Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 007


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(12)

«الخَيالُ فِي الشِّعرِ الْعَرَبِيِّ وَدِرَاسَاتٌ أدَبِيَّة»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(7/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(7/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
للإمام الأكبر العلامة محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - نفحات أدبية من قلم بليغ، تناول فيها من عالم الأدب مواضيع أساسية، يقوم عليها صرح الأدب العربي.
وفي هذا الكتاب ضممنا الدراسات الأدبية التي وضعها الإمام في مختلف فنون الأدب، والعنوان: "الخيال في الشعر العربي" هو عنوان البحث الأول والأطول والأقدم في هذا الكتاب، لا سيما وأن بحث الخيال في الشعر العربي قد طبع برسالة صغيرة، وقد عُرفت هذه الرسالة لدى رجالات الأدب والعلم منذ مطلع حياة الشيخ - رحمه الله -.
وإلى بحث الخيال هذا جمعنا مقالات ومحاضرات في الأدب، منها: ما كتبه في مجلة "نور الإسلام" التي كانت تصدر عن الأزهر الشريف، وقد رأس تحريرها فترة من الزمن، ومنها: محاضرات في جمعية الهداية الإسلامية، ومقالات نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها في القاهرة.
والله نسأل أن نكون قد وفقنا لجمع تراث المؤلف الأدبي في هذا الكتاب.
علي الرّضا الحسيني
(7/ 1/3)

بسم الله الرحمن الحيم

مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين
الحمد لله الذي فطر النفس الناطقة على الشوق إلى استطلاع الحقائق، وأطلع في سمائها فكراً يبسط شعاعه على رأس اليراعة فإذا هو درٌّ متناسق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالعصمة، والقائل: "إن من الشعر حكمة "، ثم الرضا عن آله المشهود لهم بالسبق في حلبة الفصاحة، وصحبه الفائقين في مناهج البيان مجازاً وكناية وصراحة.
أمّا بعد:
فيرتفع شأن الشعر، ونقضي لصاحبه بالبراعة والتفوق على غيره بمقدار ما يحرز من بناء محكم، ومعنى بديع، وقد حدَّق فلاسفة الأدب أنظارهم إلى الوجوه التي تملك بها المعاني شرف منزلتها، وحسن طلعتها، أو تأخذ منها الألفاظ متانة نسجها، وصفاء ديباحتها.
ومن أجمل الفنون التي يرجع النظر فيها إلى جهة المعنى: صناعة التخييل، وهي الغرض الذي جرَّدتُ القلم للبحث عنه في هذه الصحائف متحريًا أسلوباً لا يشتكي منه القارئ طولاً ولا قصراً.
ولا أدّعي أن هذا الفن مما ضلّ عن أولئك الفلاسفة، فلم يعرجوا على مكانه، أو صعب عليهم مراسه فلم يسوسوه بفكر ثاقب، وبيان فاصل؛ فإن كثيراً من علماء البلاغة قد ولّوا وجوههم شطره حتى توغلوا في طرائقه،
(7/ 1/4)

وكشفوا النقاب عن حقائقه، ومن أبعدهم نفوذاً في مسالكه الغامضة، وأسلمهم ذوقاً في نقد معانيه، وتمييز جيدها من رديئها: الإمام عبد القاهر الجرجاني صاحب كتابي: "أسرار البلاغة"، و"ودلائل الإعجاز".
وما كان لي سوى أن أعود إلى مباحثه المبثوثة في فنون شتى، فأستخلص بقدر ما تسمح به الحال لُبابها، وأؤلف بين ما تقطَّع من أسبابها، ولا تجدني - إن شاء الله- أحكي مقالهم دون أن أعقد بناصيته، أو أبث خلاله، أو أضع في ردفه جملًا تلبسه ثوباً قشيباً، أو تنفخ فيه روحاً كانت هادئه
محمد الخضر حسين
شعبان/1340 - نيسان/ 1922
(7/ 1/5)

الخيال في الشعر العربي (1)
* الشعر:
يعرف العريىّ في جاهليته، كما عرف بعد أن نسل إليه العلم من حدب: أن الكلام ينقسم إلى شعر ونثر، والميزة المحسوسة لكل أحد: أن الشاعر لا يحثو عليك الألفاظ جزافاً مثلما يفعل الناثر، وإنما يلقيها إليك في أوزان تزيد في رونقها، وتوفر لذتك عند سماعها، ومن أجل هذا ذهب بعضهم في حد الشعر إلى أنه كلام مقفّى موزون، وهذا مثل من يشرح لك الإنسان بأنه حيوان بادي البشرة، منتصب القامة، فكل منهما قَصَرَ تعريفه على ما يدرك بالحاسة الظاهرة، ولم يتجاوزه إلى المعنى الذي تتقوم به الحقيقة، ويكون مبدأ لكمالها، وهو التخييل في الشعر، والنطق في الإنسان.
فالروح التي يُعدُّ بها الكلام المنظوم في قبيل الشعر، إنما هي التشابيه والاستعارات والأمثال، وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب التخييل، وليس الوزن سوى خاصة من خواصِّ اللفظ المنظور إليها في مفهوم الشعر بحيث لا يسميه العرب شعراً إلا عند تحققه، وإطلاق الشعر على الكلام الموزون إذا خلا من معنى تستطرفه النفس، لا يصح إلا كما
__________
(1) طبع هذا البحث في رسالة مستقلة عام 1340 ه - 1922 م.
(7/ 1/6)

يصح لك أن تسمي جثة الميت إنساناً، أو تمثال الحيوان المفترس أسداً.
والمنثور من الكلام يشارك الشعر في اشتماله على الصور الخيالية، ولكن نصيب الشعر منها أوفر، وهو بها أعرف، كما يمتاز بأحد أنواع التخييل، وهو ما لا يتوخى به صاحبه وجه الحقيقة، وإنما يقصد به اختلاب العقول، ومخادعة النفوس إلى التشبث بغير حق، كما قال ابن الرومي يدعوك إلى أن تطوي جناحيك على جذوة من الحقد:
وما الحقدُ إلا توأمُ الشُّكْرِ في الفتى ... وبعضُ المزايا ينتسبنَ إلى بعضِ
فحيث ترى حقداً على ذي إساءة ... فثمَّ ترى شكراً على واسعِ القرضِ
وقال آخر - يزين لك أن تدرج نفسك في كفن الذل، وتواريها في حفرة من الخمول-:
لُذْ بالخمولِ وعذ بالذلِّ معتصماً ... بالله تنجو كما أهلُ النهى سَلِموا
فالريحُ تحْطم إن هبَّت عواصفُها ... دوحَ الثمارِ وينجو الشيحُ والرَّتَمُ (1)
ولاختصاص الشعر بهذا النوع من التخييل، أطلق بعض المشركين من العرب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - اسم الشاعر، ليلقوا في أوهام السذج: أن كلامه من نوع ما يصدر عن الشعراء من الأقوال المموّهة، والتخيلات الباطلة.
فهم يعلمون أن القرآن بريء من النزعة التي عهد بها الشاعر، وهي عرض الباطل في لباس الحق؛ لأنه إنما ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، ولا يخفى عليهم: أنه مخالف للشعر في طريقة نظمه؛ فإن للشعر عروضاً
__________
(1) الشيح والرتم: نوعان من أنواع النبات.
(7/ 1/7)

يقف عندها، وأوزاناً ينتهي إليها، والقرآن يصوغ الموعظة، وينفق الحكمة بغير ميزان، ولكن ضاقت عليهم مسالك الجدال، وانسدت في وجوههم طرق المعارضة، فلم يبالوا أن يتشبثوا بالدعاوى التي يظهر بطلانها لأول رأي، كما قالوا عنه: إنه مجنون، وهم يشهدون في أنفسهم أنه أبلغهم قولاً، وأقواهم حجّة، وأنطقهم بالحكمة.
وأما الآيات التي وافقت بعض الأوزان، فهي على سلامتها من بهرج التخيلات لا تجد الموافق منها للموزون قد استقل بنفسه، وأفاد المعنى دون أن تصله بكلمات من الآيات السابقة أو اللاحقة، والكلام المؤلف من الموزون وغير الموزون لا يصح لأحد أن يسميه شعراً ليقدح به في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41].

* التخييل عند علماء البلاغة:
ينقسم التصرف في المعاني على ما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني إلى: تحقيق، وتخييل، والفارق بينهما: أن المعنى التحقيقي ما يشهد له العقل بالاستقامة، وتتضافر العقلاء من كل أمة على تقريره، والعمل بموجبه؛ كقول المتنبي:
لايسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى ... حتى يراقَ على جوانبهِ الدمُ
فمعنى هذا البيت مما تلقاه العقلاء بالقبول، ووضعوه بمقدمة ما يتنافسون فيه من الحكم البالغة، وكذلك اتخذه الأمراء الراشدون قاعدة يشدون بها ظهر سياستهم، ويستندون إليها في حماية شعوبهم، ومن الذي يجهل أن حياة الأمم إنما تنتظم بالوقوف في وجه من يتهافت به السفه على هدم شرفها، والاستئثار بحقوقها؟!.
(7/ 1/8)

والتخييلي: هو الذي يردّه العقل، ويقضي بعدم انطباقه على الواقع، إمّا على البديهة؛ كقول بعضهم:
لولم تكن نيّةُ الجوزاء خدمتَه ... لما رأيتَ عليها عِقْدَ مُنْتَطِقِ
فكلُّ أحد يدرك لأولِّ ما يطرق سمعه هذا البيت: أن الكواكب لا تنوي، ولا تنطق، ولا تخدم، وأن تلك النجوم المتناسقة في وسط الجوزاء مركّبة فيها من قبل أن يصير الممدوح شيئاً مذكوراً.
أوبعد نظر قليل؛ كقول أبي تمام:
لا تنكري عَطَلَ الكريمِ من الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
نهى المخاطبة في صدر البيت عن إنكارها لفاقة الكريم وفراغ يده من المال، وأخبر في العجز بأن السيل لا يستقر على الأماكن المرتفعة، وهذا المعنى في نفسه صحيح، ولكنّ الفاء في قوله: "فالسيل حرب" أفصحت بأن السبب في عدم توفر حطام الدنيا لدى الكريم، هو كون الماء إذا وقع على الأماكن العالية لا يلبث أن ينحدر إلى ما انخفض عنها من وهاد وأغوار، وهذا إنما وصل إلى الذهن بتخييل أن رفعة القدر بمنزلة المكان الحسي، وأن الماء الدافق ينساق إلى الرجل فيقضي منه وطره، ثم يرسله إن شاء إلى بنىِ الحاجات، فيكون القول بأن مكانة الكريم لارتفاعها جعلت المال يمر على يده، ثم ينطلق بالبذل والإنفاق، يستند إلى أن الماء يجتمع على ما صعد على وجه الأرض من أكمات وهضاب. وهذا القياس ضرب من التخييل لا يجول في العقل إلا ريثما ينظر إلى أن السبب في عدم استقرار الماء على الأماكن العالية كونه جرماً سيالاً لا تتماسك أجزاؤه وتثبت في محل إلا إذا أحاط بجوانبه جسم كثيف، وليس للدراهم والدنانير هذه الطبيعة حتى يلزم
(7/ 1/9)

أن تمر على يد الكريم ثم تنصبَّ منها إلى من كانوا أدنى منه منزلة.
ويفهم من وجه التفرقة بين القسمين: أن مجرد الاستعارة عندهم لا يدخل في قسم التخييل، وقد صرح الجرجاني بهذا في كتاب "أسرار البلاغة" ناظراً في أن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعارة حتى يكون الكلام مما ينبو عنه العقل، وإنما يعمد إلى إثبات شبه بين أمرين في صفة، والتشابه من المعاني التي لا ينازع العقل في صحتها.

* التخييل عند الفلاسفة:
يقول الفلاسفة: إن من بين القوى النفسية قوة تتصرف في صور المعلومات بالترتيب تارة، والتفصيل مرة أخرى، يسمّيها فلاسفة العرب إذا لم تخرج عن دائرة التعقل: مفكِّرة، ويقال في عملها: تَفَكُّرٌ، فإن تصرفت بوجه لا يطابق النظر الصحيح، سموها: مُخَيِّلَة، ويقال في عملها: تخيُّلٌ، أو تخييلٌ، فمثال ما يأخذ من العقل مأخذ القبول قول القاضي عياض:
انظر إلى الزرعِ وخاماته ... تحكي وقد ولّت أمامَ الرياح
كتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائقُ النعمانِ فيها جِراح
فالشاعر التفت إلى ما في حافظته من الصور المناسبة لهيئة زرع أخضر يتخلله شقائق النعمان، وقد أخذت الرياح تهب عليه من جانب، فيميل إلى آخر ميلاً يتراءى للعين أنه حركة ينتقل بها من مكانه، فوقع خياله على الجيش، والملابس الخضراء، والجراحات التي تنال الجيش المقاتل، فألَّف بينها، ثم جعل سيره إدباراً وانهزاماً؛ لأنه ولّى ظهره الناحية التي هجمت منها الرياح، وليوافق حالة جيش ظهرت فيه الجرحى بمقدار مافي المزارع الخضراء
(7/ 1/10)

من شقائق النعمان.
ومثال ما لا يثق به النظر، ولا يدخل في حساب الأقوال القائمة على التحقيق: قول الشاعر:
ترى الثيابَ من الكتان يلمحها ... نورمن البدر أحياناً فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها (1) ... والبدر في كل وقت طالعٌ فيها
أبصر معاجر من يتحدث عنها وقد أخلقت، فحاول التماس وجه يجعل ذلك الإخلاق من شواهد حسنها، أو يسد فم العاذل حتى لا يغض من شأنها، فتصوّر طلعة القمر، وانساق إليه ما يدور بين الناس من أن الثياب التي يمج عليها القمر أشعته يسرع إليها البلى، ثم ادعى مبالغاً في التشبيه أن وجهها قمر، وبنى على هذا: أن تعجّب ممن ينكر تأثيره في معجرها بالإخلاق.
ففي هذا التصرف ادعاء أن وجهها قمر، وهذا مما يألفه العقل؛ لأنه بمنزلة التشبيه، ولا مفرّ له من قبول التشبيه متى تحقق الوجه بين طرفيه، والمعنى الذي للعقل أن يلتفت عنه، إنما هو دعوى أن معجرها أخلق بعلة كونه مطلعاً لوجهها المسمّى بالقمر على وجه المجاز.

* ماذا نريد من التخييل؟
يفهم من صريح المقالة الفلسفية: أن المفكرة والمخيلة اسمان لقوة واحدة، وهي التي تتصرف في المعلومات بالتفصيل والتركيب، وإنما تغير اسمها بحسب اختلاف الحال، فعندما يكون زمامها بيد العقل يسمونها: مفكِّرة، وعندما تنفلت منه يسمونها: مخيّلة.
__________
(1) معاجرها: ثيابها.
(7/ 1/11)

وإذا عرفت أن التمثيل والاستعارة من عمل هذه القوة باتفاق علماء النفس، فلو جرى طائفة من الناس على إطلاق التخيل أو الخيال عندما تتصرف هذه القوة تصرفاً تصوغ به معنى مبتدعاً، سواء أذعن له العقل، أو تجافى عنه، لم يكونوا صنعوا شيئاً سوى تغيير الاصطلاح، وإدخال القسمين تحت اسم واحد.
واطلاق لفظ التخييل أو الخيال في صدد الحديث عن المعاني الصادقة، والتصورات المعقولة، لا يحط من قيمتها، أو يمس حرمتها بنقيصة؛ فإن علماء البلاغة أنفسَهم قد أطلقوه على ما يأتي به البليغ في الاستعارة المكنية من الأمور الخاصة بالمشبّه به، ويثبته للمشبّه، فقالوا: الأظفار أو إضافتها في قولك: "أنشبت المنية أظفارها" تخييل، أو استعارة تخييلية، وأطلقوه في الفصل والوصل حين تكلموا على الجامع بين الجملتين، وقسّموه إلى: عقلي، ووهمي، وخيالي، وأطلقوه في فن البديع على تصوير ما سيظهر في العيان بصورة المشاهد، ولم يبالوا أن يضربوالجميع تلك المباحث أمثلة من آيات الكتاب العزيز وغيره من الأقوال الصادقة.
فيسوغ لنا حينئذ أن نساير أدباء العصر، ونتوسع في معنى الخيال والتخييل، ولا نقف عند اصطلاح القدماء من الفلاسفة أو علماء البلاغة حيث خصوا بهما ما لا يصادق عليه العقل، والمخالفة في الاصطلاح ما دامت الحقائق قائمة، والمقاصد ثابتة بحالها، لا يبعد تبديل العبارة أو الاسلوب.
يقول الناس عندما يسمعون بيتاً أو أبياتاً لأحد الشعراء: "هذا خيالٌ واسغٌ" أو: "هذا تخيُّلٌ بديعٌ"، فيفهم السامع لهذه الكلمات وما يماثلها: أن لصاحب هذا الشعر قدرة على سبك المعاني، وصوغها في شكل بديع.
(7/ 1/12)

ولو قالوا: "ما أضيق هذا الخيال! "، أو: "ما أسخف هذا التخيُّل! "، فهم السامع أن ليس له قدرة على إخراج المعاني في صورة مبتكرة.
فيصح لنا أن نأخذ هذا المعنى الذي يحضر في الذهن عند سماع تلك الجمل، ونشرح به معنى المخيلة، فنقول: هي قوة تتصرف في المعاني؛ لتنتزع منها صوراً بديعة.
وهذه القوة إنما تصوغ الصور من عناصر كانت النفس قد تلقتها من طريق الحس أو الوجدان، وليس في إمكانها أن تبدع شيئاً من عناصر لم يتقدم للمتخيل معرفتها، ومثال هذا من الصور المحسوسة: أن قدماء اليونان رمزوا إلى صناعة الشعر بصورة فرس له جناحان، وهي صورة إنما انتزعها الخيال بعد أن تصور كلاً من الفرس والطير بانفراده.
وقد يجول في خاطرك عندما تمر على قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ... ومسنونةٌ زرقٌ كأنياب أَغوالِ (1)
أن هذا الشاعر قد تخيل الأغوال وأنيابها، ولم تسبق له معرفة بها، إذ لا أثر للغول وأنيابها، ولا لشيء من موادها في العيان، فيلوح لك أن هذا التصرف يقدح في قولنا: إن المخيّلة لا تؤلف الصور إلا من مواد عرفتها بوسيلة الحس أو الوجدان.
والذي يكشف الشبهة: أن كلاً من الغول وأنيابها صورة وهمية، ولكن لم يحدثها الخيال من نفسه، بل أخذ من الحيوانات الفظيعة المنظر أعضاء متفرقة، وأنياباً حادة، وتصرف فيها بالتكبير، ثم ركَّبها في صورة رائعة، وهي
__________
(1) المشرفي: السيف.
(7/ 1/13)

التي تخطر في الذهن عندما يذكر اسم الغول. حتى إن الناس لا يتفقون - فيما أحسب - على كيفية تصور هذا الأمر الموهوم، فكل يخطر له المعنى في أبشع صورة يتمكن خياله من جمعها وتلفيقها.
فغاية ما صنع الشاعر: أن عمد لأمر محسوس، وهي النصال المحددة، وتخيَّله في صورة أمر هو في نفسه خيالي، ولكن صورته مأخوذة من مواد كان يعرفها من قبل بطريق الرؤية أو السماع.

وتعتمد المخيلة على قوة التذكر، وهو تداعي المعاني وخطورها على الذهن بسهولة، وبعد أن تتراءى لها الصورة بوسيلة التذكر، تستخلص منها ما يلائم الغرض، وتطرح ما زاد على ذلك، فتفصل الخاطرات عن أزمنتها، أوما يتصل بها مما لا يتعلق به القصد من التخييل، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل التكبير أو التصغير، وتأليف بعضها إلى بعض حتى تظهر في شكل جديد.
* تداعي المعاني:
ترجع الأسباب التي تجمع بين المعاني، وتجعلها بحيث يكون حضور بعضها في النفس يستدعي حضور بعض، إلى ثلاثة أنواع:
أولها: اقتران المعنيين في الذهن حيث يكون تعلقهما أو إحساسهما في وقت واحد، أو على التعاقب، ومن هذا تذكُّر الوقائع عندما يخطر بالبال مكانها، كما قال ابن الرومي:
وحَبَّبَ أوطانَ الرجال إليهم ... مآربُ قضّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذَكَّرَتهمُ ... عهودَ الصِّبا فيها فحنّوا لذلكا
(7/ 1/14)

أو زمانها، كما قالت الخنساء:
يذكِّرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأذكره بكلِّ مغيب شمس
وخصت هذين الوقتين بالتذكير؛ لأنهما مظهر لعملين عظيمين من أعمال صخر، إذ كان يغدو للإغارة التي هي مظهر الشجاعة عند مطلع الشمس، ويبذل الطعام للضيوف وقت الغروب.
ومن هذا الوجه نشأت الكنايات، وبعض أنواع المجاز المرسل، أما الكنايات، فلأنها الدلالة على المعنى باسم ما يلازمه في الخارج، وصحَّ هذا نظراً إلى أن حضور المعنى الموضوع له اللفظ يستدعي حضور لازمه في ذهن المخاطب؛ كقول الحصين بن الحمام:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامِنا تقطر الدما
أراد الشاعر أن يفيد ثباتهم في مواقف الحروب، وأنه لا يجمح بهم الفزع من الموت إلى سبة الهزيمة، فعبَّر عن هذا المعنى بأن دماءهم لا تقع على أعقابهم البتة، وهذا يقتضي أنهم لا يولون العدو ظهورهم حتى ينالها بسيوفه، كما أن معنى قطر الدماء على الأقدام يذهب بالسامع إلى معنى أنهم يستقبلون العدو بوجوههم إلى أن ينالوا ظفراً، أو يلاقوا موتاً شريفاً.
وأما بعض أنواع المجاز المرسل، فكإطلاق اسم الحال على المحلّ، والسبب على المسبّب، والكل على الجزء، وعكسها، ومداره على أن ذهن المخاطب ينتقل إلى المعنى المراد بسهولة حيث كان بينه وبين المعنى الحقيقي مناسبة تقضي تقارنهما في الذهن؛ لأن إدراكهما كان في وقت واحد، كالحالّ والمحلّ، والكلّ والجزء، أو على التعاقب كالسبب والمسبب.
(7/ 1/15)

النوع الثاني: من الأسباب التي تتلاحق بها المعاني في الذاكرة: التباين؛ فإن الصور التي يكون بينها تضاد، لا يكاد بعضها يتخلف عن بعض، فمن تصور الشجاعة، خطر له معنى الجبن، ومن مرت على باله الصداقة، انساق إليه معنى العداوة، ولهذا أدخل علماء البلاغة في وجوه الوصل بين الجملتين ما يقوم بينهما من التضاد في المعنى، وساقوا في أمثلته قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (الإنفطار: 13 - 14). وإن شئت مثلاً من الشعر، فقال المتنبي:
أزورهم وسوادُ الليل يشفع لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغري بي
ومن هذا الوجه أيضاً صحَّ لهم أن يعدّوا بين علاقات المجاز المرسل: الضدية.
النوع الثالث: التشابه، وهو أن يكون بين المعنيين تماثل في بعض أمور خاصة؛ كمن يرى الرجل المقدام، فيتصور الأسد، ويسمع الألفاظ البليغة قد تبرجت في أسلوب محكم، فيذكر الدرر المتناسقة في أسلاكها. وعلى هذا النوع يقوم فن التشبيه والاستعارة اللذين هما أوسع مضمار تتسابق فيه قرائح الشعراء والكتَّاب.

* لماذا تختلف الأفكار في تداعي المعاني؟
يختلف الناس فيما يتداعى إليهم من المعاني إلى أن ترى صوراً تتوارد على شخص متعاقبة، وهي في خيال آخر لا تتقارن البتة. قال أحد الفلاسفة: إني لا أسأل عن السبب في أن معنى من المعاني يدعو آخر ويأخذ بناصيته، ولكنني أبحث في شيءآخر، وهو أن المعنى الواحد قد يختلف تواليه باختلاف الأشخاص. ثم قال: ويمكن الجواب عن هذا: بأن الناس يختلفون في ميولهم،
(7/ 1/16)

وشعب وجهتهم في الحياة، فكل معنى يدعو لصاحبه ما هو ألصق، بميله،
وأقرب إلى عمله.
وإيضاح هذا الجواب: أن توالي المعاني يختلف باختلاف الأشخاص لأحد سببين:
الأول: أن الدواعي والعواطف النفسية لها مدخل في تجاذب المعاني واسترسالها على الخيال، فالطمع أو الحاجة أو الرهبة- مثلاً - تستدعي المعاني العائدة إلى المديح أو الاستعطاف، والغرام يستدعي المعاني الغزلية، والكآبة والأسف يستدعيان معاني الرثاء أو الشكوى، والسرور يستدعي المعاني اللائقة بالتهمئة، والإعجاب بالنفس أو العشيرة يستدعي معاني الفخر والحماسة، فالزاهد في الدنيا لا يسع خياله من معاني الإطراء والملق ما يسعه خيال الحريص عليها، والخالي من عاطفة الغرام لا يخطر على قلبه من معاني التشبيب ما يخطر على قلب الشجي المستهام.
الثاني: ما يتفق للإنسان في طرز حياته، وهو حال المحيط الذي يتقلب فيه، فيتوالى على خاطر الناشئ في النعيم والترف ما لا يتوالى على خاطر الناشع في حال عسرة وبؤس، ويحضر في نفس من شبَّ في الحاضرة ما لا يحضر في نفس الناشئ في البادية، وينساق إلى خيال الناشئ في شمال المعمورة ما لا يدخل في خيال الناشع في جنوبها، فالمقيم في شمال أوربا - مثلاً - يذكر الشتاء، فتقارنه صورة الثلج، وليس بينهما في ذهن المقيم بالجنوب اقتران واتصال؛ لقلة مشاهدته للثلج، أو عدم وقوع نظره عليه طول حياته، ولو نظر إلى الهلال رجلان، هذا نشأ في الحلية، والآخر اتخذ الحصاد حرفة، فالشأن أن يتداعى إلى الأول صورة السوار، وينتقل منه إلى المعصم أو
(7/ 1/17)

الصياغة، ويتداعى إلى الثاني صورة المنجل، وينتقل منها إلى الزرع أو الحدادة.

* التخييل التحضيري:
تتداعى المعاني بوسيلة التذكر للأسباب التي كنا بصدد البحث عنها، ثم المخيِّلة تنتخب منها ما يناسب الغرض، وهذا العمل - أعني: الانتخاب - يسميه علماء النفس: تخييلاً تحضيرياً؛ لأنه العمل الذي تتمكن به المخيِّلة من استحضار العناصر المناسبة للمرام.
تقتصر المخيِّلة عند الانتخاب على ما يدعو إليه الغرض، حتى إنها تأخذ الجسم مقطوعاً من بعض الأعضاء التي لا مدخل لها في المعنى، فتتخيل إنساناً بغير عنق؛ كقول ابن هانئ:
كأنَّ أرؤُسَهم والنومُ واضعُها ... على المناكب لم تُخْلَقْ بأعناقِ
وطائر بغير جناح؛ كما قال الفتح بن خاقان:
وتركت قلبي للصبابة طائراً ... تهفو به الأشواق دون جناح
وتتصور الجواد بغير قوائم؛ كما قال المتنبي:
أتوك يجرّون الحديدَ كأنما ... أتوا بجيادٍ ما لهنَّ قوائمُ
والعقرب بغير ذَنَب؛ كما قال أبو هلال:
تبدو الثريا وأمرُ الليل مجتمعٌ ... كأنها عقربٌ مقطوعةُ الذنبِ
وربما انتزعت العضو من بين سائر الجسم؛ كما أخذ ابن هانئ اليد فقال:
ولاحت نجومٌ للثريا كأنها ... خواتيمُ تبدو في بنان يد تخفى
وأخذ ابن المعتز القدم فقال:
(7/ 1/18)

وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدمٌ تبدَّت من ثياب حدادِ
وأخذ آخر القلب فقال:
نَقْلُ الجبال الرواسي من مواطنها ... أخفُّ من ردِّ قلبٍ حين ينصرف
وأخذتُ المقلة وحدها في أبيات نظمتها في قرية قائمة على بحيرة، فقلت:
سرق الغمامُ اليومَ ظلي بعد أن ... رسمته في "لنداو" شمسُ ضحاها
ويدُ الرحيل تخطَّفت من (جِلَّقٍ) ... جسمي وأبقتْ مهجتي برباها
فأنا خيالٌ والبحيرةُ مقلةٌ ... لكنْ تطاول بالخيال كراها

* التخييل الإبداعي:
بعد أن تنتخب المخيِّلة ما يليق بالغرض من العناصر، تتصرف فيها بالتأليف إلى أن ينتظم منها صورة مستطرفة، ويسمّى هذا التصرف، تخييلاً إبداعياً، أو اختراعياً.
ويجري هذا التخييل في التشبيه والاستعارة وغيرها.
فالتشبيه قد تحذف أداته؛ كما في قول النابغة:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكبُ
وعمل الخيال فيه هو: إحضار صورة المشبه به - أعني: الشمس والكواكب -، وإلغاء وجوه التباين بينها وبين المشبه به - أعني: الممدوح وبقية الملوك -، حتى يدعي اتحادهما، ويصح الإخبار بأحدهما عن الآخر، وبني على هذا الادعاء أن ليس للملوك مظهر، ولا تقوم لهم أمام هذا الملك سمعة؛ فإن الكواكب يتقلص ضوؤها، ويغرب عن العيون مشهدها، عندما
(7/ 1/19)

تتجلى الشمس في طلعتها الباهرة.
وأما ما تذكر فيه أداة التشبيه، فلا أستطيع أن أعدّه في قبيل الخيال جملة، كما أني لا أعزله عنه في كل حال، فإن كان فيه إخراج المعقول في صورة المحسوس، أو المحسوس في صورة المعقول، أو إخراج الخفي إلى ما يعرف بالبداهة، أو إخراج الضعيف في الوصف إلى ما هو أقوى فيه، صحت إضافته إلى الخيال؛ إذ له الأثر القوي في تقريره.
وأما عقد المشابهة بين أمرين متفقين في وجه الشبه من غير تفاوت؛ كالتشبيه الذي يساق لبيان الاتحاد في الجنس أو اللون، أو المقدار أو الخاصية، فلا يصح نسبته إلى الخيال الشعري، وإن وقع في كلام مقفّى، وإنما هو مما ينظر فيه الباحث عن الحقائق؛ كالفيلسوف أو الطبيب.
فلو اتفق أن وقف فتى بجانب ظبي، وانطلقا في فسيح من الأرض، ولم يفت أحدهما صاحبه قيد شبر، فبدا لك أن تتحدث عنهما فقلت - ولو في نظم -:
"كان فلان في سرعة عدوه كالغزال"، لم يكن في هذا التشبيه شيء من الخيال؛ لأن عقد المشابهة بينهما في هذا الحال يشاركك فيه كل من شاهد الواقعة، وإنما يمتاز التخيل بمثل قول الشاعر:
وفي الهيجاء ما جزَّبتُ نفسي ... ولكنْ في الهزيمةِ كالغزالِ
حيث إن الخيال بحث عن صورة المشبه به، وهو الغزال، وانتقاها من بين سائر الصور المتراكمة في الحافظة، ثم تصور انطلاق المنهزم، وهو الشاعر نفسه، وبالغ في مقدار سرعته إلى أن وقع التشابه بينه وبين الغزال.
وإن أردت أن تفرق بين التشبيه الذي يدخل في التخيل، والتشبيه الذي
(7/ 1/20)

هو حائد عن طريقته، فانظر إلى قول المجنون:
كأنّ القلبَ ليلةَ قيل يُغدى ... بليلى العامريةِ أو يُراحُ
قطاةٌ غرَّها شَرَكٌ فباتت ... تعالجه وقد عَلِق الجناحُ
فترى الخيال هنا قد تجوَّل حتى تصيدَ معنى القطاة، ووقع على الشرك، ثم انتزع منهما هذه المعاني، وهي وقوع القطاة في الشرك، وعلوق جناحها به، ومعالجتها له كي تتخلص منه، وضم بعضها إلى بعض، فانتظم ذلك المعنى المركب، وانعقدت المشابهة بينه وبين حال القلب الذي وقع في حب العامرية، فأخذ يرتجف وجلاً من لوعة الفراق.
ولو نظر شاعر إلى أزهار مفتحة بمكان منخفض الأرض، وقال مثلاً:
هذه الأزهار في منظرها ... وشذاها مثل أزهار الربى
لاستبردتَ شعره لأول وهلة، وأخذت تهزأ به كما هزأت بقول الآخر:
كأننّا والماءُ من حولنا ... قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ
بيد أن ذلك التشبيه نفسه، لو يصدر من العالم بالنبات في الرد على من يدعي أن هذه الأزهار ليس لها لون ولا نفحات عاطرة كالأزهار التي تنبت على الربى، لأصغيت إليه سمعك، وتلقيته منه بكل وقار، وما ذاك إلا لأن الأول قابله بوصف كونه شاعراً، ولم يأت فيه على عادة الشعراء بشيء من التخييل، وأما الثاني، فإنما ألقاه إليك في صدد البحث عن الحقيقة، فلا تنتظر منه أن يصله بشيء من عمل الخيال.
والاستعارة يصنع فيها الخيال ما يصنع في التشبيه المجرد من الأداة، إلا أنها تعرض عليك المشبّه في صورة المشبه به؛ على وجه أبلغ، ولا سيما
(7/ 1/21)

إذا أضيف إليها بعض معان عهد اختصاصها بنوع المشبه به أعني: ما يسميه البيانيون: ترشيحاً، ومن أبدع ما نسج على منوالها قول البارودي:
من النفر الغرِّ الذين سيوفُهم ... لها في حواشي كلِّ داجيةٍ فَجْرُ
إذا استلَّ منهم سيدٌ غَرْبَ سيفهِ ... تفرَّعتِ الأفلاكُ والتفتَ الدهرُ
أراد الشاعر وصف قومه بأنهم أولو الصرامة التي تفرج الكرب المدلهمة، والسطوة التي يرهبها كل خطير، فساق إليك هذا الغرض في صورة تنظر منها إلى سيوفهم كيف تجرد حول الليلة الفاحمة، فيسطع الفجر الواضح في جوانبها، وترى فيها الحسام الواحد كيف يسل من جفنه، فترتعد الأفلاك ذعراً، ويلتفت له الدهر حذراً. خيِّل إليك أن الداهية ليلة ظلماء، وأن الفرج الذي ينبعث من مطلع سيوفهم صبيحة غرّاء، وعبَّر عن الأولى باسم الداجية، وعن الثانية باسم الفجر، وهذا التعبير الملوّح إلى ذلك التخييل هو الذي يعنيه البيانيون بقولهم: استعارة مصرحة.
ثم خيَّل الفلك في صورة من له قلب يفزع، والدهر في صورة من له وجه يلتفت، والتصريح باسمها بعد هذا التخييل يدخل به الكلام فيما يطلقون عليه لقب الاستعارة بالكناية، ويمكنك أن تفهم الفجر في البيت بمعنى لمعان السيوف وتألقها المشاهد بالأبصار على نمط قول بشر:
سللتُ له الحسامَ فخلتُ أني ... شققتُ به لدى الظلماءِفجرا
ولكنك تضيع من يدك ما أفاده الوجه الأول من أن النجدة في جانبها، والظفر مقرون بطالعها، إذ لا يلزم من لمعانها في حواشي الداجية، أن تطعن في لبتها، وتقلبها بالفوز عليها إلى صبيحة مسفرة.
ومن التخييل الذي لا يدخل له الشاعر من طريق تشبيه أو مجاز، ما تشهد
(7/ 1/22)

لصاحبه بالحذق في الصناعة، وأنت تشعر بأنه عرض عليك الموهوم في حلية المعقول؛ كقول الطائي:
ولا يروعك إيماض القتير به (1) ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
أخبر عن الشيب بأنه ابتسام الرأي والأدب اللذين هما محبوبان ومحترمان لكل أحد؛ ابتغاء أن تأنس العين لرؤيته، ولا تنظر إليه نظر الازدراء به، وليس هذا من قبيل التشبيه؛ إذ لم يكن للرأي والأدب ابتسام يعهده السامع حتى يقصد الشاعر إلى تشبيه الشيب به، بل أراد أن يخيل لك أن الشيب ابتسام في الواقع، ولهذا تجد في نفسك ما يناجيك بأن صورة هذا المعنى غير مطابقة للحق، وإن استحكم تأليفها، ودقَّ مأخذها.
ومنه ما يستملحه الذوق، ويسعه نظر المحقق، وتجد هذا في قول زهير:
لونال حيٌّ من الدنيابمكرمةٍ ... أفقَ السماء لنالت كفُّه الأفقا
فهذا البيت لم ينسج على منوال تشبيه أو مجاز، وليس لك أن تطرحه من حساب التخيلات المقبولة، ويلوغ كفّ الممدوح الأفق لا يتفق مع النظر الصحيح، غير أن تعليقه على حصوله لإنسان من قبل، وإيراده عقب حرف الشرط الدال على امتناعه، قد خلصه من زلة الكذب، وجعله في منعة من أن ينبذه العقل إلى القضايا الوهمية.

* فنون الخيال:
يتصرف الخيال في المواد التي يستخلصها من الحافظة على وجوه شتى، ولا يسع المقام استيعابها، وتقصّي آثارها فنلمَّ لك بمهماتها، وما يصلح أن
__________
(1) القتير: أول ما يظهر من الشيب. "المعجم المدرسي".
(7/ 1/23)

يكون بمنزلة أصل تتفرع عليه تفاصيلها:
أحدها: تكثير القليل؛ كقول عمرو بن كلثوم:
ملأنا البرَّ حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا
فإنه اطرد في حلية الفخر حتى وصل إلى التعبير عن منعة الجانب، والسطوة التي لا يفوتها هارب، فخطر له أن يثبت له ولقومه من القوة ووسائل الفوز ما يرهبون به عدوهم، فذكر أنهم ملؤوا البر جنداً حتى لم يبق فيه متسع، ويملؤون ظهر البحر بالمنشآت من السفن؛ ليدل بهذا على أنهم لا يبالون بالعدو من أي ناحية هجم، ولا يتعاصى عليهم إدراكه في أي موطن ضرب بخيامه.
والذي صنع خيال الشاعر في هذا البيت: أنه تجاوز في الإخبار بكثرة قبيلته وسفنه حد الحقيقة، وتطوحت به نشوة الفخر إلى أن تخيل البر قد غصَّ كما تغص الثكنة بجنودهم، وأن البحر يتموج بسفنهم كتموج السماء المصحية بكواكبها الزاهرة.
ومنها: تكبير الصغير؛ كقول بشر يصف وقعة الأسد حين قسمه بالضربة القاضية على شطرين:
فخرَّ مضرَّجاً بديمٍ كأني ... هدمت به بناء مشمخرّا
فقد تخيل عندما سقط الأسد إلى الأرض دفعة: أنه أتى إلى بناء شامخ، ونقضه من أساسه، فانقضت أعاليه على أسافله، فالخيال هو الذي بلغ بجثة الأسد إلى أن جعلها في العظم بمقدار بناء ارتفعت شرفاته، حتى اتخذت من السحب أطواقاً.
ومنها: تصغير الكبير؛ كقول المتنبي:
(7/ 1/24)

كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ ... لولامخاطبتي إياك لم ترني
وقوله:
ولو قَلَمٌ أُلقيتُ في شقِّ رأسه ... وخُطَّ به ما غيَّر الخط كاتبُ
فالصبُّ، وإن تقلب على فراش الهجر أمداً طويلاً، وأكل الوجد من لحمه حتى شبع، وشرب من دمه حتى ارتوى، لا يصل في نحافة الجسم إلى أن يسعه شقُّ رأس القلم، أو يخفى عن عين الناظر إليه، وإن كانت عشواء، وإنما هو الخيال أخذ يستصغر ذلك الجسم، حتى ادعى في البيت الأول أن مخاطبته للناس هي التي تهديهم إلى مكانه فيبصرونه، ولولاها لبقي محجوباً عن أبصارهم، وإن وقف قبالتهم، وادّعى في البيت الثاني: أنه لو وقع في شق اليراعة، وانطلقت به اليد في الكتابة، لاستمر الخط بحاله.
ومنها: جعل الموجود بمنزلة المعدوم؛ كقول المتنبي:
ومطالب فيها الهلاكُ أتيتُها ... ثبتَ الجنان كأنني لم آتها
وصف نفسه بالإقدام على مواقع الردى، واقتحام الأخطار بجنان ثابت، وعزم لا يتزلزل، حتى تخيل؛ لقلة المبالاة بها، وعدم الفزع لملتقاها: أنه لم يكن قد خاض غمارها، ورآها كيف تنشب أظفارها، وإنما نشأ هذا الخيال من جهة أن الخطوب المدلهمة لا يسلم من روعتها والدهشة لوقعتها في مجرى العادة إلا من حاد عن ساحتها، وجذب عنانه عن السير في ناحيتها.
ومنها: تصوير الأمر بصورة حقيقة أخرى، ولها في هذا المقام أربعة أحوال:
أحدها: تخيل المحسوس في صورة المحسوس؛ كما في قول زهير:
(7/ 1/25)

يجرّون البرود وقد تمشت ... حُمَيّا الكأسِ فيهم والغناءُ
تمش بين قتلى قد أصيبت ... مقاتلُهم ولم تُهرقْ دماءُ
فهذا الشعر يصور لك من دارت نشوة السكر والغناء برؤوسهم، فأجهزت على البقية من شعورهم، في صورة قتلى لم تهرق دماؤهم، بل زهقت نفوسهم بمثل خنق، أوسقاء سم دبَّ دبيب الخمر في مفاصلهم.
ثانيها: تخيل المعقول في صورة المحسوس؛ كما في قول الشاعر:
مررت على المروءة وهي تبكي ... فقلت علامَ تنتحب الفتاةُ
فقالتْ: كيف لا أبكي وأهلي ... جميعاً دون خلق الله ماتوا
تصوَّرَ المروءة في زي فتاة، فتسنى له أن يسند إليها البكاء، ويعقد بينه وبينها هذه المحاورة.
ثالثها: تخيل المعقول في معنى المعقول، وهذا كمن تخيل المذلة في معنى الكفر، فقال:
أمطري لؤلؤاً جبال سرندي ... ب وفيضي جبال تكرور تبرا
منزلي منزلُ الكرام ونفسي ... نفسُ حرٍّ ترى المذلة كفرا
رابعها: تخيل المحسوس في صورة المعقول، وهذا لم نعثر له على مثال في كلام العرب، ولكن التشبيه الذي هو أساس هذا الفن قد جرى في كلام المولَّدين بإيراد المحسوس في معرض المعقول؛ كقول التنوخي:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
وقول الفاروقي:
تمر مع الأتراب بالخيْفِ من منًى ... مرورَ المعاني في مفاوز أفكاري
(7/ 1/26)

وقد يعمد الشاعر إلى بعض المعاني، وينفيه عن أفراده المعهودة، ويثبته لأفراد مفهوم آخر، وتجد هذا في قول بعضهم:
ليس من مات فاستراح بميْت ... إنما الميتُ ميِّتُ الأحياء
إنما الميْت من يعيش كئيباً ... كاسفاً بالُه قليلَ الرجاء
فقد نفى أن يكون من قضى نحبه ميتاً، وأطلق اسم الميت على من فاضت نفسه كآبة، وضاق صدره يأساً، على طريقة القصر، بدعوى أن المعنى الذي علق عليه الواضع اسم الميت إنما يتحقق فيمن يعيش في نكد وبلاء لا يرجو خلاصاً منه، والذي أخذ به إلى هذه الدعوى: ما تخيله من أن خواص الراحل إلى القبر، وهي مفارقة ما كان يتمتع به من طيبات الحياة، وانقطاع أمله منها، ونكث يده من العمل فيها، توجد بأجمعها في الكئيب اليائس من صفاء العيش، بأشد مما توجد فيمن ركبوا مطية المنون، حيث يزيد عليهم في الشقاء بأنه يصلى نار الحسرة والأسف بكرة وعشياً.
وقد يكون الأمر مربوطاً بعلة محققة ظاهرة، فيضرب عنها، ويخترع له علة من عنده، وتجد هذا في قول أبي العباس الضبّي:
لا تركنَنَّ إلى الفرا ... ق فإنه مرُّ المذاق
فالشمس عند غروبها ... تصفرُّ من فَرَقِ الفراق
ادعى أن العلة في الاصفرار الذي يبدو على وجه الشمس حين تتدلى إلى الغروب، وتنطفئ بهرتها، إنما هو الوجل والهلع من مفارقة الناس الذين طلعت عليهم ذلك اليوم، حيث اتصلت بينهم وبينها - فيما يزعم - عاطفه ألفة وإيناس.
ومما صَنَعْتُ على هذا النمط وقد أخذ البَرَدُ يتساقط في حديقة:
(7/ 1/27)

هزَّ النسيم غصونَ الروضِ في سحر ... كما يهز بنانُ الغادةِ الوترا
لذَّ الحفيف على أذن السحاب أما ... تراه يحثو على أدواحها دُرَرا
وقلت وقد أخذت الريح تنسف في روض:
قام هذا الروض يشدو مادحاً ... بلسان البلبل الزاهي سحابا
وتمادى غالياً في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا
وقلت في حال أشجار تراكم عليها الثلج، ثم ضربت فيها الشمس، فأخذ يتقاطر عن جوانبها:
نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غزل الثلوج براقعاً وجلاببا
والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا
فبكت لكشف حجابها أو ما ترى ... عبراتها بين الغصون سواكبا
وقلت في حمرة الشفق:
قتل الدجى هذا النهارَ ودسَّه ... تحت التراب مضرجاً بدمائه
فخذوا من الشفق الشهادة إنه ... لطخ من الدم نال ذيل ردائه
وربما يصاغ التعليل في قالب التشبيه؛ كقول أبي تمام:
كأن السحاب الغُرَّ غيبن تحتها ... حبيباً فلا ترقا لهن مدامع
فلو حذفت أداة التشبيه هنا، لكان الباقي بمنزلة العلة الخيالية لنزول الغيث المنسجم من ينابيع السحاب، واقترانه بأداة التشبيه يجعله بحيث يسكت عنه العقل، ولا يمانعه من أن يدخل في سبيل المعاني الصادقة.
ومما نظمت على هذا المثال، وكان الجو يقذف وقت السحر
(7/ 1/28)

بنثار من الثلج:
تطاولَ هذا الليلُ والجوُّ مزبدٌ ... فضاقت بأمواج الثلوج مسالكه
كأني أذيب الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكه
وقد يقرر الشاعر معنى، ثم يقابله بأمر أوضح منه عند المخاطب، دون أن يصرح فيه بأداة تشبيه، بل تكون مصدرة بأداة استفهام؛ كقول مسكين الدارمي:
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحُه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
أو بأداة التوكيد فقط؛ كقول أبي العتاهية:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
أو تقرن أداة التوكيد بالفاء؛ كقول بشّار:
فلاتجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
أو بالفاء وحدها؛ كقول بعضهم:
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب ... فالطير يرقص مذبوحاً من الألم
ولنوجه البحث إلى معنى البيت الأول، ثم لا يشتبه عليك بعد تحرير الغرض منه أن بقية الأبيات جارية بمعنى التمثيل، أو ذاهبة مذهب الاستدلال والتعليل.
صدر الدارمي البيت بجعل ابن عم المرء بمكان الجناح له، والشطر الثاني ينفي عن البازي أن ينهض بغير جناح، ومعنى الشطرين لا يلتئم إلا بملاحظة جملة مطوية ما بين الصدر والعجز لم يفصح عنها الشاعر؛ لسهولة مأخذها، وبعد ملاحظة تلك الجملة يكون مفاد البيت أن ابن عم المرء بمنزلة
(7/ 1/29)

جناحه، فلا يقدر أن يقوم بأعباء الحياة، أو يدرك فيها غاية شريفة إلا بمعاضدته، كما أن البازي لا ينهض إلى الطيران إلا إذا ساعده جناحه؛ فالقصد تمثيل حاجة الإنسان إلى ابن عمه بحاجة البازي إلى جناحه، وليس القصد الاستدلال حتى يلتحق ببيت أبي تمام المسوق فيما سلف للاستشهاد على التخييل الذي يراد منه المخادعة، وقول الدماميني:
فلا تعجبوا يوماً لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يُكسر
فالأسلوب في نفسه وارد في الغرضين، غير أن فحوى الكلام، ومجرى الخطاب، وطبيعة المعنى تصرفك إلى التمثيل، أو تأخذ بك إلى الاستدلال والتعليل.
وقد يعمد إلى أمرين يعدهما الناس بشدة التباين وغاية الاختلاف، فيعقد بينهما تشابهاً، وتجد هذا في قول المعري:
وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إذا قي ... س بصوت البشير في كل نادِ
أبكت تلكمُ الحمامةُ أم غَنْ ... نَتْ على غصن دوحها الميّاد
فالمعهود أن النفس ترتاع لصوت النعي، وتتفطر حزناً، وترتاح لصوت البشير، وتأنس له طرباً، ولكن الحكيم يغوص في أعماق الحوادث، وينظر إلى ما تصير إليه من العواقب، فيتراءى له أن ليس في الحياة ما يدعو إلى لذة، أو يستشير النفس إلى جزع، فتكون نغمة البشير وصيحة الناعي في أذنه سواء، ولا يرى فارقاً ما بين النواح والحداء.

* حال المعنى والتخييل:
قد يصوغ الشاعر المعنى لأول الخطاب في صورة خيالية، فلا يدركه إلا من صفت قريحته، ورقت حاشية ألمعيته؛ ككثير من الأشعار الواردة على
(7/ 1/30)

طريق المعميات والألغاز، أو من سبق إليه ما يهديه إلى المراد، ويساعده على فهمه من قرينة حال أو مقال؛ كبعض المحاورات التي يقصد فيها المتخاطبان إلى إخفاء الغرض، وكتمه عمن يصغي إلى حديثهم، أو يطلع على رسائلهم.
وقد يصرح بالمعنى، ثم يدخل به في طريق التخييل، وهذا:
إما أن يخرج الصريح بالتخييل، فيفصل المعنى، ويضع بإزاء كل قطعة منه صورة خيالية؛ كما قال العتابي يصف السحاب:
والغيمُ كالثوب في الآفاق منتشرٌ ... من فوقه طبقٌ من تحته طبقُ
تظنه مصمتاً لا فتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثوب منفتق
إن معمع الرعد فيه قلت: منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت: محترق
مثَّل الغيم الضارب في الأفق بالثوب المنشور، ثم أخذ يقرن كل حال من أحواله بما يقابلها من أحوال الثوب، فجعل إمساكه عن المطر مظنة الصحة والمتانة، وانسكاب الغيث من خلاله منبئاً بتفتقه، ومعمعة الرعد إعلاناً بانخراقه، ووميض البرق شظايا من اللهب تؤذن باحتراقه.
وإما أن يستوفى المعنى بالصراحة، ثم يأتي بمثاله الخيالي متواصل الأجزاء، وهذا كقول بعضهم:
رأيتكم تبدونَ للحرب عدة ... ولا يمنع الأسلابَ منكم مقاتلُ
فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه ... ولا يمنع الخرَّاف ما هو حاملُ
استقصى المعنى الصريح، وهو تظاهرهم بالأهبة للحرب، وقعودهم عن قتال عدوهم، وافتكاك ما سلب من حقوقهم، ثم ضرب له المثل على نسق واحد بالنخل يشرع نصالاً مسنونة من الشوك المتأهب للذود بها عمّا يحمل
(7/ 1/31)

من الثمار، فيعمد الخرّاف لها، ويجتنيها بأجمعها، دون أن يناله ذلك الشوك بأذى.
ومن أبدع ما جاء على هذا النمط: قول ابن رشيق القيرواني:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أُمنّي النفس فيها الأمانيا
وساوفت لي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالباً ... لأجمامها أو يرجع الماء صافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
وإما أن يصرح لك بالمحل الذي يجعله مناطاً للحديث عنه، ثم يسوق القول كله على طريق التخييل؛ كقول بعضهم:
إني داياك كالصادي رأى نهلاً ... ودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماءً عزَّ موردُهُ ... وليس يملك دون الماء منصرفا
فقد أراك أول الشعر أنه يريد الحديث عن حاله مع المخاطب، ثم اطَّرد في مجال التخييل الذي أفاد به أن الحاجة تحثه على القرب منه، والخطر المعترض في سبيله ينصح له بالإحجام عنه.
ومن أبدع الوصف المنسوج على هذا المثال: قول شرف الدين التيفاشي:
أما ترى الأرض من زلزالها عجباً ... تدعو إلى طاعة الرحمن كل تقي
أضحت كوالدة خرقاء مرضعة ... أولادَها درَّ ثدي حافل غدقِ
قد مهدتهم مهاداً غير مضطرب ... وأفرشتهم فراشاً غير ما قلق
حتى إذا أبصرت بعض الذي كرهت ... مما يشق من الأولاد من خلق
هزت بهم مهدهم شيئاً تنبههم ... ثم استشاطت وآل الطبع للخرق
(7/ 1/32)

فصكَّت المهد غضبي وهي لافظة ... بعضاً على بعضهم من شدة النزق

* أسباب جودة الخيال:
لا مشاحة أن النفوس تختلف بفطرتها في صحة الذوق وقوة التذكر، فيكون من أسباب التفاوت في جودة الخيال ما هو عائد إلى الفطرة، والغرض في هذا المقام إنما هو البحث عن الأمور التي تؤثر في جودة الخيال، وتبسط في نطاقه من خارج، ومدارها على أمرين:
أحدهما: تردد النظر في مظاهر المدنيّة؛ فإن امتلاء حافظة الشاعر من المناظر المختلفة والصور التي لا تدخل تحت حصر، تجعله أغزر مادة، حتى إذا عرض له معنى اقتضى الحال إيراده في طريقة الخيال، لا يعوزه متى التفت إلى حافظته أن يلاقيه منها ما يساعده على العمل بسهولة، ثم إنه لغزارة مادته، وسعة مجاله تكون مخيلته أكثر عملاً في إنشاء المعاني وإبداعها، وكثرة العمل مما تترشح به هذه القوة النفسية، فيكون صاحبها أقدر على صناعة التخييل، وأرسخ فيها ممن كانت بضاعته مزجاة، وحافظته في إملاق.
وحيث إن غزارة المادة تشاهد على كثرة العمل الذي هو الإبداع، وكثرة العمل مما يقوي النفس في صناعة التخييل، أمكن للشاعر المدني أن يفوق الشاعر البدوي أو القروي في تخييل معان اشتركوا في العلم بالعناصر التي تنتزع منها الصور الخيالية.
يبلغ تأثير المدنية في تهذيب المخيلة إلى أن يكون الفرق بين عملها في حال البداوة، وعملها بعد أن يحفن صاحبها بالحضارة من كل جانب أوضح من نار على علم، فهذا علي بن الجهم الذي قال للخليفة:
أنتَ كالكلبِ في حفاظِك للعه ... دِ وكالتَّيْسِ في مراعي الخطوب
(7/ 1/33)

هو الذي يقول:
فقلن لنا نحنُ الأهلَّةُ إنما ... نضيء لمن يأوي إلينا ولا نقري
بيد أنه قال البيت الأول أيام كان يسكن البادية، وقال البيت الثاني بعدما نزل بغداد، وتراصف في حافظته من الصور والمعاني ما رقّت به حاشية طبعه، وجعل قريحته تنسج من المعاني البديعة بروداً ضافية.
ثانيهما: الحرية؛ إذ لا شبهة أن الاستبداد الأعمى يطبع الناس على الجبن، ويلقي في أفئدتهم رهبة تحملهم على أن يجعلوا بينهم وبين الأقوال التي تسخط لها الحكومة القاسية حاجزاً لا يدنون منه، فيضيق بذلك مجال الشاعر، وربما تنكب الخوض في الاجتماعيات؛ حذرَ الوقوع في السياسيات، ومن ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه في كل غرض، ويطلق له العنان في كل حلبة، يكون أبعد مرمى، وأحكم صنعاً من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطة لا يفوتها، ولقد كنت أعرف أُناساً شبوا تحت سلطة تكره للأديب أن يفتح لهاته في الأحوال السياسية، فصرفوا معظم حياتهم في التردد على الغزل والمديح والرثاء، وفاضت عليهم قرائحهم في هذه الأغراض بمعان رائقة، ولما سمح الوقت بالكلام في مقاصد اجتماعية أو سياسية، وقف بهم الخيال في عقبة كؤود، أو أتوا بها في نسج واهٍ وهيئة متخاذلة.
فالخيال حرٌّ في عمله، لا تملك السلطة المستبدة مردَّه، ولكنها تمنعه من أن يتجول على مراكب الألسنة والأقلام، وهذا ما يثبط الشاعر عن إطلاق خياله للعمل في أوسع مجال، ولا يرخي له العنان إلا في أغراض يسعه الحال لأن يخاطب بها الناس نطقاً أو كتابة.
(7/ 1/34)

فذانك سببان لأن يكون الخيال بديع الصنع في كل غرض يتوجه إليه، وهاهنا أمر آخر إذا اتفق للشاعر حال تصديه للنظم في غرض، يكون له أثر جلي في سهولة التخيل، وبعد الرمية إلى المعاني الغامضة، وهو الإحساس والتأثر.
فمن الشعراء من يتكلم عن مشاهدة وتأثر نفسي؛ كأن يرى البطل يلقي بنفسه في مواقع الخطوب، أو العالم كيف يتدفق بالحكمة البالغة، أو الجواد كيف يبسط يده بالنوال، فيشعر بإعظامه، ويأخذ في مديحه وتمجيده، ويرى الجبان كيف تصفر أنامله من ذكر الحرب، أو الجاهل كيف يتمضمض باللغو أو الباطل، أو البخيل كيف يشد على الدنيا رباطاً، فيشعر في نفسه بمهانته، ويتصدى لهجائه. ويموت من يعزُّ عليه من قريب أو صديق أو أُستاذ، فيشعر بالتفجع والأسف عليه، وتتفجر قريحته برثائه، وتحل بصديقه فاجعة، فيحس بالإشفاق عليه، فيأخذ في تسليته وتهوين وقعها عليه بالعزاء الجميل، ويدخل الروضة الفيحاء، فيتمتع بمرأى أزهارها، وتلحين بلابلها، فيهب في صدره ابتهاج وأنس، ويسترسل في وصفها وذكرِ ما راقه من مشاهدها.
ومن الشعراء من يسوقه إلى الشعر باعث طمع أو خوف أو حياء، ومن الجليّ أن الإحساس والتأثر مما يفتح أمام الخيال طرقاً قلمّا يبصر بها من يحمل نفسه على الشعر لمجرد الطمع أو الخوف أو الحياء، فانظر إن شئت مثلاً إلى قصيدة أبي الحسن الأنباري التي يقول في مطلعها:
علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... لَحَقٌّ أنت إحدى المعجزاتِ
فتجد فيها تخيلات فائقة، والذي ساعده على ذلك - فيما أحسب - أنه أنشأها عن تفجع وإعظام بالغ؛ لأنه رثى فيها الوزير ابن بقية يوم قتله عضد
(7/ 1/35)

الدولة مصلوباً، فَنظْمُهُ لها - وهو لا يرتجي من ورائها فائدة، بل يوجس في نفسه الخيفة من أن يناله عضد الدولة بالعقوبة عليها - يشعر أن الباعث له على إنشائها التلهف والإخلاص.
ولو نظرت إلى القصائد التي يخاطب بها الشعراء الملوك تهنئة بانتصار أو فتح، وقستها بالقصائد التي يخاطبونهم بها تهنئة بعيد مثلاً، أو بمولود، أو بناء قصر، لوجدت الأولى أجود خيالاً؛ لأن انتصار الدولة ممايبذر في نفوس الأمة فرحاً، ويثير فيها عاطفة إجلال لمن جرى النصر على يده، وليست الثانية بهذه المكانة؛ إذ طلوع العيد على الأمير، وازدياد ولد له، أو تشييده لقصر لا تهتز له نفس الشاعر حتى تطير به في جو الخيال، ويقتنص ما يلذه الذوق من بدائع الأفكار، وانظر إن رمت الوثوق بهذا إلى قصيدة أبي تمام التي يهنئ فيها المعتصم بفتح عمورية:
السيف أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب
فإنه ذهب بمعانيها مذاهب خيالية لا تطلع له على ما يحاكيها في القصائد التي لم يستفزه لها غير ما يرجوه من النوال.
وكذلك الشاعر الذي يريد أن يتبرأ من جناية تعزى إليه، أو يحاول أن يزيل ما في نفس السلطان من ضغينة أونية سيئة، فإنه يبتكر من المعاني ما لا يبتكره في القصائد التي يمدحه بها وهو مقبل عليه.
ربما يخوض الشاعر في غرض إنما دعاه إليه مجاراة غيره ومباراته في مضمار البيان، فيبلغ مبلغ من انساقوا إليه عن إخساس وعاطفة نفسية، ويقع على تخيلات جيدة، ولكن أمثال هذه التخيلات تنهال على ذي التأثر النفسي بدون تعسف، حينما يحتاج الآخر إلى أن يحث إليها قريحته، ويجاذبها
(7/ 1/36)

وهي كالمستعصية عليه.

* بماذا يفضل التخييل؟
عرف مما سبق أن التخييل يدور على انتقاء مواد متفرقة في الحافظة، ثم تأليفها وإبرازها في صورة جديدة، فيرجع فضله والبراعة فيه إلى ثلاث مزايا: إحداها: أن يكون وجه المناسبة بين تلك الجواهر - أعني: المواد المؤلفة منها صورة المعنى - غامضاً، فمزية من يتخيل الكواكب أزهاراً باسمة في روضة ناضرة دون مزية من يقول:
وضوءُ الشهبِ فوقَ الليل بادٍ ... كأطراف الأسنَّةِ في الدروعِ
فإن المشابهة بين الكواكب والأزهار لا تغيب عن كثير من الناس، أما التشابه بين النجوم وبين أطراف الأسنة اللامعة عند نفوذها في الدروع لا يحوم عليه إلا خيال بارع.
ولا فضل لمن يرى الشمعة فيحاكيها بالرمح، إذا قسته بمن ينظر إليها فيقول:
كأنها عُمْرُ الفتى ... والنارُ فيها كالأجلْ
فإن محاكاتها بالرمح لا تكاد تخفى على ذي بصر، وإنما الخيال الفائق هو الذي ينتقل منها إلى العمر والأجل؛ حيث يشعر بالمناسبة الدقيقة بينهما، وهو أن الأجل يدنو من الإنسان حيناً فحيناً، ويتقاضى عمره رويداً رويداً، إلى أن تتقلص عنه أشعة الحياة؛ كلهيب الفتيلة يدب في جسم الشمعة، وينتقصها قليلاً قليلاً إلى أن يأتي على آخرها، وتذهب في الجو هباء منثوراً.
ثانيتها: أن يكون التخييل مبنياً على ملاحظة أمور متعددة، فالصورة التي
(7/ 1/37)

يراعى في تأليفها ثلاثة معان - مثلاً - تكون أرجح وزناً، وأنفس قيمة من الصورة التي تبنى على رعاية معنيين، فمن الشعراء من يصور لك الرمح شهاباً ثاقباً، فهل يحق لك أن تساويه بمن يخيله لك ورؤوس الأعداء منصوبة على طرفه بالغصن يوم يكون مكللاً بالثمار؟ كما قال ابن عمار يخاطب المعتصم صاحب "المرية":
أثمرتَ رمحك من رؤوس كُماتِهم ... لما رأيتَ الغصنَ يُعشق مثمِرا
يقف الناس في تصوير الحرب بمعنى الرحى عند قولهم: دارت رحى الحرب، وكان عمرو بن كلثوم أبسطهم في هذا التخييل باعاً، حيث يقول في وصف الحرب:
متى ننقل إلى قومٍ رحاها ... يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكونُ ثِفالهُا شرقيَّ نجدٍ ... ولهوتُها قضاعةَ أجمعينا
فالثفال: ما يُبسط تحت الرحى ليتساقط عليه الدقيق، واللهوة: القبضة من الحب تُلقى في فم الرحى لتطحنها، وقضاعة: هي القبيلة التي يهمدها هذا الشاعر بالحرب الطاحنة، وكأني به عندما حضر في نفسه معنى الحرب، انساق إليه معنى الرحى لما بينهما من التشابه المعهود، ثم تنقل نظره من الرحى إلى ما هو من خواصها، فوقع على الثفال واللهوة، ثم انقلب إلى معنى الحرب، وألقى نظره إلى ما حوله، فتراءى له ميدانها مبسوطاً كالثفال، والرجال الذين يتهافتون عليها فتتناثر رؤوسهم، وتتساقط أشلاؤهم على ذلك الميدان في صورة اللهوة، فصاغ الأبيات على هذا الوجه الذي يدل على حسن تصرفه في ضم المعاني إلى أشكالها.
والأدباء الذين أروك الحصى في صورة الدر ليسوا بقليل، وإنما المزية
(7/ 1/38)

لمن اتسع في صورة هذا المعنى، ونظر في تركيبها إلى أمور متعددة، فقال يصف وادياً:
وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعَفُ الغيثِ العميمِ
نزلنا دوحَهُ فحنا علينا ... حُنُوَّ المرضعاتِ على الفطيمِ
وأرشفنا على ظمأٍ زلالاً ... ألذَّ من المدامةِ للنديمِ
يروع حصاه حاليةَ العذارى ... فتلمَسُ جانبَ العقدِ النظيمِ
كأني بالشاعر عندما فتح جفنه على الحصى، وهي في ملاستها وصفاء منظرها، انصرف خياله إلى ما يحاكيها من الجواهر النفيسة، ثم إلى حال تناسقها في هيئة قلادة، وتذكر بهذا موقعها من الصدر، فخطرت على قلبه الفتاة، وشرع يتصور كيف تنظر إلى تلك الحصى، فيهجم على ظنها بغتة أن قلادتها انفرطت، وأن ما تراه من الحصى إنما هو اللؤلؤ الذي كان متناسقاً في نحرها قد تساقط إلى مواطئ أقدامها، فلا تتمالك أن تضرب يدها على العقد حتى تحفظ البقية من السقوط، أو لتتيقن صدق ظنها، فتسعى إلى التقاطها.
ثالثتها: أن يجري الشاعر في استخلاص المعاني وتأليفها على ما يوافق الذوق السليم، فهو الحافظ لنظام المعاني؛ كما أن القواعد العربية تحفظ نظام الألفاظ، ومن الشعراء من تأخذه سنة عن هذا الشرط، فيضع المعنى الخيالي على مثال تشمئز منه النفس، كما أن ناسج الثياب من غزل اختلفت ألوانه، إذا لم يكن صاحب ذوق فائق، لم يحكم وضعها، وأخرجها في صورة تقذفها العيون.
ومثال هذا: أن أبا القاسم بن فرناس أنشد الأمير محمداً أبياتاً يقول فيها:
(7/ 1/39)

رأيتُ أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجههِ بِذْرُ المحبَّةِ يثمرُ
فقال له مؤمن بن سعيد: قبحاً لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محراثاً تثمر فيه البذور؟ فغشيه الخجل، وجعل جوابه عن هذا النقد الصائب سباباً.
ووقع في مثل هذه الزلّة كثير من كبار الشعراء، فهذا أبو تمام يقول في مدح أحد الأبطال:
ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
فجعل ممدوحه محراثاً، كما جعله هاذياً حين قال:
لا زال يهذي بالمكارم والعُلا ... حتى ظننّا أنه محمومُ
وهذا بشار بن برد يقول:
وجذّتْ رقابَ الوصل أسيافُ هجرِها ... وقَدَّتْ لِرِجْلِ البين نعلين من خدي
فإثبات الرقاب للوصل، والرجل للبين من التخيلات المستهجنة.
قد يخطر لسائل أن يقول: إن لهؤلاء الشعراء براعة مسلمة، وأذواقاً لا نرتاب في صحتها وصفائها، وقد مرت هذه المعاني التي رميتموها بسبة السخافة على أذواقهم، فألقت إليها بالتسليم، أفلا يكون رضاهم عنها، واستحسانهم لها شاهداً ببراءتها مما تصفونها به من سماجة الوضع، ومنافرة الذوق؟
والجواب: أن القبح في هذه المعاني وما كان على شاكلتها محقق بما يجده الإنسان في نفسه من أثر النكرة لها، وعدم الأنس لسماعها، فضلاً عن شهادة فريق لا تقصر بهم سلامة الذوق والمعرفة بحرفة الأدب عن طبقة أولئك الشعراء. وهذا ابن رشيق يقول عقب إيراد البيت الأول من بيتي أبي تمام:
(7/ 1/40)

"فلعنة الله على المحراث هاهنا ما أقبحه وأركه! ". ولم يبق سوى النظر في عدم تنبههم لذلك القبح، وكيف خفي عنهم وجهه، وهو كاشف لثامه، حتى بلغ وضوحه في بعض الأبيات أن لا يمتاز بإدراكه الأدباء عن غيرهم.
والوجه في هذا: أن البصيرة مثل البصر، والمشاهد للصورة عن عيان قد يفوته أن يحدق فيها من بعض الجهات، فلا يشعر بما فيها من عيب، فكذلك الشاعر قد يصوغ المعنى، ولا يأخذه بالنقد من جميع أطرافه، فيصدر على عوج قد يبصر به من هو أضعف بصيرة منه، والعلة في عدم تنبه الشاعر لذلك الخلل: قصر المدة فيما بين إنشاء القصيدة، وإراءتها للملأ؛ بحيث لا يتمكن من تجريد نظره إلى كل بيت، ونقد معناه من سائر وجوهه.
وربما أصيب الشاعر من اعتماده على براعته ومكانة سمعته؛ إذ كثيراً ما يستفيد الشاعر من المقام والشهرة التي يدركها بين قومه، فيتلقون شعره باستحسان فوق ما يتلقون به شعر غيره ممن لم يقم لهم صيت، وإن كان في نفسه أبعد أمداً، وأحكم نسجاً، فكثرة الإجادة وسعة الذكر قد تؤثر في همة الشاعر في بعض الأحيان، فيلقي القصيدة على علاتها، ولا يحمل نفسه على التدقيق في نقدها. ومن ثمّ ترى أكثر الذين يقعون في هذه العثرات، إنما هم كبار الشعراء، والمكثرون منهم؛ كأبي تمام، والمتنبي، ومن كان في طبقتهم.
ويؤكد لك أن سيئات الشعراء في هذا الصدد، إنما لصقت بهم من جهة عدم نقدهم المعنى بعد أن تقذفه القريحة نقداً وافياً، إما لضيق الوقت، أو اغتراراً بما ملكوا من البراعة، وأحرزوا من الشهرة: أن أحدهم قد ترسل قريحته معنى، فيقع منه موقع الإعجاب، حتى إذا أعاد إليه النظر مرة ثانية، انكشف له من مساويه ما يجعله في أسف على إذاعته، أو في ارتياح من عدم
(7/ 1/41)

اطلاع الناس عليه.
ومن المحتمل أن يصوغ الشاعر المعنى، فتأخذ جهة الحسن بقلبه مأخذاً بليغاً، ثم يعثر في صورته على وجه من الخلل، ولا يتمكن من تلافيه وإكمال نقصه إلا برفض الصورة من أصلها، وحيث يرى أن جهة الحسن أرجح، ويرجو أن تسبل على ذلك المغمز فضل ردائها، فلا يشعر به الناقدون، يبقي صورة المعنى على حالها، ويجيزها للرواة، وهو بصير بعلتها. ولا أخال أن النابغة حين قال:
نظرتْ إليكَ لحاجةٍ لم تقضِها ... نظَرَ السقيم إلى وجوه العُوَّد
لم يخدش عاطفته أن يضع المحبوبة بمنزلة السقيم، ولكنه عزّ عليه أن يضرب عن هذا التشبيه الذي لا يلحق شأوه، وإن وخز لفظ السقيم في ضميره وخزات بالغة.

* التفاضل في التخييل:
أتينا في الفصل الذي كنا بصدد تحريره على الوجوه التي تفضل بها صور المعاني التخييلية؛ أعني: غرابة الجامع بين الأجزاء المؤلفة، ثم التوسع في الخيال، وبعده عن البساطة، مع الالتئام بالذوق السليم، فيصح لمن انتصب للموازنة بين الشعراء في التخييل، أن يتخذ هذه الوجوه مدخلاً للحكم، وأساساً يبني عليه في التفضيل.
تعقد الموازنة تارة بالنظر إلى معنى خاص يتناوله كل من الشاعرين، وهذا إما أن تتحد الواقعة فيه، أو تختلف. وتارة تجري في غرض خاص يصوره كل منهما بغير ما يصوره به الآخر، فهذه ثلاث حالات تضاف إليها حالة رابعة، وهي المفاضلة بين الشاعرين يختلفان معنى وغرضاً، وحالة
(7/ 1/42)

خامسة، وهي أن تقام الموازنة بين الشاعرين على أن يقضى لأحدهما بالأفضلية المطلقة.
الحالة الأولى: أعني: ما تعقد فيه الموازنة بالنظر إلى معنى خاص، والواقعةُ واحدة؛ كقول أبي عبدالله بن الزين النحوي يصف بركة نثر عليها الياسمين:
نثر الغلامُ الياسمينَ ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائِها المندفقِ
فكأنه نثر النجومَ بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماءٍ أَزرقِ
فإذا قسته بقول علي بن ظافر في هذه البركة نفسها:
زهرُ الياسمين ينثر في الما ... ءِ أمْ الزهرُ في أديم السماء
ظلَّ يحكي عقودَ دُرٍّ على صد ... رِ فتاةٍ في حُلَّةٍ زرقاءِ
رأيت كلاً من الشاعرين شبه الياسمين بالنجوم بادية في السماء، وتشبيه ابن الزين في هذا الوجه أجودة لأنه ذهب به الخيال إلى تفاصيل لم يأت عليها ابن ظافر، فإذا التفتَّ إلى تشبيه ابن ظافر في البيت الثاني، رأيت خطور هيئة النجوم والسماء عند مشاهدة الياسمين يطفو فوق الماء، أقرب من خطور عقود الدر تتقلدها الفتاة المتبرجة في حلة زرقاء، فيكون تشبيه علي بن ظافر أجودة لندرة المشبه به، وقلة ابتذاله بمشاهدة كل ذي عين باصرة. ولولا أن ابن الزين أسند نثر النجوم إلى الغلام، ونبّه على كرة الياسمين بقوله: نثر النجوم بأسرها - لانتفت عنه المزية، وكان تشبيهه من التخيلات الموضوعة في طريق كل من خطر على باله أن يذهب في تصوير المعنى من باب التشبيه. ومن هذا الضرب قول ابن المنجم يصف مطلع الهلال عند غروب الشمس:
(7/ 1/43)

وعشاءٌ كأنما الأفق فيه ... لازوردٌ مرصَّعٌ بنضارِ
قلتُ دنت لمغربها الشم ... سُ ولاحَ الهلالُ للنظّارِ
أقرض الشرق صِنْوَهُ الغربَ دينا ... راً فأعطاه الرهنَ نصفَ سوارِ
مع قول ابن قلاقس، ولم يطلع على ما قاله ابن المنجم:
لا تظنّوا الظلامَ قد أخذ الشم ... سَ وأعطى النهارَ هذا الهلالا
إنما الشرقُ أقرضَ الغربَ دينا ... راً فأعطاه رهنَه خلخالا
فقد سار الشاعران في التخييل على طريق واحد، وزاد ابن المنجم على ابن قلاقس نظرة في السوار، فلم يأخذ منه إلا المقدار الذي يطابق حال الهلال، وهو الشطر، فكان تخيله أحكم وقعاً.
الحالة الثانية: وهي ما تكون الواقعة فيها مختلفة؛ كقول بعضهم:
خلقنا لهم في كل عينٍ وحاجبٍ ... بسمرِ القنا والبيضِ عيناً وحاجبا
مع قول ابن نباتة:
خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقعُ السيوفِ حواجب
فقد اتفق الشاعران على تصوير المعنى، وهو تأثير السيوف والرماح في أجسام الأعداء، ولكن تصوير ابن نباتة أجود؛ لأنه يزيد على الأول بما فيه من الإيماء إلى انهزامهم وتوليهم بظهورهم حتى تصنع فيها الرماح والسيوف عيوناً وحواجب.
ولا يغيب عنك أن تفضيل بيت ابن نباتة إنما يتم إذا تماثلت الواقعتان، أوكان كل من البيتين صادراًعن تخييل محض، وأما إذا قصد كل من الشاعرين وصف الواقع، وكان الأعداء المشار إليهم في البيت الأول لم ينهزموا، بل
(7/ 1/44)

ثبتوا للطعن في وجوههم إلى أن وقعوا في مضاجعهم، أو لم ينلهم السلاح بعد أن ولّوا مدبرين، لم يكن لك أن تفضل عليه بيت ابن نباتة من جهة التخييل، وإن أشار إلى معنى يعود إلى مدح قومه بالشجاعة والمهارة في الطعن والضرب.
ومن قبيل هذا الضرب: قول عبد الرحمن الفنداقي في وصف حال الندى، وتقاطره من زهر النرجس:
والندى يقطرُ من نرجسه ... كدموعٍ أسكبتهن الجفون
وقول ابن زيدون في مثله:
نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهَرٍ ... جالَ الندى فيهِ حتى مالَ أعناقا
كأن أعيُنَه إذ عاينتْ أرقي ... بكت لما بي فجالَ الدمعُ رقراقا
ومما يفضل به هذان البيتان على بيت الفنداقي: إيماؤهما إلى سبب إرسال الأزهار للمدامع، وهو معاينتها لأرق الشاعر، وإشفاقها عليه.
الحالة الثالثة: وهي ما يقصد الشاعران فيه إلى غرض واحد، ويختلفان في المعنى الذي يصورانه فيه، ومثال هذا: أن يكون الغرض وصف شخص بالندى، فيقع الاختلاف في الطريق الذي يقرر به هذا الوصف؛ كما قال بعضهم:
سألتُ الندى هلْ أنتَ حرٌّ؟ فقال: لا ... ولكنَّني عبدٌ ليحيى بنِ خالدِ
فقلتُ: شراءً؟ قال: لا بل وراثةً ... توارثني عن والد بعد والد
وقال الآخر:
ولما رأيت البحرَ في الجود آية ... ومن جوده الدرُّ الثمين المقلدُ
سألته من في الناس علَّمك الندى ... فقال أمير المؤمنين محمَّد
(7/ 1/45)

ومثل هذا مما يرجع بالتفضيل فيه إلى القوانين السابقة، فما كان أقل خطوراً على الذاكرة، أو أوسع نطاقاً في التخييل، أو ألذ وقعاً على الذوق، فهو المشهود له بمزية الرجحان. ومن الجليّ أن تشبيه الكريم بالبحر من المعاني التي وعاها كل قلب، وتناولها كل إنسان، فصاحب البيتين الأخيرين بنى محاورته على أمر اشتهر ذكره عند الحديث في هذا الغرض، وإنما زاد عليه شيئاً من التخييل، فتكون المحاورة الأولى أبدع؛ لأنها قائمة من أول حالها على شعور غريب، فضلاً عما امتازت به من الإيماء إلى دعوى قصر الندى على الممدوح، وهذا ما يجعلها أبلغ في الدلالة على ما يرمي إليه الشاعر من غرض الوصف بالسخاء.
ويدخل في هذا القسم قول عنترة:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ ... منّي وبيضُ الهندِ تقطر من دمي
فوددت تقبيلَ السيوفِ لأنها ... لمعت كبارقِ ثغرك المتبسمِ
مع قول بعضهم:
ولقد ذكرتُكِ في السفينة والردى ... مُتوقَّعٌ بتلاطم الأمواج
وعلى السواحل للأعادي جولةٌ ... والليلُ مسوَدُّ الذوائبِ داجي
فعلت لأصحاب السفينةِ ضجةٌ ... وأنا وذكرُكِ في أَلذِّ تناجي
فغرض الشاعرين واحد، وهو أنهما ذكرا الحبيب في حال تقتضي لشدة هولها وعظم خطرها دهشة القلب، وتفرغه لانتظار الفرج، أو الاحتيال على وسيلة النجاة، وإنما يصح لنا أن ندخل للمفاضلة بين الشعرين إذا كانا من التخييل المحض، فنقول: إن شعر عنترة أبلغ؛ لأنه صوَّر ذكره للحبيب بوقوعه
(7/ 1/46)

في حال انتشاب الخطر به، حيث ترتوي الرماح وتقطر السيوف من دمه الذي هو مادة حياته، ثم تمنى زيادة الاتصال بالسيوف التي هي مهبط العطب، وشاقه أن يقبلها؛ لأن بريقها يخيل إليه ثغر المحبوبة حال تبسمها، وأما شاعر السفينة، فاقصى غمراته توقع الهلاك بما أحاط به من أسبابه القريبة، فمزية من تذكر الحبيب وقد أنشب به الردى مخالبه، أعظم من مزية من يتذكره وهو يبصر الخطر، ولم يبسط إليه يده، فإن كان كل من الشاعرين حكى واقعة عرضت له في حياته، فلا تفاضل بينهما إلا من جهة تأليف اللفظ وصفاء ديباجته.
الحالة الرابعة: وهي ما يختلف فيه الشعران معنى وغرضاً، وعقد المفاضلة في مثل هذا النوع قلَّما يخطر على بال الأديب، ولو قصد إلى ذلك، لوجد المسلك وعراً؛ إذ من المحتمل أن يكون كل من الشعرين ورد على أبدع غاية ممكنة في المقصد الذي سيق إليه، وإن كان أحدهما أوسع نطاقاً في الخيال. فلو نظرت إلى قول بشار:
كأنَّ مثارَ النَّقْع فَوْقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
سهل عليك الدخول إلى المفاضلة بينه وبين قول ابن المعتز:
وعمّ السماءَ النقعُ حتى كأنها ... دخانٌ وأطرافُ الرماحِ شَرارُ
ولو عمدت إلى الموازنة بينه وبين قول أحمد بن دراج يصف حالة وداعه لزوجته وابنه الرضيع: تناشدني عهد المودةِ والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداء صغيرُ
عَيِيٌّ بمرجوعِ الخطابِ ولحظُهُ ... بموقع أهواءِ النفوسِ خبير
(7/ 1/47)

أو قول بعضهم:
لئن بكيتُ دماً والعزمُ من شيمي ... على الخليط فقد يبكي الحسامُ دما
لم تجد الطريق إلى التفضيل بينهما أمراً ميسوراً. وليس لك أن تعول على ابتهاج النفس واهتزازها، وتجعل تفاوته ميزاناً للتفاضل؛ لأن شدة الابتهاج لسماع الشعر قد تكون تابعة للعواطف والأهواء، فمن رقت عاطفته لولده الصغير حتى كاد قلبه يذوب لنظراته المكحولة بالتبسم، يهتز لقول أحمد بن دراج: "ولحظه بموقع أهواء النفوس خبير" بأشد مما يهتز لغيره، ومن لم يذق حلاوة العطف على البنين، وكان كلفاً بمواقع الحروب، مغرماً بالحديث عن آثارها، يلتذ ببيت بشّار أكثر من التذاذه ببيت ابن دراج وما ذكر بعدهما.
فلا أنكر أن يكون بين التخيلات المختلفة في المعنى والغرض فرق جليّ، وتفاوت واسع من جهة التركيب أو الغرابة، فيبني عليه الأديب حكمه بالتفضيل، وإنما أعني: أن الأشعار المتفقة في معنى أو غرض تجد المدخل للمفاضلة بينها سهلاً؛ إذ يتبين لك التفاوت بينها في التركيب، أو الغرابة من غير إطالة نظر، وعلى فرض اتحادها في ذلك، يمكنك الرجوع إلى وقعها على حاسة الذوق، وأخذها بالروح التي يتقوم بها المراد من الكلام، وأما الأشعار المختلفة في المعنى والغرض، فيتيسر القضاء فيها متى كان التفاوت بينها جلياً، فإذا كانت في مراتب متقاربة في الغرابة والتركيب، والتمكن من روح المعنى، أو الغرض الذي أفرغ فيها، فباب المفاضلة بينهما لا يطرقه إلا الماهرون في هذه الصناعة، حيث وصلوا إلى أن هذا الشعر لم يتجاوز في الغرض الذي عبّر عنه الدرجة الوسطى مثلاً، وأن الآخر انتهى في وجهته
(7/ 1/48)

إلى غاية ليس وراءها مرتقى.
وقد يكون مناط التخييل أمراً واحداً، ويختلف نظر الشاعرين بتوجه أحدهما إلى حال أو صفة قد أخذ نظر الآخر بغيرها، فيصير التخييل بهذا من قبيل التخييل في أمرين مختلفين في خفاء التفاضل بينهما، وهذا كما قال الوزير أبو فارس يصف النهر من جهة منظره:
فنضنضَ ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حيةٌ رقطا
وقال أبو القاسم الأبرش يصفه من جهة خريره:
وأنَّ النهرَ يشكو من حصاه ... جراحاتٍ كما أنَّ الجريحُ
وقد يجيد أحد شاعرين من جهة الغرابة، ويجيد الآخر من حيث التركيب؛ كقول الصنوبري يصف الشمعة:
كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل
مع قول الأرجاني يصفها أيضاً:
تنفست نفس المهجورِ إذ ذكرت ... عهدَ الخليطِ فبات الوجدُ يذكيها
فإن تشبيه الشمعة حين تدب فيها النار، وتتناقص شيئاً فشيئاً إلى أن تذهب في الجو هباء منثوراً بعمر الفتى حين ينقضي ساعة فساعة إلى أن يلتقي الأجل بآخر نفس منه فيعود إلى الفناء- تشبيه أدق وأخفى من تشبيهها بصب ذكر عهد الخليط، فقدحت الذكرى في مهجته وجداً بات يحترق بلوعته الملتهبة، ولكن هذا التشبيه أوسع، نطاقاً وأحلى مساقاً.
وربما فاق أحدهما من جهة الغرابة، وفاقه الآخر من جهة المطابقة لحال المعنى؛ كقول ابن الخطيب يصف ليلة:
(7/ 1/49)

رعشت كواكبُ جوها فكأنها ... وَرِقٌ تُقَلّبُها بَنانُ شحيح
وقول عنترة:
أراعي نجومَ الليلِ وهي كأنها ... قواريرُ فيها زئبقٌ يترجرجُ
فتشبيه ابن الخطيب أدق وأخفى، وتشبيه عنترة أشد مطابقة لحال النجوم.
الحالة الخامسة: وهي ما يجري فيه تفضيل أحد الشاعرين على آخر بإطلاق، وهذا لا يستقيم إلا ممن أتى على معظم شعرهما، حتى عرف الذي يستوفي في تخيلاته شرائط الجودة أكثر من غيره، ولا سيما إذا اهتدى للمقايسة بينهما في كثير من المعاني أو الأغراض التي يتفقان في نظمها.
ومن الخطأ الحكم بتفوق شاعر على غيره لمجرد تخييل بديع يتفق له في بيت أو أبيات، فربما ترجح شاعر في معنى مرة، وفاقه غيره في معان أخرى، فلا يصح لك متى وقفت على قول ابن زمرك يصف البرق:
وجرَّد من غمد الغمامةِ صارماً ... من البرق مصقولَ الصفيحةِ صافيا
ورأيته متوغلاً في الخيال أكثر من قول ابن الخطيب:
لك اللهُ من برق كأن وميضَه ... يد الساهرِ المقرورِ قد قَدحتْ زندا
أن تقضي بتفضيل ابن زمرك على ابن الخطيب؛ إذ قد يكون لابن الخطيب تخيلات أخرى أدرك فيها شأواً لم يلحق ابن زمرك غباره، بل تجد له في هذا المعنى نفسه تخييلاً سبق فيه إلى الغاية القصوى، وهو قوله:
وميض رأى برد الغمامة مغفلاً ... فمد يداً بالتبرأ علمت البردا
ومما يصدك أن تكتفي في تفضيل الشاعر بإجادته في البيت أو الأبيات: أنك ترى حازماً الأندلسي قد فاق ابن هانئ في وصف التقاء الصبح بآخر
(7/ 1/50)

الليل، حيث يقول الأول:
كأن بياضَ الصبحِ معصمُ غادةٍ ... جنت يدها أزهارَ زهرِ الدجى لقطا
ويقول الثاني:
كأن عمودَ الصبح خاقانُ عسكر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
وترى ابن هانئ يقول في وصف الثريا:
وولَّت نجومٌ للثريا كأنها ... خواتيمُ تبدو في بَنان يدٍ تخفى
ففاق حازماً حين قال:
كأن الثريا كاعبٌ أزمعت نوى ... وأمَّت بأقصى الغربِ منزلة شحطا
وقد لوحنا فيما سلف إلى بعض الأسباب التي تقوم للشاعر، فيفضل في بعض المعاني أو الأغراض من هو كفؤاً له، أو أرسخ منه قدماً؛ كالتفاوت في قوة الباعث على النظم، فمن يخاطب إنساناً وقد ماجت مهجته بعواطف وده الخالص، وأضرمت النوى في فؤاده شوقاً إليه، يقع على دفائن من المعاني يقف دونها من يخاطبه تقصياً من ملامة، أو تعرضاً لمسألة ليست بذات بال، ويضاف إلى هذا: أن أحد الشعراء قد يمتاز بمعرفة العناصر التي يؤلف منها المعنى، كما امتاز البارودي عن بعض أدباء عصره بمشاهدة الكهرباءوإشراقها في أجرام كروية، فقال يصف الثريا:
وكأنها أكرٌ توقَّد نورها ... بالكهرباءةِ في سماوةِ مصنعِ
وقد يستوي الشاعران في الاطلاع على العناصر البسيطة، ولكن أحدهما يشاهدها مؤلفة في صورة لم يشهدها الآخر، فيساعده استحضار تلك الهيئة على انتزاع معنى لا يخطر على بال غيره، فصفوان بن إدريس الأندلسي عاش
(7/ 1/51)

في قطر يرى فيه المقلة الزرقاء تلوح عليها حمرة الرمد، فقال يصف الورد مفتحاً على شاطئ الخليج:
والورد في شطِّ الخليج كأنه ... رمدٌ أَلَمَّ بمقلةِ زرقاء
ومن الشعراء من لم يأخذ في حافظته صورة المقلة الزرقاء وعليها مسحة من الرمد، كمن نشأ في ناحية الجنوب، وإنما رأى المقلة الرمداء، ولون الزرقة ينفرد أحدهما عن الآخر. وانظر إلى ابن الرومي- حين قال بعض اللائمين: لم لا تشبه تشابيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ ثم قص عليه تشبيهه للهلال بزورق من فضة وعليه حمولة من عنبر، وتشبيه الآذريون بمداهن من ذهب فيها بقايا غالية- قال ابن الرومي: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن خليفة، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا أنا وصفت ما أعرف أين يقع قولي من الناس.
وقد يتفق الشاعران في معرفة العناصر والهيئة المؤلفة، ويكون أحدهما أشد علقة بها، وكثر تردداً عليها، فيكون خطورها على قريحته أكثر من خطورها على قريحة من شاهدها مرة أو مرتين. كنت رأيت مرة الآلة المصورة، وعرفت كيف ترسم الصورة في زجاجاتها، ولم يسنح لي أن أستمد منها معنى خيالياً حتى نزل بجواري في بعض البلاد أحد المولعين بها، وتكررت ملاحظتي لها، فريثما جال في خاطري معنى الخطأ في فهم الحقيقة، هجمت على صورة الآلة والزجاجة، فقلت:
عذرتك إذ صوَّرت في نفسك الهدى ... ضلالاً وصورتَ الضلال رشادا
فإن زجاجات المصوِّر تقلب ال ... سوادَ بياضاً والبياضَ سوادا
قد يستمد الشاعر من غيره تخييلاً يضيف إليه ما يوسع في نطاقه،
(7/ 1/52)

ولهذا ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون الأصل من المعاني النادرة، والزيادة تساويه في غرابتها، أو تنقص عنه، وهنا لا يكون صاحب الزيادة أرجح ممن أنشأ أصل المعنى قطعاً؛ إذ من المحتمل أن تنبهه لهذه الزيادة، وإدراجه لها في صورة المعنى إنما تيسر له من تلقيه لذلك الأصل الذي أقامه له الشاعر الأول؛ بحيث لا يكون في قريحته فضل قوة على تحصيل هذا الأساس بنفسه، ومثال هذا قول علي الكوفي يصف النجوم:
كأن التي حول المجرَّة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب
وقول البارودي يصفها أيضاً:
وكأنهاحول المجرِّ حمائمٌ ... بيضٌ عكفن على جوانب مشرعِ
فلم يزد البارودي عما خيل إليك الكوفي، سوى أن جعل تلك النجوم الواردة حمائم بيضاً.
ومن هذا القبيل قول المعتمد بن عباد يصف نهراً في روض:
ولربما سلَّت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا
وقول أبي القاسم البخاري:
والنهر شقَّ بساطَ الروضِ تحسبه ... سيفاً ولكنه في السِلْمِ مشهورُ
فهذا البيت أخذ في ضمنه معنى البيت الأول، وإنما زاد عليه بأن السيف مجرد في حال السلم.
ثانيها: أن يكون المعنى الأصلي غريباً، وتكون الزيادة أدلّ منه على البراعة، ويصح لك في هذا الحال أن تقضي بفضل الثاني؛ إذ في يدك ما ينهض
(7/ 1/53)

بالحجة على أن في قريحته قوة تمكنها من إنشاء الصورة من أصلها. ومثال هذا قول الخفاجي:
كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبِّرُ حرب قد هَزَمْنَ له صفّا
وقول البارودي يصف الليل أيضاً:
متوشِّحٌ بالنيرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ باللجين مدرعِ
حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلالِ بأصبعِ
فإن كان البارودي قد تنبه إلى تشبيه الليل بأمير حرب من بيت الخفاجي، فقد زاد عليه ماهو أغرب منه؛ أعني: ظنه أن النجوم تخلفت عن أمره، ثم إشارته إليها بأصبع من الهلال.
ثالثها: أن يكون الأصل من المعاني التي تتناولها القرائح لأول لفتة؛ إذ أصبحت مبذولة ابتذال تمثيلك جميل الطلعة بالقمر، والمقدام بالأسد، ويسوغ لك بدون شبهة أن تعد التخييل فيما يرجح به وزن صاحب الزيادة البديعة، فالذين شبهوا الزهر بالدراهم كثير، ولكن ابن زمرك أضاف إلى ذلك أن جعل النسيم جابياً لها، فقال:
كأنما الزهر في حافاتها سحراً ... دراهم والنسيم اللَّدْنُ يَجيبها
ومن المتداول تشبيه الأقاح بالثغور، وقد بنى عليه ابن رشيق أن جعل الشمس ترشف منه ريق الغوادي، فقال:
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابقَ اللهوِ ذوات المزاحِ
من قبل أن ترشف شمسُ الضحى ... ريقَ الغوادي من ثغورِ الأقاحِ
ومن المعهود تشبيه الليل بالغراب، فتناوله عبد الرحمن الفنداقي
(7/ 1/54)

الأندلسي، ورفعه في الحسن درجات، فقال:
وانبرى جنحُ الدجى عن صبحهِ ... كغرابٍ طار عن بَيضٍ كَنين
وقد يذهب الشاعران إلى محاكاة أمر، فيحاكيه أحدهما ناظراً إليه بانفراده، ويحاكيه الآخر ناظراً إليه في حال اقترانه بأمور أُخرى، فلا يحق لك متى قايست بينهما، ورأيت الأول أحكم، أن تقضي لصاحبه بالرجحان؛ إذ قد تكون محاكاة الثاني إنما جاءتها الجودة من ملاحظة ما اتصل به من المعاني، ولولا هذه المقارنة، لم يقدم صاحبه على هذه المحاكاة. ربما تسمع أن أبا جعفر الأندلسي خيل أصوات الحمام في الصباح بالخصام، فيبدو لك أن تشبيهها بالغناء أو النواح أقرب إلى الجودة، وأشد مطابقة لحالها، ولكنك إذا وقفت على قوله:
فالصبحُ قد ذبح الظلامَ بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائمُ فيه
أدركت جودة التخييل التي أحرزها بما انضم إليه من تمهيد سبب الخصام، وهو اعتداء الصبح على الظلام، وقتله بالنصل ذبحاً.
يعدون في تخيلات (فكتور هيغو) تشبيهه الموج بالغنم، فإذا قيل لك: إن الشاعر العربي معروف الرصافي قد شبهه بالرجال، حسبت أنه وقع التشبيه إلى الحضيض، حتى إذا قرأت قوله يصف قصر البحر في بيروت:
كأن الموجَ في الدأما رجالٌ ... وهذا القصر بينهم خطيبُ
تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواجِ تصفيقٌ رحيب
تيقنت أن الرجل قد ذهب في التخييل البديع إلى الدرجة القصوى. فتشبيه الموج بالغنم هو أحكم من تشبيهه بالرجال متى نظرت إليه مستقلاً،
(7/ 1/55)

ولكنك إذا راعيت ما انضم إليه من تشبيه القصر القائم على ضفة البحر بالخطيب، وتلاطم الأمواج بالتصفيق، لم يكن في وقوعه على ذوقك أقل تأثير من تشبيهه بالغنم السائمة.

* الغرض من التخييل:
عادة النفس الارتياح للأمر تشاهده في زي غير الذي تعهده به، والتخييل يأتيها من هذا الطريق، فيعرض عليها المعاني في لباس جديد، ويجليها في مظهر غير مألوف.
فللتخييل فائدة عامة لا تتخلى عنه، وهي تحريك نفس السامع لتلقي المعنى بارتياح له، وإقبال عليه، ولو كان من قبيل الحديث المألوف أو المعلوم بالبداهة. وانظر إن رمت الثقة بهذا إلى قول الشاعر:
أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وسالت بأعناقِ المطي الأباطحُ
فالمعنى الذي صيغ البيت لتأديته لا يتعدى قولك: أخذنا نتناوب الحديث، والإبل تسير مسرعة في الأباطح. وهذا كما رأيته معنى مبذول، وحديث لا يختص به عابر سبيل دون آخر، ولولا أن الشاعر أورده في هذه الصورة التي خيلت إليك بطاحاً تتدفق بسيل من أعناق المطايا، لم ينل عندك هذا الموقع من الحظوة والاستحسان.
قد يكون للمعنى في ذاته وجه يدعو نفس السامع إلى النفور عنه، وصناعة التخييل تبقي له أثراً لذيذاً في النفس، فتأتيها اللذة من ناحية غير الناحية التي يجيءُ منها النفور، فلو سمع أشياع ابن بقية قول عمارة اليمني شامتاً به وهو مصلوب:
ونكَّسَ رأسه لعتاب قلبٍ ... دعاه إلى الغواية والضلالِ
(7/ 1/56)

لوجدوا لهذا البيت في أنفسهم ألماً بليغاً يدخل عليها من جهة القدح في كرامة رجل امتلأت صدورهم بإجلاله، وهذا الألم لا يمنع من أن يبقى للبيت في نفوسهم أثر لذة تسري إليها من جهة التخييل، وإن كانوا لها كارهين. ومما قلت في بعض الخواطر: "قد يهذب السياسي حاشية ظلمه، فيكون كالبيت البليغ يؤثر في نفس من يهجى به لذة وألماً".
قد يبدو لك أن هذه الفائدة العامة إنما تتحقق فيما إذا كان المعنى معروفاً للسامع من قبل التخييل؛ كوصف حال القمر والكواكب والبرق والسحاب والرياض والأنهار، والمقلة والثغر والقلم والدواة، أو حال الرجل من كرم وشجاعة وعلم وغيرها من الخصال؛ إذ يصح أن يقال: إن التخييل قد عرض على السامع هذه المعاني في صور حديثة. وأما الوقائع والأحوال المجهولة، فلم يعرفوا لها صورة من قبل، حتى تعد الصورة الخيالية جديدة، وتحدث في النفس لذة زائدة عن لذة العلم بأصل المعنى.
والجواب: أن المعنى الذي تتلقاه من الشاعر دون أن تسبق لك معرفة به، قد يلقيه إليك بوجه صريح، ثم يدخل به في الخيال، كما هي في الطريقة الشائعة في التشبيه والتمثيل، وعد التخييل في هذا صورة جديدة بالنسبة إلى الصورة التي نقشها التصريح أولاً مما لا تعتريك فيه شبهة.
وقد يلقيه لأول الخطاب في صورة خيالية، وهذا مما يصح عده في الصور المستجدة؛ إذ للمعاني صور أصلية، وهي التي ترتسم في النفس لأول ما تدرك المعنى بمشاهدة أو وجدان، فالنفس تشعر حال تلقيها للصورة الخيالية أن للمعنى الذي تحمله تلك الصورة صورة أخرى، هي الصورة البسيطة التي يعبر عنها بالقول الصريح.
(7/ 1/57)

ولعلك تقول بعد هذا: إن صور المعاني تختلف ما اختلفت العبارات، سواء كانت تصريحية، أو تخييلية، فالصورة التي يعطيها قولك: "زيد يكتب " غير الصورة التي يفصح عنها قولك: "زيد يخط بالقلم على القرطاس "، وكل منهما صريح لا مدخل فيه للخيال، وإذا كان التخييل يلذ للنفس من جهة أنه يكسو المعنى لباساً جديداً، فيمكن لنا أن نصوغ للمعنى عبارة صريحة غير التي يعرفها المخاطب، فيأخذ بها صورة جديدة، ولا يفوز التخييل بهذه الفائدة ويختص بها دون التصريح.
والجواب: أن الصور التي تنشأ من العبارات الصريحة - وإن تفاوتت في مواقع البلاغة، واختلفت بالإيجاز والإطناب - لا تعد كما تعد الصورة الخيالية غريبة عن المعنى المراد، ألا ترى أنك تعرض المعنى الواحد في صور خيالية متعددة، والشعر واحد، فيجد السامع عند كل صورة داعية لذة، ولو ألقيت المعنى في عبارة صريحة، ثم بدا لك أن تخرجه في عبارة أخرى تشاكلها في الصراحة، والمخاطب واحد، لقيت في نفس المخاطب سآمة؛ لأنك لم توافها بصورة غريبة تخيل بها أنك تعبر عن معنى غير ما ألقيته عليها أولاً.
فلا أنكر أن الصور في العبارات الصريحة تتفاوت بحسب اختلاف العبارات في كيفية تأليفها، ومقدار ما تشتمل عليه من المعاني الزائدة عن أصل المراد، وأن هذا الاختلاف هو الذي يجعلها متفاضلة في مقامات البلاغة، وإنما أذهب إلى أن تلك الصور - وإن أحكمت نسقها، وأضفت إليها من المعاني ما يرتفع به شأنها - لا تهيج في نفس السامع هزة الطرب التي تثيرها العبارات الخيالية.
فالعبارات الخيالية تشارك العبارات الصريحة في جودة نسجها، واشتمالها
(7/ 1/58)

على المعاني التي ترتقي بها في مدارج البلاغة، وتزيد عليها بإراءتك المعنى في صورة بديعة، تتعشقها النفس، وتهتز لوقعها طرباً.
ثم إن التخييل لا يخلو في أكثر أحواله من صوغ المعنى في صورة ما، تكون معرفة المخاطب له أقوى، وفهمه إليه أسرع، وهذا مما يجعل أنس النفس أوفر، وارتياحها له أكمل.
ولا أحسبك تقع من هذا الوجه في شبهة، أو تقف في حيرة، حين ترى الوجه السابق يقتضي أن لذة التخييل جاءت من غرابة الصورة، وهذا يقتضي أن انبساط النفس لها جاء من جهة إلفها، وكثرة التردد عليها؛ فإن غرابتها بالنظر إلى المعنى المراد لا تنافي أن تكون معرفتها بهيئاتها أو عناصرها أجلى لدى المخاطب في ذاتها، فالشاعر الذي يقول:
كأن شعاع الشمسِ في كلِّ غدوةٍ ... على ورقِ الأشجار أوَّلَ طالعِ
دنانيرُ في كفِّ الأشلِّ يضمُّها لقبضٍ ... فتهوي من فروجِ الأصابع
قد خيل إليك حال تدفق الأشعة وقت الغداة، وتجليها على الأوراق بصبغتها الصفراء في صورة دنانير يضم عليها الأشل يده ليقبض عليها، فتنساب من بين أصابعه متساقطة إلى الأرض، وهذه الصورة بالنظر إلى مساق الحديث - وهو حال الأشعة - غريبة، ولكنها في نفسها جلية؛ إذ السامع للبيتين - وإن لم يشاهد من قبلهما دنانير تتناثر من يد الأشل -، فإن المواد المؤلفة منها الصورة كالدنانير ويد المرتعش من أوضح معلوماته.
وللتخييل بعد هذا أغراض خاصة يرمي إليها الأدباء، ويتفاوتون في التمكن منها، ولا يسع هذا المقال سوى أن نلم بمهماتها، فنقول:
قد يقصد الشاعر من التخييل:
(7/ 1/59)

- تقوية الداعية إلى الأخذ بالشيء؛ حيث يصوره بصورة ما لا يستغنى عنه؛ كما قال بشار:
فلا تجعلِ الشورى عليكَ غضاضةً ... فإن الخوافي قوةٌ للقوادمِ
ضرب المثل للشورى في تثبيت الرأي، وإقامته على وجه السداد بالخوافي من الجوانح؛ حيث تساعد القوادم على الطيران، وهذا التمثيل يلقي في نفس السامع أنه محتاج إلى الشورى حاجة القوادم إلى الخوافي، ويؤكد داعيته إلى العمل على سنتها.
- أو الحث على الثبات والصبر على الأمر حيث يخرجه في مثال ما لا يمكن بطبيعة هذه الحياة الخلاص منه، كما قال بشار أيضاً:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبُهْ
فعشْ واحداً أوصلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبُهْ
إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى ... ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربُهْ
فالأبيات مسوقة في الإرشاد إلى تحمل ما يصدر عن الإخوان من جفاء أو هفوة، فضرب لهم المثل بالمشارب؛ حيث لا مندوحة للإنسان عن ورودها، وهي لا تصفو له سائر حياته، بل يصادفها في بعض الأحيان كاشفة له عن وجه كالح، وماء كدر، ولا يسعه في حال الظمأ إلا الشرب منها، وإغضاء الجفن عن أقذائها، فهذا التمثيل يريك أنك لا تستطيع أن تعيش مستقلاً عن الإخوان، وأن ليس في طبيعتهم أن يسيروا في مرضاتك بحيث لا تلاقي منهم طول حياتك إلا ما يلائم طبيعتك، ويوافق بغيتك، ومقتضى هذا: أن تشد يدك بُعرا صحبتهم، وتغضي عما يعرض لهم في بعض الأوقات من جفاء، أو يزلون فيه من عثرات.
(7/ 1/60)

- أو التحذير مما يرغب فيه؛ كما قال أبو نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق
لو ذهب إلى ذم الدنيا صراحة، وهي حلوة خضرة، لم يأخذه السامع بمأخذ التسليم، وأنكر أن يكون في لذيذ المذاق جميلِ المنظر ما يجب الحذر منه، فعدل إلى إخراج الذم في مثال يريه كيف يتزيّي الشر بزي الخير، ويظهر المؤذي في بهجة ما يعد نافعاً.
- أو تخفيف الرغبة فيه، وتقليل الاهتمام به؛ كما قال المعري:
وإن كان في لبس الفتى شرفٌ له ... فما السيف إلا غِمدُه والحمائلُ
فمن تمثلت له الملابس بمنزلة الغمد والحمائل من السيف، لم يطمح بنظره إلى تنميقها، أو يجهد سعيه في اتخاذها من النسيج الفاخر، وإنما يصرف همته إلى ما تسمو به النفس من علم وفضيلة، كما أن البطل لا يعبأ بالغمد والحمائل، وإنما يقبل على السيف، فينفق سعه في إجادة صنعه، وإرهاف حده.
- أو التسلية؛ كقول صاحبنا الأمير شكيب يسلي البارودي وهو في المنفى:
إن يحجبوك فما ضرَّ النجومَ دجى ... ولا زرى السيفَ يوماً طيُّ أغماد
لابأس إن طال نجز السعدموعده ... فأعذب الماء شرباً في فم الصادي
أراد أن ينفث في نفس مراسله كلمة تحل منها عقدة الضجر، وتطرد عنها غيم الوحشة، فذكَّره بأن ما جرى عليه من التغريب والإخفاء عن أعين من ألفوه وألفهم، قد ابتليت بمثله الكواكب، فلم يمسها بنقيصة، ومنيت به
(7/ 1/61)

السيوف، فلم يضع من قيمتها فتيلاً. ورام بعد هذا تخفيف ما عساه أن يساور قلبه من لوعة الحنين إلى الوطن، والهم بما طال عليه من الأمد، فأقام له مثالاً من حال الماء حيث يكون مذاقه في فم من بعد عهده به- وهو الظمآن- ألذ وأشهى.
ومما صنعت في غرض التسلية:
بثثت شعاع علمك في نفوس ... تسوق إليك ما اسطاعت حتوفا
كذا الأقمار تكسو الأرض نوراً ... ولولا الأرض ما لقيت خسوفا
- أو إزالة ما يخالط النفس من النفور عن الأمر، أو عده عيباً؛ كما قال الفرزدق:
تفاريقُ شيبٍ في الشبابِ لوامعٌ ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
ضرب المثل للشعر الأسود تتخلله شعرات من الشيب، بحال ليل داج تتألق في سمائه الكواكب؛ ليخيل أن الشيب مما يحدث في الخلقة حسناً، ويزيدها بهجة، حتى يضع الأنس به مكان التجافي عنه. ومن هذا القبيل قول قابوس:
ياذا الذي بصروف الدهر عيَّرنا ... هل عاندَ الدهرُ إلا من له خطرُ
أما ترى البحر تطفو فوقه جيفٌ ... وتستقرُّ بأقصى قعره الدررُ
وفي السماء نجومٌ لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمسُ والقمرُ
- أو الدلالة على أن الذي تحكي عنه صفة قد بلغ فيها غاية قصوى، لتستدعي له في نفس المخاطب إجلالاً، أو إشفاقاً، أو تحقيراً له، أو جفاء عنه، ويرجع إلى هذا الغرض كثير من التخيلات الواردة على طريق المبالغة
(7/ 1/62)

في المديح والفخر والاعتذار والهجاء والوشاية، وأمثلتها كثيرة الدوران في كتب الأدب والبيان.
وقد يكون المعنى مما لم تتداوله الأفكار، وليس من البعيد أن يلاقيه المخاطب بالتعجب الذي هو مطية الإنكار، ليجيء التخييل عقب هذا لإزالة التعجب منه، وبيان أن وقوعه داخل في حوزة الإمكان، وهذا كما يقول أبو تمام الأندلسي:
لا يفخر السيفُ والأقلامُ في يده ... قد صار قطعُ سيوفِ الهند للقصبِ
فإن يكن أصلها لم يقو قوتها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنبِ
ادعى في البيت الأول أن القطع الذي عهدت به السيوف قد انتقل إلى الأقلام التي تهزها يد ممدوحه، فلم يبق للسيوف خصلة تفاخر بها، وليست هذه الدعوى من الجلاء بحيث تفتح لها النفوس باب القبول بسرعة، وأول ما يطعن فيها: أن الأقلام مشتقة من القصب، وهي أوهن من العصا، دع السيف ومضاءه، فاحتاج إلى تأييدها بما يدفع الشبهة، ويحشرها في زمرة الأقوال المسلَّمة، فضرب لها المثل في البيت الثاني بالخمر التي هي عصارة العنب، وقد امتازت عن بقية العصيربإطفاء نور العقل، وإطلاق اللسان يخبط في فلاة الهذر خبط عشواء، فصارت بهذه الخاصية حقيقة قائمة بنفسها، ومالكة لقوة لم تكن في جنسها.
وقد يكون المعنى مما تألفه العقول، ولا يتشبث به في سياقه ما يجر السامع إلى ارتياب، أو يحمله على إنكار، وإنما يقصد الشاعر إلى إيراده في مثال أوضح، حتى يقع من نفوس السامعين في قرار مكين، ومثال هذا: قول سيف الدين بن المشد:
(7/ 1/63)

إن ترقًّى إلى المعالي أولو الفض ... ل وساخت تحت الثرى السفهاءُ
فحباب المدام يعلو على الكأ ... سِ محلاً وترسبُ الأقذاء
فارتفاع الفضلاء إلى المراتب العالية، وهبوط أهل السفه إلى ما تحت الثرى ليس في نفسه بأمر يتعجب منه، أو يتلقي بإنكار، فمحاكاته بارتفاع الحباب على وجه الكأس، ونزول الأقذاء إلى أسفله، إنما كانت مؤكدة له، ومفصحة عن مناسبته للحكمة، وانطباق على سنة الله الجارية، بارتفاع العناصر النقية، ورسوب الأجرام المتعفنة. ومما صغت على هذا النمط:
لايألفُ العزُّ شعباً لجَّ في وسن ... من الخلاعة لامسعى ولا أملا
كالدرِّ يزهو على صدر الفتاة وإن ... دبَّ النعاسُ إلى أجفانها اعتزلا
ومن الدواعي إلى التخييل: تخصيص بعض السامعين أو القارئين بفهم المعنى، إما لفضل ألمعيته، أو لأن في يده من القرائن المساعدة له على الفهم ما ليس في يد غيره، فلو حاورك إنسان في أمة من الناس أقاموا على فريق من أموالهم رقباء، فأردت أن تذكر له أن أولئك الرقباء لم يحرسوها بعين الأمانة حتى تناولها قوم ملؤوا منها حقائبهم، ونثروها في سبيل شهواتهم، فكتبت إليه على مثال ما كنت قلت:
يا رياضاً خانَها الحراسُ إذْ ... غرقت أحداقُهم في وسنِ
سرقت ريح الصبا منك شذى ... طاب وانسابت به في الدمن
لم يستطع فهم ما أردت من الكلام إلا من دارت بينك ويينه تلك المحاورة.
وقد يذهب الشاعر إلى التخييل لقصد التهكم؛ كما قال المعري يتهكم بمن يحكي أن أول من شاب إبراهيم - عليه السلام -:
(7/ 1/64)

ما أقبح المين قلتم لم يشب أحد ... حتى أتى الشيب إبراهيم عن أَمَمِ
كذبتم ونجوم الليل شاهدة ... أن المشيب قديماً حلَّ في الأُمَمِ
فكأَنه يقول: هذه الرواية الملفقة ليست أهلاً لأن تقابل بغير هذا الرد القائم على الخيال.
ويقرب من تخييل نجوم الليل بالمشيب قولُ أحمد بن دراج القسطلي يصف المجرة:
وقد خيلت طرق المجرَّةِ أنها ... على مفرقِ الليل البهيم قتيرُ
وربما لا يجد الشاعر داعياً إلى مسلك التخييل بعد بسط النفس، سوى التنبيه على ما بين المعاني من المناسبات الخفية، أو مجاراة البلغاء، وإقامة الشاهد على الحذق في هذه الصناعة، ومما يرمي إلى أحد هذين الغرضين: ما يتعلق به الأدباء في وصف بعض المناظر الفطرية؛ كالكواكب، والحدائق، أو الصناعية؛ كالشمعة، والسفينة.

* أطوار الخيال:
كان العرب في الجاهلية يعيشون في مواطن لا يشهدون فيها غير مناظر فطرية؛ كالكواكب، وبعض النبات والحيوان، أو مرافق حيوية، ووسائل حربية؛ كالرحى، والجفنة، والرمح، والحسام، ولصفاء قرائحهم، وسلامة أذواقهم أضافوا إلى هذه الحقائق ما يخطر على ضمائرهم، ويدركونه بحاسة وجدانهم من المعاني التي لا تنالها الحواس الظاهرة؛ كالغضب، والرضاء، والبغض، والمحبة، ونسجوا على مثال التخيل صوراً بديعة.
وإن رأى المدني اليوم أن معظم تلك الصور من التخيلات القريبة،
(7/ 1/65)

فعذرهم في ذلك: أنهم لم ينفذوا في مسالك الفلسفة، ولم يعودوا أنفسهم التنقيب عن المعاني الغامضة، وإنما كانوا ينطقون بالشعر على البداهة، فمن وقفت له على معنى رائع؛ كقول النابغة يخاطب النعمان بن المنذر:
وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ
فقد لفظته قريحته عفواً، وانساق إليها بدون إجهاد نظر، ومن ثم كانت أمثال هذا التخيل الجيد نادرة في أشعارهم، ولو كانوا ممن يذهب في صوغ المعاني إلى إزعاج الفكر، وحثّه على استخراجها من مغاصها العميق، كما يفعل المولدون، لظفرنا له بنظائر لا تحصى، ثم إن فن التخيل كسائر الملكات والصنائع، إنما يترقى شيئاً فشيئاً، ويتكامل يوماً فيوماً، فتطلع لزهير ابن أبي سلمى مثلاً على تخيلات لا تظفر بها في أشعار من تقدموه بأمد بعيد، فالعهد الذي يعبر فيه هذا الشاعر عن معنى أن من لم يجب إلى الأمر الصغير يقع تحت وطأة الأمر الكبير بقوله:
ومن يعصِ أَطرافَ الزَّجاج فإنه ... يطيع العوالي ركِّبت كلَّ لهذمِ
لا يصح أن يكون من أوائل العصور التي ظهر فيها التخيل الشعري، فهذه الغاية من حسن البيان لا يدركها الناس بفطرتهم إلا بعد أن يتقلبوا في سبيلها أطواراً، ويقضون في السير إليها أحقاباً، كما أن ابن سفر الأندلسي لو نشأ في البيئة والعصر اللذين نشأ فيهما زهير، لم يسهل عليه أن يصف نهر إشبيلية الذي يصعد فيه الماء مسافة بعيدة، ثم يحسر بقوله:
شقَّ النسيمُ عليه جيبَ قميصه ... فانساب من شطيه يطلبُ ثاره
فتضاحكت وُرْق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمَّ من الحياءِ رداءه
(7/ 1/66)

ثم بزغت شمس الإسلام، وكان من أساليب القرآن في الدعوة أن ضرب الأمثال الرائعة، وصاغ التشابيه الرائقة، والاستعارات الفائقة، والكنايات اللطيفة، ويضاف إلى هذا: ما كان ينطق به الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الأقوال الطافحة بالأمثال والاستعارات والكنايات، التي لم تخطر على قلب عربي قبله، فكان مطلع الإسلام مما زاد البلغاء خبرة بتصريف المعاني، وترقى بهم إلى منزلة سامية في صناعة التخييل.
أخذ الخيال يتقدم بخطوات أوسع مما كان يسير به في الجاهلية، ولكن الأدباء إلى أواخر عهد الدولة الأموية، لم يبعدوا عن طرقه المعهودة، ويغيروا أساليبه تغييراً يشعر به كل أحد. فلو قال قائل: إن عبدالله بن الدمينة، أو عمر ابن أبي ربيعة، أو جميل، أوكثير، شاعر جاهلي، لم يكن لك أن تدخل إلى مغالبته وإبطال دعواه بإقامة الحجة من مناهج تخيلاتهم؛ كأن تجلب له من أشعارهم أمثلة ينكشف بها جلياً أنهم ساروا في التخيل على نمط لم ينسج عليه الجاهلية، ولكنك إذا نظرت في مجموعة الشعر الجاهلي، ثم وازنته بمجموعة الشعر الإسلامي، تيقنت أن الخيال قد بعد شأوه، واتسع نطاقه؛ لأنك تقف على تصرفات كثيرة من تشابيه مبتكرة، واستعارات لم يحم عليها شعراء الجاهلية، وإن كانت مفرغة في قوالبهم، مرسومة على خططهم.
ثم ظهر في أوائل عهد الدولة العباسية مثل بشار، وأبي العتاهية، وأبي نواس، وعبد السلام الملقب بديك الجن، فأصبحت مسافة الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي واضحة لكل من له أدنى بصيرة، فلو ادعى مدع أن ديك الجن شاعر جاهلي، أو من شعراء صدر الإسلام، لكفاك في إفحامه أن تتلو عليه نبذة من شعره الذي أوغل فيه إلى حد يبدو عليه أثر التصنع؛
(7/ 1/67)

كالبيت الذي أعجب به أبو نواس، وقال له عندما اجتاز بحمص: إنك قد فتنت به أهل العراق، أعني قوله يصف الخمر:
مورَّدةٌ من كفِّ ظبي كأنما ... تناولها من خدِّه فأدارها
وجاء بعد هؤلاء ابن المعتز، وابن الرومي، ومسلم بن الوليد، وأبو تمام، وقد استحكمت عرا المدنية، وتجلت لهم الحضارة في أجلى مظاهرها، فكانوا أكثر ممن تقدمهم تفنناً في صناعة التشبيه والاستعارة، وما يلحق بها من تصرفات الخيال؛ كالتورية، والمقابلة، وحسن التخلص من غرض إلى آخر. وهذا لا يمنعك أن تقضي للسابقين بأنهم أقوى عارضة، وأدرى بصناعة الشعر من ناحية سبك الألفاظ، ومتانة بنائها.
وبعد أن عني الناس بالنظر في شؤون الكون، وسلكوا في البحث عن أسراره طريقاً فلسفياً، أخذ الخيال الشعري يعمل في الحقائق الفلسفية، ويجري وراء الفكر كالمسعف له في تصوير تلك المعاني الغامضة؛ كما تراه في مثل قصيدة ابن سينا في النفس المفتتحة بقوله:
هبطت إليك من المحل الأرفعِ ... ورقاءُ ذاتُ تعزُّزٍ وتمنعِ
وقصيدة المعري المفتتحة بقوله:
غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نَوْحُ باكٍ ولاترنُّمُ شادِ
وقول أبي بكر بن الطفيل يصف حال الروح والجسد:
نورٌ تردد في طين إلى أجلٍ ... فانحاز علواً وخلىّ الطين للكفن
ياشدَ ما افترقا من بعدما اجتمعا ... أظنها هدنةً كانت على دَخَنِ
إن لم يكن في رضا الله اجتماعُهما ... فيالها صفقةً تمت على غبنِ
(7/ 1/68)

وفي هذه الصبغة خرج كثير من أشعار الصوفية؛ كما تراه فيما ينسب إلى الشيخ ابن عربي، وابن الفارض.
وقام بإزاء هذه النزعة الفلسفية: أن الشعراء عندما اتسعت دائرة العلوم الإسلامية، ونقلت العلوم النظرية إلى العربية، مدَّ بعضهم يده إلى قضايا هذه العلوم واصطلاحاتها، فخلط بها الصور الخيالية؛ كقول أبي تمام:
خرقاءُ يلعب بالعقول حبابُها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء
وقول ابن جابر يمدح الرسول الأعظم - صلوات الله عليه -:
أضفت إلى رحماك نفسي فأصبحت ... ذنوبي كالتنوين تستوجب الحذفا
وقول الشاعر حيص بيص:
لا تضع من عظيم قدر وإن ... كنت المشار إليه بالتعظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم
وقول ابن الخطيب:
ونقطةُ قلبٍ أصبحت منشأ الهوى ... وعن نقطةٍ موهومةٍ ينشأ الخطُّ
وقول أبي علي المهندس:
كأن فؤادي مركز وهمُ له ... محيطٌ وأهوائي لديه خطوط
وكذلك كانوا يقتبسون من سائر العلوم، حتى راق لكثير من المتأخرين أن يجعلوا قصائدهم كنموذج يلوح به إلى علوم شتى، ومن أثر ممارستهم للعلوم النظرية: إيراد التشابيه في أساليب منطقية؛ كقول بعضهم:
لو لم يكن أقحواناً ثَغْرُ مبسمها ... ما كان يزداد طيباً ساعةَ السحر
(7/ 1/69)

ترقى التخيل يوم دخل الشعر في طور التصنع، ولكن التصنع هو الذي جر إلى استعارات مكروهة، وتشابيه سمجة أيضاً، فقد اقتحم أبو نواس، وأبو تمام، والمتنبي، ومن بعدهم في هذا الصدد مساوي لم يرتكبها العرب زمن جاهليتهم، فالعربي الصميم - وإن كان معظم تخيلاته ساذجة- لا يعالج قريحته ليستنبط لك منها مثل قول أبي نواس:
بخَّ صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
أو قوله:
ما لرِجْلِ المال أضحت ... تشتكي منك الكلالا
وتمادى الشعر ما بين تخيل فطري، وتخيل فلسفي، وتخيل علمي إلى هذه الأعصر، وإن كان النوع الأول هو الغالب في النظم، والمألوف في التخاطب؛ لأن التخيلين الفلسفي والعلمي إنما يليقان بكلام يوجه به إلى الخاصة من الناس، وأما التخيل الفطري، فيصلح لخطاب الخاصة والجمهور. ثم إن الضرب الفلسفي لم يكن تطوراً في نفس التخييل، وإنما هو تطور لحقه من جهة دخوله في منزع جديد؛ أعني: الخوض في حقائق وسنن كونية على طريق النظر العميق.

* خاتمة:
من فنون التخييل: عقد محاورة، أو إنشاء قصة يسوقها الشاعر لمغزى سياسي، أو أخلاقي، أو لغرض التفكه والإطراف بملح الحديث. ويدخل في هذا الضرب كثير من أشعار الغزل التي يخترع فيها الشاعر محاورات بينه وبين الحبيب والطيف والعاذل والواشي والراحلة والأطلال، بل الغزل التقليدي، وهو ما لا يكون صادراًعن عاطفة عشق خاصة، كلُّه معدود في هذا القبيل،
(7/ 1/70)

وهذا الفن هو الذي يعنيه بعض المستشرقين من أُدباء أوربا حيث يرمون الشعر العربي بقلة الحظ، وقصر الخطا في مضمار الخيال، وقد تعلق به أُدباؤنا في منثور كلامهم؛ كمقامات الهمذاني والحريري وغيرهما، ولكن الشعراء لم يحتفلوا به فيما سلف كما احتفل به غيرهم من شعراء أُوربا؛ إذْ أفرغوا معظم شعرهم في الروايات التمثيلية، والقصص الموضوعة على لسان حالة إنسان أو حيوان أو جماد. ومن الأمثلة المضروبة لهذا النوع من كلام العرب: قول بعضهم:
قد زارني طيفُ من أهوى، فقلت له: ... كيف اهتديتَ وجنحُ الليلِ مسدولُ
فقال: آنستُ ناراً من جوانِحكم ... يضيءُ منها لدى السارينَ قنديلُ
فقلت: نار الهوى معنى وليس لها ... نورٌ يضيءُ فماذا القول مقبول
فقال: نسبتنا في الأمر واحدة ... أنا الخيال، ونارُ الشوقِ تخييلُ
هذا ما طاوعني عليه القلم من التحرير في فن لا يجيد الغوص في أغواره، ويأتي عليه من أطرافه، إلا من بات فكره في صفاء، وضميره في ارتياح، وإني لجدبر بإغضاء الناظر عن قصور أعثر في أذياله؛ فإني أرسلت نظري، وهززت قلمي إلى هذه المقالات يوم وضعت رحلي ما بين وادي النيل والأهرام. ولسان حالي ينشد متمثلاً:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشامِ أُخرى كيفَ يلتقيانِ
والحمد الله الذي أنعم فوفّى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
(7/ 1/71)

الشعر البديع في نظر الأدباء (1)
* حقيقة الشعر:
كلام العرب إما نثر: مرسَل، أو سجع. وإما شعر، وهو كلام موزون مقفّى. وقال بعض الباحثين في حقيقة الشعر: إن الشعر كلام موزون لا يتوقف معناه على نثر يتصل به، فإن كان لا يظهر معنى موزون إلا أن ينضم إليه ما يتصل به من النثر، فليس الموزون بشعر. فما كتبه الكاتب الذي أمره بعض الأمراء أن يكتب إلى عامل بإنذار ووعيد موجز، فكتب إليه:
"أما بعد: فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن، عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن، أغنت عزائمه، والسلام ". فمن هذا الخطاب يتكون بيت، وهو:
أناةٌ فإن لم تغن عَقَّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنتْ عزائمُه
فلا يسمى هذا البيت شعراً؛ لأن معناه يتوقف على ما قبله من النثر، وهو قوله:
"فإن لأمير المؤمنين أناة". فالألفاظ الموزونة في القرآن لا تسمى شعراً؛ حيث إن معناها يتوقف على ما يتصل بها من التنزيل.
__________
(1) بحث الإمام المنشور في "مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة" الجزء الحادي عشر لعام 1959 م.
(7/ 1/72)

* الشعر عند البلغاء:
وإنما يعتد البلغاء بالموزون إذا كان حسن التأليف، بارع التخيل، غريب المعاني؛ بحيث لا تحضر في ذهن كل ناظم، وتكون واردة في الغرض الذي سيقت إليه مورداً مقبولاً. وعلى قدر حسن السبك، وبراعة التخيل، وغرابة المعاني، وورودها في الغرض الذي سيقت إليه مورداً سائغاً، يرتفع الشعر في مرتبة البلاغة. والذي يكون مجرداً من هذه الغايات لا يسمى عند الأدباء شعراً، كما قال بعضهم:
إذا كنتَ لا تدري سوى الوزن وحده ... فقلْ: أنا وزّانٌ ولست (1) بشاعرِ
ويشترط بعض البلغاء في الموزون: أن يكون مطابقاً للواقع. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وإنما الشعر عقلُ المرءِ يعرضهُ ... على البريةِ إن كيْساً وإن حمقا
وإنَّ أشعر بيتٍ أنت قائُلهُ ... بيتٌ يقال إذا أنشدته: صَدَقا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"أشعرُ شعرائكم زهير، فإنه لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال".
وقال عمر بن عبد العزيز، لما دخل عليه جرير ليهنئه بالخلافة: "اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً".
ويدخل في قبيل بلاغة الكلام: المجاز العقلي واللغوي، مفرداً أو مركباً، والتشبيه والاستعارة والكناية والتعريض، ومستتبعات التراكيب،
__________
(1) رواية "نفحات الأزهار"، مبحث: التهذيب والتأديب: وما أنا بشاعر.
(7/ 1/73)

وهي الوجوه التي يحسن بالمتكلم أن يراعيها عند الكلام، كما يستعمل في المتحدث عنه الموصول لدلالة الصلة على مدحه أو ذمه، ووجود هذه المعاني في الكلام هو الذي به ارتفاع شأنه، ولا يخرج به عن دائرة الصدق، وقد سلك القرآن والحديث بذلك مسلكاً بديعاً.
وهذا الشعر الوعر طرريقه، الصعب مركبه. وأشار إليه من يقول:
الشعر صعبٌ وطويلٌ سلَّمُهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُهْ
زلَّت به إلى الحضيض قدمُه ... يريد أن يُعربَه فيعجِمُه
ومما يعده البلغاء من محاسن البيان: حسن التعليل، وهو أن يذكر المتكلم للأمر علة خيالية غير العلة الحقيقية المعروفة؛ كقول الشاعر في رثاء المصلوب:
ولما ضاق بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ
أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السافياتِ
فإن العلة في قتله مصلوباً هي إرادة الانتقام منه، لا أنهم راعوا أن بطن الأرض لا يضم علاه بعد الوفاة.
وكقول بعضهم مترجماً عن الفارسية:
لو لم تكن نيةُ الجوزاءِ خدمته ... لما رأيت عليها عِقْدَ منتطق
فإن انتطاق الجوزاء ثابت قبل وجود الممدوح.
والقول الفصل الذي يقصد به تقرير الحقائق؛ كالقرآن، والحديث النبوي لا يوجد فيه هذا النوع من حسن التعليل، وإنما البلغاء أجازوه، بل عدّوه من محاسن البديع، فإنه قريب من الاستعارة؛ حيث لا يستعمل إلا إذا كانت
(7/ 1/74)

الحقيقة معروفة عند السامعين. والذي لا يجوز باتفاق الأدباء: الكذب المحض؛ كقول أبي نواس:
وأخفتَ أهلَ الشِّرْكِ حتى إنه ... لتخافك النطفُ التي لم تُخلقِ
ويقال: إن العتبي قال لأبي نواس: "ألا تخاف الله فتقول: وأخفت أهل الشرك؟ " إلى آخره. فقال أبو نواس: وأنت تقول:
ولم تزل دائماً تسعى بلطفك بي ... حتى اختلست حياتي من يَدَيْ أجلي
فقال له: إنك تعلم أن هذا غير ذاك. والواقع أنهما يتحدان في الكذب.
ويرتفع شعر الشاعر في مراتب البلاغة إذا كانت فطرة الشاعر سليمة، وعاشر شاعراً قديراً؛ كالحطيئة، وأبي تمام، وبشار بن برد. واطلاع الإنسان على دواوين الشعراء يقوم مقام هذه الوسيلة، واطِّلاعه على ما يجري في عصره من معاني الحضارة.
قيل لابن الرومي: لم لا تشبِّه كتشابيه ابن المعتز، وأنت أشعر منه؟. وذكروا له بعض تشابيه ابن المعتز، فقال: ذلك يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن خليفة. فانظروا إذا وصفت ما أعرفه أين يقع من الناس!!
وأن يعرف أدب لغة أخرى؛ فقد يكون فيها من التخييل والمعاني الغريبة ما لا يكون في اللغة العربية، وقد قدمنا قول الشاعر:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
مترجماً من الفارسية.
وحدثني صديق لي: أن أحد التونسيين الذين لهم ولوع بالأدب العربي والأدب الفرنسي قال: وجدت في الأدب الفرنسي بيتاً من الشعر لم أجد معناه
(7/ 1/75)

في الأدب العربي. ومعنى البيت الفرنسي:
أنه رآها تكسر الجوز بأسنانها. فقال الشاعر الفرنسي: ما رأيت خشباً يكسر بالدرر إلا اليوم. فقلت له: يقرب من هذا قول الحريري:
ولاح ليلٌ على صبحٍ أقلهما ... غصن وضرَّستِ البلّور بالدررِ
وترجم إلى اللغة العربية من اللغة الفارسية معان متعددة؛ كقول الشاعر:
قالوا إذا جَمَلٌ حانت منيتُه ... يطوف (1) بالبئر حتى يهلك الجملُ
وذكر الشهاب الخفاجي في "طراز المجالس " أبياتاً نقلها من ديوان الطغرائي، ثم قال: هذا نظم لما في بعض الكتب الفارسية، ومنها: أن بعض الأشجار رأت فأساً ملقاة في الرياض، فقالت: ما تفعل هذه هنا؟ فأجاب بعضها: بأنها لا تضر إلا إذا دخل فيها عود منا.
وهذا المثل ينطبق على حالنا مع المستعمر، فإنه لا يصل إلى أغراضه إلا بافراد لنا منا؛ كما دلت عليه المشاهدات.

* إدراك الشعراء لبراعة الشعر:
ومن دلائل براعة الشعر: تداول الرواة له، وتناقل ألسنة أهل الفضل إياه.
ومنها: قصد الشعراء له بالمعارضة والتشطير؛ كما عارض الأصم السّراي أبي تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجدِ واللعبِ
بقصيدة يمدح فيها عبد المؤمن بن علي يقول في طالعها:
__________
(1) في "طراز المجالس": أطاف.
(7/ 1/76)

ما للعدا جُنَّةٌ أوقى من الهربِ ... أينَ المفرُّ وخيلُ اللهِ في الطلبِ
كما عارض نجم الدين يونس بن محمد المصري قصيدة الحصري القيرواني التي يقول في مطلعها:
يا ليلُ الصبُّ متى غدُهُ ... أقيامُ الساعة موعده؟
بقصيدته التي يقول في طالعها:
قد ملَّ مريضَكَ عُوّدُه ... ورثى لأسيرِكَ حسَّدُه
وعارضها الشاعر شوقي بقصيدة يقول في مطلعها:
مُضناك جفاه مرقدُه ... وبكاه ورحَّم عُوّدُهُ
وكما صدر الشيخ قبادو التونسي وشطر القصيدة التي مطلعها:
أفاطمُ لو شهدتِ ببطن خَبْتٍ ... وقد لاقى الهزبرُ أخاك بِشْرا
وهو الذي فتح باب الشعر العصري في تونس إذ يقول في بعض قصائده:
ومن لم يجس خبر أوربا وملكها ... ولم يتغلغل في المصانعِ فهمُه
فذلك في كنِّ البلاهةِ داجنٌ ... وفي مضجعِ العاداتِ يلهيه حُلْمُه
واقترح المنصور بن أبي عامر على شاعره أحمد بن دراج أن يعارض قصيدة أبي نواس التي يقول فيها: "أجارة بيتينا أبوك غيور" إلخ. فعارضها بقصيدة يقول فيها:
أَلمْ تعلمي أن الثواءَ هو الثوى ... وأن بيوتَ العاجزين قبورُ
وقال فيها يصف ابنه الصغير عند رحيله:
تناشدني عهدَ المودة والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداءِ صغير
(7/ 1/77)

عَييٌّ بمرجوعِ الخطابِ ولحظُهُ ... بموقع أهواء النفوسِ خبيرُ
ومما يدل على براعة الشعر: تعدد من يدعيه؛ بأن يقول شاعر القصيدة، فينسبها بعض الأدباء لنفسه؛ لينال فخر نظمه لها، وقد ذم ابن الرومي بعض من يأخذ شعر غيره، وينسبه إلى نفسه.
وتشكى السريُّ الرفّاء بأديبين في قصيدة بعث بها إلى المفضل الضبي.
ومما يدل على بلاغة الشعر: اتخاذه مثلاً يضرب لمن حصل له معناه؛ كقول عبد العزيز بن نباتة السعدي:
ومن لم يمتْ بالسيفِ مات بغيره ... تعددت الأسبابُ والموتُ واحدُ
أو من حصل له ما يماثل معناه؛ كقول المتنبي:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابةَ إلا من يعانيها
وقول أبي نواس:
لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوْتُ المرَّ مِنْ ثمره
وهذا مثل يضربه من ناله مكروه من رجل يجرعه غصص الأذية مرة بعد أخرى.
ومن طرق التنبه على براعة الشعر: قول الأدباء: من كمال الظرف في الإنسان: أن يحفظ قصيدة فلان، أو شعر فلان، كما قال الأدباء: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان قصيدة ابن زريق التي يقول في طالعها:
لا تعذليه فإن العذْلَ يولِعُهُ ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
إلى أن يقول:
أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته ... كذاك من لا يسوس الملك يخلعه
(7/ 1/78)

وقال أدباء الأندلس: من كمال الظرف: أن يحفظ الإنسان شعر ابن زيدون.
ومن هذا القبيل: قصيدة أبي القاسم عامر بن هشام التي يسميها أهل الأندلس: "كنز الأدب"، والقصيدة يذكر فيها متنزهات قرطبة، وفيها حكم بليغة. يقول في طالعها:
يا هبة باكرت من نحو دارينِ ... وافت إليّ على بُعد تحييني
إلى أن يقول:
وأنكدُ الناس عيشاً من تكون له ... نَفْسُ الملوك وحالاتُ المساكين

* العلماء والشعر:
وتبرأ بعض العلماء من الشعر، ورأى أنه يزري بالعلماء، فقال:
ولولا الشعرُ بالعلماء يُزري ... لكنت اليومَ أَشعرَ من لَبيدِ
ولكن الشعر في ذاته لا يزري بالعلماء، بل هو فن من فنون أدب اللغة، فمن تعلق به، فقد ضم إلى أدبه أدباً. والشعر الذي يزري بالعلماء هو الشعر الذي يُقبل عليه الجاهلون، ويدعوهم إلى ما فيه خيبة وخسر، والذي يتيه بصاحبه في كل ناحية من الباطل، ومن يقول صاحبه مالا يصدر منه. وهو المشار إليه بقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء 224 - 226].
فمن الشعراء من يقول غير الحق؛ كقول بعضهم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
وقول الآخر:
(7/ 1/79)

ومن لا يَظْلِم الناسَ يُظْلَمِ
وحتى بلغ ابن الرومي أن مدحَ الحقد، فقال:
وما الحقدُ إلا توأمُ الشكرِ في الفتى ... وبعضُ المزايا (1) ينتسبن إلى بعضِ
فحيث ترى حقداً على ذي إساءة فثمَّ ... ترى شكراً على واسع (2) القرض
فالحقد عند علماء الأخلاق خلق ذميم، وإنما يجوز للإنسان أن يمسك الإساءة في قلبه بقدر ما تستقيم به السيرة، أو تعتدل به السياسة. ولعل هذا هو مراد ابن الرومي بالحقد.
وفي الشعر خصلة أخرى تزري بالعلماء؛ أعني: اكتساب الرزق به، وهو قادر على الاكتساب بغيره من الحرف اللائقة، وهجاء من لا يجازيهم على مدحهم، حتى قال ابن الجزّار:
كان فضلي على الكلاب ومذ صر ... ت أديباً رجوتُ فضلَ الكلابِ
فمراده من الكلاب في الشطرة الثانية: اللؤماء من الناس.
ومن العلماء من يجمع بين العلم والأدب؛ كالقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي الذي قال فيه أبو العلاء المعري:
والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملكَ الضليِّلَ إن شعرا
ومن شعر القاضي عبد الوهاب قوله:
__________
(1) رواية الديوان: السجايا.
(2) رواية الديوان: حسن.
(7/ 1/80)

متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحارُ من الركايا (1)
ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ... وقد جلس الأكابرُ في الزوايا
وكالقاضي أحمد بن عمر الأرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو يقول:
اقرنْ برأيك رأيَ غيرِك واستشرْ ... فالحقُّ لا يخفى على الإثنينِ
المرءُ مراَةٌ تُريه وجَهه ... ويرى قفاه بجمع مِرْآتين
ومثل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني؛ فقد كان فقيهاً أديباً، وهو القائل:
يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
يقولون: هذامورد. قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وقد يولع العالم الكبير بالشعر البارع؛ كما فعل تقي الدين بن دقيق العيد عالم الإسكندرية لمّا بلغته قصيدة ابن خميس الشاعر التلمساني الذي يقول في طالعها:
عجباً لها أيذوق طعمَ وصالِها ... من ليس يأملُ أن يمرَّ ببالها
فقام لها، وجعل يكررها المرة بعد الأخرى، ووضعها بمكان قريب منه إعجاباً بها.
وهؤلاء ينظرون إلى قول علي بن الجهم:
وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكنَّ أشعاري يسيِّرها ذكري
وكثير من فحول الشعراء يفتتحون قصائدهم في المديح بالغزل؛ لتنبسط
__________
(1) الركايا: مفردها الرَّكِيَّة، وهي البئر ذات الماء. "المعجم المدرسي".
(7/ 1/81)

نفس الممدوح أولاً، وتقبل على سماع المديح بارتياح. وقد أشار أبو الطيب المتنبي إلى هذه العادة بقوله:
إذاكان مدحٌ فالنسيبُ المقدَّمُ ... أكلُّ فصيح قال شعراً متيَّمُ؟
لَحُبُّ ابن عبدالله أولى فإنه به ... يبدأ الذكر الجميل ويختم
وأنكر عليهم تطويل الغزل في قصائد المديح عمرو بن العلاء، فقال: "يا معشر الشعراء! عجباً لكم! إن أحدكم يأتينا فيمدحنا بقصيدة يتنسب فيها، ولا يبلغنا حتى تذهب لذاذة مرحه، ورونق مدحه".
ومن كبار الأدباء من ينتقل من الغزل إلى المديح، ولا يراعي مناسبة خاصة. ومنهم من يراعي مناسبة خاصة بين الغزل والمديح، ويسميه علماء البديع: حسن التخلص؛ كقول أبي تمام:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
وقد أقبل المحدَثون على حسن التخلص، فأتوا بتخلصات بديعة، ومعان مبتكرة، وكتبُ الأدب حافلة بذلك، منها: قول القاضي الشيخ ابن عاشور يمدح الصادق صاحب تونس، أذكر منها:
..................... ولاح لها من كاذب الفجر ما يبدو
فقلت لها: مهلاً، وبالصادق ابشري ... فقالت: أجل. إن الأمير هو القصدُ
والذي يدرك الشعر البارع: الأدباء؛ لأنهم يمارسون الأدب، ويعرفون التخيل الجيد، والمعاني الغريبة، وارتباط بعضها ببعض، ويصحبون من قضى زمناً مديداً في نظم الشعر، فقد كان الشاعر كثير راوية جميل، وكان جميل راوية هدبة، وكان هدبة راوية الحطيئة، وكان الحطيئة راوية زهير وابنه كعب،
(7/ 1/82)

وكان ابن العميل راوية الشاعر مسلم بن الوليد، والبحتري تعلم الشعر من أبي تمام، ومهار الديلمي أخذ عن الشريف الرضي، وكان خلف الأحمر من الكوفيين يضع على ألسنة الشعراء شعراً، وكل شعر يشبه شعر الذي يضعه على لسانه، وكان حماد الراوية يعرف شعر القدماء والمحدَثين، وقال: لا ينشدني أحد شعراً قديماً أو حديثاً إلا ميزت بينهما.
روي أن الخليفة المهدي عقد مجلساً عاماً، وكان بالحضرة بشار بن برد، فدخل أبو العتاهية، وهنأ المهدي بالخلافة بقصيدته التي يقول فيها:
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولولم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فالتفت بشار إلى شاعر بجانبه، وقال له: هل طار الخليفة من فراشه؟ يعني: طرب للأبيات.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: اتفقت مع عباس بن الأحنف على أنه إذا سمع شعراً بليغاً، أطرفني به، وأنا أفعل ذلك. فجاءني يوماً، وأنشد أبيات ابن الدمينة التي يقول فيها:
أإنْ هتفت ورقاءُ في رونقِ الضحى ... على فَنَنٍ غضِّ النباتِ من الرندِ
وقد ترنح طرباً من حسنها.
وكان بعض الأدباء كثيراً ما يعجب بقول شوقي:
وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرجة يُدَقُّ

* براعة الشعر عند الخلفاء:
وقد يدرك الخلفاء والملوك والوزراء براعة الشعر؛ لكثرة من ورد عليهم
(7/ 1/83)

من الشعراء، فيعرفون من يأتي بالمعنى الغريب، ومن يتخيل التخيل الرائع.
ويروى: أن الرشيد قال ليزيد بن مزيد: أتعرف من يقول فيك:
تراه في الأمن في درعٍ مضاعفة ... لا يأمن الدهرَ أن يأتي على عجلِ
قال: لا يا أمير المؤمنين، لا أعرف قائله.
فقال الرشيد: قد بلغ هذا الشعر أمير المؤمنين، فرواه وأجازه، وأنت لا تعرف قائله؟! وقائله هو مسلم بن الوليد.
وقد يكون الخليفة أو الملك أو الوزير هو الذي يدرك بلاغة القصيدة؛ لكثرة ورود الشعراء لمجلسه، وتقريبه لهم؛ لنشر مفاخره ومآثره بين الناس، وإن لم يكن الشعر في مدحه.
روي: أن هشام بن عبد الملك قال لأهله وولده: ليقل كل واحد منكم أحسن ما سمع من شعر، فواحد يذكر شعر امرئ القيس، وآخر يذكر شعر الأعشى، وآخر يذكر شعر طرفة، وأكثروا حتى أتوا على محاسنهم.
فقال لهم: أشعرهم - والله - الذي يقول:
وذي رحم قلَّمت أظفارَ ضِغنه ... بحلميَ عنه وهو ليس له حلمُ
وذكر الأبيات، وهي لمعن بن أوس المزني، وأعجب بها؛ لسلاسة لفظها، ودلالتها على خلق قلما نجد من يتصف به.
ويقال: إن الرشيد قال لمروان بن أبي حفصة: أنشدني مرثيتك في معن ابن زائدة، فأنشده إياها، فتأثر الرشيد وأجازه.
وكذلك يروى: أن الوزير جعفر البرمكي قال لمروان بن أبي حفصة: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده إياها، فتأثر من نظمها البليغ,
(7/ 1/84)

وأجازه عن مرثية قيلت في معن بن زائدة.
وقتل عضد الدولة الوزير ابن بقية مصلوباً، ورثاه ابن الأنباري بقصيدته التي يقول في طالعها:
علوٌ في الحياة وفي المماتِ ... لحقٌ أنت إحدى المعجزات
وهرب من وجه عضد الدولة، ولما انتهت القصيدة إلى عضد الدولة، أمَّن الشاعرَ، وتمنى أن يكون هو المصلوب دون ابن بقية، وقيلت فيه هذه القصيدة.
ولما أنشد ابن الأنباري هذه القصيدة بمجلس الصاحب بن عباد، ووصل إلى قوله:
فلم أر قبلَ جذعك قبلُ جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
قام الصاحب بن عباد، وقبَّله؛ لشدة إعجابه بالبيت.
وكان سيف الدولة يعجب من قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وينشده كثيراً. وهذا ما دعا أبا علي الفارسي أن يذكر البيت في كتاب "الإيضاح "، مع أنه ليس من عادته الاستشهاد بمثل قول أبي تمام السابق. وإعجاب الخلفاء والملوك والوجهاء بالقصائد التي يمدحون بها قد يكون من بلاغة الشعر، ويزيدهم طرباً أن يكون في ذكر مفاخرهم؛ كما ذكر أن مروان بن أبي حفصة أنشد بين يدي المهدي قصيدته التي يقول في طالعها:
طرقتك زائرةٌ فحيِّ خيالَها ... حسناء تخلط بالجمال دلالها
فأنصت له المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً منها، حتى صار
(7/ 1/85)

على البساط؛ إعجاباً بما سمع.
ودخل أبو الفضل محمد بن شرف على المعتصم بالأندلس، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها:
مطل الليلُ بوعد الفلق ... وتشكّى النجمُ طول الأرقِ
هربت ريح الصبا مسك الدجا ... فاستفاد الروض طيب العبق
فطرب المعتصم للقصيدة، وقضى له كل مطالبه، وهو (أي: أبو الفضل) صاحب القصيدة التي يقول فيها:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... غير الذي في عيون الغيد من حور
ودخل ابن جناح على المعتضد بن عباد في اليوم الذي أعده للشعراء، وكان الشعراء لا يعرفونه، ويظنونه لا يجيد الشعر، فاتفقوا على تقديمه، فأنشده قصيدته الفائقة التي يقول في مطلعها:
قطَّعتَ يا يوم النوى أكبادي ... ونفيتَ عن عيني لذيذَ رقادي
فلما انتهى منها، قال له: قد وليتك رياسة الشعراء، ولم يسمع من غيره في ذلك اليوم. وهذه القصيدة يقول فيها:
إن القريضَ لكاسدٌ في أرضنا ... وله هنا سوقٌ بغيركساد
ودخل إبراهيم بن هرمة على المنصور، وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظاتٌ في خفايا سريرِه ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فرفع الحجاب له وأقبل عليه.
وروي: أن عبد المؤمن بن علي مدحه أبو العباس التيفاشي بقصيدته التي قال في أولها:
(7/ 1/86)

ما هزَّ عطفيه بين البيضِ والأَسَلِ ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بنِ علي
فأشار عليه أن يقتصر على هذا البيت؛ لأنه يغني عن بقية القصيدة.
ومدح عبد الرحمن الفنداقي الخليفة إدريس بن يحى بقصيدته التي يقول فيها:
أَلِبَرْقٍ لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء المعين؟
ويقول:
ومصابيحُ الدجى قد طفئت ... في بقايامن سواد الليل جون
وكأن الطلَّ مسكٌ في الدجى ... وكأن الطل درٌّ في الغصون
والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسكبتهن العيون
فرفع الخليفة الحجاب بينهما من شدة طربه بالقصيدة.
وقد يتفق الأدباء في فهم بلاغة البيت، ولكن ينظر كل واحد منهم إلى ناحية من المعنى، فيجعلها بالوجه الذي كان به البيت بليغاً؛ كما روي أن الشاعر أبا الحسن البقال سمع قصيدة إبراهيم الصولي، فاستحسنها، ولما وصل إلى قوله فيها:
رأى خلَّتي من حيث يخفى مكانهُا ... فكانت قذى عينيه حتى تجلَّتِ
كرره استحساناً له. وكان بمرأى منه أبو الفرج الحسين الأصفهاني صاحب كتاب "الأغاني "، فأرسل إليه يقول له: أسرفت في استحسان هذا البيت، فأين موقع الصنعة فيه؟ فقال: قوله: "فكانت قذى عينيه حتى تجلت "، فقال صاحب "الأغاني " للرسول: قل له أخطأت، فالصنعة في قوله: "من حيث يخفى مكانها".
(7/ 1/87)

وقال ياقوت في "معجم الأدباء": وقد أصاب كل واحد منهما؛ فإن الموضعين غاية في الحسن، وإنما كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن.
والحق أن الصنعة فيه تأسست بقوله: "رأى خلتي من حيث يخفى مكانها"، ولكن المعنى الحسن لم يتم إلا بقوله: "فكانت قذى عينيه".
ونظيره قول ابن هرمة في مدح المنصور:
له لحظاتٌ في خفايا سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فقد تأسست الصنعة بقوله: "له لحظات في خفايا سريره"، وتم المعنى المطرب بقوله: "إذا كرها فيها عقاب ونائل "، ولولا هذه التكملة، لكانت الصنعة ناقصة.
فالشعر الجيد له يد في الدعوة إلى سبيل الحق، والأخلاق الفاضلة؛ كشعر حسان بن ثابت في صدر الإسلام ومن بعده، وإلى هذا يشير أبو تمام بقوله:
ولولا خلالٌ سنَّها الشعر ما درى ... بغاةُ العلا (1) من أين تؤتى المكارمُ

* آثار الشعر:
وقد يقرب الأديب منزلة من الخليفة أو الملك أو الوزير، فيضعه في منصب عال، أو يمنحه أموالاً طائلة، وقد ينجو الأديب من عقوبة من يقدر على عقوبته؛ كما نجا ابن الأنباري ببلاغة قصيدته: "علوٌّ في الحياة وفي الممات " من عقوبة عضد الدولة.
وقد يرغب الأديب في القيام بطاعة لم تكن في باله.
__________
(1) في ديوانه: الندى.
(7/ 1/88)

قال ابن جريج: كنت في اليمن، وليس في بالي أن أؤدي فريضة الحج في هذه السنة حتى خطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي له في غير مَعْتَبَةٍ: ... ماذا أردتَ بطول المكث في اليمنِ؟
إن كنتَ حاولت دنيا أو نعمتَ بها ... فهل أخذتَ بترك الحجِّ من ثمنِ؟
ولا سبب للحج إلا هذان البيتان اللذان خطرا ببالي.
ومن بلاغة الشاعر في المديح: أن يذكر كلمة أو جملة يخفي وجة زيادتها على الممدوح ويعدها تقصيراً في الممدوح، حتى يذكر الشاعر وجه زيادتها؛ كالقصيدة التي مدح فيها عبدالله بن إبراهيم المعتمد بن عباد إذ يقول فيها:
ولا سقاهم على ما كان من عطشٍ ... إلا ببعض ندى كفِّ ابن عبّاد
فقال ابن عباد: "لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكل ما في كفي؟ "، فقال: إذاً يلحقني من التبعة مالحق الذي قال: "ولا زال منهلاً بجرعائك القطر"، وكان طوفان نوح أهونَ عليهم من ذلك.
وقد احترس الشاعر من مثل هذا بقوله:
فسقى ديارَك غيرَ مفسدِها ... صوبُ الغمام وديمةٌ تَهمي
(7/ 1/89)

أثر الشعر في التّرويح على النّفس وإثارة العواطف الشّريفة (1)
ترتاح النفوس لسماع الشعر أكثرَ مما ترتاح لسماع النثر المساوي له في مرتبة البلاغة، ذلك أن الشعر يمتاز بالوزن والقافية، ولورود الألفاظ في جمل موزونة، ومنتهية بقافية، وقعٌ تلذه النفس، زائدٌ على ما تلذّ من موقع الفصاحة والبراعة.
ثم إن الشاعر يطلق لخياله العنان، فيؤلف من المعاني التي يقع عليها الخيال صوراً شائقة ليس من عادة البلغاء إيراد أمثالها في منثور الكلام.
ويضاف إلى هذا: أن للبلغاء أساليب في الشعر غير أساليب الكلام المنثور، أساليب يستدعيها رعاية الوزن والقافية، أو يستدعيها إرسال الخيال في أودية لا يحوم بها خيال الكاتب أو الخطيب.
وهذا الذي امتاز به الشعر؛ من الوزن والقافية، والأساليب الغريبة، وصور المعاني الطريفة، جعله يفعل في النفوس مالا يفعله المنثور من القول، وجعله يخرج النفوس من الهمود إلى انتباه، ومن الانقباض إلى ارتياح، ومن النفور إلى إقبال، بل زعم بعضهم: أن من الشعر البليغ ما ينسي الوطن والأهل.
__________
(1) محاضرة الإمام في الإذاعة بالقاهرة يوم الثلاثاء 11 شعبان 1355 ه، ونشرت في الجزء الثالث من المجلد التاسع - مجلة "الهداية الإسلامية ".
(7/ 1/90)

أورد أبو علي القالي قصيدة، وحكى: أن بعض أهل العلم سمعها وهو في دار غربة، فقال: أنستني أهلي، وهان عليّ طول الغربة، ومن أبيات هذه القصيدة:
فإن تكن الأيامُ فينا تبدَّلتْ ... ببؤسٍ ونُعْمى والحوادثُ تفعلُ
فما ليَّنتْ مني قناةً صَليبةً ... ولا ذللتنا للذي ليس يجملُ
ولكن رحلناها نفوساً كريمة ... تُحمَّل ما لا يُستطاعُ فتَحْمِلُ
ترتاح النفوس للشعر على حسب موافقته لأهوائها، أو طبائعها، أو جهات سيرها في الحياة، فالكاتب - مثلاً - يرتاح لقول الشاعر:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهنَّدا
أكثرمما يرتاح له البطل الذي لا يعرف الكتابة، وإنما يعرف كيف يضرب بالمهند في ميادين الحروب.
والبطل الهمام يهتز لمثل قول ابن عمار:
السيفُ أصدقُ من زيادٍ خُطبةً ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا
بأشد مما يهتز له الخطيب الذي لم تقع يده على رمح أو حسام.
ويغلب في الظن: أن عبدالله بن عبد العزيز العمري لم يكن حريصاً على رفاهية العيش حرصَ من يتقطع قلبه لفواتها، ذلك لأنه أعجب بشعر يمجد القناعة، ويجعل الرفاهية في جانبها أمراً لا يؤسف لفقده، حيث قال: أشعر الناس أبو العتاهية يقول:
ما ضرّ من جعل الترابَ مهادَه ... أن لا ينامَ على الحريرِ إذا قنع
ولو أنشد منشد قول دعبل:
(7/ 1/91)

ولست بذي وجهين فيمن عرفته ... ولا البخلُ فاعلم من سمائي ولا أرضي
لم يطرب له أشد الطرب إلا شخص لا يمسك يده عن الإنفاق في سبيل الخير، ولا يعرف للنفاق عيناً ولا أثراً.
قد يبتهج الرجل للشعر من جهة أنه يحمل مدحاً وإطراء له أو لبعض من يحبهم ويحبونه، وأوضح ما يدلك على أن ارتياح الرجل للشعر إنما نشأ من براعة الشعر نفسه: أن ترى الرجل معجباً بشعر مُدح به بعض خصومه، أو معجباً بشعر تضمن إنكار عمل صدر منه.
تقرأ في كتب الأدب: أن عضد الدولة قتل أبا طاهر محمد بن بقية صلباً، فرثاه أبو الحسن الأبياري بقصيدته التي يقول في أولها:
علوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... لحقٌّ تلك إحدى المعجزات
وكتبها، ورماها في شوارع بغداد، ولما وصلت إلى عضد الدولة، أعجب بها، وتمنى أن يكون هو المصلوب والمرثي بهذه القصيدة.
ومن دلائل ارتياح الرجل للشعر من حيث إنه جيد الصنعة: أن يسمع شعراً يمدح به غيره ممن لا يربطه به صلة قرابة أو صداقة، فيجيز الشاعر عن شعره هذا بمال كثير.
أنشد ابن حفصة في مجلس جعفر البرمكي قصيدته التي رثى بها معن ابن زائدة، فرقَّ جعفر لسماعها، وأمر له بجائزة سنية، ومما يقول ابن أبي حفصة في هذه القصيدة:
مضى لسبيله معنٌ وأبقى ... مكارمَ لن تبيدَ ولن تنالا
كأن الشمسَ يومَ أصيب معنٌ ... من الإظلام ملبسَةٌ جلالا
(7/ 1/92)

فإن يعلُ البلادَ له خشوعٌ ... فقد كانت تطول به اختيالا
ومن هذا القبيل: أن يشهد الشاعر ببراعة شعر بعض معاصريه؛ فان التنافس الذي يقع بين الشعراء يبلغ أن يصد الشاعر عن أن يشهد لشاعر يعاصره بالإبداع؛ إلا أن يكون الشعر قد أخذ بمجامع قلبه، وكان فيه شيء من خلق الإنصاف.
أنشد أبو العتاهية بين يدي المهدي قصيدته التي هنأه فيها بالخلافة، وكان بشار حاضراً، فلما وصل أبو العتاهية إلى قوله:
أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تكُ تصلُح إلاله ... ولم يك يصلح إلالها
وإن الخليفة من يغض لا ... إليه ليبغض من قالها
تملك بشاراً الطرب، وقال لمن بجانبه: أترى الخليفة لم يطر من فراشه طرباً لما يأتي به هذا الكوفي!.
وأعجب الشاعر أبو العميثل ببيتين لأبي تمام من قصيدة يمدح بها عبدالله ابن طاهر، وهما:
يقول في قومس قومي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود
حتى إن أبا العميثل لما أراد استعطاف عبدالله بن طاهر على أبي تمام، ذكر له البيتين، فبالغ عبدالله في إكرام أبي تمام.
وسمع الفرزدق أبياتاً لعمر بن أبي ربيعة في النسيب، فصاح قائلاً: هذا - والله - الذي أرادته الشعراء، فأخطأته، وبكت الديار.
(7/ 1/93)

تُسيغ النفس الشعر، فتأخذها هزة الارتياح، ولا تتمالك أن تعبر بقول، أو تفعل ما يدل على إعجابها به؛ أنشد أبو تمام أبا دلف قصيدته التي رثى بها محمد بن حميد، فقال أبو دلف: لم يمت من رُثي بمثل هذا الشعر، ومن عيون هذه القصيدة:
كأن بني نبهانَ يوم مُصابه ... نجومُ سماء خرَّ من بينها البدرُ
وأنشد ابن الأعرابي أبيات أبي العتاهية التي يقول فيها:
واصبر على غِيَرِ الزمان فإنما ... فرجُ الشدائد مثلُ حَلِّ عِقال
ثم قال لجليسه: هل تعرف أحداً يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟
وسمع الأصمعي أبيات نصيب التي يقول فيها:
ولا خير في ودِّ امرئ متكارهٍ ... عليك ولا في صاحبٍ لا توافقُهْ
إذا المرءُلم يبذل من الود مثلما ... بذلتُ له فاعلم بأني مفارقُهْ
فقال: قاتل الله نصيباً ما أشعره!.
واقترح الملك العادل على الشاعر ابن ظافر نظم قصيدة في المجلس، يرسلها جواباً عن قصيدة بعث بها الملك المعظم بالشام، فارتجل ابن ظافر قصيدة قال صاحب "نفح الطيب": صفقت لها أيدي الحاضرين إعجاباً ببلاغتها، ومما يقول في هذه القصيدة:
يكفي الأعادي حَرُّ بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الوليّ نداكا
ويقول على لسان الملك العادل:
مكثي جهادٌ للعدو لأنني ... أغزوه بالرأي السديد دراكا
وأعجب الرشيد بقول الشاعر في مدح القائد يزيد بن مزيد:
(7/ 1/94)

تراه في الأمن في درع مضاعفةٍ ... لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عجل
فروى الرشيد البيت، ووصل قائله بجائزة، ويزيد بن مزيد لا يشعر بما فعل الرشيد.
ووفد جعفر بن محمد بن شرف على المعتصم بن صُمادح، وأنشده قصيدة شكا فيها اعتداء بعض العمال على مزرعة له باحدى القرى، فلما وصل في إنشاد القصيدة إلى قوله:
لم يبق للجور في أيامهم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حور
قال له المعتصم: كم في القرية التي تزرع فيها من بيت؟ قال: خمسون بيتأ، قال: أنا أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد.
والواقع أن هذا البيت من أبرع ما تصنعه قرائح الشعراء، والخمسون بيتاً قروياً قيمة له غير مبال في تقديرها، ولو وصلنا إلى مافي نفولس الشعراء لذلك الحين، لوجدنا الذين اغتبطوا الشاعر على هذا البيت المصنوع من درر الألفاظ أكثر ممن اغتبطوه على تلك البيوت المصنوعة من الطين والحجارة. وسمع ابن جني قول المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
فقال: لو لم يقل المتنبي غير هذا البيت، لتقدم به أكثر المحدثين.
وأنشد محمد بن كناسة إسحاق بن إبراهيم بيتين من الشعر، فقال إسحاق: وددت - والله - لو أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك. والبيتان هما:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفا والكرم
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غيرَ محتشم
(7/ 1/95)

ودخل جماعة من الشعراء على المنصور، فأنشدوه قصائدهم من وراء حجاب، ودخل الشاعر المعروف بابن هرمة في آخرهم، وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظات في خفايا سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فقال: يا غلام! ارفع الحجاب، وفضله عليهم في الجائزة.
كنت لقيت المرحوم محمد فريد في "برلين"، فقال لي: إني اشتقت إلى قراءة كتاب عربي، فهل عندك من كتاب تعيرني إياه؟ فبعثت إليه بكتاب "الوساطة بين المتنيي وخصومه" للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، ولقيته بعد حين، فقال لي: لم أعجب من الكتاب إلا بأبيات للمؤلف وردت في صدر الكتاب، ومن شدة إعجابي بها نقلتها في مذكرة. يريد: الأبيات التي يقول فيها صاحب "الوساطة":
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سُلَّما
أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذن فاتباعُ الجهل قد كان أحزما
ومن مظاهر الإعجاب بالشعر: أن يأخذ الرجل عقب سماعه في ترديد البيت أو الشطر الذي كان إعجابه به أشد، سمع دعبل قول أبي تمام:
وأنجدتم من بعد إتهام أرضكم ... فيا دمعُ أنجدني على ساكني نجد
فقال: أحسن والله، وأخذ يردد قوله: "فيا دمع أنجدني على ساكني نجد".
ومن الطرق التي يدلون بها على إعجابهم بالشعر: أن يذكر لك الأديب شاعراً، ويقول لك: وهو الذي يقول كذا.
(7/ 1/96)

ذكر الجاحظ عتبان بن أصيلة الشيباني في كتاب "البيان"، وقال: وهو الذي يقول:
ولا صلحَ ما دامت منابرُ أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيبُ
وقد يحتاج الشاعر إلى أن يدل على سمو مكانته في الشعر قوماً يجهلونها، فيقصد إلى أحسن ما يحضره من شعره، ويقول: أنا القائل كذا.
دخل أبو محمد جعفر المعروف بعنق الفضة مجلساً فيه ابن خفاجة، فقال له ابن خفاجة: ليت شعري من تكون؟ قال: أنا القائل:
كلما هبَّت شمالٌ منهم ... لعبت بي عن يمين وشمال
فارقت فكرتي أرواحها ... فأتت منهن بالسحر الحلال
فقال ابن خفاجة: من يكون هذا قوله لا ينبغي أن يجهل.
وقد يبلغ الطرب للشعر أن يخرج صاحبه عن عادة أمثاله، فيقول أو يفعل ما لا يلائم الرويَّة والوقار. سمع العباس بن الأحنف قصيدة ابن الدمينة التي يقول في أولها:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجدِ ... فقد زادني مسراكَ وجداً على وجدِ
فحفظها، وجاء بها إلى إبراهيم الموصلي، وبعد أن أنشدها، ترنح وقال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا الشعر؟!.
وأنشد أبو تمام في مجلس الحسن بن رجاء قصيدته اللامية المعروفة، ولما وصل إلى قوله:
لا تنكري عَطَلَ الكريمِ من الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي
وتنظري حيث الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال
(7/ 1/97)

قام الحسن على رجليه، وقال لأبي تمام: والله! لا أتممتها إلا وأنا قائم.
ونقرأ في كتب الأدب: أن مروان بن حفصة دخل على الخليفة المهدي، وأنشده قصيدته التي يقول في أولها:
"طرقتك زائرة فحي خيالها"
فأنصت لها المهدي، ولم يزل يزحف كلما سمع شيئاً حتى صار على البساط؛ إعجاباً بما سمع.
وسمع أبو السائب المخزومي بيتي جرير:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وَشَلاً بعينك لا يزال مَعينا
غَيَّضْنَ من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا
فاشتد لهما طربه، وحلف أن لا يرد على أحد سلاماً، ولا يكلمنه إلا بهذين البيتين، حتى يرجع إلى منزله.
وقد يبلغ الرجل من ابتهاجه للشعر أن يمتنع من سماع شعر بعده في تلك الساعة، أو في ذلك اليوم.
دخل محمد بن العباس بن التيفاشي على عبد المؤمن بن علي، وابتدأ في إنشاد قصيدته اللامية المعروفة، فلما أنشد البيت الأول منها، وهو قوله:
ما هزَّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي
أشار عبد المؤمن إلى الشاعر أن يقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار.
ودخل جماعة من الشعراء على المعتضد بن عباد ليلقوا بين يديه قصائدهم، وكان من بينهم الشاعر المدعو بابن جناح البطليوسي، فتقدم
(7/ 1/98)

وأنشد قصيدته التي يقول في أولها:
قطَّعت يا يومَ النوى أكبادي ... ونفيتَ عن عيني لذيذ رقادي
فلما انتهى من إنشادها، قال المعتضد: اجلس؛ فقد وليتك رياسة الشعراء، ولم يأذن في الكلام لأحد بعده.
ومن شدة إعجاب الرجل بالبيت: اتخاذه له كمثل يضربه عند كل مناسبة؛ كما كان سيف الدولة يكثر من إنشاد قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روضَ الأماني لم يزل مهزولا
وأذكر بهذا: أن الأبيات التي أعجبت بها أشد الإعجاب، أجدني أذكرها - ولو في نفسي - عند كل مناسبة، ومن هذا الطرز قول أبي تمام:
من لم يسسْ ويطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقودَ خميسا
إن الشعر البارع يبهج النفوس بجودة تصوير معانيه، وحسن صياغة ألفاظه، من غير نظر إلى قيمة الغرض الذي يرمي إليه، ومن هنا نرى بعض أهل الجد والورع قد يرتاحون لسماع شعر يعدون معانيه من قبيل اللهو، وهذا عمر بن أبي العلا، قد سئل عن أبدع الناس شعراً، فقال: الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألمْ
روّحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبل من لحم ودم
يعني: بشار بن برد.
وكان عمر بن عبد العزيز يستجيد - وهو أمير المدينة - قصيدة نصيب التي يقول في أولها:
قفا أخويّ إن الدار ليست ... كما كانت بعهد كما تكون
(7/ 1/99)

ولما لقي نصيباً، قال له: أنشدني قولك: "قفا أخوي"؛ فإن شيطانك كان لك فيها ناصحًا حين لقنك إياها.
وإذا كانت النفوس تبتهج لحسن صناعة الشعر، فإن ابتهاجها يجعلها تقبل على ما يعرضه عليها من حكمة، أو يسديه إليها من نصيحة، والشعر إما أن يعطي الحكمة في صراحة؛ كالبيت الذي قال فيه الأصمعي: إنه أبرع بيت قالته العرب، وهو قول أبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتها ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ
والبيت الذي قالوا: إن العرب لم تقل بيتاً أصدق منه، وهو قول الحطيئة:
من يفعل الخيرَ لم يعدمْ جوازيه ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والناسِ
والبيت الذي قيل: إنه أحكم بيت قالته العرب، وهو قول الآخر:
ولربما ابتسم الكريمُ من الأذى ... وفؤادُه من حرّه يتأوه
وإما أن تستفيد منه الحكمة من طريق غير صريح؛ كبعض الشعر الذي يقال في نحو المديح أو الحماسة، فمن الشعر الذي يسمو بالنفس إلى فضيلة الشجاعة وحماية المستجير، وإن ورد في سياق المديح: قول الشاعر:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولووا عمائمهم على الأقمار
إن خوّفوك لقيت كل كريهة ... أو أمّنوك حللت دار قرار
ومن الشعر الذي يطبع النفوس على التعفف والتجمل، وإن جاء في معنى الفخر، أو التحدث بالنعمة: قول مهيار الديلمي:
وأُري العدوَّ على الخصاصة شارةً ... تصف الغنى فيخالُني متمِّولا
(7/ 1/100)

وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرةً ... وأمانياً أفنيتهن توكّلا
للشعر العربي أثر في تهذيب الأخلاق؛ بما يعطيه من الحكمة صراحة أو تلويحًا، وهو -بعد هذا- يثير العواطف الشريفة، فيبعث على نحو العفو والسماحة، وإخلاص الود، والثبات في المواقف المحفوفة بالأخطار.
قال معاوية بن أبي سفيان: "اجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم؛ فلقد رأيتني بصفين أريد الهرب لشدة البلوى، فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة"؛ يعني: التي يقول فيها:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانَكِ تُحمي أو تستريحي
وإذا كان الشعر العربي معدوداً من وسائل الإصلاح، فمن حق أبنائنا علينا أن نلقنهم أشعار بلغائنا، وأن نسلك بطائفة منهم طريقة التمرين على النبوغ في الشعر، ثم نحتفي بهؤلاء النوابغ ما رفعوا شأن الأدب العربي، وأدنوا للناس قطوف الحكمة.
(7/ 1/101)

نموذج من نقد الشعر (1)
لحسن البيان أثر كبير في تهذيب النفوس، وتقويم العقول، وتربية العواطف الشريفة. ومن أنفس فنون البيان: فن الشعر، ولجودة الشعر ورقيَّة في معارج البلاغة أسباب معدودة؛ ومن هذه الأسباب: أخذه بالنقد، ووزنه عندما يعرضه صاحبه بميزان العلوم الأدبية، والذوق السليم. وإذا نظرت إلى العصور أو البلاد التي أدرك فيها الشعر منزلة سامية، رأيت أدباءها كيف كانوا ينقدون ما تصنعه قرائح الشعراء نقد الصيارفة للدرهم أو الدينار، فيجزون كل شعر بما يستحق من قبول وإطراء، أو إنكار وازدراء؛ وأذكر على وجه المثل: العهدَ الذي ظهر فيه أبو تمام والبحتري وأضرابهما؛ فإن وطيس النقد كان يومئذ حاميًا، ومن شواهد هذا: أن عبد الله بن طاهر والي خراسان الذي ألّف له أبو تمام "ديوان الحماسة"، كان لا يجيز شاعرًا إلا أن ينظر في قصيدته أبو العميثل، وأبو سعيد الضرير، ويشهدان لها بالإجادة، بل كنّا نرى كثيراً من الأمراء والخلفاء في أزمنة رقي الشعر ينقدون ما ينشد بحضرتهم من الشعر، فيميزون رديئه من جيده، وستسمعون في هذا النموذج أمثلة من انتقادهم الدال على سلامة الذوق، والإلمام بفنون البيان.
__________
(1) محاضرة ألقيت بجمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة، ونشرت في مجلة "نور الإسلام" العدد التاسع من المجلد الأول - رمضان 1349 ه.
(7/ 1/102)

فنقدُ الشعر من أسباب إبداع الشعر، وإبداعه من وسائل تثقيف الأخلاق، وإيقاظ الهمم، وعرض الحكمة في ثوب فاخر أنيق. وإذا كانت جمعية الهداية الإسلامية قد أنشئت لنصرة الفضيلة، وإعلاء شأن اللغة العربية، فجدير بها أن تعنى بالوسائل التي يبلغ بها الشعر مكانته العليا، وهذا ما بعثني على أن ألقي كلمة أعرض فيها نموذجًا من النواحي التي يلحظها الأدباء عند نقد الشعر، وإذا فاتني شيء منها، فلتفلُّته عن الذاكرة، أو لأنه بقي فيما لا أعلم، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76].

* تمهيد:
نقد الشعر فن من فنون الأدب قديم، تجد له في عهد في الجاهلية وصدر الإِسلام اَثارًا وشواهد كثيرة؛ أما تخصيصه بالتأليف، فإننا نعلم أن عبد الله بن المعتّز المتوفى سنة 296 ه قد ألّف في نقد شعر أبي تمام، ومحمد ابن طباطبا العلوي المتوفى سنة 322 ه ألّف كتاب "عيار الشعر"، وقدامة بن جعفر المتوفى حوالي سنة 330 ه ألف كتاب "نقد الشعر"، وكتابًا ناقش فيه ابن المعتز في نقد شعر أبي تمام؛ وجاء على أثر هؤلاء: محمد بن عمران المرزباني، وألّف في مآخذ العلماء على الشعراء كتابه المسمّى "بالموشح"، فأخرجه للناس كتاباً حافلاً.
وقد أسرف فريق في النقد، حتى عابوا ما ليس في الحقيقة بمعيب؛ ومن هؤلاء: الأصمعي؛ فإنه كان مغرّى بالأخذ على الشعراء، وعاب عليهم أشياء وجهُ الجواب عنها واضح مقبول. ووقف تجاه هؤلاء آخرون يحرصون على أن يكون ما قيل من الشعر بريئًا من العيب، ويتعسفون في دفع ما يرمى به بعض الشعر من خلل في اللفظ أو المعنى؛ وعلى هذين الفريقين يصدق قول أبي العباس
(7/ 1/103)

المبرد: "من طلب عيباً، وجده، ومن طلب مخرجاً، لم يفته".
وممن عني بالدفاع عن الأشعار المعيبة: أبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني التميمي النحوي المتوفى سنة 412 ه، ومن مؤلفاته كتاب "ضرائر الشعر" (1) تكلم فيه عما يجوز للشاعر دون الناثر، وأوشك أن يأتي لكل ما عيب به الشعر من ناحية مخالفة قوانين اللغة، ويجعله من الرخص الشعرية.
والواقع أن في الشعر مآخذ ينظر فيها إلى ما هو أحسن في النظم، وأظهر في الغرض.
ومن هذا: عيب بلال بن بردة لقول ذي الرمة من قصيدة أنشدها بين يديه:
رأيتُ الناسَ ينتجعون غيثاً ... فقلتُ لصيدح انتجعي بلالاً
يقال: إن ذا الرمة لما أنشد بلال بن بردة هذا البيت، قال بلال: يا غلام! مر لصيدح بقتَّ وعلف؛ فإنما هي انتجعتنا؛ ومن الظاهر أن ذا الرمة إنما أراد من انتجاع صيدح -التي هي ناقته- انتجاع نفسه، ومثاله في القرآن قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف: 82]، وإنما المراد: أهل القرية، وأهل العير؛ وإذا ذكر العريى انتجاع الناقة للممدوح، وعنى به انتجاع نفسه، فلأن الراحلة لا تنتجع مكاناً إلا حيث ينتجعه صاحبها، ومثل هذا المجاز لا يخفى على بلال بن بردة، ولكن الأوفق بمقام الاستعطاف وإظهار الحاجة أن ينسب الشاعر الانتجاع لنفسه.
ومن المآخذ: ما يورده صاحبه على غير تثبت، فلا يقع موقع السداد،
__________
(1) توجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(7/ 1/104)

قال ابن عبد ريه: "وأكثر ما أدرك على الشعراء له مجاز وتوجيه حسن، ولكن أصحاب اللغة لا ينصفونهم، وربما غلطوا عليهم، وتأولوا غير معانيهم التي ذهبوا إليها، ومن هذا ما أخذ على الحسن بن هانئ في قوله:
وما لبكر بن وائل عصم ... إلا لحمقائها وكاذبها
وقال الناقد: أراد بحمقائها هبنَّقة القيسي، ولا يقال للرجل حمقاء، وإنما أراد ابن هانئ دغة العجلية، وعجل في بكر، وبدغة هذه يضرب المثل في الحمق".
وفي الشعر مواضع هجنة لا يغني التكلف للجواب عنها شيئاً، ومن هذه المواضع ما لا يكاد يخفي على أحد، ككثير من سقطات أبي تمام، وأبي الطيب المتنبي، ومنها ما لا يدركه إلا الذوق السليم والألمعية الشافعية، ومن شواهد هذا قول المتنبي:
عجباً له حفظ العنان بأنملٍ ... ما حِفْظُها الأشياء من عاداتها
ووجه العيب فيه: أنه يريد أن ينفي عن أنامل الممدوح الحفظ جملة، ويدعي أنه لا يكون منها حفظ البتة، وإضافة الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء" يقتضي إثبات حفظ لها، ووجوده منها؛ وقد ساق عبد القاهر في "دلائل الاعجاز" هذا البيت، وقال: مضى دهر ونحن نقرؤه، فلا ننكر منه شيئاً، ولا يقع لنا فيه أنه أخطأ، ثم بأن بآخره أنه قد أخطأ، وبيّن الخطأ بالوجه المقرر آنفاً.

* وجوه النقد:
يتوجه النقد إلى ناحية اللفظ تارة، وإلى ناحية المعنى تارة أخرى؛ ولكل واحدة من الناحيتين فنون هي ما نقصد إلى الحديث عن شيء من تفاصيلها،
(7/ 1/105)

وعرض نموذج من أمثلتها:

* النقد اللفظي:
الألفاظ بمنزلة الظروف تنقل المعاني من نفس إلى أخرى، فيحسن أن تكون على قدر المعنى الذي قصد إلى نقله، فإن كانت أقل منه، وصل المعنى إلى ذهن المخاطب ناقصاً، وإن كانت أكثر منه، حملت لسانك ما لا حاجة إلى حمله، وألقيت في سمع مخاطبك ما لا طعم له ولا رائحة.
والألفاظ للمعاني بمنزلة الثوب للبدن، ومن الأثواب ما يقي من الحر والبرد، ولكن العين تمجُّه؛ لرداءة مادته، أو ضعف نسجه، أو قبح منظره؛ وكذلك الألفاظ قد تفصّل على قدر المعنى، ولكن الذوق يمجها؛ لتنافر حروفها، أو تجافي كلماتها، أو تخاذل نظمها، أو انحرافها عن هيئة وضعها. ونقدُ اللفظ إما أن يعود إلى المفرد، وإما أن يعود إلى التركيب.
ومما يعود إلى المفرد: استعماله في غير معنى صحيح؛ كما عابوا قول المتنبي:
ومِنْ نكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بُدُّ
فإن الصداقة المحالة وهي إصفاء المودة، والإنسان لا يضطر إلى أن يصادق عدوه، أو يمحض له المودة، وإنما يضطره الحال إلى مداراته، وذلك ما يعنيه الشاعر، ومقتضى هذا المعنى أن يقول: "ما من مداراته بدّ".
ومن عيوب المفرد: مخالفته لقانون الصرف، كما قال أبو عبد الله الحجاج:
خرقت صفوفَهم بأَقَبَّ (1) نهدٍ ... مراح الصوت متعوبِ العنانِ
__________
(1) أقب من القَبَب، وهو دقة الخصر وضمور البطن. والنهد: الفرس الحسن الجميل.
(7/ 1/106)

فإنه يقال: تَعِب ومُتْعَبٌ، ولا يقال: متعوب؛ لأن تعب فعل لازم، فلا يجيء منه متعوب بمعنى متعب.
ويعاب بعض مفردات البيت؛ لمخالفته للهيئة التي بناها عليه الواضع؛ ومن أمثلته قول ابن زمرك في بعض قصائده:
يابن الخلائفِ من بني نصرٍ ومن ... حاطوا ذمارَ الملةِ السمحاءِ (1)
وقوله: سمتهم الملة السمحاء تكرمة.
إذ لم يرد في السماحة صيغة فعلاء، فلا يقال: سمحاء؛ وإنما يقال: ملة سمحة؛ أي: ليس فيها حرج ولا ضيق؛ وقد عاب بعضهم قول أبي نواس:
وإذا نزعت عن الغوايةِ فليكنْ ... للهِ ذاك النزعُ لا للناسِ
وقال: إن نزع بمعنى انتهى إنما جاء مصدره على فعول، فيقال: نزع عن الأمر نزوعاً: إذا انتهى عنه، ولكنا نجد في كتب اللغة: أن النزع يأتي مصدراً لنزع بمعنى انتهى (2).
وعابوا على المتنبي قوله:
ليس التعلُّل بالآمال من أدبي ... ولا القنوعُ بضنك العيش من شيمي
وقالوا: إن القنوع مصدر قنع بمعنى سأل، أما الرضا بالقسم الذي هو مراد الشاعر، إنما يقال فيه: قنع قناعة، ويقال: إن أبا الطيب غيَّر البيت إلى قوله: "ولا القناعة بالإقلال من شيمي"؛ والواقع أن من أهل اللغة من روى أن العرب قد يستعملون القنوع في الرضا، قال ابن السكيت: ومن العرب من
__________
(1) "نفح الطيب".
(2) في "اللسان": نزع عن الأمر ينزع نزوعاً: كف وانتهى، وربما قالوا: نزعاً.
(7/ 1/107)

يستعمل القنوع في معنى الرضا، وهو لغة قليلة حكاها ابن جني، وأنشد:
في الخد نارٌ وفي أَجفانها شَرَكٌ ... لوقعةِ القلبِ كلٌّ منهما صالي
فاستعمل كلمة صالي بمعنى صابر مترقب، وهي لغة العامة من أهل الشام وحماة، قال بعض الأدباء: لم أفهم ما أراد ابن حجة حتى سألت عنه بعض عوام حماة، ففسَّره لي.
وقد تعاب الكلمة في الشعر من جهة تجافي الذوق عنها، وثقل وقعها على اللسان؛ كلفظ: ابتشاك في قول المتنبي:
وما أرضى لمقلته بحلمٍ ... إذا انتبهت توهَّمه ابتشاكا
والابتشاك: الكذب، ومن ذا يسمع هذه الكلمة، ولا يتبرأ منها ذوقه كما يتبرأ من معناها قلبه ولبّه؟!
وقد يأتي الشاعر في البيت بكلمة لها معنيان: أحدهما لائق بالمقام، وهو المراد، وثانيهما يصير به معنى الكلام منبوذًا مستقبحًا، وليس بمقصود للشاعر؛ فيعاب الشعر من جهة هذه الكلمة المحتملة لمعنى مستهجن، وقد وقع أبو تمام في هذا العيب حين قال:
أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقلٌ ولاحقٌّ عليك قديمُ
فقوله: "وليس لي عقل" يوهم أنه ينفي عن نفسه العقل الذي هو القوة المدركة، وإنما أراد الشاعر: الدية، ولو قال: وليس لي عليك عقل، لارتفع اللبس، وزال القبح.

* النقد العائد إلى التركيب:
من النقد العائد إلى التركيب: وروده على خلاف ما يقتضيه علم النحو،
(7/ 1/108)

وضربوا المثل لهذا يقول الفرزدق:
وعضَّ زمان يابن مروان لم يَدَعْ ... من المالِ إلا مُسحَتاً أو مُجلفُ
المُسحَت: المُهلَك، والمجلف: الذي بقيت منه بقية، فالنظم يقتضي نصب مجلف عطفًا على المنصوب قبله وهو"مسحتاً"، ولكن الشاعر أتى به مرفوعاً، وليس لرفعه وجه ظاهر، وأراد بعض النحاة أن يخلصه من وصمة الخطأ في الإعراب فجعله خبراً لمبتدأ محذوف، والمعنى: "أو هو مجلف"؛ وإذا نفع هذا الوجه الشعر، وخلّصه من عيب اللحن، فإنه لا يمنع الناقد من أن يجعله دون منزلة الشعر الذي يستقر معناه في الأذهان لأول ما يقع لفظه على الأسماع.
ومن مآخذ المركَّب: خروجه عن قانون علم البلاغة، فيجيء غير مطابق لمقتضى المقام؛ ومن أمثلة هذا العيب: أن عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة، فلم يقضها، ثم بعث إليه شفيعاً، فقضاها له، فقال:
ذُممت فلم تُحمد وأدركت حاجة ... تولّى سواكم أَجْرَها واصطناعَها
أبي لك كَسْبَ الحمدِ رأيٌ مقصِّرٌ ... ونفسٌ أضاق اللهُ بالخيرِ باعَها
إذا هي حَثَّتْهُ على الخيرِ مرةً ... عصاها وإن همَّت بشرٍ أطاعها
وموضع العيب في رأي علماء البلاغة هذا البيت الثالث، فقد جاء على خلاف ما يقررونه من أنّ (إذا) تستعمل فيما يكثر وقوعه، (وإنْ) تستعمل فيما لا يقع إلا نادرًا، ومقام الهجاء يقتضي أن نفس ذلك الوالي تحثه على الخير قليلاً، وأنها تهمُّ بالشر كثيراً، وهذا يقتضي أن يأتي في جانب الحث على الخير ب (إنْ)، وفي جانب الشر ب (إذا)، ولكن الشاعر جرى
(7/ 1/109)

على عكس القاعدة، فقال:
إذا هي حثّته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
قال الزمخشري: وللجهل بمواقع (إن) و (إذا) يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب، فيغلطون، ألا يرى إلى عبد الرحمن بن حسّان كيف أخطأ بهما الموقع، ثم أورد الأبيات، وقال: "لو عكس، لأصاب".
ومن مآخذ التركيب: عدم اتساق كلماته، فلا تقع كل كلمة منه موقعها اللائق بها، وينتج عن هذا: أن الذهن يقف في فهم البيت، فلا يصل إلى المراد منه إلا بعد ترديد النظر وإمعانه، ومن أمثلته هذا قول البحتري:
فتى لم يَملْ بالنفس منه عن العلا ... إلى غيرها شيءٌ سواه مميلها
وإذا استطاع بعض أنصار البحتري أن يخلص البيت من اللحن بوسيلة التأويل، فإنه لا يستطيع أن يحميه مما يعيبه بالتعسف والتعقيد.
ومن معايب التركيب: أن ينبو عنه الذوق السليم، ويكون وقعه على اللسان ثقيلاً، ووقع في هذا العيب قول كشاجم:
حدائقُ كفِّ كلِّ ريحٍ ... حلَّ بها خيطُ كلِّ قطرِ
قال ابن الأثير: هذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركان يضعه في شدقه حتى يديره له.

* النقد المعنوي:
مَثَلُ الشاعر في صنع المعاني مَثَلُ صانع الصور المحسوسة، وإذا كنت لا تشهد لصانع الصور بالإصابة إلا أن يعرض عليك الصورة مطابقة لحالتها الواقعة، فكذلك الشاعر لا تعده مصيباً في تصوير المعنى إلا أن يعرضه عليك
(7/ 1/110)

سالماً من النقص، غير مثقل بزيادة ما لا فائدة منه، حسن الوضع، متلائم الأجزاء واقعاً من المقام الذي أورده فيه موقع المناسب المقبول، ومن هنا كان لنقد معاني الشعر وجوه مختلفة.
يدخل العيب على المعنى من جهة: الجمع بين أشياء غير متناسبة، وكثيراً ما يقع في هذا العيب من يقصد إلى النوع المسمّى بالمطابقة، ومما ذهب بعض النقاد إلى أنّ الشاعر جمع فيه بين شيئين غير متناسبين: بيت المتنبي:
أزورُهُمْ وسوادُ الليلِ يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغري بي
فقد روي أن المعتمد بن عباد تباحث مرة مع جلسائه في هذا البيت، وقال: ما قصر في مقابلة كل لفظة بضدها، إلا أن فيه نقداً خفيًا، وهو أن الليل إنما يطائق بالنهار، ولا يطابق بالصبح الذي هو جزء من النهار، ومراد المعتمد: القدح في المطابقة بين الليل والصبح، وإن كان لذكر الصبح وجه هو أن المحبَّ ينصرف من الزيارة عند المحبوب انفجار الصبح خيفة الرقباء.
ويعاب بوقوعه في عكس الغرض؛ يقول أبي تمام:
إنَّ البشاشةَ والندى خيرٌ لهم ... من عفةٍ جمست عليك جموسا
لو أنَّ أسبابَ العفافِ بلا تقى ... نفعت لقد نفعت إذاً إبليسا
ساق الجرجاني هذين البيتين، وقال: ليت شعري لو أراد هجوه وقصد الغض منه، هل كان يزيد على أن يذم عفته ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البُرَّد والثقال، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلاً، ويقيمه بإزائه كفؤاً!.
(7/ 1/111)

ويعاب الشعر بقصوره عن بلوغ الغرض؛ حيث يقصد الشاعر إلى ضرب من المدح - مثلاً -, ويصوغ له معنى يظنه وافيًا بالغرض، فلا يبلغ أن يكون مدحاً، وقد وقع في هذا العيب كثير عزّة حين قال:
فما روضةٌ بالحزنِ طاهرة الثرى ... يمجُّ الندى جَثجاثها (1) وعرارَها
بأطيبَ من أردانِ عزَّة موهِناً (2) ... وقد أوقدت بالمجمر (3) اللدن نارها
أراد مدح عزّة بطيب الرائحة، فلم يبلغ ما أراد، فإن كل من يتجمر بالمجمر اللدن تطيب رائحته، وقد أشار إلى هذا القصور بعض من سمعه ينشد البيت، فقال له: لو فعل هذا بأمة زنجية، لطاب ريحها، ألا قلت كما قال امرؤ القيس:
أم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدتُ بها طيباً ولم تتطيبِ
ومن هذا الضرب قول الفرزدق - في رأي بعض الناقدين -:
فمن يأمنِ الحَجّاجَ والطيرُ تتقي ... عقوبَتَه إلا ضعيف العزائم
قال ناقدو البيت: إن الطير يخشى كل أحد، حتى أقصر الناس يداً؛ كالصبيان ونحوهم، فليس في اتقاء الطير للحجّاج كبير مدح للحجّاج، ويقال: إن الحجاج قال للفرزدق: ما عملتَ شيئاً، إن الطير تنفر من الصبي والخشبة.
ومن الظاهر أن الفرزدق قصد إلى مدح الحجّاج بقوة السلطان وطول اليد؛ بحيث لا ينجو من سطوته مجرم، ولو كان الحيوان الذي شأنه أن يكون
__________
(1) الجثجاث: نبات سهلي ربيعي.
(2) الموهن: نحو من نصف الليل، وقيل: هو بعد ساعة منه.
(3) المجمر: العود يتطيب به.
(7/ 1/112)

في منعة، كالطير يذهب في الجو صاعداً، فلا تناله يد حتى ينزل في مأمن من كل ذي قوة، فاتقاء الطير للحجاج كناية عن سعة سلطانه، وأنه لا يخلص منه مجرم، ولو شقّ عنان السماء هرباً.
ويدخل في هذا الباب قول الجعدي:
فتى كملت أخلاقُه غيرَ أنه ... جوادٌ فلا يبقي من المال باقيا
أشمُّ طويلُ الساعدين شمردلٌ (1) ... إذا لم يرح في المجد أصبح غاديا
أنشد هذا الشعر في مجلس هارون الرشيد، فأنكر منه قوله: "إذا لم يرح للمجد"، وقال: لِمَ لمْ يروحه في المجد كما أغداه؟ ألا قال:
"إذا راح للمعروف أصبح غاديا"
ومن معايب الشعر: بُعده عن الواقع إلى حد أن يدفعه العقل لأول نظرة، دون أن يعرض على السامع صورة بديعة من صنع الخيال؛ قال أبو بردة الثقفي: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب قول أعشى ميمون:
لو أسْنَدَتْ ميتاً إلى نحْرِها ... عاش ولم يُنقل إلى قابرِ
وقال محمد بن يزيد النحوي: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبَّه، وعدل فيه عن الإفراط. كما قال القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها
أما إذا جاء الإفراط في صورة بديعة الصنعة، فليس به من بأس، ذلك
__________
(1) الشمردل: القوي الجلد.
(7/ 1/113)

لأن براعة التخييل تشفع في تجاوزه حد المعقول؛ ومثل هذا قول المتنبي يصف الجياد:
عقدت سنابكها (1) عليها عِثْيَراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا
ومنها: سوء تصرف الخيال، فيصوغ صورة ينقصها شيء من التناسب، ويظهر هذا في نحو التشبيه والاستعارة؛ ومن أمثلة هذا العيب قول الشاعر:
وخالٌ على خديك يبدو كأنه ... سنى البدر في دعجاء بادٍ دجونها
فإن مقتضى هذا التشبيه أن يكون الخال - وهو أسود - قد وقع مشبَّهاً بسنى البدر، وأن يكون الخد -وهو أبيض- قد وقع في مقابلة الظلماء، فهذه المحاكاة لا يحصل منها ما يريده الشاعر من إظهار الموصوف في صورة رائعة الجمال.
ومما لحقها العيب من ناحية التخييل: قول أبي القاسم بن فرناس يمدح أحد أمراء الأندلس:
رأيتُ أمير المؤمنين محمداً ... وفي وجهه بذْرُ المحبة يثمرُ
فإنه جعل وجه الممدوح موضوعاً للبذر، ووصف ما يبذر بعد بالإثمار، وهذا ما لا يسيغه الذوق السليم؛ ويقال: إن الشاعر لما أنشد هذا البيت، قال له مؤمن بن سعيد: قبحًا لما ارتكبته، جعلت وجه الخليفة محرثًا يثمر فيه البذر! فخجل الشاعر، وما كان جوابه إلا أن شتم الناقد.
وقد يقصد الشاعر في التخييل إلى المدح، فتجيء الصورة الخيالية وهي إلى الهجاء أقرب منها إلى المديح، ويمثل هذا العيب قول الشاعر
__________
(1) سنابكها: حوافرها. العثير: الغبار.
(7/ 1/114)

يمدح أحد الأمراء بالشجاعة:
يهتزُّ من تحتِ السلاحِ كأنه ... ريحانةٌ لعبت بها ريحُ الصَّبا
ولو قيل هذا البيت في جبان فرَّ من وجه أعدائه، فأدركوه حتى وقع تحت سيوفهم، لكان وصفاً مطابقاً؛ ويقال: إن الممدوح لما سمع هذا البيت، ثار غضبه، وهمَّ بعقوبة الشاعر لولا أنه أنشد بعده:
في كلِّ منبتِ شعرةٍ من جسمه ... أسدٌ يمدّ إلى الفريسةِ مخلْبا
وقد ينظر في الصور الخيالية من لم يصفُ ذوقه، فينحو في نقدها نحو المعاني العلمية؛ ووقع مثل هذا لأحد الكاتبين في البيان إذ ناقش الشاعر في قوله:
كالطيفِ يأبى دخولَ الجفنِ منفتحاً ... وليس يدخلُ إلا إذا انطبقا
وقال: إن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما هو شيء يخيل إلى النفس، وهذا مدفوع بأن الصور الخيالية ليست بموضع لمثل هذه المناقشة الفلسفية، والشاعر يعلم أن الطيف لا يدخل الجفن، ولا يخرج منه، ولكن يخيل إلى النفس على وجه يشبه المرئي رأي البصيرة، فكان بمنزلة ما يدركه البصر من الصور المحسوسة في صحة التعبير فيه بدخول الجفن، كما صح أن يعبر عن امتناع تخييله حال انفتاح الجفن بإباية الدخول فيه.
وقد يجيء العيب من ناحية الخلل الذي ينشأ من حذف بعض الكلمات، كما جاء في قول الشاعر:
وإني لظلّام لأشعثَ بائسٍ ... عرانا ومقرورٍ بَرَى مالَه الدهرُ
وجارٍ قريبِ الدار أو ذي جناية ... بعيدِ محلِّ الدار ليس له وفرُ
(7/ 1/115)

فالشاعر يريد: أنه ظلّام للناقة بنحر فصيلها للأشعث البائس، أو المقرور الذي برى الدهر ماله، ولكنّ ألفاظه لا تدل على ما أراد، قال الجرجاني بعد أن أورد البيتين: هل يشك من أنشدهما أن الشاعر وصف نفسه بأقبح الصفة، وأضاف إليها أشنع الظلم؛ وإنما أراد: أني أظلم الناقة فأنحر فصيلها لأجل هذا الأشعث أو الجار، ولو قال: "وإني لنحّار"، لاتضح المعنى، وإنما يتضح المعنى نظراً إلى أن النحر الذي هو إصابة النحر معروف في تذكية الإبل، فهو مصروف إلى هذا المعنى.
ومما يؤخذ على الشاعر في الرثاء والتعزية: أن يتوسل بالحط من شأن الميت إلى تخفيف مصابه على من يعز عليه فقده، كما قال البحتري يعزّي أبا نهشل الطوسي على وفاة ابنته:
أتبكي من لا ينازلُ بالسي ... ف مُشيحاً (1) ولا يهزُّ اللواءَ
والفتى من رأى القبورَ لما طا ... ف به من بناته أكفاءَ
قد ولدن الأعداء قدماً وورث ... ن التلاد الأقاصيَ البعداءَ
ثم قال:
ولعمري ما العجزُ عندي إلا ... أن تبيتَ الرجالُ تبكي النساءَ
فقد خرج البحتري من مقام تعزية أبي نهشل بوفاة ابنته إلى هجوها، والحط من شأنها, وليس هذا طريق تسلية الآباء عن بناتهم، وتخفيف حزنهم عليهن، والتحدث بنقائص الميت، أو بسلب خصال الكمال عنه، مما لا ترتاح له نفس قريب أو صديق يأسف لفراقه.
__________
(1) المشيح: المجد.
(7/ 1/116)

ومن وجوه النقد: أن يقصد الشاعر إلى تحسين شيء قد يعده بعض الناس شائنًا، فيصرّح في الشعر بعيب الناس له، والأفضل أن يبين وجه حسنه حتى يتلقاه السامع من حيث لا يشعر بأنه مظنة لأن يعاب؛ وأسوق مثلاً على هذا: أن المعزّ بن باديس استخلى محمد بن شرف، وابن رشيق، وقال لهما: أريد أن تصنعا شيئاً تمدحان به الشَّعرَ الرقيق الذي يكون على سُوق بعض النساء، فإنيّ أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أرِيهُنَّ هذا، وأدَّعي أنه قديم؛ لأحتج به على من عابه، فكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أنْ رأوا لها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا
فانتقد المعزّ على ابن رشيق قوله: "يعيبون بلقيسية"، وقال له: "أوجدت لخصمها حجّة بأن بعض الناس قد عابه".
وقد يجيء العيب في الشعر من عدم رعاية الشاعر للغرض الذي يتحدث عنه؛ كما قال أبو نواس في مطلع قصيدة يهنئ فيها الفضل بن يحيى البرمكي ببناء دار:
أَرَبْعَ البِلى إن الخشوعَ لبادِ ... عليك وإني لم أخنك ودادي
يقال: إن الفضل عندما سمعها تطيَّر، ونكس رأسه، وأخذ الناس ينظر بعضهم إلى بعض، يعجبون لأبي نواس إذ كبا في هذه الحلبة جواده، ولم يسعده عند الحاجة ذكاؤه.
ومن الزلل الذي يقع فيه الشاعر: أن يسيء الأدب مع الخالق، أو الرسول، أو من يجب احترامه في نظر الدين؛ وللسيوطي رسالة تسمّى: "تنزيه الأنبياء
(7/ 1/117)

عن تشبيه الأغبياء" أورد فيها نبذة من هذه الأشعار الرقيعة، وقال: إنما أكثرت الشواهد مع استثقالنا لحكايتها؛ للتعريف بأمثلتها.
ومن هذا النحو: الأشعار التي تحمل المجنون والفحش من القول، وتزيِّن لقرائها الخنا والخلاعة؛ وإنما ينحدر في هذه الحمأة من لم يتربوا في مهد الأدب الرفيع، ولم تستقبلهم الفضيلة يوم يخرجون من بطون أمهاتهم.
وإن تعجبوا لطائفة من فسقة الشعراء يقتبسون آيات من كتاب الله، ويقصدون بها معاني قبيحة منكرة، فاعجبوا لفئة أخرى يوردون في بعض مؤلفاتهم من هذه الأشعار ما يتصبب له الجبين من الحياء عرقاً.
هذا نموذج من وجوه نقد الشعر، وأكثرها يجري في غير الشعر أيضاً؛ كمخالفة قانون الصرف والنحو؛ ومنها ماله مزيد اختصاص بالشعر؛ كالنقد العائد إلى تصرفات الخيال، أو صناعة النظم، وهذا الوجه من النقد لا يحكم عليه إلا من كان بصيرًا بهذه الصناعة، فضعف النسج - مثلاً -، ونبوّ الكلمة عن موقعها في النظم، وطيش الخيال عن غرض الإجادة في تصوير المعنى، لا يدركه أينما كان إلا شاعر واسع المدى، أو ألمعي قضى دهراً في تدبر أشعار البلغاء.
وإذا حاضرنا في نقد الشعر بعد هذا، فإنما نوجّه العناية إلى الوجوه التي لها مزيد اختصاص بالشعر، ولا نعبأ بما يدركه النحوي أو العروضي أو اللغوي على البداهة؛ فإنه سهل المأَخذ، وفي دراسة العلوم العربية الكفاية.
(7/ 1/118)

الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية (1)
في أوائل النصف الثاني من القرن الرابع صار أمر مصر إلى العبيديين، وكان المعزّ مؤسس دولتهم معدوداً في طبقة الأدباء، وكذلك كان ابنه تميم الملقب بالعزيز، فلا جرم أن يكون لسوق الأدب في أيامهم نفَاق، وللأدباء حظوة، ونرى في التاريخ: أن يعقوب بن كِلِّس وزير العزيز كان له مجلس يحضره العلماء، فإذا فرغ من هذا المجلس، قام الشعراء ينشدونه ما أنتجته قرائحهم من الشعر. ويقال: إن هذا الوزير قد رثاه حين توفي نحو مئة شاعر. ويمر بنا التاريخ بعد هذا على رجال كان لهم في الأدب أقدام راسخة؛ مثل: الأمير المختار المعروف بالمسجّى (2)، ومثل: أحمد بن علي المعروف بابن خيران (3)، وأذكر من شعره قوله:
ولوسعى بك عندي في ألذِّ كَرًى ... طيفُ الخيالِ لبعتُ النومَ بالسهرِ
وما زال الأدب موصول الحلقات إلى أن جاء القرن السادس، فظهر فيه نبغاء مثل: أبي الغمر محمد بن علي الهاشمي الذي قال فيه العماد الأصفهاني:
__________
(1) محاضرة الإِمام من محطة الإذاعة في القاهرة. ونشرت في الجزء السادس من المجلد التاسع - مجلة "الهداية الإسلامية" لعام 1355 ه.
(2) تولى ديوان الترتيب في عهد الحاكم، وألف في الأدب كتباً ممتعة.
(3) كاتب السجلات في عهد الظاهر بن الحاكم.
(7/ 1/119)

كان أشعر أهل زمانه، وأفضل أقرانه. ومثل: محمد بن قادوس شيخ القاضي الفاضل، وكان يسميه: ذا البلاغتين. ومثل: الحسن بن علي الأسوانيّ المعروف بالمهذب الزبيري، الذي قال فيه العماد الأصفهاني أيضاً: لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه. ومن بديع شعره قوله يتشوق إلى نهر بردى في دمشق:
بالله يا ريحَ الشما ... لِ إذا اشتملتِ الرَّوح بردا
وحملتِ من نَشْرِ الخزا ... مى ما اغتدى للنَّد نِدا
ونسجت ما بين الغصو ... ن إذا اعتنقن هوى وودا
وهززت عند الصبح من ... أعطافها قدّاً فقدَّا
نهر كنصل السيف تك ... سو متنه الأزهار غمدا
صقلته أنفاس النس ... يم بمرهنَّ فليس يصدا
وظهر لذلك العهد شاعرات مجيدات، منهن: تقية بنت غيث الصورية الإسكندرية، نظمت هذه الشاعرة مرة قصيدة تعرضت فيها - على عادة الشعراء - لمعان من قبيل اللهو، فظن بعض من قرأ القصيدة أنها وصفت ذلك اللهو لحضورها بعض مجالسه، فنظمت قصيدة وصفت فيها الحرب، وما يتصل بها أحسنَ وصف، وبعثت إلى من ظن بها ذلك الظن تقول له: علمي بهذا كعلمي بذاك، تعني: أن الشاعر يصف ما لا يرى، ويقول مالاً يفعل.
وممن شد أزر الحركة الأدبية لذلك العهد طلائع بن رُزّيك الملقب بالصالح؛ إذْ كان هو نفسه من الشعراء المجيدين، وأذكر من شعره قوله في الحكمة:
تنامُ ومقلةُ الحدثانِ يقظى ... وما نابَ النوائبَ عنك نابي
(7/ 1/120)

وكيف بقاءُ عمرك وهو كنزٌ ... وقد أنفقت منه بلا حساب
ولحسن تقديره للأدب العربي، قصده الشعراء من أقاصي البلاد، وفي أيامه دخل عُمارة اليمني مصر، ولقي منه ومن ابنه العادل إقبالاً ورعاية، وعمارة هذا هو الذي يقول:
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سمومِ العقارب
ويقول:
إذا كان رأسُ المال عمرَك فاحترزْ ... عليه من الإنفاق في غير واجبِ
وموجز القول: أن من طالع كتاب "الخريدة" للعماد الأصفهاني، وغيرها من كتب الأدب، وجد في شعراء النصف الأول من القرن السادس كثرة، ووجد في شعرهم إجادة وإبداعاً.
كذلك كان الشعر في سمو مكانته، وكثرة من يجيدون صنعه، وبهذا العهد اتصل عهد الدولة الأيوبية، فإنه يبتدى" بسنة أربع وستين وخمسمائة، وينتهي بسنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وأريد من الشعر المصري في عهد الدولة الأيوبية: شعر من نشؤوا في هذا العهد، أو قضوا فيه جانباً من حياتهم الأدبية. وإذا تحدثت عن شعراء مصر في هذا العهد، فإنما أتحدث عمن نشؤوا في مصر نشأتهم الأدبية، ولا أبالي بعد هذا أن تكون ولادتهم في أرضها، أو في أرض غيرها, ولا أبالي أيضاً بأن يكونوا قد أقاموا فيها طول حياتهم، أو يكونوا قد هاجروها إلى قطر آخر، واتخذوه وطناً.
تولى صلاح الدين الأيوبي أمر مصر، وكان من نواحي عظمته: الارتياح
(7/ 1/121)

للأدب العربي، والاحتفاء بالأدباء البلغاء، تقرأ في تاريخه: أنه كان يستحسن الأشعار الجيدة، ويرددها في مجالسه، ومما عرف عنه أنه كان مولعاً بشعر أسامة ابن منقذ الذي دخل مصر في أيامه، ونال مكانة سامية، وأذكر من شعر أسامة هذا: قوله:
وما أشكو تلؤُّنَ أهلِ ودّي ... ولو أجدَت شكيَّتهم شكوتُ
إذا أدْمتْ قوارصُهم فؤادي ... كَظَمتُ على أذاهم وانطويتُ
ورحتُ عليهمُ طلقَ المحيا ... كأني ما سمعتُ وما رأيتُ
ولارتياح صلاح الدين للشعر العربي، ونظره إليه نظر من يقدر قيمته، قوي التنافس في هذا الفن، واشتد اتصال الأدب في غير مصر بالأدب المصري؛ فإن كثيراً من أدباء الأقطار الأخرى يفدون على صلاح الدين، أو يراسلونه بقصائدهم، مثل التلِّعفري، وسبط ابن التعاويذي، وابن الساعاتي، وعمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي، وهو القائل:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارمٍ ... سمعتُ بها والأذنُ كالعينِ تعشقُ
ومحمد بن يوسف البُحراني صاحب القصيدة الفريدة التي يقول فيها:
تخصَبُ الأرضُ فلا أقربها ... رايداً إلا إذا عزَّ حماها
لايراني الله أرعى روضةً ... سهلة الأكناف من شاء رعاها
ومن أمراء الأسرة الأيوبية بعد صلاح الدين الأيوبي من يقول الشعر الجيد؛ مثل: الأفضل بن صلاح الدين، والكامل بن العادل، وأخويه: الأشرف، والمعظم، قال ابن سعيد في "تاريخه": "وأولاد العادل في صدر المئة السابعة: الكامل، والمعظم، والأشرف، الثلاثة شهروا بحب
(7/ 1/122)

الفضلاء، وقول الشعر".
وفي هؤلاء الأمراء الثلاثة يقول ابن عُنَيْن من قصيدة يمدح بها العادل:
وله البنون بكلِّ أرضٍ منهم ... ملكٌ يقول إلى الأعادي عسكرا
من كل وضّاحِ الجبين تخاله ... بدراً وإن شهد الوغى فغضنفرا
نهض الشعر العربي في عهد الدولة الأيوبية نهضة راقية، واشتمل على أمثال: البهاء زهير، وابن الجزّار، وابن سناء الملك، وابن شمس الخلافة، وابن مطروح، وابن الفارض، وشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري، وابن النبيه، وابن النقيب، ومظفر الدين بن إبراهيم الضرير، وابن أبي الإصبع، وابن الخيمي.
وكيف لا يرفع الأدب رأسه وهو في ظلال دولة يقوم على المهم من أمورها أمثال: العماد الأصفهاني، وعبد الرحيم البيساني الملقب بالقاضي؟.
وسيما الشعر في ذلك العهد: رقة الألفاظ، وقرب المعاني من أذهان قارئيه وسامعيه. ومما أخذ بمجامع قلبي لأبي الحسين الجزار جمع بين السهولة والمتانة، أعني قوله:
هو ذا الركبُ ولي نفسٌ مشوقه ... فاحبسِ الركبَ عسى أقضي حقوقَهْ
فاضَ دمعي مذ رأى ربعَ الهوى ... ولَكَمْ فاضَ وقد شام بروقَه
نفد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقَه
قم معي واستوقف الركبَ فإن ... لم يقفْ فاتركه يمضي وطريقَه
فهي أرضٌ قلَّما يلحقها ... أملٌ والركبُ لم أعدمْ لحوقَه
كانت مَيزة الشعر: السهولة والعذوبة، حتى إن بعضهم لا يبالي أن يورد
(7/ 1/123)

في شعره عبارة تجري على ألسنة الجمهور بعد أن يكسوها مسحة خفيفة من العربية الفصحى؛ كقول ابن النبيه:
قل لأحبابٍ كسوني الأرقا ... ماتَ صبري فلهم طولُ البَقا
نعم، وجد في هذا العصر ما وجد، وفشا في بعض العصور قبله وبعده من الاستكثار من أنواع البديع؛ كالجناس، والتورية، ولكن قصد الشعراء البارعين إلى نحو هذين النوعين من البديع إنما يكون في بعض المقطعات، أو الأبيات المعدودة من القصائد، ثم إن قصدهم إلى هذه الأنواع لا يمس براعتهم في صناعة الشعر؛ لأنهم يحسنون صنعها، فتسيغها أذواق الأدباء دون أن تحس بشيء من الثقل والكلفة.
وللشعر الحماسي في ذلك الوقت باعث قوي هو انتصار الدولة، وعزة مكانتها، فإذا شعر الأديب بأنه يعيش تحت سماء عزة وكرامة، كان شعوره هذا من مهيئات البراءة في فن الحماسة، فإذا انضم إلى هذا كبرُ نفس الشاعر، رأيته يذهب في هذا الفن من فنون الشعر مذاهب بديعة، وانظر إلى البهاء زهير كيف يقول:
أهوى التذلُّلَ في الغرام وإنما ... يأبى صلاحُ الدين أن أتذللا
ومن أبلغ ما وقع في الشعر من الحماسة قول ابن سناء الملك:
سوايَ يهابُ الدهرَ أو يرهبُ الردى ... وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا
ولكنني لا أرهبُ الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموتَ الزُّؤامَ إذا عَدا
توقُّدعزمي يتركُ الماءَ جمرةً ... وحليةُ حلمي تترك السيفَ مِبْرَدا
وأظمأ إن أبدى لي الماءُ مِنَةً ... ولو كان لي نهرُ المجرَّةِ موردا
(7/ 1/124)

ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرَّني أنْ لا أهزَّ المهنَّدا
أما الحكم والأمثال، فكثيراً ما نجدها في بعض مقطوعات، أو في أثناء قصائد مطولة؛ يقول ابن سناء الملك:
وَمنْ يغرسِ المعروف يجني ثمارَه ... فعاجلُه ذِكْرٌ وآخرُه أَجْرُ
وقوله:
ألا إن إقليماً نبتْ بك دارُه ... وإنْ كَثُرَ الإثراء فيه لمعدمُ
وكقول ابن النبيه:
والعمرُ كالكأسِ تستحلى أوائلُهُ ... لكنَّه ربما مُجَّتْ أواخرُهُ
ومما سار مسير المثل قول ابن سناء الملك:
"ولابد دون الشهد من إبر النحل"
وللنسيب في ذلك العهد جولة واسعة، وابتكر فيه بعض الشعراء طرقاً يستبينها الأديب من مطالعة دواوينهم، وقد أعجب الأديب الأندلسي ابن سعيد بطريقة البهاء زهير في هذا الفن من الشعر، وسأله عندما قدم مصر أن يرشده إلى وجه سلوكها، فأشار عليه البهاء بأن يطالع ديواني: الحاجري، والتلعفري، ثم يراجعه بعد ذلك، فغاب ابن سعيد عنه مدة أكثر فيها من مطالعة الديوانين، ثم اجتمعا وتذاكرا، وكان من البهاء أن أنشد شطرًا من بيت هو قوله:
"يا بأن وادي الأجرع"
وقال لابن سعيد: أشتهي أن تكمله، فقال ابن سعيد:
سقيت غيث الأدمع
(7/ 1/125)

فقال البهاء زهير: حسن والله، ولكن الأقرب إلى هذا الطريق أن تقول:
هل ملت من طرب معي
وترى في هذا العصر تنافساً شديداً بين الشعراء، حتى إن الشاعر قد يدعي لنفسه شعر آخر، وهو في قيد الحياة، وأسوق على هذا حادثتين: إحداهما: نزل وقع بين ابن شمس الخلافة، وابن مطروح في بيت ادعى كل منهما أنه قائله، وبلغ بهما النزاع أن أقام كل منهما شاهداً على أن البيت له، والبيت هو:
وأقولُ يا أختَ الغزالِ ملاحةً ... فتقول لا عاشَ الغزالُ ولا بقي
ثانيتهما: نزاع جرى بين ابن الخيمي، وابن إسرائيل، تنازعا في القصيدة التي جاء فيها البيت المشهور:
يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكوت ولكنْ فاتك الشنبُ
ثم إن الشاعرين تراضيا على تحكيم ابن الفارض. فأمر كلاً منهما أن ينظم قصيدة في وزنها، فذهبا وأتياه وأنشداه ما نظما، فحكم بها لابن الخيمي، وقال لابن إسرائيل:
لقد حكوت ولكن فاتك الشنب
ولا بدع أن يعرف الأديب الألمعي أن هذا الشعر من نظم زيد أو عمرو، مستنداً في ذلك إلى قوة شبهه بأسلوبه، فللأشعار قافة يعرفون أنسابها من روح المعنى وطرز النظم، كما أن للناس قافة يعرفون أنسابهم من النظر في خلقتهم وملامح وجوههم.
وكان الشعر المصري في ذلك العهد يصل إلى بلاد المغرب والأندلس
(7/ 1/126)

على أيدي الراحلين من العلماء والأدباء، تقرأ في التاريخ: أن الكاتب ابن عبد ربه الأندلسي اجتمع في رحلته بابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب، وكذلك الوزير أبو عبد الله بن الحكيم الرندي الأندلسي أخذ في رحلته عن الشهاب ابن الخيمي قصيدته التي يقول في أولها:
يا مطلباً ليس لي في غيره أربُ ... إليك آل القضى وانتهى الطلب
وعاد بها إلى الأندلس.
وكان للأدباء في ذلك العصر مجالس يتذاكرون فيها الأشعار، ومجامع يحتفلون فيها بمن يرد مصر من الأدباء. يقول ابن خلكان في ترجمة ابن سناء الملك:
"واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات، ومحاورات يروق سماعها، ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين بن عُنين، فاحتفلوا به، وعملوا له دعوات، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وجرت له محافل سطرت عنهم، ولولا خشية الإطالة، لذكرت بعضها".
ونسوق على هذا: أن علي بن سعيد الأندلسي دخل مصر في أوائل القرن السابع، فاحتفل به أدباؤها، وأقاموا له في بعض المتنزهات بظاهر القاهرة مأدبة؛ ومما جرى في هذا الاحتفال من الملح الأدبية: أن أبا الحسين الجزار داس بساطاً من النرجس، فقال له ابن سعيد مرتجلاً:
يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعينَ بالأرجل
وجاراه بعض الأدباء وقتئذ بشعر يناسب هذا البيت.
وكذلك كانت مصر تبسم في وجوه الأدباء منذ عهد قديم، وأذكر أن
(7/ 1/127)

الشاعر المعروف بكشاجم قد وردها في القرن الرابع، وأقام بها مدة، ثم ارتحل عنها؛ فأخذه إليها شوق شديد، فلم يكن إلا أن عاد إليها، واتخذها دار إقامة، وقال:
قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني ... فالآن عدت وعادت مصر لي دارا
ولا يشتاق الأديب إلى وطن إلا أن يكون للأدب في ذلك الوطن نَفاق، ولمقام الأديب فيه نباهة.
وأضيف إلى هذا: أن الأديب إبراهيم الرقيق التونسي أحد شعراء القرن الخامس، زار مصر، فاحتفى به أدباؤها, ولما عاد إلى تونس، قال شعراً يتشوق إلى هؤلاء الأدباء، ومما قال:
هل الريحُ إن سارتْ مشرِّقَةً تسري ... تؤدي تحياتي إلى ساكني مصرِ
فما خطرت إلا بكيتُ صبابةً ... وحمَّلْتُها ما ضاقَ عن حمله صدري
تراني إذا هبَّتْ قبولاً بنشرهم ... شممت نسيم المسك من ذلك النشر
ألا إن الأدب الزاهر إذا لقي فِطَراً سليمة، وأذواقاً صافية؛ كان من ألطف وسائل التأليف بين الأفراد والجماعات:
وقرابةُ الأدباءِ يقصُرُ دونهَا ... عند الأديب قرابةُ الأرحام
(7/ 1/128)

نظرة في شعر حسّان بن ثابت (1)
حسان بن ثابت قضى شطراً من عمره في الجاهلية، وشطراً في الإسلام، وكان آباؤه من ذوي الشرف والوجاهة في الجاهلية، فنشأ في المدينة، وكان للشعر في ذلك العهد نهضة راقية، ففي ذلك العهد ظهر شعراء مبدعون؛ مثل: علقمة، وزهير، والنابغة، والأعشى، وقيس بن الخطيم، وكان لهؤلاء المبدعين ميدان يتبارون فيه، هو سوق عكاظ، فكلُّ من في قريحته استعداد لصنع الشعر؛ كحسان بن ثابت، يجد في هذه النهضة باعثًا على أن يقول الشعر، وينافس في مضماره بأقصى ما يستطيع.
ويزيد حسان بمهيئ هو: أنه نشأ في بيت أصيل في صناعة الشعر، فقد كان أبوه ثابت، وجدّه المنذر معدودين في قبيل الشعراء.

* سمو مكانة حسان في الشعر:
في الشعراء من يتأنى في نظم الشعر، ولا يخرجه للناس إلا بعد أن يبالغ في تنقيحه؛ كالحطيئة فيما يقال، ويسمى هذا النوع من الشعر بالمصنوع، ومنهم من يقوله ويسمعه الناس على ما تجود به القريحة لأول مرة؛ كحسان ابن ثابت، ويسمى هذا النوع من الشعر بالمطبوع، وكان الأصمعي يعيب
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الحادي عشر.
(7/ 1/129)

الحطيئة، وقال: وجدت شعره كله جيداً، فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع، إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه جيده على رديِّه. ولعلهم يريدون من الردي: الأبيات التي تكون في مرتبة دون مرتبة الإبداع؛ فإن اشتمال شعر الرجل الذي عرف بالبراعة على أبيات في مرتبة متوسطة، يدل على أنه لا يبالغ في تهذيب شعره، بل يلقيه على نحو ما تسمح به قريحته.
ومن شواهد أن حسان لم يكن يتأنى ويتكلف للشعر: ما يروى من أنه قد يقول الشعر في المجلس الذي وجد فيه الباعث على الشعر؛ كقصته مع وقد تميم إذ جاؤوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنشد أحد شعرائهم الزبرقان بن بدر أبياتاً يفخر فيها بقومه، فأجابه حسان في المجلس بالقصيدة التي يقول في طالعها:
إن الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتِهمْ ... قد بيّنوا سُنَّةً للناس تُتّبعُ
والأصمعي الذي عاب الحطيئة بالتصنع في الشعر، شهد لحسان بسمو المكانة في الشعر، وقال: حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء.
وقال ابن رشيق في كتاب "العمدة": وأشعرُ أهل المدر بإجماع واتفاق من الناس: حسان بن ثابت، ثم قال: وقوم يرون تقدمة الشعر لليمن، في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت.
كان عمر بن الخطاب يرجع في القضايا التي تتعلق بالشعر إلى حسان.
استعداه وهي تميم على الشاعر المعروف بالنجاشي لما هجاهم، فألقى النظر في أمرهم إلى حسان، ونفذ عمرُ ما حكم به حسان، وكذلك فعل في هجاء الحطيئة للزبرقان بن بدر، فقد أخذ رأي حسان في أن ما قاله الحطيئة
(7/ 1/130)

هجاء، وأودعه السجن.
ويوجد فيما ينسب إلى حسان من الشعر شيء كثير فيه ضعف، وبعض علماء الأدب ينفي أن يكون هذا الشعر الضعيف من صنع حسان؛ مثل: الأصمعي؛ فإنه لما جعل حسان في مرتبة فحول الشعراء، قال له أبو حاتم: تأتي له أشعار لينة، قال الأصمعي: تنسب إليه أشياء لا تصح عنه.
والواقع أن حسان لا يقل في صناعة الشعر عن النابغة، وزهير، وأمثالهم، بل عدّه ابن خلدون في الطبقة التي تفوق هؤلاء الجاهليين، من جهة أنهم سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث، فارتقت ملكاتهم، وكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقاً.
فلحسان أشعار تضاهي في براعة الصنع وجودة التصرف أرقى شعر يقوله زهير، أو علقمة، أو النابغة، وله أشعار تضاهي ما يُعَدُّ في المرتبة المتوسطة من أشعار أولئك الفحول، وأرى أن أكثر هذا الشعر الضعيف الذي ينسب إليه ليس من صنعه؛ فإن الشاعر الفحل قد يضعف في الأبيات القليلة من القصيدة، وإذا تناول في شعره بعض المعاني المبتذلة، فإنه لا ينزل عن براعة الأسلوب ومتانة نسج الألفاظ إلا قليلاً.

* الفخر في شعر حسان:
تهيأت لحسان في الجاهلية أسباب البراءة في الفخر، فقد نشأ في بيت عريق في الشرف والتفاخر بالإنساب وخصال الشرف مما أولع بها العرب، ويضاف إلى هذا: أن الخزرج الذين هم قوم حسان كانت بينهم وبين الأوس حروب ووقائع، ثم جاء الإسلام، وقامت الحروب بين المسلمين والمشركين، والحروب تستدعي من الشاعر أن يجول في الفخر والحماسة جولات واسعة،
(7/ 1/131)

فكان من فنون شعر حسان الفخر والحماسة.
يفخر حسان بالكرم والسخاء كما قال:
وإن أَكُ ذا مالِ قليلِ أَجُدْ به ... وإن يهتصرَ عودي على الجهدِ يُحمدِ
وقال:
وإني لمعطٍ ما وجدت وقائلٌ ... لموقدِ ناري ليلةَ الريحِ أوقدي
ويفخر برعاية حق الجار كما قال:
فما أحدٌ منا بمهدٍ لجاره ... أذاة ولا مزرٍ به وهو عائدُ
لأنا نرى حق الجوار أمانة ويحفظه منا الكريمُ المعاهد
ويفخر بالصبر على الشدائد كما قال:
فلا المالُ ينسيني حيائي وعفتي ... ولا واقعاتُ الدهر يَفْلُلْنَ مِبْردي
ويفخر بالعدل كما قال:
فنحن ولاةُ الناسِ في كلِّ موطنٍ ... متى ما نقل في الناس قولاً نُصدَّقِ
توفَّق في أحكامِنا حكماؤنا ... إذا غيرُهم في مثلها لم يوفَّقِ
ويفخر بالبراعة في الشعر كما قال:
لكل أناسِ مِيسمٌ يعرفونه ... ومِيسمنا فينا القوافي الأوابدُ
ويفخر بالعزم كما قال:
ونحن إذا لم يبرم الناس أمرهم ... نكون على أمر من الحق مبرمِ
ويفخر بالشجاعة كما قال:
(7/ 1/132)

ويثربُ تعلم أنا بها ... أسودٌ تنفِّض ألبادها
نهزُّ القنا في صدور الكماة ... حتى نكسِّرَ أعوإدها
وجمع الفخر بالشجاعة والسخاء في بيت فقال:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرنَ من نجدةٍ دما
يفتخر حسان بالشجاعة، ولكن بعض المؤرخين يقولون: كان يجبن، وإن جهاده بشعره، وأنكر بعضهم أن يكون حسان جبانًا، وقال: إنه كان يهاجي قريشاً، ويذكر مثالبهم، ولم يبلغنا أن أحداً عيَّره بالجبن، والفرار من الموت.

* المديح في شعر حسان:
تهيأت لحسان أسباب البراءة في المديح في الجاهلية؛ فقد كان يفد على آل جفنة بالشام، فيهتزون لمديحه، ويبسطون إليه أيديهم بالجوائز، حتى روي أنه كان يرحل إليهم عاماً بعد عام، ومن أشهر قصائده في مدحهم القصيدة التي يقول في أولها:
أسألتَ رسمَ الدارِ أمْ لم تسألِ ... بين الجوابي فالبُضَيع فحَوْمَلِ
ويقول:
لله درُّ عصابةً نادمتهم ... يوماً يجلَّق في الزمانِ الأول
يمشون في الحللِ المضاعَفِ نسجُها ... مشيَ الجمالِ إلى الجمال البُزَّلِ
الضاربونَ الكبشَ يبرق بيضُه ... حزماً يطيحُ له بنانُ المفصلِ
والخالطونَ فقيرَهم بغنيهم ... والمنعمون على الضعيف المرمِلِ
(7/ 1/133)

أولاد جفنةَ حول قبر أبيهم ... قبرِ ابن ماويةَ الكريم المفضلِ
يُغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلِ
وروي: أنه تلا هذه القصيدة على عمر بن الحارث الغساني، وكان في المجلس علقمة والنابغة، فلم يزل عمر يزحل عن موضعه، حتى شاطر البيت، وهو يقول مخاطباً لعلقمة والنابغة: هذا - وأبيك - الشعر، لا ما تعللاني به منذ اليوم.
وقد وقع البيت: "يغشون حتى ما تهر كلابهم" من الحطيئة موقع الإعجاب، فقال: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
وتهيأت لحسان أسباب المديح في الإِسلام بعد الجاهلية، إذ رأى من كمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمو مكانته، ومكارم أخلاقه فوق ما كان يراه في الناس بدرجات لا تحصى، فكان إيمانه الصادق يدعوه إلى مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام. ومن أبلغ ما روأنه في مدح الحضرة النبوية: قوله:
وأحسنُ منك لم ترَ قطُّ عيني ... وأكملُ منك لم تلد النساءُ
خُلِقْتَ مبرأً من كلِّ عيبٍ ... كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ
وقوله:
متى يبد في الليلِ البهيمِ جبينُهُ ... يلحْ مِثْلَ مصباحِ الدجى المتوقِّدِ
فمن كان أو من قد يكون كأحمدٍ ... نظاماً لحق أو نكالاً لملحدِ

* الهجاء في شعر حسان:
يعزى إلى حسان أشعار على أنه هجا بها في الجاهلية بعض الأشخاص،
(7/ 1/134)

أو بعض القبائل، وهجا حسان بعد دخوله في الإِسلام. وسبب هذا الهجاء: أن رهطًا من المشركين كانوا يهجون النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال المهاجرون: يا رسول الله! ألا تأمر علياً فيهجو هؤلاء القوم؟ فقال: "إن القوم الذي نصروا بأيديهم أحق أن ينصروا بألسنتهم"، فقالت الأنصار: أرادنا والله! فأرسلوا إلى حسان فأقبل، وأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هجائهم. ومن عرف ما كان للشعر من الأثر في نفوس العرب، أدرك أن هجاء المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - يكون له أثر كبير في الصد عن الدعوة، وصرف النفوس عن قبولها، فلا بد من مدافعة هذا الشعر الهجائي بشعر مثله يبطل أثره، أو يخفف شره. وفي حديث عمار بن ياسر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: "قولوا لهم كما يقولون لكم"، فهجاء حسان في الإسلام إنما كان دفاعاً لمن اتخذوا الهجاء طريقاً لمحاربة الدعوة إلى الحق، وكذلك قال حسان مخاطباً أبا سفيان بن الحارث:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرضِ محمد منكم فداء
وكان حسان يهجو الأشخاص أو القبائل بالبخل، أو الجبن، أو الغدر، أو اللؤم، أو بنقص العقل، أو الكفر والضلال. وينسب إليه أبيات فيها فحش وإقذاع، وليس من المحتمل أن تكون تلك الأبيات المقذعة التي يحتويها الديوان المنسوب إليه قد صدرت منه بعد دخوله الإِسلام، بل أراها مصنوعة ومنسوبة إليه بغير حق، فإن الإسلام طبع نفوس الصحابة على آداب رفيعة، وسار بهم في سيرة نقية، لو عرضنا عليها هذا الشعر المقذع، رأيناها تدفعه، وحسان من الصحابة الذكره تأدبوا بأدب القرآن، ولازموا مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنين كثيرة.
(7/ 1/135)

ثم إنا نرى حسان يعني في فخره بخصلة النزاهة عن الفحش كما قال:
أبي فعلنا المعروف أن ننطق الخنا ... وقائلنا بالعرف أن لاتكلما
وقال في الفخر:
مساميحُ بالمعروفِ وسط رحالنا ... وشباننا بالفحش أبخل باخل
وقال يمدح قومه:
إذا اختبطوا لم يفحشوا في نديهم ... وليس على سؤّالهم عندهم بخل
وقال:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام معاطي للعشيرة سؤلها
وليس من شك في أن تلك الأبيات المقذعة فحش ليس بعده فحش.
وإذا وجد بعض هذا الشعر المقذع في سيرة ابن إسحاق، فإن لدينا نصوصًا تجعلنا لا نتقبل ما يرويه ابن إسحاق في السيرة من الشعر إلا بتحفظ، فهذا ابن هشام قد يورد القصيدة منسوبة إلى من نسبها إليه ابن إسحاق، ويقول: وأهل العلم أو أكثر أهل العلم ينكرها لفلان؛ أي: الذي نسبها إليه ابن إسحاق.
إذن ابن إسحاق نسب في السيرة أشعاراً كثيرة لأناس ينكر أهل العلم أن تكون لهم، وهذا يساعدنا على إنكار أن يكون هذا الشعر المقذع قد صدر من حسان في عهد النبوة.
ونزيد على هذا: أن من نقّاد الرجال من أنكر على ابن إسحاق هذا الشعر الذي يرويه. قال ابن معين في حق ابن إسحاق: ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة، والأشعار المكذوبة.
(7/ 1/136)

وهذا ابن سلام الجمحي يقول في كتاب "الشعر والشعراء": شعراء المدينة الفحول خمسة، وأشعرهم حسان، وقد حُمل عليه مالم يحمل على غيره، لما تباغضت قريش واستبت، وضعوا عليه أشعاراً كثيرة لا تليق به.
وأريد من هذا: أن ما ينسب إلى حسان من الشعر، ننظر فيه من جهة ما يعبر عنه من المعاني، فإن وجدناه يلائم روح عهد النبوة، وما عرف به الصحابة من نزاهة وفضل، قبلناه ورويناه على أنه شعر حسان، وإن وجدناه ينافي روح ذلك العهد، أنكرناه، ولا سيما شعراً لم يرد منسوباً إلى حسان بسند متصل صحيح.

* النسيب في شعر حسان:
يذهب حسان في النسيب مذهب الشعراء من قبله، فيذكر الشوق والسهر وطول الليل، ويكثر من ذكر الديار وأطلالها، والرحيل وما يحدثه من روعات وحسرات، ويسوق نسيبه في نزاهة معنى، وجزالة نظم، ومثل هذا قوله:
تطاولَ بالخمان ليلي فلم تكن ... تهم هوادي نجمه أن تصوبا
أبيت أراعيها كأني موكَّل .. بها لا أريد النوم حتى تغيبا
إذا غار منها كوكبٌ بعد كوكبٍ ... تراقبُ عيني آخرَ الليلِ كوكبا
غوائر تترى من نجوم تخالها ... مع الصبح تتلوها زواحف لُغَّبا
أخاف مفاجاةَ الفراق ببغتة ... وصرف النوى من أن تشب وتشعبا
وأيقنت لما قوَّض الحيُّ خيمَهم ... بروعاتِ بَيْنٍ تترك الرأس أشيبا
يصدر حسان المدح أو الفخر بالنسيب، بل قد يصدر المهاجاة بذكر البين والرحيل والبكاء، وكثيراً ما يخرج من النسيب إلى غيره من الفنون بقوله:
(7/ 1/137)

"دع ذا"، أو نحوه، كما نرى هذا في شعر هاجى به قيسَ بن الخطيم إذ قال في أوائله:
ما كنت أدري بوشك بينهم ... حتى رأيت الحدوجَ قد عزفوا
فغادروني والنفس غالبها ... ما شفَّها والهموم تعتكف
دع ذا وعد القريض في نفر ... يرجون مدحي ومدحي الشرف
والقصيدة التي افتتح بها ديوان حسان الذي بأيدينا، قصيدة هاجى بها أبا سفيان بن الحارث، وهي مصدرة بنحو عشرة أبيات من النسيب، وأولها:
عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء
وقال بعد العشرة الأبيات متخلصاً إلى مخاطبة قريش وأبي سفيان بن الحارث:
عدمنا خيلَنا إن لم تروها ... تثير النقعَ موعدُها كداءُ
يبارين الأعنَّة مُصعداتٍ ... على أكتافها الأَسَلُ الظماء
تظل جيادُنا مُتمطِّراتٍ ... تلطِّمهن بالخمُر النساء
ونقل عن حسان أن أبيات النسيب من هذه القصيدة قالها في زمن الجاهلية، ثم وضعها في أول هذه المهاجاة بعد الإسلام. ومن نظر في تلك الأبيات، وجد عليها طابع شعر حسان في الجاهلية.

* الحكمة في شعر حسان:
من فنون الشعر التي برع فيها حسان: إرسال الحكم البالغة، ومن هذا الباب: قوله فيمن يوثق بصحبته من الإخوان:
أخلّاء الرخاء هم كثيرٌ ... ولكن في البلاء هم قليلُ
(7/ 1/138)

فلايغررك خلة من تؤاخي ... فمالك عند نائبة خليلُ
وكلُّ أخٍ يقول أنا وفيٌّ ... ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خلٍّ له حَسَبٌ ودين ... فذاك لما يقول هو الفعول
وقال مشيراً إلى أن الشباب محفوف بالأهواء، وناصحاً بعدم إطالته في كل أمر:
إنَّ شرخ الشباب والشَّعَر الأس ... ودَ مالم يعاص كان جنونا
وقال يحذر من عاقبة اتخاذ وسائل الكيد للنفوس المقبلة على شأنها:
وكم حافرٍ حفرةً لامرئ ... سيصرعه البغيُ فيما احتفر
وقد تؤخذ الحكمة مما يقوله في الفخر؛ كقوله في بذل المال صيانة للعرض:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض بالمال
أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
وربما أخذت الحكمة مما يقوله في المهاجاة؛ كقوله مشيراً إلى أن عاقبة الجبن والهرب من مواقع الدفاع ذل وهوان:
كرهوا الموتَ فاستبيح حماهم ... وأقاموا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن ال ... موتَ موتُ النذال غير جميل
ومما يدخل في قبيل الحكمة، ويدل على جودة تخيله لاصطيادها: قوله يصف القول المزخرف للغرور به:
إني لأعجب من قولٍ غررت به ... حلوٍ يمد إليه السمع والبصرُ
(7/ 1/139)

لو تسمع العصم من شم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر
كالخمروالشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعمٌ ولاخبر
وكالسراب شبيهاً بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا أثر
لا ينبت العشب عن برق وراعدة ... غرّاء ليس له سيل ولا مطر
وخلاصة البحث: أن الشعر الذي تنسبه الرواية إلى حسان، ويوافق الرواية فيه النقد والفكر، هو شعر بالغ في براعة النظم، وجودة صياغة المعاني المرتبة التي هي أقصى ما بلغه الشعراء في الجاهلية وصدر الإسلام.
(7/ 1/140)

الخطابة عند العرب (1)
* ما هي الخطابة؟
يذكر المناطقة الخطابة فيقولون: هذا القياس من قبيل الخطابة، وليس ببرهان، والخطابة على هذا القصد: ضرب من ضروب القياس، وهي القياس المؤلَّف من أقوال مظنونة أو مقبولة، والأقوال المظنونة ما يؤخذ فيها بالمحتمل الراجح، والأقوال المقبولة ما تُتلقى ممن يُعتقد صدقه، وسداد رأيه.
ومثال الخطابة المؤلَّفة من أقوال مظنونة: أن تشير إلى أمة غربية أو شرقية، وتقول: هذه الأمة تساس بإرادتها؛ لأن لها مجلسًا نيابيًا ينظر في شؤونها، وهذا الاستدلال يرجع إلى الخطابة القائمة على أقوال مظنونة؛ إذ الشأن في الأمم ذات المجالس النيابية أن تكون مسوسة بإرادتها, ولا يبلغ هذا الاستدلال أن يكون قاطعًا إذ من الجائز - ولو على بعد - أن تجول عند انتخاب الأعضاء ريح ضاغطة، فلا يجري الانتخاب على وجهه الصحيح.
ومثال الخطابة المؤلفة من أقوال مقبولة: أن تقول لمن يتخبطه الغضب حين يُنقد قوله: لا تستنكف من أن يُردّ عليك رأيك، فقد قال الخليفة المأمون:
__________
(1) محاضرة للإمام في نادي "جمعية الشبان المسلمين" بالقاهرة مساء الأربعاء 5 ذي القعدة 1346 ونشرت برسالة صغيرة عام 1346 ه، ونشرت في مجلة "الفتح" العددين 94 و 95 لعام 1346 ه - القاهرة.
(7/ 1/141)

إن العلم على المناقشة أثبت منه على المتابعة. أو تقول لمن يبلى بسلطة جاهل: لا تطع من يأمرك بغير هدى، فقد قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: فإذا عصيتُ الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم.
ومقابل الخطابة أربعة فنون:
أحدها: البرهان، وهو القياس المؤلَّف من أقوال يقينية؛ كأن تقول: تونس مملكة غير مستقلة؛ لأنه يقيم في ثكناتها، ويقبض على زمام أمرها رجال فرنسيون. وإنما كان هذا القياس برهانًا؛ لأن العقل لا يستطيع أن يتصور لأمة استقلالاً إلا أن يكون لرجالها الرأي النافذ، والكلمة العليا.
ثانيها: الجدل، وهو القياس المؤلف من أقوال مشهورة مسلَّمة بين الناس، أو أقوال يسلمها المخاطب، ولو لم تكن في نفسها صادقة. ومثال ما كان مؤلفًا من أقوال مشهورة مسلَّمة بين الناس: أن تشير إلى قوانين أو محاكم ترفع الأقوياء على المستضعفين درجة أو درجات، وتقول: هذه القوانين قبيحة الوضع، أو هذه المحاكم قبيحة الهيئة؛ لأنها لا تقوم على أساس المساواة بين الناس. وهذا الاستدلال يرجع إلى أقوال عرفها الناس، وتعاقدوا على صحتها، وهي أن عدم المساواة بين الناس ظلم، وأن قبح الظلم شديد.
ومثال القياس المؤلف من أقوال يسلمها المخاطب، ولم تكن في نفسها صادقة: أن تحاور من لا يعرف الحق والباطل، أو الضار والنافع، وإنما يعرف الجديد والقديم، فتقول له: الخمر غير لائقة؛ لأن أحدث قانون وضع لها في البلاد الغربية يمنع من تناولها. وهذا القياس يعتمد على قول يسلمه مخاطبك الذي يدور مع الجديد أينما دار، وهو أن كل شيء يوضع له قانون جديد يمنع من تناوله فهو غير لائق. ولو قلت: الخمر غير لائقة؛ لأن علماء الاجتماع
(7/ 1/142)

بأمريكا قرروا أنها قذى في عين المدنية، وعثرة في سبيل العمران، كان قياسك هذا من قبيل الخطابة.
ثالثها: الشعر، وهو القياس المؤلف من أقوال خيالية، ومثال هذا: أن يزيِّن لك الرجلالخمول والقعود عن الناس في ناحية، فيقول: الخمول أهنأ حياة، وأقرب إلى السلامة من الظهورة فإن عواصف الرياح تحطم الأشجار الشامخة برؤوسهالأولا تمس الشجر القريب من الأرض بسوء. وإنما كان هذا القياس شعراً؛ لأنه لم يزد على أن خيّل إليك الظاهر بالعمل مع الجماعة في صورة ما تصرعه الرياح العاصفة، حتى تاخذك روعة، وتسل يدل من يدهم نفورأوفزعاً. ويمكنك أن تعارض هذا الخيال بخيال مثله، فتقول: الظهور خير من الخمول؛ فإن الثعالب تدوس النبات القريب من الأرض بأرجلها، ولا تصل إلى الأشجار الشامخة إلا أن ترمقها باعينها.
وقد يجتمع في القياس الواحد الشعر والخطابة، ومثال هذا أن تقول: علِّموا البنات تحت ظلال الصيانة والحياءة فإنهن من البنين بمنزلة أعجاز القصيدة من صدورهالأولا يحسن في القصيدة الواحدة أن تكون صدورها محكمة، وأعجازها ضعيفة متخاذلة. وهذا القياس من جهة ما فيه من تخييل شعر، ومن جهة ما يضعه في الثفس من إقناع خطابة. وهذا النوع من الاستدلال هو ما يسميه الباحثون في فلسفة الأدب بالتمثيل الخطابي.
رابعها: السفسطة، وهي القياس المؤلف من أقوال لم تستوف شرائط الإنتاج، ومثاله: أن يقول من في قلبه مرض: إن نبذ اَداب الدين تطوّر من تطورات العصر، وتطورات العصر لا تأتي مقاومتها بشيء. وإنما كان هذا القياس من نوع السفسطة؛ لأن التطورات التي لا تقاوم إنما هي التطورات الناشئة
(7/ 1/143)

عن سنن كونية ثابتة، أو التطورات التي يأتيها الناس برجاحة عقل، وسلامة ذوق، أما التطورات الحادثة عن أهواء أو جهالة، فهي التي تجيء الشرائع، وتؤلف الكتب، وتلقى الخطب لمحاربتها، وتطهير الأرض من أرجاسها، وإن لبسها الرؤساء ومن في الأرض جميعاً.
ولعل بعض السادة الحاضرين يلاحظون أنا سقنا أمثلة الخطابة وما يقابلها من فنون القياس على غير الطريقة المعروفة في درس القوانين المنطقية، فلم نقل - مثلاً -: تونس مملكة شرقية يقبض على زمامها رجال فرنسيون، وكل مملكة شرقية يقبض على زمامها رجال فرنسيون فهي غير مستقلة، النتيجة تونس غير مستقلة.
وعذرنا فيما سلكنا: أن هذه المقاييس لا ترد في المخاطبات التي تراعى فيها قوانين البلاغة إلا محذوفة إحدى المقدمتين، أو النتيجة؛ أي: محذوفة ما تدل عليه قوة الكلام تفصياً من وصمتي التكرار والإطالة لغير جدوى.
ويراد من الخطابة: القوة الصانعة للأقوال المقنعة. وعلى هذه البابة رسمها أرسطو، فقال: هي قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة.
ومعنى هذا: أن الخطابة قوة يطيق صاحبها إقناع المخاطبين في كل شيء يدعي أنه غرض صحيح، والإقناع تقوية الظن، وهو ما تعتمد عليه صناعة الخطابة.
وإنما وصف الإقناع بالإمكان، فقال: "تتكلف الإقناع الممكن"؛ لأن شأن هذه الصناعة إعداد النفوس لعمل الإقناع، وإن لم تبلغ غايتها القصوى.
(7/ 1/144)

وكذلك الشأن في سائر الصناعات؛ فإنها تُعِدّ النفس لعمل خاص. ثم إن الناس يكونون فيها على درجات متفاوتة متفاضلة.
وإنما قال: "في كل واحد من الأشياء المفردة"؛ لأن الخطابة تتناول كل العلوم والفنون، ويسوغ لها أن تدخل في كل شيء، صغيرًا كان أو كبيراً، معقولاً كان أو محسوساً. ومن هنا قال الباحثون في شؤونها: يلزم الخطيب أن يكون ملمًّا بالعلوم والفنون ما استطاع، وأن يسعى دائبًا إلى أن يزداد في كل يوم علماً.
أما الخطابة في لسان الأدباءِ والبلغاء، فهي إلقاء الكلام المنثور, سجعاً أو مرسلاً؛ لاستمالة السامعين إلى رأي، أو ترغيبهم في عمل، وهذا ما يريدونه عندما يذكرون الخطابة، ويقولون: فلان يقوم على الخطابة أكثر مما يقوم على الكتابة.
والخطابة عند هؤلاء - وإن كانت تعتمد على الأقوال المظنونة أو المقبولة - قد يدخل فيها ما يسمى عند المناطقة: برهانًا، قال صاحب "المناهج الأدبية": والأقوال الصادقة يقينًا لا تقع في الخطابة من حيث إنها خطابة، فإن ألمَّ بها الخطيب، فقد عدل بالخطابة عن أصلها. وربما أتى الخطيب على أقوال مموهة؛ أي: ذات جمل تشبه ما يكون صادقاً، وليست في نفسها صادقة، أو ذات هيئة تشبه ما يكون صحيحاً، وليست في نفسها بصحيحة، قال مالك ابن دينار: رأيت الحجّاج يتكلم على منبره، ويذكر حسن صنيعه لأهل العراق، وسوء صنيعهم له، حتى إنه صادق مظلوم.

* شرف الخطابة:
تشرف العلوم والصنائع بمقدار ما تشرف غاياتها. وللخطابة غاية ذات
(7/ 1/145)

شأن خطير، وهي إرشاد الناس إلى الحقائق، وتشويقهم إلى ما ينفعهم في هذه الحياة وفي تلك الحياة. والخطابة معدودة في وسائل السيادة والزعامة، سمع الإِمام علي بن أبي طالب زيادًا يخطب - وكان زياد لا يدعي يومئذ لأبي سفيان -,فقال: لو كان هذا الفتى قرشياً، لساق العرب بعصاه. وكانوا يعدونها شرطاً للإمارة، ألا ترون إلى عبد الله بن زياد - وكان خطيباً على لكنة في لسانه - كيف يقول: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البرد، والتشرُّف للخطب.
وقد عني الإِسلام بالخطابة إذ شرعها في أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج، شرع الخطابة وما شرعها إلا ليتولاها ذو نباهة وعلم وبلاغة.
يتولاها ذو نباهة؛ ليكون بصيراً بما يطرأ على نظام الجماعة من خلل، وبما ينصبه أعداؤها من مكايد، وبما يبيته منافقوها من تضليل. يتولاها ذو علم حتى يفرق بين المعروف والمنكر، ويميز الأوهام من الحقائق، ويكون إرشاده مملوءاً بالمواعظ الحسنة، والحكم السامية.
يتولاها ذو بلاغة؛ ليختار من أساليب البيان ما تألفه الأذواق، وتنفتح له الصدور. وكذلك كانت الخطابة يوم كانت اللغة في حياتها الزاهرة، وكان الخطباء كما ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.
ففي الخطابة شرف عظيم، وشرفها في أن يكون القائم عليها نبيهاً عالماً بليغاً.
قد يبلغ الخطيب بحذقه في فنون البيان أن يريك الباطل في صورة الحق، ويخيل إليك الشقاء سعادة. وهذا لا يزري بقدر الخطابة، وإن هي إلا ككثير من وسائل الخير التي قد يذهب بها بعض الناس في غير مذهبها، ويصفها فيما ليس من شأنها، ومثلها في هذا مثل السيف تهزه يد العدل لتضرب به الباطل
(7/ 1/146)

مرة، ويهزه الباطل ليسطو به على الحق مرة أُخرى.

* ماذا تفعل الخطابة؟
الخطيب البارع يقف في الجند المتباطئ، ويصف له ما يناله الأبطال من عزة يوم يعيشون، أو سعادة يوم يموتون، فينقلب التردد عزماً صارماً، والإحجام هجوماً رائعاً.
الخطيب البارع يقف في الجماعة الخاملة، فيهزّ قلوبها هزاً، فإذا هي ناهضة من خمولها، عاملة لإعلاء ذكرها، مقتحمة كلّ عقبة تقوم في طريقها.
الخطيب البارع يقف بين قوم نشؤوا في بيئة مغبَّرة جهلاً وعماية، أو تلقتهم دعاة الغواية قبل أن تألف الحق بصائرهم، ويشتد في العلم ساعدهم، فلا يبرح يعرض عليهم سبل الهداية في استوائها ونقائها، فإذا هم الرجال المصلحون، أو الزعماء الناصحون.
الخطيب البارع يقف بين طائفتين استعرت بينهما نار العداوة، ولم يبق بينهم وبين أن يصبح لون الأرض أحمر قانياً إلا شبر أو ذراع، فيذكرهم بعواقب التدابر، وينذرهم مصارع التقاتل، فإذا القلوب راجعة إلى ائتلافها، والسيوف عائدة إلى أغمادها.
والشعراء يقرنون الخطابة بالسيف؛ لتشابههما في إعلاء كلمة الحق، وحمل النفوس الجامحة على أن تعود إلى السكينة والنظام، وهذا أحد الشعراء يسمي فعل السيف خطبة، فيقول:
السيف أصدق من زياد خطبة ... في الحرب إن كانت يمينك منبرا
وآخر يسمي نفسه يوم يطعن بالسيف خطيباً، فيقول:
إذا لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي في يوم الوغى لخطيب
(7/ 1/147)

وربَّ كلمة يلقيها الخطيب، فتنفذ في قلب السامع، وينتفع بها في سيرته ما دام حياً. قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجّاج، فقيل له: وإن كلام الحجاج ليقذك؟ فقال: نعم، سمعته على هذه الأعواد يقول: إن أمرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له، لحري أن تطول عليه حسرته.
ولشدة وقع الخطب في نفوس الملأ ترى الرئيس المستبد ينظر إلى الخطباء الأذكياء بعين عابسة، يحذر من أن يحوموا حول سيرته، ويقنعوا الناس بأن لا طاعة لمن يضطهد ولا ينصح في تدبير شؤونهم.

* أطوار الخطابة:
كان للعرب في الجاهلية خطابة أدبية، ولكنهم كانوا يقدمون الشاعر على الخطيب من جهة أن الشعر أعلق بالأذهان، وأسرع تقلبًا في البلاد، فهو أرفع صوتاً بمفاخرهم، وأكثر إذاعة لمثالب أعدائهم. وتقديم العرب للشاعر على الكاتب، داقبالهم على حفظ الشعر أكثر من إقبالهم على حفظ الخطب، كان السبب في قلة ما وصل إلينا من خطبهم في الجاهلية.
والخطب التي يمكننا أن نستخلص منها صورة الخطابة في ذلك العهد، هي هذه الخطب التي تؤثر في كتب الأدب والتاريخ؛ كخطب وفود العرب عند كسرى، ثم هذه الخطب المروية في كتب السيرة النبوية لزعماء العرب الذين يفدون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مبدأ اعتناقهم للإسلام.
والنظر إلى جملة هذه الخطب يجعلنا على ثقة من أن الخطابة قبل كانت بهذه المنزلة المناسبة لأمة هي إلى البداوة أقرب منها إلى الحضارة، ولكنها كانت ذات ذكاء وحسن تصرف في فنون البيان.
وهذه الخطب تمثل الخطابة في عهد الجاهلية، سواء علينا أكانت مأثورة
(7/ 1/148)

على نحو الواقع، أم وصلت أثارة منها إلى أيدي الرواة، وأضاف إليها بعضهم جملاً تحاكيها في أسلوبها وطرز تفكيرها.
ولا وجه لإنكار أن يكون في العرب قبل الإسلام خطابة ممتازة؛ فإن الخطابة أثر انفعالات تنشأ عن حوادث تمس الجماعات، ولم تخل حال العرب من حوادث على هذا النحو؛ فقد كانوا مطبوعين على التفاخر بخصال السؤدد؛ كإباءة الضيم، وحماية الجار، وعلى التفاخر بمجد الآباء والعشيرة والقبيلة، فتثور بينهم لهذه الطبيعة محاورات شديدة، وجدال عنيف، وكانت الحروب بينهم لا تكاد تضع أوزارها، وكانت لهم بعد هذا مجامع ينشرون فيها مصنوعات قرائحهم؛ ليباهوا بما فيها من بلاغة وحكمة.
وإذا كان في لغة القوم بلاغة، وفي نفوسهم طموح إلى السيادة، وفي ألسنتهم قوة على الجدل وشدة في المحاورة، وفي أيمانهم سيوف تتجافى عن أغمادها، وفي بلادهم أسواق بضاعتها ما تبتدعه القرائح، فما الذي يمنعهم من أن يلدوا خطباء يقرعون الأسماع بذكر مفاخرهم، ويثيرون العواطف إلى الدفاع عن أعراضهم وأنفسهم وأموالهم؟
طلع الإسلام بشأنه الخطير، فاتسع مجال الخطابة، واشتدت البواعث على ركوب منابرها، ومن أهم هذه البواعث: الدعوة إلى هداية الإسلام، والتحريض على الوقوف في وجه خصومه بعزم وطيد، وإقدام حكيم، ويضاف إلى هذا: أن من أسباب إجادتها وإبداعها: ما بهرهم به القرآن ومنطق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بلاغة القول، وروعة الأسلوب.
وقد تنفس صدر الإسلام برجال سبقوا في حلبة الخطابة، حتى أصبح الخطباء لذلك العهد يقدمون على الشعراء، ويرفعون فوقهم درجات، خصوصاً
(7/ 1/149)

عندما انحط الشعر بالإسراف في المديح، والإقذاع في الهجاء، والإغراق في التشبيب، وفي المديح المفرط مَلَق، وفي الهجاء المقذع دناءة. وأقل ما يدل عليه الإسراف في التشبيب: أن صاحبه لا يرجى لمقامات الجد، ولا يصلح لأن تناط به جلائل الأعمال.
واستمرت الخطابة لأول عهد الدولة العباسية بمنزلتها التي بلغتها في صدر الإسلام، ومن بلغاء الخطباء في هذا العهد: أبو جعفر المنصور، والمأمون ابن الرشيد، وجعفر بن يحيى، وشبيب بن شيبة.
ولما اختلط العرب بالعجم، وأصبح الموالي يتقلدون إمارة الجيوش وولاية الأعمال، ساءت حال الخطابة العربية، فاغبرَّ وجهها، وبلي ثوبها، وتضاءل على المنابر صوتها. وفي هذا العهد قامت سوق السجع، واندفع يستولي على النثر كتابة وخطابة. وإذا كان في بعض الخطب المنسوجة على منوال السجع فصاحة ورونق؛ كخطب ابن نباته، فإن كثيراً منها لم يكسبه السجع إلا سماجة وثقلاً. والتزام السجع -كما يقول ابن خلدون- ناشئ من القصور عن إعطاء الكلام حقه في مطابقة مقتضى الحال.
عندما سقطت بغداد في أيدي التتار، وصارت الدولة إلى أيدي أمراء لا يعنيهم شأن العربية، انحطت اللغة إلى درك سافل، وظلت الخطابة بعد هذا مقصورة على أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج، وموقوفة على مواعظ محدودة، بعد أن كانت تخوض الإرشاد إلى وسائل العزة، ووجوه الإصلاح.
وما برحت الخطابة في موقفها حتى أقبل عهد الخديوي إسماعيل باشا، واهتزت في مصر حركة اجتماعية سياسية، فنشطت الخطابة من عقالها، بل بُعثت من مرقدها، وتخلصت من قيود السجع، فأتت من الآثار ما تقرؤون
(7/ 1/150)

اليوم وما تسمعون.

* أسباب ارتقاء الخطابة:
إذا اعتبرنا بأطوار الخطابة عند العرب، نجد الخطابة أخذت ترتقي في ثلاثة أحوال: في أواخر عهد الجاهلية، في صدر الإسلام، في صدر نهضتنا الحاضرة.
نأخذ من الحالة الأولى: أن من أسباب رقي الخطابة - بعد فصاحة اللغة -: حياة الأمة في بيئة حرة، وشعورها بأنها ذات سؤدد وفخار، وكثرة ترددها على حروب تدافع فيها عن أعراضها ونفوسها وأموالها.
ونأخذ من الحالة الثانية: أن من أسباب رقي الخطابة: اعتناق الأمة ديناً تحملها الغيرة والعاطفة على أن تبث نصائحه وتجاهر في سبيله بما تملك من قوة.
ونأخذ من الحالة الثالثة: أن من أسباب رقي الخطابة: شعور الأمة بالحاجة إلى أن تأخذ الحالة الاجتماعية السياسية هيئة غير هيئتها، وتسلك سيرة أقوم وأهدى من سيرتها.

* تعلم الخطابة:
قد يدرس علوم الأدب - بما فيها من علمي العروض والقوافي - من لا يدري كيف يصنع شعراً مستقيم الوزن، سليم القافية، وقد يدرس علوم الأدب -بما فيها من علوم البلاغة- من لا يستطيع أن يكتب خطابًا يُسيغه الذوق الصحيح. كذلك الرجل قد يدرس قوانين الخطابة، ويضيف إليها التضلع من علوم اللغة وآدابها، ثم لا يكون له بعد هذا في الخطابة العملية جزء مقسوم.
(7/ 1/151)

الخطابة لا يحكم صنعها إلا من يأخذ بها خاطره يوماً فيوماً، ويروض عليها لسانه في هذ المجمع مرة، وفي ذلك المجمع مرة أخرى.
نقرأ في كتب الأدب ما يدلنا على أن العرب كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب على الخطابة حتى تلين لهم قناتها، نجدهم حين يتحدثون عن عمرو ابن سعيد بن العاص يقولون: إنه كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقه، فلم يزل يتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه. ومن أجل هذا دعي بالأشدق، وإياه يعني الشاعر الذي يقول:
تشدّق حتى مال بالقول شِدقه ... وكلُّ خطيب لا أبالك أشدقُ
وربما تصدى بعض خطبائهم لتعليم الفتيان كيف يخطبون، يقص علينا صاحب "العقد الفريد": أن بشر بن المعتمر مرَّ بالخطيب إبراهيم بن جبلة السكوني، وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر يستمع، ثم قال لهم: اضربوا عما قال إبراهيم صفحًا، واطووا عنه كشحاً. ثم دفع لهم صحيفة من تنميقه تحتوي شيئاً من آداب الخطابة.
والخطابة - كسائر الصناعات -، يتفاوت الناس في إتقانها، والأخذ بزمامها، فمنهم من يمتلكها في أمد قريب، ومنهم من يحتاج إلى أن يصرف في مزاولتها زمناً بعيداً. وقد كان أهل الأدب يقولون: إنهم لم يروا قط خطيباً بلدياً إلا وهو في أول تكلفه للخطابة مستثقلاً إلى أن يتوقح، وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة.
وإذا كانت الخطابة صناعة تتعاصى على طلابها إلا أن يأتوها من طريق الدربة والممارسة، فمن اللائق برجال يتقلدون في هذه الأمة أمر التعليم أن
(7/ 1/152)

يفرضوا لها من أوقات الدراسة نصيباً كافياً، حتى تخرج لنا هذه المعاهد والمدارس خطباء يقودون الأمة إلى حيث تلقى السيادة والعظمة.

* إعطاء الحروف حقها:
ومما يقيم الخطبة ويكسوها رونقاً: أن يلفظ الخطيب بالحروف متمكنة من مخارجها، وقد كان العرب يحتفلون بهذا الوجه من الحسن، فيأسف الخطيب على سقوط شيء من أسنانه، وإنما يأسف لأن يفوته النطق ببعض الحروف على وجهها الصحيح. سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان، فشدها بالذهب، وقال: لولا المنابر، ما باليت متى سقطت.
وكانوا يفضلون الخطيب الذي يمكّن الحروف من مخارجها على الخطيب الذي يضع الحرف بمخرج غير مكين. خطب الجمحيّ، وكان منزوع إحدى الثنيتين، فكان عندما ينطق يخالط نطقه شيء يشبه الصفير, وخطب عقِبَه زيد بن علي بن الحسين، فأجاد الخطيبان، إلا أن زيد بن علي فضل الجمحي بتمكين الحروف، وحسن مخارج الكلام، فقال عبد الله بن معاوية يذكر ذلك:
صحَّت مخارجه وتمّ حروفها ... فله بذاك مزية لا تنكر
ولهجنة الحروف غير المتمكنة ونبوها عن السمع كان بعض الخطباء الذين يبلون بنحو اللثغة يتجنبون في كلامهم الحرف الذي يتعذر عليهم أن يلفظوا به على وجه سليم، ومثل هذا: واصل الغزال؛ فقد كان ألثغ قبيح اللثغة في النطق بالراء، فكان يتحامى أن ينطق بكلمة تحتوي الراء على كثرة تردد الراء في الكلام، ولقوة عارضته وغزارة مادته من اللغة استطاع أن يلقي الخطب الطوال دون أن يأتي على لفظ يشتمل على هذا الحرف، وقد مدحه
(7/ 1/153)

بهذا الصنيع بعض الشعراء، فقال:
عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحقَّ باطله
ومما يؤخذ به الخطيب: أن ينطق بالألفاظ في عجل حتى يصل الحرف أو اللفظ بأخيه قبل أن يستقر الحرف أو اللفظ الأول في موضعه، والأدب الجميل: أن يمكن الحروف تمكينًا، ويفصل الكلمات تفصيلاً، وكذلك كان كلام أفصح الخليقة - صلوات الله عليه -, قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: ما كان رسول الله يسرد سردكم هذا, ولكنه كان يتكلم بكلام بيِّنٍ فصلٍ، يحفظه من جلس إليه.

* حسن الإلقاء:
لاختيار المعاني وحسن تنسيق الألفاظ وقع في نفوس السامعين بليغ، ومما يزيد الخطبة حسناً على حسنها: أن يجيد الخطيب إلقاءها، ونعني بإجادة الالقاء: أن لا يستمر في نطقه بالجمل على حال واحدة، بل تكون الجمل متفاوتة في مظاهرها؛ من نحو رفع الصوت وخفضه، وتفخيمه وترقيقه، والوقوف عند جملة، أو وصله بأخرى، والضغط على الكلمة، أو التلفظ بها في هوادة، وأنتم تعلمون أن من هيئات النطق بالجملة ما يشعر بابتهاج الخطيب أو حزنه، ومنها ما يلائم الجمل التي يلقيها وهو واثق بصحتها، ومنها ما يلائم الجمل المرسلة لتهكم أو مزاح، ومرجع هذا كله إلى ذكاء الخطيب، وسلامة ذوقه.
وجودة إلقاء الخطبة هي التي تجعل لسماعها فضلاً على قراءتها في صحيفة، وكم من خطبة يحسن الرجل إلقاءها، فيجد الناس في سماعها من الارتياح وهزة الطرب فوق ما يجدونه عندما يقرؤونها في صحيفة، أو يستمعون
(7/ 1/154)

إلى من يسردها عليهم سرداً متشابهاً.

* الإشارة في الخطابة:
من سنن الخطابة عند العرب وغير العرب أن يقرن الخطيب بعض أقواله بإشارات محسوسة؛ كرفع اليد وخفضها، أو قبضها وبسطها، أو إدارتها إلى اليمين في حال، دادارتها إلى اليسار في حال أخرى، وأمثال هذه الإشارات لا يكاد صاحب حديث يستغني عنها، قال ثمامة بن أشرس: لو كان ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة، لاستغنى جعفر بن يحيى عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة.
وقد يتكلف الرجل أن يتكلم في هدوء وسكون، ويحرص على أن لا يتحرك من جوارحه حين يتحدث غير شفتيه ولسانه، مثل ما كان يصنع أبو شمر، ويقول: ليس من المنطق أن تستعين عليه بغيره. وإنما تتيسر هذه الهيئة لمن يتحدث في راحة بال، وقرارة جأش، وليس هذا شأن الخطيب المطبوع، وإنما شأنه توقد الفؤاد، وهياج العاطفة، فهو في انفعال يضطره إلى أن يحرك يده، ولو قليلاً.
فالخطيب الأحوذ من يحتفظ بحسن الصمت, ولا يكثر من الإشارة، وإذا أشار، فإنما تكون إشارته من الحكمة كأنها شيء استدعاه المعنى بطبيعته.

* القيام بمكان مرتفع حال الخطابة:
يقف الخطيب بمكان مرتفع؛ لكي يمتد صوته إلى مدى أبعد مما يبلغه لو كان قائماً بمكان مساو لمقاعد المستمعين، ومن دواعي ارتفاع الخطيب: أن يشهد الحاضرون إشارته الممثلة لبعض المعاني المعقولة، ووقوف الخطيب بمرأى من المستمعين يدعوهم إلى الإقبال عليه بأوفى مما لو كانوا يسمعون
(7/ 1/155)

حديثه وهو غائب عن أبصارهم.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة مسنداً ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، ثم أمر فصنع له منبر من طرفاء الغابة، وكان المنبر مركباً من ثلاثة درج، ويقي بهذه الهيئة حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس.
وكان العرب يخطبون من قيام، ولا يخالفون هذه العادة إلا في خطبة النكاح، فإنهم يلقونها من جلوس؛ إذ ليس من شأنها أن تحتوي معاني تدعو الحاجة إلى أن يسمعها جميع الحاضرين.
وكان - عليه الصلاة والسلام - يخطب قائماً، وكذلك كان شأن الخلفاء الراشدين، وروي أن معاوية بن أبي سفيان -رحمه الله- خطب جالساً، وذكروا في وجه الاعتذار عنه: أنه جلس للخطبة حين ثقل جسمه، وروى مسلم في "صحيحه": أن عبد الرحمن بن الحكم خطب في يوم جمعة قاعدًا، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعدًا، والله تعالى يقول: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11].
وقد اتفق العلماء على أن القيام في الخطبة مشروع، وإنما اختلفوا في تقدير المشروعية، فذهب فريق إلى أنه شرط في صحة الخطبة، وقال آخرون: إنه واجب، والذي اعتمده الحنفية: أنه سنَّة، ولا يبلغ حد الوجوب، فلو خطب قاعدًا، مضت الخطبة على ما نقصها من أدب كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحافظ عليه ما دام حيًا.

* الإرتاج في الخطابة:
قد يعرض للخطيب - وإن كان ذا عارضة قوية - ما يسمونه: إرتاجاً،
(7/ 1/156)

وهو أن يقف، فتنقطع عنه مذاهب القول، فلا يدري أين يضع كلامه، ومن أسباب الإرتاج: الدهش والانبهار الذي يأخذ النفس من هيبة الملأ العظيم، أو هيبة الرجل الذي شأنه أن ينقد الأقوال بعقل موزون. وحال الدهش والانبهار إنما تغشى ذلك الذي لم يكن على ثقة من كفايته لمقام الخطابة، فيخشى أن يقع في معنى سخيف، أو لفظ مرذول. قال الكميت بن زيد: إنما يجترئ على الخطابة الغمر الجاهل، أو المطبوع الحاذق الواثق بغزارته واقتداره.
والخطيب المتصنع متى أُرتج عليه، لم يسعه إلا أن يدع الكلام، وينزل عن مقام الخطابة صاغراً. أما الخطيب المطبوع، فقد ينبو فكره عن الغرض الذي وقف من أجله، ولكنه لا يعجز أن يسمع الناس كلمات بليغة يصون بها موقفه من أن يسام بغضاضة أو ازدراء.
صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر، فأُرتج عليه، فمكث ملياً لا يتكلم، ثم تكلم فقال: أما بعد: فإن هذا الكلام يجيء أحياناً، ويعزب أحياناً، فيسيح عند مجيئه سيبه، ويعز عند عزوبه طلبه، إلى أن قال: وقد يرتج على البليغ لسانه، ويختلج من الجريء جنانه، وسأعود فأقول -إن شاء الله-.
ويروى في هذا الصدد أن ثابت بن قطنة سعد منبر سجستان، فقال: الحمد لله. ثم أُرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإن لا أكنْ فيكم خطيباً ... فإنني بسيفي في يوم الوغي لخطيبُ
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر، لكنت أخطب الناس.

* الارتجال في الخطابة:
في الناس من يقف ليخطب، فتنهال عليه المعاني، وتتسابق إليه الألفاظ،
(7/ 1/157)

فيسترسل في القول دون أن يدركه حَصَر، أو يتعثر في لجلجة، وهذا ما نسميه: ارتجالاً. وفي الناس من تجيئه المعاني على مهل، وتتوارد إليه الألفاظ في تباطؤ، فلا يحسن أن يخطب إلا بعد أن يعدَّ لمقام الخطبة مقالاً.
قال أبو هلال العسكري: في الناس من إذا خل ابن فيه، وأَعمل فكره، أتى بالبيان العجيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الفائق، فإذا حاور أو ناظر، قصر وتأخر، فخليق بهذا أن لا يتعرض لارتجال الخطب.
وكانوا فيما سلف يتهمون الخطيب المبدع بأنه يهيئ الخطب، ويحبرها تحبيرًا، وإنما ينفي عنه هذه التهمة أن يحدث داع للخطابة فجأة، فيقف ويخطب بما يشبه خطبه السابقة ارتجالاً. قيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعيره، فلو أمرت أن يصعد المنبر، لرجوت أن يفتضح. فأمر رسولاً فأخذ بيده إلى المسجد، فلم يفارقه حتى صعد المنبر، فارتجل كلاماً يشبه طرز خطبه، فعرفوا أنه من أولئك الذين يستطيعون أن يقتضبوا الخطب ساعة يقومون على أعواد المنابر اقتضاباً.
فبلاغة الخطبة في نفسها مزية، وارتجالها بعد هذا مزية أخرى، وإنما يقوى على ارتجال الخطبة وإلقائها متماسكة الحلقات، من سبق له أن أدرك معاني كثيرة تتصل بالموضوع، وكانت له حافظة قوية تؤدي إليه صورة هذه المعافي كما أودعها، وكان بعد هذا ألمعيًا مهذبًا، يحسن التصرف في هذه الصور، ويضع كل صورة بالمكان اللائق بها.
أيها السادة:
هذا ما سمح المقام بعرضه على أسماع شبابنا الأذكياء، وإنما قصدنا تذكرتهم بهذا الفن الجليل من الخطابة، لعلهم يمنحونه من إقبالهم جانباً؛
(7/ 1/158)

فإن الحاجة الشديدة إليه قائمة، والدواعي إلى ترقيته وتوسيع نطاقه مجتمعة، وأولو الألباب هم الذين يقدرون الحاجات، فيبادرون إلى سدها، ويستمعون إلى الدواعي، فيحسنون إجابتها.
(7/ 1/159)

نشأة علم البلاغة (1)
* المحاضرة الأولى:
دعتني الرياسة العامة للمعاهد الدينية في السنة الماضية إلى درس علم البلاغة بقسم التخصص، فكنت أطمح في مطالعة بعض أصول هذا العلم إلى أن أعرف من سبق إلى بحثها، وكيف تقلبت في أطوارها، وأود لو يساعدني الحال على أن أتحرى هذه السيرة في درس، وأمضي عليها في كل بحث. فهممت بأن أهيئ لهذا الأمر سبباً، وخطر لي أن ألقي عند إنتهاء الدراسة محاضرة تكون تمهيدًا لهذا العمل الذي يسمّى: تاريخ أصول البيان.
ثم إني اطلعت في بعض الصحف على محاضرات ثلاث ألقاها أستاذ في الجامعة المصرية تحت عنوان: (النقد الأدبي عند العرب)، فرأيته يصف نشاة علم البيان عند العرب، ويعرض فيها آراء لم تستو على سوقها، ودعاوى ثكلت أدلتها، ويطرح جملاً لا تتفق مع أخرى تتقدمها أو تجيء من ورائها.
وذلك ما دعاني أن أمر في أثناء هذه المحاضرة على نقد مواضع من تلك المحاضرات؛ فإننا أمة بحث واستدلال، لا نفتتن بزخرف الأقوال،
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية الهداية الإسلامية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" في الأجزاء: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر من المجلد الأول. لعام 1348 ه.
(7/ 1/160)

ولا بمظاهر القائلين، ولا نقبل الآراء إلا أن تخرج في نور من الحجة مبين.
وأعتمد في مناقشة ذلك المحاضر على ما قرأته في جريدة "السياسة"؛ فإنها كانت تنشر لكل محاضرة تلخيصًا (1). وربما تناولت جملاً مما قرأته في جريدة "العلم"؛ فقد وقع إلى العدد (2) الذي نشرت فيه المحاضرة الأولى.
"وقد كان فضيلة الأستاذ الشيخ عباس الجمل يشهد تلك المحاضرات، وينقدها في جريدة "الأهرام" نقداً عادلاً (3)، ولولا أني أقصد إلى بحث الموضوع في نفسه، وهو يستدعي التنبيه على شيء من أغلاط تلك المحاضرات، لكان فيما كتبه الأستاذ ما يكفي غيره أن يجرد القلم لنقدها".

* تمهيد:
يتحد العرب في إيراد الكلام على ما تقتضيه قواعد الإعراب، وما توجبه النظم العامة؛ من نحو: التقديم والتأخير، أو الذكر والحذف، إلا ما تختلف فيه بعض القبائل اختلافاً يسيراً، أو ما ينطق به بعض الأفراد شذوذاً عن جماعتهم، وخروجاً عن السنن المألوف في لسانهم.
ووراء هذا أمر آخر كانوا يتفاوتون فيه تفاوتاً بعيداً، ويتفاضلون فيه مراتب ما بين أعلاها وأدناها مثل ما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، ذلك ما نسميه: بلاغة، أو حسن بيان.
حسن البيان الذي جعل في العرب قوماً يُذكرون بإعجاب، وجعل
__________
(1) المحاضرة الأولى في 14 أبريل نيسان.
(2) في 18 أبريل.
(3) عدد 15 أبريل.
(7/ 1/161)

الناس يتنافسون في رواية أقوالهم، والاطلاع على أسرار تراكيبهم، لا يعدو ثلاث جهات:
1 - ما يقصد إليه المتكلم من معان يقتضيها المقام زائدة على أصل المعنى.
2 - ما يقع من التصرف في المعاني بإيرادها في طرق تختلف بالوضوح والخفاء.
3 - ما يعرض للكلام من وجوه تكسوه حسناً، وتزيده في نفس السامع وقعاً.
أخذت اللغة زينة البلاغة في عهد الجاهلية؛ إذ كانت حياة العرب تقوم على التفاخر بالأنساب والأحساب، وما فتئوا يخوضونها حروبًا حامية، والحروب مدعاة لإتقان صناعة البيان، ثم جاء الإسلام فبعثها مقامًا أرفع، وفتح في وجهها طرقاً أبدع، وألقى عليها ديباجة أنقى وأنصع، فازدادت سعة على سعتها، واكتست بهجة فوق بهجتها، وقد ظهرت آثاره في ألفاظها وأساليبها، في معانيها وأغراضها.
وقد دفع القدماء من علماء البيان ما يتوهم من أن وجوه البديع من صنع المحدثين في صدر الدولة العباسية، فهذا عبد الله بن المعتز يقول في كتابه "البديع": "إن بشاراً وأبا نواس ومسلم بن الوليد ومن يتقيلهم (1) لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه أكثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم". وهذا أبو هلال العسكري يقول: "هذه أنواع البديع التي ادعى من لا روية له ولا رواية
__________
(1) يتقيلهم: يشبههم.
(7/ 1/162)

عنده أن المحدثين ابتكروها، وأن القدماء لم يعرفوها، وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين".
وصدرت من ابن أفلح البغدادي مقالة فخَّم فيها من شأن المحدثين، وأسرف في التفخيم إذ قال في مقدمته: "أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون". وقد ردّ ابن الأثير في المثل السائر" على هذه المقالة الجائرة، وقال عقب الرد عليها: "لو قال: إن المحدثين أكثر ابتداعًا للمعاني، وألطف مأخذًا، وأدق نظراً، لكان قوله صواباً؛ لأن المحدثين عظم الملك في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون".
وقال ابن أبي الحديد: "إن هذا الفن من البديع لا يوجد منه في كلام غير الإمام علي ممن تقدمه إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة". وإنما يريد بالقصد في قوله "غير مقصودة": أنها تجيء عفوًا من غير تصنع وإجهاد نظر، وإلا، فالعرب كانوا يشعرون بوجه حسنها، فإذا صاغوا كلامهم في استعارة أو طباق أو جناس، أدركوا ما فيه من بديع، وفضّلوه على غيره مما يساويه في كل شيء إلا أنه لم يشاركه في هذا الوجه من الحسن.

* لماذا نهض النحو قبل أن ينهض البيان؟
نهض علم النحو بالتأليف وتقرير القواعد قبل أن ينهض علم البيان ذلك النهوض، فكنا نرى النحاة يستنبطون القواعد، ويختلفون فيها مذاهب، ويودعونها الكتب الضخمة، في حين أناّ لا نرى من فنون البيان إلا كلمًا تجري على ألسنة البلغاء، أو تصدر من نقاد الخطب والأشعار، أو تقع في مباحث اللغويين أو النحاة، أو تجيء في بيان آيات من القرآن الكريم.
علة تأخر نهضة البيان عن نهضة - النحو فيما يظهر - هي: ما أومأنا إليه
(7/ 1/163)

آنفاً من أن العرب على اختلاف طبقاتهم كانوا يقومون على قانون الإعراب، فأول لحن طرق آذانهم أشعرهم بالخطر الذي جعل ينتاب لغتهم الفصحى، فقاموا سراعًا يستخرجون القوانين التي تجري عليها هذه اللغة؛ حفظاً للألسنة من تحريف الكلم عن هيئاتها.
أما فنون البيان، فإن العرب يتفاوتون في مراعاتها، والنسج على منوالها، ففي العرب من يخرج المعاني في صورة جميلة، ويصوغ الكلام في وجوه بديعة، وفيهم من لا يطيق سوى تأدية المعنى الذي يستوي فيه الغبي والألمعي، والقروي والبدوي، وهو عما وراء ذلك من الغافلين.
ولوجود أفراد لا يذكرون في حساب البلغاء، حتى في عهد الجاهلية وصدر الإسلام، لم يكن ما نشأ عن اختلاط العرب بالعجم من قصور الألسن عن أمد الفصاحة، وجفافها من ماء البلاغة حادثاً مكشوف الوجه كحادث الخطأ في مباني الكلم أو الإعراب.
فلا غرابة أن ينهض علم الإعراب ومباني الكلم تلك النهضة البالغة، ويبقى علم البيان جملاً تطرح في المجالس، أو مباحث تلقى مفرقة في الكتب، أو صحفًا تحتوي قطعاً غير شافية، ولا ينهض نهضته العبقرية إلا في خلال المئة الخامسة.
وتفترق قوانين النحو من قوانين البيان من ناحية أخرى، هي: أن قوانين النحو تعرف بالاستقراء من غير أن يكون للذوق حكم نافذ في تقريرها.
أما قوانين البيان، ومزايا النظم، فلا يكفي في إدراكها الاطلاع على ما يصدر من البلغاء منظوماً ومنثوراً، بل لا يحكم صناعتها إلا من حاز ذوقاً صافياً فوق ما يملك من الذكاء. ونريد من الذوق: تلك الملكة التي تتربى
(7/ 1/164)

بممارسة كلام البلغاء، والتنبه لما تكنه تراكيبهم من المعاني الدقيقة.
وما زال أئمة البيان يرشدون إلى أن صناعة البلاغة ليست كصناعة النحو، ويلهجون بأن عمادها الذوق والإحساس الرقيق، فهذا الإمام عبد القاهر يقول في "دلائل الإعجاز": "واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولاً حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة". وهذا السكاكي يقول في "مفتاحه": "وكان شيخنا الحاتمي يحيلنا، بحسن كثير من مستحسنات الكلام إذا راجعناه، على الذوق". وهذا سعد الدين التفتازاني يتحدث عن معاني أدوات الإنشاء من شرحه المطول، فيقول: ولا تنحصر فيما ذكره المصنف، ولا ينحصر شيء منها في أداة دون أداة، بل الحاكم في ذلك هو سلامة الذوق، وتتبع التراكيب.
وتوقُّفُ أحكام صناعة البيان على الذوق كان السبب في أن من ألّفوا فيها كتباً قيمة أقلَّ عدداً ممن ألّفوا في النحو، فأجادوا البحث والأسلوب.

* كيف نشأ علم البيان؟
لامراء أن العرب الخلص - جاهلية وإسلاماً - كانوا يحسون وجوه البلاغة ومحاسن البيان، وتأخذهم لسماع القول البليغ هزة ارتياح وإعجاب، ويصفونه بنحو الفصاحة والبلاغة.
وليس بعيداً من المعقول أنهم كانوا يخوضون في الوجوه التي يرتفع بها شأن القول، ويضعون أيديهم على الناحية التي يظهر فيها أثر الصنعة، فيقولون: في هذه الناحية معنى دقيق، أو وجه من الصياغة بديع. أو يضعونها على الناحية التي يكبو فيها ذوق الشاعر أو الخطيب، فيذكرون عيبها، ويعدونها سقطة لصاحبها.
(7/ 1/165)

وممن صرح بأن العرب كانوا يتحدثون عن محاسن الكلام ومعايبه، ويتدارسونها بينهم: أبو الحسن حازم (1) الأنصاري الأندلسي في كتابه "المناهج الأدبية" حين قال:
"لم تكن العرب تستغني بصحة طباعها عن تسديدها وتقويمها، باعتبار معاني الكلم، بالقوانين المصححة لها، وجعلها ذلك علماً تتدارسه في أنديتها، ويستدرك به بعضهم على بعض، وقد نقل الرواة في ذلك الشيء الكثير، لكنه مفرق في الكتب، لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك، لاستخرج منه علماً كثيراً موافقاً للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة".
ثم قال: "وكيف يظن ظان أن العرب -على ما اختصت به من جودة الطباع- كانت تستغني في قولها الشعر عن التعليم والإرشاد إلى كيفية المباني التي يجب أن يوضع عليها الكلام، والتعريف بأنحاء التصرف المستحسن في جميع ذلك، والتنبيه على الجهات التي يداخل الخلل المعاني، وأنت لا تجد شاعرًا مجيدًا منهم إلا وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة، وتعلّم منه قوانين النظم، واستفاد عنه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية".
ومراد حازم بما ينقل من الروايات في هذا الشأن: ما يشبه قصة النابغة حين نقد قول حسان بن ثابت:
لنا الجفنات الغرُّ يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقال له: "قللت جفانك وأسيافك".
__________
(1) قال فيه أبو حيان: لا نعلم أحداً ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقد البيان ما أحكم من منقول ومبتدع.
(7/ 1/166)

هذا ما يصرح به أحد جهابذة البيان مستنداً إلى الروايات الكثيرة، ومقتضاه: أن الحديث في صناعة البيان قد بدئ في عهد الجاهلية، وليس في قوانين النظر، ولا في سنن نشء العلوم ما يقضي بامتناعه، فإذا كان الكلام العربي تقلب في أطوار البلاغة، وخرج في زينة البيان منذ عهد الجاهلية، فما الذي يمنع الطبقة المستنيرة الممتازة منهم أن يتحاوروا في هذا الذي يتنافسون في حلبته، ويراعونه عندما يفضلون شاعرًا على شاعر، أو خطيباً على خطيب؟.
ويذهب ذلك المحاضر إلى ان البيان العربي إنما نشأ عند علماء الكلام، فقال:
"وكما أن البيان اليوناني بعد نشأته في القرن الخامس قبل المسيح قد أخذ يتطور شيئاً فشيئاً بفضل المعلمين والمؤدبين قبل أن يصل إلى أن يكون علماً منظمًا توضع له القواعد، وتؤلف فيه الكتب، كذلك كان البيان عند العرب. فبعد أن نشأ عند المتكلمين أخذ يتطور شيئاً فشيئاً قبل أن تؤلف فيه الكتب، وتوضع له القواعد الفنية". وقال:
"لم ينشأ علم البيان عند العرب من الشعر، إنما نشأ من النثر حين ظهرت مذاهب الكلام عند المسلمين، وأخذ كل فريق منهم ينتصر لرأيه، ويأخذ على مناظره الحجة، ويعد عليه سقطته في اللفظ والمعنى".
لننظر في معنى نشأة العلم، أيراد بها: مبدأ الحديث عما يعده في مباحثه، ويدخل في موضوعه؟ أم يراد بها: حالة ما يأخذ الناس في وضع قواعده وجمع مسائله؟.
لا يصح للمحاضر أن يريد الوجه الأول، ويعني بنشأة البيان عند المتكلمين:
(7/ 1/167)

أنهم سبقوا إلى الحديث عنه؛ فإن الحديث عن بعض فنونه قد جرى من قبل أن يظهر علماء الكلام، ومما يمنع المحاضر أن يريد من نشأة البيان عند المتكلمين: مبدأ الحديث عنه: أنه يعترف بشيء من هذا الذي يقوله حازم؛ إذ يقول في محاضرته الأولى: "إن الشعراء في آخر العصر الجاهلي كانوا قد وصلوا إلى تعلم الشعر بالصناعة"، وبعد أن ذكر تعليم أوس بن حجر زهيراً، وتعليم زهير ابنه كعبًا والحطيئة، وتعليم الحطيئة لكثير من شعراء الإسلام، قال: "وليس من شك في أن المعلمين كانوا حين يستحسنون شعراً يقولون: استحسن لكذا، وحين يستقبحونه يقولون: استقبح لكذا. وهذه العلل التي يذكرونها في الاستحسان إنما هي أوجه البديع".
ولا أظن المحاضر يقصد بقوله: "إنما هي أوجه البديع" إلى أن الذي كان يتعلم في الجاهلية أو في صدر الإسلام هو البديع دون غيره من فنون البيان؛ فإن الروايات في هذا الباب مطلقة، وقد سمعتم قول حازم: "لاستخرج منه علماً كثيراً موافقاً للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة".
وهذا المحاضر يعد فيما أخذه البيانيون من الجاهليين لفظ الإيجاز والمجاز، فيقول في المحاضرة الأولى: "وهناك ألفاظ أخذها البيانيون عن الجاهليين، ولم يضعوها, ولم يخترعوها اختراعاً؛ فقد عرف شعراء الجاهلية ألفاظ الإيجاز والأسباب والمجاز، وغير ذلك من الألفاظ".
ونحن لا نثق بأن كلمة المجاز بالمعنى الذي يريده البيانيون من أوضاع الجاهلية؛ إذ لا نعرف له شاهداً في شعر أو نثر، ولو كان معروفاً عند العرب بهذا المعنى، لاتخذ الجمهور من هذا الاستعمال حجة على من أنكروا أن يكون في كلام العرب مجاز، وما رأيناهم يفعلون.
(7/ 1/168)

ونجد أبا عبيدة في كتاب "مجاز القرآن" يستعمل كلمة "مجاز" - عند تفسير اللفظ بمعنى فيه خفاء، كما قال: والرحمن مجازه ذو الرحمة، والرحيم مجازه الراحم، وكما قال في قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} [المائدة: 2]: مجازه: ولا يحملنكم، ولا يغرينكم، ومجاز {شَنَآنُ قَوْمٍ} أي: بغضاء قوم، وكما قال في قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ} [البقرة: 173]، أي: ما أريد به، وله مجاز آخر، أي: ما ذكر عليه من أسماء آلهتهم. فليس المراد من المجاز في هذا المقام ما يقابل الحقيقة، وإنما يراد به: مخرج الكلام، وما يقال في تفسيره.
فإن أراد المحاضر من دعوى نشأة البيان عند المتكلمين: أنهم الذين أخذوا في وضع قواعده، وتنظيم مسائله، قلنا له: قد سميت هذا الذي كان يدور بين المتكلمين بملاحظات، فقلت: "وإن الجاحظ يرجع في ذلك إلى علماء الكلام، يعتمد على ملاحظاتهم التي كان يأخذها على بعضهم البعض".
وإذا كان ما يجري بين المتكلمين من قبيل الملاحظات، فهو من نوع ما يلاحظه البلغاء من غير المتكلمين عندما ينقدون شعراً أو خطبة، وليس النقد عند الأدباء ورواة الأشعار بعزيز.
ولم يقدم لنا المحاضر أمثلة من الملاحظات التي أخذها بعض المتكلمين على بعض حتى نستبين الفرق بينها وبين ملاحظات غيرهم من الأدباء، ونقضي بأن أصول البيان إنما نشأت عند علماء الكلام، ولو وجدنا شيئاً من هذه الملاحظات في مثل كتاب "البيان والتبيين"، لقلنا: إن المحاضر اجتزأ بما احتوته هذه الكتب عن ذكر أمثلتها.
وإذا كنا نجد الجاحظ قد نقل عن بشر بن المعتمر أحدِ جهابذة علم
(7/ 1/169)

الكلام صحيفة تشتمل على شيء من أصول الخطابة وآدابها، فإن بشراً هذا كان معدوداً في أكابر البلغاء، فيصح أن يكون ما في هذه الصحيفة صادراً من ناحية ما تجمَّع لديه من وسائل البلاغة، لا من ناحية كونه متكلمًا؛ إذ لم يكن ما تحمله تلك الصحيفة بعيدَ المأخذ من مدارك البلغاء ونقاد الخطب ممن لم يدرسوا علم الكلام.
والصواب فيما نرى: أن نبحث عن نشأة علم البيان من طريق البلغاء وعلماء العربية، وسواء بعد هذا أكان البليغ أو العالم بالعربية من علماء الكلام؛ كالجاحظ، وبشر بن المعتمر، أم لم يملك سوى مزية البلاغة، ولم ينظر في غير علوم اللسان.
إذا وجهنا النظر إلى صدر الاسلام وعهد الدولة الأموية، وأخذنا نتحسس من الكلمات التي تقع على ناحية من نواحي علم البيان، نجد آثاراً تعزى إلى بلغاء من رجال ذلك العصر، مثل ما يروى في تعريف البلاغة عن الإمام علي ابن أبي طالب، وابنيه الحسن ومحمد بن الحنفية، وكما يروى عن يزيد بن معاوية في شأن الفصل والوصل، إذ يقول: "إياكم أن تجعلوا الفصل وصلاً؛ فإنه أشد وأعيب من اللحن". ونجدهم ينبهون في مقام النقد على شيء من فنون البيان.
ومثل هذا: قصة ذي الرمة حين أنشد بلال بن أبي بردة قوله:
رأيتُ الناسَ يَنْتجِعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالاً
فقال بلال: يا غلام! اعلفها قتاً ونوى. قال هذا تعريضاً بقلة فطنة ذي الرمة للوجه اللائق بالمديح، ونقرأ في هذه القصة: أن أبا عمرو أحدَ الحاضرين لإنشاد البيت قال لذي الرمة بعد أن انصرف: هلّا قلت له: إنما عنيتُ بانتجاع
(7/ 1/170)

الناقة صاحبَها، كما قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] يريد: أهلها، وهلاّ أنشدته قول الحارثي:
وقفت على الديار فكلمتني ... فما ملكت مدامعها القلوص
يريد: صاحبها. وهذا من أبي عمرو حديث عما يسميه البيانيون: مجاز الحذف.
أما ما يشبه هذه الكلمات وهذا النقد، فهو في صدر الدولة العباسية غير قليل.
نجد في آثارهم: أن أبا العباس السفاح مؤسسَ تلك الدولة يصف البلاغة، ويجعل من حليتها المعرفةَ بمواضع الفصل والوصل، يروون عنه أنه قال لكاتبه: "قف عند مقاطع الكلام وحدوده، وإياك أن تخلي المرعى بالهمل، ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل".
وتجد في آثارهم أن المفضل الضبي سأل أعرابياً عن البلاغة، فقال: "الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل". قال ابن الأعرابي راوي هذا الأثر: فقلت للمفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وذكر ابن خلدون جعفرَ بن يحيى فيمن كتبوا في فن البيان، فقال في مقدمة "تاريخه": "وكتب في هذه العلوم جعفر بن يحيى، والجاحظ، وقدامة إملاءات غير كافية".
وتحدث شبيب بن شيبة عن ثلاثة أنواع من البديع: حسن الابتداء، وحسن الانتهاء، وجودة القافية. فقال: والناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع، وبمدح صاحبه، وحظ
(7/ 1/171)

جودة القافية - وإن كانت كلمة واحدة - أرفع من حظ سائر البيت.
وإذا صرفنا النظر عن البلغاء إلى علماء اللغة والنحو، نجدهم كانوا يعرجون على جانب من وجوه البيان ومحاسنه.
نجد أبا عمرو بن العلاء المتوفى سنة 154 يشرح الأبيات، ويلوّح إلى ما فيها من مجاز. يورد الرواة هذا البيت:
أقامت به حتى ذوى العود والتوى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
ويقولون كان أبا عمرو يقول: "ألا ترى كيف جعل للفجر ملاءة، ولا ملاءة له؟ ". ونجده يذكر كلمة "قيد الأوابد" من قول امرئ القيس:
بمنجردِ قيدِ الأوابد هيكلِ (1)
ويقول: إنه أحسن في هذه اللفظة، وإنه اتبع فيها فلم يُلحق.
ونجد الخليل بن أحمد المتوفى سنة 175 و 170، قد تحدث عن الجناس والمطابقة، وعن الاستعمال المجازي، قال سيبويه: "وسألت الخليل ابن أحمد عن قول العرب: ما أُميلحه! فقال: حقّروا هذا اللفظ، وإنما يعنون الذي تصفه بالملح، كأنك مُليّح، شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئاً آخر، نحو قولهم: يطؤهم الطريق: أهل الطريق، وصيد عليه يومان: صيد عليه الصيد يومين، فحذف الصيد، وأقام اليومين مقامه".
ونجد سيبويه المتوفى سنة 180 يأتي في الكتاب على مباحث تدخل في فن البيان، نجده قد تناول في عدة مواضع من كتابه: التقديم والتأخير من الوجه الذي يبحث عنه علماء البلاغة، منها: قوله في باب الفاعل: "إنما يقدمون الذي
__________
(1) "الإعجاز" للباقلَّاني.
(7/ 1/172)

بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم".
ونجده تناول شيئاً من دواعي الحذف، وهو الاستغناء عن المحذوف بعلم المخاطب، وبما يرى من شواهد الأحوال، وأقام له الشاهد من القرآن والحديث، وقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
وقول ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّارٌ بها لغريبُ
وعرج في مواضع من كتابه على المجاز، ولكنه يسميه بسعة الكلام، أورد قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
ثم قال: "فجعلها الإقبال والإدبار مجاز على سعة الكلام؛ كقولك: "نهارك صائم، وليلك قائم"، ومثل ذلك قول الشاعر متمم بن نويرة:
لعمري ما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا
وتحدث سيبويه عن مجاز الحذف إذ قال في قولهم: "هذه تميم، وهذه سلول": إنما تريد: هذه بنو تميم، وهذه بنو سلول، غير أنك حذفت المضاف تخفيفًا، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وقولهم: "ويطؤهم الطريق"، وإنما تريد: أهل القرية، وأهل الطريق، وهذا في كلام العرب كثير".
وتناول الحديث عن التشبيه، وفرَّق بين ما اقترن بالأداة، وما لم يكن مقروناً بها، فقال: "تقول: مررت برجل أسد أبوه، إذا كنت تريد أن تجعله
(7/ 1/173)

شديداً، ومررت برجل مثل الأسد أبوه، إذا كنت تشبِّهه".
ونجد الفراء المتوفى سنة 207 يتعرض في تفسيره معاني القرآن إلى وجوه تعد من فنون البيان، كتنبيهه على المجاز العقلي في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] حين قال: "ربما قال قائل: كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر، وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وحسن بيعك، وحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم".
ونبّه على بعض أنواع المجاز المرسل، كما نبه على إطلاق المحل وإرادة الحالّ في قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق: 17]. وقال: العرب يجعلون النادي والمجلس والمشهد والشاهد: القوم.
ونجد أبا عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 209 يأتي في تفسيره "مجاز القرآن" على جانب من فنون البيان، كما نبه على الالتفات في قوله تعالى: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 33 - 34]. وفي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِبَةٍ} [يونس: 22]. ونبّه على بعض أنواع المجاز المرسل؛ كاستعمال المصدر في اسم الفاعل أو اسم المفعول، في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 177]، وقوله تعالى: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30]، ونبهَ على ما يسمونه: القلب في قوله تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76].
ونجد الأصمعي المتوفى سنة 116 يتحدثُ عن النوع الذي يسميه بعض البيانيين: التفاتاً. روى محمد بن يحيى الصولي: أن الأصمعي قال له: أتعرف التفاتات جرير؟ فقال: لا، ما هي؟ قال:
(7/ 1/174)

أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة سُقي البشام
ألا تراه مقبلاً على شعره، ثم التفت إلى البشام، فدعا له؟.
وتحدث عن التغليب، فقال: إذا كان أخوان أو صاحبان، وكان أحدهما أشهر من الآخر، سمِّيا باسم الأشهر، من هذا الباب: الأسودان: التمر والماء، والأبيضان: الخبز والماء.
جاء بعد هؤلاء عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 255، وهو ممن جمع بين علم الكلام والرسوخ في اللغة وآدابها، ومن مؤلفاته كتاب "البيان والتبيين"، أورد فيه ما قيل في تعريف البلاغة، وتحدث عما يرجع إلى وصف الفصاحة من حسن الألفاظ، وخلوص الكلمات من التنافر والتعقيد، وتعرض إلى شيء من فنون البيان، وما يسمونه: البديع. وصفه أبو هلال العسكري بمثل ما وصفنا، ثم قال: "إلا أن إبانته عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومتنثرة في أثنائه، فهي ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير".
ولم يقل الجاحظ: إني استمد من ملاحظات المتكلمين، ولا حدثنا عما يلاحظه بعضهم على بعض، فقول المحاضر في محاضرته الثانية: "وإن الجاحظ يرجع في ذلك إلى علماء الكلام، ويعتمد على ملاحظاتهم التي كان يأخذها على بعضهم البعض" هو إلى الفرض أقرب منه إلى التحقيق، وقد نطق المحاضر في محاضرته الثانية بغير هذا، فقال: "إن الجاحظ لم يرد أن يؤلف كتاباً في البيان، وإنما أراد تدوين خواطر كانت شائعة في ذلك الوقت عند الأدباء والشعراء".
وهل ما كتبه الجاحظ في البيان مأخوذ مما ترجم عن اليونان والفرس؟
(7/ 1/175)

يقول ذلك المحاضر: "إن الجاحظ لم يقتصر في وضعه لأصول علم البيان على علماء الكلام، بل أخذ عن الفرس والعجم، بفضل ما كان هناك من اتصال بين الأمة العربية وبين الأمم الأخرى بواسطة الترجمة". وقال: "هذه القواعد التي ذكرت في "البيان والتبيين" لم يأخذها الجاحظ عن المتكلمين وحدهم، أو أن المتكلمين لم يخترعوها اختراعاً من عند أنفسهم، وإنما تأثروا فيها بما كان يصل إليهم من الفلسفة والبلاغة اليونانية".
هل يستطيع المحاضر أن يثبت أن في الكتب المنقولة إلى العربية كتاباً في أصول البيان اليوناني أو الفارسي غير كتابي "الخطابة"والشعر، لأرسطو؟ أو يستطيع أن يثبت أن الجاحظ عرف بيان اللسان اليوناني أو الفارسي، فاستمد منه فيما وضعه من أصول البلاغة العربية؟.
ولم يأت الجاحظ في كتابه بما فيه رائحة البيان اليوناني أو الفارسي إلا نحو ما رواه له الكاتبان: أبو الزبير، ومحمد بن أبان في حد البلاغة عند الفرس واليونان، وهذا لا يقتضي أن البيان العربي مأخوذ من البيان اليوناني، وإن هي إلا كلمة وقعت إلى الجاحظ على طريق هذين الكاتبين كما وقعت إليه كلمة في حد البلاغة عند أهل الهند. وقد ذكر المحاضر في محاضرته الثانية أن الجاحظ يجهل أن لليونان خطابة وشعرًا، فقال: إن الجاحظ حين جعل الخطابة والشعر من خصائص العرب، وقال عن اليونان: إنهم أهل منطق، كان يجهل أن عند اليونان خطابة وشعرًا، ولم يقرأ كتاب أرسطاطاليس في الخطابة والشعر، ولو قرأه، لما قال ذلك عن العرب واليونان.
وممن كتبوا في آداب اللغة، ونشؤوا في عهد الجاحظ: عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة 267، وقد تكلم في شيء من فنون البيان، كما نبه على المجاز
(7/ 1/176)

في "أدب الكاتب" حين قال: "والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له, وكان منه بسبب ما بينت لك في باب تسمية الشيء باسم غيره". وحكى عنه صاحب "العمدة" بحثاً في باب المجاز، وأنه رد على من أنكر أن يكون في لغة العرب مجاز، وقال: لو كان المجاز كذباً، لكان أكثر كلامنا باطلاً.
وإذا وقع إنكار المجاز في عهد ابن قتيبة، أو قبله (1)، عرفنا أن أبا إسحاق الإسفرائيني الذي يعزى إليه هذا المذهب، أو أبا علي الفارسي الذي يحكيه عنه بعض المؤلفين، لم يكن بأول من أنكر المجاز؛ لأن أبا أسحاق الإسفرائيني توفي سنة 418، وأبا علي توفي سنة 377.
وممن نشؤوا في عهد الجاحظ، وابن قتيبة: أبو العباس المبّرد المتوفى سنة 282 ه , فقد تكلم على بعض فنون البيان، كما نبّه في كتاب "الكامل" على نوع من أنواع المجاز المرسل، وهو استعمال الكلمة في ضد معناها الأصلي، إذ قال: والسليم: الملسوع، وقيل له: سليم على جهة التفاؤل،
__________
(1) ورد تصحيح بقلم الإمام في الجزء الثاني عشر من المجلد الأول كما يلي: جاء في محاضرة: نشأة علم البلاغة: أن ابن قتيبة رد على من أنكر أن يكون في لغة العرب مجاز، وأخذنا من هذا أن يكون القول بإنكار المجاز في اللغة قد جرى في عهد ابن قتيبة، أو قبله.
والحقيقة أن كلام ابن قتيبة إنما يصلح أن يكون رداً على من أنكر أن يكون في القرآن مجاز، وممن يعزى إليه هذا القول: داود الظاهري، وكان معاصراً لابن قتيبة، فداود توفي سنة 270، وابن قتيبة توفي سنة 267. أما إنكار أن يكون في اللغة مجاز، فلم نقف على رواية تنسبه إلى أحد تقدم أبا إسحاق الإسفرائيني، وأبا علي الفارسي.
(7/ 1/177)

كما يقال للمهلكة: مفازة، وللغراب: الأعور على المغيرة منه لصحة بصره، وكما نبه على الفن الذي يسميه قدامة: "إشارة"، وسيأتي بيانه.
والمبرّد أول من نظر في سر التأكيد - على ما نعلم -، وفرَّق بين قولهم: "عبد الله القائم"، و"إنّ عبد الله قائم"، و"إن عبد الله لقائم"، فنبه على أن الأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال، والثالث جواب عن إنكار منكر لقيامه، وصار كلام المبرد هذا أصلاً من أصول علم المعاني تتفرع منه مباحث دقيقة.
وممن نشؤوا في عهد هؤلاء، وتكلموا في بعض وجوه البيان: ابن دريد المولود سنة 223، المتوفى سنة 311، ومن أثره في هذا: أن نراه قد عقد في كتاب "الجمهرة" بحثًا عنوانه: (باب الاستعارات)، ولم يسلك في هذا الباب طريق الفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل، بل ساق أمثلة وشواهد هي قائمة على التشبيه، كما قال:
الظمأ: العطش، وشهوة الماء، ثم ذكر ذلك حتى قالوا: ظمئت إلى لقائك، وقالوا: الوجور: ما أوجره الإنسان من دواء أو غيره، ثم قالوا: أوجره الرمح: إذا طعنه في فيه. وساق أمثلة وشواهد أخرى ترجع إلى المجاز المرسل، كما قال: والغيث المطر، ثم صار ما نبت بالغيث: غيثاً، وقال: الوغى: اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثرت وصارت الحرب وغى، وقال: الظعينة: المرأة في الهودج، ثم صار البعير والهودج ظعينة.
وظهر بعد ابن قتيبة والمبرد عبد الله بن المعتز المتوفى سنة 296، فألّف كتاباً سمّاه: "البديع"، ونبّه على أنه أول من كتب في هذا الفن مستقلاً، فقال في ديباجة هذا التأليف: "وما جمع قبلي فنون الأدب أحد،
(7/ 1/178)

ولا سبقني إلى تأليفها مؤلف".
أورد ابن المعتز في هذا الكتاب سبعة عشر نوعاً من فنون البيان والبديع، وهي: التشبيه، وا لاستعارة، والتجنيس، والطباق، ورد العجز على الصدر، والمذهب الكلامي، والالتفات، والتمام، والاستطراد، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف، وحسن التضمين، والإفراط في الصفة، وعتاب المرء نفسه، وحسن الابتداء، والهزل الذي يراد به الجد.
وممن نشؤوا في عهد ابن المعتز وابن دريد: قدامة بن جعفر المتوفى سنة 337 كما يقول ابن الجوزي في "تاريخه" (1)، وكان قد أدرك زمن ثعلب، والمبرد، وابن قتيبة، فقرأ مجتهداً حتى برع في صناعة البلاغة، وصنف كتابه المعروف ب "نقد الشعر" سنة 302، وهو الكتاب الشائع اسمه، الحاضر لدينا بشخصه، وصنف كتاب "نقد النثر"، ولا نعرف لهذا الكتاب اليوم طريقاً ولا أثراً. وقد بحث قدامة في نقد الشعر عن عشرين نوعاً من أنواع البديع، اشترك مع ابن المعتز في سبعة أنواع، وانفرد عنه بثلاثة عشر نوعاً.
هل ما كتبه قدامة مستمد من بيان اليونان؟
يقول ذلك المحاضر: "وفي القرن الثالث للهجرة حدثت ظاهرة في تاريخ البيان العربي؛ فإنا نجد رجلاً نصرانيًا ذا بيان ومنطق أسلمَ حين رأى نصرانيته تحول بينه وبين الحظوة عند الرؤساء، ذلك الرجل هو قدامة بن جعفر".
__________
(1) نقل ياقوت في "معجم الأدباء" ما قاله ابن الجوزي، وقال: إن قدامة كان قد حضر مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات وقت مناظرة أبي سعيد السيرافي، ومتى المنطقي سنة 320.
(7/ 1/179)

ولم يحاول المحاضر هنا إقامة الدليل على أن قدامة إنما أسلم لينال الخطوة عند الرؤساء، لا لأنه بصر بالحجة، واهتدى إلى أن الإسلام دين القيمة، ولعله يوفق إليه في محاضرة أخرى.
ونحن لا نستطيع أن نقول في هذا شيئاً سوى أن المحاضر يريد أن يقضي وطر التملق لأهل ديانة أخرى؛ إذ لا نجد في تاريخ قدامة ما يثير الشبهة في أنه أسلم بإخلاص، وقد أسلم قدامة على يد المكتفي بالله، والمكتفي بالله من خلفاء بني العباس الذين لا يبخلون بالحفاوة لديهم عن نصراني يجدون عنده أثارة من علم، وقد كان المكتفي من قبل أن يتقلد الخلافة قد اتخذ كاتبًا نصرانيًا اسمه: الحسين بن عمرو، وهذا ابن جرير الطبري يقول في "تاريخه": لما توفي المعتضد، ووصل الخبر إلى المكتفي، وكان مقيمًا بالرقة، "أمر الحسين بن عمرو النصراني كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من بعسكره، ففعل ذلك الحسين".
ثم قال المحاضر: "ونحن نلاحظ عندما نقرأ كتاب قدامة: أنه قد قرأ ما كان معروفاً عند العرب من الأدب العربي الخالص، وما كان الشعراء قد استكشفوه من أنواع البديع، كما أنه قد قرأ ما كان معروفاً في ذلك الوقت من فلسفة أرسطاطاليس وشعره وخطاباته. وقال: "إن قدامة قد تأثر باليونان، وأخذ عنهم ما كتب من قواعد البيان في كتابه: نقد الشعر".
قدامة ضربَ في نقد البيان بسهم، وخطا به خطوة واسعة، ولكنها ليست من الغرابة بحيث تحملنا على فرض أن تكون مستمدة من بيان اليونان، بل إن ذلك المقدار الذي نتج من أقوال البلغاء، وأبحاث علماء العربية، وما وضع عبد الله بن المعتز، إذا انتهى إلى المعنى جلس إلى علماء اللغة حيناً من الدهر
(7/ 1/180)

أمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به قدامة، وإن لم يكن ملمًا بقواعد البيان في لغة اليونان، ونحن لا نجد قدامة يستأنس في شيء من كتابه بما يعرفه من بيان اليونان، إلا كلمة قالها في فصل استحسن فيه الغلو الذي مثل له يقول أبي نواس:
وأخفتَ أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطفُ التي لم تخلق
فقال: وهذا مذهب فلاسفة الشعر من اليونان، وهذا الرأي الذي اختاره واستأنس له بمذهب فلاسفة الشعر من اليونان، قد رده عليه أهل الذوق والنظر الصائب في البيان.
ونجده يسلك في بعض مباحثه طريقة العاطفة كما قال في حد الشعر: "إنه موزون مقفّى يدل على معنى". ثم أخذ يشرح كلمات هذا الحد، ويبين ما هو جنس، وما هو فصل، ويسلك طريقة الفلسفة؛ كبحثه في نعت المدح عن أصول الفضائل، وأصناف تركيب بعضها مع بعض، ومثل هذا الوجه من البحث لا يدخل في قوانين البلاغة، ولا يجعل لقوانين البيان اليوناني أثراً في نشأة البيان العربي.
ونقف في هذه المحاضرة عند هذا الحد، وسنأخذ في محاضرتنا الثانية -إن شاء الله- ببسط القول فيما كتب قدامة، وفي حال البيان بعد قدامة، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب.
(7/ 1/181)

نشأة علم البلاغة (1)

* المحاضرة الثانية:
أتينا في المحاضرة الأولى على بداية علم البيان، وسقنا ليلتئذ الشواهد على أن ثروة من هذا الفن قد تجمعت من أقوال البلغاء، ومباحث علماء العربية، فكانت كالأساس تقام عليه علوم البلاغة بحثًا وتأليفًا، وعطفنا في أثناء تلك المحاضرة على نقد ما يدعيه أحد المحاضرين من أن البيان العربي نشأ من ملاحظات علماء الكلام، وأن علماء الكلام تأثروا فيه بما كان يصل إليهم، من الفلسفة والبلاغة اليونانية.
وسبق لنا أن المحاضر انتزع شبهة من قدامة بن جعفر الذي كان عارفاً باللسان اليوناني، ثم أسلم، وألف في البيان العربي كتابيه: "نقد الشعر"، "ونقد النثر"، فادعى أن قدامة أخذ ما كتبه في النقد من بيان اللغة اليونانية، وناقشناه في هذه الدعوى بأن ليس فيما كتب قدامة ما يشعر بأنه مأخوذ من بيان لغة أخرى.
والقصد من محاضرة هذه الليلة: أن ننبه في شيء من التفصيل على أن قدامة قد استمد ما كتبه في النقد من آداب اللغة العربية، وأقوال بلغائها، ونمر
__________
(1) المحاضرة الثانية للإمام في نشاة علم البلاغة ألقاها في نادي جمعية الهداية الإسلامية، ونشرت في الجزأين الثاني والثالث من المجلد الثاني - مجلة "الهداية الإسلامية".
(7/ 1/182)

على كلمات ألقاها المحاضر كشُبه يحاول بها تقرير تلك الدعوى المضروبة في قالب الخيال.
عرضنا على حضراتكم فيما سلف: أن أول من ألف في فن البيان مستقلاً هو عبد الله بن المعتز، وأنه أورد فيما ألف سبعة عشر نوعاً مما يسمونه: البديع، ثم جاء قدامة، وتكلم فيما كتب على عشرين نوعاً، اشترك مع ابن المعتز في سبعة أنواع، وانفرد عنه بثلاثة عشر نوعاً.
لندع السبعة الأنواع المشتركة في ناحية - وهي: الجناس، والطباق، والالتفات، والتشبيه، والمبالغة، والاستعارة (1)؛ إذ ادعاء أن قدامة أخذها من بيان اليونان لا يقبل في حال. وإذا نظرنا إلى ما انفرد به قدامة، نجده يقتدي فيه بأقوال البلغاء، أو علماء العربية، وإليكم الشاهد على ما نقول:
انفرد قدامة بالنوع الذي يسمّى: (صحة التقسيم)، وهو أن يبتدئ الشاعر أو الخطيب، فيضع أقسامًا، فيستوفيها, ولا يغادر قسمًا منها، وكان هذا النوع معروفاً عند علماء العربية من قبل قدامة، وقد ذكره الجاحظ في حد البلاغة عند اليونان، فقال: وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ فقال: "تصحيح الأقسام، واختيار الكلام". ونحن نجد في كتب الأدب ما يدلنا على أن العرب قد عرفوا هذا الوجه من حسن البيان، ومن هذه الدلائل ما يروونه من أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - سمع قول زهير:
وإنّ الحق مقطعه ثلاث ... يمين أَو نفار أو جلاء
__________
(1) على أن قدامة لم يتحدث عن الاستعارة في نقد الشعر إلا بقوله في المعاظلة: ولا أراها إلا فاحش الاستعارة.
(7/ 1/183)

فأعاد عمر البيت متعجباً من تفصيله بين الحقوق، وإقامة أقسامها. وينبه لهذا النوع ما حكاه قدامة نفسه من أنه أنشد في حضرته رجل من بني حنيفة قول جرير:
كانت حنيفة أثلاثاً فثلثُهم ... من العبيد وثلث من مواليها
وقيل للرجل: من أيهم أنت؟ فقال: أنا من الثلث الملغى! فقد عرف العرب من قبل قدامة أن إقامة الأقسام من حسن البيان، وأن الإخلال بواحد منها وصمة تقف به دون حد البلاغة.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمّى: "صحة المقابلة". وملاك هذا النوع: المواخاة بين المعاني، ولم يكن قدامة بالذي تحدث عنه في كلام العرب حديثاً لا سلف له فيه، فما نقرأ في كتب الأدب ككتاب "الأغاني"، و"موشح" المرزباني: أن نصيباً، والكميت، وذا الرمة اجتمعوا، فأنشد الكميت:
أم هل ظعائن بالعلياء رابعة ... وإن تكامل منها الدَّلُّ والشنَبُ
فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ فقال: خطأك؛ فإنك تباعدت في القول، فأين الدل من الشنب؟! ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لَمياءُ في شفتيها حُوة لَعَسٌ ... وفي اللثاة وفي أنيابها شنبُ
وقد ذكر قدامة نفسه أن الأدباء كانوا يعيبون قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
حيث جعل "سوية" في مقابلة "تساقط أنفسا"، قال: ولهذا غيّروها وأبدلوهاب "جميعة"؛ لأنه الذي يقع في مقابلة "تساقط أنفسا".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "المساواة"، وهو أن يكون اللفظ
(7/ 1/184)

مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه، ولا ينقص منه، وللأدباء من قبل قدامة حديث في هذا الشأن، وقدامة نفسه يقص علينا أن بعض الكتاب قال في وصف أحد البلغاء: "كانت ألفاظه قوالب لمعانيه"؛ أي: أنهما متساويتان لا تزيد إحداهما على الأخرى.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "الإيغال"، وهو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل أن يبلغ مقطع البيت، ثم يأتي بالمقطع، فيزيد معنى آخر يزداد به الغرض حسناً وبيانًا. وهذا النوع قد تحدث عنه علماء الأدب من قبل قدامة، وقدامة نفسه يقص علينا أن التوزيَّ قال للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي بالمعنى الخسيس، فيجعله بلفظه كبيراً، أو الكبير، فيجعله بلفظه خسيسًا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها، أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال نحو ذي الرمة حيث يقول:
قف العيس في أطلال ميّة فاسألِ ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه بالرداء، ثم قال: "المسلسل"، فزاد شيئاً بقوله: المسلسل.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "ائتلاف القافية"، وهو أن تكون القافية متعلقة بما تقدم من المعنى، وملائمة له. وقد سبق إلى التنبيه على العناية بشأن القافية شبيب بن شيبة حين يقول: "وحظ جودة القافية -وإن كانت كلمة واحدة- أرفعُ من حظ سائر البيت". وكذلك يقول بشر بن المعتمر: "فإن كانت القافية لم تحل مركزها، وكانت قلقة في مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "إشارة"، وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة يدل عليها بايماء، وقد سبقه إلى التنبيه على هذا النوع
(7/ 1/185)

أستاذه المبرد إذ قال في كتاب "الكامل": "من كلام العرب: الاختصار المفهم، والإطناب المفحم، وقد يقع الإيماء إلى الشيء، فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه". وساق عليه من الشعر أمثلة، وقدامة نفسه ينقل لنا أن بعضهم، وهو خلف الأحمر، وصف البلاغة، فقال: "في لمحة دالة". ويشابه هذا قول خلف أيضاً: "إن كلام العرب أوعية، والمعاني أمتعة، فربما جعلت ضروب من الأمتعة في وعاء واحد".
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "الارداف"، والإرداف من وادي الكناية؛ فإنه يسوق في أمثلته: "بعيدة مهوى القرط"، وقول امرئ القيس:
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضُّل
والكناية تحدَّث عنها ابن المعتز، ومن تقدم ابن المعتز؛ كالجاحظ، والفراء، وقدامة نفسه يقول: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها: "أبيات المعاني (1) ". ونحن نعلم أن ابن قتيبة ألف فيها مجلداً حسناً.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "التمثيل"، وهو أن يريد الشاعر معنى، فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك الكلام ومعناه ينبئان بما أراد الإشارة إليه.
وإذا نظرنا إلى الأمثلة التي ساقها قدامة، وأبو هلال العسكري على
__________
(1) أبيات المعاني من الشعر ما يقع فيه الإبهام من جهة معانيه، وسميت أبيات المعاني؛ لأنها لا تفهم لأول الأمر، بل تحتاج أن يسأل عن معانيها. ومن أمثلتها:
قد وسموا إبلهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار
يريد: أنهم أهل عزة ومنعة، فراعي إبلهم يسقي الإبل، ولا يزاحمه أحد من أجل سماتهم الخاصة التي عليها.
(7/ 1/186)

هذا النوع، وجدنا فيها ما يرجع إلى الاستعارة بالكناية؛ كقولهم: "نقي الثوب"، أو إلى ما يكون وجه الشبه فيه منتزعاً من هيئة؛ يقول الشاعر:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلَنِّي بعدها في شمالكا
ومن بحثوا في الاستعارة، وعرفوا وجه الشبه فيما يضرب من الأمثال، يعد تمثيل قدامة في متناول مباحثهم، ومن أيسر معلوماتهم.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى بالتصريع، وهو أن يقصد الشاعر إلى مقطع المصراع الأول من البيت الأول في القصيد، فيجعله موافقاً للقافية، وقد سبقه الناس إليه، وهذا أبو تمام يقول:
وتقفو إلى الجدوى بجدوى وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرَّع
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسمى: "صحة التفسير"، وهو أن يضع القائل معاني، ثم يذكر أحوالها من غير أن يعدل عنها, ولا يزيد عليها, ولا ينقص منها، ومثاله: قول صالح بن جناح اللخمي:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجمٌ ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرجُ
فمن رام تقويمي فإني مقوَّمٌ ... ومن رام تعويجي فإني معوَّجُ
ونحن نعلم أن للبلغاء والأدباء في نقد الشعر من حيث عدم مناسبة بعض أجزائه لبعض قصصاً متعددة، وقدامة نفسه يدلنا على أن الأدباء من غيره يعرفون هذا النوع من حسن البيان، فإنه يذكر لنا أن شاعرًا أنشد جماعة من الشعراء قوله:
فيا أيها الحيران في ظُلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغيٌ من العدا
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحراً من الندى
(7/ 1/187)

فشعر بعضهم بما في البيتين من العيب، وهو أن قوله: "ومن كفيه بحراً من الندى" إنما يناسب الخوف من الفقر والخصاصة، لا مخافة البغي من العدا.
وإذا كان أصل النوع معروفاً عند الأدباء، ففضل قدامة في أن وضع له حداً، وسماه: صحة التفسير.
وانفرد قدامة بالنوع الذي يسميه: "التوشيح"، وهو أن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، وقد سبقه إلى هذا أستاذ علماء العربية الخليل بن أحمد، فإنا نقرأ في كتب الأدب؛ "كالعقد الفريد": أنه قيل له: أي بيت تقول العرب أشعر؟ فقال: البيت الذي يكون في أوله دليل على قافيته، وما كان من قدامة إلا أن سماه: التوشيح، وسماه غيره: "التسهيم"، وقيل: إن الذي سماه: التسهيم هو علي بن هارون المنجم المولود سنة 277، المتوفى سنة 352، وأما ابن وكيع، وهو أبو محمد الحسن ابن علي المتوفى سنة 393، فيسميه المُطمع.
هذا ما كتب فيه قدامة من وجوه البديع، وكذلك الشأن فيما بحث فيه من العيوب.
تجدونه يورد في عيوب ائتلاف اللفظ والوزن: "الحشو"، وقد بحث الأدباء في هذا من قبله، ومما ينقل في هذا: أن حماد بن إسحاق الموصلي يقول في بيت من شعر أبيه إسحاق، وهو:
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديار
قد عابوا عليه قوله: "يوماً" بأنه حشو.
وتجدونه يورد في عيوب المعنى: "التناقض"، وقد تحدث عنه الأدباء من قبله، فهذا مسلم بن الوليد عاب قول أبي نواس:
(7/ 1/188)

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأملَّه ديك الصباح صياحا
وقال له: كيف ارتياح وملل؟!.
وهذا أبو نواس عاب قول مسلم بن الوليد:
عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمة وتجلد
وقال له: هذه مناقضة، قلت: "فراح"، ثم قلت: "فأقام".
وقدامة نفسه يعترف بأنه سبق إليه إذ يقول: وقد أنكر الناس وعابوا قول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والديم
وتجدونه يورد في عيوب اللفظ: "الحوشي"، وهو أن يرتكب الشاعر ما لا يستعمل ولا يتكلم به إلا شاذًا، وهذا مما سبقه إلى إنكاره البلغاء، ومن كلام المأمون في وصف البليغ: "ولا يتعمد الغريب الوحشي، ولا الساقط السوقي"، وقدامة نفسه يحكي قول عمر بن الخطاب يمدح شعر زهير: "كان لا يتبع حوشي الكلام".
وتجدونه يورد في عيوب الغزل: أن يأتي فيه الشاعر جفاء لا يلائم دعوى العشق والغرام، وهو مسبوق بهذا النوع من النقد؛ فإنا نقرأ في "الكامل" للمبرد: أن كثيراً عاب قول الأحوص:
فان تصلي أصلك وإن تعودي ... لهجر بعد وصلك لا أبالي
وقال له: لو كنت من فحول الشعراء، لباليت، هذا قلت كما قال هذا - يعني: نصيباً -:
بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب ... وقيل إن تملِّينا فما ملَّكِ القلبُ
(7/ 1/189)

وقدامة نفسه يقص علينا أن أبا السائب المخزومي أنشد قول أبي إسحاق
الأعرج:
فلما بدا لي ما رابني ... نزعت نزوعَ الأبي الكريم
فقال: والله! ما أحبها ساعة قط.
وتجدونه يورد في عيوب الوزن: "القلب"، ورسمه بقوله: هو أن يضطر الوزن الشاعر إلى إحالة المعنى وقلبه إلى خلاف ما قصد به، وقد تحدث أهل العلم من قبله عن القلب، فهذا ابن قتيبة ينشد في "أدب الكاتب" قول النابغة الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدو فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا
ويقول: هذا من المقلوب، أراد كأننا رعن قف يرفعه الآل.
وصفرة القول في هذا البحث: أن من أمتع النظر في كتب الأدب وعلم العربية، لا يثق بأن قدامة استمد في كتاب "النقد" من أصول البيان في لغة اليونان. وليست الوجوه التي انفرد بها عن ابن المعتز سوى فنون البيان العربي تستخرج من الألفاظ العربية.
وصف المحاضر قدامة بأنه قرأ فلسفة أرسطاطاليس وشعره وخطابته، ثم خرج إلى الحديث عن الخطابة عند أرسطو، وذكر انها تنقسم عنده إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: الخطابة، والعلاقة بينها ويين المنطق، وتقسيم الخطابة، والكلام عن الخطيب، وعن البحث الذي تدور عنه الخطبة.
ثانيها: الجمهور، أو الذي يحاول الخطيب أن يؤثر فيهم. ثم قال
(7/ 1/190)

المحاضر: ولم يأخذ العرب من هذين القسمين شيئاً، أو أخذوا أشياء غامضة نلمحها لمحًا فيما نقرأ من الكتب المختلفة عندما يقولون: "لكل مقام مقال".
يرى المحاضر أن الثقافة العربية تقصر عن أن تدرك أن لكل مقام مقالاً حتى يترجم لها ما تحدث به أرسطو عمن يحاول الخطيب التأثير فيهم!
لم تقصر الثقافة العربية عن أن تقول: "لكل مقام مقال"؛ فإن هذه الحكمة واردة في الأمثال العربية، ساقها الميداني في "مجمع الأمثال"، والزمخشري في "المستقصى"، وجاءت في شعر عربي صحيح، ذلك الشاعر هو الحطيئة - ولا أخاله يعرف أن لأرسطو شعراً وخطابة - إذ يقول متعطفاً لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
تحنَّنْ عليَّ هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
ثم ذكر المحاضر القسم الثالث من أقسام الخطابة، وتعرض لما تحدث به أرسطو عن أنواع من البيان؛ كالتشبيه، والاستعارة، وأنواعهما، ثم استغرب أن يكون مذهب أرسطو هو مذهب العرب في البيان.
نحو التشبيه والاستعارة أمر يشترك فيه الناس على اختلاف أجيالهم ولغاتهم، وهذا عبد القاهر الجرجاني يقول في "أسرار البلاغة": "التشبيه والاستعارة أمر يستوي فيه العربي والعجمي، وتجده في كل جيل، وتسمعه من كل قبيل".
وتحدث ابن الأثير عن المطابقة، وقال: "هذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات، ومما وجدته في لغة الفرس: أنه لما مات قباد أحد ملوكهم، قال وزيره: "حركنا بسكونه"، وأول كتاب "الفصول" لأبقراط في الطب: "العمر قصير، والصناعة طويلة"، وهذا الكتاب على لغة اليونان".
(7/ 1/191)

قال ابن أي الحديد في التعليق على قول ابن الأثير هذا: "أليس كل قبيلة وكل أمة لها لغة تختص بها؟! أو ليس الألفاظ دلالات على ما في الأنفس من المعاني؟! فإذا خطر في النفس كلام يتضمن أمرين ضدين، فلا بد لصاحب ذلك الخاطر، سواء كان عربياً أو فارسياً، أو زنجياً أو حبشياً، أن ينطق بلفظ يدل على تلك المعاني المتضادة، وهذا أمر يعم العقلاء كلهم".
وإذا توافقت لغتان في بعض الخصائص، كان من الجائز أن تتشابه مذاهب الكاتبين في هذه الخصائص من علماء اللغتين، دون أن يستمد هؤلاء مما كتب هؤلاء.
قال المحاضر: "ثم يعرض أرسطاطاليس إلى أجزاء الخطبة، فيرى أن تقسم إلى أجزاء يحسن الوقوف عندها، وقد أخذ العرب بذلك؛ فإنا نجد أبا هلال العسكري يقرر ذلك، ويسميه: الازدواج، ويمثل له بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] ".
إذا كان هذا النوع من محاسن البيان شائعاً في كلام العرب، فما الذي يمنع من أن يكون علماء العربية أدركوا حسنه، فأدخلوه في جملة محاسنها، وسموه: الازدواج، وإذا كان حسنه مما يدرك بالطبع، فلمَ لا يكون طبع الباحث في العربية صافياً كطبع أرسطاطاليس، فلا يفوته أن يتنبه لهذا الوجه من الحسن؟!.
على أن الازدواج معروف بهذا الاسم من قبل أبي هلال العسكري؛ فإنا نرى الجاحظ قد عقد في كتاب "البيان" فصلاً عنوانه: (باب: مزدوج الكلام) أورد فيه جملاً تنتظم في هذا السلك، وقال في هذا الكتاب: "ونحن -أبقاك الله- إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن
(7/ 1/192)

المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب".
وأذكر في هذا الصدد: أن ابن الأثير قد نفى أن يكون مما ذكره حكماء اليونان في المعاني الخطابية فائدة في بلاغة اللغة العربية وبيانها، فقال في "المثل السائر": "إن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك: حكماء اليونان، غير أن ذلك الحصر كلي لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم -يعني: علم البيان-، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا، فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعراً، أو تكلم نثراً".
وذكر ابن الأثير أن أبا نواس، ومسلم بن الوليد كغيرهم من الشعراء والكتاب لم يكن لهم علم بما ذكره علماء اليونان، ثم قال: "فإن ادعيت: أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان، قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا؛ فإني لم أعلم شيئاً مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا، فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب.
وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي، وهي عدة مجدات، وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني، علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم - من النظم والنثر - بنجوة من ذلك كله؛ لأنه لا يحتاج إليه أبداً".
فإذا لم نقبل دعوى أن البيان العربي مأخوذ من البيان اليوناني، فلأن صاحب هذه الدعوى لم يسندها إلى بينة:
والدعاوى إن لم يقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياء
(7/ 1/193)

ولا ننكر - مع هذا - أن يكون الأدب العربي قد اكتسب من بعض اللغات العجمية معاني أضافها إلى ما عنده من المعاني البديعة؛ كأمثلة الكتابة التي يقال: إن عبد الحميد الكاتب قد نقلها من الفارسية إلى العربية، والجاحظ يرتاب في أمثال هذه الرسالة، فقال في كتاب "البيان والتبيين": "ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، وإذا كان مثل ابن المقفع، وسهل بن هارون، وأبي عبيد الله، وعبد الحميد، وغيلان، وفلان وفلان لا يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير".
(7/ 1/194)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(13)

«دِيوَانُ خَواطِرُ الحَيَاةِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(7/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(7/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
شاعرنا الإِسلامي المصلح الكبير الإِمام الأكبر محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- راية هدى، وداعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وديوانه "خواطر الحياة" روضة من رياض الحق والخير والسمو الخلقي، وقف حياته الطاهرة على الجهاد في سبيل الله، ومن أجل نصرة الشريعة، فكان شعره كنثره هما سلاحان ماضيان للذود عن الإسلام وللدعوة إلى الإِسلام.
ولم يكن الشعر في نظره إلا دافعاً للشعوب التي تقاسي الاضطهاد، وحماساً لها ضد الجور والظلم، يقول في إحدى قصائد الديوان:
وأنفع الشعر ما هاج الحماسة في ... شعب يقاسي اضطهاد الجائرِ الأشِرِ
لو لم أخف وخز تثريب يصول به ... عليّ ناقد شعري من بني مُضرِ
لقلت: لا شعر إلا في قريحة من ... يبيت من شقوة الأوطان في سهرِ
من ذا يقيم على أرض يظللها ... ضيم ويحسن وصف الدلِّ والحور
وإذا صنع القريضَ نقداً، فالإصلاح غايته ومرماه، وإذا رثى بقصيدة، فلعبرة ومأثرة، وإذا مدح، فللخصال الحميدة التي رآها في ممدوحه، وإذا وصف، أبدع، فازداد الأدب السامي ثراءً وجودة.
لعلو همته، ورفعة شأنه، وعاطر سيرته، أغضى عن بعض فنون الشعر، فلم ينظم إلا ما اطمأنت إليه نفسه، وارتاح له ضميره، وابتغى به وجه الله
(7/ 2/3)

-سبحانه وتعالى-، وعزة الإِسلام، وقليل من الشعراء في كل عصر ومصر من كان على هذه المرتبة الراقية من الإباء والشمم. يقول شاعرنا:
ولم أُنض القريحةَ في نسيب ... ولا عَذَلاً شكوت ولا بعادا
فما أهوى سوى لغة سقاها ... قريش من براعتهم شِهادا
وطوقها كتابُ الله مجداً ... وزاد سنا بلاغتها اتقادا
من الشعراء من نظم شعره إرضاء للباطل حتى يقتات من موائده، فغوى مع الغاوين، وهام في كل واد مع الهائمين، يمدح طاغية ليتصيد لقمة، ويخوض في بحر الكذب حتى القمة.
ومنهم من حمل بضاعة شعره يعرضها في كل سوق رائجة، يصوغ الشعر تكلفاً وتكليفاً، وينظمه أحجاماً وطبقات.
ومنهم من اتخذ الشعر لبث اللهو، وإرضاء الشهوة، فانحط به إلى الدرك الأسفل من الرذيلة، فكان مهرجاً لا شاعراً.
يقول الإِمام الشاعر:
وفي الشعراء من ضاقت خُطاه ... وفاتته الحقائق وهي شتى
فراح يخال لهو القول جدّاً .. وينفث في مكان الرشد بهتا
وشعر العرب ذو نظم فرفقاً ... بها إن شئت رفقاً واستطعتا
هذا وقد أضفتُ إلى هذه الطبعة الرابعة ما عثرت عليه من شعر شاعرنا الكبير في أوراقه الخاصة، أو في الصحف والمجلات والكتب، وحاولت الجهد أن أشير إلى مرجع كل قصيدة أو مقطعة، والمناسبة التي قيلت فيها، وتاريخ النظم.
(7/ 2/4)

ومن الأمانة في العلم القول: إننا قد حافظنا على شرح وتعليق العالم الفاضل المرحوم الشيخ محمد علي النجار في طبعة الديوان عام 1373 ه - المطبعة السلفية بالقاهرة -جزاه الله خيراً-.
إن هذا الديوان "خواطر الحياة" جدير بأن يتناوله رجال الفكر والأدب بالتحقيق الواسع والدراسة المستفيضة، وإعطاء صورة صادقة لشاعرية المؤلف. والله نسأل التوفيق والهداية في خدمة رسالة الإِسلام.

علي الرّضا الحسيني
(7/ 2/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة خواطر الحياة
نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها "نفطة" (1)، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهبُّ في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي (2) وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي.
وحاولت في سن الثانية عشرة نظم الشعر، وفي هذا العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة (3)، وكان من أساتذة الجامع ومن هم في الطبقة العالية من طلاب العلم من أولعوا بالأدب، والتنافس في صناعة القريض إلى شأو غير قريب، فاقتفيت أثرهم، وكنت أنظم قصائد تهنئة لبعض أساتذتي عند إتمام دراسة بعض الكتب، ولكني أقبلت على طلب العلم، وتغلب ارتياحي له على ارتياحي للأدب حتى زهدت في صناعة النظم، إلا في أوقات تقتضي أن أهنئ صديقاً حميماً، أو في مجالس تجري فيها
__________
(1) بلدة صحراوية في جنوب تونس، أطلق عليها اسم: الكوفة الصغرى؛ لمكانتها العلمية آنذاك.
(2) وفي مقدمتهم أستاذه وخاله العلامة محمد المكي بن عزوز.
(3) بناه الأمير حسان بن النعمان الغساني عام 79 ه، وأتم بناءه الأمير عبد الله بن الحبحاب عام 141 ه، ثم أحدثت به أبنية فخمة من المرمر والرخام.
(7/ 2/6)

محاورات أدبية، فتحرك داعية النظم لأن أقول البيت أو البيتين أو الثلاثة.
ولقلة إقبالي على نظم الشعر، أو لأنني كنت أرى أن ما أنظمه منه ليس أهلاً لأن يحتفظ به، لم يصحبني منه عندما رحلت (1) من تونس إلى الشام غير شذرات علقت بذاكرتي، أو شذرات وجدتها مبعثرة في كتب استصحبتها في رحلتي.
نزلت دمشق وللشعر فيها سوق غير كاسدة، ولكني آثرت أن أصرف القريحة في البحث العلمي، أو في العمل للقضية الإِسلامية، بقدر ما أستطيع، وربما نزعت نفسي إلى أن أقول شعراً، فأرخي لها العنان، وأقول: هو فن من فنون الأدب الجميل، وللنفس فيه سلوة، ولا سيما شعراً أطرقُ به ناحية خلقية، أو أشارك به العاملين لإصلاح الحالة المدنية، أو أودعه صورة معنى لا أذكر أني لمحته فيما طالعته من المنشآت الشعرية أو النثرية.
ثم هبطت مصر (2)، وكانت صناعة القريض قد ارتقت فيها إلى ما يطمح إليه الشاعر العبقري، فازددت زهدًا في النظم، وقلت يومئذ: أَجوده ليس في متناول قريحتي، وغير الأجود تتسامى عنه همتي، وربما خطرت لي صور من المعاني في أوقات أبتغي فيها راحة، فألبسها ثوياً من الكلام الموزون.
ولم يلم بخاطري في يوم أن أجمع ما نظمته، وأخرجه للناس، حتى اقترح عليّ طائفة من إخواني الفضلاء أن أجمعه من أوراقه المتفرقة، وأصدره إلى عالم الأدب في صفحات متتالية، فما وسعني إلا أن تقبلت اقتراحهم، وقلت: هو كلام موزون، إن لم يجد فيه الأديب ما يروقه من لفظ أنيق، أو
__________
(1) خلال شهر كانون الأول 1912 م الموافق 1331 ه.
(2) عام 1339 ه، 1920 م.
(7/ 2/7)

معنى رشيق، فقد يرى فيه المؤرخ أشياء يهمه أن يتعرفها من مصادر متعددة.
وعمدت إلى ما نشر في بعض الصحف، أو احتوته بعض المذكرات، وضممت بعضه إلى بعضه، مرتباً له على حروف المعجم، ومنبهاً على المناسبة التي دعت إلى نظم القصيدة أو المقطَّعة، ثم عرضت على من اقترحوا علي جمعه، فأطلقوا عليه اسم: ديوان، ولقبوه ب: "خواطر الحياة" (1).
ودونك ما جمعت ورتبت، فانقده بفكرك الثاقب، وميزان منطقك العادل، عسى أن تنبه على خلل في تأليف الكلام، أو عيب في تصوير المعاني، فإن فعلتَ، فما هو بأول شعر كشف النقد البريء عما انطوى عليه من هفوات، وإذا محضتك الشكر، فما أنا أول من شكر الناقد البصير على إخلاصه للأدب، وإيثاره الصراحة في الحق على كتم ما تقع فيه الأفكار أو الألسنة من عثرات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

محمّد الخضر حسين
"بنت عزّوز" لقد لقَّنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذِّماما
ودرينا منك أن لا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حُطاما
ودرينا منك أن الله لا ... يخذل العبد إذا العبدُ استقاما
ودرينا كيف لا نعنو لمن ... حارب الحق وإن سلّ الحساما
"من قصيدة للشاعر في رثاء والدته"
__________
(1) صدرت الطبعة الأولى من الديوان بالقاهرة عام 1399 ه، 1946 م، وأعيد طبعه للمرة الثانية بالقاهرة عام 1373 ه، 1953 م، وعلق عليه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي النجار.
(7/ 2/8)

قافية الألف
أيْ فلسطين
" قيلت في مصر على فراش المرض عام 1358 ه " (1).
نَصبَ البُغاةُ على ذُراكِ لِواءَ ... وكَسَوْا مَرابِعَكِ الحِسانَ دِماءَ (2)
كُنْتِ الشَّرى وديارُك الآجامُ لا ... يَبني حَوالَيْها الجَبانُ خِباءَ (3)
وبَنوكِ أُسْدٌ مَنْ يَجُسُّ طِبَاعَها ... لمْ يَلْقَ إلا نَخْوَةً وإباءَ (4)
ولقدْ عَهِدْتُكِ والحَياةُ أَنيسةٌ ... ورُباكِ تَزْهو بَهْجةً ورُواءَ (5)
__________
(1) قصيدة قالها الشاعر منبهاً للخطر الصهيوني الداهم، وحاثاً المسلمين على الجهاد.
ونشرت في مجلة الهداية الإِسلامية - الجزء الثاني عشر من المجلد الحادي عشر.
(2) البغاة: يقال: بغى فلان على فلان: استطال عليه، وظلمه، وهي جمع باغ.
الذرى: ذرى الشيء -بالضم- أعاليه، الواحدة ذروة -بكسر الذال وضمها-.
(3) الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل، والطريق في سلمى كثير الأُسد، ويكنى بها عن المكان الذي تكثر فيه الأسود. الآجام: جمع أَجَمَة: الشجر الكثير الملتف، يقال: "الموت لا تنجو منه الأسد في الآجام، ولا الملوك في الآطام".
(4) جَسَّ: مسّ بيده.
(5) الربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض.
(7/ 2/9)

ما سارَ فيكِ الْغَيْمُ إلَّا صَيِّباً ... والرِّيحُ إلَّا أَنْ تَكونَ رُخَاءَ (1)
لا يحتَسي من ماءِ أَرضِكِ صائِلٌ ... فيما عَرَفْتُ سوى شُعاعِ ذُكاءَ (2)
لا دَمْعَ إلَّا مِنْ مَآقي خاشعِ ... لله يَدْعُو خِيفَةً ورَجاءَ
لا حَرَّ إلَّا غَيْرةٌ في أَنفُسٍ ... تَهوى إذا حَمِيَ الوَطيسُ لِقاءَ (3)
ما لِلْيهود استَوْطَنُوكِ وَصاعَروا ... بعدَ الَهوانِ خُدودَهُمْ خُيَلاءَ؟ (4)
أَفَما نبتْ بِهِمُ مَواطِنُ لم تُطِقْ ... مَكْراً يَحُوكُ شَقاً لها وبلاءَ (5)
يَنْفيهِمُ الزُّعماءُ عنْ ساحاتِها ... نفَيَ الرِّياحِ عَنِ المِياهِ غُثاءَ (6)
هاتي فِلَسطينُ الحديثَ عنِ الَّذي ... خَلَعَتْ يَداهُ على الْيهود وَلاءَ
وأَعَدَّ للعُرْبِ الْكِرامِ قذيفةً ... فتَّاكةً أَوْ طعنةً نَجْلاءَ (7)
يُعطيهُمُ عَهدَ الَحليفِ مُداهِناً ... وَيسومُهمْ سوءَ الْعَذابِ عِداءَ
__________
(1) الصيّب: مجيء السماء بالمطر. الريح الرخاء: اللينة الهُبوب.
(2) صائل: يقال: سأل صولاناً؛ أي: استطال، وسطا. الذُّكاء: الشمس، ويقال للصبح: ابن ذُكاء؛ لأنه من ضوئها.
(3) الوطيس: التنور، أو الفرن، جمع وَطَس، ومنه قولهم: حمي الوطيس: إذا اشتدت الحرب، وتواطست الأمواج: تلاطمت.
(4) صاغر خده: أماله عن النظر إلى الناس تهاوناً من كِبَرْ. الخيلاء: الكبر والإعجاب.
(5) نبا: تجافى وتباعد.
(6) الغُثاء والغثَّاء: البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل.
(7) نجلاء: واسعة، يقال: عين نجلاء كناية عن سعة شقة العين.
(7/ 2/10)

يَسقيهُمُ السُّمَّ الزُّعافَ فإِنْ شَكَوْا ... عاطاهُمُ شَهْدَ الْكَلامِ رِياءَ (1)
يهتَزُّ من طربٍ لِرؤْيَةِ ثاكِلٍ ... تَبكي بِهاطِلِ دَمْعِها الشُّهداءَ (2)
أَفَيَحْسَبُ الْقاسي الفُؤادَ دُموعَها ... ودَمَ الشَّهيدِ الماءَ والصَّهْباءَ (3)
يا مَنْ دَهى الأَوطانَ وهيَ أَمينةٌ ... واجتاحَ أَطْفالاً بِها ونساءَ (4)
لا تأْمَنَنَّ الدَّهْرَ إنَّ صُروفَهُ ... لا تَقْبَلُ الذَّهَبَ النُّضارَ فِداءَ (5)
والعُرْبُ تَأْبَى الضَّيْمَ إلَّا أَنْ تَرى ... ضَيماً تَسَنَّمَ قَبْلَها الجَوْزاءَ (6)
ما وعدُ بِلْفورٍ سوى الزَّبَدِ الَّذي ... يَطْفو ويَذْهبُ في الفَضاءِ جُفاءَ (7)
__________
(1) سم زُعاف: قاتل سريعاً. الشَّهد والشُّهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه.
(2) ثاكل: المرأة فقدت ولدها.
(3) الصهباء: الخمر، وقيل: المعصورة من العنب الأبيض.
(4) دهى: نزل. أمنية: آمنة، وأهلها مطمئنون فيها.
(5) صروف الدهر: حدثانه ونوائبه. النضار: الذهب والفضة، والجوهر الخالص من كل شيء.
(6) الضيم: الظلم. تسنَّم الشيء: علاه، وهو من قولهم: تسنم الناقة؛ أي: ركب سنامها. الجوزاء: برج في السماء.
(7) بلفور: وزير خارجية بريطانيا: وجه رسالة إلى أحد أثرياء اليهود روتشيلد بتاريخ 2 تشرين الثاني نوفمبر من عام 1917 م جاء فيها: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتحقيق هذه الغاية .. ". الزَّبد: ما يعلو الماء وغيره من الرغوة. الجُفاء: ما نفاه السيل، وقوله تعالى: {فَيَذْهَبُ جُفَاءً} [الرعد: 17]؛ أي: باطلاً.
(7/ 2/11)

أَفَبَعْدَ فَتْحِ ابنِ الوَليدِ وصَحْبِهِ ... لِلقُدسِ وَعْدٌ يَستَحِقُّ وَفاءَ (1)
مَنْ مُبْلِغُ الحُنَفاءَ أُمَّةَ أَحمَدٍ ... نبأً يَطيرُ له الْفُؤَادُ هَباءَ (2)
تِلْكَ الأَيَامَى عَضَّهُنَّ بِنابِهِ ... بُؤْسٌ وهُنَّ الصَّامِتاتُ حَيَاءَ (3)
ذاكَ الْفَطيمُ تَفَقَدَتْ لَحَظاتهُ ... مَنْ كانَ يُطْعِمُهُ صَباحَ مَساءَ (4)
وَيحَ الرَّضيعِ يَمُصُّ ثَدياً لمْ تَذَرْ ... فِيهِ الْكَوارِثُ للرَّضيعِ غِذاءَ (5)
ونرَى ابْنَ يَعْرُبَ في الضفادِ وَغَيْرُهُ ... طَلْقٌ يَجُرُّ -كما يَشاءُ- رِدَاءَ (6)
أَننامُ عَنْ إسْعافِهِمْ والدِّينُ قَدْ ... عَقَدَ ائْتِلافاً بَيْنَنا وإخاءَ
هَلْ من عواطِفَ كالنَّسيم يمرُّ في ... سَحَرٍ بِزَهْرِ حَديقةٍ غَنَّاءَ
كُلٌّ يَجُودُ بِما اسْتَطاعَ فما النَّدى ... وَقْفاً على مَنْ يُجْزِلونَ عَطاءَ (7)
لا تُنْجِدُوهُمْ بالتَّحَسُّرِ وَحْدَهُ ... إنَّ التَّحَسُّرَ لا يُزيحُ عَناءَ
__________
(1) ابن الوليد: (... - 21 ه) خالد بن الوليد بن المغيرة، سيف الله، والفاتح الكبير توفي ودفن في حمص.
(2) الحنيفية: يقال: تحنف إلى الشيء إذا مال إليه، ومنه قيل لمن مال عن كل دين أعوج: هو حنيف، والجمع حنفاء، والحنيف: الصحيح الميل إلى الإِسلام، الثابت عليه، ويطلق على كل من أصبح على دين إبراهيم - عليه السلام -.
(3) الأيامى: جمع أيم والأيم: من لا زوج لها، بكراً أم ثيباً.
(4) تفقد الشيء: طلبه عند غيبته.
(5) لم تذر: لم تدع.
(6) الصفاد: ما يوثق به الأسير من قيد وغُلّ.
(7) الندى: الجود والكرم.
(7/ 2/12)

لا تَنْهَضُ الأوطانُ مِنْ كَبَواتِها ... إلَّا على أَيْدٍ تَفيضُ سَخاءَ
ما سادَ قَومٌ أُشْرِبُوا شُحّاً وإِنْ ... بَلَغُوا السّماءَ شَجاعَةً وذَكاءَ (1)
أَمِنَ المُروءَةِ أَنْ ننُادَى للَّتي ... فيها النَّجاةُ ولا نُجيبُ نِداءَ
نبغِي النَّجاةَ ولا جِهادَ كَمُدْنَفٍ ... يَبْغي الشِّفاءَ ولا يُسيغُ دَواءَ (2)
إنْ تَحْسَبوا البُخلاءَ أَحْياءَ وَهُمْ ... صُمُّ المسامِعِ تَظْلِموا الأَحياءَ
لَوْ قِيلَ مَنْ مِثْلُ الحِجارةِ في الوَرى ... لم أَعْدُ في تَمثيليَ الْبُخَلاءَ
بَسَطَ الْيَهُودُ إلى اليَهودِ كُفَّهُمْ ... بِالمالِ مِنْ بَيْضاءَ أَوْ صَفْراءَ (3)
ومَتى أَرى قَوْمي قَدِ اسْتَبَقوا العُلا ... بِسَخَاءِ كَفٍّ يَكْشِفُ الَّلأْوَاءَ (4)

[بعض أمراضنا الاجتماعية (5)]
أَيَعودُ للشَّرْقِ الحَماسَةُ والإِباءُ ... فَتَعودُ عِزَّتُهُ ويَبْتَهِجُ الْعَلاءُ؟
قالوا: استَقَامَ الشَّرْقُ وَهْوَ يسيرُ في ... نَهْجِ الفَلاحِ وفي عَزيمَتِهِ مَضاءُ
__________
(1) الشح: البخل مع الحرص.
(2) المدنف: الذي أثقله المرض. ساغ الدواء: سَهُلَ مدخله في الحلق.
(3) البيضاء: الفضة. الصفراء: الذهب.
(4) اللأواء: يقال: لأواء العيش: شدته، وفي الحديث الشريف: "من كانت له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن، كنَّ له حجاباً من النار".
(5) قصيدة الشاعر يدعو بها إلى الإصلاح الاجتماعي، محذراً من الإلحاد والدعايات الخبيثة، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلام" - الجزأين الأول والثاني من المجلد الرابع عشر.
(7/ 2/13)

ولَشَدَّ ما خُضْنا الخُطوبَ ولَمْ نُرِدْ ... إلَّا العُلا وجَرَتْ بِوادينا دماءُ
قُلنا: الدَّعارةُ لمْ تَزَلْ في أَرْضِنا ... ولِرَهْطِها في كُلِّ حاضِرةٍ لِواءُ (1)
تِلْكَ الخُمورُ تُدارُ في عَلَنٍ ولا ... لَوْمٌ يَنالُ المُعْلِنينَ ولا جَزاءُ
كَمْ مِنْ مَآدِبَ في البِلادِ تُقامُ في ... رَأْدِ الضُّحى وَعلى مَوائدها الطّلاءُ (2)
فَتياتُنا إنْ رُمْتُ بَثَّ شِكايَتي ... مِنْ خَطْبِهِنَّ يُسابِقُ الشَّكْوى بُكاءُ
كُنَّ البُدورَ حَصانةً وَوَسامةً ... والحُسْنُ يَبْهرُ إذْ يُخالطُه الحَياءُ
وحُجورُهُنَّ مَدارِسُ الأَطفالِ إِذْ ... طَهُرَتْ فَحَظُّهُمُ الطَّهارَةُ والنَّقاءُ
ما بالُهُنَّ اليَوْمَ يُرْضِينَ الهوى ... ما شاءَ، لا راعٍ يُهابُ ولا قَضاءُ
أَقْصى الإلهُ مَلاهِياً ومَراقِصاً ... نُصِبَتْ كأَشراكٍ يُصادُ بها النِّساءُ
فَيَضَعْنَ أَحْمرَ فَوْقَ أَبيَضَ زينَةً ... وَيرِدْنهَا كالعِيسِ يَقْتُلُها الظَّمَاءُ (3)
يَغْشَيْنَها وثيابُهُن كأنَّها ... لِشُفوفها فَوقَ الصَّلا والبَطْنِ ماءُ (4)
__________
(1) الدعارة: الخبث والفسق. الرهط: قوم الرجل وقبيلته. الحاضرة: ضد البادية، وهي المدن والقرى والريف.
(2) رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس عند الخمس الأول من النهار، وانبساط ضوئها، وذلك شباب النهار. الطلاء: ما يطبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وبعض العرب يسمي الخمر: الطلاء
(3) الأحمر والأبيض: الأصبغة التي تضعها النساء على وجوههن. العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة، وتطلق على كرام الإبل. الظماء: العطش.
(4) الصَّلا: وسط الظهر من الناس، ومن كل ذي أربع، جمع صَلَوات، وأصلاء، وصَلا الفرس؛ أي: مغرز ذنبه.
(7/ 2/14)

أَسَفاً على عِرْضِ الفَتاةِ أَلمْ يَكُنْ ... مِنْ غَيْرَةِ الأُمّ العَطوفِ لَهُ وِقاءُ
اليَوْمَ تُرْسِلُها يدُ الأَبِ نفسِهِ ... بَيْنَ الشَّبابِ كأَنَّهُ مِنْها بَراءُ
وتَعودُ مِنْ، تِلكَ الخَلاعةِ مَوْهِنَاً ... وفؤادُها مِنْ عِزَّةِ التَّقوى هَواءُ (1)
قالوا: دَواءُ قُضاتِنا قانونُ با ... ريزٍ، وقانونُ الإلهِ هُوَ الدَّواءُ
سُسْنا بِهِ الأَقْوامَ فانتظَمَتْ لَنا ... في الشَّرقِ والْغَرْبِ العَدالَةُ والدَّهاءُ
لا تُخْرِجُ الغَبْرَاءُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ ... أَوْ مِثْلَ شَرْع آثَرَتْهُ بِهِ السَّماءُ (2)
طَغَتِ الوساطَةُ في الوظائف ويحَ مَنْ ... لَمْ يَدْرِ أيْنَ الجَّاهُ أوْ أَيْنَ الثَّراءُ
ضاعَتْ بِجَانِبَها كِفاياتٌ بَنَى ... آساسَها العِلْمُ المُؤَثَّلُ والذَّكاءُ
بَلْوَى الرِّياسةِ أَنْ تُناطَ بِمَنْ لهُ ... نفسٌ تَعَبَّدَها غُرورٌ أَوْ رِياءُ
يَرْنو إلى الدُّنيا بِمرآةِ الهوَى ... وبِعَيْنِ أَعْشى والعَشا داءٌ عَياءُ (3)
صَوْتٌ مِنَ الشَّيْطانِ ردَّدَهُ الأُلَى ... مَرَدوا على تَمثيلهِ وَهُوَ الهُذَاءُ (4)
نادَوْا بِها قَوْمِيَّة خَرْقاءَ أَوْ ... وَطَنِيَّةً، لاحَبَّذا ذاكَ النِّداءُ
__________
(1) المَوْهِنْ: نحو نصف الليل، أو بعد ساعة منه، وقال الأصمعي: هو حين يدير الليل. هواء: خالٍ.
(2) الغبراء: الأرض، ويقال: جاء على ظهر الغبراء والغُبيراء؛ أي: على ظهر الأرض؛ يعني: راجلاً.
(3) الأعشى: الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار. العشا: سوء البصر بالليل والنهار، وقيل: العمى. داء عَياء: صعب لا دواء له؛ كأنه أعيا الأطباء.
(4) مرد على الشيء: استمر عليه. الهذاء: القول الباطل، والتكلم بغير معقول لمرض أو غيره.
(7/ 2/15)

وإذا ذَكَرْتَ الدِّينَ قالوا: خَلِّنا ... مِنْ ذِكْرِه وعَلى أُخُوتهِ العَفاءُ (1)
إِنَّ المدارِسَ كالسَّمواتِ العُلا ... وعُلومُها مِثْلُ النُّجُومِ لَها ضِياءُ
وكَأَنَّما عِلْمُ الدّيانَةِ بَيْنَها ... قَمرُ السماءِ إذا تَجَلَّى أَوْ ذُكاءُ (2)
وَسِياسَةُ التَّثقيفِ يَشْغَلُ بالَها ... وَيهُمُّها غَيْرُ الهُدى حَتَّى الغِناءُ
ومَتى يُماطُ أَذى الدّعاياتِ التي ... تُوحي ضَلالا والضَّلالُ هُوَ الوَباءُ (3)
فَدِعايةُ الإلْحادِ يَنْفُثُ سُمَّها ... رَهْطٌ يؤازِرُهُمْ عَلَيْهَا أَغْبِياءُ
إِنْ جِئْتَ نادِيَهُمْ بأَبلَغِ حُجَّةٍ ... فَجَوابُهمْ عَنْها التَّهَكُمُ والبَذاءُ (4)
وَدِعايةٌ في الفُرْسِ ميبيتَ أَمْرُها ... يَا لَيْتَها ذَهَبَتْ كما ذَهَبَ الجُفاءُ (5)
جاسَتْ خِلالَ الشَّرقِ واغْتالَتْ بِه ... نشئًا ولمْ يَغْتَلْهُمُ إلَّا الشَّقاءُ
خَرَجُوا عنِ التَّوْحِيدِ وارتَدُّوا إلى ... شِرْكٍ أَمَا قالوا: الإلهُ هُوَ البَهَاءُ؟! (6)
__________
(1) العفاء: التراب: قال صفوان بن محرز: إذا دخلت بيتي، فأكلت رغيفاً، وشربت عليه ماءً، فعلى الدنيا العفاء، ويقال: الهلاك.
(2) ذُكاء: الشمس.
(3) أماطه: أي: نحّاه، ومنه: إماطة الأذى عن الطريق.
(4) البذاء: الفحش، وفلان بذيُّ اللسان.
(5) الدعاية التي قامت في الفرس هي البهائية. الجُفاء: ما نفاه السيل إذا رمى به، وقال ابن السكيت: "وذهب الزبد جفاء"؛ أي: مدفوعاً عن مائه.
(6) انظر كتاب المؤلف: "القاديانية والبهائية". البهاء: زعيم الطائفة البهائية، لقب يدعى به ميرزا حسين علي، وهو الزعيم الثاني للمذهب. وتسمى: الطائفة البابية، نسبة إلى (الباب)، وهو لقب ميرزا علي محمد الذي ابتدع هذه النحلة.
(7/ 2/16)

وَدِعايَةٌ في قادِيانَ تَبَرَّجَتْ ... لَكِنَّ حِلْيتها خِداع وافْتِراءُ (1)
زُعَماؤُهُمْ -وغُلامُ أحْمَدَ رَأْسُهُمْ- ... زَعَموا بِأَنَّهُمُ دُعاة أَنْبِياءُ (2)
ودِعايةٌ هِيَ مِنْ صَنيعِ الغَرْبِ تَرْ ... عاها سِياسَتُه وَيغْمُرُها الحِباءُ (3)
لِمَنِ المدارسُ نبلُها شُبَهٌ ومَرْ ... ماها جُحودٌ في النُّفوسِ أَوِ امْتراءُ (4)
عَجَباً لَنا نُلْقِي إلى أَحْضانِها ... أكبادنا مِنْ بَعْدِ أَنْ بَرِحَ الخَفاءُ (5)
أُعْطيتُ عِلْماً ما جَنَيْتُ بِهِ سِوى ... ذَهَبٍ، وصارَ البَيْتُ هَمِّي والغِذاءُ
إنْ لمْ أُذَكّرْ بالحَقائقِ دائِباً ... فَأَنا وغَيْرُ العالِمينَ بِها سَواءُ
هيَ تِلْكَ أَمْراضٌ نَئِنُّ لَها ولَمْ ... يَهْدَأْ صَباحٌ مُذْ عَرَتْنا أَوْ مَساءُ
لا خَيْرَ في الرُّؤْساءِ إِنْ لَمْ يَنْهَضوا ... بِالشَّرْقِ حَتَّى يَخْلُفَ الدَّاءَ الشِّفاءُ
قالوا: حَوالَيْنا غَريبٌ رُبَّما ... يُبْدي رَغائبَ قَدْ تُعارِضُ ما نشَاءُ (6)
قُلْنا: الرئيسُ الحُرُّ لا يثنِيهِ عَنْ ... إِصْلاح شَأْنِ الشَّعْبِ خَوْفٌ أو رَجاءُ
__________
(1) قاديان: بلدة في الهند قامت بها دعوة غلام أحمد، التي عرفت بالقاديانية.
(2) غلام أحمد زعيم الطائفة القاديانية (1252 - 1326 ه)، ولد في قاديان بالهند، ودفن فيها, وله مؤلفات في دعوته الباطلة.
(3) الحِباء: العطاء.
(4) المدارس: ويقصد بها المدارس التبشيرية التي يوجهها ويديرها الاستعمار، والتي انتشرت في مصر والعالم الإِسلامي داعية إلى غير رشاد. الامتراء: الشك.
(5) أكبادنا: أي: أولادنا. برح الخفاء: وضح الأمر.
(6) الغريب: يقصد به المستعمر إطلاقاً.
(7/ 2/17)

[العرب والسّياسة]
" كنت في قطار بضواحي برلين يرافقني مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية. ثم أقبل عليَّ، وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فقلت: يريد: العربَ قبل دخولهم الإِسلام. وبهذه المناسبة نظمت هذه الأبيات".
عَذِيرِيَ مِنْ فَتىَ أَزْرى بِقَوْمي ... وَفي الأَهْواءِ ما يَلِدُ الهُذاءَ (1)
يَقولُ: العُرْبُ ظَلوا في جَفاءٍ ... وما عَرَفُوا السّياسةَ والدَّهاءَ
سَلوا التَّاريخَ عَنْ حَكَمٍ تَملَّتْ ... رَعاياهُ العَدالةَ والرَّخاءَ (2)
عَزوفِ النَّفْسِ عَنْ تَرَفٍ ذَكُورٍ ... لِعُقْبي مَنْ أَجادَ وَمَنْ أَساءَ (3)
هُمامٍ كانَ سامِرُهُ وأَقْصَى ... بِلادٍ في مَهابَتِهِ سَواءَ (4)
هُوَ الفاروقُ لمْ يُدْرِكْ مَداهُ ... أَميرٌ هَزَّ في الدُّنيا لِواءَ (5)
__________
(1) العذير: العاذر، يقال: عذر؛ أي: رفع عنه الذنب واللوم فيما صنع، أو على ما صنع، ويقال: من عذيري من فلان؟ ومعناه: أنه أهل للإيقاع به، فإن أوقعت به، كنت معذوراً. أزرى به: وضع منه، أو قصر به. الهذاء: القول الباطل.
(2) تملى: استمتع، يقال: تمليت عمري: استمتعت فيه.
(3) عزوف: يقال عزفت النفس عن الشيء: زهدت فيه، وانصرفت عنه، أو ملته، فهي عزوف عنه، العقبى: جزاء الأمر، الآخرة.
(4) الهمام: الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع، وهو من أسماء الأسد. السامر: مجلس السمّار، يقال: أمسيت البارحة في سامر الحي، أي: في مجلس مسامرتهم.
(5) الفاروق: (40 ق ه، 23 ه) أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وثاني الخلفاء الراشدين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرق به بين الحق والباطل".
(7/ 2/18)

قوس الغمام
" قيلت في برلين عام 1327 ه ".
أَيَخْفى ضَميرُ المَرءِ يَوْمًا وَلَو سَما ... إلى الذُّروَةِ القُصوى ضُحًى ودَهاءَ
إذا كَتَمَتْنا الشَّمْسُ آلوانَها ضُحى ... يَبوحُ بِها قَوْسُ الغَمامِ مَساءَ (1)

حمرة الشّفق
" قيلت في برلين عام 1327 ه ".
هَذا الدُّجى اغْتالَ النَّهارَ ودسَّهُ ... تَحْتَ التُّرابِ مُضَرَّحاً بِدِمائِهِ (2)
ما حُمْرةُ الشَّفَقِ الَّتي تَبْدو سِوى ... لَطْخٍ مِنَ الدَّمِ طارَ نحو رِدائِهِ (3)

ما ليل أرضي
" قيلت في مصر عام 1361 ه".
إنْ لَمْ أَبِتْ أَحْدو إلى أَوْجِ الْعُلا ... هِمَماً فَلا طَلَعَتْ عَلَيَّ ذُكاءُ (4)
ما لَيْلُ أَرْضي أَنْ يُقَطّبَ أُفْقُها ... وَعَلَيْهِ مِنْ نسجِ الْغُروبِ رِداءُ
بَلْ لَيْلُها زَمَن يموتُ وَلَمْ يَكُنْ ... لِلْفِكْرِ أَوْ لِلْعِلْمِ فيهِ نَماءُ
__________
(1) قوس الغمام: وكذلك قوس السحاب، يحدث في الأفق عقب المطر، وألوانه مختلفة.
(2) الدجى: الظلمة.
(3) الشفق: العمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء الآخرة، أو إلى قريب العتمة.
اللطخ: اليسير القليل من كل شيء.
(4) أحدو: أسوق، يقالك حداً الإبل: ساقها وغنى لها فهو حادٍ. الذكاء: الشمس.
(7/ 2/19)

الأثرة بين الأصدقاء
سايَرْتُ خِلَّا في الهَجيرِ فَحادَ عَنْ ... ظِلَّ وآثَرَني بِبَرْدِ هَوائِهِ (1)
فَأَبَيْتُ أَنْ أَرِدَ الظِّلالَ وَصاحِبي ... يَلْقى وَهيجَ الشَّمْسِ في غُلَوائِهِ (2)
وَلَوِ احْتَسى الْماءَ الزُّعاقَ حَسَوْتُهُ ... عَبًّا ولَوْ جاءَ الفُراتُ بِمائِهِ (3)
والوِدُّ إِنْ شابَتْهُ يَومًا أثرَةٌ ... ضَلَّتْ مَعالِمُ صِدْقِهِ وَصَفائِهِ (4)
__________
(1) الهجير: الهاجرة، شدة الحر.
(2) وهيج الشمس: توقدها. الغُلَواء: أول الشباب، نشاطه وسرعته.
(3) حسا الماء: شربه شيئاً بعد شيء. الزعاق: الماء المر الغليظ لا يطاق شربه.
الفرات: الصافي.
(4) الأثرة: الحال غير المرضية.
(7/ 2/20)

قافية الباء
تحية المجمع
" قيلت في افتتاح جلسات "المجمع اللغوي" بالقاهرة؛ لتحية المجمع, والإشادة باللغة العربية، والتنويه بمآثرها، وشكر المعنيين بها".
ما زِلْتَ تَقْتَنِصُ المُنى أَسْرابا ... وتُديرُ مِنْ خمرِ الصَّفا أكواباً (1)
يُزْهى فِناؤكَ بالرِّمالِ كراحَةٍ ... لَبِسَتْ مِنَ الذَّهبِ المُذابِ خِضابا (2)
فَعَلامَ تشكو الدهرَ شَكوى قاطن ... خَطَفَتْ يَدُ التِّرْحَالِ مِنْهُ صِحابا؟
أَوجَسْتُ رُعْبًا إِذْ رأَيتُ ركائِباً ... حملَتْ إلى مَرْسى السَّفينِ عِيابا (3)
ولسَرْعَ ما طَلَعَتْ بُدورٌ والنَّوى ... تَرْنو لتقْذِفَ في الفؤادِ شِهابا (4)
__________
(1) اقتنص: اصطاد.
(2) الفِناء: ما امتد من جوانب الدار، والساحة أمام البيت. الخضاب: ما يخضب به، وإذا أُطلق، دل على خضاب اللحية بالنسبة إلى الرجل، وعلى خضاب اليدين بالنسبة إلى المرأة، اختضب بالشيء: تلون به.
(3) أوجس: أحس وأضمر. العياب: جمع العَيبة، وهي ما يجعل فيه الثياب.
(4) لَسرعْ: أي: ما أسرعَ. النوى: البعد. رنا: نظر. الشهاب: شعلة من نار ساطعة، أو ما يرى كأنه كوكب انقض، وجمعه شُهُب.
(7/ 2/21)

صَفَرَ المُنبهُ للرَّحيلِ وَلَيْتَهُمْ ... سَمَّوْا وَغَى هذا الصفيرِ نُعابا (1)
شَيَّعْتُ بالطَّرفِ السَّفينةَ شاخِصًا ... حَتَّى تَوارَتْ بالعُبابِ فَآبا (2)
وإذا انْثَنى طَرْفي فَقلْبي لا يَرى ... غَيْرَ السَّفينةِ للقلوبِ مَآبا
يا رامِياً عَنْ قَوسِ جالينوس هَلْ ... ألفَيْتَ للقَلْبِ الشَّجِيِّ طِبابا (3)
هَذا الأسى تُذْكيهِ ذِكْرى رامَيةٍ ... وتزيدُهُ ذِكْرى العَقيقِ لِهابا (4)
أَسْلو البِقاعَ سِوى تِهامةَ إنّها ... كانَتْ إذا خَبَروا البِلادَ لُبابا (5)
هي هالةُ العُرْبِ الأُلى شادوا على ... هامِ النُّجومِ الزَّاهِراتِ قِبابا (6)
وأَمَدَّهُمْ وَحيُ السّماءِ بِحِكْمَةٍ ... ساسوا بها الأَجسامَ والأَلْبابا
إِنْ سُولموا كانوا الملائِكَ سُجَّداً ... أو حُورِبوا كانوا اللُّيُوثَ غِضابا
__________
(1) الوغى: الصوت والجلبة، ومنه قيل للحرب: (وغى)؛ لما فيها من الصوت والجلبة. النعاب: صوت الغراب، يقال: نعب الغراب: صوّت بالبين.
(2) شيّع فلاناً: خرج معه ليودعه، ويبلغه منزله. الطرف: العين، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحداً وجمعًا، قال تعالى: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43]. شاخص: الذي يفتح عينيه ولا يَطْرف. العباب: الموج. آب: رجع.
(3) جالينوس: طبيب وحكيم يوناني (نحو 131 - 201 م)، له اكتشافات هامة في التشريح. الطباب: ما يطلب به.
(4) تذكيه: أذكى: أوقد وأشعل. رامة: مكان في الطريق بين البصرة ومكة المكرمة. العقيق: وادٍ بظاهر المدينة المنورة. اللِّهاب: جمع اللهب، وهو لسان النار.
(5) تهامة: مكة، وبلاد شمالي الحجاز. اللباب: المختار الخالص من كل شيء.
(6) هالة: الدّارة حول القمر، جمع هالات.
(7/ 2/22)

عَرِّجْ على التَّاريخِ يُمْلِ عَلَيْكَ مِنْ ... خَطَراتِ هاتِيكَ النُّفوسِ عُجابا
تَلْقى مَنابِرَ في صُدورِ مَحافلٍ ... تَجْري بِها نهرُ البَيان عِذابا
تَلْقى مَجَر قَنا ومَجْرى ضُمرٍ ... خُلِقَتْ كما يَبْغي الكُماةُ عِرابا (1)
ما ضَرَّ مَنْ مَلَكَتْ يداهُ صَوارِماً ... أَلَّا يَرُدَّ إلى الطُّغاةِ جَوابا (2)
بَهَرَ الرَّشيدُ بِقَوْلهِ لِمُهَدِّدٍ: ... سَتَرى الجَوابَ كَتائباً وحِرابا (3)
__________
(1) قنا: جمع قناة، وهي الرمح. ضُمَّر: جمع ضامر، ويقصد بها الخيل. الكمأة: جمع الكمي: الشجاع. الخيل العراب: السالمة من الهجنة.
(2) الصوارم: جمع صارم: السيف القاطع.
(3) الرشيد: هارون بن محمد بن المنصور العباسي، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق (149 - 193 م) ولد بالري، وتوفي في "سناباذ" من قرى طوس.
وكان بين هارون الرشيد والملكة ريني ملكة الروم عهد، حتى خلعت، وارتقى العرش نقفور الذي كتب إلى الرشيد: "من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مُقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البَيْدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا يحمل أضعافه إلينا، لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي، فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا، فالسيف بيننا وبينك". فلما قرأ الرشيد هذا الكتاب، استفزه الغضب حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه، وتفرق جلساؤه، ودعا بدواة، وكتب على ظهر الكتاب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه، لا ما تسمعه، والسلام". ثم حمل الرشيد من يومه على الروم، وهزمهم. الكتائب: واحدها الكتيبة، وهي القطعة المجتمعة من الجيش، وقيل: جماعة الخيل إذا أغارت من المئة إلى الألف. الحراب: جمع حربة. وهي آلة للحرب من الحديد قصيرة محددة الرأس.
(7/ 2/23)

قَلَمُ ابنِ يَحيى كانَ بَيْنَ حُماتِهِ ... يُسْدي نَعيماً أوْ يذيقُ عَذابا (1)
ونَأوْا فَلَمْ يُسْعِدْهُ فَضْلُ بَيانِهِ ... حَتَّى تَوَسَّدَ بِالعَراءِ تُرابا
والسَّيفُ في عَشْواءَ لَوْ لمْ يَسْتَضِئْ ... بِسَنَا اليَراعَةِ في الخُطوبِ لخَابا (2)
فَهُما جَناحا الشَّعْبِ إذْ يَبْغي العُلا ... وإذا هُما فاتا كانَ ذُنابى (3)
آهٍ تصدَّعَ ما بَناهُ الشَّرقُ مِنْ ... مَجْدٍ وأَوشَكَ أَنْ يَصيرَ يَبابا (4)
عِفْتُ الحياةَ وكِدْتُ مِنْ أَسَفي عَلى ... مَجْدٍ تَصَدَعَ لا أُسيغُ شَرابا
مَنْ ذا يُنممني بِلَهْجَةِ مُلْهَم ... نبَأ يُزيحُ عَنِ الحَشا أَوْصابا (5)
أَنرى المِياهَ القُتْمَ تَحْتَ سَمائِنا ... شَفّافَةً، ونَرى الثِّمادَ عُبابا (6)
وإذا صَفا وِرْدُ الحياةِ لأُمَّةٍ ... مَدَّ الفَلاحُ بأَرْضِها أَطْنابا (7)
__________
(1) ابن يحيى: عبد الحميد بن يحيى المعروف بالكاتب (... - 132 ه) من أئمة الكتاب، وعالم بالأدب، أصله من قيسارية، وسكن الشام، وقتل في بوصير بمصر. حماة: جمع حامٍ، وهو الأسد. يسدي: يحسن ويصيب.
(2) عشواء: ظلمة. اليراعة: القصبة التي يكتب بها. الخطوب: الشؤون والأمور الجليلة واليسيرة.
(3) ذنابي: ذنب
(4) آهٍ: اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع. يباب: خراب.
(5) الحشا: ما في البطن، جمع أحشاء. أوصاب: جمع وَصَب، وهو المرض.
(6) القتم: جمع الأقتم، وهو الأسود. الثماد: الماء القليل لا مادة له.
(7) الوِرْد: الماء الذي يورد. الأطناب جمع طُنُب، وهو حبل طويل يشد به سرادق الخباء.
(7/ 2/24)

مهْلا كَأَنِّي شِمْتُ بَرْقَ حَماسَةٍ ... بَيْنَ الجَوانِحِ فاطَّرَحْتُ عِتابا
ولَمَحْتُ في شُبّانِنا وكُهولنا ... عَزْماً صَميماً لا يَهابُ صِعابا
عَزْمٌ هُوَ الصَّمْصامُ إلَّا أَنَّهُ ... لمْ يَتَّخِذْ مِثْلَ السُّيوفِ قِرابا (1)
لِيَطُلْ على الآمالِ لَيْل أَوْ تَقُمْ ... مِنْ دونها شُمُّ الجِبالِ عِقابا (2)
عَهْدٌ عَلَيْنا أَنْ نُعِيدَ بِعَزْمَةٍ ... عُمَرِيَّةٍ هَرَمَ الزَّمانِ شَبابا (3)
أَنا إنْ يئسْتُ قَضَيْتُ بُغْيَةَ شامِتٍ ... وَحَلا الهِجاءُ لِمَنْ يَرومُ سِبابا
لَوْ أَنَّ يأُسَ النَّفْسِ صُوِّرَ طائِراً ... لَرَأَيْتُهُ بَيْنَ الطُّيورِ غُرابا
رُمْنا السَّعادةَ في الحَياةِ فَلَمْ نَجِدْ ... غَيْرَ المَعارِفِ لِلسَّعادةِ بابا
والعِلْمُ كاللَّبَنِ الغَريضِ يَطيبُ إِنْ ... أَنْقَيْتَ أَقْداحاً لَهُ وَوِطابا (4)
لا خَيْرَ في عِلْمٍ وَعَتْهُ نَقيبَة ... كَشَفَتْ عَنِ الطَّبْعِ الذَّميمِ نِقابا (5)
أَوَ ما تَرى شَهْدَ الغَمامِ يَمُرُّ إِنْ ... لاقَى مُراراً في الفَلا أَوْ صابا (6)
__________
(1) الصمصام: السيف الذي لا ينثني. القراب: الغمد.
(2) عقاب: جمع عقبة، وهي مرقى صعب في الجبال.
(3) عمرية: نسبة إلى سيدنا عمر بن الخطاب.
(4) الغريض: يقال غَرَض الشيَء: اجتناه طرياً، والمقصود هنا باللين الغريض: أي: حديث العهد بالحلْب. الوطاب: جمع وطب، وهو سقاء اللبن، ويجمع كذلك على أوطب، وأوطاب.
(5) النقيبة: النفس، والعقل، والمشورة، النقاب: القناع أو البرقع.
(6) الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه. المرار: شجر مرّ من أفضل العشب.
الصاب: شجر مرّ عصارته.
(7/ 2/25)

والعِلْمُ لَوْ لمْ تَحْتَضِنْهُ اللهْجةُ ال ... فصْحى لَعَز على العُقولِ طِلابا
وَمفاتِحُ العِرْفَانِ في أيدي الأُلَى ... راضوا البَيانَ خَطابةً وكِتابا
والعُرْبُ قُدْماَ مَهَّدوا لحضارةِ ال ... أُمَمِ الحُجورَ وفتَّحوا الأَبْوابا (1)
حَضَنوا العُلومَ وأَنْعَشوها بَعْدَ أَنْ ... كادَتْ تَشُقُّ مِنَ الأَسى أَجْيابا
واسْتَطْلعوا أَسْرارَها فَبَدَتْ كما ... يُبْدي المِزاج على الكُؤوسِ حَبابا (2)
وتبوَّأتْ مِنْ لَهْجَةِ فَيْنانَة ... نُزُلاً كاَنْدِيَةِ الكرِامِ رِحابا (3)
هِيَ لَهْجة حَظيَتْ بِنُطْقِ مُحمدٍ ... فَزَكا جَناها في اللُّغاتِ وَطابا (4)
لَكِنْ عَرَتْها غَفْوَة وَقَرائِحُ ال ... عُلَماءِ تَغْزو أَوْهُدًا وِطابا (5)
مَسَحَتْ عَنِ الجَفْنِ النُّعاسَ يَروعُها ... أَنْ تُزْدَرى بينَ اللُّغَى وتُعابا (6)
وَرأى رِجالُ العِلْمِ كيْفَ تَكامَلَتْ ... لَهَجاتُ قَوْم سايَرَتْهُ جِنَابا (7)
فاسْتَنْكَفوا أَلاّ يَكونَ شِعارُهُمْ ... في الدرْسِ حَرْفَ الضَّادِ والإِعْرابا
__________
(1) الحُجور: جمع الحِجْر، وهو العقل. قال تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر: 5].
(2) المزاج: ما يمزج به كالماء في الشراب. الحَباب: الفقاقيع التي تعلو الماء، قطرات الندى.
(3) تبوأ المكان: اتخذه محله، وأقام به. فينانة: كثيرة الشعر؛ أي: غزيرة وواسعة.
(4) زكا: نما، وزاد. الجنى: ما يجنى من الشجر ما دام غضاً.
(5) عرا: ألمّ به. قرائح: جمع قريحة، وهي ملكة في نظم الشعر واستنباط العلم.
أوهداً: جمع وَهْد، وهي الأرض المنخفضة.
(6) راع: فزع. تزدرى: تُحتقر، ويستف بها. اللغى: جمع لغة، كما تجمع على لغات.
(7) جانب الشيء: صار إلى جنبه وجنابه.
(7/ 2/26)

نهَضوا كما تَبْغي الكَرامَةُ وانتضَوْا ... عَزْماً يَرُدُّ الرَّاسيَاتِ هَبابا (1)
جَنَحوا إلى لُغةِ الفَصاحَةِ وانتقَوْا ... كَلِمًا كأّحْداقِ المَها خُلاَّبا (2)
واسْتوْرَدوا العِلْمَ الحديث حِياضَها ... فَسَقَتْهُ بالكَأْسِ الدِّهاقِ رُضابا (3)
ساروا عَلى نَهْجِ المقاييسِ الَّتي ... كانَتْ بِها وَلّادةً مِنْجابا (4)
وَمَنِ اقْتَفَوْا نَهْجَ القياسِ تَصَيَّدوا ... ما لا يُحيطُ به اللِّسانُ حِسابا
هي سِيرة عَقَدَتْ لِمِصْرَ زَعامَةً ... لِتُقيمَ قِسْطاً أَو تَقولَ صَوابا
والقِسْطُ في رَأْي الحَكيمِ سِياسَةٌ ... ترعى الهُدى والعِلْمَ والآدابا

[أيها الإنسان]
أَمَا كَفاكَ ظِباء أَوْمَهاً بِرُبى ... حَتَّى تَقَنَّصْتَ آسادَ الشَرى بِزُبَى (5)
__________
(1) انتضى السيف: استله من غمده. الراسيات من الجبال: الثوابت الرواسخ. الهباب: دقاق التراب.
(2) أحداق: جمع حدقة، وهي سواد العين الأعظم. المها: جمع المهاة، وهي البقرة الوحشية. خلّاب: يقال: خلبه؛ أي: سلب له عقله.
(3) الحياض: جمع حوض، وهو مجتمع الماء. الدهاق: الكأس الممتلئة. الرضاب: الريق، فتات المسك.
(4) ولادة: مبالغة في الوالدة. منجاب: من الرجال والنساء: من ولد النجباء.
(5) الظباء: جمع ظبي، وهو الغزال للذكر والأنثى. المها: جمع المهاة، وهي البقرة الوحشية. ربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض. الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل، ويكنى بها عن المكان الذي تكثر فيه الأسود. ربى: جمع زبية، وهي حفرة للأسد.
(7/ 2/27)

وَمَا قَنِعْتَ بما يَطْفو على لُجَجٍ ... فَغُصْتَ تَلْقُطُ دُرّاً تَحْتَها رَسَبا (1)
أَلَسْتَ أَبدَعْتَ قَوْلاً تَسْتَبِنُ بِهِ ... ما في الضَّميرِ فَكانَ الثغْرَ والشَّنَبا (2)
أَرْسَلْتَهُ زَمَناً فَلِمْ أَقَمْتَ له ... وَزْناً؟ كَانَ حَصَى ثُمَّ انْثَنى ذَهَباً؟
قَلَّبْتَ وَجْهَكَ بعْدَ الأَرْضِ في فَلَكٍ ... وَبِتَّ تَرْصُدُ مِنْهُ السَّبْعَةَ الشُّهُبا
هَلاَّ تَفَقَّهْتَ عَنْها في حَقائِقِ ما ... وَراءَها وَجَلَوْتَ الشَكَّ والرِّيَبا
مَشى اليَراع على القِرْطاسِ في مَهَلِ ... والرَّأْيُ يَنْزِلُ مِنْ أُفْقِ الحِجا خَبَبا (3)
فَكانَ أَنْ زِدْتَ في الدِّيوانِ راقِمَةً ... تَخُطُّ في الطِّرْسِ خَطَّ البَرْقِ لَوْ كتَبا (4)
صُغْتَ الحَديدَ مَطايا إذْ تَلَبَّثَتِ ال ... جِيادُ أَوْ لَقِيتْ مِنْ سَيْرِها نَصَبا (5)
واشْتَقْتَ نجوى أَليفٍ فاهْتَدَيْتَ إِلى ... ما يُمْتِعُ السَّمْعَ مِنْها أَيْنَما ذهبا (6)
حَكى الصَّدى صَيْحَةً رَجَّتْ فَجِئْتَ بِما ... يَحْكي الْقَصائِدَ أَنَىّ شِئْتَ والخُطَبا
ما ضاقَت الأَرْضُ يَوْماً عَنْ خُطاكَ لِما ... صَعَّدْتَ في الجَو تَحْكي الطَّيْرَ والسُّحُبا
__________
(1) لجج: جمع لجة وهي معظم البحر.
(2) تستبين به: تستوضح به الشنب: ماء ورقة وعذوبة في الأسنان.
(3) اليراع: جمع اليراعة، وهي القصبة، ويكنى بها عن القلم. الحجا: العقل والفطنة.
الخبب: السرعة في العدو، مراوحة الفرس بين يديه ورجليه.
(4) الراقمة: الآلة الكاتبة.
(5) مطايا: جمع المطية، وهي الدابة تمطو في سيرها، ويقصد بها: السكك الحديدية.
النصب: التعب.
(6) الأليف: الصديق المؤانس. ويقصد بذلك؛ الهاتف.
(7/ 2/28)

خَطَبْتَ دَهْراً وَلَم تُسْمِعْ سِوى مَلأٍ ... والْيَوْمَ تُسْمِعُ عُجْمَ الأَرْضِ والْعَرَبا (1)
حُبُّ الحَياةِ اسْتثارَ العَزْمَ مِنْكَ إِلى ... طِب وَحَرْبٍ فكُنْتَ الْبُرْءَ والوَصَبَا (2)
أَرْسَلْتَ في كُلِّ وادٍ رائداً فَدَرى ... بِحِكْمةِ الْبَحْثِ كُنْهَ الأَمْرِ والسَّبَبا (3)
لكِنَّني ما دَرَيتُ الْيَوْمَ أَنَّكَ قَدْ ... أكمَلْتَ في نفسِكَ الأَخلاقَ والأَدَبا

[تدريس صناعة الإنشاء]
" من قصيدة قدمها الشاعر إلى نظّار جامع الزيتونة بتونس سنة 1328 ه يطلب بها الاهتمام والعناية بدراسة مادة الإنشاء" (4).
مَقامُكُمُ الجَديرُ باَنْ يُهابا ... وَمَطْلَبُنا الجَديرُ بأَنْ يُجابا
أَرى بالجامِعِ السَّامي بُحوراً ... مِنَ الْعِرْفانِ زاخِرةً عِذابا (5)
وَلَكنَّ الخَصاصَةَ في فُنونٍ ... تَهيجُ بِنا المَخاقَةَ أَنْ نُعابا (6)
فَإنَّ صِناعَةَ الإِنْشاءِ خاسَتْ ... بِضاعَتُها فَلَمْ تَبْلُغْ نِصابا (7)
وكَيْفَ يَعِزُّ والأَلْفاظُ فُصْحَى ... عَلَيْنا أَنْ نُعيدَ لها الشَّبابا
__________
(1) الملأ: الجماعة. المعجم: خلاف العرب. ويقصد الشاعر من هذا البيت: المذياع (الراديو).
(2) البرء: الشفاء. الوصب: المرض.
(3) الرائد: الرسول الذي يرسله القوم لينظر لهم مكاناً ينزلون فيه. ومنه قولهم: "الرائد لا يكذب أهله".
(4)
(5) الجامع السامي: جامع الزيتونة بتونس.
(6) الخصاصة: الفقر.
(7) خاست: تغيرت وفسدت. النصاب: الأصل، وأول كل شيء.
(7/ 2/29)

وَلا نَرْمي بسَهْمِ الْفِكْرِ إلَّا ... يَقولُ الْعَالِمونَ لَقَدْ أَصابا
نُجَزدُ للْمَعالي سَيْفَ حَزْمٍ ... يُمَزِّقُ دونَ طَلْعَتِها الحِجابا
ومَنْ صَرَفَ الْعِنايةَ في ارْتقاءٍ ... إلى أَعْلى الذُّرى اقْتَحَمَ الْعِقابا (1)
ونُضْرِبُ عَنْ مَقالَةِ مَنْ نَعاها ... لِيُخْمِدَ مِنْ عَزائِمنا الْتهابا (2)
يقولُ ابنُ العَميدِ لَها خِتام ... وَعِنْدَ فَواتِهِ نفضَتْ جِرابا (3)
فَتِلْكَ شَهادَة مَسَحَ التَّغالي ... عَلَيْها مِنْ سَماجَتِهَ خِضابا (4)
فَكَمْ مِنْ فِتْيَةٍ هَزُّوا يَراعاً ... وأَجْلَوا عَنْ مَباسِمِها النِّقابا (5)
جَنَوْا مِنْ دَوْحِها ثَمراً لَذيذاً ... وأَجْرَوْا مِنْ عُصارتِهِ رُضابا (6)
__________
(1) العقاب: جمع عَقَبة: وهي المرقى الصعب في الجبل.
(2) نعى: أخبر بالموت.
(3) ابن العميد: (... - 360 ه) محمد بن الحسين العميد بن محمد، تولى الوزارة في عهد ركن الدولة البويهي، من أئمة الكتاب والسياسة. قال الثعالبي: بدئت الكتابة بعبد الحميد (الكاتب)، وختمت بابن العميد، ولقب بالجاحظ الثاني في أدبه وترسله، ومات بهمذان. الجِراب: الوعاء.
(4) لتغالي: يقال: تعالى الشجر: التف وعظم. السماحة: القبح. الخضاب: ما يخضب به.
(5) اليراع: القصب، الواحدة يراعة، وأريد بها: القلم. أجلوا: كشفوا. المباسم:
جمع مبسم، وهو الثغر. النقاب: القناع، أو البرقع.
(6) الدوحة: الشجرة العظيمة، وتجمع على دوح. الرضاب: الريق، فتات المسك.
(7/ 2/30)

وَلا تَرْقَى شُؤونُ الشَّعْبِ إلَّا ... بأَقْلامٍ تُناقِشُه الحِسابا
وتَكْشِفُ عن مُحيَّا الحَقِّ لَبْساً ... أَثارَ عَلى وَسامَتِهِ سَحابا (1)
وما الحادي بِشِعْرِ أَبي فِراس ... وقَدْ جِسَّتْ أَنامِلُهُ الرَّبابا (2)
بِأَعْذَبَ مِنْ صَدى قَلَمٍ تَهادى ... عَلى طِرْسٍ يَخُطُّ به كِتابا (3)

عبرات الأشجار
" قيلت في قرية لنداو، والثلج على الأشجار، وقد طلعت عليه الشمس، فأخذ يذوب، وقرية لنداو على بحيرة بودن بألمانيا".
نسجَ الْغَمَامُ لِهَذه الأَشْجارِ مِنْ ... غَزْلِ الثُّلوجِ بَراقِعاً وَجَلابِبا (4)
والشَّمْسُ تَبْعَثُ في الضُّحى بِأَشِعَّةٍ ... تَسْطو عَلى تِلْكَ الثِّيابِ نَواهِبا
فَبَكَتْ لِكَشْفِ حِجابِها أَوَما تَرى ... عَبَراتِها بَيْنَ الْغُصونِ سَوَاكِبا (5)
__________
(1) اللَّبْس: اختلاط الظلام. الوسامة: أثر الحسن.
(2) الحادي: الذي يسوق الإبل ويغني لها. أبو فراس الحمداني: (320 - 357 ه) الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، أمير وشاعر وفارس، وهو ابن عم سيف الدولة، سكن منبج في سورية، وجرح في معركة مع الروم، فاسروه سنة 351 ه , وقتل في تدمر. وكان الصاحب بن عباد يقول: بدئ الشعر بملك، وانتهى بملك، ويعني: امرأ القيس، وأبا فراس.
(3) الطرس: الصحيفة، جمع أطراس وطروس.
(4) الغمام: السحاب، جمع غمائم. الغزْل: المغزول. الجلابب: أصلها الجلابيب، وقد حذفت الياء، جمع الجلباب: وهو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء.
(5) عبرات: جمع عَبرة، وهي الدمعة قبل أن تفيض.
(7/ 2/31)

ريح تنسف في روضة
" قيلت في برلين".
جادَ هذا الرَّوْضَ غَيْثٌ فَازْدَهى ... وَغَدا بُلْبُلُهُ يُطْري السَّحابا
وتَمادى مُسْهِباً في مَدْحِهِ ... فحثَتْ في وَجْهِهِ الرِّيْحُ تُرابا (1)

[وجه الموت غير كئيب]
" قيلت على فراش المرض بالقاهرة سنة 1343 ه ".
أَقولُ فَلا أَرْتادُ غَيْرَ خَصيبِ ... وأَنْظِمُ لَكِنْ لا أُطيلُ نسَيبي (2)
أَجِدُّ وإنْ رامَ النَّديمُ دُعابَةً ... فَلَمْ تَرَ غَيرَ الجِدِّ عَيْنُ رقيبي
أَحُثُّ إلى داعي المَعالي مَطِيَّتي ... وَلَسْتُ إِذا يَدْعو الهوى بمُجِيبِ (3)
ومَا بَرِحَتْ هَذي الحَياةُ تَروعُني ... بِكَبْوَةِ آمالٍ وَفَقْدِ حَبيبِ
فَأَنْكَرْتُها لا الْبَدْرُ يَطْلُعُ مُؤْنسًا ... وَلا الرَّوْضُ يُسْليني بِنَفْحَةِ طيبِ
وَما لَيْلُها إلَّا سَريرَةُ حاسِدٍ ... وما صُبْحُها إلَّا بَياضُ مَشيببِ (4)
أَطَلَّ علَيَّ الموْتُ مِنْ خِلَلِ الضَّنا ... فآنَسْتُ وَجْهَ الموْتِ غَيْرَ كَئيبِ (5)
__________
(1) أسهب في الكلام: أكثر منه وأطال. حثا التراب: هاله بيده، ومعنى هذا البيت مقتبس من الحديث الشريف: "احثوا التراب في وجوه المداحين".
(2) ارتاد الشيء: طلبه. النسيب: تشبيب الشاعر بالمرأة.
(3) أحثَّ الفرس على العدو: صاح به. المطية: الدابة تمطو في مشيتها.
(4) السريرة: السر الذي يكتم. المشيب: الثيب، وهو الشعر وبياضه.
(5) الضنا: المرض والهزال، وسوء الحال.
(7/ 2/32)

وَلَوْ جَسَّ أَحْشائي لَخِلْتُ بَنانَهُ ... وإِنْ هالَ أَقْواماً بَنانُ طَبيبِ
فَلا كانَ مِنْ عَيْشٍ أَرى فيهِ أُمَّتي ... تُساسُ بِكَفَّيْ غاشِمٍ وغَريبِ (1)

[شكر على تقريظ]
" عندما ألّف الشاعر كتابه "الخيال في الشعر العربي" أرسل إليه حضرة اللغوي الأستاذ الشيخ عبد القادر بن المبارك الجزائري قصيدة قرظ بها الكتاب، وهي المنشورة في الحاشية. وقد أجابه الشاعر بالقصيدة التالية سنة 1345 ه " (2).
__________
(1) ساس الأمة: قام عليها. الغاشم: الظالم والغاضب. الغريب: المستعمر إطلاقاً.
(2) نص قصيدة الأستاذ عبد القادر بن المبارك التي بعث بها إلى الشاعر:
لمحمد الخضرالحسين التونسي ... سامي كتاب خيال شعر مؤنس
يحوي فنون قوى المفكرة التي ... هي ربَّة المعنى الأغرّ الأنفس
طالعته فظننت أن قد ضمني ... في جنَة الشعراء أبهى مجلس
أُسرى إليه بي الخيال ودأبه ... أن يقطع الفلوات غير معرّس
فتمثّلت لي ثروة الشعر التي ... هي سر إغناء الخيال المفلس
ورأيت أفلاكاً كواكبها النهي ... ومقامها فوق الجواري الكنس
وزمانها أسحار ليل مقمر ... في الطيب أو آصال يوم مشمس
ونوابغ الشعراء فيها استعمروا ... وطناً بغير نبوغهم لم يحرس
لاذوا به من غلظة الأرض التي ... لولا مزاج بارد لم توبس
وهنالك "الخضْر اجتلى بخياله ... ما يجتلي الطيار فوق الأرؤس
في جو شعر العرْب حلّق راسماً ... أسمى عروس شعور تلك الأنفس
وعلى اتساع خيالهم وسمِّوه ... لم يبق في آفاقه من حندس
فبدا خيال الشعر لي ببيانه ... كالجسم موصوفاً برأي مهندس =
(7/ 2/33)

يا رُبى تَرْفُلُ في حُسْنٍ وطَيبِ ... والضَبا تَخْفِقُ بالغُصْنِ الرطيبِ (1)
هاجَ ذِكْراكِ شَذا الأُنْسِ الَّذي ... هَبَّ مِنْ أَرْدانَ واديكِ الخَصيبِ (2)
هاجَ ذِكرى زَمَنٍ يَبْسِمُ في ... جِلقَ الْفَيْحاءِ بِالثَّغْرِ الشَّنيبِ (3)
كَيْفَ أَسْلوهُ وَفي الْقَلْبِ لَهُ ... شَوْقُ مِهْيَارَ لِيَوْمٍ بالجَريبِ (4)
__________
= بل كاد من روح البيان يقول لي ... أنا جوهر فانظر إليَّ أو المس
يسلو الأديب على نزاهته به ... عن مطربه وعن شموس الأكؤس
ويكاد يغريه انسجام حديثه ... بالزهد في إستبرق أو سندس
وكأن كل صحيفة من صحفه ... ضمت غذاء الروح للمتلمس
صفحاته تسعون لذ سميرُها ... فيها مسامرة الخيال الكيس
لم أنتقد إلاعلى خطأٍ جرى ... في طبعه وخلوه من فهرس
فليحي رب يراعة في شرعها ... حتى الخيال حقوقه لم تبخس
دهر يجود لعمري محسن ... فعلام يوصم بالبخيل وبالمُسي
(1) الربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض. ترفل: تجر ذيلها، تتبخر. الصَّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(2) أردان: جمع الزدن وهو أصل الكم.
(3) جلق والفيحاء: من أسماء دمشق. الفيحاء: الواسعة من الدور. الشنيب: من به شَنَب؛ أي: ماء ورقة وبرد وعذوبة في الأسنان.
(4) مهيار: مهيار بن مرزويه الديلمي (... - 428 ه) شاعر كبير، وكاتب فارسي الأصل من أهل بغداد، وتوفي بها، جمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم، درس على شيخه الشريف الرضي، وأسلم على يديه بعد أن كان مجوسياً. له ديوان مطبوع من أربعة أجزاء. الجريب: اسم مكان، وهذا البيت إشارة إلى قول مهيار:
نظرة منك ويوم بالجريب ... حسب نفسي من زماني وحبيبي
(7/ 2/34)

مُهْدِيَ الشِّعْرِ الَّذي باكَرنَا ... في ضفافِ النِّيلِ بالْبُرْدِ الْقَشيبِ (1)
أَنْتَ بَحْرُ اللّغَةِ الْفُصْحى وكَمْ ... جُدْتَ بالمَأْنوسِ مِنْها والغَريبِ
فَلِماذا تَنْسُجُ الأَشْعارَ مِنْ ... حَبَبِ الْكَأْسِ وأَخْلاقِ الأَديبِ
صُغْتَ (عَبْدَ الْقادرِ) التَّقْريظَ في ... طَرْزِ حَسَّانَ وإبداع حَبيبِ (2)
لم أُجِدْ صُنْعًا ولا هَزَّتْ يَدي ... قَلَماً يَبْهَرُ بِالسِّحْرِ الْعَجيبِ
وبديعُ السِّحْرِ في وِدٍّ صَفا ... وأَراكَ الحُسْنَ في وَجْهِ المَعيبِ
خُضْتُ في بَحْرٍ خَيالٍ وأَنا ... مُوجِسٌ خِيفَةَ تَثْريبِ الرَّقيبِ (3)
إِذْ خَيالُ الشِّعْرِ مِنْ مَرْعى الْفَتى ... وَلراعي ارْتادَ حالُ المَشيبِ (4)
رادَهُ في سَحَرِ الْعُمْرِ وَما ... سَحَرُ الْعُمْرِ لِلَهْو بنَسيبِ (5)
إنَّما عَلَّلْتُ نَفْساً راعَها ... ذلِكَ الْبَيْنُ بِمَرْآهُ الْكَئيبِ (6)
__________
(1) باكر: أتاه بُكرة. القشيب: الجديد، الأبيض، النظيف.
(2) عبد القادر: (1304 - 1364 ه) عبد القادر بن محمد المبارك الجزائري الدمشقي. أديب ولغوي، له مؤلفات عديدة. التقريظ: المدح.
حسان: (... - 54 ه) حسان بن ثابت الأنصاري، شاعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أدرك الجاهلية والإِسلام، وكان من سكان المدينة، وتوفي بها, له ديوان مطبوع. وحبيب: (188 - 231 ه) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي أحد أمراء الشعر والبيان، ولد في جاسم بسورية، وتوفي بالموصل، له ديوان مطبوع.
(3) التثريب: العتاب واللوم.
(4) اليراع: القصب، ويقصد به القلم.
(5) راد الشيء: طلبه. السَّحَر: قبيل الصبح. النسيب: القريب.
(6) راع: فزع. البين: الفرقة. ويشير هنا إلى مفارقته دمشق.
(7/ 2/35)

وتأسَيْتُ بِذي الجِدِّ الَّذي ... يدخلُ الحِكْمَةَ مِنْ بابِ النَّسيبِ (1)
أَمْحَضُ الأُستاذَ شُكْراً ساطِعاً ... بَيْنَ صافي الوِدِّ والشَّوْقِ المُذيبِ (2)
وَسَلاماً مِنْ بَعيدٍ كُلَّما ... عَزَّ إلْقاءُ سَلامي مِنْ قَريبِ

تمثال الأخلّاء
حَنانيكَ ما التمْثالُ باعِثُ سَلْوَةِ ... إِذا غابَ عَنْ عَيْنِ الْمُحِبِّ حَبيبُ
أُسيمُ بِهِ طَرْفي لأُطْفئَ لَوْعةً ... فَيَزْدادُ في قَلْبي المَشُوقِ لَهيبُ (3)

الأخ الصديق
" أبيات قالها في أخيه السيد محمد المكي بن الحسين أيام كانا بدمشق" (4).
دَعَتْني إلى وِدِّه فِطْنَةٌ ... يُجيدُ بِها إِنْ سَأَلْتُ الجَوابا
وَما بَيْنَ بُرْديهِ إلا أخٌ ... يُؤانِسُني إِنْ فَقَدْتُ الصِّحابا (5)
أَرومُ عِتابا عَلَيْه وكَم ... تَفَرَّسَ ما رُمْتُهُ فَأَصابا
__________
(1) تأسى به: جعله أسوة. النسيب: تشبيب الشاعر بالمرأة.
(2) محض: أخلص.
(3) أسام إليه بطرقه: رماه به. الطرف: العين.
(4) محمد المكي بن الحسين: (1299 - 1383 ه) الأخ الأصغر للشاعر، من كبار علماء اللغة، ولد وتوفي بتونس. من آثاره: عادات عربية -أسماء لغوية- نوادر في اللغة -نوادر في الأدب - حكم وأخلاق عربية -أمثال عربية- كلمات للاستعمال.
(5) البرْد: الثوب المخطط.
(7/ 2/36)

يَهُبّ على وَجْهِهِ خَجَلٌ ... فَيَصْفو ضَميري وأنْسى الْعِتابا

الأحرار
أَبَى الأحْرارُ أَنْ يَحْنُوا رُؤوساً ... عَلَى هَونٍ فَتَرْكَبُها العُيوبُ (1)
وَقَالوا عِزَّةُ الأَوطانَ أَن لا ... يَقُومَ مِنَ العِدا فيها رَقيب
وأَشقَى النَّاسِ أَحْرارٌ تَولَّى ... شُؤونهمُ عَلَى رَغْمٍ غريبُ
فَلاذوا بِالقَنا إذْ لاذَ قَومٌ ... بِأَقْوالٍ يُنَمِّقُها الخَطيب
ولا يَحْمي البلادَ سِوى اتّحادٍ ... يَشُدُّ عُراهُ إقْدامٌ مَهِيبُ

في مجلس أدب بتونس
" في مجلس ضم بعض الأدباء بتونس جرى فيه ذكر العاذل والرقيب".
أَيَهْنَأُ عَيْشي وَيَحْلو الهَوى ... وَلي عاذِلٌ وَعَلَيْكُمْ رَقيبُ (2)
فَيا لَيْتَ في فَمِ هذا الَّذي ... يَمُجّ المَلامَ حَصًى لا يَذوبُ (3)
وَفي عَيْنِ ذاكَ الرَّقيبِ قَذًى ... يُلِمٌ بِها وَيحارُ الطَّبيبُ (4)

في الدَّين
" قيلت سنة ا 136 ه ".
أتكْسِبُ خَمْسًا وتُنْفِقُ سِتَاً ... ضَلَلْتَ لَعَمْري سَبيلَ الأَريبِ
__________
(1) بتصرف.
(2) العاذل: اللائم.
(3) مجّ الشراب من فيه: رمى به.
(4) القذى: ما يقع في العين وفي الشراب من تبنة أو غيرها.
(7/ 2/37)

هُوَ الدَّيْنُ إِنْ جِئتهُ فَارْتَقِبْ ... نهَارَ الذَّليلِ وَلَيْلَ الْكَئيبِ
وَطَعْمُ الهَوانِ -وَما ذُقْتُهُ- ... أَمَرُّ مِنَ الْمَوتِ قَبْلَ المَشيبِ (1)

قطب رحى الحرب
حَياتُكَ مِرآةٌ وأَنْفَسُ ما تَرى ... حِسانٌ مِنَ الْعِرفانِ والْفِكْرُ خاطِبُ
وما الْفِكْرُ إلَّا الرَّأْيُ تَقْدَحُ زَنْدَهُ ... فَتبْصِرُ ما أَخْفَتْ عَلَيْكَ الْغَياهِبُ (2)
ورُبَّ امْرِئٍ ساواكَ بالرأْيِ وانْزَوَى ... خُمولًا وأَنْتَ المسْتَشارُ المحارِبُ (3)
بِسَطْوَةِ حَزْمٍ واحْتِدامِ حَماسةٍ ... تُزاحُ خُطوب أَوْ تُتاحُ مآرِبُ (4)
يُدَبِّرُ شَأنَ الحَرْبِ كُلُّ مَنِ ارْتَدى ... بَإِقْدامِ قَرْمٍ هَذَّبَتْهُ التَّجارِبُ (5)
وقُطْبُ رَحاها مَنْ يُدبِّرُها وقَدْ ... عَلاهُ مِنَ النَّقْعِ المُثارِ سَحائِبُ (6)

العيد
مَا العيِدُ للشَّعْبِ في تَنْميق أثوابِ ... وَلاَ مُلاقَاةِ إخْوانٍ وأَصْحابِ
وإنما العِيدُ أَنْ يُحيي بَصائِرَهُمْ ... بِنُورِ هَدْيٍ وعِرفانٍ وآدابِ
__________
(1) الهوان: الذل. وقول الشاعر: "وماذقته"؛ أي: طعم الهوان، دليل على سمو النفس وعلوها.
(2) الزند: العود الذي تقدح به النار. الغياهب: الظلمات، واحدها الغيهب.
(3) انزوى: انقبض.
(4) احتدام: اشتداد واشتعال. الخطوب: جمع الخطب، وهو الأمر صغُر أو عظُم.
(5) القَرْم: الفعل لم يمسه حبل، ولم يحمل عليه، السيد العظيم، جمع قروم.
(6) القطب: سيد القوم الذي يدور عليه أمرهم. الرحى: الطاحون. النقع: الغبار.
(7/ 2/38)

ما بين السُّطور
أُطالِعُ ما صاغَ الْبَليغُ فَأَقْتَني ... لآلِئَ لا أُحْصي لَهُنَّ حِسابا
وَطَالعَهُ زَيْدٌ وعادَ يَقولُ لمْ ... أَجِدْ مِنْهُ بَحْراً بلْ وَجَدْتُ سَرابا (1)
فَلَمْ يَرَ زيدٌ غَيْرَ ما في سُطوره ... وأَبْصَرْتُ مِنْ بينِ السُّطورِ كِتابا
وأَنْكَدُ ما في الْعَيْشِ صُحْبةُ مَنْ يَرَى ... اللُّبابَ قُشورًا والْقُشورَ لُبابا

ثوب المذنب كفن
أَيَا مَنْ خاطَ لي ثَوْباً قَشيباً ... وَقَدْ مُلِئَتْ صَحائفُ مِنْ ذُنوبي
أتصْنَعُهُ بِلا جَيْبٍ، وَهَذا ... يُعَدُّ لَدَى الرِّجاِل مِنَ الْعُيوبِ؟
فَقالَ: أَلَسْتَ في الموتَى، وَمَنْ ذا ... رأَى الأكفانَ تُصْنعُ بالجُيُوبِ؟

تقلّب الزمان
لا تَغْلُ في مَرَحٍ إِذا ... بَسَمَ الزَّمانُ ورَحَّبا (2)
وَتَلَقَّهُ بِتَجَلُّدٍ ... مَهْمَا جَفاكَ وَقَطَّبا
هُوَ إِنْ تَصِفْهُ مُشَبِّهاً: ... كَالْمِنْجَنَوْنِ تَقَلُّبا (3)
__________
(1) البحر: ضد البر، قيل سمي به؛ لعمقه واتساعه. السراب: ما يشاهد نصف النهار من اشتداد الحر كأنه ماء، ويضرب به المثل في الكذب والخداع، يقال: "هو أخدع من السراب".
(2) تغل: غلا في الأمر: جاوز فيه الحد. المرح: شدة الفرح والنشاط.
(3) المنجنون: والمنجنين: الدولاب التي يستقى عليها.
(7/ 2/39)

[إهابة]
" قيلت بتونس في التذكير بإعانة بعثة الهلال الأحمر التركية التي مرت بتونس إلى طرابلس أيام الحرب الإيطالية سنة 1328 ه ".
رُدواعَلى مَجْدِنا الذّكْرَ الَّذي ذهبا ... يَكْفي مَضاجِعَنَا نَوْمٌ دَهَى حُقُبا (1)
وَلا تَعودُ إلى شَعْبِ مُجادتهُ ... إِلاَّ إِذا غامَرَتْ هِمَّاتُهُ الشُّهُبا (2)
حَياكُمُ اللهُ قَوْمي إِنَّ خَيْلَكُمُ ... قَدْ ضُمّرَتْ وَالسّباقُ الْيَوْمَ قَدْ وَجَبا (3)
هَلْ جاءكمْ مِنْ حَديثِ الْقَوْم إِذْ هَجَروا ... ديِارَ مَنْ أَلِفوا والواديَ الخَصِبا (4)
لَبَّوْا نِداءَ الضَّميرِ الحُرّ وَاقْتَحَموا ... لُجَّ الخِضَمّ الَّذي لاقَوْا بهِ نَصَبا (5)
خاضُوا مَلاحِمَ جَيْشِ في طَرابُلُسٍ ... لِيَصْرِفُوا الهَمَّ عَنْ جَرْحاهُ والوَصَبا (6)
وأَحْمَدُ النَّاسِ سَعْياً مَنْ يَمُدُّ إلى ... إسْعافِ جِيرَتهِ يَوْمَ الوَغى سَبَبا
__________
(1) دهاه: أصابه بأمر عظيم. الحُقْب: ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك.
(2) مجادته: عزته وشرفه. غامرت: قاتلت ولم تبال بالموت هماته: جمع همة، وهي العزم القوي. الشهب: شعلة من نار ساطعة أو كل مضيء متولد من نار.
(3) ضمّرت: ضمَّر الخيل: ربطها وكثر ماءها وعلفها حتى تسمن، ثم قلل ماءها وعلفها مدة، وركضها في الميدان حتى تهزل. ومدة التضمير عند العرب أربعون يوماً.
(4) القوم: يريد بهم أعضاء بعثة الهلال الأحمر التركية.
(5) الخضم: البحر. النصب: التعب، وقد احتجزت السلطات الإيطالية آنذاك بعثة الهلال الأحمر التركية في عرض البحر الأبيض المتوسط، وأخذتهم من بأخرة فرنسية، وتدخلت حكومة فرنسا وأطلقت سراحهم.
(6) الوصب: المرض.
(7/ 2/40)

هذا السَّبيلُ جَديرٌ أَنْ نَجودَ لَهُ ... بالمالِ كُلٌّ على مِقْدارِ ما كَسَبا
لا خَيْرَ في أُمَّةٍ شَحَّتْ وما بَسَطَتْ ... أَكُفَّها بِعَطايا تَكْشِف النُّوَبا (1)
والنَّفْسُ إنْ جَمَحَتْ نكبَحْ شَراسَتَها ... بِمُحْكَمِ الْقَوْلِ حَتَّى تُدْرِكَ الأَدَبا (2)
فَلْيَبْسُطِ الْكَفَّ مَنْ كانَتْ عَواطِفُهُ ... مِثْلَ النَّسيمِ إذا ناجاهُ زَهرُ رُبى
ولْيُحْجِمِ الطَّرْفَ مَنْ يَحْدُو به سَرَفٌ ... وَلْيَصْحُ مِنْ سُكْرِه مَنْ يعْشَق الذَّهَبا (3)
تِلْكَ المَمَالِكُ تَرْنو حَوْلَنا لِتَرى ... نَوالَ تُونسُ ثَمْدًا كانَ أَمْ عَبَبا (4)
وتلْكَ أَقْلامُ أَرْبابِ الفَصاحَةِ قَدْ ... هَبَّتْ لِتُلْقِيَ في تَمْجيدِكُمْ خُطَبا
وفَوْقَ هذا جَزاءٌ لا نفادَ لَهُ ... واللهُ أَكْرَمُ مَنْ جازى ومَنْ وهَبا
__________
(1) شحت: بخلت. النُّوَب: جمع النُّوبة، وهي النازلة والمصيبة.
(2) جمح الفرس براكبه: استعصى حتى غلب راكبه. نكبح: كبح الدابة باللجام: جذبها إليه، وضرب فاها به لتقف ولا تجري، وقيل: جذب عنانها حتى تصير منتصبة الرأس.
(3) الطرف: العين. السرف: تجاوز الحد والاعتدال.
(4) النوال: العطاء والنصيب. الثمد: الماء القليل الذي لا مادة به. العبب: المياه المتدفقة.
(7/ 2/41)

قافية التاء
[تقريظ]
" قيلت في تقريط "السعيديات" ديوان الشاعر التونسي السعيد أبي بكر" (1).
(أَبا بَكْرٍ) نَظَمْتَ وما مَدَحْتا ... فَهأَنذا أُقَرِّظُ ما نَظَمْتا (2)
وَما التَّقريظُ إِلاَّ الشُّكْرُ يُهْدى ... عَلى ما صغْتَ مِنْ أَدَبٍ وصُنْتا
ولسْتُ أَقولُ ذا دُرٌّ نضَيدٌ ... لأَنَّكَ ما الْتَقَطْتَ ولا نضدْتا (3)
وَلسْتُ أَقولُ ذا زَهْرٌ أَنيقٌ ... لأَنَّكَ ما غَرَسْتَ ولا قَطَفْتا (4)
ولستُ أَقولُ راحٌ في زُجاجٍ ... لأَنَّكَ ما عَصَرْتَ ولا سَبَكْتا (5)
وقَدْ لَهَجوا بِقَوْلهِمُ: (بَديعٌ) ... (بَليغٌ) (فائِقٌ) حَتَّى سَئِمْتا (6)
__________
(1) سعيد أبو بكر (1317 - 1367 ه) أديب وشاعر تونسي ولد في مكنين بالساحل التونسي، وتوفي بالعاصمة تونس. أصدر مجلة "تونس المصورة"، له ديوان "السعيديات" مطبوع، ومؤلفات أخرى.
(2) قرظ فلاناً: مدحه وهو حي.
(3) نضيد: نضد المتاع: جعل بعضه فوق بعض.
(4) أنيق: حسن مُعْجب.
(5) الراح: الخمر. سبك الذهب: أذابه، وخلصه من خبثه.
(6) لهج بالشيء: أغري به، فثابر عليه.
(7/ 2/42)

"أَبا بَكْرٍ" أَرى شِعْراً عَبوساً ... فَأَذْكرُ سَيْفَ بِشْرٍ والسَّبَنْتَى (1)
وَأَقْرَأُ تارةً شِعْراً رَصينًا ... أتنْحِتُهُ مِنَ الجَوْزاءِ نَحْتا
تُجاهِدُ في سَبيلٍ يَبْتَغيها ... غَريبٌ غاشِم عِوَجاً وَأَمْتا (2)
تُكافِحُهُ وَقدْ طَفَحَتْ يَداه ... بِعُسْفٍ يَمْلأُ الأَفْواهَ صَمْتا (3)
وَلَيسَ الشِّعْرُ بالصَّمْصامِ يَلْوِي ... ذِراعَيْ مَنْ يَصُبُّ الهَوْنَ بَحْتا (4)
بَلِ الشِّعْرُ الحَكيمُ ثِقافُ سُمْرٍ ... تُسَمِّيها الْقُلوبُ إِذا نطًقْتا (5)
شُعورٌ فَائْتِلافٌ فَاتِّحادٌ ... فَعَزْمٌ يَسْحَتُ الإِرْهاقَ سَحْتا (6)
"أَبا بَكْرٍ" أُعيذُكَ مِنْ خَيَالٍ ... يَروغُ عَنِ الهُدى ويَحوكُ بَيْتا
وفي الشُّعَراءِ مَنْ ضاقَتْ خُطاهُ ... وَفاتَتْهُ الحَقائقُ وهي شَتَّى
فَراحَ يَخالُ لَهْوَ الْقَوْلِ جِدّاً ... وَيَنْفُثُ في مَكانِ الرُّشْدِ بُهْتا (7)
__________
(1) بشر: بشر بن عوانة العبدي الذي أتى على ذكره بديع الزمان الهمذاني في المقامة البشرية، والذي عرض له أسد وهو يبتغي مهراً لابنة عمه، فثبت له وقتله.
السبنتى: النمر.
(2) الغريب: المستعمر إطلاقاً، ويريد هنا: المستعمرين الفرنسيين. الغاشم: الظالم والغاصب. الأمت: الوهن والضعف.
(3) طفحت امتلأت. العسف: الظلم.
(4) الصمصام: السيف لا ينثني. الهون: الهوان والذل. البحت الصِّرْف والخالص من كل شيء.
(5) الثقاف: آلة تسوّى بها الرماح، السُّمْر: واحدها الأسمر، وهو الرمح.
(6) سحت الشيء: استأصله.
(7) ينفث: يرمي من فيه. البهت: الكذب.
(7/ 2/43)

وشِعْرُ الْعُربِ ذو نظمٍ، فَرِفْقاً ... بِها إنْ شِئْتَ رِفْقًا واسْتَطَعْتا
لَعَلَّ الذَّوْقَ لا يَسْلو نِظاماً ... تَزَحْزَحَ عَنْهُ بَعْضُ الْقَوْلِ بَغْتا (1)
وكانَ قَريضُ "تونسُ" في صَفاءٍ ... وإبْداع يُضاهي الشُّهْبَ نَعْتا (2)
فَلاقى مِنْ صُروفِ الدَّهْرِ عُسْفاً ... فَنَضبَ ماؤُهُ واغْبَرَّ نبتا (3)
أَيَزْهى بُلْبُلٌ في كَفِّ طِفْلٍ ... يُمِضٌّ الْبُلْبُلَ الْغِرِّيدَ مَقْتا (4)
وما هُوَ كالطَّليقِ يَميسُ تِيهاً ... ويَشْدو فَوْقَ أُمْلودٍ تَمتَّى (5)
"أَبا بَكْر" أَخَذْتَ تُعيدُ مَجْداً ... هَوى فَابغ الأَناةَ إِليْهِ سَمْتا (6)
وخَل الْبَخْتَ يَسْعى للِكُسالى ... وَسَمِّ الحَزْمَ والإِقْدامَ بَخْتا

[كيف ألقى النّعيم إن أنا متّ (7)]
رُمْتُ أَنْ أَفْقَهَ الحياةَ وأَدْري ... كَيْفَ آلقَى النَّعيمَ إِنْ أَنا مُتُّ
قِيلَ: في الْغَرْبِ كل سِرٍّ تَجَلى ... بِبيانٍ وَكُلُّ صُلْبٍ يُفَتُّ
__________
(1) بغتاً: فجأة.
(2) القريض: الشعر. يضاهي: يشابه النعت: الصفة.
(3) العسف: الظلم. نصّب الماء: غار في الأرض.
(4) يمض: يؤلم ويوجع. الغزيد: المطرب بصوته.
(5) يميس: يتبختر. التيه: الصلف والكبر. أملود: الناعم من الناس والغصون.
تمتَّى: تمطى.
(6) هوى: سقط من علو إلى أسفل. الأناة: الحلم والوقار. السمت: الطريق.
(7) مجلة "الهداية الإِسلامية" الجزء التاسع من المجلد الرابع عشر.
(7/ 2/44)

هاتِ يا مُسْعِدُ الحَقيبَةَ إِنِّي ... قَدْ عَزَمْتُ الرَّحيلَ وَالْعَزْمُ صَلْت (1)
خُضْ بِنا رائِدَ السَّفينَةِ بَحْراً ... سادَ في مَتْنِهِ هُدُوٌّ وصَمْت (2)
لا أَهابُ الخُطوبَ يَوْماً وَلَكِنْ ... خِفْتُ أَنْ يَسْبِقَ الهِدايةَ مَوْتُ
فَحَمِدنا السُّرى غَداةَ هَبَطْنا ... بَلَداً عاشَ في رُباهُ "دِكَرْتُ" (3)
وَقَضَيْتُ السِّنينَ مُسْتَقْصِياً في ... كُلُّ درْسٍ ما قالَ "رِسْطو" و"كنْتُ" (4)
ودَعوني الدّكْتور بَلْ مَنَحُوني ... لَقَبَ الْفَيْلَسوفِ لمَّا نبغْتُ
عُدْتُ لِلشَّرقِ والحَقائِبُ مَلأَى ... بِطُروسٍ أَوْدَعْتُها ما دَرَسْتُ (5)
فَأَنا الْفَيْلَسوفُ، لكنَّني لم ... أَحْظَ في الْغَرْبِ باليَقينِ فَتِهْتُ
رُبَ رأْيٍ نَصيبُهُ إِنْ أَنا أُبْ ... ديهِ بَيْنَ الهُداةِ نبذٌ ومَقْتُ (6)
__________
(1) مسعد: كنى به عن اسم علم، وهو المعاون والمساعد. الصلت: الرجل الماضي في الحوائج.
(2) خاض الماء: مشى فيه. الرائد: الرسول الذي يرسله القوم لينظر لهم مكاناً ينزلون فيه، ويقصد هنا صاحب السفينة.
(3) السرى: سير عامة الليل. رينيه ديكارت: (1596 - 1650 م) فيلسوف ورياضي فرنسي، له عدة اكتشافات هندسية وفيزيائية.
(4) رسطو: أرسطو، أو أرسطاطاليس (384 - 312 ق. م) فيلسوف يوناني، له عدة مؤلفات في المنطق والطبيعيات والإلهيات والأخلاق. كنت: عمانوئيل كانت (1724 - 1804 م) فيلسوف ألماني، له مؤلفات فلسفية عديدة.
(5) الطروس: جمع طِرس، وهي الصحيفة.
(6) نبذَ الشيء من يده: طرحه، ورمى به. مقتَ: أبغض أشد البغض عن أمر قبيح.
(7/ 2/45)

يا طَبيبَ الْقُلوبِ ما طُبُّ قَرْحٍ ... هُو رَيْبٌ يَغْشى الْقُلوبَ وَيعْتو (1)
يُغْبَطُ المَرْءُ إِنْ يَكُنْ بَيْنَ جَنْبَي ... ه رَواحٌ وفي مُحَيَّاهُ سَمْتُ (2)
قالَ: في كُل آيةِ مِنْ كِتابِ الّل ... هِ لِلْحِكْمَةِ الْبَليغَةِ بَيْتُ
هأَنَذا أتلو الْكِتابَ فألقى ... فيهِ روحَ الْيَقينِ أَنّى تَلَوْتُ
لَوْ تَدَبَّرْتُ آيَهُ الْغُرَّ مِنْ قَبْ ... ل لِقا فَيْلَسوفهِمْ ما ضَلَلْتُ

تفريق الشعب
قالوا: يُصيبُ الشَّعْبَ صَدْعُ تَفَرّقٍ ... فَيَذوقُ مِنْ بَعْدِ الشِّقاقِ مَماتا
قُلْنا: يموتُ الشَّعْبُ مَوْتَ جَهالَةٍ ... فَيَصيرُ مِنْ بَعْدِ المَماتِ فُتاتا

[تحايا الود]
" بعث الأديب التونسي الأستاذ محمد المأمون النيفر إلى الشاعر بقصيدة تنم عن عاطفة أدبية رقيقة، فكتب في مراسلته هذه الأبيات" (3).
__________
(1) القرح: ألم الجرح. عتا: استكبر.
(2) غبط فلاناً: تمنى مثل حاله من غير أن يريد زوالها عنه. الرسل: وجدانك السرور الحادث من اليقين. السمت: هيئة أهل الخير.
(3) مجلة "الهداية الإِسلامية" الجزء الرابع من المجلد الحادي عشر. وهذه أبيات من قصيدة الأديب محمد المأمون النيفر:
أزف تحايا الود والبركات ... وأهدي سلاماً عاطر النفحات
وأرسل طاقات الثناء جميلة ... منضدة الأوراد والزهرات
إلى عالم أخباره ذاع صيتها ... وآثاره أضحت حديث رواة
بصير بأدواء النفوس طبيبها ... إذا ما رماه حادث بشكاة
وهذه أجزاء (الهداية) بيننا ... تدل على الإبداع في النظرات =
(7/ 2/46)

أَهَذِي تَحايا الوِدِّ والْبَرَكاتِ ... أَمِ الرَّوْضُ يُهْدي أَطْيَبَ النَّفَحاتِ؟
وهذا رَقيمٌ لَوْ بَدَوْتُ لَخِلْتُهُ ... وَقَدْ جادَ بالإِيناسِ لَحْظَ مَهاةِ (1)
أَجَلْ هُو شِعْرٌ يَحْمِلُ الأُنْسَ مِنْ رُبى ... بلادٍ بِها قَضَّيْتُ صَدْرَ حَياتي (2)
ذَكَرْتُ رُبى المرْسى الأَنيقَةِ والصَّبا ... تُذيعُ شَذا أَزْهارِها الْبَهِجاتِ (3)
وَسَامِرَ آدابٍ حِسانٍ كأَنَّه ... راتِعُ ما بالقاعِ مِنْ ظَبِياتِ (4)
ورَوْضَةَ عِلْم كُنْتُ أَجْني ثِمارَها ... وأَرْشِفُ مِنْها أَعْذَبَ اللَّهَجات (5)
فَيا مُذْكِري عهْداً طَوَتْهُ يَدُ النَّوَى ... وأَذْكَتْ له في مُهْجَتي حَسَراتِ
أُحَييِّكَ مِنْ مِصْرٍ تَحِيَّةَ والِدٍ ... تَبرُّ بِهِ الآصالَ والْغُدواتِ (6)
__________
= مثابة تحقيق، ومهبط حكمة ... وعنوان تدقيق ونبع عظات
وروضة حسن قد تفتق زهرها ... وفاح فأحيا لي ربيع حياتي
جزاك إله العرش أفضل ما جزى ... به ناصحاً عن نافع الخدمات
ولا برح اللطف الخفي يحفكم ... وأنتم لدين الله خير حماة
(1) الرقيم: الكتاب. بدوت: خرجت إلى البادية. اللحظ: باطن العين. مهاة: البقرة الوحشية.
(2) يقصد الشاعر: تونس حيث ولد وعاش صدر حياته بها.
(3) ربى: جمع ربوة: ما ارتفع من الأرض. المرسى: بلدة جميلة في ضواحي العاصمة تونس. الصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. تذيع: تظهر.
(4) السامر: مجلس السفار. المراتع: واحدها المرتع، وهو مكان اللهو. القاع: أرض سهلة مطمئنة انفرجت عنها الجبال والآكام. ظييات: واحدها الظبية: وهي أنثى الغزال.
(5) الروضة: عشب وماء، ويريد بها الشاعر جامع الزيتونة الذي تلقى فيه العلم.
(6) تبرّ: تصدق. الآصال: واحدها الأصيل، الوقت بعد العصر إلى المغرب. =
(7/ 2/47)

بَعَثْتَ بِشِعْرٍ طارِفٍ لَمَعَتْ بِهِ ... مِنَ الأدَبِ الْمَوْروثَ خَيْرُ سِماتِ (1)
أَراكَ ظَلَمْتَ الْغِيِدَ إِذْ صُغْتَ لُؤْلُؤًا ... ونَضَّدْتَهُ شِعْراً على صَفَحاتِ (2)
وأَهدْيتَ طاقاتِ الثَّناءِ وَلَيْتَني ... مَلأْتُ يَدي مِنْ تِلْكُم الحَسَناتِ
فَيا أَسَفاً لَمْ أَقْضِ حَقَّ الْعُلا وما ... بَلَغْتُ مِنَ الْعِرْفانِ شَأُوَ لِداتِي (3)
وآنسْتُ في روح الخِطابِ سَنا الهُدى ... وَبَعْضُ بني الأَمْجادِ غَيْرُ هُداةِ (4)
وما أَبْصَرَتْ عَيْنايَ أَجْمَلَ مِنْ فَتىً ... يَخافُ مَقامَ اللهِ في الخَلَواتِ
ولا خَيْرَ إِلاَّ في نُفوسٍ ترَشَّفَتْ ... لِبانَ التُّقى مِنْ حِكْمةٍ وعِظاتِ (5)
فَأَحْمَدُ مِنْكَ الوِدَّ والْقَلَمَ الذي ... جَنى ليَ طاقاتٍ مِنَ الدَّعَواتِ
ولا زِلْتَ مِثْلَ الْغُصْنِ يَنْمو بِمَنْبِتٍ ... كَريمٍ فَيُؤْتي أَطْيَبَ الثَّمَراتِ

[الإيمان روح السّعادة]
" قيلت في مستشفى الدمرداش بالقاهرة في شهر رمضان سنة 1365 ه ".
وَرَدْتَ مَناهِلَ الْعِرْفانِ طِفْلاً ... وواصَلْتَ الْعَشِيَّةَ بالغَداةِ (6)
__________
= الغدوات: واحدها الغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.
(1) الطارف: المال الحديث المستحدث.
(2) الغيد: جمع غيداء وهي المرأة الناعمة الأعطاف.
(3) شأو: الأمد والغاية. اللدات: جمعِ لدة، وهو الذي ولد معك، وتربى معك.
(4) هداة: جمع هادٍ.
(5) ترشفت الماء: بالغت في مصه. اللِّبان: الرضاع.
(6) مناهل: جمع منهل، وهو المورد، والشرب.
(7/ 2/48)

فَأَفْنَيْتَ السّنينَ تُجيِلُ فِكْراً ... وَتَكْشِفُ عَنْ وُجوه المُعْضِلاتِ (1)
عَلامَ أَراكَ تَحْذو حَذوَ غُمْرٍ ... فَتَزْهَدُ في التَّجَلُّدِ والأَناةِ (2)
تَكادُ تَغوصُ في جَزَع إذا ما ... عَراكَ ضَنى وتَلْهَجُ بالشَّكاةِ (3)
ولا فَخْرٌ لِغَيْرِ فَتىً يُضاهي ... بِصارِمِ عَزْمِهِ صَدْرَ الْقَنَاةِ (4)
أَمَا اسْتَوْقَدْتَ مِنْ عِلْمٍ يَقيناً ... يَهونُ بِهِ لِقاءُ النَّائِباتِ (5)
يَقين إِنْ طَوَيْتَ عَلَيْهِ صَدْراً ... قَبَضْتَ على السَّعادةِ في الحَياةِ
يُرَوِّحُ عَنْكَ إِذْ يَشْتَدُّ خَطْبٌ ... وَما أَقْسى الخُطوبَ على الطُّغاةِ (6)
هُوَ النُّورُ الَّذي يُذْكيهِ وَحْيٌ ... وَيرْبو مِنْ خُشوعِكَ في الصَّلاةِ (7)

الضجر من كثرة الأسفار
" قيلت في دمشق سنة 1338 ه ".
أَنا كأُسُ الْكَريمِ والأَرْضُ نادٍ ... والمَطايا تَطوفُ بي كالسُّقاةِ
__________
(1) المعضلات: واحدها المعضلة: المسألة المشكلة المستغلقة.
(2) الغُمرْ: من لم يجرب الأمور.
(3) تغوص: غاص في الماء: غطس، ونزل تحته. الجزع: ضد الصبر. الضنى: المرض والهزال وسوء الحال.
(4) الصارم: السيف القاطع. القناة: الرمح.
(5) النائبات: واحدها نائبة، وهي المصيبة.
(6) الخطب: الأمر، صغُر أو عظُم. الطغاة: واحدها طاغ: وهو كل مجاوز حده في العصيان.
(7) يربو: يزداد وينمو.
(7/ 2/49)

كم كُؤوسٍ هَوَتْ إلى الأَرْضِ صَرْعى ... بَيْنَ كَفٍّ تُديرُها واللهاةِ (1)
فَاسْمَحي يا حَياةُ بي لِبَخيلٍ ... جَفْنُ ساقِيهِ طافحٌ بِسُباتِ (2)

خواطر مريض
" قيلت على فراش المرض بالقاهرة سنة 1350 ه " (3).
أَرَقٌ وَهَلْ يَبْغي الْقَريحُ سِوى السُّباتِ ... والْقَلْبُ خَفَّاقٌ كَقادِمَةِ الْقَطاةِ (4)
لا تُرْهِقيني يا حَياةُ ضَنىً أَما ... يَكْفي خُطوبٌ كالأَسِنَّةِ في اللَّهاةِ (5)
ما أَنْتِ مُلْقِيَةٌ بِسَلْمٍ أَقْتَني ... في ظِلِّه الضَّافي مَفاخِرَ رائعاتِ
وإذا طَغى سَقَمٌ لِيُسْلِمَني إلى ... بَطْنِ الثَّرى أَيْقَظْتِ أَجْفانَ الأُساةِ (6)
إنْ كُنْتُ مِرْقاةَ الْفَلاحِ لأُمَّةٍ ... ضَرَبَتْ بِسَطْوتهَا على أَيْدي الْبُغاةِ (7)
فالمَوْتُ مِرْقاةُ الهَناءةِ يَوْمَ لا ... يُجْدِ الأُسارى مِنْ فِداءٍ أَوْ حُماةِ
__________
(1) اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.
(2) طافح: مليء. السبات: النوم، وأصله الراحة.
(3) مجلة "الهداية الإِسلامية" الجزء الرابع من المجلد الحادي عشر.
(4) القريح: الجريح. السبات: النوم، وأصله الراحة. القطاة: طائر في حجم الحمام.
القادمة: ريشات في مقدم الجناح، والجمع قوادم.
(5) الأسنة: جمع سنان، وهو نصل الرمح. اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.
(6) طغى: جاوز القدر والحد. السقم: المرض. الأساة: جمع الآسي، وهو الطبيب.
(7) المرقاة: الدرجة.
(7/ 2/50)

سوسة العمر
وغُلامٍ قَرَّبَ "السَّاعةَ" مِنْ ... أُذنِهِ يَسْمَعُ مِنْها النَّقَراتِ
قالَ: ما في جَوْفِها؟ قُلْتُ له: ... سوسَةٌ تَقْرُضُ أيامَ حَياتي (1)

معنى في أزجال البدو
" قيلت في تونس عندما أنشد زجل تونسي وهو:
"جات ظاهرة نادوا عليها ولّي ... وأبرق خَدْها قام الإِمام يصلي"
* * *
خَطَرَتْ فَلاحَ جَبينُها ... والنَّاسُ غَرْقَى في سُباتِ
غَرَّ الإِمامَ فَخالهُ ... فَجْراً وأَحْرَمَ بالصَّلاةِ

أحمد تيمور باشا
تَقَاسَمَ قَلْبي صاحِبانِ وَدِدْتُ لَوْ ... تَمَلَّتْهُما عَيْنايَ طُولَ حَياتي (2)
وَعَلَّلْتُ نفسي بالمُنى فَإذا النَّوى ... تَعُلُّ الحَشا طَعْناً بِغَيْرِ قَناةِ (3)
فَأَحْمَدُ في مِصْرٍ قَضى وَمُحَّمدٌ ... بِتونسُ لا تَحْظى بِهِ لَحَظاتي (4)
__________
(1) السوسة: دودة تقع في الصوف والثياب والطعام والشجر، والجمع سوس.
(2) تملت: استمتعت.
(3) تعلّ: علّه: أي: سقاه السقية الثانية. القناة: الرمح.
(4) أحمد: أحمد تيمور باشا (1288 - 1348 ه) أديب ومؤرخ ولد وتوفي بالقاهرة، وله مؤلفات عديدة. قضى: مات. محمد: محمد الطاهر بن عاشور مفتي تونس =
(7/ 2/51)

أَعيشُ وَملْءُ الصَدْرِ وَحْشَةُ مُتْرَفٍ ... رَمَتْهُ يَدُ الأَقْدارِ في فَلَواتِ

رقّة الطّبع تزيد المودّة صفاء
جَفا الصَّديقُ فناجَيْتُ الْفُؤادَ بِأَنْ ... يَبيتَ في جَفْوَةٍ تِلْقاءَ جَفْوَتهِ
أَبي وقالَ: أَصُونُ الْعَهْدَ مُتَّئِداً ... فَرُبَّ وِدٍّ صَفا مِنْ بَعْدِ غُبْرَتهِ (1)
عادَ الصَّديقُ فَأَصْفَى وِدَّهُ فَإذا ... حَديثُ نَجْوايَ مَنْسوخٌ بِرُمَّتِهِ (2)
إِنْ تَلْقَ طَبْعاً رَقيقاً فَاغْرِسَنَّ بهِ ... مَوَدَّةً يُسْقَها مِنْ ماءِ رِقَّتِهِ
__________
= واحد أعلامها الكبار، كان صديقاً حميماً للشاعر منذ مطلع حياته، وكثيراً ما جاء ذكره في شعره.
(1) أبي: امتنع. الغبرة: الغبار.
(2) منسوخ: أي زائل، يقال: نسخ الشيء: أزاله. الرمة: قطعة من الحبل بالنية، ومنه قولهم: دفع إليه الشيء برمته، وأصله: أن رجلاً دفع إلى رجل بعيراً بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل من دفع شيئاً بجملته.
(7/ 2/52)

قافية الثاء
[الانتصاف لعلم الشريعة]
" قيلت بمناسبة تقليل بعض الجهال من شأن علوم الشريعة في مجلس بالقاهرة سنة 1341 ه).
أَغاظَ الحَسودَ الخِبَّ أَنْ بِتُّ مُقْبِلاً ... بِفِكْري على عِلْمٍ بَديعِ المباحِثِ (1)
وأَوْجَسَ خَوْفاً أَنْ أَزيدَ بِهِ عُلا ... وذاكَ لَدى الحُسَّادِ إِحْدى الْكَوارِثِ
فَغَضَّ مِنَ الْعِلْمِ الَّذي خُضْتُ بَحْرَهُ ... ولَقَّبَ مَنْ يَرْتادُهُ باسْمِ عابثِ
يُحاوِل كَيْداً أَنْ يثبِّطَ هِمَّةً ... تَسامَتْ فَكانَ الْكَيْدُ بَعْضَ الْبَواعِثِ
فَعادَ وَما في كَفِّهِ غَيْرُ خَيْبَةٍ ... كما أَخْفَقَتْ في الحَجِّ آمالُ رافِثِ (2)
__________
(1) الخب: الخدّاع.
(2) الرافث: يقال: رفث؛ أي: أفحش. وهذا البيت إشارة لقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
(7/ 2/53)

قافية الجيم
الرأي النضيج
يَهَبُ المُزْنُ في الْغَداةِ جُماناً ... مِنْ نَدًى للزُّهورِ ذاتِ الأَريجِ (1)
وتُرينا شَمْسُ الضُّحى لُؤْلُؤاً مِنْ ... عَرَقِ الْغيدِ فَوْقَ خَدٍّ بَهيجِ (2)
أَهُما عَلَّما الحِجا كَيْفَ يُلْقي ... في الْقَراطيسِ دُرَّ رَأَيٍ نَضيجٍ (3)

زهرة الدّنيا أخلائي
" قالها الشاعر في مصر عقب وداع بعض أصدقائه من تونس".
يَوْمُ بَيْنٍ لَمْ أَذُقْ مِنْ قَبْلِهِ ... لَوْعَةً كالنَارِ حَرّاً وهِياجا (4)
وَدَّعوا، والصُّبْحُ يَحْدو بالدُّجى ... حامِلاً مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ سِراجا (5)
وَامْتَطَوْا سابِحِةً في الجَو لا ... لَقِيَتْ مِنْ أُخْتِها الرِّيحِ لَجاجا (6)
__________
(1) المزن: السحاب، أو ذو الماء. الجمان: واحدها جمانة، وهي حبة تُعمل من الفضة كالدرة. الندى: المطر. الأريج: الطيب.
(2) الغيد: واحدها غيداء، وهي المرأة الناعمة اللينة الأعطاف.
(3) الحجا: العقل. القراطيس: جمع قرطاس، وهي الصحيفة التي يكتب فيها.
(4) البين: الفرقة.
(5) يحدو: حدا الإبل: ساقها، وغنّى لها. الدجى: الظلمة.
(6) سابحة: يقصد بها: الطائرة. اللجاج: التمادي في العناد والنزاع.
(7/ 2/54)

جِيرَةٌ أَصْفَيْتُهُمْ وِدّي وَلا ... يَجِدُ الْمَذْقُ مِنَ الوِدِّ رَوَاجا (1)
قابَلوا وِدِّي بِوِدٍّ وَبَنَوْا ... مِنْ حِفاظِ الوِدِّ لِلْعَهْدِ سِيَاجا
لا أُبالي إِنْ أَنا جاوَرْتُهمْ ... أَفُراتاً كانَ وِرْدي أَمْ أُجاجا (2)
زَهْرَةُ الدُّنْيا أَخِلَّائي وَلَو ... شَفَّني الْبَيْنُ وَأَعيَاني عِلاجا

لم أكن بمداج
" قيلت في مستشفى فؤاد الأول بالقاهرة في ربيع الآخر سنة 1368 ه).
هُوَ ذا الضَّنى أَيْ جارتي يَنقَضُّ مِنْ ... بَيْنِ الجَوانِحِ في أَشَدِّ هِيَاجِ (3)
يُدْلي الطَّبيبُ مَعَ الطَّبيبِ إلى الحَشا ... سَمَّاعَةً تَصِف انْحِرافَ مِزاجي
فاجاهُمُ نَفَسٌ بِما أَشْكوهُ مِنْ ... وَجَعٍ وأَنْفاسُ الْعَليلِ تُناجي
يَتَهامَسونَ بِلَهْجَةٍ لَمْ أَدْرِها ... فَإِخالُهُمْ هَمَسوا بِعُسْرِ عِلاجي
فَلْتَذْكُريني -إنْ قَضَيْتُ- بِأَنّنَي ... أَرْعى الْعَشيرَ وَلَمْ أَكُنْ بِمُداجي (4)

الشِتاء والرّبيع
يُعيدُ الشِّتاءُ الْحَيَّ مَيْتاً، أَلا تَرى ... بِهِ الرَّوْضَ في كَفَنٍ مِنَ الثَّلْجِ مُدرَجا (5)
وَتُرْجِعُ أيامُ الرَّبيعِ حَيَاتَهُ ... وتَكْسوهُ بُرْداً بالزُّهورِ مُدَبَّجا (6)
__________
(1) المذق: اللبن الممزوج بالماء، ويقصد: الود غير الصافي. الرواج: نفَاق السلعة.
(2) الفرات: الماء العذب، الأُجاج: الماء المِلح المر.
(3) الضنى: المرض والهزال. الجارة: ويقصد بها زوجته.
(4) العشير: القبيلة، الصديق، القريب. المداجي: المداري.
(5) مدرج: مطوي وملفوف.
(6) البُرد: الثوب المخطط. مدبّج: مزيّن.
(7/ 2/55)

قافية الحاء
[تهنئة بالقضاء]
" قيلت في دمشق لتهنئة صديقه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور عند ولايته القضاء بتونس سنة 1332 ه ".
بَسَطَ الهَناءُ عَلى الْقُلوبِ جَناحاً ... فَأَعادَ مُسْوَدَّ الحَياةِ صَباحا
إِيهِ مُحَيَّا الدَّهْرِ إِنَّكَ مُؤْنسٌ ... ما افْتَرَّ ثَغْرُكَ باسِمًا وَضَّاحا (1)
وَتَعُدُّ ما أَوْحَشْتَنا في غابِرٍ ... خالاً بِوَجْنَتِكَ الْمُضِيئَةِ لاحا (2)
لَوْلا سَوادُ اللَّيْلِ ما ابْتَهَجَ الْفَتى ... إِنْ آنَسَ المِصْباحَ وَالإِصْباحا (3)
ياطاهِرَ الهِمَمِ احْتَمَتْ بِكَ خُطَةٌ ... تَبْغي هُدًى وَمُروءَة وَسَماحا (4)
سَحَبَتْ رِداءَ الْفَخْرِ واثِقَةً بِما ... لَكَ مِنْ فُؤادٍ يَعْشَقُ الإِصلاحا
__________
(1) إيه: اسم فعل أمر، ومعناه طلب الزيادة من حديث أو عمل، المُحيا: الوجه. افتر: تبسم وضحك ضحكا حسناً، وأبدى أسنانه.
(2) الغابر: الماضي.
(3) آنس: أبصر. الإصباح: الفجر.
(4) الخطة: الأمر والطريقة. ويطلقها أهل الأندلس على أي منصب من مناصب الحكومة، فيقال: خطة الفتوى، وخطة التعليم.
(7/ 2/56)

سَتَشُدُّ بِالحَزْمِ الْحَكيمِ إِزارَها ... والحَزْمُ أَنْفَسُ ما يَكونُ وِشاحا (1)
وتَذودُ بالعَدْلِ الْقَذى عَنْ حَوْضِها ... والْعَدْلُ أَقْوى ما يَكونُ سِلاحا (2)
في النَّاسِ مَنْ ألقى قِلادنها إلى ... خَلَفٍ فَحَرَّمَ ما ابْتَغى وَأَباحا
فَأَدرْ قَضاياها بِفِكْرِكَ إِنَّهُ ... فِكْرٌ يَرُدُّ مِنَ الْعَوِيصِ جِماحا (3)
أَنْسى ولا أَنْسى إِخاءَكَ إِذْ رَمى ... صَرْف اللَّيالي بِالنَّوى أَشْباحا (4)
أَسْلو ولا أَسْلو عُلاكَ وَلَو أتت ... لُبْنانُ تُهْدي نَرْجِساً فَيَّاحا (5)
أَوَلَمْ نكُنْ كالفَرْقَدَيْنِ تَقَارَنا ... والصَّفْوُ يَمْلأُ بَيْنَنا أَقْداحا (6)

يبغي الورد عذباً
" قيلت على شاطئ البحر بالإسكندرية سنة 1361 ه ".
حَمامٌ غَرَّهُ بَحْرٌ خِضَمٌّ ... تُلاعِبُ مَوْجَهُ الحِيتانُ سَبْحا (7)
__________
(1) الإزار: الملحفة. الوشاح: شيء يشبه قلادة تلبسه النساء.
(2) تذود: تطرد. القذى: ما يقع في العين أو الشراب من تبنة أو غيرها. الحوض: مجتمع الماء.
(3) العويص: الأمر الصعب. الجماح: ركوب الرأس لا يثنيه شيء.
(4) الصرْف: الحدثان والنوائب. النوى: البعد.
(5) أسلو: سلا الشيء: نسيه، وذهل عن ذكره. الفيّاح: للمبالغة؛ أي: فيّاض بالعطاء الواسع الكثير.
(6) الفرقدان: نجمان قريبان من القطب يهتدى بهما.
(7) غرّه: خدعه. خضمّ: كثير العطاء.
(7/ 2/57)

يَحومُ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ زُلالاً ... وَلَما ذاقَهُ ألفاهُ مِلْحا (1)
فَطارَ السِّرْبُ يَبْغي الوِرْدَ عَذْبًا ... وَلَوْ رَشَحَتْ بِهِ الْبَيْداءُ رَشْحا (2)
فَصُنْ قَدَمَيْكَ عَنْ وِرْدٍ وَبيلٍ ... وَقُلْ للنَّفْسِ إِنْ عافَتْهُ: مَرْحَى (3)
وَمَنْ يَظْفَرْ بِوِرْدٍ مُسْتَطابٍ ... فَوِرْدي آسِنٌ غَسَقاً وَصُبْحا (4)
وَكَيْفَ يَطيبُ لي عَيْشٌ وَأَرْضي ... يَهُزُّ بِها الْعِدا سَيْفاً وَرُمْحا

عتاب على مزاح
" قالها في مصر سنة 1362 ه عندما قال بعض الجالسين كلمة نابية عن أدب الدين على وجه المزاح".
بُنَيَّ ألمْ تَرْشُفْ أَفاوِيقَ حِكْمَةٍ ... كما رَشَفَتْ قَطْرَ النَدى زَهْرَةُ الدَّوْحِ (5)
وَمِثْلُكَ لا تَلْوِيهِ داعِيةُ الهَوى ... عَنِ السِّيرَةِ الْغَراءِ والْخُلُقِ السَّمْحِ
__________
(1) الزلال: العذب.
(2) السرب: القطيع من القطا والظباء والوحش والخيل والحمر والنساء. البيداء: المفازة والفلاة.
(3) صان: حفظ. الورد: الماء الذي يورد. وبيل: شديد. مرحى: كلمة تعجب تقال للرامي إذا أصاب.
(4) مستطاب: استطاب الشيء: وجده طيباً. آسن: متغير. الغسق: دخول أول الليل حين يختلط الظلام.
(5) ترشف: تمص. الأفاويق: الفيقة: اسم اللبن الذي يجتمع بالضرع بين الحلبتين.
الحكمة: كل كلام موافق الحق، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده.
الدوح: واحدها الدوحة، وهي الشجرة العظيمة.
(7/ 2/58)

أُعيذُكَ بِالفُرْقانِ أَنْ تَحْكيَ امْرَأ ... يَغُضُّ مِنَ الدِّينِ الحَنيفيِّ بالمَزْحِ (1)
وتُصْغي إلى نَجْوى الَّذي يَرْكبُ الخَنا ... وَيأْخُذُ أَهْلَ الشَّرْعِ بالطَّعْنِ والقَدْحِ (2)
بَلَوْنا الهُدى بَعْدَ الهَوى فإذا الهَوى ... دُجُنَّةُ لَيْلٍ والهُدى فَلَقُ الصُّبْحِ (3)

رفقاً بها
" قالها في تونس بعد درس تعرض فيها أستاذه الشيخ سالم بو حاجب (4) إلى حكم التضحية بالظباء".
مَدَّ في وَجْرَةَ الحِبالَةَ يَبْغي ... قَنَصًا والظِّباءُ تَرْتَعُ مَرْحى (5)
صادها ظَبْيَة وَهَمَّ بِأَنْ يَصْ .. رعَها كالخَروفِ في عيدِ أَضْحى
قُلْتُ: رِفْقاً بِها وَلا تُرْهِقَنْها ... وَهيَ تَرْنو إلَيْكَ صَرْعاً وَذَبْحا (6)
__________
(1) أعيذك: أعاذه: دعا له بالحفظ. الفرقان: القرآن، وهو مصدر بالأصل. يغض الشيء: ينقص ويوضع من قدره.
(2) النجوى: السرّ. الخنا: الفحش. الشرع: ما شرع الله تعالى لعباده.
(3) الدجنّة: الظلمة، جمع دُجُنات. فلق الصبح: شقه بكشف الظلام عنه.
(4) سالم بو حاجب: (1243 - 1342 ه) من كبار علماء تونس وأساتذتها. تولى التدريس بجامع الزيتونة، ثم الفتيا سنة 1323 ه.
(5) الوجرة: موضع بينه وبين مكة والبصرة أربعون ميلاً، ليس فيها منزل، وهي مرتع الوحوش. الحبالة: المصيدة، جمع حبائل، ومنه الحديث الشريف: "النساء حبائل الشيطان". القنص: الصيد. الظباء: الغزلان. مرحى: جمع مَرِح: وهو شديد الفرح والنشاط.
(6) ترنو: تديم النظر بسكون الطرف.
(7/ 2/59)

ما أَظُنُّ السِّكِّينَ تَرْضَى وَفيها ... حِدَةٌ أَنْ تَخُطَّ في الْجيدِ جُرْحا (1)
خَلِّ عَنْها، فَعَيْنُها أَذْكَرَتْنا ... عَيْنَ أَسْماءَ وَهْيَ بالبشْر طَفْحى (2)

[إغاثة قطاة]
قَطاةٌ غَدَتْ تَطْوي الْفَلاةَ خَميصَةً ... إِلى رَوْضَةٍ طابَتْ وطَابَ صَباحُها (3)
رَعَتْ كَلأً رَطْباً، حَسَتْ ماءً مُزْنَةٍ ... رَبا بَيْنَ أَحْناءِ الضُّلوعِ ارْتياحُها (4)
وَعادَتْ تَشُقُّ الْجَوَّ وَهي تُطِلُّ مِنْ ... عُلاها عَلى بَيْداءَ لانَتْ رِيَاحُها
رَمى النَابِلُ الخَتَالُ مِنْها قَوادِمًا ... ولَمْ يدْرِ رامي النَّبْلِ أَيْنَ مَطاحُها (5)
ألمَّ بِها هَمُّ اغْتِرابٍ وَآذَنَتْ ... ذُكاءُ بِتَرْحالٍ فَطالَ نُواحُها (6)
وَمَرَّ بِها لِسرْبٌ مِنَ الأُنْسِ طائرٌ ... فَصاحَتْ وَقَدْ أَجْدى عَلَيْها صِيَاحُها
أُناشِدُكُمْ مَنْ ذا يُعيرُ جَناحَهُ ... مطَوَّحَةً في الْقَفْرِ قُدَّ جَناحُها (7)
أَطيرُ إِلى زُغْبِ الْحَواصِلِ إِنَّها ... خِماصٌ وَأَخْشى أَنْ يَحينَ اجْتِيَاحُها (8)
__________
(1) الجيد: العنق.
(2) البشْر: طلاقة الوجه. طفحى: ملأى.
(3) قطاة: طائر في حجم الحمام. خميصة: جائعة، وتجمع على خمائص.
(4) الكلأ: العشب. المزنة: المطرة. ربا: زاد ونما. الارتياح: السرور والنشاط.
(5) النابل: صانع النبال. الختال: المخادع. القوادم: جمع القادمة، وهي عشر ريشات في مقدم الجناح. المطاح: مكان السقوط.
(6) الذُّكاء: الشمس.
(7) مطوحة: التي طُوِّح بها في الأرض، أي: ذهُب بها. قَدَه: قطعه مستأصلاً.
(8) زُغب: جمع أزغب، وهو صغير الريش والشعر. الحواصل: جمع حوصلة، =
(7/ 2/60)

ولا تَذْكُروا الصَّبَّ الَّذي اسْتَمْنَحَ الْقَطا ... جَناحاً فَأَنْذالُ الطُّيورِ شِحاحُها (1)
فَمدَّ إليْها السِّرْبُ راحَةَ مُسْعِدٍ ... وَطارَ بِها حَتَّى حَماها مَراحُها (2)

[الرّجاء أساس كلّ نجاح]
سَحَبَ الْفَتى الْبَدوِيُّ ذَيْلَ مِراحِ ... يُزْهَى بِسَرْح في فَلاً ومَراحِ (3)
أَلِفَ الْبُطولَةَ والسَّماحَ فَما لَهُ ... شَغَفٌ بِغَيْرِ بُطولةٍ وَسَماحِ
لِلْبَدْوِ فيما كُنْتُ أَدْري الْفَضْلُ في ... نشءِ النُّفوسِ عَلى مِثالِ صَلاحِ
لا راحَ غَيْرُ عَصيرِ مُزْنٍ رائِق ... لا نايَ غَيْرُ الْبُلْبُلِ الصَّدَّاحِ (4)
لا تَخْطُرُ الْفَتَياتُ فيهِ بِزينَةٍ ... وَتَبرُّجٍ بَيْنَ الْبُيوتِ وِقاحِ
مُنِيَ الْفَتى بِقَرينِ سُوءٍ يَرْتَدي ... ثَوْبَ النَّصيحِ بِغَدْوَةٍ وَرَواحِ (5)
ما زالَ يَسْتَهْويهِ حَتَّى انْحَطَّ في ... أَرْضِ الحَضارَةِ بِالهوى المِلْحاحِ (6)
قادَ النَّجائِبَ والحَقائِبُ مِلْؤُها ... ذَهَبٌ، دَنانيرٌ، وَحِلْيُ مِلاحِ (7)
__________
= وهي عند الطائر كالمعدة للإنسان. خماص: جِياع. الاجتياح: الإهلاك.
(1) إشارة إلى قول الشاعر:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
(2) مسعد: مساعد ومعاون. المَراح: الموضع يروح القوم منه وإليه.
(3) المِراح: اسم من مرح: إذا بطر.
(4) الراح: الخمر. المزن: السحاب. الناي: آلة من آلات الطرب، والجمع نايات.
(5) القرين: المصاحب.
(6) الملحاح: الكثير الإلحاح، ألح السائل في السؤال: ألحف وأقبل عليه مواظباً.
(7) النجائب: واحدها النجيبة، وهي الكريمة الحسيبة من الإنسان والحيوان.
(7/ 2/61)

ألقى بِمصْرٍ رَحْلَهُ إِذْ أَدْبَرَتْ ... شَمْسُ الأَصيلِ بِوَجْهِها اللمَّاحِ (1)
بَهَرَتْ لَواحِظَهُ المَصابيحُ الَّتي ... تُغْني إضاءَتُها عَنِ الإصباحِ
وَبَدائِعٌ خَرَجَتْ بِطولِ حِسابِها ... عَنْ طاقَةِ الإِيماءِ والإفْصاحِ (2)
وَاحْتَلَّ صَرْحا شامِخاً وَحَديقَةَ ... حَلِيَتْ بِزَهْرِ بَنَفْسَجٍ وأَقاحي (3)
لَمْ يَحْرِ أَهْلُ النُّبْلِ أَيْنَ مَزارُهُ ... وَدَراهُ أَهْلُ بَطالَةٍ وطَلاحِ (4)
فَتَهافَتوا يَتَصَيَّدونَ فُؤادهُ ... بِتَمَلُّقِ وخِلابَةٍ ومِزاحِ (5)
واسْتَدْرَجوهُ إلى مَلاهٍ لَمْ يَعُدْ ... مِنْ بَعْدِ نشوَتها لِسيرَةِ صاحي
صَرَفوهُ عَنْ وَجْهِ الرَّشادِ، فَتاهَ في ... وادٍ مِنَ اللَّهْوِ الأَثيمِ بَراح (6)
رَكِبَ الهوى طَلْقاً، وأَصْبَحَ سَيْرُهُ ... هَدَفاً لِرَمْيةِ مُزْدَرٍ أَوْ لاحي
فَسَلوا مَلاعِبَ مَيْسِرِ أَذْرى بِها ... بِدَرا وَعادَ بِخَيْبَةٍ وجُناحِ (7)
ظَلَّ الْفَتى في سَكْرَةٍ وثَراؤُهُ ... يَنْهارُ بَيْنَ مَزاهِرٍ وقِداحِ
__________
(1) الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب. اللمّاح: اللامع.
(2) الإيماء: الإشارة.
(3) الصرح: القصر، كل بناء عال. الشامخ: طويل في السماء.
(4) المزار: مكان الزيارة. طلاح: فساد.
(5) التملق: التودد. الخلابة: الخديعة باللسان.
(6) البراح: المتسع من الأرض لا زرع بها ولا شجر.
(7) أذرى بها: ألقى بها كما يلقى الحب للزرع. البِدر: جمع البدرة: عشرة آلاف درهم. الجُناح: الإثم.
(7/ 2/62)

حَتَّى تَبَدَّدَ تِبْرُهُ وَلُجَيْنُه ... كَكَثيبِ رَمْلٍ في مَهَبِّ رِيَاحِ (1)
وانْفَضَّ مِنْ حَوْلِ الْفَقيرِ رِفاقُهُ ... وَجَزَوْهُ عَنْ إِقْبالِهِ بِطِماحِ (2)
لا دِرْهَمٌ يُغْنيهِ مِنْ جوعٍ وَلا ... إِلْفٌ يُخَفِّفُ لَوْعَةَ الأَتْراحِ (3)
كالطيْرِ يُنْسَلُ ريشُهُ أَفَيُرْتَجى ... لِلطَّيْرِ أَنْ يَحْيا بِغَيْرِ جَناحِ (4)
ضاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ، والأَجْسادُ في ... نظرِ الْكَئيبِ مَقابِرُ الأَرْواحِ
يَتَخَيَّلُ الظَّلْماءَ ثَوْبَ مَآتِمٍ ... وأَغانِيَ المِذْياعِ صَوْتَ نِياحِ (5)
كادَ النَّشاؤُمُ بِالحَياةِ يُذيقُه ... طَعْمَ الرَّدى بِغرارِه السَّفَّاحِ (6)
لَوْلا شُعورٌ مِنْ بَقايا فِطْرَةٍ ... لَهَوى كما يَهْوي صَريعُ رِماحِ
هِيَ هَمْسَةٌ مِنْ فِطْرَةِ اللهِ الَّذي ... جَعَلَ الرَّجاءَ أساسَ كُلِّ نَجاحِ

[جناحان]
حِجًا في غِمارِ المُعْضِلاتِ سَبوحُ ... وعَزْمٌ إلى أَسْنى المَعالي طَموحُ (7)
__________
(1) التبر: الذهب. اللجين: الفضة. الكثيب: التل من الرمل.
(2) الطماح: الكبر والفخر.
(3) الإلف: العشير المؤانس. اللوعة: الحرقة. الأتراح: الأحزان.
(4) ينسل: يسقط.
(5) المآتم: جمع مأتم: نساء يجتمعن في الخير والشر، وغلب على الثاني. النياح: البكاء بصياح وعويل وجزع.
(6) الردى: الهلاك. الغرار: حد السيف.
(7) الحجا: العقل. المعضلات: واحدها معضلة، وهي المسألة المشكلة المستغلقة.
(7/ 2/63)

جَناحانِ لا تُرْقَى بِغَيْرِهِما الْعُلا ... وَمِنْ دونِ مَرْماها مَهامِهُ فِيحُ (1)
ومَا أَسْوَأَ الْعُقْبى إذا ساسَ أُمَّةً ... عَلى الرغْمِ مَخْلوعُ الْعِذارِ جَموحُ (2)
إذا وَلَّتِ الأَحْكامُ خابِطَ عَشْوَةٍ ... حَكى كَيْفَ يَهْذي في الْقَضاءِ سَطيحُ (3)
وَيحْسَبُ ما لاشَيْءَ حَيّاً وَلَمْ يَكُنْ ... لِما خالَهُ في النَّاسِ جِسْمٌ ولا روحُ
وَفي الشَّرِّ ما يَنْدَسُّ تحْتَ ظِهارَةٍ ... مِنَ الخَيْرِ لا لَوْنٌ يَنِمُّ ولا ريحُ (4)
يَحوكُ الخَطيبُ الخَبُّ قَوْلاً صِباغُهُ ... أنيقٌ وما تَحْتَ الصِّباغِ قَبيحُ (5)
ويَصْفو رُوَاءُ الماءِ وَالطَّعْمُ عَلْقَم ... وَيبْسِمُ ثِغْرٌ والْفُؤادُ قَريحُ (6)
وَما كُلُّ ذي رَأْيٍ يُداري حَقيقَةً ... تَوارَتْ فَتَبْدو وَالْقِناعُ طَريحُ (7)
وَمَنْ ذا يُعاني الصَّعْبَ لَوْلا رَجاءُ أَنْ ... يَطيبَ غَبوقٌ بَعْدَهُ وَصَبوحُ (8)
__________
(1) مهامه: جمع المهمه، والمهمهة: المفازة البعيدة. فيح: واسعة.
(2) العقبى: الآخرة. العذار: ما سال من اللجام على خد الفرس، ويقال: "هو خليع العذار"؛ أي: يقول ويفعل، وما يبالي بشيء؛ كالدابة بلا رسن. جموح: يقال رجل جموح: يركب هواه، فلا يمكن رده.
(3) خابط عشوة: العشوة هي الظلمة، ويقال للجاهل: هو خابط عشوة. سطيح: ربيع الذئبي كاهن اليمن المشهور.
(4) يندس: يندفن. الظّهارة من الثوب: نقيض البطانة.
(5) الخب: الخداع. أنيق: حسن معجب.
(6) الرواء: حسن المنظر. العلقم: الحنظل، وكل شيء مر. قريح: جريح.
(7) يداري: يلاطف.
(8) الغبوق: ما يشرب بالعشي. الصبوح: ما يشرب بالغدوة.
(7/ 2/64)

ضَريحُ أَبِيِّ الضَّيْمِ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ... وصَرْحُ الهَيُوبِ المُسْتَضامِ ضَريحُ (1)
أَخُو الضَّيْمِ في الدنيا هُوَ الْمَيْتُ فَانْعَهْ ... وإنْ تَرَه يَغْدو بِها وَيروحُ
لِكُلِّ امْرِئٍ شَأْنٌ، سَلوا فَيْلَسوفَهُمْ ... أَنيطَتْ بِهاتيكَ الشُّؤونِ شُروحُ؟
فَمِنْ ساحِبٍ ذَيْلَ المِراحِ وَلَوْ سَطا ... بِهِ مُسْتَبِدٌّ يَعْتَدي وَيبوحُ (2)
سَميع إذا طَنَّ الذُّبابُ بِدُمْيَةٍ ... أَصَمُّ إذا ألقى العِظاتِ نَصوحُ (3)
إلى مُطْرِقٍ يَرْنو بِعَيْنِ مُقَطّبٍ ... يَضيقُ عَلَيْهِ الأُفْقُ وَهْوَ فَسيحُ
شَجِيٌّ كَأَنَّ الْقَلْبَ صُوِّرَ مِنْ أَسًى ... وغَذَّاهُ مِنْ جَفْنِ المَشوقِ سَفوحُ (4)
يُصَمُّ إذا غَنّاهُ إسْحاقُ مُطْرِباً ... وُيصْغي إلى الخنْساءِ وَهيِ تَنوحُ (5)
__________
(1) الضريح: القبر. الضيم: الظلم. الصرح: القصر. الممرد: المشيد. الهيوب: الجبان. المستضام: الذي انتقص حقه.
(2) المراح: اسم من مرح: إذا أشر وبطر.
(3) الدمية: الصنم، والصورة المنقشة المزينة فيها حمرة كالدم.
(4) الشجي: الحزين. المشوق: المشتاق.
(5) إسحاق: (155 - 235 ه) إسحاق بن إبراهيم الموصلي، من أشهر ندماء الخلفاء، وتفرد بصناعة الغناء، وهو عالم بالموسيقى واللغة والتاريخ والشعر، ولد وتوفي ببغداد، نادم الرشيد والمأمون والواثق العباسيين.
الخنساء: (... - 24 ه) تماضر بنت عمرو بن الحارث، الشاعرة المشهورة، أدركت الجاهلية والإِسلام فأسلمت، وقدمت مع قومها من بني سليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها صخر ومعاوية، وكانا قد قتلا بالجاهلية، لها ديوان مطبوع.
(7/ 2/65)

وَأَضيعُ رَأْيٍ ما يَلوحُ لِمُحْجِمٍ ... وَرَأْيُ أَخي العَزْمِ الصَّميمِ نَجيحُ (1)
أَيَجْني ثِمارَ النَّخْلِ بالكَفِّ مُقْعَدٌ ... وَيَنْهَضُ في يَوْمِ الرِّهانِ طَليحُ؟ (2)

نهضة مصر
" قيلت وهو يشهد استعراض الجيش المصري يوم 28 المحرم سنة 1369 ه ".
دَمْعَةٌ كالثَّلْجِ بَرْداً مَجها ... في الْمَآقي فَرْطُ بِشْرٍ وارْتيَاحِ (3)
إِذْ شَهِدْنا عَرْضَ جَيْشٍ مِنْ بَني ... مِصْرَ في أَسْنى عَتادٍ وسِلاحِ
وَتَلَتْها دَمْعةٌ صَورَ لي ... حَرُّها أنْفاسَ مَكْسورِ الجَناحِ
إِذْ ذَكَرْتُ المَغْرِبَ الْغارِقَ في ... لُجَجٍ سُودٍ مِنَ الْعَسْفِ الصُّراحِ (4)
نهَضَتْ مِصْرُ إلى المَجْدِ وَما ... نهَضَتْ إِلَّا بِعَزْمٍ وَكِفاحِ
أترى الْمَغْرِبَ يَوْمًا ناهِضًا ... لِلْعُلا بيْنَ سُيُوفٍ وَرِماحِ

[ما أضيع البرهان عند المعاند!]
تُريدُ رَفيقاً لا يَرى غَيْرَ ما تَرى ... وَيأبى الَّذي تأُباهُ وَهْوَ نَصوحُ
__________
(1) المحجم: الذي يكف عن الشيء وينكص هيبة منه. النجيح: الصواب في الرأي.
(2) المقعد: المصاب الذي لا يستطيع القيام. الطليح: المتعب الهزيل.
(3) مج: رمى. المآقي: جمع المؤقي والمأقي، وهو مجرى الدمع من العين.
(4) المغرب: المغرب العربي: تونس والجزائر والمغرب. لجج: جمع اللجة، وهي الجماعة الكثيرة، ولجة الظلام. العسف: الظلم. الصراح: الخالص من كل شيء، المجاهرة.
(7/ 2/66)

وَغَيْرُكَ مُشْتاق إلى صاحِبٍ لَهُ ... حِجا كَسِراجِ الْكَهْرُباءِ لَمُوح (1)
صَديقُكَ ثاني السَّاعِدَيْنِ وَرَأيهُ ... لِرَأْيِكَ في كُلِّ الأُمورِ كَفيحُ (2)
وَما الخُلْفُ في الآراءِ بَيْنَكُما سِوَى ... دليلٌ على أَنِ الوِدادَ صَريحُ
وَما هُوَ كالخُلْفِ الَّذي يَسْتَثيرُهُ ... عِنادٌ وَرَأْيٌ بِالصَّوابِ لَقوحُ (3)
أَلا خَلياتي مِنْ حِوارِ مُعانِدٍ ... يَقولُ لِسانُ الأَعْجَمِيِّ فَصيحُ
وَما وَعْدُ عُرْقُوبٍ بِيثرِبَ مُخْلِفاً ... ولا ماءً في أَرْضِ الْعِراقِ يَسيحُ (4)
وطَلْعَةُ ذي الوَجْهَيْنِ وَضَّاحَةُ السَّنا ... وَطائِرُ مَنْ يَلْقى الْبَسُوسَ سَنيحُ (5)
وُيطْري الَّتي تَلْهو وتُرْجِئُ غَزْلَها ... إلى أَنْ تَرى نَجْمَ الشِّتاءِ يَلوحُ (6)
أَعِنْدَكَ بُرْهانٌ يَروضُ مُجادِلاً ... يَميحُ مَعَ الأَهْواءِ حَيْثُ تَميحُ! (7)
__________
(1) الحجا: العقل والفطنة. لموح: من لمح البرق والنجم؛ أي: لمع.
(2) الكفيح: الكفؤ والنظير.
(3) اللقوح: الناقة الحلوب، والمعنى هنا: الرأي المنتج.
(4) عرقوب: رجل يثربي كان يضرب به المثل في الكذب والخلف، وفيه إشارة إلى البيت:
وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
(5) البسوس: امرأة هاجت بسببها الحرب المنسوبة إليها بين بكر وتغلب أربعين سنة، حتى ضرب بها المثل في الشؤم، يقال: "أشأم من البسوس".
(6) تلميح إلى البيت:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
(7) يميح: يمشي يتبختر.
(7/ 2/67)

بلغ السّيل الزّبى
إذا نُصِبَتْ بَين الدِّيارِ مَنابِرٌ ... تَقوم عَلَيْها الْغُرْبُ وهِيَ تَصيحُ (1)
تُنادي لأِسْواقٍ تَموجُ خَلاعَةً ... وشُرطِيُّها في الرَّائِدينَ مَروحُ (2)
فَقَدْ بَلغَ السَّيْلُ الزبَى وأَظَلَّنا ... زَمانٌ بِما يُرْضي الْكِرامَ شحيحُ (3)
وَأَصْبَحَ طَعْمُ الْمَوْتِ حُلْواً وريحُهُ ... كأنْفاسِ زَهْرٍ بالرِّياضِ يَفوحُ (4)
__________
(1) الغُرْب: جمع غراب، وهو طائر كبير، يسمى الأسود منه: بالحاتم، يتشاءمون به، ويسمى الأبقع: بغراب البين. ويضرب به المثل في السواد والبعد والبكور والحذر.
(2) الشُّرْطي: بسكون الراء، وفتحُها خطأ، والجمع شُرَط، وسمّوا بذلك؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، والشَرَطُ هي العلامة. مروح: من المرح، وهو شدة الفرح والنشاط.

(3) الزبى: جمع زبية، وهي الرابية لا يعلوها ماء، ومنه المثل: "بلغ السيل الزبى"؛ أي: اشتد الأمر حتى انتهى إلى غاية بعيدة. شحيح: البخيل والحريص، جمع شِحاح وأشحة وأشحاء.
(4) يفوح: يتضوع وينتشر.
(7/ 2/68)

قافية الخاء
الشيوخ والفتيات
" قالها في مجلس بمصر عندما جرى الحديث في تزوج الشيوخ بالفتيات".
لاتَرْجُ مِنْ غادَةٍ فَتاةٍ ... تَبْني عَلَيْها وَأَنْتَ شَيْخُ (1)
ما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنْ، فَتاة ... وَللِشَّبابِ الْغَريضِ شَرْخُ (2)
فَإنْ تَمَلَّيْتَها حَصاناً ... وَصادَها مِنْ غِناكَ فَخُّ (3)
فَدارِها والْفُؤادُ يَحْنو ... عَطْفاً، وُيمْنى يَدَيْكَ تَسْخو
__________
(1) الغادة: المرأة الناعمة اللينة. تبني عليها: تتزوج وتدخل بها. الشيخ: من استبانت فيه السنّ، وظهر عليه الشيب، وقيل: من أربعين أو خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، وإطلاق الشيخ على الأستاذ والعالم وكبير القوم ورئيس الصناعة إنما هو باعتبار الكبر في العلم والفضيلة والمقام، ونحو ذلك.
(2) الغريض: الماء الذي يورد باكراً، والطبري من اللحم، وكل أبيض طري، الشرح: أول الشباب، ويقال: هو في شرح الشباب؛ أي: في ريعانه.
(3) تمليتها: عشت معها مستمتعًا بها. الحَصان: المرأة العفيفة، جمع حُصن وحَصانات. الفخ: آلة يصاد بها.
(7/ 2/69)

قافية الدال
فضل اللغة العربية
" ألقيت في حفلة افتتاح الدورة السادسة لمجمع اللغة العربية بالقاهرة" (1).
شبيهانِ: الهِلالُ إذا تَهادى ... وَفِكْرٌ باتَ يَرْتادُ السَّدادا (2)
بَناتُ الْفِكْرِ آبِدَةٌ وَلَوْلا ... عِنانُ الْقَوْلِ لَمْ تُسْلِسْ قِيادا (3)
رَعى اللهُ الأَديبَ يَرومُ مَعْنىَ ... فَيُسْعِدُهُ الْبَيانُ بِما أَرادا (4)
أُبَجلُهُ وَلَوْ لَمْ يَأوِ ظِلّاً ... بَنى الْعَيْشُ الأَنيْقُ بِهِ وَشادا
فَهاتِ السَّيْفَ يَخْطُرُ في مَضاءٍ ... وَخَلّ الْغِمْدَ عِنْدَكَ والنِّجادا (5)
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء السابع من المجلد الثاني عشر.
(2) الهلال: غرة القمر حين يهله الناس. تهادى: مشى مشياً غير قوي متمايلا. السداد: الرشاد، الاستقامة.
(3) آبدة: الأمر العظيم تنفر منه وتستوحش، جمع أوابد، وأُبَّد. العِنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة. سلس: كان منقاداً ليناً. القياد: مصدر، وهو ما يقاد به كالمقود، ويستعمل بمعنى الطاعة والإذعان.
(4) رعى الله: حفظ الله.
(5) مضاء: مصدر، يقال: مضى السيف مضاء؛ أي: قطع. الغمد: جفن السيف.
النجاد: حمائل السيف.
(7/ 2/70)

وَينْزَعُ بي إلى الآدابِ وَجْدٌ ... إذا قُلْتُ اشْتَفى بالوَصْلِ زادا (1)
فأنسى "مَعْبَداً" و"عُرَيْبَ" دَهْراً ... ولا أَنْسى "الْبَديع" ولا "الْعِمادا" (2)
وأَسْلو الرَّوْضَ والوَرْقاءُ تَشْدو ... بِهِ وَالْغَيْثُ حاكَ لَهُ بِجِادا (3)
ولا أَسْلو الطُّروسَ تَدورُ فيها ... رَحَى الْبَحْثِ ابْتِكاراً وَانْتِقادا
وَلَمْ أَنْضُ الْقَريحَةَ في نسَيب ... وَلا عَذْلاً شَكَوْتُ وَلا بُعادا (4)
فما أَهْوى سِوى لُغَةٍ سَقاها ... قُرَيْشٌ مِنْ بَراعَتِهِمْ شِهادا (5)
__________
(1) الوجد: المحبة. اشتفى: نال الشفاء.
(2) معبد: (... - 126 ه) معبد بن وهب، نابغة الغناء العربي في العصر الأموي، نشأ في المدينة، ورحل إلى الشام، واتصل بأمرائها.
عريب: " 181 - 277 ه " عريب المأمونية، شاعرة ومغنية وأديبة، ولدت ببغداد، ونشأت في قصور الخلفاء العباسيين، وقربها الخليفة المأمون حتى نشبت إليه، وتوفيت بسامراء.
البديع: (358 - 398 ه) بديع الزمان أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني، أحد أئمة الأدب والشعر، ولد في همذان، وتوفي في هراة مسموماً، اشتهر بمقاماته، وله ديوان شعر، ورسائل مطبوعة.
العماد: (1125 - 1200 م) عماد الدين الكاتب، مؤرخ وكاتب كبير، ولد في أصفهان، وعاش وتوفي بدمشق. له مؤلفات مطبوعة.
(3) الورقاء: الحمامة. الغيث: المطر. البجاد: كساء مخطط من أكيسة الأعراب يشتملون به، جمع بُجد.
(4) أنضى: أهزل وأخلق وأبلى. القريحة: ملكة الشاعر يقتدر بها على نظم الشعر.
النسيب: التشبيب بالمرأة. العذَل: الملامة.
(5) الشهاد: جمع الشهْد، وهو العسل ما دام لم يعصر شمعه.
(7/ 2/71)

أَداروا مِنْ، سَلاسَتِها رَحيقاً ... وهَزُّوا مِنْ جَزالَتِها صِعادا (1)
وطَوَّقَها كِتابُ اللهِ مَجْدا ... وزَادَ سَنا بَلاغَتِها اتِّقادا
تَصيدُ بِسِحْرِ مَنْطِقِها قُلوباً ... تُحاذِرُ كالجَآذِرِ أَنْ تُصادا (2)
قَنَتْ حِكَماً رَوائِعَ لَوْ أَعارَتْ ... سَناها النَّارَ لَمْ تَلِدِ الرَّمادا (3)
سَرَتْ كالمُزْنِ يُحْيي كُلَّ أَرْضٍ ... وُيبْهِجُها وِهاداً أَوْ نِجادا (4)
وَما للهْجَةِ الْفُصْحى فَخارٌ ... إِذا لَمْ تَمْلأِ الدُّنْيا رَشادا
وراع حِلى الْفَصاحَةِ غير عُرْبٍ ... فَحَثُّوا مِنْ قَرائِحِهِمْ جِيادا (5)
تَخوضُ بَيانهَا الْفَياضَ طَلْقاً ... وكانَتْ قَبْلَهُ تَرِدُ الثِّمادا (6)
وكَم ضاهى "ابْنُ فارِس" وَهو يُوري ... زِنادَ الشِّعْرِ وائِلَ أو إِيَادا (7)
__________
(1) السلاسة: الرقة والانسجام. الرحيق: الخمر. الجزالة: الفصاحة والمتانة. الصِّعاد: واحدها الصعدة، وهي القناة المستوية.
(2) الجآذر: جمع الجؤذر، وهو ولد البقرة الوحشية، وتشبه به الحسان لجمال عينيه.
(3) قنت: جمعت وكسبت.
(4) المزن: المطر أو السحاب. الوهاد: جمع الوهد: الأرض المنخفضة. النجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض.
(5) الجياد: جمع جواد، وهو الفرس.
(6) الفيّاض: للمبالغة في الكثرة. الثماد: الماء القليل لا مادة له.
(7) ابن فارس: (329 - 395 ه) أحمد بن فارس القزويني، إمام في اللغة والأدب، أصله من قزوين، وتوفي بالري، قرأ عليه البديع الهمذاني، والصاحب ابن عباد، وغيرهما، له تصانيف عديدة، ومطبوعة. يوري الزند: يخرج ناره. الزناد: جمع زنْد، وهو العود الذي يقتدح به النار. وائل: قبيلة عربية، بطن من ربيعة بن نزار =
(7/ 2/72)

أَتاها الْعِلْمُ يَرْسُفُ في كَسادٍ ... وخَطْبُ الْعِلْمِ أنْ يَلْقى كَسادا (1)
فَأَلْفى مِنْ مَعاجِمِها عُباباً ... غَزيرَ النَّبْعِ لا يَخْشى نَفادا (2)
فَأَوْدَعَها نَفائِسَهُ وأَضْحى ... شِعارُ الْعِلْمِ إِعْراباً وضَادا (3)
عَذيري مِنْ زَمانٍ ظَلَّ يَجْني ... عَلى الْفُصْحى ليُرْهِقَها فَسادا
حَثا في رَوْضِها الزَّاهي قَتاماً ... وَأَنْبَتَ بَيْنَ أَزْهُرِها قَتادا (4)
وَلَوْلا أَنَّ هذا الذِّكرَ يُتْلى ... لَرَدَّ بَياضَ غُرَّتها سَوادا (5)
أَجالَتْ طَرْفَها في كُلِّ وادٍ ... فَلَمْ ترَ في سِوى مَصْر مَرادا (6)
فَتِلْكَ مَعاهِدُ الْعِرْفانِ تُدْني ... إِلَيْهِمْ خَيْرَ ما يَبْغونَ زادا
__________
= من العدنانية، وأشهر فروعها: بكر، وتغلب. إياد: قبيلة عربية من معد بن عدنان.
(1) يرسف: يمشي مشي المقيد. الكساد: يقال كسد الشيء: أي لم ينفق لقلّة الرّغاب.
الخطب: الشأن والأمر، صغُر أو عظُم.
(2) ألفى: وجد. العباب: معظم السيل وارتفاعه وكثرته. النفاد: الانقطاع.
(3) الإعراب والضاد: خص الشاعر الإعراب والضاد؛ لأن الإعراب هو ميزة اللسان العربي في المركبات، والضاد ميزة اللسان العربي في المفردات.
(4) حثا: رمى. القتام: الغبار الأسود. القتاد: شجر صلب له شوك كالإبر، وفي المثل: "من دونه خرطُ القتاد".
(5) الذكر: القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. الغرة: بياض في جبهة الفرس، ووجه الرجل.
(6) الطرف: العين. المَراد: مكان زياد الإبل؛ أي: اختلافها في المرعى مقبلة مدبرة، وهو المكان الذي يُذهب فيه ويجاه.
(7/ 2/73)

وهذا مَجْمَعٌ يَحْمي تِلاداً ... وَيبْني طارِفا يَحْكي التِّلادا (1)
كَاَنَّ عُكاظَ عادَ بِها اشْتِياقٌ ... إلى الْفُصْحى فَكانَ لَها مَعادا (2)
جَرى ماءُ الحَياةِ بِوَجْنتَيْها ... فَهَنَّأْنا الْيَراعَةَ والمِدادا
وقُلْنا لِلْمَنابِرِ: ذَكِّرينا ... عَلِيّاً حينَ يَخْطُبُ أَوْ زِيادا (3)
فَيَا لُغَةَ النَّبِيِّ سَقاكِ عهْدٌ ... مِنَ الإِصْلاحِ يَنْتَظِمُ الْبِلادا (4)
فَما مِنْ حاجَةٍ لِلْعِلْمِ إِلاَّ ... يُقيمُ لَها بِحِكْمَتهِ سِدادا (5)
يَصونُ هِدايَةَ اللهِ اعْتزازاً ... بِها وأَضاعَها قَوْمٌ عِنادا
تَراءى الزَّيْغُ يَنْفُضُ مِذْرَوَيهِ ... وَيمْسَحُ عَنْ لَوَاحِظِهِ رُقادا (6)
__________
(1) التلاد: المال القديم. الطارف: المال الحديث المستحدث.
(2) عكاظ: من أسواق العرب في الجاهلية، يقع بين نخلة والطائف، ويبعد عن مكة المكرمة ثلاثة أيام، كانت القبائل تجتمع فيه مدة عشرين يوماً في شهر ذي القعدة من كل سنة، ويتناشد الشعراء فيه ما نظموا من الشعر. المعاد: المرجع والمصير.
(3) عليٌ: (23 ق ه - 40 ه) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصهره، واحد الأبطال والخطباء والعلماء بالقضاء، ولد بمكة وقتل بالكوفة. زياد: (1 - 53 ه) زياد بن أبيه، أمير من الدهاة والقادة الفاتحين، ولد في الطائف، وولاه معاوية البصرة والكوفة وسائر العراق حتى توفي.
(4) ينتظم: يقال: انتظم اللؤلؤ: تآلف في السلك واتسق، وانتظم الأمر: استقام.
(5) السداد: ما تسد به الحاجة.
(6) الزيغ: الشك، والجور عن الحق. المذروان: طرفا الإليتين، واحدهما مِذرى،
ويقال: جاء ينفض مذرويه؛ أي: باغياً ومهدداً.
(7/ 2/74)

وَمَنْ يَصُنِ الهُدى مُلِئَتْ يَداهُ ... نَجاحاً كلَّما اسْتورى زِنادا

[بكاء على مجد ضائع]
" قالها في دمشق سنة 1332 ه , حين وجد للدولة العثمانية شيئاً من الضعف، ولقنصل فرنسا أمام قناصل الدول الأوربية شيئاً من النفوذ".
بَيْنَ الجَوانِحِ هِمَّة ... تَسْمو إلى أَمَدٍ بَعيدِ (1)
نهَضَتْ كما تَبْغي الْعُلا ... وَالعَزْمُ كالسَّيْفِ الْفَريدِ (2)
أَدْمى فُؤادِيَ أَنْ أَرى ال ... أَقْلامَ تَرْسُفُ في قُيُودِ (3)
وأَرى سِياسَةَ أُمَّتي ... في قَبْضَةِ الخَصْمِ الْعَنيدِ
فَهَجَرْتُ قَوْماً كُنْتُ في ... أَنْظارِهِمْ بَيْتَ الْقَصيدِ (4)
وحَسِبْتُ هذا الشَّرْقَ لَمْ ... يَبْرَحْ على عَهْدِ الرَّشيدِ (5)
يَسَعُ الجُهود إذا تَضا ... يَقَتِ الْبِلادُ على الجُهودِ
وَيَقولُ يَوْمَ أَبُثُّهُ ... بَعْضَ الأَسى: هَلْ مِنْ مَزيدِ؟
__________
(1) الجوانح: واحدها جانحة: الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدرة كالضلوع مما يلي الظهر.
(2) الفريد: الواحد والمنفرد، والسيف الفريد: أي: لا نظير له.
(3) ترسف: تمشي مشي المقيد.
(4) بيت القصيد: يقال: بيت القصيدة؛ أي: أنفس أبياتها، وهو مثل في النادر والغريب، وتفضيل بعض الشيء على كله.
(5) الرشيد: هارون الرشيد، مرت ترجمته.
(7/ 2/75)

فَإذا المَجالُ كَأَنَّهُ ... مِنْ ضيقِهِ خُلُقُ الوَليدِ (1)

زجاجات المصوّر
" قيلت في برلين سنة 1335 ه ".
عَذرْتُكَ إِذْ صَوَّرْتَ في نفسِكَ الهُدى ... ضَلالاً وصَوَّرْتَ الضَّلالَ رَشادا
فَإِنَّ زُجاجاتِ المُصَوِّرِ تَقْلِبُ الْ ... سَّوادَ بَيَاضاً والْبَياضَ سَوادا

رثاء وزير
" من قصيدة قيلت في رثاء الوزير التونسي الشيخ محمد العزيز بو عتّور سنة 1325 ه ".
كُلُّ امْرِئٍ برَسولِ الْمَوْتِ مَوْعودُ ... وكُل أُنسٍ بِذاتِ الْبَيْنِ مَحْدودُ (2)
فَأَحْزَمُ القَومِ مَنْ يَعْنو لَخالِقِهِ ... وَعَزْمُهُ بِعُرى الطَّاعاتِ مَشْدودُ (3)
فَلَمْ يُثَبِّطْهُ عَنْ فِعْلِ التُّقى تَرَفٌ ... وَمُورِقٌ مِنْ خَصيب الْعَيْشِ أُمْلودُ (4)
ليْسَ المُدامَةُ في رَأْيِ الحَكيمِ سِوى ... مَرارَةٍ قاءَها في الدَّنِّ عنْقودُ (5)
سَيَنْجلي الْيَوْمَ ما لَمْ يَدْره فِئَةٌ ... بِالأَمْسِ والزُّهْدُ في الأَحْياءَ مَعْهودُ
__________
(1) الوليد: المولود حين يولد، ويضرب بخلقه المثل في الضيق.
(2) الأُنس: ضد الوحشة. ذات البين: العداوة والبغضاء.
(3) يعنو: يخضع. عرى: جمع العروة: ما يوثق به ويعول عليه.
(4) ثبط: عوّق وبطّأ. مورق: الشجر ظهر ورقه. الأملود: الناعم من الغصون.
(5) المدامة: الخمر. قاء: ألقى من فيه. الدن: الوعاء، جمع دنان.
(7/ 2/76)

والشَّمْسُ لا يَقْدِرُ الرَّائي مَزِيَّتَها ... إلَّا إذا غَشِيَتْ أَنْوارَها السُّودُ (1)

الوفاء بعهد الصّداقة
" سأله بعض الأدباء: كيف كانت صلتكم بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تونس؟ فأجابه بهذه الأبيات".
أَحْبَبْتُهُ مِلْءَ الْفُؤادِ وإنَّما ... أَحْبَبْتُ مَنْ مَلأَ الوِدادُ فُؤادهُ
فَظَفِرْتُ مِنْهُ بِصاحِبٍ إنْ يَدْرِ ما ... أَشْكوهُ جافى ما شَكَوْتُ رُقادَهُ (2)
وَدَرَيْتُ مِنْهُ كما دَرى منِّي فَتىً ... عَرَفَ الوَفاءُ نِجادَهُ وَوِهادَهُ (3)

الصّداقة والعزلة
أُريدُ أَخاً كالماءِ يَجْري على الصَّفا ... نقَيّاً فَيَصْفو لي على الْقُرْبِ والْبُعْدِ (4)
وأَرْسَلْتُ لَحْظَ الْفِكْرِ في الْقَوْمِ ناقِدًا ... وَأَوْصَيْتُهُ أَلاَّ يُبالِغَ في النَّقْدِ
فَلا ضَيْرَ في وِدٍّ تَغاضَيْتَ فيهِ عَنْ ... لَوَاذَع يَأْتيها الصَّديقُ بِلا عَمْدِ (5)
فَعادَ وَكَمْ لاقى لِساناً مَماذِقاً ... وَمِنْ خَلْفِهِ قَلْبٌ خَلِيٌّ مِنَ الوِدِّ (6)
__________
(1) السود: الليالي.
(2) جافى: ضد واصل وآنس.
(3) النجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض. الوهاد: جمع الوهد: الأرض المنخفضة.
(4) الصفا: الصخرة الصلبة الملساء.
(5) اللواذع: لواذع الكلام: ما قرص وآلم.
(6) مماذق: غير مخلص، يقال: مذقَ الودَّ: أي: شابه بكدر، ولم يخلصه.
(7/ 2/77)

وَلَوْلا ارْتيَاحي لِلنِّضالِ عَنِ الْهُدى ... لَفتَشْتُ عَنْ وادٍ أعيشُ بهِ وَحْدي

خلوا عداتي
" قيلت في مصر".
خَلوا عِداتي يَمْلَؤونَ بِخَيْلِهِمْ ... وَبِرَجْلِهِمْ أكمَ الثَّرى وَوِهادَهُ (1)
لا هَمَ في الدُّنْيا إذا ظَفِرَتْ يَدي ... بِأخٍ عَشِقْتُ ذَكاءَهُ ورَشادهُ
أَصْفو لهُ أَمَدَ الحَياةِ وإنْ رَمى ... سَمْعي بِقَوْلٍ خادِشٍ ما اعْتادَهُ
لَسْتُ المُقاطِعَ إنْ جَفا خِلٌّ وَلَمْ ... يَكُ قَطْعُ رابِطَةِ الوِدادِ مُرادهُ

الجرس
" قالها في برلين سنة 1335 عقب زيارة المرحوم محمد فريد، وإسماعيل لبيب".
جَرَسٌ يَصيحُ كَحاجِبٍ ... طَلْقِ اللِّسانِ مُعَرْبِدِ (2)
حيناً يَنوحُ كَموجَعٍ ... مِنْ لَطْمَةِ المُتَعَمِّدِ
والآنَ رَنَّ كَمِزْهرٍ ... جَستْهُ أَنْمُلُ مَعْبَدِ (3)
زارَ الصَّديقُ فَهَزَّهُ ... مِنْ بَعْدِ ضَغْطَةٍ جَلْمَدِ (4)
__________
(1) العداة: واحده العادي وهو العدو. الأكم: جمع أكمة: التل.
(2) المعربد، والعربيد: مؤذي نديمه في سكره، والشرير.
(3) أنمل: جمع أنملة، وهي رأس الإِصبع. معبد: نابغة الغناء العربي، وقد مرت ترجمته.
(4) الجلمد: الرجل الشديد الصلب.
(7/ 2/78)

والوِدُّ يَسْكُنُ في الحَشا ... لَكِنْ يُحَسُّ مِنَ الْيَدِ

الهُدى والضّلال
كأَنَّ شُعاعَ الشَّمس يَنْسابُ في الثَّرى ... وَيَطْوي بِساطاً مَدَّهُ اللَّيْلُ أَسْوَدا
سَنا حُجَّةٍ يَسْطو على قَلْبِ جاحِدٍ ... فَيَأْخُذُهُ بَعْدَ الضَّلالِ إلى الهُدى

الرّياء غش
صاغَ النُّحاسَ مُذَهَّباً لِيَغُرَّ مَنْ ... يَبْغي حُلِيّاً منْ صَميمِ الْعَسْجَدِ
كأَخي هَوَى طاغ يُحاوِلُ سَتْرَهُ ... عَنَّا بِسَمْتِ النَّاسِكِ المُتَعَبِّدِ (1)

[عواطف الصّداقة]
" بعد هجرة الشاعر من تونس إلى دمشق سنة 1331 ه، بعث صديقه العلامة المرحوم محمد الطاهر بن عاشور، وهو قاضي القضاة بتونس، رسالة مصدرة بالأبيات المنشورة في حاشية هذه الصفحة، وقد أجابه بالقصيدة التالية".
أَيَنْعَمُ لي بالٌ وأنتَ بَعيدُ ... وأَسْلو بِطَيْفٍ والمَنامُ شَريدُ
إذا أَجَّجَتْ ذِكْراكَ شَوْقي أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري بِدمْعِ المُقْلَتَيْنِ خُدُودُ (2)
بَعُدْتُ وآمادُ الحَياةِ كثيرَةٌ ... وَلِلأَمَدِ الأسْمى عَلَيَّ عُهودُ (3)
__________
(1) السمت: هيئة أهل الخير. الناسك: العابد المتزهد.
(2) أجّج: ألهب. اخضلت: ابتلت.
(3) آماد: جمع أمد: الغاية.
نص قصيدة العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور:
بعدت ونفسي في لقاك تصيد ... فلم يغن عنها في الحنان قصيد
وخلفت ما بين الجوانح غصة ... لها بين أحشاء الضلوع وقود =
(7/ 2/79)

بَعُدْتُ بِجُثْماني وَروحي رَهينَةٌ ... لَدَيْكَ وَلِلْوِد الصَّميمِ قُيُودُ (1)
عَرَفْتُكَ إذْ زُرْتُ الوَزيرَ وَقَدْ حنا ... عَلَيَّ بِإِقْبال وأَنْتَ شَهيدُ (2)
فَكانَ غُروبُ الشَّمْسِ فَجْرَ صَداقَةٍ ... لَها بَيْنَ أَحْناءِ الضُّلوعِ خُلودُ
لَقيتُ الوِدادَ الحُرَّ في قلبِ ماجِدٍ ... وَأَصْدَقُ مَنْ يُصْفي الوِدادَ مَجيدُ
ألمْ تَرْمِ في الإِصْلاح عَنْ قَوْسِ ناقِدٍ ... دَرَى كَيْفَ يُرْعى طارِفٌ وَتَليدُ (3)
وَقُمْتَ عَلى الآدابِ تَحْمي قَديمَها ... مَخافَةَ أَنْ يَطْغى عَلَيْهِ جَديدُ
__________
= وأضحت أماني القرب منك ضئيلة ... ومرّ الليالي ضعفها سيزيد
أتذكر إذ ودعتنا صبح ليلة ... يموج بها أنس لنا وبرود
وهل كان ذا رمزاً لتوديع أنسنا ... وهل بعد هذا البين سوف يعود
ألم تر هذا الدهركيف تلاعبت ... أصابعه بالدر وهو نضيد
إذا ذكرو اللود شخصاً محافظاً ... تجلى لنا مرآك وهو بعيد
إذا قيل من للعلم والفكر والتقى ... ذكرتك إيقاناً بأنْك فريد
فقل لليالي جددي من نظامنا ... فحسبك ما قد كان فهو شديد
وكتب تحتها ما يتلو: (هذه كلمات جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثها على علاتها، وهي وإن لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة، فإن الود والإخاء والوجدان النفسي يترقرق في أعماقها".
(1) الجثمان: الجسم.
(2) الوزير: محمد العزيز بوعتور (1240 - 1325 ه) من كبار رجال السياسة والعلم في تونس. الشهيد: الحاضر والمطلع، والبيت إشارة إلى أول لقاء بين الشاعر والعلامة ابن عاشور.
(3) الطارف: المال الحديث المستحدث. التليد: المال القديم.
(7/ 2/80)

أَتَذْكُرُ إذْ كُنّا نبُاكِرُ مَعْهَداً ... حُمَيَّاهُ عِلْمٌ والسُّقاةُ أُسودُ (1)
أتذْكُرُ إذْ كُنّا قَرينَيْنِ عِنْدَما ... يَحينُ صُدورٌ أَوْ يَحينُ وُرودُ (2)
فَأَيْنَ لَيَالينا وأَسْمارُها الَّتي ... تُبَلُّ بِها عِنْدَ الظِّماءِ كُبودُ
لَيَالٍ قَضَيْناها بِتُونسُ لَيْتَها ... تَعودُ وَجَيْشُ الْغاصِبينَ طَريدُ (3)

خاتم خالقي
وقائِلَةٍ: ما هذِهِ الشَّامَةُ الَّتي ... أَرى أَهِيَ الْقَرْحُ الَّذي مَرَّ عَهْدُهُ (4)
فَقُلْتُ لها: الشَّيْطانُ يَزْعُمُ أَنَّهُ ... يُوَجِّهُني أَنَّى تَوَجَّهَ قَصْدُهُ
وَمَهْما رَمى الشَّيْطانُ سَهْمَ غِوَايَةٍ ... يَكيدُ عِبادَ اللهِ أَخْفَقَ كَيْدهُ
وَهذا الَّذي أَبْصَرْتِ خاتَمُ خالِقي ... لِيَشْهَدَ لي ما عِشْتُ أَنِّيَ عَبْدُهُ (5)
__________
(1) نباكر: نأتي بكرة. المعهد: جامع الزيتونة بتونس. الحميا: شدة الغضب وأوله، يعني هنا: النشاط. ويريد بالسقاة الأسود: أساتذة المعهد، وما كان لهم من مهابة وإجلال في قلوب المتعلمين.
(2) القرين: لدة الرجل؛ أي: الذي ولد وتربى معه. الصدور: الرجوع عن الماء. الورود: بلوغ الماء.
(3) جيش الغاصبين: الجيش الفرنسي الذي كان يحتل تونس قبل الاستقلال.
(4) قائلة: الضمير يعود إلى زوجة الشاعر السيدة المرحومة زينب رحيم. الشامة: علامة تخالف البدن الذي هي فيه، وأثر سواد، وهي أثر عملية جراحية أجريت للشاعر في أعلى القفا سنة 1365 ه بالقاهرة.
(5) خاتم: الطابع تطبع به السمة، وكذلك حَلْي للإصبع، حُفر عليه اسمه اللابس أم لا. وفي هذا البيت إشارة لقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42].
(7/ 2/81)

أموت مجلِّياً
أَبْدى الطَّبيبُ المُسْتَشارُ نَصيحَةً ... فَوَقَفْتُ مِنْها وَقْفَةَ المُتَرَدِّدِ
قال: احْمِ فِكْرَكَ أَنْ يَروضَ أَوابِداً ... وَاقْنع بِما يَبْدو على ظَهْرِ الْيَدِ (1)
فالفِكْرُ إنْ تُبْعِدْ مَداهُ وأَنْتَ في ... هذا الضَنى لاقَيْتَ حَتْفَكَ في الْغَدِ
نفسي أَبَتْ لي أَنْ تَبيتَ قَريحَتي ... وَبرَاعَتي في نومَةِ الْمُتَبَلِّدِ (2)
وَلأَنْ أَموتُ مُجَلِّياً خَيْرٌ لَها ... مَنْ أَنْ أَعيشَ عَلى الفِراش كَمُقْعَدِ (3)

[بين المستشفى والمسجد]
" قيلت في رمضان سنة 1371 ه ".
يا نُفوساً رُبيتْ في رَشَدِ ... لا تَغُرَّنْكِ حَياةُ النَّكَدِ (4)
سَطَعَ الإِيمانُ في الْقَلْبِ كَما ... سَطَعَتْ بَهْجَةُ هذا الْعَسْجَدِ (5)
وإذا ما فاتَكِ الرُشْدُ فَلا ... تَفْخَري يَوْماً بِنُبْلِ الْمَشْهَدِ (6)
عَثَرَتْ بي هِمَمُ الدُّنْيا كما ... عَثَرَتْ بي فَرَسٌ في جَلْمَدِ (7)
__________
(1) الأوابد: جمع الآبدة، وهي القافية الشاردة، والأمر العظيم تنفر منه وتستوحش. ويريد بما يبدو على ظهر اليد: الأفكار السطحية.
(2) القريحة: ملكة يقتدر بها على استنباط العلم والشعر بجودة الطبع. اليراعة: القلم.
(3) المجلِّي: السابق في الحلبة.
(4) الرشد: الهداية. النكد: الشؤم والعسر وقلة الخير.
(5) العسجد: الذهب، وقيل: الجوهر كله؛ كالدر والياقوت.
(6) المشهد: محضر القوم ومجتمعه، جمع مشاهد.
(7) الجَلمد: الصخر.
(7/ 2/82)

لَسْتُ أَدْري أفؤادي عامِرٌ ... أَمْ خَلِيٌّ مِنْ خِصالِ السُّؤْدُدِ
وَأَذاقَتْني اللَّيالي كَدَراً ... بَعْدَ ما احْلَوْلَتْ بِعَيْشٍ رَغِدِ
صَرَعَتْني غَمْرَة ما حَلَّ بي ... مِثْلُها عُسْراً وَطولَ أَمَد
خَفَقَتْ في الرَّأْسِ روح فَجْأَةً ... وهَوَى في الأَرْضِ حُرُّ الْجَسَدِ
وَلِساني نسَيَ الْقَوْلَ وَفي ... أَرْجُلي قَيْدٌ كَقَيْدِ الْمُقْعَدِ
فَحَسبْتُ الأَجَلَ المَحْتومَ لَمْ ... يَتَأَخَّرْ وَأَتَى في الْمَوْعِد
بادَرَ المُسْعِفُ يُزْجي مَرْكَباً ... مَدَّ جِسْمي فيهِ مَدَّ المُلْحَدِ (1)
رامَ بي الْقَصْرَ وآلقى فِتْيَةً ... وَرَدوا في الطِّبِّ أَصْفى مَوْرِدِ (2)
نَقَروا الصَّدْرَ وجَسُّوا مَنْبَضاً ... وَانْقِراضُ الْعُمْرِ يُدْرى باليَدِ (3)
وَاسْتَبانوا أَنَّ رَبَّ الْعَرْشِ قَدْ ... كَتَبَ الْمَحْيَا بِنابِ الأَسَدِ (4)
عُدْتُ لِلدَّارِ الَّتي فارَقْتُها ... في مَساءِ الأَمْسِ مِنْ صُبْحِ غَدِ
وَتَوَلاَّني أُساةٌ ها أَنا ... ذا أُلاقي يَوْمَهُمْ في أَسْعَدِ (5)
وَصَفوا الدَّاءَ وَقالوا: طِبُّهُ ... مَطْعَم مُرٌّ وَوَخْزُ الْعَضُد
__________
(1) المسعف: الممرّض. يزجى: يدفع. المركب: طاولة ذات عجلات يوضع عليها المريض. المُلْحَد: القبر.
(2) رام: أراد. القصر: مستشفى القصر العيني في القاهرة.
(3) المنبض: منبض القلب حيث تراه ينبض. الانقراض: الهلاك.
(4) المحيا: الحياة، قال تعالى:: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} [الجاثية: 21].
(5) الأساة: جمع الآسي، وهو الطبيب.
(7/ 2/83)

كَمْ طَبيبٍ أَمَّهُ المَرْضى فَعا ... دوا بِلَيْلٍ مِثْلِ لَيْلِ الأَرْمَدِ (1)
لَيْتَهُ يَفْقَهُ سِرّاً مُودَعًا ... في جَنى النَّحْلِ وَريقِ الأَسْوَدِ (2)
وَاذا المَرْءُ اشْتَفى مِنْ عِلَّةٍ ... فَبِفَضْلِ الأَزَلِيِّ الصَّمَدِ
قَوَّمَ الجِسْمَ بِمُسْتَشْفىً كما ... قُومَتْ أَفْكارُهُ بالمَسْجِدِ

ما رقمت يدي
غَلا في امْتِداحي مُلْهَجٌ بِمَحَبتي ... وأَسْرَفَ في ذمي المُصِرُّ على حقدِ (3)
يَدُسُّ أَخو الحِقْدِ المَزايا وَرُبَّما ... طَلاها بأَصْباغِ الذُّنوبِ عَلى عَمْدِ
وَلِلْحِبِّ عَيْنٌ أَبْتَني الْبَيْتَ مِنْ حَصىً ... فَتُبْصِرُهُ درا على الْقُرْبِ والبُعْدِ (4)
رُوَيْدَكَ زِنْ بِالْقِسْطِ ما رَقَمَتْ يَدي ... عَلى وَرَقٍ تَخْبُرْ حَقيقَةَ ما عِنْدي (5)

سائل في زورق
عَهِدْتُ الذي يَسْعى عَلَى مَتْنِ زَوْرَقٍ ... إلى الرزْقِ يُدْلي نَحْوَه شَرَك الصَّيْدِ (6)
__________
(1) أمَّ: قصد. الأرمد: ما كان على لون الرماد.
(2) جنى النحل: العسل. الأسود: العظيم من الحيات وفيه سواد، جمع أساود.
(3) غلا: تصلب وشدد حتى جاوز الحد. ملهج: يقال ألهِج بالشيء: أي: أولع به، ولزمه.
(4) الحِبّ: المحب.
(5) رقمت: كتبت. تخبر: تعلم.
(6) قال البيتين عندما وقع بصره على زورق يطوف به على جوانب السفينة التي أقلته من تونس إلى الإسكندرية سائل مقعد. انظر: كتاب "الرحلات" للإمام.
(7/ 2/84)

وَذَا قانِصٌ في اليَمِّ يَرْمي إلى العُلا ... حُبالةَ أَقوالٍ فَتَظْفَرُ بِالقَصْدِ

[حسن العهد]
" بعث إليه صديقه الأديب الشيخ علي النيفر من تونس بالقصيدة المنشورة في الحاشية، وقد أجابه عليها بهذه الأبيات".
رَعى اللهُ حُسْنَ الْعَهْدِ هَزَّ قَريحَةً ... فَأَلْقَتْ عَلَينا مِنْ حَلاها فَرائِدا (1)
وَما الْكَلِمُ الْفُصْحى سِوى دُرَرٍ إذا ... تَلاقَتْ على الْقِرْطاسِ صارَتْ قَلاِئدا (2)
__________
(1) رعى: حفظ. الحلي: ما يزين به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة الكريمة.
الفرائد: جمع الفريدة: الجوهرة النفيسة.
(2) الكلم: جمع الكلمة. القرطاس: الصحيفة التي يكتب فيها. القلائد: جمع القلادة: ما جعل في العنق من الحلي. وقلائد الشعر: البواقي على الدهر؛ أي: التي لا تزال محفوظة لا تنسى لنفاستها.
* نشرت في مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثاني والعشرين.
نص قصيدة الأستاذ علي النيفر:
أزج القوافي شرّداً وأوابدا ... لحمى يعج مكارماً ومحامدا
وانخْ كرائمها لديه فساحُه ... ترعى القصيد ولا ترد القاصدا
غيلُ الأعارب ملتقى أبطالهم ... وربيع مُسنتهم وحسبك رافدا
حيث الرضا الخضر الحسين تخال ما ... يبديه من غرر البيان قلائدا
حيث ابتنى في مصر للخضراء من ... عرفانه علماً يغيظ الحاسدا
أعلى مناراً "للهداية" في مغا ... نيها فعاد به المغفل راشدا
وبه "لوا الإِسلام" يخفق عاليا ... فأظل ممروراً وأدفاً صاردا
قد أذكرانا منه صرح "سعادة" ... عظمى بتونس كان أعلى شائدا =
(7/ 2/85)

وَرُب قَصيدٍ هاجَ ذِكْرى تُثيرُ مِنْ ... تَباريحِ شَوْقٍ ما يُذيبُ الجَلامِدا (1)
قَصيدٌ بدا مِنْ أُفْقِ أَرضِ نشأتُ في ... مِهادِ رُباها لا عَدِمْتُ الْقَصائِدا (2)
أَبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا وَرَمٍ أَما ... تَرى عَزْمَهُ بَيْنَ الجَوانِحِ خامِدا (3)
__________
= و"الأزهر" المعمور حبَّر سفره ... حقباً وأطلع في سماه فراقدا
ولكم به قد بثَّ علماً نافعاً ... نقع الغليل لمن أتاه واردا
يحكي الذي أحيا به "زيتونة" ال ... عرفان في علم أضاء معاهدا
و"المجمع اللغوي" في مصر غدا ... فيه لما يعلي العروبة ماهدا
وبحسبه أن راح يرأس "جبهة" ... لدفاع من ناوى المغارب صامدا
ما زال يرأسها بعزمة أيَّدٍ ... في صحبة الأبرار يدأب ذائدا
سبحان من أولاك علماً واسعاً ... وتقىَ وخلقاً مثل خيمك ماجدا
يا فخر تونس يا ميمم من نأى ... عنها بمصر مهاجراً أو واردا
يا أنس مغترب وموثل لاجئ ... وكفى بما شهد البرية شاهدا
أهدي لكم مني تحية شائق ... لكريم خلقكم الهني مواردا
ما زلت أذكرها بمصر مجالساً ... لكمُ علينا قد نثرن فرائدا
أبقاك من رقاك أرفع رتبة ... وحباك في كل الأمور مراشدا
وبقيت من كل الخطوب مسلَّماً ... لجميع ما ترجو وتأمل واجدا
تونس 27 ذو القعدة 1368 ه
(1) الجلامد: جمع الجلمد، والجلمود: الصخر.
(2) الأرض: يريد بها: تونس حيث ولد الشاعر. المهاد: الفراش والأرض.
(3) أبا الحسن: الشيخ علي النيفر. من كبار أدباء تونس وعلمائها, ولد سنة 1318 ه.
وشب في وسط آل النيفر العلمي.
(7/ 2/86)

وَلا خَيْرَ فيمَن عادَ صارِمُ عَزْمِهِ ... كَهامًا وَيرْضى أَنْ يُسَمَّى المُجاهِدا (1)
وأَطْرَيْتَ ظمْاَنَ اسْتَبانَ لِداتُهُ ... مَوارِدَ عِرْفانٍ وَضَلَّ المَوارِدا (2)
نظًرْتَ بِعَيْنِ الوِدّ سيرَتَهُ فَما ... دَريتَ الَّذي تَدْريهِ لَوْ جِئْتَ ناقِدا
حَمِدْنا سُراكُمْ يَوْمَ وافَيْتَ قادماً ... عَلى الطَّائِرِ المَيْمونِ لِلْحَجِّ قاصِدا (3)
طَلَعْتَ عَلَيْنا وَاشْتياقي لِتونُسٍ ... يُقَلِّبُ جَمْراً بَيْنَ جَنْبَيَّ واقِدا
فَأهْدَيْتَ طاقاتٍ مِنَ الأُنْس طالَما ... بَكَرْتُ لَها بَيْنَ الخَمائلِ ناشِدا (4)
لَقيتُ بِلُقْياكَ الأَريبَ الَّذي حَكى ... بسيرته الحَسْناءِ جَدّاً وَوالِدا (5)
ذَكَرْتُهُما عِنْدَ اللِّقاءِ، وَإِنَّما ... ذَكَرْتُ عُلوماً جَمَّةً ومَحامِدا
وَلَمْ أَنْس أَنْ كانَ المُوَقَّرُ جَدُّكُمْ ... غَداةَ امْتِحاني مُسْتَشاراً وَشاهِدا (6)
فَنَوَّهَ بي عَطْفاً وَتَنْويهُ مِثْلِهِ ... يُرَوِّجُ ذِكْراً مِثْلَ ذِكْريَ كاسِدا
__________
(1) كَهام: كليل، يقال كَهِم السيف: كلَّ.
(2) أطريت: بالغت في المدح. لِدات: جمع لِدة: وهو الذي ولد معك وتربى.
(3) السُّرى: سير عامة الليل. الطائر الميمون: يقال "سر على الطائر الميمون": دعاء للمسافر، ويقال: هو ميمون الطائر"؛ أي: مبارك الطلعة.
(4) الطاقات: جمع الطاقة، وهي القدرة على الشيء. بكر: أتى بُكرة. الخمائل: جمع خميلة: الموضع الكثير الشجر.
(5) الأريب: العاقل، والماهو، والبصير.
(6) هو المرحوم العلامة الشيخ محمد الطيب النيفر القاضي المالكي في تونس لذلك العهد.
(7/ 2/87)

بِعَيْشِكَ حَدِّثْني عَنِ الْمَعْهَدِ الَّذي ... قَضَيْتُ بِهِ عَهْدَ الشَّبيبَةِ رائدا (1)
حَظيتُ بأشْياخٍ مَلأْتُ الْفُؤادَ مِنْ ... تَجِلَّتِهِمْ لمَّا خَبِرْتُ الأَماجِدا
بَيانُ أَديبٍ يَقْلِبُ اللَّيْلَ ضَحْوَةً ... وفِكْرَةُ نِحْريرٍ تَصيدُ الأَوابِدا (2)
فَلَمْ يُرِني أَدْرى وأَنْبَلَ مِنْهُمُ ... رَحيلٌ طَوى بي أَبحُراً وَفَدافِدا (3)
وَيَأبى قَريضي وَهْوَ ضَيْفُ حِماكَ أَنْ ... يَمُرَّ بِمَرْسَى المَهْدَوِيِّ مُحايِدا (4)
فَلي في نقَاها جِيرةٌ كُنْتُ أَقْتَني ... طَرائِفَ مِنْ إيناسِهِمْ وَتَلائِدا (5)
فَدَعْهُ يُحَيِّيهِمْ حِفاظاً لِعَهْدِهِمْ ... وَيأوي إلى مَغْناكَ في الطرْسِ عائِدا (6)
القاهرة في محرم 1369 ه

أنباء تونس
" قالها عندما زاره أديب قادماً من تونس".
أَمُحَدّثي رُبّيتَ في الوَطَنِ الَّذي ... رُبِّيتُ تَحْتَ سَمائِهِ وَبَلَغْتُ رُشْدا
__________
(1) المعهد: جامع الزيتونة بتونس. الرائد: الرسول الذي يرسله القوم ينظر لهم مكاناً ينزلون فيه.
(2) النحرير: الحاذق الماهر العاقل المجرب المتقن، البصير بكل شيء؛ لأنه ينحر العلم نحراً. الأوابد: جمع الآبدة، وهي القافية الشاردة.
(3) الفدافد: جمع فدفد، وهي الفلاة.
(4) مرسى المهدوي: بلدة في ضاحية تونس.
(5) النقا: القطعة من الرمل. الجيرة: يعني بهم: صديقه العلامة المرحوم محمد الطاهر بن عاشور.
(6) المغني: المنزل. الطرس: الصحيفة.
(7/ 2/88)

وَجَنَيْتَ زَهْرَ ثَقافَةٍ مِنْ رَوْضَةٍ ... كُنْتُ اجْتَنَيْتُ بَنَفْسَجاً مِنْها وَوَرْدا (1)
هاتِ الحَديثَ فَإنّنَي أَصْبو إلى ... أَنْباءِ تُونسُ مِنْ صَميمِ الْقَلْبِ جدَّا

[المعارف والصنائع (2)]
أَيُعاتَبُ الزَّمَنُ الَّذي لا يُسْعِدُ ... وَبَنُوهُ في مَهْدِ الْبَطالَةِ هُجَّدُ (3)
مَهْلا فَما هُوَ بالمَلومِ وَمَنْ رَمى ... سَهْمَ المَلامَةِ نَحْوَهُ فَمُفَنَّدُ (4)
لَوْ أَفْرَغوا في وُسْعِهِ ما جَلَّ مِنْ ... عَمَلٍ لأَغْدَقَ فيهِ عَيْشٌ أَرْغَدُ (5)
أَرَأَيْتَ كَيْفَ شَدَتْ بَلابِلُ سَعْدِهِ ... وَزَهَتْ بِبَهْجَتِها غُصونٌ مُيَّدُ (6)
إذْ أَنفَقَ الأَسْلافُ في سُبُلِ الْعُلا ... أَقْصى الجُهودِ وَلَمْ يَفُتْهُمْ مَقْصَدُ (7)
كُنَّا بَني الإِسْلامِ أَصْدَقَ لَهْجَةً ... وَأَصَحَّ عَهْداً بالوَفاءِ يُؤَكَّدُ
__________
(1) الروضة: جامع الزيتونة بتونس.
(2) نشرت في العدد الحادي عشر من مجلة "السعادة العظمى" التي كان يصدرها الشاعر في تونس، وقد صدر العدد الأول منها في 16 محرم سنة 1322 ه، حتى أغلقها المستعمر الفرنسي بعد صدور العدد الحادي والعشرين منها. وهي أول مجلة في بابها صدرت في تونس.
(3) هجّد: جمع هاجد، وهو النائم.
(4) الملامة: العذل. مفنّد: يقال فنّده: أي: خطّأ رأيه وضعّفه.
(5) الوسع: الطاقة، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
أغدق: اتسع. أرغد: خصب.
(6) ميّد: مائلة.
(7) الأسلاف: جمع سلف، وهو كل من تقدمك من آبائك وقرابتك.
(7/ 2/89)

عَقَدَ التَّواخي في الدِّيانَةِ بَيْنَنا ... نَسَباً، قَرابَتُهُ أَشدُّ وَأَفْيَدُ
ما سامَ ذو رَأيِ سَديدٍ مَطْلباً ... إلَّا غَدا بِيَدِ الْمَعونَةِ يُعْضَدُ (1)
وَلَنا نُفوسٌ لَمْ تُنَطْ آمالُها ... إلَّا بِما هُو في المَعالي أَمْجِدُ
تُنْضي عَزائِمَ كالسُّيوفِ صَرامَةً ... لَكِنْ لِوَفْرِ طِعانِها لا تُغْمَدُ (2)
كُنَّا بُدورَ هِدايَةِ ما مِنْ سَنىً ... إلَّا وَمِنْ أَنْوارِها يَسْتَوقِدُ
وإذا تَكامَلَ وَاسْتوى بَدْرٌ بَدا ... في أُفْقِ طَلْعَتِهِ السَّنِيةِ فَرْقدُ (3)
كُنَّا بُحورَ مَعارِفِ ما مِنْ حِلًى ... إلَّا وَمِنْ أَغْوارِها يُتَصَيَّدُ
ما صرْصَرَتْ أَقْلامُنا في مُهْرَقِ ... إلَّا رَأَيْتَ الدُّرَّ فيهِ يُنَضَّدُ (4)
مِنْ كُلِّ مَعْنًى يَبْهَرُ الأَلْبابَ أَوْ ... نسجٍ يَقومُ لَهُ الْبَليغُ وَيَقْعُدُ
وَيقومُ فينا لِلْخِطابَةِ مِصْقَعٌ ... فَتَرى بَناتَ الْفِكْرِ كَيْفَ تُوَلَّدُ (5)
كُنَا جَلاءً للصُدورِ مِنَ الْقَذى ... وَلِواؤُنا بِيَدِ السَّعادَةِ يُعْقَدُ (6)
ما صافَحَتْ راحاتُنا دَوْحاً ذَوى ... إلَّا وَأَيْنَعَ مِنْهُ غُصْنٌ أَغْيَدُ (7)
__________
(1) يعضد: ينصر ويعان.
(2) تنضي: تسل.
(3) السنية: الرفيعة. فرقد: نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به.
(4) صر صرت: صاحت. المهرق: الصحيفة.
(5) المصقع: البليغ ومن لا يرتج عليه في كلامه.
(6) القذى: ما يقع في العين وفي الشراب من تبنة أو غيرها.
(7) الدوح: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة. أغيد: الناعم المتثنِّي.
(7/ 2/90)

وَمَنِ احْتَمى بِطِرافِنا السَّامي الذُّرا ... آوى إلى الحَرَمِ الَّذي لا يُضْهَدُ (1)
لا يَمْتَري أَهْلُ التَّمَدُّنِ أَنَّهُمْ ... لَوْ لَمْ يَسيرُوا إثْرَنا لَمْ يَصْعَدُوا
فَسَلوا مَتى شِئتمْ سَراتَهُمُ فَما ... مِنْ أُمَّة إلَّا لَنا فيها يَدُ (2)
لا فَخْرَ في الدُّنيا بِغَيْرِ مَجادَةٍ ... تَعْنو لَها الأُمَمُ الْعِظامُ وتَسْجُدُ (3)
لَكِنَّنا لَمْ نَرْعَ فيها حُرْمةً ... بِذِمامِها مِنَّا الرِّقابُ تُقَلَّدُ (4)
أَخَذَتْ مَطِيَّاتُ الهَوى تَحْدو بِنا ... في كُلِّ لاغِيَةٍ كَسَاعَةَ نُوْلَدُ (5)
حَتَّى انْزَوى مِنْ ظِلِّها المَمْدودِ ما ... فِيهِ مُقامٌ يُسْتَطابُ ومَقْعَدُ
أَبْناءَ هذا العَصْرِ هَلْ مِنْ نَهْضَةٍ ... تَشْفي غَليلاً حَرُّهُ يَتَصَعَّدُ (6)
هذي الصَّنائِعُ ذُلِّلَتْ أَدَواتُها ... وَسَبيلُها لِلْعالَمينَ مُمَهَّدُ
وَكَذاكَ بَذْرُ الْعِلْمِ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ... وَدَنا جَناهُ فَما لَنا لا نَحْصُدُ (7)
بِهِما جَرى الْقَوْمُ الَّذينَ اسْتُضْعِفوا ... مِنْ قَبْلُ شَوْطاً في التَّقَدُّمِ يَبْعَدُ (8)
__________
(1) الطراف: بيت من آدم. الحرم: ما يحميه الرجل ويقاتل عنه، وما لا يحل انتهاكه.
يضهد: يقهر.
(2) السراة: جمع السري، وهو السيد الشريف السخي.
(3) مجادة: مصدر مجد؛ أي: كان ذا مجد، وهو العز والشرف. تعنو: تخضع وتذل.
(4) الذمام: الحق.
(5) المطية: الدابة تمطو في سيرها. اللاغية: اللغو.
(6) الغليل: العطش، وقيل: شدته.
(7) الشَّطْأُ: فراخ النخل والزرع، وقيل: ورقة. الجنى: ما يجنى من الشجر.
(8) الشوط: الغاية، أو الجري مرة إلى الغاية.
(7/ 2/91)

أَفَلا نسَيرُ مَسيرَ ذي رُشْدٍ إلى ... آثارِ ما قدْ أَسَّسوهُ وشَيَّدوا
فَلَطالما حَوَتِ الغَنائِمَ جَوْلَةٌ ... مِنْ رائِدِ النَّظَرِ الَّذي لا يَخْمُدُ (1)
إنَّ المَعارِفَ والصَّنائِعَ عُدَّة ... بابُ التَّرَقِّي مِنْ سِواها مُوصَدُ

فلسطين
" كان أحد الأدباء بتونس بعث ببيتين إلى الشاعر مقترحاً تشطيرهما، فأجاب اقتراحه، وهذان البيتان مع التشطير".
"وَخَبّرْهُمْ وأَنْتَ بِهِمْ خَبيرٌ" ... بِما فَعَلَتْهُ جالِيَةُ الْيَهودِ (2)
وَذَكِّرْ آلَ يَعْرُبَ أَيْنَ كانوا ... "بِأَنَّ الذُّلَّ شِنْشِنَةُ الْعَبيدِ" (3)
"وأَنَ نُفوسَ هذا الخَلْقِ تَأْبى" ... حَياة تَحْتَ سَيْطَرَةِ المَسودِ (4)
وإنْ خَضَعَتْ لَها فَقَدِ اسْتَحَلَّتْ ... "لِغَيْرِ إِلِهها ذُلَّ السُّجودِ"

[الحياة الاجتماعية]
لَيْسَ الحَياةُ نَماءَ الجِسْمِ في أَمَدِ ... ولا الحِمامُ تَواري الجِسْمِ بالنَّفَدِ (5)
إنَّ الحَياةَ هيَ الأَيَّام زاهِرةٌ ... وَلَيسَ بالمَوْتِ غَيْرُ الْعَيْشِ في نكدِ
ولا يَطيبُ الْفَتى عَيْشاً إذا نسجَتْ ... في أَرْضِهِ مُزْنةٌ والنَّاسُ في جَرَدِ (6)
__________
(1) الرائد: اسم فاعل: الرسول الذي يرسله القوم لينظر لهم مكاناً ينزلون فيه.
(2) الجالية: الجماعة جلت عن أوطانها ومنازلها.
(3) الشنشنة: الخلق، أو الطبيعة، أو العادة.
(4) المسود: ضد السيد.
(5) الأمد: الغاية، المنتهى: الحِمام: قضاء الموت وقدره. النفد: الفناء والذهاب.
(6) المزنة: القطعة من السحاب. الجرد: الفضاء لا نبات فيه.
(7/ 2/92)

وإنما الشَعْبُ أَفْرادٌ مُؤَلَّفَةٌ ... في هَيْئَةِ الفَرْدِ ذو قَلْبٍ وذو جَسَدِ
أَمّا الْفُؤادُ فأَرْبابُ السِّياسَةِ إنْ ... هَمُّوا بِخَيْرٍ فباقي الجِسْمِ في رَشَدِ
وإنْ ذَكَتْ أُمَّةٌ لانَتْ قِلادَتُها ... بِكَفّ قائِدِها في السَّهْلِ والسَّنَدِ (1)
والْعِزّ في الدَّوْلَةِ العُظْمى إذا بُنِيَتْ ... عَلى أَساسٍ مِنَ الأَحْكامِ مُطَّرِدِ
ولا عَواطِفَ إلَّا أنْ تُسَوِّيَ في ... إِجْرائِها نازِحَ الأَوْطانِ بِالوَلَدِ
تَحْمي حُقوقَ بَني الإنسانِ قاطِبَةً ... لا يَعْتَدي أَحَدٌ مِنْهُمْ على أَحَدِ
والْعَدلُ أَنْ يَلِجوا فَصْلَ الخُصومَةِ مِنْ ... بابِ المُساواةِ لا إيثارِ ذي حَفَدِ (2)
وكيفَ يَرْجَحُ أَقْوام وَوَزْنهمُ ... فيما يُحَدُّ به الإنسانُ لَمْ يَزِدِ
إِنَّ الرَّعِيَّةَ أَعْضاء مُساعِدَة ... لِلْمُلْكِ بالرَّأْي والأَمْوالِ والحَشَدِ (3)
تِلْكَ الْعَظائِمُ لا تَشْتَدُّ أَزْمَتُها ... وَطْئاً إذا ضَرَبوا فيها يَداً بِيَدِ (4)
كَذا المَشاكِلُ لا تَجْلو غَوامِضَها ... إلَّا بِمَجْلِسِ شُورى راسِخِ الْعُمُدِ
فَمِنْ تَصادُمِ أَفْكارِ الرِّجالِ يُرَى ... بَرْقُ الحَقيقَةِ وَضَّاحاً لِذي رَصَدِ (5)
__________
(1) القِلادة: ما جعل في العنق من حلي. السند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السطح.
(2) الحفد: جمع حافد، وهو ولد الولد.
(3) الحشد: الجماعة، وتجمع على حشود.
(4) العظائم: جمع عظيمة، وهي الكبيرة والنازلة الشديدة. الأزمة: الشدة والقحط، والسنة الشديدة. وطئاً: مصدر وطئ: داس بقدمه.
(5) الرصد: القوم يرصدون؛ كالحرس والخدم.
(7/ 2/93)

وَنَفْثَةُ الْقَلَمِ الرَّاقي لَها أثَرٌ ... أَشَد مِنْ أثَرِ النَّفَّاثِ في الْعُقَدِ (1)
والْقَابِضونَ على أَمْرِ السِّياسَةِ لا ... يَسُرّهُمُ أَنْ تُرى الأَقْلامُ في صَفَدِ (2)
يَسْمو بِهِمْ شَرَف الوِجْدانِ أَنْ يَضَعوا ... نِظامَهُمْ بِمكانِ الْعِيرِ والوَتِدِ (3)
يَسوءُهُمْ أَنْ يَرَونا نائِمينَ عَلى ... صِماخِ آذانِنا في صورَةِ الجَمَدِ (4)
لا نستَميتُ على أرضِ الخُمولِ ولا ... نرمي بِسَهْمِ مِنَ الأقْوالِ ذي أوَدِ (5)
ولا يَطيشُ بِنا داعي الشَّجاعَةِ عَنْ ... رَسْمِ اعْتِدالٍ فَإِنَّ الحقَّ ذو جَلَدِ
__________
(1) النفثة: ما يخرج من القلم. النفَّاث: السخار، وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4]؛ أي: من شر السواحر من النساء يعقدن عقداً من الخيوط، وينفثن عليها، أو: من شر النفوس.
(2) الصفد: الوثاق.
(3) العير: القافلة. الوتد: مارز في الأرض أو الحائط.
(4) الصماخ: خرق الأذن الباطن الماضي إلى الرأس. الجمد: الثلج، الماء الجامد.
(5) الأود: الاعوجاج.
(7/ 2/94)

قافية الذال
صيانة النفس عن الملق
" قالها في مصر سنة 1364 ه ".
قالوا: رَكِبْتَ بالانْقِباضِ مِطيَّةً ... أَقْصَتْكَ عَنْ عَيْشِ الثَّرِيِّ لماذا؟ (1)
قُلْتُ: انْقِباضي أَنْ أَصونَ النَّفْسَ عَنْ ... مَلَقٍ يُعاقِرُهُ الطَّغامُ لِواذا (2)
إِنْ يَنْتَجِعْ فِئَةٌ بهِ وَبْلاً فَخُذْ ... إِخْذَ الْكِرامِ وَلَوْ نَجَعْتَ رَذاذا (3)
ومِنَ السَّلامَةِ أَنْ أَصونَ الْوَجْهَ عَنْ ... مَلَقِ الَّذي اتَّخَذَ النِّفاقَ مَلاذا (4)
__________
(1) المطية: الدابة تمطو في سيرها. الثري: الكثير المال.
(2) الملق: اللطف الشديد. عاقر: لازم. الطغام: أوغاد الناس. لواذاً: لاذ به لواذاً: استتر به واحتصن والتجأ.
(3) ينتجع: يطلب. الوبل: المطر الشديد. الرذاذ: المطر الضعيف.
(4) الملاذ: الحصن والملجأ.
(7/ 2/95)

قافية الراء
حياة اللغة العربية
" قيلت في تونس سنة 1326 ه ".
بَصَري يَسْبَحُ في وادي النَّظَرْ ... يَتَقَصَّى أثَراً بَعْدَ أثَرْ (1)
وَسَبيلُ الرُّشْدِ مَمْهودٌ لِمَنْ ... يَتَحامَى الْغُمْضَ ما اسْطاعَ السَّهَرْ (2)
إنِّما الْكَونُ سجِلٌّ رُسِمَتْ ... فيهِ للأَفْكارِ آيٌ وَعِبَرْ (3)
وإذا أَرْخى الدُّجى أَسْتارَهُ ... ظَفِرَ السَّمْعُ بِما فاتَ البَصَرْ
لَسْتُ أَنْسى جُنْحَ لَيْلٍ خَفَقَتْ ... فيهِ بِالأَحْشاءِ أَنْفاسُ الضَّجَرْ
قُمْتُ أَيسْعى لِتَقاضي سَلْوَةٍ ... وَمَطايا السَّعْيِ مِرْقاةُ الوَطَرْ (4)
لَجَّ بي التَّسْهيدُ حتى أَوْشَكَتْ ... غُزَةُ الإصْباحِ أَنْ تَغْشى السَّحَرْ
حَبَّذا ريحُ الصبا ريحاً جَرَتْ ... بِحَسيسٍ مِنْ أحاديثِ السَّمَرْ (5)
__________
(1) تقصى: بالغ في البحث.
(2) الغُمض، والغِماض: النوم. اسطاع: استطاع.
(3) آي: جمع آية، وهي العلامة.
(4) المرقاة: الدرجة. الوطر: الحاجة.
(5) الصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. الحسيس: الصوت الخفي، قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء: 102].
(7/ 2/96)

فَحَدَتْ بي نَحْوَ نادٍ نَشَبوا ... في لِحاءٍ ولَجاجٍ مُنتشِرْ (1)
وإذا الخَصْمانِ لَمْ يَهْتَدِيَا ... سُنَّةَ الْبَحْثِ عَنِ الحقِّ غَبَرْ (2)
هذِهِ طائِفَةٌ تَشْدو بِما ... في لِسانِ الْعُرْبِ مِنْ فَضْلٍ ظَهَرْ
وَجَفَتْهُ فِئَةٌ فاهْتَضَمُوا ... حَقَّهُ والجَهْلُ مَدْعاةُ الهَذَرْ (3)
وتَراضَوْا بَعْدَ ذا أَنْ نَصَبوا ... حَكَمًا بَيْنَهُمُ فيما شَجَرْ (4)
أَبْدع الْقَوْلَ وَقَدْ أَسْعَدَهُ ... لَهْجَةٌ فُصْحى وَجَأْشٌ مُسْتَقِرٌ (5)
لُغَةٌ أُودع في أَصْدافِها ... مِنْ قَوانينِ الْهُدى أَبْهى دُرَرْ
أَفَلَمْ يَنْسُجْ عَلى مِنْوالِها ... كَلِمُ التَّنْزيلِ في أسْمى سُوَرْ (6)
لُغَةٌ تَقْطِفُ مِنْ أَغْصانِها ... زَهْرَ آدابٍ وأَخْلاق غُرَرْ
هِيَ بَحْرٌ غُصْ على حِلْيتها ... فَلآلي الْبَحْرِ لَيْسَتْ تَنْحَصِرْ
ضَرَبَتْ في كُلّ فَنٍّ ساحِرٍ ... مِنْ فُنونِ الْقَوْلِ بالسَّهْمِ الأَغَرْ (7)
أَفَما أَحْسَسْتَ في أَجْراسِها ... رِقَّةً تُذْهِلُ عَنْ نَغْمِ الوَتَرْ
__________
(1) نشب: علق. اللِّحاء: النزاع. اللجاج: التمادي في العناد.
(2) سنّة البحث: طريقته. غير: ذهب.
(3) الهذر: سقط الكلام الذي لا يُعبأ به.
(4) الحكم: الحاكم ومنفذ الحكم. شجر بينهم الأمر: تنازعوا فيه.
(5) الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع.
(6) المنوال: النسق والأسلوب. كلم التنزيل: كلام القرآن.
(7) الأغر: الحسن.
(7/ 2/97)

وَرَقيقُ اللفْظِ يَسْري في الحَشا ... ما سَرَتْ نظرَةُ ظَبْيِ ذي حَوَرْ (1)
لَفْظُها الجَزْلُ لهُ وَقْعٌ كَما ... يَقَعُ السَّيْفُ إذا السَّيْفُ خَطَرْ (2)
وابْنُها المِنْطيقُ إِنْ زُجَّ بِه ... في مَجالِ الْقَوْلِ جَلّى وَبَهَرْ (3)
يُبْرِزُ المَعْنى مَتى شاءَ على ... صُوَرِ شَأْنَ الْغَنِيِّ الْمُقْتَدِرْ
ثُمَّ لا يُعْجِزُهُ السَّيْرُ على ... طَرْزِها في كُل مَعْنىً مُبْتَكَرْ (4)
فاسْألِ التَّاريخَ يُنْبِئْكَ بِما ... أَنْجَبَتْ أَرْضُ قُرَيْشِ وَمُضَرْ (5)
مِنْ خَطيبِ مِصْقَعٍ أوْ شاعِرٍ ... مُفْلِقِ يَسْحَبُ أَذْيالَ الفَخَرْ (6)
ضَلَّ قَوْمٌ سَلَكوا في حِفْظِها ... سَبَباً أَوْهَنَ مِنْ حَبْلِ القَمَرْ (7)
__________
(1) الظبي: الغزال للذكر والأنثى. حور العين: اشتداد بياض بياضها وسواد سوادها.
(2) الجزل: خلاف الركيك من الألفاظ.
(3) المنطيق: البليغ. زج به: رمى به. جلّى: كشف.
(4) الطرز: الهيئة.
(5) قريش: قبيلة عربية نزلت مكة المكرمة في العصر الجاهلي، فتحضرت، ومنها كبار تجار القوافل بين جنوبي الجزيرة العربية إلى شمالها. ومن أهم فروعها: أمية ونوفل ومخزوم وهاشم وعدي. مضر: مضر بن نزار الجد الأعلى لفريق من القبائل العدنانية.
(6) المصقع: البليغ، ومن لا يرتج عليه في كلامه. الشاعر المفلق: الذي يأتي بالعجائب في شعره.
(7) السبب: الطريق. أوهن: أضعف.
(7/ 2/98)

ألقِمَتْ في نُطْقِ قَوْمي أَحْرُفاً ... مِنْ لُغًى أُخْرى فَأَضناها الخَدَرْ (1)
بَعْضُ مَنْ لَمْ يَفْقَهوا أَسْرارَها ... قَذَفوها بِمَوَات مُسْتَمِرْ (2)
نفُروا مِنْها لِواذاً، وإذا ... جَفَّ طَبع المَرْءِ لَمْ تُغْنِ النُّذُرْ (3)
ما زَكا تُفَّاحُ لُبْنانَ عَلى ... حَسَكِ السَّعْدانِ في ذَوْق مَذرْ (4)
واسْتوى في نَظَرِ الأَعْشى ضُحىً ... زَهْرُ رَوْضٍ وَهَشيمُ المَحْتَظِرْ (5)

[كذلك كان في الدنيا عليٌّ]
" أقامت جمعية الهداية الإِسلامية بالقاهرة حفلة تأبين للمرحوم الأستاذ علي محفوظ الوكيل الأول للجمعية، وذلك يوم الخميس 15 محرم 1362 ه , وقد افتتح الشاعر الحفلة بكلمة صدرت بها هذه الأبيات".
هُما السَّهْمانِ يَشْتَبِهانِ مَرْمَى ... وَما كُلُّ السِّهامِ يَصيدُ عُمْرا
وَما سَهْمُ المَنونِ كَسَهْمِ قَوْسٍ ... إذا جَرَيا إلى الأَهْدافِ قَسْرا (6)
__________
(1) ألقم الطعام: أكله سريعاً. لغى: جمع لغة. الخدر: الكسل والفتور.
(2) الموات: ما لا روح فيه.
(3) لواذاً: لاذ به لواذاً: استتر به واحتصن والتجأ. النذر: أنذر بالأمر نذراً: أعلمه وحذره من عواقبه قبل حلوله.
(4) زكا: نما وزاد. حسك السعدان: نبت من أفضل مراعي الإبل، له شوك تشبه به حلمة الثدي، فيقال له: السعدانة. المنذر: الفاسد والخبيث.
(5) الأعشى: الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار. الهشيم: النبات اليابس المتكسر.
المحتظر: قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 31]؛ أي: أنهم قد بادوا وهلكوا، فصاروا كيبيس الشجر إذا تحطم.
(6) المنون: الموت. قسر: أكره وقهر.
(7/ 2/99)

فَسَهْمُ الْقَوْسِ كالْعَشْواءِ يَعْدو ... فَيُخْطِئُ مَرةً وُيصيبُ أُخْرى (1)
وَلا تَرْمي المَنونُ بِغَيْرِ سَهْمٍ ... يَهُبُّ بِنَصْلِهِ وُيصيبُ نَحْرا (2)
وأَحْزَمُ مَنْ رَأَتْ عَيْني أَريبٌ ... يُقَدمُ قَبْلَ أَنْ يَغْشاهُ ذُخْرا (3)
ولا مِثْلَ امْرئٍ يَدْعو بِجِدٍّ ... إلى طُرُق السَّعادَةِ مُسْتَمِرّا
تَلينُ بِهِ قُلوبٌ لَوْ مَدَدْتَ ال ... بنَانَ يَجُسُّها لَلَمَسْتَ صَخْرا (4)
يُذَكِّرُنا بِمَنْطِقِهِ وتُهْدي ... لَنا أَقْلامُهُ عِظَةً وَذِكْرى
كَذلِكَ كانَ في الدُّنْيا عِليٌّ ... وَعاقِبَةُ التُّقى رُحْمى وبُشرى (5)

تشطير بيتين
" تشطير بيتين لأحد أدباء العراق، وها هما ذان مع التشطير".
(سَيِّدَ الرُّسْلِ وَمَنْ بِعْثتهُ) ... سَطَعَتْ فانْقَلَبَ اللَّيْلُ نَهارا
سُلِبَتْ أُمَّتُكَ الْعِز وَكَمْ ... (كَسَتِ الْكَوْنَ بَهاءً وَفَخارا)
(قُمْ إلى النُورِ الَّذي جِئْتَ بهِ) ... والوَرى في غَسَقِ الجَهْلِ حَيَارى (6)
تَلْقَ نارَ الْغَيِّ تَسْطو حَوْلَهُ ... (أَفَتَرْضى أَنْ يَصيرَ النُّورُ نارا)
__________
(1) العشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها.
(2) النصل: حديدة السهم. النحر: أعلى الصدر.
(3) الأريب: الماهر البصير. الذخر: ما أعددته لوقت الحاجة إليه.
(4) البنان: أطراف الأصابع، الواحدة بنانة. يجس الشيء: يمسه ليتعرفه.
(5) العاقبة: آخر كل شيء، والجزاء بالخير.
(6) الورى: الخَلْق. الغسق: دخول أول الليل حين يختلط الظلام.
(7/ 2/100)

حادي السّفينة
حادِي سَفِينَتِنا اطْرَحْ مِنْ حُمولَتِها ... زادَ الوقودِ فَما في طَرْحِهِ خَطَرُ (1)
وَخُذْ إذا خَمَدَتْ أَنْفاسُ مِرْجَلِها ... مِنْ لَوْعَةِ الْبَيْنِ مِقْباساً فَتَسْتَعِرُ

[ابتغ العزة للشرق]
" قيلت في عهد رياسة الشاعر لمشيخة الأزهر بالقاهرة".
لا تُسامَى كُلَّما خُضْتَ غِمارا ... وإذا رُضْتَ جَواداً لا يُجارى (2)
هاتِ مِنْ عَزْمِكَ ما تَرْقى بِه ... أُمَّةٌ هِيضَتْ جَناحاً وفَقارا (3)
إِنْ يَصِحَّ الْعَزْمُ مِنْ قَوْمٍ فَلا ... يَلْتَقي شانِئُهُمْ إلَّا تَبارا (4)
فَابْتَغِ العِزَّةَ لِلشَّرْقِ ولا ... تَرْجُ بِالبُغْيَةِ جاهاً أَوْ نُضارا (5)
وَلِقاءُ المَوْتِ في ذَوْدِكَ عَنْ ... ساحِهِ يُكْسِبُ ذِكْراكَ فَخارا
وبُغاةٌ فَتَحوا في صَفِّنا ... ثُغْرَةً أَنْ نبدِلَ الْعَطْفَ نِفارا (6)
__________
(1) أبيات قالها عند ميناء تونس سنة 1330 ه، وقد أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد.
(2) تُسامى: تُبارى. الغِمار: جمع الغمر، وهو الماء الكثير، ومعظم البحر. راض الجواد: ذلَّلَه، وجعله مسخراً مطيعاً، وعلمه السير.
(3) هيضت: كُسرت. الفَقَار: جمع الفقارة: الخرزة من خرزات الظهر.
(4) الشانئ: المبغض. التبار: الهلاك. قال تعالى: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28]؛ أي: هلاكاً.
(5) البغية: الحاجة. النضار: الذهب والفضة، والجوهر الخالص من التبر.
(6) بغاة: جمع باغٍ وهو الظالم. النِّفار: الجُزع والتباعد.
(7/ 2/101)

حَسْبُنا ما فَتَّ في أَعْضادِنا ... مِنْ سُمومِ الْبَيْنِ بَثُّوها ضِرارا (1)
سَلَبونا الرَّأْيَ حَتى أَصْبَحَتْ ... أَوْجُهُ الحُكْمِ مِنَ الشُّورى قِفارا (2)
نَنْطِقُ الحَقَّ صُراحاً مَرةً ... فَنَرى هُجْراً مِنَ الْقَوْلِ مِرارا
لا يَطيبُ الْعَيْشُ حَتى تَنْثَني ... خَيْلُهُمْ عَنْ مَطْلَعِ الشَّمْس عِثارا (3)
فاسْأَلِ المَغْرِبَ كَيْفَ امْتَلَكوا ... بَعْدَ الاسْتِعمارِ زَرْعاً وعَقارا
أَبْرَموا الْعَهْدَ وَلَمْ يُوفوا عَلى ... أَنَّهُمْ لاقَوْا كِراماً وخِيارا (4)
وَرَعَيْنا مِنْهُمُ الْجارَ ولَو ... أَنْصَفونا حَمِدوا مِنَّا الجِوارا
سَبقونا بِفُنونٍ وَعَلَتْ ... يَدهمْ في الحُكْمِ قَسْراً لا اخْتِيارا (5)
وخِداعٌ حينَ وَلوا حَكَماً ... مُسْتَبِدّاً ودَعَوْهُ مُسْتَشارا
أَنْشَؤوا فينا رِياضًا لَيْتَنا ... نَجْتَني مِنْ ناعِمِ الْغُصْنِ ثِمارا
وَأَباحوا الشَّيْصَ مِنْ عَذْقٍ ذَوَى ... لِفَتىً فاقَ ذَكاءً وَوَقارا (6)
__________
(1) بثَّ: نشر وأذاع.
(2) الشورى: اسم بمعنى التشاور.
(3) عثاراً: يقال: عَثَر الفرس: زلَّ وكبا.
(4) الخِيار: جمع الخير.
(5) القسر: القهر والإكراه.
(6) الشيص: تمر لا يشتد نواه، وقيل: حمل النخلة الذي لا نوى له، وهو رديء مذموم.
العذق: النخلة بحملها.
(7/ 2/102)

وضَعوا للدَّرْسِ مِنْهاجاً وَلَمْ ... يَكُ في المِنْهاجِ ما يَشْفي الأُوارا (1)
شَذَّ مِنّا فِئةٌ ساروا على ... أثَرِ المِنْهاج فارْتَدُّوا حَيَارى (2)
مَدَّ هذا الشَّرْقُ باعاً واسْتَوى ... وأتى الْغَرْبَ فأَضناهُ وَجارا (3)
كادَ يَنْسى الْمَجْدَ لَوْلا فِتْيَةٌ ... أَصْبَحوا مِنْ نشوَةِ الْعِلْمِ سُكارى
بَحَثوا في مَكْمَنِ الْعِلْمِ وَلَمْ ... يَدَعوا مِنْه جِبالاً أَوْ بِحارا
وَعَلَتْ أَعْناقُنا بَعْدُ فَيا ... طَالَما ظَلَّتْ مِنَ الْعَسْفِ قِصارا (4)
وَشُعورٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ إنْ ... جالَ في أَرْضٍ يَميناً ويَسارا
مَلأَ اللهُ بِهِ أَفْئِدَةً ... فَدَرَتْ كَيْفَ يَخونونَ الذِّمارا (5)
ما عَلَيْنا لَوْ تَمادَوا في الْوَغى ... أَوْ أَرَوْنا مِنْ رَحى الحَرْبِ قَرارا (6)
وَلَدى قَوْمي قَناً مُرْهَفَة ... وإذا رامُوا صُعوداً فَمَطارا (7)
__________
(1) المنهاج: الطريق الواضح. الأوار: حر النار والشمس.
(2) شذ عن الجماعة: ندر عنهم وانفرد. حيارى: جمع حيران: الذي لم يدر وجه الصواب.
(3) أضنى: أثقل. جارَ: ظلَم.
(4) العسف: الظلم.
(5) الأفئدة: جمع فؤاد، وهو القلب. الذمار: كل ما يلزمك حمايته وحفظه والدفاع عنه.
(6) الوغى: الصوت والجلبة، والحرب لما فيها من الصوت والجلبة، رحى الحرب: حومتها.
(7) القنا: جمع القناة: الرمح. مرهفة: المرققة الحد.
(7/ 2/103)

ونُفوسٌ سَئِمَتْ مِنْ تَرَفٍ ... وَتَعَشَّقْنَ الْقَتامَ المُسْتَثارا (1)
لا رَعى اللهُ عُهوداً قَدْ كَسَتْ ... بِلَظى الضَّيْمِ صِغاراً وكِبارا (2)
حاوَلوا أَنْ يَهْبِطَ الأَزْهَرُ مِنْ ... شاهِقٍ إذْ كانَ للدُّنْيا مَنارا
تَنْبُعُ الحِكْمَةُ مِنْ صَدْرِ فَتىً ... لَبِسَ الرُّشْدَ شِعاراً وَدِثارا (3)
مِنْ يَدٍ تُحْسِنُ صُنْعاً وحِجاً ... يَسْتَدِرُّ الْفِكْرَ لَيْلاً ونَهارا

مناجاة الفكر
أَسْهرُ اللَّيْلَ وَإنْ طالَ وَمَنْ ... يَعْشَقِ المَجْدَ يَلَذَّ السَّهَرا
لَسْتُ مِمَّنْ يَفْقِدُ الأُنْسَ إذا ... أَصْبَحَ الرَّوْضُ كَئيباً أَغْبَرا (4)
لَسْتُ آسى إِنْ مَضى لَيْلٌ وَما ... صاحِبٌ زارَ ولا طَيْفٌ سَرى (5)
هُوَ ذا الْفِكْرُ يُناجيني مَتى ... رُمْتُ أُنْساً ضَحْوَةً أَوْ سَحَرا (6)
يَتَسامى بي إلى أُفْقٍ أَرى ... في مَعالِيهِ السُّها والْقَمَرا (7)
__________
(1) القَتام: الغبار الأسود.
(2) الضيم: الظلم جمع ضُيوم.
(3) الشعار: ما تحت الدثار من اللباس، وهو ما يلي شعر الجسد. الدثار: الثوب الذي فوق الشعار.
(4) أغبر: ما لونه الغبرة.
(5) الطيف: الخيال الطائف في المنام. سرى: سار عامة الليل.
(6) الضحوة: ارتفاع النهار بعد طلوع الشمس. السحر: قبيل الصبح.
(7) السها: كوكب خفي من بنات نعش الصغرى.
(7/ 2/104)

لي يَراعٌ كُلَّما اسْتَهْدَيْتُهُ ... جَالَ في الطِّرسِ وَأَهْدى دُرَرا (1)
فَلْيَكُنْ في النَّاسِ بُخْلٌ إِننَّي ... لَسْتُ مِمَّنْ يَشْتَكي بُخْلَ الوَرى (2)

على لسان قلم ناضل عن حق
" قيلت هذه الأبيات على لسان القلم الذي كان آخر أقلام استعملها الشاعر في الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وقد أهديت بقية القلم إلى خزانة المرحوم أحمد تيمور بالقاهرة".
سَفَكَتْ دَمي في الطِّرْسِ أَنْمُلُ كاتِبٍ ... وَطَوَتْنِيَ المِبْراةُ إلَّا ما تَرى (3)
ناضَلْتُ عَنْ حَقِّ يُحاوِلُ ذُو هَوًى ... تَصْويرَهُ للنَّاسِ شَيْئاً مُنْكَرا (4)
لا تَضْرِبوا وَجْهَ الثَّرى بِبَقِيَّةٍ ... مِنَّي كما تُرْمى النَّواةُ وتُزْدَرَى (5)
فَخِزانَةُ الأُسْتاذِ تَيْمورَ ازْدَهَتْ ... بِحِلًى مِنَ الْعِرْفانِ تُبْهِرُ مَنْظَرا (6)
فأَنا الشَّهيدُ وَتلْكَ جَنَّاتُ الهُدى ... لا أَبْتَغي بِسِوى ذُراها مَظْهَرا (7)
__________
(1) اليراع: القصب، الواحدة يراعة، ويقصد بها: القلم. الطرس: الصحيفة، جمع أطراس وطروس
(2) الورى: الخلق.
(3) سفكت: صبّت. الطرس: الصحيفة. المبراة: السكين يبرى به القلم.
(4) الهوى: العشق يكون في الخير والشر، ويقال: فلان من أهل الأهواء: أي: ممن زاغ عن الطريقة المثلى. المنكر: ما ليس فيه رضا الله.
(5) الثرى: الأرض. النواة: عجمة التمر ونحوه؛ أي: حبه، أو بزره، جمع نوى ونويات. تزدرى: تُحتقر ويستخف بها.
(6) تيمور: أحمد تيمور الكاتب والمؤرخ المعروف، وقد مرت ترجمته.
(7) الشهيد: القتيل في سبيل الله. الذرى: جمع ذروة، والذروة من الشيء: أعلاه.
(7/ 2/105)

أنت بدر الضّحى
" قالها بمناسبة مجلسى ذكر فيه الفن المعروف في البديع باسم: "المراجعة"، والمراجعة: أن يحكي المتكلم مراجعة في القول، ومحاورة في الحديث بينه وبين غيره بأوجز عبارة، وأرشق سبك، وأسهل لفظ في بيت أو أبيات".
وَعَدَ الخِلُّ أَنْ يَزورَ بِلَيْلٍ ... قُلْتُ: دَعْ لِلنَّهارِ هذا المَزارا (1)
قالَ: إِنَّي أَخو الْبُدورِ وَمَنْ ذا ... يَتَمَلَّى أُنْسَ الْبُدورِ نَهارا
قَلْتُ: لِلْقَلْبِ مُقْلَةٌ لا تَرَى إنْ ... زُرْتَ إِلَّا بَهاجَةً وازْدَهارا (2)
أَنْتَ بَدْرُ الضُّحى فَإنْ غِبْتَ عُدْنا ... في ظَلامٍ والشَّمْسُ لَمْ تتَوارى (3)
قالَ: هذا شِعْرٌ فَهاتِ قياساً ... يَتَحَنّى "أَرِسْطُ" منْهُ انْبِهارا (4)
قُلْتُ: بَدْرٌ طِلاعُهُ الأُنْسُ أَنَّى ... لاحَ في رَوْنقِ الضُّحى لا يُبارى (5)

شهر صوم وجهاد
" أبيات ختم بها حديث رمضان المنشور في جريدة الأهرام بالقاهرة سنة 1365 ه ".
شَهْرُ صَوْمٍ وَجِهادٍ والْفَتى ... إنْ رَمى عَنْ قَوْسِ رُشْدٍ لا يُبارى
__________
(1) الخل: الصديق. المزار: الزيارة، أو موضعها.
(2) بهاجة: بَهُج بهاجة: حَسُن.
(3) الضحى: حين تشرق الشمس. تتوارى: تستتر.
(4) تحنى: تعطف. أرسطو: مرت ترجمته. الانبهار: انقطاع النفس من الإعياء.
(5) الطلاع من الشيء: ملؤه. يبارى: يقال: بارى فلاناً: عارضه.
(7/ 2/106)

أَنِّبِ النَّفْسِ إذا هَمَّتْ بِأَنْ ... تَقْضِيَ اليَوْمَ كما يَقْضي السُّكارى
إِنَّما الحازِمُ مَنْ صامَ وَلَوْ ... لَمَحَ الْعِزَّةَ في النَّجْمِ لَطارا
هِمَمٌ يَخْتَطُّها الْفِكْرُ دُجًى ... وَيَدُ الإصْلاحِ تَبْنيها نَهارا

قاذفات القنابل
وَلَقدْ ذَكَرْتُكِ في ظلامٍ آذَنَتْ ... بِخُطوبِهِ صَفَّارَةُ الإِنْذارِ (1)
والطَّائِراتُ تَحومُ فَوْقَ رُؤوسِنا ... تَرْمي الحُتوفَ بِيَمْنَةٍ ويَسارِ (2)
وَلَوِ اطَّلَعْتِ على الشَّظايا خِلْتِها ... شَرَرَ الجَحيمِ يَطيرُ كُلَّ مَطارِ
فَعَلِمْتُ أَنَّ نَواكِ أَرْوَعُ لِلْحَشا ... مِنْ هَوْلِ مُحْرِقَةِ الجُسومِ بِنارِ

التواضع والكبر
أَرى مُثْمِرَ الأَغْصانِ يَدْنو مِنَ الثَّرى ... وعَاطِلُها يَبْغي بِهامَتِهِ الشِّعْرى (3)
فَأَذْكُرُ إذْ يَهْوي الهُمامُ تَواضُعاً ... وَيَرْفَعُ مَسْلوبُ العُلا أَنْفَهُ كِبرا

المحجر الصّحيّ بالمريجات
" قيلت في المريجات بلبنان سنة 1335 ه ".
بَيْنَ المِرَيْجاتِ ما تَحْلو مَناظِرُهُ ... في الْعَيْنِ لكِنَّ نَفْسي مَسَّها ضَجَرُ (4)
__________
(1) أول من نهج هذا المنهج عنترة بن شداد إن صح ما ينسب إليه من قوله:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
(2) الحتوف: جمع الحتف، وهو الموت.
(3) الثرى: الأرض. الشِّعرى: الكوكب الذي يطلع في الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر.
(4) المريجات: قرية في جبل لبنان.
(7/ 2/107)

والنَّفْسُ تَضْجَرُ مِنْ دارِ المُقامِ على ... رَغْمٍ وإنْ كانَ مِنْ سُمَّارِها الْقَمَرُ

البرد في الحديقة
" قالها في برلين سنة 1337 ه ".
هَزَّ النَّسيمُ غُصونَ الرَّوضِ في سَحَرٍ ... كما يَهُزُّ بَنانُ الْغادَةِ الوَتَرا (1)
لَذَّ الحَفيفُ عَلى سَمْعِ الْغَمامِ أَمَا ... تَراهُ يَحْثو عَلى أَدْواحِهِ دُرَرا (2)

القطار في غوطة دمشق
" قالها عندما دخل القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة 1330 ه ".
لجَّ القِطارُ بِنا والنَّارُ تَسْحَبُهُ ... ما بَيْنَ رائِقِ أَشْجارٍ وأنْهارِ
وَمِنْ عَجائِبِ ما تَدْريهِ في سَفَرٍ ... قَوْمٌ يُقادونَ لِلْجَنَّاتِ بِالنَّارِ

الوفاء في اليسر والعسر
مَسَّتِ الْعَيْشَ عَسْرَةٌ فَدَعِيها ... تَبْتَلي الصَّبْرَ ساعَةً وَتَمُرُّ
جارَتي هَكَذا الزَّمانُ يُوَافِي ... نا بِيَوْمٍ يَجْفو وَيَوْمٍ يَسُرُّ
ما افْتَقَدْنا في الحالَتَيْنِ وَفاءً ... واحْتِفاءً بِهِ الْعُيونُ تَقَرُّ (3)

أرى سفري
أَرَى سَفَري شِعْراً ولَكِنْ بُيوتَهُ ... مُفَصَّلَةٌ في غير بَحْرٍ وفي بَحْرِ
__________
(1) البنان: أطراف الأصابع، الواحدة بنانة. الغادة: المرأة الناعمة اللينة الأعطاف.
(2) الحفيف: صوت أغصان الأشجار. حثا التراب: هاله بيده.
(3) الاحتفاء: المبالغة في الإكرام. تقر العين: تبرد سروراً.
(7/ 2/108)

وَمَقْطَعُ عودي من بدائِعِهِ ألا ... تَرى عَجُزاً قد ردَّ فيه على صَدْري

[عهد الشّبيبة والمشيب]
" قالها بمناسبة خطاب جاءه من شقيقه المرحوم العلامة الشيخ زين العابدين حسين التونسي (1) يصف فيه حسن مناظر الربيع في دمشق، وطيب هوائه، ويدعوه إلى الزيارة".
دَعَوْتَ إلى دِمَشْقَ وَفي فُؤادي ... لَها شَوْقٌ أَحَرُّ مِنَ الهَجيرِ (2)
تَقولُ: حَنا الرَّبيعُ عَلى رُباها ... وَحاكَ طَنافِسَ الزَّهْرِ النَّضيرِ (3)
وهَبَّ نَسيمُها الْفَيَّاحُ يُهْدي ... إلى أَرْجائِها أَذْكى عَبيرِ
هَلُمَّ نُعِدْ عَهْداً مَليئاً ... بِما نَهْواهُ مِنْ عَيْشٍ غَريرِ (4)
أَزَيْنَ الْعَابِدينَ لَمَحْتَ مِنِّي ... قُصوراً في اللِّقاءِ فَكُنْ عَذيري
أَثَرْتَ بِمُهْجَتي ذِكْرى لَيَالٍ ... قَضَيْناها بِدُمَّرَ في حُبورِ (5)
تَمَلَّينا سُلافَ الأُنْسِ صِرْفاً ... وَلا قَدَحٌ سِوَى أَدَبِ السَّميرِ (6)
__________
(1) زين العابدين حسين التونسي: (1888 - 1977 م) شقيق الشاعر، مربٍّ كبير، ولد في تونس، وتوفي بدمشق. له آثار لغوية ودينية مطبوعة.
(2) الهجير: شدة الحر.
(3) حنا: عطف. حاك: نسج. الطنافس: الواحدة طنفسة، وهي البساط. النضير: الذهب والفضة.
(4) غرير: طيب.
(5) دمر: منتزه في ضاحية غرب مدينة دمشق.
(6) السلاف: ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر. الصِّرْف: الخالص.
(7/ 2/109)

مَضى عَهْدُ الشَّبيبَةِ في صَفاءٍ ... وَرَنَّقَ كَأَسَنا عَهْدُ الْقَتيرِ (1)
يَضيقُ الْباعُ عَنْ هِمَمٍ جِسامٍ ... فَيا وَيْلي مِنَ الْباعِ الْقَصيرِ
وفَلَّ الدَّهْرُ عَزْماً كانَ يَسْطو ... عَلى الأَخْطارِ مَصْقولَ الأَثيرِ (2)
أَعِدْ لي يا زَمانُ حُسامَ عَزْمٍ ... يُناهِضُ صَوْلَةَ الخَطْبِ الْعَسيرِ (3)
وخَلِّ سِوايَ يَسْتَمْتِعْ بِعَيْشٍ ... حَلاَ بَيْنَ الخَوَرْنَقِ وَالسَّديرِ (4)

أمنية عليل
عَليلٌ وَمَا لي عِلَّةٌ غَيْرَ رَجْفَةٍ ... تَهُزُّ فُؤادي يَمْنَةً وَيسارا
أَلَمَّتْ كَإِلمْامِ النَّذيرِ لِمَنْ طَغى ... وَلَمْ تَتَّخِذْ ذِكْرى المَصيرِ شِعارا (5)
وَيالَيْتَهُ طُهْرٌ يُعيدُ صَحيفَتي ... كَما سَطَعَتْ شَمْسُ السَّماءِ نَهارا
إذَنْ لا أُبالي أَنْ أُلاقِيَ مَصْرَعي ... وَأَلْبَسَ مِنْ تُرْبِ الضَّريحِ دِثارا (6)
__________
(1) رنّق: كدّر. القتير: أول ما يظهر من الشيب.
(2) فلَّ: كسر وهزم. الأثير: وشي السيف وجوهره.
(3) الحسام: السيف القاطع. الخطب: الأمر، صغُر أو عظُم.
(4) الخورنق: موضع في العراق قرب النجف، سكنه بنو إياد، أقام فيه النعمان اللخمي قصراً أشاد بذكره شعراء الجاهلية. السدير: قصر في الحيرة قريب من الخورنق اتخذه النعمان الأكبر لبعض ملوك العجم.
(5) النذير: الإنذار، والمنذر. الشعار: العلامة في الحرب والشعر، ويطلق على ما يمس الجسد من اللباس.
(6) الضريح: القبر. الدثار: الثوب الذي فوق الشعار.
(7/ 2/110)

أَأُوثِرَ عَيْشاً والعَدُوُّ بِأَرْضِنا ... يُشَيِّدُ حِصناً أَوْ يَخُطُّ مَطارا

نجوم الأرض
" قيلت بمناسبة ما ذكر في أحد المجالس في النوع المسمى في البديع بالمطابقة، والمطابقة هنا في الجمع بين الليل والنهار، والبياض والسمرة، والقبة الزرقاء (أي: السماء) والأرض".
نُجومُ الْقُبَّةِ الزَّرْقاءِ تَبْدو ... بِلَيْلٍ في بَياضٍ وازْدِهارِ (1)
وَسُمْرُ الْغيدِ مِنْ فَتَيَاتِ حامٍ ... نُجومُ الأَرْضِ تَخْطُرُ في النَّهارِ (2)

[ذكرى]
" بعث أمير شعراء تونس السيد الشاذلي خازندار (3) بقصيدة إلى الشاعر، فأجابه بالقصيدة التالية" (4).
طالَ البَقاءُ وباعُ الْعَزْمِ في قِصَرِ ... فَما قَضَيْتُ بِهِ لِلْمَجْدِ مِنْ وَطَرِ
__________
(1) القبة الزرقاء: السماء.
(2) حام: ابن نوح، منه تحدر الجنس الأسود، أو الحاميون.
(3) محمد الشاذلي خازندار (1297 - 1372 ه) أمير شعراء تونس، له ديوان مطبوع من جزأين، وله مسامرات وخواطر أدبية.
(4) نص قصيدة أمير الشعراء الشاذلي خازندار:
يزجى القوافيَ بين الأنجم الزهر ... تَحنانُ تونسنا الخضراء (للخضر)
في كل منحًى لزيتونيِّ جامعه ... يعقوبُ يوسفَ يستأسيه للبصر
وفي الشوارد من (مكيّه) أدب ... فيه استعادة ما للشيخ من أثر
وللأخوة منه والبنوة في ... أبناء جلدته مستلفت النظر =
(7/ 2/111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= و (للسعادة) فيما خط من صحف ... ذكرى تعيد لمثلي سالف العمر
لي في البواكر من غرسي بروضتها ... ما استظهرته بنات الفكر من زهر
للجانبين بها الذكرى تعيد لنا ... عهد الشباب ونيل الفخر من صغر
سائل (سعادتنا العظمى) وثالثنا ... فيها (ابن عاشور) شيخ الجامع النضر
ما بيننا نصف قرن برزخ فصلت ... فيه الحقائق واجتزناه بالصور
يسائل (النيل) يا أستاذ (مجردة) ... فيم استبيح بك استئثار محتكر
و (للكنانة) في الإيثار من قدم ... شواهد المبتدا في النحو والخبر
ذرني وشأن الليالي في تحكمها ... فلست أجهل ما فيها من العبر
راجعت ملهمتي في ما اهتممت به ... مما عليه عموم الناس من غير
لا سيما ما عليه نحن من خطل ... ومن مَخازٍ ومن خُلْف ومن خَوَر
برّاً وبحراً تولانا الفساد فما ... في القوم من خلق ترضى ولا سير
أما الديانة فالموءودة انطمست ... آثارها وانمحت محواً من الزبر
قالوا الصدور قبور للرفات وفي ... يوم القيامة نحييها لمنتظر
زلوا وضلوا وحلوا كل رابطة ... وحللوا كل محظور من الكبر
واستبدلوا الخالص الأزكى بزيفهم ... واستهدفوا في الهوى للمأزق الخطر
لم تلق في المظهر القومي من أثر ... يرضيك مرآه من أنثى ومن ذكر
ساد التنطع واسترعى بصائرهم ... فلا استنارة للأذواق والفكر
عزّ التطيب واستعصى الشفاء فهل ... من رحمة تنقذ المرضى من الخطر
لا يأسً عندي وللديان متجهي ... ما دام مثلك في الأزكى من البشر
فلتحيَ يا أيها الأستاذ منتصراً ... للدين في ذروة التوفيق والظفر
وهذه نزعتي فالخلق أجمعهم ... دون اعتقاد أولو الإفساد في نظري
وما عليه الحياة اليوم من قلق ... يكفي دليلاً وتكفي ومضة الشرر
فلنسع سعي الهداة الراشدين معاً ... أمّا النجاح فموكول إلى القدر
(7/ 2/112)

أَبيتُ سَبْعينَ عاماً والهَوى يَقِظٌ ... أرى بِمِرْآتِهِ الحَصْباءَ كالدُّرَرِ (1)
وحُسْنُ ظَنِّكَ بي وارى نَقائضَ لا ... تَغيبُ عَنْ أَعْيُنِ النُّقَّادِ لِلسِّيَرِ (2)
ولِلرَضا مَنْطِقٌ لَوْ شاءَ صَوَّرَ لي ... وَجْهَ الدَّميمَةِ مَنْحوتاً مِنَ الْقَمَرِ
ماذا يَرى شاعِرُ الخضْراءِ في صِلَةٍ ... شَدَّتْ عُراها يَدٌ مَحْمودَةُ الأثرِ (3)
ذَكَرْتَ عَهْداً ذَكَتْ آدابُهُ وَزَهَتْ ... كما زَهَتْ حِلْيَةٌ في سَيْفِ مُنْتَصِرِ
نَسيتُ نفسيَ إِنْ أُنسيتُهُ وَلَهُ ... في طَيِّها صورَةٌ مِنْ أَبْهَجِ الصُّوَرِ
ما زِلْتُ أَذْكُرُ ما خَطَّتْ يَمينُكَ في ... سِفْرِ السَّعادَةِ مِنْ آدابِكَ الغُرَرِ (4)
ولمْ تَفُتْني قَوافٍ كُنْتَ تُرْسِلُ في ... يَوْمِ النِّضالِ بِها نَبْلاً مِنَ الشَّرَرِ (5)
وأَنْفَعُ الشِّعْرِ ما هاجَ الحَماسَةَ في ... شَعْبٍ يُقاسي اضْطِهادَ الجائِرِ الأَشِرِ (6)
لَوْ لَمْ أَخَفْ وَخْزَ تَثْريبٍ يَصولُ بهِ ... عَلَيَّ ناقِدُ شِعْري مِنْ بَني مُضَرِ (7)
لَقُلْتُ: لا شِعْرَ إلّا في قَريحَةِ مَنْ ... يَبيتُ مِنْ شَقْوَةِ الأَوطانِ في سَهَرِ
__________
(1) سبعون عاماً: إشارة إلى سن صاحب الديوان بتاريخ نظم القصيدة. الحصباء: الحصى، والواحدة حَصبَة.
(2) وارى: ستر وأخفى.
(3) الخضراء: تونس.
(4) السفر: الأثر. السعادة: مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الشاعر بتونس.
الغُرر: جمع الغرة: كل شيء ترفع قيمته.
(5) القوافي: جمع القافية، وهي آخر كلمة تكون في البيت. النبل: السهام العربية.
(6) الجائر: الظالم. الأشر: الذي يكفر بالنعمة.
(7) التثريب: اللوم. مضر: ابن نزار الجد الأعلى لفريق من القبائل العربية العدنانية.
(7/ 2/113)

مَنْ ذا يُقيمُ على أرضٍ يُظَلِّلُها ... ضَيمٌ وُيحْسِنُ وَصْفَ الدَّلِّ والحَوَر (1)
دَرَيتَ حَقًّا وما أَدْراكَ أنِّيَ مِنْ ... حَرِّ اشْتياقي إلى الخَضْراءِ في ضَجَرِ (2)
أَقْبَلْتَ تَبْحَثُ عَنْ ذِكرى أَبيتُ لها ... في سَلْوَةٍ عُصِرَتْ مِنْ جَأْشِ مُصْطَبِرِ (3)
وصُغْتَها كالصَّبا في رِقَّةٍ فَسَرَتْ ... والطَّلُّ بَلَّلَ زَهْرَ الرَّوْضِ في سَحَرِ (4)
وافَتْ فَخِلْنا صَباحَ العيدِ حَنَّ لنا ... وَعادَ كَيْ نَتَمَلَّى الأُنْسَ في صَفَرِ (5)
مَنْ لي بِأَنْ أَرِدَ الأَرْضَ الَّتي صدَرَتْ ... مِنْها وأَفْتَحَ في أَرْجائِها بَصَري (6)
هُناكَ ما شِئْتَ مِنْ عِلْيم وَمِنْ أَدَبٍ ... وَمِنْ حَدائِقَ تُؤْتي أَطيبَ الثَّمَرِ
أُسيمُ طَرْفِيَ (بالمرْسى) وشاطِئِها ... وأَحْتَسي بِلِقاها قَهْوَةَ السَّمَرِ (7)
وَمِنْ نَفائِسِها أَنِّي صَحِبْتُ بِها ... مَنْ لَوْ كَدَرْتُ لَلاقَى بِالصَّفا كَدَري (8)
__________
(1) الضيم: الظلم. الدل: الدلال. الحور: اشتداد بياض وسواد العين.
(2) الضجر: القلق من غم وضيق نفس مع كلام.
(3) السلوة: النسيان. جأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع.
(4) الصّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. الطلّ: أخف المطر وأضعفه، الندى.
(5) صفر: الشهر المعروف في السنة الهجرية بعد المحرم.
(6) يصور الشاعر في هذا البيت حنينه إلى تونس موطنه الأول.
(7) المرسى: بلدة في ضاحية العاصمة تونس على البحر.
(8) هذا البيت إشارة إلى ما كان بينه وبين العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من ود خالص.
(7/ 2/114)

ما ضَرَّ (أَرْيانَةَ) الغَنّاءَ لَوْ قَرُبَتْ ... مِنْ مِصْرَ في نفحَةٍ مِنْ وَرْدِها العَطِرِ (1)
نَصَحْتَ يا شاذِلِيُّ الْقَوْمَ في عَذَلٍ ... وغَيْرُكَ اخْتانَهُمْ في زِيِّ مُعْتَذِرِ (2)
والنَّاسُ مَذْ درَجوا فَوقَ الثَّرى اخْتَلَفَتْ ... طُعومُهُمْ كاخْتِلافِ الشَّهْدِ والصَّبِر (3)
تَفاوَتوا بِالنُّهى حَتَّى جَرُؤْتُ عَلَى ... رَهْطٍ وَبَرَّأْتُ مِنْهُمْ أُسْرَةَ الْبَشَرِ (4)
هَذا دَرِيٌّ بِأَسْرارِ الأُمورِ فَلا ... يَرْمي إِلى هَدَفٍ إِلَّا عَلى حَذَرِ
وذاكَ كالظِّلِّ يَقْفو الدَّهْرَ صاحِبَهُ ... والرَّأْيُ في خَطَلٍ والقَوْلُ في هَذَر (5)
كُلٌّ لَهُ نزعَةٌ تَدْعو الحَكيمَ إلى ... ما يَنْتَقي في دُعاءِ الخَيْرِ مِنْ عِبَرِ (6)
ما أَقْرَبَ الرُّشْدَ مِنْهُمْ والفَلاحَ إذا ... ما ساسَهُمْ مُحْكِمٌ لِلْوِرْدِ والصَّدَرِ (7)

كيف ينشق القمر
" قالها على شاطئ اسكندروتة سنة 1331 ه ".
لاحَ شَطْرُ البَدْرِ مِنْ فَوقِ الرُّبى ... وَلَهُ في الْبَحْرِ تِمْثالٌ أَغَرٌ (8)
مَثَلٌ أُبْصِرُ في مِرْآتِهِ ... بِجَلاءٍ كَيْفَ يَنْشَقُّ القَمَرْ
__________
(1) أريانة: ضاحية من ضواحي تونس.
(2) العذل: الملامة.
(3) درجوا: مشوا. الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه. الصَّبِر: عصارة شجر مر.
(4) الرهط: قوم الرجل وقبيلته.
(5) يقفو: يتبع. الخطل: الكلام الفاسد الكثير. الهذر: سقط الكلام الذي لا يُعبأ به.
(6) الحكيم: العالم صاحب الحكمة المتقن للأمور.
(7) الورد: الماء الذي يورد. الصَّدَر: الرجوع عن الماء.
(8) الربى: جمع ربوة، وهو ما ارتفع من الأرض. أغر: الحسن، والأبيض من كل شيء.
(7/ 2/115)

قافية الزاي
" كم أخزى الهوى عرضاً! "
رَأَتْ إِذْ كُنْتَ تَخْطِبُها غَراماً ... وَمِنْ بَعْدِ البِناءِ رَأَتْ نُشوزا (1)
أَكانَتْ يَوْمَ خِطْبَتِها فَتاةً ... وصارَتْ إِذْ بَنَيْتَ بِها عَجوزا؟
هِيَ العُقْبَى لِمَنْ رَكِبَتْ هَواها ... وكَمْ أَخْزى الهَوى عِرْضاً عَزيزا (2)
ولَوْ نَشَدَتْ أَخا خُلُقٍ مَجيدٍ ... بَنَتْ حِرْزاً لِعِصْمَتِها حَريزا (3)
__________
(1) البناء: يقال: بنى فلان على أهله: زفت إليه. النشوز: نشزت المرأة نشوزاً: استعصت على زوجها وأبغضته.
(2) العقبى: جزاء الأمر، الآخرة. أخزى: أهان.
(3) نشدت: طلبت. الحرز: الموضع الحصين. العصمة: المنع. الحرز الحريز: الحصن المنيع.
(7/ 2/116)

قافية السين
خواطر في دمشق
" قصيدة ألقاها الشاعر في حفلة وداع أقامها له نخبة من رجال النهضة
الإصلاحية في دمشق سنة 1363 ه " (1).
وَلَدَتْكَ تَبْغي في الحَياةِ أَنيسا ... يَرْعى عُقولاً أَو يَقودُ خَميسا (2)
ولَرُبَّ أُمٍّ أَمَّلَتْ في طِفْلِها ... هِمَمَ المُلوكِ فَقامَ يَحْدو العِيسا (3)
فَكُنِ الهُمامَ يَخوضُ لُجَّةَ حِكْمَةٍ ... أَوْ يَرْتَدي سَيْفاً وَيَفْتَحُ خِيسا (4)
وَلَدَتْكَ سَمْحَ النَّفْسِ لا تَدْري لِما ... وَضعوا السُّجونَ وأَرْسَلوا الجاسوسا (5)
تَبْدو على فَمِكَ ابْتِسامَةُ زَهْرَةٍ ... جادَ الحَيا بُسْتانهَا المَأْنوسا (6)
__________
(1) نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الثالث والرابع من المجلد السابع عشر.
(2) الأنيس: المؤانس، وكل ما يؤنس به. الخميس: الجيش؛ لأنه خمس فرق: المقدمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة.
(3) العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة.
(4) اللجة: معظم البحر. الخيس: غابة الأسد.
(5) الجاسوس: المتتبع الأخبار.
(6) جاد: تكرم. الحيا: الخصب.
(7/ 2/117)

وَقَضَيْتَ حيناً لا تُسِرُّ ضَغينَةً ... يَوْماً ولا تُبْدي الرِّضا تَدْليسا (1)
وشَعَرْتَ مِنْ رُعْيا أَبيكَ بأَنَّ في ... أَبْناءِ قَوْمِكَ سائِساً ومَسوسا (2)
يا لَيْتَ قَلْبَ أَبيكَ بَيْنَ ضُلوعِ مَنْ ... سَتَكونُ في يَوْمٍ له مَرؤوسا
ما كُنْتَ تَفْقَهُ أَنَّ فَوْقَ الأَرْضِ مَجْ ... روماً عليهِ وَجارِماً غِطْريسا (3)
فَظَنَنْتَها الْفِرْدَوسَ حتَّى أَبْصَرَتْ ... عَيْناكَ حَقَّ ضَعيفِهِمْ مَبْخوسا (4)
يَسْطو القَوِيُّ على الضَّعيفِ وَرُبَّما ... صارَ الضَّعيفُ على القَوِيِّ رَئيسا
حَبَسوا عَصيراً في الدِّنانِ وطَالما ... تَرَكوهُ في ظُلماتِها محبوسا (5)
أَرأَيْتَ كَيْفَ سَطا على أَلْبابِهِمْ ... بِقَناً تُسَمَّى في الْبيَانِ كُؤوسا (6)
ماذا أَبى لَكَ أَنْ تَعيشَ مُقَدَساً ... كَملائِكِ السَّبْعِ العُلا تَقْديسا (7)
أُعْطيتَ مَطْلَعَ أَسْعَدٍ، فَحَذارِ أَنْ ... يَضَعَ الهَوَى بَدَلَ السُّعودِ نُحوسا (8)
__________
(1) الضغينة: الحقد. التدليس: كتمان عيب السلعة على المشتري.
(2) رعيا أبيك: حفظه لك، وقيامه عليك. السائس: القائم على الأمر. مسوس: ضد السائس.
(3) الغطريس: الظالم المتكبر المعجب.
(4) الفردوس: الجنة، البستان. مبخوس: ناقص ومُعاب.
(5) الدنان: جمع الدن، وهو الوعاء.
(6) سطا: مال عليه ووثب. الألباب: العقول. القنا: جمع القناة: الرمح.
(7) السبع العلا: السموات السبع.
(8) السعود: جمع السعد: اليمن. النحس: نقيض السعد.
(7/ 2/118)

هِيَ فِطْرَةُ الخَلَّاقِ كالمِرْآةِ لا ... تَلْقى بِها عِوَجاً ولا تَدْنيسا (1)
تَزْدادُ يُمْناً ما اتَّقَيْتَ، فإنْ دَنا ... مِنْها الخَنا كانتْ عليكَ بَسوسا (2)
وَرِيتْ زِنادُ يَدٍ تُؤاسي بائِساً ... وَيدٍ تُحَطِّمُ للطُّغاةِ رُؤوسا
وكَبتْ زِنادُ يدٍ غَدَتْ تَبْني لآ ... مالِ الدُّعاةِ المُصْلِحينَ رُموسا (3)
يا مَنْ يَعوقُ الخَيْرَ لَسْتَ بفائتٍ ... يَوْماً وإنْ طالَ الزَّمانُ عُبوساً (4)
نَرْثي لأِقْمارِ الدُّجى والأَرْضُ قَدْ ... طَمَسَتْ سَناها بِالخُسوفِ طُموسا (5)
والأَرْضُ لولا هذهِ الأَقْمارُ لَمْ ... تَلْبَسْ لِأَيَّامِ الكُسوفِ دُموسا (6)
في العَيْشِ آلامٌ وفي الاَلامِ ما ... يُدْني رَغائِبَ أَوْ يُزيحُ بُؤوسا
شَدُّوا على الطِّفْلِ القِماطَ فَصاحَ مِنْ ... جَزَعٍ يَرومُ لِشِدَّةٍ تَنْفيسا (7)
والْعُمْرُ يَأْبى أَنْ يَطوعَ لِفاصِدٍ ... يَنْفي دَماً مِنْ راهِشَيْهِ خَسيسا (8)
__________
(1) الفطرة: الخلقة التي خُلق عليها المولود.
(2) اليُمن: البركة. الخنا: الفحش. البسوس: المرأة يتشاءم بها.
(3) كبت: لم تور. الرموس: جمع الرمس: وهو القبر مستوياً مع سطح الأرض.
(4) عبوساً: تقطيباً
(5) الدجى: الظلمة، أو سواد الليل. طمس الشيء: محاه. الخسوف: ذهاب القمر.
(6) الكسوف: استتار وجه الشمس المواجه للأرض، وذلك لحيلولة القمر بينهما. الدموس: اشتداد الظلام.
(7) القماط: الحبل يشد به الأسير. التنفيس: يقال: نفّس عنه كربته: فرّجها ولطّفها.
(8) الغُمر: من لم يجرب الأمور. الفاصد: الذي يشق العِرق. الراهشان: عرقان في باطن الذراعين. قال الشاعر:
وحكّمت الحديد براهشيه ... فألفى قولها كذباً ومينا
(7/ 2/119)

والشَّهْمُ مَنْ عانى الخُطوبَ وراضَها ... فَغَدَتْ أَرَقَّ مِنَ النَّسيمِ مَسيسا
ونفَاسَةُ الأَشياءِ في غاياتِها ... فاحْمَدْ رِماءَكَ إِنْ أَصَبْتَ نفَيسا (1)
ضَلَّتْ سَبيلَ المَجْدِ نَفْسٌ فاخَرَتْ ... نَفْساً وَعَدَّتْ مَنْزِلاً ولَبوسا (2)
كَمْ شَبَّ وَغْدٌ في الحلى وَمقامُه ... صَرْحٌ يَكادُ يُناطِحُ البِرْجيسا (3)
لا فَخْرَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَزائِمٍ ... تَفْري الحَديدَ ولا تَهابُ وَطيسا (4)
وإذا الرَّوِيَّةُ أَيْقَظَتْ عَزْمَ الْفَتى ... مَلأَتْ مَعاليه الْفِخامُ طُروسا (5)
أَفَتى دِمَشْقَ لَدَيْكَ ذِكْرى راحِلٍ ... لاَقى بِها التَّرْحيبَ والتَّأْنيسا
تَرْتادُ رَوْضاً مُخْصِباً وهَزارُهُ ... يَشْدو على الغُصْنِ الأَنيقِ مَيوسا (6)
تَجْني ثِماراً أَوْ تُمَتِّعُ ناظِراً ... وتَشُمُّ رَيَّا أَوْ تَلَذُّ حَسيسا (7)
أَمّا نَعيمُ الرُّوحِ فهي هِدايَةٌ ... تَلْقى بِها وَجْهَ الحَياةِ أَنيسا
هذا كِتابُ اللهِ يُبْدي للوَرى ... حِكَماً كما تُبْدي السَّماءُ شُموسا (8)
__________
(1) الرماء: الرمي.
(2) لَبوس: ما يلبس.
(3) الصرح: القصر، وكل بناء عال. البِرجيس: نجم، ويقال: إنه المشتري.
(4) تفري: تقطع وتشق. الوطيس: التنور، ومنه قيل: حمي الوطيس؛ أي: اشتد الحرب.
(5) الطروس: الصحائف.
(6) الهَزار: العندليب. الميوس: المتبختر.
(7) ريّا: الريح الطيبة. الحسيس: الصوت الخفي.
(8) الورى: الخلق.
(7/ 2/120)

حُجَجٌ تذودُ عنِ النُّهى شُبَهاً ولوْ ... حامَ الجُحودُ بِها لَخَرَّ فَريسا (1)
أَلقى زِمامَ سِياسةِ الدُّنيا إلى ... مَلأٍ رَعَوْهُ وَأَقْرَضوهُ نُفوسا (2)
وأَقامَ سُوقاً لِلْمَكارِمِ ناشِراً ... فيها بِمِذْياعِ الْبَيانِ دُروسا
لولا هُداهُ لَحارَ أَذْكى النَّاسِ في ... إِصْلاحِ أُمَّتِهِ وَعادَ يَؤوسا

في الاعتقال
" قيلت في رمضان سنة 1334 ه وكان ذلك في عهد جمال باشا في دمشق".
جَرى سَمَرٌ يَوْمَ اعْتُقِلْنا بِفُنْدُقٍ ... ضُحانا بهِ لَيْلٌ وَسامِرُنا رَمْسُ (3)
فقالَ رَفيقي في شَقا الحَبْسِ: إنَّ في الْ ... حَضارَةِ أُنْساً لا يُقاسُ بهِ أُنْسُ (4)
فَقُلْتُ له: فَضْلُ البَداوَةِ راجِحٌ ... وَحَسْبُكَ أَنَّ الْبَدْوَ لَيْسَ بِهِ حَبْسُ
__________
(1) النهى: جمع النهية: العقل. الفريس: القتيل.
(2) الملأ: الأشراف، الجماعة.
(3) الرمس: القبر مستوياً على وجه الأرض.
(4) رفيق الحبس: الأستاذ سعدي ملاّ الذي كان سكرتيراً لشكري الأيوبي وقت الاعتقال، ثم أصبح رئيساً للوزارة اللبنانية.
(7/ 2/121)

قافية الشين
لحا الله الغواية
رَأَوْا في كَفِّهِ ذَهَباً فَطاشُوا ... إِليْهِ وطالَ بَيْنَهُمُ الهِراشُ (1)
كَأَنَّ التَّبْرَ نارٌ في ظَلامٍ ... وَهُمْ مِنْ حَوْلِ صُفْرَتِهِ فَراشُ (2)
يُدارُ الْغَيُّ بينَ يَدَيْهِ صِرْفاً ... فَتَغْمُرُهُ الْبَشاشَةُ والهَشاشُ (3)
وإنْ مَرَّ الرَّشادُ بِهِ تَثنَّتْ ... وَكَشَّتْ تَحْتَ بُرْدَتِهِ رَقاشُ (4)
لَحا اللهُ الْغَوايَةَ مِنْ طَريقٍ ... يُنالُ بهِ طَعامٌ أَوْ رِياشُ (5)
__________
(1) الهراش: الخصام والقتال، وهو مستعار من هراش الكلاب، يقال: تهارشت الكلاب، واهترشت: تحرشت بعضها على بعض وتواثبت.
(2) التبر: ما كان من الذهب غير مضروب، فإن ضرب دنانير، فهو عين. الفَراش: جمع الفراشة التي تهافت في السراج.
(3) الغي: الضلال. الصِّرْف: الخالص. الهَشاش: الارتياح والخفة والنشاط.
(4) كشَّت: عضت بفيها وانتزعت. الرقاش: الحية.
(5) الغَواية: الغي. الرياش: لباس فاخر كريش الطائر في نعومته.
(7/ 2/122)

قافية الصاد
التعليم الدّيني بمدارس الحكومة وجامعاتها
كَمْ بَنى ساسَةُ العُلومِ بِمِصْرٍ ... مِنْ صُروحٍ رَصينَةٍ وَصَياصي (1)
وَبَلَوْنا بُنْيانهَا فَلَمَسْنا ... ثَغْرَةً لَمْ يَسُدَّها كَفُّ راصي (2)
وإذا فُلَّتِ القِلاعُ فَهاتوا ... فارِقاً بَيْنَها وبَيْنَ الخِصاصِ (3)
حامِيَ الْعِلْمِ إِنَّ في الدِّينِ بَحْراً ... حافِلاً بِالحُلِيٍّ سَهْلَ المَغاصِ (4)
يَرْفَعُ النَّفْسَ مِنْ جُحودٍ فَتَغْلو ... بالهُدى بَعْدَ شَقْوَةٍ وارْتِخاص (5)
وُيريها نَهْجَ الْمَعالي سَويّاً ... غَيْرَ ناءٍ عَنْها ولا مُتَعاصِ
ويَهُزُّ الأَرواحَ بالمُثُلِ الأَّبْ ... كارِ هَزَّ الحُداةِ رَكْبَ الْقِلاصِ (6)
__________
(1) الصروح: جمع الصرح: القصر، وكل بناء عالٍ. الصياصي: جمع صيصة، وهي الحصن وكل ما امتُنع به.
(2) الراصي: المحكم المتقن.
(3) فُلَّت: أُحدث فيها خلل، ثُلمت. الخِصاص: جمع خُصّ: بيت من شجر أو قصب.
(4) المغاص: موضع الغوص.
(5) ارتخاص: ارتخص الشيء: عدّه رخيصاً.
(6) الأبكار: جمع البكر: العذراء، وأول مولود لأبيه، وأول كل شيء. الحداة: =
(7/ 2/123)

هُوَ سَيْفٌ نَضاةُ كَفُّ حَكيمٍ ... لِيُذيقَ الطُّغاةَ حَرَّ الْقِصاصِ (1)
جاءَ يَهْوي بِمِلْءِجَنْبَيْهِ هَدْياً ... وعُقولُ الأَنامِ في أَقْفاصِ
فَكَّ عنْها الإِسارَ والخَيْرُ في أَنْ ... يَفْحَصَ الْعَقْلُ كُلَّ دانٍ وقاصِ (2)
وحَياةُ الإنسانِ مَيْدانُ حَرْبٍ ... ما لَهُ عَنْ وُرودِها مِنْ مناصِ (3)
وأخو الدِّينِ يَحْتَمي مِنْ أذاها ... بِحُسامٍ عَضْب ودِرْعٍ دِلاصِ (4)
إنَّما الدِّينُ عِزَّةٌ وعَفافٌ ... يَصْرِفُ الطَّرْفَ عَنْ وُجوهِ المعاصي
وحِجاجٌ مِثْلُ الْقَواضِبِ إنْ لَمْ ... يَكُ إلَّا الْيَقينُ وَجْهَ الخَلاصِ (5)
وَقَوانينُ إنْ تَصَدَّتْ لَفَصْلٍ ... أَخَذَتْ بالقُلوبِ لا بالنَّواصي (6)
لَوْ تَراءَتْ لِلْعَيْنِ يَوْماً لَقُلْنا ... هَلْ لِهذا الجُمانِ مِنْ قَنَّاصِ (7)
وَكأَيِّنْ مِنْ حِكْمَةٍ لَوْ تَبَنَّتْ ... طَلْعَةَ الْبَدْرِ لَمْ يُصَبْ بانْتَقاصِ (8)
__________
= جمع الحادي: الذي يسوق الإبل، ويغني لها. القلاص: جمع القلوص: الشابة من الإبل.
(1) نضا السيف: سلَّه. القصاص: أن يُفعل بالفاعل مثل ما فعل.
(2) الداني: القريب. القاصي: البعيد.
(3) المناص: الملجأ والمفر.
(4) الحسام: السيف. عضب: قاطع. دلاص: ملساء لينة.
(5) الحِجاج: جمع حُجة: البرهان. القواضب: جمع القاضب: السيف القطّاع.
(6) النواصي: جمع ناصية: منبت الشعر في مقدّم الرأس.
(7) الجمان: اللؤلؤ، الواحدة جمانة. القناص: الصيّاد.
(8) تبنى: اتخذ ابناً.
(7/ 2/124)

فَمِنَ الخَيْرِ أَنْ يَشُبَّ على آ ... دابِهِ نَشْؤُنا بِغَيْرِ خِصاصِ (1)
وَيْحَ نَشْءٍ مِنَ الصَّباءِ بِطانٍ ... وَمِنَ الرُّشْدِ والتُّقاةِ خِماصِ (2)
حَامِيَ الْعِلْمِ أَقْرِضِ الشَّرْعَ حَظّاً ... فائِقاً مِنْ رِعايَةٍ واحْتِراصِ (3)
والرَّئيسُ الهُمامُ مَنْ لا يُجاري ... شَهَواتِ الأَحْزابِ والأَشْخاصِ (4)
يَتَوَخَّى الإصْلاحَ أنَّى تَبَدَّى ... بِجَلاءٍ لِفِكْرِهِ الغَوَّاصِ (5)
__________
(1) شبّ: صار فتياً.
(2) الصَّباء: جهلة الفتوة. بطان: جمع بطين: العظيم البطن. خماص: جمع خميص: الضامر البطن.
(3) الاحتراص: الحرص والاجتهاد.
(4) الهمم: الملك العظيم الهمة، السيد الشجاع.
(5) الغواص: من يغوص في البحر على اللؤلؤ ونحوه.
(7/ 2/125)

قافية الضاد
المحبّة الصادقة
" قالها تصويراً للصداقة الصحيحة".
نُبِّئْتُ أَنَّكَ مُوجَعٌ ... فارْتاعَ قَلْبي وانْتَفَضْ (1)
ما ضَرَّ لَوْ كُنْتُ الْمَري ... ضَ وزالَ عن خِلِّي المَرَضْ (2)
وَجَعُ الْقُلوبِ أَشَدُّ مِنْ ... وَجَعِ الجُسومِ إذا عَرَضْ
لا خِلَّ إلَّا مَنْ يَببي ... تُ إذا مَرِضْتَ عَلى مَضَضْ (3)
__________
(1) نبئت: أُخبرت. ارتاع: فزع.
(2) الخلّ: الصديق.
(3) مضض: وجع المصيبة.
(7/ 2/126)

قافية الطاء
العيد في برلين
" قيلت في برلين سنة 1333 ه، عندما أدركه عيد الفطر هناك".
أَسِوارٌ مِنْ عَسْجَدٍ وجُمانٌ ... تَقْتَنيهِ الحِسانُ في الأَقْراطِ (1)
أَمْ هِلالٌ حَفَّتْهُ في لَيْلَةِ الْعي ... دِ نُجومٌ بِبَهْجَةٍ واغْتِباطِ
هَذِهِ طَلْعَةُ الهِلالِ وَما لي ... لَمْ أَجِدْ في الْفُؤادِ بَعْضَ انْبِساطي
يَوْمُ عيدٍ وَما تَفَتَّقَ كِمٌّ ... عَنْ أَنيسٍ ولا كَسَمِّ الخِياطِ (2)
ما تَملَّى سَمْعي تَهانِئَ صيغَتْ ... في قُلوبٍ مَوْصولةٍ بِنيِاطي (3)
أَيْنَ جِيراننُا، وأَيْنَ المُصلَّى، ... وخطيبٌ يَهْدي لِخَيْرِ صِراطِ (4)
__________
(1) العسجد: الذهب. الجمان: اللؤلؤ. الأقراط: جمع القرط: ما يعلق في شحمة الأذن من درة ونحوها.
(2) الكِمّ: الغلاف الذي ينشق عن الثمر، غطاء الزهر. سم الخياط: ثقب الإبرة، قال تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40].
(3) النياط: الفؤاد.
(4) الصراط: الطريق.
(7/ 2/127)

أَيْنَ مِنَّي شَفيقَةُ الْقَلْبِ تُهْدي ... دَعَواتٍ مِثْلَ الظَّباءَ عَواطي (1)
لَوْ تَقَاضَيْتُ في اغْتِرابِيَ أَمراً ... نَهَضَتْ هِمَّتي لَهُ ونَشاطي
لأَدَرْتُ الْعِنانَ نَحْوَ دمَشْقٍ ... وَحَمِدْتُ السُّرى على الأَشْواطِ (2)

يا منطقياً
" قالها في مجلس أدب بمصر ذُكر فيه بيتان من النسيب ملمَّح بهما إلى مسألة منطقية" (3).
يا مَنْطِقِيَّاً عِشْتَ أَحْقاباً وَلَمْ ... تَبْرَحْ تَقولُ لِمَنْ يَعي وُيخَطِّطُ (4)
الشَّمْسُ كُلِّيٌّ وليسَ لَهُ سِوى ... فَرْدٍ يُصَعِّدُ في السَّماءِ وَيَهْبِطُ
لَوْ آنَسَتْ عَيْناكَ طَلْعَةَ عِزَّةٍ ... لَدَرَيْتَ أَنَّكَ قَدْ تَقولُ فَتَغْلَطُ
__________
(1) شفيقة القلب: يقصد بها والدته المتوفاة بدمشق في رمضان سنة 1335 ه. الظباء: الواحد ظبي، وهو الغزال.
(2) السُّرى: سير عامة الليل. الأشواط: الواحد شوط: الجري مرة إلى الغاية.
(3) البيتان هما قول الشاعر:
ما للقياس الذي ما زال مشتهرا ... للمنطقيين في الشرطي تسديد
أما رأوا وجه من أهوى وطرته ... الشمس طالعة والليل موجود
(4) المنطقي: نسبة إلى المنطق، وهو الكلام. الأحقاب: الدهور.
(7/ 2/128)

قافية الظاء
رثاء أبي حاجب
" قال هذه الأبيات بمصر، عندما تلقى نبأ وفاة أستاذه العلامة الشيخ سالم أبي حاجب سنة 1339 ه ".
فَقَدتْ سَماءُ المَجْدِ بَدْراً عَزَّ أَنْ ... تَحظى بِرُؤْيَةِ مِثْلِهِ الأَلْحاظُ (1)
بَدْرٌ سَناهُ هِدايَةٌ وَمعارفٌ ... وشُعاعُهُ الأَقْلامُ والأَلْفاظُ
أَوْدى الحِمامُ "بسالمٍ" فَبَكاهُ مِنْ ... فَرْطِ الأَسى الْعُلَماءُ والوُعَّاظُ (2)
لَمْ أَدْرِ إذْ نَعَقَ النَّعِيُّ أَراعني ... مَنْعاهُ أَمْ لَفَحَ الْفُؤادَ شُواظُ (3)
يَلْقى حُماةُ النَّحْوِ في نَظَراتِهِ ... نَبْلاً إذا أَعْيا الحُماةَ حِفاظُ
يَتَرَسَّمونَ بِهِ الخَليلَ كَأَنَّما ... شَهِدَتْهُ أَعْيُنُهُمْ وَهُمْ أَيْقاظُ (4)
__________
(1) الألحاظ: جمع لحظ: باطن العين.
(2) الحمام: قضاء الموت وقدره. سالم: سالم بو حاجب: ومرت ترجمته.
(3) نعق: صاح. النعي: الذي يأتي بخبر الموت. شواظ: لهب لا دخان فيه.
(4) يترسمون: ينظرون ويتأملون. الخليل: (100 - 170 ه) الخليل بن أحمد الفراهيدي، إمام اللغة والأدب، وواضع علم العروض، ولد ومات بالبصرة، وهو أستاذ سيبويه. له مؤلفات عديدة.
(7/ 2/129)

وكأَنَّ دَرْسَ الْفِقْهِ مَجْلِسُ مالِكٍ ... وكَأَنَّما دَرْسُ الْبَيانِ عُكاظُ (1)
وَيغوصُ في دَرْسِ الحَديثِ على حُلًى ... غَفَلَتْ عَنِ اسْتِنْباطِها الحُفاظُ (2)
وإذا تَسَنَّمَ لِلْخَطابَةِ مِنْبَراً ... لانَتْ قُلوبٌ كالصُّخور غلاظُ (3)
رُحْمى له قد كانَ لي مِنْ عَطْفِهِ ... وَجَنى قَريحَتِهِ اللَّذيذِ حِظاظُ (4)

بين الشفقة والشوق
" قالها عند زيارة بعض الأصدقاء في تونس".
وأَديبٍ أَيْقَظْتُهُ مِنْ رُقادٍ ... لِنَصيدَ الإيناسَ مِنْ أَلْفاظِهِ
طابَ في جَفْنِهِ النُّعاسُ وَظنَّتْ ... رُفْقَةٌ أَنْ تَهيجَ نارُ اغْتِياظِه (5)
وَصحا باسِماً وَحيَّا فَأَبْصَرْ ... نا سَنا الْبِشْرِ جالَ في أَلْحاظِهِ
نَحنُ نهوى لَهُ الهَناءَةَ لَكِنْ ... حَرُّ شَوْقٍ دَعا إلى إيقاظِه
__________
(1) مالك: (93 - 179 ه) الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، ولد وتوفي بالمدينة المنورة، له كتاب "الموطأ"، ومؤلفات أخرى.
(2) غاص على المعاني: بلغ أقصاها حتى استخرج ما بَعُدَ منها. استنبط: استخرج.
(3) تسنم: علا. المنبر: كان الأستاذ بو حاجب خطيباً بجامع "سبحان الله" في مدينة تونس.
(4) حِظاظ: جمع حظ، وهو النصيب والجَذ.
(5) الرفقة: الجماعة ترافقهم في سفرك. الاغتياظ: الغضب، وقيل: هو الغضب الكامن للعاجز.
(7/ 2/130)

قافية العين
أعمار زائفة (1)
نفِدَ العُمْرُ وفي الْقَلْبِ ارْتياعُ ... وارْتِجاعُ الْعُمْرِ ما لا يُسْتَطاعُ (2)
مَثَلي لَمَّا انْقَضى دَهْرٌ وَلَمْ ... يَكُ لي فيهِ نُهوضٌ وارْتفاعُ
طائِرٌ هِيضَ جَناحاهُ فَما ... دَأْبُهُ إلَّا جُثومٌ واضْطِجاعُ (3)
مُرَّ يا سائِقُ بالسُّوقِ الَّتي ... تُعْرَضُ الأَعْمارُ فيها وتُباعُ
عَلَّني أَبْتاعُ عُمْراً أُفْعِمَتْ ... مِنْهُ بالإحْسانِ أَعْوامٌ وسِاعُ (4)
* * *
قِيلَ: هذا عُمْرُ مُثْرٍ غَمَرَتْ ... ساحَهُ الْفِيحَ زُروعٌ وَرِباعُ (5)
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الرابع عشر.
(2) نفِد: فني وذهب. الارتياع: الفزع.
(3) هِيض: كُسر بعد الجبور. جثوم: يقال: جثم الطائر: لزم مكانه فلم يبرح، أو وقع على صدره.
(4) أفعم: ملأ. وِساع: جمع وسيع: ضد الضّيق.
(5) مثرٍ: غني. الفيح: السعة. رِباع: جمع رَبعْ، وهي الدار بعينها حيث كانت.
(7/ 2/131)

قُلْتُ: عُمْرٌ مِلْؤُهُ الْبِرُّ وَكَمْ ... سَعِدَتْ فيهِ عُراةٌ وجِيَاعُ (1)
فَإذا الإمْساكُ يُوحي حَوْلَهُ: ... ما لِهذا الْعُمْرِ في الإحْسانِ باعُ (2)
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ والٍ كانَ إنْ ... أَمَرَ الناسَ اسْتَكانوا وَأَطاعوا (3)
قُلْتُ: عُمْرٌ كالسَّماءِ امْتَلأَتْ ... بِالنُّجومِ الزُّهْرِ يَعْلوها شُعاعُ
فَإذا الإتْرافُ يُوحي حَوْلَهُ: ... هَمُّ هذا الْعُمْرِ لَهْوٌ وَرَتاعُ (4)
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ حَبْرٍ كانَ في ... بَيْتِهِ كُتْبٌ وفي الْكَفِّ يَراعُ (5)
قُلْتُ: عُمْرٌ كَسَحابٍ غَيْثُهُ ... حِكْمَةٌ غَرَّاءُ أَوْ فَتْوى تُذاعُ
فَإذا الأَهْواءُ توحي حَوْلَهُ: ... حَشْوُ هذا الْعُمْرِ خَبٌّ وابْتِداعُ (6)
* * *
__________
(1) البِر: الخير والفضل والصلة.
(2) الإمساك: البخل. الباع: قدر مدّ اليدين.
(3) الوالي: الحاكم.
(4) الإتراف: الترف، التنعم. الهَمُّ: ما همَّ به الرجل، أو أجال فكره لفعله وإيقاعه.
الرتاع: الأكل والشرب في رغد وسعة.
(5) الحبر: العالم الصالح. اليراع: القصب، ويقصد بها: القلم.
(6) الأهواء: جمع الهوى: ميل النفس إلى الشهوة. الخبّ: الخداع. الابتداع: زيادة في الدين، أو نقصان منه بعد الإكمال.
(7/ 2/132)

قيلَ: هذا عُمْرُ راعٍ وُضِعَتْ ... تَحْتَ رَعْياهُ عُقولٌ وطِباعُ (1)
قُلْتُ: عُمْرٌ يُرْتَجى مِنْهُ عُلا ... لِبَني الْعِلْمِ وَرُشْدٌ واجْتِماعُ
فإذا الخَيْبَةُ توحي حَوْلَهُ: ... سِرُّ هذا الْعُمْرِ زَهْوٌ وَخِداعُ (2)
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ قاضٍ يُبْصِرُ الْ ... حَقَّ إذْ يَعْلو ادِّعاءٌ ودِفاعُ
قُلْتُ: عُمْرٌ طالما زالَتْ بِهِ ... إِحَنٌ بَيْنَ خُصومٍ ونِزاعُ (3)
فَإِذا الرَّشْوَةُ توحي حَوْلَهُ: ... شَأْنُ هذا العُمْرِ حَيْفٌ وطِماعُ (4)
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ أَسْتاذٍ رَوَى ... وَرأَى، والْعِلْمُ رَأْيٌ وسَماعُ
قُلْتُ: عُمْرٌ مِثْلُ وادٍ مُمْرِعٍ ... طابَ في مَرْعاهُ لِلنَّاسِ انْتِجاعُ (5)
فَإذا الْعَيُّ يُنادي حَوْلَهُ: ... فاتَ هذا الْعُمْرَ غَوْصٌ واخْتِراعُ (6)
* * *
قيلَ: هذاعُمْرُ داعٍ لِلتُّقى ... يَأْمُرُ النَّاسَ وَينْهى فَيُطاعُ
__________
(1) رعياه: رعايته وحفظه.
(2) الزهو: الكذب، والكبر والتيه، والظلم.
(3) الإحن: جمع الإحنة: الحقد والغضب.
(4) الحيف: الجور والظلم. الطماع: الطمع.
(5) الممرع: المخصب. الانتجاع: الرحيل في طلب الكلأ.
(6) العي: يقال: عيَّ بأمره، وعن أمره: لم يهتد لوجه مراده، ولم يطق إحكامه.
(7/ 2/133)

قُلْتُ: عُمْرٌ كُلُّهُ خَيْرٌ وَلَمْ ... يَكُ في أوقاتِهِ وَقْتٌ مُضاعُ
فَإذا الخُسْرُ يُنادي حَوْلَهُ: ... فاتَ ذا الْعُمْرَ امْتِثالٌ وارْتِداعُ
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ مَنْدوبٍ لأِنْ ... يَشْهَدَ الشُّورى وأراءً تُشاعُ
قُلْتُ: عُمْرٌ يُنْقِذُ الحَقِّ إذا ... هاجَمَ الحَقَّ لُصوصٌ أَوْ سِباعُ
فَإذا الْعَجْزُ يُنادي حَوْلَهُ: ... فاتَ هذا الْعُمْرَ نُطْقٌ واسْتِماعُ
* * *
قيلَ: هذاعُمْرُ ذي سَيْفٍ لَهُ ... طَعْنَةٌ نَجْلاءُ إنْ ثارَ النَّقاعُ (1)
قُلْتُ: عُمْرُ الْعِزِّ، والأَبْطالُ إنْ ... هوجِمَ الْقَوْمُ دُروعٌ وقِلاعُ
فَإذا الرُّعْبُ يُنادي حَوْلَهُ: ... فاتَ ذا الْعُمْرَ طِعانٌ وقِراعُ
* * *
قيلَ: هذا عُمْرُ ساعٍ مُعْوِلٍ ... ضاقَ عَنْ تَرْفيههِ كَفٌّ صَناعُ (2)
قُلْتُ: عُمْرٌ حُفَّ بِالعُسْرِ وَمَنْ ... يَحْمِلُ الْكَلَّ كَريمٌ وشُجاعُ (3)
فَإِذا السُّخْطُ يُنادي حَوْلَهُ: ... فاتَ هذا العُمْرَ صَبْرٌ واقْتِناعُ
* * *
__________
(1) النقاع: جمع النقع، وهو الغبار.
(2) المعول: كثير العيال. الصَناع: يقال: رجل صَناع اليدين: أي: حاذق في الصنعة.
(3) الكلّ: اليتيم، الثقيل لا خير فيه، والضعيف.
(7/ 2/134)

يا رَفيقاً طالَما أَفْصَحَ لي ... عَنْ خَبايا فَانْجَلى عَنْها الْقِناعُ
لِمَ لا يُعْرَضُ في السُّوقِ سِوى ... عُمُرٍ لَمْ يَرْضَهُ إلّا الرَّعاعُ (1)
قالَ: جَدَّ الجِدُّ، ما مِنْ عُمُرٍ ... ناصِعِ الطَّلْعَةِ في الدُّنْيا يُباعُ

تحية المقام النّبوي ومناجاة الرّسول
" من قصيدة ألقاها أمام المقام النبوي سنة 1331 ه ".
أُحَييِّكَ والآماقُ تُرْسِلُ مَدْمَعا ... كَأَنِّيَ أَحْدو بِالسَّلامِ مُوَدِّعا (2)
وما أَدْمُعُ البُشْرى تَلوحُ بِوَجْنَةٍ ... سِوى ثَغْرِ صَبٍّ بالوِصالِ تَمتَّعا
وَقَفْتُ بِمَغْنىً كانَ يا أَشْرَفَ الوَرى ... لِطَلْعَتِكَ الحُسْنى مَصيفاً ومَرْبَعا (3)
فَذا مَوْقِفٌ لامَسْتُ فيهِ بِأَخْمَصي ... أَجَلَّ مِنَ الدُّرِّ النَّضيدِ وأَرْفَعا (4)
وذلِكَ مَرْقى كُنْتَ تَصْدَعُ فَوقَهُ ... بِما حازَ في أَقْصى الْبَلاغَةِ مَوْقِعا
وذاكَ مُصَلَّى طالَما قُمْتَ قانِتاً ... بِهِ، وَيَقومُ الصَّحْبُ خَلْفَكَ خُشَّعا (5)
وَذي حُجْرةٌ كانَ الأَمينُ يَؤُمُّها ... بِوَحْيٍ فَكَانتْ للشَّريعَةِ مَنْبَعا
وَأَرْوَعُ ما شَقَّ الْفُؤادَ بِحَسْرَةٍ ... وَهاجَ بِهِ الأَشْجانَ حَتّى تَقَطَّعا
__________
(1) الرَّعاع: السفلة من الناس، الواحد رعاعة.
(2) الآماق: جمع المأق: مجرى الدمع من العين.
(3) المغنى: المنزل. المصيف: المكان يقيمون فيه صيفاً. المربع: الموضع يُقام فيه في فصل الربيع.
(4) الأخمص: القدم، أو ما لا يصيب الأرض من باطن القدم.
(5) القانت: القائم بالطاعة الدائم عليها، والمصلّي.
(7/ 2/135)

تَخاذُلُ حالِ المُسْلِمينَ وما أَتى ... مِنَ الخَطْبِ في أَرْجائِهِمْ وتَجَمَّعا
وما شَأْننُا إلَّا كَعِقْدٍ تَناثَرَتْ ... جَواهِرُهُ في سَطْحِ أَحْدَبَ أَنْزَعا (1)
فَهذا يُحاذي في قَضاياهُ نَزْعَةً ... تَخُطُّ وَراءَ الحَقِّ للنَّاسِ مَرْتَعا (2)
وهذا يَصوغُ الْقَوْلَ في قالَبٍ يُرى ... بِجَانِبِهِ قَوْلُ الشَّريعَةِ أَوسَعا
وذاكَ يُنادي بالضَّلالةِ ماسِحاً ... بِصَبْغَةِ دينِ كَيْ يَغُرَّ ويَخْدَعا
ونِمْنا على الآذانِ نومَةَ جاهِلٍ ... بِما يَضَعُ المُسْتَيْقِظونَ لِنُصْرَعا
ولَمْ نَسْتَفِقْ للْقَوْمِ حتّى تَحَفَّزوا ... وَأَوْجَسَ كُلٌّ بَيْنَ جَنْبَيْهِ مَطْمَعا (3)
ولَمْ نَسْتَفِقْ للْقَوْمِ إذْ كُلٌّ انتضَى ... لِيَظْفَرَ بِاسْتِعْبادِنا السَّيْفَ مَقْرَعا (4)
ولمْ نستَفِقْ للقارِعاتِ وقَدْ جَنَتْ ... إلى مُهْجَةِ الإسْلامِ حتّى تَصَدَّعا (5)
وفي النّاسِ مَنْ حاكَ الأَياسُ بصَدرِه ... فَجَرَّدَ أَفْراسَ الجِهادِ وأقْلَعا (6)
ونَدْبٌ دَرى صَرْفَ اللَّيالي وأَنَّها ... تُزَلُّ بأَعْلامٍ وتُونِسُ بَلْقَعا (7)
__________
(1) الأنزع: الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته، والمقصود الأملس.
(2) النزعة: نزع إلى الشيء: ذهب إليه، يقال: له نزعة إلى كذا. المرتع: الموضع الذي يتنعم فيه.
(3) أوجس: أحس وأضمر.
(4) انتضى السيف: استله من غمده.
(5) القارعات: جمع القارعة وهي الداهية.
(6) حاك: أثَّر وعمل. الأياس: القنوط.
(7) الندب: السريع إلى الفضائل. تونس: أي: تؤنس، يقال: أنس به: ألفه، وسكن قلبه به. البلقع: الأرض القفر التي لا شيء فيها.
(7/ 2/136)

فَقامَ عَلى جِدٍّ يُهيبُ بِقَوْمِهِ ... لِيَرْفَأَ فَتْقاً أَوْ يُشَيِّدَ مَصْنَعا (1)
يَقولُ أُناسٌ إنَّما الدّينُ عَثْرَةٌ ... بِسابِلَةِ العُمْرانِ تَهْوي بِمَنْ سَعى (2)
رَمى بِهِمُ التَّقْليدُ في إثْرِ مُلْحِدٍ ... ولم يكْشِفوا عن مِيسَمِ الحَقِّ بُرْقُعا (3)
تجَلَّيْتَ في شَعْبٍ جَرى في عُروقِهِ ... دَمُ الكِبْرِ وارْتادَ الْغَوايَةَ إِمَّعا (4)
تَجَلَّيْتَ والْبَغْضاءُ تَشْوي صُدورَهُمْ ... بِنارٍ فَأَصْلَتْها قُلوباً وأَضْلُعا
فَلَقَّنْتَهُمْ كَيْفَ الطُّموحُ إلى العُلا ... إلى أَنْ عَلَوا فَوْقَ السِّماكَيْنِ مَطْلَعا (5)
عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ ما انْسَجَمَ الحَيَا ... وحَيَّا صَباحٌ بِالضِّياءِ وَوَدَّعا

وما الودّ إلا عهود تُراعى
نَشَدْتُ أَريباً يَجُسُّ الطِّباعا ... وَيكْشِفُ عَمَّا يَريب الْقِناعا (6)
فَمَنْ لي بِهِ يَوْمَ يُبْدي أُناسٌ ... إِخاءً وَهُمْ يُضْمِرونَ الخِداعا
قَضَيْتُ لَياليَّ في غِزَةٍ ... فَلَمْ أَعْرِفِ الخَبَّ إلَّا سَماعا (7)
__________
(1) رفأ: أصلح.
(2) السابلة: الطريق المسلوكة.
(3) الميسم: أثر الجمال، يقال: امرأة ذات مِيْسَم؛ أي: ذات حسن وجمال. البرقع: ما تستر به المرأة وجهها.
(4) الإمَّع، والإمَّعَةَ: الرجل يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء.
(5) السماكان: كوكبان نيّران يقال لأحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل.
(6) نشدت: طلبت. الأريب: الماهر البصير.
(7) الغرة: الأول من الشهر. الخب: الخدّاع.
(7/ 2/137)

أُباهي بِأَنَّ عِدادَ الأُلى ... أَصاحِبُ يَزْدادُ ساعاً فَساعا
أَبيتُ على عَهْدِهِمْ ساهِراً ... وما الْوِدُّ إلَّا عُهودٌ تُراعى
ولَمْ أَكُ أَنْقُدُ خاطِبَ وُدٍّ ... كَما يَنْقُدُ النَاسُ تِبْراً مُباعا (1)
ومَنْ عاشَ لاقى ابْتِسامَةَ خِلٍّ ... عَلى شَفَتَيْ مَنْ يَدُسُّ الْقِذاعا (2)
ولَوْلا أَخٌ يَنْشُرُ الحُبَّ ما الْتَ ... قَيْنا على وَجْنَتَيْهِ شُعاعا (3)
رأَيْتُ الهُدى أَنْ أَعيشَ وَحيداً ... ولا أَصْحَبُ الدَّهْرَ إلَّا الْيَراعا (4)

خائنو أوطانهم
عُجْتُ يَوْماً بِرياضٍ أَجْتَني ... عِبَراً مِمَّا أَرى أَو أَسْمَع (5)
فَلَمَحْتُ الْفَأْسَ مُلْقاةً ومِنْ ... حَوْلها أَعْناقُ دَوْحٍ خُضَّعُ (6)
دَوْحَةٌ تَلْحَظُها قائِلَةً ... والأَسى ساوَرَها والْفَزَعُ
هذِهِ قاصِمَةُ الظَّهْرِ متى ... نزَلَتْ بِالدَّوْحِ حانَ المَصْرَعُ (7)
فَأَجابَتْ جارَةٌ تُطْفِئُ مِنْ ... رَوْعِها والرَّوْعُ نارٌ تَلْذَعُ
__________
(1) التبر: الذهب.
(2) القذاع: الخنا والفحش.
(3) ما التقينا: أي: مدة التقائنا.
(4) اليراع: القصب، ويعني به: القلم.
(5) عاج: أقام. العبر: جمع العبرة: العظة يُتَّعظ بها.
(6) الدوح: جمع الدوحة: وهي الشجرة العظيمة.
(7) قاصمة: يقال: نزلت بهم قاصمة الظهر؛ أي: أصابهم الهلاك.
(7/ 2/138)

لا يَرُوعَنْكِ الحَديدُ الصُّلْبُ في ... أَرْضِنا يَنْحَطُّ أَوْ يَرْتَفِعُ
فَهْوَ ما لَمْ يَلْقَ مِنْ أَعْوادِنا ... عَضُداً يُسْعِدُهُ لا يَقْطَعُ (1)
قُلْتُ: مَرْحى! حِكْمَةٌ لَوْ ساغَها ... خائِنو أَوطانِهِمْ لارْتَدَعوا

لم أذق طعم الذل
إذا ما تَلاقَيْنا وطَرَفُكَ طامِحٌ ... إلى عِزَّةٍ أَطْرَقْتُ طَرْفي تَواضُعا
وإنْ تَلْقَني يَوْماً وأَنْفُكَ شامخٌ ... رَأَيْتَ فَتىً بَيْنَ السِّماكَيْنِ طالِعا
وما ذُقْتُ طَعْمَ الذُّلِّ لَكِنْ أَعافُهُ ... كما عِفْتُ سُمّاً في فَمِ الصِّلِّ ناقِعا (2)
ولا أَرْتَدي بِالكِبْرِ أَسْحَبُ ذَيْلَهُ ... وَلَوْ جاءَ في أَسْمى الأَمانِيِّ طائِعا
_________
(1) العضُد: الساعد، وهو من المرفق إلى الكتف. وهنا بمعنى: الناصر والمعين.
(2) الصل: الحية، وقيل: الحية الدقيقة الصفراء. سم ناقع: أي: بالغ قاتل ثابت.
(7/ 2/139)

قافية الغين
كرم الأصل
" قالها في مصر سنة 1365 ه تصويراً لحالة التلميذ الطيب المنبت".
تَقَلَّدْتَ في صَدْرِ الحَياةِ عَزيمَةً ... وباكَرْتَ تَجْني الْعِلْمَ والْعَيْشُ رابغُ (1)
فكنت ترى الأيام غُرّاً سواسياً ... كأسنان مشط ليس فيها زوائغ (2)
وكُنْتَ تَخالُ النّاسَ طُرًّا مَلائِكاً ... لِكُلِّ امْرِئٍ بُرْدٌ مِنَ الطُّهْرِ سابِغُ
وتَحْسَبُ مَنْ يَشْكو الزَّمانَ وأَهْلَهُ ... يُزَوِّرُ في تَخْيِيلِهِ وُيبالغُ
سَمِيرُكَ سِفْرٌ والدُّروسُ حَدائقٌ ... وَإِنْ أَقْبَلَ الأُستاذُ فالبَدْرُ بازِغُ
تُراوحُ بَيْنَ الدَّرْسِ والْبَيْتِ دائباً ... لِتُحْرِزَ ما يَصْبو إلَيْهِ النَّوابِغُ
وَوَفَّيْتَ أَيَّامَ التَّلقِّي حُقوقَها ... فَرَأْيُكَ وَضَّاحٌ وقَولُكَ دامغُ
وصِرْتَ تُصافي النَّاسَ أَنَّى لَقيتَهُم ... وقَلْبُكَ مِنْ سوءِ الأَظانينِ فارِغُ
وحَسْبُ السُّرى في بُغْيَةِ الْعِلْمِ أَنَّها ... وَقَتْكَ فَلَمْ يَنْزَغْ فُؤادَكَ نازغُ (3)
__________
(1) تقلد السيف: احتمله، ووضع نجاده على منكبيه. رابغ: ناعم.
(2) سواسياً: متساوية.
(3) السرى: سير عامة الليل. نزغ: أفسد وأغرى.
(7/ 2/140)

وأَعْطَتْكَ ما فوْقَ الحُلِيِّ نَفاسَةً ... وهَلْ صاغَ كالإخْلاصِ في الوِدِّ صائِغُ (1)
يَروعُكَ أَنْ يَنْدَسَّ بَيْنَ أُولي النُّهى ... ذِئابٌ عَوادٍ أَوْ أَفاعٍ لوادغُ (2)
خُذِ الحَزْمَ لا يُلْهيكَ عَنْهُ ابْتِسامَةٌ ... ولا رائقٌ مِنْ زُخْرُفِ الْقَوْلِ سائغُ (3)
__________
(1) الصائغ: من حرفته أن يعمل حلياً من الذهب والفضة.
(2) أولي النهى: أصحاب العقول.
(3) سائغ: السهل المدخل من الطعام والشراب، ويقال: شراب سائغ: عذب.
(7/ 2/141)

قافية الفاء
[مناجاة النفس]
" خواطر سنحت للشاعر في مستشفى الروضة بالقاهرة حيث أقام به ستة عشر يوماً لإجراء عملية جراحية".
مَسَّها سُقْمٌ، وفي الأَسْقامِ ما ... كانَ طُهْراً مِنْ ذُنوبٍ سالِفَهْ (1)
تتلَقَّاهُ عَلى صَبْرٍ وإِنْ ... كانَ رَحْلاً لِمَنونٍ خاطِفَه (2)
ثِقَةٌ مِنْها بِرُحْمى قادِرٍ ... ما لِكَرْبٍ مِنْ سِواهُ كاشِفَه (3)
مَلأَ الْعالَمَ آياتٍ هِيَ ال ... زُّهْرُ والأَلبابُ أَيْدٍ قاطِفَه
فاحْذَري أيَّتُها النَّفْسُ هَوًى ... يَسْتَرِقُّ الْعَقْلَ قَبْلَ الْعاطِفَه
هُوَ ذا الْفُرْقانُ يُلْقي حِكَماً ... تَتَمَلاَّها فُهومٌ ثاقِفَه (4)
عِصْمةٌ مِنْ كُلِّ ما تَكْبو بِهِ ... نَظراتُ الفَيْلَسوفِ القائِفَه (5)
__________
(1) مسها: الضمير عائد على نفس الشاعر. السقم: المرض.
(2) الرحل: مركب للبعير. المنون: الموت.
(3) كاشفة: أي كشف.
(4) ثاقبة: حاذقة وفطنة.
(5) تكبو: كبا لوجهه: انكب على وجهه. القائفة: مؤنث القائف، وهو من يعرف الآثار.
(7/ 2/142)

فَرِدي مَنْهَلَهُ في لَهَفٍ ... تَجِدي طِبَّ النُّفوسِ اللاَّهِفَه (1)
هذِه الدُّنيا كِتابٌ فَاعْرِفي ... رَمْزَهُ إنْ لَمْ تَكوني عارِفَه
مَعْرِضُ الأَضْدادِ تَلْقَيْنَ بِها ... دُرَّةَ التَّاجِ وأُخْرى زائِفه
وَوُجوهاً حُرَّةً زاهِرَةً ... وَوُجوهاً في هَوانٍ خاسِفَه (2)
وعُيوناً بالكَرى طافِحَة ... وعُيوناً بِدُموعٍ ذارِفَه (3)
وَقُلوباً في المُنى راتِعَةً ... وقُلوباً بالمآسي واجِفَه (4)
تَخْطُرُ السَّرَّاءُ في رَوْنَقِها ... فَإذا الْبَأْساءُ تَغْدو رادِفَه (5)
إنْ جَنَتْكِ النَّحْلُ شَهْداً فَارْقُبي ... أَنْ تَرَيْ رُقطاً بِسُمٍّ زاحفَه (6)
هِيَ سِلْمٌ حينَ تَلْقى خامِلاً ... لا يُنادَى لِخُطوبٍ آزِفَه (7)
وَهْيَ حَرْبٌ حينَ تلقى ناهِضاً ... لا يَهابُ المُرْهَفاتِ القاصِفَه (8)
يَسْلَمُ الْكوخُ وتَنْصَبُّ على الْ ... حِصْنِ نارُ الطَّائِراتِ القاذِفَه
وَضَعَ الشَّيطانُ فِيها نُصُباً ... مِنْ مَلاهٍ شاتِياتِ صائِفَه
__________
(1) اللاهفة: المظلومة المضطرة تستغيث وتتحسر.
(2) خاسفة: ذهبت ضوءها وأظلمت. يقال: خسف القمر: ذهب ضوءه وأظلم.
(3) الكرى: النعاس.
(4) واجفة: مضطربة.
(5) السرّاء: الرخاء. رادفة: تابعة.
(6) الرُّقط: جمع رقطاء، ويقصد بها: الحية فيها سواد يشوبه نقط بياض، أو عكسه.
(7) آزفة: قريبة.
(8) المرهفات: جمع مرهف: محدد مرقق الحد؛ أي: السيوف.
(7/ 2/143)

فَاسْكُبي أَدْمُعَكِ الحُمْرَ على ... أُمَّةٍ ظَلَّتْ عَلَيْها عاكِفه
وَيْحَ مَنْ يَطْغِيهِ عَيْشٌ رافِهٌ ... والحُمَيَّا بِالنَّدامى طائِفهَ (1)
رُبَّ زَهْرٍ راحَ مِنْ خَمْرِ النَّدى ... ثَمِلاً فَاكْتَسَحَتْهُ العاصِفَه
لِكِفاحِ الشَّرِّ قِسْطاسٌ فَإنْ ... لَمْ تُقيمي الوَزْنَ كُنْتِ الآسِفَه (2)
يَصِفُ الطِّبُّ سُموماً لو عَدَتْ ... وَصْفَهُ كانَتْ سِهاماً جائِفَه (3)
وأَناةٌ سَمْحَةٌ تَكْفيكَ في ... دَفْعِكَ الشَّرَّ سُيولاً جارِفَه (4)
فارْشُقي عَنْ قَوْسِ حِلْمٍ تُطْفِئي ... نارَ غَيْظٍ مِنْ صُدورٍ راجِفَه (5)
لا تَشُحِّي بِاسْم"غازٍ" عَنْ فَتىً ... ساسَ بِالحِلْمِ لُيُوثاً ناكِفَه (6)
مَنْطِقٌ يَلْهَجُ بالحُسْنى وَلَوْ ... جَبَهَتْهُ اللَّهَجاتُ العاسِفَه (7)
تَنْعِقُ الْغِرْبانُ والوَرْقاءُ في ... دَوْحِها المَيَّادِ تَشْدو هاتِفَه
أَنا لَمْ أَنْسَ غَريباً زَجَّ في ... بَطْنِ وادينا جُنوداً سائِفَه (8)
__________
(1) الحميا: شدة الغضب وأوله.
(2) القسطاس: الميزان.
(3) عدت: جاوزت. الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف.
(4) الأناة: الحلم والوقار.
(5) ارشقي: رشق: رمى.
(6) ناكفة: نكف عنه: أنف منه وامتنع، فهو ناكف.
(7) جبهته: قابلته. العاسفة: يقال: عسف الطريق: خبطه على غير هداية، والعسف: الظلم.
(8) الغريب: المستعمر. زجّ: رمى. سائفة: أي: ذوي سيوف.
(7/ 2/144)

أَنْكَدُ النَّاسِ حَياةً أُمَّةٌ ... سَلَبَتْها الحُكْمَ أَيْدٍ حائِفَه (1)
لايَروعَنْكِ سُيوفٌ وَقَناً ... مُشْرَعاتٌ وسَفينٌ ناسِفَه (2)
مِنْكَ عَزْمٌ مُرْهَفُ الحَدِّ وَمِنْ ... قَدَرِ اللهِ صُروفٌ ساعِفَه (3)
لا تَخالي خَيْرَها وَقْفاً عَلى ... عَسْجَدٍ يَهْمي كَعَيْنٍ واكِفَه (4)
شَرُّ أَيَّامِكِ يَوْمٌ يَنْقَضي ... في سِوى مَعْرِفَةٍ أوْ عارِفَه (5)
لايُباهي بِتَليدِ المَجْدِ مَنْ ... ظَلَّ يَوْماً لا يُبالي طارِفَه (6)
أَيُّ فَضْلٍ لِحَياةٍ لايَرى ... ناقِدوها غَيْرَ بِئْرٍ نازِفَه (7)
فَأْنَسي بِالعَيْشِ إِنْ مَدَّ التُّقى ... مِنْ حَوالَيْهِ ظِلالاً وارِفَه
وَأْنَسي بِالمَوْتِ إِنْ أَصْبَحْتِ في ... أُفُقِ الْعَلْياءِ شَمْساً كاسِفَه

الصّداقة وحريّة الرأي
أَيَصْفو لي مِنَ الأَصْحابِ خِلٌّ ... لَهُ أَدَبٌ أَرَقُّ مِنَ السُّلافِ (8)
__________
(1) حائفة: جائرة وظالمة.
(2) سفين: جمع سفينة، وهي المركب.
(3) ساعفة: مساعدة.
(4) يهمي: يسيل لا يثنيه شي. واكفة: سالت دموعها قليلاً.
(5) العارفة: العطية والمعروف.
(6) التليد: المال القديم. الطارف: المال الحديث المستحدث.
(7) بئر نازفة: التي نُزح ماؤها.
(8) الخل: الصديق. السلاف: ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر.
(7/ 2/145)

أَهيمُ بِهِ الحَياةَ وَما هُيامي ... بِغَيْرِ الأَلْمَعِيَّةِ والْعَفافِ (1)
يُناقِشُ أَوْ يُخالِفُ بَعْضَ رَأْيِي ... فَأبْهَجُ بِالنِّقاشِ وبِالخِلافِ
وأُوثِرُ أَنْ أَكَونَ مُحِبَّ حُرٍّ ... فَحُرُّ الرَّأْيِ أَمْثَلُ مَنْ تُصافي

كبر الهمّة
يَرْمي الهُمامُ وما غَيْرَ العُلا هَدَفاً ... ولا يُباكِرُ إلَّا الرَّوضَةَ الأُنُفا (2)
والنَّاسُ كالشِّعْرِ إنْ وافَيْتَ تَنْقُدُهُ ... أَلْفَيْتَ سَبْكَ الْقَوافي مِنْهُ مُخْتلِفا
كَم بَيْنَ شَهْمٍ يَدوسُ الصَّعْبَ في شَمَمٍ ... وخامِلٍ باتَ في مَهْدِ الهوى دَنِفا (3)

التلميذ العاق
بَسَطْتَ شُعاعَ عِلْمِكَ في نُفوسٍ ... تَسوقُ إلَيْكَ ما اسْطاعَتْ حُتوفاً
كَذا الأَقْمارُ تَكْسو الأَرضَ نوراً ... وَلَولا الأَرْضُ ما لَقِيَتْ خُسوفاً

من عجيب السّحر
يَزْعُمُ السَّاحِرُ زُوراً أَنَّهُ ... يَقْلِبُ السَّوْطَ حُساماً مُرْهَفا (4)
وُيُرينا الحَبْلَ في تَخْيِيلِهِ ... ساعِياً فَوْقَ الثَّرى مُنْعَطِفا
يَعْجَبُ المَرْءُ لِسِحْرٍ وأَرى ... فيهِ سِحْراً عَجَباً لَوْ أَنْصفا
__________
(1) الألمعية: الذكاء.
(2) الهمام: الملك العظيم الهمة، السيد الشجاع. الروضة الأنف: لم يرعها أحد.
(3) الدَّنِف: الذي ثقل من المرض أو العشق، ودنا من الموت.
(4) السوط: ما يضرب به من جلد مضفور ونحوه. الحسام المرهف: السيف القاطع الرقيق.
(7/ 2/146)

شَهْوَةٌ تَحْدو عَلى إثْمٍ فَإنْ ... قُضيَ الإثْمُ اسْتحالَتْ أَسفا
وإذا ما لاذَ بِالصَّبْرِ انْثَنَتْ ... بَيْنَ جَنْبَيْهِ رَواحاً وَصَفا (1)

نشوة الشّعر
" قالها وقد رأى شخصاً في تونس أخذته هزة طرب عند سماعه قصيدة رائعة ينشدها ذو صوت جميل".
هذا الْفَتى ثَمِلٌ فَقُلْ لِنَديمِهِ ... أَتَلَوْتَ شِعْراً أَمْ أَدَرْتَ سُلافا (2)
هاتِ الَّذي رَقَّتْ حَواشي طَبْعِهِ ... وأَدِرْ مِنَ الشِّعْرِ الأَنيقِ قُحافا (3)
تأْخُذْهُ نَشْوَةُ طافِحٍ مِنْ خَمْرَةٍ ... تَدَعُ الرَّواسي كالرِّياشِ خِفافا (4)
ولَرُبَّما أَبْصَرْتَهُ مُتَرَنِّحاً ... ومُصَفِّقاً أَعْيَا اللَّهاةَ هُتافا (5)

[معلّم الكشّاف]
حَضَنَتْكَ ذاتُ قَوادِمٍ وخَوافي ... قَنعَتْ بِقُوتٍ في الحَياةِ كَفافِ (6)
__________
(1) الرَّواح: وجدانك السرور الحادث من اليقين.
(2) الثمل: السكران.
(3) الحواشي: الجوانب. القِحاف: جمع قِحف: إناء من خشب مثل قحف الرأس كأنه نصف قدح.
(4) طافح: ملآن. الرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ.
(5) المترنح: المتمايل من السكر وغيره. اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم، جمع لهوات ولهيات.
(6) القوادم: جمع قادمة، وهي عشر ريشات في مقدم الجناح، وهي كبار الريش. الخوافي: صغار الريش، وهي تحت القوادم. القوت: ما يأكله الإنسان ويقتات به. الكفاف من القوت: ما كف عن الناس وأغنى.
(7/ 2/147)

تَحْنو عَلَيْكَ وما دَرَتْ مَنْ ذا الَّذي ... أَوحى إلَيها بِالحُنوِّ الضَّافي (1)
حَتَّى سَرى في جِسْمِكَ الرُّوحُ الَّذي ... خَلاَّكَ تُطْرَحُ بِالسِّياجِ الْجافي (2)
بارَحْتَ قَيْضاً كُنْتَ فيهِ مُحَجَّباً ... فَاللُّؤْلُؤُ المَكْنونُ في أَصْدافِ (3)
أَلْفَيْتَ بَيْتَاً لا بساطَ بهِ سِوى ... لَقَطاتِ عَصْفٍ كالرِّياشِ خِفافِ (4)
فَجَثَمْتَ لا مُسْتَحْنيِاً فَرْشاً ولا ... مُسْتَوْحِشاً مِنْ قِلَّةِ الأُلَّافِ (5)
ووَقْفَتْ حَوْلَ الوَكْرِ تَرْقُبُ أَوْبَةً ... مِنْ ذاتِ طَوْقٍ تَغْتَدي وتُوافي (6)
تُوليكَ إسْعافاً ورِفْقاً والَّذي ... سَوَّاكَ رَبُّ الرِّفْقِ والإِسْعافِ
رَفَعَتْكَ حِكْمَتُهُ إلى طَوْرٍ أَبى ... لَكَ أنْ تَظَلَّ غَنيمَةَ الخُطَّافِ (7)
راشَتْ جَناحَكَ فَانتُضيْتَ عَزيمةً ... وعَلَوْتَ تَكْشِفُ عَنْ قُرًى وَفَيافي (8)
لَوْ أَنْصَفوكَ دَعَوكَ فيما بَيْنَهُم ... يَوْمَ الْفَخارِ: مُعَلِّمَ الْكَشَّافِ (9)
__________
(1) الضافي: السابغ.
(2) السياج: ما أحيط به على شيء. الجافي: الغليظ.
(3) القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة.
(4) اللقطات: جمع اللقطة: الشيء تجده ملقى فتأخذه. العصف: ورق الزرع.
(5) الألاف: جمع الإلف: العشير المؤانس.
(6) الوكر: عش الطائر. الأوبة: الرجعة. ذات الطوق: الحمامة.
(7) الطور: الحال، الهيئة.
(8) راش السهم: ألزق عليه الريش.
(9) الكشاف: يقال: كشف الشيء: أظهره، ورفع عنه ما يواريه.
(7/ 2/148)

منار بشاطئ نابلي
" قال هذين البيتين عند رسو السفينة بشاطئ "نابلي" وهو عائد من الآستانة إلى تونس سنة 1335 ه ".
كَأَنَّ مَناراً لاحَ في فَحْمَةِ الدُّجى ... ومَنْظَرُهُ المُحْمَرُّ يَبْدو ويَخْتَفي (1)
حَشًا تَقْذِفُ الأَشْواقُ فِيهِ بِجِذْوَةٍ ... وآوِنَةً يَرْجو الوِصالَ فَتَنْطَفي (2)
__________
(1) فحمة الدجى: أي: شدة سواد الليل.
(2) الجذوة: الجمرة الملتهبة، القبسة من النار.
(7/ 2/149)

قافية القاف
ذكرى المولد
" قيلت في احتفال جمعية الهداية الإسلامية بذكرى المولد النبوي الشريف سنة 1359 ه ".
أَمِنْ خَفَقانِ أَفْئِدَةٍ رِقاقِ ... تَأَلَّقَتِ المَدامِعُ في المَآقي (1)
إذا أَهْدَتْ يَدُ الإقْبالِ بُشْرى ... تَلَقَّتْها الضَّمائِرُ باخْتِناقِ (2)
كما اهْتَزَّتْ غُصونٌ لاعَبَتْها ... جَنوبٌ باعْتِناقٍ وانْطِلاقِ (3)
وأَرْشَفَها الرَّبيعُ نَدَى فَطابَتْ ... رُباها لاصْطِباحٍ واغْتِباقِ (4)
لِلَيْلَتِنا الفَخارُ إذا اللَّيالي ... تَباهَتْ بالمَحاسِنِ وَالمَراقي (5)
أشارَتْ بالمَغيبِ عَلى ذُكاءٍ ... وجاءَتْ بالكَواكِبِ في اتِّساقِ (6)
__________
(1) تألقت: لمعت. المآقي: جمع مأق: مجرى الدمع من العين.
(2) الضمائر: القلوب والبواطن. اختفاق: خفقان.
(3) الجَنوب: الريح المقابلة للشمال.
(4) الاصطباح: شرب الصبوح. الاغتباق: شرب الغبوق.
(5) المراقي: جمع المرقى والمَرقاة: الدرجة.
(6) ذكاء: الشمس.
(7/ 2/150)

ومَدَّتْ في السَّماءِ الْبَدْرَ كَفًّاً ... تُديرُ الأُنْسَ بالكَأْسِ الدِّهاقِ (1)
ولَوْ أَرْخَتْ ذُؤابَتَها لَقُلْنا ... خُذوا هذا السَّوادَ إلى الحِداقِ (2)
ذَكَرْنا إذْ تَقَلَّدَتِ الْمَعالي ... حُساماً قَدْ تَهَيّأَ لامْتِشاقِ (3)
ذَكَرْنا كَيْفَ لاحَ جَبينُ طه ... وَهَبَّ الْفَجْرُ يُؤْذِنُ بِانْبِثاقِ
كأَنَّ الْفَجْرَ والميلادَ جاءا ... لإجْلاءِ الظَّلامِ على اتِّفاقِ
أَلا مَنْ مُبْلِغٌ قَمراً تَوارى ... وساطِعُ نُورِهِ في النَّاسِ باقِ
سَلاماً كالصِّبا مَرَّتْ بِرَوْضٍ ... وَلاقَتْها الْكَمائِمُ بانْفِتاقِ (4)
أَرومُ مَديحَهُ وَإخالُ أَنَّي ... سَأَحْظى مِنْهُ بالسَّيْلِ الدُّفاقِ (5)
فَيَبْهَرُني عُلاهُ كأَنَّ فِكْري ... تَوَثَّبَ وَهْو مَشْدودُ الوَثاقِ
تَمَلَّى نورَهُ صَحْبٌ فَأَغْنَوْا ... غَناءَ النَّجْمِ في الظُّلَمِ الصِّفاقِ (6)
نُفوسٌ أَخْصَبَتْ هَدْياً وَأَدْنَتْ ... إلى الدُّنْيا جَنىً عَذْبَ المَذاقِ
تَحَلَّتْ بالمَكارِمِ وَهْيَ أَغْلى ... مِنَ الحَليِ المُخَبَّأِ في الحِقاقِ (7)
__________
(1) الكأس الدهاق: الممتلئة.
(2) الذؤابة: الضفير من الشعر. الحداق: جمع حدقة: سواد العين الأعظم.
(3) الامتشاق: امتشق السيف: استله؛ أي: أخرجه من غمده.
(4) الصّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(5) السيل الدفاق: الذي يملأ جنبي الوادي.
(6) الظُّلَم: جمع ظلمة: ذهاب النور. الصِّفاق: جمع الصفيقة: الكثيفة.
(7) الحِقاق: جمع الحق: الوعاء.
(7/ 2/151)

وتُؤْثِرُ غَيْرَها بالزَّادِ زُهْداً ... وتَقْنَعُ في المَعِيْشَةِ بِالرِّماقِ (1)
ولا تَرْضى إذا خُطِبَتْ خِصالُ الْ ... عُلا إلَّا بِغالِيَةِ الصَّداقِ (2)
سَراةٌ أَحْكَموا الإِصْلاحَ عِلْماً ... وَهَبُّوا لِلْجِهادِ على وِفاقِ (3)
دَعَوا والحُجَّةُ الْغَرَّاءُ تَهْدي ... إلى سُبُلِ الحَقائِقِ مَنْ تُلاقي
وناَصَبَهُمْ خُصومُ الحَقِّ حَرْباً ... فَلاذوا بالمُثَقَّفَةِ الرِّقاقِ (4)
وهَلْ يُجْدي الأَصَمَّ بَيانُ قُسٍّ ... وهَلْ يَشْفي أَخا الأَمْواتِ راقِ (5)
فَكَمْ شَرَعوا الأَسِنَّةَ في كِفاحٍ ... وَكَمْ مَلَؤوا الأَعِنَّةَ في سِباقِ (6)
وإنْ قاموا قُنوتاً لَمْ يُقاسُوا ... بِغَيْرِ مَلائِكِ السَّبْعِ الطِّباقِ (7)
هُمُ الأَعْلامُ إنْ طَمَحَتْ نُفوسٌ ... إلى عَلْياءَ واسِعَةِ النِّطاقِ
__________
(1) الرماق: ما يسد الحاجة.
(2) الصّداق: مهر المرأة.
(3) السراة: سادة القوم ورؤساؤهم، جمع السريّ.
(4) المثقفة: الرماح.
(5) قس: (... - نحو 23 ق. ه) قس بن ساعدة من بني إياد، أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، يقال: إنه أول عربي خطب متوكئاً على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه: "أما بعد".
(6) الأعنة: جمع عنان: سير اللجام الذي تُمْسَك به الدابة.
(7) القنوت: الطاعة والقيام في الصلاة والدعاء. السبع الطباق: السماوات السبع، مطابقة بعضها على بعض.
(7/ 2/152)

ولا أَدْري أَقَوْميَ في سُباتٍ ... فَأَرْجو صَحْوَهُمْ أَمْ في سِياقِ (1)
فَأَشْياعُ الضَّلالِ الْيَوْمَ صالوا ... بِأَلْسِنَةٍ وأَقْلامٍ حِماقِ (2)
وَهُمْ ما بَيْنَ إلْحادٍ وَقاحٍ ... وإلحادٍ تَقَنَّعَ بالنِّفاقِ (3)
وإنْ شَؤُمَ النُّعاقُ فَما أَزاغُوا ... بِهِ الْفَتَيَاتِ أَشْأَمُ مِنْ نُعاقِ (4)
فَمِنْ قِصَصٍ تُعاطي قارِئيها ... شَراباً دِيفَ بالسُّمِّ الزُّعاقِ (5)
ومِنْ صُوَرٍ تُثيرُ هَوًى وتَحْدو ... نُفوساً كالبُدورِ إلى مُحاقِ (6)
أَما لِشبابِ أَحْمَدَ أَنْ يَذودوا ... خُطوباً كالمَطاعِنِ في التَّراقي (7)
وَيرْموا لِلسِّيادَةِ عَنْ قِسِيٍّ ... مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى رِشاقِ (8)
كَفَى ما قَدْ خَسِرْنا مِنْ شَبابٍ ... رَأَوْا سُوقَ الخَلاعَةِ في نفَاقِ (9)
__________
(1) السبات: النوم. السياق: نزع الروح.
(2) الأشياع: الأتباع والأنصار. حماق: جمع أحمق.
(3) الوقاح: ذو الوقاحة للذكر والأنثى.
(4) النعاق: صياح الغراب. أزاغوا الشيء: أمالوه.
(5) ديف: خُلط. الزّعاق: المر الغليظ.
(6) المحاق: آخر الشهر القمري، أو ثلاث ليالٍ من آخره.
(7) التراقي: جمع الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، أو أعلى الصدر.
(8) القسي: جمع القوس.
(9) نفَاق: يقال نفقت السلعة: أي: كثر طلابها.
(7/ 2/153)

فَغادَوْها، وكَيْفَ تَرى فَراشاً ... تَهَافَتَ في لَظى النَّارِ الحِراقِ (1)
وما لِلنَّفْسِ إنْ رَكِبَتْ هَواها ... وحَطَّتْ في المَجانَةِ مِنْ خَلاقِ (2)
هِيَ الشَّكْوى يُرَدِّدُها لِسانٌ ... وما بَيْنَ الجَوانِحِ في احْتِراقِ

ولقد ذكرتك
" قالها في دمشق مجاراة لمن نظموا على هذا الأسلوب".
ولَقَدْ ذَكَرْتُكَ في الدُّجى والجُنْدُ قَدْ ... ضَرَبوا على دَارِ الْقَضاءِ نِطاقا (3)
وقُضاةُ حَرْبٍ أَرْهَفوا أَسْماعَهُمْ ... وصُدورُهُمْ تَغْلي عَلَيَّ حِناقا (4)
والمُدَّعي يُغْري الْقُضاةَ بِمَصْرَعي ... وَيرى مُعاناتي الدِّفاعَ سِياقا (5)
أَتَروعُ أهْوالُ المَنونِ مُتَيَّماً ... جَرَّعْتِهِ بَعْدَ الوِصالِ فِراقا

أنت ريحانة الحياة
" قالها عقب وداع أحد أصدقائه".
قُلْتُ إذْ هَمَّ صاحِبي بِرَحيلٍ ... أَتُذيقَ الحَشا عَذابَ الحَريقِ
أَنْتَ رَيْحانَةُ الحَياةِ إذا ما ... غِبْتَ عَنْ ناظِري غَصَصْتُ بِريقي
__________
(1) فغادوها: باكروها. نار حراق: لا تبقي شيئاً.
(2) المجانة: الهزل. الخَلاق: النصيب الوافر من الخير.
(3) دار القضاء: المحكمة.
(4) قضاة حرب: الحكام العسكريون الذين حاكموا الشاعر في عهد جمال باشا بدمشق.
(5) المدّعي: ممثل النيابة العامة، السياق: نزع الروح.
(7/ 2/154)

فَابْقَ للأُنْسِ واتْرُكِ الْبَيْنَ يَحْدو ... بالأَعادي إلى مَكانٍ سَحيقِ

[لم أضع للودّ حقاً]
أَتَنَسَّمْتَ الصَّبا مِنْ "حاجِرٍ" ... حَادِيَ الأَيْنَقُ أَمْ شِمْتَ بُروقَهْ (1)
عُجْ بِهِ نَشْفِ بِملْقى جِيرَةٍ ... ضَرَبوا الْخَيْمَ بِهِ نَفْساً مَشُوقَه (2)
وإذا ما عاقَنا بُطْءُ السُّرى ... عَنْ صَبوحِ الوَصْلِ أَدْرَكْنا غَبوقَه (3)
هاهُنا مَرْتَعُهُمْ، خُذْ بِيَدي ... وَدعِ الأَيْنُقَ في الرَّوضِ طَليقَه
طالَ بي الْبَيْنُ إلى أنْ أَطْفَأَتْ ... نَظْرَةٌ مِنْ ساكِني الْبانِ حَريقَه (4)
يا بُدوراً حُسْنُها ابْتَزَّ النُّهى ... وهَواها مَدَّ في الْقَلْبِ عُروقَه (5)
عادتِ الأيامُ مِنْ هِجْرانِكُمْ ... ليَ خَصْماً بَعْدَ أنْ كانَتْ صَديقَه
مِنْ دُجًى يَقْضيهِ جَفْني أَرَقاً ... وضُحًى يُلْبِسُهُ اللَّيْلُ غُسوقَه
وكَفى جِسْمي نُحولاً أنْ تَخا ... لوهُ كالطَّيْفِ خَيالاً لا حَقيقَه
لَمْ أُضِعْ لِلْوُدِّ حَقَّاً، أَفَما ... حانَ أَنْ يَرْعى الأَخِلاَّءُ حُقوقَه؟
__________
(1) الحاجر: المنزل في البادية، والأرض المرتفعة ووسطها منخفض. الأنيق: جمع الناقة، وهي الأنثى من الإبل. شِمتُ البرق: نظرت إليه أين يقصد وأين يمطر.
(2) الخيم: الخيمة: بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر.
(3) السرى: سير عامة الليل. الصبوح: كل ما أُكل أو شُرب غدوة. الغبوق: ما يشرب بالعشي.
(4) البان: شجر ليّن القوام، الواحدة بانة.
(5) ابتزّ الشيء: استلبه. النهى: العقل.
(7/ 2/155)

[الرّتيمة] (1)
ما النَّجْمُ تَجْري بهِ الأَفْلاكُ في غَسَقِ ... كالدُّرِّ تَقذِفُهُ الأَقْلامُ في نَسَقِ
لَقَدْ سَلَوْتُ مُحَيَّا الْبَدْرِ إذْ طَلَعَتْ ... عَقيلَةُ الطَّرْسِ والأَجْفانُ في أَرَقِ
وكُنْتُ أَرْشُفُ مِنْ جَدْوى بَلاغَتِها ... راحاً فَيَهْدَأُ ما في الجَأْشِ مِنْ قَلَق (2)
تَخْشى إذا أَفْصَحَتْ عَمَّا تَوَهَّجَ مِنْ ... حَماسَةٍ أَنْ تَشُبَّ النَّارُ في الوَرَقِ
__________
(1) كان فضيلة الإمام الأكبر محمد الخضر حسين مقيماً في دمشق مع عائلته سنة 1338 ه , وكان قد عزم على الارتحال منها إلى تونس، فكتب إليه الشاعر الكبير الأستاذ خليل مردم وزير خارجية سورية ورئيس المجمع العلمي بها في ذاك العهد كتاباً رقيقاً قال فيه:
"إن من خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه، معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي وإخوانه الفضلاء، وصحبتي لهم، فقد صحبت الأستاذ عدة سنين رأيته فيها الانسان الكامل الذي لاتغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر سرور التواصل، تكون حسرة التفاصل".
فلم يعد لي إلا الرجاء بأن يكون لي نصيب من الذكر في قلبه، وحظ من الخطور على باله، لذلك فأنا أتقدم بهذه القصيدة الوطنية لتكون لي رتيمة عنده، وذكرى أحد المخلصين إليه، أمتع الله به، وأدام الكرامة، وكتب له السلامة في حله وترحاله".
ثم أتبع الخطاب بقصيدة مطلعها:
طيف للمياء ما ينفك يبعث لي ... في آخر الليل إن هوّمت أشجانا
(2) الجأش: نفس الإنسان.
(7/ 2/156)

فَأَلْبَسَتْها أَساليبَ النَّسيبِ، وَكَمْ ... ذاقَ الحَشا لَوْعَةً مِنْ ناعِسِ الحَدَقِ
هِيَ "الرَّتيمَةُ" فيما قالَ مُبْدِعُها ... وَهَلْ يَغيبُ السَّنا عَنْ طَلْعَةِ الْفَلَقِ (1)
إِنِّي عَلى ثِقَةٍ مِنْ أَنَّ ذِكْرَكَ لا ... يَنْفَكُّ مُرْتَسِماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكَيْفَ أنْسى "خَليلاً" قَدْ تَضَوَّعَ في ... حُشاشَتي وُدُّهُ كالعَنْبَرِ الْعَبِقِ
وفي الوَرى خَزَفٌ لَكِنْ تَبَرَّجَ في ... نَضارةِ الذَّهَبِ الصَّافي أوِ الوَرِقِ
وَلَوْ عَصَرْتَ بِكَفِّ النَّقْدِ مُهْجَتَهُ ... لَما تَقاطَرَ غَيْرُ الضِّغْنِ والْمَلقِ (2)
لا عَتْبَ إنْ ضاقَ باعي في الْقَريضِ فَلَمْ ... يُضئْ كما ضاءَتِ الجوْزاءُ في الأُفقِ
فَإنَّ إحْساسِيَ الشِّعْرِيَّ أوشَكَ أَنْ ... يَجودَ بالنَّفَسِ الأَقْصى مِنَ الرَّمَقِ (3)
لَمْ تُبْقِ لي حادِثاتُ الدَّهْرِ مِنْهُ سِوى ... أَثارَةٍ كَبَقايا الشَّمْسِ في الشَّفَقِ (4)

[صرخة المغرب (5)]
يَصْرُخُ المَغْرِبُ غَيْظاً واحْتِراقا ... صَرْخَةَ النَّاهِضِ لِلْمَوْتِ اشْتياقا
لا تَلوموهُ إذا خاضَ الوَغى ... وَرَأَيْتُمْ دَمَهُ الْغَضَّ مُراقا (6)
__________
(1) الفلق: ما انفلق من عمود الصبح.
(2) الملق: اللطف الشديد، الود.
(3) الرمق: بقية الروح، جمع أرماق.
(4) أثارة: بقية.
(5) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الأول والثاني من المجلد التاسع عشر.
(6) الوغى: الصوت والجلبة، والحرب؛ لما فيها من الصوت والجلبة. الغض: الطري، الطلعُ الناعم.
(7/ 2/157)

هُوَ يَلْتَذُّ الرَّدى إذْ يَسْكُبُ ال ... ضَّيْمُ في أَكْؤُسِهِ ماءً زُعاقا (1)
أَوْفَدَ الشَّرْقُ رِجالاً طَبَّقوا ... أَرْضَهُ رُشْداً وعِلْماً ووِفاقا
فَانْبَرَى يَسْمو بِجَنْبِ الشَّرْقِ في ... هِمَمٍ تَسْتَشْرِفُ السَّبْعَ الطِّباقا (2)
شادَ بالعِرْفانِ والْعَدْلِ عُلاً ... عَقَدَت مِنْ أَدَبِ الدِّينِ نِطاقا
واقْتَنى لِلذَّوْدِ عَنْ ساحَتِها ... مُرْهَفاتِ البِيضِ والخَيْلَ الْعِتاقا (3)
وجرى الإصلاحُ في آفاقِهِ ... نازِفاً أَسْقامَهُ حَتّى أَفاقا (4)
يَحْسَبُ الوافِدُ بِدْءاً أَنَّهُ ... جاءَ أَرْضَ الشَّامِ أَوْ وافى الْعِراقا
أُمَّةٌ أَوْدَعَتِ التَّاريخَ ما ... بَهَرَ الأَحْفادَ مِنْ فَخْرٍ وَراقا
وَصَلَ الأَحْفادُ مَجْداً تالِداً ... بِطَريفٍ فازْدَهى المَجْدُ اتِّساقا (5)
راعَهَمْ جُنْدٌ غَريبٌ حَلَّ في ... أَرْضِهِمْ يَخْتَرِطُ الْبِيضَ الرِّقاقا (6)
__________
(1) الماء الزعاق: الماء المر الغليظ لا يطاق شربه.
(2) استشرف الشيء: رفع بصره ينظر إليه، وبسط كفه فوق حاجبيه كالمستظل من الشمس. السبع الطباق: السموات السبع.
(3) البيض: جمع الأبيض، وهو السيف. مرهفات: يقال: سيف مرهف؛ أي: محدّد مرقق الحد. العتاق: جمع العتيق: الرائع، الكريم من كل شيء.
(4) النازف: نزف ماء البئر: أي: نزحه كله. أفاق فلان من مرضه: رجعت الصحة إليه، أو رجع إلى الصحة.
(5) التالد: كل مال قديم. الطريف: المكتسب من المال
(6) اخترط السيف: استله من غمده. البيض الرقاق: السيوف.
(7/ 2/158)

حَسِبَ الْبَغْيَ عَلَيْهِمْ خَمْرَةً ... فتَعاطاهُ اصْطِباحا واغْتِباقا (1)
ذَكَروا عَهْدَ العُلا والحُرُّ مَنْ ... يَذْكُرُ الْعَهْدَ حِفاظاً وصَداقا (2)
نَهَضوا نَهْض أُسودِ الْغَابِ لا ... يَعْرِفونَ الدَّهْرَ لِلذُّعْرِ مَذاقا
ظَلَّتِ الحَرْبُ سِجالاً حِقْبَةً ... لَمْ يَنَمْ فيها الْفَريقانِ فُوَاقا (3)
أَيُّ حَرْبٍ وَضَعَتْ أَوْزارَها ... أَيُّ أَمْنٍ مَدَّ في الأَرضِ رُواقا (4)
بَيْنَ أَيْدٍ أَمْعَنَتْ في عَسْفِها ... وقُلوبٍ مُلِئَتْ مِنْهُ حِناقا (5)
يَسْفِكُ الْباغي دِماءً ذَنْبُها ... أَنَّها تَغْلي إذا شَدَّ الخِناقا
وطَغى في الأرْضِ حَتّى إنَّهُ ... هَمَّ بالدِّينِ خُسوفاً أوْ مُحاقا
يَنْصِبُ الأَشْراكَ كَيْ يَصْرِفَ عَنْ ... حِكْمَةِ اللهِ قُلوباً وحِداقا
لاذَ بالتَّجْنيسِ والقَوْمُ أَبَوْا ... خَوْفَ أَنْ يَصْلَوا بهِ النَّارَ الحِراقا (6)
__________
(1) الاصطباح: الشرب بالصباح. الاغتباق: الشرب بالعشي.
(2) الصداق: إخلاص المودة والنصيحة.
(3) حرب سجال: أي: سَجْلٌ منها على هؤلاء، وآخر على هؤلاء، يعني: أنها مرة لهم، ومرة عليهم. الحقبة: مدة لا وقت لها. الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأن الناقة تحلب، ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تُحلب.
(4) الأوزار: جمع الوزر: الحمل الثقيل. الرواق: بيت، وقيل: سقف في مقدم البيت.
(5) العسف: الظلم. الحناق: جمع الحنق، وهو الغيظ، وشدة الاغتياظ.
(6) التجنيس: فتح باب التجنيس بالجنسية الفرنسية. الحراق: التي لا تبقي شيئاً.
(7/ 2/159)

وبَنُو المَغْرِبِ عُرْبٌ شِيَماً ... ولِساناً، لا ادِّعاءً وَاخْتِلاقا
شادَ دونَ الشرقِ سَدّاً فغدا ... وَصْلُ ما بَيْنَ الشَّقيقَيْنِ افْتِراقا
يَلْذَعُ الأكبادَ بالمُرِّ وقدْ ... يَلْمِسُ الآذانَ بالحُلوِ نِفاقا
أُمَّةٌ أَعْهَدُها تَحْنو على ... سانِحِ الآراءِ تَبْغيهِ عِتاقا (1)
فاسْأَلوا أقْلامَها ما خَطْبُها ... تَتَمَشَّى في القَراطيسِ رِقاقا (2)
أَيُّها الدَّائِبُ في تَثْبيطِها ... وشُعوبٌ دونَها حازوا السِّباقا
قَوَّضِ السَّدَّ الَّذي شَيَّدْتَهُ ... قَبْلَ أَنْ يَجْتابَهُ الْقَوْمُ اخْتِراقا (3)
خُذْ إلى صَدْرِكَ كَفَّيْكَ وَدَعْ ... خَيْلَها تَعْدو إلى المَجْدِ انْطِلاقا
وقُلِ الْفَصْلَ إذا حدَّثْتَها ... فَالرِّياءُ الْيَوْمَ لا يَلْقى نفَاقا (4)
أَنْتَ تَبْغيها خُمولاً وإذا ... أَهَّبَتْ للصِّيت ضاعَفَتِ الوِثاقا (5)
مَنْ عَذولي إنْ أَنا مَجَّدتُها ... يَوْمَ تَجْتاحُ قُيوداً ورِباقا (6)

عدو الملق
جِيرَةٌ كاتَمْتُهُم وُدِّي وما ... كَتْمُ وُدِّي قَبْلَهُمْ مِنْ خُلُقي (7)
__________
(1) العتاق: يقال: عتق العبد عتاقاً؛ أي: خرج عن الرق.
(2) القراطيس: جمع القرطاس: الصحيفة. الرقاق: جمع الرقيق، وهو المملوك.
(3) اجتاب: خرق.
(4) الفصل: الحق من القول. النفاق.: نافق الشخص: أظهر خلاف ما يبطن
(5) أهّبتْ للأمر: استعدت له. الصيت: الذكر الحسن.
(6) العذول: الكثير الملامة. الرباق: جمع الرِّبق: حبل فيه عدة عرى تشد به البهم.
(7) الجيرة: جمع الجار. كاتم الودَّ: كتمه.
(7/ 2/160)

إنَّما باحَ بهِ جَفْنٌ جَرى ... ساعَةَ الْبَيْنِ بِدَمْعٍ غَدَق (1)
مَنْ عَذيري إنْ أَنا وَدَّعْتُهُمْ ... بِمَآقٍ كالْجَهامِ المُمْلِقِ (2)
وانْثَنَوْا بَعْدَ النَّوى يُغْريهِمُ ... بِاللِّقا أَنِّي عَدُوُّ الْمَلَقِ (3)
فَجَلَتْ طَلْعَتُهُمْ ما خَلَّفوا ... مِنْ تَباريحِ الأَسى والأَرَقِ (4)
مِثْلَما تَجْلو بُدورٌ ظُلْمَةً ... ضَرَبَ اللَّيْلُ بها في الأُفُقِ

عند ينبوع زغوان
" زغوان: جبل قريب من مدينة تونس به عين دافقة، يجري ماؤها في أنابيب تحت الأرض إلى المدينة، وحول هذه العين قرية تسمى "زغوان"، وكان الشاعر قد زارها سنة 1331 ه، وصعد أعلى الجبل الذي يتفجر منه الماء، وهناك نظم هذين البيتين".
رَوَيْنا عَنِ الْماءِ الْمَعينِ بِتُونُسٍ ... أحاديثَ عَنْ يَنْبوعِ زَغْوانَ رائقَه
وخالَجَني رَيْبٌ إلى أَنْ عَرَضْتُها ... على السَّنَدِ الْعالي فَكانَتْ مُطابِقَه (5)
__________
(1) البين: الفرقة. الغدق: الماء الكثير.
(2) الجَهام: السحاب لا ماء فيه. المملق: الفقير.
(3) الملق: اللطف الشديد.
(4) الطلعة: الرؤية، أو الوجه. التباريح: كلف المعيشة في مشقة.
(5) السند: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، وفي هذا البيت تورية بالسند في الحديث، وهو طريق المتن، أو هو رواة الحديث، والعالي منه ما قلّت رجاله.
(7/ 2/161)

يا قطار
" قيلت عند مسير القطار بعد وداع الأهل بدمشق مسافراً إلى الآستانة سنة 1334 ه ".
أُرَدِّدُ أَنْفاساً كَذاتِ الوَقودِ إِذْ ... رَمَتْني مِنَ الْبَيْنِ المُشِتِّ رَوَاشِقُ (1)
وما أَنْتَ مِثْلي يا قِطارُ وإنْ نَأَى ... بِكَ السَّيْرُ تَغْشى بَلْدَةً وتُفارِقُ
فما لَكَ تُلْقي زَفْرَةً بَعْدَ زَفْرَةٍ ... وَشَمْلُكَ إذْ تَطْوي الفَلا مُتنَاسِقُ
__________
(1) الرواشق: يقال: رشقه بالنبل وغيره: رماه به.
(7/ 2/162)

قافية الكاف
الخلافة والانقلاب التركي
" قالها بمناسبة إلغاء كمال أتاتورك (1) للخلافة الإسلامية، وإعلانه أن الحكومة لادينية سنة 1922 م ".
ما خَطْبُ قَوْمٍ - طالَما وَصَلوكِ ... واعْتَزَّ باسْمِكِ عَرْشُهُمْ - هَجَروكِ (2)
حَرَسوكِ أَحْقاباً وحَلَّقَ صِيتُهُمْ ... في الخافِقَيْنِ لأَنَّهُمْ حَرَسوكِ (3)
كُنْتِ الوَقارَ على وُجوهِ غُزاتِهِمْ ... والأَمْنَ إِنْ نَظَروا بِعَيْنِ ضَحوكٍ
كُنْتِ الْبُطولَةَ تَزْدَري نارَ الوَغى ... والنَّصْرَ يُعْقَدُ بالْقَنا المَشْبوكِ (4)
ما زِلتِ سِمْطَ قِلادَةٍ خَرَزاتُها ... أُمَمٌ بِأَغْلى فِدْيةٍ تَفْديكِ (5)
__________
(1) مصطفى كمال (1881 - 1938 م) مؤسس الجمهورية التركية، وأول رئيس لها عام 1923 م، لقب ب "أتاتورك" أي: أبو الأتراك.
(2) الخطب: الشأن والأمر، صغُر أو عظُم.
(3) الأحقاب: جمع الحُقْب: ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك، والدهر، والسنة. الخافقان: المشرق والمغرب؛ لأن الليل والنهار يخفقان فيهما.
(4) تزدري: تحتقر وتستخف. المشبوك: يقال شبك الشيء: أنشب بعضه في بعض وأدخله. ويقصد الشاعر هنا: اشتباك بعضها ببعض؛ لكثرتها.
(5) السمط: الخيط الذي ينظم فيه الخرز واللؤلؤ.
(7/ 2/163)

تَصْبو إلى دُسْتورِكِ الأَحْرارُ إذْ ... يَضَعُ المَليكَ بِجانِبِ المَمْلوكِ (1)
وَزَنَ الحُقوقَ فَما الثَّرِيُّ بِراجِحٍ ... في حُكْمِهِ يَوْماً على الصُّعْلوكِ
حتّى تَحَكَّمَ فيهِ رَهْطٌ بَدَّلوا ... خَبَثَ الحَديدِ بِعَسْجَدٍ مَسْبوكِ (2)
نَزَعاتُ وَسْواسٍ تَخَبَّطَهُمْ فَما ... لَبِثوا أَنِ اغْتَرُّوا بِوَحْيِ أَفُوكِ (3)
حازوا مَناصِبَ أَفْرَغوا سُلْطانهَا ... فيما يَميدُ بِصَرْحِكِ الْمَسْموكِ (4)
نَكَثوا بِما نَقَضوهُ مِنْ لَبنِاتِهِ ... عَهْدَ الرَّسولِ وأَغْضَبوا أَهْليكِ (5)
هذا النُّشوزُ على الشَّريَعةِ مُؤْذِنٌ ... بِغُروبِ شَمْسِكِ بَعْدَ طولِ سُمُوكِ (6)
هاجَ الشِّقاقُ وَفَثَّ في غُلَوائِهِ ... عَضُدَ اتِّحادِ شُعوبِكِ المَنْهوكِ (7)
أَوْرى الزِّنادَ كما يُقالُ عِصابةٌ ... في الْغَرْبِ خَلْفَ سِتارِها الْمَهْتوكِ
زادَ اللَّظى حَطَباً هَوى قَوْمِيَّةٍ ... غَشيَ الْقُلوبَ بِرَجْفَةِ المَوْعوكِ (8)
__________
(1) الدستور: يريد به: الشريعة الإسلامية الغراء.
(2) الرهط: قوم الرجل وقبيلته. خبث الحديد: ما نفاه الكير.
(3) الوسواس: الشيطان. أفوك: كاذب، ويعني به الشيطان.
(4) يميد: يتحرك. المسموك: الطويل والمرفوع.
(5) نكثوا: نقضوا ونبذوا.
(6) النشوز: يقال: نشزت المرأة: استعصت على بعلها وأبغضته. سموك: ارتفاع.
(7) فت عضده: كسر قوته، وفرّق عنه أعوانه. المنهوك: المصاب بالمرض والضنى.
(8) القومية: أن ينتمي كل فريق من المسلمين إلى بلده وإقليمه وصنفه، وينسى لحمة الدين، وقد كان هذا سبب ضعف المسلمين وذهاب ريحهم.
(7/ 2/164)

عَبَرَ الخُصومُ "الدَّرْدَنيلَ" بُعَيْدَ ما ... كُسِيَتْ شَواطئُ بِالدَّمِ المَسفوكِ (1)
هَبَطوا فَرُوقَ وقَصْرُ يَلْدِزَ مُطْرِقٌ ... وقِلاعُها بصُماتِها تَرْثيكِ (2)
لَوْلا اخْتِلافُ مَطامِعٍ لَمْ يُقْلِعوا ... مِنْها ولَوْ فُدِيَتْ بِكُلِّ نَسيكِ (3)
وَلَسُرْعَ ما نَهَضَتْ بِرَهْطٍ عَزْمَةٌ ... بارَتْ بِسَهْمٍ في الخِطارِ وَشيكِ (4)
هِيَ عَزْمَةٌ قَوْمِيَّةٌ لَكِنَّها ... مَلْفوفَةٌ بِرِدائِكِ المَنْسوكِ (5)
نادَوا "بِأَنْقَرَةَ" النَّفير وأَثْخَنوا ... في جُنْدِ مَنْ دَخَلوا بِزِيِّ شَريكِ (6)
زَحَفوا ولا أَدْري سَريرَةَ قائدٍ ... فَذَكَرْتُ جُنْدَ اللهِ في اليَرْموكِ (7)
رَحَلَ الطُّغاةُ وحَلَّ إِسْتَنْبولَ مَنْ ... صَدَحَتْ لَهُ الأَقْلامُ بِالتَّبْريكِ (8)
قالوا: تَنَقَّذَها بِفَضْلِ شَهامَةٍ ... مِنْ بَعْدِ ما أَشْفَتْ على تُهْلوكِ (9)
__________
(1) الدردنيل: مضيق يقع بين شبه جزيرتي البلقان وآسيا الصغرى، ويصل بحر إيجة ببحر مرمرة.
(2) فروق: إستنبول: عاصمة تركيا في عهد السلاطين العثمانيين حتى عام 1923 م. يلدز: قصر السلاطين والخلفاء في إستنبول حيث كانوا يقيمون. الصمات: السكوت.
(3) النسيك: الذهب والفضة.
(4) بارت: هلكت. الخطار: جمع الخطر: الإشراف على هلكة. وشيك: قريب وسربع.
(5) المنسوك: الطاهر.
(6) أنقرة: عاصمة تركيا. الجند: ويقصد بهم اليونان والإيطاليين.
(7) القائد: يعني: كمال أتاتورك، وما كان يضمره من إلغاء الخلافة وجعل الحكومة لادينية.
(8) التبريك: الدعاء بالبركة.
(9) أشفت: أشرفت. التهلوك: الهلاك.
(7/ 2/165)

ناطوا بهِ أَمَلَ النُّهوضِ بِدَولَةٍ ... رَمَتِ الثَّرى بِجَناحِها المَفْكوكِ
نَهَضَ الزَّعيمُ وما رَعى عَهْدَ الَّتي ... لَوْلا اسْمُها ما صالَ صَوْلَ مُلوكِ (1)
بَرَحَ الخَفاءُ وَحادَ وهُو مُظفَّرٌ ... نَشْوانُ عَنْ مِنْهاجِها المَسْلوكِ (2)
عَذَروهُ إذْ أَقْصى الخِلافَةَ جانباً ... وَمَحا اسْمَها لِيُزيلَ غَيْنَ شُكوكِ (3)
ما بالُ قِسْطاسِ الشَّريعَةِ ضاعَ في ... أُفُقِ السِّياسَةِ ضَيْعَةَ المَتْروكِ؟!
والْقَوْمُ قَوْمُ "مُحَمَّدٍ" إنْ زُحْزِحوا ... عَنْ هَدْيِهِ اقْتَحَموا شِعابَ النُّوكِ (4)
وهُداهُ حِصْنٌ لا أَريكَةُ مُتْرَفٍ ... وزَئيرُ لَيْثٍ لا صِيَاحُ دُيُوكِ (5)

[على ضريح صلاح الدين (6)]
" قالها بمناسبة زيارته لضريح المجاهد العظيم السلطان صلاح الدين الأيوبي (7) في دمشق سنة 1363 ه ".
لَوْ لَمْ تُبَلِّغْكَ الحَياةُ مُناكا ... لَكَفاكَ أَنَّكَ قَدْ قَهَرْتَ عِداكا
__________
(1) يريد بذلك: الشريعة الإسلامية.
(2) برح الخفاء: وضح الأمر، وزالت خفيته.
(3) الغين: الغيم.
(4) الشعاب: جمع الشِعب: الطريق في الجبل. النوك: جمع الأنوك: الأحمق وقيل العاجز الجاهل.
(5) الأريكة: سرير منجد مزين في قبة أو بيت.
(6) نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية "- الجزآن الخامس والسادس من المجلد التاسع عشر.
(7) يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب بالملك الناصر (532 - 589 ه) , ولد بتكريت، وتوفي بدمشق، من أشهر ملوك الإسلام، وصاحب الفتوحات الخالدة، وللمصنفين كتب كثيرة في سيرته.
(7/ 2/166)

لَكَ سِيرةٌ كادَتْ تُمَثَّلُ للنُّهى ... بَشَراً يُنافِسُ في الْعُلا أَمْلاكا (1)
وَمَفاخِرٌ يَوْمَ اسْتغاثَ الشَّرْقُ مِنْ ... خَطَرٍ أَلَمَّ ولَمْ يُجِرْهُ سِواكا
صَرَخوا النَّفيرَ وأَطْمَعوا أَحْشادهُمْ ... في ثَلِّ عَرْشِكَ واقْتِحامِ حِماكا (2)
حَمَلوا الصَّوارِمَ والْقَنا بِحَماسَةٍ ... وأَتَوْا مَيادينَ الْقِتالِ وشِاكا (3)
قُلْتُ "الجِهادَ" فَماجَ حَوْلَ لِوائِكَ ... السَّامي فَيَالِقُ لا تَهابُ عِراكا (4)
وَلَقيتَهُمْ بِعَزيمةٍ لا تَنْثَني ... والرَّأْيُ نِبْراسٌ يَؤمُّ خُطاكا (5)
وإذا البُطولَةُ عُزِّزَتْ بِدِرايَةٍ ... كانَتْ لإنْقاذِ الشُّعوبِ مِلاكا (6)
عادوا بِخَيْبَةِ آمِلٍ وتَملّأَتْ ... مِنْ مُجْتَنى النَّصْرِ المُبينِ يَداكا (7)
عادوا وَلَمْ يُخْلِدْ بِهِمْ وَهْنٌ إِلى ... يَأْسٍ وظَلُّوا يَفْتِلونَ شِباكا (8)
حَتَّى إذا أَخَذَ الْكَرى بِجُفُونِنا ... زَحَفوا وما لاقَوا قَناً كَقَناكا (9)
__________
(1) النهى: العقل. الأملاك: جمع المَلْك: صاحب المُلْك.
(2) النفير: القوم ينفرون للقتال. الأحشاد: جمه الحشد: الجماعة يحتشدون. ثل: هدم.
(3) الصوارم: جمع الصارم: السيف القاطع. القنا: الرماح. وشاك: جمع وشيك: القريب والسريع.
(4) ماج: اختلط. الفيالق: جمع الفيلق: الجيش العظيم.
(5) النبراس: المصباح.
(6) المِلاك: قوام الأمر الذي يملك به.
(7) تملأت: امتلأت. المجتنى: ما يجنى من الشجر.
(8) يفتلون شباكاً: أي: ينصبون المكائد.
(9) الكرى: النعاس.
(7/ 2/167)

أَوَ ما سَمِعْتَ رَطانَةَ الإفْرَنجِ مِنْ ... حَوْلِ الضَّريحِ تَخوضُ في ذِكْراكا (1)
وكَأَنَّني بِكَ قَدْ هَمَمْتَ بِوَثْبَةِ الْ ... أَسَدِ الهَصورِ لَوِ اسْتَطَعْتَ حَراكا
جاسُوا المَدائِنَ والقِفارَ وَأَرْصَدوا ... في كُلَّ وادٍ غاشِماً فَتَّاكا (2)
يا لَيْتَني أَدْري وَمِثْلُكَ يُقْتَدى ... بِمثالِهِ بَيْنَ الوَرى ويُحاكى
أَيُتاحُ للشَّرْقِ المُعَذَّبِ ذائِدٌ ... يَرْمي ويَبْلُغُ في النِّضالِ مَداكا؟

السّواك

" قالها بمناسبة مذاكرة أدبية انجزّ فيها قول مهيار: يغتدي مسواكها ريحانة بعد السواك".
بَدا الثَّغْرُ النَّضيدُ وقَدْ حَنَوْتِ ... بَناناً كاللُّجَيْنِ عَلى سِواكِ (3)
وَلَوْ نَدَّاهُ رِيقُكِ وَهْوَ شَهْدٌ ... وَلاقى ثَغْرَ مَخْلوقٍ سِواكِ
لَقالَ على الْبَديهَةِ: هَلْ سَمِعْتُمْ ... خَلايا الشَّهْدِ تُدْعى بالأَراكِ (4)

ثلج في السّحر
" قيلت في برلين سنة 1337 ه ".
تَطاوَلَ هذا اللَّيْلُ والجَوُّ مُزْبِدٌ ... تَضيقُ بأَمواجِ الثُّلوجِ مَسالِكُهْ (5)
__________
(1) الرطانة: الكلام بالأعجمية.
(2) المدائن: جمع المدينة. أرصدوا الرقيب: نصبوه في الطريق.
(3) النضيد: يقال: نضد المتاع: جعل بعضه فوق بعض، ومعنى الثغر النضيد: أي: تنضدت الأسنان فيه من الحسن. البنان: الأصابع أو أطرافها. اللجين: الفضة.
(4) الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه. الأراك: شجر من الحَمْض يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة.
(5) مزبد: قاذف بالزبد.
(7/ 2/168)

كأَنيَّ أُذيبُ الصُّبْحَ بالحَدَقِ الَّتي ... يُقَلِّبُها وَجْدي وتلْكَ سَبائِكُهْ

طباب الشّرق
يَدُ المُحْتَلِّ تُسْعِدُنا عَلى أَنْ ... نَروضَ الفِكْرَ بالسَّهَرِ الدِّراكِ (1)
وَنوقِظَ لِلْعَظائِمِ رُمْحَ عَمْرٍو ... إِذا أَزْرى بِنا رُمْحُ السِّماكِ (2)
يُثيرُ بِبَغْيِهِ في كُلِّ يَوْمٍ ... حَفائِظَ مُضهَدٍ وصُراخَ شاكي (3)
يَقولُ: أُجيرُ قَوْمَكَ مِنْ هَلاكٍ ... وَرَفْعُ لِوائِهِ عَيْنُ الهَلاكِ
يُوارِبُ إِذْ يُعاهِدناُ مُسِرّاً ... مَآرِبَ في دَهاءٍ واحْتِباكِ (4)
عُهودٌ إنْ تَوَسَّمَها أَريبٌ ... رأَى الْغِرْبانَ تَنْعَبُ في صِكاكِ (5)
فما لِلشَّرْقِ يَرْسُف في وَثاقٍ ... وهذا الْغَرْبُ يَمْرَحُ في فِكاكِ (6)
__________
(1) الدراك: المتلاحق والمتصل.
(2) رمح عمرو: نسبة إلى عمرو بن معدي كرب بن ربيعة (... - 21 ه) فارس اليمن، وصاحب الغارات، يضرب المثل برمحه وسيفه، وفد على المدينة سنة 9 ه، وأسلم، شهد اليرموك والقادسية، وأخبار شجاعته كثيرة، وله شعر جيد. أزرى: عاب. رمح السماك: في السماء سماكان: السماك الرامح، وهو نجم يقدمه نجم مستطيل الشعاع يقولون: هو رمحه، والسماك الأعزل، سمي كذلك؛ لأنه لا سلاح معه كما كان مع الرامح.
(3) الحفائظ: جمع الحفيظة: الحمية والغضب. المضهد: المقهور.
(4) يوارب: يداهي ويخاتل. الاحتباك: إحكام الأمر وإتقانه.
(5) توسم الشيء: تخيله وتفرسه. نعب الغراب: صاح. الصكاك: جمع الصَّك: الكتاب.
(6) يرسف: يمشي مشي المقيد. الوثاق: ما يشد به من حبل ونحوه.
(7/ 2/169)

هُما شَطْرانِ في بَيْتٍ، وبُعْداً ... لِشِعْرٍ غَيْرِ مُلْتَئِمِ الحِياكِ (1)
طِبابُ الشَّرقِ في خَطَراتِ شَهْمٍ ... وجَمْرِ حَماسَةٍ في القَلْبِ ذاكي (2)

ليتني ما عرفتك
" قيلت بعد وداع إحدى مربيات منزله بتونس قاصداً الشرق سنة 1331 ه ".
جارَتي مُنْذُ ضَحْوَةِ الْعُمْرِ عُذراً ... لأَخي خَطْرَةِ نأَى عَنْهُ بَيْتُكْ (3)
قالَ يَوْمَ الوَداعِ وَهو يُعاني ... سَكْرَةَ الْبَيْنِ: لَيْتَني ما عَرَفْتُكْ (4)

[رثاء]
" نظم الشاعر هذه الأبيات في رثاء زوجته السيدة زينب التي توفيت بالقاهرة عام 1372 ه، وكانت بارة صالحة".
أَعاذِلُ غُضَّ الطَّرْفِ عَنْ جَفْنِيَ الْباكي ... فَخَطْبٌ رَمى الأكبادَ مِنِّي بأَشواك (5)
ولي جارَةٌ أَوْدى بِها سَقَمٌ إلى ... نَوًى دون مَنْآها المُحيطِ بِأَفْلاكِ (6)
أَيا جارَتا عَهْدُ اللِّقاءِ قَدِ انْقَضى ... وصَمْتُكِ إذْ أَدعوكِ آخِرُ مَلْقاكِ
أَجارةُ هذا طائرُ المَوتِ حائِمٌ ... لِيَذْهَبَ مِنْ زَهْرِ الحَياةِ بِمَجْناكِ (7)
__________
(1) الحياك: النسيج.
(2) الطِّباب: ما يُطبُّ به. ذاكي: متقد.
(3) الضحوة: ارتفاع النهار، ويقصد الشاعر: مطلع شبابه.
(4) سكرة البين: شدة الفراق وهمه.
(5) العاذل: اللائم.
(6) الجارة: ويعني بها: زوجته. النوى: البعد.
(7) طائر الموت: أي: الموت. حائم حول الشيء: دائر به.
(7/ 2/170)

وكَيفَ يَرومُ الصَّحْبُ مِنِّي تَصَبُّراً ... ومَركَبَةٌ حَدْباءُ أَرْسَتْ بِمِيناكِ (1)
وكنْتُ أُلاقي كُلَّما جِئْتُ مُؤنِساً ... فَمالي أُلاقي الْيَوْمَ صَيْحةَ مَنْعاكِ
حَنانَيْكِ هَلْ ساءَتْكِ مِنِّي خَليقَةٌ ... فَأَنْكَرْتِ دُنيانا وآثَرْتِ أُخْراكِ (2)
وكُنْتُ أُعَزِّي النَّفْسَ مِنْ قَبْلُ أَنَّني ... أَفوتُ قَريرَ المُقْلَتَيْنِ بِمَحْياكِ (3)
ولَمْ أَدرِ ما طَعْمُ المَنونِ فَذُقْتُهُ ... مَساءَ لَفَظتِ الرُّوحَ والعَيْنُ تَرْعاكِ
هَوى بِكِ بَيْنٌ لَسْتُ أَرْجو وَرَاءَهُ ... زَماناً يَجودُ الدَّهرُ فيهِ بِمَرْآكِ
فَهَيْهاتَ أنْ أَنْساكِ ما عِشْتُ والأَسَى ... يَموجُ بِقَلْبي ما جَرَتْ فيهِ ذِكْراكِ (4)
وهَيْهاتَ لا أَنْسى مَواطنَ كُنْتِ لي ... مُسَلِّيَةً لا أُنْسَ إِلَّا بِمَغناكِ (5)
ولَوْلاكِ لَمْ أَقْضِ الْيراعةَ حَقَّها ... كَأَنَّ نسَيبجَ الْفِكْرِ حِيكَ بِيمُنْاكِ (6)
لَقَدْ صُنْتِ في الحالَيْنِ عَهْداً فَلا أرى ... لَدى عُسْرَةٍ إلَّا انْطلاقَ مُحَيَّاكِ (7)
وأَنْتِ الَّتي حَبَّبْتِ لي الْعَيْشَ بَعْدَما ... سَئِمْتُ فَطيبُ العَيْشِ بَعْضُ مَزْاياكِ
وإنْ سامَني يَوْمٌ شَكاةً تَدَفَقَّتْ ... دُموعُكِ مِنْ جَفْنٍ يُخالُ هُوَ الشَّاكي (8)
__________
(1) المركبة الحدباء: النعش.
(2) حنانيك: تحن عليَّ مرة بعد أخرى. الخليقة: الطبيعة. آثرت: فضَّلت.
(3) قرير المقلتين: من السرور. المحيا: الحياة.
(4) هيهات: اسم فعل بمعنى بَعُدَ.
(5) مسلية: يقال سلّى فلاناً عن همه: كشفه عنه، وجعله يسلوه. المغنى: المنزل.
(6) قضى الشيء: صنعه بإحكام. اليراعة: القصبة، ويقصد بها القلم.
(7) في الحالين: أي: اليسر والعسر.
(8) الشكاة: المرض.
(7/ 2/171)

يُجافي الْكَرى عَيْني إذا مَسَّكِ الضَّنى ... وَيَرْتاحُ ما بَيْنَ الحَنايا لِمَنْجاكِ (1)
تَمُرُّ بِنا الايَّامُ مَوْصولَةَ الْمُنى ... فَما ضَرَّنا أَلاَّ نكَونَ كَأَمْلاكِ
لَياليكِ أيَّامٌ بِمَنْزِلةِ اللِّوى ... وَمَطْلَعُ أَقْمارِ السَّماءِ بِمَأْواكِ (2)
أَجارةُ لَوْ شاهَدْتِ كَيْفَ وَقَفْتُ في ... مَزارِكِ لكِنْ ما ظَفِرْتُ بِنَجْواكِ (3)
إذاً لَرَأَيْتِ الحُزْنَ يَصْلَى بِنارِهِ ... حَشاً وكَأَنَّ الحُزْنَ شُدَّ بأَسْلاكِ (4)
وعُدْتُ إلى البَيْتِ الكَئيبِ كأَنَّني ... خُلِقْتُ فَريداً لَسْتُ أَعْرِفُ إلاَّكِ
أَغَصُّ بِشَجْوٍ كُلَّما مَرَّ مَوْضعٌ ... حَلَلْتِ بهِ، والنَّفْسُ مِرْآةُ سِيماكِ (5)
وَيبْعَثُ أَشْجاني هَديرُ حَمامةٍ ... تَنوحُ كأَنَّ الطَّيرَ في الجَوِّ تَنْعاكَ
أَجولُ بِفِكْري أَبْتَغي ليَ قُرْبَةً ... أَمُتُّ بِها عِنْدَ الدُّعاءِ بِرُحْماكِ
تَجَرَّعْتُ مُرَّ الصَّبْرِ عَلِّي أَراهُ في ... حِسابي، وعُقْبايَ السَّليمَةُ عُقْباكِ (6)
فَطوبى لَكِ القُرْبى لَدى اللهِ مِنَّةٌ ... ونُزْلٌ كَريمٌ في مَنازِلِ نُسَّاكِ (7)
__________
(1) الكرى: النعاس. الضّنى: المرض والهزال، سوء الحال.
(2) اللوى: اللواء. المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلاً أو نهاراً.
(3) المزار: موضع الزيارة، ويقصد الشاعر: المقبرة. النجوى: السرّ.
(4) يصلى: يشوي.
(5) الشجو: الهم والحزن.
(6) العقبى: جزاء الأمور.
(7) الطوبى: الغبطة والسعادة والحسنى. المنة: الإحسان، المعروف.
(7/ 2/172)

قافية اللام
صقر قريش (1)
خَلِّ نَفْسَ الحُرِّ تَصْلَى النُّوَبا ... لا تُبالي (2)
لَيْسَتِ الأَخْطارُ إلَّا سَبَبَاً ... لِلْمَعالي (3)
* * *
يا مُكِبّاً بَيْنَ ظَبيٍ أَدْعَجَا ... وَمَهاةِ (4)
إنَّما الهِمَّةُ في حِجْرِ الحِجا ... كالنَّباتِ (5)
أَفَلا تَذْبُلُ إِذْ تَقْضي الدُّجى ... في سُباتِ
فَإذا بِتَّ تُجاري الكَوْكَبا ... في مَجالِ
__________
(1) نشرت هذه القصيدة في مجلة "البدر" التونسية، الجزء الثالث من المجلد الثالث، كما نشرت في مجلة "الهداية الإسلامة" الجزء السابع من المجلد الثامن.
(2) النوّب: جمع النوبة: النازلة والمصيبة.
(3) السبب: ما يتوّصل به إلى غيره.
(4) الظبي: الغزال للذكر والأنثى. أدعج: شدة سواد وبياض العين. المهاة: البقرة الوحشية.
(5) الحِجْر: الحضن. الحِجا: العقل والفطنة.
(7/ 2/173)

كُنْتَ كالضَّرْغامِ يَمْشي الهَيْدَبى ... لَلنِّزالِ (1)
* * *
ما لهذي السَّمْهَرِيَّاتِ فَخارْ ... في الحِرابْ (2)
غَيْرُ عَزْمٍ هَزَّهُ حامي الذِّمارْ ... بِالتِهابْ (3)
أَتَرى الرَّامِحَ ذا قَلْبٍ يَغارْ ... فَيُهابْ (4)
جَرَّ في الآفاقِ رُمْحاً سَلْهَبَا ... بِاخْتِيالِ (5)
وهُوَ كالأَعْزَلِ لا يَلْقى الظُّبا ... والعَوالي
* * *
رُبَّ كِنٍّ لا نُسَمِّيهِ عَرينا ... في البَيانِ (6)
والَّذي يَحْميهِ لا يَلْوِي جَبينا ... عَنْ طِعانِ
يَحْطِمُ الطَّاغِيَ لا يُبْقي مَهينا ... في هَوانِ
وهِزْبَرُ الْغابِ يَعْدو خَبَبا ... في الدِّغالِ (7)
__________
(1) الضرغام: الأسد. الهيدبى: نوع من أنواع المشي لدى الخيل فيه جد.
(2) السمهريات: جمع السمهريّ: الرمح الصلب. الحراب: جمع الحربة: وهي آلة دون الرمح.
(3) الذمار: ما يلزمك حمايته والذود عنه.
(4) الرامح: نجم.
(5) السلهب: الطويل.
(6) الكِنُّ: البيت، ويجمع على كنان وأكنة. العرين: مأوى الأسد.
(7) الهزبر: الأسد. الخبب: مراوحة الفرس بين يديه ورجليه، وقيل: السرعة.=
(7/ 2/174)

عَضَّهُ الجُوعُ فَمدَّ المِخْلَبا ... لاغْتيالِ
* * *
عاشِقَ العَلْياءِ خُضْ في لُجَجِ ... مِنْ رِماحْ
وتَرَشَّفْ مِنْ عَصيرِ المُهَجِ ... لا جُناحْ (1)
يَضْحَكُ المُلْكُ بِثَغْرٍ بَهِجِ ... كالصَّباحْ
إنْ نَكى الخَصْمُ فَماجوا هَرَبا ... كالثَّعالي (2)
وابْتِغاءُ السِّلْمِ مِنْ باني الزُّبى ... كالمُحالِ (3)
* * *
خاطِرُ الْيَأْسِ لَدى باغي الْعُلا ... غَيْرُ سائِغْ
إنْ تَوَخَّى عَبْقَرِيٌّ أَمَلا ... فَهْوَ بالِغْ
وحَياةُ الصَّقْرِ سارَتْ مَثَلا ... لِلنَّوابِغْ (4)
__________
= الدغال: جمع الدغل: الشجر الكثير الملتف.
(1) الجُناح: الإثم.
(2) نكى: قهر بالقتل والجرح. الثعالي: جمع ثعالة: أنثى الثعلب.
(3) الزّبى: جمع الزبية: الرابية لا يعلوها ماء.
(4) الصقر: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (113 - 172 ه) الملقب بصقر قريش، ويعرف بالداخل، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق، وتربى في خلافة أعمامه حتى سنة 132 ه، عندما سقطت خلافة الأمويين على أيدي العباسيين، فقصد أفريقيا، وبلغ به علو الهمة إلى إنشاء ملك جديد لبني أمية في الأندلس. ولقبه أبو جعفر المنصور بلقب "صقر قريش"، ولقب بالداخل؛ =
(7/ 2/175)

إذْ بَدا في "ديرِ حَنّا" وشَبا ... كالهِلالِ (1)
ولَيالي الشَّامِ في عَهْدِ الصِّبا ... كاللآلي
* * *
ذاقَ في الخامِسِ مِنْ صَدْرِ سِنيهْ ... مَضَضا (2)
والرَّدى سَيْفٌ بِكَفٍّ لا تَتيه ... يُنْتَضى (3)
أَرْهَفَ الحَدَّ وأَوْدى بأَبيه ... حَرَضا (4)
هَلْ ذَوَتْ زَهْرَتُهُ حتى هَبا ... في كَلالِ (5)
إنَّ في نَفْسٍ تَسامَتْ حَسَبا ... خَيْرُ والِ
* * *
أَبْصَرَ الجَدُّ بِهِ روحَ الهُمامْ ... بادِيا (6)
__________
= لأنه أول من دخل الأندلس من ملوك الأمويين، وكان حازماً شجاعاً شاعراً عالماً. وتوفي بقرطبة ودفن في قصرها.
(1) دير حنا: حيث ولد صقر قريش بالشام. شبا: علا؛ أي: نما وترعرع.
(2) المضض: وجع المصيبة.
(3) الردى: الهلاك. لاتتيه: لا تضل عن الطريق.
(4) أرهف السيف: رققه، فهو مرهف. الحرض: يقال: حرض: كان مضنى مرضاً وسقماً.
(5) هبا: مات. الكلال: التعب والإعياء.
(6) الجدُّ: هشام بن عبد الملك (71 - 125 ه) ولد وتوفي في دمشق، وبويع ملكاً للدولة الأموية في الشام سنة 105 ه , وقد تربى صقر قريش في ظل حزمه ونعمته. =
(7/ 2/176)

كالشَّذا يُنْبِئُ عَنْ زَهْرِ الْكِمامْ ... هادِيا (1)
وتُريكَ الشَّمْسُ في قَوْسِ الغَمامْ ... ماهِيا
حَفَّهُ عَطْفاً كما تَسْري الصَّبا ... باعْتِلالِ (2)
ويَدٌ ظَلَّتْ تُحابي الأَنْجُبا ... لم تُغالِ (3)
* * *
ضَرَبَ الخَطْبُ على المُلْكِ الأَثيلْ ... مُحْدِقا (4)
كَمْ دَهى السَّفَّاحُ مِنْ حُرٍّ نبَيلْ ... مُرْهِقا (5)
وجَرى المَنْصورُ في هذا السَّبيلْ ... مُوبِقا (6)
__________
= الهمام: الملك العظيم الهمة، السيد الشجاع.
(1) الشذا: قوة ذكاء الرائحة. الكمام: جمع الكِمّ: غطاء الزهر.
(2) الصّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(3) لم تغال: لم تجاوز الحد، لم تبالغ.
(4) الملك الأثيل: الأصيل؛ أي: الدولة الأموية.
(5) السفاح: أبو العباس عبد الله بن محمد (154 - 136 ه) أول خلفاء الدولة العباسية، ولد بالشراة بين الشام والمدينة. وكان جباراً من الدهاة، عظيم الانتقام، ولقب بالسفاح؛ لكثرة ما سفح من دماء الأمويين. وتوفي في مدينة الأنبار.
(6) المنصور: أبو جعفر عبد الله بن محمد (95 - 158 ه) ثاني الخلفاء العباسيين، ولد في الحميمة من أرض الشراة قرب معان، وولي الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح، وهو باني مدينة بغداد، وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب، توفي ببئر ميمون محرماً بالحج، ودفن في الحجون بمكة المكرمة. الموبق: المهلك.
(7/ 2/177)

ذَهَبَتْ عُصْبَتُهُ أَيْدي سَبا ... في نَكالِ (1)
وتَداعى عَرْشُهُ مُنْتَحِبا ... للزَّوالِ
* * *
حَدَّقَ الصَّقْرُ بِرَأْيٍ لا عَجِلْ ... لا حَسيرْ (2)
وانْبَرى يَطوي الْفَلا يَطْوي الأَمَلْ ... في الضَّميرْ
كَكَمِيٍّ فَرَّ مِنْ وَقْعِ الأَسَلْ ... لِيُغيرْ (3)
عَمِيَتْ عَنْهُ عُيونُ الرُّقبا ... والمَوالي
راحَ كالشَّمْسِ تَؤُمُّ المَغْرِبا ... بارْتحالِ
* * *
جَمْرَةُ الأَضغانِ في ذاكَ الوَطَنْ ... لافِحَهْ (4)
كَمْ قُلوبٍ بِتَباريحِ الإحَنْ ... طافِحَهْ (5)
فُرْصَةٌ ظَلَّتْ على وَجْهِ الزَّمَنْ ... سانِحَهْ
__________
(1) أيدي سبا: أي: تبددوا تبدداً لا اجتماع بعده، نسبة إلى سبأ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أرسل على تلك الأرض السيل، فأغرقها وأذهب جناتها، فانتزح سبأ وقومه، وتبددوا في البلاد، فضرب بهم المثل. النكال: ما يجعل عبرة للغير.
(2) حسير: يقال: حسر البصر: كلَّ وانقطع من طول المدى.
(3) الكِميّ: الشجاع، أو لابس السلاح. الأسل: الرماح.
(4) الأضغان: جمع الضِّغن: الحقد.
(5) تباريح الشوق: توهجه. الإحن: جمع الإحنة: الحقد والغضب.
(7/ 2/178)

إنما الْفُرْصَةُ تُدْني الأَرَبا ... بارْتِجالِ
والْفَتى يَرْقُبُها مُحْتَسِبا ... لِلَّياليِ
* * *
نَفَضَ البُرْدَيْنِ مِنْ نَقْعِ السَّفَرْ ... في (مَلِيَلهْ) (1)
ما لَهُ جُنْدٌ سِوى الرَّأْيِ الأَغَرْ ... والْفَضيلَهْ
بَثَّ لُسْناً نَفَثَتْ نَفْثَ السَّحَرْ في الخَميلَه
دَعْوَةٌ حَلَّ لَها الشَّعْبُ الحُبا ... بِاحْتِفالِ (2)
يَرْتَجي عِزًّا وعَدْلاً ذَهَبا ... في ضَلالِ
* * *
آبَ (بَدْرٌ) بِفُؤادٍ يَتَأَلَّقْ ... كالجُمانِ (3)
إذْ رَمى عَنْ قَوْسِ داهٍ وتَفوَّقْ ... في الرِّهانِ
وَرأَى غُصْنَ الأَماني كَيفَ أَوْرَقْ ... في تَداني
آنَ لِلصَّمصامِ أَنْ يَنْتَصِبا ... للصِّقال (4)
__________
(1) البُرْد: ثوب مخطط. النقع: الغبار. مليلة: مدينة بالمغرب قرب سبتة على ساحل البحر.
(2) الحُبا: جمع الحبوة ما يحتبي به الرجل من عمامة أو ثوب.
(3) بدر: مولى "صقر قريش" ونصيره الذي رافقه في رحلته من الشام إلى المغرب. الجمان: الفضة.
(4) الصمصام: السيف لا ينثني. الصقال: يقال: صقل فلاناً بالسيف: ضربه به وأدّبه.
(7/ 2/179)

وَلِغالي الدَّمِ أَنْ يَنْسَكِبا ... بِابْتِذالِ
* * *
نهَضَ الصَّقْرُ ولا صَيْدَ سِوى ... تاجِ مُلْكِ
يَتَهادى بَعْدَ شَجْوٍ وَنَوى ... بَيْنَ أَيْكِ (1)
يَسْبِكُ السِّيرَةَ في نَهْجٍ سُوى ... خَيْرَ سَبْكِ
عَبَرَ الْبَحْرَ يَشُقُّ الحَبَبا ... في جَلالِ (2)
أقْبَلَ الأَبْعَدُ يَتْلو الأقْرَبا ... وَيُوالي
* * *
زَجَّ بِالجُنْدِ حَوَالَيْ "قُرْطُبَهْ" ... في اتِّساقِ (3)
وَغَدا يُوسُفُ مِمّا كَرَبَهْ ... في خِناقِ (4)
هُوَ صَبٌّ كَيْفَ يَلْوي الرَّقَبَهْ ... لِلْفِراقِ
هالَهُ الخَطْبُ غَداةَ اقْتَرَبا ... لِلْقِتالِ
__________
(1) الشجو: الهم والحزن. النوى: البعد. الأيك: جمع الأيكة: الشجر الملتف الكثير.
(2) الحبب: معظم الماء.
(3) قرطبة: مدينة في الأندلس على الوادي الكبير، أصبحت عاصمة الدولة الأموية عام 756 م، وفيها قصر الزهراء.
(4) يوسف: يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب الفهري، تولى إمارة الأندلس سنة 129 ه حتى دخول صقر قريش.
(7/ 2/180)

لاذَ بِالرَّأْيِ فَأَكْدى وَكَبا ... في خَبالِ (1)
* * *
خالَ ما نَمَّقَ كَيْداً يَرْشُقُهْ ... كَسِهامِ
لا يَبيعُ المَجْدَ شَهْمٌ يَعْشَقُهْ ... بِالحُطامِ (2)
لا تُسَلِّيهِ فَتاةٌ تَرْمُقُهْ ... بِابْتِسامِ
فَأَراهُ الصَّقْرُ بَرْقاً خُلَّبا ... في المَقالِ (3)
وأَراهُ الأَحْوَذِيَّ القُلَّبا ... بَالفَعالِ (4)
* * *
هَجَمَ الدَّاخِلُ في وَجْهِ الزَّعيمْ ... كائِدا (5)
فَطَوى ما خَلْفَهُ طَيَّ الظَّليمْ ... شارِدا (6)
وَاقْتَفى آثارَهُ الجَيْشُ النَّظيمْ ... صائِدا
رامَ "غَرْناطَةَ" يَبْغي مَرْكَبا ... لِلنِّضالِ (7)
__________
(1) كبا: انكبّ على وجهه. الخبال: الهلاك.
(2) الحطام: ما تكسر من اليبس.
(3) الخُلَّب: السحاب لا مطر فيه، والأصل برق السحاب.
(4) الأحوذي: الحاذق المشمر للأمور، القاهر لها، لا يشذ عليه شيء.
(5) الداخل: عبد الرحمن الداخل.
(6) الظليم: المظلوم. وتراب الأرض المظلومة.
(7) غرناطة: مدينة في الأندلس، احتلها المرابطون عام 1090 م، واتخذها محمد بن =
(7/ 2/181)

أَمَلٌ أَبْرَقَ حيناً وَخَبا كالذُّبالِ (1)
* * *
أَغْمَدَ السَّيْفَ وَمَدَّ العُنُقا ... لِلسَّلامْ (2)
فَأَراهُ الصَّقْرُ عَزْماً ذَلِقا ... لايَنامْ (3)
أَحْرَزَ ابْنَيْهِ لِيَأْبى الرَّهَقا ... في الذِّمامِ (4)
كانَ في النَّاسِ زَعيماً فَاحْتَبى ... بِاعْتِزالِ
لَمْ يُطِقْ -كالطِّفْلِ- صَبْراً إذْ نبَا ... عَنْ فِصالِ (5)
* * *
تَبَّ لَيْلٌ شَدَّ فيهِ المِئْزَرا ... لانْتِقامِ (6)
__________
= نصر مؤسس سلالة بني الأحمر عاصمة له عام 1235 م، وأهم آثارها قصر الحمراء.
(1) خبا: طفئ وخمد. الذبال: جمع الذبالة: الفتيلة.
(2) لما حاصر (صقر قريش) مدينة غرناطة، وهي آخر ما التجأ إليه يوسف الفهري، اضطر هذا الأخير إلى طلب الصلح، فصالحه بشروطه المشهورة التي منها: وضع ابنيه عند الصقر رهن إخلاصه الدائم.
(3) الذلق: الحادّ.
(4) أحرز: ألجأ. الرهق: حمل الإنسان على ما لا يطيقه.
(5) نبا: تجافى وتباعد. الفصال: فطم المولود وفصله عن أمه.
(6) تبّ: هلك وخسر. المئزر: الإزار. الانتقام: إن يوسف لم تطب له حياة الراحة، فلم تصل سنة 141 ه حتى نقض العهد معتزاً بعشرين ألفاً من البربر، فالتحق بطليطلة، إلا أن الصقر قام له إلى أن جيء له برأسه.
(7/ 2/182)

وَامْتَطى رَأْياً عَقيماً أَغْبَرا ... كالجَهامِ (1)
لَيْتَهُ ما انْسَلَّ لَيْلاً وانْبَرى ... في احْتِدامِ (2)
في مَغاني آلِ هُودٍ وَثَبا ... لِلصِّيالِ (3)
هَزَّ جِذْعَ الأَمْنِ أَلْقى الطُّنَبا ... في اخْتِلالِ (4)
* * *
أَرْهَقَ ابْنَيْهِ جَفاءً وَهَفا ... لِلرِّياسَهْ (5)
ما تَحامى أَنْ يَكونا هَدَفا ... لِلسِّياسَهْ
رَكِبَتْ مِنْ قَتْلِ هَذا سَرَفا ... في الشَّراسَهْ (6)
وَطَوَتْ هَذا لِيَبْقى حُقُبا ... في اعْتِقالِ (7)
سَلْ بِهِ إذْ فَرَّ ماذا ارْتَكَبا ... مِنْ مُحالِ
* * *
قَذَفَتْ نارُ الوَغى في "مارِدَهْ" ... بِالشَّرارِ (8)
__________
(1) العقيم: لا تقبل الولد، ولا تلد. الجَهام: السحاب لا ماء فيه.
(2) انسل: انطلق في استخفاء. انبرى: اعترض. الاحتدام: شدة الغيظ.
(3) المغاني: جمع المغنى: المنزل. الصيال: السطو، والقهر، المواثبة.
(4) الطنب: حبل طويل يشد به سرادق البيت، الوتد.
(5) هفا: أسرع.
(6) السرف: الإسراف.
(7) الحقب: ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك، الدهر.
(8) ماردة: بلدة واسعة في الأندلس تابعة إلى قرطبة.
(7/ 2/183)

أَشْرَعَ الصَّقْرُ قَناةً سائِدَهْ ... بِانْتِصارِ
أَطْلَقَ الْفِهْرِيُّ رِجْلاً جاهِدَهْ ... في الْفِرارِ (1)
لَحِقَ المَوْتُ بِهِ واعَجَبا ... لِلنِّصالِ
تُنْهِضُ الحَتْفَ إذا ما نَشَبا ... في عِقالِ (2)
* * *
بَلَغَ الصَّقْرُ مِنَ العِزِّ أَشُدَّهْ ... وَاسْتوى
لَبِسَ الحَزْمَ لِمَنْ صاعَرَ خَدَّهْ ... وَالْتَوَى (3)
هُوَ لَوْلا بَأْسُهُ يَحْرُسُ بَنْدَهْ ... لا نْطَوَى (4)
سارَ بالأُمَّةِ شَوْطاً عَجَبا ... في اعْتِدالِ
لايُرى أَسْرى بِها أَوْ أَوَّبا ... في مَلالِ (5)
* * *
بَعَثَ الْعِرْفانَ مِنْ مَرْقَدِهِ ... في رُواءِ
وَعَلَتْ عُنْقُ الهُدى في عَهْدِهِ ... كاللِّواءِ
رَدَّتِ الشِّرْكَ مَواضي جِدِّهِ ... في انْزِواءِ
__________
(1) الفهري: أي: يوسف الفهري.
(2) نشب: عَلِق. العقال: حبل يعقل به البعير في وسط ذراعه.
(3) صاعر خده: أماله عن النظر إلى الناس تهاوناً من أكبر.
(4) البند: العَلَم الكبير.
(5) الملال: السآمة والضجر.
(7/ 2/184)

نَفَثَتْ في "شَرْلُمانَ" الرَّهَبا ... كالسَّعالي (1)
هابَها "المَنْصورُ" يَخْشى الْغَلَبا ... في السِّجالِ (2)
* * *
لَقِيَ العُمْرانَ مَقْصوصَ الجَناحْ ... خامِلا
راشَهُ فَانْسابَ في تِلْكَ البِطاحْ ... جائِلا (3)
يَضْبِطُ الشَّكْوَى كَخَصْرٍ في وِشاحْ ... عادِلا
يَمْتَطي المِنْبَرَ يُلْقي خُطَبا ... ذاتَ بالِ
يَقْدِمُ النَّاسَ إماماً مُجْتَبى ... بِابْتِهالِ (4)
* * *
رَحِمَ اللهُ الفَتى أَنْضى العِتاقْ ... في العُلا (5)
وَغَدا إنْ عُدَّ فُرْسانُ السِّباقْ ... أَوَّلا
__________
(1) شرلمان: شارل الكبير (472 - 814 م) ملك الإفرنج، حاول الاستيلاء على إسبانيا، ففشل فىِ سرقسطة سنة 778 م. السعالي: جمع السعلاة: الغول، أو أنثى الغول.
(2) السّجال: يقال: الحرب بينهم سجال: أي: سجلٌ منها على هؤلاء، وآخر على هؤلاء، يعني: أنها مرة لهم: ومرة عليهم.
(3) راش السهم: ألزق عليه الريش.
(4) المجتبى: المختار من صفوة الناس.
(5) العتاق: جمع العتيقة: الفرس الكريم. رحم الله الفتى: توفي الأمير عبد الرحمن الداخل بقرطبة سنة 172 ه بعد أن ملك الأندلس لأبنائه، فتوارثه من أعقابه تسعة عشرة أميراً إلى أن أسقطتهم الثورة العسكرية سنة 422 ه.
(7/ 2/185)

شَرِبَ الحِكمَةَ بالْكَأْسِ الدِّهاقْ ... عَلَلا (1)
عَزْمُهُ كالفَجْرِ يَفْري الْغَيْهَبا ... في تَعالي (2)
فَهْوَ جُنْدِيٌّ سِياسِيٌّ رَبا ... في كَمالِ

[تحيّة الوطن (3)]
" قالها أيام مقدمه من الشام إلى مصر سنة 1339 ه متشوقاً إلى تونس ومن فارقهم بها من الأصدقاء".
ما لِيَ لا أَلْمَحُ مِنْ ذي الجَمالْ ... سِوى الخَيالْ (4)
أَلَمْ يَكُنْ يُدْني قُطوفَ الوِصالْ ... بِلا مَلالْ
الشَّوْقُ ألْقى مُهْجَتي في نِضال ... ماضي النِّصالْ
ماذا تَرى والهَجْرُ فِيما يُقالْ ... داءٌ عُضالْ
* * *
يا مَوْطِني لَمْ أَنْسَ عَهْدَ الشَّبابْ ... عَذْبَ الرِّضابْ (5)
وَرَيْثَما شَمَّرَ يَبْغي الذَّهابْ ... صاحَ الْغُرابْ
بِنَّا وخُضْنا في غِمارِ الصِّعابْ ... بِلا حِسابْ
__________
(1) الدهاق: الكأس الممتلئة.
(2) يفري: يشق ويقطع. الغيهب: الظلمة.
(3) نشرت في مجلة "الهداية الاسلامية" - الجزء الرابع من المجلد العاشر.
(4) ذو الجمال: يقصد به الشاعر وطنه تونس الخضراء.
(5) الرضاب: الريق، لعاب النحل.
(7/ 2/186)

بَيْني وَبَيْنَ المَجْدِ عَهْدٌ يُهابْ ... فَلا عِتابْ
فَصَمْتَ بي يا بَيْنُ عِقْدَ الرِّفاقْ ... بَعْدَ انْتِساقْ (1)
وقُمْتَ تَنْعي عِنْدَ شَدِّ الوَثاقْ ... يَوْمَ التَّلاقْ (2)
مَلْقى رِفاقي في لَيالي المُحاقْ ... مِثْلُ الفِراقْ (3)
إنْ فاتَني مَرْآهُمُ بِالحِداقْ ... فَالْوُدُّ باقْ (4)
* * *
حَيَّا رُبى تونُسَ ذاتِ الزُّهورْ ... عَهْدُ السُّرورْ
وافْتَرَّ في طَلْعَةِ تِلْكَ الْقُصورْ ... أُنْسُ الْبُدور
ما الأُنْسُ في أَقْداحِ راحٍ تَدورْ ... ما بَيْنَ حُورْ
إنَّ الَّتي تَلْفَحُنا في الصُّدورْ ... نارُ الْغَيُورْ
* * *
يا شاطِئَ الْمَرْسى إلامَ الهُجودْ ... فُكَّ الْقُيودْ (5)
__________
(1) الانتساق: انتظام الأشياء بعضها مع بعض.
(2) عند شد الوثاق: أي: عندما حيل بيني وبين صحابتي، كأنني أصبحت في أسر البين مشدود الوثاق.
(3) ليالي المحاق: ويريد بها الشاعر: السنوات التي تسلط بها المستعمر على تونس، وسلب حريتها، وظلم شعبها.0.
(4) الحداق: جمع الحدقة: سواد العين الأعظم.
(5) المرسى: بلدة في ضواحي تونس فيها منتزهات تجمع بين منظر البحر الأبيض =
(7/ 2/187)

وكُنْ كَما كُنْتَ لِعَهْدِ الجُدودْ ... غِيلَ الأُسودْ (1)
يَمْرَحُ فيكَ العِزُّ بَيْنَ الجُنودْ ... ضافِي البُرودْ
فَأَنْتَ لا تُزْهى بِتَلْحيْنِ خُودْ ... وَنَقْرِ عودْ (2)
يا مَعْهَداً يَثْمُلُ فيهِ الْكِرامْ ... بِلا مُدامْ (3)
وابْتَسَمَتْ أَزْهارُهُ في نِظامْ ... بِلا كِمامْ
نَهَضْتَ تَحْدو بالنُّفوسِ العِظامْ ... إلى الأَمامْ
أَقْلامُكَ الحُرَّةُ تَرْعى الذِّمامْ ... ولا تَنامْ
يا نَسْمَةً ماستْ كَشارِبِ راحْ ... قَبْلَ الصَّباحْ (4)
والطَّلُّ أَصْفى مِنْ دُموعِ المِلاحْ ... فَوْقَ الوِشاحْ (5)
هُبِّي وجُرِّي في النَّوادي الفِساحْ ... ذَيْلَ المِراحْ (6)
__________
= والحدائق الأنيقة. وطالما تمتع الشاعر بالتنزه فيها، إذ هي مقر صديقه منذ عهد طلب العلم العلامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. الهجود: النوم.
(1) الغِيل: الشجر الكثير الملتف، ويقصد به: العرين.
(2) الخود: الحسنة الخَلْق.
(3) المعهد: جامع الزيتونة بتونس الذي تلقى فيه الشاعر العلم إلى أن تولى التدريس فيه. يثمل: يسكر.
(4) ماست: تبخترت وتمايلت.
(5) الطل: أخف المطر وأضعفه، الندى.
(6) المراح: شدة الفرح والنشاط.
(7/ 2/188)

هُبِّي وَهاتي نَفْحَ أُنْسٍ قَراحْ ... يَشْفي الجِراحْ (1)

[هي ملقى الضدين (2)]
كُنْ عَذيري إنْ كُنْتَ يَوْماً عَذولا ... لِفَتىً إذْ يَوَدُّ مَوْتاً عَجولا
مَسَّهُ في الحَياةِ ضَيْرٌ فَأَلْقَى ... في هِجاءِ الحَياةِ قَوْلاً ثَقيلا (3)
رُبَّ خَطْبٍ دَهى امْرَأً وتَلَقَّا ... هُ بِعَزْمٍ فَكانَ ذِكْراً نبَيلا
ونَعيمٍ وافاهُ عَفْواً وَما أَوْ ... لاهُ شُكْراً فَعادَ شَرّاً وَبيلا (4)
هِيَ مَلْقى الضِّدَّيْنِ حَيْثُ تَرى في ... ها بَغيضاً تَرى هُناكَ خَليلا
تَبْعَثُ الشَّمْسُ في الهَجيرِ لَهيباً ... فَتُذيعُ الصَّبا نَسيماً عَليلا (5)
وتُرينا الآفاقُ فَحْمَةَ لَيْلٍ ... فَتُرينا السَّماءُ بَدْراً جَميلا
ويَراعُ الْبَليغِ يُرْسِلُ إنْ شا ... ءَ زُعافاً وَإنْ يَشَأْ سَلْسَبيلا (6)
زادَ أَكْبادَنا الزُّعاقُ غَليلاً ... فَشَفى النِّيلُ والفُراتُ الْغَليلا (7)
__________
(1) القراح: الذي لا يشوبه شيء.
(2) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الخامس عشر.
(3) الضير: الضر.
(4) الشر الوبيل: الشديد.
(5) الهجير: نصف النهار، شدة الحر. الصَّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(6) الزعاف: يقال: سم زعاف: قاتل سريعاً. السلسبيل: الماء السهل المساغ.
(7) الزعاق: الماء المر الغليظ لا يطاق شربه. الغليل: العطش.
(7/ 2/189)

يَخْفُقُ الْقَلْبُ رَوْعَةً مِنْ غَشومٍ ... هَزَّ رُمْحاً أَوْ سَلَّ سَيْفاً صَقيلا
وتَقَرُّ الْعُيُونُ في مَوْطِنٍ قَدْ ... بَسَطَ الأَمْنُ فيهِ ظِلًّا ظَليلا
مُلْتَقَى وَحْشَةٍ وَأُنْسٍ وَإنْ لَمْ ... يَكُ وَقْتُ الإيناسِ فيها طَويلا
أترى الْفَيْلَسوفَ يَدْري لِماذا ... كانَ حَظُّ السُّرورِ مِنْها ضَئيلا

جذوة أو زهرة
وافَتْ تُسائِلُني وَلَمْ يَسْتَفْتِني ... مِنْ قَبْلُ في فَنِّ النَّسيبِ سَؤولُ
قالَتْ: يَقولُ أَبو فِراسٍ في الهوى ... "حُلْوٌ ومُرٌّ" هَلْ لَدَيْكَ دَليلُ (1)
قُلْتُ المَحَبَّةُ في فُؤادي جَذْوَةٌ ... إنْ لَمْ يَجُدْ لي باللِّقاءِ خَليلُ (2)
وإذا الْتَقَيْنا فَالْمَحَبَّةُ زَهْرَةٌ ... يَذْكو شَذاها والنَّسيمُ عَليلُ

الدَّيْنُ سُمٌّ
يا غامِساً يَدَهُ في الدَّيْنِ إنَّكَ قَدْ ... غَمَسْتَها في صَديدٍ خِلْتَهُ عَسَلا (3)
والدَّيْنُ لِلْمالِ سُمٌّ ناقِعٌ فَإذا ... ما انْدَسَّ في ثَرْوَةٍ أَوْدى بِها عَجِلا

هذي السّفينة
هَذي السَّفينَةُ تَفْري الْمَوْجَ جَارِيَةً ... لِمُسْتَقَرٍّ لَها كَيْ تَدْرَأَ الْكَلَلاَ
__________
(1) أبو فراس: مرت ترجمته. وهذا البيت إشارة إلى قول أبي فراس:
خليليّ ما أحلى الهوى وأمرّه ... وأعلمني بالحلو منه وبالمرّ
(2) الجذوة: القبسة من النار، والجمرة الملتهبة.
(3) الصديد: ما يسيل من الجرح من قيح.
(7/ 2/190)

وأَذْكَرَتْني بِمِسْراها إلى جَبَلٍ ... قَوْلَ الْخَليفَةِ يا سَارِيَّةُ الْجَبَلا

الشُّعُور طليعة الفلاح
" من قصيدة قالها الشاعر أيام الحرب العظمى في دمشق سنة 1334 ه , وهي من القصائد التي كان يدعو بها إلى اتحاد العرب والترك".
وَإنْ ساوَرَتْ بَعْضَ الْقُلوبِ ضَغينَةٌ ... وعادَتْ مِنَ الْبَغْضاءِ كالحَشَفِ الْبالي (1)
فَقَدْ يَسْتَفيقُ الصَّبُّ مِنْ سَكْرَةِ الهوى ... وَتخْضَلُّ أَزْهارُ الرُّبى بَعْدَ إمْحالِ (2)
وكَمْ عَبَثَتْ ريحُ الخِلافِ بِوَحْدَةٍ ... وَلَمْ تُبْقِ مِنْ بُنْيانِها غَيْرَ أَطْلالِ
فَلاحَ شُعورٌ وَهْوَ أَسْعَدُ طالِعٍ ... يَلُمُّ شُعوثاً تَحْتَ وارِفِ أَظْلالِ (3)
شُعورٌ فَعِلْمٌ فَاتِّحادٌ فَقُوَّةٌ ... فَعَزْمٌ فَإقْدامٌ فَإحْرازُ آمالِ
لَنا هِمَمٌ تَسْمو إلى الْعِلْمِ رِفْعَةً ... وَهِمَّاتُ بَعْضِ النَّاسِ تَصْبو إلى الْمالِ
وَلَوْ قِيلَ في طِرْسِ الْغَزالَةِ حِكْمَةٌ ... عَرَجْنا بِأبْكارٍ وعُدْنا بِآصال (4)

حبّ الوطن
وَطَني عَلّمْتَني الحُبَّ الَّذي ... يَدَعُ الْقَلْبَ لَدى الْبَيْنِ عَليلا
لا تَلُمْني إنْ نَأَى بي قَدَرٌ ... وغَدا الشَّرْقُ مِنَ الْغَرْبِ بَديلا
__________
(1) الضغينة: الحقد. الحشف: أردأ التمر، واحده حشفة.
(2) تخضل: تبتلّ.
(3) الشعث: انتشار الأمر وخلله.
(4) الطرس: الصحيفة. الغزالة: الشمس؛ لأنها تمد حبالاً كأنها تغزل.
(7/ 2/191)

عَزْمَةٌ قَدْ أَبْرَمَتْها هِمَّةٌ ... وَجَدَتْ لِلْمَجْدِ في الظَّغْنِ سَبيلا (1)
أنا لا أَنْسى على طُولِ النَّوى ... وَطَناً طابَ مَبيتاً وَمَقيِلا (2)
في يَميني قَلَمٌ لايَنْثَني ... عَنْ كِفاحٍ وَيرى الصَّبْرَ جَميلا (3)
هُوَ ذا طاعِنْ بِهِ خَصْمَكَ مِنْ ... قَبْلِ أَنْ تَخْتَرِطَ السَّيْفَ الصَّقيلا (4)

في كل شيء له آية
يَعْجَبُ النَّاسُ في الحَياةِ وأَقْضي ... عَجَبي مِنْكَ أَنْ ضَلَلْتَ السَّبيلا
أَنْتَ تَرْتابُ أَنْ يُدَبِّرَ أَمْرَ الْ .... كَوْنِ مَنْ جَلَّ مُلْكُهُ أَنْ يَزولا
وتَخالُ الوُجودَ وَقْفاً على ما ... تُبْصِرُ الْعَيْنُ بُكْرَةً وأَصيلا
وكأَيَّنْ في الكَوْنِ مِنْ آيةٍ إنْ ... كُنْتَ تَبْغي إلى الْيَقينِ وُصولا
كُلُّ ما أَبْصَرَتْهُ عَيْناكَ لَيْلاً ... أَوْ نَهاراً يُملي عَلَيْكَ دَليلاً

الذّل في البطالة
لا يَرْتَجي العِزَّ شَعْبٌ ظَلَّ في وَسَنٍ ... مِنَ الْبَطالَةِ لا سَعْياً ولا أَمَلا (5)
فالدُّرُّ يَسْمو إلى جيدِ الْفَتاةِ وَإنْ ... حامَ النُّعاسُ على أَجْفانِها نَزَلا (6)
__________
(1) الظعن: السير.
(2) النوى: البعد.
(3) يرى الصبر جميلا: ويريد بذلك الصبر على الكفاح.
(4) اخترط السيف: سلّه من غمده.
(5) الوسن: النعاس، والحاجة.
(6) نزلا: إشارة إلى عادة نزع الحلي عند النوم.
(7/ 2/192)

من أديب إلى فقيه
سَبَتْ مِنّا الْبَصائِرَ بِنْتُ كَرْمٍ ... فَقُلْتَ: الخَمْرُ تَسْتَدْعي نكَالا (1)
وَحينَ سَبَتْ بَناتُ الشِّعْرِ مِنَّا ... نُهًى سَمَّيْتَها الْخَمْرَ الحَلالا

من الفقيه إلى الأديب
بَناتُ الشِّعْرِ تَسْبي مِنْكَ لُبّاً ... وتَرْفَعُهُ إلى أُفُقٍ تَعالى
وَبِنْتُ الْكَرْمِ تَنْهَبُهُ وَتَغْشَى ... بِهِ دِمَناً وَأَنْدِيَةً رُذالا (2)

[ذكرى المولد النّبوي]
" قيلت في الاحتفال بالمولد النبوي سنة 1348 ه ".
حَيِّ ذاكَ الْبَدْرَ بالزَّهْرِ النَّظيمِ ... وامْلأِ الجَفْنَ بِمرآهُ الوَسيمِ
إنَّهُ يَحْكي مُحَيَّا المُصْطفى ... إذْ بَدا بَيْنَ المُصَلّى والحَطيمِ (3)
إنْ تَكُنْ يا بَدْرُ تَزْهو بِسَناً ... يُرْشِدُ السَّارِيَ في اللَّيْلِ الْبَهيمِ (4)
فَسَنا أَحْمَدَ يَهْدي أُمَماً ... ويُريها سَنَنَ الْعِزِّ المُقيمِ
عُجْ بِرَوْضٍ باكَرَ الطَّلُّ بِهِ ... دَوْحَ وَرْدٍ هَزَّهُ كَفُّ النَّسيمِ (5)
تَلْقَ في الرَّوضِ شّذاً يُشْبِهُ ما ... لِنَبِيِّ اللهِ مِنْ خُلْقٍ كَريمِ
__________
(1) سبى: أسر. بنت الكرم: الخمر. النكال: ما يجعل عبرة للغير.
(2) الدمن: جمع الدمنة: آثار الدار. الرذال: جمع الرذل: الرديء من كل شيء.
(3) الحطيم: جدار حِجْر الكعبة.
(4) الساري: الذي يسير عامة الليل. البهيم: الأسود.
(5) عجْ: يقال: عاج بالمكان: أقام به.
(7/ 2/193)

إنْ تَكُنْ يا رَوْضُ يَزْهوكَ جَنىً ... هُوَ زَهْوُ الْعَيْنِ أَوْ عِطْرُ الشَّميم
فِلِطهَ كَلِمٌ يَسْلو بِها ... عاشِقُ الحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ نَعيمِ
إنْ تَرَ العَضْبَ بِيُمْنى بَطَلٍ ... هَزَّهُ بَيْنَ قَتيلٍ وَكليمِ (1)
فاذْكُرِ الْعَزْمَ الَّذي لاقى بِهِ ... خاتَمُ الرُّسْلِ أَذى كُلِّ زَنيمِ (2)
غَيْرَ أَنَّ الْعَضْبَ يَقْضي مُرْغَماً ... في الوغى حاجَةَ جَبّارٍ نَهيمِ (3)
يا خَصيماً لِهُدى أَحْمَدَ ما ... لِخَصيمِ الْحَقِّ مِنْ قَلْبٍ سَليمِ
دُونَكَ التَّاريخُ لا تُبْقي مَدًى ... في حَديثٍ إنْ تَشأْ أَوْ في قَديمِ
هَلْ رأى النَّاسُ كِتاباً عَجَباً ... مِثْلَ ما يُتْلى مِنَ الذِّكْرِ الحَكيمِ؟
وَيْحَ قَوْمٍ سَحَرَتْ أَعْيُنَهُمْ ... هذِهِ الدُّنْيا بِمَرْعاها الوَخيمِ (4)
غَرِقوا في لَهْوِها واتَّخَذوا ... مِنْ مُوالاةِ الهوى أَشْقى نَديمِ
نَكَروا الْقُرْآنَ بالذَّوقِ الَّذي ... يُؤْثِرُ الذَّرَّ على الدُّرِّ اليَتيمِ (5)
دَعَوُا الإلْحادَ إصْلاحاً وَهَلْ ... يَعْرِفُ الإصْلاحَ ذُو ذَوْقٍ سَقيمِ
ورَسولُ اللهِ هادٍ لِلْعُلا ... مُنْذِرٌ عاقِبَةَ الْفِعْلِ الذَّميمِ
مَثَلٌ أَعْلى لِنَفْسٍ جَمَعَتْ ... سَطْوَةَ الْعَادِلِ في أُنْسِ الحَليمِ
__________
(1) العضب: السيف القاطع. الكليم: الجريح.
(2) الزنيم: الدعيُّ اللئيم.
(3) النهيم: ذو النهم: وهو إفراط الشهوة في الطعام.
(4) ويح: كلمة ترّحم وتوَجعُّ، وقيل: هي بمعنى وَيْل. الوخيم: غير موافق.
(5) الذّر: صغار النمل.
(7/ 2/194)

عِزَّةٌ قَعْساءُ في أَسْنى تُقىً ... هِمَّةٌ شَمَّاءُ في قَلْبٍ رَحيمِ (1)
هُوَ إذْ يُرْهِفُ حَدًّا لِلَّذي ... عاثَ أَوْ يَأْذَنُ في حَرْبِ الْخَصيمِ (2)
لم يُرِدْ إلَّا سَلاماً سائِداً ... واعْتِزازاً لِذَوي الدِّينِ القَويمِ
إنْ تَكُنْ تَعْجَبُ فاعْجَبْ لِيَدٍ ... لَبِسَتْ قُفَّازَ أَفَّاكٍ أَثيمِ (3)
كَتَبَتْ تَزْعُمُ مِنْ شَقْوَتها ... أَنَّهُ لَمْ يَكُ بِالشَّخْصِ العَظيمِ
عَلِّموها أَنَّهُ أعْظَمُ مَن ... سَارَ في النَّاسِ على هذا الأَديمِ (4)
صاحِبَ الرَّوضَةِ في طَيْبَةَ نَمْ ... آمِناً طُغْيانَ ذا الخَطْبِ الجَسيمِ (5)
إنَّ في الشَّرْقِ رِجالاً نهَضوا ... يَقْرَعونَ الخَطْبَ بالْعَزْمِ الصَّميمِ
لا يُبالونَ إذا ما جاهَدوا ... غَضَبَ الغاشِمِ أَوْ كَيْدَ اللَّئيمِ
قَدَّسَ اللهُ ثَرى قَبْرِكَ ما ... نَفَحَ الْقُرْآنُ بِالْهَدْيِ العَميمِ (6)
وأَقامَ العِلْمَ آياتٍ عَلى ... أَنَّهُ تَنْزيلُ خَلاَّقٍ حَكيمِ
__________
(1) عزة قعساء: أي: ثابتة منيعة.
(2) عاث في الشيء: أفسده. الخصيم: المخاصم.
(3) اليد: يريد بذلك: ما كتبه علي عبد الرازق في جريدة "السياسة" بالقاهرة يوم 12 ربيع الأول 1346 ه، وقد رد عليه صاحب الديوان بمحاضرة تحت عنوان: "العظمة". انظر كتابه: "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
(4) الأديم: الأرض.
(5) طيبة: اسم المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -.
(6) العميم: التام من كل شيء.
(7/ 2/195)

[افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي]
" قصيدة ألقاها الشاعر في افتتاح مؤتمر "المجمع اللغوي" بالقاهرة في 26 يناير كانون الثاني 1941".
نَهَضَ الْقِطارُ فَأَوْمأوا بِسَلامِ ... وجَرى بِهِمْ طَلَقاً بِغَيْرِ زِمامِ (1)
بانوا فَما بالي فَقَدْتُ حُشاشَتي ... أَمَضَى بِها في الرَّكْبِ فَرْطُ هُيَامِ (2)
عَجَباً لِروحٍ فارَقَتْ جَسَدَ امْرِئٍ ... يَقْظانَ لَمْ يُرْشَقْ بِسَهْمِ حِمامِ (3)
طَوَتِ النَّوى عَهْداً يَطوفُ سُقاتُهُ ... بِكُؤوسِ أُنْسٍ لا كُؤوسِ مُدامِ (4)
رُضْتُ الْقَريضَ لَعَلَّني أَسْلو بِهِ ... ذِكْراهُمُ وأَغيبُ عَنْ آلامي (5)
فَصَحَوْتُ مِنْ شَجَنٍ إلى شَغَفٍ بِما ... في نُطْقِ يَعْرُبَ مِنْ سَنىً وَوِسامِ (6)
هِيَ لَهْجَةٌ شَبَّتْ بِأَرْضِ بَداوَةٍ ... فَيْحاءَ بَيْنَ الأُسْدِ والآرامِ (7)
لَكِنَّها وَسِعَتْ عُلومَ "أَرِسْطُ" بَلْ ... وَسَعِتْ حَضارَةَ فارِسٍ والشَامِ (8)
__________
(1) طلقاً: يقال طَلِق طلَقاً: تباعد. الزمام: المقود.
(2) الحشاشة: بقية الروح في المريض والجريح، وقيل: رمق من حياة النفس.
(3) الحِمام: قضاء الموت وقدره.
(4) المدام: الخمر.
(5) راض المهر: ذلَّلَهُ. القريض: الشعر.
(6) الشجن: الهم والحزن. الشغف: أقصى الحب. السنى: الضوء. الوسام: الحسن.
(7) الآرام: جمع الرئم: الظبي الخالص البياض.
(8) أرسط: أرسطو: مرت ترجمته.
(7/ 2/196)

اللَّفْظُ أَصْفى مِنْ حَبابِ سُلافَةٍ ... قَدْ لَثَّموا إبْريقَها بِفَدامِ (1)
لَوْ أنَّ خَوْداً تَسْتَعيرُ الحَلْيَ مِنْ ... صَوْغِ ابنِ بُرْدٍ أَوْ أَبي تَمَّامِ (2)
أَسَرَتْ أُسوداً قَدْ تَحامَوا قَبْلَها ... أَنْ يُؤسَروا بِصَبابَةٍ وَغَرامِ
ولَرُبَّ مُتَّئِدٍ يُصاعرُ خَدَّهُ ... مُتَجافِياً عَنْ مُطْرِبِ الأَنْغامِ
حَيَّتْهُ رَوْضاتُ الْبَيانِ بِباقَةٍ ... مِعْطارَةٍ مِنْ زَهْرِها الْبَسَّامِ
فَصَبا إلى الآدابِ مَنْ لَمْ يُصْبِه ... تَلْحينُ زِرْيابٍ وَسَجْعُ حَمامِ (3)
أَذْكى خَطيبُ الْجَيْشِ فيهِ حَماسَةً ... أَهْوَتْ بِراحَتِهِ إلى الصَّمْصامِ (4)
نَطَقَ الْكِتابُ بِها فَأفْحَمَ أَلْسُناً ... لَمْ تُبْلَ قَبْلُ بِوَصْمَةِ الإفْحامِ (5)
وتَأَلَّقَتْ حِكَمُ النَّبِيِّ كَأَنَّها ... شُهُبُ السَّماءِ تَشُقُّ بَحْرَ ظَلامِ
__________
(1) السلافة: الخمر. الفدام: المصفاة تجعل على فم الإبريق ليصفى بها ما فيه، وخرقة تشدها العجم والمجوس على أفواهها عند السقي.
(2) الخود: الحسنة الخَلْق. ابن برد: بشار بن برد (95 - 167 ه) أشعر المولدين، كان ضريراً، نشأ في البصرة، وأدرك الدولتين الأموية والعباسية، ودفن بالبصرة، له ديوان شعر مطبوع. أبو تمام: مرت ترجمته.
(3) صبا: مال وحنَّ. زرياب: علي بن نافع (... - 230 ه) نابغة الموسيقى في عصره، مولى المهدي العباسي، كان حسن الصوت، سافر إلى الأندلس، ولقيه عبد الرحمن ابن الحكم، وتوفي بقرطبة.
(4) الصمصام: السيف الذي لا ينثني.
(5) الكتاب: هو القرآن الكريم. أفحم: أسكت بالحجة.
(7/ 2/197)

سادَ الهَوى وَسَما لِواءُ المُلْكِ ما ... بَيْنَ السُّيوفِ الْغُرِّ والأقْلامِ
الدِّينُ يَعْلو بِانْتِضاءِ يَراعَةٍ ... والمُلْكُ يَعْلو بِامْتِشاقِ حُسامِ (1)
بُعْداً لِيَوْمٍ نامَ فيهِ حُماتُها ... وَرَمَتْ صُروفٌ وَجْههَا بِرَغامِ (2)
مُنِيَتْ بِلَحْنٍ واللِّسانُ مُلَحَّنٌ ... ما لَمْ تَرُضْهُ عُلومُها بِلِجامِ (3)
لَوْ جَسَّ "جالِينوسُ" مَنْبَضَ قَلْبِها ... لِيُحِسَّ ما تَشْكُو مِنَ الأَسْقامِ (4)
أَلْفى ذُبولَ الظَّامِئاتِ وَأَحْرُفاً ... كادَتْ تَزيغُ بِها إلى إعْجامِ (5)
مَنْ ذا يَغارُ على بَيانِ الْعُرْبِ مِنْ ... أَيْدٍ تُواري شَمْسَهُ بِقَتامِ (6)
يا مَجْمَعاً نِيطَتْ بِهِ هِمَمٌ تُبا ... هي الزَّهْرَ في أَفْلاكِها وتُسامي
هذِي شُعوبُ الشَّرْقِ تَنْظُرُ وَهْيَ في ... أَوطانِها الْقُصوى بِعَيْنِ حَذامِ (7)
__________
(1) اليراعة: القصبة، ويريد بها: القلم. الحسام: السيف القاطع.
(2) الرغام: التراب.
(3) اللحن: الخطأ في الإعراب. ملحّن: أي: مصاب باللحن. اللجام: ما يجعل في فم الفرس من الحديد من الحكمتين والعذارين والسير.
(4) جالينوس: مرت ترجمته.
(5) الإعجام: عدم الإفصاح بالكلام.
(6) القتام: الغبار الأسود.
(7) حذام: حذام بنت الريان، جاهلية يمانية (... - ...) يضرب بها المثل في صدق الخبر. وينسب لزوجها قوله:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
(7/ 2/198)

تَرْنو إلَيْكَ بِمُقْلَةٍ نَقَّادَةٍ ... عَرَفَتْ وُجوهَ النَّقْضِ والإِبْرامِ (1)
فَلْنَقْضِ لِلْفُصْحى لُبانَةَ دَوْحَةٍ ... قَذَفَ الهَجيرُ غُصونَها بِضِرامِ (2)
وَلْنَسْقِ ظامِئَها عَصيرَ دِرايَةٍ ... إذْ كانَ لا يُسْقى عَصيرَ غَمامِ
ما أَشْبَهَ الآمالَ يَوْمَ يَخونُها ... عَزْمٌ بِأَضْغاثٍ مِنَ الأَحْلامِ (3)
يَحْلو النِّضالُ ولا نِضالَ أَلذُّ مِنْ ... تَنْقادِ آراءٍ بِغَيْرِ خِصامِ (4)
هِيَ كالسَّحائِبِ: هَذِهِ وَطْفاءُ إنْ ... سَنَحَتْ، وَتِلْكَ تَمُرُّ مَرَّ جَهامِ (5)
والرَّأْيُ يَخْلُصُ بالنِّقاشِ الحُرّ مِنْ ... صَدَإِ الخُمولِ ولُبْسَةِ الإبْهامِ
وَجَآذِرُ الأَفْكارِ لا تَرِدُ الحِمى ... ما لَمْ تُسَسْ بِرَوِيَّةٍ وَنِظامِ (6)

[بكاء على قبر]
" قالها صاحب الديوان في رثاء والدته سنة 1335 ه ".
قَطَّبَ الدَّهْرُ فَأَبْدَيْتُ ابْتِساما ... وانْتَضى الخَطْبُ فَما قُلْتُ سَلاماً (7)
__________
(1) النقض: يقال: نقض البناء: هدمه. الإبرام: يقال: أبرم الشيء: أحكمه. وكلمتا (النقض والإبرام) مصطلح قانوني يطلق على اسم المحكمة العليا التي تبت بالأحكام القضائية بصورة نهائية.
(2) اللبانة: الحاجة. الهجير: نصف النهار، شدة الحر. الضرام: ما اشتعل من الحطب.
(3) أضغاث أحلام: أحلام ملتبسة لا يصح تأويلها؛ لاختلاطها.
(4) تنقاد الآراء: بيان الصحيح منها والمردود، يقال: انتقد الدراهم: أخرج منها الزيف.
(5) الوطفاء: السحابة الوطفاء: المسترخية لكثرة مائها. الجهام: السحاب لا ماء فيه.
(6) الجآذر: جمع الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.
(7) قطّب: زوّى ما بين عينيه.
(7/ 2/199)

لَسْتُ أَدْري أَنَّ في كَفَّيْكَ يا ... دَهْرُ رُزْءاً يَمْلأُ الْعَيْنَ ظَلاما (1)
لَسْتُ أَدْري أَنَّكَ الْقَاذِفُ في ... مُهْجَتي ناراً ومُذْكيها ضِراما
فَإذا الْعَيْنُ تَرى مِنْ كَثَبٍ ... كَيْفَ تَلْقى نَفْسيَ الأُخْرى حِماما
كَيْفَ تُخْفيها أَكُفٌّ في الثَّرى ... كَيْفَ تَحْثو فَوْقَها التُّرْبَ رُكاما (2)
أَوْدَعوها قَعْرَ لَحْدٍ ضَرَبوا ... فَوْقَهُ مِنْ لازِبِ الطِّينِ خِتاما (3)
ياسُقاةَ التُّرْبِ ماءً هاكُمُ ... عَبَراتي إِنَّ في الجَفْنِ جِماما (4)
أَفَلا يَبْكي الْفَتى نازِحَةً ... سَهِرَتْ مِنْ أَجْلِهِ اللَّيْلَ وَناما
وانْثَنَتْ تُرْشِفُهُ مِنْ أَدَبٍ ... مُذْ لَها عَنْ لَبَنِ الثَّدْيِ فِطاما (5)
"بِنْتَ عَزُّورَ" لَقَدْ لَقَّنْتِنا ... خَشْيَةَ اللهِ وأَنْ نَرْعى الذِّماما (6)
وَدَرَيْنا مِنْكِ أَنْ لا نَشْتَري ... بِمَعالينا مِنَ الدُّنْيا حُطاما (7)
__________
(1) الرزء: المصيبة.
(2) الركام: الرمل المتراكم فوق بعضه.
(3) اللازب: اللازم الثابت؛ أي: الطين المتماسك. الختام: الطين يختم به على الشيء.
(4) الجِمام: الماء أكثر واجتمع.
(5) رشف: الماء: مصه بشفتيه.
(6) بنت عزور: السيدة البارة المرحومة حليمة السعدية بنت الشيخ مصطفى بن عزور، والدة الشاعر، ومن الشهيرات بالتقى والعلم والصلاح، ولدت بتونس سنة 1270 ه , وتوفيت بدمشق سنة 1335 ه. الذمام: الحق والحرمة.
(7) الحطام: ما تكسر من اليبس، ويقصد الشاعر: مال الدنيا وزخرفها.
(7/ 2/200)

وَدَرَيْنا مِنْكِ أَنَّ اللهَ لا ... يَخْذُلُ الْعَبْدَ إذا الْعَبْدُ اسْتَقاما (1)
وَدَرَيْنا كيْفَ لا نَعْنو لِمَنْ ... حارَبَ الحَقَّ وإِنْ سَلَّ الحُساما (2)
كُنْتِ نوراً في حِمانا مِثْلَما ... نَجْتَلي الْبَدْرَ إذا الْبَدْرُ تَسامى
أَفَلَمْ تُحْييهِ بالقُرْآنِ في ... رِقَّةِ الخاشِعِ ما عِشْتِ لِزاما
كُنْتِ لي رَوْضَةَ أُنْسٍ أَيْنَما ... سِرْتُ أَهْدَتْ نَفْحَ وَرْدٍ وخُزامى (3)
كانَ لي مِنْ قَلْبِكِ الطَّاهِرِ في ... كُلِّ يَوْمٍ دَعْوَةٌ تَجْني المَرْاما
كانَ لي مِنْكِ إذا أَشْكو النَّوى ... كُتُبٌ تَحْمِلُ عَطْفاً وسَلاما
ضاعَ مِنِّي أَنْ أُجيلَ الطَّرْفَ في ... وَجْهِكِ الرَّيّانِ بِشْراً واحْتِشاما
إنَّ في هذا التَّنائي قَسْوَةً ... جَعَلَتْ مَرآكِ بِالعَيْنِ حَراما
لَهْفَ قَلْبٍ باتَ لايَرْجو لِقا ... ءَكِ إلَّا أَنْ يَرى الطَّيْفَ مَناما
فَادْخُلي في سَلَفٍ قُمْتِ عَلى ... هَدْيِهِ الحَقِّ وأَحْسَنْتِ الْقِياما (4)
واسْعَدي نُزُلاً إلى المَلْقى إلى ... يَوْمِ لا نَخْشى عَلى الأُنْسِ انْصِراما (5)
__________
(1) خذل الرّجلَ: ترك نصرته وإعانته.
(2) نعنو: عنا له: خضع وذل.
(3) الخزامى: نبت زهرةٍ أطيب الأزهار نفحة، ويتمثل به في الطيب.
(4) السلف: كل من تقدم من آبائك وقرابتك.
(5) النزل: ما هيئ للضيف أن ينزل عليه. الانصرام: الانقطاع.
(7/ 2/201)

الشّعر كالبيداء
" قيلت في تونس".
لا خَيْرَ فيمَنْ جَفَّ طَبْعاً واشْتَرى ... بِلَطائِفِ الأُدَباءِ كَأْسَ مُدامِ
والشِّعْرُ كالبَيْداءِ: هَذا مَهْمَهٌ ... قَفْرٌ، وهَذا مَرْتَعُ الآرامِ (1)

[مساعي الورى شتّى]
" أبيات من قصيدة هنّأ الشاعر بها صديقه العلامة المرحوم الطاهر بن عاشور عند ولايته التدريس في جامع الزيتونة بتونس سنة 1323 ه ".
مَساعي الوَرى شَتّى وكُلٌّ لَهُ مَرْمى ... ومَسْعى ابْنِ عاشُورٍ لَهُ الأَمَدُ الأَسْمى (2)
فَتًى آنَسَ الآدابَ أَوَّلَ نَشْئِهِ ... فَكانَتْ لَهُ رُوحاً وكانَ لَها جِسْما (3)
وَما أَدَبُ الإنْسانِ إلَّا عَوائِدٌ ... تَخُطُّ لَهُ في لَوْحِ إحْساسِهِ رَسْما (4)
فَتىً شَبَّ في مَهْدِ النَّعيمِ ولَمْ تَنَلْ ... زَخارِفُهُ مِنْ عَزْمِهِ المُنْتَضى ثَلْما
وفي بَهْجَةِ الدُّنيا وخُضْرَةِ عَيْشِها ... غُرورٌ لِباغي المَجْدِ إنْ لم يَفُقْ حَزما
وشادَ على التَّحْقيقِ صَرْحَ عُلومِهِ ... فَما اسْطاعَ أَعْداءُ النُّبوغِ لَهُ هَضْما
__________
(1) المهمه: المفازة البعيدة، والبلد المقفر، والجمع مهامه. الآرام: جمع الرئم: الظبي الخالص البياض.
(2) الأمد: الغاية، المنتهى.
(3) آنس: أبصر، وعلم.
(4) العوائد: جمع العادة: ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة، وتجمع على عادات وعوائد.
(7/ 2/202)

ومَنْ شَدَّ بالتَّفْويضِ لله أَزْرَهُ ... ومَدَّ شِباكَ الجِدِّ صادَ بِها النَّجْما
وذي خُطَّةُ التَّدْريسِ تَوْطِئَةٌ لأَنْ ... نَراهُ وَقِسْطاسُ الحُقوقِ بِهِ يُحْمى (1)
رَجاءٌ كَرَأْيِ العَيْنِ عِنْدَ أُولي الحِجا ... يُوافيهِ كالمَعْطوفِ بالفاءِ لا ثُمَّا
بَلَونا حُلَى الأَلْفاظِ في سِلْكِ نُطْقِهِ ... فَلَمْ يُلْفِ صافي الذَّوْقِ في عَقْدِها جَشْما (2)
وَفي النَّاسِ مِهْذارٌ تَراهُ يَلوكُها ... بِلَهْجَتِهِ لَوْكَ المُسَوَّمَةِ اللُّجْما (3)
بِطانَةُ صَدْري صُوِّرَتْ مِنْ إخائِكُمْ ... وَجاءَ بَنانُ الخُلْدِ يَرْقُمُها رَقْما (4)
وإنِّي أَرى بابَ المُداجاةِ ضَيقِّاً ... فَلا يَسَعُ النَّفْسَ الَّتي كَبُرَتْ هَمَّا (5)
وإنْ شِمْتَ في نَسْخِ القَريضِ تَخاذُلاً ... وآنَسْتَ في مَغْزى فَواصِلِهِ وَصْما (6)
فَزَهْرَةُ فِكْري لا تَطيبُ عُصارةً ... إذا نَفَثَ الإيحاشُ في أَضْلُعي سُمَّا
أَلَمْ تَرَ أَزْهارَ الرُّبى حينما نَأَتْ ... أفانينُها كانَ الذُّبولُ لَها وَسْما
__________
(1) القسطاس: الميزان.
(2) الجشم: الثقل والكلفة.
(3) المهذار: يقال: هذر كلامه: أكثر في الخطأ والصواب، فهو مهذار. اللهجة: اللسان، اللغة. المسوّمة: الخيل التي عليها علامة.
(4) البطانة من الشيء: خلاف ظاهره. يرقمها رقماً: يكتبها كتابة.
(5) المداجاة: المداراة.
(6) شمت: نظرت، يقال: شام البرقَ: نظر إليه أين يقصد، وأين يمطر. الوصم: العيب والعار.
(7/ 2/203)

كأني دينار
" قيلت عند سفره من دمشق".
كأَنِّيَ دينارٌ وَجِلَّقُ راحَةٌ ... تُنافِسُ في الإِنْفاقِ راحَةَ حاتِمِ (1)
فَكَمْ سَمَحَتْ بي للرَّحيلِ، وَلَيْتَني ... ضَرَبْتُ بِها الأَوْتادَ ضَرْبَةَ لازِمِ (2)

[الملك الطبيعي أو راعي الغنم]
" قيلت في قرية (ويزن دورف) بضواحي برلين".
تَقَلَّدَ المُلْكَ بَيْنَ الضَّالِ والسَّلَمِ ... وهَبَّ يَفْتَحُ مِنْ غَوْرٍ إلى عَلَمِ (3)
فَعَرْشُهُ رَبْوَةٌ حاكَتْ خَميلَتَها ... يَدُ الْغَمامَةِ إِذْ جادَتْ بِمُنْسَجِمِ (4)
وتاجُهُ الشَّمْسُ تَبْدو فَوقَ مَفْرِقِهِ ... تاجٌ مَصونٌ بِلا جُنْدٍ وسَفْكِ دَمِ (5)
سِراجُهُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ يُرْسِلُ مِنْ ... عَلْيائِهِ بِسَناً يَنْسابُ في الظُّلَمِ
والظَّبْيُ يَرْقُمُ في طِرْسِ الْفَلاةِ خُطاً ... أَحْلَى لِناظِرِهِ مِنْ جَوْلَةِ الْقَلَم (6)
صَفَتْ مَناظِرُ غُدْرانٍ فَكانَ لَهُ ... فيها مَزايا جَلاها صاقِلُ النَّسَمِ
__________
(1) جلق: دمشق: حاتم: حاتم الطائي (... - 46 ه) يضرب المثل بجوده، عاش في الجاهلية فارساً شاعراً. مات في عوارض (جبل في بلاد طيء).
(2) اللازم: الثابت.
(3) الضال والسلم: من أشجار البادية. الغور: ما انحدر من الأرض، ويقابله النجد، والقعر من كل شيء. العلم: الجبل الطويل.
(4) الخميلة: الشجر الكثير الملتف حيث كان.
(5) المفرق: وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر.
(6) الظبي: الغزال للذكر والأنثى. الطرس: الصحيفة.
(7/ 2/204)

وآلةُ الطَّرَبِ الحُمْلانُ تَرْتَعُ في ... خِصْبٍ فَيُسْمَعُ مِنْها أَطْيَبُ النَّغَمِ (1)
عَيْناهُ: ذي سارَقَتْ جَفْنَ المَها نَظَراً ... وتِلْكَ ناظِرَةٌ شَزْراً إلى الأَجَمِ (2)
لَمْ يَتَّخِذْ سامِراً يُوحي إِلَيْه بِما ... يَهْوى ويَخْضِبُ بَعْضَ الحَقِّ بِالْكَتَمِ (3)
ومَا امْتَطى مَرْكَباً كَيْلا يُضايقَ في ... مَسيرِهِ نَفَسَ الْعَجْفاءِ والْهَرَمِ (4)
ومَنْ تَولَّى زِمامَ الأمْرِ في مَلإٍ ... لَمْ يَغْلُ إنْ ساسَهُمْ سَعْياً عَلى قَدَمِ

فقدوا أحلامهم
طافَ بِالكَأْسِ عَلى نُدْمانِهِ ... لاِغْتيالِ الهَمِّ فيما زَعَما (5)
لم يُمِتْ هَمًّا ولَمْ يَغْتَلْ نُهًى ... ما بُغاةُ الخَمْرِ إلَّا في عَمى (6)
فَقَدوا أَحْلامَهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ ... يَسْفِكوا مِنْ أَكْؤسِ الخَمْرِ دَما
لَوْ فَحَصْتُمْ أَنْفُساً هَمَّتْ بأَنْ ... تُطْفِئَ الْعَقْلَ رَأَيْتُمْ لَمَما (7)
__________
(1) الحملان: جمع الحمل: الصغير من أولاد الضأن.
(2) المها: جمع المهاة: البقرة الوحشية. الشزر: نظر الغضبان بمؤخر العين، أو النظر عن يمين وشمال. الأجم: جمع الأجمة: الشجر الكثير الملتف، وهي مأوى الأسد.
(3) السامر: مجلس السمار. الكتم: نبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشعر، فيبقى لونه، ويريد الشاعر بذلك: ما يخفي وجه الحق.
(4) العجفاء: المهزولة.
(5) الندمان: جمع النديم: وهو المنادم والمجالس على الشرب.
(6) النهى: جمع النهية: العقل.
(7) اللمم: الجنون الخفيف، أو طرف من الجنون.
(7/ 2/205)

سَنَرى فيها حُلوماً عِنْدَما ... نبُصِرُ الأَحْلامَ حَلَّتْ في الدُّمى (1)

مروحة الرّوح
" أبيات قالها الشاعر جواباً على بيتين (2) بعث بهما إليه صديقه الشيخ محمد المقداد الورتاني من تونس صحبة مروحة على وجه الهدية".
يا أَخا الآدابِ صُغْتَ الشِّعْرَ مِنْ ... كَلِمٍ يَعْذُبُ في سَمْعٍ وفَمْ
وَدَرَيْتَ الحَرَّ في مِصْرَ إذا ... أَقْبَلَ الصَّيْفُ تَلَظَّى واحْتَدَمْ (3)
فَتَخَيَّرْتَ لِأَنْ تُهْدِيَ لي ... مِنْ بِلادِ النَّخْلِ مِهْداءَ النَّسَمْ (4)
أَنا في حَرٍّ مِنَ الشَّوْقِ فَما ... طِبُّ حَرٍّ الشَّوْقِ إنْ شَوْقٌ أَلَمْ
طِبُّهُ النَّاجِعُ مَلْقاكَ ألا ... تَبْتَغي مِصْرَ سَبيلاً لِلْحَرَمْ (5)
هَذِهِ مِرْوَحَةُ الرُّوحِ وَدعْ ... سَعَفَ النَّخْلِ إلى لَحْمٍ وَدَمْ (6)
__________
(1) الحلوم: جمع الحلم: العقل. الدمى: جمع الدمية: الصورة المنقوشة المزينة.
(2) البيتان هما:
مروحة من تونس ... إلى الأعزّ الأخضر
نسيمها يهدي له ... أزكى سلام عطر
(3) تلظى: تلهب. احتدمَ: اشتد.
(4) بلاد النخل: تونس حيث يكثر في جنوبها النخيل. المهداء: الذي من عادته أن يهدي.
(5) الناجع: المؤثر. مصر سبيل للحرم: أي: طريق بين تونس ومكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وفي هذا البيت دعوة لزيارة القاهرة.
(6) السعف: جريد النخل وورقه.
(7/ 2/206)

برقيّة الشّوق
" قالها أثناء رجوعه من الآستانة إلى تونس سنة 1330 ه، وقد مرت به الباخرة بالقرب من شاطئ (المرسى) حيث كان يقيم صديقه المرحوم العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور".
قَلْبي يُحَيِّيكَ إذْ مَرَّتْ سَفينَتُنا ... تُجاهَ واديكَ والأَمْواجُ تَلْتَطِمُ
تَحِيَّةً أَبْرَقَ الشَّوْقُ الشَّديدُ بِها ... في سِلْكِ وِدٍّ بأَقْصى الرُّوحِ يَنْتَظِمُ

إحضار الأرواح
" بيتان خاطب الشاعر بهما صديقه الأستاذ خير الدين الزركلي (1) بدمشق عندما تليت عليه قصيدة بليغة من نظمه".
يا مُحْضِراً في بُرْدِ شِعْرٍ رائِعٍ ... روحَ ابْنِ بُرْدٍ وَهْوَ يَلْفِظُ بالحِكَمْ (2)
مَنْ عَلَّمَ الشُّعَراءَ أَنْ يَتَحَضَّروا ... روحاً تَرَدَّى جِسْمُها ثَوْبَ الْعَدَمْ

الرّجاء تعلة
" قالها بمناسبة ورود بيتين لعلي بن الجهم (3) في مجلس أدب".
أُوَدِّعُ جِيراناً لِفُرْقَةِ لَيْلَةٍ ... بِلَوْعَةِ مَنْ هَمُّوا بِفُرْقَتِهِ عاما
__________
(1) خير الدين الزركلي: صاحب كتاب "الأعلام".
(2) البُرْد: ثوب مخطط. ابن برد: الشاعر بشار: مرت ترجمته.
(3) علي بن الجهم: (... - 249 ه) شاعر رقيق الشعر من أهل بغداد، كان معاصراً لأبى تمام، غضب عليه المتوكل العباسي، فنفاه إلى خراسان، وانتقل إلى حلب، وقتل وهو في طريقه للغزو مع جماعة. والبيتان هما قوله:
يا غائباً بكتابه ووصاله ... هل يرتجى من غيبتيك إياب
لولا التعلل بالرجا لتقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب
(7/ 2/207)

أُشَيِّعُهُمْ بِالطَّرْفِ أَرْجو الْتِفَاتَةً ... تُريني وُجوهاً كالْبُدورِ وِساما (1)
وَلِلنَّفْسِ إذْ يَنْأَى الأَحِبَّةُ رَوْعَةٌ ... تُثيرُ شجوناً في الحَشا وَسِقاما
ولَولا رَجائي والرَّجاءُ تَعِلَّةٌ ... لِأَوْبَتِهِمْ كانَ الوَداعُ حِماما (2)

النّدامى
تُديرُ على الرّفاقِ كُؤوسَ خَمْرٍ ... وتَدْعوهُمْ بِمَجْلِسِكَ النَّدامى (3)
وإنْ عَضُّوا الأَنامِلَ بَعْدَ صَحْوٍ ... فَإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِلنَّدامى (4)

ذر الخُمول
ذَرِ الخُمولَ وَلُذْ بِالْعِزِّ مُعْتَصِماً ... بِاللهِ كَيْ تَتَوَقَّى جِيْدَكَ الْقَدَمُ (5)
فالشِّيحُ يَحْطِمُهُ دَوْسُ الثَّعالِبِ إذْ ... لَمْ يَعْلُ هَاماً وتَنْجو الضّالُ والسّلَمْ (6)

في الحبس
غَلَّ ذا الحَبْسُ يَدي عَنْ قَلَمٍ ... كانَ لا يَصْحو عن الطِّرْسِ فَنَاما
__________
(1) الوسام: جمع الوسيم: الحسن الوجه.
(2) التعلة: ما يتعلل به من طعام أو غيره. الحِمام: قضاء الموت وقدره.

(3) الندامى: جمع الندمان: بمعنى النديم: المنادم والمجالس على الشرب.
(4) الندامى: جمع ندمان بمعنى نادم: التائب والآسف على ما فعل.
(5) قالها بعد أن سمع في أحد الدروس أيام التعليم بيتين، وهما:
عذ بالخمول ولذ بالذل معتصما ... بالله تنج كما أهل النهى سلموا
فالريح تحطم إن هبت عواصفها ... دوح الثمار وينجو الشيح والرتم
(انظر: كتاب "الرحلات" للإمام).
(6) الشيح: نبات ترعاه المواشي.
(7/ 2/208)

هَلْ يَذُودُ الغَمْضُ عَنْ مُقْلَتِهِ ... أَوْ يُلاقي بَعْدَهُ الْمَوْتَ الزُّؤاما
أَنَا لَوْلا هِمَّةٌ تَحْدو إلى ... خِدْمَةِ الإسْلام آثَرْتُ الحِمَاما
لَيْسَتِ الدُّنْيا وما يقسُمُ من ... زَهْرِها إلَّا سَراباً أو جَهاما (1)

نخوة
تَبْغي اللّيالي أَنْ تَفُلَّ حُسامي ... وتَصُدَّ وَجْدي بالعُلا وغَرامي (2)
طَفِقَتْ تَحُثُّ خُطى الْمَطِيَّةِ بَعْدَما ... أَلْقَتْ لها أَيْدي النَّوى بِزمامِ (3)
أتَخَالُني أبْلى بِسَلْوَةِ خَامِلٍ ... ما شَطَّ عَنْ وَطَني الأَنيسِ مُقَامي
العَزْمُ مَا بَيْنَ الجَوانِحِ مُرْهَفٌ ... والْمَجْدُ أَنّى سِرْتُ فَهوَ أَمامي
والسَّهْمُ يَصْدُرُ راغِماً وُيريكَ مِنْ ... جَلَدٍ تَرَنُّمَ ظافِرٍ بِمَرامِ
لَولا السُّرى لَمْ تَرْشُفِ النَّكْباءُ مِنْ ... نَفَحاتِ ثَغْرِ الزَّهْرَةِ البَسَّامِ
كَمْ مِنْ يَدٍ بَيْضاءَ طَوَّقَني بِها ... حَادِي الرِّكابِ إلى رُبوعِ الشّام
وأَلَذُّها سَمَرٌ يُذَكِّرُني البَها ... وابنَ الْعَميدِ إلى أبي تَمّامِ (4)
__________
(1) الجهام: السحاب لا ماء فيه.
(2) تفل: تثلم.
(3) طفق يفعل كذا: ابتدأ وأخذ.
(4) البها: البهاء زهير (581 - 656 ه) شاعر رقيق، ولد بمكة، واتصل بالملك الصالح أيوب بمصر، وتوفي بها. وله ديوان شعر مطبوع، ترجم إلى الإنكليزية نظماً. ابن العميد: مرت ترجمته. أبو تمام: مرت ترجمته.
(7/ 2/209)

قافية النون
مشاهداتي في الحجاز (1)
أَلِمَجْدٍ لا يَنالُ القاطِنينْ ... وَدَّعَ الصَّحْبَ وَحَيَّا الظَّاعِنينْ (2)
شامَ في وِجْهَتِهِ يُمْناً وَلَوْ ... زَجَرَ الطَّيْرَ لَمَرَّتْ باليَمينْ (3)
لا تَلومَا في النَّوى مَنْ هاجَهُ ... لِلنَّوى لا عِجُ شَوْقٍ في الكَنينْ (4)
شاقَهُ الْبَيْتُ وَقَبْرُ المُصْطَفى ... ورُبوعُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينْ (5)
سارَ شَوْطاً وَهْوَ لا يَدْري أَفي ... حُلُمٍ أَمْ في زَمانٍ لا يَخونْ
ذَكَرَ "الخِضْرَ" و"موسى" إذْ أَتى ... مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ مُرْتادَ السَّفينْ (6)
__________
(1) نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الخامس.
(2) الظاعن: السائر.
(3) شام البرق: نظر إليه من أين يقصد وأين يمطر. اليمن: البركة. زجر الطير: تفاءل به، يقال: فلان يزجر الطير: أي: يعافها: وهي أن يرمي الطائر بحصاة، أو أن يصيح به، فإن ولاه في طيرانه ميامنة، تفاءل به، وإن ولاه مياسرة، تطيرّ منه. ونرى الشاعر يقول: لو زجر الطير، فهو لم يزجرها؛ لأن ذلك ضرب من الطيرة المنهي عنه.
(4) النوى: البعد. الكنين: المستور، ويراد به: القلب والضمير.
(5) شاقه الحب: شوقه إليه. البيت: الكعبة المشرفة بيت الله الحرام.
(6) الخضر: صاحب النبي موسى عليه السلام. موسى: النبي موسى عليه السلام. =
(7/ 2/210)

رَكِبَ "الطَّائِفَ" يَطْوي الْبَحْرَ في ... جَذَلٍ والْبَحْرُ كالشَّيْخِ الرَّزينْ (1)
وإذا هَبَّتْ جَنوبٌ طَرَدَتْ ... ما يُلاقيهِ النَّدامى مِنْ شُجونْ (2)
هُمْ سُكارى ما احْتَسَتْ آذانُهُمْ ... حِكْمَةَ الْقُرْآنِ في نُطْقٍ رَصينْ
وَدَلَوا مِنْ "رابِغٍ" فَاسْتَبَقوا ... يَذْكُرونَ اللهَ جَهْراً مُحْرِمينْ (3)
في بَياضٍ ناصِعٍ تَحْسَبُهُمْ ... بادِئَ الرَّأْيِ زُهوراً في الغُصونْ
رَسَتِ الطَّائِفُ في "جُدَّةَ" لا ... بَرِحَتْ "جُدَّةُ" في حِصْنٍ حَصينْ (4)
رَحَلوا في جُنْحِ لَيْلٍ وَأَتَوا ... مَكَّةَ الْغَرَّاءَ مِنْ نَحْوِ الحَجونْ (5)
في رِضا اللهِ خُطاً خاضوا بِها ... في حَصًى يَغْبِطُهُ الدُّرُّ المَصونْ
دَخَلوا بَيْتاً حَرامَاً يَسْتَوي ... فيهِ ذو التَّاجِ ومُغْبَرُّ الجَبينْ
شاهَدوا الكَعْبَةَ وَهْناً فَجَرَتْ ... عَبَراتُ الْبِشْرِ مِنْ بَعْضِ الجُفونْ (6)
__________
= مجمع البحرين: ملتقى مجرى بحري فارس والروم.
(1) الطائف: اسم الباخرة التي ركبها صاحب الديوان من السويس إلى جدة.
(2) الجنوب: ريح تقابل الشمال، ومنه: "إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح".
(3) رابغ: بلدة على البحر الأحمر في الطريق بين جدة والمدينة المنورة، يحرم منها الحجاج القادمون من الشام ومصر والمغرب. المحرم: أحرم الحاج أو المعتمر: دخل في عمل حُرم عليه به ما كان حلالاً.
(4) جدة: مدينة على البحر الأحمر، وهي ميناء مكة المكرمة، وباب الحجاج إليها بحراً، وقد أسسها سيدنا عثمان بن عفان، وبها قبر ينسب إلى حواء أم البشر.
(5) الحجون: جبل بأعلى مكة المكرمة، عليه مدافن أهلها.
(6) الوهن: نحو نصف الليل، أو بعد ساعة منه.
(7/ 2/211)

مُقْلَةُ الدُّنْيا فَإِنْ أَبْصَرْتَها ... في سَوادٍ فَعُيونُ الْغِيدِ جُون (1)
لَثَموا مِنْ رُكْنِها الأَيْمَنِ ما ... لَثَمَتْهُ شَفَتا طهَ الأَمينْ (2)
هِيَ بَيْتُ اللهِ إنْ طافوا بِها ... وَهُمُ أَضْيافُ رَبِّ الْعالَمينْ
وَرَدوا "زَمْزَمَ" يَشْفونَ بها ... ظَمَأَ الأَكْبادِ حيناً بَعْدَ حينْ (3)
لَوْ شَفى "عَمْرُو بْنُ كُلْثومٍ" بِها ... غُلَّهُ عافَ خُمورَ الأنْدَرِينْ (4)
صَعِدوا "المَرْوَةَ" مِنْ بَعْدِ"الصَّفا" ... وَسَعَوا لله سَبْعاً راجِلينْ (5)
وَقَفوا في "عَرَفاتٍ " مَوْقِفاً ... يَطْرَحُ الآثامَ مِنْ ماضي السِّنينْ (6)
إنَّ دَهْراً طافَ ساقِيهِ بِما ... تَشْتَهي أَنْفُسُهُمْ غَيْرُ ضَنينْ
__________
(1) مقلة الدنيا: الكعبة المشرفة وهي مجللة بالسواد، شبهها الشاعر بعين الدنيا. الجون: جمع الجوْن: السود.
(2) الركن الأيمن: الركن اليماني من أركان الكعبة، وهو إلى جهة المغرب.
(3) زمزم: هي البئر المعروفة داخل الحرم المكي، قيل: سميت بها لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزام، وقيل: هو اسم علم لها.
(4) عمرو بن كلثوم: (... - 40 ق ه) شاعر جاهلي، ولد في شمال جزيرة العرب، ومات في الجزيرة الفراتية. وكان عزيز النفس فاتكاً شجاعاً.
(5) الصفا والمروة: يمتد المسعى بين الصفا والمروة إلى الجهتين الشرقية والجنوبية من المسجد الحرام، وكل منهما عبارة عن سطح مرتفع يصعد إليه بمدرجات قليلة العدد، وبه الميلان الأخضران. قال تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158].
(6) عرفات: مكان اجتماع الحجيج، ويبعد عن مكة المكرمة نحو خمسة وعشرين ميلاً.
(7/ 2/212)

هَبَطوا "جَمْعاً" وَقَدْ سادَ الدُّجى ... وحَدَوْا منْها المَطايا مُصْبِحينْ (1)
هَلْ دَرَى المَشْعَرُ إذْ عاجوا بِهِ ... أَنَّهُمْ جُنْدُ إمامِ المُرْسَلينْ (2)
نزلوا "خَيْفَ مِنىً" حَيْثُ رَمَوْا ... بالحَصى سَبْعاً عَلى وَجْهِ اللَّعينْ (3)
وأَتَوْا "أُمَّ القُرى" فَاطَّوَّفوا ... ثُمَّ عادوا "لِمنىً" في العائِدينْ (4)
رَكَعوا في مَسْجِدِ الخَيْفِ وَهَلْ ... أَحْرَزوا فيهِ ثَوابَ الخاشِعينْ (5)
وَقَضَوْا حَقَّ "مِنىً" وَارْتَحَلوا ... بَعْدَ أَنْ أَذَّنَ بالعَصْرِ أَذينْ (6)
سَلْ "ثَبِيراً" ما لَهُ ظَلَّ بِها ... مُلْقِيَ الرَّحْلِ وقَدْ بانَ الْقَطينْ (7)
أَفَلا يَحْمِلُ ما نَحْمِلُهُ ... لِرُبى طَيْبَةَ مِنْ شوْقٍ مَكينْ
دَعْ "ثَبيراً" قاسِيَ الْقَلْبِ فَهَلْ ... تلْفَحُ الأَشْواقُ صَخْراً فَيَلينْ
__________
(1) جمع: هي المزدلفة: وسمي جمعاً؛ لاجتماع الناس فيه. الدجى: الظلمة.
(2) المشعر: المشعر الحرام، قال الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وقيل: إن المزدلفة كلها المشعر الحرام. ومعنى المشعر: معلم للعبادة.
(3) خيف منى: سفح الجبل فيها. اللعين: إبليس.
(4) أم القرى: من أسماء مكة المكرمة.
(5) مسجد الخيف: مسجد في منى، وفي الحديث الشريف: "صلّى في مسجد الخيف سبعون نبيًّا منهم موسى". وبه المحراب والمنبر الذي خطب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(6) الأذين: المؤذن.
(7) ثبير: جبل بمكة المكرمة، سمي كذلك باسم رجل من هذيل مات فيه, فعرف به، وكان فيه سوق في الجاهلية كسوق عكاظ. القطين: القاطن.
(7/ 2/213)

هَذِهِ مَكَّةُ ما لِلشَّمْسِ في ... صُفْرَةٍ تَحْكي بِها وَجْهَ الحَزينْ
أَتُرينا والنَّوى قَدْ أَزِفَتْ ... كَيْفَ تَصْفَرُّ وُجوهُ النَّازِحينْ
بَلْدَةٌ عُظْمى وَفي آثارِها ... أَنْفَعُ الذِّكْرى لِقَومٍ يَعْقِلونْ
شَبَّ في بَطّحائها خَيْرُ الوَرى ... وشَبا في أُفْقِها أَسْمَحُ دِينْ (1)
إِنْ عَزَمْنا النَّأْيَ عَنْها فالضَّرو ... راتُ قَدْ تُنْئي خَديناً عَنْ خَدين (2)
* * *
سائِقَ السَّيَّارَةِ انْهَضْ نَغْتَنِمْ ... فُرصَةً نَرْقُبُها مُنْذُ سِنينْ
خُضْ بِها الْبِيدَ على سَلْعٍ فَلي ... حاجَةٌ في أَرْضِ سَلْعٍ وشُؤونْ (3)
بَيْنَ لَيْلٍ مِثْلِ أَحْداقِ المَها ... ونَهارٍ مِثْلِ نَوْرِ الياسَمينْ (4)
أَحْمَدُ الإدْلاجَ والتَّأْوِيبَ إذْ ... أَرَيَاني خَيْرَ ما تَهْوى الْعُيونْ (5)
أَمْتَعا طَرْفي بِمَرْأَى رَوْضَةٍ ... أَوْدَعوا تُرْبَتَها خَيْرَ دَفينْ
رَوْضَةٌ يَصْبو إلَيْها كُلُّ مَنْ ... عَرَفَ الحَقَّ وبالحَقِّ يَدينْ
__________
(1) بطحاء مكة: ما بين جبليها المسميين بالأخشبين، وهما: أبو قبيس، والأحمر، وذلك صميم مكة، ومن كان يسكن البطحاء هم المحض واللباب من قريش، وكان دونهم من يسكن الظواهر من مكة. شبا: أضاء. أسمح دين: الإسلام.
(2) الخدين: الصاحب والصديق.
(3) سَلْع: جبل في ظاهر المدينة.
(4) المها: جمع المهاة: البقرة الوحشية.
(5) الإدلاج: السير أول الليل، وربما استعمل للسير آخر الليل. التأويب: السير جميع النهار.
(7/ 2/214)

شادَها الهادي عَلى أُسِّ التُّقى ... وَتلا القُرْآنَ فيها جِبْرَئينْ (1)
حَرَمٌ كَمْ سُقِيَتْ حَصْباؤُهُ ... في دُجى اللَّيْلِ دُموعَ القانِتينْ (2)
فَاسْألوا المِحْرابَ عَنْ بَدْرِ الهُدى ... إذْ هَوى يَسْجُدُ في ماءٍ وَطينْ (3)
مَعْهَدُ الحِكْمَةِ لا يَنْبُتُ في ... دَوْحِهِ إِلَّا الدُّعاةُ المُصْلِحونْ
مِدْرَسٌ لِلْحَرْبِ لَمْ يَرْمِ العِدا ... قَطُّ إِلَّا بِالكُماةِ الفاتِحينْ (4)
ثُكْنَةٌ لِلْجُنْدِ والْقَضْبِ إذا ... لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الحَرْبِ الزَّبونْ (5)
حُجُراتٌ مُلِئَتْ طُهْراً أما ... عَمَّرَتْها أُمَّهاتُ المُؤْمِنينْ
لُقِّنَتْ فيها حُقوقٌ أَنْقَذَتْ ... رَبَّةَ المَنْزِلِ مِنْ أَسْرٍ يَشينْ
__________
(1) جبرئين: جبريل - عليه السلام -.
(2) الحرم: الحرم النبوي الشريف، ومعنى الحرم: ما لا يحل انتهاكه. الحصباء: الحصى، الواحدة حصبة. القانت: القائم بالطاعة، والدائم عليها، والمصلي.
(3) يسجد في ماء وطين: في هذا البيت يلمح الشاعر لما ورد في "صحيح البخاري " عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال: اعتكفنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر الأوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين، فخطينا، وقال: " ... إني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليرجع "، فرجعنا، وما في السماء قزعة (قطعة من السحاب)، فجاءت سحابة، فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته - صلى الله عليه وسلم -.
(4) المِدْرس: الموضع الذي يدرس فيه. الكماة: جمع الكمي: الشجاع.
(5) القَضب: ما قطعت من الأغصان للسهام والقسي، ويقصد بها: السلاح والعتاد الحربي. حرب زبون: يدفع بعضها بعضاً من الكثرة.
(7/ 2/215)

هأَنَذا في مُقامٍ مُؤْنِسٍ ... كَسَنا الْبَدْرِ مَهيبٍ كالعَرينْ (1)
فَسَلاماً في حُضورٍ بَعْدَما ... كادَ يُزْجِيهِ على البُعْدِ حَنينْ
* * *
جِئْتَ يا مُخْتارُ والْعَالَمُ في ... لَيْلِ جَهْلٍ وضَلالٍ ومُجونْ (2)
فَمَحَوْتَ الهَزْلَ بالجِدِّ كَما ... ذُدْتَ لَيْلَ الغَىِّ عَنْ صُبْحِ اليقينْ
وَأَقَمْتَ العِلْمَ صَرْحاً شامِخاً ... وصَرَعْتَ الجَهْلَ طَعْناً في الوَتينْ (3)
سُسْتَ أَقْواماً فَساسُوا أُمَماً ... بِيَدِ الإِنْصافِ في حَزْمٍ وَلِينْ
وقَضَوْا فيها بِشَرعٍ قَيِّمٍ ... فَأَرَوْها كَيْفَ يَقْضي الْعادِلونْ
"خاتَمَ الرُّسْلِ" أَلَمْ يَأْتِكَ ما ... حَلَّ بالأُمَّةِ مِنْ خَطْبٍ مُهينْ
وَيْلَها مِنْ مُرْهِقٍ في عَلَنٍ ... وَخَؤونٍ في ثِيابِ النَّاصِحينْ (4)
لَيْتَ قَوْماً وَرِثوا هَدْيَكَ لَمْ ... يُغْمِضوا عَنْ مُوبقاتِ المُتْرَفينْ (5)
لَيْتَ قَوْماً وَرِثوا الرَّايَةَ قَدْ ... فَطِنوا لِلدَّاءِ والدَّاءُ كَمينْ (6)
* * *
__________
(1) مهيب: يخافه الناس. العرين: مأوى الأسد.
(2) المجون: الهزل: يقال: مجن الرجل مجوناً: كان لا يبالي قولاً وفعلاً.
(3) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه.
(4) المرهق: الحاكم الظالم الجائر الذي يحمّل الأمة ما لا تطيق. الخؤون: الخائن.
(5) الموبقات: المعاصي.
(6) الكمين: الداخل في الأمر لا يفطن له.
(7/ 2/216)

دِينُكَ الوَضَّاءُ ثارَتْ حَوْلَهُ ... غُبْرَةٌ مِنْ شُبُهاتِ الْمُبْطِلينْ (1)
مِنْ يَدٍ تَرْميهِ في رَأْدِ الضُّحى ... ويَدٍ تَرْميهِ مِنْ خَلْفِ الدُّجونْ (2)
ولَهُمْ في كُلِّ وادٍ قَلَمٌ ... ولِسانٌ لاصْطِيادِ الغافِلينْ
كَمْ أزاغوا عَنْ عَفافٍ وهُدًى ... مِنْ بَناتٍ طاهِراتٍ وَبَنينْ
لَمْ يَرُعْنا يا أَبا القاسِمِ مِنْ ... جَوْلَةِ الغَيِّ دَوِيٌّ وَطَنينْ (3)
إنَّ في الشَّرْقِ شَباباً أَيْقَنوا ... أَنَّكَ الدَّاعي إلى الحَقِّ المُبينْ
إنَّ أَسْنى المَجْدِ في شَعْبٍ إذا ... سامَهُ الخَصْمُ أَذًى لا يَسْتَكينْ
وَقَفوا يَرْمونَ أَعْداءَ الهُدى ... بِنِبالٍ قَوْسُها الْعِلْمُ المَتينْ
يَعْشَقونَ الْبَذْلَ في الخَيْرِ إذا ... عَشِقَ الْمالَ طَغامٌ مُوسِرونْ (4)
يُؤْثِرونَ المَوْتَ في عِزٍّ على ... أَنْ يَعيشوا تَحْتَ إرْهاقٍ وهُوْنْ (5)
وإلى الحَضْرَةِ ما حُمِّلْتُهُ ... مِنْ تَحِيَّاتِ شبابٍ ناهِضينْ
* * *
__________
(1) الغبرة: الغبار.
(2) رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء في الخمس الأول، وذلك شباب النهار. الدجون: جمع الدجن: إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء، ويقصد بذلك: الظلمات.
(3) أبو القاسم: النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(4) الطغام: أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء.
(5) الهون: الخزي.
(7/ 2/217)

أَيُّ وِرْدٍ لَمْ يُكَدِّرْ صَفْوَهُ ... صَدَرٌ ما الدَّهْرُ إلَّا مِنْجَنونْ (1)
أَزْمَغَ الرَّكْبُ رَحيلاً لَمْ يَكُنْ ... مِنْهُ بُدٌّ، والضَّروراتُ فُنونْ
فَوَقَفْنا لِوَداعٍ، والأَسى ... يَلْذَعُ الآماقَ بِالدَّمْعِ السَّخينْ (2)
أَفَلا نَأْسى عَلى عَهْدٍ أَتى ... وَتَوَلَّى وَهْوَ مَقْطوعُ القَرينْ (3)
نَضِرٌ كالرَّوْضِ حَلَّاهُ النَّدى ... بِجُمانٍ صِيغَ مِنْ ماءٍ مَعينْ (4)
* * *
يا حِمًى وَدَّعْتُهُ والشَّمْسُ قَدْ ... وَدَّعَتْ وَالْتَحَقَتْ بِالرّاحِلينْ
هَلْ لَنا عَوْدٌ كَعَوْدِ الشَّمْسِ مِنْ ... قَبْلِ أَنْ يَصْرِفَنا عَنْكَ المَنونْ (5)
وسَلاماً كُلَّما رَتَّلْتُهُ ... قالَتِ الدُّنْيا وَمَنْ فيها: أَمينْ (6)

[رضيت عن اغترابي]
" قالها بعد قدومه من الشام إلى مصر سنة 1341 ه ".
رَضيتُ عَنِ اغْتِرابي إِذْ لَحاني ... فَتًى لا يَنْظُرُ الدُّنيا بِعَيْني (7)
__________
(1) الورد: الإشراف على الماء، والماء الذي يورد. الصّدَر: الرجوع عن الماء.
المنجنون: الدولاب الذي يستقى عليها، وهي مؤنثة.
(2) السخين: الحار.
(3) القرين: المقارن.
(4) الجمان: اللؤلؤ، الواحدة جمانة. المعين: الجاري.
(5) المنون: الموت.
(6) أمين: آمين: اسم فعل معناه: استجب.
(7) لحاني: لامني.
(7/ 2/218)

يَقولُ: تُقيمُ في مِصْرٍ وَحيداً ... وَفَقْدُ الأُنْسِ إحْدى المَوْتَتَيْنِ
أَلا تَحْدو المَطِيَّةَ نَحْوَ أَرْضٍ ... تُعيدُ إِلَيْكَ أُنْسَ الأُسْرَتَيْنِ (1)
وَعَيْشاً ناعِماً يَدَعُ الْبَقايَا ... مِنَ الأَعْمارِ بِيضاً كاللُّجَيْنِ (2)
وقَوْمٌ أَمْحَضوكَ النُّصْحَ أَمْسَوْا ... كَواكِبَ فى سَماءِ الْمَغْرِبَيْنِ (3)
فَقُلْتُ لَهُ: أَيَحْلو لي إيابٌ ... وَتِلْكَ الأَرْضُ طافِحَةٌ بِغَيْنِ (4)
وما غَيْنُ البِلادِ سِوى اعْتِسافٍ ... يُدَنِّسُها بِهِ خَرِقُ الْيَدَيْنِ (5)
فَعَيْشُ رافِهٌ فيها يُساوي ... إذا أنا سُمْتُهُ خُفَّيْ حُنَيْنِ (6)
أَحِنُّ إِلى لَياليها كَصَبٍّ ... يَحِنُّ إلى لَيالي الرَّقْمَتَيْنِ (7)
__________
(1) الأسرتان: أسرة والده من آل الحسين، وأسرة والدته من آل عزوز من أشراف العائلات التونسية.
(2) اللجين: الفضة.
(3) المغربان: ويقصد بهما المغرب الأدنى تونس، والمغرب الأوسط الجزائر، إذ أن عائلة الشاعر تقيم في القطرين.
(4) الغين: الغيم، تلميح إلى الاستعمار الفرنسي آنذاك.
(5) الاعتساف: يقال: اعتسف الأمر: ركبه بلا تدبير ولا روية. خَرِقُ اليدين: من لا يحسن الصنعة.
(6) الرافه: الرغد والخصب. خفي حنين: إشارة إلى المثل "رجع بخفي حنين"، وقصته معروفة.
(7) الرقمتان: روضتان بناحية الصَّمّان، ومنها قول القاضي عياض:
رأت قمر السماء فذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين
(7/ 2/219)

وَمَطْمَحُ هِمَّتي في أَنْ أَراها ... تُسامي في عُلاها الفَرْقَدَيْنِ (1)

عذاب الصّامتين
صُغْتُ بِالنَّارِ سُيوفاً لَمْ يَكُنْ ... صَوْغُها إلّا لِكَبْحِ المُجْرِمينْ
قَبَضَتْ أَيْدٍ على هاماتِها ... وانْتَضَتْها نُصْرَةً لِلظَّالِمينْ (2)
أَطْفِئِ النَّارَ فَإِسْعادُ أُولي الْ ... بَغْيِ طَعْنٌ في ظُهورِ المُصْلِحينْ
لَوْ يَحولُ الْبَغْيُ طَيْراً لَمْ يَصِرْ ... غَيْرَ بُوْمٍ في حِسابِ الزَّاجِرينْ (3)
إنْ يَحُمْ في أرْضِ قَوْمٍ سادِراً ... لَقِيَ الْقَوْمُ عَذابَ الصَّامِتينْ (4)
وَيْحَهُمْ لَوْ نَهَضوا حَتَّى رَأَوْا ... عُنُقَ الْبَاطِلِ مَقْطوعَ الوَتينْ

أسمع جعجعة ولا أرى طحنا
" قيلت للنصح بترك الهذيان في مجالس أهل الفضل".
أَتَى زَيْدٌ وأَسْرَفَ في هُذاءٍ ... تَضيقُ بِهِ صُدورُ السَّامِرينا (5)
يُحَدِّثُنا فَلا يَرْوي غَريباً ... ولا يُبْدي لَنا رَأْياً رَصينا
__________
(1) الفرقدان: نجمان قريبان من القطب الشمالي يهتدي بهما
(2) الهامات: جمع الهامة: رأس كل شيء.
(3) البوم: طائر يسكن الخراب، يضرب به المثل في الشؤم. الزاجر: زجر الطير: تفاءل به فتطير فنهره.
(4) السادر: الذي لا يهتم ولا يبالي بما صنع.
(5) الهذاء: هذى الرجل: تكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والاسم الهذاء.
(7/ 2/220)

كَمِثْلِ رَحًى تُجَعْجِعُ طولَ لَيْلٍ ... ولا تُلْقي على ثُفْلٍ طَحينا (1)

كلانا ناظر ورداً
" قالها بمناسبة ما جرى في بعض المجالس من المذاكرة في معنى البيتين المشار إليهما في هذه الأبيات التالية".
أَنْشَدَتْنا شِعْرَ لَهْفانٍ عَلى ... وَصْلِ لَيْلى وَلَيالي الرَّقْمَتَيْنِ (2)
قُلْتُ: خَلِّي ذِكْرَ مَنْ قالَ وَلَمْ ... يُبْرِزِ المَعْنى: رَأَتْ بَدْراً بِعَيْني
واذْكُري يَوْمَ تَلاقينا عَلى ... رَبْوَةٍ والماءُ صافٍ كاللُّجَيْنِ
غادَةٌ تَرْنو إلى وَرْدِ الرُّبى ... وفَتىً يَلْحَظُ وَرْدَ الوَجْنَتَيْنَ

أحمد الظعن
" قيلت على لسان قلم أهداه لأحد الكتاب بعد عودته من برلين سنة 1334 ه ".
أطْوي المَراحِلَ مِنْ "بَرْلينَ" في أَمَلٍ ... لَمْ يَجْنِ زَهْرَتَهُ كَفُّ الَّذي قَطَنا (3)
فَأَحْمَدُ الظَّعْنَ إِنَّ الظَّعْنَ أَظْفَرَني ... بِأَنْمُلٍ تَخْدِمُ الإسْلامَ والوَطَنا (4)

الزّيارة دعامة الصّداقة
لي صَديقٌ أَلْقاهُ يَوْماً فَيَوْماً ... في احْتِفاءٍ وَما شَعَرْنا بِغَبْنِ (5)
__________
(1) الرحى: الطاحون. الثفل: جلد يبسط فتجعل الرحى فوقه، فتطحن باليد ليسقط عليه الدقيق.
(2) اللهفان: المتحسر.
(3) المراحل: جمع المرحلة: المسافة التي يقطعها المسافر في اليوم.
(4) الظعن: السير. الأنمل: جمع الأنملة: رأس الأصبع.
(5) الغبن: الخديعة.
(7/ 2/221)

غابَ عَنَّا ثَلاثَةً فَعَتِبْنا ... خَوْفَ أَنْ يُبْتَلى الوِدادُ بِوَهْنِ
وإذا رُمْتَ للصَّداقَةِ حِصْنا ... فَعِتابُ الصَّديقِ أَمْنَعُ حِصْنِ
قالَ: أَخْشَى إذا وَصَلْتُ لِقاءً ... بِلِقاءٍ أَنْ يَسَأَمَ الخِلُّ مِنِّي
قُلْتُ: أَصْفَيْتُكَ الوِدادَ لأَخْلا ... قٍ سِماحٍ كأَنَّها ماءُ مُزْنِ (1)
فَإذا ما سَئِمْتُ مَلْقاكَ فَايْقِنْ ... أَنَّني قَدْ سَئِمْتُ لَحْظي وجَفْني

ننجي الوطنا
طالَ لَيْلي ولِما طالَ وَلَمْ ... أَشْكُ هِجْرانَ حَبيبٍ أَوْ ضَنى (2)
فَكَأَنَّ الصُّبْحَ طِرْفٌ جامِحٌ ... سارَ شَوْطاً نَحْوَنا ثُمَّ انْثَنى (3)
أَرَقٌ يَمْلأُ أَجْفاني وقَد ... مُلِئَتْ أجْفانُ غَيْري وَسَنا
أتَرى اللَّيْلَ سَواداً غَرِقَت ... فيهِ آفاقٌ وَوارى أَعْيُنا؟
أمْ تُرى الصُّبْحَ بَياضاً خَطَّهُ ... في جَبينِ الْكَونِ وَضَّاحُ السَّنا؟ (4)
لَمْ نَزَلْ في غَسَقٍ مُذْ هَزَّ في ... أَرْضِنا الطَّاغي بُنوداً وقَنا (5)
__________
(1) المزن: السحاب.
(2) الضنى: المرض والهزال وسوء الحال.
(3) الطِّرف: الكريم من الخيل. وكذلك الكريم الأطراف من الآباء والأمهات. الجامح: اسم فاعل، الذكر والأنثى فيه سواء، ويجمع على جوامح، يقال: جمح الفرس: ركب رأسه لا يثنيه شيء.
(4) السنا: الضوء الساطع، والمراد به، الشمس.
(5) البنود: جمع البند: العلم الكبير.
(7/ 2/222)

وَصَباحي يَوْمَ نَطْوي بَنْدَهُ ... بِيَدِ الْقَهْرِ وَنُنْجي الوَطَنا

خانها الحرّاس
" قالها في واقعة حال بالآستانة".
يا رِياضاً خانَها الحُرَّاسُ إذْ ... غَرِقَتْ أَعْيُنُهُم في وَسَنِ (1)
سَرَقَتْ ريحُ الصَّبا مِنْكَ شَذاً ... طابَ وانْسابَتْ بِهِ في الدِّمَنِ (2)

على طريقة حديث عنقاء
" قالها بمناسبة مذاكرة أدبية جرى فيها قول أبي سهل في طالع قصيدة: حديث عنقاء صب أدرك الأملا".
حَديثُ عَنْقاءَ شَعْبٌ أَنْقَذَ الوَطَنا ... ولَمْ يَسُلَّ سُيوفاً أَوْ يَهُزَّ قَنا (3)
والعِزُّ يَجْعَلُ أَرْضي رَوْضَةً أُنُفاً ... فَإِنْ أَناخَ بِها ضَيْمٌ غَدَتْ دِمَنا (4)
وَلَيْسَ يَلْدِزُ والبُرْدُ الْقَشيبُ إذا ... ما ساسَنا الخَصْمُ إلَّا الْقَبْرَ والكَفَنا (5)
__________
(1) الوسن: شدة النوم.
(2) الدمن: جمع الدمنة: آثار الدار.
(3) العنقاء: طائر معروف الاسم مجهول الجسم لا يعرف، ويراد بحديث عنقاء: الأمر لا حقيقة له، قال الشاعر:
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن،
وقال آخر:
ثلاثة ليس لها وجود ... الغول والعنقاء والودود.
(4) الروضة الأنف: التي لم يرعها أحد. أناخ: أنزل. الضيم: الظلم.
(5) يلدز: قصر السلاطين العثمانيين في الآستانة. القشيب: الجديد.
(7/ 2/223)

عُسْفُ العِدا دَرَنٌ فاسْكُبْ عَلَيْهِ دَماً ... مِنَ الدِّماءِ الْغَوالي تَغْسِلُ الدَّرَنا (1)
ولا يَروعَنْكَ جُنْدٌ شَنَّ غارَتَه ... على الْبُغاثِ فَلاقى الجُبْنَ والوَهَنا (2)
إنَّ الصُّقورَ إذا انْقَضَّتْ تُنافِحُ عَنْ ... أَوْكارِها لَمْ تَهَبْ جُنْداً ولا ثُكَنا (3)
وسيَرةُ الحُرِّ إذْ يُبْلى بِطاغِيَةٍ ... يَسومُهُ رَهَقاً أَنْ يَهْجُرَ الوَسَنا (4)
وُيسْرِحَ الطَّرْفَ في غَوْرٍ وفي عَلَمٍ ... ويُنْفِذَ السَّهْمَ إنْ سِرًّا وَإنْ عَلَنا (5)
يَبْغي الحَياةَ فَإِنْ ضاقَتْ عَلى الهِمَمِ الْ ... كُبْرى فَما هُوَ مِمَّنْ يَعْشَقُ الزَّمَنا

الدّعاء للميّت خير من تأبينه
" قيلت في مستشفى فؤاد الأول بالقاهرة في ربيع الآخر سنة 1368 ه ".
تُسائِلُني هَلْ في صِحابِكَ شاعِرٌ ... إذا مُتَّ قالَ الشِّعْرَ وَهْوَ حَزينُ
فَقُلْتُ لها: لا هَمَّ لي بَعْدَ مَوْتَتي ... سِوى أَنْ أَرى أُخْرايَ كَيْفَ تَكونُ
وما الشِّعْرُ بِالمُغْني فَتيلاً عَنِ امْرِئٍ ... يُلاقي جَزاءً والجَزاءُ مُهينُ (6)
وَإنْ أَحْظَ بالرُّحْمى فَما لِيَ مِنْ هَوًى ... سِواها، وأَهْواءُ النُّفوسِ شُجونُ
__________
(1) العسف: الظلم. الدرن: الوسخ.
(2) البغاث: طائر لا يصاد ولا يُرغب في صيده، شرار الطير.
(3) الثكن: جمع الثكنة: مركز الأجناد ومجتمعهم على لواء صاحبهم، وإن لم يكن هناك لواء ولا علم.
(4) الرهق: حمل الإنسان على ما لا يطيقه.
(5) الغور: ما انحدر من الأرض. العلم: الجبل الطويل.
(6) الفتيل: حبل دقيق من خزم أو ليف أو غيره.
(7/ 2/224)

فَخَلِّي فَعولُنْ فاعِلاتٌ تُقالُ في ... أُناسٍ لَهُمْ فَوْقَ التُّرابِ شُؤونُ
وَإنْ شِئْتِ تَأْبيني فَدَعْوَةُ ساجِدٍ ... لَهُ بَيْنَ أَحْناءِ الضُّلوعِ حَنينُ (1)

[من برلين إلى دمشق]
" قيلت في دمشق عند رجوعه من ألمانيا سنة 1337 ه ".
سَئِمْتُ، وَما سَئِمْتُ سِوى مُقامي ... بِدارٍ لا يَروجُ بِه بَياني (2)
فَأَزْمَعْتُ الرَّحيلَ، وفَرْطُ شَوْقي ... إلى بَرَدَى تَحَكَّمَ في عِناني
بَكَرْتُ إلى القِطارِ فَسارَ تَوًّا ... إلى مَرْسى السَّفينِ كَأُفْعُوانِ (3)
نَهَضْتُ على السَّفينَةِ في رِفاقٍ ... سَلَوْتُ بِأُنْسِهِمْ نُوَبَ الزَّمانِ
وقَضَّيْنا بِها عِشْرينَ يَوْماً ... فَلَمْ نَلِجِ الْبِلادَ ولا المَواني
تُقَلِّبُها الْعَواصِفُ كَيْفَ شاءَتْ ... وتَقْذِفُها بأَمْواجٍ سِمانِ
أَلا بُعْداً لِما تُذْكيهِ ريحٌ ... عَلى الدَّأْماءِ مِنْ حَرْبٍ عَوانِ (4)
رَسَتْ بِمياهِ لُنْدُنَ وَهْيَ قُصْوى ... فَلا بَشَراً نُحِسُّ ولا المَغاني (5)
وَوافاها الْعريفُ ومُسْعِدوهُ ... سِراعاً في زَوارِقَ كالْهِجانِ (6)
__________
(1) التأبين: الثناء على الميت.
(2) يروج: يقال: راجت السلعة: أي: نفقت.
(3) مرسى السفين: ميناء هامبورغ بألمانيا.
(4) الدأماء: البحر. حرب عوان: هي الحرب التي قوتل فيها مرة بعد أخرى.
(5) لندن: عاصمة إنكلترا. قصوى: بعيدة. المغاني: جمع المغنى: المنزل.
(6) العريف: القيم بأمر القوم الذي عرف بذلك. الهجان من الإبل: البيض الكرام.
(7/ 2/225)

وأَبْصَرْنا جَفاءً في وُجوهٍ ... مُقَطِّبَةٍ وأَحْداقٍ رَواني
فَقُلْ لِلإنْكليزِ صَرَعْتَ خَصْماً ... وحُزْتَ السَّبْقَ في يَوْمِ الرِّهانِ
فَخَلِّ الشَّرْقَ يَنْهَضُ مُسْتَقِلًّا ... فَما هُوَ بِاليَؤُوسِ ولا الجَبانِ
* * *
أَرُبَّانَ السَّفينَةِ قِفْ مَلِيًّا ... نُؤَبِّنُ فاتِحاً ثَبْتَ الجَنانِ (1)
كَأَنَّ رِيَاحَ هذا الصُّبْحِ مَرَّتْ ... بِأَرْواحٍ تَنَعَّمُ في الجِنانِ (2)
أَرى جَبَلاً تَسَنَّمَهُ قَديماً ... دُعاةُ الحَقِّ والسُّنَنِ الحِسان (3)
وَساسُوا أرضَ أَنْدَلُسٍ بِعَدْلٍ ... كما صَنَعوا بِأَرْضِ القَيْرَوانِ
وما اْنْقَلَبَتْ إلى الإسْبانِ إلِّا ... عَلى أَيْدي الْمَزاهِرِ والقيِانِ
عَبَرِنا الدَّرْدَنيلَ ضُحًى وجِئْنا ... فَروقَ وقَدْ تَهاوَتْ في هَوانِ (4)
لَمَحْتُ عَلى الوُجوهِ بِها كُسوفاً ... وكِدْتُ أَرى التَّجَهُّمَ في المَباني
يَميسُ بأَرْضِها الحُلَفاءُ سَكْرى ... وإنْ لَمْ يَحْتَسوا بِنْتَ الدِّنانِ (5)
ولَمْ أَعْهَدْ بِها إِلَّا حُصوناً ... كَسَتْها رَوْعَةَ السَّيْفِ الْيَماني
* * *
__________
(1) الفاتح: طارق بن زياد. الجَنان: القلب.
(2) الجِنان: جمع الجنة: الحديقة ذات الشجر.
(3) تسنَّم الشيء: علاه.
(4) فروق: إستانبول.
(5) بنت الدنان: الخمر.
(7/ 2/226)

بَرِحْتُ فَروقَ مَأْسوفاً وهذي ... رُبى أَزْميرَ حالِكَةُ الدِّجانِ (1)
يَجوسُ خِلالَها اليُونانُ مَرْحى ... مِراحَ الفُرْسِ يَوْمَ المِهْرَجانِ (2)
فَيا نَكَدي يَسوسُ الخَصْمُ أَمْري ... وكُنْتُ أَذَقْتُهُ حَرَّ الطِّعانِ
* * *
قَصَدْتُ إلى الشَّآمِ ولَسْتُ أدْري ... أَيَقْسُو أَمْ يَلينُ بِها زَماني
وللإفرَنْجِ في بَيْروتَ عَيْنٌ ... يُسَمّى مَنْ يُساجِلُهُمْ بِجاني (3)
وَصَلْتُ إلى طَرابُلُسٍ وَحِيداً ... أُعانِي بِالتَّنَكُّرِ ما أُعَاني (4)
يَشينُ قِبابَها عَلَمٌ غَريبٌ ... وَذاكَ عَلامَةُ الوَطَنِ الْمُهانِ
هَلُمَّ حَقيبَتي لأِحُطَّ رَحْلي ... فَنَفْحُ زُهورٍ جِلَّقَ في تَداني
فَخُضْ بي أَيُّها الحادي رُبَاها ... وَأَلْقِ عَصا التَّرَحُّلِ غَيْرَ وانيٍ (5)
حَلَلْتُ بِها وَلَمْ أَفْقِدْ نَدَامَى ... عَلى أَدَبٍ وعَيْشاً في لِيانِ (6)
ولِلأَقْدارِ في الدُّنْيا صُروفٌ ... طَوَيْتُ على الحَديثِ بِها لِساني (7)
__________
(1) أزمير: مرفأ في تركيا على بحر إيجه. الدِّجان: جمع الدّجين: إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء.
(2) المِراح: التبخر والاختيال.
(3) العين: الجاسوس. ساجل: بارى وفاخر وعارض.
(4) طرابلس: مدينة ساحلية في لبنان.
(5) الواني: الضعيف البدن.
(6) ليان: رخاء العيش ونعيمه.
(7) الصروف: جمع الصرْف: حدثان الدهر ونوائبه.
(7/ 2/227)

على النّيل
عَبَرْتُ عَلى جِسْرٍ أَرى النَّيلَ تَحْتَهُ ... إلى رَوْضَةٍ فاشْتَقْتُ مَنْهَلَ زَغَوانِ (1)
صِراطٌ وفِرْدَوْسٌ وسَلْسَالُ كَوْثَرٍ ... وما قَيْظُ أَشْواقي سِوى وَهْجِ نيرانِ

أزمير
لأَزْميرَ شَكْلٌ كالهِلالِ مَقَوَّسٌ ... وَلَكِنْ لَهُ في مُنْتَهى البَحْرِ أَلوانُ
وَأَحْسَبُهُ الشَّكْلَ الَّذي اخْتَطَفَ النُّهى ... لِقَوْمٍ فَقَالوا: في الكَواكِبِ سُكَّانُ
__________
(1) زغوان: نهر في تونس.
(7/ 2/228)

قافية الهاء
تحية دمشق سنة 1356 ه (1)
زارَها بَعْدَ نَوًى طالَ مَداها ... فَشَفى قَلْباً مُجِدّاً في هَواها (2)
راحَ نَشْوانَ ولا راحٌ سِوى ... أَنْ أَرى الشَّامَ وَحَيَّاهُ شَذاها (3)
نَظرَةٌ في ساحِها تُذْكِرُهُ ... كَيْفَ كانَ الْعَيْشُ يَحْلو في رُباها
ما شَكا فيها اغْتِراباً، وإذا ... حَدَّثَّتْهُ النَّفْسُ بالشَّكْوى نَهاها
مَنْ يَحُثُّ العِيسَ في البِيدِ إلى ... بَرَدَى يَحْمَدُ لِلعيسِ سُراها (4)
فَهُنا قامَتْ نَوادي فِتْيَةٍ ... تَبْلُغُ النَّفْسُ بِمَلْقاهُمْ مُناها
أَدَبٌ يَزهو كَزَهْرٍ عَطِرٍ ... أَرْشَفَتْهُ السُّحْبُ مِنْ خَمْرٍ نَداها
خُلُقٌ لَوْ نَصَحَ الخَوْدَ بِهِ ... ناصِحٌ لَاتَّخَذَتْ مِنْهُ حُلاها (5)
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد العاشر.
(2) النوى: البعد.
(3) الراح: الخمر.
(4) العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة، أو ظلمة خفية، الواحد أعيس، والواحدة عيساء، ويقال: هي كرام الإبل. بردى: نهر في دمشق. السُّرى: سير عامة الليل.
(5) الخوْد: الحسنة الخَلْق.
(7/ 2/229)

مَلؤوا "جِلَّقَ " أُنْساً فَأَرى ... لَيْلَها طَلْقَ المُحَيَّا كَضُحاها (1)
شَدَّ ما لاقَوْا خُطوباً فَانْتَضَوْا ... مُرْهَفاتِ الْعَزْمِ طَعْناً في لَهاها (2)
عِزَّةُ الأُمَّةِ في نَشْءٍ إذا ... نَشَبَتْ في خَطَرٍ كانوا فِداها
وَجَناحا فَوْزِها اسْتِمْساكُها ... بِهُدى اللهِ وإرْهافُ قَناها
هِيَ عَيْنٌ والهُدى إنْسانُها ... فَإذا ما فَسَقَتْ لاقَتْ عَماها (3)
رَتِّلِ الذِّكرَ مَلِيَّاً تَرَهُ ... يَغْرِسُ الحِكْمَةَ أَوْ يَجْني جَناها
أطْلَقَ الأَفْكارَ مِنْ أَصْفادِها ... فَمَضَتْ تَرْعى الثُّرَيّا وسُهاها (4)
خُضْ عُلومَ الْكَوْنِ أَحْقاباً وسِرْ ... في سَماها إنْ تَشَأْ أَوْ في ثَراها (5)
لا تَرى في الدِّينِ إلَّا مُغْرِياً ... بِحُلاها أَوْ مُزيحاً لَقَذاها (6)
ذَكَّرونا سَلَفاً قامَ عَلى ... خُطَّةٍ غَرَّاءَ والدَّهْرُ طَواها (7)
أُمَّةٌ يُذْكي التُّقى غَيْرَتَها ... مِثْلَما يُذْكي النَّدى نارَ قِراها (8)
__________
(1) جلق: دمشق.
(2) اللهى: جمع اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.
(3) الإنسان: المثال الذي يرى في سواد العين.
(4) الأصفاد: جمع الصفد: الوثاق الذي يشد به الأسير. الثريا: سبعة كواكب في عنق الثور، سميت بذلك؛ لكثرة كواكبها مع ضيق المحل. السها: كوكب خفي من بنات نعش الصغرى.
(5) الأحقاب: جمع الحُقب: ثمانون سنة، وقيل: أكثر من ذلك، الدهر.
(6) القذى: ما يقع في العين وفي الشراب من تبنة أو غيرها.
(7) السلف: كل من تقدمك من آبائك وقرابتك، والجمع أسلاف.
(8) الندى: الجود. القرى: الضيافة.
(7/ 2/230)

شَرَفٌ لَوْ آنَسَتْهُ الشَّمْسُ في ... أُفْقِهِ الأَعْلى لَظَنَّتْهُ أَباها
أَوَ يُجْدي مَجْدُ أَسْلافٍ إذا ... غَرِقَتْ أَجْفانُ خَلْفٍ في كَراها (1)
أُمَّةٌ تَلْهو بِذِكْرى تالِدٍ ... عَنْ طَريفٍ لَمْ تَرِمْ عَهْدَ صِباها (2)
فَابْعَثوها هِمَماً تَسْمو كَما ... سَمَتِ الجَوْزاءُ تَزْهو في سَناها (3)
ما الفَخَارُ الحَقُّ إلَّا نَهْضَةٌ ... أَحْكَمَ الإيمانُ والْعِلْمُ عُراها

سرق الغمام
سَرَقَ الغَمامُ الْيَوْمَ ظِلّي بَعْدَ أَنْ ... رَسَمَتْهُ في "لنداو" شَمْسُ ضُحاها
ويَدُ الرّحيلِ تَخَطَّفَتْ مِنْ "جِلَّقٍ" ... جِسْمِي وأَبْقَتْ مُهْجَتي بُرباها
فَأَنا خَيالٌ والبُحَيْرَةُ مُقْلَةٌ ... لَكِنْ تَطاولَ بِالخَيالِ كَراهَا

[ها هنا شمسُ علوم]
" عاد الشاعر من ألمانيا سنة 1334 ه إلى الآستانة، وكان خاله العلامة الشيخ محمد المكي بن عزوز (4) قد توفي بها قبل قدوم صاحب الديوان بنحو شهرين، فزار قبره. وبهذه المناسبة قال هذه القصيدة".
رُبَّ شَمْسٍ طَلَعَتْ في مَغْرِبٍ ... وتَوارى في ثَرى الشَّرْقِ سَناها
__________
(1) الكرى: النعاس.
(2) التالد: المال القديم. الطريف: المكتسب من المال.
(3) الجوزاء: برج في السماء.
(4) محمد المكي بن عزور: (1270 - 1334 ه) عالم محدث مؤرخ فقيه أديب، ولد في "نفطة" بتونس، وولي القضاء والإفتاء بنفطة، ثم رحل إلى الآستانة، فتولى تدريس الحديث في "دار الفنون ومدرسة الواعظين"، وتوفي بالآستانة، له مؤلفات عديدة في سائر العلوم.
(7/ 2/231)

هاهُنا شَمْسُ عُلومٍ غَرَبَتْ ... بَعْدَ أنْ أبْلَتْ "بِتِرْشِيشَ" ضُحاها (1)
بِفُؤادي لَوْعَةٌ مِنْ فَقْدِها ... كُلَّما أَذْكُرُهُ اشْتَدَّ لَظاها
فَقِفا لَمْحَةَ طَرْفٍ نقتَني ... عِبَراً مِنْ سِيرَةٍ طابَ شَذاها
أَيُّها الرَّاحِلُ قَدْ رَوَّعْتَنا ... بِفِراقٍ حَرَمَ الْعَيْنَ كَراها
لَكَ نَفْسٌ سَرَّحَتْ هِمَّتَها ... في مَراعي الْعِلْمِ مِنْ عَهْدِ صِباها
صاعَرَتْ لِلَّهْوِ خَدًّا وَرَأَتْ ... في ذُرى الْعَلْياءِ أَهْدافَ هَواها
تَتَباهى الْبيضُ في يَوْمِ الوَغى ... بِظُباً مُرْهَفَةٍ لا بِحُلاها (2)
وحِجاً أَشْرَفَ مِنْ عَلْيائِهِ ... يَجْتَلي زُهْرَ الدَّيَاجي وسُهاها (3)
غِبْتُ في ذِكْرى لَيالٍ غَضَّةٍ ... وَثَبَ الدَّهْرُ عَليْها فَطَواها
إذْ رُبى "نَفْطَةَ" تُزْهى في حُلى ... زَهْرِها الرَّيَّانِ مِنْ خَمْرِ نَداها (4)
وظِلالٍ بَيْنَ دَوْحٍ ناضِرٍ ... ونُهورٍ يَبْهَرُ الكَأْسَ صَفاها
وطُيورُ الأَيْكِ في أَغْصانِها ... تَخْطَفُ السَّمْعَ بِأَنْغامِ لُغاها (5)
بَيْنَ هاتيكَ الرُّبى لَقَّنْتَنا ... أدَبَ الْعُرْبِ كِتاباً وَشِفاها
__________
(1) ترشيش: اسم قديم من أسماء تونس.
(2) البيض: جمع الأبيض: السيف. الوغى: الحرب. الظبا: جمع الظبي: حد السيف. مرهف: محدد مرقق الحد.
(3) الحِجا: العقل. السها: كوكب خفي من بنات نعش الصغرى.
(4) نفطة: بلدة في الجريد من أعمال تونس. الريان: ضد العطشان.
(5) الأيك: الشجر الكثيف الملتف، الواحدة أيكة. لغى: جمع لغة.
(7/ 2/232)

وتَرَحَّلْتَ إلى تونُسَ في ... نِعْمَةِ الْمَغْبوطِ إِقْبالاً وَجاها (1)
صُغْتَ بِالتَّدْريسِ أَطْواقاً شَبا ... دُرُّها بالجامِعِ السَّامي فتاها (2)
أَيْنَما كُنْتَ تَداعَتْ أُمَمٌ ... تَتَمَلّى رَوْضَةً يَحْلو جَناها
مِنْ عُلومِ اللُّغَةِ الْفُصْحى إلى ... حِكْمَةِ الشَّرْعِ إلى عِلْمٍ سِواها (3)
لُغَةُ الْعُرْبِ ثِقافٌ لِلنُّهى ... وعُلومُ الدِّينِ نِبْراسُ هُداها (4)
وتَفاءَلْتَ فَأزْمَعْتَ النَّوى ... و (بإِسْتانْبولَ) أَلْقَيْتَ عَصاها (5)
أَلَقِيتَ الأُنْسَ في أَرْجائِها ... مِثْلَما تَلْقى بِها ريحَ صَباها؟
زُرْتُ مَغْناكَ ومِنْ سُمَّارِكَ الْ ... قَلَمُ الْباحِثُ في سُنَّةِ (طهَ) (6)
ورِجالٌ بَعَثوا أَرْواحَهُمْ ... في قَراطيسَ تُناجي مَنْ وَعاها
لَمْ تَعِشْ فيها غَريباً فَقَرا ... بَةُ أَهْلِ النُّبْلِ أَحْكَمْتَ عُراها
__________
(1) المغبوط: الذي يتمنى الإنسان مثل حاله من غير أن يريد زوالها عنه؛ لما أعجبه منه، وعظم عنده.
(2) شبا: أضاء.
(3) علم سواها: كان العلامة محمد مكي بن عزوز عارفاً بعلم الفلك، وله فيه مؤلف مطبوع، إضافة إلى رسوخه في علوم الشريعة، وعلوم اللغة العربية.
(4) الثقاف: آلة من خشب تسوى بها الرماح. النبراس: المصباح، ويجمع على نباريس.
(5) ألقى عصاه: بلغ موضعه، وأقام واطمأن وترك الأسفار، وكانت رحلته إلى الآستانة سنة 1318 ه.
(6) المغنى: المنزل.
(7/ 2/233)

عَرَّجَ النَّاعي عَلى أَنْدِيَةٍ ... كُنْتَ إنْ وافَيْتَها قُطْبَ رَحاها (1)
ودَرَتْ "دارُ الْفُنونِ" النَّعْيَ مِنْ ... صُبْحِها الطَّالِعِ في لَوْنِ دُجاها (2)
طِبْ مُقاماً "يا بْنَ عَزُّوزٍ" فَقَدْ ... كُنْتَ تُعْطي دَعْوَةَ الحَقِّ مُناها

دقاقة الأعناق
" قالها في مصر بمناسبة بلوغه الستين".
قَضَيْتَ سِتِّيْنَ عاماً في الحَياةِ وَهَلْ ... قَضَّيْتَ يَوْمَيْنِ مِنْها في رِضا اللهِ
فَلا يَغُرَّنْكَ أَقْلامٌ وأَلْسِنَةٌ ... تَقولُ إنَّكَ ذو عِلْمٍ وذو جاهِ
وما أُبَرِّئُ نَفْسي والهَوى يَقِظٌ ... بَيْنَ الجَوانِحِ وَهْوَ الآمِرُ النَّاهي
وافَتْكَ دَقّاقَةُ الأَعْناقِ مُنْذِرَةً ... فَأرْعِها بانْتِباهٍ سَمْعَ أَوَّاهِ (3)
سِواكَ جاوَزَها في صَبْوَةٍ فَهَوى ... في حَمْأَةٍ مِنْ حَياةِ السَّادِرِ اللاَّهي (4)
فَانْهَضْ إذا ما لَمَحْتَ الخَيْرَ في عَمَلٍ ... وخَلِّ "سَوْفَ" لِعَزْمٍ خامِلٍ واهِ

[إلى الحاكم المسلم]
رُزِقْتَ جاهاً فَخَلِّ العِزَّ يَحْميهِ ... والْعِزُّ حِصْنٌ وتَقْوى اللهِ تَبْنيهِ
__________
(1) قطب الرحى: سيد القوم الذي يدور عليه أمرهم.
(2) دار الفنون: معهد أنشأته الحكومة العثمانية بالآستانة يدرس فيه علوم الدين والعربية، وكان العلامة ابن عزوز مدرس علم الحديث في المعهد.
(3) دقاقة الأعناق: هي العشر السنين ما بين الستين والسبعين من عمر الإنسان، وهكذا يسميها العرب. الأواه: الموقن، أو الدّعاءِ أو الرحيم الرقيق.
(4) الصبوة: جهلة الفتوة. الحمأة: الطين الأسود المنتن. السادر: الذي لا يهتم ولا يبالي بما صنع.
(7/ 2/234)

قُلِّدْتَ حُكْماً ومِنْهاجُ السِّياسَةِ أَنْ ... تَرْعى الشَّريعَةَ فيما أَنْتَ قاضِيهِ
أنْتَ الهُمامُ الَّذي يَقْضي اللَّياليَ في ... صَحْوٍ مِنَ الحَزْمِ لا في سَكْرَةِ التِّيهِ (1)
وَلَسْتَ أنتَ كَزَيْدٍ إنْ يُصِبْ هَدَفاً ... أَوْ لا يُصِبْ، قَلَّ لاحِيهِ ومُطْريهِ (2)
بَلْ أَنْتَ كالبَدْرِ يَدْري النَّاسُ قاطِبَةً ... لَوْ حادَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَنْ مَعاليهِ
يَجْتابُ سيرَتَكَ النُّقادُ في مَلإٍ ... أَو في طُروسٍ بِلَوْمٍ أَوْ بِتَنْبيهِ (3)
والشَّعْبُ كالدَّوْحِ يَسْتَمْري الْغَيُورُ لَهُ ... أَخْلافَ مُزْنَةِ عِرْفانٍ فَيُحْيِيهِ (4)
ولا فَلاحٌ إذا ما قَيَّدَتْهُ يَدٌ ... عَنِ النُّهوضِ إلى أَقْصى أمانيهِ
ومَنْ يُذِقْهُ رَحيقَ الأَمْنِ يَرع لَهُ ... حُسْنَ الوَلاءِ وبالأَرْواح يَفْديهِ
وما الوَلاءُ سِوى مُهْرٍ لِهِمَّةِ مَنْ ... يَرى سَماءَ الهُدى أَعْلى مَراقيهِ
فَإنْ تَضَعْ لَبنِاتٍ في بِناءِ عُلاً ... تَنافَسَ الْقَوْمُ في إنْجازِ باقيهِ
وإنْ نهَضْتَ لِخَصْمٍ يَوْمَ مَلْحَةٍ ... كانوا الأَسِنَّةَ طَعْناً في تَراقِيهِ (5)
حُلَى السِّياسة حِلْمٌ إذْ يَزِلُّ فَتًى ... لا يَعْرِفُ النَّاسُ شَرّاً في مَساعيهِ
__________
(1) الهمام: الملك العظيم الهمة، السيد الشجاع. التيه: الصلف والكبر، الضلال.
(2) اللاحي: اللائم. المطري: المادح، والذي يثني على الناس.
(3) يجتاب: يقطع ويخرق.
(4) يستمري: يستدر. أخلاف: جمع خِلْف: حلمة ضرع الناقة. المزنة: القطعة من السحاب به ماء.
(5) الملحمة: الوقعة العظيمة القتل في الفتنة. التراقي: جمع الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين.
(7/ 2/235)

وإنْ تَبارى وُلاةٌ فَالفَخارُ لِمَنْ ... يَسوسُ حُرّاً بإصْلاحٍ وتَوْجيهِ
وللرَّئيسِ عُيونٌ مِنْ بِطانتَهِ ... تَفْري الظَّلامَ وتُوري ما انْطَوى فيهِ (1)
أَوْفى البِطانَةِ عَهْداً مَنْ يُبَلِّغُ ما ... دَراهُ مِنْ غَيْرِ تَزْويرٍ وتَمْويهِ
والْعَبْقَرِيَّةُ والشُّورى إذا التَقَتا ... عَلى بِساطِكَ قَرَّتْ عَيْنُ رائيهِ (2)
يَسْتَطْلِعُ المُسْتَشيرُ الرَّأْيَ يَرْدُفُهُ ... صَفاءُ أَفْئِدَةٍ كانَتْ تُجافيهِ (3)
تَسودُ بالحُكْمِ أَحْقاباً وذلِكَ ما ... أَعْني إذا قُلْتُ: لَيْتَ اللهَ يُبْقيهِ
والخُلْدُ لِلصِّيتِ والرَّأْيِ الَّذي ازْدَهَرَتْ ... بِهِ الصَّحائِفُ واسْتَدَّتْ مَراميهِ (4)

الكرمة
مِنْ بَديعِ الْكَوْنِ أَيْدٍ غَرَسَتْ ... دَوْحَةً في تُرْبَةٍ طابَ ثَراها
تَتَحَسَّى لَبَنَ الْمُزْنِ إلى ... أَنْ تَجَلَّتْ كَعَروسٍ في حُلاها (5)
تُرْسِلُ الْعُنْقودَ ما أَشْبَهَهُ ... بِالثُّرَيَّا وَهْيَ تُزْهى في دُجاها
يَرْشُفُ الْبائِسُ في الْقَوْمِ كَما ... يَرْشُفُ المُتْرَفُ مِنْ شَهْدِ لَماها (6)
هَلْ رَعى الإنْسانُ عَهْدَ اللهِ في ... دَوْحَةٍ تُطْعِمُهُ حُلْوَ جَناها
__________
(1) تفري: فرى الشيء فرياً: قطعه وشقه.
(2) قرت العين: بردت سروراً، وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه.
(3) يردف: يتبع.
(4) الصيت: الذكر الحسن ينتشر بين الناس. استدت: انتظمت واستقامت.
(5) تتحسى: تشرب شيئاً بعد شيء. المزن: السحاب ذو المطر.
(6) اللمى: سمرة في باطن الشفة، أو شربة سواد فيها، وذلك مما يستحسن.
(7/ 2/236)

قَلَبَ الْعَذْبَ إلى مُرٍّ وَكَمْ ... قَلَبَ الخَيْرَ إلى شَرٍّ فَتاها (1)
حَبَسَ الخَمْرَةَ حَتّى عَجَزَتْ ... وَاسْتَبانَ الْغَوْلُ فيها وتَناهى (2)
مَلأَ الإبْريقَ والكَأْسَ وما ... صَبَّ في أَحْشائِهِ إلَّا عَتاها (3)
فَهْوَ سَكْرانٌ فَلا تَسْمَعُ في ... نُطْقِهِ إلَّا هُذاءً وسِفاها (4)

في مصنع الزجاج
" قيلت في دمشق سنة 1332 ه ".
إنَّ هذا الزُّجاجَ يُصْنعُ كَأْساً ... لِيَبيتَ الحَليمُ مِنَّا سَفيها
وَيصوغُ الدَّواةَ مِنْ بَعْدِ كَأْسٍ ... لِيَصيرَ الجَهولُ حَبْراً نبَيها (5)
فَهْوَ كالفَيْلَسوفِ يَنْفُثُ غَيًّا ... ثُمَّ يَأْتي بِما يَرُوقُ الْفَقيها (6)

إفحام العَذول
قالَ العَذولُ، وقَدْ مَحَضْتُ مَوَدَّتي ... مَنْ يَزْدَهي في نَخْوَةٍ وأَلِفْتُ قُرْبَهْ (7):
أَتُحِبُّهُ وَقَدِ ازْدَهاهُ تَعَظُّمٌ؟ ... فَأَجَبْتُهُ: لَوْلا التَّعَظُّمُ لَمْ أُحِبَّهْ
__________
(1) تاه: صلف وتكبر وضلّ.
(2) عجزت: صارت عجوزاً، والعجوز: الخمر. الغول: السكر.
(3) العتاه: نقص العقل.
(4) الهذاء: التكلم بغير معقول لمرض أو غيره. السفاه: الجهل.
(5) الحبر: العالم الصالح.
(6) ينفث: يرمي من فيه. الغي: الضلال والانهماك في الجهل.
(7) العذول: الكثير اللوم. محضت: أخلصت.
(7/ 2/237)

كفى المرء نبلاً
" تشطير بيت اقترحه عليه أحد الأدباء في تونس".
"فَمَنْ ذا الَّذي تُرْضى سَجَاياهُ كُلُّها" ... فَلَمْ يَلْقَهُ بِالعَذْلِ يَوْماً مُراقِبُهْ (1)
فَقُلْ لِلَّذي يُحْصي عُيوبَ ذَوي الْعُلا: ... "كَفى المَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُهْ"

[ويحها من ساعة]
كُنْتَ تَخْشى اللهَ في السِّرِّ فَما ... لَكَ تَرْعى حَوْلَ نارٍ مُحْرِقَهْ (2)
أَخَلا الْقَلْبُ مِنَ التَّقْوى وَقَدْ ... كانَ بالتَّقْوى كشَمْسٍ مُشْرِقَهْ
لا يَغُرَّنَّكَ عَيْشٌ رَغِدٌ ... وَزُهورٌ في الرُّبى مُتَّسِقَهْ
ومُنىً يُسْعِدُها الجاهُ فَلا ... تَجِدُ الأبْوابَ يَوْماً مُغْلَقَهْ
لا يَغْرَّنْكَ مَديحٌ رائِقٌ ... تَتَعاطاهُ شِفاهٌ لَبِقَهْ (3)
رُبَّ صيتٍ سارَ في النَّاسِ وَما ... هُوَ إلَّا كَلِمٌ مُخْتَلَقَهْ (4)
يُمْهِلُ اللهُ نُفوساً طالَما ... قَذَفَ الجَهْلُ بِها في موبِقَهْ (5)
وَيْحَها مِنْ ساعَةٍ لَوْ سَأَلَتْ ... عِنْدَها الأَمْنَ لَعادَتْ مُخْفِقَهْ (6)
__________
(1) السجايا: جمع السجية: الخلق والطبيعة.
(2) ترعى: تسرخ وتأكل.
(3) اللبقة: اللينة، اللطيفة الظريفة.
(4) الصيت: الذكر الحسن الذي ينتشر في الناس. الكلم: الكلمات.
(5) الموبقة: المهلكة.
(6) ويح: كلمة ترحم وتوجع.
(7/ 2/238)

أَفْلَحَتْ نَفْسٌ تُناجي رَبَّها ... وَهْيَ مِنْ أَسْرِ هَواهَا مُطْلَقَهْ

تقدير الأدب والألمعية
أُحِبُّكَ حُبَّ الأَديبِ الَّذي ... صَفا ذَوْقُهُ وتَسامى حِجاهُ (1)
وكَمْ تاقَ سَمْعي إلى سَمَرٍ ... لَذيذٍ فَيَلْقى لَدَيْكَ مُناهُ (2)
وإنْ تَطْوِ عَنَّا حَديثَكَ لَمْ ... نَجِدْ نَشْوَةَ الأُنْسِ فيما سِواهْ

مرقاة العلا
نَبَتَتْ نَفْسُكَ في وادي هُدًى ... وشَفَتْ مِنْ مَنْهَلِ الْعِلْمِ صَداها (3)
واكْتَسَتْ بالحَمْدِ أَسْنى حُلَلٍ ... أَوْرَثَتْها في الوَرى عِزًّا وَجاها (4)
تِلْكَ مِرْقاةُ العُلا والنَّفْسُ إنْ ... أَحْرَزَتْها بَلَغَتْ أَقْصى مُناها (5)
أَتَراها أَمِنَتْ عاصِفَةً ... مِنْ هَوًى تُطْفِئُ بِالعَصْفِ سَناها
يَصْرِفُ اللهُ الهوى عَنْ أَنْفُسٍ ... جَعَلَتْ طاعَتَهُ قُطْبَ رَحاها (6)

القلب كالرّحى
لا تُخْلِ نَفْسَكَ مِنْ فِكْرٍ تَجولُ بِهِ ... في الصَّالِحاتِ فَحَبْسُ الْفِكْرِ يُضْنيها
__________
(1) الحجا: العقل والفطنة.
(2) تاق: اشتاق.
(3) المنهل: المورد. الصدى: العطش الشديد.
(4) الورى: الخلق.
(5) المرقاة: الدرجة.
(6) قطب الرحى: أي: السيد الذي يدور عليه الأمر.
(7/ 2/239)

والْقَلْبُ إنْ لَمْ يَدُرْ يَوْماً عَلى رَشَدِ ... دارَتْ عَلَيْهِ هُمومٌ عَزَّ راقيها (1)
مِثْلُ الرَّحى إنْ تُدِرْها وَهْيَ خاوِيةٌ ... مِنَ الطَّعامِ فَإنَّ الطَّحْنَ يُرْديها (2)
__________
(1) الرَشد: الهداية. الراقي: من يصنع الرقية.
(2) الرَّحى: الطاحون.
(7/ 2/240)

قافية الواو
هي فطرة
" قيلت محاورة لمن أطلق في تفضيل عهد المشيب على عهد الشبيبة".
سَمَّيْتَ يا هَذا الشَّبي ... َبةَ سَكْرَةً والشَّيْبَ صَحْوَا
وَأَتَيْتَ في التَّمْثيلِ بِدْ ... عاً وَهْوَ لِلأُدباءِ سَلْوى (1)
أَمَّا أَنا فَرَأَيْتُ في ... بَعْضِ الشَّبابِ عُلاً وَتَقْوى
وَرَأَيْتُ رَأْيَ الحَقِّ في ... بَعْضِ الشُّيوخِ هَوًى وَلَهْوا
نَفْسانِ: تَحْمِلُ هَذِهِ ... كَدَراً، وتَحْمِلُ تِلْكَ صَفْوا
هِيَ فِطْرَةٌ بِيَدَيْكَ فَاصْ ... بُغْها كَما تَبْغي وتَهْوى (2)
تَزْكو إذا انْسَجَمَتْ بِها ... مِنْ مُزْنَةِ الْعِرْفانِ جَدْوى (3)
وتَحورُ أَنَّى ساوَرَت ... ها مِنْ جَليسِ السَّوْءِ نَجْوى (4)
__________
(1) البدْع: المبتدع. السلوى: كل ما سلّاك.
(2) الفطرة: الصفة التي يتصف بها كل موجود في أول زمان خلقته.
(3) المزنة: القطعة من السحاب به ماء. الجدوى: المطر العام، أو الذي لا يعرف أقصاه.
(4) تحور: تنقص. ساور: واثب. النجوى: السر.
(7/ 2/241)

قافية الياء
لوعة الفراق
قِفْ بِنا يا حادِيَ الرَّكْبِ مَلِيَّا ... فَالصَّبا أَهْدَتْ لَنا أَطْيَبَ رَيّا (1)
قِفْ مَلِيًّا هُوَ ذا الرَّبْعُ الَّذي ... كُنْتُ قَدْ أَوْدَعْتُهُ قَلْباً شَجِيّاً (2)
لَسْتُ أَدْري أَرَعَوْا بَعْدَ النَّوى ... عَهْدَنا أَمْ أَحْدَثوا في الْعَهْدِ شَيّا
قِفْ عَسى أَنْ أَجْنِيَ الأُنْسَ الَّذي ... كُنْتُ أَجْنيهِ غُدُوًّا وعَشِيّا
حَسْبُنا في الْعَيْشِ أَنَّا لا نَرى ... بَيْنَنا قَلْباً مِنَ الوُدِ خَلِيّا
وأحاديثٌ هِيَ الرَّاحُ الَّتي ... مَجَّها في الدَّنِّ عُنْقودُ الثُّرَيّا (3)
رَوَّعَ الْبَيْنُ فُؤاداً لا يُرى ... فَزِعاً يَوْمَ يُلاقي الْمَشْرَفِيَّا (4)
وبَدا الصُّبْحُ عَبوساً بَعْدَما ... كُنْتُ أَلْقى لَيْلَهُمْ طَلْقَ الْمُحَيَّا (5)
__________
(1) المليّ: الساعة الطويلة من النهار. الريّا: الريح الطيبة.
(2) الشجي: الحزين.
(3) الراح: الخمر. مجّ الشراب: رمى به من فيه. الدن: الوعاء.
(4) البين: الفرقة. المشرفي: السيف.
(5) المحيا: جماعة الوجه.
(7/ 2/242)

قِيلَ لي الطَّيْفُ أَنيسٌ، قُلْتُ ما ... تَرَكَ الوَجْدُ كَرًى في مُقْلَتَيّا (1)
عَلِموا التِّمْثالَ يُذْكي في الحَشا ... لَوْعَةَ الشَّوْقِ فَأَهْدَوْهُ إلَيَّا
لَيْسَ لي مِنْ سَلْوَةٍ عَنْهُمْ وَلَوْ ... بِتُّ طُولَ اللَّيْلِ لِلْبَدْرِ نَجِيّا (2)

[رثاء المرحوم تيمور باشا (3)]
أَهَذا الدُّجى والصُّبْحُ ما زالَ خافِيا ... أَمِ الصُّبْحُ وافى حائِلَ اللَّوْنِ داجِيا (4)
أُقَلِّبُ وَجْهي في الحَياةِ فَلا أَرى ... لَذيذاً وكانَ الْعَيْشُ بالأَمْسِ زاهِيا
حَمامَةَ وادي النِّيلِ راعَ حُشاشَتي ... هُتافُكِ إذْ أَرْسَلْتِهِ الْيَوْمَ شاجِيا
سَقى دَوْحَكِ الوَسْمِيُّ وَهْناً فَما لَنا ... نَرى غُصنَهُ الْمَيَّادَ أَغْبَرَ ذاوِيا (5)
لَحى اللهُ صَوْتَ الهَاتِفِ الْيَوْمَ إنَّهُ ... نُعابُ غُرابٍ يَقْرَعُ السَّمْعَ جافِيا (6)
أَصاخَ لَهُ صَحْبي فَأَنْبَأَ بِالَّتي ... تَشُبُّ الأَسى بَيْنَ الجَوانِحِ طاغِيا (7)
نَعى عَبْقَرِيَّ الشَّرْقِ تَيْمورَ فاغْتَدى ... لِمَنْعاهُ قَلْبُ الشَّرْقِ كالقَرْحِ دامِيا
__________
(1) الوجد: المحبة. الكرى: النعاس
(2) النجي: من تسارّه.
(3) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد الثاني.
(4) الدجى: الظلمة.
(5) الوسمي: مطر الربيع الأول، سمي به؛ لأنه يسم الأرض بالنبات. الوهن: نحو نصف الليل، أو بعد ساعة منه.
(6) الهاتف: آلة الهاتف المعروفة، وقد بلغ الشاعر نبأ الوفاة بواسطته.
(7) أصاخ: استمع وأصغى. تشب: توقد.
(7/ 2/243)

حَنانَيْكَ عَزِّ الْعِلْمَ والمَجْدَ والهُدى ... فَقَدْ كانَ عَلَّاماً مَجيداً وَهادِيا (1)
تَرَحَّلَ بالتَّقْوى وأَبْقى وَراءَهُ ... ثَناءً كَنَفْحِ المِسْكِ يَسْطَعُ ذاكِيا
رَعى اللهُ قَبراً، بَلْ رَعَى اللهُ رَوْضَةً ... تبوَّأها مَنْ كانَ لِلْعَهْدِ راعِيا

لماذا يبكي الطفل ساعة ولادته؟
" قالها الشاعر في الآستانة".
كَمْ لَيالٍ مَضَتْ وَلَمْ تَكُ شَيّا ... فَلِما صِرْتَ نامِيَ الجِسْمِ حَيّا؟ (2)
كُنْتَ في ظُلْمَةٍ فَوافَيْتَ نوراً ... تَتَمَلَّاهُ بُكْرَةً وَعَشِيّا (3)
أَكْرَمَتْ نُزْلَكَ الحَياةُ وَأَبْدَتْ ... لَكَ يَوْمَ الوِلادِ وَجْهاً سَنيّا (4)
فَعَلامَ اسْتَقْبَلْتَها بِنَحيبٍ؟ ... إنَّ في ذا النَّجيبِ سِرًّا خَفِيّا (5)
مَنْ يُلاقي الْبَشْيرَ في هَذِه الدَّارِ ... فَسَرْعانَ ما يُلاقي النَّعِيّا (6)
كّيْفَ يَصْفو عَيْشُ الأريبِ وَقَدْ جا ... وَرَ قَوْماً ضَلُّوا الصِّراطَ السَّوِيَّا
والهوى كالغُرابِ إنْ أَلِفَ النَّفْ ... سَ رَأَيْتَ النَّعيمَ مِنْها قَصِيّا
__________
(1) حنانيك: تحنن عليَّ مرة بعد أخرى.
(2) فلما صرت: يريد: فلم صرت؟ إذ المقام للاستفهام، وقد جاء إثبات ألف "ما" في مثل هذا في الشعر.
(3) تتملاه: تتمتع به. يقال: تملّى فلان عمره: استمتع به.
(4) النُّزْل: ما هيئ للضيف أن ينزل عليه؛ أي: رزقه وقراه.
(5) النحيب: رفع الصوت بالبكاء.
(6) البشير: المبشر. النعي: الناعي الذي يأتي بخبر الموت.
(7/ 2/244)

فَاصْرِفِ النَّفْسَ عَنْ هَواها إذا ما ... رُمْتَ عَيْشاً مِنَ الهُمومِ نَقِيّا

بطل الريف
" قالها بعد عودته من مقابلة بطل الريف الأمير محمد عبد الكريم الخطابي (1) على ظهر الباخرة بميناء السويس في منتصف ليلة السبت 11 رجب سنة 1366 ه ".
قُلْتُ لِلشَّرْقِ وَقَدْ قامَ عَلى ... قَدَمٍ يَعْرِضُ أَرْبابَ الْمَزايا:
أَرِني طَلْعَةَ شَهْمٍ يَنْتَضي ... سَيْفَهُ الْعَضْبَ ولا يَخْشى المَنايا (2)
أَرِنيها، إنَّني مِنْ أُمَّةٍ ... تَرْكَبُ الْهَوْلَ ولا تَرْضى الدَّنايا
فَأَراني بَطَلَ الرِّيفِ الَّذي ... دَحَرَ الأَعْداءَ فارْتَدُّوا خَزايا (3)
غَضْبَةٌ حَرَّاءُ هَزَّتْهُ لأِنْ ... يُنْقِذَ المَغْرِبَ مِنْ أيْدي الرَّزايا (4)
شَبَّ حَرْباً لَوْ شَدَدْنا أَزْرَها ... لأَصابَتْ كُلَّ باغٍ بِشَظايا (5)
__________
(1) زعيم قبائل الريف بالمغرب (1882 - 1963 م) شن حرباً دامية ضد الأسبان من أجل التحرير، نفاه الفرنسيون إلى إحدى جزر المحيط، واستطاع الفرار من سجانيه الفرنسيين عام 1947 م بينما كان يمر بقناة السويس في طريقه إلى منفى جديد بفرنسا، وكان الشاعر أول من استقبله في بورسعيد، وتوفي بالقاهرة.
(2) العضب: السيف القاطع.
(3) دحر: طرد وأبعد. الخزايا: جمع خزيان، يقال: خزي منه: استحى منه.
(4) حراء: ساخنة. الرزايا: جمع الرزيئة: المصيبة، ويقال: الرزية -بالإدغام-.
(5) الأزر: القوة، الظهر.
(7/ 2/245)

أنت صدر أينما كنت
شَرَفٌ كالشَّمْسِ في رَأْدِ الضُّحى ... وثَناءٌ كَشَذا المِسْكِ الذَّكِيِّ (1)
غايَةٌ مِضْمارُها الْغَوْصُ عَلى ... دُرُرِ الْعِلْمِ بِفِكْرِ الأَلْمَعِيِّ (2)
فَاطْلُبِ الحِكْمَةَ ما عِشْتَ وَدع ... زُخْرُفَ الدُّنْيا لِغُمْرٍ أوْ غَبِيٍّ (3)
لا تَضِقْ صَدْراً إذا لاقاكَ مِنْ ... مَجْلِسِ الْقَوْمِ جَفاءُ الجاهِلىِّ
أَنْتَ صَدْرٌ أَيْنَما كُنْتَ وإنْ ... جَلَسَ الأَذْنابُ في صَدْرِ النَّدِيِّ (4)

الألمعيّ
دَعَوْكَ الأَلْمَعِيَّ فَقُلْتُ خَلُّوا ... لِطُلَّابِ الْعُلا اسْمَ الأَلْمَعِيِّ (5)
وَأَمَّا مَنْ يَبيعُ عُلاً بِلَهْوٍ ... فَما في ثَوْبِهِ غَيْرُ الْغَبِيِّ

أسرب القطا
أَسِرْبَ القَطا والْبَيْنُ أَقْصى مَغانِيا ... تَمَلَّيْتَ أُنْساً في رُباها لَيالِيا (6)
__________
(1) رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء في الخمس الأول، وذلك شباب النهار.
(2) المضمار: الموضع.
(3) الغُمْر: من لم يجرب الأمور، الجاهل الأبله، جمع أغمار.
(4) الندي: مجلس القوم ومتحدثهم.
(5) الألمعي: الذكي المتوقد.
(6) السرب: الجماعة من النساء والبقر والقطا. القطا: جمع القطاة: طائر في حجم الحمام، صوته قطا .. قطا. المغاني: جمع المغنى: المنزل.
(7/ 2/246)

أَحِنُّ إلى المَغْنى الأَنيسِ وأَيْنُقي ... تَجوبُ لِمَلْقاهُ الْقُرى والْفَيافِيا (1)
أَعِرْني جَناحاً فالمَسالِكُ وَعْرَةٌ ... وَأَخفافُ تلْكَ الْعِيسِ أَمْسَتْ دَوامِيا (2)
أَعِرْني جَناحاً كَيْ أُلِمَّ بِجيرةٍ ... وشَمسٍ تَهادى في السَّماءِ كما هِيا
فَقالَ: أَعِشْتَ الدَّهْرَ في رأَسِ شاهِقٍ ... وَما زِلْتَ عَنْ مَجْلَى الحَضارَةِ نائِيا! (3)
مِنَ الإِنسِ أَسْرابٌ تَطيرُ كأَنَّها ... بُروقٌ إذا مَرَّتْ تَشُقُّ الدَّياجِيا
فَكُنْ طائِراً لا يَسْتَعيرُ قَوادِماً ... -إذا رامَ مَغْنىً قاصِياً- أَوْ خَوافِيا (4)

العُمر وعاء
عَهِدْتُكَ في الثَّقافَةِ عَبْقَرِيّا ... وَرَأْيُكَ يَكْشِفُ الأَمَدَ الْقَصِيّا (5)
ونَفْسُكَ لا تُطيعُ هَوًى إذا ما ... غَزا الأَهْواءُ قَلْباً سَمْهَرِيّا (6)
__________
(1) الأينق: جمع الناقة: الأنثى من الإبل. الفيافي: جمع الفيفي والفيفاء والفيفاة: المكان المستوي، وقيل: المفازة لا ماء فيها.
(2) الأخفاف: جمع الخف: وهو للبعير والنعام بمنزلة الحافر لغيرها. العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة، ويقال هي كرام الإبل، الواحد أعيس، والواحدة عيساء.
(3) المجلى: مقدمة الرأس.
(4) القوادم: عشر ريشات في مقدم الجناح، وهي كبار الريش، الواحدة قادمة. الخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت، وقيل: هي الأربع اللواتي بعد المناكب.
(5) الأمد: الغاية والمنتهى. القصي: البعيد.
(6) السمهري: الرمح الصلب.
(7/ 2/247)

عَلامَ صَمَدْتَ في وادٍ تلاقي ... عَلى جَنبَاتِهِ لَغْواً وَغَيَّا (1)
وآذاناً تَصامَمُ عَنْ رَشادٍ ... إذا هَزَّ الطُّغاةُ الْمَشْرَفِيّا (2)
فَمَهْما اسْطَعْتَ مِنْ مَرْمَى فَعَرِّجْ ... عَلَيْهِ ولا تَني ما دُمْتَ حَيّا (3)
فَعُمْرُ المَرْءِ في الدُّنْيا وِعاءٌ ... عَزيزٌ حينَ يَمْلَؤهُ حُلِيّا
وما حُلْيُ الحَياةِ سِوى صُنوفٍ ... مِنَ الحُسْنى حَلَتْ في العَيْنِ رِيّا (4)
__________
(1) اللغو: ما لا يعتد به من كلام وغيره. الغي: الضلال والانهماك في الجهل.
(2) المشرفي: السيف.
(3) تني: تضعف وتفتر وتكل.
(4) الحسنى: العاقبة الحسنة، النظر إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- الرِيّ: المنظر الحسن.
(7/ 2/248)