون استعمار بلادهم، وإدخالهم تحت سيطرتهم، ويسوقونها كالشاهد على أن العرب لا يصلحون لأن يديروا سياستهم بيد مستقلة، وينقلها بعض العرب أو أنصارهم، فيرمي ابن خلدون بسفه الرأي في هذه القضية، ويحكم على تخطئته بحجة سداد نظرهم في السياسة، واتساع فتوحاتهم أيام الخلفاء الراشدين، ومن اقتفى أثرهم من دهاة الأمراء وأبطال الرجال.
والتحقيق أن ابن خلدون إنما يقصد العرب الذين يعيشون بالبادية، وقبل أن يخرجوا من ظلمات جاهليتهم إلى الاهتداء بمعالم الإِسلام. وعباراته صريحة في هذا الصدد. ومما قال في هذا القصد: "وإنما يصيرون إلى سياسة الملك بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية". ثم قال: "واعتبر ذلك بدولتهم في الملة لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً وباطناً، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم".
(11/ 1/84)

خرجت يوماً من "برلين" على سكة الحديد إلى بعض نواحيها، وكان في رفقتي اثنان من مستشرقي الألمان. وبعد قليل أقبل عليَّ أحدهما، وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك؟ فقلت له: إنما يريد العرب في عصر جاهليتهم، وأما بعد أن تحلوا بهدي الإِسلام، فقد أصبحوا كغيرهم من الأمم: يجيدون النظر في السياسة، ويديرون زمامها على بينة. فلاح على وجهه الامتعاض من هذا الجواب. وليست ألمانيا أقل شرهاً وحرصاً على استعباد الشعوب الشرقية من بقية دول الاستعمار.
ويوضح ما قاله ابن خلدون من قلة خبرة العرب أيام جاهليتهم بمذاهب السياسة: أنهم كانوا مغلوبين لطبيعتين لا ينتظم معهما أمر الملك وإدارة شؤون الجماعة:
إحداهما: الانتصار لمثل الجار والقريب، والصاحب والحليف، وإن كان ظالماً، وكانوا يرون هذه الطبيعة من مقتضيات صحة العهد، وعزة الجانب. والسياسة إنما تقوم على قاعدة المساواة، وحماية الحقوق من أيدي المعتدين عليها، لا فرق بين بعيد وقريب، وعدو وحبيب. ويعتبر هذا بالحكومات الأجنبية، فإنك تجدها تعبث بقاعدة المساواة في البلاد المحتلة، فتستخف بحقوق الوطنيين، وترفع أبناء جنسها عليهم درجات، وهذا أول العلل التي تجعل سياستها منكرة، ووطأتها لا تطاق.
ثانيهما: المسارعة إلى مؤاخذة المسيء والانتقام منه بدافع طبيعة إباية الضيم، والسياسة تقضي باحتمال بعض الأذى، والإغضاء عن كثير من الهفوات.
(11/ 1/85)

وأقم الوزن بالقسط في الحكومات السائدة، فإنك ترى الحكومة التي هي أطيش حلماً، وأخف يداً إلى إرهاق من تسميهم مجرمين سياسيين، فتستيقن أنها أقصر عمراً، وأن بغضها في قلب شعبها أحر من جمر الغضا.
وقد حارب الإِسلام هاتين الطبيعتين حتى أخرج من العرب موازين قسط وعدالة؛ كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما -، وجبال حلم وأناة؛ كمعاوية بن أبي سفيان، والمأمون بن هارون الرشيد.
أيها السادة!
هذه كلمات في حياة الفيلسوف التونسي عبد الرحمن بن خلدون، ألقيناها على مسامعكم رجاء أن يأخذ منها طلاب العلم بالأزهر الشريف عبرة، حتى ترى منهم أوطانهم بعد العودة أمثال ابن خلدون في علمه وتفكيره، وما ذلك على الله بعزيز.
(11/ 1/86)

حياة أسد بن الفرات (1)
أيها السادة!
أعرض على حضراتكم آثاراً من سيرة رجل يدخل في سلك العلماء الراسخين، وتقرؤون اسمه في سلك الأبطال الفاتحين، وهو مؤلف "المدونة"، وفاتح صقلية: أسد بن الفرات.
قضى أسد بن الفرات معظم حياته بمدينة القيروان، ولحياته صلة بالعلم، وصلة بالسياسة، فيحسن بنا أن نفتتح المحاضرة بكلمة نأتي بها على موقع القيروان، ونلم فيها بحالته السياسية والعلمية للعهد الذي نشأ وعاش فيه أسد ابن الفرات.
* القيروان:
لا يغيب عن حضراتكم أن تونس فتحت أولاً في عهد عثمان بن عفان بسيف عامله على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكانت آخرة هذا الفتح أن لاذ الروم والبربر بطلب الصلح، فصالحهم الفاتحون على مقدار وافر من المال، تسلموه منهم، وولوا عنهم إلى مصر وما وراءها راجعين.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر الصادر في رمضان 1364.
(11/ 1/87)

وبعد أن وقعت الخلافة في يد معاوية بن أبي سفيان، بعث إلى إفريقية (1) جيشاً يقوده معاوية بن أبي حديج الكندي، ففتح منها بلاداً كثيرة، ثم عاد إلى مصر، وخلفه عقبة بن نافع الفهري، فجعل من فاتحة أعماله أن خطط تلك المدينة التي تسمى: "القيروان"، وهي واقعة من مدينة تونس في ناحية الجنوب، تبعد عنها بمسير خمس ساعات في سكة الحديد، وتقدر هذه المسافة في القديم بنحو مئة ميل.
* الحالة السياسية:
ظلت القيروان منذ أنشأها عقبة بن نافع عاصمة أفريقية، وظل ولاتها يفدون عليها من قبل الخليفة في الشرق إلى أن اضطرب حبل الأمن, وحل بعض الزعماء فيها وكاء الفتنة، فبعث أبو جعفر المنصور جيشاً على رأسه محمد بن الأشعت سنة 144 ه، فأخمد الثائرة، وصارت ولاية أفريقية عقب هذا إلى المهلبيين، ومنهم: يزيد بن حاتم الذي مدحه ربيعة الرقي بالشعر المتداول:
لَشتانَ ما بين اليزيدينِ في الندى ... يزيدِ سُليمِ واليزيدِ بنِ حاتمِ
ثم إلى الأغالبة، ومؤسس دولتهم إبراهيم بن الأغلب، وكان إبراهيم هذا قد رغب إلى الخليفة هارون الرشيد في أن يمنحه إمارة أفريقية، فأجاب رغبته، وكتب له عهد الإمارة سنة 184، فاستقل بشؤون أفريقية الداخلية، وأقام دولة يقال لها: دولة بني الأغلب، وكان يجمع في سياسته بين الحزم والرأفه، ويضيف إلى هذه الخصلة الحميدة علماً وأدباً، فامتدت
__________
(1) تطلق إفريقية على ما بين برقة وطنجة، وقد تطلق على القيروان؛ لأنها كانت عاصمة ملك أفريقية.
(11/ 1/88)

في أيامه ظلال الأمين وألقت إليه القبائل بحسن الطاعة حتى توفي سنة 196، فخلفه ابنه عبيد الله، وذهب في سياسته مذهب الشطط والعسف، وما لبث أن هلك، وصار الأمر لأخيه زيادة الله، فبايعه الأهالي سنة 201، ثم جاءه التقليد من قبل الخليفة المأمون، وكان زيادة الله فصيح المنطق، مكيناً في العربية وآدابها، وفي عهده تولى أسد بن الفرات قضاء القيروان، وقيادة الجيش الفاتح لصقلية.
فأسد بن الفرات عاش ما بين مدينتي القيروان وتونس أيام تداول سياسة ذلك القطر المهلبيون، ثم الأغالبة، وفي كلتا الدولتين رجال علم وأدب وهمم سامية، وذلك مما ينهض بأمثال أسد في النباهة والذكاء إلى أن يكون من عظماء الرجال الذين يذكرهم التاريخ بتمجيد وإجلال.
* الحالة العلمية:
لأهل تونس -في العهد الذي نشأ فيه ابن الفرات وما يقرب منه- عناية بالعلوم الإِسلامية، فكانوا يرحلون إلى بلاد الشرق للأخذ من علمائها، ومن أشهر هؤلاء الراحلين: أبو البقاء عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري؛ فإنه رحل إلى الشرق، وأخذ عن جماعة من التابعين، ثم عاد إلى القيروان، وبث ما عنده من علم، ورحل مرة أخرى إلى العراق، واجتمع بأبي جعفر المنصور، وهو يومئذ الخليفة، وكان قد عرفه أيام رحلته الأولى، وصاحبه في طلب العلم، فعرض عليه الخليفة المقام ببغداد، فأبى، فقلده قضاء القيروان، وتوجه في جيش ابن الأشعث الذي سار لقمع ثورة البربر بأفريقية.
وكان عبد الرحمن هذا في طليعة العلماء الذين نشروا في البلاد التونسية علماً وأدباً، وظهروا بالإقدام على نصيحة ولاة الأمور، ومن آثاره الأدبية:
(11/ 1/89)

قوله في أبيات نظمها خطاباً لابنه أنعم حين أخذ في التوجه من العراق إلى القيروان:
ذكرت القيروان فهاج شوقي ... وأين القيروان من العراق
مسيرة أشهر للعير نَصّاً ... وللخيل المضمرة العتاق
فبلغ أنعماً وبني أبيه ... ومن يرجو لنا وله التلاقي
بأن الله قد خلَّى سبيلي ... وجدَّ بنا المسير إلى فراق
وهذه الأبيات -على سهولة لفظها، وقرب مأخذها- تدل على أن لصاحبها قدماً في الأدب راسخة.
ومن دلائل إقدامه على نصيحة أولي الأمر: أنه حين دخل على أبي جعفر المنصور قال له: كيف رأيت ما وراء بابنا؟ قال: رأيت ظلماً فاشياً، وأمراً قبيحاً، قال له أبو جعفر: لعله فيما بَعُد من بأبي، قال: بل كلما قربت، استفحل الأمر وغلظ، قال: ما يمنعك أن ترفع ذلك إلينا، وقولك مقبول عندنا؟ قال: رأيت السلطان سوقاً، وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيه، قال له: كأنك كرهت صحبتنا! قال: ما يدرك المال والشرف إلا من صحبتكم، ولكني تركت عجوزاً، وإني أحب مطالعتها، فولاه قضاء أفريقية، وتوجه في جيش ابن الأشعث كما قصصنا.
وظهر بعد عبد الرحمن هذا طبقة من أهل العلم راقية، رحلوا إلى الشرق، وأخذوا عن مالك بن أنس؛ كعبد الله بن أبي حسان اليحصبي، وعبد الله بن غانم، وعبد الله بن فروخ، وعلي بن زياد الذي هو أحد أساتذة أسد بن الفرات.
فأسد بن الفرات شب وعاش في بيئة علم واسع، وأدب غزير، وقد
(11/ 1/90)

ساعدته هذه البيئة على أن يكون انتفاعه من الرحلة التي تقلبت به في الحجاز والعراق والقاهرة عظيماً سريعاً، وسنقص على حضراتكم شيئاً من أنبائها، وأنباء ما عاد به إلى وطنه من علم وافر نبيل.
* مولد أسد ونشأته:
المعروف من نسب أسد أنه أسد بن الفرات بن سنان مولى سليم، وأصله من نيسابور أحد أعمال خراسان، وكان أسد يقول على وجه الاستملاح: أنا أسد، والأسد خير الوحوش، وابن الفرات، والفرات خير المياه، وجدي سنان، والسنان خير السلاح.
ولد أسد ببلد حران من ديار بكر سنة 142 ه، وكان أبوه الفرات من جند خراسان، فلما بعث أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث لإخماد فتنة البربر بأفريقية، وكان الفرات في الجيش الذي يقوده محمد بن الأشعث، فأخذ ابنه أسداً وقد بلغ من العمر حولين، فنزل بالقيروان، وهي يومئذ عاصمة أفريقية.
بقي أسد بالقيروان نحو خمس سنين، ثم انتقل به أبوه إلى مدينة تونس، وأقام بها سنين توفق فيها أسد إلى طلب العلم، فتلقى من شيوخ أشهرهم: علي بن زياد الذي لقي مالكاً، وأصبح أفقه العلماء بأفريقية.
ولم يقنع أسد بما تلقاه من شيوخ أفريقية، وتاقت نفسه لأن يزداد بسطة في العلم، فأزمع الرحلة إلى الشرق، وكانت الرحلة ولا زالت السبب الأقرب إلى تثقيف العقل، والنبوغ في العلم، متى كان الراحل مجداً غير هازل، نبيهاً غير خامل، ولولا رجال من الأمة يرحلون، فيردون مناهل العلوم ثم يصدرون، لبقي كثير من الأمم في جهلهم، أو على مقدار من العلم لا يرفع
(11/ 1/91)

ذكرهم، ولا يقوم بحاجاتهم.
* رحلته إلى الحجاز:
غادر أسد بن الفرات تونس سنة 172، فدخل المدينة وعالمها الذي تضرب إليه أكباد الإبل وقتئذ مالك بن أنس، فلزم مجالسه، وسمع منه كتاب "الموطأ"، وبعد أن فرغ من سماعه، قال لمالك، زودني يا أبا عبد الله، فقال له مالك: حسبك ما للناس.
وكان أصحاب مالك -ابن القاسم وغيره- يهابون مالكاً، فلا يسألونه أو يناقشونه في العلم إلا بمقدار، ولما رأوا في أسد جرأة، أخذوا يدفعونه إلى سؤال مالك، ويلقنونه ما شاؤوا من المسائل يبتغون أجوبتها، فكانوا إذا أجابه مالك عن مسألة، يقولون له: قل له: لو كان كذا وكذا، كيف يكون الحكم؟ قال أسد: فأقول له، حتى ضاق علي يوماً، وقال لي: "سلسلة بنت سلسلة، إذا كان كذا، كان كذا وكذا، إن أردت هذا، فعليك بالعراق".
وكان الإمام مالك يكره السؤال عن أحكام الحوادث قبل وقوعها؛ ذلك لأن أصول الشريعة محكمة، ومقاصدها واضحة، ووسائل الاستنباط ممهدة، فمتى وقعت الواقعة، وجدت من أئمة الاجتهاد من يفصل لها حكماً موافقاً.
* انتقاله إلى العراق:
قصد أسد المسير إلى العراق ليتعلم من علمائه ما لم يكن يعلم، فدخل على مالك مودعاً، وقال له: أوصني. فقال له مالك: "أوصيك بتقوى الله، والقرآن، والنصيحة لهذه الأمة".
رحل أسد إلى العراق، فلقي هنالك أصحاب الإمام أبي حنيفة، وكان
(11/ 1/92)

يشهد مجالس محمد بن الحسن العامة، ولم يكتف بما كان يستفيده من هذه المجالس حتى اقترح على محمد بن الحسن أن يسمح له بوقت يخصه فيه بالدراسة، فتقبل محمد بن الحسن اقتراحه، وقال له: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل كله وحدك، فتبيت عندي، وأسمعك. قال أسد: فكنت أبيت في سقيفة بيت يسكن هو في علوه، فكان ينزل إلي، ويضع بين يديه قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل، ورآني نعست، ملأ يده ماء، ونضح به على وجهي، فأنتبه؛ فكان ذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه.
صنيع أسد بن الفرات يرينا كيف كان طلاب العلم في الإِسلام، فلا نعجب لمن يقص علينا التاريخ أنهم بلغوا في العلم -وهم لا يبعدون عن سن العشرين- منزلة سامية فائقة.
وصنيع محمد بن الحسن يرينا كيف كان الأساتيذ يحنون على طلاب العلم حنو المرضعات على الفطيم، ويقضون ليلهم ونهارهم في إنارة عقولهم، وتوسيع دائرة معارفهم.
* انتقاله إلى مصر:
بعد أن تضلع أسد مما عند علماء العراق من علم، انتقل إلى مصر، وقد ظهر بها وقتئذ أصحاب الإمام مالك: ابن القاسم، وأشهب، وغيرهما، فحضر أسد لأول قدومه مجلس أشهب بن عبد العزيز، فصادف أن بدرت من أشهب كلمة تطاول بها على الإمامين مالك وأبي حنيفةَ، فأخذت أسداً الحميةُ لهما؛ ولم يتمالك أن قال: يا أشهب! فأسكته الطلبة، وقالوا له: ماذا أردت أن تقول له؟ قال: أردت أن أقول له: مثلك ومثلهما مثل رجل
(11/ 1/93)

أتى بين بحرين، فبال، فرغى بوله، فقال: هذا بحر ثالث.
وكان ابن القاسم وأشهب يخالفان مالكاً في بعض الفتاوى، غير أن في ابن القاسم أناة، فلا يضم إلى الخلاف قولة جافية، أما أشهب، فكان لا يبالي أن يزيد على الخلاف كلمة يتظاهر فيها باستقلال النظر ما شاء.
ثم اتصل أسد بابن القاسم، وكان يغدو إليه في كل يوم يلقي عليه مسائل ليجيبه عنها بما يرويه عن مالك، أو تقتضيه أصول مذهبه، حتى دوّن ستين كتاباً سماها: الأسدية.
ولما عزم أسد على العودة إلى القيروان، سأله طلاب العلم هنا بمصر أن يسمح لهم باستنساخ ما دونه عن ابن القاسم -أعني: الأسدية-، فأبى عليهم ذلك، فحسبوا أن هذا من الحقوق التي يتناولها القضاء، فشكوه إلى القاضي، وهو يومئذ عمرو بن مسروق الكندي، فقال لهم: وأي سبيل لكم عليه؟! رجل سأل رجلاً فأجابه، ها هو المسؤول بين أظهركم، فاسألوه كما سأله. ثم إن القاضي رغب إلى أسد في أن يسمح لهم باستنساخ الأسدية، فأجاب طلب القاضي، وسلمها لهم حتى فرغوا من نسخها.
* عودته إلى القيروان:
قضى أسد في رحلته نحو عشر سنين، ثم عاد إلى القيروان سنة 181، وانتصب للتدريس، وبث ما كسب من علم، فأقبل عليه الطلاب يجتنون من ثمار رحلته، ويتلقون عنه "الموطأ". وكتاب "الأسدية"، وممن أخذ الأسدية: الإمام سحنون، ثم إن سحنون رحل إلى مصر سنة 188، وقرأ الأسدية بين يدي ابن القاسم نفسه، وكان ابن القاسم قد رجع في بعض مسائلها، وقررها على غير ما سمع منه أسد بن الفرات، ولما فرغ سحنون من قراءتها، كتب
(11/ 1/94)

ابن القاسم رسالة إلى أسد يأمره فيها بأن يصحح "مدونته" على النسخة التي يحملها سحنون، عاد سحنون بالمدونة، ودفع كتاب ابن القاسم إلى أسد، فأبى أسد أن يغير مدونته المسماة: الأسدية على نحو ما سمعها عن ابن القاسم، ولكن مدونة سحنون هي التي انتشرت في الآفاق، وعول عليها الناس في الفتوى، وهي التي تناولها الفقهاء بالشرح والاختصار.
* مكانته العلمية:
عرفنا مما سلف أن أسداً تفقه عن علي بن زياد في تونس، ثم رحل وأخذ عن مالك بالمدينة، ثم عن أصحاب أبي حنيفة بالعراق، ثم عن عبد الرحمن ابن القاسم بالقاهرة، وأن مدة رحلته بلغت تسع سنين، وإن تسع سنين يقضيها العالم الذكي في الازدياد من العلم بجد وتلهف، لكفيلة بأن تخرجه للناس نحريراً فائقاً، وبما نال أسد في هذه الرحلة من علم كان يقول مغتبطاً ومعرضاً ببعض معاصريه بالقيروان: "ضربنا في طلب العلم آباط الإبل، واغتربنا في البلاد، ولقينا العلماء، وغيرنا طلب العلم خلف كانون أبيه، ووراء منسج أمه، ويريدون بعد ذلك أن يلحقونا".
وتحدث محمد بن الحسن عن أسد في مكة، فوصفه بالدراسة والمناظرة والسماع، وكان قاضي القيروان عبد الله بن غانم يشاوره، ويعجب بعلمه، وقال أبو بكر بن الأبار في "الحلة السِّيراء": "وكان لأسد بيان وبلاغة، إلا أنه بالعلم أشهر منه بالأدب".
ومما امتاز به أسد عن معاصريه: أنه كان يسرد في مجالسه أقوال أهل العراق، ثم أقوال أهل المدينة، وبهذه الطريقة اتسعت دائرة علم الفقه في تونس، وأصبح طريق النظر في أحكام الشريعة ومداركها مألوفاً ميسراً، وقد
(11/ 1/95)

تقدم إلى فتح هذا الباب بالقيروان عبد الله بن فروخ؛ فإنه رحل إلى الشرق، ولقي مالكاً وأبا حنيفة، وكان يعتمد في فقهه على مالك، ويأخذ بطريق النظر والاستدلال، وقد يميل إلى قول أهل العراق حين يستبين له أنه أرجح حجة، وأقوم قيلاً.
* ولايته القضاء:
توفي قاضي القيروان عبد الله بن غانم، فأقام زيادة الله مكانه أبا محرز ابن عبد الله الكتاني، ثم إن علي بن حميد وصف لزيادة الله فضل أسد، ومكانته في العلم، وسعى لديه في أن يصرف أبا محرز عن القضاء، ويقلده أسد بن الفرات، فلم يوافق زيادة الله على عزل محرز، ولكنه قلد أسداً القضاء مع أبي محرز سنة 204، فكانا يقضيان كل منهما بمكانه؛ بحيث يكون المتداعيان بالخيار.
وفي مدينة تونس لهذا العهد محكمتان: إحداهما تحكم على المذهب المالكي، وأخراهما تحكم على مذهب أبي حنيفة، ويسيران في القضاء على أن الخيار للمدعى عليه، وعباراتهم الخيارية في هذا المعنى: "المطلوب يتوجه حيث شاء".
أما تولية قاضيين لتطرح بينهما القضايا، ويصدرا فيها حكماً واحداً، فقد كان الخليفة المهدي استخلف على القضاء محمد بن علاثة، وعافية بن يزيد، فكانا يقضيان معاً في مسجد الرصافة.
* شجاعته الأدبية:
كان أسد على شاكلة العلماء الذين يصغر في أعينهم أهل الدنيا، ولا تملك عليهم سطوة السلطان ألسنتهم، فيُدهنوا. دخل أسد وأبو محرز
(11/ 1/96)

على منصور الطبري يوم ثار على زيادة الله، واستولى على القيروان، وهما قاضيان، فقال لهما ذلك الثائر في كلام دار بينهما: "اخرجا عني، أما تعلمان أن هذا البائس -يعني: زيادة الله- ظلم المسلمين؟ ". أما أبو محرز، فخالطه رعب، وقال له: وظلم اليهودَ والنصارى. وأما أسد، فإنه ملك جأشه، وآثر أن يقول كلمة حق على أن يسكت أمام صولة باطل، فقال له: كنتم أعواناً له قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، ولما وسعنا الوقوف عنه وعنكم، فكذلك يسعنا الوقوف عنه وحده. ولما دافع أسد بهذه الكلمة، صال عليه بعض الجند القائمين على رأس الثائر، ثم انصرف القاضيان وهما يتوقعان بطشة الثائر الغشوم، ولكن الله صرف قلبه عنهما، فلم يمسهما بأذى.
* فتحه صقلية (1):
صقلية: جزيرة في البحر المتوسط، لا يفصلها عن أوربا الإيطالية إلا مضيق مسينا، وهي التي تسمى: "سيسيليا".
أما سبب فتحها، فهو أنه كان بين زيادة الله وصاحب صقلية عقد هدنة، ومما احتواه هذا العقد: أن من وقع إلى صقلية من المسلمين، ورغب أن يرد إلى بلاد الإِسلام، كان عليهم أن يردوه إليها، ثم إن صاحب صقلية قصد إلى الإيقاع بزعيم يقال له: (فيمه)، فتخلص هذا الزعيم وأتباعه من صقلية، وهبطوا القيروان يستنجدون بصاحب الدولة زيادة الله بن الأغلب،
__________
(1) ضبطها صاحب "القاموس" بكسر الصاد والقاف، وضبطها ابن خلكان بفتحهما، وكذلك يقول ابن هشام اللخمي في "لحن العامة": ويقولون: سقلية -بسين مكسورة- والصواب: صقلية- بصاد وقاف مفتوحتين.
(11/ 1/97)

ورفعوا إليه أن في أيدي الروم أسارى من المسلمين، لم يمكنوهم من العود إلى أوطانهم، فجمع زيادة الله وجوه الناس، وأحضر أسد بن الفرات، وأبا محرز، وسألهما الرأي فيما يصنع، فأما أبو محرز، فقال: نتأنى في هذا الأمر حتى نكون فيه على بينة، وأما أسد بن الفرات، فقال: نتبين الأمر من رسلهم، فإن شهدوا بأن هناك أسرى، أصبح عقد الهدنة بيننا وبينهم منقوضاً، فقال له ابن محرز: كيف نعتمد على قول الرسل في مثل هذا؟ فقال أسد: بالرسل هادناهم، وبالرسل نجعلهم ناقضين، فارتاح زيادة الله لقول أسد، وسأل الرسل، وكان بين الرسل رجل مسلم، فشهدوا بأن لدى الروم مسلمين محبوسين عن العود إلى أوطانهم.
أمر زيادة الله يومئذ بالخروج إلى صقلية، فعرض أسد نفسه ليخرج في الجيوش المحاربة، فتباطأ زيادة الله عن إجابته، وامتعض أسد من تباطئه حتى قال: قد أصابوا من يجري لهم مراكبهم من النوتية، وما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنة، ولما وثق زيادة الله من صدق عزيمته، أذن له بالخروج على أن يكون أمير الجيش في هذه الغزوة، فكره أسد الإمارة؛ ظناً منه أنه سيتقلدها بدل القضاء، وقال لزيادة الله عندما عزم عليه في ولايتها: أصلح الله الأمير، من بعد القضاء والنظر في حلال الله وحرامه، يعزلني ويوليني الإمارة! فقال له زيادة الله: إني لم أعزلك عن القضاء، بل وليتك الإمارة، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت قاض أمير، فرضي أسد عند ذلك بالإمارة. ويقول المؤرخون: لم تجتمع الإمارة والقضاء لأحد ببلد أفريقية إلا لأسد وحده. وأما في غير أفريقية، فقد اجتمع القضاء وإمارة الجيوش لبعض علماء بغداد والأندلس. قال ابن خلدون: "وربما كانوا يجعلون للقاضي قيادة الجهاد
(11/ 1/98)

في عساكر الصوائف، وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس".
أذن زيادة الله بأن تهيأ السفن وتساق إلى مرسى مدينة "سوسة"، وكانت نحواً من مئة سفينة، وجهز جنداً يقدرون بعشرة آلاف رجل، وتسع مئة فارس.
خرج أسد في ربيع سنة 212 متوجهاً إلى مدينة "سوسة" ليقلع منها إلى صقلية، وكان يوم خروجه من القيروان يوماً مشهوداً، خرج وجوه أهل العلم لتشييعه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجال الدولة إلا شيعه، فركب أسد، وسار في محفل عظيم من الناس، ولما رأى حملة الأقلام والسيوف يحتفون به من كل جانب، لم يشأ أن تمر هذه الفرصة دون أن ينوه فيها بفضل العلم، وينبه على ما يلقاه العالمون من خير وعزة، فقال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله يا معشر الناس! ما ولِّي لي أب ولا جد ولاية قط، وما رأى أحد من سلفي مثل هذا قط، وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، وكابدوا عليه، واصبروا على شدته؛ فإنكم تنالون به الدنيا والآخرة".
ركب أسد البحر يوم السبت منتصف ربيع الأول سنة 212، وألقى مراسي السفن على مدينة مأزر بلاد صقلية يوم الثلاثاء، وزحف إليه صاحب صقلية (بلاته) في جيوش عظيمة، والتقى الجمعان، فكانت العاقبة أن فشلت جيوش الروم، وارتدت على أعقابها خاسرة، وبث أسد السرايا في كل ناحية، واستولى على عدة حصون حتى ضرب الحصار على "سركوسة"، وفي أثناء
(11/ 1/99)

حصاره لهذه المدينة توفاه الله في ربيع الآخر، وقيل: في شعبان سنة 113 (1) بجراحات شديدة أصابته في إحدى الوقائع؛ إذ كان أسد يحمل اللواء بيده، ويدعو الناس إلى الإقدام، ثم يخوض بهم مواقع القتال.
قال ابن أبي الفضل -وكان فيمن شهد يوم فتح صقلية-: "رأيت أسد ابن الفرات وفي يده اللواء، فحملوا عليه، وكانت فينا روعة، فقال للناس (مشيراً إلى جيش العدو): هؤلاء عجم الساحل (2)، هؤلاء عبيدكم، لا تهابوهم، وحمل اللواء، وحمل الناس معه، فانهزم (بلاته)، وأصحابه، فلما انصرف أسد، رأيت والله! الدمَ قد سال مع قناة اللواء على ذراعه حتى صار الدم تحت إبطه".
وكان أسد يرجو من الله ما لا يرجوه الجبناء ضعفاء الإيمان، فكان على ثقة من أنه سيكسر جيش الروم، بلغ من الكثرة ما شاء أن يبلغ، ويدل على هذا أن الزعيم (فيمه) تأهب لأن يقاتل هو والذين معه بجانب جنود الإِسلام، فأبى أسد، وقال له: اعتزلنا، فلا حاجة لنا بأن تعينونا. وقال له ولأصحابه: اجعلوا على رؤوسكم سيما تعرفون بها؛ لئلا يتوهم واحد منا أنكم من هؤلاء الموافقين لنا، فيصيبكم بمكروه، فاتخذوا في ذلك اليوم سيماهم حشيشاً يضعونه على رؤوسهم.
ومما يشهد على أن أسداً كان يحمل في صدره قلب البطل الذي لا يرى مرارة الموت إلا في الخوف منه: أن الجيش الإِسلامي بُلي بعد نزول
__________
(1) ودفن هنالك، وقال ابن خلدون: في قصر بأنه. وكتب زيادة الله بفتح صقلية على يد أسد إلى المأمون.
(2) يريد: أنهم الذين فروا من ساحل أفريقية عند فتحها.
(11/ 1/100)

صقلية بمجاعة اضطرته إلى أكل لحوم الخيل، فمشى فريق منهم إلى زعيم يقال له: سحنون بن قادم؛ ليسعى لدى أسد في الرجوع بهم إلى أفريقية، فمضى إلى أسد، وخاطبه في هذا الشأن، فكان جواب أسد أن قال: ما كنت لأكسر غزوة على المسلمين، وفي المسلمين خير كثير، فاستجرأ عليه ابن قادم، وقال: على أقلِّ من هذا قُتل عثمان بن عفان، فتناوله أسد بالسوط، وخفقه به ثلاثاً أو أربعاً، ثم مضى على عزيمته، فقاتل حتى فتح أكثر البلاد، وأتم فتحها من بعده أفراد يعزمون فيفعلون.
وأنا لا أشك في أن تعاليم الإِسلام متى تلقيت بحق، طبعت النفوس على الشجاعتين: الأدبية، والحربية، فلا عجيب أن يخرج من بين مجالس مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن القاسم بطل تحمل يمناه السيف بعد أن كانت تحمل اليراعة، وتتخضب بحمرة الدم بعد أن كانت تتخضب بسواد المداد، فيعيش عالماً صالحاً، ويموت قائد جيش فاتحاً.
ذلك هو أسد بن الفرات، رحمه الله، ورحم كل من جاهد في سبيل سعادة الأمة وإعلاء شأنها، ما استطاع إلى الجهاد سبيلاً.
(11/ 1/101)

نظرة في أدب الشيخ محمود قبادو التونسي (1)
أول أديب تونسي نحا في جانب من شعره نحو إصلاح الاجتماع والسياسة، ونبه على وسائل الرقي، وحذر من الإخلاد إلى الخمول، هو المرحوم الأستاذ محمود قبادو.
تلقى الشيخ محمود قبادو مبادئ علم النحو في تونس، ثم سافر إلى طرابلس الغرب، وبقي بها سنين عرف فيها بجودة الشعر، ثم عاد إلى تونس، وجلس للتلقي عن بعض الشيوخ؛ مثل: الشيخ أبي العباس أحمد ابن الطاهر، وندب لتعليم ابن السيد سليمان كاهية أحد كبار رجال الدولة، ثم ارتحل إلى الآستانة، ونظم يوم خروجه من تونس قصيدة يقول في مطلعها:
أسمعت بومَ البينِ خفق فؤادي ... أَمْ كنتَ مشغولاً بصوتِ الحادي
ومكث في الآستانة سنين، ورجع إلى تونس في جمادي الثانية 1257، وقد أشار في بعض قصائده إلى تلك الرحلة، والعود إلى الوطن، فقال:
رعى الله أياماً لنا وليالياً ... سعينا بها للمجد والدهر مُسعِدُ
تطارحني الآمال وهي مطيةٌ ... وتغضي جفون النائبات وأسهدُ
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الثامن من المجلد السابع الصادر في صفر 1354.
(11/ 1/102)

ليالي لم أذمم بها شقة النوى ... ولولا اغترابي كنت أُثني وأَحمدُ
قضيت بأرض الروم منها مآرباً ... وعدت لأرض كان لي فيه مولدُ
وما عن قِلى ولَّيت عنها ركائبي ... ولكنها الأوطانُ للحرِّ أَعْوَدُ
طويت لها البيداء بين مَهامهٍ ... ويممت لجّ البحر والبحر مُزبدُ
وتقلد بعد عودته إلى تونس التدريس بالمدرسة الحربية، وكان له يد في تربية تلاميذها على الآداب الإِسلامية، وقيامهم على اللغة العربية.
وعنيت الحكومة لذلك الحين بتعريب كتاب فرنسي في أصول الحرب، وقام الأستاذ قبادو بتهذيب ذلك التعريب، وصدَّره بمقدمة جيدة إنشاء ومعنى.
ثم تولَّى التدريس بجامع الزيتونة، وصار بعد ذلك قاضياً بباردو (قاضي العسكر)، ثم تولى سنة 1285 خطة الفتوى، وصار عضواً بالمحكمة الشرعية.
وما زال يقوم بالتدريس في جامع الزيتونة، ويقضي حق الإفتاء بالمحكمة إلى أن أدركه المنون؛ فتوفي -رحمه الله- في 3 رجب سنة 1288.
وكان الأستاذ سليمَ الصدر، لا يحمل لأحد حقداً، وإذا اغبر صدره من أحد تعرض له بمكروه، فأول معذرة أو كلمة يحاول بها استرضاءه، تذهب بكل ما في نفسه، وقد تحدَّث في شعره عن حاله مع بعض حساده، ودلَّ على أنه كان يقابل سعاياتهم بالإعراض عنها، والاعتماد في دفع شرها على من يده فوق كل يد.
ومما جاء في هذا المعنى قوله:
كم أوغروا من صدور باختلاقهم ... وغيَّروا من حميم زال إذ زعموا
(11/ 1/103)

وأشردوا عن علومي جد مقتبسٍ ... فلم يكادوا وردَّ الله كيدَهم
وكم عفوتُ، وكم حاولت سلمهم ... وما لحرب حسود يرتجى سَلَمُ
ولو جزيتُهم عن سيئاتهم ... بمثلها لم أكن بالظلم أَتَّسِمُ
لكنني صنتُ نفسي عن مواردهم ... وقلت حسبي فيهم من هو الحكمُ
وإذا كان شِعْرُ الرجل يدل على جانب من أخلاقه وآدابه، لم تلبث أن تشهد للشيخ قبادو عندما تلقي نظرة على ديوانه، بأنه كان ممن يحافظ على حقوق الصداقة، ويغتفر للإخوان عثراتهم، علماً منه بأن الصديق المهذب الذي لا يغفل عن حق الصداقة، أو لا تأخذه جفوة في بعض الأحيان، بعيدُ المنال. ومما قال في بعض قصائده:
أأنكث حبل الود بعد توافق ... ولي حيلة في حمل بادرة الصحب
وقال:
إذا ظفرتْ كفّاك يوماً بصاحب ... فأودعْه في جفن الرعاية والهُدب
وخذ منه عفو القول والفعل واطَّرحْ ... مِراء ولوماً حين ينبو وإذ يُنبي
وحرره عن رِقِّ التكاليف تلقَهُ ... أخاً مسترَقاً ذا انتداب إلى الحُبِّ
ثم قال:
فلا راحة إن قوبل الذنب بالجفا ... ولا سؤددٌ إن جوزي الذنبُ بالذنبِ
* حكمه ومواعظه:
للأستاذ قبادو حكم سامية ترد في أثناء قصائده؛ كقوله:
وما خسر الإنسان وجه سعادة ... إذا من فنون العلم وفّر سهمه
(11/ 1/104)

وقوله فيها:
لعمري ليس الميت من أودع الثرى ... ولكن مطيق للغنى بان عدمه
وكقوله من قصيدة أخرى:
وفي الناس من عد الهوان تواضعاً ... وعدّ اعتزاز النفس من جهله كبرا
وقوله من قصيدة أخرى:
هل العز إلا في اطراح المراتب ... وصون المحيا عن سواد المطالب
ومن كدَّرت أطماعُه نهرَ فكره ... طفا فيه من أقذائه كل راسب
وقوله من قصيدة أخرى:
لم تطبع الدنيا على شكل الوفا ... فعلام في قلب الحقائق يطمع
عش ما تشاء بها فإنك ميت ... واحبب بها من شئت فهو مودِّع
فسل الثرى كم من نواصي عفرت ... فيه وكان المسك منها يسطع
وبدورِ تَمٍّ قد هوت لرغامِه ... كانت منازلها الصياصي المُنَّعُ
وقوله في أخرى:
لا أرى الموت غير موت نفوسٍ ... وئدت في مقابر الأبدان
* شعره الاجتماعي والسياسي:
يصح للمؤرخ أن يقول: إن أول شعر ظهر في تونس يدعو إلى مجاراة الغربيين في العلوم والفنون والصنائع، وأول شعر كان مظهر الأسف على ما وقع فيه المسلمون من إهمال الاستعداد لخصومهم، وأول شعر يرمي إلى أغراض سياسية عالية، هو شعر الأستاذ محمود قبادو، فانظر إلى قوله في بعض قصائده:
(11/ 1/105)

وكل فنون العلم للملك نافع ... ولا سيما ما ساير الملك حكمه
أرى الملك مثل الفلك تحت رئيسه ... عويزاً إلى الأعوان فيما يؤمه
فذلك نوتي يعين بفعله ... وآخر خِرِّيت قُصاراه علمه
ومقصده جريُ السفين وحفظها ... ليسلم كل أو ليعظم غُنمه
أيركب هول البحر دون مقاوم ... وفي طيه حرب كما يؤذن اسمه
لذاك ترى ملك الفرنج مؤثلاً ... بعلم على الأيام يمتدُّ يَمُّهُ
ومملكة الإِسلام يقلص ظلُّها ... وينقص من أطرافها ما تضمُّه
على أنها أجدى وأبسط رقعة ... وأوسط إقليماً من الطبع عظمُه
إلى أن يقول:
فمن لم يجس خبراً أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمه
فذلك في كن البلاهة داجنٌ ... وفي مضجع العادات يلهيه حُلْمه
ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه ثُمَّةَ حَطْمُه
هم غرسوا دون التمدن فرعه ال ... رياضي والعلم الطبيعي جذمُه
أيجمل يا أهل الحفيظة أنهم ... يبزُّوننا علماً لنا كان فخمه
وربما رمى في مديحه إلى غرض سياسي؛ كقوله في وصف بعض الوزراء:
تراه فلا تدري لإفراط بِشْرهِ ... تودّدَ أم دارى لأمر يهمّه
وكانت الحكومة التونسية اتخذت قانوناً أقامته على أصول الشرع، وأسمته: عهد الأمان، فنظم شاعرنا قصيدة في ذلك، ومدح المشير الصادق
(11/ 1/106)

باشا على إقامة المجالس لإجرائه، ومما قال فيها يتحدث عن الدولة:
لما رأت مصباح شرع محمد ... بتلاعب الأهواء ذا خفقان
جعلت له القانون شبه زجاجة ... لتقيه هب عواطف الطغيان
وقال يذكر ما سيكون لعهد الأمان من الأثر في العمران:
وكأننا بمنازه الخضراء قد ... أنست مَغاني الشِّعب من بَوَّانِ (1)
وكأننا بقصورها قد شيدت ... وقصيرها كخورنَق النعمانِ
وكأنها بحضارة ونضارة ... ورُفُوه سكانٍ رياضُ جِنان
معمورة بجوامع وصنائع ... ومزارع وبضائع ألوان
وإذا لم يطلق الأستاذ العنان في هذه الأغراض الاجتماعية والسياسية كما يطلقه فيها كثير من شعرائنا اليوم، فلأنه عاش في عهد ما زالت أمته تتمتع فيه بنعمة استقلالها، ولو نشأ في عهد رأى فيه بعينه كيف وقع زمامُ أمته في يد غير وطنية، لكان لشعره في شؤون الاجتماع والسياسة أفسح مجال.
* براعته في التشطير:
عُني صاحب الترجمة بتشطير أبيات أو قصائد مشهورة، فيحسن وصل صدر الأصل بعجز، أو عجزه بصدر من عنده، حتى يخيل إليك أنهما انحدرا من قريحة واحدة، تدرك هذا في تشطيره لقصيدة بِشْر المعروفة:
"أفاطم لو شهدتِ ببطن خبت"
انظر إلى تشطيره البيت الرابع منها، وهو مع التشطير:
(أنلْ قدميَّ ظهر الأرض إنِّي) ... أرى قدميَّ للإقدام أحرى
__________
(1) موضع عند شيراز كثير الشجر والماء، وهو من أحسن منتزهات الدنيا.
(11/ 1/107)

ولست مزحزحي شيئاً ولكن ... (رأيت الأرض أثبت منك ظهرا)
ثم إلى تشطير البيتين السابع والثامن، وهما مع التشطير:
(نصحتك فالتمس يا ليث غيري) ... فلي بقيا عليك وأنت أدرى
ومهري قائل لك لا تخلني ... (طعاماً إن لحمي كان مرّا)
(ألم يبلغك ما فعلته كفي) ... ألست ترى بها الأظفار حمرا
ألم تلك طاعماً أشلاء فتكي ... (بكاظمة غداة قتلتُ عَمرا)
ثم انظر إلى تشطير البيت الخامس عشر، وهو مع التشطير:
(وقلت له يعز عليَّ أني) ... أراك معفراً شطراً فشطرا
وأستحي المروءة أن تراني ... (قتلت مناسبي جلداً وقهرا)
* استعماله الألفاظ الغريبة:
يعذب الشعر، ويقع موقع القبول متى كانت كلماته مأنوسة الاستعمال، فالشاعر الذي يستطيع التأثير على النفوس، فيجعلها راغبة في الشيء، أو نافرة منه، ولا سيما شعراً يخاطب فيه الجمهور، هو الذي يتخير الألفاظ الدائرة في كلام البلغاء، فتقع معانيه في الأذهان عندما تطرق ألفاظه الآذان، وعلى هذا المنوال ينسج شاعرنا في كثير من شعره، ولا يبالي في جانب منه أن يستعمل الألفاظ الغريبة، وربما نظم البيت الواحد في سهولة وحسن تأليف، ويضع فيه كلمة غريبة يحتاج أكثر الأدباء في فهمها إلى مراجعة المعجمات؛ كقوله من قصيدة يرثي بها شيخ الإِسلام الشيخ محمد بن الخوجة:
والناس بالآجال سفر رواحل ... والدهر عاد لا يريح وَسُوجه (1)
__________
(1) يقال: جمل وسوج؛ أي: سريع.
(11/ 1/108)

وقوله:
واحذر مفاجأة المنايا للمنى ... واقنع برشف علالة مذلوجه (1)
وقوله:
أنفاسنا ونفوسنا ما بين مَقْ ... صور الهوى ومديده منعوجه (2)
ولعل عذره في استعمال هذه الألفاظ الغريبة أن الشعر لذلك العهد إنما يدور في مجالس أهل العلم، ولو أدرك العصر الذي كثرت فيه الصحف، وأصبح الشعر فيه معدوداً من الطرق المسلوكة لتنوير أفكار الجمهور، وتهذيب أخلاقهم، لتحامى أمثال هذه الألفاظ التي يحتاج في فهم معانيها إلى معجم، أو راسخ في علم اللغة.
وظهر في ذلك العهد رجال من علماء جامع الزيتونة لهم أقدام راسخة في علوم اللغة، واطلاع واسع على ما تحتويه معاجمها المبسوطة؛ مثل: المرحوم الشيخ أحمد الورتاني، والمرحوم أستاذنا الشيخ سالم أبي حاجب، وأستاذنا أبو حاجب هذا قد نظم أبياتاً في رثاء شاعرنا المتحدث عنه، وتاريخ وفاته، وأذكر منها قوله:
والدهر مهما ينتبذ درَّة ... من جيده لم يرج إخلافُها
فكم لآلي حكمة بالثرى ... تقذف والأجداث أصدافُها
فانظر لهذا الرَّمس كم ضم من ... معارف لم تحص أصنافُها
وقال:
__________
(1) ذلج الماء: جرعه، فهو مذلوج.
(2) العنج: أن يجذب الراكب خطام البعير، فيرده على رجليه.
(11/ 1/109)

أما رحى الآداب فهو الذي ... بفقده قد حان إيقافُها
أسدى له الرحمن أضعاف ما ... ترجو من أهل الجود أضيافُها
ولا عدت سحب الرضى تربة ... آواه في التاريخ أشرافُها
(11/ 1/110)

نظرة في حياة وزير تونسي (1)
من كبار الرجال الذين تولوا الوزارة في تونس، فجمعوا بين العلم وجودة النظر في السياسة الأستاذ الجليل المرحوم الشيخ محمد العزيز بوعَتُّور، وقد رأينا أن نحدِّث قراء هذه المجلة عن شيء من سيرته العلمية الأدبية الاجتماعية، ففيها موضع قدوة.
* نسبه ونشأته:
هو الشيخ محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب ابن الوزير محمد بن محمد بوعتّور، ويتصل نسبه بالشيخ عبد الكافي القرشي دفين "صفاقس"، والشيخ عبد الكافي هذا قد جاء في التاريخ أنه من ذرية الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
ولد صاحب الترجمة في مستهل رجب سنة 1240 في تونس، ونشأ تحت رعاية أبيه الشيخ محمد الحبيب، فلقنه القرآن حتى حفظه على ظهر القلب، والتحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة سنة 1254، فتلقى العلوم الدينية والعربية وغيرها عن كبار الأساتذة؛ مثل: الشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجه، والشيخ محمد النيفر، والشيخ محمد سلامة،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السادس والسابع من المجلد السابع الصادران في ذي الحجة 1353، والمحرم 1354.
(11/ 1/111)

والشيخ الطاهر بن عاشور.
برع صاحب الترجمة في العلم والأدب والذكاء، حتى بلغ صيته مجلس أحمد باشا أمير تونس لذلك العهد، فاستدعاه، وولاه خطبة الكتابة بديوان الإنشاء سنة 1262. قال صاحب الترجمة عند حكايته طلب الأمير له، وتردده في قبول الولاية:
"ويشهد الله أني ما فكرت قط في وظيفة مدة قراءتي للعلم، وما قرأت إلا طلباً للكمال العقلي، ولقد فاجأتني الأقدار بما آل إليه أمري، والإنسان مسير لا مخير".
ثم اختاره أحمد باشا لتلاوة الأوراق والحجج التي تعرض عليه؛ لما رأى فيه من فصاحة اللسان، وحسن الإيجاز، وكان يصاحب ولي العهد محمد باي عند تجوله في البلاد، ولما توفي الأمير أحمد باي، كانت مكانة صاحب الترجمة عند الأمير الجديد محمد باي راسخة، حتى إن هذا الأمير كان يحليه في بعض أوامره بقوله: "محبّنا".
ولما انتقلت الإمارة إلى الأمير محمد الصادق باي، كان صاحب الترجمة من أكبر الرجال العاملين في دولته، فأسند إليه رياسة كتبة وزارة المال، ثم كتابة سر الملك، ثم رقاه لرتبة أمير اللواء في شوال سنة 1277، ثم عينه عضواً بالمجلس الأكبر، ومستشاراً للملكة، وكتب إذ ذاك على قانون عهد الأمان تعليقاً نحا فيه نحو المجتهدين في الفقه، العارفين بسياسة العمران، ثم سماه الأمير مستشاراً بمجلس شورى الملك سنة 1277، ومستشاراً لوزارة المال في سنة 1279، وترقى في سنة 1270 لرتبة أمير الأمر، وتولى بعد رياسة الكتاب، ووزارة القلم، فكان أول من جمع يين المنصبين بالدولة التونسية.
(11/ 1/112)

وفي سنة 1283 أسند إليه خطبة وزير المالية، وفي سنة 1290 وجد منه الوزير خير الدين العضد الأقوى، فشاركه في تنظيم التدريس بجامع الزيتونة، وترتيب المدرسة الصادقية، وإدارة الأوقاف والسجون، والمستشفى الصادقي، والمحاكم الشرعية، وبيت المال، إلى غير ذلك من شؤون الدولة.
وما زال صاحب الترجمة ناهضاً بأعباء منصبيه: وزارة القلم، ورياسة الكتابة حتى وضعت الحكومة الفرنسية يدها على البلاد. وفي سنة 1299 قلده الأمير محمد الصادق باي الوزارة الكبرى، ولندع سيرته السياسية إلى مقام آخر، والذي يعنينا التعرض له في هذه المجلة إنما هي سيرته العلمية والأدبية.
* مكانته العلمية:
كان صاحب الترجمة من العلماء أولي الآراء المستقلة، وكان مولعاً بمطالعة الأمهات من كتب العلوم الدينية والعربية وغيرها، وإذا حضر مجلسه أكابر العلماء، جلسوا وهم يشعرون بأنهم في مجلس عالم ذي نظر مستقل، واطلاع واسع، ومما كتبه أستاذنا العلامة المرحوم الشيخ مصطفى رضوان في بعض ما كتب: "ونحن الآن في دولة وزير (يعني: صاحب الترجمة) عالم، قد رمى به الجامع (جامع الزيتونة) من أفلاذ كبده. . . إلخ".
ومن المعروف أن المحكمة الشرعية العليا إذا اختلف أعضاؤها في فهم بعض النصوص، أو تطبيق بعض القواعد، رفعوا إليه ما يجري بينهم من الخلاف، فتكون كلمته القول الفصل، كثيراً ما يرجح رأى واحد من أولئك الأعضاء، وإن خالفته الأكثرية.
ولمكانته في علوم الشريعة ووسائلها، عظمت غيرته على المحاكم
(11/ 1/113)

الشرعية، وجامع الزيتونة، فكان يدافع عنهما بكل ما يستطيع من قوة.
ولهذا الوزير، وطولِ مدة ولايته رياسة الكتابة والوزارة فضل كبير في رقي الإنشاء العربي بدواوين الحكومة التونسية.
* استقامته وآدابه:
كان صاحب الترجمة يحافظ على أداء صلاة الصبح في وقتها، ويتلو كتاب "الشفاء"، ويقرأ "صحيح الإمام البخاري" في رمضان حتى يختمه، وكان معروفاً بالصبر، ومتانة الخلق، والتؤدة، ولا يعرف عنه أنه باشر أحداً بكلمة جافية، بل كان يسلك في تأديب العاملين في منزله -من نحو الخادم وسائق العربة- الرفق، والعبارات الخالية من كل إهانة، وكان يلبس بعد عودته من ديوان الوزارة الملابس العربية؛ من نحو العمامة والجبة.
* وفاته:
أصيب -رحمه الله- بنزلة صدربة، وتوفي يوم الخميس غرة محرم سنة 1325 - 4 فبراير سنة 1907 - بسرايته بالمرسى، وصلَّي عليه بإمامة شيخ الإسلام الخنفي الشيخ محمود بن الخوجة، ودفن بالتربة الخاصة بالأسرة الملكية الحسينية، وإليك العبارات المنقوشة على حجر قائم على قبره:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم صل وسلم على النبي الكريم"
إنا لله وإنا إليه راجعون
هذا ضريح الوزير الأكبر، العلامة الشهير، أستاذ العلم والتحرير، صاحب الرأي المتين، مازج الحياة بالوقار؛ والعزيمة باللين، الشيخ محمد العزيز بوعتور العثماني القرشي، المولود في رجب سنة 1240، المتوفى في 1 محرم سنة 1325 بعد أن درس وحرر، فأظهر فكرُه وقلمه آيات من
(11/ 1/114)

المفاخر بينات. ونيطت بأمانته استشارة وزارات. كانت خاتمتها: الوزارة الكبرى، التي نالت به خمساً وعشرين سنة مجداً وفخراً، وكان في جميعها مثال النصح والشرف والاستقامة، ونهى نفسه منذ النشأة عن الهوى، فأطاع ربه وخاف مقامه، حتى انتقل إلى ما عند الله، ومحاسنه ما بين أمثال سائرة، فآتاه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة".
* صلتي بصاحب الترجمة:
كنت أيام الشباب أحاول نظم الشعر في بعض الأوقات، فدعاني ما عرفته عن هذا الوزير من الرسوخ في العلم والأدب أن أهنئه في يوم عيد بشيء من الشعر، فدخلت في طائفة من أهل العلم لتهنئته، وتلوت عليه أبياتاً وأنا جالس أمامه، فأصغى إليها بإقبال، وتناولها مني ببشر ودعاء، وكان في الحضرة سبطه العلامة الأستاذ السيد محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي بتونس لهذا العهد، فودعت الوزير وخرجت، وصحبني الأستاذ ابن عاشور، وكان ذلك اليوم فاتحة عهد اتصالي بالوزير، وعهد صداقة استوثقت بيني وبين حفيده الأستاذ ابن عاشور، وبلغت هذه الصداقة في صفائها وثباتها أقصى غاية.
وأصبح صاحب الترجمة منذ ذلك العهد ينظر إليَّ بعين الأب العطوف، وفي عهده أصدرت مجلة علمية أدبية تدعى: "السعادة العظمى"، ورأيت من تشجيعه ما أطلق القلم، وجعلني لا أبالي بصخب من يثورون في وجه كل ما يخالف العادات والآراء المألوفة، وفي عهده توليت قضاء بلدة "بنزرت" وملحقاتها، ووجود هذا الوزير العلَّامة على رأس الوزارة ساعدني على أن أقتدي بما أقرؤه في سيرة القضاة الذين لا يخافون في الحق لومة لائم.
(11/ 1/115)

الشيخ محمد ماضور من علماء تونس وأدبائها (1)
* نسبه ومولده ونشأته:
أصله من الجالية الأندلسية التي فرت بدينها من عدوان الإسبان سنة 1009، وكان سلفه بالجزيرة من حماة الثغور ينتسبون إلى أبي القاسم أحمد ابن يحيى محمد بن عيسى بن منظور القيسي عالم "إشبيلية" وقاضيها المتوفى سنة 520، وبعد جلائهم نزلوا بقرية "الجديدة" قرية خربة الآن على بعد بضعة أميال من "قرنبالية" تبعد عن مدينة تونس بنحو خمسين ميلاً، ولا تزال قبورهم معروفة هناك بضريح صالح يدعى: "سيدي سليمان"، والمهاجر الأول منهم يدعى: الحاج محمد، وتسلسل من نسله ستة من المحمديين خامسهم صاحب الترجمة.
ولد صاحب الترجمة ببلدة "سليمان" التي هاجر إليها قومه بعد خلاء قريتهم، واستوطنوها، وهي بلدة أنيسة، جميلة الموقع، حسنة المناخ، تبعد من مدينة تونس بنحو 30 كم، وكانت ولادته عام 1150 أيام ولاية والده قضاء تلك البلدة وما يليها من شنة جزيرة شريك.
وكان أبوه من جلة العلماء المشاركين في حركة التجديد العلمي بتونس
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد الثاني الصادر في ذي الحجة 1348.
(11/ 1/116)

بعد دروس معالمه أثناء فتنة الاحتلال الإسباني وما تلاه من الحوادث. وقد رحل إلى الشرق، ولقي أعلامه؛ كالسيد البليدي، والصعيدي العدوي، والحفني، والطحلاوي، والدري، وغير هؤلاء ممن كتب له بخطه تقريظ بعض مؤلفاته التي حملها لهم في رحلته إلى حج البيت الحرام عام 1164، وعاد إلى بلده، وتقلد الإمامة والتدريس إلى أن توفي سنة 1199.
نشأ صاحب الترجمة تحت رعاية هذا العالم المحنك، واختص به، وقرأ عليه العلوم الشرعية والعربية والعقلية، وقد رأينا بديوانه قصيدتين بليغتين في تهنئة والده بختم تفسير "الكشاف".
ثم انتقل إلى الحاضرة حيث تلقى العلم عن أعيان علماء ذلك العصر، فأخذ القراءات عن الشيخ أبي يونس حمودة إدريس، والعربية عن الشيخ حمودة بن حسين باكير، والبلاغة عن قاضي باردو الشيخ منصور المنزلي، وأخذ عن شيخي الإسلام: حسين البارودي، ومحمد بيرم الأول، وعن أبي الفضل قاسم القلشاني، والشيخ أبي عبد الله محمد الشحمي.
* حياته ووظائفه:
ولما امتلأ وِطابُه علماً، واشتد نظره فهماً، أقبل على التدريس بالجامع الأعظم إلى أن توفي والده، وأجمع أهل بلده على طلبه لأن يقوم مقامه في القضاء والإمامة والتدريس ببلد سليمان، فتقدم لذلك مكرهاً كما يظهر من نفثات شكواه التي أودعها ديوانه الحافل.
* أخلاقه:
كان سمح السجية، وفياً، ذا ذوق سليم، وطبع رقيق، قال ابن أبي ضياف يصفه: "وكان عالما فقيهاً أديباً، ذا فهم سديد، وفكر ثاقب، خيراً،
(11/ 1/117)

عفيفاً، نقياً، عالي الهمة، ولشعره ديوان معروف".
* علمه وأدبه:
كان على طول باعه في علوم اللغة والشريعة يتعاطى ما بلغه العلم إذ ذاك من المعارف الطبية، وخواص المفردات الطبيعية، وله تعليقات على "ألفية ابن سينا"، وله إلمام بأحكام النجوم، ويستعمل لذلك الإسطرلاب والأرباع التي اخترعها العرب.
وله يد في الحساب والهندسة، وأما أدبه، فله شعر سهل المأخذ، رقيق المعاني، ينم عن شاعرية مطبوعة، وذوق لطيف.
* آثاره وخاتمته:
له من المؤلفات -عدا ديوانه العامر، والتعاليق الكثيرة على كتبه في فنون شتى- مقالة نفيسة في مراتب العلوم، ومختصر في رسم القراءات، وآخر في مخارج الحروف، والدر المكفوف في رواية قالون، والتطبيق في التوثيق، ومختارات أدبية.
قال ابن أبي الضياف في تاريخه: ولم يزل معظماً مكرماً، نبيه الشأن إلى أن لبى داعي الرحمن في ذي الحجة سنة 1226 - رحمه الله، وتقبله بالعفو-.
* نموذج من أدبه المنظوم:
قال -رحمه الله- يشكو دهره وحساده في قصيدة مطولة:
وما غريب الدار في غربة ... وإنما الغربة فقدُ المثال
والعلم نعمَ الخدنُ لكنه ... مثير حساد وقيل وقال
(11/ 1/118)

ما أهنأ العيش مع الجهل لو ... ينفع في الحشر وعند السؤال
وقال في أخت له، وقد أراد أبوها أن يزوجها من غير كفؤ:
قولوا لمن نشأت بعز دلالها ... مع أهلها مأنوسة مودوده
في دار مكرمة جرت أمياهها ... مسكوبة وظلالها ممدوده
هذا أبوك يريد دفنك حية ... فابكي لنفسك: إنك الموءوده
ومن رقيق شعره في النسيب:
أفي حكم هذا الدهر أن يؤسر الحشا ... بأرض وفي أخرى أبيت وأُصبحُ
إذا الجانب الغربي لاحت بروقُه ... أهش كأني بالمدامة أطفح
وأقطع بالتسهاد ليلي صبابةً ... وزندُ الأسى في باطن الأرض يقدحُ
فيا عجباً رامٍ بتونس سهمه ... براشٍ، وقلبي في "سليمان" (1) يُجرح
__________
(1) بلد صاحب الترجمة.
(11/ 1/119)

الشيخ محمد النجار من أفاضل علماء تونس (1)
* ترجمته:
هو العلامة أبو عبد الله محمد بن عثمان بن محمد النجار، ويتصل نسبه بالشيخ عبد السلام بن مشيش، فهو شريف حسني، وأمه شقيقة العلامة المفتي الشيخ محمود قبادو النابغة الأفريقي.
ولد صاحب الترجمة في 15 شعبان عام 1255، ودخل جامع الزيتونة سنة 1270، وتلقى العلم عن والده الذي كان له مزيد اختصاص بالرضيات؛ كالهندسة والهيئة والميقات. ثم عن خاله الشيخ قبادو، وعن أعيان علماء عصره؛ مثل: شيخي الإسلام: محمد معاوية، وأحمد بن الخوجة، وكبير الشورى المالكية الشيخ محمد الشاذلي بن صالح، والمشايخ المفتين: الأستاذ محمد النيفر الأكبر، والأستاذ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ البنا، والشيخ علي العفيف، والشيخ محمد الشاهد، والشيخ سالم أبو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ.
ابتدأ التدريس بجامع الزيتونة عام 1272، وانتخب مدرساً من الرتبة الثانية عام 1284، ثم ارتقى إلى الرتبة الأولى عام 1287، وفي 12 صفر
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثالث الصادر في جمادى الثانية 1349.
(11/ 1/120)

عام 1312 تولى منصب الإفتاء، وكان يجمع بين الفتوى والتدريس بجامع الزيتونة، حتى توفي منتصف ليلة السادس عشر من رمضان سنة 1331 - أفاض الله على قبره رحمة ونوراً-.
كان الأستاذ -رحمه الله- غزير العلم، كريم الأخلاق، يحب البحث، ويتلقى مناقشة الطلاب بصدر رحب، كنت ممن حضر درسه لكتاب "المواقف"، ودرسه لتفسير القاضي البيضاوي، ودرسه لشرح عبد الباقي الزرقاني على المختصر الخليلي، ولشدة استقصاء الأستاذ لما يقرره الكاتبون، وعنايته بنقد ما يوردونه من الآراء، مكثنا بضع سنين في أبواب من هذه الكتب معدودة، وكنت أستفيد من مجالسه ما لا يقل عما أستفيده من دروسه، إذ كان -رحمه الله- ذا ذاكرة لا تخونه فيما يستودعها إياه من علم، ولم نر له في سعة الاطلاع والمحاضرة بالعلوم على اختلاف فنونها من نظير.
وكان على طريقة علمائنا الراسخين في التواضع والحلم والتقوى، والعطف على طلاب العلم، فما رأينا منه في يوبم الكراهةَ لبحث باحث، أو الإعراضَ عن سائل، فضلاً عن أن يسمع منه الطالب كلمة جافية.
* مؤلفاته:
من آثار الأستاذ: مجموعة أختام (إملاءات) على أمهات أحاديث "صحيح الإمام البخاري" كان أملاها بجامع سيدي أحمد بن عروس منذ عام 1282، وبجامع الحرمل منذ عام 1311، ومنها "مجموع الفتاوي" في ثمانية مجلدات، وله كتاب "بغية المشتاق في مسائل الاستحقاق"، وهو مجلد ضخم، جمع فيه ما تفرق من مباحث هذا الكتاب، وحرر فيه أحكام النوازل التي تعرض بالقطر التونسي كثيراً، وله محررات فقهية كتبها بمناسبة
(11/ 1/121)

ما يعرض من النوازل الهامة بالمحكمة الشرعية. وألف كتاباً بعد هذا رسائل في مواضيع عامة أيد فيها مذهب أهل الحق، وزاد حججهم بياناً، وله تأليف ممتع في رؤية الهلال، حرر في أثناء بحثه مسائل فقهية وأصولية وفلكية، وله إملاء حافل على حديث: "لا عدوى" ألفه بمناسبة تفشي مرض الوباء بالقطر التونسي عام 1329، فكان خاتمة مؤلفاته -جازاه الله عن الإسلام خيراً-، وقد رثاه كثير من أهل العلم والأدب بقصائد بليغة، منها: قصيدة الشاعر المجيد الأستاذ المرحوم الشيخ محمد الصادق بن ضيف، وأذكر منها قوله:
كان المدافع عن شريعة جده ... ومجاهراً بالحق ليس يداري
ومنها: قصيدة الأديب الكبير الأستاذ الشيخ السيد العربي الكبادي، ومما يقول فيها:
سيبكيك تفسير الكتاب وسنَّة ... مصححة كم شدت في شرحها قصرا
ستبكيك يارب العلوم "مواقف" ... أمطت بتحقيق على وجهها السترا
سيبكيكم الإفتاء يا خير أهله ... فما أحد فيه روى عنكم وزرا
(11/ 1/122)

أحمد أبو خريص (1)
هو أبو العباس أحمد بن علي أبو خريص، ولد في "وسلات" سنة 1156 ه. وقدم مدينة تونس صحبة والده سنة 1175، وأقبل على تلقي العلم في جامعة الزيتونة، فقرأ على الشيخ محمد الشحمي، والشيخ صالح الكواش، والشيخ محمد الغرياني، وغيرهم من علماء ذلك العصر، وبعد أن تضلع بالعلوم الدينية والعربية، تصدى للتدريس، فأقرأ كتباً كثيرة في جامع الزيتونة، وبمسجد المحرزية.
وولي الإمامة والخطابة بجامع الحلق، وألقى على منبره الخطيب البليغة من إنشائه، ثم قلده الأمير محمود باشا خطبة القضاء في رييع الثاني سنة 1230، فجرى على طريق العدل، وكان لا يسمح لأحد الخصوم أن يقابله في داره، ولكنه لبث في هذا المنصب أربعة أشهر فأخذ الله نور عينه إلى بصيرته، واستعفي من القضاء، وعاد إلى التدريس حتى وافاه الأجل المحتوم في ربيع الأول سنة 1240، ورثاه الشيخ إبراهيم الرياحي بقصيدة يقول فيها:
كم رحيق معطر مختوم ... في كؤوس المنطوق والمفهوم
__________
(1) مجل "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد الأول الصادر في ربيع الأول 1348.
(11/ 1/123)

قد سقاها أبو خريص ندامى ... أطربتهم بسرها المكتوم
في دروس أنوارها ساطعات ... في سماء النهى بحسن فهوم
وكان صاحب الترجمة طيب السريرة، حسن اللقاء، أميناً فيما ينقل.
(11/ 1/124)

الشيخ محمد بيرم الثاني نسبه وولادته ونشأته (1)
* نسبه وولادته ونشأته:
بيت بيرام المشتهر الآن ببيرم من أشهر الأسر العلمية الحنفية بالديار التونسية، تداولت أفرادها مشيخة الإسلام بينهم نحو قرن ونصف، ولا زالت مقاليدها بيد أعقابهم إلى الآن.
وقد تأصلت أرومتها من جندي تركي قدم متطوعاً مع سنان باشا وزير السلطان سليم الثاني الذي فتح تونس من يد الإسبان سنة 981. والمحمدون من هذا البيت بلغوا لحد التاريخ سبعة، ولي مشيخة الإسلام منهم خمسة، والأربعة الأول تتركب منهم حلقات السلسلة الأصلية الماجدة.
فأولهم: شيخ الإسلام محمد بن الحسين بيرم، ولد سنة 1130، وأفتى سنة 1169، وتوفي سنة 1214، واختصر " أنفع الوسائل" للطرسوسي، وكتب رسالة في السياسة الشرعية، وغير ذلك.
وثانيهم: هو ابن المترجم هاهنا.
وثالثهم: ابنه المولود سنة 1201، وأول خطيب بجامع صاحب الطابع، وشيخ الإسلام بعد أبيه، والمتوفى سنة 1259، وشارح "إيساغوجي" وغيره.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الثاني الصادر في شوال 1348.
(11/ 1/125)

ورابعهم: ابنه العالم الأديب المتفنن، السياسي الماهر، ولد سنة 1220، وولي مشيخة الإسلام بعد أبيه، وبلغ بها شأواً لم يعهد؛ حيث أحدث دار الشريعة بتونس، وسن قوانينها، ونظم دواوينها، وكانت له خزانة عزيزة النظير. ترجم لخطباء الحنفية، وجمع شعر المتأخرين بكتابه "الجواهر السنية"، وشرح قواعد عهد الأمان، وهو دستور البلاد التونسية، وتوفي سنة 1278.
والخامس: هو ابنه القاضي المفتي أبي النخبة مصطفى ابن شيخ الإسلام الأول، ولي القضاء سنة 1290، والفتوى سنة 1309، ومشيخة الإسلام سنة 1315، وتوفي 1318.
والسادس: هو العالم الرحالة الأديب المعروف في تونس برئيس جمعية الأوقاف، صاحب "صفوة الاعتبار"، وغيرها، وهو ابن الشيخ مصطفى رئيس ولاية الحسبة بتونس ابن شيخ الإسلام الثالث، النازح إلى مصر، والمتوفى بها سنة 1307.
والسابع: المفتي محمد شهر السلامي نجل شيخ الإسلام الرابع، ولد سنة 1274، وولي الفتوى سنة 1326، وانصرف عنها إلى إمامة جامع باردو سنة 1341، وتوفي سنة 1345.
وأنبغ هؤلاء وأشهرهم في عالم التأليف هو مترجمنا شيخ الإسلام الثاني، ولد في السادس عشر من ذي القعدة سنة 1162، وأخذ عن خلاصة أعلام عصره؛ كالقاضي محمد قار بطاق، والمفتيين: محمد الدرناوي، وأحمد الثعالبي البرانسي، والشيخ صالح الكواش، والشيخ محمد الشحمي، وغير هؤلاء، واختص بوالده.
(11/ 1/126)

* وظائفه:
درس بالمدرسة الباشية نيابة عن والده، واستقلالاً بها، وبالجامع الأعظم، وغيرهما، وقلد القضاء بعد عزل قار بطاق في ربيع الأول سنة 1192، واستقال فأُقيل في رجب سنة 1193، ثم أعيد لأربع بقين من ربيع الثاني سنة 1194، وطلب الإقالة فلم يجب، وولي نقابة الأشراف سنة 1206، ومشيخة الإسلام بعد والده في 5 محرم سنة 1251.
* علمه وسيرته وصفاته:
كان من أقطاب مجددي الحركة العلمية بعد وقوف دولابها أثناء الاحتلال الإسباني بتونس، وما حمل في مطاويه من فواجع وفظائع، وحسب التاريخ التونسي أن يحفظ لمترجمنا هذه الصفة المعتبرة، وكان غزير الحفظ، جيد الفكر، ناظماً ناثراً، وهو من قضاة العدل المشاهير، يتوجه بنفسه في معارضة الحبس لنظر العوض، ويسأل عن القيمة غير الأمناء المعينين لذلك، وهو الذي سنّ الزيادة على القيمة تحرياً لجانب الوقف والمولى عليهم، كما هو معمول به الآن في المحاكم الشرعية بتونس، وكان وقور المجلس، مهيباً عند الخاصة والعامة، محبباً إلى الناس، متبركاً به، هيناً ليناً، رقيق القلب، واسع الصدر، متواضعاً. نقل جميع ذلك ابن أبي ضياف.
* آثاره:
جمع له من الفتاوى الشرعية العملية مجلد ضخم هو قطب رحى الدائرة الحنفية اليوم بالمجلس الشرعي. ومن أشهرها رسالة "طلوع الصباح على المتحير في أجر الملاح" قرظها والده وجلة العلماء؛ كأحمد البارودي، ومحمد المحجوب رئيس المالكية، وحسن الشريف، و"رسالة في صحة
(11/ 1/127)

الرجوع عن الوصية التي التزم صاحبها عدم الرجوع عنها"، جرى فيها على أصول مذهبه؛ حيث لم يجدها منصوصة في فروعه، ونحا منحى أهل الترجيح، وأيد مذهبه بما يطابقه من المذهب المالكي، وقرظها له شيخ الجماعة الرياحي وغيره، وشرح رسالة صاحب البحر "شفاء الغليل في وقف العليل"، وتحقيق الكلام فيما لإجارة متولي الوقف المنحصر استحقاقه فيه إذا مات في أثناء المدة من الأحكام، و "تحقيق المقال فيما يعبر عنه بالمغارسة والاستنزال"، وغير ذلك مما لا يعد كثرة، ونظم جماعة المفتين الحنفية بتونس في رجز سماه "قلاده اللآل في حكم رؤية الهلال" في 409 أبيات.
* وفاته:
توفي -رحمه الله- في 16 جمادى الأولى سنة 1247، وحمل سريره الأمير وأولاده تعظيماً له.
(11/ 1/128)

الشيخ محمد الخضار من علماء تونس الأجلَّاء (1)
هو الأستاذ أبو عبد الله محمد بن محمد الخضار، كان والده يحترف ببيع الخضراوات، ولم يكن من ذرية الشيخ علي الخضار الأندلسي المتوفى حالة سجوده من صلاة العصر بجامع الزيتونة سنة 1065 كما وقع في بعض الأوهام.
ولد صاحب الترجمة سنة 1209 ه، وطلب العلم، فأخذ عن الشيخ حسن الشريف، والشيخ الطاهر بن مسعود، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد الستاري، وتلقى دروساً من "المواقف" عن العلامة الشيخ محمد الفاسي، وأقبل على مطالعة الكتب الفلسفية، واجتمع مع رفيقه الشيخ محمد البحري على مطالعة "شرح القاضي زاده على الجغميني في علم الهيئة" بالمكان المعروف في جامع الزيتونة بمقصورة النواورية، ويحضر هذه المطالعة الشيخ عثمان النجار المعول عليه في هذا الفن لذلك العهد إلى أن أتوا على آخر الكتاب.
رحل صاحب الترجمة إلى حج البيت الحرام، واجتمع في مكة المكرمة والبلاد الشامية بكثير من كبار أهل العلم، وعاد إلى تونس بعد أن قضى في رحلته خمس سنين، واستمر على التدريس بجامع الزيتونة، وتولى قضاء
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثالث الصادر في شعبان 1349.
(11/ 1/129)

العسكر سنة 1248، وولّي الإمامة والخطابة بجامع التوفيق، فكان يلقي من إنشائه خطباً بليغة، وتقلد منصب الفتوى سنة 1253، وعين للتدريس عند وضع النظام لجامع الزيتونة سنة 1258، فكان يجمع بين خطتين: التدريس، والفتوى.
وكان صاحب الترجمة فصيح القلم، طلق اللسان، محققاً في العلوم العقلية، راسخ القدم في الفنون الأدبية، وقد أورد من شعره العلامة الأستاذ الشيخ محمد السنوسي في كتاب "مجمع الدواوين التونسية" مقداراً وافراً.
طرأ على بصره في آخر عمره ضعف، ولم ينقطع عن التدريس حتى توفي -عليه رحمة الله- سنة 1267.
(11/ 1/130)

السيد محمد النيفر من كبار علماء جامع الزيتونة في القرن الماضي (1)
* نسبه وولادته ونشأته:
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم النيفر، يتصل نسبه بالشيخ محمد الرفاعي أخي الشيخ أحمد الرفاعي الشهير.
ولد صاحب الترجمة سنة 1222، ونشأ في حجر والده السيد أحمد النيفر من كبار التجار بسوق العطارين، وبعد أن حفظ القرآن الكريم، شمر عن ساعد الجد في طلب العلم، فأخذ عن أعلام ذلك العصر؛ مثل: الشيخ إسماعيل التميمي، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ محمد بيرم الثالث.
* مكانته العلمية:
أحرز صاحب الترجمة في العلم مرتبة عالية، وانتصب للتدريس وهو ابن ثماني عشرة سنة، ودرَّس بجامع الزيتونة كتباً عالية؛ مثل: "شرح القطب على الشمسية"، و"شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع"، و"تفسير القاضي البيضاوي"، وهو من المشهود لهم بالبراعة الفائقة، وحسن البيان، وكان أستاذه الشيخ محمد بيرم الثالث يستمع إلى درسه، فيعجب لحسن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثاني الصادر في رجب 1348.
(11/ 1/131)

إلقائه حتى قال مرة: "هذا يجري على سنن أولي الطبقة العالية ممن بعد العهد بمثلهم". وكان يجلس للتدريس في سكينة ووقار، حتى إنه لا يستعين في التقرير بأية حركة أو إشارة.
وتخرَّج في دروسه طائفة كبيرة من كبراء أهل العلم؛ مثل: شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام أبي العباس أحمد كريم، وشيخ الإسلام أبي الثناء محمود بن الخوجة، والعلامة الشيخ سالم بو حاجب، والعلامة الشيخ عمر بن الشيخ، والوزيرين: الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ يوسف جعيط.
وأخذ عنه ابناه: قاضي الجماعة الشيخ الطاهر النيفر، وكبير أهل الشورى الشيخ الطيب النيفر، وكثيراً ما كان الأستاذ الشيخ يشبه دروس المترجم له برسائل تحوي تحارير بديعة، وتحقيقات نفيسة، مع ما يراعي فيها من حسن الترتيب، وإحكام الصلة بين الباحث.
* مؤلفاته:
لم يكتف صاحب الترجمة بالتدريس، بل ألَّف -عدا التعاليق والفتاوى- رسائل ممتعة وكتبا محررة، منها: "رسالة في البسملة"، و "حصر الخلاف فيها بين المفسرين والفقهاء والقراء"، و"رسالة في تقديم المسند إليه على المسند الفعلي"، وتعليقات على شرح الأشموني على الخلاصة".
* أدبه:
كان صاحب الترجمة يجمع إلى غزارة العلم رسوخاً في صناعة الأدب، يظهر هذا في فواتح مؤلفاته، وفي قطع بقيت من شعره حتى اليوم، ويحضرني الآن من نظمه قوله يوم ولي الفتوى:
(11/ 1/132)

ولو أنني استقبلت من أمري الذي ... لعمري قد استدبرت ما كنت قاضيا
ولكنها الأقدار تجري على الورى ... بإرغام ذي كره ومن كان راضيا
ومن يلتمس غُنماً فغنمي تخلص ... وأنجو كفافاً لا علي ولا ليا
* ما تقلد من الخطط العلمية:
تولى رواية الحديث في جامع باب الجزيرة المعروف بجامع القنيطرة، ونظارة مدرسة بئر الحجار، وقضاء المحلة بباردو، ثم تولى قضاء الجماعة (أي: قاضي القضاة) بالحضرة التونسية سنة 1263، وفي يوم ولايته تولى العلامة الكبير الشيخ البنا خطبة الفتوى، ومما قاله الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي الشهير للأمير في ذلك اليوم: "أصبت، لا زال الله يصيب بك، هما خير زمانهما علماً وديناً". قال الشيخ أبي ضياف: "وناهيك بشهادة من ذلك العدل في ذلك المشهد! ".
* استقامته ووفاته:
نشأ صاحب الترجمة على الفضيلة والتقوى، وسار في القضاء سير السلف العادلين، واستمر في منصب القضاء إلى أن دعاه صلاحه إلى حج بيت الله الحرام، فخاطب صاحب الدولة في أن يقيله من القضاء، ويأذن له في السفر إلى البيت الحرام، فأجاب طلبه، ورفعه إلى خطبة الإفتاء سنة 1267، وهيأت له الحكومة باخرة دولية تحمله ومن شاء أن يرافقه، فقضى فريضة الحج، ثم قفل عائداً، وحج ثانياً متطوعاً سنة 1272، ثم عزم على أداء حجة ثالثة، فعز على أمير البلاد مفارقة الأستاذ للبلاد، وأرسل إليه الوزير أبا الضياف ليحل عزيمته على السفر، حتى قال له الوزير: إن نفع درس التفسير متعدد، ونفع الحج قاصر، وقد أديت الفريضة، وتطوعت بعدها،
(11/ 1/133)

ولكن صاحب الترجمة لم يُصغِ إلى قول الوزير، ورحل إلى مكة المكرمة، ثم هبط المدينة المنورة، وهناك فاضت روحه الطاهرة في سنة 1277 - تغمده الله برحمته ورضوانه-.
(11/ 1/134)

السيد محمد الطاهر بن عاشور (1)
* نسبه:
هو السيد الشريف الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي بن عبد القادر ابن محمد بن عاشور، التونسي النشأة، الأندلسي الأصل، ولد بتونس سنة 1230 ه في بيت شرف وعلم وصلاح من الأسر الأندلسية، وفد جده العالم الصالح سيدي محمد بن عاشور على تونس سنة 1060 حسب ما ذكره الوزير السراج في "تاريخه"، وبسط القول فيه.
* حياته:
أقبل بعد حفظ الكتاب العزيز على مزاولة العلوم بجامعة الزيتونة على كبار أساتذة العصر؛ كأخيه الشيخ محمد بن عاشور، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ عاشور الساحلي، والشيخ محمد الخضار، وظهر نبوغه في مقتبل عصره، فانتخب للإفادة، وفي سنة 1262 سمي مدرساً من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وفي رجب سنة 1267 ولاه أحمد باشا قاضياً للحضرة التونسية، وكان معجباً بانتخابه إياه.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثاني الصادر في جمادى الثانية 1348.
(11/ 1/135)

قال المؤرخ التونسي الشيخ أحمد بن أبي ضياف في ترجمته: "وكان الباي كثيراً ما يقول لي: ما فعل القاضي الشريف؟ فأحكي له ما يبلغني عنه من غريب منازعه، ووجيه أبحاثه، فأرى السرور بوجهه، قال: وباشر الخطة بميزان عدل، لا يلتفت إلى خوف ولا عذل، وشرَّد أهل الزور، وغلَّ أيدي الملحدين وأهل الفجور".
وفي سنة 1277 ولاه محمد الصادق باشا خطبة الفتيا، ثم أسند إليه نقابة الأشراف، والحسبة على الأوقاف الخيرية، والنظارة على بيت المال، وسمي عضواً بمجلس شورى الملك المؤسس بمقتضى قانون عهد الأمان. قال الشيخ ابن أبي ضياف: "وتوفي يوم الاثنين في 21 ذي الحجة سنة 1284، فمشى في جنازته الباي ورجال دولته، وكاد أن لا يتخلف عن شهودها أحد في البلاد، ورثاه الشيخ قابادو بقصيدة كلها عيون"، وهي القصيدة الرائية الثمينة في ديوانه، ودفن في زاوية جده سيدي محمد بن عاشور المشهورة بضاحية سيدي علي الزواوي بمدينة تونس.
* أخلاقه:
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "كان عالي الهمة، زكي النفس، سليم الصدر، حسن الأخلاق، بعيداً عن التصنيع في الأزياء، حسن المحاضرة، أبيَّ الضيم، سخياً، محباً لتلامذته، يعاملهم معاملة الأنداد، حتى حل في نفوسهم أرفع محل". ومما اشتهر عنه: أنه كان شديداً في إقامته الشريعة.
* علمه وآثاره:
درَّس بجامع الزيتونة النحو والبيان والأصول والحديث، فدرس المطول،
(11/ 1/136)

وخاض في بحور "المفتاح" وشروحه، ولم تقف همته عند ذلك، فاستجلب كتاب "دلائل الإعجاز"، استنسخه من بعض مكاتب الآستانة على طريق بعض التجار، ولم يكن ذلك الكتاب بتونس من قبل، فكانت لدرسه رنة عظيمة في المحافل العلمية، ودرَّس "المحلي على جمع الجوامع"، فتعالى عن القشور، وقصد إلى لب علم الأصول، مع التنبيه على ما يعرض للناظرين من الأوهام، ودرَّس "صحيح مسلم"، وشرع في تدريس "تفسير البيضاوي"، فاقرأ من أوائله قليلاً، ثم عاجله الحِمام.
وتخرج عنه أعلام العصر الماضي؛ كالوزير العلامة الشيخ محمد العزيز بوعتور، والوزير العلامة الشيخ يوسف جعيط، والعلامة شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن الخوجة، والعلامة اللغوي كبير أهل الشورى الشيخ سالم بوحاجب، وشيخ الإسلام الشيخ محمود بن الخوجة، والعلامة المفتي الشيخ محمد النجار، وشيخ الإسلام العلامة أحمد كريم، والمفتي المحقق الشيخ حسين ابن حسين، والعالم المؤرخ الشيخ محمد بيرم دفين مصر، وغيرهم من جهابذة تونس، وعلماء بلدان المملكة.
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "وكان في مدة مباشرته للقضاء يرتاح إلى التدريس، ورغب منه أعيان تلامذته أن يكمل لهم درس "المحلي على جمع الجوامع" الذي كان شرع فيه قبل ولايته القضاء، فأجابهم إلى ذلك، وأقرأه بين العشاءين". وقد كان في تدريسه يفتح للتلامذة أبواب التفكير، ويجرئهم على مجاراة الكاتبين بأنظارهم، فأخرج لهم خبايا العلوم بطريقته المبتكرة يومئذ بجامع الزيتونة، وهي نفوذ النظر من أول الأمر لِلُباب المسائل، والتوسع فيها بالنظر في أصولها ونتائجها، مع تسقيط ما لم يجر على تلك
(11/ 1/137)

السنة من أقوال الكاتبين، تلك النزعة التي ظهرت بعده من نبغاء تلاميذه، فكان في المترجم -رحمه الله- بطل تلك النهضة العلمية التي حدثت في أواسط القرن الثالث عشر.
- كتب حاشية على "القطر" مهمة طبعت بمصر.
- وشرحاً على "بردة البوصيري" طبع بمصر.
- وحاشية على عبد الحكيم على "المطول" سماها: الغيث الإفريقي، لم تطبع.
- وحاشية على "المحلي على جمع الجوامع" لم تطبع.
- وحاشية على "ابن سعيد على الأشموني" جمعها من خطبة تلميذه الشيخ أحمد كريم، لم تطبع.
- وحاشية على "شرح العصام لرسالة البيان" لم تطبع.
- وتعليقه على ما قرأه من "صحيح مسلم" لم يطبع.
* أدبه:
قال الشيخ ابن ضياف: "كان عذب البيان، كاتباً شاعراً بليغاً".
وله شعر جزل ينحو به المنحى العربي القديم، أعانه على الإجادة فيه تبحره في علوم اللغة وآداب العرب، ومن شعره موشح بديع عارض به موشح ابن سهل، وكان مقلاً مجيداً، وله نثر بليغ، وخطب معدودة في مواقف مشهودة، وقد اشتهر في عصره بالفصاحة، وبداهة الجواب.
* فقهه في القضاء والفتوى:
قال الشيخ ابن أبي ضياف: "جرى مع فحول الفقهاء في مضمارهم
(11/ 1/138)

ومعارك أنظارهم، يحذو في الفقه حذو العلامة إسماعيل التميمي من مشاركة الأصول بالفروع، فلا يذكر فقهاً إلا مرجحاً بدليله، ويقول: لا يعجبني أن أقول: هكذا قال الفقهاء، وما يمنعني أن أعلم الدليل كما علموه، وعلى وجود حساده وتظاهر أضداده لم يجدوا في قضائه موضعاً لانتقاده".
ولما ولي الفتيا، صدرت منه الفتاوى التي سارت صداها في الحاضرة، وبلدان المملكة، وأظهر فيها من تطبيق الفقه على الأصول ما غفل عنه كثير من الفحول -رحمه الله رحمة واسعة، وشمله برضوانه- جزاء صادق خدماته للعلم والدين.
(11/ 1/139)

عمر بن الشيخ من أعاظم أساتذتي بجامع الزيتونة في تونس (1)
هو عمر بن أحمد بن علي بن حسن بن علي بن قاسم المعروف بابن الشيخ، ولد الأستاذ بقرية يقال لها: "الماتلين" من عمل "بنزرت"، في حدود سنة 1239 ه، وقدم به والده تونس صبياً، فنشأ بها، وعندما بلغ أمد التعليم، أقام له معلماً للقرآن المجيد، ثم دخل الجامع الأعظم جامع الزيتونة سنة 1259، فتلقى العلم على كبار الأساتذة؛ مثل: الشيخ محمد بن مصطفى البارودي، والشيخ محمد الخضار، والشيخ محمد سلامة، وشيخ الإسلام الشيخ محمد معاوية (2)، والشيخ محمود قبادو الشاعر الشهير، والشيخ الشاذلي ابن صالح، والعلامة الشيخ محمد النيفر، والعلامة الشيخ محمد بن الخوجة، والعلامة الشيخ حمده بن عاشور، والعلامة الشيخ محمد الشاهد، والعلامة الشيخ محمد البنا، والأستاذ الكبير الشيخ إبراهيم الرياحي.
ولما اشتد ساعد الأستاذ فهماً، وامتلأت وطابه علماً، جلس للتدريس بجامع الزيتونة سنة 1266، ثم صار مدرساً من الطبقة الثانية سنة 1268،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الثامن الصادر في جمادى الآخرة 1355.
(2) صاحب "الحواشي على مختصر السعد"، والذي ينقل عنه المرحوم العلامة الشيخ الأنباني، أو يناقشه في تقريراته على "حواشي البناني على المختصر".
(11/ 1/140)

ثم صار مدرساً من الطبقة الأولى سنة 1283.
ودرَّس الأستاذ كتباً عالية في علوم شتى، تدريسَ بحث وتحقيق، منها: "الشرح المطول على متن التلخيص"، و"شرح الأشموني على الخلاصة"، وكتاب "مغني اللبيب"، و"شرح المحلي على جمع الجوامع"، و"شرح السعد على العقائد النسفية"، و"شرح الزرقاني على المختصر الخليلي"، و"تفسير القاضي البيضاوي"، انتهى فيه إلى قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18].
ودرَّس كتاب "المواقف بشرح السيد"، ولم يكن من الكتب التي تدرس لذلك العهد، حتى أتى على نهايته، وتليت عند ختمه القصائد البليغة، وكان يحضره أكابر المدرسين.
وأذكر من القصيدة التي ألقاها يومئذ العلامة خالي المرحوم الشيخ محمد المكي بن عزوز قوله:
إذا عمر بن الشيخ وافى لدرسه ... تعالَ التقطْ دراً بملء جفان
وكان الأستاذ قد عقد للمذاكرة في هذا الدرس خاصة مجلساً ليلياً في منزله، يشهده كثير من العلماء الذين يحضرون الدرس نفسه في جامع الزيتونة وغيرهم، وبعد أن ينصرفوا يخلو الأستاذ بنفسه للمطالعة، فيجيء إلى الدرس صباحاً وقد قتل مسائله بحثاً وتحقيقاً.
أما أسلوب الأستاذ في التعليم، فمن أنفع الطرق، كان يقرر عبارة المتن، ويبسطها حتى يتضح المراد منها، ثم يأخذ في سرد عبارات الشرح، وما تمس الحاجة إليه من الحواشي والكتب التي بحثت في الموضوع، لا سيما الكتب التي استمد منها شارح الكتاب، ويتبعها بالبيان جملة جملة،
(11/ 1/141)

ولا يغادر عويصة أو عقدة إلا فتح مغلقها، وأوضح مجملها؛ بحيث يتعلم الطالب من دروسه كيف تلتقط جواهر المعاني من أقوال المؤلفين، زيادة عما يستفيده من العلم.
فالأستاذ لم يأخذ في دروسه بطريقة الإملاء، كما يصنع كثير من كبراء الأساتذة، إلا أن له مزية التحقيق والكشف عن أسرارها بوجه يدلك عمَّا له من سعة العارضة، والغوص في أعماق المباحث إلى أبعد غاية.
وعادته أن لا يورد بحثاً، أو جواباً عن اعتراض، إلا بعد التثبيت، والاستناد فيه إلى قاعدة مسلَّمة، ومن هنا كان الغالب على أفهامه الاستقامة، وإصابة المرمى، وإذا عثر على خلل لبعض المؤلفين، التمس له المعذرة ما أمكنه، وإلا، قرر وجه الخلل، ونبه على مكانه بأدب ولطف في البيان، وكان له عقل أشرب قوانين المنطق، فلا يروج عليه الزيف، وإن صدر من عظيم، أو خرج في زخرف من القول.
وانتخب الأستاذ -رحمه الله- سنة 1278 عضواً في المجلس الأكبر، ونائباً لرئيس المجلس الاعتيادي، فظهرت له براعة فائقة في تطبيق القوانين.
ولما تخلى الوزير مصطفى خزنه دار عن الوزارة، وعزمت الدولة محاسبته على الأموال التي وردت بيت خزينة المال مدة ولايته، عقدت مجلساً لذلك، واتخذت صاحب الترجمة وكيلاً عنها؛ ثقة بما عرف به من رجاحة العقل وسداد الرأي، ولما انتهت هذه المسألة، قلدته خطبة قضاء باردو (قاضي الجيش) سنة 1290.
وكان لصاحب الترجمة اليد الطولى في نظام التعليم بالجامع الأعظم في عهد وزارة خير الدين؛ فقد كان أحد أعضاء اللجنة التي شكلها الوزير
(11/ 1/142)

خير الدين لوضع القانون تحت رياسته (1).
وكان كل واحد من أعضاء هذه اللجنة يضع ما يبدو له، ثم يجتمعون وينقحون ذلك، ويدونونه فصولاً، حتى انتهى ذلك القانون سنة 1292، وبعد انتهائه عرض عليهم الوزير خير الدين قانوناً حرره بنفسه لنظارة الجامع، وإقامة نائبين عن الدولة، وسمى صاحب الترجمة نائباً أول عن مستشار المعارف أمير الأمراء السيد حسين، فوقف الأستاذ على تنفيذ القانون أحسن قيام، وأصبحت إدارة الجامع العلمية بيد صاحب الترجمة، فكان مثال العدالة والاستقامة.
وولِّي صاحب الترجمة في عام 1308 خطبة الفتوى بحاضرة تونس، فاهتز لولايته ارتياحاً كل من يقدره ويعرف إخلاصه، ونهض بأعبائها نهضة الناصح الأمين، وامتاز بالبراعة في تطبيق الأصول على الفروع.
قلَّدته الدولة خطبة الإفتاء، وأبقت له منصب النيابة عن وزارة المعارف في نظارة الدروس؛ لشدة ثقتها بأمانته، وحرصِه على إجراء ما تقتضيه التراتيب العلمية.
وأحبَّ صاحب الترجمة أن يتزود من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت، فأضاف إلى العلم الذي بثه في صدور الرجال أن تنازل سنة 1324 عن مرتب التدريس للمتطوعين بالتدريس في الجامع الأعظم مدة حياته، وأوصى لهم
__________
(1) هذه اللجنة: رئيسها الوزير خير الدين. ووكيل الرئيس وزير القلم لذلك العهد الشيخ محمد عبد العزيز بوعتور، والأعضاء: الشيخ عمر بن الشيخ، الشيخ أحمد بن الخوجة، الشيخ الطاهر النيفر، الشيخ أحمد الورتاني، الشيخ مصطفى رضوان، الشيخ محمد بيرم، السيد العربي زروق.
(11/ 1/143)

بقطع من المزارع يصرف لهم ريعها بعد وفاته.
وفي سنة 1325 أدرك جسمه ضعف الكبر، ودعاه الحال يومئذ إلى تقديم استعفائه من منصبي الفتوى والنيابة بالجامع، فأعفته الدولة منهما، وأبقت له لقب مفتٍ ونائبٍ اسماً شرفياً، وعينت له في السنة أربعة آلاف وسبع مئة وأربعين فرنكاً مرتباً دائماً.
وجرى الأستاذ على العناية بأمر التدريس، وبذل المجهود في تحرير المسائل وتنقيحها بدون أن يعنى بأمر التأليف، إلا ما يقتبسه تلاميذه من تحريراته القيمة، ويضعونه على حواشي نسخهم؛ ليرجعوا إليه عند إقراء ذلك الكتاب.
وكان صاحب الترجمة ذا جبين طلق، وصدر رحيب، يقابل الأذى بالحلم، وربما ابتسم للكلمة يرمى بها، وهو شاعر بما تنطوي عليه من سوء، ولا تأخذه رفعة منصبه عن الانبساط اللفقراء والأميين، والنزول إلى محادثتهم بقدر ما يفهمون.
وله عطف على سائر المتعلمين، واعتناء بالغ بالأذكياء منهم. كما اشتهر بالمحافظة على إجلال أساتيذه، ورعاية حقوقهم حال الغيبة واللقاء.
تلقيت عن الأستاذ -رحمه الله- دروساً من "تفسير الييضاوي" (1)، ودروساً من "شرح التاودي على العاصمية"، ودروساً من "شرح الشيخ عبد الباقي على المختصر الخليلي". وكنت بعد أن استقال من منصبي الفتوى ونظارة
__________
(1) حضرت عليه من تفسير قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} [آل عمران: 15] إلى تفسير قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} [آل عمران: 18]، وهي الآية التي انتهى إليها الأستاذ في قراءة هذا التفسير.
(11/ 1/144)

الجامع أزوره كثيراً؛ حرصاً على الاستفادة من علمه، ورأيت يومئذ كيف يقبل الناس على ذي المنصب، حتى إذا اعتزله، قل زائروه، وإن كان عظيماً في علمه وفضله، وما زالت مجالس الأستاذ تفيض علماً، ووجهه يتهلل بشراً، ولسانه لا يقول إلا خيراً، إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الثلاثاء في الثالث من المحرم عام 1329 - أسبغ الله عليه رداء رضوانه، وأرسل عليه وابل رحمته وإحسانه-.
(11/ 1/145)

أحمد كريم (1)
أحد علماء تونس وأدبائها الذين تركوا من خلفهم آثاراً قيمة، وهو الشيخ أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الكريم المدعو: كريم بن عصمان.
ولد صاحب الترجمة في 27 صفر سنة 1243، والتحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة سنة 1265، فتلقى العلم عن أساتذة كبار؛ مثل: الشيخ معاوية، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ الطاهر بن عاشور، وتولى التدريس في جامع الزيتونة سنة 1265، وأقرأ به كتباً عالية، منها: كتاب "التلويح" لصدر الشريعة.
وعقدت الحكومة التونسية مجالس للنظر في الجنايات، فعينت الأستاذ نائباً لرئيس هذه المجلس سنة 1277، فدل على براعة استحق بها أن صار الرئيس هذه المجالس من بعد، ثم تقلد خطبة الإفتاء على مذهب الإمام أبي حنيفة سنة 1280، وتولى مع ذلك الخطابة والإمامة والتدريس بالجامع الحسني سنة 1284، فكان يلقي خطباً بليغة من إنشائه، وتولى مشيخة الإسلام بعد هذا، فألبسها كرامة، ولم يلوثها بالتملق لذي سلطان، حتى انتقل إلى رحمة ربه سنة 1315.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء السادس من المجلد الأول الصادر في ذي القعدة 1347.
(11/ 1/146)

للأستاذ تقييدات ومؤلفات في الفقه الحنفي وغيره، منها: شرح لمنظومة المحبي في الفقه الحنفي، وتعرض في هذا الشرح لما يجري به العمل في الديار التونسية، وتصدى في تأليفه لربط الأحكام بأصولها، وشرح قصيدة كعب بن زهير "بانت سعاد" شرحاً وافياً، وله شعر جيد كان قد جمعه في ديوان يسمى: "السحر الحلال"، وأذكر من شعره قصيدة خاطب بها الأمير محمد الصادق باي شاكراً له على ما قام به من تطبيق القانون المسمى: (عهد الأمان)، ومما يقول فيها:
تيقن أن العدل أبقى لملكه ... فأضحى لطرق الجور ينسفها نسفا
ثم قال:
وأمنت أهل القطر من كل ضائر ... ولولا وجوب الحتف أمنتنا الحتفا
جعلت أساس العدل فيهم أمانهم ... على العرض والأبدان والمال مستوفى
وسوَّيت في الأحكام بين جليلهم ... وبين ضعيف كان في الحق يستخفى
وألزمت أحكاماً هي الفيصل التي ... توافقنا شرعاً ونعتادها عرفا
يقر لها بالعدل كل معاند ... يعض على غيظ أنامله لهفا
شهدت له دروساً كان يلقيها بالجامع الحسيني في شهر رمضان، فكنت أسمع بحثاً دقيقاً، وعبارات أنيقة، وكان الأستاذ -رحمه الله- فصيح المنطق، حسن السمت، لطيف المحاضرة.
(11/ 1/147)

محمد بن الخوجة من أركان النهضة العلمية بجامع الزيتونة (1)
ولد في 8 ذي الحجة سنة 1244، ونشأ بين يدي والده، وتلقى عنه العلم، وعن شيوخ آخرين؛ مثل: الشيخ أبي محمد حسن الشريف، وشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بيرم الثاني، وجدَّ في طلب العلم حتى أحرز فيه المرتبة السامية.
* مكانته في العلم:
وصفه الشيخ أحمد بن أبي الضياف في "تاريخه"، فقال: "تصدر للتدريس، ونشر الدر النفيس، بتقرير يدل على امتداد باع، وسعة اطلاع، تقف دونه الأطماع، فاستحدث من شمس علومه البدور، وانتفعت به العامة والصدور" وقال: "كان هذا المحقق تقياً نقياً ورعاً، معدوداً في درجة المجتهدين، خاتمه المحدثين، كاد يحفظ "صحيح البخاري"؛ لأنه اتخذ قراءته كل يوم وِرداً، ذا فكرة يدعوها فلا تتوقف، ويلقي عصاها فتتلقف، رفع للعلم راية خافقة، وأقام لها سوقاً نافقة، وجرى في ميادينه طلق الأعنة، ماضي الظُّباتِ والأسنة".
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء السادس من المجلد الثاني الصادر في ذي القعدة 1348.
(11/ 1/148)

* ما تقلد من المناصب:
تولى صاحب الترجمة في 26 جمادى الثانية سنة 1251 خطبة القضاء بالمذهب الحنفي، وسار فيها سيرة العلماء المصلحين.
قال الشيخ أحمد بن أبي الضياف يصفه: "تولى خطبة القضاء، فأجرى الحق، وأوضح ما خفي، وبرع في تطبيق الأحكام على النوازل، مسوياً بين الخصوم، وإن اختلفوا في المنازل، بعدلٍ ميزانه قائم، وجزالة لا تنثني عن الحق بلائم".
وفي 29 ربيع الأول سنة 1259 انتقل إلى خطبة الفتوى. وفي 10 جمادى الأولى سنة 1278 أسند إليه منصب شيخ الإسلام، فقام عليه خير قيام إلى أن أدركه أجله، وتغمده الله برحمته.
* استقامته ومتانة أخلاقه:
كان صاحب الترجمة متجملاً بالعفاف ولطف الشمائل، وإطلاق اليد في عمل الخير، قال الشيخ أحمد بن أبي الضياف في سياق الحديث عنه: "ما شئت من كرم أخلاق، وأياد في الأعناق، ألزم من الأطواق، ونفس لطيفة الشمائل والشيم، ومحاضرة يفوق نفعها الديم".
وكان -رحمه الله- يمثل في شرف همته سيرة العلماء الذين يرون في مقامهم العلمي ما يسمو بهم عن أن يضعفوا أمام الرؤساء وذوي الوجاهة، تلك الخصلة التي تكسو العالم جلالة، وتجعله في الناس ناصحاً أميناً. ومما يشهد باستقامة صاحب الترجمة -كما وصفنا-: أن صاحب الدولة مصطفى باي ظهر له أن يهب أرضاً يقال لها: (هشام) لوزيره مصطفى صاحب الطابع؛ لقربها من بستانه المعروف بسبالة الكاهية، وكانت هذه الأرض من
(11/ 1/149)

أحباس جد الباي، وهو من المستحقين، فأرسل الباي الوزير الشيخ أبا الضياف لخطاب صاحب الترجمة، وهو يومئذ في خطبة القضاء؛ ليأذن بعقد المعاوضة، فخاطبه فامتنع، ولج في الامتناع. قال الأستاذ أبو الضياف: "ثم استأذنت الباي أن كلمه بمحضر الجماعة (بقية أعضاء المحكمة الشرعية)، فقال لي: "تكلم بالنيابة عني"، فجلست مجلس الخصوم، وأعدت المطلب، فقال لي في ذلك المشهد: يابني! (إن بدني لا يطيق النار)، ثم التفت إلى الباي، (وكان في الحضرة)، وقال له: (إني نائب عنك، ولم تظهر لي مصلحة في هذا العوض، فإن ظهرت لك المصلحة، فافعل، وكاتبك هذا (يعني: ابن أبي الضياف) يحسن الكتابة، وأنت تحسن النظر، فرجع الباي على عادته في الوقوف مع الحكام الشرعية، والأدب معها".
ومن حرصه على نصيحة السلطان: أن أمير البلاد المشير الأول أحمد باشا باي كان قد أمر بقتل سبعة من العساكر في قريب من شهر رمضان. وكان صاحب الترجمة ممن يلقون دروساً في رمضان تسمى هنالك بالأختام، فجعل موضوع الدرس قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. . .} [النساء: 93] إلخ الآية. وكان الباي ممن شهد حفلة الختم. فأخذ الشيخ يقرر معنى الآية، ويورد ما ورد في قتل النفوس من الوعيد، حتى ظهر على الباي أثر الغضب، وأوجس الحاضرون خيفة أن يسرع إلى الانتقام منه، ولكن النصيحة التي تصدر من سريرة خالصة لا تأتي في غالب الأحوال إلا بثمرة طيبة، وعاقبة وحسنة.
"إن التقي إذا غالبته غلبا".
وكان ملوك تونس يرغبون في حضوره مجالسهم غير الرسمية، فإذا
(11/ 1/150)

بعثوا إليه، تمثل للرسول بهذين البيتين:
قل للملوك نصيحة ... لا تركنن إلى فقيهِ
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيهِ
ثم يقول له: "أبلغ أتم سلامي إلى الأمير، وقل له: إن العبد حاضر متى أمرتموه بتحرير مسألة".
* وفاته:
توفي في يوم عاشوراء من سنة 1279 بجبل المنار، ونقل إلى داره بحاضرة تونس، وقدم لحضور جنارته صاحب المملكة محمد الصادق باي من حلق الوادي، ودفن بزاوية سيدي عطية، واتفق أن كان تاريخ وفاته في لفظ: (عاشوراء)، ورثاه طائفة من العلماء، منهم: الشيخ محمود قبادو المفتي المالكي، ومرثيته في ديوانه المطبوع.
* مؤلفاته:
لصاحب الترجمة مؤلف في الفقه سماه: "المحررات الفقهية" في ثلاث مجلدات، وله تعليقات على "حاشية الشيخ عبد الحكيم على تفسير البيضاوي"، وسماها: "معين المعاني على علم المعاني"، وتعليقات على كتاب "الدرر"، وحاشية على "شرح المكودي للخلاصة"، وكتب شرحاً لحكم أرسططاليس "العالم بستان. . . إلخ" باقتراح من المشير أحمد باي، إلى غير هذا من الرسائل والأختام التي هي دروس تلقى في رمضان بعد تحريرها في هيئة رسائل.
ملأ الله قبره نوراً ورحمة.
(11/ 1/151)

أحمد الورتاني (1)
من علماء تونس الذين بلغوا في العلم رتبة سامية، وأحرزوا سمعة طيبة: أبو العباس أحمد بن سالم بن إبراهيم الورتاني، ولد سنة 1246، وبعد قراءة القرآن على والده التحق بطلاب العلم في جامع الزيتونة، وتلقى عن علماء أجلة؛ مثل: الشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ ابن ملوكة، والشيخ معاوية، والشيخ محمد بن سلامة، والشيخ محمد الشاهد، ورحل لأداء فريضة الحج سنة 1270، ولقي بالقاهرة الشيخ إبراهيم الباجوري، وأجازه إجازة مطلقة، وفي سنة 1271، ندبه الوزير مصطفى خزنه دار لتأديب أبنائه وتعليمهم، وفي سنة 1285 أقبل على التدريس في جامع الزيتونة بتحقيق ومواظبة، وفي سنة 1287 تولى منصب التدريس، وعرف بالتثبت فيما يقول، وبإنصاف الطلاب عند البحث، وكان يمتاز عن أقرانه بسعة الاطلاع في التاريخ واللغة، وسافر إلى الآستانة يوم كان الصدر الأعظم بها خير الدين باشا التونسي، وأقام بها حيناً، ثم عاد إلى تونس راجعاً، وعين عضواً في مجلس إدارة الأوقاف، وصار بعد هذا نائب رئيس المجلس، وفي سنة 1297 ولاه المشير أحمد باي رئاسة الأوقاف، ونظارة
__________
(1) مجلة "الهداية الاسلامية" - الجزء السابع من المجلد الأول الصادر في ذي الحجة 1347.
(11/ 1/152)

المطبعة الأميرية، وفي سنة 1299 فصل عن نظارة المطبعة، وبقي على رئاسة الأوقاف.
وفي جمادى الثانية سنة 1303 تقدم في طائفة من الفضلاء يعرض على الدولة بعض مطالب وطنية، وبقي بعد هذا على خطبة التدريس وحدها حتى توفي ليلة السادس عشر من ذي الحجة في هذه السنة، وهي السنة 1303، فذهب إلى رحمة الله، وقد ترك في نفوس مريديه علماً نافعاً، وعلى ألسنة الأمة التي شهدت منه الغيرة والاستقامة ثناء فاخراً.
(11/ 1/153)

محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة الأعظم في تونس (1)
* نسبه ونشأته:
هو السيد محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، من بيت آل عاشور الأشراف الأندلسيين، وجده للأب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قاضي الحضرة التونسية، وصاحب المؤلفات القيمة، وجده للأم العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتُّور.
ولد الأستاذ بتونس سنة 1296، وشب على تعلم القرآن حتى أتقنه حفظاً، وفي سنة 1310 دخل جامع الزيتونة، فثابر على تعليمه حتى أحرز شهادة (التطويع) سنة 1317.
وفي سنة 1320 فاز في مناظرة التدريس من الرتبة الثانية، وفي سنة 1324 ارتقى بمناظرة أيضاً إلى التدريس من الرتبة الأولى.
وفي سنة 1321 سمي مدرساً بالمدرسة الصادقية، مع بقائه مدرساً بالجامع الأعظم، وفي سنة 1325 سمي نائباً عن الدولة لدى نظارة جامع الزيتونة العلمية، فابتدأ أعماله بإدخال نظم مهمة على التعليم بحسب ما سمح به الحال، وحرر يومئذ لائحة في إصلاح التعليم، وعرضها على
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الخامس الصادر في شوال 1351.
(11/ 1/154)

الحكومة، فأمكن تنفيذ شيء منها، وأبقي كثير منها إلى فرص أخرى، كما سعى في إحياء بعض العلوم العربية بالجامع، وقد كان غالب أهل العلم يقتصر منها على النحو، وعلى المعاني والبيان، فأكثر من دروس الصرف في مراتب التعليم الثلاث، ومن دروس أدب اللغة، وشرع في تدريس "ديوان الحماسة" بنفسه. ولما تأسست لجنة النظر في تنقيح برنامج التعليم سنة 1329، كان الأستاذ ابن عاشور عضواً في هذه اللجنة، وهو الذي تولى تقرير حالة التعليم، وكان الاعتماد على لائحته المشار إليها آنفاً.
وقدم لائحة في إيجاد تعليم ابتدائي إسلامي منظم في خمس مدن من مدن المملكة: القيروان، وسوسة، وصفاقس، وتوزر، وقفصة. وفي تلك السنة سمي عضواً بالمجلس المختلط العقاري.
وفي سنة 1331 أسندت إليه خطبة القضاء المالكي بعاصمة تونس، ودخل في هيئة النظارة العلمية التي تدير شؤون جامع الزيتونة.
وفي سنة 1341 سمي مفتياً مالكياً بالديار التونسية، وعاد إلى التدريس بالجامع الأعظم وبالمدرسة الصادقية، وفي سنة 1343 عهد إليه بأمر النيابة عن الشيخ (باش مفتي) رئيس المالكية، وفوض إليه مباشرة وظائفه الشرعية والعلمية.
وفي سنة 1345 ارتقى إلى رتبة باش مفتي بالأصالة؛ أي: صار رئيساً للمجلس الشرعي المالكي، وتلك الخطة تخوله أيضاً أن يكون أحد رئيسي المعهد الزيتوني، واستمر على إقراء دروسه في مواقيتها، مع أن خطته تخوله الانقطاع عن التدريس؛ إذ لم يبق معها في صف المدرسين.
وفي جمادى الأولى سنة 1351 صدر الأمر الملكي بتلقيبه (شيخ الإسلام
(11/ 1/155)

المالكي)، وتسويته بزميله (شيخ الإسلام الحنفي) تسوية تامة.
وفي جمادى الأولى من هذه السنة (1) صدر الأمر الملكي بتعيين رئيس للنظر في شؤون التعليم بجامع الزيتونة يلقب بشيخ الجامع الأعظم، وأسندت هذه الرئاسة إلى الأستاذ صاحب الترجمة، وصرح له حضرة صاحب الجلالة أمير البلاد بأنه يعتمد عليه في إصلاح حال التعليم بجامع الزيتونة وترقيته.
وقد احتفل بولايته شيخاً للجامع يوم السبت 25 جمادى الأولى من هذه السنة في محفل علمي جليل، وألقى فيه الأستاذ خطبة بسط فيها القول على أحوال الجامع، وبين مبدأه في إصلاحه، ونقلت هذه الخطبة البليغة الصحف التونسية.
* علمه وأدبه:
شب الأستاذ على ذكاء فائق، وألمعية وقادة، فلم يلبث أن ظهر نبوغه بين أهل العلم، ولما كان بيني وبينه من الصداقة النادرة المثال، كنا نحضر دروس بعض الأساتذة جنباً لجنب؛ مثل: درس الأستاذ الشيخ سالم أبي حاجب لشرح القسطلاني على البخاري، ودرس الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ لتفسير البيضاوي، ودرس الأستاذ الشيخ محمد النجار لكتاب "المواقف"، وكنت أرى شدة حرصه على العلم ودقة نظره متجليتين في لحظاته وبحوثه.
تقلب الأستاذ في مناصب التدريس، وقام بتدريس كتب عالية في جامع الزيتونة، فدرَّس "دلائل الإعجاز"، و"الشرح المطول" للتفتازاني، و"شرح المحلى لجمع الجوامع"، و"مقدمة ابن خلدون"، وهو اليوم يقوم بتدريس تفسير القرآن الكريم، و"موطأ" مالك بن أنس، و"ديوان الحماسة".
__________
(1) سنة 1351 ه.
(11/ 1/156)

وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر: صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة، وأذكر أنه كان يوماً في ناحية من جامع الزيتونة، ومعه أديبان من خيرة أدبائنا، وكنت أقرأ درساً في ناحية أخرى من الجامع، فبعث إلي بورقة بها هذان البيتان:
تألقت الآداب كالبدر في السحر ... وقد لفظ البحران موجهما الدرر
فمالي أرى منطيقها الآن غائباً ... وفي مجمع البحرين لا يفقد (الخضر)
انعقدت بيني وبينه سنة 1317 صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغاية التي ليس بعدها غاية، وصدافة بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيراً، وأن يكون كل منا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنت أرى لساناً لهجته الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيئ، وهمة طماحة إلى المعالي، وجداً في العمل لا يمسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال: ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم.
وعقب سفري إلى البلاد الشامية سنة 1331 بلغني خبر ولايته للقضاء، فأرسلت إليه أبياتاً تهنئة بهذه الولاية، وتذكيراً له بما كنت أعرفه فيه من حرصه على إصلاح القضاء والتعليم، ثم إبداء عظيم شوقي، وأسفي للفراق، وأذكر منها قولي:
أنسى ولا أنسى إخاءك إذ رمى ... صرف الليالي بالنوى أشباحا
أسلو ولا أسلو علاك ولو أتت ... لبنانَ تهدي نرجساً وأقاحا
أفلم نكن كالفرقدين تقارنا ... والصفو يملأ بيننا أقداحا
(11/ 1/157)

* مؤلفاته:
للأستاذ حواش على "التنقيح" لشهاب الدين القرافي في أصول الفقه، ونقد علمي في الرد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" تأليف علي أفندي عبد الرازق، وكتاب في أصول الإنشاء والخطابة، وله مؤلفات أخرى لم تطبع بعد.
(11/ 1/158)

علي الدرويش من علماء تونس الفضلاء (1)
هو أبو الحسن علي بن يوسف بن أحمد الدرويش من "باجة" بلدة بالقطر التونسي.
ولد في شعبان سنة 1198، طلب العلم، فأخذ عن علماء عصره: الشيخ الطاهر بن مسعود، وشيخ الإسلام بيرم الثاني، والشيخ حسن الشريف. ولاه الأمير محمود باشا إماماً بمسجد "باردو" سنة 1230، ثم تولى خطة القضاء سنة 1232، فقام بها محمود السيرة نحو تسع عشرة سنة، ثم صار مفتياً سنة 1251، وأضاف إلى الفتوى التدريس بجامع الزيتونة عند وضع الترتيب الأحمدي، حتى وافاه الأجل في ذي القعدة سنة 1262، ورثاه الشيخ محمد بيرم الرابع بقصيدة يقول في مطلعها:
هو الدهر يبري صائبات سهامه ... فيورد نفس المرء حوض حِمامه
وكان صاحب الترجمة عفيفاً، متثبتاً فيما يجري بين يديه من القضايا، متيقظاً لما يقدم إليه من المراسلات التي يضع عليها ختمه، وترسل إلى نوابه في القطر، كتب بعض المتنسبين للإشهاد بين الناس مراسلة، وقدمها
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد الثاني الصادر في رييع الأول 1349.
(11/ 1/159)

إليه ليضع عليها ختمه، فوجدها غير موافقة للشرع، فأبى ختمها، وردها إلى صاحبها، فأعادها ذلك الشاهد مراراً؛ رجاء أن تصادف ساعة غفلة من الشيخ، فيضع عليها ختمه، فلم يكن منه إلا أن يردها، ولما تكرر ورودها عليه، بعث إلى الشاهد قائلاً له:
"إني على بصيرة مما يرد عليَّ"، ولم يزد على ذلك.
(11/ 1/160)

تونس (1)
* التعريف بتونس:
المملكة (2) التونسية، واقعة بشمال القارة الإفريقية، يحدها شمالاً وشرقاً البحر المتوسط، وغرباً عمالة قسنطينة من بلاد الجزائر، وجنوباً الصحراء الكبرى في بعضها، وولاية طرابلس في بعضها الآخر المنحرف إلى الشرق.
ومساحتها مئة وثلاثون ألف كيلو متر مربع تقربياً، وهذه المساحة تساوي نحو الخمس من مساحة فرنسا.
وسكان هذه المملكة نحو ثلاثة ملايين نسمة، وهم بحسب أصولهم يرجعون إلى أجناس مختلفة، إلا أن السائد فيهم العنصر العربي، ومن كانوا من غير عنصر عربي؛ كالبربر، والترك، فقد أصبحوا عرباً لغة وعادات، فهم ما بين عرب خُلَّص، ومستعربين، فمن الحق أن تونس بلاد عربية شعباً وحكومة، وهي جديرة بأن تعد في مقدمة الشعوب والدول العربية.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء الحادي عشر من المجلد السابع عشر- 1364 ه.
وهي نص مذكرة الإمام بصفته رئيس (رابطة الدفاع عن أفريقيا الشمالية) إلى دول العالم.
(2) مقالة الإمام قبل إعلان الجمهورية في تونس.
(11/ 1/161)

وقد بلغت تونس في العهود السالفة من المعارف والمدنية وقوة السلطان غايات عزيزة المنال، ولا أذهب في الحديث عن هذا السؤدد إلى عهود بعيدة كانت فيها المملكة التونسية مطلع العلماء الأعلام، ورجال السياسة العظام، ومحط رحال الأدباء والشعراء والكتاب، فذلك شأن من تكون غايته البحث عن تاريخ البلاد، وسيرِ رجالها؛ ليقرر حقائق، أو يستمد مفاخر، أو ينبه لمآخذ عبرة، وإنما غايتنا من هذه المذكرة عرض حالة تونس في عهد نهوضها بنفسها قبل الاحتلال الفرنسي، وعهد وقوعها تحت هذا الاحتلال؛ ليرى الناظر كيف كانت تونس تسير في السبيل الذي تسير فيه الأمم الناهضة، وكيف أتى الاحتلال الفرنسي وأخذ يرجع بها إلى وراء.
* تونس قبل الاحتلال:
كانت القيروان منذ الفتح الإسلامي العربي عاصمة إفريقية، ومنها خرج الجيش الذي فتح بقية بلاد المغرب، والجيش الذي فتح بلاد الأندلس، والجيش الذي فتح صقلية، وفي القرن السادس الهجري صارت عاصمة أفريقية مدينة تونس نفسها، وما زال الشعب التونسي يتمتع بحرية كاملة، ولواء الاستقلال يخفق على أرجاء تلك البلاد إلى أن امتدت إليها يد الإسبان سنة 942 ه وتخلصت منهم على يد الدولة العثمانية سنة 981 ه، وصارت من ذلك الحين ولاية عثمانية، إلا أنها تتمتع بجانب عظيم من استقلالها الداخلي، إلى أن تولى أمرها المشير أحمد باشا باي عاشر أمراء الدولة الحسينية سنة 1253، فنهض بهذه المملكة من الوجهة السياسية والعسكرية والعلمية.
اتجه إلى أن تكون الحكومة التونسية حكومة عربية إسلامية، يربطها
(11/ 1/162)

بالدولة العثمانية الاعتراف بسيادتها من جهة أنها دولة الخلافة، فسعى لدى الدولة العثمانية لتسقط على تونس المقدار المالي الذي كانت تؤديه لها سنوياً، معتذراً بأن القطر التونسي في حاجة إلى نفقات كبيرة تصرف في شؤونه العلمية والجندية والعمرانية.
وحوَّل المراسلة بينه وبين الدولة العثمانية من اللغة التركية إلى اللغة العربية، معتذراً لها بأنه لا يحسن به أن يضع ختمه على كلام لا يفهم أسراره.
وأقبل على حال الجند، فنظم العساكر على الأسلوب الجديد، وأنشأ مدرسة حربية، واستدعى إليها معلمين من أبرع ضباط أوربا.
ووجّه عنايته إلى إعداد أسطول، فأعد مرسى حربية، وابتدأ بشراء بواخر وبوارج، وابتنى دار صناعة لإنشاء السفن، ومعملاً لصنع الأسلحة، ومستودعات للذخائر الحربية.
وأحدث لقب وزير في المناصب السياسية، فكان لحكومة تونس في عهده رئيس وزراء، ووزير داخلية، ووزير خارجية، ووزير حربية، ووزير بحرية، ووزير مالية.
وتولى بعده أخوه محمد باشا باي، فجرى على سيرة سلفه، ووضع لسياسة الحكومة دستوراً سمي لذلك العهد: "عهد الأمان"، وقرئ هذا الدستور في حفل عظيم حضوه أعيان الأمة وعلماؤها، وسفراء الدول الأجنبيية، في (20 المحرم سنة 1274 - 10 سبتمبر سنة 1857)، وأقسم الباي على أن يعمل بهذا القانون، ويجري في سياسة الحكومة على مقتضاه.
ويشتمل هذا الدستور على إحدى عشرة مادة، ونصها:
(11/ 1/163)

"القاعدة الأولى: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا، وسكان إيالتنا، على اختلاف الأديان والألسنة والألوان، في أبدانهم المكرمة، وأموالهم المحرمة، وأعراضهم المحترمة، إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالشورى، ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء، أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر.
القاعدة الثانية: تساوي الناس في أصل قانون الأاء المرتب، أو ما يترتب. كان اختلف باختلاف الكمية؛ بحيث لا يسقط القانون عن العظيم لعظمته، ولا يحط على الحقير لحقارته، ويأتي بيانه موضحاً.
القاعدة الثالثة: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف؛ لأن استحقاته بوصف الإنسانية، لا لغيره من الأوصاف، والعدل في الأرض هو الميزان المستوي، يؤخذ به للمحق من المبطل، وللضعيف من القوي.
القاعدة الرابعة: إن الذميَّ من رعيتنا لا يجبر على تبديل دينه، ولا يمنع من إجراء ما يلزم ديانته، ولا تمتهن مجامعهم، ويكون لهم الأمان من الإذاية والامتهان؛ لأن ذمتهم تقتضي أن لهم مالنا، وعليهم ما علينا.
القاعدة الخامسة: لما كان العسكر من أسباب حفظ النوع، ومصلحته تعم المجموع، ولا بد للإنسان من زمن لتدبير عيشه، والقيام على أهله، فلا نأخذ العسكر إلا بترتيب وقرعة، ولا يبقى العسكري في الخدمة أكثر من مدة معلومة، كما نحرره في قانون العسكر.
القاعدة السادسة: إن مجلس النظار في الجنايات إذا كان الحكم فيه بعقوبة على أحد من أهل الذمة، يلزم أن يحضره من نعينه من كبرائهم، تأنيساً لنفوسهم، ودفعاً لما يتوهمونه من الحيف، والشريعة توصي بهم خيراً.
(11/ 1/164)

القاعدة السابعة: إننا نجعل مجلساً للتجارة برئيس وكاتب، وأعضاء من المسلمين وغيرهم من رعايا أحبابنا الدول؛ للنظر في نوازل التجارات بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول العظام في كيفية دخول رعاياهم تحت حكم المجلس، كما يأتي إيضاح تفصيله؛ قطعاً لتشعب الخصام.
القاعدة الثامنة: إن سائر رعايانا من المسلمين وغيرهم لهم المساواة في الأمور العرفية، والقوانين الحكمية، لا فضل لأحد على الآخر في ذلك.
القاعدة التاسعة: تسريح المتجر من اختصاص أحد به، بل يكون مباحاً لكل أحد، ولا تتاجر الدولة بتجارة، ولا تمنع غيرها منها، وتكون العناية بإعانة عموم المتجر، ومنع أسباب تعطيله.
القاعدة العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا بسائر الصنائع والخدم، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي يمكن أن تترتب مثل سائر أهل البلاد، لا فضل لأحد على الآخر، بعد الانفصال مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه.
القاعدة الحادية عشرة: إن الواردين على إيالتنا من سائر أتباع الدول، لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور والأجنَّة والأرضين، مثل سائر أهل البلاد، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي تترتب من غير امتناع، ولا فرق في أدنى شيء من قوانين البلاد، ونبين بعد هذا كيفية السكن بحيث إن المالك يكون عالماً بذلك، وداخلاً على اعتباره، بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول".
وأنشا هذا الأمير مجلساً بلدياً في مدينة تونس تحت رياسة مستشار الخارجية، وتولى هذا المجلس تنظيم المدينة، وإصلاح طرقاتها، وتنوير
(11/ 1/165)

شوارعها، وجلب أدوات الطباعة العربية إلى البلاد.
وتولى الإمارة بعده أخوه محمد الصادق باي، وشد أزره الوزير المصلح خير الدين باشا، فألَّف مجلساً أعلى يتألف من ستين عضواً من الوطنيين للنظر في مصالح الوطن.
وسنّ للفلاحة قانوناً راعى فيه مقتضيات حال القطر. ووزَّع الأراضي الحكومية على صغار الفلاحين، ووضع أول مجلس صحي لمراقبة الأمراض الوبائية.
وسعى في تقدم الصناعات الأهلية، وتوسيع دائرة التجارة الوطنية.
ونظَّم مناهج التعليم بجامع الزيتونة قرينِ الجامع الأزهر في كل ما يدرَّس فيه من العلوم الدينية والعربية، وأنشأ بجانبه المكتبة التي تدعى: "المكتبة الصادقية".
وأسس المدرسة الصادقية، وهي أول معهد أنشئ لدراسة العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وصدرت في عهده سنة 1277 ه صحيفة "الرائد التونسي"، وهي الصحيفة الثالثة العربية للصحيفتين الأخريين: الوقائع، والجوائب.
وأطلق هذا الأمير على الحكومة اسم: الدولة، وأعطى لنفسه لقب: الملك، يوجد هذان اللقبان في نصوص القانون المسمى بقانون الدولة.
يرى الناظر من هذه الشذرات الموردة من تاريخ تونس: أنها أخذت منذ عهد المشير أحمد باشا باي تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية والعسكرية والعلمية والعمرانية شوطاً يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها، وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه: حماية.
(11/ 1/166)

* كيف وقع الاحتلال الفرنسي؟
بعد أن تم لفرنسا احتلال الجزائر، اتجه نظرها إلى احتلال تونس، وحصلت على موافقة بعض الدول في المؤتمر الذي عقد في "برلين".
ويقال: إن بسمارك أغراها باحتلال تونس بقصد إيقاع الشحناء بينها وبين إيطاليا التي كانت حريصة كل الحرص على ائتلاف هذا القطر.
ادعت فرنسا أن بعض العربان التونسيين الذين يقيمون بالقرب من حدود الجزائر يعتدون على بعض جيرانهم من الجزائريين، واتخذت هذه الدعوى وسيلة لاحتلال المملكة بأسرها، وأجلبت على تونس بخيلها ورجلها، وتجاوزت بها إلى داخل البلاد، وكانت الحكومة التونسية تسجل وتتشكى وتعارض بأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر إنما اتخذوا وسيلة فقط (1).
* المعاهدة كيف أُمضيت؟
زحفت فرنسا بجنود من ناحية الجزائر، وزحفت بجند آخر من ناحية "بنزرت" حتى وصل هذا الجند إلى العاصمة، وأحاط بقصر الملك، وفي هذه الحال قدمت إليه معاهدة ليضع إمضاءه عليها، فتوقف الباي عن الإمضاء، وطلب من نائبي فرنسا: قنصلها، وقائد عساكرها أن يمهلاه مدة ليتأمل فيما تضمنته المعاهدة من الشروط، فأبيا له ذلك، فجمع الباي رجال مجلس الشورى، وكان ممن عارض في إمضاء المعاهدة: السيد العربي زروق رئيس البلدية، ونصح للباي بأن لا يوقع عليها، وقال له: إن ما تخشاه من عدم الإمضاء سيقع لا محالة، فالتمسك بعدم الإمضاء أشرف وأسلم، ولكن
__________
(1) "صفوة الاعتبار" للشيخ محمد بيرم.
(11/ 1/167)

الباي رأى نفسه مضطراً إلى توقيع المعاهدة، فأمضاها، وكانت المعاهدة مشتملة على عشرة مواد، وتعريبها:
"إن دولة جمهورية فرنسا، ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحبير المخرب الذي وقع قريباً في حدود الدولتين، وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يربطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك، وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين، فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية، سمى وكيله (مسيو الجنرال بريار) الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية:
أولاً: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنسية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانياً: ليسهل على الدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين، فحضرة الباي يرضى بأن الحكم العسكري الفرنسي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة؛ لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود، والشطوط، وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنسي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على تقدر الراحة.
ثالثاً: دولة الجمهورية الفرنسية تتعهد لحضرة الباي بأن يستند عليها دائماً، وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما، إما في نفسه، أو في عائلته، أو فيما يجير دولته.
رابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية تضمن في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأوروباوية.
(11/ 1/168)

خامساً: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيراً مقيماً بينظر في إجراء هذه المعاهدة، وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنسية، وذوي الأمر والنهي التونسيين، وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
سادساً: إن النواب السياسيين، والقناصل الفرنسيين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس، وأشغال رعيتها، وفي مقابلة هذا، فحضرة الباي يتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية، ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعاً: دولة الجمهورية الفرنسية، ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيباً في المالية التونسية؛ ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام، وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامناً: إن غرامة الحرب يغصب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط، وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما بعد شروطاً على كميتها، وكيفية دفعها، ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعاً: للمدافعة على منع إدخال السلاح والآلات الحربية للمملكة الجزائرية الفرنسية، فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار إليها من جزيرة "جربة"، ومرسى "قابس" وسائر المراسي الجنويية في المملكة.
عاشراً: إن هذه المعاهدة توضع لدى رضاء دولة الجمهورية الفرنسية، وترجع في أقرب مدة ممكنة لحضرة الباي السامية.
حرر في 12 مايو سنة 1881 بالقصر السعيد
الإمضاء: محمد الصادق باي، والجنرال بريار
(11/ 1/169)

* كيف كان وقع هذا الاحتلال في نفوس الوطنيين:
قابل الوطنيون هذا الاحتلال بحزن وجزع بالغين، وقامت بعض المدن والقبائل في وجه جيش الاحتلال، واستمر دفاعهم حيناً، ولكنهم لم يجدوا مدداً يساعدهم على إطالة مدة الحرب، فاستطاع جيش الاحتلال أن يلجئهم بكثرة عدده، وإطلاق مدافعه إلى التسليم.
* معاهدة المرسى:
رأت فرنسا أن معاهدة "باردو" تسمح لها بأن تبسط نفوذها في كل شأن من الشؤون الداخلية، فعزرتها بمعاهدة ثانية، وقدمتها إلى المرحوم علي باي للتوقيع، وتعريبها:
1 - الفصل الأول: لما كان مراد حضرة الباي المعظم أن يسهل للحكومة الفرنسية إتمام حمايتها، تكفل بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة المشار إليها فائدة في إجرائها.
2 - الفصل الثاني: الحكومة الفرنسية تضمن قرضاً يعقده حضرة الباي المعظم لتحويل، أو لدفع الدين الموحد البالغ 125 مليون فرنك، والدين السائر الذي لا يمكن أن يتجاوز قدره 17550000 فرنك، ولكنها هي التي تختار الزمن والشروط الموافقة لذلك، وقد تعهد حضرة الباي المعظم أن لا يعقد قرضاً في الاستقبال لحساب الإيالة التونسية دون الحكومة الفرنسية.
3 - الفصل الثالث: يأخذ حضرة الباي من مداخيل الإيالة أولاً: المبالغ اللازمة للقيام بمقتضيات القرض الذي تضمنه فرنسا، ثانياً: راتبه السنوي الملكي، وقدره 1200000 فرنك، وما زاد على ذلك يعين بمصاريف إدارة الإيالة ودفع مصاريف الحماية.
(11/ 1/170)

4 - الفصل الرابع: هذا الاتفاق يكمل ويثبت المعاهدة المنبرمة في 12 سنة 1882 فيما يحتاج منها إلى التئبيت والتكميل، ولا تغير له التراتيب التي سبق وضعها فيما يتعلق بتقدير الغرامة الحربية.
5 - الفصل الخامس: يعرض هذا العقد على الحكومة الفرنسية لتوقيعه، وتعاد حجة التوقيع إلى حضرة الباي المعظم بما أمكن من السرعة، وإيذاناً بصحة ما تقدم.
حرر هذا الرسم، وختمه الموقعان بختمهما، وكتب في المرسى 8 يونية سنة 1883.
لا يزيد بسط الكلام في هذا الغرض، وندع البسط إلى مقام أفسح من هذا المقام، وإنما نسوق أمثلة بقدر ما يقتضيه الحال، وعسى أن يلم بها القارئ، فتوقد في نفسه غيرة تهزه إلى العطف على ذلك الشعب، ومؤازرة الساعين بالطرق الحكيمة لأن تعاد إليه حريته، حتى يعيش في كرامة وسلام.
الاحتلال ومناصب الحكومة الرئيسية وغير الرئيسية:
كان لتونس قبل الاحتلال وزراء من الوطنيين كما أشرنا إليه آنفاً، ولما احتلت فرنسا البلاد، جعلت وزير الخارجية سفيرها "المقيم العام"، وعينت للحربية، والبحرية، والمالية، والزراعة، والتجارة، والأشغال، والبريد، والمعارف رؤساء فرنسيين، ولم تسمح للوطنيين إلا بوزارة الداخلية، ولكنها أحدثت بجانب وزير الداخلية وظيفة "كاتب عام"، ويتقلد هذه الوظيفة فرنسي، ومكتبه بالقرب من مكتب الوزير، ويعرض عليه كل ما هو من اختصاص وزير الداخلية، وله القول الفصل في كل صغير وكبير.
وسمحت بعد سنين طويلة بأن يكون وزير العدل وطنياً، ولكنها وضعت
(11/ 1/171)

له وكيلاً فرنسياً هو صاحب الرأي النافذ في إدار شؤون هذه الوزارة.
ووضعت إدارة المحافظة في أيدي فرنسيين، فرئيس الشرطة، ومراقب الشرطة، والمكلف بالإبعاد والصحافة كلهم فرنسيون.
ورضيت بأن يكون رئيس المجلس البلدي وطنياً، ولكنها جعلت له وكيلين فرنسيين، والوكيل الفرنسي في لغة الاحتلال هو الرئيس الذي يملك الرأي دون من سواه.
لم تكتف حكومة فرنسا المحتلة بتولي المناصب الرئيسية، حتى ملأت الدوائر الحكومية بصغار الموظفين من الفرنسيين، وأتت إلى المملكة، وقسمتها 18 مديرية، وولت في كل مديرية فرنسياً يدعى: "المراقب"، وهو الذي يسيطر على المديرية كما يشاء.
* عدم التسوية بين الوطنيين والفرنسيين في المرتبات:
قد تكون وظيفة الفرنسي ووظيفة الوطني متساويتين في الدرجة، متماثلتين في العمل، ويتفاوتان في المرتب تفاوتاً واسعاً، بحيث يزيد مرتب الفرنسي على مرتب الوطني زيادة فاحشة، ونذكر في سنة 1339 بدا لمدير المعارف في ذلك العهد أن يجعل مرتبات الموظفين في إدارته متساوية، لا فرق بين فرنسي وتونسي، بناء على أن الاتحاد في العمل يقتضي ذلك، وأصدر بذلك قراراً أبلغه الوطنيين، ولكن حزب الاستعمار من الفرنسيين، ونوابهم في المجلس الشورى غضبوا لهذا القرار، وأصروا على إلغائه، فلم يكن من إدارة المعارف إلا أن أبطلت هذا القرار قبل إنفاذه.
* الاحتلال ومالية الحكومة:
تقرر ميزانية تونس بوزارة الخارجية في فرنسا، وترسل إلى تونس
(11/ 1/172)

للتنفيذ، وإذا كانت تعرض على المجلس الشوري الذي أحدثته من مدة غير بعيدة، فإن رأيه استشاري فقط، على أن أكثرية أعضائه من الفرنسيين.
ويدلكم على أن المالية لا تقرر على مقتضى المصالح الوطنية كما هو الواجب: أنها قررت في ميزانية سنة 1922 منح مليونين من الفرنكات إعانة لإقامة المؤتمر الإفخارستي الكاثوليكي، وحاول بعض أعضاء المجلس مناقشة الحكومة في هذا التبرع، فكان جوابها المنع من المناقشة في هذا الموضوع؛ حيث إن هذه الإعانة مقررة من وزارة الخارجية، فاحتج بعضهم على هذا العمل، ورددت الصحافة التونسية هذا الاحتجاج، فلم تجد أذناً واعية.
* الاحتلال وأراضي الدولة:
حصرت فرنسا أراضي الحكومة، وأنشأت لها إدارة فرنسية تسمى: "إدارة الفلاحة"، وفوضت إليها بيع هذه الأراضي قطعاً للفرنسيين، فصارت تبيعها لهم، ومقسَّط أثمانها على عشر سنين، وتأبى أن يكون البيع بالمزايدة؛ خشية أن يزاحمهم فيها الوطنيون.
* الاحتلال والأوقاف:
قررت عدم بيع أراضي الأوقاف بالمزاد العلني، وأذنت لإدارة الفلاحة بشرائها لنفسها بأثمان زهيدة؛ لتوزعها على المعمرين الفرنسيين بأثمان زهيدة كذلك، ولما صنعته في أراضي الحكومة وأراضي الأوقاف أصبح معظم أملاك الحكومة وأراضي الأوقاف ملكاً للفرنسيين.
* الاحتلال والقضاء:
في تونس محاكم شرعية، وفيها محاكم أهلية تتولى فصل القضايا بين
(11/ 1/173)

الوطنيين، وأنشأت فرنسا سنة 1884 م -أي: بعد الاحتلال بنحو ثلاث سنين- محكمة فرنسية للفصل في جميع القضايا التي تقع بين الأوربيين، أو بين الوطنيين والأوربيين، سواء كان الوطنيون مدعين، أو مدعى عليهم، ولهذا المحكمة فروع في نواحي القطر، والحكام في المحكمة الكبرى (التريبونال) وفروعها كلهم فرنسيون، ويسميهم رئيس الجمهورية الفرنسية، ويحكمون بقوانين فرنسية، وباسم الدولة الفرنسية.
* الاحتلال والجندية التونسية:
لما احتلت فرنسا تونس، ألغت المدرسة الحربية التي أسسها المشير أحمد باي، ولم تمكن الحكومة التونسية من أن ترسل طلاباً إلى فرنسا أو غيرها لتلقي فنون الحرب، ولهذا لا يوجد في الجنود الوطنيين متعلم في مدرسة حربية، ولا يتجاوز التونسي رتبة "يوزباشي".
استمر التجنيد في تونس، وأخذت حكومة الاحتلال تضم الجنود التونسيين إلى الجيش الفرنسي الذي هو تحت إمرة قائد الاحتلال، وإنما تركوا للباي بضع مئات من الجنود التونسية يسمون: "الحرس الملكي".
ولا تبالي الحكومة أن تسوق الجنود التونسيين إلى حروب خارج المملكة التونسية، كما أرسلت منهم فرقاً إلى "مدغشكر" سنة 1895 ميلادية، وأرسلت قسماً منهم إلى "التونكين" على حدود "يونان فو" بالصين، وساقت فرقاً منهم إلى محاربة الألمان في الحرب الماضية.
* الاحتلال والتعليم الديني والمدني:
عرفت فيما أسلفنا أن وزير المعارف في تونس فرنسي، ولهذا الوزير التصرف المطلق في التعليم العام والفنون المستظرفة، فإليه يرجع النظر في
(11/ 1/174)

جميع المعاهد العلمية، ومديرو المدارس الحكومية كلهم فرنسيون؛ كالمدرسة الصادقية، والمدرسة العلوية، والمدرسة العليا للآداب العربية.
وتعمل حكومة الاحتلال على تضييق دائرة التعليم ما استطاعت، فلا يوجد في المملكة كلية للطب، ولا كلية للهندسة، ولا مدرسة للصنائع أو الكيمياء أو الطبيعيات، ولا يبرع من التونسسين في علم من هذه العلوم إلا الذين يرحلون إلى أوريا، ويحوزون على الشهادة العليا من إحدى جامعاتها، ومن العجب أن تكون المدارس القرانية الأهلية تابعة لوزير المعارف، وهو فرنسي، وقرأنا في جريدة "مرشد الأمة"، وهي جريدة تصدر بتونس: أن أهل "باجة" طلبوا رخصة فتح مدرسة قرآنية، فأجابهم ذلك الوزير بالحرمان.
وبقي جامع الزيتونة قرينُ الجامع الأزهر مدة بعد الاحتلال تابعاً في إدارته إلى وزير المعارف الفرنسي، ثم ألحقوه بوزارة الداخلية، ولا بد من عرض شؤونه على الكاتب العام، ووزارة الداخلية والكتابة العامة متحدان في الأعمال.
* الاحتلال وحرية الصحافة:
في تونس صحف عربية، ولكنها لا تملك من الحرية ما تملكه صحف الجالية الفرنسية بتونس، وقد انتقد المرحوم محمد بك فريد في رحلته التونسية الضغط على الصحافة العربية هنالك، وجاهر بذلك (المسيو بادو) وكيل الكاتب العام، فأجابه: "بأن الأهالي شديدو الحمية والشكيمة، ولو أطلق لهم عنان حرية الجرائد، لثاروا، وقاموا في وجه الحكومة الفرنسية".
* الاحتلال واللغة العربية:
لغة الكتابة في القطر العربية الفصحى، ولغة التخاطب هي العربية مشوبة
(11/ 1/175)

بانحراف كما وقع لغيرها من اللهجات العربية الحاضرة، ولكن حكومة الاحتلال هضمت حق اللغة العربية؛ إذ جعلت حظها في التعليم بمدارس الحكومة دون حظ اللغة الفرنسية، وجعلت الفرنسية كاللغة العربية لغة رسمية، وجرت على أن لا يقبل في إدارة البريد برقية إلا أن تكون مكتوبة باللغة الفرنسية.
* مجلس الشورى في تونس:
أنشأت فرنسا بتونس سنة (1325 ه - 1905 م) مجلساً شورياً للنظر في مصروفات الدولة، ويتألف هذا المجلس من فرنسيين وتونسيين، والأعضاء الفرنسيون 56، والأعضاء التونسيون 41، من بينهم 7 من اليهود، وآراء هذا المجلس استشارية فقط، لا تتقيد بها الحكومة، واستثنت من هذا فصولاً من المالية لا تعرض على هذا المجلس؛ كمصروفات الدَّين التونسي، ومرتب الوزير المقيم وأعوانه، ومصاريف العدلية الفرنسية التونسية، ومصاريف الأمن العام.
* غطرسة المعمرين واحتقارهم للوطنيين:
يرى أولئك المعمرون أنهم أرفع من الوطنيين في الإنسانية درجات، ويعاملونهم معاملة السادة للخدم، وتأبى هذه الغطرسة إلا أن تظهر في أقوالهم وأعمالهم؛ كأنهم يفهمون أن الاحتلال لا يقف على أقدام راسخة، ولا يملكون به السيادة المطلقة، إلا إذا أشعروا الوطني بأنه في منزلة محتقرة؛ حتى لا يطمع في أن يقف بجانبهم موقف الأنسان من أخيه الإنسان، وأسوق مثلاً على هذا: أن الحكومة عندما أنشأت مجلس الشورى الذي أسلفنا الحديث عنه، أظهر هؤلاء المعمرون -وهم أغلب أعضاء هذا المجلس- نفوراً من أن يجتمعوا
(11/ 1/176)

مع الأعضاء الوطنيين في قاعة واحدة، ويتبادلون الرأي وجهاً لوجه، فبعثوا وفداً منهم إلى "باريز" ليبلغ حكومتهم استياءهم من أن يجلسوا مع الوطنيين في مكان واحد، بل طلبوا إلغاء مشاركة الوطنيين لهم في الشورى، ولكن المقيم العام بتونس أراد تخفيف ثورتهم، فقسم الاعضاء قسمين: معمرين، ووطنيين، وخصص لكل قسم مكاناً، وأقام حاجزاً بين مقاعد المستعمرين والوطنيين.
وأذكر أن (مسيو بارجو) وكيل الدولة في المملكة الفرنسية بتونس، قال وهو يدافع في قضية اعتدى فيها أحد المعمرين على وطني: "إن هؤلاء المعمرين قد لوثوا بجريمتهم سياسة فرنسا، ودنسوا وجهها الجميل، وأسقطوا سمعتها بين الأقوام الذين أتينا لحمايتهم".
* الاحتلال والتجنس بالجنسية الفرنسية:
ليس الوطنيون في نظر الحكومة المحتلة بأهل لأن يمنحوا الحرية التي يتمتع بها الفرنسيون، ولكنها فتحت باب التجنس بالجنسية الفرنسية على أن يكون للمتجنس الحقوق التي يتمتع بها الفرنسي الأصل، فعلت هذا ترغيباً للوطنيين في الخروج عن قوميتهم العربية إلى الجنسية الفرنسية، ولكن الوطنيين المسلمين أدركوا أن هذا التجنس يسلخهم من دينهم، ويطعن في قوميتهم ووطنيتهم، فأحجموا عنه إلا نفراً قليلاً استهوتهم منافعه العاجلة، فأثاروا سخط الأمة عليهم، وصارت تنظر إليهم بإنكار وازدراء، وأصرت على أن لا يدفنوا في مقابرها حتى اضطرت الحكومة، ورسمت لهم مقبرة خاصة بهم.
* الاحتلال وجرح عواطف الوطنيين الدينية:
معلوم أن الحكومة الفرنسية لا دينية، ولكنها تعمل في البلاد المحتلة
(11/ 1/177)

كحكومة مصبوغة بالمسيحية الكاثوليكية، وأذكر أن مناقشة جرت بالبرلمان الفرنسي في فصول من الميزانية الفرنسية تتضمن العناية بجمعيات التبشير، فقام وزير الخارجية، وقال ما معناه: "إن فرنسا غير متدينة داخل حدودها، وإنها متدينة في الخارج".
والوطنيون لا يأخذون على فرنسا أن تكون مصبوغة بالمسيحية خارج بلادها، وإنما ينكرون عليها إجراءات تتحيز فيها للمبشرين، وتجرح بها إحساس المسلمين، أو تهضم بها حقاً من حقوقهم، ومثال هذا: أنها نصبت في أشهر ميدان من ميادين العاصمة تمثالاً للكردينال "لا فيجري" شاهراً صليبه، رافعاً إياه فوق رؤوس المارين من العرب المسلمين، ومثال آخر: هو أنها عينت بالمؤتمر الإفخارستي الكاثوليكي الذي قام في تونس سنة 1930، وساعدته بمليوني فرنك من خزينة الحكومة التونسية، علاوة على ما أرصدته إدارة الأشغال العامة للإنفاق على رصف الطرقات، ونصب المظلات للوافدين بمكان انعقاد المؤتمر.
* جهاد التونسيين في سبيل قضيتهم:
لم يغمض التونسيون أعينهم عن سالف مجدهم، ويستلموا استسلام الشعب الميت لما يلاقونه من عهد الاحتلال من عسف، بل كانوا يقابلون ذلك بالغضب والإنكار بما استطاعوا، ولهم في جهادهم مواقف حفظها التاريخ، وكم قاموا بمظاهرات تعرضوا بها للنار والحديد، وابتلوا بالاعتقال والسجن والإبعاد إلى أطراف القطر وخارجه، وكانوا يحتملون ذلك الأذى، ويتلقونه بالتجلد والتصميم على العمل لخير وطنهم.
ولا أطيل الكلام بسرد الوقائع في هذا الغرض، وأقتصر على حديث
(11/ 1/178)

الحزب الدستوري ومطالبه الشاهدة بصدق ما وصفنا به الحكم في عهد الاحتلال.
في سنة (1329 ه -1919 م) تألف الحزب الحر الدستوري، وقام هذا الحزب بمطالب قدمها إلى جلالة الملك، والسفير الفرنسي، يقصد بها تخفيف وطأة الاحتلال، وهي أقصى ما يمكن أن تطالب به أمة يحيط بها استبداد دولة قوية من كل ناحية، ونص هذه المطالب:
1 - المادة الأولى: مجلس تفاوضي يتألف على التساوي من نواب تونسيين وفرنسيين معينين بالانتخاب العام، يملك حق عرض المسائل على المفاوضة، وله سلطة مالية غير محدودة.
2 - المادة الثانية: مسؤولية الحكومة أمام هذا المجلس.
3 - المادة الثالثة: التفريق بين السلط: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.
4 - المادة الرابعة: قبول التونسيين في كل الوظائف الإدارية بشرط الكفاءة.
5 - المادة الخامسة: المساواة التامة في مرتبات الموظفين الذين يشغلون منصباً واحداً بدون ميز.
6 - المادة السادسة: تشكيل مجالس بلدية بالانتخاب العام في كافة مدن المملكة.
7 - المادة السابعة: حرية الصحافة والاجتماعات والمؤسسات.
8 - المادة الثامنة: التعليم الإجباري.
9 - المادة التاسعة: مشاركة التونسيين في شراء أراضي الاستعمار وأملاك الدولة.
ورأت فرنسا أن هذه المطالب ما يخالف شروط الحماية؛ حيث إن
(11/ 1/179)

العميد أجاب الوفد الذي قدم له المطالب بجواب جاء فيه: "إن كلمة دستور التي تعودتم استعمالها، ربما يكون تفسيرها بمرادفها الفرنسي منافياً لأصول الحماية المؤسسة طبق معاهدات وقعت بين سمو الباي والحكومة الجمهورية، وذلك يؤدي إلى وجود مجلس أمة وحكومة مسؤولة أمامه، وهذان الأمران يخالفان المعاهدات الموجودة بين الدولتين".
وما زالت الحركات السياسية الوطنية في تونس تنهض مرة بعد أخرى، وتردد مطالبها على آذان الحكومة، وتعقد مظاهرات، وتقدم احتجاجات عند كل تشريع أو تصرف يجحف بحقوق الأمة، حتى غشيتها هذه الحرب القائمة، فوقف زعماء تلك الحركات يرتقبون عواقبها، ويرجون انتصار الحرية على الاستبداد، والعدل على الجور، ورأوا الظروف في هذه الأيام مساعدة على مواصلة السعي، فقاموا يجاهدون في سبيل قضيتهم، وما هي إلا أن تنال تلك البلاد حقوقها كاملة.
* أهداف هذه المذكرة:
تذكر الرابطة دول الحلفاء الذين قرروا في ميثاق الأطلنطي إنقاذ الشعوب الواقعة تحت وطأة الاستبداد، بأن تونس من الشعوب التي اعترفت الدول من قبل باستقلالها، كما وقع في مؤتمر "أيلس لا شابيل" الذي انعقد في بلجيك سنة 1810 م، وهي اليوم تقاسي من صنوف الاضطهاد والحرمان من الحقوق الضرورية لحياتها السياسية والاجتماعية ما تذوب له القلوب كمداً وحسرة.
وتذكرة الرابطة دول الاتحاد العربي بأن تونس عربية شعباً وحكومة، فلا فرق بينها وبين العراق وسوريا وفلسطين وغيرها من البلاد العربية في
(11/ 1/180)

جنسيتها العربية، وثقافتها التي تؤهلها لأن تقف في صفوفهم، وتكون لبنة في بناء اتحادهم.
وتذكر الرابطة حكومة فرنسا الحرة بأن الشعوب المغلوبة على أمرها، قد انتقلت إلى طور جديد، واتجهت إلى الجهاد في حريتها بتصميم، فإن أراد الفرنسيون الأحرار أن يكونوا براء من تبعة ما سردناه من الحقائق في تصوير حال الشعب التونسي في عهد الاحتلال، فلينظروا إلى تونس بالمرآة الصافية، ويقدروا ما يشهدونه فيها من كفاية لأن تدير شؤونها بنفسها، فقد حظيت باستقلالها شعوب ليست بأفضل منها مدنية، ولا أرقى ثقافة، ولا أدرى بمذاهب السياسة.
(11/ 1/181)

سَالم بوحَاجب آيَة من آيَات العبقريّة (1)
نعت إلينا الصحف التونسية فضيلة أستاذنا الشيخ سالم أبي حاجب واسطة عقد العلماء، ورئيس المحكمة الشرعية المالكية بالديار التونسية، فكان نعيه لدى العارفين بمقامه الأسنى كقبس من نار تذوب له القلوب لوعة، وتتساقط له العبرات أسفاً.
كان الفقيد -رحمه الله- آية من آيات العبقرية، وأحد العلماء الذين لا تجود بهم يد الأيام إلا في أوقات معدودة، فلا جرم أن أنثر على بساط هذا الاحتفال الجامع شذراً من آثار حياته الزاهرة خدمة للعلم والأدب والتاريخ، وإنَّ في سيرة العظماء من الرجال لعبرة لأولي الألباب.
__________
(1) مجلة "المنار"- الجزء السادس من المجلد الخامس والعشرين (ص 475) وما بعدها. القاهرة.
قدمت المجلة كلمة الإمام محمد الخضر حسين بقولها:
أقام طلاب العلم من جاليات شمال أفريقية حفلة بالجامع الأزهر مساء يوم الاثنين الحادي عشر من الشهر الجاري؛ لتأبين الماسوف عليه الأستاذ الكبير الشيخ سالم أبي حاجب مفتي الديار التونسية.
افتتحت الحفلة بقراءة آيات من الذكر الحكيم، ثم قام محرر هذا المقال، وألقى خطبة في نشأة الفقيد، ومواهبه السامية، وعلمه الغزير.
(11/ 1/182)

ولد الفقيد حوالي سنة 1244 بقرية من قرى الساحل تسمى: "بنبلة"، ثم ارتحل منها عندما بلغ سن التعليم إلى حاضرة تونس لتلقي العلم بجامع الزيتونة الأعظم، ولم يلبث أن سطع بين جدران ذلك المعهد شعاع ألمعيته ونبوغه، وصلاحيته في أندية العلم والأدب، ولا سيما إذ كانت له في صناعة القريض براعة فائقة، وفي نقده الشعر ذوق لا يقل عن ذوق العربي الصميم.
ترقى الفقيد في مدارج العلم حتى تقلد وظيفة التدريس بالمعهد الزيتوني، درس من علوم الشريعة والعربية كتباً عالية؛ مثل "شرح العضد على مختصر ابن الحاجب"، و"شرح القسطلاني على صحيح الإمام البخاري"، و"الشرح المطول للسعد التفتازاني". وكان يجلس لدرس هذه الكتب وغيرها على منصة التحقيق، ويخوض عبابها بنظر مستقل، وينطق فيها بلهجة مجتهد نحرير، فلا ينتهي من تقرير موضوع إلا بعد أن يعقد لما يجري فيه من الخلاف محاكمة يدخل إلى القول الفصل فيها من باب الحرية والإنصاف.
ولِما وضع في فطرته من حبِّ البحث، والغوص في أغوار المسائل، كان يتلقى أسئلة التلاميذ في الدرس بصدر رحب، وكثيراً ما يغمر الباحث النجيب بعبارات الثناء؛ تشجيعاً له على البحث، وأخذاً بيده إلى أن يسير مع أصحاب الآراء والمؤلفين على مقتضى حكمة من يقول: "هم رجال، ونحن رجال".
ولعلمه الراسخ، وعبقريته البارزة، كان بعض أقرأنه مثل: الأستاذ الشيخ مصطفى رضوان يقرر في درسه عازياً شيئاً من الأفهام التي انفرد بتحقيقها، وكثيراً ما يورد الفقيد في مجالسه أو دروسه في صدد الاستشهاد على بعض المعاني اللغوية عبارة "القاموس" بنصها، حتى ظن كثير من أهل العلم أنه يحفظه
(11/ 1/183)

على ظهر قلب. وأغلب مسائل "الشرح المطول"، و"المغني" لابن هشام، و "شرح السيد على المفتاح"، و "شرح الدماميني على التسهيل". تجري على طرف لسانه مهما تدعو الحاجة إلى الاستشهاد بشيء منها.
ولم يكن الأستاذ ممن يسارع إلى الاعتقاد بصدق من يخرج في زي المجذوبين، أو يدعي أنه من أرباب الولاية والكرامة، وظهر منه هذا الخلق في مجلس بعض رجال الدولة، فقالماله: اعتقد ولا تنتقد. فقال الأستاذ: ليس الاعتقاد مما تعتنقه النفس بمجرد الاختيار، وإنما هو من قبيل العلم الذي لا يرتسم فيها إلا بمؤثر من حجة وبرهان.
وكان يحارب الخرافات، والاَراء السخيفة، والأقوال المسندة إلى الشريعة بمجرد الدعوى، أو بأحاديث غير ثابتة، وكان يبدي رأيه بكل صراحة، وإن صادم المعروف بين شيوخ عصره؛ كإنكاره لوجود جبل قاف، ومشاهدة الجن بعين الباصرة، ويرى أن ما يزعم من ذلك إنما هو من قبيل تأثير الخيال.
أحرز الفقيد بين رجال الدولة مكانة إكبار وإجلال، وانتظم له هذا الأقبال إذ كان من أولي النظر الواسع في شؤون الاجتماع، وما تقتضيه المدنية الراقية، وكذلك كانت دروسه في علوم الشريعة مملوءة بالبحث عن أسرارها من حيث المطابقة لما تستدعيه مصالح الشعوب. ومن هذا الوجه كان للأستاذ حياتان: علمية، وسياسية، فاتخذه الوزير خير الدين باشا من مساعديه في تنظيم التعليم، وإصلاح الإدارة قبل الاحتلال، وتقلد وظيفة العمل بإدارة المال، مضافة إلى وظيفة التدريس بجامع الزيتونة.
سافر الأستاذ إلى إيطاليا مبعوثاً من طرف الحكومة التونسية قبل الاحتلال؛
(11/ 1/184)

لينوب عنها في قضية أقامتها على ورثة أحد قابضي أموالها المدعو "نسيم"، وأقام هنالك زمناً واسعاً، التقى فيه خلاله بكثير من علمائها، ودارت بينه وبينهم محاورات علمية، وكانوا يلقون عليه أسئلة فيما يشكل عليهم من بعض الأحكام الإسلامية، فيذهب في الجواب عنها إلى طريق النظر الفلسفي، حتى تقع أجوبته لديهم موقع القبول والتسليم. وكان الأستاذ يقول: إن هذه الرحلة مجموعة عنده في كتاب. وقصّ علينا أنه دخل إلى بعض المكاتب الحاوية لكتب عربية، فتناول كتاباً منها، فكان أول جملة وقع عليها بصره: "كان العرب إذا خطبهم لاعب الشطرنج، منعوه، وقالوا: إنه ضرة ثانية": وفي هذه الرحلة بعمث الأستاذ بصورة فتوغرافية إلى الوزير محمد البكوش، وكتب عليها من نظمه:
لما شكتْ شحطَ النوى روحي التي ... أبقيتها عند الأَحبَّةِ بالوطنْ
أرسلتُ تمثالي لها بوّاً عسى ... تسلو فلا تبغي التحاقاً بالبدنْ
وسافر الفقيد رفيقاً للوزير خير الدين باشا إلى الآستانة، وامتدح السلطان العثماني بقصيدة، فأمر بمكافأته عليها بوسام، فأبى، وقال للمرسل من جانب السلطان: إن حمل الوسام مما لا يرغب فيه أهل العلم ببلادنا، بل يرونه بحكم العادة مزرياً بمقامهم.
وكان يلقي في شهر رمضان من كل سنة درساً من "صحيح البخاري" بجامع (سبحان الله) ودرساً من كتاب "الموطأ" في المدرسة المنتصرية، ويشهدهما صاحب المملكة التونسية سمو الباي وكبير الوزراء في مجمع حافل من أعيان العلماء، وتجري فيهما مباحثات من أقران الأستاذ، أو نجباء تلاميذه، وقد يورد بعض الأبحاث الأمير نفسه متى كان من رجال العلم؛ مثل: المغفور
(11/ 1/185)

له الناصر باي، وهذه الدروس التي كان يلقيها الفقيد بعناية، لا تزال محفوظة، إذ كان يحررها كتابة قبل يومها المشهود.
واشتهر بالفلسفة في العلوم الإسلامية، فكان مورد المستشرقين، ومن تشتد عنايتهم للاطلاع على حقائق الإسلام من فرنسيين وغيرهم، فيجاذبهم أطراف المحاورة بنفس مطمئنة، وأدب جميل.
وكان يقوم بالخطابة والإمامة بالجامع المعروف بجامع (سبحان الله)، ويلقي خطباً يراعي في إنشائها ما تستدعيه حال الزمان والمكان. ومما ابتكره في الخطابة: أنه كان يعمد إلى ما يرد في الخطبة من حديث أو آية يسبق إلى ظنه أنه بعيد الماخذ من أفهام السامعين، فيشرحه بعبارات يصوغها على طريقة بيانه في التدريس، وقد ظهر قسم من هذه الخطب مطبوعاً في تونس منذ ثلاث عشرة سنة.
وكان يشد أزر القائمين على بعض الأعمال الإصلاحية، وكان النشء الناهض يلتف حوله، ولهذا انتخبوه للخطابة في حفلة افتتاح المدرسة الخلدونية التي تعد شعبة من جامع الزيتونة لدراسة العلوم الرياضية والطبيعية والتاريخ.
وأذكر أني كنت أنشأت مجلة علمية أدبية تسمى: "السعادة العظمى"، فتحركت بعض النفوس الخاملة لكتم أنفاسها، فقال لي الأستاذ حال انصرافنا من درس "صحيح البخاري": لا تعباً بما يلقيه هؤلاء في سبيل عملك، وتأس بالنبي - عليه الصلاة والسلام - إذ قال له ورقة بن نوفل: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.
وكان للفقيد عاطفة أدبية تسمو به إلى الاحتفاء بالعلماء الوافدين على الحاضرة، ويذل المستطاع في مجاملتهم. زار فيلسوف الإسلام الأستاذ الشيخ
(11/ 1/186)

محمد عبده البلاد التونسية سنة 1321، ونزل ضيفاً مكرماً في بيت حضرة السيد خليل أبي حاجب نجل الفقيد، وهو اليوم وكيل وزير الداخلية بتونس، فعرف الفقيد فضل الأستاذ الشيخ محمد عبده، وكان يقضي جلّ أوقاته في مؤانسته ومذاكرته العلمية أو الأدبية أو الإصلاحية.
وورد عالم الجريد الشيخ إبراهيم أبو علاق الحاضرة، وأتى درس الفقيد بجامع الزيتونة، ولم تنعقد صلة التعارف بينهما بعد، فأخذ يناقش الأستاذ في المبحث الذي كان بصدد تقويره، ولما طال أمد المناقشة، ووقع في ظنّ الفقيد أن ليس الغرض منها طلب الحقيقة، بدرت منه كلمة كبرت على مسمع الشيخ أبي علاق، فانصرف عن الدرس وقال:
تقاصرتُ مذ أبدى التطاولَ سالمٌ ... وسالَمتُ والقاصي المكان يُسالمُ
ولما وصل نبأ هذا البيت إلى مجلس الفقيد، نهض في الحال للقاء الشيخ أبي علاق، فاسترضاه، وخطب مودته، ودامت بينهما الصداقة المحكمة.
وتحلى الفقيد بآداب راقية؛ مثل: التواضع، والحلم، والصراحة، فازداد شرفاً على شرف العبقرية، وانجذبت لا القلوب بعاطفة المحبة بعد امتلائها بمهابته وإجلاله، حتى إذا حضر مجتمعاً خاصاً أو عاماً، مسك بعنان المجلس، وأخذ ينشر على أسماع الحاضرين من غرائب المسائل ولطائف الأدب ما يخيل إليهم ئنهم في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، وكنا نرى أهل العلم والأدب يقصدون في الاحتفالات الجامعة إلى أن تكون مجالسهم بمقربة من مجلس الفقيد؛ حرصاً على اقتباس أدب مؤنس، أو اقتناص علم غريب.
وانفود بين علماء جامع الزيتونة بأنه كان يتزيا في لباسه بزي علماء
(11/ 1/187)

الشرق؛ أي: يلبس القفطان والجبة المفتوحة من أمام، ويضع عليهما البرنس، ولم يكن يلتزم تقاليد أهل العلم وذوي المناصب الشرعية في بلاده، حتى إنه كان يلبس الجزمة أيام كان لبس أهل العلم لها شيئاً نكراً، ويتجول في بعض المتنزهات العامة راجلاً، وغيره من ذوي المناصب العالية لا يغشونها إلا مروراً في عرباتهم.
وكانت له عند افتتاح الكلام عقدة خفيفة لذيذة على السمع، حتى إذا انطلق لسانه في التقرير، سمعت العربية الفصحى، ولهجة تتسوغها الأسماع بارتياح وإعجاب.
ومن المعروف عن الأستاذ: أنه كان يطمح إلى طول الحياة، ويمثل حركة الساعة الميقاتية بحسيس الأرَضَة في كلها من عمر الإنسان، وينقل عنه في تعليل عدم حمله للساعة: أنه يكره أن يسمع أو يرى آلة تذكره كيف تنقضي حياته العزيزة شيئاً فشيئاً.
هذا ما أجده في الذاكرة من مآثر حياة الأستاذ الذي فارقته -وبودي لا أفارقه- برحلتي الى بلاد الشرق سنة 1331، وقد ناهز التسعين من عمره. اه.
* عِلاوة:
حكى الأستاذ: أن أحد الباشاوات من قواد الجند بالآستانة دعاه إلى منزله في طائفة من أهل العلم، ومما دار بينهم في المذكرة: أن صاحب المنزل سأله عن حكم تعلم الجغرافية، فقال له: إن تعلمها من فروض الكفاية. قال الأستاذ: فالتفت ذلك الباشا الى أحد الفقهاء بالمجلس، وقال له: لماذا كنت تقول في: ان تعلمها حرام؟ فأقبل ذلك الفقيه على الأستاذ وقال له:
(11/ 1/188)

ما دليلك على ما تقول من أن تعلم الجغرافية من الواجبات؟ قال: فلم أرد أن أطيل الحديث في الاستدلال بمثل قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، واخترت أن أورد كلمة تكون أقرب إلى فهم السائل، فقلت موجهاً الخطاب لصاحب المنزل: إذا صدرت إرادة السلطان، يأمرك أن تسير بقسم من الجيش إلى بعض بلاد العدو، وكنت تجهل المسافة التي بينك وبين ذلك البلد، ثم لم تكن على خبرة مما يوجد في تلك النواحي من ضروريات حياة الجند وما لا يوجد، فإنك بلا ريب تذهب على غير هدى، ولا تأمن أن يقع الجيش في تهلكة. فوقع الجواب من نفس الباشا موقع الارتياح والقبول.
وفيما حكى الأستاذ من هذه المحاورات: أن أحد المستشرقين سأله عن الوجه في إباحة الإسلام تزوج المسلم بالكتابية من مسيحية أو إسرائيلية، ومنعه المسلمة من أن تتزوج مسيحياً أو إسرائيلياً. وقال السائل: ما هذا الحكم إلا ضرب من التعصب في الدين! فأجابه الأستاذ: بأنه حكم قائم على حكمة عمرانية بالغة، وهي أن النكاح يقصد به التعاون على مرافق الحياة، وهذا الغرض لا يتحقق إلا مع التآلف، وانتظام حلّة المعاشرة، ومن المعروف أن المسلم يؤمن بالرسول الذي تؤمن به الكتابية، ويعتقد بصحة دينها في الجملة، فلا يتوقع أن يصدر منه ما يجرح إحساسها، ويكدر صفو المعاشرة بينهما، وأما الكتابي غير المسلم، فإنه لعدم إيمانه بصحة الإسلام وصدق الرسول الذي جاء بشريعته، قد يؤذي المسلمة بما يقذفه من كلمات يطعن بها في أصل دينها، أو ينال بها من كرامة الرسول الذي تعتنق شريعته.
وحكى لنا الفقيد: أن الأستاذ الشيخ محمد عبده تكلم على ضرورة
(11/ 1/189)

الاجتهاد في الأحكام الشرعية، حتى قال: ينبغي إهمال كتب الفقهاء وإتلافها بالإحراق. قال: فقلت له: لا بأس بإبقائها والاستعانة بها؛ لأنها لا تخلو من فوائد. فقال لي: فلتبق.
(11/ 1/190)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(21)

«مِنْ أورَاقِ وَمُذَكَّرَاتِ الإمام مُحمد الخَضِر حُسَين»
" رَسَائِلُ الخَضِر"

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(11/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(11/ 2/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" من مذكرات وأوراق الإمام محمد الخضر حسين" -رضوان الله عليه- أضع بين يدي الباحث والقارئ بعضاً من رسائله التي عثرت عليها بعد بحث وجهد.
كان الإمام -رضوان الله عليه- مقلاً غيرَ مكثر في رسائله، فلم يراسل إلا أشخاصاً معينين تربطه بهم صلة قربى، أو صداقة ترقى إلى مرتبة تدنو من الأخوة، أو الأخوة ذاتها عند بعض الأصحاب الذين قرؤوا معاً في جامع الزيتونة، ونهلوا من معين العلوم ونبعها الصافي كؤوس المعرفة الخالصة.
لما باشرت في جمع أوراقه ورسائله، لم أعثر بادئ ذي بدء إلا على وريقات متناثرة بين كتب ومخطوطات العم المرحوم محمد المكي بن الحسين في تونس، وسعدت بها سعادة الظامئ وقد ابتلت شفتاه بقطرات من الماء الفرات، وقلت: حمداً لله على نعمائه، وفرزتها في مغلف خاص منتظراً المزيد منها.
ثم جاءتني صور من رسائل أخرى زودني بها الأخ الدكتور عياض عاشور حفيد وابن العالمين افي جلين محمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الفاضل بن عاشور. كما أكرمني الأخ العلامة المفضال الشيخ محمد الشاذلي النيفر -حفظه الله- بتقديم ما لديه من رسائل الإمام إلى الشيخ محمد الصادق النيفر.
(11/ 2/3)

لا شك عندي أن رسائل الإمام أكثر مما يضمه هذا الكتاب، فأصدقاؤه في أنحاء العالم الإسلامي متتشرون، ومحبوه أكثر من أن يحصون، ولكن تعذر عليَّ الإحاطة بها، والوصول إلى من قد تقبع في مكتبته، وسألتُ وخاطبتُ كل من عرفت عن تلك الرسائل، فلم أسعف إلا بالذي طربت بجمعه وتقديمه.
لم يكن الإمام يحتفظ بصور عن رسائله، فكان يخطها بيده الكريمة، ويبعث بها إلى المرسل إليه وحيدة فريدة.
قلت: إن الإمام كان مقلاً في رسائله، فقد بنيت هذا القول على ندرة الخطابات التي كانت ترد من الإمام في القاهرة إلى شقيقه سيدي الوالد زين العابدين بن الحسين -رضوان الله عليه- في دمشق، وأذكر أن الرسالة تطل مرة أو مرتين في العام الواحد، ويكون الوالد في عيد خلال قراءتها رغم اختصارها في سطور قد لا تتجاوز أصابع الكفين، ولا تتعدى في مضمونها المجاملة التي اعتاد عليها الأهل في رسائلهم حول الصحة والاطمئنان على الأسرة، وذكر المهم من الأسماء التي يعنيها المرسل بتحيته وشوقه.
بين أيدينا بعض رسائل الإمام، التي حفظها الزمن، ولم تعبث بها عاديات الإهمال، فإذا ما طرحناها تحت نظر الباحث، نجدها محاطة بعدة ملاحظات:
أولها: توخينا من نشرها على الناس الفائدة العلمية التي يتطلع إليها الفقيه والمؤرخ والأديب والباحث والدارس، وفيها أسماء كتبٍ وتواريخ حوادثَ، وأحداثٌ وأخبارٌ، وأعلام لها نفع كبير في إصدارها ضمن كتاب.
ثانيها: من الأمانة في العلم القول: إنني قد صرفت النظر عن بعض رسائله الخاصة جداً التى تتعلق بشؤون لا فائدة من وراء إعلانها.
(11/ 2/4)

ثالثها: أوردت الرسائل بنصها الكامل دون أي حذف، ولو كلمة واحدة، ورتبتها حسب تواريخ تحرير الإمام لها.
وفي الرسائل الخالية من تاريخ خطها -وهي قليلة جداً- استخرجت من مضمونها ما يشير إلى تاريخها على وجه التقريب، وقد أشرت إليه في الحاشية. وفي حال تعذر ذلك جعلتها في آخر الكتاب.
رابعها: ذكرت شرحاً مقتضباً للأعلام المذكورين في الرسائل؛ ليكون المطلع عليها عارفاً بهم. كما عرّفت بالأسماء والكتب والعناوين والأماكن والوقائع باختصار، ولم أشر إلى القليل النادر مما لم أعثر على ترجمة أو تعريف به.
خامسها: إذا حصلت على المزيد من رسائل الإمام، فإني أعد -إن شاء الله تعالى- بنشرها مستقبلاً.
وأدعو الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبل أعمالنا خالصة لخدمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
(11/ 2/5)

(11/ 2/6)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور (1)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضيلة العلامة النحرير (2)، ومجد الإسلام الذي هو بعلاجه بصير، الأستاذ صديقي الوحيد الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور (3)، أيَّده الله تعالى.
__________
(1) هذه أول رسالة بين الأخوين الإمامين: محمد الخضر حسين، ومحمد الطاهر بن عاشور، وصداقتهما حديث المجالس والناس بصفائها وصدق مشاعرها. بعث بها من مدينة "بنزرت" عندما كان قاضياً فيها سنة (1323 ه - 1905 م) إلى صديقه في مدينة تونس.
والرسالة خالية من ذكر السنة التي حررت فيها، وإذا كانت خطبة قضاء الإمام سنة 1323 ه، فتكون هي سنة التحرير.
(2) الحاذق الماهر العاقل المجرب المتقن الفطن البصير بكل شيء لأنه ينحر العلم نحراً.
(3) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، إمام تونس، فقيه لغوي أديب مؤرخ، (1296 - 1394 ه = 1879 - 1973 م)، تلقى العلم بجامع الزيتونة على يد كبار الشيوخ، منهم: صالح الشريف، وسالم بو حاجب، وإبراهيم المارغني، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، ومحمد النخلي، وأحرز على شهادة التطويع سنة (1317 ه - 1896 م)، عمل مدرساً في الجامع الأعظم سنة (1324 ه - 1903 م)، وقاضياً مالكياً. وسمي: شيخ الإسلام المالكي، سنة (1351 ه - 1932 م)؛ كما سمي شيخنا لجامع الزيتونة وفروعه سنة (1364 ه - 1944 م). =
(11/ 2/7)

تحية كاملة، وتشوقاً مفرطاً، ورد عليَّ مكتويكم يشفّ عن مودة شريفة الغاية، طاهرة الذمة، بعد أن قلبت وجه الانتظار إليه ليالي وأياماً.
ثبطني (1) عن مكاتبكم أيها الصديق قبل وروده -مع قوة الباعث على الأخذ بأطراف الأحاديث بيننا- ما هتف على خاطري من أنها ربما قصرت بها الأهمية أن تطأ موطئاً ينال من الالتفات نيلاً. علّك أيها النقّاد تعلق على هذا الاعتذار ملاماً أطول باعاً مما قبله مما يلوح على ظاهره من مبدأ سوء
__________
= ويقول فيه الإمام محمد الخضر حسين: "وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر: صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة .... وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
سافر لأداء فريضة الحج، وزار المشرق وأوروبا، وشارك في مؤتمر المستشرقين سنة 1951 بإستنبول.
زار دارنا في دمشق عام 1951 م، وسعدت برؤياه، وألقيت بين يديه قصيدة.
من مؤلفاته: التحرير والتنور، بالتفسير، في ثلانين مجلداً - أصول الإنشاء والخطابة - أليس الصبح بقريب - قصة المولد النبوي الشريف - مقاصد الشريعة الإسلامية - شرح قصيدة الأعشى في مدح المحلق - الوقف وأثره في الإسلام - النظام الاجتماعي في الاسلام - التوضيح والتصحيح حاشية على التنقيح للقرافي في أصول الفقه - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ - موجز البلاغة - النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح - أصول التقدم في الإسلام - أمالي على دلائل الإعجاز - شرح ديوان الحماسة - ديوان بشار بن برد - الواضح في مشكلات المتنبي، وغيرها.
(1) ثبطه عن الأمر ثَبْطاً، وثَبَّطه تثبيطاً: عوَّقه ويَطَّأ به عنه، وفسره الجوهري ب: شغله عنه.
(11/ 2/8)

الظنة، فأعترف بأنه هاتف خيالي، وما كنت بالرجل الذي تؤثر عليه عوامل الخيال، ويتبع آثار روايته قبل أن يتخبطني البعاد من الحس، أخشى أن ألقي إليك بمعذرة تزاحم الشواغل عليَّ، فلا تدفع حرج الملامة من الصدر دفاعاً بليغاً. لا أمتري (1) أن من الأشغال حقوقاً لا يرضى أربابها غير اقتضائها (2) خلاف شأن الحقوق الودادية من التربص بها إلى مساعفة الغرض ولا جناح. بيد أني يتمثل في فراغ بعض دقائق من الوقت، فأراها فرصة مساعفة على عمارتها بمناجاة ذلك الودود، فيتردد مع النفس هاجس عتاب، لا يسكن إلا بعد حين أغالب فيه الخيال.
من ها هنا آثرت ذلك الاعتذار، وإن كان محلاً للتعليق، واقتبست من مكتوبكم عن التخلف عذراً واضحاً غير ما صرحتم به إلي.
بشرتموني باقتراب وفائكم بموعد الزيارة، عندما يأخذ الشيخ منبع الآداب في تمام الشفا والارتياح. وعراني أسف على ما عرض للشيخ من السقم، فنرجو له مزيد العافية والسلامة، ويبلغ له منا أتم السلام.
نبأتموني بموضوع المسامرة التي أردتم التفضل بها، وهو غرض صعب المراس، وما هو عن جنابكم الذي أبدع السباحة في لجج الفصاحة والتحرير ببعيد المنال، وقد عقدت القصد على الحضور ليلتها إن شاء الله.
أما ما أشرتم إليه من انتخابي لإلقاء مسامرة أدبية أو علمية بناء على ما طلبه منكم رئيس جمعية قدماء المدرسة الصادقية (3)، فلا أظنه يعسر، فإن
__________
(1) امترى في الشيء: شكَّ فيه.
(2) إشارة إلى انصرافه إلى العمل القضائي، وإعطائه كل وقته للقضاء بين الناس.
(3) تكونت "جمعية قدماء الصادقية" آخر سنة (1323 ه - 1905 م) في مدينة تونس، =
(11/ 2/9)

رأى جنابكم عرض بعض موضوعات تلائم منهج الجمعية أرسل بها إليَّ عسى أن نعيّن منها ما يمكن لنا تحريره في أجل مسمى، ودمتم في عز وتأييد.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
كتب يوم الأحد 14 في صفر
__________
= وابتدأ نشاطها أوائل سنة (1324 ه - 1906 م). وهدفها: ربط أواصر الإلفة والتعاضد الودادي بين من ضمتهم "المدرسة الصادقية"، وتلقوا علومهم فيها. والعمل على إصلاح المجتمع وتطويره ثقافياً، ويث العلوم العصرية من أجل النهوض بالبلاد في شتى نواحي الحياة. وشارك في التأسيس: علي بأس حانبة، والبشير صفر، وخير الله بن مصطفى، وغيرهم ... وفي تقرير الجمعية لعام 1924 م ذكرت في معرض نشاطها: "فأسست دروساً ليلية بحارات المدينة كانت تلقى بها أهم ما تحتاجه العامة من مبادئ العلوم الرياضية وأصول القراءة والكتابة ... وسعت جهدها في تغذية النخبة المستنيرة بمسامرات في موضوعات شتى جلبت إليها أكابر العلماء والأدباء من زيتونتين ومدرسين وإفرنسيين ... فكنت ترى في ناديها أمثال المرحوم الشيخ سيدي محمد النخلي، وفضيلة النحرير سيدي الطاهر بن عاشور ... والأستاذ الضليع الشيخ الأخضر بن الحسين (الإمام محمد الخضر حسين) ... يخلبون الألباب بنفثات قرائحهم ... ". وما زالت قائمة حتى اليوم.
(11/ 2/10)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور (1)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جناب العلامة العمدة (2) النحرير الأكمل صديقنا الأعز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل السلام وأسناه:
فنقدم إلى حضرتكم أن الفاضل الخير الزكي الشريف سيدي عبد الرحمن ابن علي التمس مني أن أخاطب جنابكم، وأستلفت نظركم الكريم إلى أن تهبوا له شيئاً من مساعيكم الحميدة بإدخاله في زمرة المنتفعين من فواضل "التكية" (3).
__________
(1) تشير هذه الرسالة إلى الخلق السامي الذي كان يتحلى به الإمام من إغاثة الملهوف، وتزويد أصحاب الحاجات بتوصية إلى ذوي الشأن للنظر في أمورهم بعقل حكيم وقلب سليم، ولم يكن يضن بمكانته الرفيعة أن تكون سبباً يفرج به كربة المؤمن.
(2) العُمدة: ما يعتمد عليه.
(3) التكية: كلمة تركية تعني: رباط الصوفية. وانصرفت في العصر الحاضر إلى المكان الذي يأوي الفقراء والمحتاجين، ويقدم لهم الطعام أو المسكن أو بعض المال، وتنفق عليه دائرة أو جمعية الأوقاف الإسلامية.
(11/ 2/11)

وقد كان بيده مكتب لتعليم الصبيان انتزع منه، وسيشرح لكم حالته، والمرجو من مكارمكم أن تشملوه برعاية خاصة كانعهد منكم، ودمتم في عز واحترام.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب 26 في ذي القعدة عام 1323 ه
(11/ 2/12)

رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الأمجد الأستاذ أخينا الشيخ سيدي محمد الصادق النيفر (1) -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية:
فإنّا نحمد الله على ما شملنا من العافية، نهنيكم بإحرازكم على خطبة
__________
(1) محمد الصادق بن محمد الطاهر النيفر، من عائلة علم وفضل، أخذ علومه في جامع الزيتونة عن كبار شيوخه: سالم بوحاجب، ومحمد النخلي، ووالده، ومحمد رضوان، ومحمد بن يوسف، وغيرهم.
تولى التدريس بجامع الزيتونة مدرساً من الطبقة الأولى، كما تولى الإمامة والخطابة في جامع باب البحر "المعروف بجامع الزرارعية"، وكان له تأثير كبير في المصلين، ونال سمعة ومكانة في الميدان العلمي. عمل في الحزب الحر الدستوري.
اشتغل قاضياً في صرامة وعدل. مؤلفاته: حاشية على شرح التاودى للعاصمية -ذيل الديباج المُذْهب لابن فرحون- سلوة المحزون في تتمة كشف الظنون. مولده ووفاته بمدينة تونس (1299 - 1356 ه = 1882 - 1938 م). وكتب الإمام عنه كلمة بعد الوفاة في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد العاشر.
(11/ 2/13)

التدريس (1)، بل نهنئ الجامع الأعظم (2) على انتظام مثلكم في سلك مدرسيه.
تلقيت مكتويكم العزيز، فملأ قلبي أنساً، ولكنه أذكى لاعج الشوق إلى مجالسكم المؤسسة على المصافاة، المطرزة بالآداب.
تأخر عني مكتويكم، فقلت: لعله أمر اقتضاه الحال؛ لأني على ثقة من خالص ودكم، وأعلم أن بُعْدَ الدار لا ينقص منه فتيلاً، حتى وافى وهو يعرب عن عذر واضح، بل يبشر بمنْية طالما استشرفت لها النفس، وعلق بها رجاؤها.
تعين أخونا زين العابدين (3) من الآستانة معلماً ابتدائياً في هذا المكتب السلطاني أيضاً.
دخل أخونا المكي (4) معلماً ابتدائياً في مكتب أهلي.
__________
(1) خطبة التدريس: ويقصد بها: وظيفة التدريس.
(2) الجامع الأعظم: جامع الزيتونة الذي عرفت به تونس، وعُرف بها. من أعظم مراكز الإشعاع الإسلامي، وإذا تحدثنا عن أهم المعاهد الإسلامية لقلنا: الجامع الأزهر في القاهرة، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القروين بفاس.
ابتدأ بناء جامع الزيتونة على يد الأمير حسان بن النعمان الغساني الذي دخل أفريقية سنة 79، ثم جاء الأمير عبد الله بن الحبحاب الداخل سنة 114 ه، وأتم بناءه سنة 141 ه ثم أحدث فيه الأمير زيادة الله بن الأغلب التحسينات، وأصبح من أفضل الجوامع المبنية من الرخام والمرمر. وتطورت نظم التعليم فيه من ابتدائي وثانوي وعالٍ "انظر كتاب: تونس وجامع الزيتونة - للإمام محمد الخضر حسين".
(3) شقيق الإمام، وستأتي ترجمته.
(4) محمد المكي بن الحسين بن علي بن عمر، باحث لغوي، أديب وشاعر. ولد ببلدة "نفطقه" في الجنوب التونسي، وتلقى علومه بجامع الزيتونة، وحصل على =
(11/ 2/14)

لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراماً فوق ما نستحق، لا سيما من الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهمئتنا عندما بلغهم تعييننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة بمكتبهم (1).
يعنون بآداب اللغة العربية: الإنشاء، والبيان والبديع، وقرض الشعر، والعروض، وبيان أطوار اللغة في الجاهلية والإسلام، وشرح قصائد انتخبوها لبلاغتها، وما يشاكل ذلك.
وهذا الدرس كدرس الفلسفة، يحضره التلامذة الذين سبق لهم في التعليم نحو عشر سنين.
سافر في الجمعة الماضية الشيخ عبد العزيز جاويش (2) في وفد لتأسيس
__________
= شهادة "التطويع"، رافق عائلته في هجرتها إلى دمشق (1331 ه - 1912 م). وقام بالتدريس في مدارس دمشق. وعاد إلى تونس عام (1338 ه - 1920 م)، واستقر بها منصرفاً إلى البحث اللغوي حتى وفاته (1301 - 1382 ه = 1883 - 1963 م). مؤلفاته مطبوعة.
(1) المدرسة السلطانية بدمشق.
(2) عبد العزيز بن خليل جاويش، تونسي الأصل، من أهل العلم والأدب، ومن رجال الحركة الوطنية المصرية، ولد بالإسكندرية، وتوفي بالقاهرة (1293 - 1347 ه = 1876 - 1929 م)، تلقى علومه في الأزهر ودار العلوم، وكان أستاذاً للأدب العربي في جامعة "كمبردج"، وعاد إلى مصر مدرساً، ثم مفتشاً للغة العربية، وسجن لمقال كتبه عن حادثة دنشواي. ورحل إلى الآستانة. له تصانيف عديدة، منها: أثر القرآن الكريم في تحرير الفكر البشري -خواطر في التربية والسياسة- الإسلام دين الفطرة.
(11/ 2/15)

مدرسة كلية بالمدينة المنورة، وأقاموا احتفالاً منذ خمسة أيام هناك عند وضع الحجر الأول، وتليت خطب.
تعين السيد أحمد تكالي التونسي معلم اللسان الفرنسوي بهذا المكتب؛ أي: الدمشقي.
تعين السيد محمد الصالح جمل التونسي معلم اللسان الفرنسوي بمكتب بيروت.
هذا الانقلاب الذي وقع بالحاضرة (1) كان وقوعه في منزلة المتحقق عندنا، سنَّة الله في الذين ظلموا، وكنا نظن أن نراه رأي العين، ولكن وقع بعد أن سار بنا القدر إلى معترك ثاني من الحياة.
أرجوكم أن تبلغوا أعز السلام مع طلب الدعاء إلى والدنا الشيخ الأكبر (2)، وكافة من يحويه ناديكم، ولا تتأخروا عنا بمراسلتكم، فينها تطفئ شيئاً من لوعة الشوق، وتخالط أفئدتنا بأنسها اللطيف، وبواسطتها يكون كل منا على بينة من حال صديقه. ودمتم في عز كامل.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب 20 محرم عام 1331 دمشق
__________
(1) مدينة تونس العاصمة، والحاضرة هي خلاف البادية.
(2) الشيخ محمد الطاهر النيفر والد الشيخ محمد الصادق.
(11/ 2/16)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بعد هجرة الإمام من تونس إلى دمشق سنة 1331 ه، بعث إليه صديقه الإمام محمد الطاهر بن عاشور وهو قاضي القضاة بتونس رسالة مصدرة بالأبيات المنشورة في الحاشية. وأجابه بالقصيدة التالية:
أَيَنْعَمُ في بالٌ وأنتَ بَعيدُ ... وأَسْلو بِطَيْفٍ والمَنامُ شَريدُ
إذا أَجَّجَتْ ذكْراكَ شَوْقيَ أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري -بدَمْعِ المُقْلَتَيْنِ- خُدودُ (1)
بَعُدْتُ وآمادُ الحَياةِ كثيرَةٌ ... وَلِلأَمدِ الأَسْمى عَلَيَّ عُهودُ (2)
بَعُدْتُ بِجُثْماني وَروحي رَهينَةٌ ... لَدَيْكَ وَللْوِدِّ الصَّميمِ قُيُودُ (3)
عَرَفْتُكَ إذْ زُرْتُ الوَزيرَ وَقَدْ حَنا ... عَلَيَّ بِإقْبالِ وأنْتَ شَهيدُ (4)
فَكانَ غُروبُ الشَّمْسِ فَجْرَ صَداقَةٍ ... لَها بَيْنَ أَحْناءِ الضُّلوعِ خُلودُ
__________
(1) أجج: ألهب. أخضلت: ابتلت.
(2) آماد: جمع أمد: الغاية.
(3) الجثمان: الجسم.
(4) الوزير: محمد العزيز بو عتور (1240 - 1325 ه) من كبار رجال السياسة والعلم في تونس. الشهيد: الحاضر والمطلّع. والبيت إشارة إلى أول لقاء بين الشاعر والعلامة ابن عاشور.
(11/ 2/17)

لَقيتُ الوِدادَ الحُرَّ في قَلْبِ ماجِدَ ... وأَصْدَقُ مَنْ يُصْفي الوِدادَ مَجيدُ
ألمْ تَرْمِ في الإصْلاخ عَنْ قَوْسٍ ناقِدٍ ... دَرَى كَيْفَ يُرْعَى طارِفٌ وتَليدُ (1)
وقُمْتَ عَلى الآدابِ تَحْمي قَديمَها ... مَخافةَ أن يَطْغى عليهِ جَديدُ
أتذْكُرُ إِذْ كُنَّا نبُاكِرُ مَعْهَداً ... حُمَيَّاهُ عِلْمٌ والسُّقاةُ أُسودُ (2)
أتذكُرُ إِذْ كُنَّا قَرينَيْنِ عِنْدَما ... يَحينُ صُدورٌ أَوْ يَحينُ وُرودُ (3)
فَأيْنَ لَيَالينا وأَسْمارُها الَّتي ... تُبَلُّ بِها عِنْدَ الظَّماءِ كُبودُ
لَيالِ قَضَيناها بتونسُ لَيْتَها ... تَعودُ وجَيْشُ الغاصِبينَ طَريدُ (4)

محمد الخضر حسين
دمشق - سنة 1331 ه
__________
(1) الطارف: المال الحديث المستحدث. التليد: المال القديم.
(2) نباكر: نأتي بكرة. المعهد: جامع الزيتونة بتونس. الحميّا: شدة الغضب، وأوله، يعني هنا: النثاط. ويريد بالسقاة الأسود: أساتذة المعهد، وما كان لهم من مهابة وإجلال في قلوب المتعلمين.
(3) القرين: لدة الرجل؛ أي: الذي ولد وتربى معه. الصدور: الرجوع عن الماء.
الورود: بلوغ الماء.
(4) جيش الغاصبين: الجيش الفرنسي الذي كان يحتل تونس قبل الاستقلال.
* نص قصيدة العلامة محمد الطاهر بن عاشور:
بعدت ونفسي في لقاك تصيد ... فلم يغن عنها في الحنان قصيد
وخلفت ما بين الجوانح غصة ... لها بين أحشاء الضلوع وقود
وأضحت أماني القرب منك ضئيلة ... ومر الليالي ضعفها سيزيد
أتذكر إذ ودعتنا صبح ليلة ... يموج بها أنس لنا وبرود =
(11/ 2/18)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وهل كان ذا رمزاً لتوديع أنسنا ... وهل بعد هذا البين سوف يعود
ألم تر هذا الدهر كيف تلاعبت ... أصابعه بالدر وهو نضيد
إذا ذكروا للود شخصاً محافظاً ... تجلى لنا مرآك وهو بعيد
إذا قيل من للعلم والفكر والتقى ... ذكرتك إيقاناً بأنْكَ فريد
فقل لليالي جددي من نظامنا ... فحسبك ما قد كان فهو شديد
وكتب تحتها ما يتلو: "هذه كلمات جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثها على علاتها، وهي وإن لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة، فإن الود والإخاء والوجدان النفسي يترقرق في أعماقها".
(11/ 2/19)

رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
جناب العلامة النحرير المفضال أخينا الشيخ الصادق النيفر - حرسه الله تعالى -.
أما بعد التحية الكاملة، والاشتياق البالغ:
فإني قدمت إلى الآستانة منذ ثمانية أيام، وقد عينتني الدولة مدرساً بمكتب سلطاني (1) بدمشق، والمرتب مئة فرنك وثمانون فرنكاً في الشهر، وقالوا: هذه بداية، ووعدوني بالزيادة، وإن شاء الله بعد خمسة أيام نتوجه إلى دمشق، فإن تفضلتم بالكتابة، فإليها.
وقد كنت أرسلت لكم مكتوباً في رمضان، ولعله لم يصلكم.
وسلامي إلى العلامة والدنا الشيخ سيدي الطاهر -أبقاه الله تعالى-.
إني متشوق إلى الاطلاع على أحوالكم -أجراها الله طبق ما تريدون-.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكلتب في 17 ذي القعدة عام 1331 - الآستانة
__________
(1) المدرسة الحكومية، والتي كانت تدعى بالمدرسة السلطانية نسبة الى سلاطين الترك ... وهناك: المدرسة السلطانية الأولى، والمدرسة السلطانية الثانية ... وهكذا ...
(11/ 2/21)

[حاشية]
هل يمكن إفادتنا بشيء من أثر الانقلاب الشرعي (1)؟
__________
(1) ويقصد به: التغيرات التي حصلت في إدارة جامع الزيتونة، وخاصة بين المدرسين.
(11/ 2/22)

رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير، صاحب الأخلاق العالية والعهد الصحيح، صفوة الخيرة، صديقنا العزيز الشيخ سيدي الصادق النيفر -حرس الله كماله-.
أما بعد إهداء التحية الكاملة والاحترام:
فقد طلع علي مكتوبكم الكريم، والفؤاد في شوق إليه عظيم، فاقتطفت منه العلم بتمام عافيتكم، وارتشفت منه أنساً أعاد علي شيئاً من صفو تلك الليالي التي مرت لنا بمسامراتكم اللذيذة.
زارنا منذ أيام نقيب الأشراف بمكناسة (1) قادماً من المدينة، قاصد السفر على طريق تونس، وله سماع بفضيلتكم تلقاه من علماء فاس، ولا أدري هل تم له المرور بطرفكم؟
توفي منذ أسبوع الشيخ جمال الدين القاسمي (2) أحد علماء دمشق،
__________
(1) مدينة مكناس بالمغرب.
(2) جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، من كبار علماء الشام في الدين والأدب، كان يلقي الدروس العامة بتكليف من الحكومة لمدة أربع سنوات، وانصرف بعدها إلى التأليف، ومن مصنفاته: محاسن التأويل، في التفسير 17 مجلداً -تعطير المشام في مآثر دمشق الشام، أربع مجلدات- دلائل التوحيد -ديوان خطب- =
(11/ 2/23)

ولعلكم اطلعتم على بعض تآليفه المستقلة، وتحريراته بمجلة المنار (1) -رحمه الله-.
توفي الشيخ محيي الدين الخياط (2) أحد علماء ييروت، وهو من المؤلفين أيضاً المحررين بالجرائد في لهجة إسلامية.
زارنا منذ مدة السيد العربي بسيس قادماً (3) من طريق الحج ... وقد أخجلنا في بعض المجالس حيث أطلق لسانه بمديح، ... (4) وإطرائه، ووصفه له بأنه من المصلحين المثقفين، وهكذا كان يفعل بالمدينة المنورة. وهذا ما دعانا إلى عدم مراجعته في كثير من المجالس الذي يمكنه أن يطلع عليها بواسطتنا، سلك ذلك الغلو في مجلس أحد العلماء يقال له: الشيخ بدر الدين (5)، فلم ... (6) أن قال له: قال - صلى الله عليه وسلم -: "من علامات الإيمان: الحب
__________
= الفتوى في الإسلام. وغيرها ... ولادته ووفاته بدمشق (1283 - 1332 ه = 1866 - 1914 م).
(1) مجلة كان يصدرها الشيخ رشيد رضا في القاهرة.
(2) محيي الدين بن أحمد بن إبراهيم الخياط، شاعر وأديب، ولد في مدينة صيدا، وتوفي ببيروت (1292 - 1332 ه = 1875 - 1914 م) من مصنفاته: دروس النحو والصرف -دروس التاريخ الإسلامي- دروس القراءة - وله شعر.
(3) أحد الموظفين في حكومة الباي بتونس آنذاك ومن حاشيته.
(4) هكذا في أصل الرسالة عدة نقاط، ولم يذكر الاسم المقصود. ويظهر لي أنه "الباي".
(5) محمد بن يوسف بن عبد الرحمن، بلر الدين الحسني، المحدث الأكبر في الشام، مراكشي الأصل، ولد وتوفي بدمشق (1267 - 1354 ه = 1851 - 1935 م) اشتهر بالعلم والورع والتقوى والزهد والبعد عن الدنيا.
(6) كلمة غير واضحة في الأصل.
(11/ 2/24)

في الله، والبغض في الله".
انفصلت مع بنت السيد عمر العتكي بطلاق، حيث لم يمكن مرافقتها لنا، عوضنا الله بما هو أسعد.
إنني وجميع الأهل في عافية تامة، وعيش ناعم، نحمد الله عليه بجميع قلوبنا وألسنتنا في الصباح والمساء.
قررت نظارة المعارف أن تزيد في مرتبنا بعد خمسة أشهر مئة فرنك في كل شهر، جاءني الإعلام بذلك منذ يومين.
شرعت في تأسيس مكتبة لي، فنقحت مما عندي من الآثار القديمة كتباً، وأخذت أشتري ما أحتاجه مقدماً الأمم فالأهم.
يبلغ لكم السلام من سائر إخوتنا المخلصين في مودتكم واحترام فضيلتكم.
التلامذة الذين يحضرون بدروسنا في المدرسة يبلغ عددهم الآن نحو ثمانين تلميذاً يتلقون القواعد النحوية والصرفية، ويتعلمون صناعة الإنشاء والخطابة، وعلمي البيان والبديع، وشرح قصائد من المنظومات البليغة.
كما نيط بعهدتنا درس الفلسفة؛ أي: أحوال النفس التي هي راجعة إلى القوى المدركة، والأخلاق، ثم المنطق.
وقد أخذنا نجني ثمرة التعليم، حيث تقدم التلاميذ في صناعة الإنشاء والخطابة شوطاً يبشر بنجاح في المستقبل - إن شاء الله تعالى -.
أنها سيرتنا بدمشق، فإنها لم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهو أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم بالسماع والتحية عند الملاقاة، أنها التزاور، فإنه يكون لمناسبة كيدة، أو صحبة خالصة،
(11/ 2/25)

وبالجملة: فقد لقيت منهم أخلاقاً حسنة، وآداباً مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا، ومعجبون بمسالكنا في التعليم.
كما أن للتلاميذ أدب كامل معنا، وعواطف زائدة، لا سيما نجباؤهم، وكثيراً ما أحادثهم بالحالة العلمية في تونس (1)، وأحاضرهم بشؤون جامع الزيتونة وعلمائه، فأصبحوا يجلون التونسيين، ويدركون شيئاً من مقدرتهم العلمية.
وسلامي الكامل المقرون بالاحترام البالغ إلى الشيخ والد الجميع، مع طلب الدُّعاء، ودمتم في أكمل عز وسناء.
والسلام من أخيكم المتشوق إلى ملاقاتكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب في 29 جمادى الأولى 1332 - دمشق
[حاشية]
ولا تأخرون عنا مراسلتكم، فإنا نشتاق إليها اشتياق الظمآن إلى الماء الزلال. أبقاكم الله. وبلغوا من فضلكم سلامي وشوقي إلى الشيخ القاضي سيدي محمد الطّاهر بن عاشور، وقد انفتح بيني وبينه باب المراسلة.
__________
(1) عبارات الخطاب تشير إلى اهتمام الإمام محمد الخضر حسين ببلده تونس، والحرص على التعريف بها وعن مكانتها العلمية.
(11/ 2/26)

رسالة شعرية إلى محمد الطاهر بن عاشور
" قيلت هذه الأبيات في مدينة دمشق تهممة لصديقه الإمام محمد الطاهر ابن عاشور عندما تولى القضاء في تونس سنة 1332 ه. وبعث بها في خطاب إلى صديقه".
بَسَطَ الهَناءُ عَلى الْقُلوبِ جَناحا ... فَأعادَ مُسْوَدَّ الحَياةِ صَباحا
إيهِ مُحَيَّا الدَّهْرِ إنَّكَ مُؤْنِسٌ ... ما افْتَرَّ ثَغْرُكَ باسِماً وَضَّاحا (1)
وَتَعُدُّ ما أوْحَشْتَنا في غابِر ... خالاً بِوَجْنَتِكَ الْمُضيئَةِ لاحا (2)
لَوْلا سَوادُ اللَّيْلِ ما ابْتَهَجَ الْفَتَى ... إنْ آنَسَ المِصْباحَ وَالإصْباحا (3)
ياطاهِرَ الهِمَمِ اْحتَمَتْ بِكَ خُطَّةٌ ... تَبْغي هُدًى وَمُروءَةً وَسَماحا (4)
سَحَبَتْ رِداءَ الْفَخْرِ واثِقَةً بِما ... لَكَ مِنْ فُوادٍ يَعْشَقُ الإصْلاحا
__________
(1) إيه: اسم فعل أمر، ومعناه: طلب الزيادة من حديث أو عمل. المُحيَّا: الوجه.
افتر: تبسم وضحك ضحكاً حسناً وأبدى أسنانه.
(2) الغابر: الماضي.
(3) آنس: أبصر. الإصباح: الفجر.
(4) الخطة: الأمر والطريقة، ويطلقها أهل الأندلس على أي منصب من مناصب الحكومة، فيقال: خطة الفتوى، وخطة التعليم.
(11/ 2/27)

سَتَشُدُّ بالَحزْمِ الَحكيمِ إزارَها ... والَحزْمُ أَنْفَسُ ما يَكونُ وِشاحا (1)
وتَذودُ بالعَمْلِ الْقَذى عَنْ حَوْضِها ... والْعَدْلُ أَقْوى ما يَكونُ سِلاحا (2)
في النَّاسِ مَنْ ألْقى قِلادَتَها إلى ... خَلَفِ فَحَرَّمَ ما اْبَتغى وَأباحا
فَالِحرْ قَضاياها بِفِكْرِكَ إنَّهُ ... فِكْرٌ يَرُدُّ مِنَ الْعَويصِ جِماحا (3)
أَنْسى ولا أَنْسى إخاءَكَ إذْ رَمى ... صَرْفُ اللَّيالي بالنَّوى أَشْباحا (4)
أَسْلو ولا أَسْلو عُلاكَ وَلَوْ أتَتْ ... لُبْنانُ تُهْدي نَرْجِساً فَيَّاحا (5)
أَوَ لَمْ نكُنْ كالفَرْقَدَيْنِ تَقارنا ... والصَّفْوُ يَمْلأُ بَينَنا أَقْداحا (6)
محمّد الخضر حسين
دمشق سنة 1332 ه
__________
(1) الإزار: الملحفة. الوشاح: شيء شبه قلادة تلبسه النساء.
(2) تذود: تطرد. القذى: ما يقع في العين أو الشراب من تبنة أو غيرها. الحوض: مجتمع الماء.
(3) العويص: الأمر الصعب. الجماح: ركوب الرأس لا يثنيه شيء.
(4) الصَّرْف: الحدثان والنوائب. والنوى: البعد.
(5) أسلو: سلا الشيء: نسيه وذهل عن ذكره. الفياح: للمبالغة؛ أي: فياض بالعطاء الواسع الكثير.
(6) الفرقدان: نجمان قريبان من القطب يهتدى بهما.
(11/ 2/28)

رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الهمام، صديقي العزيز الأستاذ الشيخ سيدي الصادق النيفر -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية، والإعراب عن شوق بلغ أشده:
فقد بلغني مكتوبكم العزيز أواخر رمضان، وكتبت لكم كتاباً لذلك العهد. وقد وقع سهو لمن كلف بإرساله، فبقي في ضمن أوراق.
وحيث علمت اليوم بتأخره، وقعت في خجل، فالمؤمل منكم العفو عن التأخير، أنها الكتاب الذي أشرتم إلى بقائه عندنا ... (1) لا شعور لي به الآن، وقد جاءتني الكتب التي أبقيتها عند الشيخ عمر العتكي، وما وجدتها في جملتها، وقد كنت عند عزمي على السفر أعدت إلى صديقنا الشيخ القاضي (2) كتبه، فإن ظهر لكم التعريض بسؤاله عنه؛ لعله اندمج في جملتها، ولم يشعر به.
شرعنا في التعليم منذ أسبوع، أنها التأهل، فلم نعتمد الآن على رأي؛ لأن أخلاق النساء هنا غير ملائمة لأخلاقنا وعوائدنا، وقد عرض علي بعض
__________
(1) كلمة غير واضحة في الأصل.
(2) من العلماء الزيتونيين.
(11/ 2/29)

أهل العلم أن أتاهل من بيوتهم، ولا زلت أفكر في ذلك.
نهنئكم بمصاهرة الشيخ محمد العنابي (1)، ونرجو للجميع سعادة واسعة، ووفاقاً دائماً. آجرنا داراً بسوق سروجه (2) بها ستة بيوت داخلاً، وبيت بالدريبة (3) للضيوف والزائرين بعشرين ليرة في السنة.
ألقيت دروساً بالجامع الأموي (4) في شهر رمضان. إننا بخير والحمد لله، ومن فضلكم تبلغ سلامنا إلى الشيخ الكبير والد الجميع، مع طلب الدعاء، وعسى الأيام تجمع بيننا في القريب، وما ذلك على الله بعزيز.
وإن إخوتنا يبلغون إليكم أكمل السلام، ودمتم بخير وأكمل عز.
السلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
كتب في ذي القعدة عام 1333 ه دمشق

[حاشية]
لا تنسونا من مراسلتكم؛ فإني والله! أبل بها صدى الشوق، وأكشف بها غيم الوحشة، عندما أتذكر الأيام التي قضيناها بذلك المعهد الخصيب (5).
__________
(1) من عائلة اشتهرت بالعلم والأدب في تونس.
(2) كذا في الأصل. والمعروف اليوم ب: "سوق ساروجة"، حي من أحياء مدينة دمشق القديمة.
(3) الدريبة، من الدرب؛ أي: غرفة في مدخل الدار منعزلة بباب يفصل بين داخل الدار وخارجها.
(4) أكبر مساجد مدينة دمشق، بناه الوليد بن عبد الملك سنة 708 ه. وهو آية من آيات الفن المعماري بزخارف الفسيفساء المذهبة والملونة التي تزين جدارنه في الداخل.
(5) يعني به: جامع الزيتونة، وفيه تلقى الإمام علومه.
(11/ 2/30)

رسالة شعرية إلى خليل مردم بك (1)
ما النَّجْمُ تَجْري بهِ الأفْلاكُ في غَسَقِ ... كالدُّرِّ تَقْذِفُهُ الأقْلامُ في نَسَقِ
__________
(1) خليل بن أحمد مختار مردم بك، شاعر الشام، ورئيس المجمع العلمي العربي، استلم وزارة المعارف والخارجية. ولد وتوفي بدمشق (1313 - 1379 ه = 1895 - 1959 م)، له ديوان شعر مطبوع، ومن مؤلفاته: شعراء الشام في القرن الثالث - أئمة الأدب - جمهرة المغنين - الأعرابيات.
مناسبة القصيدة:
كان الإمام محمد الخضر حسين مقيماً في دمشق، وعزم على الارتحال منها إلى تونس، فكتب إليه الشاعر الكبير خليل مردم بك وزير خارجية سورية رئيس المجمع العلمي العربي بها في ذاك العهد كتاباً رقيقاً قال فيه:
"سيدي! إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه، معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي وإخوانه الفضلاء، وصحبتي لهم، فقد صحبت الأستاذ عدة سنين رأيته فيها الإنسان الكامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل".
فلم يعد لي إِلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه، وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم بهذه القصيدة الوطنية لتكون لي رتيمة عنده، وذكرى =
(11/ 2/31)

لَقَدْ سَلَوتُ مُحَيَّا الْبَدْرِ إذْ طَلَعَتْ ... عَقيلَةُ الطِّرْسِ والأجفانُ في أرَقِ (1)
وكُنْتُ أرْشُفُ مِنْ جَدْوى بَلاغَتِها ... راحاً فَيَهْدَأُ ما في الجَأْشِ مِنْ قَلَقِ (2)
تَخْشى إذا أفْصَحَتْ عمَّا تَوَهَّجَ مِنْ ... حَماسَةٍ أن تَشُبَّ النَّارُ في الوَرَقِ
فَألْبَسَتْها أساليبَ النَّسيبِ، وَكَمْ ... ذاقَ الحَشا لَوْعةً مِنْ ناعِسِ الحَدَقِ
هِيَ "الرَّتيمَةُ" فيما قالَ مُبْدِعُها ... وَهَلْ يَغيبُ السَّنا عَنْ طَلْعَةِ الْفَلَقِ (3)
إنِّي عَلى ثِقَةٍ مِنْ أن ذِكْرَكَ لا ... يَنْفَكُّ مُرْتَسِماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكَيْفَ أنسى "خَليلاً" قَدْ تَضوَّعَ في ... حُشاشَتي وُدُّوُ كالعَنْبَرِ الْعَبِقِ
وفي الوَرى خَزَفٌ لَكِنْ تَبَرَّجَ في ... نضَارَةِ الذَّهبِ الصَّافي أوِ الْوَرِقِ
وَلَوْ عَصَرْتَ بِكَفِّ النَّقْدِ مُهْجَتهُ ... لَما تَقاطَرَ غَيْرُ الضِّغْنِ والْمَلَقِ (4)
لا عَتْبَ إنْ ضاقَ باعي في القَريضِ فَلمْ ... يُضِئْ كما ضاءَت الجوْزاءُ في الأُفُقِ
__________
= أحد المخلصين إليه، أمتع الله به، وأدام الكرامة، وكتب له السلامة في حله وترحاله".
5 صفر سنة 1338
ثم أتبع الخطاب بقصيدة مطلعها:
طيف للمياء ما ينفك يبعث لي ... في آخر الليل إن هوَّمت أشجانا
(1) الطرس: الصحيفة.
(2) الجأش: نفس الإنسان.
(3) الفلق: ما انفلق من عمود الصبح.
(4) الملق: اللطف الشديد، الود.
(11/ 2/32)

فَإنَّ إحْساسيَ الشِّعْرِيَّ أوْشَكَ أن ... يَجودَ بالنَّفَسِ الأقْصى مِنَ الرَّمَقِ (1)
لَمْ تُبْقِ لي حادِثاتُ الدَّهْرِ مِنْهُ سِوى ... أَثارَةٍ كَبَقايا الشَّمْسِ في الشَّفَقِ (2)
حافظ عهدكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة صفر سنة 1338
__________
(1) الرمق: بقية الروح، جمع أرماق.
(2) أثارة: بقية.
(11/ 2/33)

رسالة شعرية إلى عبد القادر المبارك (1)
عندما ألف الإمام كتابه "الخيال في الشعر العربي" بعث إليه اللغوي الفاضل الأستاذ عبد القادر المبارك قصيدة قرظ بها الكتاب -وهي المنشورة في الحاشية-، وقد أجابه الإمام بالقصيدة التالية:
يا رُبىً تَرْفُلُ في حُسْنِ وَطيبِ ... والصَّبا تَخْفِقُ بالغُصْنِ الرَّطيبِ (2)
هاجَ ذِكْراكِ شَذا الأنْسِ الَّذي ... هَبَّ مِنْ أرْدانِ واديكِ الخَصيبِ (3)
هاجَ ذِكْرى زَمَنٍ يَبْسِمُ في ... جِلَّقَ الْفَيْحاءِ بالثَّغْرِ الشَّنيبِ (4)
__________
(1) عبد القادر بن محمد بن محمد المبارك الجزائري الدمشقي، عالم باللغة والأدب، وواسعالاطلاع على المفردات اللغوية، من أصل جزائري، كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، له تصانيف عديدة منها: شرح المقصورة الدريدية -فرائد الأدبيات العربية- وله شعر. ولد وتوفي بدمشق (1304 - 1364 ه = 1887 - 1945 م).
(2) الربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض. ترفل: تجر ذيلها، تتبختر. الصَّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(3) أردان: جمع الردن، وهو أصل الكم.
(4) جلق والفيحاء: من أسماء دمشق. الفيحاء: الواسعة من الدور. الشنيب: من به شنب؛ أي: ماء ورقَّة وبرد وعذوبة في الأسنان.
(11/ 2/34)

كَيفَ أسْلوهُ وَفي الْقَلْبِ لَهُ ... شَوْقُ مِهْيَارَ لِيَوْمٍ بالجَريبِ (1)
مُهْدِيَ الشِّعْرِ الَّذي باكَرَنا ... في ضِفافِ النِّيلِ بالْبُردِ الْقَشيبِ (2)
أنْتَ بَحْرُ اللغَةِ الْفُصْحى وكَمْ ... جُدْتَ بالمأنوسِ مِنْها والْغَريبِ
فَلِماذا تَنْسُجُ الأشْعارَ مِنْ ... حَبَبِ الْكَأسِ وأخلاقِ الأديبِ
صُغْتَ (عَبْدَ الْقادرِ) التَّقْريظَ في ... طَرْزِ حَسَّانَ وإبداعِ حَبيبِ (3)
لَم أُجِدْ صُنْعاً ولا هَزَّتْ يَدي ... قَلَماً يَبْهَرُ بالسِّحْرِ الْعَجيبِ
وبديعُ السِّحْرِ في وِدٍّ صَفا ... وأراكَ الحُسْنَ في وَجْهِ المَعيبِ
خُضْتُ في بَحْرِ خَيالٍ وأنا ... مُوجِسٌ خِيفَةَ تَثْريبِ الرَّقيبِ (4)
__________
(1) مهيار: مهيار بن مرزويه الديلمي (... - 428 ه) شاعر كبير، وكاتب فارسي الأصل من أهل بغداد، وتوفي بها، جمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم، درس على شيخه الشريف الرضي، وأسلم على يديه بعد أن كان مجوسياً. له ديوان مطبوع من أربعة أجزاء.
الجريب: اسم مكان، وهذا البيت إشارة إلى قول مهيار:
نظرة منك ويوم بالجريب ... حسب نفسي من زماني وحبيبي
(2) باكر: أتاه بكرة. القشيب: الجديد، الأبيض، النظيف.
(3) التقريظ: المدح. حسان: (... - 54 ه) حسان بن ثابت الأنصاري، شاعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من سكان المدينة، وتوفي بها، له ديوان مطبوع.
حبيب: (188 - 231 ه) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، أحد أمراء الشعر والبيان، ولد في جاسم بسورية، وتوفي بالموصل، له ديوان مطبوع.
(4) التثريب: العتاب واللوم.
(11/ 2/35)

إذْ خَيالُ الشِّعْرِ مِنْ مَرْعى الْفَتى ... وَيَراعي ارْتادَهُ حالُ المَشيبِ (1)
رادَهُ في سَحَرِ الْعُمْرِ وَما ... سَحَرُ الْعُمْرِ لِلَهْوٍ بنَسيبِ (2)
إنَّما عَلَّلْتُ نفساً راعَها ... ذلِكَ الْبَيْنُ بِمَرآهُ الْكَئيبِ (3)
وتَأسَّيْتُ بِذي الجدِّ الَّذي ... يَدْخُلُ الحِكْمَةَ مِنْ بابِ النَّسيبِ (4)
أمْحَضُ الأستاذَ شُكْراً ساطِعاً ... بَيْنَ صافي الوِدِّ والشَّوْقِ المُذيبِ (5)
__________
(1) اليراع: القصب، ويقصد به: القلم.
(2) راد الشيء: طلبه. السحر: قبيل الصبح. النسيب: القريب.
(3): فزع. البين: الفرقة. ويشير هنا إلى مفارقته دمشق.
(4) تأسى به: جعله أسوة. النسيب: تشبيب الشاعر بالمرأة.
(5) محض: أخلص.
* نص قصيدة الأستاذ عبد القادر بن المبارك التي بعث بها إلى الشاعر:
لمحمد الخضر الحسين التونسي ... سامي كتاب خيال شعر مؤنس
يحوي فنون قوى المفكرة التي ... هي ربَّة المعنى الأغر الأنفَس
طالعته فظننت أن قد ضمني في ... جَنَّة الشعراء أبهى مجلس
أسرى إليه بي الخيال ودأبه ... أن يقطع الفلوات غير معرِّس
فتمثلت لي ثروة الشعر التي ... هي سر إغناء الخيال المفلس
ورأيت أفلاكاً كواكبها النهى ... ومقامها فوق الجواري الكنس
زمانها أسحار ليل مقمر ... في الطيب أو آصال يوم مشمس
ونوابغ الشعراء فيها استعمروا ... وطناً بغير نبوغهم لم يحرس
لاذوا به من غلظة الأرض التي ... لولا مزاج بارد لم توبس
وهنالك "الخضر" اجتلى بخياله ... ما يجتلي الطيار فوق الأرؤس =
(11/ 2/36)

وَسَلاماً مِنْ بَعيدٍ كُلَّما ... عَزَّ إلقاءُ سَلامي مِنْ قَريبِ
محمّد الخضر حسين
القاهرة سنة 1340 ه
__________
= في جو شعر العرب حلق راسماً ... أسمى عروس شعور تلك الأنفس
وعلى اتساع خيالهم وسموِّه ... لم يبق في آفاقه من حندس
فبدا خيال الشعر لي ببيانه ... كالجسم موصوفاً برأي مهندس
بل كاد من روح البيان يقول لي ... أنا جوهر فانظر إليَّ أو المس
يسلو الأديب على نزاهته به ... عن مطربيه وعن شموس الأكؤس
ويكاد يغريه انسجام حديثه ... بالزهد في إستبرق أو سندس
وكأن كل صحيفة من صحفه ... ضمت غذاء الروح للمتلمس
صفحاته تسعون لذ سميرها ... فيها مسامرة الخيال الكيس
لم أنتقد إِلا على خطأٍ جرى ... في طبعه وخلوه من فهرس
فليحي رب يراعة في شرعها ... حتى الخيال حقوقه لم تبخس
دهر يجود به لعمري محسن ... فعلام يوصم بالبخيل وبالمُسي
(11/ 2/37)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله.
الفاضل أخونا السيد محمد المكي بن الحسين - حفظه الله -.
السلام عليكم.
أما بعد السؤال عنكم:
فتصلكم قصيدة الشيخ عبد القادر وجوابها. وبلغوا أعز سلامنا إلى فضيلة الشيخ أخينا وأستاذنا الشيخ سيدي أحمد الأمين (1)، وأخينا الشيخ سيدي مصطفى (2)، وكافة الأهل والإخوان.
__________
(1) أحمد الأمين بن المدني بن المبروك بن أحمد بن إبراهيم بن عزوز، من العلماء الصالحين، والناظمين في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -. تلقى علومه من شيوخ أجلاء، منهم: عمر بن الشيخ، وسالم بوحاجب، ومحمد المكي بن عزوز. ولد في مدينة "نفطة" بالجنوب التونسي سنة 1277 ه، وتنقل في كثير من البلدان الإسلامية، واستقر بالمدينة المنورة، وتوفي بها سنة 1354 ه. وهو ابن الخالة للإمام محمد الخضر حسين. له منظومات في المديح النبوي حققتها وطبعتها في كتاب "منظومات ابن عزوز".
(2) مصطفى بن علي بن الحسين، ابن شقيق الإمام. توفي بتونس سنة (1369 ه - 1949 م)، من العلماء المنصرفين للدعوة إلى سبيل الله.
(11/ 2/39)

تصلني جريدة "الوزير" (1)، فإذا لقيتم صاحبها، فبلغوه السلام مع الشكر، وكذلك جريدة "النديم" (2) تصلني، فبلغوا صاحبها أيضاً السلام مع الشكر، غير أن جريدة "الوزير" تأتي بعنوان "الخذر"، فإذا أمكن الإشارة إليه بتصحيح الاسم، فلا بأس، ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر
وكتب في 17 - 1 - 1923 - القاهرة

[حاشية]
وقد أرسلت لكم قصيدة الشيخ عبد القادر بخطه، وهي النسخة التي جاءتني منه.
__________
(1) صحيفة إسلامية إصلاحية أسبوعية ثم يومية، صدرت في تونس خلال الفترة من (4/ 5/ 1920 حتى 1/ 26/ 1956) مع الانقطاع بسبب إغلاقها من قبل السلطة. وصاحبها شيخ الصحافة التونسية السيد الطيب بن عيسى. وهو من تلامذة الإمام محمد الخضر حسين، وله عدة بحوث عن الإمام.
ولذ الطيب بن عيسى في تونس سنة 1819 م، جزائري الأصل، ودرس في جامع الزيتونة، وأصدر جريدة "المشير" عام 1911 م، وله تصانيف منها: من مشاهير المهاجرين - خواطر حاج - ذكريات سجين. توفي بتونس سنة 1965 م.
(2) صحيفة فكاهية أخلاقية انتقادية أسبوعية، صدرت في تونس من (2/ 12/ 1921، وحتى 4/ 28/ 1921 م)، وصاحبها الأستاذ حسين الجزيري مولده في تونس عام 1888 م، ووفاته عام 1974 م.
(11/ 2/40)

رسالة إلى صديق أديب (1)
أشكركم على تنبيهي لتحرير مقال يرفع اللبس الذي حام على بعض الخواطر من فحوى كلمات وردت في مجلة "البدر" (2). وقد جاذبكم القلم باستفساركم هذا إلى التعرض لبعض حقائق ما كنت أنوي الخوض فيها على صفحات الجرائد، حيث أرى أن مهمه السياسة لم يزل مغبر الأرجاء بشيء
__________
(1) كتب أحد الأدباء التونسيين إلى الإمام محمد الخضر حسين رسالة يستوضح منه ما جاء في ترجمة حياته في مجلة "البدر" التونسية، وما ورد في الترجمة من عبارات يستشف منها انحياز الإمام لخدمة الدعوة العربية دون الجامعة الإسلامية، فكتب الرسالة التوضيحية، وبعثها إلى صديقه في تونس.
وحصلت جريدة "لسان الشعب" التونسية على نص الرسالة، ونشرتها في العدد 113 الصادر بتاريخ (16 صفر 1342 ه الموافق 26 سبتمبر أيلول 1923 م).
وبالرجوع إلى ترجمة الإمام المنوه عنها في مجلة "البدر" العدد الأول من المجلد الثالث لكاتبها الأستاذ زين العابدين السنوسي، نستطلع العبارة التالية:
"فلما نزل مصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية؛ مثل ... ".
وهذه الجملة هي التي حرضت الصديق الأديب للاستفسار من الإمام.
(2) مجلة علمية أدبية تاريخية شهرية، صدرت من (جويليه تموز 1920 ولغاية نوفمبر تشرين الثاني 1924 م). وقام بتحريرها الأستاذ زين العابدين بن محمد بن عثمان السنوسي، مولده ووفاته بتونس (1318 - 1385 ه = 1901 - 1965 م).
(11/ 2/41)

من الأوهام والغطرسة، علاوة على أن طلاب الحقيقة وذوي البصائر التي تنفذ من معاني الألفاظ إلى مناجاة روح منشئها ليسوا بكثير.
ولكني ألقي إليكم نبذة من تاريخ حياتي في الشرق أيام كان العرب في اتصال مع الدولة العلّية، وهي -فيما أحسب- كافية لكشف اللبس الذي ثار من خلال تلك الكلمات.
قدمت سورية سنة 1331 ه فشعرت من نفحات بعض الجرائد، ولحن بعض الخطب والمسامرات: أن من بين سكانها فئة قليلة تعمل للانفصال عن الدولة العلّية، غير متحرزة من عقر الوقوع في قبضة دولة أجنبية، ولكن الجمهور منهم إنما يشكون شيئاً من سوء الإدارة، ولا تزيد أمنيتهم على أن يصلح هذا الخلل، ويعيشوا في ظل الخلافة هادئين.
ولما أمسكت القلم لأطرق باب الدعوة إلى الوفاق، بدا لي أن أكون على بينة من مجرى السياسة؛ لأجمع بين النصح للدولة، وعدم الإغضاء عن حق الأمة، فكنت أنشر مقالات وقصائد في مجلة "البلاغ" (1) وغيرها، أقيم فيها الحجة على أن في نفوس أولئك المتطرفين لطخاً من الغباوة، أو القصد إلى العبث بمستقبل الأمة، ثم أنبه الدولة على وجه التذكرة لإصلاح بعض مغامز هي بأجمعها لا تبلغ جزءاً من مئة إذا قيست بما تعانيه الشعوب الإسلامية الأخرى من أخف الدول الأجنبية وطأة.
ومما قلت في قصيدة أدعو فيها إلى اتحاد العنصرين:
ما العرب والترك إِلا إخوة نشآ ... في مهددين فكانوا السيف والبطلا
__________
(1) مجلة كانت تصدر في بيروت، ويرأس تحريرها محمد باقر.
(11/ 2/42)

وقد حاز هذا الأسلوب الذي توخيته رضاء الدولة، وارتاحت له نفوس الطبقة العالية من أهل الفضل والعلم.
وكانت الدولة العلية حينئذ تصغي أذنها إلى المطالب العادلة، وأخذت تعمل على تنفيذها؛ كإنشاء مدارس يكون التعليم فيها باللسان العربي، وتشريك أبناء العرب في تقلد المناصب الكبيرة، وفتح باب حرية التحرير والخطابة في النوادي الجامعة على مصراعيه، إلى أن أقبلت سنة 1914 تجر من ورائها الحرب الطاحنة، وما كان مني إِلا أن أدرت القلم عن مواقع الإصلاح جملة، وأخذت أعمل على ما تقتضيه حال دولة ينشب بها العدو مخالبه من كل ناحية، وتساورها من تحت ثيابها.
ضئيلة .............. من الرقش في أنيابها السم ناقع
أما اعتقالي "بخان مردم بك" (1) ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، فسببه
__________
(1) المكان المخصص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا السفاح.
ومن أجمل الشعر ما قاله الإمام في سجنه:
غلَّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جهاما
ومما قاله في السجن، وكان معه في الاعتقال الأستاذ سعدي ملا الذي أصبح رئيساً للوزارة في لبنان، وقد جرى بينهما حديث حول الحضارة والبداوة:
جرى سمر لما اعتقلنا بفندق ... ضحانا به ليل وسامرنا رمس
فقال رفيقي في شقا الحبس إن في ال ... حضارة أنساً لا يقاس به أنس
فقلت له: فضل البدواة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس
(11/ 2/43)

أني حضرت مجلساً أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، فأخذت أكافحه بالحجة، وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي، واعترف به هو نفسه لدى المحكمة العرفية، إلى أن انقطع الكلام، وانفصم عقد المجلس، فانصرفت، وتحاميت لقاءه من ذلك اليوم.
وما مرَّ مقدار شهرين على الواقعة، حتى بلغ الحكومة أن ذلك المحامي يسعى في تكوين جمعية باغية، وانجر البحث إلى استدعاء الشيخ صالح الرافعي المذكور آنفاً؛ لما بينه وبين ذلك المحامي من صلة القربى. فكان مما بثه بين يدي إدارة البوليس: أن ذلك المحامي كان يطعن في سياسة الحكومة، ويسأل عن حكم الخروج عنها، وذكر لها عني أني كنت حاضراً في هذا المجلس، وأنكرت عليه حتى قنع ولاذ بالتوبة.
دعتني إدارة البوليس، وسألتني عما جرى، فأخبرتها بالواقع، ولم تتهمني إدارة البوليس بأن لي علاقة بهذه الجمعية قط؛ بدليل أنها لم ترسل من جانبها من يتحرى ما في منزلي من الأوراق كما فعلت مع كل من اشتبهت في أمره. ولكنها ألحت في استجوابي، عسى أن يكون ذلك المحامي حين نثر بعض ما في كنانته بذلك المجلس، قد تحدث بأكثر مما قصصته عليه، ثم رأتني مسؤولاً عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه، وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه.
وكان جوابي عن هذا السؤال: أنه لم يكن لدي ما يشهد بثبوت ما أبلغه عن المتهم إذا وقع على قضية طالبتني الحكومة بالإثبات، وذكرت لهم قضايا غضبت منها الحكومة على من بلغها أشياء، ولم يستطع إثباتها،
(11/ 2/44)

ونسبته إلى الافتراء والتهويش عليها، بل حكمت على بعضهم بالسجن الطويل حيث أبلغها عن أناس أنهم يعقدون مؤامرة ضدها، وعجز عن إثبات ذلك.
وقد تلقى المجلس العرفي هذا العذر بالقبول، وحكم بالبراءة، وتلطف عليَّ رئيس المجلس فخري باشا، وقال لي في نفس الجلسة: هل لك مطلب لدى الدولة نتوسل لك في قضائه؟ فأجبته باني لا أبتغي شيئاً، وعدها بعض الحاضرين إضاعة لفرصة سنحت. وقرر المجلس ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأتي على القيام في وجه ذلك المحامي، والإنكار عليه، ولكني لم أتشبث بهذا القرار. وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى.
لم أنحرف عن مبدأ تأييد الدولة العلية ومقاومة خصومها جهد استطاعتي، حتى في أثناء مدة اعتقالي، وكان "سعدي أفندي الملا" أحد أعيان طرابلس الشام الذين رافقوني بمكان الاعتقال يقول في شأني للوفود التي ترد عليه للتهنئة بالإفراج عنه: ما رأيت أحداً يدافع عن الحكومة وهو في معتقلها إِلا فلاناً.
وحيث لم يقدح في نفس الحكومة خاطر اتهامي بمشاركة الذين مالؤوا أعداءها عليها، عينتني بعد تخلصي من ضائقة الاعتقال محرراً بالقلم العربي في دائرة من أقسام وزارة الحربية، وكنت أصل إلى سرائر لا يدنو منها إِلا من نزل عندها منزلة الناصح الأمين، وتماديت على العمل إلى أن عقدت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها.
لم يسعني بعد انعقاد الهدنة ورجوعي من أوربا إِلا أن قفلت راجعاً إلى الشام مفوضاً الأمر إلى الله، وبعد أن استقر بي النوى في دمشق، أضمر
(11/ 2/45)

لي قائدها العربي ما لا تحمد عاقبته، وشرع يناقشني الحساب بواسطة إدارة الأمن العام على علاقتي بالدولة العثمانية، وكان بيني وبينه تعارف أدبي كدت أسميه صداقة، ولما انتهى خبر هذه المعاملة الجافية إلى بعض أصحابنا الذين لهم به صلة متينة، تقدموا إليه باللائمة والإنكار، وجادلوه بشدة، حتى أقنعوه بنني لا أرجح عنصراً على غيره، إِلا العمل لترقية شأن الأمة الإسلامية، وتأكيد جامعتها، فطوى عندئذ بساط المناقشة والاستجواب، وكتب بيده إلى وزير المعارف يذكر أني عالم فاضل، وأنه لابد من الاستفادة من مقدرتي.
قدمت دمشق، فوجدت بها لجنة دولية أعلنت بأن لمن لحقه أذى من الحكومة العثمانية، مالياً أو غيره، أن يقدم طلب تعويض؛ لتسجله، وتدفع له المقدار المطلوب في وقت قريب، وهي ترجع به من بعد على الحكومة العثمانية، فتهافت عليها الناس من كل حدب، ومن بينهم طائفة اعتقلوا بضعة أشهر، وبرئت ساحتهم، فتقدموا إلى اللجنة يطلبون ألفي جنيه تعويضاً، وقررت لهم اللجنة ذلك، ولقد حثني بعض القوم على أن أفعل مثل ما فعلوا، فاجبته: بأن الدولة لم تظلمني فتيلاً، واقتضاء المال من بيت مال المسلمين على هذا الوجه غير سائغ بإجماع.
هذا ما أسمح اليوم ببثه، وأراه كافياً في إماطة اللبس الذي أتى من ناحية بعض الكلمات المعبر عنها في مجلة "البدر"، وللتاريخ بعد هذا لهجة ينكشف لصراحتها كل لبس، وحكم نافذ ليس من ورائه استئناف.
محمّد الخضر حسين
القاهرة - سنة 1342 ه
(11/ 2/46)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
الفاضل الأخ السيد محمد المكي حسين - حفظه الله -. السلام عليكم.
أما بعد:
فقد بلغني المكتوب البغدادي، واستفدت من ظرفه أنكم بخير، فأحمد الله على ذلك ..
أقمنا منذ ليلتين حفلة تأبين للأستاذ الشيخ سيدي سالم بوحاجب (1) في رواق المغاربة بحضور جمع غفير من الطلبة وغيرهم، فقرئ نصيب من القرآن، ثم ألقيت محاضرة مرتجلة في آثار حياة الأستاذ ومقامه العلمي،
__________
(1) سالم بن عمر بوحاجب البنبلي، فقيه، لغوي، أديب، شاعر من أعلام عصره. ولد في بنبلة من قرى مدينة المنستير بتونس، وتلقى علومه في جامع الزيتونة، له ذكاء وحافظة نادرة. ومن رجال الإصلاح، وأحد المدرسين من الطبقة الأولى في جامع الزيتونة، سافر إلى إيطاليا وفرنسا، وتولى الفتوى سنة 1323 ه. وتوفي بالمرسى في الضاحية الشمالية لمدينة تونس. من مؤلفاته: تقارير على شرح الأشموني على الخلاصة الألفية لابن مالك -تقارير على شرح صحيح البخاري- ديوان خطب - ديوان شعر - رحلة - شرح على ألفية ابن عاصم في الأصول. مولده ووفاته (1244 - 1342 ه = 1828 - 1924 م).
(11/ 2/48)

وإن شاء الله ننشر خلاصتها في بعض الجرائد المصرية، وبلغوا أعز التحية إلى ابنتنا البغدادية (1)، وبناتها، وسائر الإخوان. وقد سرنا ولاية الأستاذ ابن عاشور (2) كاهية باش مفتي، وولاية الأستاذ الشيخ أبي الحسن النجار (3) مفتياً، فبلغوهما أعز التحية والتهنئة عندما تساعد الفرصة على ذلك، ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر
وكتب في 14 - 8 - 1924 القاهرة

[حاشية]
تأخرت عنا مكاتيبكم، وليس من عادتكم انتظار مكاتيبنا، ونكاتبكم بعد هذا -إن شاء الله-.
انتهى كتاب "المغني عن الحفظ" (4) في الأحاديث الموضوعة، ولنا
__________
(1) إحدى قريبات الإمام في مدينة تونس.
(2) محمد الطاهر بن عاشور - مرت ترجمته.
(3) بلحسن ابن الشيخ محمد بن عثمان النجار، أبو الحسن، من كبار الفقهاء والمحققين، ولد بمدينة تونس، وتلقى علومه في جامع الزيتونة، وارتقى فيه إلى التدريس من الطبقة الأولى، تولى خطة الإفتاء في ذي الحجة (1342 ه - 1924 م). وتوفي بتونس (... -1373 ه = ... - 1953 م).
(4) كتاب "المغني عن الحفظ والكتاب" من الكتب التي قدم لها، وعلق عليها الإمام، والكتاب من تأليف الشيخ الحافظ أبي حفص عمر بن بدر الموصلي الحنفي ... طبع للمرة الأولى سنة 1342 ه. وأعدت طباعته سنة (1414 ه = 1994 م).
(11/ 2/49)

أمامه مقدمة في الكلام على وضع الحديث، وتعليق على أصل التأليف، كما انتهى "شرح التبريزي على المعلقات" (1)، وعليه تعليقات لغوية، وسنرسل إليكم من الكتابين نسختين.
__________
(1) "شرح القصائد العشر" للإمام الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي المتوفى سنة 502 ه. وللإمام تعليقات هامة على الكتاب. طبع للمرة الأولى سنة 1343 ه في القاهرة، وأعدت طباعته بدمشق سنة (1414 ه - 1994 م).
(11/ 2/50)

رسالة شعرية إلى أحمد تيمور باشا (1)
نظم الإمام هذه الأبيات وأرفقها ببقية القلم الذي كتب به تأليفه الشهير: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" وفيه الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وبعث بها إلى صديقه الكبير أحمد تيمور باشا.
سَفَكَتْ دَمي في الطِّرْسِ أنْمُلُ كاتب ... وَطَوَتْنِيَ المِبْراةُ إلّا ما تَرى (2)
ناضَلْتُ عَنْ حَقٍّ يُحاوِلُ ذُو هَوًى ... تَصْوِيرَهُ للنَّاسِ شَيْئاً مُنْكَرا (3)
لا تَضْرِبوا وَجْهَ الثَّرى بِبَقِيَّةٍ ... مِنِّي كما تُرمى النَّواةُ وَتُزْدَرَى (4)
__________
(1) أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور باشا. من العلماء المؤرخين والباحثين المحققين، كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق. تجمعه مع الإمام صداقة متينة تتجلى في وصية الإمام أن يدفن في مقبرة آل تيمور جانب صديقه. وتم ذلك بالفعل. ولد في القاهرة، وبها توفي (1288 - 1348 ه = 1871 - 1930 م)، وللأستاذ تيمور مصنفات كثيرة في التاريخ والأدب واللغة.
(2) سفكت: صبت. الطرس: الصحيفة. المبراة: السكين يبرى به القلم.
(3) الهوى: العشق يكون في الخير والشر، ويقال: فلان من أهل الأهواء: أي: ممن زاغ عن الطريقة المثلى. المنكر: ما ليس فيه رضا الله.
(4) الثرى: الأرض. النواة: عجمة التمر ونحوه؛ أي: حبه أو بزره، جمع نوى ونويات.
تزدرى: تحتقر ويستخف بها.
(11/ 2/51)

فَخِزانَةُ الأُسْتاذِ "تَيْمورَ" ازْدَهَتْ ... بِحِلًى مِنَ العِرْفانِ تُبْهِرُ مَنْظَرا
فأنا الشَّهيدُ وَتلْكَ جَنَّاتُ الهُدى ... لا أبْتَغي بِسِوى ذُراها مَظْهَرا (1)
محمّد الخضر حسين
القاهرة سنة 1345 ه
__________
(1) الشهيد: القتيل في سبيل الله. الذرا: جمع ذروة، والذروة من الشيء: أعلاه.
(11/ 2/52)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي حسين -حفظه الله-.
السلام عليكم.
أما بعد:
فقد بلغني مكتوبكم، فأحمد الله على عافيتكم، تصلكم ورقة بها حوالة 400 فرنك لابنتنا (1). إني بخير والحمد لله. ألقيت محاضرة في الرد على علي عبد الرازق (2)، ونشرت في "الفتح" (3)، عنوانها: "العظمة" (4)، ثم طبعت
__________
(1) له ابنة اسمها سكينة من زوجة تونسية.
(2) علي بن حسن بن أحمد عبد الرازق، درس في الأزهر، وفي أكسفورد، عين قاضياً شرعياً، وضع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وأثار ضجة مشبوهة. ورد عليه الإمام محمد الخضر حسين بكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم". ولد في "أبي جرج" المنيا، وتوفي بالقاهرة (1355 - 1386 ه = 1888 - 1966 م).
(3) صحيفة "الفتح" أسسها السيد محب الدين الخطيب في ذي الحجة من عام (1344 وحتى 1367 ه = 1926 - 1948 م) في القاهرة. ونشرت مقالة "العظمة" في العدد 68 من السنة الثانية لعام (1346 ه -1927 م).
(4) محاضرة للإمام في الرد على مقالة علي عبد الرازق التى كان نشرها في جريدة =
(11/ 2/53)

مستقلة، وسنرسل إليكم نسخاً -إن شاء الله-.
نشرت "الزهراء" (1) أبياتاً نظمناها في "السعيديات" (2) وبلغوا أعز تحيتنا إلى البغدادية، ونفيسة (3)، ووالدتها، وكافة الأهل والإخوان. ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر
القاهرة ربيع الثاني 1347 ه - 7 نوفمبر 1927

[حاشية]
بلغوا أعز تحيتنا إلى أستاذنا الشيخ سيدي أحمد أمين، وخالنا الشيخ سيدي الأزهري (4)، وصاحبنا المفضال الشيخ سيدي الحسين بن المفتي (5).
__________
= "السياسة" بالقاهرة يوم 12 ربيع الأول 1346 ه. ونشرت المحاضرة في كتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين" للإمام.
(1) مجلة أصدرها محب الدين الخطيب في القاهرة.
(2) ديوان الشاعر التونسي سعيد أبو بكر.
(3) ابنة أخيه السيدة نفيسة بنت الشيخ محمد الجنيدي، توفيت بتونس سنة (1409 ه - 1988 م).
(4) الأزهري بن مصطفى بن عزوز، خال الإمام محمد الخضر حسين، من رجال التصوف، تولى مشيخة الزوايا الرحمانية في شمال أفريقيا بعد وفاة أخيه الحفناوي، وكان مشرفاً على زاوية والده في "نفطة". توفي سنة (1350 ه - 1931 م). ودفن إلى جانب والده في "زاوية نفطة".
(5) الحسين بن المفتي: من علماء تونس.
(11/ 2/54)

جاءني مكتوب من أمين مكتبة الأمل، وسأجيبه -إن شاء الله-.
احرصوا على الأخ السيد الأمين (1) أو السيد الطاهر (2) في أن يخبرني باسم من أدفع له قيمة الحوالة.
__________
(1) الأمين بن مصطفى صاحب المكتبة العلمية في نهج الكتبية بتونس مع أخيه الطاهر.
(2) الطاهر بن مصطفى صاحب المكتبة في نهج الكتبية مع أخيه الأمين.
(11/ 2/55)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي حسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمه الله.
أما بعد:
بلغني مكتوبكم، وأحمد الله على عافيتكم، وقد أسفنا شديد الأسف لوفاة الشيخ الكامل (2)، فنرجو الله تعالى له الرحمة الواسعة.
وقد كتبت يوم التاريخ كتاباً تعزية لابنه السيد عبد الرحمن (3). أرسلنا
__________
(1) رسالة خالية من تاريخ التحرير في الأصل، وأعتقد أنها كتبت في - ذي القعدة سنة 1347 ه تقريباً.
فقد نشرت مجلة "الهداية الإسلامية" في الجزء السابع من المجلد الأول الإعلام التالي: انحقلت إدارة جمعية الهداية إلى دار جديدة في شارع سوق السلاح بالقاهرة. واتخذت فيها نادياً لإلقاء المحاضرات، وأقامت لهذه المناسبة في يوم الخميس (15 ذي القعدة سنة 1347 ه الموافق 25 أبريل نيسان سنة 1929 م) حفلة.
وبالمقارنة بين مضمون الرسالة وهذا الخبر أمكن تحديد تاريخ الرسالة على وجه التقريب.
(2) الشيخ الكامل بن محمد المكي بن عزوز، ابن خال الإمام.
(3) عبد الرحمن بن الكامل بن عزوز.
(11/ 2/56)

أعداد المجلة لمن كتبتم لنا أسماءهم، غير أن الأعداد الأول والثاني والثالث نفدت؛ لأنا طبعنا منها ألف نسخة فقط. اتخذنا لجمعية "الهداية" (1) ومجلتنا منزلاً فسيحاً، وهو يحتوي على بهو واسع لإلقاء المحاضرات، وستقيم الجمعية حفلة كبيرة بمناسبة افتتاح النادي، ولعلكم تقرؤون ما يلقى في هذه الحفلة من خطب وقصائد عندما تنشر في المجلة.
وبلغوا أعز تحيتي إلى حضرة صاحب الفضيلة أستاذنا الشيخ سيدي أحمد الأمين، وخالنا الشيخ سيدي الأزهري، وكافة الأهل والإخوان. ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر - القاهرة

[الحاشية]
أنها محل الجمعية، ففي سوق السلاح رقم 62.
أرسلنا المجلة من العدد الأول إلى العدد الخامس إلى من ذكرتم في مكتوبكم، فرجعت من تونس مكتوب عليها: "ترد لمرسلها"، ولعلها لم تصل إلى الشيخ نفسه.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" شهرية إسلامية علمية أدبية اجتماعية، أصدرها الإمام في القاهرة عن جمعية "الهداية الإسلامية"، ويرأس تحرير المجلة والجمعية، غايتها السعي لتعارف الشعوب الإسلامية، ونشر حقائق الإسلام بأسلوب يلائم روح العصر، ومقاومة الإلحاد والدعايات غير الإسلامية بالطرق العلمية، والجهاد في إصلاح شأن اللغة العربية، وإحياء آدابها.
صدر العدد الأول من المجلة في جمادى الثانية من عام 1347 ه وتابعت صدورها ما يزيد على ثلاث وعشرين سنة بإشرافه العلمي والعملي وتوجيهه القيم.
(11/ 2/57)

بعث لنا السيد صالح بن محمود (1) غويلة صاحب المكتبة الإسلامية بنهج الكتبية يطلب أن نرسل له من المجلة 25 من كل عدد، وبما أننا لا نعرفه، توقفنا على السؤال عنه، فأفيدونا إذا لم يكن من الإرسال إليه من بأس.
__________
(1) صاحب المكتبة الإسلامية في تونس.
(11/ 2/58)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأخ الأديب السيد محمد المكي -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمه الله.
بلغني كتاب "الجواهر" (2). إذا كان ابننا الحسين (3) قدم وخلص من اشتراكات المجلة، فليدفع للشيخ محمد المؤدب ثلاث جنيهات، ومصاريف البريد، ويخبرني لندفعها للجمعية هنا. فإن لم يكن ابننا الحسين هناك، وتيسر أخذ هذا المقدار من السيد الأمين؛ لأن لإدارة المجلة عنده نحو ست جنيهات فيما أظن، كان لم يمكن هذا ولا ذاك، أخبرني لنرسلها له، وبلغوه أعز سلامنا. وصلني أيضاً "حاشية التنقيح" للشيخ جعيط (4)، وإن
__________
(1) رسالة خالية من سنة إنشائها، ومن المحتمل أن تحريرها تم في 2 ذي الحجة سنة 1348 ه، فقد تضمنت نبأ وفاة المرحوم أحمد تيمور باشا المتوفى عام 1348 ه.
(2) كتاب "الجواهر السنية" في شعراء الديار التونسية جمع العالم رابع المحمدين من آل بيرم المتوفى عام 1278 ه.
(3) ابن أخيه الحسين بن علي بن الحسين.
(4) محمد بن حمودة بن أحمد بن عثمان جعيط، فقيه أصولي، من المدرسين =
(11/ 2/59)

شاء الله نكتب عنها كلمة في الجزء الآتي، أصبح الشغل عندي متواصلاً؛ لأني أدرِّس يومين في الأسبوع بالتخصص، وباقي الأيام أشتغل في الصباح بمجلة "نور الإسلام" (1)؛ لأني عينت محرراً بها من ثلاثة آخرين من أهل العلم، وهم: الشيخ يوسف الدجوي (2)، والشيخ إبراهيم الجبالي (3)، والشيخ حسن منصور (4). والمجلة تظهر -إن شاء الله- في غرة محرم، أنها في المساء، فإني أذهب إلى إدارة الجمعية من الساعة 4 مساءً إلى الساعة 8، وأحياناً إلى التاسعة.
__________
= الزيتونبين ورجال الفتوى، مولده ووفاته بتونس (1268 - 1337 ه = 1852 - 1918 م). من مؤلفاته: منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح، وهو حاشية على تنقيح الفصول للقرافي، فى جزأين -تقارير عن صحيح مسلم- رسالة في الأضحية - رسالة في صلاة الوتر.
(1) مجلة صدرت عن الجامع الأزهر بالقاهرة في محرم سنة 1349 ه باسم "نور الإسلام"، وعمل الإمام رئيساً للتحرير فيها من جزئها الأول إلى ربيع الآخر سنة 1352 ه. وعرفت هذه المجلة فيما بعد باسم: مجلة "الأزهر".
(2) يوسف بن أحمد بن نصر بن سويلم الدجوي، فقيه مالكي، ضرير، من علماء الأزهر، ولد في قرية "دجوة" من أعمال القليوبية وتوفي بضواحي القاهرة، ودفن في عين شمس (1287 - 1365 ه = 1870 - 1946 م). له تصانيف عديدة منها: خلاصة علم الوضع -تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين- والرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.
(3) من علماء الأزهر، ومن أعضاء جمعية "الهداية الإسلامية"، ومن كتاب مجلة "الهداية الإسلامية".
(4) من علماء الأزهر، ومن أعضاء جمعية "الهداية الإسلامية"، ومن كتاب مجلة "الهداية الإسلامية".
(11/ 2/60)

أصيبت الجمعية بوفاة العلامة أحمد تيمور باشا (1)؛ لأنه كان يساعدها مادياً وأدبياً نرجو من الله تعالى أن يعوضها منه خيراً، والواقع أن هذا الرجل خسره الإسلام؛ لأنه كان يساعد الحركة الدينية بكل ما يستطيع، والغيرة الدينية التي توجد عنده لم أرها عند غيره. وقد كان حبه لنا، ومبالغته في الحفاوة بنا فوق ما يتخيل، وستقيم الجمعية له حفلة تأبين، نرجو الله التوفيق، وسترون في المجلة عدد ذي الحجة وفاة السيد توفيق الدوجي (2) بدمشق -رحمه الله- وبلغوا أعز تحيتنا إلى الشيخ الأستاذ سيدي محمد المقداد (3)، مع أخلص الشكر على هديته القيمة.
زار أعضاء الجمعية اليوم قبر تيمور باشا، وألقى بعض الأعضاء خطباً، وكان الموقف محزناً، وستقيم له الجمعية حفلة تأبين كبرى، وكان الرجل عديم المثال في أخلاقه وتواضعه، وغيرته الدينية.
ودمتم بخير، والسلام من أخيكم محمد الخضر في 2 ذي الحجة

[حاشية]
بلغني مكتوب فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ سيدي الصادق النيفر بمناسبة الرسم، فبلغوه أعز التحية، مع الشكر العظيم على عاطفته الرقيقة، ووداده الصافي، نرجو من الله تعالى أن يديم فضله، والنفع به.
__________
(1) انظر ترجمته في الكتاب "رسالة شعرية إلى أحمد تيمور باشا".
(2) توفيق الدوجي من علماء دمشق، قرأ على الشيخ بدر الدين الحسني، وعطا الله الكسم، وأمين سويد، وعمل في التجارة. ولد وتوفي بدمشق.
(3) انظر ترجمته في الكتاب "رسالة شعرية إلى محمد المقداد الورتتاني".
(11/ 2/61)

توفي تيمور باشا فجأة تقريباً؛ لأنه مريض بضعف القلب، وفي بعض الأحيان يعتريه ضيق نفس، فاعترته هذه الحالة الساعة الثالثة بعد نصف الليل، وتوفي في الساعة الرّابعة ونصف تقريباً -رحمه الله-.
وكان قبل وفاته بليلة عندنا بالجمعية، بل في هذه الليلة -أي: ليلة الجمعة- رحنا إلى سفير الأفغان الجديد، ودعاه ليقيم له حفلة تكريم بالجمعية، واستعد لأن ينفق عليها عشرين جنيهاً مصرياً، ولا حول ولا قوة إِلا بالله.
(11/ 2/62)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين (1)
حضرة الأخ الفاضل السيد محمد المكي بن الحسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله.
بلغني خطابكم، وفي طيه كلمة "العالم الأدبي" (2)، فأحمد الله على عافيتكم. أنها تلك الكلمة، فإنها لا تضرنا -إن شاء الله-، ولا تنفعهم.
يصلكم كشف به أسماء من وجدت إدارة المجلة قطعت عنهم المجلة، وقد أعدنا إرسال المجلة لهم، وكتبنا لكل واحد خطاباً في العدد الأخير الذي أرسل إليه بأن يخاطبنا أو يخاطب الشيخ الثميني وكيل المجلة ببيان الأعداد التي تأخرت عنه؛ لنرسلها إليه.
وصل الشيخ محمد شكر (3) العالم الصفاقسي إلى مصر عائداً من الحجاز.
__________
(1) رسالة خالية من التاريخ، ولما كانت كلمة مجلة "العالم الأدبي" وردت في العدد التّاسعمن السنة الثالثة عام 1349 ه. فتكون هذه الرسالة في سنة 1349 ه.
(2) مجلة العالم الأدبي، علمية أدبية شهرية، صدرت في تونس عام (1349 ه - 1935 م) للأستاذ زين العابدين بن محمد عثمان السنوسي.
(3) محمد بن محمد شاكر، فقيه وأديب وشاعر وصوفي. ولد بمدينة صفاقس على الساحل التونسي، وتوفي بها (1292 - 1383 ه = 1875 - 1963 م). حصل على شهادة "التطويع" من جامع الزيتونة. وعمل في التدريس والتوجيه الديني في =
(11/ 2/63)

بلغوا أعز تحيتنا إلى حضرات الأساتذة؛ الشيخ ابن عاشور، والشيخ الصادق النيفر، والشيخ محمد المقداد، وكل من يسأل عنا.
أما "العارضة" (1)، فقد شرع في طبعها، وقد نجز منها طبع ثلاثة أجزاء، وشرعوا في الرابع، وستكون 8 أجزاء، والمراد: الاستعانة بنسخة الأستاذ الشيخ أبي الحسن النجار؛ لصحتها فيما سمعت، والقائم بطبعها هنا تاجر مغربي يقال له: التازي.
وبلغوا أعز تحيتي إلى الأخ الشيخ أبي الحسن النجار، وإن كان له تحرير في بعض الموضوعات العلمية، فليتكرم بإرساله؛ لينشر في المجلة ...
وصلني درس الشيخ محمد البشير النيفر (2)، وقد نشرنا قسماً منه في
__________
= صفاقس. من مؤلفاته: الرد الوافي على زعم الشيخ الكافي - عقيدة الفلاح ومنهج الرشاد والإصلاح.
(1) كتاب "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي" تأليف محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، قاض من حفاظ الحديث، بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، ولد في إشبيلية، وتوفي قرب فاس (468 - 543 ه = 1076 - 1148 م).
(2) محمد البشير بن أحمد بن محمد النيفر، من كبار العلماء التونسيين، تلقى علومه في جامع الزيتونة، وتولى إماماً أولاً بالجامع، كما أسندت إليه خطة الإفتاء سنة 1359 ه.
وتولى القضاء سنة 1362 ه. ولد في تونس، وتوفي بها (1306 - 1394 ه = 1887 - 1974 م). من تصانيفه: تراجم المفتين والقضاة -شمول الأحكام الشرعية لأول الأمة وآخرها- نبراس المسترشدين في أمور الدنيا والدين. وله عشرات المقالات في الصحف والمجلات.
(11/ 2/64)

عدد صفر، وننشر القسم الباقي في عدد ربيع الأول؛ لأنه بحث مفيد، ونريد إطلاع المصريين وعلماء الشرق على آثار علماء تونس، وخصوصاً بعد أن رأيناهم يعجبون بما يكتبه أولئك الأساتذة، ويقوم لديهم شاهد على أن في تونس نهضة علمية راقية.
وكذلك محاضرة شيخ الإسلام قرؤوها بغاية الاستحسان، وسلموا لنا على ابننا عبد العزيز (1)، ووالدته.
ودمتم بخير، والسلام من أخيكم محمد الخضر حسين
__________
(1) عبد العزيز بن الحسين بن علي، من أحفاد شقيق الإمام، وكان الإمام يرعاه، ولد في دمشق سنة (1338 ه - 1919 م). وتوفي بتونس صغيراً عام (1358 ه - 1939 م).
(11/ 2/65)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
حضرة الأخ الفاضل - حفظه الله-. السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد:
فقد بلغتني مكاتيبكم، فأحمد الله على ما أنتم عليه من الصحة، وصل من دمشق الشيخ المكي الكتاني (1)، وسي الحاج رابح (2)، واليوم يتغدون عندنا، عملي اليوم كعملي في السنة الماضية، أخرج بالساعة 7 إلى كلية أصول الدين، فأصلها (ثمانية إِلا ربع)؛ لأنها في شبرا بضواحي القاهرة،
__________
(1) محمد المكي بن محمد جعفر الكتاني الحسني، رئيس رابطة العلماء المسلمين في دمشق، مفتي المالكية، ولد بمدينة فاس، وتوفي بدمشق (1312 - 1393 ه = 1894 - 1973 م)، تلقى علومه في جامع القرويين بفاس، وأقام في الحجاز، وانتقل إلى دمشق، واستقر فيها حتى وفاته. عمل في الحقل الوطني، والتوجيه الإسلامي من خلال الدروس التي يلقيها في مساجد دمشق، وفي داره.
(2) محمد كبير بن رابح بلقاسم التلمساني الجزائري الحسني، من رجال الصلاح والتقوى، والملازمين للعلماء، ولد في عين الصفراء بالصحراء الجزائرية، وتوفي بدمشق (1302 - 1380 ه = 1884 - 1960 م). هاجر إلى دمشق مع عائلته سنة 1328 ه.
(11/ 2/66)

ونستمر في الدرس إلى الساعة التاسعة ونصف، وأذهب منها إلى "نور الإسلام" (1)، وأبقى بها إلى الساعة 2 بعد الظهر، وفي الساعة الخامسة أذهب إلى جمعية الهداية.
أقامت جمعية الهداية حفلة تأبين للشيخ محمد عبد المطلب المعروف في الصحف بالشاعر البدوي، وكان وكيلاً أول للجمعية، وسينشر في المجلة ما ألقي من قصائد وخطب في الحفلة، وحضر الحفلة شيخ الجامع الأزهر، ولعلّكم تقرؤون في الصحف عن المدرسين المفصولين من الأزهر، وهم ستة يرأسهم الشيخ الزنكلوني، وهؤلاء هم المعروفون ببث العقائد الزائغة في الأزهر، وقد كانوا يساعدون أبا زيد في تفسيره، ويعد طبع التفسير كانوا يعملون على ترويجه، وفي فصْلهم تطهير للأزهر من شرور كثيرة.
وصلني خطاب ومقال من حضرة الشيخ الشاذلي النيفر (2)، وسأكتب له -إن شاء الله-، أما المقال، فأرجأناه لفرصة أخرى.
كان فضيلة الأستاذ الشيخ محمد بشير النيفر بعث إلي مقترحاً أن يكون دفع ثمن أجر طبع الختم على دفعتين، ولم نر مانعاً من ذلك، وقد طبع منه 12 مئة نسخة، وهي حاضرة بالمطبعة السلفية منذ مدة، وأصحاب المطبعة
__________
(1) مجلة صدرت عن الجامع الأزهر في محرم سنة 1349 ه، وهي المعروفة اليوم باسم "الأزهر"، وقد تولى الإمام رئاسة تحريرها في أول عهدها.
(2) محمد الشاذلي بن محمد الصادق النيفر، من كبار علماء تونس، تلقى علومه في جامع الزيتونة، وعمل أستاذاً فيه، وعميداً لكلية الشّريعة، وعضواً في المجلس النيابي، ولد في مدينة تونس سنة (1329 ه = تموز 1911 م) -حفظه الله-. له مؤلفات عديدة.
(11/ 2/67)

ينتظرون الثمن ليرسلوا له النسخ، أو تصرف على حسب ما يأمر به، فبلغوه أزكى تحياتنا، وإذا بدا له أن يأخذ نصف النسخ بنصف القيمة، ويدع النصف الآخر للسلفية في مقابلة النّصف الآخر، فالسلفية لا تجد مانعاً من ذلك، وإذا بدا له أخذ النسخ جملة، أرسل القيمة ومصاريف البريد، فترسل لفضيلته في الحال.
والسلام عليكم ورحمة الله
أخوكم
محمد الخضر حسين
في 15 شعبان 1350 ه القاهرة

[حاشية]
تأخر إرسال هذا الخطاب إلى يوم الأحد 2 رمضان. وصلنا مقال السيد علي عبد الوهّاب، وسنشره -إن شاء الله-. بلغوا هذه البطاقة إلى حضرة الأستاذ الشيخ البشير النيفر.
(11/ 2/68)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي بن الحسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمه الله.
أما بعد:
فقد وصلني مكتوبكم الآن؛ أي: في مبدأ الساعة التاسعة صباحاً من يوم الأربعاء الثاني عشر من رمضان (والصيام هنا كان يوم السبت) وأنا جالس على مكتبي بجمعية الهداية الإسلامية، أما محاضرة فضيلة شيخ الإسلام، فقد كنت قرأتها في جريدة "الزهرة" (1)، وأعجبت بها، غير أن الجريدة تحفظ في مجلة "نور الإسلام"، وفي دار الهداية، فلا بأس في إرسال نسخة من هنالك.
وربما يظهر لفضيلة الأستاذ شيء من الزيادة فيها، وننشرها -إن شاء الله- عند وصول النسخة إلينا من غير عزو إلى صحيفة ..
__________
(1) جريدة سياسية أدبية نصف أسبوعية ثم يومية، صدرت في تونس (من 20/ 6/ 1890 إلى 9/ 4/ 1959 م) تخللتها فترات انقطاع عن الصدور. ورأس تحريرها الأستاذ عبد الرحمن الصنادلي، ثم الأستاذ محمد الصنادلي.
(11/ 2/69)

أسفت جداً لما اطلعت عليه في جريدة "النهضة" (1) من حادثة الشيخ معاوية (2) في درس الأستاذ الشيخ باش مفتي، ونتمنى أن ينقطع ذلك النزاع على أحسن حال.
ودمتم بخير
محمّد الخضر حسين
يوم الأربعاء 12 رمضان 1350

[حاشية]
بلغوا سلامنا إلى جميع الأهل والإخوان.
__________
(1) جريدة سياسية إخبارية يومية إصلاحية، صدرت في تونس منذ 1/ 10/ 1923، وكان الأستاذ الشاذلي القسطلي صاحبها، والأستاذ بكار العروسي رئيساً للتحرير.
(2) معاوية بن الطاهر بن صالح الماجري التميمي، عالم زيتوني، كان مدرساً من الطبقة الأولى بالمذهب المالكي، ولد ببلدة منزل تميم، وتوفي بتونس (1309 - 1363 ه = 1891 - 1944 م).
(11/ 2/70)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي بن الحسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله. وصلني خطابكم، فأحمد الله على عافيتكم.
وصل الأستاذ حسن أفندي حسني عبد الوهاب (1)، وزارنا مراراً، وزرناه، وسافر أول أمس إلى فلسطين، ومنها إلى الشام، ثم يعود إلى تونس، وقد قوبل هنا، ولا سيما من وزارة المعارف بالاحترام، إذ رأوا فيه نباهة وفضلاً. أسفُنا شديد على وفاة خالنا المرحوم الشيخ سيدي الأزهري، نرجو له الرحمة الواسعة. كان ابن أخينا الحسين أرسل إلي كشفاً بأسماء من أبوا أن يدفعوا قيمة الاشتراك لمجلة الهداية، فقطعنا إرسالها إليهم. عزل طه حسين (2) من
__________
(1) حسن حسني بن صالح بن عبد الوهاب بن يوسف الصمادحي، باحث ومؤرخ، ولد في تونس، وتوفي بها (1301 - 1388 ه = 1884 - 1968 م)، كان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. له تصانيف منها: الإمام المازري - خلاصة تاريخ تونس - شهيرات التونسيات - المنتخب المدرسي من الأدب التونسي.
(2) طه بن الحسين بن علي بن سلامة، أستاذ جامعي، كفيف البصر، ولد بالصعيد المصري في قرية "الكيلو"، وتوفي بالقاهرة (1307 - 1393 ه = 1889 - 1973 م)، درس في الأزهر، وفي باريس. له مؤلفات عديدة. ومنها كتابه "في الشعر =
(11/ 2/71)

الجامعة، ومن خدمة الحكومة، واستقال لطفي السيد (1)، كما طرد من الأزهر بعض مدرسين يتهمون بالإلحاد، منهم: الشيخ الزنكلوني، ووزير المعارف اليوم يريد تطهير الجامعة والمدارس من الإلحاد، قابلناه بالأمس، وشكرناه باسم الجمعية على إبعاد طه حسين من الجامعة.
سننشر محاضرة الشيخ بيرم. طلبت من شيخ الجامع أن ترسل المجلة إلى الشيخين: الشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ أحمد بيرم هدية، فأجاب إلى ذلك، وسترسل إليهم من أول السنة الثالثة.
قرر مجلس الوزراء منحي التجنس بالجنسية المصرية، وسعيت في هذا؛ لأن تعييني للتدريس على وجه ثابت يتوقف عليه.
ودمتم بخير
5 من ذي الحجة 1350 - القاهرة

[حاشية]
خذوا من السيد الثميني أو السيد الأمين نصف جنيه مصري لكم، ونصف جنيه لعبد العزيز، وأخبروني لمن ندفعها هنا، ونصف جنيه لوالدة عبد العزيز. وبلغوا سلامنا إلى كافة الأهل والإخوان.
__________
= الجاهلي"، ورد عليه الإمام محمد الخضر حسين بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
(1) أحمد لطفي بن السيد، رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، ولد في قرية "برقين" بمركز السنبلاوين بمصر، (1288 - 1382 ه = 1870 - 1963 م)، درس الحقوق، وعمل في المحاماة والسياسة، ووزيراً للمعارف والداخلية والخارجية، نقل إلى العربية كتب أرسطو. وله مقالات في المجلات والصحف.
(11/ 2/72)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي بن الحسين -حفظه الله تعالى-.
السلام عليكم ورحمة الله.
وصلتني منكم مكاتيب، فأحمد الله على عافيتكم، وفي هذه المكاتيب أن مجلة "الهداية الإسلامية" لا تصل إلى بعض المشتركين، وقد كان ابننا الحسين أرسل إلينا كشفاً في أسماء من لم يدفعوا، وطلب قطع المجلة عنهم، فقطعتها الإدارة. وها هو هذا كشف في أسماء بقيت أسماؤهم مقيدة، وترسل إليهم المجلة، والمراد: إعلامنا بمن لم تصله المجلة من هؤلاء، وما هي الأعداد التي لم تصله.
وإذا كان من غير الموجوين في هذا الكشف من يرغب في أن تعاد إليه المجلة، فأخبرنا لنرسلها إليه. وبالجملة: فأخبرنا بأسماء من يرغبون في الاستمرار على الاشتراك في المجلة من المكتوبة أسماؤهم في هذا الكشف أو غيرهم.
ما كتب في مجلة "الفتح" من ترجمتنا هو منقول من جريدة "الأهرام" (1)،
__________
(1) جريدة يومية سياسية تصدر في القاهرة.
(11/ 2/73)

والمنشور في جريدة الأهرام كتبه مسيحي يقال له: توفيق حبيب (1) وهو الذي يمضي باسم: صحافي عجوز، وما كتبه أخذ بعضه من الشيخ الصادق عرجون (2)، وبعضه من محب الدين أفندي الخطيب (3).
. . . . (4) كان ابننا الحسين يغيب كثيراً عن تونس، ونريد أن يكون الاشتراك في "مجلة الهداية" منتظماً، فخاطبوا الشيخ الثميني (5)، أو السيد الأمين على أن يكون وكيل المجلة في تونس، وأخبرونا من تحسنونه للوكالة.
وسلامنا إلى كافة الأهل والإخوان.
لا زلنا ننتظر كتاب "العارضة" من الأستاذ الشيخ أبي الحسين النجار
__________
(1) توفيق بن حبيب ملكية، من رجال الصحافة في مصر. كان يوقع بعض المقالات باسم: "الصحافي العجوز"، ولد وتوفي بالقاهرة (1297 - 1360 ه = 1880 - 1941 م)
(2) من علماء الأزهر، ومن كتاب مجلة "الهداية الإسلامية".
(3) محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، كاتب إسلامي كبير وصحفي، ولد في دمشق، وتوفي بالقاهرة (1303 - 1389 ه = 1886 - 1969) عمل في السياسة، وحكم عليه الأتراك بالإعدام غيابياً، أصدر في القاهرة مجلتي: "الزهراء"، و"الفتح"، وكان من مؤسسي "جمعية الشبان المسلمين" مع الإمام محمد الخضر حسين، وله المطبعة السلفية ومكتبتها، له تصانيف عديدة: الحديقة - تاريخ مدينة الزهراء بالأندلس - الرعيل الأول في الإسلام - ذكرى موقعة حطين - وغيرها.
(4) كلمة غير واضحة في الرسالة، وأعتقد أنها (إذا).
(5) محمد الثميني وعبد العزيز أصحاب مكتبة - نهج ابن عروس تونس.
(11/ 2/74)

ليستعان به على التصحيح، وقد أعطيتهم نسختي، ولكنها محرفة تحريفاً فاحشاً. سننشر في عدد محرم محاضرة شيخ الإسلام في مجلة "الهداية الإسلامية".
ودمتم بخير، والسلام من أخيكم - محمد الخضر حسين
(11/ 2/75)

كتاب موجه إلى وزير المعارف المصرية (1)
حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فقد عرف الناس منذ سنين أن الدكتور طه حسين يعمل لهدم العقائد الإسلامية، وإفساد الأخلاق الكريمة، فكانوا يأسفون الأسف الشديد على طائفة من شبابنا يدخلون الجامعة ليتغذوا بلبان العلوم الصافية والتربية الصحيحة، فيقعون بين يدي هذا الرجل الذي يعمد إلى تلك الفطر السليمة، فينفخ فيها زيفاً، ويثير فيها أهواء، بل دلت محاضراته ومؤلفاته على أنه ينحو بالطلاب نحواً يبعد بهم عن طريق التفكير المنتجة.
__________
(1) محمد حلمي عيسى باشا، حقوقي، وزير، من أفاضل رجال مصر، عضو في المجلس النيابي، عمل في القضاء والإدارة، وكان وزيراً للمواصلات، ثم للمعارف، ولد في "أشمون" بالمنوفية، وتوفي بالقاهرة (... - 1373 ه = ... - 1953 م). له كتاب "شرح البيع في القوانين المصرية والفرنسية وفي الشريعة الإسلامية".
ونشرت مجلة "الهداية الإسلامية" في الجزء السادس من المجلد الرابع وتحت عنوان "وزير المعارف يقوض صرح الإلحاد في مصر" الكلمة التالية:
في الأسبوع الثاني من هذا الشهر أصدر معالي حلمي عيسى باشا وزير المعارف =
(11/ 2/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قراراً بنقل الدكتور طه حسين من مرتبة عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية إلى مرتبة التفتيش بالديوان العام في الوزارة، فوقع هذا القرار من نفوس الناس جميعاً -ما عدا إخوان الدكتور- موقع الارتياح، ولهجت الألسنة بشكر معالي الوزير.
وفي يوم الخميس 10 ذي القعدة 1350 ه وقف معالي الوزير، وألقى بياناً ضافياً إجابة عن سؤال النائب المحترم أحمد والي الجندي. جاء في هذا البيان ما يأتي: "ومن هذا الكشف ترون أن الدكتور طه حسين منذ اشتغل بالتدريس في الجامعة بدأ عمله في إخراج كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي قامت حوله ضجة في قاعة مجلس النواب في يوم الاثنين 13 سبتمبر 1926، وتقدم بشأنه اقتراح نصه:
1 - مصادرة وإعدام كتاب طه حسين المسمى: "في الشعر الجاهلي" بمناسبة ما جاء فيه من تكذيب القرآن الكريم ... إلخ.
2 - تكليف النيابة العامة برفع الدعوى على طه حسين مؤلف هذا الكتاب؛ لطعنه على الدين الاسلامي دين الدولة.
3 - إلغاء وظيفته من الجامعة ... إلخ، وقد استبدل به الدكتور طه حسين كتاب "الأدب الجاهلي"، وله رسائل منها ما ترجمه عن اللغات الأجنبية، وأبحاث ألقيت كمحاضرات في بعض المؤتمرات، والباقي رسائل جمعت مما نشر في الصحف ... إلخ".
وقد تكلم الأستاذ أحمد والي الجندي بعد انتهاء الوزير من بيانه، فقال: إلي كلمتان موجزتان بعد هذه الإجابة القيمة، فأما الكلمة الأولى، فهي أن معالي الوزير كشف لنا عن حقائق رسمية لا يرتقي إليها الشك بحال. فكان من هذه الحقائق: أن الدكتور طه حسين لم تتجاوز مؤهلاته العلمية منزلة غيره من أساتذة الجامعة ... إلخ. ومنها: أن هذا الرجل الذي يزعمون أنه المثل الأعلى في التخلق بفضيلة العلم لم يستبح لنفسه أن يخون أمانة العلم وحدها، ولكنه استباح لها أيضاً أن يخون أمانة المال. وإذن، فوجب أن نضيف إلى هذه الحقائق حقيقة أخرى، وهي أن الضجة التي افتعلوها تؤيد هذه الخيانات، ثم تساءل قائلاً: هل تجتزي وزارة المعارف، وقد تكشف لها سيرة الدكتور طه حسين عما يسوقه إلى مجلس التأديب؟ أبعد هذا تجتزي الوزارة بنقله إلى وزارة المعارف؟ ". وفي غضون هذه الحوادث استقال مدير الجامعة لطفي بك السيد صديق الدكتور، وفي =
(11/ 2/77)

وطالما ضجت الأمة ورفعت صوتها بالشكاية من نزعته المؤذية للدين، المفسدة للأخلاق، المعكرة لصفو العلم، وطالما ترقبت أن ترى من ناحية وزارة المعارف ما يحقق أمنيتها، فكنت يا صاحب المعالي ذلك الوزير الذي عرفت حقيقة الدكتور طه حسين كما هي، فأقصيته عن دائرة التعليم وأرحت ضمائر الأمة.
فكفاك مفخرة أن حميت الدين والفضيلة والعلم من لسانِ شدّ ما جهل عليها، وأفسد في طريقها، وإن جمعية الهداية الإسلامية التي تنظر إلى تصرفات وزارة المعارف من ناحية الدين والعلم والأخلاق، لتقدم لمعاليكم أخلص الشكر على هذه الهمة الدالة على ما رزقتموه من غيرة وحزم وسداد رأي.
وتفضلوا يا صاحب المعالي بقبول عظيم الاحترام
رئيس جمعية الهداية الإسلامية
رئيس جمعية الهداية الإسلامية
محمّد الخضر حسين
محرم 1351
__________
= يوم 21 مارس الجاري استدعي طه حسين للتحقيق، فامتنع، ونشرت الجرائد أن معالي الوزير قرر مصادرة كتاب "الأدب الجاهلي".
وفي يوم الاثنين 21 ذي القعدة انعقد مجلس النواب، وعرض فيه استجواب النائب المحترم الدكتور عبد الحميد سعيد الموجه إلى معالي وزير المعارف خاصاً بهذه المسألة، فألقى صاحب الاستجواب خطاباً أتى فيه على سلسلة إساءات من طه حسين للدين والأخلاق، وطلب تنحيته من وزارة المعارف حتى لا يكون له تأثير على مناهج التعليم، وكان المجلس بأجمعه مشاركاً لحضرة الخطيب فيما أورده من الحقائق، وفيما طلبه من وزارة المعارف ... إلخ".
(11/ 2/78)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
حضرة الأديب الأخ محمد المكي حسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمه الله.
عدت من الأقطار الحجازية في خير، والحمد لله. تأخرت مكاتبتي لكم؛ لكثرة أشغال المجلة والجمعية والتدريس، مع شؤون أخرى هي من متعلقات سفرنا إلى الحجاز.
أختنا لا زالت هنا، ولعلها تسافر بعد أسبوع، وصل السيد الطاهر، وزارنا بالأمس في "نور الإسلام"، وفطوره اليوم عندنا بالبيت. نظمت قصيدة ضمنتها شيئاً من رحلتنا، وما قضيناه من المناسك، وزيارة الروضة الشريفة، وهي من بحر قصيدة:
ألبرقٍ لائحٍ من أندرينْ ... ذرفت عيناك بالماء المعينْ (1)
__________
(1) أدى الإمام محمد الخضر حسين فريضة الحج سنة 1351 ه. ونظم قصيدة بعنوان: (مشاهداتي في الحجاز) 82 بيتاً، ومطلعها:
ألمجد لا ينال القاطنين ... ودعَّ الصحب وحيا الظاعنين
نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الخامس، وفي ديوان الإمام "خواطر الحياة".
(11/ 2/80)

ورويِّها. التقيت في إحدى المحطات بطريق المدينة بالسيد الحاج محمد بن الشيخ صالح برغريسي، وفي منى بأحد الإخوان بالدويرات أخبرني أنه مقدم لابن أخينا سيدي مصطفى (1)، وفي مكة بالسيد الحاج مازوز إلخ.
وسأرسل لكم السُّبح مع السيد الطاهر بن مصطفى، وبلغوا سلامنا إلى كافة الأهل، والسيّدة (2) في خير، وكذلك خالتها، وسيدي أحمد الأمين (3) في خير، وقد أقمت في المدينة المنورة 8 أيام، وسننشر -إن شاء الله- شيئاً مما كتبناه في الرحلة.
والسلام عليكم ورحمة الله
أخوكم
محمّد الخضر حسين
في 2 صفر 1352 - القاهرة
__________
(1) مصطفى بن علي بن الحسين - ابن أخ الإمام.
(2) ابنة أخ الإمام، توفيت بالمدينة المنورة، وهي زوجة المرحوم العالم صالح الفضيل التونسي المدرس في الحرمين المكي والنبوي ..
(3) ابن خال الإمام، وقد مرت ترجمته.
(11/ 2/81)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ العلامة أخي العزيز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة الأعظم.
السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد:
فأقدم لفضيلتكم حضرة الماجد الأديب السيد أحمد فكري أحد طلاب بعثة الفنون الجميلة في باريس، وهو نجل حضرة المفضال الأستاذ صديقنا علي أفندي فكري (1) الأمين الأول لدار الكتب المصرية.
وقد وضع السيد أحمد رسالته التي يريد تقديمها للامتحان في الحضارة الإسلامية، وهذا يستدعي دراسة الآثار والمساجد الإسلامية. وقد عزم السيد المذكر على زيارة تونس، وأخذ صور لمساجدها، ومن جملتها الجامع
__________
(1) علي بن عبد الله فكري، كان مدرساً بوزارة المعارف، ونقل إلى دار الكتب المصرية سنة 1913، كثير المصنفات، منها: القرآن ينبوع العلوم والعرفان - آداب الفتى - آداب الفتاة - عظة النساء - مسامرات البنات - المكاتبات الفكرية - الآداب الإسلامية - السمير المهذب - أحسن القصص - المعاملات المادية والأدبية - الإنسان ... وغيرها. ولد وتوفي بالقاهرة (1296 - 1372 ه = 1879 - 1953 م).
(11/ 2/82)

الأعظم، فأرجو من فضيلة الأستاذ المعروف بكرم الأخلاق وسماحة الآداب وتشجيع طلاب العلم أن يساعد الفاضل أحمد أفندي فكري على مهمته، والسماح بأخذ صور للجامعة الزيتونية، حتى يعود لمصر وهو لمساعدة فضيلتكم من الشاكرين.
وأعز تحيتي إلى السادة الفضلاء الأساتذة: السيد علي الرضا، والسيد موسى الكاظم، والسيد الفاضل، وآل بيتكم الطاهر قاطبة، وتفضلوا بقبول عظيم احترامي.
أخوكم
محمّد الخضر حسين
في 7 ربيع الأول 1352 - القاهرة
(11/ 2/83)

خطاب مفتوح إلى الأستاذ السيد محمد رشيد رضا
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ السيد محمد رشيد رضا (1) صاحب مجلة "المنار" الغراء.
السلام عليكم ورحمة الله.
__________
(1) صدرت مجلة "نور الإسلام" عن الجامع الأزهر في محرم سنة 1349 ه، واستلم رئاسة تحريرها الإمام الخضر حسين من الجزء الأول فيها حتى ربيع الآخر سنة 1352 ه. وقدم في الجزء الأول من المجلة شرحاً لسياسة المجلة.
نشر السيد محمد رشيد رضا مقالاً في مجلة "المنار" الجزء الصادر في ربيع الأول، تضمن تقريظاً ونقداً، ولكن بيدو أن النقد هو الغاية المتقدمة، والتقريظ غلاف لها. كما يبدو أن المكانة العلمية التي حفت بالإمام منذ أن حل بالقاهرة، قد أثارت في صدور بعض الناس أشجاناً ... وضربوا في طريق بعيد عن النهج العلمي.
ولما كان القرآن الكريم هو خلق الإمام محمد الخضر حسين، فقد جاء الرد على النقد والتقريظ في حدود الأدب الإسلامي. وندع الحكم للقارئ في مضمون الرسالة .. ولا نزيد على ذلك ..
نشر الخطاب المفتوح في مجلة "الهداية الإسلامية" الجزء الأول من المجلد الثالث تحت عنوان: "للحقيقة والتاريخ". كما نشر رد تحت عنوان: "لحقيقة والتاريخ - نقد مقال في مجلة المنار" في الجزء الرابع من المجلد الثالث.
(11/ 2/84)

أما بعد:
فقد قرأت ما كتبتموه في الجزء الصادر في ربيع الأول من مجلتكم الزاهرة تقريظاً ونقداً لمجلة "نور الإسلام"، فأشكركم على النقد بمقدار ما أشكركم على التقريظ.
وإنا لنعلم أن مجلة كمجلة "نور الإسلام" يراقبها طوائف تختلف مذاهبهم، وتتفاوت أنظارهم، وتتباعد أغراضهم، ليس في استطاعة القائمين بها أن يخرجوها على ما يوافق رغبة الطوائف بأجمعها حتى لا تلاقي إلا رضاً عنها وتقريظاً.
فنحن على اعتقاد يشبه اليقين: أن المجلة ستواجه ضروباً مختلفة، هذا ينقدها في إشفاق ورفق، وذاك ينقدها في قسوة وعنف، وربما كان من الفريقين حسن النية سليم القصد، وما علينا إلا أن ننظر إلى وجه النقد، فنتقبله إن كان في نظر الدين والعلم وجيهاً، فإن رأينا الصواب في جانبنا، قررنا وجهة نظرنا بالتي هي أحسن؛ حرصاً على أن يكون العلم صلة تعارف وائتلاف، فلا عتب علينا إذا كنا قد قرأنا في تقريظكم كلمات معدودة، ألقيتموها بقصد خدمة الحقيقة والتاريخ، فلم تقع الموقع الذي قصدتم إليه، فكانت وجهة نظرنا فيها غير وجهة نظركم، وشعرنا بأن الحقيقة والتاريخ لا يسمحان لنا بالسكوت عنها، وفضيلتكم من أول الداعين إلى إيثارهما على كل ما يقضي الأدب الجميل برعايته.
قلتم في التقريظ: "إن فضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي (1) شيخ
__________
(1) محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي، إمام الجامع الأزهر، وعالم بالتفسير، ولد في "مراغة" من صعيد مصر، وتوفي بالإسكندرية، ودفن بالقاهرة =
(11/ 2/85)

الجامع الأزهر قد جعلني مدرساً في قسم التخصص من الأزهر بعناية خاصة استثنائية". والواقع أن مجلس الأزهر الأعلى قد ندبني للتدريس بقسم التخصص قبل ولاية فضيلة الشيخ المراغي مشيخة الأزهر بنحو سنة، وكان الذي يرأس المجلس الأعلى وقتئذ حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعة (1) مفتي الديار المصرية سابقاً، وكان لذلك الحين رئيساً لقسم التخصص أيضاً.
قلتم: "إنكم عجبتم لي حيث لم أذكر الشيخ محمد مصطفى المراغي في الخلاصة التاريخية التي كتبتها في فاتحة العدد الأول من مجلة "نور الإسلام"، مع أن له الفضل في تنفيذ هذا المشروع، كما أن له الفضل علي، وإن لم أكن من أعضاء جمعيته أو حزبه".
إذا لم أذكر اسم فضيلة الأستاذ الشيخ المراغي، فقد ذكرت أن المجلس الأعلى حينما أخذ ينظر في ميزانية سنة 1929 أدرج فيها مبلغاً للمجلة، ومعلوم من ذكر التاريخ أن المجلس الأعلى الذي قرر هذا المبلغ كان تحت رياسة الأستاذ الشيخ المراغي، فللأستاذ المراغي نصيبه من فضل هذا المشروع، ولا يلزم المندوب لرياسة تحرير المجلة أن يكون على علم من مقدار هذا النصيب حتى إذا لم يتعرض له في فاتحة المجلة عد متهاوناً بحق
__________
= (1298 - 1364 ه = 1881 - 1945 م، له تصانيف عديدة في تفاسير بعض السور، وبحوث في التشريع الإسلامي.
(1) عبد الرحمن بن محمود بن أحمد قراعة، من كبار علماء الأزهر، ومفتي مصر، ولد في بندر أسيوط، وتوفي بالقاهرة (1279 - 1358 ه = 1862 - 1939 م)، له رسالة "بحث في النذور وأحكامها".
(11/ 2/86)

التاريخ، أو غير معترف بالفضل.
وما بال فضيلتكم تعجبون لعدم ذكر رئيس المجلس الأعلى الذي قرر المبلغ الذي ينفق على المجلة، وتعدونه استخفافاً مني بحق التاريخ، ونكراناً لفضل ذلك الرئيس علي، ولم يعجب أحد من مريدي صاحبي الفضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ أبي الفضل (1)، والأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعة لعدم ذكر اسميهما، وقد كان الشيخ أبو الفضل يرأس المجلس الأعلى الذي قبل اقتراح مشروع المجلة سنة 1926، وكان الأستاذ الشيخ قراعة يرأس المجلس الذي ألف لجنة لوضع تقرير في هذا الاقتراح سنة 1927، وهذا العمل بالنظر إلى كونه الأساس الذي يقام عليه المشروع عمل لا يستهان به.
ولا أرى إلا أن مريدي فضيلة الأستاذين الشيخ أَبى الفضل والشيخ قراعة قرؤوا فاتحة المجلة، وقد حضرهم أن المندوب لرياسة التحرير إذا نسب العمل إلى المجلس الأعلى، مع ذكر تاريخ انعقاده، فقد قضى واجب التاريخ عليه، وليس من واجب التاريخ عليه أن يسمي رئيس المجلس، أو أعضاءه في خلاصة قصد بها الإشارة إلى تاريخ نشأة المشروع والأطوار التي مر عليها، حتى صار عملاً ظاهراً.
وعلى فرض أن كون قد أجملت القول في مواضع تعلمون منها أكثر مما أعلم، كان لفضيلتكم أن تكتبوها للتاريخ في صفاء خاطر، متحامين الكلمات التي يسبق إلى أذهان بعض الناس أنها مصنوعة لتثير غبار فتنة،
__________
(1) محمد أبو الفضل الوراقي الجيزاوي، فقيه مالكي، وشيخ الجامع الأزهر، ولد في وراق الحضر بضواحي القاهرة، وتوفي بالقاهرة (1263 - 1346 ه = 1847 - 1927 م). من مصنفاته: كتاب على شرح العضد وحاشيتي السعد والسيد.
(11/ 2/87)

ومثل هذه الفتنة لو أيقظها غيركم، لكان من واجب الدين وسماحة الأخلاق عليكم أن تبادروا إلى إخمادها، وواجب الدين وسماحة الأخلاق قبل كل داعية.
وأنا لا أستنكف أن يكون للأستاذ المراغي عندي يد، ولكن التدريس الذي تعنونه بقولكم: "كما أن له الفضل عليه نفس" قد عرف الناس أني ندبت له من قبل أن يتولى فضيلته منصب المشيخة، على أني أربأ بكم أن تزنوا العلم بهذا الميزان، وتجعلوه أنقص قدراً من متاع هذه الحياة؛ إذ سميتم ندبي للتدريس فضلاً من النادب علي، بدل أن تجعلوه إخلاصاً منه للمعهد الذي تولى أمره ليدير شؤونه بنصح وأمانة.
وإذا لم أكن من جمعية الأستاذ الشيخ المراغي، فلأني لا أذكر أن أحداً من الناس عرض علي قانون جمعية أو حزب يدعى بهذا الاسم فأعرف مبادئه، والغاية التي تألف من أجلها، ولست ممن يحب أن يحشر نفسه في كل حزب أو جمعية، وإن لم يعرف مبادئها، ويطمئن إلى الغاية التي ترمي إليها.
نقدتم ما جاء في فاتحة المجلة من أنها لا تمس السياسة في شأن، وقلتم: إن هذا حرمان لمحرريها من خدمة الإسلام، والدفاع عنه بالسكوت عن أمور كثيرة يجب بيانها، وجواب هذا: أن المجلة إذا تجنبت التدخل في النزعات السياسية، فإن أقلام محرريها لا تقف دون الكتابة فيما يصيب الشعوب الإسلامية من مكاره، أو فيما تراه مخالفاً للدين، ولو كان من أعمال الإدارة الداخلية، غير أنها تكتب في مثل هذا على وجه الوعظ والإرشاد، فلا يخرج عن دائرة مجلة "نور الإسلام" أن تكتب في إنكار بعض تصرفات يعتدى بها على حق ديني لأحد الشعوب الإسلامية، ولا يخرج عن دائرتها أن تطالب
(11/ 2/88)

بنحو إلغاء البغاء الرسمي، أو احترام المحاكم الشرعية فيما إذا خطر لأحد رجال الإدارة أن ينقص مما هو داخل في اختصاصاتها، أو الاحتفاظ باللغة العربية فيما إذا رأى ذو سلطة اهتضام جانبها، إلى غير هذا من الشؤون التي تحفظ على الأمة دينها ولغتها، ويرغب أولو السياسة الرشيدة أنفسهم أن يعلموا حكم الدين في أمثالها.
ونقدتم ما جاء في فاتحة المجلة من قولنا: "لا تنوي أن تهاجم ديناً بالطعن، ولا أن تتعرض لرجال الأديان بمكروه من القول"، وحملتم هذه العبارة على معنى أنها لا ترد على المخالفين إذا هاجموا الإسلام، وقلتم: "إن العلماء لا يستطيعون القتال بالسلاح، فهم يستطيعون الجهاد بالقلم واللسان، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وإن كرهوها".
ولو صدر هذا النقد من غير فضيلتكم، لقلنا: إنما يريد أن يكثر سواد وجوه النقد، ولكن مكانكم أرفع من أن يقصد إلى هذه الغاية، ذلك لأنا نقول في فاتحة المجلة: "تناقش المجلة الأشخاص والجماعات الذين يقولون في الدين غير الحق، مقتدية في مناقشتها بأدب قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
وإذا قالت: إنها لا تنوي أن تهاجم ديناً بالطعن، أو قالت: لا تتعرض لرجال الأديان بمكروه من القول، فإنما تريد الترفع عن بذاءة القول، والخروج عن دائرة البحث العلمي إلى ما يهيج البغضاء، دون أن يكون له في تقرير الحقائق أو إزهاق الباطل أثر كثير أو قليل.
وأظن حضرات قراء مجلة "نور الإسلام" إنما يذهبون في فهم هذه الجمل إلى أننا نظرنا عند صوغها إلى قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
(11/ 2/89)

الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]. وقد أصبح حكماء الكتاب يصوغون دفاعهم على قدر بيان الحق، أو كشف شبه الباطل، ولا يحسون من أقلامهم نزوعاً إلى السوء من القول، ومن كان في ثروة من الحجج، لا يرى نفسه في حاجة إلى أن يستعين في دفاعه أو هجومه بشيء من اللمز والبذاء.
هذا وظننا في الأستاذ أنه ينقد في إخلاص، ويتلقى الجواب في سكينة وإنصاف، وسلام عليك يوم تقرظ ويوم تنقد، ويوم تكون للحق ولياً.
محمّد الخضر حسين
(11/ 2/90)

للحقيقة والتاريخ نقد مقال في مجلة المنار
كتبت مجلة "المنار" الغراء مقالاً سمته: رداً تتجلى فيه الحقيقة والتاريخ، وقد وقع في هذا المقال -على الرغم من سلامة ضمير الأستاذ صاحب المجلة، وقصده إلى بيان الحقيقة- جمل غير قابلة لأن تدخل في التاريخ الصحيح، وأحق هذه الجمل بتهذيب يجعلها صالحة لأن تدل على حقيقة، أو تحفظ تاريخاً ثلاثة مواضع، أحسسنا أن التاريح يدعونا بإلحاف أن نقول فيها ما نعلم، وللتاريخ الذي يتحرى الحقائق دعوة لابد لها من إجابة، وما عدا هذه المواضع الثلاثة ليس في وقتنا ما يسع نقده.
قال فضيلة الأستاذ متعرضاً لجمعية الهداية الإسلامية: "ويعتقد كثير من الناس أن لجمعية الخضر مقاصد حزبية".
والواقع أن طائفة من طلاب العلم شعروا بالحاجة إلى تأسيس جمعية إسلامية، فقاموا يترددون على كثير من كبار العلماء، يعرضون عليهم هذه الحاجة، فوجدوا من الأساتذة ارتياحاً وتشجيعاً، وجاءني بعض هؤلاء الطلاب، وكنت يومئذ مصححاً في دار الكتب، ودعوني إلى حضور أول اجتماع عقدوه، فأجبت الدعوة، وشهدت اجتماعهم الأول الذي قرؤوا فيه قانون الجمعية للتنقيح، وفي الاجتماع الثاني سمعتهم يلقون خطباً في الأسف على ما هوجم به الدين من ناحية الإلحاد، فكان لهذه الخطيب وقع في النفس كبير، وعزمت
(11/ 2/91)

وقتئذ على أن أكون فيمن يشد أزرهم، ثم اجتمعوا لانتخاب مجلس الإدارة، وحضر هذا الاجتماع أساتذة من الأزهر، وأساتذة من دار العلوم، وكان المنتخبون أعضاء لمجلس الإدارة حضرات الأساتذة: الشيخ علي محفوظ (1)، والشيخ محمد عبد المطلب (2)، والشيخ عبد الوهاب النجار (3)، والشيخ علي أبو درة (4)، والشيخ عبد الجليل عيسى (5)، والشيخ مصطفى بدر (6)، والشيخ
__________
(1) علي محفوظ المصري، من هيئة كبار العلماء، ومن كبار الواعظين، وأستاذ الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين بالجامع الأزهر (... - 1361 ه = ... -1932 م).
من مؤلفاته: سبيل الحكمة - هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة.
(2) من علماء الأزهر، ومن مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(3) عبد الوهاب بن الشيخ سيد أحمد النجار، من الفقهاء المصريين، ولد في القرشية من قرى الغربية بمصر، وتوفي بالقاهرة (1278 - 1360 ه = 1862 - 1941 م)، عمل أستاذاً للتاريخ الاسلامي في الجامعة المصرية، وأستاذاً للشريعة في دار العلوم، له تصانيف عديدة، منها: تاريخ الإسلام في ستة أجزاء - قصص الأنبياء - تاريخ الخلفاء الراشدين.
(4) محمد بن عبد المطلب بن واصل، أديب وشاعر وخطيب، ولد في "باصونة" من قرى جرجا بمصر، وتوفي بالقاهرة (1288 - 1350 ه = 1871 - 1931 م)، تلقى علومه في الأزهر، وعمل مدرساً، له مصنفات، منها: تاريخ أدب اللغة العربية -إعجاز القرآن- وله ديوان شعر مطبوع.
(5) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(6) مصطفى بن بدر زيد، تلقى علومه بالجامع الأزهر، وعمل مدرساً في كلية الشريعة، ولد في شباس الملح في الغربية، وتوفي بالقاهرة (... - 1350 ه = ... - 1931 م)، من تآليفه: المنتخب في تاريخ أدب العرب - البلاغة التطبيقية - رسالة التكسب بالشعر.
(11/ 2/92)

عبد الله عبد المقصود (1)، والشيخ يوسف حجازي (2)، والشيخ عبد الباقي سرور (3)، والشيخ أحمد مصطفى المراغي (4)، والشيخ عبد ربه مفتاح (5)، والشيخ محمد الأودن (6)، والدكتور عبد العزيز قاسم (6)، وعبد الحميد أفندي مدكور (6)، والدكتور عبد الحميد الغمراوي (6).
هؤلاء أعضاء مجلس الإدارة، ولو كان للحزبية يد في تأسيس هذه الجمعية، لظهر لها أثر في انتخاب مجلس الإدارة، وأهل القاهرة، بل أهل مصر يعلمون أن هيئة مؤلفة من هؤلاء الأساتذة لا تخدم حزباً، ولا تعمل لغير مصلحة الإسلام والأمة.
وبعد انتخاب مجلس الإدارة، بقي أياماً يجتمع في بيت فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد المطلب، ثم انتقل إلى غرفة صغيرة بعيادة الدكتور عبد العزيز قاسم، استمر على الاجتماع بها نحو سنة، وهو مكتف من العمل بالقاء
__________
(1) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(2) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(3) عبد الباقي سرور نعيم، كاتب إسلامي تعلم بالأزهر، وتولى تحرير جريدة "الأفكار" اليومية، ولد وتوفي بقراقص من قرى دمنهور بمصر (... - 1347 ه = ... - 1928 م). له تصانيف، منها: الإسلام ماضيه وحاضره - تنزيه القرآن الشريف عن التغيير والتحريف.
(4) أحمد بن مصطفى المراغي، من العلماء المفسرين، عمل مدرساً في دار العلوم، توفي بالقاهرة (... - 1371 ه = ... - 1952 م). من تصانيفه: تفسير المراغي في ثمانية مجلدات - الوجيز في أصول الفقه - علوم البلاغة.
(5) عالم أزهري من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية".
(6) من مؤسسي جمعية "الهداية الإسلامية"، والعاملين في الدعوة الإسلامية.
(11/ 2/93)

محاضرات في المساجد، وأخرى في نادي جمعية الشبان المسلمين، أو جمعية مكارم الأخلاق، وطالما فكر في إنشاء مجلة، ولكنه لم يجد من المال ما يسهل عليه الإقدام على هذا المشروع، حتى زار فضيلة الأستاذ الزعيم الكبير الشيخ كامل القصاب غرفة الجمعية، واجتمع ببعض الأساتذة من أعضاء مجلس الإدارة، واطلع على غرض الجمعية، وعندما ذكرت له بأن الجمعية تهم بإنشاء مجلة إسلامية، ارتاح لهذا العمل، وهزته غيرته الدينية إلى أن أمدَّ الجمعية بعشرين جنيهاً، فجمع إليها حضرات أعضاء مجلس الإدارة ما تيسر، وكان هذا أساس إنشاء المجلة.
ثم رأى المرحوم الأستاذ أحمد تيمور باشا الجمعية سائرة في خدمة الدين على خطة مرضية، فأخذ يساعدها ما استطاع، حتى ظهرت، وعرف الناس إخلاصها، وبلغت ما بلغته اليوم، وها هي تلك مجلتها قد دخلت في سنتها الثالثة، فهل وقف لها قراؤها على صحيفة أو سطر في التعرض لحزب، أو الانتصار لحزب، صراحة أو تعريضاً؟؟!
فأعضاء جمعية الهداية الإسلامية برآء من أن يتخذوا اسم الدين وسيلة إلى مقاصد حزبية، وإذا كان في أهل العلم من يعمل لغير الدين باسم الدين، فذلك صنف لا تعرفه جمعية الهداية.
وهل لفضيلة الأستاذ أن يقيم شاهداً، أو أمارة -ولو خفية- على أن الجمعية أنشئت لمقاصد حزبية؟. وإذا كان هذا الشيء قد أوحاه إليه بعض من مرد على مناوأة الجمعيات الإسلامية، فما كان للأستاذ أن ينسى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
(11/ 2/94)

وذكر فضيلة الأستاذ ندبي للتدريس بقسم التخصص سنة 1927، وقال: إنه "بمكافاة شهرية قدرها ثمانية جنيهات مصرية في كل شهر من شهور الدراسة فحسب".
وقال: "هذا ما كان قبل مشيخة المراغي، وأما ما كان فيها، فهو أنه قد عرض على مجلس الأزهر الأعلى مذكرة بطلب تعيين الشيخ الخضر مدرساً بالأزهر براتب قدره خمسة جنيهات في كل شهر بعقد من 16 نوفمبر سنة 1927، فوافق المجلس عليها، فصار مدرساً ثابتاً، وارتقى ما يأخذه من مكافاة في مدة العمل، وقدرها 72 جنيهاً إلى راتب يبلغ في السنة 180 جنيهاً".
الواقع أنني كنت مصححاً بالقسم الأدبي من دار الكتب، وأتسلم منها نحو ثلاثة عشر جنيهاً في الشهر، ثم ندبت للتخصص على أن ألقي فيه أربعة دروس في الأسبوع بمكافأة قدرها ثمانية جنيهات، وكنت أجمع بين التدريس في التخصص، والتصحيح بدار الكتب، وانقضت السنة وأنا أقوم بالعملين، وأتسلم المكافأتين، وليس بموافق للحقيقة ما جاء في عبارة فضيلة الأستاذ من أن المكافاة في التخصص لشهور الدراسة فحسب، بل كنت أتسلمها لشهور السنة كلها، إذن كانت مكافأتي من التخصص 96 جنيهاً، لا 72 كما قال صاحب الفضيلة.
ولما جاء عهد مشيخة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ المراغي، جرى حديث مع المشيخة أن أترك التصحيح بدار الكتب، وأقتصر على التدريس بالأزهر، فزيد على المكافأة سبعة جنيهات، وصارت الدروس سبعة في الأسبوع بعد أن كانت أربعة، وكتب على هذا عقد بسنة فحسب، والتعيين بعقد لا يصير
(11/ 2/95)

به المعين مدرساً ثابتاً كما جاء في عبارة فضيلة الأستاذ، وبعد انتهاء مشيخة فضيلة الأستاذ الشيخ المراغي جدد العقد لسنتين، وجعلت الدروس خمسة فحسب.
وقال فضيلة الأستاذ: إني فرنسي تبعة، وإني مشمول بالحماية الفرنسية، والواقع أني بارحت تونس بقصد الإقامة في دمشق الشام سنة 1331، وعندما نزلتها، كتبت اسمي في سجل التابعين للحكومة العثمانية، وأعطيت الورقة الرسمية المسماة: "ورقة النفوس"، وبعد انتهاء الحرب قدمت مصر، وكلما اقتضى الحال أن أكتب تبعيتي في ورقة رسمية، أثبت فيها أني تابع للحكومة المحلية، ولا أعرف إلى كتابة هذه الأسطر مكان السفارة أو القنصلية الفرنسية في القطر المصري، ولا أدري في أي شارع من شوارع القاهرة هي، فإن أراد فضيلة الأستاذ من الحماية أو التبعة: أن فرنسا واضعة يدها على تونس، فذلك وصف يشترك فيه من وقعت أوطانهم تحت تلك اليد الأجنبية؛ كالجزائر، ومراكش، وسوريا. ونحن نذكر فضيلة السيد بأن مثل هذا الذي شغل به صحفاً كثيرة من مجلته الدينية الخلقية غير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم.
محمّد الخضر حسين
(11/ 2/96)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
حضرة العلامة الجليل الأستاذ الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -أبقاه الله للعلم والفضيلة-.
السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد إبداء أحر الشوق:
فإن ما حررتموه في الوقف قد ألقي محاضرة في الجمعية بعد. . . . (1) في الصحف، ألقيت قسماً منه بنفسي، ولم أستطع إتمامه لأثر نزلة شعبية عرضت لي منذ شهر، وأتم المحاضرة أحد أعضاء الجمعية، وهو الشيخ عبد الوهاب سليم (2) من علماء التخصص. وكان لها وقع حسن في الحاضرين. وأخذ الحديث عنها ينتشر في نوادي أهل العلم والمحاكم الشرعية حيث إن للمسألة شأناً في هذه الظروف.
وقد نشرنا نصفها في الجزء الرابع من المجلة (3)، وننشر الباقي في
__________
(1) كلمة غير واضحة في الأصل
(2) من كبار علماء الأزهر، وعضو جمعية "الهداية الإسلامية".
(3) مجلة "الهداية الإسلامية".
(11/ 2/97)

الجزء الخامس، ثم تطبع منها 500 نسخة لتوزع على أعضاء مجلس الشيوخ والنواب.
أخبرتني محطة الإذاعة بأنها عينت لمحاضرتنا "الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية" (1) الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الثلاثاء 2 فبراير.
وأرجو إبلاع أزكى التحيات إلى حضرات السادة: آل عاشور، وآل محسن (2)، وسائر إخواننا الأعزاء. ودمتم في رعاية الله.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم أخوكم
محمّد الخضر حسين
22 يناير - القاهرة
في 9 ذي القعدة
__________
(1) محاضرة أدبية نشرت في العدد السادس من المجلد التاسع - مجلة "الهداية الإسلامية".
وضممتها إلى دراساته الأدبية في كتاب "الخيال في الشعر العربي، ودراسات أدبية". وطبع عدة مرات.
(2) من العائلات المعروفة في تونس بالصلاح والتقوى والعلم. وتوجد قرابة بينهم وبين آل عاشور. والشيخ محمود محسن من أئمة وخطباء جامع الزيتونة ابن خالة الإمام محمد الطاهر بن عاشور.
(11/ 2/98)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
فضيلة العلامة النحرير، الأستاذ الهمام، صديقي الأعز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -أبقاه الله تعالى للعلم والصداقة الخالصة-.
السلام عليكم ورحمة الله.
تشرفت بخطاب فضيلتكم، وخفف بما بعثه في نفوسنا من الأنس بعض ألم البعد، فأرجو أن يطيل الله بقاءكم، ويشملكم بالعز والرعاية.
وصلني بحث "المترادف"، وهو بحث ممتع بديع، وقد قدمته إلى رئيس المجمع محمد توفيق رفعت باشا (1)، بعد أن ذكرت له سمو مقامكم العلمي، وهو سلمه إلى لجنة المجلة، ولا أظنهم إلا أن يعجبوا به، وسأتصل بهم بعد مطالعتهم له. السيد عبد الوهاب التازي (2) لم يقدم، وأصحاب المطبعة ينتظرون قدومه، أو قدوم والده، فعندما يقدم أحدهما أنهي معه
__________
(1) محمد توفيق بن أحمد رفعت "باشا"، وزير المعارف والمواصلات، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ولادته ووفاته بالقاهرة (1283 - 1363 ه = 1866 - 1944 م).
(2) ملتزم طبع كتاب "العارضة" في القاهرة، وأعتقد أنه من التجار التونسيين المقيمين فيها.
(11/ 2/99)

مسألة كتاب "العارضة".
اليوم انتهت الدورة الثالثة للمجمع، وقد عقدنا خمساً وثلاثين جلسة كعادته في السنين الماضية، وسيؤلف من جديد، ويكون أعضاؤه ثلاثين، ويقال: إن في نية الوزارة إعادة تعيين الأعضاء الموجودين، وتزيد عليهم أحد عشر عضواً مصرياً. وقد مر القانون الجديد على مجلس النواب، وبقي عرضه على مجلس الشيوخ، ولعل أمره ينتهي بعد مدة لا تزيد على شهر.
طبعنا من تأليفكم في الوقف خمس مئة نسخة زائدة عما طبع بالمجلة؛ لتوزع على مجلسي الشيوخ والنواب.
وأعز تحيتي إلى حضرات السادة الأماجد: سيدي الرضا (1)، وسيدي الكاظم (2)، وسيدي محمد محسن (3)، وسيدي الفاضل (4)، وسيدي الحبيب
__________
(1) علي الرضا بن عاشور شقيق الإمام محمد الطاهر بن عاشور، تلقى علومه بجامع الزيتونة، وعمل في القضاء والمحاماة، ولد بتونس، وتوفي بالمرسى ضاحية بشمال مدينة تونس (1304 - 1373 ه = 1886 - 1953 م).
(2) موسى الكاظم بن عاشور شقيق الإمام محمد الطاهر بن عاشور، تلقى علومه بجامع الزيتونة، وعمل في القضاء، وتولى وزارة العدل، وتوفي وهو رئيس محكمة التعقيب "النقض". ولادته ووفاته بتونس (1310 - 1379 ه = 1892 - 1959 م).
(3) محمود بن محمد بن مصطفى محسن، تلقى علومه بجامع الزيتونة، وتولى الإمامة والخطابة فيه. وهو ابن خالة الإمام محمد الطاهر بن عاشور.
(4) محمد الفاضل بن محمد الطاهر بن عاشور، العالم والأديب الخطيب، من رجال النهضة الحديثة في تونس، كان عميداً للمعهد الزيتوني، وعمل في خطة القضاء، ثم الفتوى. ومن أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة. ولد وتوفي بتونس=
(11/ 2/100)

الجلولي (1)، وسيدي المقداد، وكل من ينتظم به مجلسكم السامي.
وتفضلوا بقبول أسمى تحيتي وعظيم احترامي
أخوكم
محمّد الخضر حسين
21 ذو الحجة 1355 - القاهرة

[حاشية]
ألقي بالأزهر كلية أصول الدين خمسة دروس في الأسبوع: ثلاثة في الملل والنحل، ودرسان في علوم السنة.
اشتغل المجمع في هذه الدورة بالنظر في مصطلحات في علوم الطب (2) والأحياء، ومصطلحات الفنون الجميلة والشؤون العامة، ومصطلحات في علم الحقوق، وقرر بعض قواعد من جمع التكسير، وأصدر قراراً في الاستشهاد
__________
= (1327 - 1390 ه = 1909 - 1970 م) له تآليف عديدة، منها: الحركة الأدبية والفكرية في تونس - تراجم الأعلام - أركان النهضة الأدبية بتونس.
(1) محمد الحبيب الجلولي - عمل في القضاء والإدارة، وتولى رئاسة جمعية الأوقاف، ثم وزارة العدل، ولادته ووفاته بتونس (1297 - 1377 ه = 1879 - 1957 م)، وهو زوج شقيقة الإمام محمد الطاهر بن عاشور.
(2) للإمام بحث "طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية" قدمه إلى المؤتمر الطبي العربي المنعقد بالقاهرة سنة 1939 م بصفته مندوب المجمع اللغوي- انظر كتابه: "دراسات في العربية وتاريخها".
(11/ 2/101)

بالحديث في اللغة (1) مع بعض قيود.
وأعضاء المجمع ينتظرون تأليف المجمع على النظام الجديد الذي سيكون فيه طه حسين، وإنا معهم لمن المنتظرين، وعلى فضيلتكم أزكى السلام.
__________
(1) قدم الإمام بحثاً إلى المجمع اللغوي تحت عنوان "الاستشهاد بالحديث في اللغة" وقد نشر في الجزء الثالث من مجلة المجمع - انظر كتابه: "دراسات في العربية وتاريخها".
(11/ 2/102)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
فضيلة العلامة الأجل صديقي الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -دام مجده-.
بعد تقديم أعز التحية:
تشرفت بخطابكم المبشر بأن لكم قصداً في القدوم إلى مصر، فسررت -والله- سروراً عظيماً. وأرجو من الله تعالى أن ييسر ذلك في أقرب وقت.
وليس من شك في أن قدومكم إلى مصر فيه خير كبير إلى تونس، وسيكون له أثر عظيم في النوادي العلمية بمصر. وهو بعد هذا سيكون في سلسلة حياتكم العامرة بالمفاخر حلقة بديعة.
وأرجو أن تخبروني هل شرعتم في أسباب تحقيق هذا العزم.
ومن فوائد قدومكم -فيما أرى- تأكيد الصلة بينكم وبين المجمع اللغوي، وعسى أن تبلغ هذه الصلة أن يفتخر المجمع بعضويتكم في مجلسه.
وتفضلوا بقبول عظيم احترامي
حافظ عهد أخوتكم
محمّد الخضر حسين
في 20 ذو الحجة 1355 - القاهرة
(11/ 2/103)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حضرة صاحب الفضيلة العلامة الهمام صديقي الأعز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -أدام الله النفع بعلمه وفضله-.
السلام عليكم ورحمة الله.
وصلت إلى دمشق (1) في التاريخ الذي كنت ذكرته في مراسلة فضيلتكم، ولقينا من أهل العلم والفضل ورجال النهضة احتفاء، وكثرة التزاور والدعوات كانت من أسباب تأخير مراسلتكم، سأرسل إلى فضيلتكم نسخاً من "الوقف وآثاره" بعد عودتي إلى مصر. كتاب "العارضة" تم طبعه، ولكن السيد عبد الواحد التازي بالمغرب، وتسلم النسخة موقوف على قدومه، كما أن نسختنا ما زالت بالمطبعة، فعند رجوعي إلى مصر نكاتبكم في شأنها.
ألقيت محاضرة باقتراح من المجمع العلمي (2) في المجمع عنوانها: "أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية" (3)، وحضرها وزير المعارف بسوريا،
__________
(1) قام الإمام بزيارة دمشق في جمادى الآخرة من سنة 1356 ه.
(2) المجمع العلمي العربي بدمشق، والإمام عضو فيه.
(3) نشرت في مجلة المجمع - الجزء السابع والثامن من المجلد الخامس عشر، كما =
(11/ 2/104)

وقد دعانا اليوم لتناول الغداء عنده، ورجال الدولة هنا يودون بقائي، وأهل العلم كذلك، حتى إن بعض الهيئات تقدموا باقتراح لهذا لدى الحكومة، وألقوا خطباً في بعض الحفلات التي حضرها بعض رجال الدولة، وخاطبني بعض الوزراء في هذا، ولكني لم أصرح بالقبول ولا بالرفض، وقلت لهم: لا أرى مانعاً من ذلك عندما تساعد الظروف، وبلغني أنهم ينوون إنشاء كلية دينية، وإذا تم المشروع، خاطبوني بطريقة رسمية، وأنا لا أرجح مصر إلا أنها مجال للعمل العام، ونرجو من الله التوفيق.
وقد سررنا بما أشرتم إليه من قرب الملاقاة، حقق الله ذلك، أخونا السيد زين العابدين يقدم إلى فضيلتكم أزكى التحية مع خالص الشكر. وأرجو أن يبلغ أزكى سلامي إلى حضرات السادة: سيدي الرضا، وسيدي الفاضل، وسيدي الكاظم، وسيدي محمود محسن، وسيدي محمد المقداد، وسيدي الطاهر المهيري. وأرجو لسيدي الكاظم الشفاء التام، وأسافر إلى مصر -إن شاء الله- يوم السبت القادم. 4 في سبتمبر.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
عظيم الشوق إلى لقائكم أخوكم
محمّد الخضر حسين
في 21 جمادى الآخرة - القاهرة
__________
= نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد العاشر. وطبعتها ضمن كتاب "الرحلات" التي جمعت فيه رحلاته. وألقيت المحاضرة في جمادى الآخرة عام 1356 ه.
(11/ 2/105)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
سيدي الأخ الأجل -نفع الله بعلمه وفضله، وأبقاه الله للصداقة الخالصة-.
أما بعد إهداء أسنى التحية، وإبداء أعظم الأشواق:
فقد بلغني كتاب "هدية الأريب" (1)، فأقدم لفضيلتكم خالص الشكر على الهدية القيمة، وقد سررت لزفاف نجلكم النابغة السيد الفاضل، فأرجو أن يكون هذا القران محفوفاً بيمن وهناءة دائمين، وأن يطيل الله بقاءكم وبقاءه في صفاء وخير كثير. أهل الأدب ممن نلاقيهم يسألون عن ديوان بشار (2)، وشرح فضيلتكم له، ومتشوقون لظهوره، لا زال السيد عبد الواحد التازي يعد ويماطل، وقد كلفت منذ يومين أحد المتصلين به بالإلحاح عليه في إرسال نسخة فضيلتكم، ورد نسختي من "العارضة"، وقد وعدني بأنه سيتولى ذلك.
وضع للمجمع نظام جديد في عهد حكومة الوفد، ووصل هذا النظام إلى مجلس الشيوخ، وبتغير الأحوال بقي هناك لم يبت فيه بشيء، والمجمع
__________
(1) "هدية الأريب إلى أصدق حبيب" للشيخ أبي عبد الله محمد الطاهر بن عاشور الشريف التونسي المالكي المتوفى سنة 1284، وهو حاشية على "شرح القطر" لابن هشام.
(2) ديوان "بشار بن برد" طبع في أربعة أجزاء بتحقيق الإمام محمد الطاهر بن عاشور.
(11/ 2/106)

سائر على نظامه القديم، وسأتسلم من المجمع مقال فضيلتكم في الرسم، وأنشره في "الهداية"، ولعل عدم نشرهم له توهم أنه غير داخل في منهج المجلة، وأعز تحيتي لحضرات الأساتذة والسادة آل عاشور، وآل محسن، ومن يتم به أنس مجلسكم الرفيع.
أعجبت بمقالكم في تجديد أمر الدين، وردكم لما قاله ابن السبكي (1) غايةَ الإعجاب، ولا أدري هل عد الزمخشري (2) في هذا الباب مما يسهل قبوله، أخشى أن يقال: إن شرط المجدد أن يكون على هدى في عقيدته، والمتمسكون بطريق أهل السنة يرون في الزمخشري مآخذ من حيث العقيدة، ولهذا أبقيت القطعة الأخيرة المتعلقة به إلى جزء ربيع الأول، وتضاف إلى بقية المقال المنتظر وروده من فضيلتكم عسى أن تزيدوا ما يتعلق بالزمخشري بياناً، أو يكون لفضيلتكم رأي آخر.
سألقي -إن شاء الله- محاضرة (3) موضوعها: "الشجاعة وأثرها في عظمة الأمة"، وقد عينت لها محطة الإذاعة الساعة التاسعة ونصف من مساء يوم
__________
(1) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو النصر، قاضي القضاة والمؤرخ، ولد في القاهرة، وتوفي بدمشق، من تصانيفه: طبقات الشافعية الكبرى - معيد النعم ومبيد النقم - جمع الجوامع. (727 - 771 ه = 1327 - 1370 م).
(2) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، إمام في الفقه والتفسير واللغة والأدب، ولد في زمخشر من قرى خوارزم، وتوفي بالجرجانية من قراها (467 - 538 ه = 1075 - 1144 م)، من مصنفاته: الكشاف في تفسير القرآن - أساس البلاغة - المفصل.
(3) محاضرة نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - العدد الحادي عشر من المجلد العاشر، وفي كتاب "رسائل الإصلاح" للإمام.
(11/ 2/107)

الاثنين 28 من هذا الشهر "شهر مارس".
ألف المجمع لجنة لعمل معجم وسيط، وشرعت اللجنة في العمل، واللجنة تتالف من 6 أعضاء من المقيمين بالقاهرة، كما قررت المعارف وضع معجم للمصطلحات العلمية، وقرر المجمع أيضاً تأليف لجنة للنظر في تسهيل الكتابة العربية، لما أراد المجمع تأليف لجنة للنظر في الكتابة العربية، وقف السيد حسن حسني، وقال: أقترح أن يكون أعضاء هذه اللجنة هم فلان وفلان، وذكر أسماء الأعضاء المقيمين في القاهرة، ولم يترك من أسماء أساتذة دار العلوم والأزهر إلا اسمي، حتى قام بعض الأعضاء المصريين، واقترحوا ضمي إلى هذه اللجنة!
وإن كان لفضيلتكم رأي في طريقة كتابة الحروف العربية بحيث تقرأ على وجه صحيح مع المحافظة على أصول الحروف العربية، فتفضلوا بتوجيهه ليعرض على اللجنة. ودمتم للعلم والفضل.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
أخوكم المخلص
محمّد الخضر حسين
18 مارس 1938
القاهرة 16 في المحرم سنة 1357
(11/ 2/108)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
سيدي الأخ الأعز -أبقاه الله تعالى للدين والعلم والصداقة الخالصة-.
بعد تقديم أسنى التحية، وإبداء أبلغ الشوق.
أقدم لفضيلتكم جزيل الشكر على ما تفضلتم به من إهدائي تأليف المنعم جدكم العلامة الكبير، وقد بلغتنا محاضرتكم البديعة في مجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وألقيت في الاحتفال، ووقعت موقع الإعجاب، ونشرت في المجلة بتمامها.
مجلة المجمع لها شأن غريب: مواد الجزء الرابع قدمت للمطبعة منذ سنة، وفيها مقالة فضيلتكم "المترادف"، ولم تجمع حروف الجزء إلا في هذه الأيام، فهو الآن تحت التصحيح، وهكذا كل جزء لا يصدر إلا بعد أن تبقى مواده في المطبعة نحو سنة، وعلة ذلك: أنه يطبع في المطبعة الأميوية الرسمية، ومطبوعات الوزارات والدوائر كثيرة، وقد أذنت المعارف الآن بطبع المجلة في دار الكتب المصرية، وهذا ييسر صدورها في أقرب وقت.
ما زال عبد الواحد التازي يماطلنا في تسليم نسخة كتاب "العارضة" التي تسلمها منا، وما زلت ألح عليه في إرسال نسخة فضيلتكم، وقد وعدني أخيراً بأنه سيرسلها مع نسخ مطبوعة، ونرجو أن يكون في هذا الوعد من الصادقين.
(11/ 2/109)

ابتدأنا في وضع معجم وسيط (1)، واللجنة التي ألفها المجمع أعضاؤها: الأستاذ الجارم (2)، والأستاذ الشيخ إبراهيم حمروش (3)، والدكتور منصور فهمي (4)، والأستاذ العوامري بك (5)، وكاتب هذا الخطاب.
توفي من أعضاء المجمع المرحوم الأستاذ الشيخ أحمد الإسكندري (6)،
__________
(1) "المعجم الوسيط" صدر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة بطبعته الأولى عام 1380 ه - 1960 م -وكما هي عادة الأحياء في السكوت عن جهد الأموات- لم يشر بكلمة واحدة عن الأعمال الكبيرة التي قام بها الإمام واللجنة الأولى التي ساهمت في وضعه. بل اكتفت اللجنة الأخيرة بتقاسم الشكر فيما بينهم، والأمانة في العلم تلح على المجمع أن ينوه بفضل كل ذي فضل.
(2) علي بن صالح الجارم، شاعر وأديب، من أعضاء المجمع اللغوي، ولد في "رشيد"، وتوفي بالقاهرة (1299 - 1368 ه = 1881 - 1949 م)، له ديوان شعر في أربعة أجزاء، ومن مؤلفاته: فارس بني حمدان -هاتف من الأندلس- الذين قتلتهم أشعارهم.
(3) ولد في قرية "الخوالد" مركز بحيرة سنة (1298 ه - 1880 م)، كان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأصبح شيخاً للأزهر سنة (1371 ه - 1951 م).
من مؤلفاته: عوامل نمو اللغة. ونال به عضوية كبار العلماء.
(4) منصور فهمي بن علي فهمي، من أصل مغربي، له اطلاع بالفلسفة والأدب والتربية، كان مديراً لدار الكتب المصرية، ومديراً لجامعة الإسكندرية، وعضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ولد في "شنقاش" التابعة إلى طلخا، وتوفي بالقاهرة (1303 - 1378 ه = 1886 - 1959 م). من مؤلفاته: خطرات نفس.
(5) أحمد العوامري، أديب من أعضاء المجمع اللغوي، نشأ بالإسكندرية، وتوفي بالقاهرة (1293 - 1374 ه = 1876 - 1954 م). له مشاركة في مؤلفات مدرسية عديدة.
(6) أحمد بن علي عمر الإسكندري، عالم ولغوي وأديب، عمل في التعليم، وكان =
(11/ 2/110)

وقد اطلعتم فضيلتكم على شيء من آثاره في مجلة المجمع. وكان -رحمه الله- بالنظر إلى المعلومات التي يحتاجها المجمع اللغوي هو أوسع الأعضاء علماً، وأكثرهم نفعاً.
لا يزال المجمع سائراً على نظامه القديم، ونظامه الجديد ما زال في مجلس الشيوخ لم ينظر فيه المجلس بعد. وأزكى تحيتي إلى حضرات السادة آل عاشور، وآل محسن، وسائر أصدقائكم الكرام، أبقاكم الله وأمتع بكم.
وتفضلوا بقبول أسمى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم أخوكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة في 15 ربيع الثاني 1357
__________
= عضواً في المجمع اللغوي، ولد بالإسكندرية، وتوفي بالقاهرة (1292 - 1357 ه = 1875 - 1938 م)، له تصانيف عديدة، منها: تاريخ آداب اللغة العربية في العصر العباسي - نزهة القارئ.
(11/ 2/111)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
حضرة الفاضل البارع أخينا السيد محمد المكي بن الحسين -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله.
بلغني خطابكم، فأحمد الله على ما أنتم عليه من الصحة، وقد سافرت إلى "برت سعيد"، وصعدت إلى البابور حيث إن نزول ركابه غير مأذون به، ولقيت هنالك ابن خالنا الشيخ التبريزي، وابن عمنا الشيخ عبد الرحمن الحاج (1)، والسيد حسن حسني عبد الوهاب. ويقيت معهم نحو ست ساعات، والمسافة بين مصر وبرت سعيد مسير أربع ساعات ونصف في القطار، وقد سافرت قبل وصول الباخرة بيوم، وأنسنا بلقائهم على قصر مدة الملاقاة.
وبلغوا أزكى تحيتي أخانا الشيخ سيدي مصطفى، والسيد الحسين، ووالدتنا السيدة بيَّة، وابنة أخينا السيدة نفيسة، وكل من يسأل عنا من الإخوان،
__________
(1) عبد الرحمن بن الحاج بن علي بن عثمان بن علي بن عمر، عالم فاضل، والمشرف على زاوية "طولقة" في الجنوب الجزائري. ابن عم الإمام. له رسالة سماها: "الدر المكنوز في حياة سيدي علي بن عمر وسيدي ابن عزوز" طبعت سنة 1350 ه.
(11/ 2/112)

وإذا أمكن أخذ مئة فرنك لكم، ومئة فرنك لابنة أخينا من بعض أصحاب المكاتب، فأخبروني لمن أسلمها هنا.
ودمتم بخير، والسلام من أخيكم محمد الخضر حسين
القاهرة في 5 من ذي الحجة
سنة 1358 ه
(11/ 2/113)

رسالة شعرية إلى زين العابدين بن الحسين (1)
" قصيدة في رسالة جواباً على الدعوة التي جاءت من أخيه لزيارة دمشق، ويصف فيها حسن مناظر الربيع وطيب الهواء".
دَعَوْتَ إلى دِمَشقَ وَفي فُؤادي ... لَها شَوْقٌ أَحَرُّ مِنَ الهَجيرِ (2)
تَقولُ: حَنا الرَّبيعُ عَلى رُباها ... وَحاكَ طَنافِسَ الزَّهْرِ النَّضيرِ (3)
وهَبَّ نَسيمُها الْفيَّاحُ يُهْدي ... إلى أَرْجَائِها أَذْكى عَبيرِ
__________
(1) رسالة محررة في القاهرة.
زين العابدين بن الحسين بن علي بن عمر، شقيق الإمام محمّد الخضر حسين، ولد في مدينة تونس، وتوفي بدمشق (1306 - 1397 ه = 1888 - 1977 م)، عالم، مربٍّ، لغوي - تلقى علومه في جامع الزيتونة، وحصل على شهادة "التطويع"، وهاجر إلى دمشق مع إخوته وعائلته سنة 1331 ه واستقر بها، وعمل في التربية والتوجيه. له مؤلفات عديدة منها: المعجم في الكلمات القرآنية - المعجم في النحو والصرف - المعجم المدرسي - الدين والقرآن - الأربعون الميدانية في الحديث - دروس الوعظ والإرشاد - القرآن القانون الإلهي.
(2) الهجير: شدة الحر.
(3) حنا: عطف. حاك: نسج. الطنافس: الواحدة طنفسة، وهي البساط. النضير: الذهب والفضة.
(11/ 2/114)

هَلُمَّ نُعِدْ بها عَهْداً مَليئاً ... بِما نَهْواهُ مِنْ عَيْشٍ غَريرِ (1)
أزَيْنَ الْعَابِدينَ لمَحْتَ مِني ... قُصوراً في اللِّقاءِ فَكُنْ عَذيري
أثَرْتَ بِمُهْجَتي ذِكْرى لَيَالٍ ... قَضَيْناها بِدُمَّرَ في حُبورِ (2)
تِملَّيْنا سُلافَ الأنْسِ صِرْفاً ... وَلا قَدَحٌ سِوَى أدَبِ السَّميرِ (3)
مَضى عَهْدُ الشَّبيبَةِ في صَفاءٍ ... وَرَنَّقَ كَأْسَنا عَهْدُ الْقَتيرِ (4)
يَضيقُ الباعُ عَنْ هِمَمٍ جِسامٍ ... فَيا وَيْلي مِنَ الْباعِ الْقَصيرِ
وفَلَّ الدَّهْرُ عَزْماً كانَ يَسْطو ... عَلى الأخْطارِ مَصْقولَ الأثيرِ (5)
أعِدْ لي يا زَمانُ حُسامَ عَزْمٍ ... يُناهِضُ صَوْلَةَ الخَطْبِ الْعَسيرِ (6)
وخَلِّ سِوايَ يَسْتَمْتِعْ بِعَيْشٍ ... حَلا بَيْنَ الخَوَرْنَقِ وَالسَّديرِ (7)
محمّد الخضر حسين
القاهرة سنة 1363
__________
(1) غرير: طيب.
(2) دمر: منتزه جميل في ضاحية غرب مدينة دمشق.
(3) السلاف: ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر. الصرف: الخالص.
(4) رنَّق: كدّر. القتير: أول ما يظهر من الشيب.
(5) فلَّ: كسر وهزم. الأثير: وشي السيف وجوهره.
(6) الحسام: السيف القاطع. الخطيب: الأمر صغر أو عظم.
(7) الخورنق: موضع في العراق قرب النجف، سكنه بنو إياد، أقام فيه النعمان اللخمي قصراً أشاد بذكره شعراء الجاهلية. السدير: قصر في الحيرة قريب من الخورنق، اتخذه النعمان الأكبر لبعض ملوك العجم.
(11/ 2/115)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضيلة العلامة الهمام صديقي الأجل الأستاذ الشيخ سيدي محمد الطاهر ابن عاشور-أبقاه الله تعالى مطلع علم وهداية، محفوفاً باجتبار منه ورعاية-.
أما بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أبلغ الأشواق:
فقد طلع علي كتابكم الرفيع الشّان، البديع البيان، فتلقيته تلقي البلد الطيب لغيث وافاه بعد ظمأ شديد، ولكني كدت ألفّ له رأسي استحياء من الإخاء الصادق أن يراني وأنا أتلظى، أتلقاه وقد افتتحتم به طريق المراسلة، ولم يكن قلمي هو الذي بادر إلى فتح هذا الطريق الذي انسد بيننا نحواً من أربع سنين، وكان حقاً عليّ أن أسبق الأستاذ إلى هذا المظهر من مظاهر الوفاء بالعهد التي طالما كان -أبقاه الله- فيها مجلياً، وكنت مصلياً.
وعندما أقبلت على نفسي أعنفها على ذلك التباطي، لم تَفُه في الاعتذار ببنت شفة، أولم تجد عذراً يليق إبداؤه بجانب صداقتنا المنقطعة النظير.
ولا أكتم الأستاذ أني قد عزمت على مراسلته لأول يوم انكشف فيه عن تونس ذلك البلاء، وعادت المواصلات إلى حالتها الأولى، ولكن حوادث خاصة عرضت وطال أمدها، فأخذت تؤخر ذلك العزم من اليوم إلى غده، إن لم نقل: من الصباح إلى مسائه، وساعدها على إرجاء المراسلة أخبار مبشرة
(11/ 2/116)

بسلامتكم وطيب حياتكم نتلقاها من الوافدين، أو من بعض المكاتيب الواردة من هنالك.
وهلّ مكتوبكم الكريم إلى مصر وقد غادرتها إلى الشام لزيارة الأهل، ولتمثيل مجمع فؤاد الأول للغة العربية بالمؤتمر الطبي الذي عقد في هذه السنة ببيروت، وحوِّل إلى الشام، وتسلمته بالأمس، فتمليته والشوق إلى مجالسكم بالغ أقصاه.
أما زيارة تونس، فهي البغية التي لا تعرف لها السلوة طريقاً، ولعل الفرصة تسنح في وقت قريب، فاغتنمُها، وليس بيني وبينها إلا أن تتيسر وسائل السفر، وتنضم إلى داعيته التي هي حنين إلى الوطن، وشوق إلى ملاقاتكم التي نعدها من أكبر المنن. وسأجعل بإذن الله منزلكم السامي محل إقامتي؛ لتكثر أوقات اللقاء والأنس.
وأشكر الأستاذ على التهنئة بسلامة عقيلتي (1) من المرض الذي ألم بها أشهراً، ثم أنعم الله بكشف الكرب وإزالة الخطر. وقد رافقتني إلى الشام وهي في دَور النقاهة، راجياً لها تمام العافية.
في النية العود إلى مصر في أوائل الشهر الآتي "أغسطس"، أرجو التفضل بإبلاع أعز تحيتي لحضرات الأساتذة: سيدي علي رضا، وسيدي موسى الكاظم، وحضرات الأنجال الكرام: سيدي الفاضل، وسيدي عبد الملك (2)،
__________
(1) السيدة زينب رحيم من عائلة مصرية محافظة، آل رحيم.
(2) الابن الثاني للإمام محمد الطاهر بن عاشور، تلقى علومه بالمدرسة الصادقية، وعمل في الوظائف الإدارية، ويشرف على "المكتبة العاشورية". ولد في المرسى بضواحي تونس الشمالية سنة (1332 ه - 1913 م).
(11/ 2/117)

وسيدي زين العابدين (1).
وأخونا الشيخ زين العابدين يقدم لكم أزكى السلام، وعند كتابة هذا الخطاب كان في المجلس الأستاذ بهجة البيطار (2)، فرغب مني إبلاغكم تحيته وإجلاله لكم، وإنا لفي سرور بالغ من الأخبار التي نتلقاها عن علم الأستاذ الفاضل بن عاشور ونبوغه.
ولا زلنا نسمع عنكم أطيب الخبر وألذه للنفس، أبقاكم الله للعلم والفضيلة والصداقة التي هي المثل الأعلى.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم
محمّد الخضر حسين
في 25 رجب 1363 - دمشق
__________
(1) الابن الثالث للإمام محمد الطاهر بن عاشور، وأصغر أولاده، عمل بالوظائف الإدارية. ولد في المرسى، وتوفي بها. (1334 - 1386 ه = 1915 - 1966 م).
(2) محمد بهجة بن بهاء الدين بن عبد الغني بن حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار. عالم جليل لغوي باحث، من أصل جزائري. ولد بدمشق، وتوفي بها (1311 - 1396 ه = 1894 - 1976 م)، تولى الخطابة والتدريس في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق حتى وفاته. كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وعمل فترة في مكة المكرمة، وقام بالتدريس بعد عودته في مدارس دمشق، وكلية الآداب، وكلية الشريعة بالجامعة السورية. له تصانيف عديدة منها: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية - تفسير سورة يوسف - الرحلة النجدية الحجازية.
(11/ 2/118)

[حاشية]
وأرجو إبلاع تحيتي للأستاذ سيدي محمود محسن، والأستاذ الشيخ سيدي محمد المقداد الورتتاني.
(11/ 2/119)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
حضرة صاحب السماحة العلامة الهمام صديقي الأعز الأستاذ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -أبقاه الله تعالى للعلم والإصلاح-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فقد تلقيت خطابكم العزيز، والشوق إليكم بالغ أشده، فأحمد الله تعالى على سلامتكم، وأهنئ من صميم قلبي آل جامع الزيتونة أساتذة وطلبة بولايتكم النظر في شؤون هذه الجامعة الراقية النافعة، وأرجو لكم من الله تعالى الرعاية والتوفيق.
وأملُنا في أن تسعد الأقدار بلقائكم كبير. أدامكم الله للجهاد في رفع لواء العلم والدين الحق.
وإحالتنا على المعاش هيأت لنا الاتجاه في آخر حياتنا إلى ابتغاء الأعمال المرضية عند الله على طريق يستدعينا إليه سن السبعين.
وتفضلوا بقبول أزكى التحية وعظيم الاحترام.
من أخيكم وحافظ عهد ودادكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة في 6 جمادى الأولى سنة 1364
(11/ 2/120)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
حضرة صاحب السماحة العلامة الهمام صديقي الأعز الأستاذ الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -دام عزه وفضله-.
بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أبلغ الأشواق:
أرجو أن تكونوا وسائر الأسرة الكريمة في أتم صحة وعافية. طالت المدة التي لم أوفق فيها للمراسلة، وقد عرضت في أثنائها أعذار صحية وغير صحية. والحمد لله على كل حال.
اجتمعت ببعض القادمين لأداء فريضة الحج، وسرني ما تلقيته عنهم من تمتعكم بالصحة، وطموحكم السامي إلى إصلاح الجامعة الزيتونية.
تحدثت في إدارة الأزهر عن مكانتكم العلمية والأدبية والاجتماعية، ورغبوا في الاتصال بكم، ثم أخبروني بأنهم فعلوا.
وتفضلوا بقبول أسنى التحية وعظيم الاحترام
حافظ عهدكم في القرب والبعد
محمّد الخضر حسين
القاهرة 18 ذو الحجة 1365 ه
(11/ 2/121)

رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حضرة صاحب الفضيلة صديقي الأعز الأستاذ الأجل الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -حفظه الله-.
بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أعظم الشوق إلى اللقاء:
عقد المجمع اللغوي جلسة لتعيين أعضاء مراسلين، وقد عرضت اسم فضيلتكم، ووقع الإجماع على انتخابكم عضواً مراسلاً للمجمع، وهذه العضوية، ترشح صاحبها لعضوية المجمع من بعد عند الحاجة إلى ذلك. ولهذا رضيت الاكتفاء بهذه العضوية، وإن كان مقامكم أعلى منها.
كما انتخب لهذه العضوية الشيخ الحجوي من فاس، وبعض العلماء من سورية والعراق.
طبع ديوان الشعر "خواطر الحياة" (1)، وسأرسل إلى فضيلتكم اليوم نسخة منه، وقد جمعت فيه ما وجدته بين يدي من أوراق، أو ما علق بالحافظة.
__________
(1) طبع ديوان "خواطر الحياة" للمرة الأولى في القاهرة سنة (1366 ه - 1946 م)، والطبعة الثانية مع تعليق الأستاذ محمد علي النجار سنة (1373 ه - 1953 م). والطبعة الثالثة سنة (1398 ه - 1978 م) مع تعليقات علي الرضا الحسيني، الطبعة الرابعة سنة (1410 ه - 1990 م).
(11/ 2/122)

وأرجو إبلاع تحيتي إلى الأستاذ الفاضل بن عاشور، وآل عاشور الأماجد قاطبة، أدامكم الله فخراً للمغرب، بل للعالم الإسلامي.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم أخوكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة 21 جمادى الأولى سنة 1367 ه
(11/ 2/123)

رسالة شعرية إلى علي النيفر (1)
تلقى الإمام قصيدة من الشيخ علي النيفر العالم الأديب -المنشورة في الحاشية- بعث بها من تونس فأجابه بالقصيدة التالية:
رَعى الله حُسْنَ الْعَهْدِ هَزَّ قَريحَةَ ... فَألْقَتْ عَلَيْنا مِنْ حَلاها فَرائِدا
وَما الْكَلِمُ الْفُصْحى سِوى دُرَرٍ إذا ... تَلاقَتْ عَلى الْقِرْطاسِ صارَتْ قَلاِئدا (2)
وَرُبَّ قَصيدٍ هاجَ ذِكْرى تُثيرُ مِنْ ... تَباريحِ شَوْقِ ما يُذيبُ الجَلامِدا (3)
قَصيدٌ بَدا مِنْ أُفْقِ أرْضٍ نَشَأْتُ في ... مِهادِ رُباها لا عَدِمْتُ الْقَصائِدا (4)
أبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا وَرَمٍ أما ... تَرى عَزْمَهُ بَيْنَ الجَوانِحِ خامِدا (5)
__________
(1) من مشاهير علماء جامع الزيتونة، تلقى فيه العلم، ثم درَّس فيه، عالم وشاعر وأديب، ولد وتوفي بتونس (1318 - 1405 = 1901 - 1985 م)، له كثير من القصائد الشعرية في شتى الأغراض.
(2) الكلم: جمع الكلمة. القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها. القلائد: جمع القلادة: ما جعل في العنق من الحلي، وقلائد الشعر: البواقي على الدهر؛ أي: التي لا تزال محفوظة لا تنسى لنفاستها.
(3) الجلامد: جمع الجلمد والجلمود: الصخر.
(4) الأرض: يريد بها تونس حيث ولد الشاعر. المهاد: الفراش والأرض.
(5) أبا الحسن: الشيخ علي النيفر.
(11/ 2/124)

وَلا خَيْرَ فْيمَنْ عادَ صارِمُ عَزْمِهِ ... كَهاماً وَيَرْضى أنْ يُسَمَّى المُجاهِدا (1)
وأَطْرَيْتَ ظمآنَ اسْتَبانَ لِداتُهُ ... مَوارِدَ عِرْفانٍ وَضَلَّ الموارِدا (2)
نَظَرْتَ بِعَيْنِ الوِدِّ سيرَتَهُ فَما ... دَريتَ الَّذي تَدْرِيه لَوْ جِئْتَ ناقِدا
حَمِدْنا سُراكُمْ يَوْمَ وافَيْتَ قادِماً ... عَلى الطَّائِرِ المَيْمونِ لِلْحَجِّ قاصِدا (3)
طَلَعْتَ عَلَيْنا وَاْشتِياقي لِتونُسٍ ... يُقَلِّبُ جَمْراً بَيْنَ جَنْبَيَّ واقِدا
فَأَهْدَيْتَ طاقاتِ مِنَ الأُنْسِ طالما ... بَكَرْتُ لَها بَيْنَ الخَمائلِ ناشِدا (4)
لَقِيتُ بِلُقْياكَ الأريبَ الَّذي حَكى ... بِسيرتِهِ الحَسْناءِ جَدّاً وَواِلدا (5)
ذَكَرْتُهما عِنْدَ اللِّقاءِ، وَإنَّما ... ذَكَرْتُ عُلوماً جَمَّةً ومَحامِدا
وَلَمْ أَنْسَ أَنْ كانَ المُوَقَّرُ جَدُّكُمْ ... غَداةَ امْتِحاني مُسْتَشاراً وشاهِدا (6)
فَنَوَّهَ بي عَطْفاً وَتَنْويهُ مِثْلِهِ ... يُرَوِّجُ ذِكْراً مِثْلَ ذِكْرِيَ كاسِدا
__________
(1) كَهام: كليل، يقال كَهِم السيف: كَلَّ.
(2) أطريت: بالغت في المدح. لِدات: جمع لِدَة: وهو الذي ولد معك وتربى.
(3) السُّرى: سير عامة الليل. الطائر الميمون: يقال: "سر على الطائر الميمون": دعاء للمسافر، ويقال: "هو ميمون الطائر"؛ أي: مبارك الطلعة.
(4) الطاقات: جمع الطاقة، وهي القدرة على الشيء. بكر؛ أتى بكرة. الخمائل: جمع خميلة: الموضع الكثير الشجر.
(5) الأريب: العاقل، والماهر والبصير.
(6) هو المرحوم العلامة الشيخ محمد الطيب النيفر القاضي المالكي في تونس لذلك العهد.
(11/ 2/125)

بِعَيْشِكَ حَدِّثْني عَنِ المَعْهدِ الَّذِي ... قَضَيْتُ بِهِ عَهْدَ الشَّبيَبةِ رائدا (1)
حَظِيتُ بِأَشْياخِ مَلأْتُ الْفُؤادَ مِنْ ... تَجِلَّتِهِمْ لَمَّا خَبِرْتُ الأَماجدا
بَيانُ أديبٍ يَقْلِبُ اللَّيْلَ ضَحْوَةً ... وفِكْرَةُ نِحْريرِ تَصيدُ الأَوابِدا (2)
فَلَمْ يُرِني أَدْرى وأَنْبَلَ مِنْهُمُ ... رَحيلٌ طَوى بي أَبْحُراً وَفَدافِدا (3)
وَيَأْبى قَريضيِ وَهْوَ ضَيْفُ حِماكَ أنْ ... يَمُرَّ بِمَرسىَ المَهْدَوِيِّ مُحايِدا (4)
فَلي في نقَاها جِيِرةٌ كُنْتُ أقْنَني ... طَرائفَ مِنْ إيناسِهمْ وَتَلائِدا (5)
فَدَعْهُ يُحَيِّيهمْ حِفاظاً لِعَهْدِهِمْ ... وَيَأْوِي إلى مَغْناكَ في الطِّرْسِ عائدا (6)
محمّد الخضر حسين
القاهرة - محرم 1369
__________
(1) المعهد: جامع الزيتونة بتونس. الرائد: الرسول الذي يرسله القوم ينظر لهم مكاناً ينزلون فيه.
(2) النحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرب المتقن، البصير بكل شيء؛ لأنه ينحر العلم نحراً. الأوابد: جمع الآبدة، وهي القافية الشاردة.
(3) الفدافد: جمع فدفد، وهي الفلاة.
(4) مرسى المهدوي: بلدة في ضاحية تونس.
(5) النقا: القطعة من الرمل. الجيرة: يعني بهم: صديقه العلامة المرحوم محمد الطاهر ابن عاشور.
(6) المغنى: المنزل. الطرس: الصحيفة.
* نص قصيدة العالم الأديب الأستاذ علي النيفر:
أزج القوافي شرَّداً وأوابدا ... لحمى يعجُّ مكارماً ومحامداً =
(11/ 2/126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وأنخ كرائمها لديه فساحُه ... ترعى القصيدَ ولا ترد القاصدا
غيل الأعارب ملتقى أبطالهم ... وربيعُ مُسنتهم وحسبك رافدا
حيث الرضا الخضر الحسين تخال ما ... يبديه من غرر البيان قلائدا
حيث ابتنى في مصرللخضراء من ... عرفانه علماً يغيظ الحاسدا
أعلى مناراً "للهداية" في مغا ... نيها فعاد به المغفل راشدا
وبه "لوا الإسلام" يخفق عالياً ... فأظل ممروراً وأدفأ صاردا
قد أذكرانا منه صرح "سعادة" ... عظمى بتونس كان أعلى شائدا
والأزهر المعمور حبَّرَ سِفره ... حقباً وأطلع في سماه فراقدا
ولكم به قد بثَّ علماً نافعاً ... نقع الغليل لمن أتاه واردا
يحكي الذي أحيا به "زيتونة" ال ... عرفان في علم أضاء معاهدا
"والمجمع اللغوي" في مصر غدا ... فيه لما يعلي العروبة ماهِدا
وبحسبه أن راح يرأس "جبهة" ... لدفاع من ناوى المغارب صامدا
ما زال يرأسها بعزمة أيّدٍ ... في صحبة الأبرار يدأب ذائدا
سبحان من أولاك علماً واسعاً ... وتقى وخلقاً مثل خِيمك ماجدا
يا فخر تونس يا ميمم من نأى ... عنها بمصر مهاجراً أو واردا
يا أنس مغترب وموئل لاجئ ... وكفى بما شهد البرية شاهدا
أهدي لكم مني تحتية شائق ... لكريم خلقكم الهنيّ مواردا
ما زالت أذكرها بمصر مجالساً ... لكمُ علينا قد نثرن فرائدا
أبقاك من رقاك أرفع رتبة ... وحباك في كل الأمور مَراشدا
وبقيت من كل الخطوب مسلَّماً ... لجميع ما ترجو وتأمل واجدا
تونس - 27 ذو القعدة 1368 ه
(11/ 2/127)

رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تكونوا في خير وعافية، وقد أبطات في مكاتبتكم، والعذر هو انحراف الصحة، وأحمد الله، فالحالة في هذه الأيام خير، وقد شرعت في تنظيم مذكراتنا في الحياة التي اخترت أن أسميها: "مراحل الحياة" (1).
__________
(1) مذكرات في ثلاثة مجلدات، باشر الإمام في إعدادها للنشر، ثم عدل عن ذلك، ومزقها، وبين يدي بعض المسوَّدات منها. وكان يمليها على بعض أهل العلم ممن تلقوا عنه في القاهرة، ومنهم: العالم الفاضل عبد الرحمن حبنكة الميداني، والدكتور زكريا البري. يقول هذا الأخير في إحدى خطبه: "وبدأ يملي علي مذكراته وأنا أكتبها، وأحياناً كان يخط بيده مسودات لهذه المذكرات، ثم أتناول تبييضها في منزلي، ... كان في ذلك الوقت الأخ المرحوم الشيخ عبد المنعم البهي يعمل في جريدة "المصري" .. واتصل بي، وقد علم أنني أعاون الشيخ الأكبر المجاهد الإسلامي في كتابة هذه المذكرات، ورغب أن ينشرها تباعاً في جريدة "المصري"، .. وجاء الدكتور البهي لذلك، وحدثه عن نشرها تباعاً في جريدة المصري ليستفيد بها الناس، ويروا تاريخ رجل فاضل، ولد في تونس، وهاجر تحت ضغط الاستعمار الذي حكم عليه بالاعدام و ... إلخ ... فقال له بأدب: دعني أفكر ... ثم جئت في المقابلة وقلت له: إذن نواصل ما كنا فيه، قال: لقد مزقت هذه المذكرات. قلت: وفيما كان هذا؟ قال: إن اقتراح زميلك =
(11/ 2/128)

وأرجو أن ترسلوا إلي القصيدة التي نشرت في مجلة "السعادة" (1):
"أيعاتب الزمن الذي لا يسعد"
وقصيدة كنت رثيت بها المرحوم الشيخ عمر بن الشيخ (2)، وإذا تيسر لكم إرسال ما كتبناه في جريدة "الزهرة" عن رحلتنا (3) إلى الشرق 1330،
__________
= المرحوم الدكتور البهي جعلني أفكر في نشرها وعدم نشرها، واستخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكي نفسي، وليستفد من شاء بما شاء من كتاباتي، أما هذه المذكرات، فقد عدلت عن المواصلة فيها ...
(1) مجلة "السعادة العظمى" أول مجلة عربية إسلامية إصلاحية نصف شهرية أصدرها الإمام في تونس في شهر محرم سنة (1322 ه - 1904 م)، وظهر منها واحد وعشرون عدداً، وتوقفت في شهر ذي القعدة سنة (1322 ه - 1905 م).
وقد أعدت طباعتها مجموعة واحدة في دمشق سنة (1405 ه - 1985 م) على الشكل الذي صدرت فيه بتونس.
(2) عمر بن أحمد بن علي المعروف بابن الشيخ، من كبار الفقهاء والعلماء الزيتونيين، ولد في "الماتلين" من قرى مدينة "بنزرت" شمال تونس، وتعلم في جامع الزيتونة، وحصل على شهادة "التطويع"، وارتقى إلى الطبقة الأولى في خطة التدريس في الجامع. وقرأ عليه الإمام محمّد الخضر حسين، وخاله العلامة محمد المكي بن عزوز، وتولى خطة الإفتاء المالكي سنة (1303 ه - 1895 م). وتوفي بمدينة تونس (نحو 12239 - 1329 ه = 1826 - 1911 م).
وقد ترجم حياته باختصار الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "تونس وجامع الزيتونة".
مؤلفاته: رسائل في مسائل العلوم - فهرسة صغرى - فهرسة كبرى.
(3) "خلاصة الرحلة الشرقية"، وهي الرحلة العلمية الأولى التي قام بها الإمام إلى =
(11/ 2/129)

أكون شاكراً لكم.
وبلغوا أعز تحيتي إلى سائر الأهل والأخوان، وسأكاتبكم قريباً إن شاء الله.
والسلام من أخيكم محمد الخضر حسين
في 4 رجب 1369 - القاهرة

[حاشية]
كتبت خطاباً للسيد محمد الأمين في شأن كتاب طبع في المغرب، وهو كتاب جمع فيه مؤلفه ما اتفق عليه الصحاح الست فيما بلغنا، وقد أخبرني الأستاذ النابغة السيد عثمان الكعاك (1) بأنه توجد منه نسخة في
__________
= مصر وفلسطين ولبنان وسورية وتركيا سنة 1330 ه، ونشرت في جريدة "الزهرة" بتونس بين العدد المؤرخ في (17 ربيع الثاني 1331 ه - الموافق 25 مارس آذار 1913 م والعدد المؤرخ في 20 جمادى الأولى 1331 ه - الموافق 26 أفريل نيسان 1913 م). كما نشرت في مجلة "الحقائق" بدمشق - الأجزاء: العاشر والحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثاني.
وقد ضممتها إلى كتاب "الرحلات" للإمام - طبعة دمشق (1369 ه - 1976 م).
(1) عثمان بن محمد بن العربي بن عثمان الكعاك العياضي من سلالة القاضي عياض. أديب، لغوي، مؤرخ. ولد في "قمرت" من ضواحي تونس الشمالية، وتوفي بمدينة "عنابة" في الجزائر قبل ساعات من موعد إلقاء محاضرة في ملتقى الفكر الإسلامي. ودفن في تونس (1318 - 1396 ه = 1900 - 1976 م). مؤلفاته تزيد عن الأربعين كتاباً منها: المجتمع التونسي على عهد الأغالبة - مراكز الثقافة بالمغرب العربي - الحضارة العربية في حوض البحر المتوسط.
(11/ 2/130)

المكتبة العامة التي يشرف عليها، فأرجو تحريض السيد الأمين على إرساله، وإخباري بثمنه لأسلمه إلى من يوصله إليه، والسلام.
بلغوا أعز تحيتي أخانا الشيخ سيدي التبريزي بن عزوز.
(11/ 2/131)

رسالة شعرية إلى محمد الشاذلي خزنه دار (1)
بعث أمير شعراء تونس محمد الشاذلي خزنه دار بتحية شعرية -وهي منشورة في الحاشية- وأجابه الإمام بالقصيدة التالية:
طالَ البَقاءُ وباعُ العَزْمِ في قِصَرِ ... فَما قَضَيْتُ بِهِ لِلْمَجْدِ مِنْ وَطَرِ
أبيتُ سَبْعينَ عاماً والهَوى يَقِظٌ ... أرى بِمرآتِهِ الحَصْباءَ كالدُّرَر (2)
وحُسْنُ ظَنِّكَ بي وارى نقَائصَ لا ... تَغيبُ عَنْ أَعْيُنِ النُّقَّادِ لِلسِّيَرِ (3)
وللرِّضا مَنْطِقٌ لَوْ شاءَ صَوَّرَ لي ... وَجْهَ الدَّميمَةِ مَنْحوتاً مِنَ الْقَمَر
ماذا يرى شاعِرُ الخضْراءِ في صِلَةٍ ... شَدَّتْ عُراها يَدٌ مَحْمودَةُ الأثَرِ (4)
__________
(1) محمد الشاذلي بن محمد المنجي بن مصطفى خزنه دار، أمير شعراء تونس الكبير، وأديب. درس العلوم الحربية في باريس، كما تابع علومه في جامع الزيتونة، وبالخصوص على يد العلامة سالم بوحاجب، قصائده في الوطنيات، ولد وتوفي بتونس (1297 - 1373 ه = 1879 - 1954 م). له ديوان شعر مطبوع - وحياة الشعر وأطواره الحاضرة. طبع بتونس سنة (1338 ه - 1920 م).
(2) سبعون عاماً: إشارة إلى سن صاحب الديوان بتاريخ نظم القصيدة. الحصباء: الحصى، والواحدة حصبة.
(3) وارى: ستر وأخفى.
(4) الخضراء: تونس.
(11/ 2/132)

ذَكَرْتَ عَهْداً ذَكَتْ آدابُهُ وَزَهَتْ ... كما زَهَتْ حِلْيَةٌ في سَيْفِ مُنْتَصِرِ
نَسيتُ نَفْسيَ إنْ أُنْسِيتُهُ وَلَهُ ... في طَيِّها صورَةٌ مِنْ أَبْهَجِ الصُّوَرِ
ما زِلْتُ أذْكُرُ ما خَطَّتْ يَمينُكَ في ... سِفْرِ السَّعادَةِ مِنْ آدابِكَ الغُرَرِ (1)
وَلَمْ تَفُتْني قَوافٍ كُنْتَ تُرْسِلُ في ... يَوْمِ النِّضالِ بِها نَبْلاً مِنَ الشَّرَرِ (2)
وأنْفَعُ الشِّعْرِ ما هاجَ الحَماسَةَ في ... شَعْبٍ يُقاسي اضْطِهادَ الجائِرِ الأَشِرِ (3)
لَوْ لَمْ أَخَفْ وَخْزَ تَثريبٍ يَصولُ بهِ ... عَلَيَّ ناقِدُ شِعْري مِنْ بَني مُضَرِ (4)
لَقُلْتُ: لا شِعْرَ إلّا في قَريحَةِ مَنْ ... يَبيتُ مِنْ شِقْوَةِ الأَوْطانِ في سَهَرِ
مَنْ ذا يُقيمُ على أرْضٍ يُظَلِّلُها ... ضَيْمٌ وُيحسِنُ وَصْفَ الدَّلِّ والحَورِ (5)
دَرَيْتَ حَقّاً وما أَدْراكَ أنِّيَ مِنْ ... حَرِّ اشْتِياقي إلى الخَضْراءِ في ضَجَرِ (6)
أَقْبَلْتَ تَبْحَثُ عَين ذِكرى أَبيتُ لَها ... في سَلْوَةٍ عُصِرَتْ مِنْ جَأْشِ مُصْطَبِرِ (7)
__________
(1) السفْر: الأثر. السعادة: مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الشاعر بتونس.
الغرر: جمع الغرة: كل شيء ترفع قيمته.
(2) القوافي: جمع القافية، وهي آخر كلمة تكون في البيت. النبل: السهام العربية.
(3) الجائر: الظالم. الأشِر: الذي يكفر بالنعمة.
(4) التثريب: اللوم. مضر: ابن نزار الجد الأعلى لفريق من القبائل العربية العدنانية.
(5) الضيم: الظلم. الدل: الدلال. الحور: اشتداد بياض وسواد العين.
(6) الضجر: القلق من غم وضيق نفس مع كلام.
(7) السلوة: النسيان. جأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع.
(11/ 2/133)

وصُغْتَها كالصَّبا في رِقَّةِ فَسَرَتْ ... والطَّلُّ بَلَّلَ زَهْرَ الرَّوْضِ في سَحَرِ (1)
وافَتْ فَخِلْنا صَباحَ العيدِ حَنَّ لَنا ... وَعادَ كَيْ نتَمَلّى الأُنْسَ في صَفَرِ (2)
مَنْ لي بِأَنْ أرِدَ الأرْضَ التي ... مِنْها وَأفْتَحَ في أَرْجائِها بَصَرِي (3)
هُناكَ ما شِئْتَ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ أَدَبٍ ... وَمِنْ حَدائِقَ تُؤتي أَطْيَبَ الثَّمَرِ
أُسيمُ طَرْفيَ "بالمَرْسى" وشاطِئِهِ ... وأَحْتَسي بِلِقاها قَهْوَةَ السَّمَرِ (4)
وَمِنْ نفَائِسِها أنَّي صَحِبْتُ بِها ... مَنْ لَوْ كَدِرْتُ لَلاقَى بِالصَّفا كَدَري (5)
ما ضَرَّ "أريانَةَ" الْغَنّاءَ لَوْ قَرُبَتْ ... مِنْ مِصْرَ في نَفْحَةٍ مِنْ وَرْدِها الْعَطِرِ (6)
نَصَحْتَ يا شاذِليُّ الْقَوْمَ في عَذَلٍ ... وَغَيْرُكَ اخْتانَهُمْ في زِيِّ مُعْتَذِرِ (7)
والنَّاسُ مُذْ دَرَجوا فَوْقَ الثَّرى اخْتَلَفَتْ ... طُعومُهُمْ كاخْتِلافِ الشَّهدِ والصَّبِرِ (8)
__________
(1) الصّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. الطّل: أخف المطر وأضعفه، الندى.
(2) صفر: الشهر المعروف في السنة الهجرية بعد المحرم.
(3) يصور الشاعر في هذا البيت حنينه إلى تونس موطنه الأول.
(4) المرسى: بلدة في ضاحية العاصمة تونس على البحر.
(5) هذا البيت إشارة إلى ما كان بينه وبين العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من ود خالص.
(6) أريانة: ضاحية من ضواحي تونس.
(7) العذل: الملامة.
(8) درجوا: مشوا. الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه. الصبر: عصارة شجر مر.
(11/ 2/134)

تَفاوَتوا بِالنُّهى حَتَّى جَرُؤَتُ على ... رَهْطٍ وَبَرَّأْتُ مِنْهُمْ أُسْرَةَ الْبَشَرِ (1)
هَذا دَرِيٌّ بِأَسْرارِ الأُمورِ فَلا ... يَرْمي إلى هَدَفٍ إلَّا عَلى حَذَرِ
وذاكَ كالظِّلِّ يَقْفو الدَّهْرَ صاحِبَهُ ... والرَّأْيُ في خَطَلٍ والْقَوْلُ في هَذَرِ (2)
كُلٌّ لَهُ نَزْعَةٌ تَدْعو الحكيمَ إلى ... ما يَنْتَقي في دُعاءِ الخَيْرِ مِنْ عِبَرِ (3)
ما أقْرَبَ الرُّشْدَ مِنْهُم والْفَلاحَ إذا ... ما ساسَهُمْ مُحْكِمٌ لِلْوِرْدِ والصَّدَرِ (4)
محمّد الخضر حسين
__________
(1) الرهط: قوم الرجل وقبيلته.
(2) يقفو: يتبع. الخطل: الكلام الفاسد الكثير. الهذر: سقط الكلام الذي لا يعبأ به.
(3) الحكيم: العالم صاحب الحكمة المتقن للأمور.
(4) الورد: الماء الذي يورد. الصدر: الرجوع عن الماء.
* نص قصيدة أمير الشعراء محمد الشاذلي خزنه دار:
يزجي القوافيَ بين الأنجم الزهُر ... تحنانُ تونسنا الخضراء (للخَضِرِ)
في كل منحىً لزيتونيِّ جامعه ... يعقوب يوسفَ يستأسيه للبصر
وفي الشوارد من (مكيّهِ) أدب ... فيه استعادة ما للشيخ من أثر
وللأخوَّة منه والبنوَّة في ... أبناء جلدته مستلفت النظر
و"للسعادة" فيما خط من صحف ... ذكرى تعيد لمثلي سالف العمر
لي في البواكر من غرسي بروضتها ... ما استظهرته بنات الفكر من زهر
للجانبين بها الذكرى تعيد لنا ... عهد الشباب ونيل الفخر من صغر
سائل "سعادتنا العظمى" وثالثنا ... فيها (ابن عاشور) شيخ الجامع النضر
ما بيننا نصف قرن برزخ فصلت ... فيه الحقائق واجتزناه بالصور =
(11/ 2/135)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= يسائل (النيل) يا أستاذ (مجردة) ... فيم استبيح بك استئثار محتكر
و (للكنانة) في الإيثار من قدم ... شواهد المبتدا في النحو والخبر
ذرني وشأن الليالي في تحكمها ... فلست أجهل ما فيها من العبر
راجعت ملهمتي في ما اهتممت به ... مما عليه عموم الناس من غير
لا سيما ما عليه نحن من خطل ... ومن مَخازٍ ومن خُلْف ومن خَوَر
براً وبحراً تولانا الفساد فما ... في القوم من خلق ترضى ولا سير
أما الديانة فالموءودة انطمست ... آثارها وانمحت محواً من الزبر
قالوا الصدور قبور للرفات وفي ... يوم القيامة نحييها لمنتظر
زلوا وضلوا وحلوا كل رابطة ... وحللوا كل محظور من الكبر
واستبدلوا الخالص الأزكى بزيفهم ... واستهدفوا في الهوى للمأزق الخطر
لم يلق في المظهر القومي من أثر ... يرضيك مرآه من أنثى ومن ذكر
ساد التنطع واسترعى بصائرهم ... فلا استنارة للأذواق والفكر
عزّ التطبب واستعصى الشفاء فهل ... من رحمة تنقذ المرضى من الخطر
لا يأس عندي وللديان متجهي ... ما دام مثلك في الأزكى من البشر
فلتحي يا أيها الأستاذ منتصراً ... للدين في ذروة التوفيق والظفر
وهذه نزعتي فالخلق أجمعهم ... دون اعتقاد أولو الإفساد في نظري
وما عليه الحياة اليوم من قلق ... يكفي دليلاً وتكفي ومضة الشرر
فلنسع سعي الهداة الراشدين معاً ... أمّا النجاح فموكول إلى القدر
(11/ 2/136)

رسالة شعرية إلى محمد المقداد الورتتاني (1)
" أبيات قالها الإمام جواباً على بيتين بعث بهما إليه صديقه الشيخ محمد المقداد الورتتاني من تونس صحبة مروحة من سعف النخيل".
يا أخا الآدابِ صُغْتَ الشِّعْرَ مِنْ ... كَلِمٍ يَعْذُبُ في سَمْع وفَمْ (2)
وَدَرَيْتَ الحَرَّ في مِصْرَ إذا ... أَقْبَلَ الصَّيْفُ تَلَظَّى واحْتَدَمْ (3)
__________
(1) محمد المقداد بن نصر بن عمار الورتتاني، عالم، مؤرخ، شاعر، ولد في قبيلة "ورتتان" الضاربة جنوبي مدينة الكاف قرب مدينة "أبَّة" وتلقى علومه في جامع الزيتونة، ونال شهادة "التطويع". عمل نائباً لجمعية الأوقاف بالقيروان، وتوفي بتونس (1292 - 1369 ه = 1875 - 1950 م). له تصانيف، منها: البرنس في باريس (تتضمن رحلته إلى فرنسا وسويسرا) - الرحلة الأحمدية - وغيرها. أرسل للإمام مروحة من سعف النخيل هدية مع بيتين، وهما:
مروحة من تونس ... إلى الأعز الأخضر
نسيمها يهدي له ... أزكى سلامٍ عطرٍ
فأرسل إليه الإمام هذا الخطاب.
(2) تلظى: تلهب. احتدم: اشتد.
(3) بلاد النخل: تونس حيث يكثر في جنوبها النخيل.
(11/ 2/137)

فَتَخَيَّرْتَ لأِنْ تُهْدِيَ لي ... مَنْ بِلادِ النَّخْلِ مِهْداءَ النَّسَمْ (1)
أنا في حَرٍّ مِنَ الشَّوْقِ فَما ... طُبُّ حَرِّ الشَّوْقِ إنْ شَوْقٌ ألَمْ
طُبُّهُ النَّاجِعُ مَلْقاكَ ألا ... تَبْتَغي مِصْرَ سَبيلاً لِلْحَرَمْ (2)
هَذِهِ مِرْوَحَةُ الرُّوحِ وَدَعْ ... سَعَفَ النَّخْلِ إلى لَحْمٍ وَدَمْ (3)
محمّد الخضر حسين
القاهرة
__________
(1) المهداء؛ الذي من عادته أن يهدي.
(2) الناجع: المؤثر. مصر سبيل للحرم؛ أي: طريق بين تونس ومكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وفي هذا البيت دعوة لزيارة القاهرة.
(3) السعف: جريد النخل وورقه.
(11/ 2/138)

رسالة شعرية إلى سعيد أبو بكر (1)
" أبا بَكْرٍ" نَظَمْتَ وما مَدَحْتا ... فَهأنذا أقَرِّظُ ما نَظَمْتا (2)
ومَا التَّقْريظُ إلَّا الشُّكْرُ يُهْدى ... على ما صُغْتَ مِنْ أَدَبٍ وصُنْتا
ولسْتُ أقولُ ذا دُرٌّ نَضيدٌ ... لأنَّكَ ما الْتَقَطْتَ ولا نَضَدْتا (3)
وَلَسْتُ أقولُ ذا زَهْرٌ أنيقٌ ... لأنْكَ ما غَرسْتَ ولا قَطَفْتا (4)
ولستُ أقولُ راحٌ في زُجاحٍ ... لأنَّكَ ما عَصَرْتَ ولا سَبَكْتا (5)
وَقَدْ لَهَجوا بِقَوْلهِمُ "بديعٌ" ... "بليغُ" "فائقٌ" حَتّى سَئِمْتا (6)
__________
(1) ولد في مدينة "المكنين" على الساحل التونسي بين مدينتي سوسة والمهدية، شاعر، صحافي، أصدر مجلة شهرية "تونس المصورة"، وتوفي بتونس (1317 - 1367 ه = 1899 - 1948 م). من تصانيفه: السعيديات: ديوان شعر - دليل الأندلس - الزهرات: شعر.
(2) قرظ فلاناً: مدحه وهو حي.
(3) نضيد: نضد المتاع: جعل بعضه فوق بعض.
(4) أنيق: حسن مُعْجِب.
(5) الراح: الخمر. سبك الذهب: أذابه وخلصه من خبثه.
(6) لهج بالشيء: أغري به، فثابر عليه.
(11/ 2/139)

"أبا بَكْرٍ" أرى شِعْراً عَبوساً ... فأذْكُرُ سَيْفَ بِشرٍ والسَّبَنْتَى (1)
وَأَقْرَأُ تارةً شِعْراً رَصيناً ... أتَنْحِتُهُ مِنَ الجَوْزاءِ نَحْتا
تُجاهِدُ في سَبيلٍ يَبْتَغيها ... غَريبٌ غاشِمٌ عِوَجاً وَأَمْتا (2)
تُكافِحُهُ وَقدْ طَفَحَتْ يَداهُ ... بِعَسْفٍ يَمْلأُ الأَفْواهَ صَمْتا (3)
وَلَيْسَ الشِّعْرُ بالصَّمْصامِ يَلْوِي ... ذِراعَيْ مَنْ يَصُبُّ الهُوْنَ بَحْتا (4)
بَلِ الشِّعْرُ الحَكيمُ ثِقافُ سُمْرٍ ... تُسَمِّيها الْقُلوبُ إذا نَطَقْتا (5)
شُعور فَائْتِلافٌ فَاتِّحادٌ ... فَعَزْمٌ يَسْحَتُ الإرْهاقَ سَحْتا (6)
"أبا بَكْرٍ" أعيذُكَ مِنْ خَيَالٍ ... يَروغُ عَنِ الهُدى وَيَحوكُ بَيْتا
وفي الشُّعَراءِ مَنْ ضاقَتْ خُطاهُ ... وَفاتَتْهُ الحَقائقُ وهي شَتّى
فَراحَ يَخالُ لَهْوَ الْقَوْلِ جِدّاً ... وَيَنْفُثُ في مَكانِ الرُّشْدِ بُهْتا (7)
__________
(1) بشر: بشر بن عوانة العبدي الذي أتى على ذكره بديع الزمان الهمذاني في المقامة البشرية، الذي عرض له أسد وهو يبتغي مهراً لابنة عمه، فثبت له وقتله. السبنتى: النمر.
(2) الغريب: المستعمر إطلاقاً، ويريد هنا: المستعمرين الفرنسيين. الغاشم: الظالم والغاصب. الأمت: الوهن والضعف.
(3) طفحت: امتلأت. العسف: الظلم.
(4) الصمصام: السيف لا ينثني. والهُوْن: الهوان والذل. البحت: الصِّرف والخالص من كل شيء.
(5) الثقاف: آلة تسوَّى بها الرماح، السُّمْر: واحدها الأسمر، وهو الرمح.
(6) سحت الشيء: استأصله.
(7) ينفث: يرمي من فيه. البهت: الكذب.
(11/ 2/140)

وَشِعْرُ الْعُرْبِ ذو نَظْمٍ، فَرِفْقاً ... بِها إنْ شِئْتَ رِفْقاً واسْتَطَعْتا
لَعَلَّ الذَّوْقَ لا يَسْلو نِظاماً ... تَزَحْزَحَ عَنْهُ بَعْضُ الْقَوْلِ بَغْتا (1)
وكانَ قَريضُ "تونُسَ" في صَفاءٍ ... وإبْداعٍ يُضاهي الشُّهْبَ نَعْتا (2)
فَلاقى مِنْ صُروفِ الدَّهْرِ عَسفاً ... فَنَضَّبَ ماؤُهُ واغْبَرَّ نَبْتا (3)
أيَزْهى بُلْبُلٌ في كَفِّ طِفْلٍ ... يُمِضُّ الْبُلْبُلَ الْغِرِّيدَ مَقْتا (4)
وما هُوَ كالطَّليقِ يَميسُ تِيهاً ... وَيشْدو فَوْقَ أُمْلودٍ تَمَتَّى (5)
"أَبَا بَكْرٍ" أَخَذْتَ تُعيدُ مَجْداً ... هَوى فَابْغِ الأناةَ إليْهِ سَمْتا (6)
وخَلِّ الْبَخْتَ يَسْعى لِلْكُسالى ... وَسَمِّ الحَزْمَ والإقْدامَ بَخْتا
محمّد الخضر حسين
__________
(1) بغتا: فجأة.
(2) القريض: الشعر. يضاهي: يشابه. النعت: الصفة.
(3) العَسف: الظلم. نضب الماء: غار في الأرض.
(4) يمضّ: يؤلم ويوجع. الغريد: المطرب بصوته.
(5) يميس: يتبختر. التيه: الصلف والكبر. أُملود: الناعم من الناس والغصون. تمتَّى: تمطَّى.
(6) هوى: سقط من علو إلى أسفل. الأناة: الحلم والوقار. السمت: الطريق.
(11/ 2/141)

رسالة شعرية إلى محمد المأمون النيفر
" بعث الأديب التونسي الأستاذ محمد المأمون النيفر إلى الإمام بقصيدة -المنشورة في الحاشية- تنم عن عاطفة أدبية رقيقة. وقد أجابه بالقصيدة التالية":
أَهَذي تَحايا الوِدِّ والْبَرَكَاتِ ... أَمِ الرَّوْضُ يُهْدي أَطْيَبَ النَّفَحاتِ؟
وهذا رَقيمٌ لَوْ بَدَوْتُ لَخِلْتُهُ ... وَقَدْ جادَ بالإيناسِ لَحْظَ مَهاةِ (1)
أَجَلْ هُو شِعْرٌ يَحْمِلُ الأُنسَ مِن ربُى ... بلادٍ بِها قَضَّيْتُ صَدْرَ حَياتي (2)
ذَكَرْتُ ربُى المرْسى الأنيقَةِ والصَّبا ... تُذيعُ شَذا أزْهارِها الْبَهِجاتِ (3)
وَسامِرَ آدابٍ حِسانٍ كأنَّهُ ... مَراتِعُ ما بالقاعِ مِنْ ظَبَياتِ (4)
__________
(1) الرقيم: الكتاب. بدوت: خرجت إلى البادية. اللحظ: باطن العين. مهاة: البقرة الوحشية.
(2) يقصد الشاعر تونس حيث ولد وعاش صدر حياته بها.
(3) ربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض. المرسى: بلدة جميلة في ضواحي العاصمة تونس. الصَّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. تذيع: تظهر.
(4) السامر: مجلس السمار. المراتع: واحدها المرتع، وهو مكان اللهو. القاع: أرض سهلة مطمئنة انفرجت عنها الجبال والآكام. ظبيات: واحدها الظبية، وهي أنثى الغزال.
(11/ 2/142)

ورَوْضَةَ عِلْمٍ كُنْتُ أَجْني ثِمارَها ... وأَرْشِفُ مِنْها أَعْذَبَ اللَّهَجاتِ (1)
فَيا مُذكِري عَهْداً طَوَتْهُ يَدُ النَّوَى ... وأَذْكَتْ له في مُهْجَتي حَسَراتِ
أُحَيِّيكَ مِنْ مِصْرٍ تَحِيَّةَ والِدٍ ... تبرُّ بِهِ الآصالَ والْغُدواتِ (2)
بَعَثْتَ بِشِعْرٍ طارِفٍ لَمَعَتْ بِهِ ... مِنَ الأدَبِ الموْروثِ خَيْرُ سِماتِ (3)
أراكَ ظَلَمْتَ الْغِيدَ إذْ صُغْتَ لُؤْلُؤاً ... ونَضَّدْتَهُ شِعْراً على صَفَحاتِ (4)
وأَهديْتَ طاقاتِ الثَّناءِ وَلَيْتَني ... مَلأتُ يَدي مِنْ تِلْكُمُ الحَسَنَاتِ
فَيا أَسَفاً لَمْ أقْضِ حَقَّ الْعُلا وما ... بَلَغْتُ مِنَ الْعِرْفانِ شَأْوَ لِداتي (5)
وآنستُ في روح الخطاب سَنا الهُدى ... وبَعْضَ بَني الأَمْجادِ غيرُ هُداةِ (6)
وما أَبْصَرَتْ عَيْنايَ أَجْمَلَ مِنْ فَتىً ... يَخافُ مَقامَ اللهِ في الخَلواتِ
ولا خَيْرَ إلا في نُفوسٍ تَرَشَّفَتْ ... لِبانَ التُّقى مِنْ حِكْمةٍ وعِظاتِ (7)
__________
(1) الروضة: عشب وماء، ويريد بها الشاعر: جامع الزيتونة الذي تلقى فيه العلم.
(2) تبرّ: تصدِّق. الآصال: واحدها الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب. الغدوات: واحدها الغدو: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.
(3) الطارف: المال الحديث المستحدث.
(4) الغيد: جمع غيداء، وهي المرأة الناعمة اللينة الأعطاف.
(5) شأو: الأمد والغاية. اللدات: جمع لِدَة، وهو الذي ولد معك، وتربى معك.
(6) هداة: جمع هادٍ.
(7) ترشفت الماء: بالغت في مصه. اللبان: الرضاع.
* من قصيدة الأديب محمد المأمون النيفر:
أزف تحايا الود والبركات ... وأهدي سلاماً عاطر النفحات =
(11/ 2/143)

فَأَحْمَدُ مِنْكَ الوِدَّ والْقَلَمَ الذي ... جَنى ليَ طاقاتٍ مِنَ الدَّعواتِ
ولا زِلْتَ مِثْلَ الغُصْنِ يَنْمو بِمَنْبِبٍ ... كَريمٍ فَيُؤْتي أَطْيَبَ الثَّمَراتِ
محمّد الخضر حسين
__________
= وأرسل طاقات الثناء جميلة ... منضدة الأوراد والزهرات
إلى عالم أخباره ذاع صيتها ... وآثاره أضحت حديث رواة
بصير بأدواء النفوس طبيبها ... إذا ما رماه حادث بشكاة
وهذه أجزاء "الهداية" بيننا ... تدل على الإبداع في النظرات
مثابة تحقيق، ومهبط حكمة ... وعنوان تدقيق ونبع عظات
وروضة حسن قد تفتق زهرها ... وفاح فأحيا لي ربيع حياتي
جزاك إله العرش أفضل ما جزى ... به ناصحاً عن نافع الخدمات
ولا برح اللطف الخفى يحفكم ... وأنتم لدين الله خير حماة
(11/ 2/144)

رسالة شعرية إلى محمد المكي بن عزّوز (1)
" العلامة محمد المكي بن عزوز خال الإمام وأستاذه، وعليه تلقى بواكر العلوم.
وقد قرظ كتاب أستاذه " السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني" بقصيدة لم تنشر في ديوان "خواطر الحياة".
وقد كتبها في تونس سنة 1310 ه وهي من أوائل قصائده".
__________
(1) محمد المكي بن مصطفى بن محمد بن عزوز البرجي، محدث، مقرئ، صوفي، خال الإمام محمّد الخضر حسين، وأستاذه، ولد بمدينة "نفطة"، وتوفي بإستنبول (1270 - 1334 ه = 1854 - 1916 م). حصل على شهادة "التطويع" من جامع الزيتونة، وتولى الإفتاء في مدينة "نفطة"، ثم القضاء، وقام بالتدريس في جامع الزيتونة، كان مغرماً باقتناء نفائس الكتب. وانتقل إلى إستنبول، وتولى تدريس الحديث بدار الفنون، وكذلك في مدرسة الواعظين، مؤلفاته تزيد على المئة. وقد طبعت منها ما عثرت عليه في كتاب "رسائل ابن عزوز".
من مؤلفاته: كتاب "السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني" رد فيها على رسالة "الحق الظاهر في شرح حال الشيخ عبد القادر" لمؤلفها علي بن محمد القرماني الذي أنكر فيها نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني.
وقد أرخ الإمام محمد الخضر حسين هذا الكتاب بقصيدة لم ينشرها في ديوانه "خواطر الحياة".
(11/ 2/145)

صلي واسألي آل المجادة عن ذكرى ... أذو شرفٍ مثلي لديهم بذا القُطْرِ (1)
أصيلٌ كريمُ النفسِ ذو همةٍ سَمَتْ ... وذو وَلَع بالمَكْرُماتِ وبالفَخْرِ
عبوسٌ على أَهلِ الضَّلالِ غَضَنْفَرٌ ... وإني مع القومِ الهداة لَذُو بِرِّ (2)
ومِنّي نجادُ السيفِ للعزِّ مقبلٌ ... ولستُ على كأسِ المذلَّةِ ذا صبرِ
فكيف وآبائي لأشرفُ سادةٍ ... سراةٌ أولو المجدِ المؤثَّلِ والذِّكْرِ
كرامُ المعالي منبعُ الفضلِ مَنْ سَمَوْا ... بمجدٍ لهم كالشمسِ بين الورى يسري
وأسحبُ أذيالَ الفخارِ بتونسٍ ... أيا حبذا مأوى عيونِ الظِّبا السُّمْرِ
فكم بِتُّ من ليلٍ أُقبِّلُ مبسماً ... وأرشِفُ من تحت النقاب لَمَى الثَّغْرِ
أَذُبُّ عن المظلومِ بالمال ناصراً ... وإِلَّا بسيفٍ في رقاب العدا يَفْري (3)
أَجولُ به بينَ الأُسودِ ولم أَخَفْ ... أَذىً بل به يسمو لدى وفدِهم ذِكري
ولكنَّ سَيْفَ العِلْمِ أعطبُ فاتكٍ ... وأعظمُ رُزْءٍ للمُعَنِّتٍ ذو أَزْرِ
وأَشْرَفُ ما يسمو به المرءُ رتبةً ... يعزُّ بها فالجهلُ عارٌ على الحرِّ
فإنْ رُمْتُمُ نيلَ المعارفِ دُونَكُمْ ... ومنبعها السامي فما البحرُ كالنهرِ
ألا إن يَنبوعَ العلومِ وسعدَها ... محمدُ المكيُّ الرِّضا غُرَّةُ العصرِ
كريمُ الورى كنزُ المعارفِ من غدتْ ... مفاخرُهُ تنمو عن العدِّ والحَصْرِ
__________
(1) المجادة: الشرف والكرم.
(2) الغضنفر: الأسد.
(3) أذبُّ: أدفع عنه.
(11/ 2/146)

ولو عادتِ الأشجارُ والبحرُ والملا ... مِداداً وأقلاماً لما جيء بالعُشرِ
فمن جاء يحكيه يُقال له لقد ... حَكَوْتَ وما تدري بما قيل في الشعرِ
فما كلُّ من قادَ الجوادَ يسوسها ... وما كل من يجري يقال له يجري
فمالك يا هذا بأي فضائلٍ ... تقيس، وهل قيس المُمَوَّهُ بالتبِر
ألا فهو سَحْبانُ البلاغةِ مَطْلَعُ ... السيادة يَنبوعُ المجادَةِ والبِرِّ (1)
فكم من عويصاتٍ أَمَطْتَ حِجابَها ... وكم مُلِئَتْ منكَ الحقائبُ بِالدُّرِّ (2)
وكم أثمرتْ منك الغروسُ وزُخرفِتْ ... بأفخرِ آدابٍ ويالكَ مِنْ فَخْرِ
تآليفُه منها الأباطحُ أشرقَتْ ... كما يُشرق الليل البهيمُ من البدرِ
فانعمْ بما أبداه ردّاً على ذوي ... اعتراضٍ على الآلِ المحلين بالسِّرِّ
بمطلعهِ لاحَ الكمالُ بتونُسٍ ... فأصبحَ سعدُ الدّين مُبْتَسِمَ الثَّغْرِ
وناظِرُه أَمْسى كناظرِ روضةٍ ... ببهجتها زاهٍ ومنشرحِ الصدرِ
هو العِقْدُ في جِيدِ المهاة أو السَّما ... كواكبُه تبدو لدى مَطلع الفَجْر
هو السعدُ إرشاداً هو الروض مرتعاً ... هو العَضْبُ للأعدا تَأَزَّر بالنصرِ (3)
أيا حبّذا التأْليفُ عِقداً مرصَّعاً ... تهلَّلَ من حَلْيِ الجواهرِ والدُّرِّ
__________
(1) سَحْبان وائل: سحبان بن زفر بن إياس الوائلي، يضرب به المثل بالفصاحة والخطابة والبيان. توفي (54 ه - 674 م). أسلم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) عويصات: جمع عويصة: الأمر الصعب.
(3) العضب: السيف القاطع.
(11/ 2/147)

أيا حبذا سيفاً يزين نجادَه ... طرازٌ لعمري ما بدا سالف الدهرِ (1)
أيا حبذا روضاً غدا اليوم مثمراً ... عرائسَ أفكارٍ تَبَدَّتْ من الخِدْرِ
ألا فارتَشِفْ كأسَ المدامَةِ واقتطِفْ ... مِنَ أزهارِه زهرَ الرُّبى طَيِّبَ النَّشْرِ
هو الرشد لا تجنحْ لقولِ مُعَنِّتٍ ... عليه انثنى خُبْثُ الَّلآمَةِ بالشَّرِ
فتعساً له هلاً وقى دينه بُكىً ... عليه كَمبْكى أُخْتِ صَخْرٍ على صَخْرِ
يحاول أن يطفي سَنا الشمسِ بينما ... نحاه لقد خابت مقاصدُ ذا الغمرِ
أَيَطْفَاُ نورُ اللهِ ما لَكَ آفِكاً ... تَهيمُ بآفاقِ الظلامِ ولا تدري
ألا ليت شعري هل دريتَ عذابَ ... كَ الأليمَ ومأواكَ الجحيم ألا فادْرِ
فلم لا وقد ضلَّتْ يداك وسَطَّرَتْ ... سواداً به مَسَّتْ حمى مفرد القدر
إمامِ الهدى الجِيلِيِّ من شاعَ صيتُه ... وسارتْ به الركبانُ في البَرِّ والبحر
ولكنْ ضِيا سيفِ الكمالِ محا لما ... له رَقَّمَتْ أَيدي الجَهالةِ والوِزْرِ
ولاح جمال الطبع بالنفع شاملاً ... جميعَ الورى لا سيما شارد الفكرِ
ولولا انتشار الطبع بين أُولي النهى ... لما بان كنهُ العلم من شاسع المِصْرِ
فقلت وفي طبع الكتاب مؤرخاً ... بذا البيت تاريخ بكلٍّ من الشطر
بدا سيفُ نصرٍ في يدِ الطوْدِ دوحة ال ... كمال الهدى محيي العلوم أَبي الفخر
محمّد الخضر حسين
سنة 1310
__________
(1) النجاد: حمائل السيف.
(11/ 2/148)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(22)

«الرِّحْلات»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(11/ 3/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(11/ 3/2)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
قام فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - برحلات علمية باعتبارها وسيلة لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع.
فقد نفر الإمام الأكبر إلى بلاد طلباً للعلم والتفقه في الدين، وسار في الأرض للاطلاع والاعتبار بأحوال الأمم الماضية والحاضرة. وخرج من تونس إلى الشرق مهاجراً في سبيل الله ورسوله بعد أن سلط عليه الاحتلال الفرنسي سيف الإرهاب، وأصدر عليه حكماً بالموت، كما هاجر من دمشق إلى القاهرة لنفس السبب، وقضى حياته في مصر داعياً إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومدافعاً عن الإسلام بكل ما أوتي من قوة وجرأة وإقدام، حتى وافاه الأجل فيها، ووقع أجره على الله.
قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11].
وقال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100].
(11/ 3/3)

قام المؤلف - رحمه الله - بالعديد من الرحلات العلمية إلى الشرق والغرب. فقد زار طرابلس بليبيا عام 1317 ه - 1889 م، وفي عام 1321 ه - 1903 م قام برحلته العلمية الأولى إلى الجزائر، وعاد لزيارتها عام 1322 ه - 1904 م. كما بدأت رحلته الأولى إلى الشرق عام 1330 ه -1912 م في الشهر السابع حتى الشهر الحادي عشر، زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد، ويافا، وحيفا، ودمشق، وبيروت، وإستنبول، ثم عاد إلى تونس، ولم يمض شهر حتى عزم على الهجرة إلى دمشق فراراً بدينه. فارتحل إليها متنقلاً من مصر إلى الشام والحجاز، ثم ألبانيا وبعض بلاد البلقان والآستانة وألمانيا.
وفي عام 1920 م ارتحل إلى القاهرة، واستقر فيها حتى آخر حياته، وقام خلالها برحلات إلى سورية ولبنان والحجاز.
وكم كان متشوقاً للعودة إلى الوطن الأم تونس، بعد أن نالت استقلالها. وقد طلب إليه الرئيس الحبيب بورقيية العودة، وكانت يين الرجلين مودة وصلة وثيقة منذ أيام الجهاد والكفاح في مصر. وما إن قبلها الشيخ الخضر، وتهيأ لها، حتى أدركته المنية بعيداً عن الوطن.
لقد دوّن - رحمه الله، وأجزل إليه الثواب - مشاهداته عن بعض الرحلات التي قام بها إلى البلدان الأخرى، ونحن إذ نقدم للقارئ المسلم هذه الرحلات، فإن الدافع لذلك هو ما تضمنته من محادثات وتحارير علمية غايتها الدعوة إلى الحق والإصلاح في كل زمان ومكان.
ولم نتمكن من العثور -رغم ما بذلناه من جهد- على مذكراته كاملة عن ألمانيا، والتي نشرت في "صحيفة البلاغ" في بيروت عام 1918 م، وجريدة
(11/ 3/4)

"المقتبس" بدمشق والأمل أن نجدها كاملة في المستقبل إن شاء الله تعالى.
وقد اكتفينا بنشر ما اختصرته مجلة "المقتبس" من المشاهدات في الجزأين السابع والثامن من المجلد التاسع 1332 ه - 1913 م نقلاً عن جريدة "المقتبس" والتي لم نعثر عليها رغم الجهد المبذول.
هذه صفحات من رحلات مشرقة مليئة بالإيمان والجهاد والبذل والتضحية، وهي لمحات عن حياة عالم مجاهد أمضى عمره داعياً إلى الإسلام، مدافعاً عن الإسلام، والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
(11/ 3/5)

أثر الرّحلة في الحياة العلمية والأدبية (1)
يكثر الراحلون من بلاد إلى أخرى، والغرض من هذه المحاضرة: البحث عن رحلات أهل العلم والأدب، وما تأتي به من ثمار طيبة؛ لنعرف كيف تكون الرحلة من وسائل ترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع.
ولعل قائلاً يقول: إن فائدة الرحلة قد عرفها الناس على اختلاف أصنافهم، وتفاوت طبقاتهم، وأصبحت من المعلومات الموضوعة على ظاهر اليد، فالحديث عنها صرف للوقت في غير جدوى.
وأقول في الجواب: إني في شك من هذا؛ لأني أرى كثيراً ممن وهبهم الله القدرة على الرحلة، وهيأ لهم وسائلها، لا يُقبلون عليها، وينصرفون عنها انصرافهم عن الأشياء التي يرونها خالية من كل فائدة ولذة.
على أني أريد التنبيه لما في الرحلة من فوائد؛ ولأضعها أمام نشئنا، حتى إذا خطر لهم ما في الرحلة من حرج وعناء، نظروا إلى هذه الفوائد، فيخف وزن تلك المتاعب، وتذهب أمام أنظارهم غير محتفل بها.
__________
(1) محاضرة الإمام بالمجمع العلمي العربي بدمشق في جمادى الآخرة عام 1356 ه. ونشرت في مجلة "المجمع" - الجزء السابع والثامن من المجلد الخامس عشر. كما نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد العاشر.
(11/ 3/6)

* الرحلة في نظر الإسلام:
لم يدَع الإسلام وسيلة من وسائل الرقي إلا نبه علمِها، وندب إلى العمل بها، وهذا شأنه في الرحلة، فقد دعا إليها رامياً إلى أغراض سامية، منها: طلب العلم، قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
ويلحق بالتفقه في الدين: كل علم يعد في وسائل الرسوخ في علوم الدين؛ كالنحو، والبلاغة، بل يلحق بالتفقه في الدين كل علم يتوقف عليه استقلال الأمة وسلامتها من أيدي أعدائها؛ كفنّ صنع الغواصات والطيارات وما شاكلها من وسائل القوة المشار إليها بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
ومن هذه الأغراض: الاعتبار بأحوال الأمم الماضية، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11].
ويلحق بأحوال الأمم الماضية: أحوال الأمم الحاضرة، متى كان في النظر إليها عبرة ينتفع بها في وجه من وجوه الإصلاح.
ومن هذه الأغراض السامية: التخلص من دار البغي والضلال إلى الإقامة في دار عدل وهداية، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100].
هذه الآية وأمثالها واردة في قوم كانوا يقيمون في دار غواية وعسف، وكان في هجرتهم إلى المدينة بعد عن مشاهدة المنكرات، وشد لأزر المسلمين، وتكثير لسوادهم، فإذا تشابهت البلاد في الاستخفاف بأمر الدين، فعلى كل عالم أن يجاهد في الدعوة إلى الحق والإصلاح أينما كان.
(11/ 3/7)

* المثبطات عن الرحلة:
لا أريد من المثبطات عن الرحلة: العوائق التي ليس في استطاعة الشخص علاجها؛ كفراغ يده من نفقات السفر، وكقيامه على أسرة إذا فارقها، وقعت في حاجة ونكد من العيش، بل أريد من المثبطات: ما يعرض للنفوس الضعيفة، ويغلب على أمرها، ولولا ضعفها، لما كان له عليها من سبيل.
ومن هذه المثبطات: استعظام الرجل مفارقة من يعزّ عليه من قريب أو صديق.
ألقي على إمام الحرمين وهو على المنبر سؤال، وهو: لماذا كان السفر قطعة من العذاب؟ فقال: لأن فيه فراق الأحبة.
وفي الناس من يذكر ما في الرحلة من متاعب بدنية، فيحجم عنها، وأكثر من يعرض لهم هذا المثبط أولئك الذين ينشؤون في ترف وانحلال عزيمة، فيخشون أن يفوتهم ما اعتادوا من راحة ورفاهية، ولو أياماً قليلة.
وقد يحجم الرجل عن الرحلة مخافة أن ترمي به بين أقوام لا يعرفون أدبه أو حسبه، فيجد من مرافقتهم أو معاشرتهم كدراً، وإلى مثل هذه الآلام النفسية أشار ابن جبير بقوله:
لا تغترب عن وطنٍ ... واحذرْ تصاريفَ النوى
أما ترى الغصنَ إذا ... ما فارق الأصل ذوى
وقال الرحالة ابن سعيد الأندلسي متألماً من بعض ما لاقاه في بلاد الشرق:
وأنادَى مغربياً ليتني ... لم أكن للغرب يوماً أُنسبُ
(11/ 3/8)

نسبٌ يشرك فيه خامل ... ونبيه أين منه المهربُ؟
أتراني ليس لي جدٌّ له ... شهرة أو ليس يُدرى لي أبُ

* علاج هذه المثبطات:
يعالج الرجل هذه المثبطات الناشئة عن ضعف النفس وقلة تمرينها على احتمال المكاره؛ بأن يذكر ما تأتي به الرحلة من الفوائد العلمية أو الأدبية، خاصة أو عامة، فإذا وثقت نفسه بغايتها النبيلة، وعواقبها الحميدة، سهل عليها كل صعب، واستهانت بكل خطر.
قال عبد الملك بن سعيد في وصية ابنه علي عندما أراد الرحلة إلى بلاد الشرق:
وكلّ ما كابدته في النوى ... إياك أن يكسر من همتك
وليذكر أن هذه المؤلمات تذهب، وأن ثمرة الرحلة لذيذة باقية.
قال القاضي محمد بن عيسى أحد الراحلين من الأندلس إلى الشرق بعد أوبته:
كأن لم يكن بَيْنٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي
كأنْ لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... ولم تمْرِ كفُّ الشوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللوى من رامة وبراق
ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ... وكأس سقاها في الأزاهر ساق
ونرى في كتب الأدب شعراً كثيراً يقصد ناظمه الرد على من يحاول تثبيطه عن الرحلة، كما قال أبو تمام:
أآلفةَ النجيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع
(11/ 3/9)

وقال آخر:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوفُ
وقال ابن دراج:
ألم تعلمي أن الثواء هو النوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
ويروى: أن المأمون أراد الخروج في بعض الحروب، فوقفت له جارية ممن شغف بهن، ورغبت إليه أن لا يخرج، فقال: لولا قول جرير:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهارِ
لما خرجت.

* فوائد الرحلة:
إذا درسنا تاريخ العلماء والأدباء الذين رحلوا عن أوطانهم، ووجهنا النظر إلى ما نتج عن رحلاتهم من فوائد تعود عليهم أنفسهم، أو على قومهم، أو على الأوطان التي نزلوا بها، وقفنا على فوائد كثيرة يقدرها الباحثون عن وسائل رقي الأفراد والجماعات.

* أثر الرحلة في حياة الراحل:
من أنفس ما يكسبه الرجل في رحلته: أن يعلم أشياء لم يكن يعلمها من قبل، فكم من عالم لم يبلغ المقام الذي يشار إليه بالبنان إلا بالرحلة! ولابن خلدون في "المقدمة" مقالة افتتحها بقوله: "إن الرحلة في طلب العلم ولقاء الأساتذة مزيد كمال من التعلم"، وختمها بقوله: "فالرحلة لابد منها في العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ والتلقي عن الرجال".
وفي الرحلة عون على التمكن من بعض الأخلاق السامية، مثل: خلق
(11/ 3/10)

الصبر؛ لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية، وآلام نفسية، ومثل: أدب المداراة؛ فإن البعيد عن وطنه أشد شعوراً بالحاجة إلى هذا الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حسبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم.
ولا يخلو الراحل من أن يلاقي في رحلته رجالاً صاروا مثلاً عالية في مكارم الأخلاق، فيزداد بالاقتداء بهم كمالاً على كمال.
بقي يحيى بن يحيى بن بكير النيسابوري عند مالك بعد أن أتم الرواية عنه، وقال: أقمت لأستفيد من شمائله.
وقد يرى الرجل في وطنه سلطاناً طاغياً، وحكماً جائراً، فيتخلص بالرحلة إلى بلد يكون مجال الحرية فيه أوسع.
كان أَبو جعفر أحمد بن صابر القيسي كاتباً للأمير أبي سعيد فرج بن الأحمر ملك الأندلس، فكان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان، فتوعده بقطع يده، فقال: إقليم تمات فيه سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يتوعد بقطع اليد عليها، لجدير أن يرحل منه، فخرج، وقدم مصر.
وقد ينشأ الفتى في نبوغ، ويضيق بلده عن أنظاره الواسعة، فيرحل إلى مدينة تكون أوسع مجالاً للآراء الخطيرة، فتعظم مكانته، ويكثر الانتفاع بحكمته، ولولا الرحلة، لما عظم شأنه، ولما كثرت ثمرات نبوغه.
أذكر أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام مر عند خروجه من الشام بالكرك، فتلقاه صاحبها، وسأله الإقامة عنده، فقال له الشيخ: بلدك صغير عن علمي. وتوجه إلى القاهرة.
وأسوق شاهداً على هذا: أن القاضي يوسف بن أحمد بن كج الدينوري
(11/ 3/11)

قد بلغ في العلم مرتبة كبيرة، وقال له بعض من لقيه: يا أستاذ! الاسم لأبي حامد الغزالي، والعلم لك، فقال القاضي: ذاك رفعته بغداد، وأنا حطتني الدينور.
وقد تكون رحلة العالم أو الأديب من أسباب ظهور علمه أو أدبه، وانتشاره في الآفاق.
قال الأديب أَبو بكر المعروف بابن بقي:
ولي همم ستقذف بي بلاداً ... نأت إما العراق أو الشآما
لكيما تحمل الركبان شعري ... بوادي الطلح أو وادي الخزامى
وكيما تعلم الفصحاء أني ... خطيب علّم السجع الحماما
وقد أطلعتهن بكل أرض ... بدوراً لايفارقن التماما
وربما أدرك الرجل في وطنه ضيق عيش يخشى أن يعوقه عن الازدياد من العلم، أو التفرغ لنشره بالتدريس والمذاكرة، فيرحل حيث يلقى كفافاً أو يساراً يساعده على أن يقبل على الدرس والبحث بنفس مطمئنة.
رحل القاضي عبد الوهاب بن نصر من بغداد إلى مصر، ونبه على سبب رحلته فقال:
سلامٌ على بغداد في كل موطنٍ ... وحوّلها مني السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها على قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكذلك قال أَبو سعد النبرماني:
فقد سرت في شرق البلاد وغربها ... وطوّفت خيلي بينها ورِكابِيا
(11/ 3/12)

فلم أر فيها مثل بغداد منزلاً ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلاً ... وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائل لو كان حبك صادقاً ... لبغداد لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا
ومما يظفر به الرجل الفاضل في رحلته: أن يتخذ في البلاد التي ينزل بها أصدقاء يغتبط بصداقتهم، والصداقة الخالصة من ألذّ ما يمتع به الإنسان في هذه الحياة، وكتب الأدب مملوءة بالرسائل والقصائد التي دارت بين علماء وأدباء اختلفت مواطنهم، وهي عامرة بروابط ناشئة بوسيلة الرحلة.
وهذا ابن خلدون ارتبط بصداقات كثيرة من علماء البلاد؛ كلسان الدين ابن الخطيب، وابن زمرك، وجرت بينه وبينهم مراسلات، وأذكر من قصيدة بعث إليه بها ابن زمرك بعد نزوله مصر قوله:
بعيشك خبرني ولا زلت مفضلاً ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي
ومثل الحافظ ابن عساكر رحل إلى بلاد العجم بعد بلاد العرب، وأذكر من قصيدة بعث بها إلى صديقه أبي سعد السمعاني قوله:
أنسيت ثدي مودة ... بيني وبينك وارتضاعه

* ماذا يستفيد قوم الرجل من رحلته؟
قد تحظى البلاد بالعلم بعد انقطاعه عنها، أو تقوم سوقها فيها بعد خمولها، والفضل في ذلك لرجال يرحلون إلى الحواضر التي هي منبع العلوم، ثم يعودون وقد امتلؤوا مما اغترفوه من العلوم والفنون.
وقد بلغت الحالة العلمية بالأندلس بعد عودة أبي الوليد الباجي من
(11/ 3/13)

رحلته المشرقية منزلة أرفع وأرسخ مما كانت عليه قبل أن يعود.
وارتحل أبو القاسم بن زيتون التونسي في أوساط المئة السابعة إلى المشرق، فبرع في العقليات والنقليات، ورجع إلى تونس، فأتبعها بعلمه الكثير، وأسلوب تعليمه البديع.
ويرحل العالم أو الاديب من وطنه وهو يحمل علماً غزيراً، أو يتحلى بأدب سني، وينزل بين جماعات من بلاد مختلفة، فيرونه مثالاً لأهل العلم والأدب من قومه، فيرتفع شأن قومه في أنظارهم، هذا إلى ما يصفه لهم من محاسن قومه، أو ينقله إليهم من ثمرات أفكارهم.

* ماذا تستفيد البلد ممن يرحلون إليهم من ثمرات أفكارهم؟
يرحل العالم أو الأديب، وينزل ببلد، فيبذر بها متى كانت في حاجة إلى أمثاله: علماً، أو أدباً، ومن ذا ينكر أن بلاد الأندلس قد استفادت من العلماء الذين رحلوا إليها من الشرق، مثل: تاج الدين بن حمويه السرخسي، وأبي علي القالي، كما استفادت دمشق من أمثال ابن مالك، وابن السبكي، واستفادت مصر من أمثال أبي حيّان، وابن خلدون؟.
وهذا المعري يحمد السفر الذي جاء بالقاضي عبد الوهاب بن نصر من بغداد إلى المعرة، فقال:
والمالكي ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تحدث أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضليل إن شعرا
وتفقه البربر في علوم الدين عن عشرة من فقهاء التابعين بعثهم عمر ابن عبد العزيز لهذا الغرض خاصة.
ونرى في تراجم كثير من العلماء الراحلين: أنهم كانوا يُلقون في البلاد
(11/ 3/14)

التي ينزلون بها دروساً، أو يُدرسون بها علوماً يتلقاها عنهم بعض أهل العلم.
فرحلات العلماء والأدباء تنقل العلم والأدب من بلد إلى آخر على وجه أثبت وأنفع مما تنقله المؤلفات وحدها.

* أثر الرحلة في تنمية العلوم:
للرحلة فضل في نماء العلوم واتساع دائرتها، وكم من كتاب يعدّ في علمه من أمهات الكتب هو وليد الرحلة! ذلك أن أسد بن الفرات الراحل من القيروان إلى الشرق ورد مصر بعد أن تلقى العلم في الحجاز والعراق، وألقى على ابن القاسم أسئلة يطلب الجواب عنها على مقتضى مذهب الإمام مالك، وجمع تلك الأسئلة وأجوبتها في كتاب يسمّى: "الأسدية"، ثم رحل سحنون من القيروان بالأسدية إلى ابن القاسم، وعرضها عليه، وهذّبها، وأضاف إليها مسائل أخرى، وصارت تسمى: "المدونة"، وهي المشار إليها بقول بعض أهل العلم:
أصبحت فيمن له علم بلا أدبٍ ... ومن له أدب عار عن الدين
أصبحت فيهم فقيد الشكل منفرداً ... كبيت حسان في ديوان سحنونِ
وبيت حسان الذي لم يرد في "المدونة" غيره من الشعر هو قوله:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
ومن فضل الرحلة: أنها حفظت جانباً عظيماً من التاريخ، حفظته الكتب التي يودعها مؤلفوها ما شاهدوه في أسفارهم من وقائع وأحوال، مثل: رحلة ابن بطوطة، ورحلة العبدري، ورحلة ابن جبير، ورحلة خالد بن عيسى البلوي، وغيرها؛ فإنا نرى في هذه الرحلات أشياء لا نجدها فيما بين أيدينا من كتب التاريخ.
(11/ 3/15)

* أثر الرحلة في ثراء الأدب:
للرحلة أثر في ثراء الأدب لا يقل عن أثرها في ثراء العلم، فكم من قصيدة لا ينظمها الشاعر إلا حين يعزم على الرحلة لإلقائها بين يدي ملك أو وزير أو وجيه، مثل قصيدة:
أدرك بخيلك خيل الله أندلُسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
فإن صاحبها أبا عبد الله بن الأبار الراحل من الأندلس قد نظمها استنجاداً لأمير تونس، وألقاها بين يديه.
ومما يرجع الفضل فيه للرحلة: ذلك الشعر الوارد في التشويق إلى الوطن، أو الأهل، أو الإخوان، ومن هذا الباب: قول محمد بن يوسف الدمشقي يتشوق إلى دمشق وهو ببلاد الروم:
بعادٌ يزيد الجوى والحنينا ... وبَيْنٌ يعلّم قلبي الأنينا
فراقٌ أذاب الحشا أدمعاً ... فأجرى بصافي الدماء العيونا
إلى أن قال:
وجاد الحيا أربعاً بالشآم ... وسلّم صحباً بها قاطنينا
رحلنا فما تابعتنا القلوب ... وسرنا فظلت لديكم رهونا
وأذكر بهذه المناسبة: أن أستاذنا المرحوم الشيخ سالم أبا حاجب كان قد سافر إلى إيطاليا، وبعث رسمه إلى بعض أصدقائه في تونس، وكتب عليه البيتين:
لما شكت شحط النوى روحي التي ... أبقيتها عند الأحبة بالوطنْ
(11/ 3/16)

أرسلت تمثالي لها بوّاً (1) عسى ... تسلو فلا تبغي التحاقاً بالبدن

* أثر الرحلة في تعارف الشعوب:
لا ينزل الرجل الفاضل بوطن إلا التقى بطائفة من فضلائه، والشأن أن يصف لهم بعض النواحي من حياة قومه العلمية والاجتماعية، ثم إذا عاد إلى قومه، وصف لهم حال الأوطان التي نزل بها، فيكون كل من الشعوب التي رحل منها، أو نزل بها، على خبرة من حال الشعوب الأخرى.
وقد نبهنا على أن الرجل الطيب السريرة يتخذ في كل وطن أصدقاء، وهذه الصداقات تعد فيما يربط بين الشعوب الرابطة الوثيقة، وتعارف الشعوب بوسيلة العلماء والأدباء يثير في نفوسهم عواطف الائتلاف والاحترام.
وإذا كان من أفضل آثار الرحلة: عقد رابطة التعارف والتعاطف بين الشعوب، فعلى المستطيعين منا أن يخصوا البلاد الشرقية بجانب عظيم من رحلاتهم، ولو وجدوا في سبيل ذلك مشاق فوق ما يلاقونه في سبيل الرحلة إلى البلاد الأجنبية.
* أدب الرحلة:
الآداب السنية هي كمال الإنسانية، فيجب على الإنسان الاحتفاظ بها في وطنه كما يحتفظ بها في غير وطنه، ورأينا بعض الحكماء يوجهون إلى الغريب، أو من رام الغربة عنايةً خاصة، فيؤكدون عليه في الاحتفاظ بالآداب الشريفة، كما قالوا: يا غريباً! كن أديباً.
__________
(1) البو: جلد الحوار (ولد الناقة) يحشى ثماماً أو تبناً، فيقرب من أم الفصيل، فتعطف عليه، فتدر.
(11/ 3/17)

ومن هذا القبيل وصية عبد الملك بن سعيد الأندلسي لابنه علي بن سعيد عند عزمه على الرحلة إلى بلاد الشرق، تلك الوصية التي يقول فيها:
أودعك الرحمن في غربتك ... مرتقباً رحماه في أوبتك
فلا تطل حبل النوى إنني ... والله أشتاق إلى طلعتك
وقال:
فليس يدرَى أصل ذي غربة ... وإنما تعرف من شيمتك
ونبه لآداب سامية فقال:
وامش الهوينى مظهراً عفة ... وابغ رضا الأعين عن هيئتك
وكل ما يفضي لعذر فلا ... تجعله في الغربة من إربتك
ولا تجادل حاسداً أبداً ... فإنه أدعى إلى هيبتك
وقال:
وانطلق بحيث العيّ مستقبح ... واصمت بحيث الخير في سَكْتتك
ومن أدب الراحل: أن ينصف البلد التي ينزل بها، فيذكر محاسنها؛ ويغتبط بما يلاقيه به أهلها من احتفاء ومؤانسة.
ورد تاج الدين بن حمويه السرخسي بلاد المغرب، فسأله سلطان المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن قائلا: أين هذه البلاد من بلادك الشامية؟ فقال السرخسي: بلادكم حسنة أنيقة، وفيها عيب واحد، فقال السلطان: ما هو؟ قال: أنها تنسي الأوطان.
وممن قاموا على هذا الأدب الجميل العلامة المقري صاحب كتاب "نفح الطيب"؛ فقد نظم في الثناء على دمشق أشعاراً، وتمثل فيها بأشعار،
(11/ 3/18)

ومما أنشده: قول شمس الدين الأسدي:
إذا ذكرت بقاع الأرض يوماً ... فقل سقياً لجلّق ثم رعيا
وقل في وصفها لا في سواها ... بها ما شئت من دين ودنيا
وأختم هذه المحاضرة بأبيات خطرت لي معانيها عندما نزلت دمشق، وإني لست بشاعر، ولكني درست علم العروض، فأستطيع أن أقول كلاماً موزوناً، وإلى حضراتكم هذه الأبيات:
زارها بعد نوى طال مداها ... فشفى قلباً مجدّاً في هواها
راح نشوان ولا راح سوى ... أن رأى الشام وحياه شذاها
نظرة في ساحها تذكره ... كيف كان العيش يحلو في رُباها
ما شكا فيها اغتراباً وإذا ... حدثته النفس بالشكوى نهانا
من يحث العِيس في البيد إلى ... بردى يحمد للعيس سُراها
فهنا قامت نوادي فتية ... تبلغ النفس بلقياهم مناها
أدب يزهو كزهر بهج ... أرشفته السحب من خمر نداها
خلق لو نصح الخوْدَ به ... ناصح لاتخذت منه حِلاها
ملؤوا جلّق أُنساً فأرى ... ليلها طلق المحيا كضحاها
شدّ ما لاقوا خطوباً فانتضوا ... مرهفات العزم طعناً في لهاها
عزة الأمة في نشء إذا ... نشبت في خطر كانوا فداها
وجناحا فوزِها استمساكُها ... بهدى الله وإرهاف قناها
هي عين والهدى إنسانها ... فإذا ما فسقت لاقت عماها
...
(11/ 3/19)

رتِّل الذكر ملياً تره ... يغرس الحكمة أو يدني جَناها
أطلق الأفكار من أصفادها ... فمضت ترعى الثريا وسهاها
* * *
خضْ علوم الكون أحقاباً وسِرْ ... في سماها إن تشأ أو في ثراها
لا ترى في الدين إلا مغرياً ... بحلاها أو مزيحاً لقذاها
* * *
ذكرونا سلفاً قاموا على ... سيرة غرّاء والدهر طواها
أمة يذكي التقى غيرتها ... مثلما يذكي الندى نار قِراها
شرف لو آنسته الشمس في ... أُفقه الأعلى لظنته أباها
* * *
أوَ يُجدي مجدُ أسلاف إذا ... غرقت أجفان خلف في كراها
أمة تلهو بذكرى تالد ... عن طريف لم ترم عهد صِباها
فابعثوها همماً تسمو كما ... سمت الجوزاء تزهو في سناها
ما الفخار الحق إلا نهضة ... أحكم الإيمان والعلم عُراها
(11/ 3/20)

النهضة للرّحلة (1)
تشهد أساتذة الحكمة وجهابذة الفلسفة، ويزكيهم طول الاختيار والتجربة الصادقة: أن من انتشر بالأمصار، وجاس خلال البلاد، وعاشر طوائف الناس بنباهة قائمة، وضبط جيد، وعقل لا تأخذه سنة الذهول، يكون أبسط ذراعاً، وأطول باعاً في معرفة ما لنوعه البشري من طباع متباينة، وآراء متشعبة، وعوائد مختلفة، وأهواء متفرقة، وأنه أشد تمكناً في التخلق بالأحوال التي تقربه عند أولي الألباب، بحيث لا تصدر أقواله وأفعاله إلا عن إرادة قوية، وروية ثابتة، فما يلفظ من قول إلا صادف مرماه، ولا يكسب عملاً إلا كان حسنه في عيون أهل الفضيلة، وذلك لإحاطة مداركه بأوجه السياسة العامة خُبراً، يعرف حيث يستدل اللين بالحدة، وفي أي حين تستعمل الشدة بدلاً عن الأناة، ولا يخفى عليه في أي المواضع يتعاظم بعزة النفس، وإلى أي حد ينتهي التواضع، وهلمّ جُرّاً.
وضعُ الأشياء مواضعَها المناسبة حتى تلائم فضلاء الناس أمرٌ عسير، لابدّ له من اجتهاد عظيم، لا ينبغ فيه من ينشأ في الحلية، ولا يهدج إلا حول بيته، تجد في الذين يريدون علواً في الأرض، من لا يمشي فيها إلا مرحاً، وهو
__________
(1) مجلة "السعادة العظمى التونسية"- العدد التاسع من المجلد الأول والتي أصدرها الإمام في تونس عام 1322 ه.
(11/ 3/21)

يشمخ بأنفه كأنما يريد أن يثقب به الفلك الأطلس، ومتى صوبت نظرك إلى قدمه، وجدتها سائخة في الدرك الأسفل من المهانة.
علّة ذلك: أنه لم يفتح عينه إلا على وجوه آخر له جباهها سجّداً، ولا يخاطب إلا بأفواه تتدفق عليه أشداقها بعبارات التعظيم والإطراء، فيكون ارتياحه لذلك غشاوةً على بصره تحجب عنه ما ارتكز في سريرته من النقائص، ولو امتطى غوارب الأسفار، وهبت به على المواطن التي لا يعباً فيها إلا بطارف المجد، ولا يعتنى فيها إلا بالكمال الذي يجري مع صاحبه حيث أصاب وأبصر رجالاً بمنزلة الجن في تفنن الأعمال وإبداعها، وآخرين يضاهون طبقة الملأ الأعلى في أخلاقهم المقدسة، لترفعت همته عن القناعة بما تداهنه به عبيد المطامع الواسعة، وتداجيه به ألسنة الذين في قلوبهم مرض النفاق، وطفق يسعى وراء ما أرشدته إليه المشاهدة إرشاداً صحيحاً، وينسج على منوال ما دلته عليه التجارب دلالة واضحة.
ومن الذين يريدون الحياة الدنيا، من تنبت له الفضاضة في نفوس بعض الأرذلين بذور الرهبة والإكبار، فينتزع من ذلك قياساً يظنه مطرداً، حتى إذا هجس في خاطره استرقاق بعض الضمائر الحرة، أسرع إلى جرح إحساساتها، ولربما عمد إلى إرهابها بمد يده إلى إنقاذ مقاتلها، ولو مارس مثل هذا أبناء الزمان شعوباً وقبائل، واختبرهم ظهراً وبطناً، لعلم علم اليقين أن من الأفئدة ما لا يستعبده إلا الجميل من القول، ولا يرد جماحه إلا بزمام الرفق والملاطفة.
ومما كان للناس عجباً: أن يحل الرجل بعض النوادي، فيرمي بالكلمة ولا يلقي لها بالاً، فتهتز لها الرؤوس عجباً، وتبتسم لها الثغور اعترافاً بحسن
(11/ 3/22)

موقعها، فيأخذ أحد قرنائه في العمل على شاكلتها، فتصاعر له الخدود، وتقطب له الوجوه، كأنما جاء شيئاً فرياً.
النكتة في هذا المثال: اغترار هذا القرين بأن تلك الكلمة إنما أودعت في القوم نشوة بانسجام لفظها، أو إصابة معناها، لا لأنها وردت عليهم مخضبة بصبغة الانتساب إلى مصدر خاص، والمطلع على ما لبني جلدته من المذاهب المتنوعة، والشؤون المتخالفة، المتصرف فيها تصرفاً واسعاً، لا يلدغ من مثل هذا الأغوار الضيقة.
وكأني بمن يترصد مواضع النقد في الكلام، يوحي إلينا: أن من أبناء السبيل من لم يزدهم الاغتراب إلا خوراً في طباعهم، وانحلالاً في عقدة إيمانهم، وتشدقاً في الأقوال مع عجز في الأعمال، غمسوا وجوههم في الخبائث حتى نضب منها ماء الحياة، وانسدل عليها من السماجة والقحة قناع كثيف، ثم تمادوا يبنون معتقداتهم على ما يسمى عندهم: بحرية الفكر، حتى تلفقت لهم ديانة لا شرقية ولا غربية، {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]. ولو انزوت هذه الفئة في حنايا بيوتهم، لكان خيراً لهم، وأخف فتنة على السماعين لهم.
فنقول: هذا لا ينصدع به الجدار الذي كنا بصدد إقامته؛ إذ لم نقل: إن السفر النافع هو مبارحة الأوطان كيفما اتفق، والجولان بالمدن والقرى كيفما كان الحال.
السفر لا يربي لصاحبه ملكة بالأدب إلا إذا قارنته فطنة مستيقظة تبحث عن أسرار الاجتماع، وتدقق النظر في تمييز الحسن من المعيب، لو قلت: إن هذه الشرذمة لم تهتد إلى غير المنازل التي تأوي إليها الأراذل، وتسكن إليها
(11/ 3/23)

السفلة، استناداً إلى دعاويهم الطائلة، وأفكارهم الخاوية، لم أكن مخطئاً.
أما انحلال عقيدة إيمانهم، فلأن عقائده الحقة إنما بنيت عندهم على هاوية التقليد، فلما هبت عليها أعاصير الشبه، نسفتها من صدورهم نسفاً، فغادرتها قاعاً صفصفاً، فأصبحوا وهو في ريبهم يترددون.
وتلك آيات الكتاب الحكيم التي لم تترك للأدب وجهاً جميلاً إلا كشفت لثامه، ولا شرعة لأعلاء النفوس الطاهرة إلا فتحت أبوابها، وقومت ما نشز من كعوبها، تحثنا على سلوك هذه الجادة حثاً أكيداً، وتنبئنا بغياتها التي هي: الآداب الروحية، والمعارف التي تكمل بها السعأدة في الدنيا، ويتوسل بها إلى السعادة في الآخرة. قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122} الآية. والتفقه في الدين كما يصدق على الأحكام التي تتلقى بطريق السمع، يندرج فيه التنبه لفهم الدقائق والأسرار التي تؤخذ من الأمور الحاضرة بواسطة المشاهدة، ولقد كان لعلمائنا العناية الكبرى، والعزيمة الماضية في النهوض للرحلة، والتجلد على اقتحام ما كان فيها من المشاق.
كان السفر قطعة من العذاب، بل العذاب كله، فمن اتخذ سبيله في البحر سرباً، لا يزال ينظر إلى أمواجه نظر المغشي عليه من الموت، كأنما ينفتح له ما بين كل موجتين قبر، وعواصف الرياح تقلبه ذات اليمين وذات الشمال، فيقضي شهوراً، أو ما قدر له، وهو على أعواد مشرف على الهلاك، لا يمسكه عن الوقوع في مهواته إلا خيط أجله، وإن كان السفر براً، فلا تسل عما يحيق بأهله عندما يحمى بهم وطيس الظهيرة، أو يجمد عليهم زمهرير الغدو والآصال، والمخاوف تنسل عليهم من كل فج عميق.
(11/ 3/24)

أما الآن، فقد أصبح السفر قطعة من النعيم، فمن لقي من إقامته نصباً، ورام اغتنام الراحة وصفاء البال، بادر له بكل حزم ونشاط، غيرَ متوجس خيفة من تلك الغوائل المزعجة.
وبعد، فهل لإخواننا الكرام أن يسمحوا لنا بأن نعرض عليهم حاجة في أنفسنا ليقضوها، وإن قال قائل منهم: إنها كبرت كلمة تخرج من أفواهنا. وهي: أن نستنهض هممهم، ونستمنح من عواطفهم أن يطرحوا شيئاً من الشغب بالمنازل، والعكوف على الإقامة بها، ويسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين سعوا جهدهم في خدمة الدين والوطن، ويساهموهم فيما يعودون به على أنفسهم وذوي أخوتهم من المساعي الحميدة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
(11/ 3/25)

الرحلة الجزائرية (1)
كنت أُسعفت فيما سلف من الزمان بإجراء سياحة في أطراف المملكة الجزائرية، وبقيت النفس مستشرفة إلى إعادتها تارة أخرى إلى مدينة الجزائر نفسها؛ لنكون على بينة من مقدار ما تبلغ إليه حالتها العلمية، وجلية من أمر أخلاق أهلها الغالبة، وعاداتها العامة؛ فإن لسان العيان أفصح من لسان البيان. وما برحت هذه الأمنية تتمثل في الخيال، وتجول في العقل، حتى مكنتنا الفرصة من توطيدها وإبرازها إلى حيز الوجود في شهر رمضان المعظم من هذه السنة.
ولما استقر بنا النوى من حيث ابتدأ، وصقل الإياب مرآة الصدور مما مسها به البعاد من الصدأ، قبضت قبضة من آثار سفرنا هذا، ونبذتها في صحائف هاته المجلة؛ عسى أن يعتبرها مطالعوها الكرام بمثابة فصل انتزعت شذوره من مجلد ضخم في أنباء الأمة الجزائرية من جهة معارفها وأخلاقها.

* سوق أهراس:
عقدت العزيمة على الظعن في الساعة الثامنة صباحاً من اليوم الخامس
__________
(1) نشرت هذه الرحلة في العددين الأول والثاني من مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الإمام في تونس عام 1322 ه كما نشرت في كتابه: "السعادة العظمى".
(11/ 3/26)

من الشهر المذكور (شهر رمضان سنة 1322 ه) (1)، واتخذت سبيلي في البر؛ لأنه أجمل منظراً، وأقل خطراً، فانسحب بنا القطار وهو يطوي البيد طياً، ويجوب من المفاوز الفسيحة مكاناً قصياً، إلى أن نفخ نفخة الغيور الكريم، ثم سار سيراً رويداً، واستوى على محطته الواقعة على جناح من بلد "سوق أهراس" (2) في الساعة الرابعة مساء.
فهبطت متدلياً إلى المنزل الذي أعدّ لنا، وبعد أن نفضت نقع على ما علق بنا من النصب، تطوفنا في أغلب مناهجها المتسعة، وفسحنا الخاطر في بناءاتها المتناسبة، ولعدم أكبر ساحتها يمكن الإحاطة بها في مدة وجيزة. وعند مغيب الشفق توجهت إلى مسجد لاغتنام فضيلة الجماعة، وبعد أن قضيت الصلاة، وتأهبنا للانصراف، قام من الجماعة رجل تلوح على وجهه سمة أهل العلم، ودنا مني، وسلم عليّ سلام ذي المعرفة، ثم مسك بيدي، وتقدم بي إلى محراب المسجد، وأومأ إلي بالجلوس، ثم استدارت الجماعة على هيئة درس، ورأيت في يد أحدهم سفراً، فالتفت إلى ذلك الفاضل، وقلت له: هل لكم درس في هاته الساعة؟ فقال: نعم، درس في التوحيد، ولكن نريد أن نعوضه بمسامرة علمية معكم. فجرت على بساط المسامرة مسائل بعضها في العبادة، وبعضها في غير ذلك، منها: قول بعض المسترشدين: هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلق رأسه أم لا؟ وما حكم عدم الحلق؟
فكان الجواب: أن الآثار الصحيحة تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحلق لغير نسك، فيحتمل أن يكون ترك الحلق من باب ترك الأخذ بالعرف، والجري
__________
(1) ويوافق يوم 12 تشرين الثاني - لعام 1904 م.
(2) سوق أهراس: بلدة على الحدود الجزائرية التونسية.
(11/ 3/27)

على ما هو العادة عند قومه، وعلى هذا، فمن جرى عرف قومه بالحلق، كان الأولى في حقه العمل على مقتضاه، ويحتمل أن يكون على وجه التشريع، فيكون سنّة، وهو ما فهمه أَبو الوليد الطرطوشي، وابن العربي، وصرّحا بأن حلق الرأس لغير نسك بدعة، والذي يقوى في النظر: أن ترك الحلق هو من باب العادة، فلا يعد الحالق مبتدعاً، وقد يقال: لا تثريب على من ترك حلق رأسه بقصد التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الصحابة والسلف الصالح كانوا يحافظون على الأسوة به في العادات؛ كما يحافظون عليها في السنن، فيعارض بأن الشارع قد أمر بموافقة ما جرى به العرف في غير ما شرّعه.
وبعد أن ختمت المسامرة، وانفضت الجماعة، تجاذبنا مع ذلك المدرس محادثة خاصة، فاستجلينا من خلالها: أنه الشيخ محمد الصالح بن الشايب العدل بالمحكمة القضائية.
ومما جرى في خاتمة المجلس لفظ: "منطاد"، فقلنا: هو الآلة التي تطير في الهواء المسماة بالبالون، وهو لفظ عربي، في "القاموس" (1): الانطياد: الارتفاع في الهواء صعداً، والمنطاد: البناء المرتفع.
ويوجد في هذه البلد مدرس آخر، وهو الشيخ عبد المجيد، كنت في السنة الفائتة أتيت المسجد الذي يدرس فيه "المختصر الخليلي"، وقد سبقت لنا معرفته بالحاضرة، فرحب بنا، وأحسن لقاءنا، ثم سعى بنا إلى محل الدرس، فجلس عن يسارنا، وشرع في تقريره بطريقة مقتصدة خالية عن التطويل، بعيدة عن الاختصار، وطالعُ الدرس: قول صاحب المختصر: "وعفى عما يعسر"، وبأثر انقضائه عقدنا معهم المسامرة، اشتمل غالبها على تفسير
__________
(1) "القاموس المحيط".
(11/ 3/28)

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122} الآية. وعلقنا عليها ما حضرنا في فضل التعليم والتعلم.

* تبسة:
وفي الساعة الخامسة صباحاً، سافرت إلى "تبسة"، فوصلنا بعد مسير القطار نحو خمس ساعات، ويعد أن أزحنا بالاستراحة ما سامنا من عناء السفر، خرجنا نتدرج بأنحاء البلاد إلى أن استقصينا غالب مناهجها جولاناً، وألفيناها منفوضة الجراب من آثار التعليم، سوى أن بعض المتخرجين بالجامع الأعظم (1) من أهالي الجريد (2) يجاور بها نحو خمسة أشهر في السنة، يلقي فيها دروساً من الكتب الابتدائية.
وبعد صلاة التراويح، زارنا جماعة من أعيان تجارها لهم عناية أكيدة بالمسائل التي تعرض لهم في أمور التجارة، وهو من أعظم الأدلة على متانة الديانة، والتوقي من الشبهات، منها قول بعضهم: "وما تقولون في رجل اقترض مالاً من عند آخر، واشترى به أشياء تجب فيها الزكاة، وعنده ملك آخر يفي بخلاص ذلك الدين، فهل تجب فيها الزكاة فيما اشتراه بمال القرض إن مرّ عليه الحول، أو لا تجب؛ لأنه مدين؟ ".
فكان الجواب: أن المدين الذي لا تجب عليه الزكاة هو الذي ليس له من الملك ما يسد به خلة ما عليه من الدين، أما إذا كان مالكاً لما يجعله في مقابلة ذلك الدين، فلا يعد الدين مُسقطاً للزكاة كما في "الموطأ".
__________
(1) جامع الزيتونة بتونس.
(2) الجريد: منطقة بالجنوب الغربي من الجمهورية التونسية، وهي على الحدود الجزائرية، تشتهر بالنخيل، كما أنها أنجبت عدداً من العلماء والأدباء.
(11/ 3/29)

* عين البيضاء:
ومن الغد قصدت "عين البيضاء" في الساعة السادسة مساءً، فركبت عربة يجرها أربعة جياد؛ لعدم ارتباط البلدتين بسكة حديد، فوصلنا في الساعة الخامسة صباحاً، وبعد أن أخذنا سنة من النوم، أفاضت علينا من الاستراحة شيئاً يسيراً، وفد علينا بعض أهل العلم، مثل: الشيخ محمد العربي بن قشوط، والشيخ المسعود بن علي، والشيخ أحمد بن ناجي، فاستنارت صدورنا تأنساً بمحاورتهم العلمية في سائر ذلك اليوم.
ومن المسائل التي طرحت بيننا: مسألة الفرق بين الكل والكلية، فقررنا أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل ذلك لم يكن" لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ هو من باب الكلية، لا من باب الكل كما يقول بعض المصنفين؛ بدليل قول ذي اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، وقوله في الرواية الأخرى: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت". وإن المعنى: كل ذلك لم يكن في ظني، فيكون مطابقاً للواقع والاعتقاد، ولا داعي إلى تأويل الحديث بتوجيه النفي إلى المجموع، بل لا يصح تحريجه على ذلك.
وبعد صلاة التراويح، دعانا الشيخ أحمد بن ناجي إلى المسجد الذي يدرِّس فيه "المختصر الخليلي"، فلما وافينا المسجد، وجدناه غاصاً بتلامذة ذلك الدرس وغيرهم، ففسحوا لنا مقعداً في المحراب، ثم قام رجل منهم، ووزع أجزاء نسخة قرآن على الحاضرين، وهذه عادتهم في كل ليلة جمعة، وبعد ختامها انتدب منا ذلك الشيخ أن نذاكرهم بتقرير بعض الأحاديث، فوقع اختيارنا على حديث: "سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ... إلخ" الحديث، فأملينا بعض ما نعهده في شرحه، وأسبغنا المقال في شأن التوادد
(11/ 3/30)

والتعاون عند قوله: "ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك، وافترقا عليه", وشاهدنا من الحاضرين رغبة مفرطة، وإقبالاً زائداً على تلقي التعاليم الدينية.

* قسنطينة:
بارحت "عين البيضاء" في الساعة السادسة صباحاً، فوصلنا "قسنطينة" بعد مسير الرتل ست ساعات تقريباً، وأعدنا الاستطلاع على بعض معالمها الدينية، وآثارها القديمة والحديثة. بهذه المدينة مدرسة إسلامية معدة لتخريج القضاة والعدول، وثلاثة جوامع تقام فيها الجمعة: الجامع الكبير، والجامع الأخضر، والآخر يسمى: بجامع سيدي الكتاني، وفي هذا الجامع منبر من الرخام مرقوم فيه بيت من الشعر يتضمن اسم مؤسسه، وتاريخ تأسيسه، وهو:
بنى منبراً بالعزّ والنصر صالح ... له سبل الخيرات تاريخه رشد (1)
وأسس الجامع الأخضر سنة 1256 ه، وبها مكتبة عمومية تحتوي على عدة من الكتب المطبوعة المتداولة. والتقينا بأشهر علمائها الشيخ حمدان بن الونيسي الذي كان زار الحاضرة منذ عهد قريب. والعالم الشيخ أحمد بن الحبيبات، وهو رجل عليه سمة أهل الخير والصلاح، ولما حان وقت صلاة العشاء، ذهبت إلى الجامع الكبير، وبعد انقضاء الصلاة، رأيت جماعة مستديرة في جانب من الجامع، والناس يستبقون نحوها زمراً، فأخبرني بعض من معي بأن للشيخ حمدان درساً في التفسير، فدنوت منه، وأصغيت
__________
(1) كلمة رشد مجموع حروفها بحساب الجمل عند المغاربة يساوي ر 200 + ش 1000 + د 4 = 1204
(11/ 3/31)

إليه، فإذا هو يقرئ في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106} الآية. بتفسير الخازن.
وبعد أن تم الدرس، تقدم إلينا بعض الطلبة الذين سبقت لهم بنا معرفة مسترشداً عن مسائل، منها: كيف يجمع بين قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]؟
فكان الجواب: أن الله لا يؤاخذ أحداً بزلة أحد، وإنما يستحق العقوبة صاحب الذنب، إلا أن الله فرض على كل مسلم رأى منكراً أن يغيره، فإذا لم يفعل ما استطاع من تغييره، وسكت، كان عاصياً، فينخرط مع صاحب الذنب في العقوبة، أحدهما بفعله، والآخر برضاه. قال تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79].
فالفتنة في الواقع لا تصيب إلا صاحب الذنب، كما قال عمر - رضي الله عنه -: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عملوا المنكر جهاراً، استحقوا العقوية.
واجتمعنا بأحد الثقات من بلد "المسيلة"، فحكى لنا أن بعض الطلبة في تلك الجهة يعمل في صيامه بقواعد الحساب، وتارة يؤم الناس في صلاة العيد وهو صائم، فقلنا: ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا غمّ عليكم، فاقدروا له"، فذهب مطرف بن عبد الله أحدُ التابعين إلى أنّ معنى "اقدروا له": احسبوا له بحساب المنجمين، واستدل بقوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16].
والحق أن معنى "اقدروا": أكملوا العدد ثلاثين، بدليل رواية: "فإن غمّ عليكم، فكملوا العدد ثلاثين"، ثم إن الشرع مبني على ما تعلمه الجماهير،
(11/ 3/32)

وأمر الحساب لا يعرفه إلا قليل من الناس، ولو كان الحساب طريقاً يعتد به في ثبوت الشهر، لعلّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة كما كانوا يعلمون أوقات الصلوات، ويرد استدلال مطرف: بأن المراد من الآية: الاهتداء في طريق البر والبحر.
يبلغ عدد سكان هذه المدينة نحو 55 ألف نسمة، نصفهم من المسلمين، وأربعة آلاف من اليهود، والباقي من الإفرنج.

* باتنة:
ثم التقيت بابن عمنا الشيخ الحسن، فربطنا النية على المرافقة في السفر، فتوجهنا إلى "باتنة"، فوصلنا في الساعة الثامنة مساء. وبعد أن وضعنا أوزار الأتعاب، تجولنا في شوارعها، فإذا هي فسيحة العرض، متناسقة البناء، منورة بالكهرباء، وفي أثناء المطاف قال لي رفيقنا المذكور: إني أعرف هنا رجلاً من أهل العلم والأدب، فقلت: تلك الضالة التي ننشدها في مثل هاته الليلة، اسع بنا إلى أن نروح الخواطر بأسماره. فمضينا حتى انتهينا إلى محل معدّ للتجارة، فوجدنا جماعة جالسين على شكل نصف دائرة، فلما رأونا، انتفضوا قائمين، وعلى وجوههم نضرة البشر والابتهاج، وعلى تحيتهم طلاوة الأدب واللطافة، فكان ذلك براعة استهلال لما ينبغي ملاحظته في ذلك المنتدى، واتفق أن كان من زمرة هؤلاء الفضلاء: الشيخ أحمد البوعوني المشار إله، والشيخ إبراهيم بن السلمي، ولكل منهما فصاحة منطق، وسجية نزاعة للأدب، ولأولهما شعر جيد، فقضينا في السمر مقدار ثلاث ساعات، كانت لتلك الليلة نطاقاً جميلاً. ولما أزمعنا الانصراف، ووقفنا موقف الوداع، تكدرت خواطرهم؛ لانصداع إيوان تلك المؤانسة، وتقطع أسبابها، فألقوا على مسامعنا عبارات يتمشى التحسر والتأسف في مناكبها، فقلنا لهم: العود أحمد، وأنشدنا لهم:
(11/ 3/33)

لا تأس يا قلب من وداعٍ ... فإن قلب الوداع عادوا

* عاصمة الجزائر:
وفي الساعة الخامسة صباحا تحرك بنا القطار من "باتنة"، ولم يزل يخبُّ ويضع، ويحمل ويضع، حتى ضرب سواد الليل أطنابه، وفي الساعة الثامنة أشرفنا على عاصمة الجزائر، فتراءت لنا مصابيح أنوارها بمنظر أنيق، وأشكال متناسقة، وذلك لأن المدينة قائمة على أكمة مرتفعة يبتدئ العمران من أعلاها، ثم يمتد متدلياً إلى حافة البحر، فيبصر الداخل عند استقبال شوارعها المنورة، وهي طبقات بعضها فوق بعض، رونقاً مليحاً.
وبعد أن اصطفينا محلاً لمقامنا ووضع متاعنا، وتناولنا من الراحة جزءاً يسيراً، تكفأنا نجول في بعفالنواحي، فالتقينا بالسيد علي بن الحداد أحد أعيان تجارها الأفاضل، فبسط علينا من الحفاوة والترحاب رداء ضافياً، ولهذا الفاضل محل تجاري يتسامر فيه جماعة من أعيان العلماء والفضلاء، تعارفنا مع بعضهم في تلك الليلة.
ومن الغد تشرفنا بزيارة الولي الصالح الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي (1)، وزرنا بإزائه المدرسة الثعالبية التي تم بناؤها في هذه السنة، وافتتحت باحتفال رسمي يوم الاثنين 17 أكتوير، وأسست هذه المدرسة لتعليم الوطنيين العلوم العقلية والنقلية، ومنها يتخرج القضاة والعدول. ثم بعد الزوال بساعة، ذهبت إلى الجامع الجديد، ويقال له: الجامع الصغير، فوجدت
__________
(1) من كبار علماء الجزائر، ولد فيها عام 1386 م، وتوفي بها عام 1468 م. من مؤلفاته: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن".
(11/ 3/34)

العالم الفاضل الشيخ بوقندورة المفتي الحنفي جالساً في زاوية منه، وحوله جماعة من الطلبة على شكل دائرة يتناوبون سرد "صحيح الإمام البخاري" واحداً بعد واحد، والشيخ مصغ إليهم، فإذا ناب أحدهم خطأ، استرده إلى ما هو الصواب، وهذه عادتهم في سائر أيام رمضان.
وبعد صلاة الظهر تنقلنا إلى الجامع الكبير، فالتقينا بالشيخ عبد الحليم ابن سماية، فغمرنا بنفحات خلقه الناضر، واختلب ألبابنا بفصاحة لسانه الساحر، ولم نلبث معه عند هذه الملاقاة إلا مدة قصيرة لأمر عارض حال بيننا وبين استطالة الجلسة.
وفي ذلك اليوم دعانا السيد علي بن الحداد لزيارة وقت الغروب، وبعد أن تناولنا معه الفطور، توجهنا إلى ضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي، بقصد الحضور بدرس الشيخ علي ابن الحاج موسى، فمكثنا غير بعيد حتى دخل الشيخ وهو محفوف بسكينة ووقار، وجلس بالمحراب، ثم رفع يديه بقراءة الفاتحة قبل افتتاح الدرس، وبعد ذلك أخذ في تقرير مبحث: صفة الكلام من كتاب "الصغرى" للشيخ السنوسي بصوت جهور، فوضّح معناها، ثم أقام عليها الدليل ثانياً، وتعرض في أثناء ذلك إلى جلب مسائل لها تتعلق بالمبحث؛ كتنبيه على أن الحدوث الذي وصف به القرآن في بعض الآيات؛ كقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] هو عائد إلى الألفاظ التي نتلوها، لا إلى المعنى الذي هو قائم بالذات العلية.
ومما يدل على صلاح حال هذا الرجل، وصفاء سريرته: أنه ما جرى ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على لسانه إلا ارتعد صوته، وفاضت دموعه، ثم أقيمت صلاة العشاء، فتقدم ذلك الشيخ وصلى بالجماعة إماماً، وقرأ في الركعة الأولى
(11/ 3/35)

سورة القارعة، فلما بلغ إلى قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] أخذته عبرة شديدة. وسمعته يجهر بالتأمين بعد الفاتحة في الصلاة، فعجبت من مخالفته للرواية المشهورة، وهي عدم تأمين الإمام في الجهر، وبلغني أنه خوطب في ذلك، فأجاب بأنه يختار رواية المدنيين؛ لترجحها بالحديث الصحيح. يريد بذلك قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إذا أمّن الإمام، فأمنوا"، وهو ظاهر في تأمين الإمام في الصلاة الجهرية، والمتمسكون برواية البصريين المشهورة يؤولون "أمن" على: بلغ موضع التأمين؛ كأنجد: إذا بلغ نجداً؛ بدليل حديث: "إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين"، ولعل الشيخ ممن يستبعد ذلك التأويل، ولا يرى الحديث الأخير ظاهر الدلالة على عدم تأمين الإمام.
وعرجنا في إيابنا على محل السيد أحمد بن مراد المعد لبيع الكتب، فالتقينا بالشيخ محمد بوشنب أحد المدرسين بالمدرسة الثعالبية، فأخذنا معه أطراف محاورة أطلعتنا على ماله من النباهة التامة، والتفقه في الأمور الحديثة، زيادة عما له من التفنن. ثم انصرفنا، وصحبنا أحد الفضلاء فذكر لفظ "مجلة"، فاستنبأنا عن معناه لغة، فسقنا إليه عبارة "القاموس": مجلة - بالفتح-: الصحيفة فيها الحكمة، أو كل كتاب.
وفي اليوم الثاني من أيام إقامتنا، دعانا الشيخ عبد الحليم بن سماية إلى زورة محله في الساعة الخامسة مساءً، وكان منزله في أقصى المدينة وأعلاها، فصعدنا إليه على السيارة الكهربائية، سارت بنا في خطها الحديدي نحو 20 دقيقة، ووقفت أمام ضريح الولي الكامل الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري المتوفي سنة 1208 ه، فنزلنا هناك، ووجدنا الشيخ
(11/ 3/36)

عبد الحليم في انتظارنا، فذهب بنا إلى داره، وارتقى بنا إلى طبقتها العليا، وتنفست مدة المسامرة، فتواصلت حلقاتها نحو ست ساعات.
جرتنا المناسبة إلى الخوض في شؤون المدرسين، فقلنا: ليس المدرس حقيقة من يلقى المسائل على حسب ما تحويه الأوراق جيدها على رديها من غير أن يعرضها على محك النقد، ويزنها بمعيار النظر؛ فإن من المسائل ما لم تحط التآليف بتحقيقاتها واستخراج خباياها، فقال لي الشيخ: مثال ذلك من فن البيان: الاستخدام؛ فإن البيانيين يعدونه من المحسنات المعنوية، ولا يبينون كيف يعود حسنه إلى المعنى، ثم استرسل في بيان رجوعه إلى المعنى بكلام يشهد لصاحبه بسلامة الذوق، والولوع بالكشف عن أسرار المسائل، دون الاكتفاء بتصوراتها المجردة، ثم استطردنا أن الاستخدام لا يختص بالضمير كما نص عليه الشهاب الخفاجي في "حواشي البيضاوي"، بل يكون بغيره؛ كالاستثناء؛ نحو: أبداً حديثي ليس بالمنسوخ إلا في الدفاتر، والتمييز نحو:
أخثِ الغزالة إشراقاً وملتفتاً
والعطف، وعليه خرج قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 4]. فالمراد من الصلاة: معناها الشرعي، ووقع عطف {وَلَا جُنُبًا} باعتبار معناها المجازي، وهو المسجد. وأطلعني على صدر مقالة له فصيحة المباني، شريفة الموضوع، مفرغة في قالب الإنشاء العصري، ووعدنا بإرسالها عند استكمالها.
وكان هذا الفاضل زار الحاضرة قديماً، وأقام بها نحو ثمانية أيام أخذ فيها "المقولات العشر" تدريساً عن الشيخ محمد بن عيسى الجزائري
(11/ 3/37)

- رحمه الله -، والتقينا بالعالم الشهير الشيخ عبد القادر المجاوي بعد شهودنا مجلس درسه "جوهرة التوحيد" بمسجد سيدي محمد الشريف، فحيانا بتحيات أكدت للتعارف القديم ميثاقاً، وصبّت علينا شيمه الشريفة من المؤانسة كأساً دهاقاً، وحينما عزمنا على الانصراف، أخذ علينا عهداً على تجديد الزيارة في الليلة القابلة، فعقبنا ذلك العهد بالوفاء، وبعد صلاة التراويح ذهب الشيخ ونحن في صحبته إلى جامع الشريف، وأقرأ به درسه الاعتيادي من "الأربعين النووية" في مجمع عظيم من الخاصة والعامة، وكان حديث تلك الليلة: "الدين النصيحة"، ثم عدنا إلى السمر، ومعنا جماعة من التلامذة.
نستحسن من دروس هذا الشيخ اقتصاره في كل فن على تقرير مسائله التي يشملها موضوعه، وعدم خلط بعضها ببعض. وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ في ذلك على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفية ابن مالك -مثلاً-، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة عن الإنتاج، ونرجو أن تكون توبتنا من سلوكها توبة نصوحاً.
ولهذا الشيخ أيضاً خلق عظيم نحمده عليه، وهو سلوكه في معاملة التلامذة طريقاً وسطاً، لا ينحط عن مكانة عزة النفس، ولا يرتفع عن ساحة التواضع، تحمله عواطف النسب العلمي على العناية بشؤونهم، وبذل الوسع في قضاء مآريهم، ويصده علو الهمة عن مجاراتهم فيما يزري بخطته الشريفة.
أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولعل هذا الخلقال في لا ينبل الرجل إلا به، هو الذي غرس له في قلوب الجمهور مودة واحتراماً. وغالب القضاة وعدول المملكة الجزائرية
(11/ 3/38)

تخرجوا على يديه؛ لأنه كان درّس بقسنطينة أيضاً سنين متطاولة.
وشهدت مجلس ختم العالم الفاضل الشيخ السعيد لصغرى السنوسي بجامع سيدي رمضان، بحضرة جماعة من العلماء، وجمّ غفير من غيرهم، فقرع الأسماع بمواعظ حسنة، ونصائح مفيدة، ودبجها بمسائل شتى من النحو والبيان والبديع، وساق في أثنائها أحاديث فضل التسمية باسمه - صلى الله عليه وسلم - "محمد".
وفي صبيحة تلك الليلة اجتمعنا ببعض المنتسبين للعلم، فسألنا عن رتبة تلك الأحاديث، فقلنا: قد نقلها جماعة من المحدثين، ولم يتعقبوها بشىِء، وإلى ذلك استند الشيخ في إيرادها، ثم ذكرنا له ما نعهده لملَّا علي قاري في شأنها، وهو: من علامات وضع الحديث مناقضته لما جاءت به الشريعة مناقضة ظاهرة، ومن ذلك أحاديث من اسمه محمد أو أحمد، وإن كل من تسمّى بهذا الاسم لم يدخل النار، فهذا يناقض ما علم من الدين: أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.
واجتمعنا بالعالم البارع الشيخ محمد بن مصطفى خوجة بدكان السيد أحمد بن مراد، فمد علينا من الملاطفة رواقاً، وفتح علينا رياض أنس كانت مغلقة أبوابها إغلاقاً، فنظم في سلك المسامرة فرائد، وأنشدنا من بنات أفكاره قلائد، ثم ختمنا بالتعريج على ما هو الأحسن في طرق التعليم، فأبديت ما نراه الطريقة المثلى في هذا الموضوع، خلاصته: هو أن الرتبة الابتدائية والرتبة الوسطى، ينبغي للمعلّم الاقتصار فيها على تقرير المسائل مجردة عن ذكر الخلافات، والأدلة الطويلة الذيل، حتى إذا اقتصر المتعلم على إحدى
(11/ 3/39)

الرتبتين، أو عاقته دون الترقي لما بعدها عوائق، فقد نول ما فيه كفاية من غير أن يخفق مدة من حياته فيما لا فائدة فيه لمثله.
أما الرتبة العليا التي لا يقصدها إلا من طمحت همته إلى أن يكون عالماً معلّماً، فلابد فيها من تتبع عروق المسائل، واستقصاء آثارها، وحث مطية الفكر في أنجادها وأغوارها، على شريطة أن لا يلتفت المعلم إلى المباحث المتعلقة بعبارات المصنفين؛ فإنها داعية إلى خلط الفنون بعضها ببعض من غير كبير فائدة، والاشتغال بتحرير أصل من أصول العلم وصناعتها أفيد للطالب وأجدى، ويستغنى في تقوية الملكة وتشحيذ الذهن بالمباحث المتعلقة بنفس المسائل.
ودعانا السيد مصطفى بن الأكحل إلى منزله، وهو من أفاضل القوم، لا يحل بالبلد غريب، ولاسيما إن كان من أهل العلم، إلا وأكرم مثواه، وأحسن ضيافته، وحضر تلك المأدبة جماعة من أعيان العلماء؛ مثل: العالم الفاضل الشيخ بوقندورة، والشيخ عبد الحليم، والشيخ محمد بن مصطفى خوجة، فنضحوا بماء لطافتهم عن صدورنا وحشة الاغتراب، وتساقط من بين مذكراتهم العلمية ما تلذه عيون الألباب.
وجرت بمناسبة قول بعض الجماعة: أنا لا آكل لحماً، وقد آكل حوتاً، مسألة: من حلف أن لا يأكل لحماً هل يحنث بأكل الحوت أم لا؟ فقال أولئك السادة: لا يحنث؛ رعاية للعرف بمقتضى المذهب المتمسكين به مذهب أبي حنيفة، فسقنا نحن ما نقله ابن كمال باشا في "تفسيره" من أن سفيان الثوري أنكر ذلك على أبي حنيفة محتجاً بآية: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12].
(11/ 3/40)

فقال أَبو حنيفة لرجل: اسأل سفيان عمن حلف لا يجلس على بساط، وجلس على الأرض، هل يحنث أم لا؟ فإن قال: لا يحنث، فقل له: قال تعالى: {الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19]، فلما سأله وأجابه بعدم الحنث، وأورد عليه الآية، علم أن ذلك تلقين من أبي حنيفة. وذهب المالكية إلى الحنث؛ تمسكاً بالآية، وهو عند تحقق العرف بعدم تسمية الحوت لحماً مشكل لقاعدة: أن العرف مقدم على القصد اللغوي، ولم يحضرني حيئذ إلا أنه فرع مشهور بني على قول ضعيف، وهو أن المقصد اللغوي يقدم على العرف، أو العمل بقاعدة: أن الحنث يقع بأقل الوجوه؛ بخلاف البر، فقاعدته: أنه لا يقع إلا بأكمل الوجوه، فمن حلف ليسافر، لا يبر في يمينه إلا إذا سافر مسافة القصر، وإن سمّي ما دونها سفراً عرفاً ولغة، ومن حلف لا يسافر، حنث بسفره دون مسافة القصر.
وبعد طي بساط ذلك المجلس، ذهبنا إلى المسجد الذي أسسه السيد مصطفى بن الأكحل، فشهدنا مجلس ختم الشيخ عبد الحليم لكتاب في التوحيد لا أتذكر الآن ما هو؛ لأن الشيخ إنما قرر ما يتعلق بسورة الإخلاص، وبين كيف ينتزع منها العقائد الدينية بطريقة استحسنتها جداً، حتى إني كنت من المحرضين له على إقراء درس في التفسير زيادة عما هو بصدد إقرائه مثل درس السعد على "التلخيص".
ثم عدنا إلى السمر، وتناولنا أطراف البحث في مسائل، منها: مسألة اشتراط الولي لعقد نكاح المرأة، فأفادنا الشيخ محمد بن مصطفى خوجة: أن أبا يوسف، ومحمد بن الحسن يقولان باشتراط الولي، وهو قول عامة الفقهاء، وأسند ذلك إلى "عقود الجواهر المنيفة"، ثم مال بنا الكلام إلى أن
(11/ 3/41)

الواجب على العلماء أن يسعوا في بيان أحكام الشريعة، وبث تعاليمها في صدور الناس، وإن لم يسألوا عن ذلك.
فنقل لنا ذلك الشيخ عن ابن العربي ما يؤيد هذا، وهو أن المسائل الدينية يجب على العالم تعليمها، ولو بدون سؤال، بخلاف غيرها، فلا يطالب بتعليمها إلا عند السؤال.
وأخذ الجماعة في استحسان السفر، وييان فوائد الرحلة، فقلنا: تأييد ذلك: أن ابن العربي بعد أن حقق إباحة الاستياك للصائم بالنقل عن القاضي سيف الدين في كتاب "العارضة" قال: ويوم حصلت هذه المسألة، قلت: الحمد لله الذي أفادني هذه في الرحلة، وعلمت أني لو لم أحصل غيرها، لكفتني.
وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} [الأعراف: 189]: اختلف علماؤنا في راكب البحر، هل حكمه حكم الصحيح، أو الحامل؟ فقال ابن قاسم: حكمه حكم الصحيح، وقال الأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر، وابن القاسم لم يركب البحر، ولو عاين ما يشاهده المسافر فيه، لكان رأيه كرأي أشهب.
والتقينا بالفاضل البارع السيد يوسف بن سماية، فوقفنا معه موقف التسليم والوداع أمداً لم يتجاوز 20 دقيقة، وقد لاح لنا على خطاباته ملاطفة جميلة تشف عن جودة فكرة، وحلاوة في الأخلاق.
استطلع رأينا في تفسير قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185} على معنى: ابتدئ فيه نزول القرآن، فقلنا: ذلك التفسير صحيح، ونسبه المفسرون إلى ابن إسحاق، والأحاديث الدالّة على
(11/ 3/42)

إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وإن كانت صحيحة، لا يتعين حمل الآية على معناها.
ودفعتنا المناسبة إلى الكلام على العمل بالحديث الضعيف، فقلنا: قال الفقهاء: إن الحديث الضعيف لا يعمل به في أحكام الحلال والحرام مطلقاً، ويعمل به في فضائل الأعمال بثلاثة شروط: أن لا يكون شديد الضعف، ولا يعتقد العامة نبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله، وأن يتدرج بمعناه تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة.
وذهب أبو بكر بن العربي إلى أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً. وسامرنا بدكان السيد علي بن الحداد الشيخ مصطفى بن الطالب أحد علماء تلمسان، والمتولي خطة الفتوى بصور الغزلان (1)، وكان له ميل شديد إلى المباحثات العلمية، ويحب التطلع على علل المسائل، وربما هجم على إبداء ما يلوح له من ذلك.
حاول في أثناء المذاكرة أن يفرق بين الكفارة والحدِّ في عرف الشريعة؛ بأن الكفارة تستعمل في عقوبة ما هو حق لله، والحد يطلق على عقوبة ما فيه حق لمخلوق، فنازعه بعض المحاضرين بأن عقوبة الزنى تقع على ما هو حق لله، وتسمى حداً، فقلنا: إن كثيراً من الفقهاء يطلقون القول بأن الحق في الزنى لله، ويبنون على هذا: أنه إن تاب، برئت ذمته، والتحقيق أن لأقارب المرأة المزني بها في ذلك حق أيضاً؛ لما يلحقهم من العار وهتك الحرمة، وذلك مما لا تغفره التوبة، كسائر الحقوق المتعلقة بالمخلوقين، والأمثل أن يقال: إن الحدود تستعمل في العقوبات الخالصة، والكفارة يغلب إطلاقها
__________
(1) بلدة بالجزائر.
(11/ 3/43)

على الطاعات التي تقع في مقابلة جناية.
وانجر بنا البحث إلى مسألة تقديم الكفارة على الحنث، وذكر الخلاف في إجزائها، فقلنا: ذهب أبو حنيفة إلى أن سبب الكفارة هو الحنث، وعليه فلا يجزي التكفير قبله، ورأى أن الكفارة بدل عن البر، فلزم أن يكون موضعها عدم المبدل منه، وذهب مالك إلى أن سبب الكفارة هو اليمين، والدليل عليه قوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
فإن المعاني إنما تضاف إلى أسبابها، وعليه، فيجزي التكفير، ولا يلزم عليه تقدم الحكم على شرطه؛ لأن الحنث إنما هو شرط في انحتام الكفارة من غير تخيير، لا شرط في أصل وجوبها، وحدثنا الشيخ مصطفى المذكور: أنه كان قرر درساً بمحضر بعض الإفرنج، وقال في خلاله: إن العرب هم سكان الحاضرة وإن كانوا أعاجم، والأعراب هم سكان البادية، وإن لم يكونوا من العرب، فعارضه بعض الحاضرين بأن المتعارف: أن العرب اسم الجيل المخصوص، سواء سكنوا البادية، أو الحاضرة، والأعراب اسم لمن يسكن البادية من ذلك الجيل، فطالعنا وقتئذ بعض كتب في اللغة، فعثرنا فيها على شبهة فيما قرره الشيخ في "المصباح": وأما الأعراب -بالفتح-، فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابي، وزاد الأزهري فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء، وذكر حديث: "أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي".
فقال الشيخ مصطفى: هذا الحديث تكلم فيه. بيان ما أشار إليه: أن
(11/ 3/44)

الحديث رواه البيهقي في "الشعب"، والحاكم في "المستدرك"، والطبراني في "معجمه"، وكلهم من طريق يحيى بن بريد، وهو ممن يروي المقلوبات، وضعفه أحمد وغيره، وتابع يحمى على رواية هذا الحديث محمد بن الفضل ابن عطية، ومحمد بن الفضل متفق على ضعفه واتهامه بالكذب، فلا يصح للمتابعات، ولكن للحديث شاهد رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" من رواية شبل بن العلا عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "أنا عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". وهذا الحديث ضعيف فقط، لا صحيح، ولا موضوع، ولا يثبت به أن كلام أهل الجنة عربي؛ إذ الأحاديث الضعيفة لا يكتفي بها في العلميات.
وزرنا المكتبة العمومية، فرأينا فيها عدة من الكتب الغريبة، مثل: "القبس على موطأ مالك بن أنس"، "وترتيب المسالك على موطأ مالك"، هجت أسفاً على أني لم أتمكن من زيارتها إلا في آخر يوم من أيام إقامتنا، حتى إني لم أستوف مطالعة أنموذج الكتب بتمامه (1).
__________
(1) لم ينشر الإمام تتمة الرحلة في مجلة "السعادة العظمى"؛ لتوقفها عن الصدور، ولم نعثر عليها في مجلات أخرى، أو بين أوراقه.
ومن خلال مطالعاتي لمجلدات مجلة "الهداية الإسلامية" وجدت في العدد السابع من المجلد الحادي عشر (ص 582) وتحت عنوان "الشيخ الأخضري صاحب السلم والجوهر المكنون" ما كتبه الإمام: هو من علماء بلاد الجزائر، ولد سنة عشرين وتسعمائة وبلغ من السن اثنين وثلاثين سنة بالوقوف على التاريخ معاينة، وأظنه توفي سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وقبره اليوم مشهور ويُزار في "ينطيوس" وهي قرية قريبة من بلدة بسكرة من عمل الجزائر.
اطلعنا على هذا في نسخة محفوظة من شرح الشيخ محمد بن محمد بن علي بن =
(11/ 3/45)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= موسى الشغري الجزائري للجوهر المكنون. وقد وقفت على قبره في القرية المذكورة في بعض رحلاتي إلى بلاد الجزائر.
ملاحظة: هذا الشرح يؤكد أن الإمام محمد الخضر حسين زار الجزائر عدة مرات، وأنه زار ولاية "بسكرة" ومدينة "طولفة" التابعة لها وهي مكان ولادة والده الحسين وجده علي بن عمر. ولكن تتمة الرحلة -للأسف- لم نقع عليها.
ذكرت هذه الملاحظة رداً على همسات في الجزائر. لماذا لم يقم الإمام بزيارة موطن آبائه وأجداده!
(11/ 3/46)

خلاصة الرّحلة الشرقية (1)
اقترح عليّ جماعة من الفضلاء أن أحرر خلاصة في آثار رحلتنا الشرقية، فعطفت عنان القلم لمساعفة اقتراحهم، بعد أن رسمت له الوجهة العلمية والأدبية سبيلاً لا يحيد عن السير في مناكبها، ولئن لم يلتقط الناظر منها درة علمية فائقة، فإنها لا تخلو من أن تنبسط له بملحة أدبية رائقة، وإليك التحرير:
سنح لي باعث على الرحلة إلى بلاد الشام، وهو زيارة الأهل؛ وفاء بحق صلة الرحم، فامتطيت الباخرة يوم الخميس الرابع من شعبان سنة 1330 ه، وعندما أقلعت من مرساها، وأخذت المباني التونسية تتوارى عن أبصارنا، أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد، وحرّ الأسف لمفارقة الأصحاب يتصاعد، حتى أصغيت إلى نفسي وهي تخاطب رائد السفينة بقولها:
حادي سفينتنا اطْرَحْ من حمولتها ... زاد الوقود فما في طرحه خطر
وخذْ إذا خمدت أنفاس مِرْجَلها ... من لوعة البين مقباساً فتستعر
__________
(1) نشرت هذه الرحلة في جريدة "الزهرة" التونسية بين العدد المؤرخ في 17 ربيع الثاني 1313 ه - الموافق 25 مارس آذار 1913 م - والعدد المؤرخ في 20 جمادى الأولى 1331 ه - الموافق 26 أفريل نيسان 1913 م. كما نشرت في مجلة "الحقائق" بدمشق- الأجزاء: العاشر والحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثالث.
(11/ 3/47)

وإني لأدرك في مثل هذا الموطن دقة نظر إمام الحرمين حين قيل له: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور بقوله: لأن فيه فراق الأحبة.

* الوصول إلى مالطة:
رست الباخرة على جزيرة "مالطة" عند مغرب يوم الجمعة، ولم نر من فائدة في نزولنا والليل قد ضرب أطنابه، قضينا ليلتنا على متن البحر، وانحدرنا صباحاً إلى المدينة التي هي مقر حكومتها، وتسمى: "فاليتا" (1)، فتجولنا في مناهجها المتناسقة، وشهدنا من خطاباتهم كيف تنحط العربية، وتندرس أطلال فصاحتها بين الأمة التي تجهل مكانتها، وتزهد في تعاليمها إلى أن تلتحم بأخلاط من لغة أخرى؛ فإن لغة أهل هذه الجزيرة عريية محرفة، وأكثر ما يتخللها قطع من اللغة الطليانية، وإنما انساقت إليها العربية حتى استولى عليها أبو الغرانيق محمد بن الأغلب سنة 255 ه.
ويشعرك بانتشار العربية وآدابها بينهم لذلك العهد: ما قصه المؤرخون من أن ملك مالطة صنع له بعض مهندسي بلده تمثال جارية يتعرف بها أوقات الصلاة، وكانت ترمي ببنادق على الصنج "قصاع الآبنوس!، فقال أبو القاسم ابن رمضان المالطي أحدُ شعرائها لعبد الله بن السمنطي المالطي، وكانت له براعة في صناعة الشعر: أجز هذا المصراع:
"جارية ترمي الصنج" ... بها القلوب تبتهج
فقال له:
__________
(1) عاصمة مالطة.
(11/ 3/48)

كأن من أحكمها ... إلى السماء قد عرج
وطالع الأفلاك عن ... سرّ البروج والدرج
ثم عدنا إلى الباخرة حيث أزف رحيلها، وجعلت أنظر إلى زوارقها المزخرفة وهي تحوم حولنا واردة وصادرة، فوقع بصري على زورق يطوف به على جوانب السفينة سائل مقعد، فأراني إحدى رجليه نحيفة ملتوية، فقذفت له مسكوكاً، فالتقطه وهو يقول: بالسلامة بالسلامة. وحيث لم يتعرض لي قبل هذا سائل في زروق قلت:
عهدت الذي يسعى على متن زورق ... إلى الرزق يدلي نحوه شرك الصيد
وذا قانص في اليمّ يرمي إلى العلا ... حبالة أقوال فتظفر بالقصد

* السفينة في مرسى الإسكندرية:
بارحنا "مالطة" عند الزوال يوم السبت، واسترسلت السفينة على بحر صامت، ما عدا نسمات لينة تخطر علينا غسق الليل وأطراف النهار، حتى قدمت على مرسى الإسكندرية ضحوة يوم الأربعاء، فنزلنا منزلاً ألقينا فيه رحلنا، وبعد أن طفئت حرارة الهاجرة، خرجت صحبة رفيق يعرف شعاب المدينة، إلى أن وافينا باب مسجد، فجزته لأداء صلاة الظهر، وإثر ما قضيت الصلاة، جلس إمام المسجد مستنداً إلى أسطوانة، ودنا له طائفة من الناس، فقرأ لهم نبذة من كتاب "الشفا" العياض، مع بعض بيانات تدل على أنه ذو حظ من علوم الدين، ثم حان وقت العصر، وبعد أن انصرف من صلاتها، ألقى عليّ السلام متعرفاً لأثري، وعرض عليّ المبيت بمنزله في طرف البلد، فاعتذرت له بقصر مدة الإقامة، وقصد الاستطلاع على مناظر البلد ومعاهدها العلمية.
(11/ 3/49)

امتطيت عربة أتت بنا على مكتبتها القائمة لإزاء إدارة البلدية، فطالعت صحائف متفرقة من نموذج كتبها، ولم يقع بصري فيما طالعته على كتاب نادر يستحق أن نذكره، ثم اجتزنا إلى متحف يقال له: "عمود السواري" يحتوي على تماثيل عتيقة، وعلى عمود قائم ذكر لنا الدليل المكلف باستطلاع الغرباء على المتحف أن ارتفاعه يبلغ ستًا وأربعين ذراعاً، وذكر المقريزي في "الخطط": أن ارتفاعه سبعون ذراعاً، وقال المقريزي أيضاً: ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة.
وقصدنا لزيارة مقام الشيخ الأبوصيري، ثم مقام أستاذه أبي العباس المرسي، ويتجمع حول هذين المقامين عدد وافر من الطائفة الظاهرة في زي المجاذيب.
التقينا بالسيد حسن بن عياد من أهالي "جربة" القاطنين بتلك المدينة، وذهب بنا إلى ناد حافل يقال له: "المنشية" فقضينا به جانباً من الليل في أسمار مؤنسة، واستطلاع على مجامع متنوعة، وهيئات من الملابس المختلفة؛ فإن هذا النادي يأوي إليه السائحون من بلاد الشرق، ولا تتجافى عنه الطبقة العالية من الأهالي، ومما يذود عن جفنك الكرى هنا: أن باعة الجرائد يخترقون الصفوف والمجامع، وهم يصرخون بأسمائها، وأيدي القوم تتلقفها واحدة عقب واحدة.

* رسالة "الدعوة إلى الإصلاح":
وأبثّ الأسف هنا حيث لم يتمهد لنا التعارف بفضيلة العالم الأستاذ الشيخ السيد عبد الفتاح المكاوي أحد العلماء بمشيخة الإسكندرية قبل مقدمي
(11/ 3/50)

هذا، حتى أحظى بسعادة لقائه؛ فإنه بعث لي رسالة بعد، وأنا حينئذ بدمشق، خاطبني فيها على أن أوجه له بنسخة من رسالتنا: "الدعوة إلى الإصلاح"، فما لبثت أن قدمتها لفضيلته بواسطة البريد، فطالعها بعين الكرم، وتفضل -حفظه الله- بالكتاب الذي قصرت اليراعة أن تبسط باعها بما يستوجبه من الشكر، ونصه بعد الديباجة:
"فقد تلقيت خطابك السامي، ورسالتك الداعية إلى الإصلاح والخير والفلاح، وبمطالعتها علمت أن الإسلام لم يعدم أنصاراً، ولم يزل للإرشاد دعامة هي الخير الدعامات، قلتَ فبرهنت، ودعوت فسددت، وأحييت سنّة الخلفاء والمصلحين، فربطت بهذا آخر العالم الإسلامي بأوله، ولا يسعني إلا تهنئة الحاضرة التونسية بك، بل الأقطار الإفريقية، بل الممالك الشرقية، وإني وايم الله! لقد امتلأ قلبي سروراً، وأفعم فرحاً من تعاليم جامع الزيتونة؛ حيث انتخبت مفكراً وعالماً دينياً بصيراً مثلك، ولقد ضاقت عليَّ سبل الشكران، أأشكرك على ما قدمته للإسلام والمسلمين من براهينك الساطعة، وحججك الدامغة؟ أم أشكرك على ما أهديته للحركة الفكرية العصرية مما تلقته البصائر بالإجلال والإعظام؟ أو على عنايتك الكبرى بتبديد الخرافات التي علقت بأفئدة سواد كثير من المسلمين؟ أو على شجاعتك المتناهية في إزالة سحب الجهالات التي أخرتنا إلى الوراء أميالاً ليست بقليلة؟ أو أشكرك على إهدائك لي ما أعده ذكراً حسناً، وأثراً خالداً؟ ".

* الطريق إلى القاهرة:
باكرنا يوم الخميس إلى القطار المصري، فانطلق يهرع ما بين أشجار وأنهار، ومزارع وقرى، منها: دمنهور، وطنطا، وبنها العسل. وأسماء الأماكن
(11/ 3/51)

التي يقف عندها القطار مرسومة بالقلم العربي، وباعة الصحف والمتكففون يلجون عربات الرتل، ويتحولون فيها المسافة البعيدة مجاناً.

* زيارة مساجد ومعاهد القاهرة:
وصلنا إلى مصر، وتبوأت بيتاً في قصر يسمّى: "الكلوب المصري"، ثم هويت من المنزل يرافقني السيد محمد القديدي القيرواني، ودرجنا إلى مسجد سيدنا الحسين - رضي الله عنه -، وفيه منفذ للمكان الذي اشتهر أنه مشهد رأسه الشريف، ورأيت زوّار هذا المسجد وزائراته كيف يزدحمون على بابه ما بين وارد وصادر، وللعلماء بالروايات مقال في هذا المشهد الحافل، فإن منهم من يقول: إن مدفن رأس الحسين - رضي الله عنه - بعسقلان (1)، ولعلنا نقص أثر هذا المطلب في مقام آخر.
ثم توجهت إلى زيارة المعهد العلمي الشهير بالأزهر، ولما وافيته، نهض لي زمرة من التلامذة تونسيون وجزائريون، وكان بعضهم ممن تقدم له الحضور بالدروس التي نلقيها بالمعهد الزيتوني، فطافوا بنا في زوايا الجامع وحواشيه، ثم جلسنا برواق المغاربة مدة وجيزة، وأزمعت على الإياب تخلصاً من متاعب السفر، فالتمسوا مني العودة لزيارتهم مساء. وجنح بنا السبيل إلى منزل صديقنا السيد الشريف بن حمودة، فلما وقع بصره على رؤيتنا، انطلق لسانه بعبارات الترحاب والإعجاب، فلبثنا لديه ساعة أنس خففت عنا معظم ما مسنا من النصب، ثم آويت إلى محل الإقامة.
اكتفيت بحظ من الراحة يسير، وانصرفت لإنجاز الموعد الذي أخذه
__________
(1) مدينة على الساحل الفلسطيني.
(11/ 3/52)

مني التلامذة، فقضينا أمداً في محاورة علمية بحسب ما تجذب إليه المناسبة، ثم ذهبنا نتجول في المناهج والأسواق، ومن رفقائنا: الشيخ محمد الصالح الشواشي، والسيد محمود بن رشيد التونسي، حيث برزنا إلى جسر ممدود على وادي النيل، وعبرناه إلى حديقة ناضرة، فذكرت قول صلاح الدين الصفدي:
رأيت في أرض مصر مذ حللت بها ... عجائباً ما رآها الناس في جيلِ
تسودّ في عيني الدنيا فلم أرها ... تبيضّ إلا إذا ما كنت في النيل
وقلت:
عبرت على جسرٍ أرى النيل تحته ... إلى روضة فاشتقت منْهَلَ زغوانِ (1)
صراط وفردوس وسلسال كوثرٍ ... وما قيظُ أشواقي سوى وهج نيرانِ

* صلاة الجمعة بالأزهر:
شهدت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر، والخطيب من أبناء الشيخ السقا صاحب الخطب الشهيرة، فكان موضوع الخطبة: فضل ليلة النصف من شعبان، ولكنه ألقاها بصوت جهير في هيئة مرتجل دون أن يمسك في يده ورقة، وحينما شرع في دعاء الخطبة الثانية، أخذ ينزل من موقفه الأعلى، فانتهى من الدعاء عند الدرجة السفلى من المنبر.
أجبنا دعوة الشيخ محمد عبان القيرواني، وناولنا كؤوساً من الشاهي، وهو يلتمس العذر؛ كأنه يعد نفسه مقصراً في الضيافة، فأنشدته قول الصاحب ابن عباد:
__________
(1) نهر زغوان في تونس.
(11/ 3/53)

نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان

* مسامرات علمية:
التقينا مساء هذا اليوم بأساتذة أزهريين، أحدهم: الشيخ الزنتاتي من طرابلس الغرب، وأتى في المذاكرة الحديث عن الشيخ ابن عرفة، فقال ذلك الأستاذ: إن الفخر به لأهل طرابلس؛ لأن قبيلة الشيخ لذلك العهد كانت من ملحقات طرابلس، فقلت له: إنما يعود فخره إلى التونسيين؛ لأن نشأته الأدبية وحياته العلمية إنما كانت في تونس.

* الصلاعة:
وجرى في المحادثة لفظة: "صلاعة" على معنى: الاستراحة من التعليم، فقلنا: هي كلمة في أصلها عربية، قال في "القاموس": صِلاع الشمس؛ ككتاب: حرّها. وأيام الاستراحة هي أوقات الحَرّ غالباً. والكلمة الشائعة في معنى الاستراحة من التعليم عند كثير من أهل الجزائر، ولا سيما المتخرجين من المدارس هي لفظ: "فكّانس"، وهي حرف فرنسوي.

* إنا أنزلناه في ليلة مباركة:
دعانا الشيخ إبراهيم صمادح أحد المجاورين بالأزهر للسمر عنده ليلة يوم السبت، فقضينا نصف هذه الليلة في أسمار علمية، ومحاورات أدبية، ممن جاذبنا أطرافها: الشيخ أحمد أمين الشنقيطي أحد العلماء الذين تجولوا في بلاد الشام والحجاز، والشيخ عبد المعطي السقا أحد المدرسين بالأزهر. وفيما طرح من المباحث بمناسبة خطبة ذلك اليوم: تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3].
حيث ساق بعض الخطباء الآية في فضائل ليلة النصف من شعبان كما
(11/ 3/54)

ينقله بعض المفسرين عن عكرمة، وأوردنا في هذه المذاكرة إنكار أبي بكر ابن العربي لهذا التفسير، وتحقيقه: أن المراد من الليلة المباركة: ليلة القدر، وهي التي يفرق فيها كل أمر حكيم.
واتصل الكلام بالبحث في البدعة، وسقنا تحرير أبي إسحاق الشاطبي في ضابطها، وهو أن يكون السبب الذي استند إليه العامل قائماً زمن شرع الأحكام، ويسكت عنه الشرع، ولا يقرر له حكماً.
ويصح أن يضرب المثل لهذا بصلاة الرغائب، فقد ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام رسالة وضح فيها أنها بدعة. وهذا مما لا تدخله الريبة؛ فإنه إذا ثبت أن الحديث الذي يروي في شأنها موضوع، كما حقق ذلك أبو الفرج بن الجوزي، انطبق عليها أنها عمل لم يحدث له موجب، ولا ورد فيه أثر عن صاحب الشريعة، وهذا بخلاف ما يكون السبب الموجب له طارئاً بعد زمن الوحي؛ كتدوين علم العربية، وجمع القرآن في المصاحف.

* درس في التفسير:
سايرني بعد أن انتثر عقد المجلس بعض التلامذة، واقترحوا عليّ إقراء درس من التفسير، وحكوا أن لغيرهم من أهل العلم حرصاً أكيداً على هذا الاقتراح، فبسطت إليهم بمعذرة أني قد ربطت العزم على الرحيل صبيحة يوم الأحد، فقالوا: يمكن أن نعيِّن لميقات الدرس عشية غد، ونكتفي بالمقدار الذي يتيسر جمعه وبيانه، والغرض إنما هو المحافظة على سنّة الكثير من أهل العلم حيث يمرون بالأزهر، فما وسعني إلا أن ساعدت مرغويهم، فأحضروا "تفسير القاضي البيضاوي"، ووقع الاختيار على أن يكون موضوع الدرس: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] إلى آخر الآية.
(11/ 3/55)

افتكرت في المنهج الذي نتبعه في تحرير الدرس، فسبق لي استحسان إبرازه في الأسلوب المتعارف في جامع الزيتونة، فلا أسلّ يدي من تقرير ما يناسب من مباحث عربية أو أصولية، أو أحكام فرعية؛ لأن المقترحين للدرس أزهريون.
أتينا صباح يوم السبت على المسجد الذي ابتدعه عبد الرحمن بن الشيخ عليش - رحمه الله - وشاهدنا بأعيننا ما رسمه في أعلى مفتحه بالقلمين الأفرنجي والعربي، وأنكره عليه علماء الإسلام. ثم مضينا للوفاء بموعد الشيخ عبد المعطي السقا، فجاز بنا إلى داخل منزله، وأهداني كتاباً حافلاً ألَّفه فضيلة جده المنعم في فضل عمارة المساجد، وللشيخ عبد المعطي عناية كبرى بالفحص عن التآليف النادرة، والسعي الحثيث في تحصيل ما نشرته المطابع في البلاد القاصية. وقد تفضل عليّ بردّ الزيارة، فاتفق أن كنت في خارج المنزل، فكتب بطاقة يشعرني فيها بزيارته، ويتأسف لعدم الملاقاة، وأودعها لدى ناظر "الكلوب".

* تعليم الصبيان:
ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكاناً بين مجمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفاً لأحد المعلمين؛ إذ كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من القوة، وربما قفز الصبي آبقاً من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبراً، فيثب في أثره بخطوات سريعة، ويجلده بالمقرعة جلداً قاسياً، حتى قلت لأزهري كان بجني: من جلس إزاء هذه المزعجات، فقد ظلم نفسه. وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلد بنزرت (1) حالما كنت
__________
(1) مدينة على الساحل التونسي تولى الإمام القضاء فيها عام 1905 م.
(11/ 3/56)

قاضياً بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب "المدخل" من الرفق بالصبي، وعدم زيادة المعلم إن اضطر إلى ضربه على ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس، والفلقة. ولما خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتاباً على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول: إن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا.
وكان أمامي في هذه الجلسة تلميذان يتفاهمان كتاباً في العربية يطالعانه، بمقربة منهم تلميذ ثالث، حتى أتيا على قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . ... على أن فاها كالسلافة أو أحلى
فقال أحد التلميذين: السلافة: الخمر، فقال له ذلك التلميذ الذي هو بمعزل عنهما: السلافة: حيوان، فأعاد عليه الأول القول بأنها الخمر، وكرر الآخر القول بأنها حيوان، فقال له صاحبه منبهاً له على وجه خطئه: "أو أحلى، أو أحلى! "، فرجع وقال: السلافة شيء ضيق، قال هذا ليلائم تشبيه الفم بها، وأظنه اشتبه عليه أولاً لفظ السلافة بالسلحفاة.

* إلقاء درس في التفسير:
سبق في ظني أن مقترحي الدرس قصدوا أن يكون إقراؤه برواق المغاربة، فانصرفت بعد صلاة العصر متوجهًا لذلك الرواق، فأنبؤوني بأنهم اختاروا أن يكون بوسط الجامع، وعرضوا عليّ منصة بعض الأساتذة، فلم يسعني إلا أن أجلس حيث عزموا.
أقبلت قبل الشروع في تقرير الدرس على تلميذ أعرفه بحفظ القرآن، وصرفِ الهمة في تجويده، واقترحت عليه أن يجهر بتلاوة الآية؛ ليسمعها الحاضرون، فمنعه الحياء، وتقدم تلميذ آخر، فرفع بها قراءته، ورتلها ترتيلاً.
(11/ 3/57)

ونودع في هذه الخلاصة جملة من المباحث التي أوردناها في تفسير الآية، عسى أن تكون أنظار بعض القارئين قد طمحت إلى الإلمام بمقاصدها.
قررنا في فاتحة الدرس قول الشيخ ابن عرفة: "من الناس من ينظر في وجه المناسبة بين الآية وما قبلها؛ كابن الخطيب، ومنهم من لا يلتزمه في كل آية؛ كالزمخشري، وابن عطية، ومنهم من يمنع النظر في ذلك، ويحرمّه؛ لئلا يعتقد أن المناسبة من إعجاز القرآن، فإذا لم تظهر المناسبة للناظر، وهم في دينه، ووقع له خلل في معتقده"، وعلقنا عليه: أن هذا الاختلاف إنما يقع لهم في الآيات التي لم تقترن بنحو حرف العطف؛ إذ يمكن الاكتفاء في بعضها بأن اتصال الآية بما قبلها معتبر فيه الترتيب بينهما في النزول الوارد على حسب الوقائع والحاجات، أما إذا اتصل بها حرف الوصل، كهذه الآية، فتطلُّب المناسبة متعين؛ لأن رعايتها حينئذ داخلة في حقيقة البلاغة التي هي الركن الأعظم في الإعجاز. ثم أتينا على عقد المناسبة بين هذه الآية وما قبلها.
ثم انتقلنا إلى بيان قول القاضي في تفسير الآية: "لا يستقيم للمؤمنين أن ينفروا جميعاً لنحو غزو، أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً؛ فإنه يخل بأمر المعاش". والبيان: أما خطر انصراف الناس قاطبة إلى اجتناء ثمر العلوم، وإخلاله بمطالب حياتهم، فلأن الإنسان يفتقر في تحصيل معاشه ووسائل بقائه إلى مساعدة أبناء جنسه، ولا يستطيع أحد أن يقوم بها وحده، وإن بلغ أشدّه في استقامة البنية، وسعة الفكر، فإذا نفر الشعب بحذافرهم، وولوا وجوههم شطر الارتواء من العلم، ضاعت واجبات اجتماعهم، وانتقضت عليهم قواعد العمران من زراعة وصناعة وتجارة.
(11/ 3/58)

وأما تخلفهم جميعاً، وقعودهم عن الرحلة في طلب العلم، فإنه يخل بنظام العيش من جهة أن جهل القبيلة بما أرشدت إليه الشريعة من العقائد والأخلاق، وخلوّها عما فصّلته من قوانين الاجتماع وضروب السياسات، يفضي إلى انتشار المفاسد، واشتعال نار الفتن مثلما كانت عليه حال العرب في جاهليتها، ولا تخالجنا الريبة في هذه الحقيقة، متى شاهدنا انتظام شؤون العمران، وتوفر أسباب الراحة لدى بعض الأمم العارية عن الصبغة الدينية، فإنها ما وصلت إلى تلك التراتيب التي ضربت بها أطناب الأمن والسكينة، إلا بعد أن فتحت أعينها في نظامات الشرائع السماوية، أو اقتدت على آثار الأمم المتدينة.
وفضائل العبادات أيضاً لها مدخل في انتظام العيش بمعنى: قرار النفس، ورضاها عما سخر الله لها من العيش، وهذا يعتبره الإنسان من نفسه متى نظر إلى حالته، وهو ملتفت بقلبه إلى زخارف الدنيا، وقاسها بحالته إذا أقبل بسريرته على ما يقربه إلى فاطر السموات والأرض؛ فإنه يجد في هذه الحالة من لذة اليقين، وراحة الخاطر ما يكشف له عن كدر كان يمازج قلبه، وحزازة هي أثر القساوة والإعراض بجانبه عن الطاعة، فيرى أن العيش المنتظم على الحقيقة إنما هو عيش الفائزين بهداية الدين علماً وعملاً. وعبر في الآية بالمؤمنين دون الناس؛ لأن الآية مسوقة للحثّ على القيام بعمل، والأعمال إنما يرجى الامتثال فيها من المؤمنين، ولو كان الأمر هنا بواجب من العقائد، لناسبه التعبير بنحو: الناس. وقد قرر بعض المفسرين -فيما أعهده-: أن من عادة القرآن التعبير بمثل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] إذا كان المخاطب به مما يرجع إلى أصل من أصول الدين، فإذا كان المأمور به
(11/ 3/59)

فرعًا من الفروع، صدر الخطاب بنحو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104].
أو يقال: إن ذكر المكلفين هنا بوصف الإيمان؛ لمقوية داعيتهم، وإغرائها على العمل بأسلوب لطيف؛ فإن في تسميتهم بالمؤمنين تلويحاً إلى صفة الإيمان بالله من شأنها أن تبعث على حسن الطاعة، والمسارعة إلى امتثال أوامره.
وتعرضنا عقب هذا إلى البحث في لفظة: "كافة"، فقررنا أن ابن هشام ذهب في "مغني اللبيب" إلى أنها من الأسماء التي لا تخرج عن النصب على الحال، وخطأ الزمخشري في قوله بخطبة "المفصل": "محيطاً بكافة الأبواب"، وقد صحح الشهاب في "شرح درة الغواص": أنها لا تلزم النصب على الحالية: ومما استشهد به القائلون بانفصالها على الحالية: قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:، قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مئتي مثقال ذهباً إبريزاً".
قال الدماميني: إن صح هذا، سقط القول بملازمتها للنصب على الحالية.
وتعليق الدماميني مفارقة "كافة" للحالية على صحة الأثر مما جرى فيه على سنن التحقيق؛ فإن المحرر في الأصول العالية لعلم العربية: أن الكلمة إذا وردت في محل، ولم يسمع استعمالها في غيره، فإنما تطرد في الموضع الذي سمعت فيه، ولا يقاس عليه غيره من المواضع، ومن هذا تخصيصهم: "فل، ولومان، ونومان" بالنداء، ونحو: "قط، وعوض" يختصان بالظرفية، وبنى على هذا الشيخ ابن الحاجب أن لفظة "كل" إذا أضيفت إلى الضمير، لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدًا، أو مبتدأ، فيمتنع
(11/ 3/60)

جعلها مفعولاً به، أو فاعلاً.
ثم قلنا: ويندرج في التفقه في الدين: تعلم ما يرجع إليه من أحكام وعقائد وأخلاق، وأما إطلاق الفقه على معرفة الفروع خاصة، فعرْفٌ حادث بعد نزول القرآن، فلا يصح تفسير الآية به؛ فإن القرآن أنزل بلسان عربي؛ ليتمكن العرب من فهمه، فينتفعوا بالعلم به في أنفسمهم، ويبلغوه إلى غيرهم من الأمم لعلهم يتذكرون، وهذه الحكمة تستدعي أن يكون الكتاب جارياً في سائر استعمالاته على المعاني المألوفة لهم في موضوعات لسانهم، وأساليب كلامهم، وإذا ألقى إليهم قولاً مجملاً، أو كلمة لم يسبق لهم علم بمدلولها، لم يتمادوا على الجهل بها، وتعلموا بيانها عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فإذا لم تكن الكلمة معهودة الاستعمال في معنى وقت الوحي، ولم يعينه صاحب الشريعة في بيانها امتنع حملها عليه، وبهذا يظهر عدم صحة ما قاله بعض البيانيين في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ} [الأنبياء: 22] إلخ الآية، من أن استعمال "لو" في الاستدلال بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة وارد على قاعدة أهل المعقول، والصحيح ما قاله الشيخ ابن الحاجب من أنه استعمال عربي فصيح، كما لا يستقيم قول بعض الكاتبين على قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس: 69]: إن المراد: الشعر الذي هو أحد أقسام القياس، وقد أنكر الشيخ ابن تيمية على من فهم التأويل في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} [آل عمران: 7] على معنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح لدليل يقترن به؛ لأنه معنى اصطلح عليه طوائف من المتأخرين، ولم يكن معروفاً للسلف بهذا الوضع، بل مسمّى التأويل في لغة القرآن هو نفس المراد بالكلام من الأمور الموجودة في الخارج.
(11/ 3/61)

ثم قررنا تفاوت العلوم في الشرف، واستطردنا أن الإقبال على العلم أفضل من الاشتغال بالعبادة لوجهين:
أحدهما: أن مصلحة العبادة خاصة، ومصلحة التعليم عامة، وما له مصلحة عامة أشرفُ مما مصلحته خاصة.
ثانيهما: أن في التعليم درء مفسدة، وفي العبادة جلب مصلحة، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا سيما ما يدرأ الخلل في الدين، قال ابن جماعة في "كشف المعاني" عند قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1]: المستعاذ به في هذه ثلاث صفات، والمستعاذ منه شيء واحد، وهو الوسوسة، والمستعاذ به في السورة قبلها صفة واحدة، والمستعاذ منه أربعة أشياء؛ لأن المطلوب في سورة الناس: سلامة الدين من الوسوسة القادحة فيه، والمطلوب في سورة الفلق: سلامة النفس والبدن والمال، وسلامة الدين أعظم وأهم، ومضرته أعظم من مضرة الدنيا، فموقع الدين من النفوس شديد، ولهذا كان تأثيرها للاستخفاف بشأنه، أو تحريف بعض حقائقه فوق كل تأثير، وانظروا إلى فرعون لما أراد صرف وجوه القوم عن اتباع موسى - عليه السلام - كيف قدّم لهم التخوف منه على تبديل دينهم، فقال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ} [غافر: 26].
هذا في دين يفتضح صاحبه لأول كلمة ترمى لإبطاله، فما بالكم بدين كشف عن صفاء فطرته كتاب حكيم، وخضع لسطوته كل فكر مستقيم.
ثم أوردنا -بعد تقرير ما أمرت به الآية من تعلم أحكام الدين- قول العضد في خطبة "المواقف" ناقلاً عن بعض الأئمة: إن المراد من الاختلاف في حديث: "اختلاف أمتي رحمة": اختلاف هممهم في العلوم، فهمّة واحد
(11/ 3/62)

في الفقه، وهمّة آخر في الكلام، كما اختلفت همم أصحاب الحرف؛ ليقوم كل واحد بحرفة، فيتم النظام، وعلقنا عليه: أن الذي يحمل الحديث على هذا المعنى يقصد التباعد من فهم الأثر على معنى: اختلاف الأمة في آرائها، ولا يرضيه أن تدخل الرحمة من ناحية اختلاف الآراء، ولو في الفروع؛ لأن نصوص الشريعة طافحة بالنهي عن الاختلاف بإطلاق، وذوو الاجتهاد مأمورون ببذل الوسع في إزالته، والتلاقي في مذهب واحدة كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59} إلخ الآية، لكنهم إذا أفرغوا جهدهم في البحث عن الأدلة، وأمعنوا النظر فيها بقصد الوصول إلى ما هو حق، ثم أدركهم العجز عن الاتفاق، فالعذر قائم، وباب العفو مفتوح، والعفو عن هذا الاختلاف وعدم مؤاخذتهم عليه لا يقتضي أن في الخلاف رحمة، وأنه أصلح من الوفاق، وأسعد من تضافر الآراء على مذهب.
نقلت قول القاضي: أن في الآية إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم من العلم: أن يستقيم، ويقيم غيره، وتخلصنا منه إلى أن أعظم درجات الإنسان وأشرفها أن يكون كاملاً في نفسه، ومنبعاً يتدفق منه الصلاح والكمال إلى غيره.
ووصلنا هذا بنكتة لطيفة أعهدها لبعض المفسرين عند قوله تعالى: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 46] وهي أنه وقع تشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسراج دون أن يمثله بنحو القمر الذي هو أغزر نوراً؛ لأن القمر يضيء في نفسه، ولا يمكن أن يستمد من ضوئه عدة أجرام تكون مضيئة في نفسها؛ بخلاف السراج، فإنه في ذاته، ويمكن أن يقتبس منه سرج لا يشملها الإحصاء، فالتمثيل به أو فى بالمراد، وأقرب مطابقة لحاله - عليه الصلاة والسلام -.
(11/ 3/63)

أتينا هنا على أن المنذر يتعين عليه أن يتحرى في إنذاره؛ بحيث لا يستند فيه إلا إلى علم صحيح من آية، أو حديث ثابت، أو نص من يقتدى به من الأئمة، وخرجنا منه إلى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله، وقررنا ما نعهده للرازي في آية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ} [المائدة: 44] وفيما نقلناه من الأجوبة عن آية: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]: أن المشار إليهم بالكفر هنا من حكموا بغير ما أنزل الله معتقدين أن ما قضوا به أوفق بالسداد، وأحفظ للمصالح.
وأدرجنا هنا دقيقة للشيخ ابن عرفة، وهي: أن أسلوب الآية أبلغ من أن لو قيل: "ومن حكم بغير ما أنزل الله"؛ فإن هذه العبارة لا تتناول من تقدم إليه الخصمان بقضية، فأهملها، وهو يستطيع فصلها؛ بخلاف الآية؛ فإنها تتناول من حكم في القضية بالباطل، ومن أبي الحكم فيها بما أنزل الله، وسكت، وهو منتصب في مقام الفصل بين الناس.
انتقلنا إلى أن للإنذار بالقرآن تأثيراً بالغاً على النفوس؛ بحيث لا يقوم كلام البشر مقامه، وإن ارتقى من البلاغة ذروة سامية. واستطردنا مقالة نفيسة لصاحب "المنهاج"، وهي: أن الله تعالى خصّ القرآن بأنه دعوة وحجة، ولم يكن مثل هذا لنبي قط، إنما كان لكل واحد منهم دعوة، ثم يكون له حجة غيرها، وقد جمعها الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن، فهو دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه، وقلنا عقب هذا: إن القرآن حجة بمعانيه أيضاً؛ فإن استقامة سائر ما احتوى عليه من القضايا، وانطباقها بجملتها وتفاصيلها على مناهج الحكمة، ورسوم السياسة العادلة، يدل دلالة مثل فلق الصبح على أنه وحي سماوي، وأنه بريء من أن تبتدعه أفكار البشر، وبهذا يمكن للعجم الذين لا يحسنون
(11/ 3/64)

العربية أن يدركوا وجهاً من إعجازه متى نقلت لهم معانيه الأولية بترجمة محررة.
ثم قررنا عند قوله: {قَوْمَهُمْ} [النساء: 90]: أن إضافة القوم هنا للعموم، ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم، فتفيد الآية: أنهم ينذرون بما تعلموه من الفقه كل فرد من أفراد قومهم، فيبطل ما يزعمه بعضهم من أن لأهل التصوف أحكاماً خاصة يتلقونها بطريق الباطن.
قال أبو إسحاق الشاطبي: لم يشرع الله تعالى إلا ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتلقاه منه الصحابة، ثم العلماء. والتصريح بإبطال أن يكون للعارفين بالله أحكام تخصهم فيه سد لباب الخروج عن تقاليد الشريعة، زيادة على كشفه عن الحقيقة؛ فإن فتح هذا الباب يفضي أن ينبذ كثير من الناس الجادة، بدعوى: أنهم بلغوا درجة الولاية، وأنهم متعبدون بأحكام باطنة، وأهل التصوف الخالص أنفسُهم يصرحون بهذا.
قال الإمام الجنيد -حسبما نقله الزركشي في شرح "جمع الجوامع"-: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الأحاديث، لن يقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
ذكرنا استدلالهم بالآية على أن خبر الآحاد حجة، ثم قلنا: اشتهر بين الأصوليين أن خبر الآحاد حجة في العمليات، وأما المسائل العلمية، فلا يتمسك فيها إلا بقاطع، قال الإمام في "المحصول": إن ورد خبر الآحاد في مسألة علمية، وليس في الأدلة القاطعة ما يعضده، رد، وإلا، قبل. واختار الشيخ ابن عرفة أن المسائل العلمية التي لا ترجع إلى العقائد يكتفى فيها بالأدلة الظنية؛ كخبر الآحاد، وإنما يشترط القطع في العمليات الراجعة إلى العقائد الإيمانية.
(11/ 3/65)

واستطردنا هنا مسألة اعتراض خبر الآحاد لقاعدة كلية، وأوردنا في مساقها ما ذكره أبو بكر بن العربي في تفصيل مذاهب الأئمة الثلاثة، وهو قوله: إذا جاء خبر الآحاد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به، أو لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز، وتردد مالك في المسألة، ومشهور قوله، والذي عليه المعول: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى، قال به، وإن كان وحده، تركه؛ كحديث العرايا؛ فإنه صادمته قاعدة الرب، وعاضدته قاعدة المعروف.
وأتى بنا سؤال من أحد الحاضرين إلى معنى القاعدة ومأخذها، فقلنا: هي قضية تنتزع من دلائل متفرقة في الشريعة حتى تكون قطعية في نفس من استقرأها من المجتهدين؛ كقاعدة: ارتكاب أخف الضررين، فمن مأخذها قوله تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] فإن إعابة السفينة ضرر، ولكنه أخف من أخذ الملك لها بسلطة غاصبة، ومن منازعها حديث الأعرابي الذي جعل يبول في المسجد، وزجره بعض الصحابة، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزرموه"؛ فإن بوله في المسجد ضرر، إلا أنه أخف من الضرر الذي ينشأ من إمساكه عن البول قبل فراغه.
وجئنا في تفسير: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122} على اختلافهم في حرف الترجي الواقع في كلام الله تعالى؛ فإن منهم من يخرجه على معنى التعليل؛ كما ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب"، ومنهم من يصرفه إلى المخاطبين؛ كما نقله صاحب "الإتقان" عن سيبويه؛ حيث قال في معنى قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: 44]: اذهبا على رجائكما وطمعكما. ويجري على هذا كل ما فيه حرف تَرَجٍّ، نحو قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189].
(11/ 3/66)

وكان بعض التلامذة حين شرعت في إقراء الدرس قائمين على أقدامهم من ورائي يوردون أسئلة، ويطالبون إعادة بعض التقارير، وما لبثوا أن انقلبوا إلى السكينة والإصغاء، وكانوا يلهجون عند الاستحسان بكلمة: "كويس" تصغير كيّس.

* الاجتماع بأهل العلم والفضل:
رافقني بعد انفصالنا عن الدرس طائفة من التلامذة، فمررنا بمنزل كان أحد الجلساء به الأستاذ الشيخ الزنتاني، فوقف موقف التحية، وحدثه أحد الرفقاء بما كنا بصدده من قراءة التفسير، فتوجه لي وقال: قد أحييت سنّة الشيخ ابن عرفة، فذكر له الرفيق: أن الدرس أيضاً يحتوي على مباحث متعددة منقولة عن الشيخ ابن عرفة.
تفضل عليّ بالزيارة في هذا المساء السيد شرف أحد الأعيان في عائلة أشراف مكة المحترمة، فمثّل لنا بعلو همته، وسلاسة أخلاقه كيف تكون همم بني هاشم وآدابهم، ثم أخذ بيدي حتى امتطينا عربة سارت بنا لإجابة دعوة السيد الشريف بن حمودة، ولما انقضت المسافة، ضرب كل منا بيده إلى كيسه ليتولى خلاص أجر الركوب عن سائر الجماعة، فكانت يد السيد شرف أسرع في فتح الكيس ومناولة الدراهم لسائق العربة، وأكد علينا أن نرد إلى الأكياس بضائعها، فقال له الشيخ محمد الصالح الشواشي على وجه الدعابة: لا تقسم علينا أيها الشريف متطاولاً، فنحن أشراف أيضاً، فتبسم منبسطاً لهذه الجسارة المشعرة بسلامة الضمير وحريته.
وقد تذكرت بهذه المداعبة ما كتبه الشريف الرضي إلى الإمام القادر بالله، وهو:
(11/ 3/67)

عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً كلانا في المعالي مُعرقُ
إلا الخلافةَ قلّدتك فإنني ... أنا عاطلٌ منها وأنت مُطَوَّقُ
مضى لنا مع الشرف والشريف مجلس أنس يحاكي نسيم الأسحار، إذا جاءت متضمخة بنفحات الأزهار، ولكننا مررنا عند إيابنا بامرأة جالسة بقارعة الطريق، والناس ملتفة حولها وهي تتلو القرآن بصوت رخيم.
أخذ مني الأسف مأخذه، لما قدمت على المعهد الأزهري حين طويت منه محاضر الدروس، وبرز أساتذته العظام لقضاء أمد الراحة الصيفية في أماكن الرياضة ومهابِّ النسيم، ولم يتفق لي أن أشاهد محضرة درس بهذا الجامع العظيم، وأنبأني التلامذة بأن سائر دروس الجامع معطلة، ولا يقرأ به في هذه الأيام ولو درساً واحداً.

* زيارة بورسعيد:
سافرت صباح يوم الأحد إلى (بور سعيد) (1)، ومررنا على جانب من فتحة السويس التي وصلت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وحقّ لي عندما بلغت إلى مجمع هذين البحرين أن أذكر بيتين كان العلامة البليغ صاحبنا الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور (2) قد أرسلهما إليّ في بطاقة يدعوني بها إلى زيارته حيث حل بحضرته اثنان من أولي العلم والأدب، وهما:
__________
(1) مدينة "بورسعيد" على قناة السويس.
(2) من كبار علماء تونس، ومن الأصدقاء الأوفياء للإمام. انظر ترجمته في كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
(11/ 3/68)

تألقت الآداب كالبدر في السحر ... وقد لفظ البحران من موجها الدُّرَرْ
فما لي أرى منطيقها الآن غائباً ... وفي مجمع البحرين لا يفقد الخَضِرْ
شأن القرآن في سرد القصص وضربها أمثلة الاكتفاء بماله مدخل في الموعظة والاعتبار، فتجده -في الغالب- لا يصرح بأسماء الأماكن التي تجري فيها الوقائع؛ كقصة ملاقاة موسى للخضر - عليهما السلام -؛ فإنه لم يعين المراد بمجمع البحرين؛ حيث لا ينبني على التعيين فائدة في الإرشاد؛ لأن الحكمة من مساق هذه القصة: التذكير بما اشتملت عليه من المحامد والآداب؛ كسفر العالم للازدياد في العلم، وتكبده المشاق في السير له، ولو بعدت المسافة سنين؛ فإن موسى - عليه السلام - يقول: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف: 60] , والإيماء إلى أن التوكل: اعتماد القلب على الله، لا في نكث اليد من الأسباب؛ فإنه - عليه السلام - حمل معه الزاد، ودلّ على هذه بقوله: {آتِنَا غَدَاءَنَا} [الكهف: 62] إلى غير هذا من الفوائد، ولكن بعض المفسرين كثيراً ما يسردون أقوالاً في أسماء ما جاء مبهماً في القرآن؛ كاختلافهم هنا في المراد من البحرين، فقيل: هو بحر فارس والروم، وقيل: بحر القلزم (1) وبحر الأردن، ومجمع البحرين عند طنجة، أو بإفريقيا، وقيل: هو بحر الأندلس والبحر المحيط، والتعيين في مثل هذا لا يعول عليه إلا إذا جاء به حديث صحيح، ومن العجائب قول بعضهم كما نقله الأبي في "التفسير": إنه يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجتمع البحر المالح، ووادي مجردة عند الدرسة، وهو الذي يقال له: حرق الجسرين، والصخرة: صخرة أبي ربيعة، والجدار في "المحمدية".
__________
(1) القلزم: مرفأ قديم على البحر الأحمر يرجع إلى عهد الفراعنة.
(11/ 3/69)

* الرسوُّ في يافا:
امتطينا الباخرة الخديوية مساء هذا اليوم، وتعارفنا فيها بالشيخ عبد القادر ابن الشيخ زاده أحد علماء طرسوس (1)، فأرانا السكينة في أحسن تقويم، وما برحنا نروح الخاطر بمحادثته إلى أن رست الباخرة أمام بلد "يافا"، فغرب عنا بدر فضله بعد أن أعطانا ملء صدورنا أنساً.

* جولة قصيرة في حيفا:
وصعد إلى الباخرة من بلد "يافا" الفاضلان: السيد المختار بو هاشم التونسي، والشيخ موسى البديري أحدُ المدرسين بجامع القدس، وهو عالم استقى من الأزهر، ثم من مدارس الآستانة، وقد صحبنا صحبة ذي عهد قديم، وجاملنا مجاملة الصديق الحميم. نزلنا رفيقين إلى بلد "حيفا" لما أرست الباخرة تجاهها، وتجولنا يميناً وشمالاً، ثم آوينا إلى جامعها الكبير، ووقفنا على مشكاة يذكرون أن بها شعرات من آثار الحضرة النبوية، ورأينا في هذا الجامع أربع معلقات مقرراً فيها فرائض الصلاة، وسننها، ومستحباتها، ومكروهاتها، ومبطلائها، كل معلقة مرسومة على مذهب إمام من المذاهب الأربعة.
لبثنا في "حيفا" مقدار أربع ساعات، ثم ودعت رفقائي الفضلاء: السيد مسعود المحيرصي، وأخاه السيد عثمان، والسيد محمد القديدي، وانقلبنا إلى الباخرة.
كنت أسمع كثيراً من الناس يذكرون الصخرة بالقدس، ويعتقدون بأنها
__________
(1) طرسوس: مدينة في تركيا.
(11/ 3/70)

قائمة في الهواء، ولكن بعض الأمراء بنى حذاءها جداراً ملاصقاً لها؛ ستراً لشأنها العجيب؛ لئلا يفتتن بها الناس، وقد رأيت هذا في بعض الرحلات أيضاً، وفي ظني أنها رحلة خالد بن عيسى البلوي، وطالما يجري بيني وبين من يعتقد صحة هذا مناقشة. ولما نبأني الشيخ موسى أنه يقوم بالتدريس عند فنائها، حادثته بقصتها، فحدثني بأنها موضوعة على بناء راسخ في الأرض، وأن هذه خرافة افتراها بعض الدجالين هناك، ثم أخذ خلفهم يلقونها إلى الواردين البسطاء لغرض واضح.

* المرور في بيروت إلى دمشق:
بلغنا إلى "بيروت" يوم الأربعاء، وأقمت بها نحو ساعتين، ثم توجهت إلى محطة الرتل، فأخذت في بعض بيوته مقعداً، وسار الرتل متدرجاً من بطاح بيروت إلى جبل لبنان، وكان أحد الجلساء عارفاً بأسماء المواقع، وله ذوق في الأدب، فاستفدت من تعاريفه، حتى انحدرنا على الرياض المتصلة بدمشق، وقد أنشأت في هذا الحال:
لجّ القطار بنا والنار تسحبه ... ما بين رائق أشجارٍ وأنهارِ
ومن عجائب ما تدريه في سفر ... قوم تقاد إلى الجنات بالنارِ

* مع علماء وفضلاء دمشق:
وصل القطار إلى مدينة دمشق بعد الساعة العاشرة مساء، وحيث لم أكن على خبرة مفصلة بالمنزل الذي حلته عائلتنا، عمدت إلى بيت في أحد القصور المعدة للغرباء، واسترحت بها بقية سواد الليل، وما انصرفت إلى مسكن العائلة حتى مطلع الفجر.
جاء لنا طائفة من فضلاء المدينة وعلمائها بزيارة التسليم، ولاقونا بحفاوة
(11/ 3/71)

بالغة حين غشيت منازلهم زائرين، وفي مقدمة هؤلاء الكرام: المفتي الجليل الشيخ محمد أبو الخير بن عابدين من عائلة الشيخ ابن العابدين الحنفي الشهير، والشيخ السيد أديب نقيب الأشراف، والأمير عبد الله بن الأمير عبد القادر، والأساتذة الشيخ يوسف النبهاني الشهير، والشيخ عارف منير، والشيخ حسن الأسطواني، والشيخ عطاء القسم، والشيخ مصطفى طنطاوي، والشيخ رضا مفتي آلاي، وابنه الشيخ يحيى المكتبي، والشيخ محمود، والشيخ سعيد الجزائري.

* صلاة الجمعة في المسجد الأموي:
زرت مسجدها الشهير بالجامع الأموي، وشاهدت من تنميقه واتساع أركانه ما يعز نظيره فيما رأيت من المساجد الجامعة، ولم نلف به لذلك الحين سوى درسين:
أحدهما: في الوعظ يقوم به أحد المشايخ الصادرين عن الجامع الأزهر.
وثانيهما: في الفقه المالكي يتولى قراءته الشيخ عبد القادر من فقهاء الجزائر.
شهدت به صلاة الجمعة، فكان مع هذه السعة في الطول والعرض غاصاً بالمصلّين، وحدثني الشيخ سعيد الجزائري، وقد التقيت به عقب الصلاة: أن بعض الباحثين قدَّر المصلين به في مثل هذا اليوم بحساب محرر، فبلغ عددهم سبعة آلاف.
أما خطباؤه، فإنهم يلقون الخطب بلهجة صادعة، وأسلوب مؤثر، ولا ترى بيد واحد منهم عند الخطبة ورقة، فهم يمثلون هيئة الخطابة عند العرب، ويحفظون أثراً من آثار الفصاحة، بمعنى: طلاقة اللسان، والنطق
(11/ 3/72)

بالحروف متمكنة من مخارجها.

* زيارة مقام ابن العربي:
وقصدت إلى مقام الأستاذ الشهير الشيخ محي الدين بن عربي - رضي الله عنه - في بناءات تسمى: "الصالحية" تتصل بطرف دمشق، وقرأت على ضريحه رسماً به بيتان يحتوي ثانيهما على تاريخ، وفاته. وهو:
إن سألتم متى توفي حميداً ... قلت أرخت: (مات قطب همامُ (1))
ويرى الزائر بجانب منه ضزيح الأمير عبد القادر الجزائري، قد رسمت عليه أربعة أبيات تشتمل على تاريخ وفاته، أولها:
لله أفق صار مشرق دارتي ... قمرين هلّا من بلاد المغربِ
وآخرها:
من نال مع أعلى رفيق أرّخوا ... (أزكى مقامات الشهود الأقرب (2))
__________
(1) في عجز البيت: مات قطب همام بحساب الجمل تساوي:
مات = 40 + 1 + 400 = 441.
قطب =100 +9 + 2 = 111.
همام = 5 + 40 + 1 + 40= 86.
المجموع: 441 + 111 + 86 = 638، وهي سنة وفاة ابن عربي الهجرية.
(2) عجز البيت بحساب الجمل يساوي:
أزكى = 1 + 7 + 20 + 10 = 38.
مقامات = 40 + 100 + 1 + 40 + 1 + 400 = 582.
الشهود = 1 + 30 + 300 + 5 + 6 + 4 = 347.
الأقرب = 1 + 30 + 1 + 100 + 200 + 2 = 334. =
(11/ 3/73)

وكان لهذا الأمير صبابة بفتوحات الشيخ ابن عربي، حتى إنه أرسل عالمين من علماء دمشق إلى "قونية" لتصحيح نسخة "الفتوحات"، ومقابلتها على النسخة التي حفظت هناك، وعليها خط يد المؤلف نفسه.

* المكتبة الظاهرية ودار الحديث:
وكنت أزور مكتبة الملك الظاهر، وهي مكتبة حافلة، وفيما رأيته من كتبها: "تفسير البقاعي" الذي أخذ على قلمه، وشرط على نفسه، أن يحرر فيه المناسبات بين الآيات. ودخل أبو المحاسن الشيخ يوسف النبهاني المؤلف الشهير يوماً، وأوصى حافظ المكتبة برعايتنا، وقال له: إن هؤلاء من بيوت الفضل بتونس.
وزرت مدرسة دار الحديث التي أنشاها الملك الأشرف، وفوّض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين المعروف بابن الصلاح، ثم تولى مشيختها الإمامان: النووي، وتقي الدين بن السبكي، وهي التي يقول فيها ابن السبكي:
وفي دار الحديث لطيف معنى ... على بسط لها أصبو وآوي
عسى أني أمسّ بحرٍّ وجهي ... مكاناً مسّه قدمُ النواوي
ويشير بالبسط في البيت: إلى بساط رسم عليه الملك الأشرف -وهو واقف المدرسة- اسمه، وبسطه في أرضها.
قال تاج الدين السبكي في "الطبقات": وكان يجلس عليه والدي "تقي الدين" وقت الدرس.
__________
= المجموع = 38 + 582 + 347 + 334 = 1300، وهي السنة الهجرية التي توفي فيها الأمير عبد القادر.
(11/ 3/74)

ولقيت في هذه المدرسة فضيلة العالم المحدّث الشيخ بدر الدين، وجلسنا لديه حيناً، فكانت عمارة الجلسة: بحث الأستاذ عما يوجد في الديار التونسية من الكتب الغريبة؛ مثل: "شرح الإمام المازري" لبرهان إمام الحرمين، و"حاشية الشيخ معاوية على مختصر السعد"، والحواشي التي علقت على "مختصر ابن الحاجب" في الأصول، ولهذا الأستاذ درس في "صحيح البخاري" يقرئه في الجامع الأموي يوم الجمعة فقط، يشرع في قراءته عقب صلاة الجمعة، والجوامع كلها تصلي لوقت الزوال، وينتهي لوقت العصر، شهدت هذا الأستاذ وهو يلقي الدرس بترسل، ويملي ما يبسطه الكاتبون على الحديث، وإذا استطرد حديثاً، ساقه بسنده، وله دروس أخرى يقرئها بمدرسة دار الحديث؛ فإن مشيختها اليوم بيده.

* مسامرات أدبية:
وزارنا الشيخ عبد الرحمن بن سلام أحد علماء بيروت، والسيد عبد النبي أحد معلمي المدارس الأميرية، ومعرب جريدة سوريا الرسمية، ونثر الشيخ على أسماعنا نبذة من جواهر أشعاره، وهو من الأدباء الذين يحذون في نطقهم الاعتيادي حذو العربية الصحيحة، ومما قاله في حاكي الصدى:
أنا الفنغراف مهما قُلْنَ أقبلُه ... إن شئت قلْ حسناً أو شئت قلْ خشنا
لكنه سوف يدري من يخاطبني ... أني لسان الذي قد ظنني أذنا
وقال وقد سافر إلى "بعلبك"، ولم تتبرج له تبرج البلاد الرائعة:
أتيت لبعلبك ومن أتاها ... يرى لديارها شيئاً عجيبا
كأن بيوتها أبيات شعري ... فلا حشواً تضم ولا غريبا
(11/ 3/75)

* محادثات علمية في المدرسة التجارية بدمشق:
وزرنا المدرسة التجارية، فتلقانا مديرها الشيخ مصطفى طنطاوي، وأحد مدرسيها الشيخ محمود بكامل المبرة، وعرّفنا الشيخ مصطفى بنموذج تعليمها.
وبمناسبة ذكر اللغة الفارسية في جملة اللغات التي تدرس بها، قلنا: إن للغة الفارسية مزية، ولهذا أجاز أبو حنيفة - رضي الله عنه - القراءة بها في الصلاة لمن عجز على العربية، فقال لي: بل الإمام يجيز القراءة بأي لسان، اتفق، ولا يخص هذا الحكم بالفارسية، وقد كنت طالعت هذه المسألة مقيدة بالفارسية في كتاب "الأحكام" لأبي بكر بن العربي، ثم أعدت النظر في بعض كتب المذهب الحنفي، فوجدت أحد الفقهاء، وهو الشيخ البرادعي نص على تخصيص الحكم بالفارسية، ولعل الراجح في المذهب خلافه.
ومما أورده في المحادثة: أن الحريق الذي حدث بدمشق لهذه السنة، قد أحاط بساحة المدرسة من جهاتها الأربع، ولم يتناول من مبانيها فتيلاً، فقلت له: {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] فوقعت لديه موقع الارتياح.
ودار على البساط حكم العلوم الرياضية والطبيعية في نظر الإسلام، ومما أدرجناه في هذه المحاورة: قول القرافي في "فروقه": قد يغمض على الفقيه والحاكم الحق في كثير من المسائل بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة، فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم، وتجاذبنا خلاصة ما حققه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب "المنقذ من الضلال" عند بحثه عن علم الطبيعيات، ونصه: "أما علم الطبيعيات، فهو بحث عن أجسام العالم: السماوات، وكوكبها، وما تحتها من الأجسام المفردة؛
(11/ 3/76)

كالماء، والهواء، والتراب، والنار، ومن الأجسام المركبة؛ كالحيوان، والنبات، والمعادن، وما تحتها، وعلى أسباب تغيرها، واستحالتها وامتزاجها، وذلك يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجها، وكما ليس من شروط الدين إنكار علم الطيب، فليس من شروطه إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة ذكرناها في "تهافت الفلاسفة"، ثم قال: "وأصل جملتها: أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها، فالشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، لا فعل لشيء منه بذاته عن ذاته".
فهذا التقرير من إمام عرف شعاب هذه العلوم، بعد أن رسخ في العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية، يشهد شهادة عادلة بأن الإسلام يسع صدره لكل ما يتدرج في حقيقة العلم ما لم يتحقق ضرره؛ كعلم السحر.
ودعانا هذا الشيخ إلى احتفال أقامه في هذه المدرسة لتوزيع الشهادات على تلامذتها، وكان النادي يحتوي على ما يناهز خمسمائة نسمة، فيهم العلماء، وأرباب المناصب العالية، فوضعوا في صدره منصة شامخة، وصعد عليها فريق من التلامذة، وألقوا خطباً من محفوظاتهم باللغات الثلاث: العربية، ثم التركية، ثم الفرنسية، ويعد هذا قام غلام على المنصة، وألقى على التلامذة خطاباً أودع في ضمنه: أن هذه الشهادات التي سيبسطون أيديهم لتناولها، إنما منحوا بها محاباة، وأنهم سيتقلدونها عن غير استحقاق، فنهض أحد التلامذة، وأجابه عن ذلك الخطاب بمقال أومأ فيه إلى كفاءتهم، وأوسع له المجال في اختبارهم، فأجرى ذلك التلميذ عليهم الاختبار واحداً عقب آخر، وعرض عليهم أسئلة في العلوم التي تزاول بالمدرسة؛ كالحساب، والهندسة، والجغرافيا،
(11/ 3/77)

والنحو، والصرف، والتوحيد، والفقه، والفرائض، لكن السؤال في هذا الفن الأخير كان من قييل المسائل التي يوردها الفرضيون في قالب الألغاز، ويتخلل هذا الاحتفال فترات يترنم فيها التلامذة بأناشيد وطنية.

* خضاب الشيب:
وممن تواصل بيننا وبينهم اللقاء: الأديب السيد رشيد الرافعي من العائلة الرافعية الشهيرة بطرابلس الشام، وهو أحد الأذكياء الذين استقوا معارفهم من الأزهر، وعكفوا على التحرير بالجرائد. جلسنا يوماً بدكان لشراء متاع، فقص علينا بعض الأميين أنه يوجد خضاب للشيب يبقى ساتراً لبياضه سنين، فالتفت إليّ السيد رشيد مستطلعاً رأي في هذا الحديث، فسقت لهم من "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء والفضلاء ببجاية" (1) ذكرى في ترجمة أبي العباس الجدلي: أنه وصل إلى أفريقية في خلافة المستنصر بالله، وسأله عن البلاد التي دخلها، والغرائب التي اطلع عليها، فمن جملة ما ذكر: أنه رأى ببلاد الهند صبغة إذا خضب بها الخاضب يقيم الثلاثين سنة لا يفتقر إلى خضاب، وكان من جملة الحاضرين بالمجلس "المروزي" من فضلاء الأطباء، فأنكر هذه القضية، وأنكرها الخليفة؛ لأن هذا إما أن يمنع نمو الشعر، أو يحيل الطبيعة بأن يؤثر هذا الصبغ في الشعر الذي ينبت من بعده، ولم يتفق له اجتماع بعد ذلك بالخليفة، وهكذا ينبغي للرجل أن لا يفتح سمعه لقبول الروايات إلا بعد أن يضعها على محك النظر والاعتبار، ثم التفت السيد الرشيد إلى ذلك الرجل، وأعاد عليه القصة بعبارات يفهمها.
__________
(1) مؤلفه أبو العباس الغبريني المتوفي عام 714 ه - 1304 م.
(11/ 3/78)

* الشيخ عبد القادر الخطيب:
شهدت درس الأستاذ عبد القادر الخطيب لصحيح الإمام البخاري بالجامع الأموي، وكان الدرس لذلك اليوم: أول حديث من كتاب الصوم، فعجبنا بفصاحته، وكثرة ما يجلب مما كتب في شرح الحديث.
ومن سنّتهم: أن يتقدم -قبل أخذ الأستاذ في تقرير الدرس- أحد القائمين بتجويد القرآن، ويتلو منه بعض آيات بترتيل. وليس من المكروه في عادتهم أن يقوم الجالس بحلقة الدرس، وينطلق إلى درس آخر، ثم يحن إلى الدرس الأول، فيعود إليه، أو يقف قبالة الأستاذة لينظر إليه ماذا يقرر، أو ليقتنص منه فائدة، ويفارقه إلى درس آخر، ثم إذا شاء انقلب إليه.
ودعانا الشيخ رضا مفتي آلاي إلى منزله، وصعد بنا إلى بيت نضد فيه من الكتب ما يجعله مكتبة حافلة، ومما أطلعنا عليه: تآليف لطائفة الدروز بثوا فيها عقائدهم السرية، وقد انساقت إليه هذه الكتب حين خرج صحبة سامي باشا لتمهيد ثورتهم. ومن أصول عقائدهم: التصديق بألوهية الحاكم بأمر الله المتوفى قتيلاً بمصر سنة 411 ه.

* درس في الجامع الأموي:
بعثني ما شاهدته من إقبال العامة، واحتفالهم بدروس الوعظ: أن ألقي دروسًا بالجامع الأموي، فألقيت نحو اثني عشر درساً في أحاديث جامعة، وكانت الأسئلة في الدروس عندهم نادرة؛ فإني حضرت بمقربة من دروس متعددة، ولم يتفق أن أسمع باحثاً يتفاهم مع أستاذ.
ومما جرى لنا في الدرس الأول: أن أحد المستمعين الذين لهم صلة بالقراءة، ألقى بحثاً في موضوع كنت آخذاً في تقريره، فتعرض له بعض
(11/ 3/79)

الحاضرين، فأومأت إليه بعدم التعرض، وقلت له: إن التفاهم في خلال الدروس مما لا بد منه. وجاريت السائل، ولكنه تشعب في المجادلة إلى أن شعرت بأن مباحثته مبنية على أن الموعظة التي كنت بصدد بثها لم تلتئم بما تهواه نفسه، ويوافق غرضه، فذكرت قول المتنبي:
إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا صادفت هوى في الفؤاد
ثم أرسلت له عبارة مقنعة في الجواب، ومضيت في تقرير مطلب آخر، وبعد انقضاء الدرس، دنا إليّ، والتمس الإغضاء عفا فرط منه، فقلت له: إنا متعودون بالبحث وتوسيع المجال للتفاهم.

* درس آخر في المسجد الأموي:
أخذت يوماً في إقراء حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - المسوق في اتباع سنّته - عليه الصلاة والسلام -، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعده، فأقبل جماعة من العلماء، وتفضلوا بالحضور في حلقة الدرس، منهم: الشيخ المفتي أبو الخير، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ أديب نقيب الأشراف، والشيخ السعيد الجزائري، وجرت بيننا وبين هؤلاء الأساتذة في أثناء الدرس مباحثات لطيفة.
وقد تحلى علماء دمشق بهذا الخلق العالي، وهو حضورهم بدروس الحديث من تلقاء أنفسهم؛ استمداداً لبركة الحديث، ومجاملة لمن انتصب لتدريسه.
وبسطنا هنا المقال في البدعة، وأتينا على تقسيم القرافي لها إلى خمسة أقسام، وتعقبناه بحصر أبي إسحاق الشاطبي لها في قسمين فقط: المحرّمة، والمكروهة، وأورد بعض الشيوخ على هذا الحصر قول سيدنا عمر بن
(11/ 3/80)

الخطاب - رضي الله عنه - في شأن صلاة التراويح: "نعمت البدعة"، فقلت: ذلك الإطلاق ملاحظاً فيه المفهوم اللغوي، وهو معنى المحدث، وأبو إسحاق الشاطبي يراعي البدعة في مقصد الشارع، وقد عرف بعض المحققين البدعة بأنها: ما يفعله الإنسان على أنه قربة، مع عدم ثبوته عن الشارع، وذلك لأن الفعل إنما يصير بأمرين:
أحدهما: النية الفاضلة.
والثاني: موافقته لوضع الشرع وشرطه.
فإذا تجرد عن الأمر الأول، كان عبثاً، وإذا اختل فيه الأمر الثاني؛ بأن أصدره صاحبه في أسلوب لم يثبت عن الشارع، كان بدعة. وبعضهم يتسامح للعامة في كثير من المحدثات يأتونها، ويلتمس لهم المعذرة؛ بأن نواياهم صالحة، وبما تقرر في تعريف البدعة تسقط هذه المعذرة؛ ويتضح أن القصد الجميل وحده لا يقلب العمل طاعة، ونضرب المثل لهذا بما رأيته بعيني من بعض زائري المقام الذي اشتهر أنه يضم قبر خالد بن سنان - عليه السلام -؛ حيث يرى الناظر أفواجاً من العامة يطوفون بشجرة جوار ذلك المقام كما يطوف الحاج ببيت الله الحرام.
وأذكر أني حللت ببعض البلاد، فرأيتهم إذا بلغ الصبي سورة البقرة، أحضروا بقرة، ووضعوا عليها زينة من الحلي، وتتجول بها جماعة في الطرقات العامة، وهم يقتفون أثرها بالدفوف والأذكار، فألقيت عليهم خطبة في البدع، ونصصت فيها على هذه المحدثة، فتلقاها الفضلاء وأهل العلم بالاستحسان؛ لأنهم يشعرون بسماجة هذه البدعة قبل أن أخطب، وقال طائفة من العامة: لو كان هذا أمراً بدعة، لنهانا عنه الشيخ فلان، أو الشيخ فلان -رحمهما الله-.
(11/ 3/81)

واستطردنا بمناسبة التعرض لفضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حديث إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - له في الصلاة بالجماعة، وإشارته إليه بعد خروجه - عليه السلام - من حجرته الشريفة بالبقاء في مكان الإمامة، ودرج بنا التقرير على قاعدة تقديم الأدب، أو الامتثال، وفصلنا مجمل ما قاله الشيخ ابن حجر في "فتح الباري"، وهو: أن سيدنا أبا بكر إنما تأخر، ولم يقف عندما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبقاء؛ لأنه فهم أن إيماءه - عليه السلام - له بالمكث في مكان الإمام من قبيل مجاملة شخصه، وإظهاره عاطفة محبته وحرمته، وإذا كان الأمر من هذا الوجه، فإذا امتثل الصديق، فإنما يستوفي حقاً يعود عليه بالفضيلة وحده، وإذا تأخر، فإنما يسقط حقاً من حقوقه الخاصة؛ بحيث أصبح الأمر بمنزلة الأوامر الواردة للإباحة، فاختار الصديق التأخر؛ إيثارًا لجانب الأدب، وليست هذه الواقعة كقصة امتناع سيدنا علي بن أبي طالب من محو لفظ: رسول الله من صحيفة صلح الحديبية، حين أبي كفار قريش كتابتها؛ فإن الاستدلال بتقديم الأدب على الامتثال هنا ظاهر؛ لأن الأمر بالمحو ليست فيه فائدة تعود على علي بن أبي طالب وحده، حتى يكون عدم امتثاله من قبيل إسقاط ما هو حق له.
قررت هذا، فقال لي أحد الأساتذة: من أين فهم أبو بكر - رضي الله عنه - أن الأمر إنما صدر على وجه الإجلال له، وإظهار فضيلته، دون أن يكون الباعث على الأمر وجه آخر؟ ولم يسنح لي في الجواب وقتئذ سوى أن الدال على ذلك قرينة المقام؛ فإن أمره بالاستمرار على موقف الإمامة، والإمام الأعظم بالحضرة، لا يظهر له وجه سوى الإعلان بكرامته.
انتهينا من الدرس لصلاة العصر، وإثر الصلاة تألفت حلقة لأستاذ مصري يقرئ إزاء المكان الذي كنت أدرس فيه، وتأخر ذلك الأستاذ عن وقته المتعارف
(11/ 3/82)

مهلة، فقال بعض أهل العلم هناك للمجتمعين: إن الأستاذ المصري ليس من عادته التدريس في هذا اليوم الجمعة، ثم التفت إلي، وقال لي: لا يتفرق هذا الجمع عن غير فائدة، وعندما سمعه أولئك المتجمعون، وهو يقترح عليّ أن أقوم لهم مقام ذلك الأستاذ، انقلبوا إليّ، وأكدوا رغبتهم في سماع بعض الأحاديث، فوقفت وقفة المتردد، حتى تقدم الأديب السيد السعيد أحد الشبان الذين صدروا من مدارس الآستانة، وقال لي مخافتاً: إني أعرف الأستاذ المصري يقرئ يوم الجمعة، فكان هذا الإعلام عذراً فاصلاً للتخلص من حرصهم الشديد.

* رسالة "الحرية في الإسلام":
واجهت ناظم باشا، وهو الوالي بالشام في ذلك الحين؛ للتفاهم معه في حاجة تخص العائلة، فكانت التحية بيننا أولاً إشارة باليد، ثم تقدم الفاضل السيد محمد بن شطه الجزائري ليترجم بيني وبينه، وكانت المخاطبة بينهما باللسان الفرنساوي؛ إذ كان لا يحسن النطق بالعربية، وذكروا أنه يقرأ بها، ويفهم جيداً، وقال له السيد محمد بن شطه في التعريف بشأني: هذا مؤلف رسالة "الحرية في الإسلام" (1)، وأخبرني أنه كان قد اطلع عليها، فنهض قائماً، ومد يده لمصافحتي، وأعطى عبارة في الشكر على تأليفها.

* حفل علمي:
حضرنا حفلة وداع التلامذة: محيي الدين القضماني، وسعدي عرابي، وسعيد الرشاش، حين عزموا على الرحلة للتعلم، فافتتح السيد محمد علي بخطاب بيّن فيه الغرض من الاحتفال، وتلاه الأمير عارف الشهابي بخطبة
__________
(1) انظر كتاب الإمام: "محاضرات إسلامية"، وهو يضم هذه المحاضرة.
(11/ 3/83)

أتى فيها على فوائد البعثات العلمية، ثم خطب تلميذ يقال له: "مردم" في التعليم بمدارس "سويسرة"، ثم خطب السيد مصطفى أخو الأمير عارف في الزراعة ومنافعها، ثم ألقى أخونا المكي بن الحسين (1) قصيدة في فضل العلم،
ومما قاله فيها:
ومن برح الأوطان في طلب العلا ... لدى الناظر السامي هو الرجل الحرُّ
بني الشعب هبّوا للمعارف إنها ... فخاركم الأعلى فلا عدم الفخرُ
وتلك كنوز لا من التبر صنعها ... وهل ساد عن علم يزين الورى تبرُ
كذا الجهل وزر في الأنام وإن زهت ... معارفهم يوماً فقد وضع الوزر
وتلاه السيد صبحي الحسيبي، وخطب في العلم والأغنياء، ثم قام الشيخ عبد الرحمن القصار، وتلا قصيدة جيدة يقول فيها:
رد منهل العلم الصحيح لترتوي ... واصدره كي يروي بك الظمآنُ
فالعلم غصنٌ والمدارس جنة ... تزهو وأنت بروضها رضوان
يا أيها التلميذ جدّ وغداً تكو ... ن معلماً ترقى بك الفتيان
ثم ارتقى أحد الحاضرين إلى مرتقى الخطابة، وأوهم أنه سيقوم بخطبة كما قام الخطباء قبله، حتى التفت إلى التلامذة، وقص عليهم: أنه كان رأى في جريدة كذا: أن ملك الجابون (2) أرسل طائفة من التلامذة ليتعلموا بأوربا، فلما عادوا إلى وطنهم، اقترح عليهم الملك أن ينشئوا له باخرة، فنظر بعضهم إلى
__________
(1) العلامة اللغوي المشهور، وهو شقيق الإمام، ولد في تونس عام 1306 ه - 1886 م، وتوفي بها عام 1382 ه - 1963 م، وترك مؤلفات لغوية قيمة.
(2) ملك اليابان.
(11/ 3/84)

بعض، فكرر عليهم عبارة الاقتراح، فقالوا: لا يمكننا صنع البواخر إلا بحضور أحد أساتذتنا، فأمر بصلبهم؛ ليكونوا عبرة لغيرهم من التلامذة، فلا يرجعون من تعليمهم حتى يبلغوا ما بلغت الأساتذة، ثم أقبل على التلامذة الثلاثة، وقال لهم: وأنتم أيضاً إن عدتم إلينا غير قادرين على العمل، فإنا نشنقكم، ونزل فاهتز النادي ضحكاً.

* احتفال علمي بتوزيع الشهادات:
ودعينا إلى الحضور باحتفال في مدرسة قرب الجامع الأموي أقاموه لتفريق الشهادات على تلامذتها. حضر هذا الاحتفال خلق كثير، وطائفة من العلماء وأرباب المناصب، مثل: الشيخ القاضي، والشيخ المفتي أبو الخير، والسيد نقيب الأشراف، وكان على جانب اليمين مني الشيخ صادق الميداني أحد العلماء الأذكياء، يجاذبني المحادثة والملاحظة في مظاهر الاحتفال، ويعرب لي بعض ما يلقونه من الخطب والمحاورات باللغة التركية.
ألقى التلامذة خطباً بالعربية، ثم التركية، ثم الفرنسوية، وأنشدوا قصائد حماسية؛ كقصيدة ابن سناء الملك التي يقول في طالعها:
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلداً
ثم عقدوا محاورات طريفة، منها: محاورة جرت بين تلميذين في التفاضل بين العلم والمال، ونصبوا تلميذاً ينظر في حججهما، ويتولى فصل الخلاف بينهما، وبعد أن نفض كل منهما ما في كنانته، قضي بتفضيل العلم على المال؛ فإن المال من نتائج المعارف.
ومن اللطائف في هذه المحاورة: أن التلميذ الذي كان يفاضل عن المال قال لمفضل العلم بعد فصل القضية: أستمنح منك العفو؛ فقد كنت أنازعك
(11/ 3/85)

وأنا على خطأ، فقال له التلميذ الحاكم: لا تسأله العفو؛ فإن المجادلة لم تكن بين شخصيكما، وإنما كانت جارية بين الحق والباطل.
ومنها: محاورة انعقدت بين تلميذين في المفاضلة بين السيف والقلم، أحدهما ينطق بلسان القلم، والآخر يفاخر بلسان السيف، وبعد أن توسعوا في أطراف المحاورة بجلب الأدلة والشواهد؛ كقول الناطق بلسان القلم:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرّني ألّا أهز المهنّدا
وقول المفاخر بلسان السيف:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
فصل الحاكم المفاخرة بتفضيل القلم على السيف، وقال تنفيذاً للحكومة: قم أيها السيف وقبل رأس القلم.
ووقعت بعد هذا محاورة باللسان التركي بين تلميذين مَثَّلا فيها أساليب التعليم العتيقة والحديثة.

* الأستاذ أحمد كرد علي:
وممن لقيناه من الأدباء، فتهلل منبسطاً لهذا اللقاء: الفاضل المهذب السيد أحمد كرد علي صاحب "جريدة المقتبس" الزاهرة، وقد نشرت هذه الجريدة تقريظاً مطنباً في الرسائل: "الحرية في الإسلام"، و "الدعوة إلى الإصلاح" و"حياة اللغة العربية" (1)، وقالت في صدر هذا التقريظ: "تنم معظم تآليف التونسيين الأخيرة على فضل علم وأدب، وإن خاصتهم لا يؤلفون في الغالب إلا إذا اعتقدوا، واعتقد الناس فيهم الكفاءة العلمية إلخ".
__________
(1) انظر كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها" للإمام.
(11/ 3/86)

* أثر حياة الأمير عبد القادر:
وممن زارنا وزرناه: العالم الشيخ السيد عبد الباقي المفتي المالكي، وقد جذبتنا طبيعة الاجتماع به إلى الخوض في أثر حياة الأمير عبد القادر -رحمه الله-؛ حيث كان هذا الفاضل من أصهاره، ومررنا في حديثنا على أن هذا الأمير قد ساعده القدر على أن توفر لديه من الشهرة بخصال كاملة ما عزّ أن يتفق لغيره من فضلاء عصره، فترى له كتائب ومجالس تنظمه في سلك العلماء، وسخاء يقف به في صف ذوي السماح، ومصانعة تنظر منها إلى مقدار غوصه في غامض السياسة، ومواقع يدخل منها إلى فضيلة الإقدام، وقريض يرفع في نوادي الأدب ذكراً، ونثرنا في هذا البساط جوهرة قوله في مقام الحماسة:
ومن عادة السادات بالجيش تحتمي ... وبي يحتمي جيشٌ وتحرس أبطالُ
ولوحظ في هذا: أنه وارد على خلاف النظامات الجارية في الحروب؛ فإن الرئيس لا يضع نفسه في موقع أمام الجيش؛ حذراً من أن تصيبه القاضية، فيختل النظام بعده، وينتشر في عظام قومه الفشل، ولكن ميدان الحماسة والفخر أوسع مجالاً من ميدان الحروب وتدابيرها.
* درس الأستاذ زين العابدين بن الحسين:
حضرت في اليوم الثامن والعشرين من رمضان لدرس ألقاه أخونا زين العابدين بن الحسين، ختم به دراسة كتاب "الأربعين النووية" بجامع "التوبة"، وحضر من الأساتذة: الشيخ عطاء الكسم، والشيخ يحيى القلعي، والشيخ محمود، وكان هؤلاء الأساتذة قائمين في العشرة الأخيرة من شهر الصوم بسنّة الاعتكاف في هذا الجامع، وقال لهم أحد الفضلاء في محاورة بعد الدرس: قد شغلناكم وأنتم عاكفون، فقلت له: يقول أبو بكر بن العربي: إن المذاكرة في
(11/ 3/87)

المسائل العلمية من قبيل الطاعات الملائمة لمقصد الاعتكاف، وكان هذا الجامع -كما قال ابن خلكان- خاناً يعرف بابن الزنجاري، وقد جمع أسباب الملاذّ، ويجري فيه الفسوق والفجور، فقالوا للملك الأشرف: إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين، فهدمه، وعمره مسجداً جامعاً، وسمّاه الناس: جامع التوبة؛ كأنه تاب مما كان فيه.
ومن المسائل التي تعرض لها صاحب الختم: حكم القيام للوارد على المجلس؛ لأنه عادة يبالغ أهل المشرق في الاحتفاظ بها إلى أن يعيدوا القيام للرجل الواحد في المجلس الواحد ما تكرر دخوله، وقرر ما بسطه القرافي في "فروقه"، وانفصل على أن القيام قد يتعين إذا أدى تركه إلى انكسار خاطر، وانصداع شمل ألفة. وأنا أعهد لأبي بكر بن العربي في كتاب "الأحكام" تفصيلاً آخر؛ فإنه بعد أن ساق الأحاديث الواقعة في هذا الغرض، قال: وهذا راجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك، واعتقده لنفسه، منع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب؛ كالقدوم من السفر ونحوه.

* ليلة العيد:
كنت جالساً ليلة العيد بالمنزل يسامرني وإخوتي بعض الفضلاء، فذكر أحدهم قول الخطباء في العيد: "ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن خاف يومَ الوعيد"، فنظمت لهم في هذا الغرض بيتين، وحشروهما في زمرة محفوظاتهم، وهما:
ما العيد للشعب في تنميق أثواب ... ولا ملاقاة إخوان وأصحابِ
وإنما العيد أن تحيا بصائرهم ... بنور هدي وعرفان وآداب
(11/ 3/88)

اتفق لنا السمر ليلة بمنزل الأمير علي باشا، ولاقينا من ابنه الأمير عبد القادر تجلَّة فائقة، ولم يقنع بجلوسنا في المنزل الذي يتلقى فيه عامة الضيوف، حتى تجاوز بنا إلى دار بعده، وأطلعنا على آثار للأمير جده -رحمه الله-، ولما نهضنا للرواح، وسايرنا مودعاً، اعترضنا أحد القرّاء وارداً منزل الأمير ليتلو لهم كعادتهم ما تيسر من القرآن، فرغب منا هذا الأمير الرجوع لسماع تلاوته، فرتل ذلك الحافظ نصيباً من الآيات بلهجة مؤثرة جداً.

* من دلائل النبوة:
زرنا يوم العيد الأمير عبد الله بن الأمير عبد القادر، واحتفل المجلس بطائفة من أهل العلم، فجرت محادثات علمية دينية يأخذ أطرافها نظر ذلك الأمير الفاضل، وقرر الشيخ السعيد الزواوي في هذا المجلس: أن فيما يظهر له من دلائل النبوة: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا نبي بعدي"، وذلك لأنه ثبت أنه - عليه السلام - في أنهى درجة من الحكمة، وهذا يعترف به كل من ألقى نظره في أقواله وسيرته، ولو لم يعتقد برسالته، والرجل الحكيم يتحاشى أن يقضي على المستقبل بعبارة قاطعة؛ إذ لا يدري ما تلده الأيام، وتبرزه للناس من تصرفات الأقدار التي تنكث أقواله، وتحل عقد ما تنظمه من الشيعة والأتباع. فإقدامه - عليه الصلاة والسلام - على هذه العبارة الفاضلة، مع ما مر من تلك القرون المتطاولة، ولم يظهر في الوجود ما ينقضها، بحيث لم يدّع أحد منصب النبوة وله شبهة في ادعائه، دليل على أنه إنما ينطق عن وحي سماوي ينزل به الروح الأمين على قلبه المنير.
فقلت له: وأنا أيضاً مما أعضد به إيماني ما جاء في القرآن من التشابه؛ فإني كثيراً ما أقول في نفسي: لو كان هذا القرآن من بشر يزعم الرسالة، لتحرى فيه العبارات الصريحة في العقائد التي يدعو إليها، واحتفظ غاية جهده أن يسوق
(11/ 3/89)

فيه ما يشتبه على الأنظار، ولا يصح الاععقاد بظاهره، فورود الآيات المتشابهات في أثناء المحكمات، إنما يكون لحكم غامضة لا تخطر في عقول البشر.
والعلماء الذين بسطوا شيئاً من تفاصيلها؛ كالفخر الرازي، إنما اهتدوا إلى البحث فيها بعد أن اطلعوا على المتشابه، واعتقدوا بأنه لا يأتي في كلام الله إلا لأسرار بديعة، ولو لم ترد هذه النصوص المتشابهة، لما خطر على عقولهم تلك الحكم المقتضية لاندماجها في سلك المحكمات.
وقد قرروا في جملة هذه الحكم: أن من مقاصد الإسلام: الإذن للعقول أن تسرح في النظر، وتنبسط في الاعتبار، فكان من وسائل هذا: أن وردت في الشريعة أقوال لا يفهم المراد منها لأول سماعها، حتى يضطر السامع لعمل البحث، وإجالة الفكر في الوصول إلى ما يراد منها، وفي هذا تمرين للعقول على النظر والاتساع في الفكر، وإذا تعودت العقول بطبيعة التفكر والنظر، عافت الجمود، واستقذرت التقليد في معتقداتها.
وجرى في هذا المجلس حديث: "كما تكونون يولّى عليكم" فسقنا على هذا: أن أبا بكر الطرطوشي قال: بلغني هذا الحديث، فأخذت أفحص عنه من جهة السند، فمر علي وأنا أتلو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} [الأنعام: 129] الآية. فاكتفيت بها عن الحديث. وهذا الحديث ذكره السيوطي في "الفتاوى الحديثية"، وقال: رواه ابن جميع في "معجمه"، وذكر ابن الأنباري في بعض كتبه: أن الرواية: "تكونوا" بحذف النون، وتكلم هنالك على وجه إعرابه.

* زيارة القبور:
ومن عوائد الشام: أنك ترى زائرات القبور يوم العيد يحملن غصوناً
(11/ 3/90)

ذات أوراق طرية ليضعنها على القبور، باعتقاد أنها تنفع الموتى كما تنفعهم الصدقات، ويستندون في هذا إلى حديث: غرز النبي - عليه الصلاة والسلام - عودين من جريد على قبر من لا يستتر من بوله، ومن كان يمشي بنميمة، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
وقد فاوضني في هذه العادة أحد الفضلاء من الأرناؤوط يوم العيد، وذكر الحديث، فقلت له: إن غرز النبي - صلى الله عليه وسلم - للعود الرطب لداعٍ غيبي، ومعنى يختص به، مثل أن تكون مدة بقاء الطراوة فيه غاية لما وقع فيه الطلب من تخفيف العذاب عنهما.
وما يفعله - عليه الصلاة والسلام - لعلة غائبة عن أبصارنا لا ينبغي لنا أن نقدم إلى فعل مثله؛ فإن العلة غير متحققة بالنسبة لنا، ونظير هذا: حديث نزوله - عليه الصلاة والسلام - والصحابة معه بالوادي، واستمرار النوم به إلى أن طلعت الشمس؛ فإنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بالرحيل، وقال: "إن هذا واد به شيطان"، فلا يصح لنا أن نقيس عليه حالتنا، حتى إذا طلعت الشمس علينا، ونحن بواد، تحاشينا أن نصلي فيه؛ لأن العلة التي استند عليها - عليه الصلاة والسلام - لا طريق لنا إلى معرفتها كما قال أبو الوليد الباجي.
وبعد هذه المفاوضة اطلعت على إنكار أبي بكر الطوطوشي لهذه العادة، ومتابعة صاحب "المدخل" على هذا الإنكار.

* محاورة مع الشاعر خير الدين الزركلي:
ومن أدباء دمشق: الشاعر المجيد السيد خير الدين الزركلي، رأيته ينحو في شعره نحو فلسفة المعري، فخاطبته بقولي:
يا محضراً في برد شعر للنهى ... روح المعرّي كي تغازل بالحِكَمْ
(11/ 3/91)

من علّم الشعراء أن يستحضروا ... روحاً تردّى جسمها ثوب العَدَمْ
فأجابني بقصيدة من شعره البليغ تحتوي على نحو ثلاثين بيتاً يقول في طالعها:
من للقريض إذا دعوت وللقلم ... والشرق صار به السبات إلى العدم
ألف السهادَ النائمون به كما ... ألف العلاءَ الناهضون من الأمم
ثم يقول:
ولربّ ذي خطلٍ يلقب عصرنا ... عصر الرقي صحا فأنكر ما زعم
ثم قال:
لو أن فيه أبا العلاء تحطمت ... أقلامه ولما شدا، ولما نظم

* الشيخ عطاء الكسم:
أهدى إليّ الشيخ عطاء الكسم من تأليفه رسالة في التوسل، وكتابة جمع فيها أصول المذهب الحنفي بأسلوب وجيز، وهذا الفاضل من أشهر علماء دمشق، وكان قد ابتدأ قراءة "صحيح الإمام البخاري" دراية، وانخرط في سلك درسه أخونا العروسي بن الحسين، وقدم له أبياتاً يقول في طالعها:
بشرى فشمس الهدى تجلت ... للفكر في حلّة الجمال

* قصيدة في تسمية حروف الهجاء:
وأطلعني أحد الأدباء في مجلة شرقية على رسالة للخليل بن أحمد في تفسير حروف الهجاء عند العرب نقلت من مجموعة في العراق، فأنشدته أبياتاً من قصيدة لأبي عبد الله الهواري الأندلسي في تسمية هذه الحروف كنت ظفرت بها من مجموعة في رحلتي للجزائر سنة 1321 ه، وحيث كانت هذه الرسالة من
(11/ 3/92)

التآليف النادرة، وتشتمل على بعض معان لم نعثر عليها في كتاب "القاموس"، ولا في "لسان العرب"، ننقل ملخصها هنا، وإليك التلخيص:
(الألف): الرجل الفرد. (الباء): الرجل الكثير الجماع. (التاء): البقرة تجلب. (الثاء): العين من كل شيء. (الجيم): الجميل المغتلم. (الحاء): المرأة السليط. (الخاء): شعر الاست. (الدال): المرأة السمينة. (الذال): عرف الديك. (الراء): القراد الصغير. (الزاي): الرجل الأكول. (السين): الرجل كثير التنحنح. (الشين): الرجل الكثير النكاح. (الصاد): الديك المتمرغ في التراب. (الضاد): الهدهد يرفع رأسه ويصيح. (الطاء): الرجل الشيخ الكثير الجماع. (الظاء): ثدي المرأة إذا انثنى. (العين): سنام البعير. (الغين): الإبل الواردة. (الفاء): زبد البحر. (القاف): المستغني عن الناس. (الكاف): الرجل المصلح للأمور. (اللام): الشجرة الناضرة. (الميم): النبيذ. (النون): السمك والدواة. (الهاء): أثر اللطمة في خد الظبي. (الواو): البعير ذو السنام. (الياء): النار.
وفي الجزء الثاني من "أدب اللغة العربية" لجرجي زيدان: من الكتب التي تنسب للخليل: كتاب في معاني الحروف في مكتبة ليدن، ومكتبة برلين.
أما قصيدة أبي عبد الله الهواري، فنقتطف منها أبياتاً؛ ليظهر أن هذه الرسالة كالشرح لها، وإليك المقتطف:
(الباء)
واحرص على المجد حرص الباء حين يرى ... حسناء تفتنه بالمنظر الحسن
(11/ 3/93)

(الثاء)
وابحث على الثاء في كل الأمور فمن ... رأى الحقائق أمسى وهو ذو فطنِ
(الجيم)
وكن إذا الخطب مثل الجيم جدّ به ... طول المسير ولم يتعب ولم يَهِنِ
(الحاء)
لا تخدعنك حاء لا حياء لها ... فإنما هي كالخضراء في الدمن
(الدال)
وإنما الحسن في دال منعمة ... حبيبة زانها صمت على لسن
(الذال)
لا تخل نفسك من مجد تماز به ... فالديك لولا وجود الذال لم يبنِ
(الزاي)
واقنع ولا تك مثل الزاي من رجل ... إذا رأى الأكل يسعى سعي مفتتن
(11/ 3/94)

(الشين)
وانهل إلى الخير مثل الشين لاح له ... وجه وَقَدٌّ كمثل البدر والغصن
(الصاد)
وكن مع الدهر مثل الصّاد يقنعه ... عفر التراب ولقط الحب في الدمن
(القاف)
والزم غنى النفس إن القاف شرّفه ... غناه عما بأيدي الناس من منن
(الكاف)
ما أسعدَ الكافَ بين الناس من رجلٍ ... يراقب الله في سرٍّ وفي علن
(الميم)
فإن دنياك مثل الميم تُسكر من ... صَبا إليها وإن أمسى أخا فطن
(الهاء)
وأدّب النفس لولا اللطم في أدب ... لم يزه بالهاء خد الشادن الحسن
(11/ 3/95)

(الياء)
لا تركنن لياءٍ لا أمان لها ... واطلب جناب كريم النفس مؤتمن

* لقاء مع رجالات دمشق:
ولاقينا من فضلاء المدينة الناهضين: السيد شكري العسلي أحد مبعوثيها، والأمير الطاهر حفيد الأمير عبد القادر، والسيد محمد عابدين المعاون بهيئة المحاسبة، فكشف لنا لقاؤهم عن كرم خلق، وألمعية مهذبة، وقد زارنا الأخير في إحدى ليالي رمضان، ومما دار في السمر هذه الليلة: أن المناظرة في فروع الدين مع من لا يعتقد بصحة أصوله ليس لها كبير فائدة، وإنما تبدأ المناظرة مع من أرادها في الأصول والعقائد؛ فإنه يجد فيها الناظر الأداة المبكتة، والبراهين المسكتة، فإن لم تقع موقع التسليم، كانت المباحثة في الفروع غير مجدية، وإذا أخذت من نفسه مكاناً راسخاً، ذعن بعد ذلك لكل ما جاءت به الشريعة من التكاليف، ووضعها على كاهل الطاعة، ولهذا لا نجد نصوص الشريعة تتبسط في حكم التكاليف العملية وأسرارها، كما تنبه على دلائل العقائد الواجبة، بل تلقيها إلى المكلفين مجردة عن حكمتها في الغالب؛ فإن من يعتقد بأنها تنزيل من حكيم حميد، يلزمه الامتثال لأمرها، ولا يتوقف عن العمل بها إلى أن يدرك ثمرتها، كما قال تعالى في الرد على من قالوا: إنما البيع مثل الربا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
فلم يزد على أن نسب تحريم الربا إليه، دون أن يذكر له حكمة تفرق بينه وبين البيع، وفيه إيماء إلى أن معرفة الحكمة من الأحكام التي تضعها الشريعة السماوية غير لازمة، وليس القصد من هذا التقرير سد باب النظر
(11/ 3/96)

في الحكمة من قوانين الشريعة؛ فإن الاطلاع على ذلك مما يزداد به القلب اطمئناناً، ويقوى به اليقين ارتباطاً، ولكن الغرض الذي نرمي إليه: أنها على فرض أن نبحث عن حكمة عمل شرعه الدين، ولم يظهر لنا سره واضحاً، فإنا نفوض العلم بحكمته إلى شارعه الذي قام الدليل على أنه عزيز حكيم، ولا يكون عدم اطلاعنا على الحكمة خادشاً في الاعتقاد بصحته، وانطباقه على رسم الصواب.
فإذا ناظرنا أجنبي عن الدين في عمل مشروع، فلا يأخذنا الخجل، أو تحوم حول قلوبنا الشبهة، إذا قصرنا أن نكشف له عن حكمة جلية تقع لديه موقع القبول.

* فراق دمشق:
عزمت على السفر من دمشق يوم الاثنين في شوال (1)، وزارنا قبل أن أبارح المنزل بساعة الفاضل الأمير عبد الله، يرافقه السيد الصادق المحمودي التونسي، وكان هذا الاجتماع آخر عهد بلقاء أولئك الفضلاء.
امتطيت الرتل، فأخذ يرغو ويضع، ويحمل ويضع، وكان فراق العائلة قد أخذ يلسع الحشاشة بذبالة ناره حتى قلت:
لئن صعدت حرّاء أنفاس راحلٍ ... رمى شمله قوس من البين راشقُ
فما لي أراك اليوم يا رتلُ ناحباً ... وشملك إذ تطوي الفلا متناسقُ

* المبيت في المريجات:
وحيث غادرنا دمشق، وما برح بعض الأمراض يتعهدها، قضينا أربعة
__________
(1) من عام 1330 ه.
(11/ 3/97)

أيام في "المريجات" بلد من جبل لبنان اتخذت محجراً صحياً لمن يرد من نواحي دمشق، ولو أني لبثت هذه المدة عن داعية خاطر مني، لحسبتها في أيام الارتياض بمشاهدة المناظر الزاهرة.
وممن قاسمني في هذه الإقامة، وقد سبقني إليها بيوم: الذكي السيد إبراهيم المستنطق بعدلية بيروت، وكان يسايرني في شعاب هذه القرية التي هي على قمة جبل، ويطوف بي على ما حولها من الرياض الرائقة، والأنهار الدافقة، وربما جلسنا على ربوة مطلة على مظاهر لا تسأم العيون من التمتع بمرآها الجميل، وكان في خلال ذلك المطاف يطارحني الأدب، وينشدني من شعره باللسانين العربي والتركي، وقلت في هذه الإقامة:
بين "المريجات" ما تحلو مناظره ... للطرف لكنّ نفسي سامها ضجرُ
والنفس تضجر من دار المقام على ... رغم وإن كان من سمّارها القمر
انطلقنا من "المرايجات" يوم الجمعة، وصعد من بعض مواقف الرتل رجل من أهالي لبنان يقارب في نطقه العربية الصحيحة، وكان هذا الرجل يلاحظ عباراتي، ويتفقدها من حيث الإعراب، حتى قال لي في آخر المحادثة، عندما أزمع على الانصراف: "هل جميع التونسيين يلفظون بالعربية؟ "، فقلت له: "لا يتفاوتون في قرب ألسنتهم منها، وإنما الذين ينسجون على منوالها، ويتحرون أساليبها هم طوائف أهل العلم والأدب.

* محاضرة شفيق المؤيد:
وصل الرتل إلى محطة ييروت، فألفيت السيد إبراهيم الذي كان يصاحبنا بالمريجات في انتظارنا، فقصدنا إلى خان يسمى: "قصر البحر"، وهذا القصر من أجمل المنازل من حيث التنسيق والموقع، ومن أهم ما روعي في مرافقه:
(11/ 3/98)

بيت فسيح، فيه زرابي مبثوثة أعد لأداء الصلوات، وطالعت في أحد جدران مقعده العام معلّقة، رسمت بها قصيدة للشاعر الشهير السيد معروف الرصافي في وصف هذا القصر، يقول في طالعها:
لعمرك إن قصر البحر قصرٌ ... به يسلو مواطنَه الغريبُ
وتمتلئ العيون به ابتهاجاً ... إذا نظرت وتنشرح القلوبُ
ثم قال:
كأن الموج في الدلتا رجالٌ ... وهذا القصر بينهم خطيب
تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواج تصفيق مهيب
وما انفردت به بيروت حسناً ... ولكن القصور بها ضروب
أعلمني السيد إبراهيم بأن السيد شفيق المؤيد سيلقي محاضرة في هذه الليلة بنادي جمعية "الحرية والائتلاف"، فذهبنا عند وقتها المحدود، يرافقنا السيد محمد صبحي بن الشيخ عبد الرزاق العطار، فتبوأنا مكاناً في الطبقة العليا من النادي، وأخذ الناس ينسلون فرادى وزمراً إلى أن أفعموا الطبقتين، وغصّ بهم المجلس على سعته، فأقبل السيد المحاضر تحف به طائفة يترنمون بأنشودة حماسية من نظم السيد سليم الجزائري إلى أن ارتقى على منصة الخطابة، فتقدم السيد عبد الغني العروسي صاحب جريدة "الائتلاف العثماني"، وألقى خطاباً أعلن فيه بموضوع المحاضرة، وأدبج فيه نبذة في التعريف بشأن المحاضر، ومن جملة ما قصه في حقه: أنه كان أحد مبعوثي الشام، وأنه خرج يوماً من مجلس "المبعوثان" بالآستانة، فبسط إليه أحد الرجال يده ليصافحه، فقبض يده، وقال له: "لا أصافح يداً خانت أمتها".
(11/ 3/99)

كان موضوع المحاضرة: الدعوة إلى حزب الائتلافيين، ونكث اليد من حزب الاتحاديين، وقد تذكرت في هذا المقام قول معروف الرصافي:
فهم كالبحر يعطب راكبوه ... ويسلم منه من لزم الضفافا
ولكنه أتى فيها على تفاصيل، وضرب لها أمثالاً من التاريخ، فأنبأتْ بسعة اطلاعه في الأحوال الداخلة والخارجة.

* مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا:
زارني إلى قصر البحر فضيلة العالم الشيخ السيد مصطفى نجا المفتي ببيروت، يصاحبه بعض أهل العلم، ودارت في هذا المجتمع مسائل جرنا إليها سؤال بعض الحاضرين من ذوي التجارة، منها: حكم التعاقد مع شركة تأمين البضائع، فصرح الشيخ المفتي بأن الشريعة الإسلامية لا تبيح الدخول في هذه العقدة؛ إذ لا شبهة أنها من قِبل أكل أموال الناس بالباطل، فقد لا يطرأ على البضاعة تلف، فيكون المال الذي يدفعه صاحبها قد ضاع عنه بغير عوض، وإذا وقعت في متلفة، يكون قد أخذ قدراً من المال عن غير مقابل، وهذا هو الغَرر البين، والربا الفاحش الذي حرمته الشريعة تحريماً مغلظاً.
وقصّ علينا الشيخ المفتي نبذة من وقائع قصد بعض الرجال أن يخرقوا بها سياج المروءة والدين، فقام الشيخ إلى من بيده الأمر، وخاطبه خطاب الرجل الغيور، فكان لحمايته عن حرم المروءة والإنسانية فائدة وتأثير.
وذكرت لهم بمناسبة ما قص الشيخ المفتي: أن علي باشا أحد الأمراء بتونس، كان يستدعي إلى مجلسه أعيان العلماء، وفي زمرتهم الشيخ حمودة الريكلي أحد علماء ذلك العصر، فقال لهم الباشا يوماً: إني أكرم مثوى العلماء، وأرفع مقامهم أن يسوم حقوقهم خسف، كما كان يلحقهم فيما
(11/ 3/100)

سلف، فشكر له بعض الحاضرين هذه الميزة، ولم يستطع الشيخ حمودة الريكلي أن يطوي حقيقة خطرت على ضميره الحر، فقال له: الوجه في هذا: أن من تقدم من العلماء كانوا يعترضون الأمراء فيما يسوقهم إليه عامل الاستبداد، فيطفئونهم حتى لا تكون حياتهم نوراً يكشف عن مساوئ أعمالهم، ونحن -أيها العلماء- قد ألقينا السلم، وتغاضينا عن كل سيئة، فبأي عذر تهضم حقوقنا، أو تنتهب أعمارنا؟! وقد وقع لهذه الموعظة أثر بالغ في نفس الباشا، فجازى الشيخ بالمكرمة، وأعاده إلى منزله على مركبه الخاص به، وعدّت هذه الواقعة منقبة فائقة للعالم والأمير.
وممن احتبك به هذا المجلس، وأخذ بطرف المحاورة فيه عن فكرة متنبهة: السيد نصوحي بك العظم من بيوت الفضل بدمشق، وله إقامات بمصر وعلاقات مالية، وكان قد شهد بعض دروسنا التي نلقيها بالجامع الأموي، وحدث الشيخ المفتي بأنه يراها دروساً مفيدة، حيث كانت تتحرى في بيان مقاصد الشريعة الطريقة المعتدلة.

* الشيخ راغب التميمي:
ولاقيت الشيخ راغب بن مصطفى التميمي أحد الأعيان بنابلس، وكان هذا الشيخ قاضياً بمصراته، ومر على الحاضرة منذ سنتين، كما لقيت ابنه زكي الدين في طائفة من وجهاء نابلس، وأقاموا لنا من مجاملتهم وثنائهم على صديقنا السيد محمد الصادق الجبالي التونسي دليلاً صادقاً على ما يتردد على أسماعنا من أن أهل هاتيك البلاد يلاقون الغريب بوجوه منبسطة، وصدور راضية.
دخلت إلى مطعم يرافقني السيد صبحي العطار، فجلسنا حول السفرة، وكان بمقربة منا شيخ متعمم يحادث صاحب المطعم، ويلاحظنا أحياناً، ولما
(11/ 3/101)

وقفنا للانصراف، قام ذلك الشيخ، وناجى رفيقي مستكشفاً عن أثري، فأعطاه خبره، فأقبل عليّ مسلماً، وقال لي: كنت أصغي إلى حديثكما، فراقني بساط المحادثة، فهممت أن أدنو منكما، ولكني خشيت أن لا يقع دخولي في بساط حديثكما موقع الارتياح لديكما، حيث لم يسبق رابط التعارف، ثم عقد موعداً على زيارتنا مساء بعد أن عرفني رفيقي بأنه الشيخ عرفات المصري أحد المعلمين بمدرسة في رأس بيروت.

* بين الاستبداد والعدل:
دعيت للحضور بحفلة في إحدى المدارس لتفريق الشهادات على التلامذة، وكان رفيقاي في الذهاب والحضور: الشيخ عرفات، والسيد إبراهيم المستنطق بالعدلية، ولم يقع في هذا الاحتفال سوى أن شخَّص التلامذة رواية تضرب المثل لرذيلة الاستبداد المطلق، وفضيلة العدل، وقد ضحك الحاضرون لكل من الدورين، ففكرت في سر انبساطهم لتمثيل الاضطهاد والتعسف، وشأن النفوس الحرة أن تقطب لمنظرها الفظيع، فلاح لي في وجه ذلك: أنهم قد تصوروا من خاتمة الرواية انقلاب ذلك المشهد التعيس إلى نظام وعدالة، وكذلك الرجل يشاهد الباطل يعبث في مجمع من مجامع الحقيقة، وقد بصر يناصر الحق حين التفت إليه، وتأهب لدرئه عن مكان الجد، فإنه ينبسط ضاحكاً مما سيدحض هذا الباطل، حتى يستفيض من سكرة المتصابي، أو غشية المختبل.
كنت أمرّ في مناهج البلد، ومما أراه مرسوماً على بعض جدرانها لفظ: "إلى العلم"، ودخلت إلى جامع قرب محل الحكومة، فرأيت معلقة بإزاء محرابه كتب فيها بخط متسع: "اطلبوا العلم".
(11/ 3/102)

* بحث في الحرية:
جاذبني السيد إبراهيم إلى البحث في الحرية، فقلت: الحرية يتطوع بها الرؤساء العادلون إذا عافت نفوسهم استعباد من ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وقد تتبرج الأمة في بردها الشريف، حين يستولي عليها الشعور، وتتغلب عليها المعرفة بواجباتها، سنّة الله في سير الأمم؛ فإن العلم والأدب يثبت في نفوسهم أكبر الهمة، وإباية الاضطهاد، ويرفعها إلى مكانة واحترام في نظر الماسكين على أمرهم، فيعتدلون في سياستهم، ويغلّون يد من يعمد إلى جرح عواطفهم؛ محافظة على أن تكون قلوب رعيتهم الواقية ماسكة بطاعتها، راضية عن الإقامة تحت سلطتها.

* نفحة شعرية:
تجولت مع الأديب السيد إبراهيم السيد في بعض بساتين ذات أشجار وأنهار، وما برحنا نتطارح الآداب التي لها مساس بمقام الأشجار، حتى ذكرت له: أني كنت سمعت في دروس بعض أساتذتنا أيام التعلم بيتين، وهما:
عذ بالخمول ولذ بالذل معتصماً ... بالله تنج كما أهل النهى سلموا
فالريح تحطم إن هبت عواصفها ... دوح الثمار وينجو الشيح والرتمُ
فحولتها بعد انتهاء الدرس إلى قولي:
ذر الخمول ولذ بالعز معتصماً ... بالله كي تتوقى جيدك القدم
فالشيخ يحطمه دوس الثعالب إذ ... لم يعل هاماً وينجو الضال والسَّلَمُ
فاهتز لهما قائلاً: تحطيم الرياح، ولا وطئات الثعالب.

* رسالة للشيخ البوسي:
أطلعني من يد الشيخ عبد الرحمن أحد علماء بيروت على رسالة للشيخ
(11/ 3/103)

البوسي في الفرق بين العرضي والذاتي بقلم مغربي، فإذا هي جامعة في الموضوع، وأول ما قابلني منها: أن تعريف الإنسان بقولهم: الحيوان الناطق للفلاسفة، وهم لا يقولون بوجود الملك، فلا يرد عن التعريف أن فصله غير مانع من دخول الملائكة.

* الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز:
كان خالنا العلامة القدوة الأستاذ الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز قد كتب لي كتاباً من الآستانة بثّ في مطويه الشوق إلى اللقاء، وقد مضى لنا في مدة فراق فضيلته خمس عشرة سنة، فانتفض الفؤاد اشتياقاً إلى زيارته المؤكدة بواجب القربى، وحقِّ الدروس التي كان قد ملأ أسماعنا بجواهرها الثمينة.
عزمت على أن أعرج في إيابي على الآستانة، فعمدت إلى باخرة روسية، وفي حين ما صعدت على متنها، لقيت رجلاً عليه زي علماء الأزهر، وفي يده سِفر، فقلت له: ما هذا الكتاب الذي تنظر فيه؟ فقال لي: ديوان شاعر يقال له: مسلم بن الوليد، فقلت له: أول من أفسد الشعر العربي أبو تمام، ومسلم ابن الوليد. فقال لي: لعلك صاحب أدب، فقلت له: وفي بعض الأحيان يجيش به صدري، فانعقد التعارف بيننا، واستمرت المرافقة إلى الآستانة، وهو الشيخ أحمد بن كمال الغزي اللبابيدي، قرأ بالأزهر نحو سبع سنين، وتولى التدريس بمدرسة الكمال والنجاح في مصر، وحرر مقالات أخلاقية وعمرانية في جرائد كثيرة.
جمعت هذه الباخرة طائفة عظيمة من أهل العلم، ما يين أساتذة وتلامذة، فحصل لنا من محاضرتهم ولطفهم ما يكشف ضجر الاغتراب، ويسلي النفس عن معاهد أنسها، فمن هؤلاء الفضلاء: الشيخ راغب التميمي، وابنه السيد
(11/ 3/104)

زكي الدين، والسيد عبد الهادي من بلد الخليل، والسيد علي بن صالح من بلد إحدى القرى السورية.
وهذان الأديبان استقيا معارفهما من الأزهر، ثم من مدارس الآستانة، ولهما ذوق جيد في الشعر العربي، وفيما يصحبهما من الكتب: ديوان المتنبي، فكانا كثيراً ما ينشدان من قصائده، ويجري بيننا التفاهم في بعض أبياتها، وربما أمليت بعض انتقادات علقت عليها من قبل؛ كقوله في بعض أبياتها:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بدُّ
فإن لفظ الصداقة هنا ركِّب في غير نظمه؛ إذ الإنسان إنما يضطر في معاملة عدوه إلى مداراته، لا إلى صداقته التي يؤخذ في معناها الإخلاص بالضمير، فكان التعبير بالمداجاة أشد التئاماً بالمراد.
كنت جالساً على طرف من الضابور، فجاءني رجل عليه سمة أهل العلم، وخاطبني خطاب من سبقت له معرفتي، وقال لي: إني متشوق إلى لقائكم؛ حيث حدثني بخبركم الشيخ عرفات ببيروت، وهذا الرجل هو الشيخ كمال الدين بن كامل المغربي، أعلمني بأن جده تونسي، وأنه من عائلة درغوث الشهيرة بالحاضرة، وقد أخذ هذا الشيخ معارفه من الأزهر، واستولى خطة القضاء بالسويداء من ولاية الشام، ثم في القطيف من ولاية البصرة، ويقيم الآن بعيداً، ويرافقه في السفر أخوه السيد محمود بقصد استكمال معلوماته في الآستانة.

* كلام على اللؤلؤ:
ونثر في بعض المحاضرات الكلام على اللؤلؤ، وأطلعنا أحد الرفقاء على كتابة لبعض المتأخرين في التعريف بنشأته، فاقتبست منها ما يأتي: قال
(11/ 3/105)

القدماء: إن اللؤلؤ متكون من مطر ينزل في شهر نيسان، فتتلقى بعض قطراته الحيات، ويقع بعضها في الأصداف، فما وقع في أفواه الحيات، صار سماً ناقعاً، وما وقع في الأصداف، تبلور وصار لؤلؤاً، وقد عقد الشاعر العربي هذا المعنى بقوله:
أرى الإحسان عند الحر ديناً ... وعند النذل منقصة وذمّا
كقطر الماء في الأصداف دُرٌّ ... وفي جوف الأفاعي صار سمّا
وقال المحدثون في تكوين اللؤلؤ على ما ورد للعلامة الحوراني في كتابه: "الآيات البينات": إنه يستخرج من أصداف حيوانات عجيبة الصنع والتركيب، تعوم في أول نشأتها على وجه الماء، وتغتذي، ثم تهبط الأعماق تسكن هنالك، وتحمل إليها اللجة الهواء والغذاء، ويتكون عليها الصدف من المواد الكلسية للوقاية من الأخطار، والدرُّ متولد في لحمها من مادة أصدافها عينها، وأعمقه مغاصاً كبره حجماً. والجمهور اليوم على أنه ينشأ من تجمع رمل أو حيوانات ضارة تدخل الصدفة قسراً، فيفرز حيوانها مادة لزجة يغطيها بها، ثم تجمد وتتحجر.
ويذهب بعض العارفين: أن السبب الصحيح لإحداث اللؤلؤ إنما هو مرض يأخذ الحلز؛ بدليل أنه متى كان المغاص حسناً، تنمو فيه المحار كثيراً، وتبلغ حجماً عظيماً، وهي نقية ليس لسطحها الخارجي درن ولا ثؤلول، ولا نقوب تحدثها الديان، بل تراه ملساً جميلاً، يدل مجمع حالة على تمتع الحلز بالعافية، متى كان ذلك، ترى اللؤلؤ نادراً قليلاً، وأما إذا كانت الأصداف مشوهة الظاهر، متضخمة عند أسفلها، ملأى بالعقد والأدران، فهذه هي الأصداف الملأى باللآلئ الفاخرة، والدرر النادرة.
(11/ 3/106)

وقد وجد المحار اللؤلؤي في كثير من الأنهار المنحدرة من جيال بريطانيا وكندا، ولكنه دون اللآلئ البحرية جنساً وقدراً.
وأشهر مغاص واقع عند ثغور الخليج الفارسي، والبحر الأحمر، وشواطئ جزيرة العرب، والبحر الهندي، وأستراليا، وبناما، وكاليفورنيا، وفينزويلا، وجزيرة مرغريتا، ويختلف ذوق الناس في لونه، فالأورييون يؤثرون الأحمر، والهنود وسائر من جاورهم يستحسنون الأصفر، وغيرهم وغيرهم.

* مكانة العلم:
عرض الكلام في شأن العلم، وكيف أدركت الأمم الشاعرة قيمته، فذكر بعضهم أن امرأة أميركانية ألّفت رواية، فاشتراها منها أحد أصحاب المطابع الأمريكانيين بثلاثة آلاف وسبع مئة وخمسين جنيهاً، وكذلك كانت الأمة الإسلامية قبل هذا تشعر بحقيقة العلم، وتمهد العقبات المعترضة في سبيل الطالبين؛ فقد حكى ابن السبكي في "الطبقات": أن أبا نعيم الأصبهاني المتوفى في محرم سنة 430 ه، لما صنف كتاب "الحلية"، وحمل إلى نيسابور حال حياته، اشتروه بأربع مئة دينار.
ذكرنا لهم: أن الشيخ ابن عرفة حكى في درس تفسيره: أن أحمد بن يوسف السلمي الكتاني قال: قلت لشيخنا ابن عصفور: لم أكثرت من الشواهد في شرحك للإيضاح على "كأين"؟ قال: لأني دخلت على الأمير أبي عبد الله المنتصر، فألفيت ابن هشام خارجاً من عنده، فأخبرني أنه سأله عما يحفظ من الشواهد على قراءة "كأين"، فلم يستحضر غير بيت "الإيضاح":
وكأين بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا
قال ابن عصفور: فلما سألني أنا، قلت: أحفظ فيها خمسين بيتاً، فلما
(11/ 3/107)

أنشدته نحو العشرة، قال: حسبك، ثم أعطاني خمسين ديناراً. فمحاضرة هذا الأمير لأهل العربية في دقائقها واحداً بعد واحد، ومكافأته في مثل إنشاد البيت الواحد بخمسة دنانير، مما يتوجه بعزائم قومه إلى التسابق في طرق التعليم، ويشد رغبتهم في الاستقاء من موارده العالية.

* معنى كلمة المسجد:
ومما عرض في المذاكرة: أن بيت المقدس كان عند نزول قوله تعالى: {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] خرب، وقال ابن عساكر في "تاريخه": إن بيت المقدس حين فتحت كانت منقوضة، وإن عمر هو الذي أمر ببناء المسجد. وكان الجواب عن الآية: أن المسجد اسم للمكان الذي أعد للسجود، وليس من شرط إطلاق المسجد على المكان أن يكون محاطاً ببناء، وعلى إرخاء العنان، وتسليم اعتبار شرط البناء في هذا الإطلاق، فباب المجاز مفتوح، فقد كان قبل نزول الآية ذا بناء كما صار أمره بعد نزولها إلى إقامة جدرانه.

* ساعات في الإسكندرونة:
وقفت الباخرة بمرأى من طرابلس الشام، وفاتنا أن ننزل إلى داخل البلد؛ لما سبق في ظننا أن الباخرة لا تلبث المدة الكافية للتجول بها، ولكنها أقامت عشية وضحاها.
سارت الباخرة إلى أن وصلت مرساها إزاء إسكندرونة، فنزلنا للاستطلاع عليها، لبثنا فيها نحو ثلاث ساعات، ثم عدنا إلى الباخرة، وهذه البلد يحيط بها الجبل من جهة البر، ولغة أهلها العربية والتركية.
جلسنا على سطح الباخرة قبل أن تقلع، فطلع القمر من رأس الجبل، وبسط شعاعه على البحر، فأنفذ لنا منظراً يهز القرائح لنسج القريض، فأنشأ
(11/ 3/108)

الشيخ أحمد الغزي شطراً في الغزل، وطلب مني إجازته، فأجزته، واستمرت المساجلة إلى أن تألف منها نحو ستة أو سبعة أبيات، رسمها ذلك الأديب بورقة بقيت عنده، ومما قاله في هيئة القمر حين أخذ في الطلوع، وظهر نصفه فوق الجبل:
لاح شطر البدر من فوق الربى ... وله في البحر تمثالٌ أغر
فاطمأن اليوم قلبي إذ رأى ... رأي عين كيف ينشق القمر
ورأيت الباخرة الخديوية قادمة إلى المرسى والجبل أمامها، فقلت:
هذي السفينة تغري الموج جارية ... لمستقرٍّ لها كي تدرأ الكللا
فأذكرتني بمسراها إلى جبل ... قول الخليفة: يا سارية الجبلا
بلغنا إلى "مرسين" فنزلتها رفيقاً للشيخ مصطفى راغب، والشيخ سالم ابن عثمان أحد علماء يافا، والسيد محمود درغوث، فطفنا بأكثر مناهجها وبعض مساجدها، ثم آوينا إلى جامعها الكبير لأداء صلاة الجمعة، فأخذ قارئ مصري يرتل القرآن بأسلوب يستنبط الدمع من الآماق، ثم صعد الخطيب المنبر، فأحسن الخطابة، ومن جملة ما نطق به في الخطبة قوله: أيها المسلمون! ما بال الإسلام في نزول، وغيره في صعود؟! وما بال المسلمين في نحوس، وغيرهم في سعود؟! وما بال الشرع في عدم، وغيره في وجود؟! ... إلخ.
ركب الباخرة من "مرسين" طائفة من العلماء، منهم: الشيخ أحمد بن محمد شكري، والشيخ ولي الدين بن والي، والشيخ علي رضا، فتعززت بهم اجتماعاتنا العلمية، وازدادت بهم رنة الأدب نغمات لذيذة.

* التعصب للمذهب:
دار الكلام على التعصب للمذهب، والذين يطلقون ألسنتهم في الازدراء
(11/ 3/109)

بالمذاهب التي لا يتقلدونها، هذا إنما يقع في الغالب ممن اكتفى بقراءة الفروع في مذهبه، فهو؛ لجهله بغيره من المذاهب، يحملها على ضعف المدرك، والرمي بها على غير بينة، أما من طالع جملة في شرح الحديث والتفسير، ونظر في كتب الخلاف، فإنه يقف على مدارك الأئمة، ويراهم كيف يتحرون مقصد الشريعة، ويستندون فيما يقررونه من الأحكام إلى الدلائل المنصوبة من قبل الشارع، وإذا سبق له أن هذا قد أحكم الاستدلال في قضية، فقد يظهر له أن الآخر قد أصاب المفصل في قضية أخرى.

* النزول في أزمير:
رست الباخرة على "أزمير"، فسألت طائفة من رفقائنا: هل سبقت لهم معرفة بدخولها؟ فذكر بعضهم أنه أتى عليها مرتين أو ثلاثاً، ولم يتفق له النزول إلى داخلها، فقلت: ننزل قضاء لحق الجغرافيا، فانحدرنا في زورق، وتجولنا بها مقدار ساعتين، ثم انقلبنا إلى الباخرة، وصاحبنا في الزورق عند معادنا أحد المدرسين بقرية قريبة من أزمير، فخاطبه رفيق تركي بلغته، وقال له مشيراً لي: هذا يتكلم بالعربية، فنطق ذلك المدرس بلسان عربي قائلاً: "أنا لا أفهمه إلا إذا خاطبني بالعربية الفصحى"، فتجاذبنا طرف الحديث، إلى أن وصلنا إلى الباخرة.

* الوصول إلى إستنبول:
عرجت الباخرة على جزيرة "رودس"، وأقامت تجاهها نحو ثلاث ساعات، ثم أقامت وسارت إلى أن ولجت "بوغاز الدردنيل" فسبحت فيه ليلة ونصف يوم إلى الآستانة، وألقت مراسيها قريباً من الرصيف، فانحدرنا في زورق إلى إستانبول، فلقينا فضيلة المحقق الهمام الشيخ سيدي محمد
(11/ 3/110)

المكي بن عزوز في انتظارنا، وأقمنا بمحل حضرته "باشكطاش".
زرت جامع آية صوفيا، وشهدت به درسين يقرران باللسان التركي، أحدهما في التفسير، والآخر في الفقه.
ثم زرت جامع بايزيد، وشهدت به دروساً أيضاً باللسان التركي، ويقال: إن الشيخ الفناري الذي كان قاضياً بالآستانة، عاتب السلطان بايزيد على عدم حضوره الصلاة في الجامع، فأنشأ هذا الجامع؛ ليحرز فيه صلاة الجماعة.

* الكلام على الحلول والاتحاد:
وزرت مكتبة راغب باشا، فلقيت بها الشيخ أحمد باي أحمد علماء بغداد، أخبرني أنه طالع "الفتوحات المكية" مرات عديدة، وزاول الكتب العالية في الأصول والحكمة والبلاغة، واتفق أن لم يبسط في هذا المجلس سوى الكلام على الحلول والاتحاد الذي ينسب للصوفية، وقال: إن المعترضين لم يفهموا مرادهم، وأخذ يقرر محاضرين باللسان التركي، فالتفت نحوي أحدهم، وقال لي: مالك لا تتكلم في هذه المسألة؟ فقررت حينئذ ما أعهده للشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم البكي في شرح عقيدة أبي الحاجب، وذلك أقرب ما يفهم، وأوجز ما علق بذهني في هذا المطلب، وهو أن من الناس من ينسب القول بالاتحاد والحلول إلى الصوفية، بل إلى الكل منهم، كما وقع ذلك للشيخ أبي حامد في كتبه، أخذاً من ظاهر كلام الأشياخ؛ كأبي يزيد البسطامي، وهذا إنما يتوهمه فيهم من ليس له اطلاع على أحوالهم، على أنه لم يرد في اصطلاح القوم شيء من إطلاق الحلول والاتحاد، إلا ما وقع في اصطلاح المتأخرين؛ كالشيخ ابن الفارض ومن معه من إطلاق لفظ الاتحاد، وأما الحلول، فلم يطلقه أحد، ومراد الشيخ ابن الفارض في الاتحاد: ما ذكره بعض المتأخرين
(11/ 3/111)

في الاصطلاح، وهو شهود اتحاد تعلق الموجودات كلها به -جلّ وعلا-؛ إذ هي به موجودة لا بنفسها، وهذا هو المسمّى عندهم: بالفناء في التوحيد، كما صرح به الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب: الصبر في "إحيائه".
ولا يبعد أن تكون طائفة قد انتمت إلى الإسلام ظاهراً، واستعارت لباس الصوفية، لما علمت من مكانتهم في معتقد الأمة، وأخذت تبث هذه المقالات الناقضة لأساس الدين، وهذا الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي هو أبعد الصوفية مرمى في هذا المقام يقول في (صحيفة 39) من أول "فتوحاته": "تعالى الله أن تحله الحوادث، أو يحل في الحوادث".
وحدثني خالنا الأستاذ: أن راغب باشا لما أنشأ هذه المكتبة، فكر ليضع لها تأريخاً، ففطنت به امرأة عارفة، فقالت: "فيها كتب قيمة (1) "، فكانت هذه الجملة تأريخ تأسيس المكتبة، وقد رسموها في لوح معلق الآن في ناحية بابها.

* الخطباء من الترك:
شهدت الجمعة بالجامع الذي أنشأه السلطان عبد الحميد إزاء قصر "يلدز" ثم جامع "آية صوفيا"، ثم جامع الشيخ ظافر.
لا يبسط الخطباء من الترك في الموعظة، وإنما يأتي الخطيب بالديباجة من حمد وصلاة ورضا عن الصحابة، ثم يلقي جملة فيها أمر بالتقوى، ويضيف إليها حديثاً أو آية. وذاكرت في هذا أحد الأساتذة، وقلت: لعلهم يراعون أن غالب الحاضرين لا يفهمون العربية، فيقتصرون على القدر الذي يتم به نصاب الخطبة؟ فقال: كان هذا من أثر العصر السالف حيث يخشى من استطالة الخطبة أن تبث فيها آراء سياسية.
__________
(1) تأسست عام 1068 ه.
(11/ 3/112)

* الشيخ إسماعيل الصفايحي:
زرت فضيلة العلامة الهمام الأستاذ الشيخ سيد إسماعيل الصفايحي (1) بمنزله القريب من السراي، فبذل لنا من المبرة والابتهاج باللقاء ما لا يسع اللسان شكره.
زرت هذا الأستاذ مرة، وجاوزت الحديقة إلى البيت الذي يلاقي فيه الزائرين، فألفيته مستقبل القبلة، وهو يقرأ "صحيح البخاري" بلهجته الطيبة، فجلست بكرسي على جانب منه، ولم أشعره بحضوري في البيت؛ ليستمر على القراءة ما شاء، ولكنه لحظني، فقرأ بعد ذلك حديثاً أو حديثين، ثم أطبق السفر، وختم بالدعاء، وأقبل على بالترحاب.
زرت في صحبة فضيلته الزكي الفاضل السيد أليفي شيخ مشايخ الطرق، وتناول حضرة الأستاذ، إلى أن ألقى في تقديمي إلى الشيخ وتعريفه بحالي، عبارات صاغها خلوص ضميره، ورقة عواطفه عليّ، فقد كنت كلفاً بأساليب تعليمه، ومعظم ما أدركت في التعلم من دروسه. وبينما نحن جالسون إلى حضرة هذا الشيخ، ورد على المجلس شيخان، أحدهما عربي، والآخر تركي، فأخذ الأول يتكلم في اصطلاحات صوفية؛ كالفرق بين المظهر والتجلي، ثم قدم إلى شيخ الشيوخ إجازة ليطالعها.

* تسمية كتاب "الشفا":
مما أعلمني به فضيلة خالنا الأستاذ: أن الشيخ محمود الشنقيطي انتقد على القاضي عياض -رحمه الله- تسمية كتابه بالشفا، وقال: إن الشفا ممدود، ولا يسوغ قصره إلا لضرورة الشعر، وهي مفقودة في وضع هذا الاسم، وقال
__________
(1) أحد القضاة التونسيين هاجر إلى الآستانة.
(11/ 3/113)

الشيخ الأستاذ: كنت أجبت عن هذا؛ بأن اسم الشفا قد وقع موقع الوقف؛ حيث أتى خاتمة فاصلة، والممدود يوقف عليه بالقصر، كما هو مقرر في علم القراءة.
فذكرت في هذا المجلس: أن الإمام ابن عرفة نقل عن الشهاب القرافي اعتراضه على الإمام المازري في تسمية كتابه "المحصول"، وقال: إن المحصول اسم مفعول، وفعله قاصر، فالصواب أن يسمّى: المحصول فيه، وقال الشيخ ابن عرفة: وهذا غير لازم؛ فإنه علم، والأعلام لا تجري تحت ضابط، وقد قال تعالى: {سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 14].
ولو كانت مراعاة القاعدة لازمة هنا، لقال: المنتهى إليها. فيصح أن يقتبس من هذا التقرير جواب ثان عن التسمية بالشفا، فقال الأستاذ: وهذا أيضاً جواب يحل الاعتراض.

* عيادة مريض:
خرجت ليلة صحبة فضيلته لزيارة أحد الأصدقاء، والسبلُ وعرة، والمطر يرشح، فكنت أقتفي أثره وأتمهل في الانحدار، فقال لي: سر على أثري، وقد قرئ قوله تعالى: {عَلَى أَثَرِي} [طه: 84] بسكون الثاء وفتحها، فقلت: يؤخذ من الآية: أن الإنسان يخبر بما يظنه واقعاً، ولا حرج عليه أن يبرز الخبر في صورة القطع؛ فإن سيدنا موسى - عليه السلام - كان يظن أن قومه في أثره، وألقى الخبر، وذلك من غير أن يسنده إلى ظن، فقال الشيخ الأستاذ: هذا حسن، ورتب عليه قول الفقهاء: واعتمد البات على ظن قوي.
زار فضيلة الأستاذ منزل الزكي السيد محمد بلكباش التونسي عائداً له، فلم يوافق حضوره في البيت، فلما حدثني الأستاذ بذلك، أنشدت البيت:
(11/ 3/114)

وأعجبُ شيء سمعنا به ... مريضٌ يُعاد فلا يوجدُ
فقال -حفظه الله-: قد ذكرت هذا البيت، وأضفت إليه بيتاً آخر، وأنا نازل في درج السيد المعاد، وهو:
ولكن يدل على برئه ...
ثم كرر هذا الصدر ليتذكر العجز، فقلت: وذلك غاية ما يقصد فقال: بل قلت:
فمن أجل ذا ربنا نحمد
وهكذا كانت مجالسه فائضة بالفوائد والآداب.
كنت ماراً رفيق ذلك الأستاذ على الجسر الذي يصل إستانبول "غلطة"، فلقينا السيد وجيه من أبناء الشيخ الجيلي - رضي الله عنه -، وأحد الكتاب بباب المشيخة، ومما ذكر الأستاذ في التعريف بشأنه: أنه ينظم الشعر باللغات العربية والتركية والفارسية.

* حديث المهدي:
ركبت في بعض الأيام الباخرة التي تتردد ما بين باشكطاش وإستنبول، وكان جلوسي بجنب رجل من الأهالي، فبعد أن خطب معرفتي، بسط في الثناء على فضيلة الأستاذ الشيخ سيدي إسماعيل، وحدثني بأنه كان يتضلع في دروسه في الحديث، وهذا الرجل هو السيد حسن فوزي أحد الكتاب بالباب العالي، وقد سألني في هذا المجلس عن خبر المهدي، فذكرت في جوابه خلاصة ما في رسالة السيوطي المسماة "العرف الوردي"، وما قاله ابن خلدون من الخدش في تلك الأحاديث، وذكر حديث: "لا مهدي إلا عيسى" فذكرت له ما أعهده لابن السبكي في "الطبقات"؛ فإنه قال في ترجمة يونس بن عبد الأعلى
(11/ 3/115)

ابن حيان: وتكلم جماعة في هذا الحديث، والصحيح فيه: أن محمد بن خالد الجندي تفرد به، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الجندي رجل مجهول.

* الشيخ عبد العزيز جاويش:
لقيت العالم الشيخ عبد العزيز جاويش بعد إيابه من مصر، وثبوت براءته مما ألصقوه به من التهمة بحادثة الأوراق، فأنشدته عندما ظهر عليه الأسف من حال السجن على وجه التسلية وترويح الخاطر: قول ابن الجهم:
قالوا: حُبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمدُ
والحبسُ ما لم تغشَهُ لدنِيَّةِ ... شنعاء نِعْمَ المنزل المتورّدُ
وقد نظم له الشاعر الرصافي قصيدة في هذا الغرض يقول في طالعها:
إني عهدتك لا تكون بؤوساً ... مهما لقيت مصائباً ونحوسا
كم قد صدمتَ النائبات بهمة ... جعلت لها الصبر الجميل لبوسا
إلى أن يقول:
جارت سياستهم عليك فأغضبت ... أهل العدالة سائساً ومسوسا
ولو أنّ أخلاق الرجال صحيحةٌ ... ما كان حقك عندهم مبخوسا
إن يظلموك فإن حبك لم يزل ... في قلب كل موحِّد مغروسا
والشمس تشهد أن فضلك مثلها ... تحيي النفوس وتقتل الحنديسا
ولئن لقيت أذى فكم من مصلح ... لقي الأذاة مفجعاً متعوسا
ضحكت وجوه الترهات ولم يزل ... وجه الحقيقة في الأنام عبوسا
وجدته حين لقيته يفسر قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً} [الإسراء: 16] الآية ... على معنى: جعلنا مترفيها أمراء، ففسقوا باتباع الهوى، واحتياز
(11/ 3/116)

المنافع لأشخاصهم، بدون احترام للحقوق، ولا مبالاة بسوء العاقبة، فقلت له: ومن وجوه تفسير الآية: أنها واردة على معنى: أمرناهم بالعدل، وما فيه تقوى، ففسقوا بالجور واتباع الشهوات، فقال: نعم، قيل هذا، ولكني أفضل الوجه الأول في التفسير، والوجه الذي ذكرناه صدر به الرازي، ونسبه إلى الأكثر.

* فضيلة الاتحاد:
جذبني إلى الكلام في فضيلة الاتحاد، فقلت: إن الاختلاف طبيعة بشرية لا تخلو عنه هيئة مجتمعة؛ فإن أسبابه من الأعراض اللازمة للهيئات الاجتماعية، وترجع هذه الأسباب إلى أمرين:
أحدهما: تفاوت في إدراك الحقائق؛ فقد تبصر هذه الطائفة الصلاح في عمل، فتقبل عليه بسعي حثيث، ويقصر عنه نظر طائفة أخرى، فتغمض عنه أجفانها، وتأخذ بيد غيرها إلى الإدبار عنه.
ثانيهما: تفريق الأهواء؛ فقد تستوي أنظار الطائفتين في العلم بالمصلحة، ولكن تبتلى إحداهما بهوى غالب، يطيش بها إلى لذة خاصة، ويقطعها عن الأخذ بالمصالح المشتركة.
وإذا كانت أسباب الخلاف في الآراء والمساعي طبيعة بشرية، فالساعي إلى الاتحاد لا يقصد بدعوته أن ترضى الأمة عن كل رأي ينشر، أو تلتئم مع كل جمعية تؤلف؛ بحيث ترخي ذيل التغاضي عما يعرض في الآراء من الخطأ، أو توسع قبولها لكل ما يصدر عن الجمعيات من الأعمال، وإنما يريد فيما ينصح: أن تتحرى الأمة العمل على شاكلة الوفاق، وإذا فتّتهم طبيعة اختلاف العقول، أو تغلب الأهواء في شعبة، وقفوا عند حد لا يشرف بهم على خاتمة سيئة.
(11/ 3/117)

* زيارة مكتبات استنبول:
زرت مكتبة عاشر، ومما ألفيته في كتبها النادرة: تفسير لمجد الدين صاحب "القاموس"، وطالعت منه نبذة، فإذا هو من أحسن التفاسير، ولكنه لا يكتب في كل آية.
وزرت مكتبة قرب بني جامع، فألفيت بها تآليف نادرة، منها: "شرح ابن جني على ديوان الحماسة"، و"إرشاف الضرب" لأبي حيان، وشروح: ناصر الدين الترمذي، وسلطان شاه، وحسام الدين الموذني، وعماد الدين الكاشي على كتاب "المفتاح".
وزرت مكتبة بايزيد، ومما طالعته في كتبها النادرة: كتاب "الصناعة" لابن جني، وكتاب "القول السديد في التقليد"، وذكر في خاتمته: أن للإمام ابن عرفة المتأخر كتاباً أسماه: "إيثار الحق عن الخلق". وهذا كتاب لا نعرفه للشيخ ابن عرفة قبل هذا. ومنها: شرح للشيخ علي قاري على كتاب "عين العلم" الذي انتخب فيه مؤلفه "الإحياء" للإمام الغزالي، وهذا المنتخب قيل: لبعض الفضلاء من الهند، على ما قاله العلامة ابن حجر في شرح مقدمته، وقيل: إنه منسوب إلى بعض العلماء ببلخ.
ولقيت في هذه المكتبة الشيخ شرف الدين أحد المدرسين الأذكياء، وأول خطاب توجه به إليّ: أنه رأى في يدي بعض شروح الشفا؟! للشيخ ابن سينا، أخذته لمطالعة بعض المباحث، فقال لي: تنظر كتاب الشفا؟! هذا الكتاب وأمثاله من الفلسفة القديمة التي لا فائدة في الاشتغال بها، ومطالعة الكتب الحديثة في هذا العلم أعظم فائدة وأغنى، فقلت: نطالع التآليف الحديثة، ولا ننكث أيدينا من القديم، وهنا تمادت بنا المحادثة إلى
(11/ 3/118)

التعارف، وأخذ الموعد على اللقاء.

* بين القديم والحديث:
بسط هذا الشيخ في اللائمة على أصحاب الأفكار الواقفة ممن ينتسب إلى علماء الإسلام، فقلت: لا أنكر أن يكون فيمن ينتمي إلى العلم طائفة لم تسرح أنظارها في مجال متسع، فقد تكلم بعضهم بحرمة أشياء لم يرد عن الشارع في مثلها كراهية، والقواعد التي أقرها الأئمة المجتهدون تقتضي الأخذ بمصالحها، والعمل على شاكلتها، ولكني لا أتطرق فأدخل في حزبهم المعتدلين مثلما يفعل المتطرفون، وكثيراً ما تصدر المقالات المتغالية عن عدم استكشاف الفقيه لحال ما أفتى به، ومن أمثلة هذا: أني سمعت بعض العلماء الوافدين على الحاضرة يقول: المخابرة في التلغراف غير جائزة؛ ظناً منه أنه من قبيل السحر أو التكهن، حتى أخبره أحد الحاضرين: بأنه مقام على قواعد وعلم يدرس، وأن أعماله ظاهرة يباشرها كل أحد أدرك صناعته، فرجع وقال: فهو حينئذ حسن، فهذا الفقيه لم يكن واقف الفكر، ولكن فاته الاطلاع على حقيقة تلك الآلة قبل أن يتكلم في حكمها.
وذكرت بهذا المقام ثلاثة أبيات للشيخ عبد الرحمن بن سلام العالم البيروتي، أنشدنيها حين زار منزلنا بدمشق، وقد ضلّ من ذاكرتي الآن بعض ألفاظها، ومعناها: أن الأفكار القابلة للتصرف والنماء إنما تقذف بنتائجها، وتلمع ببروق أفعالها، إذا نقر عليها الجامدون، وقدحوها بزناد ما يصنعون، كما أن نغمات الوتر لا تنتشر إلا إذا جسها العود الجامد بضرباته، والبيت الثالث منها:
فالجمع بينهما لابد منه إذاً ... فالعود لولاه لم تطرب بصوت وتر
(11/ 3/119)

زرت مكتبة كوبرلي، ولم أتمكن من مطالعة شيء من كتبها؛ لما يباشر فيها من الإصلاح لذلك الحين، ويوجد في هذه المكتبة كتاب "المحلّى" لابن حزم، الذي قال في حقه عز الدين بن عبد السلام: لم يؤلف مثله في الإسلام.
وزرت مكتبة آية صوفيا أياماً، ولم أوافق أوقات انفتاحها، ويوجد في هذه المكتبة تسعة أجزاء من كتاباً التمهيد" لابن عبد البر، ولم أظفر به فيما عرفت من المكاتب العامة أو الخاصة.

* الشيخ إبراهيم ظافر:
زرت صحبةَ خالنا الأستاذ منزلَ الفاضل الشيخ السيد إبراهيم ظافر، فتلقانا هذا الشيخ وأخوه الفاضل السيد حسن ظافر بمجاملة فطرية، وآداب مهذبة.
وعند أول اجتماعنا بالسيد حسن ظافر، قال له حضرة الأستاذ (1) على وجه التواضع والتنازل: هذا ابن أختي، قرأ عليّ، ولكنه صار الآن أرقى رتبة، فقال له السيد حسن: نحن لا يمكننا أن نعتقد بأن يبلغ شأوك أحد، فضلاً أن يفوقك، وهذه العبارة تشعر بأن العائلة الظافرية تقدر مقام ذلك الأستاذ حق قدره.

* دار الفنون ومدرسة الواعظين:
زرت مدرسة الواعظين، وشهدت أحد الشيوخ يدرّس باللسان التركي، فأصغيت إليه، فإذا هو يقرر في مبحث: تكوين السحب والرعد والمطر، وإنما عرفت المبحث؛ لكثرة ما يتخلل اللغة التركية من ألفاظ العربية، حتى قدرها بعضر من تصدى لإحصائها بنسبة سبعين في المئة، أي: المئة كلمة في اللسان
__________
(1) العلامة محمد المكي بن عزوز خال الإمام.
(11/ 3/120)

التركي يكون نحو السبعين منها عربياً.
بعد انتهاء الدرس، نهض أحد التلامذة للسلام عليّ، وكان مرافقاً لنا من "مرسين" إلى الآستانة، وأعلمني بأن هذا المدرس هو الشيخ عبد اللطيف الخربوتي معلم علم الكلام في دار الفنون ومدرسة الواعظين، والكتاب الذي كان بصدد دراسته من مؤلفاته، ويسمى: "علم الكلام في عقائد أهل الإسلام"، اطلعت من يد هذا التلميذ على نسخة منه طبعت بالآستانة، فرأيته مؤلفاً باللسانين، أعلى الصحيفة عربي، وأسفلها تركي، بينهما خط فاصل.
وكانت في يد هذا التلميذ أوراق من تأليف في الأدب للسيد معروف الرصافي، وجميعه باللسان التركي، ما عدا القصائد والأبيات، فإنها عربية، وحدثني التلميذ بأن صاحب هذا التأليف له درس في الأدب العربي بهذه المدرسة.

* القفاز:
زار أحد التلامذة من "بني غازي" منزل خالنا الأستاذ، فحدثني الشيخ: أن هذا التلميذ كان رافقه من بني غازي إلى الآستانة، فرأى عنده ما يلبس في اليد لوقاية البرد، قال: فسألته عن اسمه باللسان التركي، ثم عن اسمه باللسان الفرنساوي، فأجابني بهما، وسألته: عين اسمه عند العرب، فأجاب: بعدم المعرفة، فقلت له: إن جهلك باسم الشيء في لغة قومك مع علمك باسمه في لغة أخرى، مما يلصق بك نقيصة، ويجر إليك ملامة، ثم أعلمته بأن اسمه في العربية: "قُفَّاز".

* عطلة يوم الثلاثاء:
اتخذ أهل الآستانة يوم الثلاثاء يوم استراحة من التعليم زيادة على يوم
(11/ 3/121)

الجمعة، ويذكرون في سبب هذا: أن الشيخ الفنري كان يترك الدراسة به؛ ليشتغل التلامذة بالنسخ، فبقيت البطالة فيه إلى اليوم عادة مستمرة.

* فاتحة الرسائل:
ومن عوائدهم في المراسلات، بل عادة الشرق فيما رأيت: أن يصدروها بكلمة: "الحمد لله" فقط، ومنهم من لا يكتب في طالع المكتوب شيئاً.
كنت اطلعت في رحلتي إلى الجزائر سنة 1322 ه على قصيدة تسمى: "نفيسة الجمان في فتح ثغر وهران"، وهذه القصيدة وشرحها للشيخ محمد بن أحمد بن عبد القادر أبو راس، ومما ذكر في هذا الشرح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتب في أول الرسائل البسملة فقط، واستمر الأمر على ذلك إلى أن ولّي السفاح أول ملوك بني العباس، فزاد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستمر الأمر على هذا إلى أن بويع يوسف بن عبد المؤمن، فجعل مكان البسملة: الحمد لله، وعليه العمل اليوم.

* سياسة الدول:
وممن يزورنا ونزوره: الفاضل الأديب السيد أحمد باي بن الأمير فضل، وقد أهداني رسالة حافلة ألفها في فضل الاتحاد، وأطلعني على بعض منظومات له جيدة، ولهذا الذكي ولع بالبحث في الشؤون العامة، والاستطلاع على دقائق الأدب.
طاف بي في المقعد الذي أعده للزائرين على معلقات يشتمل بعضها على قصائد من إنشائه، حتى انتهينا إلى معلقة فيها مثال راية سوداء، فأنشدته:
أعلامه السود إعلام بسؤدده ... كأنهن بخد الملك خيلانُ
جذبني إلى الكلام في حال الدول بوجه عام، فقلت: من شأن الدولة
(11/ 3/122)

الراسخة الدعائم: أن تكون لها أصول مقررة، وصبغة معروفة؛ بحيث يكاد الممارس لسياستها يحكم في أعمالها المستقبلة، ويتخرص للقضايا التي ستجريها في الحوادث، وإن لم يكن في أمثالها قوانين مفصلة، سواء بقي الأمر بيد هيئة واحدة، أو استحال إلى غيرها، فإن الهيئة الحاكمة في الدول القائمة، إذا تجددت، إنما تخالف ما قبلها في سن بعض القوانين، أو إدخال بعض إصلاحات تدريجية، ولا تقلب سياسة الهيئة السالفة من أسلفها إلى أعلاها، إلا إذا لم يكن للدولة في أصلها نظام كلي، وسياسة متأصلة، أو كانت أفراد تلك الهيئة الحادثة غير قائمة بتعاليم السياسة المقررة للدولة؛ بحيث تكون أساليبها مصبوبة في مداركهم؛ كالملكات تصدر عنها الأعمال المطابقة بسهولة.

* وعكة صحية:
دعانا الفاضلان السيد الحبيب بن الشيخ، والسيد المختار بن الشيخ التونسيان لزيارة منزلهما، وانتظم المجلس بفضيلة خالنا الأستاذ، والسيد حسن ظافر، وعندنا أخذنا نقتطف أزهار الحديث، أدركني خفقان في القلب، وضعف بالغ لا أعرفه فيما سلف، وكان الوجع يطالبني بالتأوه، فأحافظ على السكينة حتى سقطتُ على الوسادة، ومن مساعدة القدر: أن حضر الطبيب العارف السيد رجب بقصد السمر، فجس النبض، واستجلب الدواء، فاستفقت من الغاشية، ولا أنسى أني لقيت من هذه العائلة إشفاقاً خالصاً، ومبرة عاطفة حتى مطلع الشمس.

* القمر ليلة أربعة عشر:
جئت يوماً رفيقاً لخالنا الأستاذ إلى الباخرة التي تسير من إستانبول إلى "باشكطاش"، فالتقيت بالفاضل السيد محمد بن الشيخ يوسف الأسير، وكان
(11/ 3/123)

أبوه من علماء بيروت، وهو ناظم "مجمع الأمثال" للميداني، فقرأنا من محادثته شهامة وكرم أخلاق. سأله حضرة الأستاذ عند موقف الوداع عن العدد المرسوم على باب منزله، عسى أن تدعو إليه الزيارة، فقال: عدد 14 أربعة عشر، فلاحظ له الشيخ أن هذا العدد يشير إلى كمال صاحب المنزل؛ لأنه عدد الليلة التي استوفى فيها البدر ضياعه كاملاً، وذكر له قول المفسرين في قوله تعالى: {طه} [طه: 1]: أن الطاء تسعة، والهاء خمسة، والمجموع أربعة عشر، فكان المعنى: بأن وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر.
وممن يزورنا ونزوره: الفاضلان الشريفان: الشيخ السيد إبراهيم، والشيخ السيد أبو السعود ابنا السيد أسعد المدني، فشهدنا في بساط محاضرتها أدباً عالياً، وأنساً خالصاً.
وزرت صحبة فضيلة الأستاذ الشيخ سيدي إسماعيل الصفائحي منزل الفاضل الشيخ يونس، وكان هذا الشيخ قاضياً بالعسكر، فأهداني رسالة ألفها في أسرار بعض العبادات، وسماها: "درر الحكم"، وفي أثناء المجلس دخل ابنه، وهو ضابط في الجيش، وودعه قاصداً الخروج إلى موقع الحرب.
التقيت في مكتبة بايزيد بالرحالة خليل الخالدي، فحدثني: أنه زار تونس سنة 1311 ه، ودعاه أحد الطلبة إلى منزله القريب من باب سيدي عبد الله، واطلع عنده على كتاب "المدارك"، قال: وقد ذكرت اسمه في رحلتي. فذكَّرته أني ذلك التلميذ الذي كان قد دعاه، وأراه كتاب "المدارك"، فاستأنف التحية والترحاب.

* الخضر - عليه السلام -:
عزمت على مبارحة الآستانة إلى الحاضرة، فتوجهت لوداع الأستاذ
(11/ 3/124)

الشيخ سيدي إسماعيل، صحبةَ خالنا الشيخ، ومما جرى في المجلس ذكر الخضر - عليه السلام -، فنقل حضرة الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز عن الإمام النووي: أن أكثر العلماء والمحدثين يقولون: إنه حي، فقلت: لعل مستندهم في هذا الطريق غيبي؛ لأني أعهد للحافظ السيوطي فيما نقل: أنه سئل البخاري عن الخضر: هل هو حي؟، فقال: كيف يكون ذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم ليلتكم هذه" إلخ الحديث، فقال: بل من طريق النقل، وروى أثراً عن سيدنا عمر بن عبد العزيز في ذلك.
وجرّت المناسبة خالنا الأستاذ إلى أن قال: يعجبني من إنصاف الشيخ ابن حجر: أنه يقول في شرح كثير من الأحاديث الصريحة في الحكم بخلاف مذهبه، وهذا ومن هنا انفتحت المحاضرة في الاجتهاد والتقليد، ولفضيلة الأستاذ الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز تآليف في مواضيع متعددة أطلعني على بعضها، ومن أنفسها: "رسالة في العمل بالحديث"، وأنه حجة في تقرير الأحكام.

* مغادرة الآستانة:
بارحت الآستانة يوم السبت 6 ذي الحجة، وامتطيت باخرة فرنسوية إلى بلد "مرسيليا"، وصاحبنا في السفر الشيخ السيد عز الدين أحد علماء طرابلس، وكان قد استولى القضاء في بعض نواحيها، وله كلف بالشعر الرقيق، واقتبس في محفوظاته قسطاً وافراً منه، وأنشدني جملة من أشعار تونسية أخذها عن الشيخ محمد الحشائشي التونسي -رحمه الله-.
ولما لقيت الرجل على جانب من الأدب، كنت أغتنم الفرصة لمطارحته بإنشاد الشعر أو إنشائه، وكان يحافظ على ما نطارحه، بل ويقيده في ورقة.
(11/ 3/125)

ولما أشرفنا على بلد "أزمير" وواجهتنا بمنظرها الهلالي، أنشأت له:
لأزمير شكل كالهلال مقوَّسٌ ... ولكن له في منتهى البحر ألوان
وأحسبه الشكل الذي اختطف النُّهى ... لقوم فقالوا: في الكواكب سُكَّان

* منار أزمير:
أقامت الباخرة بأزمير ليلة وصبيحتها، وكنت برزت قريباً من العشاء على سطح الباخرة، وذلك الشيخ يؤانسني، فانكشف لنا منار على الرصيف يتضح ضياؤه مرة، ويتوارى مرة أخرى، فأنشأت:
كأن مناراً يهتدى بضيائه ... ومنظره المحمّر يبدو ويختفي
حَشاً تقذف الأشواق فيه بجذوةٍ ... وآونة يرجو الوصال فتنطفي
قام هذا الشيخ مرة يصلي، فوقف بعض النوتية يعبث بتقليده، فأكمل صلاته بمنتهى اعتدال وطمأنينة، وبعد أن خرج من حرم العبادة، التفت إليّ وقال وهو مستريح الخاطر: لا يعبأ بهذا الصنيع، يشير إلى أنه من لعب الصبيان.
إذا لم يكن مر السنين مترجماً ... على الفضل في الإنسان سميته طفلا

* منار نابولي:
بلغنا إلى "نابولي" مساء يوم الجمعة، وحين أرسل الليل سجافه، رأيت بها مناراً يتجلى مشرقاً في دائرة متسعة، ثم يتضاءل إلى أن يصير في صغر الكواكب، فأنشأت فيه:
تخال سراجاً كالغزالة ينجلي ... ويلمع في لون السها حين يقلص
أقيم مثالاً في العيان لقولهم ... على وصف إيماني يزيد وينقص
(11/ 3/126)

* جولة في مرسيليا:
أقلعت الباخرة إلى "مرسيليا"، فوصلتها صباح يوم الأحد، فتبوأنا بها منزلاً، ثم تجولنا بمناهجها الفسيحة ما بين مبانيها الشاهقة، وامتطينا عربة كهربائية سارت بنا في بعض أطراف المدينة ودواخلها مقدار ساعة، وشهدنا في هذه المدينة حركة منتشرة، وعملاً متواصلاً.

* العودة إلى تونس:
ركبنا الباخرة قرطاج، وعندما أتينا على سمت بلد المرسى، وانكشف من مبانيها وبساتينها ما عظم بتشوقي إلى طلعة صاحيي الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور، وتضاعف عندي تذكار عهده الوثيق، أنشأت مناجياً لفضيلته:
قلبي يحييك إذ هبت سفينتنا ... تجاه مطلعك المحروس يا علمُ
تحية أبرق الشوق الشديد بها ... في سلك ودّ بأقصى الروح ينتظمُ
انسحبت الباخرة إلى حلق الوادي، وبعد مجاوزتها إلى الرصيف، وأخذِها في التأهب لإلقاء مراسيها، أنشأت بيتين خاتماً بهما المطاف، وهما:
أرى سفري شعراً ولكن بيوته ... مفصلة في غير بحر وفي بحر
ومقطع عودي من بدائعه ألا ... ترى عجزاً قد رد فيه على صدري
(11/ 3/127)

حديث عن رحلتي إلى دمشق (1)
سافرت من القاهرة في الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم الأحد 25 ربيع الآخر سنة 1356 ه، الموافق 4 يوليو سنة 1937 م. ووصلت إلى حيفا في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الاثنين، وامتطيت سيارة إلى دمشق، فدخلتها في أوائل الساعة الثالثة بعد الظهر، واستقبلنا شقيقنا الأستاذ السيد زين العابدين، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار في جماعة من أهل العلم والفضل قرب الصالحية، وسرنا إلى منزل شقيقنا بحي الميدان، وما نفضنا غبار السفر، حتى أخذ أهل العلم والأدب وكرام القوم يتفضلون بالتحية والمؤانسة، وأخص بالذكر منهم: الأستاذ الشيخ محمد كامل القصاب، والأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، والأساتذة الشيخ محمد العطار، والشيخ محمود ياسين، والشيخ حسن الميداني، والشيخ عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ عبد القادر الطنطاوي، والشيخ محمد الكافي، والشيخ محمد هاشم الخطيب، والشيخ عبد الرحمن الخطيب، والشيخ الشريف الخطيب، والشيخ جميل الشطي مفتي الحنابلة، والشيخ الحلواني شيخ القراء، والشيخ أبو الخير الميداني، والشيخ ياسين الفرا، والشيخ حسن الشطي، والشيخ محمد أحمد دهمان، والشيخ علي ظبيان، والشيخ عبد الجليل الدرة،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الخامس والسادس من المجلد العاشر.
(11/ 3/128)

والشيخ محمد سعيد النعساني مفتي حماة، والسيد الشريف النص، والسيد عارف الدوجي، والسيد توفيق البزرة، والسيد عبد الحكيم الطرابلسي، والسيد أحمد قشلان، والشيخ حامد التقي، والشيخ قاسم القاسمي، والشيخ صلاح الزعيم، والأساتذة: خليل مردم بك، ورشيد بك بقدونس، وعمر بك فرحات، والدكتور سعيد الأسيوطي، والدكتور عزت شموط، والأستاذ عبد القادر بن المبارك، والأستاذ عبد القادر المغربي، والأستاذ بدر الدين الصفدي، والأستاذ سليم الجندي.
ومن أفاضل علماء العراق الأستاذ الشيخ طه الراوي وكيل المعارف ببغداد، والأستاذ الشيخ بهجة الأثري مفتش الأوقاف بها.
وقد تلقينا إيناس هؤلاء السادة، وما تفضلوا به من الزيارات، كما تلقينا إقبالَ فضلاء حي الميدان واحتفاءهم البالغ بالشكر الصادر من صميم الفؤاد.
وأقام طائفة من أهل العلم والأدب ورجال النهضة السورية مآدب وحفلات شاي لقدومنا، وحضر هذه المجامع كثير من كرام القوم وعلمائهم وأدبائهم. وأخص بالذكر من هؤلاء الذين قابلونا بهذا الاحتفاء: معالي وزير المعارف والعدلية الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي، وسعادة الأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وحضرة المهندس الكبير الدكتور عبد الوهاب المالكي، وحضرة الأستاذ الكبير جودت الهاشمي أستاذ الرياضيات في تجهيز دمشق، وحضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة: الشيخ كامل القصاب، والشيخ محمود ياسين، والشيخ بهجت البيطار، والشيخ حسن الميداني، والأستاذ عز الدين التنوخي، وحضرة الوجيه السيد محمد بك العابد، ونجليه الأدبيين:
(11/ 3/129)

السيد راتب، والسيد رياض، والأستاذ السيد المكي ابن العلامة السيد محمد ابن جعفر الكتاني، وحضرات أعضاء جمعية التمدن الإسلامي، والأساتذة: جميل أفندي مراد، وعبد الحميد أفندي مراد، وعبد الحميد أفندي حبش، وصبحي أفندي البوشي، وحسن أفندي التريكي، والسيد عبد الرزاق الملقي.
ودعانا إلى "الهامة" إحدى مصايف دمشق، فضيلة الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والسيد محمد كامل القصاب، ودعانا إلى "دمر" سعادة الأمير سعيد الجزائري، ودعانا إلى منتزهاتها السيد صادق المحمودي مدير مدرسة المأمون، ودعانا إلى "المزة" السيد عدنان رابح.
وممن اجتمعنا به في المأدبة التي أقامها الأستاذ القصاب حضرة مدير أوقاف دمشق أبي النصر اليافي بك. وفي المأدبة التي أقامها الأستاذ البيطار، حضر مدير الأوقاف العامة حسن بك الحكيم، وتوفيق بك حيدر.
وممن اجتمعنا به في حفلة الشاي التي أقامها الدكتور المالكي: حضرة الزعيم نصوح بك البخاري، والنائب المحترم أبي الهدى بك الحسيبي، والنائب المحترم منيربك العجلاني.
وممن اجتمعنا به في حفلة الشاي التي أقامها الأستاذ الهاشمي: الدكتور جميل صليبا مفتش المدارس الثانوية، والأستاذ السيد توفيق الجابري مدير التعليم الابتدائي في دمشق، والدكتور صبحي أبو غنيمة، والأستاذ السيد كامل الهبراوي مفتش المعارف.
وممن اجتمعنا به في المأدبة التي أقامها الأمير سعيد بدمر: حضرة صاحب السماحة السيد محيي الدين ابن أخي المجاهد الكبير عبد القادر، وهو من سماحة الأخلاق وطيب المذاكرة بمكانة سامية.
(11/ 3/130)

* بعض ما كتبته الصحف عن هذه المجامع:
كتبت صحف دمشق عن بعض هذه المجامع، وننقل هنا ما كتبته جريدة "الإنشاء" في وصف حفلة الدكتور المالكي إذ قالت:
"كانت الحفلة التي أقامها المهندس الكبير الصديق السيد عبد الوهاب المالكي على شرف العلامة الشيخ محمد الخضر التونسي حفلةً أنيقة، جمعت نخبة ممتازة من النواب، ورجال العلم والأدب، وتلاميذ الأستاذ الخضر، وقد دعي الحاضرون إلى مائدة شائقة، ثم ألقى الدكتور المالكي كلمة جميلة، سننشرها غداً، عدّد فيها مآثر الأستاذ المحتفى به، وفضله على كثير من رجالات دمشق وشبابها، فقد أمضى في دمشق أعواماً طويلة، ودرّس علوم الدين والعربية في المدرسة السلطانية، ثم سافر إلى مصر، فعرف القوم فضله، وقام بتدريس العلوم الدينية في الأزهر، وانتخب عضواً في المجمع اللغوي الملكي، ثم ألقى الأستاذ عز الدين التنوخي قصيدة نظمها الأستاذ الخضر في مدح دمشق والحنين إليها، فاستحسنت جداً، وتكلم الأستاذ بهجت البيطار عضو المجمع العلمي العربي فقال: إنه أراد أن يفاضل بين علم المحتفى به وأخلاقه، فما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لأن علمه وخلقه كلاهما عظيم، وبدرجة واحدة. وتمنى أن تؤسس الجامعة السورية كرسياً لعلوم الدين، وتعهد به إلى الأستاذ الخضر، ثم تكلم الأستاذ سعدي ياسين، فعرض لعناية العرب قديماً بالعلم، ورفعهم أقدار العلماء، والمبالغة في تكريمهم، وكانت الكلمة الأخيرة للأستاذ الخضر، فشكر لصاحب الدعوة لطفه، ثم تكلم عن حياته التي قضى شطراً منها في تونس، وشطراً منها في دمشق، وشطراً في مصر، وها هو يعود إلى دمشق التي أحبها كثيراً؛ لأنه وجد
(11/ 3/131)

فيها هناءة العيش، وبعد أن أمضى المحتفلون ساعة في أحاديث أدبية تاريخية جميلة، ودعوا صاحب الدعوة شاكرين له كرمه وأريحيته".

* الكلمة التي ألقيتها في منزل الدكتور المالكي:
سادتي الأجلاء! أشكر لحضراتكم وحضرة صاحب الدعوة الدكتور الكبير عبد الوهاب المالكي بك على هذا الاحتفاء البالغ صادراً من صميم الفوائد، وقد أثنى حضرة الدكتور وحضرات إخوانه الخطباء على ثناء لا أستحقه، وعلى أي حال كنت، لا يسعني إلا أن أقابله بشكر جزيل؛ لأنه صادر عن عاطفة أدبية نبيلة، وإذا دلّ هذا الثناء على شيء، فإنما يدل على أن المودة الخالصة تجعل السها في نظر صاحبها قمراً، بل تريه الذرة درّة، وتخيل إليه فيما لا طعم له ولا رائحة: أنه لذيذ الطعم، ذكي الرائحة، وإذا ارتحت لهذا الاحتفال، فلأنه مظهر عاطفة مودة كانت قد ربطت بيني وبين حضرة صاحب الدعوة، وبعض حضرات المحتفلين منذ عهد بعيد، وإن هذا الاحتفاء قد دلّ على تلك المودة بعبارات جديدة، لا أنها بليت فجددها؛ لأن المودة القائمة على الفضيلة لا يمسها بِلًى حتى تحتاج إلى تجديد.
قلت هذا، وما زلت أذكر أيام كان الدكتور المالكي تلميذاً بالمدرسة السلطانية، وكنت أرى منه الجد في طلب العلم، والشجاعة الأدبية المكسوة بالحياء والأدب الرفيع، وكنت أشعر منه بإجلال ممزوج بصدق الود، حتى إذا مرّ على خاطري ذكريات أيام الدراسة بالمدرسة السلطانية وأنا بمصر، وجدت صورة ذلك التلميذ (عبد الوهاب المالكي) في أول ما يخطر في نفسي.
سادتي! كنت نشأت نشأتي العلمية في تونس، ووجدت أمامي طائفة
(11/ 3/132)

غير قليلة من أهل العلم الصحيح والبصائر النيرة، وكان هناك غافلون عن بعض ما يقتضيه الحال من إصلاح، فقمت بجانب من الدعوة إلى ما أراه خيراً للأمة الإسلامية، ولا أكتمكم أني كنت أشعر بمناوأة من جانب أولئك الغافلين.
وانتقلت إلى دمشق، وعهد إليّ بالتدريس في بعض مدارسها، وأقبلت على التدريس في بعض مساجدها، وكتبت مقالات كثيرة في صحفها، وأقمت على هذه السيرة نحواً من سبع سنين، وكانت الصلة بيني وبين علمائها وأدبائها وفضلائها صافية محكمة.
ثم رحلت إلى القاهرة، فلقيت من كبار علمائها، وصفوة أدبائها، ورجال نهضتها، ورؤساء دولتها احتفاء وتكرمة، غير أن مدينة كمدينة القاهرة لا تخلو من نفر ينتمون إلى العلم أو الأدب لا يبالون أن يجحدوا، ويدعون إلى هذا الجحود، فكنت فيمن ينبه لهذه الحقائق، ويشير إلى أن تلك الدعوة غير رابحة، ولا أكتمكم أيضاً أني لاقيت قسطاً من مناوأة أولئك الجاحدين.
هذه الأوطان الثلاثة التي قضيت بها عمراً غير قصير، وإذا كان فضل العلماء المحققين، والأدباء المستقيمين، والرؤساء الراشدين، قد غطى في تونس ومصر على ما أشرت إليه من مناوأة بعض الغافلين أو الجاحدين حتى أنسانيها، ولم تبلغ أن يكون لها في حياتي الأدبية أثر، فإن الأعوام التي قضيتها بين أهل دمشق لم أشعر فيها على ما أذكر إلا برقة العطف، وحسن اللقاء أينما كنت، فإذا حننت إلى دمشق، فإنما أحن إلى الخلق الكريم، والأدب الأخّاذ بالألباب، وقد شهد لها بهذه المزايا كثير من نزلائها العلماء والأدباء من قبلي، والسلام عليكم ورحمة الله.
(11/ 3/133)

* المحاضرة بالمجمع:
اقترح عليّ بعض أهل العلم من أعضاء المجمع العلمي إلقاء محاضرة في بهو المحاضرات بالمجمع، فأجبت الطلب، واخترت أن يكون موضوع المحاضرة: "أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية" (1)، وقد نشرت في مجلة "المجمع العلمي"، ثم في الجزء الثاني من المجلد العاشر من "الهداية"، وحضرها جمع كبير من العلماء والأدباء والفضلاء، نخص بالذكر منهم: معالي وزير المعارف الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي، وحضرة مدير العدلية العام الأستاذ النكدي بك، والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي.

* إلقاء درس بالجامع الأموي:
اقترح عليّ بعض طلاب العلوم الدينية إلقاء درس بالجامع الأموي، فأجبت طلبهم، وكان موضوع الدرس: تفسير قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9 - 10]. وسننشر ملخص هذا الدرس فيما بعد -إن شاء الله-.

* إلقاء درس حديث بجامع باب مصلى:
اقترح عليّ بعض أهل الفضل إلقاء درس وعظ للجمهور، واختاروا أن يكون في جامع باب المصلّى، فأجبت طلبهم، وكان موضوع الدرس: حديث مالك في "الموطأ": "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وكنت أرى بعض أهل العلم في المجلس يكتب ما أقوله في شرح هذا الحديث.
__________
(1) وهي المحاضرة المنشورة في مطلع هذا الكتاب.
(11/ 3/134)

بعد انتهاء الدرس، ألقى الأستاذ الشيخ بهجة البيطار خطبة، دعا فيها أهل العلم إلى الاتحاد والتعاون على نشر العلم والإرشاد.

* الحالة الدينية بدمشق:
في دمشق علماء أجلاء في الدين والعربية، يدرّسون في مساجد متفرقة، وفي بعض مدارس الحكومة، والمدارس الأهلية، ولو كان للحكومات السابقة عناية بالعلوم الدينية والعربية، لأنشأت في دمشق معهدًا كبيراً يشبه الأزهر، أو جامع الزيتونة، ينفع الناس، ويأتي بثمار أكثر مما يأتي به التدريس المفرق في المساجد، والجاري على غير نظام.
ولو عزمت حكومة دمشق على إنشاء معهد ديني عربي كبير، لوجدت في علماء دمشق الكفاية، ووجدت في أوقافها متى نظمت القدرة على الإنفاق عليها بسخاء.
وقد سرني أني وجدت من مدير الأوقاف العام حسن بك الحكيم، ومدير أوقاف دمشق أبي نصر اليافي بك، عزماً على تنظيم شؤون التعليم الديني، والنهوض إلى مكانة تليق بسمعة دمشق في القديم والحديث، وكلا المديرين فيما فهمته من محاورات دارت بيننا وبينهما في هذا الشأن، يعلما يقيناً أن الشعوب الإسلامية لا ترقى الرقي الذي تملك به حريتها وسيادتها إلا أن يكون للعلوم الإسلامية فيها المكانة الأولى.
ويعزز ما ينويه مدير الأوقاف من النهوض بالعلوم الإسلامية: أن العلماء أيام كنت هناك، قد يعقدون اجتماعات للنظر في وجوه ترقية التعليم الديني، وفي تأليف جمعية تعمل لإعلاء شأن الدين، والذود عن كرامة أهل العلم.
أما التعليم الديني في مدارس الحكومة، فإن الجمعيات الإسلامية مثل
(11/ 3/135)

"جمعية الهداية الإسلامية"، و"جمعية التمدن الإسلامي"، ما زالت تجاهد في هذا السبيل، والذي وقع أيام كنت هناك: أن وزير المعارف الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي ألف لجنة من بعض مدرسي المعارف، وأعضاء الجمعيات الإسلامية، مثل: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار، والأستاذ الشيخ عبد القادر بن المبارك، لوضع منهج للتعليم الديني في مدارس الحكومة، ونرجو أن تكون اللجنة قد توفقت في وضع هذا المنهج، وأن وزارة المعارف قد تلقته بما يدل على إخلاصها في تأليف اللجنة، فتقوم على تنفيذه، وتجعل علوم الدين من العلوم التي ينبني عليها نجاح الطالب ورسوبه في الامتحان.
وأذكر أن فضيلة الأستاذ الشيخ طاهر الكيالي، من أفاضل علماء حلب، وهو من أجل من لقيت في الشام استقامة على الدين، قد كتب مذكرة لمعالي وزير المعارف الذي هو من آل الكيالي، يذكّر فيها بما للدين من فضل في رقي النشء وسعادة الأمة، ويطلب منه العناية بالتعليم الديني في المدارس، وجعله علماً أساسياً في الامتحان، يرتبط به نجاح الطالب وسقوطه.

* الجمعيات الإسلامية في دمشق:
أنشئت منذ سنين "جمعية الهداية الإسلامية"، وحضرات قراء المجلة يعرفون كثيراً من أعمال هذه الجمعية مما ننشره لها في هذه المجلة من بيانات تذيعها إرشاداً للأمة، أو استنكاراً أو احتجاجاً على بعض ما يصدر من حكومة دمشق من تصرفات تخالف الدين، والحق أن هذه الجمعية تعدّ في مقدمة الجمعيات التي تصدع بالحق في شجاعة، ومن حضرات أعضائها: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والأستاذ السيد الشريف النص، والأستاذ السيد عارف الدوجي.
(11/ 3/136)

وأنشئت منذ سنين أيضاً "جمعية التمدن الإسلامي"، وحضرات أعضاء جمعيتنا يطلعون على مجلتها "التمدن الإسلامي"، ويقرؤون ما ينشر في هذه المجلة من المباحث الدينية والاجتماعية والتاريخية المفيدة، ومن حضرات أعضائها القائمين بشؤونها: الأستاذ حسن الشطي، والأستاذ الشيخ محمد أحمد دهمان نزيل مصر اليوم، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار، والأستاذ الشيخ علي ظبيان، والأستاذ أحمد العظمة، ولهذه الجمعية أيضاً فضل كبير في تقويم سياسة الحكومة متى انحرفت عن سبيل الحق.
وأنشئت منذ سنين "الجمعية الغراء"، وفضل هذه الجمعية في مدارس أنشأتها لتعليم الدين والعربية، وقد وقع بينها وبين إدارة الأوقاف في العهد الأخير اتفاق على منهج للتعليم، يأتي -إن شاء الله- بفوائد كبيرة، وقد رأينا من مدير الأوقاف العام حسن بك الحكيم، ومدير أوقاف دمشق أبي نصر اليافي بك عناية بإصلاح شؤون الأوقاف، وعزماً على النهوض بالتعليم الديني على وجه صحيح، فنرجو لهم من الله التوفيق.
ومما أعجبت به في دمشق: جماعة من طلاب العلم يتلقون العلم عن فضيلة الأستاذ الشيخ حسن الميداني بمدرسة جامع منجك، ويهتدون بهديه، والأستاذ عالم مستنير الفكر، مستقيم على الآداب السامية، فصيح اللسان، وكثيراً ما دارت بينتا وبينه مذكرات في مسائل دينية وعربية، فنلقى منه ما ينبغي أن يتحلّى به أهل العلم من جودة النظر، وحسن الأناة، والتواضع والإنصاف.
وتم تأليف "جمعية العلماء" التي تركتها عندما غادرت دمشق بصدد التأليف، ورئيس هذه الجمعية حضرة صاحب الفضيلة الزعيم المخلص الأستاذ الشيخ محمد كامل القصاب، وأخذت هذه الجمعية تعمل للغرض الذي أنشئت
(11/ 3/137)

من أجله، وهو الذود عن حمى الشريعة، والعمل للمحافظة على كرامة العلم، ورفعة مكانة أهله، وسننشر لها في الجزء التالي رداً على مديرية الأوقاف بدمشق.
والخلاصة: أن في دمشق جمعيات إسلامية يقوم بها رجال يجمعون إلى الغيرة شجاعة أدبية، ونرجو أن تقدر حكومة دمشق قدرهم، وتفتح صدرها لما يقدمونه لها من نصائح، وتتلقى هذه النصائح بالقبول والتشجيع؛ فإن هذه الجمعيات هي التي تعبر عن آراء الأمة تعبيراً صادقاً، وإنما تنجح الحكومات وتقوم على قاعدة العدل، متى أقامت لآراء الأمة وزناً، ولم تقصر نظرها على ما تملك من قوة.
وأضيف إلى هذا: أن في دمشق قاضياً عادلاً غيوراً على دينه، هو الشيخ عبد المحسن الأسطواني، ووجود مثل هذا القاضي الفاضل في مقدمة رجال الدين، مما يزيدهم قوة على تأدية الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم؛ من حراسة الشريعة، والذبّ عن حماها بألسنة لا تعرف الملق، وقلوب لا تستهويها زهرة الحياة الدنيا.
وممن لقيتهم على جانب عظيم من الاهتمام بالحالة الدينية في الشرق، وتتبع ما يظهر في مصر وغيرها من الآراء الدينية: حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ جميل الشطي مفتي الحنابلة، ولهذا المفتي الفاضل مواقف محمودة تشهد بأنه قائم على تاريخ علماء الإسلام الذين لا يرون الوظيفة إلا وسيلة لخدمة الشريعة، ولا ينبغي أن تكون كمامة على فم العالم تمنعه من أن يصدع بالحق، أو تفعل به ما تفعل أم الخبائث، فتهبط به إلى أن يقول غير الحق.
(11/ 3/138)

رحلتي إلى سورية ولبنان (1)
سافرت من القاهرة يوم السبت 11 جمادى الآخرة، ووصلت إلى دمشق في الساعة السادسة بعد ظهر يوم الأحد، وكانت إقامتي بمنزل شقيقنا السيد زين العابدين حسين، المقيم بحي الميدان، وقد عُرف أهل هذا الحي الكبير بالمحافظة على الأخلاق الإسلامية، كما عرف بالحزم والأمانة في التجارة، وهم بعد قيامهم بأهم جانب من التجارة في دمشق نجد لهم فروعاً في أكثر البلاد السورية، وفي فلسطين، وشرق الأردن، ولو وجد في كل قطر من الأقطار الإسلامية جد ونشاط في التجارة والصناعة كهذا الجد والنشاط، لما انحازت الثروة في الشرق إلى طائفة اليهود وغيرهم من الأجانب، ولكانت حال المسلمين الاقتصادية لا تقل عن حال غيرهم من الطوائف. وتقدم الحالة الاقتصادية من أهم وسائل رقي الأمة وسعادتها.
أقبل من الغد فضلاء المدينة وعلماؤها وأدباؤها، يتفضلون بالزيارة والمؤانسة، وعقدت بعد هذا اجتماعات في منازل خاصة، أدعى إليها، ويشهدها كثير من كبار العلماء والفضلاء، والذين يعتنون بالبحث عن شؤون العالم الإسلامي، وطرق إصلاح حالتها الاجتماعية.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الخامس والسابع من المجلد السابع عشر الصادر في ذي القعدة سنة 1363 ه.
(11/ 3/139)

وقابلت فخامة رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي، وكانت بيني وبينه صداقة من قبل أن أستوطن مصر، ولقيت منه احتفاء دلّ على أحسن رعايته للعهد، وحمدت له ما اتجهت إليه همته من العمل لأن يكون في دمشق معهد ديني يشتمل على مراحل التعليم من الابتدائي والتجهيزي والعالي والتخصص. أوفد فخامته أحد الموظفين بالقصر لإبلاغي تحيته.
وفي دمشق كلية شرعية، وقد أتم القسم التجهيزي مرحلته في هذه السنة، وعُقد لطلبته امتحان لأخذ الشهادة النهائية، وجاءتني دعوة من شيخ الكلية الأستاذ الجليل الشيخ حسن الشطي للاشتراك في امتحانهم، فحضرت يوم امتحانهم في علوم القرآن، وكان من أعضاء هذه اللجنة: الأساتذة الأجلّة: المفتي الشيخ محمد الأسطواني، والقاضي الشيخ عزيز الخاني، ونقيب الأشراف السيد سعيد حمزة، وأستاذ التفسير الشيخ بهجت البيطار، ودخل في أثناء الامتحان مدير الأوقاف العمومية جميل بك الدهان، وساطع بك الحصري المعهود إليه بالنظر في نظم التعليم بالمعارف، ومدير أوقاف العاصمة الأستاذ أحمد القاسمي، وجرى امتحان الطلاب، وكانت نتيجة الامتحان مبشّرة بنجاح التعليم في هذه الكلية، ومشجعة للذين يقدرون التعليم الديني قدره من رجال الحكومة على رعايتها، والعمل لتوسيع دائرتها.
وقابلت وزير المعارف نصوح بك البخاري، فأحسن معاليه اللقاء، ودار الحديث في وظيفة العلماء من الدعوة إلى الحق بحكمة وحسن أسلوب، ودار الحديث عن حال مصر ونهضتها العلمية والأدبية، فقلت: إن في مصر خيراً كثيراً، وفيها بجانب هذا الخبر الكثير ما يجب الحذر منه؛ أعني: نزعة الإلحاد التي تظهر في مقالات أو خطب تصدر من نفر لا يقيمون للعفاف وزناً، وضاقت
(11/ 3/140)

عقولهم عن أن تفهم أن الإصلاح الديني أساس كل سعادة، وقلت له عندما عزمت على الانصراف: "إنما يزيد نهضة علمية مربوطة بآداب الإسلام".
سافرت في 6 يوليو إلى بيروت لتمثيل مجمع فؤاد الأول في المؤتمر الطبي، وحضرت حفلة الافتتاح، ومما لاحظته في الحفلة: أن الصف الثالث من الكراسي الأمامية مكتوب على أول كرسي منه أنه معد لرجال الدين، وجلس بهذا الصف نحو ستة من رجال الدين المسيحي، ولم نر فيه أحداً من رجال الدين الإسلامي، مثل: المفتي، أو القاضي، أو رئيس محكمة الاستئناف الشرعية، ولم أحضر بقية حفلات المؤتمر لأعذار قاهرة.
زرت الكلية الشرعية أو الفاروقية التي كان لحضرة صاحب الجلالة ملك مصر فاروق الأول الفضل في إسعادها والنهوض بها، ولقيت هناك المتولي إدارة شؤونها من قبل وزارة المعارف المصرية الأستاذ عبد العزيز أحمد، فأطلعنا على منهج تعليمها، ونتيجة امتحانها، واجتمعنا في دمشق وبيروت ببعض المتخرجين فيها، فوثقنا بأنها مؤسسة محمودة الأثر، ولا سيما في تلك البلاد التي هي في حاجة إلى حركة إسلامية حكمية.
دخلت مسجداً لأداء صلاة الجمعة، وكان خطيبه الأستاذ البارع الشيخ سعدي ياسين، فارتجل خطبة راعى فيها ما تقتضيه الحالة الحاضرة من إرشاد، ونبه في الخطبة على حضوري بالمسجد، فأخذ الناس بعد الخطبة يتبينون بأنظارهم الشخص الذي نبه له الخطيب، وأقبل كثير منهم للتحية.
وأقام هذا الأستاذ الخطيب بمنزله مأدبة شهدها بعض أهل العلم والفضل، كما أقام الأستاذ السيد صادق الجبالي مادبة شهدها طائفة من العلماء والفضلاء، مثل: الشيخ محمد الأنسي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية.
(11/ 3/141)

وعزمت "جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية" هنالك على إقامة حفلة احتفاء، ووزعوا أوراق الدعوة، وكان في ضمن برنامج الحفلة: "كلمة يقولها المحتفى به"، فأجبت الدعوة، واخترت أن تكون كلمتي في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
وأرسلوا في الموعد أحد مندوبي الجمعية، فحضرنا هنالك، ووجدنا في الانتظار فضيلة رئيس الجمعية الأستاذ الشيخ أحمد العجوز، مع طائفة كبيرة من أعضاء الجمعية وغيرهم من المدعوين، فألقى أمين سر الجمعية كلمة تعرض فيها لجانب كبير من أعمال الجمعية، وخطب الأستاذ رئيس الجمعية، وخطب الأستاذ الشيخ سعدي ياسين، ثم جلست على منبر الخطابة، وشكرت الجمعية على احتفائها، وحضرات الخطباء على حسن ظنهم الذي أراهم الذرّة مني ذُرى، ثم ألقيت الدرس منبهاً فيه على فضل الإسلام في إصلاح الشؤون الاجتماعية، ومنبهاً للشبان على شُبه يوردها ملاحدتنا بقصد التضليل؛ ليحذروها.
وجلسنا بعد انتهاء الحفلة حيناً مع رئيس الجمعية، فرأيناه داعياً إلى الحق على بصيرة، وهو من المتخرجين في الأزهر الشريف.
وزرنا ضريح الإمام عبد الرحمن الأوزاعي المتوفى سنة 157 ه، وهو في بناء قائم على شاطئ البحر.
ثم عدت إلى دمشق، وأقامت لنا "جمعية الشبان المسلمين" حفلة احتفاء شهدها جمع كبير من أهل العلم والفضل، ومن بينهم: سماحة الأستاذ الأكبر مفتي دمشق الشيخ محمد الأسطواني، وخطب فيها حضرات الأجلاء: رئيس الجمعية الأستاذ محمد بن المبارك، والأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا المدرس
(11/ 3/142)

بكلية الحقوق، والقاضي الأستاذ علي الطنطاوي، وألقيت بعد هؤلاء كلمة شكر لحضراتهم على ما غمروني به من ثناء لست أهلاً له، وأتبعت كلمة الشكر بكلمات في "الجمعيات الإصلاحية" (1) التي نشرت في الجزء الثالث والرابع من المجلد السابع عشر من هذه المجلة.
وسرني من هذه الحفلة أنها كانت وليدة عاطفة أدبية إسلامية خالصة، وأن خطباءها كانوا من شباب الأساتذة الذين أضافوا إلى ثقافتهم العصرية ثقافة إسلامية صحيحة، وطالما سمعتهم ينقدون مؤلفات بعض المنحرفين عن السبيل في مصر وغيرها، ويذكرون ما فيها من أمراض عقلية أو خلقية، فأحمد الله على أن الصفرة من شبابنا لا ينخدعون بما في تلك المؤلفات من زخرف القول، كما انخدع بها كثير ممن يقرؤون، وقد وضعوا أفكارهم بين يدي المؤلف يقلبها كيف يشاء.
وطلب مني أعضاء هذه الجمعية إلقاء محاضرة خلقية، فألقيتها بعد أسبوع، وهي المحاضرة التي نشر قسم منها في الجزء السادس من المجلد السابع عشر من هذه المجلة تحت عنوان: "السمو الخلقي في الإسلام" (2)، وخطب قبل إلقائها الأستاذ الفاضل خيري الجلاد، حامل شهادة كلية الشريعة، وخطب بعد إلقائها الأستاذ مصطفى السباعي المعروف في مصر بغيرته الدينية، وشجاعته الأدبية، وهو الآن يرأس في حمص جمعية تدافع عن الإسلام ونظمه الاجتماعية.
ولجمعية التمدن الإسلامي نهضة حازمة، وكانت هذه الجمعية قد نظمت
__________
(1) انظر كتاب: "هدى ونور" للإمام.
(2) انظر كتاب: "محاضرات إسلامية" للإمام.
(11/ 3/143)

محاضرات إسلامية تلقى بعد العصر في كل أيام رمضان بجامع علي باشا، وطلب مني زعماء هذه الجمعية إلقاء درس هنالك، فألقيت درساً في تفسير قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10 - 11].
وصليت الجمعة في جامع الدقاق بالميدان، فاقترح عليّ فضيلة الأستاذ الجليل خطيب الجامع الشيخ بهجت البيطار إلقاء درس بالجامع، وأعلن عنه عقب خطبة الجمعة، وكان موضوع الدرس: حديث مسلم: "من نفّس عن مؤمن كربة في الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" إلخ الحديث. ويعد انتهاء الدرس، وانصرافنا من المسجد، قال لي بعض الأساتذة: ألا تسمح بزيارة الأستاذ الشيخ الأشمر زعيم الحركة المقاومة لتبرج النساء وخروجهن عن فضيلة الحشمة؟ فمررنا بدار الأستاذ، وجلسنا معه نحو نصف ساعة.
وحضرت بدروس الوعظ التي تلقى بالجامع الأموي في رمضان، دروس الأساتذة الأجلّة: الشيخ هاشم الخطيب، والشيخ حسن حبنكة، والشيخ محمود ياسين، والشيخ بهجت البيطار، وأعجبت بحسن إلقاء هذه الدروس، واختيار موضوعها، ونقد شؤون كان في استطاعة الحكومة إصلاحها.
(11/ 3/144)

مشاهد برلين (1)
* مقدمة:
وجود الإمام محمد الخضر حسين في "برلين" مجاهداً كريماً في سبيل الله، وإعلاء كلمة الحق، مرحلة من المراحل الهامة في حياته - رضوان الله عليه -.
وما أروع وأعظم مراحل حياته على اختلاف زمانها ومكانها، سواء في تونس مولده، أو في دمشق، أو في إستنبول، أو القاهرة نهاية مطافه!
كلها مدن إسلامية في عالم إسلامي واحد، شاهدة ذاكرة لنشاطه الديني والسياسي، الذي طبع صفحات تاريخه بطابع الإخلاص في العمل، والصدق في النية، إلى جانب علم غزير نافع يزين جهاده، ومكارم أخلاق ترافق خطاه، وطيب ثناء يترك آثاره من خلفه في كل سبيل سلكه على مدى عمره الطويل العامر.
والرجل القوي في دينه، العظيم في نفسه، تسلس أمامة شدائد الصعاب، وتلين بين يديه قساوة الأيام، ويلقي الله في صدور أعدائه الضعف والهلع، ويجد المؤمن الصادق في بذل الجهد الشاق متعة وراحة، لا يجدها المترفون
__________
(1) نشرت في رسالة مستقلة ووجدنا ضمها إلى كتاب "الرحلات" إتماماً للفائدة ووحدة الموضوع.
(11/ 3/145)

الكسالى في أحضان الدعة والمال والسكون، أو الرجال الذين يسيرون إلى جوانب الجدران بعيداً عن الخوض في غمار الحياة خوف التعب.
يقول الإمام محمد الخضر حسين من ديوانه "خواطر الحياة":
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيشُ به وحدي
وكثيراً ما كان يتمثل بهذا البيت - رضوان الله عليه -.
والمسلم الذي يرتاح للنضال لا يخشى سهامه، ولا يبالي بما يصيبه من الأذى، ويجد في الحل والترحال من أجل الدعوة حلاوة لا يجدها إلا المسلم الصادق الذي يستعذب مرارة الصبر والجلَد للوصول إلى رضاء الله تعالى.
ولست أرى في الإمام محمد الخضر حسين إلا ذاك الرجل العالم العامل، والمجاهد الصامد الصابر، صغرت الدنيا في عينيه، فمرّ بها مرور الكريم سريعاً، وكأنها في نظره غزوة من غزوات الإسلام، دخلها شاهراً في يمناه كتاب الله العظيم، وخرج منها ظافراً بسلام آمن. وهنيئاً له بالدرجة العالية الرفيعة مع الصديقين والشهداء والأبرار، وحسن أولئك رفيقاً.
رحل إلى ألمانيا مرتين (1) للاتصال مع الأسرى من أبناء المغرب، وأقام
__________
(1) يقول الإمام في حديثه إلى صحفي ألماني زاره في مشيخة الأزهر عن رحلته إلى ألمانيا: "كانت هذه الرحلة في أيام الحرب الكبرى، وكنت مع الأسرى الأفريقيين أتردد عليهم وأعود إلى برلين، وقد زرت ألمانيا مرتين: أولاهما استغرقت تسعة أشهر، والثانية سبعة أشهر". مجلة "الأزهر" - الجزء الرابع من المجلد الخامس والعشرين، من مقال: "طغيان الاستعمار وخطر الشيوعية، ما نأخذ من نظم الغرب وما ندع"، ونشرت المقال في كتاب "أحاديث في رحاب الأزهر" للإمام.
(11/ 3/146)

فيها تسعة أشهر في عام 1917 م، ثم أقام فيها مدة سبعة أشهر عام 1918 م. ومن رفاقه هناك: الشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وغيرهم.
كانت رحلته لأداء مهمة وطنية جليلة، فقد جندت فرنسا مئات الآلاف من المغاربة: تونسيين، وجزائريين، ومراكشيين، وألقت بهم في الخنادق الأولى من المعارك التي خاضتها ضد ألمانيا. وكان الإمام يقوم بالاتصال اليومي مع الأسرى، ويحرضهم على الثورة ضد الفرنسيين، ويدعوهم إلى الإنضمام إلى الدولة التركية التي سوف تساعدهم على تحرير بلادهم من الاستعمار.
مهمة صعبة قاسية أداها الإمام في جو الحرب المرعب، تحت القذف الدائم، والدوي المتواصل لأصوات القذائف، والتنقل عبر خطوط القتال ليصل إلى أقرب نقاط التماس مع القوات الفرنسية، وتطلق محاضراته وكلماته بواسطة المدافع إلى خنادق الفرنسيين؛ ليقرأ المغاربة الدعوة إلى عدم مؤازرة مستعمر بلادهم في هذه الحرب، بل عليهم القتال في أوطانهم ضده.
وأقام مع إخوانه المجاهدين في برلين (اللجنة التونسية الجزائرية) التي تهدف إلى تحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها. وله مقالات ومحاضرات في الصحف والمنتديات، ولا سيما تلك التي تلقى يومياً على جموع الأسرى المغاربة في المعتقلات.
وأصدرت سلطات الاحتلال في تونس حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريضه المغاربة المعبئين في الجيش الفرنسي على التمرد والعصيان، ودعوتهم إلى الثورة على فرنسا، كما أصدرت السلطات الفرنسية أمراً مؤرخاً في
(11/ 3/147)

15 جوان 1917 م بحجز أمواله في تونس، وبيعها (1).
تعلم اللغة الألمانية وأجادها في مدة قصيرة، واطلع على الآداب والفنون، ودرس الحالة الاجتماعية وعادات الشعوب وتقاليدها وأخلاقها هناك، وشارك في الدراسات الإسلامية، وتباحث فيها مع علمائهم. ودرس علوم الطبيعة والكيمياء على البروفسور الألماني (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين.
يقول الإمام في مشاهداته عند حديثه عن ترجمة القرآن للمستشرق الألماني (ركرت): "وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة، مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية". ويقول في مشاهداته أيضاً: "أما في صناعة الخطابة، فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً ... ".
وسعى مع الدولة الألمانية لإنشاء مسجد تقام فيه فرائض الصلاة والعبادة للأسرى المسلمين، وافتتح في غرة شهر رمضان 1333 ه، وألقى الإمام خطاباً في حفل الافتتاح نورده في نهاية هذا الكتاب.

* من ذكرياته وأقواله في ألمانيا:
إن مهمته الوطنية في ألمانيا لم تكن مانعة له من البحث العلمي والكتابة، ونجده ينظم الشعر البديع، ويسجل خواطره، ويدون مشاهداته. وكثيراً ما نراه يستشهد من خلال مقالاته التي سطرها فيما بعد بوقائع وأحداث له في ألمانيا. ومن المفيد أن نورد الفقرات التي تتعلق لإقامته في ألمانيا، وشعره الذي قاله
__________
(1) "الرائد التونسي" -النسخة الفرنسية- الصادر في 20/ 6/ 1917 م، والذي تضمن: "حجزت بقصد بيعها أملاك الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم الذي ثبت عصيانه".
(11/ 3/148)

هناك من خلال مقالاته التي بين أيدينا، وديوانه "خواطر الحياة".
يقول الإمام:
- "ولما كنت بألمانيا، سمعت أناساً من أوربا وأمريكا يدَّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها" (1).
- "واجتمعت بقسيس في بلد "لنداو" من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك" (1).
- "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا أيام الحرب الأولى حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية "ويزندرف"، سألني المدير في نهايته فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكماً للأمم. قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام ... " (2).
- "وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام؛ لمعاشرته عالماً مسلماً، وصَلَه بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام "- العدد التاسع من السنة الثامنة. الصادر بالقاهرة في جمادى الأولى 1374 ه - يناير 1955 م. من مقال: "استحضار الأرواح".
(2) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة التاسعة الصادر بالقاهرة في ربيع الثاني 1375 ه - نوفمبر 1955 م من مقال: "العرب والسياسة".
(11/ 3/149)

لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالماً مثله قط" (1).
- "وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر لم أر أحداً يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم ... " (2).
- "وأخبرت وأنا في ألمانيا: أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين من غير أن يعلموا من أين جاءتهم. وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة، فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة" (3).
- "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرم من الحيوان: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3] , وهو منطبق على ما يفعلون" (4).
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" -العدد الحادي عشر من السنة التاسعة- الصادر بالقاهرة في رجب 1375 ه - فبراير 1956 م. من مقال: "ما يلاقيه العلماء من سماحة الأمراء".
(2) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة العاشرة الصادر بالقاهرة في صفر 1376 ه - سبتمبر 1956 م. من مقال: "مكافحة المظالم موجبة للسلام".
(3) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة العاشرة الصادر بالقاهرة في ربيع الثاني 1376 ه - نوفمبر 1956 م - من مقال: "الرفق بالضعفاء".
(4) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة العاشرة، الصادر بالقاهرة في رجب 1376 ه - فبراير 1957 م من مقال: "المال المباح في الإسلام".
(11/ 3/150)

- "وكنت في برلين آخذ دروساً في الطبيعة والكيمياء عن المستشرق الدكتور (هردل)، فأخبرني الدكتور بأن أحد الألمان قرأ القرآن، وأسلم، وقال الدكتور: إن الإسلام حقيقة تكلم في التوحيد بما لم يتكلم به دين آخر" (1).

* شعره في ألمانيا:
ومن روائع شعره تحت عنوان: "العرب والسياسة":
يقول الإمام محمد الخضر حسين: "كنت في قطار بضواحي برلين يرافقني مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل عليّ وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فقلت: يريد العرب قبل دخولهم الإسلام، وبهذه المناسبة نظمت هذه الأبيات":
عذيري من فتى أزرى بقومي ... وفي الأهواء ما يلد الهذاءَ (2)
يقول: العربُ ظلوا في جفاء ... وما عرفوا السياسةَ والدهاءَ
سلوا التاريخ عن حكم تملَّت ... رعاياه العدالةَ والرخاءَ (3)
عزوفِ النفس عن ترفٍ ذكورٍ ... لعقبى من أجاد ومن أساءَ (4)
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الحادية عشر. الصادر بالقاهرة في ربيع الأول 1377 ه - أكتوبر 1957 م من مقال: "الدعوة القائمة على حق".
(2) العذير: العاذل. أزرى به: وضع منه، أو قصّر به. الهذاء: القول الباطل.
(3) تملى: استمتع، يقال: تمليت عمري؛ أي: استمتعت به.
(4) عزوف: يقال: عزفت النفس عن الشيء: زهدت فيه، وانصرفت عنه، أو ملته، فهي عزوف عنه. العقبى: جزاء الأمر، الآخرة.
(11/ 3/151)

همامٍ كان سامرُه وأقصى ... بلاد في مهابته سواءَ (1)
هو الفاروق لم يدرك مداه ... أمير هزَّ في الدنيا لواءَ (2)
- وتحت عنوان (قوس الغمام):
أيخفى ضمير المرء يوماً ولو سما ... إلى الذروة القصوى ضحى ودهاءَ
إذا كتمتنا الشمس ألوانها ضحى ... يبوح بها قوس الغمام مساءَ (3)
- ويصف (حمرة الشفق):
هذا الدجى اغتال النهار ودسّه ... تحت التراب مضرجاً بدمائه (4)
ما حمرةُ الشفق التي تبدو سوى ... لطخ من الدم طار نحو ردائه (5)
ونجد في هذين البيتين أثر الحرب المشتعلة في نفس الإمام الشاعر.
وفي قرية "لنداو"، والثلج على الأشجار، وقد طلعت عليه الشمس فأخذ يذوب، وقرية "لنداو" على بحيرة "بودن" بألمانيا:
- (عبرات الأشجار):
نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غَزْلِ الثلوج براقعاً وجلاببا
__________
(1) الهمام: الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع، وهو من أسماء الأسد. السامر: مجلس السمار، يقال: أمسيت البارحة في سامر الحي؛ أي: في مجلس مسامرتهم.
(2) الفاروق: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرق الله به بين الحق والباطل".
(3) قوس الغمام: وكذلك قوس السحاب، يحدث في الأفق عقب المطر، وألوانه مختلفة.
(4) الدجى: الظلمة.
(5) الشفق: الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء الآخرة، أو إلى قريب العتمة،
اللطخ: اليسير القليل من كل شيء.
(11/ 3/152)

والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا
فبكت لكشف حجابها أَوَ ما ترى ... عَبراتها بين الغصون سواكبا
- (ريح تنسف في روضة):
جاد هذا الروض غيثٌ فازدهى ... وغدا بُلبلُه يطري السحابا
وتمادى مسهباً في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا
- (زجاجات المصور):
عذرتك إذ صورت في نفسك الهدى ... ضلالاً وصورت الضلال رشادا
فإن زجاجات المصور تقلب ال ... سواد بياضاً والبياض سوادا
- أبيات قالها في برلين سنة 1335 ه عقب زيارة المرحوم محمد فريد وإسماعيل لبيب:
جرس يصيح كحاجب ... طلق اللسان معربدِ (1)
حيناً ينوح كموجع ... من لطمة المتعمّد
والآن رنّ كمزهرٍ ... جسته أنمل معبد (2)
زار الصديق فهزّه ... من بعد ضغطة جلمد (3)
والود يسكن في الحشا ... لكن يحس من اليد
__________
(1) المعربد والعربيد: مؤذي نديمه في سكره، والشرير.
(2) أنمل: جمع أنملة، وهي رأس الأصبع. معبد: نابغة الغناء العربي في العصر الأموي، نشأ في المدينة، ورحل إلى الشام، واتصل بأمرائها (... - 126 ه).
(3) الجلمد: الرجل الشديد الصلب.
(11/ 3/153)

- (البرد في الحديقة):
هزّ النسيم غصون الروض في سحر ... كما يهز بنانُ الغادة الوترا (1)
لذّ الحفيف على سمع الغمام أما ... تراه يحثو على أدواحه دُررا (2)
- (العيد في برلين):
قيلت في برلين عندما أدركه عيد الفطر هناك:
أسِوارٌ من عسجد وجُمانِ ... تقتنيه الحسان في الأقراط (3)
أم هلال حفته في ليلة العي ... د نجوم ببهجة واغتباط
هذه طلعة الهلال وما لي ... لم أجد في الفؤاد بعضَ انبساطي
يوم عيد وما تفتق كِمٌّ ... عن أنيس ولو كسَمٍّ الخياط (4)
ما تملى سمعي تهانئ صيغت ... في قلوب موصولةٍ بنياطي (5)
أين جيراننا وأين المصلى ... وخطيبٌ يهدي لخير صراطِ (6)
أين مني شفيقةُ القلب تُهدي ... دعواتِ مثلَ الظباء عواطي (7)
__________
(1) البنان: أطراف الأصابع، الواحدة: بنانة. الغادة: المرأة الناعمة اللينة الأعطاف.
(2) الحفيف: صوت أغصان الشجر. يحثو التراب: هاله بيده.
(3) العسجد: الذهب. الجمان: اللؤلؤ. الأقراط: جمع قرط: ما يعلق في شحمة الأذن من درة ونحوها.
(4) الكِمُّ: الغلاف الذي ينشق عن الثمر، غطاء الزهر. سم الخياط: ثقب الإبرة، قال تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40].
(5) النياط: الفؤاد.
(6) الصراط: الطريق.
(7) شفيقة القلب: يقصد بها والدته السيدة البارة حليمة بنت مصطفى بن عزوز =
(11/ 3/154)

لو تقاضيت في اغترابي أمراً ... نهضت همتي له ونشاطي
لأدرت العِنان نحو دمشقٍ ... وحمدت السُّرى على الأشواط (1)
- (ثلج في السحر):
تطاول هذا الليل والجو مزبِدٌ ... تضيق بأمواج الثلوج مسالكُهْ
كأني أُذيبُ الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكُهْ
- (الملك الطبيعي أو راعي الغنم):
قيلت في قرية "ويزندورف" بضواحي برلين:
تقلَّد الملكَ بين الضَّال والسَّلم ... وهبَّ يفتحُ من غَورٍ إلى عَلَم (2)
فعرشُه ربوةٌ حاكت خميلتها ... يد الغمامة إذ جادت بمنسجم (3)
وتاجه الشمس تبدو فوق مفرقه ... تاج مصونٌ بلا جند وسفك دم (4)
سراجه الكوكب الدُّرِّيُّ يرسل من ... عليائه بسناً ينساب في الظُّلم
والظَّبي يرقُمُ في طِرْس الفلاة خُطاً ... أحلى لناظره من جولةِ القلم (5)
صفت مناظر غدرانٍ فكان له ... فيها مزايا جلاها صاقل النَّسَمِ
__________
= المتوفاة بدمشق في رمضان سنة 1335 ه. الظباء: الواحد ظبي، وهو الغزال.
(1) السُّرى: سير عامة الليل. الأشواط: الواحد شوط: الجري مرة إلى الغاية.
(2) الضال والسلم: من أشجار البادية. الغور: ما انحدر من الأرض، ويقابله النجد، والقعر من كل شيء. العلم: الجبل الطويل.
(3) الخميلة: الشجر الكثير الملتف حيث كان.
(4) المفرق: وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر.
(5) الظبي: الغزال للذكر والأنثى. الطرس: الصحيفة.
(11/ 3/155)

وآلةُ الطَّرب الحُملان ترتع في ... خِصبِ فيسمع منها أطيب النَّغم (1)
عَيناهُ: ذي سارَقَتْ جَفْنَ المها نظراً ... وتلك ناظرةٌ شزراً إلى الأجم (2)
لم يتَّخذ سامراً يوحي إليه بما ... يهوى ويخضب بعض الحق بالكَتَم (3)
وما امتطى مركباً كيلا يضايق ... في مسيره نَفَسَ العجفاء والهرم
ومن تولَّى زمام الأمر في ملأٍ ... لم يغلُ إن ساسهم سعياً على قدم
- (أحمد الظعن):
قيلت على لسان قلم أهداه لأحد الكتاب بعد عودته من برلين سنة 1334 ه:
أطوي المراحل من "برلين" في أمل ... لم يجن زهرته كفُّ الذي قَطَنا (4)
وأحمد الظعنَ إن الظعن أظفرني ... بأنمل تخدمُ الإسلامَ والوطنا (5)
- ومن أجمل شعره وأبدعة قصيدته التي قالها عند رجوعه من برلين سنة 1337 ه، وعنوانها: "من برلين إلى دمشق"، وقد ركب الباخرة من ميناء "هامبورغ" في ألمانيا، ورافقه في العودة عدد من المجاهدين، وقضى عشرين
__________
(1) الحملان: جمع الحمل: الصغير من أولاد الضأن.
(2) المها: جمع المهاة: البقرة الوحشية. الشزر: نظر الغضبان بمؤخر العين، أو النظر عن يمين وشمال. الأجم: جمع الأجمة: الشجر الكثير الملتف، وهي مأوى الأسد.
(3) السامر: مجلس السمار. الكتم: نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر فيبقى لونه، ويريد الشاعر بذلك: ما يخفي وجه الحق.
(4) المراحل: جمع مرحلة: المسافة التي يقطعها المسافر في اليوم.
(5) الظعن: السير. الأنمل: جمع أنملة: رأس الأصبع.
(11/ 3/156)

يوماً في البحر حتى وصل إلى ميناء بيروت.
يصف الإمام في هذه القصيدة الرائعة ما لاقاه من مخاطر السفر على الماء، ويتحدث عن الإنكليز، وجفاء طباعهم، ويذكر عند مروره في جبل طارق أرضَ الأندلس، ويحزن عند مروره بإستنبول وقد هوت بعد الهزيمة، ويرى في طرابلس العلم الفرنسي، (وذاك علامة الوطن المهان).
يقول الإمام الشاعر في القصيدة:
سئمت، وما سئمت سوى مُقامي ... بدارٍ لا يروج بها بَياني
فأزمعتُ الرحيل، وفرط شوقي ... إلى بردى تحكَّمَ في عِناني
بكرت إلى القطار فسار توّاً ... إلى مَرسى السَّفين كأُفعوانِ (1)
نهضتُ إلى السَّفينة في رفاق ... سَلوتُ بأنسهم نُوَبَ الزَّمانِ
وقضَّينا بها عشرين يوماً ... فلم نلج البلاد ولا المواني
تقلِّبها العواصفُ كيف شاءت ... وتقذفها بأمواجٍ سمانِ
ألا بُعداً لما تذكيه ريحٌ ... على الدَّأماءِ من حربٍ عَوانِ (2)
رست بمياه لندنَ وهي قُصوى ... فلا بَشراً نُحِسُّ ولا المغاني (3)
ووافاها العريف ومُسْعِدوه ... سراعاً في زوارقَ كالهِجانِ (4)
وأبصرنا جفاء في وجوه ... مقطِّبة وأَحْداقٍ رواني
__________
(1) مرسى السفين: ميناء هامبورغ بألمانيا.
(2) الدأماء: البحر. حرب عوان: هي الحرب التي قوتل فيها مرة بعد أخرى.
(3) لندن: عاصمة إنكلترا. قصوى: بعيدة. المغاني: جمع المغنى: المنزل.
(4) العريف: القيم بأمر القوم الذي عرف بذلك. الهجان من الإبل: البيض الكرام.
(11/ 3/157)

فقل للإنكليز صرعت خصماً ... وحزت السَّبق في يوم الرهانِ
فخلِّ الشَّرق ينهض مستقلاً ... فما هو باليؤوس ولا الجبان
أربَّان السفينة قف مليّاً ... نؤبِّن فاتحاً ثبت الجنان (1)
كأن رياح هذا الصبح مرَّت ... بأرواح تنعَّم في الجنانِ (2)
أرى جبلاً تسنَّمه قديماً ... دعاةُ الحقِّ والسُّنن الحسان (3)
وساسوا أرض أندلس بعدل ... كما صنعوا بأرض القيروان
وما انقلبت إلى الإسبان إلَّا ... على أيدي المزاهر والقيان
عبرنا الدردنيل ضحىً وجئنا ... فَروقَ وقد تهاوت في هَوانِ (4)
لمحتُ على الوجوه بها كسوفاً ... وكدت أرى التَّجَهُّمَ في المباني
يميس بأرضها الحلفاء سكرى ... وإن لم يحتَسُوا بنتَ الدِّنانِ (5)
ولم أعهد بها إلَّا حصوناً ... كستها روعة السيف اليماني
برحت فَروقَ مأسوفاً وهذي ... ربي إزميرَ حالِكةُ الدِّجان (6)
__________
(1) الفاتح: طارق بن زياد. الجنان: القلب.
(2) الجنان: جمع الجنة: الحديقة ذات الشجر.
(3) تسَنَّم الشيء: علاه.
(4) الدردنيل: مضيق الدردنيل يقع بين شبه جزيرتي البلقان وآسية الصغرى، ويصب بحر إيجة ببحر مرمرة. فروق: إستنبول.
(5) بنت الدنان: الخمر.
(6) أزمير: مرفأ في تركيا على بحر إيجة. الدِّجان: جمع الدّخن: إلباس الغيم الأرض وإقطار السماء.
(11/ 3/158)

يجوسُ خلالها اليونانُ مَرحى ... مِراحَ الفُرسِ يومَ المهرجانِ (1)
فيا نكدي يسوس الخصمُ أمري ... وكنتُ أذقته حرَّ الطعانِ
قصدت إلى الشَّآمِ ولست أدري ... أيقسو أم يلين بها زماني
وللإفرنجِ في بيروتَ عينٌ ... يُسمَّى من يُساجِلُهم بجاني (2)
وصلت إلى طرابلسٍ وحيداً ... أعاني بالتنكّرِ ما أعاني (3)
يَشينُ قِبابها علمٌ غريبٌ ... وذاك علامةُ الوطن المُهانِ
هلمَّ حقيبتي لأحُطَّ رحلي ... فنفخُ زهورِ جِلَّق في تداني
فخض بي أيها الحادي رُباها ... وألق عصا التَّرحُّل غير واني (4)
حللتُ بها ولم أفقد ندامى ... على أدب وعيشاً في ليان (5)
وللأقدارِ في الدُّنيا صروفٌ ... طويتُ على الحديث بها لساني (6)
- وإليكم هذه الصورة الشعرية، وكأنها لوحة رسام شاعر:
(سرق الغمام):
سرق الغمام اليوم ظلي بعد أن ... رسمته في "لنداو" شمس ضحاها (7)
__________
(1) المراح: التبختر والاختبال.
(2) العين: الجاسوس. ساجل: بارى وفاخر وعارض.
(3) طرابلس: مدينة ساحلية في لبنان.
(4) الواني: الضعيف البدن.
(5) ليان: رخاء العيش ونعيمه.
(6) الصروف: جمع الصرف: حدثان الدهر ونوائبه.
(7) لنداو: قرية ألمانية على بحيرة بودن قرب برلين.
(11/ 3/159)

ويد الرحيل تخطفت في "جلق" ... جسمي وأبقت مهجتي برباها (1)
فأنا خيال والبحيرة مقلة ... لكن تطاول بالخيال كراها
هذه لمحة سريعة نقدمها من سيرة الإمام محمد الخضر حسين، نورد بعدها "مشاهد برلين" التي هي بعض ذكرياته في ألمانيا الموجزة، وقد نشرت بمجلة "المقتبس" الدمشقية في الجزأين السابع والثامن من المجلد التاسع سنة 1332 ه - 1913 م.
والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني

* مرافق الحياة:
يتوسط الشوارع الكبيرة في "برلين" رياض تسايرها طولاً، وتفتح فيها سبلاً للراجلين خاصة، فيكون الشارع مفصلاً إلى رصيفين وجادتين، بينهما ممر يكتنفه عمارتان من نبات تطرزه الرياحين بألوان مختلفة، ولا يشاهد الإنسان في ديارها -ولو في الأرباض- بناء بالياً، أو جداراً متداعياً، والذي ساعد على تنسيق مبانيها ومتانتها: أن عناصر الطين بمقربة من تلك المدينة، وأن الحجارة والخشب يجلبان إليها على نهر "شبري" بسهولة وقيم زهيدة.
وكثير من المباني قائمة من الحجارة الرملية، ويستعملون "البرفير" زينة في داخل البيوت، وهو ضرب من حجارة الكرانيت المرادف له في العربية كلمة: صوّان، وتفرش بعض المحلات؛ مثل: دهاليز المدارس ببلاط (استك)، وهو قطع دقيقة من الرخام، تخلط بعجين الكلس.
__________
(1) جلق: من أسماء دمشق.
(11/ 3/160)

في كل منزل حمام يتخذ من الزنك، يسخن ماؤه في قصبة تنصب بازائه مثل الأسطوانة، ويتصل بحافته مجرى للماء الحار، وآخر للماء البارد، ومن فوقه الناضحة المثقبة، ولكل واحد من المجاري الثلاثة مفتاح يتميز بكتابة على جانبه.
ومن تلك الحمامات ما يتدفق إليه الماء الحار من معمل تشترك فيه منازل كثيرة، فيتيسر للإنسان أن يتطهر منها في أي دقيقة حضرت، ويقل لهذا ترددهم على الحمامات العامة، ولا يقصدونها -في الغالب- إلا لداعية زائدة على النظافة؛ إذ يوجد فيها من يقوم بعمل الدلك على قاعدة صحية.
ومن المنازل ما يتوسل لدفئه أيام البرد بإيقاد الفحم في القصبات القائمة بزاوية من زوايا المنزل على الطريقة المعروفة، ومنها ما يدفأ بوسيلة ماءٍ حار يمر في بعض نواحيه على أسلوب منتظم. وملخص ترتيبه: أن ينصب في الطبقة السفلى مرجل توقد تحته النار بتناسب، ويتصل بالمرجل قصبة يصعد فيها الماء إلى إناء فتح عند سقف الطبقة العليا، ثم ينسكب نازلاً إلى مواضع التسخين في سائر الطبقات وحجراتها، حتى يعود إلى المرجل مرة أخرى، ويتركب موقع التسخين -في الغالب- من خمس عشرة إلى عشرين أسطوانة خشبية متلاصقة، وجث يجري الماء في مجال مستدير وسطح غير ضيق يحصل الدفء الكافي.
وذكرت عند هذا الصنيع: أن جبرئيل بن بختيشوع المتوفى سنة 356 ه، كان يضع من وراء الحجرة التي يجلس فيها مواقد تبعث من وهجها ما يكسر سورة البرد. دخل عليه أحد الفضلاء- على ما قصّه موفق الدين في "طبقات الأطباء"-، فأحس بدفءٍ، وقد أصبح البرد شديداً، فكشف له بختيشوع عن
(11/ 3/161)

جوانب المقعد، فإذا موضع له شبابيك خشب بعد شبابيك من حديد وكوانين فيها فحم الغضى، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق، مثلما يصنع الحدّادون.
ويفتحون في النوادي الكبيرة مراوح ذات آلات، تجلب إليها الهواء النقي أو النسيم البارد بإدارة كهربائية. فمن محال القهوة ما يسع أكثر من ألف نسمة، فتجد الجالسين صفوفاً مرصوصة، ولا يحس الداخل بكدر في الهواء مع ما يقع من التدخين. وهذا أيضاً ذكّرني: أن بختيشوع الذي دبّر طريقة تسخين الحجرات إذا دبّت عقارب البرد، قد فكّر في وجه استخلاص النسيم البارد إذا رمت الظهيرة بجمراتها، فكان يعد من خلف القبة التي يتبوؤها مواضع مرصف فيها قطع من الثلج، ويأخذ الغلمان مراوح يستثيرون بها من ذلك الثلج نسيماً بارداً، فيهب إلى القبة في طريقة متجددة.
وكانوا يستوقدون الشمع، ويعض أصحاب البيوت يصنعونه من شحم البقر بأيديهم إلى قريب من سنة 1840 م، فظهر بينهم زيت الغاز المعدني، اكتشفوه في أربع ولايات من ألمانيا، ولكن منابعها ليست بغزيرة، وقد تهللت اليوم بالضرورة مسارج الكهرباء والغاز البخاري في كل محلة.
أما القصور القيصرية، فكانت تنار بالشمع المستخلص من عسل النحل، ثم انبجست فيها أنوار الكهرباء سنة 1888 ه.
لا تخلو أبواب البيوت ودواخل الحجرات من أجراس يستند تنظيمها بين الضغط على أزرارها، ورنةٌ مطرقتها إلى مجرى كهربائي، تستمده من معمل تشترك فيه محلات متعددة. ويصنعون في كل حجرة من الفنادق الشهيرة ثلاثة أجراس، يدعو النزيل بأحدها من تكفف بتنظيم الحجرة، وبثانيها من يعين لمناولة ما يحتاج إليه من مثل طعام أو شراب، ويثالثها من يختص بحمل الأمتعة.
(11/ 3/162)

ترتبط المنازل بأسلاك حاكي الصدى (التلفون) وقد ريحوا بوسيلته قسطاً عظيماً من أوقاتهم، فيكون الإنسان في غنى عن أن يبدد قطعة من الوقت، الذي هو سلك عمره في مسافة الذهاب إلى مكان، والإياب عنه بإبلاع كلمة، والإنصات إلى مثلها، وقد أصبح من المعتاد عندهم أن الإنسان لا يضرب بخطوة إلى زيارة أحد، حتى يعلم بهذه الوسيلة أنه حاضر في منزله، ويفهم من خطابه أنه لم يكن في حال يقتضي تأخير اللقاء إلى دفعة أخرى.
وتسلم إدارته لكل من عقد في محله فرعاً منه مجلداً، يحتوي على أسماء المشتركين فيه مرتبة على أحرف الهجاء، مع بيان الأعداد التي جعلت علماً على فروعهم. فمن أراد ليخابر آخر، خاطب الموظف في مركز دائرته أولاً، وأعلمه بالعدد الذي جعل على الفرع الواقع في منزل صاحبه، فيهيئ طريقة المخابرة معه. واختاروا أن يكون الموظفون في هذه الدوائر نساء، وقالوا في علة ذلك: إن التجربة كشفت على أن كلام المرأة في هذه الآلة أوضح من كلام الرجل، وأمكن في السمع.
ولا داعي إلى رفع الصوت عند المخابرة فيه، فإن المتكلم يلقي بكلامه في مكر تلفون: "آلة تقوية الصوت الضعيف"، بل ربما أدى الجهر بالقول فوق العادة إلى فوات بعض الأحرف، أو عدم تمكنها من سمع المخاطب.
يضعون في المطابخ موازين تسمى: ميزان المطبخ، يزنون بها ما يشترون من لوازم المطبخ ونحوه؛ لكي يتيقنوا نصح البائع أو خيانته، وعِلْم الباعة بمثل هذا مما يجعلهم على استقامة وحذر من التطفيف بالوزن.
ويتخذون الريش حشواً لألحفة الفراش التي تكون من كتان غالباً، فيجمعون في صنعهم هذا بين دفئها، وخفة وقعها، ويستعملون للطبخ بإرشاد
(11/ 3/163)

من نظارة الصحة العمومية القيصرية قدوراً من الألمنيوم (معدن أبيض كالفضة)؛ لأن من خواص هذا المعدن: أنه لا يفسده حامض ماء البارود، ولا يتضرر من حامض الكبريت، إلا إذا مسه مراراً متعددة، ثم إن ما يجتمع من مائه لا يسري إلى جسم الإنسان بضرر ذي بال، والقدور والأواني التي تصاحب العساكر، إنما تؤخذ من هذا المعدن؛ لخفة حمله، وقلة أذيته.
وفي الفنادق الشهيرة -ما عدا الساعات المنبهة المتداولة- آلة تلصق في الجدران المحاذية للسرر بحيث تنالها يد المضطجع، فيستعملها للإفاقة من النوم في وقت معين، فتصدح في الوقت نفسه بصوت رخيم يستمر أمداً طويلاً، أو لا ينقطع إلا إذا أسكتتها يد بتحويل وضعها.

* الديانة:
ينتحل معظم الشعوب الألمانية مذهب البرتستانت. وأول من أطلق لذلك الشعوب في العقائد، ولم يأخذ عليها في تقاليدها (فريدريك الكبير)، فخففت ولايته فتناً كانت التعصبات الاعتقادية تنفخ في جمراتها.
وصرّح بعض أساتيذهم بمزية القرآن في الدعوة إلى التوحيد الخالص، وفهمت عنه أن لدلائله وأساليبها، إذ أصبحت ترجمته تسعى بين أيديهم، أثراً في تأييد الاعتقاد بوحدة الإله. ومما أخذوه في شعار الديانة: أنْ رسموا في منطقة كل عسكري جملة تعريبها: (الله معنا). ويغلب على فلاسفتهم التمسك بما يدينون، ولا يمرقون إلى الإلحاد مثل كثير من فلاسفة أوريا الغربية. فأشهر فلاسفة الألمان (كنت) المتوفى في أوائل القرن التاسع عشر، قد تعرض في تأليفه المسمى: "انتقاد العقل الخالص" للاستدلال على وجود الخالق، وهذا التأليف أعظم كتاب يعتمد عليه فلاسفتهم.
(11/ 3/164)

* الجد والعمل:
يعمل الأمان في حياتهم على شاكلة سياسيهم الكبير (بسمارك) القائل: "إن استراح، صدئ". فإذا رأيتهم -لا سيما في غرة النهار- وهم ينتشرون في الأرض بخطاً سريعة. ونشاط، يتمثل لك الجد في أوسع مظهره، وينكشف لك الفرق ما بين العامل والقاعد في أجلى صوره.
وفي بعض إحصائيات ليست ببعيدة أن (52) في المئة من السكان يرتزقون من الصنائع، وأن المعامل المنشأة في شمال المدينة وشرقها تحتوي على أكثر من ثلاث مئة ألف عامل.
لا يلاقي المتجول في أنحاء المدينة -على سعة منطقتها - طائفة تتسول، أو يسمع لها نغمًا، وتخطر لي ذكرى أني لم ألق من السائلين في أشهر الإقامة هناك أكثر من عدد أنامل الكف الواحدة، وهم إما رجل قطع جناحه، أو عجوز بلغت من الكبر عتياً، ولا عجب إذ لم نشاهد كثيراً من العجزة يتكففون؛ فإن في الباب التاسع عشر من قوانينهم المدنية: أن تقوم الحكومة بعيش من قعد به العجز على الاكتساب بنفسه.

* المعاهد العلمية:
تأسست في برلين كلية يعمرها (250) أستاذاً، و (6000) تلميذ، ومن شعبها: مدرسة الألسن الشرقية، المنشأة في سنة نيف. 1880، ويتعلم في هذه الشعبة نحو (500) تلميذ.
والمدارس من غير هذه الكية لم أجد بها حساباً، وإنما عرفت منها مدرسة للصناع بها نحو (3000) تلميذ، ومدرسة للزراعة بها (1000) تلميذ، ومدرسة لطب الحيوان بها (500) تلميذ، ومدرسة للمهندسين بها (4000) تلميذ.
(11/ 3/165)

وأنشؤوا منذ خمس سنوات داراً في "دالم" على جانب من برلين، وجلبوا إليها كل ما يفتقر إليه علماء الطبيعة من أدوات التجربة والوسائل المساعدة على البراعة الفائقة في هذا العلم، والمقدرة الواسعة في استنباط نتائجه، وقد أصبحت هذه المحلة دار إقامة لكثير من علماء الطبيعة.
وشرع (فريدريك الأول) الذي نُصّب ملكاً على "بروسيا" في أوائل المئة الثامنة عشرة، بإنشاء دار كتب يقدر ما في خزائنها من المجلدات بمليون ونصف. ومن بينها قسم للكتب التركية، وآخر للكتب العربية. طفت بعض خزائن هذا القسم، فكنت أتناول كتاباً بعد آخر، فأجدهما مختلفين في فنيهما اختلافاً بعيداً، ثم طالعت الفهرس، فألفيته مرتباً على حروف المعجم، بحيث تسرد فيه الكتب التي تشترك بأوائل أسمائها في حروف من حروف الهجاء على نسق واحد، وإن تفرقت في موضوعات فنونها. فقرأت في حرف الهمزة مثلاً: "أحكام القرآن" لابن العربي، "إسعاف المبطي"، "الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ"، "إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية وإنقاذ الجزيرة العربية". وخصوا قسماً منها بالخرائط الجغرافية العتيقة والحديثة، وبها معرض نضدوا فيه آثار الخطوط العتيقة، وما سبق لحروفها من الأشكال الغريبة، وفتحوا في طبقتها الأولى للمطالعة محلاً سمكوا بناءه في شكل مثمن فسيح، وصففوا فيه مكاتب وكراسي في دائرة كبيرة، ومن فوق كل مكتبة مسرجة من الكهرباء، وأعدوا قبالة هذا المحل بهواً في شكل مربع مستطيل لمطالعة الجرائد والمجلات خاصة، ويماثله في طبقة عالية محل لمطالعة الكتب العربية والتركية، أو النسخ منها.
ولا يمكَّن أحدٌ من كتاب إلا إذا كانت بيده ورقة الإذن في المطالعة،
(11/ 3/166)

فإذا أحرز ورقة الإذن ممن له النظر في إعطائها، وأراد المطالعة أو النسخ، لم يسلم إليه الحافظ الكتاب إلا بعد أن يثبت في ورقة رسمية اسم الكتاب وعدده، ويبين هل خط بالقلم أو بالمطبعة، ثم ينهيها باسمه وصناعته ومحل سكناه.
يسمح قانونها بإعارة الكتب المطبوعة دون ما خط بالقلم؛ لأنها قد تصاب بضياع، فيصعب الجاد مثلها وجعله بمكانه، ولا سيما ما يكون له أثر تاريخي؛ كالكتب المخطوطة بأقلام مؤلفيها، أو غيرهم من مشاهير أهل العلم.

* نظامات علمية:
تنقسم المدارس إلى: ابتدائية، وإعدادية، وجامعة (كلية). فيستمر التلميذ من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة في القسم الابتدائي، ثم يتمادى في الإعدادي ست سنين، فينفصل عنها إلى الجامعة ويبقى بها ثلاث سنين، فإن كان من طلبة علم الطيب، فسحوا له في الأمد إلى منتهى خمس سنين.
والتعليم الابتدائي منتشر في جميع الطبقات على طريقة جبرية، فيتحتم على الولد الاستمرار في دورته إلى أقصى غاية. وعلى وليه أن لا يمنعه بعد هذه الدورة من الاختلاف إلى المدارس الإعدادية مقدار ثلاثة أعوام، ولم تشرع الحكومة قسماً ليلياً للتلاميذ الذين هم من نفس المدينة، واختاروا أن يبقى للتلميذ اختلاف إلى أوليائه، وأنسه بهم؛ ليراقبوا حالته، ويرشحوه بشيء من آدابهم.
يتعلم البنات في مدارسهن كل فن، إلا علم الإلهيات؛ إذ لا يليق بالمرأة عندهم أن تكون واعظة. ومن أمثالهم المضروبة: "المرأة في الكنيسة تسكت".
تولّى المرأة وظيفة التعليم على شرط أن تكون أيّماً، فإن أصبحت ذات زوج، انفصلت عن خطتها.
(11/ 3/167)

جرى القانون أولاً على منع المعلم من مجازاة التلميذ بعقوبة الضرب، ثم ألغاه ناظر المعارف، وقال: عندي ثقة بأن لمعلمي مدارسنا حناناً على التلاميذ وعواطف، تأبى لهم أن يبلغوا بالضرب إلى ما فيه إساءة.
لا يسوع للتلميذ أن يتعاطى المسكرات، ولو دخل في دور التعليم بالجامعة، وقد قال لي أحد أساتذتهم، عند الحديث في هذا القانون: إن تلاميذنا مثل المسلمين. كان التلاميذ يترنمون بقصائد في اللسان اللاتيني، فأبطلها القيصر، وقال: لا فائدة لهم في ذلك، فأصبحت أناشيدهم الوطنية ألمانية محضة.
يدرب التلميذ في المدارس الإعدادية على صناعة الخطابة، ويطالبونه بأن يحرر في كل شهر رسالة يبحث فيها عن بعض الموضوعات العلمية.
أجر التعليم السنوي في المدارس الإعدادية (150) ماركاً، وفي الجامعة (500) مارك، ويوازن المارك من نقودنا على وجه التقريب القطعة الفضية ذات الخمسة قروش.
يتعين مدير الجامعة في كل سنة بانتخاب من أساتيذها، ثم تقرر ولايته بتسمية من صاحب الدولة.
ترسل الدولة في كل سنة وفداً من طلاب العلوم إلى أميركا؛ ليستطلعوا مدارسها، ويستكشفوا عما عساه أن يتجدد من أساليب العلم ونتائجه.
يتلقى أبناء العائلة القيصرية تعاليمهم في مدرسة خاصة لا يغشاها إلا من نشأ في مهد الملك من أسرة راقية، ويقال: إن والد القيصر الحالي كان يود لهم أن يتعلموا بالمدارس العامة؛ حتى يلاقوا سائر الطبقات، ويكونوا على خبرة محققة من أحوالها.
(11/ 3/168)

* مشروعات خيرية:
من مساعيهم النافعة: أن ألّفوا جمعية تبحث عن البائسين من طرق خفية، وتوجّه إليهم في البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها. وقصّ عليَّ بعض أساتيذهم: أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة خياطة، فوافاها ذات يوم صاحب البريد ب (500) مارك، وناولها إياها، فدهشت فرحاً، واندفعت تسأل عن باعثها بإلحاح، فأبى أن يكشف لها عن الحقيقة.
وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على مستحق واحد، أنفع من توزيعه على طائفة ينال كل واحد منها حصة يسيرة.
ومن الجمعيات عندهم جمعية "تخفيف المصائب"، ومن أعمالها الحسنة: أن تساعد من تنوبه مصيبة في جسده مساعدة ابتدائية، ففتحت في أقسام العاصمة محالَّ عينت لها أطباء ليسارعوا إلى علاج كل من يطرأ عليه حادث، أو يفاجئه مرض في أثناء الطريق مجاناً.

* ترجمتهم للقرآن:
ترجم القرآن المستشرق (ركرت) المتوفى أواسط المئة الماضية، ولكن انصرم حبل أجله من قبل أن يتم ترجمته، ثم ترجمه المستشرق (هنينك)، وهو يعيش في مدينة "فرانكفورت" ترجمة تامة، إلا أن الأول يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الألماني، فلا يبالي بالتقديم والتأخير، والتعبير عن الحقيقة بالمجاز -مثلاً-. والثاني يحافظ على ترتيب الآية، وحقيقتها في الغالب. وقد تتبعت في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة من الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية، فوجدته ينظر إلى المعنى الأصلي، ويتحرى في أدائه جهد استطاعته.
(11/ 3/169)

ووضع غير هذين الرجلين ترجمة ثالثة لم أتتبعها، ولكن قال بعض العارفين باللغتين: إنها بعيدة عن المطابقة، وليست في القرب من الصحة مثل ترجمة (هنينك).
ونبأني الأستاذ (هردر): أن إحدى الجمعيات راسلته بأن تراجم القرآن التامة قد يضيق الوقت عن مطالعتها، واقترحوا عليه أن يترجم لهم آيات من سور متفرقة، فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق (ركرت) آيات كثيرة في التوحيد والأخلاق والأحكام، فطبعوها مجموعة، وظهرت بينهم في مثال التراجم الأخرى.

* عنايتهم بالعربية:
توسلوا إلى العربية بتعليم لسانها، ثم خدموا مؤلفاتها بالطبع، واقتبسوا من حكمتها بالترجمة. ألف الأستاذ (هردر) كتاباً في قواعد العربية، فكان الكتاب المتداول عندهم في التدريس، وقد توالى عليه الطلب هذه المدة بإعادة طبعه. وألف كتاباً يفسر فيه المفردات الأمانية بما يرادفها من العربية، وأنجز طبعه في مجلد ضخم، ثم وضع كتاباً آخر اقتصر فيه على الكلمات المألوفة في الاستعمال.
ترجم المستشرق الأستاذ (متفوخ) كتاب "علاج العيون" لعمار الموصلي، وفصلَ: (علاج العيون) من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطيب، وفصل: (علاج العيون) لابن سينا، وكتاب "وقائع العرب" لأبي عبيدة بن المثنى الكبير والصغير، ونقل إلى الألمانية أيضاً ترجمة حمزة الأصفهاني، وترجمة ابن سعد مؤلف كتاب "الطبقات". وترجم الشاعر (ركرت) أحد المترجمين للقرآن "ديوان الحماسة" في شعر ألماني. وترجم المستشرق (ريشر) قصائد أبي الأسود الدؤلي،
(11/ 3/170)

و"مقامات الهمذاني"، و"أطباق الذهب" لعبد المؤمن الأصفهاني، و"مقامات الزمخشري"، و"الأدب الصغير" لابن المقفع، وكتاب "أحسن ما سمعت" للثعالبي، ونجز طبعها. ثم ترجم كتباً لم تبرز في عالم الطباعة مثل: "الأدب الكبير" لابن المقفع، ومقدار الربع من "معجم البلدان" للبلاذري.
وربما طبع الكتاب والرسالة بلسانها العربي، وعلّق عليها بعض بيانات بلسانه الألماني، مثل: "شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير"، و"شرحه لمعلقة عنترة"، ورسالة "المذكر والمؤنث" لابن جني، ورسالة "في بقايا الأشياء" لأبي هلال العسكري. وكان هذا الأديب يحاورني في كثير من معاني الأبيات، أو الحكم المنثورة، وربما تعاطى الترجمة في أثناء قيامه بالوظيفة العسكرية، وبمثل هذه التراجم القديمة والحديثة كان للسان العربي -كما قال أحد أساتيذهم- أثر في رقي آداب اللغة الألمانية. ويشهد بصحة ما قاله ذلك الأستاذ أن أشهر شعرائهم (كيتي) المتوفى سنة 1832 نظم قصيدة إبراهيم - عليه السلام - في أسلوب فلسفي، وصرح أنه اقتبسها من القرآن الكريم. والمعروف عندهم من هذا الشاعر المستشرق: أنه كان يحترم الإسلام، ويعترف بحكمته.

* عنايتهم باللسان العثماني:
ليست عنايتهم بالعربية لهذا العهد بأوسع من وجهتهم المصروفة في اللسان العثماني، فقد نبأني أحد المعلمين في مدرسة الألسنة الشرقية: أن المتلقين للسان العثماني هذه الآونة، يناهز عددهم (200)، بعد أن كانوا في السنين الماضية لا يتجاوزون نصف العشر من هذا المقدار، ولبعض العثمانيين دروس خاصة، يتلقاها عنهم في إدارة الأخبار الشرقية ملأ من الألمان.
(11/ 3/171)

وصرف رئيس المستشرقين الأستاذ (هرتمان) همته إلى هذه اللغة، ولفت نظره إلى تتبع آدابها بطلب حثيث من عصابة المستشرقين، فنهض يحرر المقالة تارة، ويلقي المحاضرة تارة أخرى، وانعقدت منذ أشهر لجنة توالي جلساتها في دار الكتب العامة، وتنظر في القسم المؤلف بلهجة عثمانية.

* أخلاق وآداب:
يُعرف الألماني بمتانة العزم، وقلة الانقياد لخواطر اليأس، وكنت طالعت مقالات لبعض أعدائهم الذين لا يثبتون لهم الذكاء الفائق، وسرعةَ الوصول إلى الدقائق، فرأيتهم يسلمون لهم طبيعة احتمال الشدائد، والثبات على الأعمال إلى أن يحرزوا فيها نتيجة، حتى جعلوا مقدرتهم العلمية، أو ما يظهر على أيديهم من المخترعات، إنما هو ناشئٌ عن التجلد والمثابرة على السعي والتجربة.
ورسوخهم في خلق الصبر هو الأساس الذي قام عليه تبريزهم في القوة العسكرية. ولطالما طفت غابات وعرصات حول الثكنات، فرأيت الجندي نائمًا بملابسه الجديدة ووسامه الشرف على فراش من تراب، ولا وسادة له غير ذراعه، أو قطعة من جلمود.
وما برح ملوكهم يحافظون على ما يقوي هذه الخصلة في نفوسهم، حتى بالغ (فريدريك ويلهلم) في الحط من قدر المعارف، زاعماً أنها مدعاة الفشل، وإضعاف مزية الشجاعة، وكان من أثر زعمه هذا: أنه لم يعين لتنمية دار الكتب التي أنشأها أبوه سوى ستة ماركات في السنة. ولما استقلها أهل العلم حينئذ، قال لهم: أليس في خزائنها كثير من الكتب المكررة، فيمكن أن تباع، ويستبدل بها كتب مستحدثة؟!
(11/ 3/172)

استحكمت بينهم روابط الوفاق والمسالمة، حتى إني أقمت ستة أشهر في برلين، وثلاثة أشهر في قرية في ضواحيها، ولم ألحظ مشاجرة، ولو بين صبيين، أو امرأتين. فعدم ملاحظة الغريب لمثل هذا في مدة واسعة، يشعر بقلة المنازعات العدوانية فيما بينهم.
ومن نتائج هذه التربية التي يعاضدها اتساع طرق الاكتساب: أن الأمة أصبحت في قرار مكين من الأمن، فلا يوجس السائر في سواد الليل بضواحي المدينة خيفة سوء، فما الحال بين جدرانها؟.
ولقد كنت أخرج من محل الأسرى عند منتصف الليل منفرداً، وأعود إلى القرية ماراً على غابة ليس فيها أنيس غير أشجارها المتعانقة، وظلامها المتراكم، ولا ألاقي في الطريق وحشة أو قلقاً. وأزداد إعجاباً بهذه الراحة الشاملة، إذا تذكرت صعاليك إيطاليا وأمثالهم، كيف ينتشرون داخل مدينة تونس أو الجزائر، ويقطعون السبيل على سكانها بنهب الأموال، وسفك الدماء، حتى لا يمر الرجل في الطرقات المنحرفة عن الجادة بعد العتمة إلا وهو يتوقع خطراً.
يمنحون الغريب في بلادهم صدراً رحباً، فيقف الرجل إذا استوضحته أمراً، أو استخبرته عن مكان، ولا يتسلل عنك إلا أن تستوفي منه بياناً كافياً، وربما تفرس منك الحيرة في الطريق، فيفاتحك بالسؤال عن الوجهة التي تريدها، ويهديك إليها بالقول المفصل، أو بالمرافقة إذا لم تكن المسافة بعيدة.
اشتبه عليَّ الطريق إلى محطة القطار في بعض الأيام، فاستكشفت عنها أحد المارين في السبيل، فأخذ يصفها بالإشارة والأمارة، ولما لم يقنع بأن عبارته وقعت مني موقع الفهم البيّن، قفل راجعاً يسايرني بمقدار عشرين دقيقة،
(11/ 3/173)

حتى بلغت المحطة نفسها.
يلاقي التجار والعَمَلة عندهم الوارد بجباه منطلقة، وألسنة رطبة، ويعرضون عليه ما عندهم من صنوف الأشياء التي يطلبها من غير تقاعس ولا سآمة. ولهذا الأسلوب الأدبي الاقتصادي أثر عظيم في رواج البضائع، والسباق في مضمار التجارة؛ فإن من الناس من يقصر معاملته على محل، أو يبتاع منه البضاعة، ولو شطت قيمتها؛ رعاية لما يتجمل به صاحبها من سعة الصدر، ورقة الخطاب.
يغلب عليهم خلق الرصانة والتؤدة، ولا سيما في المشاهد العامة والنوادي الجامعة.
امتطيت ذات يوم قطار المدينة، فاتفق أن كان أمامي رجل أظهر في مغازلته لامرأة طيشاً وسفهاً، فوقع في خاطري أنه أجنبي عن هذه الحاضرة، ثم إنه جاذبني عند انصرافي محادثة عرفني بها أنه من أحد الشعوب البلقانية.
ومن آثار التعليم العام: أن أصبحت الأمة بمحل الثقة في نظر الحكومة، فالقطار الكهربائي ذو درجتين متفاضلتين، وتقطع أوراق الركوب بها من طاقات في أوائل محطاتها، ولا أذكر يوماً أن مفتشاً دخل عربات الدرجة العليا ونظر في أوراقها، بل فوضوا ذلك إلى وجدان الشعب وأمانته.
أما القطار البخاري الذي يسافر من العاصمة إلى قرى تبعد بمسيرة ساعتين أو أكثر، فيتردد عليه مفتش الأوراق في الشهر مرة.
وعلى ذكر البحث في الأخلاق والآداب، أذكر أني كنت أتجول في بعض الغابات حول قرية عن برلين نحو ساعة في القطار تسمى: "فيزدورف"، فخطرت على قلبي الموازنة بين المعارف والأخلاق، وبدا لي وقتئذ أن كفة الأخلاق
(11/ 3/174)

الإنسانية نظراً إلى وزنها بترقياته العلمية لم تزل خفيفة، فقلت تحت عنوان: (أيها الإنسان):
أما كفاك ظباءً أو مها بربى ... حتى تقنّصت آسادَ الشّرى بزُبى
وما اقتنعت بما يطفو على لجج ... فغصت تلقط دراً تحتها رَسَبا
ولم تقف عند تنسيق المقال إلى ... أن ماج حسناً وصار الثغر والشنبا
وبعد إرساله دهراً أقمت له ... وزناً، أكان حصاً ثم انثنى ذهبا
قلّبت وجهك بعد الأرض في فلكٍ ... فظلت ترصد منهُ السبعة الشهبا
أما تفقهت عنها في حقائق ما ... وراءها فنضحت الشك والريبا
سار اليراع رويداً فانتهضت لما ... يحدو الصحائف في شوط أو الكتبا
صغت الحديد مطايا إذ تلبثت ال ... جياد أو لقيتْ في سيرها نَصَبا
ما ضاقت الأرض يوماً عن خطاك لما ... صعدت في الجو تحكي الطير والسحبا
واشتقت لهجة إلف واهتديت لأن ... تمتع السمع منها حيثما ذهبا
حكى الصدى صيحة رجت فجئت بما ... يحكي القصائد أنّى شئت والخطبا
حبُّ الحياة استثار العزم منك إلى ... طبٍّ وحربٍ فكنت البرء والوَصَبا
فما الطبيب بمستشفاه أرغب في ال ... بقاء ممن يلاقي البِيضَ والشهبا
أرسلت في كل وادٍ رائداً فدرى ... من حكمة البحث كنهَ الأمر والسببا
لكنني ما دريت اليوم أنك قد ... أفرغت في نفسك الأخلاق والأدبا
كنت أسيح في تلك الغابات ترويحاً للخاطر، وإيثاراً لها في بعض الأحيان على مشاهد الحضارة وزخارفها، ولا سيما في أيام رمضان، حتى قلت
(11/ 3/175)

خلال السياحة في سياق الإعجاب بالبداوة والارتياح إلى بساطتها أبياتاً، صوّرت فيها حالة راعي الغنم تحت عنوان: (الملك الطبيعي).
وأذكر أني كنت ذات يوم في مقعد من أحد المنازه العامة، وفي يدي صحيفة أكتب بها بعض ما يسنح من الخواطر، فوقف علي أحد الأساتيذ، فسألني عما أكتب، فقرأت عليه من حديث تلك الصحيفة الجمل الآتية:
- يقولون: تفرقُ الأمة يفضي إلى موتها. وأقول: التفرق أثر الموت؛ فإن الجسم يموت، فتفرق أجزاؤه.
- اربط نفسك باعتقاد أنك تعمل لمن يشب، أو ينشأ بعد موتك، حتى لا يكون في صدرك حرج؛ إذ تكون بضاعتك بين أهل عصرك كاسدة.
- يتلذذ المستقيم بعفته، كما يتلذذ الفاسق ببلوغ شهوته، ولكن أمام لذة الاستقامة عقبة لا يقتحهما إلا قوي الإرادة.
- لا تثق في نفسك فيما تدعي من الإخلاص لأمتك، حتى يلذ لك أن تصلح الخلل في نظامهم وهم لا يشعرون.
- إذا وثقت بعرى التوكل على الله، لم تحتج أن تمر إلى الحق على جسر من الباطل.
- إن الرجل ليعجب مما يصنع الساحرون، أفلا يعجب من لذة تمر على قلبه من السحاب، ثم تنقلب مخازي تلبث في صحيفة حياته أحقاباً؟!.
- يكفيك فيما تجتني من ثمرة العلم الصحيح أن يرفع همتك عما فُتن به الجاهلون من زهرة هذه الحياة.
- إذا أغلق المحيط أعين رقبائك، وختم على أفواه عذالك، ثم راودك على أن تنزع حلية أدبك، فقل: ليس للفضيلة وطن، كيف تسترسل مع الأصحاب
(11/ 3/176)

إلى أن تحيد عن جانب الفضيلة، وهم لا يرقبون ذمتك، فيقفوا لك عندما تقف في دائرتها؟!.
- أسير مع الرجل على قدر ما أدرك من قيمته، فإن نظرت إليه على حسب وجاهته، أو كساد سمعته عند الناس، فقد ألقيت بنفسي في حمأة من التقليد.
- إذا أحببت الذي يجاملك وهو يحارب الله، لم يكن بغضك لمن حارب الله، وأمسك عن مصانعتك من قبيل الغيرة على حرم الشريعة.
- لا يدرك قصير النظر من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذات أفنان، وثمار ذات ألوان، وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة.
- لا تحمل نفسك ما لا تطيق من منّةِ وضيع، أو نخوة فخور، فإذا أحسست في صدرك بالحاجة إليه، فاصنع ماذا تصنع لو بقي في موتته الأولى، أو أدركته موتته الثانية.
- لا تعجب لذوق ينكر ما ألفته، أو يألف ما أنكرته، حتى يتقلَّب في التجارب والمشاهدات التي تقلَّب فيها ذوقك أطواراً.
- قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حلّ في وطنك غالباً، دفعك إلى درك أسفل، واتخذ من عنقك موطئاً.
- في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا إذا دخلت عليه من باب الغباوة، أو خرجت له عن قصد السبيل، فاحتفظ بألمعيتك واستقامتك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يفقهون.
- إن من الجهال من يرمي على مقام وجيه، فعلّمه بسيرتك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً، وإن وُضع بازائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة.
(11/ 3/177)

- يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يلاحظ من ورائها منفعة لنفسه، أن يكون في حل من وخزات أقلامها، أما أطواق الشكر الصادق، فإنما يتقلدها المخلصون.
- ألا ترى الماء الذي تلقى في مجاريه الأقذار كيف يتجهم منظرُه، ويخبث طعمه؟ فاطرد عن قلبك خواطر السوء؛ فإنه المنبع الذي تصدر عنه أعمالك الظاهرة.
- لا تنقل حديث الذي يفضى به إليك عن ثقة أمنك، وحسن عقيدة في أمانتك، ويمكنك متى كان يرمي إلى غاية سيئة أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله، فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها.
- لو فكرت في لسانك حين يعرض لإطراء نفسك، لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيصة لا يحتاج إثباتها إلى بينة.
- إذا ركبت في السياسة مركب الشعر، فقلت ما لا تفعل، أوهِمْت في واد لا تعرج فيه على حق، فانفض ثوبك من غبارها، فإنه ليس بالغبار الذي يصيبك في سبيل الله.
أصغى ذلك الأستاذ إلى هذه الخاطرات، فابتسم لها ابتسام المستحسن، ولكنه ناقشني في الخاطرة الأخيرة منها قائلاً: "إن مجال السياسة أوسع من دائرة الحقيقة"، فلم يسعني في الجواب عن هذا النقد سوى أن قلت: إن الوقائع النادرة لا تمنع من سبك المقالات الموجزة وصياغتها في أساليبها المطلقة.

* نقودهم:
تحتوي الليرة على (20) ماركاً، وتتركب من (900) قسم من الذهب، و (100) قسم من النحاس، ويحتوي المارك على (100) فينيش، ويتركب
(11/ 3/178)

كالقطعة ذات ثلاثة أو خمسة ماركات من (900) قسم من الفضة، و (100) قسم من النحاس، ويتركب الفينش من (95) قسماً من النحاس، و (4) أقسام من القصدير، وقسم من الزنك، وهناك قطع من النيكل ذات خمسة فينيشات، و (10) فينيشات، وتتركب من (25) قسماً من النيكل، و (75) قسماً من النحاس.
ولا فرق في المعاملة عندهم ما بين الأوراق النقدية والمسكوكات الذهبية والفضية، وكثيراً ما تعطى ورقة ذات الخمس ليرات لمن يستحق مقدار عشر متليكات؛ كصاحب القهوة، فيمسكها من غير أن يشمئز منها قلبه، ولا يعز عليه أن يصرفها بأوراق صغيرة، وكثير من المسكوكات الفضية.

* كلمة في الموسيقى:
اقتبسوا أنغامهم الموسيقية وتلاحينهم من الأوضاع الإنكليزية، وقد هموا هذه الآونة أن يهجروها، ويستبدلوا غيرها بها؛ قطعاً الآثار الإنكليز من بينهم، وأكبر موسيقي ظهر لديهم الشاعر (فكنر) - المتوفى سنة 1883، وله روايات شعرية تستعمل في الملاهي التي تجري فيها الروايات مقارنة لأنغام موسيقية.
وتستعمل عندهم روايات (شاكسبير) الإنكليزي من شعراء المئة السادسة عشرة، وقد أحب بعضهم طرحها، والاستغناء عنها بالروايات التي هي من أوضاعهم، ورأى آخرون إبقاءها؛ لأن (شاكسبير) لم يقل في الأمة الألمانية سوءاً.

* اللغة ونبذة من آدابها:
تنقسم اللغة الجرمانية إلى قسمين:
(11/ 3/179)

شمالية، وتندرج فيها الدنيماركية، والنرويجية، والسويدية.
وجنوبية، وتدخل فيها الإنكليزية، والهولاندية، والألمانية.
واندمج في اللسان الألماني مفردات كثيرة من اللسان الفرنسي والإنكليزي، وكان فيما ولد عن هذه الحرب أن أخذوا في إلغائها، والاستغناء عنها بما يقوم مقامها من الأوضاع الألمانية، ولا يعز عليهم ذلك ما دامت لهم جمعية لغوية قائمة بإصلاح اللغة، وتكميل نواقصها.
بني اللسان الألماني على وضع الإعراب؛ مثل اللغة العربية، وينقسم الاسم فيه إلى: مذكر، ومؤنث، وواسطة يسمى: بالمجرد، وعلامات الإعراب في الأنواع الثلاثة مختلفة، ومن خواص هذا اللسان: أن يضع المتكلم أداة التعريف، ويذكر عقبها أوصاف المعرف مفرداً وجملاً، ثم يأتي بالاسم المعرّف من بعدها، وربما اشتملت تلك الجمل المتوسطة على أدوات تعريف ومعرفاتها، ويماثل هذا: أن لهم أفعالاً كثيرة تتركب مع كلمتين، وتدل على معنى واحد، فيأتي شطر الفعل في صدر الجملة، وتلقى القطعة الثانية في آخرها، وقد يفصل بين القطعتين بما ينوف على عشر كلمات.
وهذه الوجوه هي التلى يلاحظها من يرى في تعلم هذا اللسان صعوبة تستدعي مدة أوسع من أوقات تعلم كثير من الألسنة، ولكنها من جهة الكتابة سهلة المأخذ جداً؛ لأن الأحرف المرسومة هي المنطوق بها من غير تفاوت.
ويلتزمون التعبير عن المفرد المخاطب بضمير الجمع، إلا أن يكون من صغار أقاربه، أو يكون الخطاب في شعر، وإيراد ضمير الجمع للمفرد المخاطب تعظيماً له لم يكن معتاداً للعرب قبل هذه العصور، وإنما يعرف منهم هذا الأسلوب في حال المتكلم، فيستعمل المتكلم ضمير الجمع مكان ضمير المفرد؛
(11/ 3/180)

تعظيماً لنفسه، وورد عنهم ضمير الجمع المخاطب في الواحد بقلة، ومن شواهده قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] الآية. حيث وقع خطاب الله تعالى بواو الجماعة؛ إجلالاً وأدباً.
وقفت لهم فيما يستعملون من محاسن البديع على مثل: الجناس، والتورية، وكانوا يعتبرون في طريقة شعرهم اتفاق الكلمات في أحرفها الأولى، وأصبحت اليوم مراعاتهم لهذا الشرط نادرة.
أما صناعة الخطابة، فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً كان أصحابها ينظرون عند إلقائها إلى أوراق نصب أعينهم، فوقع في خاطري أن هذه الصناعة لم تبلغ عندهم أشدها، ولكني حضرت مسامرة موضوعها: "الإسلام في عالم الحرب"، فقام بعد المسامر ثلاثة خطباء من غير أوراق، وألقوا خطباً مسهبة بترسل في القول وتؤدة، ولا يشير الخطباء بأيديهم كثيراً حال الخطبة، بل سمعت منهم من ينكر ذلك الصنيع، ولا سيما حركة لا يكون وضعها مناسباً للمعنى الذي يقترن بها، وهذا ما كان العرب ينقدونه على خطبائهم أيضاً، قال الحجاج لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم، لولا أنك تشير باليد، وتقول: أما بعد.
ويعدون (بسمارك) من أبلغ خطبائهم الذين يخطبون بلهجة شديدة، ولبلاغته في لسانهم يستشهد مؤلفو الكتب اللغوية ببعض عباراته.
يوجد في أدبائهم من يقول الشعر ارتجالاً، كنت حضرت لشاعر يقف في مشهد عظيم، فيلقي عليه طوائف من الحاضرين جملاً منثورة في معان متباينة، وهو يكتبها في أوراق بيده جملة بعد أخرى، وبأثر الفراغ من الكتابة ينطق بكل جملة مثها شعراً، يؤديه في صوت جهوري، ولهجة قوية.
(11/ 3/181)

* ضبط إداري:
يوجد مع كل شرطي سِفْر في ضمنه أسماء الشوارع والحارات والمحلات الشهيرة؛ مثل: دوائر الحكومة، والمعاهد العلمية، فيستعين به في أداء وظيفته، ويهدي به من عمي عليه السبيل من السائلين، ويحمل ميزان المائعات (أريوميتر)، فيزن ما يجده عند الباعة من حليب ونحوه، فإذا عرف فيه خلطاً، أراقه، ويراقب الشرطي الغرباء وغيرهم، ويتتبعهم بالملاحظة حيثما تقلبوا. كنت ذات يوم ماراً في جادة من العاصمة، فلقيني شرطي، وناولني مكتوباً أُرسل إلي من طرف إحدى الجمعيات، وانصرف من غير أن يسألني عن اسمي.
ومن تراتيب إدارة الشرطة: أن أصحاب البيوت أو الخانات إذا نزل عندهم أحد، قدموا إليها ورقة تحتوي على اسمه وبلاده، وعمره وحرفته، ثم إن الدائرة تطلب الشخص نفسه لتنظر في حالة، وتطلع على رخصة سفره إن كان من بلاد أجنبية.
ومن شواهد اعتناء إدارة السكة الحديدية بالشؤون المتعلقة بها، وأخذها فيها بطريق الحزم، أن ضاعت مني ورقة القطار الشهرية بين "برلين" وقرية "فنزدورف"، فبقيت ثلاثة أيام أسافر بورقات يومية، ولما جئت في اليوم الرابع إلى مقطع الأوراق، أقبل عليّ أحد العاملين في الإدارة، وقال لي: ضاعت منك ورقة شهرية، وقد عثرنا عليها، ثم صعد إلى محل الإدارة، وناولني إياها، وكان وجه العجب أني لم ألقِ إليهم خبرها من قبل، ولم أضع عليها اسمي؛ ذهولاً عما جرت به عادتهم.

* العقوبة البدنية:
لا يجيزون العقوية البدنية إلا لمن سجن في جناية تنزع شرفه، ويخاطب
(11/ 3/182)

عند ذلك بضمير المفرد المخاطب. ومن أمثلة الجنايات التي ينسلخ بها الشرف عندهم: أن يفسد الرجل عرض من لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة من سنها.
ويجري الإعدام قصاصاً عندهم بآلة مثل السطور تضرب في عنقه من خلف، ولا يقع علناً، بل يشهده أفراد خاصة مثل الحاكم به، والمدعي العام.

* مسجد الأسرى:
أنشأت الدولة الألمانية للأسرى المسلمين جامعاً للصلاة، وحماماً، ومحلات للوضوء، ومنارة شامخة للأذان، وأقامت غرة رمضان سنة 1333 حفلة افتتاحية حضرها سفير دولتنا العلية (محمود مختار باشا)، وفريق من أعيان العسكرية، والنظارة الخارجية الألمانية، وجمع كبير من الشرقيين والمستشرقين، فألقى نائب النظارة الحربية خطاباً ترجمه إلى العربية بمنطق فصيح القبطان (منس). ثم ألقى سفيرنا خطاباً باللسان الألماني، ثم تلا إمام الأسارى، وهو من أعيانهم الجزائريين خطاباً شكر فيه رفق الدولة الألمانية، ومجاملتها لهم، ثم ألقى كاتب هذه المقالة خطاباً عربياً.
* عنايتهم بأحوال الشرق:
لم يكن للألمان على ما عهدوا به من إشباع البحث في أحوال الأمم عناية بمعرفة الشؤون الشرقية تشابه العناية التي أخذتهم لعهد هذه الحرب، فقد أصبحوا يوسعون البحث في أحوال الشرق، ويلتقطون دقائق أخباره السياسية أو العلمية أو الاجتماعية بملء آذانهم، ومجامع قلوبهم.
ومن أثر هذه العناية: أن أنشؤوا منذ ابتداء الحرب دائرة ترتبط بنظارة الخارجية تسمى: (إدارة الأخبار الشرقية)، واستخدموا فيها فريقاً من العارفين
(11/ 3/183)

بالألسنة الشرقية، فترى بين العاملين فيها الكاتب العراقي، والمصري، والجزائري، والفارسي، والحجازي، والقفقاسي، والهندي، وتجلب إليها الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية والهندية وغيرها، ويترجمون منها إلى الألمانية ما يهم الاطلاع عليه، ولا سيما المقالات والآراء التي لها مساس بحالة الإسلام أو ألمانيا. ومن أعمال هذه الإدارة: نشر الرسائل والمحاضرات التي لها علاقة بالحرب الحاضرة بألسنة مختلفة.
وألقى بعض الألمانيين أيام كنت هناك محاضرات كثيرة في الكشف عن أحوال الشرق الإسلامي، منها: محاضرة تبحث عن الاقتصاد في الدولة العثمانية، وأخرى في حال الفرس، ومحاضرة موضوعها: الإسلام في عالم الحرب.
ومن عاداتهم في المحاضرة: أن ينصب المحاضر عن يساره أو يمينه خريطة البلاد التي يقصد البحث في حالتها، وربما عرضها في التمثيل (السيموتغرافي)، ويشير في أثناء تقريراته بأصبعه، أو بقضيب في يده على الأماكن التي جرته المناسبة إلى الحديث عنها.
ومن بين صحفهم مجلة تسمى: "العالم الإسلامي" تنشر الأنباء الواردة عن عالم الإسلام، وتبحث عما يجري فيه من شؤون اجتماعية أ