Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 008


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(14)

«نَقْضُ كِتَابِ فِي الشِّعْرِ الجَاهِلي»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(8/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(8/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" نقض كتاب في الشعر الجاهلي" هذا الكتاب: أثر خالد من الآثار الرائعة للإمام الأكبر محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه -, أزاح به ستاراً من الزيف عن أغلاط علمية وتاريخية.
لقد ألقى طه حسين محاضرات "في الشعر الجاهلي" على طلاب كلية الآداب في الجامعة المصرية بالقاهرة، ثم جمع تلك المحاضرات في كتاب يقع في مئة وثلاث وثمانين صفحة، وأسماه: "في الشعر الجاهلي". فأهاج به الرأي العام الإسلامي منذ اللحظة الأولى لصدوره، فتناوله العلماء والكتاب والأدباء في شتى الأقطار الإسلامية بالرد والتفنيد، ووضعت عدة كتب في النقد، وقدمت عدة بلاغات إلى النيابة العمومية في مصر ضد مؤلف الكتاب.
ليس مهماً أن نذكر في هذه المقدمة تفصيل تلك الحادثة، وما رافقها من استقالة طه حسين من الجامعة بعد مصادرة الكتاب، وليس من غايتنا أن نسرد سرداً ما دار من مناقشات حادة بين الأنصار والخصوم؛ فقد أشبعتها أقلام المؤلفين بحثاً وتنقيباً. بل المهم عندنا أن كتاب "في الشعر الجاهلي" قد حكم عليه المسلمون بحكم قاطع، وقد نفذ ذلك الحكم في ميدان الحق.
(8/3)

لقد نهج الإمام محمد الخضر حسين في كتابه أسلوباً رائعاً في النقض؛ حيث ينقل الفقرة أو الفقرات التي يريد نقدها بحروفها، وكما صدرت عن منشئها، ثم يورد النقض؛ مما يجعل الكتاب قائماً بنفسه، فيسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، وهو أسلوب نهجه في كل الردود التي كتبها.
ومن الجدير بالإشارة أن هذا الكتاب هو نقض لكتاب "في الشعر الجاهلي" المطبوع عام (1342 ه - 1926 م) بمطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة. وأن أرقام الصفحات الواردة في النقض تعود إلى الطبعة المذكورة.
ولا بأس أن نورد ما ذكره العلامة محمد الفاضل بن عاشور من كبار علماء تونس في كثير من مجالس العلم والمحاضرات، ومما سمعته منه بالذات: أن الدكتور طه حسين أسر له في إحدى لقاءاته معه "أن رد الشيخ محمد الخضر حسين من أهم الردود، وأشدها حجة".
ومن الأمانة في العلم القول: إنني ارتأيت -وآمل أن أكون قد أصبت- وضع عناوين فرعية للبحوث التي تناولها الكتاب؛ تسهيلاً للقارئ، ولا سيما في حال رغبته الرجوع إلى نبذة معينة، أو فقرة من البحث محددة. وقد راعيت في انتقاء العنوان الفرعي أن يكون مستمداً من المادة ذاتها، بل - وزيادة في الحرص - أن يكون وارداً بنصه في السطور اللاحقة به.
وإتماماً للفائدة من هذا الكنز الزاخر، فقد أردفته بملحق موجز يتضمن الأعلام والأماكن التي وردت في الكتاب، ورتبتها حسب حروف المعجم. فإذا صادف القارئ أثناء المطالعة اسم علم أو مكان، فسيجد ترجمته في الملحق، وتحت الحرف الذي يبتدئ به الاسم.
(8/4)

إن الكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" يعتبر بحق من المراجع الهامة لدراسة الأدب الجاهلي، فلا عجب أن يحظى بهذه المكانة العلمية المرموقة لدى أوساط الباحثين والمفكرين وطلاب العلم.
والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
(8/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
نهضت الأمم الشرقية فيما سلف نهضة اجتماعية ابتدأت بطلوع كوكب الإسلام، واستوثقت حين سارت هدايته سيرها الحثيث، وفتحت عيون هذه الأمم في طريقة الحياة المثلى.
سادت هذه النهضة، وكان لها الأثر الأعلى في الأفكار والهمم والآداب، ومن فروعها: نهضة أدبية لغوية جعلت تأخذ مظاهرها العلمية لعهد بني أمية، واستوت على ساقها في أيام بني العباس.
أمسِكْ بيدك كتب التاريخ والأدب ملتمساً الحقيقة بذكاء موزون، وقلب سليم، فلا أحسبك تصدر عنها إلا بنفس مطمئنة لإِجلال أولئك الذين درسوا أدب اللغة، وخاضوا في فنونه، فأمتعوا البحث، وكانوا القدوة الحسنة في حسن التصرف وحكمة البيان.
تمتع الشرق بنهضته الاجتماعية والأدبية حقباً، ثم وقف التعليم عند غاية، وأخذ شأناً غير الشأن الذي تسمو به المدارك، وتنمو به نتائج العقول، فإذا غفوة تدبّ إلى جفون هذه الأمم، ولم تكد تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها.
هبَّ بعض أولي الحكمة منا يقلبون وجوههم في العلل التي مست أمم الشرق، فقعدت بهم سنين عدداً، وبعثوا أقلامهم من مراقدها تصف
(8/6)

هذه العلل، وتنذر الناس موتة اليأس والجبن والخمول، وتلقي عليهم دروساً في أسباب الحياة ووسائل الخلاص.
التفت الشرق إلى ما كان في يده من حكمة، وإلى ما شاد من مجد، والى من شبَّ في مهده من أعاظم الرجال. أخذ ينظر إلى ماضيه ليميز أبناؤه بين ما هو تراث آبائهم، وبين ما يقتبسونه من الغرب، وليشعروا بما كان لهم من مجد شامخ، فتأخذهم العزة إلى أن يضموا إلى التالد طريفاً، وليذكروا أنهم ذرية أولئك السراة، فلا يرضوا أن يكونوا للمستبدين عبيداً.
أنشأ أولو الأحلام الراجحة من الزعماء والكتّاب، يأخذون بما يظهر من جديد صالح، ولا ينكثون أيديهم من قديم نافع، فاستطاعوا بهذه الحكمة والروية أن يسلكوا قلوب الأمة في وحدة، ويخطوا بها إلى حياة العلم والحرية والاستقلال.
نظر إلى هذه النهضة الزاكية من لا يرغبون في تقدم هذه الأمم إلى خلاصها ولو خطوة، وعرفوا أن بايدي هذه الأمم كتاباً فيه نظم اجتماعية، وآيات تأخذ في شرط إيمانهم به ألاّ يلينوا لسلطة شأنها أن تسوسهم على غير أصوله، فما كان من هؤلاء القوم الذين يستحلون إرهاق الأمم، إلا أن يبتغوا الوسيلة إلى فتنة القلوب وصرفها عن احترام ذلك الكتاب، والغاية تقويض بناء هذه الوحدة السائرة بنا إلى حياة سامية، وعزّ لا يبلى.
فسقت طائفة عن أدب الإِسلام، وأرهفت أقلامها لتعمل على هذه الخطة الخاذلة، غير مبالية بسخط الأمة، ولا متحرجة مما سينطق به التاريخ من وضع يدها في يد خفية، لا شأن لها إلا نصب المكايد لأمة كان لها العزم النافذ، والكلمة العليا.
(8/7)

تلهج هذه الطائفة باسم حرية الفكر، وهي لا تقصد إلا هذا الفن الذي أكبت عليه صباحها ومساءها، وهو النَّيل من هداية الإسلام، والغضّ من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. يكفي شاهداً على رياء هؤلاء الرهط: أنهم يقيمون مآتم يندبون فيها حرية الفكر، ثم ينصرفون ويقولون فيما يكتبون: للحكومة أن ترهق الشعب، وترغمه على ما تراه أمراً لائقاً. ولو سبق ظنك إلى أن مؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" هو عينهم الناظرة، وسهمهم الذي يرمون به في مقاتل أمتهم الغافلة، لخليت بينك وبين هذا الظن؛ إذ ليس لي على هذه الظنون الغالبة من سبيل.
فالقلم الذي يناقش كتاب "في الشعر الجاهلي" إنما يطأ موطئأ يغيظ طائفة احتفلت بهذا الكتاب، وحسبته الطعنة القاضية على الإسلام وفضل العرب.
[وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا] [الأحزاب: 25].

محمّد الخضر حسين
(8/8)

محمّد الخضر حسين
سفكتْ دمي في الطرس أنملُ كاتبٍ ... وطوتني المبراة إلا ما ترى
ناضلتُ عن حق يحاول ذو هوى ... تصويره للناس شيئاً منكرا
لا تضربوا وجه الثرى ببقية ... مني كما تُرمى النواة وتزدرى
فخزانة الأستاذ تيمور ازدهت ... بحلى من العرفان تبهر منظرا
فأنا الشهيد وتلك جنات الهدى ... لا أبتغي بسوى ذراها مظهرا
"أبيات من ديوان "خواطر الحياة" للإمام قالها على لسان آخر قلم استعمله في تحرير الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي"، وأهديت بقيته إلى خزانة المرحوم أحمد تيمور باشا".
(8/9)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
هذا طرز من نقد كتاب "في الشعر الجاهلي" طريف، سيألفه الناس لهذا العهد، وسيألفه أبناء الأجيال القابلة من بعد، وأكاد أثق بأن الدكتور طه حسين سيلقاه ساخطاً عليه، وبأن فريقاً من أشياعه سيزورّون عنه ازوراراً، ولكني -على الرغم من سخط ذاك، وازورار هؤلاء- أريد أن أذيع هذا النقد؛ فرِضا الحقيقة خير من رضا الناكب عنها، وإقبال مريدها أجلّ من إقبال المظاهر عليها.
وقع تحت نظري هذا الكتاب، وكنت على خبرة من حذق مؤلفه في فن التهكم -ولو بالقمر إذا اتسق- والتشكيك -ولو في مطلع الشمس الضاربة بأشعتها في كل واد- فأخذت أقرؤه بنظر يزيح القشر عن لبابه، وينفذ من صريح اللفظ إلى لحن خطابه، وما نفضت يدي من مطالعة فصوله، حتى رأيتها شديدة الحاجة إلى قلم ينبه على علاّتها، ويرد كل بضاعة على مستحقيها. وما هو إلا أن ندبت القلم لقضاء هذا المأرب، وسِداد هذا العوز، فلم يتعاص عليّ.
وقد ارتأيت ألا أنقد فقرة أو فقرات إلا بعد أن أنقلها بحروفها، وأحكيها
(8/10)

كما صدرت من منشئها، وإن كان موضع البحث يتوقف على جمل سلفت، ولم نتعرض لمناقشتها، أتينا بها في تلخيص ضابط للمعنى الذي لا يتهيأ فهم المناقشة إلا به، حتى يكون كتابنا هذا قائماً بنفسه، ويستقيم للقارئ أن يدخل في البحث وهو على استبانة من أمره.
يحتوي الكتاب المعروض للنقد ثلاثة كتب، ويحتوي كل كتاب طائفةً من الفصول. وقد أبقينا كتبه وفصوله على نسقها، فنضع الكتاب والفصل بموضعه، ثم نأخذ في فحص ما يدخل تحت عنوانه من فقرات.
وإنا لا نغمض لذلك الكتاب في مقال ينهبه، أو غمز في الإسلام يستعذبه؛ فإن وجدتنا نحاوره في نهب أو غمز، فإنا لم نخرج عن دائرة نقده، ولم نتجاوز حد الباحث عن مقتضيات لفظه، فإن كان في فمك ملام، فمُجَّه في سمعه، فهو الذي ألقى على سمعك نحواً من حديث قوم لا يتدبرون.
(8/11)

الكِتابُ الأَوَّلُ
- تمهيد.
- منهج البحث.
- مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي.
- الشعر الجاهلي واللغة.
- الشعر الجاهلي واللهجات.
(8/13)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا] [الأحزاب: 25]
(صدق الله العظيم)
(8/14)

تَمهيد
* قيمة البحث العلمي:
قال المؤلف في (ص 1): "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورّون عنه ازوراراً. ولكني -على سخط أولئك، وازورار هؤلاء- أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح: أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة، وليس سراً ما تتحدث به إلى أكثر من مئتين".
جِدة النحو من البحث لا تكفي لإعلاء شأن التأليف، وإحرازه في نفوس القراء موقع القبول، وإنما يرجح وزن الكتاب بمقدار ما يتجلّى فيه من حكمة النظر، وصدق المقدمات، ووضوح النتيجة. ولو نعت المؤلف هذا البحث بكونه نافعاً أو صائباً، لقلنا: تخيله نافعاً أو صائباً، فجرى في نعته على حسب ما وقع إلى ظنه، ووجدنا لبراءته من تعمّد الزور مخرجاً، ولكنه وصفه بالجدّة، ولم يأل جهداً في الاغتباط بهذا الوصف حتى ضاق به القلم ذرعاً، وانزوت عنه نفوس القراء سآمة.
كنا نتمنى أن يهتدي المؤلف إلى نحو من البحث "لم يألفه الناس عندنا من قبل"، وقد أبت الليالي أن تسمح بهذه الأمنية، فلم يكن منه إلا أن أغار
(8/15)

على كتب عربية، وأخرى غربية، فالتقط منها آراء وأقوالاً نظمها في خيوط من الشك والتخيل، وقال: "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد".

* إعجاب المؤلف ببحثه:
قال المؤلف في (ص 1): "ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعاً ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث، ونشره في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط، ولا مكترث بازورار المزورّ".
ينبئنا المؤلف بأنه قنع بنتائج هذا البحث، وأن هذه القناعة التي لا يعرف أنه شعر بمثلها هي التي دفعته إلى تقييد هذا البحث ونشره، غير حافل بسخط ساخط، ولا مكترث بازورار مزورّ، وننبئه بأن هشام ابن عمر الغوطي أنكر محاصرة عثمان وقتله (1)، وأن هشاماً وعبّاداً أنكرا وقعة الجمل، ومحاربة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لمن خالفه (2)، وأطلقا ألسنتهما بهذا الإنكار، أو قيداه في الدفاتر غير حافلين بسخط ساخط، ولا مكترثين بازورار مزورّ. فإعجاب الرجل ببحثه، وإيمانه به إيماناً لا يعرف أنه شعر بمثله، لا يكسبان البحث ذرة من قوة، ولا يدنياه من الحقيقة فتيلاً.
__________
(1) "المواقف".
(2) "البحر المحيط" للزركشي.
(8/16)

* الحجة وصدق اللهجة:
قال المؤلف في (ص 1): "وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث -وإن أسخط قوماً، وشق على آخرين-، فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل، وقوام النهضة الحديثة، وذخر الأدب الجديد".
كم كتاب صنع ليطعن حقاً، وكم كتاب صنع ليمحو أدباً، ولا يعجز أحد من صانعي هذه الكتب أن يقول: وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوماً، فسيرضي هذه الطائفة المستنيرة. ويأتي في وصف هذه الطائفة على كل ما تحمله اللغة من ألقاب المديح والإِطراء، ولكن الذي يعجزه، ولا يهتدي إليه طريقاً: أن يصدق اطمئنانه، ويأخذ كتابه في نفوس الطائفة المستنيرة مأخذ الرضا؛ فإن هذه الطائفة إنما تقاد بزمام الحجة، وصدق اللهجة، لا بكلمات تحرّف عن مواضعها، وشُبه من الباطل تخرج في غير براقعها.

* وجوه البحث الأدبي:
ذكر المؤلف تناول الناس لمسألة القديم والجديد، وما اشتد فيها من اللجاج بينهم، ورأى أن المختصمين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها؛ لأنهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب من نثر وشعر، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني والألفاظ التي يعبر بها الكاتب أو الشاعر عن عواطف نفسه، أو نتيجة عقله.
ثم قال في (ص 2): "ولكن للمسألة وجهاً آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه".
(8/17)

يذهب النظر في بحث الأدب إلى وجوه مختلفة، ومرجع هذه الوجوه إما إلى الألفاظ وتأليفها، وإما إلى المعاني وكيفية تصويرها، وإما إلى غرض غير اللفظ والمعنى، وهو البحث عن الأدب وتاريخ فنونه. وقد اعترف المؤلف بأن الناس تناولوا البحث في الغرضين الأولين، وزعم أنهم لم يتجاوزوهما إلى الغرض الثالث، وسيزعم أنه أول من خاض غماره، ونفض بالنقد غباره. والقائم على العلوم الأدبية يشهد بأن الناس لم يقصروا نظرهم على نقد الشعر من ناحية ألفاظه ومعانيه، بل تجاوزوهما إلى البحث في صلته بمن يعزى إليهم، وسيضطر المؤلف إلى نقل شيء من آثار بحثهم الذي قعدت به الظروف عن أن يتخطاه ويقول صواباً.

* البحث في علم المتقدمين:
قال المؤلف في (ص 2): "نحن بين اثنين: إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث، والذي يتيح لنا أن نقول: أخطأ الأصمعي أو أصاب، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفَّق، واهتدى الكسائي أو ضلّ الطريق؛ وإِما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث. لقد أنسيت، فلست أريد أن أقول: البحث، وإنما أريد أن أقول: الشك، أريد ألا نقبل شيئاً مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين، فقد ينتهيان إلى الرجحان".
ما برح الناس في القديم والحديث يبحثون في العلوم ما استطاعوا، ويقلبون أنظارهم في الفنون كيف أرادوا. وليس هناك خطة لا يلوي الباحث عنها، أو حدود لا يتجاوزها. وما على العلماء النقّاد إلا أن يكونوا لهؤلاء
(8/18)

الكتّاب بالمرصاد، ويعرضوا أقوالهم على قانون العلم الصحيح، فإما أن يرجح وزنها، فيرفعوا لها ذكراً، وإما أن يطيش وزنها، فينسفوها بالحجج الرائعة نسفاً.
فللمؤلف وغير المؤلف أن يقول: أخطأ الأصمعي، ولم يوفَّق أبو عبيدة، وضلَّ الكسائي. وله أن يضع علم المتقدمين كله موضع البحث أو الشك، على شرط أن يتحرى في بحثه أو شكه أدباً يشهد بأنه ينشد حقيقة، ويسعى وراء علم. وستفضي إليك الفصول الآتية أن المؤلف حريص على إرضاء عاطفته، ولو ذهب الأدب والمنطق إلى غير لقاء.

* البحث العلمي بين مذهبي المناقشة والنقد:
قال المؤلف في (ص 3): "المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء، ولا يناله بتغيير ولا تبديل، ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مساً رفيقاً. أما المذهب الثاني، فيقلب العلم رأساً على عقب. وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئاً كثيراً".
هما مذهبان: مذهب المتابعة، أو المناقشة في دائرة ضيقة، وهي ما سماه المؤلف: مساً رفيقاً، ومذهب نقد النظرية أو الرواية حتى تقوم على وجهها الحق، أو تسقط في جرف الباطل، وهذا المذهب معروف لعلماء الشرق، ولقوة فريق منهم على العمل به استطاعوا أن يزيحوا عن الفلسفة القديمة كثيراً من أوهامها، وينقوا الشريعة من أقوال زائفة تخلط بحقائقها، وينقدوا آداب اللغة فيكشفوا عن نصيب وافر من مصنوعها. ولا مزية لمن يحدّث الناس عن مذهب يقلب العلم رأساً على عقب، وإذا وازنوه بمن لم يمسوه في جملته وتفصيله إلا مساً رفيقاً، وجدوه لا يرجح عنهم إلا بأنه
(8/19)

يطلق حول كل مبحث بخاراً، ويثير فوق كل صحيفة غباراً.

* دراسة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 3): "بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها، وننتهي فيها إلى الحق، فأما أنصار القديم، فالطريق أمامهم واضحة معبدة، والأمر عليهم سهل يسير. أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام، وقالت كثيراً من الشعر؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس، ولا يكادون يختلفون فيها؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقداراً من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس، حتى جاء عصر التدوين، فدوّن في الكتب، وبقي منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا؟ وإذا كان العلماء قد أجمعوا على هذا كله، فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها، ونقلوا إِلينا آثار الشعراء وفسروها، فلم يبق إلا أن نأخذ ما قالوا راضين به، مطمئنين إليه. فإذا لم يكن لأحدنا بد من أن يبحث وينقد ويحقق، فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم".
لا مراء في أن للأمة الجاهلية قسطاً من الشعر، فإن الشعراء الذين اعتنقوا الإسلام؛ كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، ومتمم بن نويرة، والنابغة الجعدي، ولبيد، وكعب بن زهير، لم يبتدعوا هذا المنظوم ابتداعاً، بل اقتدوا فيه على أثر رجال سبقوهم بحين من الدهر، وكان هؤلاء الرجال على طبقات لا يزال الشعر ينتقل فيها من طبقة إلى
(8/20)

أخرى حتى بلغ المنزلة التي ظهر بها شعر هؤلاء الإسلاميين.
ومما لا يحسن النزاع فيه أن يكون لأولئك الشعراء أسماء معروفة لدى قبائلهم وغير قبائلهم؛ إذ لا يقف شعر الشاعر البليغ عند حدود قبيلته، بل الشأن أن يتجاوزها إلى قبائل أخرى، فيسير الشعرُ، ولا يكاد اسم قائله يتأخر عنه إلا قليلاً.
ومن الثابت أن العرب في الجاهلية كانوا يفرغون عنايتهم في حفظ الأشعار وإنشادها، ويرفعون مقام الشاعر إلى ما ليس بعده مرتقى. وهذا ما يقتضي أن يبقى من قصائد أولئك الشعراء ومقطوعاتهم مقدار تحفظه الرواة، وتتناقله عنهم الناس؛ حرصاً على ما فيه من حكمة وبلاغة.
وإذا كان للجاهلية شعر، وكان لشعرائهم أسماء، وكانت عناية العرب بالشعر تستدعي حفظه وتداوله على ألسنة الرواة طبقة بعد أخرى، لم يبق إلا النظر في نسبة الشعر إلى شعراء بأعينهم، وفي مبلغ الثقة بهذه النسبة، وذلك ما نخوض في بحثه عندما يقع المؤلف في الحديث عنه.
يدّعي المؤلف أن هاهنا فريقاً يقال لهم: أنصار القديم، وعزا إليهم مذهباً قال عليه: إنه رسم للأدب دائرة، وحجر على الباحث مجاوزتها. ونحن لا ندري ما هذا المذهب، ومن هؤلاء الأنصار، ولا نفهم إلا أن الرهط الذي وضع يده في يد المؤلف عرف أن بيانه يضيق عن قضاء ما في نفسه من مآرب، فالتجأ إلى اختراع ألقاب يحسبها كافية في استدراج أبناء الشرق إلى تلك المآرب، فقال: "قديم"، و"جديد"، و"أنصار القديم"، و"أنصار الجديد"، حتى سمّوا الداعي إلى العفاف: "رجعيا"، وسمّوا الخلاعة: "تجدداً".
(8/21)

* التوسع في البحث وحريته:
قال المؤلف في (ص 3): "فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف، وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت، فلنوازن بينهم، ولنرجح رواية على رواية، ولنؤثر ضبطاً على ضبط، ولنقل: أصاب البصريون، وأخطأ الكوفيون، ووفق المبرّد، ولم يوفق ثعلب. ولنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد؛ وهذا مذهب أنصار القديم، وهو المذهب الذائع في مصر، وهو المذهب الرسمي أيضاً، ومضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومناهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف".
لا نعرف في الأدب مذهباً يضع الباحث في قيد، فللمؤلف أن لا يقف عند ترجيح رواية على رواية، وإيثار ضبط على ضبط، والحكم للبصريين على الكوفيين، والانتصار للمبرد على ثعلب، وله أن يقول: كلتا الروايتين مصطنعة، وكلا الضبطين تحريف، والبصريون والكوفيون جميعاً في عماية، والمبرّد وثعلب كلاهما محروم من التوفيق، وله أن يقطع الصلة بين كل شعر وقائله، وأن ينفي الشعراء قاطبة من الأرض، وليس عليه إلا أن يأتي البحث من طرقه المعقولة، ولا ينسى حكمة القرآن في قوله: [وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] [يوسف: 76].
وأكاد لا أثق بأن المؤلف يعتقد بوجود مذهب أدبي ينكر التوسع في البحث إلى ما يستطيع العالم التحرير، ولا أراه إلا أنه صمم على أن يتنحّى عن الأدب في بعض المواضع، ويقضي مأرب الطعن في الإسلام. وحيث عرف أن المؤمنين يأبون أن يسمعوا صوت الجاهل على دينهم، رأى أن يحمي تلك الأقوال اللاذعة بما ينادي به في طالع كتابه من أن في الأدب
(8/22)

مذهباً لا يرضى عن حرية الفكر، وأن لهذا المذهب أنصاراً ينظرون إلى كل بحث جديد نظراً شزراً، حتى إذا لقي كتابه من أولي العلم حذراً، أمكنه أن يخيل للناس أن المحترسين منه إنما ينتصرون لمذهب الأدب القديم ...

* لباب الأدب وموضوعه:
قال المؤلف في (ص 4): "ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور، ويحاول أن يدخل فيه شيئاً من الترتيب والتنظيم، فذلك كله عناية بالقشور والأشكال، لا يمس اللباب ولا الموضوع".
يخال قرّاء هذه الجملة أن المؤلف سيقيم الشاهد بهذا الكتاب على أن سبيل الكاتبين في آداب اللغة قبله لا يمر إلا بالقشور والأشكال، وأنه هو الذي غاص في البحث حتى مسَّ اللباب والموضوع، فيقرؤون الكتاب بقلوب مستبشرة، وأذهان متيقظة، فإذا هو ينتقل من حديث استعاره من كتب ادعى عليها أنها لم تعدُ القشور والأشكال، أو من كتب حسب أن بينها وبين أدباء الشرق حجاباً مستوراً، إلى حديث انفلت عن شرائط الإنتاج، إلى نفي خبر الصادق نفياً ما له به من سلطان، وفي خلال هذا وذاك مُكاء على أنصار القديم، وتصدية لأحلاف الجديد. ذلك ما يسميه المؤلف: لباب الأدب وموضوعه، وهنالك انقلب رأس الأدب على عقبه.

* باب البحث الأدبي ما يزال مفتوحاً:
قال المؤلف في (ص 4): "هم لم يغيروا في الأدب شيئاً، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئاً، وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء، وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه،
(8/23)

والمتكلمون في الكلام".
من الحقائق ما لا يسعى إليه الباحث إلا على مسالك الظنون، ولا يجد السبيل إلى أخذه بما فوق الاحتمال الراجح، وأكثر مباحث تاريخ الأدب من هذا القبيل، فتغيير الأدب على معنى البحث في نسبة قصيدة أو بيت إلى شاعر، لا يزال بابه مفتوحاً على مصراعيه، وأما تغييره بقلب رأسه على عقبه، فإن الأقلام التي يمكنها أن تعمل في سبيله لم تنبت بعد.
فلسنا ممن يدعي أن في مؤلفات الأدب تبياناً لكل شيء، أو يبرئها من أن تكبو في بعض المباحث، أو تنطوي بعض رواياتها على دَخَل، فذلك ما لا يستطاع الخلاص منه، وهذا صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي" على الرغم من قبضه على منهج "ديكارت"، ونعيه الاطمئنان إلى ما يقوله القدماء، قد اطمأن في كثير من هذا النحو الجديد من البحث إلى ما يرويه صاحب "الأغاني" وغيره، وسنريك أن في تلك الروايات ما لا يقبله إلا ذو عاطفة ثائرة.

* اللذة في اعتناق الحكمة:
تحدث المؤلف عن أنصار الجديد، ووصف الطريق أمامهم بأنها معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى. وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث.
ثم قال في (ص 5): "ذلك لأنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان؛ فقد خلق الله لهم عقولاً تجد في الشك لذة، وفي القلق والاضطراب رضاً. وهم لا يريدون أن يخطوا في الأدب خطوة حتى يتبينوا موضعها، وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم،
(8/24)

أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف".
البحث في الرأي أو الرواية دأب كل عالم نقّاد، وما البحث إلا أثر الشك في صحة الرأي، أو صدق الرواية، والشك قد يكون ذريعة للعلم، وقد ينحدر بصاحبه في جهالة، وربما تلجلج فيه القلب، فلا يجد متقدماً عنه ولا متأخراً. والأول محمود العاقبة، والثاني والثالث لا خير فيهما، والأنواع الثلاثة حرج في الصدر، وعنت للضمير، وهيهات أن تجد النفوس في واحد منها لذة؛ إذ لا لذة إلا في اعتناق الحكمة.
قد نغمض للمؤلف في زعمه أن في الشك لذة؛ أو نحمل كلمته على أنها ضرب من الشعر؛ فقد يعمد الخيال إلى معنى يختص بحقيقة، وينقله إلى بعض وسائلها. ولا نكتمه أننا منذ الآن لا نعدّه في أنصار الجديد؛ لأن هذه النعوت التي شرح بها حالهم لا تنطبق على سيرته في البحث، فأنصار الجديد لا يكادون يمضون إلا في أناة ورَيْث، وهو لا يكاد يمضي إلا في عجل واندفاع، كأنه لا يحس بأن الطريق أمامه معوجة ملتوية ذات عقبات لا تكاد تحصى، وأنصار الجديد لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان، وهو لا يعثر في رواية تخدش سيرة رجل من عظماء الشرق، أو ترمي أحداً بزيغ العقيدة، إلا قبض عليها بكلتا يديه، وآمن بها إيماناً جامداً، ولو رواها مسيلمة عن فاختة!.

* الشك .. خفته وشدته:
قال المؤلف في (ص 5): "هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك، ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئناناً".
(8/25)

نسي المؤلف ميزة أنصار الجديد الذين "لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث"، فيمر في البحث على عجل، ويخطو فيه الخطوة قبل أن يتبين موضعها. من مبلغٌ "ديكارت" عن أنصار مذهبه أن "أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئناناً"؟!.
إن المؤلف ينساب في مبالغات يغبطه عليها الشعراء، ولا أدري كيف يخف شك الباحث في الأمر حيث يرى القدماء على شيء من التردد فيه، ويشتد شكه حين يجدهم على ثقة منه، واطمئنان له؟! من المحتمل أن تكون ثقتهم بالأمر نازلة في نظر الباحث منزلة العدم، فتكون حال شكه عندها مساوية لحال شكه عند ترددهم في الأمر، أو إهمالهم النظر فيه، وليس من المعقول أن تكون ثقتهم واطمئنانهم للأمر علة لإثارة شك فوق الشك الذي يجده عند ترددهم في الأمر، أو انصراف أذهانهم عنه.

* مسألة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 5): "هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي، فيتجاهلون إجماع القدماء على ما أجمعوا عليه، ويتساءلون: أهناك شعر جاهلي؟ فإن كان هناك شعر جاهلي، فما السبيل إلى معرفته؟ وما هو؟ وما مقداره؟ وبم يمتاز من غيره؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة، وإلى جهود الجماعات العلمية، لا إلى جهود الأفراد".
لأنصار الجديد أن يتجاهلوا ما أجمع عليه القدماء، أو يتساءلوا عن أنباء الشعر الجاهلي حتى يصوغوا من حلقات أسئلتهم سلسلة لا يأتي النظر على آخرها. ولا باع في الأسئلة؛ فإنها معان يقرب مأخذها، وألفاظ يسهل النطق بها، وإنما فضل الكاتب أن يتفقه في المسائل، ويمتعك بالجواب عنها
(8/26)

حتى تطمئن وترضى. ونحن لم نر المؤلف -وهو اللهج بالمذهب الجديد- قد حل شيئاً من هذه الأسئلة، ما خلا السؤال الأول، وهو قولهم: أهناك شعر جاهلي؟ فإنه حرر في بعض الفصول الآتية أن للجاهلية شعراً يُتلى، ولم يبحث في سائر المسائل، فيرينا السبيل إلى معرفة الشعر الجاهلي، أو يشرح حقيقته، أو يفصل مقداره، أو يأتي على مميزاته. وكأنه رأى الطريق دونها ملتوية، فأنكر هذا الشعر الجاهلي حتى لا يجهد نفسه في حل هذه الأسئلة ويشقى ...

* عناية القدماء بشؤون العرب:
قال المؤلف في (ص 5): "هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة، وعاربة ومستعربة، ولا أولئك من جرهم، وهؤلاء من ولد إسماعيل، ولا أن امرأ القيس، وطرفة، وابن كلثوم قالوا هذه المطولات، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك، ويرون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين، أم مخطئين؟ ".
عني القدماء بشؤون العرب، وذهبوا بالبحث عنها في كل ناحية، فإذا القرآن يلقي شيئاً من أنبائهم، والقائمون على الأخبار يتناقلون الحديث عن أنسابهم، وبعض وقائعهم، ووعاة الأدب يحملون قسماً من منظومهم ومنثورهم، فأخذوا ما تلقوه وهم على بينة من مصادره المتفاوتة المراتب، فأنزلوا هذه المصادر فيما يليق بها من يقين أو ظن، أو شكّ أو وَضْع، ولشدَّ ما سردوا أسانيدهم وفتحوا بصرك في طرق روايتهم، ووقفوا بك على منتهى علمهم، ولم يكتموك وجوه نقدهم. فمن الميسور عليك أن تعرف أن هذا يوثق به في التاريخ واللغة، وذاك يعوّل عليه في اللغة دون التاريخ، والآخر
(8/27)

لا يقضي في التاريخ ولا علوم اللغة وطراً. وإنكار انقسام العرب إلى بائدة وياقية، وعاربة مستعربة، مما عثر عليه المؤلف فيإ ذيل مقالة في الإسلام"، وستسمع كلام الذيل، وبحث الباقية والبائدة، والعاربة والمستعربة في فصل غير بعيد.

* الثورات الفكرية:
قال المؤلف في (ص 6): "والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر، وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقيناً، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه".
الثورات الفكرية من الحوادث التي عرفها التاريخ في أطواره، وقد أرانا ثوّاراً راشدين، وآخرين مبطلين، فداعي الأمة الغاوية إلى حكمة قائمٌ بثورة فكرية، ومخاتل النفوس الغافلة ليجعل مكان رشدها غيّاً عاملٌ على ثورة فكرية. وإذا كانت الثورة الفكرية تحسن تارة، وتسيء تارة أخرى، وجب أن نتساءل عن الثورة التي يرمي إليها المؤلف: هل هي ثورة أدبية خالصة، أم هي ثورة تضع رأسها تحت راية الأدب، وتكُنّ في صدرها ما لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؟.
واحتفال المؤلف بالشك فيما يراه الناس يقيناً، وعدّه في جملة الغنائم التي يسوقها المذهب الجديد، يُشعر بأن الغرض صرف الناس عما يرونه يقيناً، ولو إلى الشك الذي لا يغني من العلم شيئا.

* تغيير التاريخ:
قال المؤلف في (ص 6): "فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ، أو ما اتفق
(8/28)

الناس على أنه تاريخ، وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها".
من الجائز على الثقافة الجديدة أن تلد بشراً سوياً، فينتهي إلى تغيير التاريخ، أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ. وإذا كان مبلغها في ابتداع طريق البحث ما يمثله المؤلف في هذا الكتاب، رأينا أنفسنا مضطرين إلى اعتقاد أنها لم تبلغ أشدها، ولم يأن لها أن تلد ذلك البشر القدير على تغيير ما اتفق الناس على أنه تاريخ. أستغفر الله! لست ممن يقضي بحكم الفرد على الجماعة، فقصور يد المؤلف عن تغيير ما اتفق الناس على أنه تاريخ، لا يكفي شاهداً على أن تلك الثقافة مقضي عليها بالإفلاس، أو أن مذهبها مضروب على غير أساس، فإن كثيراً ممن درسوا القياس المنطقي لا يهتدون إلى تأليف أقيسة ذات مقدمات محكمة، ونتائج صادقة، ولعل المؤلف قتل المذهب الجديد خبرة، ولم يرزق القوة والحذق في تطبيقه.

* الطعن والغمز:
قال المؤلف في (ص 6): "أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما أنتهي إليه بعد البحث والتفكير، ولا كره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني، أو سخطهم عليّ حين أعلن إليهم ما يحبون أو يكرهون".
يعرف كل من قرأكتاب "في الشعر الجاهلي" أن ليس فيه ما يثير سخط الناس سوى ما كان طعناً في الإسلام صراحة أو غمزاً، وما عدا هذا، إنما هو الخطأ، أو الشذوذ الذي اعتاد أهل العلم سماعه في طمأنينة، وتقويمه برفق وأناة، إذن فالآراء التي يقول المؤلف: إنه سيعلنها إلى الناس على
(8/29)

الرغم من سخطهم، إنما هي آراء الطعن والغمز، وأما ما هو عائد إلى الأدب وتاريخه، فقد سبقه إليه أو إلى أمثاله كتّاب آخرون، ولم يروا أنفسهم في حاجة إلى التبجح باحتمال الأذى في سبيل إعلان الرأي، ولا إلى اتهام الناس بأنهم يسخطون لتحقيق المباحث الأدبية، ومن الناس من تلقّى مؤلفاتهم بالرضا، ومنهم من ناقشها في سكينة ونفَس مستريض.

* الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين:
قال المؤلف في (ص 7): "وإذن، فلأعتمد على الله، ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتّاب، ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة، وشيء من الاحتياط كثير".
كأني بالمؤلف يبتسم لقوله: فلأعتمد على الله، وكأني بك تبتسم لقوله: ولأحدثك في صدق وأمانة، ونحن نبتسم لقوله: ولأحدثك في صراحة، وادعائه أنه اجتنب طرق المهرة من الكتّاب حيث يدخلون على الناس ما لم يألفوا في رفق واحتياط، والواقع أنه سطا حول القرآن ومقام النبوة بلسان غليظ، وأبى قلمه أن يسلو حرفة الغمز، فسلك في كثير من المواضع طرق المهرة من الكتّاب في صوغ عبارات ظاهرها البحث في الشعر الجاهلي، وباطنها الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين، ولو صح أن تعصر هذه العبارات، لتقاطر من خلالها قذف فاحش، وفسوق كثير.

* نظرية الشك في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 7): "وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث: هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي، وألححت في الشك، أو قل:
(8/30)

ألحَّ عليّ الشك، فأخذت أبحث وأفكر، وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقيناً، فهو قريب من اليقين، ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء".
كان الدكتور (مرغليوث) قد ادعى أن الشعر الجاهلي مزوّر ومصنوع، وتعرض لهذا البحث في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية سنة 1916 م (ص 397)، وفي مادة "محمد" من "دائرة معارف الأديان والعقائد"، وفي كتابه "محمد" المطبوع سنة 1905 م (ص 6). وممن تصدى للرد عليه السر (تشارلس جيمس ليل) في مقدمة ترجمة "المفضليات" المطبوعة سنة 1918 م.
ثم عاد الدكتور (مرغليوث)، وكتب في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية الصادرة سنة 1925 م مقالاً مسهباً أتى فيه على الشُّبه التي جرّت إلى نظرية الشك في الشعر الجاهلي، فابتدأه بقوله: "بدأ المسلمون في حوالي نهاية العصر الأموي يدّعون وجود شعر جاهلي عربي، ولم يكتفوا بذلك حتى زعموا أنهم جمعوا الجزء الأعظم منه". وأنهاه بقوله: "أما الجواب عن الشعر الجاهلي: هل هو يرجع إلى عهد عتيق، أو أنه إسلامي؟ فخير ما يسلك الإحجام عنه؛ لأن الأدلة الموجودة أمامنا موقعة في حيرة".
فالمؤلف أغار على نظرية الشك في الشعر الجاهلي، ولم يفترق عن (مرغليوث) إلا في تسليمه بأن هناك شعراً جاهلياً، فأخذ أصل النظرية، وأقوى الشُّبه التي استند إليها (مرغليوث)، وجعل يقول لك: هو أني شككت في الشعر الجاهلي، ويداعبك بقوله: ألححت في الشك، أو قل: ألحّ علي الشك. والحديث في صدق وأمانة خير من هذه المداعبة.
(8/31)

* توارد طه حسين ومرغليوث:
قال المؤلف في (ص 7): "إنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين، وميولهم، وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين".
قال الدكتور مرغليوث بعد أن ساق من الشعر الجاهلي أمثلة تحتوي معاني دينية: "والحقيقة أن الدين الوحيد الذي كان هؤلاء الشعراء يدينون به إنما هو الإسلام". وقال في موضع آخر: "إن الشعراء لم يكونوا ألسنة الوثنية، بل كانوا مسلمين في كل شيء، وليسوا بجاهليين إلا اسماً".
توارد المؤلف و (مرغليوث) على هذا المعنى، بيد أن المؤلف يفوق على الثاني بنكتة، وهي أنه سيقول: إن هذا الشعر الجاهلي يمثل الجهل والغباوة، والغلظة والخشونة، والعرب في الجاهلية كانوا أصحاب علم وذكاء وعواطف رقيقة، وقال هنا: إن هذه الأشعار إسلامية تمثل حياة المسلمين. إذاً تكون حياة العرب قبل الإسلام في نظر المؤلف أرقى من حياتهم بعد أن صاروا مسلمين. وليس لهذا معنى سوى أن المؤلف قد يمسخ الحقائق لا عن خلل في التفكير، ولا عن اندفاع مع العاطفة، وإنما يمسخها ليضحك القرّاء حتى لا يساموا.

* ما بقي من الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 7): "وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".
سيعقد المؤلف فصولاً مطولة بزعم أنها مقدمات تنتج أن الشعر
(8/32)

الجاهلي، أو كثرته المطلقة لا تمثل شيئاً، ولا تدل على شيء، وسنناقشه في تلك الفصول حتى لا يبقى بيده سوى أن في الشعر الجاهلي تزويراً، وهو ما لا يختلف فيه القديم والجديد، أما أن يكون التزوير قد استحوذ على الشعر الجاهلي بأسره، أو أتى على الكثرة المطلقة؛ بحيث يكون الصحيح قليلاً جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، فدعوى لا تتكئ على رواية، ولا يقوم بجانبها برهان.

* مس شعور الأمة المسلمة:
قال المؤلف في (ص 7): "وأن أقدّر النتائج الخطرة لهذه النظرية، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها".
ليس لهذه النظرية من نتائج خطرة لو أن المؤلف تحدث عن نشأتها، وأتى على الوجوه التي لفتت نظر (مرغليوث) إليها، ثم إن شاء زاد عليها ما يراه مؤكداً لها، أو منقحاً لبعض أطرافها. والدليل على أن النظرية في نفسها لا تأتي بنتائج خطرة: أن إنكار الناس لم يتوجه إلى أصلها، وإنما هو إنكار هاجته أقواله المقتضبة لمسِّ شعور الأمة المسلمة، ونوع آخر من الإنكار أثاره في نفوس بعض الكتّاب أن رأوا المؤلف يضع يده على نظرية لم يهبها له مخترعها.
* إنكاره شعر امرئ القيس:
قال المؤلف في (ص 7): "ولا أضعف أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء: أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء".
يقول المؤلف هنا: إن ما يقرأ على أنه شعر لهؤلاء الشعراء الذين من
(8/33)

جملتهم امرؤ القيس ليس منهم في شيء، ثم تمضي في الكتاب إلى أن يدخل بك في الحديث عن امرئ القيس، فإذا هو يقول: "إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء"، فلا تدري: أهو ينكر شعر امرئ القيس برمته؛ كما هو الظاهر من قوله هنا: إن ما تقرؤه على أنه شعر لامرئ القيس ليس منه في شيء، أو هو ينكر أكثره فقط على ما يصرح به قوله فيما بعد: "إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس منه في شيء"؟ وستقف فيما تقرؤه من فصل: (الشعر الجاهلي واللغة) على ما يحكم بأن المؤلف ابتلي بالتناقض في شعر امرئ القيس، حكماً مسمَّطاً.

* جواب على سؤال:
قال المؤلف في (ص 8): "وستسألني: كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤالي، بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه، ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل".
صور المؤلف شخصاً ماثلاً بين يديه، وأنطقه بسؤال لا يخطر إلا على بال النائم عن الحركة الأدبية، ونشأة نظرية الشك في الشعر الجاهلي نوماً عميقاً، ثم جعل إجابته المقنعة في أن يتحدث إليه في طائفة مختلفة من المسائل. وقد تحدث بعد تلك الفقرة عن هذه الطائفة المختلفة من المسائل في نحو صحيفة، وهي ملخص المباحث المعقود عليها كتابه، وقد فاته أن يذكر أعظم وسيلة ابتغاها إلى هذه النظرية الخطرة، وهي إلمامه بمقالتي (مرغليوث) وما دار بينه وبين خصومه من المناقشة.
(8/34)

* اليهودية والمسيحية في بلاد العرب:
انبرى المؤلف في إجابتك المقنعة، وطفق يحدثك ببعض ما يحشره في الفصول الآتية من مباحث.
حتى قال في (ص 8): "ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإِسلام وبعده، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة، ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية، وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة".
تفهم من هذه الفقرات أن المؤلف سيتحدث عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام، ولا تدري ماذا يريد أن يأتي في حديثه عنهم؛ لأنه أجمل في العبارة إجمالاً، وتفهم منها أنه سيتحدث عن المسيحية، وأن حديثه عنها من جهة انتشارها وتأثيرها في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، ولا تكاد تشك في أنه سيمشي في هذا البحث خطوات، إن لم تكن واسعة، فمقتصدة، وإذا بلغت في مطالعة الكتاب موضع الحديث عن اليهود والنصارى في بلاد العرب قبل الإسلام، وجدت الحديث عنهما متقارباً، فقد ذكر أن اليهود استعمروا جزءاً غير قليل من بلاد الحجاز، وأن اليهودية جاوزت الحجاز إلى اليمن، واستقرت حينا عند سراتها، وأنها استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران. ثم ذكر أن المسيحية انتشرت انتشاراً قوياً في بعض بلاد العرب فيما يلي الشام حيث كان المناذرة، وفي نجران من بلاد اليمن. وقال: "تغلغلت النصرانية إذن كما تغلغلت اليهودية
(8/35)

في بلاد العرب". فلم يزد في حديثه على أن كلاً من اليهودية والمسيحية انتشرتا في جزء غير قليل من بلاد العرب، ولم يُرك كيف أثرت المسيحية في حياة العرب العقلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأدبية، حتى تدرك الوجه في إجماله عنوان الحديث عن اليهود، وتفصيله عنوان الحديث عن المسيحية.
فالمؤلف إما أنه لا يلتفت إلى ما وراءه، ونسي ما وعدك به في هذه الفقرات من أنه سيحدثك عن تأثير المسيحية في بلاد العرب عقلياً واجتماعياً واقتصادياً وأدبياً، وإما أنه لم يهتد في ذلك إلى شواهد يسوقها على منهج (ديكرت)، وإما أن يكون له في الاحتفال بعنوان المسيحية مأرب لو شئت أن تسميه تملقاً لذي سلطان، لم تكن مخطئاً.

* البحث الفني اللغوي:
قال المؤلف في (ص 9): "ولكني - مع ذلك - لن أقف عند هذه المباحث؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي، بل جاوزتها، وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة، وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها. ذلك هو: البحث الفني واللغوي".
يعترف المؤلف -على وجه الظن- بأن هذا البحث الفني اللغوي أقوى دلالة، وأنهض حجة على عدم إمكان أن يكون هذا الشعر المنسوب لامرئ القيس وغيره هو منهم في شيء، وسنريك أن هذا البحث الفني اللغوي أخذه برمته من مقال (مرغليوث). ولولا أن المؤلف يمضي في التعسف إلى غير أجل، لقصرنا المناقشة على هذا البحث الأقوى، وأريناه مصرعه؛ لعله يلوي على غيره من المباحث الضعيفة، فيفتل أعناقها من وراء ستار، ولكنه
(8/36)

امرؤ لا يرمي الشبهة من يده، ولو أثخنتها الحجة الدامغة، فلا بد من أن نأتي على قويه وضعيفه حتى تشهد "هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل" أن المؤلف كئيراً ما يقوده الخيال أسراً، وتسيطر عليه العاطفة فلا يعصي لها أمراً.

* الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن:
قال المؤلف في (ص 9): "وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله".
لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً، ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم - فيما سلف - على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي، ومن هؤلاء: فخر الدين الرازي حيث يقول في "تفسيره الكبير": "إذا جوّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم كان أولى، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول، فرحوا به. وأنا شديد التعجب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته كان أولى".
وأنكر أبو محمد بن حزم على من لا يمضي في الاحتجاج بظاهر القرآن، فقال في كتاب "الفصل": "ولا عجب أعجب ممن إن وجد لامرئ القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطرمّاح، أو لأعرابي أسدي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم
(8/37)

يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاماً، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجّة، وجعل يصرفه عن وجهه".
وسيأتي هذا البحث في فصل آخر، ونذكِّرك بالمواضع التي يحق للمفسّر أن يستشهد فيها بالشعر العربي جاهلياً وإسلامياً.

* عدم رسوخ المؤلف في أصول اللغة:
قال المؤلف في (ص 9): "أريد أن أقول: إن هذه الأشعار لا تثبت شيئاً، ولا تدل على شيء، ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت وسيلة إليه من علم بالقرآن والحديث، فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعاً؛ ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه".
ادعى المؤلف آنفاً أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية ليس منهم في شيء، وقال: إن البحث سينتهي به إلى أن هذا الشعر لا ينبغي أن يستشهد به على تفسير القرآن وتأويل الحديث، واتسع في الكلام حتى قال في هذا الموضع: إن تلك الأشعار لا تثبت شيئاً، ولا تدل على شيء، ونفى أن يتخذ وسيلة إلى علم القرآن والحديث، وعلل هذا بأنها اخترعت ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه.
اندفاع المؤلف في البحث على هذا النحو المتخاذل ناشئ عن عدم الرسوخ في أصول اللغة من جهة، وعدم أخذ البحث بضبط وانتباه من جهة أخرى.
سيذكر المؤلف أن لانتحال الشعر الجاهلي أسباباً غير التعصب للدين؛ مثل: السياسة، والقومية، والتعصب للقبيلة. والانتحال للاستشهاد على
(8/38)

تفسير القرآن وتأويل الحديث إنما هو ضرب من التعصب للدين.
فلماذا يُنفى عن الشعر المنتحل للسياسة أو القومية، أو التعصب للقبيلة، أو لغرض ديني غير الاستشهاد في علم القرآن والحديث، أن يثبت شيئاً، أو يدل على شيء؟!.
إن الشعر الذي يصطنعه عربي يحتج بكلامه لما يستشهد به في علوم اللغة، وتقرير أصولها وأحكامها، ومثل هذا: أن المؤلف سيلقي على الفرزدق تهمة اصطناع أبيات من معلقة امرئ القيس، والفرزدق ممن يصح الاستشهاد بشعره في المسائل اللغوية. فمن المعقول والمنقول صحة التمسك بمثل تلك الأبيات في تحقيق عبارة لغوية، وإن فاتها أن تدل على شيء من حياة امرئ القيس ونزعته الأدبية، بل يصح الاستشهاد بها في تفسير القرآن وتأويل الحديث؛ حيث لم تنتحل من أجل هذا الاستشهاد، وستجد مزيداً على هذا البحث حيث تدعو إليه مناسبة أخرى.
(8/39)

منهج البحث
* الخروج عن الأدب والطعن في الإسلام:
قال المؤلف في (ص 11): "أحب أن أكون واضحاً جلياً، وأن أقول للناس ما أريد أن أقول لهم دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا، أو يتمحلوا، ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير، والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها".
شق المؤلف للقراء عن صدره، وأراهم ما فيه من نية الخروج عن الأدب إلى الطعن في الإسلام، وقد عرف أن من الصراحة ما لا يجد في النفوس منفذاً، فجنح في كثير من المواضع إلى استعمال الجمل التاريخية أو الأدبية في قضاء مآرب الدعاية، ونشر فيها روح التنكر للحق، لكيما تسلك هذه الروح في قلوب المستضعفين من الناس، وتبقي بها أثراً، دون أن يشعروا بما ينويه المؤلف في نشرها.
فالمؤلف قد اضطر الناس -بما يبثه في كتابه من أرواح غير طيبة- إلى أن ينتقدوا ويكشفوا عن الأغراض التي يرمي إليها، ولو احتملوا هذا اللون من التعب، وحملوا عليه وزر الرد والدفع والمناقشة.

* منهج ديكارت:
قال المصنف في (ص 11): لا أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج
(8/40)

الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث".
من المتحزبين لمنهج ديكارت "من استخرج منه نتائج على هوى ذوقه، وبنى عليه مذاهب بعيدة عنه مثل: (مالبرنش) و (سبينوزا)، و (فردلا)، ومنهم من اقتصر على التمسك بأفكار (ديكرت)، والاعتماد على نظامه؛ ليحاموا عن الحقيقة الدينية والأدبية؛ مثل: (أرنود)، و (بوصويه)، و (فنلون)، وبعضهم اتخذه عثرة في سبيل العقائد مثل: (بايل) " (1).
وإذا سبق لأناس أن أشربوا حب منهج (ديكارت)، واستخرجوا منه نتائج على هوى أذواقهم، أو اتخذوه عثرة في سبيل العقائد، وجب علينا ألا ننخدع لما وعد به المؤلف من أنه سيصطنع هذا المنهج الفلسفي، وحق علينا أن نحترس من أن يتبع خطوات (سبينوزا)، فيفرغ لنا نتائج في قالب شهواته، أو يقتدي على آثار (بايل)، فيمد في طريق العقائد الصحيحة أسلاكاً شائكة.

* تجرد الباحث من كل علم سابق:
قال المؤلف في (ص 11): "والناس جميعاً يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي: أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً".
إذا كان منهج (ديكارت) يرجع إلى أن الشك أساس الفلسفة وتعرّف الحقائق، وألّا يسلم بشيء إلا بعد أن يفحصه العقل، فإن هذا المنهج ليس
__________
(1) "دائرة المعارف" للبستاني (8: 728).
(8/41)

بالغريب عند علماء الشرق، فالذين يدخلون في المباحث النظرية لا يستعملون إلا عقولهم غير قليل، وممن صرح بهذا المسلك: أبو حامد الغزالي حيث قال في "المنقذ من الضلال": "إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب وكثرة الفرق، بحر عميق، غرق فيه الأكثرون ... ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر ... وأتفحص عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة؛ لأميز بين محق ومبطل، ومستن ومبتدع .. وقد كان العطش إلى درك الحقائق دأبي وديدني ... وحتى انحلت رابطة التقليد وانكسرت عني العقائد الموروثة". وقد أفصح عن مثله الفيلسوف ابن خلدون، وحث على العمل عليه في التاريخ بوجه خاص حين قال في "مقدمته": "فهو (التاريخ) محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط".
(8/42)

وقال فيها أيضاً (1): "فإذاً يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعباً لأسباب كل حادث، واقفاً على أصول كل خبر. حينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها، وجرى على مقتضاها، كان صحيحاً، وإلا، زيفه، واستغنى عنه".
ولا بدع أن ينبت الشرق رجالاً لا يستقبلون المطالب العلمية إلا بعقولهم، فإن من يتلو القرآن - ولو بغير تدبر - يعرف أن من مقاصد الإسلام: بعث العقول من مراقد الخمول، وتحريرها من أسر التقليد، فتراه يدعو بالبرهان وبيان الحكمة، غير مقتصر على الموعظة والمعجزات المشهودة، ويطالب ذوي الآراء المبتدعة بالحجة، ويذم كل من قلد في عقيدة ما له بها من سلطان.
والآيات المتضافرة في هذا المعنى قد نفخت في العقول روح التفكير، وانطلقت بها تخوض في كل علم، وتبحث في كل واقعة. فالمذهب الذي يرى للباحث أن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه، لا يسخط
__________
(1) (ص 23).
(8/43)

عليه رجل الدين الذي كان بالعقل حفياً، ورفع العلم والحكمة مكاناً علياً، وإنما يزدرون الكاتب يحسب أن تصور هذا المذهب يكفي وسيلة إلى التهجم على كل علم، فيمشي في غير سبيل، ويدلج بغير دليل، ثم يزعم بملء فمه أنه أحاط بما لم يحط به أحد من قبله.

* حرية البحث والاستقصاء في الأدب العربي القديم:
قال المؤلف في (ص 12): "فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه، وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل، وخلصنا من هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تأخذ بأيدينا وأرجلنا ورؤوسنا، فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة، وتحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة أيضاً".
ليس في الأدب العربي أغلال تشد على طلابه، فتحول بينهم وبين حركاتهم الحرة، جسمية كانت أو عقلية، وطالما تناولته أنظار ذهبت في البحث كل مذهب، فأماطت عن طريقه أذى كثيراً، ثم أبقت باب النقد من ورائها مفتوحاً على مصراعيه، فمن ساعده قانون البحث على طرح قسم آخر من حسابه، بسطوا له وجهاً رحباً، ونسجت له ألسنتهم الصادقة شكراً خالداً. فللمؤلف أن يحرك جسمه وعقله كيف يشاء، وله أن يتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، وله أن يستقبلهما بعد أن يبرئ نفسه من كل ما قيل فيهما من قبل، وما عليه إلا أن يعلم أن للبحث في العلوم قوانين لا يسع "ديكارت" إلا أن يؤمن بها، وأن من وراء جدران الجامعة المصرية أقلاماً تغار على الحقيقة أكثر من غيرته على الشك فيما يراه الناس حقاً.
(8/44)

* نسيان القومية والدين:
قال المؤلف في (ص 12): "يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية وما يضاد هذا الدين. يجب ألا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح".
قال المتنبي:
عجباً له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
فنقد هذا البيت عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز" حيث قال: كان ينبغي أن يقول: ما حفظ الأشياء من عاداتها؛ لأن المعنى على أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وإضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء" يقتضي أن يكون قد أثبت لها حفظاً. فنقول على هذا المثال: كان ينبغي للمؤلف أن يقول: وننسى الأديان؛ لأنه يريد أن يضع في أذهان القراء أنه أصبح عن الدين في ناحية، والإِضافة في قوله: "ديننا" تقتضي أن يكون قد أثبت لنفسه ديناً. ولا نتجاوز هذا إلى نقد الإضافة في قوله: "قوميتنا"؛ لأنا لا نريد نقد المؤلف، وإنما نريد نقد كتاب "في الشعر الجاهلي".

* محاباة وإرضاء العواطف المضادة للدين:
قال المؤلف في (ص 12): "ذلك أننا إذا لم ننس قوميتنا وديننا، وما يتصل بهما، فسنضطر إلى المحاباة، دارضاء هذه العواطف".
لو نسي المؤلف قوميته ودينه، لما تطوح في البعد عن الحقائق إلى
(8/45)

هذه الغاية، ولكنه ربط قلبه بعواطف تضاد هذه القومية وهذا الدين، فاضطر إلى محاباتها وإرضائها، وستناجيك الفصول الآتية بسطوة هاتيك العواطف، وما نفشت فيه من أدب وتاريخ.

* العلم لا يعترض حقائق الدين:
قال المؤلف في (ص 12): "وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟ ".
للقدماء عواطف دينية، وأخرى قومية، وقد تأخذ عاطفة العقيدة أو القومية من خف وزنه، فيقول ما ليس بحق، أما الذين أوتوا العلم الراسخ والاستقامة، فإن الذي يتقصى أثرهم بذكاء وإنصاف يقف على أنهم كانوا يطلقون أعنة النظر في كل بحث، ويأخذون أنفسهم بالأدلة من محسوس أو معقول.
وهذه مؤلفاتهم في العلوم النظرية من إلهيات وكونيات، أو في العلوم السمعية من شرعيات وأدبيات، تشهد بأنهم كانوا في حرية الفكر والتحري في الرواية بالمنزلة التي تجعلهم أساتذة العالم ونجوم هدايته.
كانوا يستقبلون البحث بعقولهم، ولم يروا أنفسهم في حاجة إلى التجرد من دينهم؛ لأن حقائقه الناطقة لا يعترضها العلم في كبير أو صغير، ولو فرضنا أن إتقان البحث يتوقف على التجرد من الدين، وصنعوا ما صنع المؤلف عند أخذه في هذا النحو الجديد من البحث، لعادت بهم أحلامهم الراجحة إلى لباس التقوى، ولم يرزأهم العلم من دينهم شيئاً، ولم يرزأهم دينهم من العلم نقيراً.
(8/46)

* التعصب للحقيقة:
قال المؤلف في (ص 12): "كان القدماء عرباً يتعصبون للعرب، أو كانوا عجماً يتعصبون على العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم، فأسرفوا على أنفسهم، وعلى العلم؛ لأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم، فأسرفوا على أنفسهم، وعلى العلم أيضاً".
خذ مثلاً من الأمثلة التي يضربها المؤلف للدلالة على أن عاطفته استولت على قلمه، وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلا غلواً في القول، وجحوداً لكثير من الحقائق. هل رأيت كاتباً شرقياً أو غربياً، بقي على دينه أو تجرد منه، احتفظ بقوميته أو تبرأ منها، يساعده قلمه وقد تصدى لبحث علمي أن يقول: كان القدماء عرباً يتعصبون للعرب، أو كانوا عجماً يتعصبون على العرب، ألا يقوى عقله أمام هذه العاطفة على أن يزحزح القلم قليلاً، ولو إلى أن يقول: كان من القدماء عرب، وكان منهم عجم.
في القدماء عرب يتعصبون للحقيقة أكثر مما يتعصبون لقوميتهم، وفي القدماء عجم يتعصبون على الزور والبهتان أكثر مما يتعصبون على العرب، وهذان الفريقان لم يسرفوا على أنفسهم أو على العلم، ولم يغلوا في تمجيد العرب، وما همّوا بتحقيرهم، وهم معظم من قاموا ببحث العلوم وتدوينها. ولسنا في حاجة إلى سرد أسماء هؤلاء، وبسط القول فيما قدموه للشرق من علم قيّم، وعمل صالح، إذ لا بد لهذه الطائفة المستنيرة من أن يدرسوا تاريخ سلفهم، ويدركوا مغزى الكلمات التي يصُبّها أمثال المؤلف في آذانهم.
(8/47)

* دراسة القدماء من المسلمين للعلوم:
قال المؤلف في (ص 12): "كان القدماء مخلصين في حب الإسلام، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه، ولم يعرضوا لمبحث علمي، ولا لفصل من فصول الأدب، أو لون من ألوان الفن إلا من حيث إنه يؤيد الإسلام ويعزه، ويعلي كلمته، فما لاءم مذهبهم هذا، أخذوه، وما نافره، انصرفوا عنه انصرافاً".
درس القدماء من المسلمين علوماً شتى، ولم يتلقوها كما يتلقاها الإمَّعة من الرجال بمتابعة وتقليد، فخاضوا غمارها، وسابقوا واضعيها في الوقوف على أسرارها، وأبصروا فيها حقاً وباطلاً، ولم يقتصروا في علمهم بالحق حقاً على دليل موافقته للدين، ولا في معرفتهم للباطل باطلاً على دليل مخالفته له، بل كانوا يترسمون في ذلك منهج المنطق الصادق، ويقرعون الحجة النظرية بمثلها، وعدم ارتدادهم عن الإسلام لا يدل على أنهم أخضعوا له كل شيء، وإنما هو الدين القيم يخضع له الحق بنفسه، ولا يحوم الباطل في ناحيته.
وأما العلوم الأدبية، فربما كان الباعث لهم على وضعها وتدوينها تمهيد الوسائل إلى فهم الكتاب والسنّة، ثم انطلقوا في فنونها إلى ما لا تمس إليه حاجة الإسلام في حال. وأخذها من حيث إنها تؤيد الإسلام وتعزّه وتعلي كلمته لا يستدعي تحريفها عن مواضعها، أو خلطها بما ليس من قبيلها؛ فإن في الحقائق المؤيدة للإسلام لغناء عن محاولة تأييده بالزور والانتحال.
وعلى المؤلف حرج فيما رمز إليه بقوله: "لهذا الإسلام"؛ فإن الناس يعتقدون - وما اعتقدوا إلا حقاً - أن من خدم الإسلام خدم السياسة الرشيدة،
(8/48)

والمدنية المبصرة، والإنسانية الكاملة.

* المتعصبون على الإسلام:
قال المؤلف في (ص 13): "أو كان القدماء غير مسلمين؛ يهوداً أو نصارى أو مجوساً أو ملحدين، أو مسلمين في قلوبهم مرض، وفي نفوسهم زيغ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر المسلمون الصادقون، تعصبوا على الإسلام، ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغضّ منه، والتصغير من شأنه، فظلموا أنفسهم، وظلموا الإسلام، وأفسدوا العلم، وجنوا على الأجيال المقبلة".
العلوم إما عائدة إلى العقل، وما كان المسلمون ليقلدوا فيها يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو ملحداً أو مسلماً، ولو كان ناسكاً تقياً، وإما عائدة إلى الشرع، وهذه إما أن تكون رواية، والرواية لا يتلقونها إلا من مسلم بلوا سيرته، فكانت مظهر الصدق والعدالة، وإما أن تكون استنباطاً، والذين استنبطوا، وتقلد الجمهور مذاهبهم كانوا على ذكاء واستقامة؛ بحيث لا يدرج بينهم متعصب على الإسلام ينحو نحو الغفمنه والتصغير من شأنه. وقد وضعوا فوق هذا موازين يعرف بها صحيح الرواية من سقيمها، ويميز بها خالص الآراء من رديئها. وإما أن تكون أدباً أو تاريخاً، وهذه الفنون -وإن أخذ منهم نقدها وتمحيصها أقل مما أخذ من العلوم الشرعية- قد أقاموا لها معالم تهتدي بها الأجيال المقبلة، وتكفيهم شر أولئك المتعصبين، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن الجوزي قد نقدا صاحب "الأغاني" الذي يستمد منه المؤلف أدبه، وعلموا الأجيال المقبلة أنه لا يوثق بروايته، ولا يعول عليه في تحقيق علم أو تاريخ.
(8/49)

ولا أحسب أمة يوجد فيها أمثال هؤلاء النبغاء، يروج بينها ما يضعه المتعصبون على الإسلام للتصغير من شأنه دون أن يجد ناقداً ومفنداً.

* التفريق بين العقل والقلب:
قال المؤلف في (ص 13): "ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلويهم، وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون، لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين، ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء، لتركوا لنا أدباً غير الأدب الذي نجده بين أيدينا، ولأراحونا من العناء الذي نتكلفه الآن".
كأن لم يبق في المؤلف رمق من احترام التاريخ، فأخذ يتحدث عن القدماء في هذه النزعة المتناهية غلواً يشبه غلو اللعّانين في الأسواق! في القدماء من استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم، وفي المحدثين من تضاءلت عقولهم حتى تفانت تحت سلطان أهوائهم، ولكن المؤلف لا يصدق أن أحداً فرق بين قلبه وعقله حتى يخرج على الدين ولو في كل بحث مرة أو مرتين.
وليس من الميسور أن تجادله بالتي هي أحسن ما دام قانعاً بأن كل من يعتنق ديناً قامت الآيات البينات على صحته، لم يضع بين عقله وقلبه حاجزاً، وأن من يسوق الشاهد من "الأغاني" ونحوه، دون أن يبحث في رواته، ويدري صحة طريقه، فذلك الذي جعل بين عقله وقلبه سداً لا تستطيع العاطفة أن تظهره، ولا تستطيع له نقباً.

* لا تثريب على القدماء:
قال المؤلف في (ص 13): "فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في
(8/50)

حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم".
حكى التاريخ أن أفراداً قصر في الفهم باعهم، أو قلَّ من أدب النفس نصيبهم، فأساؤوا التصرف في العلم لأهواء شتى، وشهد قبل هذا بأن الجهابذة من القدماء نظروا، فأحكموا النظر، ورووا، فصدقوا في الرواية، وأنهم تصدوا بأنفسهم إلى إصلاح ما يلحق العلم من آفة الاحتيال، أو سوء التأويل.
فلا تثريب على القدماء، وإنما التثريب على تلك الفئة التي لا تخلو من أمثالها العصور، حتى العصر الذي أزبد فيه كتاب "في الشعر الجاهلي" وأرغى.

* الغض من العرب والنعي على الإسلام:
قال المؤلف في (ص 13): "ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا، وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه. لنجتهد في أن ندرس الأدب غير حافلين بتمجيد العرب، أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام، أو النعي عليه".
يعد المؤلف قراء كتابه بأنه سيجتهد في ألا يتأثر كما تأثر القدماء، وفي ألا يفسد العلم كما أفسدوه، وقد خانه قلمه، ولم يستطع أن يجني لنا من حديثه المسهب ثمرة.
قال المؤلف: إنه سيجتهد في درس الأدب غير حافل بتمجيد العرب، ولا مكترث بنصر الإسلام، وقد صدق القراء، وقال ما لا يخطر على قلوبهم سواه. وقال: إنه سيجتهد في درس الأدب غير حافل بالغض من العرب، ولا مكترث بالنعي على الإسلام، وهذه الجملة لا تكاد تلتقي مع الواقع؛ فإن المؤلف احتفل بالغض من العرب منذ خلعوا الجاهلية من أعناقهم،
(8/51)

واكترث بالنعي على الإسلام، وألحف في هذا النعي حتى ركب من التعسف ما أفسد عليه علمه، وجعله يتشبث بقصص لا يسيغها المذهب الجديد.

* الدين والعلم:
قال المؤلف في (ص 14): "ولا معنيين بالملاءمة بينه ويين نتائج البحث العلمي والأدبي".
يرمز المؤلف بهذا إلى ما يكتبه صراحة من أن الدين والعلم على خلاف، وهي كلمة يضاهي بها قول فئة تجادل بغير بينة، وتقضي على غير نظام.
للعقل أحكام قاطعة، وهي ما تستند إلى يقينيات؛ كالمشاهدات والمتواترات، وللعقل أحكام غير قاطعة، وهي ما تستند إلى ظن، وقد رفع الله الظنون بعضها فوق بعض درجات، فمن الظن ما يقوى فيوشك أن يكون علماً، ومن الظن ما يضعف فيكون شكاً، وقوة الظن وضعفه يرجعان إلى تفاوت الأمارات والدلائل التي توجده وتربيه في النفس.
وليس في قبيل العلم أو الظن الذي يكاد يكون علماً ما يعترض نصوص الدين في قليل أو كثير، وإذا وجد في الظنيات البعيدة عن حدود العلم ما يعترض قرآناً أو سنّة، آثرنا العمل على ما في القرآن والسنّة الثابتة، وتركنا أمثال هذه الظنون يموج بعضها في بعض، ويتقلب فيها أصحابها إلى يوم الفصل. وما تسميه هذه الفئة البائسة علماً، وتزعم أن الدين على خلافه، لا يخرج عن هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً.
ومن المكايد التي تنصبها هذه الفئة لاقتناص المستضعفين من الناس: أن يقولوا في غير خجل: إن الدين يتلقنه القلب، أما العلم فمورده العقل،
(8/52)

والقلب غير العقل، ويمكن في زعمهم اطمئنان الإنسان إلى عقيدتين متناقضتين، يطمئن إلى إحداهما بقلبه؛ لأنها واردة من ناحية الدين، ويطمئن إلى أخراهما بعقله؛ لأنها انساقت إليه بالدلائل العلمية. ولا يلتبس على ذكي أو غبي أن مرمى حديثهم هذا إنما هو سلخ النفوس من كل ما أرشد إليه الدين من علوم إلهية أو أدبية أو اجتماعية.

* عثرة في طريق العقائد:
قال المؤلف في (ص 14): "فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد، فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء".
وقع إلينا أن من مريدي (ديكارت) من توسل بمذهبه إلى استخراج نتائج على هوى ذوقه، ومنهم من اتخذه عثرة في طريق العقائد. ونزعة المؤلف ترمي إلى أنه يجري على هذا الأثر، ولا ينشد إلا هذه الغاية، وها هو ذا قد أسهب في كتابه ما شاء أن يسهب، ولم يضع يده على نتيجة، ما خلا عثرات يلقيها في سبيل العقائد، وأقوال يفصلها على قياس أهوائه، وموعدك بحث الفصول القادمة، وما أنت من بحث هذه الفصول ببعيد.

* لا تصلح لمنهج ديكارت إلا البصيرة النافذة:
قال المؤلف في (ص 14): "فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصباً في العلم والفلسفة والأدب فحسب، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضاً".
إن منهج (ديكارت) كمثل منطق (أرسطو) لا يخرج العقل من غسق الجهالة أو الحيرة إلى وضح اليقين أو الرجحان، وإنما يرسم خطة التفكير،
(8/53)

والسير في هذه الخطة موكول إلى ذكاء الباحث وأمانته، فإذا كان عقل الباحث غير موزون، أو كان حظه من الإخلاص هضيماً، لا يروع الناس إلا أن يقول ما يستعيذ منه (ديكارت)، ويتهانف (1) منه الذين أوتوا الحكمة "الجديدة".
وحسبك شاهداً على أن هذا المنهج لا تصلح له إلا البصيرة الخالصة النافذة: أن أحد دعاته، وهو (سبينوزا) قد ابتغاه وسيلة إلى نظرية "الحلول"، وهي نظرية ذاهبة في السخافة إلى مكان سحيق.

* منهج ديكارت لا يحمي المؤلف من المناقشة:
قال المؤلف في (ص 14): "وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرؤوا من القديم، ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، ألا يقرؤوا هذه الفصول. فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحراراً حقاً".
إني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين يستطيعون أن ينقدوا الجديد، ويخلصوا من أغلال التقليد، حين يقرؤون العلم، أو يكتبون فيه، أن يقرؤوا تلك الفصول، فقد تفيدهم قراءتها؛ إذ يجدون فيها المثل الأجلى لتهافت الديكارتيين على ما يسميه المناطقة: تناقضاً أو تخيلاً.
والوجه الذي يخرج منه مقلّدة هذا المنهج إلى ما يؤاخذهم عليه العلم، هو أن واضعه يجعل من أركانه عدم التسليم بشيء إلا أن يكون واضحاً لدى العقل، ومن هنا يمكن لغير المخلص، إنكار بعفالحقائق بزعم إبهامها،
__________
(1) التهانف: الضحك باستهزاء.
(8/54)

وعدم إيضاح أمرها، كما يمكنه تقرير شيء من الباطل بإيهام أنه فحصه، فكان حقيقة واضحة.
فمنهج (ديكارت) لا يحمي المؤلف من أن يناقشه الأحرار حقاً، فيوضحوا حقيقة أنكرها، أو يفضحوا زوراً ادعى أنه حق لا غبار عليه.
(8/55)

مرآة الحياة الجاهلية في القرآن لا في الشعر الجاهلي
* دراسة الحياة الجاهلية:
افتتح المؤلف هذا الفصل بمؤانسة الذين يكلفون بالأدب العربي القديم، فأخذ يؤامنهم من الخوف على الحياة الجاهلية، ويعدهم بأنه لا يقطع الطريق بينهم وبين هذه الحياة التي يجدون في درسها لذة علمية وفنية.
ثم قال في (ص 15): "فأزعم أني سأستكشف لهم طريقاً جديدة واضحة، قصيرة سهلة، يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية، أو بعبارة أصح: يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها، إلى حياة جاهلية قيمة مشرقة ممتعة، مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين".
لا عجب أن يخيل إلى المؤلف أن الناس سيلاقون ذلك البحث بإعجاب وتقليد، ولا يلبثون أن يلتقطوا كل شعر جاهلي حواه كتاب لغة أو أدب، ويضربوا به ثبج هذا البحر، ولا عجب أن يرق لحال الذين يكلفون بالأدب العربي القديم، ويهدئ فزعهم على الحياة الجاهلية، بما يبادرهم به من أن كتابه لا ينوي محو أثرها وحرمانهم من التمتع بمشاهدتها.
وإن تعجب، فعجب له يدعي في غير مزاح أنه استكشف للحياة الجاهلية طريقاً جديدة، ثم لا يكون منه إلا أن يذكر في بيان هذه الطريق الجديدة
(8/56)

كتاب الله الذي درسه أولو حكمة لم يأت المؤلف حتى الآن بأثر قيم يجعله شيئاً مذكورًا في حسابهم. ماذا صنع علماء العربية، ومن أفرغ قريحته في تفسير القرآن منهم؟ ألم يتفقه أولئك الحكماء في معاني الكتاب العزيز؟! وهل كانت الحياة الجاهلية المقتبسة من القرآن غير المعاني التي يفصلها هؤلاء العلماء عند تفسير آية تحكي شيئاً من شؤون أولئك الجاهليين، أو ترد عليهم بعض أقوالهم؟.
فعلماء الشرق درسوا الحياة الجاهلية فيما صح من أشعارهم، وفيما يقصه القرآن من أقوالهم وأفعالهم. نعم، هم لم يعرفوا الحياة الجاهلية في الصورة التي سيلفقها المؤلف، ولا يريدون أن يعرفوها إلا أن تنقلب عقولهم شهوات، وعلومهم شكوكاً وتخرصات.

* القرآن لم يات مؤرخاً ولا مادحاً:
قال المؤلف في (ص 15): "فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية، فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقاً أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن؛ فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي".
احتوى القرآن نبذة من أنباء الجاهلية جاءت في سبيل النعي على بعض عقائدهم الضالة؛ كالشرك بالله، ومبتدعاتهم الخاسرة؛ كعبادة الأوثان، وعوائدهم الممقوتة؛ كوأد البنات، وآرائهم الجامدة؛ كقولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 22].
وما جاء عنهم في هذا الصدد لا ينفي أن يكون فيهم ذكاء وبلاغة وحكمة
(8/57)

وشيء من مكارم الأخلاق؛ لأن القرآن لم ينزل لتمجيدهم، أو ليكون مرآة لحياتهم، وإنما هو كتاب نزل لتقويم العقائد، وتهذيب الأخلاق، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، وإماطة الأذى عن طريق الحياة الاجتماعية الراقية. وهذا يستدعي توجهه إلى ما في الأمم من نقص ليكمله، أو فساد ليصلحه، وهذا يقتضي ألا يعرج على ما يدل أو يشعر بشيء من محاسن العرب إلا قليلاً.
فالمقتصر في تاريخ العرب قبل الإسلام على القرآن إنما يأخذ صورة خالية من تلك المزايا التي لم يهملها القرآن إنكاراً لها، وإنما سكت عنها؛ لأنه لم يأت مؤرخاً ولا مادحاً. فدعوى أن القرآن يمثل "حياة جاهلية قيمة مشرقة" إنما يهجم عليها من لا يدري أن للمباحث العلمية وقاراً ترتجف أمامة كل لاغية.

* شعراء عصر النبوة:
قال المؤلف في (ص 16): "وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه".
الشعراء الذين شهدوا عصر النبوة أربع طوائف، منهم من كان يهجو النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يحثّ على محاربته، وهذه الطائفة صنفان: صنف استمر بحالته الجاهلية؛ كأبي عزة الجمحي، وصنف عاد إلى الإسلام؛ كعبد الله ابن الزبعرى.
ومنهم من لم يسمع عنه شعر في هجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو الإغراء عليه، وهذه الطائفة صنفان أيضاً: صنف لبس هدى الإسلام؛ كحسان بن ثابت، وصنف لم يعرف له إسلام؛ كالأعشى ميمون بن قيس.
(8/58)

وعبارة المؤلف صريحة في أنه يثق بشعر الذين جادلوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتتناول الصنفين الأولين فقط، ومقتضى هذا: أنه يعتمد في حياة الجاهلية شعر أبي عزة الجمحي، وعبد الله بن الزبعرى، ولا يعتمد فيها شعر حسان والأعشى، وهذا من تعسفاته التي لا يجد لها القارئ رائحة ولا طعمًا. ثم إن درسه الحياة الجاهلية في شعر الذين جاؤوا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي عليه بأن يدرسها في شعر المخضرمين؛ كحسان، ولبيد، والنابغة الجعدي، بالأحرى. ولعل كلمة: "وجادلوه" إنما زينتها له العاطفة، ودفعتها على حين غفلة من الفكر، فأخذت في الفقرة موقعاً لا يليق بها.

* الحياة الجاهلية في الشعر الأموي:
قال المؤلف في (ص 16): "وفي شعر هؤلاء الشعراء الذين جاؤوا بعده، ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام، بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية".
من الشعر ما يشتمل على وصف أمر، أو حكاية واقعة، ومنه ما يعبّر عن معان في نفس الشاعر؛ كالحب والبغض، والسرور والحزن، والرغبة في الشيء والنفور منه. وله بعد هذا المعنى الذي تدل عليه الألفاظ بحسب وضعها معنى آخر يذهب إليه الناظر من طريق الاعتبار؛ كطرز تفكير الشاعر، ومبلغ جودة قريحته وقوة خياله، وسموّ بلاغته وآداب خطابه.
وهذا القسم بسائر مدلولاته لا يستفاد من الشعر، إلا أن تكون نسبته لقائله صحيحة.
(8/59)

وهنالك معنى ثالث، وهو أن الناظر في شعر كثير يعزى إلى شعراء أمة في عصر أو عصور، يمكنه أن يستفيد من مجموع هذه الأشعار معاني عامة، ويثبتها للأمة في جملتها، ومثَل هذا آداب خطابها، ومبلغ فصاحتها، وقوة تعقلها، وسعة تخيلها، وكيفية تنقلها من معنى إلى معنى، ومن غرض إلى غرض، إلى ما يشاكل هذا من تصرفها في الكلام بنحو الرقة والجزالة، والإيجاز والإطناب.
وإذا كان الشعر الأموي إنما يمثل من حياة الجاهلية هذا المعنى الدائر حول آداب اللغة، فإن الشعر الذي ينسب للأعشى وزهير والنابغة وطرفة، ويدّعي المؤلف أو غيره انتحاله، يمثل هذا المعنى أيضاً بمقدار ما يمثله شعر الفرزدق وجرير، حيث كان مصطنعوه من شعراء العهد الأموي.

* الشماخ عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجادله!
قال المؤلف في (ص 16): "فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي، أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي خازم".
إذا جعل المؤلف موضوع كتابه البحث عن الشعر الجاهلي، فما خطبه يذكر الشماخ بن ضرار، وقد أدرك الإسلام، وشهد وقعة القادسية، وتوفي في غزوة موقان لعهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؟.
فإن كان عذر المؤلف في التعرض للشماخ أنه نشأ في الجاهلية، أفسد عليه هذا الاعتذار تصريحه بأنه يدرس الحياة الجاهلية في شعر الذين عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - وجادلوه، وشعر الشعراء الذين جاؤوا بعده، والشماخ عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه لم يجادله، ولا أحسب عدم مجادلته علة تقتضي رفع الثقة
(8/60)

بشعره إلا في رأي الفاسق عن أمر (ديكارت)، ومن ذا الذي يقبل الفرق بين الشماخ وأبي عزّة الجمحي، فلا يثق بما ينسب إلى الأول، ويضع ثقته فيما ينسب إلى الثاني؟! ولا ينفع المؤلف أن يوجد أشخاص يدعون بهذا الاسم ولهم شعر، فالشماخ بن ضرار هو صاحب الديوان، وهو المشهور في كتب الأدب والتراجم، وليس لغيره أثر في الأدب يهيئه إلى أن يذكر في جانب عنترة، وبشر بن أبي خازم.

* نظرية: أن القرآن أصدق مرآة لحياة الجاهلية:
أخذ المؤلف يصور نظرية أن القرآن أصدق مرآة لحياة الجاهلية، وجعل يورد أشياء ألفها الناس من قبل، وعلى الرغم من وضوحها، لم تستطع أن تعقد صلة بينها وبين هذه الصورة التي انساب فيها قلمه وطغى.
ذكر المؤلف أن العرب أعجبوا بالقرآن؛ لأنهم فهموه، ووقفوا على أسراره، وإنما فهموه؛ لما بينهم وبينه من الصلة، وهي كونه كتاباً عربياً، وانصرف من هذا إلى أن في القرآن رداً على الوثنيين واليهود والنصارى والصابئة والمجوس، وأن لأصحاب هذه الملل والنحل فرقاً في بلاد العرب تمثلهم، وأن هذه الفرق هي التي كانت تعارض القرآن حين هاجم دياناتهم، وخرج من هذا إلى أن القرآن حيث يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب، وعن نحل وديانات ألفها العرب، وكان يلقى من المعارضة والتأييد بقدر ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس، إذاً القرآن "يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال"، وادّعى بعد هذا أن القرآن يمثل الأمة العربية في حياة عقلية قوية، إلى حياة سياسية
(8/61)

متصلة بالسياسة العامة، إلى حضارة راقية.
ولنعد إلى مناقشته فيما عرضناه عليك ملخصاً، وإليك المناقشة:
قال المؤلف في (ص 16): "قلت: إن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية، وهذه القضية غريبة حين تسمعها، ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلاً".
يعرف كل من قرأ القرآن، أو استمع إلى قراءته، أنه تحدث عن قوم جاهليين، فيأخذ في نفسه صورة لحياة أولئك القوم على قدر ما دلت عليه الآية صراحة أو إيماء، مطابقة أو اقتضاء. فإن أراد المؤلف أن في القرآن ما يدل على شيء من حياة الجاهلية، فالقضية بديهية، ولا حاجة إلى أن نفكر فيها قليلاً أو كثيراً، وإن قصد أن في القرآن حياة جاهلية مشرقة ممتعة، فالقضية خيالية لا يمتاز في إدراك سرها الأذكياء عن الأغبياء.

* القرآن ليس جديداً كله على العرب:
قال المؤلف في (ص 16): "وليس من اليسير، بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديداً كله على العرب، فلو كان كذلك، لما فهموه، ولا وعوه ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر، إنما كان القرآن جديداً في أسلوبه، جديداً فيما يدعو إليه، جديداً فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتاباً عربيًا، لغته هي اللغة الأدبية التي يصطنعها الناس في عصره".
شأن هذه الفقرات أن توضع في كتاب يبعث به إلى قوم لا يدرون ما اللغة العربية، ولم يسمعوا من القرآن ولو آية، ومن المحتمل أيضاً أن تقال على وجه التنبيه للأطفال الذين أخذوا يترددون على المكاتب الأولية. أما أنها تلقى في كلية الآداب، أو تدرج في "نحو من البحث عن تاريخ الشعر
(8/62)

العربي جديد"، فذلك ما لا يجد له الذوق مساغاً.
ثم إن قول المؤلف: "وليس من اليسير، بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن ... إلخ" يضع في ذهن القارئ أن أحداً من الناس قال: كان القرآن جديداً كله على العرب، وأن هذا القائل هو الذي وثب عليه المؤلف بالتكذيب، وطعنه بحجة أنه لو كان كذلك، لما فهموه، ولا وعوه، ولم يقل أحد: إن القرآن جديد كله على العرب، فإن كان المؤلف يريد أن يوهم طلابه في الجامعة أنه القوي على دحض أقوال القدماء، فخير له من هذا أن يريهم الطعن في أقوال حقيقية، وآراء لا تزال قائمة.

* حديث القرآن عن الديانات:
ذكر المؤلف أن القرآن يرد على الوثنيين واليهود والنصارى والصابئة والمجوس.
ثم قال في (ص 17): "وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم ومجوس الفرس وصابئة الجزيرة وحدهم، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها".
يضع المؤلف بعض الكلم في غير مواضعها، فتكبو بها الجملة في لبس أو تدافع، كما قال في هذه الجمل: إن القرآن لا يرد على يهود فلسطين ونصارى الروم وصابئة الجزيرة وحدهم، وهذه الفقرة تقتضي أنه يرد عليهم، ولا يخصهم بالرد، بل يتناول به غيرهم. ثم قال: وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية، وهذه الفقرة المصدرة بأداة الاختصاص تدل على أن الرد مقصور على الفرق التي كانت تمثلهم في البلاد العربية. والحقيقة أن القرآن إذا تحدث عن أهل ملة، فحديثه عائد إلى ما يتقلدونه
(8/63)

من عقائد أو شعائر، وسواء عليه أكان الظاهرون بهذه التقاليد عرباً، أو غير عرب، وإذا ورد بعض الآيات خطابًا لفريق من العرب، فلأمر اقتضى خطابهم؛ كأن يعترضوا الدعوة بأذى، أو يجادلوا على غير بينة.

* القرآن برهان هداية وسعادة:
قال المؤلف في (ص 17): "ولولا ذلك، لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه، وضحوا في سبيل تأييده بالأموال والحياة".
لا يتحامى المؤلف من أن ينشر في أذهان طلابه بالجامعة ظنوناً غير صادقة، فيفرض خصومة ناشبة، ويمثل قلمه في موقف الهجوم والطعن. يخيل إلى قارئ هذا البحث أن الناس لا يفقهون أن في بلاد العرب فرَقًا من اليهود والنصارى والوثنيين داخلون فيما يتحدث به القرآن عن أصحاب هذه الديانات، حتى يحسب أن المؤلف انفرد بمعرفة هذه الفرق حيث أخذ يستدل على وجودها بمثل قوله: ولولا ذلك، لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه.
لماذا لا تكون للقرآن قيمة إلا حيث يرد على فرق في البلاد العربية تمثل هذه النحل والديانات؟ أفلا تكون له قيمة لو اتفق أن الأمة العربية كلها من الدهريين الذين يقولون -فيما ينبئنا القرآن-: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24].
فيدعو أصحاب هذه النحلة، ثم يتعرض لإصلاح ما في غيرها من النحل والديانات التي لا يوجد في بلاد العرب من يمثلها؟ بلى! ولكن المؤلف يريد أن يناجي الذين في قلوبهم مرض؛ بأن ليس للقرآن قيمة ولا شأن إلا
(8/64)

حيث يرد على الفرق التي تقيم في البلاد العربية.
وما معنى أن مؤيديه لم يحفلوا به إلا لأنه رد على فرق في البلاد العربية تمثل هذه النحل والديانات؟.
أليس من الممكن، بل من اليسير أن يحفلوا به لأنهم أولو فطر سليمة، وبصائر نيّرة، والقرآن نور يمشي بين أيدي أوليائه؟ ولماذا حفلت به الأمم غير العربية؛ كالفرس والترك والهنود والبربر، وقسم عظيم من أوربّا؟ فهل احتفلوا به، وجاهدوا في سبيله لأنه يرد على فرق في البلاد العربية، أو فرق في أقطارهم تمثل هذه النحل والديانات؟ كلا! إنما يحفل بالقرآن من يحفل به؛ لأنه برهان هداية وسعادة، ولأن في حججه ما يقف في لهاة المعاند للحق "لا يرتقي صدراً منها ولا يرد".

* الهجوم على الإسلام تحت ستار البحث العلمي:
قال المؤلف في (ص 17): "أفترى أحداً يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية، وأُحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام. وأنا لا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد، ثم الجماعات، ثم مقاومة الدولة نفسها: النيابة، والقضاء".
يقتضب المؤلف هذه الجمل وأمثالها ليذروها كالرماد في عيون السذّج، ويخيل إليهم أنه لم يهاجم الإسلام بأشد ما يهاجم به دين تعتنقه أمة ذات عزّة وحجة وبيان.
(8/65)

هل يتربص فرصة تمكنه من أن يطعن في الإسلام بأكثر مما طعن فيه اليوم؟ وهل فوق تكذيب القرآن، وقذف مقام النبوة بالاحتيال على عقول العرب هجوم؟! وهل بعد الغمز في نسب الرسول الأعظم شيء يخوض قلوب المسلمين بالحفيظة والامتعاض؟!.
قد اتخذ اسم البحث العلمي كستار يعمل من ورائه ما لا يسوّغه قانون الاجتماع، وسدله على جانب من البحث، ويقي جانب آخر مكشوفًا حتى عجز رهطه أن يمدوا عليه طرفاً من ذلك الستار المستعار. وستراه كيف يهاجم الإسلام على طريق يسميه بحثاً وما هو ببحث، وإنما هو الطعن الذي يدع في النفوس ألمًا، ولا تجد له في العلم أو الأدب أثراً.

* القرآن تحدث عن العرب وغيرهم:
قال المؤلف في (ص 18): "فأنت ترى أن القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات إنما يتحدث عن العرب، وعن نحل وديانات ألفها العرب".
تحدث القرآن عن أمم من غير العرب؛ كالقبط، ويهود مصر وفلسطين، وذكر قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقد تعرض لنحل هؤلاء الأقوام، وقصّ علينا جدالهم لرسلهم، ومحاجّة الرسل -عليهم السلام - لتلك الأمم التي ليست من العرب في قبيل.
فالقرآن لا يراد منه إصلاح حال العرب وحدهم، وليس من نحلة باطلة أو عقيدة مبتدعة إلا وفي أصوله ما يمحو أثرها، ويقطع دابرها. ويكفي الكتاب الذي يخاطب البشر جميعاً أن يتحدث عن أصول الديانات والنحل بحديث يعرف به حال ما يشتق منها، أو يتمثل في بعض صورها.
(8/66)

* الشعر الديني في الحياة الجاهلية:
قال المؤلف في (ص 18): "فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة، أو كالبريئة من الشعور الديني القوي العاطفة الدينية المسلّطة على النفس، والمسيطرة على الحياة العملية، وإلا فأين تجد شيئاً من هذا في شعر امرئ القيس أو عنترة؟! أو ليس عجيباً أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟! ".
هذه الشبهة مما استلبه المؤلف من مقال (مرغليوث)؛ حيث يقول: "تجد في هذه الأشعار ما يبعث على الدهشة، فشعراء كل أمة يشرحون دينهم وعقائدهم شرحًا واضحاً، والمخطوطات العربية مملوءة بذلك، ففي كل مخطوطة نجد اسم معبود أو أكثر، وأشياء تتعلق بعباداتهم ... وقلّما نعثر في هذه الأشعار على شيء يتعلق بالدين إلا نادراً".
وقد تعرض جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (1) إلى هذه الشبهة وما يدفعها، فقال: "أما العرب، فيخالفون العبرانيين من حيث الشعر الديني؛ لأنه لم يكن عندهم في الجاهلية كما كان عند العبرانيين، ولا يعقل أنهم خالفوا إخوانهم فيه، ولا بد أنهم نظموا الأشعار، وخاطبوا بها هبل واللات والعزّى وغيرها، واستعطفوها، وصلّوا إليها، وتخشعوا لها، ولكن منظوماتهم في هذا الموضوع ضاعت في ثنايا الأجيال؛ لعدم تدوينها، ولاشتغالهم عنها بالحماسة والفخر بسبب الحروب التي قامت بينهم قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام، أغضى الرواة عنها؛ لأنها وثنية، والإِسلام يمحو ما كان قبله".
__________
(1) (ج 1 ص 56).
(8/67)

وقال الأستاذ (أدور براونلش) في ردّه (1) على (مرغليوث): "لاحظ العلماء أن الشعر الجاهلي قلّما دل على شيء من دين العرب قبل الإسلام، وقد ذكر بعضهم في سبب ذلك: أن علماء المسلمين يرفضون من الشعر ما يخالف الدين الإسلامي، ويروون سائره، وهذا مما يثق الإنسان بوقوعه".
وخلاصة الجواب: أن معظم شعر العرب كان في الفخر والحماسة، وأن المسلمين صرفوا عنايتهم عن رواية الشعر الذي يمثل ديناً غير الإسلام، ولا سيما دين اللات والعرى، وعلى الرغم من هذا كله، وصلت إلينا بقية من الشعر الذي يحمل شيئاً من الروح الديني، تجده في كتاب "الأصنام" لابن الكلبي وغيره.

* دلالة القرآن على العرب:
قال المؤلف في (ص 19): "ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها، وإنما يمثل شيئاً آخر غيرها لا نجدها في هذا الشعر الجاهلي، يمثل حياة عقلية قوية، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظأ عظيماً، أليس القرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة؟ ".
دلالة القرآن على ما عند العرب من دهاء وبراعة في الكلام مما تعلمه المؤلف من القدماء، ثم انقلب يرميهم بسبة الجهل به، وهذا الجاحظ يقول في كتاب "البيان" (2): "وذكر الله تعالى حال قريش في بلاغة المنطق ورجاحة
__________
(1) "مجلة الأدبيات الشرقية" عدد أكتوبر 1926 م.
(2) (ج 1 ص 5).
(8/68)

الأحلام وصحة العقول، وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء والمكر، ومن بلاغة الألسنة واللدد عند الخصومة، فقال: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19].
ثم ذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع بحسن منطقهم، فقال: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4].
ثم قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204].
مِع قوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205].
فهذا مما يرفع الثقة بزعم المؤلف أنه صاحب نظرية "أن في القرآن مرآة للحياة الجاهلية".

* الجاهليون المجادلون:
قال المؤلف في (ص 25): "وفيما كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاصرون؟ في الدين، وفيما يتصل بالدين في هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون أن يوفقوا إلى حلها: في البعث، في الخلق، في إمكان الاتصال بين الله والناس، في المعجزة، وما إلى ذلك".
تظهر قوة العقل من ثلاث جهات:
أولها: طريق الجدل في الآراء العلمية المستندة إلى التجارب، أو قياس النظير على النظير.
ثانيها: طريق الجدل في الآراء المستندة إلى حجج العقل؛ كالبحث فيما وراء الطبيعة.
ثالثها: الحديث في شؤون الأفراد والجماعات.
(8/69)

ونحن نعلم أن ذكاء الناس ونبوغهم يختلف في هذه الطرق اختلافاً كثيراً، فمنهم من يجيدون النظر في الطريق الأول أو الثاني، حتى إذا أخذوا بالحديث في الطريق الثالث، كانوا بمنزلة قوم لا يبصرون، ومنهم من تظهر ألْمعيتهم في الطريق الثالث، ولا يكادون يصرفون أنظارهم في الطريق الأول أو الثاني إلا رأيتهم كالأنعام أو أضلّ سبيلاً.
والقرآن يصف أولئك الجاهليين بشيء من العلم بهذه الحياة، فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7].
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: 204].
وهذا العلم يرجع إلى بعض شؤون الأفراد والجماعات، وما دخل تحت تجاربهم من السنن الكونية. ويصفهم -مع هذا- بسعة العارضة، واللدد في الخصومة اللذين هما أثر من آثار المهارة في هذا الفن من العلم، وقد يستحق هذا الوصف من يأخذ الشُّبه التي تعرض لمن له حظ من النباهة الفطرية، ويلقيها في زخرف من فصاحة، وحلية من بيان، حتى إذا طلعت الحجة، ذهب زخرف الفصاحة وحلية البيان، وبقي قصر النظر، أو خطل الرأي مكشوفاً بارزًا. وصف القرآن أولئك الجاهليين المجادلين بشيء من العلم بهذه الحياة، والمهارة في فن الجدل، ونعى عليهم الجهل بأمر البعث والخلق، والصلة بين الخالق والمخلوق، وضعف بصيرتهم عن إدراك المعجزة، وما إلى ذلك من مذاهب مطموسة الأثر، وآراء لا منشأ لها إلا الأذواق المعتلة والشهوات الطاغية، ولمثل هذا تجده لا يصفهم بخلابة البيان، أو العلم بظاهر من هذه الحياة، إلا نقم عليهم خطل الآراء فيما لا يقع تحت أبصارهم أو تجاربهم، ونعى عليهم سفهها في تزيين بعض قبائحهم،
(8/70)

وضعفها عن تقويم أهوائهم كما قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7].
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 204 - 205].
وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4].
ففي الجاهليين المجادلين ذكاء، وفيهم حذق في صناعة البيان، ولكنهم لم يتجاوزوا بهما ظاهرًا من هذه الحياة.

* منزلة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 25): "أفتظن قوماً يجادلون في هذه الأشياء جدالاً يصفه القرآن بالقوة، ويشهد لأصحابه بالمهارة، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟! كلا! لم يكونوا جهالاً ولا أغبياء، ولا غلاظاً ولا أصحاب حياة خشنة جافية، وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء، وأصحاب عواطف رقيقة، وعيش فيه لين ونعمة".
لولا أن الشعر الجاهلي من الذاع الذي يعترض القارئ في كل سبيل، لقلنا: إن المؤلف تصدى للبحث فيه، ولم يستمع إلى شيء منه سوى قطع ذات نسج مرذول، ومعان مرمية على قارعة الطريق، ولاغترفنا من موارده الصافية، وأدرنا على قراء هذه الصحائف كأساً دهاقاً.
في الشعر الجاهلي معان سامية، وحكمة صادقة، ومن يقرؤه خالي
(8/71)

الذهن من كل ما قيل فيه، يقضي العجب من ذكاء منشئيه، وسعة خيالهم، وإقصائهم النظر في تأليف المعاني، والتصرف في فنون الكلام.
يبخس المؤلف قيمة الشعر الجاهلي، ويريد أن يجعله مثال الجهل والغباوة والخشونة، وهذا جرجي زيدان، وهو عربي لا يقل في تذوق الشعر عن هذا المؤلف، قد عرف كيف يستدل بهذا الشعر على أن العرب لم يكونوا أصحاب جهالة وهمجية، فقال في "تاريخ آداب اللغة العربية" (1): "قد يتبادر إلى الذهن أن أولئك البدو كانوا أهل جهالة وهمجية؛ لبعدهم عن المدن، وانقطاعهم للغزو والحرب، ولكن يظهر مما وصل إلينا من أخبارهم: أنهم كانوا كبار العقول، أهل ذكاء ونباهة، واختبار وحنكة، وأكثر معارفهم من ثمار قرائحهم، وهي تدل على صفاء أذهانهم، وصدق نظرهم في الطبيعة وأحوال الإنسان مما لا يقل عن نظر أعظم الفلاسفة، فإن قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: "رأيت المنايا خبط عشواء، إلى قوله: "وإن خالها تخفى على الناس تعلم" لا يقل شيئاً على أحكام أكابر الفلاسفة".
وإن كنت ترغب في أن تنظر إلى العاطفة كيف تتقلب بالأفكار والأذواق تقلّب الرياح بخفيف الزنة يقع في مهبّها، فهذا المؤلف يقول: إن الجاهليين أرقى عقولًا، وأوسع علماً، وأرق عاطفة، وألين عيشًا من أن يمثلهم هذا الشعر الجاهلي، وذلك الدكتور (مرغليوث) يرى أن هذا الشعر أحكم صنعة، وأعلى بلاغة من أن يقوله أولئك الرعاع؛ حيث قال في المقال المشار إليه آنفاً: "فهل من المعقول أن البدو الجهلاء غير المتمدنين يكون لهم شعر بهذه الدرجة من البلاغة والرقي؟! ".
__________
(1) (ج 1 ص 29).
(8/72)

والحقيقة أن هذا الشعر لم يكن بأدنى من منزلة الجاهليين في العلم والذكاء والعاطفة ولين العيش كما يقول المؤلف، ولم يكن بالمنزلة التي تقصر عنها قرائحهم، ولا تبلغها فصاحتهم كما يقول (مرغليوث)، بل هو الشعر الملائم لحالتهم من كل ناحية. وقد رد الأستاذ (أدور براونلش) على (مرغليوث) في هذا المعنى، وسنسوق وجوه رده عليه في غير هذا المقام.

* طبقة المستنيرين وطبقة العامة:
بعد أن احتاط المؤلف في وصف الجاهليين بالعلم والذكاء والعواطف والعيش اللين، ونبه القراء على أن هذا الوصف لا يقع على جميعهم، وأنهم كغيرهم من الأمم القديمة، وكثير من الأمم الحديثة ينقسمون إلى طبقتين:
قال في (ص 20) مبيناً هاتين الطبقتين: "طبقة المستنيرين الذين يمتازون بالثروة والجاه والذكاء والعلم، وطبقة العامة الذين لا يكاد يكون لهم من هذا كله حظ".
أتى المؤلف في بيان الاستنارة على أربع مزايا: الثروة، والجاه، والذكاء، والعلم، وقد يقف القارئ في فهم الاستنارة ولا يدري: أهي هذه الأمور الأربعة؛ بحيث لا استنارة إلا لذي ثروة وجاه وذكاء وعلم؟ ومقتضى هذا: أن العالم الذكي إذا لم تكن له ثروة، نزل إلى طبقة العامة، وحُرم الدخول في طبقة المستنيربن، أم الاستنارة محصورة في هذه المزايا، فمن تجرد منها كان من طبقة العامة، ومن حاز قسطاً منها كان من طبقة المستنيرين؟ ومقتضى هذا التأويل: أن صاحب الثروة والجاه القائم عليها مستنير، ولو هوى به الجهل والغباوة إلى درك سحيق. والصواب: أن الاستنارة إنما هي
(8/73)

العلم وحصافة العقل، أما الثروة والجاه، فلا يدخلان في حقيقتها، ولو أتياها على منهج (ديكارت)، وطرق لهما (مرغليوث) أبوابها باليمين والشمال.

* ليس في القرآن ما يخالف العلم الصحيح:
قال المؤلف في (ص 20): "والقرآن يحدثنا عن جفوة الأعراب وغلظتهم، وإمعانهم في الكفر والنفاق، وقلة حظهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل على الإيمان والتدين. أليس هو الذي يقول: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [التوبة: 97]؟ ".
يشير المؤلف في هذه الفقرة إلى المكيدة التي نصبها رهطه لهدم الإيمان وشرائع الإسلام؛ حيث يزعمون أن الإيمان والدين تتلقاه العواطف، وأن العلم تتناوله العقول، ويقولون دون أن تحمر وجوههم خجلًا: إن الواحد منهم يحمل اعتقادين متناقضين: أحدهما ديني تعتنقه العاطفة. وثانيهما علمي ينضوي تحت لواء العقل، يقولون هذا وهم لا يريدون إلا جحود حقائق الدين ومحو أثره من النفوس جملة.
ألا إن الدين الذي يخاطب العقل، ويدعو خصومه إلى تحكيم العقل والعلم، ويرفع شأن العقل والعلم، لا يقبل ذلك التأويل في حال، ولا ترضى عقائده وأحكامه وآدابه إلا أن تأخذ أرسخ مكانة في العقل. اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: [فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ] [الحشر: 2].
وقوله: [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ] [البقرة: 179].
وقوله: [وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ] [الملك: 10].
وقوله: [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [البقرة: 73].
وقوله: [قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] [البقرة: 111].
(8/74)

وقوله: [وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ] [الأنعام: 83].
وقوله: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ] [الحج: 3].
وقوله: [إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا] [النجم: 28].
وقوله: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] [الإسراء: 36].
هذا ما يصرح به القرآن، وهذا ما يعتقده المسلمون قاطبة، وهذا ما تشهد به العقول التي تميز العلم من الظن، وتفرق بين الحق والباطل، فمن سمّى نفسه مسلمًا، ثم قال: إن في القرآن ما يخالف العلم الصحيح، فقد غمس لسانه في حمأة النفاق؛ لكي يستطيع العبث بالدين، واختلاس العقيدة السليمة من قلوب أبناء المسلمين وهم لا يشعرون.

* العرب في عهد النبوة:
قال المؤلف في (ص 21): "فالقرآن إذاً يمثل الأمة العربية على أنها كانت كغيرها من الأمم القديمة، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم، وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز، والذين كانوا موضوع النزل بين النبي وخصومه، والذين كان النبي يتألفهم بالمال أحياناً".
قال المؤلف آنفاً: إن المستنيرين هم أصحاب الثروة والجاه والعلم والذكاء، ثم عاد إلى التقسيم، وجعل مناطه الأمة العربية، ووصف المستنيرين بأنهم الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجادلهم ويجاهدهم، وجعل العامة هم الذين كانوا موضع النزاع بين النبي - عليه الصلاة والسلام - وخصومه، والذين كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يتألفهم بالمال أحياناً.
تضع هذه الفقرات في نفوس القراء أن النبي - صلوات الله عليه - كان
(8/75)

في جانب، وأن أولئك المستنيرين من العرب كانوا في جانب آخر، وأن العامة كانوا ما بينهما يغالبهم النبي - عليه السلام - في طائفة منهم، فيأخذهم إلى الإسلام، ويغالبونه في أخرى، فيضعونها في حزبهم.
ولأمر ما رسم المؤلف للعرب في عهد النبوة هذه الصورة المختزلة.
والواقع أن العرب كانوا -لعهد نزول القرآن- على فريقين:
الأول: فريق استحب جاهليته على الإسلام، وهؤلاء طبقتان: طبقة كانت على مهارة في تصريف الكلام، والتقلب في فنون الجدل والخصام، وطبقة لا تفهم من القول إلا صريحاً، ولا تعي من الحجج إلا ما كان عليه آباؤها الأولون.
والآخر: فريق ابتغى الإسلام ديناً، وهؤلاء طبقتان أيضاً: طبقة ذات عقول راجحة، وأخرى ذات فطر سليمة، ولكنها دون الطبقة الأولى في قوة الحجة والخبرة بدقائق الأشياء.
والقرآن كما يمثل الطبقتين الأوليين، يمثل هاتين الطبقتين أيضاً في مثل قوله: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ] [النساء: 83].
ولا أراني في حاجة إلى أن أسوق أسماء بعض الرجال الذين عرفوا باستنارة العقل لذلك العهد، واعتنقوا الإسلام بسريرة نقية، وكان لهم في حمايته والدعوة إلى سبيله مواقف مشهودة، وسيرة أصفى من طلعة القمر ليس دونها سحاب.
يحشر المؤلف قلمه في الحديث عن تاريخ عهد النبوة، فيمشي في غير طريق. ولا ندري: أقصا هذا الانحراف، أم هو ناشئ عن عدم درس
(8/76)

ذلك التاريخ بروية وأناة؟
يصف المؤلف العامة بأنهم الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألفهم بالمال، والمعروف في تاريخ ذلك العهد أنه - عليه الصلاة والسلام - يتألف الفريق الذين يسميهم المؤلف: مستنيرين وممتازين، ومن هؤلاء أبو سفيان الذي يلقبه المؤلف بزعيم قريش وحازمها، وابنه معاوية الذي أصبح مثلاً لنباهة الرأي والدهاء في السياسة، وفي "صحيح البخاري": "بعث علي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهيبة، فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، وعلقمة بن علاثة العامري، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا؟! قال - صلى الله عليه وسلم -: إنما أتألفهم". ولم يقل أحد من أهل العلم: إن التأليف بالمال كان لطبقة العامة الذين لم يكن النبي- عليه الصلاة والسلام - يجادلهم ويجاهدهم، بل ترى بعضهم يجعل المؤلفة قلوبهم أشراف العرب كما قال صاحب "الكشاف": "هم أشراف من العرب كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستألفهم على أن يسلموا". ومنهم من يجعلهم طائفتين كما قال الشهاب القسطلاني في "شرح الجامع الصحيح": "هم قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة، فيستألف قلوبهم، أو أشراف يرقب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم".

* العرب قبل الإسلام:
قال المؤلف في (ص 21): "والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها، لا تعرف العالم
(8/77)

الخارجي، ولا يعرفها العالم الخارجي".
ادّعى المؤلف -فيما سلف- أنه استنبط من القرآن شيئاً خفي على القدماء، وهو أن للأمة العربية ديناً، وفيها طبقة مستنيرة، وادّعى في هذا الموضع: أنه انتزع من القرآن صورة أخرى، ووصفها بأنها ستدهش الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة الجاهلية، وسيعرض هذه الصورة المدهشة في قوله: إن العرب قبل الإسلام أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها، مؤثرة فيها.
ابتدأ في تقرير هذه النظرية بدعوى أن الذين تعودوا أن يعتمدوا على الشعر الجاهلي، يعتقدون أن العرب في جاهليتهم كانوا في عزلة وانقطاع عن العالم الخارجي، لا يسمعون عنه خبراً، ولا يعرف لهم شأناً.
وهل يصدّق أحد أن من يدرسون الشعر الجاهلي يتصورون العرب أمة معتزلة في صحراء من الأرض، لا تعرف عما وراء حدودها من أحوال الأمم شيئاً؟ ومن أين يأتيهم هذا التصور، وهم يجدون في هذا الشعر الجاهلي والأخبار المتصلة به ما يحدثهم بأن من الشعراء -وهم زعماء القبائل- من كانوا يسافرون إلى الشام، وإلى اليمن، بل إلى فارس، وإلى القسطنطينية، تجد هذا في شعر عمرو بن كلثوم، وامرئ القيس، وأمية بن أبي الصلت، والأعشى ميمون بن قيس.
هم يعرفون أشياء تبرئهم من أن يتصوروا العرب أمة ملقاة في فلاة من الأرض، ألم يدرسوا قول عمرو بن كلثوم:
وكأس قد شربت ببعلبكّ ... وأخرى في دمشق "اللّذ تلينا" (1)
__________
(1) كذا في الأصل. وفي الديوان: "وقاصرينا".
(8/78)

أو لم يدرسوا قول امرئ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عيناك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
أو لم يقرؤوا أن أبا الصلت، أو أمية بن أبي الصلت رحل إلى سيف ابن ذي يزن ليهنئه بالانتصار على الحبشة، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول فيها:
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالاً
وقال فيها:
من مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
بلى! وقرؤوا أن الأعشى كان "يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره" (1). وقرؤوا أن النعمان بن المنذر وفد على كسرى بطائفة من فصحاء العرب: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والحارث بن عباد البكري، وعمرو بن الشريد، وخالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وقيس ابن مسعود، وعامر بن الطفيل، وعمرو بن معدي كرب، والحارث بن ظالم. وقرؤوا أن قابوس بن المنذر الأكبر بعث إلى كسرى بن هرمز بعديّ ابن زيد وإخوته، فكانوا في كتّابه يترجمون.
وإذا كان هذا الشعر والأخبار المتصلة به من قبيل المصطنع في نظر المؤلف، فذلك بحث آخر لا يعنيه المؤلف في هذا المقام، فهم على أي حال لا يتصورون العرب في ذلك الانقطاع البعيد كما يدّعي عليهم، ولا يستطيعون
__________
(1) "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (ص 137).
(8/79)

أن يتصوروهم في هذا الاتصال الشديد الذي يحاول تخييله إلى قراء كتابه.

* الشعر الإسلامي أرقى من الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 21): "وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات، فهم يقولون: إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرات الخارجية التي أثرت في الشعر الإسلامي، لم يتأثر بحضارة الفرس والروم، وأنىّ له ذلك؟! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة".
كأنَّ المؤلف ينكر أن يكون الشعر في الإسلام أرقى من الشعر زمن الجاهلية، ويحاول جحود المزية التي امتاز بها شعر الإسلاميين؛ من كثرة إبداع المعاني، والذهاب في الخيال إلى ما تنجذب له الألباب سحراً، وتخفق به الأفئدة طرباً، تلك المزية التي أحرزها الشعر الإسلامي لأسباب من أشدها أثراً هذه المدنية التي انقلب إليها العرب بفضل أدب الإسلام، واختلاطهم بالأمم، وشهود الحواضر حيث يرحلون وحيث يقيمون.
وقد كتب علماء الأدب في وجوه ارتقاء الشعر وأسباب إحكامه وإبداعه، فأجادوا النظر، وأمتعوا البحث. وإليك صفوة ما كتبوا؛ حتى يستبين لك الفصل بين الشعر الجاهلي، والشعر الذي أنشئ في الإسلام.
يهيئ الناشئ إلى إجادة النظم أن يعيش في بقعة جيدة الهواء، أنيقة المناظر، وأن يشب بين قوم انتبذوا في الفصاحة مكاناً قصيًا، "فقلما برع في المعاني من لم تنشئه بقعة فاضلة، ولا في الألفاظ من لم ينشأ بين أمة فصيحة" (1).
__________
(1) "المناهج الأدبية" لحازم.
(8/80)

ثم هو لا يبرع في هذه الصناعة إلا أن تكون له قوة حافظة، وقوة مائزة، وقوة صانعة.
بالحافظة القوية يجد في نفسه صوراً كثيرة منتظمة واضحة، فيتأتى له أن يتناول منها ما شاء بأقل ملاحظة؛ "فإن المنتظم الخيالات كالناظم الذي تكون عنده أنماط الجواهر مجزأة محفوظة المواضع عنده، فإذا أراد أي حجر شاء، على أي مقدار شاء، عمد إلى الموضع الذي يعلمه فيه، فأخذه منه ونظمه" (1).
وبالقوة المائزة يتخير ما يلائم الغرض من تلك الصور والخيالات، أو من الألفاظ والأساليب.
وبالقوة الصانعة يؤلّف ما تخيره من الصور المناسبة والألفاظ اللائقة، حتى تجيء المعاني آخذًا بعضها برقاب بعض، وتجيء الألفاظ والأساليب في وضاءة وأحسن تقويم.
تختلف طبقات الشعراء على قدر اختلاف حظوظهم في هذه المهيئات والأسباب، فمن رزق جميعها، كان بالمنزلة العليا، ومن قل نصيبه فيها، وجدته على قدر ما فاته منها، فإما في الوسط، وإما في الدرجة الدنيا.
وإذا كانت هذه أصول إبدل الشعر، وارتفاع شأن الشاعر، فلنعقد موازنة بين العرب في الجاهلية، والعرب بعد الإسلام.
لا نتحدث عن المناخ من حيث هواؤه ومناظره الطبيعية؛ فإن مناخ العرب في الجاهلية هو مناخهم بعد الإسلام، أو قريب منه، ولا نتحدث
__________
(1) "المناهج الأدبية".
(8/81)

عن القوة الحافظة أو المائزة أو الصانعة، فتلك مزايا يتداولها الفريقان، فلا فضل فيها لجاهلي على إسلامي، ولا لإسلامي على جاهلي إلا أن يشاء الله.
وإنما نلقي النظر في هذه الموازنة على أمرين يتفاضل بهما شعر الأفراد والطبقات، وهما: غزارة مادة الفصاحة، وكثرة ما يقع عليه نظر الناشئ من الصور الغريبة.
إذا كان الشعراء يتفاضلون بما يملكون من مواد الفصاحة، فإن اللغة العربية أخذت بالإسلام هيئة غير هيئتها الأولى، واتسع نطاقها لأسباب شديدة الأثر، ومن هذه الأسباب ما تراه في القرآن من نظم رائع وأسلوب حكيم، فالقرآن نهج في إرشاده ومواعظه أساليب لا يعهدها الفصحاء من قبل، وهذه حقيقة لا تستدعي إقامة شاهد، فقد أقر بها المؤلف نفسه في قوله: "إنما كان القرآن جديداً في أسلوبه"، وممن خاض هذا البحث، ونبه على تأثير القرآن والحديث النبويّ في رقي الشعر: العلامة ابن خلدون في "مقدمته" (1)، فسدد النظر، وأصاب المرمى.
ومما يدخل في هذه الأسباب: أن اجتماع العرب على اختلاف قبائلهم في هيئة أمة واحدة، جعل اللغة الأدبية التي هي لغة قريش تقتبس من لغات القبائل الأخرى أكثر مما كانت تقتبسه قبل الإسلام، فالطفل الذي يشبّ في بيئة هذه اللغة بعد امتلائها بالألفاظ الأنيقة والأساليب الفائقة، يكون محفوفًا من موارد الفصاحة بأكثر مما يتلقنه الطفل النابت في الجاهلية حيث لم يتسع نطاق اللغة إلى هذه الغاية القصوى.
__________
(1) (ص 8).
(8/82)

وإذا كان الشعراء يتفاضلون بمقدار ما يرتسم في نفوسهم من الصور الغريبة، فإن العرب دخلوا بالإسلام في مدنية زاخرة وحضارة منتظمة، ولا يستطيع أحد السبيل إلى دعوى أن اختلاطهم بالأمم، وشهودهم الحواضر بعد الإسلام كحالهما زمن الجاهلية إلا أن يكون معتزلاً الأدب والتاريخ، هو لا يعرفهما، وهما لا يعرفانه.
وإذا كان في شعراء الجاهلية من سافر إلى بعض الحواضر، واتصل بالأمم الأخرى، فذلك لا يجعله بمنزلة الناشئ في مدنية منتظمة؛ إذ الصور الغريبة التي تقع إلى حافظة الناشئ في حضارة ونظام تكون أكثر وأوضح وأبقي.

* اتصال العرب بالروم والفرس:
قال المؤلف في (ص 21): "كلا! القرآن يحدثنا بشيء غير هذا، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي، قسمهم أحزاباً، وفرّقهم شيعاً، أليس القرآن يحدثنا عن الروم، وما كان بينهم ويين الفرس من حرب انقسمت فيه العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يتابع أولئك، وحزب يناصر هؤلاء؟ أليس في القرآن سورة تسمى: سورة الروم، وتبتدئ بهذه الآيات: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم: 1 - 5]؟.
الذي تدل عليه هذه الآيات أن الروم غلبتها أمة في حرب، وأنهم سينتصرون على الأمة التي غلبتهم، ويغلبونها بعد قليل من السنين، وفي اليوم الذي ينتصر فيه الروم على هذه الأمة يفرح المؤمنون بنصر الله. ولو
(8/83)

وقف المؤلف على حد الآية، لم يفهم أكثر من هذا، ولكن الخطاب كان موجهًا إلى قوم بلغهم نبا تلك الحرب، ففهموا أن الأمة التي غلبت الروم هي أمة الفرس، وفهموا أنها ستقع في حرب معها، وبكون الروم هم الغالبين.
فالآية لا تدل بصريحها على أن الحرب وقعت بين الروم وفارس، ولا تدل على أن العرب انقسموا إلى حزبين مختلفين: حزب يشايع الروم، وحزب يناصر الفرس، وهذا كله إنما يذكره المفسرون أخذًا من سبب النزول. إذاً لم يأخذ المؤلف معنى اتصال العرب بالأمم الأخرى من القرآن مباشرة، وإنما أخذه من أيدي المفسرين. إذن يكون القدماء عرفوا هذا المقدار من الاتصال بين العرب وأمتي الروم والفرس، ولم يختص المؤلف في فهم الآية بشيء زائد على ما رووه أو فهموه.

* رحلة الشتاء والصيف:
قال المؤلف في (ص 22): "لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين، فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الفرس والروم. وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش: 1، 2].
وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس".
يدل القرآن على أن لقريش رحلتين: إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف، ومن وقف على فهم الآية وحدها، لا يدري أين يرحلون في الشتاء، ولا أين يرحلون في الصيف، ومن المحتمل أن تكون رحلتهم إلى
(8/84)

حيث تقيم بعض القبائل الأخرى؛ كقيس، أو تميم. ولكن المفسرين بحثوا في طريق الرواية، فعرفوا أن رحلتهم الشتائية كانت إلى اليمن، ورحلتهم الصيفية كانت إلى الشام. إذاً لم يفهم المؤلف من القرآن أن لقريش اتصالًا اقتصاديًا بالروم والحبشة أو الفرس، وإنما تلقنه من المفسرين أو المؤرخين.
ثم إن الآية وردت على قدر الحكمة التي استدعت ورودها، ودارسو الشعر الجاهلي يعرفون ما دلت عليه الآية بتفصيل، إذ يجدون في هذا الشعر وما يتصل به من الأخبار أن هاشمًا وعبد شمس والمطلب ونوفلاً كانوا يسمون: المتجرين، فهاشم كان يؤالف ملك الشام، فأمن به في تجارته إلى الشام، وعبد شمس كان يؤالف إلى الحبشة، والمطلب كان يرحل إلى اليمن، ونوفل كان يرحل إلى فارس، وفي هؤلاء الإخوة يقول شاعرهم:
يا أيها الرجل المحوّل رحله ... هلّا نزلت بآل عبد منافِ
الآخذون العهد من آفاقها ... والراحلون لرحلة الإيلاف
فإن عاد المؤلف وقال: إني لا أثق بهذا الشعر، ولا بما يتصل به من خبر، قلنا له: لا تخلط قولاً بآخر، فإنك تقول عليهم في هذا الموضع: إنهم يتصورون العرب في عزلة وانقطاع؛ لأن الشعر الجاهلي يمثلهم كذلك، فأريناك أن ما بين أيديهم من الشعر يضع في نفوسهم الصورة التي ترميهم بجهلها، أما كون الطريق الذي جاءت هذه الصورة من ناحيته صحيحاً أو خرباً، فذلك ما لم يخطر له ذكر في هذا المقام.

* عجز المؤلف:
قال المؤلف في (ص 22): "وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة، ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه
(8/85)

البلاد؟ وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الحيرة إلى بلاد الفرس، وبأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر، فلم يكونوا إذن معتزلين، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم، والحبش والهند، وغيرهم من الأمم المجاورة لهم".
عنوان الفصل الذي يخوض فيه المؤلف: "مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن"، وقد ذهب فيه إلى أنه اطلع في القرآن على أن العرب قبل الإسلام كانوا على دين، وكانت فيهم طبقة ذات ثروة وجاه، وذكاء وعلم، أو طبقة كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يجادلهم ويجاهدهم، ثم ادّعى أن الذين يدرسون الحياة العربية في هذا الشعر الجاهلي يعتقدون أن العرب قبل الإسلام كانوا أمة معتزلة عن العالم الخارجي، وادّعى أن القرآن يعطي صورة ستدهشهم، وهي أن العرب كانوا على اتصال قوي بمن حولهم من الأمم، وأورد في بيان مأخذ هذه الصورة آية {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1، 2]، وآية {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1].
فإذا كان موضوع الفصل "مرآة الحياة الجاهلية تلتمس في القرآن"، وكان موضوع البحث الأخير أن القرآن يعطي صورة يدهش لها الذين يعتقدون أن العرب كانت أمة معتزلة، فما وجه الاستدلال بما في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي ليست بقرآن؟ ثم لماذا يذكر في نتيجة البحث: أن العرب لم يكونوا بنجوة من تأثير الهند، ولم يأت ذكر للهند فيما استشهد به من القرآن أو السيرة، أو أقوال المفسرين؟.
عجز المؤلف عن انتزل هذه الصورة المدهشة من القرآن وحده، فأضاف إليها نبذة من السيرة، وأخرى من أقوال المفسرين، ولم يكفه هذا
(8/86)

التصرف حتى زاد عليها شيئاً من عنده، وهو قوله: "والهند، وغيرهم من الأمم المجاورة لهم".
إذاً منهج (ديكارت) لم يكن كمنطق (أرسطو) يحتم على الباحث أن يراعي المقدمات، ويفصل النتيجة على قدرها، بل يبيح له أن يقيم قنطاراً من النتائج على مثقال من المقدمات.

* المؤلف وعد وأخلف:
قال المؤلف في (ص 23): "وإذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها، مؤثرة فيها، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية! ".
قد عرفت أن المؤلف لم يزد في هذا الفصل على أن امتشق مقالة الجاحظ في دلالة القرآن على رجاحة أحلام العرب ودهائهم، وقوتهم في الجدل، وتحدث عن دينهم، فلم يزد على ما يعرفه كل أحد من أن في العرب وقت نزول الوحي أدياناً مختلفة. ولم يأت في الاستشهاد على أنهم أصحاب سياسة تتصل بالسياسة العامة إلا بآيتين، مع ما يضاف إليهما من بيان أسباب النزول:
أولاهما: تدل على أن حرباً وقعت بين الروم والفرس بمقربة من بلاد العرب، ولم يلبث نبأ هذه الحرب أن وقع إلى قريش. وأنت تكاد تثق بأن الجماعات النازلة في أواسط إفريقية قد بلغها نبأ الحرب الناشبة بين إيطاليا وطرابلس الغرب، ولم يخف عليها أيضاً نبأ الحرب القائمة بين الريفيين وأسبانيا، بَلْهَ الحربَ التي كانت تشتعل بين دول شتى. ويعلمون أن إيطاليا منساقة بمطامع الاستعمار، وأن الريفيين يريدون خلع ربقة الاستعباد من
(8/87)

أعناقهم. إذاً تكون هذه الجماعات كلها أصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها، مؤثرة فيها.
ثانيتهما: آية يؤخذ منها أن لقريش رحلتين: إحداهما إلى اليمن، والأخرى إلى الشام. وهما رحلتان تجاريتان يوجد أمثالهما لتلك الجماعات المتوغلة في صحراء إفريقية، وإنما ذكرهما القرآن في مساق الامتنان على قريش؛ حيث إن حبل الأمن في الجزيرة مضطرب، والسبل تكاد تغص بقطاعها، وهم يتقلبون بأموالهم في البلاد جنوبًا وشمالًا دون أن تمتد إليهم الأيدي بسوء.
إذاً لانكسر ما بأيدينا من مرآة للحياة الجاهلية، فإن المؤلف وعدنا فاخلفنا، ولم يستطع أن يستكشف للحياة الجاهلية صورة ممتعة أو مدهشة.

* * *
(8/88)

الشعر الجاهلي واللغة
* تعرّف اللغة الجاهلية:
ذكر المؤلف في طالع هذا الفصل: أن هناك شيئاً يمنعه من التسليم بصحة الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي، وأن هذا الشيء أبلغ في إثبات ما يذهب إليه. ثم قال: إذن هذا الشعر الذي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه، وخرج إلى تعريف اللغة بمعناها المتردد على آذان المبتدئين من طلابها.
ثم عاد فقال في (ص 24): "إن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية. ولنجتهد في تعرّف اللغة الجاهلية هذه ما هي؟ أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قيل فيه؟ ".

لعلك تقرأ هذه الفقرة، فيقع في ظنك أن المؤلف سيتعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي؟ وسيقف بك على جلية أمرها، حتى تعرف ماذا كانت في العصر الذي تزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه؟ حتى إذا قايستها باللغة الأدبية المستعملة في صدر الإسلام، ظهرت لك مميزات هذه عن تلك. والواقع أنك تقرأ هذا الفصل الموضوع في نحو ست صفحات، فتجده لم يتعرف اللغة الجاهلية، ولا يستطيع أن يتعرفها، وقصارى ما فعل
(8/89)

أن قال لك ما سمع الناس يقولون من أن البحث الحديث أثبت خلافاً قوياً بين لغة حمير ولغة عدنان، وحكى قول أبي عمرو بن العلاء: ما لسان حمير بلساننا، ولا لغتهم بلُغتنا. ثم نكث يده من البحث، ومدها إلى "ذيل مقالة في الإسلام"، وقبض قبضة من أقواله المصطنعة لدعاية غير إسلامية، وبثها في هذا الفصل؛ بزعم أن لها صلة بهذا النحو الجديد من البحث، وبعد أن صحا من نشوة الطعن والغمز، تذكّر أن الفصل لبحث "الشعر الجاهلي واللغة"، فالقى كلمة سلبية زعم أنها نتيجة البحث، وهي: أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولا يمكن أن يكون صحيحاً، ثم رجع إلى ما سمعه عن البحث الحديث، وشهادة أبي عمرو بن العلاء، وأعادهما عليك تارة أخرى.
فلم يتعرف المؤلف اللغة الجاهلية هذه ما هي كما زعم، ولا ماذا كانت في العصر الجاهلي، ولم يسمع طالب الآداب بالجامعة إلا أن أبا عمرو بن العلاء والبحث الجديد قالا: إن بين اللغتين اختلافاً، وكان الأليق بقوله: "ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي" أن يعرف أمثلة من مميزاتها، ويضرب تلك الأمثلة في هذا الفصل؛ حتى يخلص طلاب الجامعة من تقليده؛ فإن طلاب الجامعات أرفع شأناً من أن يعوَّدوا على سيرة التلميذ الذي يثق بكل ما ينطلق به لسان محدّثه ثقة عمياء.

* القحطانية والعدنانية:
ذكر المؤلف أن الرواة يذهبون إلى أن العرب ينقسمون إلى: قحطانية، وعدنانية.
ثم قال في (ص 25): "وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية، فهم العاربة، وعلى أن العدنانية قد
(8/90)

اكتسبوا العربية اكتساباً".
لم يتفق الرواة على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله، فمن الرواة من يجعل شأنهم العدنانية، وهم الذين يذهبون إلى أنهم من ولد إسماعيل - عليه السلام -، وممن ذكر الخلاف: ابن حزم في كتاب "الجمهرة"، فقال: "فعدنان من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت، وتكلم قوم بما لا يصح، فلم نتعرض لما لا يقين فيه، وأما قحطان، فمختلف فيه، ولد من هو؟ فقوم قالوا: من ولد إسماعيل - عليه السلام -، وهذا باطل بلا شك ... فصح بهذا أن من العرب من ليس من ولد إسماعيل".
وقال عماد الدين بن كثير في "تاريخه": "وقيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل - عليه السلام -، والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل".
ومن الرواة القائلين بأن قحطان من ولد إسماعيل: الزبير بن بكار، ففي "فتح الباري" للحافظ ابن حجر: "وزعم الزبير بن بكار: أن قحطان من ذرية إسماعيل".
ومن هؤلاء الرواة ابن الكلبي. قال المبرد في كتاب "نسب عدنان وقحطان": "ونسب ابن الكلبي قحطان إلى إسماعيل عليه السلام".
ومن الرواة من يجعل يعرب بن قحطان كإسماعيل - عليه السلام -، انتقل لسانه من السريانية إلى العربية، ففي مادة "برع" من كتاب "الجمهرة" لابن دريد (1):
__________
(1) (ج 6 ص 346).
(8/91)

"وسمي يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية".

وقال ابن خلدون في "تاريخه": "وليس بين الناس خلاف في أن قحطان أبو اليمن كلهم، ويقال: إنه أول من تكلم بالعربية، ومعناه من أهل هذا الجيل الذين هم العرب المستعربة، اليمنية، وإلا، فقد كان للعرب جيل آخر، وهم العرب العاربة، ومنهم تعلّم قحطان تلك اللغة العربية ضرورة، ولا يمكن أن يتكلم بها من ذات نفسه".
وإذا كان من الرواة من يذهب إلى أن القحطانية كالعدنانية من ولد إسماعيل، ومنهم من يقول: إن يعرب بن قحطان أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، ومنهم من يقول: إن أول من تكلم بالعربية قحطان نفسه، فأين اتفاقهم على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله؟!.
* أول من تكلم بالعربية:
قال المؤلف في (ص 25): "وهم يروون حديثاً يتخذونه أساسًا لكل هذه النظرية، خلاصته: أن أول من تكلم بالعربية، ونسي لغة أبيه: إسماعيل ابن إبراهيم".
هذا الخبر رواه ابن سلام الجمحي في "طبقات الشعراء"، مع التردد في أن راويه رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا. وأول ما يخطر بالبال: أن مراد المؤلف من النظرية التي اتخذوا هذا الخبر أساسًا لها، قوله فيما يعزوه إلى الرواة: "إن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتساباً، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة، فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة".
(8/92)

وأنت قد قرأت هذا الخبر المرويّ في "طبقات الشعراء"، وهو لا يدل إلا على أن إسماعيل نسي لغة أبيه إبراهيم، ومقتضاه: أن العدنانية الذين هم من ذريته قد خلقوا ينطقون بالعربية، وليسواهم الذين "محيت لغتهم الأولى من صدصرهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة".
فإن قال المؤلف في تأويل حديثه: إن هذا من قبيل وصف القبائل بما جرى لآبائهم، قلنا له: أنت إذن تريد من النظرية التي جعلت هذا الخبر أساسًا لها: أن إسماعيل - عليه السلام - عرف من لغة العرب ما لم يكن يعرف، فنشأ أبناؤه العدنانيون على النطق باللغة العربية، ولكونهم نبتوا من أصل غير عربي سموا مستعربة.
وتنحل هذه النظرية إلى أن نسب العدنانية متصل بإسماعيل، وأن إسماعيل أول من تكلم بالعربية من آبائهم. والشطر الأول من النظرية قائم على أساس أوثق من هذا الخبر الذي لا يعرفه المحدثون، وهو مجموع الآيات والأحاديث، أو ما استفاض على ألسنة العرب قبل الإسلام. أما الشطر الثاني منها، وهو أن إسماعيل أول من تكلم بالعربية، فهو جار على طبيعة اتصاله بقبيلة عربية، وإقامته بين ظهرانيهم، ومن الأحاديث الواردة في هذا المعنى (1) حديث: "أول من فُتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل"، والمراد بالعربية المبينة: هذه اللهجة الفصحى التي نزل بها القرآن، لا اللغة العربية. ومتى صح الحديث، لم يمانع من أن تكون هذه اللغة المبينة تمشت بعد عهد إسماعيل على سنّة الرقي، واتسعت حسب تجدد المعاني واختلاف الأذواق، فيما تستحسنه من صوغ الجمل وابتدل الأساليب.
__________
(1) أخرجه الطبراني، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن.
(8/93)

* اللغة القحطانية واللغة العدنانية:
قال المؤلف في (ص 25): "على هذا كله يتفق الرواة، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضاً أثبته البحث الحديث، وهو أن هناك خلافاً قوياً بين لغة حمير "وهي العرب العاربة"، ولغة عدنان "وهي العرب المستعربة"، وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا، ولا لغتهم بلغتنا".
أخذ المؤلف يذكر الشاهد الأقوى على اصطناع الشعر الجاهلي، وهو أن اللغة القحطانية غير اللغة العدنانية، والشعر المنسوب إلى بعض شعراء اليمن لا يختلف عن شعر العدنانية، وهذا مما استشهد به (مرغليوث) قبله، وكاد أثق بأن المؤلف استعاره منه، قال (مرغليوث) في مقاله المنشور في "مجلة الجامعة الآسيوية": "هنا دليل لغوي واضح من هذه الأشعار، وهو أنها كلها مكتوبة بلهجة القرآن"، وقال: "إذا فرضنا أن الإسلام أرغم قبائل جزيرة العرب على توحيد لغتهم بتقديمه مثالاً أدبياً لا يقبل الجدل في جودته وعلو شأنه، وهو القرآن، فمن الصعب اعتقاد أن يوجد قبل هذا العامل الحيوي لغة عامة لقبائل الجزيرة تختلف عن لغات المخطوطات الأثرية، إن لهجة كل قبيلة تمتاز بمفرداتها ونحوها، وإننا لنجد جميع المخطوطات في هذه الأنحاء مرسومة بلغة أخرى غير لغة القرآن".
لا ننازع فيما دلت عليه الآثار المخطوطة من أن اللغة القحطانية كانت كلغة أجنبية عن العدنانية، كما أن (مرغليوث) والمؤلف لا ينازعان في أن اللغتين اشتد الاتصال بينهما بعد ظهور الإسلام، وأصبحتا كلغة واحدة. والذي نراه قابلاً لأن يكون موضع جدال بيننا وبين (مرغليوث) والمؤلف،
(8/94)

هو حال الاختلاف بين اللغتين في عهد يتقدم ظهور الإسلام بعشرات من السنين، فنحن لا نرى ما يقف أمامنا إذا قلنا: إن الاختلاف بين اللغتين قد خف لذلك العهد، وزال منه جانب من الفوارق، ولم تبق القحطانية من العدنانية بمكان بعيد.
والذي جعل اعتقادنا يدنو من هذه النظرية وهي خافضة جناحها: أن قبول اللغة القحطانية لأن تتحد مع اللغة العدنانية بعد ظهور الإسلام لا يكون إلا عن تقارب وتشابه هياهما لأن يكونا لغة واحدة؛ فإن انقلاب لغة إلى أخرى تخالفها في مفرداتها وقواعد نحوها وصرفها ليس بالأمر الميسور، حتى يمكن حصوله في عشرات قليلة من السنين.
يقولون: إن بعض هذه المخطوطات كان من آثار المئة الخامسة بعد المسيح، وهذا لا يخدش فيما نراه قريباً، بل لا يقف في سبيلنا أن يكون هؤلاء المنقبون قد عثروا على أثر مخطوطافي أواسط المئة السادسة بعد المسيح، فاللغتان كانتا في تباعد، والشواهد قائمة على أنهما قد أخذتا في التقارب من قبل أن يطلع في أفقهما كوكب الإسلام. ومن السهل علينا أن نفهم أن تقرب اللغة القحطانية من اللغة العدنانية لم تبتدئ به قبائلها في عهد واحد، بل سبقت إليه القبائل المجاورة للعدنانية، ثم أخذ يتدرج فيما وراءها من القبائل رويداً رويداً إلى أن أدركها الإسلام، فخطا بها تلك الخطوة الكبرى، فالوقوف على أثر مخطوط قبل الإسلام بنحو مئة سنة أو ما دونها، إنما يدل على أن سكان الناحية التي انطوت على هذا الأثر لم يزالوا على لسان حمير القديم، وهذا لا ينفي أن يكون غيرها من القبائل القحطانية قد ارتاضت ألسنتهم بلغة تشبه اللغة العدنانية في نحوها وصرفها،
(8/95)

وتختلف عنها في قسم من الألفاظ المفردة أسماء أو أفعالاً.
ومن الممكن القريب أيضاً أن يكون أهل المكان الذي عثر فيه على هذه المخطوطات الأثرية ينطقون باللغة القريبة من اللغة العدنانية، ولكنهم استمروا في الكتابة على لغتهم التي كانت اللسان الرسمي لسياستهم أو ديانتهم، وقد حكى التاريخ لهذا الوجه نظائر تسمو به إلى درجة القبول. فاللغة البابلية تفرعت إلى عدة لغات، من بينها اللغة الآرامية، وبقيت مع هذا الاختلاف لغة الكتابة إلى أن قامت اللغة الآرامية مقامها في السياسة والتجارة. وكذلك يقول جرجي زيدان في الحديث عن الأنباط: "أما لسانهم الذي كانوا يتفاهمون به، فإنه عربي مثل أسمائهم، ولا عبرة بما وجدوه منقوشًا على آثارهم باللغة الآرامية؛ فإنها لغة الكتابة في ذلك العهد مثل اللغة الفصحى في أيامنا، وذلك كان شأن الدول القديمة بالشرق، ولا سيما فيما يتعلق بالآثار الدينية أو السياسية" (1).
ومما يلائم هذا البحث: أنك تجد في السيرة النبوية أمثلة من أقوال زعماء اليمانيين الوافدين على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتراها قريبة من اللغة العدنانية، أو مماثلة لها من جهة قواعد الصرف والنحو، ولا أريد باقوال هؤلاء الزعماء ما يحكيه المؤرخ بقصد إفادة معانيه كما يحكي لك كلاماً أعجمياً بلفظ عربي مبين، بل أريد بها: ما يحكيه الرواة قصداً إلى بيان لهجتهم وأسلوب حديثهم.
ومن هذه الأمثلة خطبة طهفة بن أبي زهير (2) النهدي حين وفد على
__________
(1) "العرب قبل الإسلام" (ص 79).
(2) منسوب إلى نهد قبيلة باليمن.
(8/96)

النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال يشكو إليه الجدب: "يا رسول الله! أتيناك من غوري تهامة بأكوار الميس (1)، ترتمي بنا العيس، نستحلب الصبير (2)، ونستخلب الخبير (3)، ونستعضد البرير (4)، ونستخيل الرهام (5)، ونستحيل (6) الجهام، من أرض غائلة النطاء (7)، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن (8)، ويبس الجعثن (9)، وسقط الأملوج (10)، ومات العسلوج (11)، وهلك الهدي (12)، ومات الودي (13)، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن (14) وما يحدث الزمن، لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر وقام تعار (15)، ولنا نعم همل أغفال
__________
(1) شجر صلب يعمل منه رحال الإبل.
(2) السحاب.
(3) العشب، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب؛ أي: المنجل.
(4) ثمر الأرك.
(5) الأمطار الضعيفة؛ أي: نتخيل الماء في السحاب القليل.
(6) السحاب الذي فرغ ماؤه، والمعنى: لا ننظر إلى السحاب في حال إلا إلى جهام.
(7) البعد.
(8) الغدير.
(9) أصل النبات.
(10) ورق الشجر.
(11) الغصن.
(12) ما يهدى إلى الحرم من النعم، ثم أطلق على الإبل، وإن لم تكن هدياً.
(13) فسيل النخل.
(14) الباطل.
(15) اسم جبل.
(8/97)

ما تبل ببلال، ووقير (1) كثير الرَّسل (2)، قليل الرِّسل (3)، أصابتها سنة حمراء مؤزلة (4) ليس لها علل ولا نهل".
وتجد خطاب مالك بن نمط الهمداني يجري على هذا النحو.
ويروي أصحاب الحديث والسيرة أيضاً بعض كتب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بعث بها إلى نواحي اليمن مصوغة في مثال كلامهم، وهي لا تكاد تخرج عن نمط هذه الخطبة المضروبة مثلاً. وقد يسوق علماء اللغة شذرًا من هذه الأحاديث، كما حكى الأزهري في كتاب "التهذيب" عن وائل بن حجر: أنه قال: كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا جلب ولا جنب ولا وراط، ومن أجبى فقد أربى".
ومما يلفت نظرك إلى أن لغة القبائل اليمانية أخذت تتصل باللغة العدنانية قبل عامل الإسلام: أنك تطالع تاريخ العهد المتصل بالإسلام، أو الأيام التي جعلت القبائل اليمنية تفد على مقام النبوة، فتفهم من روح التاريخ -على اختلاف مصادره، وتباين طرقه-: أن العدنانيين والقحطانيين لم يكونوا في حاجة عندما يتحاورون إلى مترجم ينقل حديث أحدهما إلى الآخر، ولو كانت اللغتان مختلفتين في المفردات، وقواعد النحو والصرف، لم يسهل على العدناني أو القحطاني فهم لغة الآخر، إلا أن يأخذها بتعلم، أو مخالطة غير قليلة.
__________
(1) القطيع من الغنم.
(2) التفرق.
(3) اللبن.
(4) آتية بالأزل؛ أي: القحط.
(8/98)

وأما ما حكاه المؤلف عن أي عمرو بن العلاء، فقد مسه بالتحريف مساً رفيقًا، وعبارة أبي عمرو الواردة في كتاب "الطبقات" للجمحي: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن لساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"، فالمؤلف حوّل قوله: "ولا عربيتهم بعربيتنا" إلى قوله: "وما لغتهم بلغتنا"؛ لقصد المبالغة في الفصل بين اللغتين، وليصرف ذهن القارئ عن أن يفهم من قول أبي عمرو: "ولا عربيتهم بعربيتنا" أن تلك اللغة عربية، وإنما تختلف عن العدنانية اختلافاً يسوغ له أن يقول: "وما لسان حمير وأقاصي اليمن لساننا". ومس المؤلف عبارة أبي عمرو بالتحريف مرة أخرى، فقد حذف قوله: "أقاصي اليمن"؛ حتى لا يأخذ منها القراء أن لغة غير الأقاصي، وهي القبائل المجاورة للقبائل المضرية، ليس بين عربيتها وعربية مضر هذا الاختلاف.
وصفوة المقال في هذا البحث: أن اللغة القحطانية تقربت من اللغة العدنانية في عهد قبل الإسلام، وصارت تحاذيها في أكثر مفرداتها، وقواعد نحوها وصرفها، ولنا في شعر القحطانيين نظرة أخرى سنلقيها إليك في أمد قريب.

* أطوار اللغة العربية:
قال المؤلف في (ص 25): "إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة، فكيف بَعُد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة، حتى استطاع أبو عمرو بن العلاء أن يقول: إنهما لغتان متمايزتان، واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التي لا تقبل شكاً ولا جدلاً".
انقاد المؤلف إلى هذه الشبهة بما ادعاه سابقًا من اتفاق الرواة على أن
(8/99)

القحطانية عرب منذ خلقهم الله، ثم بتخيله أن اللغة العربية ذات لون واحد لا يمكنها أن تخرج في هيئات متقاربة أو متباعدة، وهو في كلا الأمرين بعيد عن التحقيق.
أما الأول، فإن كثيراً من الرواة يذهبون إلى أن القحطانية تنتمي إلى أصل غير عربي، ومن هؤلاء من يسميهم المتعربة، ومنهم من يسميهم المستعربة، ويعلل هذه التسمية بأنهم صاروا إلى حال لم يكن عليه أهل نسبهم، وهي اللغة العربية (1).
وأما الثاني، فإنا لا ندّعي أن طور اللغة العربية لأوائل عهد القحطانية هو طورها الذي تعرف به في ألسنة العدنانية، فقد تكون هذه اللغة لعهد العرب البائدة وللعهد الأول للقحطانية لا تزال في طورها الذي يمكن أن تتشعب به إلى لغتين ذات فوارق في نحوها وصرفها، وإلى لهجات لا تختلف إلا بمفرداتها، وكيفية النطق ببعض حروفها، وليس في البحث الحديث ما يمنع من أن تكون اللغة القحطانية شعبة من شعب العربية الأولى، وليس في البحث الحديث ما يمنع من أن تأخذ اللغة العربية في ألسنة العدنانية شأناً أرقى وأبين من شأنها في ألسنة القحطانية، فمن الممكن الميسور أن يتلقن إسماعيل - عليه السلام - من قبيلة قحطانية اللغة العربية التي لا تزال قابلة للتشعب إلى لغات ولهجات، ثم تأخذ في ألسنة أبنائه العدنانيين هيئة غير هيئتها القحطانية.

* اتصال نسب العدنانية بإسماعيل - عليه السلام -:
قال المؤلف في (ص 26): "والأمر لا يقف عند هذا الحد، فواضح
__________
(1) "تاريخ ابن خلدون" (ج 2 ص 46).
(8/100)

جداً لكل من له إلمام بالبحث التاريخي عامة، وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة: أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أوسياسية".
في استطاعة كل أحد أن يأتي إلى أي واقعة يقصها التاريخ، ويتلو عليها هذه الكلمات لا ينقص منها حرفاً، فيدعي أنه ملم بالبحث التاريخي عامة، وبالأساطير خاصة، ثم يشير إلى الواقعة بأنها نظرية متكلفة مصطنعة، ويذهب في تعليل تكلفها واصطناعها ما شاء، ولكن باحثاً غير المؤلف يقدر واجبات البحث العلمي ونتائجه، فلا تجده يمس واقعة بتهمة الاصطناع إلا بعد أن يملأ يده بالدليل الطاعن في صحتها.
يريد المؤلف من النظرية المتكلفة المصطنعة: مسألة اتصال نسب العدنانية بإسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام -، وقد أخذ من هنا يتحفز ليعلن الطعن في القرآن بكلام استرق سمعه من "ذيل مقالة في الإسلام بها".

* ورود اسم في القرآن دليل على وجوده التاريخي:
قال المؤلف في (ص 26): "للتوارة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب المستعربة".
ورود اسمي إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - في القرآن يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، واخباره عنهما بأمر يكفي للدلالة على وقوعه، وهو بالطبيعة يكفي هذه الأمم التي خالط قلوبها الإيمان بأن الرسول المؤيد بالآيات البينات لا يقول على الله إلا الحق، أما الذين لم يبصروا بدلائل نبوته،
(8/101)

ولم يقلبوا وجوههم في سيرته، فليس من شأنهم الاكتفاء بخبر القرآن، ولا أن يدلهم ورود اسم شخص فيه على وجوده التاريخي، فلم يكن لهذه الكلمة المستعارة من "ذيل مقالة في الإسلام" وجه يشفع لورودها في هذا النسق، فإن المسلمين حقاً يزدرونها، وغير المسلمين لا ينتفعون بها، ولا نرى لها من شأن غير إغواء النفوس التي لم تبلغ في إدراك الحقائق أشدها.
قصة إسماعيل وإبراهيم كانت تدور بين العرب أيام جاهليتهم، ثم ساقها القرآن على وجه محكم، وبيان ساطع، ومن حاول الجهر بإنكار ما تتداول نقله أمة، ويقرره كتاب تدين بصدقه أمم، كان حقاً عليه أن يسلك مسلك ناقدي التاريخ، فيبين للناس كيف كان نبأ الواقعة مخالفاً للمعقول أو المحسوس، أو التاريخ الثابت الصحيح، ولكن المؤلف لم يسلك في إنكار هذه القصة طريقة نقد التاريخ، فيحدثنا لماذا لم يسعها عقله، أو كيف وقع حسه على ما يبطلها، أو من أين سمع أن مؤرخاً قبل صاحب "ذيل مقالة في الإسلام" قال ما يناقضها؟! إذن لم يكن مع المؤلف سوى عاطفة غير إسلامية تزوجت تقليداً لا يرى، فحملت بهذا البحث، وولدته على غير مثال.

* قصة إسماعيل - عليه السلام -:
قال المؤلف في (ص 26): "ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى، وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية، ويبثون فيه المستعمرات".
(8/102)

قلنا لكم: إن يد المؤلف تجول في بعض كتب شرقية، فيقطف منها ما يلائم ذوقه، ويضعه في كتابه على أنه وليد فكره، ونتيجة بحثه، وهذا البحث مما تعلق فيه المؤلف بذيل "مقالة في الإسلام"، وإليك ما قال صاحب الذيل (1): "وحقيقة الأمر في قصة إسماعيل: أنها دسيسة لفقتها قدماء اليهود للعرب تزلفًا إليهم، وتذرعًا منهم إلى دفع الروم عن بيت المقدس، أو إلى تأسيس مملكة جديدة في بلاد العرب يلجؤون إليها، فقالوا لهم: نحن وأنتم إخوة، وذرية أبي واحد".
لم يأخذ المؤلف في البحث مأخذ ذي أناة، ينظر إلى ما عنده من أدلة أو أمارات، أو شبه مثيرة للشك، ويفصل العبارة على مقداره، فصاحب "الذيل" يقول: وحقيقة الأمر في قصة إسماعيل أنها دسيسة لفقتها قدماء اليهود، والمؤلف يقول: ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة، وأنت إذا قرأت ما كتبه، وفحصته الكلمة بعد الأخرى، لم تجد لديه ما يساعده على دعوى أنه مضطر إلى الاعتقاد بأن في القصة نوعاً من الحيلة، فهذه القصة تعرّض لها القرآن، وكان لها ذكر عند العرب قبل نزوله، فالذي يسهل عليه الحكم بكونها دسيسة أو حيلة، ويدعي الاضطرار إلى أن يراها حيلة، هو الذي يجد في التاريخ الموثوق بصحته ما يصرح بأن إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام - لم يهاجرا إلى مكة، أو يصرح بأن العرب لم يكونوا ذرية إسماعيل - عليه السلام -، أو يجد في سياق القصة ما يخالف حساً أو عقلاً، أو سنّة من سنن الله في الخليقة، وكل ذلك لم يكن، وغاية ما فعل المؤلف: أنه اجتذب أصل البحث من كتاب "الذيل"،
__________
(1) (ص 8).
(8/103)

ووقع اختياره على العلة الاستعمارية، فتشبث بها، وزاد عليها ملاحظة الحروب العنيفة التي شبت بين اليهود والعرب، وجعل أيام تلك الحروب أقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه فكرة وضع القصة. هذا مبلغ علمه من التاريخ، وهذا ما اكتفى به في دعوى اضطراره إلى الاعتقاد بأن في القصة نوعاً من الحيلة. وقد نظر جرجي زيدان في المسألة من وجهتها التاريخية البحتة، وتعرض في كتاب "العرب قبل الإسلام" (1) لما جاء في التوراة والقرآن، ثم قال: "وليس لدينا مصادر أخرى تنافي هذه الرواية، أو تؤيدها". وهذه الكلمة أقصى ما يقوله الباحث غير المسلم متى وقف على جانب من الإنصاف، ولكن المؤلف يقصد التشفي من غيظه على دين لا يرضى عن الإباحية المتهتكة.
زعم المؤلف أن اليهود اخترعوا هذه القصة لتأكيد الصلة بينهم وبين العرب، ثم قال: إن فيها نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة، ويعني بهذا: أن محمداً - عليه الصلاة والسلام - اتخذها أيضاً وسيلة إلى عقد الصلة بين الإسلام واليهودية، وبين القرآن والتوراة؛ ليأخذ الأمة اليهودية بزمام الاحتيال إلى اعتناق الدين الذي قام يدعو إليه، وهو الإسلام. وسنعرج على هذا الرأي في مناقشة الفقرات الآتية؛ لأن المؤلف أعجب به، وطفق يعيده على قراء كتابه مرة بعد أخرى.

* الحروب بين العرب واليهود:
قال المؤلف في (ص 26): "فنحن نعلم أن حروباً عنيفة شبت بين
__________
(1) (ص 164).
(8/104)

هؤلاء اليهود المستعمرين، وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد، وانتهت إلى شيء من المسالمة والملاينة، ونوع من المحالفة والمهادنة. فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام".
قد عرفت أن هذا الرأي غنمه المؤلف حين غزا "ذيل مقالة في الإسلام"، غير أن صاحب "الذيل" يقول: إن اليهود قالوا للعرب: نحن وأنتم إخوة، وذرية أبي واحد، وكأن المؤلف لم ترقه هذه العبارة، فحولها إلى زعم أنهم قالوا لهم: نحن وأنتم أبناء أعمام.
دخل اليهود البلاد العربية محاربين مستعمرين، وبعد أن ألقت الحرب أوزارها، وانعقدت بينهم وبين العرب مسالمة ومحالفة ومهادنة، اصطنعوا هذه القصة التي تجعل العرب واليهود إخوة كما يقول صاحب "الذيل"، أو أبناء أعمام على ما يقول المؤلف!.
يخطر هذا التعليل على قلب من لم يدرس طبائع الأمم عامة، وطبيعة الأمة العربية خاصة، أو درسها، ولكنه يتغابى عنها في كل حين يدعوه ذوقه وهواه إلى أن يصطنع له حديثاً، ولا يجد مندوحة من التغابي عنها أو الانسلاخ منها.
لم يكن العرب في زعم المؤلف أو صاحب "الذيل" يعرفون الأصل الذي ينتمون إليه، حتى حاربهم اليهود، أو طمعوا في نجدتهم، فاصطنعوا لهم أصلاً ربطوا به قبائلهم، وهو إسماعيل أخو إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام -.
لنقل: إن العرب كانوا يجهلون الأصل الذي ينتمون إليه، وإنهم بلغوا الغباوة أن تصنع لهم الجالية اليهودية نسباً، فيقبلوه على اختلاف قبائلهم،
(8/105)

ولنا أن نتساءل: هل كان هؤلاء العرب يؤمنون بنبوة إبراهيم وإسماعيل قبل اتصالهم بهذه الجالية؟ أم كانوا يسمعون بها ولا يؤمنون؟ أم كانوا لا يسمعون بها ولا يؤمنون؟.
فمان كانوا يؤمنون بها، فالإيمان إنما يكون عن علم شيء من تاريخ حياتهما، وأقل واجب في هذا السبيل معرفتهم أين بعثا، وأين كان مقامهما؟ وإذا كانوا يتلقون عن آبائهم حديث إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام -، وفرضنا أن إسماعيل لم يكن نزل بمكة، ولا عاش بها طول حياته أو أكثرها، فمن الصعب على تلك الجالية أن تعبث بعقول أمة كاملة، وتحولها إلى الاعتقاد بغير ما عرفته خلفاً عن سلف دون أن تأتيهم بسلطان مبين.
وإن كانوا يسمعون بنبوتهما ولا يؤمنون، أولا يسمعون بها ولا يؤمنون، فمن الجليّ الواضح أن شرف إبراهيم وإسماعيل وسمعتهما الفاخرة إنما اكتسباها من النبوة، وإذا كان العرب لا يؤمنون بنبوتهما، فهم لا يسلّمون لهما هذا الشرف حتى يسرعوا إلى قبول ما تزوّره لهم الطائفة المستعمرة، فلا بد من أن يضاف إلى حديث الاحتيال: أن الجالية اليهودية أقنعتهم بصحة نبوة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام - حتى وثقا بما لهما من شرف المنزلة وسمو القدر، ورأوا أن ربط نسبهم بإسماعيل يزيد في فخرهم ورفعة شأنهم.
وإذا كان في إمكان الجالية اليهودية أن تقنعهم بنبوة إبراهيم وإسماعيل، فلماذا لم تقنعهم بما هي أحرص على إقناعهم به، وهو نبوة موسى - عليه السلام - فتكون بينها وبينهم قرابة دينية، وهي أشد صلة وأدعى إلى التآلف والسكينة؟.
(8/106)

ولا ندري لماذا لم يعدّ المؤلف هذه الحروب العنيفة أسطورة، مع قيام رواية بجانبها تقول: "إن السريانيين واليونان طردوا اليهود من بلادهم، فقابلهم بنو إسماعيل بالترحيب، وتهوّد منهم كثير؛ لما رأوه في كتب اليهود القديمة من التعظيم للإِله الذي اهتدى إليه الخليل - عليه السلام - لعباته" (1)؟

* الإسلام بريء من هذا السخف والهزل:
قال المؤلف في (ص 27): "ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن ظهور الإسلام، وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد، وبين الديانتين القديمتين: ديانة النصارى، واليهود، فأما الصلة الدينية، فثابتة واضحة، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشترالثاني الموضوع والصورة والغرض، كلها ترمي إلى التوحيد، وتعتمد على أساس واحد هو الذي يشترك فيه الديانات السماوية السامية. لكن هذه الصلة الدينية معنوية عقلية يحسن أن تؤيدها صلة أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وأهل الكتاب، فما الذي يمنع أن تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية ين العرب العدنانية واليهود".
يقول المؤلف فيما سلف: إن في القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة، ويقول هنا: إن الخصومة بين الإسلام والوثنية قد اقتضت إثبات صلة بين الدين الجديد والديانتين القديمتين، ثم جعل القصة مستغلة لعقد صلة مادية بين العرب وأهل الكتاب.
__________
(1) "خلاصة تاريخ العرب" لسيديو (ص 38) طبعة مصر 1359 ه.
(8/107)

فالقصة جاءت في القرآن على وجه الحيلة في إثبات الصلة بين الإسلام واليهودية، وجاعت في القرآن لإثبات الصلة بين الدين الجديد، وهو الإسلام، والديانتين اليهودية والنصرانية، وجاءت في القرآن لإثبات صلة مادية بين العرب وأهل الكتاب.
هكذا يقول المؤلف! ويقول صاحب "ذيل مقالة في الإسلام": "ولما ظهر محمد، رأى المصلحة في إقرارها، فأقرها، وقال للعرب: إنه إنما يدعوهم إلى ملة جدهم هذا الذي يعظمونه من غير أن يعرفوه".
تابع المؤلف صاحب "الذيل" في زعمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد أمامة هذه القصة المزورة دائرة على ألسن العرب، فابتغاها وسيلة في بث الدعوة إلى هذا الدين الجديد، غير أنهما اختلفا في تصوير الغاية من تقريره لهذه القصة، فصاحب "الذيل" يزعم أنه أقرها لاستمالة العرب بإراءتهم أنه يدعوهم إلى ملة جدّهم الذي يعظمونه بقلوب لم تعرفه، والمؤلف أراد التظاهر بأنه لا يمشي خلف صاحب "الذيل" في كل رأي، فأخذ يتحسس لعله يلمس وجهاً غير وجه صاحب الذيل، حتى وقع خاطره على تخيل: أن النبي -عليه الصلاة والسلام - أتى بالقصة في القرآن لاستمالة أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث اشتدت الخصومة بينه وبين الوثنيين.
لا يهمنا كثيراً التنقيب عن مصادر الآراء، والخوض في أن المؤلف اعتصرها بفكره، أو تناولها على حين غفلة أو موت من أهلها، والذي يعنينا كثيراً إنما هو نقد الآراء نفسها حتى ينجلي أمرها، ويمتاز حقها من باطلها.
تعرضت التوراة لذكر إسماعيل - عليه السلام - ولم تأت على أبوته للعرب بصراحة، وإنما جاء فيها خطاباً لإبراهيم - عليه السلام -: "وأما
(8/108)

إسماعيل، فإني أجعله أمة؛ لأنه نسلك"، وجاء في حديثها عنه: "وسكن في برية فاران"، وفاران جبال بالحجاز، قال المرتضى في "شرح القاموس": وإليها ينسب أبو الفضل بكر بن قاسم الفاراني المتوفى سنة 277 ه، وفرج ابن سهل الفاراني المتوفى سنة 238 ه. وغير العرب يقولون: إنها برية، أو جبل عند العقبة في جزيرة سيناء. وقد سلك جرجي زيدان مسلك التوفيق بين القولين، فقال في "تاريخ العرب قبل الإسلام": "ويسهل تطبيق الروايتين متى علمنا أن جبال مكة أو جبال الحجاز تسمى أيضاً: "فاران"، فيكون المراد: أن البرية التي أقام فيها إسماعيل برية الحجاز، أو أنه أقام حيناً في سينا، ثم خرج إلى الحجاز، وسكن هناك، وتزوج" (1).
وذكرت التوراة أن إسماعيل حضر لدفن أبيه إبراهيم - عليه السلام -، فقالت: "ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة"، وليس في هذا ما يعترض قصة هجرته ونزوله بمكة؛ لأن التوراة كما قال جرجي زيدان: "لم تذكر إسماعيل بعد خروجه من بيت أبيه إلا عند حضوره دفنه على عادتها من الاختصار فيما يخرج عن تاريخ أمة اليهود أو ديانتها".
وإذا لم يوجد في المنقول ما ينفي هجرة إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز، تبينا أن المؤلف إنما دخل لإنكار القصة من طريق العاطفة المضادة للإسلام وحدها، ولم يزد على أن غمرها بالإنكار، وادعاء أن اليهود اصطنعتها للعرب، ولم يزد على أن اتهم صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - باستغلالها واتخاذها حيلة لتأليف أهل الكتاب.
فحديث المؤلف عن هذه القصة يرجع إلى معنى أن اليهود اصطنعوها
__________
(1) "تاريخ العرب قبل الإسلام" (ص 164).
(8/109)

احتيالاً على العرب، وأن الرسول الأمين محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بها في القرآن احتيالاً على اليهود، وإذا بُلي المؤلف بإخراج القصة في ألوان من الحيل، أفلا يعذر آخر إن قال: إن صبغ المؤلف للقصة بألوان الاحتيال نوع من الاحتيال على عقائد السذج من قراء كتابه أو طلاب دروسه في الجامعة؟!.
أيحتال أطيب البريّة سريرة، وأبهرهم حجة على اليهود بقصة خرجت من مصنع تزويرهم! كلّا! إن القرآن ليدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وليست القصة المزورة من الحكمة في شيء، وليس في القصة المزورة موعظة حسنة، ومن يتلو القرآن بتدبر، وينظر السيرة النبوية في مرآتها الصادقة، يعلم أن الإسلام بريء من هذا السخف والهزل، وما كان لمثل المؤلف أن يجعل سيرته أو سريرته قياساً لرسل الله الأكرمين.
نحن نعلم أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد وجد من قومه الذين يشاركونه في آبائه الأقربين صدورًا مطوية على عداء، وألسنة مبسوطة بالكيد والأذى، ووجد من قوم لا يتصل نسبهم بإسماعيل ولا بإبراهيم إيماناً وطاعة وتأييداً، فلا نستطيع أن نفهم كيف يخطر على باله أن يأتي في القرآن بقصة القرابة بين العرب واليهود احتيالاً على أهل الكتاب، وهي قرابة قديمة العهد، بعيدة الأثر، تكاد تشبه القرابة بين العرب وأكثر من في الأرض حيث يتفقان في جد أعلى هو نوح - عليه السلام -، وليس ببعيد من صاحب هذه الفلسفة الغريبة أن يقول: إن قصة آدم الواردة في القرآن مستغلة لعقد الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد، والديانات وغير الديانات الكائنة على وجه البسيطة؛ لأن في القصة صلة ملموسة أو كالملموسة، وهي
(8/110)

القرابة بين العرب وسائر البشر!.

* مكانة مكة في قلوب العرب:
قال المؤلف في (ص 27): "وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح؛ فقد كانت في أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السعادة في مكة وما حولها، وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية، وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين: التجارة من جهة، والدين من جهة أخرى".
رأى المؤلف فيما سلف أن القصة مصنوعة بيد اليهود تأليفاً للعرب يوم عقدوا معهم صلحًا بعد حروب عنيفة، ورأى هنا أن قريشاً مستعدة لقبول هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح؛ حيث إن نهضتها السياسية الاقتصادية تدعوها إلى البحث عن أصل تاريخي قديم متصل بالأصول التاريخية الماجدة، وزعم أنها لم تجد مانعاً من قبول هذه الأسطورة، واستنبط من هذا أن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام.
فالقصة صنعها اليهود للعرب يوم حروبهم العنيفة تأليفاً لهم! والقصة صنعت قبيل الإسلام يوم قام العرب يبحثون عن أصل تاريخي قديم!.
ولم يصرح المؤلف في حديث هذا الرأي بمن لقنها قريشاً، فلا ندري هل اصطنعها قريش بأنفسهم، أم اصطنعها لهم اليهود المستعمرون مساعدة لأهل دين "يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية"!.
عرف المؤلف أن التاريخ طافح بالشواهد على أن لمكة بين بلاد العرب ميزة ظاهرة، ولها في قلوب العرب حرمة بالغة، والناس يرون أن هذه المنزلة
(8/111)

المحترمة قد أحرزتها مكة من عهد إسماعيل وإبراهيم - عليهما السلام -، فبدا له أن يضع لقصة إسماعيل وإبراهيم عهداً قريباً، ورأى نفسه مضطراً إلى وضع يده على شيء يزعم أنه السبب في اصطناعها، فمكث غير بعيد، وجاءك يقول: إن قريشاً كانت في أول القرن السابع للمسيح على حظ من النهضة السياسية الاقتصادية، وزعم أن قصة إسماعيل وإبراهيم وليدة هذه النهضة، ثم انطلق يتحدث عن مصدر نهضة قريش، وانظر ماذا ترى!.

* احترام العرب لمكة يتصل بعهد إسماعيل وإبراهيم:
قال المؤلف في (ص 28): "فأما التجارة، فنحن نعلم أن قريشاً كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة. وأما الدين، فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش، ويحج إليها العرب المشركون في كل عام، والتي أخذت تبسط على نفوس هؤلاء المشركين نوعاً من السلطان قوياً، والتي أخذ هؤلاء العرب المشركون يجعلون منها رمزًا لدين قوي، كأنه كان يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية من ناحية، والمسيحية من ناحية أخرى".
ندع المؤلف يسمي ذلك النوع من التجارة كيف يشاء، وننظر فيما يذهب إليه بعد من أن الكعبة كانت موضع احترام العرب الوثنيين من قبل أن تصطنع لهم قصة إسماعيل وإبراهيم - عليهما السلام -؛ لأنه يجعل سيادة قريش الدينية من مصادر هذه النهضة السياسية، ويجعل النهضة السياسية باعثًا على تلفيق هذه القصة.
فإذا كان العرب المشركون يحجون إلى الكعبة في كل عام، وليس لديهم شعور بقصة إسماعيل وإبراهيم، فما هو الأمر الذي بعث قلوبهم على احترام
(8/112)

هذه البنيَّة؟ وما هو السائق لهم إلى أن يؤموا مكة في كل عام رجالاً وركباناً؟ فسنّة الله في الخليقة تقتضي ألا يتفق قبائل شتى على احترام بقعة، وحط الرحال إليها في كل عام إلا لعامل خطير يكون له هذا الأثر الكبير، ولا بد أن يكون هذا العامل مذكورًا على ألسنة تلك القبائل تتناقله أجيالهم طبقة بعد أخرى.
وإذا أطلقنا البحث في الروايات المحكمة، أو الأساطير الملفقة، لم نجد بها سوى أن تلك الحرمة التي يحملها العرب لمكة تتصل بعهد إسماعيل وإبراهيم. فمن يدعي أن لتلك الحرمة سبباً آخر، فعليه بيانه، وعلينا حسابه. والمؤلف على الرغم من كونه يهاجم بهذا البحث ديناً تفلّ السيوف القاطعات ولا تُفَلُّ حججه، لم يتعرض لسبب إقبال العرب على مكة بالاحترام والتعظيم، ولم يزد على أن ذكر أن قريشاً تجتمع حولها، والعرب المشركون يحجون إليها.
وإذا سلمنا أن الباعث للعرب في القديم على احترام مكة والحج إليها غير قصة إسماعيل وإبراهيم، فما هو العامل القوي الذي استطاع التأثير على عقول تلك القبائل بأسرها حتى تحولت عما كانت تتصور من وجه احترام الكعبة إلى اعتقاد أنها من بناء إسماعيل وإبراهيم؟ فانقلاب قبائل من عقيدة إلى أخرى واقعة خطيرة، وشأنها أن تتلمح، ولوفي الأساطير والأسمار.

* هل حاولت قريش توجيه وحدة سياسية؟
قال المؤلف في (ص 28): "فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية. وبحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجه في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم الروم والفرس
(8/113)

والحبشة ودياناتهم في البلاد العربية".
قال (سيديو) (1) في "تاريخ العرب": "كان بين الإسماعيلية والقحطانية تنافس المعاصرة المؤدي إلى اختلاف الكلمة، ثم مالوا إلى الوحدة السياسية لتوفر أسبابها من إغارة الحبشة عليهم بمكة، واتحادهم في الأخلاق والعوائد"، ولعلك تطالب المؤلف بأثر تاريخي يشهد بأن قريشاً حاولت توجيه وحدة سياسية وثنية تقاوم تدخل الأمم المجاورة لها وديانتها، فلا تجد لديه وثيقة على هذه النهضة سوى هذه الكلمة التي رماها (سيديو) في "تاريخه". أما نحن، فنتيقن أن العرب على اختلاف قبائلها تمقت السلطة الأجنبية، وتطمح إلى أبعد غاية في الحرية، ولكنا لم نجد في تاريخ الجاهلية ما يدل على أن قريشاً أو زعماء قريش سعوا في وحدة عربية تقف في وجه السياسة الأجنبية.
نعم، قرأنا في ذلك التاريخ أن حروباً شبت بين قريش وهوازن قبل البعثة المحمدية بنيف وعشرين سنة، وهي المسماة بأيام الفجار، ولعلها كانت في سبيل هذه النهضة العاملة على وحدة السياسة العربية!.

* البحث عن أصل تاريخي قديم:
قال المؤلف في (ص 28): "وإذا كان هذا حقاً -ونحن نعتقد أنه حق-، فمن المعقول جداً أن تبحث هذه المدنية الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تتحدث عنها الأساطير".
قد رأيت المؤلف كيف اقتدى بصاحب "الذيل" في دعوى أن القصة من صنع اليهود المستعمرين، ثم بدًا له أن يحدث طلاب الجامعة بباعث آخر
__________
(1) (ص 35).
(8/114)

على وضع القصة، وهو أنها صنعت لقريش يوم نهضت نهضتها السياسية القائمة على نهضتها الاقتصادية الدينية، وأخذت تبحث عن أصل قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة، وقد لبس الكتمان هنا، فلم ينمّ على من أسرّ إلى قريش بهذه الضالة التي قاموا ينشدونها، وقال لهم: إنكم من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم. وربما كان هذا من أسرار كتابه التي لا يفضي بها إلا إلى المتعلقين بأذياله، فاسألوهم إن كانوا ينطقون.

* مقابلة الحجة باللغو:
قال المؤلف في (ص 28): "وإذن، فليس ما يمنع قريشاً من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت "رومة" قبل ذلك، ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة".
يريد المؤلف أن يقابل الجد بالهزل، والحجة باللغو، يريد من هذه الأمم التي تعقل أكثر مما يعقل أن تضع قصة اليونان مع روما في وزان آيات تقوم بجانبها دلائل النبوة المتجلية في حياة أكمل الخليقة من حكمة في التشريع إلى استقامة في الأعمال، إلى بلاغة في الأقوال، إلى عدل في القضاء، إلى رشد في السياسة، إلى صدق اللهجة، إلى صرامة العزم، إلى حسن السمت، إلى رونق الحياء، إلى ما جدع أنف الباطل، إلى ما قوض عروش الجبابرة، إلى ما قلب العالم رأساً على عقب، وموجز القول: أن كل حلقة في سلسلة حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزة؛ فإن أساليب دعوته، ومظاهر حكمته لا يربطها بالأمية وغير الأمية إلا من له الخيرة في أن يمنح البشر ما لا تعهده البشرية.
(8/115)

هذه النبوة الساطعة، والهداية المحفوفة بالآيات من كل ناحية، هي التي خطر على بال المؤلف أن يزلزل أركانها بحكاية أسطورة يونانية!
يجعلون لروما تاريخاً خرافياً، وتاريخياً حقيقياً، والحقيقي يبتدئ من سنة 753 قبل المسيح، وقصة (إينياس) داخلة في دور التاريخ الخرافي، وقال ناقدوها: إنها صادرة من أرباب الخر افات والخزعبلات. وقصة إسماعيل لا يسهل على المؤلف أن يجعلها من هذا القبيل، إلا إذا آنس في نفسه قوة على نقض الأساس الذي قامت عليه، وهي رسالة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو لا يستطيع أن يسل من هذا الأساس لبنة ما دام قلمه لا يمشي إلا وقع في كبوة، ولا يطعن إلا رجع بنبوة.
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 15 - 16]

* أمر الطعن في هذه القصة:
قال المؤلف في (ص 29): "أمر هذه القصة إذن واضح. فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضاً. وإذن، فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عند ما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى".
أمر الطعن في هذه القصة إذن واضح، فهو حديث العهد ظهر قبيل كتاب "في الشعر الجاهلي"، واستغله كتاب "في الشعر الجاهلي" لسبب اقتصادي وديني غير إسلامي، ولم تقبله الثقافة الشرقية لسبب ديني وسياسي أيضاً، وإذن، فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل به عند ما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى.
(8/116)

* الاختلاف بين اللغة العدنانية والقحطانية:
قال المؤلف في (ص 29): "وإذن، فنستطيع أن نقول: إن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلم بها العدنانية، واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية، وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة".
كنا وضعنا بين يديك أن الاختلاف بين العدنانية واللغة القحطانية لم يكن في العصر القريب من ظهور الإسلام بعيداً إلى الغاية التي يخيلها إليك المؤلف، وقلنا لك: إن هضم اللغة العدنانية للغة القحطانية بعد الإسلام بأمد غير بعيد، يدل على أن الفوارق بينهما أخذت تذوب منذ عهد الجاهلية، وهذا لا تعترضه الآثار المخطوطة باللغة المخالفة للعدنانية في نحوها وصرفها، ولو دلت بتاريخها على أنها رسمت قبل الإسلام بعهد قريب؛ إذ قصارى ما تدل عليه: أن لغة أهل المكان المنطوي عليه ذلك الأثر، أو اللهجة التي جرت عليها عادة الكتابة لم تتخلص من مميزاتها الشديدة، ولا يعترضه أيضاً قول أبي عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"؛ فإنه يصدق حيث يكون بين لغة حمير وأقاصي اليمن، وبين لغة عرب عدنان اختلاف في بعض المفرادت، وشيء يسير من القواعد النحوية، وهذا الاختلاف سمّاه ابن جني في كتاب "الخصائص" (1): بعداً، وأثبت -مع هذا البعد- أنها لغة عربية، فقال: "ويكفي من هذا ما تعلمه من بُعد لغة حمير من لغة بني نزار"، ثم قال: "غير أنها لغة عربية قديمة".
__________
(1) (ج 1 ص 427).
(8/117)

* العاربة والمستعربة:
قال المؤلف في (ع 29): "وإن قصة العاربة والمستعربة، وتعلم إسماعيل العربية من جرهم، كل ذلك حديث أساطير، لا خطر له، ولا غناء فيه".
من الأمة العربية أقوام يدور حديثهم في الجزيزة، ويتناقل المؤرخون أثراً من أخبارهم؛ كعاد وثمود وطسم وجديس وجرهم، ولم يبق على وجه الجزيرة من ينتمي إلى هذه القبائل، وقد ذكر القرآن بعضها. كعاد وثمود، وقال في شأنهما: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم: 50 - 51].
وهؤلاء يسمونهم: البائدة؛ لعدم بقاء جماعة معروفة تنتمي إليهم في البلاد العربية.
ويمتد بجنوب الجزيرة قبائل يقال لها: القحطانية، وبشمالها قبائل أخرى يقال لها: العدنانية، ووجدوا في كل من هاتين الأمتين رجالاً لهم عناية بأنساب القبائل، فأخذوا عنهم ما يذكرونه في أصل بني قحطان، وسمّوهم: المتعربة، وتلقوا منهم: أن هذه القبائل العدنانية تتصل بإسماعيل، فسمّوهم: المستعربة، وما تأيد من هذه الأخبار بقرآن، أو بحث حديث يستند إلى محسوس، حل منا محل العلم، وما كان حظه النقل عن أولئك الرواة فقط، نافاه حس أو عقل، أو سنة كونية، رددناه على ناقله خاسئاً، وإن لم يناف شيئاً من هذه الأصول، قصصناه عالمين بمبلغه من الظن، ودوّناه إلى أن نظفر بما نضعه في محله من أنباء هي أرجح منه وأقوى.

* الشعر القحطاني والعدناني:
قال المؤلف في (ص 29): "والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع
(8/118)

الذي ابتدأنا به منذ حين، وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه: الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولا يمكن أن يكون صحيحاً؛ ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئاً كثيراً من الشعر الجاهلي قوماً ينتسبون إلى عرب اليمن، إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء: إن لغتها مخالفة للغة العرب، والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير لغة العربية".
قد عرفت أن المؤلف نحا بعبارة أبي عمرو بن العلاء نحواً من التحريف؛ ليجد فيها من الشاهد لرأيه ما لا يجده حين يوردها على وجهها. وقلنا لك مرة، بل مرتين: إن أبا عمرو لا يريد إلا أن بينها وبين العدنانية اختلافاً، وذلك ما لا ينكره قديم أو جديد، ولم يقل: إن لغة اليمن مخالفة للغة العربية، بل سمى لغتهم عربية، وقال: وما عربيتهم بعربيتنا. وخضنا فيما يدل عليه البحث الحديث، وانتهينا إلى أنه لا يعترض الاعتقاد بأن فوارق اللغة القحطانية كانت حوالي القرن الأول قبل الإسلام خفيفة إلى حد أن قبلت الخروج في زيّ العدنانية بعده بسهولة.
هذا شأن الاختلاف بين اللغتين، أما تشابه الشعر القحطاني والعدناني، فله سبيل غير هذا السبيل، والرأي الذي يوافق إجماع الروايات، ويؤيده النظر، ولا يعترضه البحث الحديث: أن الشعراء في جنوب الجزيرة وشمالها أصبحوا من قبْل الإسلام ينظمون الشعر بلهجة واحدة، أو متقاربة، وإليك البيان:
من الواضح الذي تستحي أن تعزوه إلى كتاب، أو تقيم عليه شاهداً: أن لغة قريش كانت أفصح لغات العرب قاطبة، وسبب هذا التفوق: موقع
(8/119)

سوق عكاظ وذي المجاز ومجنّة من ديارهم؛ إذ كانت القبائل تفد عليها في موسم الحج، وتتخذ فيها معرضًا لمصنوعات القرائح، ونوادي للتفاخر بالأحساب والأنساب، أو التقاذف بالوعيد والهجاء، وهذا ما يضع لغات العرب بين يدي قريش، فتلقط منها ما يستخفه السمع، ويتسوغه الذوق، ومن المعقول أن تكون هذه المحافل الأدبية أفادت لغة قريش، وزادتها فصاحة على فصاحتها، وتقدمت بها على سائر لغات العرب شوطًا بعيداً.
وإذا قامت في قلب الجزيرة لغة قبضت على أعنة الفصاحة، وكان للناطقين بها مظهر من مظاهر السؤدد، فمن سنّة تقليد الأفضل والأجود أن تنزل القبائل إلى محاكاة لهجة قريش، ونسج الكلام على منوالها، وأول من يسبق إلى هذا الشأن ذوو الفكر المنتج، والخيال الواسع، والمعاني الغزيرة، وهم الخطباء والشعراء.
فتقارب الشعراء في اللهجة جاء من جهة محاكاتهم بالشعر أفصح لهجة وأشهرها بين القبائل، وهي لغة قريش. قال أبو إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة" (1): "فإن الحجازي قد يتكلم بغير لغته، وغيره يتكلم بلغته، وإذا جاز للحجازي أن يتكلم باللغة التميمية، جاز للتميمي أن يتكلم باللغة الحجازية، بل التميمي بذلك أولى". ومما قال في توجيه هذه الأولوية: "أن الحجازي أفصح، وانقياد غير الأفصح لموافقة الأفصح أكثر وقوعًا من العكس".
فرغبة الشعراء في أن يكون لشعرهم جولة في البلاد العربية بأسرها، ووجود لهجة تشهد القبائل موطنها، وتألفها أسماعهم، وترتاح لها نفوسهم،
__________
(1) حكاه البغدادي في "خزانة الأدب" (ج 2 ص 134).
(8/120)

مما يحمل هؤلاء البلغاء على أن يحتذوا في شعرهم حذو هذه اللهجة الفائقة المألوفة.
فإذا قرأنا هذه المطولات، ورأينا فيها مطولة لشاعر كندي، ومطولات لشعراء من ربيعة، ولم نشعر فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافاً في اللهجة، أو تباعدًا في اللغة، فالسبب ما لوحنا إليه من أن الاختلاف في أصله يسير، وأن هناك ما يسوق الشعراء إلى أن يتحروا بالشعر أفصح اللهجات، وأكثرها وقعًا على الأسماع.
ونحن نعلم أن قبائل اعتنقت الإسلام، وفيها بقية من حضارة، وعلم بالكتابة، فلا يصح أن يبلى شعرها الذي قيل في عهد جاهليتها، فلا بد أن ترث منه نصيباً مفروضًا، وأن يبقى في يدها ولو الشعر الذي قرب عهده، ولم يتوغل في الجاهلية أكثر من مئة سنة، ومن هؤلاء الذين تقلدوا الإسلام، ويجب أن يكونوا عارفين بلهجة شعرائهم، من شهدوا يوم أصبحت العرب أمة واحدة، وحين بدأت القبائل تراجع مآثر شعرائها، ومفاخر أحسابها.
ولا يخلو هؤلاء اليمانون العارفون بلهجة شعرائهم إما أنهم اشتركوا في هذا السباق، وقدموا للناس أشعار سلفهم بلهجتها الأولى، ولو فعلوا ذلك، لرأينا له في التاريخ أثراً، أو يحدثنا عنه التاريخ، وإن لم يرو لنا منه قافية، كما حدثنا عن أسد بن ناعصة المشبب بخنساء، وقال: إنه "كان صعب الشعر جداً، وقلما يروي شعره لصعوبته (1) "، وإما أن يكونوا قد طرحوا ما بأيديهم من الشعر القديم، ودخلوا السباق بشعر صاغوه في لهجة قريش، وعزوه إلى شعرائهم الأقدمين، ومن البعيد جداً أن يعدموا في هذا
__________
(1) "التهذيب" للأزهري، مادة (نعص).
(8/121)

الحال من يعرفون لهجة أولئك الشعراء، ويدرون الفرق بينها وبين لهجة قريش، فيفسدون عليهم صنيعهم، ويحثون في وجوههم الإنكار بملء أفواههم، وواقعة أدبية أو لغوية كهذه لا تمر على الناس من غير أن يضعوها في يد التاريخ تبدو لنا، ولو في شبح ضئيل.
ومما يتعذر قبوله أيضاً أن يضع غير اليمانين أشعاراً في لهجة قرشية، ويعزوها إلى القدماء من شعراء اليمن دون أن يجدوا من اليمانين، أو ممن يعرف لهجة شعراء اليمانين من ينكر صنيعهم، ويناضلهم بحجة أن هذا الشعر غير منطبق على لهجة أولئك الشعراء.
وانصباب العرب في الحروب والفتوحات إنما يصلح أن يكون علة لضياع الكثير أو الأكثر من شعرهم، أما أنه يذهب بأثره جملة، فواقعة لا يؤمن بها إلا من يكون "على حظ عظيم جداً من السذاجة".
فالمعقول أن الاختلاف بين اللغة القحطانية واللغة العدنانية قبل الإسلام بعشرات من السنين لم يكن كحاله في العصور الغابرة، وأن الشعر كان يظهر في لهجة يسير عليها شعراء القبيلتين للأسباب التي سقناها آنفاً، وإذا فرض أن ينحو شاعر نحو لهجته، فأيسر شيء على الرواة تغييره إلى اللهجة الأدبية العامة، وسنعود إلى البحث تارة أخرى.

* للشعر لغة غير لغة الكلام:
قال المؤلف في (ص 30): "ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية، لا نجد فرقاً قليلاً ولا كثيراً بينه وبين شعر العدنانية. نستغفر الله! بل نحن لا نجد فرقاً بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن. فكيف يمكن فهم ذلك وتأويله؟ أمر ذلك يسير، وهو أن هذا الشعر
(8/122)

الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام ليس من القحطانية في شيء، لم يقله شعراؤها، وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه الأسباب التي دعت إلى انتحال الشعر الجاهلي في الإسلام".
قد جئناك بتفصيل القول في أن للشعر لغة غير لغة الكلام، وأقمنا هذا الرأي على ما يتفق مع الرواية المتضافر عليها في الصدر الأول، وأومأنا إلى أن البحث الحديث لا يعترضه في قليل ولا كثير، وهذا الدكتور (مرغليوث) يقول في صدر مقاله المنشور في "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية": "لا نجد في المخطوطات الأثرية شيئاً من الشعر بالرغم من وجود مدنية عالية".
فلا موضع لعجب المؤلف إذا لم يجد فرقاً قليلاً ولا كثيراً بين شعر القحطانية وشعر العدنانية. وأما ما يقوله من أنه لا يجد فرقاً بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن؛ فإن أراد أنه يوافق لغة القرآن في قواعد نحوها وصرفها، وكثير من مفرداتها، فذلك ما لا يناقشه فيه أحد، وسره ما كنا بصدد الحديث عنه من أن الاختلاف بين اللغتين أصبح ضئيلًا، وأن لغة الشعر والخطابة بين العرب غير اللغة المستعملة في مخاطباتهم العادية، ولا ننسى أن اللغة التي نزل بها القرآن، وكان البلغاء في الجاهلية يحتذونها، هي لغة أساسها لغة قريش، وسائر بنائها قائم من لغات شتى.
(8/123)

الشعر الجاهلي واللهجات
* إنكار القبائل والأنساب:
قال المؤلف في (ص 31): "على أن الأمر يتجاوز هذا الشعر الجاهلي القحطاني إلى الشعر الجاهلي العدناني نفسه. فالرواة يحدثوننا أن الشعر تنقل في قبائل عدنان، كان في ربيعة، ثم انتقل إلى قيس، ثم إلى تميم، فظل فيها إلى ما بعد الإِسلام؛ أي: إلى أيام بني أمية حين نبغ الفرزدق وجرير، ونحن لا نستطيع أن نقبل هذا النوع من الكلام إلا باسمين؛ لأننا لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة؛ لأننا ننكر أو نشك على أي تقدير شكاً قوياً في قيمة هذه الأسماء التي تسمى بها القبائل، ونعتقد، أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين".
يقول بعض الكاتبين في تاريخ الأدب؛ كابن سلام الجمحي: كان الشعر في الجاهلية في ربيعة، ثم تحول إلى قيس، ثم آل إلى تميم، واستقر بها.
يقولون هذا، وهم يريدون أن أقدم من عرفوا بالشعر الجيد كانوا في ربيعة، مثل: مهلهل، وطرفة، والمتلمس، والحارث بن حلزة، والأعشى، ثم ظهر في قيس شعراء فائقون؛ كالنابغتين الذبياني والجعدي، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد، والحطيئة، ثم أصبح أكثر البارعين في الشعر من بني
(8/124)

تميم إلى عهد الفرزدق وجرير، وفي شعراء تميم أوس بن حجر، وعلقمة ابن عبدة، ومالك ومتمم ابنا نويرة.
سمع المؤلف هذا الحديث، فعرض لنفسه حال لم يدر هل هو إنكار، أو شك، وقد توجه هذا الإنكار أو الشك إلى أن هناك قبيلة تسمى ربيعة، وأخرى تسمى قيساً، وثالثة تسمى تميماً، ثم توجه هذا الحال الذي هو إنكار أو شك إلى قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء، وبين أسماء هذه القبائل.
أما الإنكار أو الشك في أن هناك قبائل تسمى بهذه الأسماء، فلا يمكنك علاجه إلا إذا استطعت أن تعالج أصم ينكر أن في الأصوات مزعجًا، وآخر لذيذاً.
وأما الإنكار أو الشك في نسبة هؤلاء الشعراء إلى هاتيك القبائل، فمنشؤه: أن المؤلف لا يقدر عناية العرب بالمحافظة على أنسابها، ويضعها بالموضع اللائق بها من البحث، ولا يزيد بهذا إغلاق باب البحث في أنساب الشعراء أو غيرهم، بل أعني: أنه متى أجمع علماء التاريخ على أن الحارث ابن حلزة -مثلاً- من ربيعة، أو أن الأعشى من قيس، أو أن الفرزدق من تميم، وثقنا بهذا الطريق العلمي، وليس لنا أن ننكر أو أن نشك في هذه الأنساب، إلا أن يقع في أيدينا ما يحل عقدة ذلك الإجماع.
أما سلسلة النسب التي تصل الشاعر باسم القبيلة، فقد يحف بها من الشواهد ما يلحقها بالظنون الراجحة، وكثير من هذا النوع ما يذكرونه على أنه رُوي، وتحدث به، فيدونونه وهم عارفون بقيمته التاريخية، ويقرؤه الناس دون أن يضلوا به، أو يضعوه في سلك العلم، أو الظن القريب منه؛
(8/125)

لأنهم لا يبنون عليه إرثاً أو مصاهرة أو مناصرة. فإن أراد المؤلف أن يتعاظم أمام طلابه في الجامعة بأنه يشك أو ينكر حيث يتيقن أهل العلم أو يتفقون، فقد تصوَّر هذه الطائفة القليلة المستنيرة بمكان البله والغباوة.
وإذا ضل عن المؤلف الطريق العلمي لمعرفة أنساب هؤلاء الشعراء، فليمش إليه على الطريق الذي عرف به أن في قبائل العرب قبيلة يقال لها: كندة، وأن عبد الرحمن الأشعث هو ابن محمد الأشعث، وأن محمد الأشعث هو ابن الأشعث، وأن الأشعث هو ابن قيس، وأن نسب آل الأشعث يتصل بقبيلة كندة (1). ومن بديع منطق المؤلف أن يتماثل الطريقان إلى الغاية، فيرضى عن أحدهما، ويسخط على الآخر، كان إنكاره أو شكه اختياري يستدعيه متى يشاء، ويصرفه في الوقت الذي يريد!.

* اختلاف لغات العرب العدنانية:
ذكر المؤلف أن مسألة النسب لا تعنيه الآن، وأنه سيعرض لها إذا اقتضت مباحث هذا الكتاب أن يعرض لها.
ثم قال في (ص 31): "إنما المسألة التي تعنينا الآن، وتحملنا على الشك في قيمة هذه النظرية -نظرية تنقل الشعر في قبائل عدنان قبل الإسلام - مسألة فنية خالصة. فالرواة مجمعون على أن قبائل عدنان لم تكن متحدة اللغة، ولا متفقة اللهجة قبل أن يظهر الإِسلام فيقارب بين اللغات المختلفة، ويزيل كثيراً من تباين اللهجات. وكان من المعقول أن تختلف لغات العرب العدنانية، وتتباين لهجاتها قبل ظهور الإسلام".
__________
(1) تحدث بهذا في (ص 134 - 137).
(8/126)

تختلف لهجات القبائل العربية اختلافاً لا يخرجها عن أن تعد لساناً واحداً، وأن يكون هذا اللسان ذا قوانين تجري في هذه اللهجات بأسرها.
تختلف في معاني بعض الكلمات، أو بتغاير بعض حروفها، أو هيئتها من حركة وسكون، أو صفتها كالإمالة والتفخيم، أو بقلبها، أو بالزيادة فيها، أو النقص منها، وتختلف في حروف معدودة بالإعراب والبناء، وبإعمال بعض الأدوات وإهمالها.
ولا تزال هذه الوجوه من الاختلاف محفوظة في كتب اللغة والنحو، بيد أن علماء العربية قد يعزون الكلمة أو اللهجة إلى القبيلة المختصة بها، وربما ذكروا أنها لغة من غير عزو إلى قبيلة بعينها.
ولم تشتد عنايتهم بذكر اسم القبيلة عند كل كلمة ترد على وجهين أو وجوه؛ لأنهم أصبحوا ينظرون إلى هذه اللهجات بمرآة عامة هي اللغة العربية، فصارت تلك الحروف على اختلاف وجوهها وأحوالها- مندرجة تحت اسم هذا العنوان الشامل، ولهذا تسمعهم يجعلون للمتكلم الخيار في أن ينطق بأي حرف شاء، وعلى أي وجه اتفق له، وهو معدود في كل حال ناطقاً بالعربية. قال ابن فارس بعد أن ذكر الوجوه التي تختلف بها لغات العرب:
"وكل هذه اللغات مسماة منسوبة لأصحابها، لكن هذا موضع اختصار، وهي وإن كانت لغة قوم دون قوم، فإنها لما انتشرت، تعاورها كلٌّ (1) ".
وقال ابن جني في كتاب "الخصائص": "اللغات على اختلافها كلها حجة، والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ". وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": "كل ما كان لغة لقبيلة صحّ القياس عليه".
__________
(1) "الصاحبي" (ص 22).
(8/127)

فلغات العرب العدنانية تختلف على حسب الوجوه التي أومانا إليها، وهذا الاختلاف المعقول لا يجد فيه المؤلف دليلاً أو شبه دليل على أن الشعر الجاهلي مختلق، وإن ساقه هنا بتوهم أنه قائم مقام مقدمتين صادقتين لا مردَّ لهذه الدعوى عن أن تكون وليدتيهما، وقد أريناك فيما سلف نوعاً من الأسباب التي تجعل هذا الاختلاف قليل الظهور في أشعار الفصحاء، وسيوافقك البحث بعد هذا بما يدحر هذه الشبهة عن سبيلك.

* العزلة العربية:
قال المؤلف في (ص 32): "ولا سيما إذا صحت النظرية التي أشرنا إليها آنفاً، وهي نظرية العزلة العربية، وثبت أن العرب كانوا متقاطعين متنابذين، وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجة".
أتدري ما هي نظرية العزلة التي أشار إليها آنفاً، وودّ في هذا الفصل أن تصح، وتستقيم له؟ هي تلك النظرية التي رماها على كتاف "الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي من درس الحياة العربية قبل الإسلام"، وشن عليها الغارة بنكير لا هوادة فيه، وكنا قد أمطناها عنهم ببيان أن في الشعر الجاهلي نفسه ما يدل على أنهم كانوا يتصلون بالأمم المجاورة لهم بمقدار.
أنكر المؤلف نظرية العزلة العربية حين رآها تعترض ما أراده من أن للجاهليين اتصالاً بالعالم الخارجي! ووذ في هذا الفصل أن تستقيم له؛ لأنها تؤيد نظرية عدم التقارب بين لغات القبائل العربية!.
ولعله يعود فيقول: إنما أنكر اعتزال العرب للأمم الأخرى، وأما حالهم
(8/128)

فيما بينهم، فالتقاطع والتباعد، ويلزمه على هذا التاويل أن يكون العرب الواقفون على سياسات الأمم الأجنبية إنما هم النازلون بأطراف الجزيرة؛ لأن القبائل النازلة في أحشاء الجزيرة لا يمكنها أن تتصل بالفرس والروم والحبشة ومصر، إلا أن تجوس خلال من يجاورها، أو يجيء على طريقها من القبائل الأخرى.
وليس بمستبعد على مثل المؤلف أن يقول لك في صراحة وعجل: إن تلك القبائل كانت على مدنية شائقة، وكانت تمتطي طيارات تمخر بها في الجو حتى تتصل بالأمم الأجنبية، ولا تلقى في سبيلها شخصاً من قبيلة أخرى عربية، تفعل ذلك حذراً من أن تتقارب لهجاتها، ويتماثل شعرها!.،

* لغة أدبية منذ عهد الجاهلية:
قال المؤلف في (ص 32): "فإذا صح هذا، كان من المعقول جداً أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها، ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات، وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة، ولهجات متقاربة، ولكننا لا نرى شيئاً من ذلك في الشعر العربي الجاهلي".
هذه الشبهة علقت بذهن المؤلف فيما علق من مقال (مرغليوث)، وهي مطرودة بنظرية وجود لغة أدبية يحتذيها الشعراء على اختلاف قبائلهم منذ عهد الجاهلية، وهذا لا يقوله أنصار القديم وحدهم، بل يقوله كثير ممن هم أخلص لمذهب الجديد، وأعرق فيه من المؤلف، فهذا البستاني يقول في "دائرة معارفه" (1): "وكان أشد الخلاف بين أهل نجد والحجاز، وأهل
__________
(1) (ج 10) مادة (شعر).
(8/129)

اليمن الحميريين، وكانوا كلهم مولعين بقول الشعر، وأرادوا أن تبقى الاتصالية في الأخبار والأحوال بين قبائلهم على اختلافها، ولم يكن لهم كتب يدونون فيها الوقائع بحيث يفهمها الجميع، فأجمع الشعراء على أن ينظموا شعرهم بألفاظ فصيحة مشهورة شائعة بين كل القبائل، وبذلك اشتركت ألفاظ اللغة العربية، وشاعت بمنطوق واحد، وتقررت من الجميع".
وهذا (سيديو) يقول في "خلاصة تاريخ العرب" (1): "كان بين الإسماعيلية والقحطانية تنافس المعاصرة المؤدي إلى اختلاف الكلمة، ثم مالوا إلى الوحدة السياسية ... ورأو الأشعار وسيلة لانتشار فخارهم في بحيث (2) جزيرة العرب، وسبيلًا لوصول أعمالهم العجيبة، ومآثرهم إلى ذراريهم، فأحبوها، وعكفوا عليها، لكن كلام مؤلفي نجد والحجاز لم يفهمه مؤلفو اليمن، بل لم تتفق قبائل بلد واحد على لغة واحدة، إلا أن شعراء العرب الموكول إليهم اختراع لغة أعم من تلك اللغات رُويت أشعارهم في كل جهة، فتعينت الألفاظ المعدة للدلالة على الأفكار والتصورات، فإن العشائر المستعملة للعبارات المختلفة للدلالة على فكرة واحدة متى سمعت قول الشاعر، اختارته في ذلك الموضوع، وفهمت مع ذلك فوائد التمدن، فلذ! قابلت الأمة العربية هذه الابتكارات العقلية بالاعتبار، وأنشؤوا في عكاظ والمجنة وذي المجاز للمفاخرة بالشعر مجالس حافلة خالية من التحكم على النفوس".
وقال الدكتور (تشارلس ليال) في مقدمة "المفضليات" بعد أن أمتع
__________
(1) (ص 36).
(2) كذا في الأصل وفي المرجع.
(8/130)

الرد على (مرغليوث): "إنه مما لا شك فيه أنه وجد بجزيرة العرب قديماً، كما يوجد اليوم في كثير من أنحاء الجزيرة، لهجات وفروق عظيمة، ولكنا نرى فرق اللهجات في لغة الشعر قليلاً -إلا في أشعار طيء-، ومعناه: أن لغة الشعر في أنحاء الجزيرة صارت واحدة، ومجموعة لغات الشعر الجاهلي، وكثرة المترادفات العظيمة إنما وجدت في الشعر بامتصاص تدريجي، وبذلك نشأت لغة شعرية هضمت لهجات القبائل المختلفة. ولا محالة أن هذا يستغرق زمناً يكون المشتغلون فيه لوضع هذه اللغة الشعرية وأوزانها في أقصى ما يمكن من العزم". ثم قال: "ويظهر لنا أن هنالك أثراً من الصحة للرواية القائلة بأن سوقًا سنوية كانت تعقد في الأشهر الحرم بجوار مكة، ويتنافس فيها الشعراء بمآثر الفصاحة، وأن مثل هذه المجتمعات والأسواق هي المدرسة التي رقت الشعر وأسلوبه، وأحكمت قواعده".
وفي "دائرة المعارف الإسلامية" الإنكليزية: "نتساءل: كيف أمكن الشعراء -وأكثرهم أميون- أن يوجدوا لغة أدبية واحدة؟ فعلوا ذلك رغبة منهم في انتشار أشعارهم بين جميع القبائل، وهم إما أن يكونوا قد استعملوا كلمات وجدت في جميع لهجات القبائل بسبب الصلات التجاربة بين القبائل المختلفة فأتى الشعراء وهذبوها، وإما أنهم اختاروا بعض لهجمات خاصة، فأصبحت هذه اللهجة لغة الشعر". وفيها: "كان جميع شمال جزيرة العرب في أوائل القرن الخامس للميلاد لهم لغة واحدة، وهي لغة الشعر، ويمكننا القول بأنها نشأت تدريجياً بمناسبات واختلاطات بين القبائل المختلفة؛ مثل: هجرة القبائل في طلب المرعى، وحجهم السنوي إلى أماكنهم المقدسة أمثال مكة وعكاظ، ويظهر أن هذه اللغة استقت من لهجات كثيرة".
وقد أخذ (أدور براونلش) في رد هذه الشبهة على (مرغليوث) بتسليم
(8/131)

لغة الجنوب مخالفة للغة العربية، وذهب إلى أن اللغة الأدبية وحدت لهجات القبائل الشمالية، ولم يمنع مع هذا أن ينظم أناس من القحطانيين أشعاراً بهذه اللغة؛ لأن كثيراً منهم يتكلمون باللغتين، فقال: "إن اختلاف الشعر العربي عن نصوص المخطوطات الموجودة في جنوب بلاد العرب لا يدل إلا على أمر واحد، وهو أن سكان هذه الممالك الجنوبية لا نصيب لهم في صنع الشعر العربي، على أن هذا لا ينفي اشتراك بعض أشخاص منهم في وضع الشعرة لأن كثيراً من سكان جنوب بلاد العرب كانوا يتكلمون باللغتين قبل أن يظهر عامل التوحيد الإسلامي بأزمان عظيمة". ثم قال: "إن اختلاف لغة جنوب بلاد العرب عن لغة الشماليين ليست بالأمر المستغرب، ولا سيما إذا علمنا أن لغة الجنوب ليست بلهجة عربية، بل هي لهجة سامية، بينما لهجات العربية الشمالية المختلفة أمكن توحيدها في لغة أدبية راقية".
فهؤلاء الباحثون المتمرنون على منهج (ديكارت)، قد قرروا نظرية وجود لغة أدبية زمن الجاهلية، إلا أن من هؤلاء من يجعلها للعرب قاطبة عدنانية وقحطانية، ومنهم من يجعلها للقبائل العدنانية، ولا يمنع مع هذا أن ينظم بعض القحطانيين في هذه اللغة أشعاراً؛ حيث إن فيهم من هو قائم على اللغتين. وعلى أي حال، لا يستقيم لأحد أن ينكر شعراً يعزى لقيسي، أو رَبَعي، أو كِندي لمجرد ما يوجد بين لغات هذه القبائل أو لهجاتها من اختلاف.

* اللهجة المتماثلة والأوزان المتشابهة في المطولات:
ذكر المؤلف المطولات أو المعلقات، وأصحابها:
وقال في (ص 33): "تستطيع أن تقرأ هذه القصائد السبع دون أن تشعر
(8/132)

فيها بشيء يشبه أن يكون اختلافاً في اللهجة، أو تباعداً في اللغة، أو تبايناً في مذهب الكلام. البحر العروضي هو هو، وقواعد القافية هي هي، والألفاظ مستعملة في معانيها كما تجدها عند شعراء المسلمين، والمذهب الشعري هو هو".
لا يشعر القارئ في هذه المطولات بشيء يشبه أن يكون اختلافاً في اللهجة؛ لأن للشعر والخطابة منذ عهد الجاهلية لغة واسعة النطاق، بعيدة ما بين الأطراف.
وليس كل ما تسمعه فيما يصوغه الفصحاء من شعر أو نثر هو لغة قبيلة واحدة، بل هو مستخلص من لغات شتى، وفي هذه اللغة الضارية في نواحي الجزيرة يمينًا ويسارًا نزل القرآن، وتفقهت فيه سائر القبائل، حتى القحطانية، من غير أن يحتاجوا في فهمه إلى ترجمان، ومن يسمّي هذه اللغات المهذبة لغة قريش، فلأن لغة قريش كانت المبدأ الذي شبت عليه هذه اللغة، وأخذت تجتني من لغات القبائل ما يخف وقعه على السمع والذوق واللسان، فأنت إذا قرأت قصيدة من هذه المطولات، قد تمر على كثير من لهجات القبائل، ولكنك لا تشعر بها؛ لأنها أصبحت بفضل هذه اللغة سائرة في شعر كندة وربيعة وقيس وتميم؛ كسيرها في شعر قريش.
ومن آثار وحدة اللغة الأدبية هذه المترادفات الفائقة كثرة، وهذه الكلمات التي تنقلها من معنى إلى معنى أو معان، وهذه الألفاظ التي يحق لك أن تنطق بها في هيئات متعددة، وقد تكون هذه الأوزان الشعرية متفرقة في لهجات القبائل، ووقع اختيار الفصحاء عليها، وأخذوا ينسجون في النظم على مثالها، فلا عجب أن تظهر هذه المطولات في لهجة متماثلة، وأوزان متشابهة، وأن
(8/133)

تكون ألفاظها مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمين.

* أثر اختلاف القبائل في الشعر:
قال المؤلف في (ص 33): "كل شيء في هذه المطولات يدل على أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيراً ما. فنحن بين اثنتين: إما أن نؤمن بأنه لم يكن هناك اختلاف بين القبائل العربية من عدنان وقحطان في اللغة، ولا في اللهجة، ولا في المذهب الكلامي، وإما أن نعترف بأن هذا الشعر لم يصدر عن هذه القبائل، وإنما حمل عليها حملًا بعد الإسلام. ونحن إلى الثانية أميل منا إلى الأولى. فالبرهان القاطع قائم على أن اختلاف اللغة واللهجة كان حقيقة واقعة بالقياس إلى عدنان وقحطان، يعترف القدماء أنفسهم بذلك؛ كما رأيت أبا عمرو بن العلاء، ويثبته البحث الحديث".
لتختلفِ اللغات، لتتباين اللهجات، ليكن البعد بين اللغات واللهجات مثل ما بين مطلع الشمس ومغربها، ليقم على اختلافها سبعون برهاناً، لتكن براهينها أجلى من الشمس في رونق الضحى. والذي لا يهتدي المؤلف إلى نفيه سبيلاً هو قيام لغة أدبية باسطة أشعتها في كل ناحية، ولا سيما بعد أن كانت قَدُومه القاسية إحدى الضاربات في أساس نظرية العزلة العربية.
أما ما يدعيه من أن اختلاف القبائل لم يؤثر في شعر الشعراء تأثيراً ما، فناشئ من قلة خبرته بحقيقة نوع يسمى المترادف، وآخر يسمى المشترك، وثالث يستعمل على وجهين، أو وجوه، والألفاظ المترادفة والمشتركة وذات الوجوه المتعددة موجودة في الشعر الجاهلي، وهي من تأثير اختلاف القبائل ولغاتها؛ لأن "العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي"، و"لم يكن العرب كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي
(8/134)

معتزلين"، و"إذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها، مؤثرة فيها، فما أخلقهم أن يكونوا" على أتصال فيما بينهم، وأن تتربى على ألسنتهم لغة ينطق بها فصحاؤهم إذا ألقوا خطبة، أو نظموا شعراً.

* تعدد القراءات في القرآن واختلافها:
قال المؤلف في (ص 33): "وهناك شيء بعيد الأثر لو أن لدينا أو لدى غيرنا من الوقت ما يمكننا من استقصائه، وتفصيل القول فيه، وهو أن القرآن الذي تلي بلغة واحدة، ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة، حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تبايناً كثيراً".
ثم قال: "ولسنا نشير هنا إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافاً كثيراً في ضبط الحركات، سواء كانت حركات بنية، أو حركات إعراب. لسنا نشير إلى اختلاف القراء في نصب "الطير" في الآية:
{يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10].
أو رفعها، ولا إلى اختلافهم في ضم الفاء أو كسرها في الآية:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128].
ولا إلى اختلافهم في ضم الحاء أو كسرها في الآية:
{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22].
ولا إلى اختلافهم في بناء الفعل للمجهول أو للمعلوم في الآية:
{غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم:
2 - 3].
(8/135)

لا نشير إلى هذا النحو من اختلاف الروايات في القرآن، فتلك مسألة معضلة نعرض لها ولما ينشأ عنها من النتائج إذا أتيح لنا أن ندرس تاريخ القرآن".
الكتاب عنوانه "في الشعر الجاهلي"، ولكن مؤلفه أولع كثيراً بوثبات فجائية يقع بها على الطعن في القرآن، فيضاهي قول الذين تساقطوا على عدائه، والصد عن سبيله من قبل. هل من أدب الدرس أن يسوق المعلم بنفسه مسألة لم يضطره البحث إلى ذكرها، ثم يقول لطلابه: تلك مسكلة معضلة نعرض لها من بعد؟! وهل يليق بذي علم يؤلف في الشعر الجاهلي، أن يكب على كتب الدعاة إلى غير الإسلام، وينبشها ليستخرج من شبهها ما يلصقه بأذهان هذه الناشئة قبل أن تشتد في الدفاع عن الحقائق قناتها؟!.
إنك لتجد أولئك الدعاة يتوسلون باختلاف القراءات إلى قذف القرآن بالاختلاف أو التحريف، وكذلك فعل المؤلف؛ حيث نقرّ في القراءات، ولم يبال أن تكون شاذة، والتقط منها بعض آيات بدًا له أن في اختلاف قراعتها ما يلبس حقائق الإسلام بالريبة، فأوردها في نسق، ورماها بالإعضال، وما هي بمعضلة على أحد، ولكن المؤلف يعجب بالشبهة أكثر من الحجة، ويؤثر لهوالحديث على الحكمة، والمسألة بحثها العلماء وقرروها على وجه خالص من كل شائبة، وهو إذا عرض لها ولما ينشأ عنها من النتائج، لا يقول فيها إلا كما قال في الشعر الجاهلي. وأنتم تعلمون أنه لم يزد على أن نهب واضطرب، ثم افتخر وهجا.
جاء في السنّة الصحيحة ما يثبت تعدد القراءات لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشهد بأن تلك الوجوه كانت تتلقى بطريق الرواية عنه، ومن هذه الدلائل حديث
(8/136)

"الجامع الصحيح" للإمام البخاري عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: كذبت؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه". وفي "الجامع الصحيح" للإمام البخاري أيضاً: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
فالحديث ناطق بتعدد القراءات، وصريح في أن هذه القراءات المختلفة متلقاة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وموقوفة على السماع. وليس في هذا ما يعثر في قانون المنطق، أو يضايق العقل في شبر من مجاله الفسيح، وهل يصعب على الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أن يفهم أن أحد أولئك الملائكة نزل على أحد هؤلاء الرسل بكتاب من تلك الكتب، وبلّغه بعض آياته على وجهين أو وجوه مختلفة في أوقات متعددة؟! واختلاف القراءات على نوعين:
أولهما: اختلاف القراءتين في اللفظ مع اتفاقهما في المعنى، ومن هذا
(8/137)

النوع ما يرجع إلى اختلاف اللغات؛ كقراءتي {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] بالصاد، و (السراط) بالسين، إلى ما يشاكل هذا من نحو الإظهار والإدغام، والمد والقصر، وتحقيق الهمز وتخفيفه. والحكمة في هذا تيسير تلاوته على ذوي لغات مختلفة، "فلو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً، اشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ثم لم يمكنه ذلك إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للبيان وقطع للعادة، فأراد الله -عَزَّ وَجَلَّ- بلطفه ورحمته أن يجعل لهم متسعاً في اللغات ومتصرفاً في الحركات" (1).
ومن هذا النوع ما لا تختلف فيه اللغات، وإنما هما وجهان، أو هي وجوه تجري في الفصيح من الكلام؛ نحو: (وما عملت أيديهم)، و {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ} [يس: 35] وهذا النوع وارد على سنة العرب من صرف عنايتها إلى المعاني، ونظرها إلى الألفاظ نظر الوسائل، فلا ترى بأساً في إيراد اللفظ على وجهين أو وجوه، ما دام المعنى الذي يقصد بالخطاب باقياً في نظمه، ومأخوذاً من جميع أطرافه، وفي هذا توسعة على القارئ، وعدم قصره على حرف، ولا سيما حيث كان محجوراً عليه أن يغير الكلمة عن القرآن، ويحيد بها عن وجهها المسموع (2).
ثانيهما: اختلاف في اللفظ والمعنى، مع صحة المعنيين كليهما، وحكمة هذا: أن تكون الآية بمنزلة آيتين وردتا لإفادة المعنيين جميعاً؛
__________
(1) "مشكل القرآن" لابن قتيبة.
(2) من أثر تعدد القراءات حفظ كثير من طرق البيان وضروب اللهجات، وإن لم يكن القصد من القرآن تعليم اللغة، وتقرير أساليب خطابها وفنون بيانها.
(8/138)

كاختلاف قراءتي (مالك يوم الدين) بالألف، و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] بغير ألف، فقد أفادت إحدى القراءتين أن الله مالك يوم الدين يتصرف فيه كيف شاء، وأفادت الأخرى أنه ملكه الذي يحكم فيه بما يريد.
أما اختلاف اللفظ والمعنى، مع تضاد المعنيين، فهذا لا أثر له في القرآن، قال أبو محمد بن قُتيبة في "مشكل القرآن": الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد، فاختلاف التضاد لا يجوز، ولستَ واجده -بحمد الله- في شيء من كتاب الله، واختلاف التغاير جائز. ثم ضرب لهذا النوع من الاختلاف أمثلة من الآيات، وأتى في بيان جوازه على ناحية أن كلاً من المعنيين صحيح، وأن كل قراءة بمنزلة آية مستقلة، ولا جرم أن يكون هذا الاختلاف فنّاً من فنون الإيجاز الذي يسلكه القرآن في إرشاده وتعليمه.
والآيات التي سردها المؤلف، منها ما يرجع إلى اختلاف اللغات؛ كآية: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22]. ومنها ما يفيد معنيين كل منهما مستقيم، كآية: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128]. ومنها ما جاء على وجهين، كل منهما فصيح عربية؛ كآية: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] أما آية: {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] فنكتفي في الجواب عنها بأن قراءتها بالبناء للمعلوم شاذة، والشاذ ليس بقرآن، وما علينا ألّا يكون له معنى مستقيم.

* أثر اختلاف اللهجات في الشعر:
قال المؤلف في (ص 34): "إنما نشير إلى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل، ويسيغه النقل، وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما
(8/139)

كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلم، فأمالت حيث لم تكن تميل قريش، ومدت حيث لم تكن تمد، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكنت حيث لم تكن تسكن، وأدغمت أو أخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل. فهذا النوع من اختلاف اللهجات له أثره الطبيعي اللازم في الشعر في أوزانه وتقاطيعه وبحوره وقوافيه بوجه عام".
كل نوع من اختلاف القراءات الثابتة يقبله العقل، ويسيغه النقل، وقد أريناك أن ما لا يقبله العقل، وهو اختلاف القراءتين المؤدي إلى تنافي المعنيين، غير موجود في القرآن، ولا يستطيع المؤلف وشركاؤه أن يظفروا له بمثل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وأما ما يقوله من أن لهذه اللهجات أثرها الطبيعي اللازم في أوزان الشعر وتقاطيعه وقوافيه، فمقتضى إتقان البحث أن يضرب مُثُلاً من هذه اللهجات، وترى طلابه بالجامعة كيف لا تجد في هذه الأوزان والقوافي ما يصلح لأن يكون مظهراً لآثارها الطبيعية.

* أوزان الشعر التي دوَّنها الخليل:
قال المؤلف في (ص 34): "ولسنا نستطيع أن نفهم كيف استقامت أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دونها الخليل لقبائل العرب كلها، على ما كان بينها من تباين اللغات، واختلاف اللهجات".
لا يستطيع المؤلف أن يفهم كيف استقامت هذه الأوزان لقبائل العرب كلها مع تباين لغاتهم، واختلاف لهجاتهم! وهذه الشبهة من فصيلة شبهة (مرغليوث) التي أوردها في مقالة إنكار الشعر الجاهلي بقوله: "إن أول من
(8/140)

وضع هذه الأوزان الشعرية، وادعى أنه انتزعها من أشعار القبائل العربية: الخليل بن أحمد المتوفى سنة 170 ه، وقد قام أحد معاصريه، وألف كتاباً أبطل به عمل الخليل" (1)، وقد تعرض (أدور براونلش) في رده على (مرغليوث) لهذه الشبهة، فقال: "وما ذكره (مرغليوث) من أن بعضهم نقض على الخليل صنعه في أوزان الشعر، فإنا بمراجعة كتاب الإرشاد نجد الذي ألف في النقض على الخليل لم يجد من العلماء قبولًا، أو -في الأقل- لم يجد قبولًا من ياقوت، وابن درستويه اللذين عدا (برزخاً) كاذباً، وبهذا سقطت شبهة (مرغليوث) كأن لم تكن".
أما شبهة المؤلف التي هي أخت شبهة (مرغليوث)، أو ابنة عمها، فتزاح من ساحة هذا البحث بأن الأوزان التي دونها الخليل ليست بالعدد القليل حتى يستبعد أن تكون أشعار هذه القبائل دائرة عليها، فالخليل جعل أصولها خمسة عشر وزناً، وهي: الطويل، والمديد، والبسيط، والوافر، والكامل، والهزج، والرجز، والرمل، والخفيف، والمنسرح، والسريع، والمضارع، والمقتضب، والمجتث، والمتقارب. وزاد عليها الأخفش وزناً آخر يسمونه: المتدارك، أو الخبب.
فالمجموع ستة عشر وزناً، وإذا لاحظت ما يكرونه على أنه فروع لهذه الأصول مما يسمونه: مجزوءًا، ومشطورًا، ومنهوكًا، ثم ما يدخلها من علل وزحافات جائزة أو مستحسنة، ارتفع حسابها إلى ما لا يضيق عن أي لغة أو لهجة عربية.
__________
(1) الإرشاد "معجم الأدباء" (ج 2 ص 366).
(8/141)

* لهجات العرب والأوزان الشعرية:
قال المؤلف في (ص 35): "وإذا لم يكن نظم القرآن، وهو ليس شعراً، ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر، قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل، فكيف استطاع الشعر، وهو مقيد بما تعلم من القيود، أن يستقيم لها، وكيف لم تحدث هذه اللهجات المتباينة آثارها في وزن الشعر وتقطيعه الموسيقي؛ أي: كيف لم توجد صلة واضحة بين هذا الاختلاف في اللهجة، وبين الأوزان الشعرية التي كانت تصطنعها القبائل؟ ".
إن كان المؤلف يكتب لأولي الألباب، فأولو الألباب لا ينزلون إلى فهم ما يقوله، إلا أن يأتي إلى الفوارق بين لهجات العرب، ويريهم كيف يأبى بعض هذه اللهجات أن يفرغ في الأوزان التي استقرأها الخليل. والفوارق التي ذكرها في القراءات مما تحتمله هذه الأوزان جميعاً، فإن أراد فوارق غيرها، واعتذر بأنه لا يعرفها، فخير له أن يكتم هذا البحث حتى يقف عليها، وتكون ملموسة له، أو كالملموسة، ثم يتحدث بها على بينة، ويجد يومئذ من أولي الأبصار سامعًا وظهيرًا.

* القرآن لم يفرض على العرب لغة واحدة:
أورد المؤلف سؤالاً ملخصه: أن اللهجات استمرت قائمة بعد القرآن، وفي هذا العهد كانت القبائل تتعاطى الشعر، وإذا استقامت لهم أوزانه، مع اختلاف اللهجات بعد الإسلام، فما الذي يمنع من أن تستقيم لهم في العصر الجاهلي؟.
ثم قال كالمجيب عن هذا السؤال في (ص 35): "ولست أنكر أن اختلاف اللهجات كان حقيقة واقعة بعد الإِسلام، ولست أنكر أن الشعر قد استقام
(8/142)

للقبائل كلها رغم هذا الاختلاف. ولكني أظن أنك تنسى شيئاً يحسن ألا تنساه، وهو أن القبائل بعد الإسلام قد اتخذت للأدب لغة غير لغتها، وتقيدت في الأدب بقيود لم تكن لتتقيد بها لو كتبت أو شعرت في لغتها الخاصة؛ أي: أن الإسلام قد فرض على العرب جميعاً لغة عامة واحدة، وهي لغة قريش، فليس غريبًا أن تتقيد هذه القبائل بهذه اللغة الجديدة في شعرها ونثرها، في أدبها بوجه عام. لم يكن التميمي أو القيسي حين يقول الشعر في الإسلام يقوله بلغة تميم أو قيس ولهجتها".
قال المؤلف فيما سلف (1): "قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة"، وقال هنا: "إن الإسلام قد فرض على العرب جميعاً لغة واحدة هي لغة قريش"، والخبير بحقائق الإسلام يعرف أن القرآن أو الإسلام لم يفرض على العرب لغة واحدة، واختلاف القراءات القائم على اختلاف اللهجات شاهد صدق على أن الإسلام لم يكلف القبائل بترك لهجاتها، ولم يحملها على لغة "النبي وعشيرته من قريش". والواقع أن الوحدة العربية التي استحكمت حلقاتها بهداية الإسلام، وكون أكثر القائمين بالدعوة إلى هذه الهداية، والممثلين لسياستها ينطقون باللغة التي نزل بها القرآن، وكون القرآن أصبح متلواً بكل لسان، هذه الأسباب الثلاثة ذهبت بجانب عظيم من اختلاف اللهجات، وأصبحت اللغة الجارية على ألسنة العرب تقارب لهجة القرآن، فمان أراد المؤلف بفرض القرآن وفرض الإسلام هذا المعنى، وأغضينا عن هذا التعبير الذي يوهم طلاب الجامعة أن الإسلام يفرض على الناس لغة واحدة، كان معنى جوابه: أنه وجد سبب طبيعي لتوحيد تلك
__________
(1) (ص 33).
(8/143)

اللهجات أو تقاربها، وهو واقعة الإسلام.
ونحن نعرف ما للإسلام من تأثير في تقارب اللهجات، وهذا لا يمنع من أن يكون سبب آخر طبيعي قد وجد قبل ظهور الإسلام، فساق ذوي العقول المنتجة من هذه القبائل إلى أن يشتركوا في لغة يصوغون فيها الأشعار والخطب مسجعة أو مرسلة، وقد ذكرناك بسبب يصح أن يكون السائق إلى هذه اللغة الأدبية، وهو فصاحة لسان قريش، وتلك المجامع التي كانت تنعقد حوالي مكة، وتؤمها القبائل للتفاخر بالأحساب، أو التنافس في حلبة البيان.
ضرب المؤلف لذلك الجواب ثلاثة مُثُل:
أولها: أن الدوريين كانت لهم لهجة وأوزان دورية، ولما ظهرت أثينا على البلاد اليونانية عامة، عدلوا عن لهجتهم وأوزانهم إلى اصطناع اللهجة والأوزان اليونانية، والنثر الأتيكي.
ثانيها: أن لكل إقليم في فرنسا لغة ذات قوام خاص، ومع ذلك، فأهل الإقليم إذا أرادوا أن يظهروا آثاراً أدبية، يعدلون عن لغتهم الإقليمية إلى اللغة الفرنسية.
ثالثها: أن في مصر لهجات وأوزاناً مختلفة، ومع هذا، فإن من ينظم الشعر الأدبي، ويكتب النثر الأدبي يعدل عن لهجته الإقليمية إلى هذه اللغة لغة قريش ولهجتها. وقد أخذت المؤلف عند ضرب هذا المثل نشوة فاتح البلاد بعد حروب عنيفة، فافتتحه بقوله في (ص 37): "وأنا أشعر بالحاجة إلى أن أضرب مثلاً آخر قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي؛ لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب".
لندع البحث في هذه الجملة من جهة صلتها بنفس كاتبها، ودلالتها
(8/144)

على ازدهائه بما يسميه رأياً له، وإن كان مطروحاً في كل سبيل، ولا يحتاج الأحداث في فهمه إلى تلقين، وإنما نعرض لبحثها من حيث صلتها بالمثل الذي ألقاها في صدره؛ فإن إهمال نقدها من هذا الوجه "قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي؛ لأنهم لم يتعودوا مثله من" الناقدين للحديث الذي يتغنى صاحبه بمديحه قبل أن يصل إلى آذان قرائه.
هل من أحد يقرأ أو يستمع إلى من يقرأ، لا يدري أن اللهجة التي يقال فيها الشعر، وتؤلف فيها الكتب غير اللهجة التي يتحاور بها الناس في شؤونهم الخاصة أو العامة؟! ومن ذا الذي يقرأ، أو يسمع مقالاً أو إعلانًا في هذه الصحف السيارة، أو قصيدة لأحد أدباء العصر، فلا يفرق بين لهجتها واللهجة التي يتحدث بها السوقة، أو ينظم بها بعض الأميين ما يسمونه: "زجلاً"؟.
فإن قال المؤلف: إنهم يدركون هذا الفرق، ولكنهم لا يستطيعون كما أستطيع ضربه مثلاً لحال العربية الفصحى مع بقية اللهجات بعد ظهور الإسلام، قلنا: إن ربط حال اللغة الفصحى في هذا العصر بحالها يوم ساد الإسلام، قد يحفل به الأطفال الذين لم يأخذوا في أذهانهم غير البديهيات، أما الذين يدرسون الأدب العربي، فلا أحسبهم يحفلون به، فضلاً عن أن يدهشوا له، فقد جالوا في نتائج عقول راقية، وألفوا من الآراء المستنبطة بحكمة وروية ما لا يُبقي لأمثال هذا الحديث في أعينهم قيمة ولا خطراً.
ولعل المؤلف رأى بعض طلابه في الجامعة العتيقة يقابلون ما كان من نوع هذا الحديث بالتصدية، فتخيل أنّ كل من يسمع حديثاً كهذا تقع به الدهشة على وجه الأرض أنَّى كان قائماً، ولم يستطع أن يكتم هذا الخيال،
(8/145)

فقال: "اضرب مثلاً آخر قد يدهش له الذين يدرسون الأدب العربي؛ لأنهم لم يتعودوا مثله من الباحثين عن تاريخ الأدب"!.
وهذا الحديث المدهش -على سذاجته، وعدم توقف استنباطه على قريحة جيدة- قد وقع إلى أذن المؤلف ما يشابهه يوم تلي عليه مقال الدكتور (مرغليوث) المنشور في "مجلة الجمعية الآسيوية" حيث يقول: "نسلم أن سطوة الإسلام أرغمت قبائل جزيرة العرب على توحيد لغتهم بتقديمه مثالاً أدبيًا لا يقبل الجدل في جودته وعلو شأنه، وهو القرآن، ولهذا نظائر، فإن فتوحات رومة عملت بإيطاليا وبلاد الغول وإسبانيا مثل ذلك، ولكن من الصعب قبول فكرة أن يكون قبل هذا العامل الحيوي لغة عامة لقبائل الجزيرة، تختلف عن لغات المخطوطات، وتشمل جميع الجزيرة".

* لغة قريش ولهجتها في البلاد العربية:
قال المؤلف في (ص 38): "فالمسألة إذن هي أن نعلم: أسادت لغة قريش ولهجتها في البلاد العربية، وأخضعت العرب لسلطانها في الشعر والنثر قبل الإسلام أم بعده؟ أما نحن، فنتوسط ونقول: إنها سادت قبيل الإِسلام، حين عظم شأن قريش، وحين أخذت مكة تستحيل إلى وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الأجنبية التي كانت تتسلط على أطراف البلاد العربية، ولكن سيادة لغة قريش قبيل الإسلام لم تكن شيئاً يذكر، ولم تكن تتجاوز الحجاز".
يعترف المؤلف بأن لسان قريش أحرز سيادة لعهد الجاهلية، ثم يزعم أن هذه السيادة لم تمتد في عصر الجاهلية إلا قليلاً عئر عنه بقبيل الإسلام، وقد شعر بأن المقدر لطور من أطوار الأمم يحتاج إلى بيان بدئه وأصل
(8/146)

نشاته، فذكر أن مبدأ تلك السيادة الحينُ الذي عظم فيه شأن قريش، وأخذت مكة تستحيل فيه إلى وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الأجنبية التي كانت تتسلط على أطراف البلاد العربية.
متى أخذت قريش في نهضة عربية ترمي إلى مقاومة السياسة الأجنبية؟.
حدثنا التاريخ: أن أحد ملوك الحبشة باليمن خرج بجيش قبل البعثة النبوية بنحو أربعين سنة، وأقبل يشق البلاد العربية حتى نزل بالحرم ليهدم البيت الحرام، ولولا حماية الله، لأصبحت الكعبة خاوية على عروشها.
حدثنا التاريخ: أن حرباً وقعت بين الفرس وبعض القبائل العربية في صدر البعثة النبوية، وهي المسماة بيوم ذي قار، ولم نتلمح من خلال هذه الواقعة أو من ورائها صلة بين تلك القبائل، وهؤلاء القائمين بنهضة سياسية عربية.
فإن كان المؤلف لا يصدق بخبر هذا اليوم، فليأتنا بحديث أوثق منه سندًا يشهد بأن قريشاً قامت قبيل الإسلام بحركة ترمي إلى وحدة عربية سياسية.
لا نطالبه باثبات أن قريشاً دخلت، أو اشتركت في حرب مع أمة أجنبية، ولا نطالبه بإثبات أنها كانت تأتي إلى مثل "أولئك الذين قاموا يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوة الجدال، والقدرة على الخصام، والشدة في المحاورة"، وترسل منهم وفودًا يطوفون في البلاد، ويعقدون بين القبائل وحدة سياسية عربية، بل نطالبه بأيسر من هذا كله، وهو أن هذه القبائل كانت تحج البيت الحرام في كل عام، ويتسابق شعراؤها وخطباؤها في حلبة البيان، فهل يستطيع أن يأتينا ببيت من قصيدة، أو فقرة من خطبة قام بها قرشي، أو غير قرشي، يدعو بها
(8/147)

إلى "وحدة سياسية مستقلة مقاومة للسياسة الأجنبية"؟.
ولعل المؤلف لا يجد في تاريخ العرب قبل الإسلام سوى أن لمكّة حرمة، وللغة قريش فضل فصاحة، فمن اعترف للسان قريش بسيادة في الجاهلية، وأراد أن يضع مبدأ لهذه السيادة، فليبحث عن منشأ تلك الحرمة، ثم ليبحث عن العصر الذي أخذت فيه لغة قريش زخرفها، فإن هو اهتدى إلى ذينك الأمرين سبيلاً، أمكنه تقدير زمن تلك السيادة تقديراً يتلقاه جهابذة التاريخ بارتياح.

* الاستشهاد بالشعر الجاهلي في القرآن والحديث:
قال المؤلف في (ص 38): "ولندع هذه المسألة الفنية الدقيقة التي نعترف بأنها في حاجة إلى تفصيل وتحقيق أوسع وأشمل مما يسمح لنا به المقام في هذا الفصل إلى مسألة أخرى ليست أقل منها خطرًا، وإن كان أنصار القديم سيجدون شيئاً من العسر والمشقة؛ لأنهم لم يتعودوا هذه الريبة في البحث العلمي، وهي أناّ نلاحظ أن العلماء قد اتخذوا هذا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث، ونحوهما، ومذاهبهما الكلامية. ومن الغريب أنهم لا يكادون يجدون في ذلك مشقة ولا عسراً، حتى إنك لتحس كان هذا الشعر الجاهلي إنما قدّ على قدّ القرآن والحديث؛ كما يقد الثوب على قدر لابسه، لا يزيد ولا ينقص عما أراد طولاً وسعة، إذن، فنحن نجهر بأن هذا ليس من طبيعة الأشياء، وأن هذه الدقة في الموازنة بين القرآن والحديث والشعر الجاهلي لا ينبغي أن تحمل على الاطمئنان إلا الذين رزقوا حظاً من السذاجة لم يتح لنا مثله. إنما يجب أن تحملنا هذه الدقة في الموازنة على الشك والحيرة، وعلى أن نسأل أنفسنا: أليس يمكن
(8/148)

أن لا تكون هذه الدقة في الموازنة نتيجة من نتائج المصادفة، وإنما هي شيء تكلف وطلب، وأنفق فيه أصحابه بياض الأيام وسواد الليالي؟ ".
كانت سوق الأدب في البلاد العربية قائمة، وبضاعة الشعر نافقة. قرائح ترسل المعاني نظمًا، وقلوب سرعان ما تحيط به حفظًا. ويساعد القرائح على ما تصدر من الشعر، والقلوب على ما تعي من بدائعه، أن ليس هناك علوم كثيرة، وفنون شتى تتجاذب القرائح، ويذهب كل منها بنصيب من الفكر، أو يحوز ناحية من القلب. فعلى الباحث في تاريخ الأدب أن يدرس حال العرب كأنه يعيش بين ظهرانيهم، ولا يتسرع إلى إنكار أن تصدر ربيعة أو قيس أو تميم من الشعر في عصر أكثر مما تصدر الشام أو مصر أو العراق في مثله. على أن إقامة الشاهد في تفسير القرآن غير موقوف على الشعر الجاهلي، بل يتناوله العلماء من شعر من نشؤوا في الإسلام؛ كالفرزدق، وجرير، والأخطل، وعمر بن أبي رييعة. ومن التفت في تاريخ الأدب يميناً وشمالاً، ونظر إلى كثرة من نبت في البلاد العربية من الشعراء جاهلية وإسلامًا، عجب لفقدهم الشاهد لكلمة غريبة في القرآن، أو وجه من وجوه إعرابه، أشدَّ من عجبه لوقوع يدهم عليه كلما نقبوا عنه، فمن النظر الخاسئ أن نحكم على هذه الشواهد بالاصطناع، وندخل إلى الحكم عليها من باب موازنتها للمستشهد عليه بزعم أن هذه الموازنة منافية لطبيعة الأشياء.
فإذا كان القرآن وارداً بلسان عربي مبين، وكانت المواضع التي يحتاج في بيانها إلى الشاهد معدودة، وكان الشعر العربي في ثروة طائلة، أفيصدق أحد أن سوق بيت يطابق المعنى المستشهد عليه مناف لطبيعة الأشياء!.
الصواب أن نذهب في نقد هذه الشواهد من نواح غير هذه الناحية؛
(8/149)

كجهة النظر في حال الراوي، أوجهة الذوق الذي تقلب في فنون الشعر، وعرف طرز كل عصر ونزعة كل شاعر.
ونحن لا ننكر أن يكون فيما يساق للاستشهاد على تفسير القرآن شعر مختلف ينبه عليه أهل الدراية بفن الأدب من قبل، أو ينقده مؤرخ، أو أديب مطبوع من أهل هذا العصر، والذي لا يقبله الراسخون في العلم أن يطرح هذا الشعر الذي يدخل في تفسير آية أو حديث لمجرد الدقة في الموازنة بينه وبين الآية أو الحديث.
يعلم الذين يدرسون التفسير والحديث بحق: أنّ ما يستشهد به في هذين العلمين ليس بالكثير الذي لو ثبت اصطناعه، صحت دعوى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى الجاهلية ليس منهم في شيء، فهذا تفسير "الكشاف" الذي يعد من أكثر التفاسير حملاً للشواهد اللغوية إنما يحتوي نحو ألف بيت، وفي هذه الشواهد كثير من أشعار المخضرمين؛ كحسان، ولبيد، والنابغة الجعدي، والإسلاميين؛ كرؤبة، والفرزدق، وجرير، والعجاج، وذي الرمة، وأبي تمام، وأبي الطيب، والمعري، وغيرهم.
ثم إن كثيراً من الشواهد المعزوّة للجاهلية تجدها في هذه المطولات التي يستحي المؤلف أن يقول: إنها اصطنعت لأجل أن ينتزع منها شاهد على القرآن أوالحديث، وما لم يكن من هذه المطولات تجده وارداً في قصائد أخرى يصعب ادعاء أن تكون اختلقت لأجل ما تحتوي عليه من البيت المحتاج إليه في الاستشهاد.
فلو بحث المؤلف هذه الشواهد بروية، لوجد الشعر الجاهلي -الذي يحتمل أن يكون مصطنعاً لأجل الاستشهاد على القرآن- مقداراً لو ثبت
(8/150)

وضعه- لم يكن له أثر في الدلالة على أن الشعر الجاهلي مزوّر مصنوع.

* شواهد ابن عباس - رضي الله عنه -:
خرج المؤلف بعد هذا إلى الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه -، وأتى على قصة نافع بن الأزرق، ووسمها بميسم الوضع، ولم يستند في هذا الحكم إلا إلى أن تصديقها من السذاجة، وأن أهل الفقه لا يشكون في وضعها. ومرمى كلامه إلى إنكار أن يبلغ ابن عباس في حفظ الشعر منزلة تخوّله أن يجيب عن نحو مئتي مسألة في التفسير، ويسوق على كل مسألة بيتاً من الشعر، ثم ردد الغرض الداعي إلى وضعها على وجوه، وهي: إثبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب، أو إثبات أن عبد الله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن، ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين، أو إفادة معاني طائفة من ألفاظ القرآن في صورة قصة.
ثم خفف من غلوائه شيئاً، وقال في (ص 40): "ولعل لهذه القصة أصلاً يسيراً جداً، لعل نافعاً سأل ابن عباس عن مسائل قليلة، فزاد فيها هذا العالم، ومدّها حتى أصبحت رسالة مستقلة يتداولها الناس".
ليس بالبعيد عن ابن عباس أو غيره ممن يصرف ذهنه إلى رواية الشعر، أن يحفظ منه ما يحتوي نحو مئتي بيت تصلح للاستشهاد على تفسير طائفة من ألفاظ القرآن، وليس بالغريب أن يكون ابن عباس، أو ذو ألمعية كابن عباس، قد بلغ في سرعة الخاطر، وجودة الذاكرة أن يحضره البيت الصالح للاستشهاد عندما تطرح إليه المسألة، فقد رأينا من بعض أساتيذنا ما يجعل هذه القصة حادثاً غير خارق لسنّة الله في الخليقة، كنا نرى أستاذنا أبا حاجب يحفظ من الشعر الفصيح ما يجعله قادراً على أن يضرب منه المثل للمعاني
(8/151)

والوقائع التي تخطر في الحال، وتكاد لا تسأله عن معنى لفظ غريب، أو وجه من الإعراب، إلا أتاك بالشاهد على البداهة، أو بعد تأمل قريب، وقد يقول قائل: إن هذا الشأن أيسر من شأن ابن عباس؛ لأن ذلك الأستاذ قد حفظ تلك الشواهد من مثل "التسهيل"، و"المغني"، و"تاج العروس"، وغيرها من الكتب التي تربط الشواهد بمسائلها. أما قصة ابن عباس فيظهر منها أنه يتناول الشاهد من بين ذلك الشعر الكثير، ويضعه على المسألة مثلما يصنع المجتهدون في علم اللغة، وذلك يحتاج إلى بحث وأناة، فالجواب عن نحو مئتي مسألة بمثل تلك السرعة فيه غرابة تلفت النظر إلى القصة، أو تقدح الريبة في صحتها.
هذا البحث مقبول، ولكني أريد أن أقول: إن هذه الغرابة وحدها لا تكفي في الحكم على القصة بالوضع، فمن المحتمل أن يكون ابن عباس ممن يقضي جانباً من وقته في التماس الشواهد على تفسير الغريب من القرآن، حيث رأى الناس مقبلة، أو محتاجة إلى هذا النوع من العلم، فيكون جوابه عن مسائل ابن الأزرق نتيجة بحث سابق، وتأمل غير قليل، فلا غرابة أن يلقم ابن الأزرق الجواب عقب كل مسألة يطرحها عليه.
وإذا كانت الغرابة لا تكفي للقطع باصطناع هذه القصة، فلنذهب في البحث عنها من جهة الرواية، لعلنا نجد في البحث من هذه الجهة هدى.
روى ابن الأنباري في كتاب "الوقف والابتداء" نبذة منها بسند يتصل بمحمد بن زياد اليشكري عن ميمون بن مهران. وميمون بن مهران ثقة، ولو اطردت القصة مارة على رجال من مثله إلى ابن الأنباري، لم نجد مانعاً من دخولها في تاريخ الأدب الصحيح، ولكن محمد بن زياد اليشكري مطعون
(8/152)

في أمانته، قال ابن معين: كان ببغداد قوم كذابون يضعون الحديث، منهم: محمد بن زياد، وقال أحمد بن حنبل بعد أن وصفه بوضع الحديث-: ما كان أجرأه! يقول: حدّثنا ميمون بن مهران في كل شيء.
وروى الطبراني في "معجمه الكبير" قطعة منها على طريق جويبر عن الضحّاك بن مزاحم، والضحّاك بن مزاحم لم يلق ابن عباس، وهو في نفسه موثوق به عند قوم، مضعف عند آخرين، وأما جويبر، فمعدود من الضعفاء، سئل عنه علي بن المديني، فضعفه جداً، وقال: جويبر أكثرَ على الضحاك، روى عنه أشياء مناكير.
وروى هذه المسائل الجلال السيوطي في كتاب "الاتقان" بسند يبتدئ بشيخه ابن هبة الله محمد بن علي الصالحي، وينتهي إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وفي هذا السند رجال يوثق بروايتهم، ولكنك تجد من بينهم آخرين نقدهم علماء الحديث، وطرحوهم إلى طائفة وضّاع الأحاديث؛ كمحمد بن أسعد العراقي المعروف بابن الحكم، وعيسى بن يزيد بن دأب الليثي.
ومتى لم نجد في طريق رواية القصة ما يثبت على النقد، أصبحت القصة من قبيل ما يروي لفائدته الأدبية، وضعفت عن أن تستقل بالدلالة على معنى تاريخي لا شبهة فيه.

* قصتا البنات السبع:
ادعى المؤلف أن التكلف والانتحال للأغراض التعليمية الصرفة كان شائعاً معروفاً في العصر العباسي، وقال: لا أطيل، ولا أتعمق في إثبات هذا، إنما أحيلك إلى كتاب "الأمالي" لأبي علي القالي، وإلى ما يشبهه من الكتب.
(8/153)

ثم قال في (ص 41): "سترى -مثلاً- بناتاً (1) سبعاً اجتمعن، وتواصفن أفراس آبائهن، فتقول كل واحدة منهن في فرس أبيها كلاماً عربياً ومسجوعاً يأخذه أهل السذاجة على أنه قد قيل حقاً، في حين أنه لم يقل، وإنما كتبه معلم يريد أن يحفظ تلاميذه أوصاف الخيل، وما يقال فيها، أو عالم يريد أن يتفيهق، ويظهر كثرة ما وعى من العلم. وقل مثل ذلك في سبع (2) بنات اجتمعن وتواصفن المثل الأعلى للزوج الذي تطمع فيه كل واحدة منهن، فأخذن يقلن كلاماً غريباً مسجوعاً في وصف الرجولة والفتوة، والتعريض والتلميح إلى ما تحب المرأة من الرجل".
لا يعنينا أن تبقى قصتا البنات السبع في هذا الأدب القديم، أو تطرحا من حسابه، وتذهبا كما ذهب أولئك البنات عيناً وأثراً، والذي يعنينا نقده هنا: أن المؤلف يكاد يذهب إلى أن ما يذكر في تاريخ الأدب قسمان: ما هو ثابت قطعاً، وما هو مكذوب لا محالة، والمعروف أن من بين هذين القسمين قسمًا يقف فيه المؤرخ المحقق، فلا يستطيع أن يقول عليه: إنه موثوق بصحته، ولا يستطيع أن يصفه بالكذب الذي لا مرية فيه، وشأنه فيما يقضي عليه بالكذب قضاء فاصلًا أن يذكر الطريق الذي وصل منه إلى معرفة اصطناعه، والمؤلف حكم على حديث البنات، ولم يأت بدليل أو أمارة على اختلاقه، ما عدا وصفه له بأنه كلام غريب مسجوع، إذاً، لم ينكره المؤلف إلا لأنه
__________
(1) كذا في كتاب الشعر الجاهلي، وفي "الأمالي" لأبي علي القالي (ج 1 ص 187): "اجتمع خمس جوار من العرب، فقلن: هلممن نصف خيل آبائنا ... ".
(2) كذا في كتاب الشعر الجاهلي، وفي "أمالي القالي" (ج 1 ص 16): "قالت عجوز من العرب لثلاث بنات لها: صفن ما تحببن من الأزواج ... ".
(8/154)

غريب مسجوع، واشتمال الكلام على الغرابة والسجع غير كاف في الحكم عليه بالاختلاق.
أما الغرابة، فإن المعزوّ إليهن هذا الحديث عرب، والألفاظ من نوع اللغة المستعملة في محاوراتهم ومسامراتهم، وقد تكون غريبة بالنسبة إلى الناشئ في غير عهدهم؛ حيث لا تلاقيه هذه الكلمات في كلام فصحائهم إلا قليلاً.
وأما السجع، فنحن نعلم أنه أقرب منالاً، وأيسر من صناعة الشعر، بل هو أدنى مأخذًا من الرجز. والتواتر شاهد بأن في الناس من يقول الشعر أو الرجز على البداهة، ومتى صحّ ارتجال الكلام الموزون، لم يكن في الحديث الجاري على أسلوب السجع غرابة تدعو إلى الحكم عليه بالاصطناع، ومن المحتمل أن يكون الفتيات كالفتيان يتدربن لذلك العهد على طريقة السجع حتى ينقاد لهن، ويجري على ألسنتهن كما يجري عليها المرسل من القول، ونحن لا نذهب إلى أن مثل هذه القصة داخل في التاريخ الموثوق بصحته؛ لأن طريق روايتها لا يكفي في الدلالة على أنها وقعت حقاً، ونرى -مع هذا- أن الباحث الحكيم، وهو الذي يفصل الحكم على قدر البحث، لا يقول على حديث: "إنه لم يُقل" إلا أن يأتي في بحثه بما يستدعي هذا الحكم القاطع، وقد عرفتم أن المؤلف إنما وضع حكمه على غرابة الكلام وسجعه، وهما جائزان على العربي القح، فلا تدخل هذه القصة وأمثالها في قبيل ما يحكم عليه بأنه كذب لا محالة، ولا تتعدى في نظر المؤرخ المحقق موقع الظن الذي يسوغ له تدوينها لينتفع بما فيها من أدب، وليتألف من مجموع أخبارها ما يكون كالمرآة ينظر فيه كيف كان حال المرأة في الجاهلية.
(8/155)

* ختام الكتاب الأول:
قال المؤلف في (ص 41): "ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر، فلأعد إليه لأقول ما كنت أقول منذ حين، وهو أن من الحق علينا لأنفسنا وللعلم أن نسأل: أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين، ولا عقليتهم، ولا ديانتهم، ولا حضارتهم، بل لا يمثل لغتهم، أليس هذا الشعر قد وضع وضعاً، وحمل على أصحابه حملًا بعد الإسلام؟ أمّا أنا، فلا كاد أشك الآن في هذا. ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت لنا هذه النظرية أن نتبين الأسباب المختلفة التي حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام".
ختم المؤلف الكتاب الأول بهذه الفقرات، وكأنه آنس في نفسه الفوز على "أنصار القديم"، فدارت في رأسه نشوة، وانطلق يمزح معك بقوله: "ولكني بعدت عن الموضوع فيما يظهر". يقول هذا، وهو لا يشعر بما تصنع الأقلام فيما تركه خلفه من آراء منهوبة، ومعان لا توجد إلا في خياله.
يقول المؤلف: إن من الحق علينا أن نسال: أليس هذا الشعر الجاهلي الذي ثبت أنه لا يمثل حياة العرب الجاهليين، ولا عقليتهم، ولا ديانتهم، ولا حضارتهم، بل لا يمثل لغتهم.
ادعى المؤلف فيما سلف أن الجاهليين كانوا في علم وذكاء وقوة عقل فوق ما يمثله هذا الشعر الجاهلي، ولم يفرغ على هذه الدعوى دليلاً غير الآيات الدالة على أنهم كانوا يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحاورونه في الدين، وفيما يتصل بالدين من تلك المسائل المعضلة، التي ينفق فيها فلاسفة أمثال المؤلف حياتهم دون أن يوفّقوا إلى حلها. وقد جاذبناه أطراف المناقشة
(8/156)

هنالك، وأريناك رأي العين أن هذا الشعر الجاهلي أنفس بضاعة تفاخر بها أمة ذات ذكاء فطري، وتفكير لا يستمد من دراسة أو تعليم.
وقد تساءل قبل المؤلف (مرغليوث)، وجرجي زيدان عن هذا الشعر الجاهلي: لماذا لم يمثل ديانة العرب؟. أما (مرغليوث)، فقد اتخذ قلة اشتمال الشعر الجاهلي على الآثار الدينية؛ كما اتخذه المؤلف شاهداً على أن هذا الشعر ليس من الجاهلية في شيء، وأما جرجي زيدان، فلكونه أصبر على البحث من المؤلف، وأعرفُ بحال الشرق من (مرغليوث) أجاب عن هذا السؤال بما قصصناه عليكم، وخلاصته: أن حال العرب لذلك العهد ليست كحال من يعنى في شعره بكثرة التعلق بالمعاني الدينية، وأن المسلمين لم يكونوا ممن يرغب في نقل شعر يحتوي على آثار ديانات يرونها غير مستقيمة، وليس بمستنكر عليهم أن يحيدوا بروايتهم عن بيت أو أبيات يظهر فيها أثر نحلة أو ديانة قاموا بالدعوة إلى شرع يريد الظهور عليها، وعلى الرغم من عدم احتفالهم برواية هذا النوع من الشعر، فقد بقي له أثر في بعض الكتب الأدبية أو التاريخية.
يقول المؤلف: إن هذا الشعر لا يمثل حضارتهم، ولم يبحث في هذا الموضع، ولا فيما سلف عن هذه الحضارة حتى يظهر أمرها، ويوازن بينها وبين هذا الشعر ليعلم: هل هو ملائم لتلك الحضارة، أم غير ملائم لها؟ ولم يكن منه فيما سبق سوى أنه كان يدخل هذا المعنى في أثناء حديثه عن قوة عقليتهم، واستنارتهم، وعلمهم بالسياسة؛ كقوله: كانوا أصحاب عيش فيه لين ونعمة، وقوله: وإذا كانوا أصحاب علم ودين وسياسة، فما أخلقَهم أن يكونوا أمة راقية! وكذلك كان يدخل في أثناء الحديث اسم الثروة دون أن
(8/157)

يدل على أسبابها، أو يأتي على شيء من آثارها.
والصواب: أن من ينظر في هذا الشعر الجاهلي بشيء من التدبر، وينظر في حضارة القبائل التي عاش فيها أولئك الشعراء بأي مرآة شاء، وعلى أي مطلع تسنى له، لا يستطيع أن يدرك تفاوتًا بين هذا الشعر وتلك الحضارة، إلا إذا اشتد حرصه على أن يقول: إن هذا الشعر ليس من الجاهلية في شيء.
فهذا الشعر الجاهلي يمثل من الحضارة ما يمثله شعر الإسلاميين قبل أن تلبس البلاد العربية ثوب الحضارة الذي نسجه فاتحو بلاد قيصر وكسرى، ولا ينبغي لأحد أن يزعم أن الحضارة في الجاهلية كانت أجلى مظاهر، وأوفى وسائل من حضارة العرب لعهد ظهور الإسلام.
يقول المؤلف: إن هذا الشعر لا يمثل لغتهم، وهو إنما يبني هذا القول على نظرية العزلة العربية، ونظرية جهلهم وغباوتهم وتوحشهم، ولو نظر إلى أن في الأمة العربية علماً وذكاء، ونظر إلى أنها كانت ترتبط بصلة التعارف، وتعقد مجامع تشهدها القبائل على اختلاف أوطانها، لسهل عليه أن يفهم كيف تكوّنت على طول الأيام لغة أدبية تتناولها ألسنة البلغاء حين تنطلق في شعر أو خطابة.
فالشعر الجاهلي يمثل اللهجة التي يتحراها الشعراء لتضرب قصائدهم في اليمين واليسار، وتسير مسير المثل، لا تقف في واد، ولا يختص بها قوم دون آخرين. وقد يظهر على لسان الشاعر أثر من لهجته الخاصة، وربما غيّره الرواة إلى اللهجة الأدبية من غير أن يخسر وزن القصيدة حرفاً.
يقول المؤلف: ولكننا محتاجون بعد أن ثبتت هذه النظرية أن نتبين
(8/158)

الأسباب التي حملت على وضع الشعر، وهذا صريح في أنه انتهى من تقرير النظرية، وأنه نثل كنانته وكنانة (مرغليوث) في الاستشهاد عليها، وإنما يريد بعد هذا أن يبحث في الأسباب الحاملة على الانتحال، ونحن محتاجون بعد أن سقطت هذه النظرية أن نناقشه في بحث هذه الأسباب؛ لأنه رمى فيه عن القوس التي رمى عنها في هذه النظرية البائسة، وليس من اللائق أن ندعه يضرب في غير مفصل، ويمشي في غير طريق، وإنه ليعزّ علينا أن تضع هذه الطائفة القليلة من المستنيرين أقدامها على أثره، فتستبدل بالصالح من مألوفها جديداً لا خير فيه.
(8/159)

الكتاب الثاني
أسباب انتحال الشعر
- ليس الانتحال مقصوراً على العرب.
- السياسة وانتحال الشعر.
- الدين وانتحال الشعر.
- القصص وانتحال الشعر.
- الشعوبية وانتحال الشعر.
- الرواة وانتحال الشعر.
(8/161)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44 - 45]
(صدق الله العظيم)
(8/162)

ليس الانتحال مقصوراً على العرب
* الاطلاع على تاريخ الأمم القديمة:
ذكر المؤلف في بدء هذا الفصل: أنه يجب على الباحث أن يتعود درس تاريخ الأمم القديمة؛ ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه. وقال: إذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم، فلم يوفقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يلمّوا إلمامًا كافياً بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر على بالهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها.
ثم قال في (ص 43): "والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب، لتغير رأيهم في الأمة العربية، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم".
الاطلاع على تاريخ الأمم القديمة يفيد في درس تاريخ العرب وآدابهم، وهذا الاطلاع إنما يفيد الباحث الذي يستقبل الحقيقة بنظر مستقل، وقلب خالص من التحيز إلى ناحية، فإن كان المطلع على تاريخ الأمم القديمة يحمل فكرًا غير منتظم، أو كان يحمل للأمة العربية ازدراء وجفاء، كان اطلاعه شراً من عدم اطلاعه، وكذلك حال وسائل الخير إذا وقعت إلى يد لم تكن مستعدة لأن تعمل صالحاً.
(8/163)

إن الذي يتلقى تاريخ الأمم القديمة كما يتلقاه القرطاس بسذاجة، أو بما معه من بحث وتعليل، لا ينتظر منه أن يتناول تاريخ العرب وآدابهم، فيجيد النظر، ويحسن القياس، وينبت في الأدب نباتًا حسناً، فإذا ضم إلى عجزه عن التفكير الصحيح نزعة شعوبية، ثم ترامى على قياس الوقائع بأشباهها، رأيت الواقعة العربية تقاس على الواقعة اليونانية أو الرومانية في حال أن الواقعتين يفترقان مبدأ، ويختلفان أثراً. وهذا كتاب "في الشعر الجاهلي" قد خاض في تاريخ الأدب العربي، ومؤلفه مُلمّ بجانب من تاريخ اليونان والرومان، ولم يأت هذا الكتاب بقياس مقبول، أو رأي محدث سليم، ونحن لا نرى سبباً لعدم توفقه سوى أن مؤلفه يبحث في غير رفق وأناة، ويحرص على أن يهضم حق العرب بعد الاسلام.
هل يجد المطلع على تاريخ اليونان والرومان أثراً يتصل بموضوع الشعر الجاهلي أكثر من أن شعراً كثيراً اصطنع في هاتين الأمتين، وحمل على القدماء من شعرائهم، أو على شعراء خياليين؟ وهل يستطيع الباحث الملمّ بذلك التاريخ أن يبني على هذا الأثر شيئاً سوى إمكان أن يكون رواة الشعر الجاهلي قد نظموا شعراً، وعزوه إلى القدماء زوراً وكذباً؟.
أنصار القديم يسلمون باحتمال أن يكون في هذا الشعر الجاهلي ما هو مختلق مصنوع، بل يقولون: إن من هذا الشعر ما هو مختلق لا محالة. وإذا لم يكن لإلمامهم بتاريخ اليونان والرومان أثر في قضية الشعر الجاهلي، سوى أن يخطر على بالهم احتمال أن يكون هذا الشعر مصنوعاً كالشعر المعزو إلى قدماء اليونان والرومان، فإن علماء اللغة والأدب قد انتهوا إلى هذه الغاية قبل أن يعلموا أن من شعر تينك الأمتين ما هو محمول على قدمائهم، وشاهد
(8/164)

هذا: أنهم ينقدون ما يقع إليهم من الأشعار، ويتساءلون عن طريق روايتها، فلا يصح في أي أدب أو منطق أن يُعدّ قبولهم لكثير من هذا الشعر عدم توفق إلى الحق، أو أنه ناشئ عن عدم إلمامهم بتاريخ هذه الأمم القديمة إلماماً كافياً.

* مقارنة بين الأمم الثلاث: العربية، واليونانية، والرومانية:
ثم أخذ المؤلف يذكر الأمة اليونانية، والأمة الرومانية، ويعقد بينهما وبين الأمة العربية ما يشبه المقارنة، وهو أن كلاً من هذه الأمم تحضّر بعد بداوة، وخضع في حياته الداخلية لصروف سياسية مختلفة، وانتهى إلى نوع من التكوين السياسي دفعه إلى تجاوز حدوده الطبيعية، وبسطِ سلطانه على الأرض.
ثم قال في (ص 44): "وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة، إن لم نقل متحدة. ولم لا؟ أليست هذه الإشارة التي قدمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لتحملك على أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم، فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟ ".
في استطاعتنا أن نناقش هذه الجمل كما جاءت في غير صراحة، ولكن القلم لا يرغب حين يخوض بحثاً علمياً أن يمتطي المواربة، أو يكلم الناس رمزاً، فلنطو الستار الذي سدله المؤلف، وجلس يتحدث من ورائه، فقد ينزع محارب الحقيقة إلى الكنايات البعيدة، والإيماء الخفي، حتى يحوك مقالُه في بعض النفوس دون أن يجد في طريقه زاجراً، ولا يرضى الذائد عن سبيلها إلا أن يضع الغرض على ظاهر يدك، ويريك المعنى في مرآة نقية،
(8/165)

فإما أن تقبل، وإما أن تأبى.
يذهب المؤلف إلى أن شأن العرب حين فتحوا الممالك، وقاموا على سياسة الأمم، لا يختلف عن شأن الأمتين اليونانية والرومانية في المؤثرات والنتائج، يقول هذا، وهو يقصد إلى أن يجحد ما للإسلام وشريعته من مزية أو أثر في تلك النهضة العربية؛ لأنه يزعم أن مؤثراتها ونتائجها متحدة، أو متقاربة مع مؤثرات ونتائج نهضة لم تقم على أساس شريعة سماوية. وقد تعرض لهذه المؤثرات المشتركة بين الأمم الثلاث، فاذا هي تحضّر بعد بداوة، وصروف سياسية مختلفة، وتكوين سياسي انتهى بها إلى تجاوز الحدود الطبيعية. أما النتائج الواحدة أو المتقاربة، فهي بسط السلطان على الأرض، ثم إن اليونان تركو افلسفة وأدبًا، والرومان تركوا تشريعاً ونظاماً، والعرب تركوا أدباً وعلماً وديناً.
لا نخالف التاريخ في أن الوقائع تقوم على أسباب، ولا نعارضه في أن تكون الأسباب ذاهبة في الغابر كسلسلة لا يعلم مبدأها إلا مبدع الخليقة، والتاريخ أيضاً لا يخالفنا في أن من الأسباب ما يخفى على الباحث، ومن الأسباب ما يلحظه الباحث في صورة لا تنطبق على صورته الثابتة.
فمن المحتمل أن المؤلف لم يدرك بعض أسباب النهضة العربية، أو أنه تخيله في غير صورته الواقعة، ولا سيما بعد أن عرفتم أن إلمامه بجانب من تاريخ اليونان أو الرومان لم يحمه من أن يضع في كتابه رأياً ذا عوج، أو خيالة في ثوب حقيقة.
لا يلتبس على أحد أن هذه الأمم تحضرت بعد بداوة، وأتت عليها صروف سياسية مختلفة، ثم انتهى بها تكوينها السياسي إلى بسط سلطتها
(8/166)

في الأرض. وهل اشتراكها في هذه الأطوار العامة يكفي لتحقيق أن مؤثراتها ونتائجها واحدة أو متقاربة؟.
ذلك ما نريد بحثه في كلمة نفصلها على مقدار ما يذكّرك بانحراف المؤلف عن الواقع، ويريكه كيف يخرج عن نظام البحث؛ ليقضي وطر الدعوة إلى غير هداية القرآن.
يكاد الذين يدرسون تاريخ الأمم لا يختلفون في أن فتح العرب لهذه الممالك كان أمراً عجباً. وشهودُ هذا لا يأخذهم عدّ، وإنما أسوق منهم شاهدين: أحدهما غربي، والآخر شرقي، وكلاهما لا يتهم بأنه تحدث عن عاطفة، أو محاباة للإسلام.
بسط في دواعي العجب من ذلك الانقلاب البديم (لوثروب ستودارد) في"حاضر العالم الإسلامي" (1)؛ حيث قال: "كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوّن في تاريخ الأعصار، ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطة الشأن، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود، حتى انتشر في نصف الأرض ممزقاً ممالك عالية الذرا، مترامية الأطراف، وهادمًا أديانًا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيراً ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانياً عالماً متراصَّ الأركان، هو عالم الإسلام".
وقال: "كلما زدنا استقصاءً باحثين في سر تقدم الإسلام وتعاليه، زادنا ذلك العجب العجاب بهرًا، وارتددنا عنه بأطراف حاسرة".
__________
(1) (ج 1 ص 1) تعريب عجاج أفندي نويهض.
(8/167)

وتعرض جرجي زيدان في كتاب "تاريخ التمدن الإسلامي" لما أخذ الناس من العجب لهذه النهضة العربية الاسلامية حين قال: "للكتّاب وأهل النقد بحث طويل، وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على فتح بلاد الروم والفرس، وقهر القياصرة والأكاسرة برجال يكاد عددهم لا يزيد على عدد حامية مدينة من مدن أولئك، مع ما كان عليه العرب يومئذ من سذاجة المعيشة، وقلة الدربة في فنون الحرب، وضيق ذات اليد، وضعف العدة، والروم والفرس أعظم دول الأرض يومئذ، وعندهما العدة والرجال، والحصون والمعاقل، وزد على ذلك: أن العرب - فضلاً عن قلتهم وسذاجة أحوالهم -, فقد جاؤوا مهاجمين في بلاد لا يعرفونها، ولا نصير لهم، وأغرب من ذلك كله: أنهم فتحوا المملكتين جميعاً في مدة لا تتجاوز بضع عشرة سنة".
هؤلاء الذين عجبوا لمظهر الأمة العربية في صدر الإسلام قد درسوا تاريخ اليونان والرومان، ولو كانت المؤثرات والنتائج في هذه الأمم واحدة أو متقاربة، لما تلقوا نبأ الحركة العربية بعجب وانبهار، ولما جرى للكتّاب وأهل النقد بحث طويل وجدال عنيف في الأسباب التي ساعدت العرب على قهر القياصرة والأكاسرة.
ثم إن هؤلاء الكتّاب قد بعثوا أنظارهم في البحث عن أسباب هذه النهضة العربية، ولم يستطيعوا إلا أن يحوموا حول المؤثر الأكبر، وهو الروح الذي بثه الإسلام في صدور العرب، والنُّظُم التي أخذ بها أعمالهم - قال (ستودارد): "كان لنصر الإسلام هذا النصر الخارق عوامل ساعدت عليه، أكبرها: أخلاق العرب، وماهية تعاليم صاحب الرسالة وشريعته، والحالة العامة
(8/168)

التي كان عليها الشرق المعاصر لذلك العهد".
وقال جرجي زيدان: "إن العرب أصبحوا بعد الإسلام غير ما كانوا عليه قبله، كانوا قبائل مشتتة مبعثرة، فأصبحوا أمة واحدة بقلب رجل واحد". وذكر أسباباً أخرى من جملتها: اعتقادهم بالقضاء والقدر، وعدل المسلمين ورفقهم وزهدهم، ثم قال: "وكان لتلك المناقب تأثير عظيم، ومن هذا القبيل التسوية بين طبقات الناس رفيعهم ووضيعهم"، وعطف على هذا استبقاء الناس على أحوالهم، وقال: "كان العرب إذا فتحوا بلدًا، أقروا أهله على ما كانوا عليه من قبل، لا يتعرضون لهم في شيء من دينهم أو معاملاتهم، أو أحكامهم المدنية أو القضائية، أو سائر أحوالهم".
فالواقع ينفي أن تكون المؤثرات في حياة الأمم الثلاث واحدة أو متقارية. وليس التحضر بعد البداوة، وصروف السياسات المختلفة، والتكوين السياسي الدافع إلى فتح البلاد إلا أطوارًا عامة، ولا بد من البحث في سبب التحضر بعد البداوة، وفي أساليب تلك السياسات المختلفة، وفي كنه هذا التكوين السياسي؛ فإن الأمم إذا اختلفت في سبب تحضرها، أو في صروف سياستها، أو في شخصية تكوينها السياسي، لا تكون نتائج حياتها واحدة أو متقاربة.
ولعل القارئ يفهم رجحان حياة العرب على حياة اليونان والرومان من تسوية المؤلف بينهما في المؤثرات والنتائج؛ فإن ما يحمله للأمة العربية المسلمة، يدعوه إلى أن يغير تاريخها، ولو في أذهان طلابه في الجامعة، فإذا جعل نتائج حياة العرب مماثلة لنتائج حياة اليونان والرومان، فذلك الشاهد على أن فضل حياة العرب واضح، وأنه لو وجد كفة العرب تساوي
(8/169)

كفة تينك الأمتين، أو ترجح عنها بقليل، لصاغ البحث في غير هذه الصورة، ونحا بالعبارة نحو الغض من العرب، وإنزالهم إلى الدرجة السفلى.
يقول المؤلف: إن المؤثرات في حياة الأمم واحدة أو متقاربة، وتجده حين يتحدث عن النتائج يبتدئها بتجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض، ثم يصله بالتراث الذي تتركه الأمة، وهو بالنسبة لليونان فلسفة، وللرومان تشريع ونظام، وللعرب أدب وعلم ودين. فالدين في زعمه كالفلسفة اليونانية والتشريع الروماني يصح أن يعد في نتائج تلك المؤثرات المتحدة أو المتقاربة، ويصح أن يسمّى تراثاً تركه العرب كما تركوا علماً وأدباً.
ليس الدين من نتائج التحضّر بعد بداوة، أو صروف السياسات المختلفة، أو التكوين السياسي الدافع إلى فتح البلاد، وإنما هو هداية سماوية أطلت شمسها على أفق عربي، ثم ألقت أشعتها هكذا وهكذا، وما كانت الصلة بين العرب وهذا الدين إلا صلة الإيمان والجهاد في سبيله، وقد انعقدت هذه الصلة بينه وبين أمم أخرى ليست بالعدنانية، ولا القحطانية، وإنما هي العقول الراجحة تبصر الحقائق محمولة على سواعد الحجج، فلا تقعد حتى تعتنقها.

* تكرار الشكوى من أنصار القديم:
قال المؤلف في (ص 44): "ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان، فنحن لم نكتب لهذا، وإنما نريد أن نقول: إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب، والتي يجزع لها أنصار القديم جزعًا شديداً، ليست مقصورة على الأمة العربية".
(8/170)

لا يفتأ المؤلف يشكو إليكم أشخاصاً يسميهم: أنصار القديم، ويدعي عليهم: أنهم يجزعون جزعًا شديداً لهذه الظاهرة الأدبية، التي يحاول أن يدرسها في هذا الكتاب. وهذا ما دعاه إلى أن يقصّ عليكم شيئاً من تاريخ اليونان والرومان؛ حتى لا يخالط ظنكم أنه رمى الأمة العربية بوصمة لم ترم بها أمة من قبلها.
ولسنا على ثقة من أن في أهل الأدب من يجزع جزعاً شديداً أو هيناً لظاهرة أدبية.
فإن جزعوا، فلاتخاذه البحث في هذه الظاهرة جسراً يعبر منه إلى طعن في الدين ما له به من شبهة أو سلطان، وإن جزعوا، فإنما يجزعون إشفاقًا على تلك الفطر السليمة يحدثها على غير نظام، ويطبعها على عادة البحث الذي يهوي برأس الحقيقة إلى عقبها، ويرفع عقبها إلى مكان الرأس، وإن شاقك أن تشاهد أمثال هذه الصورة النادرة، فادرس كتاب "في الشعر الجاهلي" وأنت خالي الذهن من كل ما قيل فيه.

* منهج ديكارت، ومنهج ابن خلدون:
عاد المؤلف إلى الحديث عن منهج (ديكارت):
وقال في (ص 45): "ولا بد أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم، ذلك أن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية، أو قل: أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية، وهي كلما مضى عليها الزمن، جدت في النفس، وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب".
ألم يكن من أدب الأستاذ أن يربي نفوس التلاميذ على عزة ونخوة،
(8/171)

ومن أسباب عظمة النفس ومقامرتها في الشرف: شعورها بأنها غصن من شجرة نبتت نباتًا حسنا، وآتت كلها ضعفين.
إن شعور نشئنا بما كان للشرق من حلوم راجحة، وحياة علمية زاهرة، ليجعلهم من سمو الهمة وقوة العزم بمكان لا تحظى به نفوس يقال لها: انسلخي من شرقيتك، إنها مرذولة، اخرجي في صبغة غربية، إنها أخذت الكمال من جميع أطرافه.
ولا أقصد بانكار نزعة المؤلف أن نشعر الناشئ بأن الشرق في غنى عن الغرب، أو أن نذكر الشرق بكثر مما تسعه الحقيقة، فإن الأول صد عن سبيل الرقي، والثاني جناية على التاريخ، وعلى ما يسميه الأخلاقيون أو اللغويون: صدقاً وأمانة.
يسرنا من أستاذ في الجامعة أو في غير الجامعة أن يتحدث عن (ديكارت)، ومنهج (ديكارت)، وعن الثمرات التي جناها أهل العلم من سيرهم على منهج (ديكارت)، ونكره مع هذا أن يغلو الأستاذ في جحود ما كان للشرق من عبقرية، حتى يتناهى به الغلو إلى أن يسمي الثقافة: عقلية غربية.
تدرس الأمم الراقية تاريخها؛ لأنه علم، وتُعنى بدرسه؛ لأنه يفضي إلى أبنائها بما كان لسلفهم من مآثر فاخرة، فيدخلون معترك هذه الحياة بشعور سام، وهمم يصغر لديها كل خطير، أما المؤلف، فإنه يدسّ في محاضراته فقرات شأنها الإزراء بأي قومية شرقية، وقد نفذت هذه الدسيسة في نفر حتى تيسر لها أن تجمع في نفوسهم بين المهانة والغرور.
لا نمتري في أن المؤلف درس مقدمة ابن خلدون، ولو كان فيه روح من إخلاص، لم ينصرف عن هذا الحديث حتى ينبه على منهج ذلك
(8/172)

الفيلسوف، ولكنه لا يرغب في أن تشعر تلك الطائفة القليلة بذلك المقال؛ لأنه لا يستطيع بعد شعورهم هذا أن يريهم منهج (ديكارت) في صورة المبتكر الذي لم ينسج على مثال، ولا يستقيم له أن يسمّي الثقافة وتحقيق البحث: عقلية غربية.
أوردنا ذلك المنهج في (صفحة 37). وقد زاده صاحبه إيضاحاً بقوله: "فإن النفس إذا كانت في حال الاعتدال في قبول الخبر، أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، صاذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله". ثم فصل القول في أسباب الكذب، فقال: "ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً: الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها: الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه، فيقع في الكذب. ومنها: توهم الصدق، وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين. ومنها: الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع؛ لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها: تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلَّة والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة" (1).
وإذا ضممت هذا إلى ما نقلناه عنه آنفا، رأيت منهجاً متى سلكه الباحث
__________
(1) "المقدمة" (ص 29).
(8/173)

بذكاء وإخلاص، بلغ في تحقيق تاريخ العرب وآدابهم الغاية التي ليس بعدها مرتقى.

* العبقرية لا وطن لها:
قال المؤلف في (ص 45): "وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم، وآخرون ينصرون الجديد، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوماً قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية، وآخرين لم يظفروا منها بحظ، أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل. وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلى آخر، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العلم الغربي، كل ذلك سيقضي غداً أو بعد غد بن يصبح عقلنا غربياً".
لا يفوت أحداً أن في الغرب علماً وثقافة، واختيار أسلوب في البحث والتأليف، وذلك شأن كل أمة تجد من زعمائها أو أمرائها من يأخذون بأيديها إلى نهضة علمية ضافية. والذي نلفت له نظر القرّاء: ألا يأخذهم الاعتقاد بتفوق الغرب علماً وثقافة إلى أن يُطرقوا أمام كل رأي أو مقال يصدر من غربي حقاً، أو غربي تقليدًا، وحقيق عليهم أن يحتفظوا بألمعيتهم، ويناقشوا الآراء الغربية، أو المدعية أنها من نسل عقلية غربية، ولا يمنحوها من الاحترام ما يحجم بهم عن نقدها، والبحث عن منشئها، وما يترتب عليها من النتائج، ثم لا يترددوا في أن يحكموا عليها بالصحة أو البطلان حكماً لازباً.
ولا يقصد المؤلف حين يلهج بمنهج (ديكارت)، ويشير إلى أن عقليته أصبحت غربية، إلا التأثير على طلابه في الجامعة حتى يصغوا إلى حديثه كأن على رؤوسهم الطير، ويتلقوا آراءه بالتصديق والخضوع.
(8/174)

في الغرب علم، وأساليب بحث وتأليف، وليس في يد الغرب أن يهب لك ذوقًا أو عقلاً لا يمشي في البحث إلا على صراط مستقيم. وهذا (مرغليوث)، وهو غربي عقلاً ومولداً، قد يورد آراء لا تلقى في الشرق إلا من يردها بالحجة على عقبها خاسئة. فإن كان للعلوم الغزيرة وطن؛ فإن العبقرية لا وطن لها.

* المستقبل للحقائق والحجج:
قال المؤلف في (ص 46): "وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين، فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره، ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ. فالمستقبل لمنهج (ديكارت)، لا لمناهج القدماء".
عرف هؤلاء الأدباء والمؤرخون منهج (ديكارت) من قبل أن يخلق كتاب "في الشعر الجاهلي"، ولاقوه بطمأنينة وارتياح؛ لأنه المنهج الذي يسير عليه كل راسخ في العلم، وإذا لم يرضوا عن ذلك الكتاب، فلأن مؤلفه ينطق بغير حجة، ويحكي آراء في لهجة مستنبط، ويستعير للطعن في الإسلام لقب باحث، ويتخذ اسم منهج (ديكارت) حبالة لصيد الأغبياء. فنحن واثقون بأن نقد ذلك الكتاب، وافتضاح ما فيه من كيد وخطأ سيقلل تأثيره في الجيل الناشئ. فالمستقبل للحقائق والحجج، لا للتغني باسم الجديد، وأنصار الجديد.
(8/175)

السياسة وانتحال الشعر
بنى المؤلف ما كتبه تحت هذا العنوان على الهجاء الذي دار بين قريش والأنصار لعهد النبوة، وبين قريش والأنصار لعهد معاوية بن أبي سفيان، ثم على تأثير العصبية في الحياة السياسية، وقد خاض في هذا الموضوع كتاب لا يخفى على المؤلف مكانه، وهو "تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي زيدان، فقال (1): "وقد راج الهجو السياسي في العصر الأموي؛ لاحتياج ولاة الأمور إليه بسبب الانقسام الذي قام بين الأحزاب المختلفة، وهو الهجو السياسي، وقد بدأت المهاجاة في الإسلام بين شعراء النبي وأعدائه القرشيين، ثم صارت بين المهاجرين والأنصار، أو هي بين قريش واليمن، وكان لكل من الجانبين شعراء يردون عنهم الهجاء بأشد منه، وكان المسلمون يحفظون ما يقوله هؤلاء من المهاجاة، وينشدونه، كل طائفة تنتصر لأصحابها، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهى عنه، وقال: "في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد الضغائن". فلما أفضى الأمر إلى معاوية، اقتضت سياسته ومصلحته أن يجدد تلك الضغائن، فجعل يغري الشعراء على الطعن بالأنصار؛ لأنهم أصحاب علي بن أبي طالب خصمِه. وكان يفعل ذلك تحت طي الخفاء، ومن الذين أغراهم على ذلك الطعن: الأخطل الشاعر التغلبي المشهور،
__________
(1) (ج 1 ص 243).
(8/176)

فعظم ذلك على الأنصار، خصوصاً لأنه نصراني، واستعان به معاوية على المسلمين، فغضب متكلم الأنصار وشاعرهم، وهو يومئذ النعمان بن بشير، ودخل على معاوية، وأنشده قصيدة في الدفاع عن الأنصار مطلعها:
"معاوي إن لم تعطنا الحق تعترف" ... إلخ.
ثم تخلص إلى الفخر بأعمال الأنصار وأنسابهم، وختم القصيدة بالطعن على خلافة معاوية".
وقال: "وتحولت المهاجاة بين الأنصار والمهاجرين إلى المشاتمة بين بني هاشم وبني أمية، وانتشر ذلك في المملكة الإسلامية".
سقنا هذه المقالة؛ ليكون القراء على بينة من الأساس الذي عقد عليه المؤلف هذا الفصل.

* العرب لم يستطيعوا الخلوص من الدين:
ذكر المؤلف أن العرب خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم الأخرى من المؤثرات الداعية إلى انتحال الشعر والأخبار، وأن أهم هذه المؤثرات: الدين، والسياسة.
ثم قال في (ص 47): "فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهر الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني".
لو قدر للمؤلف أن يكتب في علم الحساب أو الهندسة، لما طاب له الانصراف عن الحديث، حتى يرمي إلى ناحية الإسلام، أو رجال الإسلام بكلمة يمن بها على أوليائه من غير المسلمين.
يقول المؤلف: أرادت الظروف ألا يستطيع العرب أن يخلصوا من مؤثر
(8/177)

الدين، وهو يعلم أن معنى الخلوص من الشيء: النجاة، والسلامة منه، ولا عجب أن يخيل المؤلف الإسلام في صورة ما ينبغي للناس أن ينجوا بأنفسهم من تأثيره؛ فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا ما يؤذي العقلية التي "أخذت منذ عشرات من السنين تتغير، وتصبح غربية".

* ظهور العرب على العالم بالإسلام:
قال المؤلف في (ص 47): "هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام، فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام، ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور، وهذا السلطان الذي يحرصون عليه، وهم في الوقت نفسه أهل عصبية، وأصحاب مطامع ومنافع، ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم".
لم يظهر العرب على العالم إلا بالإسلام، وهم محتاجون إلى أن يعتزوا به ويرضوه، وكانوا يجدّون في اتصالهم به، ليقينهم بأن هذا الاتصال يضمن لهم الظهور والسلطان والسعادة في الآخرة والأولى. وكثير من رجال هذه الأمة النجيبة أرضَوا الإسلام، وجدوا في اتصالهم به من قبل أن يظهروا على العالم، ومن قبل أن يكون له سلطان، بل أرضوه، وجدّوا في اتصالهم به يوم كانوا يلقون من الذين أشركوا أذى كثيراً، ويوم كانوا يقاسون مضض الغربة عن أوطانهم، ويوم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس.
فالتاريخ يشهد بأن في العرب رجالاً أنفقوا في سبيل الإسلام كل ما استطاعوا من قوة، وسيرتهم تنطق بأنهم أقاموا الدعوة إليه بعقيدة أنه هداية ومنبع سعادة، وسواء عليهم بعد ذلك الجهاد الحق أن يعيشوا به أعزّاء، أو يموتوا شهداء، فإذا أرضى أولئك الرجال الإسلام، فإنما أرضوا الإنسانية،
(8/178)

وإذا جدوا في الاتصال به، فإنما يجدّون في الاتصال بالفضيلة، ولكن المؤلف لا ينظر إلى الفضيلة وآداب الإنسانية الراقية بعين تقدرها.
فما كان للمؤلف أن يرمي العرب بهذه العبارة المطلقة الشائنة، وما كان له أن يخيل إلى قراء كتابه أن العرب لم يجدّوا في اتصالهم بالإسلام إلا رغبة في الظهور، وحرصًا على السلطان، فإن في الإسلام حجة وحكمة تأخذان ذوي الفطر السليمة والعقول السامية إلى أن يتصلوا به ويرضوه، ولو نسلت عليهم الخطوب من كل حدب، أو سخط عليهم أمثال هؤلاء الذين أخذت عقليتهم "منذ عشرات من السنين تتغير، وتصبح غربية".

* الدين والسياسة عند العرب:
قال المؤلف في (ص 48): "فخليق بالمؤرخ السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسًا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ. وسترى عندما نتعمق بك قليلاً في هذا الموضوع أننا لسنا غلاة، ولا مخطئين".
لم يوضح المؤلف وجه التأثر بالسياسة حتى يعلم القارئ أن هذا المعنى يختص بالعرب، أو هو شأن كل جماعة تساس بسلطان، وإذا كان دأب العرب خاصة، فهل هو عارض لهم في بعض أطوارهم السياسية، أم هو مظهر لم ينفكوا عنه منذ قامت لهم الدولة في الإسلام؟ ومن شأن المخلص في بحثه ألا يؤذي تاريخ أمة بحديث يبهمه، وكلام يلوي رأسه على ذنبه.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى أن يكثر فيها الطامحون إلى الرياسة؛ كالملك والوزارة وقيادة الجيش ونحوها، وذلك ما يبعث على التنافس، وبذل المستطاع في سبيل الوصول إليها، وتختلف الطرق التي يسلكها هؤلاء
(8/179)

المتنافسون في كونها مشروعة أو غير مشروعة، والأخذ في نيلها بالطرق المشروعة خصلة مالوفة، وسعي لا بأس به، وفي العرب من وضعت مقاليد السياسة في يده دون أن يبذل في سبيلها درهما، أو ينتضي حسامًا، وذلك شأن الخلفاء الراشدين، فإن أردت أن تجعل لأبي بكر الصديق، أو علي بن أبي طالب سيفًا مسلولًا، فإنما هو الدفاع عن نظام الأمة، أو عن تلك الرياسة التي تدير شؤونها بحكمة وعدالة، والواقع أن هذا الضرب من التأثر بالسياسة لم يكن له في عهد الخلافة الرشيدة مظهر، وهو العهد الذي يمثل روح الإسلام، وينطبق على مبادئه من كل ناحية.
تتأثر الأمة بالسياسة على معنى: أن يبالغ القابضون على سياستها في التعرض لشؤون الأفراد، واستعمالهم فيما يعود على ولايتهم بالبقاء، ولو بغير حق، ومن طبيعة السياسة المستبدة أن يتزلف لها الناس بالملق رهبة من بطشتها، أو رغبة في أن ينالهم قسط من سرفها. وهذا المعنى لا يستطيع المؤلف أن يصف به العرب لعهد الخلفاء الراشدين، أو من ساروا على مبادئ الإسلام بإطلاق؛ كعمر بن عبد العزيز. وقد وجد هذا الضرب من التأثر بالسياسة في كثير من الدول التي تجعل دينها الرسمي الإسلام، عرباً كانوا أو غير عرب، كما يوجد في غير المسلمين، حتى الأمم التي يملأ المؤلف قلبه بإجلالها، فإننا نرى سياستها تستعمل أقلامًا في تغيير تاريخ بعض الأمم، وفك عرا وحدتها، وقلب أخلاقها وجميع مميزاتها إلى ما يجعلها تحت تلك السياسة كالأنعام أو أضلّ سبيلاً.
أما تأثر العرب بالدين، فلأن الإسلام عقيدة وآداب، وشريعة وسياسة، وقد أخذ العرب في يقينهم صحة تلك العقائد، ووضاعة تلك الآداب، وعدالة
(8/180)

تلك الشريعة، وحكمة تلك السياسة، فلا بدع أن يكون للإسلام تأثير في آدابهم ومعاملاتهم، وأخلاقهم وسياستهم، ولا سيما بعد أن أبصروا بأعينهم يد النائم في المسجد تتناول تاج كسرى، وتضرب به بين لابتي يثرب، وتطوي سلطان قيصر عن ممالك بعيدة ما بين المناكب. فاجعل مسألة الدين عند العرب يوم أدهشوا العالم أساسًا للبحث عن الفرع الذي تريد أن تبحث عنه من فروع التاريخ، ولا تكن كمؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" من المغالين أو المخطئين.

* الإسلام عقيدة وشريعة ونظام:
ذكر المؤلف أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه كانوا بمكة مستضعفين، وأن الجهاد بينهم وبين قريش وأوليائهم كان جدليًا خالصاً، وأن النبي - عليه السلام - كاد يقوم بهذا الجهاد الجدلي وحده، وكان كلما بلغ حظاً من إفحام قريش، انتصر له فريق من قومه حتى تكؤن له حزب ذو خطر، ولم يكن هذا الحزب سياسياً يطمع في ملك، ولا تغلب، ولا قهر، أو لم يكن ذلك في دعوته، وانتهى به الحديث إلى الهجرة.
ثم قال في (ص 49): "ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعاً جديداً، جعلت الخلاف سياسياً يعتمد في حَلِّه على القوة والسيف، بعد أن كان من قبل دينياً يعتمد على الجدل والنضال بالحجة ليس غير". وقال: "فليس من شك إذن أن الجهاد بين النيي وقريش قد كان دينياً خالصاً ما أقام النبي في مكة. فلما انتقل إلى المدينة، أصبح هذا الجهاد دينياً وسياسياً واقتصادياً، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصوراً على أن الإسلام حق أو غير حق،
(8/181)

بل هو يتناول الأمة العربية، أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع".
نشأ محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - في بيئة تعبد الأصنام نشأة رشد وصدق وعفاف، وقد آمن بنبوته رجال من كبار قومه يعرفونه كيف ولد، وكيف شبّ، وأين يذهب، ومن أين يجيء، ولو لم يعرفوه رشيداً صادقاً عفيفًا، لذكروا ما يعرفونه له من هفوة أو هفوات، وكانت هذه الذكرى عرضة في سبيل إيمانهم، وسلاحاً يقفون به في وجه دعوته، فإيمان كثير من عظماء عشيرته الذين هم على كثب من سيرته يرقبونها بكرة وأصيلاً، يشهد بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - شبّ في طهر واستقامة، وصدق لهجة وأناة.
قضى محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين حجة في سيرة تلألأ صدقاً ووفاء وتؤدة، فإذا هو بعد الأربعين يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة، لا يهاب جبارًا، ولا يحابي قريباً، ولا يبالي أن يتهكم به غير حليم.
أبصر أولئك القومُ الذين يعترف المؤلف بذكائهم ودهائهم واستنارتهم تلك الآيات المحكمات حقاً، فكانوا كلما استطاعت طائفة منهم أن تخلص من أهوائها، وما وجدت عليه آباءها، اطمأنت إلى دعوته، وانتصرت لما آمنت به، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
لم يدخر المشركون وسعاً في أذى المؤمنين، حتى ألجؤوا فريقاً منهم إلى الهجرة، وأخذوا يأتمرون في شأن الرسول - عليه الصلاة والسلام -, وقد تعرض القرآن لهذه المؤامرة، وحكى الآراء التي دارت بين المؤتمرين فقال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
(8/182)

خرج - عليه الصلاة والسلام - على حين غفلة من أولئك الملأ الذين ائتمروا به، خرج ولا رفيق له من أصحابه سوى أبي بكر، وتواريا في غار ثور حذراً من أن تقع عليهما عين مشرك، وكذلك رسل الله يأمنون ويحذرون، وقد أتى القرآن على هذه الواقعة في آية: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
وإسناد الإخراج في الآية إلى الذين كفروا؛ لأنهم تصدوا إلى ما يقتضي خروجه، وهو إذايتهم له بأشد مما كانوا يصنعون.
نزل الرسول - صلوات الله عليه - المدينة، وحوله حزب استيقن أن هذه الدعوة حق، ووطّد نفسه لكل ما يلاقيه في سبيلها من خطوب، ولم يكن يخفى على الرسول - عليه السلام - أن أشد الناس عداوة لهذه الدعوة، وأجمعهم قوة على محاربتها: مشركو قريش، وإذا كان عبدة الأوثان في مكة هم أشد الناس داعية إلى محاربة دين الحق، بل كانوا أول من بسطوا أيديهم إلى أوليائه بالسوء والأذى، كان من مصلحة هذه الدعوة أن تبتدئ بعمل الوسائل لإخلاء مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل من رؤوس تسجد للّلات والعزّى، وقلوب لا تضمر لحماة هذه الدعوة إلا شراً.
فالرسول - عليه السلام - وحزبه الطامح إلى السعادة الخالدة، لم ينتضوا سيفاً، أو يهزوا أسلاً، أو يرموا نبلاً؛ ليظفروا بملك، أو ليستأثروا بسلطة، كما يحاول المؤلف أن يصوره لقراء كتابه. والحق أن الإسلام عقيدة وشريعة ونظام، ولا بد لهذه الحقائق من حماية، ولا حماية إلا بقوة وسلطان.
وإذا كان من مقاصد الإسلام إنشاء دولة تجري على قانون شريعته،
(8/183)

وتتحرى نظام سياسته، فالنبي - عليه السلام - وحزبه من المهاجرين والأنصار، إنما يجاهدون في سبيل هذه المبادئ والمقاصد التي نزل بها القرآن في أحسن تقويم، فمحاربة المسلمين للمشركين يومي بدر وأحد لا يقصد بها إلا ظهور الإسلام، ونشر مبادئه، ونفاذ أوامره، وإذا نالت. أحد هؤلاء المجاهدين إمارة، أو حياة ناعمة، فتلك سنّة الله في الذين يجاهدون فينتصرون.

* مكافحة الهجَّائين بسلاحهم:
انقاد المؤلف بزمام المناسبة إلى الحديث عما أحدثته الهجرة النبوية من العداوة بين مكة والمدينة، أو بين قريش والأوس والخزرج بعد أن توثقت صلات الود بينهما، وذكر أن الشعر اشترك في هذه العداوة مع السيف، وأن شعراء الأنصار وشعراء قريش وقفوا يتهاجون.
ثم قال في (ص 50): "ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف؛ فإن النبي كان يحرض عليه، ويثيب أصحابه، ويقدمهم، ويعدهم، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر والمثوبة عند الله، ويتحدث أن جبريل كان يؤيد حسّاناً".
لم يجئ الإسلام ليلقي بين القبائل عداوة، ولا ليطلق ألسنة الشعراء بالهجاء، ولكنه فتح بصائر الأوس والخزرج، فرأوا أبا جهل وشيعته في عماية، وتمنوا رشدهم، فاستحبوا العمى على الهدى، وإذا كانت القبيلتان تتفقان في الجاهلية على ضلالة، وتقتربان في شقاء، فإن اختلافهما بالهداية خير من ذلك الاتفاق، وتباعدهما بالسعادة أفضل من ذلك الاقتراب.
أما الهجاء، فالناس يعلمون ما للشعر من الاتصال بالنفوس، وما له من الأثر في استهواء القلوب، ولما جعل المشركون يسطون على مقام النبوة
(8/184)

بالهجاء، ويتخذونه سلاحاً لمحاربة دين الحق، كان من الحكمة البينة أن يكافَح أولئك الهجاؤون بسلاحهم، فأذن الرسول - صلوات الله عليه - لحسّان بن ثابت وغيره أن يجازي تلك السيئة بمثلها، وأخبر أن جبريل يؤيد حسانًا، وكذلك كانت العاقبة للذين انتصروا من بعد ما ظُلموا.
فليس من الصواب أن يخلى السبيل لتلك الأشعار الطاعنة، فتطرق كل أذن، وتحوم على كل قلب، دون أن تقف أمامها قوة تعمل على مثالها، فتكف بأسها، وتنفض عن الصدور وساوسها.
وما مثل تلك الأشعار الغاوية إلا كمثل ما يكتبه دعاة الإباحية اليوم من الطعن في الدين وتقويض بناء الفضيلة، أفيحق لحملة الأقلام الناصحة أن ينزووا في بيوتهم، ويدعوا هذه الطائفة تنفث من سموم غوايتها ما يفتك بالآداب والأعراض؟!.
أما تأييد جبريل لحسّان، فقد أخبر به من قامت الآيات البينات على صدقه، والمؤلف لا ينازع في أن عدم رؤية الشيء ليس دليلاً على عدم وجوده.

* إسلام أبي سفيان:
ذكر المؤلف أن قريشاً جاهدت بالسنان واللسان، والأنفس والأموال، ولكنها لم توفق.
ثم قال في (ص 51): "وأمست ذات يوم وإذا خيلُ النبي قد أظلت مكة، فنظر زعيمها وحازمها أبو سفيان، فإذا هو بين اثنتين: إما أن يمضي في المقاومة، فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح، ويدخل فيما دخل فيه الناس، وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة،
(8/185)

ومن قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش، وإلى مكة مرة أخرى".
سار النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى فتح مكة في عشرة آلاف مجاهد بعد أن نبذ إليهم العهد على سواء، نزل بمرّ الظهران، فخرج أبو سفيان يلتمس الخبر، فاخذه حرس عليهم عمر بن الخطاب، وأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت العاقبة أن أصبح مسلمًا، وتألفه - عليه السلام - بقوله: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، وكان يتألفه بالمال، ويذهب كثير من الرواة إلى حسن إسلامه، ومما يستدلون به على هذا: أنه شهد فتح الطائف، وهنالك فقئت إحدى عينيه بسهم أصابها من يد الأعداء، وشهد بعدها وقعة حنين، ثم وقعة اليرموك لعهد عمر بن الخطاب، ولو كان منافقاً، لقعد مع الخالفين، ولم يضق به الحال أن يلتمس عذراً، لا سيما إذ كانت السلطة العسكرية لذلك العهد لا تأخذ الناس إلى الجندية قهرًا، ولا تعاقب البُلُط (1) أو المتأخرين عن صفوف الحرب بالفصل بين الرؤوس والأعناق.
ويضاف إلى هذا: أن المنافق قلما استطاع أن يتصل بقوم ليسوا بأغبياء، ويعاشرهم حينًا من الدهر دون أن تظهر سريرته في لحظاته وبين شفتيه، وهذا شأن كل من يحمل سريرة سوداء؛ فإنه لا يملك مردّها، ويقوى على شد وكائها زمناً طويلاً.
فلو كان أبو سفيان منافقاً، لم يخفَ حاله على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة المستنيرين المخلصين، ولو وُسم أبو سفيان بين هؤلاء بميسم النفاق، لكان أثره في التاريخ أوضح، وروايته أقوى. وقد تمرد على النفاق نفوس نشأت
__________
(1) الفارّون من المعسكر.
(8/186)

في خمول، ولا يسهل على الذي يكبر في زعامة كأبي سفيان أن يقضي سنين في كفر يحوطه الكتمان من كل ناحية.
لندع المؤلف يتحدث عن أبي سفيان بما يشاء، فإنه يجد في بعض الكتب أثراً يساعده على أن يمس عقيدته وإخلاصه، وقد اعتاد التمسك بالروايات التي يكثر بها سواد المنافقين والمتهتكين، وإن كانت هباء، وإنما نريد مناقشته في شيء آخر وراء إخلاص أبي سفيان.
يقول المؤلف عن أبي سفيان: "وإما أن يصانع ويصالح، ويدخل فيما دخل فيه الناس، لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من قريش إلى الأنصار أن يعود إلى قريش مرة أخرى".
نحن على يقين من أن المؤلف لم يتلق بطريق الرواية الصحيحة أو المصنوعة أن أبا سفيان احتمل هذه المصانعة رجاء أن ينتقل هذا السلطان السياسي من الأنصار إلى قريش. وإنما يحاول التشبه بفلاسفة التاريخ المستنبطين، وما هذا الاستنباط إلا من سقط المتاع الذي يقول له المؤرخ بيده هكذا، ويبعده عن ساحة تلاميذه؛ لأنه ناشئ عن عامل غير عامل الفكر، أو عن فكر لا يتمتع باستقلاله.
ينظر المؤرخ يوم فتح مكة، فيجد القائد الأعلى للجند الفاتح من صميم قريش، ويجد كثيراً من هذا الجند لا يمت للأوس والخزرج بنسب، وآخرين لا تزال بيوتهم التي ولدتهم بها أمهاتهم قائمة في بطحاء مكة، ولا يزال آباؤهم أو إخوانهم يغدون من هذه البيوت القائمة وإليها يروحون، وما الأوس والخزرج إلا فرقة من جند تألف حول ذلك القائد القرشي، فالسلطان يوم فتح مكة في يد قريش، ومن البعيد أن يخطر على بال أبي
(8/187)

سفيان أنه في يد تلك الفرقة التي تسمّى: الأنصار حتى يقول؛ لعل هذا السلطان يعود إلى قريش، ولو قال المؤلف: لعل هذا السلطان الذي انتقل من عبدة الأوثان إلى عبّاد من خلق الأوثان أن يعود إلى عبدة الأوثان، لكان خطؤه قريباً، وشبهته محتملة.

* الخلافة حقيقة شرعية:
قال المؤلف في (ص 51): "ولعل النبي لو عُمّر بعد فتح مكة زمناً طويلاً، لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن، وأن يوجه نفوس العرب وجهة أخرى؛ ولكنه توفي بعد الفتح بقليل، ولم يضع قاعدة للخلافة، ولا دستورًا لهذه الأمة التي جمعها بعد فرقة. فأي غرابة في أن تعود هذه الضغائن إلى الظهور، وفي أن تستيقظ الفتنة بعد نومها، وفي أن يزول هذا الرماد الذي كان يخفي تلك الأحقاد؟ ".
تحدث النبي - عليه السلام - عن الإمامة والإمام في أحاديث يرويها البخاري ومسلم وغيرهما، وقد شرع القرآن للخلافة قاعدة في قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
وزادها النبي - عليه السلام - بياناً؛ إذ ترك للأمة حريتها في انتخاب من ترى فيه الكفاية للقبض على مقاليد أمرها، حتى تكون السيرة المقتدى بها في كل عهد، أما طريقة أخذ الآراء، فموكولة إلى اجتهاد أهل الحل والعقد، ككل مصلحة أرشد إليها الإسلام، وفوض في وسائلها إلى اجتهاد الآراء.
فالخلافة حقيقة شرعية، ونظام كافل لحياة الأمة الاسلامية، ومن يدرس التاريخ بروية وأناة، يدرك بوضوح أن الخلافة رفعت الشرق مكاناً
(8/188)

عاليًا، وأنه لم يفقد سيادته ومنعته إلا حين اختل نظامها، وسارت في غير سبيلها، وليس في سنّة الخلافة ما تضيق عنه الدساتير المعقولة، أو يمس الحرية المطمئنة، ولعل الذين عجلوا إلى التنكر لها لم يجدوا في مخيلاتهم إلا شبح الخلافة المشربة بروح استبدادية، ولو بحثوا فيها من حيث حقيقتها المشروعة، ونظروا سيرتها يوم مثلها الصلّيق أو الفاروق، لوجدوا في سعة نطاقها ما يحفظ حقوق الأمم، ويطابق مقتضيات كل عصر.
ترك النبي - عليه الصلاة والسلام - القرآن، وما يُبينه من عمل متواتر، أو حديث صحيح، وفي القرآن وما يبينه من السنّة أحكم دستور لقوم يعقلون.
لم يرد الإسلام أن يضع الناس في حرج، فيرسم لهم نظم الإدارة، أو يبين لهم دستورًا على نمط هذه الدساتير التي تتغير على حسب العصور، وتختلف باختلاف البلاد، والذي يليق بحكمة التشريع السماوي أن ينص على بعض الأحكام القائمة على مصالح ثابتة عامة، ويضع أصولاً عالية يستنبط منها كل شعب ما يطابق مصالحه، ويلائم عوائده. وهذا ما يفهمه الراسخون في العلم، وهذا ما يسير عليه الأئمة المجتهدون.
فلو عُمّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة زمناً طويلاً، لم يزد على بناء هذا التشريع لبنة، ولم يبدُ له أن يسن دستوراً كدساتير هذه الدول لا يلبث أن تكبر عنه بعض العصور، فيكون غُلّاً في أعناقها، أو تصغر عنه، فيكون ثوباً فضفاضاً.
أما الضغائن التي ظهرت، والفتن التي استيقظت، فلم يكن منشؤها نقصًا في التشريع كما يزعم المؤلف، بل سببها قلة العلم بالتشريع، وعدم القدرة
(8/189)

على التطبيق، أو تغلب الأهواء؛ إذ لا عصمة إلا لأنبياء الله المصطفين.

* خلافة أبي بكر قائمة على رضا الأمة:
قال المؤلف في (ص 52): "وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا، حتى اختلف المهاجرون من قريش، والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون؟ ولمن تكون؟ وكاد الأمر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين وحزم نفر من قريش، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك لقريش، فما هي إلا أن أذعنت، الأنصار، وقبلوا أن تخرج منهم الإدارة إلى قريش".
القوة المادية: الجند والسلاح والمال، ولم يكن هناك جيش تحت إمارة وزير أو قائد قرشي، وإنما هي الأمة تنفر للجهاد، وعندما تضع الحرب أوزارها يعود كل واحد إلى حرفته. ولم يكن هناك خزائن للسلاح مفاتيحها بيد رجل من قريش، بل كان سلاح كل أحد في يده، أو في بيته، ولم يكن السلاح الذي بأيدي قريش أجود من السلاح الذي كان يحمله الأنصار وسائر القبائل العربية. أما المال فقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب الأموال" عن الحسين بن محمد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقبل مالاً عنده ولا ببيته، قال أبو عبيدة: يعني: إن جاء غدوة، لم ينتصف النهار حتى يقسمه. وروى أبو داود عن عوف بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتاه الفيء، قسمه في يومه. إذاً، لم يكن هناك مال للأمة تحت يد أمير قريش.
فإن قال المؤلف: أريد من القوة المادية: أن قريشاً أكثر من الأنصار عدداً أو أنصاراً، قلنا: الرواية الموثوق فيها تقول: إن المجتمعين في سقيفة
(8/190)

بني ساعدة طرحوا مسألة الخلافة على بساط الشورى، فاختلف المؤتمرون: أين تكون الخلافة؟ ولمن تكون؟ واشتدت رغبة سعد بن عبادة في أن يتقلد الإمارة على الأنصار، ولما احتدم الجدال، بسط عمر بن الخطاب يده، وبايع أبا بكر، فتتابع الحاضرون من المهاجرين والأنصار على مبايعته، ولم يتخلف عنها سوى سعد بن عبادة، ثم عقد اجتماع عام في المسجد، فتوارد الناس على مبايعته، وتوانى عنها علي بن أبي طالب حينًا، ثم أقبل وبايع ووفَّى.
والرواية تصرح بن الأوس جنحوا إلى ولاية أبي بكر، وتتابعُ الخزرج على مبايعته دليل على أنهم لا يجدون في صدصورهم حرجاً من خلافته، ويروى أن أول من قام من الأنصار وبايع أبا بكر خزرجي يقال له: بشير بن سعد، وهو أبو النعمان بن بشير. فالظاهر أن عمر لم يمد يده إلى المبايعة إلا بعد أن تراءى له أن أكثر الآراء متوجهة إلى اختيار أبي بكر، وسمى مبايعته: فلتة؛ لأنه بادر إليها قبل أن تخرج تلك الآراء في صراحة على ما هو المعهود في نظام الشورى، وعذره في هذه المبادرة: أن بعض الأنصار أسرف في الجدل، وهمّ بما لا تحمد عقباه.
فخلافة أبي بكر لم تعقد بمبايعة عمر، بل تقررت بآراء الأغلبية الساحقة، ولم تقع تحت تأثير جند يتحفز، أو سلاح يشهر، أو مال يبذل، وإذا فرض أن في المهاجرين أو الأنصار من بايعوا متابعة للكثرة السائدة، أو حذراً من سخطها، فمثل هذا لا يخرج خلافة أبي بكر عن أن تكون قائمة على رضا الأمة.

* مقتل سعد بن عبادة الأنصاري:
قال المؤلف في (ص 52): "وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين،
(8/191)

وأنهم قد أجمعوا على ذلك، لا يخالفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبى أن يبايع أبا بكر، وأن يبايع عمر، وأن يصلي بصلاة المسلمين، وأن يحج بحجهم، وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة، حتى قتل غيلة في بعض أسفاره".
قلنا لكم: إن المؤلف متى وقع نظره على رواية تمس سياسة العرب بعد الإسلام، ضرب منهج (ديكارت) برجله، وكان أجرى إليها من الماء في صبب.
يقول المؤلف: إن سعد بن عبادة قتل غيلة في بعض أسفاره، وسيقول في (ص 71): إن السياسة قتلته، ويشير إلى أن الباعث على قتله عدم إذعانه بالخلافة لقريش.
لم يذكر المؤرخون؛ كابن جرير، وابن الأثير، وابن خلدون، ولا الحفّاظ الكاتبون في التعريف بأحوال الصحابة؛ كابن حجر، وابن عبد البر، والذهبي، وجمال الدين المزي رواية أن سعد بن عبادة قتل غيلة بيد السياسة، وإنما تجدها في مثل "شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة" حين قال: "ويقول قوم: إن أمير الشام كمّن له من رماه ليلاً إلى الصحراء، فقتله؛ لخروجه عن طاعة الإمام". وابن أبي الحديد على مذهب الشيعة، والأقرب أن تكون هذه الرواية شيئاً يزعمه بعض غلاتهم.
ونحن لا نشك في هذه الرواية، ونبحثها بقلب خال من كل ما قيل في موت سعد بن عبادة.
لم ترد هذه الرواية في الكتب المبسوطة في التاريخ، أو في التعريف بأحوال الصحابة، وهذا أمارة على أنها لم تدخل في دائرة العلم التي جاس
(8/192)

خلالها هؤلاء الحفّاظ والمؤرخون، ولا تجد من هؤلاء إلا من يذكر أن سعدًا مات حتف أنفه، أو يذكر ما يزعم من أن الجن قتلته، ومنهم من يحكي أن سبب موته النهش، كما قال ابن قتيبة في "المعارف": "ويقال: إنه نُهش (1)، وهو الصحيح".
وردت هذه الرواية في بعض كتب لا يؤخذ ما ترويه من الأخبار المتصلة بسياسة أبي بكر أو عمر إلا بالتحفظ والاحتراس، ثم إن ابن أبي الحديد لم يسندها إلى قوم بأسمائهم، فلا ندري من هؤلاء القوم، وما مبلغ نصيبهم من الصدق أو البهتان، ولا ندري أيضاً من هذا الأمير الذي كمن لسعد بن عبادة حتى رماه فقتله، وهم يختلفون في تاريخ وفاة سعد، فقيل: في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة، وقيل: في خلافة عمر سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة، أو ست عشرة.
انصب المؤلف على هذه الرواية، لأنها وصمة في سيرة الخلافة الرشيدة، وأعرض عن الرواية التي تقول: "وتتابع القوم على البيعة، وبايع سعد" (2)؛ لأنها تجعل خلافة أبي بكر منعقدة بإجماع، وتنفي أن يكون هناك من يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة.

* المقيمون من قريش والأنصار:
قال المؤلف في (ص 52): "وانصرفت قوة قريش والأنصار إلى ما كان من انتقاض العرب على المسلمين أيام أبي بكر وعمر، وإلى ما كان
__________
(1) نهشته الحية: لسعته.
(2) "تاريخ ابن جرير" في الحديث عن سنة 11.
(8/193)

من الفتوح أيام عمر. ولكن المقيمين من أولئك وهؤلاء في مكة والمدينة، لم يكونوا يستطيعون أن ينسوا تلك الخصومة العنيفة التي كانت بينهم أيام النبي، ولا تلك الدماء التي سفكت في الغزوات".
خشي المؤلف أن يقول: إن قريشاً والأنصار لعهد أبي بكر وعمر لم ينسوا تلك الدماء المسفوكة في الغزوات، فيقال له: ما بالهم امتزجوا وظهروا في قلب رجل واحد، واندفعوا في حروب أهل الردة، وفتح بلاد الروم وفارس، لا يعنيهم أن يكون الخليفة قرشياً، ولا يفرقون بين أن يكون أمير الجيش قرشياً أو أنصاريًا؟ لهذه الحجة الدامغة استثنى المؤلف أولئك المجاهدين الفاتحين، وعرج على هؤلاء المقيمين يرميهم بالانطواء على الضغائن، ولا داعي له ولا بينة يضطرانه إلى قذف تلك النفوس المتآلفة إلا حرصه على أن يكسو تاريخ عهد أبي بكر وعمر لوناً قاتمًا.

* إنشاد حسان للشعر في المسجد النبوي:
قال المؤلف في (ص 53): "وقد ذكر الرواة أن عمر مرّ ذات يوم، فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعراً في مسجد النبي، فأخذ بأذنه، وقال: أرغاء كرغاء البعير؟ قال حسان: إليك عني يا عمر، فوالله! لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى، فمضى عمر، وتركه. وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدمنا من أن الأنصار كانوا موتورين، وأن عصبيتهم كانت لا تطمئن إلى انصراف الأمر عنهم، فكانوا يتعزون بنصرهم للنبي، وانتصافهم من قريش، وما كان لهم من البلاء قبل موت النبي، وما أفادوا بألسنتهم من مجد".
وعد المؤلف بأنه سيمشي في البحث على منهج (ديكارت)، فقلنا:
(8/194)

عوج في التاريخ سيقوّم، وتزوير في الرواية سينجلي، فإذا هو يهجم على ما يقصه التاريخ بلسان لا عقدة فيه، ويحرفه إلى معان ليس بينها وبين اللفظ صلة إلا على طرف لسانه.
قصة حسّان وردت في كتب الأدب على مثال ما قصها المؤلف نفسه، وقد رأيتم بأعينكم كيف خاض في أحشائها، وركض بين بدايتها ونهايتها، ثم خرج منها بادعاء أن حسّان كان ينشد من شعره الذي هجا به مشركي قريش، وأن عمر استاء من ذلك الصنيع، وأخذته الحمية لقريش أن أخذ بأذن حسّان معنفًا له عن تعرضه لقريش بإنشاد ذلك الهجاء. وها هي تلك القصة ماثلة بين أيديكم، فلا تدل بمنطوقها، ولا بلحن خطابها إلا على أن حسان كان ينشد شعراً في المسجد بصوت جهير، والناس حوله، فكره عمر أن تقام هذه الحفلة في المسجد الذي هو معدّ للعبادة. ولم يذكر في القصة نوع الشعر، ولحسان قصائد غير ما هجا به قريشاً، فقد قال في الجاهلية شعراً كثيراً، وقال في الإسلام ما ليس بهجاء، والشاهد من القصة على أن عمر إنما كره إلقاء الشعر في المسجد على تلك الهيئة: قول حسان: لقد كنت أنشد في هذا المكان من هو خير منك، فيرضى، ولو كان حسان ينشد شعراً في هجاء قريش، لم يمض عمر ويتركه، وهو الذي نهى الناس أن ينشدوا شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت، وتجديد للضغائن.

* سيرة عمر بن الخطاب متجلية:
قال المؤلف في (ص 53): "وكان عمر قرشياً تكره عصبيته أن تُزدرى قريش، وتنكر ما أصابها من هزيمة، وما أُشيع عنها من منكر".
(8/195)

كان عمر قرشياً مسلماً يكره له أدبه أن تزدرى قريش، كما يكره له أن تزدرى الأوس والخزرج، وقيس وتميم، ويكره له ذلك الأدب أن يزدرى عبد الله بن عمر كما يكره له أن يزدرى سلمان الفارسي، وبلال الحبشي. أما أنه ينكر ما أصاب قريشاً من هزيمة، وقد كان من أحرص الناس على هزيمتها، فذلك ما لا تحتمله إلا عقلية "أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية".
يسهل على المؤلف أن يضع إصبعه في سيرة يزيد بن معاوية، أو حماد الرواية؛ لأنه يجد في التاريخ الصحيح أو الباطل ما يعبر به إلى الحديث عنهما بغلو وإغراق، ثم لا يعدم أذنا تصغي إليه، أو قلبا يتلهى به، أما عمر بن الخطاب، فإن سيرته متجلية تحت نبراس من التاريخ الصحيح، لا يستطيع القلم أن يغير منها لوناً، أو يسومها كيدًا، وإن ركب منهج (ديكارت)، وتناول زاده من حقيبة (مرغليوث).

* كتابة الأنصار لأشعارهم:
حكى المؤلف قصة عبد الله بن الزبعرى، وضرار بن الخطاب، حين قدما المدينة، وذهبا إلى أبي أحمد بن جحش، وطلبا منه أن يدعو لهما حسّان لينشداه وينشدهم، فجاء حسان، وأخذا ينشدانه عما قالت قريش في الأنصار، ولما فرغا، استوى كل منهما على راحلته، ومضيا إلى مكة، وذهب حسان مغضباً إلى عمر، وقص عليه الخبر، فأرسل عمر من ردهما، وقال لحسان: أنشدهما ما شئت، فأنشدهما حتى اشتفى.
ثم قال المؤلف في (ص 54): "وقال عمر -فيما يحدثنا صاحب "الأغاني"-: قد كنت نهيتكم عن رواية هذا الشعر؛ لأنه يوقظ الضغائن، فأما إذا أبوا، فاكتبوه. وسواء أقال عمر هذا، أم لم يقله، فقد كان الأنصار
(8/196)

يكتبون هجاءهم لقريش، ويحرصون على ألا يضيع".
حديث أن الأنصار كانوا يكتبون أشعارهم مما حدثه به صاحب "الأغاني" في رواية هذه القصة نفسها، وقد طوى المؤلف الرواية دونه، وأتاك به في صورة ما لا شك فيه؛ ليكون قبولك له أسرع، وثقتك به أشد. وإذا كتب الأنصار أشعارهم، فليس من المتعين أن يكون حرصهم على كتابتها من جهة أنهم "يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية". فمن المحتمل أن يكون الذين كتبوها إنما يريدون الاحتفاظ بها؛ لأنها نتيجة أعمال فكرية، وكل إنسان يعز عليه إهمال آثاره، أو آثار قومه الأدبية، ومن المحتمل أن يحرصوا على كتابتها؛ لأنها آثار تشهد بأنهم جاهدوا في إعلاء كلمة الإسلام بكل ما ملكوا من بسالة وبلاغة، ومن الملائم لسيرة عمر بن الخطاب - متى صحت الرواية- أن يكون إذنه لهم بكتابتها نظراً إلى هذا الوجه الذي يجعلها أمراً مشروعاً.

* حديث عن العصبيات:
قال المؤلف في (ص 54): "ولما قتل عمر، وانتهت الخلافة بعد المشقة إلى عثمان، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخرى، فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب، بل أصبحت في بني أمية خاصة. واشتدت عصبية قريش، واشتدت عصبية الأمويين، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب، وقد هدأت حركة الفتح، وأخذ العرب يفرغ بعضهم لبعض، وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان، وافتراق المسلمين، وانتهاء الأمر كله إلى بني أمية بعد تلك الفتن والحروب".
استنبط المؤلف من تاريخ أبي سفيان: أنه حين أظلته خيل النبي - عليه
(8/197)

السلام - بمكة، دخل فيما دخل فيه الناس، وهو يرجو أن ينتقل هذا السلطان من الأنصار إلى قريش، لناع للمؤلف هذا الاستنباط، ولا نحرجه بالسؤال عن الطريق الذي ألهمه: أن أبا سفيان أسلم على رجاء أن يعود السلطان السياسي إلى قريش مرة أخرى، وأنه لولا هذا الرجاء، لما آثر المصالحة والمصانعة على المضي في المقاومة؛ فإن لمثل المؤلف هواتف لا تحوم على خاطر الذي يستقبل البحث خالي الذهن من كل ما قيل فيه. وإنما نريد أن نبحث عن مبلغ العصبية في عهد عثمان - رضي الله عنه -، فالذي يظهر أن المؤلف اشتد في الحديث عنها أكثر من اشتدادها.
ميل الرجل إلى قومه وعشيرته أمر مغروز في الطبيعة؛ كحبه أباه وابنه وأخاه، وهي فطرة لا يمكن اقتلاعها من نفوس البشر ما داموا بشراً، بل لا ينبغي العمل على محوها؛ لأنها من أقوى وسائل العمران، وأشد البواعث على التعاون والتناصر، ولكنها قد تزيغ وتطغى، فتنقلب وسيلة دمار، وداعية تخاذل وتقاطع، وهذه الطبيعة الزائغة الطاغية هي التي حمل عليها الإسلام، وقعد لها كل مرصد، وأنفق في تقويمها قسطاً وافرًا من حكمه الرائعة، ومواعظه الحسنة.
يحث الإسلام على إيثار العشيرة بخير لا يعود على غيرهم بشرّ، ويأذن بنصرتهم حين يسامون ضيمًا، أو يجاهدون في سبيل حق، والذي يكرهه، ويريد تطهير الصدور من خبثه: أن يعمل الرجل على نفع رهطه، ولو ألقى برهط غيره في شقاء، وأن يقف في صفوفهم، أو يغمض الطرف ولو أبصرهم يرمون حبات القلوب البريئة بالسهام النافذة، أو الكلمات اللاسعة.
والتحيز للعشيرة بالمعنى الأول مأذون فيه شرعاً، ومرضي عنه عقلاً،
(8/198)

وهذا هو الذي يوجد في عهد النبوة، وفي عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، أما التحيز للقومية بمعنى نصرة العشيرة وإن كانت ظالمة، والحرص على نفعها وإن جرّ غيرها إلى أذى، فلا أحسب أحداً يستطيع أن يرمي به الأمة في عهد الخلفاء الثلاثة.
قد توجد حمية الجاهلية في أفراد قليلة، كما يوجد النفاق والإلحاد، ولكن الإخاء والائتلاف السائد يغمر هذه الحمية الشاذة، ويمنع المؤرخ من أن يجعلها طورًا من أطوار الأمة، وكذلك فعل الفيلسوف ابن خلدون في "تاريخه" (1) حين قال: "كان لبني عبد مناف في قريش جُمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش، وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عدداً من بني هاشم، وأوفر رجالاً، والعزة إنما هي بالكثرة، ولما جاء الإسلام، دهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي، ونسي العصبية مسلمهم وكافرهم، أما المسلمون، فنهاهم الإسلام عن أمر الجاهلية، وأما المشركون، فشغلهم ذلك الأمر العظيم عن شأن العصائب، وذهلوا عنها حينًا من الدهر إلى أن ملك معاوية، واتفقت الجماعة على بيعته عندما نسي الناس شأن النبوة والخوارق، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب".
فمن ينظر إلى تاريخ المسلمين لعهد الخليفة الثالث من الطرق الموثوق بها، يجد العصبية مغلوبة على أمرها، ويكاد التحيز إلى القبيلة لا يتجاوز حدوده المشروعة، ويتفقه في هذا من درس سيرة ذلك العهد في كتب علماء
__________
(1) (ج 3 ص 2) ببعض اختصار.
(8/199)

الحديث، الذين هم أعرف بنقد الأخبار، وأهدى إلى الحقائق من مؤرخين كثيرين يجمعون إلى الرشد سفهاً، وإلى الجد لهواً ولعباً، فأمثال هذه القصص التي تجدها في كتب أهل الخلاعة، أو من عرفوا بنزعة التشيع إلى قبيل، لا تجدها في كتب من زاولوا نقد الآثار، وأسقطوا من حسابها زوراً كثيراً.
اقرأ سيرة عثمان -مثلاً- في "تاريخ ابن جرير الطبري"، أو مؤلفات أبي بكر بن العربي مثل: "العواصم والقواصم"، و"عارضة الأحوذي"، اقرأها في أمثال هذه الكتب، فإنك تنصرف عنها برأي أخف وأهون من الرأي الذي يحدثك به هذا الذي يتبع أذناب الروايات الواهية أو المصنوعة، وتقع يده على رجس غير قليل.

* العصبية في عهد معاوية ويزيد:
قال المؤلف في (ص 55): "في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية، أو بعبارة أدق: فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر، وهي منع العرب أن يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن في الإسلام. وعاد العرب إلى شرّ مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإِسلامية، ويكفي أن أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأمصار وغيرهم عند معاوية، ويزيد بن معاوية؛ لتعلم إلى أي حد عاد العرب في ذلك الوقت إلى عصبيتهم القديمة".
رفعت العصبية رأسها في أيام معاوية، واستوت جالسة، أو انتصبت قائمة لعهد ابنه يزيد، وعاد كثير من العرب إلى بعض الشرّ الذي كانوا فيه في جاهليتهم، وهو التفاخر بالأنساب، والنظر إلى ذوي القربى بغير العين
(8/200)

التي ينظر بها إلى الأباعد، وإيثار أولئك بالمنافع، وإن كان هؤلاء أحق بها، أو أحوج إليها، وتقليدهم الأعمال، وإن كان غيرهم أقوم عليها، وهذه السيرة تستدعي بطبيعتها تنافراً بالقلوب، واسترخاء عقدة الإخاء، وتكوّن حزباً أو أحزاباً معارضة.
وقد أدركنا الأمة العربية وهي متصلة بالخلافة العثمانية اتصال الأنامل بالراحة، حتى قام نفر في الآستانة يوقدون نار العصبية التركية، فطارت شرارة منها إلى البلاد العربية، وسرعان ما سرت في قلوب الفتيان، وظهروا في أحزاب معارضة، ولم يتوفق رجال الدولة إلى أن يسوسوهم بحكمة، وكانت العاقبة ما كنا نسمع، وما كنا نرى.
على الرغم من تلك الفتنة الساهرة أيام معاوية ويزيد، لم تكن العواطف الدينية والآداب الإسلامية ملقية السلم إلى تلك الأهواء، وتاركة جماحها يذهب إلى غير منتهى، ويكفي أن أذكرك بن تلك الأمة -على ما مسها من طائف العصبية- قد سكنت تحت راية معاوية، ثم ابنه يزيد، وكانت تجاهد تحت رايتهما، وتفتح البلاد بكل ما تملك من إقدام وإخلاص، وهذا أبو أيوب -وهو من الأنصار- قد سار لفتح قسطنطينية في جيش، وعلى رأسه راية يزيد بن معاوية.
فالعصبية نهضت لعهد معاوية ويزيد، ولكنها وجدت مقاوماً خفف من ويلاتها، ولم يتركها إلى أن يُجَنَّ جنونها، وتفقد شعورها كما كانت في الجاهلية، وهو أدب الإسلام.

* تشبيب عبد الرحمن برملة:
قال المؤلف في (ص 55): "ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا
(8/201)

بأن عبد الرحمن بن حسان شبب برملة بنت معاوية؛ نكاية ببني أمية".
قصة تشبيب عبد الرحمن برملة رواها صاحب "الأغاني"، ولم يقل: "نكاية ببني أمية"، ولا أحسب هذه الكلمة إلا من طينة الاستنباطات التي يصعد إليها المؤلف على سلم العاطفة، وتشبيب الرجل بالمرأة يكون من داعية صبابة، ويكون لرفع قيمة الشعر، أو التطلع إلى فخر، ويكون نكاية بأبيها أو أخيها وحده، والظاهر، أن تشبيب عبد الرحمن برملة -إن صحّ- لا يُحمل إلا على مثل هذين الباعثين؛ وقد ذكر صاحب "الأغاني" نفسُه أن معاوية قال لعبد الرحمن: ألم يبلغني أنك تشبب برملة؟ قال له: بلى، ولو علمت أن أحداً أشرف لشعري منها، لذكرته.
فإن لم يرض المؤلف عن هذا الوجه، ورآه من الاعتذار الذي يراد به التخلص، فليكن ذلك التشبيب للنكاية بيزيد، فقد حكى الجمحي في "طبقاته": أن يزيد وعبد الرحمن كانا يتقاولان الشعر حتى استعلاه عبد الرحمن. ومما يجعل أصل القصة في وهن: أن صاحب "الأغاني" حدثنا تارة أخرى بأن تشبيب عبد الرحمن كان بأخت معاوية، لا بابنته، وأن يزيد قال لمعاوية: إنه شبّب بعمتي.
يتواضع المؤلف إلى الروايات التي توافق هواه، ولا يكفيه أن تكون واهية محفوفة بالريبة من كل جانب، حتى يعمد إلى أن يستنبط منها ما لا يخطر على خيال الباحث الرصين.
كل أنصاري يشبب بأموية، أو يهجو أموياً، فللنكاية ببني أمية، وكل قرشي يشبب بأنصارية، أو يهجو أنصارياً، فللنكاية بالأنصار. فالعصبية ثائرة، والفتنة غاشمة. إذاً، هذا الشعر الجاهلي منتحل، وليس من الجاهلية في شيء!.
(8/202)

* يزيد بن معاوية:
قال المؤلف في (ص 55): "وأما يزيد، فقد كان صورة لجدّه أبي سفيان، كان رجل عصبية وقوة وفتك، وسخط على الإسلام، وما سنّه للناس من سنن".
يصف المؤلف يزيد بالسخط على الإسلام، وما سنه للناس من سنن، وهذا أحد آراء في يزيد بن معاوية، ومنهم من كان يزعم أنه من الخلفاء الراشدين، وكلا القولين باطل يعلم بطلانه كل عاقل (1). فلم يكن يزيد ملكاً ملحداً، ولا خليفة راشداً، بل كان ملكاً يأخذه الهوى بالإثم، وقد يلقي به الغضب في سياسة عرجاء، ومن يخلص نفسه من شهوة تكثير المارقين، ويجردها من داعيتي التعصب للأمويين، أو التحامل عليهم، ثم ينظر في تاريخ يزيد من كل ناحية، يصل إلى أنه لم يكن من الملوك الراشدين، ولا يستطيع أن يحكم عليه بأنه من قوم لا يؤمنون.
فالمؤلف يرمي أبا سفيان ويزيد بالسخط على ما سنّه الإسلام من سنن، ويستند في هذا إلى استنباط أشبه شيء بالسراب، أو قصة يتفق المحققون على وضعها، وكان حقاً عليه ألا يحرمهما من التأويل الذي ابتغاه لنفسه، ولم يتق وصمته الخلقية، وسقطته العلمية، وهو أن الإيمان بالقرآن، والتكذيب به قد اجتمعا له في وقت واحد، فهو مسلم بقلبه، جاحد بعقله، واعتقاد أن النقيضين لا يجتمعان، إنما يوجد في أدمغة أنصار القديم.

* وقعة الحرَّة:
قال المؤلف في (ص 55): "وأنت لا تنكر أن يزيد هو صاحب وقعة
__________
(1) ابن تيمية في "منهاج السنة" (ج 2 ص 247).
(8/203)

الحرة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة، والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر، والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة. ولأمر ما يقول الرواة حين يقصون وقعة الحرة: إنه قد قتل فيها ثمانون من الذين شهدوا بدراً؛ أي: من الذين أذلوا قريشاً".
يعلم كل من له إلمام بالتاريخ: أن سبب وقعة الحرة: سخط طائفة عظيمة من المسلمين على سيرة يزيد، واشترك في هذا السخط فريق من الأنصار، وفريق من قريش، وكان على رأس قريش: عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوي، وعلى رأس الأنصار: عبد الله بن حنظلة الأنصاري، ثم إن قائد جيش يزيد، وهو مسلم بن عقبة حين أرهق أهل المدينة، وأسرف في قتلهم، لم يميز قرشياً من أنصاري، فالحرب وقعت بين جيش يزيد وجماعة المسلمين القاطنين بالمدينة، وقائد هذا الجيش الذي أسرف في الفتك بأهل المدينة، هو الذي سار بالجيش نفسه إلى محاربة ابن الزبير القرشي ومن معه من آل مكة القرشيين.
يحكي المؤلف عن الرواة: أنه قتل في وقعة الحرة ثمانون من الذين شهدوا بدراً، وليس في كتب التاريخ ما يصدق هذه الرواية، فمن المؤرخين من لم يتعرضوا لإحصاء القتلى بهذه الواقعة؛ كابن جرير، وابن الأثير، ومنهم من ذكروا عددهم في إجمال، ولم يعرجوا على ذكر أهل بدر، كما صنع ابن الجوزي في "المنتظم"، والصفدي في "الوافي بالوفيات"؛ حيث قالا: إن القتلى يوم الحرة سبع مئة من وجوه الناس؛ من قريش، والأنصار، والمهاجرين، ووجوه الموالي، ومن لا يعرف عشرة آلاف. وتعرض لذكر أهل بدر صاحب كتاب "الإمامة والسياسة"، فقال: "وذكروا أنه قتل يوم
(8/204)

الحرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانون رجلاً، ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبع مئة، ومن سائر الناس عشرة آلاف"، وهذه الرواية لا تشهد للمؤلف في ادعائه أن الثمانين من أهل بدر.

* أمانة صاحب "الأغاني":
قال المؤلف في (ص 56): "ولست في حاجة إلى أن أقص عليك هذه القصة الأخرى التي تمثل لنا عمرو بن العاص، وقد ضاق ذرعًا بالأنصار، حتى كره اسمهم هذا، وطلب إلى معاوية أن يمحوه، واضطر النعمان بن بشير، وهو الأنصاري الوحيد الذي شايع بني أمية إلى أن يقول:
يا سعدُ لا تجب الدعاء فما لنا ... نسبٌ نجيب به سوى الأنصار
نسبٌ تخيّره الإله لقومنا ... أثقلْ به نسباً على الكفار
إن الذين ثووا ببدرٍ منكم ... يوم القليب هم وقود النار
وقد سمع معاوية هذا الشعر، فلام عمرًا على تسرعه ليس غير".
هذه القصة ذكرها صاحب "الأغاني"، وأول ما تجيء الريبة من ناحيته؛ فإن الكاتبين في التعريف بحياته يصفونه بالتشيع (1)، ومنهم من يقول: كان ظاهر التشيع، والمتشيع يضيق ذرعاً بعمرو بن العاص ومعاوية، ويكره اسمهما، ويضاف إلى هذا: أن أهل العلم طعنوا في أمانته، قال ابن الجوزي في "المنتظم": "ومثله لا يوثق بروايته؛ فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب
__________
(1) انظر: "معجم الأدباء" لياقوت، و"عيون التواريخ" لابن شاكر، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"الكامل" لابن الأثير.
(8/205)

"الأغاني"، رأى كل قبيح ومنكر". ونقل ابن شاكر في "عيون الأخبار": أن ابن تيمية يضعفه، ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به. ونرى صاحب "معجم الأدباء" ينقل من كتاب "الغرباء" أحدِ مؤلفات أبي الفرج أشياء يحكيها أبو الفرج عن نفسه، فتجد فيها تهتكاً، واعترافاً بالفسوق.
وإذا كان الرجل يجفو طائفة، ويضم إلى هذا الجفاء عدم استقامة، فلا تحفلْ بما يرويه من حديث يقدح في سيرتهم، وصاعر له خدك، إلا أن تكون ذا هوى، وتجده مصبوباً في قالب هواك.

* قصيدة حسان في مدح الزبير:
ساق المؤلف قصة الزبير حين مر بنفر من المسلمين، وحسان ينشدهم، وهم غير حافلين به، فلامهم على ذلك، فمدحه حسان بقصيدته:
أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل
وبعد أن أورد المؤلف القصيدة، وهي تحتوي تسعة أبيات:
قال في (ص 57): "فانظر إلى هذين البيتين في أول المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي، وحزنه عليه، وأسفه على ما فات الأنصار من موالاته لهم، وإنصافه إياهم. ولكن بقية هذه الأبيات تدعو إلى شيء من الاستطراد لا بأس به؛ لأنه لا يتجاوز الموضوع كثيراً، فقد يظهر من قراءة هذه الأبيات أنه قد قصد بها إلى الإلحاح في مدح الزبير، وإحصاء مآثره. وقد يظهر أن في آخرها ضعفاً لا يلائم قوة أولها". ثم قال المؤلف: "وقد روى هذه القصة نفر من آل الزبير، ومن أحفاد عبد الله بن الزبير بالدقة، أفنستبعد أن تكون عصبية الزبيريين قد مدت هذه الأبيات وطولتها، وتجاوزت بها ما كان قد أراد حسان من الاعتراف بالجميل إلى ما كانت
(8/206)

تريد العصبية الزبيرية من تفضيل الزبير على منافسيه، أو على منافسي ابنه عبد الله بنوع خاص".
المؤلف في حاجة إلى جلب شواهد على أن العصبية القرشية تنظر إلى الأنصار بعين عابسة، وفي حاجة إلى جلب شواهد على أن حرفة اصطناع الشعر رائجة، ولما وقف على قصيدة حسان هذه، ورأى في البيتين الأولين منها إيماء إلى أن من رجال قريش من لم يرع عهد الأنصار، أو عهد حسان بنوع خاص، رغب في أن يقضي بالقصيدة الوطرين، فآمن بالبيتين؛ لأنهما يدلان في نظره على تنكر قريش للأنصار، وجحد بسائرها، ليزداد شاهداً على أن التعصب للقبيلة أو العشيرة باعث على اصطناع الشعر، وإضافته إلى بعض الأقدمين.
القصيدة في تسعة أبيات كما في كتاب "الأغاني"، وجاءت في ثمانية أبيات فقط كما في كتابي "الإصابة" لابن حجر، و"الاستيعاب" لابن عبد البر. والبيت المزيد في رواية "الأغاني" قوله:
ثناؤك خيرٌ من فعال معاشر ... وفعلك يابن الهاشمية أفضلُ
وأنت إذا جمعت نظرك على ما اتفقت عليه الروايات، وجدت نسج الأبيات متماثلاً، والروح الذي يتخللها واحداً، فالبيتان اللذان اعترف بهما المؤلف هما:
أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والعدل بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل
والبيات التي يرميها بالاصطناع:
(8/207)

هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يومٌ محجّل
إذا كشفت عن ساقها الحربُ حشَّها ... بأبيض سباقٍ إلى الموت يُرقل
وإن امرأً كانت صفيةُ أمه ... ومن أسدٍ في بيتها لمرفل
له من رسول الله قربى قرابة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذبَّ الزبير بسيفهِ ... عن المصطفى والله يعطي فيجزل
فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل
ومن لا يقصد قصدَ المؤلف، يرى أن هذه الأبيات رميت عن القوس التي رمي عنها البيتان الأولان، وأنهما لا يتفاوتان إلا كما تتفاوت أبيات القصيدة في البلاغة أو المتانة، مع العلم بن مصدرها قريحة واحدة.
من المعقول أن يأسف حسان على ما فات الأنصار من ولاء النبي - عليه الصلاة والسلام - لهم، ولكن البيتين لا يمثلان هذا الأسف، ولا يزيدان على أن يمثلا ارتياحه لما صنع الزبير، وحمده على إقامته على عهد الرسول - عليه السلام -, فإن كان هناك شيءآخر، فهو التعريض بمن لم يشملوه بمثل هذا العطف والعناية. فالبيتان صالحان لأن يقولهما حسان، ولم يخطر على باله حال الأنصار مع قريش. ولا سيما حين يكون هؤلاء النفر الذين لم ينشطوا لسماع إنشاده من الأنصار أنفسهم.

* قصيدة النعمان بن بشير:
ذكر المؤلف قصة النعمان بن بشير حين غضب من هجاء الأخطل للأنصار، وخاطب معاوية في هذا الشأن بقصيدة يقول في طالعها:
معاوي إن لم تعطنا الحق تعترف ... لحى الأزد مشدوداً عليها العمائمُ
(8/208)

وبعد أن سرد المؤلف القصيدة المروية في "الأغاني" (1) أيضاً، قال في (ص 60): "فظاهر جداً أن هذه الأبيات الثلاثة الأخيرة على أقل تقدير حملت على النعمان بن بشير حملاً، حملها عليه الشيعة".
القصيدة لا توجد في ديوان النعمان بن بشير، وإنما ألحقها به ناشره نقلًا عن كتاب "الأغاني"، وقد حكى القصة المبرّد في "الكامل" (2)، وقال: فقال النعمان:
معاوي إلا تعطنا الحق تعترف ... لحى الأزد مشدوداً عليها العمائم
أيشتمنا عبد الأراقم ضِلَّةً ... وماذا الذي تجدي عليك الأراقم
فمالي ثأر دون قطع لسانه ... فدونك من ترضيه عنك الدراهم
ولم يزد على هذه الأبيات الثلاثة، فللمؤلف أن يعد ما زاد عليها من المصنوع على النعمان بن بشير، ولعله لا يفعل؛ مخافة أن يفوته شعر يعزى لأنصاري، وفيه روح عصبية هائجة.

* ميل الأنصار إلى علي وتأييده:
ثم قال المؤلف في (ص 60): "ومع أننا نعلم أن الأنصار حين أخطأهم الحكم، فاضطغنوا على قريش، مالوا بطبيعة موقفهم السياسي إلى تأييد الحزب المناوئ لبني أمية، فانضموا إلى علي".
إذا كان علي بن أبي طالب أتقى قلباً، وأقوم سيرة، وأجمع لشروط الخلافة من معاوية، أفلا يكون ميل الأنصار إلى تأييده ناشئاً عن علمهم بأنه
__________
(1) (ج 14 ص 126).
(2) (ص 102) طبع أوربا.
(8/209)

أحق بالخلافة وأولى؟ لماذا نجتهد في أن تلطخ سرائرهم بمقاصد غير شريفة، ونجعل العلة في تحيزهم إلى جانب علي - رضي الله عنه - اضطغانهم على قريش حين أخطأهم الحكم؟ أليسوا هم الذين مالوا إلى تأييد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونصروه على قريش؟ والسيرة "تحدثنا بأن صلات المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة" (1)؟ وإذا مالوا إلى تأييد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخلفاء الثلاثة بعده بدافع الإيمان، أفلا يسبق إلى الظن أن ميلهم إلى تأييد على إنما كان على بينة وإخلاص طوية؟.
نحن لا نعتقد للأنصار أو المهاجرين العصمة، ولا ننكر على أحد أن يخوض في تاريخ عصرهم بكل ما يملك من وسائل النقد، وإنما ندعو الباحث إلى التثبت في الرواية، والتأني في الاستنباط؛ حتى لا يأتي مثل هذا الذي يأتيه المؤلف، فيظلم التاريخ قبل أن يظلمهم، ويفسد على نفسه نظام البحث قبل أن يفسد على طلابه عقليتهم.

* تهاجي ابن حسان وابن الحكم:
تعرض المؤلف لقصة عبد الرحمن بن حسان، وعبد الرحمن بن الحكم، وتهاجيهما، وذكر ما ينقل عن الأنصار، وما ينقل عن قريش في سبب هذا التهاجي.
ثم قال في (ص 61): "وليس من شك في أن هذه القصة خيال كانت تتفكه به الأنصار وقريش بعد أن هدأت نار الخصومة العملية بينهما، وأن ما يرويه صاحب "الأغاني" عن أصل هذه المهاجاة بعيد كل البعد عن النساء.
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 50).
(8/210)

كانا صديقين يتصيدان بأكلُب لهما، فقال القرشي لصاحبه:
ازجركلابك إنها قلطية ... بُقع ومثل كلابكم لم تصطد
فرد عليه ابن حسان:
من كان يأكل من فريسة صيده ... فالتمر يغنينا عن المتصيد
إنا أناس ريقون وأمكم ... ككلابكم في الولغ والمتردد
حزناكم للضبّ تحترشونه ... والريق يمنعكم بكل مهنّدِ
وعظم الشر بين الصديقين من ذلك اليوم".
لعلك تقرأ هذه الجمل، فينساق ذهنك إلى أن صاحب "الأغاني" لم يعرج على السبب الذي اعتمده المؤلف، وأن المؤلف استمده من كتاب غير "الأغاني"، والواقع أن صاحب "الأغاني" -بعد أن حكى ما يعزى إلى الأنصار وقريش في سبب تهاجي الشاعرين- قال: وأما هشام بن الكلبي، فإنه حدّث عن خالد د سحاق ابني سعيد بن العاص: أن سبب التهاجي بينهما: أنهما خرجا إلى الصيد بأكلب لهما في إمارة مروان، فقال ابن الحكم لابن حسان: "ازجر كلابك ... إلخ" (1).
والمؤلف يأخذ في بعض الأحيان بهذه الطريقة، وهي أنه يقطع الرواية عن "الأغاني"، ويأتيك ببقية الحديث في صورة المعروف في غيرها، حتى لا تعده ضيفاً ثقيلاً يأوي إليها كلما احتاج إلى رواية تبلّ صدى عاطفته.

* عقوبة الشاعرين جزاء تهاجيهما:
أراد المؤلف ألا يبقي صبابة من حديث عبد الرحمن بن الحكم،
__________
(1) (ج 13 ص 151).
(8/211)

وعبد الرحمن بن حسان، فملأ نحو صحيفتين بحكاية بعث معاوية إلى سعيد ابن العاص يأمره بضرب كل واحد من الشاعرين مئة سوط جزاء تهاجيهما، وتعطيل سعيد أمر معاوية إلى أن خلفه مروان بن الحكم، فنفذ الأمر في عبد الرحمن بن حسان دون أخيه، وأبيات كتب بها عبد الرحمن بن حسان إلى النعمان بن بشير يشكوه فيها ما صنع مروان، وقصيدة النعمان التي خاطب بها معاوية في هذا الشأن، وبعث معاوية إلى مروان بتنفيذ أمره في أخيه عبد الرحمن بن الحكم أيضاً.
ثم قال في (ص 64): "ولقد يستطيع الكاتب في التاريخ السياسي أن يضع كتاباً خاصاً في هذه العصبية بين قريش والأنصار، وما كان لهما من التأثير في حياة المسلمين أيام بني أمية، لا نقول: في المدينة ومكة ودمشق، بل نقول: في مصر وإفريقيا والأندلس. ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرًا مستقلاً فيما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام، وفي الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهما في الجاهلية".
لا جناح على الرجل يعطف على قبيلته، ويحرص على أن يكون لهم مجد، وأن يكون لهذا المجد ذكر سائر، فهذا أمر تنساق إليه النفس بفطرتها، وقد قلنا: إن هذه الخصلة متى سارت على منهج الاعتدال، فحملت صاحبها على القيام بمصالح عشيرته، أو ذكر مآثرهم الحميدة، دون أن يتعرض لغيرهم بسوء، لا تعد من الحمية الممقوتة، ولا العصبية التي يريد الإسلام محوها.
وليس في تلك القصة على طولها وعرضها ما يقع في عين الموضوع،
(8/212)

وهو العصبية المشتدة بين قريش والأنصار، فمعاوية أمر بعقوبة الشاعرين: القرشي، والأنصاري، وسعيد بن العاص لم يجر العقوبة على واحد منهما، ومروان قد يكون انتقم لعبد الرحمن بن الحكم من جهة كونه ابن أبيه الحكم، لا من جهة أنه من قريش، وقد يفعل مثل هذا من يكون خالي الذهن من معنى التعصب للقبيلة، وشكاية عبد الرحمن إلى ابن بشير من قبيل الالتجاء إلى ذي وجاهة وقربى؛ ليرفع عنه مظلمة، وخطاب النعمان بن بشير لمعاوية عرض لقضية اضطهد فيها مروان عامله رجلاً من الأنصار، وإن سمّي مثل هذا تعصبًا، فهو من نوع التعصب المقبول، وقد انتهت الرواية بأن معاوية كتب إلى مروان بتنفيذ أمره في عبد الرحمن بن الحكم، فنفذه، ولم يعص له أمراً.
وفي الأبيات التي قيل: إن النعمان خاطب بها معاوية، ذكر ليومي بدر وفتح مكة، وإراءته الأنصار في كثرة عدد، وعزّة جانب، ولا حرج في رفع الشكاية بهذا الأسلوب إذا ألجأ إليه حال الدفاع، ولم يرتجف له قلب السياسة حمقاً، وتجنّ له يدها بطشاً.
ومن المحتمل القريب أن تكون قصة تهاجي ابن الحكم وابن حسان قصيرة ذات لون واحد، فأصبحت في كتاب "الأغاني" ذات ذيول وألوان مختلفة، وزادها المؤلف بتصرفه أصباغًا غريبة، وقد أوردها المبرّد في "الكامل" (1) بلون واحد، وجمل لا تشير إلى قصيدتي ابن حسان وابن بشير، فساق ثلاثة أبيات لابن حسان يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم، ثم قال:
__________
(1) (ص 149) طبع أوربا.
(8/213)

"فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدبهما، وكانا قد تقاذفا، فضرب عبد الرحمن ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لابن حسان: قد أمكنك من مروان ما تريد، فأشد بذكره، وارفعه إلى معاوية، فقال: إذاً والله! لا أفعل، وقد حدني كما تحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد. فأوجعه بهذا القول".
لا ينكر أحد أن الحمية المتطرفة ظهرت في عهد بني أمية، ولا يسلم أحد أنها بلغت بالعرب إلى مثل ما كانوا عليه من جاهليتهم، فضلاً عن أن يكون شراً منه، وهذا المؤلف يحكي أن معاوية لم يحد عن مبدأ المساواة حين أمر بتأديب القرشي والأنصاري، وحين أمر عامله بأن يضرب أخاه الأموي مقدار ما ضرب ابن حسان، وهل يستطيع المؤلف أن يقيم لنا شاهداً على أن عصبية قريش أو الأمويين في الإسلام بلغت عُشر عصبية هذه الدول أو الأمم التي يود أن يكون له في جوفه قلب آخر يملؤه باحترامها، ورأس ثان يهوي به ساجداً لعظمتها!.
إن من هذه الأمم، أو الدول القابضة على شمال أفريقية من يعتدي على حياة الوطني، ولا يقضى عليه ولو بالسجن بضعة أيام، وإذا أنعمت النظر في عصبية هذه الدول أو الأمم، وقايسته بعصبية قريش الخارجة عن حد الاعتدال، وجدت بين العصبيتين فرقاً يكاد يشبه الفرق بين الحرية والاستبداد، أو العدالة والاضطهاد. وقد كانت عصبية الجاهلية تشبه في شدتها وآثارها عصبية هذه الأمم التي يقدس لها المؤلف، ولا تمتاز عنها بشيء إلا أنها كانت تخرج في غير نظام، بل رأينا سبعين مرة كيف تحمى عصبية المدنية، ويتخبطها الغضب، فتظهر في خلقتها الشوهاء، وتصبح أشبه بعصبية الجاهلية
(8/214)

من الغراب بالغراب.
لا نطيل القول في الاستشهاد على أن المؤلف لا يقيم للكلام وزناً أو حسابًا، ويكفي القارئ دليلاً على أنه لا يستطيع أن يضع كتاباً ضخمًا في العصبية بين قريش والأنصار، أنه طاف على أبواب "الأغاني"، ولم يستطع أن يحدثك في هذا الفصل حديثاً يدنيك من نظرية أن العرب عادوا بعد عمر ابن الخطاب إلى شر مما كانوا فيه في جاهليتهم. وهو لا يستطيع أن يضع سفراً مستقلاً فيما كان لهذه العصبية من التاثير في الشعر الذي انتحله الفريقان على شعرائهم في الجاهلية، إلا أن تغمض فيما يحدثك به من روايات موضوعة، وآراء يخذل بعضها بعضاً.

* العصبية في بني أمية:
قال المؤلف في (ص 65): "وأنت تعلم حق العلم أن هذه العصبية هي التي أزالت سلطان بني أمية؛ لأنهم عدلوا عن سياسة النبي التي كانت تريد محو العصبيات، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب على فريق، قووا العصبية، ثم عجزوا عن ضبطها، فأدالت منهم، بل أدالت من العرب للفرس".
جاء الإسلام بمحو العصبيات، وهي إنما تمحى بالسيرة التي تمثل هدايته ومبادئه، وقوام هذه السيرة أمران: التعليم، والعدالة.
كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يقوم على أدب الأمة وتعليمها؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2].
وكانت أحكامه وسياسته - عليه الصلاة والسلام - تمثل العدل والمساواة في أحكم صورة. وبعاملي التعليم والعدل ذهبت عصبية الجاهلية بين المهاجرين
(8/215)

والأنصار، وارتبطت قلوبهم بأشد ما ترتبط به القلوب من الإلفة والإخاء، قال تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
وقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63].
وقال في وصف الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
فالعصبية تضعف بقوة ذينك العاملين، وتقوى بضعفهما.
وفي كل أمة نفوس لا تقبل الأدب، أو لا تأخذها السياسة العادلة إلى حسن الطاعة، فلا غنى لأولي الأمر من أن يضبطوا سياستهم بالحزم، وكذلك كان الخلفاء الراشدون يشربون سياستهم من العزم والاحتراس بمقدار ما يقتضيه حال الأمة، حتى أواخر عهد الخليفة الثالث، وقد أصبح لينه أكثر من لين الخليفتين قبله، فانتهز عبد الله بن سبأ اليهودي ذلك اللين فرصة، وسعى في طائفة وقعت في مكيدته إلى فتنة يوقدونها باسم الدين تارة، وباسم السياسة تارة أخرى، حتى نزلوا وأراقوا دم الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
كان قتل هذا الشيخ البريء من عصبية بني أمية سبباً لإذكاء هذه العصبية، ولكن حرصهم على الخلافة، وأخذهم بمقاليدها، جعلهم يكتمون أنفاس هذه العصبية في كثير من صروف سياستهم، ولعلك لا تستطيع أن ترى لها مظهراً إلا حيث يلمحون يداً تعمل على تقويض سلطانهم.
فعصبية بني أمية كانت فاسقة عن أمر الإسلام من ناحية، ومغلوبة لسلطانه من ناحية أخرى، وهذا ما ساعدها على أن تبلغ من العمر ما لا تبلغه
(8/216)

دولة ذات عصبية جاهلية لو بسطت يدها على أمم أكثر من قبيلتها عدداً، وليست أقل منها علماً وخلقاً.
للعصبية أثر في سقوط دولة بني أمية، وكبر سبب في سقوطها ذلك الحزب الذي يرى أن بني هاشم أحق بالخلافة، وأخذ يبدو تارة، ويحتجب تارة أخرى، حتى وقعت الدولة في ترف، وفقدت الرجال القوامين على الحروب، وبعدت عن خطة الخلافة الرشيدة، فنهض هذا الحزب، وسرعان ما جمع حوله شعوباً وقبائل تنقم على تلك الدولة خلل سياستها، فافتكّ منها الخلافة، ووضعها في أيدي بني العباس.
فدولة بني أمية -على ما كان فيها من عصبية أو هوى- قد خدمت الإسلام بفتوحات واسعة، وكان لكثير من رجالها مآثر عمرانية فاخرة، ولا تنس أن من رجال تلك الدولة من يبرأ من العصبية، ولم يأت في سياسته على ناحيتها؛ كعمر بن عبد العزيز، ومنهم من كان يغمرها بالهمم الكبيرة، والقيام على كثير من المصالح العامة؛ كالوليد بن عبد الملك.
فنسبة سقوط دولة بني أمية إلى العصبية وحدها، من نوع المبالغة التي لا تقبلها المباحث العلمية، ودعوى أن العرب وقعت بعد عمر بن الخطاب في أشد مما كانوا عليه في جاهليتهم، لا تصدر إلا ممن يريد إذاية هذه الأمة الكريمة، وجحود ما كان لها من مزية وفضل، حتى على هذه الدول الغربية التي يود المؤلف أن يكون له لسان آخر وقلم ثان يصرفهما في سبيل الدعوة إلى ما ينفعها.

* رواية الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 65): "وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر
(8/217)

الجاهلي؛ لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وإنما كانت ترويه حفظاً. فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردة، ثم الفتوح، ثم الفتن، قتل من الرواة والحفاظ خلق كئير. ثم اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية، وراجعت شعرها، فإذا كثره قد ضاع، وإذا أقلّه قد بقي".
بحث (مرغليوث) في طريق تلقي هذا الشعر الجاهلي، فقال: أول ما نسأل عنه: طريق وصول هذا الشعر إلى الرواة؛ هل هو الرواية حفظاً، أم الكتابة؟ والرأي الأول هو الذي يذهب إليه الجمهور، وينقلون عن الخليفة الثاني: أنه قال: "تشاغل العرب عن الشعر وروايته في صدر الإسلام بالجهاد، ولما جاءت الفتوح، واطمانت العرب، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤُولوا إلى ديوان مدوّن، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه كثير".
ثم قال (مرغليوث) منتقداً هذا المقال الذي يعزى إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "من العبث نسبة هذا القول للخليفة الثاني؛ لأن زمن السلم لم يحن إلا في عهد الأمويين؛ أي: بعد موته بثلاثين سنة". ثم قال: "وبقاء قصائد تروى حفظاً غير متيسر، إلا إذا كان هنالك أشخاص وظيفتهم حفظها، وتعليمها لغيرهم باستمرار، وليس لدينا أي دليل على أن هنالك أشخاصاً يقومون بهذه الوظيفة، كما أنه من المستحيل أن ينجوا من حروب الفتوحات الإسلامية الأولى".
وهذان النقدان من صنف آراء "كتاب في الشعر الجاهلي". والأول مدفوع بأنه يكفي في صحة المقال فتح الشام والعراق والفرس ومصر، وذلك كله مما تم في عهد الخليفة الثاني، وقد اقتصر في المقال على هذا، فقال:
(8/218)

"وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم" (1)، وحيث أصبحت هذه الممالك مع الجزيرة العربية في أمن وسلم، فلا شيء يمنع المقيمين بها من الرجوع إلى الشعر، وصرف الهمة في روايته، ونحن نرى أن رواية الأشعار لم تنقطع حتى في الأيام التي استعرت فيها نار الحرب بين المسلمين ومشركي الجزيرة، وغاية ما طرأ على الرواية: أن خمل سوقها، وذهل أكثر الناس عنها، وليس الشعر بعمل يدوي حتى يقال: إن العرب نكثوا أيديهم منه جملة، ووضعوها في قبضة الحسام والعنان، وإنما هو عمل اللسان، فيصح أن يكون سلوة النازح عن وطنه، وسمر من يبطئ عنه نعاسه، وليس من البعيد أن يتناشدوه قبيل الزحف، وعقب الظفر، ففي الشعر ما يحمل على الثبات، وفي الشعر ما يلقي بالنفوس في معترك المنايا، وفي الشعر ما يقلب الجبان بطلًا لا يرهب الردى.
وأما قول (مرغليوث): إن رواية الأشعار حفظاً لا تتيسر إلا إذا كانت وظيفة أشخاص يقومون عليها باستمرار، فمنشؤه الذهول عن عناية العرب بالشعر، وشغفهم بروايته، حتى أصبحت صناعة بالغة من الرواج إلى أن لا يحتكرها فريق معلوم، ودعواه أن الحروب الأولى حصدت كل من يروي شعراً عن الجاهلية، ملقاة على غير بينة، بل على غير روية، إذ من البديهي أن الحروب لم تسحق الجيوش الفاتحة على بكرة أبيها، فمن الجائز أن يبقى في هؤلاء الجنود الظافرين من يروون شعراً كثيراً، ولا سيما حيث نلحظ أن الرواية لا ينقطع معينها، ولا يسكن ريحها، ولو بين القوم الذين يصلون نار الحرب بكرة وعشيّا، قال الإمام عليّ في خطبة خطبها أهل الكوفة: "إذا
__________
(1) "مزهر" (ج 2 ص 237).
(8/219)

تركتكم، عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزين، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار".
ثم قال (مرغليوث): "إن القرآن قد ذمّ الشعراء في قوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 224 - 225]، وهذا الذم يكون من أقوى الدواعي إلى الانصراف عن الشعر وتناسيه، وهناك سبب آخر، وهو أن أكثر الأشعار الجاهلية كانت تشتمل على مفاخر قومية، وحيث كانت غاية الإسلام توحيد الأمة العربية -وقد أفلح في ذلك-، كان بالطبع يحتم على الناس تناسي كل قول يثير الأضغان، ويهيج الأحقاد".
ذمُّ القرآن للشعراء قد فهمه أهل العلم على الشعر المشتمل على زور، أو مناهضة حق، وما عداه، فمأذون في إنشاده، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: "إن من الشعر حكمة" (1). وقال: "أصدق كلمة قالها الشاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (2). ومن الثابت أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتناشدون الأشعار. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منحرفين، ولا متماوتين، وكانوا ينشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه، دارت حماليق عينيه.
وروي من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: كنت أجالس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أبي في المسجد، فيتناشدون الأشعار، ويذكرون حديث الجاهلية.
__________
(1) "الجامع الصحيح" للبخاري.
(2) "الجامع الصحيح" للبخاري.
(8/220)

وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، من حديث جابر بن سمرة، قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتذاكرون الشعر، وحديث الجاهلية عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ينهاهم، وربما يبتسم (1).
ولا يمنع الإسلام من إنشاد أشعار تشتمل على مفاخر قومية، إلا أن تنطوي على هجاء يتأذى منه بعض السامعين؛ كالأشعار التي نهى عمر بن الخطاب عن إنشادها.
ثم تصدى (مرغليوث) للبحث في الطريق الثاني -وهو الكتابة-، فقال: "بقي لدينا أن يقال: إنها كانت تنقل على طريق الكتابة، ولو صح زعم أن هذه القصائد كانت عندما تنشد، ويعجب الناس بها، يكتبونها، ويسألون عن منشئها، لكان من البديهي أن تنقل صور هذه الصحائف، وتباع حتى يستفيد منها أربابها".
الشعر الجاهلي مرويّ بطريق الحفظ، ومن الجائز أن تصل بعض الأشعار إلى الرواة على طريق الكتابة، والقصيدة تكتب في صحيفة أو صحيفتين، ولم يكن لأمثال هذه الصحف المفرقة قيمة ورواج، حتى يذكر التاريخ أنها كانت تباع، ويستفيد منها أربابها.
ثم قال (مرغليوث): "طالما جرى ذكر الكتابة في هذه القصائد، حتى إن بعض الشعراء ذكرها في شأن أشعاره نفسها، فالحارث بن حلزة ذكر (في البيت 67) من معلقته عقد معاهدات مسطورة على مهارق" (2).
__________
(1) "فتح الباري" (ج 10 ص 411).
(2) يعني قوله:
حذر الجور والتعدي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء
(8/221)

ويقول شاعر من هذيل:
فيها كتاب ذبر (1) لمقترئ ... يعرفه البهم ومن حشدوا
ويقول شارحوها: أراد بذلك الكتابة الحميرية على جريد النخل.
ومن المروي: أن شاعراً اسمه قبيصة كتب على سرجه شعراً. كما أن ذا رعين أحد ندماء ملك حمير كتب لهذا الملك بيتين (2)، بيد أن نوع الكتابة غير معروف. وذو جدن ملك حمير الذي كشفت جتته الضخمة في صنعاء، وجد على رأسه لوح مسطور عليه شعر بلغة عربية فصحى (3)، وغالب الظن أنه هو الذي سطر هذه الأشعار.
والشاعر لقيط نظم شعراً عنوانه:
كتاب في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إيادِ
والشعر في تحذيرهم من حملة يدبرها ملك الفرس ضدهم (4).
__________
(1) الذبر: الكتابة بالحميرية على العسيب.
(2) هما:
ألا من يشتري سهراً بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإِله لذي رعين
(أغاني) (ج 20 ص 8).
(3) "الأغاني" (ج 4 ص 38)، والمكتوب في اللوح سجع، وأورد له في (ص 37) بيتين:
ما بال أهلك يا رباب ... خزراً كأنهم غضاب
إن زرت أهلك أو عدوا ... وتهر دونهم كلاب
(4) "الأغاني" (ج 20 ص 24).
(8/222)

وأنشد شاعر جاهلي قطعة من كتاب أملاه عليه آخر كما في "ديوان هذيل" (1).
ثم قال: "إذاً، من الممكن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهليين؛ حيث نفرض أنها كانت تكتب، وتنشر بانتظام، ولكن وجود أدبيات مسطورة قبل الإسلام بقلم حميري، أو بخط آخر، يناقض نصوص القرآن حين يقول للعرب: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 37] القلم: 37، ويقول: {أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: 41]. ولو أن الشعر الجاهلي كان محفوظاً في كتاب، لثبت أن للجاهليين جملة كتب مهمة، وسؤال القرآن وإنكاره يدل على عدم وجودها".
وقد تعرض (إدور براونلش) إلى هذه الشبهة في مقاله الصادر في "مجلة الأدبيات الشرقية"، ودفعها بما هو حق واضح، فقال: "القرآن يقول لأهل مكة: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}، و (مرغليوث) يرى أن هذا حجة قوية على أن الشعر الجاهلي في عهد محمد - صلوات الله عليه - لم يكن موجوداً، أو على الأقل لم يكن مدونًا، وإلا، لأجابه الخصوم بقولهم: نعم، وأروه جملة دواوين. ولكن لا يريد القرآن بنفي الكتاب عن أهل مكة أيّ كتاب كان، وإنما يريد: نفي كتاب مثل القرآن في معانيه، أو على الأقل يكون قريباً منه".
__________
(1) (ص 115)، والشعر:
وإني كما قال مملي الكتا ... ب في الرق إذ خطبه الكاتب
يرى الشاهد الحاضر المطمئ ... ن الأمر ما لا يرى الغائب
(8/223)

فشبهة (مرغليوث) مدفوعة بأن القرآن إنما ينفي عن المشركين أن يكون لهم كتاب حكمة وهداية، وهذا لا يناقضه أن تكون لهم أشعار مخطوطة تحتوي على غزل أو فخر، أو مديح أو هجاء، أو وقائع حروب.
وصفوة البحث: أن الشعر العربي كان يُتلقى بالرواية حفظاً، ومن المحتمل أن يصل شيء منه إلى الرواة على طريق الكتابة، فقد رأيتم المؤلف يعترف بما رواه صاحب "الأغاني" من أن الأنصار كانت تكتب أشعارها، وحكى ابن جني في "الخصائص" (1): أن النعمان بن المنذر أمر، "فنسخت له أشعار العرب في الطنوج، قال: وهي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إنّ تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار". ولكن (مرغليوث) رأى ابن جني يسند هذه القصة إلى حمّاد الرواية، فقال: "إذا كان مصدر هذه الرواية حمادًا الرواية، فإنه لم يقصد بها إلا أن يظهر للناس أنه يعرف من أشعار الجاهلية ما لا يعرفه غيره".
وقد أورد ابن سلام في "طبقات الشعراء" ما يوافق هذه القصة، ولم يسندها إلى راوٍ بعينه، فقال: "وقد كان عند النعمان بن المنذر منه - الشعر- ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان، أو ما صار منه".
فمن يعتدّ بهذه الآثار يرى أن من الشعر العربي ما وصل إلى الرواة على طريق الكتابة، فإن لم تكن بالغة مبلغ ما يعبأ به، فإن اعتياد العرب
__________
(1) (ج 1 ص 393).
(8/224)

لرواية الشعر حفظاً، واتساعهم في الحفظ إلى غاية بعيدة، يقوم مقام كتابته، إلا أن يلحقه تغيير بعض الكلمات، أو ترتيب بعض الأبيات، أو نسيان شيء منها. يروى عن ذي الرمة: أنه قال لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحبّ إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها.

* قريش وانتحال الشعر:
قال المؤلف في (ص 65): "وليس هذا شيئاً نفترضه نحن، أو نستنبطه استنباطاً، وإنما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم. وقد حدثنا به محمد ابن سلام في كتابه "طبقات الشعراء"، وهو يحدثنا بأكثر من هذا، يحدثنا بأن قريشاً كانت أقل العرب شعراً في الجاهلية، فاضطرها ذلك إلى أن تكون أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام".
أخذ المؤلف يبحث عن حتف كتابه بقلمه، فقد جعل يعترف بأن القدماء وجهوا عنايتهم إلى هذا الشعر الجاهلي، وتناولوه بالنقد من جهة نسبته إلى من يعزى إليهم، وتحدثوا في هذا بالإجمال تارة، وبالتفصيل تارة أخرى، وسنبسط البحث عن عنايتهم بنقد الشعر من هذه الجهة في مقالة أخرى، وإنما نريد مناقشته فيما نقله من كتاب "الطبقات"، وتخيَّله حجة قائمة.
إذا قال القدماء: إن قريشاً كانت أقل العرب شعراً، فهم لا يقولون هذا إلا بعد موازنتهم بين أشعار القبائل، ولا بد أن تكون هذه الموازنة بين ما وثقوا بصحة نسبته إليهم، وإذا كان الفصحاء من الشعراء لا يبعدون عن عهد النبوة بأكثر من عصر أو عصرين، فنظراً لعناية العرب بأنسابهم، ومعرفة
(8/225)

أخبار رجالهم، لا يستطيع قريش أن يخلقوا رجلاً غير شاعر، وينحلوه شعراً لم يقله؛ إذ لا بدّ أن يكون هذا الشعر المنتحل معزوًا إلى رجال عرفوا بنظم الشعر؛ كعبد الله بن الزبعرى، وأبي عزة الجمحي، ونحوهما، والأشعار التي تنسب إلى من له شعر متداول يسهل على الحاذق في صناعة نقد الشعر تمييز حقها من مصنوعها، ثم إن ابن سلام نفسه يكاد يجعل ما انتحلته قريش في معنى مباراة الأنصار وحسان، فقد قال في "الطبقات" (1): "وقريش تزيد في أشعارها تريد بذلك الأنصار، والرد على حسان".
وإذا كان المنتحل من شعر قربش يعود بجملته أو بمعظمه إلى مفاخرة الأنصار ومهاجاتهم، فإن ابن هشام قد نبَّه في "السيرة" على قسم كبير منه، ويحكي أن أهل العلم بنقد الشعر أنكروه، ووصفوه بالاصطناع. وإذا ثبت أن العلماء بنقد الشعر قد وضعوا شعر قريش تحت أنظارهم، وقلبوا فيه أذواقهم، وقاسوه بما عرفوا من أسلوب الشاعر، وما يناسب حال بلاغته، فالذي يغلب على الظن أن الباقي من شعر قريش بعد المطروح في "سيرة ابن هشام" وغيرها من كتب الأدب هو شعر ثابت النسبة إلى من يعزى إليهم، ونستمر على هذا الظن حتى يعمد المؤلف أو غيره إلى شعر بعينه، وينفيه عن صاحبه ببينة.

* رواية ابن إسحق:
حكى المؤلف ما يراه ابن سلام من أن الرواة المصححين لم يحفظوا لطرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص إلا قصائد بقدر عشر، وأنه حُمل عليهما شعر كثير.
__________
(1) (ص 62).
(8/226)

ثم قال في (ص 66): "ولكن ابن سلام لا يقف عند هذا الحد، بل هو ينقد ما كان يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير في الشعر يضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق. وأي دليل على ذلك أوضح من هذه النصوص القرآنية التي تثبت أن الله قد أباد عاداً وثمود، ولم يبق منهم باقية؟! ".
هذه شواهد يسوقها المؤلف على أن القدماء من علماء الأدب بذلوا مجهودهم في نقد الشعر الجاهلي، وأنهم ذهبوا في نقده مذاهب شتى، ألا ترى ابن سلام كيف جعل في الرواة مصححين، وهم الذين ينقدون ما يعزى إلى الشعراء من نظم، فيحفظون ما صحت نسبته إليهم، وينفضون أيديهم مما عداه؟ أو لا ترى الرواة كيف كشفوا عن حال ما يرويه ابن إسحاق، وأسقطوا جزءاً كبيراً من هذه الأشعار المنتحلة؟! قال ابن سلام: "وممن هجّن الشعر وأفسده، وحمل كل غثاء: محمد بن إسحاق مولى آل مخرمة ابن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، فنقل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله، ولم يكن له ذلك عذراً، فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر، ومن رواه منذ ألوف من السنين؟ والله يقول: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم: 50 - 51].
وقال في عاد: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8].
وقال ابن النديم في وصف ابن إسحاق أيضاً: "ويقال: كان يُعمل له
(8/227)

الأشعار، ويُسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة، فيفعل، فضمّن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر، وأخطا في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى، ويسميهم في كتبه: أهل العلم الأول، وأصحابُ الحديث يضعفونه، ويتهمونه".
فقد عرف علماء الأدب شأن ابن إسحاق، وبفضل ما لديهم من روية وأناة نظروا إلى قلة أمانته، أو تسرعه إلى حمل ما يؤتى به من الأشعار، وجعلوا نسبة ما يرويه من الشعر إلى شخص معين لاغية، ولم يتخذوه وسيلة إلى الطعن فيما يرويه غيره من الشعر، بل وجهوا إلى كل واحد من الرواة نظراً خاصاً، وتناولوا كل ما يرد عليهم من الشعر بنقد مستقل.

* القدماء ونقد الشعر:
قال المؤلف في (ص 67): "وسنعرض بعد قليل لهذا النحو من البحث من شعر عاد وثمود، وغير عاد وثمود، ولكننا إنما ذكرناه الآن؛ لنبين كيف كان القدماء يتبينون كما نتبين، ويحسون كما نحس: أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين أكثره منحول، لأسباب منها السياسي، ومنها غير السياسي، كان القدماء يتبينون هذا، ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا، فكانوا يبدؤون، ثم يقصرون عن الغاية".
يقول المؤلف هذا، وهو يحسب أن نظرية الشك في الشعر الجاهلي ستبقى معزوة إليه، وأن الناس لا يشعرون بما كتبه الباحثون من قبله، ولو نظر إلى صلته بهذا البحث نظراً عادلاً، لكبر في فمه أن يقول: "ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا".
القدماء ألّفوا في نقد الشعر جملاً عامة؛ كما تال ابن سلام -بعد ذكر
(8/228)

اْبيات نسبت إلى النابغة-: "وأنا منها في شك، ولكنه قلَّ ما لا شك فيه"، وكشفوا الستار عن حال رجال حتى لا يعول على روايتهم في شيء ينفردون به، كما صنعوا فيما حدثوك به عن ابن إسحاق، وابن دأب، وغيرهما، ثم تناولوا بالنقد المفصَّل كثيراً من أشعار عُزيت لأشخاص معينين، ففتحوا للنقد طرقاً أقلّ ما يستحقون بها الخلاص من أذى التطاول الذي يدّعيه الطيش، وينازعه فيه الغرور.
ونحن لا ندعي أن القدماء أتقنوا تاريخ الأدب من كل جانب، ولا نكره للناشئ الألمعي أن يبحث فيما صدر عنهم من رأي، أو مرّ عليهم من رواية، ولكن المؤلف يرفع مناهجه على مناهجهم، وهو بالطبيعة لا يريد غير هذه المظاهر التي خرج فيها كتاب "في الشعر الجاهلي". ومن أشد الحيف على الذين أوتوا العلم أن تجعل هذه المظاهر الهازلة خيراً مما صنعوا.

* أثر السياسة في اصطناع الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 67): "ومهما يكن من شيء، فإن هذا الفصل الطويل ينتهي بنا إلى نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك، وهي أن العصبية، وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر، وإضافته إلى الجاهليين، وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلى هذه النتيجة".
عقد المؤلف الفصل في نحو عشرين صحيفة قضاها في الحديث عن أمر كتب فيه القدماء والمحدثون، وهو شأن العصبية في صدر الإسلام وعهد الأمويين وما كان من التهاجي بين بعض شعراء الأنصار وآخرين من قريش، والتوى في أثناء هذا الحديث إلى آراء قد عرفت مصدرها، وأخرى ناجتك
(8/229)

بسريرتها، ورجعتَ بها إلى صف دون الصف الذي وضعها فيه صاحبها.
ولم يستطع المؤلف أن يضرب في هذا الفصل الطويل مثلاً لشعر جاهلي اخترعته نزعة سياسية، وذلك ما يقتضيه عنوان الفصل "السياسة وانتحال الشعر"، وقد أدرك أنه لم يجر في حديثه تحت هذا العنوان، ولم يأت بمقدمات تنتج أن في الشعر الجاهلي ما اصطنع لغاية سياسية، فقال: "ينتهي بنا إلى نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك، وهو أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر، وإافته إلى الجاهليين".
فالقدماء ذكروا في أسباب انتحال الشعر للجاهليين: العصبية القومية، ومن أراد أن يقرر أن من الشعر الجاهلي ما افتعل لغرض سياسي، ويضع لذلك عنوانًا يكتبه بأحرف ممتازة، فليأت ولو بمثل أو مثلين واضحين، ويريح القارئ من أقوال لا تقع في عين الموضوع، فضلاً عما فيها من صبغ بعض الوقائع بألوان لا تلائمها.
فالواقع أن السياسة اغترفت من قرائح الشعراء مديحًا أو هجاء، أما أن يكون لها أثر في اصطناع شعر جاهلي، فذلك ما لم يسق له المؤلف في طول هذا الفصل وعرضه شاهداً، وهو ما ينتظره كل من يقرأ عنوانه: "السياسة وانتحال الشعر".

* الشك في صحة الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 67): "ونحن لا نقف عند استخلاص هذه النتيجة وتسجيلها، وإنما نستخلص منها قاعدة علمية، وهي أن مؤرخ الآداب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياً، أن يشك في صحته، كلما رأى شيئاً
(8/230)

من شأنه تقوية العصبية، أو تأييد فريق من العرب على فريق".
إن أراد من الشك ذلك الاحتمال الذي يحوك في النفس، فيحملها على البحث، ويرسي بها على حال يرتضيه العلم، فهو مبدأ كل ناقد نحرير، ولا يحتاج إلى هذه المقدمات الممدودة على آراء ملقوطة، وقصص لا يُدرَى مبلغها من الصحة. صان أراد من الشك معنى إلغائه، وعدم الثقة به، فمما لا يسيغه العلم أن يطعن في نسبة شعر، وتقطع صلته من قائله لمجرد ما فيه من تقوية عصبية، أو تأييد فريق على فريق.
(8/231)

الدين وانتحال الشعر
أتى المؤلف في صدر الفصل على أن العواطف والمنافع الدينية، ليست أقل من العواطف والمنافع السياسية أثراً في تكلف الشعر وانتحاله، وإضافته إلى الجاهليين، وزعم أن هذا الانتحال المتأثر بالدين ربما ارتقى إلى أيام الخلفاء الراشدين.
ثم قاد في (ص 69): "ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع، للهونا وألهينا القارئ بنوع من البحث لا يخلو من فائدة علمية أدبية قيمة، وهو أن نضع تاريخًا لهذا الانتحال المتأثر بالدين".
رأيتم المؤلف كيف عقد فصلاً تحت عنوان: "السياسة وانتحال الشعر"، ولم يستطع أن يسوق في ذلك الفصل الطويل شعرًاا نتحل لدل سياسي، وأضيف إلى الجاهليين، وها هو ذا يعقد فصلاً آخر تحت عنوان: "الدين وانتحال الشعر"، ثم لا تجدونه يضرب لكم مثلاً صحيحاً فوق ما عرفتموه من ضروب الشعر التي تحدث عنها الأقدمون.
يقول المؤلف: ربما ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين إلى أيام الخلفاء الراشدين. ولعل القراء يتيقنون حرص المؤلف على تشويه سمعة العرب لعهد أولئك الخلفاء بوجه خاص، فلا يفوتهم أنه لو لمست يده شعراً انتحل لذلك العهد، لطار به فرحًا، وكتبه كما كتب عنوان الفصل بأحرف ممتازة.
(8/232)

وحشوُه هذا الفصلَ بما تقرؤونه من لهوالحديث، دليل على أنه لو ملك من سعة الوقت وفراغ البال أكثر من هذا الذي يملك، لم يزد على أن يلهو أو يلهي القراء بنوع من البحث لا يخرج عن هذه الدعاية المتصلة بالمعمل الذي خرج منه "ذيل مقالة في الإسلام دا، ثم لا يخلو من تحريف حقائق تاريخية، أو أدبية قيمة.
أنكر المؤلف في (ص 69) كل ما يروى من الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدًا للبعثة النبوية، وكل ما يتصل به من الأخبار، وزعم أنها "تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم، وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو من مكة".
كان لحماة حقائق الإسلام في المناظرة موقفان: موقف مع المخالفين، وهؤلاء إنما كانوا يناضلونهم في أصول العقائد، ويحاكمونهم إلى النظر والحجج العقلية البحتة. وموقف مع موافقيهم في الأصول، ومناظرة هؤلاء إنما تكون في ظل تلك الأصول، فتجري المناظرة في نظام، وتنتهي في الغالب بسلام.
وقد خرج في هذا العصر طائفة يقولون بأفواههم: إنهم مسلمون بقلوبهم، جاحدون بعقولهم، فإذا أنكروا رواية، أو فرعًا يتصل بالدين، لا تدري أتحاصرهم تحت ظل الأصول المقررة، أم ترجع بهم إلى النظر الصرف، وتعود بهم إلى البحث في الإيمان بالله وكتبه ورسله؟.
ينكر المؤلف كل ما يروى من الشعر والأخبار الممهدة للبعثة النبوية، وإنكارها على هذا الوجه إنما تسمعه ممن ربط قلبه على نفي النبوة، إذ ليس من المحتمل عنده أن يقال فيها شعر، أو يرد عنها خبر قبل أن يدعيها صاحبها.
(8/233)

أما الذين يعتقدون بأن نبوة أفضل الخليقة حق، فمن الجائز عندهم أن يسبقها شعر، أو خبر يتصل بها، وشأنهم أن يفحصوا ما يرد في هذا الصدد، ويضعونه بمنزلته من الوضع أو الضعف أو الصحة، وكذلك فعل علماء الإسلام، فحكموا على جانب مما كان من هذا القبيل بالوضع؛ كالأخبار والأشعار المعزوّة إلى قس بن ساعدة.

* شياطين الشعراء:
قال المؤلف في (ص 70): "فقد يظهر أن الأمة العربية لم تكن أمة من الناس الذين ينتسبون إلى آدم ليس غير، وإنما كان لإزاء هذه الأمة الإنسية أمة أخرى من الجن كانت تحيا حياة الأمة الإِنسية، وتخضع لما تخضع له من المؤثرات، وتحس مثلما تحس، وتتوقع مثلما تتوقع، وكانت تقول الشعر، وكان شعرها أجود من شعر الانس، فأنت تعرف قصة عبيد وهبيد، وأنت تعرف أن الأعراب والرواة قد لهوا بعد الإِسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها".
ينقل الرواة ومن يكتبون في الأدب العربي أن الشعراء في الجاهلية يقولون، أو يقال عليهم: إن لهم قرناء من الجن يلهمونهم الشعر. وممن روى هذا: الجاحظ، وسمّاه زعماً، فقال في "كتاب الحيوان" (1): "يزعمون أن مع كل فحل من الشعراء شيطاناً يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، ويقولون: اسم شيطان المخبل عمرو، واسم شيطان الأعشى مسحَل (2) "،
__________
(1) (6 ص 77).
(2) (ج 6 ص 69).
(8/234)

ونقل عن أبي إسحاق النظام كلاماً في أصل هذا الزعم ومنشئه، حتى قال: "ومما زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه: أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابياً مثلهم، صالا غبيًا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب أو التصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط، وأما أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرواة عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره، كان أظرف عندهم، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر".
وممن تعرض لهذا من الكتاب المتقدمين على المؤلف: جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، فقال: "كان العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه المعاني، حتى لقد يتوهم الشاعر منهم أنه رأى شيطانه، وخاطبه، وأوحى إليه". وقال: "ومن غريب اعتقادهم في شياطين الشعراء: أن للشعر شيطانين، يدعى أحدهما: الهوبر، والآخر: الهوجل، فمن انفرد به الهوبر، جاد شعره، وصحّ كلامه. ومن انفرد به الهوجل، فسد شعره. وزاد ادعاؤهم ذلك حتى سموا شيطان كل شاعر باسم خاص به، فكان شيطان الأعشى يسمّى مسحل".
وتعرض لهذا أيضاً الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "آداب لغة العرب"؛ إذ عقد فصلاً في شعر الجن، فقال: "والقصاصون إنما قلدوا في ذلك الأعراب أيضاً، وذهبوا مذاهبهم، فللأعراب شعر كثير يزعمونه للجن، ويعقدون له الأخبار، وقد تناقله عنهم الرواة، وتظرفوا به في الأحاديث، وأمثلته كثيرة".
فمزاعم بعض الناس لرؤية الجن، وتلقيهم الأشعار عنهم، مما كتب
(8/235)

فيه القدماء والمحدثون، وهذا عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب" تكلم عن قصيدة:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما
وقصيدة:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن، قلت: عموا صباحا
وقال: الأولى نسبت إلى سمير بن الحارث الضبي، والثانية منسوبة إلى جذع بن سنان الغساني، ثم قال: "وكلا الشعرين كذوبة من أكاذيب العرب".
فلم يكن المؤلف هو الذي عقل بطلان ما يزعم من أن للشعراء شياطين يلهمونهم الشعر، بل نبه عليه أناس من قبل أن يخلق (ديكارت)، ويوضع منهج (ديكارت). إذاً، لا تعد هذه النظرية في حساب ما وصل المؤلف إلى استطلاعه على منهج (ديكارت).

* وجود الجن حقيقة:
قال المؤلف في (ص 70): "وفي القرآن سورة تسمى: "سورة الجن"، أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي وهو يتلو القرآن، فلانت قلوبهم، وًامنوا بالله ورسوله، وعادوا فأنذروا قومهم، ودعوهم إلى الدين الجديد، وهذه السورة تنبئ أيضاً بأن الجن كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع، ثم يهبطون وقد ألموا إلمامًا يختلف قوة وضعفاً بأسرار الغيب، فلما قارب زمن النبوة، حيل بينهم ويين استراق السمع، فرجموا بهذه الشهب، وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض".
(8/236)

وجود الجن حقيقة دلت عليها الآيات المحكمات، وليس في استطاعة من لا يؤمن بهذه الآيات أن يقيم دليلأ على نفيهم، ولو أصبحت عقليته غربية بحتة! وبُعث (ديكارت)، فابتدع له منهجًا أقرب من هذا المنهج وأجلى.
إن العقل وحده لا يستطيع أن يثبت كائناً يقال له الجن، كما أنه لا يستطيع نفيه بحجة، فوجود هذا الكائن خارج في نفسه عن حد الواجب والممتنع، وماذا بعد الواجب والممتنع إلا الإمكان؟ وما كان من قبيل الممكن في نفسه قد يدل على تحققه ما قام البرهان على صدقه، وهل بعد نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - من برهان؟! وإن شئت مزيد غَوص في هذه النظرية، فإليك السبيل:
إن للعلم الذي يعبر عنه باليقين معنيين:
أحدهما: ما ثبت على وجه لا يجيز العقل خلافه، ولو في صورة الاحتمال المجرد؛ كالاعتقاد بأن الكل أكبر من الجزء، وأن لهذا العالم صانعاً حكيماً. فكل ما يتهافت من الاحتمالات المخالفة لهذا الاعتقاد يجد من الدلائل النظرية ما يطرده، ولا يبقي له في ساحة التعقل باقية.
ثانيهما: اعتقاد بأمر لا يقوم في جانب خلافه احتمال يستند إلى مأخذ دليل أو أمارة، ولكن الاحتمالات المجردة عن المقتضيات ليس للعقل قوة على دفعها. وتجرد الاحتمال المقابل للمعلوم من الدلائل والأمارات لا يكفي في امتناع وقوعه، وجعل هذا المعلوم أمراً لا يتحول أو يطرأ عليها تغيير، بل لا بد من إقامة دليل خاص على أن هذا الأمر المعلوم أمر حتم، وأن خلافه ضرب من المحال الذي لا تتصور العقول وقوعه بوجه. واليقين بالنظريات
(8/237)

التجريبية لا يخرج عن هذا النوع الذي لا يرتفع عنه إمكان التغيير، بل قد تغيره يد الإبداع عند ما تريد إقامة المعجزة على سنّة غير مألوفة.
أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو يعتقد أن الضياء الساطع في ظلام الليل لا يكون إلا من طلعة القمر، أو من لهب النار، فإذا آنس تحت جناح الليل نوراً يتألق بمكان بعيد، لم يرتب في أنه بهرة قمر، أو شعلة نار، وهذا الاعتقاد لا يبلغ في اليقين درجة اعتقاده بأن العرض؛ كالحمرة والبياض لا يستقل بنفسه، فإن هذا الاعتقاد الأخير مبني على أن ماهية العرض تقتضي بطبيعتها ألّا تبرز إلى الخارج إلا في محل وهو الجرم، فيدرك العقل بالضرورة أن البياض أو السواد لا ينفرد عن المادة، ويقضي بذلك قضاء لا يحوم حوله احتمال، وأما يقينه بأن ذلك الضياء نار أو قمر، فقائم على التجربة فقط، فلا يخلو من احتمال أن يكون الضوء غير قمر أو نار، إلا أنه احتمال لم يكن له في العهد المتقدم وجه من النظر حتى يحل من اليقين الذي عقدته التجربة، وقد أصبح ذلك الاحتمال اليوم متحققاً في العيان حيث انضم إلى القمر والنار عنصر من عناصر الإنارة، وهي الكهرباء.
فلو لم يخترع الفيلسوف التنوير بالنار، وكان فيما نقل من معجزات الرسل إنارة بعض الأجرام من غير أن تمسه النار، لقال الذين في قلوبهم مرض: إن الإنارة إنما تنشأ عن لهب النار، ولا سبيل إلى تحقق الأثر متى فقد سببه.
زعم بعض المرتابين في المعجزات: أن قطع المسافة البعيدة كما بين المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة أمر لا يحتمله الإمكان، ولا يتقبله العقل، ولو ناظرتهم في وجه الامتناع عقلاً، لم يكن منهم سوى
(8/238)

أن يحيلوك على المشاهدة، ويقولوا: إنا نرى أن أسرع الأجسام تنقلاً يقضي في قطع تلك المسافة ليالي وأيامًا. وهذا الأمر الذي كانوا يذكرونه بوصف المحال قد كشف العلم الصحيح عن إمكانه، وأخرجه للناس في جملة الكائنات المبصرة. وإذا تمكن المخلوق باختراع الطيارة أن يجعلك تقطع المسافة البعيدة في مدة وجيزة، فماذا يكون شأن قدرة الخالق التي هي أبدع تقديراً، وأحكم صنعاً؟!.
وكان أشباه الفلاسفة يعتقدون أن الوزن من خصائص ما يوصف بالخفة والثقل من الأجسام، وقالوا: لا نفهم لوزن الأعراض معنى؛ إذ ليس من المعقول تناولها من معروضاتها، ووضعها في كفة ترتفع تارة، وتنخفض مرة أخرى، وما راعهم إلا أن صنع الفيلسوف ميزان الحرارة والبرودة، وأراهم أن وزن الأعراض من قبيل الممكنات، وأن للوزن طرقاً غير ما تعرفه الباعة في الأسواق.
يهون علينا أن يقف عبّاد الطبيعة موقف المطالب ببرهان على وجود الخالق، أو إثبات الرسالة، ولكن الذي يثير العجب في نفوسنا، ويحشرهم في زمرة المستضعفين من الرجال والولدان، أن يخرجوا في زي الفلاسفة، ويمسحوا ألسنتهم بطلاء من المنطق، ثم لا يلبثوا أن يصفوا كل ما لا تناله حواسهم بكونه محالًا، ويزعموا أن صدر الفلسفة يضيق عن احتماله، كأن دائرة الإمكان والفلسفة لا تسع إلا ما يرد إليها من طريق الحس والتجربة.
كشف فيلسوف هذا العصر الغطاء عن كعير من الحقائق التي كانت أذناب الفلاسفة تعجل إلى إنكارها، ولا تبالي أن تلقبه باسم ما لا يكون.
ولو قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: إن في هذا الماء الذي
(8/239)

تشربون حيواناً يذهب ويجيء، وولد هذا المؤلف قبل اختيل المرآة المكبرة "مكرسكوب"، لقال في كتابه هذا: فقد يظهر أن الماء العربي لم يكن من المياه التي تشرب في البلاد الأخرى ليس غير، وإنما كان بإزاء هذا الماء النقي من كل شيء ماء يحمل حيواناً يذهب ويجيء، ويطفو ويرسب، تفتح فيه الأبصار ولا تراه، وتلمسه اليد ولا تحس به، وتصغي إليه الأذن فلا تسمع له حسيساً!.
يعتقد كل مسلم بحقيقة الجن، وينادي كثير من أهل العلم بانكار رؤيتهم، إلا أن تكون معجزة لرسول، قال ابن حزم في كتاب "الفصل" (1): "فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم، فهو كاذب، إلا أن يكون من الأنبياء- عليهم السلام -، فذلك معجزة لهم".

* حديث القرآن عن الجن:
قال المؤلف في (ص 70): "فلم يكد القصّاص والرواة يقرؤون هذه السورة وما يشبهها من الآيات التي فيها حديث عن الجن، حتى ذهبوا في تأويلها كل مذهب، واستغلوها استغلالًا لا حد له، وأنطقوا الجن بضروب من الشعر، وفنون من السجع".
كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في هذا المعنى حين قال: "والغرائب من هذا النمط كثيرة، وما نراها استفاضت في الإسلام إلا بعد ما ذكره جهلة المفسرين وأهل القصص ممن تكلموا في تفسير ما ورد في القرآن الكريم من الإشارة إلى الجن، أو ما جاء من ذلك في الحديث الشريف" (2).
__________
(1) (ج 5 ص 12).
(2) "تاريخ آداب العرب" (ج 1 ص 378).
(8/240)

* أشعار الجن؟
قال المؤلف في (ص 71): "وكذلك قالت الجن شعراً رثت فيه عمر ابن الخطاب:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق
إلخ الأبيات الخمسة ...
والعجب أن أصحاب الروالِات مقتنعون بأن هذا الكلام من شعر الجن، وهم يتحدثون في شيء من الإنكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر إلى الشمّاخ بن ضرار".
هذا الشعر نسبه ابن سلام إلى جزء بن ضرار، فقال فىِ "الطبقات" (1): "وجزء هو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب:
"جزى الله خيراً من أمير وباركت".
ويقول ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (2): "وجزء الذي يقول في عمر بن الخطاب:
عليك سلام من أمير وباركتْ ... يد الله في ذاك الأديم الممزقّ
وقال ابن دريد في كتاب "الاشتقاق" (3): "وجزء هو الذي رثى عمر بن الخطاب بالأبيات التي يقول فيها: "عليك سلام من أمير وباركت ... إلخ".
وقال صاحب "ديوان الحماسة": "وقال الشمّاخ يرثىِ سيدنا عمر بن
__________
(1) (ص 29).
(2) (ص 179).
(3) (ص 174).
(8/241)

الخطاب"، وأورد هذا الشعر، قال شارحه التبريزي: "وقال أبو رياش: الذي عندي أنه لمزرد أخيه، وقال أبو محمد الأعرابي: هو لجزء بن ضرار".
فأولئك علماء الأدب يعزون الأبيات إلى جزء، أو مزرد، أو الشمّاخ، ولا يتعرضون لعزوها إلى الجن، فضلاً عن أن يتهكموا بمن يعزوها إلى الشمّاخ، وصاحب "الأغاني" عزاها إلى جزء بن ضرار، ثم ذكر الرواية التي تقول: إنها من نوح الجن على ابن الخطاب، ولم يتحدث في شيء من السخرية بأن الناس أضافوها إلى الشمّاخ.
فلو لم يكن للمؤلف مأرب غير البحث في العلم، لما رأيته يقبض على الروايات الواهية، وينسبها إلى أصحاب الروايات كأنها الأمر الذي انتهى إليه بحثهم، وتواردت عليه كلمتهم.

* النبي - صلى الله عليه وسلم - مكتوب في التوراة والإنجيل:
ذكر المؤلف: أن القصّاص والمنتحلين اعتمدوا على القرآن فيما رووا وانتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الأحبار والرهبان. ثم قال في (ص 72): "فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإذن، فيجب أن تخترع القصص والأساطير، وما يتصل بها من الشعر؛ ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي، ويدعون الناس إلى الإيمان به، حتى قبل أن يظل الناس زمانه".
نبَّأ الكتاب المنزّل أن النبي - عليه الصلاة والسلام - مكتوب في التوراة والإنجيل، ويصدق بهذا النبأ من ألقى نظره في دلائل النبوة حتى امتلأت نفسه يقينًا بأن هذا القرآن بلاع للناس، وقد درست طائفة مستنيرة التوراة والإنجيل،
(8/242)

وأتوا منهما بنصوص لا تأويل لها إلا هذا النبي الذي قلب ليل الجهالة والغواية نهار حكمة وهداية. ومن أقرب هؤلاء الباحثين عهداً: الدكتور محمد توفيق صدقي فقد تناول هذا البحث في كتاب "دين الله في كتب أنبيائه" (1)، وكتاب "نظرة في كتب العهد الجديد" (2).
أما ما زاد على القرآن من الآثار الواردة في هذا الصدد، فمنها ما هو أسطورة، ومنها ما هو قصص واهية، ومنها ما جاءت به رواية قائمة، وإن استطاع المؤلف أن يسلك إلى الطعن في أمثال هذه الرواية سيرة علمية، فدونه وإياها، فإن للنبوة آيات أخرى لا تنالها أيدي الطاعنين.

* محمد - صلى الله عليه وسلم - صفوة الإنسانية:
قال المؤلف في (ص 72): "فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية".
يرسل المؤلف قلمه على الحقائق، فيخمش وجوهها، ويضريه على أعاظم الرجال، فينال من أعراضها، وقد اشتد به هذا الخلق حتى أصبح الناس يعدون إنحاءه على مقام بالعيب أمارة على رفعته، وكادوا يجعلون ثناءه على الشخص داعياً إلى الريبة في سيرته.
__________
(1) من (ص 117 - 134).
(2) (ص 77، 78).
(8/243)

ألا ترون إلى ذلك القلم كيف تطوح به الغرور إلى أن يحوم على مقام أكمل الخليقة، فيقذف نحوه بما تملي عليه تلك الروح النازعة إلى غير هدى؟!.
قنع الناس بأن محمداً - صلوات الله عليه - صفوة بني هاشم، بل صفوة الإنسانية؛ لأن صحيفة حياته أباع صحيفة طويت بوفاة صاحبها، ولأن ما جرى على يده ولسانه من حكمة وإصلاح، لم يأت بمثله إنسان تقدمه، أو إنسان جاء من بعده.
ويرى الناس أن بني هاشم صفوة قريش، وأن قريشاً صفوة كنانة، وأن كنانة صفوة ولد إسماعيل، وقنعوا بهذا؛ للحديث المروي في "صحيح الإمام مسلم"، والمسموع من أصدق الناس لهجة، وهو: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
فلو وجه المؤلف غمزه إلى المفاضلة بين بني هاشم ومن بعدهم، لقلنا: أنكر حديثاً، ولم نؤاخذه إلا على مهاجمة الحديث بالإنكار المجرد من البحث العلمي مثلما يهاجمه الصم الذين لا يعقلون، ولكنه لم يقنع بأن ينكر حديثاً في "صحيح مسلم"، ولم يشف ظمأه أن يرمي ساحة القرآن بالكذب، فجعل يضع غمزه في عقيدة أن النبي - عليه الصلاة والسلام - صفوة بني هاشم. وحرصُه على بثّ هذه المغامز في كتابه -دون أن تكون لها صلة بالبحث العلمي- شاهد على أنه يكتب تحت تأثير عاطفة، تريد الانتقام من الإسلام الذي قضى على العقيدة الخاسرة، والشهوة الباغية، وجعل مكان الغي رشداً، وبدل السفه أدباً.
(8/244)

* انتحال البطون القرشية للأخبار والأشعار:
تحدث المؤلف بأن القصّاص يضيفون إلى أسرة النبي- عليه الصلاة والسلام - ما يرفع شأنهم، ويثبت تفوقهم على قومهم، وعلى العرب. وأن هذا القصص يستتبع الشعر، وأتى على أن التنافس كان يشتد بين بني أمية وبني هاشم، وأن الخصومة بين قصاص هذين الحزبين كانت تشتد، وأن الروايات والأخبار والأشعار كان تكثر، وذكر أن هذا الأمر لا يقتصر على بني أمية وبني هاشم، بل تشاركهم فيه الارستقراطية القرشية كلها.
ثم قال في (ص 73): "وإذن، فالبطون القرشية على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار، وتغري القصاص وغير القصاص بانتحالها".
يمرّ القاريء الملمّ بصناعة المنطق على هذه الجملة، فيقع في ظنه أن المؤلف استخلصها كالنتيجة من مقدمات سابقة، فيرجع البصر فيما تقدمها من حديث، فلا يظفر- ولو بشاهد- على أن البطون القرشية على اختلافها انتحلت الأخبار والأشعار، وأغرت القصاص وغير القصاص بانتحالها.
هل عدّ المؤلف بطون قريش بطناً فبطناً، وضرب لكل بطن مثلاً يرينا كيف انتحل خبراً، أو شعراً، أو أغرى القصّاص وغير القضاص بانتحاله؟ هل جاء المؤلف برواية تثبت أن بطون قريش على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار، وتغري القصّاص وغير القصّاص بانتحالها؟.
لم يفعل المؤلف هذا ولا ذاك، إذن، هذه العبارة الواسعة إنما هي دعوى أخرجها في صورة نتيجة، وما هي بنتيجة.

* قصة أبي بكر بن عبد الرحمن:
قال المؤلف في (ص 74): "ولست في حاجة إلى أن أضرب لك
(8/245)

الأمثال، فأنت تستطيع أن تنظر في "سيرة ابن هشام" وغيرها من كتب السير والتاريخ، لترى من هذا كله الشيء الكثير. وأن أضرب لك مثلاً واحداً يوضح ما ذهبت إليه من أن بطون قريش كانت تحث على انتحال الشعر منافسة للأسرة المالكة، أموية كانت أو هاشمية". وذكر هذا المثل، فقال: "تحدث صاحب "الأغاني" بإسناد له عن عبد العزيز بن أبي نهشل، قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وجئته أطلب منه مغرماً-: يا خال! هذه أربعة آلاف درهم، وأنشد هذه الأبيات الأربعة، وقل: سمعت حساناً ينشدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وساق المؤلف القصة المعروفة في "الأغاني" (1)، وهي تنتهي بأن أبا بكر قال لعبد العزيز بن أبي نهشل: قل أبياتاً تمدح بها هشاماً -يعني: ابن المغيرة-، وبني أمية، فقال الأبيات العشرة المبدوءة ببيت:
ألا لله قوم و ... لدت أخت بني سهم
ولما جاءه بها، قال له أبو بكر: قل: قالها ابن الزبعرى، قال: فهي الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعرى.
سرد المؤلف القصة، وقال: "فانظر إلى (أبي بكر بن) (2) عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، كيف أراد صاحبه على أن يكذب، وينتحل الشعر على حسان، ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه: أنه سمع حساناً ينشد هذا الشعر بين يدي النبي، كل ذلك بأربعة آلاف درهم". ثم قال: "فيتفقان آخر الأمر على أن ينحل الشعر عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش.
__________
(1) (ج 1 ص 30) طبع بولاق.
(2) ساقطة من قلم الناسخ لكتاب (في الشعر الجاهلي).
(8/246)

ومثل هذا كثير".
إذا عثر المؤلف على قصة مصوغة في مثال رغبته، نسي (ديكارت)، ولعن منهج (ديكارت)، وًاخذ يحدثك بها حديث من شهدها بأذن تسمع، وقلب يفقه، ويد تلمس، وانطلق يبني عليها، وشمتنبط منها حتى يرضى.
القصيدة منسوبة في كتب الناس إلى عبد الله بن الزبعرى، ونقل صاحب "الأغاني" بسنده إلى محمد بن طلحة: أن عمر بن أبي ربيعة قائلها (1)، ونقل بسنده أيضاً عن (عبد العزيز بن أبي نهشل) أنه هو الذي قالها، وعزا إلى أبي بكر بن عبد الرحمن ما عزا.
ما وقف المؤلف على قصة أبي بكر هذا ومن يسميه (عبد العزيز بن أبي نهشل) حتى اعتنقها باليمين والشمال، وضمها إلى أشباهها مطوية على تحريفها الذي وقعت فيه نسخة "الأغاني"، وكذلك يفعل من يحاول التطاول على أمة جعل الله منزلتها فوق السماكين.
هل وجد أستاذ الآداب بالجامعة في غير هذه النسخة من الأغاني أن في الشعراء من يسمى (عبد العزيز بن أبي نهشل)؟ هو لا يعرف شيئاً عن هذا الذي يسميه (عبد العزيز بن أبي نهشل) سوى أن في نسخة "الأغاني" التي وقعت بين يديه أن صاحب هذا الاسم حكى قصة تحط من شأن أبي بكر بن عبد الرحمن، وتشتمل على انتحال شعر، وعزوه إلى ابن الزبعرى.
ورد في سند هذه القصة من كتاب "الأغاني" ما نصه: "عن عبد العزيز ابن أبي ثابت، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي نهشل، عن أبيه ... إلخ"،
__________
(1) (ج 1 ص 31).
(8/247)

ففهم المؤلف أن محمد بن عبد العزيز روى عن أبيه عبد العزيز بن أبي نهشل: أنه قال له أبو بكر بن عبد الرحمن: يا خال! هذه أربعة آلاف ... إلخ.
ولو كانت القصة ثابتة على هذا المساق، لكان في الشعراء من يسمى: عبد العزيز بن أبي نهشل؛ وفي الصحابة من يسمى بهذا الاسم أيضاً، ولكنك تبحث دواوين الشعر وكتب الأدب، فلا تجد شاعراً يسمى (عبد العزيز بن أبي نهشل)، وتفحص الكتب المبسوطة في إحصاء أسماء الصحابة واستقصاء آثارهم، فلا تجد صحابياً يسمّى: عبد العزيز بن أبي نهشل. وأصل العبارة في نسخ مخطوطة (1): "عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل، عن أبيه"، وكذلك جاءت في نسخة "الأغاني" التي نقل منها المؤلف، حين أعاد صاحب "الأغاني" الحديث عن القصة في (ص 31) بسند آخر ينتهي أيضاً إلى محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل.
وإذا وضعنا هذه القصة وسندها على محكّ النقد، اعترضنا في قبولها أمران:
أولهما: أن السند يدور على عبد العزيز بن عمران، وهو ابن أبي ثابت، وقد توارد أهل العلم على الطعن في روايته. قال يحيى بن معين في شأنه: "ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر، ورأيته ببغداد، كان يشتم الناس، ويطعن في أحسابهم، ليس حديثه بشيء". وقال الحافظ أبو يحيى الذهلي: "عليّ بدنة (2) إن حدثت عنه حديثاً"، وضغفه جداً. وقال البخاري: "منكر الحديث،
__________
(1) النسخة التيمورية، ونسخة مصطفى فاضل بدار الكتب (رقم 8 أدب م).
(2) ناقة أو بقرة تنحر بمكة - "المعجم المدرسي" للأستاذ زين العابدين التونسي.
(8/248)

لا يكتب حديثه". وقال ابن أبي حاتم: "امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه، وترك الرواية عنه". وقال ابن حبان: "يروي المناكير على المشاهير".
فشهادة هؤلاء الأعلام بعدم الثقة بما يرويه عبد العزيز بن أبي ثابت من الحديث، تجعلنا في ريبة من هذه القصة التي تخالف ما في كتب الناس.
ثانيهما: أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة المشار إليهم بالعلم والتقوى، وقد تضافرت كلمة أهل الحديث والمؤرخين على وصفه باستقامة السيرة، ولم يمسه قلم أحد بسوء، وكان لكثرة صيامه وصلاته يسمّى: راهب قريش، وكان عبد الملك ابن مروان يكرمه، ويقول: إني لأهم بالسوء أفعله باهل المدينة، فأذكر أبا بكر، فاستحيي منه.
فشهرة أبي بكر بالعلم والاستقامة إلى هذه المنزلة، تبعدنا من قبول قصة ترميه بمحاولة شاعر على أن يحدِّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذباً. بل المظنون في رجل كأبي بكر بن عبد الرحمن أن يترفع عن هذه السخافة البادية في القصة، ويستغني عن فخر الجاهلية بما آتاه الله من علم وتقوى، وحسب وجاه.
وإذا جاءت رواية على خلاف ما في كتب الناس، وكان الراوي غير ثقة، وكانت سيرة هذا الذي تحدث عنه الراوي المتهم بعيدة عن وصمة ما ينسب إليه، لم يبق لهذه الرواية الشاذة إلا أن تسقط غير مأسوف عليها.

* الشعر المنسوب لآدم - عليه السلام -:
ذكر المؤلف: أن من تأثير الدين في انتحال الشعر: ما يضيفه الرواة إلى أخبار الأمم القديمة؛ كعاد وثمود، وقال: إن ابن سلام قد كفاه نقده
(8/249)

حين أثبت أن هذا وما يشبهه مما يضاف إلى تبع وحمير موضوع منتحل.
ثم قال في (عى 76): "وابن إسحاق، ومن إليه من أصحاب القصص لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلى عاد وثمود وتبع وحمير، وإنما هم يضيفون الشعر إلى آدم نفسه، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حين قتله أخوه قابيل. ونظن من الإطالة والإِملال أن نقف عند هذا النحو من السخف".
هذا الشعر الذي ينسب إلى آدم - عليه السلام - قد أنكره كثير من أهل العلم. فهذا صاحب الكشاف يقول في شأنه: "هو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون". وقال الرازي: "ولقد صدق صاحب "الكشاف" فيما قاله؛ فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة، لا يليق إلا بالحمقى". وأورد هذا الشعر سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان"، وقال: "هذا ما ذكره الثعلبي، وهو شعر ركيك مزحوف، وقد أنكر ابن عباس هذا الشعر، وقال: من قال: إن آدم قال شعراً، فقد كذب على الله ورسوله". وإذا كان علماء الأدب والتفسير قد نبهوا على أن الشعر المضاف إلى آدم وعاد وثمود وتبع وحمير منحول مصطنع، فلا مزية للمؤلف في حديثه هذا إلا أنه ساق الكلام في صورة تضع في نفس القارئ أن شعرآدم لم يتعرض لإنكاره أحد من قبله.

* الاستشهاد على القرآن بالشعر:
عاد المؤلف إلى الحديث عن الشعر الذي يستشهد به الرواة والمفسرون على ألفاظ القرآن ومعانيه.
حتى قال: "فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب، يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية، لا سبيل إلى الشك في عربيتها".
(8/250)

وقال في (ص 77): "وإنما نعيد شيئاً واحداً، وهو أننا نعتقد أنه إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكاً ولا ريبًا، وهو لذلك أوثق مصدر للغة العربية، فهو القرآن. وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن يستشهد على صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي، بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن. ولست أفهم كيف يتسرب الشك إلى عالم جاد في عربية القرآن واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه على ما عرف العرب أيام النبي من لفظ ونظم وأسلوب".
لم يستشهد العلماء على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب؛ فإن أغلب كلامه ظاهر لا يحتاج في تقرير معناه أو وجه إعرابه إلى شاهد، وقد سبقت لنا كلمة في هذا الصدد، ونقلنا لكم ما قال الرازي وابن حزم فيما أنكراه على بعض النحاة من الاستشهاد على القرآن بالشعر، أو توقفهم في الاستشهاد بالقرآن، وإنما نعيد شيئاً واحداً، وهو أن إنكار الاحتجاج بالشعر على القرآن رأي قديم، وزعم المؤلف أنه الصانع له تغييرٌ في تاريخ أدب اللغة العربية، وما كان لأستاذ الآداب أن يغير تاريخها إلى حد أن يأخذ الرأي الذي نشأ في المئة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ويجعله ابن المئة الرابعة عشرة. وليس التصرف في تاريخ الآراء بأقل جناية من أن يدَّعي لطلابه: أن الرازي، أوابن حزم، أو أبا بكر بن الأنباري من علماء هذا العصر، وأنهم لا زالوا أحياء يرزقون.
يقول أبو بكر الأنباري (1): "قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيراً الاحتجاجُ
__________
(1) "الإتقان" (ج 1 ص 119).
(8/251)

على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة لا علم لهم على النحويين ذلك، وقالوا: إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشعر أصلاً للقرًان. قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن، وهو مذموم في القرآن والحديث؟ ". ثم قال؛ "وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلاً للقرآن، بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر؛ لأن الله تعالى قال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3].
وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195].
وإن شئت حديثاً يزيدك ثقة بما قال أبو بكر بن الأنباري في جواب جماعة لا علم لهم، فإليك الحديث:
في القرآن كلمات ذات معان مفردة يعرفها الجمهور من الناس، وهذه الكلمات لا يحتاج مفسر الآية إلى الاستشهاد عليها بشيء من الشعر أو النثر.
وفي القرآن كلمات ذات معان متعددة، ومن هذه المعاني ما هو معروف متداول في الاستعمال، ومنها ما ليس كذلك، فإذا اقتضت البلاغة في نظر المفسر أن يحمل مثل هذه الكلمات على معنى غير المعنى المعروف لدى الجمهور، احتاج إلى الاستشهاد بمنظوم أو منثور تكون دلالته على هذا المعنى واضحة، حتى لا يتردد في قبول التفسير من لم يقف على أن هذه الكلمة قد تستعمل عربية في غير ما هو مألوف لدى الجمهور.
وفي القرآن كلمات غريبة يحتاج المفسر عند بيان معناها إلى الاستشهاد بشيء من كلام العرب، حتى يعلم طالب العلم أن التفسير لم يخرج عن حدود اللسان العربي، فيطمئن إلى صحة التفسير، لا إلى أن القرآن عربي، فإن هذا لا يشك فيه أحد مطلق الرجلين يطوف أنى شاء، ويلتقي بمن شاء.
(8/252)

وفي القرآن آيات تحتمل أوجهاً من الإعراب، ومن الواضح أن معنى الآية يختلف باختلاف وجه إعرابها، فقد يختار المفسر من الإعراب وجهاً يراه أليق بالبلاغة، أو أثبت بحكمة المعنى، ويكون هذا الوجه من الإعراب يستند إلى حكم عربي غير معهود لبعض أهل العلم، فيخشى إنكارهم لأن يكون هذا الوجه صحيحاً عربية، فيعمد إلى دفع هذا الإنكار بإقامة شاهد من لسان العرب على صحة ما ذهب إليه من الإعراب.
فالاستشهاد بالشعر على القرآن قائم على دصل معقولة، أما أن المستشهد يخطئ أو يصيب، يأتي بالمثل الصادق أو ينتحله، فذلك بحث آخر سنفصله لك في مقالة أخرى.

* من يحق له أن يفسر القرآن؟
قال المؤلف في (ص 77): "وإنما هناك مسألة أخرى، وهي أن العلماء وأصحاب التأويل من الموالي بنوع خاص لم يتفقدا في كثير من الأحيان على فهم القرآن، وتأويل نصوصه، فكانت بينهم خصومات في التأويل والتفسير. وعن هذه الخصومات نشأت خصومات أخرى بين الفقهاء وأصحاب التشريع".
من يحق له أن يفسر القرآن طائفتان: طائفة لم تبلغ درجة الإجتهاد في الأحكام الشرعية؛ كشيبويه، والزجاج، والزمخشري، وطائفة بلغت درجة الاجتهاد؛ كالأئمة الأربعة، ومن المأخوذ في شروط المجتهد: أن يكون بمكانة راسخة في علوم اللسان؛ بحيث يتفقه في معنى الآية بنفسه، ويفصل الحكم على مقتضى علمه، ومتى وجد اختلافاً في حكم لغوي، جرد نظره لاستطلاع الحقيقة، ولا يقف وقفة الحائر، أو يستند إلى أحد الآراء على غير بينة.
(8/253)

وإدراك الفقيه منزلة الاجتهاد في علم اللسان العربي لا يستدعي زماناً واسعا جداً، حتى يقال: إن اشتراطه إقامةٌ لعقبة كؤود في سبيل الاجتهاد في الأحكام، فإن الذي يقتضي بحثاً متواصلاً، وزمانًا قد يأتي على معظم العمر، هو التوغل في هذه العلوم، وتقصي آثارها، ثم التوسع في بسط أدلتها، وتفصيل أحكامها، وهذا أمر زائد على إحراز ملكة قوية، وبصيرة نافذة، يرجع إليها عند الحاجة إلى تحقيق بحث، أو تفصيل خلاف.
فلا يصح أن تكون خصومات المجتهدين الذين سماهم المؤلف: أصحاب التشريع، ناشئة عن خصومات أصحاب التأويل من الموالي أو غير الموالي؛ فإن المجتهد لا يشق بتأويل غيره، وإنما يبني الحكم على ما يفهمه من الآية بنظر مستقل.

* المعتزلة والشعر الجاهلي:
انساب المؤلف يتحدث عن كثرة ما ينتحل العلماء من الشعر الجاهلي. وق الذي (ص 78): "فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين، وما أرى إلا أنك ضاحك مثلي أمام هذا الشطر الذي رواه بعض المعتزلة؛ ليثبت أن كرسي الله الذي وسع السماوات والأرض هو علمه، وهذا الشطر هو قول الشاعر "المجهول طبعاً": "ولا بكرسيّ (1) علم الله مخلوق".
__________
(1) كذا في كتاب "الشعر الجاهلي"، ولعله تحريف من الناسخ، والصواب: "يكرسئ" بصيغة الفعل.
(8/254)

يقول ابن قتيبة في التأويل: "وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} [البقرة: 255]؛ أي: علمه، وجاؤوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر: "ولا يكرسئ علم الله مخلوق".
وقال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية": "وهنا ضرب ثالث من الشواهد نشأ في القرن الثالث، وهو ما يولده بعض المعتزلة والمتكلمين للاستشهاد به على مذاهبهم، وكانت رواية الشعر فيهم يومئذ عامة"، وساق على هذا كلام ابن قتيبة الملقى إليك آنفاً، وأضاف إليه مثالاً آخر من كتاب الحيوان للجاحظ.
لا نريد أن نقول: إن هذا مما نقده أهل العلم قبل المؤلف، ولا نريد أن نبحث في أن المؤلف يعرف لهذا الغرض مثالاً غير هذا الذي ذكره الأستاذ الرافعي، أم لا يعرف، وإنما أريد أن أقول: إن المؤلف يدعي أن المعتزلة يعتمدون على آراء الجاهليين، ثم يسوق الشاهد، ويصف قائله بأنه "المجهول طبعًا" كما قال ابن قتيبة: "بشاهد لا يعرف". وإذا لم يذكروا القائل باسمه، وكانت عادتهم الاستشهاد بالشعر العربي، جاهليًا كان أو إسلاميًا، فمن أين علم المؤلف أنهم نسبوا هذا الشاهد إلى الجاهليين؟.

* رواية الجاحظ للشعر:
تحدث المؤلف بأن كذب أصحاب العلم على الجاهليين كثير.
ثم قال في (ص 79): "لأمر ما كان البدع في العصر العباسي عند فريق
(8/255)

من الناس أن يرد كل شيء إلى العرب، حتى الأشياء التي استحدثت، أو جاء بها المغلوبون من الفرس والروم وغيرهم. وإذا كان الأمر كذلك، فليس لانتحال الشعر على الجاهليين حد. وأنت إذا نظرت في "كتاب الحيوان" للجاحظ، رأيت من هذا الانتحال ما يقنعك ويرضيك".
لم يكن أهل العلم يأخذون الشعر على أنه جاهلي من كل من يكتبه في كتاب، أو ينشده في مجلس، بل كانوا يفرقون بين هذا الذي يرويه الثقات، أو تتعدد مآخذه؛ كالمفضّليات والمعلّقات، وبين ما يرويه أناس نقدوهم، فلم يجدوهم على ثقة، ومن هذا النوع ما ينفرد بروايته الجاحظ؛ فإنهم كانوا يعدون أحاديثه وأدبه مما يستعان به على السمر، قال أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" يصف الجاحظ: "وكان أوتي بسطة في لسانه، وبيانًا عذبًا في خطابه، ومجالًا واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذمّوه، وعن الصدق دفعوه، وأخبر أبو عمرو الزاهد: أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحمى، فقال: "اعزبوا عن ذكر الجاحظ؛ فإنه غير ثقة، ولا مأمون"، وينبئك بن من هذه الأشعار العربية ما لا يثقون بروايته، ويعدونه فيما يسمر به عند الملوك ونحوهم: قول ابن سلام -بعد أن ساق بيتين ينسبان إلى لبيد-: "ولا اختلاف في هذا أنه مصنوع، تكثر به الأحاديث، ويستعان بها على السمر عند الملوك، والملوك لا تستقصي".
فيما يرويه الجاحظ في نحو "كتاب الحيوان" من الشعر، وينفرد بروايته، لا يثق به أهل العلم، ولا يبنون عليه تاريخاً، ولا يعولون عليه في تقرير حكم، أو قاعدة لغوية، وإنما يقرؤونه من حيث إنه أدب، وهو من أدب اللسان، وإن كان معزوّاً إلى غير قائله.
(8/256)

* دين الإسلام هو ملة إبراهيم - عليه السلام -:.
ذكر المؤلف أن لتأثير العواطف الدينية في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين فنوناً، وأن ما تحدث به من قبل فنونها الهينة، ويريد الآن أن يتحدث عن أعظم هذه الفنون كلها، وهو هذا النوع الذي ظهر عندما استؤنف الجدال في الدين بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى، ولا سيما اليهود والنصارى.
ثم قال في (ص 80): "وذهب المجادلون في هذا النوع من الخصومة مذاهب لا تخلو من غرابة، نحب أن نشير إلى بعضها في شيء من الإيجاز. أما المسلمون، فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحقال في أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل. فليس غريباً أن نجد قبل الإسلام قوماً يدينون بالإِسلام، أخذوه من هذه الكتب السماوبة التي أوحيت قبل القرآن".
يصرح القرآن بأن إبراهيم - عليه السلام - بنى البيت الحرام، وأن العرب النازلين حول مكة من ذريته، وأن لهذا الرسول شريعة، وأن شريعته وشريعة الإسلام تتحدان في التوحيد الخالص، وبعض الأحكام والآداب، ولاتحاد الملتين في العقائد والآداب نطقت الآيات بأن دين الإسلام هو ملة إبراهيم - عليه السلام -، فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].
وقال: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95].
وقال: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: 161].
(8/257)

فمعنى أن للإسلام أولية في بلاد العرب ثابت بنص القرآن، لا أن المسلمين يريدون إثباته. والقرآن أيضاً يقول: إن الدين الإِسلامي هو الدين الحقال في أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل، فقد رأيتموه كيف يسمّي دين الإِسلام: ملة إبراهيم -عليه السلام -، ورأيتموه يقول لمحمد - صلوات الله عليه -: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89].
ثم هو يسوق قصص الأنبياء من قبل، ويأتي في بيان ما يدعون إليه على ما يدعو إليه الإِسلام من التوحيد الخالص، واختصاص الخالق بالعبادة، واعتقاد أن غير الله لا يملك ضراً ولا نفعاً، إلى ما يشاكل هذا من آداب رفيعة وأخلاق فاضلة.
فهذا الذي يعزوه المؤلف لإرادة المسلمين إنما يقوله القرآن، والمؤلف يريد نفيه، وليس له على هذا النفي من حجة غير ما تعلّمه من قدماء الجاحدين من نحو التهكم والإنكار الذي يأتيك عارياً من كل حجة وشبهة تشبه أن تكون حجة.

* معنى الحنيفية:
قال المؤلف في (ص.8): "القرآن يحدثنا عن هذه الكتب، فهو يذكر التوراة والإنجيل، ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئاً آخر هو صحف إبراهيم، هو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح".
اتفقت الأديان الثلاثة على نبوة إبراهيم - عليه السلام -، ودل القرآن؛
(8/258)

بما يحكيه من محاجته لقومه، وما يأتي عليه من آداب شريعته: أنه كان يدعو إلى التوحيد، ومكارم الأخلاق، ولهذا المعنى سمّي حنيفاً؛ أي: مستقيماً، وكذلك سميت ملته: الحنيفية، نسبة إلى الحنيف، وهو المستقيم، وكل نبي حنيف، وكل شريعة سماوية حنيفية، وإنما سمي إبراهيم - عليه السلام - حنيفاً، وملته حنيفية؛ تنبيهاً على خطأ من يدعون أنهم على ملة إبراهيم، وهم يعملون على شاكلة غير مستقيمة، ولذلك ترى القرآن يصفه بقوله: [حَنِيفًا] [آل عمران: 95]، ويتبع هذا الوصف بقوله: [وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [آل عمران: 95].
فإن أراد المؤلف أنه لم يستطع أن يتبين معنى الحنيفية من القرآن، فالقرآن ينادي على هذا المعنى، ويعبر عنه بأفصح بيان، وإن أراد أنه لم يستطع أن يتبينه من ناحية غير ناحية القرآن، فليدعه إلى ما لا يستطع أن يتبينه؛ كالعلوم الرياضية والطبيعة.

* توحيد الله وإفراده بالعبادة:
قال المؤلف في (ص 80): "فقد أخذ المسلمون يردون الإِسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم، هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى".
القرآن هو الذي يرد الإِسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم - عليه السلام -، والأديان السماوية تشترك في الدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وهي من هذه الجهة متماثلة، لا يفضل فيها دين على آخر، ولا يقال: إن ديناً أنقى من دين، إلا حيث ينظر إلى خلوصه من تحريف يطمس الطريق إلى معرفة حقائقه، وإنما تتفاضل الأديان بكثرة ما فيها من حكمة وموعظة، وبسعة
(8/259)

ما ينطوي تحت أصولها الاجتماعية من مصالح الأمم، وتتفاوت بما يدل على صدق المبعوث بها من آيات خالدة.

* الإِسلام لم يجدد دين إبراهيم - عليه السلام -:
قال المؤلف في (ص 81): "وشاعت في العرب أثناء ظهور الإِسلام ويعده فكرة أن الإِسلام يجدد دين إبراهيم. ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لما أضلّها به المضلّون، وانصرفت إلى عبادة الأوثان".
القرآن هو الذي ينبئنا بأن الإِسلام يهدي إلى الدين الحقال في كان عليه إبراهيم وغيره من الأنبياء، وإذا ذكر إبراهيم -عليه السلام فلأنه أقدم الرسل الذين لم يزل في الأمم من ينتمي إلى شريعتهم، أو لأن نبوته يعترف بها اليهود والنصارى والوثنيون من العرب جميعاً، أو لأن الإِسلام يوافق آداب شريعته أكثر مما يوافق التوراة والإنجيل.
فدعوى المؤلف أن تجديد الإِسلام لدين إبراهيم - عليه السلام - فكرة شاعت في العرب أثناء ظهور الإِسلام، إنما هي نزعة من لا يرعى للتاريخ حقاً، ولا يرى للدين حرمة، وكذلك يفعل من يحيى أن خلفه أو بين يديه طائفة تلذ هذه النغمة، وإن كانوا من قوم لا يعلمون.
ذكر المؤلف ما جاءت به الرواية من أن أفراداً من العرب قبل البعثة تحدثوا بما يشبه الإِسلام.
وقال في (ص 81): "وتأويل ذلك يسير، فهم أتباع إبراهيم، ودين إبراهيم هو الإِسلام. وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضاً، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم، وحملت عليهم حملاً بعد الإِسلام، لا لشيء،
(8/260)

إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمة وسابقة".
شأن الباحث بجد ألا يكتفي في إنكار رواية أو روايات بدعوى أنها وضعت وضعاً، وحملت حملاً، ثم يسمّي هذه الدعوى تفسيراً لها من الوجهة العلمية. والمؤلف يفعل هذا؛ لأن العلم في نظر هذه الطائفة القليلة التي تدق له الهواء بالتصدية إنما هو أن يقول فيتهكم، والتهكم في نظر هؤلاء السذج خير من العلم؛ وأشد وقعًا على أذواقهم من سبعين برهاناً.
إنكار المؤلف لأن يبقى أثر لدين إبراهيم - عليه السلام - في بلاد العرب، مبني على إنكار وجود إبراهيم، أو هجرته وهجرة إسماعيل إلى مكة، وقد عرفت أن هذا الإنكار لم يقم على بحث واستدلال، وإنما هو وليد نزعة لست أعلم بنشأتها وصابغ قلب المؤلف بعصفرها من هؤلاء القراء.
أما الذين يريدون أن يكونوا في البحث على بينة، فإنهم يضعون هذه الأشعار وما يتصل بها من الأخبار موضع النقد، فما وجدوا في رواته، أو في ألفاظه، أو في معانيه ما يدل على وضعه، أو يجر إلى ريبة، اطّرحوه، أو ارتابوا في أمره، وما وجدوه سليماً من كل جانب، قبلوه، وتناقلوه.

* المعاني الدينية في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 80): "وعلى هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الجاهليين، والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن من الحديث شبه قوي أو ضعيف".
من شاء أن ينظر إلى قاعدة تمتد إلى غير نهاية، ولا تتصل بما يمسكها أن تزول إلا إرادة هذا المؤلف، فلينظر إلى هذه الفقرة التي تمثل قلماً يشتهي أن يكتب، فينتكس، ويرمي بالحديث في غير قياس.
(8/261)

كل شعر أو خبر أو حديث يضاف إلى الجاهليين، ويكون بينه وبين آية من القرآن شبه قوي أو ضعيف، فهو مصنوع!.
أليس من الجائز أن ينطق العرب بحكمة، فيأتي القرآن بهذه الحكمة على وجه أبلغ وأرقى؟!.
أمن الحق أن ننكر أن العرب قالوا مثلاً: "القتل أنفى للقتل" لمجرد شبهه بقول القرآن: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]؟!. أو من الحق أن ننكر أن زهيراً قال:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلَّم
لأن له شبهاً قوياً أو ضعيفاً بقول القرآن: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]؟!.
فإن أراد المؤلف من الشبه: المعاني الدينية، قلنا: هو إذاً يحدثنا برأي (مرغليوث) كأنه يأبى أن يبقي له في ذلك المقال باقية.
أورد (مرغليوث) شبهة خلو الأشعار المعزوّة إلى الجاهليين من الصبغة الدينية، وقد سقناها إليكم مع ما يدفعها، ثم قال: نعم، نجد شعراء الجاهليين يقسمون كثيراً في أشعارهم، ولكن كل أيمانهم الواردة في دواوينهم هي بالله، وذكر أن كثيراً من هذه الأشعار تشتمل على عقيدة التوحيد التي تنسب التصرف إلى الله، وعلى أشياء إنما يذكرها القرآن، وأورد شواهد شتى.
وقد تعرض المستشرق (إدور براونلش) في مقاله الصادر في "مجلة الأدبيات الشرقية" (1) للبحث في هذه الشبهة، فقال: "إن لغة الشعر كانت
__________
(1) عدد أكتوبر سنة 1926.
(8/262)

معينة ومحصورة، ولهذا قال (كاسكل) في كتابه المسمّى: "البحث في الشعر العربي الجاهلي" (1): إن الشعر لم يذكر اسم معبود لقبيلة، بل اكتفى بذكر الحظ والطالع والتمائم؛ لأنها كانت معتقدهم جميعاً".
واسم الله، وإن لم يكن بمعنى التوحيد الوارد في الإِسلام، كان فوق أرباب جميع القبائل، ولا يختلفون في الاعتقاد به، راجع كتاب (ولهوزن) المسمّى: "بقايا الوثنية العربية" (2)، وعليه: فليس من المستغرب أن نرى اسم الله كثيراً ما يذكر في لغة الشعر الجاهلي، وليس لنا أن نعد البيت مزوراً لمجرد اشتماله على ذكر الله، أو الإله. أما الأبيات التي ذكرت فيها عبارات قرآنية، والتي ذكر لنا منها (مرغليوث) بعض الأمثال، فيصح لنا أن نأخذ فيها بملاحظة (الورد) في كتابه "حقيقة الشعر الجاهلي" (3)، و (ليال) في ملاحظته على شعر عمرو بن قميئة، وهي: "يجب علينا أن نفحص موضع البيت من القصيدة؛ لنعلم صلتها بأقوال الشاعر المنسوبة إليه". ثم قال: "ليس من الممكن أن أذكر كل المواضع التي ذكرها (مرغليوث)، وقال: إنها إسلامية، فللإنسان أن يدققها ويفندها".
ولعلك تزداد خبرة بن المؤلف يملأ حوصلته من كتب المستشرقين، ويرفع بها رأسه متطاولاً على الشرقيين تطاول من لا يبالي عاقبه الافتضاح. وسنتعرض لهذا البحث تارة أخرى؛ فإن المؤلف أعاده فيما تحدث به عن شعر عبيد.
__________
(1) (ص 54) طبع سنة 1926.
(2) (ص 184) سنة 1887.
(3) (ص 27).
(8/263)

* شعر أمية بن أبي الصلت:
طعن المؤلف في القرآن بملء فمه، وعلى قدر ما يرضي شركاءه، وتذكر -والشيء بالشيء يذكر-: أن المستشرق (كليمان هوار) كان قد زعم في فصل نشرته له "المجلة الآسيوية": أنه استكشف مصدراً جديداً للقرآن وهو شعر أمية بن أبي الصلت.
أسهب المؤلف في حديث ذلك المقال، ونفخ فيه من روح تلك الدعاية المبيتة، وإنما خالفه في وثوقه بصحة هذا الشعر المنسوب إلى أمية بن أبي الصلت. ومن رغبت إليه نفسه في أن يريها باطلين يتباريان في الهجوم على حق، فلينظر إلى حديث (هوار)، والمؤلف عن شعر أمية بن أبي الصلت.
يشق (هوار) بصحة ما يعزى إلى أمية بن أبي الصلت من الشعر، ويزعم أنه من المصادر التي امشمد منها النبي - عليه الصلاة والسلام - القرآن. ورأى المؤلف أن الاعتراف بصحة الشعر المعزؤ إلى أمية يضر بنظرية إنكار الشعر الجاهلي، وهو له في تقرير هذه النظرية مآرب ترجح على مارب القول بأن من مصادر القرآن شعر أمية بن أبي الصلت، ولا سيما بعد أن حدّثك بلسان المستشرقين: "أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية، ومذاهب أخرى بين بين كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها".
فالمؤلف لم يخالف (هوار) في زعم أن شعر أمية من مصادر القرآن، إلا بعد أن أراك أنه في غنى عن شعر أمية، بما قصه عليك من تأثر القرآن باليهودية والنصرانية، ومذاهب أخرى بين بين.
ولا ندري كيف غاب عن المؤلف أن يوافق (هوار) في صحة شعر أمية حتى يستفيد شبهة على القرآن، ثم ينكره؛ جمعاً لشمل نظرية الشك في الشعر
(8/264)

الجاهلي، وما عليه إلا أن يقول لتلك الطائفة القليلة المستنيرة: اعتقدوا أن هذا شعر أمية بقلوبكم حتى تتنكر للقرآن، وأنكروه بعقولكم حتى ينتظم شمل نظرية الشك في الشعر الجاهلي! وإذا وجد في أبناء الأربعين من تقبّل منه مثل هذا الهذيان، وتحدث به في مجلس ينبغي ألّا تسمع فيه لاغية، أفلا يقبله الأطفال الذين يخرج لهم المنكر من طريق الحق، فيضربون أيمانهم على شمائلهم، ويرجّون له الهواء بالتصدية رجّا؟!.

* شبهة أن للقرآن مصادر من اليهودية والنصرانية:
ما يقوله المستشرقون، ويحكيه عنهم المؤلف؛ من أن للقرآن مصادر، هي: اليهودية، والنصرانية، ومذاهب بين بين، ليس بشبهة جديدة، ولا هو "من النتائج العلمية القيمة" التي انتهوا إليها على مناهج النظر الصحيح.
لا نزدري الغربيين وعلومهم الغزيرة، وإجادتهم النظر في الماديات، وما تنتظم به مرافق الحياة ووسائل العمران الذي نشهده بأبصارنا، ونلمسه بأيدينا، ولكنهم لم يبلغوا أن يمتازوا بالثقافة في كل علم حتى المباحث التي لا يتوقف إدراك حقائقها إلا على ذكاء الباحث، وصفاء بصيرته.
فإن كان المؤلف يضع قلبه بين أصابع المستشرقين، ويملأ جرابه من حقائب المستشرقين، ويستهوي تلك الطائفة باسم المستشرقين، فإن للناس بصائر تأبى لهُم أن يُقلدوهم في الفرق بين الحق والباطل، والفصل في أسباب السعادة والشقاء، ولا سيما بعد أن رأوا فيهم صفواً وكدراً، ونظاماً وخللاً، وأدباً وسفهاً، وذكاءً وبلهًا، وسلاسة وتعسفاً.
من درس حال الثقات من علماء الحديث والآثار، لا يمتري في أنهم يروون الأحاديث والآثار بأمانة، ولا يخطر على بالهم أن يكتموا من السيرة
(8/265)

النبوية صغيراً أو كبيراً. دخل في الرواية الوضع لأسباب بسطناها في مقدمة "المغني عن الحفظ"، أما أن يعمد الرواة إلى أن يحذفوا من السيرة النبوية ما وقع إلى أسماعهم، فذلك ما لا يتصوره العارف بحقيقة الرواية.
فمن توجه قصده إلى شيء يتصل بالسيرة النبوية، فليبحث عنه في كتب الآثار، وتاريخ عهد النبوة، فإنه يجد فيها الموثوق بروايته ما أمكن للجاهلين والمنافقين إلصاقه بأكمل الخليقة، ويرى قواعد أهل الحديث كيف تعمل في الروايات، فتدفع هذه الرواية إلى اليمين، والأخرى إلى الشمال.
ليس في الروايات صحيحها وأساطيرها أثر يدل على أن النبي - عليه الصلاة والسلام - بارح مكة قبل البعثة، وغاب عن قومه، إلا ما روي من خروجه مع عمه أبي طالب إلى الشام خطرة، وسفره في تجارة لخديجة بنت خويلد خطرة أخرى. فلا يستقيم لأحد ادعاء أنه تعفم القراءة، ودرس التوراة والإنجيل مدة مغيبه عن مكة وقومُه لا يشعرون، فإن لسفر التجارة أياماً معدودة لا تكفي لدرس ديانة أو ديانتين، لا سيما بعد أن تطّرح منها أوقات الاشتغال بشأن التجارة، وما حال المسافرين للتجارة منا ببعيد.
ولا يصح لأحد أن يدعي أنه - عليه الصلاة والسلام - تعلم كتب اليهود والنصارى، ومذاهب بين بين في مكة، وعلى مرأى من قومه، إذ لو وقع شيء من هذا، لم يجيء في القرآن آيات تصفه بعدم القراءة والتلقي من البشر، ولو جاءت هذه الآيات، وكان قد تعلم من يهودي أو نصراني، لم يجد من قومه وعشيرته الذين رأوه يقرأ ويتعلم أنصاراً إلى الله يؤمنون به، ويجلسون بين يديه كأنما على رؤوسهم الطير.
(8/266)

ولا يصح أن يكون - عليه الصلاة والسلام - قد تعلَّم كتب اليهود والنصارى، ومذاهب بين بين في خلوة، وعلى حين غفلة من قومه، فإن تلقي بعض الكتب في خفاء قد يمكن للرجل الغريب في مدينة لا يعرفه فيها إلا بضعة أشخاص يلاقونه في الشهر، أو في الأسبوع، أو في اليوم مرة أو مرتين، أما رجل ذو عشيرة، وذو مزايا تلفت له الأنظار، وتجذب له القلوب؛ كمحمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ينشأ في بلدة لها طرق محدودة، وبيوت معدودة كمكة، فليس من المقبول أن يتمكن من التردد على مواطن يختلي فيه بيهودي أو نصراني دون أن يشعر به أحد من قومه أو عشيرته الأقربين.
وليس من المعقول أن يقال: قد وقعت إلى يده نسخة من التوراة، وأخرى من الإنجيل؛ لأنهما لم يخرجا إلى لسان العرب بعد، ولا يقرؤهما إلا من درس اللغة العبرية، ولو درس النبي - عليه الصلاة والسلام - تلك اللغة، وعرف كيف يقرأ حروفها الهجائية، لما عرج القرآن على وصفه بالأمية، ولما ظل النبي - صلوات الله عليه - يتلو آياتها، والناس يشهدون ويؤمنون.
إن رجلاً له أولو قربى يجاورونه، وطائفة من غيرهم يعرفونه أو يصادقونه،
لا يمكنه أن يتعلم علماً أو لساناً دون أن يشعر له أحد منهم، ولو اجتهد في
أن يكتم أمره، ويسد في وجوههم كل سبيل.
هذا شأنه قبل البعثة، أما زعمُ تعلّمه لما في التوراة والإنجيل، ومذاهب بين بين بعد قيامه بالدعوة، فبطلانه أشد بداهة، إذ لا يلائم حكمه القائم بتلك الدعوة المؤزّرة بكل جد وحزم أن يجادل اليهود والنصارى، ويشتد بينه وبينهم الخصام، ثم يطلب لديهم علم التوراة والإنجيل، ولو طلب لديهم ذلك، لأقام في سبيل دعوته عقبة كؤوداً، فقد أصبح بعد ظهوره
(8/267)

بالدعوة مرموقاً بكل لحظ، مشاراً إليه بكل كان، ولا سيما بعد أن استجاب له طائفة يجلسون إليه بالعشيّ والإبكار.
ومن الباطل على البداهة أن يأخذ علوم هذه الأديان عمّن أسلم من أهلها، ثم يجيء بها في القرآن على أنها وحي يوحى، ولو جرى شيء من هذا، لكان سبباً لارتداد الطائفة التي أخذ عنها، أو الطائفة التي سمعته يحاورها، ولو وقع ارتداد على هذا الوجه، لوجدنا له في الرواية أثراً.
قصّ علينا القرآن قول بعض الذين أشركوا: إنه ساحر، وقول آخرين: إنه مجنون، وقول طائفة ثالثة: إنه شاعبر، وأضاف إلى هذا قول بعضهم [إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ] [النحل: 103]، وأورد هذه المزاعم استخفافاً بأقوال يعلم العارفون بنشأة النبي - عليه الصلاة والسلام - وأطوار حياته أنها إفك مفترى، كما يعلم الذين أوتوا الحكمة والروية أن صاحب هذه الآيات الباهرات، والسيرة التي تتمخض الأيام بما يشبهها، بريء من أن يقول على شيء: هو من عند الله، وما هو من عند الله. ولو كان المقام للبحث عن دلائل النبوة، لأتيناك بالحقال في تتسلل من ساحته هذه المطاعن والمغامز لواذاً.
ولو سلمنا أن ما جاء في القرآن من الأحكام والأنباء المتصلة بالتوراة والإنجيل قد يكفي فيه لقاء الصدفة، أو الاستماع إلى من يتحدث به على قارعة الطريق، لكان في دلائل النبوة ما يصدع بأن تلقّي النبي - عليه الصلاة والسلام - بعْض هذا القرآن من لدن بشر، غير واقع، وغير محتمل لأن يكون.
قد يجيء القرآن على وجه التذكرة والموعظة بنبأ يعلمه الناس من قبل، ولكنه لا يقول إلا حقاً، ولا يحكي إلا واقعاً، ومن زعم أنه يعظ بالقصص
(8/268)

الباطلة، فإنما هو الطعن بمكيدة، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ولا بأس بأن يكون القرآن موافقاً للتوراة والإنجيل في بعض الشراع أو الأنباء، بل تكون هذه الموافقة حجّة على صدق الدعوة، وعلى أن هذه الأحكام أو القصص من بقايا الوحي الذي نزل على موسى وعيسى - عليهما السلام -، وإنما يخل بصحة الكتاب أن يشرع أحكاماً وسنناً لا ترضى العقول الراجحة عن حكمتها، أو يأتي بقصة تردها الطرق العلمية من حس أو عقل، أو رواية قاطعة، والقرآن بريء من مخالفة الطرق العلمية، ومن كل وجه يخلّ بالحكمة، إلا في نظر من يرى أن السعادة في الخلاعة، وأن راحة الضمائر في الجحود بمبدع الخليقة.

* قصة النهي عن رواية شعر أمية بن أبي الصلت:
ذكر المؤلف: أنه يقف من شعر أمية وقفته من شعر الجاهليين جميعاً، وأنه يشك في صحة شعره؛ كما شك في صحة شعر امرئ القيس، والأعشى، وزهير، ولم يكن لهم من النبي موقف أمية.
ثم قال في (صحيفة 84): "ثم إن هذا الموقف يحفلني على أن أرتاب في شعر أمية بن أبي الصلت؛ فقد وقف أمية من النبي موقف الخصومة، هجا أصحابه، وأيد مخالفيه، ورثى أهل بدر من المشركين. وإن كان هذا وحده يكفي لينهى عن رواية شعره، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هُجي فيه النبي وأصحابه".
لا يكتفي المؤلف بالبحث عن الروايات الشاذة والموضوعة، فيحشرها في هذا الكتاب، حتى يضيف إليها استنباطات لا تجيء من ناحية التعقل، ولا يكتفي بهذه الاستنباطات حتى يضع بجانبها روايات لم تشتمل عليها
(8/269)

صحيفة، وقد رأيتم كيف قال لكم في الحديث عن واقعة الحرّة: إنه قتل فيها ثمانون من أهل بدر. وآخرُ من مات من أهل بدر سعد بن أبي وقاص (1)، وقد توفي قبل وقعة الحرّة لإجماع، لم يكتف المؤلف بهذه الجنايات العلمية، فحاول أن يستنبط شيئاً في النهي عن رواية شعر أمية؛ ليثبت أن هذا الشعر المعزّو إلى أمية ليس منه في شيء، يقول هذا، وفي "الجامع الصحيح" للإمام مسلم: عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: ردفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت: نعم. قال: "هيه". فأنشدته بيتاً. فقال: "هيه"، حتى أنشدته مئة بيت.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن النبي - صلوات الله عليه - سمع شعر أمية، واستحسنه، واستزاد المنشد منه حتى بلغ مئة بيت، ولم يرد أثر في النهي عن رواية شعره إلا ما يوجد في مثل كتاب "الأغاني" من أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى قريش في وقعة بدر. ولو صحّ هذا الأثر، لكان النهي مقصوراً على هذه القصيدة، أو يأخذ معها ما فيه هجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، أما أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره قد نهى عن رواية شعر أمية بإطلاق، فمن أحاديث المؤلف التي لا يشهد بها واقع، ولا يقتضيها معقول. على أنا نجد هذه القصيدة -التي يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن روايتها- واردة في بعض كتب السير والمغازي، وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتاً، وقال: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (2).
__________
(1) "فتح الباري" للحافظ ابن حجر (ج 7 ص 222).
(2) "السيرة" (ج 2 ص 64).
(8/270)

* انتحال شعر أمية بن أبي الصلت:
قال المؤلف في (ص 86): "ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلى أمية بن أبي الصلت وإلى غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي، أو جاؤوا قبله إنما انتحل انتحالاً. انتحله المسلمون ليثبتوا -كما قلنا- أن للإسلام قدمة وسابقة في البلاد العربية".
جاءت الرواية الصحيحة بأن أمية كان يصوغ شعره في شيء من التوحيد، وفي رواية الإِمام مسلم لحديث عمرو بن السَّبِّريد المسوقة آنفاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين سمع شعر أمية: "كاد ابن أبي الصلت أن يسلم"، فما يروى من شعر يعزى إلى أمية، وفيه تحنف، محتمل لأن يكون ثابتاً عنه، وليس من أدب البحث التسرع إلى الحكم بانتحاله لمجرد ما فيه من التحنف، وإنما ينظر فيه كشعر خال من هذا المعنى، فإن لم نصل إلى الطعن في نسبته إلى أمية من طريق اللفظ أو المعنى أو الرواية, جاز لنا أن نكتبه في ديوان أمية، ونقول عند إنشاده: هذا الشعر لأمية.

* الإِسلام والسيف والجزية:
تحدث المؤلف عن حال اليهود، واستعمارهم جزءاً من البلاد العربية، ثم تحدث عن النصارى، وكيف انتشرت ديانتهم في بعض بلاد العرب.
ثم قال في (ص 87): "ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإِسلام بأزمان تختلف طولاً وقصراً. فنحن نعلم -مثلاً-: أن تغلب كانت نصرانية، وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه. فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإِسلام أو السيف، فأما الجزية، فتقبل من غير العرب. ولكن تغلب
(8/271)

قبلت منها الجزية، قبلها عمر فيما يقول الفقهاء".
يتحدث المؤلف في مسائل دينية؛ ليظهر للقراء أنه درس الشريعة؛ حتى يطمئنوا لما يقوله عن الإِسلام في غير إخلاص. يقول المؤلف: القاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإِسلام أو السيف. يقف القارئ في هذه الفقرة وقفة متردد، ولا يدري هل هذا المؤلف يتكلم في الدين مجتهداً لنفسه، أو مقلداً لذوي الاجتهاد، أو كاجنبي يحكي قاعدة في الإِسلام، وليس له به صلة اجتهاد أو تقليد؟.
نحن نعلم أن ليس للمؤلف من صلة اجتهاد أو تقليد بالإِسلام؛ لأن كلاً من الاجتهاد والتقليد لا يقوم إلا على الإيمان بالقرآن، وشرط هذا الإِيمان أن يدخل من ناحية العقل، لا أن يذهب من اليد أو الأذن إلى القلب رأساً، وقد رأيتم المؤلف كيف يعبث حول القرآن، والقرآن قول فصل وما هو بالهزل، إذاً ليس هو بذي اجتهاد، ولا ذي تقليد.
وإذا كان يتكلم في الدين بلسان أجنبي عن الدين، فالأجنبي لا يقرر قاعدة يعزوها إلى الإِسلام إلا أن يكون مجمَعاً عليها، أو تكون من المواضيع التي تواردت عليها كلمة الجمهور. وأنت إذا نظرت إلى قاعدة المؤلف، وهو أن العربي لا يقبل منه إلا الإِسلام أو السيف، لم تجدها فيما أجمعوا عليه، ولا فيما تواردت عليه كلمة الجمهور. فالشافعية يقولون: تقبل من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجمًا (1)، والحنفية يقولون: لا يقبل من مشركي العرب إلا الإِسلام أو السيف، وتقبل من أهل الكتاب من العرب ومن سائر كفار
__________
(1) "فتح الباري" للحافظ ابن حجر.
(8/272)

العرب الجزية (1)، والحنابلة يقولون: تقبل من أهل الكتاب والمجوس، عرباً كانوا أم عجماً (2). والمروي عن مالك: أن الجزية تقبل من جميع المخالفين إلا من مشركي العرب، وقال ابن القاسم: إذا رضيت الأمم كلهم بالجزية، قبلت منهم (3). وكذلك يقول الأوزاعي، وفقهاء الشام (4). فهؤلاء معظم الأئمة يذهبون إلى أن العرب من أهل الكتاب تقبل منهم الجزية، والقول بأن العربي لا تقبل منه الجزية ولو كان كتابيأ إنما هو رأي أحد الفقهاء، ويعزى إلى أبي يوسف (5)، فلا يصح لأجنبي يتحدث عن الإِسلام أن يعبر عنه بالقاعدة.
ومتى كان بنو تغلب نصارى، فقبول الجزية منهم وارد على القاعدة، وهي قبولها من أهل الكتاب، عرباً كانوا أم عجماً.

* الإِسلام إصلاح لكل مزاج منحرف:
قال المؤلف في (ص 87): "تغلغلت النصرانية إذن كما تغلغلت اليهودية في بلاد العرب، وكبر الظن أن الإِسلام لو لم يظهر، لانتهى الأمر بالعرب إلى اعتناق إحدى هاتين الديانتين، ولكن الأمة العربية كان لها مزاجها الخاص الذي لم يستقم لهذين الدينين، والذي استتبع ديناً جديداً أقل ما يوسف به أنه ملائم ملاءمة تامة لطبيعة الأمة العربية".
__________
(1) "أحكام القرآن" للجصاص.
(2) "المغني" لابن قدامة.
(3) "العارضة" لأبي بكر بن العربي.
(4) "نيل الأوطار" (ج 7 ص 267).
(5) "روح المعاني" (ج 3 ص 394) ط الأميرية.
(8/273)

سبر المؤلف مزاج الأمة العربية، فوجده لا يستقيم ليهودية ولا لنصرانية، وظنّ ظناً أكبر أن هذه الأمة ذات المزاج الخاص، لولا الإِسلام، لانتهى بها الأمر إلى إحدى هاتين الديانتين، فمزاج الأمة العربية لم يستقم لليهودية ولا للنصرانية، ولو لم يظهر الإِسلام، لصار مزاجها مستقيماً لإحداهما!.
لا يكتفي المؤلف بأن يضع فلسفته في الواقعات، ويذهب في تأويلها إلى غير ممكن، فجعل يفرض انتفاء الواقع، ويخبرك ماذا يكون عند انتفائه! لندعه يتخيل أن الإِسلام لم يظهر، ويتلهى بالحديث عن مستقبل الأمة العربية، ثم يهبها إلى أي دين شاء، فالإِسلام ظهر، والأمة العربية اعتنقته، وسواء عليها أيرضى المؤلف عنها، أم لا يرضى.
يزعم المؤلف أن الدين الجديد "يعني: الإِسلام" استتبعه مزاج الأمة العربية، وإنما الإِسلام إصلاح لكل مزاج منحرف، وحقائق يألفها كل ذي بصيرة، وقد اعتنقته أمم غير العرب، ولم يكن تقويمه لأمزجتها بأقل من تقويم مزل الأمة العربية، وما كانت ملاءمته لمداركها السامية بأضعف من ملاعصته لمدارك الأمة العربية، ولم يكن انتشاره بينها بأدنى سرعة من انتشاره بين الأمة العربية، ولم يكن هذا الانتشار معزوّاً إلى كلمة السيف؛ لأن سيف الإِسلام لا يكره الناس على الإِيمان، وإنما يُشهر لحماية الدعوة، وبسط العزّة، ولا عزة إلا بسلطان، أما الدين، فإنما كان يلج في القلوب من طريق القرآن، والدعوة بالحكمة، ومن سيرة الذين يمثلون هدايته تمثيلاً صحيحاً.

* تقسيم الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (88): "فالأمر كذلك في اليهود والنصارى، تعصبوا
(8/274)

لأسلافهم من الجاهليين، وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين، وأبوا إلا أن يكون لهم مسجد وسؤدد كما كان لغيرهم مسجد وسؤدد أيضاً، فانتحلوا كما انتحل غيرهم، ونظموا شعراً أضافوه إلى السموأل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد، ولغيرهم من شعراء اليهود والنصارى".
قسم المؤلف الشعر الجاهلي كما يشاء، فالشعر المعزوّ إلى الوثنيين انتحله المسلمون، والشعر المعزوّ إلى من كانوا على دين اليهودية انتحله اليهود، والشعر المعزوّ إلى من كانوا يتقلدون النصرانية انتحله النصارى! يقول هذا في هيئة من كان حاضراً مع اليهود، أو مع النصارى حين انتحلوا لشعرائهم، وجاءك توًا يحدثك بما صنعوا! ومن العجب: أن داعية مذهب الشك يتيقن حيث لا يجد الناس إلى اليقين منفذاً!.
هل ذكر المؤلف الطريقال في عرف به أن اليهود هم الذين وضعوا الشعر المعزوّ إلى السموأل وغيره من اليهود، وأن النصارى هم الذين وضعوا الشعر المعزوّ إلى عديّ بن زيد وغيره من النصارى؟ وهل لديه من دليل على ما يقول سوى أن أولئك وهؤلاء يشتركون في اليهودية أو النصرانية؟.
وإذا كان المسلمون نحلوا الشعر للوثنيين عصبية للقبيلة، فلماذا لم يكن الناحل لمن كان يهودياً أو نصرانياً أحد ذريته، أو أبناء قبيلته من المسلمين؟ ولعل المؤلف ألقى شعر السموأل على اليهود، وشعر عديّ على النصارى؛ مخافة أن يغضبوا إذا هو لم يضرب لهم في هذا الانتحال بسهم.

* شعر عديّ بن زيد:
قال المؤلف في (ص 88): "ورواه القدماء أنفسهم يحسون شيئاً من هذا، فهم يجدون فيما ينسب إلى عديّ بن زيد من الشعر سهولة وليناً لا يلائمان
(8/275)

العصر الجاهلي، فيحاولون تعليل ذلك بالإقليم، والاتصال بالفرس، واصطناع الحياة الحضرية التي كان يصطنعها أهل الحيرة".
نظر القدماء في شعر عديّ بن زيد، ووجدوا فيه سهولة، وعللوا هذه السهولة بوجه معقول، ونقدوه من حيث نسبته إلى عديّ، فعرفوا أن فيه مصنوعاً كثيراً، ونبهوا في كتبهم على هذا كله، قال ابن سلام في "طبقات الشعراء": "وعديّ بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه، فحمل عليه بشيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر، وله أربع قصائد روائع، وله بعدهن شعر حسن". وذكروا في مميزات شعره أن فيه ألفاظاً ليست بنجدية، قال المرزباني في "كتاب الموشح": "إن الذي قعد بعديّ بن زيد عن شأو الشعراء ألفاظه الحيرية، وأنها ليست بنجدية. وعن المفضل؛ قال: كانت الوفود تفد على الملوك بالحيرة فكان عدفي بن زيد يسمع لغاتهم، فيدخلها في شعره". وروى صاحب "الموشح" عن الأصمعي: أنه قال: "عديّ بن زيد، وأبو دؤاد الإيادي لا تروي العرب أشعارهما؛ لأن ألفاظهما ليست بنجدية". وقال صاحب "الأغاني": لا تروي الرواة شعرهما؛ لمخالفتهما مذاهب الشعراء.
فالقدماء نقدوا شعر عديّ بن زيد من هذه الوجوه التي رأيتم، وإنما انفرد عنهم المؤلف بشيء لم يصلوا إليه، على الرغم من كونهم أقرب إلى عهد الانتحال منه، وهو أنه نسب ما حمل على عديّ من الشعر إلى النصارى، وليس له من شاهد سوى الرغبة في أن يضرب للشعر المنحول تحت تأثير عاطفة الدين مثلاً.
(8/276)

* انتحال ولد السموأل للشعر:
قال المؤلف في (ص 89): "ويحدثنا صاحب "الأغاني" بأن ولد السموأل انتحلوا قصيدة قافية أضافوها إلى امرئ القيس، وزعموا أنه مدح بها السموأل حين أودعه سلاحه في طريقه إلى قسطنطينية. ونرجح نحن أن ولد السموأل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة التي تضاف للأعشى، والتي يقال: إنه مدح بها شرحبيل بن السموأل في قصته المشهورة مع الكلبي".
هذا أبو الفرج الأصبهاني ينقد القصيدة القافية المضافة إلى امرئ القيس، وهذا المؤلف ينقد القصيدة الرائية المضافة إلى الأعشى، وقد أمكنتك الفرصة من أن توازن بين نقد القدماء، ونقد عباد منهج (ديكارت). يقول أبو الفرج في كتاب "الأغاني": "فقال امرؤ القيس:
طرقتك هندٌ بعد طول تجنّب ... وهناً ولم تك قبل ذلك تطرقُ
وهي قصيدة طويلة، وأظنها منحولة؛ لأنها لا تشاكل كلام امرى القيس، والتوليد فيها بيّن، وما دوّنها في ديوانه أحد من الثقات، وأحسبها مما صنعه دارم لأنه من ولد السموأل، ومما صنعه من روي عنه من ذلك، فلم تكتب هنا".
فأبو الفرج يقول: "أظن"، و"أحسب"، ثم يذكر لك مستندات ظنه أن القصيدة منتحلة، وهي عدم مشاكلتها لكلام امرئ القيس، وظهور التوليد فيها، وأنه لم يدونها أحد من الثقات في ديوانه.
والمؤلف يقول لك: ونرجح نحن أن ولد السموأل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة الرائية التي تضاف للأعشى. يخبرك بما ترجح عنده من انتحال
(8/277)

دون أن يكلف نفسه ذكر الوجه الذي يستند له في هذا الترجيح؛ كأن قلوب القراء طوع بنانه، يرجح الشيء، فتعتقده راجحاً، وينكره، فتعده منكراً.
ولعلك تزداد خبرة بقيمة حديثه عن القدماء، وقوله: "ولكن مناهجهم في البحث أضعف من مناهجنا".
(8/278)

القصص وانتحال الشعر
شغل المؤلف هذا الفصل بالحديث عن القصص، فذكر أنه وجدت طائفة تقوم بالقصص، وتعرّض للفرق بين القصص الإِسلامي والقصص اليوناني، وتكلم عن مصادر القصص، ثم انتقل إلى أن القصص لا يزدان إلا بالشعر، وأن القصّاص وضعوا شعراً كثيراً، وأنهم كانوا يستعينون بأفراد ينظمون لهم القصائد، وينسقونها، ثم خرج إلى زعم: أن الناس يعتقدون أن كل عربي شاعر بفطرته، ورجع يعيد حديث ابن إسحاق، وعاد وثمود وحمير وتبع. وذكر أن العلماء الذين فطنوا لأثر القصص في انتحال الشعر قد خدعوا أيضاً، وأورد أبياتاً وأمثالاً وأخباراً على أنها مصنوعة، وختم الفصل بكليات تكاد تأتي على كل ما روي عن العرب قبل الإِسلام. عقد الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتاب "تاريخ آداب العرب" فصلاً بحث فيه عن القصص وأطواره بحثاً شيقاً، ولأمر ما عرّج المؤلف في أوائل هذا الفصل على ما كتب الأستاذ الرافعي، فذكر في (ص 90): أن الذين درسوا تاريخ الأدب لم يقدروا القصص قدره، وقال: "لا أكاد أستثني منهم إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر، داضافته إلى القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيمة، وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه "تاريخ آداب
(8/279)

العرب". ولكن الأستاذ الرافعي أبى إلا أن ينقد كتاب "في الشعر الجاهلي"، ويكف بأسه، ومن لا يدري ما الإيمان ولا الإخلاص، قد يجيء على باله أن يشتري سكوت المؤمنين المخلصين بكلمة مديح وإطراء.
والمؤلف كان ينظر في فصله هذا إلى فصل الأستاذ الرافعي، وإلى ما كتبه جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية"، وفي كتاب "العرب قبل الإِسلام"، وسنريكم بعض ما مد إليه عينه؛ كما أريناكم مواقع نظره من كتب أخرى.

* العناية بدرس فن القصص:
قال المؤلف في (ص 91): "نقول: إن هذا الفن قد تناول الحياة العربية الإِسلامية من ناحية خيالية خالصة. ونعتقد أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لو أنهم عنوا بدرس هذا الفن عناية علمية صحيحة، لوصلوا إلى نتائج قيمة، ولغيروا رأيهم في تاريخ الأدب".
ما يدخل في دائرة الأدب من منثور أو منظوم، قد يورده منشئه أو راويه على أنه قصص خيالي؛ كالمقامات، والحكايات المصنوعة على لسان حيوان أو جماد، وقد يورده على أنه أمر واقع، وهذا ما كان علماء الأدب يبحثونه؛ ليميزوا صحيحه من مصنوعه، ولهم بعد البحث ثلاثة أحوال: فإما أن يطمئنوا إلى صحته، ويضعوه بمكان العلم، وإما أن يصلوا إلى أنه مصنوع، ويطرحوه إلى جانب الخيال، وقد يتوعر أمامهم الطريق لمعرفة أن هذا المنثور أو المنظوم حقيقة أو مصطنع، وإذا لم يتضح لهم وجه الحكم عليه بالانتحال، يروونه نظراً إلى ما يحتويه من عبرة أو أدب، وإن لم يكونوا على ثقة من صحته. وهذا النوع هو الذي يمكن تغيره من احتمال الصحة إلى اعتقاد أنه
(8/280)

منتحل، وبالنظر إلى هذا النوع يمكن تغيير الرأي في تاريخ الأدب.
من الجائز أن تكون العناية بدرس فن القصص تساعد على العلم باصطناع الأخبار التي كانت محتملة للصحة في نظر القدماء، ولكن المؤلف ممن يتظاهر بمعرفة فن القصص، ونراه حين يحكم بانتحال شعر شاعر أو عصر، أو بأخبار شخص أو جيل، لا يزيد على الإنكار المجرد، وإذا تجاوزه، فإلى شُبه قد تخطر على بال من لم يعن بدرس فن القصص عناية علمية صحيحة. فسلوك المؤلف في نقد الأشعار والقصص هذه الطريقة الساذجة، يجعلنا في ريبة من أن العناية بدرس فن القصص تغير الرأي في تاريخ الأدب إلى أصوب مما كان عليه.

* القرآن يهدي للتي هي أقوم:
جعل المؤلف يفرق بين القصص الإِسلامي، والقصص اليوناني. حتى قال في (ص 91): "وإن الأول لم يجد من عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان، فبينما كان اليونان يقدسون "الإلياذة"، و"الأوديسا"، ويعنون بجمعهما وترتيبهما، وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا".
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، يهدي إلى الحرية الصادقة، إلى العدالة الناصعة، إلى المساواة الخالصة، فيه آداب نفسية، وسنن اجتماعية، وقوانين قضائية، ونظم سياسية، وقد نهض بالمسلمين يوم كانوا يقرؤونه بتدبر، حتى بلغ بهم من العزّة ما رفعهم فوق من يقدّسون "الإلياذة"، و"الأوديسا"، وغيرهم من الأمم درجات.
إن القرآن لا يمنع أحداً من أن يتمتع في هذه الحياة بلذائذ لا تأخذ
(8/281)

من شهامته، ولا يعتدي بها على حق، ولا يحجر على أحد أن يرسل نفسه في أنس طاهر، أو يلهو في غير باطل، وإنما يريد الصعود بهذه الأمم إلى أجلى مظاهر السعادة، وأرقى طور في هذه الحياة.
جاء القرآن في هذه الحكمة، وفي هذه الهداية، وقام المؤلف يعمل على شاكلة رجل تستوي في نظره فحمة الليل وغزة الصباح، فلا يكاد يأخذ في حديث، إلا خرج منه إلى العبث حول القرآن.

* نظرة علماء العربية إلى الأدب:
قال المؤلف في (ص 92): "وفي الحق أن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإِسلامية الأولى لنفسه، وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله، واستنباط الأحكام منه".
قال المؤلف هذا، وعينه تنظر إلى قول الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (1): "وكانوا جميعاً إنما يطلبون رواية الأدب للقيام به على تصير ما يشتبه من غريب القرآن والحديث". ولكن المؤلف يجعل درسهم للأدب من حيث إنه وسيلة لفهم القرآن هو الذي صرف أصحاب الجد من المسلمين عن القصص الذي "يتقرب من نفس الشعب، ويمثل له أهواعه وشهواته ومثله العليا".
والحق أن علماء العربية -وإن نظروا إلى الأدب كوسيلة من وسائل فهم القرآن والحديث- كانوا يبحثون فيه على طريقة أوسع مما يستدعيه غرض التوسل به إلى فهم الكتاب والسنّة، ويكاد الناظر في العلوم الأدبية
__________
(1) (ج 1 ص 292).
(8/282)

يحسب أن القائمين عليها إنما يرمون إلى غاية أوسع، وهي الاحتفاظ بأصول هذه اللغة الراقية وآدابها.
فعلماء العربية كانوا يرون أن الاحتفاظ بمعاني التنزيل ومقاصد الشريعة في الاحتفاظ بعلوم اللغة وآدابها، وكانوا -مع هذا- يطلقون أعنتهم في البحث إلى ما يسعه الإمكان، وكان درسهم لآداب اللغة ناظرين إلى أنها وسيلة من وسائل فهم الكتاب الحكيم، لا يقل فائدة عن درسهم لها من حيث إنها آداب لغة راقية.
أما عدم احتفال أصحاب الجد من المسلمين بالقصص، فلعلهم كانوا يرون أن في القرآن والحديث، وآثارِ الذين أتوا الحكمة الصادقة ما لو تناوله خطيب، أو محاضر يعرف مزل من يخاطب، ويدري أين يضع بيانه، لرأى الناس أمة يمكنها أن تزن بالواحد منها مدّة من هؤلاء الذين يقرؤون القصص صباحاً، ويشهدون مجامعها عشياً.

* وضع الأحاديث:
ذكر المؤلف أن للقصص أربعة مصادر:
أولها: القرآن، وما يتصل به من الأحاديث والروايات. ثانيها: ما كان يأخذه القصاص عن أهل الكتاب. ثالثها: ما كانوا يستقونه من الفرس. رابعها: ما يمثل نفسية الأنباط والسريان ومن إليهم من الأخلاط. ولا يستطيع المؤلف أن ينسج على منوال الباحث الذي يسوق حديثه إلى غاية واحدة، فانصرف من ذكر المصدر الثاني.
إلى أن قال في (ص 94): "وليس ينبغي أن ننسى هنا تأثير أولئك اليهود والنصارى الذين أسلموا، وأخذوا يضعون الأحاديث، ويدسونها مخلصين
(8/283)

أو غير مخلصين".
مزية علماء الإِسلام في نقد رواة الحديث أوضح من نار على يفاع، ولم يكتفوا في قبول الحديث بتحقق عدالة الراوي، وذهب بهم الاحتياط إلى قواعد أحكموها؛ ليزنوا بها الحديث نفسه، ويستضيئوا بها في تمييز الصحيح من المصنوع.
وضع بعض الزنادقة أحاديث ليذهبوا ببهاء حكمة الإِسلام، ووضع بعض الأغبياء أحاديث ليزيدوه خيراً وشاهدَ كمالٍ فيما يزعمون، وبفضل ما عني به العلماء من نقد الرواة، والاحتياط لقبول الأحاديث، بقيت الشريعة محفوظة مما يصنع الماكرون، ومفصولة مما يضيفه إليها أصدقاؤها الجاهلون.
وإذا بقي من تلك الأحاديث ما يخطر على ألسنة العامة، وأشباه العامة من الخطباء، فذلك خلل التعليم، وعيب السكوت في موضع النهي عن المنكر، وما إصلاح ذلك الخلل، وعلاج هذا العيب من حماة العلم وأنصار الحق ببعيد.

* الشركة القصصية:
أعاد المؤلف ما تحدث به ابن سلام عن ابن إسحاق:
ثم قال في (ص 95): "أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين، ومن النظام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك، وتنسيق هؤلاء، طبعوه بطابعهم، ونفخوا فيه من روحهم، وأذاعوه بين الناس".
انساب المؤلف يتحدث عن القصص، حتى سرت إليه العدوى من
(8/284)

القصّاص، ومسه طائف من الخيال، فجعل يفرض أن هناك شركة مؤلفة باسم القصّاص، ولهذه الشركة مصانع لعمل الأخبار والأشعار، وكل واحد من أعضائها يقوم على مصنع من هذه المصانع، حتى إذا تهيأ مقدار في مصنع التلفيق، بعث به إلى مصنع التنسيق، وبعد أن ينسق في هيئة قصة أو شعر، يأتي أعضاء الشركة القصصية، ويطبعونه بطابعهم، وينفخون فيه من روحهم، ثم يأذنون بإصداره، فيحمل كل عضو ما استطاع، أو ما طاب له، ويذيعه بين الناس.
يسمّي المؤلف هذا الحديث الملفق المنسق فرضا، ويزعم أن لديه نصا يجيز له هذا الافتراض، وهو قول ابن إسحاق: "لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به، فأحمله".
توجد هذه الشركة، ويبقى أمرها سراً مكتوماً إلى أن يجيء المؤلف بعد ألف سنة، فيجد رمزها في قول ابن إسحاق: "وإنما أوتى به، فأحمله".
عبارة ابن إسحاق خاصة بالشعر، وقد جاءت الرواية بأنه هو الذي كان يقترح على بعض الشعراء أن يضعوا له أشعاراً تناسب بعض أخبار السيرة.
روى الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": أن أبا عمرو الشيباني يقول: رأيت أبا إسحاق يعطي الشعراء الأحاديث يقولون عليها الشعر، ونقل عن أبي بكر الخطيب: أن أبا إسحاق كان يرفع إلى شعراء وقته أخبار المغازي، ويسألهم أن يقولوا فيها الأشعار؛ ليلحقها بها.
ذلك شأن ابن إسحاق، وقد عرف به بين علماء عصره، ودعوى أن هناك شركة ذات أعضاء وطابع، ولها مصانع للتلفيق، وأخرى للتنسيق،
(8/285)

تحتاج إلى أمارة أوضح دلالة من كلمة قالها ابن إسحاق؛ ليبعد عن نفسه تبعة اصطناع الشعر.
فالمؤلف يتخيل أشياء، ويطمئن لها، ويشغلك بالحديث عنها, ولا عجيب أن يطمئن لما يتخيل، فقد حكى أبو عثمان الجاحظ: أنه رأى حجّاماً بالكوفة يحجم بنسيئة إلى الرجعة؛ لشدة إيمانه بها.
وإذا كان المؤلف يستخرج من كلمة ابن إسحاق أن هناك شركة قصصية، ويتحدث عنها بما سمعتم، فماذا يكون حالنا حين نرى هذه الكتب التي تؤلف، والمقالات التي تنشر، والمحاضرات التي تلقى، والمجالس التي تعقد، وكلها تنطق بلسان المتهالك في الحقد على الإِسلام؟! "أفليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء" الملحدين المائقين "لم يكونوا يتحدثون إلى الناس فحسب، وإنما كان كل واحد منهم يشرف على طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين، والنظام والمنسقين، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق أولئك، وتنسيق هؤلاء، طبعوه بطابعهم، ونفخوا فيه من روحهم، وأذاعوه بين الناس"؟!.

* الشعر في "سيرة ابن هشام":
قال المؤلف في (ص 96): "وأنت تدهش إذا رأيت هذه الكثرة الشعرية التي تنبثّ فيما بقي لنا من آثار القصّاص. فلديك في "سيرة ابن هشام" وحدها دواوين من الشعر".
للمؤلف أن يسمّي ما احتوته سيرة ابن هشام من الشعر: دواوين، ولنا أن نسميها: نصف ديوان؛ فإن كل ما في السيرة من شعر لا يتجاوز نصف ديوان ابن الرومي، أو نصف ديوان مهيار.
(8/286)

* الأمة العربية ليست كلها شاعرة:
قال المؤلف في (ص 96): "وكثرة هذا الشعر الذي صدر عن المصانع الشعرية في الأمصار المختلفة أيام بني أمية وبني العباس كانت سبباً في نشأة رأي يظهر أن القدماء كانوا مقتنعين به، وأن الكثرة المطلقة من المحدثين ليست أقل به اقتناعاً، وهو أن الأمة العربية كلها شاعرة، وأن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته، يكفي أن يصرف همه إلى القول، فإذا هو ينساق إليه انسياقاً".
لا أرى أحداً يعتقد أن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته، وإنما هي أسباب نظم الشعر تهيأت لهم، وسيّرته بألسنتهم، حتى صاغوه في كثير من المعاني المبذولة، والمخاطبات المعتادة.
ومن هذه الأسباب ما يرجع إلى سعة اللغة؛ من كثرة المترادفات، وأضراب المجاز والكنايات، ومنها ما يرجع إلى سعة الخيال، وحرية الفكر المكتسبتين من حياتهم في أوطان لا تعلوها سلطة قاهرة، أو قوانين مرهقة.
ويضاف إلى هذا: ما ثبت بطرق لا تحوم عليها ريبة، من أن العرب يكبرون الشعر، ويرفعون الشاعر إلى أسمى منزلة، وإحراز الشعر لهذه الحظوة مما يدفع الأذكياء منهم إلى التنافس في إجادة صنعه، ويدعو العامة إلى الاقتداء بهؤلاء، ولو على وجه التشبه بهم في إلقاء الكلام مقيداً بالوزن والقافية.
فليس كل العرب، ولا أكثرهم يقول الشعر الذي يغوص على حكمة، أو يأخذ في الخيال مذهباً، وليس ببعيد أن يكون كثرهم على استعداد لإيراد الكلام في صور النظم المنتهي بقافية، ولا سيما حيث تكون معرفة الطبقات بمفردات اللغة وأصول تأليفها متقاربة.
(8/287)

وكيف يقتنع القدماء وأكثر المحدثين بن الأمة العربية كلها شاعرة، وهذا ابن سلام يقول عن إسحاق: "فكتب في السير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط"؟.
وما كانوا يرون أن كل عربي يصرف همه إلى القول، فإذا هو ينساق إليه انسياقاً، فهذا ابن جني يقول في كتاب "الخصائص": (1) "وليس جميع الشعر في القديم مرتجلاً، بل قد يعرض لهم فيه الصبر عليه، والملاطفة له، والتلوم على رياضته وإحكام صنعته نحو ما يعرض لكثير من المولدين".
وروى الأصمعي في شرح ديوانه: أن ذا الرمة يقول: "من شعري ما ساعدني فيه القول، ومنه ما أجهدت فيه نفسي (2) ". وروى أن زهيرًا كان ينظم القصيدة في شهر، وينقحها في سنة، وكانت تسمى قصائده: حوليات زهير (3). ويروون عن العجاج أنه قال: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
"بكيت والمحتزن البكي"
وأنا بالرمل، فانثالت عليَّ قوافيها انثيالاً، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة، فما أقدر عليه. وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس، وربما مرت علي ساعة ونزعُ ضرسي أهون علي من أن أقول شعراً.
إذا كان القدماء هم الذين رووا لنا هذه الآثار الدالة على أن من العرب من لم يقل الشعر قط، وأن منهم من ينظم القصيدة في شهر، أفيسوغ اتهامهم
__________
(1) (ج 1 ص 330).
(2) "خزانة الأدب" (ج 1 ص 379).
(3) "خزانة الأدب" (ج 1 ص 376).
(8/288)

بأنهم يعتقدون أن الأمة العربية كلها شاعرة؟!.
ولعل المؤلف استند فيما اتهم به القدماء إلى مقال أنشاه الجاحظ في بيان مزايا العرب، داليك بعض هذا المقال (1): "وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكرة، ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو لبعير، أو عند المقارعة والمناقلة، أو عند صراع، أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتاتيه المعاني إرسالاً، وتنثال عليه الألفاظ انثيالاً".
ونحن ندفع هذا بأنه كلام الجاحظ، وليس الجاحظ إلا واحداً من القدماء، وإن سلمنا أن الجاحظ هو كل القدماء، فهو إنما يرد على الشعوبية، فكان مقاله بمنزلة خطبة، أو قصيدة أنشئت للمديح والفخر، وهم يجيزون في فن المديح من المبالغة ما لا يجيزون مثله للكاتب الذي يبحث في التاريخ.
ثم إن الجاحظ لم يقل: كل عربي شاعر، وإنما قال: كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، ويكفي لصدق هذا أن يكون شاعرهم ينظم ارتجالاً، ومن يخطب ولا يشعر يلقي الخطبة ارتجالاً، ويشهد بما نصف قوله في كتاب "البيان والتبيين" (2): "وفي الشعراء من يخطب، وفيهم من لا يستطيع
__________
(1) البيان والتبيين.
(2) (ج ص 117).
(8/289)

الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قرض الشعر". وقال: يندر في العرب من لا يستطيع الشعر (1). ولا يبقى في كلام الجاحظ بعد هذا إلا المبالغة في قوله: كل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال. حيث أضاف الحالة الغالبة على العرب، وهي البديهة والارتجال إلى كل ما لهم من قول منظوم أو منثور.

* شعر الإمام علي:
قال المؤلف في (ص 97): "ولدينا نصوص قديمة تدلنا على أن العرب لم يكونوا جميعاً شعراء، فكثيراً ما حاول العربي قول الشعر فلم يوفق إلى شيء. وقد طُلب إلى النبي في بعض المواقف التي احتاج المسلمون فيها إلى الشعر أن يأذن لعليّ في أن يقول شعراً يرد به على شعراء قريش، فأبى النبي أن يأذن له؛ لأنه لم يكن من ذلك في شيء، وأذن لحسّان".
يحكم المؤلف بخطأ القدماء -علمائهم وعامتهم- في رأي، ويستشهد على تخطئتهم بنصوص قديمة لا يمكن تناولها إلا من أيديهم!.
وما استشهد به من قصة علي - رضي الله عنه - لا يجديه في الموضوع نقيراً؛ إذ متى وجد الاعتقاد بأن كل عربي شاعر، فمعناه أن كل عربي يستطيع الإتيان بالكلام منظوماً، وهذا لا يستلزم القدرة على التصرف في المعاني، وقوة الخيال في مناظرة الشعراء البارعين ومفاخرتهم، ثم إن الشعراء الممتازين يتفاوتون في قوة العارضة، وحكمة الأسلوب، والتلاعب بالمعاني. فمن
الجائز أن يكون عدول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن علي بن أبي طالب إلى حسّان بن ثابت؛
__________
(1) "البيان والتبيين" (ج 2 ص 164).
(8/290)

لأن علياً لم تكن منزلته في الشعر بالتي تؤهله لأن يقف أمام الشعراء الذين هاموا في كل واد، وذهبوا في صناعة الشعر كل مذهب. وهذا ما نفهمه من مساق القصة نفسها، فإن طلب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لعلي في أن يقول شعراً، يومئ بطرف غير خفي إلى أن له في نظم الشعر سابقة.
واتفق الرواة على أن للإمام علي شعراً، وإنما يختلفون في مقدار ما ينسب له، فمنهم من يبلغ به إلى ديوإن (1)، ومنهم من يرجع به إلى بيتين، قال المازني: لم يصح أنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين وهما:
تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربّك ما بروا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وقال المبرد في "الكامل": ومن شعر علي الذي لا اختلاف فيه:
يا شاهد الله عليَّ فاشهد ... إني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتد
وهذا النظم وإن كان من الرجز قريب المأخذ، يدل على أن صوغه الكلام في غير الرجز من الأوزان ليس ببعيد.

* الشعر المنسوب إلى قائل غير معروف:
قال المصنف في (ص 97): "فهذا أضفت إلى ما قدمنا: أنك تجد كثيراً من الشعر يضاف إلى قائل غير معروف، بل غير مسمّى، فتراهم يقولون مرة: قال الشاعر، وأخرى: قال الأول، وثالثة: قال الآخر، ورابعة: قال رجل
__________
(1) يقال: إن هذا الديوان للشريف المرتضى صاحب الدرر والغرر "حسن الصحابة" (ص 102).
(8/291)

من بني فلان، وخامسة: قال أعرابي، وهلم جرّا- نقول: إذا لاحظت هذا كله، عذرت القدماء والمحدثين إذا اعتقدوا أن العرب كلهم شعراء". ثم قال: "وإن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل، أو إلى قائل مجهول، إنما هو شعر مصنوع موضوع انتحل انتحالاً لسبب من هذه الأسباب التي نحن بإزائها، ومنها القصص".
قد يضاف الشعر المصنوع إلى قائل غير معروف، أو غير مسمّى، وقد يظن الذي يقرأ شيئاً من كتب الأدب ترويحاً للخاطر، وتسلية للنفس: أن هذا الشعر غير مصنوع. أما أهل العلم، فإنهم لا يثقون بما يمر على أسماعهم من شعر ينسب إلى قائل غير معروف، أو غير مسمّى، وإنك لتجدهم يأخذون في شرط الاحتجاج بالشعر أن يكون قائله معروفاً بأنه عربي فصيح، فهذا ابن الأنباري يقول في كتاب "الإنصاف": "لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله؛ مخافة أن يكون ذلك الكلام مصنوعاً، أو لمولَّد، أو لمن لا يوثق بكلامه". وأورد ابن النحاس في "التعليقة" بيتاً استشهد به الكوفيون على جواز إظهار "أن" بعد "كي"، وقال في ردّه: إن هذا البيت لا يعرف قائله. وأورد شطر بيت استشهد به الكوفيون أيضاً على جواز دخول اللام في خبر "لكن"، وقال في ردّه عن هذا البيت: لا يعرف قائله، ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم ينشده أحد ممن وثّق في اللغة، ولا عُزي إلى مشهور بالضبط والإتقان. وأورد الفراء شاهداً على خفض ياء المتكلم في نحو كاتبيَّ، فردّه الزجّاج، وقال: ليس يعرف قائل هذا الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله تعالى. وكثيراً ما يهمل المؤلفون اسم قائل البيت المستشهد به، إما لشهرته، أو لأنه مروي لشاعرين، أو لنسيانه وقت التأليف، مع الوثوق بأنه مسموع من العرب، وكتاب سيبويه مملوء
(8/292)

بالشواهد التي لم تضف إلى قائل باسمه، وكان أكثرها معروفاً لعلماء العربية في عصره.
قال الجرمي: "نظرت كتاب سيبويه، فهذا فيه ألف وخمسون بيتاً، فأما الألف، فقد عرفت أسماء قائليها، فأثبتها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها".
والتحقيق: أن الشعر الذي يعرف قائله يحتجون به في اللغة، ويعتدّون به في التاريخ، وما لا يعرف قائله، ويسمع من عربي مطبوع يحتجون به في اللغة، ولا شأن له في التاريخ إلا حيث ينظر فيه من وجهة أدبية عامة، وما لا يعرف قائله، ويرويه غير الفصيح بفطرته يطرحونه جانباً، ولا يعولون عليه في لغة ولا تاريخ، إلا أن ينشد في سمر، أو مجلس أنس؛ لأنه أدب، وكذلك كانوا يفعلون.
فقول المؤلف: إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى غير قائل، أو إلى قائل مجهول، مصنوع موضوع انتحل انتحالاً، إن أراد الشعر المسوق في الكتب على أنه من أدب اللسان، فما يدعيه محتمل، والناس يقرؤون هذا النوع من الشعر، ولا يأخذون أنفسهم بشرط الثقة من صحته. وإن أراد ما تحتويه كتب اللغة أو النحو من الشواهد، فهذا كثره معزوّ في الواقع إلى قائله، وبعض ما لم يسمّ قائله قد سمعه الثقات من العرب الذين يحتج بمنطوقهم، فلا يضره ألّا يعرف قائله، بل لا يقدح في الاستشهاد به أن لو كان هذا العربي الناطق به انتحله انتحالاً.

* الشعر الصادر عن العرب:
قال المؤلف في (ص 98): "كرة هذا الشعر الذي احتاج إليه القصّاص
(8/293)

لتزدان به قصصهم من ناحية، وليسيغها القراء والسامعون من ناحية أخرى، خدعت فريقاً من العلماء، فقبلوها على أنها صدرت عن العرب حقاً".
هذا ينظر إلى قول الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (1): "فلما كثر القصّاصون وأهل الأخبار، اضطروا من أجل ذلك أن يضعوا الشعر لما يلفقونه من الأساطير، حتى يلائموا بين رقعتي الكلام، وليحدروا تلك الأساطير من أقرب الطرق إلى أفئدة العوام"، ولكن الأستاذ الرافعي لم يقل: خدعت فريقاً من العلماء، أو قبلوها على أنها عربية حقاً؛ فإن شأن أهل العلم ألا يقبلوها شعراً على أنه صادر عن العرب حقاً، إلا أن يأمنوا لروايته، ويملؤوا أيديهم من الوثوق بصحته، ولكنهم قد يقبلون شعراً، ويتناقلونه على أنه أضيف إلى العرب حقاً، لا على أنه صادر عنهم حقاً، وقد كان المؤلف يستشهد بقصص وشعر لم يرهما إلا في كتاب "الأغاني"، فهل قبل تلك القصص على أنها وقعت حقاً، وأن تلك الأشعار صدرت عن أربابها حقاً؟ لئن كان ذلك شأنه، فأقلّ ما يصفه به القراء: أنه من هذا الفريقال في ينخدع، ويقبل الشعر على أنه صادر من العرب حقاً.

* إنكار رواية ابن إسحاق للشعر:
ذكر المؤلف أن بعض العلماء فطنوا لما في هذا الشعر من تكلف، أو سخف وإسفاف، وفطنوا إلى أن بعضه يستحيل أن يكون قد صدر عمن ينسب إليهم، وعدّ في سلك هؤلاء العلماء: محمد بن سلام.
وقال في (ص 98): "وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق
__________
(1) (ج 1 ص 375).
(8/294)

وأصحابه القصّاصون، نذكر منهم: ابن هشام الذي يروي لنا في "السيرة" ما كان يرويه ابن إسحاق، حتى إذا فرغ من رواية القصيدة، قال: وأكثر أهل العلم بالشعراء، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة، أو ينكرها لمن تضاف إليه".
هذا الشعر الذي رواه ابن إسحاق قد أفرغ العلماء فيه أنظارهم، فنقدوا ابن إسحاق نفسه، وقد سقنا إليكم آنفاً شيئاً من أقوال علماء الأدب في شأنه، وتناوله النقاد من علماء الحديث، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من طعن في صدقه وأمانته، وكادوا يتفقدن على عدم الثقة بما يرويه من الشعر. قال ابن معين: "ما له عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة، والأشعار المكذوبة" (1).
إذاً، ما يرويه ابن إسحاق من الشعر مرتاب في صحته، وقد نفى ابن هشام وغيره قسماً عظيماً منه، ودخل في حساب المنتحل المصنوع، والباقي لا يبرح مكان الريبة إلى أن ينقده المؤلف أو غيره بنظر هادئ، ويرينا كيف اهتدى إلى أنه مصنوع انتحل انتحالاً. ومن الشعر الذي رواه ابن إسحاق، ولم يتعرض لنقده ابن هشام قصيدة: "يا راكباً إن الأثيل مظنة" المنسوبة لقتيلة ابنة النضر، فقد قال الزبير بن بكّار في "النسب": "إن بعض أهل العلم ذكر أنها مصنوعة" (2).

* مقدرة القدماء على النقد:
قال المؤلف في (ص 99): "ولكن هؤلاء العلماء الذين فطنوا لأثر
__________
(1) "ميزان الاعتدال" للحافظ الذهبي.
(2) "الطبقات الكبرى" لابن السبكي (ج 1 ص 133).
(8/295)

القصص في انتحال الشعر خدعوا أيضاً؛ فلم يكن صناع الشعر جميعاً ضعافاً، ولا محمقين، بل كان منهم ذو البصيرة النافذة، والفؤاد الذكي، والطبع اللطيف، فكان يجيد الشعر، ويحسن انتحاله وتكلفه، وكان فطناً يجتهد في إخفاء صنعته، ويوفّق من ذلك إلى الشيء الكثير".
يعرف الناس أن في العلوم قطعيات، وفيها ظنيات تتفاوت. ومن الظن ما يقوى حتى يقرب من اليقين، ومنه ما يضعف، فيكاد يتصل بالشك. ويعلمون أن من أصول العلم ما لا يعتد به إلا إذا قام على يقين، ومنها ما يكفي فيه الظن القريب من العلم، ومنها ما يكفي فيه احتمال الثبوت، ولو لم يرجح على الشك إلا بمثقال ذرة، والعلوم الأدبية لا تأبى أن يكون في مسائلها شيء من هذا القبيل.
فإذا قبل بعض أهل العلم شعراً يضاف إلى العرب، فليس معنى هذا القبول أنهم تيقنوا أو ظنوا ظناً قريباً من العلم أن هذه الإضافة صحيحة، بل لأنهم نقدوه، فلم يتراء لهم دليل على وضعه، وأصبح احتمال الوضع إزاء احتمال الصحة أخف وزناً. وإذا خطر على بالهم أن يكون الراوي ماهراً في التظاهر بالاستقامة، وبارعاً في تقليد الشعر العربي إلى حيث يخفى على الناقد النحرير، أعرضوا عن هذا الخاطر؛ لأنه يفضي إلى رفض كل أثر أدبي لم يجيء من طرق متعددة.
يعلم كثير الملاحظة لما يؤثر عنهم في نقد الشعر: أنهم كانوا يرددون أنظارهم في الأشعار القديمة والحديثة، حتى يتربى لطائفة منهم أذواق تفرق بين شعر هذا العصر وذاك العصر، وتميز بين نسج النابغة -مثلاً-، ونسج حسّان بن ثابت، وتدرك أن هذا أرسلته القريحة بفطرتها، وهذا عمدت إلى
(8/296)

أن تحاكي به طريقة شاعر بعينه.
وهذا الطريق من النقد لا يسهل على كل من حفظ الأشعار، أو بحث في غريبها وإعرابها، وإنما يستطيعه في كل عصر طائفة درست منشآت البلغاء، وتقلبت في فنون البيان أطواراً، وألقت على منظوم كل شاعر نظرات خاصة، حتى تعرف نزعته، وتدري كيف يأخذ في تأليف الألفاظ، وفي أيّ صورة يركبها، فيستطيع المضي في هذا الطريق من النقد أمثال: الأصمعي، والجاحظ، وأبي الفرج الأصبهاني، وإذا قالوا في وصف أحد أهل العلم كما قالوا في أبي الخطاب الأخفش: "وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له" (1)، فإنما يقصدون -فيما أحسب- هذا الفن من النقد بوجه خاص.
وإذا كان القدماء في هذه المقدرة على صناعة النقد، وأضفنا إليها عنايتهم بالنظر في حال الراوي، ذهبنا في ظننا أن هذا الشعر الذي يعزوه الرواة الثقات إلى الجاهلية، ولم ينقدوه بنظر خاص أو بوجه عام، هو من الجاهلية في شيء، وأريد من الوجوه العامة للنقد أمثال طعنهم في أمانة بعض الرواة، وتنبيههم على عدم الثقة بنسبة شعر إلى من قدم عهده في الجاهلية، فكل ما ينسب لقديم العهد في الجاهلية يعد في نظرهم مرتاباً فيه، بل قد يسميه بعضهم: منحولاً، وشاهد هذا: أنهم قالوا: إن سيبويه قد يمتنع من تسمية الشاعر؛ لأن بعض الشعر يروى لشاعرين، وبعضه منحول لا يعرف قائله؛ لقدَم العهد به (2)، وقد عرفتم أن سيبويه وغيره يستشهدون بهذا النوع من
__________
(1) "الموشح" (للمرزباني).
(2) "الخزانة" (ج 1 ص 178).
(8/297)

الشعر حيث يسمع من العرب الخلّص، وما يسمع من العربي القحّ لا يتوقف الاستشهاد به على معرفة اسم قائله في الواقع.
* قصة الزبّاء:
قال المؤلف في (ص 101): "وقلْ مثل هذا في هذا الشعر الذي يضاف إلى جذيمة الأبرش، وفي كل ما يتصل بجذيمة وصاحبته الزبّاء، وابن أخته عمرو بن عديّ، ووزيره قصير. فليس لهذا كله إلا أصل واحد، وهو تفسير طائفة من الأمثال ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم".

قال المؤلف هذا، ثم ساق الأمثال الواردة في القصة، متجاهلاً أن الناس نقدوها من قبله، وقد طرحها بعضهم إلى القصص الملفقة أو المشوهة. اقرأ العدد العاشر من السنة الأولى لمجلة "المشرق"، تجد به رسالة في تاريخ سلطانة تدمر: زينوبيا، أو الزباء، لأحد اليسوعيين، وتجده يقول في الحديث عنها: "غير أن أخبارها المتداولة بين العامة ليست إلا أقاصيص من حديث خرافة، لا تكاد تطابق ما ينبئنا عنه التاريخ الصحيح، وقد اعتنى بجمع تلك الحكايات (كوسين دي برسفال) في كتاب "تاريخ عرب الجاهلية"، فذكر فيه كل ما أورده مؤرخو العرب في شأن ملكة تدمر، واختلقوه في سيرتها من ضروب الخرافات وأنواع الترهات". وتعرض في تعليق بأسفل الصحيفة إلى الأمثال التي استخرجها العرب من قصة الزباء. وقال جرجي زيدان في كتاب "العرب قبل الإِسلام" (1): وللباحثين مناقشات في الزبّاء هذه: هي زينوبيا ملكة تدمر، أم هي غيرها؟ وممن يرى أنها غيرها المستشرق
__________
(1) (ص 89).
(8/298)

الإنكليزي (ردهوس)، وله في ذلك رسالة ضافية.
فالقصة تناولها كتاب الغرب والشرق، والمؤلف يحدثك بها في هيئة نحو من البحث جديد.

* أخبار العرب وآدابهم:
قال المؤلف في (ص 103): "والرواة أشد انخداعاً حين يتصل الأمر بالبادية اتصالاً شديداً، وذلك في هذه الأخبار التي يسمونها: أيام العرب، أو أيام الناس، فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة، فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد من الأمر".
كذلك قال جرجي زيدان في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية": "إذا أمعنا النظر فيما خلفه العرب من أخبارهم وآدابهم، وجدناه لا يخلو من التمثيل بأعم معانيه .... وقد وصل إلينا في قالب القصص والحقائق التاريخية، لكن كثره في نظرنا موضوع، أو كان له أصل، فوسعوه وطولوه ونمقوه؛ ليكون عبرة أو قدوة في الموقف المطلوب".
لا أحسب أولئك الذين كانوا يتوهمون أن المؤلف باحث جديد إلا قوماً يستمعون إليه، وهم عن كتب الأدب القديم والحديث غافلون.

* حرب البسوس:
قال المؤلف في (ص 104): "فحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء، وحرب الفساد (1) وهذه "الأيام" الكثيرة التي وضعت فيها الكتب
__________
(1) كذا في كتاب الشعر الجاهلي، ولا نعرف في أيام العرب ما يسمى يوم الفساد، ولعلها محرفة عن يوم النسار، أو الفجار.
(8/299)

ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر -إن استقامت نظريتنا- إلا توسيعاً وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها بعد الإِسلام".
ذكر جرجي زيدان في كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية" مجموعة عمر ابن شبة التي سماها: الجمهرة، وقال: "هي تشتمل على حوادث عديدة، أكثرها وقع بين ربيعة وغيرهم، لكن المطالع يتبين من مواقف كثيرة: أن هذه الأخبار متوسطة بين التاريخ والقصة"، ثم ذكر أن من تلك المجموعة: حرب البسوس، وقال: "وهي قصة قائمة بنفسها، استغرقت مئة صفحة كبيرة، يتخللها حوادث عنترية، وحماسات ومبارات ومناشدات، وغير ذلك"، ثم قال: "ومن هذا القبيل: كتاب بكر وتغلب ابني وائل، وفيه خبر كليب وجسّاس، والقصة أقرب إلى التاريخ منها إلى الرواية؛ لأنها تشتمل على وقاع لها ذكر في التاريخ، وقد زاد فيها المؤلف قصائد وتفاصيل نظنها خيالية".
وهل يبقى بعد هذا لقول المؤلف: "إن استقامت نظريتنا" من قيمة!.

* عاد وثمود:
كتب المؤلف في القصص، ولم يأت بجديد، وإنما مدّ يده إلى ما تحدَّث به الكتّاب من قبله، وسماه نظرية له، ثم انهال علينا بكليات عرضُها ما بين اليمامة وحضر موت.
فقال في (ص 104): "كل ما يروى عن عاد وثمود، وطسم وجديس، وجرهم والعماليق موضوع لا أصل له".
المقدار الذي قصه القرآن في هذا السبيل؛ كخبر عاد وثمود، قد جاء محمولاً على سواعد الحجج الناطقة بنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام -،
(8/300)

وما يقبل من ناحية هذه الحجج إنما يأخذ من النفوس مأخذ المقطوع بصحته، ولا يستطيع العلم والمنطق لمخالفته طلباً. أما ما جاء من طريق الرواية، فذلك منتهى ما وصلت إليه أيدي الرواة، فما لاحت فيه أمارة الوضع، طرحوه، وما لم يروا في نقده وجهاً يقتضي إنكاره، دوّنوه وتناقلوه. وللمؤلف أن يبحث فيما سكتوا عنه، وينقده بطريق علمي غير هذه الآراء التي جمع شملها بعد شتات، وغير هذه الكليات المرمية عن غير بحث واستقراء.
وقد تحدث قبله جرجي زيدان عن مثل عاد وثمود، فقال في كتاب "العرب قبل الإِسلام" (1): "وأكثر مبالغات العرب في القبائل البائدة، حتى سبق إلى أذهان المحققين من غير المسلمين أنها موضوعة، ولولا ورود بعضها في القرآن والحديث، لقال المسلمون ذلك أيضاً. على أن ورود أسمائها وبعض أخبارها في كتب اليونان وغيرهم أثبت وجودها، وجاءت الاكتشافات الأثرية بما يؤيد ذلك، مع إظهار المبالغة في روايات العرب".

* تبع وحمير وسيل العرم:
قال المؤلف في (ص 104): "وكل ما يروى عن تبع وحمير، وشعراء اليمن في العصور القديمة، وأخبار الكهان، وما يتصل بسيل العرم، وتفرق العرب بعده، موضوع لا أصل له".
أما تبع، فقد قال ابن خلدون: "وفي أنساب التبابعة تخليط واختلاف، لا يصح منها ومن أخبارها إلا القليل" (2). وتكلم جرجي زيدان في تاريخ
__________
(1) (ص 9).
(2) (ج 2 ص 44).
(8/301)

تبع وحمير، ثم قال: "وأكثره مبالغ فيه، وبعضه أقرب إلى الخرافات منه إلى الحقائق" (1).
هذا كلام القدماء والمحدثين في تبع وحمير، وقد فضلهم المؤلف بصوغ العبارة في قالب الكلية؛ كأنه كان على مسمع ومرأى من تلك العصور القديمة، ثم بعث اليوم من مرقده، وعرف أن كل ما يروى عن تبع وحمير لا يوافق شيئاً مما كان يَسمع وَيرى!.
وأما سيل العرم، فقد ذكره الله تعالى في القرآن، وقد شاهد الهمداني في أوائل القرن الرابع للهجرة أنقاض سد العرم، "وكان يقرأ المسند ويفهمه، فوصف تلك الأنقاض مع تطبيقها على قول القرآن، وهذان القولان أصدق ما جاء عن خبر هذا السد، وأكثر مطابقة لما وجده النقابون الذين اكتشفوا آثار ذلك الخزان في القرن الماضي" (2).
ولو اعتاد المؤلف البحث عن الحقائق بإخلاص، لتحامى أن يحكم عن تاريخ أمة بأن جميعه موضوع لا أصل له، وأنت إذا نثلت كنانته، لم تجد عنده من شبهة سوى ظهور الوضع في بعضه، أو في كثير منه.
* * *
__________
(1) "العرب قبل الإِسلام" (107).
(2) "العرب قبل الإِسلام" (ص 51).
(8/302)

الشعوبية وانتحال الشعر
يرجع حديث المؤلف في هذا الفصل إلى نتيجتين:
الأولى: أن الشعوبية انتحلوا من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم.
والثانية: أن الذين كانوا يعتنون بالرد على الشعوبية قد أجابوهم بلون من الانتحال.
أما النتيجة الأولى، فإنك لا تجد لها في حديثه سوى مقدمتين:
أولاهما: أنه وجد على ظهر الأرض طائفة تبغض العرب يقال لها: الشعوبية.
والثانية: أن في الشعوبية شعراء، منهم: أبو العباس الأعمى، وإسماعيل ابن يسار، فيكون تأليف القياس هكذا: بعض الناس شعوبية، وبعض الشعوبية شعراء، وكل شاعر شعوبي ينتحل شعراً جاهلياً، النتيجة:
الشعوبية من أسباب انتحال الشعر الجاهلي. إذاً عنوان "الشعويية وانتحال الشعر" عنوان مستقيم، ولكن القائم على قانون المنطق يرى أن انتحال الشعر الجاهلي غير لازم للشعوبية، لا عقلاً، ولا عادة، ولم يقم المؤلف دليلاً على التلازم بينهما، بل لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية انتحل شعراً جاهلياً.
(8/303)

وأما النتيجة الثانية، فليس لها من مقدمات، سوى أن طائفة كالجاحظ انتصروا للعرب، وردوا على الشعوبية، وأوردوا في هذا الصدد شعراً جاهلياً، وقد قلنا لكم: إن علماء العربية يعدون الجاحظ ممن لا يوثق بروايتهم، فإذا انفرد لإنشاد شعر جاهلي، نقلوه على وجه الأدب، دون أن يعولوا عليه في لغة أو تاريخ. ولا حق لنا مع هذا أن نسمي ما يرويه مصنوعاً ومنتحلاً لمجرد وقوعه في سبيل الرد على الشعوبية، بل لا بد من النظر فيه كشعر لم يقع في سياق الرد على هذه الطائفة، إذ من المحتمل أن يقوم الشعر الثابت وحده بالرد عليهم، ولا يحتاج إلى أن يضم إليه اختلاق وانتحال.

* قصة إسماعيل بن يسار:
ذكر المؤلف: أن إسماعيل بن يسار من الطائفة التي تزدري العرب، وتستغلّ ما بينهم من الخصومات السياسية لحاجاتها وأهوائها، ووقف يتلو على القراء قصة تشهد بأنه أصيل في بغض بني أمية.
فقال في (ص 108): "فاستأذن يوماً على الوليد بن عبد الملك، فأخره ساعة، حتى إذا أذن له، دخل عليه يبكي".
وساق القصة الواردة في الجزء الرابع (1) من كتاب "الأغاني" حتى أتى على آخرها.
كنا نحسب أن من يؤلف كتاباً يملؤه بازدراء أهل العلم، ولا يفتأ يرميهم بعدم التثّبت في الرواية، يأخذ نفسه بالتحفظ من الوقوع في مثل ما يشهِّرهم به. ولكن المؤلف بلي بقلم أينما يوجهه لا يأتي بخير، فالقصة
__________
(1) (ص 120).
(8/304)

مأخوذة من "الأغاني"، وصاحب الأغاني يقول: "استأذن إسماعيل على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوماً، فحجبه ... إلخ"، وإذا كان الوليد بن عبد الملك لا يسمّى "الغمر"، والغمر بن يزيد لا يسمّى: "الوليد"، كان المؤلف مخطئاً في زعمه: أن واقعة إسماعيل كانت مع رجل يسمّى: "الوليد ابن عبد الملك".

* شعر الأعشى، وعدي بن زيد:
قال المؤلف عن الشعوبية ما شاء أن يقول، واغترف من كتاب "الأغاني" قصصًا عن أبي العباس الأعمى، وإسماعيل بن يسار، وقصارى ما تدل عليه هذه القصص: أن الأول كان يهجو آل الزبير، وأن الثاني كان يبغض آل مروان، وله شعر يفخر فيه بالأعاجم، وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب لك مثلاً يريك كيف انتحلت الشعوبية شعراً جاهلياً، فضاق بمنهج (ديكارت) ذرعاً، وجهل على هذه القوانين التي ترسم للباحث حدوداً، وأخذ يحدثك عن الموالي.
ويقول لك في (ص 111): "فهم أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره، فيه مدح للفرس، وثناء عليهم، وتقرب منهم. وهم زعموا لنا: أن الأعشى زار كسرى، ومدحه، وظفر بجوائزه، وهم أضافوا إلى عديّ بن زيد، ولقيط بن يعمر، وغيرهما من إياد والعباد كثيراً من الشعر فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم".
انظروا إلى أنصار الجديد كيف لا يحترمون ما تسمونه صدقاً، ولا يتألمون من أن يتحدثوا عما يتخيلونه، ويسوقوه إليكم في صورة ما لا يشكون في
(8/305)

وقوعه! قولوا للمؤلف: بأي أذن سمعت، أم بأيّ ذوق أدركت أن الموالي هم الذين اصطنعوا هذا النثر الذي فيه مدح لكسرى، أو ثناء على الفرس؟.
إذا كان الأعشى شاعراً، وجاءت كتب التاريخ والأدب بأنه كان يتردد على ملوك الفرس، أفلا يكفي هذا أمارة على أنه كان يلقي بين أيديهم شعراً، وأن هذا الشعر يشتمل على مديح وثناء؟!.
وإذا كان عديّ بن زيد شاعراً، وحدثنا التاريخ بأنه كان يتردد على كسرى، ويتولى الكتابة العربية في ديوانه، أفنستبعد مع هذا أن يأتي في شعره شيء من الثناء على كسرى أو سلطانه؟!.
لقد سُلِّطَ هذا المؤلف على شعر الأعشى، فأعطى قسطاً منه إلى اليهود، وقسطاً إلى الموالي، وسُلِّط على شعر عدّي بن زيد، فجعله مقسّماً على النصارى والموالي، ذهب أولئك بشطر منه، وذهب هؤلاء بالشطر الآخر!.
إن الذي يريد أن ينفي هذا الشعر عن الأعشى، وعدّي بن زيد، يحتاج إلى أن يدَّعي أنهما اسمان خياليان، أو أنهما لم يكونا شاعرين، أو أنهما لم يتصلا بكسرى، فلا الأعشى تمكّن من زيارته، ولا عدّي بن زيد عمل في دولته.
وقد أدرك الأعشى عهد البعثة، ولم يكن عديّ بن زيد منها ببعيد، وقد تواردت كتب التاريخ والأدب على أنهما كانا يفدان على كسرى، فهل للمؤلف أن يناقش في هذا على طريقة النظر الصحيح؟!.

* أبيات أبي الصلت بن ربيعة:
قال المؤلف في (ص 11): "وهم أنطقوا شاعراً من شعراء الطائف بأبيات رواها الثقات من الرواة على أنها صحيحة لا شك فيها، وهي أبيات
(8/306)

تضاف إلى أبي الصلت بن ربيعة، وهو أبو أمية ابن أبي الصلت المعروف. وقد يكون من الخير أن نروي هذه الأبيات وهي:
"لله درهم من عصبة خرجوا"
وسرد منها سبعة أبيات تنتهي بقوله:
"شيبا بماء فعادا بعد أبوالا"
ثم قال: "وقد زاد ابن قتيبة في أوله هذه الأبيات، وهي أبلغ في الدلالة على ما نريد أن ندل عليه، وهي:
لن يطلب الوتر أمثالُ ابن ذي يزنٍ ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... أنك عمري لقد أسرعت قلقالا
ثم قال المؤلف: "فانظر إليه كيف قدم الفرس على الروم في أول الشعر، وعلى العرب في سائره".
إن كان في أول الشعر تقديم للفرس على الروم، فليس في سائره تقديمهم على العرب. أما قوله:
"ما إن ترى لهم في الناس أمثالا"
فإنما هي مبالغة الشاعر الذي لا يحبس نفسه في حدود الحقيقة، وقد تكون هذه الكلمة تستعمل لذلك العهد -مثلما نستعملها اليوم- للمبالغة في مدح المتحدث عنه من غير قصد إلى تفضيله على كل من سواه، أنستبعد من أبي الصلت -وهو شاعر- أن يقدم هذه الكلمة البالغة في المديح إلى
(8/307)

أمة ساعدت ابن ذي يزن على طرد طائفة كانت تسعى في قسم من بلاد العرب فساداً؟! وهذا المؤلف -وهو غير شاعر- قد فضل العقلية الغربية على عقلية قومه، ومن فضلت عقليته على آخر، فقد فضلته، أو كدت تفضله عليه في كل شيء، إذن، ينتظر من الجيل القابل أن يذهب إلى أن كتاب "في الشعر الجاهلي" ليس من الدكتور طه حسين في شيء، وإنما أنطقه به بعض المستشرقين.
والبيت الأول من الأبيات المأخوذة من كتاب "الشعر والشعراء" وقع في ذلك الكتاب محرّفاً، ونقله أستاذ آداب العرب في الجامعة على تحريفه هكذا:
"لن يطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن"
وصوابه:
"ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن"
كما ورد في "تاريخ ابن جرير"، و "سيرة ابن هشام"، و"كتاب الأغاني"، وهو المناسب لمقام التهنئة والمديح، وورد في كتاب الأغاني (1) برواية أخرى لا تناقض هذا المعنى، وهي:
"لا يطلب الثأر إلا كابن ذي يزن"

* أبيات إسماعيل بن يسار:
قال المؤلف في (ص 112): "ومن الخير أن نروي أبياتاً قالها إسماعيل ابن يسار في الفخر بالفرس، فسترى بينها وبين الشعر الذي يضاف إلى أبي الصلت ما يحمل على شيء من الشك والريبة. قال:
__________
(1) (ج 6 ص 75).
(8/308)

إني وجدّك ما عودي بذي خور ... عند الحفاظ ولاحوضي بمهدوم
وسرد الأبيات الثمانية الواردة في الجزء الرابع (1) من كتاب "الأغاني".
تقرأ الأبيات المعزّوة إلى أبي الصلت، وأبيات إسماعيل بن يسار، فتجد الشبه بينهما في شطرين: أحدهما: قول أبي الصلت:
"من مثل كسرى وسابور الجنود له"
وقول ابن يسار:
"من مثل كسرى وسابور الجنود معا"
والمشابهة على هذا النحو قد تقع بين الشعرين اللذين يختلف قائلهما، ويسمونه: سرقة، أو استعانة، أو يجعلونه من قبيل توارد الخواطر، متى علم أن أحد الشاعرين لم يطلع على ما نظم الآخر، وليس من اللائق أن يجعل مثل هذا سبباً لإعطاء الشعر المتقدم إلى صاحب الشعر المتأخر.
وشطر أبي الصلت جاء كذلك في رواية المؤلف، أما رواية ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، فهي: "من مثل كسرى وباذان (2) الجنود له".
ورواية ابن جرير في "تاريخه": "من مثل كسرى شاهنشاه الملوك له".
وقد سرد ابن هشام في "السيرة" أبيات أبي الصلت، ولم يأت فيها بهذا البيت جملة، وقال: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها. ولم يجئ هذا البيت أيضاً في رواية "الأغاني"، وهو على تسليم ثبوته لا يملك من القوة أن يخرج القصيدة من شعر أبي الصلت، ويدخلها في حساب إسماعيل بن يسار.
__________
(1) (ص 125).
(2) آخر من قدم اليمن من ولاة العجم.
(8/309)

أما (ثاني الشطرين)، فهو قول أبي الصلت:
"بيضاً جحاجحة غرّاً مرازبة"
وقول ابن يسار:
"جحاجحٌ سادة بلج مرازبة"
وقد عرفت أن تشابه القصيدتين في شطر أو شطرين أو أكثر لا يدل على أنهما بنتا قريحة واحدة، وإنما هو الاختلاس، أو الاسترفاد، أو توافق الخواطر، ولو كان اتفاق الشعرين في شطر أو بيت يجيز إضافة السابق إلى ناظم الشعر التالي، لكانت إضافة أبيات أبي الصلت إلى النابغة أولى؛ فإن آخر بيت فيها وهو:
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادت بعد أبوالا
مروي في شعر يُعزى إلى النابغة، وقد أراد ابن هشام نفيه من شعر أمية، وإلحاقه بالنابغة، فقال: إلا آخرها بيتاً، فإنه للنابغة في قصيدة له. وقضى به صاحب "الأغاني" (1) لأبي الصلت، وقال: إنما أدخله النابغة في قصيدة له على جهة التضمين.
ولم يكن بعد هذين الشطرين وجه شبه بين أبيات أبي الصلت وأبيات ابن يسار سوى أن كلا الشعرين مصنوع في بحر الطويل، ومشتمل على شيء من مدح الفرس، ومراعى فيه مقاييس اللغة، وهذه أحوال عامة لا ييلغ التماثل فيها أن ترد به الرواية, وينقل به الشعر من أبي الصلت إلى إسماعيل ابن يسار.
__________
(1) (ج 16 ص 71).
(8/310)

* واقعة ذي قار:
قال المؤلف في (ص 113): "ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التي كانت للعرب على الفرس، والتي تحدث النبي عن بعضها، وهو يوم ذي قار".
ينظر القارئ بدقة أو بسذاجة، فلا يجد من مناسبة لهذه الفقرة التي يتهجم بها المؤلف على حضرة صاحب الرسالة، إلا أن ينبت في نفوس طلابه أو قراء كتابه نباتاً سيئاً. ألا يسعه إنكار يوم ذي قار دون أن يقول بعبارته الصريحة: إن النبي تحدث عنه؟! ألا يكون القارئ على حق إذا فهم أن المؤلف اتخذ اسم البحث في العلم برقعاً يغمز ويطعن من ورائه حتى يرضى، وأن هذا البرقع قد ينزاح، فلا يبقى شيء سوى طعن القدم الذي يلذ فتنة القلوب المطمئنة بالإيمان؟.
ربما يكون المؤلف قد رأى هذا الأثر في كتب الأدب أو التاريخ, فأضافه إلى الحضرة النبوية كالواثق بصحة روايته، ثم جعل واقعة اليوم كذباً، فالمؤلف يؤمن بهذه الكتب إذا روت حديثاً أو خبراً يبدو له أن يتوكأ عليه في طعن أو غمز، ويرميها بالزور والبهتان إذا نقلت أثراً صالحاً للعرب أو الإِسلام.
تشعبت أهواء المؤلف، فتركت أقواله في تخاذل بعيد، فيوم ذي قار من هذه الأيام الموضوعة لإجابة الشعوبية بلون من الانتحال، ويوم ذي قار تحدث عنه النبي! فيوم ذي قار اختلق لعهد الشعوبية، وتحدث عنه النبي قبل اختلاقه.
هذا معنى كلامه إن كان يتحدث في تاريخ آداب العرب بلغتهم، وعلى ما تقتضيه قواعد نحوهم وبيانهم، فإن زعم أنه ينطق على الناس بما لا ينطق
(8/311)

به ذو الجدّ منهم، قلنا له: لا تتعرض لمقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تنطق في هزل أو غير يقظة، فما نحن بتأويل منطق الهزل أو الهذر بعالمين.
وقعت واقعة ذي قار بعد ظهور الإِسلام، ومن المؤرخين من يذكر لها وقتاً مسمّى، وهو السنة الثالثة للبعثة (1). وإذا احتمل بعض الأخبار المتصلة بها أن يكون مصطنعاً، فإن مجموع الأخبار والأشعار الواردة في طرق شتى، تفيد أن أصل الواقعة، وانتصار العرب على العجم مما لا شك فيه، ونسبة حديث هذا اليوم إلى العرب المضطرين إلى أن يجيبوا الشعوبيين بلون من الانتحال، مدفوعة بن كثيراً من أخباره مروية في "تاريخ ابن جرير"، و"العقد الفريد" عن شعوبي، وهو أبو عبيدة معمر بن المثنّى، فلولا أن خبر ذلك اليوم ثابت على وجه لا يتمكن الشعوبي من إنكاره، لما كان من رواته أبو عبيدة الذي سيعده المؤلف في طبقة صنّاع الأخبار المزرية بشأن الأمة العربية.

* علماء اللغة والأدب والكلام والفلسفة:
قال المؤلف في (ص 114): "ولعلك تلاحظ أن الكئرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة، كانوا من العجم الموالي، وكانوا يستظلون بسلطان الوزراء والمشيرين من الفرس أيضاً". وبعد أن زعم أن غاية هؤلاء العلماء استحالت من إثبات سابقة الفرس في السلطان إلى ترويج السلطان الذي كسبوه أيام بني العباس، قال: "ومن هنا كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب ازدراء للعرب، ونعي عليهم، وغض من أقدارهم".
__________
(1) "تاريخ ابن خلدون".
(8/312)

في علماء اللغة والأدب للعهد الذي يتحدث عنه المؤلف كثير من العرب، مثل: الخليل بن أحمد، وأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، والأصمعي، ومحمد بن سلام الجمحي، والمبرّد، وابن دريد، وفيهم كثير من بلاد العجم، وليسوا بموال؛ كالزجاجي، وأبي عمرو الهروي، وابن درستويه، وأبي حنيفة الدينوري. وفيهم كثير من الموالي، مثل: سيبويه، والكسائي، والفرّاء، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني. وأنت إذا تقصيت آثار هؤلاء وأمثالهم ممن خدموا اللغة العربية وآدابها بالرواية والتأليف، لا تجد بها سوى روح علمية سامية، ومن قلة الإنصاف في البحث أن يقال عنهم: إنهم كانوا يزدرون العرب، ويغضون من أقدارهم، ولو تبينت هذا الذي جاء به المؤلف لم تجد له من شبهة سوى أن يقول: إن أصلهم عجم، وفي العجم شعوبية، أو يمد يده إلى رجال "حديث الأربعاء"، ويضم طائفة منهم إلى أبي عبيدة، ثم يقول لك: هؤلاء يمثلون الكرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة.
لا يدري القارئ" ما وجه هذا الحديث عن علماء الكلام والفلسفة في هذا الفصل المعقود للشعوبية وانتحال الشعر، ولا أحسب أحداً يمشي في البحث على هذه الهيئة إلا حيث ينسى الغاية التي يرسمها عنوان الفصل، وينحرف عنها أذرعاً ليقضي حاجة أخرى.
قد يوجد في علماء الكلام والفلسفة مثل أبي عبيدة في علماء الأدب واللغة، أما دعوى أن الكثرة المطلقة من الموالي، وأن هذه الكثرة تبغض العرب، أو تستحل الافتراء عليها، فليس للمؤلف بها من سلطان إلا محاولته لأن يصنع لذلك العهد تاريخاً يحمل مساوي لا ترى بينها سريرة طيبة، أو سيرة حسنة.
(8/313)

* أبو عبيدة معمر بن المثنى:
قال المؤلف في (ص 114): "فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي يرجع العرب إليه فيما يروون من لغة وأدب، فقد كان أشد الناس بغضًا للعرب، وازدراء لهم، وهو الذي وضع كتاباً لا نعرف الآن إلا اسمه وهو: (مثالب العرب) ".
كأنَّ المؤلف لا يؤمن بأن أحداً يبغض شخصاً أو حزباً أو شعباً دون أن يفتري عليه كذباً، ونحن نعرف في الشرق والغرب أناساً انعقدت بيننا وبينهم صلة الصداقة والصحبة، وربما كانوا يبغضون أشخاصاً أو جماعات بغضَ المؤلف للعرب بعد الإِسلام، ولكنهم يقدرون فضيلة الصدق، ويحتفظون بلباس المروءة، فلم نلمح في سيرتهم ما يقرب من أمثال هذه المبالغات أو المبتدعات التي يصوغها كتاب "في الشعر الجاهلي"، ويدسها في التاريخ, وهي لا تقبل أن تلجَ في التاريخ حتى يلجَ الجمل في سمِّ الخياط.
أنستبعد أن يكون أبو عبيدة من قَبيل هؤلاء الذين يبغضون ولا يفترون، ونذكر اسمه في أسباب انتحال الشعر، دون أن نبحث في سيرته بأناة؟!.
قد نقد أبا عبيدة أناس يزنون الرجال بالقسطاس المستقيم، وأذاعوا نتيجة نقدهم له، فقالوا: "كان الغالب عليه الشعر والغريب وأخبار العرب. وكان مخلّاً بالنحو، كثير الخطأ، وكان -مع ذلك- مغرًى بنشر مثالب العرب، جامعاً لكل غثّ وسمين، وهو مذموم من هذه الجهة، وموثوق به فيما يروي عن العرب من الغريب" (1).
__________
(1) أبو منصور الأزهري في مقدمة كتاب "التهذيب".
(8/314)

فقد حدثوك عن أبي عبيدة بأنه شعوبي يبغض العرب، وينشر مثالبهم، وأروك أنه يجمع في أخبار العرب غثاً وسميناً؛ حتى لا تتلقى كل ما يرويه في هذا الشأن على أنه واقع حقاً، وقالوا لك: إنه ثقة فيما يرويه عن العرب من الغريب، حتى لا ترتاب فيما يجيئك على طريقه من كلم يعزوها إليهم، فقد بلوه وألفوه لا يقول في اللغة كذباً.
قالوا: إن أبا عبيدة أوسع علماء عصره رواية لأيام العرب وأخبارها، وأنه كان يجمع الغثّ والسمين، ولم يقولوا كما قال المؤلف: إنه الذي يرجع إليه العرب فيما يروون من لغة وأدب؛ فإن هذا التعبير ظاهر في أن سند اللغة والأدب إنما يتصل به، والواقع أن علماء اللغة والأدب الذين تقدموا أبا عبيدة، أو عاصروه في الطلب، وتلقت عنهم طبقة من بعدهم، ليسوا بقليل، ومن هؤلاء: الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وأبو عمرو بن العلاء، والمفضل الضبّي، وأبو زيد الأنصاري والأصمعي، وسيبويه، والكسائي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وأمثالهم.
وأخبار أيام العرب كانت تروى من قبل أبي عبيدة، فقد وصفوا قتادة ابن دعامة السدوسي بأنه كان عالماً بأنساب العرب وأيامها، وقالوا: لم يأتنا عن أحد من علم العرب أصح من شيء أتانا عن قتادة (1). وقتادة هذا من الرجال الذين أخذ عنهم شيوخ أبي عبيدة.

* علماء الموالي والإِسلام:
قال المؤلف في (ص 114): "وأما غير أبي عبيدة من علماء الموالي
__________
(1) "المزهر" (ج 2 ص 171).
(8/315)

ومتكلميهم وفلاسفتهم، فقد كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، ينالونهم في حروبهم، ينالونهم في شعرهم، ينالونهم في خطابتهم، وينالونهم في دينهم أيضاً. فليست الزندقة إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية".
من يقف على الحالة العلمية للعهد الأول، ويلم بحياة الرجال القائمين بها من عرب وعجم، يعرف صحة قول ابن خلدون في مقدمته: "إن حملة العلم في الإِسلام أكثرهم العجم"، ويدري بعد هذا: أن الكثرة المطلقة من أولئك العجم كانوا برآء من هذا الذي يدسه المؤلف في صدور طلاب العلم بالجامعة.
يقول المؤلف: إن الكثرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة كانوا من العجم الموالي. ويقول: كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب ازدراء للعرب، ونعي عليهم، وغضّ منهم، ثم يصف هذه الكثرة المطلقة المؤلَّفة من العجم الموالي بأنهم كانوا يمضون في ازدراء العرب إلى غير حد، وأنهم كانوا ينالون العرب في حروبهم وشعرهم، وخطابتهم ودينهم.
قد سردنا عليك أسماء طائفة من هذه الكثرة المطلقة التي يرميها المؤلف بوصمة عدم الإخلاص للعرب أو الإِسلام، ويذهب به الافتيات على التاريخ إلى أن يقول لك: ينالونهم في دينهم. ومن ذا يصدق بن أمثال سيبويه، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والكسائي، والفرّاء، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني تنال ألسنتهم أو أقلامهم من دين الإِسلام؟!.
ولم تكن الكثرة في علماء الكلام والفلسفة للموالي، وإنما الكثرة المطلقة للعجم، وليس كل العجم موالي، ومن العجم أو الموالي من لا يفضِّل
(8/316)

أعجمياً على عربي إلا بالتقوى. وهذا ابن قتيبة -وهو فارسي- قد كان من أشد أنصار العرب، وأوسعهم بياناً في الرد على الشعوبية، وذلك الجاحظ -وهو من الموالي- قد أنفق "ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضوا لكل هذه المفاخر الأعجمية، وأن يأتوا بخير منها" (1).
وليس الإِسلام دين العرب وحدهم، وإنما هو أدب الإنسانية، ونظام الحياة الراقية، وفي العجم والموالي من نصحوا له نصحَ العرب، فجاهدوا في إعلاء كلمته، وأنفقوا ما أوتوا من قوة في بيان حكمته، ولا يغضّ منه إلا من نشأ على غير روية، وأصبح الشر من طرف لسانه قريباً.
ليست المسألة نظرية محضة حتى يسهل على المؤلف أن يتحدث فيها باجتهاده المطلق، وإنما هي مسألة تاريخية، والمسائل التاريخية لا يترك فيها المنقول إلى غير منقول.
يحكي التاريخ: أن طائفة قامت تنادي بالمساواة بين الشعوب، فسمّوا: "أهل التسوية"، وسمّوا: "الشعوبية"، وربما يغلو بعض أفراد من هذه الطائفة، فيذهب إلى ازدراء العرب، والغضّ من شأنهم، ولا يبلغ ازدراء العرب إلى أن يكون زندقة، وما هو إلا كازدراء التميمي أو الأنصاري لقريش، لا يتجاوز أن يكون هوى غالباً، أو عصبية عمياء، وقد يصف التاريخ بهذه النزعة بعض أشخاص؛ كأبي عبيدة، وإسماعيل بن يسار، وسهل بن هارون.
ولا تتعدى هذه الطائفة أن تنال العرب في بعض عوائدهم وشؤونهم القومية، وأكثر ما تمشي في ذمهم إلى أيام جاهليتهم، ولا تجدها تضرب إلى
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 115).
(8/317)

ساحة الدين ولو خطوة؛ لأن العجمي والعربي أصبحا فيه على سواء.
وحدثنا التاريخ في مقام منفصل عن المقام الذي حدثنا فيه عن الشعوبية: أن هناك طائفة كانت تتظاهر بأنها "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، وهي منطوية على زندقة، وقد حمل التاريخ أسماء أفراد كانوا يتهمون بهذه النحلة، والزنادقة في كل عصر مظهر الفسوق والمجون، وأول رذيلة يركبون غاربها رذيلة الاختلاق وسوء التأويل، هم يعرفون أن في الإِسلام حكمة وحجة، وأنه أنشأ رجالاً يمثلون الاستقامة والعبقرية في أسمى مظاهرهما، فيصرفون همهم إلى إراءة حقائقه في غير صبغتها، صالى الحديث عن تاريخ رجاله بمبالغات أو مبتدعات هم برآء منها.
يضطرب المؤلف فيما يكتب؛ لأنه يحب أن يغير حقائق التاريخ، والحقائق لا تتغير بالأقوال المنسوجة على نظام يقول فيما سلف: إن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإِسلامية الأولى لنفسه، وإنما درس من حيث هو وسيلة إلى تصير القرآن وتأويله، واستنباط الأحكام منه ومن الحديث. ويضاهي هذا قولهُ يصف الأمة العربية في رواية "حديث الأربعاء": "كانت تنجذب إلى الوراء بحكم الدين، وبحكم اللغة التي لم تكن كغيرها من اللغات، وإنما كانت لغة دينية، فالاحتفاظ بأصولها وقواعدها، والاحتياط في صيانتها من التطور وآثاره السيئة واجب ديني، لا سبيل إلى جحوده" (1).
يقول هذا وذاك، ثم لا يجد مانعاً من أن يقول لك: إن الكثرة المطلقة
__________
(1) (ج 1 ص 11).
(8/318)

من علماء الأدب واللغة من الموالي، وإن هؤلاء الموالي كانوا ينالون العرب في دينهم. فعلماء الأدب كانوا يدرسون الأدب لفهم الكتاب، والسنّة، والكثرة المطلقة من علماء الأدب واللغة كانون يطعنون في ذلك الكتاب، وتلك السنّة! ولعلهم كانوا يجعلون الأدب وسيلة إلى فهمهما؛ لأنهم مسلمون بقلوبهم، وينالون منهما نكاية بالعرب؛ لأنهم غير مسلمين بعقولهم، ومتى استقامت للمؤلف نظرية توزيع الآراء والعقائد على العقول والقلوب، تمكن من أن يجمع الإيمان والكفر في نفس، أو يريك البياض والسواد في نقطة!.

* الشعوبية والزندقة:
قال المؤلف في (ص 144): "وليس تفضيل النار على الطين، وإبليس على آدم، إلا مظهراً من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على الإِسلام".
الشعوبية طائفة تنفي فضل العرب على غيرهم، أو تبغض العرب، وتفضل العجم، وقد يتحقق هذا المعنى في نفولص قوم مسلمين. والزندقة خلل في العقل، ومرض في القلب، وقد يختل عقل العربي، ويعتل قلبه، فترى عربياً زنديقاً، كما ترى شعوبياً مسلماً. وقد يجمع الرجل بين إنكار الدين وبغض العرب، فيكون زنديقاً شعوبياً، ولكل واحدة من هاتين النزعتين آثار خاصة، فآثار الشعوبية: جحود فضل العرب، أو تتبع مثالبهم، وآثار الزندقة: التهكم بالشرائع، والطعن في حكمتها. وتفضيل النار على الطين وإبليس على آدم ينسبونه إلى بشار بن برد. إذا صحت نسبته إليه، فهو أثر من آثار الزندقة، والزندقة غير الشعوبية.
(8/319)

* خير العلم ما حمل عن أهله:
قال المؤلف في (ص 116): "ونحن نعلم حق العلم أن الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب، فأيسر وسائلها الكذب. كانت الشعوبية تنتحل من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم".
لا نفتح باب البحث مع المؤلف في قوله: إن الخصومة إذا اشتدت بين الأحزاب فأيسر وسائلها الكذب، فقد كان قلم المؤلف مستعملاً في هذا السبيل، وليس الذي يحدثك عن شيء أجهدَ فيه خياله كمن ينظر إليه بمكان بعيد، "وخير العلم ما حمل عن أهله". وإنما نشك في أن الشعوبية انتحلت من الشعر ما فيه عيب للعرب، وغضّ منهم، ويزداد شكّنا حينما نقرأ هذا الفصل المعد لهذا الغرض، ولا نجد لانتحال الشعوبية مثلاً قائماً، ولو كان تحت يد المؤلف أمثال قريبة، لما تجاسر على أبيات أبي الصلت، أو أمية بن أبي الصلت، وحاول إلحاقها بإسماعيل بن يسار.

* انفراد الجاحظ بالرواية:
قال المؤلف في (ص 116): "إن الخصومة بين العرب والعجم دعت العرب وأنصارهم إلى أن يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو، أو لا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة، فإذا عرضوا لشيء مما في هذه العلوم الأجنبية، فلا بد من أن يثبتوا أن العرب قد عرفوه، أو ألموا به، أو كادوا يعرفونه ويلمون به. ومن هنا لا تكاد تجد شيئاً من هذه الأنواع الحيوانية التي عرض لها الجاحظ في كتاب "الحيوان" إلا وقد قالت العرب فيه شيئاً قليلاً أو كثيراً، طويلاً أو قصيراً، واضحاً أو غامضاً، يجب أن يكون للعرب قول في كل شيء، وسابقة في كل شيء".
(8/320)

نعْرض هذه الجمل على أنظار القراء؛ ليزدادوا خبرة بأن قلم المؤلف يقع في مبالغات يغبطه عليها الشعراء.
للعرب في الجاهلية نصيب من العلم، ومبلغ من الحكمة، ولا نرى في هذا الشعر الذي يعزى إليهم شيئاً فوق ما يسعه علمهم، أو تبلغه حكمتهم، ولا تحسبوا المؤلف وقف على أشعار تضاف إلى الجاهلية، وهي تشتمل على معان من هذه العلوم المحدثة، ولعلكم تنثلون كنانته، فلا تجدون فيها سوى أن الجاحظ يقول في كتاب "الحيوان" (1):
"وكل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريباً منه في أشعار العرب والأعراب، ومن أهل لغتنا وملتنا, ولولا أن يطول الكتاب، لذكرت لك الجميع".
فهذا هو الذي يحوم عليه المؤلف -فيما أحسب- وقد رأيتم أن كلام الجاحظ يختص بباب معرفة الحيوان، ويتناول الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها، وقلنا فيما سلف: إن أهل العلم لا يعدون الجاحظ فيمن يوثق بما انفردوا بروايته.
ذهب المؤلف في أوائل كتابه إلى أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين يمثلهم في جهل وغباوة، وغلظة وخشونة، ويقول: إنهم كانوا أصحاب علم وذكاء، وأصحاب عواطف رقيقة، وعيش فيه لين ونعمة. وقال: إنهم كانوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية. وإذا كانوا أصحاب
__________
(1) (ج 3 ص 83).
(8/321)

علم وذكاء، وكانوا أمة متحضرة راقية، فلماذا ينكر شعراً يضيفه إليهم بعض الرواة، ويرده بعلّة أنه ينبئ عن علم وذكاء، وحضارة راقية؟ وما الذي يعوقهم عن أن يعرفوا من أحوال الحيوان قريباً مما سمعه الجاحظ من الفلاسفة أو قرأه في كتب الأطباء؟!.
(8/322)

الرواة وانتحال الشعر
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن حال الرواة من جهة قلة الثقة بهم، وما كانوا يضعونه من الشعر، وينحلونه لبعض القدماء، وأورد في هذا أشياء تذكر في كتب الأدب، وقد بحث في رواة الشعر من هذه الناحية الأستاذ الرافعي في "تاريخ آداب العرب" (1)، وجرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (2) و (مرغليوث) في مقاله المنشور في "مجلة الجمعية الآسيوية".
وإنما امتاز المؤلف عن هؤلاء الباحثين بمبالغات ومغالطات لا بأس بمرور القلم عليها.

* رواة الأدب:
ذكر المؤلف: أنه مضطر إلى أن يقف عند الأسباب التي تتصل بأشخاص أولئك الذين نقلوا أدب العرب، ودوّنوه.
وقال في (ص 118): "وهؤلاء الأشخاص هم الرواة. وهم بين اثنتين: إما أن يكونوا من العرب، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب. وإما أن يكونوا من الموالي، فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالي من تلك الأسياب
__________
(1) (ج 1 ص 375).
(2) (ج 2 ص 110).
(8/323)

العامة. وهم على تأثرهم بهذه الأسباب العامة متأثرون بأشياء أخرى هي التي أريد أن أقف عندها وقفات قصيرة".
عرف القراء الأسباب التي يومئ إليها المؤلف، وهي ما كان بصدد الحديث عنه من دواع سياسية ودينية، وقصصية وشعوبية، وقد زعم هنا أن أمر الرواة دائر على هذه الأسباب، فما من راو إلا وهو متأثر بشيء منها؛ لأنه يقول: هم بين اثنتين: إما أن يتأثروا بما تتأثر به العرب، وإما أن يتأثروا بما تتأثر به الموالي، ويريد من التأثر -بطبيعة السياق-: الوجه الذي يحمل على صنع الشعر، وعزْوِه إلى الجاهلية، ومعنى هذا: نفي أن يكون لطائفة من الرواة خطة ثالثة، وهي ألا يتأثروا بشيء من هذه الأسباب تأثراً يستهينون معه بموبقة الافتراء على الناس كذباً، وهذه مبالغة لا تأويل لها إلا أن المؤلف يحب أن يكون هذا الشعر الجاهلي منحولاً، ويحاول أن يسد عليك كل طريق تخرق بها هذه النظرية، وتظن أن يكون هذا الشعر من الجاهلية في شيء.
نحن نعلم أن قسماً عظيماً من أهل العلم لم يتأثروا بالدين هذا التأثر الذي يجعل وزر الكذب أمراً هينا، ومن هذا القبيل أولىك الرواة الذين ينقدون ما يضاف إلى مقام النبوة، وقد ينفونه من الحديث، ولو اشتمل على شيء من الحكمة أو الموعظة أو المعجزة، ونعلم أن قسماً عظيماً يطلبون العلم لفضيلته، ولا تلين قناتهم لأن يتصرفوا في الحقيقة، ولو جلبت عليهم السياسة بخيلها ورجلها، أو وضعت في أيمانهم الصفراء، وفي شمائلهم البيضاء. ونعلم أن في الموالي من ينشأ على آداب راقية، فلا يجد في صدره حاجة مما أوتي العرب من مجد أو سعادة، فضلاً عن أن يستخف وزر الكذب،
(8/324)

ويقول على ألسنتهم ما لا يعلمون.
فمن الجائز القريب أن يوجد في رواة الأدب من يعاقب هذا الذي يقال له: الكذب، ويأبى أن يضع شيئاً منه على طرف لسانه، ولعلنا نريك أن هذا الجائز القريب كان أمراً واقعاً.

* حديث الأربعاء:
قال المؤلف في (ص 118): "ولعل أهم هذه المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي، وجعلت حظه من الهزل عظيماً: مجون الرواة، وإسرافهم في اللهو والعبث، وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين، وتنكره الأخلاق، ولعلي لا أحتاج بعد الذي كتبته مفصلاً في الجزء الأول من "حديث الأربعاء" إلى أن أطيل في وصف ما كان فيه هؤلاء الناس من اللهو والمجون".
ينزع المؤلف في يوم الأربعاء، وفي غير يوم الأربعاء إلى أن يتحدث عن المتهتكين، ويكثر سوادهم، فإذا كان في أمة من الناس نفر خاضوا في فجور، أحبّ أن يريك الأمة كلها فاسقة ماجنة.
نعلم أن المبالغة فن من فنون البلاغة، ونعلم أنها لا تكون مقبولة إلا أن يشعرك صاحبها بأنها مبالغة، أما إذا ألقاها عليك في صورة الحقيقة المحضة، فإنها تسمى باسم ما لا يلتقي مع الصدق على لسان.
يحدثك المؤلف عن الرواة في هيئة الباحث الذي لا يطوي صدره على شيء، فيقسمهم شطرين: شطر يندفع للكذب بما تتأثر به العرب، وشطر يندفع له بما تتأثر به الموالي، ثم يأتي بعبارة تتناول الفريقين، ويصفهم بالمجون والانصراف عن الدين وقواعد الأخلاق.
(8/325)

يحيلنا المؤلف على كتابه "حديث الأربعاء"، فإذا هو يلعن منهج (ديكارت)، ويمثل بالأدب والتاريخ تمثيل من يعتقد أن الأسماع في صمم، وأن العيون في سبات، وأن الأقلام والأنامل لا يلتقيان. ولولا أن في نشئنا الطيب من يقرؤه قبل أن يدرس التاريخ الصحيح، لقلنا للكتّاب: اضربوا عن نقده صفحاً؛ فإن انكشاف أمره في قراءته.
ندع حديث الأربعاء إلى أجل قريب، ولكل أجل كتاب، ونكتفي بأن نقول لك: إن في الرواة أصحاب لهو ومجون، وفي الرواة أصحاب جد ومروءة، وفي الكتاب باحث بأناة، وفي الكتاب باحث بداعية هوى، والهوى يستولي على فؤاد الرجل، كالزجاجة الفاحمة يضعها على بصره، فيرى الأشياء كلها في لون قاتم.

* حمّاد الراوية، وخلف الأحمر:
قال المؤلف في (ص 119): "فلست أذكر هنا إلا اثنين، إذا ذكرتهما، فقد ذكرت الرواية كلها، والرواة جميعاً: فاما أحدهما، فحمّاد الراوية. وأما الآخر، فخلف الأحمر".
لم يكن حمّاد وخلف مرجع الرواية كلها، ولا أن الطعن فيهما طعن في الرواية جميعاً، فقد كان في عهدهما من رواة الشعر من لم يأخذ عنهما؛ كأبي عمرو بن العلاء، والمفضل بن محمد الضبي، وكلاهما ممن أخذ عنه الكوفيون والبصريون. قال أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" يصف أبا عمرو بن العلاء: "أخذ عنه البصريون والكوفيون من الأئمة الذين صنفوا الكتب في اللغات، وعلم القرآن، والقراءات، وكان أعلم الناس بألفاظ العرب، ونوادر كلامهم، وفصيح أشعارهم".
(8/326)

وكذلك المفضل الضبي ثقة: "كان أوثق من روى الشعر من الكوفيين، وكان يختص بالشعر، وقد روى عنه أبو زيد شعراً كثيراً" (1)، وهذه "المفضليات"، وهي نحو مئة وعشرين قصيدة، قد جاءت من طريق المفضل الذي روي عنه أنه قال: قد سلّط على الشعر حمّاد الراوية، فأفسده.
ثم إن الطبقة التي خلفت من بعد هؤلاء ث كأبي زيد الأنصاري، وسيبويه، والكسائي، كانوا يروون عن فصحاء الأعراب، من أفواههم إلى أسماعهم، ولا يكون هناك خلف، ولا حمّاد.
والمؤلف انخدع في هذه الكلمات بأمثالها من مقال (مرغليوث)، وقد قال المستشرق (تشارلس لايل) في ردها: "نرى الفرق بين حمّاد والمفضل في نظر الرواة عظيماً، وأن ما جمعه المفضل بعيد عن الشك وتزوير حمّاد، ولا يوجد سبب معقول يجعل حمّاداً مثال المنابع الأخرى التي مر بها الشعر العربي حتى وصل إلى التدوين".

* القدماء من الزنادقة وإخوانهم في هذا العصر:
ذكر المؤلف صداقة حمّاد الراوية لحمّاد عجرد، وحمّاد الزبرقان، ومطيع بن إياس، وصداقة خلف لوالبة بن الحباب، وأستاذيته لأبي نوّاس.
وقال في (ص 119): "وكان هؤلاء الناس جميعاً في أمصار العراق الثلاثة مظهر الدعابة والخلاعة، ليس منهم إلا من اتُّهم في دينه، ورمي بالزندقة، يتفق على ذلك الناس جميعاً. لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاحاً في في دين أو دنيا".
__________
(1) "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي، نسخة بالخزانة التيمورية.
(8/327)

تطالع تاريخ القدماء من الزنادقة، فتجده مطابقاً من أكثر الوجوه لحال إخوانهم في هذا العصر، يقول الجاحظ وغيره في تلك الطائفة: كانوا يجتمعون على الشراب، ويأتون المنكر، ويدعون إلى غير العفاف، وإذا رأيت طائفتهم الجديدة على هذا المثال من الهزل والفسوق، وتزيين التهتك في أعين الشباب، قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة!.
تقرأ فيما يتحدث به عن أولىك القدماء: أن يونس بن فروة: "كان كتب كتاباً لملك الروم في مثالب العرب وعيوب الإِسلام بزعمه" (1). وقد أصبحنا نرى من أوليائهم في هذا العصر من يصرف همه بعد الطعن في الإِسلام إلى التنكر لمجد العرب، والاحتيال على إراءة رجال هذه الأمة في صورة مشوهة!.
والقرامطة "طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإِسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، ولهم في الدعوة مراتب: الذوق، وهو تفرس حال المدعو: هل هو قابل للدعوة، أم لا؟ ثم التأنيس باستمالة كل واحد بما يميل إليه من زهد وخلاعة، ثم التشكيك في أركان الشريعة" (2).
ويحاكيهم في هذا أولياؤهم من ملاحدة هذا العصر؛ فإنهم يختبرون حال المدعو، فإن أنسوا منه جهالة أو غباوة، عرضوه على شيء من هذه الكتب التي تلبس حق الإِسلام بالباطل، والتي اغترف منها المؤلف في هذا
__________
(1) "الحيوان" للجاحظ (ج 4 ص 143).
(2) السيد في "شرح المواقف" (ج 8 ص 389).
(8/328)

الكتاب غرفات، ثم يأخذونه بالتأنيس، ويستميلونه بما تهوى نفسه من متاع هذه الحياة. وتلجأ هذه الفئة أيضاً إلى التشكيك في أركان الشريعة، وتحاول بكل صفاقة أن تحرف الكلم عن مواضعه. وإن كان فرق بين هؤلاء وأولئك، فهو أن القدماء لم يجدوا في الإلحاد منافع مادية تحملهم على التضامن والصدق في الزندقة، وقد نبهنا المؤلف لهذا الفارق في "حديث الأربعاء" (1) حين قال في شيء من الأسف: "وليس أدل من هذا على أن هؤلاء الزنادقة لم يكونوا صادقين في زندقتهم، فلو أن هناك صلة دينية متينة تجمع بينهم حقاً، وتكون منهم أقلية ممتازة متضامنة، لما أساء بعضهم إلى بعض، ولما سعى بعضهم في بعض، ولما استعدى بعضهم على بعض السلطان".
وفي هذه الجمل مغزى لو قدر حماة الأدب وعشاق الفضيلة عاقبته، لم تبلغ هذه الأقلية الممتازة حالاً يجعلنا نشعر بالفرق بينها وبين أولئك القدماء.

* رواية المفضل الضبّي:
ساق المؤلف شيئاً مما قاله الرواة في حمّاد، وخلفٍ، ومصادقتهما لطائفة من الزنادقة، وأتى على ما أتى عليه (مرغليوث) من صنعهما الأشعار، وإضافتها إلى العرب.
ثم قال في (ص 120): "فأما حمّاد، فيحدثنا عنه راوية من خيرة رواة الكوفة هو المفضّل الضبي: أنه قد أفسد الشعر إفساداً لا يصلح بعده أبداً"، إلى قول المفضّل: "فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب الرجل، ويدخله
__________
(1) (ج 1 ص 202).
(8/329)

في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟! ".
تعرض لبحث هذه الرواية المستشرق (تشارلس لايل) في مقدمة "المفضليات"، فقال: "ربما دخل في هذه الرواية شيء من التحريف، وإذا فرضنا صحتها، كان من واجبنا ألا ننسى أن حمّاداً كان معاصراً للمفضّل، وربما كان أصغر سناً منه، وكان المفضل -بلا شك- عالماً واسع الاطلاع، وكان أكثر كفاية لإظهار أي شعر مصنوع، ثم إن الرواة من العرب الذين يقال: إن حمّاداً قد زوّر فيما رواه عنهم، لا يفوت المفضّل أن يكون قد تلقى منهم هذه المحفوظات. وقصارى ما تدل عليه تلك الرواية: أن حمّاداً زاد في الأشعار العربية ما يماثلها في اللغة والعواطف. وإذا كان الحال هكذا، فكيف نستطيع الحكم على هذا الشعر بالانتحال؟ هذا الحكم لا يتيسر إلا لرجل عرف الأصل، وأدرك المنحول، ومن ذا يكون أدرى بذلك من المفضل؟! ".

* قصيدة الحطيئة في مدح أبي موسى:
ذكر المؤلف قصة حمّاد في دخوله على بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وإنشاده إياه قصيدة للحطيئة في مدح أبي موسى، وقول بلال له: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى، ولا أعرف ذلك، وأنا أروي شعر الحطيئة! ولكن دعها تذهب في الناس.
وقال في (ص 121): "وقد تركها حمّاد، فذهبت في الناس، وهي في ديوان الحطيئة. والرواة أنفسهم يختلفون، فمنهم من يزعم أن الحطيئة قالها حقاً".
(8/330)

القصة رواها صاحب "الأغاني" (1)، وساقها (مرغليوث) في الغرض الذي ساقها إليه المؤلف، والقصيدة مروية في ديوان الحطيئة، وقد شرحها في جملة الديوان أبو سعيد السكري، وتعرض لسبب إنشاد الحطيئة لها. وصاحب "الأغاني" بعد أن ذكر قصة بلال وحمّاد، قال: وذكر المدائني: أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة، قالها فيه، وقد جمع جيشاً للغزو، فوصله أبو موسى، فكتب إليه -عمر - صلى الله عليه وسلم - يلومه على ذلك، فكتب له: إني اشتريت عرضي منه بها. ولما ولي بلال بن أبي بردة، أنشده إياها حمّاد الراوية، فوصله أيضاً. والمدائني هو أبو الحسن علي بن محمد الذي قال عنه أبو العباس ثعلب: من أراد أخبار الإِسلام، فعليه بكتب المدائني (2).
فالجمحي والمدائني كانا في عصر، وقد اختلفت روايتهما في قصيدة الحطيئة، فهل كان ترجيح المؤلف لرواية الجمحي قائماً على موازنة وروية؟ أم هو تقليد (مرغليوث)، والحرص على تكثير وقائع الانتحال؟!.

* قصة حمّاد مع المهدي:
قال المؤلف في (ص 121): "وكان يونس بن حبيب يقول: العجب لمن يروي عن حمّاد، كان يكسر، ويلحن، ويكذب. وثبت كذب حمّاد في الرواية للمهدي، فأمر حاجبه، فأعلن في الناس أنه يبطل رواية حمّاد".
أورد (مرغليوث) قصة حمّاد مع المهدي في هذا السياق، وقدح في صحة هذه القصة المستشرق (تشارلس لايل)؛ بأن حمّاداً توفي سنة 155،
__________
(1) (ج 2 ص 50).
(2) "الأنساب" للسمعاني.
(8/331)

وكما في تاريخ ابن خلكان، أو في سنة 156 وكما في "الفهرست" لابن النديم، والقصة يلقب فيها المهدي أمير المؤمنين، والقصر المذكور في هذه القصة إنما بناه المهدي بعد تقلده للخلافة، وهو لم يجلس على عرش الخلافة إلا في سنة 158 ه.
ولهذا النقد قسط من الوجاهة؛ فإنك تجد في القصة أن الخادم خرج، وقال: يا معشر من حضر من أهل العلم! إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمّاداً بعشرين ألف درهم؛ لجودة شعره، وأبطل روايته؛ لزيادته. وتجد فيها أن حمّاداً والمفضّل دخلا على المهدي في داره بعيساباذ. وفي "تاريخ ابن جرير الطبري": أن المهدي بني في سنة 164 بعيساباذ الكبرى قصراً من لبن إلى أن بني قصره الذي بالآجر، وسماه: قصر السلامة.

* خلف ووالبة بن الحباب:
قال المؤلف في (ص 121): "فأما خَلَف، فكلام الناس في كذبه كثير. وابن سلام ينبئنا بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر، ويتحدثون أنه وضع لأهل الكوفة ما شاء الله أن يضع لهم، ثم نسك في آخر أيامه، فأنبأ أهل الكوفة بما كان قد وضع لهم من الشعر؛ فأبوا تصديقه".
يقول المؤلف: كلام الناس في كذب خَلَف كثير، ويورد شاهداً على هذا جملة يختطفها من حديث ابن سلام، ويقطعها عن قرينتها الشاهدة بصحة ما يرويه خلف، ونص عبارة ابن سلام في "الطبقات": "أجمع أصحابنا: أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقه لساناً، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، أو أنشدنا شعراً، ألا نسمعه من صاحبه"، ومحمد بن سلام أخذ عن خلف، وكان ثقة جليلاً. إذن هو يعني بقوله: أفرس الناس ببيت شعر: جودة
(8/332)

نظره في معاني الأبيات، وحسن بيانه لما يقصد الشعراء، وفي "أساس البلاغة": "فرس: صار ذا رأي وعلم بالأمور"، وفي "اللسان": "رجل فارس بالأمر؛ أي: عالم به بصير".
والرواية التي تصف خلفاً بانتحال الشعر تقول: إنه اعترف بما كان ينتحله، وبينّه للناس، وقد جاءت الرواية بن له شعراً حمله عنه أبو نواس، وأقرب الظن أن يكون هذا الشعر المنتحل قد أضافه إلى شعره الذي أخذ عنه في حياته، ولا شك أن هذا الذي رواه عنه الكوفيون، وأبوا تصديقه في انتحاله، قد عرفه البصريون، وتحاموا أن يرووه لمن عزاه إليهم. وشأن الرواة الثقات من الكوفيين أن يرتابوا في هذا الشعر الذي قال لهم راويه: إنه منحول، ولم يجدوا له في رواية غيره أثراً.
أما صداقة خلف لوالبة بن الحباب التي لوَّح بها المؤلف إلى الطعن في روايته، فقد يكون والبة يكتم زندقته عن خلف، ولا يكاشفه بها؛ فقد كان الزنادقة -بطبيعة الحال- يتظاهرون بالإِسلام، بل تجد في الكتب التي تسوق شيئاً من أخبارهم أن بعضهم كانوا يخفضون رؤوسهم بالركوع والسجود، ويراؤون بالإمساك عن شهوات بطونهم حين يشهدون شهر رمضان، حكى صاحب "الأغاني" عن علي بن القاسم: أنه قال: كنت آلف إياس بن مطيع، فعنفني في عشرته جماعة، وقالوا لي: إنه زنديق، فأخبرته بذلك، فقال: وهل سمعت مني، أو رأيت شيئاً يدل على ذلك؟ أو هل وجدتني أخلّ بالفرائض في صلاة أو صوم؟ فقلت له: والله! ما اتهمتك، ولكن خبرتك بما قالوا.
فقد يكون خلف ألِف والبة؛ لأنه لم يسمع منه، ولم ير شيئاً يدل
(8/333)

على زندقته، ولم يجده يخل بالفرائض في صلاة أو صوم، وقد يشعر خلف بزندقة والبة، ولا يقطع صلته به ما دام والبة يكتم زندقته، ويدع مجونها وغمزها إلى أن يخلو إلى مطيع بن الناس، ويونس بن أبي فروة، وحمّاد بن الزبرقان.
وأما الطعن في خلف بأستاذيته لأبي نواس، فلا ندري ماذا نقول فيه؟! وشأن أهل العلم أن يتصدوا للإنفاق مما عندهم، فيتعرض للأخذ عنهم البر والفاجر، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

* الراوية أبو عمرو الشيباني:
قال المؤلف في (ص 121): "وهناك راوية كوفي لم يكن أقل حظاً من صاحبيه هذين في الكذب والانتحال، كان يجمع شعر القبائل، حتى إذا جمع شعر قبيلة، كتب مصحفاً بخطه، ووضعه في مسجد الكوفة. ويقول خصومه: إنه كان ثقة لولا إسرافه في شرب الخمر، وهو أبو عمرو الشيباني. ويقولون: إنه جمع شعر سبعين قبيلة".
يرمي المؤلف أبا عمرو الشيباني بالكذب والانتحال، ويقول لك: إن خصومه يقولون: إنه كان ثقة، خصوم الرجل الذين كانوا على مرأى منه ومسمع أبت ضمائرهم أن تصفه بغير الثقة، وهذا المؤلف الذي لم يلق من أثر أبي عمرو إلا ما نقله خصومه أو مريدوه، يأبى لسانه إلا أن يصفه بالكذب والانتحال! سلوا المؤلف عما استند إليه من قذف هذا الراوية، الذي يقول عنه خصومه: إنه ثقة، سلوه، فلا جواب له إلا أن أبا عمرو روى شعراً جاهلياً، والشعر الجاهلي كعنقاء مغرب، لا يحوم إلا في خيال بعيد.
سلوه عما استند إليه في شهادته على أبي عمرو بأنه كان يشرب الخمر،
(8/334)

فإنه سيحيلكم على كتب تقول لبهم: إنه كان يشرب النبيذ، والفرق بين النبيذ والخمر معروف بين الفقهاء، والأدباء. ولعل المؤلف يدري هذا الفرق، واستبدل في عبارته النبيذ بالخمر؛ لأنه يعمل ليغير التاريخ، والعامل على تغيير التاريخ يسوغ له في منهج (ديكارت) أن يضع الكلمة بدل أخرى إذا كانت أوفى وأنهض بالغرض الذي يغير من أجله التاريخ!.
الخمر معروفة، وهي محرمة بالكتاب والسنّة والإجماع، والنبيذ ما يتخذ من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، ولا يسكر إلا الكثير منه، وقد اختلف العلماء في المقدار الذي لا يسكر من النبيذ، وفتاوى أهل العراق فيه مشهورة، وفي القائلين بحرمته من لا يوجب فيه حداً، ولا يرى للمحتسب أن يؤدب على المجاهرة به.
ولسنا بصدد البحث عن النبيذ من وجهة نظر الشارع، فإن مسألته الخلافية مبسوطة بأدلتها وأقيستها في كتب الأصول والفروع، وإنما أريناكم أن المؤلف لا يبالي أن يخلع من عنقه طوق الأمانة، ويضع الخمر موضع النبيذ.

* إيجار الراوية نفسه للقبائل:
قال المؤلف في (ص 122): " و"أكبر الظن أنه كان يأجر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعراً يضيفه إلى شعرائها. وليس هذا غريباً في تاريخ الأدب، فقد كان مثله كثيراً في تاريخ الأدب اليوناني والروماني".
يريد المؤلف أن نستبدل بتاريخ رجال الأدب أقيسة يركِّبها لنا على تاريخ اليونان والرومان! أبو عمرو الشيباني "يقول خصومه: إنه كان ثقة" (1).
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 121).
(8/335)

وشهادة خصومه مطابقة لشهادة مريديه، ويقول الرواة: إنه قرأ دواوين الشعر على المفضّل الضبي (1)، وكان المفضّل مختصاً بعلم الشعر، وأوثق من رواه من الكوفيين.
إيْجار عالم كأبي عمرو نفسه للقبائل في عمل يستدعي الاتصال بطائفة من الشعراء، ليس بالأمر الذي يقع دون أن يشعر به أحد من خصومه أو منافسيه، وهل يمكن أحداً اليوم مناجاة بعض الشعراء على أن يضعوا له قصائد يضيفها إلى قوم آخرين، فينفقوا أوقاتا طويلة في إنشاء هذه الدواوين، ويبقى أمرها مطوياً عن سائر الناس، ولا تلقط نبأه أذن واعية؟.
ليس من السهل علينا أن نصدق أن عملاً أدبياً تشترك فيه طائفة من أولي الأدب، وتدفع عنه القبائل أجوراً، وبذهب خبره تحت أطباق الثرى.

* الراوية أبو عمرو بن العلاء:
قال المؤلف في (ص 122): "والعجب أن رواةً لم تفسد مروءتهم، ولم يعرفوا بفسق ولا مجون ولا شعوبية، قد كذبوا أيضاً، فأبو عمرو بن العلاء يعترف بأنه وضع على الأعشى بيتاً:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا"
وقال (مرغليوث): من المعاصرين لخلف أبو عمرو بن العلاء، وقد اعترف أنه زاد بيتاً في شعر الأعشى، والعجب له إذ لم يزد فيه أكثر من بيت!.
القصة رواها ابن جنّي في "الخصائص"، فقال: حدثنا بعض أصحابنا
__________
(1) مقدمة "التهذيب" لأبي منصور الأزهري.
(8/336)

يرفعه: أن أبا عمرو بن العلاء قال: ما زدت في شعر العرب إلا بيتاً واحداً، يعني: ما يروى للأعشى من قوله: "وأنكرتني ... إلخ البيت". وهذه الرواية -على فرض صحتها- لا تدل إلا على أمانة أبي عمرو الثابتة بإجماع الرواة. قال ابن جنّي بعد حكايته ما سلف: أفلا ترى إلى هذا البدر الباهر، والبحر الزاخر، كيف تخلّصه من تبعات هذا العلم، وتحرّجه، حتى إنه لما زاد -فيه على سعته وانتشاره- بيتاً واحداً، وفّقه الله تعالى للاعتراف به؟!.
وجاءت القصة في "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي على وجه لا يصرح بأنه هو الذي زاده في شعر الأعشى، ولفظه: "ومما كتب به إليّ أبو روق الهمذاني البصري، قال: أخبرني الرياشي عن ابن مناذر، قال: قال أبو عمرو: أنا قلت:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فألحقه الناس في شعر الأعشى، وكان سيد الناس، وأعلمهم بالعربية والشعر ومذاهب العرب".
وقد يمس قلبك بالريبة في أصل القصة أمران:
أحدهما: أن الأصمعي يقول في الحديث عنه: "وكان نقش خاتمه:
إن امرأً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
وهذا البيت له، وكان رجلاً صالحاً، ولا نعرف له شعراً إلا هذا البيت" (1). والأصمعي من أشهر الرواة الذين أخذوا عن أبي عمرو، فيخطر على البال أن بيت: "وأنكرتني ... إلخ" لو كان أبو عمرو هو الذي زاده
__________
(1) "مراتب النحويين" لأبي الطيب.
(8/337)

في بيت الأعشى، واعترف به، لكان من شأن الأصمعي أن يطلع عليه، ولا يقول: ولا نعرف له شعراً غير هذا البيت.
ثانيهما: أن بعض أهل الأدب يعزو وضع البيت إلى حمّاد، قال ابن عبد ربه في "العقد الفريد": إن حمّاد الراوية يقول: ما من شاعر إلا قد حققت في شعره أبياتاً، فجازت عنه، إلا الأعشى -أعشى بكر-، فإني لم أزد في شعره قط غير بيت:
فأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا

* الأصمعي واصطناع الشعر:
قال المؤلف في (ص 122): "ويعترف الأصمعي بشيء يشبه هذا".
تواردت كلمة الرواة على أن الأصمعي كان ثقة فيما يروي، صدوقاً فيما يقول. وبلغ به الورع حيث يتحامى أن يفسر كلمة في القرآن؛ حذراً من أن يخطئ المعنى، ويسيء التأويل. قال أبو الطيب اللغوي في "مراتب النحويين": لم ير الناس أحضر جواباً ولا أتقن لما يحفظ من الأصمعي، ولا أصدق لهجة منه. وقال ابن جني في "الخصائص": فأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، فكلام غير معبوء به. وكان أبو زيد، وأبو عبيدة يخالفان الأصمعي، ويناوئانه كما يناوئهما، فكلهم كان يطعن علي صاحبيه بأنه قليل الرواية, ولا يذكره بالتزيد (1).
وُيبعد الأصمعيَّ من تهمة اصطناع الشعر، وإضافته إلى الجاهليين: أنه
__________
(1) "مراتب النحويين" لأبي الطيب.
(8/338)

لم يكن معدوداً في قبيل الشعراء، قال ابن عبد ريه في "العقد الفريد": وكان الخليل بن أحمد أدرى الناس بالشعر، ولا يقول بيتاً، وكذلك كان الأصمعي، وقيل للأصمعي: ما يمنعك من قول الشعر؟ قال: نظري لجيده.

* معانقة الكذب للزندقة:
قال المؤلف في (ص 122): "ويقول اللاحقي: إن سيبويه سأله عن إعمال العرب فَعِلاً، فوضع له هذا البيت:
حَذِرً أموراً لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار"
قال سيبويه في "الكتاب" (1): ومما جاء على فَعِل: قول الشاعر: "حذر أموراً ... إلخ"، وقد طعن بعض أهل العلم في الاستشهاد بهذا البيت، فأضافه بعضهم إلى اللاحقي، وأضافه آخر إلى ابن المقفع (2). واختلاف هذه الرواية قد هيأ السبيل لطائفة من النحاة أن يقولوا: إن سيبويه رواه عن بعض العرب، وهو ثقة لا سبيل إلى رد ما رواه (3)، وكان لهم فيما يتهم به اللاحقي وابن المقفع من الزندقة وجه لرد ما يدعيه على سيبويه، والكذب إذا رأى الزندقة، هام بها صبابة، ولم يرض إلا بمعانقتها.

* فصحاء الأعراب:
تحدث المؤلف عن الأعراب الذين يرحل إليهم رواة الأمصار ليسألوهم عن الشعر والغريب، وزعم: أن هؤلاء الأعراب لما أحسوا ازدياد حرص
__________
(1) (ص 58).
(2) "شرح ابن يعيش للمفصل".
(3) "شرح ابن يعيش للمفصل" (ص 828).
(8/339)

الأمصار على هذه البضاعة، انحدروا إلى الأمصار في العراق خاصة، فنفقت بضاعتهم.
ثم قال في (ص 123): "فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون، وأسرفوا في الكذب".
ذكر بعض المؤلفين -كابن النديم في "الفهرست"- أسماء طائفة من فصحاء الأعراب الذين نزلوا من البادية إلى الحضر، ولم يرموهم بالكذب، فضلاً عن الإسراف فيه، فما كان أولئك الأعراب إلا كسائر الطوائف يكون فيها الألمعي، والغبي، والثقة، وغير الثقة، وقد رأينا في الباحثين الذين هم أعرف بأحوال هؤلاء الأعراب من المؤلف من يصف بعضهم بالثقة والعلم، قال أبو الطيب اللغوي في الحديث عمن روى عنهم أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي: "وعن جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، مثل: أبي مهدية، وأبي طفيلة، وأبي البيداء، وأبي خيرة واسمه إياد بن لقيط، وأبي مالك عمرو بن كركرة صاحب النوادر من بني نمير، وأبي الدقيش الأعرابي، وكان أفصح الناس، وليس الذين ذكرنا دونه، وقد أخذ الخليل عن هؤلاء، واختلف إليهم" (1). وقال في الحديث عن أبي عمرو الشيباني: "ومن أعلمهم باللغة، وأحفظهم، وأكثرهم أخذاً عن ثقات الأعراب: أبو عمرو إسحاق ابن مرار الشيباني" يقول الرواة عن طائفة: إنهم ثقات، ويقول المؤلف عنهم: إنهم مسرفون في الكذب، ومن لم يتابعه على هذه الشهادة، أخرجه من حساب "هذه الطائفة القليلة من المستنيرين"!.
__________
(1) "مراتب النحويين".
(8/340)

* قصة داود وأبي عبيدة:
قال المؤلف في (ص 124): "ويحدثنا ابن سلام عن أبي عبيدة: أن داود بن متمم بن نويرة ورد البصرة فيما يقدم له الأعراب، فأخذ أبو عبيدة يسأله عن شعر أبيه، وكفاه حاجته، فلما فرغ داود من رواية شعر أبيه، وكره أن تنقطع عناية أبي عبيدة به، أخذ يضع على أبيه ما لم يقل، وعرف ذلك أبو عبيدة".
نصُّ ابن سلام في "الطبقات" حاكياً قول أبي عبيدة: "فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علينا، علمنا أنه يفتعله".
لو كنا نرضى بطريقة المؤلف إذ يذكر الواقعة، ويلحق بها ألفاً، ويذكر بضعة أشخاص فسّاق، ويجعلهم مثال أمة كاملة، لسبقناه إلى إيراد هذه القصة، وقلنا: إن الرواة كانوا يميزون كل شعر منحول؛ فإن أبا عبيدة عرف الشعر الذي نحله داود بن متمم أباه. ولكنا لا نرغب في هذا الضرب من الاستدلال، ولا نحمّل الأشياء فوق ما تطيق، ولا نقول سوى أن القصة تدل على أن في الناس من يفتعل الشعر، ويضيفه إلى أبيه، وتدل -مع هذا- على أن في الرواة من ينقد الشعر، ويفرق بين الصحيح والمصنوع. ونذكّر المؤلف بقصة أخرى تشبه قصة داود وأبي عبيدة: وهي أن الأغلب العجلي كان له ولد ينحله شعراً، قال خلف في الحديث عن الأغلب: "وكان من ولده إنسان يصدق في الحديث والروايات، ويكذب عليه في شعره" (1). ولو
__________
(1) "الموشح" (ص 223).
(8/341)

سردنا في هذا الصدد سبعين قصة، لما دلت على شيء أكثر من أن في الشعر العربي انتحالاً، وهذا أمر يستوي في العلم به صغار القراء وكبارهم.

* انتحال الشعر وتلفيقه في حياة المسلمين:
قال المؤلف في (ص 124): "كل شيء في حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه، سواء في ذلك الحياة الصالحة حياة الأتقياء والبررة، والحياة السيئة حياة الفساق وأصحاب المجنون".
جاء الإِسلام لينبت على ظهر هذه البسيطة رجالاً يمثلون الأحلام الراجحة، والسيرة القيمة، وتلقاه القوم الذين ملؤوا أعينهم بمشاهدة سيرة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -، وأعلام نبوته، فكانوا المثل العالي لصدق اللهجة، ومضاء العزيمة، وحسن النظر في السياسة، وإذا ظهر العالم الإِسلامي بعد ذلك العهد في حال غير ملتئم، فإنما هو زمامه يقع في أيد تديره على غير بصيرة. وإذا ظهرت طائفة من المسلمين في حال تنبو عنها عين الأديب أو العالم، فإنما هي نفوسهم لم تكن على أثارة من هداية القرآن.
لم يكن المسلمون في الاستقامة والصدق كالحلقة المفرغة، والعارفون بتاريخ صدرهم الأول لا يقبلون هذا الذي يقوله المؤلف من أن كل شيء في حياة المسلمين كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه، وكبر جناية على التاريخ والمنطق أن يقال: إن كل شيء في حياة الأتقياء والبررة في تلك القرون كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه؛ فإن مغزى هذا: أنه ليس هناك أتقياء ولا بررة، ولكن التاريخ يحدثنا بأن الذين كانوا يحيون حياة الأتقياء والبررة غير قليل، ويحدثنا علم النفس بأن التقي البارّ لا يتأثر بشيء من تلكم الأسباب تأثراً يدعو إلى اصطناع شعر، وإضافته إلى غير قائله.
(8/342)

* نقد الرواية والرواة:
قال المؤلف في (ص 124): "وقد قدمنا: أن هذا الكذب والانتحال في الأدب والتاريخ لم يكونا مقصورين على العرب، وإنما هما حظ شائع في الآداب القديمة كلها".
وقع الانتحال في الشعر العربي، وقد كفانا القدماء معظم شرّه، وإليك كلمة تذكرك بما صنعوا في نقد الرواية والرواة:
يرجع النظر في رواية الشعر إلى جهتين:
أولاهما: جهة ما يترتب عليها من إثبات لغة، أو تقرير قاعدة، ومطمح أنظار العلماء في هذا أن يثقوا بن المروي صدر من عربي فصيح، ولا يعنيهم بعد هذا أن يكون قائلُ البيت امرأ القيس، أو ابن ميّادة، أو ما بينهما من جاهليين داسلاميين، ولا يمس غرضَهم بسوء أن يكون البيت منحولاً متى تلقوه من عربي مطبوع، ولهذا تجدهم يستشهدون بالبيت مع اختلاف الرواة في قائله.
ثانيهما: جهة صلة الشعر بقائله، وصحة نسبته إليه.
يقوم النظر في الجهة الأولى على أساس يجعل اللغة ونحوها وبيانها بمنعة من أن ينالها كاتب بفساد أو تحريف؛ فإن أهل العلم يوم قاموا لتدوين اللغة وتقرير قواعدها، وجدوا ألسنة العرب على لهجتها الأولى، ولم تزل مأخوذة باللغة الفصحى، فكانوا يتلقون شعرها ونثرها ممن يتكلمون بفطرهم العربية الخالصة، سواء أنشؤوا الكلام من أنفسهم، أو رووا لك ما قال غيرهم.
فمدار ما يعتد به في إثبات كلمة، أو تقرير قاعدة لغوية: على أن
(8/343)

يسمعه الثقة من عربي فصيح. ومن هنا عني علماء العربية بالبحث عن حال الرواة، وفصلوا القول فيما يرجع إلى الثقة بهم، أو الطعن في ذممهم، وجعلوا علماء اللغة طبقتين: طبقة من يوثق بهم، ويطمأن إلى روايتهم؛ كالخليل بن أحمد، وأبي عمرو بن العلاء، والمفضل الضبّي، والأصمعي، وسيبويه، والكسائي، والنضر بن شميل، وأبي عمر والشيباني، وأبي سعيد البغدادي، وأبي الخطاب الأخفش، والفرّاء، وأبي زيد الأنصاري، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وابن الأعرابي، وطبقة لم يكونوا على استقامة، ولم يثق الناس بما ينفردون بروايته؛ كالجاحظ، وأبي بكر بن دريد، وأبي عمرو المعروف بغلام ثعلب، ومنهم من يثقون بروايته، ويرمونه بشيء من الغفلة في الرأي، كما وصف أبو منصور الأزهري في مقدمة "تهذيبه" محمدَ بن مسلم الدينوري.
أما الجهة الثانية، وهي صلة الشعر بقائله، فقد نظر فيها المحققون من الرواة على وجه تشد آثاره بأنه كان دقيقًا قيماً، وقد سمعتم قول ابن سلام فيما يزيده بعض الرواة من الأشعار: "وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضع المولدون. وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء، أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإِشكال". ولا أحسبهم إلا أنهم كانوا يصرفون في نقد هذا الذي يشكل عليهم بعض الإشكال أشدَّ عنايتهم، وبهذا عرفوا ما ينحله ولد متمم بن نويرة، وما ينحله ولد الأغلب العجلي. وقال يحيى بن سعيد القطّان: إن رواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع، ينتقدونه، ويقولون: هذا مصنوع (1).
__________
(1) "ذيل أمالي القالي" (ص 105).
(8/344)

ومن أثر نظرهم في هذا الوجه من النقد: أنهم ينبهونك للشعراء الذين حمل عليهم شعر كثيرة كبشر بن أبي خازم، والأغلب العجلي، وعبيد، وعلقمة؛ وينكرون القصيدة تارة، وينكرون البيت منها، أو الأبيات تارة أخرى. وقد ينفون من شعر الشاعر كل ما يرويه راوٍ بعينه؛ كما أنكر صاحبُ "الأغاني الشعرَ الذي يورده ابن الكلبي لدريد بن الصمة، وقال: إن التوليد بيّن فيه (1).
وقد تختلف الروايات في نسبة الشعر إلى قائله، فيذهبون في ترجيح إحداها مذاهب تشهد بأنهم كانوا يعنون بهذه الحجة، ويصرفون إليها من مجهودهم قسطاً كبيراً.
وقد أشرنا فيما سلف إلى أن لهم في معرفة انتحال الشعر طريقتين: طريقة النقل؛ كقول الجاحظ في أبيات تنسب لأوس بن حجر: أخبرني أبو إسحاق: أنها لأسامة صاحب روح بن أبي همام، وهو الذي كان ولَّدها، وكما يقول ابن سلام في بيتين يرويهما الناس لأبي سفيان بن الحارث: أخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامة بن عمر الجمحي قالها، ونحلها أبا سفيان.
ثانيتهما: طريقة العلم بحال الشاعر؛ كنسجه الذي يمتاز به عمن عداه، مثلما قال الأصمعي في شعر ينسب لامرئ القيس: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، وأحسبه للحطيئة. أو من جهة مخالفته لشيء عرف عنه في حياته؛ كما أنكر الأصمعي أن يكون بيت:
__________
(1) "الأغاني" (ج 9 ص 19).
(8/345)

فتوسع أهلها أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنىً شبعٌ وريّ
لامرئ القيس؛ لأنه لا يلتئم مع حال من يطلب الملك ويقول:
ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ
ولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
ولا ننكر مع هذا أن يمر على الثقة النقاد شيء من الشعر، فينتبه لانتحاله من يجيء من بعده، ومثال هذا قصيدة قيس بن الحدادية التي رواها أبو عمرو الشياني، وأوردها صاحب "الأغاني" في ترجمة قيس، وقال: هذه القصيدة مصنوعة، والشعر بيّن التوليد. ويخفف التبعة عن أبي عمرو: أنه روى القصيدة في سياق قصة صدرها بقوله: "وزعموا".
وصفوة المقال أن الشعر الذي يرويه أولئك الثقات النبهاء، ولم يمسه أحد منهم بنقد، فإننا نقبله على أنه شعر من نسبوه إليه إلى أن تقوم على انتحاله بيّنة.
(8/346)

الكتاب الثالث
الشعر والشعراء
- قصص وتاريخ.
- امرؤ القيس.
- علقمة.
- عبيد.
- عمر بن قميئة.
- مهلهل.
- جليلة.
- عمرو بن كلثوم.
- الحارث بن حلزة.
- طرفة بن العبد.
- المتلمس.
(8/347)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ] [البقرة: 204 - 205]
(صدق الله العظيم)
(8/348)

قصص وتاريخ
* السخط على الرأي:
قال المؤلف في (ص 125): "نظن أن أنصار القديم لا يطمعون منا في أن نغير لهم حقائق الأشياء، أو أن نسمي هذه الحقائق بغير أسمائها، لنبلغ رضاهم، ونتجنب سخطهم".
عرف القراء أن ما تحدث المؤلف بإنكاره، أو الشك فيه من أخبار أو شعر جاهلي، قد سبقه إليه قوم آخرون، وقرأ الأدباء ما كتبه أولئك الباحثون، ولم يسخطوا عليه. وإذا لم يسخطوا على الرأي عند صدمته الأولى، أفيسخطون عليه حين يردده قلم المؤلف بعد أن ألفوا سماعه؟! وقد قلنا فيما سلف: إن الناس لم يغضبوا لما تحدث به في هذا الكتاب إلا حين مد يده إلى مطاعن، ورمى بها إلى ناحية الإِسلام في هيئة ينبذها أدب الاجتماع جانباً!.

* نية الانحراف عن الأدب:
قال المؤلف في (ص 125): "ولن نستطيع أن نسمي حقاً ما ليس بحق، وتاريخاً ما ليس بتاريخ. ولن نستطيع أن نعترف بأن ما يروى من سيرة هؤلاء الشعراء الجاهليين، وما يضاف إليهم من الشعر تاريخ يمكن الاطمئنان إليه، أو الثقة به".
يقع في ذهن القارئ أن في مصر طائفة تحمل الكاتب على أن يسمّي
(8/349)

ما ليس بحق حقاً، وأن يسمّي ما ليس بالتاريخ تاريخاً، وأن هذه الطائفة هي التي تتراءى للمؤلف عند كل بحث، فتأخذه لوثة، ويقبل على هذه الخيالات إقبال المشير بسبابته، يريها أنه لا يمتثل أمرها, ولا يبالي نهيها. وشأن الكاتب لإخلاص أن يجيل نظره، ويطلق قلمه، وإذا انتهى به البحث إلى الرأي، حفّه بأدلته، وأذاعه بين الناس، فإما أن يمكث في الأرض، وإما أن يذهب جفاء. ولو لم يكن في نية المؤلف الانحراف عن الأدب إلى غايات مؤذية، لما أنطق كتابه بمثل هذه الجمل التي لا تتقدم بالبحث خطوة، ولا يكون بها عند ذوي العقول الراجحة وجيهاً.

* القابض على الماء:
قال المؤلف في (ص 125): "وإنما كثرة هذه كلها قصص وأساطير لا تفيد يقيناً، ولا ترجيحاً، وإنما تبعث في النفوس ظنوناً وأوهاماً، وسبيل الباحث المحقق أن يستعرضها في عناية وأناة، وبراءة من الأهواء والأغراض، فيدرسها محللاً ناقداً، مستقصياً في النقد والتحليل".
ليس في هذا شيء زائد على المنهج المقرر لتحقيق ما يرجع إلى الرواية والتاريخ، وليست المزية في تصوير المنهج، وإنما المزية في العمل عليه بجد واستقامة، وقد رأيتم المؤلف كيف يجد الخبر أو الشعر مفصلاً على قدر بغيته، فيغمره بالتصديق من كل وجه، وأنت لو استعرضته بعناية وأناة، لسقط من يدك، ولم يبق فيها من أثره إلا مقدار ما يبقى من الماء في يد القابض على الماء.

* عناية العرب برواية الشعر وإنشاده:
قال المؤلف في (ص 126): "ذلك أن أخبار الجاهليين وأشعارهم لم
(8/350)

تصل إلينا من طريق تاريخية صحيحة، وإنما وصلت إلينا من هذه الطريق التي تصل منها القصص والأساطير: طريق الرواية والأحاديث، طريق الفكاهة واللعب".
يعرف القراء ما كان للعرب من العناية برواية الشعر وإنشاده، لا يمتاز بذلك الرجال عن الغلمان، ولا الطبقة المستنيرة عن طبقة العوام، وكانوا يتنافسون في هذا المجال، وكادوا لا يعرفون فناً من فنون العلم سواه.
جاء الإِسلام، فقلت هذه العناية، وضعف أمر هذا التنافس، بمعنى أن قسماً عظيماً ممن شأنهم العناية بالشعر، والتنافس في روايته، شغلوا بالجهاد، أو صرفوا هممهم إلى التفقه في الدين، ولكن الطبقة التي عنيت بالأشعار أيام جاهليتها قد بقي منها عدد وافر إلى العهد الذي راجعت فيه رواية الشعر شبابها.
ترى من هذا القبيل الشعراء الذين عاشوا حيناً في الجاهلية، وحينًا في الإِسلام؛ كلبيد، وسويد بن أبي كأهل، وحسّان، والنابغة، والحطيئة، ومتمم ابن نويرة، والشماخ، ونهشل بن حرّى. وإذا كنا نرى للشعراء الإِسلاميين والمحدثين عناية بحفظ أشعار من تقدمهم، فلا شك أن هؤلاء المخضرمين كانوا يحملون من شعر الجاهليين أوقاراً يتلقاها عنهم الناس إلى أوائل عهد الدولة الأموية.
ومن المستفيض في كتب الأدب: أن للشعراء رواة يصحبونهم، ويروون عنهم أشعارهم، كما كان عبيد راوية للأعشى، وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير. واستمرت هذه العادة في الإِسلام، فكان هدبة راوية الحطيئة، وجميل راوية هدبة.
(8/351)

وإذا كان الشعراء الذين يضاف إليهم هذا الشعر الجاهلي إنما يبعدون عن عهد الإِسلام بنحو عصر، وكانت العناية برواية الشعر وإنشاده في القبائل والحواضر بالغة متواصلة، فليس بمستنكر أن يصح معظم هذا الشعر الذي يضيفه الرواة الثقات إلى الجاهليين، ولا يكون من المنحول في شيء.

* كلحم خنزير ميت، حرام في حرام:
قال المؤلف في (ص 126): "القرآن وحده هو النص القديم الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته، ويعتبره مشخصاً للعصر الذي تلي فيه".
المؤرخ الذي يؤمن بنبوة من نزل عليه القرآن، لا يسعه إلا أن يعتبر ما جاء في القرآن من أنباء الأمم واقعاً على نحو ما تنطق به آياته المحكمات، والعصر الذي تلي فيه ذلك الكتاب والعصور الخالية، تقف تجاه هذا الإيمان على سواء.
وقد شهدنا المؤلف كيف اشتد حرصه على أن يمس القرآن بخدشة، وما كان منه إلا أن فلّى "ذيل مقالة في الإِسلام"، ووقعت يده على أذى مخلوق في شكل يلائم ذوقه، فانقلب يرمي به نحو قصة إبراهيم وإسماعيل - سلام الله عليهما -، والباطل الملقوط خفية كلحم خنزير ميت، حرام في حرام.

* نوبة أنصار القديم وأنصار الجديد:
ذكر المؤلف أن لكل أمة تاريخاً صحيحاً، وتاريخًا منتحلاً.
ثم قال في (ص 127): "ولسنا ندري لم يريد أنصار القديم أن يميزوا الأمة العربية والأدب العربي من سائر الأمم والآداب؟ ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله قد وضع القوانين العامة لتخضع لها الإنسانية كلها إلا هذا
(8/352)

الجيل الذي كان ينتسب إلى عدنان وقحطان؟ ".
يزعم المؤلف: أن طائفة يسميها: أنصار القديم يسوءها تقسيم تاريخ الأمة العربية وأدبها إلى صحيح ومنحول، والمعروف لدى القراء: أن القدماء والمحدثين يجمعون على أن للأمة العربية وآدابها تاريخاً صحيحاً، وتاريخاً منتحلاً، وكم أنكر المؤرخون من حوادث! وكم من منظوم حكم عليه نقاد الأدب بالتوليد والانتحال!.
ما كان لأستاذ في الجامعة أن يلهج بسخف إنما تلهج به أقلام لا تفصل بين الحق والباطل، ولا تفرق بين الحجة والشبهة، وإنما تعرف الجديد والقديم، وتدعو إلى الجديد وإن كان سماً ناقعاً، وتتهكم بالقديم وإن كان قمراً ساطعاً.
ليس ببعيد أن يكون المؤلف من هذه الفئة التي ترى اسم الجديد بمنزلة البرهان على أن المسمّى به حق، وترى اسم القديم كافياً في الدلالة على أنه باطل ث فإن نوبة "أنصار الجديد" و"أنصار القديم" تكاد تحضره عند كل حديث.
* حديث قيس بن الملوّح:
ذكر المؤلف أن للعرب خيالهم الشعري، وأن هذا الخيال أثمر هذه القصص والأساطير التي تروى عن العصر الجاهلي والإِسلامي.
ثم قال في (ص 127): "وقد رأيت في فصولنا التي سميناها: "حديث الأربعاء": أنا نشك في طائفة من هذه القصص الغرامية التي تروى عن العذريين وغيرهم من العشاق في العصر الأموي".

أنكر جماعة من الرواة حديث قيس بن الملوح "مجنون ليلى"، وقالوا:
(8/353)

إن الشعر المعزوّ إليه كله مولّد، وقال بعضهم: إنه اسم مستعار لا حقيقة له (1).
وقال جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (2): "ومما وضعه العرب من عند أنفسهم أيضاً قصص العشاق العذريين ونحوهم". وقال: "وأخبار العذريين في العفة أكثرها موضوع، وقد أجمع الرواة على أن أخبار مجنون ليلى موضوعة، ويراد بها: تمثيل العفة مع الثبات على الحب، وقس على ذلك أكثر ما يروونه من هذا النوع" (3).
فنظرية الشك في طائفة من هذه القصص الغرامية قد أذاعها جرجي زيدان من قبل، ولكن المؤلف يجد في صدره حاجة مما يؤتى هؤلاء المحدثون، فيغبطهم حتى في نظرية شك لا يضرهم فقدها, ولا ينفعه أن يضيفها الناس إليه.

* الطيب والخبيث في كتب الأدب:
قال المؤلف في (ص 127): "ويجب حقاً أن نلغي عقولنا -كما يقول بعض زعماء السياسيين- لنؤمن بأن كل ما يروى لنا عن الشعراء والكتّاب والخلفاء والقواد والوزراء صحيح؛ لأنه ورد في كتاب "الأغاني"، أو في كتاب الطبري، أو كتاب المبرّد، أو في سفر من أسفار الجاحظ".
هذه الكلمة مما يلقى في كل سبيل، وليست من النوع الذي يُعزى إلى زعيم سياسي، ولعل المؤلف أحس بابتذالها كما أحسسنا، فلم يحرص
__________
(1) انظر "الأغاني" (ج 2 ص 167).
(2) (ج 2 ص 295).
(3) (ج 1 ص 58).
(8/354)

على أن يقطع نسبها من ذلك الزعيم، ويجرها إليه.
يعرف الأدباء والعلماء أن في هذه الكتب طيبّاً وخبيثاً، ويتمنون لمطالعها أن ينقدها بحكمة وأناة، ويهتزون طرباً لباحث ماز فيها خبيثاً عن طيب، وإذا رآهم المؤلف ينقلون عنها تاريخاً أو أدباً، فها هو ذا يرجع إليها فيما يحتاج إليه من أدب أو تاريخ، وإذا قال: إنهم يأخذون منها أشياء، ولا ينقدونها كما أنقدها، قلنا له: قد أخذت منها آثاراً لم تحس باصطناعها، وأخرى لم تشعر بتحريفها.

* أداة حاكية، وكتب ومقالات متحركة:
قال المؤلف في (ص 128): "لأنصار القديم أن يرضوا لأنفسهم بهذا النحو من أنحاء الحياة العلمية، أما نحن، فنأبى كل الإباء أن نكون أدوات حاكية، وكتباً متحركة، ولا نرضى إلا أن تكون لنا عقول نفهم بها، ونستعين بها على النقد والتمحيص في غير تحكم ولا طغيان".
يخرج المؤلف للتردد على مثل هذه الجمل الداخلة في استطاعة كل كاتب؛ ليتخذ منها شاهداً على أن له عقلاً يستعين به على النقد والتمحيص! لا نستبعد أن يكون لتلاوة هذه الجمل سرّ يظهر أثره في نفوس الطائفة التي يسميها: مستنيرة. وإنما الذي نراه لائقاً بمن يبحث وهو على ثقة من حسن تصرفه، وقوة حجته، أن يسترسل فبم الموضوع، ويأخذ البحث بالنقد والتمحيص، فلا يسع القراء إلا أن يشهد وابن له عقلاً ينقد ويمحص، ولا خير في مؤلف يدّعي أنه يأبى أن يكون أداة حاكية أو كتاباً متحركاً، وأنت إذا قلبت نظرك فيما يؤلّف، وجدته يشهد بملء صفحاته على أن صاحبه أداة حاكية، وكتب ومقالات متحركة.
(8/355)

* الملكات الناقدة:
تحدث المؤلف عمن يسميهم: أنصار القديم.
وقال في (ص 129): "فما بالهم يصطنعون ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى المعاصرين، ولا يصطنعونها بالفياس إلى القدماء".
لا يزال الذين أوتوا رسوخاً في العلم يفحصون كل رواية، أو أي رأي تقع عليه أنظارهم، وهذا شأنهم في كل عصر، ولكن الرسوخ في العلم يدور على ما يتهيأ لطلاب العلم من حسن نظام التعليم، ومن الظروف المساعدة لهم على أن تكون هممهم كبيرة، وجدّهم متواصلاً.
ننظر إلى ماضي الشرق، فنرى العصور والبيئات التي يجري فيها التعليم على طريقة التحقيق، كانت تنبت رجالاً مجتهدين في كل علم تناله أيديهم، وعلوم الشريعة والاجتماع واللغة والفلسفة في هذا الاجتهاد سواء، فالمئة الثامنة -مثلاً- أخرجت كثيراً ممن اصطنعوا ملكاتهم الناقدة بالقياس إلى القدماء. ثم بليت الحالة العلمية بخمول، ولم تجد أيدياً قوية تنهض بها إلى أن يتنافس في مثلها المتنافسون، فلا عجب إذا لم بقص علينا التاريخ بعد ذلك القرن أسماء رجال كثير يصطنعون ملكاتهم الناقدة في صورة بارزة.
فاصطناع الملكات الناقدة يتبع غزارة العلم، وانتظام أسلوب التعليم، فكل من غاص في علم، ومشى في مباحثه على نظام، فلا بدّ من أن يصطنع ملكته الناقدة بالقياس إلى القدماء، وربما خرج من ناحية التعليم غير المنتظم رجال يتصرف في معلوماتهم الذكاء الفطري، فينظمها، ثم ينهض بهم إلى أن يضعوا كل رأي أو رواية تحت النظر، ولا يقبلوا منها إلا ما ثبت على النقد والتمحيص.
(8/356)

* نقد خرافات في أفواه العجائز:
قال المؤلف في (ص 130): "وزعموا أن الرجل من الأجيال القديمة كان من الطول والضخامة والقوة، بحيث كان يغمس يده في البحر، فيأخذ منه سمكاً، ثم يرفع يده في الجو، فيشويه في جذوة الشمس، ثم يهبط بيده إلى فمه، فيزدرد شواءه ازدراداً".
يتواضع المؤلف إلى نقد خرافات لم يبق لها أثر إلا في أفواه العجائز حين يؤانسون الأطفال، مرت علينا سنون، وقصة عوج بن عنق أو "عوق" غائبة عنا، لا نلمحها إلا في بعض كتب قديمة تسوقها في معرض الإِنكار، ولم يكن يخطر على بالنا أنها ستحيا بعد أن أقبرت وأصبحت عظاماً نخرة، ثم تتجول في نوادي الأدب إلى أن تشهد محاضرات أستاذ لآداب اللغة العربية في الجامعة.
كتب القدماء في إنكار هذه الأسطورة وأمثالها، وجعلوا هذا من أساطير القصّاص الذين يقولون ما لا يعلمون، قال الفيلسوف ابن خلدون في "مقدمة تاريخه" (1): "وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظروا إلى آثار الأقدمين، ومصانعهم العظيمة، مثل: إيوان كسرى، وأهرام مصر، وحنايا المعلقة (2) وشرشال بالمغرب: أنها كانت بقدرهم متفرقين أو مجتمعين، فيتخيل أجساماً تناسب ذلك أعظم من هذه بكثير في طولها وقدرها؛ لتناسب بينها وبين القدر التي صدرت تلك المباني عنها .. وإنما هذا رأي أولع به القصّاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة"، وساق قصة عوج التي تحدث بها المؤلف،
__________
(1) (ص 288).
(2) في حوالي مدينة تونس.
(8/357)

وأنحى عليها بالإنكار.

* قوة الحافظة عند القدماء والمعاصرين:
قال المؤلف في (ص 130): "فهل تظن أن الذين يثقون بخلف، وحمّاد، والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء، يثقون بهم لشيء غير ما قدمت لك؟ كلا! كان هؤلاء الناس أحسن من المعاصرين أخلاقاً، وأقل منهم ميلاً إلى الكذب، كانوا أذكى منهم أفئدة، كانوا أقوى منهم حافظة، كانوا أثقب منهم بصائر، لماذا؟ لأنهم قدماء؛ لأنهم كانوا يعيشون في هذا العصر الذهبي! أليس العصر العباسي عصراً ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر الذي نعيش فيه؟! ".
لم يكن رأي أهل العلم في هؤلاء الرواة إلا على نحو ما يسعه تاريخ حياتهم، فيجيزون على خلف أن يكون صنع أشعاراً، ونحلها طائفة من الشعراء، ثم أناب، وبيّن ما نحل من الشعر، ويرون أن حمّاداً لم يكن صادقاً في كل ما يرويه، وأن أبا عمرو بن العلاء، والأصمعي كانا على صدق فيما يرويان، وأنّ صدقهما لا يمنع من أن يطلع باحث ذو أناة على أن شعراً منحولاً دخل فيما روياه.
ولم يغب عن الناس حال تلك المبالغات التي تدخل في تقدير محفوظات القدماء، وإذا كان ما يحفظه أولئك الرواة من الشعر أكثر مما يحفظ أدباء هذا العصر وعلماؤه، فلأنهم كانوا ينفقون مجهودهم في هذا السبيل، ولو أن قويّ الحافظة في عصرنا يصرف شبيبته في حفظ اللغة والشعر كما يصرفون، ويعرف أن لعمله قيمة كما عرفوا، لكان نصيبه منهما لا يقل عن نصيب حماد، أو أبي عمرو، أو خلف، أو الأصمعي.
(8/358)

ولا ندري من هذا الذي يعتقد أن خلفاً، أو حمّاداً، أو أبا عمرو، أو الأصمعي أذكى من المعاصرين أفئدة! ولم يقع من الناس سوى أنهم يرجعون إليهم وإلى أمثالهم في أمر كانوا يقومون عليه، ولا طمع في الوصول إليه من غير طريقهم، وهو هذا الشعر العربي.
والناس يعرفون تاريخ العصر العباسي، وما كان فيه من جد وهزل، وتقوى وفجور، وإذا سمّوه ذهبياً بالقياس إلى هذا العصر، فلأن الأمة كانت ذات عز وسلطان، تعزم فتقدم، وتقول فتفعل، وكيفما كان حالها، فإن أعداءها يهابون سطوتها، وحرام عليهم أن يطؤوا موطئاً يغيظها، وأدنى شيء يجعله ذهبياً هو أن فاقدي الفضيلة؛ كبعض رجال "حديث الأربعاء"، لم يجدوا طريقاً إلى أن يتصلوا بالعدوة ليتخذ من أقلامهم سلاحاً يحارب به هذا الإسلام، الذي يأبى لأهله إلا أن يعيشوا أعزاء، أو يموتوا شهداء.

* عقول المحدثين والقدماء:
قال المؤلف في (ص 131): "كان القدماء يكذبون كما يكذب المحدثون، وكان حظ القدماء من الخطأ أعظم من حظ المحدثين؛ لأن العقل لم يبلغ من الرقي في تلك العصور ما بلغ في هذا العصر، ولم يستكشف من مناهج البحث والنقد ما استكشف في هذا العصر".
يعلم الناس من هذه النظم المادية والفنون الحيوية أن المحدثين أوسعوا دائرة هذه العلوم، وحققوا أشياء كانت غامضة، واستكشفوا أموراً كانت مجهولة، وهذا لا يدل على أن العقول التي وضعها الله في أدمغة المحدثين أكبر من عقول القدماء، وإنما هي سنّة ترقي العلوم والفنون، وأن يبني المتأخر على الأساس أو الحجر الذي يضعه المتقدم، ولو أخذنا نبغاء هؤلاء المحدثين،
(8/359)

وحشرناهم في بعض العصور المتقدمة، لم يأتوا بأحسن مما أتى به نبغاء ذلك العصر، ولم يكن نصيبهم من المؤلف إلا أن يجعل حظهم من الخطأ أكثر من حظه، ويقول عنهم: إن مناهجهم في النقد أضعف من مناهجنا.
لا ينازع أحد في أن المحدثين قطعوا في هذه العلوم شوطاً واسعاً، وأظهروا لها آثاراً أكثر مما أظهر القدماء؛ والذي نقف في بحثه، ولا نمضي عليه في حين غفلة، هو أن المباحث والآراء التي لا تقوم على وسائل مادية محضة؛ كآداب الاجتماع، وعلم ما وراء الطبيعة، ونقد أدب اللسان، لم يبلغ المؤلف وأمثاله من المحدثين أن يكونوا أبصر بها وأصوب نظراً من أولئك القدماء.
(8/360)

امرؤ القيس
* قبيلة امرئ القيس:
ابتدأ المؤلف هذا الفصل بالحديث عن امرئ القيس.
وقال في (ص 132): "مَن امرؤ القيس؟ أما الرواة، فلا يختلفون في أنه رجل من كندة. ولكن مَن كندة؟ لا يختلف الرواة في أنها قبيلة من قحطان، وهم يختلفون بعض الاختلاف في نسبها، وفي تفسير اسمها، وفي أخبار سادتها. ولكنهم على كل حال يتفقون على أنها قبيلة يمانية".
يزعم المؤلف أنه سيغيّر تاريخ العرب، والتغيير فنون، ومن فنونه هذا الذي يقوله هنا من أن الرواة اتفقوا على أن كندة قبيلة يمانية، يحكي هذا الاتفاق في حال أن كتباً كثيرة تنطق بأن طائفة كانت تذهب إلى أن كندة قبيلة عدنانية، فهذا ابن الكلبي يقول في كتاب "الافتراق": "وكان لجنادة بن معدّ الغمرُ: غمر ذي كندة وما صاقبها، وبها كانت كندة دهرها الأول، ومن هنالك احتج القائلون في كندة ما قالوا، لمنازلهم في غمر ذي كندة، يعني: من نسبهم في عدنان" (1). وهذا البكري يقول في "معجم ما استعجم": "وكندة ابن ثور من جنادة، ومن نسَب كندة في معد يقول: ثور بن عفير بن جنادة
__________
(1) "معجم ياقوت" في اسم (الغمر).
(8/361)

ابن معد، قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا سلكت غمر ذي كندة ... مع الركب قصداً لها الفرقد"

* ترجمة امرئ القيس:
أخذ المؤلف يذكر اختلاف الرواة في اسم امرئ القيس، واسم أبيه، واسم أمه، واختلافهم في أن له ولداً، أو كان عقيماً.
ثم قال في (ص 133): أوأي شيء أيسر من أن نأخذ ما اتفقت عليه كثرة الرواة على أنه حق لا شك؟ وكثرة الرواة قد اتفقت على أن اسمه جندح ابن حجر، ولقبه امرؤ القيس، وكنيته أبو وهب، وأمه فاطمة بنت ربيعة، على هذا اتفقت كثرة الرواة. وإذا اتفقت الكثرة على شيء، فيجب أن يكون صحيحاً، أو على أقل تقدير يجب أن يكون راجحاً.
أما أنا، فقد أطمئن إلى آراء الكثرة، أو قد أراني مكرهاً على الاطمئنان لآراء الكثرة في المجالس النيابية وما يشبهها. ولكن الكثرة في العلم لا تغني شيئاً؛ فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها، وظهر أن الكثرة كانت مخطئة. وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنه غير صحيح. فالكثرة في العلم لا تغني شيئاً".
لا ندري في أي بحث، أو في أي فن يحسن المؤلف أن ينطق، فيقول صواباً، يريد أن يخيل إلى الطائفة التي يسميها مستنيرة: أن أهل العلم في الشرق، يرجعون إلى الترجيح بالكثرة عند اختلاف الآراء، أو تعدد الروايات، وهذا التخييل غير مطابق للحقيقة، وهمم أهل العلم أكبر من أن تنحط إلى هذه الخطة المبتذلة.
المعلوم إما معقول؛ كحدوث العالم، أو مشاهد؛ كالألوان والأصوات.
(8/362)

أما المعقول، وهو ما يكتسب بالأدلة النظرية، فلا يترجح فيه رأي الأكثرية على الأقلية عند عالم نحرير، وكثيراً ما تكون الأقلية في هذا القسم على حق، وتكون الأكثرية على باطل.
وأما المشاهد، وهو ما يدرك بنحو السمع والبصر، فقد يحدثك عنه جمع كثير استوفى شرط التواتر، فيكون العلم الحاصل من هذا الحديث يقينياً، ويسقط بجانبه خبر الأقلية بلا مرية ولا نزل. فإن لم يستوف كل من الجمعين شرط التواتر، ترجح خبر أوفرهما صدقاً ونباهة، وإن كان أقلهما عدداً، فإن تساويا في الصدق والنباهة الكافية في ضبط حال المخبر عنه، وكان أحد الجانبين أكثر من الآخر عدداً، فهذا ما يمكن أن يكون موضع نظر أو خلاف، ومن فروع هذا: اختلاف الفقهاء في ترجيح بينة على أخرى بأكثرية شهودها، وكذلك اختلف الأصوليون في ترجيح الأخذ بحديث على الأخذ بحديث آخر؛ لأكثرية رواته.
ومن يذهب إلى أن للكثرة أثراً في الترجيح، يعتمد على أن ظنّ موافقة الكثرة للحقيقة يكون أقوى، واحتمال وقوع الغلط أو الكذب على العدد الكثير أبعد من احتمال وقوعه في العدد القليل. ولا ننسى أن المسألة مفروضة فيما لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرواية، ولا يجد الناظر لتقديم أحد الخبرين على الآخر وجهاً غير هذه الكثرة.
وإذا رجعنا إلى علماء العربية، وجدناهم ينظرون في الترجيح إلى ثقة الراوي، فإن لم يجدوا لها ولا لغيرها من المرجحات سبيلاً، عادوا إلى الترجيح بكثرة الرواة كما يفعل جمهور الأصوليين.
وخلاصة هذا: أن الأقوال إما أن تكون من قبيل الرأي، والترجيح
(8/363)

فيها إنما يرجع فيه إلى الأدلة النظرية، وإما أن تكون من قبيل الرواية، وهذا هو الذي يمكن أن يُرجح فيه جانب الكثرة على جانب القلة.
وقد رأيت المؤلف كيف خلط في حديثه بين الرواية والرأي، وحشر كثرة الآراء في المجالس النيابية، ونظرية كروية الأرض في موضع الكلام عن الترجيح بالكثرة فيما لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرواية.

* امرؤ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث:
أراد المؤلف أن يضع قصة امرئ القيس في معمل فلسفته الممتازة، فحام على تاريخ كندة في الإسلام، ووقع على أسرة الأشعث بن قيس، وأخذ يقص كيف وفد من كندة وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى رأسه الأشعث، وكيف ارتدت كندة، وكيف تاب الأشعث، واشترك في فتح الشام، وفتح الفرس، وتولى عملاً لعثمان، وظاهر علياً على معاوية، ثم انتقل إلى الحديث عن ابنه محمد بن الأشعث، وذكر اعتماد زياد عليه في أخذ حجر بن عدّي الكندي، وعرج على قتل معاوية لحجر بن عدّي هذا في نفر من أصحابه، وانتقل إلى سيرة عبد الرحمن بن الأشعث، وثورته بالحجّاج، وخلعه لعبد الملك، ووقوعه في يد عامل الحجّاج، وانتهاء واقعته بقتل نفسه.
عقد المؤلف مشابهة بين امرئ القيس وعبد الرحمن بن الأشعث، وزعم أن عبد الرحمن ثار منتقماً لحجر بن عدّي، كما أن امرأ القيس قام مطالباً بثأر أبيه، وذكر في وجه الشبه: أن كلاً منهما طامع في الملك، متنقل في البلاد، مستعين بملك: امرؤ القيس بقيصر، وعبد الرحمن بملك الترك، وأن كلاً منهما غدر به الملك الذي التجأ إليه، ويتشابهان في أن كلاً منهما مات في طريقه عائداً من بلاد الملك الذي التجأ إليه.
(8/364)

ثم قال في (ص 137): "أليس من اليسير أن نفترض، بل أن نرجح: أن حياة امرئ القيس كما يتحدث بها الرواة ليست إلا لوناً من التمثيل لحياة عبد الرحمن استحدثه القصّاص إرضاء لهوى الشعوب اليمانية في العراق، واستعاروا له اسم الملك الضلّيل اتقاء لعمال بني أمية من ناحية، واستغلالاً لطائفة يسيرة من الأخبار كانت تعرف عن هذا الملك الضلّيل من ناحية أخرى؟ ".
ونحن نلقي عليك واقعة عبد الرحمن بن الأشعث في تلخيص وإيجاز، لتعلم أن بينها ويين قصة امرئ القيس من الفرق ما لا يجتمعان به إلا في مخيلة تتراكم فيها صور الأشياء على غير نظام.
يذكرون أن الحجّاج كان يبغض عبد الرحمن بن الأشعث، ويقول: ما رأيته قط، إلا أردت قتله، وكان عبد الرحمن يعرف هذه السريرة من الحجّاج، ويقول: أنا أزيله عن سلطانه.
كان الحجّاج والياً على العراق وخراسان وسجستان، فجهز جيشاً لفتح بلاد (رتبيل) ملك الترك، وبعثه تحت راية عبد الرحمن.
سار عبد الرحمن بالجيش حتى دخل في طرف من بلاد (رتبيل)، ثم عقد الرأي مع الجيش على أن يرجئوا التوغل في البلاد إلى العام المقبل، وبلغ الحجّاج ما عزم عليه عبد الرحمن من هذه الهدنة، فأمره بالمضي في سبيل الفتح، وهدده بالعزل إذا هو لم يفعل، فائتمر عبد الرحمن والجيش الذي تحت قيادته بخلع الحجّاج، ثم نادوا بخلع عبد الملك، وبايعوا عبد الرحمن، وأقبلوا إلى العراق.
دارت حروب بين عبد الرحمن والحجّاج كانت عاقبتها أن انقلب
(8/365)

عبد الرحمن منهزماً إلى سجستان. لحق بكرمان، فلقي من عامله بها نزلاً مهيَّأً، ثم رحل إلى "زرنج" (1) فتنكر له عامله هنالك، وأغلق باب المدينة دونه، فانصرف إلى "بست"، وكان عامله عليها عياض بن هيمان، فاستقبله، ثم أوثقه في غفلة من قومه؛ لينال به عند الحجّاج قرباً وسلاماً، وكان (رتبيل) قد ركب لاستقبال عبد الرحمن، فنزل على "بست"، وهدد عياضاً، فأطلق سبيله، وحمله إلى بلاده، وأنزله في جواره.
تتابعت كتب الحجّاج إلى (رتبيل) في أن يبعث إليه عبد الرحمن، وكان من أثر هذه الكتب، وما تحمله من ترغيب وترهيب: أن بعث (رتبيل) بعبد الرحمن مقيداً إلى عمارة بن تميم؛ ليضعه في يد الحجّاج، فرمى عبد الرحمن بنفسه من سطح قصر، فهلك، وأرسل عمارة برأسه إلى الحجّاج.
نرى عرض هذه القصة على وجهها التاريخي كافياً لنقض ما يزعمه المؤلف من المشابهة بينها وبين قصة امرئ القيس، ومن أن قصة امرئ القيس موضوعة رمزاً لها.
وأول ما يخطر لك: أن عبد الرحمن بن الأشعث لم يقم للأخذ بثأر حجر بن عدّي، وتستبعد هذا الذي يدعيه المؤلف من جهة أن القرابة بين عبد الرحمن وحجر لم تكن من الشدة بحيث تحمل على الخوض في محاربة دولة ذات شوكة انتقاماً لها؛ فإن عبد الرحمن إنما يلتقي بحجر في الأب الخامس، وهو معاوية بن جبلة، ويضاف إلى هذا: أن القاتل لحجر معاوية ابن أبي سفيان، وصاحب الدولة يوم ثورة عبد الرحمن عبد الملك بن مروان، ويزاد على هذا: أن قتل معاوية لحجر كان في سنة 51 ه، وثورة عبد الرحمن
__________
(1) مدينة سجستان.
(8/366)

على عبد الملك كانت في سنة 81 ه، وثلاثون سنة تمر على الواقعة شأنها أن تخفف من تغيظ النفس لها إلى حد ألا يبقى فيها من أثر الغيظ ما يدفع إلى اقتحام الأهوال، والخطار بالحياة في فتنة عمياء.
ويبدو لك بعد هذا: أن ابن الأشعث إنما طلب الملك بالجيش الذي كان تحت قيادته، ولم يستعن عليه بملِك كما يزعم المؤلف، والذي وقع في (رتبيل) أنه استقبله بعد عودته في هزيمة ويأس من الملك الذي طمع فيه، ولم يرج منه ابن الأشعث أكثر من أن يحميه ويؤامنه من سطوة الحجّاج.

* شعر امرئ القيس:
تحدث المؤلف بأن شعر امرئ القيس ينقسم إلى قسمين: أحدهما يتصل بهذه القصة، فشأنه شأنها في الانتحال، وأنه شعر إسلامي لا جاهلي، ثانيهما لا يتصل بهذه القصة، وإنما يتناول فنوناً من القول مستقلة من الأهواء السياسية والحزبية.
ثم قال في (ص 138): "فامرؤ القيس هو الملك الضلِّيل حقاً، نريد: أنه الملك الذي لا يعرف عنه شيء يمكن الاطمئنان إليه. هو ضلُّ بن ضلٍّ كما يقول أصحاب المعاجم اللغوية". وبعد أن عقد مشابهة بينه وبين (هوميروس) الشاعر اليوناني، قال في (ص 139): "ونحن نذهب هذا المذهب نفسه في تفسير هذه الأخبار والأشعار التي تمس تنقل امرئ القيس في قبائل العرب، فهي محدثة انتحلت حين تنافست القبائل العربية في الإسلام، وحين أرادت كل قبيلة وكل حي أن تزعم لنفسها من الشرف والفضل أعظم حظ ممكن".
لعلك عرفت أن ما يزعم المؤلف من أن قصة امرئ القيس رمز إلى
(8/367)

واقعة ابن الأشعث قول مرغوب عنه، وهو إلى المزح أقرب منه إلى الجد، وما لنا إلا أن ننظر في تحقق شخصية امرئ القيس، ثم ننظر في مبلغ الثقة بأن هذا الشعر صادر عنه.
يجد الباحث في كتب الأدب والتاريخ روايات متفرقة، وآثاراً مختلفة، تدل على أن شاعراً من كندة يقال له: امرؤ القيس. وربما يكون كل رواية أو أثر بانفراده محتملاً لأن يرتاب فيه، ولكن مجموعة هذه الروايات والآثار تلقي في نفسك الثقة بأن امرأ القيس كان شاعراً جاهلياً، وأن له شعراً يدور بين الناس.
أما هذا الشعر المضاف إليه، فقد نقده علماء الأدب، ونفوا عنه قسماً ذكروا أنه محمول عليه، نفوا عنه أبياتاً من قصائد، وقد ضربنا فيما سلف، وسنضرب لهذا الصنيع مثلاً، وارتابوا في قصائد بجملتها، فتجدهم يوردون القصيدة، ويقولون لك: ويقال: هي لبشر بن أبي خازم، أو لأسامة البجلي، أو لعبد الله بن عبد الرحمن السلامي، أو لأبي دؤاد الإيادي، أو لرجل من كندة، أو لرجل من بني النمر يقال له: ربيعة بن جشم، أو لعمرو المرادي.
نقدوا شعر امرئ القيس جهد استطاعتهم، فنفوا ما قام الدليل من رواية أو نظر على أنه منحول، وكفّوا عن البقية؛ لأنها جاءت على طريق الثقات، لم يجدوا لقطع صلتها عنه وإلحاقها بالمصطنع من سبيل.

* قصيدة امرئ القيس في السموأل:
قال المؤلف في (ص 139): "وقد أحسّ القدماء بعض هذا، فصاحب "الأغاني" يحدثنا أن القصيدة القافية التي تضاف إلى امرئ القيس على أنه قالها بمدح السموأل حين لجأ إليه منحولة، نحلها دارم بن عقال، وهو من
(8/368)

ولد السموأل. وأكبر ظننا أن دارم بن عقال لم ينحل القصيدة وحدها، وإنما نحل القصة كلها، وانتحل ما يتصل بها أيضاً: نحل قصة ابن السموأل الذي قتل بمنظر من أبيه حين أبى تسليم أسلحة امرئ القيس".
يصف القدماء الشعر بالانتحال مستندين إلى نقل موثوق به، أو نظر يصحبه ذوق سليم، وحكمهم على قصيدة، أو قصائد من شعر امرئ القيس لا يجعلونه وسيلة إلى إنكار كل ما يضاف إليه، أو يذهبون به إلى أن هذا الشعر الذي يعزى إلى الجاهليين ليس من الجاهليين في شيء.
أعاد المؤلف الحديث عن قصيدة امرئ القيس في السموأل، وتنبيه صاحب "الأغاني" على انتحالها، وقال: إن دارماً نحل القصة، وما يتصل بها جميعاً، وقد مشى في هذا وراء جرجي زيدان، والفارق بينهما: أن المؤلف حسِبَك من الطائفة التي يسميها مستنيرة، فلم يزد على أن جعل هذا الزعم أكبر ظنه، أما جرجي زيدان، فقد حدثك في هيئة الباحث في العلم؛ حيث قال في "آداب اللغة العربية" (1) يصف السموأل: "وحديثه مع امرئ القيس الشاعر والأدرع أشهر من أن يذكر، حتى يتبادر إلى الذهن أن العرب وضعوا ذلك الحديث، أو بالغوا فيه على سبيل التمثيل؛ ترغيباً في الوفاء؛ فإن الطبيعة تأبى على الرجل أن يضحي ابنه في سبيل الوفاء، ولا نقول: إن ذلك مستحيل، لكنه بعيد الحدوث".

* قصيدة الأعشى في شريح بن السموأل:
قال المؤلف في (ص 139): "نحل قصة الأعشى الذي استجار بشريح
__________
(1) (ج 1 ص 147).
(8/369)

ابن السموأل، وقال فيه هذا الشعر المشهور:
شريح لا تتركني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري"
ثم سرد القصيدة في ثلاثة عشر بيتاً.
المعروف في طريق نقد الشعر: أن يستند الناقد إلى رواية، أو تاريخ ينفيه عمن نسب إليه، أو يستبين بالنظر الصحيح أن هذا الشعر لا يلتئم من حيث معانيه أو صناعته بحال الشاعر، أو العصر الذي أنشد فيه. بين يدي المؤلف قصيدة، وشاعر، وممدوح، فقال: إن هذه القصيدة منحولة، ولم يأتنا برواية تنسبها إلى غير الأعشى، أو بتاريخ يدل على أن الأعشى وشريحاً لم يلتقيا في عصر، أو يذكر وجهاً يعرف به قراء كتابه كيف لا يصح أن تكون هذه القصيدة من نظم الأعشى، وقصارى ما فعل بهذه القصيدة: أن قاسها على قصيدة امرئ القيس التي نقدها صاحب الأغاني، وساق الوجوه التي جعلته يرتاب في نسبتها إلى امرئ القيس.
يذهب المؤلف في نقد الشعر هذا المذهب الذي ترونه بأعينكم، ثم يقول في غير أناة: إن مناهج القدماء في نقد تاريخ الأدب أضعف من مناهجنا!.

* قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية:
قال المؤلف في (ص 140): "ثم كانت هذه القصة سبباً في انتحال قصة أخرى هي قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية، وما يتصل بها من الأشعار".
من الجائز أن يكون في الأخبار المتصلة بقصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية ما ليس بثابت، ولا سيما ما يحكيه الرواة أنفسهم بنحو قولهم:
(8/370)

"ويقال"، أو "زعموا"، أو: "وذكروا". أما أصل القصة، فقد تواردت عليه الروايات، وما تتوارد عليه الروايات لا ينساب إلى الحكم عليه بالانتحال وهو أعزل من البينة إلا من يخف على لسانه أن يقول ما لا يمليه عليه العقل.
وليست الروايات العربية وحدها تذهب إلى أن امرأ القيس رحل إلى القسطنطينية مستنجداً بملك الروم على بني أسد، فإنك تجده في كتاب "شعراء النصرانية" (1) معزوّاً إلى تاريخ الروم. وإليك ما في الكتاب: "وقد جاء ذكر امرئ القيس في تاريخ الروم مثل: "نونوز"، و"بركوب"، وغيرهما، وهم يسمونه: قيساً، وقد ذكروا أنه قبل وروده على قيصر "يوستينيانس" أرسل إليه وفداً يطلب منه النجدة على بني أسد، وعلى المنذر ملك العراق .. ثم أخبر المؤرخون المومأ إليهم: أن امرأ القيس لم يلبث أن سار بنفسه إلى قسطنطينية ... قد ذكر "نونوز" المؤرخ أن "يوستينيانس" قلده إمرة فلسطين، إلا أنه لم يسع في إصلاح أمره، وإعادة ملكه، فضجر امرؤ القيس، وعاد إلى بلده، وكانت وفاته نحو سنة 565 م، أصابه مرض كالجدري في طريقه كان سبب موته".

* امرؤ القيس: يمنيّ الأصل، نجدي المولد والنشأة:
ذكر المؤلف ملاحظة، قال في التهويل بها:
"لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس -إن صحت أحاديث الرواة- يمنيّ، وشعره قرشي اللغة، فكيف نظم الشاعر اليمني شعره في لغة أهل الحجاز؟! ". ثم قال في (ص 142): "سيقولون: نشأ امرؤ
__________
(1) (ج 1 ص 35).
(8/371)

القيس في بني أسد، وكانت أمه من بني تغلب، وكان مهلهل خاله، فليس غريباً أن يصطنع لغة عدنان، ويعدل عن لغة اليمن. ولكننا نجهل هذا كله، ولا نستطيع أن نثبته إلا من طريق هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس، ونحن بشك (1) في هذا الشعر، ونصفه بأنه منتحل. وإذاً، فنحن ندور: نثبت لغة امرئ القيس التي نشك فيها بشعر امرئ القيس الذي نشك فيه".
لسنا في حاجة إلى إعادة البحث في مقدار الفرق بين لغة اليمن ولغة نجد والحجاز قبل الإسلام بنحو عصر؛ فإن امرأ القيس يمني الأصل، نجدي المولد والنشأة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (2) يذكر امرأ القيس: هو: "ابن حجر بن عمرو الكندي، وهو من أهل نجد من الطبقة الأولى، وهذه الديار التي وصفها في شعره كلها ديار بني أسد".
يقول الرواة: إن امرأ القيس يمنيٌّ نشأ في نجد، والمؤلف يخرج على أدب البحث، فيؤمن لهم بأنه يمني، ويتعاصى عن قبول أن يكون نشأ في نجد، يقسم كلامهم شطرين، فيؤمن بشطر، ويكفر بشطر؛ حتى يجد الوسيلة إلى مجادلتهم، أو مغالطتهم بأن لغة اليمن غير لغة عدنان، وأن هذا الشعر الذي يعزى إلى امرئ القيس مصوغ في لسان عدناني مبين.
ومن البديهي أن الذي يتصدى لمجادلة من يقولون: امرؤ القيس يمني نشأ في نجد، وليس له علم بهذا الشاعر من غير طريقهم، إما أن يصدقهم في يمنيته ونشأته في نجد، وإما أن يكذبهم في الأمرين كليهما، فهذا الدوران
__________
(1) كذا بالأصل، ولعلها محرفة عن "نشك".
(2) (ص 37).
(8/372)

الذي يشكوه المؤلف إنما وقع فيه من جهة أنه قَبِلَ من الرواة أن يكون امرؤ القيس يمنياً، وأبى لهم أن تكون نشأته في نجد!.

* شعر امرئ القيس في أخواله:
تعرض المؤلف لما يقوله بعض الرواة من أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل، وكليب، وذكر حرب البسوس.
ثم قال في (ص 143): "فمن العجيب ألا يشير امرؤ القيس بحرف واحد إلى مقتل خاله كليب، ولا إلى بلاء خاله مهلهل، ولا إلى هذه المحن التي أصابت أخواله من بني تغلب، ولا إلى هذه المآثر التي كانت لأخواله على بني بكر".
لا ندري من ذا يقول للمؤلف: إن ما يعزى إلى امرئ القيس، أو إلى أي شاعر عربي هو كل ما صنعته قريحته من منظوم، وإذا جمع بعضُ الرواة منظوم أحد الشعراء، فإنما يجمع المقدار الذي انتهى إليه، فمن الجائز أن يكون امرؤ القيس قد أشار في شعر آخر إلى مقتل خاله كليب، وبلاء خاله مهلهل، والمحن التي أصابت أخواله، والمآثر التي كانت لهم، وذهب هذا الشعر مع الرواة الذين قتلوا في حروب الردة، أو الفتن، أو الفتوح، والمؤلف نفسه يحكي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه كان يقول: ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا أقله، ولو جاءكم وافراً، لجاءكم علم وشعر كثير (1).
وإذا فرضنا أن هذا الشعر الذي بين أيدينا هو كل ما جادت به قريحة امرئ القيس، وجارينا المؤلف في رأيه أن الشاعر لا بدّ أن يأخذ في شعره
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 66).
(8/373)

حروباً لم يشهدها، ويذكر فيه مقتل خاله إن قتل، وبلاءه إن أبلى، لما ترتب على هذا أثر أكثر من أن تكون رواية أن امرأ القيس ابن أخت مهلهل وكليب رواية باطلة، وطرحُ هذه الرواية التي تجيء في بعض كتب الأدب أقرب إلى المعقول من طرح هذا الشعر الذي يقول الرواة الثقات: إنه لامرئ القيس.

* معلقة امرئ القيس:
قال المؤلف في (ص 144): "وهذا البحث ينتهي بنا إلى أن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء، وإنما هو محمول عليه حملاً، ومختلق عليه اختلاقاً".
ذهب المؤلف في بعض الصحف من كتابه (1) إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون له.
ومقتضى تمسكه بأن امرأ القيس يمني مولداً ونشأة، وأن لغة قحطان نازلة من لغة عدنان منزلة اللغات غير العربية: أن يكون جميع هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس منحولاً، فإنا لم نجد شيئاً منه على غير اللغة التي ينظم فيها شعراء نجد والحجاز. ولكن المؤلف يقول في هذه الصحيفة: إن البحث يتتهي به إلى أن أكثر هذا الشعر ليس من امرئ القيس في شيء، ومعنى هذا: أن في الشعر المضاف إلى امرئ القيس شعراً هو منه في شيء، وأظن أن المؤلف سيجد كثيراً من المشقة والعناء ليحل هذه المشكلة.
وأقبل المؤلف على المعلَّقة، وذكر أنه لا يعرف قصيدة يظهر فيها التكلف
__________
(1) (ص 9).
(8/374)

أكثر مما يظهر في هذه القصيدة، وأنه لا يحفل بقصة تعليق هذه القصائد السبع أو العشر؛ لأنها نشأت في عصر متأخر جداً، ولا يثبتها شيء في حياة العرب وعنايتهم بالآداب.
ثم قال في (ص 144): "ولكننا نلاحظ أن القدماء أنفسهم يشكّون في بعض هذه القصيدة، فهم يشكون في صحة هذين البيتين:
ترى بعَر الأرآم في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حبّ فلفلِ
كأني غداة البينِ يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظلِ
وهم يشكون في هذه الأبيات:
وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل"
وسرد المؤلف الثلاثة الأبيات بعدها.
القدماء وأنصار القديم هم الذين أنكروا رواية تعليق هذه القصائد على الكعبة، ومنهم من لم يرض عن رواية تعليقها في الدفاتر أيضاً، وقالوا: إنما سمّيت معلقات؛ لعلوقها بأذهان صغارهم وكبارهم، ومرؤوسيهم ورؤسائهم، وذاك لشدة عنايتهم بها، ولعل هذا أحسن وجه في تسميتها معلقات. وإنا لنجد في تاريخ الأدب آثاراً قديمة تشهد بصحتهما، ففي "اختيار المنظوم والمنثور" (1): "روي أن معاوية أمر الرواة أن ينتخبوا قصائد يرويها ابنه، فاختاروا له اثنتي عشرة قصيدة؛ منهن:
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"
"لخولة أطلال ببرقة ثهمد"
__________
(1) تأليف أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى سنة 280 ه.
(8/375)

"أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم"
"آذنتنا ببينها أسماء"
"عفت الديار محلها فمقامها"
"ألا هبّي بصحنك فاصبحينا"
"إن بدّلت من أهلها وحوشا"
"بسطت رابعة الحبل لنا"
"يا دار ميّة بالعلياء فالسند"
"يا دار عبلة بالجواء تكلّمي"
وبعد أن تكلم أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر عن هذه القصائد، قال: "ولولا شهرة هذه القصائد، وكثرتها على أفواه الرواة وأسماع الناس، وأنها أول ما يتعلم في الكتاب، لذكرناها". والمروي عن المفضّل الضبّي: أن العرب كانوا يسمون القصائد السبع: السموط، ذكر صاحب "جمهرة أشعار العرب" امرأ القيس، وزهيراً، والنابغة، والأعشى، ولبيداً، وعمرو ابن كلثوم، وطرفة، ثم روى عن المفضّل الضبّي: أنه قال: "هؤلاء أصحاب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة".
ذكر المؤلف: أن القدماء يشكّون في صحة بعض أبيات من معلقة امرئ القيس، أما البيتان الأولان، وهما: "ترى بعر الأرآم ... إلخ"، فهما من رواية أبي عبيدة، ولم يروهما الأصمعي، وقال: الأعراب ترويهما. ونقل عنه أبو جعفر أنهما من المنحول. وفي "كتاب التصحيف والتحريف"
(8/376)

للعسكري: أن أبا الوثيق يضيف البيت الثاني من هذين البيتين، وهو: "كأني غداة البين ... إلخ" لابن خذام.
وأما أبيات "وقربة أقوام ... إلخ"، فقد رواها بعض الرواة. وقال الأصمعي، وأبو عبيدة، ويعقوب بن السكيت، وغيرهم: إنها ليست منها، قال التبريزي: وزعموا أنها لتأبط شراً.
ونقد الرواة للقصيدة، وتمييز هذه الأبيات الستة بالانتحال، يدل على أن أصلها ثابت النسبة لامرئ القيس أكثر مما يدل على انتحال القصيدة بأسرها.

* اختلاف الرواة في ألفاظ القصيدة:
قال المؤلف في صفحة (145): "وهم -بعد هذا- يختلفون اختلافاً كثيراً في رواية القصيدة: في ألفاظها، وفي ترتيبها، ويضعون لفظاً مكان لفظ، وبيتاً مكان بيت. وليس هذا الاختلاف مقصوراً على هذه القصيدة، وإنما يتناول الشعر الجاهلي كله، وهو اختلاف شنيع يكفي وحده لحملنا على الشك في قيمة هذا الشعر".
اختلاف الرواة في ألفاظ القصيدة ناشئ عن أمرين:
أحدهما: أن الراوي قد يعمد إلى البيت ثطق به الشاعر على لغته، فيغير منه الكلمة إلى ما يوافق لغته.
ثانيهما: أن الراوي قد تسقط منه الكلمة على وجه النسيان، فيجتهد لأن يضع مكانها كلمة تؤدي معناها أو تقاربها، وما كانوا يرون في هذا من بأس ما دام الغرض الذي يرمي إليه الشاعر قائماً.
ومن المحتمل أن يكون الشاعر نفسه قد أنشد البيت على وجهين، أو
(8/377)

وجوه في أوقات مختلفة، فقد يبدو له أن كلمة أليق من كلمة، أو تسقط من حافظته الكلمة التي أنشأ عليها القصيدة أولاً.
وأما اختلاف الرواة في ترتيب الأبيات في بعض القصائد، فلا يظهر للاستشهاد به على انتحالها وجه سائغ، وقد رد هذه الشبهة المستشرق (تشارلس لايل) في مقدمة "المفضليات"، فقال: "إن في كثير من هذه الأشعار كلمات، أو أشطار أبيات منقولة عن محلها. وهذا شيء طبيعي في أشعار لم تدوّن قط، بل كانت مروية حفظاً، ينقلها المتأخر عن المتقدم، وليس في هذا التغيير معنى للتزوير، ونجد في آخر بعض القصائد أبياتاً -يعني: أن الراوي لم يعرف محلها، فوضعها في الآخر-, وهذا أيضاً لا يدل على الاختلاق بحال".
فالمؤلف يلقط الشبهة، ويدع جوابها؛ لأنه لا يولي وجهه شطر الحقيقة حيثما كانت.

* أبيات لامرئ القيس:
قال المؤلف في (ص 146): "ونظن أن أنصار القديم لا يخالفون في أن هذين البيتين قلقان في القصيدة، وهما:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطَّى بصُلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فقد وضع هذان البيتان للدخول على البيت الذي يليهما، وهو:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذان البيتان أشبه بتكلف المشطر والمخمس منهما بأي شيء آخر".
(8/378)

ليس ببعيد من أنصار القديم أن يخالفوا في أن هذين البيتين قلقان، ويروا أنهما بالنظم المألوف أشبه منهما بتكلف المشطر والمخمس. وقد يستدلون على براءتهما من هذا القلق والتكلف بأنهما مرّا على فصحاء العرب ونقاد الأدب، ولم يحسوا منهما بشيء من هذا الذي يرميهما به المؤلف، وربما ساقوا من كتب الأدب ما يشهد بأن هذه الأبيات كانت تقع منهم موقع الإعجاب، ويضربون لها أرجلهم طرباً.
حكى المرزباني في كتاب "الموشح" (1): أن مَسلمة بن عبد الملك أنشد قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
إلى قوله في البيت الخامس لها: "بأمراس كتّان إلى صمّ جندل", فضرب الوليد برجله طرباً. وأورد الباقلاني في كتاب "الإعجاز" هذه الأبيات الثلاثة، وقال: إنهم يعدونها من محاسن القصيدة، وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء، فقدم أبيات امرئ القيس، واستحسن استعارتها. والباقلاني -على وقوفه لهذه الأبيات موقف الناقد بكل ما لديه من نظر وذوق- لم يغمزها إلا من جهة استعارتها، فوصفها بالتكلف،
__________
(1) (ص 31).
(8/379)

وليس التكلف في هذه الأبيات سوى المبالغة في الخيال، وهي لا تنفي أن يكون صاحب الشعر جاهلياً، فإن للمبالغة في الخيال مثُلاً واردة في الأشعار المعزوّة إلى الجاهليين.
وليس في هذه الأبيات بعد هذا سوى ما يسمونه: "التضمين"، وهو عدم استقلال البيت بإفادة المعنى، وله أمثلة في الشعر الجاهلي، ومن علماء الأدب من يفصل فيه القول، ولا يعد النحو الواقع في مثل: "أقول له لما تمطى" من عيوب الشعر.
ولا نعني بهذا البحث أن يكف المحدثون عن نقد الشعر الذي وقع تحت أنظار القدماء من خلص العرب، أو نبغاء الأدب، ووصل إلينا سالماً من أثر نقدهم، فإن من الجائز ألا يتناولوا البيت بالنقد حتى يلوح لهم ما فيه من مغمز خفي، ومن الجائز أن يلوح لهم، وشمتهينوا به، فلا يلقنوه غيرهم، ومن المحتمل أن يتحدثوا به، ولا تحمله إلينا هذه الكتب الباقية مما تركوا، وإنما أقصد أن الوجه الذي تعرض به المؤلف لهذه الأبيات، لا ينهض بدعوى أنها ملصقة باصل القصيدة حتى يرجو من أنصار القديم ألا يخالفوه.

* تقسيم القصيدة إلى ثلاثة أقسام:
ذكر المؤلف أنه فرغ من الشعر الذي لا اختلاف في أنه دخيل، وزعم أنه يستطيع أن يرد القصيدة إلى أجزائها الأولى، وقسّمها ثلاثة أقسام:
أحدها: وصف اللهو مع العذارى، وما فيه من فحش، وقال فيه: هذا أشبه أن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً.
ثانيها: وصف امرئ القيس لخليلته، وزيارته إياها، وتجشمه ما تجشم للوصول إليها، وتخوفها الفضيحة حين رأته، وخروجها معه، وتعفيتهما
(8/380)

آثارهما بذيل مرطها، وما كان بينهما من لهو، وقال: هذا أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بشيء آخر، وزعم أن الذي أضافه إلى امرئ القيس راوٍ متأثر بهذا الشاعر.
ثالثها: ما هو من قبيل الوصف، ولا سيما وصف الفرَس والصيد، وقال في هذا: وأكبر الظن أن هذا الوصف فيه شيء من ريح امرئ القيس، ولكن من ريحه ليس غير.
لا أحسب القراء في حاجة إلى أن يسمعوا منا كلمة في مناقشة هذا الحديث؛ فان عوجه ملموس باليمين واليسار، ومن شاء أن نفتح له باب النقد، فإليه كلمة تريه ما في ذلك التقسيم من خطأ مبين:
يقول المؤلف في (ص 146): "ولنسرع إلى القول بأن وصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهلياً".
ثم ذكر قصة الفرزدق حين انتهى إلى غدير فيه نساء يستحممن، وقصّ عليهن قصة امرئ القيس، وأنشدهن:
ألا ربّ يومٍ لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
ثم قال: "والذين يقرؤون شعر الفرزدق، ويلاحظون فحشه وغلظته، وأنه قدير على هذا الفحش، وعلى هذه الغلظة، لا يجدون مشقة في أن يضيفوا إليه هذه الأبيات".
يزعم المؤلف أن هذا القسم الأول من انتحال الفرزدق، ثم لا يستند في هذا الزعم إلا إلى أن فيه فحشاً وغلظة يشبهان فحش الفرزدق وغلظته. وتشابهُ الشعرين في الفحش والغلظة يحتمل هذا الذي يقوله المؤلف من أن
(8/381)

الشعر المعزوّ إلى الأول نحله إياه الشاعر الثاني، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون الشاعر الثاني جرى على سنّة الشعراء من متابعة المتأخر للمتقدم في بعض المعاني أو الأساليب، وحملُ التشابه بين شعر الفرزدق وامرئ القيس على هذا الوجه أقرب إلى القبول؛ لأنه الملائم للرواية، ولأن المؤلف لم يقم دليلاً تاريخياً على أن سيرة امرئ القيس تبرأ من هذا الفحش، ومن هذه الغلظة، ولن يستطيع لهذا الدليل طلباً.
ومما يجعلنا نستبعد أن ينحل الفرزدق امرأ القيس شيئاً من شعره: أن الفرزدق لم يكن من قبيلة كندة، ولا أن امرأ القيس من تميم. ثم إنا نجد في تاريخ الأدب قصصاً تنطق بأن الفرزدق كان حريصاً حرص المؤلف على أن ينهب ما تلده أفكار غيره من الرجال، ويجره إليه.
روى المرزباني في كتاب "الموشح": أن أبا عمرو بن العلاء لقي الفرزدق في المِرْبد، فقال له: يا أبا فراس! أحدثت شيئاً؟ فقال: خذ، وأنشده:
كم دون ميّه من مستعمل قذف ... ومن قلاة بها تستودع العيس
فقال له أبو عمرو: هذا للمتلمِّس، فقال: اكتمها، فلضوالُّ الشعر أحبُّ إليّ من ضوالّ الابل. وفي "خزانة الأدب" للبغدادي: أن الفرزدق نحل نفسه بيتين من شعر ابن ميّادة (1). وذكر صاحب "الأغاني": أنه انتحل أربعة أبيات من قصيدة لذي الرمة (2)، وأنشد بيتاً على أنه من شعره، فقال حمّاد: هذا لرجل من اليمن (3). فالذي يرغب في أن يكاثر بما ليس من نتائج قريحته،
__________
(1) (ج 1 ص 78).
(2) (ج 16 ص 116).
(3) (ج 5 ص 165).
(8/382)

شأنه ألا ينحل غيره شعراً، ويقتل خبره جحوداً، حتى لا يجد له الرواة -على شدة تحسسهم- أثراً.

* الحديث عن القسم الثاني من القصيدة:
تحدث المؤلف عن القسم الثاني من قصيدة امرئ القيس.
وقال في (ص 147): "فهذا النحو من القصص الغرامي في الشعر فن عمر بن أبي ربيعة، قد احتكره احتكاراً، ولم ينازعه فيه أحد، ولقد يكون غريباً حقاً أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن، ويتخذ فيه هذا الأسلوب، ويعرف عنه هذا النحو، ثم يأتي ابن أبي ربيعة، فيقلده فيه، ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة قد تاثر بامرئ القيس، مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من الشعراء في أنحاء من الوصف، فكيف يمكن أن يكون امرؤ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل، الذي عاش عليه ابن أبي ربيعة، والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية، ولا يعرف له ذلك؟ ".
يقع تشابه بين شعرين، فيدعي المؤلف أن الشعر المعزوّ إلى المتقدم منحول: نحله بعض من تأثر بالشاعر المتأخر. وإذا قلت: لماذا لا يكون الشاعر المتأخر اقتدى في ذلك الأسلوب أو الفن بالشاعر المتقدم؟ قال لك: لو كان السابقَ إلى هذا الفن امرؤ القيس، لأشار أحد النقاد إلى أن ابن أبي ربيعة تأثر بامرئ القيس، وحيث لم يبلغه أن ناقداً أشار إلى هذا التأثر، كان القسم الثاني من "قفا نبك" منحولاً: نحله بعض المتأثرين بشعر عمر ابن أبي ربيعة.
الرواة يتلقون هذا القسم من القصيدة على أنه شعر امرئ القيس، فإذا
(8/383)

كان بينه وبين شعر عمر بن أبي ربيعة تشابه واضح، فمن مقتضيات هذا أن يعتقدوا أن امرأ القيس سابق إلى هذا الفن، وإذا أدركوا أن امرأ القيس سابق إلى هذا الفن، فعدم إشارتهم إلى تأثيره في عمر بن أبي ربيعة إنما يكون لذهول ونحوه، ولا يدل على أنه انتحل في عهد ابن أبي ربيعة، أو من بعده.

* الحديث عن القسم الثالث من القصيدة:
تحدث المؤلف عن القسم الثالث من "قفا نبك"، وزعم أن اللغة تضطره إلى أن يقف فيه موقف التردد.
وقال في (ص 148): "فالظاهر أن امرأ القيس كان قد نبغ في وصف الخيل والصيد والسيل والمطر، والظاهر أنه قد استحدث في ذلك أشياء كثيرة لم تكن مألوفة من قبل، ولكن أقال هذه الأشياء في هذا الشعر الذي بين أيدينا؟ أم قالها في شعر آخر ضاع وذهب به الزمان، ولم يبق إلا الذكرى، وإلا جُمل مقتضبة أخذها الرواة، فنظموها في شعر محدث نسقوه ولفقوه وأضافوه إلى شاعرنا القديم؟ هذا مذهبنا الذي نرجحه". ثم قال: "وكبر الظن أن هذا الوصف الذي نجده في المعلقة، وفي اللامية الأخرى فيه شيء من ريح امرئ القيس، ولكن من ريحه ليس غير".
امرؤ القيس كان شاعراً يجيد وصف الخيل والصيد والسيل والمطر، واستحدث في ذلك أشياء كثيرة، ولكنه قالها في شعر ضاع وذهب به الزمان، وإنما بقيت منه الذكرى، وجمل مقتضبة نظمها الرواة في شعر محدث، وأضافوها اليه!!!.
قال الرواة: إن امرأ القيس يمني نشأ في نجد، فقال المؤلف لهم: هو
(8/384)

يمني لم ينشأ في نجد، قالوا: امرؤ القيس أجاد في وصف الخيل ونحوها، فقال لهم: أجاد في وصف هذه الأشياء، ولكن في شعر غير هذا الذي تضيفونه إليه، ولا ندري لماذا اعترف بأن امرأ القيس يجيد وصف الخيل والصيد في حال أن الرواة لا يستندون في هذا إلا إلى الشعر الذي قال عنه: إنه منحول! وإذا أنكر هذا الشعر الذي تناقله الرواة، لم يكن مضطراً إلى هذا الاعتراف الذي لا يزيد حديثه إلا خيالاً، والذي أوقفه موقفاً جعله يقول: إن هذا الشعر فيه شيء من ريح امرئ القيس ليس غير!.

* امرؤ القيس و (هوميروس):
قرأ المؤلف -كما حكى في (ص 138) -: أن شاعراً يونانياً يقال له: (هوميروس) قد تنقل في البلاد، وأثقل الناس تاريخه بأشياء مزوّرة، فأراد أن يقيسه بشاعر عربي، ويقول في هذا الشاعر العربي ما قاله مؤرخو الآداب اليونانية في (هوميروس)، فوقع اختياره على امرئ القيس.
فمؤرخو الآداب اليونانية لا يشكون الآن في أن شخصية (هوميروس) "قد وجدت حقاً، وأثرت في الشعر القصصي حقاً، وكان تأثيرها قوياً باقياً، ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئاً يمكن الاطمئنان إليه، وإنما ينظرون إلى هذه الأحاديث التي تروى، كما ينظرون إلى القصص والأساطير لا أكثر ولا أقل" (1).
والمؤلف يريد أن يحاكي كلامهم في (هوميروس)، فقال: إنه يرجح، بل يكاد يوقن بأن امرأ القيس قد وجد حقاً. وبقي عليه ما قالوه من أن
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 138).
(8/385)

(هوميروس) أثّر في الشعر القصصي حقاً، فأراد أن يجعل لامرئ القيس تأثيراً في فن من فنون الكلام، حتى يكون الشاعر العربي محاذياً للشاعر اليوناني حذو النعل للنعل، ورأى نفسه قد ذهب إلى أن لغة امرئ القيس من هذه اللغة الأدبية بمنزلة لغة أجنبية، فاكتفى بأن جعل لشخصية امرئ القيس تأثيراً في وصف الخيل ونحوها، ولكن تأثيرها بالروح التي بقيت في جمل مقتضبة أخذها الرواة، فنسقوها، وأضافوها إليه! ولم يحدثنا المؤلف عن هذه الجمل المقتضبة: هل وصلت إلى الرواة في لغتها اليمنية التي يعدها المؤلف بمنزلة لغة أجنبية، أم جاءتهم في هذه اللغة الأدبية التي يسميها: لغة قريش؟!.

* امرؤ القيس وعلقمة:
عرَّج المؤلف على القصيدة التي يروى: أن امرأ القيس قالها في مباراة بينه وبين علقمة، وهي:
"خليلي مرّا بي على أم جندب"
وقال في (ص 149): "نجزم نحن بأنها منتحلة انتحالاً".
خاض المؤلف في انتحال هذه القصيدة، كان الرواة أجمعوا على إضافتها إلى امرئ القيس، وقد سبقه طائفة إلى إنكارها، وممن نشر رأي هذه الطائفة: المرزباني في كتاب "الموشح" (1) حين ساق مباراة امرئ القيس وعلقمة، ثم قال: "وقد روى هذا الحديث أيضاً ابن الكلبي، ورواه أيضاً عبدالله بن المعتز، وذكره فيما أنكر من شعر امرئ القيس".
__________
(1) (ص 30).
(8/386)

وينبئك باختلاف الرواة في شأن هذه المباراة: أن أحمد بن عبيد يقول: كان ابن الجصّاص وحمّاد يرويان: "ذهبت من الهجران في كل مذهب" لامرئ القيس، وكان المفضّل يرويها لعلقمة (1).
* * *
__________
(1) "شرح ابن الأنباري للمفضليات" (ص 765).
(8/387)

علقمة
* معاصرة امرئ القيس لعلقمة:
انتقل المؤلف إلى الحديث عن علقمة:
فقال في (ص 155): "فأما علقمة، فلا يكاد الرواة يذكرون عنه شيئاً إلا مفاخرته لامرئ القيس، ومدحه ملكاً من ملوك غسان ببائيته التي مطلعها:
طحا بل قلبٌ في الحسان طروبُ ... بُعيد الشباب عصرَ حان مشيبُ
وإلا أنه كان يتردد على قريش، ويناشدها شعره، وإلا أنه مات بعد ظهور الإسلام؛ أي: في عصر متأخر جداً بالقياس إلى امرئ القيس الذي مهما يتأخر، فقد مات قبل مولد النبي، والذي نرى نحن أنه عاش قبل القرن السادس، وربما عاش قبل القرن الخامس أيضاً".
يقول الرواة: إن امرأ القيس كان معاصراً لعلقمة، وإنه كان في منتصف المئة السادسة عائشاً، والمؤلف ينكر هذه المعاصرة، ويرى أنه عاش قبل القرن السادس، أو قبل القرن الخامس أيضاً.
شأن الباحث المستقيم ألا ينكر ما يقوله الرواة حتى يقدم بين يدي إنكاره بيّنة، والمؤلف لا يرغب في أن يأتي ببينة، كأنه لا يحتفل بتاريخ هذا الأدب إلى حد أن ينكر ما تتوارد عليه الروايات، دون أن يثير حول هذا الإنكار ولو شبهة يمكنه أن يسميها مستنداً.
(8/388)

عبيد
* عبيد بن الأبرص:
انتقل المؤلف إلى حديث عبيد بن الأبرص، وأخذ يذكر ما ألصق به من أساطير؛ كاسم شيطانه، وما له من أحاديث مع الجن.
وقال في (ص 151): "ولكن كل ما نقرأ من أخبار عبيد لا يعطينا من شخصيته شيئاً، ولا يبعث الاطمئنان إلا في أنفس العامة، أو أشباه العامة".
لعلك لا تجد تاريخ عصر أو تاريخ رجل خالصاً من أن يدخله الاختلاق، سالماً من أن تضاف إليه مزاعم إنما تتقبلها العامة أو أشباه العامة، ولكن الذين أوتوا العلم والألمعية في كل عصر، هم الذين ينقدون الأخبار، ويميزون الخياليات مما يجري على سنّة الله في الخليقة. وقد نبه العلماء على كثير من هذه المزاعم، وما كل من يحكي خبراً يعد مطمئناَ إليه، قال الجاحظ في هذا الشأن: "ولم أعب الرواية، وإنما عبت الإيمان بها، والتوكيد لمعانيها، فما أكثر من يروي هذا الضرب على التعجب منه، وعلى أن يجعل الرواية سبباً لتعرف الناس حق ذلك من باطله" (1).
ومن أخبار عبيد ما يقول صاحب "الأغاني" فيه: "وهو خبر مصنوع
__________
(1) كتاب "الحيوان" (ج 1 ص 86).
(8/389)

يتبين التوليد فيه". ومنها ما عزاه إلى شرقي بن القطامي، وشرقي بن القطامي معروف بين أهل العلم والأدب بأنه "كان كذّاباً" (1)، وأنه "كان صاحب سمر" (2)، فما يروى عنه إنما يطرح على بساط السمر، ولا يأخذه الناس على أنه تاريخ صحيح. ومنها ما يرويه عن ابن الكلبي، وابن الكلبي معدود فيمن لا يوثق بروايته (3)، وقالوا: إنما هو صاحب سمر.
فأهل العلم الذين يضيفون إلى نباهتهم العلم بأحوال من يروي عنهم صاحب الأغاني، هم أبعد الناس عن قبول هذا الذي يتحدث به عن عبيد.

* قول ابن سلام في شعر عبيد:
انصرف المؤلف للحديث عن شعر عبيد، وأتى على قول ابن سلام في "الطبقات": إنه لم يبق من شعر عبيد وطرفة إلا قصائد بقدر عشر.
ثم قال في (ص 151): "ولكنه يحدثنا في موضع آخر أنه لا يعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوبُ ... فالقُطَبيات فالذَّنوب
ثم يقول ابن سلام: ولا أدري ما بعد ذلك. ولكن رواة آخرين يروون هذه القصيدة كاملة".
يقول ابن سلام: لا أعرف لعبيد إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
__________
(1) "الفهرست" لابن النديم.
(2) "طبقات الأدباء" لابن الأنباري (ص 43).
(3) "منهاج السنّة" (ج 3 ص 19).
(8/390)

ومن المحتمل أن يكون معنى كلامه: أنه لا يعرف له إلا هذه القصيدة، وأشار إليها بذكر طالعها، ثم هو لا يدري ما وراءها من الشعر المعزوّ إليه، ومن المستبعد أن يقول ابن سلام: إن الرواة المصححين لم يحفظوا لعبيد وطرفة إلا قصائد بقدر عشر، ثم يقول: إنه لا يعرف لعبيد إلا هذا البيت الذي هو مطلع قصيدته.

* قصيدة عبيد:
قال المؤلف في (ص 152): "ويكفي أن نقرأ هذه القصيدة التي قدمنا مطلعها لنجزم بأنها منتحلة لا أصل لها. وحسبك أن يثبت فيها وحدانية الله، وعلمه، على نحو ما يثبتها القرآن فيقول:
والله ليس له شريك ... علّام ما أخفت القلوب
القصيدة غير منسوجة على وزن منتظم، ولا يزيد العرب على أن يعدوه عيباً، ويسمّى بالرّمل، قال المرزباني في كتاب "الموشح" (1): "والرمل عند العرب كل شعر ليس بمؤلف البناء، ولا يجدون فيه شيئاً إلا أنه عيب، وقد ذكر الأخفش أنه مثل قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
وربما سمّوه: "التخليع". قال قدامة بن جعفر في كتاب "نقد الشعر" (2): "من عيوب أوزان الشعر: "التخليع"، وهو أن يكون قبيح الوزن، قد أفرط قائله في تزحيفه". وضرب لهذا أمثلة منها قول عبيد:
__________
(1) (ص 25).
(2) (ص 68).
(8/391)

والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
وقال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في "اختيار المنظوم والمنثور" يصف هذه القصيدة: "لم يقل أحد في وزنها وعروضها، ولا على مثالها إلا ذو الأصبع العدواني، وما قاربها، ولا دنا منها".
لعل المؤلف لا ينكر القصيدة من ناحية اختلال وزنها، فإنه سيدهشك في الحديث عن مهلهل، ويعد في أسباب إنكاره لقصيدة "أليلتنا بذي حسم" استقامة وزنها، وإطراد قافيتها.
وأما بيت:
"علّام ما أخفت القلوب"
فقد التقط (مرغليوث) أبياتاً من هذا النوع، وفي هذا المعنى، وساقها في مقاله المنشور في مجلة "الجمعية الآسيوية الملكية" مستشهداً بها على أن هذا الشعر لم يصدر عن العرب قبل الإسلام.
وقد سبق القدماء إلى نقد الشعر الجاهلي من هذا الوجه، فإذا رأوا بيتاً فيه شيء من روح القرآن، أو احتوى معنى يختص بالإسلام، ارتابوا فيه، وذهبوا به مذهب المنحول.
أورد ابن قتيبة قصيدة للبيد ذكر أنه قالها قبل الإسلام، وفي آخر القصيدة:
وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصلُ
ثم قال: "هذا البيت يدل على أنه قيل في الإسلام، وهو شبيه بقول الله -تبارك وتعالى- {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات: 10]، أو كان لبيد قبل إسلامه
(8/392)

يؤمن بالبعث والحساب، ولعل البيت منحول" (1). وبيت:
هي الخمر تكنّى بأم الطلا ... كما الذئب يكنّى أبا جعده
يُعزى إلى عبيد بن الأبرص، وربما وجد في بعض النسخ من ديوانه، وقد ذهب المعري في "رسالة الغفران" إلى أنه منحول، فقال: "والذي أذهب إليه: أن هذا البيت قيل في الإسلام بعد أن حرّمت الخمر".
فالقدماء يعنون بنقد الشعر الجاهلي من هذه الناحية، وحيث جاز أن تكون القصيدة في أصلها ثابتة، وأن التزوير إنما يقع في بيت منها، أو أبيات، يأخذون إلى المنحول ما دخلته الريبة، ويذرون ما عداه معزواً إلى صاحبه حتى يطلعوا له على وجه من هذه الوجوه الدالة على التزوير.
فبيت: "والله ليس له شريك" إنما يحمل الاعتقاد بالإله، وما يجب له من صفة العلم، ومن يسلم أن عبيد بن الأبرص لم يكن من أصحاب هذه العقيدة، فأقصى ما يبني على هذا المعنى أن يكون البيت منحولاً، ولا يسري حكمه إلى القصيدة بأسرها، ولعل هذا البيت لم يتفق عليه رواة القصيدة، فقد رويت في "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد، ولم يجئ هذا البيت في روايتها.

* الكيد للحقيقة والتاريخ:
قال المؤلف في (ص 153): "وقد رأيت من هذه الإلمامة القصيرة بهؤلاء الشعراء الثلاثة -امرئ القيس، وعبيد، وعلقمة-: أن الصحيح من شعرهم لا يكاد يذكر، وأن الكثرة المطلقة من هذا الشعر مصنوعة، لا تثبت شيئاً،
__________
(1) "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (ص 153).
(8/393)

ولا تنفي شيئاً بالقياس إلى العصر الجاهلي".
لم يأت المؤلف في حديثه عن هؤلاء الشعراء الثلاثة بتتيجة زائدة على ما وصل إليه علماء الأدب من قبله، وهو أن فيما يضاف إليهم من الشعر منحولاً كثيراً، وسواء ألمَّ بهؤلاء الشعراء إلمامة قصيرة، أم ألمّ إلمامة طويلة، لا ينتظر منه أن يأتي إلى شعر اتفق الرواة على صحته، ويلقي إليك من فكره كلاماً يقنعك بأنه منحول، نقول هذا بعد أن رأيناه -فيما سلف- لا يكتب إلا وهو ينظر إلى كتاب، أو مقال، أو ذيل، وإذا خرج عنها، فإلى حرفة الكيد للحقيقة، أو التاريخ.

* قصيدتان لعلقمة:
قال المؤلف في (ص 152): "لا نستثني من ذلك إلا قصيدتين اثنتين لعلقمة:
الأولى: "طحا بك قلب للحسان طروب".
الثانية: "هل ما علمت وما استودعت مكتوم".
فقد يمكن أن يكون لهاتين القصيدتين نصيب من الصحة، مع شيء من التحفظ في بعض أبيات القصيدة الثانية، ولكن صحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي، فقد رأيت أن علقمة متأخر العصر جداً، وأنه مات بعد ظهور الإسلام، ورأيت أيضاً أنه كان يأتي قريشاً، ويعرض عليها شعره".
إذا كانت القاعدة التي يقيم عليها المؤلف رأيه في صحة نسبة الشعر الجاهلي إلى قائله أن يموت الشاعر بعد ظهور الإسلام، وأن يأتي قريشاً، ويعرض عليها شعره، فالأعشى مات بعد ظهور الإسلام، وكان يأتي كل
(8/394)

سنة سوق عكاظ (1)، وذلك معنى إتيانه قريشاً، وعرض شعره عليها، والشمّاخ مات بعد ظهور الإسلام، بل اعتنق الإسلام، وقد كان بالطبيعة ينشد قريشاً شعره، فلماذا لم يستثن المؤلف شيئاً من شعرهما، وعدَّهما في صدر كتابه ممن لا يعتمد على شعرهم في درس الحياة الجاهلية؟!.
يقول المؤلف: وصحة هاتين القصيدتين لا تمس رأينا في الشعر الجاهلي. ولعله نسي -وأمثاله لا ينسون كثيراً- ما كتبه تحت عنوان: الشعر الجاهلي واللهجات حين قال: "من المعقول جداً أن تكون لكل قبيلة من هذه القبائل العدنانية لغتها ولهجتها، ومذهبها في الكلام، وأن يظهر اختلاف اللغات، وتباين اللهجات في شعر هذه القبائل، الذي قيل قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة، ولهجات متقاربة (2) "، ومن المعروف أن علقمة من بني تميم، والقصيدتان اللتان استثناهما، ورضي بقبولهما لا يخرجان عن هذه اللغة الأدبية التي يسميها: لغة قريش. فقبوله لهاتين القصيدتين ينقض أساس ذلك الفصل الذي وجد له من الحديث ما يملأ نحو عشر صفحات.
* * *
__________
(1) "خزانة الأدب" (ج 3 ص 211).
(2) "في الشعر الجاهلي" (ص 32).
(8/395)

عمرو بن قميئة
* عمرو بن قميئة، مهلهل، جليلة:
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن هذين الشاعرين، وهذه الشاعرة، فابتدأ بحديث عمرو بن قميئة، وتعرض للوجه الذي يذكرونه في تسميته بالضائع.
ثم قال في (ص 155): "قال الرواة: إن ابن قميئة عُمّر طويلاً، وعرف امرأ القيس، وقد انتهت به السن إلى الهرم، ولكن امرأ القيس أحبّه، واستصحبه في رحلته رغم سنه. قال ابن سلام: إن بني أقيش كانوا يدعون بعض شعر امرئ القيس لعمرو بن قميئة، وليس هذا بشيء. وفي الحق أن هذا ليس بشيء، فإن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة، كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس، فهو شعر محدث محمول".
يختلف الرواة الذين كانوا يلاقون أقواماً من كندة، وأقواماً من قيس في أن هذا الشعر هل هو لكندي يقال له: امرؤ القيس، أو لقيسي يقال له: عمرو بن قميئة، ويرجّح الثقات من هؤلاء الرواة أنه لامرئ القيس، ونحن نعلم من سيرتهم في نقد الشعر: أنهم لا يرجحون نسبته إلى شاعر على نسبته إلى آخر إلا لوجوه تعتمد في الترجيح. ولكن المؤلف يقول: إن هذا الشعر لا يمكن أن يكون لعمرو بن قميئة، كما لا يمكن أن يكون لامرئ القيس،
(8/396)

وإذا كان تاريخ الأدب يُعيَّر بمثل هذه الكلمة الساذجة، فمن الجائز أن يأتي آخر ويقول: وفي الحق أن ما قاله المؤلف ليس بشيء، فلا يلبث الأدب أن يعود إلى تاريخه القديم.

* قصة ابن قميئة وقصيدته في عمه:
أتى المؤلف بقصة عمرو بن قميئة، وقصيدته التي يعتذر بها لعمه.
ثم قال في (ص 157): "ونظن أن النظر في هذه القصة، وفي هذه القصيدة يكفي ليقتنع القارئ بأننا أمام شيء منتحل متكلف، لا حظّ له من صدق".
القصة واردة في كتاب "الأغاني" (1)، ولم يكن في سياقها ما يقتضي المبادرة إلى إنكارها، كما أن طريق روايتها لا يبلغ من الشدة أن يفيد علماً، أو ظناً قريباً منه، فهي محتملة لأن تكون واقعة، وراويها أبو عمرو الشيباني، ومؤرج، وهذا يرويها عن جماعة كثيرة من قيس بن ثعلبة قبيلة عمرو بن قميئة، ولو كان السند بيننا وبين مؤرج متصلاً متيناً، لكنا من صحة القصة على ظن قريب؛ لأن مؤرجاً ممن يوثق بروايته، وتلقيه لها عن جماعة من قبيلة عمرو يدل على أن القصة دائرة على ألسنتهم، مستفيضة فيما بينهم.
أما القصيدة فقد حكم المؤلف بانتحالها مستنداً إلى أن فيها سهولة وليناً، وإذا لم يكن يعرف من عمرو بن قميئة إلا اسمه، فما أدراه أنه لا ينظم في سهولة ولين؟

* أبيات لابن قميئة:
تعرض المؤلف إلى الشعر الذي يقال: إن عمرو بن قميئة أنشأه لما
__________
(1) (ج 16 ص 164).
(8/397)

تقدمت به السن، وجاوز التسعين.
وقال في (ص 157): "ويزعم الشعبي، أو من روى عن الشعبي: أن عبد الملك بن مروان تمثل به في علته التي مات فيها".
ثم ساق المؤلف الشعر في سبعة أبيات.
هذا مروي في كتاب "الأغاني" (1). أما قصة إنشاء عمرو بن قميئة للأبيات، فرواها أبو الفرج عن ابن الكلبي، وأما تمثل عبد الملك بن مروان بها في علته، فرواه عن الهيثم (2) بن عديّ، وما يقرؤه أهل العلم لهذين الراويين لا يلحقونه بالتاريخ الصحيح، ولا يأخذ منهم مأخذ الظن الراجح، وإذا حكوه، فلأنه من أدب الشعر أو النثر.

* العودة لقصة حرب البسوس:
عاد المؤلف يلهج بقصة حرب البسوس، ولم ينس أن ينبهك على أنه غير ساذج حتى يسلم بما يتحدث به الرواة من أمرها الطويل العريض، ولكنه اعترف بأن خصومة عنيفة كانت بين القبيلتين، وأن هذه الخصومة سفكت فيها الدماء، وكثرت فيها القتلى.
ثم قال في (ص 159): "على أن بعض الرواة كانوا يظهرون كثيراً من الشك فيما كانت تتحدث به بكر وتغلب من أمر هذه الحروب".
إذا كان المؤلف يعلم أن من الرواة من كان يظهر كثيراً من الشك في
__________
(1) (ج 16) أخبار عمرو بن قميئة.
(2) اجتمع المحدثون والأدباء على وصفه بالكذب. انظر: "لسان الميزان" لابن حجر (ج 6 ص 209)، و"البيان" للجاحظ (ج 2 ص 10).
(8/398)

حديث هذه الحروب، أفلا يكفكف من غلوائه حين ينسب إلى الرواة باطلاق: أنهم كانوا يقبلون ما يروى من أيام العرب، أو أيام الناس على أنه جد من الأمر! أو لا يخفف من نزقه حين يسمي القول بأن في حرب البسوس توسيعاً: نظرية له؟!.
حرب البسوس وردت في الجزء الرابع (1) من كتاب "الأغاني"، وتجد في مساقها ما ينبئك بأن القوم أعرف بطرق العلم، وأرفع من هذه المنزلة التي يلصقهم بها المؤلف في شيء من الازدراء: تجد في مساقها بعد أن يذكر لك اسم الراوي كلمة: "يزعم"، و"يزعمون"، وتجد مع هذا نقداً صريحاً، وإنكاراً لبعض ما تحتويه القصة من أخبار. وكيفما كان مسلكهم في هذه الأخبار، فإنه لا يليق بالمؤلف أن يباهي بنظرية دخول الوضع في حرب البسوس، فقد سبقه إلى هذه النظرية جرجي زيدان في "تاريخ آداب اللغة العربية" (2).
* * *
__________
(1) (ص 140).
(2) (ج 2 ص 293).
(8/399)

مهلهل
* مهلهل:
ذكر المؤلف قول ابن سلام: إن العرب كانت ترى أن مهلهلاً كان يتكثر، ويدّعي في شعره، وزعم أن مهلهلاً لم يتكثر، أو لم يدع، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام، وادعت.
وقال في (ص 160): "ولم تكتف بهذا الانتحال، بل زعمت أنه أول من قصد القصيد، وأطال الشعر. ثم أحست ما نحس الآن، أو أحسه الرواة أنفسهم، وهو أن في هذا الشعر اضطراباً واختلاطاً، فزعمت، أو زعم الرواة: أنه لهذا الاضطراب والاختلاط سمّي مهلهلاً؛ لأنه هلهل الشعر. والهلهلة الاضطراب. ويستشهد ابن سلام على هذا بقول النابغة:
أتاك بقول هلهل النسج كاذب
وليس من شك في أن شعر مهلهل مضطرب فيه هلهلة واختلاط".
شاعر نشأ في عصر جاهلي، ليس في البيئة التي عاش فيها عناية بالكتابة، وإنما ينقل حديثه وأشعاره الناس الذين شهدوا عصره، ويتلقاها من بعدهم فمن بعدهم إلى عصر التدوين، وكل أهل العلم أو أشباه أهل العلم لا يفوتهم أن أخباراً هذا شأنها لا تخلو من إضافات، أو إعطائها لوناً غير لونها الموافق للحقيقة، ومن الذي لا يشعر بأنه يطمئن إلى أن قصيدة: "السيف أصدق أنباءً
(8/400)

من الكتب" لأبي تمام أكثر مما يطمئن إلى أن قصيدة: "خليلي لا تستعجلا أن تزوّدا" لعمرو بن قميئة؟.
وهذا ما دعا الثقات النبهاء من الرواة أن نقدوا تلك الأشعار من جهة نسبتها إلى قائليها، وما لم يبد على طريقه أثر الاختلاق، ولم يلقوا في نفس الشعر ما ينبو به عن أن يكون لمن نسب إليه، رووه على هذا الوجه، وتلقاه الناس عارفين بمبلغ هذه النسبة من قوة أو ضعف.
وما ذكره المؤلف من أن مهلهلاً مأخوذ من الهلهلة، وهي الاضطراب،
شيء يقوله بعض الرواة، ويذهب آخرون إلى أن هذا الاسم مأخوذ من الهلهلة، وهي رقة نسج الثوب، ويقولون: سمّي مهلهلاً؛ لأنه أول من رقق الشعر، وتجنب الكلام الغريب الوحشي (1)، فهما روايتان، وقد تخير المؤلف منهما الرواية التي تساعده على أن يداعب القراء.
هذا وقد نظر الرواة النبهاء في شعر مهلهل، ولم يقبلوه مطوياً على ما فيه من مصنوع، ونبهوا على هذا بكلمات عامة؛ كقول الأصمعي: "وأكثر شعره محمول عليه (2) ". وتراهم ينقدون أبياتاً بعينها؛ كما قال الأصمعي أيضاً: "إن هذا البيت الذي يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله:
انبضوا معجس القسي وأبرقْنا ... كما توعد الفحول الفحولا
فقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لم أر أكثر حفظاً وفهماً منه، نعم، هذا من قديم المولد (3) ".
__________
(1) "الموشح" (ص 74).
(2) "الموشح" للمرزباني.
(3) "الموشح" (ص 196).
(8/401)

وبلوغهم في نقد شعر مهلهل هذا المبلغ، يجعلنا على ظنّ من أن هذا المقدار الذي يرويه الثقات لمهلهل بعيد عن أن يكون من المحمول عليه.

* المتقدمون من الشعراء:
قال المؤلف في (ص 161): "ويحسن أن نظهرك على شيء من شعر مهلهل؛ لترى كما نرى أنه لا يمكن أن يكون أقدم شعر قالته العرب".
وساق قصيدة:
أليلتنا بذي حُسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
ثم قال: "أليس يقع من نفسك موقع الدهش، أن يستقيم وزن هذا الشعر، وتطرد قافيته، وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم، لا يشذ في شيء، ولا يظهر عليه شيء من أعراض القِدم، أو مما يدل على أن صاحبه هو أول من قصد القصيد، وطول الشعر؟ أليس يقع في نفسك هذا كله موقع الدهش، حين تلاحظ معه سهولة اللفظ ولينه، وإسفاف الشاعر فيه إلى حيث لا تشك أنه رجل من الذين لا يقدرون إلا على مبتذل اللفظ وسوقيه؟ ".
لا يعرف لإنشاء الكلام الموزون بداية، ولم يتفقوا في شاعر على أنه أقدم من نظم القصيد، وقد اختلفوا في أول من أطال الشعر، فادعت كل قبيلة لشاعرها أنه الأول: "ادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد ابن الأبرص، وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة، والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد، وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء، وأنه أول من قصّد القصيد" هكذا يقول عمر بن شبة في "طبقات الشعراء"، ثم قال: "وهؤلاء النفر المدّعى لهم التقدم في الشعر يتقاربون. لعل أقدمهم لا يسبق
(8/402)

الهجرة بمئة سنة أو نحوها". وإذا كانوا معترفين بأن أصل نظم الشعر سابق على هؤلاء بقرون، وكان الذي ادعي لمهلهل إنما هو إطالة الشعر، لم يكن من الموقع في دهشة أن يستقيم وزن ما يقوله مهلهل، وتطرد قافيته، وأن يلائم قواعد النحو وأساليب النظم، بل الذي يقع في نفوسنا موقع الدهش أن يطعن في نسبة شعر إلى عربي قحّ بأنه مستقيم الوزن، مطرد القافية، ملائم لقواعد النحو! ولم يصف المؤلف أعراض الشعر لعهد إطالته، حتى ننظر إلى هذه القصيدة المعزوّة إلى مهلهل كيف لم تقم بها هذه الأعراض.
يذهب المؤلف إلى زعم اصطناع القصيدة من ناحية سهولتها ولينها، وهو مدفوع بأنه لا يعرف مهلهلاً، ولم يثبت له شيئاً من الشعر صعباً خشناً، حتى يتبيّن أن هذا الشعر السهل اللين لم يكن من منظومه.
وأما ما رماها به من الإسفاف، فكلمة هو قائلها، والقصيدة لائقة بمقام شاعر بليغ، وهذا الأصمعي يقول: لو قال مهلهل مثل قوله: "أليلتنا بذي حسم أنيري" خمس قصائد، لكان أفحلهم.
* * *
(8/403)

جليلة
قال المؤلف في (ص 162): "ولكنا لا نريد أن نترك مهلهلاً دون أن نضيف إليه امرأة أخيه جليلة، التي رثت كليباً -فيما يقول الرواة- بشعر لا ندري أيستطيع شاعر أو شاعرة في هذا العصر الحديث أن يأتي بأشد منه سهولة وليناً وابتذالاً، مع أننا نقرأ للخنساء، وليلى الأخيلية شعراً فيه من قوة المتن وشدة الأسر، ما يعطينا صورة صادقة للمرأة العربية البدوية".
وساق بعد هذا قصيدة جليلة في أحد عشر بيتاً.
قصة جليلة والأبيات التي سردها المؤلف واردة في كتاب "الأغاني" مروية عن شرقي بن القطامي، وإذا كانت روايتها تدور على شرقي، فأهل العلم ينظرون إليها بمنزلة الأسمار، ويأخذونها حرصاً على ما فيها من حلية أدبية. وسواء علينا أوجد لروايتها سند غير ابن القطامي، أم لم يوجد، فالقصيدة ليست على ما يصف المؤلف من الابتذال، فإنك تجد فيها نظماً محكماً، ومعاني سامية، وأبياتها تختلف بحسب روايتها في المقدار، وترتيب بعض الأبيات. وعلى أي حال كانت، لا يصح لأستاذ الآداب أن يصف بالابتذال وضعف الأسر هذا الشعر:
يا قتيلاً قوّض الدهر به ... سقف بيتيَّ جميعاً من علِ
ورماني فقدُه من كثبٍ ... رمية المصمى به المستأصَل
(8/404)

هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول
مسّني فقدُ كليبٍ بلظى ... من ورائي ولظًى مستقبلي
ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دمي فاحتلبوا ... دركاً معه دمي من أكحلي
ولا ندري كيف غاب عن المؤلف أن يشفق على هذه الثكلى، ويترك لها من هذا الشعر ولو ريحه، فهلّا قال كما قال في قسم من "قفا نبك": فيه شيء من ريح جليلة، ولكن من ريحها ليس غير!.
ولا عجب أن يتصور المؤلف، أو يصور تاريخ العرب على غير وجهه الحق، ولا عجب ألا يبصر ما في حقائق الإسلام من وضاءة وحكمة، فإنه أصبح غريباً عن العرب والإسلام، والغريب -كما يقولون- أعمى، وإنما العجب من أستاذ الآداب أن ينقد الشعر بما لا ينقده به ذوو الأذواق السليمة!.
(8/405)

عمرو بن كلثوم
ابتدأ المؤلف بحديث عمرو بن كلثوم، وذكر أنه أحيط بطائفة من الأساطير، وحكى قصة مهلهل في أمره لزوجته بوأد ابنته ليلى التي يقال: إنها أم عمرو بن كلثوم، وحديث الهاتف الذي أنشده في منامه بيتين يومئ بهما إلى أن ليلى ستلد فتى يكون له شأن، وأتى بما يزعم من أن أتياً أتى ليلى وهي حامل بعمرو، وأتاها وقد مرت على ولادته سنة، وينشدها في المرتين وهي نائمة شعراً ينوه فيه بشأن الجنين والرضيع.
هاتان القصتان من النوع الذي يتحدث به الناس في السمر، ولا يذهبون به مذهب التاريخ الموثوق به، فهما يناديان على أنفسهما بالاصطناع، ولا سيما حين ترى صاحب "الأغاني" يرفع سندهما إلى رجل من بني تغلب لم يذكر اسمه (1)، فللمؤلف أن يشغل وقته بنقد هذا السخف متى كان غرضه تمرين الأطفال على نقد الأساطير، أما الطلبة الذين يصلون إلى أن يترددوا على الجامعة، فإنهم عن هذا النقد المبتذل السوقي لفي شغل.

* قصيدة عمرو بن كلثوم:
قال المؤلف في (ص 165): "وسواء أكان عمرو بن كلثوم شخصاً
__________
(1) (ج 9 ص 181).
(8/406)

من أشخاص التاريخ، أم بطلاً من أبطال القصص، فإن القصيدة التي تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية، أو لا يمكن أن تكون كثرتها جاهلية".
تردد المؤلف في أن المنحول من القصيدة جميعها، أو كثرتها، وسيذهب في (ص 172) إلى أنها منحولة بجملتها، وهذا هو الذي يلتئم مع الدليل الذي يسميه دليلاً فنياً، وهو اختلاف اللهجات، فإن القصيدة مصبوبة في لهجة هي هذه اللهجة التي تتماثل فيها أشعار البلغاء. ونحن نرجح أن تكون القصيدة جاهلية، إذ ليس في ألفاظها أو معانيها ما يجعلها بموضع الريبة، ما عدا اختلاف الروايات في بعض أبياتها، وسننظر في شأنه قريباً، ونرجح أن تكون لعمرو بن كلثوم؛ لأن الرواة ينسبونها إليه، ولم يقم في سبيل هذه النسبة ما يقطعها، ويضاف إلى هذا: أنّا نجد في كتب الأدب آثاراً تدل على أن القصيدة كانت مستفيضة على ألسنة بني تغلب، كبارِهم وصغارِهم، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء": "وكان ابن كلثوم قام بها خطيباً فيما كان بينه وبين عمرو بن هند، ولشغف تغلب بها، وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مسؤوم
وجاء هذا في كتاب "الأغاني" (1) أيضاً، فقال أبو الفرج: "وبنو تغلب تعظمها جداً، ويرويها صغارهم وكبارهم حتى هُجوا بذلك، قال بعض شعراء بكر بن وائل: "ألهى بني تغلب" البيتين.
__________
(1) (ج 9 ص 181).
(8/407)

ويقولون بعد هذا: إنه كان قام بها خطيباً بسوق عكاظ، وقام بها في موسم مكة (1). وهذه الآثار ليست بأقل قيمة من الأثر الذي أخذ به المؤلف في أن علقمة كان يتردد على قريش، ويعرض عليها شعره.
فالقصيدة سالمة من دواعي الريبة، والرواة يشهدون بأنها لابن كلثوم، وهذه الآثار تدل على أنها كانت مستفيضة على ألسنة بني تغلب، فهي لعمرو ابن كلثوم لا تخرج عن حوزه حتى يقيم (مرغليوث)، أو حتى يقيم المؤلف على اصطناعها بينّة.

* قصة قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند:
ساق المؤلف قصة قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند، وما يذكره بعض الرواة في سبب هذا القتل.
وقال في (ص 166): "أليس هذا لوناً من الأحاديث التي كان يتحدث بها القصّاص يستمدونها من حاجة العرب إلى المفاخرة والتنافس؟ بلى! وقصيدة عمرو بن كلثوم نفسها نوع من هذا الشعر الذي كان ينتحل مع هذه الأحاديث".
القصة التي حكاها المؤلف جاعت في كتاب "الأغاني" (2) مروية عن ابن الكلبي عن شرقي بن القطامي، وإذا كان هذا مبلغها من الرواية، فهي لا تعدو أن تكون من الأسمار، وأهل العلم لا يدخلون مثل هذا في التاريخ الموثوق به، وقد رواها بعض شراح المعلقات عن أبي عمرو الشيباني أيضاً، وهي بعد هذا محتملة لأن تكون واقعة، بل الظاهر أن أصلها، وهو قتل عمرو بن
__________
(1) "أغاني" (ج 9 ص 182).
(2) (ج 9 ص 182).
(8/408)

كلثوم لعمرو بن هند كان أمراً واقعاً؛ فإن هذه الحادثة كانت مذكورة في عهد جرير والأخطل، وأشار إليها الأخطل في قوله:
أبني كليبٍ إن عَمَّيَّ اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ولم يمض وقتئذ على عهد عمرو بن كلثوم وعمرو بن هند إلا نحو مئة سنة، وقتل ملك كعمرو بن هند واقعة عظيمة، شأنها أن يبقى ذكرها دائراً في النوادي، مستفيضاً على الألسنة، ولا يتضاءل في هذه المدة إلى أن يكون أمراً منسياً، حتى تدعيه تغلب لأحد عظمائها بالباطل، ثم لا يقوم بالإنكار عليها خصمها الذي هو أحرص الناس على ألا يكون لها أثر من فخر، وأبعد من هذا أن يموت ذلك الملك حتف أنفه، وتزعم تغلب أنه مات قتيلاً، وأن قاتله أحد زعمائه. وحيث لم يقم وجه للريبة في أصل القصة، وهو قتل عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند، عرّج عليه العلامة ابن خلدون في "تاريخه" (1) فقال في الحديث عن عمرو بن هند: "فتك به في رواق بين الحيرة والفرات عمرو بن كلثوم سيد تغلب، ونهبوا حياءه".
ومن يسلم أن تلك القصة المفضلة لا تأخذ الظن المعتد به في التاريخ، لا يلزمه أن يذهب في القصيدة التي يرويها الثقات من النبهاء إلى أنها مصطنعة؛ فإن الباحث بجدّ، لا يعمد إلى الخبر يرد عن الرجل من طريق واهية، ويلحق به خبراً آخر لم يدخل عليه من هذا الطريق.

* اختلاف الرواة في أبيات من قصيدة ابن كلثوم:
ذكر المؤلف شك الرواة في بعض قصيدة عمرو بن كلثوم، واختلافهم
__________
(1) (ج 2 ص 301).
(8/409)

في بعض أبياتها.
وقال في (ص 166): "وأولئك وهؤلاء لا يختلفون في إنطاق عمرو ابن عدّي بالبيتين:
صددت الكأس عنّا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُ الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
من الرواة من لم ينطق بهذين البيتين عمرو بن عدي، وهو من يعزوهما إلى عمرو بن معدي كرب أحد الشعراء المخضرمين المتوفى في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه -، ذكر صاحب الأغاني البيتين، وقال: "قد زعم بعض الرواة أن هذا الشعر لعمرو بن معدي كرب"، وساق على هذا ما يرويه الهيثم بن عديّ عن ابن عباس من أن: "هذا الشعر لعمرو بن معدي كرب في ربيعة ابن نصر اللخمي" (1).
ومن الرواة من يرجح أن يكونا لعمرو بن عديّ، ويقول: إن ابن كلثوم أدخلهما في قصيدته (2). وسواء أكان البيتان لابن عديّ، وأدخلهما ابن كلثوم في قصيدته، أم نحلهما ابن كلثوم بعضُ الرواة، فإن ورودهما في القصيدة وشأنهما ظاهر لا يسري إلى سائر القصيدة بالاصطناع، وربما كان نقدهما من دلائل صحة ما لا يختلف الرواة في أنه لعمرو بن كلثوم.

* ألا لا يجهلن أحد علينا:
قال المؤلف في (ص 167): "وستجد فيها أبياتاً تمثل إباء البدوي
__________
(1) (ج 14 ص 73).
(2) "خزانة الأدب" (ج 3 ص 498).
(8/410)

للضيم، واعتزازه بقوته وبأسه؛ كقوله:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قلت: إن هذا البيت يمثل إباء البدوي للضيم، ولكني أسرع فأقول: إنه لا يمثل سلامة الطبع البدوي، وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحد الممل:
ألا لايجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فقد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات، واشتد هذا الجهل حتى ملّ".
مَن الذي يقرأ هذا البيت، ويجد له في النطق عسراً، أو في الذوق ثقلاً، أو في النفس مللاً؟ إن هذا البيت سهل على اللسان، خفيف على الذوق، طريف في النفس، والتكرار في ذاته لا يخدش وجه الفصاحة، وإنما مرجعه الذوق السليم، فهو الذي يقضي بسوء أثره، أو حسن موقعه من الكلام، وقد بسط البحث وحققه على هذا الوجه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في "دلائل الإعجاز"، وضرب أمثلة للتكرار الذي لا يمس فصاحة الكلام، ومن هذه الأمثلة:
وجهلٌ كجهل السيف والسيفُ منتضىً ... وحِلْمٌ كحلم السيف والسيفُ مغمد
ولعل بعض أشياع المؤلف يذهب إلى أنّ من لم يرم هذا البيت بقلة الفصاحة، فذوقه غير سليم، فنقول لهم: اقرؤوا البيت خالية أذهانكم من كل ما قاله صاحبكم فيه، ثم انظروا ماذا ترون؟!.
نحن نعلم أن الذوق هو الذي يستفتى في شأن التكرار، ولهذا لم نعب
(8/411)

قول المؤلف في (ص 8): "أن أجيبك على هذا السؤال، بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه، ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب".
ولو فرضنا أن التكرار في البيت ثقيل معيب، فمن الذي يقول: إن العربي القحّ لا يكبو في بيت من الشعر يحسبه خفيفاً على الذوق، وهو على الذوق ثقيل؟ فالمؤلف يزعم أن القصيدة مصطنعة، والبيت غير فصيح. ولا ينازع في أن منشئها عربي فصيح، فالعلّة التي يذكرها في نظم العربي لهذا البيت المكروه يصح لنا أن نذكرها حين ننسب الشعر لابن كلثوم، ولا أحسبه يقول: إن صانع القصيدة أتى بهذا البيت غير الفصيح نكاية بابن كلثوم.
ولو فرضنا أن التكرار في البيت مكروه، وأن العربي القح لا يخونه ذوقه، فيقول ما تنبو عنه الأذواق السليمة، لكان من المعقول أن يحكم باصطناع البيت وحده، ولا يسري حكمه إلى القصيدة بجملتها.

* كيف كان شعراء ربيعة يتحدثون؟
قال المؤلف في (ص 167): "ومهما يكن من شيء، فإن قصيدة ابن كلثوم هذه من رقة اللفظ وسهولته، ما يجعل فهمها يسيراً على أقل الناس حظاً من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه. وما هكذا كانت تتحدث العرب في منتصف القرن السادس للمسيح، وقبل ظهور الإسلام بما يقرب من نصف قرن. وما هكذا كانت تتحدث ربيعة خاصة في هذا العصر الذي لم تسد فيه لغة مضر، ولم تصبح فيه لغة الشعر. بل ما هكذا كان يتحدث الأخطل التغلبي الذي عاش في العصر الأموي؛ أي: بعد ابن كلثوم بنحو قرن. واقرأ هذه الأبيات، وحدثني: أتطمئن إلى جاهليتها؟ "، وساق المؤلف نحو
(8/412)

اثنين وثلاثين بيتاً من معلقة ابن كلثوم، وقال: "أمتن من هذه القصيدة وأرصن، قصيدة الحارث من حلّزة".
شأنُ الباحث الذي يريد نفي قصيدة عن عصر، ويذهب إلى نفيها من ناحية مخالفتها لأسلوب ذلك العصر: أن يشرح هذا الأسلوب، ويرسم صورته في أذهان طلابه، ويقيم البيّنة على أن هذه الصورة صادقة، هكذا يفعل الباحث المستقيم، ولكن المؤلف ينفي قصيدة: "ألا هبّي" عن منتصف القرن السادس للمسيح، بزعم أن العرب أو ربيعة ما كانت تتحدث هكذا، ولم يخطر على باله أن يقول كلمة تصور طريقة الحديث في ذلك العهد، وتثبت أن هذه السهولة لا تطوع بها ألسنتهم في حال.
نحن والمؤلف في عدم معرفة طرز حديث ذلك العهد على سواء، وليس بين أيدينا سوى هذا الشعر الذي يقول الرواة: إنه مما تحدثت به ربيعة في منتصف القرن السادس للمسيح، وليس من أدب البحث أن نقول لهم: هذا لا يشبه حديث ربيعة في ذلك العهد، إلا أن نعرف من طريق آخر كيف كان شعراء ربيعة يتحدثون.
(8/413)

الحارث بن حلزة
حكى المؤلف قصة الحارث بن حِلِّزَة مع عمرو بن هند، وإلقائه معلقته بين يديه، وجاء في خلال القصة: أنه اعتمد على قوسه، وارتجل هذه القصيدة.
ثم قال في (ص 170): "ويكفي أن تقرأ هذه القصيدة؛ لترى أنها ليست مرتجلة ارتجالاً، وإنما هي قصيدة نظمت، وفكر فيها الشاعر تفكيراً طويلاً، ورتب أجزاءها ترتيباً دقيقاً".
انقاد المؤلف إلى هذا النقد بيد جرجي زيدان، حيث قال في "تاريخ آداب اللغة العربية": "يزعمون أنه قالها ارتجالاً، وذلك بعيد؛ لأنه ذكر فيها عدة من أيام العرب عيَّر ببعضها بني تغلب تصريحاً، وعرض ببعضها لعمرو ابن هند، فهي من قبيل الملاحم في وصف الوقائع".
ونقدُ جرجي زيدان هذا الذي اقتدى على أثره المؤلف، إنما يجيء على الرواية التي تقول: إنه ارتجلها ارتجالاً، ولكنك تقرأ القصة في شرح ابن الأنباري للمعلقات، فتجد فيها ما هو صريح في أنه لم يرتجلها -كما تقول تلك الرواية- بين يدي عمرو بن هند ارتجالاً، تقرأ في ذلك الشرح: "وقال الحارث بن حلزة لقومه: إني قد قلت خطبة، فمن قام بها، ظفر بحجته، وفلج على خصمه، فروّاها ناساً منهم، فلما قاموا بين يديه، لم يرضهم، فحين علم أنه لا يقوم بها أحد مقامه، قال لهم: والله! إني كره أن آتي
(8/414)

الملك، فيكلمني من وراء سبعة ستور، وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه، غير أني لا أرى أحداً يقوم بها مقامي، فأنا محتمل ذلك لكم".
فهذه الرواية تنفي أن يكون الحارث ارتجل القصيدة بين يدي عمرو ابن هند، وليس فيها ما يدل على أن القصيدة مقولة في غير تفكير وأناة.

* الأقواء في بيت لابن حلّزة:
قال المؤلف في (ص 170): "وليس فيها من مظاهر الارتجال إلا شيء واحد هو هذا الإقواء الذي تجده في قوله:
فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء
فالقافية كلها مرفوعة إلا هذا البيت، ولكن الإقواء كان شيئاً شائعاً حتى عند الشعراء الإسلاميين الذين لم يكونوا يرتجلون في كل وقت".
لم يتفق الرواة على هذا البيت من القصيدة، ولم يأت في النسخة التي كتب عليها التبريزي، ولا النسخة التي كتب عليها أبو عبدالله الزوزني، وإنما هو شيء يرويه الأصمعي عن حرد بن المسمعي، حكى ابن الأنباري في "شرح المعلقات" عن الأصمعي: أنه قال: "أنشدني هذا البيت حرد بن المسمعي، وقال: لا يضرّه إقواؤه، قد أقوى النابغة في قصيدته الدالية، وعاب عليه أهل المدينة، فلم يغيره".

* المقايسة بين قصيدتين:
قال المؤلف في (ص 171): "نقول: إن قصيدة الحارث أمتن وأرصن من قصيدة ابن كلثوم. وقد نظمتا في عصر واحد، إن صح ما يقول الرواة، فهما مسوقتان إلى عمرو بن هند، فاقرأ هذه الأبيات للحارث، وقارن بينها في اللفظ والمعنى، وبين ما قدمنا لك من شعر عمرو". وساق المؤلف من
(8/415)

القصيدة ثمانية أبيات أولها:
ملك أضرع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء
ثم قال: "وانظر إلى هذه الأبيات يعيّر فيها الشاعر تغلب بإغارات كانت عليهم لم يتتصفوا لأنفسهم من أصحابها"، وساق تسعة أبيات أولها:
أعلينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنّا الجزاءُ
ثم قال: "فأنت ترى أن بين القصيدتين فرقاً عظيماً في جودة اللفظ وقوة المتن وشدة الأسر، على أن هذا لا يغيّر رأينا في القصيدتين، فنحن نرجح أنهما منتحلتان، وكل ما في الأمر أن الذين كانوا ينتحلون كانوا كالشعراء أنفسهم يختلفون قوة وضعفاً وشدة وليناً".
الذي يعمد إلى قصيدتين مما يعزى إلى الجاهلية، ويتحدث في تزويرهما، شأنه لا يدخل في بحث سهولة النظم ومتانته إلا إذا قرر للشعر الجاهلي خطة من هاتين الخطتين، ثم يسقط القصيدتين من ناحية مخالفتهما للخطة المعهودة في شعر الجاهليين، وقد نفى المؤلف قصيدة عن عمرو بن قميئة، وأخرى عن مهلهل، وثالثة عن جليلة، واستعان على هذا النفي بما في هذه القصائد من سهولة ولين، وكنا حسبنا ساعتئذ أن ميزة الشعر الجاهلي في نظره أن يخرج في رصانة ومتانة، وعندما انتقل إلى الحديث عن قصيدة الحارث بن حلزة، وأخذ ينعتها بالرصانة والمتانة، سبق ظنّنا إلى أنه سيكفّ عنها بأسه، ويدعها لصاحبها كما سمحت نفسه بأن ترك قصيدتين: "طحا بك قلب"، و"هل ما علمت" لعلقمة، وما لبثنا أن انقلب على تلك الرصانة والمتانة، وساقها مساق السهولة واللين، وقال: الرصين المتين كالسهل اللين، كلاهما منحول، ليس من الجاهلية في شيء!.
(8/416)

يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً ... وإنما خطرات من وساوسه
وإذا كانت المتانة كاللين لا تحمي الشعر من الرمي بالتزوير، فما هو الداعي إلى المقايسة بين القصيدتين من هذه الناحية؟ لا يبقى لهذه المقايسة وجه سوى أن المؤلف يريد أن يريك شاهداً على أنه ينقد الشعر، ويستطيع أن يميز لينه من خشنه.
(8/417)

طرفة بن العبد
* مطلع قصيدة طرفة:
حكى المؤلف قصة طَرَفَة والمتلمِّس، وما جرى لهما مع عمرو بن هند، وأقبل يتحدث عن طرفة، ويعيد قول ابن سلام في طرفة وعبيد: إنه لم يبق من شعرهما إلا قصائد بقدر عشر، ورجع يذكر ما حمل عليه عبارة ابن سلام من أنه لا يعرف لعبيد إلا بيتاً واحداً.
ثم قال في (ص 174): "فأما طرفة، فقد عرف له المطولّة، وروي مطلعها هكذا:
لخولةَ أطلالٌ ببرقةَ ثَهمدِ ... وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغدِ"
مطلع هذه القصيدة ورد بروايتين: إحداهما هذه التي اختارها ابن سلام، وثانيتهما رواية الأصمعي، وهي:
لخولة أطلال ببرقة تهمد ... تلوح كباقي الوشمِ في ظاهر اليدِ
ومن شرّاح المعلّقات من يتعرض للروايتين، ويتناولهما بالشرح واحدة بعد أخرى، وقد عرفت أن اختلاف الروايات في بعض أبيات القصيدة، لا يساعدك على أن تتخذه دليلاً أو شبيهاً بالدليل على أن نسبة هذا الشعر الجاهلي مزورة، وقصارى الارتياب أو الإنكار أن يمس القصيدة في موضع الاختلاف، ولا يتعداه إلى ما لا خلاف فيه.
(8/418)

* سهولة الألفاظ وغرابتها في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 174): "وأنت إذا قرأت شعر طرفة، رأيت فيه ما ترى في أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، ولا سيما المضريين منهم، من متانة اللفظ وغرابته أحياناً، حتى لتقرأ الأبيات المتصلة، فلا تفهم منها شيئاً دون أن تستعين بالمعاجم. ولكنك تلاحظ أن هذا الشعر أشبه بشعر المضريين منه بشعر الربعيين، وذكر أن الربعيين يتفقون في السهولة التي تبلغ الإسفاف، وأنه لا يستثنى من شعرهم إلا قصيدة الحارث ابن حلزة، ثم قال: دافكيف شذ طرفة عن شعراء ربيعة جميعاً، فقوي متنه، واشتد أسره، وآثر من الإغراب ما لم يؤثر أصحابه، ودنا شعره من شعر المضريين؟! ".
الألفاظ التي يتألف منها شعر طرفة واردة في كلام غيره من منظوم العرب ومنثورهم، وورودها في غير شعر طرفة دليل على أنها مألوفة الاستعمال لذلك العهد، وإذا كانت حروفاً عربية، وكانت من قبيل ما يأخذ به الفصحاء أشعارهم وخطبهم، لم يكن دخولها في شعر طرفة بمستنكر، كما أن أخذها في القصيدة مواقع متقاربة، وهي من الألفاظ العربية الصريحة، لا يثير في نفس الناظر ريبة، وإن لم يكثر استعمالها في المخاطبات أو المنشآت الأدبية كثرة استعمال السيف والرمح، والعلم والجهل، والقلب واللسان، والسماء والأرض، فما يجئ في شعر طرفة من هذه الأبيات التي نستعين على فهم بعض كلماتها بالمعاجم كقوله:
أمون كألواح الأران نصأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد
قد كان خطابها موجهاً إلى قوم يفهمونها لأول ما يسمعونها، كما
(8/419)

يفهم الناس اليوم قوله:
إذا القوم قالوا مَن فتى خلت أنني ... عُنيت فلم أكسل ولم أتبلّدِ
ولا ننكر مع هذا أن توصف الكلمة في عهدهم بالغرابة حيث لا تكون كثيرة الدوران في محاوراتهم، أو حيث تكون لغة قبيلة لم تتناولها الفصحاء من سائر القبائل، فيخفى فهمها على كثير من العرب أنفسهم.
ولا يبقى بعد هذا سوى النظر في اختلاف شعراء الجاهلية، حيث يذهب بعضهم في شعره إلى السهولة، فيصوغه من الكلمات الكثيرة الدوران في منشآت الفصحاء ومحاوراتهم، ويذهب آخرون إلى أن يدخلوا في نسجه شيئاً من هذه الكلمات الغريبة قليلاً أو كثيراً.
لا ننظر إلى الشعر في صدر الإسلام، أو في عهد الدولة الأموية، أو حين أخذت اللغة هيئة غير هيئتها الفطرية؛ فإن اختلاف الشعراء لهذه العصور في سهولة الألفاظ وغرابتها غني عن إقامة الشاهد والمثال، بل لا نذهب بالقارئ مذهب الإسهاب، فنسوق إليه شواهد من الشعر الجاهلي الذي قال عنه المؤلف: إنه منتحل انتحالاً. وإنما ننظر في الشعر الجاهلي الذي عفا عنه المؤلف، ولم يجعل على الناس من حرج في أن يضيفوه إلى قائله الجاهلي الصريح.
قد كف المؤلف يده في فصل سلف عن قصيدتين لعلقمة، ورفع من قلبه الشك فيهما، وأنت حين تقرؤهما تجد فيهما سهولة شعر مهلهل، وامرأة أخيه جليلة، وعمر بن كلثوم، وتجده يقول في البائية:
منعمة ما يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيبُ
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يؤوب
(8/420)

فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
ولو كنا نتحدث إلى غير ذي أذواق سليمة، ونستطيع الإغضاء عن الحقيقة، لرمينا القول كما يرميه المؤلف، وقلنا: في هذه الأبيات مع السهولة إسفاف.
وتجد في هاتين القصيدتين الأبيات أو الأشطار المشبّعة بالغرابة؛ كقوله في الميمية:
سقى مذانب قد زالت عصيفتها ... حَدورها من أتيّ الماء مطموم
وقوله:
يظلّ بالحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخذوم
وقوله:
إذا تزغم من حافاتها ربع ... حنت شغاميم في حافاتها كوم
وقوله:
"جلذية كافان الضحل علكوم"
وقوله في البائية:
"له فوق أصواء المتان علوب"
فإن كان الجاهلي لا ينظم الشعر سهلاً، ففي شعر علقمة ما يفهمه السوقة حين يجري على لسان المارّ في قارعة الطريق. وإن كان الجاهلي لا ينظمه غريباً، ففي شعر علقمة ما لا يفهمه طالب العلم إلا أن يستعين عليه بمثل "لسان العرب"، أو "القاموس". وإن كان الجاهلي لا يأخذ في
(8/421)

شعره بالسهولة تارة، وبالغرابة أخرى، ففي شعر علقمة السهل اللين، وفيه ما لا يفهمه المؤلف إلا أن يستعين عليه بالمعاجم.

* أبيات طرفة في وصف الناقة:
قال المؤلف في (ص 175): "وانظر في هذه الأبيات التي يصف بها الناقة:
وإني لأمضي الهمّ عند احتضاره ... بعوجاءَ مِرْقالٍ تروح وتغتدي
وسرد ستة أبيات بعدها.
ثم قال: "وهو يمضي على هذا النحو في وصف ناقته، فيضطرنا إلى أن نفكر فيما قلناه من قبل من أن أكثر هذه الأوصاف أقرب إلى أن يكون من صنعة العلماء باللغة منه إلى أي شيء آخر".
دعوى أن هذا الشعر من صنع علماء اللغة ليس بالمستحيل الذي يأباه العقل في كل حال، ولكنه لا يزال في رأينا بعيداً، ولا سيما حيث لم يشده المؤلف برواية، أو رأي يجعل نظم طرفة لهذا الشعر شيئاً نكراً.
اللفظ والأسلوب عربي فصيح، ووصف العرب للناقة والفرس في أشعارهم سنّة جارية، وتفاوت أبيات القصيدة في السهولة والغرابة معروف في كثير من أشعار الجاهليين والإسلاميين. إذاً لا غرابة في أن تكون هذه الأبيات الواردة في وصف الناقة لطرفة بن العبد.

* الحديث عن اللهو واللذة والإلحاد:
قال المؤلف في (ص 176): "ولكن دع وصفه للناقة، واقرأ:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
(8/422)

وسرد بعده ثمانية أبيات من القصيدة، وأثنى على هذه الأبيات من ناحية نسجها.
وقال: "وامض في قراءة القصيدة، فستظهر لك شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح جلي: مذهب اللهو واللذة يعمد إليهما من لا يؤمن بشيء بعد الموت، ولا يطمع في الحياة إلا فيما تتيح له من نعيم بريء من الإثم والعار على ما كان يفهمها عليه هؤلاء الناس:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي"
وتلا بعد هذا البيت ثمانية أبيات من القصيدة، ونفى عن هذه الأبيات أن تكون متكلفة، أو منتحلة، أو مستعارة، وأخذ يتحدث عنها في هيئة الطائر فرحاً من وقوعه عليها، وذكر أن فيها شخصية "ظاهرة البداوة، واضحة الإلحاد، بينّة الحزن واليأس، والميل إلى الإباحة في قصد واعتدال"، وانثنى يتحدث عن صاحب هذه الشخصية، ووصفه بالصدق في يأسه وحزنه وميله إلى هذه اللذات.
ثم قال: "وإنما الذي يعنيني: أن هذا الشعر صحيح، لا تكلّف فيه ولا انتحال، وأن هذا الشعر لا يشبه ما قدمنا في وصف الناقة، ولا يمكن أن يتصل به، وأن هذا الشعر من الشعر النادر الذي نعثر به من حين إلى حين في تضاعيف هذا الكلام الكثير الذي يضاف إلى الجاهليين، فنحس حين نقرؤه أنا نقرأ شعراً حقاً فيه قوة وحياة وروح".
أخذت المؤلف لوقوعه على هذا الشعر هزة ارتياح، فأطلق قلمه في وصفه وتقريظه، كأنه المثل الأعلى لما تجود به القرائح، ويبدع تنسيقه البيان.
(8/423)

المعروف في سنّة البحث: أن الكاتب إذا دعاه الموضوع إلى التعرض لمنثور أو منظوم، وجدته يتناول الحديث عنه من الناحية الملائمة لهذا الموضوع، ويملك نفسه عن أن يأتيه من ناحية لا تلتقي مع البحث في سبيل. والمؤلف لا يأخذ بهذه السنّة، على الرغم من استنارتها، ودلالتها على رسوخ الكاتب في العلم الذي يبحث فيه.
يفاتحك هذا المؤلف بالحديث عن الشعر الجاهلي في هيئة الباحث المخلص، فتظن به خيراً، وتلقي إليه سمعك وأنت شهيد، ثم لا يلبث في البحث بضعة أسطر حتى يخرج بك إلى أن يقضي حاجة أخرى، وما هي إلا طعن في هداية، أو تشويه حقيقة، أو ارتياح للخروج عن فضيلة.
يتحدث المؤلف في هذا الفصل عن شعر طرفة من ناحية نسبة هذا الشعر إليه، حتى وصل إلى أبيات: "فما زال تشرابي الخمور ولذتي"، وكان نظام البحث يقضي عليه أن يخوض في هذه الأبيات من الجهة المتصلة بإضافتها إلى طرفة، ولكنه لم يتمالك أن نبذ الموضوع وراء ظهره، وأقبل يحدثك عن مذهب اللهو واللذة، وعما في هذا الشعر من شخصية واضحة الإلحاد، وما فيه من إباحة قال عنها: إنها مقتصدة معتدلة، وجعل يصف صاحب هذه الشخصية بأنه صادق في ميله إلى هذه اللذات التي يؤثرها، وأسف إذ لم يعثر على مثل هذا الشعر فيما يضاف إلى الجاهليين إلا نادراً، ولإعجابه بمعاني هذا الشعر، أخذ يحثو عليه المدح بملء فمه، ويقول لك: إنه شعر حق، فيه قوة وحياة وروح. ولم يكفه أن يتسلل من مقام البحث إلى الحديث عن اللهو واللذة والإلحاد، فصاح قائلاً لك وهو في نشوة من هذا الحديث: "وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذا الشعر"، يقول هذا، وهو لم يسق الأبيات إلا بمناسبة البحث في أن طرفة قال هذا الشعر، أو لم يقله.
(8/424)

* نقد الرواة لشعر طرفة:
خلع المؤلف لقلمه العذار، فطرب في حديث الإلحاد والإباحة ما شاء.
ثم قال في (ص 178): "وإذاً، فأنا أرجح أن في هذه شعراً صنعه علماء اللغة، هو هذا الوصف الذي قدمنا بعضه، وشعراً صدر عن شاعر حقاً، هو هذه الأبيات وما يشبهها، ولسنا نامن أن يكون في هذه الأبيات نفسها ما دس على الشاعر دساً، وانتحل انتحالاً. فأما صاحب القصيدة، فيقول الرواة: إنه طرفة. ولست أدري: أهو طرفة أم غيره؟ بل لست أدري: أجاهلي هو أم إسلامي؟ وكل ما أعرفه هو أنه شاعر بدوي ملحد شاكّ".
يجوز في حق الملحد متى كان بدوياً أن يصف الناقة على نحو وصفها في قصيدة: "لخولة أطلال"، فليس بالبعيد أن تكون أبيات الإلحاد والإباحة صادرة من القريحة التي وصفت الناقة، وقد قال الرواة: إن هذا الملحد الذي وصف الناقة يقال له: طرفة بن العبد، وقد رأينا هؤلاء الرواة يتحدثون عن شعره حديث المجدّ في بحثه، فقالوا: إن الصحيح منه قليل، وأنكروا بعض قصائد طرحت عليه؛ كقصيدة:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي جوّ
فقد نقدوها، ونفوها عنه، وقالوا: إنها لا تدخل في مذهبه، ولا تقاربه (1).
وجروا على هذا السبيل في أبيات تضاف إلى هذا الشاعر؛ كبيت:
أسعد بن مال ألم تعلموا ... وذو الرأي مهما يقل يصدق
__________
(1) "أغاني" (ج 11 ص 104).
(8/425)

فقد حقق أنها مصنوعة على طرفة، وإنما هي لبعض العباديين (1).
وألقوا على هذه المعلقة نظراً خاصاً، فدلوا على موضع اختلاف الروايات، ونبهوا على ما جاء زائداً في رواية؛ كبيت:
جمالية وجناء تردي كأنها ... سفنجة تبرى لأزعر أربد
ورووا لنا ما يدل على أن هذه القصيدة كانت معروفة في الجاهلية، ومنظوراً إليها بعين الإكبار والإعجاب، وهو أن عدة من شعراء الجاهلية عارضوها، فما أتوا بمثلها ولا شبهها (2).
فبلوغهم في نقد شعر طرفة هذا المبلغ يبعدنا عن قبول هذا الذي يزعمه المؤلف، ويخفف على ألسنة الأدباء أن يقولوا عند إنشاد شيء من هذه القصيدة: قال طرفة بن العبد.
وكان المؤلف زهي بأبيات اللهو والإلحاد، وملكه حال جعله يقول عن صاحب القصيدة: ولست أدري: أهو طرفة أم غيره؟. وكان مقتضى دليله اللغوي أن يدري أنه غير طرفة، ولكن هذا الدليل اللغوي قد نقضه بقصيدتي علقمة، ومناقضة الكاتب للدليل يورده على المسألة أمارة على أنه سمعه من ناحية، وأقبل يحكيه في ناحية أخرى، ولو توّلاه بقريحته، وعالجه بفكره، لما أدركه نسيانه على عجل، وشأن أمثال المؤلف أن يكونوا أبعد الناس عن النسيان.
* * *
__________
(1) "كتاب سيبويه" (ج 1 ص 237).
(2) "اختيار المنظوم والمنثور" لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر.
(8/426)

المتلمّس
انتقل المؤلف إلى الحديث عن شعر المتلَمِّس.
وقال في (ص 178): "ومن غريب أمره: أن التكلف فيه ظاهر، ولا سيما في القافية، فيكفي أن تقرأ سينيته التي أولها:
يا آل بكر ألا لله أمكم ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس
لتحس تكلف القافية. على أن هذه القصيدة مضطربة الرواية، فقد يوضع آخرها في أولها، وقد يروى مطلعها:
كم دون ميّة من مستعمل قذف ... ومن فلاة بها تستودع العيس"
نقرأ في كتب الأدب الراقية: "أن أبا عمرو بن العلاء يقول: لقيت الفرزدق في المربد، فقلت: يا أبا فراس! أحدثت شيئاً؟ فقال: خذ، ثم أنشدني:
كم دون ميّة من مستعمل قذف ... ومن فلاة بها تستودع العيس
فقلت: سبحان الله! هذا للمتلمس؛ فقال: اكتمها، فلضوالُّ الشعر أحب إليّ من ضوالّ الإِبل" (1).
__________
(1) "الموشح" للمرزباني.
(8/427)

لا نريد أن نستشهد بهذا على أن القصيدة معدودة من مختار الشعر، وأنها مما يرغب البلغاء في أن تكون من بنات قرائحهم، ولكن شهرة القصيدة في عهد الفرزدق وأبي عمرو بن العلاء تدل على أن منشئها عربي فصيح، وإذا كان العربي الفصيح قد يتكلف القافية، فليكن طرفة من هذا القبيل، ولا يكون تكلف القافية في هذه القصيدة أمارة على أنها محمولة عليه.
وأما اضطراب الرواية بوضع آخرها في أولها، فإن دل على شيء، فهو قدم عهد القصيدة بالنظر إلى عهد التدوين.
قال المؤلف في (ص 179): "وللمتلمس قصيدة أخرى ليست أجود ولا أمتن من هذه، ولعلها أدنى منها إلى الرداءة، وهي التي مطلعها:
ألم تر أن المرء رهن منية ... صريع لعافي الطير أو سوف يرمس
فلا تقلبن ضيماً مخافة ميتة ... وموتن بها حراً وجلدك أملس
ويقول فيها:
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا"
ساق المؤلف هذا البيت الأخير على الوجه الذي انتقده علماء الأدب؛ لأنه أقرب إلى ما يرمي به القصيدة من الرداءة.
قال أبو هلال: الرواية الجيدة ما رواه أبو عمرو:
وما البأس إلا حمل نفسي على السرى ... وما العجز إلا نومة وتشمس
فجعل البأس بإزاء العجز، والسرى بإزاء القعود، فأما قوله في الرواية الأولى: فما الناس إلا كذا، وما العجز إلا كذا، فغير جيد (1).
__________
(1) "شرح الحماسة" للتبريزي (ج 2 ص 103).
(8/428)

* المتلمس أحد شعراء بني ضبيعة:
قال المؤلف في (ص 179): "وأكبر الظن أن كل ما يضاف إلى المتلمّس من شعر- أو كثره على أقل تقدير- مصنوع، الغرض من صنعته: تفسير طائفة من الأمثال، وطائفة من الأخبار، حفظت في نفوس الشعب عن ملوك الحيرة وسيرتهم في هؤلاء الأخلاط من العرب وغير العرب الذين كانوا يسكنون السواد، ولا أستبعد أن يكون شخص المتلمس نفسه قد اخترع اختراعاً تفسيراً لهذا المثل الذي كان يضرب بصحيفة المتلمس، والذي لم يكن الناس يعرفون من أمره شيئاً".
بعض الرواة صنع هذا الشعر ليفسر طائفة من الأمثال، وطائفة من الأخبار، وبعض الرواة وجدوا الناس يضربون المثل بصحيفة المتلمس، وهم لا يعرفون منْ هذا المتلمس، ولا يدرون ما هذه الصحيفة، فصوروا رجلاً وضعوا عليه اسم المتلمس، وجعلوه من بني ضبيعة، وفي عهد عمرو بن هند، ونظموا أشعاراً أضافوها إليه، ولفقوا له قصة مع عمرو بن هند، وقرنوه في القصة بطرفة بن العبد، واصطنعوا له ولداً سمّوه: عبد المدان، وقالوا عن هذا الولد: إنه أدرك الإسلام، وكان شاعراً، ومات في بصرى، ولا عقب له (1)! تصنع طائفة من الرواة جميع هذا لتفسر المثل المضروب بصحيفة المتلمس!.
ننظر فيما يضيفه الرواة إلى المتلمس من أخبار وأشعار، وأقل ما نستفيده من مجموعها: أن شاعراً كان في عهد عمرو بن هند يقال له: المتلمس،
__________
(1) "الجمهرة" لابن حزم، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة، وإنما اختلفت النسخ في كتابة اسمه، وأكثرها على أنه عبد المدان.
(8/429)

وأنه هو صاحب الصحيفة المضروبة بين الناس مثلاً، وقد تجيء الريبة أو الانتحال إلى شيء من هذه الأخبار المتصلة به، وأهل العلم أنفسهم يروونها بتحفظ، وتجدها في شرح ابن الأنباري للمعلّقات مصدرة بمثل: "يقال"، و"زعموا"، و "فيما يقال"، و "فيما يزعمون".
أما الشعر الذي يعزوه إليه الرواة من غير أن يرتاب فيه واحد منهم، ومن غير أن تعرض فيه شبهة لغوية أو تاريخية، فإنا نأخذه على ظن أنه للمتلمس، ولا جناح علينا أن نقول عند إنشاده: قال المتلمس أحد شعراء بني ضبيعة.
(8/430)

نتيجة البحث
* طريقة المؤلف في درس الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 180): "ونحن لم نقصد في هذا الكتاب إلى أن ندرس الشعراء، ولا إلى أن نحلل شعرهم، وإنما قصدنا إلى أن نبسط رأينا في طريقة درس هذا الشعر الجاهلي، وهؤلاء الشعراء الجاهليين. وقد بلغنا من ذلك ما كنا نريد".
الطريقة التي سنها المؤلف لدرس الشعر الجاهلي وهؤلاء الشعراء الجاهليين، ليست بالتي تضع في شرطها عليك أن تكون ألمعية، ولا بالتي تدعوك إلى رعاية قانون البحث، أو نظام الفكر، وقصارى ما تأخذ عليك في عهدها: أن تنظر إلى ما في نفسك من حاجة أو عاطفة، ثم تطلق لقلمك أن تقول في هذا الشعر وهؤلاء الشعراء ما يقضي هذه الحاجة، أو يرضي هذه العاطفة.
وإن شئت أن تكون مشابهاً للمؤلف في سيرته مشابهةَ الغراب للغراب، فصوّر في فاتحة بحثك طائفة ستلقى ما تكتبه ساخطة عليه، وأخرى بجانبها ستزْوَرّ عنه ازوراراً، وسِّم الطائفتين: أنصار القديم، ثم اقبض من هذه الأمة الكثيرة قبضة، ولو صغيرة، وأفضْ عليها بقدر ما يسعك البيان مدحاً وإطراء، وقلْ للقراء: هؤلاء أنصار الجديد، وسيرضون عن هذا الكتاب، فعلى غيرهم
(8/431)

العفاء، ولا تمد في البحث خطوة حتى تحدث القراء عن منهج (ديكارت)، فإن أنباءه ما برحت عامية عن أنصار القديم، وما فتئت غامضة عن أنصار الجديد، وابسطْ يدك معاهداً للقراء على أنك ستستقيم على هذا المنهج، ولا تحيد عنه إصبعاً، وإن وضعت الشمس في يمينك، والقمر في يسارك، ثم اطوِ في نفسك أنك ستذهب مغرباً، وتدع هذا المنهج يذهب مشرقاً.
وأقبلْ على بعض كتب عربية مثل كتاب "الأغاني"، وكتاب "الحيوان" للجاحظ، والتقطْ منها ما يعينك على قضاء تلك الحاجة، أو إرضاء تلك العاطفة، وانصرفْ منها إلى كتب يلقيها بعض المخالفين كالعثرات في سبيل هداية القرآن، وانتزع من كلماتها الجافية ما يلائم مسلكك، وسقه إلى القراء في هيئة من يروي قولاً، أو يحكي رأياً، وإن شئت، فاصدع به على أنه وليد فكرك، وألبسه من الجهل على حضرة أكمل الخليقة ثوباً خشناً، ولا تبال شعور هذه الأمم الإسلامية، وإن كان دين دولتها الإسلام.
وولّ وجهك شطر ما يكتبه المستشرقون في أدب اللغة، واقلبه إلى العربية، وأخرجه في صورة ما أنتجته قريحتك. وقدم بين يديه، أو ائت من ورائه بجمل تتطاول بها على القدماء، وتتباهى بها على أنصار القديم، فإن ذلك أبلغ وسيلة إلى إبعاد الظنون عن جولة يدك، وسقوط أمانتك.
فإن أنت صنعت هذا كله، فقد استقام لك القياس، وجئت به مستوفي الشرائط، فاحمل عليه من النتائج ما دعتك إليه الحاجة، أو نزعت بك إليه العاطفة؛ لأنك تكتب لطائفة بلهاء، تنطق عليها بالسخف، فتضرب أيمانها على شمائلها طرباً.
هذه طريقة درس الشعر الجاهلي والشعراء الجاهليين، وقد بلغ المؤلف من ذلك ما كان يريد.
(8/432)

* نتيجة البحث:
ختم المؤلف كتابه بملاحظتين: الأولى: أن هذا الدرس الذي قدمه ينتهي له إلى نتيجة إلا تكن تاريخية صحيحة، فهي فرض يحسن الوقوف عنده، والاجتهاد في تحقيقه.
وقال في (ص 180) شارحاً هذه النتيجة: "وهي أن أقدم الشعراء فيما كانت تزعم العرب، وفيما كان يزعم الرواة، إنما هم يمنيون، أو ربعيون، وسواء أكانوا من أولئك، أو من هؤلاء، فما يروى من أخبارهم يدل على أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة؛ أي: في هذه البلاد التي تتصل بالفرس اتصالاً ظاهراً، أو التي كان يهاجر إليها العرب من عدنان وقحطان على السواء.
وإذاً، فنحن نرجح أن هذه الحركات التي دفعت أهل اليمن من ناحية، وأهل الحجاز من ناحية أخرى إلى العراق والجزيرة ونجد، في عصور مختلفة، ولكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع للمسيح، قد أحدثت نهضة عقلية وأدبية، لما كان من اختلاط هذين الجنسين العربيين فيما بينهما، ومن اتصالهم بالفرس. ومن هذه النهضة نشأ الشعر، أو قل إذا كنت تريد التحقيق: ظهر الشعر، وقوي، وأصبح فناً أدبياً. وقد ذهب هذا الشعر، ولم يبق منه شيء إلا الذكرى، ولكن لم يكد يأتي القرن السادس للمسيح، حتى تجاوزت هذه النهضة أقطار العراق والجزيرة ونجد، وتغلغلت في أعماق البلاد العربية نحو الحجاز، فمسّت أهله. ومن هنا ظهر الشعر في مضر ومن إليهم من أهل البلاد العربية الشمالية. فالشعر كما ترى يمني قوي حين اتصلت القحطانية بربيعة، ولكنا لم نعرفه، ولم نصل إليه إلا حين تغلغل في البلاد العربية، وأخذته مضر عن ربيعة".
(8/433)

تتلخص هذه النتيجة في ست جمل:
1 - أقدم الشعراء يمنيون أو ربعيون.
2 - قبائل هؤلاء الشعراء كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة.
3 - اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية.
4 - هذه النهضة تجاوزت العراق والجزيرة ونجداً، وتغلغلت نحو الحجاز.
5 - الشعر الناتج من اتصال القحطانية بربيعة ذهب، ولم تبق منه إلا الذكرى.
6 - الشعر يمنيّ قوي حين اتصلت اليمانية بربيعة.
أما الجملة الأولى، فلا ندري ما هو الطريق الذي دخلت منه إلى هذه النتيجة! والذي نعرفه من هذا الكتاب: أن المؤلف لا يرى لأسماء هذه القبائل قيمة، وينكر أو يشك في قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء، وأسماء هذه القبائل، فقد قال فيما سلف: "لا نعرف ما ربيعة وما قيس وما تميم معرفة علمية صحيحة، أي: لأننا ننكر، أو نشك على أقل تقدير شكاً قوياً في قيمة هذه الأسماء التي تسمّى بها القبائل، وفي قيمة الأنساب التي تصل بين الشعراء، وبين أسماء هذه القبائل، ونعتقد أو نرجح أن هذا كله أقرب إلى الأساطير منه إلى العلم اليقين" (1).
وإذا كان المؤلف لا يعرف ربيعة، وينكر أو يشك في قيمة هذا الاسم، وفي أنساب من يعزون إليها من الشعراء، فكيف يدخل في نتيجة بحثه شيئاً
__________
(1) كتاب "في الشعر الجاهلي" (ص 31).
(8/434)

ينكره أو يشك فيه؟! ولعل المؤلف كان على ذكر من هذا الذي نحكيه عنه، فاحتاط لنفسه، وأضاف هذه النظرية، وهو أن أقدم الشعراء يمنيون، أو ربعيون إلى زعم العرب أو الرواة، ولكن هذا الاحتياط لا يبرئه من تبعة إدخال المزعوم في نتيجة يدعي أن الدرس المتقدم قد انتهى به إليها.
وأما الجملة الثانية، وهي أن قبائلهم كانت تعيش في نجد والعراق والجزيرة، فهو الموافق للرواية، ولا ندري ماذا يفعل المؤلف في امرئ القيس، فقد رجّح أنه وجد حقاً، وأنه كان شاعراً يمنياً، وأبى للرواة أن يكون قد نشأ في نجد، وامرؤ القيس يمني، عدّه العرب أو الرواة في أقدم الشعراء، وما يروى من أخباره يدل على أن أسرته كانت تعيش في نجد، فما الذي يمنع المؤلف من الاعتراف بأن أسرته من هذه القحطانية التي هاجرت إلى نجد، واتصلت بربيعة؟.
وأما الجملة الثالثة، وهي أن اتصال القحطانية بربيعة أحدث نهضة أدبية، فمحتمل، غير أن قبوله يتوقف على إثبات أن القحطانية سبقوا ربيعة إلى نظم الشعر.
وأما الجملة الرابعة، وهي أن هذه النهضة تجاوزت نجداً والعراق والجزيرة، وتغلغلت نحو الحجاز، ففيها شيء من ريح ما يقوله الرواة من أن الشعر كان في ربيعة، وانتقل إلى قيس، ثم تحول إلى تميم، "ولكن من ريحه ليس غير".
وأما الجملة الخامسة، وهي أن الشعر الناتج عن النهضة القحطانية الربعية قد ذهب، ولم تبق منه إلا الذكرى، فمردودة على عقبها؛ بأن الرواية المستفيضة على ألسنة الثقات وغيرهم تتلو علينا منظومات في هذه اللغة
(8/435)

الأدبية، وتشهد بأن هذه المنظومات مُثُل من شعر ربيعة في عهد الجاهلية، وما يدّعيه المؤلف من أن شعرهم ذهب ضائعاً، وأن هؤلاء الرواة أجمعوا على باطل، فحديث مطرود من ساحة القبول حتى يأتي صاحبه، ولو بمثل من هذا الشعر الضائع، أو يقيم الشاهد على ضياعه، وما حشره في الفصول الماضية كالمستدل على هذه الدعوى قد رأيتموه كيف ذهب، ولم يبق منه شيء غير الذكرى.
وأما الجملة السادسة، وهي أن الشعر يمنيٌّ قوي حين لصلت القحطانية بربيعة، فلا وجه لجعلها نتيجة ينتهي إليها الدرس المتقدم؛ فإن المؤلف لم يبحث في الفصول السابقة، ولا في هذه الملاحظة أيضاً عن أولية الشعر بحثَ أهل العلم حيث يوردون مقدمات معلومة أو مظنونة، ويصوغون النتيجة بمقدارها.

* شعر مضر واليمن وربيعة:
قال المؤلف في (ص 181): "فلنا في شعر مضر رأي غير رأينا في شعر اليمن وربيعة؛ لأننا نستطيع أن نؤرخه، ونحدد أوليته تقريباً، ولأنا نستطيع أن نقبل بعض قديمه، دون أن تحول بيننا وبين ذلك عقبة لغوية عنيفة". وقال: "إن الشعراء الجاهليين من مضر قد أدركوا الإسلام كلهم، أو أكثرهم، فليس غريباً أن يصح من شعرهم شيء كثير".
من يقرّ هنه الجمل يسبق إلى ظنه أن الشعراء الذين أتى عليهم المؤلف، وحجز عنهم هذا الشعر الذي يُعزى إليهم، أو قال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعرهم، كلهم من ربيعة، ولكنه بحث في شعر عبيد بن الأبرص، وهو من بني أسد، وبنو أسد من مضر، ويحث في شعر علقمة، وهو من بني تميم،
(8/436)

وتميم من مضر، وقال: لا أدرس الحياة الجاهلية في شعر النابغة وزهير، وكلا هذين الشاعرين من قيس، وقيس من مضر.
وإذا كانت النتيجة إنما هي إنكار شعر اليمن وربيعة وحدهما، فما باله يمشي في الفصول السابقة على إنكار الشعر الجاهلي بإطلاق، فيقول: "إن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية" (1). وقال: "إن هذا الشعر الذي يسمونه: الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية، ولا يمكن أن يكون صحيحاً" (2). ونحن نظن أن المؤلف وأنصاره "سيجدون كثيراً من المشقة والعناء في حل
هذه المشكلة".
وأما العقبة اللغوية، فقد عرفت أن الذي أقامها هو المستشرق (مرغليوث)، ووقف المؤلف في هذه العقبة يحسبها عنيفة، وما برح يصوّت بأنها عنيفة، وما هي بعنيفة، ولكن تقليد الغربيين في الآراء السخيفة عنيف.

* هدم الآراء الحائرة والأقوال الخادعة:
انتقل المؤلف إلى الملاحظة الثانية، فقال: "الثانية: أن الذين يقرؤون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته، وفي نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردده في كل مكان من الكتاب. وقد يشعرون مخطئين أو مصيبين، بأننا نتعمد الهدم تعمداً، ونقصد إليه في غير رفق ولا لين، وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة، وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة".
__________
(1) (ص 24).
(2) (ص 29).
(8/437)

إن الذين يقرؤون كتابنا هذا، قد يفرغون وفي نفوسهم شيء من أثر الارتياح لهذا النقد الأدبي الذي نعالج به كل مكان من كتاب "في الشعر الجاهلي"، وقد يشعرون مصييين بأننا نتعمد هدم تلك الآراء الحائرة، والأقوال الخادعة، ونقصد إليه في غير رفق ولا لين. وقد يتخوف شركاء المؤلف عواقب هذا الهدم على دعايتهم الخاسئة عامة، وعلى كتب أستاذ الجامعة التي تتصل بهذه الدعاية خاصة.

* سبيل أهل العلم في الشعر الجاهلي:
قال المؤلف في (ص 182): "فلهؤلاء نقول: إن هذا الشك لا ضرر منه، ولا بأس به، لا لأن الشك مصدر اليقين ليس غير، بل لأنه قد آن للأدب العربي وعلومه أن تقوم على أساس متين، وخير للأدب العربي أن يزال منه في غير رفق ولا لين ما لا يستطيع الحياة، ولا يصلح لها أن يبقى مثقلاً بهذه الأثقال التي تضر أكثر مما تنفع، وتعوق عن الحركة أكثر مما تمكن منها".
الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ثلاثة أنواع:
أحدها: ما لا يختلف الرواة في نسبته إلى قائل، ولم نلمح في لفظه أو معناه ما يخدش هذه النسبة المجمع عليها، فهذا صالح لأن يستشهد به في اللغة، ولأن يؤخذ به في استطلاع حياة الجاهلية؛ حيث يكتفى في مثل هذا بمراتب الظنون قوية أو ضعيفة.
ثانيهما: ما يخالف في نسبته إلى قائله بعض الرواة المعتدّ بخلافهم، ويذهب إلى أنه منحول، وهذا إن جاء من طريق عربي مطبوع، بقي صالحاً للاستشهاد به في اللغة من غير خلاف، ولكنه يقصر عن أن يريك من حياة
(8/438)

الجاهلية أثراً واضحاً، فإن لم يتلق هذا المنحول من عربي فصيح، (وهو النوع الثالث)، لم يعتد به في اللغة، أو حياة الجاهلية، وإنما يروى لما فيه من حكمة أو بلاغة.
ولعل المؤلف لا يدري هذا السبيل الذي يسير عليه أهل العلم في الشعر الجاهلي، فنزع به قلمه هذه النزعة الشائنة، وأراد أن يجعل لشكّه قيمة، ويضعه موضع الأساس الذي ستقوم عليه علوم الأدب العربي.

* نفي الشعر الجاهلي لا يمس القرآن بسوء:
قال المؤلف في (ص 182): "ولسنا نخشى على هذا القرآن من هذا النوع من هذا الشك والهدم بأساً، فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته، وتثبت ألفاظه. نخالفهم في ذلك أشد الخلاف؛ لأن أحداً لم ينكر عربية النبي فيما نعرف، ولأن أحداً لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته. وإذا لم ينكر أحد أن النبي عربي، وإذا لم ينكر أحد أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلي، وهذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟! ".
لا يخطر على بال أحد أن نفي الشعر الجاهلي من الأرض يمس القرآن بسوء؛ فإن العلماء الذين قاموا على تفسير مفرداته قد رجعوا في بيانها إلى شعر أو نثر سمعوه من العرب الخلّص، وسواء عليهم أكان هذا الشعر أو النثر صدر من الإسلاميين، أم كان مضافاً إلى الجاهليين بحق أو بغير حق. وهذا حال ما يتمسكون به في قواعد النحو، فإن هذه القواعد لن تزال ثابتة، ولو قامت الآيات البينات على أن هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين
(8/439)

كله أنشئ بعد ظهور الإسلام.
والمؤلف لم يدرس اللغة وأصولها وأدبها ببصيرة صافية، وفكرة متيقظة، فحسب أن الشك في الشعر الجاهلي يسري إلى الشك في معاني القرآن، وقواعد النحو والبيان، فدبت يده إلى ما كتبه المستشرق (مرغليوث)، وأفرغ ما يستطيع من التشكيك في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، وجرى في خياله أنه بلغ من الكيد للقرآن والعربية الفصحى ما كان يتمنّى، فلبسه الغرور، وجعل يداجي أهل القرآن، ويقول كالمخفف من فزعهم: فأيّ خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ وقد لوحنا فيما سبق إلى المواضع التي يحق لمفسر القرآن أو الحديث أن يأخذ في تحقيقها بشواهد من كلام العرب الفصيح.

* عربية القرآن حكم مسمّط:
قال المؤلف في (ص 183): "وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا أشد الاحتياط في رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره، حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الاعتماد عليه في تدوين اللغة العربية وفهمها".
القرآن محفوظ في الصدور منذ عهد النبوة، وليس من أنصار القديم، ولا من أنصار الجديد أيضاً من يستطيع أن ينازع في أن المسلمين قد احتاطوا في جمعه وكتابته وتفسيره، وليس في العارفين بفنون التفسير من ينازع في أن من معاني حروفه أو وجوه تأويله ما يليق بالمفسر أن يقيم عليه الشاهد من كلام العرب؛ لأنه أنزل بلسان عربي مبين، فهم لا يقصدون بإقامة الشاهد تصحيح عربية القرآن؛ فإن عربيته حكم مسمَّط، وإنما يقيمون الشاهد لتقرير
(8/440)

المعنى، أو تصحيح وجه الإعراب الذي يختارونه في التأويل.

* عناية المسلمين بالشعر:
قال المؤلف في (ص 183): "وهم لم يحفلوا برواية الشعر، ولم يحتاطوا فيها، بل انصرفوا عنها طائعين أو كارهين، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر، وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب في غير كتابة ولا تدوين".
للعرب شغف بنظم الشعر وروايته، ولم يكن لديهم من العلوم ما يشغل قرائحهم عن نظمه، ولا أذهانهم عن حفظه، إلا حين طلع عليهم الإسلام، فأقبل أقوام منهم على التفقة في الدين، وحفظ القرآن ورواية الحديث. ثم إن الأمة العربية تهيأت لأن تبسط شعاع هذه الهداية في مشارق الأرض ومغاربها، فتدفقوا ولا قوة لهم إلا إيمان يتلألأ في قلوبهم، وإلا حكمة تنير لهم السبيل أينما ذهبوا، ففتحوا البلاد، وجعلوا الأيام تلد كارهة أو طائعة من بدائع الإصلاح ما لم تتمخّض به الدنيا في عهد اليونان أو الرومان.
نحن نعلم هذا كله، ومن الغلط أو المغالطة أن نعد هذه النهضة الخطيرة ماحية للشعر الجاهلي من ألسنتهم، نازعة له من قلوبهم، وإنما شأنها أن تخفف من عنايتهم به، وتصرف هؤلاء المجاهدين في كثير من الأوقات عن إنشاده وروأيته، ومن البديهي أن الأمة لم تكن لذلك العهد كلها مجاهدة، بل كان فيها الأعمى والأعرج والمريض، والمرأة، والمعذرون من الأعراب، ولا يستطيع المؤلف أن يقيم الشاهد على أن هذه الأصناف من الناس انصرفت عن الشعر جملة، بل لا يستطيع أن يقيم الشاهد على أن أولئك المجاهدين انصرفوا عنه الانصراف الذي يخول للمؤلف أن يقول: إن هذا الشعر الجاهلي
(8/441)

ليس من الجاهلية في شيء، ولو شئنا أن نرجع إلى هذه الكتب القديمة التي تعنى بشؤون الأدب، لوجدنا فيها آثاراً تقول: إن زعيم أولئك المجاهدين عمر بن الخطاب كان أعلم الناس بالشعر، ولا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر. وتخبر هذه الآثار بأنه أنشد بين يديه قصيدة عبدة بن الطيب الطويلة التي على اللام، وقصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وشعر لزهير، وكان يتلقى بعض أبيات هذا الشعر الجاهلي بالتعجب أو الإعجاب، وجاءت الرواية بأن هذا المجاهد العظيم قال وهو على المنبر: "أيها الناس! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم؛ فإن فيه تفسير كتابكم" (1). وهذا سبيل واسع، ولسنا في حاجة إلى أن نذهب فيه إلى أبعد من هذه الغاية التي انتهينا إليها.

* إننا أمة بحث ونظر:
قال المؤلف في (ص 183): "أما نحن، فمطمئنون إلى مذهبنا، مقتنعون بأن الشعر الجاهلي أو كثرة هذا الشعر الجاهلي لا تمثل شيئاً، ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال، وأن الوجه -إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص- إنما هو الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر، لا بهذا الشعر على عربية القرآن".
قطع المؤلف عنا حديثه بهذه الكلمة التي تنكر الشعر الجاهلي، وليست هذه الكلمة إلا سلالة تلك الشبه الكثيرة الصخب والتلاطم، وهي على ما ينعتها به الناس من صفاقة وتخاذل لم تنشط قريحة المؤلف لأن تستنبط
__________
(1) "الموافقات" لأبي إسحاق الشاطبي (ج 2 ص 5) طبع تونس.
(8/442)

مثلها، وإنما كان يتتبعها من هاهنا وهاهنا كما يصنع بعض ذوي الأفكار العقيمة من أنصار القديم، وأقوى هذه الشبه دلالة -كما يقول المؤلف- ذلك الذي يسميه: الدليل الفني اللغوي، وهو إنما دبّ إليه على حين غفلة من الناس، وسلَّه من مقال نشرته "مجلة الجمعية الآسيوية" للمستشرق (مرغليوث).
لا يعنينا أن يكون المؤلف أغار على ذلك المقال، أو أن خاطره وقع على ما وقع عليه خاطرُ هذا المستشرق كما يقع الحافر على الحافر؛ فإن النظرية في نفسها ساقطة، وشُبهها كما رأيتم خاسئة، والبحث الفني اللغوي الذي يبتدئ باختلاف اللغة العدنانية واللغة القحطانية، وينتهي باختلاف لغات القبائل العدنانية في نفسها، يكفي في سقوطه فرضُ أن تنشأ بين هذه اللغات المختلفة لغة يأخذ بها الشعراء والخطباء ألسنتهم، وقيام هذه اللغة الأدبية بين ذوي لغات تتفرع عن أصل واحد، ويرتبط أقوامها بصلة الجوار، وتبادل المرافق، والتقارب في العادات والآداب، يكاد يكون فرضه ضربة لازب، ولا سيما حيث انهالت الروايات الموثوق بها من كل جانب، وفتحت أفواها شاهدة بأنه كان أمراً واقعاً، ومن آثار شهادتها: هذه القصائد التي تروى لشعراء كندة وربيعة، وقيس وتميم. وقد بسطنا مناقشة هذا الدليل الفني في الفصول الماضية، على أن المؤلف قد نقض شطره، بل نقض أساسه من قبل أن نناقشه، فتقبّل قصيدتين لعلقمة، وعلقمة من تميم، وقال: إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف لامرئ القيس محمول عليه، ومعناه: أن الأقل من هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس اليمني من نسج قريحته، وليس فيما يضاف إلى علقمة أو امرئ القيس إلا ما هو مصوغ في هذه اللغة الأدبية.
(8/443)

وأما ما تحدث به المؤلف بعد هذا الدليل الذي هو في ظنه "أنهض حجة"، فمنه ما لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئاً، ومنه ما لا يدل على أكثر من أن في هذا الشعر الجاهلي ما هو مختلق اختلاقاً، ولن تجد له على انتحال هذا الشعر كله أو كثرته المطلقة من دليل، أو ما فيه رائحة دليل.
يريد المؤلف أن يلقي في نفوس تلك الطائفة القليلة: أنه الداهية الذي ينال من الإسلام حتى يرضى، وما عليه إلا أن يقول كما قال في هذه الصحيفة: إنه يؤمن بعربية القرآن، ويجعل نصوصه مقبولة الشهادة على هذا الشعر الجاهلي. يقول هذا، وقد خادعته نفسه إذ خيلت له أن هذه الأمم الإسلامية تبلغ من السذاجة، ومن رؤيتها له بالمكان الأرفع، أن تطير فرحاً لرضاه عن القرآن، وتواضعه إلى أن يعتد بنصوصه، ويقبل شهادتها على أشعار الجاهلية الأولى.
إننا أمة بحث ونظر: نذهب مع العلم كل مذهب، ولا نقف لحرية الفكر في طريق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى قلوبهم إلا أن تزدري أقلاماً تثب في غير علم، وتحاصر في غير صدق، وإنما نحن بشر، والبشر تأبى لهم أقلامهم إلا أن تطمس على أعين الكلمات الغامزة في شريعة محكمة أو عقيدة قيمة.
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44 - 45].
(انتهى الكتاب والحمد لله رب العالمين)
(8/444)

تراجم الأعلام
- أ -
- ابن أبي حاتم (240 - 327 ه): عبد الرحمن بن محمد، كان مقيما في الري، من حفاظ الحديث. من آثاره: الجرح والتعديل - التفسير - علل الحديث.

- ابن أبي الحديد (586 - 655 ه): عبد الحميد بن هبة الله، ولد في المدائن، وتوفي ببغداد، عالم في التاريخ والأدب. من آثاره: شرح نهج البلاغة - الفلك الدائر.

- ابن أبي شيبة (159 - 235 ه): عبدالله بن محمد، الكوفي، حافظ للحديث. من آثاره: شرح نهج البلاغة - الفلك.

- ابن أبي شيبة (156 - 239 ه): عثمان بن محمدٍ الكوفي، حافظ للحديث. من آثاره: المسند - التفسير.

- ابن الأثير (555 - 630 ه): علي بن محمد، ولد في إحدى قرى الموصل وتوفي بالموصل. مؤرخ وكاتب. من آثاره: الكامل في التاريخ.

- ابن إسحق (... - 151 ه): محمد بن إسحق، من أهل المدينة، وتوفي ببغداد، حافظ للحديث. من آثاره: السيرة النبوية - الخلفاء - المبدأ.

- ابن الأعرابي (150 - 231 ه): محمد بن زياد، من أهل الكوفة، وتوفي
(8/445)

بسامراء، راوية وعالم باللغة. من آثاره: تاريخ القبائل - النوادر.

- ابن الأنباري (271 - 328 ه): أبو بكر بن محمد بن القاسم، ولد في الأنبار، وتوفي ببغداد، عالم باللغة والأدب والشعر والتاريخ. من آثاره: الأمثال - الوقف والابتداء - غريب الحديث - شرح معلقة زهير.

- ابن تيمية (661 - 728 ه): أحمد بن تيمية الحراني، ولد بخران، وتوفي بدمشق، فقيه ومحدث. من آثاره: الفتاوى - الجوامع.

- ابن جرير (224 - 310 ه): محمد بن جرير الطبري، ولد في آمل طبرستان، وتوفي ببغداد، مؤرخ ومفسر. من آثاره: جمع البيان في تفسير القرآن.

- ابن جني (... - 392 ه): عثمان بن جنّي، إمام في النحو، ولد في الموصل وتوفي ببغداد. من آثاره: الخصائص - سر الصناعة - اللمع.

- ابن الجوزي (508 - 597 ه): عبد الرحمن بن علي، ولد وتوفي ببغداد، مؤرخ وفقيه حنبلي. من آثاره: المنتظم في تاريخ الأمم - الأذكياء وأخبارهم.

- ابن حجر (773 - 852 ه): أحمد بن علي، أصله من عسقلان بفلسطين، ولد وتوفي بالقاهرة، حافظ الإسلام في عصره. من آثاره: فتح الباري في شرح صحيح البخاري - الإصابة في تمييز الصحابة - تقريب التهذيب.

- ابن حزم (384 - 456 ه): علي بن أحمد، ولد في قرطبة، وتوفي ببادية لبلة بالأندلس، مؤرخ وفقيه ومحدث. من
(8/446)

آثاره: جمهرة الأنساب - الناسخ والمنسوخ - الفصل في الملل والأهواء والنحل.

- ابن خلدون (732 - 808 ه): ولي الدين عبد الرحمن، ولد بتونس، وتوفي بالقاهرة، مؤرخ وفيلسوف وعالم اجتماعي. من آثاره: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر.

- ابن خلكان (608 - 681 ه): أحمد بن محمد، ولد في أربل قرب الموصل وتوفي بدمشق، مؤرخ. من آثاره: وفيات الأعيان.

- ابن درستويه (258 - 347 ه): عبدالله بن جعفر، توفي ببغداد، من علماء اللغة. من آثاره: معاني الشعر - أخبار النحويين - نقض كتاب العين.

- ابن دريد (223 - 321 ه): محمد بن الحسن، ولد بالبصرة، وتوفي ببغداد، إمام في اللغة والأدب. من آثاره: الاشتقاق - المقصور والممدود - الجمهرة - أدب الكاتب.

- ابن الرومي (221 - 283 ه): علي بن العباس بن جريح، شاعر، ولد ومات ببغداد. له ديوان مطبوع.

- ابن الزبير القرشي: انظر: الزبير بن البكار.

- ابن الزبير (627 - 708 ه): أحمد بن إبراهيم، من العرب الداخلين إلى الأندلس، مؤرخ ومحدث، ولد في جيان، وتوفي بغرناطة. من آثاره: صلة الصلة - البرهان في ترتيب سور القرآن.

- ابن سلام الجمحي (155 - 232 ه): محمد بن سلام، راوية وعالم بالأخبار. من
(8/447)

أهل البصرة، وتوفي ببغداد. من آثاره: طبقات الشعراء - بيوتات العرب - غريب القرآن.

- ابن شاكر (... -764 ه): محمد بن شاكر، ولد في داريا من ضواحي دمشق، وتوفي بدمشق، مؤرخ وأديب. من آثاره: فوات الوفيات - عيون التاريخ.

- ابن عباس (3 ق. ه - 68 ه): عبدالله بن عباس، صحابي جليل، ولد بمكة وتوفي بالطائف، لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه الأحاديث الصحيحة، له في "الصحيحين" 1660 حديثاً.

- ابن عبد البر (368 - 463 ه): يوسف بن عبدالله، ولد بقرطبة، وتوفي بشاطبة بالأندلس، مؤرخ وحافظ للحديث. من آثاره: الاستيعاب - الدرر في اختصار المغازي والسير - العقل والعقلاء.

- ابن عبد ربه (245 - 327 ه): أحمد بن محمد، من أهل قرطبة، شاعر وأديب. من آثاره: العقد الفريد.

- ابن السبكي (727 - 771 ه): عبد الوهاب بن علي، ولد في القاهرة، وتوفي بدمشق، مؤرخ وقاض. من آثاره: طبقات الشافعية الكبرى - جمع الجوامع.

- ابن فارس (329 - 395 ه): أحمد بن فارس، إمام في اللغة والأدب، أصله من قزوين، وتوفي بالري. من آثاره: مقاييس اللغة - المجمل - الصاحبي - جامع التأويل.

- ابن قتيبة (213 - 276 ه): عبدالله بن مسلم، ولد وتوفي ببغداد، إمام في الأدب. من آثاره: أدب الكاتب - عيون الأخبار - مشكل القرآن - الشعر والشعراء.
(8/448)

ابن الكلبي (... - 204 ه): هشام بن محمد بن السّائب، ولد وتوفي بالكوفة، من علماء التفسير والأنساب والأخبار. من آثاره: الأصنام - جمهرة الأنساب - ملوك الطوائف.

- ابن معين (158 - 233 ه): يحيى بن معين، ولد قرب الأنبار في العراق، وتوفي بالمدينة حاجاً، إمام بالحديث والحفظ. من آثاره: التاريخ، وهو مرتب على حروف المعجم.

- ابن المقفع (106 - 142): عبدالله بن المقفع، توفي بالبصرة، من أئمة الكتاب، وأول من عني بترجمة المنطق. من آثاره: كليلة ودمنة - الأدب الصغير - اليتيمة.

- ابن مناذر (... - 198 ه): محمد بن مناذر اليربوعي، شاعر من أهل البصرة، مدح البرامكة، توفي في مكة.

- ابن ميادة (... - 140 ه): الرماح بن الأبرد، شاعر نجدي، مدح الأمويين، واشتهر بنسبته إلى أمه ميادة.

- ابن النحاس (627 - 698 ه): محمد بن إبراهيم، ولد في حلب، وتوفي بالقاهرة، إمام في اللغة. من آثاره: إملاء على كتاب المغرب لابن عصفور.

- ابن النديم (... - 385 ه): محمد بن إسحق، مؤرخ ثقة من أهل بغداد. من آثاره: الفهرست - التشبيهات.

- ابن هشام (... - 213 ه): عبد الملك بن هشام، ولد في البصرة وتوفي بالقاهرة، مؤرخ وعالم بالأنساب. من آثاره: السيرة النبوية - القصائد الحميرية.

- أبو إسحق الشاطبي (... - 790 ه): إبراهيم بن موسى، إمام مالكي من أهل
(8/449)

غرناطة. من آثاره: الموافقات - أصول النحو - شرح الخلاصة.

- أبو إسحق النظام (185 - 221 ه): إبراهيم بن سيّار، من أهل البصرة، وإليه تنسب الفرقة من المعتزلة (النظامية).

- أبو أيوب الأنصاري (... - 52 ه): خالد بن يزيد، صحابي جليل شجاع تقي، شهد العقبة ويدر وأحد والخندق، دفن في أصل حصن القسطنطينية في غزوة يزيد بن معاوية لها.

- أبو بكر الأنباري: انظر: ابن الأنباري.

- أبو بكر الخطيب (392 - 463 ه): أحمد بن علي البغدادي، ولد وتوفي ببغداد، حاظ ومؤرخ. من آثاره: تاريخ بغداد - البخلاء - الأسماء والألقاب.

- أبو بكر الصديق (51 ق. ه - 13 ه): عبدالله بن أبي قحافة، أول الخلفاء الراشدين وأول من آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من الرجال، ولد بمكة وتوفي بالمدينة.

- أبو بكر بن العربي (468 - 543 ه): محمد بن عبدالله بن محمد المعافري، ولد في إشبيلية، وتوفي بفاس، قاض وفقيه. من آثاره: عارضة الأحوذي - قانون التأويل - العواصم والقواصم.

- أبو تمام (190 - 231 ه): حبيب بن أوس، ولد بجاسم في حوران، وتوفي بالموصل، شاعر فحل، من آثاره: ديوان الحماسة - فحول الشعراء.

- أبو جهل (... - 2 ه): عمرو بن هشام بن المغيرة، من أشد أعداء الإسلام، قتل في وقعة بدر.
(8/450)

- أبو حاجب (1243 - 1342 ه): سالم بن عمر بوحاجب، من علماء تونس ومن أفاضلها، ومن أساتذة مؤلف الكتاب.

- أبو حامد الغزالي (450 - 505 ه): محمد بن محمد الغزالي، ولد ومات في طوس بخراسان. حجة الإسلام، فقيه وفيلسوف وصوفي. من آثاره: إحياء علوم الدين - تهافت الفلاسفة - المنقذ من الضلال.

-أبو حيان (654 - 745 ه): محمد بن يوسف، ولد في غرناطة، ومات بمصر، إمام اللغة والتفسير والحديث. من آثاره: البحر المحيط- طبقات نحاة الأندلس - تحفة الغريب - شرح التسهيل.

- أبو الخطاب الأخفش (... -177 ه): عبد الحميد بن عبد المجيد، من علماء اللغة، وهو أول من فسر الشعر تحت كل بيت.

- أبو دؤاد الإيادي (160 - 240 ه): أحمد بن فرح، عالم بالأخبار والأنساب ولد في قنسرين، وتوفي ببغداد، اتصل بعدد من الخلفاء واستشاروه.

- أبو حنيفة الدينوري (... -282 ه): أحمد بن داود، عالم بالرياضيات ومؤرخ. من آثاره: المعارف - الأخبار الطوال - النبات - الجبر والمقابلة.

- أبو داود (202 - 275 ه): سليمان بن الأشعث، أصله من سجستان، وتوفي بالبصرة، إمام الحديث في عصره. من آثاره: السنن.

- أبو زيد الأنصاري (... -214 ه): سعيد بن أوس، عالم بالنحو واللغة من أهل البصرة.

- أبو سفيان (57 ق. ه - 31 ه): سعيد بن أوس، عالم بالنحو واللغة وأبلى
(8/451)

بلاء حسناً بعد إسلامه، والد معاوية رأس الدولة الأموية.

- أبو طالب (85 ق. ه - 3 ق. ه): عبد مناف بن عبد المطلب، والد علي - رضي الله عنه -، وعم النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- أبو عبدالله الزوزني (... - 486 ه): حسين بن أحمد، قاض وأديب من أهل زوزن بين هراة ونيسابور. من آثاره: شرح المعلقات السبع - المصادر.

- أبو عبيد القاسم بن سلام (157 - ولد في هراة، وتوفي بمكة، عالم بالحديث 224 ه): والأدب والفقه. من آثاره: غريب الحديث - أدب القاضي - المذكر والمؤنث.

- أبو عبيدة (110 - 209 ه): معمر بن المثنى، ولد ومات بالبصرة، لغوي ومن حفاظ الحديث. من آثاره: نقائض جرير والفرزدق، مجاز القرآن - مآثر العرب.

- أبو علي القالي (288 - 356 ه): إسماعيل بن القاسم، ولد في منار جرد في الجررة بسورية، وتوفي بقرطبة، حافظ للحديث واللغة والأدب. من آثاره: النوادر المعروف بأمالي القالي - البارع - المقصور والممدود.

- أبو عمر الزاهد (261 - 344 ه): محمد بن عبد الواحد، من أئمة اللغة، ولد وتوفي ببغداد ويلقب: (غلام ثعلب). من آثاره: المداخل - اليواقيت - أخبار العرب.

- أبو عمرو الشيباني (94 - 206 ه): ولد ومات بالكوفة، لغوي، من، آثاره: اللغات - النوادر - غريب الحديث - الخيل.

- أبو عمرو بن العلاء (70 - 154 ه): زبان بن العلاء، من أئمة اللغة والأدب، ولد بمكة وتوفي بالكوفة.
(8/452)

- أبو الفرج الأصبهاني (284 - 356 ه): علي بن الحسين، ولد في أصبهان، ونشأ ومات ببغداد، من آثاره: الأغاني - أيام العرب - أعلام الأدب والتاريخ واللغة.

- أبو منصور الأزهري (282 - 370 ه): محمد بن أحمد بن الأزهر، ولد وتوفي في هراة بخراسان، إمام في اللغة والأدب. من آثاره: التهذيب - تفسير القرآن.

- أبو النواس (146 - 198 ه): الحسن بن هانئ، ولد في الأهواز، وتوفي ببغداد، شاعر ماجن. له ديوان مطبوع.

- أحمد بن أبي طاهر (204 - 280 ه): أحمد بن طيفور، مؤرخ وكاتب، ولد وتوفي ببغداد. من آثاره: المنثور والمنظوم - تاريخ بغداد.

- أحمد تيمور باشا (1288 - 1348 ه): أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور، أديب ومؤرخ، ولد وتوفي بالقاهرة. له مؤلفات عديدة.

- أحمد بن حنبل (164 - 241 ه): أحد الأئمة الأريعة، ولد ببغداد، وطلب العلم في كثير من البلاد الإسلامية. من آثاره الغزيرة: المسند - التاريخ - الناسخ والمنسوخ - التفسير.

- أحمد بن يحيى: انظر: ثعلب.

- الأخطل (19 - 90 ه): غياث بن غوث، شاعر أموي من بني تغلب، أكثر من مدح ملوك أمية. له ديوان مطبوع.

- الأخفش: انظر: أبا الخطاب الأخفش.

- أدور براونلش (1861 - 1926 م): أدورد غرنفيل براون، مستشرق إنكليزي. له مؤلفات بالإنكليزية منها: فهارس المخطوطات الإسلامية في جامعة كمبردج.
(8/453)

- أرسطو (384 - 322 ق. م): فيلسوف يوناني، تتلمذ على أفلاطون. من آثاره: الأورغانون في المنطق - النفس - الكون والفساد.

- أرنود (1882 - 1939 م): أرند جان فنسنك، مستشرق هولندي، كان أستاذ اللغة العربية في جامعة ليدن. من آثاره: المعجم المفهرس هفلظ الحديث النبوي.

-الأزهري: انظر: أبا منصور الأزهري.

- أسد بن ناعصة (... - ...): شاعر جاهلي، كان. يدعي أنه قاتل عنترة العبسي.

- إسماعيل بن يسار (... - نحو 130 ه): النسائي، أصله من فارس، شاعر، اشتهر بتعصبه للعجم، وفد على عبد الملك بن مروان، ومدحه.

- الأصمعي (122 - 216 ه): عبد الملك بن قريب، ولد ومات بالبصرة، لغوي ورا وية. من آثاره: الإبل - الأضداد - الأنساب - الأصمعيات.

- الأعشى ميمون بن قيس (... - 7 ه): شاعر جاهلي، وأحد أصحاب المعلقات. مات في اليمامة.

- الأغلب العجلي (... - 21 ه): شاعر راجز معمَّر من ربيعة، أدرك الجاهلية والإسلام، مات في واقعة نهاوند.

- الأفوه الأودي (... - نحو 50 ق. ه): صلاءة بن عمر بن مالك، شاعر يماني جاهلي، كان قائداً في الحرب وحكيماً في الشعر.

- الأقرع بن حابس (... - 31 ه): من أشراف العرب في الجاهلية، أسلم مع وفد تميم، وشهد حنين وفتح مكة والطائف. واستشهد بالجوزجان.
(8/454)

- أكثم بن صيفي (.. - 9 ه): من حكماء العرب في الجاهلية - قصد المدينة مع وفد من قومه يريدون الإسلام، فمات في الطريق.

- الإلياذة: ملحمة هوميروس أعظم شعراء اليونان، قسمها علماء الإسكندرية أربعة وعشرين جزءاً. ترجمت إلى معظم اللغات, ومنها العربية.

- امرؤ القيس (نحو 130 - 80 ق. ه): جندح بن حجر، شاعر جاهلي، وأحد أصحاب المعلقات، ولد بنجد ومات بأنقرة. له ديوان مطبوع.

- أمية بن أبي الصلت (... - 5 ه): شاعر جاهلي من أهل الطائف، ومن شعراء الطبقة الأولى.

- الأوديسا: ملحمة هوميروس أعظم شعراء اليونان، والأرجح أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد.

- الأوزاعي (88 - 157 ه): عبد الرحمن بن عمرو، من الزهاد الفقهاء، ولد في بعلبك، وتوفي ببيروت. من آثاره: السنن - المسائل.

- أوس بن حجر (... - نحو 2 ق. ه): شاعر تميم في الجاهلية وشعره حكمة، عاش طويلاً.

- ب -
- الباقلاني (... - 403 ه): محمد بن الطيب، قاض، ولد في البصرة ومات ببغداد. من آثاره: إعجاز القرآن.

- البخاري (194 - 256 ه): محمد بن إسماعيل، ولد في بخارى قرب سمرقند، الحافظ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صاحب "الصحيح" المعروف باسمه.
(8/455)

- بدر: قرية صغيرة قرب المدينة جرت فيها غزوة بدر الكبرى في 17 رمضان عام 2 ه. وانتصر فيها المسلمون وهم قلة على كثرة قريش.

- البستاني (1264 - 1301 ه): سليم بن بطرس، ولد في عبية، ومات في بوارج بلبنان. من آثاره: دائرة المعارف.

- حرب البسوس:
نسبة إلى اسم المرأة التي تذكر الروايات أنها السبب في نشوب الحرب بين قبيلتي بكر وتغلب.

- بشار بن برد (95 - 167 ه): شاعر وخطيب، نشأ في البصرة ومات بها. له ديوان مطبوع.

- بشر بن أبي خازم (... - نحو 92 ق. ه): شاعر جاهلي أسدي من نجد، قتل في غزوة مع بني وائل.

- بشير بن سعد (... - 12 ه): صحابي شهد بدراً، قتل يوم عين النمر مع خالد بن الوليد.

- البغدادي: انظر: عبد القادر البغدادي.

- بلال الحبشي (... - 20 ه): مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحد السابقين للإسلام، توفي بدمشق.

- بوصويه (1627 - 1714): أديب فرنسي كان مطراناً على بلدة مو.

- ت -
- تأبط شراً (... - نحو 80 ق. ه): ثابت بن جابر، شاعر عداء من فتاك العرب في الجاهلية، من أهل تهامة، قتل في بلاد هذيل.

- التبريزي (421 - 502 ه): يحيى بن علي، أصله من تبريز، وتوفي ببغداد، إمام في اللُّغة والأدب. من آثاره: شرح
(8/456)

ديوان الحماسة لأبي تمام - شرح المعلقات السبع - شرح سقط الزند.

- الترمذي (209 - 279 ه): محمّد بن عيسى، إمام وحافظ للحديث، من أهل ترمذ ومات بها. من آثاره: الجامع الكبير - شمائل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - العلل.

- تشارلس جيمس ليل (1845 - 1920 م): مستشرق إنكليزي، عمل في العلوم الشرقية في وطنه خمسين عاماً، نشر عدة كتب بالعربيّة، وكان أحد رؤساء "المجلة الآسيوية" الإنكليزية.

- تميم:
قبيلة امتدت حتى الساحل الشرقي لبلاد العرب، وجنوباً حتى الدهناء، ووصلت ضفاف الفرات، تحالفت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونبغ فيها عدد من الشعراء.

- ث -
- ثعلب (200 - 291 ه): أحمد بن يحيى، ولد ومات ببغداد، إمام الكوفيين في اللُّغة والنحو. من آثاره: الفصيح - معاني القرآن والقراءات - اختلاف النحويين.

- الثعلبي (... - 427 ه): أحمد بن محمد، من أهل نيسابور، مفسر، صنف كتاب "التفسير الكبير"، وله كتاب "العرائس".

- ج -
- جابر بن سمرة (... - 74 ه): صحابي نزل الكوفة، وتوفي في ولاية بشر بالعراق.

- الجاحظ (163 - 255 ه): عمر بن بحر، أحد أئمة الأدب، ولد ومات
(8/457)

بالبصرة. من آثاره: الحيوان - البيان والتببين - البخلاء.

- جذيمة الأبرش (... - نحو 343 ق. ه): جذيمة بن مالك، ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق، قتلته الزباء.

- جرجي زيدان (1287 - 1332 ه): مؤرخ وقصاص عربي، ولد في بيروت، ومات بالقاهرة، له آثار عديدة.

- الجرمي (... - 225 ه): صالح بن إسحق، فقيه وعالم باللغة والنحو، من أهل البصرة. من آثاره: السير - غريب سيبويه.

- جرير (28 - 115 ه): جرير بن عطية، شاعر أموي، ولد ومات في اليمامة. له ديوان مطبوع.

- جرير بن ضرار: شاعر مخضرم من غطفان، له قصيدة في رثاء عمر بن الخطاب.

- الجلال السيوطي (849 - 911 ه): عبد الرّحمن بن اْبي بكر، إمام وحافظ ومؤرخ وأديب، نشأ في القاهرة، وتوفي بها. له نحو 500 أثر.

- جميل بثينة (... - 82 ه): جميل بن عبد الله بن معمر، شاعر من عشاق العرب، أصله من وادي القرى بالمدينة، وتوفي بمصر. له ديوان مطبوع.

- ح -
- حاجب بن زرارة (... نحو 3 ه): من سادات العرب في الجاهلية، أدرك الإسلام وأسلم.

- الحارث بن حلزة (... - نحو 50 ق. ه): شاعر جاهلي من أهل العراق، وأحد أصحاب المعلقات.
(8/458)

- الحارث بن ظالم (... - نحو 22 ق. ه): من فتاك العرب المشهورين في الجاهلية، كان سيد غطفان، وراح يطوف بالبلاد حتى وصل الشّام، وقتل في حوران.

- الحارث بن عباد البكري) ... - نحو 50 ق. ه): حكيم وشاعر جاهلي، وقعت في أيامه حرب البسوس.

- الحجاج (45 - 95 ه): الحجاج بن يوسف الثقفي، قائد وداهية وخطيب، ولد في الطائف، ومات بواسط في العراق، ولاه عبد الملك بن مروان مكة والمدينة والطائف والعراق.

- حسان بن ثابت (... - 54 ه): شاعر إسلامي، ولد ومات في المدينة المنورة، دافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهجا قريشاً وشعراءها. له ديوان مطبوع.

- الحطيئة (... - نحو 30 ه): جرول بن أوس، شاعر أدرك الجاهلية والإسلام، اشتهر بالهجاء. له ديوان مطبوع.

- حماد الراوية (95 - 155 ه): حماد بن سابور، ولد في الكوفة ومات في بغداد، عالم بأيام العرب وأشعارهم وأخبارهم.

- حماد عجرد (... - 161 ه): حماد بن عمر، شاعر من أهل الكوفة من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. قتل بالأهواز.

- حمير: قبيلة يمنية، كان لها دولة في وسط اليمن عاصمتها ظفار حتى ظهور الإسلام، وما زالت حتى اليوم في اليمن قبيلة تسمى بهذا الاسم.

- خ -
- خالد بن جعفر (... - نحو 30 ق. ه): شاعر جاهلي فارس كان سيد هوازن، قتله الحارث بن ظالم.
(8/459)

- خالد بن العاص (... - 14 ه): صحابي، كان الثالث أو الرابع من الداخلين في الإسلام، حضر فتح مكة وتبوك، قتل قرب دمشق في وقعة مرج الصفر.

- خديجة بنت خويلد (68 - 3 ق. ه): زوجة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأولى، ولدت بمكة، وتوفيت فيها.

- الخزرج: قبيلة عربية كانت تسكن المدينة، وتعرف مع قبيلة الأوس بالأنصار، وقد جاهدتا لقيام دولة الاسلام.

- خلف الأحمر (... - نحو 185 ه): خلف بن حيان، شاعر وراوية من أهل البصرة، من آثاره: جبال العرب. وله ديوان مطبوع.

- الخليل بن أحمد (100 - 170 ه): ولد ومات بالبصرة، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض. من آثاره: العين - معاني الحروف - العروض.

- الخنساء (... -24 ه): تماضر بنت عمرو، شاعرة من أهل نجد أدركت الجاهلية والإسلام، وأسلمت، اشتهرت برثائها لأخويها صخر ومعاوية.

- د -
- دريد بن الصمة (... - 8 ه): شاعر شجاع من هوازن، قتل يوم حنين.

- ديكارت (1569 - 1960 م): رينيه ديكارت، فيلسوف وعالم رياضي فرنسي، أقام فلسفته على الشك المنهجي، توفي بالسُوَيْد.

- ذ -
- الذهبي (673 - 748 ه): محمّد بن أحمد، ولد وتوفي بدمشق، حافظ ومؤرخ. من آثاره التي تقارب المئة: دول
(8/460)

الإسلام - طبقات الحفاظ - تارخ الإسلام الكبير.

- ذو الرمة (77 - 117 ه): غيلان بن عقبة، شاعر من مضر، توفي بأصبهان. له ديوان مطبوع.

- ر -
- الراعي (... - 90 ه): عبيد بن حصين، شاعر، كان راعي إبل من أهل بادية البصرة.

- رؤبة (... - 145 ه): رؤبة بن عبد الله العجاج، أقام في البصرة وتوفي بالبادية، إمام في اللغة. له ديوان رجز مطبوع.

- الرياشي (... - 145 ه): العباس بن الفرج، من أهل البصرة، وقتل فيها، راوية ولغوي. من آثاره: الخيل - الإبل - ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب.

- ز -
- الزبير بن بكار (172 - 256 ه): ولد بالمدينة، وتوفي بمكة، راوية وعالم بأنساب العرب وأخبارهم. من آثاره: أخبار العرب وأيامها - الموفقيات.

- الزجّاج (241 - 311 ه): إبراهيم بن السري، من علماء اللغة والنحو، ولد ومات ببغداد. من آثاره: معاني القرآن - الاشتقاق - الأمالي.

- الزمخشري (467 - 538 ه): محمود بن عمر، إمام في اللغة والآداب والتفسير، ولد في زمخشر من قرى خوارزم، وتوفي في جرجانية من قراها. من آثاره: الكشاف - أساس البلاغة - المفضل.
(8/461)

- زنوبيا (... - 358 ق. ه): الزباء بنت عمرو، صاحبة تدمر، وملكة الشام والجزيرة في العصر الجاهلي. توفيت في تيبور.

- زهير بن أيي سلمى (... -13 ق. ه): من الشعراء الحكماء في الجاهلية، كان مقيماً في نجد. له ديوان مطبوع.

- زيد الطائي (... - 9 ه): زيد بن مهلهل، كان شاعراً خطيباً شجاعاً في الجاهلية، لقب "زيد الخيل" لكثرة خيوله. وفد على النبي بن مع وفد طيء، وأسلموا، وسماه: "زيد الخير".

زين العابدين التونسي: ولد في تونس عام 1888 م. ورحل إلى دمشق وما زال مقيماً فيها. عالم ومربٍّ, شقيق الإمام الأكبر محمد الخضر حسين. من آثاره: المعجم المدرسي - المعجم في النحو والصرف - دروس الوعظ والإرشاد - الدين والقرآن القانون الإلهي - المعجم في الكلمات القرآنية.

- س -
- سبينوزا (1632 - 1677 م): باروخ اسبينو فيلسوف هولندي من أسرة يهودية، استقر بلاهاي. من آثاره: كتاب الأخلاق.

- سعد بن أبي وقاص (23 ق. ه - 55 ه): مالك بن أهيب، صحابي وفاتح، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
(8/462)

- سعد بن عبادة (... - 15 ه): صحابي من أهل المدينة، كان سيد الخزرج، توفي بحوران، شهد أحد والخندق.

- سعيد بن العاص (3 - 59 ه): صحابي، تولى ولاية المدينة إلى أن توفي، وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان - رضي الله عنه -.

- سقيفة بن ساعدة: اجتمع فيها الأنصار والمهاجرون بالمدينَة المنورة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختيار خلف له.

- سلمان الفارسي (... - 36 ه): صحابى، أصله من أصبهان، وتوفي بالمدائن. قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "سلمان منا أهل البيت".

- السموأل (... - نحو 65 ق. ه): السموأل بن غريض بن عادياء، شاعر جاهلي من الحجاز يضرب به المثل في الوفاء. له ديوان مطبوع.

- سهل بن هارون (... - 173 ه): كاتب وحكيم، فارسي الأصل، تولى رئاسة خزانة الحكمة ببغداد في عهد المأمون، من آثاره: الإخوان - المسائل - ثعلة وعفرة.

- سوق عكاظ: من أسواق العرب في الجاهلية، بين نخلة والطائف وذي مجاز، تجتمع فيه العرب للمبايعة، وإنشاد الشعر من أول ذي القعدة حتى العشرين منه كل عام.

- سيبويه (148 - 180 ه): عمرو بن عثمان، إمام النحاة، ولد في إحدى قرى شيراز، وتوفي بالأهواز، صنف كتابه في النحو.

- سيديو (1808 - 1875 م): لويس بيير سيديو، مستشرق فرنسي، ولد ومات بباريس، من آثاره: خلاصة تاريخ العرب.
(8/463)

- سيف بن ذي يزن (110 - 50 ق. ه): من ملوك العرب اليمانين ودهاتهم، ولد وتوفي بصنعاء.

- ش -
- شرقي بن القطام (... - ...): الوليد بن الحصين، من أهل الكوفة، أديب وعالم بالأنساب، اتصل بالخليفة المنصور.

- الشماخ (... -22 ه): معقل بن ضرار، شاعر مخضرم، توفي في غزوة موقان. جمع بعض شعره في ديوان مطبوع.

- الشهاب القسطلائي (... - 923 ه): أحمد بن محمّد القسطلاني، عالم بالحديث، ولد وتوفي بالقاهرة. من آثاره: إرشاد الساري - المواهب اللدنية.

- ص -
- الصديق: انظر: أبا بكر الصديق.

- الصفدي (696 - 764 ه): صلاح الدين خليل بن أيبك، أديب ومؤرخ، ولد في صفد بفلسطين، وتوفي بدمشق. من آثاره: الوافي بالوفيات - جنان الجناس - دمعة الباكي.

- ض -
- ضرار بن الخطاب (... - 13 ه): فارس شاعر، صحابي، أسلم يوم فتح مكة، واستشهد في وقعة أجنادين.

- الضحاك بن مزاحم (... - 105 ه): مفسر ومؤدب للأطفال. له كتاب في التفسير.

- ط -
- الطائف: من أقدم مدن الحجاز على بعد 120 كيلو متر من مكة، أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها مدة، تشتهر
(8/464)

بالكروم والرمان والحدائق.

- الطبراني (260 - 360 ه): سليمان بن أحمد، من العلماء المحدثين، ولد بطبرية. من آثاره: ثلاثة معاجم في الحديث - التفسير - دلائل النبوة.

- طرفة بن العبد (نحو 80 - 60 ق. ه): شاعر جاهلي، ولد في بادية البحرين وقتل شاباً، له ديوان مطبوع.

- الطرماح (... - نحو 80 ه): الطرماح بن حكيم بن الحكم، شاعر ولد بالشام، ورحل إلى العراق وخراسان. له ديوان مطبوع.

- طه حسين (1889 - 1973 م): ولد في إحدى قرى مركز "مغاغة" بصعيد مصر. كان أستاذاً في الجامعة المصرية، ووزيراً للمعارف. له مؤلفات أدبية عديدة.

- ع -
- عامر بن الطفيل (75 ق. ه - 11 ه): فارس وشاعر، من سادات الجاهلية، ولد بنجد، له ديوان مطبوع.

- عبد الرحمن بن أبي بكر (... - 53 ه): عبد الرحمن بن عبد الله، صحابي من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، توفي في مكة.

- عبد الرحمن بن الأشعث (... - 85 ه): من الأمراء القادة، خاض وقائع مع الحجَّاج، وقتله (رتبيل) في سجستان.

- عبد الرحمن بن حسان (6 - 104 ه): شاعر أنصاري من أهل المدينة، وتوفي بها، وهو ابن الشاعر حسان بن ثابت.

- عبد القادر البغدادي (1030 - 1093 ه): عبد القادر بن عمر، ولد في بغداد وتوفي بالقاهرة، أديب ومؤرخ. من آثاره: خزانة الأدب - شرح شواهد الشافية.
(8/465)

- عبد القاهر الجرجاني (... - 471 ه): من أهل جرجان، ألف في اللغة والنحو والبلاغة، من آثاره: أسرار البلاغة - دلائل الإعجاز - إعجاز القرآن.

- عبد الله بن حنظلة (2 - 63 ه): عبد الله بن عبد عمرو، من التابعين الشجعان، نشأ يتيماً، وقتل يوم الحرة.

- عبد الله بن رواحة (... - 8 ه): صحابي من شعراء الجاهلية والإسلام، شهد غزوات بدر وأحد والخندق والحديبية، واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة في إحدى غزواته. استشهد في موقعة مؤتة.

- عبد الله بن الزبعرى (... - 15 ه): من شعراء قريش في الجاهلية، كان شديداً على المسلمين حتى فتح مكة، ثم أسلم ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- عبد الله بن سبأ (... - نحو 40 ه): رأس الطائفة السبئية، وكانت تقول بألوهية علي. أصله من اليمن، نفاه علي إلى المدائن.

- عبد الله السلامي (... - 374 ه): عبد الله بن موسى، شاعر من أهل بغداد، اشتغل بالحديث والتاريخ والأدب. صنف كثيراً في التواريخ ونوادر الحكام.

- عبد الله بن عمر (10 ق. ه - 73 ه): عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان جريئاً شجاعاً، ولد ومات في مكة، غزا إفريقيا مرتين، له في "الصحيحين" 2630 حديثاً.

- عبد الله بن مطيع الأسود (... - 73 ه): شجاع من رجال قريش، استعمله ابن الزبير على الكوفة، وقتل مع ابن الزبير في مكة في حصار الحجاج.
(8/466)

- عبد الملك بن مروان (20 - 86 ه): من خلفاء بني أمية، نشأ في المدينة، فقيه واسع العلم، حازم، وتوفي بدمشق.

- عبيد بن الأبرص (... - نحو 25 ق. ه): شاعر من مضر، داهية وحكيم جاهلي، عاصر امرأ القيس، وقتله النعمان بن المنذر، له ديوان مطبوع.

- عثمان بن عفان (47 ق. ه - 35 ه): ثالث الخلفاء الراشدين، بذل أكثر ماله في سبيل الإسلام، قتل في المدينة صبيحة عيد الأضحى.

- العجاج (... - نحو 90 ه): عبد الله بن رؤبة، راجز جاهلي، دخل في الإسلام، وعاش إلى أيام الوليد بن عبد الملك.

- عدي بن زبد (... - نحو 35 ق. ه): شاعر جاهلي من أهل الحيرة، وقتل سجيناً فيها.

- العزى: من أكبر أصنام قريش، كان معبده بين مكة والطائف. هدمه خالد بن الوليد بأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- عكاظ: انظر: سوق عكاظ.

- علقمة بن عبدة (... - نحو 75 ق. ه): شاعر جاهلي كان معاصراً لامرئ القيس. له ديوان مطبوع.

- علقمة بن علامة العامري (... - نحو 20 ه): كان من أشراف قومه بالجاهلية، ثم أسلم، ولاه عمر بن الخطاب حوران.

- علي بن أبي طالب (33 ق. ه 40 ه): ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصهره، وأول الناس إسلاماً بعد خديجة، ورابع الخلفاء الراشدين، ولد بمكة، وتوفي مقتولاً بالكوفة.
(8/467)

- علي بن حمزة الكسائي (... - 189 ه): ولد بباجمشا بالعراق، وتوفي برنيوبه بجوار الري، من أئمة النحو واللغة، صار إمام الكوفيين ومؤسس مدرستهم، وأحد القراء السبعة. من مؤلفاته: معاني القرآن - الحروف - القراءات والنوادر.

- علي بن عمر (1168 - 1258 ه): عالم زاهد صوفي من بلدة "طولقة" في القطر الجزائري، دفن فيها، وله زاوية مشهورة لتعليم القرآن والعلوم الإسلامية.

- عمر بن أبي ربيعة (23 - 93 ه): عمر بن عبد الله، شاعر غزلي من قريش، غزا في البحر، فاحترقت السفينة، ومات بها.

- عمر بن الخطاب (40 ق. ه - 23 ه): ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين، صدرت عدة مؤلفات بترجمته.

- عمر بن شبه (172 - 262 ه): عمر بن زيد، شاعر ومؤرخ وراوية وحافظ للحديث، من أهل البصرة، وتوفي بسامراء. من آثاره: الشعر والشعراء - مقتل عثمان - الأغاني.

- عمر بن عبد العزيز (61 - 101 ه): الخليفة الأموي العادل التقي، ويقال عنه: خامس الخلفاء الراشدين تشبيهاً بهم. ولد بالمدينة، وتوفي بدير سمعان من أرض المعرة.

- عمرو بن العاص (50 ق. ه - 43 ه): أحد قادة العرب وسادتهم، أسلم في هدنة الحديبية، فتح بلاداً عديدة وتوفي بالقاهرة.

- عمرو بن قميئة (180 - 85 ق. ه): شاعر جاهلي، أقام بالحيرة مدة، وخرج مع امرئ القيس إلى قيصر، ومات بالطريق. له ديوان مطبوع.
(8/468)

- عمرو بن كلثوم (... - نحو 40 ق. ه): شاعر جاهلي شجاع، ومن أعز الناس نفساً، أشهر شعره معلقته، ومات في الجزيرة.

- عمرو بن معدي كرب (... - 21 ه): فارس اليمن، وفد على المدينة وأسلم، له شعر جيد، هاجر إلى العراق وتوفي على مقربة من الري.

- عنترة العبسي (... - نحو 22 ق. ه): عنترة بن عمرو، شاعر فارس من أهل نجد، كان شجاعاً جواداً مغرماً بابنة عمه عبلة، فقلَّ أن تخلو له قصيدة من ذكرها، له ديوان مطبوع.

- عمرو بن عدي (... - ...): أول من ملك العراق من بني لخم في الجاهلية، وكانت إقامته بالحيرة وتوفي بها.

- عوف بن مالك (... - 73 ه): صحابي من الشجعان، نزل حمص وسكن دمشق، روى 67 حديثاً.

- عيسى بن عمر (... - 149 ه): إمام في اللغة من أهل البصرة، من آثاره: الجامع - الإكمال، في النحو.

- عيسى بن يزيد بن دأب الليثي (... - 171 ه): شاعر وخطيب من أهل الحجاز، عالم بالأنساب وراوية.

- ف -
- الفاروق: انظر: عمر بن الخطاب.

- فخر الدين الرازي (544 - 606 ه): محمد بن عمر بن الحسين، لقب بشيخ الإسلام، درس على كبار علماء الري، وتوفي في هراة. من آثاره: تفسير القرآن - شرح الإشارات والتنبيهات.

- الفرّاء (144 - 207 ه): يحيى بن زياد، من أئمة اللغة، وإمام
(8/469)

الكوفيين، ولد بالكوفة، وتوفي في طريق مكة. من آثاره: المقصور والممدود - المذكر والمؤنث.

- الفرزدق (... - 110 ه): همام بن غالب، شاعر فحل من أهل البصرة، توفي في بادية البصرة. له ديوان مطبوع.

- ق -
- قابوس بن المنذر الأكبر (... - نحو 42 ق. ه): من ملوك الحيرة في العراق زمن الجاهلية.

- القادسية: بلدة في العراق جرت بالقرب منها معركة انتصر فيها العرب على الفرس عام 636 م.

- قتادة السدوسي (61 - 118 ه): قتادة بن دعامة، من أهل البصرة، مفسر وحافظ ولغوي، كان أعمى أكمه، مات بواسط.

- قتيلة بنت النضر (... - نحو 20 ه): شاعرة من قريش أدركت الجاهلية والإسلام، أسلمت بعد مقتل والدها، توفيت في خلافة عمر.

- قدامة بن جعفر (... - 310 ه): ولد وتوفي ببغداد، كاتب بليغ. من آثاره: الخراج - نقد الشعر - نزهة القلوب.

- قس بن ساعدة (... - نحو 23 ق. ه): حكيم جاهلي من بني إياد، أول عربي خطب متكئاً على سيف أو عصا.

- قصير (... - نحو 325 ق. ه): قصير بن سعد اللخمي، من الدهاة في الجاهلية، صاحب جذيمة الأبرش ملك العراق.

- قيس بن الحدادية (... - ...): قيس بن منقذ، شاعر جاهلي من خزاعة، كان شجاعا، تبرأت منه قبيلته لغاراته، فنسب إلى أمه من بني الحداد، قتل في إحدى الغارات.
(8/470)

- قيس بن مسعود (... - ...): من بني ذهل بن شيبان، كان عاملاً لكسرى هرمز، له بعض الشعر، حبسه كسرى حتى مات.

- قيس بن الملوح (... - نحو 80 ه): مجنون ليلى، شاعر غزلي من أهل نجد، أشتهر بحبه ليلى بنت سعد. له ديوان مطبوع.

قيصر: اتخذه (اوكتافيوس) في روما اسماً له، وجرى خلفاؤه الأباطرة على اتخاذ هذا الاسم.

- ك -
- الكسائي (... - 189 ه): علي بن حمزة، ولد بالكوفة وتوفي بالري، إمام في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة. من آثاره: معاني القرآن - القراءات النوادر - الحروف.

- كعب بن زهير (... - 26 ه): شاعر جاهلي من أهل نجد، أدرك الإسلام، ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- كعب بن مالك (... - 55 ه): شاعر مخضرم، دافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأسلم قبل الهجرة.

- كليمان هوارت (1854 - 1927 م): مستشرق فرنسي ولد بباريس، ألف عدة كتب بالفرنسية والعربية.

- كوسين دي بيرسفال (1759 - 1835 م): جان جاك كوسان دي بيرسفال، مستشرق فرنسي، ألف كتباً بالعربية والفرنسية، ترجم إلى الفرنسية سورة الفاتحة.

- ل -
- اللات: أحد أصنام العرب الكبرى ويرمز للشمس، حطم بعد فتح مكة.
(8/471)

- اللاحقي (... - 200 ه): أبان بن عبد الحميد، شاعر من أهل البصرة، اتصل بالبرامكة ومدحهم. نظم "كليلة ودمنة" شعراً، وكان من شعراء الرشيد.

- لبيد (... - 41 ه): لبيد بن ربيعة، أحد شعراء المعلقات المخضرمين، مات بالكوفة، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم. له ديوان مطبوع.

- لقيط بن يعمر (... - نحو 250 ق. ه): شاعر جاهلي من أهل الحيرة، قتله كسرى سابور.

- م -
- مالبرانش (1638 - 1715): نقولا مالبرانش، فيلسوف فرنسي، يرى تعليل كل شيء حتى الأجسام بوجود الله والوحي. من آثاره: البحث عن الحقيقة.

- مالك بن نمط الهمذاني (... - ...): صحابي شاعر من رؤساء همدان، كان يلقب بذي المشعار.

- مالك بن نويرة (... - 12 ه): فارس شاعر جاهلي، أدرك الإسلام وأسلم، مات مقتولاً.

- المبرد (210 - 286 ه): محمّد بن يزيد، ولد ومات ببغداد، عالم باللُّغة والنحو والأدب والتفسير. من آثاره: الكامل - المقتضب - معاني القرآن.

- المتلمس (... - نحو 50 ق. ه): جرير بن عبد العزى، شاعر جاهلي من أهل البحرين، خال طرفة بن العبد، مات ببصرى في سورية. له ديوان مطبوع.

- متمم بن نويرة (... - نحو 30 ه): صحابي شاعر سكن المدينة في أيام عمر، اشتهر برثائه لأخيه مالك بقصائد نالت الإعجاب.
(8/472)

- المتنبي (303 - 354 ه): أبو الطيب أحمد بن محمد بن الحسين، شاعر حكيم، ولد بالكوفة، وقتل في دير العاقول قرب بغداد. له ديوان مطبوع.

- محمد بن أسعد العراقي المعروف بابن الحكيم (484 - 567 ه): نشأ ببغداد، وتوفي بدمشق، واعظ من فقهاء الحنفية. من آثاره: تفسير القرآن - شرح المقامات للحريري - شرح شهاب الأخبار.

- محمد توفيق صدقي (1298 - 1338 ه): طبيب مصري له دراسات إسلامية، وأبحاث دينية هامة. من آثاره: دين الله في كتب أنبيائه - نظرة في كتب العهد الجديد.

- محمد بن طلحة (... - 36 ه): صحابي، ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماه باسمه، قتل يوم الجمل.

- محمد المكي بن الحسين (1299 - 1383 ه): من كبار علماء اللغة، ولد وتوفي بتونس، وهو شقيق الإمام الأكبر محمد الخضر حسين مؤلف هذا الكتاب. من آثاره: عادات عربية - أسماء لغوية - نوادر في اللغة - نوادر في الأدب - حكم وأخلاق عربية - أمثال عربية - كلمات للاستعمال.

- محمد المكي بن عزوز (1270 - 1334 ه): محمد المكي بن مصطفى بن عزوز، ولد بنفطة، وتوفي بالآستانة، قاض وفقيه وباحث. وهو خال مؤلف هذا الكتاب. من آثاره: السيف الرباني - أصول الحديث - عمدة الأثبات.

- المخبَّل (... - ...): ربيعة بن مالك، شاعر من تميم، ومن مخضرمي الجاهلية والإسلام، عاش طويلاً، ومات في خلافة عمر أو عثمان.
(8/473)

- المختار بن أبي عبيد (1 - 67 ه): شجاع من أهل الكوفة ومن الثائرين على بني أمية، استولى على الكوفة وقتل فيها، وكان يقال له: "كيسان"، وإليه تنسب الطائفة الكيسانية من الشيعة.

- المدائني (135 - 225 ه): علي بن محمد، راوية ومؤرخ من أهل البصرة، وتوفي ببغداد، له تصانيف كثيرة في المغازي والسيرة النبوية والخلفاء والفتوحات.

- المدينة المنورة: مدينة بالحجاز اتخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - مركزاً للدعوة الإسلامية، وتوفي ودفن بها. وهي ثاني مدينة مقدسة بعد مكة المكرمة.

- المرزباني (297 - 384 ه): محمّد بن عمران، عالم بالأخبار ومؤرخ، ولد وتوفي ببغداد. من آثاره: الموشح - المفيد - معجم الشعراء.

مرعُليوث (1858 - 1940 م): دافيد صموئيل، مستشرق إنكليزي، ومن أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ولد وتوفي بلندن. كان أستاذاً للعربية في جامعة أكسفورد، وترأس تحرر مجلة الجمعية الآسيوية الإنكليزية، ونشر عدداً من المؤلفات العربية.

- مروان بن الحكم (2 - 65 ه): ولد بمكة وتوفي بدمشق. أحد خلفاء الدولة الأموية.

- مزرد (... - نحو 10 ه): مزرد بن ضرار بن حرملة، فارس شاعر جاهلي، أدرك الإسلام وأسلم، اشتهر بالهجاء وهو الأخ الأكبر للشماخ.

- الإمام مسلم (204 - 261 ه): مسلم بن الحجاج، ولد بنيسابور، وتوفي
(8/474)

ظاهرها. إمام الحديث وحافظه. من آثاره: صحيح مسلم، جمع فيه اثني عشر ألف حديث - المسند الكبير.

- مسلم بن عقبة (... - 63 ه): قائد شجاع من الدهاة في العصر الأموي، توفي في طريقه إلى مكة لمحاربة ابن الزبير.

- مصطفى صادق الرافعي (1297 - 1356 ه): أديب وكاتب وشاعر مصري، ولد وتوفي بطنطا بمصر. من آثاره: تاريخ آداب العرب - تحت راية القرآن في الرد على طه حسين في الشعر الجاهلي.

- مصطفى بن عزوز (1220 - 1283 ه): من الشيوخ الأعلام الصالحين، أصله من بلدة "البرج" في الجزائر، واستوطن "نفطة" في الجنوب التونسي، وأسس زاويته الشهيرة فيها. وهو جد مؤلف هذا الكتاب لجهة الأم.

- مطيع بن إياس (... - 166 ه): شاعر ماجن، ولد بالكوفة، وتوفي بالبصرة.

- معاوية بن أبي سفيان (20 ق. ه - 60 ه): ولد في مكة، ومات بدمشق، مؤسس الدولة الأموية، وأحد دهاة العرب، يضرب المثل بحلمه، أسلم يوم فتح مكة، وأصبح أول خليفة أموي، واتخذ دمشق عاصمة له.

- المعري (363 - 449 ه): أبو العلاء أحمد بن عبد الله، شاعر فيلسوف، ولد ومات في معرة النعمان. من آثاره: رسالة الغفران - سقط الزند. وله ديوان مطبوع.

- المفضل الضبي (... - 168 ه): راوية وعالم بالأدب من أهل الكوفة. من آثاره: الأمثال - المفضليات - معاني الشعر.
(8/475)

- مهلهل (... - نحو 100 ق. ه): عدي بن ربيعة من تغلب، شاعر جاهلي من نجد، وهو خال امرئ القيس.

- مهيار (... - 428 ه): مهيار بن مرزويه الديلمي، شاعر، فارسي الأصل. ولد وتوفي ببغداد. له ديوان مطبوع.

- ميمون بن مهران (37 - 117 ه): نشأ في الكوفة، وكان قاضياً ثقة في الحديث، كثير العبادة، استوطن الجزيرة الفراتية.

- مؤرِّج السدوسي (... - 195 ه): مؤرج بن عمرو، ولد وتوفي بالبصرة، عالم باللغة والأنساب. من آثاره: جماهير القبائل - حذق نسب قريش.

- ن -
- النابغة الجعدي (... - نحو 50 ه): قيس بن عبد الله، من فحول الشعراء المخضرمين، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم. جمعت شعره المستشرقة الإيطالية (ماريا نلينو).

- النابغة الذبياني (... - نحو 18 ق. ه): زياد بن معاوية، شاعر جاهلي من أهل الحجاز. كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء، وتعرض عليه الأشعار. له ديوان مطبوع.

- نافع بن الأزرق (... - 65 ه): من ضجعان العصر الأموي، فقيه إليه تنسب فرقة الأزارقة، قتل على مقربة من الأهواز.

- النعمان بن بشير (2 - 65 ه): صحابي من أهل المدينة، روى له البخاري ومسلم 124 حديثاً، كان قاضياً بدمشق، وولاه معاوية حمص. وقيل: إنّه قتل يوم مرج راهط.
(8/476)

- النعمان بن المنذر (... - نحو 15 ق. ه): أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، توفي في خانقين سجيناً.

- نهشل بن حَرِّي (... - نحو 45 ه): شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم، وصحب علياً في حرويه. وكان من خير بيوت بني دارم.

- ه -
- هدبة (... - نحو 50 ه): هدبة بن خشرم، شاعر وراوية من أهل بادية الحجاز بين تبوك والمدينة، وقتل بالمدينة.

- هشام بن حكيم (... - بعد: 15 ه): صحابي جليل أسلم يوم فتح مكة، كان يتنقل في البلدان للهداية والنصيحة والترغيب والترهيب.

- هوميروس: أعظم شعراء اليونان، نظم الإلياذة والأوديسا، والمرجح أنه عاش في القرن الثامن قبل الميلاد.

- و -
- وائل بن حجر (... - نحو 55 ه): من أقيال حضر موت، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنه الأحاديث.

- والبة بن الحباب (... - نحو 170 ه): شاعر غزل ماجن من أهل الكوفة، هاجى بشاراً وأبا العتاهية فغلباه، ولما توفي رثاه أبو نواس.

- الوليد بن عبد الملك (48 - 96 ه): من ملوك الدولة الأموية في الشام، توفي بدير مران من غوطة دمشق.

- ي -
- ياقوت (574 - 626 ه): ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، مؤرخ ولغوي وأديب، أصله من الروم، وتوفي
(8/477)

بحلب، من آثاره: معجم البلدان - إرشاد الأريب.

- يحيى بن سعيد القطان (120 - 198 ه): من أهل البصرة ومن حفاظ الحديث.

- اليرموك: نهر من فروع الأردن، ويصب في بحيرة الحولة، حدثت إلى جانبه موقعة انتصر فيها العرب على البيزنطيين عام 636 م.

- يزيد بن معاوية (25 - 64 ه): ثاني ملوك الدولة الأموية في الشام، توفي بحوارين من أراضي حمص.

- يعقوب بن السكيت (186 - 244 ه): إمام في اللغة والأدب، توفي ببغداد. من آثاره: إصلاح المنطق - الألفاظ - الأجناس - سرقات الشعراء.

- يونس بن حبيب (94 - 182 ه): إمام نحاة البصرة في عصره. من آثاره: اللغات - الشعراء - الأمثال - معانى القرآن.
(8/478)