Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 009


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(15)

«نَقْضُ كِتَابِ الإسْلامِ وَأصُوْلِ الحكمِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(9/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(9/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
أصول الحكم في الإِسلام، ومفهوم الدولة الإِسلامية، موضوع التف حوله الداني والقاصي، وجذب إليه كثيراً من المفكرين والباحثين والكتاب، سواء من الذين أنعم الله عليه بنعمة الإِسلام، أو الذين تصدوا للرسالة الخالدة، ولم يزدهم فحيحهم إلا خساراً.
ومكان الإمام محمد الخضر حسين من هذا الموضوع في عصره، مكان القطب من الرحى؛ فهو الشهاب الثاقب على كل شيطان مارد يتخيل أن في صرح الإِسلام ثلمة يمكن خرقها، أو شبهة ينفخ في رمادها لتستعر الفتنة؛ إرضاء لشهوته وشهوات من ينطق باسمهم، ويكتب بقلمهم.
ولا غرابة أن يتخذ أولئك عبداً من عبدان بلد إسلامي، ارتدى الجبة والعمامة شعاراً، وسلك في غفلة من الوقت طريق القضاء الشرعي.
نقول: لا غرابة أن يقع اختيار الدوائر المعادية للإسلام على شيخ أزهري معمم، جمع بين صفتي العالم الأزهري، والقاضي الشرعي؛ لأنه صيد ثمين، وأي صيد أفضل من عربي له زي إسلامي، ويخفي في صدره العداوة للإسلام؟!.
إن ضلالة فصل الدين عن السياسة ما زالت -وستظل- الشغل الشاغل لأعداء الإِسلام، يروجون لها بما أوتوا من وسائل النشر والإذاعة
(9/ 1/3)

والرؤيا، التي فتحت أبوابها على الرحب والسعة، ووضعت بين أيديهم قدراتها الفنية الحديثة.
وما هذا الذي يطرق اَذاننا صباح مساء كل يوم من تسميات يلصقونها بالإِسلام، ويطيرون بها كل مطار، ويعقدون لها الاجتماعات والمؤتمرات في السر والعلن، ويصنعون لها دمى متحركة، تنطق باسمهم، وتتراقص على صفحات المجلات والصحف بخيوط يمسكون بها خوف أن تقع، ويلبسونها أسماء عجيبة غريية، فهناك: "لمستشار"، و "الباحث الجامعي الحر"، و"الدكتور العميد" إلخ المسميات التي يحاولون أن يضلوا بها الناس، فيضحكونهم، وإذا هم وأفكارهم وأموالهم سراب في سراب.
ولعل قصة كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" الذي وضعه في القاهرة "القاضي الشرير والشيخ الأزهري" علي عبد الرازق، وما أوحاه الشيطان إليه من أفكار، والشيطان يوحي إلى أوليائه، أو ما أوحاه إليه أولئك الذين يتخذون أمثاله شعاراً للضلالة والإفساد، لعل قصة هذا الكتاب مثال للمكائد الخبيثة التي تنصب للإسلام في وكر خبيث.
لنضرب صفحاً عما قيل من أن الكتاب صناعة قلم غير مسلم، وأن اسم علي عبد الرازق لم يكن إلا زينة لقبيح الكتاب، ولنضرب عرض الحائط كل إطراء وثناء وتشجيع تقاطر من دول الغرب وأبالسته وجامعاته ومستشرقيه على الكتاب، وشيخ الكتاب، لندع الأقوال الزائغة عن الحق تموت غيظاً، ولا يجدي نباحها فتيلاً فإن في الانتشار الواسع للإسلام في العالم، وتمسك أهله به، وحرصهم عليه، والدفاع عنه بالمال والروح، صفعة على وجه أولئك الذين يزعمون أن الإِسلام في طريق الاندثار. والحق يقال: إن الإِسلام يزداد
(9/ 1/4)

قوة ومنعة يوماً بعد يوم، ولا تزيده معاول الهدم إلا شموخاً وانتصاراً.
لندع الأباطيل الآنفة جانباً. وكنا نرجو ونأمل أن لا يعود إلى الكتاب وسواده وضلالاته، ولكنهم عادوا فعدنا، بل بلغت بهم القِحَة أن ترجموه إلى اللغات الأجنبية، وجعلوا منه في جامعات أوربا مرآة الإِسلام ونظراته في الحكم. ورأينا شرار الناس يسارعون إليه، ويحرصون على طباعته، فصدرت طبعات في القاهرة، وبيروت، والجزائر، ولعل هناك طبعات في بلدان أخرى لم نطلع عليها. وطرحت في الأسواق على نطاق شاسع، وبأبخس الأثمان. وسعى خفافيش الظلام وخبثاء الكتّاب مجدداً إلى تناول الكتاب في الصحافة اليومية، والمجلات الأسبوعية؛ ليدافعوا عن أفكار الكاتب من جديد.
حقَّقت كتاب الإمام محمّد الخضر حسين "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"، وأصدق القارئ أنني ترددت في طبعه مرة بعد مرة، وقلت في نفسي: كتاب الإمام في المكتبات العمومية محفوظ لمن يهمه البحث، ولِمَ أطرحه في الأسواق، فأعيد مغالطات علي عبد الرازق إلى الأذهان؟ أما كفى الإِسلام مئات الأقلام الطاعنة فيه شرقاً وغرباً تحت أستار متنوعة، وعناوين مختارة، تخفي وراءها الكفر والإلحاد؟!.
ولكنهم عادوا فعدنا، والحق أجدر أن يتبع، وإذا جاء الحق، زهق الباطل، ومن هنا لبّينا دعوة الحق، وللحق دعوة تستجاب.
"تناول هذا الكتاب نقض ما جاء في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" مما يخالف المبادئ الإِسلامية، ويحود عنها، بطريقة تدل على رسوخ قدم الأستاذ السيد محمّد الخضر في العلوم الإِسلامية والعربية، وتضلعه منها تضلعاً يجعله في صفوف كبار العلماء الباحثين الذين يعرفون كيف يصلون بالقارئ
(9/ 1/5)

إلى الحق الناصع في رفق وسهولة، دون أن يرهقوا ذهنه، أو يحرجوا صدره.
فأدلة ناصعة، ولغة بيّنة، وقصد في التعبير من غير غموض أو إبهام، وأدب صريح، وخلق متين، يدل على أن صاحبه ممن تأدبوا بالأدب الإِسلامي، وتشبعوا به، وفهموا معنى قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، ثم حسن ترتيب وتنسيق في المناقشة وسوق الأدلة لا يدع في نفس القارئ مجالاً للشك، ولا يترك شبهة تتردد في صدره دون أن يقضي عليها قضاء نهائياً.
كل ذلك في تواضع العالم الصادق النظر، النزيه الغرض، الذي لا يقصد من بحثه ودله إلا إحقاق الحق، وإزهاق الباطل" (1).
وخير تقديم وتقريظ للكتاب: أن يقدم ويقرظ نفسه بنفسه، وكتابة الإمام محمد الخضر حسين مرآة لقلم بليغ، ونفس طاهرة، وعقل حصيف، وكتاباته جوامع الحكم، وحكم بالغات صيغت باللفظ العذب والسبك الجيد، إذا تليت على الأسماع، ركنت إليها النفوس؛ لطهارتها وصدقها، وإذا قرأها القارئ، عاش في روضة علمية ساحرة.
إن الإمام محمد الخضر حسين عالم جليل، يغرف العلم من بحر لا ساحل له، ويعتبر كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" أهم المراجع للرد على كتاب علي عبد الرازق، وإذا فرح الضالّون المضلّون بكتاب "الشيخ القاضي الشرعي"، فقد فرح المؤمنون الصادقون بكتاب الإمام الصالح. وشتان بين الضلال والهدى، وبين الشر والخير!.
__________
(1) مجلة "المكتبة" شهرية أدبية تبحث عن المؤلفات وقيمتها العلمية - الجزء الثاني من السنة الثانية الصادر في رمضان - 1344 ه.
(9/ 1/6)

ونشير في هذه المقدمة الموجزة: أن كتاب النقض في طبعته الأولى جاء خالياً من عناوين البحوث والتعليقات، ومن أجل التسهيل والتيسير على الباحث والقارئ أخذنا العناوين من فهرس الكتاب في طبعته الأولى، ووضعنا كل عنوان في موضعه من الكتاب.
والحمد لله على الهدى ودين الحق، والحمد لله على نعمة الإِسلام.

علي الرّضا الحسيني
(9/ 1/7)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة للإمام محمّد الخضر حسين
أحمد الله على الهداية، وأسأله التوفيق في البداية والنهاية، وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد المبعوث بأكمل دين وأحكم سياسة، وعلى آله وصحبه وكل من حرس شريعته بالحجّة أو الحسام وأحسنَ الحراسة.
وقع في يدي كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال بالشبهات. وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازاً، ومعميات وألغازاً؛ ولعلها شغفته حباً حتى تخطّى بها المقامات الأدبية إلى المباحث العلمية. وما نشبت أن جعلت المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق، فلا تعبأ بالنداء. وكنت -بالرغم من كثرة بوارحها- أصبِّر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر، فأخطأ مقدماتها الصادقة. وما برحت أنتقل من حقيقة وضّاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرفت على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب.
فوّق المؤلف سهامه في هذا الكتاب إلى أغراض شتى، والتوى به البحث
(9/ 1/8)

من غرض إلى آخر، حتى جحد الخلافة، وأنكر حقيقتها، وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإِسلام، وبعد أن ألقى حبالاً وعصياً من التشكيك والمغالطات، زعم أن النبي - عليه السلام - ما كان يدعو إلى دولة سياسية، وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم ومراكز الدولة ليست من الدين في شيء، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ومسَّ في غضون البحث أصولاً لو صدق عليها ظنه، لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإِسلام وآدابه مزلزلة العقيدة، مضطربة العنان.
كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب من طائفة لم يتفقهوا في الدين، ولم يحكموا مذاهب السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزناً، ولا نحرك لمناقشتها قلمًا، إذ يكفي في ردها على عقبها صدورها من نفر يرون الحطّ في الأهواء حرية، والركض وراء كل جديد كياسة.
كنا نسمع هذه المزاعم، فلا نزيد أن نعرض عمّن يلغطون بها حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما اليوم، وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي للأزهر الشريف، ويتبوأ في المحاكم الشرعية مقعداً، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة، ونضعها بين يدي الحجّة، وللحجّة قضاء لا يستأخر، وسلطان لا يحابي ولا يستكين.
لا أقصد في هذه الصحف إلى أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقيه فيه من عوج؛ فإن كثيراً من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند، أو تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر عليه من أجلها التاريخ الصحيح، ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث الدينية التاريخية،
(9/ 1/9)

بقي الكتاب ألفاظاً لا تعبر عن معنى، ومقدمات لا تتصل بنتيجة.
والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب، وموضوع الكتاب الأول: الخلافة والإِسلام، وموضوع الكتاب الثاني: الحكومة والإِسلام، وموضوع الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ.
وطريقتنا في النقد أن نضع في صدر كل باب ملخصَ ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم نعود إلى ما نراه مستحقاً للمناقشة من دعوى أو شبهة، فنحكي ألفاظه بعينها، ونتبعها بما يزيح لَبْسها، أو يحل لُغزها، أو يجتثها من منبتها.
وتخيَّرنا هذا الأسلوب؛ لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها، ويسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، ولو لم تكن بين يديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط النقد والمناظرة.

محمّد الخضر حسين
(9/ 1/10)

الكتاب الأول
(9/ 1/11)

الباب الأول
* ملخص الباب:
تعرض المؤلف في فاتحة هذا الباب إلى معنى الخلافة، وأورد ما قاله بعض علماء الإِسلام في تعريفها، وأردفه بنقل كلمات أهل العلم في الحثّ على نصح الخليفة، ولزوم طاعته، وأضاف إليها كلمة من خطبة تعزى لأبي جعفر المنصور (1)، وصاغ خلال ذلك، وعقب ذلك جملاً صوّر بها منزلة الخليفة في نظر المسلمين؛ بزعم أنها منتزعة من تعريفهم للخلافة، أو مما يقولونه في الندب إلى طاعة الأمراء، ولم يتمالك بعد هذا أن طالب المسلمين بأن يبينوا له مصدر تلك القوة التي أفاضوها على الخليفة، وخرج في البحث إلى دعوى: أن للمسلمين في سلطة الخليفة مذهبين:
أحدهما: أنها مستمدة من سلطان الله.
وثانيهما: أنها مستمدة من الأمّة.
__________
(1) عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، ولد في الحميمة قرب معان (95 - 158 ه = 714 - 775 م)، توفي بمكة المكرمة، ودفن في الحجون، وقال في خطبته المشار إليها: "أيها الناس! إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه" "العقد الفريد" (الجزء الرابع ص 161).
(9/ 1/13)

وضرب المثل لهذين المذهبين بمذهبي "هبز" الألماني، "ولوك" الإنكليزي.

* مناقشة المؤلف في جمل أوردها للدلالة على أن المسلمين يتغالون في احترام الخليفة:
افتتح صاحب الكتاب البحث بحكاية كلمات وردت في تعريف الخلافة، وهي قول الشيخ عبد السلام (1): "رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقول البيضاوي (2): "الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول - عليه السلام - في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة".
وقول ابن خلدون (3): "الخلافة هي: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها".
ثم أخذ ينحت في تفسير هذه الكلمات جملاً تشعر - بما انطوت عليه من غلو وإسهاب -: أن منشئها سيتخذها سلّماً لدعوى إفراط المسلمين في إكبار مقام الخليفة، وتوسيع سلطته.
وإليك نبذة من هذه الجمل ذات الكلمات المطلقة، والمعاني المكررة:
__________
(1) عبد العزيز بن عبد السلام (577 - 660 ه = 1181 - 1262 م) فقيه شافعي، ولد بدمشق، وتوفي بالقاهرة.
(2) عبد الله بن عمر البيضاوي (... - 685 ه = ... = 1286 م) مفسر، قاض، ولد في المدينة البيضاء قرب شيراز بفارس، وتوفي بتبريز. من مؤلفاته: "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" المعروف بتفسير البيضاوي.
(3) عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون (732 - 808 ه = 1332 - 1406 م)، ولد بتونس، وتوفي بالقاهرة، عالم اجتماعي له مؤلفات عديدة أشهرها: "العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر".
(9/ 1/14)

قال المؤلف في (ص 3): "فالخليفة عندهم ينزل من أمته بمنزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المؤمنين، له عليهم الولاية العامة، والطاعة التامة، والسلطان الشامل".
ثم قال: "وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها؛ لأنه نائب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس عند المسلمين مقام أشرف من مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن سما إلى مقامه، فقد بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق من البشر".
شغل المؤلف مقدار صحيفتين أو أزيدَ بتكرار معان تعدّ من المعلومات الموضوعة على ظاهر اليد؛ ليلمح بتأكيد إلى أن المسلمين يقررون لمقام الخلافة سلطاناً ومكانة فوق ما يستحقه رئيس حكومة عادلة، ثم هو لم يقف في بيان عبارات أولئك العلماء على حد ما تحتمله ألفاظهم؛ كما هو شأن طلاب الحقيقة بإنصاف، بل أخذ يرمي الكلم على عواهنه، ويعدل عن الألفاظ المطابقة إلى غيرها من الألفاظ التي ربما قدحت في الذهن معاني غير صحيحة.
فعلماء الإِسلام يقولون: تجب طاعة الخليفة فيما يأمر به من معروف. والمؤلف يقول: له عليهم الطاعة التامة، فيحذف ما اشترطوه للطاعة من الاقتصار بها على المعروف، ويضع بدله كلمة تذهب بها إلى أن تتناول الطاعة العمياء.
وهم يقولون: "يجب أن يكون مكرماً بين الناس -أي: غير مهان-؛ ليكون مطاعاً" (1). والمؤلف يقول: وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها! فيصرف القلم عن تعليلهم الذي يأخذ به المعنى قوة الحقائق، ويضع مكانه لفظ الشمول الذي يذهب بنفس القارئ إلى أقصى غاية.
__________
(1) "مطالع الأنظار" (ص 470) طبع الآستانة.
(9/ 1/15)

وهذا النوع من التصرف في أقوال أهل العلم مما يغمز في أمانة صاحبه. وقد يغمض عنه الطرف في المقالات الأدبية، أو في مقام الوعظ، أما الباحث في العلم، فإنه حقيق بأن يؤاخذ به، وبالأحرى حيث يكون بصدد بيان رأي أو حكم انتصب لمناقشته أو نقضه.
وأعجب من هذا قوله بعد: لأنه نائب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس عند المسلمين مقام أشرف ... إلخ؛ فإنه ساق هذه الكلمة مساق التعليل لما عزاه إلى المسلمين في حق الخلافة، ومقتضى نسج الكلام: أن المسلمين يرون أن الخليفة بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق من البشر. وهذه الكلمات إنما هي من مصنوعات قلم المؤلف، وعليها طابع مبالغته الشعرية. والميزان الذي يرجع إليه المسلمون في المفاضلة بين البشر إنما هي الأعمال الصالحة المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. فمنزلة القائد الخطير ينقذ الأمة من سطوة عدو هاجم، والعالم الحكيم يحميها من ضلالات مبتدع خليع، هي أسمى في نظر المسلمين من صف له الخليفة إذا لم يكن له من العمل ما يساوي عملهما في عظيم الأثر، وشرف الغاية.
ولم يزد أولئك العلماء أن قالوا في الخليفة: إنه نائب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا لا يقتضي أن يقال: سما إلى مقام رسول الله - عليه السلام - وبلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق. ولو جرينا على هذا الضرب من الاستنتاج، لقلنا: قال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، فداود - عليه السلام - سما إلى مقام الألوهية، أو بلغَ الغاية التي لا مجال فيها لمخلوق. وهذا الضرب من الاستنتاج باطل بالبداهة، فليكن ما صنعه المؤلف خارجاً عن الأقيسة الصادقة.
(9/ 1/16)

* بحث في قولهم: طاعة الأئمة من طاعة الله:
وجاء المؤلف بعد هذا بقطع التقطها مما قيل في احترام الخليفة، ومحض النصيحة له، وحيث إنه أتى بها كمقدمات، بني عليها استعظام القوة التي توضع في يد الخليفة، واستنكارها حسبما انجرّ إليه البحث في (ص 6)، وجب أن نطارحه الحديث فيما يراد منها، أو في أهلية قائليها, لأن يوثق بهم، أو يحتج بأقوالهم.
قال المؤلف عازياً إلى "حاشية الباجوري (1) على الجوهرة": "عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ظاهراً وباطناً". وعلله بقول أبي هريرة (2) أخذاً من "العقد الفريد": "إن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله".
نتحدث مع المؤلف فيما عزاه إلى أبي هريرة، فنذكره بأن "العقد الفريد" كتاب أدب، لا يليق برجل يبحث في موضوع ديني أن يستند إلى شيء مما ينقله ذلك الكتاب عن صحابي أو غيره. وإذا أباح لنفسه الاستشهاد بما بين دفتي "العقد الفريد"، فلا يحق له بعد هذا أن يعمد إلى أحاديث في "صحيحي البخاري ومسلم" يراها واقفة في سبيل بعض اَرائه، فيقول: لنا أن ننازع في صحتها. وأصل خبر أبي هريرة في الصحيفة التي رمز إليها المؤلف من "العقد الفريد": "لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، أمرنا بطاعة الأئمة، وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم
__________
(1) (ص 3).
(2) عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أبو هريرة، صحابي جليل (21 ق. ه - 59 ه = 602 - 679 م)، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 5374 حديثاً. توفي بالمدينة المنورة.
(9/ 1/17)

من عصيان الله". وقد تصرف المؤلف في الخبر بحذف كلمة "أمرنا". ولفظ أمرنا في قول الصحابي إما أن يجعل الخبر حديثاً نبوياً كما هو رأي جمهور أهل العلم؛ إذ الظاهر أن الآمر هو صاحب الشريعة، وإما أن يبقى محتملاً لأن يكون الآمر بعض الخلفاء والأمراء، وعلى كلا المذهبين، فأبو هريرة راوٍ إما لحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإما لأثر عن بعض الخلفاء أو الأمراء.
وقد جاء في معنى خبر أبي هريرة حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، وهو: "من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري، فقد عصاني".
وليس في هذا الحديث ولا ذلك الخبر ما يدعو إلى غرابة، ما دمنا نعلم أن الأمير الذي يقال: إن طاعته من طاعة الله، وعصيانه من عصيان الله، هو الأمير المسلم الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكذلك تكون طاعته ظاهراً وباطناً؛ لأنه لم يكن سوى لسان يعبر عن أحكام الشريعة الثابتة بنص جلي، أو استنباط صحيح.

* بحث في قولهم: النصح للأئمة لا يتم إيمان إلا به:
قال المؤلف في (ص 4) عازياً إلى "العقد الفريد": "فنصح الإمام، ولزومُ طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه".
ساق المؤلف هذه الجملة، ولا داعي لمساقها -فيما يظهر- إلا أن يطلع قراء كتابه على مقالة للمسلمين، تجعل تمام الإيمان وثباتَ الإِسلام موقوفين على نصح الإمام ولزوم طاعته. وهذا في رأيه موضع غرابة وإنكار, فإنه أورده في نسق ما رتب عليه قوله في (ص 6): "كان واجباً عليهم إذا أفاضوا على
(9/ 1/18)

الخليفة تلك القوة ... إلخ".
ونص عبارة "العقد الفريد" في الصحيفة التي رمز إليها: وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة "، قالوا: لمن يا رسول الله؛ قال: "لله ورسوله، ولأولي الأمر منكم". فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه.
فصاحب "العقد الفريد" أورد العبارة كالبيان للحديث النبوي، وهو بيان لا غبار عليه؛ لأنه إذا كانت النصيحة للأمراء معدودة في حقائق الدين، وبالغة مبلغ ما يقرن بالنصح لله ورسوله، كانت بلا ريب من قبيل ما لا يكمل إيمان إلا به، ولا يستقيم إسلام إلا عليه. ولا يبقى معنى سوى أن "العقد الفريد" كتاب أدب، لا يحلّ لنا الاعتماد عليه في شيء من المباحث الشرعية، فلا بد من الرجوع إلى كتب السنّة؛ لنعلم مبلغ هذا الحديث من الصحة. وهو مروي في "صحيح مسلم (1) " عن تميم الداري (2)، ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؛ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".

* بحث في قولهم: السلطان ظل الله في الأرض:
قال صاحب الكتاب في (ص 4): "وجملة القول: أن السلطان خليفة
__________
(1) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، إمام في الحديث (204 - 261 ه = 820 - 875 م)، ولد بنيسابور، وتوفي بظاهرها. أشهر مؤلفاته: "صحيح مسلم"، جمع فيه اثني عشر ألف حديث.
(2) تميم بن أوس بن خارجة الداري، أبو رقية، صحابي جليل (... - 40 ه = ... - 660 م)، كان يسكن المدينة، وتوفي بفلسطين.
(9/ 1/19)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أيضاً حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده. ومن كان ظل الله في أرضه، وخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فولايته عامة ومطلقة، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله الكريم".
أورد المؤلف هذه الجمل على طريق الحكاية لما يقول المسلمون، وهو غير مؤمن بها، ثم أضاف إليها أسفل الصحيفة نبذة من خطبة ألقاها أبو جعفر المنصور بمكة، وموضع إنكاره منهاة كما دلّ عليه في (ص 7): قوله في مستهلها: "إنما أنا سلطان الله في أرضه"، ودل في تلك الصحيفة أيضاً على عدم رضاه عن قولهم: "ظل الله الممدود".
فقوله: حمى الله في بلاده، لم يعزه المؤلف إلى قائل بعينه، ومعناه قريب المأخذ، بعيد عن مواقع اللبس، فإن الحمى يقال على المكان الذي يحميه الشخص، ويمنع غيره من أن يدانيه، فيرجع إلى معنى: الحرم، والكنف، ومعنى كون السلطان حمى الله: أنه الحرم الذي يأمن به كل خائف، والكنف الذي يضرع إليه كل ذي خصومة.
وقوله: وظله الممدود على عباده، ليس بمستنكر" إذ قد روي في معناه حديث نبوي، وهو: "السلطان ظل الله في الأرض"، والمعنى: أنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس (1).

* مناقشة المؤلف في زعمه: أن ولاية الخليفة عند المسلمين كولاية الله ورسوله:
وقوله: فولايته عامة ومطلقة؛ كولاية الله تعالى، ورسوله الكريم.
__________
(1) "النهاية" لابن الأثير (مادة: ظل).
(9/ 1/20)

هذا من مبالغاته التي تضع للخلافة في نفوس المستضعفين من الناس صورة مكروهة، ولو كان المؤلف يمشي في بحثه على صراط سوي، لتحرى فيما ينطق به عن المسلمين أقوالهم المطابقة، وهم لم يقولوا: إن ولاية الخليفة عامة ومطلقة كولاية الله؛ فإن الله يفعل ما يشاء فيمن يشاء، ولا يسأل عما يفعل، والخليفة مقيد بقانون الشريعة، ومسؤول عن سائر أعماله، وكذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له خصائص لا يحوم عليها الطير، ولا يبلغها مدى البصر، منها: أن تصرفاته نافذة، ولا تتلقَى إلا بالتسليم، وتصرفات الخليفة قد تقابل بالمناقشة والنقض والإنكار، فإن عني بالعموم والإطلاق: مجردَ تناولها للرقاب والأموال والأبضاع (1)، قلنا له: إن نزاهة البحث، والأخذ فيه بفضيلة الإنصاف، يقضيان عليه بطرح هذه العبارة المرهقة بالعموم والإطلاق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17].
قال المؤلف عازياً إلى "طوالع الأنوار"، وشرحه "مطالع الأنظار": "ولا غرو أن يكون له حق التصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم". قطف المؤلف هذه الجملة من أصلها، وأطلقها خالية من الروح التي تجعلها حكمة جلية، فإن صاحب "المطالع" إنما ألقاها في نسق التعليل لأخذ العدالة شرطاً من شروط الإمامة، فقال: الرابعة: أن يكون عدلاً؛ لأنه يتصرف في رقاب الناس، وأموالهم، وأبضاعهم. وقال شارحه في "المطالع": لو لم يكن -يعني: الإمام- عدلاً، لم يؤمَن تعديه، وصرْف أموال الناس في مشتهياته، وتضيع حقوق المسلمين.
فالمراد من التصرف في الأموال والرقاب والأبضاع: التصرف بحق،
__________
(1) الأبضاع: البُضْع: الزواج، وعقده، والمهر، والجمع: بضوع، وأبضاع.
(9/ 1/21)

وهو التصرف بنحو القضاء، أو بعمل مشروع؛ كاستخلاص الأموال المفروضة، وحمل الناس على أمر الجندية، وولاية نكاح من لا ولي لها.
ثم ذهب المؤلف في نحو من صحيفة يكيل للخليفة من إطلاق اليد، وسعة السلطان، ما كففنا طغيان بعضه فيما سلف، وسنتولى تهذيب بعضه فيما يأتي، وقد شعر وهو منفلت العنان؛ بأن الحقيقة تصيح به من كل جانب، وتضرب بأشعتها على رأس قلمه، فوقف بمقدار ما اعترف بأن الخليفة عند المسلمين مقيد بحدود الشرع، ثم انقلب يصف السبيل التي رسمتها الشريعة بكلام له باب باطنه فيه النقد، وظاهره من قبله الرضاء. وإنما قلت: باطنه فيه النقد, لأنه سيصرح بإنكار الخلافة، وإنكار أن يكون للإسلام شأن في السياسة، دون أن تأخذه فيما أنكر أناة أو هوادة.
ثم قال في (ص 5): "نعم. هم يعتبرون الخليفة مقيداً بقيود الشرع، ويرون ذلك كافياً في ضبطه يوماً إن أراد أن يجمح، وفي تقويم ميله إذا خيف أن يجنح".
يرى المسلمون أن الخليفة مقيد بقانون الشريعة على الوجه الذي سنحدثك عنه في نقض الكتاب الثاني، وأن الإِسلام قرر لهم من الحقوق أن تقوم حول الخليفة أمة من الذين أوتوا العلم، يتقصَّون أثره، فيأمرونه بالمعروف إن تهاون، وينهونه عن المنكر إن طغا، فإذا ركب غارب الاستبداد، وأعياهم تقويم أوده، خلعوه غيرَ مأسوف عليه.
وقد كان بعض الخلفاء يرعى هذا الحق بصدق؛ كما أن الأمة في الصدر الأول كانت تعمل عليه بقوة، فانتظمت السياسة، وأشرق محيَّا العدالة، وقامت قاعدة المساواة على وجهها.
(9/ 1/22)

قال المؤلف في (ص 6): "قد كان واجباً عليهم إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة، ورفعوه إلى ذلك المقام، وخصّوه بكل هذا السلطان، أن يذكروا لنا مصدر تلك القوة التي زعموها للخليفة، أنِّي جاءته، ومن الذي حباه بها، وأفاضها عليه؟ ".
ألقى المؤلف هذا السؤال المشبع بالإنكار بعد أن قرر على لسان المسلمين واجبات الخليفة، وكساها صبغة غير الصبغة التي فطرها الله عليها، ولم يخرج هذا السؤال على قارئ الكتاب فجأة حتى يتلجلج لسانه في الجواب عنه دهشة، بل روح الصحف السابقة، والثوب الفضفاض الذي كانت تتبرج فيه جملها، يُشعران بأن المؤلف سيذهب في أمر الخلافة مذهب الجاحدين، ويتبع غير سبيل المسلمين، وقد عرفت إذ ناقشناه في أقواله ومنقولاته: أن الإِسلام لم يجع في أمر الخليفة ببدع من القول، ولم يملكه سلطة تبخيس المسلمين شيئاً من حريتهم، أو تجعله يتصرف في شؤونهم حسب أهوائه، فالقوة المشروعة للخليفة لا تزيد على القوة التي يملكها رئيس دولة دستورية، وانتخابه في الواقع إنما كان لأجلٍ مسمّى، وهو مدة إقامته قاعدة الشورى على وجهها، وبذله الجهد في حراسة حقوق الأمة، وعدم وقوفه في سبيل حريتها.

* من أين يستمد الخليفة سلطته؟
قال المؤلف في (ص 7): "على أن الذي يستقرئ" عبارات القوم المتصلة بهذا الموضوع، يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج: أن للمسلمين في ذلك مذهبين:
المذهب الأوّل: أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى، وقوته من قوته".
(9/ 1/23)

الاستمداد من سلطان الله وقوته يجيء لمعنيين:
أحدهما: الاستمداد بطريق الاستقامة والعدل، وهو معنى صحيح، وحقيقة واقعة، ومن شواهده: قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، فالخليفة قد يستمد من سلطان الله وقوته، متى كان طيب السريرة، مستقيم السيرة، ينفق العزيز من أوقاته في إصلاح شؤون الأمة، ولا يألو جهداً في الدفاع عن حقوق البلاد بحكمة وثبات.
ثانيهما: الاستمداد من قوة الله وسلطانه بطريق غيبي، ليس له من سبب سوى كونه خليفة، وهذا ما يقصد المؤلف إلى جعله أحد مذهبين في الإِسلام، وقد جاءت هذه الدعوى مكبّة على وجهها، ولم يسعفها المؤلف بما يبلّ ظمأها.
قال المؤلف في (ص 7): "ذلك رأي تجد روحه سارية بين عامة العلماء، وعامة المسلمين أيضاً، وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو، وتشير إلى هذه العقيدة".
شدّ ما عُنينا بأمر الخلافة، وأنفقنا في مطالعة الكتب الممتعة بالبحث عنها نظراً طويلاً، ووقتًا واسعاً، فلم نعثر -مع هذا- على كلمة تنبئ -ولو بطريق التلويح-: أن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله، وقصارى ما يستنتج من كلماتهم عنها، ومباحثهم فيها: أن الله أوجب على الناس إقامة إمام، وأن ولايته تنعقد إما بمبايعة أهل الحل والعقد، وإما بعهد من الخليفة قبله، وأنه إذا سعى في السياسة فساداً، كان للأمة انتزاع زمام الأمر من يده، ووضعه في يد من هو أشد حزماً، وأقوم سبيلاً.
(9/ 1/24)

والذي يؤخذ بطريق الاستنتاج: أن المؤلف عرف أن للغربيين في سلطة الملك مذهبين، فابتغى أن يكون للمسلمين مثلهما، ولما لم يجد في كلام أهل العلم عن الخلافة ما يوافق، أو يقارب القول بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله، تلمسه في المدائح من الشعر أو النثر، وادعى أنه ظفر ببغيته، وساقها كالشواهد على تقرير مذهب ليس له بين الراسخين في العلم من مبتدع ولا تبيع. ولا أظن المؤلف يجد في مباحث الخلافة ما يشتم منه رائحة هذا المذهب، ويتركه إلى الاستشهاد بأقوال الشعراء، أو كلمات صدرت على وجه المبالغة في الثناء.
ولو رمى هذا المذهب على كتف الفرقة الغالية من الشيعة، لكان له في بعض مقالاتهم متكأ، ولكن حديث هذه الطائفة لا مساس له بالخلافة التي طرح عليها بحثه، وسلقها بكلماته الحداد.
قال المؤلف في (ص 7): "وقد رأيت -فيما نقلنا لك آنفاً-: أنهم جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، وأن أبا جعفر المنصور زعم أنه سلطان الله في أرضه".
إذا جعلوا الخليفة ظل الله تعالى، فللحديث المروي: "السلطان ظل الله"، وسبق شرحه بأنه خرج مخرج التشبيه، حيث إنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس عمن يأوي إليه، وإضافته إلى الله لأنه أمر بإقامته وإطاعته، وأين هذا من معنى استمداد السلطان من سلطان الله؟!.
وقول أبي جعفر المنصور أنه "سلطان الله في أرضه" لا صلة له بالمعنى الذي يتحدث عنه المؤلف، وتأويل معناه -كما عرفت-: أن الله أمر بإقامة السلطان وطاعته، ومن هذه الجهة يصح إضافته إلى الله، وبالأحرى حيث يكون قائما على حراسة شرعه، ويسير في سياسة الناس على صراط مستقيم،
(9/ 1/25)

فإن لم يكن المنصور على هذه السيرة، فغاية ما يقال عنه: أنه سمّى نفسه سلطان الله، وهو غير صادق في هذه التسمية.
قال المؤلف في (ص 7): "وكذلك شاع هذا الرأي، وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون الأولى، فتراهم يذهبون دائماً إلى أن الله - جل شأنه - هو الذي يختار الخليفة، ويسوق إليه الخلافة".
يعرف العلماء أن بين الخالق - جلّ شأنه - وأمر الخلافة صلة القضاء والقدر، وذلك معنى لا يختص بالخلافة، بل يتحقق في كل ما يحدث في الكون من محبوب ومكروه، وهناك معنى آخر زائد عن القضاء والقدر، وهو الإرادة بمعنى: المحبة والرضا، وهذا أيضاً يتعلق بكل ما فيه خير وصلاح، ولا يتعلق بأمر الخلافة إلا بتفصيل، وهو أنْ يقال: متى كان الخليفة مستقيماً عادلاً، كانت ولايته خيراً وصلاحاً، وصح أن يقال: وقعت بإرادة الله؛ أي: محبته ورضاه، وإن كان جائراً فاسقاً عن أمر ربه، كانت ولايته شراً وفساداً، واستحقت أن يقال عليها: إنها لم تكن محبوبة لله، ولا مختارة عنده، وممن نبه على حقيقة هذه الإرادة واختصاصها بما هو خير ومأمور به: أبو إسحاق الشاطبي (1) في "موافقاته"، وشيخ الإِسلام ابن تيمية (2) في "رسالة الأمر والإرادة" (3). فدعوى أن العلماء يذهبون دائماً إلى أن الله هو الذي يختار
__________
(1) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (... - 790 ه = ... - 1388 م)، أصولي حافظ من أهل غرناطة.
(2) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (661 - 728 ه = 1263 - 1328 م) الإمام، وشيخ الإِسلام، ولد في حران، وانتقل إلى دمشق، وتوفي معتقلاً في قلعتها.
(3) (ص 262).
(9/ 1/26)

الخليفة، ويسوق إليه الخلافة، لا نجد في أقوال العلماء ما يحوم عليها، وما هي إلا كلمة سقطت من قلم المؤلف قبل أن تأخذ حظها من البحث وإمعان التفكير.

* مناقشة المؤلف فيما استشهد به من أقوال الشعراء:
قال المؤلف في (ص 7): "على نحو ما ترى في قوله:
جاء الخلافة أو كانت له قَدَراً ... كما أتى ربّه موسى على قَدَرِ
وقول الآخر:
ولقد أراد الله إذْ ولاكها ... من أمة إصلاحَها ورشادَها
وقال الفرزدق:
هشامُ خيارُ الله للناس والذي ... به ينجلي عن كلِّ أرضٍ ظلامُها
وأنت لهذا الناس بعد نبيهم ... سماءٌ يرجّى للمحول غَمامُها"
البيت الأول من قصيدة لجرير (1) يهنئ بها عمر بن عبد العزيز (2) بالخلافة، ولو كان المؤلف يقدر الخلفاء المستقيمين حق قدرهم، لأتينا في الاستشهاد على صحة معنى هذا البيت؛ بأن جريراً أنشده بين يدي عمر بن عبد العزيز بعد أن قال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً، وأقره عليه.
__________
(1) جرير بن عطية بن حذيفة، من تميم (28 - 110 ه = 650 - 728 م) أكبر شعراء عصره، ولد ومات في اليمامة.
(2) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي الدمشقي القرشي (61 - 101 ه = 681 - 720 م) من الخلفاء الصالحين، ولد بالمدينة المنورة، وتوفي بدير سمعان من أرض المعرة.
(9/ 1/27)

أما حيث يقول في (ص 36): "إن الخلافة نكبة على الإِسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد"، فنخشى أن يعد إقرار عمر بن عبد العزيز لجرير على هذا البيت شرارة من تلك النكبة، أو قطرة من ذلك الينبوع، فلا مندوحة حينئذٍ عن أن ندخل إلى نقض كلامه من باب تحرير معنى البيت وشرحه على مقتضى الاستعمال العربي.
قوله: "جاء الخلافة أو كانت له قدراً" وقعت "أو" هنا موقع الواو، وفي رواية: "إذ كانت له قدراً (1) ".
وهذا الشطر وارد على ما يفيده قوله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه: 40]. ومعنى الآية: جئت على قدر قدرتُه لأن كلمك وأستنبئك غيرَ مستقدم وقته المعين، ولا مستأخر (2).
وعلى مقتضى هذا التفسير يكون معنى: "جاء الخلافة أو كانت له قدرًا": أنه جاء الخلافة على القدر الذي قدره الله لها، ويراد بهذا: أنه نالها بغير تعب ولا معاناة، قال الدماميني في "شرح المغني" (3): "كانت له قدراً": كانت مقدرة، لا سعي له فيها.
فليس في البيت الذي أنشد بين يدي عمر بن عبد العزيز ما يدل على أن الله اختاره خليفة، وساق إليه الخلافة، إلا على معنى القدر الذي لا يغادر حادثاً من حوادث الكون إلا أتى عليه.
__________
(1) مبحث "أو" من كتاب "المغني" لابن هشام.
(2) تفسير البيضاوي.
(3) مبحث "أو".
(9/ 1/28)

وأما البيت الثاني، وبيت الفرزدق (1)، فلا حرج علينا أن نطوي بساط المناقشة دونهما؛ إذ المسألة تقرير مذهب في أحد المباحث العلمية أو الدينية، وحق هذا المقام ألا يوثق فيه بأقوال الشعراء، بعد أن عرفنا في فن البديع أن كلامهم ينقسم إلى؛ مبالغة، وإغراق، وغلوّ، ومع هذا الوجه الكافي في طرحهما من حساب تلك الشبه الواهية نقول: إن معنى البيتين لم يكن ناشئاً عن عقيدة خاصة في الخليفة والخلافة، وإنما هو مبني على العقيدة العامة؛ من أن ما كان خيراً وصلاحاً، تتعلق به الإرادة على وجه الرضا والمحبة، وهذا ما يدعيه الشاعران في ولاية ممدوحيهما، وقد يقولان ذلك وهما يعتقدان أن مدحهما غير مطابق للواقع، وأين هذا من تلك الدعوى الواسعة، وهي الاعتقاد بأن الله هو الذي يختار الخليفة؟! ولو تعلّم المؤلف تأويل الأحاديث، وتلا قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة: 20]، وقوله: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، وقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101] لم يلتبس عليه قول الشاعر: "إذ ولّاكها"، أو يجره إلى شبهة أقرب إلى العدم من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
قال المؤلف في (ص 8): "ولقد كان شيوع هذا الرأي وجريانه على الألسنة، مما سهل على الشعراء أن يصلوا في مبالغاتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية، أو قريباً منها، حتى قال قائلهم:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ ... فاحكمْ فأنت الواحد القهارُ
__________
(1) هَمَّام بن غالب. بن صعصعة التميمي (... - 110 ه = ... -728 م) من فحول الشعراء، من أهالي البصرة، وتوفي في باديتها.
(9/ 1/29)

وقال طُرَيح (1) يمدح الوليدَ بن يزيد (2):
لوقلت للسيل دع طريقك والمو ... جُ عليه كالهضب يعتلج
لساخ وارتد أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج"
قبض المؤلف قبضة من أثر جرجي زيدان (3)، ونبذها في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم". اقرأ كتاب "تاريخ التمدن الإِسلامي" (4) تجده تعرض إلى ما حدث من الغلو في احترام الخلفاء أيام الدولة العباسية، ثم قال: "فلا غرو إذا سموا الخليفة في أيام المتوكل: ظل الله الممدود بينه وبين خلقه، أو قالوا قول ابن هانئ (5) للمعز الفاطمي (6):
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ ... فاحكم فأنت الواحد القهّار"
__________
(1) طُرَيْح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد الثقفي، أبو الصلت (... - 165 ه = ... - 781 م) شاعر الوليد بن يزيد الأموي، وخليله.
(2) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان (88 - 126 ه = 707 - 744 م) من ملوك الدولة المروانية بالشام.
(3) جرجي بن حبيب زيدان (1278 - 1332 ه = 1861 - 1914 م) منشئ مجلة "الهلال" بمصر، ولد في بيروت، وتوفي بالقاهرة.
(4) من "مؤلفات جرجي زيدان" (ج 4 ص 182).
(5) محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي (326 - 362 ه = 938 - 973 م) من شعراء الأندلس وأشعرهم. ولد في إشبيلية. وقتل في (برقة).
(6) معد بن إسماعيل (319 - 365 ه = 931 - 975 م) صاحب مصر وأفريقية، ولد بالمهدية، وتوفي بالقاهرة.
(9/ 1/30)

فهذا البيت ينسب إلى ابن هانئ (1)، كما ترى، ونسبه المعري (2) في "رسالة الغفران" (3) إلى شاعر يدعى بابن القاضي، فقال: "حضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ابن أبي عامر (4) صاحب الأندلس، فأنشده قصيدة أولها:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكم فأنتَ الواحدُ القهّارُ
ويقول فيها أشياء، فأنكر عليه ابن أبي عامر، وأمر بجلده ونفيه".
فعلى رواية المعرّي خرج البيت على أن يكون خطاباً لخليفة كما يدّعي المؤلف. وعلى كلا الروايتين، لم يكن هذا الغلوّ في الوصف من أثر الاعتقاد بأن الخليفة -أو الأمير- يستمد سلطانه من سلطان الله، وإنما هو انحلال عقدة الإيمان بالله، ينضم إليه الإغراق في التملق وحب العاجلة، فينحدر الشاعر في مديحه طلق العنان، خالعاً على ممدوحه من ألقاب العظمة والقوة
__________
(1) قال ابن العماد في "شذرات الذهب" (جزء 1، ورقة 276 مخطوط دار الكتب المصرية): كان ابن هانئ كثير الانهماك في الملاذ متهماً بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك، نقم عليه أهل إشبيلية، وساعت المقالة في حق الملك بسببه، واتهم بمذهبه أيضاً. وقال في "العبر": كان منغمساً في الملذات والمحرمات، متهماً بدين الفلاسفة.
(2) أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري (363 - 449 ه = 973 - 1057 م)
شاعر فيلسوف، ولد ومات في معرة النعمان.
(3) من أشهر كتب المعري (ص 154).
(4) محمد بن عبد الله بن عامر (326 - 392 ه = 938 - 1002 م) أمير الأندلس، والمعروف بالمنصور، أصله من الجزيرة الخضراء، ومات في مدينة سالم.
(9/ 1/31)

ما يتخطى به إلى مقام الألوهية. وقد وقع مثلُ هذا من عضد الدولة (1) في قوله يصف نفسه:
مُبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح مَن فاق البَشَرْ
عضدُ الدولة وابنُ ركنها ... ملكُ الأملاك غلّابُ القدر (2)
فالحقُّ أن علة هذا النوع من الشعر، إنما هي تجرد النفس من طبيعة الحياء والأدب مع الخالق، ينضم إليه داعي الطمع أو الفخر أو التباهي بالحذق في صناعة البيان.
قال أبو بكر بن العربي (3) في كتاب "الأحكام" (4): إن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون، ألا ترى إلى قول بعضهم:
ولو لم تلامس صفحةَ الأرض رجلُها ... لما كنت أدري علّة للتيمّم
وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه.
وأما بيتا طريح، فأراد بهما المبالغة في مدح الوليد بالسطوة ونفاذ
__________
(1) فناخسرو بن الحسن بن بويه الديلمي (324 - 372 ه = 926 - 982 م) الملقب عضد الدولة. توفي ببغداد، ودفن بالنجف.
(2) "معاهد التنصيص" (ص 348).
(3) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي (468 - 543 ه = 1076 - 1148 م) قاض وحافظ للحديث. ولد في إشبيلية، وتوفي قرب فاس.
(4) (ج 2 ص 120).
(9/ 1/32)

الكلمة، حتى ادعى أنه لو أمر السيل الجارف بالانصراف عن طريقه، لم يسعه إلا الإذعان لأمره، والخضوع لسلطانه، ولا يصح أن يعد مثل هذا من أثر الاعتقاد بأن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله، وإنما هو من نوع الغلو الذي يرتكبه الشعراء في أكثر فنون الكلام؛ من غزل ومديح وهجاء وحماسة.
قال المؤلف في (ص 8): "وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء، خصوصاً بعد القرن الخامس الهجري، وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين، رفعوه فوق صف البشر، ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية".
بدا للمؤلف أن يبتدع للمسلمين في سلطان الخليفة مذهباً لا يعرفونه، ولما لم يجد في مباحث الخلافة ما ينبئ به، ولو بطريق التلويح أو الاقتضاء، صمّم أن يقرره، وصمّم على أن يعزوه لعامة العلماء، وعامة المسلمين، وعندما أفضت النوبة إلى تلاوة المستندات، قام ينشد من شعر جرير، والفرزدق، وابن هانئ، وطريح، وغيرهم، كأنه يبحث في حكم لغوي، أو سر من أسرار البيان، ولعله انتبه إلى أن ما أنشده من الشعر أقل من أن يثير شبهة، وأوهى من أن يستهوي النفوس إلى ظن، فأخذ ينبش عما يقوله العلماء في مديح الخلفاء من نثر، عسى أن يجدهم انفلتوا في هذا الصدد، وحام بهم الإغراق والغلوّ على نحو ما مر لأولئك الشعراء، فلم تقع يده إلا على بعض جمل نسجت على منوال السرف في مديح ملوك ليسوا بخلفاء، وما كان إلا أن أتى بما يوسع نطاق الدعوى، حتى يدخل تحت جناحيها الخلافة والملك، ويهيئ للاستشهاد بتلك الجمل موضعاً، فقال: "وجدتهم إذا
(9/ 1/33)

ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين، رفعوه فوق صف البشر إلخ"، وضرب المثل لهذا جملاً انتزعها من خطبة نجم الدين القزويني (1) في أول "الرسالة الشمسية"، وجملاً من خطبة شارحه قطب الدين الرازي (2). وأخرى من خطبة "حاشية السيالكوني" (3) على ذلك الشرح.
ونناقش المؤلف في هذا الصنيع من ناحيتين:
إحداهما: أن المقال معقود للبحث في سلطان الخليفة، وهؤلاء إنما يصفون ملوكاً ليسوا بخلفاء.
وثانيهما: أن هذه الكلمات خرجت مخرج المبالغة في المديح والإطراء، وليس هذا من أثر الاعتقاد بأن سلطان الملك مستمد من سلطان الله، وإنما علته أحوال نفسية؛ كالرغبة في إحراز جاه، أو الحرص على متاع هذه الحياة.
ومما ينبه على هذا: أن كلمات المديح والثناء كثيراً ما تجري على ألسنة قوم، وقلوبهم تتبرأ منها.
__________
(1) علي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني، نجم الدين (650 - 675 ه = 1203 - 1277 م) عالم منطقي وحكيم. من مؤلفاته "الشمسية" رسالة في قواعد المنطق، من أهل الري، وتوفي بدمشق. من مؤلفاته "تحرير القواعد المنطقية في شرح الشمسية".
(2) محمد بن محمد الرازي، قطب الدين (694 - 766 ه = 1295 - 1365 م) عالم بالحكمة والمنطق.
(3) "حاشية على القطب على الشمسية" تأليف عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوني البنجابي (... - 1067 ه = ... - 1656 م) من أهل سيالكون التابعة للاهور.
(9/ 1/34)

* الفرق بين مذهب (هبز) وحق الخليفة في الإِسلام:
قال المؤلف في (ص 11): "ويكاد المذهب الأول يكون موافقاً لما اشتهر به الفيلسوف (هبز)؛ من أن سلطان الملوك مقدس، وحقهم سماوي".
يقول "هبز" (1): إن كل فرد في المملكة يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحكم، وخضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، والنزوع للخروج عن إرادة الحاكم أو ردها يعتبر ثورة وتمرداً، والدين يجب أن لا يخضع لإرادة الحاكم.
هذا مذهب "هبز" الذي يحاول المؤلف ضربه مثلاً لمذهب عامة العلماء، وعامة المسلمين في سلطان الخليفة.
أقم الوزن بالقسط، تر "هبز" يقول: إن كل فرد يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: لا يطاع الحكم إلا حين يأمر بحق. وهو يقول: خضوع الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، وعلماء الإِسلام يقولون: على الحاكم أن يخضع لأدنى الناس منزلة، متى أمره بمعروف، أو نهاه عن منكر. وهو يقول: ردّ إرادة الحاكم يعتبر ثورة أو تمرداً، وعلماء الإِسلام يقولون: إذا أراد الحاكم أن يدير شأنا من شؤون الأمّة على غير مصلحة، أو يفصل في قضية على وجه يخالف قانون العدل، فلا حرج على الأمة أن تردّ إرادته بطريق الحكمة، ولا يصح له أن يعد مقاومتهم لهذه الإرادة ثورة أو تمرداً.
قال أحد أمراء بني أمية لبعض التابعين: أليس الله أمركم أن تطيعونا في
__________
(1) "دائرة المعارف الألمانية" لمير (ج 9 ص 391).
(9/ 1/35)

قوله {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]؟ فأجابه بقوله: أليس قد نُزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [النساء: 59] (1).
ويقول "هبز": الدين يجب أن يخضع لإرادة الحاكم، وعلماء الإِسلام يقولون: يجب على الحاكم أن يخضع لقانون الإِسلام نصاً أو استنباطاً، وعليه أن يخلي السبيل للطوائف المخالفة تتمتع بالحرية في أديانها وإقامة شعائرها، ولا يحل له أن يعترضها بحال.
* * *
__________
(1) "فتح الباري" لابن حجر (ج 13 ص 91).
(9/ 1/36)

الباب الثاني
حكم الخلافة
تعرض المؤلف في هذه الباب لحكم الخلافة، وما جرى فيه من اختلاف، وحكى كلام ابن خلدون في انعقاد الإجماع على الوجوب، وشذوذ بعض الطوائف عنه. ثم نقل الدليل النظري على وجوبها من كتاب "القول المفيد" للأستاذ الشيخ محمد بخيت (1)، وتخلص بعد هذا إلى إنكار أن يكون في الكتاب أو السنّة دليل على الوجوب، وأخذ يتكلم في تفسير بعض آيات ليبين عدم اتصالها بشيء من أمر الإمامة. ثم أخذ يناقش الأستاذ السيد محمد رشيد رضا (2) في أحاديث استشهد بها على وجوب الخلافة، فأومأ إلى الارتياب في صحتها، وذهب يتأولها على وجه غريب، ويسوق على هذا التأويل أمثلة ليست جارية على قانون المنطق في كثير ولا قليل.

* الإجماع على نصب الإمام:
المناقشة:
قال المؤلف في (ص 12): "ولكنهم لا يختلفون في أنه -يعني: نصب
__________
(1) محمد بخيت بن حسين المطيعي (1271 - 1354 ه = 1865 - 1935 م) فقيه ومفتي مصر. ولد في بلدة المطيعة باسيوط.
(2) محمد رشيد بن علي رضا (1282 - 1354 ه = 1865 - 1935 م) من علماء الحديث والتفسير، ولد في القلمون، وتوفي بالقاهرة.
(9/ 1/37)

الإمام - واجب على كل حال، حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع".
لم ينفرد ابن خلدون بحكاية الإجماع على نصب الإمام، بل تضافر عليها كثير من علماء الكلام؛ كالعضد (1) في "المواقف"، والسعد (2) في "المقاصد"، وإمام الحرمين (3) في "غياث الأمم"، وغيرهم. وقال ابن حزم (4) في كتاب "الفصل" (5): اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، ما عدا النجدات من الخوارج (6)؛ فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن
__________
(1) عبد الرحمن بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي (... -756 ه = ... - 1355 م) عالم بالأصول والمعاني والعربية. من أهل "إيج" بفارس، وتوفي مسجوناً في كرمان. من مؤلفاته: "المواقف".
(2) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين (712 - 793 ه = 1312 - 1390 م) إمام في العربية والمنطق. ولد في تفتازان من بلاد خراسان، وتوفي بسمرقند. من مصنفاته: "مقاصد الطالبين".
(3) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الملقب بإمام الحرمين (419 - 478 ه = 1028 - 1085 م) من علماء الشافعية، ولد في "جوين" من نواحي نيسابور، وتوفي بقرية "بشتغال" في نيسابور. من مؤلفاته "غياث الأمم والتياث الظلم".
(4) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (384 - 456 ه = 994 - 1064 م) من علماء وأئمة الأندلس. ولد بقرطبة، وتوفي في بادية لبلة بالأندلس. من مؤلفاته: "الفصل في الملل والأهواء والنحل".
(5) (ج 4/ ص 87).
(6) أصحاب نجدة بن عامر الحروري أحد بني حنيفة.
(9/ 1/38)

يتعاطوا الحق بينهم. ثم قال: وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي في الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على بطلانه.
فقول المؤلف: "حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع "عبارة يصوغها من لم يطلع على الإجماع محكياً في غير "مقدمة ابن خلدون"، أو من يريد أن يضع في نفس القارئ" عقيدة: أن هذا الإجماع إنما جاء حديثه في تلك المقدمة. ولا أدري لماذا اختار هذه العبارة، وهو يشعر بأنه سينجر به البحث في (ص 15 و 21) إلى الاعتراف بأن الإجماع محكي في كتاب "المواقف".

* التباس حاتم الأصم بحاتم الصوفي على المؤلف:
نقل المؤلف في (ص 12) قول ابن خلدون: "وقد شذّ بعض الناس، فقال بعدم وجوب هذا المنصب رأساً، لا بالعقل، ولا بالشرع، منهم: الأصم من المعتزلة". وقال في أسفل الصحيفة معرفاً بالأصم: "حاتم الأصم الزاهد المشهور البلخي".
التبس على المؤلف حال الاسم المعتزلي، (1) وهو أبو بكر عبد الرحمن ابن كيسان، بحاتم الأصم الصوفي (2)، وقد ذكره السيد في "شرح المواقف"، والسعد في "شرح المقاصد" بلقب أبي بكر، وذكره إمام الحرمين في كتاب "غياث الأمم" باسمه عبد الرحمن بن كيسان، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى
__________
(1) عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، فقيه من المعتزلة (... - نحو 225 ه = ... - نحو 840 م).
(2) حاتم بن عنوان المعروف بالأصم (... - 237 ه = ... -851 م) مشهور بالورع والزهد، من أهل بلخ، وتوفي في واشجرد.
(9/ 1/39)

في "طبقات المعتزلة" بين اسمه ولقبه، فقال: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (1).
قال المؤلف في (ص 13): "لم نجد- فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض - من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم".
استدل بعض أهل العلم على الإمامة بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. وقد نقل المؤلف نفسه الاستدلال بهذه الآية عن ابن حزم. وأوردها سعد الدين التفتزاني في "شرح المقاصد" (2)، فقال: وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: {أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات ولم يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية"؛ فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي وجوب الحصول. وقال صاحب "مطالع الأنظار" (3) بعد أن قرر الدليل النظري على وجوب الإمامة: قيل: صغرى هذا الدليل عقلية من باب الحسن والقبح، وكبراه أوضح عقلاً من الصغرى، والأولى أن يعتمد فيه على قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.
وهذه النصوص تريك قيمة قول المؤلف: لم نجد من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم.
__________
(1) انظر باب: ذكر المعتزلة من كتاب "المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل" (ص 32) مطبعة المعارف النظامية. بحيدر أباد سنة 1316 ه.
(2) (ص 202).
(3) (ص 468) طبع الآستانة.
(9/ 1/40)

* الفرق بين القاعدة الشرعية والقياس المنطقي:
قال المؤلف في (ص 14): "ولكن المنصفين من العلماء، والمتكلفين منهم، قد أعجزهم أن يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم، فانصرفوا عنه إلى ما رأيت من دعوى الإجماع تارة، ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى".
سمى المؤلف طريق الاستدلال الذي نحاه الأستاذ الشيخ محمد بخيت، ومن تقدمه من علماء الكلام: قياساً منطقياً، وحكماً عقلياً، وهذا مما يخيل إلى القارئ أن هذا الضرب خارج عن الأدلة الشرعية، والتحقيق أنه راجع إلى الأدلة السمعية، ويشهد بهذا قولهم: إن نصب الإمام عندنا واجب سمعاً؛ لوجهين: الوجه الأول: الإجماع، والثاني: هذا الدليل الذي اختار المؤلف أن يسميه: حكماً عقلياً.
وإن شئت بيان ما صرف عنه المؤلف عبارته -من أن ذلك الاستدلال قائم على نظر شرعي-، فإليك البيان:
يعتمد استنباط الأحكام على نظرين: أحدهما: يتعلق بالأدلة السمعية التي يقع منها الاستنباط، وثانيهما: يرجع إلى وجود الدلالات المعتد بها في الاستعمال.
أما الأدلة السمعية، فهي الكتاب، والسنّة، والإجماع. وأما وجوه الد لالات، فدلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالمعقول. ويندرج في دلالة المعقول ما يسمونه بالقياس.
فانحصرت الأدلة الشرعية العالية في الكتاب والسنّة والإجماع والقياس.
وهناك أدلة أخرى ترجع إلى هذه الأصول العالية، وهي: القواعد
(9/ 1/41)

المقطوع بصحتها؛ كقاعدة: "الضرر يزال"، و "المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة"؛ فإن مثل هذه القواعد لم يقررها العلماء بمحض العقل، بل رجعوا في كل قاعدة إلى استقراء موارد كثيرة من كليات الشريعة وجزئياتها، حتى تحققوا قصد الشارع إليها، وأصبحت بمنزلة الخبر المتواتر في وقوعها موقع اليقين الذي لا تخالجه ريبة.
قال أبو إسحق الشاطبي في "موافقاته": إن المجتهد إذا استقرأ معنى عاماً من أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تظهر، بل يحكم عليها -وإن كانت خاصة- بالدخول تحت عموم المعنى؛ كالمنصوص بصيغة عامة.
فالذين يستدلون على وجوب نصب الإمام بأن ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم عن الباطل وازع، يفضي إلى تبدد الجماعة، وإضاعة الدين، وانتهاك حرمة الأموال والنفوس والأعراض، إنما يطبقون قاعدة شرعية، وهي قاعدة: "الضرر يزال"، أو قاعدة: "ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً، فهو واجب".

* ترجيح حمل "أولي الأمر" في الآية على الأمراء:
قال المؤلف في (ص 15): "وغاية ما يمكن إرهاق الآيتين به أن يقال: إنهما تدلان على أن للمسلمين قوماً منهم ترجع إليهم الأمور، وذلك معنى أوسع كثيراً، وأعم من تلك الخلافة بالمعنى الذي يذكرون، بل ذلك معنى مغاير الآخر، ولا يكاد يتصل به ".
عبّر بالإرهاق؛ ليخيل إليك أن حمل أولي الأمر في الآيتين على قوم ترجع إليهم الأمور، هو من باب صرف اللفظ إلى ما فيه عسر وتكلف. لندع
(9/ 1/42)

مناقشته في آية: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83] جانباً، فإن الصواب ما قاله المحققون من أن المراد بها: كبار الصحابة البصراء في الأمور، ونأخذ بأطراف الحديث معه في آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، فنقول: إن حمل الآية على الأمراء راجح من وجوه:
أحدها: سبب النزول، ففي "صحيح الإمام البخاري"، رواية عن ابن عباس: أن: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} نزلت في عبدالله بن حذافة بن قيس بن عدي (1)؛ إذ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سرية.
ثانيها: ورودها بعد آية: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].
قال ابن عيينة (2): سألت زيد بن أسلم (3) عن قوله تعالى: {أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ]، ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد ابن كعب مثله، قال: اقرأ ما قبلها، تعرف، فقرأت: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، فقال: هذه في الولاة (4).
__________
(1) عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي القرشي (... - نحو 33 ه = ... - نحو 653 م)
صحابي جليل، وتوفي بمصر.
(2) سفيان بن عيينة بن ميمون (107 - 98 ه = 725 - 814 م) محدث واسع العلم، وحافظ ثقة، ولد بالكوفة، وتوفي بمكة المكرمة.
(3) زيد بن أسلم العدوي العمري (... - 136 ه = ... - 753 م) مفسر وفقيه من أهل المدينة.
(4) "فتح الباري" (ج 13 ص ا 9) مطبعة الخشاب.
(9/ 1/43)

ثالثها: تعقيبها بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [النساء: 59]؛ فإن الخطاب للمؤمنين عامةً، ومن بينهم أهلُ الحل والعقد من العلماء، وشأن عامة المؤمنين أن ينازعوا أولي الأمر في بعضى تصرفاتهم، وليس لهم أن ينازعوا العلماء فيما يصدرونه من الفتاوى؛ إذ يراد من العلماء: المجتهدون، ومن أين لغيرهم من عامة الأمة أن ينازعهم في تقرير حكم، أو العرف كيف يرده معهم إلى كتاب الله وسنّة رسوله.
وإذا ترجح حمل الآية على الأمراء، لم تكن دلالتها على أن للمسلمين قوماً ترجع إليهم الأمور، مما يستحق أن يسمّى إرهاقاً.
وقول المؤلف: "وذلك معنى أوسع كثيراً، وأعم من تلك الخلافة" مما نتلقاه بتسليم، ولا يفوت الآية مع هذا أن تبعث من ناحية عمومها ما يشد ركن الإمارة العامة، ويعزز شواهدها على الوجه الذي سنقص عليك تحريره عندما يقتضيه الحال.
وأما قوله: "بل ذلك معنى يغاير الآخر، ولا يكاد يتصل به"، فمن الكلم المبهم الذي لا ينطق به الباحث عن الحق دون أن ينفخ فيه روحاً من الشرح والبيان، اللهم إلا أن ينوي محاربة الخلافة، ولو بهمزات التشكيك فيما يعده الناس من مؤيدات سلطانها.

* هل نأخذ أحكام الدين عن المستر أرنولد؟!
قال المؤلف في (ص 15): "وإذا أردت مزيداً في هذا البحث، فارجع إلى"كتاب الخلافة" للعلامة السير تومس أرنولد (1)، ففي الباب الثاني والثالث
__________
(1) توماس ووكر أرنولد (1280 - 1349 ه = 1864 - 1930 م) مستشرق إنكليزي من لندن، من مؤلفاته: "الخلافة".
(9/ 1/44)

منه بيان ممتع مقنع".
بحثنا عن هذا الكتاب في كثير من المكاتب لنطلع على ما انفرد به العلامة الإنكليزي في تحرير حكم الخلافة، فلم نهتد السبيل لإحراز نسخة منه. وما سلوناه إلا حين ذكرنا أن المؤلف قد أحاط بذينك البابين خُبراً، وعرفنا من نظره إلى الخلافة بعين عابسة: أنه لا يجد فيهما ما يشد عضده على تقويض صرحها، إلا وينقله دون أن يكتفي بالإحالة.
ولو أحالنا المؤلف على كتاب السير أرنولد في بحث تاريخي، أو اجتماعي له مساس بالخلافة، لأخذ منا الأسف على أن فاتنا الاطلاع عليه ماخذاً بليغاً، ولكنه أحالنا على كتاب السير أرنولد في تحقيق حكم شرعي، فقلنا: لعله أراد الجد بشيء من الهزل، أو إخراج أحكام الشريعة من دائرة الراسخين في علومها.
يجب أن تكون قيمة الأحكام الشرعية في نظر المؤلف فوق هذا التقدير، وما ينبغي له أن يخيل إلينا أنا في حاجة إلى الاقتداء بعقول الغربيين حتى في أمور الدين من واجب وحرام. وإذا كان المؤلف يدري أن للشريعة أصولاً ومقاصد لم يدرسهما السير أرنولد حق دراستهما، فإن إحالتنا على كتابه ليست سوى عثرة في سبيل البحث تعترض السذَّج من الأحداث، فتكبو بهم في تردد وارتياب.

* معنى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]:
قال المؤلف في (ص 16): "إنه لعجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شيء من أمر هذا الدين {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} , ثم
(9/ 1/45)

لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة، أو الخلافة. إن في ذلك لمجالاً للمقال".
في القرآن بيان كل شيء من أمور الدين، وأحكام الوقائع، وليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية، ولم نجد لها حكماً مفصلاً، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنّة، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم، أو شهدت به القواعد المسلَّمة.
وإنما معنى تبيانه لكل شيء: أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصّل بعض أحكام، وأحال كثيراً من آياته على بيان السنّة النبوية، ثم إن الكتاب والسنّة أرشدا إلى أصول أخرى؛ كالإجماع، والقياس، وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة؛ كقاعدة: "المصالح المرسلة" وقاعدة: "سد الذرائع"
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي (1) ... فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، ومكمل كل واحد منها، وهذا كله ظاهر أيضاً، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو: السنّة، والإجماع، والقياس، وجميع ذلك إنما نشأ عن القرآن (2).
فإن لم ينص القرآن على حكم الخلافة، فإن في أيدينا من طرق تبيانه السنّة والإجماع والقياس، والقواعد التي لا يأتيها الريب من بين يديها ولا من خلفها.
__________
(1) (ج 2 ص 139) الطبعة التونسية.
(2) (ج 2 ص 195).
(9/ 1/46)

* لماذا لم يحتج بعض علماء الكلام في مسألة الخلافة بالحديث؟
قال المؤلف في (ص 16): "ولو وجدوا لهم في الحديث دليلاً، لقدموه في الاستدلال على الإجماع".
لما انتقل مبحث الخلافة إلى علم الكلام، ودارت المناظرة فيها مع طائفة ألقت عليها شيئاً من صبغة العقائد، رأى أهل العلم أن هذه الطائفة لا يكف بأسها، ويسد عليها طرق المشاغبة إلا بالأدلة الحاسمة، ولهذا وقعت عنايتهم على الاحتجاج بالإجماع، والقواعد النظرية الشرعية؛ لكونهما من قبيل ما يفيد العلم.
ومن لم يستند من علماء الكلام في هذا المبحث إلى الحديث، فلأنه اكتفى بذينك الدليلين، أو لأن أخبار الآحاد في نفسها لا تتجاوز مراتب الظنون، ولا يكبر على ذوي الأهواء الغالبة أن ينسلخوا منها، ويخترعوا منفذاً للطعن في صحتها، أو صرفها عن وجه دلالتها.
قال المؤلف في (ص 18): "لا نريد أن نناقشهم في صحة الأحاديث التي يسوقونها في هذا الباب، وقد كان لنا في مناقشتهم في ذلك مجال فسيح".
لا ندري ما هو الميزان الذي يرجع إليه المؤلف في قبول الحديث وعدم قبوله، حتى ننظر كيف ينفتح أمامه مجال فسيح للطعن في حديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، وقد جاء في "صحيحي البخاري (1) ومسلم"، وحديث: "من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية"، وحديث:
__________
(1) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري (194 - 256 ه = 810 - 870 م) الحافظ للحديث، صاحب "الجامع الصحيح" المعروف بصحيح البخاري، ولد في بخارى، وتوفي في "خرتنك" من قرى "سمرقند".
(9/ 1/47)

"من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخَرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر"، وكلا الحديثين في "صحيح الإمام مسلم".
تفضل المؤلف بطرح المناقشة في صحة هذه الأحاديث، ونحن نعلم أنه لو دخل في المناقشة، لا يخلو حاله من سبيلين: فإما أن يذهب إلى الطعن فيها من الطرق التي أحكم السلف وضعها، وميزوا بها صحيح الأخبار من سقيمها، ولا نمتري حينئذٍ في أنه سينقطع به القول دون أن يمسها بوهن، أو يزحزحها عن مرتبتها فتيلاً، وإما أن يأخذ للطعن فيها مذهباً يبتدعه لنفسه، فلا نراه إلا أن يخلقه من طينة هذه الآراء المترددة في ريبها، الفاتنة للنفوس الزاكية عن أمر ربها. ولعل الواقع أنه رمى هذه الكلمة محافظة على خطة التشكيك، متى حبط عمله في رواية: "أعطوا ما لقيصر لقيصر"، وما جرى على شاكلتها.
قال المؤلف في (ص 18): "ثم لا نناقشهم في المعنى الذي يريده الشارع من كلمات: إمامة، وبيعة، وجماعة إلخ، وقد كانت تحسن مناقشتهم في ذلك؛ ليعرفوا أن تلك العبارات وأمثالها في لسان الشرع لا ترمي إلى شيء من المعاني التي استحدثوها بعد، ثم زعموا أن يحملوا عليها لغة الإسلام".
من ذا يصدق أن المؤلف أبصر هؤلاء العلماء ارتكبوا في تفسير البيعة والإمام والجماعة خطة جهل وضلال، ويترك مناقشتهم في ذلك التفسير إلى التشبث بمغالطات يملك أمثالها من أحب أن يقول: إن هذا النهار ليل، أو إن باقلاً (1) أفصحُ من سَحبان؟! (2).
__________
(1) باقل الإيادي: جاهلي، يضرب بعيّة المثل. والمثل: "أعيا من بأقل".
(2) سحبان بن زفر بن إياس الوائلي (... - 54 ه = ... - 674 م) يضرب به المثل=
(9/ 1/48)

وماذا أعجل المؤلفَ عن أن يبين للناس خطأ أهل العلم في فهم البيعة والجماعة والإمام، وما باله لم ينفق ساعة من نهار في شرح ثلاثة مفردات، أو أربعة، ينكث بها الأيدي من التمسك بأحاديث يصعب عليه الطعن في صحتها، أو تحريفها عن وجه دلالتها؟
يستخف المؤلف أحيانا بما يحكيه عن أهل العلم، فلا يصوغ عبارته على قدر كلامهم، وكذلك صنع عقب تلك الجمل، فذكر أن معنى جماعة المسلمين في حديث "تلزم جماعة المسلمين وإمامتهم" عند أولئك العلماء: حكومة الخلافة الإسلامية. ولم يكن بين العلماء من يذهب إلى أن جماعة المسلمين هي حكومة الخلافة، وإنما يحملون جماعة المسلمين على معنى أهل الحل والعقد الذين بيدهم نصب أمير المؤمنين.
قال القسطلاني (1) في "شرح صحيح البخاري" (2): "والمراد -كما قال الطبري- (3) من الخبر: الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته، خرج عن الجماعة".
__________
= في الخطابة والبيان.
(1) أحمد بن محمد بن أبي بكر ين عبد الملك القسطلاني (851 - 923 ه = 1448 - 1517 م) عالم بالحديث، ولد وتوفي بالقاهرة. من مؤلفاته "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري".
(2) ((ج 10 ص 221).
(3) محمد بن جرير بن يزيد الطبري (224 - 310 ه = 839 - 923 م) المفسر والمؤرخ والإمام. ولد في آمل طبرستان، وتوفي ببغداد، من مؤلفاته: "جامع البيان في تفسير القرآن"، و"أخبار الرسل والملوك"، ويعرف بتاريخ الطبري.
(9/ 1/49)

* لماذا وضع بحث الخلافة في علم الكلام؟
قال المؤلف في (ص 18): "لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين".
يقول المؤلف: إنهم اتخذوا الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين، وما كان له أن يطلق عليها اسم عقيدة شرعية، وهو يراهم كيف يصرحون بأنها ليست من قبيل العقائد، وإنما هي فرع من فروع الشريعة كسائر أحكامها العملية.
قال سعد الدين التفتزاني في "شرح المقاصد": "إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات ... ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية، وقد ذكر في كتبنا الفقهية: أنه لا بد للأمة من إمام يحعي الدين، ويقيم السنّة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها". ثم قال: "ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات، بل اختلاقات باردة ... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين ... ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام".
وقال السيد في شرح خطبة "المواقف": "إن الإمامة، وإن كانت من فروع الدين، إلا أنها ألحقت باصوله؛ دفعاً لخرافات أهل البدع والأهواء، وصوناً للأئمة المهديين عن مطاعنهم؛ لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم".
(9/ 1/50)

فالواقع أن الخلافة ليست من نوع العقائد، وإنما حشروها في علم الكلام؛ للعذر الذي أبداه شارح "المقاصد"، وشارح "المواقف".

* بحث في (أعطوا ما لقيصر لقيصر):
قال المؤلف في (ص 18): "تكلم عيسى بن مريم - عليه السلام - عن حكومة القياصرة، وأمر بأن يعطى ما لقيصر لقيصر، فما كان هذا اعترافاً من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شريعة الله، ولا مما يعترف به دين المسيحية، وما كان لأحد ممن يفهم لغة البشر في تخاطبهم أن يتخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك، وكل ما جرى في أحاديث النبي - عليه الصلاة والسلام - من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة إلخ، لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر".
يعلم المؤلف أن البحث في حكم إسلامي، ولأحكام الإسلام أصول معروفة لا يدخل في حسابها ما يدور على ألسنة أهل شريعة أخرى؛ إذ لم نحط بمورده خبراً، ولم نملأ كفنا من الثقة بسنده، والقائلون من علماء الإسلام بالاعتماد على شرع مَن قبلنا في تقرير الأحكام يقيدونه بأمرين:
أحدهما: أن يجيء محكياً في القرآن أو السنّة، ورواية "أعطوا ما لقيصر لقيصر" لم تقصها علينا آية ولا حديث.
ثانيهما: ألا يرد في شريعتنا ما يقتضي نسخه. وما عزاه إلى المسيح - عليه السلام - لا ينطبق على ما جاء في الشريعة من حرمة الإقامة تحت راية غير المسلم، والخضوع لسلطانه. قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وقال تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8] , ثم إن محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه - لم يعترف
(9/ 1/51)

بسلطة دار الندوة بمكة، وحاربها حتى خضد شوكتها، واستأصل جرثومة فسادها، ولم يعترف بسلطة قيصر، وأخذ يعدّ ما استطاع من قوة ليدفع شره، ويقوض دعائم ملكه.
قال المؤلف في (ص 19): "وإذا كان صحيحاً أن النبي- عليه الصلاة والسلام - قد أمرنا أن نطيع إماماً بايعناه، فقد أمرنا الله تعالى كذلك أن نفي بعهدنا لمشرك عاهدناه، وأن نستقيم له كما استقام لنا، فما كان ذلك دليلاً على أن الله تعالى رضي الشرك، ولا كان أمره تعالى بالوفاء للمشركين مستلزماً لإقرارهم على شركهم".
دعوى أن الأمر بطاعة ولي الأمر لا يدل على طلب ولايته، كما أن الأمر بالوفاء لمشرك عاهدناه لا يدل على الشرك، تمثيل يمشي براكبه إلى وراء؛ فإن أقل ما في الصورة الأولى: أن المجتهد ينظر في طاعة أولي الأمر، فيفقه أنها لم تقصد لذاتها، ولا لمجرد الخضوع للأمراء، وإنما يراد بها: مصلحة وراء ذلك كله، وهي المساعدة على إقامة الحقوق، وانتظام شؤون الجماعة. ولا شك أن هذه الغاية تتوقف على نصب الأمير؛ كما تتوقف على حسن طاعته، فيصح أن يقال: إن الأمر باطاعة أولي الأمر نبه على طلب ولايتهم، وإن المجتهد أتى إلى وجوب نصب الإمام من طريق النظر في الأمر بطاعته.
أما الأمر بالوفاء لمشرك عاهدناه، فخارج عن السبيل. لأن علته ترجع إلى الاحتفاظ بنوع من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهو الصدق والثقة اللذان يقوم عليهما شرف المعاملات، ونظام السياسات. ويتضح جلياً: أن هذه الحكمة يختص بها الوفاء بالعهد، ولا يشاطره فيها الشرك بالله، ولا المعاهدة التي هي موكولة إلى اجتهاد صاحب الدولة.
(9/ 1/52)

قال المؤلف في (ص 19): "أو لسنا مأمورين شرعاً بطاعة البغاة والعاصين، وتنفيذ أمرهم إذا تغلبوا علينا، وكان في مخالفتهم فتنة تخشى من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية البغي، ولا لجواز الخروج على الحكومة؟ ".
الأحاديث الحاثّة على إطاعة ولي الأمر مطلقة، وإنما يقصد بها: المصلحة المترتبة عليها، وهي إقامة المصالح، وانتظام الحقوق، وبهذا أرشدتنا إلى طلب أصل ولايته. أما البغاة والعاصون، فقد أمر الإسلام بكفاحهم، وسلّ السيوف في وجوههم ما استطعنا لذلك سبيلاً، وأذن لنا بأن نجنح لسلمهم حينما نخشى فتنة أشد من محاربتهم، عملاً بقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين"، والموازنة بين الضرر الذي نحتمله من ولايتهم، والفتنة التي نخشاها من محاربتهم يرجع إلى اجتهاد ذوي الخبرة بحقوق الأمة، ومبلغ قوتها، وعاقبة حربها أو مسالمتها.
فالوجه الفارق بين هذه المسألة وإطاعة أولي الأمر: أن المعنى الذي روعي في الأذن بمسالمة البغاة والعاصين لا يتحقق في البغي والعصيان حتى نذهب من الإذن بمسالمتهم إلى القول بمشروعيتهما، كما ذهبنا من الأمر بإطاعة صاحب الدولة إلى القول بوجوب ولايته.
ثم إن المؤلف عطف على هذه الأقيسة الخاطئة أمثلة أخرى، فقال: إن الله أمرنا بإكرام السائلين، والرحمة بالفقراء، ولم يكن هذا موجباً لأن يوجد بيننا فقراء ومساكين. وأمرنا أن نفك رقاب الأرقاء، ونعاملهم بالحسنى، ولم يدل ذلك على أن الرق مأمور به في الدين. وذكر الله الطلاق، والاستدانة والبيع والرهن وغيرها، وشرع له أحكاماً، ولم يدل ذلك بمجرده على أن
(9/ 1/53)

شيئاً منها واجب في الدين.
ولسنا في حاجة إلى مناقشة هذه الأمثلة بعد أن كشفنا لك عن وجه دلالة الأمر بإطاعة صاحب الدولة على حكم ولايته، وذلك الوجه من الدلالة لا يوجد في هذه الأمثلة، وما كان لها إلا أن تلف رؤوسها حياء، وتزدحم على باب هذا المبحث متسابقة إلى الخروج منه.
(9/ 1/54)

الباب الثالث
الخلافة من الوجهة الاجتماعية
* ملخص الباب:
حكى المؤلف الإجماع على نصب الخليفة بلفظ: زعموا، وتوخى في الحكاية عبارة العضد في "المواقف"، ثم أخذ يلمح إلى ما في حجية الإجماع من الاختلاف، وصرح بأن دعوى الإجماع في هذه القضية لا يجد لقبولها مساغاً على أي حال، ثم خيل إلى القارئ أن مناجزته لدعوى الإجماع تتوقف على تمهيد يكون كالطليعة تتقدم جيوش حججه الهاجمة، فطفق يلمز المسلمين بسوء الحظ في علم السياسة، وادعى أنهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، ارتدوا دون مباحثه حسيرين، وسأل عن علة هذه الوقفة الحائرة والارتداد الحاسر، ثم انتصب ليجيب نفسه بلسانه، فزعم أن الخلافة في الإسلام لا ترتكز إلا على القوة الرهيبة، ولا ترتفع إلا على رؤوس البشر، وإن من الطبيعي في الأمم الإسلامية بوجه خاص أن لا يقوم فيهم ملك إلا بحكم الغلب والقهر.
وأخذ يسرد بعض وقائع تاريخية، وتخلص منها إلى ضغط الملوك على حرية العلم، واستبدادهم بمعاهد التعليم، وانتهى إلى أن هذا الضغط هو سبب قصور النهضة الإسلامية في فروع السياسة، ونكوص العلماء عن التعرض لها، ثم وثب من الحديث على أن الضغط الملوكي إلى الطعن في
(9/ 1/55)

الإجماع على نصب الإمام، وكانت نتيجة البحث -فيما يتخيل- أن لا دليل على الخلافة من كتاب أو سنّة أو إجماع.
ثم عجم الدليل النظري القائم على قاعدة رعاية المصالح، فلم يهتد إلى شبهة لإنكاره، فاعترف به، ولكن ذهب إلى أنه يقتضي إقامة حكومة، ويبقى شكلها دائراً بين الدستورية والاستبدادية، والجمهورية والبلشفية، وغير ذلك.
وذهب إلى أنه لا يوافق العلماء على الإمامة إلا أن يريدوا بها: الحكومة في أي صورة كانت، ثم انساب في ذيل البحث يقذف الخلافة بغير استثناء، ويحمل عليها أوزار قوم أطفؤوا نورها، وأسقطوا من القلوب مهابتها، وقفل الباب بزعم أن الإمامة العظمى لم تكن شيئاً قام على أساس من الدين القويم، أو العقل السليم.

* المناقشة - بحث في الاحتجاج بالإجماع:
قال صاحب الكتاب (ص 23): "نسلّم أن الإجماع حجة شرعية، ولا نثير خلافاً في ذلك مع المخالفين".
من أول ما عني به الإسلام في تشريعه: أن أطلق العقول من وثاق التقليد، وفتح أمامها باب النظر؛ حتى تعبر إلى قرارة اليقين على طريق الحجة والبرهان، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقال: {إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].
وقد جرى علماء الإسلام، ولا سيما السلف الصالح، على هذا المنهج، فكانوا لا يتابعون ذا رأي على رأيه، ولا يتقلدون حكماً قبل أن يعلموا مستنده، وإذا عرفوا المستند، عرضوه على قانون الأدلة السمعية، ووزنوه بميزان النظر؛
(9/ 1/56)

ليعلموا مبلغه من الصحة، فإذا ثبت على النقد، وسلم من وجوه الطعن، رفعوه على كاهل القبول، وإلا، نبذوه نبذ الحذاء المرقع، غير مبالين بمقام مدعيه، وإن حاكى القمر رفعة وسناء،
ومن درس مسائل الخلاف من عهد الصحابة - رضي الله عنهم - إلى العصر الذي ساد فيه القول بسد باب الاجتهاد، رأى الصحابة كيف يخالف بعضهم بعضاً، ولا ينقاد صغيرهم إلى كبيرهم إلا بزمام الحجة، وسار على هذا الاستقلال وحرية الفكر التابعون فمن بعدهم، ولا يكبر على أحد من المجتهدين أن يناظر أستاذه، أو من كان أوفر منه علماً، وأوسع نظراً، فيقارع حجته بالحجة، حتى إذا لم تمتلئ نفسه بالثقة من أدلته، اجتهد لنفسه، وأقام بجانب مذهبه مذهباً. ولتجدن من هؤلاء من يبلغه مذهب الصحابي في قضية لم ينعقد عليها إجماع، فيستأنف النظر في دلائلها، ولا يكون في صدره حرج أن يخالف الصحابي، أو يرجح مذهب تابعي على مذهبه.
ومن عنايتهم بتحقيق الأحكام، وإبايتهم تناولها إلا من يد الدليل القاطع أو الراجح: أن دوّنوا الأحاديث، ونصبوا لها ميزاناً يعرف به صحيحها من ضعيفها، أو ضعيفها من موضوعها، ثم وضعوا لاستنباط الأحكام أصولاً، وقرروا لاستخراجها قواعد، وشرطوا في هذه الأصول والقواعد أن تكون قائمة على بيّنة قاطعة.
فإذا كان الإسلام قد فتح للاجتهاد والنظر في الأدلة طريقاً واسعاً، وكان من سيرة علمائه الراسخين نقد الأقوال، وعدم السكوت عنها، إلا أن تستند إلى حجة عاصمة، فإن القضية التي تلقى على بساط البحث والاستفتاء، وتتداولها أنظارهم حتى تستقر على حكم يقررونه بإجماع، وينطقون فيه عن
(9/ 1/57)

تصميم، نعرف بحكم العادة معرفة لا تخالجها ريبة: أن تلك القضية أخذت حظها من النظر، وأنه لم يبق فيها لمخالف وجه يلتفت إليه، وبالأحرى ما كان في عصر الصحابة الذين شهدوا الوحي، ووقفوا على روح التشريع، ولم يعرفوا في قول الحق هوادة ولا محاباة.
وقد تأيد هذا القول بطول الاختبار والاستقراء، فلتجدنّ كل رأي يتهجم به مبتدعه على خرق إجماع أهل العلم متداعياً إلى السقوط، بل قائماً على رأسه؛ بحيث لا يكلفك هدمه إمعاناً في نظر، أو عناء في التماس حجة.
قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته": "قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة".
ولم تؤخذ حجية الإجماع من الكتاب والسنّة بنصوص معدودة، بل حجيته من آيات كثيرة، وأحاديث شتى، وإذا كان كل واحد منها يدل بانفراده على حجية الإجماع دلالة ظنية، فإن الظنيات الكثيرة إذا تواردت على معنى، أفادت علماً لا تخالجه ريبة.
قال أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات": "الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع؛ فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع .... وإذا تأملت كون أدلة الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة، فهو راجع إلى هذا المساق؛ لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوق الحصر".
وهاهنا أدلة أخرى تدل -بوجه خاص- على حجية إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وقد وقف عند حد هذه الأدلة من قال: لا حجة إلا في إجماع الصحابة.
ولنكتف بهذه الكلمة في التنبيه على وجه حجية الإجماع، وعدّه
(9/ 1/58)

في الأدلة القاطعة.

* الإمام أحمد والإجماع:
قال المؤلف في (ص 22): "ولا نقول مع القائل: من ادّعى الإجماع، فهو كاذب". وكتب في أسفل الصحيفة عازياً هذه المقالة إلى الإمام أحمد (1) بما نصه: "روي ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل. راجع: تاريخ التشريع الإسلامي لمؤلفه محمد الخضري".
انتزع المؤلف هذه الكلمة المروية عن الإمام أحمد من "تاريخ التشريع الإسلامي" للشيخ محمد الخضري، (2) وأطلقها في طليعة الباب؛ لتثير في نفوس القارئين شكاً، وتجعلهم على ريبة من حجية الإجماع. أطلق هذه الكلمة كأنه يجهل موردها، ويجهل أن الإمام أحمد لا يعني بها: الإجماع المعروف في الأصول، وإنما يعني بها: الرد على بعض الفقهاء الذين ينظرون إلى الواقعة، حتى إذا لم يطلعوا على خلاف في حكمها، سمّوه: إجماعاً.
قال ابن القيّم (3) في كتاب "إعلام الموقعين" (4): "ولا يقدّم -يعني:
__________
(1) أحمد بن محمد بن حنبل (164 - 241= 780 - 855 م) إمام المذهب الحنبلي، من مصنفاته: "المسند" يحتوي ثلاثين ألف حديث. ولد ببغداد، وتوفي بها.
(2) محمد بن عفيف الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري (1289 - 1345 ه = 1872 - 1927 م) من علماء تاريخ الإسلام، من مؤلفاته: "تاريخ التشريع الإسلامي". من أهالي الزيتون في ضواحي القاهرة، وتوفي بالقاهرة.
(3) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن الزّرعي الدمشقي (691 - 751 ه = 1292 - 1350 م) من كبار العلماء، من مؤلفاته: "إعلام الموقعين" ولد وتوفي بدمشق.
(4) (ج 1 ص 32).
(9/ 1/59)

الإمام أحمد -عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس: إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادّعى هذا الإجماع، وكذلك الشافعي أيضا نصَّ في "رسالته الجديد" على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له: إجماع ... وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدّعي فيه الرجل الإجماع، فهو كذب، من ادّعى الإجماع، فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ... ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك. هذا لفظه .. ، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده".
فالإمام أحمد بن حنبل إنما ينكر على الفقيه أن يسمي عدم علمه بالخلاف: إجماعا، وعلى مثل هذا جرى ابن حزم في كتاب "الأحكام"، فقال: "تحكم بعضهم فقال: إن قال عالم: لا أعلم هنا خلافاً، فهو إجماع، وإن قال ذلك غير عالم، فليس إجماعاً. وهذا قول في غاية الفساد، ولا يكون إجماعاً، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي" (1).

* المسلمون والسياسة:
قال المؤلف في (ص 22): "من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين: أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود، فلسنا
__________
(1) محمد بن نصر المروزي (202 - 294 ه = 817 - 906 م) إمام في الحديث والفقه، كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم، من مؤلفاته: "القسامة" في الفقه. ولد ببغداد، وتوفي بسمرقند.- انظر: "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي (ج 2 ص 21).
(9/ 1/60)

نعرف لهم مؤلِّفاً في السياسة، ولا مترجماً، ولا نعرف لهم بحثاً في شيء من أنظمة الحكم، ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليل لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون".
ظل المؤلف مستهتراً بشهوة فصل الإسلام عن وظيفة إصلاح السياسة، فرأى أن من المقدمات المساعدة له على هذا الغرض مخاتلةَ نفس القارئ، وأخذها إلى الاعتقاد بأن زعماء الإسلام أو علماءه أهملوا النظر في أنظمة الحكم وأصول السياسة.
لم يكن حظ المسلمين من علم السياسة سيئاً، ولا وجودها بينهم كان أضعف وجود، وعرفنا لهم في السياسة مؤلفات شتى:
اطلعوا على كتاب "السياسة" لأفلاطون (1)، الذي عربه حنين بن إسحاق (2)، وترجم بعض فصوله أيضاً أحمد بن يوسف الكاتب (3) المتوفى سنة 340 ه (4)، وكتاب "السياسة" تأليف قسطا بن لوقا البعلبكي (5)، وكتاب
__________
(1) فيلسوف يوناني (427 - 347 ق. م) من مؤلفاته: "السياسة".
(2) حنين بن إسحاق العبادي (194 - 260 ه = 810 - 73 م) مترجم وطبيب ومؤرخ من أهل الحيرة في العراق، ومات في بغداد.
(3) أحمد بن يوسف بن إبراهيم البغدادي المصري (... - نحو 340 ه = ... - نحو 952 م) والمعروف بابن الداية. من الكتاب الفصحاء. أصله من بغداد، وهاجر إلى دمشق، واستقر بمصر. من مؤلفاته: "السياسة لأفلاطون".
(4) نشره بالطبع جميل العظم.
(5) قسطا بن لوقا البعلبكي (... - نحو 300 ه = ... - نحو 912 م). رومي الأصل، يعرف اليونانية. وتوفي في أرمينية. له تصانيف كثيرة.
(9/ 1/61)

"المتوّج في العدل والسياسة" للصابي (1)، وأشار ابن خلدون في "مقدمته" (2) إلى أن كتاب أرسطو في السياسة كان متداولاً بين الناس، وألف الكندي في السياسة اثني عشر تأليفاً، منها: "رسالته الكبرى في السياسة"، "ورسالة في سياسة العامة". وألّف أحمد بن الطيب، أحد المنتمين إلى الكندي كتاب: "السياسة الكبير"، وكتاب: "السياسة الصغير". وألّف أبو نصر الفارابي (3) ثمانية مؤلفات في السياسة، منها: السياسة المدنية، "وهو الاقتصاد السياسي الذي يدعي أهل التمدن الحديث أنه من مخترعاتهم (4) "، ومن مؤلفاتهم: كتاب "سياسة الملك" للماوردي (5)، و"سياسة المالك في تدبير الممالك" لابن أبي الربيع (6)، "وهو جليل جداً، لم يغالر بحثاً من أبحاث العمران والسياسة
__________
(1) إبراهيم بن هلال أبو إسحاق الصابئ (313 - 384 ه = 925 - 994 م) تقلد دواوين الرسائل أيام المطيع لله العباسي. وله مؤلفات منها: "التاجي" في أخبار بني بويه.
(2) (ص 33) طبعة بولاق سنة 1284 ه.
(3) محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، أبو النصر الفارابي (260 - 339 ه = 874 - 950 م) من كبار فلاسفة الإسلام، من مؤلفاته: "السياسة المدنية"، و"جوامع السياسة". ولد في فاراب على نهر جيجون، وتوفي بدمشق.
(4) "تاريخ التمدن الإسلامي" لجرجي زيدان (ج 3 ص 177).
(5) علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي (364 - 450 ه = 974 - 1058 م) من كبار القضاة والباحثين. من مؤلفاته: "سياسة الملك"، و"الأحكام السلطانية"، و "تسهيل النظر" في سياسة الحكومات. ولد في البصرة، وتوفي ببغداد.
(6) أحمد بن محمد بن أبي الربيع (218 - 272 ه = 833 - 885 م) من أدباء ورجال المعتصم العباسي.
(9/ 1/62)

والأخلاق إلا طرقه (1) "، وكتاب "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي (2)، وكتاب "نهج السلوك في سياسة الملوك" للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله (3)، و"قوانين الدواوين في نظام حكومة مصر وقوانينها" لأبي المكارم أسعد بن الخطير (4)، إلى غير ذلك من فصول ممتعة احتوى عليها كتاب "المسالك" لابن خرداذبة (5)، و"مقدمة" ابن خلدون، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة (6)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربّه (7).
ويتصل بهذا كتب في أخلاق الملوك؛ ككتاب: "أخلاق الملوك" للفتح
__________
(1) "تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي زيدان (ج 2 ص 233).
(2) محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي (451 - 520 ه = 1059 - 1126 م) من فقهاء المالكية. من أهالي طرطوشة شرقي الأندلس، وتوفي بالإسكندرية.
(3) عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر (... - 590 ه = ... -1194 م) مصري. من كتّاب العصر الأيوبي.
(4) أسعد بن مهذّب الملقب بالخطير (544 - 606 ه = 1149 - 1209 م) كان ناظراً للدواوين في الديار المصرية، ولد بمصر، وتوفي بحلب.
(5) عبيد الله بن أحمد بن خرداذبة (نحو 205 - نحو 280 ه = نحو 820 - نحو 893 م) مؤرخ جغرافي من أهل بغداد، من مؤلفاته: "المسالك والممالك".
(6) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (212 - 276 ه = 828 - 889 م). إمام في الأدب، ولد في بغداد، وتوفي بها، من مؤلفاته: "الإمامة والسياسية"، و"عيون الأخبار".
(7) أحمد بن محمد بن عبد ربه (236 - 328 ه = 860 - 940 م) إمام في الأدب، وصاحب كتاب "العقد الفريد"، من أهل قرطبة.
(9/ 1/63)

ابن خاقان (1)، وكتاب: "التاج في أخلاق الملوك" للجاحظ (2)، وكتاب: "أخلاق الملوك" لمحمد بن حارث التغلبي (3)، و"التاج في سيرة كسرى أنوشروان" لابن المقفع (4)، وكتاب: "السفارة والسفراء" (5)، وكتاب: "جند الوزارة وحراسة حصن الصدارة" لحسن بن عبد الكريم البرزيخي (6)، وكتاب: "لطائف الأفكار وكاشف الأسرار" في علم السياسة، ألفه القاضي حسين ابن حسن السمرقندي، للوزير إبراهيم باشا سنة 936 ه في خمسة أبواب، الأول: في السياسات، فهو من قبيل الموسوعات، لكنه يشتمل على ضروب من السياسة. منه نسخة في فيينا (7) ".
هذا ما اطلعنا عليه، أو على التعريف به في بعض كتب التاريخ، وقد منيت المكاتب الإسلامية من بلايا الأحراق والإغراق والإتلاف، التي سامها بها أعداء العلم على ما هو معروف في التاريخ من هجمات التتار على
__________
(1) الفتح بن خاقان بن أحمد بن غرطوج (... - 247 ه = ... - 861 م) من الأدباء الشعراء. فارسي الأصل، اتخذه المتوكل أخاً له، وقتل معه.
(2) عمرو بن بحر الشهير بالجاحظ (163 - 255 ه = 780 - 869 م) إمام الأدب، ولد وتوفي بالبصرة.
(3) "الفهرست" لابن النديم (ص 148).
(4) عبد الله بن المقفع (106 - 142 ه = 724 - 759 م) من كبار الكتاب، ولد في العراق، وقُتل في البصرة. انظر: "الفهرست" لابن النديم (ص 118).
(5) توجد نسخة منه في مكتبة سماحة السيد البكري، وأخرى في الخزانة التيمورية.
(6) "كشف الظنون" (480: 1) طبعة بولاق.
(7) "تاريخ أداب اللغة العربية" لزيدان (ج 3 ص 340).
(9/ 1/64)

بغداد، ونائبة خروج المسلمين من الأندلس، ونكبات الحروب الصليبية في الشام ومصر وغيرهما؛ علاوة على ما غشي الأمة من ظلمات الجهل في عصورها الأخيرة، حتى ضاع من بين أيديها كثير مما أبقته تلك النكبات.
هذا وقد شهد أولو العلم أن الإسلام قد رسم للسياسة خطة واسعة، وسنَّ لها نظماً عامة، حسبما نوافيك ببيانه في الموضع اللائق به؛ فصرفوا أنظارهم في دراسة تلك الخطة، والتفقه في هاتيك النظم؛ حيث كانت سياستهم العملية موصولة بها، وقائمة على أسسها، ومن المؤلفات على هذا النمط كتاب: "غياث الأمم" لإمام الحرمين، وكتاب: "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن القيّم، وكتاب: "السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية، وكتاب: "الأحكام السلطانية" للماوردي، وكتاب: "الأحكام السلطانية" للقاضي أبي يعلى (1)، وكتاب: "إكليل الكرامة" لصديق حسن خان (2)، ورسالة "السياسة الشرعية" لإبراهيم يخشى زادة، توجد في برلين (3).
آثر المسلمون أن ينظروا إلى السياسة بمرآة الشريعة، فترى كثيراً من رجال الدولة إذا حركوا أقلامهم في تحرير سياسي، نفخوا فيه روحاً من
__________
(1) محمد بن الحسين (380 - 458 ه = 990 - 1066 م) من علماء عصره في الأصول والفروع والفنون. من أهل بغداد. توجد نسخة من الكتاب في المكتبة الظاهرية بدمشق.
(2) محمد صديق خان بن حسن القنوجي (1248 - 1307 ه = 1832 - 1890 م) عالم إسلامي، ولد في "قنوج" بالهند، ورحل إلى بهوبال. وله تصانيف عديدة.
(3) "تاريخ آداب اللغة العربية" (ج 3 ص 340).
(9/ 1/65)

حكمة الشريعة، وكسوه حلة من حلل آدابها الوضاءة، وانظر الكتاب (1) الذي أرسله طاهر بن الحسين (2) إلى ابنه عبد الله بن طاهر -لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما- تجده يقول فيه: "واسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين، وطريقه الأهدى، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تتهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة؛ فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم في ذلك بالسنن المعروفة".
ثم قال: "واقبل الحسنة، وادفع بها، وأَغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الزور والكذب، وأبغض أهل النميمة؛ فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب، والجراءة على الكذب. وإن النميمة لا يسلم صاحبها، وقابلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم له أمر".
وكذلك يقول لسان الدين بن الخطيب (3) في رسالة له في السياسة (4): "رعيتك ودائع الله تعالى عندك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل
__________
(1) "مقدمة ابن خلدون" (ص 254).
(2) طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي (159 - 207 ه = 775 - 822 م) من كبار الوزراء والقادة، ولد في بوشنج بخراسان، وسكن بغداد، وابنه عبد الله (182 - 230 ه = 844 - 898 م) من أشهر الولاة في العصر العباسي.
(3) محمد بن عبد الله بن سعيد الشهير بلسان الدين بن الخطيب (713 - 776 ه = 1313 - 1374 م) من الوزراء الأدباء، ولد في غرناطة، وتوفي بفاس.
(4) "نفح الطيب" (ج 4 ص 148) الطبعة الأزهرية.
(9/ 1/66)

إلى ضبطهم إلا بإعانة الله تعالى التي وهب لك، وأفضل ما استدعيت به عونه منهم، وكفايته التي تكفيهم: تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة ما لها وما عليها أخذاً يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها إلخ".
ويجري على هذا المثال رسالة الحسن بن أبي الحسن البصري (1) لعمر ابن عبد العزيز في صفة الإمام العادل، ومما يقول فيها: "واعلم - يا أمير المؤمنين-: أن الله أنزل الحدود؛ ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ (2) ".
وكتب إليه في رسالة أخرى (3): " ... فكن للمثل من المسلمين أخا، وللكبير ابناً، وللصغير أباً، وعاقب كل واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً؛ فتدخل النار".
فالحق أن حظ المسلمين في السياسة لم يكن منقوصاً، وأن منزلتهم فيها كانت فوق المنزلة التي قعد بهم المؤلف عندها، وبالغ في استصغار شأنها.
قال المؤلف في (ص 23): "ذلك وقد توفرت عندهم الدواعي التي
__________
(1) الحسن بن يسار البصري (21 - 110 ه = 642 - 728 م) إمام البصرة، وحبر الأمة في زمانه، عرف بالفصاحة والشجاعة، ولد بالمدينة المنورة، وتوفي بالبصرة.
(2) "العقد الفريد" (ج 1 ص 4).
(3) "سيرة عمر بن عبد العزيز" (ص 124).
(9/ 1/67)

تدفعهم إلى البحث الدقيق في علوم السياسة، وتظاهرت لديهم الأسباب التي تعدهم للتعمق فيها، وأقل تلك الأسباب أنهم مع ذكائهم الفطري، ونشاطهم العلمي، كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة وعلم، وقد كانت كتب اليونان التي انكبوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم بعلم السياسة، وتحببه إليهم".
قام المؤلف ليذكر لنا سبباً شأنه أن يغري المسلمين بالسياسة، ويجعلهم مولعين بالخوض في غمارها، والتفت يميناً وشمالاً، فوقع اختياره على انكبابهم على ترجمة الفلسفة والعلوم اليونانية ودراستها، ولم يهتد إلى أن لدى المسلمين سببين عظيمين يحثانهم على النظر في السياسة، ويؤكدان حرصهم على البراعة في صناعتها:
أحدهما: أنهم كانوا أمة فاتحة، بلغت في عزها وسطوتها أن قوضت عروش قوم جبارين، ومدت سلطانها العادل على شعوب مختلفة في طبائعها وعاداتها وطرق تفكيرها، والفاتح الغيور على استقلال بلاده أشد حاجة، وأسرع يداً إلى إتقان فن السياسة من مرتاح البال للبقاء تحت سلطة دولة أخرى.
ثانيهما: أن الإسلام شرع للسياسة أصولاً في أحسن مثال، وحارب الاستبداد باليمين والشمال، فأذاق أمته طعم الحكومة اللينة الحازمة، وشب في أحضانه رجال شهد بدهائهم السياسي أعداؤهم المنصفون.
هذان السببان ندبا المسلمين إلى النظر في مبادئ السياسة وأصول الحكم، فانتدبوا إليها، وكانوا أساتذة العالم في السياسة؛ كما كانوا أساتذته في العلوم الفلسفية، فهما أحق بأن يخطرا على قلب المؤلف، ولكنه يكره
(9/ 1/68)

أن يعترف بأن في تعليم الإسلام مبادئ سياسية، أو أن حكومة من حكومات الإسلام أذاقت الناس طعم السياسة الرشيدة.
قال المؤلف في (ص 23): "وهناك سبب آخر: ذلك أن مقام الخلافة الإسلامية كان منذ الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إلى يومنا هذا عرضة للخارجين عليه، المنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلا عليه خارج". ثم قال في (ص 24): "مثل هذه الحركة -حركة المعارضة- كان من شأنها أن تدفع القائمين بها إلى البحث في الحكم، وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها، ونقد الخلافة وما تقوم عليه، إلى آخر ما تتكون منه علوم سياسية، لا جرم أن العرب قد كانوا أحق بهذا العلم، وأولى من يواليه".
لم يعارض طائفة من المسلمين الخلافة في نفسها، أو كونها ذات حكومة يرأسها فرد، حتى تدعوهم المعارضة إلى درس الحكومات؛ ليختاروا منها الشكل الذي يروقهم، وإنما ينكر المعارضون شيئاً من تصرف الخليفة، أو يدعون أن غيره أحق بالإمارة وأقوم عليها، وهذا يقتضي البحث في طرق العدل وشروط الخليفة، وحكم الخروج عليه، وقد بحث أهل العلم في هذه المطالب بأوفى عبارة، وأبسط بيان، حرروا الكلام في الأصول الفارقة بين عادل الأحكام وجائرها، وأفاضوا القول في شروط الأمراء وموجبات خلعهم، ومتى بحثوا في الحكم من حيث انطباقه على مبادئ العدالة، أو انحرافه عنها، فإنهم لا يعرفون قانوناً لعدالة الأحكام أو جورها غير موافقتها لأصول الشريعة، أو نشوزها عنها، فمن هذا الوجه كان المعارضون يبحثون في الحكم، وينقدون سيرة الخلفاء مقتدين بقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
(9/ 1/69)

إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
ومتى صح أن يكون الخروج على الخليفة سبباً للبحث عن مبادئ السياسة، فقد أريناك وسنريك آية نهوض المسلمين بعلم السياسة، وتفوقهم في إدارة شؤونها.

* كلمات سياسية لبعض عظماء الإسلام:
قال المؤلف في (ص 24): "فما لهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين؟ ما لهم أهملوا النظر في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، وكتاب "السياسة" لأرسطو، وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه: المعلم الأول؟! ".
عني المسلمون من علوم اليونان بالفنون التي كانت غير معروفة لهم، أو كانت بضاعتهم فيها مزجاة، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من فائدة، وعلى حسب ما تمس إليه الحاجة، فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم، وأعطوا جانباً من عنايتهم إلى ما نقل لهم من سياسة أفلاطون وأرسطو، مع علمهم بأن أيديهم مملوءة بمبادئ السياسية الكافية في تدبير مصالح الأمة، وصيانة حقوقها على منهج الحرية السامية، والعدالة الصادقة.
كانوا يرون أن فيما أضاء لهم من مشكاة الشريعة، أو جرى على ألسنة حكمائهم، ما إذَا اتَسق لذي فطرة سليمة، وألمعية مهذبة، أصبح سائساً خطيراً، أو مصلحاً كبيراً.
ومن نظر في تاريخ عظماء الإسلام ببصيرة، لم تفتتن بزخرف المدنية الغربية، رأى في سيرتهم العملية، وما يلفظون به من نوابغ الكلم ما يشهد
(9/ 1/70)

له بأنهم أدركوا في فن السياسة شأواً بعيداً، ولم يكن حظهم منها أقل من حظ دارسي كتابي "الجمهورية"، و"السياسة".
ولا أسرد في هذا المقام شيئاً من الآيات والأحاديث التي تعد في مبادئ السياسة المثلى؛ فإنها مقروءة بكل لسان، ومشهود لها بالحكمة من كل ذي عقل، وإنما أسوق من أثر أولئك العظماء كلمات أضربها كالمثل؛ ليتبين القارئ ماذا نريد من تلك الكلم النوابغ، وليعرف أن رجالاً في الإسلام أحرزوا في السياسة القدح المعلى، ورموا عن قوس لم تكن من صنع أفلاطون، ولا أرسطو، فأبعدوا المرمى، وأصابوا الغاية.
أريد من تلك الكلم النوابغ أمثال قول عمر بن الخطاب -لما قيل له: إنك تستعين بالرجل الفاجر-: "إني لأستعين بالرجل لقوته، ثم أكون على قفّانه" (1). وقول أبي سفيان (2) لعثمان (3) - رضي الله عنه - حين همّ أن يردّ إليه مالاً صادره عمر بن الخطاب، ووضعه في بيت المال-: "لا تردّ على من قبلك، فيرد عليك من بعدك".
وقول عمر بن عبد العزيز -حين قال له ابنه عبد الملك (4): مالك
__________
(1) القفّان: الأثر؛ أي: أكون على تتبع أمره، فكفايته تنفعني، ومراقبتي له تمنعه من الخيانة- "نهاية ابن الأثير"، مادة: "قفن".
(2) صخر بن حرب بن أمية (57 ق. ه 31 ه = 567 - 652 م) من سادات قريش في الجاهلية، وأسلم يوم فتح مكة. توفي بالمدينة.
(3) عثمان بن عفان بن أبي العاص (47 ق. ه - 35 ه = 577 - 656 م) ثالث الخلفاء الراشدين، ولد بمكة، وقتل بالمدينة المنورة.
(4) عبد الملك بن مروان بن الحكم (26 - 86 ه = 646 - 755 م) الخليفة الأموي.=
(9/ 1/71)

لا تنفذ الأمور؟ -: "لا تعجل يا بنيّ؛ إني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيتركوه جملة، وتكون فتنة".
وقول معاوية (1) بن أبي سفيان: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة، ما انقطعت".
وقوله: "إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا".
وقوله: "والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني، وتحت قدمي".
وقول المهلب (2) للحجّاج (3) -حين كتب إليه يستعجله في حرب الأزارقة-: "إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره".
هذا نموذج من كلماتهم السياسية المقولة على البداهة، ولو أخذنا نملي عليك من أنبائها، لأخرجنا بها كتاباً قيماً، ولو تناولها ذو فكر خصب
__________
= نشأ في المدينة المنورة، وتوفي بدمشق.
(1) معاوية بن صخر بن حرب (20 ق. ه - 60 ه = 603 - . 680 م) من دهاة العرب، ومؤسس الدولة الأموية في الشام. ولد بمكة المكرمة، وتوفي بدمشق.
(2) المهلب بن أبي صفرة (7 - 83 ه = 628 - 702 م) من الأمراء الولاة. ولد في دبا، ونشا بالبصرة، وتوفي بخراسان.
(3) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي (40 - 95 ه = 660 - 714 م) قائد، داهية، خطيب: ولد في الطائف، وتوفي بواسط.
(9/ 1/72)

وقلم مثمر، لأنشأ من أصولها فروعاً، وأجرى من منابعها أنهاراً. وقد كان القوم يقومون على هذه الأصول، ويجمعون إليها علم التاريخ الذي هو الركن الأعظم لإجادة النظر في السياسة، ولهذا المعنى كانوا يتحرون في تقليد المناصب من له خبرة واسعة بأنباء الأمم وأيامها الخالية.
أرسل عمر بن هبيرة (1) إلى إياس بن معاوية (2)، وساله أسئلة أجاب عنها، ثم قال له: تعرف من أيام العرب شيئاً؟ قال: نعم. قال: فهل تعرف من أبناء العجم شيئاً؟ قال: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. ثم قال له: قم قد وليتك".
وصفوة القول: أن المسلمين اطلعوا على سياسة أفلاطون، وسياسة أرسطو، وألّفوا في السياسة المدنية، والسياسة الشرعية، فملكوا من السياسة النظرية كنزاً قيّماً، ولولا أنهم كانوا ينفقون من هذا الكنز القيّم، لما ارتفعت سياستهم العملية على سياسة تلاميذ أفلاطون وأرسطو درجات.

* النحو العربي ومناهج السريان:
قال المؤلف في (ص 24): "وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم النحو".
هذا شيء ظنه جرجي زيدان، فالتقطه المؤلف من ورائه، وجاء به على أنة قضية مسلمة.
__________
(1) عمر بن هبيرة بن سعد (... - نحو 110 ه = ... - نحو 728 م) من الدهاة الشجعان. ولاه يزيد بن عبد الملك إمارة العراق وخراسان.
(2) إياس بن معاوية بن قرة المزني (46 - 122 ه = 666 - 745 م) اشتهر بالفطنة والذكاء. قاضي البصرة، وتوفي بواسط.
(9/ 1/73)

قال في "تاريخ التمدن الإسلامي "، وفي "تاريخ آداب اللغة العربية": "ويغلب على ظننا أنهم نسجوا في تبويبه -يعني: النحو- على منوال السريان؛ فإن السريان دونوا نحوهم، وألّفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس للميلاد".
ثم قال: "فالظاهر أن العرب لما خالطوا السريان في العراق، اطلعوا على آدابهم، وفي جملتها النحو، فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم، نسجوا على منواله؛ لأن اللغتين شقيقتان، ويؤيد ذلك: أن العرب بدؤوا بوضع النحو وهم بالعراق، وبين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في السريانية".
ثم قال: "وكأنه -يعني: أبا الأسود (1) - تعلم لغة السريان، أو اطلع على نحوها، فرغب في النسج على منواله".
فالمسألة لم تزل في حدود الافتراض، وليس لها من شبهة سوى أن واضعي علم النحو من العرب كانوا بالعراق بين السريان والكلدان، وأن أقسام الكلام في العربية هي أقسام الكلام في السريانية. ولكن كتاب "الإسلام وأصول الحكم، لا يبالي أن يسوق المشكوك فيه مساق المعلوم، أو يورد المعلوم في صورة المشكوك فيه.

* الإسلام والفلسفة:
قال المؤلف في (ص 24): "بل رضوا بأن يمزجوا لهم علوم دينهم
__________
(1) ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي (1 ق. ه 69 ه = 605 - 688 م) واضع علم النحو. سكن البصرة، وتوفي بها.
(9/ 1/74)

بما في فلسفة اليونان من خير وشر، وإيمان وكفر".
خفقت ريح الفلسفة في بعض البلاد الشرقية؛ كمصر، والهند، وجالت في أندية اليونان أمداً بعيداً، وما برحت تتلقى من أفواه الأساتذة، وتلتقط من صحائف المؤلفين، إلى أن طلع كوكب الهدي الإسلامي، وتدفقت أشعته على البصائر النقية، فلم تلبث الفلسفة أن التقت في أوائل عهد الدولة العباسية بذلك التعليم السماوي، والتحقت بالعلوم الخادمة له في تأييد قواعد السياسة ونظام الاجتماع.
لا يذهب إلى أن الإسلام يتجافى عن الفلسفة، سوى رجل التقم ثدي الفلسفة، وشبّ في أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين ببصيرة وروية، أو مسلم لم يخض غمار المباحث الفلسفية، وحسب أن جملتها قضايا باطلة، ولا سيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى نبذة من الآراء المنكرة على البداهة.
في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا تصادم شيئاً من نصوص الدين الواردة في كتاب أو سنّة ثابتة، والذي لا يلتقي مع هذه النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة أو نظر حكيم، وقد ضاعت في شعاب هذا النوع قلوب فئة استخفهم الغرور إلى أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا اللقب لا يحرزه إلا من آمن بكل ما يلفظ به الغربيون، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها.
خرجت الفلسفة على علماء الإسلام، وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم،
(9/ 1/75)

وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويم المعوجّ من مقالاتها.
نفقت سوق الفلسفة، فمد إليها بعض القاصرين أيديهم، واتخذوا منها ظهيراً لآراء سخيفة يعتنقونها، أو شُبه على الدين يوردونها، وما كان من أولي العلم إلا أن تصدوا لنقض تلك الآراء، ومطاردة هاتيك الشبه، واضطروا في تقويمهم، وكفّ بأسهم إلى استعمال السلاح الفلسفي الذي هاجموهم به، ولم يبالوا أن يمزجوا عقائدهم الصحيحة بالفلسفة اليونانية، ما داموا يحملون في أناملهم أقلاماً تفرق بين خيرها وشرها، وإيمانها وكفرها.

* بحث في مبايعة الخلفاء الراشدين، وأنها كنت اختيارية:
حكى المؤلف قول ابن خلدون: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل العقد والحل، وقول السيد محمد رشيد رضا: إن الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد ممن اختاروه إماماً للأمّة، بعد التشاور بينهم.
ثم قال في (ص 25): "قد يكون معنى ذلك: أن الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية، وترتكز على رغبة أهل الحل والعقد من المسلمين، ورضاهم، وقد يكون من المعقول أن توجد في الدنيا خلافة على الحد الذي ذكروا، غير أننا إذا رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر، وجدنا أن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت -إلا في النادر- قوة مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف". ثم قال: "قد يسهل التردد في أن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين -مثلاً- شادوا مقامهم على أساس القوة المادية، وبنوه على قواعد الغلبة والقهر، ولكن أيسهل الشك في أن علياً ومعاوية - رضي الله
(9/ 1/76)

تعالى عنهما- لم يتبوءا عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيوف، وعلى أسنة الرماح؟ ".
يتكلم ابن خلدون، والسيد محمد رشيد رضا، عن الطريق الذي تنعقد به الخلافة شرعاً، وهو اختيار أهل الحل والعقد، ومن المعقول جداً أن توجد خلافة على هذا الحد، وكذلك كانت إمارة الخلفاء الراشدين؛ فإن مبايعتهم تقررت باختيار من أهل الحل والعقد، ولا أثر للقهر والغلبة في انعقادها.
أما مبايعة أبي بكر الصديق (1)، فقد روى البخاري في كتاب: الحدود من صحيفة الخطبة التي ألقاها عمر بن الخطاب حاكياً واقعة مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة (2)، وبعد أن أتى على المناقشة التي دارت بينِ أبي بكر وبعض الأنصار، قال: "فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرِقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار".
وفي باب: مناقب أبي بكر من "صحيح البخاري" أيضاً: "أن أبا بكر الصديق قال للأنصار: بايعوا عمر بن الخطاب (3)، أو أبا عبيدة بن الجراح (4)،
__________
(1) عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر (51 ق. ه - 13 ه = 573 - 634 م) أول
الخلفاء الراشدين، وأول من آمن من الرجال بالرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولد بمكة المكرمة، وتوفي بالمدينة المنورة.
(2) سقيفة بني ساعدة: بالمدينة. وهي ظلّة كانوا يجلسون تحتها، وفيها بويع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -.
(3) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي (40 ق. ه -23 ه = 584 - 644 م) ثاني الخلفاء الرا شدين. وأول من لقب بأمير المؤمنين، توفي بالمدينة المنورة.
(4) عامر بن عبد الله بن الجراح (40 ق. ه 18 ه = 584 - 639 م) الأمير الفاتح، =
(9/ 1/77)

فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ عمر بيده، وبايعه الناس".
فأنت ترى كيف بويع أبو بكر الصديق، وليس حوله قوة مال، ولا جند، ولا سلاح، ولم تصدر منه كلمة تؤذن بتهديد أو إكراه، وقصارى ما وقع في المحاورة: أن بعض الأنصار قالوا للمهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير، وردّ عليهم أبو بكر بأن هذا الأمر لن يعرف إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً. ثم أشار عليهم بمبايعة عمر بن الخطاب، أو أبي عبيدة، ولما أكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، أوجس عمر خيفة من أن ينحدر بهم الاختلاف إلى عاقبة سيئة، فلم يتمالك أن بسط يده إلى مبايعة أبي بكر، وامتدت أيدي المهاجرين والأنصار على أثره، فانعقدت البيعة من أهل الحل والعقد عن اختيار منهم، ولو كفوا أيديهم، ولم يتابعوه على المبايعة، لم تنعقد كما نص عليه أبو المعالي في كتاب "غياث الأمم".
ونحن نرى أن عمر بن الخطاب لم يبسط يده إلى المبايعة، إلا بعد أن عرف أن معظم المهاجرين والأنصار يرون رأيه في أن أبا بكر الصديق أحق الناس بالخلافة، ومن شواهد هذا: أن الحاضرين بسقيفة بني ساعدة لم يتباطؤوا عن متابعة عمر في المبايعة، ثم إن أبا بكر الصديق جلس من الغد على المنبر، وبايعه الناس البيعة العامة بعد بيعة السقيفة (1)، وهؤلاء المبايعون هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وتعلموا عن الرسول - عليه السلام - فضيلة الصراحة وعدم السكوت عن قول الحق،
__________
= والصحابي الجليل، ولد بمكة المكرمة، وتوفي بغور بيسان.
(1) "ابن جرير الطبري" (ج 8 ص 828) طبعة أوربا.
(9/ 1/78)

ولو كانت الفاصلة بين الرؤوس والأعناق. وقد سمّى عمر - رضي الله عنه - مبايعته فلتة؛ لأنها لم تكن بعد إنهاء المشاورة.
قال ابن تيمية في "منهاج السنة" (1) شارحاً هذا الأثر: "ومعناه: أن بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار؛ لكونه كان متعيناً لهذا الأمر كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر. وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه، وتقديم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له على سائر الصحابة أمراً ظاهراً معلوماً، فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغني عن مشاورة وانتظار وتريث؛ بخلاف غيره؛ فإنه لا تجوز مبايعته إلا بعد المشاورة والانتظار والتريث".
ومع كونها فلتة، لا تجعل مبايعة أبي بكر مأخوذة بالقهر والغلبة، وتخلف بعض المهاجرين أو الأنصار عن البيعة حيناً الزمن، لا يخل بانعقادها، ولا يسلب عنها أن تكون مبايعة اختيارية؛ إذ المدار على رأي الأغلبية، وهي محل الاعتبار في سائر القوانين الدستورية، ولا شك أن الأكثرية الساحقة يومئذٍ بايعت أبا بكر عن رضا واختيار، ولو جرى الانتخاب بطريق الاقتراع السري على العادة المألوفة اليوم، لم يفز بالإمامة غير أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.
وأما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقد عهد إليه أبو بكر الصديق بالخلافة، وبايعه المسلمون بعد وفاة أبي بكر، فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم" (2).
__________
(1) (ج 3 ص 118).
(2) "منهاج السنة" لابن تيمية (ج 1 ص 142).
(9/ 1/79)

وأما عثمان - رضي الله عنه -، فقصة مبايعته: أن عمر بن - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة، وقيل له: استخلف، قال: ما أجد أحق لهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، فسمّى علياً (1)، وعثمان، والزبير (2)، وطلحة (3)، وسعداً (4)، وعبد الرحمن (5)، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر (6)، وليس له من الأمر شيء، ثم "إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم، وبقي علي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى، ويولي أحد الرجلين، وأقام عبد الرحمن ثلاثاً حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم، يشاور السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء الأنصار، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان، وذكر أنهم
__________
(1) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. (23 ق. ه - 40 ه = 600 - 661 م) رابع الخلفاء الراشدين، وابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصهره. ولد بمكة المكرمة، وأقام آخر حياته بالكوفة، وتوفي مقتولاً.
(2) الزبير بن العوام بن خويلد (28 ق. ه - 36 ه = 594 - 656 م) صحابي جليل، وأحد المبشرين بالجنة. قتل بوادي السباع على سبعة فراسخ من البصرة.
(3) طلحة بن عبيد الله بن عثمان (28 ق. ه - 36 ه = 596 - 656 م) صحابي جليل، وأحد المبشرين بالجنة. قتل يوم الجمل، ودفن بالبصرة.
(4) سعد بن أبي وقاص (23 ق. ه - 55 ه = 650 - 675 م) الصحابي الجليل، وأحد المبشرين بالجنة. توفي بالعقيق على عشرة أميال من المدينة المنورة، ودفن فيها.
(5) عبد الرحمن بن عوف (44 ق. ه - 32 ه = 580 - 652 م) الصحابي الجليل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وتوفي بالمدينة المنورة.
(6) عبد الله بن عمر بن الخطاب (10 ق. ه - 73 ه = 613 - 692 م) الصحابي الجليل، له في كتب الحديث 2630 حديثاً، ولد وتوفي بمكة المكرمة.
(9/ 1/80)

كلهم قدموا عثمان، فبايعه لا عن رغبة أعطاهم إياها، ولا عن رهبة أخافهم بها".
وقال ابن تيمية: "لم يصر عثمان باختيار بعضهم، بل لمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان، لم يتخلف عن بيعته أحد" (1).
وقال الإمام أحمد: "ما كان من القوم من بيعة عثمان كانت بإجماعهم" (2).
وأما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فمبايعته لم تكن تحت رهبة قط، ولا قامت تحت ظلال السيوف كما يزعم المؤلف، بل "إن المهاجرين والأنصار اجتمعوا بعد مقتل عثمان - رضي الله عنه -، وأتوا علياً، وقالوا: يا أبا حسن! هلمَّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم، فقد رضيت به، فاختاروا، فقالوا: والله! ما نختار غيرك. ثم اختلفوا إليه مراراً، ثم أتوه في آخر ذلك فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة، وقد طال الأمر (3) ".
وفي رواية أخرى: "أنه قال لهم: لا تفعلوا؛ فإني كون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله! ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفياً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، وقال عبد الله بن عباس (4): فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافةَ أن يشغب
__________
(1) "منهاج السنة" لابن تيمية (ج 1 ص 143).
(2) "منهاج السنة" (ج 1 ص 143).
(3) "تاريخ ابن جرير الطبري" (ج ه ص 152).
(4) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (3 ق. ه - 68 ه = 619 - 687 م) الصحابي الجليل، وله في "الصحيحين" وغيرهما 1660 حديثاً، ولد بمكة المكرمة، وتوفي بالطائف.
(9/ 1/81)

عليه، وأبى هو إلا المسجد. فلما دخل، دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه، ثم بايعه الناس" (1).
فمقصد الشارع من إقامة الخلافة على رضا أهل الحل والعقد قد تحقق في ولاية الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، وسواء بعد ذلك أن تبايع الخليفة الخاصة، ثم تبايعه العامة؛ كما وقع في ولاية الصديق، وعثمان بن عفان، أو يعهد له الخليفة، ويقع عهده موقع القبول، ويعزز بمبايعة أهل الحل والعقد بعد؛ كما وقع في ولاية الفاروق، أو يبايع مبايعة عامة في آن واحد؛ كما وقع في ولاية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

* بحث في قوة الإرادة:
ولماذا لا يكون من المعقول أن توجد خلافة قائمة على اختيار أهل الحل والعقد، وهو أمر يرجع إلى قوة إرادة الأمة، ولقوة الإرادة في حياة الأمم وتمتعها بحقوقها تأثير بالغ وسلطان غالب؟.
مما يشهد به النظر وتؤيده التجربة: أن الأمة متى كانت على بصيرة من حق، وعرفت الطريق الهادي إليه، لم تنشب أن ينقلب تفكيرها فيه عزماً صارماً، وتقتحم كل عقبة تعترض في سبيلها، وإذا سمعت أمة تذكر غاية من العز، وهي لا تتقدم إليها بخطوات سريعة، أو سمعتها تبدي الأسف لحق انفلت من يدها، وهي لا تنشده بسعي متواصل، فاعلم أنها لا تزال في طور الأماني والآمال، ولم يبلغ إحساسها بتلك الغاية الشريفة أو ذلك الحق الضائع مبلغ الإرادة.
__________
(1) "تاريخ ابن جرير الطبري" (ج 5 ص 152).
(9/ 1/82)

تعرف كلُّ قوة -وإن كانت مسلحة-: أن إرادة الأمة قلاع لا تفتح، وجيش لا ينهزم، فلا يكون منها إلا أن تخضع أمام سلطانها، وتعصي داعي الأهواء في مرضاتها، ولا يضطهد المستبد حقوق القوم إلا أن يفهم أن إحساسهم بها لا يزال معدوماً، أو أن شمل إرادتهم ما برح في تخاذل وشتات. وما مثل الأمم في أعمالها وقوة إرادتها، إلا مثل السهم يخترق الهواء، ويرسم خطاً يمتد على قدر قوة الوتر الذي يدفعه، ومتانة القوس التي ينفذ منها.
فالأفراد الذي جلسوا على خلافة عرش الخلافة بقوة مسلحة، وعاثوا فيها فساداً، لم يلاقوا من الأمة قوة إرادة، ولم تكن للأمة قوة إرادة؛ لأن شعورها بحقوقها لم يكن عاماً، ولا يكون الشعور بالحق عاماً لتقلص نور التربية والتعليم، أو لاختلاف طرقهما اختلافاً يجعل الأذواق وطرق التفكير تتفاوت تفاوتاً بعيداً.

* بحث في الخلافة والملك والقوة والعصبية:
قال المؤلف في (ص ه 2): "وما كان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا أن يسكن اليوم يلدز لولا تلك الجيوش التي تحرس قصره".
وكتب معلقاً على هذا في أسفل الصحيفة ما نصه: "كتبنا ذلك يوم كانت الخلافة في تركيا، وكان الخليفة محمد الخامس".
لعل المؤلف كتب هذا الباب الثالث الذي هو في الخلافة من الوجهة الاجتماعية، قبل أن يؤلف الباب الأول الذي هو في تعريف الخلافة، والباب الثاني الذي هو في حكم الخلافة، فإنه ذكر في (ص 11) من الباب الأول رسالة الخلافة التي نشرتها حكومة المجلس الكبير الوطني بأنقرة، وهي بالطبيعة متأخرة عن وفاة محمد الخامس، ونقل في (ص 16) عن كتاب "الخلافة"
(9/ 1/83)

أو الأمامة للأستاذ السيد محمد رشيد رضا، وهذا الكتاب أيضاً لم يظهر، بل لم يؤلف إلا بعد حركة أنقرة التي ابتدأت بعد وفاة محمد الخامس، وأعجب من هذا: أن المؤلف ذكر في أول سطر من هذه الصحيفة التي تحدث فيها عن محمد الخامس كتاب الخلافة أو الإمامة للسيد رشيد، فلعله أيضاً ألّف شطر الصحيفة الأسفل قبل أن يؤلف شطرها الأعلى (1).
أراد المؤلف أن يتحدث عن جهل المسلمين بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات، ويعلله بضغط الخلفاء والملوك، فأملى على قلمه معنى هو: أن الخلافة والملك لا يرتكزان إلا على القوة القاهرة، والسيوف المصلتة، واستمر يلوكه في جمل يَركب بعضها بعضاً، وعزّ عليه أن يفارقها حتى امتلأت بها خاصرتا كتابه، وأوشك القارئ أن لا يفهم منها إلا أن المؤلف يبرق ويرعد على القوة الحاكمة، من حيث إنها ذات شوكة، وأعدت ما استطاعت من قوة الجند والسلاح.
قال ابن خلدون في "مقدمته" (2): "إن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية".
وقال (3): "إن الملك إنما يحصل بالتغلب، "وإن التغلب إنما يكون بالعصبية".
__________
(1) يقول الإمام محمد الخضر حسين في الحاشية: أتينا بهذه الكلمة -وإن لم يكن لها مساس بالموضوع العلمي- خدمة للتاريخ، حتى لا يتوهم القارئ أن محمد الخامس توفي بعد انعقاد المجلس الكبير بانقرة.
(2) (ص 129).
(3) (ص 132).
(9/ 1/84)

وقال: "إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب ... فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة، وتوارثوه واحد بعد آخر في أعقاب كثيرين، ودول متعاقبة، نسيت النفوس شأن الأولية".
أخذ المؤلف ما قرره ابن خلدون في سنّة قيام الملك، وأجراه على مشروع الخلافة.
فقال في (ص 25): "لا نشك مطلقاً في أن الغلبة كانت دائماً عماد الخلافة، ولا يذكر لنا التاريخ خليفة إلا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه، والقوة القاهرة التي تظله، والسيوف المصلتة التي تذود عنه، ولولا أن نرتكب شططاً في القول، لعرضنا على القارئ سلسلة الخلافة إلى وقتنا هذا؛ ليرى على كل حلقة من حلقاتها طابع القهر والغلبة".
تناول المؤلف ما قرره ابن خلدون، وشمط القول في تعليله من أن الملك لا يحصل إلا بالتغلب، وأخذ يضرب به قوله: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل الحل والعقد.
لا شك أن الفيلسوف ابن خلدون لا يرى تعارضاً بين مقالتيه؛ لأنه يفرق بين الخلافة والملك، وإن شئت تحقيق هذا البحث على وجه شرعي اجتماعي، فإليك التحقيق:
عرف الإسلام أن في الناس طبيعة التعصب للقومية، وأن هذه الطبيعة كثيراً ما تطغى، فتحمل صاحبها على التحيز لأخيه في القومية، والوقوف في صف أنصاره، وإن كان مبطلاً.
عرف الإسلام ذلك، فقرر مبادئ الأخوة والمساواة، وأتى بما يهذب
(9/ 1/85)

تلك الطبيعة، ويقيم أودها؛ حتى لا تخف بالقبيلة إلى معاضدة أخيها إذا نهض لإرغام حق، أو إقامة منكر.
قد يأذن الإسلام للرجل أن يؤثر بمعروفه أو مساعدته ابن عشيرته، أما عند تدبير مصلحة عامة، أو تقرير حقوق مشتركة، فيقطع النظر عن كل صلة، ولا يقيم لأي عاطفة وزنا، إلا ما تقتضيه المصلحة، وتشير به القوانين العادلة، والآراء الراجحة، ولمثل هذا وكَّل تعيين الخلافة إلى اختيار أهل الحل والعقد، وجعل المسلمين في هذا الحق عصبة واحدة.
ليس من المتعذر على المسلمين أن يسيروا على هذه الخطة، إذا لم يكن في ذي العصبية القوية من الكفاية ما يتحقق في غيره من ذوي العصبيات الواهنة، ومن المحتوم عليهم أن يختاروا ما فيه المقدرة الكافية، ويكونوا حوله قوة تنهزم أمامها كل عصبية قومية.
فإن كان ذو العصبية التي هي أشد وأقوى، كافياً لهذا المنصب، فللمسلمين أن يعدوا ما يحوزه من هذه القوة الطبيعية ميزة يرجح بها على غيره المماثل له في سائر شروط الخلافة، وهذا ما بنى عليه ابن خلدون فهمه لحديث: "الأئمة من قريش"، ورأى أن نسب القرشية في الحديث إنما يرمي إلى ما يحقق شرط الكفاية والقدرة على القيام بأعباء الخلافة، وهو قوة الحامية، وقد اختصت قريش لذلك العهد من بين سائر القبائل بقوة العصبية، وشدة المراس، وذكر أن من القائلين بنفي اشتراط القرشي في الخلافة القاضي أبا بكر الباقلاني (1)؛ حيث أدرك ما آلت إليه عصبية قريش من التلاشي
__________
(1) محمد بن الطيب بن محمد (338 - 403 ه = 950 - 1013 م) قاض ولد في البصرة، وتوفي ببغداد.
(9/ 1/86)

والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم على الخلفاء (1).
فالحق أن ما قرره ابن خلدون من أن الملك لا يحصل إلا بالقهر والغلبة، لا يجري في الخلافة؛ فإنها قامت في عهد الخلفاء الراشدين على البيعة الاختيارية، والمؤلف نفسه تعاصت عليه الأدلة، وخانته الشبه، فلم يستطع أن يأتي بدليل أو شبهة على أن الخلافة في سائر أطوارها لم تقم إلا على القهر والغلبة.

* نظام الملكية لا ينافي الحرية والعدل:
قال المؤلف في (ص 27): "وطبيعي في الأمم المسلمة بنوع خاص: أن لا يقوم فيهم ملك إلا بحكم الغلب والقهر أيضاً".
يذهب المؤلف إلى أن نظام الملكية لا يقوم بين المسلمين عن اختيار منهم، وزعم أن مبادى" الحرية والإخاء والمساواة التي جاء بها الدين، تقتضي أن لا يقوم فيهم ملك إلا بالقهر والغلبة.
والحكومة -في تقسيم أرسطو (2) - إما ملكية، أو أرستقراطية، أو شعبية. وكل واحد من هذه النظم إما طبيعي، وهو ما يعمل لخير الأمة، أو جائر، وهو ما يتصرف في شؤونها بغير حكمة.
فالملكية عند أرسطو قد تسير على منهج من العدل والنصح للرعية.
وقسم (منتسكيو) (3) الحكومة إلى: جمهورية، وملكية، واستبدادية،
__________
(1) "مقدمة" (ص 163) طبعة بولاق.
(2) أرسطو أو أرسطاطاليس (384 - 322 ق. م) فيلسوف يوناني.
(3) كاتب فرنسي في الاجتماع والسياسة (1689 - 1755 م) من كتبه: "روح الشرائع".
(9/ 1/87)

والفرق بين الملكية والاستبدادية: أن الأولى تكون السلطة فيها بيد فرد يحكم بمقتضى قوانين مقررة، والأخرى لا يرتبط الحاكم فيها بقانون ولا عُرف، بل يدير زمامها على ما يشاء ويهوى. فالملكية عند (منتسكيو) تخالف الاستبدادية.
فالواجب إذاً على المؤلف أن يبين ماذا يريد من الملك؛ فإن الحكومة التي يرأسها فرد إذا كانت تعمل على طريق الحزم والشريعة العادلة، لم نجد في مبادئ الإسلام ما يمنع من الإذعان لها، والنصح في مؤازرتها.
قال المؤلف في (ص 27): "من الطبيعي في أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، وشملكون مذاهبها عملاً، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، في خمسة أوقاتهم للصلاة، من الطبيعي في أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم، إلا خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر".
يقول الكواكبي في "طبائع الاستبداد" (1): "بني الإسلام، بل كافة الأديان على: لا إله إلا الله، ومعنى ذلك: أنه لا يعبد حقا سواه؛ أي: سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة: التذلل والخضوع، فيكون معنى لا إله إلا الله: لا يستحق التذلل والخضوع شيء غير الله، فهل -والحالة هذه- يناسب المستبدين أن يعلم عبيدهم ذلك، ويعملوا بمقتضاه؟ كلا ثم كلا ... ولهذا ما انتشر نور التوحيد في أمة قط إلا وتكسرت بها قيود الأسر".
__________
(1) عبد الرحمن بن أحمد الكواكبي (1265 - 1320 ه = 1849 - 1902 م) كاتب وأديب، ولد في حلب، وتوفي بالقاهرة.
(9/ 1/88)

حق ما يقول الكواكبي، ثم ما يقول المؤلف من أن الإسلام يرفع همم أتباعه، ويزكي نفوسهم من الخضوع إلى رجل منهم، أو من غيرهم، متى حاول اضطهادهم أو العبث بحقوقهم.
أما إذا عرفوا من الرئيس المسلم عدلاً واستقامةً، فإنهم يبذلون له حسن الطاعة، ويمحضون له النصيحة، ويكون صعوده على عرش الخلافة برضا واختيار منهم، وليس في هذا غضاضة على ما أُشربوه في قلوبهم من مبادئ الحرية والمساواة، وإخلاص العبودية لله، فإن الذي لقنهم الحرية والمساواة، وأمرهم بالإخلاص في توحيده، هو الذي قال لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
ثم إن الرعية التي كان يسوسها عمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز كانت تمد رقابها إلى أميرها طائعة، ولم تفقد شيئاً من حريتها، ولا إخلاص العبادة لخالقها.
قال المؤلف في (ص 28): "إنما الذي يعنينا في هذا المقام: هو أن نقرر لك: أن ارتكاز الخلافة على القوة حقيقة واقعة، لا ريب فيها. وسيان بعد ذلك أن يكون هذا الواقع المحسوس جارياً على نواميس العقل، أم لا، وموافقاً لأحكام الدين، أم لا".
ملأ المؤلف آذاننا بكلام يدور على أن الخلافة والملك لم يرتكزا إلا على القوة والرهبة، ثم انقلب إلى حرفة التشكيك، الذي آلى على نفسه أن لا يخرج بنا من بحث حتى يحاول أن يفتننا به مرة أو مرتين.
ونحن نلفت النظر عن الرأي المطوي في صدر المؤلف، ونلقي الكلمة الفاصلة فنقول: إن ارتكاز البيعة على القوة والسلطان، دون أن يكون لأهل
(9/ 1/89)

الحل والعقد فيها اختيار، غير جار على نواميس العقل، ولا موافق لما أرشد إليه الدين، وكذلك الدين والعقل السليم لا يختلفان في حكم.
أما استناد الخلافة بقوة الجند والسلاح بعد قيامها على قاعدة اختيار الأمة، فأمر ينطبق على قوانين العقل بغير تردد، وحق تهدي إليه الشريعة بحثّ وتأكيد؛ فإن القصد من إقامة السلطان كفّ الأيدي العادية على الحقوق، فوجب إعداد القوة من جند وسلاح لمكافحة الأعداء والبغاة، وحماية حرم الشريعة من أن تعبث بها يد آثمة، أو نفس ماردة.
وعلى الأمة اليقظة أن تتخذ من التدابير ما يمكنها من مشاركة الخليفة في تصريف هذه القوة المسلحة، حتى إذا خاب ظنها فيه، وأخذه الاستبداد بالإثم، وجدت الطريق إلى اتقاء بأسه وكف يده أمراً ميسوراً.
قال المؤلف في (ص 28): "لا معنى لقيام الخلافة على القوة والقهر، إلا إرصادهما لمن يخرج على مقام الخلافة، أو يعتدي عليه، وإعداد السيف لمن يمس بسوء ذلك العرش، ويعمل على زلزلة قوائمه".
لا بد للخلافة من أن تتقلد سيفاً وترتدي بإرهاب؛ "لتتقي خطر عدو هاجم أو متحفز، وتقمع شر من يثير فتنة يضطرب لها نظام الأمن والسلام، وقد أتى عليها حين من الدهر وهي لا تنتضي حسامها، ولا تلمع بإنذارها ووعيدها إلا في وجه عدو يتربص بالمؤمنين الدوائر، أو ثائر عصفت به ريح الأهواء، وما له في أولي الألباب من ولي ولا عاذر، وأدركها زمن بعدت فيه عن حقيقتها، فخلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وربما كان إثمها في بعض الأحيان أكبر من نفعها، وليس إصلاح شأنها وإعادتها إلى سيرتها المثلى ممن يغارون على مصلحة الشرق واتحاد شعوبه ببعيد.
(9/ 1/90)

قال المؤلف في (ص 29): "وإذا كان في هذه الحياة الدنيا شيء يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي، فذلك هو مقام الخلافة، وقد رأيت أنه أشهى ما تتعلق به النفوس، وأهم ما تغار عليه. وإذا اجتمع الحب البالغ، والغيرة الشديدة، وأمدتهما القوة الغالبة، فلا شيء إلا العسف، ولا حكم إلا السيف".
الظلم والاستبداد ينشآن عن علتين:
أولاهما: أن يحمل الحاكم بين جنبيه أهواء غالبة، ونفساً غير زاكية.
وثانيتهما: جهل الأمة وتخاذلها؛ بحيث لا يتحد زعماؤها على تقويمه بالتي هي أحكم وأقطع لدابر الاستبداد.
وقد بنيت الخلافة بحق على ما يُتوقى به من هاتين العلتين الفاقرتين، فجاء في شروط الخليفة: أن يكون عالماً عادلاً، وجاء في واجبات الأمة: أن تشاركه في الرأي، وتقوم على مراقبته وحمله على طريق العدل بالوسائل الكافية.
فإن وقع من الخليفة استبداد أو عدوان، فالتبعة ملقاة على عنق الأمة، لا على مشروع الخلافة.
ولو كان مقام الخلافة يحمل بطبيعته على الاستبداد والبغي، لم ترفع العدالة رأسها، ولم تنشط الحرية من عقالها يوم جلس عليه الخلفاء الراشدون ومن حذا حذوهم؛ كعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.

* إبطال دعوى المؤلف: أن ملوك الإسلام يضغطون على حرية العلم:
قال المؤلف في (ص 30): "ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم، واستبداد الملوك بمعاهد التعليم".
(9/ 1/91)

بخس المؤلف حظ المسلمين في السياسة، فكففنا شيئاً من غلوائه، وما راعنا منه الآن إلا أن يلصق بملوك الإسلام وصمة الضغط على حرية العلم، ويطلق العبارة بكل صراحة كأنه لا يشعر بأن في الدنيا شيئاً يقال له: التاريخ.
أيريد منا أن نطارحه الحديث في النهضة العلمية الإسلامية، فنقف به على مبدأ نشأتها، أو نمر به على سائر أطوارها، ونريه كيف كان الملوك والأمراء يسعدونها بالترجمة، وإنشاء المدارس، وتأسيس المكاتب، وإجلال العلماء، وإسباغ النعم على المؤلفين؟ إنا عن تفصيل الحديث في هذا السبيل لفي شغل، ولا طاقة لنا إلا بأن نلقي على الحكومات الإسلامية نظرة إجمالية، ونقول فيها كلمة يطلّ منها القارئ على الحقيقة؛ ليشهد على بينة بأن المؤلف يباهت المسلمين وملوكهم على مسمع من التاريخ، ومرأى من مآثرهم الباقية.
قامت دولة بني أمية، وكلانت هممهم مصروفة إلى فتح البلاد، وتوسيع نطاق الدولة الإسلامية، فلم تتوجه عنايتهم إلى الزيادة على ما بين أيديهم من علوم إسلامية أو عربية، سوى ما جاء في التاريخ من أن معاوية ابن أبي سفيان - رضي الله عنه - كان "يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة (1). وأما ما قام به خالد ابن يزيد بن معاوية (2) من نفسه، فاستقدم راهباً رومياً من إسكندرية، وأخذ عنه صناعة الكيمياء، ثم أمر بنقلها إلى العربية، وكذلك عرّب (ماسرجويه)
__________
(1) "مروج الذهب" للمسعودي (ج 2 ص 57) طبعة بولاق.
(2) خالد بن يزيد بن معاوية بن أَبى سفيان (... - 90 ه = ... - 708 م) من الحكماء العلماء المشتغلين بالكيمياء والطب. وتوفي بدمشق.
(9/ 1/92)

أحد الأطباء المعاصرين لعبد الملك بن مروان كتاباً في الطب، وبقي في خزائن الكتب بالشام، ولما تولى عمر بن عبد العزيز، أخرجه منها، وأصبح متداولاً في أيدي الناس، وجاء في "الفهرست" لابن النديم: (1) أن أبا العلاء سالماً كاتب هشام بن عبد الملك (2) نقل من رسائل أرسطو إلى الاسكندر.
انقرضت دولة بني أمية في المشرق، ولم ينهضوا بما عند الأمم الأخرى من علوم حكمية وفلسفية؛ للعذر الذي أومأنا إليه، ولكنهم لم يضطهدوا عالماً لعلمه، ولم يقطعوا سبيل علم دون مبتغيه.
ثم خلفهم بنو العباس، وقد اتسع نطاق الممالك الإسلامية، واستحكمت عرى الدولة، فما استقرت مقاليد الخلافة بأيديهم حتى نهضوا بالعلوم على اختلاف فنونها، فعني المنصور بنقل علوم الهندسة والطب والنجوم، وتتابعُ الخلفاء على هذه الخطة المحمودة، والنهضة العبقرية للخليفة المأمون أشهرُ من أن يشار إليها بالبنان، وظلت هذه النهضة قائمة يشد أزرها الخليفة عقب الخليفة، حتى أصبحت علوم اليونان والفرس وغيرهما تدرس بلسان عربي مبين.
وهن عظمُ الخلافة العباسية، وهيض جناحها، فظهر حولها دول في الشام ومصر وفارس وخراسان وغيرها؛ كدولة بني بويه، وبني حمدان، وبني زيار، وبني سامان، والدولة الغزنوية، والسلجوقية، وملوك هذه الدول
__________
(1) محمد بن إسحاق بن محمد (... - 438 ه = ... -1047 م) وهو بغدادي. وصاحب كتاب "الفهرست" من أقدم كتب التراجم.
(2) هشام بن عبد الملك بن مروان (71 - 125 ه = 690 - 742 م) من الملوك الأمويين في الشام. ولد في دمشق، وتوفي بالرصافة غرب الرقة.
(9/ 1/93)

القائمة على أطلال الخلافة العباسية "اقتدوا بخلفاء النهضة في ترغيب أهل العلم، واستقدامهم إلى عواصمهم في القاهرة وغزنة ودمشق ونيسابور وإصطخر وغيرها" (1).
ومن أشهر رجال هذه الدول، وأعظمها أثراً في إحياء العلم ورفع لوائه: منصور بن نوح الساماني (2)، ومحمود بن سُبكتكين الغزنوي (3)، وسيف الدولة بن حمدان، (4) وسابور بن أردشير (5) وزير بهاء الدولة بن بويه (6)، ونظام الملك (7) وزير السلطان السلجوقي، وقابوس بن وشكمير الزياري (8)،
__________
(1) "تاريخ التمدن الإسلامي" (ج 3 ص 169).
(2) ملك بخارى وما وراء النهر، وهو أول من أنشأ مكتبة عامة في الإسلام (... - 366 ه = ... - 977 م)، وتوفي في بخارى.
(3) محمود بن سبكتكين الغزنوي (361 - 421 ه = 971 - 1030 م) فاتح الهند، ولد في غزنة بين خراسان والهند، وتوفي بها.
(4) علي بن عبد الله بن حمدان سيف الدولة (303 - 356 ه = 915 - 967 م)، ولد في "ميافارقين" بديار بكر، وتولى إمارة دمشق وحلب، وتوفي في حلب.
(5) أنشأ مكتبة عامة ببغداد سنة 383 ه، وإليها أشار أَبو العلاء المعري بقوله:
وغنت لنا في دار سابور قينة ... من الورق مطراب الأصائل مهباب
(6) بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه (360 - 403 ه = 971 - 1012 م) من ملوك الدولة البويهية، وتوفي بأرجان.
(7) الحسن بن علي بن إسحاق. نظام الملك (408 - 485 ه = 1018 - 1092 م) وزير حازم، أصله من نواحي طوس، ودفن في أصبهان، وهو مؤسس المدرسة النظامية، ومكتبتها العامة ببغداد.
(8) قابوس بن وشكمير بن زياد (... - 403 ه = ... - 1012 م) أمير جرجان =
(9/ 1/94)

ويعقوب بن كلس (1) وزير العزيز بالله (2) ثاني ملوك الدولة الفاطمية، والصاحب ابن عباد (3) وزير مؤيد الدولة بن بويه، إلى غير هؤلاء من ملوك ووزاء عرفوا قيمة العلم، وخلوا سبيل الأفكار تتمتع بملاذه، وتنفق من طيباته كيف تشاء.
وإذا سرحنا الطرف في دولة الأندلس والمغرب، رأينا كثيراً من ملوكها شادوا صروح العلم، وأوسعوا ميدان المنافسة في فنونه؛ مثل: الحكم المستنصر بالله (4) الخليفة بقرطبة، ويوسف بن عبد المؤمن (5) سلطان مراكش، وغيرهما من ملوك الطوائف، وبعض ملوك الدولة الحفصية، والدولة الحسينية في تونس.
ولعل المؤلف قرأ في بعض الكتب: أن من طبائع الاستبداد الضغط على العلم، فضم إلى هذه النظرية ما يعتقده من أن خلفاء الإسلام وملوكه
__________
= وبلاد الجبل وطبرستان. ودفن بظاهر جرجان.
(1) يعقوب بن يوسف بن كلس (318 - 380 ه = 935 - 990 م) وزير كاتب، ولد ببغداد، وتوفي بالقاهرة.
(2) نزار بن معد الفاطمي (344 - 386 ه = 955 - 999 م) صاحب مصر والمغرب. ولد في المهدية، وتوفي في بلبيس.
(3) إسماعيل بن عباد بن عباس (326 - 385 ه = 938 - 995 م)، وزير، أديب. ولد في "الطالقان" من أعمال قزوين، ودفن في أصبهان.
(4) الحكم بن عبد الرحمن الناصر (302 - 366 ه = 914 - 976 م) خليفة أموي أندلسي، ولد بقرطبة، وتوفي بها.
(5) يوسف بن عبد المؤمن بن علي (533 - 580 ه = 1138 - 1184 م) من ملوك دولة الموحدين بمراكش. ولد في "تينملل"، ودفن بها. مات قرب الجزيرة الخضراء.
(9/ 1/95)

مستبدون، فانتظم له قياس منطقي من الشكل الأول، وهو: ملوك الإسلام مستبدون، وكل مستبد يضغط على العلم، فالنتيجة: ملوك الإسلام يضغطون على العلم.
ولكن ماذا ينفع هذا القياس، والتاريخ الصحيح يشهد بأن خلفاء الإسلام وملوكه رفعوا لواءَ العلم، ومنهم انبعثت أشعته إلى الشرق والغرب، قال (رويودان) الإنجليزي في كتاب "تاريخ الموسيقا": "بعد فتح بلاد الفرس، أصبحت ينابيع العرفان تنهمر إلى العرب على طريق دمشق وحلب وإسكندرية، وتجري على سواحل أفريقية الشمالية إلى بلاد إسبانيا، حتى انتهت إلى قرطبة التي أنشاها الأمويون، فأصبحت مركز العلوم والمعارف إلى أنحاء أوروبا".
وقال: "إن العرب في القرون الوسطى كانوا حملة العلم والعرفان إلى بقية أنحاء العالم، وبينما كانت أوروبا غارقة في أشد دياجير الجهل ظلاماً، كان الخلفاء في بغداد عاصمة ملكهم، وقد بلغوا أعلى شأوٍ في المدنية والعرفان؛ لأنهم كانوا ملوكاً لممالك عظيمة، تمتد من نهر الغنج شرقاً، إلى المحيط الأطلنتيكي غرباً؛ حيث توجد طنجة".
وقال: "وبفضل سهرهم -يعني: خلفاء قرطبة- على العلوم، أصبح أطباء العرب وفلاسفة قرطبة حملة راية العلم في العالم".
وإذا حكى التاريخ أن المتوكل العباسي (1) في الشرق، والمنصور بن أبي عامر في الغرب اضطهدا الفلسفة، فذلك شيء لا يذكر إزاء النهضة التي
__________
(1) جعفر بن محمد بن هارون الرشيد (206 - 247 ه = 821 - 861 م) من الخلفاء العباسيين، ولد ببغداد، وتوفي بسامراء.
(9/ 1/96)

قام بها غيرهم من ملوك وأمراء، يخرجنا عدّهم وعدّ مآثرهم العلمية إلى إسهاب لا يسعه المقام.
قال المؤلف في (ص 30): "ذلك تأويل ما يلاحظ من قصور النهضة الإسلامية في فروع السياسة، وخلو حركة المسلمين العلمية من مباحثها".
قد أريناك أن ملوك الإسلام كانوا يساعدون على توسيع دائرة المعارف، ويقبلون ما تنتجه العقول السليمة باحتفاء وترحاب، وقد كانت الكتب السياسية تؤلف بمرأى منهم ومسمع، وكثير منها يؤلف من أجل صاحب الدولة، أو وزيره؛ مثل كتاب: "سياسة المالك في تدبير الممالك" ألّفه ابن الربيع للمعتصم (1) العباسي، وكتاب: "نهج السلوك في سياسة الملوك" ألّفه الشيخ عبد الرحمن ابن عبد الله (2) لصلاح الدين الأيوبي (3)، وكتاب: "لطائف الأفكار وكاشف الأسرار" في علم السياسة، ألّفه القاضي حسين السمرقندي للوزير إبراهيم باشا، وبعض هذه الكتب يقدمه مؤلفه بنفسه إلى الملك؛ كما قدم ابن خلدون نسخة من "مقدمة تاريخه" إلى صاحب تونس أبي العباس الحفصي (4)،
__________
(1) محمد بن هارون الرشيد (179 - 227 ه = 795 - 841 م) من كبار الخلفاء العباسيين. توفي بسامراء.
(2) عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر (... - 590 ه = ... - 1194 م) من أهالي مصر، ومن كتاب العصر الأيوبي.
(3) يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب بالملك الناصر (532 - 589 ه = 1137 - 1193 م) من كبار ملوك الإسلام، ولد بتكريت، وتوفي بدمشق.
(4) أحمد بن محمد بن أبي بكر (... - 796 ه = ... - 1394 م) من الملوك الحفصيين بتونس، وتوفي بها.
(9/ 1/97)

ثم إلى السلطان برقوق (1) صاحب مصر. بل كان من رجال الدولة من يؤلف في السياسة؛ كما ألف القاسم أَبو دلف أحد قواد المأمون ثم المعتصم كتاب: "سياسة الملوك" (2)، وألّف عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ولي الشرطة ببغداد "رسالة في السياسة الملكية" (3).
قال المؤلف في (ص 31): "لو وضعنا هذا الكتاب كله في بيان الضغط الملوكي الإسلامي على كل علم سياسي، وكل حركة سياسية، أو نزعة سياسية، لضاق هذا الكتاب وأضعافه عن استيعاب القول في ذلك، ثم لعجزنا عن بيانه على وجه كامل".
اقتحم المؤلف في هذه العبارة شططاً لا يقع فيه خبير بالتاريخ، عارف بقيمة الأمانة في العلم. طالعْ -أيها القارئ- كتب التاريخ كتاباً كتاباً، وقلّبها إن شئت صحيفة صحيفة، فلا أحسبك تعثر على مثال يشهد بأن ملكاً من ملوك الإسلام غضب لكتاب ألّف في السياسة، أو كره للناس أن يترجموا كتباً في السياسة، أو عنّف شخصاً ألّف في السياسة، أو أصدر إنذاراً على التأليف في السياسة.
ضغط بعض ملوك الإسلام على الفلسفة؛ كما قصصناه عن المتوكل
__________
(1) برقوق بن أنص أو أنس العثماني (738 - 801 ه = 1338 - 1398 م) الملك الظاهر، أول من ملك مصر من الشراكسة، وتوفي بالقاهرة.
(2) القاسم بن عيسى أَبو دُلف العجلي (... - 226 ه = ... - 840 م) أمير الكرخ، وكان من قادة جيش المأمون، وتوفي ببغداد.
(3) عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين (223 - 300 ه = 838 - 913 م) أمير شاعر وأديب، ولد وتوفي ببغداد.
(9/ 1/98)

العباسي، والمنصور بن أبي عامر؛ لاعتقاد ضررها، أو تقرباً من قلوب العامة، ولا تكاد تعلم أن أحداً منهم اضطهد علم السياسة، إلا ما كان من السلطان عبد الحميد الذي انتهى به الاستبداد والضغط على حرية الفكر إلى غاية لم يسبق لها نظير، ومن ذلك المتناهي تعلَّم عبدُ الرحمن الكواكبي كيف يؤلف كتابي: "طبائع الاستبداد"، و"جمعية أم القرى".

* عدم تمييز المؤلف بين الإجماع على وجوب الإمامة، والإجماع على نصب خليفة بعينه:
قال المؤلف في (ص 31): "لو ثبت عندنا أن الأمة في كل عصر سكتت على بيعة الإمامة، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً، بل لو ثبت أن الأمة بجملتها وتفصيلها قد اشتركت بالفعل في كل عصر في بيعة الإمامة، واعترفت بها، فكان ذلك إجماعاً صريحاً، ولو نقل إلينا ذلك، لأنكرنا أن يكون إجماعاً حقيقياً، ولرفضنا أن نستخلص منه حكماً شرعياً، وأن نتخذه حجة في الدين، وقد عرفت من قصة يزيد كيف كانت تؤخذ البيعة، ويغتصب الإقرار".
اندفع المؤلف يخوض في الإجماع على غير بينة منه، ويورد على الطعن في انعقاده في مسألة الإمامة قصة يزيد بن معاوية. علماء الإسلام في ناحية، وصاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" في ناحية أخرى.
يظهر جلياً أن المؤلف اشتبه عليه الإجماع على وجوب نصب إمام بالإجماع على مبايعة إمام بعينه، والذي يتحدث عنه أهل العلم إنما هو وجوب نصب الإمام، وهذا الوجوب لم يحدث فيه خلاف بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين لهم بإحسان، وأما مبايعة إمام خاص، فيكفي في
(9/ 1/99)

انعقادها اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد؛ بحيث تكون كلمتهم العليا على من خالفهم.
قال إمام الحرمين في كتاب "غياث الأمم": "اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت الإمامة". ثم قال: "الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة بإجماع".
فاستدلال المؤلف على إبطال الإجماع في حكم الخلافة بعدم الإجماع على ولاية يزيد، منطق يترفع عنه أصحاب الأقيسة الشعرية، ولا يأتيه المولعون بالمغالطات إلا أن يصوغوه في أسلوب أبرع من أسلوب المؤلف وأخفى.
قال المؤلف في (ص 32): "وقد زعم الإنكليز: أن أهل الحل والعقد من أمة العراق انتخبوا فيصلاً ليكون ملكاً عليهم بالإجماع، اللهم إلا أن يكون قد خالف في ذلك نفر قليل لا يعتد بهم؛ كأولئك الذين دعاهم ابن خلدون من قبل: شواذ".
وما كان للمؤلف أن يتهجم على علم راسخ القواعد محكم المباني، فيخلطه بالمجون، ويضرب له أمثالاً لا تلتقي معه في نسق، وإن كان الحديث ذا شجون.
الإجماع الذي يستند إليه في تقرير الأحكام، هو اتفاق مجتهدي الأمة، بل المدار في انعقادها على جماعة من أهل الحل والعقد وإن لم يكن من بينهم مجتهد أصلاً.
فإيراد المؤلف قصة يزيد طعناً في الإجماع المستدل به على حكم الخلافة تخبطٌ في ليل دامس، والانتقال منها إلى قصة فيصل، وتمثيل من خالفوا في انتخابه بمن دعاهم ابن خلدون: شواذ، خيالٌ لا تقبله أذواق أهل العلم،
(9/ 1/100)

وشاهد يوضح أن المؤلف لا يفرق بين الإجماع على وجوب الخلافة، والاتفاق على مبايعة شخص بعينه.

* وجه عدم الاعتداد برأي من خالفوا في وجوب الإمامة:
قال المؤلف في (ص 32): "لو ثبت الإجماع الذي زعموا، لما كان إجماعاً يعتد به، فكيف وقد قالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلاً، وكذلك قال الأصم من المعتزلة، وقاله غيرهم أيضاً؛ كما سبقت الإشارة إليه. وحسبنا في هذا المقام نقضاً لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم، والخوارج، وغيرهم، وإن قال ابن خلدون: إنهم شواذ".
لم يخالف في وجوب الإمامة جميع الخوارج، وإنما المخالفون طائفة منهم، وهم النجدات، وقد نقلنا لكم آنفاً قول ابن حزم (1) في كتاب "الفصل": اتفق جميع أهل السنّة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل ... حاشا النجدات من الخوارج.
أما الأصم، فقد قال إمام الحرمين في تفنيد رأيه: "نصبُ الإمام عند الإمكان واجب، وذهب عبد الرحمن بن كيسان -هو الأصم- إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافاً يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط. وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع؛ والحيد عن سنن الاتباع. وهو مسبوق بإجماع من أشرفت عليه الشمس شارقة وغاربة،
__________
(1) سبقت ترجمته.
(9/ 1/101)

واتفاق مذاهب العلماء قاطبة".
فالتحقيق: أن مخالفة هذه الطائفة في قضية الخلافة لا يعتد بها، وليس لها في الطعن على الإجماع من أثر، ولا نجعل أقوالهم لاغية لكونهم من الطوائف التي يراها أهل السنّة على غير حق؛ فإن خلاف أمثالهم في الأحكام الشرعية يمنع من انعقاد الإجماع؛ كما هو المختار عند الغزالي (1)، والآمدي، وغيرهما، وإنما نصرف النظر عن مخالفتهم هذه لوجهين:
أحدهما: أن خلافهم طرأ بعد انعقاد الإجماع ممن تقدمهم على وجوب نصب الإمام، وحدوثُ قول بعد انقراض العصر الذي انعقد فيه الإجماع على حكم شرعي مردودٌ على وجه صاحبه.
ثانيهما: أنهم قيدوا مخالفتهم بحال، وعلقوها على أمر لم تجر به السنن الكونية في هذه الحياة، وهو تواطؤ الأمة على العدل، وتنفيذ أحكام الله فيما بينهم، وهذا التواطؤ مما دلت التجارب والمشاهدات الطويلة على أنه خارج عن طبيعة البشر، إلا أن ينقلب الناس ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
والأشبه أن يكون خارق الإجماع في مثل هذا الحكم الواضح مدفوعاً بهوى يعمى عليه الدليل الساطع، وكذلك نقل أَبو منصور البغدادي ما يؤيد أن الأصم كان يخرق الإجماع استسلاماً لأهوائه، فقال في كتاب "الفَرْق بين الفِرَقْ ": "قال -يعني: الأصم -: لا تنعقد-أي: الإمامة -إلا بإجماع
__________
(1) محمد بن محمد الغزالي (450 - 505 ه = 1058 - 1111 م) أَبو حامد، حجة الإسلام، الفيلسوف المتصوف، ولد وتوفي في الطابران بخراسان. له نحو مئتي مصنف.
(9/ 1/102)

عليها. وإنما قصد بذلك الطعن في إمامة علي - رضي الله عنه -؛ لأن الأمة لم تجتمع عليه؛ لثبوت أهل الشام على خلافه إلى أن مات، فأنكر إمامة علي، مع قوله بإمامة معاوية؛ لاجتماع الناس عليه بعد قتل علي - رضي الله عنه - ".

* القرآن والخلافة:
قال المؤلف في (ص 33): "عرفت أن الكتاب الكريم قد تنزه عن ذكر الخلافة، والإشارة إليها، وكذلك السنّة النبوية قد أهملتها، وأن الإجماع لم ينعقد عليها، أفهل بقي لهم من دليل في الدين غير الكتاب، أو السنّة، أو الإجماع؟ ".
قبل أن نأخذ في مناقشة هذه المزاعم، نذكر القارئ بأمر تناولنا البحث فيه آنفاً، وهو أن بحث الخلافة يرجع إلى النظر في حكم عملي، لا في عقيدة من عقائد الدين، ومما يترتب على الفرق بين الأحكام العملية والعقائد: أن الأحكام العملية يُكتفى فيها بالأدلة المفيدة ظناً راجحاً، وأما العقائد، فإنها لا تقوم إلا على براهين قاطعة.
ونضع بين يدي القارئ أيضاً: أن العدول عن ظواهر الألفاظ، وتأويلها إلى غير ما يفهمه أسلوبها العربي من المعاني الجلية، غير مسموع في مقام المناظرة؛ فإن الألفاظ في سائر اللغات تحتمل الصرف إلى معان غير مقصودة، وذلك بما يدعى فيها من نحو الحذف والمجاز، من غير دليل ثابت، أو قرينة قائمة.
ونتخلص من هذا إلى أن سنن الشريعة في إرشادها أن تعنى بالأحكام أو الحقائق التي شأنها الغموض، فتدل عليها بتصريح وتأكيد، حسب أهمية الحكم، وبعدِه من متناول العقول، ولهذا لم ترد فيها أوامر بما تدعو إليه
(9/ 1/103)

الطبائع، وإن كانت مفروضة لحفظ النفس أو النسل؛ مثل: الأكل والشرب والنكاح، إلا في سياق الإرشاد إلى معنى زائد على أصل الفعل؛ كقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} {الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]. فلا غضاضة على حكم الخلافة إذا لم يرد به قرآن يتلى؛ إذ ليست الخلافة شيئاً زائداً على إمارة عامة، تحرس شعائر الدين، وتسوس الناس على طريق العدل، ولم يكن وجه المصلحة من إقامة هذه الإمارة بالخفي الذي يحتاج إلى أن يأتي به قرآن صريح. ولكن وراء ذلك أشياء أخرى قد تنازع فيها الأهواء أو تختلف فيها الاَراء؛ كإطاعة السلطان العادل، أو اشتراط أن يكون زمام الحكم في يد مسلم، فأرشد القرآن إلى الأولى منطوقاً، وإلى الثاني مفهوماً بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. وقد نبهنا -فيما سلف- على أن النظر في وجه الأمر بإطاعة أولي الأمر يقتضي وجوب إقامتهم.
فالقرآن لم يصرح بحكم الإمارة العامة؛ اكتفاء بما بثه في تعاليمه من الأصول التي تبينها السنّة، ويرجع إليها الراسخون في العلم عند الحاجة إلى الاستنباط، ولأن في الأمر بإطاعة أولي الأمر عبرة لأولي الألباب.
فقول المؤلف: إن القرآن قد تنزه عن ذكر الخلافة والإشارة إليها، كلمة لا تليق بأدب عالم شرعي، ولكن الهوى كالزجاجة الملونة بسواد، تضعها على بصرك، فتريك الأشياء بعد أن تجري عليها صبغة من لونها البهيم، "وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل، لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى" (1).
__________
(1) "موافقات الشاطبي" (ج 4 ص 111) طبع تونس.
(9/ 1/104)

* السنة والخلافة:
وأما السنّة، فقد وردت أحاديث صحيحة ذُكر فيها الخليفة، والإمام، والبيعة، والأمير، وقد جاءت هذه الأحاديث في أغراض متعددة، ومعان مختلفة.
فمنها: ما جاء في بيان أن الإمام مسؤول عما يفرط في حق الرعية؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس قال، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته" (1).
ومنها: ما جاء في الأمر بملازمة الإمام، وعدم الخروج عنه؛ كحديث: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" (2).
ومنها: ما ورد في بيان حكم من حاول الخروج عليه؛ كحديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه" (3)، وحديث: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما" (4)، وحديث: "من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر" (5).
ومنها: ما جاء في مساق الأخبار عن وجود الخلفاء، وقرن بذلك الأخبار
__________
(1) "بخاري" (ج 9 ص 62) طبعة بولاق.
(2) "بخاري" (ج 9 ص 52)، و"مسلم" (ج 6 ص 20) طبع القسطنطينية.
(3) "مسلم" (ج 6 ص 23).
(4) "مسلم" (ج 6 ص 23).
(5) "مسلم" (ج 6 ص 18).
(9/ 1/105)

الأمر بالوفاء ببيعة الأول؛ كحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا بيعةَ الأول فالأول" (1).
ومنها: ما ورد مورد الإنكار والوعيد عن نكث اليد عن طاعة الإمام، وأن يموت المسلم وليس في عنقه بيعة؟ كحديث: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية" (2). وهذا الحديث وإن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة، فإن الأحاديث السابقة تفسره.
ومنها: ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم؛ كحديث: "خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" (3).
ومنها: ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي، وأخبر فيه بما يكون له من بطانتي الخير والشر؛ كحديث: "ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ، وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله" (4).
ومنها: ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله، كحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وصدّرها بالإمام العادل، فقال: "إمام
__________
(1) "مسلم" (ج 6 ص 17).
(2) "مسلم" (ج 6 ص 22).
(3) "مسلم" (ج 6 ص 24).
(4) "بخاري" (ج 9 ص 77) - بولاق.
(9/ 1/106)

عادل" (1)، وحديث: "إنما الإمام جُنة يُقاتل من ورائه، ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه" (2).
فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى، وأسانيد مختلفة، وكلها تدور حول الإمام، فتبين مسؤوليته، وتأمر بالوفاء ببيعته، وإطاعته، وملازمته، وقتل من يحاول الخروج عليه، وتصف الأئمة، وتفرق بين خيارهم وشرارهم، هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها، لا يتردد في أن الإمام أمر حتم، وشرع قائم، ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب.
فقول المؤلف: إن السنّة أهملت الخلافة، جراءةٌ يلبسها من خرج ليقطع الطريق في وجه الحقائق، حتى تدرج عليه الآراء الفجّة، وأوضاع التي لم تزل في طور التجربة والاختبار.

* الإجماع والخلافة:
وأما الإجماع، فقد أريناك وجه حجيته فيما سبق، وبيّنا لك أنه دليل قاطع؛ لأن شواهده عدّة في دلائل الشريعة جاءت في موارد شتى من الكتاب والسنّة، وهذه الشواهد إن كان كل واحد منها يفيد ظناً راجحاً، فإن مجموعها يفيد علماً راسخاً، ونظيره التواتر في إفادة القطع، وهو مؤلف من أخبار آحاد لا يفيد كل واحد منها بانفراده شيئاً يتعدى مراتب الظنون.
وتقرير الإجماع في قضية الخلافة الذي لا يزال علماء الإسلام يلهجون
__________
(1) "الموطأ بشرح الزرقاني" (ج 4 ص 169) طبع بولاق.
(2) "مسلم" (ج 6 ص 17).
(9/ 1/107)

به جيلاً بعد جيل، أن الصحابة - رضي الله عنهم - عقب انتقال صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - إلى الرفيق الأعلى، وقبل مواراة جثته الشريفة في قبره الكريم، بادروا إلى الائتمار بتعيين إمام، ولم يجر بينهم خلاف في حكم إقامته، وإنما تنازعوا في مبدأ المفاوضة شيئاً قليلاً في اختيار الشخص الكافي لهذا المنصب، ثم تضافروا على مبايعة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ومن تخلف عن المبايعة لم يذهب إلى الخلاف في وجوب نصب الإمام، وإنما هي الموجدة؛ لعدم إيثاره بالإمارة، أو لإنجاز المبايعة دون حضوره، وقبل أخذ رأيه في جملة المؤتمرين، وكذلك كان شأنهم في الاهتمام بأمر الخلافة لعهد سائر الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، ومن يتخلف عن بيعة خليفة، فلعذر يرجع إلى عدم وفاقه على بيعة الشخص المعين، ولم ينقل عن أحد أنه توقف في وجوب نصب الأمير العام، أو قال: "ليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا"، مع أن المحدثين والمؤرخين ينقلون ما يدور في المحاورة بين أهل الحل والعقد، وما يقع من وفاق، وما يصدر عنهم من أقوال وآراء، ليس لها أهمية إزاء القول بعدم وجوب نصب الإمام، لو خطر على قلب رجل منهم.
ومن الباطل أن يقال: إنما سكتوا عن إبداء رأيهم في وجوب الخلافة رهبة من القوة المسلحة، فإن العصر الذي صدع فيه عبد الرحمن الأصم، ونجدة بن عامر بعدم وجوب نصب الإمام، لم تكن حرية الرأي، ولا سعة صدر السياسة فيه بأحسن حالاً من العهد الذي يقوم فيه الرجل، ويجابه الخليفة بقوله: لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا.
قال المؤلف في (ص 33): "نعم، بقي لهم دليل آخر لا نعرف غيره، هو آخر ما يلجؤون إليه، وهو أهون أدلتهم وأضعفها. قالوا: إن الخلافة
(9/ 1/108)

تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية إلخ. المعروف الذي ارتضاه علماء السياسة: أنه لا بدّ لاستقامة الأمر في أمة متمدنة، سواء كانت ذات دين، أم لا دين لها، وسواء كانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية، أم مختلطة الأديان، لا بد لأمة منظمة، مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها، من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وقد تختلف أشكال الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية، وبين جمهورية وبلشفية، وغير ذلك".
الدليل المشار إليه يرجع إلى قاعدة قائمة على رعاية المصالح، وهي قاعدة قطعية؛ لأنها منتزعة من أصول وأحكام مبثوثة في الكتاب والسنّة، وقد أقامه العلماء في مناظرة النفر الذين خالفوا في نصب الإمام، ذاهبين إلى أنه لا تجب إقامة حكومة. ولا شك أن هذا الدليل ينسف مذهبهم نسفاً، ولو خالف في شكل الحكومة مخالف، لأفصح عن رأيه، ولكان لأهل العلم معه موقف غير الموقف الذي نراه في علم الكلام.
فالدليل بالنظر إلى مذهب الخصم الذي كانوا يجادلونه به، حجة ساطعة، وليس بالدليل الهين، ولا الضعيف، ولكن المؤلف لا يضبط وجه البحث، ولا يحدُّ موضوعه حداً بيناً، فيقع فيما لا يقع فيه الكرام الكاتبون.
قال المؤلف في (ص 34): "ولعل أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - إنما يشير إلى ذلك الرأي حينما قال في خطبته التي سبقت الإشارة إليها: لا بد لهذا الدين ممن يقوم به".
صدرت هذه المقالة من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبويع عقبها بالإمارة العامة، وتسمّى خليفة، وسار في حكومته
(9/ 1/109)

على منهج مطابق لمقاصد الشريعة، فالظاهر الجليّ أن مقالته إنما تفسر بمن يبايع على أن يحرس الدين، ويقيم مصالح الدنيا، ويراعي في أحكامه نصوص الشريعة وقواعدها العامة. أما الحكومة الاستبدادية أو البلشفية وما شاكلها، فما كان لأبي بكر الصديق أن يعدها فيما يقوم بدين الله. وسنبحث بعد هذا في شكل الحكومة الذي لا يخالف مقصد الشريعة من إقامة الخلافة.
قال المؤلف في (ص 34): "ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المذهب أحيانا".
يريد المؤلف: أن القرآن ينحو نحو ذلك الرأي، وهو أنه لا بد لكل أمة من نوع ما من أنواع الحكم، قال هذا بعد أن فصل أشكال الحكومة إلى دستورية واستبدادية، وجمهورية وبلشفية، وغير ذلك. وليس بالعجيب من المؤلف أن يزعم أن القرآن يذهب إلى إقامة حكومة ما، وسواء بعد ذلك أن تكون دستورية أو استبدادية، جمهورية أو بلشفية، وغيرها، فإنه سيجابهك في غير خجل بأن الخطط السياسية من خلافة وقضاء وغيرهما لا شأن للدين بها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم.
فعلى فرض أن يكون زمام أمرنا في يد المؤلف ومن يشاكله في التفكير، ويقع اختيارهم على شكل الحكومة البلشفية، فإن القرآن -بمقتضى زعم المؤلف- يأذن لنا بأن نمد لهم رقابنا خاضعين، ونكون لحكومتهم البلشفية أو اللادينية من الخادمين!!
قال المؤلف في (ص 35): "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة،
(9/ 1/110)

في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: مطلقة، أو مقيدة، فردية، أو جمهورية، استبدادية، أو دستورية، أو شورية، ديمقراطية، أو اشتراكية، أو بلشفية".
لا يحق لعالم شرعي أن يقسم الحكومات إلى أقسام يذكر فيها المطلقة والمستبدة والبلشفية، ويجعلها من الأشكال التي يصح حمل كلام الفقهاء في الإمامة والخلافة عليها.
أما المطلقة، فكل من ينتمي للإسلام يعلم أن الحكومة الإسلامية مقيدة بقانون كتاب الله، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له، وأطيعوا (1) ".
وأما المستبدة، فينبذها وراء ظهورنا قولهُ تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، والفقهاء يتلون هذه الآية، ويقررون قاعدة الشورى، ويبحثون عن أسرارها بما فيه كفاية.
وأما البلشفية، فإنها مذهب قائم على إبطال الملكية الفردية، وجعل الزراعة والصناعة والتجارة مشاعة بين الناس، وأن يجري هذا التقسيم بمقتضى قانون عام، ثم هي ترمي إلى قلب نظم سائر الحكومات أنَّى كانت. وهذا المبدأ الذي يناقض مبادئ الإسلام، يبرأ الفقهاء إلى الله من أن يكون شكلاً للحكومة الإسلامية، ويعدون تأويل كلامهم في الإمامة والخلافة -على صحة إرادة هذا الشكل ونحوه- رمياً للكلام على غير روية، وطعناً
__________
(1) "مسلم" (ج 6 ص 15).
(9/ 1/111)

في صحة مداركهم وأمانتهم العلمية.

* شكل حكومة الخلافة:
أرأيت المؤلف كيف أخرج الخلافة في تلك الصورة المنكرة، وأخذ يزدري بها، ويتمضمض بسبابها، ثانياً عطفَه عن النظر إلى حقيقتها التي رسمتها الشريعة، وضرب لها الخلفاء الراشدون بسيرتهم القيمة أحسن مثال.
وإليك هذه الحقيقة خالصة مطمئنة؛ لتعلم أنها قائمة على حكمة عالية، وسياسة عادلة:
يقرر جمهور أهل العلم في شروط الخليفة: أن يكون بالغاً في العلم رتبة الاجتهاد، وأن يكون ذا رأي وخبرة بتدبير الحرب والسلم، وأن يكون شجاعاً لا يرهب الموت الزؤام فما دونه، وأن يكون عادلاً لا تأخذه في الحق لومة لائم. وتُعرف مزية العدل باختبار سيرته، فيما كان يتولاه من أعمال قبل منصب الخلافة، أو بما تدل عليه التجارب والمشاهدة الطويلة من استقامته، وشرف همته، وإنكاره ما يفعل الظالمون بغيرة وحماسة.
ومن الأسس التي تقوم عليه الخلافة الشرعية: فريضة الشورى؛ بحيث لا يقدم الخليفة على أمر حتى يلقيه بين يدي أهل الحل والعقد، وتتناوله الآراء من كل جانب، ليتبين الرأي الراجح، ويذهب في سياسته على بينة وروية.
ولم يقف الإسلام عند تكليف الخليفة بإقامة فريضة الشورى، فأقبل على الأمة، ووضع في عنقها واجب مراقبة الخليفة ورجال دولتهم؛ لتقويمهم إذا انحرفوا، وإيقاظ عزمهم إذا أهملوا.
تحققت تلك الشروط من علم، وعدالة، وشجاعة، وحكمة رأي في
(9/ 1/112)

بعض الخلفاء، وأخذوا أنفسهم بشريعة الشورى، وفتحوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الأمة بصدق وإخلاص، وكان بين يدي الأمة أعدل قانون أساسي، وهو كتاب الله، وأصدق بيان يفصل مجمله، وهو سنّة رسول الله، فلا الخليفة يستبد فتأخذه العزّة بالإثم، ولا الأمة ترهب سطوته فتحجم عن أمره ونهيه.
قال الإمام الغزالي: الخلفاء - رضي الله عنهم - يحبون الردّ عليهم، ولو كانوا على المنابر، فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو يخطب: أيها الناس! من رأى منكم فيّ اعوجاجاً، فليقوّمه. فقام له رجل وقال: والله! لو رأينا فيك اعوجاجاً، لقوّمناه بسيوفنا. فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه.
وليس في الشريعة ما يمنع الخليفة أن يفوّض جانباً من شؤون الأمة إلى وزير ذي علم ورأي وشجاعة وعدل، فيمنحه ما كان له من تدبير وتنفيذ.
قال الماوردي في "الأحكام السلطانية" (1) عند البحث عن وزارة التفويض: "هي أن يستوزر الإمام من يفوِّض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، قال الله تعالى حكاية عن نبيه موسى - عليه السلام -: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 29 - 32]، فإذا جاز ذلك في النبوة، كان في الإمامة أجوز، ولأن ما وكِّل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرّده بها.
__________
(1) (ص 18) مطبعة السعادة، سنة 1327 ه.
(9/ 1/113)

ثم ذكر لهذه الوزارة شرطين:
أحدهما: يختص بالوزير، وهو مطالعة الإمام بما أمضاه من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد.
والثاني: يختص بالإمام، وهو أن يتصفح أفعال الوزير، وتدبيره الأمور؛ ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه" (1).
ولأهل الحل والعقد أن يطالبوا الخليفة بهذه الاستنابة، متى رأوا المصلحة قاضية بها. ولا فرق بين أن يكون المستناب واحداً، أو متعدداً.
فشكل بعض الحكومات القائمة على خليفة ووزراء ومجلس نيابي يجري انتخابه تحت ظلال الحرية التامة، لا يخالف الشكل الملائم للخلافة الحقيقية بحال، وقد كان السلطان سليمان ابن السلطان سليم في أوائل المئة العاشرة، رتّب قانوناً "استعان فيه بالعلماء العاملين وعقلاء رجال دولته، وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء والوزراء، وتمكينهم من تعقب الأمراء والسلاطين إن حادوا، وذلك أن ملك الإسلام مؤسس على الشرع الذي من أصوله وجوب المشورة وتغيير المنكر، والعلماء أعرف بالنيابة ومقتضيات الأحوال، فإذا اطّلع العلماء والوزراء على شيء يخالف الشريعة والقانون الخادم لها، فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أولاً، فإن أفاد، حصل المقصود، وإلا، أخبروا أعيان الجند بأنّ وعظهم لم ينفع، وبيّن في القانون المذكور ما يؤول إليه الأمر إذا صمم السلطان على أن ينفذ مراده، وإن خالف المصلحة، وهو أن يُخلع، ويُولّى غيره من البيت الملكي، وأخذ على ذلك العهود والمواثيق من العلماء ووزراء الدولة بمقتضى هذا القانون
__________
(1) (ص 20) منه.
(9/ 1/114)

في الاحتساب على سيرة السلاطين كمنزلة وكلاء العامة في أوروبا" (1).
ولا يصح أن تكون الخلافة في هيئة تؤلف لأجل مسمّى، ثم تنفرط؛ فإن نصوص العلماء متضافرة على أن يكون الخليفة فرداً يستمر في رياسته ما دام حائزاً على رضا الأمة، بعيداً عن الاستبداد في الحكم.
قال الأستاذ الشيخ محمد عبده (2) في كتاب: "الإسلام والنصرانية" (3):
"فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود، وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة. وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد، وهو السلطان أو الخليفة".
ومن أدلة وضع الخلافة في فرد: أن الأحاديث الصحيحة تسمّي صاحب هذه الرياسة: إماماً، وخليفة، وأميراً، وهذه الألفاظ لا يستقيم حملها على جماعة إلا أن تذهب في فهمها على غير الطريق المعروف من لسان العرب، وأوضح من هذا دلالة حديث: (4) "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه".
وقد يبلغ العدل والحرية أشدهما لعهد الحكومة التي يرأسها فرد ثابت إذا لم تكن بيدها السلطة التشريعية، وتكون مقيدة في تنفيذها بنظام الشورى،
__________
(1) مقدمة "أقوم المسالك" للوزير خير الدين (ص 34) طبع الإسكندرية، 1299 ه.
(2) محمد عبده بن حسن خير الله (1266 - 1323 ه = 1849 - 1905 م) مفتي مصر. ولد في "شنرا" من قرى الغربية، ودفن القاهرة.
(3) (ص 69).
(4) "صحيح مسلم" (ج 6 ص 23).
(9/ 1/115)

ولا تتصرف إلا تحت مراقبة الأمة.
فالخليفة كملك دستوري، ولكنه يعين باختيار أهل الحل والعقد، ويحمل على عاتقه تبعة ما تزلّ به السياسة من اهتضام حق، أو إضاعة مصلحة.
وسنزيد البحث في شكل الخلافة بسطة، حتى يعرف القارئ أن المؤلف لم يتفقه في كتب العلماء الذين ينظرون في الشريعة من وجهتها الاجتماعية والسياسية.

* وجه الحاجة إلى الخلافة:
قال المؤلف في (ص 35): "الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديماً وحديثاً: أن شعائر الله تعالى، ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء: خلافة، ولا على أولئك الذي يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضاً: أن صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا كثير من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام، وعلى المسلمين، وينبوع شر وفساد".
لا يرقب المؤلف في الحقائق الشرعية إلاًّ ولا ذمة، يصوّرها بقلمه كيف يشاء، ثم يقع في عَرْضها بأشد من هجاء الحطيئة.
يصور الخلافة بعرش يجلس عليه مستبد غشوم، حواليه وحوش ضارية، ورماح مسنونة، وسيوف مصلتة، وهو إنما أعد هذه القوة المسلحة لسفك الدماء الطاهرة، والفتك بالنفوس البريئة، وليست الرعية تحت سلطته القاهرة إلا عبيداً يعتقدون أنه يستمد سلطانه من سلطان الله، ويسخّرهم في شهواته كما تسخر الأنعام.
(9/ 1/116)

يخترع المؤلف هذه الصورة المكروهة، ويجعلها النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة. ثم يقول متبرئاً منها: فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة وينبوع شر وفساد.
الخلافة حقيقة شرعية، وأمر لا غنى للمسلمين عنه، ما داموا يطمحون إلى عزّ مكين، وحياة مستقلة، وقد تسنى فيما سلف أن تكون الشعوب الإسلامية كلها تحت راية واحدة كحالها لعهد الدولة الأموية، ثم انقسمت إلى دولتين مستقلتين أيام ذهب عبد الرحمن الداخل (1) إلى الأندلس، وأقام دولة أموية أخذت لقب الخلافة إزاء الخلافة العباسية بالمشرق، فكان لدولة الإسلام في العهد الأول، ولدولتيه في العهد الثاني من القوة والسطوة، ما قطع مطامع الدول القوية أن تبسط يدها على قيد شبر من بلاد الشرق، ولما تقطعت أوصال الخلافة بالأندلس كما قال شاعرهم:
قام بكلِّ بقعةٍ مَليكُ ... وصاحَ فوق كلِّ غصنٍ ديكُ
اغتنم العدو ذلك التقاطع فرصة، وأخذ ينقص البلاد من أطرافها، حتى استنجد ملوك الطوائف بسلطان مراكش يوسف بن تاشفين (2)، وباتفاقهم معه تحقق شيء من المعنى الذي يراد من الخلافة، فهاجم العدو، وردّه
__________
(1) عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان (113 - 172 ه = 731 - 788 م) الملقب بصقر قريش، ومؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق، وتوفي بقرطبة، ودفن في قصرها.
(2) يوسف بن تاشفين الصنهاجي (410 - 500 ه = 1019 - 1106 م) سلطان المغرب الأقصى، وباني مدينة مراكش ولد في صحراء المغرب وتوفي بمراكش.
(9/ 1/117)

على عقبه خاسراً.
ولما تضعضعت دولة المرابطين بمراكش، وشغلوا بحروبهم مع الموحدين، اضطربت عليهم الأندلس، ورجعت دولتها إلى افتراق، فبسط العدو إليها يده انتهازاً لفرصة التفرق، حتى أصبح صاحب دولة مراكش عبد المؤمن بن علي الذي يقول فيه الشاعر:
ماهزَّ عطفيه بين البِيض والأَسَلِ ... مثلُ الخليفة عبدِ المؤمن بنِ علي
فأجاز إلى الأندلس، وأخذ يحارب العدو، وجرى على أثره ابنه يوسف، ثم ابنه يعقوب، حتى حفظوا من عزّ الإسلام ما أضاعه تفرق البلاد تحت رايات شتى، ولم تسقط الأندلس إلا حين فقدت الوحدة السياسية، ولم يكن بالقرب منها دولة ذات قوة وعزم تنقذها من ذلك الخطر المحيط.
ولو أن المتأخرين من سلاطين آل عثمان أعطوا للخلافة شيئاً من حقوقها، وراعوا ما أمر الله به من وسائل استقامتها، لما انفرط عقد هذه الممالك الإسلامية، وأصبح كل قطعة منها تحت سلطة أجنبية، تستبد عليها في حكمها، وتتصرف في رقاب شعوبها وأموالهم كيف تشاء. فالخلافة لا تريد على ما يسمّى دولة، إلا أنها رابطة سياسية تجعل شعوباً مختلفي العناصر والقومية يولّون وجوههم شطر رايتها بعاطفة من أنفسهم واختيار. ومن هذه الجهة ينظر إليها بغاة الاستعمار بعين عابسة، ويحاول الغِرُّ الذي ينخدع ببهرج آرائهم أن يطوي رايتها، ويمحو آثرها.
وأما قوله: "وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد"، فكلمة هو قائلها، والتاريخ من ورائه محيط.
(9/ 1/118)

* آثارها الصالحة:
الخلافة قامت بدعوة إلى دين القيّمة، ومدت إلى ظل الإسلام في أقاليم بعيدة ما بين المناكب، فأصبحت كلمته العليا، وأصبح المسلمون في عزّ شامخ، وحياة راضية.
فتحت الخلافة أوطاناً كثيرة، فأذاقتها حلاوة العدل بعد أن كانت تتجرع غصص الجور والاستعباد، وضربت فيها بأشعة التوحيد الخالص بعد أن كانت تتخبط في ظلمات الحيرة والضلال، وألبستها حلل الآداب الراقية بعد أن كانت منغمسة في عادات وتقاليد تشمئز منها النفوس، وتمجها الأذواق السليمة، ونسقتها بفضل الإسلام في تآلف واتحاد بعد أن كانت في تخاذل وشقاق.
أفلم يكن قسم عظيم من آسيا دافريقية يصلى نار الوثنية بكرة وعشياً، ويتبرج في مظاهر الهمجية تبرج الجاهلية الأولى؟! فكان من أثر الخلافة، وما قامت به من الدعوة، أن قلبت تلك النار إلى إيمان صادق، ووضعت مكان الخلاعة والهمجية حياء ونظاماً.
أينكر المؤلف أن استقامة رجال الخلافة، وسمعة سيرتهم العادلة كانت كالدعاية تتقدمهم إلى تلك الممالك، فلم يجدوا في فتحها ما تجده الفئة القليلة عند لقاء الفئة الكثيرة من طول المصابرة والثبات.؟!
ولا أحسبه يعدّ ثوب الإسلام الذي لبسته تلك الأمم من يد الخلافة نكبة، ولا دخولها تحت راية التوحيد شراً وفساداً. وليعمدْ إن شاء إلى حكومة عمر بن الخطاب، أو عمر بن عبد العزيز، ثم إلى أحدث الحكومات نظاماً، وأخفها على قلبه راية، ويعقد بينهما موازنة في الوجوه التي تتفاضل بها الدول؛
(9/ 1/119)

من عدل، وحرية، ومساواة، ثم ليتحدث معنا بضمير لا يحابي الشهوات، وكلمة لا تبخس رجال الإسلام حقهم، فلا جرم أن يعود وقتئذٍ عن حكمه القاسي على الخلافة، ويمحوه بالماء الذي يتقطر من جبينه خجلاً.
يقول المؤلف: كانت الخلافة ولم تزل نكبة، وينبوع شر وفساد، وجعل يلتقط من أيام خمول بعض الخلفاء، أو سوء سيرتهم ما يضعه سنداً لهذه المقالة المطلقة، اختار أن يكون كاتب سيئات الخلافة؛ ليقضي حاجة في نفسه، ولكن بعض من لا ينتمي إلى الإسلام من علماء الغرب، كانوا يكتبون حسناتها بقلم منصف خبير.
ومن كلماتهم الحافظة لشيء من محاسن الخلافة: قول (أدُلف فريدريك فون شاك) في كتاب: "الشعر والفنون الجميلة عند العرب في إسبانيا وصقلية": بينما أوروبا كادت تكون خالية من المدارس، إذ لم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلا الكهنة، كان العلم منتشراً في الأندلس انتشاراً عاماً، غير أن الحَكَم (1) -الخليفة الأموي- رأى أن الحاجة داعية إلى نشر العلم بطريق أوسع، فأنشأ في عاصمة ملكه سبعاً وعشرين مدرسة لتعليم أبناء الفقراء مجاناً، ولقد كانت سيول الشبان تنهمر على مجامع العلوم: قرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، ويلنسية، والمرية، ومالقة؛ حيث يتلقون العلوم، ويتسابقون في مضمارها، وكان العلماء والمتعلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي يتقاطرون على هذه المدارس التي ذاعت شهرتها حتى في بلاد آسية".
__________
(1) الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله (302 - 366 ه = 914 - 976 م) خليفة أموي أندلسي، ولد في قرطبة، وتوفي بها. قيل؛ إن مكتبته بلغت أربع مئة ألف مجلد.
(9/ 1/120)

لماذا خلع المؤلف من قلمه لجام الإنصاف، وجحد ما للخلافة من مآثر حميدة، وحاول أن يحثو عليها من كلمات هجائه ما يخفيها على أعين أبنائنا النجباء؟
ذلك ما ندع جوابه لقارئ كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، بعد أن يسير غوره، ويشهد الروح الذي يموج في جسم ذلك الكتاب من رأسه إلى عقبه.
قال المؤلف في (ص 36): "منذ منتصف القرن الثالث الهجري، أخذت الخلافة الإسلامية تنقص من أطرافها، حتى لم تعد تتجاوز ما بين لابتي دائرة ضيقة حول بغداد". ومن بعد أن حكى كيف صار أكثر ممالكها إلى ملوك الطوائف، قال: "حصل ذلك، فما كان الدين أيامئذٍ في بغداد مقر الخلافة خيراً منه في غيرها من البلاد التي انسلخت عن الخلافة، ولا كانت شعائرها أظهر، ولا كان شأنه أكبر، ولا كانت الدنيا في بغداد أحسن، ولا شأن الرعية أصلح".
ما كان للمؤلف أن يتنازل إلى هذا الدرك الأسفل من المغالطة؛ إذ لم يدَّع أحد قط صلاح شأن الرعية، وصيانةَ شعائر الدين مربوطان باسم الخلافة، وأن لقب الخليفة كالرقية النافعة يذهب به كل بأس، أو الدعوة المستجابة ينزل عندها كل خير، والذي نعلمه، ويعلمه أشباه العامة من المسلمين: أن الخلافة لا تريك آثارها، وتمنحك ثمارها من منعة وعزّة وعدالة، إلا إذا سارت على سنّة العزم في الأمور، والحكمة في السياسة.
(9/ 1/121)

الكتاب الثاني
الحكومة والإسلام
(9/ 1/123)

الكتاب الثاني
الحكومة والإسلام

البَابُ الأَوَّلُ
نظام الحكم في عصر النبوة
* ملخصه:
زعم المؤلف أنه بحث عن تاريخ القضاء زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلاحظ أن حاله لا يخلو من غموض وإبهام، واعترف بأن في التاريخ الصحيح شيئاً من قضائه - عليه السلام -، ولكنه يقول: إن ذلك المقدار لا يبلغ أن يعطي صورة بيّنة لذلك القضاء، ولا لما كان له من نظام إن كان له نظام، ونقل ما روي في ولاية عمر، وعلي، ومعاذ القضاءَ زمن الرسالة، فذهب إلى أن ما روي في ولاية عمر إنما هو استنتاج، وأن في روايات ولاية علي ومعاذ اختلافاً يسوّغ له أن يستنتج ما قاله من أنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم انفلتَ وكاءُ عقيدته، وصرح بأنه وجد عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، وتصامم عن صوت التاريخ الصحيح وهو يزجره أن يقول على رسول الله زوراً، فقال: إن الباحث المنصف يستطيع أن يذهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين في البلاد
(9/ 1/125)

التي فتحها الله له ولاة لإدارة شؤونها وتدبير أحوالها.
وتعدى إلى ما بعد القضاء والولاية من العمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها، وحراسة الأنفس والأموال، وغير ذلك مما لا يكمل معنى الدولة إلا به، ومسح عليه من صبغة اللبس والإبهام ما اتخذه ذريعة إلى مخادعة السذّج من قراء كتابه، وجرّهم إلى الاعتقاد بأن الحكم في زمن النبوة كان جارياً على غير نظام، وختم الباب بدعوى أن تفكيره في حال القضاء وغيره من أعمال الحكم والولايات قد انتهى به إلى مجال مشتبه حائر، فإذا هو إزاء عويصة أخرى، ومعضلة كبرى، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان صاحب دولة سياسية، ورئيس حكومة؛ كما كان رسول دعوة دينية، وزعيم وحدة دينية أم لا؟

* النقض - بحث القضاء في عهد النبوة:
قال المؤلف في (ص 39): "لاحظنا إذْ كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن حال القضاء في ذلك الوقت لا يخلو من غموض وإبهام يصعب معهما البحث، ولا يكاد يتيسر معهما الوصول إلى رأي ناضج، يقرّه العلم، وتطيب به نفس الباحث".
عرف الذين أوتوا العلم أن القضاء حقيقة شرعية، فرجعوا في تقرير أحكامه ورسم خطته إلى أصول الشريعة بأجمعها، فأحكموا صنعه، وأقرّوا عين العدالة بما فصّلوه من أحكام وآداب ونظام، ولكن المؤلف يريد اصطياد السذج من قراء كتابه، واستهواءهم "إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر"، فلفت قلوبهم عن تلك الأصول القائمة، وأخذهم إلى تعرُّف حال القضاء مما بحث عنه في هذا الباب، وجنح إلى إنكاره، وهو توليته - عليه
(9/ 1/126)

الصلاة والسلام - لأشخاص يفصلون بين الناس فيما شجر بينهم، ولهذا فاتحهم بقوله: لاحظنا إذ كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... إلخ.
وإذا شئت كلمة حق تنفض من حولك غبار هذا التشكيك الخاسر، فاربأ بنفسك عن الإذعان لغير الحجة، وألق سمعك وأنت شهيد.

* العرب والسياسة الشرعية:
من ذهب في التاريخ إلى الوقوف على حالة العرب النفسية، قبل أن تطلع عليهم شمس الإسلام، أو حين ابتدأت ترمي بأشعتها في قلوبهم، وجد طباعهم كانت تأبى لهم أن يخضعوا لسلطان، أو يدخلوا تحت نظام، كما قال النعمان (1) يصفهم لكسرى (2): "وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون إليهم بأزمَّتهم، وأما العرب، فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين".
ومما ينبهك على ما ملأ نفوسهم من الغلوّ في العظمة والتنافس في السيادة: كثرةُ ما كان ينعقد بينهم من المفاخرات والمنافرات، ثم ما تراه في أشعارهم من الفخر والحماسة، ولشدة ما يصف به الرجل نفسه من الحول والقوة وعزّة القبيلة، يخيل إليك أنه مَلِكُ يجر وراءه جيشاً عرمرماً.
تجد هذه الروح سارية في نفس كل من له مكانة في قومه، حتى إن
__________
(1) النعمان بن المنذر (... - نحو 15 ق. ه = ... - نحو 608 م) من أشهر ملوك الحيرة، نفاه كسرى إلى خانقين، وتوفي بها.
(2) كسرى أبرويز، ملك ساساني (590 - 628 م).
(9/ 1/127)

الرجل لا ينال شيئاً من الرياسة في قومه، إلا بالإحسان والكرم، ولين الجانب، ومناصرتهم، ولو في الباطل، ولا يكاد يبسط يده لكفهم عن الظلم، وعقابهم على عمل منكر، مخافة أن ينفضُّوا من حوله، ويضربوا برياسته في وجهه.
قضت حكمة مبدع الكون أن يطلع هلال الإسلام بين هؤلاء الأقوام الذين حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين، وقضت سنّته أن لا تنسلخ الأمم من طبائعها دفعة، فكان من مقتضى حكمته أن يأخذهم الدين الحق إلى هدايته، ويبيِّن لهم قوانينه على طريق المطاولة والتدريج: فاتحهم بالدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق وبعض العبادات، ولما أنسوا بشيء من الأوامر والنظم الدينية، طفق ينتقل بهم في أحكام المعاملات والجنايات والسياسات، ويشرّع لهم في خلال ذلك أصولاً تضم بين جوانحها أحكام جزئيات لا يحيط بها حساب، حتى نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
ومن الحقائق التي أكمل بها الدين، وتمت بها النعمة: رَسْمُ خطة القضاء، والإرشاد إلى مبادئه السامية.
القضاء: تطبيق الأحكام على الوقائع الجزئية، وأحكام الوقائع قد قررتها الشريعة، إما بتفصيل؛ كحدي السرقة والزنا، وإما بعرضها في ضمن أصول كلية؛ ككثير من الأحكام القائمة على رعاية العرف، أو المصالح المرسلة، على ما سنلقي عليكم بيانه في أمد قريب.
وأما تطبيق الأحكام، فيرجع النظر فيه إلى مبادئ يتوقف عليها حفظ الحقوق، ولا يخرج الحكم في قالب العدل إلا برعايتها؛ كالاستناد إلى البينات، وضرب الآجال لإقامتها، ووراء هذه المبادئ نظُم ترجع إلى تسهيل وسائل
(9/ 1/128)

النظر، والاحتياط في ضبطها، أو إصدار الحكم على وجه أدل على إنصاف القاضي، وأدعى لرضا المحكوم عليه؛ كتسجيل أقوال المتداعيين أو الشهود في محاضر، وتقرير الحكم ببيان مستنداته الشرعية، وإخراج نسخة منه لمن يستحقها.
أما المبادئ التي هي كالأركان للعدل في القضية، فلتجدنها قائمة في دلائل الشريعة، دون أن تشذ منها كبيرة أو صغيرة، فتفقهوا فيها لعلكم تعقلون، أو اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
وأما النظم الزائدة على ما يعد ركناً للعدالة، فذلك يجيء على حسب ما يقتضيه حال الزمان والمكان، ولهذا وكّله الشارع الحكيم إلى اجتهاد القائم على منصب القضاء، فيتصرف فيه على ما يوافق المصلحة، وعلى هذا المنهج سار العلماء الذين أسلموا قلوبهم للحق، فاستنبطوا للقضاء بعض نظم اقتضاها حال عصرهم؛ كضمّ بعض أهل العلم إلى مجالس القضاء بحيث لا ينفرد القاضي بحكم دونهم؛ كما فعل أمير المؤمنين علي بن يوسف بن تاشفين (1)؛ فإنه "كان إذا ولّى أحد قضاته، كان فيما يعهد إليه: ألا يقطع أمراً، ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء" (2).
قال المؤلف في (ص 39): "لا شكّ أن القضاء بمعنى الحكم في المنازعات وفضّها، كان موجوداً في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما كان موجوداً عند
__________
(1) علي بن يوسف بن تاشفين (477 - 537 ه = 1084 - 1143 م) ثاني ملوك دولة المرابطين، ولد بسبتة، ومات في مراكش.
(2) "الاستقصى".
(9/ 1/129)

العرب وغيرهم قبل أن يجيء الإسلام".
لا يرتاب مسلم في أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يتولّ فصل القضايا بين الناس من تلقاء نفسه، وإنما هو مَنْصِبٌ استمده بوحي سماوي، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، فناط بعهدته فصل القضايا، ثم وضع في أعناق الأمة فريضة التسليم لقضائه، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فيمتاز قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القضاء الذي وجد عند العرب قبل الإسلام، بأن ولايته قامت على وحي يوحى، وأن التسليم له والاعتقاد بحكمته من شرائط الإيمان بالله.
فما ينبغي للمؤلف أن يقيس محكمة إلهية جاهلية، ويوحي إلى من يشاكله في ذوقه أن كليهما جارٍ على غير نظام؛ فإن وصفه لحال القضاء النبوي بالغموض والإبهام، ثم قوله: "إن كان له نظام" لا معنى له سوى إنكار أن يكون لتلك المحكمة العادلة نظام، ولقد كان هذا الإنكار أقرب إلى الصراحة من معانٍ أخرى لا تكشف قناعها إلا حين تلتقي بمن مارس لغة المرتابين، وتفقّه في لحن خطابها.

* القضايا التي ترفع إلى الحكام نوعان:
قال المؤلف في (ص 40): "وفي التاريخ الصحيح شيء من قضائه - عليه السلام - فيما كان يرفع إليه، ولكننا إذا أردنا أن نستنبط شيئاً من نظامه - صلى الله عليه وسلم - في القضاء، نجد أن استنباط شيء من ذلك غير يسير، بل غير ممكن؛
(9/ 1/130)

لأن الذي نُقل إلينا من أحاديث القضاء النبوي لا يبلغ أن يعطيك صورة بيّنة لذلك القضاء، ولا لما كان له من نظام، إن كان له نظام".
الأدلة السمعية وما يتفرع عنها من نحو: القياس، والقواعد، بالغة حد الكفاية في إقامة محاكم تسير على قانون العدل، وتزن الحقوق بالقسطاس المستقيم. فإن تراءى لأحد أن الأخبار التي تقص شيئاً من القضايا التي رفعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، هي من القلة بحيث لا تعطي صورة بيّنة للقضاء في عهده، قلنا: التشريع كامل، وسيّان بعد هذا أن تكثر الخصومات لعهد الرسالة، أو تقل، تُنقل إلينا وقائعها، أو لا تنقل، على أن طبيعة ذلك العصر وروحه الاجتماعية يقتضي أن تكون الخصومات بين القوم ذات عدد يسير، وإليك كلمة تنبئك بسبب قلة ما يرفع إلى مقام الرسالة من قضايا المتخاصمين، وتؤكد لك صحة ما نبهنا عليه من أن القضاء العملي ليس وحده المرجع لتعرف حال القضاء النبوي، ومعرفة ما "له من نظام إن كان له نظام".
القضايا التي ترفع إلى الحكام على نوعين:
أحدهما: قضايا تنشأ عن تجاحد الخصمين، فيدّعي أحدهما ما ينكره الآخر، وهذه هي التي يحتاج فيها إلى إقامة البينات، ويمتاز فيها منصب القضاء عن منصب الفتوى.
ثانيهما: قضايا يقرر فيها الخصمان الواقع، ولكنهما يجهلان وجه الحق، ولا يعلمان المحق من المبطل في نظر الشارع، والقاضي في هذا النوع بمنزلة المفتي؛ لأن الخصمين يكتفيان ببيان وجه الحق، وينصرفان عن تراض، والخصومات التي تنشب بين الجماعات المطبوعة على فضيلة الإخاء والتقوى، إنما تكون من هذا النوع القائم على عدم معرفة الحق،
(9/ 1/131)

وكذلك قضايا المسلمين لعهد النبوة؛ فإن أغلبها من قبيل الاستفتاء، أما المشاجرات الناشئة عن التجاحد، فنادرة جداً.
قال الحافظ ابن تيمية: "ولو عدّ مجموع ما قضى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا النوع -يعني: ما قام عن تجاحد- لم يبلغ عشر حكومات".
هذا سبب قلة ما تحمله الرواية من القضايا التي رفعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتجاوزت حدّ الاستفتاء، ويضاف إلى هذا: أن أحكام الشريعة كانت تطبق بعزم وإخلاص، وهذا يقتضي بوجه خاص أن تقل القضايا المتعلقة بالجنايات، وقلة القضايا لعهد النبوة لا تجعل حال القضاء مبهمة؛ فإن الأدلة بجملتها تعطينا صورة بيّنة لسنّة القضاء الكافلة بإقامة العدل وصيانة الحقوق.
قال المؤلف في (ص 40): "لاحظنا أن حال القضاء زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - غامضة ومبهمة من كل جانب، حتى لم يكن من السهل على الباحث أن يعرف هل ولّى - صلى الله عليه وسلم - أحداً غيره القضاء، أم لا؟ ".
لم تكن حال القضاء في عهد النبوة غامضة ولا مبهمة، فقد أريناك أن ما بين أيدينا من الكتاب والسنّة الصحيحة يجعلنا على بصيرة من سنّته المتبعة لذلك العهد، وليست الشواهد على هذه السنن بالشيء القليل، حتى تسعه هذه الورقات المقصود منها تنبيه سليم الفطرة كي لا يفتتن ببهرج ذلك الكتاب وزخرف قوله غروراً. وسيمرّ نظرك على أمثلة من سنن القضاء الإسلامي في غير هذا المقام.
ومن السهل على الباحث الذي يذهب إلى الحقائق من طرقها المعقولة، أن يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يولّي على كل قوم مسلمين من يدبر أمرهم، ويقضي فيما شجر بينهم، ولو لم يرد في التاريخ إلا أسماء الأشخاص الذين قلدهم
(9/ 1/132)

الإمارة على البلاد المفتوحة، لكان في نبئه عبرة لأولي الأبصار، وبينة قائمة على أنه لا يترك القوم في جاهلية عمياء دون أن يأخذهم كما يأخذ أهل المدينة بأحكام شريعته السمحة، ونظمها القيمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد يتحاكمون إلى الذي أمّر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه".

* البحث في تولية معاذ، وعلي، وعمر - رضي الله عنهم - القضاء:
قال المؤلف في (ص 40): "هناك ثلاثة من الصحابة يعدّهم جمهور العلماء ممن ولي القضاء في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
ونقل بعد هذا ما حكاه رفاعة بك (1) في "نهاية الإيجاز"؛ من أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلّد القضاء لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ ابن جبل.
ثم قال المؤلف: "وينبغي أن يضاف إليهم: أَبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -؛ فقد كان في عمله على ما يظهر نظيراً لمعاذ بن جبل سواء بسواء". وقال المؤلف بعد هذا: "أما أن عمر - رضي الله عنه - تقلد القضاء في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرواية غريبة من الوجهة التاريخية، ويظهر أنها إنما أخذت بطريق الاستنتاج".
ثم أورد الأثر الذي استند إليه صاحب "تخريج الدلالات"، ونقله عنه صاحب "نهاية الإيجاز"، وهو ما رواه الترمذي من أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: "اذهب فاقضِ بين الناس. قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: وما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إن أبي كان يقضي، فإن
__________
(1) رفاعة رافع الطهطاوي (1216 - 1290 ه = 1801 - 1873 م) من علماء مصر في العصر الحديث، ولد في طهطا، وتوفي بالقاهرة.
(9/ 1/133)

أشكل عليه شيء، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أشكل على رسول الله، سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأله".
فالخبر صريح في أن عمر بن الخطاب كان يتصدى للقضاء في زمن النبوة، ولا يحق بعد قوله: "فإن أشكل عليه شيء، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أن يذهب إلى أن تولّي عمر للقضاء كان مفهوماً بطريق الاستنتاج. ثم لا ندري ما وجه الغرابة في تولي عمر بن الخطاب القضاء لعهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ ليس في يد المؤلف دليل تاريخي أو نظري يمنع من قبول ما رواه الترمذي في "سننه"، وقد تلقى أهل العلم هذا الخبر بالقبول، قال القاضي أَبو بكر ابن العربي في "عارضة (1) الأحوذي": "قول عثمان لعبد الله بن عمر: إن أباك كان قاضياً، يعني: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يدل على أن ذلك كان في حياته؛ ولو أراد بذلك الخلافة، لقال له: إن أبي كان خليفة ليس فوقه متعقب عليه، فكيف يحتج به في قضاء متعقب مترقب؟ ".
وليس في التاريخ ما يقف في سبيل هذه الرواية، بل رأينا فيه ما يشد في عضدها، وهو أن عمر بن الخطاب كان يفتي في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، روى ابن سعد في "طبقاته" (2) عن ابن عمر: "أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أبو بكر، وعمر، وما أعلم غيرهما".
وروي عن القاسم بن محمد (3) أنه قال: "كان أَبو بكر، وعمر، وعثمان،
__________
(1) في خزانتنا نسخة مخطوطة منه.
(2) (ج 2 ص 99).
(3) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (37 - 107 ه = 675 - 725 م) أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة، ولد فيها، وتوفي بقديد بين مكة والمدينة.
(9/ 1/134)

وعلي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وقال: "كان الذين يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة نفر من المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: عمر وعثمان وعلي، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت". (1) وقال: "كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عمر، وعلي، وابن مسعود (2)، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري (3) ".
فقول التاريخ: إن عمر بن الخطاب كان مفتياً، يؤيد ما رواه الترمذي من أنه كان قاضياً؛ فإن القضايا التي يقصد برفعها معرفة المحق من غيره يسمّى فصلها: قضاء؛ كما يصحّ أن يسمّى: فتوى، ولم يبق سوى القضايا الناشئة عن التجاحد، وقد عرفت أنها نادرة الوقوع، فالذي يدل على أن لعمر بن الخطاب فصلَ ما كان من هذا النوع في غير حضرة الرسول - عليه السلام - حديث الترمذي، فيتوافق التاريخ والرواية في تسميته قاضياً ومفتياً.
ومما يستأنس به في هذا المقام: أنهم كانوا يعدون عمر من ذوي المكانة في القضاء، وقالوا: "قضاة هذه الأمة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى" (4).
__________
(1) (ج 2 ص 109).
(2) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي (. . . - 32 ه =. . . - 653 م) صحابي جليل من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام. وتوفي بالمدينة المنورة، وله 848 حديثاً.
(3) عبد الله بن قيس، من بني الأشعر (21 ق. ه - 44 ه = 602 - 665 م) صحابي جليل، ومن الولاة الشجعان. ولد في زبيد باليمن، وتوفي بالكوفة، له 355 حديثاً.
(4) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 18).
(9/ 1/135)

وإن أبا بكر الصديق قلّده القضاء، ومكث سنة لم يتحاكم إليه اثنان (1).
ثم حكى المؤلف ما نقله صاحب "نهاية الإيجاز" عن تخريج الأدلة السمعية؛ من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، وهو شاب؛ ليقضي بينهم، مستدلاً على ذلك برواية أبي داود (2)، ونقل المؤلف بعد هذا ما جاء في "صحيح البخاري" من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث علياً مكان خالد (3) إلى اليمن ليقبض الخمس، وقدم بسعايته إلى مكة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بها. ثم نقل عن برهان الدين الحلبي (4): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث علياً -كرم الله وجهه- في سرية إلى اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وهي السرية الأولى، والسرية الثانية بعث فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علياً - كرم الله وجهه - إلى بلاد مذحج من أرض اليمن، فغزاهم، وجمع الغنائم، ثم رجع فوافى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قدمها لحجة الوداع.
ثم انتقل إلى الحديث عن معاذ بن جبل، فحكى ما نقله صاحب "نهاية
__________
(1) "منهاج السنة" لابن تيمية (ج 4 ص 138).
(2) سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275 ه = 817 - 889 م) إمام الحديث في عصره. أصله من سجستان، وتوفي بالبصرة. له كتاب "السنن"، وهو أحد الكتب الستة.
(3) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي (. . . - 21 ه =. . . - 642 م) صحابي جليل، وسيف الله. كان من أشراف قريش في الجاهلية، وتوفي في حمص.
(4) علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، نور الدين بن برهان الدين (975 - 1044 ه = 1567 - 1635 م) من المؤرخين الأدباء، أصله من حلب، وولد وتوفي بمصر.
من مؤلفاته "إنسان العيون في سيرة المأمون". ويعرف بالسيرة الحلبية.
(9/ 1/136)

الإيجاز" أيضاً عن كتاب "تخريج الأدلة السمعية"، من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسله قاضياً إلى الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن. ثم نقل ما رواه البخاري؛ من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وقال لهما: "يسرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا". ونقل بعد هذا حديث البخاري الذي يتضمن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: " إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئت، فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله ... إلخ". ثم نقل ما أورده زيني دحلان (1) في "السيرة النبوية"؛ من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وروى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم من حديث معاذ، الذي يتضمن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن، قال له: "كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء؟ "، قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال؛ فبسنّة رسول الله، قال: "فإن لم تجد في سنّة رسول الله، ولا في كتاب الله؟ "، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو.
بعد أن حكى المؤلف هذه الأخبار والأحاديث.
قال في (ص 44): "تلك الروايات المختلفة التي قصصنا عليك نموذجاً منها، تريك كيف يسوغ لنا أن نستنتج ما قلناه من أنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وها أنت ذا قد رأيت كيف اختلفت الرواية عن حادثة واحدة بعينها، فَبَعْث علي إلى اليمن يرويه أحدهم أنه
__________
(1) أحمد بن زيني دحلان (1232 - 1304 ه = 1817 - 1886 م) فقيه ومؤرخ، ولد بمكة، وتوفي بالمدينة المنورة. من مؤلفاته: "السيرة النبوية".
(9/ 1/137)

تولية للقضاء، ويرويه الآخر أنه كان لقبض الخمس من الزكاة".
خير بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى اليمن، وتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - له أن لا يقضي لخصم حتى يسمع من الآخر، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، ورواه ابن سعد في "طبقاته" (1) بثلاثة أسانيد مختلفة، وحكاه ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب"، (2) وأبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام"، (3) والحافظ المزي في كتاب "التهذيب" (4)، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (5)، وكذلك يقول المحقق الشوكاني (6) في حديث: "يا علي! إذا جلس إليك الخصمان ... إلخ"، أخرجه ابن حبان، (7) وصححه، وحسّنه الترمذي.
روى أولئك الأعلام هذا الخبر، ولم يروا به وجهاً للريبة، مع أنهم أسبق الناس إلى نقد الأخبار، ولا سيما ما يمس بأمر ديني، أو يحتوي على حديث نبوي.
__________
(1) (ج 2 ص 100).
(2) (ج 2 ص 499).
(3) (ج 2 ص 206).
(4) في ترجمة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(5) (ج 8 ص 48).
(6) انظر: "نيل الأوطار" (ج 8 ص 52).
(7) محمد بن حبّان، أَبو حاتم البستي (... - 354 ه = ... - 965 م) من كبار المحدثين، ولد في "بست" من بلاد سجستان، وتوفي بها. من تصانيفه: "المسند الصحيح".
(9/ 1/138)

وإذا رمت تحرير الغاية التي بعث لها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فإليك التحرير:
اتفق المحدثون والمؤرخون على: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن مكان خالد بن الوليد.
ففي "صحيح الإمام البخاري" عن البراء بن عازب (1): "بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه. فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك، فليعقب، ومن شاء، فليقبل. فكنت فيمن عقب معه".
وفي "تاريخ ابن جرير الطبري"، عن البراء بن عازب: "فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالد ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه، تركه".
وإذا كان علي بن أبي طالب بُعث ليقوم مقام خالد بن الوليد، فقد بُعث أميراً، والإمارة لعهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تتناول القضاء ونحوه، ولكن بعض الرواة يقول: إنه أرسل مكان خالد، وبعضهم يقتصر في الرواية على الأمر الذي يناسب غرض الحديث، فهذا يقول: بُعث قاضياً؛ ليناسب خبر: "وأنا حديث السنّ، ولا علم لي بالقضاء ... إلخ".
والآخر يقول بُعث ليقبض الخمس؛ ليناسب ما يذكره بعد ذلك من إنكاره عليه بعض تصرفاته في الخمس، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -! للمنكر: "لا تبغضه؛
__________
(1) البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي (... - 71 ه = ... - 690 م) من الصحابة الأجلاء القادة، سكن الكوفة، وتوفي زمن مصعب بن الزبير، روى له الإمامان البخاري ومسلم 305 أحاديث.
(9/ 1/139)

فإن له في الخمس أكثرَ من ذلك".
فقول بعض الرواة: بُعث قاضياً، أو قول الإمام: "بعثت قاضياً" لا يعارض قول بعضهم: بعث ليقبض الخمس، متى كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صرح له بالقضاء، وقبض الخمس بوجه خاص، زيادة على أن بعثه مكان خالد يقتضي النظر في القضايا، وفصل الخصومات.
ترك المؤلف ما رواه البخاري أولاً من أن علي بن أبي طالب بعث مكان خالد بن الوليد، ونقل الحديث الثاني الذي يقول فيه الراوي: بعثه إلى خالد ليقبض الخمس، وحاول أن يضرب بهذه الرواية رواية ولايته القضاء؛ ليخلص من أثر يشهد بأن للقضاء في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام - حديثاً ينقل، أو اسماً يدور على الألسنة، والعلماء الذين درسوا باب التناقض من علم المنطق، وباب التعارض والترجيح من علم الأصول، تفهموا هذه الروايات على وجه جامع، ولم يروا بينهما اختلافاً يدعو إلى حيرة، أو إلغاء الروايتين، أو ترجيح إحداهما على الأخرى.
يقول الإمام البخاري: بعث علياً بعد ذلك ليقبض الخمس. ومن الجليّ لدى المبتدئين من طلاب العلم أن المراد: خمس الغنيمة، ولكن المؤلف الذي لم يقنع برتبة مجتهد، وحاول أن يكون مشرّعاً، يقول: "ويروي الآخر: أنه كان لقبض الخمس من الزكاة" وليس في الزكاة شيء يقال له: الخمس، ولكن الله ضرب هذا المثل لنشهد به حظ المؤلف من فهم كتب الشريعة، وليعلم الذين يريدون أن يتبعوا خطواته أنهم ركبوا غارب عشواء، وفتحوا أعينهم في ليلة ظلماء.
قال المؤلف في (ص 44): "ومعاذ بن جبل كذلك، ذهب إلى اليمن
(9/ 1/140)

قاضياً في رأي، وغازياً في رأي، ومعلماً في رأي، ونقل "صاحب السيرة النبوية" خلافاً في أن معاذاً كان والياً وقاضياً، فقال ابن عبد البر (1): إنه كان قاضياً، وقال الغساني: إنه كان أميراً على المال. وحديث ابن ميمون التصريح بأنه كان أميراً على الصلاة، وهذا يرجح أنه كان والياً".
الرواية قائمة على أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن والياً وقاضياً، ومعلماً للقرآن وشرائع الإسلام، وقابضاً للصدقات من العمال، قال ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": "بعثه -يعني: معاذاً- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاضياً إلى الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشعائر الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، ومعاذ بن جبل على الجند، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: "بم تقضي ... إلخ".
فمعاذ كان والياً وقاضياً ومعلماً، وقابضاً للصدقات، ومن المحدّثين من ذكر له أعمالاً متعددة؛ كالحافظ ابن عبد البر، ومنهم من يتعرض لوظيفة القضاء؛ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم، ومنهم من يذكر وظيفة الإمارة؛ كالإمام البخاري، ومنهم من يعرف له وظيفة التعليم، ويصرح بأنه كان يقوم بهذه الوظيفة في أعمال كثيرة؛ كقول ابن خلدون في "تاريخ": "وكان معاذ بن جبل يعلّم القرآن باليمن، ينتقل على
__________
(1) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي المالكي (368 - 463 ه = 978 - 1071 م) حافظ للحديث، ومؤرخ وأديب. ولد بقرطبة، وتوفي بشاطبة. له تصانيف عديدة.
(9/ 1/141)

هؤلاء وهؤلاء في أعمالهم".
فرواية أن معاذاً كان قاضياً باليمن من الروايات التي مُحصت، ووضعها المحدثون موضع القبول، وليس في الروايات الأخرى ما ينافيها حتى نحتاج إلى عرضها على ميزان الترجيح، فضلاً عن أن نعاملها معاملة الأحاديث الموضوعة، ونضرب عنها جملة؛ كما فعل المؤلف؛ حرصاً على أن ينتهي به النظر "إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر".
وما نقله عن صاحب "السيرة النبوية" من الخلاف بين ابن عبد البر، والغساني؛ من أن معاذاً كان والياً أو قاضياً، لا يمس الرواية بوهن، ولنا عليه ملاحظة من وجوه:
أولاً: يظهر أن صاحب "السيرة" نقل هذا الخلاف من "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، ونص عبارة "الفتح": "واختلف هل كان معاذ والياً، أو قاضياً، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول". والدليل على أن صاحب "السيرة" استمد الخلاف من كلام ابن حجر: أن لفظ "الغساني" إنما جاء في نسخ "فتح الباري". ونقل القسطلاني في "شرحه لصحيح البخاري" هذا الخلاف عن ابن حجر، وذكر المقابل لابن عبد البر باسم: "العسكري"، وكذلك ذكر الخلاف الإمام العيني (1) في "شرحه للبخاري"، وذكر المخالف لابن عبد البر باسم: "العسكري".
والمعروف بالتأليف في تراجم الصحابة هو العسكري، وهو "أبو محمد ابن عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري المعروف بعبدان"، وقد ذكره ابن
__________
(1) محمود بن أحمد، بدر الدين العيني (762 - 855 ه = 1361 - 1451 م) محدث ومؤرخ، ولد في عينتاب، وتوفي بالقاهرة. له تصانيف عديدة.
(9/ 1/142)

حجر في مقدمة "الإصابة" باسمه: "عبدان" حين أخذ يسرد أسماء من ألّفوا في الصحابة - رضي الله عنه -.
ثانياً: قول صاحب "السيرة"، وحديث ابن ميمون يرجح أنه كان والياً، إنما هو استنتاج منه، ولا يصح إلا إذا أراد بالوالي: من له سلطة أعمّ مما يفهم المؤلف، وهو العامل على المال، الناظر في شؤون البلاد.
ثالثاً: إن ابن عبد البر صرح في "الاستيعاب" بأن معاذاً كان قاضياً ووالياً على المال حسبما نقلناه آنفاً، فلا يصح أن يفهم من هذا الخلاف أن ابن عبد البر يقول: أرسل قاضياً فقط، فهو لو قال: "بعث معاذاً قاضياً"، وسكت، لم نفهم منه مخالفة لمن يقول: "بعث والياً"، فما باله إذا صرح بالولاية علاوة على القضاء؟.
رابعاً: إذا كان العسكري قال: إن معاذاً أرسل والياً، ولم يتعرض لنفي القضاء، لم يعد هذا مخالفة لابن عبد البر، وكذلك رأينا الشيخ العيني لم يزد على أن قال: "وفي كتاب الصحابة للعسكري: بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - والياً على اليمن، وفي الاستيعاب: بعثه قاضياً، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن". فإذا كان الخلاف إنما أخذ من اقتصار العسكري على ذكر الولاية من غير تعرض للقضاء، كان الخلاف بين العسكري وابن عبد البر لا يزيد على أن يكون اختلافاً في العبارة.
خامساً: يترجح أن يكون العسكري عندما تحدث عن معاذ اقتصر على ذكر الولاية، ولم يتعرض لنفي القضاء، فإن ابن حجر، ومن نقل كلامه؛ كالقسطلاني، ثم من نقل عن كتاب العسكري مباشرة؛ كالعيني، لم يذكروا أن العسكري نفى القضاء صراحة، ولو نفاه، لذكر الوجه في نفيه، وعدم قبول
(9/ 1/143)

روايته، ولو ذكر هذا الوجه، لنقلوه، وتلقوه إما بمناقشة، وإما بتسليم.
سادساً: على فرض أن العسكري أو الغساني نفى ولاية معاذ القضاء بصراحة، فإن الرواية التي تشهد بهذه الولاية حجة على المنكر، إلا أن يأتي بدليل مسموع أو معقول يطعن في شهادتها.
ومما لا نزاع فيه بيننا وبين المؤلف: أن ولاية معاذ كانت مساوية لولاية أبي موسى الأشعري، فيصح لنا الاستشهاد بأن ولايتهما كانت تتناول الحكم بحديث البخاري المتضمن: أن معاذاً زار أبا موسى الأشعري، ووجد عنده رجلاً موثقاً، فسأله عنه، فقال له: إنه كان مسلماً، ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربنّ عنقه. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "إن أبا موسى الأشعري مفوض إليه الحكم، ولو كان فوض الحكم لغيره، لم يحتج -يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى توصيته بما وصاه به".
قال المصنف في (ص 45): "ذلك بأننا وجدنا عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات، ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين في البلاد التي فتحها الله له ولاة مثلاً لإدارة شؤونها، وتدبير أحوالها، وضبط الأمر فيها. وما يروى من ذلك، فكله عبارة عن توليته أميراً على الجيش، أو عاملاً على المال، أو إماماً للصلاة، أو معلماً للقرآن، أو داعياً إلى كلمة الإسلام. ولم يكن شيء من ذلك مطرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود، كما ترى فيمن كان يستعملهم - صلى الله عليه وسلم - على البعوث والسرايا، أو يستخلفهم على المدينة إذا خرج للغزو".
(9/ 1/144)

دعوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يولّ قضاة يفصلون الخصومات، ولم ينصب ولاة لتدبير أحوال البلاد، من بنات فكر المؤلف وحده، فهو الذي اخترعها، دون أن يسبقه إليها ألمعي خبير، أو بحاثة بصير، وإذا كان كل رأي جديد -حقاً كان أو باطلاً- يخف بصاحبه إلى منزلة يشار إليها بالبنان، ويطير صيته في الآفاق إلى أمد بعيد، فليتبوأ المؤلف مقعده بمكان تومئ إليه الأصابع من كل ناحية، وليهنأ بسمعة تطير مع الشمس كل مطار، ولكن ما دام القرآن يتلى، وكتب السنّة تدرّس، وفي القلوب إيمان، وفي الأدمغة عقول، فإن هذا الرأي الجديد لا يبقى على وجه الأرض إلا أن يحتمل ما تخلعه عليه النفوس الفاضلة من برود التهكم والتفنيد، ويرضى بما تناديه به ألسنة الصادقين من ألقاب الباطل والبهتان.
ولا يلاقي هذا الرأي تفنيداً من إخوان الإسلام فقط، بل يرمي في وجهه بالتزييف كل من درس تاريخ عهد النبوة، ووقف ساعة من نهار على روح التشريع، وإن كان من المخالفين الذين لا ينتمون للإسلام.
يزعم المؤلف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرسل أميراً للحكم وضبط الأمر في البلاد، وإنما كان يرسل غزاة، أو عمالاً، أو أئمة ودعاة للإسلام، ولا ندري ماذا دفعه إلى إنكار حقيقة تضافر عليها المحدّثون والمؤرخون، وإذا كان المدار في تحقيق المسألة على الرواية، فلا سبيل للمنكر عليها إلا أن يردها بطعن في سندها، أو يبين أن العقل السليم لا يقبلها، وهل مشى المؤلف في هذا السبيل المعقول، فتعرض لسند الروايات التي تثبت أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أمراء ينظرون في شؤون البلاد، ويحكمون فيما شجر بين الناس، ونقَدها ببينة وعقل، أو أقام برهاناً على أن وجود ولاة يفصلون القضايا، ويدبرون
(9/ 1/145)

أحوال البلاد في عهد الرسالة مما يأبى العقل سماعه؟
كل ذلك لم يكن، ولكنه يبتغي مرضاة قوم لا يؤمنون، وتخيل أنه بلغ في البيان أن ينكر الحق، فيذهب هباء، أو يشير إلى باطل، فيستقبله الناس باحتفال وتكريم.
قد أريناك أن انتصاب معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب للقضاء، ثابت بأدلة ناطحها قلم المؤلف، فأوهى قرنه قبل أن يوهنها، وإن شئت زيادة تحقيق في الموضوع، فلدينا مزيد:

* القضاء في عهد النبوة موكول إلى الأمراء:
عني الإسلام بوسائل العمران، وأركان الدولة، وبالأحرى: مقام الفصل فيما شجر بين الناس، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - لا يترك قوماً دخلوا في الإسلام إلا أمَّر عليهم من يسوسهم بأحكام شريعته.
وقد عرفنا في تاريخ عهد النبوة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يقلّد شخصاً الإمارة، ويكون له النظر في الحكم بين الناس، وتعليمهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم، وغير ذلك مما يتولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كان حاضراً.
قال الحافظ ابن تيمية في "منهاج السنة" (1): "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولي الأمراء على السرايا، يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمّر أمراء على الأمصار؛ كما أمّر عتاب ابن أسيد على مكة ... وكما كان يستعمل عمالاً على الصدقة، فيقبضونها ممن تجب عليه، ويعطونها لمن تحل له". فانظر في قوله: "الأمراء على
__________
(1) (ج 4 ص 93).
(9/ 1/146)

السرايا"، وقوله: "أمراء على الأمصار"، وقوله: "عمالاً على الصدقة"؛ فإنه يطعن في قول المؤلف: إن الأمراء إنما كانوا غزاة، أو عمالاً على المال.
وقال ابن حزم في "كتاب الفصل في الملل والنحل" (1): "وقد وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قلّد النواحي، وصرف تنفيذ جميع الأحكام التي تنفذها الأئمة إلى قوم كان غيرهم أفضل منهم (2)، فاستعمل على أعمال اليمن معاذ ابن جبل، وأبا موسى، وخالد بن الوليد ... ".
وقد نقلنا لكم آنفاً قول الحافظ ابن حجر: "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمِّر عليهم".
وإذا كان المؤلف لا يلقي قلبه إلا بين يدي "أرنولد"، فإن أرنولد ومن معه يقولون في "دائرة المعارف الإسلامة" (3): "يجب أن يكون القاضي مسلماً عادلاً، عالماً بجميع أحكام الشرع". ثم قالوا: "فالنبي - صلى الله عليه وسلم - والراشدون كثيراً ما فصلوا في خصومات بصفتهم قضاة، كما جرى على ذلك الأمراء والحكام الموفدون من قبلهم إلى المقاطعات الإسلامية".
ولا يعدّ قيام الأمير بفصل القضاء، وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من شؤون الولاية أمراً شاقاً؛ فإن وسائل العمران من مثل: الفلاحة، والصناعة، والتجارة لم تكن ظاهرة في البلاد التي فتحت زمن النبوة بهذا المظهر الواسع، حتى تكثر الخصومات والمنازعات لحد أن يعين لها قضاة شرعيون زيادة
__________
(1) (ج 4 ص 136).
(2) يريد: أن الأفضلية لا تقتضي الإيثار بالولاية، بل يقدم كل عمل من فيه كفاية للقيام به.
(3) في: الكلام على القاضي (ص 606).
(9/ 1/147)

على الأمراء السياسيين.
يقول المؤلف: "ولم يكن شيء من ذلك مفرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود"، وهذا مسلّم في أمراء السرايا، وأما أمراء البلاد، فإن ولايتهم كانت دائمة.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "فأما أمراء السرايا والبعوث، فكانت إمرتهم تنتهي بانتهاك تلك الغزوة، وأما أمراء القرى، فإنهم استمروا فيها".
قال المؤلف في (ص 45): "إذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية إلى غيرهما من الأعمال التي لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات التي تتصل بالأموال، ومصارفها "المالية"، وحراسة الأنفس والأموال "البوليس"، وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة، فمن المؤكد أننا لا نجد -فيما وصل إلينا من ذلك عن زمن الرسالة- شيئاً واضحاً، يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون أن نقول: إنه كان نظام الحكومة النبوية".
بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فأقام بها عشر سنين، أو ثلاث عشرة سنة، وهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما أذن الله بأن يقيم لهذا الدين دولة تحمي دعوته، وتحرس شعائره، وتدبر سياستها على محور تعاليمه، كان أول لبنة وضعها - صلى الله عليه وسلم - في أساس هذا الغرض الأسمى: ما أخذه على الأوس والخزرج من عهد البيعة على أن يكونوا أنصاره إلى الله، ثم هاجر إلى المدينة، وواصل العمل بما أوحى الله إليه، حتى اتسقت للإسلام شريعة ذات مبادئ عالية، ونظم حكيمة.
كانت المدة منذ شرع الإسلام في بناء دولة تحرس دعوته وشعائره،
(9/ 1/148)

وتعمل لإسعاد أهله إلى أن انتهى عهد الرسالة، نحو عشر سنين.
ماذا فعل محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه - في عشر سنين، تلك المدة التي قضى المؤلف مثلها بالتفكير في منطق، يميت شريعة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء؟
رأينا وسمعنا أن الحكومات إذا دخلت في عهد حرب، أفرغت مهجتها في تدبر وسائل الدفاع من جند وسلاح ونصب مكايد، وتذهل عن الشؤون المدنية والعلمية، فلا تكاد ترى لهما أثراً من نظم العلم والسياسة إلا ما كان قائماً قبل دخولها في مواقع الحروب، ولا سيما حيث يكون عددها أوسع بلاداً، وأكثر قبيلاً. هذا شأن الدول العريقة في الحكم والقوة التي تكون سلطتها وسياستها موزعة على نفوس كثيرة من قائمين بالسلطة التشريعية، إلى قائمين بالسلطة التنفيذية، ومن وزارة داخلية إلى خارجية إلى حربية إلى مالية، فكيف يكون حال جماعة قليلة ظهروا بعقيدة وشريعة خالفوا بهما القبائل والأمم التي تكتنفهم من كل جهة؟
كان ذلك الرسول الأعظم مظهر السلطة التشريعية، ومصدر السلطة التنفيذية. فالحكمة تجري على لسانه، ودم النفوس الخبيثة يجري على سنانه، يرسل الموعظة الحسنة تحت مثار النقع، ويسنّ القانون العادل وهو يقاتل وحوشاً غابُها الرماح، ولقد كان في تشريعه الحكيم، أو عزمه النافذ عبرة لأولي الألباب.
دولة بنتُ عشر سنين فتحت بلاداً واسعة، ونشرت تعاليم نافعة، وشرعت قوانين جامعة، إن في قصر المدة التي استحكم فيها أمر هذه الدولة لآية كبرى، ولكن المواربين بآيات الله يجحدون.
(9/ 1/149)

أنكر المؤلف أن يكون في عهد الرسالة ولاة يحكمون بين الناس بقانون الشريعة، فأقمنا من الرواية بينات تشهد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث إلى البلاد المفتوحة أمراء يدخل في إمرتهم فصل الخصومات بين الناس، ومنهم من يصرح له بالسلطة القضائية؛ كما جاء في حديث معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وتوسع في الإنكار حتى زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرسل والياً لتدبير أحوال البلاد، وإنما كان يرسل غازياً أو عاملاً على المال، فكافحناه بشهادة التاريخ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث أمراء من غير أمراء السرايا والعمال على المال، ولا شأن لأولئك الأمراء إلا تدبير أحوال البلاد، والحكم بينهم على سنّة القضاء في الإسلام، وتطوّح به نزق التمرّد إلى أن يقوِّض سائر أركان الدولة الإسلامية، فلوّح بإنكار ما وراء القضاء والولاية السياسية من أعمال "لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها (المالية)، وحراسة الأنفس والأموال (البوليس)، وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة".
لنبحث مع المؤلف في القضاء والمالية والبوليس مع رعاية ما يقتضيه المقام من إيجاز، ونرجئ البحث فيما عدا هذه الأصول الثلاثة إلى مقام أليق بها من هذا المقام.

* نبذة من مبادئ القضاء في الإسلام وآدابه:
ذكرنا فيما سلف: أن للقضاء مبادئ لا يستوفي الحكم نصيبه من العدل إلا برعايتها، ولا يمتري ذو أثارة من علم أن الإسلام قد أدار سياسته على محورها. وهناك نظم مطوية في أصول عامة هي موكولة إلى اجتهاد الحاكم، ومقتضى حال البيئة، ومن هذه النظم ما نعلم حق اليقين أن حال الأمة في
(9/ 1/150)

عصر النبوة لا يزال في غنى عنها.
تحدثك في هذا المقال عن بعض مبادئ القضاء ونظمِه المنبَّه عليها في الكتاب والسنّة؛ لتعلم أن القضاء في عهد النبوة لم يكن في نظر علماء الإسلام غامضاً.
ملاك القضاء العادل: عِلْمُ القاضي، واستقامته، واستيفاؤه النظر في وسائل الحكم، واستناده إلى البينة، وقوة العزم في الفصل، وبسط مجال الحرية للخصوم؛ حتى يدافعوا عن حقوقهم باطمئنان جأش، وطلاقة لسان.
أما العلم، فقد كان الحكام في عهد النبوة على علم بما يلقى على عاتقهم من أعمال القضاء وغيره، ودليل هذا من جهة النظر: أن النبي - عليه السلام - يقول: "لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها" (1). وقال: "إن القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى في الناس على جهل" (2). فالذي يجعل القضاء قائماً على الحكمة، ويقول: إن القضاء بجهل يلقي صاحبه في حفرة من النار، لا يضع السلطة القضائية إلا في يد عالم بالأحكام، بصير بمذاهب الحقوق، ويضاف إلى هذا: أن الذين "حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة ونيف
__________
(1) "صحيح البخاري" (ج 1 ص 21).
(2) أصحاب السنن، والحاكم، والبيهقي. انظر: "تلخيص الحبير" (ج 2 ص 402) طبع دهلي.
(9/ 1/151)

وثلاثون نفساً، ما بين رجل وامرأة"، (1) ومما لا يحتمله العقل: أن يصرف الرسول - عليه السلام - نظره عن هؤلاء الذين بلغوا رتبة الفتوى، ويضع الحكم في أيدي قوم لا يعلمون.
وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" (2): "وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء، أرسل إليه يسأله عنه، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته يعلم خلفاءه إذا جهلوا، ويقوّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا".
وعلى هذه السيرة اقتدى علماء الإسلام، فاشترطوا في القاضي: أن يكون بالغاً في العلم مبلغ الاجتهاد؛ حتى يتناول الأحكام من أصولها مباشرة، وكذلك كانوا يفعلون.
ويترتب على هذا الشرط: أن لا يقلّد أحد القضاء إلا بعد معرفة مكانته في العلم. وقد اختبر النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل حين توليته القضاء؛ ليزداد خبرة بمبلغ علمه بالقضاء، فقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ إلخ".
وأما الاستقامة، فالكتاب والسنّة طافحان بالأمر بالعدل، وتشديد الوعيد على التهاون بواجبه، فلا بد أن يكون قضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتقى الناس قلوباً، وأعدلهم في الحكومة ميزاناً، وهذا أحدهم، وهو عمر بن الخطاب، يقول في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: "وآس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حَيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".
__________
(1) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 14).
(2) (ج 4 ص 93).
(9/ 1/152)

وأما استيفاء البحث في وسائل الحكم، فترشد إليه آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفصل في النوازل التي تُرفع إليه، كما استفصل المقرّ بالزنا: هل وجد منه مقدماته، أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة، استفصله: لعلّ به جنوناً، فيكون إقراره غير معتبر، أم هو عاقل؟ فلما وثق من عقله، استفصله بأن أمر باستنكاهه؛ ليعلم هل هو سكران، أم صاحٍ؟ فلما علم أنه صاحٍ، استفصله: هل أحصن، أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن، أقام عليه الحد (1).
والاستفصال موكول إلى اجتهاد الحاكم وذكائه: "فإذا ارتاب بالشهود، فرقهم، وسألهم كيف تحمّلوا الشهادة؟ وأين تحمّلوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه، أثم، أو جار في الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى، سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان؟ ونظر في الحال هل تقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله، والمدعى عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال" (2).
وحيث كان قلق الفكر مما يعوق عن استيفاء النظر في وسائل الحكم، نهى النبي - عليه الصلاة والسلام - عن القضاء في حال يضطرب معه الفكر، وألمَّ بهذا في حديث: "لا يقضي حكم بين اثنين وهو غضبان" (3).
وأما البينة، فقد وفّاها الكتاب والسنّة حقها، ولم يبخسها منه شيئاً،
__________
(1) "إعلام الموقعين" (ج 3 ص 426).
(2) "الطرق الحكمية" لابن قيم الجوزية (ص 24).
(3) "البخاري" (ج 9 ص 65).
(9/ 1/153)

تجدها في آية: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، وآية: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]. وهذا إرشاد إلى الاحتياط في حفظ الحق؛ لتكون الشهادة سنداً عند التناكر في مجلس القضاء. وتجدها في حديث: "ألك بيّنة؟ "، وحديث: "شاهداك، أو يمينه" وحديث:؛ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أَنكر".
وقد تفقه أهل العلم في معنى البيّنة كل على حسب اجتهاده، وفسرها ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (1) بأنها: اسم لكل ما يبين الحق؛ من شهود، أو دلالة، وقال: "إن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه، وشواهد به". ثم قال: "إن الطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقه بها (2) ".
وللحاكم النظر في قبول الشاهد وردّه، منحه هذا الحق قولُه تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. شهد عند إياس بن معاوية رجل من أصحاب الحسن، فرد شهادته، فبلغ الحسن، وقال: قوموا بنا إليه، فجاء إلى إياس، وقال: يا لكع! ترد شهادة رجل مسلم؟! فقال: نعم، قال الله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وليس هو ممن أرضى، فسكت الحسن وقال: خصم الشيخ" (3).
__________
(1) (ج 1 ص 105).
(2) (ج 1 ص 112).
(3) "أحكام القرآن" للجصاص (ج 1 ص 503).
(9/ 1/154)

ومما يتصل ببحث الاعتماد على البيّنة: أن القاضي لا يستند إلى ما يعلم في القضية، ومن شواهده حديث: "فأقضي له على نحو ما أسمع"، ولهذه الحكمة نصّ الفقهاء على أن القاضي الذي تقدم إليه بيّنة بخلاف ما يعلم من حال القضية، ولم يجد طريقاً واضحاً للقدح في شهادتها، تخلى عن الحكم فيها؛ كما يتخلى عن الحكم في قضية يكون هو نفسه أحد الخصمين مدعياً أو مدعى عليه، ويصبح بين يدي من يكلَّف للقضاء فيها كشاهد بما يعلم دون أن يكون لمنصبه القضائي في النازلة أثر كثير أو قليل.
وأما قوة العزم في الفصل والتنفيذ، فمن شواهدها حديث: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها"، وحديث: كان ليهودي على ابن أبي الحدرد أربعة دراهم، فاستعدى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد! إن لي على هذا أربعة دراهم، وقد غلبني عليها. فقال: "أعطه حقه"، فقال: والذي بعثك بالحق! ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه"، قال: والذي بعثك بالحق! ما أقدر عليها، قال: "أعطه حقه". وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال ثلاثاً، لم يراجع، فخرج ابن أبي الحدود، فباع بردة له، وقضاه حقه (1).
وأما إطلاق الحرية للخصوم، فشاهده حديث البخاري: أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه، فأغلظ له، فهمَّ به أصحابه، فقال: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالاً".
ولتجدن في الكتاب والسنّة بعد هذا: إرشاداً إلى سنن أخرى لا يستقيم حال القضاء إلا بها، فتجد التنبيه على أن القاضي لا يفصل في القضية حتى
__________
(1) رواه أحمد، والطبراني في "الصغير"، و"الأوسط". انظر: "نيل الأوطار" (ج 8 ص 530).
(9/ 1/155)

يسمع من الخصمين، في حديث: "لا تقض بين الخصمين حتى تسمع من الآخر" (1). ومن الفقهاء من حمل الحديث على إطلاقه، ومنهم من حمله على حالة إمكان حضور الخصمين، وأجاز الحكم على من كان في غيبة بعيدة.
وتجد: الدليل على اكتفاء الحاكم بترجمة واحد أمين، في حديث زيد بن ثابت إذ أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتعلم كتاب اليهود، قال: "حتى كتبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه" (2).
وتجد: الحبس للتهمة وارداً فيما "رواه أَبو داود، وأحمد، وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حَبس في تهمة"، فمن "أطلق كل متهم ... وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل، فقوله مخالف للسياسة الشرعية" (3).
وتجد: الإرشاد إلى ما ينبغي للحاكم من بيان موجبات الحكم -حيثياته-؛ ليطمئن نفس المحكوم عليه، ويسلّم تسليماً، تجده في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن قضاءه في نفسه حجة، ومع هذا كان يذكر علل بعض الأحكام القضائية؛ لطرد الشبهة، وإزاحة الحرج من قلب المقضي عليه؛ كحكمه على من عضَّ يد آخر بإهدار ثنيته لما سقطت بانتزاغ المعضوض يدَه من فيه، وقال للمحكوم عليه: "أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضمها الفحل" (4).
وتجد في حديث: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد" ما يرشد إلى أن الحكم الذي يظهر على خلاف الأصول القاطعة يتحتم نقضه، ثم
__________
(1) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، "فتح الباري" (ج 8 ص 48).
(2) "صحيح البخاري" (ج 9 ص 76).
(3) "الطرق الحكمية" (ص 14).
(4) "صحيح البخاري" (ج 9 ص 8).
(9/ 1/156)

يُستأنف النظر في القضية على طريق الاجتهاد الصحيح.
وتجد: الإرشاد إلى أن الحاكم لا يقبل الشفاعة في إسقاط الحدود بعد أن ترفع إليه. لأن قبول الشفاعة فيها يخفف الرهبة من سطوتها، ويفتح طريقاً لسهولة ارتكاب الفواحش والموبقات؛ حيث يعتمد المجرمون على شفاعة تنقذهم من عقوبتها، تجد هذا في قصة أسامة بن زيد حين تقدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شافعاً في امرأة مخزومية وقعت في سرقة، فقال له: "أتشفع في حد من حدود الله؟! " (1)، وخطب خطبته التي قال فيها: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
يقصد الشارع إلى تنقية القلوب من دنس التقاطع والبغضاء، وفصلُ الخصومات فريضة محكمة، وصولة يخرّ لها الباطل صعقاً، ولكنه لا ينزع الأضغان الواغرة في الصدور، فدخل في سنّة القضاء: دعوة الخصوم إلى الصلح، حتى إذا طابت نفوسهم لذلك، تبلج وجه الحق، وانقلبت العداوة إلى تآلف وصفاء، ومن الدليل على أن الإصلاح بين الخصوم من أدب القضاء: حديث كعب بن مالك، (2) وهو: "أنه تقاضى ابن حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سَجْف حجرته، فنادى: يا كعب! قال: لبيك يا رسول الله، فأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه" (3).
_________
(1) "صحيح البخاري" (ج 8 ص 163).
(2) كعب بن مالك بن عمرو (... - 50 ه = ... - 670 م) صحابي، ومن كبار الشعراء، ومن أهل المدينة، له 80 حديثاً.
(3) "صحيح البخاري" (ج 3 ص 187).
(9/ 1/157)

ولذلك يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "رددوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل القضاء يحدث يين القوم الضغائن" (1). والمراد من ترديد الخصوم: التمهل قليلاً حيث يرجى فصل الواقعة، وطي بساطها على يد صلح وسلام.
وتجد: الإرشاد إلى أن المرأة لا يليق بها أن تنتصب للقضاء بين الخصوم؛ لأن القضاء يستدعي في أغلب أوقاته عزماً وإقداماً وجلادة، وللمرأة لين في القلب، ورقة في المزاج، وإحجام عن المواقف الخطرة، تجد ذلك في حديث: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة". ونقل عن محمد بن جرير الطبري: "أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله -كما نقل عن أبي حنيفة- أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم، أو الاستنابة في القضية الواحدة" (2).
وكان في حديث معاذ، وأبي موسى الأشعري مستند لأهل العلم في وضع السلطة القضائية في يد شخصين أو أشخاص، قال القاضي أَبو بكر بن العييي في كتاب "العارضة": "إرسال معاذ إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري، واليمن قريتان أشركهما النبي فيهما، وأمرهما بأن ييسّرا ولا يعسّرا، ويبشّرا ولا ينفّرا، ويتطاوعا ولا يختلفا، فكان ذلك أصلاً في تولية أميرين وقاضيين مشتركين في الإمارة والأقضية، فإذا وقعت النازلة، نظرا فيها، فإن اتفقا على الحكم، وإلا تراجعا لقولٍ حتى يتفقا على الصواب، فإن اختلفا، رجع الأمر
__________
(1) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 128).
(2) "أحكام القرآن" للقاضي أبي بكر بن العربي.
(9/ 1/158)

إلى من فوقهما، فينظر فيه، وينفذان ما اتفقا عليه، ولولا اشتراكهما، لما قال: "تطاوعا ولا تختلفا".
واقتفى أثر هذا المنهج أمير تونس زيادة الله بن الأغلب (1)، فقلّد أسد ابن الفرات (2)، وأبا محرز محمد بن عبد الله الكناني القضاء على أن يكونا شريكين في فصل النوازل، ولم يعلم قبلهما بالبلاد التونسية قاضيان في مصر (3).
هذه أمثلة اقتبسناها من تعاليم الإسلام؛ ليطلع القارئ الكريم على أن مبادئه القضائية واقعة من العدل موقع الروح من الجسد، وأن القضاء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على سنّة مُحكمة، وإذا زعم منتمٍ للإسلام: أن نظماً يتطلبها العدل، أو يتوقف عليها حفظ الحق كانت مهملة في عهد النبوة، فإنه يقف له من التاريخ، ثم من مقام الرسالة مِدْرهٌ يطعن في زعمه، ويقيم الحجة على ريائه.

* المالية في عهد النبوة:
أموال الدولة بحكم الكتاب والسنّة: الصدقات، والجزية، والفيء، وخمس الغنيمة، وهي موارد بيت المال لعهد النبوة.
أما الصدقات، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل عليها عمالاً بأحكامها؛ "إذ
__________
(1) زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب (172 - 223 ه = 788 - 838 م) رابع الأغالبة أصحاب أفريقية. توفي بالقيروان.
(2) أسد بن الفرات بن سنان (142 - 213 ه = 759 - 828 م) من القادة الفاتحين، وقاضي القيروان. ولد بحرّان، وتوفي من جراح في حصار سرقوسة.
(3) "طبقات علماء أفريقية" لأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم (ص 84) طبع الجزائر.
(9/ 1/159)

لا يستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عالماً بما يستعمله عليه (1) "، ومن "المحال الباطل أن يستعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا علم له" (2). ولعلك تفقه بهذا: أن أخذها كان جارياً على حساب ونظام، ومما يعد في نظمها: ما فصلته الأحاديث من أحكامها؛ كبيان مقادير ما يؤخذ من كل صنف، وأن يأخذ من وسط المال، لا خياره، ولا رديه.
أما مصرفها، فالأصناف الثمانية المنصوص عليها في آية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
وإنما اختلف الفقهاء في وجه صرفها، فقال الإمام الشافعي: (3) لا بدَّ من قسمها على الأصناف الثمانية، وقال الإمامان مالك وأبو حنيفة: يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد، أو أكثر من صنف، إذا رأى المصلحة قاضية بذلك، وعلى كل حال، فإن مصرفها لا يخرج عن الأصناف الثمانية، وهو مضبوط إما بتلك الأصناف المعدودة، أو بما تقتضيه المصلحة منها.
وأما الجزية، وهي ما يؤخذ من المخالفين المقيمين تحت راية الإسلام، فالقرآن ذكرها بلفظ مجمل، فقال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]؛ أي: يأتون بها طائعين لحكم الإسلام، وقد اختلف
__________
(1) كتاب "الفصل" لابن حزم (ج 4 ص 139).
(2) "منه" (ج 4 ص 136).
(3) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع (150 - 204 ه = 767 - 820 م) أحد الأئمة الأربعة، وإليه نسبة الشافعية. ولد في غزة بفلسطين، وتوفي بالقاهرة.
(9/ 1/160)

الفقهاء في تقديرها، وكثير منهم يذهب إلى أن تقديرها مفوّض إلى نظر الإمام، قال أَبو الوليد ابن رشد (1) في "بداية المجتهد" (2): وهو الأظهر. ويؤيده: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وضع على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن، وعلل مجاهد هذا التفاوت بيسار أهل الشام (3).
وأما مصرفها، فإنها كسائر الفيء، وخمس الغنيمة، توضع في بيت المال، وتصرف إلى ذوي الحاجة، وفي وجوه المصالح العامة.
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يولّي على قبض المال عمالاً، وإذا قدموا به، حاسبهم على ما قبضوا، وما صرفوا، تجد هذا في حديث العامل الذي استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني سليم، وفي الحديث: "فلما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحاسبه" رواه الإمام البخاري في باب: محاسبة الإمام عمّاله، وقال الحافظ ابن حجر عند قوله: "وحاسبه": أي: على ما قبض وصرف (4).
فإذا كان المال المفروض على الأمة في عهد النبوة مقدراً، والعامل عليه عالماً، ومتى جاء به، يناقش الحساب على القبض والصرف، ثم يُنفق في وجوه المصالح بتدبير، فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن المالية لذلك العهد لم يكن لها نظام؟!.
فإن أراد المؤلف من النظام: أن يؤلف لها ديوان، قلنا: كان للنبي
__________
(1) محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (520 - 595 ه = 1126 - 1198 م) الفيلسوف. من أهل قرطبة، توفي بمراكش، ودفن بقرطبة.
(2) (ج 1 ص 326).
(3) "أحكام القرآن" للجصاص (ج 3 ص 98)، و"صحيح البخاري" (ج 4 ص 96).
(4) "فتح الباري" (ج 13 ص 151).
(9/ 1/161)

- عليه السلام - كتّاب معروفون، وهبهم لم يتقيدوا بمكان يختص بهم، ووقت يحدد لهم، فإن هذا وحده لا يسم المالية بوصمة الخلو من النظام. ورب تقييد يعد في بعض الأزمنة نظاماً، وهو في عصر آخر حيث لا تدعو إليه الحاجة عدمُ نظام.
وموجز القول: أن نظام المالية لعهد الرسالة موافق لما تقتضيه حال ذلك العهد، ولقد كان المال يقبض بحق، ويصرف على وجه لا يدخله خلل، ولا يحوم عليه شطط، قال ابن خلدون في "مقدمته": "واعلم أن هذه الوظيفة -يعني: ديوان الأعمال والجبايات- إنما تحدث في الدولة عند تمكن الغلب والاستيلاء، والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد، وأول من وضع الديوان عمر - رضي الله عنه -، يقال: لسبب مال أتى به أَبو هريرة - رضي الله عنه - من البحرين، فاستكثروه، وتعبوا في قسمه، فسعوا إلى إحصاء الأموال، وضبط العطاء والحقوق، فأشار خالد بن الوليد بالديوان، وقال: رأيت ملوك الشام يدوّنون".
فأنت ترى أن الحاجة إلى الديوان لم تعرض إلا في عهد الخليفة الثاني، وعندما حدثت الحاجة، وجد الخليفة من قاعدة رعاية المصالح ما يحثه على المبادرة إلى أن ينشئ الديوان، ويعين له من الكتّاب بمقدار ما تدعو إليه المصلحة. فإن كان المؤلف يذهب إلى أن المالية التي لم تتسع حتى تلجئ إلى إنشاء ديوان يحق له أن يصفها بعدم النظام، قلنا له: إن المقدار الذي تسمح به حالة الأمة لعهد النبوة كان يُستخلص بالقسطاط المستقيم، وينفق في سد الحاجات، وإعداد القوة ووسائل المنعة، وقد خاض رجال هذه المالية حروباً، فكانوا هم الغالبين، ولم يكونوا يوماً في حاجة إلى قرض داخلي أو خارجي، ولم يضعوا على رقاب الأمة ضرائب فادحة مثلما تصنع
(9/ 1/162)

الدول ذات الدواوين الطويلة العريضة، فنحن نسميها مالية تؤخذ وتصرف بنظام، وللمؤلف الذي أشلى قلمه ليلغ في عرض الحكومة النبوية أن يسميها بما شاء.

* لماذا لم يكن في عهد النبوة إدارة بوليس؟
للحكومة مقومات: قانون يخضع له الجمهور، ورجال يقومون على تنفيذ هذا القانون، وأموال تقبض وتصرف في المصالح المشتركة، وقوة من الرجال والسلاح لدفاع العدو وكبح الثورة، وما عد هذا من المشروعات والنظم، فإنما يأتي على حسب تطور الزمان، وما يعرض من الحاجات.
فإذا رأينا جماعة يمسكون بأيديهم قانوناً يحفظ الحقوق، ويوجد بينهم من ذوي الكفاية للقيام على تطبيق هذا القانون وتنفيذه عددٌ غير قليل، ويجبي إلى خزانتها العامة من الأموال ما يقوم بمرافق حياتها الاجتماعية، وتنهض لحمايتها أو حماية قانونها جنود تخوض مواقع الحروب بما استطاعت من قوة، صحّ لنا أن نقول: إن هذه الجماعة ذات حكومة، وربما كانت الحقوق فيها محفوظة، والأمن سائداً، وإن لم تكن بها إدارة بوليس، وكذلك كان حال جماعة المسلمين لعهد النبوة؛ بحيث لو وضعت في تلك المناطق الإسلامية دوائر بوليس، لم يصر الأمن فيها أمكن، ولا الحقوق أكثر صيانة، وإليك الحجّة والبيان:
كانت حالة الأمة لعهد النبوة بالغة من الاستقامة إلى حيث تجدها في غنى عن دائرة محافظة أو "بوليس".
وقد يقول الناشئ فى مدينة يجوس الشرطي خلالها، ويسيطر على كل شارع من شوارعها: كيف يحفظ النظام في جماعة لا يقوم على رؤوسها
(9/ 1/163)

رجال يلبسون في الشتاء سواداً، وفي الصيف بياضاً (1)، ويعد كلمتنا مثلاً من أساطير الأولين، أو شهادة خطرت في موقف الدفاع عن أحكام سيد المرسلين، كلا، إن هي إلا حقيقة تسعدها الأدلة البينة، والتاريخ من ورائها شهيد.
بقيت راية الإسلام مرفوعة على المدينة المنورة وما حولها نحو سبع سنين؛ إذ كان من المحتم على كل من يعتنق الإسلام من القبائل أن يهاجر إلى المدينة المنورة، ولا يقيم بين قوم لا يؤمنون، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72]. والحكمة من تلك الهجرة: أن يتقوى بهم جانب الدين، وليخلصوا من البيئة المتعفنة؛ فإنها تذهب بالغيرة على الحق، وتلبس الوجوه رقعة الصفاقة، وربما سرى وباؤها إلى النفوس الضعيفة، فزلزل عقائدها، وأطفأ نور إيمانها.
وفي السنة الثامنة من الهجرة فتحت مكة المكرمة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وقبائلَ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندئذٍ: "لا هجرة بعد الفتح". وولّى على جميع البلاد والقبائل أمراء، وبثّ فيهم معلمين للقرآن وأحكام الشريعة. وتوفي في السنة العاشرة للهجرة بعد أن فتحت مكة، وتجاوز حكم الإسلام المدينة المنورة إلى مكة والطائف واليمن وما داناها من البلاد.
إذاً ننظر إلى حال المدينة المنورة مدة عشر سنين، وإلى حال غيرها من البلاد المدة التي أصبحت تحت حكم الاسلام لعهد النبوة، وهي السنتان.
هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة، وهاجر لهجرته أصحابه الأكرمون،
__________
(1) من المعروف أن رجال الشرطة في مصر يرتدون اللباس الأسود شتاء، واللباس الأبيض صيفاً.
(9/ 1/164)

فانعقد بين المهاجرين والأنصار إخاء صادق، واتحاد متين، وكانت قلوبهم تفيض بتعاطف وتراحم بلغا حد الإيثار عن النفس، حتى قال الله تعالى في حق الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
إيمان راسخ، وأدب متين، هما أثر ما كانوا يشهدونه من دلائل النبوة، ويتلقونه من حكمة بالغة، وموعظة حسنة، وشأن الذين بلغوا في التعاطف إلى حد الإيثار على النفس أن تكون الحقوق بينهم محترمة، وشأن القوم الذين يبصرون نور النبوة صباحاً ومساءً، أن لا ترى لهم عيناً تطمح إلى هتك عرض، ولا يداً تمتد إلى الاعتداء على مال، ولا فماً ينطق بكلمة قذع أو فحشاء.
وكان الذين يتقلدون الإسلام ديناً، يضعون أيديهم في يد رسول الله - عليه السلام -، ويبايعونه "على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا في معروف" (1). وقال عبادة بن الصامت: "بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنّا، ولا نخاف في الله لومة لائم (2) ". ومن حديث جابر: "بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاشترط عليَّ النصحَ لكل مسلم" (3).
ومن عرف أن هذه المبايعة من قبيل تأكيد العهد، ودرى كيف كان
__________
(1) "صحيح البخاري" (ج 9 ص 80).
(2) "صحيح البخاري" (ج 9 ص 77).
(3) "منه".
(9/ 1/165)

العرب يحترمون ما يؤخذ عليهم من ميثاق، أدرك ما لها من أثر في اتقاء المحارم، والكفّ عن كثير من المخالفات التي لا يتحاماها بعض أسارى الشهوات إلا إذا كانوا بمرأى من شرطي لا يمالئ على باطل، ولا يلوث يده بارتشاء.
يُحتاج إلى الشرطي في قرية تفتح فيها حانات لتجرّع المسكرات، وبيوت يتجر فيها بنات الهوى بأعراضهن، ونواد يستباح بها لعب الميسر، ولكن المدينة المنورة، وكل بلاد فتحت لعهد النبوة، كانت طاهرة من حانات الخمور، نقية من بيوت الدعارة، سالمة من نوادي الميسر، خالصة من كل ما يثير العداوة والبغضاء.
وللإيمان الصادق زاجر لا يعصى، وسلطان لا يرشى، وهو الذي يجعل الرجل خصيماً للمنكر، حليفاً للحق، وكذلك كان الناس في عهد النبوة، فكل مسلم بمنزلة شرطي أمين، يحاسب نفسه، ويغير المنكر بيده أو لسانه، ويجيب إلى التقاضي بين يدي رسول الله، أو أحد خلفائه، ويقيم الشهادة بالقسط، ولو على أبيه أو زوجه أو بنيه.
كان في خلال الأمة المسلمة نفر من المنافقين، ولكنهم كانوا يصوغون مظاهرهم في أسلوب المؤمنين، ولمهارتهم في صناعة النفاق، قال الله تعالى يصفهم لنبيه الكريم - عليه السلام -: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101]. ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاعه كانوا يقيمون الحدود والزواجر بعزم تبيت له النفوس الكريمة مطمئنة، وترتعد له القلوب القاسية رهبة، ومتى علم المنافق أنه ملاحظ بأعين شُرَط لا يغيبون عن مشهد، وتيقن أنه مُساق إلى محكمة لا تأخذها في
(9/ 1/166)

الحق لومة لائم، انصرف عن أهوائه خشية، وانكف عن الشر رياء وتصنعاً.
فغلبة التقوى والتراحم بين الأمة، واعتقادُ كل واحد منها أنه مسؤول عما يشهد من إثم أو عدوان، واجراء الحدود والزواجر بعزم لا يعرف هوادة، كل ذلك مما امتاز به عهد النبوة، وجعل الناظر في التاريخ بقلب سليم يشعر بأن الناس لذلك العهد ليسوا في حاجة إلى أن يقوم على رؤوسهم رجال يقال لهم: الزبانية، أو البوليس.
وقد أوجسنا خيفة بعد هذا أن ينظر المؤلف إلى كل ما يتصل بالحكومات الغربية أو الشرقية من نظام أو إدارة، ويتخذ عدم وجوده في عهد النبوة حجة على أن ليس هناك حكومة ونظام، حتى خشينا أن يسوق على هذا الغرض آيات بينات، وهي أنه لم يكن في عهد النبوة مجالس مختلطة، ولا صندوق دين عمومي، ولا أقلام تشفي غليل الإباحية بما تأذن به من تعاطي ما يدنس الأعراض، أو يفتك بالألباب.
قال المؤلف في (ص 45): "ومما يستأنس به في الموضوع: أننا لاحظنا أن عامة المؤلفين من رواة الأخبار يعنون -في الغالب- إذا ترجموا لخليفة من الخلفاء، أو ملك من الملوك، بذكر عماله من ولاة وقواد وقضاة إلخ، ويفردون له بحثاً خاصاً، يدل على أنهم عرفوا تماماً قيمة ذلك البحث من الجهة العلمية، فصرفوا من الجهد فيه والعناية به ما يناسبه، ولكنهم في تاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - إن عالجوا ذلك البحث، رأيتهم يزجون الحديث فيه مبعثراً غير متسق، ويخوضون غمار ذلك البحث على نسق لا يماثل طريقتهم في بحث بقية العصور".
أنكر المؤلف أن يكون لعهد النبوة حكومة ذات نظام، واستأنس لهذا؛
(9/ 1/167)

بأن رواة الأخبار إذا ترجموا لملك أو خليفة، يفردون لولايته وقضاته بحثاً خاصاً، وإذا عالجوا مثل هذا البحث في تاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم -، زَجُّوا الحديث مبعثراً غير متسق، ولا ندري كيف يتم له هذا الاستئناس، وما يدعيه من أنهم يزجّون الحديث مبعثراً، فقصارى ما يؤخذ منه: أنهم لم يجيدوا صنع التأليف في السيرة النبوية؛ إذ لم ينسجوا على المنوال الذي نسج عليه المؤرخون في تراجم الخلفاء والملوك، فإن قصد إلى أن عدم تنسيقها على الوجه المذكور يدل على عدم صحتها، قلنا: هذه دلالة خفيت على المناطقة حين قسموا الدلالة إلى: مطابقة، وتضمن، والتزام.
المؤلفون في سنّة الرسول - عليه السلام - وأحواله: محدّثون، وأصحاب سير، ومؤرخون.
أما المحدّثون، فعنايتهم مصروفة إلى البحث عن أقوال الرسول - عليه السلام -، وأفعاله، وتقريره، وغايتهم الأولى: رواية الأحاديث التي يمكن أن يستمد منها أحكام شرعية، أو آداب نفسية، وهؤلاء إنما يذكرون اسم قائد، أو وال، أو قاض إذا جاء في رواية تتعلق بشيء من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أفعاله، أو تقريره.
وأما أصحاب السير، فإنهم يبحثون عن أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يوم ولادته إلى يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ويرتبون مؤلفاتهم ترتيباً طبيعياً، فيبتدئون بالحديث عن ولادته - عليه السلام -، ويتابعون البحث بمقدار ما وصل إليه علمهم، حتى أتوا على أيام قيامه بدعوة الرسالة، ثم هجرته إلى المدينة المنورة، ثم غزواته وسراياه، والوفود التي قدمت عليه، والرسل الذين وجههم إلى الملوك، ذلك كله مرتباً على حسب الأيام والسنين، ويذكرون
(9/ 1/168)

لكل سرية قائدها، وإذا تحدثوا عن قوم اعتنقوا الإسلام، ذكروا من أمّر عليهم، أو عيّن عاملاً لقبض صدقاتهم.
وجرى على طريقة أصحاب السير بعض المؤرخين؛ كابن جرير الطبري، وابن خلدون. وهل بعد أن يذكر رواة الأخبار عند كل سرية قائدها، حتى إنهم يضيفونها إليه، ويقولون: سرية فلان، يسوغ لأحد أن يدعي بأنهم يأتون بالكلام على القواد مبعثراً، ولذلك تجد منهم من يذكر الأمراء في نسق؛ كما صنع ابن خلدون في فصل عنوانه: "العمال على النواحي" (1).
وأما القضاة، فقد عرفت أن الإمارة لذلك العهد يدخل فيها القضاء، والنظر في غيره من شؤون البلاد.

* احتمال الأذى في سبيل الذود عن الحق:
عرف المؤلف أنه سيتناول في الباب الثاني وما بعده بحثاً لا يمشي فيه على سبيل، ولا يتشبث فيه بأصل، وعرف أنه سيلقي من الشبه خيالات لا تسحر إلا أعين المتستضعفين علماً وعقيدة، وتيقن بالطبيعة أن العلماء الذين درسوا الشريعة بحق، ووقفوا على مقاصدها خبرة، سينكرون عليه بدعته، وينذرون الناس لكي يتقوا فتنته. عرف هذا وذاك، فأخذ يستعمل السلاح الذي أعده للدفاع عن رأيه المحال، وهو رمي المنكرين بالجمود.
فقال في (ص 47): "وأما ثانياً، فلأن المغامرة في بحث هذا الموضوع قد تكون مثاراً لغارة يشبّ نارها أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ليس للعقل أن يحوم حولها، ولا للرأي أن يتناولها".
__________
(1) "بقية الجزء الثاني" (ص 59).
(9/ 1/169)

يريد المؤلف بهذه القذيفة إرهاب أهل العلم؛ ليحجموا عن نقض اَرائه حذراً من وصمة الجمود، وينوي مع هذا استدراج ضعفاء الأحلام إلى اعتناق مذهبه؛ إذ يريهم أنه مذهب الباحث بقريحة مرنة، ونظر مستقل. ألا إن أهل العلم لا يرهبون، وذوي الفطرة السليمة لا يفتنون، وإن سرّه أن يخبّ في أثره قوم لا يبصرون، فإن الفرق التي لا تتقلد الإسلام ديناً ليسوا بقليل.
إن في العالم الإسلامي علماء شبّوا على حرية الفكر، وإطلاق العقل من وثاق التقليد الأصم، فهم لا يكرهون لذوي الألباب أن يبحثوا حتى في أصل العقائدإ وجود الخالق"، وهم لا يستطيعون أن يحولوا بين المرء وما يعتقد من باطل، وليس في أيديهم سوى مقابلة الآراء بما تستحقه من تسليم أو تفنيد.
وهل يرجو المؤلف من أمثال هؤلاء أن تقع أبصارهم على كتاب ينطوي على آراء تضع مكان الإيمان حيرة، ومكان التقوى فسوقاً، ومكان إباية الضيم ذلة، ثم يمرون عليه مرور الجاهل بسوء عاقبتها؟ فلا وربّك لا يدَعون وباءها يتفشى في النفوس الزكية، والقلوب السليمة، وإن امتلأت الدنيا ألسنة تصفهم بالجمود، وتلقبهم بالحجارة، أو بما هو أشد قسوة.
...
(9/ 1/170)

البَابُ الثَّاني
الرسالة والحكم
* ملخصه:
افتتح الباب بتهوين البحث في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان ملكا أم لا، وأخذ يستدرج القارئ إلى رأيه الصريح من بعد، ويخيل له أن الاعتقاد بأحد الطرفين- كونه رسولاً وملكاً، أو ملكاً فقط - ليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذهب المسلمين، ثم ذكر أن الرسالة غير الملك، وأن من الرسل من لم يكن ملكاً، وقال بعد هذا في صورة سائل: هل كان محمد - صلى الله عليه وسلم - ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟ وادعى أنه لا يعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في هذا البحث، واستنتج أن المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ملكاً ورسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية. ثم قال: ولعله رأي جمهور العلماء، وساق عليه كلام ابن خلدون، وما نقله رفاعة بك من كتاب "تخريج الدلالات السمعية عن الوظائف والعمالات التي كانت قائمة في عهد النبوة".
ثم أخذ يمر بالقارئ على شعاب من التشكيك، فذكر أن في الحكومة النبوية بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكم السياسية، وتعرض لمسألة الجهاد، ورأى أن من الظاهر لأول وهلة أن الجهاد إنما يكون لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك. وعلّل هذا بأن دعوة الدين لا قوام لها إلا البيان، وتحريك
(9/ 1/171)

القلوب بوسائل التأثير والإقناع. وضرب مثلاً آخر لمظاهر الدولة، وهو جمع المال من مثل: الزكاة، والجزية، والغنائم، وقال: لا شك أن تدبير المال عمل ملكي، وأنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وعزّز مسألتي الجهاد وجمع المال بثالث، وهو ما روي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجّه إمارة اليمن، وفرّقها بين رجاله، وقال: من نظر إلى ذلك من هذه الجهة، ساغ له القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رسول الله تعالى، وكان ملكاً سياسياً. وتخلص من هنا إلى أن تأسيسه - صلى الله عليه وسلم - للمملكة الإسلامية خارج عن حدود رسالته، أم جزء مما بعثه الله به وأوحى به إليه؟.
وزعم أن القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن الرسالة، وأنها من قبيل العمل الدنيوي الذي لا علاقة له بها، ليس بكفر، ولا إلحاد، وصرح بأن الرأي الذي تتلقاه نفوس المسلمين بالقبول، هو أن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة، وقال: إن هذا الرأي لا يمكن تعقله إلا إذا ثبت أن الرسول مبلِّغ ومنفذ معاً، وبعد أن نقل كلام ابن خلدون المتضمن: أن الإسلام يجمع بين الدعوة والتنفيذ، ادعى أنه لم ير لهذا القول دعامة، وأنه لا يلتئم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية.
وخرج من هذا إلى مشكل آخر -فيما يزعم-, وهو: خلو الدولة السياسية النبوية من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم، ثم افترض جواباً، بل عذراً يقدمه إليه القائلون بأن من مقاصد الإسلام إقامة دولة، وهو أن للحكومة النبوية نظاماً بالغاً، وإحكاما سابغاً، ولكننا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية. ورده: بأن احتمال الجهل ببعض الحقائق لا يمنعه من الوثوق بما علم، واعتباره حقائق يبني عليها الأحكام، ويستخلص منها النتائج. ثم
(9/ 1/172)

التمس لعلماء الإسلام جواباً آخر، وهو أن ما نسميه اليوم: أركان الحكومة، وأنظمة الدولة، إنما هي أوضاع مصنوعة، والحكومة النبوية حكومة الفطرة التي ترفض كل تكلف، ورده: بأن كثيراً مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفاً ولا مصنوعاً، وهو مع ذلك ضروري ونافع، ثم أغلق الباب بوعد أنه سيلتمس وجهاً آخر لحل ذلك الإشكال، وهو ما عرج عليه في الباب الثالث.

* النقض:
رفع المؤلف الحرج على الباحث في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان ملكاً أم لا؟ ونفى أن يكون هذا البحث ذا خطر في الدين يخشى شره على إيمان الباحث، وأفتى بأنه لا يمس شيئاً من جوهر الدين، ولا أركان الإسلام.
ثم قال في (ص 49): "وربما كان ذلك البحث جديداً في الإسلام، لم يتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح، ولم يستقر للعلماء فيه رأي واضح، وإذا، فليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذاهب المسلمين، أن يذهب الباحث إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً وملكاً، وليس بدعاً ولا شذوذاً أن يخالف في ذلك مخالف، فذلك بحث خارج عن دائرة العقائد الدينية التي تعارف العلماء بحثها، واستقر لهم فيها مذهب، وهو أدخل في باب البحث العلمي منه في باب الدين".
لو كان المؤلف يبحث بحكمة وإخلاص، لافتتح البحث ببيان ماذا يريد من الملك؟ وأخذ يفتح عين القارى" فيما تقتضيه الأدلة من ثبوت حقيقته في تصرف النبي - عليه السلام - أو عدم ثبوتها، ولكنه علم أن دخوله في الموضوع من طريق الصراحة يرفع الستار عن طويته، فيأخذ المسلمون منه حذرهم،
(9/ 1/173)

ويسهل على أهل العلم تحديد آرائه وطعنها بالحجّة في نحورها، لذلك اختار لفظ: ملك، وهو اسم لم يألف المسلمون إطلاقه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليمكنه أن ينفي تحت اسمه ما شاء من حقائق شرعية، دون أن يحس السذج بما يقصده من إنكار مزايا الإسلام، وهدم كثير من أصوله.

ونحن لا نتقدم إلى الخوض في هذا البحث، إلا بعد رسم حقيقة الملك؛ حتى يمتاز المعنى الذي يلتئم بالرسالة من المعنى الذي لا يليق بمقامها الرفيع.
* الملك:
المُلْكُ رياسة يتصرف بها صاحبها في أمور الجمهور أمراً ونهياً وتنفيذاً، فإن كان التصرف قائماً على سنن العدل، ومقتضى المصلحة، كان الملك مقاماً محموداً، ومرتقى شريفاً، وهذا هو الذي يهبه الله لعباده المصطفين؛ كما قال الله تعالى مخبراً عن نبيه سليمان - عليه السلام -: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35]. وقال تعالى مخبراً عن يوسف الصديق - عليه السلام -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101].
وإن كان التصرف جارياً مع الأهواء، جامحاً عن سنن الهوى، كان الملك مظهراً ممقوتاً، ومهبط خسر وشقاء، وهذا الصنف من الملك هو الذي يتنزه عنه أنبياء الله، ولا يصح أن يجتمع مع الرسالة بحال.
وإذا كان المراد من الملك: سياسة الرعية، وتدبير شؤونها، كانت السياسة نوعين: عادلة، وجائرة؛ فكان السياسة العادلة هي التي يجيء بها الرسل - عليهم السلام -، وهي التي يعنيها المسلم إذا قال: إن الرسول كان
(9/ 1/174)

ماسكاً بزمام السياسة، وإنما تحامى الناس أن يطلقوا على رسل الله لقب ملك؛ لأن لقب الرسول أرفع اسماً، وأدل على العدل من لقب ملك الذي ينادي به كل سائس، وإن كان مستبداً مترفاً.
ونحن نجاري المؤلف في هذا الصدد، ولا نريد من اسم الملك -متى وصفنا به مقام الرسالة- إلا الرياسة السياسية التي يحاولها بالرغم من حجج تصيح به أنّى التفت، وهو متصامم عنها تصامم المفتون بأحدث "ما أنتجت العقول البشرية".

* الرسول - عليه السلام - ذو رياسة سياسية:
يقول المؤلف: "إن البحث في أن الرسول - عليه السلام - كان ملكاً، أم لا؟ بحث جديد في الإسلام". وهذا لا يصح إلا إذا عنى بالبحث: نفي أن يكون للرسول - عليه السلام - رياسة سياسية؛ فإن البحث في ذلك على وجه الإنكار بحث مختلق في الإسلام، وأما كون الرسول ذا رياسة سياسية، فأمر تقرر بالكتاب والسنّة المتواترة، وتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح، واستقر للعلماء فيه رأي واضح.
أما الكتاب، فمن آياته الكثيرة في هذا المعنى: قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وأما السنّة، فمن شواهدها: أقضيته - صلى الله عليه وسلم -، وإقامته الحدود على مثل: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وإرساله الأمراء في طول البلاد المفتوحة وعرضها.
وأما اعتقاد العلماء قاطبة بأنه - عليه السلام - كان رسولاً نبياً، ومشرّعاً سياسياً، فدليله: إجماعهم على الاستدلال بأقضيته وأحكامه وسائر تصرفاته
(9/ 1/175)

العائدة إلى شؤون الدولة، إلا ما كان منوطاً بعلّة، فزالت، وخلفتها فيه علة أخرى، على ما سنبينه في غير هذا المقام بياناً شافياً.
فاستخفاف المؤلف بذهاب الباحث إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن رسولاً ملكاً، وقوله: إن ذلك ليس بدعاً في الدين، ولا شذوذاً عن مذاهب المسلمين، ما هو إلا افتيات على الإسلام، ومن ذهب إلى أن الرسول لم يكن مدبراً لشؤون السياسة، فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره، وشاقق الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين.

* بحث في (أعطوا ما لقيصر لقيصر):
ذكر المؤلف أن الرسالة غير الملك.
ثم قال في (ص 49): "ولقد كان عيسى بن مريم - عليه السلام - رسول الدعوة المسيحية، وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر، ويؤمن بسلطانه، وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" وكان يوسف بن يعقوب - عليه السلام - عاملاً من العمال في دولة الريان بن الوليد، فرعونِ موسى، ومن بعده كان عاملاً لقابوس ابن مصعب".
أتى المؤلف بهذه المقدمة ليضع في ذهن القارئ تمثيل رسول الإسلام بعيسى ويوسف - عليهما السلام - في أن كلاً منهم لم يكن صاحب دولة، ولا رئيساً أعلى في السياسة. والذي يبطل هذا التمثيل: أن رسول الإسلام لم يدعُ إلى الإذعان لقيصر، ولا كان عاملاً للمقوقس (1) صاحب مصر، بل
__________
(1) أطلق العرب اسم المقوقس على حاكم مصر البيزنطي لما فتح عمرو بن العاص - رضي الله عنه - مصر.
(9/ 1/176)

دعاهما إلى الإيمان به، والدخول تحت سلطانه، وقد شاء ربك أن يكون انقراض دولتهما، ودخولُ مملكتهما تحت راية الإسلام على يد أحد خلفائه الراشدين.
لم يرض محمد بن عبد الله - عليه السلام - أن يقيم تحت سلطان غير سلطان الله، ولم يرض لمعتنقي دينه الحنيف أن يستكينوا لسلطة غير إسلامية، وفرضُ الهجرة والجهاد على ما نقول شهيد. وما ينبغي للمؤلف أن يحشر في غضون كتابه مثل هذه الكلمة التي تقضي حاجة في نفس المخالف المتغلب، وتبقي في النفوس أثر الاستكانة إلى أي يد تقبض على زمامها.
ولقد قلنا فيما سلف: إن هذه المقالة التي يعزوها إلى المسيح - عليه السلام - لا تجد في المناظرة أذناً صاغية؛ إذ لم نعلم السند الذي ينتهي بها إلى المسيح - عليه السلام -، علاوة على أن الإسلام شرع الهجرة والجهاد، وأبى لأتباعه إلا أن يلوذوا بالمنعة والعزّة التي ليس بعدها مرتقى.
قال المؤلف في (ص 50): "فهل كان محمد - صلى الله عليه وسلم - ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولاً غير ملك؟ لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه بحسب ما أتيح لنا، ولكنا قد نستطيع بطريق الاستنتاج أن نقول: إن المسلم العامي يجنح غالباً إلى اعتقاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ملكاً رسولاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسة مدنية كان هو ملكها وسيدها".
إن كانت لكتاب المؤلف مزية، فهي أنه يعلّم الناس كيف يتنكرون لما عرفوا، وكيف يتخذون من الصفاقة برقعاً كثيفاً، رأى أهلَ العلم يتحامون
(9/ 1/177)

أن يلقبوا الرسول - عليه السلام - بالملك، أو يسمّوا رياسته ملكاً، فاتخذ ذلك ذريعة لما يخادع به قراء كتابه من أن المسألة صالحة لأن تدخل تحت طائلة البحث، وأنه ما وجد فيها للعلماء رأياً صريحاً، ولا وجد من تعرض للكلام فيها.
لم يخطر على بال أولئك العلماء أن الأيام سيجيئها المخاض، فتضع في بيوت المسلمين وليداً يقال له: "كتاب الإسلام وأصول الحكم" حتى يُعِدّوا له ما استطاعوا من التصريح بأن الرسول - عليه السلام - كان ملكاً، وأن بجانب نبوته سياسة يقال لها: ملك.
ولا أدري لماذا لم تخطر على بالهم هذه النادرة، وهم كثيراً ما يفصلون أحكاماً لصور لم تجر العادة بوقوعها، ولعلهم لم يذهلوا عن مثلها، ولكنهم حسبوا أن القرآن والسنّة النبوية المتواترة، وبحثهم في الخلافة صريحة في أن للنبي رياسة سياسية، وأن هذه الصراحة تمنع من ينتمي للإسلام -وهو يحمل قلباً يفقه- أن يقول: لا نعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه.
على أن العلماء يتعرضون لهذه الرياسة السياسية في بحث الخلافة، وفي غير بحث الخلافة، ولم يفتهم إلا أن يسمّوها: ملكاً، واختاروا أن يسموها: القضاء والإمامة؛ كما صنع الإمام شهاب الدين القرافي في: الفرق السادس والثلاثين (1). بين قاعدة تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة.
__________
(1) كتاب "الفروق" (ج 1 ص 249) طبع تونس.
(9/ 1/178)

ومن حذقِ المؤلف في الخلابة (1) أن جعل كون النبي - عليه السلام - ذا رياسة سياسية، مما يعتقده المسلم العامي، قال هذا، وهو إنما يقصد تنفير قارئ كتابه من أن يكون بمنزلة العامة حيث يشاركهم في هذه العقيدة.
قال المؤلف في (ص 50): "ولعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين، فإنك تراهم إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية، ودولة أسسها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلام ابن خلدون ينحو ذلك المنحى؛ فقد جعل الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا شاملةً للملك، والملك مندرج تحتها".
يزعم المؤلف: أن العلماء لم يصرحوا بدخول الرياسة السياسية في وظيفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو رأي العامة من المسلمين، وبعد أن فرغ من طريقته الشعرية، قال -كأنه لا يزال في تردد من كونه رأي أهل العلم -: ولعله أيضاً هو رأي جمهور أهل العلم ... إلخ.
يؤكّد لك أن المؤلف اتخذ من اسم "ملك" نافقاء (2) يخرج منها إلى حيث يشاء: أنه قرأ ما يقوله العلماء في الخلافة من أنها نيابة عن الرسول - عليه السلام - في إقامة الدين وسياسة الدنيا، ولم يأخذ نفسه إلى الاعتراف بأن هذا صريح فيما يعتقدونه لمقام الرسالة من الرياسة السياسية، ونأى بجانبه عن هذا كله؛ حيث لم ينطقوا بكلمة: مُلْك، أو مَلِك، وإنما تعرض
__________
(1) الخلابة: الخديعة برقيق الحديث. وفي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة".
(2) النافقاء: إحدى حجرة اليربوع، يكتمها، ويظهر غيرها، وهو أصل النفاق.
(9/ 1/179)

لكلام ابن خلدون على وجه خاص؛ لأنه ذكر اسم ملك، وقال؛ إن الملك مندرج في الخلافة.
قال المؤلف في (ص 52): "ولا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة، وآثار السلطنة. وأول ما يخطر بالبال مثالاً من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -: مسألة الجهاد".
ليس المؤلف بالغبي لحد أن تظهر عنه هذه الكلمات دون أن ينتبه لما تنطوي عليه من مغامز، ولعله عدل عن التعبير الذي يألفه ذوق المسلم إلى هذا الأسلوب الغريب؛ ليكون في لحنه خطاب لقوم آخرين، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض، تناولوه بشرح تشمئز منه قلوب "الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة".
استكثر المؤلف على الحكومة النبوية أن يكون لها ولو بعض مظاهر الحكومة السياسية، ولم يسمح قلمه الهمّاز إلا أن يجعل لها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية. وساق الجهاد مثلاً لهذا البعض الشبيه بمظاهر السياسة، واختار هذه الصيغة: "ظهرت أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - مسألة الجهاد"، كأنه يتجنب الكلمة التي يشتم منها رائحة التشريع؛ محافظة على ذلك "المجال المشتبه الحائر"، وليبعد بذهن القارئ عن الاعتقاد بأن الجهاد تنزيل من حكيم حميد.

* الجهاد النبوي:
قال المؤلف في (ص 52): "وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون
(9/ 1/180)

الجهاد لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك".
قام النبي - عليه الصلاة والسلام - بمكة يجاهد في سبيل ربه بالحجّة والموعظة الحسنة، ولاقى هو وأصحابه من أذية المشركين ما لا يحتمله إلا ذو عزم نافذ كفلق الصبح، وكانت الآيات تنزل لتسليتهم، ومطاردة ما عساه يعلق بنفوسهم من جزع أو أسى.
وبعد أن امتحن الله قلويهم للتقوى، وتألّف حول مقام النبوة حزب لا يخنع للبأساء، ولا تستخفه السرّاء، طلعت بهم الهجرة الخالصة بين لابتي المدينة المنورة، وأصبحوا بين أقوام ينالونهم بالأذى، وآخرين يناصبونهم العداء، ومن هؤلاء من يتربص بهم الدائرة، ومنهم من يجمع أمره ليأخذهم على غرّة، ولكن الله سلَّم، إنه عليم بذات الصدور.
هذا البلاء الذي كان يسطو حول الجماعة المسلمة، أو يتحفز للوثوب عليها، كان حكمة تناسب الإذن للرسول - عليه الصلاة والسلام - بسلّ السيف في وجه عدوه الكاشح؛ ليدفع شره، ولتسير دعوة الحق في سبيل لا تعترضها عقبات المفسدين.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبه الدمُ
لذلك نزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} {البقرة: 190]، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {البقرة: 216].
فنهض النبي - صلى الله عليه وسلم - يجاهد في سبيل حماية الدعوة كل خائن كفّار، وكان
(9/ 1/181)

مع هذا العمل المطهِّر لوجه الأرض من نجس الشرك والعادات القاتلة للفضيلة، يعقد المعاهدات والمخالفات بينه ويين الأقوام المخالفين؛ حيث جنحوا إلى السلم، وأخذوا على أنفسهم أن لا يظاهروا عليه عدواً، وكان يفي بشرطهم، ويحترم عهدهم حتى تبدو منهم الخيانة، ويمدوا أيديهم إلى مساعدة أعدائه المحاريين. قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]، وقال: {إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4].

* الجزية:
وما برح - صلى الله عليه وسلم - يقاتل محاربيه على مقتضى العدل والحزم إلى السنة الثامنة أو التاسعة من الهجرة (1)، فشرعت وقتئذٍ الجزية، ونزلت آية: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، فكان - عليه الصلاة والسلام - يقبل من أهل الكتاب الجزية، ويقرّهم في أمن على نفوسهم وأموالهم، وحرية من إقامة شعائر دينهم، وقبل الجزية من المجوس أيضاً، وقال: "سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب" (2).
ومن أهل العلم من وقف في قبول الجزية عند حد ما ورد في الكتاب والسنّة، ومنهم من ذهب إلى أنها تقبل من كل مخالف، أياً كانت نحلته.
قال القاضي أَبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي": "قال ابن القاسم
__________
(1) اختلف في مشروعية الجزية، فقيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة تسع "فتح الباري" (ج 6 ص 161).
(2) "الموطأ".
(9/ 1/182)

- صاحب الإمام مالك-: إذا رضيت الأمم كلهم بالجزية، قبلت منهم".
وقال ابن حجر في "الفتح" (1): "وقال مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام".

* المخالفون أنواع ثلاثة:
وصار المخالفون بعد تقرير الجزية إلى أنواع ثلاثة: أهل عهد، وأهل ذمة، ومحاربين.
ومن تتبع سير الجهاد النبوي ينتزع منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحمل المحاربين من مشركي العرب على الإسلام، أو السيف؛ إذ كان الفساد الذي ينشأ عن الوثنية والمزاعم المتفرقة عنها وباء يفتك بالعقول والأخلاق، ويفتح على الإنسانية ينبوع شر ليس له من آخر، وكان -مع هذا- ينهى عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء، ويطلق سراح الأسرى، إما منّاً، وإما فداء. وبعد أن استقر الأمر على حكم قبول الجزية، أصبح الجهاد النبوي بعيداً عما يشبه أن يكون من مظاهر الإكراه في الدين، كما أنه لا يخطر على بال مسلم أن الجهاد النبوي إنما يكون لتثبيت السلطان وتوسيع الملك.

* سر الجهاد في الإسلام:
إذاً ما هي الغاية من الجهاد؟
الإسلام عقيدة وشريعة ونظام اجتماعي، فهو بالنظر إلى أصول العقائد التي هي باب الإيمان به إنما يدعى إليه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ لا يمكن لبشر أن يُدخل في قلب بشر عقيدة إلا أن يقرنها بما يثبتها في النفس
__________
(1) (ج 6 ص 161).
(9/ 1/183)

من برهان أو إقناع.
وأما الشرائع والنظم الاجتماعية، فإن التجربة في القديم والحديث دلت على أنها لا تقوم في أمة، ولا يطّرد نفاذها، إلا أن تكون شدة البأس بجانبها، والسيوف من ورائها، فلا بد للإسلام من دولة ذات شوكة؛ لتقوم على إجراء هذه الشرائع والنظم، وتحول بينها وبين قوم لا يبصرون.
ثم إن ظهور الحق بمظهر العزة والمنعة مما يجذب إليه النفوس، ويحبب إليها التقرب منه، وربما انقلبت إلى تأييده بعد أن كانت من خصومه الألداء، فلا بد أيضاً من بسط ظلّ الإسلام وإعلاء رايته على دائرة واسعة من البسيطة، حتى لا تكون فتنة، وحتى يدرك المخالفون الذين يقيمون تحت سلطانه أنه دين التوحيد الخالص، والشريعة القيمة، والآداب السامية، فيعتنقونه عن عقيدة صادقة، ونفس راضية، وكذلك كان أثر الجهاد في البلاد التي انقلبت إسلامية في عقائدها وآدابها وسائر شؤونها الاجتماعية.

* خطأ المؤلف في الاستدلال بآيات على أن الجهاد خارج عن وظيفة الرسالة:
قال المؤلف في (ص 53): "وما عرفنا في تاريخ الرسل رجلاً حمل الناس على الإيمان بالله بحد السيف، ولا غزا قوماً في سبيل الإقناع بدينه، وذلك هو نفس المبدأ الذي يقرره النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يبلغ من كتاب الله. قال الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، وقال: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22]، وقال: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ
(9/ 1/184)

تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]. {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. تلك مبادئ صريحة في أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - كرسالة إخوانه من قبل إنما تعتمد على الإقناع والوعظ".
من الجلي الواضح: أن الرسول لا يغزو قوماً في سبيل الإقناع بدينه؛ فإن للحجَّة عملاً لا يقوم به السيف، كما أن للسيف عملاً لا تنهض به الحجّة، فالحجّة تلج بالعقيدة إلى أعماق القلوب، وهذا عمل لا تنهض به السيوف وإن كانت مشرفية، ولا الرماح وإن كانت سمهرية، والسيف يحمل الناس على الشرائع واحترام النظم الاجتماعية، وهو عمل قد تذهب الحجّة دونه ضائعة، وإن لبست بردة الفصاحة من منطق سَحبان، أو قلم الفتح بن خاقان.
فالجهاد لا يقصد به نقل القلوب من الضلال إلى الهدى، وإشرابها الإيمان في الحال، وعدمُ إمكان هذا المعنى لا يمنع من أن يراد من الجهاد النبوي قبل شرع الجزية: كفُّ أذى القبائل المشركة العاثية في الأرض فساداً، وإلباسها ثوب الإسلام -ولو في الظاهر- لتدخل في نظام وشريعة، ويرجى منها بعد مشاهدة أنوار النبوة مرة بعد أخرى أن تدرك الحق حقاً، فينقلب جهلها علماً، ونفاقها إيماناً، وتستنير صدورها كما صلحت ظواهرها.
والجهاد لهذا القصد يلتئم مع قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، فإن الجهاد الذي يساق به الوثنيون إلى الإسلام يقصد به: إصلاح ظواهرهم، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، يقصد به: إخراج القلوب من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان.
(9/ 1/185)

وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] إنما يفهم منه: إنكار أن يكون في استطاعة البشر إدخال الإيمان في القلوب بوسائل القسر والإكراه.
وقوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20]، وقوله: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22] هما من الآيات التي كانت تنزل قبل مشروعية الجهاد؛ لتسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - حين يشتد به الحزن من إعراض المشركين عن سبيل الهدى، وتكاد نفسه الشريفة تذهب عليهم حسرات.
وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256} تتمشى مع شرع الجهاد أيضاً؛ إذ يجوز أن يكون المراد من الآية نفي أن يكون، في الدين إكراه من الله وقسر، بل مبنى الأمر على التمكين والاختيار، ولولا ذلك، لما حصل الابتلاء، ولبطل الامتحان، وإلى ذلك ذهب القفّال" (1). وإذا نظرنا إلى أن الآية نزلت بعد تقرير حكم الجزية، كان معنى الآية: "إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام" (2).
فرسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - تعتمد على الحجة والإقناع والموعظة، وكانت تتخذ الجهاد دفعاً لأذى المشركين، وعوناً على بث الدعوة إلى رب العالمين.

* من مقاصد الإسلام: أن تكون لأهله دولة:
قال المؤلف في (ص 53): "وإذا كان - صلى الله عليه وسلم - قد لجأ إلى القوة والرهبة،
__________
(1) "روح المعاني" (ج 1 ص 469).
(2) "تفسير ابن جرير الطبري" (ج 3 ص 12).
(9/ 1/186)

فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا أن نفهم إلا أنه يكون في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الإسلامية، ولا تقوم حكومة إلا على السيف، وبحكم القهر والغلبة، فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه".
من مقاصد الإسلام الأساسية: أن تكون لأهله دولة ليس لمخالف عليها من سبيل، ولم يكن المقتضى لإقامة هذه الدولة ما يخطر على طلاب الملك من التباهي بالرياسة، والتمتع بملاذ هذه الحياة، وإنما يقصد الإسلام من تأسيس الدولة الإسلامية أمرين:
أحدهما: إجراء أحكامه العادلة، ونظمِه الكافلة بسعادة الحياة؛ إذ لا يقوم عليها بحق إلا من آمن بحكمتها، وأشرب قلبه الغيرة على تنفيذها.
ثانيهما: الاحتفاظ بكرامة أوليائه، وإعزاز جانبهم؛ حتى لا يعيشوا تحت سلطة مخالف يدوس حقوقهم، ويرفع أبناء قومه أو ملته عليهم درجات.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أقام الحكومة الإسلامية لهذين المقصدين اللذين يتجليان في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، وقوله: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8].
ولقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - حكومة رفعها المسلمون على رؤوسهم، وتلقوا تشريعها وتنفيذها بقلوبهم، والقوة والرهبة إنما كان يعدّها لمن يبدؤونه بالقتال، أو يبيتون المكيدة لأخذه على غرّة، أو يقفون في سبيل دعوته، ولم يجاهد في سبيل الملك قط، وإنما كان يجاهد لإذن الله في سبيل الله.
وقول المؤلف: "فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه" إنما هو
(9/ 1/187)

النافقاء يبنيها اليربوع، (1) حتى إذا حوصر من باب، خرج من آخر، وذهب بسلام، ولا ندري ماذا يريد بقوله: "عندهم"، والظاهر أنه لم يرد بذلك علماء الإسلام، فإنه قال في صدر الباب: إنه لا يعرف لأحد من العلماء رأياً صريحاً في بحث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ملكاً أم لا. ولو قالوا: إن الجهاد النبوي كان في سبيل الملك، لكان هذا القول صريحاً في ذهابهم إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ملكاً.
على أننا لا نعلم، ولا يمكن أن نعلم أن أحداً من علماء الإسلام يذهب إلى أن الجهاد النبوي كان في سبيل الملك، وكيف تصدق أن يذهب أحد إلى هذا السفساف، وأنت لا تتلو قرآناً أو حديثاً في الجهاد إلا وجدته يُصرح وُيرشد إلى أن يكون "في سبيل الله".
ثم أتى المؤلف بمثل آخر من أمثلة الشؤون الملكية، وهو ما كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من العمل المتعلق بالشؤون المالية من حيث جمع المال، وتوزيعه بين مصارفه.
ثم قال في (ص 54): "ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات الحكومات. على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب".
الذي يعرفه رجال العلم: أن تحديد وظيفة الرسول يرجع إلى إرادة المرسل، فهو الذي يحد له العمل الذي يقوم به، ويبلغه عنه، ومعرفة أن هذا العمل داخل في وظيفة الرسول، إنما تتلقى من الأدلة السمعية التي
__________
(1) اليربوع: حيوان صغير على هيئة الجرذ الصغير، وله ذنب صغير ينتهي بخصلة من الشعر، وهو قصير اليدين، طويل الرجلين.
(9/ 1/188)

يصدق بها المؤمنون برسالته.
إذاً، كل عمل يقوم الدليل على أن الرسول - عليه السلام - فعله عن وحي، فهو داخل في وظيفته. ولا ريب في أن التدبير المالي الذي ذكره المؤلف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم به بأوامر إلهية؛ مثل قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، وقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...} [التوبة: 60]. وهل -بعد هذا- ينشرح صدر مسلم لأن يقول: إن تدبير النبي - عليه السلام - لأموال الزكاة والجزية وخمس الغنيمة بعيد عن عمل الرسل من حيث إنهم رسل؟!.
قال المؤلف في (ص 55): "إذا ترجح عند بعض الناظرين اعتبار تلك الأمثلة، واطمأن إلى الحكم بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً وملكاً، فسوف يعترضه بحث آخر جدير بالتفكير. فهل كان تأسيسه - صلى الله عليه وسلم - للمملكة الإسلامية، وتصرفه في ذلك الجانب شيئاً خارجاً عن حدود رسالته - صلى الله عليه وسلم -، أم كان جزءاً مما بعثه الله له، وأوحى به إليه؟!.
نفث المؤلف كلمة الارتياب في أن للنبي - عليه الصلاة والسلام - رياسة سياسية، وأفتى بأن إنكار ذلك لا يمس جوهر الدين، فصادمته أعمال من السيرة النبوية لا تصدر إلا ممن قبض على زمام السياسة، فأخذ يقلل من شأنها، ويسميها: "بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة".
ثم خشي أن لا يجد الارتياب إلى قلوب بعض القارئين منفذاً، فيخرجوا بضمائر طاهرة، فسولت له نفسه أن يهمس في آذان الذين اطمأنوا إلى الحكم بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً ملكاً، ويفتنهم من ناحية أخرى، وهي: أن تأسيس النبي - صلى الله عليه وسلم - للمملكة الإسلامية، وتصرفه في ذلك الجانب، هل كان خارجاً
(9/ 1/189)

عن حدود الرسالة، أو كان جزءاً مما أوحي به إليه؟
قال المؤلف في (ص 55): "فأما أن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، فذلك رأي لا نعرف في مذاهب المسلمين ما يشكله، ولا نذكر في كلامهم ما يدل عليه، وهو على ذلك رأي صالح لأن يذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفراً ولا إلحاداً".
كان المؤلف يرجو أن يجد في مذاهب المسلمين القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، ولكنه لم يعرف ما يشاكل ذلك، ولا يذكر في كلامهم ما يدل عليه، وأراد أن يجعل لهذا الرأي المنشق عن الآراء الإسلامية مكاناً في النظر، فشهد له بالصلاح لأن يكون مذهباً، وأذن للإيمان بأن يلتقي معه في نفس واحدة.
سبق للمؤلف آنفاً أن ذكر في الشؤون الملكية: الجهاد، والزكاة، والجزية، والغنائم، وساق الكلام فيها على أسلوب يخيل إلى القارئ أنها لم تجئ عن طريق الوحي، وإذ صرف قلمه عن آيات الجهاد، وآيات الزكاة والغنائم، بدا له أن المجال فسيح، وطفق يشهد للآراء المطوية على الكيد للإسلام باللياقة لأن تكون مذهباً.
تصرُّف النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل الجهاد والزكاة والجزية والغنائم يستند إلى صريح القرآن، فلا مفر لمنكره من الوقوع في حمأ الإلحاد. ولا أراني في حاجة إلى نقل شيء من نصوص الراسخين في علم الشريعة وفتواهم؛ بأن من أنكر حقيقة معلومة من الدين بالضرورة، فقد انقلب على عقبه مدبراً عن الإسلام، ولا يحق له بعد ذلك الإنكار أن يتأثّم من المسلمين إذا طرحوه من حساب أولياء دينهم الحنيف.
(9/ 1/190)

* تفنيد قول المؤلف: الاعتقاد بأن الملك الذي شيده النبي - عليه السلام - لا علاقة له بالرسالة، ولا تأباه قواعد الإسلام:
قال المؤلف في (ص 55): "لا يهولنك أن تسمع للنبي - صلى الله عليه وسلم - عملاً كهذا خارجا عن وظيفة الرسالة، وأن ملكه الذي شيده من قبيل العمل الدنيوي الذي لا علاقة له بالرسالة، فذلك قول إن أنكرته الأذن , لأن التشدق به غير مألوف في لغة المسلمين، فقواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع، وتاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لا يصادم رأياً كهذا، ولا يستفظعه، بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسنداً، ولكنه -على كل حال- رأي نراه بعيداً".
قد عرفت -فيما سلف-: أن المؤلف يعني بالداخل في حدود الرسالة: ما تقرر بوحي، وبالخارج عنها: ما لم يكن كذلك. ومما هو صريح في هذا المعنى: قوله فيما نقلناه آنفاً: "وتصرفه في ذلك الجانب شيئاً خارجاً عن حدود رسالته، أم كان جزءاً مما بعثه الله به، وأوحى به إليه".
وبعد أن يريد بالخارج عن وظيفة الرسالة: ما لم يكن مستنداً إلى وحي، ويذكر من شؤون الملك: الجهاد والزكاة والجزية والغنائم، يقول: إن الاعتقاد بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن وظيفة الرسالة، ليس بكفر ولا إلحاد، وأن معنى الرسالة وروح التشريع وتاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لا يصادمه، ولا يستفظعه، وتطاول بعد هذا إلى دعوى أنه يوجد ما يصلح له دعامة وسنداً.
لا يهول المسلم أن يسمع من مخالف أن عملاً كالجهاد والتصرف في شؤون الزكاة والجزية والغنيمة، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتولاه من نفسه دون أن يهبط عليه وحي بذلك؛ فإن المخالف لا يصدق بالقرآن، ولا يطمئن لإجماع،
(9/ 1/191)

وإنما يهول المسلم أن يسمع رجلاً نبت في بيت إسلامي، وشبّ في معهد ديني، وهو يتشدق بهذا الرأي، رافعاً به عقيرته، شأن من لم يطرق أذنه أمثال قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41]، وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41]، وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
وإذا كانت الشؤون الحربية والمالية والقضائية مما جاء به صريح القرآن، فأيّ شبهة تبقى بيد من يزعم من أن قواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع، وتاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا تصادم القول بأن تأسيس المملكة خارج عن وظيفة الرسالة؟
ولا ندري ما هذا الأمر الذي يصلح أن يكون دعامة وسنداً لرأي لو علق طلاؤه بأذهان المسلمين، لنبذوا شطر كتاب ربهم، وسنّة رسولهم، وكانوا من القوم الذين خسروا أنفسهم وهم لا يشعرون!.
وقول المؤلف: "ولكنه -على كل حال- رأي نراه بعيداً" إنما هو النافقاء يبنيها عقب آراء يثيرها في وجه الحقيقة، ويقنع من أثرها بالتشكيك، ولو جاءت هذه الكلمة كما تجيء الكلمات التي تقتضيها طبيعة البحث، لنبه على وجه بُعده؛ كما أجمع أمرَه على تقريبه وتأييده.

* التنفيذ جزء من الرسالة:
تعرض المؤلف للقول بأن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة، متمم لها، وداخل فيها، وقال: ذلك الرأي الذي تتلقاه نفوس المسلمين
(9/ 1/192)

فيما يظهر بالرضا.
ثم قال في (ص 56): "ومن البين أن ذلك الرأي لا يمكن تعقله، إلا إذا ثبت أن من عمل الرسالة أن يقوم الرسول -بعد تبليغ الدعوة- بتنفيذها على وجه عملي؛ أي: أن الرسول يكون مبلّغاً ومنفذاً. غير أن الذين بحثوا في معنى الرسالة، ووقفنا على مباحثهم، أغفلوا دائماً أن يعتبروا التنفيذ جزءاً من حقيقة الرسالة، إلا ابن خلدون، فقد جاء في كلامه ما يشير إلى أن الإسلام دون غيره من الملل الأخرى قد اختص بأنه جمع بين الدعوة الدينية، وتنفيذها بالفعل".
يدع المؤلف دلائل الشريعة، ونصوص العلماء القائمة على أن التنفيذ جزء من وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي قلمه في مهابِّ الشبه تخفق به من أمام إلى وراء، ومن اليمين إلى الشمال، يريد أن يتخذ من بحث أهل العلم في معنى الرسالة دليلاً على أن التنفيذ غير داخل في وظيفة سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام -، وقد حام على غير هدى، وتشبث بأوهى من عهد دولة استعمارية!
إن الذين يبحثون عن الحقائق العامة، إنما يشرحونها بالمعنى الذي تشترك فيه جميع أفرادها، وليس عليهم أن يتعرضوا لما يتصل بها من مقتضيات، أو ينضم إلى بعض أفرادها من مميزات، فإذا قالوا: "الرسول إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام" (1)، فإنما أرادوا تحديد المعنى الذي يتحقق به مفهوم الرسالة، وهذا لا يمنع أن يكون في الرسل - عليهم السلام - من أوحي إليه بتنفيذ ما أمر بتبليغه، فيكون التنفيذ داخلاً في وظيفته،
__________
(1) "تعريفات السيد الجرجاني" (ص 9).
(9/ 1/193)

وكذلك كان التنفيذ للأحكام الشرعية داخلاً في وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وملقى عليه عبئه الثقيل من طريق الوحي، فيصح أن يكون مميزاً من مميزات رسالته، وإن لم يكن جزءاً من المعنى الذي يحدون به الحقيقة العامة للرسالة.
بعد أن حكى المؤلف ما كتبه ابن خلدون في الفصل الذي تكلم فيه عن اسم البابا، والبطرك، والكوهن.
قال في (ص 57): "فهو -كما ترى- يقول: إن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي، وإن السلطة الدينية اجتمعت فيه والسلطة السياسية، دون سائر الأديان". ثم قال: "لا نرى لذلك القول دعامة، ولا نجد له سنداً، وهو على ذلك ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية كما عرفت".
ادّعى المؤلف أنه لا يرى للقول بأن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي دعامة، ولا يجد له سنداً، وعزّز هذه الدعوى بكلمة لا يحتمل تبعتها المنطقية، إلا من شعر بأنه في بيئة تلذّ صرير الأقلام المحاربة لدين الحق، وأن دمرت منطق أرسطو، وطمست معالم الحكمة، وهي زعمه: أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة، ولا يلتئم مع ما تقتضيه طبيعة الدعوة الدينية.
يقول المؤلف: لا نرى لذلك القول دعامة، وهذه كتب السنّة مملوءة بالأحاديث الصريحة في أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يأمر بالقاتل فيقتص منه، وبالسارق فتقطع يده، وبالزاني فيجلد أو يرجم، وبشارب الخمر فيضرب بالجريد أو النعال، وفي"صحيح البخاري": أنه قام - عليه السلام - فخطب، فقال: "يا أيها الناس! إنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف، تركوه، وإذا سرق الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن
(9/ 1/194)

فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها"
زعم المؤلف أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع مقتضى طبيعة الدعوة، وهذا الزعم ينافي الواقع، ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة البحث المنطقي.
أما منافاته للواقع، فإن الله تعالى أمر رسوله بإبلاغ الناس قوله تعالى: {وَءَاتَوُاْ اَلزَّكوةَ} [التوبة: 11]، وقال له: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، وأما عدم ملاءمته لمقتضى البحث المنطقي، فإن التنافي يرادف التناقض، والمعنى: أن القول بأن الإسلام تبليغي وتطبيقي يقتضي نفي معنى الرسالة، ومعنى الرسالة يقتضي نفيه، وهذا الحكم غير صحيح؛ إذ لا يصح إلا إذا كان في معنى التبليغ والتنفيذ ما يجعلهما متنافيين، والمعقول أنهما ليسا بمتنافيين، ولا أن الجمع بينهما يعود بخلل عليهما، أو على أحدهما، وهل من عقل يشعر بتناقض في قولك لشخص: بلغ بني تميم أن يتعلموا المنطق حتماً، ومن رأيته يخرج في كلامه عن قانون المنطق، فقوّمه بالتي هي أحكم، حتى تحمله على طريقة التفكير الصحيح.

* وجه قيام التشريع على أصول عامة:
قال المؤلف في (ص 57): "إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أسس دولة سياسية، أو شرع في تأسيسها، فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟ ولماذا ولماذا؟! نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام، أو اضطراب،
(9/ 1/195)

أو نقص، أو ما شئت فسمّه، في بناء الحكومة أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كان ذلك؟ وما سرّه؟ ".
ألقى المؤلف هذا الشبه، وهو يحسبها قذائف تهدم حصون الدولة الإسلامية، ولا إخالها تنشب بذهن مسلم وقف على شيء من حكمة التشريع، ووزن أقدار الصحابة - رضي الله عنهم - كل بالقسطاس المستقيم، وإن شئت جواباً قريب المأخذ، وجيزَ القول، فإليك الجواب:
عنيت الشريعة -في الأكثر- بتفصيل ما لا تختلف فيه مصالح الأمم، ولا يتغير حكمه بتغير الزمان والمكان، وذلك ما يرجع إلى العقائد والأخلاق ورسوم العبادات، ثم جاءت إلى قسم المعاملات والسياسات، فأتت على شيء قليل من تفاصيله، وطوت سائره في أصول عامة لحكم ثلاث:
إحداها: أن أحكام هذا القسم تختلف بحسب ما يقتضيه حال الزمان وتطور الشعوب، فإذا وقعت الواقعة، أو عرضت الحاجة، نظر العالم في منشئها، وما يترتب عليها من أثر، واستنبط لها حكماً بقدر ما تسعه مقاصد الشريعة ومبادئها العليا.
ثانيتها: أن وقائع المعاملات والسياسات تتجدد في كل حين، والنص على كل جزئية غير متيسر، علاوة على أن تدوينها يستدير أسفاراً لا فائدة للناس في كلفة حملها.
ثالثتها: أن الشريعة لا تريد أسر العقول وحرمانها من التمتع بلذة النظر والتسابق في مجال الاجتهاد.
فإذا كانت الأحكام والنظم تُفصل على ما يقتضيه حال الشعوب، وكانت وقائع المعاملات والسياسات لا تنقضي، وكان شارع الإسلام يراعي حق
(9/ 1/196)

العقل، ولا يريد حصره في دائرة ضيقة، فهل من العقل أو من الصواب أن يقول قائل: لماذا لم يتحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رعيته في نظام الملك، وفي قواعد الشورى؟
إن هذا السؤال لا يصدر من سليم الطوية، إلا إذا فاته أن يدنو من روح التشريع، ولم يكن من أصول الدين على بينة، فإن الشريعة ترشد إلى المصالح، وتأمر بالقيام بها، ثم تترك وسائل إقامتها على الوجه المطلوب إلى اجتهادات العقول.
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقاً غير مقيد، ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص، فهو راجع إلى معنى معقول وُكِل إلى نظر المكلف، وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى ... وكل دليل ثبت فيه مقيداً غير مطلق، وجعل له قانون وضابط، فهو راجع إلى معنى تعبدي، لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وُكِل إلى نظره؛ إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها، فضلاً عن كيفياتها".
ولنضرب المثل لهذه السنّة الشرعية بقاعدة الشورى نفسها: فالإسلام أرشد إلى الشورى بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وقصد إلى إقامتها على وجه ينفي الاستبداد، ويجعل الحكام لا يقطعون أمراً حتى تتناوله آراء أهل الحل والعقد، وأبقى النظر في وسائل استطلاع الآراء إلى اجتهاد أولي الأمر، وإلى ألمعيتهم، فهم الذين يدبرون النظم التي يرونها أقرب وأكمل، فيستطلعون الآراء باقتراع سري أو علني، بالكتابة أو برفع الأيدي أو بالقيام، ولهم النظر في تعيين من يستفاد من آرائهم وكيفية انتخابهم.
(9/ 1/197)

فالشريعة تحدثت عن نظام السياسة، وفي قواعد الشورى، ولكن بلسان أوتي جوامع الكلم، وخطاب يفهمه الذين يحملون في صدورهم قلوباً باصرة، وسرائر خالصة.

* مكانة الصحابة في العلم والفهم:
يقول المؤلف: لماذا لم نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟
جواب هذا السؤال: هو ما كنا بصدد بيانه؛ من أن الشريعة يهمها أن يقوم القضاء على القانون العادل، ورعاية الحقوق، وقد سنت القوانين العادلة، وأرشدت إلى بعض النظم القضائية بتفصيل، ولوّحت بسائرها إلى اجتهاد القاضي وذكائه، فيتبع ما يلائم طبيعة الحال ومقتضى المصلحة. وقد كان قضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العلم والكفاية لهذا المنصب بالمكانة العليا، ولم يكن الصحابة - رضي الله عنه - كل بمنزلة الأميين الذي يعيشون في دائرة محدودة من التعقل، بل كانوا يتفقهون في مقتضيات الاجتماع، ويغوصون على فهم السنن الكونية، ويعرفون كيف ينتزعون الأحكام من مآخذها، يشهد بهذا كله التاريخ الصحيح، وآثارهم في قلب العالم من هيئة متخاذلة بالية، إلى هيئةٍ نظر إليها أساتذة السياسة بإعجاب، وخرّ لها عشاق العدالة سجداً.
إن المسلم الذي يصدّق بما بين دفتي كتاب الله يجد في آياته: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤون الكتاب بألستنهم، وأفئدتُهم هواء، وإنما كانوا يتدبرونه بفطر سليمة، وينظرون ماذا في السموات وما في الأرض ببصائر نيّرة، وما يتشابه عليهم من أمر يعرضونه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكشف ما غُمّ عنهم، ويهديهم إلى
(9/ 1/198)

الذي هو أصلح وأبقى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (1): "وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء أرسل إليه، سأله عنه، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته يعلم خلفاءه ما جهلوا، ويقوّمهم إذا زاغوا، ويعزلهم إذا لم يستقيموا".
نشأت تلك العقول في أحضان الشرع الإسلامي، وارتضعت أفاويق الحكمة من ثدي النبوة، فكان لها شأن لا يعرف عظمته إلا ذو عقل رشيد.
كان الأمراء والقضاة لعهد النبوة من هذا الفريق السليم الفطرة، الواسع النظر، القائم على أصول الشريعة، المستضيء بنور التقوى. ومتى تحققت هذه المزايا في حاكم، باتت الحقائق في أمن، وجرت الأمور على نظام، وما زاد على ذلك، فإما أن يكون ضرورياً ونافعاً في حال دون حال، وإما أن يكون من قبيل "ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ترضاه فطرة صحيحة".

* الشريعة محفوظة:
قال المصنف في (ص 58): "قد يقول قائل يريد أن يؤيد ذلك المذهب بنوع من التأييد على طريقة أخرى: إنه لا شيء يمنعنا من أن نعتقد أن نظام الدولة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متيناً محكماً، وكان مشتملاً على جميع أوجه الكمال التي تلزم لدولة يدبرها رسول من الله يؤيده الوحي، وتؤازره ملائكة الله، غير أننا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية، ودقائق ما كانت عليه الحكومة النبوية من نظام بالغ، وإحكام سابغ؛ لأن الرواة قد تركوا نقل ذلك إلينا، أو نقلوه، ولكن غاب علمه عنا، أو لسبب آخر".
__________
(1) (ج 4 ص 93).
(9/ 1/199)

هذا الجواب باطل؛ فإن الشريعة كاملة بكلياتها وجزئياتها، ولا يصح أن يضيع شيء من حقائقها: قرآناً أو سنة.
قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات" (1): "إن هذه الشريعة معصومة، كما أن صاحبها - صلى الله عليه وسلم - معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة، ويتبين ذلك بوجهين:
أحدهما: الأدلة على ذلك تصريحاً وتلويحاً؛ كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقولى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] فأخبر أنه يحفظ آياته، ويحكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يداخلها التغيير ولا التبديل، والسنّة وإن لم تذكر، فإنها مبينة له، ودائرة حوله، فهي منه، وإليه ترجع في معانيها ...
والثاني: الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن، وذلك أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- وفَّر دواعي الأمة للذبِّ عن الشريعة والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفضيل، أما القرآن الكريم، فقد قيض الله له حفظة؛ بحيث لو زيد فيه حرف واحد، لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلاً عن القراء الأكابر ... ثم قيض الحق -سبحانه وتعالى- رجالاً يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة، حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ، وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان عن فلان، حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك جعل الله العظيمُ لبيان السنّة عن البدعة ناساً من عبيده، بحثوا عن أغراض
__________
(1) (ج 2 ص 34).
(9/ 1/200)

الشريعة كتاباً وسنّة، وعمّا كان عليه السلف الصالحون، وداوم عليه الصحابة والتابعون، وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز أتباع الحق عن أتباع الهوى".
هذا أحد نصوص علماء الإسلام المتعاقدة على أن الشريعة محفوظة، لم يترك الرواة شيئاً من أصولها، ولم يغب عن الباحثين بحق علمُها.

* معنى كون الدين سهلاً بسيطاً:
ثم بدا للمؤلف أن يلتمس جواباً آخر عن "ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام، أو اضطراب، أو نقص، أو ما شئت فسمّه"، فأملى عليه خياله أن أنظمة الدولة التي هي إصلاحات عارضة، وأوضاع مصنوعة لا تلائم بساطة الدين وبعده عن التكلف. وبعد أن أسهب في هذا المعنى، وحشر فيما يزيد على صحيفتين كلاماً متشابهاً وغير متشابه، وصفه بعدم الوجاهة والصحة.
وقال في (ص 62): "حق أن كثيراً من أنظمة الحكومة الحديثة أوضاع وتكلفات، وأن فيها ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ترضاه فطرة صحيحة، ولكن من الأكيد الذي لا يقبل شكاً أيضاً: أن في كثير مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفاً ولا مصنوعاً، ولا هو مما ينافي الذوق الفطري البسيط، وهو مع ذلك ضروري ونافع، ولا ينبغي لحكومة ذات مدنية وعمران أن تهمل الأخذ به. وهل من سلامة الفطرة وبساطة الطبع -مثلاً- أن لا يكون لدولة من الدول ميزانية تقيد إيرادها ومصروفاتها، أو أن لا يكون لها دواوين تضبط مختلف شؤونها الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك -وإنه لكثير-، مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة، ولا أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنه ليكون
(9/ 1/201)

تعسفاً غير مقبول أن يعلل ذلك الذي يبدو من نقص المظاهر الحكومية زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأن منشأه سلامة الفطرة، ومجانبة التكلف".
لم يجئ في الشريعة تكليف بما لا يطيقه الإنسان قطعاً، ولا بما يطيقه وفيه مشقة فادحة؛ بحيث يتبرم منه ذو الفطرة السليمة، وينقطع دون المواظبة إعياء وكللاً. وأما ما فيه مشقة، عُهد من الناس احتمال أمثالها؛ بحيث يصبح بالاعتياد عليه كالأعمال التي تنساق إليها النفوس بطبيعتها، فهذا ما لا تتحاماه الشريعة، بل تأمر بما فيه مثل هذه المشقة، لا قصداً للإعنات، بل نظراً إلى ما يترتب على العمل من مصلحة في هذه الحياة، أو في تلك الحياة.
فسهولة الدين من حيث إنه وضع تكاليف يسهل على الناس القيام بها متى خففوا من طغيان الأهواء، وتدبروا في حكمة هذه التكاليف وحسن عاقبتها. وبهذا يتضح جلياً أن سهولة الدين تلتئم مع الحقائق العائدة إلى أصول الحكم، اْو نظم السياسة.
وأما بساطته، فمن جهة أنه خرج للناس في صورة موجزة جامعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "بعثت بجوامع الكلم" (1)، ومعناه: أن شريعته جاءت بأقوال ذات ألفاظ وجيزة، ومعان واسعة، فِلوَجازتها يسهل حفظها، ولسعة معانيها كانت الحقوق والآداب ماثلة في تعاليمها، مأخوذة من جميع أطرافها.
ولهذه البساطة كان النبوغ في علوم الشريعة، والبلوغ فيها إلى مكانة الاجتهاد والإفتاء ليس بالأمر الذي يحتاج إلى زمن طويل، متى كان أسلوب
__________
(1) "صحيح البخاري".
(9/ 1/202)

تعليمها وتلقيها بنظام. ولا أضرب المثل بالعصر الأول يوم كانت وسائل العلم بها من لغة ونحو وبيان مطوية في ألسنة القوم فطرة، بل أضرب المثل بالعصور التي أصبحت فيها هذه الوسائل علوماً تدرس كما يدرس التفسير والحديث، والعقائد.
بلغ حجّة الإسلام الغزالي في العلم مكاناً عالياً، وصار من الأعلام المشار إليهم بالبنان في عهد أستاذه إمام الحرمين، وعمره يوم توفي إمام الحرمين نحو ثمان وعشرين سنة.
وتلقى القاضي أبو بكر بن العربي مبادئ العلوم بالأندلس، ثم رحل إلى المشرق، وقد أدرك السابعة عشرة من عمره، فدخل مصر والحجاز والشام والعراق، ثم انصرف بعد ثمانية أعوام وهو بحر في علوم الشريعة، إمام في فنون اللغة العربية، حتى قالوا: إنه قدم الأندلس بعلم غزير لم يدخل أحد قبله بمثله.
ولا أطيل في ضرب الأمثلة من أنباء الرجال الذين دخلوا في زمرة العلماء الراسخين، وامتلأت الحقائب من نفائس تحريراتهم، وهم لا يزالون في عهد شبيبتهم، فإن الغرض بيان معنى بساطة الدين، وكون أصوله تحمل أحكاماً وآداباً لا يحيط بها حساب.
والبساطة بهذا المعنى من مزايا الإسلام، ودلائل نبوة المبعوث به، ولكن المؤلف يقلب الحقائق، أو تنقلب في نظره الحقائق، فلم يقدر هذه البساطة حق قدرها، ونزع إلى إنكار أن يكون الإسلام شريعة وسياسة، بدعوى أنه أهمل ما ينبغي للحكومات من أركان وأنظمة. وقد كان بعض الغربيين من غير المسلمين أصفى خاطراً، وأقربَ إلى الإنصاف منه؛ حيث شهدوا للإسلام
(9/ 1/203)

بهذه المزية؛ كما قال (أرغوهارت) في كتاب "روح الشرق" (1):
"إن الإسلام منح الناس قانوناً فطرياً بسيطاً، غير أنه قابل لأعظم الترقيات الموافقة لرقي المدنية المادية. إنه منح الحكومة دستوراً يلائم الحقوق والواجبات البشرية أشد الملاءمة، فقد حدد الضرائب، وساوى بين الخلق في نظر القانون، وقدس مبادئ الحكم الذاتي، وأوجد الرقابة على الحاكم؛ بأن جعل الهيئة التنفيذية منقادة للقانون المقتبس من الدين والواجبات الأخلاقية.
إن حسن كل واحد من هذه المبادئ التي يكفي كل واحد منها لتخليد ذكرى واضعه، قد ضاعف في أهمية مجموعها، وأصبح للنظام المكون منها قوة ونشاط تفوق أي نظام سياسي آخر.
إن هذا النظام، مع أنه وضع في أيدي قوم أميين، استطاع أن ينتشر في ممالك أكثر مما فتحته روما، في عهد لا يتجاوز عمر الفرد، ولقد استمر منتصراً لا يمكن إيقافه، مدة محافظته على شكله الفطري".
هذا ما يقوله غير المسلم، وذلك ما يقوله القاضي الشرعي (2)، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب ...
يقول المؤلف: "إلى غير ذلك مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة، ولا أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إن القارئ ليبتسم لهذه الجملة عجباً، بل يتمزق لها قلبه أسفاً؛ فإن
__________
(1) (ج 1 ص 38). وهو منقول في كتاب"روح الاسلام" لأمير علي (ص 277).
(2) إشارة إلى علي عبد الرازق باعتباره كان قاضياً شرعياً.
(9/ 1/204)

هذه المقالة إن صح أن تخرج من فم عالم، فإنما تصدر من حافظ حجة خاض في علم السنّة، وعرف الصحيح والضعيف والموضوع، ونقد الأسانيد بقانون علمي مستقيم، ولكن المؤلف لم يزل في طبقة من ينقلون الأحاديث من "الكامل" للمبرد (1)، وأصحاب هذه الطبقة لا يدخلون في حساب علماء الشريعة، وإن وضعوا على رؤوسهم عمائم، وجلسوا مجلس الفتوى أو الحكم بين الناس.
* * *
__________
(1) انظر كتابه: (سطر 13 ص 60).
(9/ 1/205)

البابُ الثَّالثُ
رسالة لا حكم, ودين لا دولة (في زعم المؤلف)
* ملخصه:
خاطب قارئ كتابه يذكره بتلك العقبات التي أقامها في وجه من يعتقدون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً، ومؤسساً لدولة سياسية، ويوحي إليه بأن هؤلاء القوم كلما حاولوا أن يقوموا من عثرة، لقيتهم عثرات، وزعم أنه لم يبق إلا مذهب واحد خالٍ من المشاكل، وهو القول بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما كان إلا رسولاً، وأنه لم يكن له مُلْك ولا حكومة، ولكن الرسالة لذاتها تستلزم للرسول نوعاً من الزعامة.
وبعد أن أطال الحديث عن هذه الزعامة وما لها من السلطان، قال: ولاية الرسول على قوله ولاية روحية، وولاية الحاكم ولاية مادية. وذهب إلى أن الإسلام إنما هو وحدة دينية، وأن من أراد أن يسمّي تلك الوحدة الدينية ملكاً، أو خلافة، فهو في حل من أن يفعل. وزعم أن ظواهر القرآن تؤيد القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له شأن في الملك السياسي، وساق على هذا بعض آيات تخيل أنها تسعده فيما يدّعي، وقال: إن هذه الآيات صريحة في أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكن من عمله شيء غير إبلاع الرسالة إلى الناس، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه، وادّعى أن الأمر في السنّة أصرح، والحجة فيها أقطع، واستشهد بحديثين
(9/ 1/206)

من "السيرة النبوية" لزيني دحلان، وتخلص من هنا إلى أن أخذ العالم بدين واحد معقول، وأما أخذه بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية، فيوشك أن يكون خارجاً عن طبيعة البشرية.
وزعم أن السياسة من الأغراض الدنيوية التي خلّى الله بينها وبين عقولنا، والتي أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له فيها تدبير. واستخلص من البحث: أن القرآن والسنّة، وحكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها، كل ذلك من اعتقاد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية.

* النقض:
قال المؤلف في (ص 64): "رأيت إذن أن هنالك عقبات لا يسهل أن يتخطاها الذين يريدون أن يذهب بهم الرأي إلى اعتقاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع إلى صفة الرسالة أنه كان ملكاً سياسياً، ومؤسساً لدولة سياسية. رأيت أنهم كلما حاولوا أن يقوموا من عثرة، لقيتهم عثرات، وكلما أرادوا الخلاص من ذلك المشكل، عاد ذلك المشكل عليهم جذعاً".
يعتقد المسلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رسولاً نبياً، ومؤسس دولة سياسية، وساروا على هذه العقيدة ألفاً وثلاث مئة سنة، فلم يجدوا في طريقهم مشكلاً تتعثر فيه أفهامهم، أو قتامَ شبهةٍ يثور في أذهانهم، فضلاً عن عقبات تقوم في وجوههم.
ولكن المؤلف بين خطتين: إما أن يكون تلقى الدين بصورة جامدة، ولم يدرك أنه يرشد إلى الحقائق والمصالح، ويدع كثيراً من وسائلها إلى اجتهادات العقول، وما يقتضيه حال الشعوب، وإما أن يكون عرف الحقيقة، وأثار حولها هذه الضجة؛ ليكتم صوتها؛ حتى لا يسمع الناس إلا
(9/ 1/207)

نغمة الإباحية الفاسقة.
قال المؤلف في (ص 64): "لم يبق أمامك -بعد الذي سبق- إلا مذهب واحد، وعسى أن تجده منهجاً واضحاً، لا تخشى فيه عثرات، ولا تلقى عقبات، ولا تضلّ بك شعابه، ولا يغمرك ترابه، مأمون الغوائل، خالياً من المشكل. ذلك هو القول بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وأنه لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - ملك ولا حكومة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها. ما كان إلا رسولاً كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكاً، ولا مؤسس دولة، ولا داعياً إلى ملك.
الرأي الذي يقصده المؤلف -حسبما تصرح به ألفاظه وما يسوق عليه من الشبه- هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلّغ فقط، ولم يكن من وظيفته تنفيذ ما أوحي إليه بتبليغه، وأنه لم يأتِ بشريعة لها مساس بالقضاء وسياسة الدولة. وهو رأي لم ينسج على أصل شرعي، ولم يقم على بحث علمي، ولكن الافتتان بزخرف الحياة الإفرنجية يخامر العقل، فإذا الخيال ينقّر بالقلم ما شاء أن ينقر، ويقلب صور الحقائق إلى ما لا يخطر على قلب أفاك أثيم.

* المؤلف يُدخل في الإسلام ما يتبرأ منه التوحيد الخالص:
قال المؤلف في (ص 67): (قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثل ما يتناول الملوك، ولكن للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها، من وظيفته: أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد؛ وينزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور. له، بل عليه أن يشق عن قلوب أتباعه ليصل إلى مجامع الحب والضغينة، ومنابت الحسنة والسيئة، ومجاري الخواطر ومكامن
(9/ 1/208)

الوساوس ومنابع النيات، ومستودع الأخلاق، وله عمل ظاهر في سياسة العامة، وله أيضاً عمل خفي في تدبير الصلة التي تجمع بين الشريك والشريك، والحليف والحليف، إلخ".
علم المؤلف أن الرأي الذي حام عليه في الأبواب الماضية، وشمّر عن ساقه ليخوض مستنقعه في هذا الباب، رأي لا يتلقاه قراء كتاب الله إلا بالرفض، ولا يعدّون صاحبه إلا في زمرة من يتخذون آيات الله هزؤاً، فكان من دهائه، ولطف سحره: أن أطلق قلمه في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والثناء عليه من جهةٍ يرى أن الإطناب فيها لا يمس برأيه، وبمثل هذا الرياء يمكنه اقتناص بعض المستضعفين من الأطفال والبله، ولعله لم يمد حبالته إلا قانعاً بمن يقع فيها من أمثال هذه الطائفة، أما الذين ينظرون بنور الحكمة، فإنهم يزنون الكتاب بروحه المطلة من خلال سطوره.
وإنك لتجد في هذه الجمل من الغلو في الوصف، ما لم يذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه، وإنما علق بقلم المؤلف من أثر ديانة أخرى "كقوله: "الرسالة تقتضي لصاحبها حق التصريف لكل قلب تصريفاً غير محدود"، والتصريفُ للقلوب من صفات الألوهية التي لا يشاركها فيها مخلوق.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1) عند الكلام عن حديث: "لا ومققب القلوب"، وآية: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} [الأنعام: 110] "والتقلب: التصرف، وتقليب الله القلوب والبصائر: صرفُها من رأي إلى رأي ... وقال المعتزلة: معناه: نطبع عليها فلا يؤمنون، والطبع عندهم: الترك، وليس هذا معنى التقليب في لغة العرب، ولأن الله تعالى تمدّح بالانفراد
__________
(1) (ج 13 ص 294).
(9/ 1/209)

بذلك، ولا مشارك له فيه ... وقال البيضاوي: في نسبة تقليب القلوب إلى الله إشعار بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه".
وبمثل هذا تفقه أن قلم المؤلف يدس في الدين الإسلامي من عقائد الوثنية، ما يتبرأ منه التوحيد الخالص، وتأباه الفطرة السليمة.

* الاعتقاد بحكمة الأمر لا يكفي للعمل به:
قال المؤلف في (ص 69): "ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب، وخضوعه خضوعاً تاماً يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية، تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون له بالقلوب اتصال. تلك ولاية هداية إلى الله، وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لصالح الحياة وعمار الأرض، تلك للدين، وهذه للدنيا. تلك لله، وهذه للناس. تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين! ".
للرسول ولاية على قلوب أمته، من أجل ما تحمله من تصديق رسالته، وإجلال مقامه، ومن مقتضيات التصديق برسالته: الاعتقاد بحكمة ما يجيء به من أوامر ونواه، والاعتقاد بحكمة أمره ونهيه شأنه أن يبعث الجوارح إلى الإقدام على الفعل، أو الإحجام عنه. ولكن ترتب الإقدام أو الإحجام على الاعتقاد بحكمة الأمر والنهي من باب ترتيب السبب على مسببه، ومن المعروف أن تأثير السبب في وجود المسبب يتوقف على تحقق الشرط، وفقد المانع، ومن موانع العمل على مقتضى العقيدة: تغلب الأهواء، وإيثار اللذة أو المنفعة العاجلة، وليست هذه الأهواء، ولا هذا الإيثار ناسخاً للتصديق بالرسول، أو للاعتقاد بحكمة ما يامر به أو ينهى عنه، وإنما هو حال يعرض للنفس حتى تصغر في نظرها صورة ما يترتب على ترك المأمور، أو فعل
(9/ 1/210)

المنكر من عاقبة خاسرة، وعذاب أليم.
والدليل على أن ارتكاب الجنايات قد يدفع إليه طغيان الشهوة، أو تخبط الغضب، مع بقاء أصل الإيمان: أن الجاني بعد أن يشبع شهوته، أو يشفي غيظه، قد يعض سبابته ندماً، من غير أن يجدد النظر في أصل إيمانه، أو في حال ما ارتكبه من منكر أو فحشاء.
فالنظر يقضي بأن الولاية على القلوب لا تكفي في صيانة الحقوق وحفظ النفوس والأموال والأعراض، وأنه لا بد من ولاية يكون شأنها تنفيذ قوانين المعاملات والعقوبات، فيمن يطغى به الهوى، أو يتخبطه الغضب، وإن كان من المؤمنين.
فولاية الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت على القلوب، ثم على الأجسام، وكانت ولاية هداية وتدبير لصالح الحياة، وكانت رياسة دينية وسياسية، وكلاهما من عند الله، ولا بعد بين السياسة والدين إلا في نظر قوم لا يكادون يفقهون حديثاً.

* خطأ المؤلف في الاستشهاد بآيات على أن وظيفة الرسول لا تتجاوز حدود البلاغ:
قال المؤلف في (ص ا 7): "ظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان".
ثم ساق في الاستشهاد على هذا: قوله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، وقوله في سورة الأنعام: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]، وقوله في سورة
(9/ 1/211)

الأنعام: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} {الأنعام: 107]، وقوله: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6]، وقوله في سورة الإسراء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54]، وقوله في سورة الفرقان: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]، وقوله في سورة الزمر: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الزمر: 41]، وقوله في سورة الشورى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48]، وقوله في سورة ق: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار} {ق: 45]، وقوله في سورة الغاشية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22].
ثم قال: "القرآن -كما ترى- يمنع صريحاً أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حفيظاً على الناس، ولا وكيلاً، ولا جباراً، ولا مسيطراً، وأن يكون له حق إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين، ومن لم يكن حفيظاً، ولا مسيطراً، فليس بملك؛ لأن من لوازم الملك: السيطرة العامة، والجبروت سلطاناً غير محدود".
من الكلام البليغ ما يسلك معناه في قلب السامع غير متوقف على شيء سوى العلم بمدلولات الألفاظ المفردة، وقانون النظم والتركيب، ومنه ما لا يصل السامع إلى معناه، ولا يلمُّ به من جوانبه، فيستقر في نفسه على الوجه الذي يقصده المتكلم، إلا إذا وقف على أحوال زائدة على العلم بوضع المفردات والتراكيب، ولهذا ترى أذكى الناس قريحة، وأرسخهم علماً باللغة ومذاهب بلاغتها، قد يعجز عن فهم بيت من الشعر البليغ، ولا يجد طريقاً إلى بيان ما يراد منه حتى يعرف الحال التي ورد فيها، والسبب الحامل على نظمه.
(9/ 1/212)

وعلى هذين النوعين من فنون الكلام نزل القرآن الكريم، فمن الآيات ما هو بين بنفسه، ومنها ما لا يدرك معناه إلا من شهد وقت الوحي به، وعرف أسباب نزوله، وهذا ما دعا الذين أوتوا العلم إلى أن يعتمدوا على بيان الصحابة - رضي الله عنهم -، ويرجحوه على بيان غيرهم، ولا سيما بياناً أجمعوا عليه.
وقد عقد موضح أسرار الشريعة أبو إسحاق الشاطبي في"موافقاته" فصلاً (1) في تحقيق أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، وبسط القول في أن بيان الصحابة يقدّم على بيان غيرهم، وعدّ في مؤيدات هذه القاعدة المتينة: "جهة مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة"، وقال: "فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك".
فكثير من الآيات لا ينكشف معناه، ولا يستقر في النفس على وجه محكم، إلا بعد معرفة سبب نزوله، وحال نزوله، ثم القيام على غيره من الآيات التي ربما وجد فيها ما يخصص عمومه، أو يقيد مطلقه، أو يغير حكمه؛ لزوال علته، وقيام الحاجة الداعية إلى تبديله بحكم آخر.
إذن لا ينبغي لأحد أن يهيئ رأياً، ثم يصبّ عليه الآيات صبّاً، قبل أن يبحث عن حال نزولها، وينظر فيما عساه أن يخصصها، أو يقيدها، أو يرشد إلى تبدل حكمها.
فهل حافظ المؤلف على هذا الأصل الأصيل، فرجع في فهم هذه الآيات إلى حال نزولها، وجال بنظره في القرآن جولة لعله يهتدي السبيل إلى الرسوخ في علمها؟
__________
(1) (ج 3 ص 180) طبع تونس.
(9/ 1/213)

الظاهر أنه لم يفعل ذلك، وإنما أمسك المصحف الشريف بيده، ونقل منه هذه الآيات مرتبة ترتب سورها، فحرّفها عن مواضعها، وتأولها على غير بينة من أمرها.
من المعلوم لدى المسلمين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكث بمكة نحو عشر سنين، وعمله مقصور على الدعوة بالحجّة والموعظة، وأنه كان يحزن لإعراض المشركين وعتوّهم عن سبيل الهداية، ويأخذ منه الأسف كل مأخذ، حتى كأنه مأمور بتصريف قلوبهم من الغي إلى الرشد، ويزيد على هذا: ما كانوا يعترضونه به من الأذى، ويسومون به أصحابه من سوء العذاب، فكانت الآيات تذكره ببيان وظيفته لذلك الحين، وهي مجرد البلاغ والإنذار، حتى إذا كانت منه على ظهر قلب، وعرف أنه قام بوظيفته كما يراد منه، خفّ عليه ما يجده من الحزن والأسى.
وبعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإقامته بها نحو سنة، قضت حكمة الله بأن يكون للإسلام مظهر غير مظهره الأول، ونزلت آيات الجهاد وحدود العقوبات تترى، والذي قال له: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 107]، وقال له: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، هو الذي أنزل عليه قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، وقوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13 - 14]، وقولى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
(9/ 1/214)

فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12].
والآيات التي سردها المؤلف كلها من سور مكية، ما عدا الآية الأولى؛ أعني: قوله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، فإنها من سورة النساء، وهي مدنية، وعرفت أن الجهاد شرعّ بعد أن قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة نحو سنة، فيجوز أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الجهاد، قال ابن جرير الطبري في" تفسيره": (1) "ونزلت هذه الآية -فيما ذكر- قبل أن يؤمر بالجهاد".
ومن أهل العلم من يذهب إلى أن هذه الآيات محكمة، ويأتي في تفسيرها بوجوه تسير بها مع آيات الجهاد جنباً لجنب، واستقصاء البحث عنها في هذه الصحائف آية آية يخرجنا إلى إسهاب لا حاجة بنا إليه، وأضرب لك مثلاً تشرف منه على شيء مما قيل في سائرها، وهو قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]، فقد قال أبو جعفر النحاس (2) في تأويلها: "هذا خبر لا يجوز أن ينسخ، ومعنى وكيل: حفيظ ورقيب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس عليهم حفيظاً، إنما عليه أن ينذرهم، وعقابُهم على الله تعالى، والآية الثانية نظيرها، ويعني بالآية الثانية: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاوَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 6].
وخلاصة المقال: أن المؤلف سرد هذه الآيات على غير بصيرة، وصرف نظره عن آيات الجهاد التي يذهبُ رأيه أمامها عبثاً، فجلس كما قام، وسكت كما تكلم، بل جلوسه خير من قيامه، وسكوته أنفع من كلامه،
__________
(1) (ج 5 ص 112).
(2) كتاب"الناسخ والمنسوخ " (ص 137).
(9/ 1/215)

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

* خطأ المؤلف في حمل آيات على القصد الحقيقي:
عاد المؤلف فأخذ يلتقط من القرآن آيات: {إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ} {الأعراف: 188} , {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} [هود: 12]، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 8]، {إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج: 49]، {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [العنكبوت: 50]. وأضاف إليها آيتين وهما قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، وقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
ثم قال في (ص 73): "القرآن -كما رأيت- صريح في أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم يكن إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل، ثم هو بعد صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكن من عمله شيء غير إبلاع رسالة الله تعالى إلى الناس، وأنه لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
يتساءل الناس أحياناً عن الحال الذي لبس قلب المؤلف، حتى أصبح يقول على الله غير الحق: هل اقتحم هذه الخطيئة لقصور في الفهم؟ أم لداعية افتتانه بملّة أخرى؟
إذا صح للقارئ أن يتردد في بعض المباحث السابقة، فإن هذا المبحث لا يبقي له ريبة في أن المؤلف قد يقصد إلى قلب الحقائق، حيث لا يصح أن تنقلب في نظره.
يعرف كل طالب علم في الأزهر، أو في غير الأزهر: أن في العلوم العربية علماً يقال له: علم المعاني، وأن في المعاني باباً يقال له: باب
(9/ 1/216)

القصر، ولا شك أن من اطلع على هذا الباب يعلم أن القصر ينقسم إلى:
قصر حقيقي، وهو تخصيص شيء بشيء بحسب الحقيقة، وفي نفس الأمر؛ بحيث لا يتجاوزه إلى غيره أصلاً.
وقصر إضافي، وهو تخصيص شيء بشيء بحسب الإضافة إلى شيء لآخر؛ بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر.
ويعلم بعد هذا: أن القصر الإضافي ينقسم إلى:
قصر إفراد، والمخاطب به من يعتقد شركة صفتين في موصوف واحد، أو موصوفين في صفة.
وقصر قلب، والمخاطب به من يعتقد عكس الحكم الذي يتصدى المتكلم لإثباته.
وقصر تعيين، والمخاطب به من يتساوى في نظره أمران، فيقصر له المتكلم الحكم على أحدهما.
هذه المباحث من بديهيات علم البلاغة، ومن مبادئه الملقاة على قارعة الطريق؛ بحيث لا يمتاز بمعرفتها الذكي عن الغبي، ولا قارئ الكتب المبسوطة عن قارئ المختصرات.
ومن عرف أن من فنون القصر ما يسمّى: قصراً إضافياً، عرف بوجه إجمالي أن الآيات التي ساقها المؤلف إنما هي من هذا القبيل، ولا يصح حملها على القصر الذي يراد به نفي كل صفة ما عدا الإنذار حتى يدخل في هذه الصفات المنفية القضاء الفصل والتنفيذ.
ولنضرب لك مثلاً تشهد به أن هذه الآيات منسوجة على منوال من البلاغة بديع، وأنها بريئة من نفي صفة التنفيذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما يزعم مؤلف
(9/ 1/217)

كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ} [فاطر: 22 - 23]. وبيان سر هذا القصر بلاغة: أنه جاء بالنفي والإثبات؛ لأنه لما قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ]، وكان المعنى في ذلك: أن يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الإباء، ولا تملك أن توقع الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، واستمرارهم على جهلهم، وصدهم بأسماعهم عما تقوله لهم، وتتلوه عليهم، كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي - صلى الله عليه وسلم - حال من قد ظن أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقيناً أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر، فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك، فقيل: {إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ} ,ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ومقاولته: إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تُفهم الجماد، وأن تحول الأعمى بصيراً، وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج، ولمست تملك أكثر من ذلك" (1).
فانظر إلى فيلسوف البيان عبد القاهر الجرجاني (2) كيف فهم أن الآية من نوع القصر الإضافي (3)، وأن قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنذار في قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ} لم يرد به نفي كل ما عدا الإنذار، وإنما أريد به نفي صفة معينة، وهي كونه - صلى الله عليه وسلم - يملك تحويل قلوبهم عما هي عليه من الإباء. وذكر ذلك
__________
(1) "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني (ص 257) من طبع سنة 1331 ه.
(2) عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (... - 471 ه = ... - 1078 م) واضع علم البلاغة، وإمام اللغة. من أهل جرجان بين طبرستان وخراسان.
(3) قصر تعيين.
(9/ 1/218)

الفيلسوف: أن هذا الوجه من البلاغة يجري في قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، فقصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإنذار والبشارة في هذه الآية، إنما يعني به: نفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن يكون عالماً بالغيب.
وسائر الآيات المفزعة على قالب القصر مما أورده في الصفحتين (74 وه 7) لا تخرج عن أن يراد منها القصر الإضافي، وهو لا يتعرض لصفة التنفيذ بحال.
ولا يستطيع المؤلف أن ينكر هذا الفن من البلاغة، إلا إذا تناهى به العناد إلى إنكار ما يضرب في الأفق من بياض النهار أو سواد الليل.
يقول المؤلف: "وإنه لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
هذه الفقرة تنادي بصراحة أن المؤلف يريد أن يلصق بعقول الأطفال والسذج، الاعتقادَ بأن جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتصرفه في أموال الزكاة قبضاً وإنفاقاً، وحكمه بين الناس، وإقامته الحدود، لم يكن من عمله السماوي، فإن هذه الحقائق شيء غير ذلك البلاع، ومنها ما فيه حمل للناس على ما جاءهم به. والقرآن يشهد بأن جهاده - عليه الصلاة والسلام -، وتصرفه في أموال الزكاة، وحكمه بين الناس إنما كان بوحي سماوي. ولا أحسب المؤلف يترك قلمه سائباً، حتى يقول على آيات الجهاد والزكاة والحكم بين الناس، كما قال على أحاديث في "الصحيحين": "لنا أن ننازع في صحتها".

* خطأ المؤلف في فهم حديثين:
قال المؤلف في (ص 76): "إذا نحن تجاوزنا كتاب الله تعالى إلى
(9/ 1/219)

سنّة النبي - عليه الصلاة والسلام -, وجدنا الأمر فيها أصرح، والحجة أقطع، روى صاحب "السيرة النبوية": أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجة يذكرها، فقام بين يديه، فأخذته رعدة. شديدة ومهابة، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "هوِّن عليك؛ فإني لست بملك ولا جبّار، وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة ... "، وقد جاء في الحديث: أنه لما خير على لسان إسرافيل بين أن يكون نبياً ملكا، أو نبياً عبداً، نظر - عليه الصلاة والسلام - إلى جبريل - عليه السلام - كالمشير له، فنظر جبريل إلى الأرض، يشير إلى التواضع، وفي رواية: "فأشار إلى جبريل أن تواضع، فقلت: نبياً عبداً، فذلك صريح أيضاً في أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ملكاً، ولم يطلب الملك، ولا توجهت نفسه - عليه السلام - إليه".
لو التزم أحد على وجه المزح أن لا يقول إلا خطأ، ثم تحدث بمقدار ما تحدث المؤلف في ذلك الكتاب، لسبق لسانه إلى الصواب مراراً، وربما لا يكون خطؤه أكثر من خطأ كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
بعد أن ساق المؤلف آيات: {إنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ} [الأعراف: 188]، وما جاء على شاكلتها مساقَ الاستشهاد على نفي أن يكون النبي - عليه السلام - منفذاً، أتى بهذين الحديثين يبتغي منهما أن يشهدا له على باطل، ولم يرع حرمة الأحاديث النبوية، فيكف قلمه عن إيرادها؛ حيث يدّعي على مقام الرسالة غير الحق.
خذ أيَّ عالم أو شبه عالم أو عامي ذي فطرة سليمة، واقرأ عليه الحديثين، وخذ معه بأطراف الحديث في معنى"ملك" الوارد فيهما، فإنه ينظر إلى مساق الكلام وما يقتضيه حال الخطاب، فلا يفهم من قوله: "لست بملك"
(9/ 1/220)

من الحديث الأول إلا ما هو الغالب على الملوك من البطش وقلة الأناة؛ ولا يفهم من قوله: "ملكاً" في الحديث الثاني إلا مظهر العظمة الأبهة.
وذلك المعنى هو الذي ينحو نحوه شرّاح الحديث، قال الشهابي الخفاجي (1) في تفسير: "لست بملك" من الحديث الأول: "من الملوك الجبابرة الذين تخشى بوادرهم (2) ". وقال في تفسير "ملكاً" من الحديث الثاني: "أن يكون شؤونه كالملوك في اتخاذ الجنود والحجاب والخدم والقصور (3) ".
وأما معنى الرياسة السياسية، وتدبير الشؤون العامة، وهو ما يعنيه المؤلف، فإنه لا يقع في ذهن من يتلقى الحديث بروية، ولا يكاد يخطر له على بال.
ولو كان المؤلف يتنبه إلى معنى الحديث قبل الراده، لسبق إلى اختيار المعنى الذي يسبق إلى فهم كل سامع، واحتفظ على مذهبه من أن الرياسة السياسية تنافي طبيعة الرسالة، فإن حمل الملك على الرئيس السياسي في قوله: "خيِّر بين أن يكون نبياً ملكا" يجعل الحديث حجّة على أن الرسالة والملك لا يتنافيان.
ولقد ذكّرنا المؤلف بتأويله لتلك الآيات والأحاديث رجلاً من أهل مكة كان يؤوّل الشعر، قال ذات يوم: ما سمعت بأكذبَ من بني تميم،
__________
(1) أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي (977 - 1069 ه = 1569 - 1659 م) عالم الأدب واللغة، وقاضي القضاة. ولد وتوفي بمصر.
(2) "شرحه للشفا": (ج 2 ص 117).
(3) "منه" (ج 2 ص 105).
(9/ 1/221)

زعموا أن قول القائل:
بيت زُرارةُ محتبٍ بفنائه .... ومجاشعٌ وأبو الفوارس نهشلُ
في رجل منهم، قيل له: فما تقول أنت فيه؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحج، قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم، جشعت بالماء، قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل: فنهشل؟ فصمت ساعة، ثم قال: نعم، نهشل مصباح الكعبة؛ لأنه طويل أسود، فذلك نهشل.

* الشريعة فصلت بعض أحكام، ودلت على سائرها بأصول يراعي في تطبيقها حال الزمان والمكان:
قال المؤلف في (ص 78): "معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن ينتظم البشرية كلها وحدة دينية، فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة، فذلك مما يوشك أن يكون خارجاً عن طبيعة البشرية، ولا تتعلق به إرادة الله".
أجمع المسلمون على أن إصلاح السياسة شطر من مقاصد الاسلام، وهل ادّعوا -مع هذا- أن الإسلام رسم للسياسة خطة معينة، ووضع لكل واقعة حكماً مفصلاً؟
الحق أنهم لم يفعلوا ذلك، بل ملؤوا كتبهم ببيان أن الشريعة فصلت بعض أحكام لا تختلف فيها أحوال البشر، ثم وضعت أصولاً ليراعى في تطبيقها على الوقائع حال الظروف الحافة بها، ومن هذا الأصول قاعدة: "رعاية المصالح المرسلة"، وقاعدة: "العادة محكمة"، وقاعدة: "سد الذرائع"، وقاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة: "ارتكاب أخف الضررين"، وقاعدة: "الضرر يزال".
(9/ 1/222)

قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": "إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، وينتقل الفقيه بانتقالها، ومن جهل المفتي جمودُه على المنصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف؛ فإن القاعدة المجمع عليها: أن كل حكم مبني على عادة، فإذا تغيرت العادة، تغير الحكم، والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه، والخطاب به، وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم، أو في عصر، فيكون مصلحة، وتتناوله دلائل الطلب، فإن لم تقتضه عادتهم، ولا تعلقت به مصلحتهم، دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم".
وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات" (1): "واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم ... وإنما معنى الاختلاف: أن العوائد إذا اختلفت، رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها".
ومما يوضح أن أحكام الشريعة تجري بحسب اختلاف الزمان والمكان: قول عز الدين بن عبد السلام في "قواعده": "تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات والاحتياطات".
وقال شهاب الدين القرافي أيضاً: "إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع، بل تشهد له القواعد، ومن جملتها: أن الفساد قد أكثر وانتشر بخلاف حاله في العصر الأول، ومقتضى ذلك: اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع" (2).
__________
(1) (ج 2 ص 180) طبع تونس.
(2) "التبصرة" لابن فرحون (ج 2 ص 114).
(9/ 1/223)

ومن مثل هذه النصوص تعلم أن أخذ الأمم الإسلامية بحكومة واحدة يقتضي توحيد قانونها السياسي أو القضائي، بل يوكل أمر كل شعب إلى أهل الحل والعقد منه، فهم الذين ينظرون فيما تقتضيه مصالحه، ولا يقطعون أمراً حتى يشهدهم من أوتوا العلم بأصول الشريعة؛ لئلا يخرجوا عن حدود مقاصدها.

* الاجتهاد في الشريعة وشرائطه:
ومن أجل ما لوحت إليه الشريعة؛ من بناء الأحكام على أساس رعاية المصالح، ذكر الفقهاء في شروط الحاكم أن يكون بالغاً رتبة الاجتهاد.
ومدار شرائط الاجتهاد على أمرين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة، وهذا يتحقق بمعرفة جملة القواعد التي نصبتها، والتفقه في قسم عظيم من الأبواب التي فصلت أحكامها، وقد بصر مجتهدو الصحابة - رضي الله عنهم - بهذه القواعد والأحكام من النظر في القرآن، وما يشهدون من سنّة الرسول- عليه الصلاة والسلام -, وتلقى عنهم التابعون ما استنبطوه من الفروع، وتعلموا منهم كيف انتزعوها من مآخذها، فازدادت القواعد وضوحاً، وتمهدت طرق الاستنباط، وتسنى للذين أوتوا العلم من بعدهم أن ينظروا في الحوادث، ويفصلوا لها أحكاماً تأخذ بمجامع المصالح، وتنطبق على ما تستدعيه طبيعة الزمان والمكان.
ثانيهما: القدرة على انتزاع الأحكام من دلائلها المبثوثة في الكتاب والسنّة، ولا سبيل للقدرة على الاستنباط إلا بمعرفة هذه الدلائل، وطريق إثباتها، وضروب دلالتها، وتفاوت مراتبها، ووجوه الترجيح عند تعارضها.
والتحقيق: أن الاجتهاد لا يتجزأ، فإن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها
(9/ 1/224)

ببعض، فمن أحرز الشروط المشار إليها آنفاً، تمكن من الاستنباط في كل حادثة تعرض له، وإن فاته بعضها، أو كان نصيبه منه أقل من المقدار الكافي، لم يستطع أن يستنبط للواقعة حكماً تطمئن له نفسه، أو يثق به غيره.
فمن أدركه النقص من جهة التفقه في مقاصد الشريعة وعدم إحكام قواعدها، فلا يصح له الاجتهاد، ولو في المسائل التي يجد لها بين الدلائل اللفظية منزعاً؛ فإن القواعد القطعية قد تدعو إلى التصرف في أقوال الشارع بنحو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو عدم الأخذ بالمفهوم.
وكذلك من عرف مقاصد الشريعة، وأنس من نفسه القدرة على إلحاق الوقائع بأشباهها، ولكنه لم يصل في معرفة اللسان العربي إلى المرتبة الكافية للاستنباط، فاجتهاده غير موثوق به؛ إذ يشترط في المجتهد أن يكون عارفاً بأحوال الأحكام عن نظر مستقل، وتلك الأحوال مبثوثة في موارد الشريعة، فلا بدّ من رسوخ القدم في فهم تلك الموارد، ومعرفة وجوه دلالتها.
فالتشريع الإسلامي قائم على رعاية المصالح، وما هي إلا المصالح التي توضع في ميزانه المستقيم، وهذا الميزان المستقيم لا يبخس شعباً من الشعوب مصلحته التي يشهد بها العقل السليم، ولا يفصّل حكماً واحداً يجريه على كل شعب وفي كل زمان، إلا إذا لم تختلف فيه مصالح الشعوب، فإن اختلفت اختلافاً يعقله العالمون، فلكل شعب حكم وسياسة، وذلك تقدير العزيز العليم.
فمن يذهب إلى أن أخذ العالم بحكومة واحدة، وجمعه تحت سياسة مشتركة خارجٌ عن طبيعة البشر، إنما هو مثال الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ولم يرفعوا رؤوسهم إلى الكتب التي أمتعت البحث عن أسرار
(9/ 1/225)

الشريعة، وفصلت القول في أصولها العالية تفصيلاً.

* فتوى منظومة لأحد فقهاء الجزائر:
ولا يزال علماء الإسلام في سائر الأقطار، يشهحون أن أحكام الشريعة تدور على مقتضى الحاجات والمصالح، وهذا أحد الفقهاء (1) الناشئين في قرية (2) من صحراء الجزائر في المئة الثالثة عشرة، كان يفتي بجواز استناد الحاكم إلى آثار الأقدام في نحو السرقة، حيث كان لأهل بلاده حذق زائد في معرفة آثار أقدام الأشخاص، فأنكر عليه علماء بلد يقال لها "الخنقة"، فأجابهم بقصيدة لوح فيها إلى مستنداته في الفتوى، وقال فيها:
إلى السادةِ الأشرافِ من أهل "خنقة" .... لهم في ندور الواقعاتِ نُقولُ
تمسكتم بالأصل والحقُّ واضحٌ ..... ولا ينكر المعلومَ إلا جهول
ولكن إذا عمّ السداد بحادثِ ... تقدم أصلاً والقياسُ دليل
كتضمين سمسارِ وتغريمِ صانعِ ... وما هو إلا مودع ووكيل
ومن ذاك ما قد جوزوا في سفاتج ... إذا عمَّ بالخوف الشديد سبيل
وفي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالحُ عمّت والصلاحُ جميل
ومن أدب المسؤول قبلَ سؤالهِ ... إذا وردت يوماً عليه سُؤول
تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول
وما أنتم منّا بأعلم بالذي ... به الضرّ يكفي عندنا ويزول
__________
(1) الشيخ خليفة بن حسن.
(2) قمار من بلد سوف.
(9/ 1/226)

فلو أهملت آثار سرّاق أرضنا ... لكان فساداً للخراب يؤول
وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول
وما الأثر إلا كالخطوط شهادة ... كذا قال قومٌ في القياس عدول
فعرفانك الخطَّ الذي غاب ربُّه ... لعرفان إثر المستراب عديل
وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهاز أبي جهل وهو جديل
بأثر دم في السيف كان نبينا ... قضى أنه للسيدين قتيل
وكان السلف يكرهون السؤال عن النوازل قبل وقوعها حسبما نقله الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (1)، ولعلهم كرهوا ذلك حذراً من أن يفرضوا لصورة النازلة حكماً، فتبرز للخارج، فيتصل فيها بعض أحوال لو شاهدها المفتي، لغيّر حكمه، وفصله على ما تقتضيه طبيعة النازلة محفوفة بتلك الأحوال.
قال المؤلف في (ص 78): "ذلك من الأغراض التي أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له فيها حكم أو تدبير، فقال - عليه السلام -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
كيف ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له في سياسة الأمة حكم أو تدبير، ونحن إذا قلبنا نظرنا في سيرته، نجده كان يحكم فيما شجر بين الناس، ويقيم الحدود والزواجر على من يجني على نفس أو مال، أو عرض أو عقل، ويجمع المال من حيث أمره الله، وينفقه في وجوه المصالح، وإسعاد ذوي الحاجة، ويتولى عقد التحالف والمعاهدات والصلح وإعلان الحرب، ويدبر أمرها، ويرسم لها الخطط مع المشاورة في هذا السبيل والأخذ بأرجح الآراء.
__________
(1) "مختصر جامع بيان العلم وفضله" (ص 178).
(9/ 1/227)

يتولى هذه الأمور بنفسه، وقد يندب للقيام بها من فيه الكفاية والخبرة، وهل بعد هذا التصرف الثابت كتاباً وسنة متواترة يخرج كتاب "الإسلام وأصول الحكم" في واد حافل بعلماء الشريعة، ويصيح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر أن يكون له في شؤون الأمة حكم أو تدبير؟!.
وأما حديث: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فإنه وارد في واقعة تأبير النخل، فيحمل على هذا المعنى، وما شاكله من فنون الزراعة والصناع وغيرها من وسائل العمران المادية.
قال المؤلف في (ص 78): "ذلك من أغراض الدنيا، والدنيا من أولها لآخرها، وجميع ما فيها من أغراض وغايات، أهونُ عند الله تعالى من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من عقول، وحبانا من عواطف وشهوات، وعلّمنا من أسماء ومسميات، هي أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً، وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها، وينصبوا لتدابيرها".
ننظر في الكتاب العزيز، فنجده طافحاً بما يدل على أن إرشاده لا يقتصر على العقائد والعبادات، فنجد فيه نصوصاً في بيان ما يحلّ أكله أو شربه، وما لا يحل فيه ذلك، قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
ونجد نصوصاً في بيان من يحل نكاحهن، ومن لا يحل، ونصوصاً تحرم مباشرة الزوجة في بعض الأحوال؛ كما قال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222}
(9/ 1/228)

ونجد نصوصاً في قسمة تركات الهالكين على ورثتهم؛ كما قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11} الآية.
ومن البين بنفسه: أن الأكل والشرب والنكاح والأموال الموروثة عن أولي القربى، كل ذلك من أغراض هذه الحياة وغاياتها.
إذن، فالمؤلف يريد بهذه المقالة استدراج السذج والأطفال إلى إنكار كل ما زاد على العقائد والعبادات، حتى يتسنى للإباحية السائبة أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، وتضرب خيامها في كل واد، فإذا أصبح الناس يدخلون في دينها أشتاتاً، قام الشيطان مرة أخرى، واستفز من استطاع منهم لتأليف كتاب يسمى الإسلام وأصول العبادات.
قال المؤلف في (ص 79): "لا يريبنك هذا الذي ترى أحياناً في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة، فإنك إذا تأملت، لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يلجأ إليها تثبيتاً للدين، وتأييداً للدعوة، وليس عجيباً أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل، هو وسيلة عنيفة وقاسية، ولكن ما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان، وربما وجب التخريب ليتم العمران".
أريناكم أن من مقاصد الإسلام: إصلاح السياسة، وإقامة دولة، وأنه وضع لهذه الدولة أركاناً وأصولاً، وأن ما يحسبه المؤلف من مظاهر الحكومة النبوية هيناً، هو عند ذوي العقول الراجحة والآراء الرصينة عظيم، وإنما نقلنا لكم هذه الفقرة من فقرات الكتاب؛ لنريكم مثلاً من أمثلة تخاذل نسجه، وصورة من صور موارباته.
(9/ 1/229)

يقول المؤلف فيما سلف: "وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان، وتوسيع الملك". وأخذ يقرر هذا المعنى، ويسوق في تقريره كل ما يملك من شبهة، ولم يزد هنالك على أن قال عقب البحث: "فذلك سر الجهاد عندهم".
وقال هاهنا: إن الجهاد وسيلة من الوسائل التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلجأ إليها تثبيتاً للدين، وتأييداً للدعوة، وبعد أن وصفه بأنه وسيلة عنيفة وقاسية، أتى بعبارة يتقرب بظاهرها إلى آراء أهل العلم، ويدس في لحن خطابها تشكيكا لقوم لا يتفكرون، فقال: وما يدريك؛ لعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان.
وهل من الذوق الملائم للإيمان، أن ينعت المسلم عملاً مشروعاً بأنه شر، ثم يقول على سبيل الاعتذار منه: وما يدريك؛ لعل الشرّ ضروري للخير في بعض الأحيان!!
ومن يأخذ قول المؤلف في (ص 52): "من أمثلة الشؤون الملكية التي ظهرت أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -: مسألة الجهاد" إلى قوله هنا: "إن الجهاد من الوسائل التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلجأ إليها تثبيتاً للدعوة"، وضم إلى هذا قوله في (ص 71): "إن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاع المجرد من كل معاني السلطان"، قام له شاهد عدل يناجيه بأن المؤلف يريد أن يضع في ذهن قارئ كتابه: أن جهاده - صلى الله عليه وسلم - من الأعمال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قال المؤلف في (ص. 8): "ترى من هذا: أنه ليس القرآن وحده الذي يمنعنا من اعتقاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية. وليست السنّة هي وحدها التي تمنعنا من ذلك، ولكن مع الكتاب والسنّة حكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها".
(9/ 1/230)

قد رأيت أن استشهاد المؤلف بتلك الآيات والأحاديث مبني على قصور في فهمها، أو قصد إلى تحريف الكلم عن مواضعها، فالكتاب والسنّة لا يمنعان "من اعتقاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية،، بل يدلان بصراحة كفلق الصبح، على أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مبلّغاً ومنفّذاً، وأن قيامه على التنفيذ داخل في حدود وظيفته السماوية.
ودعوى المؤلف: أن حكم العقل، وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها يمنعه من اعتقاد أن يكون التنفيذ داخلاً في وظيفة الرسول - عليه السلام - السماوية، قد أريناك فسادها، وأنها كلمة هو قائلها، فلا العقل يمنع من أن يؤمر الرسول بالتبليغ والتنفيذ، ولا الأمر بإبلاغ شريعة يمنع بطبيعته من أن يضاف إليه الأمر بتنفيذها.
(9/ 1/231)

الكتاب الثالث
الخلافة والحكومة في التاريخ
(9/ 1/233)

الكتاب الثالث
الخلافة والحكومة في التاريخ

الباب الأول
الوحدة الدينية والعربية
* ملخصه:
افتتح المؤلف الباب بأن الإسلام وحدة دينية، وأن الله اختار لدعوته محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: لله- جلّ شأنه- حكمة في ذلك بالغة، قد نعرفها، وقد لا نعرفها.
وأتى على وجه ابتداء الدعوة بين العرب، وذكر عقب هذا: أن البلاد العربية كانت مختلفة الشعوب والقبائل، ومتباينة في مناهج الحكم والعادات، وأن هذه الأمم المتنافرة اجتمعت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - حول دعوة الإسلام، وأن وحدتها لم يكن فيها من معاني الدولة والحكومة. وزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض لشيء من سياسة تلك الأمم، ولا غيّر شيئاً من أساليب الحكم عندهم، وذكر أن في الشرائع التي جاء بها النبي - عليه السلام - ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم، ثم قال: ولكنك إذا تأملت، وجدت أن كل ما شرّعه الإسلام من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وزعم أنك إذا جمعته، لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية
(9/ 1/235)

من أصول سياسية وقوانين، وقال: إن كل ما جاء به الإسلام إنما هو شرع ديني، ولمصلحة البشر الدينية لا غير.
وأخذ يتكلم عن حال العرب يوم لحق - عليه السلام - بالرفيق الأعلى، وزعم أنها وحدة دينية من تحتها دول تامة التباين إلا قليلاً، وتخلص من هذا إلى أن زعامة الرسول فيهم زعامة دينية، لا زعامة مدنية، فإذا ما لحق - عليه السلام - بالملأ الأعلى، لم يكن لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الديني، وزعم أنه - عليه السلام - لم يشر إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية، وأنه لم يكن في عمل النبي - عليه السلام - أن ينشئ دولة، واستشهد على هذا بأنه لم يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وتعرض لما انتُقدت به دعوى ابن حازم: أن النيي - صلى الله عليه وسلم - نصّ على استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -. وقال: بل الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه، وقفل الباب بقوله: مات - عليه الصلاة والسلام -, وانتهت رسالته، وانقطعت تلك الصلة الخاصة التي كانت يين السماء والأرض في شخصه الكريم - عليه السلام - ".

* النقض - سياسة الشعوب وقضاؤها في العهد النبوي:
قال المؤلف في (ص 83): "البلاد العربية -كما تعرف- كانت تحوي أصنافاً من العرب مختلفة الشعوب والقبائل، متباينة اللهجات، متنائية الجهات. وكانت مختلفة أيضاً في الوحدات السياسية: فمنها ما كان خاضعاً للدولة الرومية، ومنها ما كان قائماً بذاته مستقلاً، كل ذلك يستتبع بالضرورة تبايناً كبيراً يين تلك الأمم العربية في مناهج الحكم، وأساليب الإدارة، وفي الآداب والعادات، وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية". ثم قال: "تلك الوحدة
(9/ 1/236)

العربية التي وجدت زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم تكن وحدة سياسية بأي وجه من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعدُ أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة، وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب الملك".
لا حرج على تلك الأمم المختلفة في عاداتها وآدابها ومناهج حكمها، أن تنتظم بشريعة الإسلام؛ فإن القوانين تكون محكمة، وتسير على وجه مطرد، متى اتفق لها أمران: أن لا تكون مخلة بالمصلحة، وأن يتلقاها الجمهور بسكينة واطمئنان. وفي الشريعة بعض أحكام مفصلة؛ وسائرها أصول كلية حسبما قررناه أنفاً، أما الأحكام المفصلة، فإنها قائمة على رعاية مصالح لا تختلف باختلاف الشعوب والعادات، وما لم يفصل حكمه، فذلك موكول إلى نظر الحاكم، فينظر فيما يقتضيه حال العادات والأخلاق وطبيعة الاجتماع، ويستنبط له من تلك الأصول العامة حكماً مطابقاً. ولا شك أن الخضوع لأحكام الشريعة، مفصلة كانت أو مأخوذة باستنباط مستوف للشروط، هو من مقتضيات الإيمان بحكمتها.
فأخذ تلك الشعوب والقبائل تحت حكومة الإسلام لا يخل بشيء من مصالحها، كما أنه لا يتوقع من الجمهور أن يلاقي قضاء هذه الحكومة وإدارتها، بغير السكينة والاطمئنان.
وما زعمه المؤلف من أن تلك الوحدة العربية لم يكن فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، زعم يضربه التاريخ الصحيح بيد عنيفة قاسية، "وما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان".
قال المؤلف في (ص 83): "يدلك على هذه سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فما عرفنا
(9/ 1/237)

أنه تعرض لشيء من سياسة تلك الأمم الشتيتة، ولا غيَّر شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية، ولا سمعنا أنه عزل والياً، ولا عين قاضياً".
مما لا تحوم عليه شبهة، ولا تخالجه ريبة: أن كل أمة تعتنق الإسلام يأخذ الحكم فيها صورة غير صورته الجاهلية، فالقضايا كلها، سواء كانت جنائية أم مالية، أم راجعة إلى أحوال الزوجية، إنما تفصل بحكم القرآن أو السنّة، أو بالاجتهاد المستند إلى القواعد المركوزة في نفس الواقف على روح التشريع، ومن شواهد هذا: حديث معاذ، حين بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، فقد تضمن الحديث: أنه يقضي بكتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم يكن في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اجتهد رأيه، وقد صحح هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"، وصححه ابن قيّم الجوزية في "إعلام الموقعين" (1).
وقال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سراياه، وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك، إلى كل ملك واحد، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره" (2).
وفي "صحيح البخاري": (3) أنه - صلى الله عليه وسلم - يبعث: "أمراءه واحداً بعد واحد،
__________
(1) (ج 1 ص 243).
(2) "فتح الباري" (ج 13 ص 189).
(3) (ج 9 ص 86).
(9/ 1/238)

فإن سها أحد منهم، رده إلى السنّة" (1). وقال شرّاح الحديث: "فائدة بعث الآخر بعد الأول؛ ليرده إلى الحق عند سهوه".
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (2): "والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمِّر عليهم".
وروى مالك بن أنس (3) في كتاب "الموطأ" (4): أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم (5) في العقول: "أن في النفس مئة من الإبل، وفي الأنف إذا ادّعى جدعاً مئة من الإبل، وفي المأمومة (6) ثلث الدية، وفي الجائفة (7) مثلها، وفي العين خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة (8) خمس".
فهذه النصوص من رجال كانوا ينقدون الأخبار نقدَ الصيارف للدينار،
__________
(1) فسر بعض أهل العلم السنّة: بالطريق الحق، والمنهج الصواب، وفسرها آخرون: بالشريعة المحمدية. انظر: "شرح العيني" (ج 11 ص 446).
(2) (ج 13 ص 183).
(3) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (93 - 179 ه = 712 - 795 م) أحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، ولد وتوفي بالمدينة المنورة.
(4) كتاب: العقول من "الموطأ" (ص 235) طبع الهند سنة 1324 ه.
(5) بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملاً على بني الحارث بن كعب.
(6) المأمومة: الشجة التي بلغت أم الرأس.
(7) الجائفة: العيب العظيم.
(8) الموضحة: الشجة تبدي وضح العظام، وهي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم. وتجمع على مواضح.
(9/ 1/239)

تطعن في وجه ما يزعمه المؤلف من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين قاضياً، وتدل على أن أمراء النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتصرفون في شؤون تلك الأمم على مقتضى الكتاب والسنة. وإن كان المؤلف في ريب مما يقوله حملة الشريعة وحفاظها، فهذا جرجي زيدان يقول في "تاريخ التمدن الإسلامي" (1): "لما ظهر الإسلام، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رئيس المسلمين في أمور الدنيا، وهو حاكمهم، وقاضيهم، وصاحب شريعتهم، وإمامهم، وقائدهم. وكان إذا ولى أحد أصحابه بعض الأطراف، خوله السلطتين: السياسية، والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن يعلِّم الناس القرآن".
وأما ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، أو ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية، فمتى كان فيها ما لا يتفق مع المصلحة، أو ما يمس قاعدة من قواعد الدين الحنيف، فلا بد للحاكم المسلم من أن يغيره، ويجريه على ما يلائم القانون العادل، والأدب الجميل، والحجة على المؤلف في هذا قول جرجي زيدان: "وخوله السلطتين: السياسية، والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن يعلم الناس القرآن".
يقول المؤلف: "ولا سمعنا أنه عزل والياً".
هذه كلمة لا فائدة لها سوى أنها تكثر سواد مزاعمه، فإن مدة بعث الأمراء في عهد النبوة لا تتجاوز ثلاث سنين، وهي مدة قصيرة قد يسير فيها الولاة على طريقة مثلى، فلا يقعون في زلة تستوجب عزلهم، فإن كان العزل عند المؤلف من أعلام الدولة، فقد ورد في الصحيح: أنه - عليه السلام - عزل
__________
(1) (ج 4 ص 179).
(9/ 1/240)

بعض قواد الجيش. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (1)؛ "فقد كان -يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - يولي في حياته من يشتكي إليه، فيعزله؛ كما عزل الوليد ابن عقبة، (2) وعزل سعد بن عبادة (3) عام الفتح، وولّى ابنه قيساً" (4).

* درة عمر بن الخطاب وإدارة البوليس:
قال المؤلف في (ص 84): "ولا نظَّم فيهم عسساً".
نبهنا قبل هذا على أن عمل الحرس لذلك العهد، كان يقوم به كل مسلم عرف أن تمام إيمانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشهادة بالقسط، ولو على نفسه، أو والديه وأقربيه، ويضاف إلى هذا: تأثير مواعظ القرآن على تلك الفطر التي لم تتلوث بأوساخ المدنية الفاسقة، فتعقد بين القلوب تعاطفاً، وتطبع النفوس على أدب جميل، فلا يكون للبغي مظهر، ولا للفظاظة يد، إلا في أوقات نادرة.
واعتبرْ في هذا المعنى بالهرمزان (5) ملك خوزستان، حين جيء به إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو نائم في المسجد متوسداً درّته، فقال: هذا هو
__________
(1) (ج 4 ص 93).
(2) الوليد بن عقبة بن أبي معيط (... - 61 ه = ... - 680 م) من الولاة، توفي بالرقة.
(3) سعد بن عبادة بن دليم (... - 14 ه = ... - 635 م) صحابي من أهل المدينة، ومات بحوران.
(4) قيس بن سعد بن عبادة (... - 60 ه = ... - 680 م) صحابي من الولاة، توفي بالمدينة، له 16 حديثاً.
(5) الهرمزان: من قادة الجيش الفارسي، انهزم في معركة القادسية سنة 637 ه، وفرّ إلى الخوزستان.
(9/ 1/241)

الملك؟ قيل: نعم، فقال له: عدلت، فأمنت، فنمت، والله! إني خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان، فما هِبْتُ أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة.
فإذا كانت الدرّة في يد النائم في المسجد تجعل في قلب البريء طمأنينة، وفي قلب المريب رهبة، فما هي الفائدة التي تجنيها الأمة من تشييد قصر يخرج منه ويعود إليه في كل يوم رجال يتقاضون في رأس كل شهر ما يتقاضون؟

* التشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع:
قال المؤلف في (ص 84): "ولا وضع قواعد لتجارتهم، ولا لزراعتهم، ولا لصناعتهم، بل ترك لهم - عليه السلام - كل تلك الشؤون، وقال لهم: أنتم أعلم بها، فكانت كل أمة ومالها من وحدة مدنية وسياسية، وما فيها من فوضى أو نظام، لا يربطهم إلا ما قلنا لك، من وحدة الإسلام وقواعده وآدابه".
التشريع الإسلامي يتناول كل ما ينظر فيه رجال القضاء والسياسة، بمعنى: أن له في النوازل القضائية أحكاماً، وفي إدارة الشؤون السياسية مقاصد. والمنوط بعهدة أولي الأمر أن تُقرر تلك الأحكام بحق، وأن تُقام تلك المقاصد بنظام، والوسائل التي يصلون بها إلى أن تأخذ الأحكام مأخذها، أو تقوم المقاصد على وجهها، موكولة إلى اجتهادهم وأمانتهم.
فمن مقاصد الشرع: أن تكون مرافق الحياة ميسورة، وأن تكون القوة من الأموال ووسائل الدفاع متوفرة، وفوّض لأولي الأمر النظر فيما يجعل عيشة الأمة راضية، وقوتها كاملة، فهم الذين يضعون للتجارة والزراعة والصناعة نظماً لا تعترض أصلاً من أصول التشريع، بل يجب أن تكون في دائرته التي
(9/ 1/242)

تسع كل قانون عادل، ونظام لائق.
هذا إذا كان قصد المؤلف من قواعد هذه الأشياء: الأنظمة العائدة إلى ترقيتها وتقدمها، أما إذا أراد بالقواعد والقوانين التي يرجع إليها عند الفصل بين المتخاصمين، فإن الشريعة قررت بعضها بتفصيل، وأودعت سائرها في ضمن أصول كلية؛ كبقية أحكام الحلال والحرام. هذا تحقيق النظر في المسألة من الوجهة الشرعية، أما إذا ثنينا عنان البحث إلى المسألة من حيث سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - , فلنا نظران أيضاّ:
نظر من حيث الحكم في القضايا التي تنشب بين أصحاب التجارة أو الصناع أو الزرل، وهذا مما كان - صلى الله عليه وسلم -! يتولاه بنفسه، وقد يكل بعضه إلى من يقوم عليه؛ كما جاءت الرواية بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يولي في بعض الأسواق من ينظر في شؤون المعاملات، ويراقب ما عساه أن يقع في غش أو مبايعة على غير وجه مشروع، وفي "السيرة الحلبية": "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل سعد بن سعيد ابن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على سوق المدينة".
والنظر الثاني من ناحية العمل على إصلاح شأن هذه الفنون، وهذه الفنون من أمور الدنيا التي لا يدخل تعليمها في وظيفة الرسول - عليه السلام - السماوية، إلا من حيث الأمر بإقامة كل ما يسد حاجات الأمة، ويكفل لها العزة والمنعة، وفي مثل هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
والفرق بين النظرين: أن تقرير أحكام الوقائع القضائية وغير القضائية لا يصح إلا ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد، وأما العمل على إصلاح وسائل الحياة؛ من نحو التجارة والزراعة، فيؤخذ فيها برأي العارف بها،
(9/ 1/243)

وإن لم يكن مطلعاً على شيء من أصول الشريعة أو فروعها.
إذن، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قام بوظيفته السماوية التي هي إبلاع ما أنزل إليه، وتنفيذ ما جاء به من أوامر ونواه، ولم يبق سوى أن يقال: لماذا لم يقم بذلك الأمر الذي هو خارج عن وظيفته السماوية؛ بأن يكلف ذوي الخبرة بإصلاح شأن التجارة والزراعة والصناعة؟
وجواب هذا السؤال: أن ما كان بين أيدي الأمة من هذه الوسائل كان ملائماً لمظاهر حياتهم البسيطة، وكافياً لسد حاجاتهم، وإحرازهم القوة التي تجعلهم في منعة من أعدائهم، ثم إن الحروب لم تزل -منذ طلع كوكب الدولة- حاملة أوزارها، فلم يأخذ القوم خلالها مهلة ينصرفون فيها إلى النظر في شأن الزراعة ونحوها، ولا سيما إذ كانت قلة عددهم بالنسبة لأعدائهم المتألبين عليهم من كل جانب، تضطرهم إلى أن يكون شبابهم وكهولهم وشيوخهم يتقلدون السلاح، ويظلون على أهبة القتال، بكرة وعشياً.
فالمؤلف رمى بنفسه في هذا البحث، وهو غير واقف على روح التشريع، ولا على طبيعة حال الأمة لعهد النبوة، فكان فيما نال به جانب الحكومة النبوية من المسرفين.

* التشريع الإسلامي والأصول السياسية والقوانين:
قال المؤلف في (ص 84): "ولكنك إذا تأملت، وجدت أن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين؛ من أنظمة، وقواعد، وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وهو بعد إذا جمعته، لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين".
(9/ 1/244)

تهافتت على المؤلف هذه الخواطرة لقلة تفقهه في الشريعة، وعدم وقوفه على تاريخ عهد النبوة وقوفَ الباحث البصير، وحذراً من أن تستدرج هذه الفقرة نفراً ينصتون لها على غير هدى، أسوق كلمة مقتصدة، يلقي عليها القارئ نظرة واحدة، فيشهد من روح التشريع، وتاريخ السياسة النبوية ما تتساقط عنده تلك الشبه صرعى، ويتسلل منه ذلك الرأي لواذاً.
لنبحث عن مبادئ الشريعة الاجتماعية السياسية، منذ طلعت إلى أن أغلق باب الوحي، ونعرّج على نبذة من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تدبير شأن السياسة؛ حتى تعلم أن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم لم يخطئوا في فهم الدين، ولم يتفقوا على ضلالة.
نزل القرآن في نحو عشرين سنة، وكان معظم ما نزل بمكة إنما هو كليات الشريعة؛ من تقويم العقائد، وإصلاح الأخلاق والعادات، فتجد السور المكية طافحة بالدعوة إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وإقامة الحجج على ذلك، ودفع شبه الجاحدين، والأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، والاعتبار بقصص الأمم الخالية، ثم الإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ من نحو العدل والصدق والحلم والعفو والصبر، والوفاء بالعهد، وحسن الإخاء، وبر الوالدين، وإنفاق المال في طريق الخير، وإيفاء الكيل والميزان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباية الضيم المنبه عليها بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39].
وهناك تجد محاربة المزاعم الباطلة، والعادات السمجة، والنهي عن البغي وقتل النفس والزنى، والتطفيف في الكيل والوزن، والخيلاء والإعجاب بالنفس، والرياء والكذب، والقول على الله بغير علم. كل ذلك تراه مصوغاً
(9/ 1/245)

في أساليب تلذ الفطر السليمة مذاقها، وتلين القلوب القاسية لجزالتها، وشرع في أثناء ذلك أهم ركن في العبادات، وهي الصلاة، ثم بعض الأحكام الراجعة إلى قسم العادات؛ كبيان ما يحلّ أكله، وما هو حرام، وألقى في النفوس أن الشريعة تمشي بالناس على الطريقة الوسطى، فنزلت آيات في التذكير بنعم هذه الحياة، وأخرى في إباحة الأخذ بزينتها والتمتع بطيباتها. وهنالك وضعت القاعد؛ الاجتماعية السياسية، وهي قاعدة الشورى، ونزل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38].
ويمثل هذه التعاليم الباهرة، والآداب الساطعة، تألف حول مقام الرسالة قوم يخالفون سائر القبائل العربية بعقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وكثير من عاداتهم، وأصبحوا بين يدي واعظ الإسلام آذاناً صاغية، ونفوساً لينة، يقف فيقفون، ويسير فإذا هم على أثره مقتدون.
ويعد هجرة صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - إلى المدينة المنورة، جعل الوحي السماوي يشرّع ما بين الوعظ والتذكير أحكاماً عملية، وأصولاً اجتماعية، تلك الأحكام والأصول التي لا يسنّها إلا من قصد إلى بناء دولة تسلك في قضائها وسياستها شرعة خاصة، فترى في السور المدنية عقوبة السارق، والزاني، والقاذف، والساعي في الأرض فساداً، وآيات الجهاد، والقضاء العادل، وما يستند إليه من بينات، ثم الإرشاد إلى أصول المعاملات؛ مثل: البيع والقرض والرهن والوصية والتوكيل والحجر على القاصرين من سفيه أو يتيم، ثم أحكام النكاح والطلاق والخلع والنفقات والمواريث والإصلاح بين الأفراد والجماعة، ثم المعاهدات التي تعقد بين المسلمين وغير المسلمين، وهنالك شرعت الزكاة والجزية، وهي أموال تصرف في
(9/ 1/246)

حاجات ومصالح يجب على الرئيس الأعلى النظر في شأنها، وهنالك فرض الحج، ومن حكمه التعارف والنظر في شؤون الأمم الإسلامية قاطبة.
وتجد في السنّة النبوية التي لا يملك المؤلف، ولا غير المؤلف أن ينازع في صحتها: أصول الشركة، والشفعة، والقسمة، والمزارعة، وإحياء الموات، والهبة، والفلس، إلى ما عدا ذلك مما هو بيان لبعض ما أجمله الكتاب العزيز في تلك الأبواب وغيرها.
ومن بعد نصّ الكتاب السنّة، تلك القواعد التي ساقنا البحث إلى التنبيه عليها فيما سلف، فإنها تتعرف في موارد كثيرة منهما، لا فرق بين مكي أو مدني، وسواء على المجتهد أن يتعرفها من آيات الأحكام، أم من غير آيات الأحكام؛ كالمواعظ، ومآخذ العبر، وقد تكون نتيجة استقراء جانب من القرآن، وأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفعاله؛ كما انتزعوا قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين" من مثل قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79}. وانتزعوا قاعدة سد الذراع من مثل قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
والمقدار الذي يفيد القطع بأن هذا المعنى مقصود للشارع، فيجعل قاعدة، موكولٌ إلى أنظار المجتهدين الراسخين في العلم بروح التشريع، لكثرة تدبرهم في النصوص، وترددهم على ما فصل من أحكام.
وبالوقوف على روح التشريع، ساغ لهم أن يقرروا معاني بعض الآيات والأحاديث على حسب ما تقتضيه هذه القواعدة كما قيد الإمام مالك - رضي الله عنه - حديث: "اليمين على من أنكر" بشرط الخلطة بين المدّعي والمدّعى عليه، وهو في الحقيقة إنما قيد نص الشارع بقاعدة مأخوذة من نصوصه، وهي
(9/ 1/247)

قاعدة: سد الذرائع؛ إذ لو وُجِّه اليمين على كل مدّعى عليه، لتمكن أهل السفاهة من امتهان أهل الفضل، ولا يشاء أحد أن يحلف أحداً من أهل الخير والفضل إلا ادعى عليه دعوى يتوصل بها إلى تحليفه وامتهانه.
ولعلك تستخلص من هذا المقال، على ما فيه من الجاز: أن شارع الإسلام يقصد إلى أن يكون للمسلمين دولة ذات صبغة دينية، وأنه سنّ لهذه الدولة سبيلاً متى جمح عنه الحاكم يميناً أو شمالاً، كان مسؤولاً للأمة المسلمة في الدنيا، ولمنزّل الشريعة في الآخرة. وقد حررنا لك فيما سلف: أن الشارع يوجه عنايته إلى حفظ الحقائق أو المصالح، ويترك الوسائل إلى اجتهاد أولي الأمر، يفرض الشارع تنوير عقول الأمة بالعلوم والمعارف، أما أن تكون مدة الدراسة أربع ساعات في اليوم، أو خمساً، وأن يشتغل طلبة العلوم بالسياسة، أو لا يشتغلون، وأن يعقد لهم امتحان في أول السنة، أو آخرها، وأن يمنح التلميذ حرية البحث في نفس الدرس، أو لا يفسح له في البحث إلا بمقدار، فذلك كله، وأمثاله معه، مما ينظر فيه أولو الأمر، ويُجرونه على حسب ما يتراءى لهم من المصلحة.
فقول المؤلف: "إن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنظمة وقواعد وآداب إلخ" إنما هو قول من لم يقف على روح التشريع، ولم يدر أن ما لم تنص عليه الشريعة من الأنظمة، إنما هو من النوع الذي يتبدل على حسب ما تقتضيه طبائع الشعوب، وأحوال الأزمنة.

* أحكام الشريعة معللة بالمصالح الدنيوية والأخروية والمصلحة الدنيوية منها هي ما يبحث عنه أصحاب القوانين الوضعية:
قال المؤلف في (ص 85): "إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات
(9/ 1/248)

وآداب وعقوبات، فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير. وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية، أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية، أم لا، فذلك ما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر إليه الرسول".
يقول المؤلف في هذه الفقرة: إن ما جاء به الإسلام من معاملات وعقوبات غير قائم على رعاية المصالح المدنية، ويقصد بهذا: أنها لا تصلح لأن تتمسك بها الدولة في سياستها، وما هو إلا الهوى تزوج بالعقيدة الشوهاء، فكان من نسلهما هذا الرأي العنيد.
أحكام الإسلام ترجع إلى: عبادات، ومعاملات، وعقوبات.
أما العبادات، فالقصد منها: مصلحة البشر الدينية، وقد تتبعها مصالح دنيوية؛ كما قال تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} {نوح: 10 - 11].
وأما المعاملات والعقوبات، فإنه يراد منها: إقامة المصالح في الدنيا، وتترتب عليها مصلحة أخروية، وهي الثواب عليها في الدار الباقية، متى صحب العمل بها قصدُ الامتثال، وهذه المصلحة الأخروية لا تخرج المصلحة الدنيوية عن أن تكون هي المصلحة التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، وإن شئت تحرير البحث في هذا الصدد، فإليك التحرير:
للنفوس أربعة أحوال: لذة، وسرور، وألم، وغَمّ. فيلتذ الإنسان بالحكمة، ثم بالطيبات من طعام وشراب، وفراش لين، ونوم هادى"، ويسرّ بازدياد الولد وصلاحه، والانتصار على العدو، وأن يكون له لسان صدق في مجالس أهل الفضيلة. ويتألم من الوجع، ومذاق الطعام المر،
(9/ 1/249)

والشراب الملح الأجاج، وأن يقرع سمعه أنكر الأصوات، أو يمس بدنه حرّ سلاح أو سياط. ويغتم لفقد مال أو مفارقة صديق، أو استبداد حاكم غشوم.
ومن البديهي أن النفوس تحرص على ما فيه لذة أو سرور، وتنفر مما فيه ألم أو غم، فكل إنسان يسعى بفطرته إلى ما فيه لذته وسروره، ويحذر ما يلاقي به ألماً وغمّاً، ولا تكاد تصرفاته الصادرة عن إرادة وعزم تخرج عن أن يقصد بها نيل ما فيه لذة أو سرور، أو يحترس فيها عمّا فيه ألم أو غمّ، وإذا اعترض عما فيه لذة أو سرور، فلينال لذة وسروراً أعظم، وإذا اقتحم موقع ألم أو غمّ، فليخلص من ألم أو غمّ أشد أثراً، أو أطول أمداً.
وحيث كان الإنسان مخلوقاً على فطرة تستدعي أن يعيش في جماعة من أبناء جنسه، وتألَّف الناس بالفعل شعوباً وقبائل، أصبحت أسباب اللذة والسرور، والآلام والغموم تتصادم، فربّ عمل فيه لذة شخص أو سروره، يجر لآخر غماً أو ألماً، ورب إحجام إنسان عن موقع ألم أو غمّ يحرم غيره لذة وسروراً.
فنسمي اللذة والسرور وأسبابها: مصالح، أو منافع، ونسمّي الآلام والغموم وأسبابها: مفاسد، أو مضار، ونقول: إن تعارض الدواعي في جلب المصالح ودرء المفاسد يفضي بطبيعته إلى تنازع وتقاتل. فاقتضت الضرورة أن يكون للجماعة قانون يكبح القوى عن الاستئثار بمنافع الضعفاء، ويفصل ما ينتشب بين القوتين المتكافئتين من تدافع وخصام.
فالشرائع السماوية، والقوانين الوضعية، تتحد في أن القصد منها: حفظ المصالح، ودرء المفاسد على وجه يجعل كل أحد يصل إلى ملاذّه
(9/ 1/250)

ومسراته؛ بشرط أن لا يلحق بغيره ألماً وغمّاً، وتنفرد الشريعة السماوية بأن تجعل لتطبيق أحكامها بإخلاص مصلحة أخرى، وهي رضوان الله، أو نعيمه الدائم في الآخرة، وتمتاز بعد كون قوانينها أعدل وأشد مطابقة لمكارم الأخلاق، بأن الطائع لها إنما يطيع أمر ربه الأعلى، لا إرادة مخلوق قد يكون أقل منه علماً، أو أحطّ أخلاقاً، أو أسفه رأياً. وهذا المعنى الذي تختص به الشريعة السماوية، يجعل كثيراً من الناس يمتثلون قوانينها بباعث من أنفسهم، وإن أمنوا من عقوبة السلطان على مخالفتها.
وقد عقد أهل العلم خناصرهم على أن أحكام الشريعة معللة بمصالح العباد في هذه الحياة وفي تلك الحياة، وأن المصالح التي تقصدها الشريعة السماوية ترجع إلى حفظ النفس والدين والعقل والعرض والنسب والمال، فالقصاص -مثلاً- مشروع لحفظ النفس، وحدّ الزنا لصيانة النسب، وحد القذف لصيانة العرض , وعقوبة شارب الخمر لصيانة العقل، والجهاد لحفظ الدين، بل الاستعمار الأجنبي دلّ على أن الجهاد مشروع لحفظ الدين والنفس والعرض والمال، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8].
وكل ما شرع من أحكام المعاملات والتعازيز لا يخرج عن الاحتفاظ بهذه الحقوق.
وقد قال ابن الحاجب (1) في "مختصر منتهى السول" (2): إجماع الفقهاء
__________
(1) عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن الحاجب (570 - 646 ه = 1174 - 1249 م) من كبار فقهاء المالكية وعلماء العربية. ولد في أسنا من صعيد مصر، وتوفي بالإسكندرية.
(2) انظر بحث: دليل العمل بالسير وتخريج المناط من القياس.
(9/ 1/251)

على أن أحكام الشرائع معللة، وأن التعليل يشمل كل فرد من الأحكام ..
وصرح عز الدين بن عبد السلام بأنها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، قال في "قواعده" (1): "فصل في مناسبة العلل لأحكامها، وزوال الأحكام بزوال أسبابها، فالضرورات مناسبة لأباحة المحظورات جلباً لمصلحتها، والجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءاً لمفاسدها". وقرر أبو إسحق الشاطبي في كتاب: المقاصد من "موافقاته": (2) "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً".
ولبناء أحكام الشريعة على مصالح العباد في الدنيا، خاض أهل العلم في البحث عن هذه المصالح، وعقدوا الموازنة بينها وبين المفاسدة ليبنوا الحكم على الراجح منهما عند التعارض، كما فعل أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، وعز الدين بن عبد السلام في "قواعده"، وتجدهم ينظرون إليها كما ينظر إليها أصحاب القوانين الوضعية؛ من حيث عظمها وصغرها، ومن حيث ما يترتب عليها في الخارج من آثار نافعة، أو عواقب سيئة، فهذا عز الدين بن عبد السلام يقول: "فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد: إذا اجتمعمت المصالح مع المفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك؛ امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما، وإن تعذّر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة. قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219]. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة،
__________
(1) نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(2) (ج 2 ص 2).
(9/ 1/252)

حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة ... والضابط: أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد، سُعي في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية من المصالح، سعي في درئها؛ وإن التبس الحال، احتطنا للمصلحة بتقدير وجودها، وفعلناها، وللمفسدة بتقدير وجودها، وتركناها".
ومن جهة التعليل بالمصالح انفتح باب القياس في الأحكام، وهو إلحاق الوقائع بنظائرها المنصوص عليها حيث اشتركتا في علة الحكم، كما قاسموا القضاء في حال المرض على القضاء في حال الغضب المنصوص عليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"؛ لأن علة المنع من القضاء متحققة في حال المرض، وهي قلق الفكر واضطرابه.
قال المؤلف في (ص 85): "قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك التباين الذي نقول: إنه كان بين أمم العرب زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأن تخدعك تلك الصورة المنسجمة التي كان يحاول المؤرخون أن يضعوها لذلك العصر، فاعلم أولاً: أن في فن التاريخ خطاً كثيراً، وكم يخطئ التاريخ، وكم يكون ضلالاً كبيراً! ".
شأن الباحث المحقق أن يحدّ رأيه من كل جهة، ثم يتعرض لما عساه أن يقع في سبيله من روايات المؤرخين، وينقده بحكمة، فيبين مخالفته لسنن الكون، أو لطبيعة حال الأمة التي يقص من أنبائها، أو يعارضه برواية هي أصح سنداً، وأرجح وزناً.
كل إنسان يعلم أن في التاريخ حقاً وباطلاً، ولكن وراء التاريخ علوماً وقواعد تميز حقه من ياطله، وصحيحه من سقيمه.
فهل نقل المؤلف الروايات التي حاول المؤرخون أن يضعوا بها لعهد
(9/ 1/253)

النبوة تلك الصورة المنسجمة، وبيّن وجه مخالفتها للسنن الكونية، أو لطبيعة الأمة العربية، أو نقضها بروايات هي أمتن سنداً، وأوفى وزناً؟.
كل ذلك لم يقع، ولم يزد المؤلف على مزاعم يلف حبلها على غاربها، ويرسلها سائبة في الورق كالضالة غير المنشودة، فلا شبهة تسترها، ولا دليل يقودها؛ كأنه يبعث بها إلى الصم البكم الذين لا يعقلون.
ولو كان هذا المنطق نافعاً، لكان لنا أن نكتفي في نقض هذا الكتاب بأن نقول لقارئه: قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك الكتاب الذي نقول: إن مؤلفه يجهل ما كان بين أمم العرب زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن تخدعك تلك الصورة المزورة التي يحاول أن يضعها للحكومة النبوية، فاعلم أولاً: أن في الآراء خطاً كبيراً، وكم يخطئ الرأي، وكم يكون ضلالاً كبيراً!.
قال المؤلف في (ص 85): "واعلم ثانياً، أنه في الحق أن كثيراً من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلوبهم، وما جمعهم عليه من دين واحد، ومن أنظمة وآداب مشتركة".
يدّعي المؤلف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، والطريق النافع لهذه الدعوى أن ينقد الروايات الشاهدة بأنه - عليه السلام - كان يولي تلك الأمم أمراء يسوسونهم بالكتاب والسنّة والاجتهاد الصحيح، ولكنه بدل أن يأخذ في هذا الطريق العلمي، أخذ يتحدث بما لا يدخل في موضوع البحث، ولا يعود على تلك الدعوى بفائدة.
من أي منفذ يدخل في الموضوع قوله: "أن كثيراً من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلويهم"؟ ومن الذي يلتبس عليه التنافر والتباين في بعض عادات وآداب بالتباين في الحكم ومرجع السياسة؟
(9/ 1/254)

قال المؤلف فىِ (ص 86): "ولكن العرب - على ذلك- ما برحوا أمماً متباينة، ودولاً شتى. كان ذلك طبيعياً، وما كان طبيعياً فقد يكفي أن تخفف حدته، وتقلل آثاره، ولكن لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه".
كأن المؤلف أخذ على عاتقه أن يملأ صحائف معدودة في الحديث عن الحكومة النبوية، وسيان بعد ذلك أن تكون معاينة متناسقة، أم متخاذلة.
موضوع البحث: هل تعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، أم تركت كل أمة على ما هي عليه من فوضى أو نظام؟ وإذاً المؤلف يخرج إلى الحديث عن تنافر العرب، ولا يستأذن قارئي كتابه في هذا الاقتضاب، ثم يدّعي بعد هذا: أن كونهم أمماً متباينة، ودولاً شتى، أمر طبيعي، وما كان طبيعياً، لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه.
التباين في بعض عوائدَ وآدابٍ لا تنافي الفضيلة، شيء يغمض عنه الإسلام طرفه، ولا يهمه أن يزول، أو يبقى خالداً، والذي يعنيه، ويعمل على تنقية الحالة الاجتماعية منه، إنما هي العادات والشؤون التىِ لا تلتئم مع الآداب الرفيعة والمظاهر المألوفة.
فالإسلام يجاهد كل تباين يقوم على عادات ينكرها الأدب، طبيعية كانت أم تقليدية، والدين الذي بلغ بحكمته أن يجعل الرجل طوع أمره، فيهجر من أجله وطنه، ويقاتل في سبيله أباه وأخاه وعشيرته الأقربين، في استطاعته أن يخرج النفوس المؤمنة من ظلمات الجاهلية إلى الشريعة العادلة والسياسة الحكيمة.

* لماذا لم يسم النبي - صلى الله عليه وسلم - من يخلفه؟
قال المؤلف في (ص 87): "وقد لحق - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى من غير أن
(9/ 1/255)

يسمّي أحداً يخلفه من بعده، ولا أن يشير إلى من يقوم في أمته مقامه. بل لم يشر - عليه السلام - طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية، أو دولة عربية".
إن لم يسمّ - عليه السلام - أحداً يخلفه من بعده، ولم يشر إلى من يقوم في أمته مقامه، فليس معنى ذلك أنه لم يُبعث لإنشاء دولة إسلامية، ولم يأت بشريعة تنتظم سياستها. وإنما لم يسمّ أحداً يخلفه، ولم يشر إلى من يقوم مقامه، لمقصد بعيد المدى، وأصل من أصول الدولة يثبّت أساسها، ويزيدها حكمة على حكمتها، وهو: أن الإمامة حق من حقوق الأمة، هي التي تقلدها، وهي التي تنزعها، تقلدها من آنست فيه الكفاية، وتنزعها ممن عجز عن القيام بأعبائها، أو لعبت بقلبه أصابع الهوى، فجعل عاليها سافلها.
وإن تعجب، فعجب قول المؤلف: إن النبي - عليه السلام - لم يشر طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية. ولقد ذهب هذا القلم في الجرأة إلى مكان سحيق.
يقول حفّاظ السنّة: لم نسمع كذا، أو لم يبلغنا كذا، ويقول من ينقل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن "الكامل" للمبردّ: لم يشر - عليه السلام - طول حياته إلى شيء يسمّى: دولة إسلامية!
من مثل هذه العبارة يدرك قراء كتابه الأذكياء وأشباه الأذكياء: أنه يرمي بالكلام جزافاً، ويحاول أخذ قلوبهم، ولو على طريق غير معقول، ومنطق ليس له فروع ولا أصول.
يرمي المؤلف هذه المقالة الخاطئة، وفي السنّة الصحيحة من أحاديث الإمامة ما فيه عبرة لقوم يفقهون، وقد قصصنا منها ما لا يمكن للمؤلف أن
(9/ 1/256)

ينازع في صحته، أو يحرفه بالتأول عن مواضعه.
قال المؤلف في (ص 87): "فكيف إذا كان من عمله أن ينشئ دولة يترك أمر تلك الدولة مبهماً على المسلمين، ليرجعوا سريعاً من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض؟! وكيف لا يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وذلك أول ما ينبغي أن يتعرض له بناة الدول قديماً وحديثاً؟! ".
ترك النبي - عليه السلام - المسلمين على بينة من أمر إمام يقوم بحراسة الدين وسياسة الدنيا، ولم يبق سوى أنه لم يعهد بالخلافة لأحد بعينه. والحكمة في عدم تعيين من يقوم مقام: تعليم الأمة المسلمة أن منصب الخليفة يرجع إلى اختيارهم، وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام المفرغة على قالب الحرية، ولكن المؤلف ينظر إلى سيرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - بمرآة تعكس الحقائق، وتريها له في صبغة غير صبغتها الحسنى.
لم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الدولة مبهماً على المسلمين، ولم يرجعوا سريعاً من بعده يضرب بعضهم رقاب بعض، وما هي إلا مناقشة دارت بينهم في سقيفة بني ساعدة، وسرعان ما طوي بساطها على وفاق وسلام. فإن كان المؤلف يلوّح إلى قتال أهل الردة، فأولئك قوم نزلت بهم ضلالة، أو استحوذت عليهم جهالة، ولو نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إمامة أبي بكر، لنازع أولئك الضالون أو الجاهلون في صحة ما يروى لهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم يعدموا مغالطة يتملصون بها من عهدة ما تفرضه عليهم النصوص الصريحة، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" على ما نقول شهيد.

* بحث لغوي في خلف واستخلف:
حكى المؤلف مذهب ابن حزم في أن النبي - عليه السلام - نص على
(9/ 1/257)

استخلاف أبي بكر بعده، وأن معنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه، لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه.
ثم قال في (ص 88): "والذهاب مع هذا الرأي تعسف لا نرى له وجهاً صحيحا، ولقد راجعنا ما تيسر لنا من كتب اللغة، فما وجدنا فيها ما يعضد كلام ابن حزم، ثم وجدنا إجماع الرواة على اختلاف الصحابة في بيعة أبي بكر، وامتناع أجلّة منهم عنها".
أما كلام ابن حزم، فلم يكن المؤلف أول ناقد له، فقد قال ابن تيمية في "منهاج السنّة" (1): "إن الخليفة إما أن يكون معناه: أن يخلف غيره، وإن كان لم يستخلفه؛ كما هو المعروف في اللغة، وهو قول الجمهور، وإما أن يكون معناه: من استخلفه غيره؛ كما قاله طائفة من أهل الظاهر، والشيعة، ونحوهم". وقال أيضاً: "قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره، واعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول، فدل ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف على أمته، والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلفه غيره، فهو فعيل بمعنى فاعل".
وأما ما ذكر من امتناع أجلّة من الصحابة عن مبايعة أبي بكر، فقد كان ذلك في مبدأ الأمر، ثم أطبقوا على مبايعته، ولم يبق سوى سعد بن عبادة - رضي الله عنه -، قال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" رداً على أحد الرافضة في مقالة له تشبه مقالة المؤلف: "وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر الصحابة، فذلك كذب عليهم، إلا على سعد بن عبادة؛ فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر، هذا مما اتفق عليه أهل
__________
(1) (ج 2 ص 175).
(9/ 1/258)

العلم بالحديث والسير والمنقولات، وسائر أصناف أهل العلم خلفاً عن سلف. وقد علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن مبايعته إلا سعد بن عبادة.

* تحقيق أنه - عليه السلام - جاء للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده:
قال المؤلف في (ص 89): "بل الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه".
جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده، أما كونه - عليه السلام - جاء بشريعة ذات أصول قضائية، وأخرى سياسية، وأن هذه الأصول لم تفرط في شيء من جلب المصالح ودرء المفاسد، فحقيقة يراها عين اليقين كل من تدبر في القرآن، وتفقه في الدين على طريقة الباحث الحكيم.
وقد بصر علماء الإسلام بهذه الحقيقة، وتضافرت كلمتهم عليها، وإن كانوا يختلفون في بعض طرق الاستنباط، ذلك الاختلاف الناشئ عن التفاوت في الفهم، والتفاضل في العلم، والحق قد يخفى على بعض الأفراد، ولكنه لا يستتر عن عيون الجماعات المبثوثة في كل واد.
وأما الدليل على أن هذه الشريعة عامة، لا يختص بهدايتها عصر دون عصر، ولا قوم دون آخرين، فهو الكتاب، والسنّة، والإجماع، والنظر صحيح. أما الكتاب، فقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وقوله تعالى. {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]. وهذا يقتضي أن كل ما تقرر بوحي من عقائد وآداب وشرائع، يعم بخطابه جميع الأمم، ولا يختص بزمان, دون زمان، وكذلك تجد الوعيد على الحكم بغير
(9/ 1/259)

ما أنزل إليه مصنوعاً في صورة العموم، تجده في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وفي آية أخرى: {فأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وفي آية ثالثة: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
وأما السنّة، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (1).
وأما الإجماع، فأوضح من نار على علم، وممن تعرض له أبو إسحق الشاطبي إذ قال في "موافقاته" (2): "والثالث إجماع العلماء المتقدمين على ذلك -كون الشريعة عامة- من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك صيّروا أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة للجميع في أمثالها .. وتقرير صحة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد؛ لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة".
وأما النظر، فإن الأحكام "إذا كانت موضوعة لمصالح العباد، فالعباد بالنسبة إلى ما تقتضيه من المصالح سواء، فلو وضعت على الخصوص، لم تكن موضوعة لمصالح العباد، فثبت أن أحكامها على العموم، لا على الخصوص" (3).
* * *
__________
(1) "صحيح البخاري" (ج 1 ص 70) طبع بولاق.
(2) (ج 2 ص 154).
(3) "موافقات الشاطبي" (ج 2 ص 154).
(9/ 1/260)

الباب الثاني
الدولة العربية
* ملخصه:
قال المؤلف في أول الباب: "إن زعامة النبي - صلى الله عليه وسلم - دينية، وزعم أنها انتهت بموته، وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته، وادعى على غير خجل: أن زعامة أتباعه من بعده غير قائمة على الدين، وأنها نوع لا ديني، ثم تعرض لتأثير دعوة الإسلام في الأمم العربية، ولتهيئهم لإقامة دولة سياسية على أساس الوحدة الدينية، وأتى على بيعة أبي بكر - رضي الله عنه -، وباهت التاريخ بزعمه: أنها قامت على أساس القوة والسيف، وأنها لم تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، وخاض في شبه تنبئك: أنه "يرى النملة جملاً، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلاً "، وانقاد في حديثه إلى أن أبا بكر وغيره من خاصة القوم لم يزعموا أن إمارة المسلمين كانت مقاماً دينياً، ووصل حديثه بأن هناك أسباباً كثيرة ألقت على أبي بكر شيئاً من الصبغة الدينية، ثم قال: وكذلك وجد الزعم بأن الإمارة على المسلمين مركز ديني. وانصرف عن الباب بدعوى: أن أهم أسباب هذا الزعم: ما لقّب به أبو بكر من أنه "خليفة رسول الله".

* النقض:
قال المؤلف في (ص 90): "طبيعي ومعقول إلى درجة البداهة أن
(9/ 1/261)

لا توجد بعد النبي زعامة دينية. وأما الذي يمكن أن يتصور وجوده بعد ذلك، فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلاً بالرسالة، ولا قائماً على الدين. هو إذن نوع لا ديني. وإذا كانت الزعامة لا دينية، فهي ليست شيئاً أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية، زعامة الحكومة والسلطان، لا زعامة الدين، وهذا الذي قد كان".

* حكومة أبي بكر وسائر الخلفاء الراشدين دينية:
هذه حلقة من سلسلة الآراء التي يسطو بها المؤلف حول شريعة الإسلام؛ ليزيحها من المحاكم، ومن مظاهر الدولة، حتى لا يرى للسياسة العفيفة وجهاً، ولا للإباحية المتهتكة زاجراً.
ذهب إلى أن التنفيذ غير داخل في وظيفة الرسول - عليه السلام - السماوية، وأنه لم يكلف بأن يحمل الناس على ما جاءهم به، وترامى في هذه الجمل على حكومات الخلفاء الراشدين، يطعن في عفافها، ويقذفها بسنة اللادينية.
هل للمؤلف أن يغسل قلمه من المواربة، ويحدثنا عن قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]، وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ} [النور: 2]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، ويدلنا على المكلف بتنفيذ هذه الأحكام؟.
ليس بجائز -في نظره- أن يكون المكلف بتنفيذها الرسول - عليه السلام -؛ لأنه "لم يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس
(9/ 1/262)

بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه".
ثم هو ينفي أن يكون المكلَّفُ بتنفيذها ملوك العرب: أبا بكر، وعمر، وخلفاءهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه". وحكومات أولئك الملوك "نوع من الزعامة جديد، ليس متصلاً بالرسالة، ولا قائماً على الدين، هو إذن نوع لا ديني".
ولعله يجيب: بأن الخطاب بها مصروف إلى الأمة، وأنها تتولى دون أولئك الملوك إقامة هذه الحدود على أولئك الجناة، وهي فوضى لا يرضى عنها المستر "أرنولد"، ولا الفيلسوف "لك".
ولم يبق للمؤلف مخلَص سوى أن يقول: إن هذه الآيات نزل بها الأمين على أكمل الخليقة؛ ليتهجد بها الناس، وليرتلوها ترتيلاً! ..
استهتر المؤلف بمبدأ اللادينية، ولم يقنع بأن يجاهد لإعلاء كلمته في الحاضر والمستقبل، حتى صعد نظره إلى الحكومة النبوية، وحكومة الخلفاء الراشدين، فرمى الأولى بما رمى، وحاول أن ينزع عن الثانية لباس التقوى، والله يشهد أن أولئك القوم بآياته يوقنون.
كانت حكومة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حكومة إسلامية، تحكم بما أنزل الله، وتسير في سياستها على السبيل التي رسمتها حكمته البالغة، والأدلة على ذلك كثيرة، ولنكتف منها بالكتاب العزيز، والتاريخ الصحيح.
أما الكتاب، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ
(9/ 1/263)

وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، وفي هذا دليل واضح على أن حكومة أبي بكر - رضي الله عنه - لم تكن من نوع اللاديني؛ إذ الحال الذي ينطبق عليه معنى الآية إنما وقع في عهد خلافته، فإن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قاتلهم أبو بكر بمن معه من الصحابة الأكرمين، وقد أخبر الله تعالى أنه يحبهم، وشهد لهم بأنهم يحبونه، ولو كان يحكم بغير ما أنزل الله، لكان ظالماً، أو فاسقاً، والله لا يحب الظالمين، ويبغض الفاسقين. وليس لأحد ادعاء أن الآية مسوقة في غير المرتدين بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن تاريخ الإسلام لم يقصّ علينا أن قوماً قاتلوا المرتدين الموجَّه إليهم خطاب هذه الآية غير أبي بكر وجنده الغالبين.
ومما يشهد بأن حكومة الخلفاء الراشدين دينية إسلامية: قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 16].
فإن قوله: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} كلام لم يعين فيه "الفاعل الداعي لهم إلى القتال، فدل القرآن على وجوب الطاعة لكل من دعاهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد، يقاتلونهم أو يسلمون، ولا ريب أن أبا بكر دعاهم إلى قتال المرتدين، ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال البربر ونحوهم، والآية تتناول هذا الدعاء كله" (1).
"فإن قال قائل: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي دعاهم، قيل له:
__________
(1) "منهاج السنّة" (ج 4 ص 278).
(9/ 1/264)

قال الله تعالى: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]، فأخبرهم أنهم لا يخرجون معه أبداً، ولا يقاتلون معه عدواً (1) ".
فانظر كيف أوجب الله طاعتهم، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فهو ظالم، أو كافر، والله لا ينزل قرآناً في إطاعة الظالمين أو الكافرين.
وأما التاريخ الصحيح، فهذه سيرة الخلفاء الراشدين محفوظة في الكتب الموثوق بروايتها، فلا تراها إلا شاهدة بأن الخليفة كان يحكم بالكتاب والسنّة، ولا يرجع إلى اجتهاد رأيه إلا إذا أعوزه الدليل منهما، في "صحيح البخاري": "كانت الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنّة، لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -".
وقال أبو عبيد في كتاب "القضاء": "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنّة سنّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جمع رؤساء الناس، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به، وكان عمر يفعل ذلك (2) "!
وتجد هذه السنّة في وصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شريح حين ولاه
__________
(1) "أحكام القرآن" للجصاص (ج 2 ص 445).
(2) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 75).
(9/ 1/265)

قضاء الكوفة: "انظر ما يتبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما لم يتبين لك فيه السنّة، فاجتهد فيه رأيك (1) ".
فقول المؤلف على حكومة أبي بكر: إنها نوع لا ديني، إنما نشأ عن نظرة لا دينية، فهو إذن قول لا ديني.

* أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير أمة أخرجت للناس:
قال المؤلف في (ص 90) يصف الأمة المسلمة في عهد النبوة: "حتى استحالوا أمة واحدة من خير الأمم في زمانهم".
قال الثه تعالى يخاطب هذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] (2)، ولم يوافق ذوقَ المؤلف أن يكون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير أمة أخرجت للناس، وما سمحت نفسه إلا بأن يجعلهم من خير الأمم في زمانهم، ولعله جعلهم من خير الأمم في زمانهم؛ لأنه لا يراهم من خير الأمم في كل زمان، ولو نظر إليهم كأمة عربية فقط، وأصغى إلى ما يمليه عليه التاريخ وحده، لاعترف كما اعترف بعض المؤرخين من غير المسلمين بأن الأزمنة لم تخرج للناس أمة كتلك الأمة عدلاً ورحمة وعفافاً. قال جرجي زيدان في "تاريخ التمدن الإسلامي" (3) يصف حكومة الخلفاء الراشدين: "خلافة دينية، أساس أحكامها
__________
(1) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 71).
(2) (ج 4 ص 35).
(3) (ج 4 ص 35).
(9/ 1/266)

التقوى والرفق والعدل، بما لم يسمع بمثله في عصر من العصور".

* أسباب سيادة الإسلام لعهد الخلفاء الراشدين:
قال المؤلف في (ص 91): "واستعدوا بمثل ما يستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ومستعمرين".
لكل شيء سبب، والمسببات تجيء على حسب أسبابها في القوة والغرابة، وتلك الأمة المسلمة بلغت أشدها، وبسطت أجنحتها على تلك الممالك المترامية الأطراف؛ لأسباب فوق الاتحاد، وفوق ما بأيديهم من قوة مادية.
وأحد هذه الأسباب: اعتقادهم بأنهم يمتثلون أمر الله فيما يفتحون من البلاد، وأنهم يفيضون على العالم هداية وإصلاحاً، وهذا ما يجعلهم على ثبات لا يتزلزل، وإقدام لا يلوي على شيء.
ثانيها: أن حكمة القرآن وسيرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - فتحت بصائرهم، فجعلتهم أبعد الأمم نظراً، وأحكمهم رأياً، وأنجحهم تدبيراً.
ثالثها: سمعة عدلهم ولينُ سياستهم تطير إلى الأمم المحاربة، فتكسر من شدة عزمهم في الدفاع، وتخفف عليها أمر الاستسلام لأولئك الهداة الفاتحين.
فارتفاع شأن الأمة الإسلامية لعهد الخلافة الرشيدة، له أسباب معتادة، وأسباب غريبة، ولهذا كانت سيادتهم باهرة في سعة مظهرها، وحكمة نسجها، وسرعة تكونها؛ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].

* بيعة أبي بكر اختيارية إجماعية:
قال المؤلف في (ص 92): "وإذا أنت رأيت كيف تمت البيعة لأبي
(9/ 1/267)

بكر، واستقام له الأمر، تبين لك أنها كانت بيعة سياسية ملكية، عليها كل طوابع الدولة المحدثة، وأنها إنما قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف".
أخذ المؤلف على قلمه ميثاقاً غليظاً، وفرض عليه أن لا يضرب خطوة إلا أن يخالف قرآناً، أو سنّة صحيحة، أو تاريخاً صادقاً.
جرى عقب وفاة الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - مناقشة في أمر الإمامة كما هو الشأن في كل المسائل المهمة تطرح على بساط المفاوضة، وانتهت هذه المناقشة أو الجدال بمبايعة أبي بكر الصديق، وبعد أن انعقدت له المبايعة على اختيار من أهل الحل والعقد، وتبوأ منصب الخلافة، صار له جند وسلاح، وكذلك دين الحق، وسياسته الرشيدة، تقوم على الحكمة والبيان، ويحرسها السيف والسنان، ولكن المؤلف يخطئ التاريخ الحق، ولا يصيب في فهم ما تقتضيه السنن الكونية.
والتحقيق: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف أن أصحابه لا يختلفون في فضل أبي بكر،
وتفوقه عليهم دراية واستقامة، وهذا ما يجعل الآراء متطابقة على تعيينه للخلافة، ففوّض الأمر إلى اختيارهم لتبقى سنّة إلى الأبد، وذلك ما كان، "ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار؛ طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير ... ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة؛ لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ... ولا قال أحد من الصحابة: إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر، لا من بني هاشم، ولا من غير بني هاشم، وهذا كله مما يعلمه العلماء العاملون بالآثار والسنن والحديث" (1).
__________
(1) "منهاج السنة" (ج 1 ص 139).
(9/ 1/268)

"وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة، وبهم قُهر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم الذين بايعوا أبا بكر ... ولو قدر أن بعض الناس كان كارهاً للبيعة، لم يقدح ذلك في مقصودها؛ فإن نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة الشرعية الدالة على أنه أحقهم بها (1) ". فقول المؤلف: إن البيعة لأبي بكر قامت على السيف والقوة، إنما هو وليد نظرة عجلى، وسقطُ فكر لا يفرق بين من يستولي على الأمة بخيله ورجله، ومن تبايعه الأمة أو جمهورها، ثم تكون له جنداً وظهيراً.

* كلمة في سيرة أبي بكر:
قال المؤلف في (ص 92): "كانت دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية، وكان شعارها: حماية تلك الدعوة، والقيام عليها. أجل، ولعلها كانت في الواقع ذات أثر كبير في أمر تلك الدعوة، وكان لها عمل غير منكور في تحول الإسلام وتطوره، ولكنها -على ذلك- لا تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكنت لهم في أقطار الأرض، فاستعمروها استعماراً، واستغلوا خيرها استغلالاً، شأن الأمم القوية التي تتمكن من الفتح والاستعمار".
نصوغ من سيرة أبي بكر كلمة يتذكر بها القارى": أن ذلك الخليفة الأتقى، إنما كان يعمل لإعلاء كلمة الله، وإقامة شريعته الغرّاء، وإذا نال العرب من وراء هذا العمل مصالح دنيوية، فذلك ما لا يبخس من عمله الصالح نقيراً، ولا يمس نيته الخالصة بسوء.
__________
(1) "منهاج السنة" (ج 1 ص 142).
(9/ 1/269)

اعتنق أبو بكر الإسلام عن يقين كفلق الصبح، وإخلاص لا يحوم عليه رياء. أسلم يوم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى دين الحق، وأولئك القوم الغلاظ الشداد ينغضون إليه رؤوسهم، ويسومون أتباعه سوء العذاب. أسلم يوم لا يخطر في خيال أحد أنه - عليه السلام - سيكثر تابعوه، ويعتز جانبهم، حتى تكون لهم دولة يخضع لسطوتها الجبابرة.
رمى أبو بكر وطنه وراء ظهره، وهاجر رفيقاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صابراً على مضض الاغتراب، ولم يغترب ليستدرّ عيشاً، أو لينهض من خمول، وإنما هي نفس أشربت إيماناً صادقاً، وتجردت لنصرة الحق وطمس معالم الباطل ما وجدت لذلك سبيلاً.
لا يسع المقام لأن نبحث عن سيرة أبي بكر في عهد النبوة أكثر من أن نقول: إنه هاجر إلى الله بقلب سليم، وكان مثال الزهد في غير بؤس، والحلم في غير ضعف، والعزّة في غير عظمة، وما برح يجاهد في الله حق جهاده إلى أن اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرض الوفاة، وقال لهم: "مروا أبا بكر فليصلّ للناس" (1).
صعدت الروح النبوية إلى الرفيق الأعلى، فأخذت الدهشة من الصحابة مأخذاً اضطربت له الأفكار، ونطقت فيه الألسنة بما لا تنطق به في حال وقار وسكينة، فجاء أبو بكر غيبة قريبة، وخطب بما دل على ثبات جنانه، ورسوخ علمه، فقال: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ
__________
(1) "صحيح البخاري" (ج 1 ص 132). وكان هذا من أدلة تقديمه للخلافة، فقد قال بعض الصحابة - رضي الله عنه -: "رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟! ".
(9/ 1/270)

مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، ثم تلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].
فكان له في هذا الموقف حكمة أعادت الحائر إلى يقينه، والمضطرب إلى سكينته.
جاء أبو بكر الخلافة إذ كانت له قدراً، ولم يبسط القوم أيديهم إلى مبايعته ليسوسهم بما يسوس به بعض الملوك رعايتهم من القوانين الوضعية، وإنما قلدوه تلك الرياسة على أن يقودهم بكتاب الله وسنّة رسوله، والاجتهاد الذي يلتئم بأصول الشريعة، وعلى أن يقوم بحراسة الدين، والدعوة إليه بحكمة وعزيمة.
والأدلة على أنه كان يتحرى في أحكامه وسياسته الكتابَ والسنّة مبثوثةٌ في كتب السنّة والآثار، وبالغةٌ في الكثرة إلى أن يحصل بها علم لا تخالجه ريبة. وأقرب مثل لهذا: محاورته لعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة؛ فإنها كانت تدور على فهم حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله". ولم يقدِم أبو بكر على قتالهم حتى التمس الحجّة من قوله في الحديث: "إلا بحقها"، وقال: "فإن الزكاة من حقها، والله! لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلتهم عليه".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد ذكر غير واحد، مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني (1) وغيره، إجماعَ أهل العلم على أن الصدّيق أعلمُ الأمة،
__________
(1) منصور بن محمد بن عبد الجبار (426 - 489 ه = 1035 - 1096 م) من علماء =
(9/ 1/271)

وهذا بيّن؛ فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم، وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنّة" (1).
وأما حراسته للدين، فمن شواهدها: أمره بجمع القرآن في المصاحف حين استحر القتل بالقرّاء في واقعة اليمامة، وقد كان أولئك الخلفاء يعاقبون من خرج عن الدين، ولو في مسائل العبادات، ومثال هذا: أن عمر بن الخطاب لما ثبت عنده حديث: "إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل" توعّد على عدم الاغتسال من المباشرة الخالية من الإنزال وقال: لا أسمع برجل فعل ذلك، إلا أوجعته ضرباً (2) ".
وأما قيامه بنشر الدعوة وحمايتها، فإن قتاله لأهل الردة لم يكن إلا لتثبيت دعائم الدين، وأخذه في فتح الشام والعراق لم يكن إلا في سبيل الدعاية إلى الإسلام، ورفع لوائه. ومن شواهد هذا: قول أحد رجال الدولة الفاروقية المغيرة (3) بن شعبة لرستم (4) قائد جيش الفرس: "فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت، كان لك بلادك: لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك، فالجزية، وإن أبيت
__________
= التفسير والحديث، وكان مفتياً في خران، ولد وتوفي بمرو.
(1) "منهاج السنّة" (ج 1 ص 124).
(2) "إعلام الموقعين" (ج 1 ص 47) طبع سنة 1343 ه.
(3) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر (20 ق. ه - 50 ه = 603 - 670 م) صحابي، ومن القادة والولاة. ولد في الطائف، وتوفي بالكوفة.
(4) قائد فارسي انهزم في معركة القادسية (14 ه = 635 م) أمام الصحابي القائد العربي سعد بن أبي وقاص.
(9/ 1/272)

ذلك، قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك (1) ". وهذه سيرة أبي بكر وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول آية الجزية.
وإذا كان أبو بكر وغيره من الخلفاء الراشدين، يتحرى مقاصد الشريعة، ويسوس الأمة بأصولها، ويحرس الدين من أن تعبث به يد الجهالة أو الأهواء، ويقوم على أمر الدعاية جهد استطاعته، فذلك معنى كون دولته إسلامية، وذلك معنى الخلافة، ولكن بعض الناس لا يفقهون.
يقول المؤلف: "لا تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب ... إلخ".
الذي وقع أن أولئك الخلفاء رفعوا منار الإسلام حتى ضربت أشعته في قلوب أمم كثيرة، وليس من السهل على المؤلف أن يضع على فم التاريخ كمامة، وينكر خدمتهم للإنسانية، وإنقاذهم لتلك الأمم من عماية في العقائد، وسماجة في العادات، وجهالة بطرق السياسة الرشيدة، وإذا انجرّت إلى العرب مصالح، وتمكنوا في أقطار الأرض، فذلك من أثر قيامهم بالدعوة إلى الدين الحنيف، واعتصامهم بحبل شريعته الحكيمة؛ {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].
ولم يسعَ أولئك الخلفاء لترويج مصالح العرب، ولا للتمكين لهم في الأرض، فإن من يزهد في الدنيا زهدَ أبي بكر وعمر، فيقنع منها بالثوب المرقع، والرغيف الخشن، ويعود إلى منزله بضواحي المدينة ماشياً على
__________
(1) "تاريخ ابن جرير" (ج 4 ص 139).
(9/ 1/273)

قدميه، وهو قادر على أن يتمتع بملاذها كما تتمتع الملوك، لا تحمل مساعيه إلا على مقصد أسمى وأشرف من خدمة القومية وحدها، وهو امتثال ما أمر الله به من مدِّ ظلال هذا الدين حتى لا تكون فتنة.
وهذا عمر بن عبد العزيز -الذي كان ينسج في سياسته على منوال الصدّيق والفاروق- كتب إليه عدي بن أرطاة (1) يقول له: "إن الناس قد كثروا في الإسلام، وخفت أن يقل الخراج"، فكتب إليه عمر: "فهمت كتابك، والله! لوددتُ أن الناس كلهم أسلموا، حتى أكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا (2) ".
فالمؤلف يريد أن يقبض روح الإخلاص من سيرة الخلفاء الراشدين، ويبخس أعمالهم الجليلة قيمتها. وإذا التقت الضمائر النقية بالتاريخ الصحيح، يحدثها بأن أولئك السراة رفعوا لواء الحق، وجدعوا أنف الباطل، فجعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، وكانوا واسطة عقد القوم المصلحين.
قال المؤلف في (ص 93): "كان معروفاً للمسلمين يؤمئذٍ: أنهم إنما يقدمون على إقامة حكومة مدنية دنيوية. لذلك استحلوا الخروج عليها، والخلاف لها، وهم يعلمون أنهم إنما يختلفون في أمر من أمور الدنيا، لا من أمور الدين، وأنهم إنما يتنازعون في شأن سياسي لا يمس دينهم، ولا يزعزع إيمانهم".
الاختلاف في المسائل العلمية ينشأ من اختلاف الآراء فيما يصلح،
__________
(1) عدي بن أرطاة الفزاري (... - 102 ه = ... - 720 م) من الولاة الشجعان، ومن أهل دمشق، وقتله معاوية بن يزيد في واسط.
(2) "سيرة عمر بن عبد العزيز" لابن الجوزي (ص 99).
(9/ 1/274)

أو فيمن يليق، فقد يتفق الناس على أن الرياسة العامة غير منفصلة عن الدين، ويختلفون في تعيين من يتولاها وكفايته لها اختلافاً ناشئاً عن تفاوت في النظر، أو هوى في النفس. ومن شأن المؤمنين التنافسُ فيما يكون عمله أشق، وثوابه عند الله أوفى، فلا عجب أن يقع التنافس في الخلافة، أو لا يرضى أحد عن ولاية شخص بعينه، مع اتفاقهم جميعاً على أنها سياسة ذات صبغة دينية.
قال المؤلف في (ص 94): "وما زعم أبو بكر ولا غيره من خاصة القوم أن إمارة المسلمين كانت مقاماً دينياً، ولا أن الخروج عليها خروج على الدين".
ربما لم يخطر على بال أحد التردد في أن إمارة المسلمين مرتبطة بالدين حتى يحتاج أبو بكر إلى التصريح بذلك، ومع هذا، فإن خطبته التي ألقاها في مشهد المبايعة العامة ناطقة بهذا المعنى؛ إذ يقول فيها: "لا يدعْ أحد منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيعُ الفاحشة في قوم، إلا عمّهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم (1) ". فقد آذنهم بأنه سيجاهد في سبيل الله، ولا معنى لإطاعته الله ورسوله إلا اقتداؤه بما جاء في الكتاب والسنة من آداب وأحكام.
والخروج على الخليفة بغير حق يعد في نظر الشارع معصية، ولا يسمّى خروجاً على الدين، إلا إذا صح أن يقال لكل مرتكب جريمة: إنه خارج على الدين، وهم لا يقولونه إلا لمن يرتكب المعصية على عمد واستحلال.
__________
(1) "تاربخ ابن جرير" (ج 3 ص 203).
(9/ 1/275)

الباب الثالث
الخلافة الإسلامية
* ملخصه:
ابتدأ الباب بالحديث عن لقب: "خليفة رسول الله"، وقال: إنه لم يستطع أن يعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترعه، وزعم أن خلافة أبي بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا معنى لها، سوى أنه أصبح كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زعيماً للعرب، ومناط وحدتهم، وتطاول إلى دعوى: أن أبا بكر اختار هذا اللقب؛ ليجمع به القوم حوله؛ لأن فيه روعة، وعليه جاذبية. وادّعى: أن هذا اللقب حمل جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لأبي بكر كانقيادهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الخروج على أبي بكر عند هؤلاء خروجٌ على الدين، وارتداد عن الإسلام.
وزعم: أن محاربة أبي بكر لمانعي الزكاة لم تكن باسم الدين، وإنما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب، وادعى: أن تاريخ تلك الحروب لا يزال مظلماً، وأن قبساً لاح من الحقيقة، وهو حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة (1)، وذهب إلى أنه نزاع بين مالكٍ المسلمِ، وأبي بكر القرشيِّ، وأنه كان نزاعاً في ملوكية ملك.
__________
(1) مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي (... - 12 ه = ... - 634 م) من الفرسان الشعراء، أدرك الإسلام، وولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقات قومه.
(9/ 1/276)

وتعرض إلى إنكار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أبي بكر قتاله المرتدين، وعاودته طبيعة التشكيك في المعلوم بالبداهة، وقال: لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية جعلته مسؤولاً عن أمر من يرتد عن الإسلام أم لا. وزعم: أن ظروفاً خاصة بأبي بكر قد ساعدته على خطأ العامة، وسهلت عليهم أن يُشربوا إمارة أبي بكر معنى دينياً، وفسر هذه الظروف بما كان للصديق - رضي الله عنه - من منزلة ممتازة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ما كان من حذوه حذو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خاصة نفسه، وعامة أموره.
وانساب بعد هذا في الحديث عن السلاطين، وترويجهم الاعتقاد بأن الخلافة مقام ديني، حتى أفهموا الناس: أن طاعة الأئمة من طاعة الله. وأصبحت الخلافة تلصق بالمباحث الدينية، وجزءاً من عقائد التوحيد، وترامى به التخبط في البحث حتى صاح صيحته الكبرى قائلاً: إن الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها.
ثم أشار على المسلمين بأن يهدموا نظامهم العتيق، ويبنوا قواعد مسلكهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم. ثم أغلق الباب، وانصرف شامخاً بأنفه، مصّراً على عناده، كأنه لا يؤمن بيوم تُنشر فيه صحف ذلك الكتاب، ويقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].

* النقض:
قال المؤلف في (ص 95): "لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر - رضي الله عنه - لقب: خليفة رسول الله، ولكنا عرفنا: أن أبا بكر
(9/ 1/277)

قد أجازه، وارتضاه".
خلافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: القيام مقامه في حراسة الدين، وسياسة الناس بمقتضى شريعته، وهذا المعنى تحقق في أبي بكر على ما سنوضحه بمكان قريب، ولتحقق معنى الخلافة في أبي بكر أطبق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ندائه، وخطابه بهذا اللقب. ولكون خطابهم بهذا اللقب صادقاً، رضي عنه أبو بكر، وآثره على أن يلقب بالملك، أو السلطان.
وقد وجدنا في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تسمية القائمين بالأمر بعده: خلفاء، ففي"صحيح مسلم" (1): قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما"، وفي "صحيح مسلم" (2) أيضاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول".
فلم يبق سوى أننا "لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر - رضي الله عنه - لقب: خليفة رسول الله"، وعدم استطاعتنا لأن نعرف ذلك عجز لا ناصف له، وجهل لا يمس تلك التسمية بسوء.
قال المؤلف في (ص 59): "وجدنا أنه استهل به كتابه إلى قبائل العرب المرتدة وعهده إلى أمراء الجنود، ولعلهما أول ما كتب أبو بكر، ولعلهما أول ما وصل إلينا محتوياً على ذلك اللقب".
يريد المؤلف: أن يلوح منذ الآن إلى أن هذا اللقب مخترع؛ لاصطياد "الذين رفضوا الإذعان لحكومة أبي بكر".
__________
(1) (ج 6 ص 23).
(2) (ج 6 ص 17).
(9/ 1/278)

وصل إلينا: أن أبا بكر شيع جيش أسامة (1) وهو ماش، وأسامة راكب، فقال له أسامة: "يا خليفة رسول الله! لتركبن، أو لأنزلن" (2). وبَعْثُ أسامة وقع عند ابتداء حركة الارتداد، ولكن الذي يطالع تاريخ ابن جرير الطبري يفهم أنه بعث قبل أن يكتب أبو بكر كتبه للقبائل، وعهده إلى أمراء الجنود.
قال المؤلف في (صحيفة 95): "لا شك في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان زعيماً للعرب، ومناط وحدتهم على الوجه الذي شرحنا من قبل. فإذا قام أبو بكر من بعده ملكاً على العرب، وجمّاعاً لوحدتهم، على الوجه السياسي الحادث، فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: إنه -بهذا الاعتبار- خليفة رسول الله، كما يسوغ أن يسمّى: خليفةً بإطلاق؛ لما عرفت في معنى الخلافة، فأبو بكر إذن بهذا المعنى خليفة رسول الله؛ لا معنى لخلافته غير ذلك".
لا شك في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان هادياً للعرب والعجم، ومناط وحدتهم على الوجه الذي شرحنا من قبل. فإذا قام أبو بكر من بعده إماماً للمسلمين، وجمّاعاً لوحدتهم على الوجه السياسي العادل، فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: إنه -بهذا الاعتبار- خليفة بإطلاق؛ لما عرفت في معنى الخلافة، فأبو بكر كان إذن بهذا خليفة رسول الله، لا معنى لخلافته غير ذلك.

* أبو بكر لا يخاع الناس بالألقاب الدينية:
قال المؤلف في (ص 96): "ولهذا اللقب روعة، وفيه قوة، وعليه
__________
(1) أسامة بن زيد بن حارثة (7 ق. ه - 54 ه = 615 - 674 م) صحابي جليل، ولد بمكة المكرمة، وأقام بالمدينة المنورة في آخر حياته، وتوفي بالجرف، له 128 حديثاً.
(2) "تاريخ ابن جرير" (ج 3 ص 212).
(9/ 1/279)

جاذبية، فلا غرو أن يختاره الصدّيق، وهو الناهض بدولة حادثة، يريد أن يضم أطرافها بين أعاصير من الفتن، وزوابع من الأهواء العاصفة المتناقضة، ويين قوم حديثي العهد بجاهلية، وفيهم كثير من بقايا العصبية، وشدة البداوة وصعوبة المراس، لكنهم كانوا حديثي عهد برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخضوع له، والانقياد التام لكلمته، فهذا اللقب جدير بأن يكبح من جماحهم، ويلين بعض ما استعصى من قيادهم. ولعله قد فعل".
بحث المسلمون في تاريخ أولئك الرجال المشهود لهم بالصدق فيما يقولون، والإخلاص فيما يفعلون، وقلبوه ظهراً لبطن، فلم يجدوا فيهم من يخادع الناس بالألقاب الدينية، ووجدوا كثيراً منهم لا ينخدعون لمظاهر المرائين، أو بهرج المحتالين، فأبو بكر أفضل من أن يخاع الناس بلقب: "خليفة رسول الله"، وأمةٌ فيها عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، أعقل من أن تنخدع للقبٍ لا ينطبق على معنى في صاحبه، وأتقى لله من أن تترك الألقاب الدينية تُنصب حبائل لاصطياد أغراض دنيوية، ورياسة ملكية.
ولو طالع المؤلف تاريخ أولئك الرجال بالعين التي طالع بها كتاب العلامة (المستر أرنولد)، لعرف أن في نفس الصدّيق شيئاً فوق "ما تستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ومستعمرين"، وذلك الشيء: يقينه بأن الله سيظهر دينه، وأن حركة الارتداد سحابة صيف لا تلبث أن تتقشع، يدرك هذا كل من وقف برهة على حالته النفسية، أو أطل عليها من الكلمات التي كانت تصدر عنه في ذلك الشأن.
وقع إلى المسلمين نبأ الفساد الذي ضرب في القبائل العربية، قبل مسير جيش أسامة إلى بلاد الروم، فقالوا لأبي بكر: "إن هؤلاء جلّ المسلمين،
(9/ 1/280)

والعرب -على ما ترى- قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده! لو ظننت أن السباع تخطفني، لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يبق في القرى غيري، لأنفذته (1) ". فهذه القصة تنبئك بقوة يقين أبي بكر، وأنه يستخف بكل ثورة لا دينية؛ فقد أنفذ جيش أسامة امتثالاً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع أنه لو أمر بإقامته، لوجد في المسلمين عاذراً، ومن الشرع مسوغاً.
فالذي بلغت به قوة الإيمان هذا المبلغ العظيم، لا يحق لأحد أن يرميه باختلا لقب ديني؛ لينتفع به في تكوين دولة لا دينية.

* هل يقال: "خليفة الله"؟
قال المؤلف في (ص 96): "ولقد حسب نفر منهم: أن خلافة أبي بكر للرسول - صلى الله عليه وسلم - خلافة حقيقية بكل معناها، فقالوا: إن أبا بكر خليفة محمد، وكان محمد خليفة الله، فذهبوا يدعون أبا بكر: خليفة الله، وما كانوا يكونون مخطئين في ذلك، لو أن خلافة الصدّيق للنبي - عليه السلام - كانت على المعنى الذي فهموه، ولا يزال يفهمه كثير غيرهم إلى الآن، ولكن أبا بكر غضب لهذا اللقب، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ".
من أهل العلم من منع أن يسمّى بخليفة الله نبي أو غير نبي، وعلى هذا المذهب جرى شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنّة" (2)؛ بعلة أن الخلافة لا تكون إلا عن غائب، والله مع الخلق أينما كانوا، وتأول آية:
__________
(1) "تاريخ ابن جرير" (ج 3 ص 222).
(2) (ج 1 ص 137).
(9/ 1/281)

{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وآية: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26]، بمعنى: الخلافة عمن تقدمه من الخلق، وذهب آخرون إلى صحة إطلاقه على الأنبياء، وبهذا المذهب أخذ القاضي أبو بكر بن العربي، وقال في"عارضة الأحوذي": "وقيل: إن قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} يريد: بعدَ منَ تقدمه من الأمم، ولم يثبت شيء من ذلك، فلا تعولوا عليه، وإنما هو خليفة لله؛ لأن الأمر والحكم له، فخلفه، وأجرى على يديه ما شاء من تدبيره، وسمّاه؛ بما أجرى على يديه من ذلك: خليفة".
فإذا غضب أبو بكر من تسميته: "خليفة الله"، فلأنه لا يجوز إطلاقه على مخلوق، أو لأنه لقب لا يستحقه إلا نبي أو رسول.

* الخليفة عند المسلمين غير معصوم:
قال المؤلف في (ص 96): "حمل ذلك اللقب جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لإمارة أبي بكر انقياداً دينياً. كانقيادهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يرعَوا مقامه الملوكي بما يجب أن يرعوا به كل ما يمس دينهم".
يعرف المسلمون سلفُهم وخلفهم: أن في الوحي الذي نزل به الروح الأمين على أكمل الخليقة عقائد وآداباً ومبادئ حكم وسياسة، وأن أبا بكر استحق اسم خليفة رسول الله، من أجل حراسته لهذه العقائد والآداب، وأخذه في سياسة الأمة بتلك المبادئ، ولقيامه على هذه الوظيفة بأمانة وحزم كان جديراً بذلك الانقياد الذي هو في الحقيقة انقياد للشريعة السماوية. وما كانوا ينقادون له انقيادهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن جميعهم يعلم أن حجرته لم تكن مهبط وحي، وأنه لم يكن بالمعصوم الذي يصيب في كل أمر ونهي، فالخليفة "عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا مهبط الوحي، ولا من حقه الاستئثار
(9/ 1/282)

بتفسير الكتاب والسنّة.
نعم، شرط فيه: أن يكون مجتهداً؛ أي: أن يكون من العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره؛ بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب والسنّة ما يحتاج إليه من الأحكام، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، وشمهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معاً" (1).

* حكم المرتدين في الإسلام:
قال المؤلف في (ص 96): "لذلك كان الخروج على أبي بكر في رأيهم خروجاً على الدين، وارتداداً عن الإسلام. والراجح عندنا: أن ذلك هو منشأ قولهم: إن الذين رفضوا طاعة أبي بكر كانوا مرتدين، وتسميتهم حروب أبي بكر معهم: حروب الردّة. ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله، بل كان فيهم من بقي على إسلامه، ولكنه رفض أن ينضم إلى وحدة أبي بكر لسبب ما، من غير أن يرى في ذلك حرجاً عليه، ولا غضاضة في دينه. وما كان هؤلاء من غير شك مرتدين، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين. فإن كان ولا بد من حربهم، فإنما هي السياسة، والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن دولتهم".
زعم المؤلف أن الخروج على أبي بكر عند جماعة من العرب والمسلمين خروج على الدين، وارتداد عن الإسلام. وزعم أن محاربة أبي بكر لهم لم تكن باسم الدين. وكلا الزعمين من الصور التي يضعها المؤلف في هيئة الحق،
__________
(1) "الإسلام والنصرانية" للشيخ محمد عبده (ص 68).
(9/ 1/283)

وينفخ فيها من روح الباطل، ثم يرسلها على النفوس الزاكية؛ لتخمش وجه عقائدها وآدابها.
ومن أجرأ تلك الجمل: قوله: "ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله".كأنه يريد أن يجعل عدم ارتداد جميعهم رأياً ظهر له وحده، مع أن علماء الآثار والتاريخ يقولون: إن من قاتلهم أبو بكر طائفتان: طائفة تبدلت الكفر بعد الإيمان، وهؤلاء المرتدون، وأخرى قالت: نقوم بشرائع الإسلام إلا الزكاة، وهؤلاء يسمونهم: "مانعي الزكاة"، وهم الذين عارض الفاروق لأول الأمر في قتالهم.
وأما أن محاربة أبي بكر في سبيل الدين ووحدة المسلمين، فلأنه قاتل فرقتين يوجب عليه الدين أن يقاتلهما، وهما: أهل الردة، ومانعو الزكاة.
أما أهل الردة، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54]، ولقتال المرتد حِكَم، منها ما نعلم، ومنها ما لا نعلم، والذي نعلم: أن المشاهدة الطويلة، والتجارب الصادقة أرتنا أن أشد الطوائف عداوة للامة الإسلامية، وأحرصهم على محاربة الدين بما ملكوا من كيد وتضليل، هم الذين جاهروا بالخروج على الدين، وناصبوه العداء بعد أن كانوا يسمون أنفسهم المسلمين، ودلّ الاختبار الصحيح على أن المرتد عن الدين لا يمشي إلا مكبّاً على وجهه، فلا يرعى للفضيلة عهداً، ولا للناس حقاً، ولا ترى له من شأن سوى أن يقذف في طريق تقدّم الإنسان، وانتظام حال الاجتماع سموماً قاتلة للعفاف والسكينة، وكذلك يجب إماطة الأذى عن الطريق.
(9/ 1/284)

* حكم مانعي الزكاة:
وأما مانعو الزكاة، فإن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء نصيباً مفروضاً، وعيّن لهذا النصيب مصارف، ومن هذه المصارف ما يرجع إلى مصالح عامة؛ كالاستعداد لمحاربة الأعداء المشار إليها بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60]، ومنها ما يرجع إلى مصالح أفراد غير معينين؛ كالفقراء والمساكين، وعلى كل حال، فللإمام النظر في هذا النصيب المفروض، وله الحق في جبايته وصرفه في وجوهه المشروعة، وإذا امتنع الغني من دفع ما فرضه الله عليه، وجب على صاحب الدولة انتزاعه منه ولو بالقوة، وإذا أشهر السلاح، جاز قتاله، وكذلك كان قتال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لمانعي الزكاة.

* سبب حروب أهل الردة ومانعي الزكاة:
قال المؤلف في (ص 97): "كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر الصديق، فلقبوا: المرتدين، وعن حروبهم تلك التي لقبوها: حروب الردة".
لم يكن في تاريخ الحروب ظُلمة، ولا في محاربة أبي بكر لمن لقبوا المرتدين ظلم، وحقيقة الحال: أنه عندما ذاع نبأ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنحاء الجزيرة، رفع المضللون رؤوسهم، ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الأعراب، وأخذ الذين انحشروا في الإسلام رياء يعودون إلى جاهليتهم، فأصبح العرب على ثلاث طوائف:
طائفة استمرت على إسلامها الخالص وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام كذلك، إلا أنها جحدت الزكاة على زعم
(9/ 1/285)

أنها خاصة بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عدداً.
وثالثة الطوائف انسلخت من الإسلام، وجاهرت بالردة، وهي قليلة بالنظر إلى جاحدي الزكاة وحدها.
ذهب الذين ارتدوا في طغيانهم يعمهون، وأرسل منكرو الزكاة وفوداً إلى المدينة المنورة ليفاوضوا أبا بكر - رضي الله عنه - حتى يقرهم على بدعتهم، فأبى لهم ذلك، وصمم على مقاتلتهم إذا هم ظلوا في جهالتهم يتردّدون.
انصرفت الوفود غير ناجحة في وفادتها، وعرف أبو بكر أن تلك القبائل المتزلزلة العقيدة متحفزة للوثوب على المدينة المنورة. فأقام على أنقابها حرساً، "فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة مع الليل" (1)، فنهض المسلمون حقاً في وجوههم، وردّوهم على أعقابهم لا يلوون على شيء، ودارت رحى الحرب بين أبي بكر وبين رافعي راية الردة وجاحدي فريضة الزكاة، "فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الاسلام (2) ". وراحت ظلال الأمن والهداية تتفيأ في جزيرة العرب ذات اليمين وذات الشمال.

* واقعة قتل مالك بن نويرة:
قال المؤلف في (ص 98): "دونك حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة أحدِ أولئك الذين سمّوهم: مرتدين، وهو الذي أمر خالد فضربت عنقه؛ ثم أخذت رأسه بعد ذلك فجعلت أثفيةٍ لقدر. يعلن مالك في صراحة واضحة
__________
(1) "تاريخ ابن جرير" (ج 3 ص 223).
(2) "فتح الباري".
(9/ 1/286)

إلى خالد: أنه لا يزال على الإسلام، ولكنه لا يؤدي الزكاة إلى صاحب خالد "أبي بكر". كان ذلك إذن نزاعاً غير ديني، كان نزاعاً بين مالك المسلمِ الثابتِ على دينه، ولكنه من تميم، ويين أبي بكر القرشي الناهض بدولة عربية أئمتها من قريش، كان نزاعاً في ملوكية ملك؛ لا في قواعد دين، ولا في أصول إيمان".
يقول المؤلف فيما سلف: "إن في فن التاريخ خطأ كثيراً، وكم يخطئ التاريخ! وكم يكون ضلالاً كبيراً! ".
ذلك حكمه على التاريخ متى نقل ما لا يلتئم مع عواطفه وشهواته، فإن نقل ما يتخيل فيه شبهة على أن ليس في الإسلام مبادئ حكم وسياسة، أصبح في نظره القول الفصل، والشاهد العدل، دون أن يكلف نفسه بيان وجه الضلال في ذاك، أو وجه الصدق في هذا.
ونحن نقصّ عليك قصة مالك بن نويرة، وانظر ماذا ترى:
لما تنبأت "سجاح " (1) بنت الحارث بن سويد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، راسلت مالكَ بنَ نويرة، وهو عامل على بني حنظلة من تميم، ودعته إلى الموادعة، فأجابها؛ "فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضاً على قتال الناس" (2).
ولما دارت الدائرة على "سجاح"، وانصرفت إلى الجزيرة، ارعوى مالك، وندم، وتحير في أمره، حتى دنا منه خالد بن الوليد، وأرسل إليه سرية
__________
(1) سجاح بنت الحارث بن سويد (... - نحو 55 ه = ... - نحو 675 م) ادعت النبوة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتوفيت بالبصرة.
(2) "تاريخ ابن جرير الطبري" (ج 3 ص 237).
(9/ 1/287)

فيها أبو قتادة، فجاؤوا به وبأصحابه إلى خالد، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلَّوا، فحبسهم عند ضرار بن الأزور، وكانت ليلة ممطرة، فنادى مناديه: "أن ادفئوا أسراكم"، وكانت في لغة كنانة كناية عن القتل، فبادر ضرار بقتلهم، وكان كنانياً، وسمع خالد الواعية (1)، فخرج متأسفاً وقد فرغوا منهم ... ويقال: إنهم لما جاؤوا بهم إلى خالد، خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم، شأن صاحبكم، فقال له خالد: أو ليس لك بصاحب؟ ثم قتله، ثم قدم خالد على أبي بكر، وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة، ويعزله، فأبى ... وودى مالكاً وأصحابه، ورد خالداً إلى عمله" (2).
هذا ما يحكيه ابن خلدون، وهو خلاصة ما رواه ابن جرير الطبري وغيره، ويتلخص منه أن في قتل مالك روايتين:
إحداهما: أن قتله وقع خطأ من جندي لا شأن له إلا أن ينفذ ما يأمر به رئيسه الأعلى.
ثانيتهما: أن خالداً قتله؛ لكلام دله على أنه لا يعترف بخلافة أبي بكر.
وقد رأيت كيف أعرض المؤلف عن الرواية الأولى؛ لأنها لا توافق ما يخالط نفسه "من عواطف وشهوات".
ولنساير المؤلف في هنه الرواية الراجحة عنده، ونبحث فيها من وجهين:
هل كان خالد محقاً في قتل مالك بن نويرة، أم لا؟ وهل ما فعله الصدّيق من معذرة خالد صواب أم لا؟
__________
(1) الصراخ.
(2) "تاريخ ابن خلدون" (بقية ج 2 ص 47).
(9/ 1/288)

الجواب عن السؤال الأول؛ أن كلّاً من عمر بن الخطاب وأبي بكر يرى أن خالداً مخطئ في قتل مالك بن نويرة، غير أن عمر بن الخطاب رأى أن خالداً قتله عمداً بغير حق، فيؤخذ بالقصاص، وأبا بكر رأى بعد أن اجتمع بخالد أنه قتله على خطأ في التأويل، ولهذا دفع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى أولياء القتلى دياتهم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن كل أحد -أستاذاً كان في السياسة أو تلميذاً- يعلم أن لوقت الحرب أحكاماً غير أحكام وقت السلم، فالإمام يتصرف في شؤون الحرب على ما يقتضيه التدبير الناجح، ويتطلبه الانتصار الفاصل، ومن المتعين على الإمام أن يعطي لأمير الجيش الذي وثق بكفايته سلطة واسعة، وكذلك فعل أبو بكر عندما وضع لواء الإمارة في يد خالد، وكان لخالد الأثر العظيم في إطفاء فتنة المرتدين، وإخماد ثورة المنشقين، وإنما وقعت منه هذه الحادئة- قتل مالك بن نويرة- على الرواية المختارة لدى المؤلف، وأبدى عذراً يجعله متأولاً في قتله، فمن السياسة الشرعية أن يقول أبو بكر: "ما كنت أقتله؛ فأنه تأول فأخطأ".
وما ادعاه المؤلف من أن النزاع بين مالك التميمي وأبي بكر القرشي نزاع في ملوكية ملك، لا في قواعد دين، فأمر اشتهته نفسه، ولذَّه قلمه. والواقع: أن أبا بكر "خليفة رسول الله" كان يدعو مالكاً المسلم لإقامة قاعدة من قواعد الدين، وهي الزكاة، ومالك المسلم يأبى إقامة هذه القاعدة. ومما يدخل في وظيفة أبي بكر: أن يحمل كل طائفة مسلمة على القواعد الشرعية، ومما يدخل في وظيفته: أن يجمع شمل المسلمين تحت راية واحدة.
ولو كان للمؤلف ذوق في الإسلام، وإنصاف للتاريخ، لقدر نتيجة
(9/ 1/289)

تلك الحروب حق قدرها، واعترف بما كان لها من فضل على العالم أجمع، فإنها الوسيلة لإحكام عُرى دولة إسلامية خدمت حقوق الإنسان، ورفعت منار العلم، وأرت الناس المساواة والحرية في أحسن تقويم.

* محاورة عمر وأبي بكر في قتال مانعي الزكاة:
قال المؤلف في (ص 99): "ثم ألسنا نقرأ في التاريخ أيضاً: أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - قد أنكر على أبي بكر قتاله المرتدين، وقال: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله".
لم ينكر عمر قتال المرتدين عن الإسلام؛ فإن قتالهم جائز بإجماع، وإنما أنكر قتال مانعي الزكاة، واستشهاده بالحديث صريح في أنه يعارض في قتال قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقد قطف المؤلف من محاورة الشيخين - رضي الله عنهما - إنكار عمر، وترك أمرين، وهما: جواب أبي بكر، ورجوع عمر إلى رأي أبي بكر، وكلاهما ثابت في الصحيح.
قال شيخ الإسلام في "منهاج السنّة" (1): "وأما قول الرافضي: إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه. ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر شبهة في قتالهم، حتى ناظره الصدّيق، وبيّن له وجوب قتالهم، فرجع إليه.
والقصة في ذلك مشهورة.
__________
(1) (ج 4 ص 229).
(9/ 1/290)

وفى "الصحيحين" عن أبي هريرة: أن عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماء هم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"؟ قال أبو بكر: ألم يقل: "إلا بحقها"؛ فإن الزكاة من حقها، والله! لو منعوني عناقاً (1) كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فو الله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبيّن له الصدّيق أن قوله: "بحقها" يتناول الزكاة؛ فإنها حق المال".

* حكمة رأي أبي بكر في تلك الحروب:
قال المؤلف في (ص 100): "لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية صرفة جعلته مسؤولاً عن أمر من يرتد عن الإسلام، أم لا".
لأبي بكر صفة دينية سياسية جعلته مسؤولاً عن أمر من يعلن الردة عن الإسلام، وقد أوفى بعهد الخلافة، وألقى عن عاتقه عبء هذه المسؤولية، فحمى الجزيرة من وباء الردة، وطهرها من رجس الجاهلية، فأصبحت أمة مسلمة قوية الحجة، بديعة الحكمة: إذا حاربت، ظفرت، وإذا حكمت، عدلت.
ولولا أن أبابكر فصد عرقاً ارتجف في جسم الأمة بدم فاسد، لانحرف مزاجها، واختل نظامها، ولم يجد الخلفاء من بعده أساساً يقيمون عليه سياستهم العادلة.
__________
(1) عَناقاً: الأنثى من أولاد المعيز والغنم من حين الولادة إلى تمام الحول.
(9/ 1/291)

* معنى طاعة الأئمة من طاعة الله:
قال المؤلف في (ص 102): "حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله".
لم يُفهم السلاطين الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، وإنما فهموا ذلك من الآيات والأحاديث التي تفرض على أولي الأمر الحكم بما أنزل الله، ثم تحتم على الناس أن يطيعوهم في غير معصية. وإذا كان الحاكم يقتدي في أحكامه وسياسته بأصول الشريعة، ولا يخرج في سياسته عن مقاصدها، كانت طاعته من طاعة الله، وعصيانه من عصيان الله، ويرشد إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري، فقد عصاني" (1).

* السلطان ظل الله في الأرض:
قال المؤلف في (ص 102): "بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه، وظله الممدود على عباده. سبحان الله وتعالى عما يشركون".
ينكر المؤلف أن يقال: "السلطان ظل الله"، ويشير إلى أنه من الشرك، مع أنه ورد: "السلطان ظل الله في الأرض" في أحاديث ترفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي مروية بطرق متعددة: منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، تجد هذه الأحاديث في الكتب المتداولة؛ كالجامع الصغير، وغيره.
__________
(1) "صحيح البخاري" (ج 9 ص 61).
(9/ 1/292)

فإن كان المؤلف لا يدري أن هذه الكلمة: "السلطان ظل الله في الأرض" جاءت في الأحاديث النبوية، فقد ألقى بنفسه في بحث ديني، وهو لا يملك من وسائله سوى القلم والدواة. وإن كان قد اطلع على أنها وردت في الأحاديث المرفوعة إلى رسولالله - صلى الله عليه وسلم -، فليس من شأن العالم المحقق أن يعد ها من أثر الشرك، إلا بعد أن يفحصها بطريق علمي، وينقيها من الأحاديث النبوية.
ولا شبهة للمؤلف في إنكار أن يقال: السلطان ظل الله، فإن معناه صحيح، وحكمته ملموسة باليد؛ إذ الكلام وارد على سبيل التشبيه، ووجه تشبيه السلطان بالظلّ: أن الناس يحتمون به من الظلم والأذى، كما يأوون إلى الظل تفادياً من حر الشمس، ولا يكون السلطان ظلاً ينسب إلى الله إلا إذا كان يسوس الناس بعدل وحكمة.

* وجه ذكر مسألة الخلافة في علم الكلام:
قال المؤلف في (ص 102): "ثم إذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت جزءاً من عقائد التوحيد، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى، وصفات رسله الكرام، ويلقنه كما يلقن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله".
يقول علماء الكلام بأصرح عبارة وأجلى بيان: إن مبحث الخلافة من الأحكام الفرعية، وليست من العقائد في شيء، ويبدون لوضعها عقب مسائل الكلام عذراً بيناً.
قال الكمال بن أبي شريف (1) في "حواشي السعد على العقائد النسفية":
__________
(1) محمد بن محمد بن أبي بكر، كمال الدين (822 - 905 ه = 1419 - 1501 م) فقيه شافعي عالم بالأصول، ولد وتوفي ببيت المقدس.
(9/ 1/293)

"والتحقيق: أن مباحث الإمامة من الفقهيات، لكن لما شاع بين الناس اعتقادات فاسدة، وظهر من أهل البدع والأهواء تعصبات فيها، تكاد تفضي إلى رفض كثيرمن العقائد الإسلامية، ونقض بعض العقائد الدينية، والقدح في الخلفاء الراشدين، ألحقت تلك المباحث بالكلام، وجعلت من مقاصده".
فهذا، وما نقلناه في (ص 33) (1) من كلام السعد في "شرح المقاصد"، والسيد في "شرح المواقف"، يشهد لكم بأن علماء الإسلام يصرحون بأن الإمامة ليست من العقائد، وإنما أوردها بعضهم في علم الكلام؛ للوجه الذي قرره السعد، والسيد، والكمال. فما ينبغي للمؤلف أن يرمي أولئك العلماء بأنهم جعلوا مبحث الخلافة جزءاً من عقائد التوحيد، ويضع للبحث صورة مشوهة، كأنه يصوّت في واد لا ينبت إلا أغبياء أو جهالاً.

* تعسف المؤلف وغلوُّه في إنكار فضل خلفاء الإسلام وملوكه:
قال المؤلف في (ص 102): "تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلّوهم عن الهدى، وعمّوا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضاً استبدوا بهم، وأذلوهم، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم، وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة. وقد ضيقوا عليهم أيضاً في فهم الدين، وحجروا عليهم في دوائر عيّنوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة".
__________
(1) انظرالصحيفة: (رقم 57) من هذا الكتاب.
(9/ 1/294)

اندفع قلم المؤلف ينقر بشوكته في أساس الإسلام؛ ليجرده من جميع مميزاته، ويخرجه عن فطرته، حتى إذا أصبح ديناً ضئيلاً خاملاً، اندمج في الملة التي افتتن المؤلف بتقاليدها.
اخترع للخلفاء الراشدين تاريخاً غيرالتاريخ الذي يحكيه علماء التاريخ والآثار، وحشر في هذا التاريخ المخترع فلسفة المتهالك على أن يقطع صلة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام، إلا أن تكون صلاة أو صياماً.
ذلك القلم الذي انتهك حرمة الشريعة، وساعده أدبه على أن يضع لتاريخ أولئك العظماء صورة مزورة، هو الذي يحثو على سمعك تلك الجمل التي يهجو بها خلفاء الإسلام وملوكه من غير استثناء.
نحن نعلم أن في بعض خلفاء الإسلام وملوكه استبداداً، وسيراً بالأمة إلى وراء. ولكن الذي عرف أن في الفضائل فضيلة يقال لها: الأمانة، وأن فيما يدرسه الأطفال علماً يقال له: التاريخ، لا يسمح لقلمه أن يلتقط من بين مآثرهم الفاخرة الخالدة سيئات يضيف إليها ما يقرؤه في لوح عواطفه وشهواته، ثم ينظم ذلك كله في خيط، ويقول للناس: خذوا سيرة خلفائكم وملوككم.
لم يحك التاريخ أن خلفاء الإسلام وملوكه حرّموا على الناس النظر في علوم السياسة، أو حرموا عليهم باباً من أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة، بل كان الناس يؤلفون الكتب في السياسة، فيتلقونها منهم بكل طمأنينة وارتياح، وترى كثيراً منهم كانوا يظهرون بمظهر الحكمة والرصانة، ويطلقون لدعاة الإصلاح حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانوا يقرّعون أسماعهم بالإنكار على ما يصدر عنهم من تصرفات غير لائقة، فيحتملونها بروية وأناة، وربما قابلوها بالشكر والإقلاع.
(9/ 1/295)

* معنى الرجوع إلى أصول الشريعة في الحكم والسياسة:
يقول المؤلف: "وباسم الدين خدعوهم، وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة".
هذا كله رجم بجهالة، ورمي بسهام خاسئة؛ فإن القوانين التي يفصل بها بين المتخاصمين، لا مرجع لها سوى أصول الدين، مع مراعاة مقتضيات الأحوال. وأما الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة، فشرطُ الدين فيها: أن تكون دائرة على المصلحة، ملائمة للآداب التي شرعها، أما الطرق التي تؤخذ لاتباع الأصلح واللائق، فإنها موكولة إلى نظر أولي الأمر، فيستنبطونها من عقولهم أو تجاربهم، أو يقتدون فيها بصنيع غيرهم، وهذا هو المبدأ الذي يعرفه العلماء، ويسير عليه خلفاء الإسلام وملوكه، غير أنهم يتفاوتون في القيام عليه، فمنهم من يمشي فيه على صراط سويّ، ومنهم من يخلّ به في بعض تصرفاته، فينحرف عنه إلى اليمين أو إلى اليسار.
ومجمل القول: أن انسياب المؤلف في الطعن على خلفاء الإسلام وملوكه بهذه اللهجة التي قرأتم أو سمعتم، أوضح مثال، وأصدق شاهد على أنه لا يكتب عن علم وروية وأمانة، بل يكتب عن شهوة وعاطفة غير إسلامية، وغير عربية.

* الخلافة والقضاء من الخطط الدينية السياسية:
قال المؤلف في (ص 103): "والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلّا، ولا القضاء، ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها،
(9/ 1/296)

ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا؛ لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة".
أتى المؤلف بهذه الكلمات كالنتيجة للأبواب التسعة، وما حشاها به من شبه ومزاعم، وقد نبهنا على منشأ هذه الشبه والمزاعم، فتخاذل أمرها، وذهبت جُفاء.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على ما حاول الطعن به في أدلة الخلافة، وقد عرفت أن الخلافة من الأحكام العملية التي يكتفى فيها بدلالة حديث، أو قاعدة، أو إجماع، وقد قامت هذه الأدلة الثلاثة: السنّة، والقواعد، والإجماع على وجوب نصب الخليفة، فكانت الخلافة ثابتة بما يفيد علماً قاطعاً.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يولّ على الناس من يقوم بالحكم فيما ينشب بينهم من الخصومات. وقد سقنا إليكم الروايات الصحيحة على أن القضاء كان داخلاً فيما يناط بعهدة الأمراء، وأن من الروايات ما نُصّ فيه على القضاء باسمه الخاص؛ كحديث علي، وعمر، ومعاذ - رضي الله عنه -.
ينى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلّغ فقط، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاء به، وقد فندنا هذا الزعم تفنيداً بما أقمناه من الأدلة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مرشداً واعظاً، وإماً منفذاً، وأن التنفيذ داخل في وظيفته السماوية، وأنه كان ينفذ الأحكام عملياً، ومما جاء في "صحيح البخاري" (1): والله! ما انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه قط حتى
__________
(1) (ج 8 ص 160).
(9/ 1/297)

تنتهك حرمات الله، فينتقم الله".
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن ما شرعه الإسلام من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء قليل ولا كثير من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وأنه لا يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية. وقد أريناك أن قواعد الإسلام وأنظمته قائمة على رعاية المصالح التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، فيصيبونها تارة، ويخطئونها تارة أخرى، وأن الواقف على روح التشريع الإسلامي يرى عين اليقين أنه يوافق طبيعة كل زمان ومكان، وأنه لا يهمل مصلحة يقتضيها حال شعب من الشعوب، ولكن المؤلف"من أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة"، ولقد كان علمه بأساليب الحكم السياسي وأنظمة الدول المدنية يشابه علمه بانظمة الإسلام وقواعده وآدابه. ولكون بضاعته في العلم والسياسة مزجاة، خرج كتابه مزيجاً من آراء دينية، وأخرى سياسية؛ فابتسم من نوادرها رجال العلم ازدراء، ونغض إليها السياسيون برؤوسهم هزءاً.
بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على زعمه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشر إلى أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه. وقد عرفت أن أحاديث الخلافة وغيرها؛ كحديث خطبة الوداع: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعواله، وأطيعوا (1) ". ثم وردت آيات الأحكام في صيغ العموم؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] , كل ذلك يدل على أنه جاء بشريعة يرجع إليها المسلمون في حكومتهم بعده، كما كان - صلى الله عليه وسلم - يسوسهم بها في حياته.
__________
(1) "صحيح مسلم" (ج 6 ص 10).
(9/ 1/298)

بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن حكومة أبي بكر كانت لا دينية. وقد سقنا لكم الدليل إثر الدليل على أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يكن ظالماً، ولا فاسقاً، ولا كافراً، وأنه كان يحكم بكتاب الله، وسنّة رسول الله، فإن لم يجد نصاً في الكتاب والسنّة، استشار العلماء من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ بالرأي الذي يرشده روح التشريع إلى قول الحق.
فدعوى المؤلف: "أن الخلافة والقضاء وغيرهما ليست في شيء من الخطط الدينية، وأن الدين لم يعرفها، ولم ينكرها" هي من سلالة آراء لا دينية، فلا دليل يركن إليها، ولا شبهة ظنّ تقوم بجانبها.

* لا حرية للشعوب الإسلامية إلا أن تساس على مقتضى شريعتها:
قال المؤلف في (ص 103): "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له، واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم".
ليس في الإسلام نظام عتيق يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة، وليس في الإسلام نظام عتيق يعد الخاضع له مهاناً أو ذليلاً، وإن في أصول شريعتهم ما يثمر لهم قوانين تفوق قوانين البشر، وتأخذ بمصالحهم أخذ حكيم مقتدر.
فالمسلمون حقاً لا بدّ أن يكونوا أرجح عقولاً، وأرفع همماً من أن يسلوا أيديهم من أصول شريعتهم الفسيحة المجال، الناسجة على أحكم مثال، ويضعوها في تقليد أمم ليسوا بأصوب نظراً، ولا أدرى بالمصلحة.
(9/ 1/299)

فنصوص الشريعة متضافرة على أن الرياسة العامة، وما يتفرع عليها من نحو القضاء، خطط دينية سياسية. فصاحب الدولة إذا ساس الناس بمقتضى نظر الشريعة، كانت سياسته قيمة، وسمّي عند الله عادلاً، فإن خرج في سياسته عن النظر الشرعي، أصبح مسؤولاً بين يدي الأمة في الدنيا، ومؤاخذاً بها يوم يقوم الناس لرب العالمين.
والقاضي إذا صاغ حكمه على أصول الشريعة، كان قضاؤه صحيحاً، ووجب الإذعان له في السر والعلانية، فإن استند حكمه إلى قانون ما أنزل الله به من سلطان، كان حكماً جائراً، ولا يحتمله المسلم إلا أن يوضع عليه بيد قاهرة.
وإذا كانت القوانين لا يخضع لها المسلمون بقلويهم، ولا يتلقون القضاء القائم عليها بتسليم، كان تقريرها للفصل بينهم غير مطابق لقاعدة الحرية؛ إذ المعروف أن الأمة الحرة هي التي تساس بقوانين ونظم تألفها، وتكون على وفق إرادتها، أو إرادة جمهورها.
فالشعوب الإسلامية لا تبلغ حريتها إلا أن تساس بقوانين ونظم يراعى فيها أصول شريعتها. وكل قوة تضرب عليها قوانين تخالف مقاصد دينها، فهي حكومة مستبدة غير عادلة.
فالذين ينقلون قوانين وضعها سكان رومة، أو لندرة، أو باريز، أو برلين، ويحاولون إجراءها في بلاد شرقية؛ كتونس، أو مصر، أو الشام، إنما هم قوم لا يدرون أن بين أيديهم قواعد شريعةِ تنزل من أفق لا تدب فيه عناكب الخيال أو الضلال، وأن في هذه القواعد ما يحيط بمصالح الأمة حفظاً، ويسير بها في سبيل المدنية الراقية عَنَقاً فَسيحاً.
(9/ 1/300)

ولو قيض الله للشعوب الإسلامية رؤساء يحافظون على قاعدة حرية الأمم، لألّفوا لجاناً ممن وقفوا على روح التشريع الاسلامي، وكانوا على بصيرة من أحوال الاجتماع ومقتضيات العصر، وناطوا بعهدتهم تدوين قانون يقتبس من أصول الشريعة، ويراعى فيه قاعدة: جلب المصالح ودرء المفاسد. وبغير هذا العمل لا يملك المسلمون أساس حريتهم، ولا يسيرون في سبيل سعادتهم آمنين.
قام في زمن قريب بعض من تخبطه الجهل والغرور، وصاح في وجه حكومة شعب مسلم صيحة المعربد، منكراً عليها ما قررته في قانونها الأساسي؛ من جعل الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وقد ردّد المؤلف في نتيجة أبوابه التسعة هذه الصيحة؛ إذ حاول أن يقطع الصلة بين الدين والسياسة، ويحارب آداب الإسلام القاعدة للإباحية الفاسقة في كل مرصد، ولكن الفرق بين ذلك الصائح وهذا الصدى: أن الأول وثب على المسألة وثوب أهبل لا يعرف يمينه من شماله، أما المؤلف، فقد أدرك أن الأمة مسلمة، وأن الإسلام دين وشريعة وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين يقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسلامية، فبدا له أن يعالج المسألة بيد الكيد والمخاتلة، ويأتيها باسم العلم والدين، فكان من حذقه أن التقط تلك الآراء الساقطة، خلطها بتلك الشبه التي يخزي بعضها بعضاً، وأخرجها كتاباً يحمل سموماً، لو تجرعها المسلمون، لتبدلوا الكفر بالإيمان، والشقاء بالسعادة، والذلّة بالعزّة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
(9/ 1/301)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(16)

«جَبْهةُ الدِّفَاعِ عن إفْرِيقيَا الشَّمَالِيَّة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(9/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(9/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
من أجل التوثيق السليم لتاريخ تونس في العصر الحديث، ونظراً إلى أن تأريخ الحركة الوطنية الاستقلالية -سواء داخل التراب التونسي، أو خارجه- بحاجة إلى قلم حر منصف، يكتب بصدق طوية، ويؤرخ بنزاهة، ودون ميل إلى أهواء وأغراض.
أقدم هذا الكتاب إلى المؤرخ والباحث كوثيقة من وثائق التاريخ التونسي، لعله يجد فيها واقعة، أو خبراً، أو حتى كلمة يستخلص منها الحقيقة التي نريدها مسطرة في سجل البلد الذي أحببناه، وأردناه أن يكون في طليعة الدول التي تتطلع إلى مستقبل مشرق بقدر ما تعتز وتفاخر بماضٍ مشرق.
إن حصر الجهاد التونسي في زعيم، ونسيان أولئك الأبطال والشهداء والعاملين في الساحة الوطنية، أو وضعهم وتصنيفهم في مراتب ثانية أو ثالثة من مراتب الجهاد، إنّه طعن في صدر الأمة، وامتهان لكرامتها وشرفها، ومن الواجب علينا أن نصحح مسيرة الخطأ، ونعطي كلَّ واحد من المخلصين مكانته في التاريخ دون تزييف.
أقدم -في سبيل هذه الدّعوة الصادقة- كتاب: "جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية" التي أسسها وقام على تحقيق مبادئها في تحرير المغرب الإمام محمد
(9/ 2/3)

الخضر حسين في القاهرة، ولا أقول: إنها الحركة الوحيدة العاملة في ميدان الجهاد المغربي، أو إنها المنفردة بانتزاع الاستقلال من براثن الفرنسيين، بل نسجل بكل تواضع أنها عمل مجيد صنعه رجال أمجاد، فاستحقوا من الوطن كل تعظيم وإعزاز.
ومن المفيد للتاريخ التونسي وكاتبيه ومؤرخيه ومصنفيه ومنصفيه أن أعرض في هذا الكتاب لمحات عن جهاد الإمام محمد الخضر حسين، ودوره الكبير في الحركة الاستقلالية التونسية والمغاربية والإسلامية. وأقول:
من أبرز وأهم ما يتصف به الإمام محمد الخضر حسين في حياته المباركة: تعدد المواهب والخصائص التي كرمه الله بها، وهي ميزات جليلة يضعها الله في بعض عباده الصالحين المخلصين؛ ليكونوا القدوة في كل موهبة تساموا بها إلى أعلى الدرجات علماً وعملاً، وليكونوا مثالاً في عصرهم يحتذى بهم -فيما بعد- من الأجيال التي تحمل رسالة الإسلام، الرسالة التي ستبقى منار العلم إلى يوم الدين ....
فإذا قيل: إنه داعية إسلامية مصلح، وإذا قيل: إنه فقيه عليم، وإذا قيل: إنه مفسر محدّث حافظ، وإذا قيل: إنه شاعر كاتب ناقد، وإذا قيل: إنه لم يسلك إِلا طريق الجهاد في الإسلام، وإذا قيل: إنه جمع في فكره النيّر كل المعاني السامية في الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وضم بين أصابعه قلماً عبقرياً يجول في كل ميدان خدمة للإسلام.
كل هذه الأقوال الصادقة نجدها في صحف الإمام وسيرته - رضوان الله عليه -.
في هذه المقدمة لكتاب "جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية -صفحات
(9/ 2/4)

من جهاد الإمام محمد الخضر حسين لما الذي نخصه للوثائق التي ارتبطت بأعمال الجبهة ونشاطها، والتي نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" على صفحات أجزاء متعددة، رأينا أن في جمعها خدمة للتاريخ -ولتاريخ المغرب العربي خاصة-، ومن الوفاء للإمام أن نستعرض بإيجاز واختصار مشاهد ناطقة من جهاده الإسلامي الذي لم يفتر لحظة، على أمل العودة إلى دراسة مستفيضة لصفحات جهاده - إن شاء الله - في كتاب مستقل لنا أو لغيرنا من الكتَّاب الإسلاميين.
نستعرض في هذا الكتاب بإيجاز يفي بالغرض:
- الحرية في الإسلام - أول دعوة ومحاضرة نهض بها الإمام في تونس.
- في معتقل جمال السفاح في دمشق.
- جهاد الإمام في برلين.
- جمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية.
- جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية.
- الإمام محمد الخضر حسين والرئيس الحبيب بورقيبة.
- وثائق جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية.
- تصريحاته في مشيخة الأزهر بتأييد قضايا المغرب العربي وتنديده بالاستعمار.
ومن أجل التوثيق لتاريخ المغرب، وحفظاً لتلك الأعمال المجيدة التي قامت بها الجبهة برئاسة الإمام محمد الخضر حسين، والتي تعتبر بمجموعها وثائق هامة وجب علينا ضبطها وتبيانها للمؤرخ والباحث والإنسان العربي
(9/ 2/5)

والمسلم. فجمعنا تلك الوثائق في هذا الكتاب. آملين أن نكون قد ساهمنا بهذا الجهد المتواضع في خدمة حركة الجهاد المغربي الإسلامي. والحمد لله على خدمة الإسلام، والحمد لله على نعمة الإسلام.

على الرّضا الحسيني
(9/ 2/6)

الحرية في الإسلام
منذ أن سلك - رضوان الله عليه - طريق الرشاد، وقد راقبت عيناه الجنود الأغراب في تونس، يجوسون خلال الديار، ويعتدون على الأعراض والأموال والأرواح، وينشرون المهانة والمذلة. منذ الخطوة الأولى التي ضربها على الطريق، وفي ذلك الجو المرعب المخيف الذي كان مخيماً على المدن التونسية، وعلى المغرب العربي من حولها، والاستعمار الفرنسي القبيح بوحشيته الكاسرة وجرائمه البشعة التي تهز كل فؤاد هلعاً وخوفاً. نجد الإمام ينظر إلى تلك الأمة المنكوبة في دينها وحريتها وكرامتها، ويرى فيها السكون والركود، فيدعوه إيمانه القوي المتين إلى أن يخوض ساحة المقاومة والمجابهة من أول أبوابها. وهو باب تهيئة النفوس للثورة على الظلم، وشحنها بمهيئات الانتفاضة والتمرد على الطغيان بوجهيه الممثل بالاستعمار الفرنسي البغيض، والخونة من عبيد الحكم الذين مهدوا الطريق له، وأعانوه على شروره وآثامه، ودافعوا عن مصالحهم ومآربهم الخبيثة من خلال تثبيت رأسه وقدمه في البلاد، وكانوا أعوانه وأعضاده، وفي بعض الأحيان المدافعين عن وجوده وبقاء احتلاله المقيت، وكانوا بيده سوطاً على العباد.
من يجرؤ أن يقول كلمة حق في وجه مستعمر جائر؟!
من يستطيع أن يهمس -حتى إلى نفسه- بكلمات الحرية والعدالة الاجتماعية والجهاد؟!
(9/ 2/7)

ويتقدم الإمام المؤمّن الصادق الصابر بخطا ثابتة وسط هذا الشعب الصامد الذي كاد أن يتمزق غيظاً، وفي أعماقه بركان مقفل عليه بالإرهاب.
ويعتلي منبر الخطابة ليفجر قنبلة طالما أقضَّت مضاجع الحكام الطغاة، وهزت عروش الممالك القائمة على الجماجم والأشلاء ... وهي (الحرية).
والحديث عن الحرية في دولة الاستعباد والاستبداد لا يسر المستعمر، ولا يرتاح إليه الطاغوت، ولا يقبل به نظام القمع والتعذيب، ومن أين لفرنسا المستعمرة أن تقبل مثل هذا الحديث؟.
وعندما يخاطر المرء بحياته في ذلك الجو المكفهر، ويزاحم الصفوف لينادي على الأشهاد بكلمات تطرق أسماعهم، وتأخذ بألبابهم، فتطرب لها القلوب، وتعلو بها الهمم، ويقوى بها الضعيف، وتنزل كالصواعق على أعداء الحرية.
لا نقول: إِلا أنه رجل شجاع كبير، لم يرض الامتهان، ورفض قيود العبودية، وخاض مخاضاً صعباً لا يقدر عليه إِلا من آمن بالله رباً، وبالإسلام دينا، وابتغى ما عند الله من بشرى وثواب.
كم هي مضيئة مشرقة تلك الليلة المشهودة في تاريخ تونس ومطلع كفاحها من مساء يوم السبت 17 ربيع الثاني 1324 ه، وقد انتظمت جموع الناس الظامئة إلى العدالة والحق في نادي "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" في مدينة تونس؛ لينصتوا إلى عالم جليل (1)، يطرح على الجماهير (حقيقة الحرية ... الشورى ... المساواة ... الحرية في الأموال ... الحرية في
__________
(1) كان الإمام محمد الخضر حسين في يوم المحاضرة مدرساً بجامع الزيتونة الأعظم، ومدرساً بالمدرسة الصادقية.
(9/ 2/8)

الأعراض ... الحرية في الدماء ... الحرية في الدين ... الحرية في خطاب الأمراء ... آثار الاستبداد).
هذه العناوين الثائرة التي تضمنتها المحاضرة، وفي كل عنوان منها صفعة مؤلمة على رقاب المستعمر وأعوانه. ثم ما تبع المحاضرة من آثار عميقة وبعيدة في ضمائر الأمة، وتداول هذه الألفاظ في المسامرات والنوادي وعلى كل لسان، ثم بعد أن طبعت انتشرت بين الناس، "وأضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت أشعتها في كل واد" (1).
ومن المفيد أن نذكر في سياق المقدمة: أن بعض الحاضرين كانوا من الفرنسبين، الذين استمعوا إلى المحاضر. وقام الإمام محمد الطاهر بن عاشور مخاطباً المحاضر بقوله: "يا أيها الأستاذ النحرير؛ ويا أيها السادة! يسرني أن أقف موقفي هذا؛ لأمثل على مرأى من السادة الحاضرين مقدار الابتهاج والسرور بمسامرتكم الفائقة التي سمح لنا بها هذا النادي أو السامر الشريف، فسمعنا منه فلسفة حقيقية لمبدأ عظيم من مبادئ شريعتنا الإسلامية، وشاهدنا مثالاً صحيحاً للفصاحة والبلاغة العربيتين ... إلخ".
عالِم زيتوني شابٌ، هادئ الطبع، حسن السمت، ينطق همسًا، وثائر في فكره وقلبه، وبركان في صدره، يتحدث عن الحرية في بلد يسوده الظلام
__________
(1) طبعت مسامرة "الحرية في الإسلام" للمرة الأولى سنة (1327 ه - 1909 م) بالمطبعة التونسية - نهج سوق البلاط عدد 57 بتونس، وطبعت عدة مرات في البلدان العربية. ومنها طبعة ضمن كتاب "محاضرات إسلامية" للإمام.
وتحتاج هذه الرسالة إلى بحث عميق ومستقل في ألفاظها ومعانيها وآثارها في الحركة الوطنية التونسية.
(9/ 2/9)

الدامس، ويطمسه سواد الاحتلال، ويغمز من قناة المستعمر وأخيه الحاكم العبد الذليل، إنه أمر جلل، وخطب كبير، ومشهد لا يطيقه الكابوس الجاثم على صدر الأمة (1).
لذا نجد أن الإمام محمد الخضر حسين - بعد هذه المحاضرة - أصبح مطلوباً من السلطة، ومراقباً من عيون الاستعمار الفرنسي الذي أعلن عليه حرباً تمثلت في عدد من الإجراءات الإدارية.
لم تكن فرنسا المحتلة عاجزة عن القبض عليه، ولم تكن يدها قصيرة عن اغتياله على غفلة، أو إعدامه كما فعلت بالآلاف من الناس، ولأسباب تفتعلها.
والرأي عندي أن كلاً من حكومة الاستعمار وحكومة العبيد، لم تلجأ إلى هذا الأسلوب؛ للمكانة العلمية الباهرة التي كانت تحيط بالإمام في أعين طلابه ومحبيه ومعارفه، وللمركز المرموق الذي كان يتمتع به بين علماء الزيتونة. وإن المستعمر الفرنسي والحاكم الذليل كانا حريصين على عدم المساس بالشعور الديني؛ لأن أية محاولة من هذا القبيل تشعل نار أحداث دامية هما في غنى عنها.
إذن لا بدّ أن تكون المجابهة مع الإمام المجاهد في الخفاء، وعلى مراحل يمكن تلخيصها وإيجازها بالحؤول دون وصوله إلى الطبقة الأولى من المدرسين في جامع الزيتونة، رغم كفاءته العلمية التي شهد بها شيوخه
__________
(1) يقول الكاتب الإسلامي الكيير الأستاذ محب الدين الخطيب عن محاضرة "الحرية في الإسلام": دلت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الاسلام من هذه الناحية.
(9/ 2/10)

والعلماء المنصفون. إِلا أن بعض الذين انتدبوا لامتحانه، وبتوجيه من السلطة، منعوا قبوله في عداد الطبقة الأولى (1).
وأقوى سلاح يشهر في وجه العالم: أن يضيق به ميدان العلم، ويضرب الجهلة من حوله القيود والسدود، ولا يجد سبيلاً للانطلاق في الحياة العلمية إلى أقصى غاية .. وهذا من أهم الأسباب والدوافع التي شجعته للهجرة إلى دمشق، والعمل في البحث العلّمي والقضية الإسلامية بقدر ما يستطيع، والرحيل من مضايقات الاستعمار الفرنسي، والانتقال إلى أرض تتمتع بحرية أكثر، واستعباد أقل.
ولتكون دمشق مرحلة من مراحل العمر يتطلع منها إلى ميدان فسيح، وأفق رحيب لم يجدهما في تونس التي ضاقت بعلمه ومعارفه.
__________
(1) سمعت من العلامة الفاضل الشيخ محمد الشاذلي النيفر هذه الواقعة، وأسجلها هنا كما سمعتها منه حرفياً للتاريخ: عُرض اسم الشيخ محمد الخضر حسين والشيخ محمد العنابي للحصول على مرتبة الطبقة الأولى للمدرسين في جامع الزيتونة، فتدخل الشيخ بلحسن النجار، ومنع قبول الشيخ الخضر.
وقال الشيخ الصادق النيفر لولده الشيخ محمد الشاذلي النيفر: إنه لا شك أن للشيخ الخضر أخلاقاً رفيعة، ومع ذلك قد ترجم الشيخ الخضر لوالد الشيخ بلحسن النجار.
ومن شعر الإمام محمد الخضر حسين حول هذه الواقعة -لم ينشر في ديوانه "خواطر الحياة"-:
عجباً لهاتيك النظارة أصبحت ... كالثوب يطرح في يدي قصّار
وأنامل (القصار) تعمل مثل آ ... لات تحركها يد (النجار)
والقصار والنجار من شيوخ الزيتونة.
(9/ 2/11)

في معتقل جمال السفاح بدمشق
صفحة أخرى من صفحات الجهاد الإسلامي التي نقرؤها في سجل حياة الإمام محمد الخضر حسين، حين وجد نفسه بين يدي السفاح التركي جمال باشا في مدينة دمشق. واعتقل في شهر رمضان سنة 1334 ه (15 أوت آب 1916 م) حتى 4 ربيع الثاني 1355 ه (29 جانفي كانون الثاني 1917 م)، وجرت محاكمته أمام المجلس العرفي العسكري، برئاسة فخري باشا، وطلب المدعي العام من هيئة المحكمة إنزال عقوبة الإعدام بالإمام بحجة "أني حضرت مجلساً أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، فأخذت أكافحه بالحجة، وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي" (1). وقد سعى المحامي إلى تأسيس جمعية تدعو إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، والخروج عنها، ثم إن إدارة البوليس "رأتني مسؤولاً
__________
(1) جريدة "لسان الشعب" التونسية - العدد 113 الصادر بتاريخ 16 صفر 1342 ه الموافق 26 سبتمبر أيلول 1923 م. من رسالة بعث بها الإمام إلى صديق له في تونس، رداً على ما ورد في مجلة (البدر) التونسية - العدد الأول من المجلد الثالث، يستشف منه انحياز الإمام لخدمة الدعوة العربية دون الجامعة الإسلامية. كما نشرت الرسالة في كتاب (من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين - رسائل الخضر" الذي جمعت فيه بعض رسائل الإمام.
(9/ 2/12)

عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه، وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه" (1).
ودام الاعتقال ستة أشهر وأربعة عشر يوماً في (خان مردم بك) (2) بمدينة دمشق، وهو مكان مخصص لاعتقال رجال السياسة في عهد جمال باشا. ومن رفاقه في السجن: الرئيس: شكري القوتلي الذي شغل منصب رئيس الجمهورية السورية، وفارس الخوري الذي أصبح رئيساً للوزراء، وسعدي بك ملا (3) الذي أصبح رئيساً للوزراء في لبنان، وكان سكرتيراً لشكري الأيوبي وقت الاعتقال.
وحكم المجلس العرفي بالبراءة (4). وقرر المجلس العرفي ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأة "ولكني لم أتشبث بهذ القرار، وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى" (5).
__________
(1) المرجع السابق.
(2) هو الآن سوق تجاري معروف بمدينة دمشق.
(3) كان الأستاذ سعدي بك الملا رفيق الإمام في زنزانة واحدة، ومن روائع شعر الإمام في المعتقل "ديوان خواطر الحياة":
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضحانا به ليل وسامرنا رمس
فقال رفيقي في شقا الحبس: إن في ال ... حضارة أنساً لا يقاس به أنس
فقلت له: فضل البداواة راجح ... وحسبك أن البدو ليس به حبس
(4) للإمام في مذكراته المخطوطة أفكار مستفيضة عن فترة اعتقاله وأخباره فيها.
(5) كتاب "من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين - رسائل الخضر".
(9/ 2/13)

ومن شعر الإمام في السجن:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إِلا سراباً أو جَهاما
ومن شعره في السجن أيضاً:
ولقد ذكرتك في الدجى والجند قد ... ضربوا على دار القضاء نِطاقا (1)
وقضاة حرب أرهفوا أسماعهم ... وصدورهم تغلي عليَّ حناقا (2)
والمدعي يغري القضاة بمصرعي ... ويرى معاناتي الدفاع سياقا (3)
أتروع أهوال المنون متيماً ... جرّعْته بعد الوصال فراقا
__________
(1) دار القضاء: المجلس العرفي العسكري بدمشق الذي حاكم الإمام.
(2) قضاة حرب: الحكام العسكريون الذين حاكموه.
(3) المدعي: ممثل النيابة العامة، أو المدعي العمومي الذي طلب إنزال عقوبة الإعدام بالإمام. السياق: نزع الروح.
(9/ 2/14)

جهاد الإمام في برلين
تحت أزيز الرصاص، ومع دوي القاذفات والقذائف، وفي الأتون المشتعل لهباً ودماراً، وعجيج الحرب وضجيجها يملأ الأسماع ليل نهار، في ذاك الجو المرعب الرهيب، وقف الرجل المؤمن الصابر يدعو الجنود المغاربة الذين وقعوا أسري الألمان إلى الثورة ضد فرنسا.
لقد جنّد الاستعمار الفرنسي مئات الآلاف من أبناء شمال أفريقيا بالإرهاب والقسر في صفوف جيوشه، وساقهم سوق القطيع إلى مذابح الحرب، ودفع بهم إلى الخطوط الأولى من المعارك التي يخوضها مع ألمانيا، فوقع بالأسر عدد كبير من المغاربة، وخاصة من التونسيين والجزائريين. وكان الإمام يتصل بهم ويؤانسهم, ويحوضهم على القتال ضد فرنسا، وليس معها؛ لأن بلادهم تحتاج إليهم في هذا الموقف، ويدعوهم إلى التطوع والجهاد ضد فرنسا (1).
__________
(1) يقول الإمام في مقال تحت عنوان: "طغيان الاستعمار وخطر الشيوعية - ما نأخذ من نظم الغرب وما ندع" - مجلة "الأزهر" - المجلد الخامس والعشرون الصادر في - غرة ربيع الثاني 1373 ه ديسمبر كانون الأول 1952 م: "كانت هذه الرحلة في أيام الحرب الكبرى، وكنت مع الأسرى الأفريقبين، أتردد عليهم، وأعود إلى برلين، وقد زرت ألمانيا مرتين: أولاهما استغرقت تسعة أشهر، والثانية سبعة أشهر".
(9/ 2/15)

أقام في ألمانيا تسعة أشهر في عام 1917 م، ثم أقام فيها مرة ثانية مدة سبعة أشهر في عام 1918 م، ومن رفاقه في الجهاد: الشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وغيرهم.
شارك في نشاط (اللجنة التونسية الجزائرية) لتحرير بلاد المغرب والدفاع عن قضاياها. وله في الصحف كتابات هامة، كما ألقى المحاضرات على الجنود المغاربة الأسرى في جيوش دول الحلفاء، والعمل على إمالتهم، وضمهم إلى جانب الثورة من أجل الاستقلال والحرية لأوطانهم.
تعلم اللغة الألمانية (1) وأجادها خلال إقامته في برلين وضواحيها،
__________
(1) ذكر شيخ الصحافة التونسية المرحوم الطيب بن عيسى صاحب جريدتي "المشير" و "الوزير" في كتابه: "من مشاهير العلماء المهاجرين - شيخي المرحوم محمد الخضر ابن الحسين، وصديقي المرحوم محمد الهاشمي المكي" طبعة تونس في جمادى الثّانية 1378 ه - جانفي 1959 م، تحت عنوان: "الشيخ الخضر يحسن الألمانية":
"ومن إقامته ببرلين مدة قصيرة، أصبح عارفاً باللغة الألمانية، ولكنه لم يكن ليتظاهر بالمعرفة، وقد حكى لي مترجمه الأستاذ محمد فهمي عثمان التونسي، سفير الأفغان ببرلين عاصمة ألمانيا وقتئذ: أن الشيخ الخضر يعرف الأمانية، ولا يتظاهر بمعرفتها، بل يتخذ أحد المترجمين كدليل له ظاهرياً".
وتحت صورة الإمام في الكتاب أورد أبياتاً لشيخ أدباء تونس الأستاذ محمد العربي الكبادي يقول فيها:
هذا رسم مهاجر مبرور ... رجل العلم والحجا المأثور
عاش دهراً بتونس ينشر العل ... م وفي مصر مات بعد نثر الزهور
(كذا في الأصل) =
(9/ 2/16)

ودرس المجتمع الألماني وعادات الأمة وأحوالها وأخلاقها، كما درس علوم الكيمياء والطبيعة على يد البرفسور الألماني (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين (1).
وكتب عن مشاهداته في برلين (2)، وله ذكريات مبثوثة في المقالات والبحوث التي نشرها فيما بعد، وله شعر بديع قاله في مناسبات مختلفة في ألمانيا ضمن ديوانه: "خواطر الحياة".
وزار سويسرا وإيطاليا لأغراض سياسية.
أصدرت السلطات الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريضه المغاربة على الثورة ضد المستعمر، كما صدر الأمر المؤرخ في 15 جوان 1917 م والذي تضمن: (حجزت بقصد بيعها أملاك الأخضر بن الحسين المدرس السابق في الجامع الأعظم، الذي ثبت عصيانه). ونشر الأمر في "الرائد التونسي" - النسخة الفرنسية - الصادرة في 20/ 6/ 1917 م.
__________
= بين سكانها بحزم وعزم ... من بديع المنظوم والمنثور
رحم الله تربة قد حوته ... وكساه الفخار يوم النشور
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" - الجزء الرّابع عشر- للأستاذ محمد علي النجار.
(2) انظر كتاب: "مشاهد برلين" للإمام محمد الخضر حسين، نشرناه في دمشق، نقلاً عن الجزأين السابع والثامن من المجلد الثامن من مجلة "المقتبس" الدمشقية. وأضفنا في المقدمة ما كتبه عن وقائع له في برلين، والشعر الذي نظمه في تلك البلاد أثناء إقامته فيها.
(9/ 2/17)

جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية
من صفحات الجهاد السياسي التي نطالعها في سيرة الإمام محمد الخضر حسين: حرصه على الدعوة إلى اتحاد الأمة، والعمل على جمع الأفراد في جمعيات تكسبهم قوة. وما تحققه الجماعة لا يحققه الواحد.
أسس الإمام "جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية" سنة 1342 ه - جوان حزيران 1924 م، وسنَّ قانوناً لها. ويقول عنها الإمام: "تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات أفريقيا الشمالية؛ حتى يسيروا مع إخوانهم المصربين جنباً إلى جنب، يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شؤون حياتهم الاجتماعية الراقية، وكذلك يجب على كل جالية تعيش بين قوم ناهضين، وكذلك يجب على كل جالية تعيش في بيئة هي أوسع من أوطانها حرية واحتمالاً للمشروعات الإصلاحية.
وللدعوة إلى المنافسة في الخير، والمسابقة في حَلْبة الشرف والسعادة، طرقٌ شتى، ومن أقربها، وأبلغها أثراً: إلقاء محاضرات تتمثل فيها سيرة رجال أدركوا بصفاء ألمعيتهم، وكبر هممهم مكانةً راسخة، وسمعة فائقة" (1).
__________
(1) من مقدمة المحاضرة التي ألقاها الإمام مساء يوم الجمعة في 5 صفر 1343 ه الجزء الرّابع من المجلد الأوّل لمجلة "الزهراء" الصادر في 15 ربيع الثّاني 1343 ه. وعنوانها (حياة ابن خلدون، ومثل من فلسفته الاجتماعية). وطبعت ضمن كتاب "تونس =
(9/ 2/18)

وقد ساهمت الجمعية في نشاط ثقافي (1)، وشكلت لجنة لنشر آداب أفريقيا الشمالية.
وكانت هيئتها الإدارية على الشكل التالي:
- الإمام محمد الخضر حسين - تونس - رئيساً.
- الأستاذ طاهر محمد التونسي - تونس - عضواً.
- المحامي محمد عبد الوهاب - المغرب - عضواً.
- الدكتور عبد العزيز قاسم - المغرب - عضواً.
- الأستاذ محمد الرزقي - الجزائر - عضواً.
- الدكتور محمد عبد السلام العيادي - الجزائر- عضواً.
- الأستاذ محمد التهامي نصر - ليبيا - عضواً.
- الأستاذ عبد الله الكافي - ليبيا - عضواً.
واتخذت من عيادة الدكتور عبد العزيز قاسم الكائنة في القاهرة - السبع قاعات البحرية بالسكك الحديدية مقراً لها (2).
__________
= وجامع الزيتونة" للإمام، كما نشرت مستقلة عدة مرات في دمشق والقاهرة.
(1) أوردت مجلة الزهراء - الجزء الثالث من المجلد الأول الصادر في 15 ربيع الأول 1343 ه - القاهرة. للأستاذ محب الدين الخطيب قولها "أسست جمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا في القاهرة لجنة لنشر آداب أفريقيا الشمالية العربية وحضارتها برئاسة الأستاذ السيد محمد الخضر التونسي؛ للبحث عن الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع، وإلقاء المحاضرات فيه، وترجمة ما ورد عن ذلك في الصحف والكتب الأجنبية، وقررت نشر ما يحرره أعضاؤها في الزهراء".
(2) ننشر قانون (جمعيات تعاون جاليات أفريقية الشمالية) في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب للتاريخ.
(9/ 2/19)

جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
من صفحات الجهاد الإسلامي التي خطها الإمام، وأضافها إلى سجله المشرق في مقارعة الاستعمار الفرنسي: دعوته لتنظيم جاليات المغرب العربي المقيمة في القاهرة في جبهة واحدة متراصة، غايتها الدفاع عن شعوب شمال أفريقيا: تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا (1).
نظر الإمام محمد الخضر حسين إلى حال دول شمال أفريقيا، وما آلت إليه الأمور على يد المستعمر الفرنسي من محاربة شرسة عنيفة للغة القرآن، ونشر ويلات الجهل والفقر، و (فَرْنَسة) المعاهد العلمية والمؤسسات الحكومية،
__________
(1) يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه "الفكر والثقافة المعاصرة في الشمال الأفريقي": "ولا شك أن محمد الخضر حسين كان علماً من أعلام الفكر المغربي الإسلامي، مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة، وأقام -كابن خلدون- بقية عمره في مصر، وررقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل في ميدان الإصلاح الإسلامي واللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني، ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء (جمعية الشبان المسلمين). وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب العربي وقضاياه، ورسولًا قويا يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب والتجنيس والفرنسة، فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي".
(9/ 2/20)

ونقل البلاد إلى الجنسية الفرنسية من عروبتها وإسلامها، وتحويل المساجد إلى ثُكنات عسكرية، وجعل شعوبها في مذلة ومهانة الاحتلال البغيض، بعد أن كسرت فرنسا الأقلام الحرة، وكممت الأفواه، ولم تعد الآذان تسمع إِلا قرقعة السلاح، والدعوات إلى اعتناق الأفكار الأجنبية الخبيثة، وطرح مكارم الأخلاق، وفي اعتقادهم أن هذا الأسلوب يقود المغرب إلى أن يصبح قطعة من فرنسا، ولم يعلموا -قاتلهم الله- أن القرآن حافظ للغة، وأن الإسلام سيبقى إلى اليوم المشهود. نظر إلى هذا كله، فلم يطق صبراً، وخفقت الروح بين جنبيه تدعوه إلى العمل (1).
والإمام أكثر الناس شعوراً بإرهاب فرنسا وتعذيبها وجرائمها، وقد لاحقته من مطلع حياته في تونس، إلى دمشق، وإستنبول، وبرلين، ثم إلى دمشق والقاهرة، وحكمت عليه بالإعدام، وأمرت بمصادرة أمواله في تونس "ولم تكن لديه أموال".
لبت الجاليات المغربية دعوته المباركة، والتفت حول الإمام في مشهد رائع، وأنشأ جبهة تدعى (جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية)، ومقرها في
__________
(1) من كتاب "من الفكر والقلب" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي يقول تحت عنوان: "محمد الخضر حسين عالم فذ ومجاهد من الرعيل الأول": "كان كأنما يستشعر دائماً أنه لم يخلق لنفسه، وإنما للإسلام، والروح التي تخفق بين جنبيه لم يكن يشعر أنها شيء آخر غير روح الإسلام التي يجب أن تظل خفاقة في عالمه الذي يعيش فيه، ولذا فقد كان يلتمس في الدعوة إلى الحق والثورة على الباطل وإنارة سبل الإسلام غذاء حياته، وراحة نفسه، تماماً كأي شخص يبحث عن هذه الراحة في لقمة الطعام، وجرعة الماء، وأسباب الدنيا".
(9/ 2/21)

دار "جمعية الهداية الإسلامية" في القاهرة (1)، ولم تتخذ لنفسها مكتبًا مستقلاً في البناءة حفظاً على مال الجبهة مع قلته، وفي بناء "جمعية الهداية الإسلامية" متسع لكل عمل إسلامي نبيل.

- عقدت الجبهة اجتماعها الأول في شهر ذي الحجة 1363 ه، وتم انتخاب هيئة المكتب والأعضاء كما يلي (2):
هيئة المكتب
* فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين:
عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية - رئيس

* الأمير مختار الجزائري:
رئيس لجنة الدفاع العليا عن الجزائر - نائب رئيس

* نجيب بك برادة:
عضو مجلس الشيوخ - نائب الرئيس

* الأستاذ الفضيل الورتلاني:
سكرتير لجنة الدفاع عن الجزائر - سكرتير عام

* الأستاذ أحمد بن المليح:
ماجستير بكلية الآداب - سكرتير مساعد
__________
(1) إدارة "جمعية الهداية الإسلامية" ومجلتها "الهداية الإسلامية" التي كان يرأسهما الإمام محمد الخضر حسين تقع في شارع مجلس النواب رقم 29 القاهرة. ونجد نفس العنوان على نشرات ودعوات الجبهة المطبوعة.
(2) نشرت مجلة "الهداية الاسلامية" أسماء أعضاء الجبهة في الجزء السابع من المجلد السابع عشر الصادر في المحرم 1364 ه.
(9/ 2/22)

* الأستاذ محسن مصطفى بيرم:
ليسانسيه بكلية الحقوق - سكرتير مساعد

* السعيد أفندي عمر بن فايد:
من كبار التجار - أمين المال

* أحمد أفندي السعدي:
من التجار - سكرتير مالى

* مصطفى بك بيرم:
مستشار بالمحكمة المختلطة سابقاً - مستشار

* محمود بك الطوير:
مستشار قضائي سابقاً - مستشار

* الدكتور العيادي:
مدرس بكلية الطب - مستشار

الأعضاء
الشيخ إسماعيل علي - مدرس بمعهد القاهرة

الشيخ السعدي محمود - مدرس بمعهد القاهرة

الشيخ إبراهيم أطفيش - موظف بدار الكتب المصرية

حمودة أفندي بن فايد - من كبار التجار

الشيخ عبد الله الصديق - من العلماء

الحاج حسن التلمساني - تاجر

الأستاذ العربي البناني - ماجستير بكلية الآداب
(9/ 2/23)

الأستاذ الصديق سعدي - ليسانسيه بكلية الآداب

الأستاذ مهدي صابر - تخصص التدريس

الأستاذ عبد الكريم بن ثابت - كلية الآداب

الشيخ الهلالي محمد - من العلماء

أحمد أفندي بن دربال - موظف ببنك مصر

وانتخبوا بالإجماع للتمثيل والاستشارة في جامعة الدول العربية الآتية أسماؤهم:

مفوضين
فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين

- نجيب بك برادة

الأستاذ الفضيل الورتلاني

- الدكتور العيادي

مستشارين
نجيب بك برادة

الدكتور العيادي
وسينتخب عضو ثالث عن مراكش.

وجاء في النداء الأول للجبهة، الذي يشير إلى فرنسا وجرائمها: "وما ارتكبته هناك من فضائح التنكيل والتقتيل، لما زاد الوطنبين حماسة لقضيتهم، وقوى اتجاههم إلى العمل لتحرير أوطانهم. وقد عرف صدق عزيمتهم جاليات في مصر من أبناء تلك البلاد، فأنشؤوا جبهة تدعى: "جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية"؛ لتكون عوناً لتلك الشعوب على بسط قضيتهم للعالم الاسلامي، وتتولى الدفاع عنها بيقظة وحزم، وتعمل لهز العواطف
(9/ 2/24)

النبيلة في نفوس الأمم الإسلامية، حتى يشدوا أزرنا في العمل لتحرير (1) وإسعاد خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، وإنقاذهم من الاندماج في الجنسية الفرنسية، وانقلابهم إلى الديانة النصرانية وهما الغرضان اللذان تعمل لهما فرنسا ليلها ونهارها".
عملت الجبهة أقصى ما يمكنها للتعريف في قضايا المغرب، وعقدت المؤتمرات واللقاءات مع المسؤولين العرب والمسلمين، وشرحت للناس كافة في المشرق ما تتعرض له شعوب المغرب، وحفزت الهمم، وكشفت جرائم فرنسا وخططها الدنيئة أمام الرأي العام في بلاد لم تكن تسمع عن المغرب العربي إِلا اسمه.
بذلت الجبهة وسعها في خدمة قضايا المغرب، وكانت أعمالها ومواقفها المشرفة، ومحاضراتها ونشرياتها ومساعيها مع ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية دعماً قوياً لحركات الاستقلال في المغرب (2).
__________
(1) "وكان الشيخ يجهد دهره في تحرير المغرب، فكان رئيس جبهة (الدفاع عن أفريقية الشمالية)، وكانت هذه الجبهة تضم علية الأحرار الذين يسعون إلى نجاة المغرب من حكم فرنسا الجائر، وقد يكون من ثمار هذه الجبهة: ثورة الجزائر، ونهضة تونس ومراكش" - الأستاذ محمد علي النجار في الجزء الرابع عشر من مجلة "مجمع اللغة العربية بالقاهرة".
(2) يقول الكاتب الإسلامي الكبير أخونا الأستاذ سعدي أبو جيب: "لقد عاد لتونس أريج الحرية بفضل الله - سبحانه وتعالى-؛ لأنه أقدرك -يا سيدي العلامة- على النضال الذي كنت تغذي به رجال السياسة والعلم والأدب، حين كانوا يتوافدون إلى دارك العامرة، وإلى رابطة (تعاون جاليات أفريقية الشمالية) التي أسست، والتي قامت بعقد المؤتمرات والندوات لشرح قضية المغرب العربي للعرب، =
(9/ 2/25)

لم يضن بوقته أو مكانته في الأوساط الحكومية والعلمية في مصر من أجل غايات الجبهة وتحقيق أغراضها، الجبهة التي ضم عقدها ثلة من أفاضل القوم، والتف حولها كل مغربي منصف صادق لا يهدف إلى كسب دنيوي، أو سمعة زائفة، أو تزاحم، بل وصراع على الشهرة وخطف الأضواء للوصول إلى كرسي الحكم بأي ثمن. وفي مثل هذا السباق المشين تضيع قضايا الأمة.
قاد الإمام محمد الخضر حسين جبهة الجهاد بكل حزم وإيمان وحب للوطن؛ "فقد كان شديد الاهتمام بوطنه، حريصاً على تتبع حالته والاتصال بأبنائه، وإعانتهم في كل الميادين العلمية والسياسية، حتى الشخصية، وكان بيته كعبة للتونسبين القادمين إلى القاهرة للزيارة أولاً، والإعانة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ثانياً، كما قدم خدمات جليلة للقضية التونسية، فسخر مكانته العلمية والثقافية من أجل مساعدة المدافعين عن هذه القضية؛ من حيث التعريف بهم لدى السلطات المصرية، والهيئات والمسؤولين العرب العاملين بالقاهرة" (1).
__________
= وللمسلمين، وللعالم، وإلى (جبهة الدفاع عن أفريفية الشمالية) التي لعبت دوراً رائعاً في وحدة النضال عند شباب المغرب العربي الأحرار". ويقول أيضاً: "كيف ينسى تونس الخضراء، وهو الذي ألقى المحاضرات، وكتب الدراسات المستفيضة عن الحالة العلمية في ذلك الوطن، وقدم بأدب وفخر واعتزاز للمجتمع المصري أعلاماً من تونس لم يكن لاسمهم ولسيرتهم من ذكر في مصر، فأي تعبير عن حب الوطن والوفاء له أصدق من ذلك؟ " - مجلة "حضارة الإسلام" - العدد الرابع - السنة الثامنة عشر- جمادى الآخرة 1397 ه - حزيران 1977 م - دمشق.
(1) الأستاذ محمد مواعدة في كتابه: "محمد الخضر حسين - حياته وآثاره" طبعة
دمشق سنة 1412 ه - 1992 م - صفحة 118.
(9/ 2/26)

وانضم إلى الجبهة أكثر اللاجئين السياسيين المقيمين في مصر، ونخبة من المناضلين المغاربة من الحزب الحر الدستوري التونسي، وجمعيات العلماء المسلمين الجزائربين، وحزب الشعب الجزائري، وعدد من المستقلين والعاملين في الدعوة الإسلامية، أمثال: الفضيل الورتلاني، ومحيي الدين القليبي. ومن المؤازرين لها: أحمد تيمور باشا - رحمه الله -.
لم يرق لبعض السياسيين أن تستمر الجبهة برئاسة شيخ يلبس الزي الأزهري، ويضع على رأسه العمامة، ويخاف الله في السر والعلن، ويجعل من قضايا المغرب العربي قضايا إسلامية بالمرتبة الأولى. ووجدوا أنفسهم في الصفوف الخلفية من الاستعراضات أمام عدسات التصوير وفي المنتديات والنوادي.
ولم يكن ممكناً أن ينزعوه من رئاسة الجبهة؛ لمكانته السامية في قلوب المغاربة والمصربين على سواء. فعمدوا إلى الانشقاق عنها ومحاربتها، وإقامة منظمات أخرى، وتنازعوا، وذهب ريحهم، وتفرقوا إلى مكاتب، وتفرق المكتب إلى تكتلات. مما لا فائدة ترجى من تفصيله هنا.
رأى الإمام أن هذا الصراع بؤرة فاسدة لا تؤدي إلى خير، وأنه هو الشيخ الوقور، والعالم الزاهد، والمجاهد الصامت، لا يعنيه مثل هذا التكالب والتناطح، ووجد نفسه أنه قد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وفي جعبته أعمال جليلة أخرى يخدم بها رسالة الجهاد والإسلام (1).
__________
(1) قال أحد الكتاب في جريدة "أفريقيا الشمالية" تونس - العدد 27 الصادر في 29 جويليه الموافق 15 شوال (سنة 1950 م - 1369 ه):
"فيما يتعلق بشخصية مفخرة المغرب الإسلامي العلامة الجليل الشيخ الخضر =
(9/ 2/27)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حسين، وجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا التي كان يرأسها، وما لاقاه في القاهرة من معاكسات المفسدين من رجال مكتب المغرب العربي، أذكر لكم: أن الشيخ الخضر هذا هو أول من أسس من أبناء المغرب في القاهرة جمعية تلم شتاتهم، وتوحد قواهم للدفاع عن أوطانهم، وذلك إثر قدومه إلى القاهرة بعد جهاد طويل في سبيل المغرب، لاقى فيه ما لاقى، وتحمل النوائب الجسام، وأنفق من ماله ووقته وصحته الشيء الكثير دون أن يطالب أحداً بدرهم، أو يمده أحد بمال، ولا كلمة شكر، فكان جهاده خالصاً لله، منقطعاً فيه إلى المثل الأعلى.
قدم إلى القاهرة، فأسس جمعية اتحاد جاليات شمال إفريقيا، اجتمع فيها الليبيون والتونسيون والجزائريون والمراكشيون، ودامت هذه الجمعية تعمل للدفاع عن المغرب، حتى جاءت الحرب الأخيرة، فتعطلت عن العمل كسائر الجمعيات، وبعد هذه الحرب أسست الجالية الاسلامية في القاهرة جمعيات للدفاع عن أوطانها والذود عن قضاياها.
فأسس الشيخ الخضر جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا بدلاً من الجمعية الأولى، وأخذ يعرض قضية المغرب بواسطتها على وفود دول الجامعة العربية وغيرها من المنظمات الدولية، وملأ صحف الشرق كله دعاية لقضية المغرب، وسخّر منابر الأحزاب والجمعيات لهذه الغاية، في مصر والعراق وسورية ولبنان والحجاز، حتى أصبح العالم العربي والعالم الإسلامي على بينة من هذه القضية.
ولا أقول هذا مجرد دعوة، بل المطبوعات التي طبعت ووزعت في هذا الشأن من رسائل ومجلات وجرائد وتقارير تشهد بهذا، ومكتبات الشرق زاخرة بها، وأصبح نادي جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا هدف كل زعيم وعظيم، ومرجعاً تستقى منه أخبار هذه الأقطار.
فقام جماعة ممن اتخذوا السياسة تجارة، ولم ترق لهم أعمال المخلصين، فأسسوا مكتب المغرب العربي؛ لمقاومة الجبهة، والقضاء عليها؛ إذ لم يقدر لهم أن يكونوا فيها رؤساء وزعماء، وهم يريدون، من الجهاد الرئاسةَ والزعامة وكسب المال ... إلخ".
(9/ 2/28)

يقول الأستاذ عبد القادر سلامة عن الإمام: "كان - رحمه الله - علَماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين وجامع الزيتونة، ومفخرة للمغرب الإسلامي كله، كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن" (1).
__________
(1) كتاب: "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر" (صفحة 146).
(9/ 2/29)

الإمام محمد الخضر حسين والرئيس الحبيب بورقيبة
كثيراً ما تجنبت الخوض في الحديث عن طبيعة العلاقة بين الإمام وبورقيبة؛ لأن هذه الأحاديث لا تقدم أو تؤخر في مكانة الإمام العلمية، وليس من فائدة ترجى من وراء إذاعتها ونشرها. وكثيراً ما أصر رجال الفكر والأدب -وخاصة في تونس- أن أقول ما عندي، وأخرج ما في جعبتي، فكنت أعتذر، وأصر على الاعتذار بما يزيد على إصرارهم.
من الواجب عليَّ أن التزم برغبة الإمام التي أعربَ عنها مرات ومرات أن لا تنشر مذكراته التي أعدها تحت عنوان: "مراحل الحياة" في ثلاثة أجزاء.
وعندما اقترح عليه بعض العلماء في القاهرة نشر هذه المذكرات قال لهم: "لقد فكرت في نشرها أو عدم نشرها، واستخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكي نفسي، وليستفد من شاء بما شاء من كتاباتي" (1)، ومذكراته - رحمه الله - تناول فيها الحديث عن رجال السياسة في عصره. سواء في تونس وسورية ومصر،
__________
(1) انظر كتاب: "أحاديث في رحاب الأزهر "اللإمام محمد الخضر حسين، والذي أعددته عن نشاط الإمام العلمي في الأزهر - كلمة الدكتور زكي البري في احتفال بذكرى الإمام.
(9/ 2/30)

وفيها عبارات صريحة لا ترضي المزيفين من رجال السياسة والعلم والتاريخ.
ولكن أجدني مضطراً لتصحيح وقائع تاريخية، حرّفها من صورها في محاضراته، وتحدث فيها عن بطولاته، ونشرت عبر وسائل الإعلام والصحف والكتيبات، وما أردت بهذا التصحيح أن أخرج عن طاعة الإمام، لولا أن الرئيس بورقيبة لم يقل ما يجب أن يقال، والحق أحق أن يتبع.
زرت تونس للمرة الأولى، ودخلتها براً من مدينة "بن غردان" في 8/ 11/ 1957 م، وغادرتها جواً من مطار "العوينة" في 17/ 11 / 1957 م.
وقد شجعني على هذه الزيارة سماحة العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذى كان يعاملنا كأبنائه، نتيجة المحبة الصادقة القائمة بينه وبين سيدى الوالد زين العابدين، وكان يرأس مكتب جمعية العلماء الجزائريين في القاهرة. وطلب من بعض العاملين في الحركة الوطنية الجزائرية أن يرفدوني رفيقاً لهم في رحلة برية عبر ليبيا إلى مدينة تونس، وكانوا في مهمة لنقل المعونات إلى جبهة التحرير. وسعدت بتلك الرحلة التي واصلت سيرها ليلاً نهاراً، وكنت في رفقة المناضل العالم الشيخ العباس بن الحسين الذي استلم في آخر حياته إماماً لمسجد باريز.
نزلنا في فندق متواضع في نهج قرطاج، وفي اليوم التالي اتصلت بالعلامة البحر الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، مفتي الجمهورية التونسية، ولمست من سعادته وابتهاجه في وجودي بتونس ما أكد لي الصداقة النادرة التي كانت تربط العم الإمام محمد الخضر حسين بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، الذى تشرفت وتباركت بلقائه في قصر آل عاشور بالمرسى بتونس على حفل عشاء خاص. ووجد علماء تونس ورجالها في شخصي ممثلاً للإمام
(9/ 2/31)

ومن عائلته، فلقيت من التكريم ما لا قدرة لي على وصفه أو شكره في آن واحد.
أنبأ العلامة محمد الفاضل بن عاشور الرئيس بورقيبة عن وصول فرد من عائلة الإمام محمد الخضر حسين، وكأني بالشيخ الفاضل قصد تكريم الإمام من خلال الاهتمام بي، لاسيما وأن هناك مشاورات قائمة لزيارة الإمام إلى تونس.
انتقلت إلى فندق (تونسيان بلاس) أفخم فندق آنذاك، ويضيافة الرئاسة، والتقيت بالرئيس بورقيبة في قصر قرطاج برفقة شيخنا الفاضل بن عاشور، وكان اللقاء مدة جرت فيها ذكريات عن الإمام الخضر، والرئيس بورقيبة، واستمعت منه لأقوال - صادقة عن جهاد الإمام وفضله وعلمه، وما قدمه لتونس من سمعة راقية في العالم الإسلامي.
وللتاريخ أقول: إن الرئيس بورقيبة في ذاك المجلس الخاص أبان عن مكانة عظيمة يكنها ويحفظها في صدره للإمام، وما قدمه له شخصياً من مساعدات أثناء دخوله مصر.
ولكن يبدو أن للسياسة أخلاقاً خاصة بها ... وها هو الحبيب بورقيبة يتحدث عن الإمام في إحدى محاضراته عام 1973 م، فيقول عن رحلته إلى القاهرة عام 1945 م عندما وقع اعتراضه من قبل السلطات على الحدود الليبية المصرية؛ لعدم وجود جواز سفر في حوزته: "لكني وجهت برقيات إلى السيد عبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية في تلك الفترة، وإلى الشيخ الخضر بن الحسين، وهو أصيل منطقة الجريد بتونس، شغل منصب شيخ الأزهر في عهد اللواء نجيب، وكان يرأس جمعية الدفاع عن
(9/ 2/32)

شمال أفريقيا، وطلبت منهما أن يقوما بعمل يمكنني من الحصول على صفة لاجئ سياسي، ومن السماح لي بالعمل ... ".
ولم يتحدث بورقيبة صراحة أن الإمام قام بمساعي حميدة، وتعهده الشخصي لدى اللواء صالح حرب باشا، ووزارة الداخلية؛ مما سهل وصوله إلى القاهرة، وبكل تكريم، وإقامته في دار الإمام المتواضعة الليلة الأولى، وانتقاله للمبيت في اليوم التالي إلى غرفة خاصة لدى إحدى الجمعيات الإسلامية أعدها له الإمام.
وفي مواضع أخرى من المحاضرة يقول بورقيبة: "وفي يوم من الأيام اتصلت بي سفارة فرنسا في القاهرة، وعرضت عليَّ الاتصال بها، وإجراء حوار للتفاهم، فلبيت الرغبة مؤكداً أني دوماً على استعداد للتفاهم. وتقابلت مع (الكابيتان سوليي) مستشار السفارة ... فسلمت له تقريراً يظهر أنه نال إعجابه؛ نظراً لصيغته المعقولة ...
وبعد مدة اتصل الشيخ الخضر بن الحسين بجماعة ليقول لهم: إن الأنباء متواترة عن اتصال سي الحبيب بالسفارة الفرنسية، والتواتر يفيد القطع. فقلت له: أنا أعرف فرنسا، وأعرف سجونها التي لا تعرفها أنت ... "
أضع هذه الكلمات تحت النظر دون تعليق. ولكن أقول كلمات: إن اتصال بورقيبة بالفرنسيين بالقاهرة كان السبب في إخراجه من جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية، وكتفي بهذه العبارات؛ لأن التوسع فيها يوصل إلى طريق الخروج عن رغبة الإمام في عدم التعرض لمذكراته. وفي أوراق الإمام أحداث وأحداث ليته سمح بنشرها - رضوان الله عليه -.
ومن الوفاء للتاريخ أن أقول: إن الرئيس بورقيبة أوعز إلى السفارة
(9/ 2/33)

التونسية بالقاهرة يوم وفاة الإمام في 3 رجب 1377 ه الموافق 3 فبراير شباط 1958 م بنقل جثمانه الطاهر إلى تونس.
ليُوارى الثرى هناك في الأرض التي أحبها وأحبته، وأوعز إلى السفارة بنعيه بقولها: "كان رحمة الله عليه - من المجاهدين الأوائل الذين أرسوا دعائم الحركة الوطنية التونسية، وممن شردهم الاستعمار عن وطنهم، فهاجر يحمل صوت بلاده إلى مختلف الأقطار، حتى استقر به الطواف في مصر الشقيقة؛ حيث واصل نشاطه في سبيل الإسلام والعروية. رحمه الله واسعة، وأقر عين الإسلام والعروبة بما كان الشيخ الخضر يأمله لهما" (1).
__________
(1) "جريدة الأهرام" - العدد 25988 - تاريخ 3/ 2 / 1958 م - القاهرة.
(9/ 2/34)

جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (1)
برقية أرسلت إلى كل واحد من وزراء خارجية الدول الخمس: إنكلترا، وأمريكا، وروسيا، والصين، وفرنسا.
بمناسبة اجتماعكم للنظر في مصير الشعوب، وأمامكم الهدف السامي الذي هو بناء سلام عام تسعد به الأمم قاطبة، تذكر جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية مؤتمركم الموقر بأن في شمال أفريقيا: تونس، والجزائر، ومراكش نحو خمسة وعشرين مليوناً من العرب، سيشاركونكم في بناء السلام العام، متى ساعدتموهم على التخلص من الاستعمار الجائر، وأصبحوا يديرون شؤونهم السياسية بأيديهم.

رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثّامن عشر الصادر في رجب 1364 ه - القاهرة.
(9/ 2/35)

مع رئيس جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا لحضرة الأستاذ مندوب مجلة مصر الفتاة (1)
أقامت جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا التي يرأسها فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين مأدبة شاي في دار (الهداية الإسلامية)، وقد حضر الحفل كثير من حضرات إخواننا العرب المهتمين بالشؤون العربية، كما حضره الصحفيون، ويعض أعضاء مجلس النواب، وقد خطب في هذا الحفل حضرات الأساتذة: رئيس الجبهة، وأحمد السعدي، والفضيل الورتلاني، وأحمد الحصري "نائباً عن الأستاذ أحمد حسين رئيس مصر الفتاة)، والنائب المحترم محمد حنفي الشريف.
وقد دار الحديث بين فضيلة رئيس الجبهة ومندوينا عما يهم قضية شمال أفريقة ملخصاً في هذا الحديث:
س - يقول كثير من المتتبعين لشؤون السياسة: إن شمال إفريقيا خلق للاستعمار، فهو للآن لم يتخذ لنفسه خطة الدول التي تريد الحرية، ويضربون المثل لما حدث بعد هذه الحرب من انقيادهم لفرنسا رغم ضعفها، فما رأيكم؟
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثّامن عشر الصادر في شعبان 1364 ه - القاهرة.
(9/ 2/36)

ج - إذا صح أن يكون في الشعوب من خُلق للاستعمار، فإن شمال إفريقيا خلق غير هذا الخلق، وأول بلاد في شمال أفريقيا امتدت إليها يد الاستعمار بلاد الجزائر، وقد قام أهل الجزائر بما في أيديهم من سلاح، واستمروا في دفاع فرنسا نحو سبع عشرة سنة، إلى أن نفد ما عندهم من وسائل الدفاع، ولم يجدوا من غير أنفسهم مناصراً، فاضطروا لذلك الحين إلى ترك القتال، ولكنهم لم يستقروا على مسالمتها، أو يسكتوا عما تحاوله من إدماجهم في جنسيتها، بل كانت ثوراتهم عليها بالسلاح متواصلة، ولم تنقطع هذه الثورات، على شدة ما تقابلها به فرنسا من القتل والنفي والسجن، وآخرها هذه الثورة التي لا تزال أنباؤها تقرع الأسماع، وتشغل جانباً من الصحف الغربية والشرقية.
واحتلت فرنسا بعد الجزائر البلاد التونسية بمعاهدة أكرهت سمو الباي على توقيعها، وسمتها حماية، وعلى الرغم من أن الحكومة التونسية، وما تحت يدها من الجنود، لم يدخلوا في حزب فرنسا، قامت بعض المدن والقبائل في وجه الاحتلال بما لديهم من السلاح، واشتبكوا مع فرنسا في مواقع أعربوا بها عن عدم رضاهم بسلطان الأجنبي، وأشهدوا التاريخ على بطولتهم واستهانتهم بالموت في سبيل كرامتهم، ولم يترك التونسيون مقاومة الاستعمار، والسعي وراء استرداد حقوقهم المسلوبة، وكم لاقى زعماء تلك الحركات من سجن واعتقال، وعزل من الوظائف، ونفي في أقصى القطر وخارجه!.
واحتلت فرنسا بعد هذا المغرب الأقصى (مراكش) بمعاهدة أمضاها السلطان عبد الحفيظ، وسميت هذه المعاهدة: حماية، ولكن الأمة المراكشية لم تسكن لهذا الاحتلال، وقام فيها زعماء وأحزاب بجهاد، تعرضوا به للعسف
(9/ 2/37)

والتنكيل، وما زال الاحتلال الأجنبي يلاقي منهم الثورات والمجابهة بطلب الاستقلال إلى هذا العهد الأخير.
ونحن لا ندري متى بقيت فرنسا الضعيفة وحدها في شمال أفريقيا، والواقع أنها عندما انهزمت في أوائل الحرب، وقفت بجانبها في شمال أفريقيا ألمانيا، وعندما انهزمت ألمانيا، وقفت بجانبها الدول المتحالفة.
س - هل تنوون أن ترسلوا وفداً إلى أمريكا ولندن وموسكو يتكلم باسم جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية؟
ج - تود الجبهة لو أنها تتمكن من إرسال وفد إلى تلك العواصم، ولكن ظروفها المالية لا تساعدها على القيام بهذا العمل الذي يرجى نفعه، والحواجز - التي تقيمها حكومة الاحتلال حول شمال أفريقيا - تمنع من أن يصل إلى الجبهة مدد من تلك الشعوب، وإن كانوا يتلقون ما تقوم به الجبهة من جهاد في سبيل قضيتهم بارتياح ونشاط.
س - إلى الآن لم تحاولوا أن تبرزوا أي نشاط إِلا نشاطكم في إرسال البرقيات لرئيس الوزارة في مصر ولندن.
ج - نشأت الجبهة منذ تسعة أشهر، وقامت بأعمال هي أقصى ما يمكن لجماعة تأخذ بالحزم، وتسير إلى هدفها في يقظة، أن تقوم به. ذلك أنها نبهت الجالية العربية، وكان كثير منهم في غفلة عن حقوق أوطانهم، وجمعت شملهم على المطالبة، ثم حررت مذكرات في أحوال تلك الأقطار الثّلاثة: تونس، والجزائر، ومراكش، أشارت فيها إلى ما تقاسيه من اضطهاد وعدوان، وأخذت تتصل برؤساء الحكومات العربية، وفي مقدمتهم الحكومة المصرية، وتشرح لهم قضية شمال أفريقيا، ولم تدع فرصة تمر حتى تظهر فيها بخدمة
(9/ 2/38)

القضية، وبرقياتها الكثيرة التي أشرتم إليها في سؤالكم، ويعمل رجال الجبهة على الاتصال بكل الشخصيات الذين تبهمهم قضايا العالم الإسلامي والعربي؛ كبعض زعماء الأحؤاب في مصر وغيرها.
س - هل تعلقون على الجامعة العربية أملاً في حل قضية الشمال أفريقيا؟
ج - في جامعة الدول العربية رجال التقينا بهم، وعرفنا فيهم العناية بشؤون الشعوب العربية، والحرص على استقلالها سياسة وثقافة واقتصاداً، ووجدنا فيهم عطفاً على قضية شمال أفريقيا، وهم مقتنعون -فيما نفهم- بأن جامعة الدول العربية لا يتم تكوينها التكوين الذي يكسبها القوة والمهابة المنشودتين، حتى نرى الشعوب العربية في شمال أفريقيا متصلة بها اتصال الكف بالمعصم، ومساعدة لها مساعدة الجناح في الطيران للجناح.
فما عرفناه في رجال الجامعة، وما اشتمل عليه ميثاقها من أنها ستعنى بشؤون العرب قاطبة، بعثا في نفوسنا شيئاً غير قليل من الأمل في أن الجامعة ستجعل نصيباً من مجهوداتها لشعوب شمال أفريقيا، التي تنظر أن ترى من الجامعة اتجاهاً خاصاً يزيدهم نشاطاً في حركاتهم الوطنية، وسعيهم في تأكيد الصلة بينهم وبين سائر الشعوب العربية.

أحمد الحصري
(9/ 2/39)

نداء وبيان من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (1)
لشمال أفريقيا: تونس، والجزائر، ومراكش صحائف يعرضها التاريخ مشرقة بالأعمال التي رفعت لواء الإسلام والعلّم والمدنية، وقد أنبتت تلك الأقطار رجالاً كبرت هممهم، واشتدت عزائمهم، وأصبحوا مُثلاً عليا في الفتح العادل، والعلّم الراسخ، والخلق الكامل، والسياسة الرشيدة، وما زالت تلك الأقطار تتمتع بحريتها، وتعتز بدينها، وتغتبط بمجد أسلافها، حتى هجم عليها بغاة الاستعمار من الفرنسيين، فغلبوها على أمرها، وعملوا على تبديل عرتها ذلة، وكرامتها مهانة، وأصبحت لا ترى منهم إِلا طغاة يسومونها سوء العذاب، ويعملون على أن يقلبوها من قوميتها العربية إلى الجنسية الفرنسية، ومن دين الاسلام إلى نصرانية محرفة، بعد أن حولوا كثيراً من مساجدها إلى كنائس وثكنات لجيوشهم، وحاربوا لغة القرآن الكريم بكل قسوة، ويبذلون ما استطاعوا في أن تعيش تلك الشعوب في جهل مظلم، وفقر مدقع، وتفرق لا يلتقي معه أخ مع أخ في تعاون على خير.
يفعلون هذا وقد كتموا أنفاسها، وجعلوا بينها وبين سائر البلاد -إِلا بلاد فرنسا- سدوداً يصعب على أبنائها أن يقتحموها، وينفذوا منها إلى
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر الصادر فى رمضان 1364 ه - القاهرة.
(9/ 2/40)

مواطن يرفعون فيها أصواتهم بالشكوى، ويصفون تلك الكوارث التي يصبها الاحتلال الفرنسي على رؤوسهم صباحاً ومساء، ولكن أهالي تلك الأقطار، وهم يتجرعون مرارة الاحتلال الغاشم، لا يزدادون إِلا شعوراً بحقوقهم الوطنية، وطموحاً إلى حياتهم الاستقلالية، ويابون أن يعيشوا تحت راية أجنبية إباء لا يزال يدفعهم إلى السعي وراء حريتهم وسيادتهم بكل ما استطاعوا من قوة.
وقد يضيق هذا البيان عن ذكر جهادهم، وما كانوا يلاقونه من العسف منذ أنشب الاحتلال الفرنسي والإسباني مخالبه بأوطانهم، وها هم أولاء قد نهضوا اليوم للمطالبة بحقوقهم الوطنية والقومية والمالية، آخذين في مطالبتهم بالطرق المشروعة، معتمدين على قوة حقهم، والتضحية في سبيله بكل عزيز لديهم، ولا يضيع عمل من يجاهد في سعبيل الحق، ولكن فرنسا -كإسبانيا- لا تتعرف في مخاطبة الشعوب الضعيفة إِلا لغة النار والحديد، فلما رأتهم واقفين أمامها موقف المجد في جهاده، الباذل في سبيل حريته كل ما يعز عليه من نفس أو مال، لم تتريث أن أسرعت إلى ما عندها من قوة الطائرات والدبابات والمدافع في البرّ والبحر، وظلت ترسل على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وابلاً من مقذوفاته الساحقة، لا تأخذها بهم رأفة، ولا ترعى لمناصرتهم لها على أعدائها، ومحاربتهم بجانبها عهداً.
وإن ما ارتكبته هنالك من فظائع التنكيل والتقتيل، لمما زاد الوطنيين حماسة لقضيتهم، وقوى اتجاههم إلى العمل لتحرير أوطانهم، وقد عرف صدق عزيمتهم جاليات في مصر من أبناء تلك البلاد، فأنشؤوا جبهة تدعى: "جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية"؛ لتكون عوناً لتلك الشعوب على بسط قضيتهم للعالم الإسلامي، وتتولى الدفاع عنها بيقظة وحزم، وتعمل لهز
(9/ 2/41)

العواطف النبيلة في نفوس الأمم الإسلامية؛ حتى يشدوا أزرنا في العمل لتحرير وإسعاد خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، وإنقاذهم من الاندماج في الجنسية الفرنسية، وانقلابهم إلى الديانة النصرانية، وهما الغرضان اللذان تعمل لهما فرنسا ليلها ونهارها، كما علمت لهما إسبانيا في الأندلس من قبل.
فالفرنسيون بشمال أفريقيا -كالإسبانيين- يسيئون إلى الإنسانية والعروبة والإسلام بالاعتداء على أموال تلك الشعوب وأعراضهم ودينهم، وتقتيل عشرات الآلاف منهم، واعتقال عشرات الآلاف من الذين قاموا يطالبون بحقوقهم، ويريدون أن يختفظوا بكيانهم، ثم لا يدخر الفرنسيون وسعاً في العمل لسلخهم من العالم الإسلامي والعربي، وغمسهم في الجنسية الفرنسية.
فجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية بمصر تؤمل من المسلمين في كل بقاع الأرض، أن يغيثوا إخوانهم في تلك البلاد، كلٌّ بما يستطيع. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. اللهم اشهد، فإننا قد بلّغنا.

رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
(9/ 2/42)

مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى مؤتمر جامعة الدول العربية (1)
حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن عزام بك الأمين العام لجامعة الدول العربية.
ترجو جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية من معاليكم عرض هذه المذكرة الوجيزة على مؤتمر الجامعة الموقر، ولنا كبير الأمل في أن تحظى من أنظاره البعيدة المرمى بعناية ضافية، وهي:
"إن شعوب إفريقية الشمالية العربية: تونس، والجزائر، ومراكش، طالما قاست من الاحتلال الفرنسي ألواناً من الاعتداء على الأنفس والأعراض والدين والأموال، وطالما حاول الناهضون من رجالها تخفيف شيء من ذلك الاضطهاد الممقوت، فيوجهون الشكوى بعد الأخرى إلى فرنسا نفسها على أمل أن يجدوا من الفرنسيين من يحمل في صدره شفقة على الإنسانية المعذبة، فتخيب آمالهم، بل لا يجدون إِلا من يعد شكواهم طعناً في سياسة الاحتلال، والطعن في تلك السياسة جناية تقابل بالعقوبة في غير رحمة.
وكثيراً ما يأخذ أولئك العرب غضبٌ من العسف الذي تغمرهم به فرنسا،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الرابع والخامس من المجلد الثامن عشر الصادران في شوال وذي القعدة 1364 ه - القاهرة.
(9/ 2/43)

فينهضون لمكافحته بما في أيديهم من قوة، وييذلون في سبيله دماءهم الغالية، ولا يبالون في كفاحهم ما تفعله بهم تلك الحكومة الباغية من تنكيل وتقتيل.
وأقرب كفاح دفعهم إليه دافع الغيرة على حريتهم المسلوبة، وحقوقهم المهضومة، هذه الثورات التي قاموا بها منذ أشهر، بعد أن أشعروا فرنسا بأن صبرهم على عدوانها قد نفد، وانهم لا يرضون إِلا أن يعيشوا كما تعيش الأمم ذات التاريخ المجيد في عزّة وكرامة.
كانت تلك الشعوب العربية تحسب أن انهزام الفرنسيين أمام الجيش الألماني، وابتلاءهم بسيطرة الأجنبي على بلادهم، وتجرّعهم غصص الإهانات في ديارهم، قد يذكرهم حال الشعوب التي يدوسون كرامتها بنعالهم، فيخففون من غلوائهم، ويعودون إلى رشدهم، ويقفون في مفاوضة أولئك العرب موقف الحريص على أن يتساوى الناس في الحرية تساويهم في التمتع بالهواء الطلق، وضياء الشمس، ولاسيما شعوباً ساقت منهم جيوشاً كثيرة إلى مواقع القتال، ويذلوا دماءهم في الدفاع عن بلادها، ولكن فرنسا نهضت بفضل الحلفاء من نكبتها، وبدل أن يكون لها في تلك النكبة موعظة، تتحول من عقليتها العتيقة إلى عقلية تحترم المنطق السليم، ولا تجاري الأهواء الجامحة بها إلى غير سبيل، عادت إلى ما عرفت به من معاملة تلك الشعوب معاملة من لم يعترف بأن لهم حقاً في الحياة.
ففرنسا الحديثة كفرنسا القديمة، تستأثر بخيرات شمال أفريقية، وتصدرها إلى أوطانها، وتدع رجال تلك الأقطار وولدانهم يتساقطون موتاً في الطرقات، حيث لا يجدون من القوت ما يسد رمقهم.
وفرنسا الحديثة استأنفت العمل لقلب جنسية أولئك العرب إلى جنسية
(9/ 2/44)

فرنسية، ونقلهم إلى دين غير دينهم، وإلجائهم إلى أن تكون اللغة الفرنسية لسانهم، حتى تقضي على اللغهْ العربية التي هي مظهر لعربيتهم، إلى غير هذا من وضع الضرائب الفادحة، وتضييق الخناق على الصحف العربية، والانتقام من الزعماء بالزجّ بهم في السجون والمعتقلات، وإقصائهم بالنفي إلى أماكن بعيدة، لا يدري أقوامهم كيف يعذبون فيها، أو كيف يموتون، ولولا خوف الإطالة، لضربنا الأمثال، وسقنا الشواهد على ما نقول.
والواقع أن جامعة الدول العربية في غنى عن الإسهاب في الحديث عن مساوئ الاحتلال الفرنسي، فحضرات أعضائها على اطلاع وافٍ وخبرة واسعة من فظاعة ذلك الاحتلال، وتفاقم شروره إلى حد لا يطاق. والذي نريد تذكير أعضاء الجامعة به، ووضعه تحت أنظارهم السديدة: هو أن تلك الشعوب العربية قد امتلأت غيظاً من استعباد فرنسا لها، وأصبحت تشعر بقلب رجل واحد أن لا خير لها في الحياة إِلا أن تتخلص من ذلك الاحتلال الغاشم، وتقف في صفوف الأمم المستقلة جنباً لجنب.
وهذا الشعور النبيل الشامل، قد جعلهم مصممين على مواصلة الجهاد في هذه الغاية، فإما أن يعيشوا سعداء، وإما أن يموتوا شهداء.
شعرت هذه الشعوب بقوة حقها، فدفعتها الشهامة وإباية الضيم إلى الكفاح في سبيله على توفيق الله - جلَّ شأنه -، وطامحة ببصرها إلى أن ترى من جامعة الدول العربية عملاً يقوي أملها، ويؤكد صلتها بالجامعة، ولاسيما حين استشيرت بما جاء في ملحق ميثاق الجامعة من أنها ستتجه بمعونتها إلى جميع الشعوب العربية، بما يصدر عن أصحاب المعالي: أمين الجامعة العام، ورؤساء الدول العربية، ومندوبيها في مؤتمر الجامعة من تصريحات
(9/ 2/45)

تنبئ بأن قضية شمال أفريقية قد حازت جانباً كبيراً من عنايتهم، وأنهم يعدون تلك الشعوب بمنزلة أحد الجناحين، حيث تمثل الأمة العربية بطائر يتحفز لأن ينهض ويحلق في عنان السماء.
وإننا لنقدر ظروف الجامعة قدرها، ولا يفوتنا العلم بما يجب أن نتدرع به من حكمة وتؤدة، وإذا رجونا منها أن تتجه إلى قضية شمال أفريقية بخطوات عملية، فإنا ندع رسم هذه الخطوات وتقديرها إلى يقظة رجالها المجاهدين، وحرصهم على النهوض بها نهضة تسعد بها الشعوب العربية قاطبة.
وترى الجبهة أن من الميسور الذي يعد خطوة أولى عملية تعيين طائفة من أبناء شمال أفريقية في إدارة الجامعة ولجانها، ومكتبي الدعاية في لندن وواشنطن. وفي القطر المصري شبّان ينتمون إلى تلك البلاد، وفيهم كفايات ثقافية وخلقية تؤهلهم لأن يشاركوا في العمل للقضية العربية على الخطط التي ترسمها الجامعة.
هذا ما نرجو من معاليكم عرضه على مؤتمر الجامعة، ولكم جزيل الشكر.

رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
(9/ 2/46)

إلى هيئة الأمم المتحدة (1)
أرسلت جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية إلى هيئة الأمم المتحدة في لندن البرقية الآتية:
احتلت فرنسا تونس والجزائر ومراكش منذ عشرات من السنين، وجرت في احتلالها على أفظع ما يتخيل من الاستبداد، وما زال سكانيها، وهم وارثو الحضارة العريية الأندلسية يطالبون بحريتهم، فتزداد فرنسا إمعاناً في اضطهادهم، وتلجئهم إلى الثورة عقب الثورة، حتى جاءت هذه الحرب التي أذاقتها مرارة احتلال النازيين لبلادها، كان المنتظر أن تأخذ من ذلك عبرة، وتتخذ مع أولئك العرب الأبطال سياسة الإنصاف، ولكنها تمادت على سياستها القديمة الجائرة، فهم اليوم يلاقون من التقتيل والتنكيل والزج في السجون ما تتفتت له الأكباد، وتثور له نفوس أنصار الحرية غضباً.
وجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية ترجو من عواطفكم الإنسانية، أن تشملوا شمال أفريقية بعناية، وتعملوا لتخليصه من الاستعباد الفرنسي،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد الثامن عشر الصادر في صفر 1365 ه - القاهرة.
(9/ 2/47)

حتى يتمتع بحريته، ويتصرف في شؤون نفسه، ويكون من الأيدي العاملة لتحقيق السلام الشامل لبني الإنسان قاطبة.

رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
(9/ 2/48)

المستعمرين هم أعداء الحرية (1)
الكلمة التي ألقاها سعادة عبد الرحمن عزام باشا في الحفلة التي أقامتها جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا تكريماً للوفود العربية يوم 5 أبريل سنة 1946 م.
حضرة صاحب السمو، حضرات الإخوان المحترمين!
طلب منا الأستاذ الورتلاني أن نستجيب دعوته لإلقاء كلمة بشأن المغرب، ولو طلب منا أكثر من الكلام، للبَّينا. إن لي في قوم من المغرب إخواناً يعرفون أنني قد لبيت نداءهم في الماضي، وعرضت نفسي للموت مراراً في سبيل حريتهم، وإن ما ذكره حضرته، وما ذكره الخطباء عن المغرب لم يزدنا علماً، وإنما زادنا ألماً. إن المغرب كما قال أحد الإخوان: هو الجناح الأيسر للأمة العربية، وإن هذه الأمة لا تنهض، ولن تحلق في سماء رسالتها إِلا إذا كان هذا الجناح سليماً.
إن الجامعة العربية منذ فجر تأسيسها لن تنسى أن خارجها نصف أبناء العروبة، وهو يشرئبون إليها بأعناقهم، ويرومون أن يتعاونوا معها، ولذلك
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد الثامن عشر الصادر في صفر 1365 ه - القاهرة.
(9/ 2/49)

وضعت ملحقاً خاصاً بهم؛ للنظر في شؤونهم، ورعاية مصالحهم، ولم يوضع هذا الملحق عبثاً، وإن الأمة العربية لن ترضى أن يفرق بينها وبين أجزائها، وإنها لن تستطيع صبراً على هذه التفرقة التي تريد أن تفصل ما جمعه الله مدة تربو على ثلاثة عشر قرناً. وإذا كانت الجامعة قد أعربت للعالم أجمع أنها تقف في جانب الحرية أينما كانت، فإنها من باب الأولى أن تقف إلى جانب حرية المغرب المسلم، المغرب العربي، وكل محاولة لإخراج المغرب عن عقيدته وعن دينه وعن عروبته هي محاولة فاشلة، محاولة ضد إرادة الله، وضد الطبيعة التي استقرتها.
إننا حين نادينا بالحرية، ووقفنا إلى جانبها، لن نقصد خصومة قوم على وجه الخصوص، وإنما قصدنا خصوم الحرية أينما وجدوا.
والمستعمرون في الدنيا هم أعداء الحرية، فنحن أعداؤهم أينما كانوا؛ لأن الاستعمار يقتضي اضطراباً دائماً، وسلماً مزعزعاً، وإن الذين أقاموا الاستعمار أساؤوا إلى أممهم وإلى أنفسهم وإلى المدنية، لقد أقاموا نظريتهم على أن يكون الناس فريقين: محكومين إلى الأبد، وحاكمين مستغلين ظالمين إلى الأبد، وهذا يستلزم نزاعاً مستمراً بين الفريقين، ثم هو سبب خصام مستمر أيضاً بين المستعمرين أنفسهم، وما الحرب العالمية الأولى والحرب الثّانية التي كادت تدمر الحضارة برمتها إِلا من نتائج هذا الاستعمار، وإذا لم ينته مذهب الاستعمار من نفوس الساسة، فإن دمار هذا العالم قد يصبح في حيز الممكنات.
إننا حين نقاوم الاستعمار نريد إنقاذ أنفسنا والبشرية، بل ونريد أن نخلص المستعمرين من شر أنفسهم، والأمة العربية الجديدة القديمة، هي
(9/ 2/50)

أمة المستقبل، تقف بجانب الحرية، وتكافح ضد من يريد أن يجعل البشر فريقين، وإنها بذلك تؤدي واجبها نحو نفسها، ونحو البشرية جمعاء التي يجب أن تسود فيها المساواة ووحدة المصلحة: كلكم من آدم، وآدم من تراب. كان أكرمكم عند الله أتقاكم.
(9/ 2/51)

أساليب الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا (1)
أقامت جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية بفندق الكونتننتال حفلة تكريماً للوفود العربية. وهذه كلمة رئيس الجبهة فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين.
حضرة صاحب السمو، حضرات أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة والعزة!
أقدم لحضراتكم أجزل الشكر على ما تفضلتم به من إجابة دعوة جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية، وإذا أجبتم دعوة الجبهة، فإنما أجبتم دعوة خمسة وعشرين مليوناً من إخوانكم المغتبطين بعربيتهم وإسلامهم؛ فإن الجبهة تنطق بما في ضمائرهم إذا نطقت، وتعمل بما يوافق رغباتهم إذا عملت، ذلك أنها خبيرة بما يقاسونه من النوائب، عليمة بما يتقد بين جوانحهم من الحماسة، بصيرة بما صمموا عليه من العمل لتحرير أوطانهم. وقد حازت - بعد هذا - حسنَ ثقتهم بها، وكانت مناط آمالهم في خدمة قضيتهم بعزم
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن التّاسع والعاشر من المجلد الثامن عشر الصادران في الربيعين 1365 ه - القاهرة.
(9/ 2/52)

صارم، وثبات وإخلاص. وإذا احتفلت الجبهة بتكريم حضرات أعضاء الوفود العربية، فإنّما هو تكريم من أولئك الملايين القاطنين بشمال أفريقية، فإنهم -وإن لم يكونوا حاضرين هذا الحفل بأجسامهم-، فهم حاضروه بقلوبهم المملوءة بإجلال هذه الوفود، وإخلاص الولاء لحضرة صاحب الجلالة مولانا الملك فاروق الأول - حفظه الله -.
سادتي!
لست في حاجة إلى أن أذكر ما كانت عليه الأمة العربية من السيادة والعزة، ولا إلى ما كان لها من فضل في نشر العلوم والفنون والحضارة النقية الطاهرة، فكل هذا معروف عند أصدقاء العرب وخصومهم على سواء.
والذي أريد أن أقوله في صدر هذه الكلمة: إن الأمة العربية تنزع إلى الاستقلال بطبيعتها، وبمقتضى ما حفظه لها التاريخ الصحيح من شرف راسخ، ومجد فائق، وما كانت تسكن تحت سلطان الأجنبي في حال، بل تدافعه بقدر ما تستطيع من قوة.
وشعوب شمال أفريقية هم أعضاء من هذه الأمة المعروفة بالبطولة وإباء الضيم، وإذا تغلبت عليهم الحكومة الفرنسية بعد حروب وإباء من الدخول تحت سلطانها، فإنهم مازالوا يعملون للتخلص من هذا الاحتلال، ويجاهدون ما استطاعوا في سبيل حريتهم الكاملة، وليس من المعقول أن يناموا عن الجهاد، والاحتلال الفرنسي يذيقهم أشد العذاب في كل صباح ومساء، ولا أستطيع أن أتحدث في هذا المقام عن تلك الحالة المنكرة بتفصيل، ولكني أقول: إن الاحتلال الفرنسي يقوم على أغراض لم نرهم في يوم من الأيَّام عدلوا عن شيء منها، أو خففوا ولو قليلاً من وطأتها.
(9/ 2/53)

من أغراض ذلك الاحتلال: أن لا يترك الفرنسيون شيئاً من التصرف في شؤون البلاد بأيدي الوطنيين، بل يقبضون على زمام كل دائرة من دوائر الحكومة، ويتصرفون في شؤونها، داخلية كانت أم خارجية، صغيرة كانت أم كبيرة، فالمالية بأيديهم يتصرفون فيها مباشرة على حسب أهوائهم الاستعمارية، والتعليم تحت سيطرتهم يقفون به في دائرة أضيق من أُفحوص (1) قطاة، ومن بلغوا من أبناء شمال أفريقية في علم من العلوم؛ كالطب، والحقوق، فإنما هم الذين يرحلون إلى أوروبا، ويتعلمون على نفقاتهم الخاصة.
وأراني في غنى عن أن أقول: إنها تجري في سياستها على تمييز الأوروبي، وتفضيله على العربي الوطني في القضاء، والوظائف، على وجه تتبرأ منه الإنسانية، وينبذه العدل باليمين والشمال؛ فإن عدم تطبيق قاعدة المساواة بين الأوروبي والوطني طبيعية كل دولة مستعمرة، ويكفي هذا النوع من مساوئ الاحتلال الأجنبي شاهداً على أنهم إنما يريدون استعبادنا، والاستئثار بمنافع أوطاننا، لا مساعدتنا على التقدم في الحياة كما يزعمون، وهم يشعرون بأننا لسنا من البله إلى حد أن نغتر بهذا الزعم، والعرب الوطنيون في شمال أفريقية محرومون من حرية الاجتماع؛ لما تضعه حكومات الاحتلال من المراقبة وبث العيون بين الأفراد والهيئات.
ومن المعروف أن فرنسا تعمل لقطع الصلة بين المغرب والبلاد الشرقية؛ خشية أن يكون هذا الاتصال وسيلة لزيادة إيقاظ المغرب، وتشجيعه على
__________
(1) الأفحوص: مجثم القطاة، وهو الموضع الذي تفحص التراب عنه؛ أي: تكشفه وتنحيه لتبيض فيه، والجمع: أفاحيص.
(9/ 2/54)

المطالبة بحقوقه المغصوبة.
وهم محرومون من حرية الصحافة، والصحيفة التي تنزع إلى شيء من الحرية تجد من استبداد الحكومة ومضايقتها ما يؤدي بها إلى الانقطاع.
ومن مساوئ الاحتلال الفرنسي: أولئك الفرنسيون الذين ينصبون في شمال أفريقية، ويعطون الأراضي الزراعية بالمجان، أو بما يشبه المجان، ويسمونهم: المعمّرين، ويكون لكل واحد منهم سلطان على مجاوريه من الوطنيين، فيرتكب في إيذائهم ما يشاء، دون أن يُسأل أمام حاكم فرنسي أو أهلي سؤال من يريد العدل في القضية.
وللحكومة الفرنسية بعد هذه الأغراض غرض آخر هو أشنع ما ترمي إليه سياستها، وهو إخراج شمال أفريقية من عربيته إلى الجنسية الفرنسية، وسلخه من الديانة الإسلامية إلى ديانة غير إسلامية، أو غير ديانة، وقد ملأنا المذكرات التي قدمناها إلى جامعة الدول العربية ودول الحلفاء بإقامة الشواهد على قصدها لهذا الغرض السيء، وسعيها بكل ما أمكنها من الوسائل الظاهرة أو الخفية.
هذه المظالم التي لا تتحملها أمة ذات تاريخ عامر بمظاهر العزة والسيادة، يلاقيها العرب بشمال أفريقية، وهم الذين يكونون الجناح الأيسر للعروبة كما يقول بعض الكتاب، ولا ينهض الطائر إِلا بأن يتمتع بسلامة جناحية كليهما، فهم -بلا شك- لا يقيمون على هذه المظالم الشنيعة، ويؤثرون الموت في سبيل محاربتها على حياة منغصة بمرارتها، مكدرة بأقذارها.
أطلّ علي الموتُ من خللِ الضنا ... فآنستُ وجهَ الموت غير كئيب
(9/ 2/55)

ولو جسَّ أحشائي لخلت بنانَه ... وإن هال أقواماً بنانَ طبيب
فلا كان من عيش أرى فيه أمتي ... تساس بكفي غاشم وغريب (1)
تعمل تلك الشعوب لخلاصها، وهي معتمدة على نفسها، حتى تألفت جامعة الدول العربية، ارتاحت لها قلوبهم، وقويت آمالهم في أن تكون اليد المساعدة على تحريرهم، فأخذوا يتساءلون عنها، ويتواصون بالدعاية لها، ويبذلون كل مجهود في الاتصال بها.
ونحن المتصلون هنا بهيئة الجامعة الموقرة، عرفنا أن حضرات أعضائها الأجلاء قد أصبحوا على خبرة بحقيقة القضية المغربية، وأنهم مقتنعون بأن الاتحاد العربي لا يتم إِلا أن تكون طرابلس وتونس والجزائر ومراكش منضمة إلى الجامعة، منفذة لقراراتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وقد اتجهت الجامعة عندما ساعدتها الفرصة إلى العمل لقضية المغرب، وخطت في هذا السبيل خطوات نحمدها عليها، ونرجو أن تواصل هذه الخطوات بخطوات أوسع وأجدى.
وإذا مَثَّلنا شمال أفريقية بالجناح الأيسر للعروبة، فإنا نريد: طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش، فيجب أن تكون هذه الأقطار الأربعة في نظر الجامعة العربية سواء، فأي اضطهاد يقع على قطر من هذه الأقطار يعدّ كسراً في ذلك الجناح.
وخلاصة ما نرمي إليه في هذه الكلمة: أن شعوب أفريقية قد نفد صبرها، ولم تتمالك أن أصبحت تلح في طلب استقلالها، وتتحفز للجهاد
__________
(1) الأبيات من نظم صاحب الخطبة. انظر: ديوانه "خواطر الحياة".
(9/ 2/56)

في سبيله ما استطاعت، وليس ذلك البدوي الذي احتلت قبيلة ثقيف أرض قومه بأشد غيرة على قومه منهم إذ يقول:
ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيبُ
والسلام عليكم ورحمة الله.

محمّد الخضر حسين
(9/ 2/57)

مذكرة مرفوعة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز آل سعود عند زيارته مصر (1)
إن فرنسا -يا صاحب الجلالة- هجمت على بلاد الجزائر منذ مئة وسبع عشرة سنة، ودافعها أهلها بحروب نظامية استمرت نحو سبع عشرة سنة، ولما تغلبت عليهم بكثرة الجند ووفرة السلاح، بسطت عليهم سلطانها، وانتزعت منهم جميع حقوقهم الحيوية والسياسية، بل اعتبرت ذلك القطر قطعة من فرنسا، وجعلت النظر في شؤونه يرجع إلى وزارة الداخلية بباريس، بالرغم من أن قوميته ولغته عربية، وأن دينه الإسلام.
ثم هجمت على البلاد التونسية منذ ست وستين سنة، وقدمت لأميرها محمد الصادق بأي معاهدة وقع عليها مكرهًا، بين مدافع فاغرةٍ أفواهَها إلى القصر، وجنود مدجَّجين بالسلاح، ولم تقف عند هذه المعاهدة المغصوبة، بل قبضت على زمام الإدارة، ولم تدع كبيرة ولا صغيرة من شؤون البلاد إِلا وكلت التصرف فيها إلى طاغية من الفرنسيين، وإذا ألقيت إلى بعض الوطنيين منصباً في الحكومة، فإنما هو عمل صوري، والحقيقة أن الفرنسيين لا يتركون للوطنيين في سياسة المملكة شيئاً من الأمر.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن التاسع والعاشر من المجلد الثامن عشر الصادران في الربيعين 1465 ه - القاهرة.
(9/ 2/58)

ثم هجمت على المغرب الأقصى (مراكش) منذ ثمان وثلاثين سنة، واحتلتها بمعاهدة اضطر السلطان عبد الحفيظ لتوقيعها، وتجاوزت حدود المعاهدة، وأخذت تفعل في البلاد ما فعلت في تونس من الاستبداد وتصريف شؤون البلاد، على قاعدة تثبيت قدم الاستعمار، وإيثار أبناء جلدتها بكل ما تجود به أرض ذلك القطر من خيرات.
لا يسع المقام لأن نبسط القول في اضطهاد فرنسا لأولئك العرب المسلمين، وعملها الليل والنهار لأن يعيشوا في فاقة وجهالة وتفريق كلمة، بل تعمل في غير مبالاة لإخراجهم من دينهم الإسلامي إلى ملّة غير إسلامية، ومن قوميتهم العربية إلى الجنسية الفرنسية، ذلك أنها تشعر بأن الثراء والعلم واتحاد الكلمة أساس الرقي إلى الحرية والعزة، وتشعر بأن الأمة التي تدين بالإسلام، وتستضيء بهدي القرآن لا تخضع إِلا لسلطان يحترم ديانتها، ويسوسها بنظم شريعتها، ولا ترضى إِلا أن تستعيد سيادتها، وتتمتع باستقلالها.
وعرب شمال أفريقيا -وإن وضعت فرنسا بينهم وبين الشرق حواجز، واتخذت كل ما استطاعت من وسيلة لقطعهم عن العالم الإسلامي- فإن بطولتهم واعتزازهم بسالف مجدهم لازالا ولن يزالا ينهضان بهم إلى المطالبة بحريتهم، واقتحام الثورات الدموية في سبيل هذا الطلب، لا يبالون ما تصبه عليهم فرنسا من عذاب التقتيل والتنكيل والزجّ في السجون.
وقد قدمت جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية إلى جامعة الدول العربية مذكرات أودعتها جانباً كبيراً من فظائع الاحتلال الفرنسي لتلك البلاد، وتلقى رجال الجامعة هذه المذكرات بعناية، وأصبحت قضية أولئك العرب الأبطال مشمولة بأنظارهم؛ كما تنبئ بذلك تصريحاتهم، ونرجو أن يكون لهذه
(9/ 2/59)

الخطوة النظرية خطوات عملية تشد أزر سكان تلك البلاد، وتزيدهم قوة على الجهاد في سبيل استقلالهم، والاحتفاظ بكيانهم المِلّي والقومي، وهذا ما سيكون بتوفيق الله، ولا يضيع حق وإن كان مغتصبه جباراً عنيداً، ومرت على اغتصابه عشرات أو مئات من السنين، متى كان من وراهله طالب يأبى الضيم، فيسهر الليل، وينفق كل مجهود في تخليصه.
ويقاء شمال أفريقية في أيدي مغتصبيه منذ عشراث من السنين، لا تلقى تبعته على كاهل سكان تلك البلاد وحدهم، بل يسأل عنه كل عربي وكل مسلم في استطاعته أن يقوم بعمل، أو يجهر بقول يساعد على خلاص أولئك العرب المسلمين من أغلال الاضطهاد التي يضعها الفرنسيون في أعناقهم.
ولجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية كبير الأمل في أن جلالتكم تشملون قضية تونس والجزائر ومراكش برعاية، وتبذلون ما استطعتم من المساعدة على إنقاذها من الاستعمار الفرنسي الذي يعمل لإذلال أهلها، وفصلهم عن القومية العربية، وإدماجهم في الجنسية الفرنسية، ويأخذ لتحقيق هذه الغاية الممزقة للوحدة العربية والجامعة الإسلامية بكل وسيلة يستطيعها من ترهيب أو ترغيب.
ولجبهة الدفاع كبير الأمل في أن ترى من جلالتكم اتجاهاً إلى هذا القضية، ييشر بنجاحها، ويزيد المجاهدين داخل تلك الأقطار وخارجها إقداماً واطمئناناً إلى أنهم سينتصرون على الرغم من خصومهم الطغاة المبطلين.

رئيس جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
محمّد الخضر حسين
(9/ 2/60)

مصير شمال إفريقيا إلى الحرية والاستقلال (1)
الكلمة التي ألقاها فضيلة الأستاذ رئيس التحرير في حفلة تكريم جبهة الدفاع عن أفربقيا الشمالية للتونسيين اللاجئين إلى مصر.
حضرات أصحاب السعادة والفضيلة والفضل!
أقدم لكم خالص الشكر على ما تفضلتم به من إجابة دعوة الجبهة، وإجابةُ دعوتها إكرام لأمة لا تقل عن خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، خصوصاً أن حضرات المحتفل بهم من الشبان الذين كانوا يعملون للقضية التونسية، وأصبحوا في نظر الحكومة المحتلة من المجرمين السياسيين، وتكريم العاملين -أيها السادة- معروف عند من يقدر الأعمال المحفوفة بالأخطار قدرها، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كرّم مجاهداً في شخص ابنته؛ إذ زادها في العطاء، وقال: إن أباها قد فتح حصناً، وأقامت حكومة القيروان لأسد بن الفرات يوم خروجه على رأس الجيش الذي فتح صقلية احتفالاً باهراً، وكان هذا اليوم -كما قال المؤرخون- يوماً مشهوداً.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثامن عشر الصادران في الجمادين 1365 - القاهرة.
(9/ 2/61)

أيها السادة!
أُعطينا سيادةً عِشْنا في ظلالها أحقاباً، وظن بعض أسلافنا أن السيادة إذا مدت أطنابها في أمة، بقيت فيها ما بقي الليل والنهار، فتمادوا في غفلتهم، ولم يخطر على بالهم أن من وراء البحار أمماً استيقظت لوسائل القوة والغلبة، وانها تترقب الفرصة للهجوم على أوطاننا، ووضع يدها فوق رؤوسنا.
هجموا على أوطاننا ونحن في غفلة عما بيتوه لنا من كيد وعسف، ولكن ما غرز في فِطر شعوبنا من إباية الضيم، والطموح إلى العزّة، نهض بهم إلى أن يدافعوا العدو الهاجم ما استطاعوا، مفضلين الموت في سبيل دفاعه عن الحياة تحت سيطرته، كما وقع في الجزائر وتونس ومراكش وطرابلس، وإذا فاتهم أن يطردوا العدو من بلادهم، فإنهم ادخروا ما بين أسفار التاريخ صحائف غراء تشهد لهم بأنهم يعافون الذلة، ويأبون الضيم، وقد كان لأبنائهم وأحفادهم في تلك الصحائف عبرة، فنشؤوا يتميزون غيظاً من الاحتلال الفرنسي والإسباني والإيطالي، وطالما اندفعوا لمكافحته وهو يعلمون أن ليس لهم من قوة مادية تساوي أو تقارب قوته، وإنما يعلمون أن لهم قوة من الحق، إن لم تنتصر على قوته المبطلة اليوم، فستنتصر عليها غداً، "وإن غداً لناظره قريب".
وإذا فنيت أمة مستضعفة تحت أقدام الغاصب القوي، فلأنها انطوت على جبن، واستسلمت إلى اليأس، فمدت إليه أعناقها خاضعة، ولا عاقبة لأمة سكنت تحت نير الاستعباد إِلا أن تضمحل وتفنى، ولاسيما غاصباً يعمل لسلخها عن قوميتها ودينها كما تفعل فرنسا في شمال أفريقية، ولكن الأمة
(9/ 2/62)

المغربية عرفت لأول احتلال الأجنبي لبلادها أنه لا يرعى عهداً، ولا يحمل بين جنبيه إِلا قسوة، فجعلت نصب أعينها يوماً للخلاص منه، ولم يجد الجبن ولا اليأس إلى قلوبها من سبيل، واستمرت تناهضه بالكفاح عقب الكفاح، وهو يلجأ إلى النار والحديد، ويُجلب عن الفئة القليلة منها بخيله ورَجِله، ومدافعه وطيرانه من البر والبحر.
لم يجبن أولئك الذين لاقوا الصدمة الأولى من الاحتلال، وسار على أثرهم أبناؤهم لهذا العهد، يجاهدون بأقلامهم وأموالهم ونفوسهم، ولا يبالون ما يلاقونه من قتل وتنكيل، وها هي أنباء الثورات بالجزائر ومراكش وتونس تخترق الحواجز التي تضعها فرنسا حول البلاد، وتصل إلى الشرق، فتغمر أنديته، وتشتعل لها قلوب أنصار الحرية غضباً.
لم يكن ما تقاسيه تلك البلاد من مرارة الاحتلال معروفاً في الشرق؛ للسدود التي يقيمها المحتلون، وللمساعي التي يبذلونها في أن تبقى مكتومة، لا يتناولها كاتب ولا خطيب، وأذكر أني جئت إلى الشام قبل الحرب العالمية الأولى، وأردت أن أشغل القلم ببسط القضية المغربية في الصحف، فوجدت لقنصل فرنسا يومئذ تدخلاً ممقوتاً جعل المجال في عيني أضيق من مفحص قطاة، حتى جرى على اللسان في هذا الحال الأبيات الآتية:
بين الجوانح همّةٌ ... تسمو إلى أمد بعيدِ
نهضت كما تبغي العلا ... والعزم كالسيف الفريد
أدمى فؤادي أن أرى الأ ... قلام ترسف في قيود
وأرى سياسة أمتي ... في قبضة الخصم العنيدِ
(9/ 2/63)

فهجرت قوماً كنت في ... أنظارهم بيت القصيدِ
وحسبت هذا الشرق لم ... يبرح على عهد الرشيد
يسع الجهود إذا تضا ... يقت البلاد على الجهود
ويقول يوم أبثّه ... بعض الأسى هل من مزيد
فإذا المجال كأنه ... من ضيقه خلق الوليد
والواقع -أيها السادة- أن أبناء الغرب (الأوربيين) يعملون للاستعمار كل على قدر طاقته، فيجب أن يكون لكل واحد منا نصيب من مكافحة هذا الاستعمار، وقضايا البلاد العربية السياسية بعيدة الغور، واسعة ما بين الأطراف، فلا يرجى لها نجاح إِلا أن تتضافر عليها الجهود، وإذا تحقق الإخلاص ونقاء الضمير وصفاء الفكر، كانت الهيئات -وإن تعددت- بمنزلة هيئة واحدة تسير في اتجاه واحد، وتعمل لغاية معينة.
وأبناء شمال أفريقيا يكافحون اليوم معتمدين في كفاحهم على رغبتهم في الموت، واثقين من أن الله - عزّ سلطانه - في تأييدهم، فإنه يحق الحق إذا اتجهت الهمم إلى نصرته، ويمحق الباطل إذا نهض أولو العزم لإماطته عن أرضهم، ويرجون من هذا أن تعنى جامعة الدول العربية بقضيتهم؛ فإن شعورهم بأن الجامعة الموقرة تعرف آلامهم، وتحرص على تحقيق آمالهم، يزيدهم قوة وإقداماً وثباتاً.
وإنا على ثقة من أن رجال الجامعة يحملون في صدورهم قلوباً ملؤها الحماسة لقضية أفريقية العربية، وقد كان سعادة أمين سرها العام يجاهد في سبيل القضايا العربية والإسلامية من قبل أن تتألف الجامعة، أو يقع
(9/ 2/64)

التفكير في تأليفها.
ولا ننسى أن الجامعة قد خطت في قضية شمال أفريقية خطوات تلقيناها بالشكر من صميم أفئدتنا، ولنا طموح إلى أن تواصل هذه الخطوات بخطوات أوسع كلما ساعدتها الظروف، والظروف تتغير صباحاً ومساءً، ولا أبرح موقفي هذا حتى أقدم شكري الجزيل إلى الصحافة المصرية؛ فإنها أفسحت صدرها لنشر ما يتعلق بقضية شمال أفريقية، واحتضنتها كما احتضنت قضايا الشعوب العربية في الشرق.
وإذا كانت القضية المغربية قد لقيت من الجامعة اهتماماً بالغاً تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة مولانا ملك مصر المعظم فاروق الأول - حفظه الله -، ولقيت من الصحف العربية في مصر وغير مصر صدوراً فسيحة، وعاطفة مهذبة، ثم أقبل نزلاء مصر من تلك الأقطار على خدمة قضيتهم بدعاية صادقة وحكمة، فإن مصير تلك البلاد إلى حرية وطمأنينة تساعدها على أن يكون لها حظ وافر في تقرير السلام العالمي الذي تلهج به الدول المتحدة في كل مؤتمر يعقد، أو خطبة تلقى. والسلام عليكم ورحمة الله.

محمّد الخضر حسين
(9/ 2/65)

الجهاد لإفريقيا الشمالية (1)
الكلمة التي افتتح بها فضيلة رئيس التحرير الحفلة التي أقامتها جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية في دار الاتحاد العربي.
أحييكم أطيب التحية، وأقدم لكم خالص الشكر على تفضلكم بتلبية دعوة الجبهة التي تجاهد في قضية شمال أفريقية، مغتبطة بأنها تعمل في ميدان من الحرية فسيح، مؤيدة برجال يقدرون حرية الشعوب قدرها، تغتبط الجبهة بأنها تعمل في صف دول عربية تطمح إلى العزة، وتسير إليها في حكمة وعزم، وتغتبط الجبهة بنها تعمل وهي محفوفة بصحف سيارة تعطف على قضية المغرب، وتوسع صدرها لنشر ما تقدم لها من مذكرات وبرقيات ومقالات تدافع بها عن هذه القضية.
وقد أقامت الجبهة هذه الحفلة اعترافاً بفضل جامعة الدول العربية؛ حيث احتضنت هذه القضية، وأنزلتها المنزل اللائق يها من الأهمية، واعترافاً بفضل الصحافة التي تؤازرها في جهادنا انتصاراً للحرية والعدل على الاستبداد
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الثالث والرابع من المجلد التاسع عشر الصادران في رمضان وشوال 1365 ه - القاهرة.
(9/ 2/66)

والبغي، وتفاضل الصحف على قدر مكافحتها للباطل، ومناصرتها للحق.
سادتي!
إن في شمال أفريقيا ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، يقاسون من الاحتلال الفرنسي والإسباني أسوأ الاضطهاد، وقد تحدثنا وأشبعنا الحديث في مواقف كثيرة عن ألوان ذلك الاضطهاد، علاوة على ما تنشره الصحف العربية والأجنبية من الحوادث التي تتجدد يوماً فيوماً، وقد أصبح الرأي العام في مصر وغير مصر على خبرة ممّا تفعله تلك السياسة الجائرة من إرهاق لا تحتمله أمة تقلبت في الحضارة أحقاباً، وعرفت حقوقها معرفة الغيور عليها، والمتحفز للدفاع غير مبال بالموت في سبيلها، تلك هي أمة المغرب.
وكنت وقفت منذ أشهر بل أيام موقفاً كموقفي هذا شاكراً لجامعة الدول العربية الموقرة اتجاهها إلى قضية شمال أفريقيا بجانب من العطف، ورجوت منها باسم أولئك الملايين من العرب أن تتجه إلى قضيتهم اتجاهاً يدلُّهم على أن الجامعة مجدة في مناصرتهم، ومتأهبة للمعونة على تحريرهم.
وأقف اليوم شكراً للجامعة قرارها الذي أصدرته في هذه الدورة الأخيرة، ومبلغاً لها شكر أولئك المجاهدين وارتياحهم لهذه الهمة الحازمة.
ولا يخالطنا ريب في أن هذا القرار الموفق سيكون له أثر عظيم في تأكيد عزم أولئك العرب، وتثبيت أقدامهم في العمل لاستقلالهم، كما أن جبهة الدفاع قد ازدادت بهذا القرار نشاطاً على نشاطها، وأصبحت تشعر بأنها تعمل في ظل جامعة دولية عربية غيورة على حرية شعوبها، راغبة في أن تكون لها في بناء السلام العالمي أعمال مشهورة.
(9/ 2/67)

وبهذه المناسبة أقول: إن جبهة الدفاع قد رسمت لنفسها غاية رأتها جديرة بحبها، وها هي تعمل لتحرير تلك البلاد: تونس، والجزائر، ومراكش، تحريراً لا يبقى لأجنبي عليها من سبيل، والجبهة قد اختارت أن تعمل في الشرق باسم الأمة المغربية التي تضم تحت جناحيها الشعوب الثلاثة، وهي حريصة على أن تتصل بزعماء الأحزاب القائمة في تلك البلاد، وبغير الزعماء من العاملين المستقلين، وليسوا بقليل؛ إذ الجبهة تقدر جهاد أولئك الزعماء أو العاملين المستقلين، وتراه هو الدعاية التي يقوم عليها صرح الاستقلال.
سادتي!
قررت جامعة الدول العربية العمل لاستقلال تونس والجزائر ومراكش، وأهم وسيلة إلى هذه الغاية النبيلة أن تكون الصلة بينها وبين المغرب قوية ثابتة؛ أعني: الصلة التي تجعل الجامعة تطلع على كل ما يحدث في الغرب يوماً فيوماً، وتجعل المغرب يعرف الخطوات التي تقدمت بها الجامعة في العمل لاستقلالها خطوة فخطوة، والنظر في إيجاد هذه الصلة ووسائل قوتها موكول بالطبيعة إلى مجلس الجامعة، ولنذكر على وجه المثال ما يصح أن يكون في مقدمة أعمال المجلس الموقر، وهو أن الفرنسيين يتقلبون في البلاد العربية، ويدخلون منها كل مدخل، دون أن يعترضهم أدنى عائق، ونوى الحكومات العربية تسمح لفرنسا أن تنشئ في بلادها مؤسسات باسم العلم، أو الرفق بالإنسانية، وكانت فرنسا ولا تزال تعين سفراء من أبناء جنسها في البلاد العربية.
أذكر هذا وأقول: إن من حق الدول العربية أن تعمل لفتح أبواب الرحلة
(9/ 2/68)

إلى تونس والجزائر ومراكش؛ بحيث تكون المواصلات بين العرب في الشرق والعرب في الغرب دائمة منتظمة، ومن حقها أن تعمل أو تساعد على أن يكون هناك مؤسسات ثقافية أو صحية أو اقتصادية تضاهي أمثالها من المؤسسات الفرنسية في البلاد العربية الشرقية، ومن حقها أن تعين في المغرب سفراء من رعاياها المخلصين.
يمثل بعض الخطباء أو الكتاب العالم العربي بطائر قلبه مصر، وله جناح في الشرق، وجناح في الغرب. ومن الواضح الجلي أن الجناح الشرقي لا يكون متصلاً بالقلب إِلا إذا بقيت فلسطين عربية شعباً وحكومة، وأن الجناح الغربي لا يكون متصلاً بالقلب كذلك إِلا إذا بقيت طرابلس الكبرى عربية حكومة وشعباً، أنها إذا ابتلي هذان القطران بوضع غير عربي؛ فإن هذا الطائر يبقى مهيض الجناحين، لا يستطيع أن يحلق في الجو، ويصعد إلى سماء العزة والسيادة.
ولم يزل بين جوانحنا أمل في أن جامعة الأمم المتحدة تذعن إلى أن العصر الذي يدعى فيه إلى السلام العالمي هو عصر المنطق والحجة، لا عصر التخاطب بلغة النّار والحديد، وتذعن إلى أن الحرية من حقوق الإنسانية على اختلاف أجناسها ومللها، وتكون على ذكر من أن السلام العالمي لا يتحقق ما دامت ملايين من الأمة العربية تقاسي من الاحتلال الفرنسي والإسباني ألواناً من الاضطهاد الذي لا يطاق.
وإذا كانت الدول القوية قد أذعنت إلى الحقائق، وعرفت أن مراعاتها أمر لابد منه، لم نشك في أنها ستقف موقف المرتاح لقرار جامعة الدول العربية في استقلال تونس والجزائر ومراكش، وتسبق التاريخ بتمجيد أولئك
(9/ 2/69)

الأبطال الذين يجاهدون في سبيل حريتهم واستقلالهم، مع ما يلاقونه من عذاب وتنكيل.
وأختم كلمتي هذه بتوجيه شكر خاص إلى سعادة الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام باشا على ما يبذله من الجهد في قضية شمال أفريقيا، وهو -بلا شك- إنما يعمل بالروح الذي استمده من رغبة حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم (فاروق الأول) - حفظه الله -.

محمّد الخضر حسين
(9/ 2/70)

مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى الجامعة العربية (1)
حضرة صاحب المعالي عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية!
بعد تقديم أطيب التحية:
بدا لمجلس جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية اقترل رغبوا إليّ أن أعرضه على معاليكم للنظر فيه، فإذا آنستم فيه خيراً للقضية العربية عامة، وقضية شمال أفريقيا خاصة، تفضلتم فعرضتموه على مجلس جامعة الدول العربية، لعلّه يرى الاقتراح جاء في الوقت المناسب لقوله، وهو: أن الجامعة قد اتجهت إلى ما كنا نؤمله منها، بل يؤمله العالم العربي بأجمعه؛ من العمل لتحرير الأوطان العربية بشمال أفريقيا، وأصدرت قرارها الذي اهتزت له قلوب الأمم العربية ارتياحًا، وازداد به الرجال العاملون لخلاص المغرب عزماً على المضي في سبيلهم، وعرفوا أن انضمامهم إلى جامعة الأمة العربية يسرع إلى قضيتهم بنجاح فوق النجاح الذي ينتظرونه من عملهم في داخل أوطانهم.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الخامس والسادس من المجلد التاسع عشر الصادران في ذي القعدة وذي الحجة 1365 ه - القاهرة.
(9/ 2/71)

فهم -بعد هذا القرار الموفق- يرون أن الجامعة تستطيع أن تعمل لقضيتهم في طريقة منتظمة، وحجج صادقة، ومن الوسائل التي تسهل عليها تحقيق هذه المهمة الكبيرة: أن يكونوا أعواناً للجامعة على جهادها، وطريقة هذا التعاون إنما يكون بعقد صلة محكمة بين الجامعة وتلك الشعوب؛ بحيث تطلع الجامعة على ما يحدث بتلك الأوطان من ضروب الاضطهاد، ومكافحتهم له يوماً فيوماً، وتعرف تلك الشعوب كيف تسير الجامعة في قضيتهم خطوة فخطوة، وعقد هذه الصلة موكول بالطبيعة إلى سياسة الجامعة ورأيها الحكيم، وهذا لا يمنعنا من أن نضع أمامها رأيا لعقد هذه الصلة الضرورية لخدمة القضية المغربية، هو أن جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية قد اختير أعضاؤها من الجاليات التونسية والجزائرية والمركشية، ومن بينهم أساتذة في الأزهر الشريف، وفي الجامعة، وفيهم دكاترة ومحامون، وطائفة من كبار التجار الأمناء، فهي هيئة يمكن للجامعة أن تفسح لها طريق الاتصال بها، وتستعين بها على تعرف أحوال تلك البلاد في القديم والحديث.
واتصال الجبهة بالجامعة يأتي بثمرته العملية فيما يبدو لنا متى سمحت الجامعة بتخصيص مكتب لإدارة الشؤون المتعلّقة بشمال أفريقية، وكان في العاملين بهذا المكتب من تطمئن الجبهة لكفايته وحزمه وأمانته، وفيما نعتقد أن مجلس الجامعة يقدر الجبهة التي قامت منذ سنتين تناضل عن قضية خمسة وعشرين مليوناً من العرب، وقد منحوها ثقتهم، وارتضوها لساناً يعبر عن أمانيهم، فمن القريب جداً أن يتقبل المجلس هذا الاقتراح، وفي قبوله معونة على أن يكون جميع ما تحتاج إليه الجامعة من مقتضيات الكفاح عن القضية المغربية تحت يدها، فتتناوله وهي على ثقة من صحته، سواء ما يتعلق
(9/ 2/72)

بعهودها الماضية، أو عهودها القريبة والحاضرة.
هذا اقتراح الجبهة، نعرضه على المجلس الموقر مؤملين النظر إليه بعناية ولكم جزيل الشكر. وتفضلوا بقبول أسمى التحية وعظيم الاحترام.

رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
(9/ 2/73)

ألف قتيل مراكشي في الدار البيضاء تجريد الجنود المراكشيين والشرطة من سلاحهم (1)
وردت أنباء مقتضبة من مراكش عن اعتداء همجي فظيع قام به سلاح السنغاليين المشاة في الجيش الفرنسي بالدار البيضاء؛ حيث هجموا بالأسلحة السريعة الفتاكة على الأهالي العزل بسبب غضب الأهالي من اعتداء الجنود على أحد المنازل المغربية. وعلى أثر ذلك بعثت جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا ببرقية إلى الأستاذ المكي الناصري رئيس حزب الوحدة المغربية الموحدة الآن في طنجة، تستفسر فيها عن هذه المجزرة، وعن فكرة الخلافة التي أثيرت بمناسبة زيارة جلالة ملك مراكش لطنجة، فتلقت منه الرد التالي:
"إن حوادث الدار البيضاء التي وقعت في 7 أبريل، قد أثيرت لتهييج الرأي العام المراكشي. وقد ذهب ضحيتها ألف قتيل، كما جرح مئتان كلهم مراكشيون، قتلوا على أيدي مشاة الجيش السنغالي الفرنسي، أما المعتدون، فقد مات منهم ثلاثة، وفقد اثنان، والباعث لهذه الحوادث هو قصد الاعتداء على منزل مراكشي. أنها السلطات الفرنسية، فبدلاً من أن تتدخل حالاً لمنع
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" الجزآن السابع والثامن من المجلد التاسع عشر الصادران في محرم وصفر 1366 ه - القاهرة.
(9/ 2/74)

هذه المجزرة، فقد جردت الجنود المراكشيين ورجال الشرطة المراكشيين من سلاحهم.
"وبونيفاس الذي كان بطل حوادث سنة 1944 م الدامية، وهو رئيس ناحية الدار البيضاء الآن، هو نفسه بطل هذا الحادث الأخير".
"أما عن سفر جلالة الملك لطنجة، فقد بذلت فرنسا كل ما يمكنها من جهود للحيلولة دون هذا السَّفر، فلما فشلت في منعه، حاولت إثارة قلاقل في طنجة، ولكن جلالة الملك أذل بلاغاً دعا فيه الشعب إلى الاحتفاظ بالهدوء.
وبحمد الله تمت الزيارة من غير حادث بفضل امتثال الشعب لأمر جلالته، وبفضل حسن نية العناصر المحايدة، والبوليس الدولي.
أنها فكرة الخلافة، فليس لها أي أساس من الصحة، بل بالعكس، إن ملكنا يتجه إلى الجامعة العربية، وفي خطبة الجمعة عِندما أمّ المسلمين بنفسه دعا لملوك الدول العربية ورؤسائها، وكل معلومات مخالفة لهذه هي مناورات فرنسية".
وقد تلقت الجبهة التفاصيل الآتية منه أيضاً:
على أثر حوادث الدار البيضاء الدامية، وقع إضراب عام في جميع أنحاء البلاد، وشارك فيه كل عناصر الشعب وطبقاته، كما قامت مظاهرات في طنجة على أثر خطاب حماسي ألقاه الأستاذ المكي الناصري رئيس حزب الوحدة المغربية؛ حيث أخذ المتظاهرون البالغ عددهم نحو عشرين ألفاً يطوفون بشوارع المدينة.
(9/ 2/75)

لائحة المؤتمر الوطني التونسي (1)
انعقد بتونس في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1316 ه - الموافق 23 أغسطس سنة 1946 م مؤتمر وطني اشترك فيه زعماء الأحزاب، والمشتغلون في خدمة القضية التونسية، بل اشترك فيه كثير من كبار الموظفين والمدنيين بجامع الزيتونة، وأصدروا لائحة بإلغاء الحماية التونسية، واعتبار تونس وطناً مستقلاً استقلالاً تاماً، ونص هذه اللائحة:
إن المؤتمر التونسي المنعقد في 23 أغسطس سنة 1936 م بعد ما درس حالة البلاد السياسية، واستمع لمختلف الخطباء، صادقَ بالإجماع على العريضة التالية:
حيث إن البلاد التونسية قبل سنة 1881 م كانت دولة تتمتع بسيادتها التامة، ومرتبطة مع الخلافة العثمانية بعلائق دينية أكثر منها سياسية.
وحيث إن سيادة البلاد التونسية معترف بها من مجموع الدول، وقد أيدتها المعاهدات مع الدول الأجنبية.
وحيث إن فرنسا التي كانت تؤيد قضية استقلال البلاد التونسية لدى
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن التاسع والعاشر من المجلد التاسع عشر الصادران في الربيعين 1366 ه - القاهرة.
(9/ 2/76)

الحكومة العثمانية، قد فرضت على تونس معاهدة وقع المشير الصادق باي تحت الضغط، ولم يصادق عليها الشعب.
وحيث إن معاهدة "باردو" لم تكن لتفصل البلاد التونسية على المجموع الدولي، ولم تلغ سيادتها الخارجية والداخلية.
وحيث إن الحماية استحالت بعد مضي 65 سنة إلى نظام استغلال استعماري يجرد الحامي المحمي عن سيادته، ومن خيراته تجريداً منظماً، في حين أن مفهوم معاهدة "باردو"، واتفاقية المرسى، ومنطوقهما يقضيان بأن تكون الحماية نظاماً وقتياً شبيهاً بوصاية بسيطة.
وحيث إن الدولة الحامية لم تلتزم حدود سلطة المراقبة، وحلت محل الدولة المحمية في مباشرة الحكم والتصرف في الشؤون العامة.
وحيث إن السلطة الفرنسية قد استحوذت على السلطة التشريعية التي هي حق خاص لسمو الباي، حتى أصبح حضرته شبيهاً بموظف شرفي سام مضغوط على حريته الشخصية، كما أن وزراء الدولة الذين نزلوا بهم إلى لقب وزراء سمو الباي، صاروا مجرد شخصيات لتزيين المحافل، وكما أن العمال أصبحوا أعواناً ينفذون أمر المراقبين المدنيين، وكذلك نزعت في جميع الميادين الأخرى سلطات جميع الموظفين التونسيين، وأسندتها لموظفين فرنسيين لم تكن خبرتهم ولا نزاهتهم في غالب الأحيان سالمتين من الطعن.
وحيث إن فرنسا التي التزمت علانية بحماية شخص الباي وعائلته قد خرقت المعاهدة مرّة أخرى، فخلعت عنوة ملك البلاد الشرعي سيدنا ومولانا محمد المنصف باشا باي معتدية حتى على القواعد الأصلية للدين والإسلامي.
(9/ 2/77)

وحيث إن هذه الاعتداءات قد نشأ عنها نظام إداري مضطرب، لا هو إلحاق، ولا حكم ذاتي؛ فقد ضاعت فيه الأصول التشريعية، وتلاشت فيه المسؤوليات.
وحيث إن الدولة الحامية سلكت منذ بداية عهد الحماية سياسة تفقير؛ بتجريد الشعب التونسي من أخصب أراضيه، وبمنح الموظفين -وكلهم فرنسيون- أكثر من ثلث ميزانية لا مراقبة عليها، مستندة على نظام جبائي على اعتبار العدد لا الثروة، وبإخضاع البلاد التونسية لسياسة مالية وقمرقية مضرة بالاقتصاد التونسي بدون أن تفيده في مبادلته مع البلاد الأجنبية.
وحيث إن هاته السياسة كانت سياسة تعمير البلاد بالفرنسيين معمرين وموظفين، ومن طريق التجنيس الذي بعد أن فتح في وجه التونسيين، والمالطيين، والروس الملوكيين من أتباع -فرانجيل- واللاجئين الإسبان، صار يستميل الإيطاليين حتى اليوم لتنمية عدد المواطنيين الفرنسيين بالنسبة لعدد التونسيين قصد تجريد البلاد صبغتها التونسية.
وحيث إن التونسيين قد حرموا في بلادهم من الحريات الأولية -حريات التفكير، والنشر، والقول، والاجتماع، والتجول-، حتى إن 65 سنة التي مرت على الحماية قضى منها التونسيون أكثر من 20 سنة تحت الحكم العسكري العرفي، والبقية تحت رقابة البوليس.
وحيث إن الإسراف المالي الذي أوجبه هذا التعمير الفرنسي الجائر، قد أعجز الحماية عن الوفاء بواجباتها الاجتماعية نحو المسلمين في ميادين التموين والسكنى والصحة العامة والتعليم.
وحيث إن ذلك قد أدى بالدولة الحامية إلى إهمال كل ما يتعلق بتحسين
(9/ 2/78)

حالة الأفراد، وإلى الاعتناء بمصالح رأس مالية مستفرغة، فلم تقم برسالتها التمدينية التي يحاولون من أجلها تبرير نصب الحماية على البلاد.
وحيث إنه فيما يخص الأمن قد نكثت الحماية عهودها بتسليمها البلاد التونسية لدولة المحور، بينما كان المحميون يدافعون دائماً عن قضية فرنسا وحلفائها، ويبذلون دماءهم في هذا السبيل.
وحيث إن التضحيات البشرية والمساهمة في المجهود الحربي التي بذلتها البلاد التونسية، والتي تُنوسيت بعد الحرب العالمية الأولى من شأنها أن تستوجب إنهاء الحماية، وتحرير البلاد التونسية.
وحيث إن معاهدة "باردو" نصت على أن الحماية في جوهرها نظام وقتي، وأن مصالح الفرنسيين الناتجة عن هذا النظام الموقت لا يمكن بحال أن تكون لها صفة الدوام والاستمرار.
وحيث إنه -من جهة أخرى- لا يمكن لمصالح دولة حامية أن تحول دون حقوق الشعب الثابتة في تقرير مصيره بكامل الحرية.
وحيث إن الاستعمار يعتبر بجق سبباً للتنافر بين الدول، ومثاراً للمشاكل الدولية، قد عبرت الأمم المتجدة عن استنكارها له بحكم صريح، وجعلت من بين الأهداف التي خاضت من أجلها غمار الحرب: "حق الشعوب كلها في اختيار صورة الحكم الذي ترتضيه لنفسها، واسترجاع حقوق السيادة والاستقلال إلى الأمم التي انتزعت منها "قهراً".
وحيث إن هاته النظرية الجديدة أخذت تتجلى وتتكد أثناء المؤتمرات العالمية المختلفة، وحيث كانت فرنسا من بين الدول الاستعمارية التي صادقت على المبدأ القائل: بأنه ليس لأية أمة الحق الثابت بحكم شعوب
(9/ 2/79)

لا تملك زمام أمورها.
فلهاته الأسباب يصرح المؤتمر الوطني التونسي: بأن الحماية نظام سياسي واقتصادي لا يتفق مطلقاً مع مصالح الشعب التونسي، ولا مع حقه في التمتع بسيادته.
ويؤكد: أن هذا النظام الاستعماري بعد تجربة 65 سنة قد حكم على نفسه بالإخفاق.
ويعلن عزم الشعب التونسي الثابت على السعي في استرجاع استقلاله التام، وفي الانضمام كدولة ذات سيادة لجامعة الدول العربية، وجامعة الأمم المتحدة، والمشاركة في مؤتمر الصلح.
(9/ 2/80)

سياسة فرنسا في تونس من نشرة أصدرتها جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (1)
قام السفير الفرنسي بتونس في هذه المدة باستدعاء بعض الساسة والشخصيات البارزة في البلاد، وحدثهم عن الإصلاحات التي تنوي فرنسا إدخالها على نظام الحكم، وسألهم عن وجهات نظرهم في هذه الإصلاحات.
وقد خرج التونسيون من دار السفير كما دخلوها لا يحملون معهم جديداً إلى يقينهم بأن السياسة الاستعمارية الفرنسية لا تتغير، وإن حاول بعض الفرنسيين إعطاءها صبغة المودة وحسن التفاهم.
وحديث السفير عادة معقد بعيد عن الصراحة، تظهر من خلاله سوء نيّة الحكومة الفرنسية، وما تضمره للشعب التونسي ولمستقبله من كيد وشر. فهو لا يريد الحل الطبيعي للمشكلة التونسية، وهو إعطاء أرباب البلاد حق اختيار حكومتهم، وتقرير مصيرهم؛ لأنهم إذا تركت لهم الحرية في اختيار مصيرهم، فسوف لا يرضون بغير الاستقلال والانضمام للجامعة العربية بديلاً. وهذا شيء يبث الرعب في قلب فرنسا التي أخرجت من هذه الحرب هزيلة منهوكة القوى، ليس لديها ما تعول عليه إِلا مستعمراتها البائسة التي أراد سوء طالعها أن تكون ضحية لفرنسا، تمتص دماءها، وتسلبها أرزاقها،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الأول والثاني من المجلد العشرين الصادران في رجب وشعبان 1366 ه - القاهرة.
(9/ 2/81)

لتعوض ما ضيعته في الحرب.
فأية محاولة من أي بلد من البلدان الخاضعة لها ترمي إلى الاستقلال عنها، تقاومها فرنسا بكل ما تعرفها من قوة.
وهي ما فكرت في "الاتحاد الفرنسي" إِلا لزيادة توطيد أقدامها في البلدان التي تسيطر عليها، وإلا محاولة لنزع فكرة الانضمام للجامعة العربية من رؤوس المغاربة.
ولكن التونسيين الذين حنكتهم الظروف، وَطَّدوا العزم على ألا يثقوا بفرنسا، ولا بإصلاحاتها، ولا باتحادها الفرنسي. فهم يريدون حكومة ديمقراطية تستمد نفوذها من الشعب، وتحافظ على تراثه وتقاليده، وتوثيق صلته بالعروبة والإسلام.
(9/ 2/82)

صرخة المغرب (1)
يصرخ المغربُ غيظاً واحتراقاً ... صرخة الناهض للموت اشتياقا
لا تلوموه إذا خاض الوغى ... ورأيتم دمه الغضَّ مراقا
هو يلتذُّ الردى إذ يسكب الضي ... م في أكؤسه، ماء زُعاقا (2)
* * *
أوفد الشرق رجالاً طبقوا ... أرضه رشداً وعلماً ووفاقا
فانبرى يسمو بجنب الشرق في ... همم تستشرف (3) السبع الطِّباقا
شاد بالعرفان والعدل علاً ... عقدت من أدب الدين نِطاقا
واقتنى للذود عن ساحتها ... مرهفات البيض والخيل العِتاقا
وجرى الإصلاح في آفاقه ... نازفاً (4) أسقامه حتى أفاقا (5)
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الأول والثاني من المجلد التاسع عشر الصادر في رجب وشعبان 1365 ه - القاهرة.
(2) مر لا يطاق شربه.
(3) استشرف الشيء: رفع رأسه ينظر إليه.
(4) مزيلاً، من نزف ماء البئر: إذا نزحه كله.
(5) أفاق من مرضه، ورجعت الصحة له.
(9/ 2/83)

يحسب الوافد بدءاً أنه ... جاء أرض الشام، أو وافى العراقا
أمةٌ أودعت التاريخ ما ... بهر الأحفاد من فخر وراقا
وصل الأحفاد مجداً تالداً ... بطريف فازدهى المجد اتساقا
راعهم جند غريحب حلَّ في ... أرضهم يخترق البيض الرقاقا
حسب البغي عليهم خمرة ... فتعاطاه اصطباحاً واغتباقا
ذكروا عهد العلا، والحر من ... يذكر العهد حفاظاً وصداقا
نهضوا نهض أسودِ الغاب لا ... يعرفون الدهر للذعر مذاقا
ظلت الحرب سِجالاً حقبةً ... لم ينم فيها الفريقان فُواقا (1)
أي حرب وضعت أوزارها ... أيّ أمن مد في الأرض رُواقا
بين أيد أمعنت في عسفها ... وقلوب ملئت منها حناقا (2)
* * *
يسفك الباغي دماءً ذنبها ... أنها تغلي إذا شد الخناقا
وطغى في الأرض حتى إنه ... همَّ بالدين خسوفاً أو محاقا
ينصب الأشراك كي يصرف عن ... حكمة الله قلوباً وحِداقا
لاذ بالتجنيس (3) والقوم أبوا ... خوف أن يصلوا به النار الحراقا (4)
وبنو المغرب عرب شيماً ... ولساناً لا ادعاءً واختلاقا
__________
(1) الفترة بين الحلبتين.
(2) جمع حنق، وهو الغيظ الشديد.
(3) فتح باب التجنس بالجنسية الفرنسية.
(4) التي لا تبقي على شيء.
(9/ 2/84)

شاد دون الشرق سداً فغدا ... وصل ما بين الشقيقين افتراقا
يلدع الأكباد بالمرِّ وقد ... يلمس الآذان بالحلو نفاقا
أمة أعهدها تحنو على ... سانح الآراء تبغيه عتاقا (1)
فاسألوا أقلامها ما خطبها ... تتمشى في القراطيس رقاقا (2)
أيها الدائب في تثبيطها ... وشعوب دونها حازوا السباقا
قوض السد الذي شيدته ... قبل أن يجتابه (3) القوم اختراقا
خذ إلى صدرك كفيك ودع ... خيلها تعدو إلى المجد انطلاقا
وقل الفصل إذا حدثتها ... فالرياء اليوم لا يلقى نَفاقا
أنت تبغيها خمولاً اذا ... أهبت للصيت (4) ضاعفت الوثاقا
من عذيري إن أنا مجدتها ... يوم تجتاح قيوداً ورياقا (5)

محمد الخصر حسين
__________
(1) تطلب له الحرية.
(2) جمع رقيق: ضد الحر.
(3) يقطعه.
(4) أهبت: أخذت الأُهبة. والصيت: الذكر الحسن
(5) جمع ريق، هو الحبل فيه عدة عرى يشد به البهم.
(9/ 2/85)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

في يوم 12 مايو 1948 م يكون قد مرّ على احتلال فرنسا للبلاد التونسية 67 عاماً. ولقد رأينا لهذه المناسبة والذكرى المؤلمة التي تعيد لأذهاننا تلك الظروف السوداء التي فقدنا فيها استقلالنا كدولة، وحريتنا وكرامتنا كأمة، أن نقدم للعالم صورة مصغرة للاستعمار الفرنسي في هذه البلاد، التي فرضت عليها فرنسا حمايتها بالقوة المسلحة، وقضت على استقلالها بالحديد والنار، وانتزعت من الشعب التونسي وحكومته كل سلطة له في بلاده، ومنصب للحكم، ومصدر للنفوذ، كما اغتصبت منه موارد الثروة، وأقفلت في وجهه سبل الحضارة والرقي، ومنعته من الاستنارة بنور العلم والمدنية، وأسلمته للفقر والمرض والجهل والجوع، وقرنت حياته كلها بالعسف والنكال، وتلك هي رسالة الاستعمار في العالم منذ نشأ وإلى الآن، كيفما كان مأتاه وجنس القائمين عليه، وإذا اختلف، فإنما يختلف في الوسيلة والأسلوب، لا في الغاية التي يدفع إليها بالمستضعفين.
فلونٌ من الاستعمار يرمي إلى الإبقاء على عبيده واستغلالهم، واستثمار
__________
(1) نثرت هذه المذكرة كمقدمة في رسالة صغيرة الحجم تحت عنوان: "تونس 67 عاماً تحت الاحتلال الفرنساوي" 1881 - 1948 م ". صدرت عن مكتب الدعاية والنشر للجبهة - المركز العام: شارع مجلس النواب 29 القاهرة.
(9/ 2/86)

أوطانهم بواسطتهم، والانتفاع بخيراتهم دونهم، ولون آخر يريد بعد كل ذلك إفناء المستعبدين فيه، وإبادتهم كجنس قائم بذاته له مكانه في هذا الوجود، وهذا ما تعانيه أفريقيا الشمالية من الاستعمار اللاتيني القاسي الذي يبيد الأمم، ويقضي على معنوياتها ومشخصاتها، حتى تمتزج بجنسه، وتذوب فيه، وعندها يأمن أن لا تعود إلى الوجود، فتطالب بوطنها الذي ألحق بوطنه، وصيّره إلى الأبد من ضمن أملاكه.
فالأمم التي تعاني الاستعمار الفرنسي وأمثاله، إنما تواجه سياسة فناء وإبادة، وخطر انقراض وزوال، سياسة تحارب الأمم في لغتها وعقيدتها وتقاليدها وأخلاقها، وفي سلطانها ومصادر ثروتها، تحاربها بكل الوسائل، وفي كل الجهات، وعلى توالي السنين بدون هوادة ولا انقطاع. والاستعمار منذ وجد لم يكن إِلا حرابة: إجراماً، وسلسلة من الآثام تلطخت بها الكرامة الإنسانية، وحملت تبعاتها البشرية، ولم يعد لأنصار الاستعمار بعد أن امتلأت صفحات تاريخه بدماء ضحاياه ودموع مظلوميه أن يقولوا: إنه وسيلة تمدينية، وقد أثار في ما بين المستعمرين أنفسهم حروباً دمرت مدنية أجيال، وحطمت نتاج العقل الإنساني، ومعالم الحضارة التي اشتركت في بنائها الأمم منذ أحقاب، ومع ذلك، فإن الكمال الإنساني لم يصل بعد إلى درجة التضامن لإزالة هذا الإجرام العام، وتحويل الذين يبنون سعادتهم من شقاء الغير إلى الارتزاق من طرق مشروعة، وأوفر شرفاً من استرقاق البشر، وتسخيره، واغتصاب ممتلكاته لبناء العظمة المادية، وتكوين الثروة، وجمع القوة وتوجيهها للشر المحض بدلاً من أن توجه لرفع المستوى الإنساني إلى أرقى معارج الكمال.
(9/ 2/87)

إننا نضع هذه الحقائق أمام العالم المتمدن، عسى أن ينتبه ضميره، ويشعر بمسؤوليته، خصوصاً الدول التي قطعت على نفسها وعوداً بذلك، وقالت عن الحرب الأولى والثّانية: إنها حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، واشترك فيها -بناء على ذلك- المستضعفون بأوفر قسط من التضحيات، تضحيات الأرواح والأموال والجهود التي ضمنت النصر، وأنقذت الموقف في كثير من الفترات الحرجة، هذه الأمم تتطلب إنجاز الوعود التي قطعت لها أثناء حربين، والالتزامات التي أمضيت من طرف أنصار الحرية ورجال الديمقراطية بإزالة نظام الرق الاستعماري الفظيع؛ فإن العالم يوشك أن يصلى نار حرب ثالثة، ينادي هؤلاء المستضعفون لخوض غمارها باسم الحرية وحقوق الانسان، فلا يستجيبون، فإنهم إذا لم تعط لهم حقوقهم من الآن، وترد إليهم حريتهم، ويصبحون وبأيديهم حق يدافعون عنه، وكرامة إنسانية يفدونها بالمهج والأرواح، ويذودون عنها، ومثل عليا تهون عليهم في سبيلها التضحيات، إنهم إذا لم يعط لهم ذلك، لا يمكن أن يثقوا بوعود قطعت لهم مرتين، والتزامات وثقوا بها أثناء حربين، ثم هم لم يخرجوا من حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان إِلا إلى العبودية والعسف والامتهان.
إن العالم لا يخلو من رسل الخير، ومثل الإنسانية الكاملة، وإنا نتوجه إلى هؤلاء بالنداء في كل أمة، ليتعاونوا على إزالة الشر، ومحاربة الظلم، والقضاء على جريمة الاستعمار، وإراحة العالم من أخطارها الوبيلة، وتبعاتها الملوثة للشرف الإنساني، المحطمة للمثل الأخلاقية العليا، التي يتجه العالم إليها اليوم لإخراج أمة موحدة، وعالم مجتمع في الخير والسعادة والسلام.
(9/ 2/88)

الإمام محمد الخضر حسين قدوة الأفاضل من التونسيين
كان الإمام محمد الخضر حسين على اتصال مع التونسيين العاملين في الحقل العلمي والسياسي، وكثيراً ما زوّدهم بالنصائح والتوجيهات التي تخدم القضية التونسية. ويكفي أن ننظر مثلاً لما اتخذه فيه العلماء من قدوة واسترشاد وسداد الرأي ما كتبه العلامة الأجل محمد الشاذلي النيفر حول مشاركته في الحياة العامة التونسية.
قال من كتاب "بحوث ودراسات مهداة إلى الشيخ محمد الشاذلي النيفر إعداد مجموعة من الأساتذة وتقديم الشيخ محمد المختار السلامي":
ساهمت مساهمة فعالة، وكنت والحمد لله إلى الإخلاص فيها والوفاق عندما انشقت الحركة، وقد اغتنمت فرصة سفري لحج الضرورة سنة 1365 ه الموافق ل 1946 م، فكاتبت قبل سفري إلى الحج في الباخرة (أندوس الثاني) الشيخ العلامة محمد الخضر حسين؛ لأجتمع به، وأستعين بآرائه للعمل في سبيل القضية التونسية، ولكن لن تتيسر له المقابلة، فكاتبني الشيخ مكبراً عملي - رحمه الله - بما نصه:
"جمعية الهداية الإسلامية - المركز العام: القاهرة 29 شارع مجلس النواب ت 53189. تحريراً في 9 ذي الحجة 1365 ه.
فضيلة العالم البارع الأستاذ الشيخ محمد الشاذلي النيفر - حفظه الله -،
(9/ 2/89)

بعد إهداء أزكى تحية.
تسلمت خطابكم الكريم، فأحمد الله على عافيتكم، وأشكركم على المراسلة، وكنت حريصاً على أن أزور الباخرة عند مرورها ببرت سعيد، ولاسيما بعد أن تلقيت برقية من ابن عمنا حضرة الفاضل السيد عبد الرحمن ابن علي بن عمر، ولكن حالتي الصحية عاقتني عن ذلك. وقد سررت جداً بحديثكم عن القضية التونسية، وسنجتهد في تعرف وقت مرور الباخرة بالسويس، أو برت سعيد؛ لعلّنا نحظى بلقائكم، ولو مقدار ساعة أو ساعتين. وإذا كان من الميسور لكم إعلامنا من جدّة، أو محجر الطور بيوم وصول الباخرة إلى السويس، أو برت سعيد، فنعمّا هو.
وبلغوا أعز تحيتنا السيد عبد الرحمن، والأستاذ الشيخ علي بن الخوجة، والأستاذ الشيخ أحمد جعيط. فقد أبلغت أنهما ممن قصد أداء نافلة الحج في هذه السنة، وأعود فاقول: إني مبتهج بما يبلغني عنكم من النبوغ في العلم، والاتجاه إلى العمل للمصلحة العامة، ودمتم في سعي حميد. وتقبلوا أزكى السلام من أخي والدكم الجليل رحمه الله.

محمّد الخضر حسين
(9/ 2/90)

خطبة الأستاذ محمد الخضر حسين في دار جمعية الهداية الإسلامية في الاجتماع الذي عقد لذكرى مرور عام على الظهير البربري (1)
أيها السادة!
أصيب العالم الإسلامي بهذا البلاء الذي يسمونه: الاستعمار، وهو تهلكة الشعوب التي ليس بعدها تهلكة، وفتنتها التي لا تساويها فتنة، وهل تصاب الجماعة بأشد من أن يخرج أمرها من يدها، وتقع تحت سيطرة خصومها، تزهق أرواحها ولا قصاص، ويعتدى على أموالها ولا خلاص، ثم تكره على أن تفارق دينها الذي هو أعز شيء تغتبط به في هذه الحياة؟!
وجد أولئك المستعمرون فينا نفراً يحرصون على كسب المال وإن
__________
(1) مجلة "الفتح" الجزء 252 من المجلد السادس. وكان يصدرها الأستاذ محب الدين الخطيب - القاهرة.
صدر (الظهير البربري) يوم 17 ذي الحجة 1348 ه - 16 مايو 1930 م في المغرب، وهو الظهير السلطاني المتضمن إنشاء محاكم عرفية تنظر في شؤونهم المدنية والجنائية. كما أن الأحوال الشخصية (زواج، طلاق، ميراث) فإن مرجعها إلى مراقب الناحية الفرنسي، فهو الذي يعقد أنكحتهم ويفسخها، ويقوم بسائر أحكام أحوالهم الشخصية. ويتنازل السلطان عن التدخل في شؤون البربر الدينية وغيرها. وليس له مطالبتهم بالشعائر الإسلامية كلها، وأنه يكل أمرهم إلى الإدارة الفرنسية تفعل بهم ما تشاء، والغاية منه هو تنصير البربر.
(9/ 2/91)

كان خبيثا، ويتساقطون على الجاه ولو من طرق دنيئة، فاتخذوا منها ألسنة تنطق، وأقلاماً تكتب، وأيدياً تبطش، فازداد قرحنا بأمثال هؤلاء فساداً، وأوشك داؤنا أن يكون عضالاً، ولا أقول: أصبح داؤنا عضالاً؛ لأن كل داء اجتماعي -بلغ من الخطر ما بلغ- قابل للعلاج وللبرء، إِلا أن تفقد الأمة أطباء يعرفون داءها، وينصحون في وصف دوائها.
يزعم أولئك المستعمرون انهم هبطوا شمال أفريقية ليقيموا للحرية سوقاً نافقة، ويعلموا شعوبه كيف تكون الإنسانية المهذبة، نعم، هبطوا، فوضعوا على أبواب الحرية أقفالاً، وعلّموا الناس كيف يطغى الأقوياء على الضعفاء، ويذيقونهم العذاب ألواناً.
يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية لينشروا مدنية ورفاهية، نعم، نشروا فيه جيوشاً من مقليهم يسمونهم: (المعمرين)، فاستولوا، وما زالوا يستولون على أخصب الأراضي بقانون جائر ويغير قانون، يحرصون أن يكونوا سادة مترفين، ويكون الوطنيون عبيداً بائسين، والمعمر هنالك يقتل الوطني رمياً بالرصاص، أو طعناً بمحدد لأقل سبب يثير غضبه، ولا يخشى أن يلقى على هذه الجناية الكبرى عقاباً.
يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية ليعمروه بالعلوم والفنون، نعم، مسكوا بزمام إدارة المعارف، وحصروا التعليم في دائرة ضيقة، ورسموا له طرقاً ملتوية، كذلك يصنعون؛ لأنهم يشعرون أن العبودية والعلم لا يجتمعان في شعب إِلا أن يجتمع الليل والنهار في مكان.
لم يكفهم وضع سلطانهم على الرقاب، وغلظة قلوبهم على الإرهاق، وجولة أيديهم في الأموال، وإفساد طريقة التعليم في المدارس، لم يشف
(9/ 2/92)

غليلهم هذا العسف والاضطهاد، فمدوا أيديهم ليصرفوا الإيمان عن قلوب أبنائنا، ويتبدلوا قوانينهم بأحكام شريعتنا.
ألم ياتكم نبأ الفرنسيين بالمغرب الأقصى إذ يعملون على إخراج قبائل البربر من الحنيفية السمحة إلى النصرانية الكاثوليكية؟ ولا أطيل على حضراتكم بسرد الحجج على انهم يبذلون في هذه الغاية قوتهم، فقد قرأتم في مجلة "الفتح" وغيرها من الصحف وثائق لا يمسها الريب في حال.
يقول الفرنسيون القائمون بحركة تنصير البربر: إن البربر لم يكونوا في يوم مسلمين بحق، يقولون هذا؛ ليخففوا عن المسلمين مصاب تنصيرهم، ويثبطوهم عن مقاومة هذه الحركة الباغية بما في وسعهم.
ورأى المؤرخ ابن خلدون قد نظر إلى هذا الزعم بنور الله، وتصدى -وهو من علماء القرن الثامن- لرده بإسهاب، وإليكم نبذة مما قاله في وصف البربر من ناحية صدق إسلامها بعد أن تحدث عن كمال أخلاقها، وكرم طباعها، قال - رحمه الله -:
"وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في نواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصاغيتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم، واغتشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد، وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه، ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكاً لعزهم، ومقاداً إلى سلطانهم، وكان المبرز في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين،
(9/ 2/93)

وعبد المؤمن بن علي، وبنوهم، ثم يعقوب بن عبد الحق بعدهم، وبنوه".
هذا ما يقوله ابن خلدون شاهداً لأمة البربر بمتانة الدين، والعمل لإعلاء كلمته، ومن درس تاريخ تونس والجزائر والمغرب الأقصى والأندلس، ووقف على سير الملوك والعلماء الذي هم من هذا القبيل، وجد فيهم الإيمان الصادق، والعمل لظهور الدين بحسن نية، وخلوص سريرة، ووثق بأنهم كانوا من الأجنحة التي حلَّق بها الإسلام على أوطان مظلمة، فنزل بها، وبسط نور هدايته في ربوعها.
وقبائل كانت لها في الإسلام هذه القدم الراسخة، يدمي قلوب المسلمين أن تمضي فرنسا في إفساد عقائدهم، ومحو تعاليم القرآن من ديارهم، فحق على علماء الإسلام وحماته في الشرق والغرب أن يسهروا في ابتغاء الوسائل إلى قمع هذه الفتن التي أخذت ترفع رأسها، وتكشر عن أنيابها، ولا يهولنا ما يكتنفها من النّار والحديد، فإن العاقبة حكمة الدعاية، وقوة الحجة، والصبر على المكاره. والسلام عليكم ورحمة الله.

محمّد الخضر حسين
(9/ 2/94)

قانون جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية: طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش
أتى حين من الدهر على جاليات شعوب أفريقية وهم في خمول وتجاف، وما كان لأوطان أنبتت فاتحًا كأسد بن الفرات، وملكاً خطيراً كعبد المؤمن ابن علي، وفيلسوفاً كابن خلدون، وأديباً كابن رشيق، أن تبقى الجاليات التي تمثلها في القاهرة، وهي عاصمة الشرق في نهضته العلمية والاجتماعية، بعيدة عن مظاهر الحياة الراقية، حتى فاتهم أن يقوموا بحق ذوي الحاجات منهم، ويضربوا بسوط الموعظة والأدب الجميل على يد من سولت له نفسه أن يكتسب بها إثماً، أو يضعها في حرفة غير مشروعة.
وقد بصرت طوائف من هذه الجاليات أن في الاجتماع مصالح تقصر دونها أيدي الأفراد، وإن أوتوا كرم النفس وسعة المال، فأرادوا أن يقتفوا أثر غيرهم من جاليات الشعوب الأخرى فيما عقدوه من جمعيات تعبر عن إحساسات سامية، وعواطف شريفة.
ولم تهدأ خواطرهم حتى نهضوا يتداعون لتأليف جمعية خيرية إصلاحية، فوجدوا روح الشعور بالحاجة إليها مبثوثاً في نفوس ذوي الفطر السليمة منهم، وما لبثوا أن عقدوا اجتماعاً خاصاً لبيان مقاصد الجمعية، ورسم نظام تسير به في استقامة ونشاط، فكانت صفوة المفاوضة هي المواد التالية:
أولاً: تألفت في مدينة القاهرة جمعية خيرية إصلاحية تسمى: "جمعية
(9/ 2/95)

تعاون جاليات أفريقية الشمالية": طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش.
ثانياً: شعار الجمعية: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
ثالثاً: مقاصد الجمعية:
1 - تمهيد وسائل التعارف بين الطرابلسيين والتونسيين والجزائريين والمراكشيين، وإسعاف ذوي الحاجات منهم حسب الاستطاعة.
2 - تنوير أفكارهم وجعلهم على بصيرة ممّا يقتضيه حال العصر ونظم الاجتماع.
3 - بث الأخلاق الفاضلة بينهم، ودعوتهم بالتي هي أحسن إلى المظاهر الشريفة، والسير المحمودة.
4 - الدفاع عن حقوقهم بالطرق الحكيمة السليمة.
5 - يتوصل إلى هذه المقاصد الشريفة بإقامة منتدى تلقى فيه محاضرات علمية أدبية.
رابعاً: أعضاء هذه الجمعية ثلاثة أقسام:
1 - عاملون: وهو كل طرابلسي، أو تونسي، أو جزائري، أو مراكشي يثبت على دفع معلوم الاشتراك المقرر في المادة الخامسة.
2 - ومساعدون: وهم الذين يقومون للجمعية بعمل إداري، أو علمي، أو إرشادي، أو بمراسلتها بما يعود على مقاصدها بفائدة.
3 - وأعضاء شرف: وهم الذين يتبرعون للجمعية بمبلغ ذي بال من المال، أو من يختارهم مجلس الادارة ليستنير في بعض الشؤون الخيرية أو الأدبية بآرائهم.
(9/ 2/96)

خامساً: ويصح أن يكون العضو المساعد وعضو الشرف من غير جاليات أفريقية شمالية.
سادساً: مقدار الاشتراك العادي في هذه الجمعية خمسة قروش في كل شهر.
سابعاً: تنتخب الجمعية العمومية، وهي هيئة الأعضاء العاملين مجلساً لإدارة شؤون الجمعية بطريق الاقتراع السري. وتكون وظيفته لمدة سنتين.
ثامناً: يتألف مجلس الإدارة من رئيس، وسبعة أعضاء، وكاتب السر العام، وأمين الصندوق.
تاسعاً: ينتخب من كل جالية من الجاليات الأربع (طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش) عضوان، ثم إن الأعضاء ينتخبون الرئيس من بينهم بطريق الاقتراع السري.
عاشراً: ينتخب أمين الصندوق وكاتب السر العام من قبل الجمعية العمومية.
الحادي عشر: حرصاً على طول حياة الجمعية، ومحافظة على أن تكون مسؤولة أمام سلطة واحدة، يشترط في مجلس الإدارة أن يتألف من أبناء الجاليات الأربع الذين تجري عليهم أحكام الدولة المحلية المصرية"
الثاني عشر: إذا خلا مكان أحد أعضاء، أو أمين الصندوق، أو كاتب السر العام، انعقدت الجمعية العمومية في أقرب وقت ممكن لانتخاب من يحل محله.
الثالث عشر: لا يصرف شيء من أموال الجمعية إِلا بقرار من مجلس الإدارة، وإنما التوقيع يكون من الرئيس، وكاتب السر العام، وأمين الصندوق.
(9/ 2/97)

الرابع عشر: إذا تجاوز مال الجمعية مئة جنيه، يودع أمانة بلا فائدة في أحد البنوك باسم الجمعية.
الخامس عشر: تنعقد الجمعية العمومية في منتهى كل سنة، وعندما يقتضي الحال اجتماعها، وذلك بدعوة كتابية من كاتب السر العام بعد الاتفاق مع الرئيس.
السّادس عشر: تتكون أموال الجمعية من قيمة الاشتراك، وتبرعات أهل الفضل العارفين بما يترتب على تأليف الجمعيات الخيرية من الآثار الحميدة.
السابع عشر: على مجلس الإدارة أن يقدم للجمعية العمومية تقريراً سنوياً ببيان أعمال الجمعية، وميزانيتها من واردات ومصروفات.
الثامن عشر: تعديل هذا القانون يرجع إلى نظر الجمعية العمومية، وإنما يطرح على بساط المفاوضة إذا اقترحته طائفة من الأعضاء العاملين لا يقل عددهم عن عشرين عضواً، وللجمعية الحق في قبوله ورفضه.
التاسع عشر: التعرض لتغيير شيء من مقاصد الجمعية، أو للإخلال بما ورد في المادة العاشرة من اشتراط أن يكون مجلس الإدارة مؤلفاً من أشخاص يتمتعون برعاية الدولة المحلية المصرية، يعد سعياً في إبطال الجمعية، وانفصالاً عن العضوية بها.
العشرون: اطلع على هذا القانون جمع عظيم من الطرابلسيين والتونسيين والجزائريين والمراكشيين في القاهرة، وأجمعوا على قبوله، والتعاون على العمل بما يقتضيه، والله ولي التوفيق.
(9/ 2/98)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(17)

«القَادِيَانِيَّة وَالبَهَائِيَّة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ

هنا بداية الجزء 9/ 3، في المصور عاملينه أكنه تبع 9/ 2
بس أنا رقمته وهذا للعلم
(9/ 3/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(9/ 3/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
في كل زمان ومكان يطل أعداء الإسلام برؤوسهم الخبيثة، وأفكارهم السقيمة، وأقلامهم الزائفة عن الحق، محاولين الطعن والمساس بالشريعة الإسلامية الغراء، فينبري لهم علماء أجلة يردون عن الدين كيدهم، ويدفعونهم على أعقابهم خاسئين خاسرين.
وفي حياة الإمام الأكبر المرحوم محمّد الخضر حسين - رضوان الله عليه - مواقف عظيمة، ومشاهد جليلة، ذاد فيها عن الدين الحنيف هجمات الباطل التي قام بها حملة الضلال والإفساد، فصرعهم الحق، ورماهم في ظلام النسيان، ولم نسمع لهم فحيحاً من بعد.
وطائفة القاديانية، وكذلك طائفة البهائية أو البابية، تعرض المؤلف لهما في هذا الكتاب، وكشف القناع عن زيف آرائهما، ودفع بالحجة الساطعة أباطيل دعوتيهما، وكان لهذه المقالات شأنها الكبير في فضح هاتين الطائفتين أمام أنظار المسلمين، وحصر البلاء في نطاق، ومنع انتشاره بين الناس، ومن ثمَّ القضاء عليه.
وليعلم القارئ: أن جميع أبحاث هذا الكتاب سبق أن نشرت في مجلة "نور الإسلام" التي يصدرها الجامع الأزهر في القاهرة، وترأس الإمام رئاسة تحريرها فترة من الزمن، وقد أشرنا إلى ذلك في مطلع كل مقال. ونضيف:
(9/ 3/3)

أن بحث "طائفة القاديانية" سبق أن نشر في رسالة مطبوعة عام 1351 ه بالقاهرة، كما أن بحث "البابية أو البهائية" نشر في كتاب "رسائل الإصلاح" الطبعة الأولى منه.
والله نسأل السداد والتوفيق.

على الرّضا الحسيني
(9/ 3/4)

طَائِفَةُ القَادِيَانِيَّة

* طائفة القاديانية:
غلام أحمد: أصله، وولادته، ونشأته - ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة -زعمه أن له آيات على صدقه- غروره وتفضيله نفسه على بعض رسل الله الأكرمين - تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته -القاديانية فرقتان- وجوب مقاومتهم، والتحذير منهم.
* تفنيد مذهب القاديانية:
خيبة مدعي النبوة كذباً - انقطاع النبوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع شبهة يتشبث بها القاديانية - دعوى غلام أحمد أنه أفضل من عيسى - عليه السلام - تكفير غلام أحمد لمن عصمهم الله من اتباعه -تزوير داعية القاديانية- اقتراح غلام أحمد على علماء الهند أن يتركوه عشر سنين - ادعاء غلام أحمد النبوة.
* نقض شُبه القاديانية:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]
(صدق الله العظيم)
قيل للأحنف بن قيس:
(9/ 3/5)

- إن المختار بن عبيد يزعم أنه يوحى إليه.
فقال: صدق، وتلا:
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121].
(9/ 3/6)

طَائِفَةُ القَادِيَانِيَّة (1)

بُعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بشريعة واضحة لا يحوم عليها لَبس، محكمة لا تدنو منها شُبهة، وتلقاها عنه رجال صفت بصائرهم، وتناهت في فهم سبل الخير عقولهم، فبلَّغوها كما أمروا، وجاهدوا في سبيلها حتى انتصروا، وما زال الدين الحق -ولن يزال- رفيعَ الدعائم، محفوظاً من أن تلعب به يد الأهواء والمكايد، والفضل في هذا الحفظ للكتاب الكريم، والسّنة الصحيحة؛ فإنهما قد وجدا - وسيجدان- في كل عصر عقولاً تنظر فيهما وهي مبرأة من كل عوج، بعيدة من كل هوى، فسرعان ما تبصر الحقائق محفوفة بحجج تقطع لسان كل جهول، وتفضح سريرة كل ختال فخور، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وقد دلنا التاريخ الصادق أن الدين الحنيف يُبتلى في كل عصر بنفوس نزّاعة إلى الغواية، فتتنكب عن الحقائق، وتمشي في تحريف كلمه مكبَّة على وجهها.
وليس هذا الإغواء بمقصور على من يدّعون التفقه في الدين ولم يتفقهوا؛ ككثير من زعماء الفرق المنحرفة عن الرشد، بل يتعداهم إلى فئة تسوّل له
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء السابع من المجلد الثالث. كما طبع هذا البحث في رسالة خاصة عام 1351 ه - بالقاهرة.
(9/ 3/7)

نفوسهم ادعاء أنهم مهبط الوحي، وأنهم يتلقون ما يقولونه بأفواههم من الله تعالى بدون وسيلة كتابه الحكيم، وحديث رسوله الكريم.
ومن مدّعي النبوة من يذهب فينقطع دابره؛ كالحارث بن سعيد الذي ظهر في أيام عبد الملك بن مروان، واغتر به خلق حتى وقع في يد عبد الملك فقتله، ولم يبق له في الأرض أثر، وكإسحاق الأخرس الذي ظهر في خلافة السفّاح، واتبعه طوائف، وقتل فانقطعت فتنته.
ومن مدعي النبوة من ييقى لدعوته أثر بعد موته، ومن هذا الصنف غلام أحمد مبتدع النحلة القاديانية.
كثيراً ما وردتنا رسائل من البلاد العربية وغيرها -كأمريكا- يسأل كاتبوها عن أصل هذه النحلة، ومبلغ صلتها بالإسلام، وبالأحرى: بعد أن ظهر المقال الذي كشفنا فيه الغطاء عن النحلة البهائية، ونشرناه في الجزء الخامس من المجلد الأول من مجلة "نور الإسلام" (1). ووردتنا رسائل أخرى مطوية على ما يصرح به دعاة هذه النحلة من الآراء، ويقترح مرسلوها نقد هذه الآراء، وتحذير المسلمين من الوقوع في مهالكها، ولم نشأ التعرض للكتابة في شأنها قبل اليوم؛ إذ لم يكن لدينا من كتب أصحابها ما نطلع به على أساسها، ونعرف منه حال واضعها.
وقد انساق إلينا اليوم من كتب مبتدعها غلام أحمد وبعض دعاتها ما جعلنا على بينة من أمرها، وها نحن أولاء نضع أمام حضرات القراء فصولاً فيما تقوم عليه هذه النحلة من المزاعم الخاطئة، ونلقي عليهم كلمات في نشأة واضعها؛ ليكونوا على بصيرة من أنها دعوى زائغة، ولا يغيب عنهم
__________
(1) المقال منشور في هذا الكتاب.
(9/ 3/8)

أن دعاتها الذين يجوسون خلال ديار الإسلام إنما يثيرون في نفوس شبابنا فتنة، والفتنة أشد من القتل.

* غلام أحمد: أصله، وولادته، ونشأته:
ساق غلام أحمد نسبه، فذكر أن آباءه كانوا يسكنون "سمرقند"، ثم رحلوا إلى الهند، واستوطنوا "قاديان"، وصارت لهم الرياسة في تلك الناحية. ثم دارت عليهم الدوائر، وانهالت عليهم المصائب، وذهبت عنهم تلك الرياسة، ونهبت أموالهم، وقال: "ثم ردّ الله إلى أبي بعض القرى في عهد الدولة البريطانية".
ولد غلام أحمد سنة 1252 ه، ولما بلغ سن التعليم، شرع في قراءة القرآن، وبعض الكتب الفارسية، ولما بلغ العاشرة من عمره، تعلم اللغة العربية، ولما بلغ السابعة عشرة، اتصل بأستاذ، فتلقى عنه النحو والمنطق والفلسفة. وقرأ على أبيه كتباً في علم الطب. أنها العلوم الدينية، فلم يدرسها على أي معلم، وإنما كان له ولوع بمطالعتها (1).
وعندما قطع مسافة في التعلم، كانت السلطة البريطانية قد امتدت على "البنجاب"، وكان الشبان يطمحون إلى المناصب، فاندفع غلام أحمد يبحث عن وظيفة، فذهب إلى "سيلكوت"، وتقلد وظيفة في إدارة نائب المندوب السامي، ثم استقال منها بعد أربعة أعوام؛ إجابة لرغبة أبيه الذي رأى نفسه في حاجة إلى مساعدته له في إدارة شؤونه الخاصة.
__________
(1) عن كتاب باللسان الإنجليزي لمحمود بن غلام أحمد اسمه: "أحمد رسول آخر الزمان".
(9/ 3/9)

وفي سنة 1876 م (1) مرض أبوه، فزعم غلام أحمد أنه نزل عليه وحي من الله بأن أباه سيموت بعد الغروب، وكان هذا الإخبار في زعمهم أول وحي نزل عليه. وأخذ بعد هذا يصرح ببعض آراء زاعماً أنه يتلقاها من طريق الوحي، وكان المسلمون يلاقون هذه المزاعم بالإنكار الشديد، فرحل إلى بلدة "لودهيانة"، وأذاع منشوراً أعلن فيه أنه المسيح المنتظر، فقام في وجهه علماء الشريعة بالإنكار، ومن بين هؤلاء العلماء: مولوي محمد حسين صاحب جريدة "إشاعة السنّة".
ودعا مولوي محمد حسين كثيراً من العلماء إلى "لودهيانة" لمناظرة غلام أحمد، ولكن الوالي (الكوميسر) في هذه الناحية كان في جانبه؛ فمنع من عقد المناظرة، وأرغم مولوي محمد حسين ومن معه من العلماء على مغادرة البلد في اليوم نفسه.
ثم انتقل غلام أحمد إلى "دهلي" داعياً إلى نحلته، فواجهه العلماء بالإنكار، وطلبوه للمناظرة فيما يدعو إليه، وقرروا أن يتولى مناظرته مولوي نظير حسين أستاذ الحديث، فلم يجب غلام أحمد للمناظرة، ولكن -كما يقول أتباعه- دعا مولوي نظير حسين إلى المباهلة: بأن يحلف هذا الأستاذ على أن عيسى بن مريم - عليه السلام - لم يزل حياً، وإذا حلف، ولم ينزل عليه في خلال سنة بلاء، يكون غلام أحمد كاذباً في نبوته، ولكن مولوي نظير حسين ومن معه من العلماء أبوا أن يسلكوا مع غلام أحمد هذه الطريقة بدل ما دعوه إليه من المناظرة.
وبعد هذا دعا أهالي "دهلي" مولوي محمود بشير من مدينة "بهوبال"
__________
(1) نستعمل التاريخ الإفرنجي؛ لأنه الوارد في كتبهم التي ننقل عنها هذه الحوادث.
(9/ 3/10)

لمناظرة غلام أحمد، حكى هذا محمود بن غلام أحمد، ولم يزد على أن قال: وطبعت هذا المناظرة.
وفي سنة 1892 ذهب إلى "لاهور" أيضاً، فجرت بينه وبين مولوي عبد الحكيم مناظرة؛ ذكر هذه المناظرة أيضاً محمود بن غلام أحمد، ولم يتعرض لوصفها، أو لمن كان له الفوز في نهايتها وفي سنة 1896 عقد مؤتمر الأديان في "لاهور"، وحضره ممثلو ملك كثيرة، ويقول محمود بن غلام أحمد: إن غلام أحمد هو الذي اقترح عقد هذا، المؤتمر، وغرضه من هذا الاقتراح: تعريف العالم بحقيقة رسالته، وقالوا: إنه كان عندما شرع في كتابة المقال الذي أراد إلقاءه في المؤتمر، أخذه إسهال عنيف، ثم أتمه، وزعموا أنه أوحي إليه بأن مقاله سيفوق كل ما يلقى في المؤتمر، ولا ينتظر منهم بعد هذا إِلا أن يقولوا: إن مقاله في الموّتمر كان فوق كل مقال، وذكروا أن أتباعه لذلك الحين لا يزيدون على ثلاث مئة شخص.
وفي سنة 1897 دعا حسين كامي سفير تركيا في البنجاب غلام أحمد للاجتماع، فلم يجب، فذهب إليه بنفسه، وسمع منه ما يدَّعيه من نزول الوحي، وبعد انصرافه عنه، نشر في صحف "لاهور" مقالاً أنكر فيه ما يدعيه غلام أحمد أشد الإنكار، وكان لهذا المقال أثر في ازدياد حنق المسلمين على غلام أحمد في تلك البلاد.
وفي تلك السنة نشر غلام أحمد تحت عنوان: (الصلح خير) خطاباً لعلّماء الإسلام يدعوهم فيه أن يكفوا عن معارضته، والتشنيع عليه مدة عشر سنين، فإذا كان كاذباً، فسيصادفه ما يظهر كذبه، وإذا تبين صدقه، فستكون هذه الهدنة سبباً لمعرفتهم للحق، ونجاتهم من العقاب الذي
(9/ 3/11)

ينزله الله على من يناوئونه.
ولم تجد هذه المكيدة عند علماء الإسلام غباوة، فرفضوا هذا الاقتراح، واستمروا على تفنيد آرائه، وتحذير الناس من السقوط في ضلالته.
وفي هذه السنة قصد غلام أحمد إلى التخلص من حملة المنكرين عليه، فلجأ إلى حكم الهند العام، وقدم له مطلبًا قال فيه: إن أصل اضطراب الهند هو المشاغبات الدينية، فيجب وضع قانون يسوغ لأتباع كل دين إظهار حقائق دينهم، ويحميهم من تعرض غيرهم له.
وفي سنة 1898 وضع لأتباعه قانوناً هو أن لا يزوجوا بناتهم لمن لم يكن مصدقا بنبوته، وفي هذه السنة أسس مدرسة بقاديان لتعليم أبناء شيعته حتى يشبوا على مبادى نحلته.
وفي سنة 1900 بنى مسجداً بقاديان، ولكن أقاربه الذين سلمهم الله من نزعاته بنوا أمام هذا المسجد جداراً جعل أشياعه لا يصلون إلى المسجد إِلا بعد أن يمشوا مسافة طويلة، فرفع غلام أحمد عليهم دعوى، فقضت المحكمة لإزالة الجدار.
وفي هذه السنة ألقى على طائفته الخطبة التي يسميها: "الخطبة الإلهامية"، وأتباعه يعدونها من معجزاته، وسننقل فيما بعد شيئاً من هذيانها وضلالاتها.
وفي سنة 1901 أمر أتباعه بإحصاء عددهم، وتقييد أسمائهم في سجل، قال ابنه محمود بشير: هذه السنة مبدأ التفريق بينهم وبين المسلمين.
وفي سنة 1902 أصدر مجلة لنشر مذهبه سماها مجلة: "الأديان"، وهي تنشر باللغتين: الأوردية والإنكليزية، وكان يكتب فيها بعض مقالات بنفسه. وفي هذه السنة أقام عليه السيد كريم الدين قضية ادعى فيها أنه تناوله
(9/ 3/12)

بالقذف، واستدعي غلام أحمد إلى المحاكمة ببلدة "جهلوم"، وحضر لدى المحكمة، فقضت ببراءته.
وفي سنة 1903 قتل أحد دعاة مذهبه، وهو سيد عبد اللطيف بمدينة "كابل" بسبب مروقه من الدين، وفي هذه السنة كتب غلام أحمد مقالاً خرج فيه إلى شتم السيد كريم الدين حتى قال عنه: إنه كذاب لئيم، فرفع عليه السيد كريم الدين قضية قذف ثانية، واستدعي غلام أحمد إلى المحاكمة ببلدة "جردسبور"، فقضت عليه المحكمة بغرامة قدرها 500 روبية، فاستأنف القضية لدى محكمة "أمرتسر"، وكان القاضي إنجليزياً، فنقض الحكم الأول، وقضى ببراءته.
وسافر بعد إلى، "لاهور"، و"سيلكوت، ليخطب داعياً إلى مذهبه، فأصدر العلماء هنالك منشوراً ينصحون فيه الناس بأن لا يستمعوا إلى خطبه، وخطب مرّة واحدة، فثار الناس عليه بالإنكار، وحاولوا رميه بالحجارة، ولكنه كان -كما هو شأنه في هذه المواقع- محاطاً بالشرطة (البوليس)، فحموه حتى ركب القطار هارباً.
وفي سنة 1955 أسس مدرسة دينية عربية في "قاديان" لتخريج دعاة عارفين بمقاصد نحلته، وفي هذه السنة سافر إلى "دهلي"، فقام العلماء في وجهه، ولم يتمكن من الخطابة في محل عام، إِلا أن دعا طائفة إلى المنزل الذي يقيم فيه؛ ليبث بينهم مبادئ مذهبه، فلقي من بعض الحاضرين معارضة وإنكاراً، فغادر المدينة خائباً.
وعند عودته من "دهلي" مر على بلد "أمرتسر"، وعزم على إلقاء خطبة في قاعة المحاضرات، وجاء العلماء يحذرون الناس من الاستماع إليه، ولما
(9/ 3/13)

دخل قاعة المحاضرات، وأخذ يخطب، قدم له أحد أتباعه قدح شاي، وكان الاجتماع في نهار رمضان، فأخذ منه الرشفة الأولى، فصاح الحاضرون بالإنكار عليه، فأجاب بأنه مسافر، وقد رخص للمسافر الفطر في رمضان، ووقع عقب هذا هياج، فانقطع عن الخطابة، وانصرف في حماية الشرطة (البوليس)، واضطر إلى مغادرة المدينة.
وفي سنة 1905 زعم أنه أوحي إليه أن أجله قد قرب، وكتب الكتاب المعروف عندهم بالوصاية، ولكن أجله امتد بعد هذا نحو ثلاث سنين، وفي هذه السنة زعم أنه أوحي إليه بإنشاء مقبرة خاصة لأتباعه، وفرض على من يريد الدفن فيها أن يهب لخزنتهم ربع ماله.
وفي سنة 1907 قامت حركة وطنية في "البنجاب"، فانحاز غلام أحمد إلى جانب الحكومة، وأذاع منشوراً دعا فيه أتباعه إلى موالاة الحكومة ومساعدتها على إخماد الحركة الوطنية، ففعلوا.
وفي هذه السنة انعقد مؤتمر الأديان في "لاهور"، وحضره مندوبو الديانات، وبعث غلام أحمد مقالاً ليقرأ في المؤتمر، ولما قام أحد أتباعه لقراءته، قابله جماعة من الحاضرين بالازدراء، ورموه بكلمات الاستهزاء.
وفي سنة 1908 ذهب إلى "لاهور"، وعندما وصل إليها، أنكر المسلمون مجيئه، وصار العلماء يجتمعون كل يوم بعد صلاة العصر في براح حول منزله، ويلقون خطباً يحذرون فيها الناس من الاغترار بمزاعمه.
وكان غلام أحمد مبتلى بإسهال مزمن، فاشتد عليه وهو في "لاهور"، ومات في مايو من هذه السنة 1908 الموافقة لسنة 1326 هجرية، ونقل إلى "قاديان"، ودفن بها، وانتخب أتباعه لرياسة المذهب حكيم نور الدين حتى
(9/ 3/14)

مات سنة 1914، فانتقلت الرياسة إلى بشير الدين محمود ابن واضع هذه النحلة غلام أحمد، وهو رئيسهم لهذا العهد.

* ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة:
يزعم غلام أحمد أنه ينزل عليه الوحي، ومما قاله في الخطبة الإلهامية: "هذا هو الكتاب الذي ألهمت حصة منه من رب العباد في يوم عيد من الأعياد".
ثم قال: "بل هي حقائق أوحيت إليّ من رب الكائنات لا. ثم قال: "وقد أوحي إليّ من ربي قبل أن ينزل الطّاعون أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا".
ولم يدَّع أحد من الصحابة، ولا من السلف الصالح أنه يأتيه الوحي من الله، ولو اقتصر غلام أحمد على دعوى الوحي، لقلنا: لعله يريد من الوحي: الإلهام، كما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [النحل: 68].
ويبقى النظر فيما زعم من الإلهام، فإن كان موافقاً لنصوص الدين أو أصوله، سكتنا عنه، وإن كان مخالفاً لشيء منه، رددناه عليه. ولكنه يصرح في كتبه بأنه نبي ورسول، قال في الخطبة الإلهامية: "أرأيتم إن كنت من عند الله، ثم كذبتموني، فما بالكم أيها المكذبون". وقال: "إنكم ترون كيف تنصر الناس، وارتدوا من دين الله؛ ثم تقولون: ما جاء مرسل من عند الله، مالكم كيف تحكمون". وقال: "فأنعم الله على هذه -يعني: أمة الإسلام- بإرسال مثيل عيسى، وهل ينكر بعده إِلا العمون". وقال: "وكان عيسى علماً لبني إسرائيل، وأنا علم لكم أيها المفرطون"!.
وفي منشور لأصحابه عنوانه: "شرائط الدخول في جماعة الأحمدية" ما نصه: "إن المسيح الموعود -يعني: غلام أحمد- كان مرسلاً من الله تعالى،
(9/ 3/15)

وإنكار رسل الله تعالى جسارة عظيمة قد تؤدي إلى الحرمان من الإيمان".
وقال أحد دعاتهم أبو العطاء الجلندهري: "كلَّم الله أحمد -يعني: غلام أحمد- بجميع الطرق التي يكلم بها أنبياءه؛ لأن الأنبياء في وصف النبوة سواء (1) ".
يدّعي غلام أحمد النبوة والرسالة غير مبال بالقرآن والسنّة وإجماع الأمة، في هذه الأصول الثلاثة حجج على أن المصطفى - صلوات الله عليه - هو آخر النبيين والمرسلين.
أما القرآن، ففي قوله تعالى:
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
فعلى قراءة (خاتم) بكسر التاء، يكون وصفاً له - عليه الصلاة والسلام - بأنه ختم الأنبياء؛ أي: لا ينال أحد بعده مقام النبوة، فمن ادعاها، فقد ادعى ما ليس له به من سلطان. وقراءة (خاتم) بفتح التاء ترجع إلى هذا المعنى؛ فإن الخاتم -بالفتح- كالخاتم -بالكسر- يستعمل بمعنى: الآخر، ذكر هذا علماء اللغة، وجرى عليه المفسرون المحققون، وجاءت السنة الصحيحة مبينة لهذا المعنى، ففي "صحيح الإمام البخاري" عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي".
وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إِلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت
__________
(1) "البشارة الإسلامية الأحمدية".
(9/ 3/16)

هذه اللبنة"، قال: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". وفي رواية مسلم عن جابر - رضي الله عنه -: "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء". وروى الإمام أحمد بسنده إلى أبي الطفيل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نبوة بعدي إِلا المبشرات"، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة -أو قال- الرؤيا الصالحة". إلى غير هذا من الأحاديث وآثار الصحابة الصريحة في أن النبوة انتهت بنبوته - عليه الصلاة والسلام -، وعلى هذا انعقد إجماع المسلمين،
وأصبح بمنزلة المعلوم من الدين بالضرورة.
قال الإمام ابن كثير عند تفسير: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]: "وقد أخبر الله تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذّاب أفاك دجال مضل". وقال الألوسي في "تفسيره": "وكونه - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين ممّا نطق به الكتاب، وصدعت به السنّة، وأجمعت عليه الأمة. فيكفر مدّعي خلافه".
وما كان لمسلم أن يؤول القرآن والسنّة الصحيحة تأويل من لا ينصح لله ورسوله ليجيب داعية هوى في نفسه، وانظروا إلى غلام أحمد وطائفته كيف تخبطوا في تأويل: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، وما يبينها من الأحاديث المحكمة، ولا داعي لهم إلى هذا التخبط، إِلا أن رجلاً من "قاديان" استحب الهوى على الهدى، فأدعى أنه نبي مرسل، وملأ فمه باللغو وقول الزور، والتملق لغير المسلمين.
ومن وجوه تأويله حمله لحديث: "لا نبي بعدي" على معنى أنه لا يأتي بعده نبي من غير أمته.
وهذا الوجه اختلسه من متنبئ آخر يقال له: إسحاق الأخرس ظهر في
(9/ 3/17)

أيام السفّاح؛ فإنه زعم أن ملكين جاءاه وبشراه بالنبوة، فقال لهما: وكيف ذلك وقد أخبر الله تعالى عن سيدنا محمد أنه خاتم النبيين؟ فقالا له: صدقت، ولكن الله أراد بذلك أنه خاتم النبيين الذين هم على غير ملته وشريعته.
وليس الوحي عند هذه الطائفة بمقصور على زعيم نحلتهم، بل يدَّعون أن أتباعه أيضاً ينزل عليهم الوحي، ومما رأيناه في منشور وضعه رئيسهم لهذا العهد، وترجمه عبد المجيد كامل، وطبع في مصر: "أن طريق الوحي لا يمكن أن يسد في وجوه الناس"، وفي هذا المنشور: "أن المهدي والمسيح قد ظهر في الهند بمحل يقال له: "قاديان"، وانه يوجد الآن آلاف من حواريه يستمعون الوحي الإلهي".
ومما زعم غلام أحمد أنه أوحي به إليه: "وإني جاعلك للناس إماماً ينصرك رجال نوحي إليهم".
بأي لسان يدّعون الوحي، وهذه مقالات غلام أحمد ورسائله طافحة بأقوال منقطعة عن الحكمة، عارية عن الصدق، والمعقول منها قد قاله أناس، أو قالوا مثله، أو خيراً منه، ولم يخطر على بالهم ادعاء أنه وحي كلمهم به الله تعالى، أو نزل عليهم به الرُّوح الأمين! ومن خطله المكشوف: أنه يأتي إلى آيات أو جمل من القرآن المجيد، فينقلها كما هي، ويضم بعضها إلى بعض في صحائف، ويزعم أنها وحي نزل عليه.
ينكرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين، ويوردون على هذا شبهاً لا تزن عند أولي العلم جناح بعوضة، كما استدلوا بقوله تعالى:
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
متشبثين بأن قوله: {يَصْطَفِي} فعل مضارع، والمضارع للاستقبال.
(9/ 3/18)

ودفعُ هذه الشبهة أن الفعل الواقع في الماضي قد يعبر عنه بصيغة المضارع لمقتضيات بلاغية، منها: أن يكون المعنى موضع غرابة؛ فإن المضارع من جهة دلالته على الحال يتوسل به المتكلم البليغ إلى إخراج الحادث الغريب في صورة الواقع في الحال؛ ليبلغ تعجب المخاطب من وقوعه مبلغ تعجبه من الصورة البديعة في حال مشاهدتها. وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].
قال: {فَيَكُونُ}، والموضع في الظاهر للماضي؛ لأن وجود إنسان من غير أب حادث غريب، فحاله يقتضي أن يعبر عنه بالمضارع؛ لإحضاره في ذهن المخاطب حتى فإنه مشاهد له.
ومن دواعي التعبير عن الماضي بصيغة المضارع: الإشارة إلى استمرار الفعل وتجدده فيما مضى حيناً بعد حين؛ فإن الاستمرار التجددي يستفاد من المضارع على ما جرى عليه استعمال البلغاء، وصيغة الماضي لا تعرج على هذا المعنى. فالتعبير بصيغة المضارع في قوله تعالى:
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
يدل على معنى زائد على أصل الاصطفاء الذي يدل عليه الماضي، ويقف عنده.
وذلك المعنى هو أن اصطفاء الرسل كان يتجدد، ويقع مرّة بعد أخرى، والقرينة الشّاهدة بأن {يَصْطَفِي} مراد منه الاصطفاء الواقع قبل نزول هذه الآية هي آية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، والأحاديث المستفيضة في إغلاق باب الرسالة والنبوة.
(9/ 3/19)

فاستعمال المضارع موضع الماضي في كلام البلغاء خارج عن حد الإحصاء، وًايات الكتاب يفسر بعضها بعضاً، كما أن السنّة تبين الكتاب. ويزعم غلام أحمد أنه رسول، وانه هو المراد من الحديث الوارد في نزول ابن مريم حكماً عدلاً، وأخذ يمشي في تأويل ألفاظ الحديث على عوج، على أنه حاول في الخطبة الإلهامية صرف الناس عن العمل بالأحاديث النبوية، وحرّف كثيراً من آيات القرآن المجيد على زعم أنه نزلت لتخبر بظهوره، وتنوه بشأنه، منها قوله في آية:
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12]:
"هذه بشارة بأنه سيكون في هذه الأمة الإسلامية رجل في درجة مريم الصديقة، ثم ينفخ فيه روح عيسى، فبهذا مريم يخرج منه عيسى؛ أي: أن الرَّجل ينتقل من صفاته المريمية إلى صفاته العيسوية، فكأنما كينونته المريمية أنتجت كينونته العيسوية، وبهذا المعنى يسمى ذلك الرجل: ابن مريم).
ولا نريد أن نكثر في هذا المقام من ذلك اللغو والهزل، إِلا أن تدعو الحاجة إلى زيادة الكشف عن فضائح هذه النحلة من بعد.
بدا لغلام أحمد أن يدّعي النبوة والرسالة، وخشي خيبة دعوته حتى لدى العامة الذين يأبون الخروج من الإسلام إلى نحلة تعلن أنها ناسخة له، فادّعى أن رسالته مؤيدة للإسلام، لا ناسخة لشريعته، فقال في الخطبة الإلهامية: "أم يقولون: إنا لا نرى ضرورة مسيح ولا مهدي، وكفانا القرآن، وأنا مهتدون، ويعلمون أن القرآن لا يمسه إِلا المطهرون، فاشتدت الحاجة إلى مفسر زكي من أيدي الله، وأدخل في الذين يبصرون".
(9/ 3/20)

قال هذا ليتألف الغافلين، ولما كانت في نفسه حاجات يريد قضاءها، وعرف أن هذه الحاجات ينبذها الكتاب والسنّة، حاول إسقاط السنّة من أصول الشريعة، وفتح بعد هذا لتأويل القرآن باباً من صنف الأبواب التي فتحها الباطنية من قبله، فأصبح في غنى عن ادعاء أنه جاء بشريعة مستقلة؛ إذله أن يقرر هو وأتباعه ما تدعوهم إليه أهواؤهم، فإن قيل لهم: هذا يخالف نص الشارع الحكيم، أنكروا صحة النص، أو دخلوا إلى تأويله من الباب الذي دخل منه الباطنية وهم يمكرون.

* زعمه أن له آيات على صدقه:
قال غلام أحمد في الخطبة الإلهامية: "وإن تعدوا دلائل صدقي، لا تحصوها"، ولم نقف على شيء من هذه الدلائل إِلا ما يشابه براءته من قضايا القذف التي كانت تقام عليه، أو نجاته من أذى العامة حيث يكون محاطاً بالشرطي، محروساً من الحكومة بقوة الحديد، وأراد أن يجعل دليل صدقه رواج دعوته عند طائفة الغافلين عن سبيل الحق، فقال في الخطبة الإلهامية: "ولو كان هذا الأمر والشأن من عند غير الله، لمزق كل ممزق، ولجمع علينا لعنة الأرض والسماء، ولأفاز الله أعدائي بكل ما يريدون".
وقد لقي كثير من الدعاوى المزورة مثلما لقيت دعوته أفراداً ضربت في نفوسهم الجهالة، فلا يقدرون مقام النبوة والرسالة، ولا يفرقون بين من يدعيها حقاً، ومن يدعيها وهو لا يرجو لله وقاراً، ولو كان رواج الآراء بين طائفة من البشر دليلاً على أنها حق، لكانت البهائية من المذاهب الرشيدة، والقاديانيون يعدونها كما يعدها المسلمون نحلة غاوية. وإن للباطل لصولة، حتى إذا أخذ أهل العلم بيد الحق، وأحكموا أساليب الدفاع عنه، تضاءل الباطل،
(9/ 3/21)

فإما أن ينقطع أثره، وإما أن يبقى شعار فئة كان لله في إيثارها الظلام على النور حكمة بالغة.
يذكر غلام أحمد في مؤلفاته: المباهلة، ويزعم أنها تجري بينه وبين بعض المنكرين عليه، فيكون الظفر له، ولسوء حظه سلك هذه الطريقة مع الأستاذ أبي الوفاء ثناء الله، فخسرت مباهلته، وتركها آية تنادي بخذلانه، ولكن بعض المكبين على الباطل في صمم، فهم لا يسمعون.
ضاقت الأرض على غلام أحمد عندما نهض الأستاذ العلامة مولوي ثناء الله لإبطال نحلته، ورمى بالحجج الدامغة، فكتب غلام أحمد دعاء طويلاً خاطب فيه الشيخ ثناء الله. وهذا هو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53]
حضرة المولوي ثناء الله. السلام على من اتبع الهدى، إن سلسلة تكذيبي جارية في جريدتكم "أهل الحديث" من مدة طويلة، أنتم تشهدون فيها أني كاذب دجال مفسد مغتر، ودعواي للمسيحية الموعودة كذب وافتراء على الله، إنِّي أوذيت فيكم إيذاء، وصبرت عليه صبراً جميلاً، لكن لما كنت مأموراً بتبليغ الحق من الله، وأنتم تصدون الناس عني، فأنا أدعو الله قائلاً: يا مالكي البصير القدير العليم الخبير! تعلم ما في نفسي، إن كان دعواي للمسيحية الموعودة افتراء مني، وأنا في نظرك مفسد كذاب، والافتراء في الليل والنهار شغلي، فيا مالكي! أنا أدعوك بالتضرع والإلحاح أن تميتني قبل المولوي ثناء الله، واجعله وجماعته مسرورين بموتي، يا مرسلي! أدعوك آخذاً بحظيرة القدس لك أن تفصل بيني وبين المولوي ثناء الله: أنه من كان مفسداً في
(9/ 3/22)

نظرك، كاذباً عندك، فتوفه قبل الصادق منا، {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].

الراقم عبد الله الصمد
مرزا غلام أحمد المسيح الموعود
عافاه الله وأيد عزّه
ربيع الأول 1325
وصدر هذا الدعاء في أول يوم من رييع الأول 1325 (15 أبريل 1907)، وقد مات غلام أحمد بعد هذا الدُّعاء بنحو سنة، أنها الأستاذ ثناء الله، فهو ما زال يتمتع بالسلامة لهذا العهد، وما زال يعمل للذود عن الدين الحنيف، والكشف عن فضائح تلك النحلة المزورة.
يعلم غلام أحمد أن يده فارغة مما يصلح أن يكون دليلاً أو شبه دليل على نبوته، فانتهز ظهور الطّاعون بالبنجاب فرصة لاصطياد الغافلين المستضعفين، فزعم أنه أوحي إليه بأن هذا الطاعون ينجو منه من يؤمنون به بقلب خالص، أو يكفون في الأقل عن تكذيبه وذمه، ويحملون له في قلوبهم تعظيماً (1)، قال هذا ليستهوي الأغبياء الذين شأنهم الانقياد إلى من يعدهم بالنجاة من كل بلاء هو نازل بهم، وإن لم يعدهم إِلا غروراً.

* غروره وتفضيله نفسه على بعض رسل الله الأكرمين:
ملك غلام أحمد الغرور والتعاظم، فانهال يحثو لنفسه من الإطراء ما شاء، ومما أورده في كتاب الاستفتاء على أنه خطاب له من الله تعالى: "أنت
__________
(1) من مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح الموعود".
(9/ 3/23)

مني بمنزلة توحيدي وتفريدي، أنت مني بمنزلة عرشي، أنت مني بمنزلة ولدي". وقال في مقال له ورد في كتاب "أحمد رسول العالم الموعود": "فالواقع أن الله القدير قد أبلغني أن مسيح السلالة الإسلامية أعظم من مسيح السلالة الموسوية"، ويعني بمسيح السلالة الإسلامية: نفسه، فغلام أحمد يزعم أنه أفضل من عيسى - عليه السلام -. ومما ادعى أن الله خاطبه به: "إني خلقتك من جوهر عيسى، وإنك وعيسى من جوهر واحد، وكشيء واحد (1) ".
ووقع في يدي كتاب لغلام أحمد نقله أحد أتباعه إلى العربية، فوجدته قد تحدث فيه عن الوحي، ثم ذكر مقامًا: "يشافه الله فيه العبد بالكلام، وينطق في باطنه، ويتخذ من جنانه عرشه، ويعطيه كل نعمة مما كان قد أعطاها الأولين". ثم قال: "إنني لأكون قد ظلمت بني نوعي إن لم أعلن لهم في هذه السّاعة أنني على ذلك المقام الروحي الذي وصفته هذا الوصف، وأن الله قد أعطاني من المكالمة المرتبة التي ذكرتها بالتفصيل".
وذكر الشيخ ثناء الله جملاً صدرت من غلام أحمد مأخوذة من كتبه، وله مؤلفات بالأوردية والفارسية، ومن هذه الجمل قوله: "اتركوا ذكر ابن مريم؛ فإن غلام أحمد خير منه". ومنها قوله: "ما أعطاه الله لكل نبي واحداً واحداً أعطاه لي جميعاً". ومنها قوله: "قال الله: إنّ أمْرَك إذا أردت شيئاً أن تقول له: كن فيكون". ومؤلفاته مملوءة بمثل هذه الجمل الطاغية.

* تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته:
يجعل غلام أحمد المسلمين الذين لا يقبلون دعوته كفاراً، ويمثلهم
__________
(1) "حمامة البشرى".
(9/ 3/24)

في كتبه باليهود، ومما قال في الخطبة الإلهامية: "فإن نبيّنا المصطفى كان مثيل موسى. وكانت سلسلة خلافة الإسلام كمثل سلسلة خلافة الكليم - عليه من الله السلام -، فوجب من ضرورة هذه المقابلة والمماثلة أن يظهر في آخر هذه السلسلة مسيح كمسيح السلسلة الموسوية؛ ويهود كاليهود الذين كفروا عيسى وكذبوه". وكرر هذا المعنى، وهو تمثيل نفسه بعيسى - عليه السلام -، وتمثيل المسلمين الذين ازدروا دعوته باليهود في كتبه كثيراً.
وفي نشرتهم "شرائط الدخول في الأحمدية" التصريح بأن المسلمين الذين يكذبون غلام أحمد أحط درجة من المنافقين. وفي نص عبارتهم: "وكذلك لا يجوز لأحمدي أن يصلي على غير أحمدي. فكأنه بفعله يشفع إلى الله لمن أصر على مخالفة المسيح وإنكاره، ومات عليه. مع أن الله يمنع أن يصلّى على المنافقين. فكيف على من كفر بمأمور من الله؟ ". وقد يصف غلام أحمد المسلمين بأنهم أعداء لأهل مذهبه؛ كما قال في مقال (1) يخاطب فيه أتباعه: "فاذكروا دائماً أن الحكومة الإنكليزية هي رحمة وبركة لكم. فهي الدرع التي تقيكم. إن الإنكليز خير ألف مرّة من المسلمين الذين هم أعداؤكم"!.
وعلم غلام أحمد أن علماء الإسلام هم الذين يعرفون سريرته. ويحذرون الناس من فتنته، فكان يكثر من قذفهم، ويحثّ أتباعه على بغضهم، قال في مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح المنتظر": "ونصيحتي لجميع أتباعي أن يبغضوا المولوية -علماء المسلمين- الذين يريقون الدم الإنساني تحت ستار الدين، ويأتون من الآثام أسوأها وراء حجاب التقوى، وعلى
__________
(1) ورد هذا المقال في كتاب لهم يسمى: "أحمد رسول العالم الموعود".
(9/ 3/25)

أتباعي أن يقدروا هذه الحكومة الإنكليزية، ويظهروا لها شكرهم واعترافهم بالجميل، بالولاء وحسن الطاعة".
ويرى (رسول آخر الزمان) غلام أحمد بعده من المسلمين نعمة تستحق الشكر. كتب الدكتور زكي كرام من "برلين" إلى جريدة "حضرموت" بجاوة مقالاً تحدث فيه عن القاديانية في برلين، ونشرته في العدد الصادر يوم السبت 8 المحرم سنة 1351، ومما قال في هذا المقال: إنه زار هو والأمير شكيب أرسلان إمام الجامع الذي بنته هذه الطائفة ببرلين. فأطلعهم الإمام على كتاب لغلام أحمد نفسه، فنقل منه الأمير جملاً، ومن هذه الجمل: أنه - أي: غلام أحمد - "يحمد الله حيث ولد تحت راية إنكليزية وبعيداً من المسلمين"!.

* القاديانية فرقتان:
كانت القاديانية في أيام غلام أحمد وأيام خليفته نور الدين مذهباً واحداً؛ غير أنهم في آخر حياة نور الدين ابتدأ شيء من الاختلاف يدبّ فيما بينهم، وعندما مات نور الدين، انقسموا إلى شعبتين: شعبة "قاديان"، ورئيس هذه الشعبة محمود بن غلام أحمد، وشعبة "لاهور"، وزعيمها محمد علي مترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية. أنها شعبة قاديان، فأساس عقيدتها أن غلام أحمد نبي مرسل، وأمّا شعبة "لاهور"، فظاهر مذهبها: أنها لا تثبت النبوة لغلام أحمد، ولكن كتب غلام أحمد مملوءة بادعاء النبوة والرسالة، فماذا يصنعون؟.
ولشعبة "لاهور، ضلالة يبثونها في كتبهم: هي إنكار أن يكون المسيح - عليه السلام - ولد من غير أب؛ وزعيم هذه الشعبة محمد علي يصرح بأن
(9/ 3/26)

عيسى - عليه السلام - ابن يوسف النجار. ويحاول تحريف بعض الآيات لتوافق هذه العقيدة (1).
ونشرت مجلتهم "المجلة الإسلامية" التي تصدر في "ووكنج" بإنكلترة مقالاً للدكتور (مركوس)، وفي هذا المقال: "أن محمداً - عليه السلام - يصرح بأن يوسف أبو عيسى - عليه السلام -"، ولم يعلقوا على هذه الجملة كلمة؛ لأنها جاءت على وفق نحلتهم.
وكذلك كان محمد علي في ترجمته للقرآن يذهب مذهب الترجمة الحرفية، ثم يضع في أسفل الصحيفة حواشي يؤول فيها ما ترجمه حرفياً، ويرتكب في تأويلها وجوهاً يحذو بها حذو نحلتهم؛ كما فعل في قوله تعالى:
[أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49]
فقد نحا في تأويلها نحو منكري المعجزات؛ وتصرف في معانيها تصرف من لا يدري أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين.

* وجوب مقاومتهم، والتحذير من دعايتهم:
للقاديانية حركة نشيطة في الدعوة إلى نحلتهم، ولما كانوا يقيمون هذه النحلة على شيء من تعاليم الإسلام، أمكنهم أن يدّعوا أنهم دعاة للإسلام، ولاسيما شعبة "لاهورد" التي تعلن أن غلام أحمد مصلح ومجدد لا نبي، وقد أصبح الناس الذين لا يعرفون هذه النحلة يعتقدون أنهم دعاة للإسلام
__________
(1) انظر كتابه: "عيسى ومحمد" (ص 76).
(9/ 3/27)

بحق، وربما أثنوا على سعيهم، وعاتبوا من يكتب في تحذير المسلمين من أباطيلهم. ولو اقتصرت هذه الطائفة على نشر دعوتها بين قوم غير مسلمين، لخفّ علينا خطرها، وآثرنا الاشتغال بمجاهدة غيرها من المضللين والملحدين، ولكنهم طمعوا في أخذ الشعوب التي تدرس القرآن والسنّة، وتستضيء بهدايتهما، وراموا صرفها إلى الاعتقاد برسالة غلام أحمد وما يتبعها من ضلالات، فبعثوا بدعاتهم إلى سورية وفلسطين ومصر، وجدة والعراق، وغيرها من البلاد الإسلامية، وقد وجدت دعايتهم -على ما فيها من سخف- أحداثاً فرط أولياؤهم في تربيتهم على أدب الدين، فقبلوها غروراً.
يذكر القاديانيون: أن لهم دعاة في الصين والهند، والعجم والعراق، وجدة وسورية وفلسطين ومصر، وقرأنا في كتاب لهم مطبوع سنة 1932: أن داعيتهم في مصر الشيخ محمود أحمد في شارع كذا، وقد رأيتم علماء الهند كيف قاوموا هذه الفئة، وما زالوا يقاومونها، وممن وصلتنا آثارهم في مقاومتها: علماء سورية، فقد كتبوا الرسائل في الرد عليها، وإيقاظ المسلمين لما يبثونه من آراء تقوض بناء العقيدة، وآراء تربي نفوس النشء على الرضا بالاستكانة والانقياد لكل يد تقبض على زمامهم انقياد الأعمى.
وها نحن أولاء قد كتبنا هذا المقال؛ ليحذر مسلمو مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية فتنة هذه الطائفة حذرَهم من فتنة الطائفة البهائية، ولنا الأمل في علمائنا ووعاظنا أن يقعدوا لدعاة هاتين الطائفتين كل مرصد، ويعالجوا كل قلب اعتل بشيء من وساوسهما:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].
(9/ 3/28)

تفنيد مذهب القاديانية
كتبنا في الجزء السابع من المجلد الثالث من "نور الإسلام" (1) مقالاً في نشأة النحلة القاديانية، وأوردنا فيه شيئاً من نزعات هذه النحلة الفاسدة، وأرينا القراء أنها نحلة مارقة من الدين، عاملة على تفويض أركانه تحت ستار اسم الدعوة إليه.
كتبنا ذلك المقال لنفتح أعين جماعات المسلمين على جانب مما يبيته غلام أحمد وأتباعه من شر، حتى لا يغتر أحد بما يزخرفونه من قول، أو بما يخلعونه على أنفسهم من ألقاب زائفة.
وقد عنيت بنشر هذا المقال صحف متعددة، وكان له - بتوفيق الله تعالى - أثر في إيقاظ من كانوا عن هذه النحلة في غفلة، حتى تبرأ منها فريق كانوا يحسبونها على شيء من الرشد، ونبذوها نبذ النواة. أما من جعل الله صدورهم ضيقة حرجة، فقد استغاثوا داعيتهم بفلسطين لعلهم يجدون عنده من قوة الجدل ما يذود عن ترهاتهم، وششر فضائحهم، فكتب مقالاً شغل به صفحات كثيرة من أوراق يصدرونها لترويج مزاعمهم في البلاد العربية، ولم يزد في هذا المقال على أن اعترف ببعض ما عزوناه إلى نحلتهم من زيغ وإلحاد، وذهب ببعضه مذهب التأويل المنبوذ على البداهة، وقابل بعضه بالإنكار،
__________
(1) سورة العنكبوت - الآية 69.
(9/ 3/29)

على الرغم من أنه وارد في كتب كبيرهم الذي علمهم اشتراء الدنيا بالآخرة، أو في كتب بعض زعمائهم الذين يرونهم بمقربة من النبوة. وخيلت له نفسه أنه يعرف من بلاغة اللسان العربي ما يقوى به على الخوض في تفسير القرآن الكريم، وشرح حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتخبط في مباحث لا يدري كيف يرِدُها، ولا كيف يصدر عنها.
وها نحن أولاء نرفع الستار عن جانب آخر من تزوير غلام أحمد، ونأتي إلى مقال داعيتهم، فنعرض على حضرات القراء قطعاً من زوره وقلة درايته؛ ليزدادوا علماً بأن القاديانية نحلة ملفقة من مزاعم لا تتصل بعقول هيأها الله تعالى للهداية، ولا تروج في نفوس أخذت من التعليم أو التهذيب ما فيه كفاية.
ابتدأ داعية القاديانية بمقدمة ساق فيها آيات نزلت في حق أنبياء الله الأكرمين، ومن يجحد نبوتهم من المبطلين، محاولاً تطبيقها على حال غلام أحمد، ومن يحذرون الناس من ضلاله المبين، ولا نعبأ بهذا التمثيل الفاسد؛ فإن ما كتبناه في نشأة نحلتهم، وما ضربناه من الأمثال على بهتان رئيسهم، يرد تلك المقدمة على عقبها خاسئة، ويحقق للقراء أن موقفنا في وجه غلام أحمد وأتباعه إنما هو موقف حزب الله في وجه مسيلمة وسجاح، وأمثالهما ممن يفترون على الله الكذب، ويدعون أنه يوحى إليهم، ولم يوح إليهم بشيء.

* خيبة مدعي النبوة:
قلنا في مقالنا السابق: إن مدعي النبوة قد يذهب فينقطع أثره، وقد يبقى لدعوته بين طائفة من الجاهلين أثر، فاندفع داعية القاديانية بعد هذا
(9/ 3/30)

مخالفاً للنصوص القرآنية، ويزعم أن كل من يدعي النبوة لا يمهله الله تعالى سنين دون أن يبيده، ولا تروج دعوته، ولو عند طائفة لا يكادون يفقهون حديثاً، وأخذ يسرد آيات من القرآن يضعها في غير مواضعها، ويضيف إليها من المعاني ما لا يصح أن يستنبط منها، فأورد قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 69].
وقوله تعالى:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17].
وقوله تعالى:
{قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35].
وقوله تعالى:
{وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} [غافر: 28].
وقوله تعالى:
{لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61].
وقوله تعالى:
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44 - 46]
أورد داعية القاديانية هذه الآيات، وبنى عليها أن غلام أحمد ادعى النبوة، وبقي نحو ثلاثين سنة، ولم يأخذ الله منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين، وأفلح في دعوته، فدعواه الوحي والنبوة إذن صادقة.
والواقع أن هذا الداعية لا يفهم لآيات الله معنى، ولا يعرف لسنن الله
(9/ 3/31)

في الخليقة حكمة، يدلنا القرآن والمشاهدة على أن الله تعالى قد يملي لبعض المبطلين، فيمد لهم في أعمارهم، أو يكثر أموالهم وأولادهم، أو يجعل لهم من صنف الجاهلين شيعة، ثم يأخذهم بعد هذا أخذ عزيز مقتدر، قال الله تعالى:
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44 - 45]
وقال تعالى:
{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55].
ومما يدل على أن بعض المضلين قد يجد في الناس من يتبعون خطواته، ويهيمون في واد من ضلالاته، فتحق عليهم كلمة العذاب التي حقت على من قبلهم، قوله تعالى:
{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 67 - 68].
وقوله تعالى:
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166]
فبقاء بعض المضلين أمداً يعيثون فيه مفسدين، ويأخذون فيه بأعنة بعض الغافلين أو المغفلين، لا ينقض سنّة من السنن الكونية، ولا يخالف نصاً من النصوص الشرعية، وقد وافق داعية القاديانية على أن مدعي الإلهية قد ينتشر مذهبه في طائفة من الناس، ويترك من بعده أتباعاً، وجعل طائفة البهائية
(9/ 3/32)

من هذا القبيل، ويحصر سرعة الإهلاك وعدم انتشار الدعوة فيمن يدعي الوحي والنبوة، وقال في الفرق بين مدعي النبوة ومدعي الإلهية: إنّ نشر دعوة النبوة آية من آيات الله، ولا يعطى مفتر هذه الآية لئلا يلتبس أمر النبي بالمتنبي، أما مدعي الإلهية؛ فإنه يدعي أمراً مستحيلاً، فليس هناك موضع التباس.
وكلامه هذا يقتضي أن الله تعالى يهلك المفتري إذا كانت دعواة محتملة للصدق؛ لئلا يلتبس على الناس أمره، أما إذا قامت الأدلة الكافية على بطلان دعواه، فإنه يجوز إمهاله، وانتشار دعواه في طائفة من الناس.
وإذا كان داعية القاديانية يعترف بأن المضلل الذي تقوم الأدلة على افترائه قد تتأخر عقوبته إذ يلتبس المبطل بالحق، قلنا له: إن الأدلة القائمة على انقطاع النبوة بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - قاطعة، فقد تظافر على ذلك الكتاب والسنّة المتوترة والإجماع، فيجوز أن يكون تأخير إهلاك غلام أحمد، وترك أباطيله تنتشر بين طائفة من الناس، من ناحية أن الأدلة القائمة على بطلان دعواه الوحي والنبوة قاطعة، وليس بينها وبين إزهاق روح تلك النحلة المارقة إلا أن يتناولها أهل العلم بالبيان، ويطاردوا بها دعاة القاديانية في كل زمان ومكان.
فإن قال داعية القاديانية: لو كانت الأدلة على انقطاع النبوة قاطعة، لم يخالف فيها غلام أحمد ومن انحدروا في ضلالته، قلنا: إنكم سلمتم أن الأدلة القائمة على افتراء رئيس البهائية قاطعة، وقد عمي طائفة البهائية عن هذه الأدلة، وليسوا بأوفر في الغباوة منكم نصيباً، ولا أحط منكم في الجهالة دركاً، ولا أشد منكم في اشتراء الدنيا بالدين تهالكاً.
فدعوى النبوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلومة البطلان من الدين بالضرورة،
(9/ 3/33)

فمن ادعاها لا يشتبه حاله بحال المحق البتة، فمن الجائز إذن أن يمهله الله تعالى كما يمهل مدعي الإلهية، ثم يسحته بعذاب في الدنيا أو الآخرة.
ولنعد إلى بيان تخبطه في الآيات التي ساقها على أن مدعي النبوة يعجل الله بعقوبته، ويمنع من انتشار دعوته فنقول:
أما قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 69].
وقوله تعالى:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17].
فإنما يدلان على أن المفتري على الله تعالى لا يفلح، وليس معنى عدم الفلاح بمقصور على إهلاكه بسرعة، وخيبة دعوته بحيث لا تجد سامعاً -ولو من الطبقة التي هي أقرب إلى الحيوان الأعجم منها إلى الإنسان-، بل يكفي في تحقيق عدم الفلاح: فوز أنصار الحق عليه في الدنيا، والتحاقه بزمرة الأشقياء في الأخرى.
ثم إن عدم الفلاح قد جعل في الآية الثانية مما يترتب على التكذيب بآيات الله، أفيبلغ الخلط في الحديث بهذا الداعية أن يدعي أن كل من يكذب بآيات الله بعجل الله بإهلاكه في الدنيا؟!.
وأما قوله تعالى:
{وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} [غافر: 28].
وقوله تعالى:
{لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61].
(9/ 3/34)

فإن هاتين الآيتين لا تدلان على أكثر من أن الذي يكذب على الله تعالى يصيبه جزاء كذبه في الدنيا أو في الآخرة، ويجازى مع ذلك بالخيبة والحرمان من بلوغ المقصود والظهور على حماة الحق.
وقد أجرى الله تعالى على لسان غلام أحمد ما دل عله سخافة عقله، وفساد سريرته، وألقى به في خذلان حال بينه وبين الفلاح في الدنيا، وما بعد الموت أشد وأبقى.
على أن الآية الثانية لم تقع خطاباً لنبي، وإنما هي من قول موسى - عليه السلام - خطاباً لقوم فرعون، وليس فيها ما يدل على أن الله تعالى يسرع بإهلاك مدعي النبوة كذباً، ويصرف عنه حتى القلوب التي تقضي فيها الشياطين ليلها ونهارها، وغاية ما تدل عليه: أن المفتري على الله يخيب في دعوته، ويصيبه جزاء فريته. وإن دعوة لا تروج إلا عند نفر لا يفرقون، أو لا يريدون أن يفرقوا بين الليل إذ يغشى، والنهار إذا تجلى، لدعوة خاسرة.
وأما قوله تعالى:
{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة:
44 - 46].
فليس المراد منه تقرير أن الله يعجل لإهلاك كل من يدعي النبوة كذباً، ويقطعه عن الحياة لأول ما يدعي النبوة، حتى إذا ادعى أحد السخفاء النبوة، وعبث بعقول طائفة من البله، أو اشترى نفوس طائفة من البؤساء، وعاش نحو ثلاثين سنة، قلنا: هذا صادق في دعوى النبوة! وإنما نزلت هذه الآية في حق محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد حفه الله تعالى بدلائل الصدق من كل جانب؛ بحيث لا يجد ذو الفطرة السليمة أو العقل الراجح إلى تكذيبه فيما يخبر به عن الله
(9/ 3/35)

تعالى منفذاً، فلو كان هذا الذي استقامت سيرته، وبهرت حكمته، وثبتت معجزته، قد تقوّل على الله تعالى بعض الأقاويل، لكان الضرر من تقوّله على الله تعالى عظيماً؛ إذ ليس في أيدي الناس ما من شأنه أن يدل على أن ما بلغه متقوِّل على الله، فكان من مقتضى الحكمة أن يأخذ الله منه باليمين، ثم ليقطع منه الوتين، أما من تقوم الأدلة الجلية على أنه كاذب؛ كغلام أحمد، فقد يملي له الله تعالى لحكم، منها: إظهار فضل العلماء الذين يجاهدون في إنقاذ الغافلين من مهالك دعوته الخاسرة.
هذا وقد ذكر الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى:
{لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45]:
أن المعنى: منعناه عن ذلك (أي: التقوّل) إما بإقامة الحجة؛ بأن كنا نقيض له من يعارضه في التقوّل، فيظهر للناس كذبه فيه، فيكون ذلك إبطالاً لدعواه، وهدماً لكلامه، وإما بأن نسلب منه القوة على التكلم بذلك القول.
ونحن نعلم أن الله تعالى قد نصب الأدلة على كذب غلام أحمد، وقيض له بعد ذلك طائفة من العلماء، فدفعوا باطله بالحجة، ونادوا في الناس بأنه مزمار من مزامير الشيطان، حتى ازداد كذبه وضوحاً، ودعوته خيبة، وسريرته افتضاحاً.
وقد أجرى الله على لسان غلام أحمد آيات تدل على أن ما يدعيه زور وبهتان، ومن هذه الآيات: أنه كان قد رغب في التزوج بفتاة من بنات بعض أقاربه، وسبق إلى ظنه أن والدها لا يحجم عن تزويجه إياها، فزعم أن اقترانه بها قد تقرر بطريق الوحي، ولكن أهل الفتاة امتنعوا من تزويجه إياها، وعزموا على أن يزوجوها برجل غيره، فلما بلغه هذا العزم، زعم أنه أوحي إليه مرة
(9/ 3/36)

أخرى: أن من يتزوجها غيره يموت في مدة لا تتجاوز ثلاث سنين، ثم تصير الفتاة زوجاً له، ولكن أهل الفتاة موقنون بأن غلام أحمد غير صادق فيما يزعم، فزوجوا ابنتهم من رجل مسلم يدعى: (ميرزا محمد سلطان)، ودامت العشرة بين الزوجين، واستمرا في حياة، وقد مات القادياني في 26 من مايو سنة 1908، وبقي محمد سلطان يعيش مع زوجته عيشة راضية إلى ما بعد سنة 1920.
ووقع غلام أحمد في بهتان آخر؛ إذ زعم في تأليفه المسمى: "إعجاز أحمد": أن من علامات صدقه سير القطار بين الحرمين الشريفين، فقال: شهدت السماء والأرض على صدقي، ولكن أكثر الناس لم يقبلوني، أنا الذي عطلت الإبل، وصدق الخبر الغيبي: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير: 4] في وقته، وأيضاً صدق الحديث: "ليتركن القلاص، فلا يمشي عليها أحد"، حتى إن منشئي جرائد العرب والعجم كتبوا في جرائدهم: أن القطار الذي يجري بين مكة والمدينة من علامات المسيح الموعود.
بقول هذا، وهو لم يدخل الحرمين الشريفين، ولو لأداء فريضة الحج، والإبل لم تعطل في وقته، والقطار لم يسر بين مكة والمدينة في وقته، بل إلى هذا اليوم.

* انقطاع النبوة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
لنا أن نكتفي بسوق الشواهد على أن غلام أحمد بعيد من النبوة والصلاح بعد الثرى من الثريا، ولنا أن نكتفي من هذه الشواهد ببعض أقوال صدرت منه، فجاءت تضرب لسخافة الرأي وظلمة القلب أوضح مثال. ولسنا بعد هذا في حاجة إلى محاورة أتباعه في أن النبوة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطعة أم باقية؛ إذ على
(9/ 3/37)

فرض بقائها لا يتصور ذو عقل أن يكون من مظاهرها رجل يقول ما لم يقع، وما لا يقع. وكيف يحوز النبوة من لا يتعفف عن الكذب على المخلوقين؟.
وإذا خرجنا في مجادلة القاديانية عن حديث نبوة رئيسهم المزيفة إلى بحث انقطاع النبوة من أصلها، فلأن هذه الطائفة لا تفتأ تشغل ألسنتها بدعوى أن النبوة لم تنقطع، فحق علينا تذكير المسلمين بأن دعواهم هذه لا تلتقي مع حقيقة الدين الحنيف في نفس واحدة.
أوردنا في المقال السابق نبذة من أدلة انقطاع النبوة بعد الرسول الأعظم - عليه الصلاة والسلام -، ومن هذه الأدلة قوله تعالى:
{وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
وقلنا: إن الخاتم بمعنى: الآخِر، وهذا هو المعنى الذي يذكره علماء اللغة والتفسير لهذه الكلمة، ففي "لسان العرب": وختام القوم وخاتِمهم وخاتَمهم: آخرهم، والخاتِم والخاتَم من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي التنزيل العزيز:
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
أي آخرهم. وأما التفسير، فلم نر مفسراً يذكر في بيان {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} معنى غير معنى الآخِر، ووردت الأحاديث مؤيدة لهذا المعنى، وسقنا منها في ذلك المقال جملة، وهي لا تقصر عن درجة المتواتر.
ومن الأحاديث الصريحة في هذا المعنى: ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي"، فشق ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".
(9/ 3/38)

ومنها: حديث عبد الله بن عمر، وهو: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً كالمودع، فقال: "أنا محمد النبي الأمي -ثلاثاً- ولا نبي بعدي".
ومنها: حديث أبي هريرة: "وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبوة"، إلى غير هذا من الأحاديث الصريحة الصحيحة المختلفة الأسانيد.
وبعد هذه الأحاديث إجماع الأمة على أن من ادعى النبوة بعد رسول الله، فهو من الضالين المضلين، قال الإمام ابن كثير في "تفسير": "قد أخبر الله تعالى في كتابه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في السنّة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل". وذكر بعض من ادعوا النبوة؛ كالأسود العنسي، ومسيلمة، ثم قال: "فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها". وقال الإمام ابن عطية في تفسير آية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفاً وسلفاً متلقاة على العموم التام، مقتضية نصاً أن لا نبي بعده - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن حزم: "فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده - عليه السلام - نبياً في الأرض، حاشا ما استثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم - عليه السلام - في آخر الزمان".
وقال أَبو حيان في تفسيره "البحر": "ومن ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي، فهو زنديق".

* دفع شبهة يتشبث بها القاديانية:
أورد داعية القاديانية آيات من القرآن الحكيم زاعماً أنها تدل على عدم انقطاع النبوة، منها: ثلاث آيات وردت في إرسال الله الرسل، واصطفائه لهم،
(9/ 3/39)

وجاء التعبير فيها بصيغة المضارع، وهي قوله تعالى:
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
وقوله تعالى:
{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179].
وقوله تعالى:
{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: 35].
فقال في الآية الأولى: إنها تقتضي استمرار الاصطفاء دائماً، وقال في الآية الثانية: إنها تدل على أن الله يجتبي من رسله من يشاء، وقال في الآية الثالثة: إنها صريحة في بيانها.
كنا قد تعرضنا في المقال السابق لهذا الوجه من تمويههم، وقصرنا البحث على آية:
{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
فقلنا: أما المضارع في قوله: {اللَّهُ يَصْطَفِي}، فمحمول على الماضي، واختيار صيغة المضارع للدلالة على أن اصطفاء الله للرسل كان يتجدد حيناً فحيناً، فكتب داعية القاديانية منكراً استعمال المضارع في الاستمرار للماضي فقط، وهذا إنكار منه لمعنى قرره فحول علماء البلاغة؛ كصاحب "المفتاح"، والسيد الجرجاني، والسعد التفتازاني، ولم ينازعهم فيه أحد ممن ينظر في العلم بشيء من العقل.
فالحق أن المضارع يستعمل للدلالة على تجدد الفعل في الماضي، ولاسيما الفعل المتصل بزمان الخطاب؛ كاصطفاء الرسل وإتيانهم، فإن هذه الآيات قد نزلت والوحي الذي تتحقق به الرسالة لم يزل جارياً، والأحكام
(9/ 3/40)

التي تنتظم بها الشريعة ويكمل بها الدين ما زالت تنزل على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس استعمال المضارع للدلالة على التجدد في الماضي مختصاً بحال اقترانه بلفظ: "كان "، بل المدار على وجود قرينة تومئ إلى أنه مستعمل في هذا المعنى، ولا فرق بين أن تكون القرينة لفظية أو معنوية، متصلة باللفظ أو منفصلة عنه، وقد صرح طائفة من أئمة البلاغة بأن المضارع يستعمل في الماضي لقصد الدلالة على استمرار الفعل فيما مضى وقتاً فوقتاً. ومن الشواهد التي ساقوها على هذا قوله تعالى:
{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7].
فقالوا: إن المضارع -يعني: قوله: {يُطِيعُكُمْ} مستعمل في الماضي للدلالة على استمرار الإطاعة فيما مضى وقتاً فوقتاً، وكلمة: "لو" أفادت هذا الاستمرار التجددي الذي دل عليه المضارع.
فالبيانيون قرروا استعمال المضارع للدلالة على تجدد الفعل في الماضي، ولم يقصروه على موضع، بل جعلوا مدار صحته قيام القرينة، ولا نطيل في الاستدلال على أن المضارع يستعمل لإفادة التجدد في الماضي، إذ يكفي فيه إجماعهم على أن المضارع يستعمل للفعل الماضي خاصة، ومن ذا يستطيع أن ينكر أن المضارع في قوله تعالى:
{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36].
وقوله تعالى:
{إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا} [يوسف: 36].
وقوله تعالى:
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127].
(9/ 3/41)

مستعمل في فعل مضى لوجه من البلاغة، وما على المعبر بالمضارع عن الفعل الماضي سوى أن يقيم الدليل على ما يريد من الصيغة، وقد قلنا في المقال السابق: إن الأدلة التي تدعونا إلى حمل الاصطفاء في قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي} [الحج: 75] على ما كان يتجدد في الماضي، قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، والأحاديث الصريحة في أن لا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -.
واعترض داعية القاديانية جعل آية {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} مبينة لقوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي}، فقال: كلنا يعرف أن قرينة الكلام ما يصاحبه ويدل على المراد ول، وأن آية: {اللَّهُ يَصْطَفِي} مكية، وآية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} مدنية.
وجواب هذا: أن تأخير آية {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} لا يمنع من أن تعد بياناً للمراد من قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي}. أما على مذهب من يجيز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فالأمر واضح؛ إذ مقتضاه أن يدل المضارع حال الخطاب على أن اصطفاء الرسل شأن من شؤون الخالق - جلّ وعلا -، فيسقط به اعتقاد من ينكر بعثة الرسل، أو ينكر أن يكون في البشر رسول، ويثبت أن الله تعالى قد بعث رسلاً من البشر، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - حين ادعى الرسالة لم يدع أمراً يخالف حكمة الخالق، ويبقى صرف اصطفاء الرسل عن المستقبل إلى أن تظهر الحاجة إلى تعليم الناس أن لا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأما على مذهب من يمنع تأخير البيان عن الخطاب، فنعتمد أن يكون لدى من تلقوا آية: {اللَّهُ يَصْطَفِي} عند نزولها دليل من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرفها عن المستقبل، وجاءت آية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} مؤيدة للحديث، وورود الآية بعد الحديث لا يمنع من عدها في جملة ما يبين الآية الأولى،
(9/ 3/42)

وما زال كبار الأئمة يسمّون المتأخر: بياناً لما سبقه بمدة، كما جعلوا إعطاء سلب القتيل للقاتل في الحرب مخصصاً لقوله تعالى:
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41].
وهذه الآية نزلت في غزوة بدر، والحديث ورد بعد هذه الغزوة بزمن غير قليل.
وقال داعية القاديانية يحاول رد ما ذكرنا من أن المضارع في آية: {اللَّهُ يَصْطَفِي} [الحج: 75]، مصروف عن المستقبل: "إن الآية تبين اصطفاء الله رسلاً من الجنسين: الملائكة، والناس، فإن كان يصطفي بمعنى اصطفى، ويلزم منه أن لا يصطفي الله رسلاً بعد نزول هذه الآية من الناس، للزم أن لا يصطفي الله رسلاً من الملائكة أيضاً، وإذا كان هذا صحيحاً، فهل للمشايخ أن يقولوا لنا: من أنزل آية: {اللَّهُ يَصْطَفِي} إلخ وغيرها من السور التي نزلت بعدها على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ أجبريل أم لا؟ ".
أليس في هذا الهذيان شاهد على أنا نخاطب من لا يفقه للكلام العربي معنى، ولا يعرف للمنطق وجهاً؟! فنحن إذا فهمنا الاصطفاء في الآية على ما كان يقع فيما مضى، فللأدلة القائمة على أن الله لا يبعث بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً من البشر، ولم نقل: إن الآية دليل على أن الله لا يبعث رسولاً، حتى يقال: إننا نفينا إرسال الله الملائكة في أمر يدبره، وغاية الأمر: أن إرسال الملائكة بعد هذا الخطاب يبقى مسكوتاً عنه، فيرجع في إثباته أو نفيه إلى الأدلة، ولكن داعية القاديانية لا يفرق بين قولك: إن الآية لا تدل على بقاء الرسالة في البشر، وهو موضع حديثنا، وبين قولك: إن الآية تدل على انقطاع إرسال الله رسلاً من الملائكة أو البشر، وهذا ما لم نقله، فداعية القاديانية اشتبه
(9/ 3/43)

عليه إبطال استدلالهم بالآية على أن الله يصطفي رسلاً بعد بعثه أفضل الخليقة، بالاستدلال بها على نفي اصطفاء رسل من البشر أو الملائكة، وليس هذا الاشتباه على أمثاله بغريب.
وأورد داعية القاديانية مستدلاً على ما يزعم من عدم انقطاع النبوة قوله تعالى:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].
فقال: "وعد الله في هذه الآية بجعل الإمامة في ذرية إبراهيم ما عدا الظالمين منها، فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت في زمرة الظالمين، لا سيما الأمة المحمدية، فحرمت من الإمام الموعود بها؛ أي: من النعمة الاجتماعية، ولا يظنن أحد من المشايخ -لأن غيرهم لا يتطرق إليه هذا الظن- أن المراد من الإمامة بالصلاة أو غيرها دون النبوة؛ لأن هذه الإمامة إمامة إبراهيمية، وهي النبوة دون شك كما كان هو إماماً بها - عليه السلام -، فالنبوة باقية في ذرية إبراهيم سوى الظالمين".
هذا ما يقوله الداعية في الاستدلال بهذه الآية على عدم انقطاع النبوة، ونحن لا نمانع من أن يكون المراد من الإمامة: النبوة، ولكننا نفهم الآية على معنى أن إبراهيم - عليه السلام - قد طلب من الله تعالى أن يجعل من ذريته أئمة؛ أي: أنبياء، إذ قال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، ولم يقل: (وذريتي)، فأجابه الله تعالى بقوله: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. وفي هذا عدة له بأنه سيجعل من ذريته غير الظالمين أنبياء؛ فإنه نفى أن ينال العهد -الذي هو الإمامة- الظالمين، ولو قال فى الجواب: "نعم"، لأفاد أنه سيجعل من ذرية إبراهيم - عليه السلام -
(9/ 3/44)

أنبياء، ومن غير دلالة على أنهم سيكونون من المؤمنين، ولو قال في الجواب: "ينال عهدي المؤمنين" -مثلاً-، لم يكن فيه نص على أن الظالمين ليسوا بأهل للإمامة، فقوله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] نص على أن الظالمين ليس بأهل للإمامة، ويؤخذ منه -على طريق دلالة المفهوم-: أن النبوة تنال المؤمنين من ذريته، وقد قامت الأدلة القاطعة على أن من لم يكونوا ظالمين قد يرفعهم الله تعالى إلى مقام النبوة، كما رفع إليه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمداً - عليهم الصلاة والسلام -، وقد يبقى في منزلة دونها؛ ككثير من الصالحين الذي طهرهم الله تعالى من الظلم، ولم يدعوا النبوة في حال، فقول داعية القاديانية: "فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت ظالمة ... إلخ" ضرب في غير مفصل، ورمي الكلام في غير مرمى؛ فإن المشايح يقولون: إن الآية واردة للدلالة على أن النبوة تجعل في غير الظالمين، ويقولون مع هذا: الله أعلم أين يجعلها؟ ومتى يجعلها؟ وليس في الآية دليل على بقاء النبوة في سائر العصور، حتى في العصر الذي يستغنى فيه عن النبوة والرسالة بالكتاب الذي أودع الله تعالى فيه جلائل الهداية ودقائقها، وتكفل بحفظه وحمايته من أن يدخله تحريف، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38].
وقال تعالى:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ومن نفى عن أمة النبوة لعدم حاجتها إليها، ولقيام الأدلة على انقطاعها، لم يلزمه الحكم عليها بأنها كلها صارت ظالمة، ومن ألزمه هذا الحكم، فقد خرج عن أدب البحث، ومشى في غير طريق.
(9/ 3/45)

وأورد داعية القاديانية في الاستدلال على بقاء النبوة قوله تعالى:
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6 - 7].
فقال: "هذا الدعاء يبشرنا بأن الله يجعل المؤمنين في مقام الذين أنعم عليهم سابقاً، ويعطيهم كل نعمة أعطاها للأولين، ويتمها عليها، والنعمة نعمتان: دينية ونهايتها النبوة، ودنيوية ونهايتها الحكومة والسلطة".
غاب هذا الداعية عن الصواب، وكانطلق يتحدث في غير علم، ومن ذا الذين يعرف شيئاً من العربية الصحيحة أو المعتلة، ويقرأ قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ويفهم منها أن المناجي لله بهذه السورة يطلب أن يكون هو أو غيره من المؤمنين في مقام النبوة، والآية لا تدل على أكثر من أن المؤمن يدعو الله تعالى في جملة المؤمنين بأن يهديه طريق من أنعم عليهم. ومن استقام على واجبات الدين وسننه جهد استطاعته، فقد اهتدى طريق المنعم عليهم، ولا يلزم من اهتدائه لطريق المنعم عليهم من النبيين أن يرزق ما رزقوه من نعمة النبوة التي لا ينالها الناس بكثرة أعمالهم الصالحة؛ إذ النبوة مقام يختص به الله من يشاء من عباده.
وما قاله هذا الداعية في هذه الآية أصله لكبيرهم الذي علمهم اللعب واللغو في تفسير القرآن الحكيم؛ إذ قال في خطبته الإلهامية: "وأنا المنعم عليه الذي أشير إليه في الفاتحة عند ظهور الحزبين المذكورين"؛ يعني: المغضوب عليهم، والضالين، وقال: "إن سورة الفاتحة لتؤذن إيذاناً بأن بعض الأفراد من هذه الأمة سيظهرون بمظهر الأنبياء من كل الوجوه".
ومن نكد الدنيا أن نشتغل بحكاية أمثال هذا اللغو، وننفق وقتاً في التنبيه على أنه هذيان في هذيان.
(9/ 3/46)

وأورد داعية القاديانية في الاستدلال على بقاء النبوة قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
فقال: "وهذه الآية تصرح جلياً أن الأمة المحمدية تنال هذه الدرجات الأربع".
والصواب في فهم الآية أن قوله تعالى:
{مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}
هو بيان لقوله: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}، والأصل في كلمة "مع": المصاحبة، والمصاحبة لا تستلزم المساواة في الرتبة، بل يكفي فيها الاشتراك في دار النعيم، مع تمكن كل واحد من رؤية الآخر، وملاقاته متى شاء.
فالآية وردت لبيان ما يجازى به المطيع لله ورسوله، وهو مرافقة الأنبياء ومن ذكر بعدهم، وتأويلها على معنى: أن من المطيعين أنبياء، ومنهم صديقين، ومنهم شهداء، تأويل للآية على معنى لا يتقبله إلا نفوس تلوثت باعتقاد أن غلام أحمد وأذنابه أنبياء صادقون.
وأما مما ذكره الداعية من أن قوله تعالى: {مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} بيان لقوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ}، فحمل للآية على وجه تتجافى عنه قوانين البلاغة، ويكسبها تعقيدأ يتبرأ منه كلام الفصحاء، قبل أن يتبرأ منه كلام خالق الفصحاء. فعد هذا الوجه في أخطاء قائله أولى من حشره في شبه هي أوهى من نسج العنكبوت.

* دعوى غلام أحمد أنه أفضل من عيسى - عليه السلام -:
نقلنا في مقالنا السابق شواهد على غرور غلام أحمد، واستحواذ الشيطان
(9/ 3/47)

عليه، حتى ادعى أنه خير من عيسى - عليه السلام -، فرد داعيتهم على هذا باعتراف أن غلام أحمد يفضل نفسه على عيسى - عليه السلام -، وذهب إلى أن هذا التفضيل صحيح، بزعم أن غلام أحمد مسيح الأمة الإسلامية، فيكون أفضل من مسيح الأمة الإسرائيلية. ولم يستطيعوا إنكار هذه الضلالة؛ لأن غلام أحمد قالها في مواضع من مؤلفاته بعبارات صريحة، ففي مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح المنتظر" ما يأتي: "كما أن مؤسس الشريعة الإسلامية أعظم من مؤسس الشريعة الموسوية، كذلك مسيح السلالة الإسلامية أعظم من مسيح السلالة الموسوية".
فالقاديانيون يعتقدون أن غلام أحمد أفضل من عيسى - عليه السلام -، أفلا يكفي هذا شاهداً على أن النحلة القاديانية شعبة من الشعب التي انسلخت من الإسلام، والإسلام بريء منها؟! وكيف يكون غلام أحمد الذي قامت البراهين على كذبه وسوء طويته، أفضل من عيسى بن مريم الذي وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بالنبوة والرسالة، وأيده بالآيات البينات، فما قاله غلام أحمد في الاستدلال على أفضليته، إلحاد وهذيان، فإن دعواه أنه مسيح السلالة الاسلامية باطلة على البداهة، وكل ما يبنى عليها ضلال في ضلال.

* تكفير غلام أحمد لمن عصمهم الله من اتباعه:
ذكرنا في مقالنا السابق: أن غلام أحمد يعد المسلمين الذين ينبذون دعوته كفاراً، ويمثلهم باليهود، فأراد الداعية القادياني أن يرد علينا في هذا الموضع، وأورد حديث: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل"، وحديث: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة،
(9/ 3/48)

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة"، ثم قال: (وأحمد المسيح الموعود لم يجعل مسلماً كافراً، ولم يمثل مؤمناً باليهود، بل بيّن حقيقة قرآنية، ونبأً نبوياً".
ثم قال: "وإننا نسأل المشايخ: هل كان قول أحمد في غير محله، وهل كان مجيئه في غير حاجة".
ونحن لم ننازع في أن من المنتمين إلى الإسلام طوائف زائغة عن السبيل، حتى نحتاج إلى أن نذكر بهذه الأحاديث، والذي نعده في ضلالات غلام أحمد: أنه يسمي المسلمين الذين لا يقبلون دعوته كفاراً، وينهى عن مصاهرتهم، والصلاة خلفهم. ومن شواهد تكفيره لمن حفظهم الله تعالى من فتنته: قوله في كتاب "حقيقة الوحي": "الكفر على قسمين: أحدهما: أن يجحد الرجل عن الإسلام، أو نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أن يجحد المسيح الموعود (يعني: نفسه)، ويكذبه مع سطوع الحجج على صدقه، وإن أمعنت النظر، وجدت كلا القسمين واحداً".
ومن تمويه داعيتهم قوله: "إن أحمد المسيح الموعود لم يجعل مسلماً كافراً ... إلخ" فإن المسلم والمؤمن عند القاديانية من صدق بأن غلام أحمد نبي، وغيره في مذهبهم ليس بمسلم ولا مؤمن، فإذا وصف من لم يقبلوا دعوته بالكفر أو باليهودية، لم يجعل مسلماً كافراً في نظرهم أو يهودياً.
أما قوله: "وإننا نسأل المشايخ: هل كان قول أحمد ... إلخ "، فجوابه: أن غلام أحمد يقول غير الحق، وما كانت دعوته إلا فتنة وتفريقاً بين المسلمين، وصداً عن طرق الفلاح ومراقي العزة، ولم يجح على يديه ما فيه خير الدين،
(9/ 3/49)

بل وضع نحلة ملفقة من آراء باطلة، وأقوال لاغية، ثم أضاف إليها شيئاً من مبادئ الإسلام، وسمّاها في الظاهر باسم الإسلام مكراً وتغريراً.

* تزوير داعية القاديانية:
نقل هذه الداعية عبارات لبعض العلماء في صورة الاستدلال بها على أن في أهل العلم من يذهب إلى بقاء باب النبوة مفتوحاً، ولسنا في حاجة إلى إطالة الكلام بذكر تلك العبارات، وبيان ما فيها من جهالة أو تحريف، ونقول -والأدلة تناصرنا-: إن كل عبارة تصرح بصحة بعث نبي بعد الرسول غير عيسى - عليه السلام - فهي كفر صراح. ونسوق إليك مثلاً من تزوير هذا الداعية فيما يعزوه إلى أولئك العلماء:
نقل الداعية عبارة للشيخ عبد القادر الكردستاني يوهم بها أن الشيخ يجوز أن يجيء نبي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مشرع، فقال: يقول الشيخ عبد القادر الكردستاني ما نصه: "إن معنى كونه خاتم النبيين هو أنه لا يبعث بعده نبي مشرع".
أورد القادياني هذه العبارة مقطوعة عن سابقها ولا حقها؛ ليخدع بها قراء ورقاته. والحقيقة أن عبارة الشيخ عبد القادر وردت في تعليقه على كتاب "التهذيب وشرحه"، وأصل ما في "التهذيب والشرح": "وأنه لا يبعث نبي بعده، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين، وإذا ثبت أنه خاتم الأنبياء ثبت أنه لا تنسخ شريعته". وكتب الشيخ عبد القادر معلقاً على ذلك ما نصه: قوله: "وأنه لا يبعث نبي بعده" إشارة إلى دفع ما يقال: إن عيسى حي بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم - حيث رفع إلى السماء، وينزل إلى الدنيا، فلا يكون - صلى الله عليه وسلم - خاتماً، وحاصل الدفع: أن معنى كونه خاتم النبيين: هو أنه لا يبعث بعده نبي آخر
(9/ 3/50)

بشريعة أخرى، فإن عيسى - عليه السلام - إنما ينزل على شريعة نبينا، ولا يسعه إلا اتباعه".
هذه عبارة الشيخ الكردستاني، وهي -كما رأيتها- خاصة بالحديث عن عيسى - عليه السلام -، ولم يقلها ليدل على أن باب النبوة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يزال مفتوحاً، وهذه العبارة تشبه عبارة النيسابوري إذ قال عند قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]: ومجيء عيسى - عليه السلام - في آخر الزمان لا ينافي ذلك؛ لأنه ممن نبئ قبله، وهو يجيء على شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - مصلياً إلى قبلته، وكأنه بعض أمته. وهذا مثل ينبئك أن داعية القاديانية ينسب إلى علماء الإسلام ما لم يخطر لهم على بال.

* اقتراح غلام أحمد على علماء الهند أن يتركوه عشر سنين:
ذكرنا في المقال السابق: أن غلام أحمد اقترح على علماء الإسلام بالهند أن يتركوه عشر سنين لا يعارضونه، ولا يفندون آراءه، وقال لهم: إن كنت كاذباً، فسيظهر كذبي، وأن كنت صادقاً، نجوتم من العقوبة التي ينزلها الله على من يناوئني، وقلنا: إن العلماء لم يكونوا من الغباوة بحيث تروج عليهم هذه المكيدة، بل لم يكونوا من الجهل بواجبات الدين على حوإن يقبلوا هذا الاقتراح، ويطلقوا لغلام أحمد الشكيمة غير مبالين بما يفسده من عقائد وأخلاق وآداب، ولم يخجل داعية القاديانية أن يتعرض في مقاله لهذا الاقتراح، وتبلغ به قلة الخجل أن يعد مثل هذا في طرق الدعوة الصحيحة، ويقيسه بحكمة القرآن الحكيم في قوله تعالى:
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا
(9/ 3/51)

اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
والفرق بين الآية الكريمة، واقتراح غلام أحمد، كالفرق بين البياض الناصع، والسواد الحالك، وداعية القاديانية إما أنه لم يفهم معنى الآية، وإما أنه يتخيل أن قراء مقاله قد وضعوا عقولهم بين أصابعه يعبث بها كيف يشاء.
وهل من المعقول أن يكون مثل غلام أحمد في اقتراحه السخيف مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أمره الله تعالى بأن يدعو أهل الكتاب إلى إخلاص العبادة لله تعالى، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإذا لم يقبلوا هذه الدعوة، اعتز هو وأصحابه بإسلامهم، وأعرض عن أولئك الجاهلين؟!.
وإذا قص القرآن الكريم أن بعض المدافعين عن رسول عزم بعض قومه على قتله، قال لهم في دفاعه عنه:
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر: 28].
فإن ذلك الرجل إنما قال هذه الكلمة في حق داع إلى الله بحق، قد قامت البينات على صدقه، ولم يكن بيد القوم دليل أو أمارة على كذبه البتة، وليس هذا حال غلام أحمد مع علماء الإسلام، فإن دعاوي غلام أحمد مناقضة لأصول الإسلام، فكذبه مقطوع به، فإذا قال لأهل العلم: دعوني، ولا تتعرضوا لدعاياتي مقدار عشر سنين، فإنما يقول لهم: دعوني أبدل دينكم الحنيف، وأهدم شريعتكم الغراء، وأقيم العقبات في سبيل عزتكم، وكونوا على هذا البلاء صابرين، ولهذه المهانة محتملين، وبعقوبة الله غير مبالين.
(9/ 3/52)

ولا عجب لمن لم يذق للغيرة على الحق طعماً أن يعرض ذلك الاقتراح على من علمهم القرآن العزيز أدب النصح لله ولرسوله وللمؤمنين.

* ادعاء غلام أحمد للنبوة:
بعث إلينا معتمد القاديانية في بلد "نكس" بلاهور كتاباً ينكر فيه أن غلام أحمد قد ادعى النبوة، ويعد فرقة قاديان التي من زعمائها داعية فلسطين فئة ضالة، ومما قاله في الكتاب: "حينما بحثتم عن عقائد فئة قاديان الغالية الضالة عن جادة الحق والصواب، بنيتم بحثكم على عبارات هذه الفرقة الغالية دون عبارات كتب حضرة المجدد وتصريحاته، وجعلتم عقائد هذه الفئة مرايا عقائد حضرة المجدد افتراء عليه". ثم قال: "فعليك أن تأتي بكلمة من كتبه دالة على أن حضرة المجدد ادعى النبوة، ولن تستطيع أبداً".
ونحن نوافقه على أن فرقة قاديان فرقة ضالة، بل هي خارجة في ضلالها عن دائرة الإسلام، ونقول له: إن حضرة مجددكم قد فضل نفسه على عيسى بن مريم - عليه السلام -، وهل يصح لمجدد أن يفضل نفسه على رسول عظيم قبل أن يزعم أنه قد أوتي النبوة والرسالة؟! وإذا كان غلام أحمد لا يدعي النبوة والرسالة، فما معنى الآيات التي يتبجح بها، ويزعم أن الله أيده بها، والمجدد والمصلح غير النبي إنما يرجع إلى كتاب الله، وسنّة رسول الله، أو إلى الأصول النظرية المعقولة، فيستمد منها الأدلة على ما يقرره ويدعو إليه من عقائد أو أحكام أو آداب، وإذا لم يمكنه إقناع الناس من هذه الناحية، فعدّه مجدداً مصلحاً، جهالةٌ ليس وراءها جهالة.
أليس مجددكم هو الذي يقول: "بعث الله تعالى في هذه الأمة مسيحاً أفضل من المسيح الأول في جميع الكمالات، والذي نفسي بيده! لو كان
(9/ 3/53)

عيسى بن مريم في زمان أنا فيه، لما استطاع عملاً مما عملته، ولم يكد يظهر المعجزة التي ظهرت".
أو ليس مجددكم هو الذي يدعي أنه أوحي إليه قوله: "إنا أرسلنا أحمد إلى قومه، فأعرضوا عنه، وقالوا: كذاب أشر"؟!.
بل وجد في كلام غلام أحمد ما يدل على أنه يحدث نفسه بأنه رسول مشرع؛ فقد عد من أقسام الكفر: جحود المسيح الموعود (يعني: نفسه)، وتكذيبه فيما جاء به، وقال في حاشية على كتاب "ترياق القلوب": "وليتنبه أن تكفير المنكرين من خواص الأنبياء الذين جاؤوا بشريعة جديدة، وأحكام ناسخة، وأما من سواهم من الملهمين والمحدثين، فلا يكفر أحد بجحوده". فإن كان غلام أحمد يكتب ما يكتب وهو عارف ما يكتب، قلنا: إن حكمه بتكفير من يكذب به، ثم قصره التكفير على من يكذب الأنبياء الذين جاؤوا بشرائع جديدة، يفيدان أن غلام أحمد يدّعي أنه من الأنبياء الذين جاؤوا بشرائع جديدة.
فدعوا أيها اللاهوريون ذكر النبوة الظلية أو المجازية، وتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن نثق بأن غلام أحمد قد ادعى النبوة والرسالة كذباً، وأميطوا ما يزعم غلام أحمد أنه أوحي إليه إماطة الأذى عن الطريق، وارجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ولا تجحدوا ما نطق به القرآن من معجزات رسل الله الأكرمين، واعترفوا بأن ما أولتموها به لا يحتمله اللفظ العربي، ولا يسمح به سياق الآيات، ولم يعرفه علماء الصحابة الذي تلقوا القرآن وبيانه من فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأن فرقة القاديانية التي تصدق غلام أحمد في دعوى النبوة لتعدُّكم
(9/ 3/54)

فرقة خارجة عن نحلتهم، والأمة الإسلامية التي تؤمن بما نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما حدّث به محمد - صلى الله عليه وسلم -، تعدّكم فرقة خارجة عن حدود دينهم، وليس تأويلكم للمعجزات المذكورة في القرآن إلا إنكاراً لوقوعها، وما تسميتكم لغلام أحمد بالمجدد المصلح إلا نصب أحبولة لاستدراج المستضعفين أو الغافلين إلى نحلة ملفّقة شوهاء.
(9/ 3/55)

نقض شُبه القاديانية (1)
كنا كتبنا في مجلة "نور الإسلام" (2) مقالاً نبهنا فيه المسلمين لنزعة غلام أحمد، ومزاعمه الباطلة، فكان له - بحمد الله تعالى- أثر عظيم في إيقاظ من كانوا في غفلة عن هذه النحلة، وما يثيره دعاتها في العالم الإسلامي من فتون وشرور، فتميز أولئك الدعاة غيظاً، وما كان من داعيتهم في فلسطين إلا أن كتب مقالاً يوهم فيه الطائفة الواقعة في حبالتهم أنه يرد على مقالنا. ووقع نظرنا على ذلك المقال المملوء بالتمويه والالتواء عن آداب المناظرة، فبدا لنا أن نعود للكتابة في تلك النحلة، فنزيد حالها إيضاحاً. وكتبنا في مجلة "نور الإسلام" مقالين آخرين نبهنا فيهما لبعض ما في مقال ذلك الداعية من مراوغة وانحراف عن السبل، وسقنا فيها بعض ما نطق به كبيرهم غلام أحمد من زور وهذيان، وحدث بعد هذا أن نشر ذلك الداعية في أوراق يصدرونها في شكل مجلة مقالاً حاول فيه الرد على مقالنا الثاني المنشور في مجلة "نور الإسلام". والواقع أنه لم يأت في مقاله هذا إلا بما يطعن في دعوتهم، ويزيد الناس خبرة بفساد مذهبهم، وقد كان في عرض بعض أقوال غلام أحمد وشيء من مسلكه الكفاية للدلالة على أنه يكيد للأمة
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزآن السابع والثامن من المجلد الرابع.
(2) وهو المقال المنشور في هذا الكتاب.
(9/ 3/56)

الإسلامية، ويقول على الله غير الحق. ولا حاجة بنا في إبطال دعوة النبوة والرسالة إلى الخوض أن النبوة منقطعة أو باقية؛ فإن تلك الأقوال التي صدرت من غلام أحمد، تنادي بملء حروفها أن النبوة في ناحية اليمين، وهو في ناحية الشمال، ولكنا آثرنا النزول إلى نقض بعض مزاعمهم؛ حذراً من أن تجد أذهاناً غافلة فتعلق بها. وها نحن أولاء نعرض على حضرات القراء قطعاً من مقال داعية القاديانية؛ ليزدادوا علماً بحال تلك النحلة، ومبلغ دعاتها من لبس الحق بالباطل:
رأى غلام أحمد ومن اتبع خطواته أن قوله تعالى في وصف الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] يسد الطريق على من يريد فتنة الناس بدعوى النبوة، فحاولوا تأويل الآية على معنى أنه أفضل النبيين، أو سيد النبيين، وابتغوا هذا التأويل؛ ليتهيأ لهم أن يقولوا على الله ما شاءت أهواؤهم، ويفسدوا على المسلمين أمر دينهم، فقلنا لهم: إن علماء التفسير قد اتفقوا على أن {وَخَاتَمَ} في الآية بمعنى: آخِر، وهو المعنى الذي يذكره علماء اللغة، ويسوقون من شواهده هذه الآية، ومن أراد صرف {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} عن معنى: آخِر النبيين إلى معنى: أفضل النبيين، فعليه بإقامة شاهد، أو نقل كلمة عن بعض علماء اللغة يدل على أن وصف الرجل بكونه خاتماً لقوم، يقصد منه أنه أفضلهم، أو سيدهم، ولكن داعية القاديانية لم يستطع أن يقيم من كلام العرب أو علماء اللغة ولو شاهداً واحداً على أن مثل تركيب {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} قد يستعمل بمعنى: أفضلهم، أو سيدهم.
يقول الداعية في مقالدالجديد: "وكنا سقنا شواهد واستعمالات العرب في كون لفظ الخاتم مضافاً، والقوم أولي المناصب مضافاً إليهم، وكون
(9/ 3/57)

استعمال هذا المركب الإضافي، في مقام المدح، ولا يتأتى المعنى في تلك الاستعمالات إلا أن الممدوح أفضل القوم وسيدهم".
والداعية لم يورد في مقاله السابق شيئاً من كلام العرب يشهد بأنه الخاتم إذا أضيف إلى القوم أولي المناصب كان بمعنى: أفضلهم، أو سيدهم، وإنما أورد عبارات لمن لا يحتج عالم في تفسير كتاب الله تعالى بكلامهم، ولا تتجاوز تلك العبارات وصف أحد الرجال بأنه خاتم العلماء، أو الأولياء، أو الشعراء، ما هي إلا أقوال صدرت من بعض رجال القرون المتأخرة، أو القريبة منها، وإنما يحتج في تفسير القرآن الكريم بكلام العربي الصميم.
وهل رأيتم مجادلاً أسخف قولاً ممن يحتج في بيان معنى آية من كتاب الله تعالى بما كتبته المطبعة الأزهرية على أول الصحيفة الأولى من كتاب "الإتقان"؛ أعني قوله: "الجزء الأول من كتاب الإتقان في علوم القرآن لخاتمة المحققين".
ثم إن أمثال هذه العبارات من نحو خاتم المحققين، أو خاتم الأئمة، أو خاتم المجتهدين، قد ينساق إليها قائلها من شدة إكباره لمقام الممدوح، لحد أن يظن بلوغه مرتبة يبعد أن ينالها أحد من بعده، كما قالوا:
هيهات أن يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
وكما قالوا:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفِّرِ
وكما قال السيوطي في تقي الدين الحراني: "آخر المجتهدين".
وفسر الداعية في مقاله الأول الخاتم بمعنى: الزينة، ولم يجد شاهداً على هذا من كلام العرب، أو أقوال اللغويين، أو المفسرين، فتعلق بكلمة
(9/ 3/58)

للشيخ محمد طريح النجفي (أحد علماء الشيعة) اقتطعها اقتطاعاً، فقال: يقول صاحب "مجمع البحرين" ما نصه: "ومحمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى: الزينة، مأخوذ من الخاتم الذي هو زينه للابسه".
والواقع أن الشيخ النجفي قد صرح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر النبيين، فقد قال قبل تلك الكلمة التي اقتطعها الداعية: "قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} من [الأحزاب: 40]؛ أي: آخرهم، ليس بعده نبي". ثم قال: "ومحمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى: الزينة، مأخوذ من الخاتم الذي هو زينة للابسه، وبالكسر اسم فاعل بمعنى: آخر".
ولما كان صاحب "مجمع البحرين" يعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء ليس بعده نبي، فقصارى أمره أن يكون أخطأ في تأويل {وَخَاتَمَ} على قراءة الفتح بمعنى: الزينة؛ فإنه مخالف لأقوال من هم أدرى منه بتفسير كتاب الله تعالى، وبوجوه استعمال الألفاظ العربية حقيقة أو مجازاً.
وها نحن أولاء نسوق إليكم طائفة من أقوال علماء اللغة والمشاهدة بأن الخاتم - بفتح التاء أو كسرها- بمعنى: الآخِر، قال صاحب "اللسان": "وخاتَمهم، وخاتِمهم: آخِرهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين!. وقال ابن سيده في كتاب "المحكم": "وختام القوم، وخاتَمهم، وخاتِمهم: آخرهم"، وقال: "وفي التنزيل: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]؛ أي: آخرهم". وقال الأزهري في كتاب "التهذيب": "وخاتم كل شيء: آخره، وقوله تعالى: {رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} معناه: آخر النبيين". ولم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة أو غيرهم كصاحب "الصحاح"، وصاحب "المصباح"، وصاحب
(9/ 3/59)

"القاموس"، وصاحب "أساس البلاغة" أن الخاتم يكون بمعنى: الزينة.
ولعل الداعية يعلم أن القرآن الكريم انما يستشهد في تفسيره بكلام العرب، ويتيقن أن استشهاده بالعبارات التي ينقلها عن بعض الكتاب أو أصحاب المطابع، لا يتقبله أهل العلم، ولكنه يسوقها استهواء لقوم يجهلون آداب البحث، ولا يفرقون بين ما يصح أن يستشهد به في تفسير كتاب الله تعالى، وما لا يصح الاستشهاد به.
وخلاصة البحث: أن علماء اللغة يقولون: الخاتم بمعنى: الآخر، والمفسرون يقولون: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]؛ أي: آخرهم، وداعية القاديانية يزعم أن {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} بمعنى: زينتهم، أو سيدهم، أو أفضلهم. وانتظرنا منه أن يأتي بشاهد على هذا من كلام العرب، أو من كتب اللغة، أو من أقوال أئمة التفسير، فلم يفعل، وذهب يعارض أئمة اللغة والتفسير، بلغو من القول، كأنه لا يشعر أن القرآن الكريم قول فصل، وما هو بالهزل.
يفكر داعية القاديانية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين، ويذهب إلى أن {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} في الآية يستعمل بمعنى: أفضل النبيين، أو زينتهم، وأورد في الاستدلال على أن لفظ خاتم يستعمل بمعنى: أفضل، أو زينة حديثاً هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس - رضي الله عنه -: "أنت خاتم المهاجرين في الهجرة، وأنا خاتم النبيين في النبوة".
وهذا الاستدلال مدفوع بأن الذي ورد في كتاب "أسد الغابة": أن العباس استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فقال له: "يا عم! أقم مكانك الذي أنت به، فإن الله تعالى يختم بك الهجرة كما ختم لي النبوة". وقرأنا في كتاب "الإصابة"؛ أن العباس "هاجر قبل الفتح بقليل"، وقرأنا في غزوة الفتح من
(9/ 3/60)

"سيرة ابن هشام": أن العباس - رضي الله عنه - لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض الطريق، لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه راض.
فصاحب كتاب "الإصابة" يقول عن العباس - رضي الله عنه -: إنه هاجر قبل الفتح بقليل، وابن هشام يقول: لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجحفة مهاجراً بعياله. فمتى ثبت حديث: "أنت خاتم المهاجرين"، صح أن يكون العباس خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم؛ أي: آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح". وداعية القاديانية لم يأت بشاهد على أن بعض المسلمين قد هاجر بعد العباس حتى يمتنع أن يكون خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم.
وأورد داعية القاديانية على تفسير خاتم بأفضل أو زينة حديثاً عزاه إلى "كتاب الصافي" الذي هو تفسير لأحد علماء الشيعة، وهو "أنا خاتم النبيين، وأنت يا علي خاتم الأولياء"، ولكن صاحب "كتاب الصافي" لم يروه بسند، ولم يسنده إلى كتاب، حتى نبحث في سنده، وتتبين حقيقته، بل قال في تفسير قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به- على اختلاف القراءتين-، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا خاتم النبيين،
وعلي خاتم الأولياء".
فصاحب "كتاب الصافي" معترف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر النبيين، ولا يتم الاستشهاد بقوله: "خاتم الأولياء" إلا أن يذكر سند الحديث، ويكون رجاله ممن يوثق بهم في الرواية، أو يسنده إلى كتاب من الكتب المعروفة بالتحري في رواية الحديث. وكان الأحاديث الموافقة لهذا الحديث في المعنى، وقد
(9/ 3/61)

حكم عليها الحفاظ بالوضع: حديث: "كما أني خاتم النبيين، كذلك علي وذريته يختمون الأوصياء إلى يوم الدين" (1). وقال ابن الجوزي: ولفظ: "خاتم الأولياء" باطل لا أصل له، وخاتم الأولياء في الحقيقة: آخر مؤمن بقي من الناس، وليس هو أحسن الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم أَبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - (2).
سقنا أحاديث صحيحة كثيرة في معنى انقطاع النبوة بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذهب ذلك الداعية يحرفها عن مواضعها، ويقول فيها قول من لا يقدر الحديث النبوي قدره، ولا يبالي أن يخرج بالكلام العربي عن وجوه دلالته، وقد أريناكم فيما سلف نموذجاً من تأويلهم الباطل لبعض تلك الأحاديث، واليوم نسوق إلى حضراتكم مثالاً تشهدون فيه كيف يعتسفون في غير طريق، ويحاولون إرضاء شهواتهم، ولو بأقبح التأويل:
أوردنا -في جملة ما أوردنا من الأحاديث- ما جاء في "سنن الترمذي"، من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي"، فشق ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".
وهذا الحديث صريح في انقطاع النبوة بعد البعثة المحمدية، ولكن الداعية القادياني حاول صرف هذا النص عن معناه، وذهب في تأويله، والخروج على حجته مذهب التعنت، حتى زعم أنه معارض لبعض آيات القرآن الكريم،
__________
(1) انظر: "اللآلئ المصنوعة".
(2) "تذكرة الموضوعات".
(9/ 3/62)

فقال: "إن القرآن المجيد يقرر نزول الملائكة على المؤمنين، وتبشيرهم إياهم بنصرتهم في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
ويقول في مقام آخر: إن الملائكة وجبريل أيضاً تنزل كل ليلة قدر:
{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 3 - 4].
وكلام الملائكة مع البشر وحي في اصطلاح القرآن المجيد:
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
فإذا ثبت وجود الوحي من حيث القرآن المجيد، فلا بد من تأويل في معنى الحديث".
وليس في هاتين الآيتين ما يعارض الحديث، أما الآية الأولى، فتفسيرها عند بعض السلف على أن تنزل الملائكة، وقولهم للذين استقاموا: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} يكون عند الموت، وهذا ما يقوله مجاهد، والسدي، ومنهم من يقول: إن الآية إخبار عما يكون عند البعث، وهو قول مقاتل، ومنهم من يقول: إنها إخبار عما يكون عند الموت، وفي القبر، وهذا قول زيد بن أسلم.
وذهب آخرون في تفسيرها إلى أن الملائكة تمد صدور المؤمنين بما يشرحها، ويدفع عنها الخوف، على طريقة الإلهام، كما أن الشياطين تغوي الكافرين بتزيين القبائح، وتوسوس لهم بما يثير في قلوبهم الخوف
(9/ 3/63)

والحزن، قال تعالى:
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [النمل: 24].
وقال تعالى:
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268].
وقال تعالى:
[{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121].
فليس بين حديث الترمذي وآية:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30].
تعارض أو ما يشبه التعارض، إلا في نفوس باضت فيها الأهواء وفرّخت، ولم يكن للحكمة ولا للموعظة الحسنة عليها من سلطان.
ولو صح هذا الذي يقوله داعية القاديانية في تفسير الآية، لوجب أن يكون كل مؤمن مستقيبم نبياً يوحى إليه، ولا أقوى إيماناً من الخلفاء الراشدين، ولا أقوم منهم سيرة، وما ادَّعى أحد منهم أنه نبي أو رسول. أو أنه تأتيه الملائكة بالوحي، وما كان أحد من المسلمين يصفهم بالنبوة أو الرسالة، أفيزعم داعية القاديانية أنهم لم يقولوا: ربنا الله، ولم يستقيموا؟! أو أنهم لم يبلغوا في الاستقامة مبلغ غلام أحمد الذي أوغل في الضلالة، وأثار فتنة صادفت في بعض الناس غفلة أو جهالة، فكانوا لنارها حطباً!.
وأما آية:
{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4].
فليس فيها ما يدل على أن الملائكة يخاطبون المؤمنين على طريق الوحي الذي هو من خصائص الأنبياء - عليهم السلام -. وأئمة التفسير من السلف
(9/ 3/64)

والخلف يقطعون بكذب دعوى النبوة بعد البعثة المحمدية، ولا يجدون في هذه الآية ما يعارض الأحاديث الواردة في انقطاع النبوة.
ومن الوجوه التي تساعدها البلاغة، وتطابق بها الآية سائر النصوص: أن يكون تنزل الملائكة من أجل الأمور التي عهد إليهم بتدبيرها {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، فإن حمل الأمر في الآية على معنى الحكم الشرعي، كانت إخباراً عن تنزلهم ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن الحكيم. والتعبير بالمضارع لاستحضار ذلك التنزل بصورته البديعة، وهو من أحسن الطرق المعهودة في البيان.
وزعم الداعية القادياني أن حديث الترمذي: "إن النبوة والرسالة قد انقطعت" يعارض الحديث الذي يقول: إن المسيح الموعود "يوحى إليه: أن حَوِّزْ عبادي إلى الطور؛ فإني قد أنزلت عباداً لي لا يَدانِ لأحد بقتالهم".
وردت أحاديث صحيحة في نزول المسيح - عليه السلام -، ولم يجد أهل العلم بينها ويين الأحاديث الصريحة في انقطاع النبوة معارضة، والراسخون في فهم الأحاديث النبوية، العارفون بوجوه استعمال الألفاظ العربية في حدود وضعها، وعرف البلغاء من الناطقين بها يقولون: إن الأحاديث الواردة في انقطاع النبوة تنفي وقوع نبوة بعد البعثة المحمدية، ولا تتناول عيسى- عليه السلام -؛ لأن النبوة ثابتة له من قبل. ومن هؤلاء من يحمل الأحاديث على امتناع بعثة نبي بعد البعثة المحمدية على وجه عام، ويستثنى من هذا العموم عيسى - عليه السلام -؛ للأحاديث الواردة في نزوله آخر الزمان. ومن حمل النصوص الواردة في انقطاع النبوة على نفي النبوة التشريعية؛ كالملّا علي قاري، لا يقصد فتح باب النبوة غير التشريعية بإطلاق، حتى توضع دعوى
(9/ 3/65)

غلام أحمد النبوة موضع النظر، واحتمال أن تكون صحيحة، وإنما يقصد لوجه في تفسير الآية أو الحديث يتفق به مع الأحاديث الواردة في نزول عيسى - عليه السلام -.
فعلماء الإسلام -على اختلافهم في تفسير الآية والأحاديث- يتفقون على أن لا نبي ولا رسول بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا ما ورد من نزول عيسى- عليه السلام -.
وقد يأتي داعية القاديانية إلى عبارات بعض من ذهبوا في تفسير الآية أو الأحاديث إلى معنى نفي النبوة التشريعية ابتغاء الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى، ويأخذ منها ما يقولونه من أن الآية أو الحديث في نفي النبوة التشريعية، ويدع بقية كلامهم الصريح في أنهم ارتكبوا هذا التأويل لقصد خاص: هو أن لا تكون آية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وما يوافقها من الأحاديث نافية بمقتضى عمومها مجيء عيسى - عليه السلام -، وقد نبهنا في مقال سابق على هذا النوع من التزوير في كلام نقله عن الشيخ عبد القادر الكردستاني.
وإليك مثالاً آخر من هذا القبيل: قال الداعية: يقول المحقق الملّا علي قاري: "فلا يناقض قوله: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}؛ إذ المعنى: لا يأتي نبي ينسخ ملته، ولم يكن من أمته".
والواقع أن الملا علي قاري أورد حديث؛ "لو عاش إبراهيم، لكان نبياً"، وحديث: "لو كان بعدي نبي، لكان عمر بن الخطاب" (1). ثم قال:
__________
(1) رواه أحمد، والحاكم.
(9/ 3/66)

لو عاش إبراهيم، وصار نبياً، وكذا لو صار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نبياً، لكان من أتباعه - عليه السلام -؛ كعيسى، والخضر، وإلياس - عليهم السلام -، فلا يناقض قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، إذ المعنى: أنه لا يأتي نبي بعده ينسخ ملته، ولم يكن من أمته.
فهذا التأويل، مع عدم الحاجة إليه في تحقيق معنى الآية، إنما ارتكبه الملا علي قاري ليدفع به ما يقال من أن حديث: "لو عاش إبراهيم" يقتضي أنه لو عاش، وصار نبياً، لزم أن لا يكون نبينا - عليه السلام - خاتم النبيين، ولا حاجة إلى هذا التأويل، فإن حديث عمر بن الخطاب حجة على انقطاع النبوة بعده - عليه الصلاة والسلام -.
وأما حديث: "لو عاش إبراهيم، لكان نبياً"، فقد أورده الداعية في شبهة، وقال: "فلو بقي إبراهيم عائشاً، ما كان ثمة مانع من صيرورته نبياً، لا آية: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، ولا أي حديث".
وهذه الشبهة مدفوعة بأن هذا الحديث قد أنكر وروده طائفة من أهل الحديث، كما أنكره ابن عبد البر في كتاب "التمهيد"، وقال الإمام النووي في "تهذيبه": "هذا الحديث باطل، وجسارة على الكلام بالمغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم". والأحاديث الموضوعة أو الضعيفة لا تقف في وجه الأدلة القطعية، ومن أراد أن يعقد بينها وبين القطعية وفاقاً، فليبق الأدلة القطعية بحالها، ويذهب في تأويل الضعيف أو الموضوع -على فرض ثبوته- ما شاء.
(9/ 3/67)

البابيَّة والبهائيَّة (1)
جاءنا من حضرة صاحب التوقيع السؤال الآتي:
ما البهائية؟ وما اعتقاد مؤسسيها وأتباعهم؟ وهل يعتقدون في الحشر والجنة والنار؟ وهل يعتقد البهائيون بنبوة سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ وإذا كانوا يعترفون بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يعتقدون بنبي بعده، ودين غير دينه؟ وما الواجب عمله لإحباط مساعيهم حتى لا يقع أحد في شراكهم؟
بورسعيد ...
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فقد احتوى هذا الخطاب مسائل متعددة، ونحن نورد كل سؤال، ونقفي على أثره بالجواب عنه مستندين فيما نكتب إلى مؤلفات (2). للبهائيين أنفسهم، وكتبٍ (3). ألفها بعض من اطلع على كتبهم المؤلفة باللغة الفارسية
__________
(1) مجلة "نور الاسلام" - الجزء الخامس من المجلد الأول - القاهرة.
(2) ككتاب "الدرر البهية"، وكتاب "عبد البهاء والعصر الجديد".
(3) ككتاب "مفتاح باب الأبواب".
(9/ 3/68)

والعربية؛ بقصد بيان أمرهم نصيحة للإسلام والمسلمين.

س - ما البهائية؟
ج - البهائية: نسبة إلى بهاء الله: لقب به ميرزا حسين علي، وهو الزعيم الثاني للمذهب الذي تتولاه الطائفة المسماة بالبهائية. وتسمى هذه الطائفة: البابية نسبة إلى (الباب)، وهو لقب ميرزا علي محمد ذلك الذي ابتدع هذه النحلة. وإليك ملخص القول في نشأتها:
أصل نشأة هذه النحلة: أن ميرزا علي محمد الملقب بالباب نشأ في "شيراز" بجنوب إيران، وأخذ شيئاً من مبادئ العلوم، ثم اشتغل بالتجارة، ولما بلغ من العمر الخامسة والعشرين، ادعى أنه المهدي المنتظر، وكان إعلانه بهذه الدعوة سنة 1260 ه، نعق بهذه الدعوة، فأخذها بالتسليم طائفة من الجاهلين. وأرسل بعض هؤلاء إلى نواح مختلفة من إيران للإعلام بظهوره، وبثّ شيء من مزاعمه، وتنبه العلماء لهذه الدعاية، فقاموا في وجهها، وعقد بعض الولاة بينهم وبين ميرزا علي هذا مجالس للمناظرة، فرأى بعضهم ما في أقواله من غواية وخروج عن الدين، فأفتى بكفره.
ورأى آخرون ما فيها من لغو وسخافة، فنسبه إلى الجنون واختلال الفكر.
واعتقل في "شيراز"، ثم بأصفهان، وساقته الحكومة الإيرانية في عهد الملك ناصر الدين شاه إلى "تبريز"، وثارت بين أشياعه وبين المسلمين فتن وحروب سفكت فيها الدماء، وكانت عاقبته أن أعدمته الحكومة في "تبريز" صلباً عام 1265 ه.
وقعت بعد قتله فترة كانت أتباعه فيها على اختلاف في شأن من ينوب عنه، إلى أن دبروا اغتيال الملك ناصر الدين انتقاماً لزعيمهم، فهجم عليه
(9/ 3/69)

اثنان منهم، فخاب سعيهم، وأخذت الحكومة تتقصى أثر البابيين، وتسوق زعماءهم إلى مجلس التحقيق، وكان الميرزا حسين علي الذي لقبوه بعد ب (بهاء الله) من شيعة الباب، ودعاة نحلته، فقبض عليه، وسجن بطهران بضعة أشهر، ثم أبعد إلى بغداد سنة 1269 ه.
لما أدركت الحكومة الإيرانية خطر هذه الفئة وما يبيتونه من فتن؛ جعلت ترقبهم بحذر واحتراس، فالتحق طوائف منهم ببغداد، واجتمعوا حول ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، ثم حدث بينهم ويين الشيعة ببغداد شقاق كاد يفضي إلى قتال، فقررت الحكومة العثمانية وقتئذ إبعاد البابيين من العراق، فنقلتهم إلى الآستانة، ونفتهم إلى "أدرنة".
قام المسمى (بهاء الله) لهذا العهد يدعو إلى نفسه، ويزعم أنه هو الموعود به الذي أخبر عنه الباب (1)، وقبل دعوته كثير البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، وممن رفض دعوته أخوه ميرزا يحيى الملقب (صبح أزل).
ثم إن الحكومة العثمانية أمرت بإبعاد الفريقين من "أدرنة"، فنفت الميرزا يحيى وأتباعه (2) إلى "قبرص"، ونفت البهاء وأتباعه إلى "عكة" بفلسطين،
__________
(1) يزعم البهائية أن الباب كان يشير إلى شخص يظهر بعده، وكانوا يعبرون عنه بلفظ: "من يظهره الله".
(2) يسمى هؤلاء البابية: (الأزلية)؛ إذ يزعمون أن يحيى هذا هو مصداق ما أشار إليه الباب في كتاب "البيان" باسم: "من يظهره الله"، وهؤلاء يكفرون بالبهاء، ويتناولونه وأتباعه باللعن في السر والعلانية، وليحيي هذا كتاب أراد أن يحاكي به القرآن الكريم في ترتيب الآيات والسور، وحاول أن يحاذي به أسلوبه الحكيم، فافتضح أمره، وظهر سخفه، {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52].
(9/ 3/70)

وبقي البهاء بعكة إلى أن هلك عام 1309 ه، فتولى رئاسة الطائفة ابنه عباس الذي لقبوه ب (عبد البهاء)، فأخذ يدعو إلى هذا المذهب، ويتصرف فيه كما يشاء، ولم يرض عن صنيعه هذا أصحاب البهاء، فانشقوا عنه، والتفوا حول أخيه الميرزا علي، وألفوا كتباً بالفارسية والعربية، وطبعوها في الهند يطعنون بها في سيرة عباس، ويصفونه بالمروق من دين البهاء.

س - ما اعتقاد مؤسسيها وأتباعهم؟
ج - ليست البهائية بالنحلة المحدثة التي لم يتقدم لها في النحل المارقة من الإسلام ما يشابهها، أو تتخذه أصلاً تبني عليه مزاعمها، وإنما هي وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات وآراء فلسفية ونزعات سياسية، ثم اخترعت لنفسها صوراً من الباطل، وخرجت تزعم أنها وحي سماوي.
ولولا أن في الناس طوائف يتعلقون بذيل كل ناعق، لما وجدت داعياً ولا مجيباً لندائها، وها نحن أولاء نسوق إليك كلمة في مذهب الباطنية، ونحدثك عن البابية أو البهائية حتى تعلم أنها سلالة من ذلك المذهب الأثيم:
تقوم دعوة الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، وأصل نشأة هذه الدعوة: "أن طائفة (1) من المجوس راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وذلك أنهم اجتمعوا، فتذاكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم، واستيلائهم على الممالك، لكنا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج به الضعفاء منهم؛ فإن ذلك يوجب
__________
(1) كتاب "المواقف وشرحه" للسيد الجرجاني.
(9/ 3/71)

اختلافهم، واضطراب كلمتهم".
وقد رسموا لهذا المذهب خطة دبروها بنوع من المكر، وهو أنهم جعلوا الدعوة مراتب:
1 - تفرس حال المدعو، أقابل للدعوة أم لا؟
2 - استهواء كل أحد بما يميل إليه من زهد أو خلاعة.
3 - التشكيك في أصول الدين.
4 - أخذ الميثاق على الشخص بأن لا يفشي لهم سراً.
5 - دعوى موافقة أكابر رجال الدين والدنيا لهم؛ ليزداد الإقبال على مذهبهم.
6 - تمهيد مقدمات يراعون فيها حال المدعو لتقع لديه موقع القبول.
7 - الطمأنينة إلى إسقاط الأعمال البدنية.
8 - سلخ المدعو من العقائد الإسلامية، ثم يأخذون بعد هذا في تأويل الشريعة على ما تشاء أهواؤهم.
اتخذ هذه الخطة وسيلة إلى محاربة الدين الإسلامي طوائف كانوا يتظاهرون بأنهم من شيعة آل البيت، وهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء، ولا بشيء من الكتب المنزلة، ولا بيوم الجزاء، ولا أن للعالم خالقاً، وتراهم يستدلون بالقرآن والحديث، ولكن يحرفونهما عما أراد الله ورسوله منهما.
ومن الباطنية المتظاهرين بالتشيع لآل البيت من ادّعى النبوة لبعض آل البيت.
وكم أحدث هؤلاء الذين يدعون المهدية، أو النبوة، أو الإلهية من فتن! وكم جروا على العالم الإسلامي من بلاء! وكان أهل العلم يقاومون باطلهم،
(9/ 3/72)

ويهتكون أستارهم، وممن تصدى للرد عليهم: أَبو حامد الغزالي، فألّف كتابه المسمى: "حجة الحق (1) "، وكتابه المسمى: "فضائح الباطنية (2) "، وذكر في مقدمة هذا الكتاب أنه طالع الكتب المصنفة فيهم، فوجدها مشحونة بفنين: فن في تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم إلى ظهور ضلالهم، وتسمية كل واحد من دعاتهم في كل قطر من الأقطار، وبيان وقائعهم فيما انقرض من الأعصار، وفن في إبطال تفاصيل مذاهبهم وعقائد تلقوها من الثنوية والفلاسفة، وحرفوها عن أوضاعها، وغيروا ألفاظها قصداً للتغطية والتلبيس، ثم بين أنه قصد في كتابه إلى الإعراب عن خصائص مذهبهم، والتنبيه على مدارج حيلهم، والكشف عن بطلان شبههم.
ولأبي بكر بن العربي مع بعض زعمائهم مناظرات ذكرها في كتاب "القواصم والعواصم"، وتناول الشيخ ابن تيمية مذهب الباطنية، وردّ على بعض فرقهم في بعض مؤلفاته.
عرفنا تاريخ الباطنية، وقرأنا بعض كتب البابية والبهائية، فوجدنا روح الباطنية حلت في جسم ميرزا علي، وميرزا حسين علي، فخرجت باسم البابية والبهائية.
الباطنية يستدلون بكلام النبوة، ويحرفون كلم القرآن والحديث عن مواضعه؛ كما فسروا حج البيت العتيق بزيارة شيوخهم، والبابية أو البهائية يستدلون بالقرآن والحديث، ويذهبون في تأويلهما إلى مثل هذا الهذيان نفسه، ولميرزا علي المسمى ب (الباب) تفسير لسورة يوسف مشى فيه على
__________
(1) ألفه باللسان الفارسي.
(2) ألفه باللغة العربية وطبع في لندن.
(9/ 3/73)

هذا النمط، فقال في قوله تعالى:
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
"المراد من يوسف: حسين بن علي، والمراد بالشمس: فاطمة، وبالقمر: محمد، وبالنجوم: أئمة الحق، فهم الذين يبكون على يوسف سجّدا"!.
وهذا أحد دعاتهم المسمّى: أبا الفضل الجرفادقاني قد أورد في كتابه المسمّى: "الدرر البهية" قوله تعالى:
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39].
وقوله تعالى:
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53].
وقال: "ليس المراد من تأويل آيات القرآن: معانيها الظاهرية، ومفاهيمها اللغوية، بل المراد: المعاني الخفية التي أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية". ثم قال بعد هذا: "قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء، وييان معانيها، وكشف الستر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء". وقال: "إنما بعثوا - عليهم السلام - لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالي حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهي سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ، فيظهر روح الله الموعود، ويكشف لهم الحقائق المكنونة في اليوم المشهود"، وقال: "وفي نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا في اليوم الآخر؛ يعني: القيامة، ومجيء مظهر أمر الله، وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله".
(9/ 3/74)

ثم قال: "ولذلك جاءت تفاسير العلماء من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان (1) تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة محرفة مفسدة،.
كنا نود أن نصرف القلم عن نقل مثل هذا السخف، ونصون صحف الكتاب عن أن تحمل لقرائه شيئاً من الزيغ والالحاد في آيات الله، والاعتداء على علماء الإسلام الذين رفعوا منار الحق، وأذاقوا بحججهم أعداء الإنسانية عذاباً أليماً، ولكن دعاة هذا المذهب قد استهووا فريقاً من أبناء المسلمين، وأصبحوا يدعون إلى مذهبهم في النوادي، ويتحدثون عنه في الصحف، وألفوا كتباً تقع في أيدي بعض الشباب، فذلك ما اضطرنا إلى أن نبسط القول في بيان نحلتهم، وسرد أقوالهم؛ حتى يكون المسلمون على بينة من أمرهم.
لهج البابية البهائية مقتفين أثر إخوانهم الباطنية بهذا النوع من التأويل؛ ليدخلوا منه إلى العبث في تفسير القرآن والحديث، وصرفهما عما يراد بهما من حكمة وهداية.
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ودلنا على أن الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - يقوم ببيان ما خفي على الناس علمه، فقال تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
وما زال السلف من الصحابة والراسخين في العلم من بعدهم، يفسرون القرآن بما يووونه عن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وبما يفهمونه منه
__________
(1) هو الكتاب الذي وضعه ميرزا علي محمد الملقب بالباب.
(9/ 3/75)

على مقتضى استعمال لغتهم وأساليب بلاغتهم، فجاؤوا بعلم كثير، وأدب غزير، وتركوها حكماً رائعة، وشريعة سمحة باهرة، وقوانين اجتماع طاهرة، حتى قام جماعة من أوشاب الناس يزعمون أن هذا القرآن الذي أنزله الله بلسان العرب لم يوكل بيانه إلى من كان يقرؤه على الناس بكرة وعشياً، ولم يفهم المراد منه أولئك الذين يتهجدون به في الأسحار سجداً لله وبكياً، وإنما وكل بيانه إلى أمثال ميرزا علي محمد، وميرزا حسين، وعباس، وأبي الفضل الجرفادقاني ليخوضوا فيه بلغو من القول، ويعثوا في تأويله مفسدين.
قال أَبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم" يرد على إخوانهم الباطنية قولهم: إن خليفة الله هو الذي يبلغ عنه "الخليفة هو النبي الذي بين، ثم استأثر الله به، ولا معصوم بعده".
وفي كتاب "فضائح الباطنية" بسطة في رد ما يدعونه من ظهور الإمام المعصوم، وحصر مدارك الحق في أقواله، وقد عرفت أن الإمام المعصوم الذي يدعيه الباطنية هو ما يسميه البابية والبهائية ب"من يظهره الله"، ويزعمون أنه هو الذي يعرف تأويل ما جاء به الرسل - عليهم السلام -، ويصرح هذا الإيراني في كتابه هذا بأن قصص القرآن غير واقعة، وقال: "لا يمكن للمؤرخ أن يستمد في معارفه التاريخية من آيات القرآن". وقال: "إن الأنبياء - عليهم السلام - تساهلوا مع الأمم في معارفهم التاريخية، وأقاصيصهم القومية، ومبادئهم العلمبة، فتكلموا بما عندهم، وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات، وسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات".
دعوى أن في اقرآن قصصاً غير واقعة بزعم أنه رمز إلى معان خفية، ليس لها من داع سوى ما يضمره أصحابها من الكيد للقرآن الكريم، وإدخال
(9/ 3/76)

الريب في أنه تنزيل من لدن حكيم عليم.
لم يقم حتى الآن دليل تاريخي أو نظري يطعن في صحة قصة ساقها القرآن الحكيم، ونحن نستند في صحتها إلى الآيات الدالة على أن المبعوث به لا ينطق عن الهوى، فالمؤرخ المسلم، ومعلم التاريخ لأبناء المسلمين يستمد في معارفه التاريخية من آيات الذكر الحكيم، وهي عندنا أصدق قيلاً، وأقوى سنداً مما يقصه المؤرخ من حوادث تقع في عصره، أو قريب منه، وهذه الثقة بالطبيعة لا تحصل لمن ينكر أو يرتاب في أن القرآن حجة الله على العالمين، فلا تطالب المجوسي أو البهائي بأن يدخلوا في مؤلفاتهم التاريخية ما جاء في القرآن من أنباء الأولين، وهم لم يطمئنوا إلى أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - صادق أمين.
يزعم هذا الإيراني أن الرسول ينطق ببعض المبادئ العلمية مجاراة لقومه، وهي في الواقع غير صحيحة، وهذه جهالة غبي، وجراءة غوي، والرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يُبعث لتقرير المسائل العلمية التي تدركها عقول البشرية بسهولة، أو بعد جهد؛ كالطبيعيات والرياضيات لا يتحدث عن شيء منها حديث من يصدق بها إلا أن تكون صواباً، ودعوى أن لها رموزاً إنما اخترعها الإيراني وأمثاله ليستروا بها وجه جحودهم، والبرقع الشفاف لا يحجب ما وراءه.
ولم يكن تأويل البهائية وأسلافهم الباطنية لنصوص الشريعة على هذا الوجه الناقض لأصولها بشيء ابتدعوه من أنفسهم ابتداعاً، وإنما هو صنع عملوا فيه على شاكلة طائفة من فلاسفة اليهود من قبل؛ فأنا نقرأ في ترجمة "فيلون" الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين قبل ميلاد المسيح
(9/ 3/77)

أنه ألف كتاباً في تأويل التوراة ذاهباً إلى أن كثيراً مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزي كان موجوداً معروفاً عند أدباء اليهود بالإسكندرية قبل زمان "فيلون"، ويذكرون أمثلة تأويلهم أنهم فسروا آدم بالعقل، والجنة برياسة النفس وإبراهيم بالفضيلة الناتجة من العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب هو الفضيلة الحاصلة من التمرين، إلى أمثال هذا من التأويل الذي لا يحوم عليه إلا الجاحدون المراؤون، ولا يقبله منهم إلا قوم هم عن مواقع الحكمة ودلائل الحق غافلون.
وأبو الفضل هذا من أبعد دعاة البهائية في الهذيان شأواً، وأشدهم لعلماء الإِسلام ضغينة، وإذا أخذ في شتمهم، لا يشفى غليله إلا أن يصب كل الجمل التي يعرفها في المعنى الذي أراد شتمهم به، انظروا إلى قوله في (صفحة 147) من ذلك الكتاب المسمى: بالدرر البهية: "فتمادوا في غيهم، وأصروا على باطلهم، وتاهوا في ضلالتهم، ومردوا في جهالاتهم، وعموا في سكرتهم، وانهمكوا في غوايتهم"، فالرجل حفظ جملاً التقطها من بعض الصحف السائرة، أو من الكتب الغابرة، وصار يلقيها فيما يكتب من غير وزن، حاسباً أن هذا الصنيع من تزويق القول ينقل الناس من الجد إلى الهزل، وكان الحق إلى الضلال!.
في الباطنية من يدعي أنه نبي، أو يعتقد في آخر أنه نبي يوحي إليه، وميرزا علي الملقب (بالباب) يدعي أنه رسول من الله؛ ووضع كتاباً ادعى أن ما فيه شريعة منزلة، وسماه: "البيان" وقال في رسالة بعث بها إلى الشيخ محمود الألوسي صاحب التفسير المشهور المسمى: "روح المعاني" يدعوه
(9/ 3/78)

فيها إلى مذهبه: "إنني أنا عبد الله قد بعثني الله بالهدى من عنده". وسمى في هذه الرسالة مذهبه: دين الله، فقال: "ومن لم يدخل في دين الله، مثله كمثل الذين لم يدخلوا في الإِسلام"!.
وكذلك يدعي زعيمهم المسمى: (بهاء الله)، ففي كتاب "بهاء الله والعصر الجديد": "وقرر بهاء الله أن رسالته هي لتأسيس السلام على الأرض". وقال صاحب هذا الكتاب يتحدث عن الباب والبهاء: "من المستحيل إيجاد أي تغيير لعظمهما إلا بالاعتراف بأنهما إنما عملا بوحي من الله".
يدّعي الباب الرسالة، ويزعم أن شريعته ناسخة للشريعة الإِسلامية، فابتدع لأتباعه أحكاماً خالف بها أحكام الإِسلام وقواعده، فجعل الصوم تسعة عشر يوماً من شروق الشمس إلى غروبها. وعين لهذه الأيام وقت الاعتدال الربيعي؛ بحيث يكون عيد الفطر عندهم يوم النيروز على الدوام، وفي كتابه "البيان": "أيام معدودات، وقد جعلنا النيروز عيداً لكم بعد إكمالها". وجعل ميرزا حسين الملقب ببهاء الله الصلاة تسع ركعات في اليوم والليلة، وكان عبد الله بن الخراب الكندي الذي اعتقد إلهيته كثير من أشباه الناس قد جعلها تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة.
وقبلة البهائيين في صلاتهم التوجه أين يكون ميرزا حسين المسمى: بهاء الله، فإنه يقول لهم: "إذا أردتم الصلاة، فولوا وجوهكم شطري الأقدس"! وقال ابنه عباس: "يلزمنا التوجه إلى مركز معلوم، وهو مظهر الله". ومظهر الله في زعمهم هو هذا المسمى: بهاء الله.
أما الحج، فقد أبطله البهاء، وأوصى بهدم بيت الله الحرام عند ظهور رجل مقتدر من أشياعه.
(9/ 3/79)

ومن الباطنية من منع العوام من مدارسة العلوم، والخواص من النظر في الكتب المتقدمة؛ حتى يبقوا في عماية، وهو الحسن بن محمد الصباح. ونجد ميرزا علي المسمى: الباب قد حرّم في كتابه "البيان" التعلم، وقراءة كتب غير كتبه، فكان كل من يؤمن بالباب يحرق القرآن الكريم وما وقع في يده من كتب العلم، ولكن الميرزا حسين المسمّى: (بهاء الله) أدرك ما في هذا التحجير من خطأ مكشوف، وأنه مما يصرف عنهم ذوي العقول النابهة، فأتى في كتابه الذي سمّاه: "الأقدس" بما ينسخه، فقال: "قد عفا الله عنكم ما نزل في "البيان" من محو الكتب، وأذنَّاكم بأن تقرؤوا من العلوم ما ينفعكم".
وفي الباطنية من يدعي حلول الإله في بعض الأشخاص، كما قال القرامطة بإلهية محمد بن إسماعيل بن جعفر، وهذه الدعوى -أعني: دعوى الحلول- تظهر في بعض مقالات البهائية.
قال عباس الملقب ب (عبد البهاء): "وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجيء رب الجنود، والأب الأزلي، ومخلص العالم الذي لابد منه في آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء، عبارة عن تجليه في الهيكل البشري، كما تجلى في هيكل عيسى الناصري، إلا أن تجليه في هذه المرة أتم وكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيؤوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلي الأعظم".
يريد بهذا: أن الله تجلى فيه بأعظم من تجليه في أجسام الأنبياء على ما يزعم، وقال مهذارهم أبو الفضل الإيراني: "فكل ما توصف به ذات الله، ويضاف ويستند إلى الله من العزة والعظمة، والقدرة والعلم والحكمة، والإرادة والمشيئة، وغيرها من الأوصاف والنعوت، إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر
(9/ 3/80)

أمره، ومطالع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره".
ويظهر هذا من اللوح الذي كتبه المسمى (بهاء الله) في التنويه بشأن ابنه عباس؛ فإنه قال: "إن لسان القدم (1) يبشر أهل العالم بظهور الاسم الأعظم (2) الذي أخذ عهده بين الأمم، أنه نفسي، ومطلع ذاتي، ومشرق أمري، من توجه إليه، فقد توجه إلى وجهي، واستضاء من أنوار جمالي، واعترف بوحدانيتي، وأقر بفردانيتي ... إلخ)!.
وقلد البهائية الفلاسفة فيما يدعونه من قدم العالم، ففي كتاب "بهاء الله والعصر الجديد": "علم بهاء الله أن الكون بلا مبدأ زمني، فهو صادر أبدي من العلة الأولى، وكان الخلق دائماً مع خالقه، وهو دائماً معهم".
وقد تصدى أهل العلم الراسخ لتزييف ما تعلق به هؤلاء في الاستدلال على هذا الرأي، وحققوا أن المعلول لابد أن يتأخر عن العلة في الوجود, إذ معنى العلة: ما أفاض على الشيء الوجود، والمعلول: ما قبل منه هذا الوجود، ولا معنى لإفاضة الوجود على الممكن إلا إخراجه إلى الوجود بعد أن كان في عدم، وذلك معنى الحدوث.
ومن عجيب أمر هذه الطائفة: أنهم يدعون النبوة والرسالة، وما فوق الرسالة، وينكرون المعجزات بدعوى أنها غير معقولة، تجدون هذا الإنكار في كتاب داعيتهم المسمّى: أبا الفضل، فقد ذكر انفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر لموسى - عليه السلام -، وإبراء عيسى - عليه السلام - للاكمه والأبرص، وإحياءه الموتى بإذن الله، ونبع الماء من بين أصابع
__________
(1) يفسره البهائية ببهاء الله.
(2) يفسرونه بعباس عبد البهاء.
(9/ 3/81)

محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال: وكثير من أهل الفضل، وفرسان مضمار العلم اعتقدوا بأن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة، والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم، ثم أخذ يؤول ما ورد في تلك المعجزات من قرآن وحديث، ويحمله على معان لا يقبلها منه إلا من فقد عقله قبل أن يفقد إيمانه، وإنكارهم للمعجزات ينبئكم أن القوم يمشون مكبين على وجوههم وراء الفلسفة التي لا تؤمن بأن لهذا العالم خالقاً فعالاً لما يريد.
وملخص القول في البابية والبهائية: أنه مذهب مصنوع من ديانات ونحل وآراء فلسفية، قال صاحب كتاب "مفتاح باب الأبواب" يصف البابيين: "لهم دين خاص مزيج من أخلاط الديانات البوذية (1)، والبرهمية الوثنية (2)، والزرادشتية (3)، واليهودية، والمسيحية، والإِسلامية، ومن اعتقادات الصوفية، والباطنية".
وما زالت البهائية مذهباً قائماً على أطلال الباطنية يحمل في سريرته القصد إلى هدم الإِسلام بمعول التأويل، ودعوى الرسالة والوحي بشريعة ناسخة لأحكامه، حتى جاء عباس عبد البهاء إلى هذا المذهب المصنوع، وأراد أن يكسوه ثوباً جديداً، فخلطه بآراء التقطها مما يتحدث به بعض الناس على أنها من مقتضيات المدنية، أو مما اكتشفه العلم حديثاً، نحو:
__________
(1) دين الصينيين واليابانيين.
(2) أصل ديانة الهنود.
(3) ديانة قديمة تنسب إلى إبراهيم زرداشت الإيراني، ولا يزال لأتباعها طائفة بالبلاد الهندية، وأخرى بالبلاد الايرانية.
(9/ 3/82)

التساوي بين الرجال والنساء في التعليم، ونزع السلاح، واتفاق الأمم على لغة واحدة تدرس في العالم كله، وتأسيس محكمة عمومية تحل مشاكل الأمم، وأن الإنسان تدرج بالارتقاء من أبسط الأنواع حتى وصل إلى