Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 006


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(10)

«دِرَاسَاتٌ فِي العَربيَّةِ وَتَاريخِهَا»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(6/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(6/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
من العلوم التي برع فيها الإمام محمد الخضر حسين، وصال وجال في ميادينها الشاسعة، وحاز فيها قصب السبق بكل أمانة وجهد: علوم اللغة العربية وآدابها، شأنها شأن العلوم الإسلامية التي شهدت له بالسموّ والإبداع.
ومن المسلَّم به: أن الذي يتلقى علومه من النبع الرائق الصافي؛ كمثل: الجامع الأعظم- جامع الزيتونة-؛ ويأخذ عن شيوخ أجلاّء اتخذوا من العلم عبادة، وتفرغوا له بالدرس والتدريس، يتخرج من قلعة راسخة بالإيمان والمعرفة، ينطلق في الحياة بزاد لا ينفد، ويعطي عطاءً كمن يغرف من بحر لا ساحل له.
ومن أوائل المحاضرات التي تحدثت بها الأندية الأدبية، وتلقفها أهل الفكر في تونس: تلك التي تناول بها: "حياة اللغة العربية".
ومن طلائع الكتب: "الخيال في الشعر العربي". وسار الإمام في سبيل الله معلّماً ومصلحاً ومجاهداً يحمل على كتفيه كافة العلوم، مع الحرص على أن يؤدي لكل علم حقّه.
كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق (1)، وعضوًا مؤسساً جاداً
__________
(1) عقد المجمع العلمي العربي بدمشق جلسته الأولى في 30/ 7 / 1919 م، وعين الإمام محمد الخضر حسين عضواً عاملاً فيه طيلة الفترة التي قضاها في سورية. =
(6/ 1/3)

وفعالاً في مجمع فؤاد الأول للغة العربية - مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1) -.
ومن الرجوع إلى مجلدات المجمع تطالعنا أعماله الهامة، ويبرز لنا نشاطه الفذّ من خلال الجلسات والمؤتمرات التي انتدب إليها.
وكتاب: "دراسات في العربية وتاريخها" أول كتاب جمعتُه وطبعته للإمام، وكان الفاتحة لسيل الكتب الأخرى التي جمعتها وأصدرتها بحول من الله تعالى وقوته. فله الحمد والشكر على ما أعطى.
ثم قدّمتُ للمكتبة اللغوية العربية كتاب: "دراسات في اللغة" ضمَّ المواضيع التي اطلعت عليها بعد طبع الكتاب الأول.
توّج الإمام محمد الخضر حسين دراساته اللغوية بالبحث الفريد الراخ: "القياس في اللغة العربية"، ونال به عضوية هيئة كبار العلماء في القاهرة.
ونجد أنه في ميدان المنشورات العلمية الدورية التي أصدرها، أو ترأس تحريرها، بدءاً من مجلة: "السعادة العظمى"، ومجلة: "نور الإسلام"، و"الهداية الإسلامية"، و"لواء الاسلام" وجَّه اهتماماً خاصاً إلى لغة القرآن، وأفرد لها
__________
= ثم أصبح مراسلاً للمجمع عند انتقاله للسكنى نهائياً في القاهرة.
(1) تأسس مجمع فؤاد الأول للغة العربية (مجمع اللغة العربية) بمرسوم أصدره الملك فؤاد في (14 شعبان 1351 ه - 13 كانون الأول 1932 م). وصدر مرسوم بتعيين الإمام عضواً عاملاً مع آخرين في (16 جمادى الثانية 1352 ه - 6 تشرين الأول 1933 م). وساهم الامام بكل جهد في أعمال المجمع حتى آخر حياته، وترأس لجنة اللهجات، وشارك في لجان: الآداب والفنون - المعجم الوسيط - الأعلام الجغرافية - دراسة معجم المستشرق (فيشر) المتعلق بالألفاظ القرآنية، وله العديد من البحوث المنشورة في مجلة المجمع.
(6/ 1/4)

أبواباً ثابتة، ودعا للكتابة فيها كبار رجال اللغة والأدب. وهذا يدل على الاهتمام الكبير الذي أولاه لعلوم العربية.
إن في كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها" صفحات من العطاء العلمي، وثمرات من الفكر المبدع للإمام محمد الخضر حسين.
والحمد لله رب العالمين
علي الرّضا الحسيني
(6/ 1/5)

القياس في اللغة العربية
(6/ 1/7)

القياس في اللغة العربية (1)
يتضمن هذا الموضوع الأبحاث التالية:
مقدمة في فضل اللغة العربية ومسايرتها للعلوم والمدنية - اللغة - أصل نشأة اللغة- تأثير الفكر في اللغة - تأثير اللغة في الفكر - هل يمكن اتحاد البشر في لغة؟ - اللغة العربية لا تموت - اللغة في عهد الجاهلية - تأثير الإسلام في اللغة - فضل اللغة العربية - الحاجة إلى مجمع لغوي - تمهيد في: هل تتوقف اللغة على السماع، أو أن واضع اللغة أبقى طريق القياس مفتوحاً؛ لإلحاق الكلم بأشباهها؟ - الحاجة إلى القياس في اللغة - أنول القياس، وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات؟ - القياس الاصلي: ما يقاس عليه - القياس على الحديث الشريف - القياس على الشاذ - القياس على ما لا بد من تأويله بخلاف الظاهر - سبب اختلافهم في القياس - القياس في صيغ الكلم واشتقاقها: المصادر - فَعْلة- الإفعال - افتعل - باب المغالبة - اسم الفاعل والصفة المشبهة - اسم المفعول - فعل التعجب وأفعل التفضيل - اسم الآلة - مَفْعَلة - الاشتقاق من أسماء الأعيان- الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق- قياس التمثيل، قياس الشبه، وقياس العلة- أقسام علة القياس-
__________
(1) طبع البحث (القياس في اللغة العربية) الطبعة الأولى عام 1353. وعنيت بنشره "المطبعة السلفية ومكتبتها" بالقاهرة.
(6/ 1/9)

أقسام قياس العلة - شرط صحة قياس التمثيل - مباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي - القياس في الاتصال - القياس في الترتيب - القياس في الفصل - القياس في الحذف - القياس في مواقع الإعراب - القياس في العوامل - القياس في شرط العمل - القياس في الأعلام - الكلمات غير القاموسية للأستاذ المغربي، وجواب هذا الاقتراح.
(6/ 1/10)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
الحمد لله الذي جعل العربية أشرف لسان، وأنزل كتابه المحكم في أساليبها الحسان. والصلاة والسلام على أفصح العرب لهجة، وأبلغهم حجة، وأقوم الدعاة إلى الحق محجَّة، وعلى آله الأمجاد، وصحبه الذين فتحوا البلاد، ونشروا لغة التنزيل في الأغوار والأنجاد، وحببوها إلى الأعجمين حتى استقامت ألسنتهم على النطق بالضاد.
أمّا بعد:
فكنت أيام دراستي لعلم العربية أمرّ على أحكام تختلف فيها آراء علمائه؛ فيقصرها بعضهم على السماع، ويراها آخرون من مواطن القياس، وقد يحكى الكاتبون المذهبين دون أن يذكروا الأصول التي قام عليها الاختلاف؛ فأرى التمسك بمثل هذه الأقوال من المتابعة التي لا ترتاح إليها النفس؛ ولا سيما حين أذكر أن كثيراً من أصحاب هذه الأقوال قد تلقوا اللغة وعلومها من كتب قد وضعنا أيدينا عليها، أو على أمثالها.
فأخذت أوجه نظرى إلى الاصول العالية التي يراعونها في أحكام السماع والقياس؛ حتى ظفرت بقواعد وقفت على جانب منها في صريح كلامهم، وألممت بجانب آخر من طريق النظر في مجادلاتهم، وأساليب استدلالهم.
ولما هاجرتُ إلى دمشق، وشرعت سنة 1335 في دراسة كتاب: "مغني
(6/ 1/11)

اللبيب" بمحضر طائفة من أذكياء طلاب العلم، كنت أرجع في تقرير المسائل المتصلة بالسماع والقياس الى تلك الأصول المقرَّرة، أو المستنبطة التي اقترح عليَّ يومئذ أولو الجد منهم جمع هذه الأصول المفرَّقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فشكرت همتهم، واستخدمت القلم في تحرير مطلبهم، فألفت مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه.
ثم عدت منذ عهد قريب إلى تلك المقالات، فرأيت جُمَلا تحتاج إلى تهذيب، وفصولاً تقول: هل من مزيد؟ فجردت القلم لتهذييها، وأضفت إلى تلك الفصول بعض ما يتسع به نطاقها، وتكبر به فائدتها، بل عقدت فصولاً أخرى لمسائل من أمهات علوم العربية يتناولها موضوع القياس والسماع. ولا أدعي أني أخذت بمجامع هذا الموضوع الأسمى، وبلغت في بحثه الأمد الأقصى؛ فإنه واسعُ المجال، مترامي الأطراف، يمتُّ إلى كلِّ باب من أبواب العربية بصلة، ويكاد ذكره يجري عند تحقيق كل مسألة؛ إنما هي أقوال لبعض أئمة العربية انتقيتها، وآراء خطرت على الفكر فتقبلتها، ولثقتي بن باعَك - أيها القارئ - في علوم العربية غير قصير، ونصيبَك من الإلمام بأبوابها ودرس مسائلها غيرُ يسير؛ لم أذهب في بسط القول وضرب الأمثلة مذهب من يُسرف في مقام الاقتصاد، ويَشغل سمعك بما يُشبه الحديث المعاد.
والله المستعان على بلوغ المرام، والمستعانُ به من كبوة الفكر وفضول الكلام.
محمّد الخضر حسين
(6/ 1/12)

المدخل

فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية
في الكائنات ما يدرَك بإحدى الحواس، فيولد في الذهن صورة شيء آخر غير محسوس بالفعل؛ كالدخان المشاهد على بُعد، يولد في أذهاننا صورة النار، والنار غير ظاهرة لأبصارنا، وكالاحمرار يبدو على الوجه فجأة، فيحضر في أذهاننا معنى الخجل، ولم يكن قبل ظهور هذا الاحمرار حاضراً، وكلفظ الأسد يحضر في أذهاننا صورة الحيوان المفترس، وهذا الحيوان غير حاضر عندما يطرق اللفظُ أسماعنا.
ولا شيء يدل آخر بطبيعته حتى يكون مجردُ وجوده كافياً في الدلالة، وإنما توجد الدلالة بعد العلم بما بين الشيئين من رابطة؛ ولولا ملاحظة هذه الرابطة، لما اقترن شيئان في الذهن على أن هذا دالّ، وذاك مدلولٌ له. فالأوضاع البدنية؛ كتقطيب الوجه، تدل على بعض أحوال نفسية؛ كالغضب، وهذه الدلالة لا تتحقق إلا عند من عرف - بطريق التجربة مثلاً - أن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية يرتبطان في الوجود؛ وهذا هو الذي يمكنه أن يلاحظ هذا الارتباط، فتقترن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية في ذهنه، أولاهما بصفةِ دالة، وأخراهما بصفةِ مدلول عليها.
وإذا قالوا: إن الدلالة احمرار الوجه على الخجل طبيعية، فعلى معنى أن احمرار الوجه يرتبط بالخجل بقانون طبعي، أما نفس الدلالة، فإنها
(6/ 1/13)

لا تتحقق إلا بعد أن يكون الناظر قد علم أن احمرار الوجه ينشأ عن الخجل، وهذا العلم إنما يحصل من نحو التجربة أو التلقين.
وعلى هذا النحو يجري حال الأمور التي لا يربطها بما تدل عليه قانون طبعي، وإنما هو العرف والاصطلاح، فإذا رأينا علماً على شاطئ البحر، عرفنا أن هناك سفينة. ومن البين أن لا رابطة بين العلم ووجود سفينة بالمرسى غير تلك الرابطة الذهنية الناشئة من اصطلاح الناس على أن يرفعوا على السفن أعلاماً.
ومن هذا الوادي: دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن المعنى لا يحضر عند النطق باللفظ، أولا يحضر حضورًا تنشأ عنه فائدة إلا أن يسبقه العلم بأن هذا اللفظ قد وضع ليدل على هذا المعنى؛ وأن المتكلم به ممن يحذو في الكلام حذو هذا الوضع.

* اللغة:
اللغة - كما قال ابن جني -: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. وهي مزية عرف بها الإنسان، ولم يعرف في البشر أمة ليس لها لسان تعبر به عن حاجاتها، وقد حاول بعض الباحثين أن يثبت من تركيب أدمغة أشخاص عاشوا في القرون الخالية أنهم كانوا محرومين من هذه المزية، فلم يستطع أن يقيم على ما يقوله دليلاً تام المقدمات صحيح الإنتاج؛ كما أن العلم لم يستطع أن يثبت لغير الإنسان من الحيوان لغة تخاطب. وفي "دائرة المعارف الإنكليزية" أن هذه المسألة لا تزال تحت البحث.

* أصل نشأة اللغة:
تصدى للبحث في أصل نشأة اللغات كثير من الفلاسفة والمتكلمين
(6/ 1/14)

واللغويين، وذهبوا في البحث مذاهب شتى: هذا يقول: مصدرها التوقيف من الله، وذلك يقول: مبدؤها الطبيعة، وآخر يقول: منشؤها الاصطلاح والتواطؤ.
والقائلون: إن مبدأ اللغات التوقيف لا ينكرون أن تعدد اللغات ونموها من بعدُ كان بطريق الاصطلاح، وعلى حسب الحاجة، ورجح ابن حزم في كتاب "الإحكام" أن أصلها التوقيف من الله تعالى، ثم قال: ولا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها، بها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودَها، ثم قال: ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم - عليه السلام - عليها أولاً.
وليس في أدلة هذه المذاهب ما يجعل النفس في قرارة من علم لا يخالطه ريب، وقُصارى ما وصل إليه الباحثون اليوم: أن الناظر في اللغة متى توغل في أطوارها إلى أقصى ما يسعه التاريخ، يصل إلى شذوذ في تركيب الكلمات، أو تركيب الكلام، بحيث يعتقد أن هذه اللغة لم تبلغ حالتها الحاضرة إلا بعد أن تقلبت في أطوار مرت عليها أحقاباً، فمن الصعب على الفيلسوف أو اللغوي أو المؤرخ أن يحكم في أصل نشأة هذه اللغات حكماً فاصلًا، وإنما يستفيد من بحثه في اللغات التي بين يديه أنها تكون في أول أطوارها قليلة الكلمات، غير متنوعة الأساليب، ثم تغزر مادتها، وتتعدد أساليبها، على حسب ما يكون للناطقين بها من ثقافة أو حضارة.

* تأثير الفكر في اللغة:
للفكر أثر في اللغة عظيم، ولولا الفكر، لفقدت اللغة خواصها، ولم يكن لوجودها أية فائدة؛ فإن الفكر هو الذي يربط الألفاظ بمعانيها، فيعمد
(6/ 1/15)

إليها وهي أصوات فارغة؛ فيردها كالأصداف تحمل من درر المعاني ما يبهر العقل، أو كالأغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه النفس.
والفكر: هو الذي يتوسل به الإنسان إلى توسيع نطاق اللغة وتنظيمها، فيدخل فيها عند الحاجة كلمات جديدة، أو يبتاع فيها أساليب طريفة، ويضع لها قواعد تساعد الناس على تعلمها، وتحفظهم من الخطأ عند النطق بها.
ومن شواهد تأثير الفكر على اللغة: أن اللغة لا يرتفع شأنها، وتظهر فصاحة ألفاظها وغزارة مادتها وحسن بيانها؛ إلا أن تلد أرضها رجالاً ذوي عقول نيرة وقرائح جيدة.

* تأثير اللغة في الفكر:
للفكر تأثير في اللغة كما أسلفنا بيانه، وهذا لا يمنع من أن يكون للغة تأثير في الفكر من بعض الوجوه. وقياس هذا: أن العلم يزيد الأخلاق تهذيباً، وللأخلاق المهذبة - كالصبر على طول البحث، والإنصاف في المحاورة - دخل في توسيع دائرة العلم، أو تحقيق ما يشكل من مباحثه.
تؤثِّر اللغة في الفكر من جهة أن المعاني لا تتمايز، ولا تخرج في وضوح، إلا أن يشار إلى كل معنى بلفظ يخصه، فاللغة وسيلة الضاح المعاني الغامضة، وتنسيق المعاني المختلطة، والرجل الذي يريد أن يؤدي المعنى في صورة منتظمة، يفكر في اختيار الألفاظ والأساليب أكثر ممن لا يبالي أن تقع صور المعاني في ذهن مخاطبه مبهمة مختلطة.
وتأثير اللغة في وضوح المعنى وتنظيمه في ذهن المخاطب أمر لا شبهة فيه، والذي يمارس التدريس أو التحرير، قد يحس في نفسه معاني مجملة أو مختلطة، فيأخذ في معالجتها بالبسط أو التنسيق، وإنما يستعين على بسطها
(6/ 1/16)

أو تنسيقها بكلام نفسي، وليس هذا الكلام النفسي إلا صور ألفاظ لغوية تتسرب من قوة الحافظة إلى المفكرة، فللغة تأثير على الفكر من قبل أن يعبر عنه بالقلم أو اللسان.
واللغة: تصور ما يخطر في الفكر من المعاني، وهي التي تجعل المعاني محفوظة باقية، وكذلك يقول أحد الفلاسفة: "الأفكار التي لا تودع في الألفاظ كالشرارات التي لا تبرق إلا لتموت".
ولا تقتصر اللغة على نقل ما يجرى في أقوال الأجيال الماضية من المعانى الحيوية، أو الآراء العلمية أو الأدبية، بل تنقل إلينا طرق تفكيرهم؛ ومن الواضح أن الأقوام يختلفون في طرق التفكيرة وطرز تفكير كل قوم مبثوث في ألفاظهم، ومدلول عليه بأساليب مخاطباتهم.

* هل يمكن اتحاد البشر في لغة؟
يقول الباحثون في اللغات: كانت اللغات في أول الأمر فقيرة مختلفة؛ إذ كان لكل جماعة صغيرة من البشر لسان خاص، وبكثرة اختلاط صنوف البشر، واشتراكهم في المنافع، أخذ بعض اللغات يقترب من بعض، بل أخذ بعضها يندمج في بعض، فقل عددها، واتسع نطاق بعضها.
ثم رأى بعض علماء أوروبا مثل (ديكارت): أن تعدد اللغات أدى إلى صعوبة التفاهم بين الأفراد المختلفة الشعوب، وهذا مما يجعل سير المدنية بطيئًا، فارتأوا وضع لغة جديدة لتكون لسان البشر جميعاً، وقد سعى
لإنفاذ هذا الرأي الطبيب البولوني: لودفيج زامنهوف ludwing zamenhof،
فوضع اللسان المسمى: الاسبرانتو Esperanto.
وقد اعتمد في تألفيه على ثمانية وعشرين حرفاً، ووضع له ست عشرة
(6/ 1/17)

قاعدة، ومعظم كلماته من اللغة الرومانية والإنكليزية، وفي العالم جمعيات تدعو لهذا اللسان يقدرونها بنحو: 1776 جمعية، وفي ألمانيا وحدها من هذه الجمعيات 441 جمعية، مركزها الرئيسي في مدنية "لايبسيك"، ولجمعيات العالم كلها مركزان أساسيان، أحدهما في جنيف، والآخر في باريز. وفي أوربا وأمريكا والصين واليابان صحف تصدر بهذه اللغة، وفي "دائرة المعارف الالمانية" أن عدد الذين يتكلمون بها يقرب من مئة وثلاثين ألفاً.
وإذا أمكن انتشار لسان من الألسنة حتى يعرفه جميع الأمم، زيادة على ما يعرفون من لغاتهم القومية، فمن الصعب جداً أن ينتشر بين الشعوب- على اختلاف مواطنها- لغة تستولي على ألسنتها، وتطمس على آثار لغتها؛ فإن الألسنة تابعة لأحوال التفكير والإحساس، وهل من سبيل إلى أن تتحد الأمم في تفكيرها وإحساسها؟.

* اللغة العربية لا تموت:
ليس من الهين أن توضع لغة تتلقاها كل الأمم بالقبول على معنى أن تهجر لغاتها، وتقيم هذه اللغة مكانها، واذا فرضنا أن شعوبًا غير عربية رضيت أن تتخلى عن لغاتها؛ فإن الشعوب الذين ينطقون باللغة العربية أحرصُ الناس على حياة لغتهم، فمن المحال أن يتبدلوا بها لغة أخرى، وإن تضافر على هذه اللغة أمم الأرض جميعاً.
تأبى هذه الشعوب هجر اللغة العربية، وتحويل ألسنتها إلى لغة أخرى، تأبى ذلك؛ لأنها لغة القرآن، الذي هو معجزة الرسالة، ومطلع الهدأية، ولأنها تملك من فصاحة الكلم، وحكمة الأساليب، وغزارة المادة ما يجعل خطيبها أو شاعرها أو كاتبها المجلي في حلبة البيان، فلو زهدت هذه الشعوب الإسلامية
(6/ 1/18)

في اللغة العربية، كانت قد فرَّطت في جنب الله، وأضاعت من يدها لساناً بلغ في الإبداع أقصى ما يمكن أن تبلغه لغات بني الإنسان.
كتب "جول فرن" قصة خيالية (1) بناها على سياح يخترقون طبقات الكرة الأرضية حتى يصلوا أو يدنوا من وسطها، ولما أرادوا العود إلى ظاهر الأرض، بدا لهم أن يتركوا هنالك أثراً يدل على مبلغ رحلتهم، فنقشوا على الصخر كتابة باللغة العربية، ولما سئل (جول فرن) عن وجه اختياره للغة العربية، قال: إنها: لغة المستقبل، ولا شك أنه يموت غيرها، وتبقى حية حتى يرفع القرآن نفسه.

* اللغة في عهد الجاهلية:
كانت اللغة في عهد الجاهلية تعبر عن حاجات القوم، وما تجود به قرائحهم، أو يجري في مخيلاتهم من صور المعاني، فما كانوا ليحسوا نقصًا في لغتهم، وإنك لترى المذاهب التي كانوا يطلقون فيها أعنتهم؛ كالفخر والنسيب، فسيحة الأرجاء إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الناشئ في مثل بيئتهم، الآخذ من المعاني المحسوسة أو المعقولة مثل مأخذهم، ومن نظر في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم، وجد من جودة تصرفهم في المعاني، وحسن سبكهم للألفاظ ما يدله على أنهم كانوا يرسلون الفكر والخيال، ويصوغون ما شاؤوا من المعاني، فيجدون في ألفاظ لغتهم وأساليبها ثروة تسعدهم على أن يقولوا فيبدعوا.
وإليك مثلاً من إبداعهم في الفخر بالبسالة والثبات في حومة الوغى، قال ودّاك بن ثميل المازني يخاطب بني شيبان:
__________
(1) من مقال: "عليكم باللغة العربية" للأستاذ محمود بك سالم.
(6/ 1/19)

رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غداً خيلي على سَفوَان
تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتدانى
عليها الكماة الغر من آل مازنٍ ... ليوث طعان عندكل طعان
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان
مقاديم وصَّالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان
إذا استنُجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأيّ مكان
هذه الأبيات إيذان بالحرب، افتتحها الشاعر بشيء من التهكم، فقال: "رويد بني شيبان بعض وعيدكم"، وإنما كان طلبه الكف عن بعض وعيدهم تهكماً؛ لأن هذا الطلب شأنه أن يصدر ممن يعتقد قدرتهم على تنفيذ كل ما يوعدون به، وبعد أن تظاهر بإكبارهم، والرهبة من وعيدهم على وجه التهكم، فاجأهم بإنذار بليغ هو: لقاؤهم فرسان قومه بالمكان المسمى "سفوان"، فقال: "تلاقوا غداً خيلي على سفوان".
ثم وصف هذه الخيل بأنها متدربة على الحروب، غير هيابة من مضائقها، فقال:
تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني
وليست الخيل كافلة للنصر إلا أن تكون أعتتها في أكفّ رجال لا يلوون جباههم عن طعان، لذلك أردف هذا البيت بقوله:
عليها الكماة الغُرّ من آل مازن ... ليوث طعان عند كل طعان
وفي وصفهم بالغر إيماء إلى شاهد من شواهد قوة الجأش، وهو طلاقة الوجه، ووضاءته عند لقاء الأقران، وقال: "عند كل طعان"؛ ليدل على أن
(6/ 1/20)

الشجاعة قد أشربت في نفوسهم، فلا تتأخر عنهم في موطن، ولا تغيب عنهم في حال، وعزز هذا البيت بقوله:
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان
ليدل على أن خلق الصبر فيهم وثيق العرا، واسع المدى، وليسوا ممن يزفون إلى الحروب زفيف النعام، حتى إذا طال عليهم أمدها، وكثر ما لا قوه من مكارهها، ضجروا من صحبتها، ومالوا بالسيوف إلى أغمادها. وفي الناس أولو شجاعة، ولكن شجاعتهم لا تتجاوز بهم أن يبسطوا أيديهم على قدر ما تناله سيوفهم أو رماحهم، فقصد الشاعر إلى أن يدل على أن قومه ليسوا من هذا المصنف، فقال:
إذا استنجِدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان
فأخبر أنهم كالجند، متأهبون للخوض في غمار الحروب، ولا يزيدون على أن يسمعوا نداء من يستنجدهم، فيطيروا إلى ما يناديهم له، غير سائلين عن سبب الحرب، أحق هو أم باطل، ولا عن مكانها أقريب هو أم بعيد.

* تأثير الإسلام في اللغة:
طلع الإسلام على العرب وفي هدايته من المعاني ما لم يكونوا يعلمون، بل في هدايته ما لم تفِ اللغة يومئذ بالدلالة عليه، فعبر عن هذه المعاني بألفاظ ازدادت بها اللغة نماء.
ومن الجلي أن القرآن الكريم والحديث النبوي قد سلكا في البلاغة مذاهب ينقطع دونها كل بليغ، ثم إن فتح الممالك الكبيرة؛ كبلاد الفرس والروم زاد مجال اللغة بسطة بما نقل إليها من المعاني العلمية أو المدنية، ففضْل الإسلام على اللغة العربية يظهر في غزارة مادتها، وبراعة أساليبها،
(6/ 1/21)

واتساع مذاهب بيانها، وكثرة الأغراض التي يتسابق إليها فرسان الخطابة والكتابة.

* فضل اللغة العربية:
للغة العربية فضل من جهه اعتدال كلماتها؛ فإنا نجد أكثر ألفاظها قد وضع على ثلاثة أحرف، وأقل من الثلاثي ما وضع على أربعة أحرف، وأقل من الرباعي ما وضع على خمسة أحرف، وليس في اللغة كلمة ذات ستة أحرف أصلية، وقد جاءت ألفاظ قليلة جداً على حرف واحد، أو على حرفين.
ولها فضل من جهة فصاحة مفرداتها، فليس في كلماتها الجارية في الاستعمال ما يثقل على اللسان، أو ينبو عنه السمع. وللعارف بحسن صياغة الكلام أن يصنع من مفرداتها المأنوسة الوضاءة قطعاً أو خطبًا أو قصائد تسترق الأسماع، وتسحر الألباب، ولعناية العرب بتهذيب الألفاظ زعم قوم أن العرب تعنى بالألفاظ، وتغفل المعاني، وهؤلاء هم الذين رد عليهم ابن جني في باب مستقل من كتاب "الخصائص"، ومما قال في هذا الباب: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسَّنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غرويها وأرهفوها، فلا ترينَّ أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا خدْمة منهم للمعاني، وتنويه وتشريف، ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه، وتزكيته".
كانت اللغة الفارسية في الشرق هي التي يمكن - بما لها من فصاحة وحسن بيان - أن يوازَن بينها وبين اللغة العربية، وقد شهد بعض الأعاجم الذين عرفوا اللغتين بأن العربية أرقى مكانة، وألطف مسالك، قال ابن جني في "الخصائص": "إنا نسأل علماء العربية ممن أصله أعجمي، وقد تدرب
(6/ 1/22)

قبل استعرابه، عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك؛ لبعده في نفسه، وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه. سألت غير مرة أبا علي عن ذلك، فكان جوابه عنه نحواً مما حكيته".
وقد استدلّ بعض علماء الأدب بما كتبه أرسطو في "الشعر" على أن الشعر العربي أرقى من الشعر اليوناني.
قال حازم في كتاب "المناهج الأدبية" (1): "ولو وجد أرسطو في شعر اليونان ما يوجد في شعر العرب؛ من كثرة الحكم والأمثال، والاستدلالات، واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظًا ومعنى، وتبحرهم في أصناف المعاني، وحسن تصرفهم في وضعها، ووضع الألفاظ بإزائها، وفي إحكام مبانيها واقتراناتها، وطلب التفاتاتهم وتمنياتهم، واستطراداتهم وحسن مآخذهم ومنازعهم، وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاؤوا؛ لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية".
هذه شهادات صادرة ممن يعتقدون أن للغة العربية فضلاً من جهة أنها اللسان الذي نزل به القرآن الكريم.
وإليك شهادات ممن لا يؤمنون بالقرآن، وإنما ينظرون إلى اللغة من ناحية حسن البيان.
قال المستشرق أرنست رينان في كتابه "تاريخ اللغات السامية": "من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحَّل. تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها،
__________
(1) توجد نسخة من هذا الكتاب بالمكتبة الصادقية في تونس.
(6/ 1/23)

ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها. وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت، ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر، حتى إنها لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة - لا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعلم شبيهًا لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة".
وقد ذكر محاسن العربية رجال يعرفون غيرها من اللغات الراقية، وشهدوا لها بأنها أقرب اللغات انطباقاً على النظم الطبعية.
قال المطران يوسف داود الموصلي: "من خواصّ اللغة العربية وفضائها: أنها أقرب سائر لغات الدنيا إلى قواعد المنطق؛ بحيث إن عباراتها سلسلة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريده من دون تصنع وتكلف، باتباع ما يدله عليه القانون الطبيعي، وهذه الخاصية إن كانت اللغات السامية تشترك فيها مع العربية في وجه من الوجوه، فقلما نجدها في اللغات المسماة "الهندية الجرمانية"، ولا سيما الإفرنجية منها".
لندع الحكم بين اللغة العربية وأي لسان أعجمي لمن يعرف العربية الفصحى، ويعرف ذلك اللسان الأعجمي، فهو الذي قد يصغي إليه الناس متى آنسوا فيه الإنصاف، ويتلقون حكمه بالقبول. والذي أقوله، وأنا على بينة مما أقول: إن أساليب اللغة العربية أقرب إلى النظم الطبعية من اللسان الألماني؛ فإن في اللسان الألماني ضروباً من التصرف يفقد بها الكلام ترتيبه الطبعي، وليس لهذه الضروب في العربية الفصحى من شبيه، وسنلمّ بشيء من أمثلة ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.
(6/ 1/24)

* الحاجة إلى مجمع لغوي:
قد أريناك أن اللغة العربية بالغة من حسن البيان ما ليس بعده مرتقى، وكانت تجري مع العلوم والحضارة جنبًا لجنب، فلا يقف عالم أو خطيب أو شاعر، إلا وجد في غزارة مادتها داحكام أساليبها، ما يمكنه من إبراز الحقائق أو المتخيلات في برود ضافية محبَّرة. ثم أدركها نقص منذ حين، وأخذت تتباطأ في مسايرة العلوم والمدنية، حتى تقدمها كثير من اللغات النامية، وأصبحت هذه اللغات تجول في كثير من العلوم والفنون، وتعبر عن معان تقف دونها اللغة العربية صامتة.
ولم تقع اللغة العربية في هذا التباطؤ لقلة مفرداتها، أو ضيق دائرة تصريفها، أو إبايتها نقل بعض كلماتها عن معانيها الأصلية إلى معان أخرى تناسبها، ولو كان لشيء من هذا دخل في تباطئها؛ لعذرنا أولئك الذين يحاولون صرف الألسنة عنها، ويدْعون إلى أن تأخذ كل جماعة بلغتها المعتلة المشوهة، ولعذرنا أولئك الذين يدعون إلى استعمال الألفاظ الأعجمية، وحشرها في منشآتنا وأشعارنا وخطبنا ومحاوراتنا، وإنما علة ذلك النقص: غفلةُ إلمعهودِ إليهم بالقيام على حياة اللغة، ومسايرتها للعلوم والفنون والمدنية.
والوسيلة التي تنهض باللغة، وترفعها إلى مستوى اللغات الراقية، هي الوسيلة التي نهضت بتلك اللغات الحية، وجعلتها تسير مع العلم والحضارة كتفًا لكتف؛ أعني: تأليف مجمع لغوي ينظر فيما تجدد أو يتجدد من المعاني، ويضع لكل معنى لفظًا يناسبه، ولا عجب أن تكون اللغات الأجنبية الراقية قائمة بحاجات العلم والمدنية؛ وأن يكون باللغة العربية خصاصة من هذه الناحية؛ فإن أصحاب تلك اللغات قد سبقونا إلى عقد المجامع اللغوية منذ
(6/ 1/25)

أحقاب، فالمجمع اللغوي في ألمانيا تألف سنة 1617 م، والمجمع اللغوي في فرنسا تألف سنة 1734 م، ولم ننس أن كلمات كثيرة حدثت في اللغة العربية لهذا العصر، وأصبحت تجري على ألسنة أدبائنا، وتخطها أقلام كتابنا، وهي عربية المنبت، خفيفة الوقع على السمع، آخذة حظها من مناسبة الوضع، ولكن العلوم تتدفق تدفق السيل، ومقتضيات المدنية تتجدد تجدد النهار والليل، وكل من المعاني العلمية والمرافق الحيوية يحتاج إلى أسماء تلتئم مع سائر الألفاظ العربية التئام الدرر النقية في أسلاكها، وتلك الكلمات المشار إليها إنما هي من صنع أفراد قد تنساق إليهم من نفسها، فيقع عليها اختيارهم، وتصادف في الناس حاجة، فتتلقفها ألسنتهم، وهذه الطريقة لا تشفي غلة العلم، ولا تملأ للمدنية عينًا، وإنما يشفي غلة العلوم المتكاثرة، ويملأ عين المدنية الزاخرة تأليفُ مجمع لغوي يسير مع العلوم والمدنية، لا يتأخر عنها طرفة عين.
ذكر ابن حزم في كتاب "الإِحكام" سنةً من سنن الكون في سقوط اللغة، فقال: "إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل، بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مسكنهم، أو تنقلهم عن ديارهم، واختلاطهم بغيرهم؛ فإنما يقيد لغةَ الأمة وعلومها وأخبارها قوةُ دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم؛ وأما من تلفت دولتهم، وغلب عليهم عدوُّهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمونٌ منهم موت الخاطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبُيود علومهم؛ هذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل والضرورة".
وقد أصاب ابن حزم في حكمه على الأمة التي تقع تحت سلطان من
(6/ 1/26)

لا ينطق بلسانها؛ من أن لغتها تصير الى انحطاط أو ضياع، وهذه سنة لغات الأمم التي يجدها الأجنبي في جهالة، ويتمكن من أن يبقيها في جهالتها؛ أما الأمة المتيقظة لوسائل سلامتها وعزتها، فإنها تندفع في ابتغاء هذه الوسائل بكل ما تستطيع من حيلة، وتسلك له ما تهتدي إليه من سبيل؛ فلا تألو جهداً في الاحتفاظ بلغتها، والعمل لإعلاء شأنها، على الرغم من كل من يكيد لها، ويبري السهام ليرمي بها مقاتلها.
وفي البلاد التي تنطق بالعربية شعور ساطع في نفوس شيوخها وشبابها؛ ومن أثره: هذه الغيرة التي تملأ ما بين جوانحهم، وتهزُّهم أفرادًا وجماعات إلى النظر في إصلاح ما اختل من أمورنا، وإعادة ما تقوض من مجدنا؛ فنحن على ثقة من أن اللغة العربية سترفع رايتها، وتفوق اللغات الراقية بغزارة مادتها، وفضل بلاغتها؛ وما ذلك من همم أبنائها وطموحهم إلى الحياة الماجدة ببعيد.
(6/ 1/27)

تمهيد
لا يكون الكلام عريباً فصيحاً إلا إذا سلمت مفرداته، وصحت دلالتها؛ واستقام تألفيها.
أما سلامة مفرداته، ففي النطق بحروفها على مقتضى الوضع من غير أن تغير بنقص أو زيادة، أو إبدال أو قلب في هيئة ترتيبها، أو في حال حركتها وسكونها.
وأما صحة دلالتها، فباستعمالها على وجه مقبول في لسان العرب.
وأما استقامة تألفيها، فبانطباقه على أسلوب نسج عليه العرب في مخاطباتهم، ولا تتحقق هذه المطابقة إلا برعاية أحكام التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والحذف والذِّكر.
وهل تتوقف في استعمال الكلم وتأليفها على معرفة وضعها الخاص، ونظمها الوارد؛ بحيث لا نستعملها حتى يثبت لدينا من طريق الرواية كيف نطق بها العرب، أو أنَّ واضع اللغة أبقى طريق القياس مفتوحاً، فيسوغ لنا أن نلحق الكلم بأشباهها في هيئة مبانيها، أو نسق تركيبها، ونسوّي بينهما في الأحكام إذا أعوزنا السماع.
هذا موضع تشعبت فيه أنظار الباحثين في العربية؛ فبعد اتفاقهم على العمل بالقياس، وتضافر عباراتهم على أنه من مآخذ اللغةِ؛ يغلو بعضهم
(6/ 1/28)

في التعلق به، ويجري فيه بغير عِنان، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يفقد الكلامُ صبغته العربية.
ووقف آخرون عند حد يقرب من موقف الجامد على الرواية في أوضاع الكلم ووجوه تأليفها.
والطريق الوسط بين هذين الطرفين، وهو ما يبقي على اللغة شعارها، ويبسط في نطاقها بمقدار ما يتسوَّغه الذوق العربي، وتقتضيه العلوم على اتساع دائرتها، والمدنية على اختلاف أطو اراها، وتجددِ مرافقها.
ولا تجد عالماً أو علماء بلد اطَّردوا في هذه الجادة، ولم يحيدوا عنها، فكانت جميع أقوالهم في محل الاعتدال؛ بل ترى القول الحق والقياس الوسط يدور بين مذاهبهم، فيصيبه هذا تارة، ويصبيه مخالفهُ تارة أخرى، وذلك شأن العلوم التي يكتفى في تقرير قوانينها بالدلائل الظنية، إذا لم يتيسر إقامتها على قرارة اليقين.

* الحاجة إلى القياس في اللغة:
وضعت اللغة ليعبر بها الإنسان عما يبدو له من المآرب، ويتردد في نفسه من المعاني. ومن البين جلياً أن المعاني تبلغ في الكثرة أن تضيق عليها دائرة الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين، فلم يكن من حكمة الواضع سوى أن وضع لجانب كبير من المعاني ألفاظاً عيَّنها؛ كالسماء، والمطر، والنبات، والعلم، والعقل، وتوسل للدلالة على يقينها بمقاييس قدَّرها. والكلم التي تصاغ على مثال هذه المقاييس معدودة في جملة ما هو عربي فصيح.
ولولا هذه المقاييس، لضاقت اللغة على الناطق بها، فيقع في نقيصة
(6/ 1/29)

العي والفهاهة، ويُكثر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السمت والرزانة، ويرتكب التشابيه محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حليةً للمنطق، ومظهراً من مظاهر البلاغة.
ولو صح أن يضع الواضع لكل معنى لفظاً يختص به، لكان الحرج الذي تقع فيه اللغة أن تضيق المجلدات الضخمة عن تدوينها، ويتعذر على البشر حفظ ما يكفي للمحاورات على اختلاف فنونها، وتباين وجوهها. فالقياس طريق يسهل به القيام على اللغة، ووسيلة تمكِّن الإنسان من النطق بآلاف من الكلم والجمل دون أن تقرع سمعه من قبل، أو يحتاج في الوثوق من صحة عربيتها إلى مطالعة كتب اللغة، أو الدواوين الجامعة لمنثور العرب ومنظومها.
وقد يخطر على بالك أن في اللغة العربية ألفاظاً مترادفات بالغات في الكثرة أن يكون للمعنى الواحد عشرات أو مئات من الأسماء (1)، وتودَّ لو صرف الواضع هذه المترادفات إلى جانب من المعاني التي تركها لحكم القياس.
وجواب هذا: أن للمترادفات في بلاغة القول، ورصانة تأليف الكلم، وإقامة وزن الشعر، وتمكين القافية؛ فضلاً لا يغني غيرها فيه غَناءها، فهى من مفاخر اللغة، ودلائل سعة بيانها؛ فالمترادفات تسد وجوهًا من الحاجة غير الوجوه التي يسدها القياس، ولا ننسى أن الكثير من هذه المترادفات قد نشأ من تعدد اللغات، أو من ملاحظة اختلاف دقيق في الأحوال والصفات.
__________
(1) ذكر صاحب "القاموس"، في مادة (سيف): أن للسيف أسماء تنيف على ألف اسم، قال: وذكرتها في "الروض المسوف".
(6/ 1/30)

هذا وجه الحاجة إلى القياس في صيغ الكلم واشتقاقها، ولا يخفى عليك - بعد هذا - وجه الحاجة إلى فتح باب القياس في نظُم الكلام، وما يعرض للكلم من نحو التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والإعراب والبناء، والحذف والذِّكر؛ فإن تباين الأغراض، وتشعب العلوم، وتفاوت عقول المخاطبين، واختلاف أذواقهم، مما يستدعي إطلاق العنان للمتكلمين يذهبون في البيان كل مذهب قيِّم، ويتعلقون منه بكل أسلوب مقبول، حتى يظهر فيهم الخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والكاتب المبدع، والمناظر المفحِم، والمحاضر الغوَّاص على الدرر، والعلامة المُجلي للمعاني الغامضة في أجمل الصور.

* أنواع القياس وما الذي نريد بحثه في هذه المقالات؟
تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
أحدها: حمل العرب أنفسِهم لبعض الكلمات على أخرى، واعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما، كما يقال: أُعرب الفعلُ المضارع؛ قياساً على الاسم؛ لمشابهته له في احتماله لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب. وإلى هذا أشار الزمخشري في بعض مقاماته بقوله: "ضارعِ الأبرار بعمل التوَّاب الأوَّاب، فالفعل لمضارعته الاسمَ فاز بالإعراب".
وكما يقال: دخلَتِ الفاء خبر الموصول في نحو قولهم: "من يأتيني، فله درهم"؛ قياساً للموصول على الشرط؛ لمشابهته إياه في إفادة العموم.
وكما يقال: نَصبت "لا" النافية للجنس الاسم، ورفعت الخبر؛ قياساً على "إنَّ"؛ لمشابهتها إياها في التوكيد؛ فإن "لا" تأتي لتأكيد النفي، كما
(6/ 1/31)

تأتي "إنَّ" التوكيد الإثبات.
والقياس بهذا المعنى واقع من العرب أنفسهم، ويذكره النحوي تنبيهاً على علة الحكم الثابت عنهم بالنقل الصحيح. وليس هذا الضرب من القياس داخلًا في موضوع هذه المقالات.
ثانيها: أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدّي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال هذا: اسم الخمر عند من يراه موضوعاً للمعتصَر من العنب خاصة، وما وضع للمعتصر من العنب إلا لوصف هو مخامرته للعقل وستره، فإذا وجد عصير من غير العنب يشارك المعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة للعقل؛ فإن من يقول بصحة هذا القياس يجعل هذا العصير من أفراد الخمر، ويسميه خمراً. تسمية حقيقية لغوية.
وإن شئت مثالاً آخر، فانظر في اسم السارق عند من يقول: إنه موضوع لمن يأخذ مال الأحياء خفية، فإنك تجد من ينبش القبور لأخذ ما على الموتى من أكفان، قد شارك من يأخذ أموال الأحياء في وصف أخذ المال خفية، ومقتضى صحة هذا الضرب من القياس أن تجعل اسم السارق متناولاً للنباش على وجه الحقيقة اللغوية، وتكون هذه الحقيقة قد تقررت من طريق القياس، لا من طريق السماع.
وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه عند ما يتعرضون لمسالة "هل تثبت اللغة بالقياس؟ (1) ".
__________
(1) من يرى أن القياس في اللغة على هذا الوجه غير صحيح يرى أن الخمر في لسان =
(6/ 1/32)

ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع، وأصل هذا: أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة، ما ينطق به من أمثالها.
رابعها: إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه؛ كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي؛ قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث، وكما أجاز طائفة حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجرة قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيتُ الليلة التي ولدتَ في سرور؛ أي: ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب الورقة تساوي درهماً؛ أي: الورقة منه بدرهم.
وهذا النوع من القياس، والنوع الذي قبله هما موقع النظر ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي، وعن الثاني بقياس التمثيل.
__________
= العرب غير خاص بالمعتصر من العنب، بل يتناول المتخذ من تمر النخيل بمقتضى الوضع، فتكون حرمته ثابتة بنفس الآية {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائده: 90]، وإذا سلم اختصاص اسم الخمر في لسان العرب بالمعتصر من العنب، قال: حرمة المسكر من غير عصير العنب ثابتة بالقواعد الشرعية القطعية، والأحاديث الصحيحة النبوية؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر حرام".
(6/ 1/33)

* القياس الأصلي:
(ما يقاس عليه):
يجمع اللسان العربي تحت اسمه لغات شتى، ولكنها تختلف فيما بينها اختلافاً يسيرًا، ووجوه هذا الاختلاف مفصلة في كتب فقه اللغة وآدابها، ولا تكاد تخرج عن اختلاف الكلمات ببعض حروفها، أو حال من أحوالها؛ كالحركة والسكون، أو الإعراب والبناء، أو الفك والإدغام، أو التصحيح والتعليل، أو الإمالة والتفخيم، أو ترتيب الحروف، أو المد والقصر، أو الإتمام والنقص، أو الإعمال والإهمال، أو التذكير والتأنيث.
وقد يكون الاختلاف في بعض الألفاظ من حيث وضعها في لغة لمعنى، ووضعها لمعنى آخر في لغة أخرى، ومن هنا كثرت الألفاظ المشتركة، أو من حيث استعمال لفظ في لغة لمعنى، واستعمال لفظ آخر في لغة غيرها لذلك المعنى، ومن هنا اتسع باب الترادف حتى صار للمعنى الواحد مئات من الأسماء، وقد تختلف هذه اللغات في بعض وجوه النظم؛ كتقديم عامل "كم" الخبرية عليها، فإنه يقدم في لغة، ولا يقدم في أخرى.
تتفاوت هذه اللغات بالجودة وفصاحة اللهجة، وجميعها مما يصح القياس عليه.
قال ابن جني في "الخصائص": "اللغات على اختلافها كلهّا حجة، والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ".
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": "كل ما كان لغة لقبيلة صح القياس عليه".
وأفضل ما يحتج به في تقرير أصول اللغة: القرآن الكريم؛ فإنه نزل
(6/ 1/34)

بلسان عربي مبين، ولا يمتري أحد في أنه بالغ في الفصاحة وحسن البيان الذروة التي ليس بعدها مرتقى، فنأخذ بالقياس على ما وردت عليه كلمه وآياته من أحكام لفظية، ولا فرق عندنا بين ما وافق الاستعمال الجاري فيما وصل إلينا من شعر العرب ومنثورهم، وما جاء على وجه انفرد به، ولا نتبع سبيل من يحيدون عن ظاهره، ويذهبون به مذهب التأويل؛ ليوافق آراءهم النحوية.
قال الرازي في "تفسيره": "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى. وكثيراً ما نرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأنْ يجعلوا ورود القرآن دليلاً على صحته كان أولى".
وقال ابن حزم في كتاب "الفِصَل": "ولا عجب أعجب ممن إِن وجد لامرئ" القيس، أو لزهير، أو لجرير، أو الحطيئة، أو الطِّرِمَّاح، أو لأعرابي أسدي أو سُلمي أو تميمي، أو من سائر أبناء العرب لفظاً في شعر أو نثر، جعله في اللغة، وقطع به، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله تعالى خالقِ اللغات وأهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجة، وجعل يصرفه عن وجهه، ويحرفه عن موضعه، ويتحيل في إحالته عما أوقعه الله عليه".
فمن الحق أن مكانة القرآن الكريم المتناهية في الفصاحة والبلاغة تقضي بالاحتجاج به في كل حال. ومن النحاة من ينتزع من المقدار الذي يقف عليه من كلام العرب حكماً لفظياً، ويتخذه مذهباً، ثم تعرض له آية على خلاف ذلك الحكم، فيأخذ في صرف الآية عن وجهها.
(6/ 1/35)

ومن أمثلة هذا: أنهم قرروا أنَّ "أن" المصدرية لا يجوز حذفها، وأن نحو: "تسمعَ بالمعَيدي خيرٌ من أن تراه" يُحفظ، ولا يقاس عليه. وقد جاء على نحو هذا المثَل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم: 24]، ومقتضى ارتفاع منزلة القرآن في الفصاحة، وأخذه بأحسن طرق البيان، أن يجري حذف "أن" المصدرية، كما ورد في الآية مجرى ما يصح القياس عليه، وقرر جماعة من النحاة: أنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، من نحو: ضربُ عمرًا زيدٍ، وقد ورد على نحو هذا المثال: قوله تعالى في قراءة ابن عامر: (قتل أولادَم شركائِهم)، فأنكر بعضهم القراءة، وذهب بها آخرون مذهب التأويل والتقدير.
والحق أن نتلقى القراءة المتواترة بالقبول، ولا نحمل الآية مالا تطيقه بلاغتها من التعسف في التقدير، بل نبقيها على ظاهرها، ولا نسلم أن الفصل في مثل هذا مخالف للفصاحة؛ ويالأحرى بعد أن أورد له ابن جني في "الخصائص" شواهد متعددة، ولا أخال أحداً يعوّل في مثل هذا على ذوقه، فيقول: إن الذوق ينفر من صورة المعنى الذي يفصل فيه بين المضاف والمضاف إليه بأحد معمولات المضاف؛ فإن مثل هذا لا يرجع فيه إلى ملاءمة الأذواق الخاصة، بل مداره على ما يجري به الاستعمال، ويثبت في الرواية، فما نجده واردًا في الكلام الفصيح نعلم أنه لا يكدر من مشرب الفصاحة العربية، ولا يثلم من سور البلاغة فتيلًا.
ومما يقرِّب لك أن حكم الفصل بين الكلم لا يرجع فيه إلى الذوق الخاص، وأنه عائد إلى ما يسمع من كلام المشهود لهم بالفصاحة في تلك اللغة: أن اللغات تختلف فيه اختلافاً كثيراً، ففي اللسان الألماني - مثلاً -
(6/ 1/36)

يفصلون بين أداة التعريف والمعرف بجمل كثيرة، وربما كان الفعل مركباً من قطعتين، فيضعون القطعة الأولى في صدر الكلام، ويلقون الأخرى في نهايته، فيتفق أن يكون بين القطعتين كلمات فوق العشر، وتراهم يفصلون بين علامة الاستقبال والفعل بجمل متعددة، ولا شبهة أن ارتباط أداة التعريف بالمعرف، أو بعض أجزاء الكلمة ببعض، أو علامة استقبال الفعل بالفعل، لا يقلُّ في شدته عن ارتباط المضاف بالمضاف إليه. ولا ننسى أن للمصدر المضاف صلة بمعموله تشبه صلته بالمضاف إليه.
حاول بعضهم الاعتذار عمن يقولون في الآية تأتي على وجه يخالف مذهبهم النحوي: هذا غير مقيس، أو موقوف على السماع، فقال: إن النحاة لما استقرؤوا كلام العرب، وجدوه على قسمين: قسم اشتهر استعماله، وكثرت نظائره، فجعلوه قياساً مطردًا، وقسم لم يظهر لهم فيه وجه القياس؛ لقلته وكثرة ما يخالفه، فوصفوه بالشذوذ، ووقفوه على السماع، لا لأنه غير فصيح، بل لأنهم علموا أن العرب لم تقصد بذلك القليل أن يقاس عليه.
وإذا سلموا أن ما جاءت عليه الآية مما يخالف مذهبهم عربي فصيح، كان اعتذارهم بأن العرب لم تقصد لأن يقاس عليه، أوهى من بيت العنكبوت. وفي صحة القياس على ما ترد به الآيات الكريمة مخالفاً لما اشتهر في كلام العرب، زيادة في أساليب القول، وفتح طرق يزداد بها بيان اللغة سعة على سعته.

* الحديث الشريف:
جرى جمهور النحاة على عدم الاحتجاج بالحديث الشريف في تقرير الأحكام العربية، وخالفهم العلامة محمد بن مالك، فجرى على الاستشهاد به
(6/ 1/37)

في كثير من الأحكام التي خالف فيها الجمهور، وسبقه إلى مخالفة النحويين في هذا الشأن: أبو محمد بن حزم، فقال عقب الكلام الذي نقلناه عنه في الاحتجاج بالقرآن الكريم: "وإذا وَجد- يعني: الباحث في العربية- لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلامًا، فعَل به مثل ذلك؛ (أي: صرفَه عن وجهه، وحرَّفه عن موضعه)، وتالله! لقد كان محمد بن عبد الله قبل أن يكرمه الله بالنبوة، وأيام كان بمكة أعلمَ بلغة قومه وأفصح، فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة، واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟! ".
وكلام ابن حزم هذا لم يصادف المفصِل في رد مذهب الجمهور؛ لأن الجمهور لم يمتنوا من الاستشهاد بالحديث النبوي في تقرير أحكام اللسان لاعتقادهم النقص في فصاحة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهذا لا يخطر على بال أحد ألمَّ بشيء من سيرته؛ فضلاً عن علماء عرفوا أنه كان أفصح من نطق بالضاد، وأوتي من جوامع الكلم وعلم ألسنة العرب ما لا يجاريه فيه أحد سبقه أو جاء من بعده، وإنما امتنعوا من ذلك؛ لكثرة ما وقع في الحديث الشريف من الرواية بالمعنى، وفي الرواة مولَّدون لم ينشؤوا على النطق بالعربية الصحيحة، والدليل على تصرف الرواة في ألفاظ الحديث - بعد احتفاظهم بمعانيها -: وجود أحاديث تختلف ألفاظها اختلافاً كثيراً، فترى الحديث الوارد في وقعة معينة قد اختلفت ألفاظه في الرواية، ومن هذه الألفاظ ما يكون جاريًا على المعروف في كلام العرب، ومنها ما يكون مخالفاً، وتصرف الرواة في الأحاديث هذا التصرف؛ لأنهم كانوا يوجهون همهم إلى ما أودِعَه الحديث من أحكام وآداب، فمتى عرف الراوي أن عبارته أحاطت بالمعنى وأخذته من جوانبه، أطلقها غير ملتزم الألفاظ التي تلقى فيها المعنى أولاً.
(6/ 1/38)

أما وجهة نظر ابن مالك، فهي أن الأصل رواية الحديث الشريف على نحو ما سمع، خصوصاً أن أهل العلم قد شددوا في ضبط ألفاظه، والتحري في نقله، والمجيزون لروايته بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وبهذا الأصل تحصل غلبة الظن بأن الحديث مروي بلفظه، وهذا الظن كاف في تقرير الأحكام النحوية، على أن الخلاف في صحة نقل الحديث بالمعنى إنما يجري في غير ما لم يدوَّن في الكتب، أما ما دوّن في الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير نزل كما نص على ذلك ابن الصلاح، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول حين كان أولئك الرواة الذين يتصرفون في ألفاظ الحديث - على تقرير تصرفهم - ممن يوثق بهم، ويحتج في أحكام الألفاظ بعباراتهم. ومما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف بين الفريقين أربعة أنواع من الأحاديث:
أحدها: ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته، وبلوغه أعلى ما يمكن لبشر أن يبلغه من حكمة البيان؛ فإن المعروف في رواة الحديث بهذا القصد أن يحافظوا على ألفاظ الحديث نفسها، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حمي الوطيس"؛ أي: اشتد الضراب في الحرب، وقوله: "مات حتف أنفه"؛ أي: مات على فراشه، وقوله: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
ثانيها: ما يروى للاستدلال على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم؛ ككتابه إلى همدان، وكلامه مع ذي المشعار الهمداني، وطهفة النهديّ، وغيرهما.
ثالثها: ما يروى لبيان أقوال كان يتعبَّد بها، أو أمَر بالتعبد بها؛ كألفاظ
(6/ 1/39)

القنوت، والتحيات، وكثير من الأدعية التي يدعو بها في أوقات خاصة.
رابعها: الأحاديث التي وردت من طرق متعددة، واتحدت ألفاظها، فاتحاد الألفاظ مع تعدد الطرق دليل على أن الرواة لم يتصرفوا في ألفاظها، فإن كان تعدد الطرق يبتدئ بمن رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالأمر واضح، فإن انفرد بروايته صحابي، وتعددت طرق روايته عن الصحابي، صح الاستشهاد به أيضاً؛ إذ تصرُّف الصحابي في الحديث - على تقدير تصرفه فيه - لا يمنع من الاستشهاد به؛ لأن ألفاظ الصحابة مما يحتج به في العربية.
ومجمل القول: أن الأحاديث التي تتعدد طرقها، ويتحد لفظها، تصلح للاستشهاد متى كانت تلك الطرق المتعددة متصلة براو يحتج بعبارته في الأحكام اللغوية.
ويعتمد في تقرير أحكام اللفظ على أشعار الجاهلية؛ كامرئ القيس، وزهير، والمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام؛ كحسان، ولبيد، والإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في صدر الإسلام؛ كالفرزدق، وذي الرمة. وأما المحْدَثون، وهم المولَّدون، وتبتدئ طبقتهم ببشار بن برد، فلا يحتج بشيء من أشعارهم في أحكام اللسان؛ وكان بشار قد هجا الأخفش، فأورد الأخفش في كتبه شيئاً من شعره؛ ليكفَّ عنه (1)، وكذلك سيبويه استشهد بشيء من شعر بشار؛ تقرباً إليه؛ لأنه كان قد هجاه لتركه الاحتجاج بشعره (2)، واستشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" ببيت أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
__________
(1) كتاب "الموشح" للمرزباني.
(2) "خزانة الأدب" للبغدادي.
(6/ 1/40)

ولم يكن ذلك من شأنه؛ لأن عضد الدولة كان يحب هذا البيت، وينشده كثيراً (1).
وذهب بعض علماء العربية إلى صحة الاستشهاد بكلام من يوثق به من المحدثين، وجنح إلى هذا المذهب: الزمخشري؛ فقد استشهد ببيت لأبي تمام في تفسيره، وقال: "وهو- وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة- فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقنعون بذلك؛ لوثوقهم بروايته وإتقانه"، ونحا هذا النحو العلامة الرضي، فقد استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من شرحه ل: "كافية ابن الحاجب"، وجرى على هذا المذهب الشهاب الخفاجي، فقال في "شرح درة الغواص": "أجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه".
وضعف هذا المذهب من ناحية أن الرواية تعتمد على الضبط والعدالة، أما الثقة بصحة الكلام، أو فصاحته، فمدارها على من يتكلم بالعربية بمقتضى النشأة والفطرة، وكيف يحتج بأقوال هؤلاء المولدين، وقد وقعوا في أغلاط كثيرة لا يستطيع أحد تخريجها على وجه مقبول؟! فهذا أبو تمام يقول:
لعذلته في دمنتين تقادما ... ممحوَّتين لزينب وسعاد
والصو اب: "تقادمتا".
وهذا المتنبي يقول:
فإن يك بعض الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناس بوقات لها وطبول
__________
(1) "تاريخ ابن خلكان".
(6/ 1/41)

والصواب في جمع بُوق: بُوَق، أو أبواق.
ومن هنا يتبين لك أن استناد بعض المتأخرين في تصحيح بعض الكلم إلى استعمال أحد أهل العلم غير سديد، فمن الخطأ أن يُردَّ على صاحب "القاموس" في قوله: "والأنموذُج لحنٌ" بأن الزمخشري سمى كتاباً له ب: "الأنموذج"، والنووي عبَّرَ به في "المنهاج"، فقال: "أنموذج المتماثل".
وكم من إمام في العربية ينطق، أو يؤلف بعبارة تخالف مذهبه الصريح، أفلم يشترط ابن هشام في كتاب "المغني" لدخول هاء التنبيه على الضمير كون خبره اسم إشارة؟ ولم يحافظ على هذا الشرط، فقال في خطبة الكتاب نفسه: "وها أنا بائح".
ووقع صاحب "القاموس" في هذه الهفوة بعينها، فشرط لاتصال هاء التنبيه بالضمير ما شرطه ابن هشام من الإخبار عنه باسم الإشارة، ولم يأخذ نفسه بهذا الشرط، فقال في خطبة "القاموس": "وها أنا أقول".
ويؤكد لك عدم صحة الاحتجاج بما ينطق به علماء العربية: أن صاحب "القاموس" صرح بأن كلمة: (بعض) لا تدخلها اللام، وهو يعلم - كما نقل بعد هذا الحكم - أن سيبويه والأخفش قد استعملاها في كتابيهما.
فالحقُّ أن لا حجة فيما يلفظ به رواة الشعر، أو علماء العربية، إلا أن تذكره على وجه الاستئناس، وأنت مالئ يدك بما هو حجة، أو منتظر لأن تظفر بالحجة.
ولابن السيد البطليوسي وجهة أخرى في صحة الاحتجاج بشعر أبي الطيب المتنبي، هي: أن البيت الذي سكت عنه علماء اللغة الذين تناولوا شعره، ولم ينكروه عليه؛ يلحق بما يصلح للاستشهاد به من كلام العرب،
(6/ 1/42)

ذلك أنه أورد في الإستشهاد على صحة إضافة "أل" إلى الضمير: قول المتنبي:
والله يُسعد كل يوم جده ... ويزيد من أعدائه في آله
ثم قال: وأبو الطيب - وإن كان ممن لا يحتج به في اللغة -؛ فإن في بيته هذا حجة من جهة أخرى، وذلك أن الناس عُنوا بانتقاد شعره، وكان في عصره جماعة من اللغوفي والنحويين؛ كابن خالوية، وابن جني، وغيرهما، وما رأيت منهم أحداً أنكر عليه إضافة "أل" إلى المضمر؛ وكذلك جميع من تكلم في شعره من الكتاب والشعراء؛ كالواحدي، وابن عباد، والحاتمي، وابن وكيع، ولا أعلم لأحد منهم اعتراضاً على هذا البيت.
وهذا الذي يقوله البطليوسي في شعر المتنبي الذي لم ينكره أولئك العلماء والكتاب لا يرفعه من مرتبة الاستئناس به إلى مرتبة أن يكون حجة عند علماء العربية الذين يجتهدون في تقرير أحكام اللسان.
ويحتج بالبيت الذي لا يعرف قائله متى رواه عربي ينطق بالعربية بمقتضى السليقة، وكان العرب ينشد بعضهم شعره للآخر، فيرويه عنه كما سمعه، أو يتصرف فيه على مقتضى لغته، ولهذا تكثر الروايات في بعض الأبيات، ويكون كل منها صالحاً للاحتجاج، كما يحتج بالشعر الذي يرويه من يوثق به في اللغة، واشتهر بالضبط والإتقان، وان لم يعرف قائله، وقد تلقى علماء العربية شواهد كتاب سيبويه بالقبول، وفيها نحو خمسين شاهداً لم تعرف أسماء قائليها، فإنما يكون الرد وجيهًا، إذا روى الشعر من لم يكن عربيًا فصيحاً، ولم يشتهر بالضبط والإتقان فيما يسوقه من الشعر على أنه عربي فصيح.
(6/ 1/43)

* القياس على الشاذ:
للحكم الذي ورد به السماع النادر أربعة أنواع:
أحدها: أن يرد لفظ معين على وجه لم يرد السماع بخلافه، لا في اللفظ عينه، ولا فيما كان من نوعه، وسيبويه يكتفي بهذا اللفظ الواحد، ويتخذه أصلاً يقيس عليه كل ما كان من نوعه، ومثال هذا شَنَئِيّ في النسبة إلى شنوءة. فقد اكتفى بهذا الشاهد، وجعل وزن فَعِليّ قياساً في كل ما كان على صيغة فعولة، مع أنه لم يقع إليه من شواهده إلا هذه الكلمة المفردة.
وذهب الأخفش بكلمة "شنئي" مذهب الشاذ الذي لا يقوم عليه قياس، وأخذ بالأصل الأول للنسب، وهو إبقاء الكلمة على حالها، فيقال في النسبة إلى نحو فَروقة: فَروقي، ويتأيد السماع الذي عول عليه سيبويه بقياس فَعولة على فعيلة؛ فإن قياس النسبة إلى فعيلة فَعَليّ، نحو: حنَيفة وصَحيفة وبَجيلة، فيقال في النسبة إليها: حَنَفي وصَحَفي وبَجَلي.
ثانيها: أن يرد لفظ معين على وجه يخالف القياس والسماع، وهذا الوجه المخالف للقياس والسماع لا يقام له في نظر الجمهور وزن، ولا يجيزون لأحد النسج على مثاله؛ وقد حاد الأخفش عن هذا السبيل حين سمع قولهم: "هَدَاوَى" في جمع هدية، فجعله مقيسًا في كل ما كان لامه ياء، وهذه الكلمة شاذة عن السماع والقياس؛ إذ المسموع والموافق للقياس في مثل هذا بقاء الياء بحالها، فيقال في جمع هدية وعطية ومزية وبلية وتحية: هدايا وعطايا ومزايا وبلايا وتحايا.
ومن هذا القبيل: أن القياس في اسم المفعول المأخوذ من الفعل الثلاثي المعتل العين بالواو وحذت أحد الواوين، فيقال في اسم المفعول من "رام":
(6/ 1/44)

مَرُوم، وورد في ألفاظ معدودة النطقُ بالواوين كليهما، فقال بعض العرب: ثوب مَصْوُون، ومِسْك مَدْوُوف (1)، وفَرس مَفْوود. ومثل هذه الكلمات الشاذة تحفظ عند الجمهور، ولا يصح لأحد أن يقيس عليها، وخالفهم في هذا المبرِّد، وألحقها بقبيل ما يقاس عليه.
ثالثها: كلمات معدودة تأتي على وجه مخالف للقياس، ويكثر استعمالها على الوجه المخالف، حتى يقل أو يفقد استعمالها على وجه القياس؛ مثل: استحْوَذ واستصْوَب، فقد ورد على خلاف القاعدة القاضية بقلب واوهما ألفاً، كما يقال: استقام، واستعاذ، واستنار، ومثلُ عيَيْد؛ تصغير عيد، ومقتضى القياس: عُويد؛ لأنه مثل عاد يعود، والتصغير كالجمع يرد الأسماء إلى أصولها.
ومن هذا النوع ما يرد على الوجه الموافق للقياس أيضاً؛ نحو: استحوذ، واستصوب، فقد ثبت عن العرب أنهم قالوا: استحاذ، واستصاب، فيجوز لك العمل فيه على الوجهين، بيد أن الوجه الأكثر في السماع هو الأرجح في الاستعمال؛ لأنه مالوف عند المخاطبين أكثر من الوجه الذي قلَّ في السماع، وإن كان أرجح من جهة القياس.
أما الألفاظ التي لم ترد إلا على الوجه المخالف للقياس؛ نحو: عيَيْد، فيقتصر فيها على ما ورد عن العرب، إلا أن يبدو لك أن تتعلق بمذهب من يجيز إجراء الألفاظ على مقتضى القياس زيادة على الوجه الثابت من طريق السماع، وسنحدثك عن هذا في فصل: "القياس في صيغ الكلم واشتقاقها".
__________
(1) مبلول أو مسحوق، وسمع؛ مدوف على القياس.
(6/ 1/45)

رابعها: أن ترد ألفاظ معينة على ما يوافق القياس، ويخالف السماع، ومثال هذا: أن المعروف في خبر "عسى" كونه مضارعاً مقروناً بأن، أو مجرداً منها، وورد اسماً صريحاً في أمثلة معدودة، فقالوا في المثل: "عسى الغوير أبؤسا"، وقال الشاعر:
"لا تعذلن إني عسيت صائما"
والخلاصة: أن النحاة يختلفون في الوارد على وجه الشذوذ من حيث الاعتداد به في القياس، وفي "شرح الفصيح" لابن خالويه: "كان الأصمعي يقول أفصح اللغات، ويلغي ما سواها. وأبو زيد يجعل الشاذ والفصيح واحداً".
وممن أنكر القياس على الشاذ: ابن السراج، فقال: "ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد، لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى سمعت حرفاً مخالفاً لا شك في خلافه لهذه الأصول، فاعلم أنه شذ، فإن كان سمع ممن ترضى عربيته، فلابد أن يكون قد حاول به مذهباً، أو نحا نحواً من الوجوه، أو استهواه أمر غلطه".
والمعروف في علم النحو: أن الكوفيين يعتدون بما ورد من الكلمات الشاذة، ويعملون بالقياس عليها، والبصريون يمتنعون من القياس على الشاذ، ويذهبون في مثله إلى أن قائله نحا به نحواً خلاف ما يظهر منه، ويردونه إلى الأصل المعروف عندهم على طريق من التأويل، وبعض النحاة كابن مالك لا يكلف نفسه تأويل الشاذ، ولا يذهب فيه مذهب الكوفيين من إباحة القياس عليه، بل يصفه بالشذوذ، أو يجعله من قبيل ما دفعت إليه الضرورة.
ومن أمثلة هذا أنهم ذكروا في شروط صيغة أفعل التفضيل: أن لا يكون
(6/ 1/46)

أصل الوصف على وزن أفعل؛ نحو: أبيض، وأسود، ولما جاءهم قول الشاعر:
جارية في درعها الفضفاضِ ... أبيض من أخت بني إباض
أنزله الكوفيون منزلة المقيس عليه، وتأوله البصريون على أنه من قولهم: "باض فلاناً": إذا غلبه، وفاقه في البياض، وأبقاه ابن مالك على ظاهره، وطرحه إلى المسموعات الشاذة.
ومن الأقوال الشاذة ما لا تجد للتأويل فيه مساغاً، ومن أمثلته: أن البصريين يمنعون أن تجمع الصيغة التي لا تقبل تاء التأنيث جمع مذكر سالم؛ نحو: أسود، وأحمر، وأجازه الكوفيون تمسكاً بقول الشاعر:
فما وجدت نساء بني تميم ... حلائلَ أسوديِنَ وأحمريِنَ
ولا يتخلص البصريون من هذا الشاهد إلا بطرحه إلى النادر الذي لا يقوم عليه قياس.
والتأويل إنما يقتحمه البصريون إذا كان اللفظ المخالف للمعروف في اللسان واردًا عن الفرد ونحوه ممن يتكلم باللغة المألوفة، وأما إذا ثبت أنه لغة قبيلة، فلا وجه لتأويله والخروج به عن ظاهره، ولهذا أبطل ابن هشام تأويل أبي علي الفارسي، وأبي فزار لقولهم: "ليس الطيب إلا المسكُ"- برفع المسك-؛ لأن أبا عمرو بن العلاء أثبت أن رفع خبر "ليس" الواقع بعد "إلا" لغة تميم.
والحق - فيما يظهر - أن ما يجيء على غير القياس قسمان:
أحدهما: أن يكون كلام العرب سائراً على سنة معروفة، ووضع عام، فتسمع الكلمة أو نحوها ممن لا يعرف بالفصاحة، وهي تخالف المعروف في مجاري الكلام، فهذه لا تصلح أن تكون موضعاً للقياس، بل الكلمة أو
(6/ 1/47)

الكلمتان لا تقومان في وجه القاعدة التي يجري عليها الفصحاء في عامة مخاطباتهم، ولو نقلت عن فصيح عربي؛ إذ يجوز أن تكون قد صدرت منه على وجه الغلط، أو القصد إلى تحريف اللغة؛ فإن ألسنة الفصحاء قد تقع في زلة الخطأ، وتطوع لهم متى قصدوا إلى تغيير الكلمة عن وصفها المعروف لهزل ونحوه.
وقد جرت عادة النحاة أن يصفوا خروج العربي الفصيح عن الشذوذ، ولا يبالون أن يُسمّوا خروج المولَّد عنها بالخطأ واللحن، وقد يصفون خروج العربي عن الأصول بالغلط؛ بناء على أن العربي يستطيع أن يلحن إذا تعمد اللحن، كما أنه يستطيع أن يتكلم بغير لغته إذا تعمد ذلك.
يذكر النحاة في شروط عمل "ما" عمل ليس في لغة أهل الحجاز: مراعاة الترتيب؛ بحيث لا يتقدم خبرها على اسمها، فورد قول الفرزدق:
"إذ هم قريش وإذ ما مثلَهم أحدُ"
فقدم خبر "ما" على اسمها، فقالوا: قول الفرزدق هذا شاذ، أو غلط؛ أي: لحن؛ لأن الفرزدق تميمي، وأراد أن يتكلم بلغة أهل الحجاز، ولم يدر أن من شرط نصبها للخبر الترتيب بين اسمها وخبرها؛ وقولهم: إن العرلى لا يقدر أن ينطق بغير لغته، محمول على تكلُّمِه وهو على حال سليقته، وأما عند تعمده النطق بالخطأ، أو بغير لغته، فذلك ميسور له من غير شبهة.
ثانيهما: ما يرد في الكلام الفصيح، وتتحقق أنه لم يصدر عن خطأ أو تلاعب في أوضاع اللغة؛ مثل: آيات الكتاب الحكيم، والأحاديث التي قامت القرائن على أنها مروية بألفاظها العربية الصحيحة، وهذا إن كان كلمة خرجت عما نسميه قياساً، نحو: "معائش"- بالهمز - في إحدى القراءات
(6/ 1/48)

الصحيحة؛ صح لنا أن نعطيها حكم استحوذَ واستصَوب، فنتكنم بها ثقة بأنها كلمة لا شبهة في فصاحتها، ولكنا نرجع بأمثالها إلى حكم القياس. وهو أن مَفاعِل لا تقلب الياء فيه همزًا متى كانت الياء عينًا في بناء مفرده، فإن كان راجعاً إلى النظم، خالفناهم في دعوى خروجه عن القياس، وصح لنا أن نعده فيما يقاس عليه، وننسج على منواله، إن أباه البصريون والكوفيون، فلا نبالي أن نقدم معمول المصدر على المصدر متى كان المعمول ظرفاً أو جاراً أو مجروراً، وإن منعه جماعة من النحاة، فلو قال أحد: رُزق فلان على خصمه الفوز، أو قال: يعجبني أمام السلطان تكلُمك بالحق؛ لقضينا لقوله بالفصاحة؛ إذ له أسوة بقوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2]، وقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: 102]، ولا نبالي تقديم معمول صلة "أل" على "أل"، متى كان المعمول ظرفاً، أو جاراً، أو مجروراً، وإن منعه كثير من النحاة، فلو قال أحد: إني لزيد من المحبين، لتلقينا قوله بالقبول؛ إذ لم يزد على أن اقتدى بقوله تعالى: {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20]، وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11].

* القياس على ما لابد من تأويله بخلاف الظاهر:
قد يرد في كلام العرب ضرب من الكلام على وجه شائع، ولا يستقيم المعنى إلا بتخريجه على خلاف ظاهره؛ ومقتضى مذهب فريق من علماء العربية المنعُ من القياس عليه، وإن كان وجه تأويله مما يسعه القياس. ومما يساق شاهداً على هذا: قولهم في المصدر الذي أكثر مجيئه حالاً: إنه مقصور على السماع، مع أنهم يؤولون المصدر باسم الفاعل، أو يقدرون معه مضافاً يصلح أن يكون حالاً؛ فيكون المراد من المصدر نحو "بغتة" في قولهم:
(6/ 1/49)

"طلع زيد بغتة": اسم الفاعل، أو محمل على أنه في التقدير: "ذا بغتة". وإطلاق المصدر مرادًا منه اسم الفاعل، وحذف المضاف، شائعان في الاستعمال بحيث لا يقفان عند حد السماع.
وذهب بعضهم إلى أنه من باب ما يقاس عليه. وهذا المذهب- بالنظر إلى ما يحتمله التركيب من الوجوه المقبولة في القياس- مذهب وجيه، ويشد أزره: أن علماء البلاغة استحسنوا حمل المصدر على الذات عند قصد المبالغة؛ نحو: زيد عدلٌ، أو رِضاً، وهذه المبالغة قد تقصد عند إيراده مورد الحالية.
ومن هذا الباب قولهم: إن اسم الزمان لا يخبر به عن اسم الذات.
وجاؤوا إلى نحو قولهم: "الليلةُ الهلالُ"، وأولوه بتقدير اسم معنى، وهو في هذا الشاهد لفظ: "طلوع" مضافاً إلى الهلال.
والحق - فيما يظهر - أن المنع من القياس في مثل هذا مقيد بما إذا لم يقصد المتكلم إلى تأويل قريب، ووجه مقيس، أما إذا نوى في الكلام اسم معنى يضيفه إلى المبتدأ، فيستقيم به المراد؛ فإنه يلتحق بسائر الجمل التي يحذف فيها المضاف لقرينة تشير إليه.
ولنسقْ إليك بهذه المناسبة أمثلة مما عده بعض الأدباء خطأ، وهو محتمل لوجه من وجوه القياس الصحيح:
أنكر الحريري قولهم: "هو قرابتي"، وليس هذا بمنكر من القول متى عرف المتكلم أن القرابة مصدر، وعمد إلى إطلاقه على الموصوف به على ضرب من المجاز أو التقدير.
وحكم صاحب "المصباح" على قولهم: "أَذَّن العصرُ" بالخطأ، والصواب:
(6/ 1/50)

أَذَّن بالعصر، مع أن إسناد الفعل إلى المفعول به - ولو بوسيلة حرف الجر - غير عزيز، وإنما يحكم عليه بالخطأ إذا صدر ممن لا يدري وجوه تصاريف الكلام العربي بفطرته، أو بتلقين.
ويشاكل هذا قول ابن قتيبة في "أدب الكاتب": "المَلَّة يذهب الناس إلى أنها الخبزة، فيقولون: أطعمنا ملة. وذلك غلط، إنما الملة موضع الخبزة"، قال ابن السيد في "شرحه": "وليس يمتنع عندي أن تسمى الخبزة ملة لأنها تطبخ في الملة كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان منه بسبب. أو يخرج على حذف المضاف إلى خبز ملة".
والصواب ما عرفته من أن التخطئة والتصويب في مثل كذا يرجع فيهما إلى حال المخاطب؛ إذ الذي يطلق الملة على نفس الرغيف، ويظهر لك من قرينة حاله أو صريح مقاله أنه أطلقها على اعتقاد أنها موضوعة للرغيف بوضع حقيقي، لا يخلص من سهام التخطئة، ولو احتملت عبارته وجهًا من وجوه القياس الصحيح.
ومن هذا القبيل حكم ابن قتيبة أيضاً على قول العامة: "تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها" بأنه خطأ، وقال: الصواب: "بثدييها"، فقال ابن السيد في "شرحه": أما ما يذهب إليه العامة من أن المعنى لا تأكل لحم ثدييها، فهو خطأ، ولكن يجوز على التأويل بحذف المضاف إلى أجر أو ثمن ثدييها، أو على المبالغة بجعل كلها لأجر ثدييها بمكان كل الثديين أنفسهما.
والتفصيل الذي سبق آنفاً من النظر في مثل هذا إلى حال المتكلم يجري هنا لولا أن العبارة مَثَل، والأمثال لا تُغير، فمن قصد بها ضرب المثل، فقد أخطأ من جهة تحريف المثلُ، وإن كانت العبارة التي ينطق بها العامة في نفسها
(6/ 1/51)

صحيحة، متى صدرت ممن يلاحظ المضاف المحذوف، أو يقصد إلى ذلك الوجه من المبالغة.

* سبب اختلافهم في القياس:
من الجليِّ أن العرب لم يصرحوا بعمل القياس في شيء من أحوال الكلم، أو نظم الكلام، ولكن علماء اللسان يتتبعون موارد كلامهم، ويتعرفون أحواله، فإذا وجدوا في الكلم نفسها، أو في تاليفها حالآ جرى عليها العرب بحيث يصح أن تكون موضع قدوة، استنبطوا منها قاعدة ليقاس على تلك الألفاظ المسموعة أشباهها ونظائرها.
فمن أسباب اختلافهم في صحة القياس: أن يتوفر لدى العالم من استقراء كلام العرب ما يكفي لتركيب القاعدة، فيجيز القياس، ولا يبلغ الآخر بتتبعه مقدار ما يؤخذ منه حكم كلي، فيقصر الأمر على السماع.
وقد يستوي الفريقان، أو يتقاربان فيما عرفوه من الشواهد، ويكتفي به أحدهما في فتح باب القياس، وششقله الآخر، فلا يتخطى به حد السماع.
وقد يختلفون في القياس نظراً إلى ما يقف لهم من الأحوال التي تعارض السماع، فالكوفيون - الذين يكتفون في بعض الأقيسة بالشاهد والشاهدين - قالوا: إن صيغ المبالغة: فَعَّال، ومِفْعال، وفَعُول، لا تعمل عمل اسم الفاعل، وأخذوا يؤؤلون الشواهد التي سردها البصريون؛ مثل: "أخو الحرب لبَّاساً إليها جلالَها"، واعتذروا عن عدم قبولها والتمسك بظاهرها بن اسم الفاعل إنما عمل لشبهه بالفعل المضارع في وزنه، والصيغ المذكورة لم تجئ على الوزن الذي قرب اسم الفاعل من أصله الذي هو المضارع. وأعطى البصريون لهذه الصيغ حكم اسم الفاعل في العمل؛ أخذًا بتلك الشواهد، وأبطلوا ما اعتذر
(6/ 1/52)

به الكوفيون، فقالوا في جوابهم: إن المبالغة التي قوي بها المعنى في تلك الأبنية، جبرت ما نقصها من الشبه في اللفظ، فنقابل مشابهة اسم الفاعل للمضارع في اللفظ بزيادة المعنى الذي اختصت به أبنية المبالغة، فتحصل الموازنة والتساوي في طلب العمل من غير تفاضل.
ومن أسباب اختلافهم في القياس: اختلاف أنظارهم في الشاهد أو الشواهد التي تذكر ليقاس عليها: يختلفون في أمانة ناقلها، أو في صحة عربية قائلها، أو في وجوه فهمها وإعرابها. ومن لا يثق بأمانة الناقل للكلام، أو لا يسلم أن الكلام صادر ممن ينطق بالعربية الصحيحة، لا يقيم لذلك الكلام وزنًا، ولا يعول عليه في شيء من أحكام اللسان. وإذا تبادر إلى ذهنك في فهم الكلام وإعرابه وجه يفتح لك السبيل لأن تستنبط منه حكماً، وتقيم منه قاعدة، فقد يتبادر إلى ذهن غيرك في فهمه وإعرابه وجه يطابق أصلاً من الأصول الثابتة من قبل، فيخالفك في ذلك الحكم، ويراه خارجاً عن سنن القياس، ومبنيًا على غير أساس.

* القياس في صيغ الكلم واشتقاقها:
نلقي في هذا الفصل نظرة على القياس في المصادر والأفعال، واسم الفاعل واسم المفعول، وأفعل التفضيل والصفة المشبهة، وفعل التعجب والنسب والتصغير والجموع.
ولا تحسبني متعرضاً لهذه الأبواب بتفصيل، واضعاً يدي على كل حكم من أحكامها، منبهًا على ما يصح أن يقاس عليه، وما ينبغى أن تقف به عند حد السماع، وإنما هي كلمات أتناول بها بعض مباحثها، وأريك أن الله تعالى لم يجعل علينا في اللغة العربية حرجاً.
(6/ 1/53)

- المصادر:
للمصادر في بعض اللغات غير العربية علامة لفظية، أو علامتان لابد للمصدر أن يتصل بأحدهما؛ كعلامة: " en" في اللسان الألماني، وعلامة: "مك"، أو "مق" في اللسان التركي، أما الأصل الذي تلحقه العلامة في الألماني، أو إحدى العلامتين في التركي، فله صيغ تختلف في مقدار الحروف وأحوالها، فليس للمصادر في اللغة التركية صيغتان فقط، ولا في اللسان الألماني صيغة واحدة.
أما المصادر في اللغة العربية، فإنها تختلف كذلك اختلافاً كثيراً، غير أنها لا تمتاز بعلامة أو علامات خاصة كما هو الشأن في اللغتين: التركية والألمانية. ومما تمتاز به العربية في هذا الباب: أن مصدر فعل الواحد قد يجيء في صِيغَ متعددة، وربما بلغت هذه الصيغ تسعًا؛ كمصدر تَمَّ، أو عشراً؛ كمصدر لقي.
وقد بذل علماء العربية جهدهم في جمع معفرقها تحت مقاييس، وجاؤوا إلى هذه المقاييس من ناحية الماضي والمضارع، فقربوا مآخذها ما استطاعوا، وانقسمت المصادر بعد هذا ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا شبهة في صحة القياس عليه، نحو: "فَعْلَلَة" مصدراً للفعل الرباعي المجرد؛ كدحرج، وعربد، ونحو: "إفعال" مصدراً للفعل الرباعي المزيد؛ ككرم، ونحو: "تفعيل" مصدراً للفعل المضعَّف؛ كعَّلم، ونحو: "مفاعلة" مصدراً للفعل الرباعي أيضاً؛ كخاصم، ونحو: "افتعال" مصدراً للفعل الخماسي؛ كارتقى؛ ونحو: "تفعُّل" مصدراً لما جاء على تفعَّل كتكَّلم.
(6/ 1/54)

ثانيها: ما لا يُختلف في قصره على السماع؛ لقلة ما ورد منه في الكلام؛ كالمصدر الوارد على "فِعّال"؛ نحو: كَذَبَ كِذَّابا، أو الوارد على فعّيلي؛ نحو: الحثيثي للمبالغة في التحاث. أو ما جاء على فَعَلى؛ نحو: جَمَزَى، وقد طعن الأخفش على بشار في قوله:
والآن أقصرَ عن سُميَّة باطلي ... وأشار بالوَجَلى عليَّ مشير
وقوله:
على الغَزَلى مني السلام فربما ... لهوتُ بها في ظل مخضلَّةٍ زهر
وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فَعَلى، وإنما قاسهما بشار. وليس هذا مما يقاس، إنما يعمل فيه بالسماع.
ثالثها: ما جرى الخلاف في جواز القياس عليه؛ كطائفة من مصادر الفعل الثلاثي، نحو: "فَعْل" مصدراً للفعل المتعدي؛ كشرب، وفهم، ونصر، ونحو "فعَل" مصدراً لفَعِلَ اللازم؛ كفرح، ونحو "فُعُول" مصدراً لفعَل اللازم؛ كقعد، وغدا.
وسبب الخلاف في القياس: أن جمهور النحاة وجدوا لكل واحد من صيغ هذه المصادر أمثلة كثيرة تجري عليه بنظام، فذهبوا فيها مذهب القياس.
ورأى آخرون أن أفعالاً كثيرة مما يتحقق فيه شرط تلك المقاييس قد وردت مصادرها في صيغ خارجة عن القياس، فصرفتهم كثرة انتقاض هذه المقاييس عن الاعتداد بها؛ وذهبوا إلى أن مصادر الأفعال الثلاثية إنما يرجع فيها إلى السماع.
ثم إن الذين ذهبوا بها مذهب القياس فريقان: فريق يجعلها مقاييس لمصادر الأفعال التي لم تسمع لها مصادر، أما ما سمع له مصدر مخالف
(6/ 1/55)

للقياس، فلا يصاغ له مصدر على مقتضى القياس (1). وفريق آخر أفسح طريق القياس حتى للأفعال التي سمعت لها مصادر مخالفة له، فيكون للفعل الواحد مصدران: مصدر ثابت بطريق السماع، ومصدر ثابت بطريق القياس.
ووجهة نظر الفريق الأول: أن القياس في اللغة أمر دعت إليه الحاجة، فيؤخذ به على مقدارها، والأفعال التي سمعت لها مصادر لا حاجة بها إلى القياس، قال أبو علي الفارسي: إن الغرض مما ندؤنه من هذه الدواوين إنما هو ليلحق من ليس من أهل اللغة باهلها، وشمتوي من ليس بفصيح ومن هو فصيح، فإذا ورد السماع بشيء، لم يبق غرض مطلوب، وعدل عن القياس إلى السماع (2).
ووجهة نظر الفريق الثاني: أن الأفعال التي من شأن مصادرها أن تصاغ في أوزان خاصة، قد استحقت أن تكون لها مصادر على هذه الأوزان بحكم القياس، فورود مصد ر الفعل من طريق السماع على غير قياس، لا يسلب وصف العربية الصحيحة عن مصدره الذي يصاغ على مقتضى القياس.
- فَعْلَة:
إذا قصد من المصدر الثلاثي الوحدة، أُتي به على وزن فَعْلة، ولو لم يكن المصدر على وزن فَعْل، فعقول في المرة من الرمي: رَمية، ومن الجلوس: جَلسة، ومن الذهاب: ذَهبة، ومن الإتيان: أتية؛ أما ما زاد على الثلاثي، فبإلحاق التاء له وهو بحاله، فتقول: إكرامة، وارتقاعة، واستدراجة، تريد:
__________
(1) هذا مذهب سيبويه والأخفش.
(2) ابن جني في تصريف أبي عثمان المازني.
(6/ 1/56)

واحدة من الإكرام والارتقاء والاستدراج، هذا هو القياس. ونقل أنهم قالوا: إتيانة ولقاءة، وهذا من الشاذ الذي لا يصح القياس عليه إلا أن يضطر إليه شاعر، فيرتكبه على قبح فيه.
قال الليث: لا تقل: إتيانة واحدة إلا في اضطرار شعر قبيح؛ لأن المصادر كلها إذا جعلت واحدة، ردت إلى بناء "فَعْلة"، وذلك إذا كان الفعل منها على فَعَل، أو فَعِل (1).
- الأفعال:
إذا كان بين نوع من الأفعال ووزن من أوزان المصادر تلازم في جميع المواضع، أو في أغلب الأحوال؛ بحيث لا يتخلف أحدهما عن الآخر إلا في النادر الذي لا يمنع من تقرير القوانين العلمية، صح لك أن تستدل بأحدهما على الآخر، فلك أن تستدل بالفعل الوارد في وزن "استفعل" أو "يستفعل " - مثلاً - على أن صيغة مصدره "استفعال"، كما يصح لك أن تستدل بالمصدر الوارد في صيغة استفعال على أن الماضي استفعل، والمضارع يستفعل، دون أن تتوقف على السماع.
فإن كان اللزوم من جانب الفعل وحده؛ كأن يكون لنوع من الأفعال وزن واحد من المصادر، نحو "فَعَل" المتعدي؛ كنصر، فوزن مصدره: فَعْل لا غير، ولكن وزن فَعْل لا يختص بمصدر فَعَل، بل يكون لمصدر فَعِل أيضاً؛ نحو: فهم، فلا تستطيع إذن أن تستدل بمصدر ورد في وزن فَعْل على فعله الماضي أو المضارع، إذ لا تدري كيف تنطق بالفعل، وهو محتمل لأن يكون
__________
(1) "لسان العرب" في مادة (أتي).
(6/ 1/57)

من باب نصَر، أو فهِم.
وإذا قيل لك: هل تستدل بالمضارع على الماضي الثلاثي، أو بالماضي الثلاثي على المضارع؟ أمكنك أن تستبين الجواب مما كنا بصدد بيانه، فتنظر في وجه التلازم بين وزني الماضي والمضارع، فإن كان بين الوزنين - تلازم ولو على وجه الأغلبية الكافية لتقرير القواعد؛ مثل: التلازم الحاصل بين "فعِل" غير حلقي العين أو اللام، كعِلم وفهِم، ومضارعه-؛ فإن مضارعه لا يأتي إلا على وزن يفعَل، ويفعَل أيضاً متى كان غير حلقي العين أو اللام، لا يكون ماضيه إلا على وزن "فعِل"، فإذا سمعتهم ينطقون بمضارع النوع الذي وصفنا، ولم تسمعهم كيف نطقوِا بفعله الماضي، فلك أن تقيسه على أمثاله، وتصوغه على مثال: حذِر يحذَر.
فإن كان اللزوم من ناحية واحدة؛ كان يكون من ناحية الماضي فقط؛ نحو: "فعُل" - بضم العين - فإن مضارعه لا يأتي إلا على وزن "يفعُل"- بضمها أيضاً-، صح لك الاستدلال بالماضي على المضارع؛ لأن المضارع في هذا الوزن لا يتخلف عن الماضي، ولا يصح لك الاستدلال بالمضارع على الماضي؛ لأن وزن يفعُل لا يختص بالماضي المضموم العين، بل يأتي مضارعاً لفعَل المفتوح العين؛ نحو: نصَر وكتَب.
فإذا سمعتهم ينطقون بفعل ماض من باب فعُل، ولم تسمعهم ينطقون بمضارعه، فلك أن تقيسه على أمثاله، وتصوغه على مثال: يسهُل ويجزُل.
وكذلك يكون الحكم في الأفعال الرباعية؛ نحو: أكرم، والخماسية؛ نحو: اصطفى، والسداسية؛ نحو: استقبل، فإن كلاً من فعلها الماضي وفعلها المضارع لا يأتي إلا على وجه واحد، فلك أن تستدل بأحدهما على الآخر،
(6/ 1/58)

فيغنيك الماضي عن سماع المضارع، والمضارع عن سماع الماضي.
فإن كان الفعل الماضي من باب "فعَل" - بفتح العين- فهذا يأتي مضارعه في وزن يفعُل تارة، نحو نصَر ينصُر، ويأتي في وزن يفَعَل تارة أخرى نحو عدَل يعدِل، وأمثلة كل من هذين الوزنين كثيرة، ومقتضى اختلاف حال المضارع الآتي ماضيه من باب "فعَل" أن لا يكون الماضي دليلاً على المضارع، بل إذا ورد ماض من "فعَل"، توقفنا في صوغ مضارعه على السماع، ولكنا نرى بعض علماء العربية يصرح بأنه إذا لم يسمع لفعل جاء على وزن "فعَل" فعل مضارع؛ بحيث لم يدر كيف نطق به العرب، فللمتكلم الخيار في أن يصوغه مضموم العين، أو مكسورها، إلا أن يكون حلقي العين أو اللام، فيتعين الفتح.
قال صاحب "المصباح" في خاتمة كتابه، وهو يتكلم على تصريف "فعَل" المفتوح العين: أما المضارع إن سمع فيه الضم أو الكسر فذاك، وإن لم يسمع في المضارع بناء، فإن شئت ضممت، وإن شئت كسرت، إلا الحلقي العين أو اللام. فالفتح للتخفيف، وإلحاقاً بالأغلب.
وقال الرضي في "شرح الشافية" وهو يتكلم على مضارع فعَل أيضاً: "وتعدى بعض النحاة، وهو أبو زيد، وقال: كلاهما (الضم والكسر) قياس، وليس أحدهما أولى به من الآخر، إلا أنه ربما يكثر أحدهما في عادة ألفاظ الناس حتى يطرح الآخر، ويقبح استعماله، فإن عرف الاستعمال، فذاك، وإلا، استعملا معاً؛ وليس على المستعمل شيء (1) ". ونظر بعضهم إلى أن
__________
(1) هذا ما اختاره أبو حيان.
(6/ 1/59)

الأكثر في مضارع فعَل الكسر، فجعل الكسر هو القياس (1).
ومن الصيغ المختلف في القياس عليها صيغة: "أفعلَ"؛ أعني: الفعل الثلاثي الذي تدخل عليه همزة النقل، فتعديه إلى مفعول واحد إن كان لازمًا؛ أو إلى مفعولين إن كان متعدياً إلى مفعول واحد، أو إلى ثلاثة مفاعيل إن كان متعدياً إلى مفعولين.
رأى بعض علماء العربية أن باب أفعلَ كله سماعي؛ ولا يدخل شيء منه في دائرة القياس. وذهب آخرون إلى أن دخول الهمزة على اللازم ليتعدى إلى مفعول واحد، قياسي؛ نحو: جلس وأجلسته، فإن كان في أصله متعدياً إلى واحد، فدخول الهمزة عليه سماعي؛ نحو: لبس الثوب وألبسته إياه. وذهبت طائفة إلى أن دخولها على اللازم أو المتعدي إلى واحد مقبول في القياس، وزاد الأخفش أن جعل دخولها على المتعدي إلى اثنين ليتعدى إلى ثلاثة صحيح في القياس؛ وأعطى هذا الحكم لظن، وحسب، وخال، وزعم، وإن لم يرد به سماع.
وسبب اختلافهم: أن من نظر إلى أفعال كثيرة تدور في كلامهم، ولم يدخلوا عليها همزة النقل؛ نحو: ظرف، وضرب، ومدح، فلم يقولوا: أظرفه، ولا أَضرب زيداً عمراً؛ أو أمدحه فلاناً، جعل ذلك دليلاً على أنهم لم يقصدوا لجعله قياساً مطرداً، فوقف بهذه الصيغة عند حد السماع.
ومن نظر إلى أن استعمال همزة النقل لتعدية اللازم بالغ في الكثرة الكفاية لإجراء القياس، وأن كثرة دخولها على المتعدي لواحد دون ما يكفي
__________
(1) هذا مذهب الفراء.
(6/ 1/60)

للقياس، فرق بين النوعين، فجعل دخولها على اللازم مقيساً، ووقف دخولها على المتعدي إلى واحد على السماع.
ومن نظر إلى أنها تدخل على اللازم والمتعدي إلى واحد بكثرة، وهذه الكثرة المتحققة في النوعين تكفي في نظره لإباحة القياس، سوَّى بينهما، وجعلهما في صحة القياس سواء. وأما إجازة الأخفش لدخولها على الفعل المتعدي لمفعولين، فالحاقا لظن وأخواتها، باعلم وأرى؛ لتشابههما في العمل والدلالة على معنى قائم بالقلب.
ونظر السهيلي في معاني الأفعال، فقرر مذهباً رابعاً، وهو: أن كل فعل يكتسب منه الفاعل صفة في نفسه لم تكن فيه قبل الفعل، نحو: قام وقعد وجرى وفهم، صح لك أن تقول فيه: أفعلته، فإذا قلت: أقمته أو أقعدته أو أفهمته، فمعناه: جعلته على صفة القيام أو العقود أو الفهم، ولا تقول: أمدحته زيداً، أو أشتمته إياه، أو أذبحته الكبش؛ لأن العامل في هذه الأفعال لم يصر منها على هيئة لم يكن عليها، ولم يحصل له في ذاته وصف باق.
ومن الصيغ المختلف في إجرائها مُجرى المقيس عليه: وزن "فعَّل"، وقد سمع هذا الوزن في الفعل اللازم ليتعدى إلى واحد، نحو حسَّن وقبَّح وجدَّد، وفي الفعل المتعدي إلى واحد يتعدي إلى مفعولين، نحو ملَّك وبلَّغ وركَّب، ولم يستعمل التضعيف في المتعدي إلى اثنين ليتعدى إلى ثلاثة.
اختلف علماء العربية في هذه الصيغة، فرأى بعضهم أن تضعيف الفعل ورد بكثرة تقتضي فتح باب القياس، فتجاوز به حد السماع، وتدبر آخرون في كلام العرب، فوجدوهم يُعَدّون أفعالاً بهمزة النقل؛ نحو: أضحكه وأضجره وأظهره وأزهقه وأرشده وأتحفه، وأشبعه وأصلحه وأغضبه، ويعدّون أفعالاً
(6/ 1/61)

أخرى بالتضعيف، نحو شرَّفه وقدَّسه وحلَّمه ونظَّفَه، ويجمعون في أفعال بين همزة النقل والتضعيف، نحو ذكزَه وأذكره، وأضافه وضيَّفه، وشرَّده وأشرده، وطيبَّه وأطابه، وبعَّده وأبعده، وفسَّده وأفسده، وظمَّأه وأظماه، وجوَّعه وأجاعه، فقالوا: يؤخذ في كل فعل بما ورد عن العرب، وقد بين علماء اللغة في كل فعل الوجه الوارد في الاستعمال من تعديته بهمزه النقل، أو بالتضعيف، أو بالوجهين كليهما، فيجب اتباع ما سمع من العرب، فإن لم نعلم له وجهًا من هذين الوجهين في كلام العرب، لم يستقم لنا طريق القياس، وليس لك أن تقول: ظرَّفته؛ أي: جعلته ظريفًا كما ساغ لك أن تقول: حلَّمته: إذا جعلته حليماً، ولا ضخَمتُه؛ أي: جعلته ضخماً، كما ساغ لك أن تقول: فخَّمته؛ أي: عظمته.
ومن الصيغ المحتملة لأن تكون موضع اختلاف علماء العربية في إعطائها حكم القياس: "انفعل" الآتي مطاوعاً لفَعل الثلاثي، فقد عده بعضهم من قبيل ما يسمع، ولا يقاس عليه (1).
ونحا به آخرون نحو ما يقاس عليه، وقالوا: إن الباب في مطاوع فعَل هو: انفعل؛ نظراً إلى كثرة ما ورد من هذا التصرف في الكلام الفصيح.
ومن نظر في كلام العرب، وجد لصيغة انفعل باباً هو مجيئه مطاوعاً لما كان على "فعَل" من الأفعال التي يتصور فيها العلاج والتأثيرة نحو: فتحته فانفتح، وقسته فانقاس، وليس من بابه الأفعال الرباعية؛ نحو: أخرجته فانخرج، وأصلحته فانصلح، ولا الأفعال الثلاثية التي لا علاج فيها ولا تأثيرة نحو:
__________
(1) "شرح الرضي للشافية".
(6/ 1/62)

فقدته، أو وجدته، أو علمته؛ لأن فقدته بمنزلة قولك: لم أجده، ووجدته بمنزلة قولك: حصل الشيء، وعلمته في معنى: حصلت صورته في نفسك، وليس في عدم وجودك للشيء، أو حصوله بين يديك: أو تقرر صورته في ذهنك علاج منك حتى يصح لك أن تأتي له بالمطاوع الذي هو بمعنى قبوله للفعل.
فمن قصر "انفعل" على مطاوعة "فعَل" الذي يكون فيه علاج وتأثيرة نحو فصلته فانفصل، وخدعه فانخدع، وذهب إلى أن هذا هو بابه المقيس، فقد أصاب في الاجتهاد، وأما ما ورد من قولهم: أطلقته فانطلق، وأزعجته فانزعج، وأفردته فانفرد، فموقوف على السماع.
ويذهب بعض فلاسفة العربية إلى أن ما جاء من هذا القبيل محمول على تقدير أن العرب نطقوا بالفعل الثلاثي، ثم استغنوا عنه بالفعل الرباعي، فنحو: انطلق جاء مطاوعاً لذلك الفعل الثلاثي المقدر، ولم يقصد إلى أن يكون مطاوعاً لأطلق، وهذا الوجه ظاهر فيما ورد فعله الثلاثي على قلة؛ نحو: انغلق، فقد ورد في استعمال قليل غلق بمعنى: أغلق.
- افتعل:
ومن الأفعال المزيدة: "افتعل"، وهذا الوزن يأتي مرادفاً لفعله الثلاثي اللازم، نحو رقي وارتقى. وعدا عليه واعتدى. أو مرادفاً للمتعدي نحو خلسه واختلسه، وحازه واحتازه، وصاده واصطاده. ولا خلاف في أن هذا النوع سماعي، فليس لك أن تجيء إلى فعل ثلاثي لازم أو متعد، وتصوغ منه فعلاً في وزن افتعل موافقاً له في لزومه أو تعديه. ومن أجل هذا حكموا على أن احتار بمعنى: حار، واقتطف بمعنى: قطف، خطأ، حيث لم يرد أن
(6/ 1/63)

العرب تكلموا به.
وقد يأتي افتعل مطاوعاً لفعل ثلاثي متعد. نحو: جمع القوم فاجتمعوا، وشوى اللحم فاثشوى، وهز الشجرة فاهتزت، ورد الشيء فارتد، وزاده فازداد، ورفعه فارتفع، وستره فاستتر. أو مطاوعاً لفعل رباعي؛ نحو: أنهضته فانتهض. وهذا ما يحتمل أن يكون مقيساً، ولكن علماء العربية يقفون به عند حد السماع. فليس لك أن تقول: غرسته فاغترس، ولا مسحته فامتسح. كما لا يسوغ لك أن تقول: أفسدته فافتسد. ولا أجلسته فاجتلس.
* باب المغالبة:
ومن المحتمل لأن يكون موضع قياس: الفعل الماضي، والفعل المضارع يصاغان لمعنى المغالبة. فإن الماضي يرد في وزن فَعَل. والمضارع في وزن يفَعُل، فتقول: كارمني فكرَمته؛ أي: غلبته في الكرم. أو إن كارمني كرُمه؛ أي: أغلبه في الكرم. وهكذا تقول: خاصمني فخصمته وأخصُمُه. وفاخرني ففخَرته وأفخُره. وشاتمني فشتمته وأشتُمه.
ولكن علماء العربية - مع اعترافهم بكثرة ما ورد منه - يقصرونه على السماع.
قال سيبويه في "الكتاب": "ليس في كل شيء يكون هذا. ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزَعته أنزُعه. استغني عنه بغلبته"، وقال الرضي في "شرح الكافية": "ليس باب المغالبة قياساً بحيث يجوز لك نقل كل لفظ أردت إلى هذا الباب".
وإذا لم يصل باب المبالغة أن يكون مقيساً. فمعنى هذا: أنك لا تأخذ من صيغة المفاعلة ماضيًا ومضارعًا لمعنى المغالبة على وجه القياس. أما
(6/ 1/64)

إذا ورد فعل ماض للمغالبة، فلك أن تتكلم بمضارعه في وزن يفعُل من غير توقف على سماع، وذلك معنى قول بعض علماء الصرف: ومن القياسي ضم عين للمضارع في باب المغالبة.
- اسم الفاعل والصفة المشبهة:
يتحد اسم الفاعل والصفة المشبهة بأن كلاً منهما يدل على ذات وصفة قائمة بها، ويفترقان في أن اسم الفاعل يدل على حدوث تلك الصفة، والصفة المشبهة تدل على ثبوتها، والأصل فيما يقصد منه الحدوث: أن يجيء على وزن فاعل، نحو: كاتب، وعالم، أو يفتتح بميم مضمومة، ويكسر ما قبل آخره، نحو مُكرِم، ومُخترِع، ومُستكشِف، ومن ثم اشتهر ما يجيء في هذه الأوزان باسم الفاعل، والأصل فيما يدل على الثبوت: أن يجيء على نحو فَعْل؛ كضَخْم، وفَعَل؛ كحَسَن، وفَعِل كفَرِح، وأفعلَ؛ كأبيض، وفَعيل؛ كجميل، وفَعْلان؛ كعَجْلان، ولذلك يدعى ما يجيء على هذه الأوزان بالصفة المشبهة.
ومن سعة بيان اللغة العربية: أنك إذا أردت من الصفة المشبهة إفادة؛ حدوث الوصف، حولتها إلى صفة "فاعل"؛ فتقول في نحو: حسن وعفيف وشريف وميت وضيِّق ومريض وجواد: حاسن، وعافّ، وشارف، ومائت، وضائق، ومارض، وجائد، وتقول ذلك قياساً لا تتقيد فيه بسماع.
وأوزان الصفة المشبهة عند علماء العربية سماعية، فليس لك أن تصوغ وصفاً على نحو فعْل، أو فعَل، أو فَعْلان، أو أفعل دون أن ينطق به العرب، ما عدا فعيلًا، فقد ذهب بعضهم إلى صحة القياس عليه؛ لكثرة ما ورد فيه من الألفاظ، وينبغي أن يقيد هذا المذهب بالمعاني التي يراد منها الثبوت،
(6/ 1/65)

ولم تدر كيف تكلم فيها العرب بالاسم الدال على الذات وصفتها، وبهذا المذهب تستوفي الأفعال صفاتها المشبهة، ولا يبقى فعل من غير أن يكون هناك اسم يدل على الوصف والذات التي قام بها.
ويقوم مقام اسم الفاعل: فعَّال، ومِفْعال، وفَعول، وفَعيل، وفَعِل، وهذه المسماة عندهم بأمثلة المبالغة، نحو نطار، ومِنْحار، وصَبور، وعليم، وحَذِر.
ومن علماء العربية من يذكرها، ويضرب لها الأمثال، ويبسط أو يوجز في الخلاف الجاري في إعمالها عمل اسم الفاعل، ولا يأتي على ناحية القياس في اشتقاقها بعبارة صريحة، ومنهم من يصرح بصحة القياس في بناء فعَّال (1) خاصة، ووجه هذا المذهب: أن صيغة فَعَّال وردت في مقدار من الكلم الفصيح يكفي لصحة القياس عليه.
ومما يستعمل للمبالغة في وصف الفاعل فِعِّيل، نحو "خِرِّيج" بمعنى: أديب، وقد صاغ فيه العرب ألفاظاً كثيرة، ولكن علماء العربية يقفون به عند حد السماع، وهذا ابن دريد قد سرد له في "الجمهرة" أمثلة كثيرة، ثم قال: "اعلم أنه ليس لمولّد أن يبني فِعّيلًا إلا ما بنته العرب، وتكلمت به، ولو أجيز ذلك، لقلب أكثر الكلام، فلا تلتفت إلى ما جاء على فِعِّيل مما لم تسمعه إلا أن يجيء فيه شعر فصيح".
- اسم المفعول:
يصاغ اسم المفعول من الفعل الثلائي على وزن "مفعول"، فإن زاد الفعل
__________
(1) "روح الشروح على القصود".
(6/ 1/66)

على ثلاثة أحرف، جرى اسم المفعول مجرى اسم الفاعل، في افتتاحه بميم مضمومة، وخالفه بفتح آخره بدل الكسر.
ذلك قياس اسم المفعول الذي لا يختلف في صحته، فماذا ورد فعل متصرف، فلك أن تصوغ منه اسم مفعول، لا تتوقف في ذلك على سماع، ونقل عن الرماني: أنه قال: "لا يقال من "نفعَ" اسم مفعول، والقياس يقتضيه"، ولم ير أبو حيان وجهاً للتقيد في مثل هذا بالسماع، فقال: إن نفع كضرب، فكما يقال في مفعول ضرب: مضروب، يقال في مفعول نفع: منفوع.
واستعمل العرب للدلالة على المفعول صيغاً أخرى، ومن هذه الصيغ ما لا خلاف في قصره على السماع؛ لقلة ما ورد منه، وهي فِعْل كذِبْح، بمعنى: مذبوح، وفَعَل؛ كقنص بمعنى: مقنوص. وفعالة كلقاطة بمعنى: ملقوط. ومنها ما اختلفوا في جعله مقيساً، وهو فَعيل كقتيل بمعنى: مقتول، وصريع بمعنى: مصروع. فوقف به فريق عند حد السماع، وفتح طائفة باب القياس لنوع منه، وهو ما لم يجئ من فعله فعيل بمعنى فاعل، فيقال بمقتضى هذا المذهب: حسيد بمعنى محسود، وضهيد بمعنى مضهود؛ حيث لم يجئ فعيل فيه بمعنى فاعل، ولا يقال: نصير بمعنى منصور، أو عليم بمعنى معلوم، أو رحيم بمعنى مرحوم؛ لأنه جاء نصير بمعنى ناصر، وعليم بمعنى عالم، ورحيم بمعنى راحم.
وسبب الخلاف: أن "فَعيلاً" ورد بمعنى مفعول في ألفاظ كثيرة، والفريق الأول يعترفون بهذه الكثرة؛ ولكنهم رأوها غير كافية لفتح باب القياس، ورأتها الطائفة الثانية كافية لصحة القياس، ولكن قصروا القياس على ما لم يجئ من فعله فَعيل بمعنى فاعل؛ حذراً من التباس وصف المفعول بوصف الفاعل،
(6/ 1/67)

وليس على من يأخذ بهذا المذهب حرج؛ فإنه قائم على مراعاة الكثرة التي هي شرط القياس، مع اجتناب اللبس الذي يختل به فهم الغرض من الكلام.
- فعل التعجب وأفعل التفضيل:
للتعجب صيغتان هما: ما أفعلَه، وأفعلْ به، وللتفضيل صيغة هي: أفعلُ، وهذه الصيغ مطردة في كل فعل استوفى الشروط المعتد بها عند علماء العريية. ومن الشروط المختلف فيها: اختصاص هذه الصيغ بالأفعال الثلاثية، تمسك الجمهور بهذا الشرط، ولم يجيزوا اشتقاق فعل التعجب، ولا أفعل التفضيل من الأفعال الرباعية فما فوقها، ووردت ألفاظ عن العرب أخذوها مما فوق الثلاثي، فحملها الجمهور على الشذوذ، ووقفوا بها حد السماع، ووجهة نظر الجمهور: أن صيغ التعجب والتفضيل لا تحتمل أكثر من ثلاثة أحرف مزادة عليها الهمزة التي هي أول ما تمتاز به الصيغة، فإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي كلها أصول، نحو عَرْبد، لزم متى اشتق منه التعجب أو التفضيل إسقاطُ حرف أصلي من بناء الكلمة، وفي ذلك خلل لا داعي إلى ارتكابه. وهناك طرق أخرى للدلالة على التعجب أو التفضيل؛ نحو: ما أشد عربدته، أو: هو أشد عربدة، وإن كانت حروف ما زاد على الثلاثي مزيدة؛ نحو: انفعل، أو افتعل، أو استفعل، فهذه الأحرف يؤتي بها في الفعل لمعان، ومتى حذفت هذه الحروف من صيغ التعجب أو العفضيل، ضاعت تلك المعاني المقصود إفادتها للمخاطبين.
وخالف الجمهورَ في هذا الشرط ثلاثُ طوائف:
1 - طائفة تجيز أخذ التعجب والتفضيل من (أفعل) الذي تكون همزته في أصل وضعه؛ نحو: أظلم الليل، دون ما تكون همزته للنقل؛ نحو:
(6/ 1/68)

أجلس، ووجهه: أن الهمزة في نحو أظلم لم تدل على معنى خاص، فلا ينقص بحذفها شيء من المعنى المراد من أصل الفعل.
2 - طائفة تجيز أخذهما من "أفعل"، لا فرق بين ما تكون همزته في أصل وضعه، وما تأتي همزته لتعديته إلى مفعول لا يتعدى إليه من قبل، واعتمد هذا المذهبُ على أنه سمع من العرب أخذهما من "أفعل" بكثرة تكفي لأن تجعله موضع القياس؛ نحو: هو أعطاهم للدنانير، وأولاهم للمعروف، وأكرمهم من كل أحد.
3 - طائفة تجيز أخذهما من كل الأفعال الثلاثية المزيدة؛ كانفعل، واستفعل، ونحوهما، ويرى هؤلاء أن تلك المعاني المستفادة من الحروف الزائدة يمكن الدلالة عليها بعد حذف تلك الحروف بقرائن لفظية أو حالية.
وذكروا في شروط صوغ التعجب وأفعل التفضيل: أن يكون الفعل مما يقبل المفاضل، وقالوا: لا يقال: ما أموته؛ لأن الموت لا يقع به التفاوت، ومقتضى هذا التعليل صحة أن يقال: ما أموته، متى جاء على وجه يحتمل التفاضل؛ كأن يكثر في بلد الموت، فتقول: ما أموتَ أهلَ هذا البلد، أي: ما أكثر موتهم، ولا يبقى سوى أن ما أموته لم يسمع من العرب بوجه، فنرجع إلى حكم الأفعال التي تحققت فيها شروط أخذ فعلي التعجب واسم التفضيل، ولم يبلغنا أن العرب نطقوا بهما، أو بأحدهما على طريق خاص، وسنمر بهذا البحث بعد صفحات قليلة - إن شاء الله -.
وذكروا في شروط صوغها: أن لا يكون الفعل مبنياً للمجهول، وهذا في حال ما يحصل به لبس؛ نحو: ما أضرب زيداً، فإنه يسبق إلى الذهن أن التعجب من وصف الفاعل، لا من وصف المفعول، فإن كان القصد من
(6/ 1/69)

التعجب واضحاً؛ كان تقول: ما ألبسَ هذا الثوبَ، تتعجب من كثرة لبس صاحبه له، فذلك ما يراه بعض الأئمة (1) قياساً سائغاً؛ اعتماداً على أن له أمثلة متعددة وردت في كلام العرب، نحو: ما أشهره، وما أخصره، ومن أمثالهم: (أشغل من ذات النِّحْيين).
- اسم الآلة:
يصاغ من الفعل اسم للآلة التي يعمل بها، ويجيء على وزن مِفعَل؛ نحو: مِخْيَط، ومِفْعَلة؛ نحو: مِطرَقة، ومِفعال؛ نحو: مفتاح، وأورد صاحب "المفصل" هذه الأوزان الثلاثة، وقال: هذا قياس مطرد في جميع الأفعال الثلاثية.
ووجه اشتراط أن يكون الفعل ثلاثياً: هو أن الأفعال المزيدة يؤتي بها لمعان زائدة على أصل معنى الفعل، ووزن مفعل ومفعلة ومفعال لا يسع إلا ثلاثة أحرف، وهي أصول الفعل، فلو صيغ من المزيد اسم في أحد الأوزان الثلاثة، لفاتت المعاني التي تدل عليها الأحرف الزائدة في الفعل، وكذلك أخذه من الرباعي المجرد يستدعي حذف أحد حروفه، فيختل اللفظ، فإن ورد اسم الآلة من غير ثلاثي، فهو خارج عن القياس، فلك أن تستعمله كما استعمله العرب، وليس لك أن تقيس عليه ما لم يرد استعمال صحيح.
وصرح بعض الكاتبين في الصرف باشتراط أن يكون الفعل متعدياً، ولعلهم نظروا إلى أن أكثر ما ورد منه اسم الآلة الأفعال المتعدية، ونحن نجد في أمثلة اسم الآلة ما هو مصوغ من فعل لازم؛ نحو: معراج ومعرج
__________
(1) ابن مالك في "التسهيل".
(6/ 1/70)

للسّلم، ونحو مِرقاة للدرجة، ومن استأنس بإهمال كثير من علماء الصرف لشرط التعدي، واقتصارهم على شرط أن يكون الفعل ثلاثياً، وذهب إلى صحة اشتقاق اسم الآلة من الأفعال اللازمة عند الحاجة، لا نراه ذاهبًا مذهباً بعيداً، فلو وضعت آلة للسَّباحة، وبدا لجماعة أن يسموها مِسبَحة، أو مِسبَحاً، لم يكونوا - فيما نراه - مخطئين.
- مَفعَلَة:
يشتق العرب للمكان الذي يكثر فيه شيء اسماً من ذلك الشيء على وزن مَفْعَلَة، فقالوا: أرض مَأْبَلَة، أي: ذات إبل، ومَأْسَدَة؛ أي: ذات أسود، وَمَسْبَعَة؛ أي: ذات سباع، وَمَبْطَخَة؛ أي: كثيرة البطيخ ومقثأة؛ أي: كثيرة القثاء، وقالوا للأرض كثيرة اللصوص: مَلصَّة، ولكثيرة الرمان: مَرْمَنة، ولكثيرة الخزان (1) مَخَزَّة.
وهذه الصيغة مما اختلف علماء العربية في القياس عليها، فمنهم من وقف به عند حد السماع، مع اعترافه بكثرة ما سمع منه، وفي كتاب "سيبويه" ما هو ظاهر في جواز القياس، فقد قال: في حديثه عن هذا الباب: "وليس في كل شيء يقال إلا أن تقيس شيئاً، وتعلم أن العرب لم تتكلم به". قال صاحب "المحكم" في حكاية كلام "سيبويه"؛ يعني: لم تقل العرب في كل شيء من هذا، فإن قست على ما تكلمت به العرب، كان هذا لفظه.
وممن صرح بصحة القياس فيه مُظهر الدين صاحب "شرح المفصل المسمى بالمكمل" إذ قال: اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكان، وضعوا لها مَفعلة، وهذا قياس مطرد في كل اسم ثلاثي؛ كقولك:
__________
(1) ذكور الأرنب.
(6/ 1/71)

أرض مَسبعة؛ أي: يكثر فيها السباع، وساق بعد هذا أمثلة كثيرة.
ومقتضى هذا المذهب: صحة أخذ مَفعلة من كل اسم ثلاثي يكثر معناه في أرض، نحو: الذهب، فتقول في الأرض كثيرة الذهب: مَذهبة.

* الاشتقاق من أسماء الأعيان:
تصرَّف العرب في أسماء الأعيان على وجه الاثشقاق، فأخذوا منها أفعالاً في أوزان مختلفة، وأسماء فاعلين ومفعولين، إلى غير ذلك من الصيغ التي تنتزع من أسماء الأحداث، وورد في كلامهم ما يدل على أنهم ذهبوا في هذا التصرف إلى غاية بعيدة، ووجدنا علماء العربية قد صرحوا بصحة القياس على بعض أنواعه، منها: اشتقاق الفعل من أسماء الأعيان لإصابتها، أو إمالتها، أو العمل بها.
قال ابن مالك في "التسهيل": "ويطرد صوغ "فَعَل" من أسماء الأعيان لإصابتها؛ نحو: جَلَدَه، وَرَأسه، أو إنالتها؛ نحو: شحَمَه، ولحَمَه: أطعمه ذلك، أو عمل بها؛ نحو: رمَحَه، وسَهمه: أصابه بالرمح والسهم".
وذكر بعد هذا نوعين يظهر من عبارته أنهما غير مقيسين، وهما: اشتقاق الفعل من اسم العين التي عملتها، أو اشتقاقه من اسم العين التي أخذتها، فقال: "وقد يصاغ (أي: فَعَل)؛ لعملها؛ نحو جَدَر، ويَأَر: عمل الجدار والبئر، أو أخذِها، نحو ثَلَث المالَ ورَبَعه: أخذ ثلثه وربعه، إلى العشر".
ومن أنواعه المقيسة: اشتقاق اسم الأرض على وزن مَفْعَلَة مما يكثر حصوله فيها؛ نحو: مأسدة ومقثأة ومَذَبَّة (1).
__________
(1) اسم للأرض يكثر فيها الذباب.
(6/ 1/72)

ونقل شرَّاح "درة الغوَّاص" عن أبي محمد ما يؤخذ منه أن اشتقاق الأفعال من اسم العين على وزن استفعل مقبول في القياس، ذلك أن الحريري أنكر قولهم: "استأهل"، فقال أبو محمد: استأهل استفعل، وأصله الهمزة، وهو جائز كثير؛ كاستأسد الرجل، واستأبر النخل، واستنوق الجمل؛ أي: صار ناقة، فإذا استعمل استأهل بمعنى صار أهلاً، كان قياساً جائزاً مع أن السماع فيه ثابت.
ولم نجد في نصوص أهل العلم ما يساعد على الاشتقاق من أسماء الأعيان بإطلاق، وهو موضوع يستدعي بسطًا في القول، فنكتفي في هذا الفصل بما حدثناك به، وندع البسط إلى غير هذا المقام.

* ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق؟
لا يجب على الناظر في المشتقات من نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأفعل التفضيل، واسم المكان، واسم الزمان- عندما يريد تقرير قواعدها- أن يستقرئ جميع ما ورد منها في كلام العرب، فإنه يتعذر عليه الوصول إلى هذه الغاية، نظراً إلى سعة اللغة، وانتشارها إلى ما لا يمكن الإحاطة به، والذي في وسعه أن يتتبع جزئياتها إلى أن يأتي على مقدار يفيد ظناً قوياً، وثقة بأن اللغة جارية في مثله على رعاية قاعدة، والذي لم يقع تحت استقرائه يكون قاصداً لإجرائه في الكلام على ما يطابق هذه القاعدة، فيصح لنا أن نرجع إلى القاعدة في كل لفظ يتفق دون أن نتوقف على سماع.
وهاهنا إشكال لا يزال يتردد على ألسنة طلاب العربية، وهو أن واضع القاعدة إذا لم يلزمه استقراء جميع جزئياتها، وجاز له الإكتفاء في تقرير القاعدة بتتبع جانب عظيم من الجزئيات، فما باله يصرح في بعض الأفعال والمصادر؛
(6/ 1/73)

مثل: ويح، وويل، ونعم وبئس وعسى، ويذر وياع، بأنها لا تتصرف، ولا يصح أن يشتق منها اسم فاعل أو اسم مفعول أو أفعل تفضيل؟ وأي فرق بين هذه الأفعال والمصادر، وبين ما لم يبلغه استقراؤه من المصادر والأفعال، فيسوغ لنا أن ناخذ منها أوصافًا أو أفعالاً، ولا يجوز لنا أن نأخذ مثل ذلك من ويل وويح ونعم، وما شكلها من المصادر والأفعال التي يقولون عنها: إنها غير متصرفة؟
وجواب هذا: أن الأفعال والمصادر التي لم يسمع لها فروع في الاشتقاق على ضربين:
أحدهما: ما يكثر استعماله في موارد كلام العرب من غير أن يتصرفوا فيه؛ مثل: ويل وويح ونعم ويذر وما يماثلها، وعدم تصريفهم لها- مع كثرة ترددها في محاوراتهم ومخاطباتهم- دليل على قصدهم لإبقائها على هيئتها. فمن تصرف فيها، فقد أتى بها على وجه قصد العرب إلى تركه، والناطق بما يقصدون إلى إهماله ناسج على غير منوالهم، وناطق بغير لهجتهم. هذا مذهب جمهور أهل العربية، وذهب بعضهم إلى جواز استعمال ما أهمله العرب متى دخل تحت قياس. قال ابن درستويه في "شرح الفصيح": "إنما أهمل استعمال وَدَع ووَذَر؛ لأن في أولهما واوًا، وهو حرف مستثقل، فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو: ترك"، ثم قال: "استعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل، وهو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام (النثر) (1) ".
ثانيهما: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة
__________
(1) "المزهر" (ص 25).
(6/ 1/74)

أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه. وهذا هو الذي نعمل به على طبق القاعدة، وإن لم يبلغنا أو يبلغ الواضعين للقواعد أن العرب تلفظوا فيه على وَفق القاعدة. فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق.
قال أبو عثمان المازني: ما قيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب، ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول؟ وإنما سمعت بعضها، فقست عليها غيره.
وقال ابن جني - بعد أن سرد أمثلة من اسم المكان والمصدر الواردين على اسم مفعول -: هذا كله من كلام العرب، ولم يسمع منهم، ولكنك سمعت ما هو مثله وقياسه.
فإن قلت: ماذا يريد أبو إسحاق الشاطبي من قوله في "شرح الخلاصة":
"الذين اعتنوا بالقياس والنظر فيما يعدُّ من صلب كلام العرب، وما لا يعد، لم يثبتوا شيئاً إلا بعد الاستقراء التام، ولا نفوه إلا بعد الاستقراء التام، وذلك كله مع مزاولة كلام العرب، ومداخلة كلامها، وفهم مقاصدها، إلى ما ينضم إلى ذلك من القرآن ومقتضيات الأحوال التي لا يقوم غيرها مقامها".
قلنا: يريد من الاستقراء التام: الاستقراء الذي يفيد ظناً قوياً يكفي لتقرير أحكام اللغة. ويدلك على أنه لم يرد من الاستقراء التام تتبع أقوال العرب قولاً فقولاً إلى أن يأتي على آخرها، قوله فيما بعد: فالواجب على المتأخر التوقف حتى يدخل من حيث دخل المتقدم، فإن وجد الأمر مستثبتاً مطرداً على خلاف ما قال الأول، لم يسعه إلا مخالفته، وإن لم يجده كذلك،
(6/ 1/75)

فليتوقف، وأبو إسحاق الشاطبي نفسه قد نقل أن إمام العربية سيبويه يجعل من شواذ التعجب "ما أمقته"، و "ما أفقره" بناء منه على أن العرب لم يستعملوا الفعل الثلاثي من المقت والفقر، ثم ذكر الشاطبي أن جماعة من أئمة اللغة أثبتوا استعمال العرب للفعل الثلاثي من المقت والفقر، وخفي ذلك على سيبويه، وقال: ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثقة مقبولة.
وهذا يزيدك خُبراً بأن واضع القاعدة يستند إلى الاستقراء الذي يكسبه ظناً بقصد العرب لأن يكون الحكم قياساً مطردًا، كما يستند إلى الاستقراء الذي يفيده ظناً بن العرب لم ينطقوا من هذا المصدر بفعل أو اسم فاعل، أو من هذا الفعل بمصدر أو فعل ماض - مثلاً -.

* قياس التمثيل:
ذكرت فيما سلف أني أريد بقياس التمثيل: إلحاق نوع من الكلم بنوع آخر في حكم، وهو ما ينكره بعض النحاة، ويعنونه في قولهم: إن اللغة لا تثبت بالقياس.
يأخذ النحاة بقياس التمثيل لإثبات أصل الحكم، وكثيراً ما يرجعون إليه في تأييد المذهب بعد بنائه على السماع، وهذا أبو حيان الذي هو من أشد النحاة وقوفًا عند حد السماع، ومن أسرعهم إلى محاربة من يعول على هذا الضرب من القياس، قد ينظر إليه في بعض الأحيان، كما قال: إن الناصب لى: بى ذا" فعلُ شرطها، قياساً على سائر أدوات الشرط. وقال في الكلام على وقوع الجملة المنفية حالاً: والمنفية ب: "إن" لا أحفظه من كلام العرب، والقياس يقتضي جوازه، فنقول: جاء زيد إِنْ يدري كيف الطريق؛ قياساً
(6/ 1/76)

على وقوعها خبراً في حديث: "فظل إن يدري كم صلى"، فقياس "إذا" على بقية أدوات الشرط في جعل العامل فيها فعل الشرط، وقياس الجملة الحالية في صحة تصديرها ب: "إن" النافية على جملة الخبر، كلاهما من قبيل قياس التمثيل.

* قياس الشبه وقياس العلة:
يقيس النحاة بعض أنواع الكلم على بعض إذا انعقد بينهما شبه من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، ويسمى هذا القياس: "قياس الشبه"، ومثال الشبه من جهة المعنى: أن أسماء الأفعال نحو: عليك، ومكانك، وأمامك مشابهة في المعنى للأفعال التي قامت هذه الأسماء مقامها، وهي: الْزم، واثْبت، وتقدم، ولهذا الشبه أجاز الكوفيون تقديم معمول أسماء الأفعال عليها قياسا على جواز تقديمه على الأفعال التي قامت هي مقامها.
ومثال الشبه من جهة اللفظ: أن المركب المزجي يشابه المختوم بتاء التأنيث في أحوال لفظية، منها: حذف جزئه الثاني عند النسب كما تحذف تاء التأنيث، ومنها: أن التصغير يجري في صدره كما يجري فيما قبل تاء التأنيث، وللشبه في هذه الأحوال اللفظية أجازوا ترخيمه بحذف الجزء الثاني قياساً على ترخيم المؤنث بحذف التاء.
وقد ينبني القياس على اشتراك المقيس والمقيس عليه في العلة التي يقع في ظنهم أن الحكم قائم عليها، ويسمى هذا الضرب: "قياس العلة".

* أقسام علة القياس:
العلل التي يذكرها الباحثون في العربية بدعوى أن العرب راعتها، وبنت عليها أحكام ألفاظها، ترجع إلى ثلاثة أقسام:
(6/ 1/77)

أحدها: ما يقرب مأخذه، ويتلقاه النظر بالقبول، كما وجهوا تحريك بعض الحروف الساكنة بالتخلص من التقاء الساكنين، ووجهوا حذف أحد الحرفين المتماثلين بطلب الخفة.
ثانيها: ما يكون من قبيل الفرضيات التي لا تستطيع أن تردها على قائلها، كما أنك لا تضعها بمحل العِلم، أو الظن القريب منه، وهذا كما قالوا في وجه بناء قبلُ وبعدُ إذا قطعا عن الإضافة لفظاً: "إنهما شابها الحرف في احتياجهما إلى معنى المحذوف، وهو المضاف إليه، فإذا قلت: إن هذه العلة ثابتة عند ذكر المضاف إليه، فلماذا لم يرتبط بها أثرها، وهو حكم البناء؟ قالوا: ظهور الإضافة التي هي من خواص الأسماء أبعَدها عن شبه الحرف، فعادت إلى أصلها الذي هو الإعراب، فإن قلت لهم: ما بالهم بنوا أيَّ الموصولة فيما إذا أضافوها في اللفظ، وحذفوا صدر صلتها؛، فهذا يرد قولكم: إن ظهور الإضافة يبعد عن شبه الحرف؛ لأنها من خواص الأسماء؟ أجابوك: بأن العرب أنزلوا المضاف إليه في باب أيَّ منزلةَ صدر الصلة المحذوف، فصارت أيّ في حكم المقطوع عن الإضافة في اللفظ، فتستحق ما استحقته قبلُ وبعدُ من البناء.
ولا يسعك بعد هذا إلا أن تسلَّ يدك من هذه المجادلة، وتنفصل منها، وليس في ذهنك أثارة من علم.
ثالثها: ما يجري فيه بعض النحاة على ما يشبه التخييل، ومثال هذا: أن "هل" تختص في أصل استعمالها بالدخول على الأفعال؛ نحو: هل كتب عمرو؟ وقد تخرج عن هذا الأصل؛ فتدخل على مبتدأ خبره اسم؛ نحو: هل عمرو كاتب؟ ولكنها لا تدخل على مبتدأ خبره فعل؛ نحو: هل عمرو كتب؟
(6/ 1/78)

وقد أراد بعضهم أن يذكر علة لدخولها على اسم خبرُه اسم، وعدم دخولها على اسم خبرُه فعل؛ فقال: لأن"هل" إذا لم تر الفعل في حيزها، تسلت عنه ذاهلة، وإن رأته في حيزها، حنت إليه سابق الألفة، فلم ترض حينئذ إلا بمعانقته. وكلام هذا النحوي وهو يقرر حقيقة علمية لا يختلف عن قول الشاعر وهو يسبح في لجج من الخيال:
مليحة عشقت ظبياً حوى حورا ... فمذ رأته سعت فوراً لخدمته
كهل إذا ما رأت فعلاً بحيزها ... حنت إليه ولم ترض بفرقته

* أقسام قياس العلة:
لقياس العلة أقسام ثلاثة:
أحدهما: قياس الأولى، وهو أن تكون العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، ومثال هذا: أن صاحب "الكافية" أجاز في نحو اغضضْنَ أن يقال: غُضْنَ، قياساً على قول العرب في نحو "اقرِرْن": قَرْنَ، بحذف أحد المثلين، وعلة هذا القياس: طلب التخفيف، ولكن فك المضموم في نحو اغضضن أثقل من فك المكسور في نحو اقررن، وإذا فر من فك المكسور إلى الحذف ابتغاء التخفيف، ففعل ذلك بالمضموم أحق بالجواز.
ثانيهما: قياس المساوي، وهو أن تكون العلة في الفرع والأصل على سواء، ومثاله: أن يقول من منع تقديم خبر ليس عليها: لا يجوز تقديم خبرها عليها، قياساً على عسى؛ فإنه لا يجوز تقديم خبرها عليها، وعلة المنع عدم تصرف الفعل، وهذه العلة يستوي فيها الفعلان ليس وعسى.
ثالثهما: قياس الأدنى، وهو أن تكون العلة في الفرع أضعف منها في الأصل، ومثاله: أن اسم الزمان المضاف إلى الفعل الماضي يجوز بناؤه
(6/ 1/79)

على الفتح نحو:
"على حينَ عاتبت المشيب على الصبا"
وعلة بنائه: أن الظرف في الواقع مضاف إلى المصدر الذي تضمنته الجملة، وإن كان في الظاهر مضافاً إلى الجملة نفسها، فشابه اسم الزمان كلمتي قبلُ وبعدُ في وجه بنائهما حين يقطعان عن الإضافة لفظاً لا معنى، وتتقوى هذه العلة في اسم الزمان الواقع بعده فعل ماض أن الفعل الماضي واقع موقع المضاف إليه، الذي قد يكتسب منه المضاف شيئاً من أحكامه؛ كالتعريف والتنكير، ووجوب التصدير، فلا بعد في أن يكون للإضافة - وإن كانت في ظاهر اللفظ - أثر في كتساب المضاف حكم البناء من المضاف إليه.
فإن كان الواقعَ بعد اسم الزمان فعل مضارع، والمضارع معرب، نحو: "على حين أعاتب الزمان"، فعلّة بناء اسم الزمان، وهو "حين" أضعف منها في حال اتصاله بفعل ماض؛ حيث نقص منها ما كانت قد تقوَّت به من استعداد المضاف لاكتساب البناء من المضاف إليه.
وقد اكتفى بعض البصريين والكوفيين بالعلة الضعيفة، وأجازوا بناء اسم الزمان الواقع بعده فعل مضارع؛ لتحقق أصل العلة، وهو الانقطاع عن الإضافة في اللفظ دون المعنى.

* شرط صحة قياس التمثيل:
يكون قياس التمثيل صحيحاً، ويتم الاستدلال به على تقرير حكم من أحكام اللفظ؛ متى كان وجه الشبه بين الأصل والفرع واضحاً، أو ظهر أن ما ذكره المستدل على وجه التعليل هو العلة التي يرتبط بها حكم الأصل، ويضاف إلى هذا: أن لا يوجد بين الأصل والفرع فارق يؤثر في عدم تعدية
(6/ 1/80)

حكم الأصل، إلى الفرع، ويزيد بعضهم على هذا: أن لا يكون حكم الأصل مخالفاً للأصول، خارجاً عن حد القياس.
فالقياس مع الفارق؛ كما أجاز بعض النحاة تقديم معمول الفعل المنفيّ بلن قائلاً: إن لن أضرب، نفي لقولك: ساضرب، فكما جاز قولك: زيداً سأضرب، يجوز قولك: زيداً لن أضرب، وما كان من المنكرين لهذا القياس سوى أن فرقوا بين السين ولن؛ بأن حرف النفي يقتضي الصدارة في الجملة التي يدخلها، وذلك معنى لا يقتضيه حرف التنفيس.
ومثال القياس على ما خالف القياس: أن الكسائي يقول: لا يقتصر في الظروف الواردة أسماءَ فعل؛ نحو: عليك، وأمامك على ما ورد في الرواية، بل يجوز أن يقاس عليها غيرها مما لم يرد به سماع، وطعن البصريون في هذا المذهب؛ بن تلك الظروف إنما وقعت موقع أسماء الأفعال على خلاف أصلها، وما جاء على خلاف الأصل لا يصح القياس عليه بحال.
والحق أن الأمر في مثل هذا يرجع إلى قوة نظر المجتهد في العربية؛ فإن الأصول التي يجيء حكم الأصل على خلافها تتفاوت في اقتضاء حكمة الوضع لها، وخروج العرب عن حدودها، فالأصل الذي يمنع من زيادة الكلمات - مثلا-، وهو أن الألفاظ إنما وضعت لإفادة المعاني، أقوى من الأصل الذي يمنع من تقديم المعمول على العامل، ولهذا كانت مخالفة العرب لقانون تقديم المعمول على العامل أكثر من مخالفتهم لقانون المنع من الزيادة، فيمكن للمجتهد في العربية أن يمنع قياس زيادة "كان" في صدر الكلام، أو في آخره، على زيادتها في وسطه، وليس من البعيد صحة تقديم خبر "زال" الناسخة عليها قياساً على تقديم معمول الخبر الثابت على خلاف القياس؛ إذ القياس تقديم
(6/ 1/81)

العامل على المعمول.
ويذكر بعضهم في شرط صحة القياس: أن لا يكون حكم الأصل موضع اختلاف، ومثال هذا: أن الكوفيين ألحقوا فعل التعجب بأفعل التفضيل في جواز بنائه من لوني البياض والسواد، وردَّ البصريون هذا القياس؛ بأنه قياس على مختلف فيه؛ لأنهم لا يوافقون على حكم الأصل، وهو: صوغ اسم التفضيل من أسماء الألوان.
والتحقيق: أن القياس على المختلف فيه لا يكون حجة على المخالف في حكم الأصل، أما من تقرر عنده حكم الأصل بدليل راجح، فله أن يتعلق بمثل هذا القياس في تعديته إلى الفرع.

* مباحث مشتركة بين القياس الأصلي، والقياس التمثيلي - القياس في الاتصال:
خصت العرب بعض الكلمات بالدخول على أنواع من الكلم لا تتجاوزها إلى غيرها؛ مثل: حروف الجر والنداء تختص بالأسماء، ومثل: لن ولم وليس وسوف تختص بالفعل المضارع، وجعلت بعضها مطلقاً بين الأسماء والأفعال، نحو: همزة الاستفهام، وما النافية، أو مطلقاً بين المضارع والماضي؛ نحو: قد، ولا النافية، وإن الشرطية.
فإذا وردت كلمة من أمثال هذه الكلمات مقرونة بنوع خاص من الكلم، فليس لنا أن نخرج به عن دائرة السماع. ويجري على هذا الأصل "لَمّا" الحينية؛ فإنها إنما جاءت في كلام العرب موصولة بالفصل الماضي، ومقتضى الأصل المذكور امتناع دخولها على الفعل المضارع، ولهذا لحَّن بعض الناقدين ابن أبي حجة في قوله:
والنبت يضبطها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين
(6/ 1/82)

وإذا دارت الكلمة في كلام العرب، ولم ترد إلا مجردة من أداة التعريف - مثلاً -, فهل يجوز لنا استعمالها موصولة بهذه الأداة؟ يجري هذا النظر في لفظ: كل، وبعض، فقد أنكر الأصمعي أن تدخل عليهما ال المعرفة؛ حيث لم يجيئا في كلام العرب موصولين بها، وأجاز اتصالهما بها ابن درستويه، وخالفه جميع نحاة عصره، ذاهبين مذهب الأصمعي في وجوب تجردهما من أداة التعريف، وإن استعملها بعض الأدباء؛ كابن المقفع، ويعض النحاة؛ كسيبويه، والأخفش موصولة بها، وكل من هؤلاء الأدباء أو النحاة لا يحتج بما يقع في كلامهم، وإنما الحجة في روايتهم.
وبمقتضى هذا الأصل أنكر الحريري إدخال أل المعرفة على لفظ "كافة" ناظراً إلى أن العرب لم تفعل ذلك (1).
قد يخطر ببالك أن هذا الحجر يقتضي أن لا تدخل أل على اسم إلا إذا سمع اتصالها به في الفصيح من كلام العرب، ومن المتعذر أن يتتبع واضع القاعدة جميع الأسماء العربية؛ ليتحقق هل نطقوا بها مقرونة بال المعرفة، أولا؟.
فالجواب: أنا لا ندَّعي أن هذه الكلمات لم يستثنها النحاة إلا بعد أن أتوا على جميع المفردات مفردًا مفردًا، فوجدوها تجيء موصولة بأل ما عدا هذه المستثنيات: كل، ويعض، وما شاكلها، وإنما جاز لهم استثناؤها من جهة أنها دائرة على ألسنة الفصحاء بكثرة، حتى لا تكاد تمر بقصيدة أو خطبة أو محاورة، دون أن يعترضك شيء منها، وعدم استعمالها موصولة بأداة التعريف
__________
(1) لنا عود في فصل: القياس في مواقع الإعراب، إلى زيادة البحث في استعمال هذه الكلمة.
(6/ 1/83)

مع إيرادهم لها في جل مخاطبتهم، دليل على أنهم التزموا قطعها عن هذه الأداة، ولا يسوغ لنا إلحاق الكلمة باشباهها متى شهد الاستعمال المستفيض بعدم إجرائها على القاعدة.
وملخص القول: أن الكلمة إذا وردت متصلة بلفظ، أو نوع من الألفاظ خاص، فلابد من النظر في حال استعمالها؛ فإن أكثر دورانها في أقوال الفصحاء وغيرهم، ولم يعدلوا بها عن ذلك الوجه من الاستعمال، وقفنا عند حد استعمالهم، ولا يسعنا الخروج بها عن ذلك الحد، وإذا لم تكن شائعة في فنون المخاطبات شيوعَ كلّ وبعض؛ فإنه يسوغ لنا أن نتصرف فيها، ونتعدى بها حدود الرواية؛ حيث لم يقم الدليل على قصد اختصاصها بذلك الاستعمال، وهو كثرة تقلبها على ألسنتهم، ودورانها في محاوراتهم.
ومما ينتظم تحت هذا البحث: الألفاظ التي قال صاحب "إصلاح المنطق" وغيره: إنها لا تستعمل إلا في سياق النفي، وهو: أحد، وعريب، وديَّار، وأخواتها، ويدخل في هذا نحو: قصارى، وحمادى، ولبَّى، ودوالي من الكلمات التي لم ترد موصولة إلا بنوع خاص، وهو المضاف إليه. ونظير هذا كلمة: "بيد"، فإنها بمعنى غير، ولكنها لم ترد إلا متصلة بأنَّ وصلتها، فيقال: فلان كثير المال بيد أنه بخيل، فلا يتجاوز بها حد هذا الاستعمال؛ كان تضيفها إلى اسم صريح قياسا على كلمة "غير" مراعياً توافقهما في المعنى.
وإن شئت مثلاً يزيد البحث بياناً، فإن العرب لم يستعملوا الضمير المسبوق بهاء التنبيه موصولاً باسم الإشارة؛ نحو: ها أناذا قائم، فرأى ابن هشام أن الشواهد الواردة بهذا الأسلوب قد بلغت في الكثرة إلى أن يؤخذ
(6/ 1/84)

منها لزوم اتصال هذا الضمير باسم الإشارة، فمنع من أن يجيء الضمير المقرون بهاء التنبيه مقطوعًا عن اسم الإشارة. وعلى هذا المذهب ابن هشام أيضاً جرى في "غير" المبنية على الضم، فقال: إنها لا تستعمل إلا متصلة بليس، فتقول: عندي كتاب ليسَ غيرُ، وقولهم: "لا غيرُ" لحن، ومن عدَّ استعمال "لا غير" فصيحاً، فقد وقف في كلام العرب على ما يشهد بصحته، وهو قول الشاعر:
جواباً به تنجو اعتمد فوربنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل
وإذا وردت الكلمة متصلة بنوع من الكلم وروداً لا يحيط به استقصاء، صح أن يكون اتصالها بذلك النوع مقيساً؛ كتاء التأنيث تتصل باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والمنسوب، على وجه القياس، ولم يبلغ اتصالها بأسماء الأعيان هذا المبلغ، فوقفوا به عند حد السماع، كظبي وظبية، وامرئ وامرأة، فليس لك أن تقول: إنسانة في مؤنث إنسان إلا إذا نقل إليك لفظه في شاهد صحيح، ولهذا الأصل أنكر الصفدي قولهم للظبية: غزالة، مع ورود غزال للمذكر؛ لأنه لم يثبت عنده أن العرب قالوا: غزالة، وما خالفه الدماميني في ذلك إلا بعد وقوفه على شواهد من كلام العرب تقتضي صحة استعمالها.
فالمذكر من أسماء الأعيان لا تلحقه التاء قياساً، وكذلك المؤنث منها لا يجرد من علامة التانيث، ويستعمل في المذكر إلا إذا ورد به نقل عن العرب، كما سمع إلْقة اسماً للقِرْدة، ولا يقال في ذكرها: إلْق؛ حيث لم يقم شاهد على استعماله.

* القياس في الترتيب:
إذا كانت إحدى الكلمتين تابعة للأخرى من جهة المعنى، فالتناسب
(6/ 1/85)

الطبيعي يقتضي أن تذكر الكلمة التابعة عقب الكلمة المتبوعة، ومن ثم قرروا في أصولهم: أن المعطوف عليه يتقدم على المعطوف، والمؤكد يقدم على التوكيد، والمنعوت يتقدم على النعت، والمبين يتقدم على البيان، والمبدل منه يتقدم على البدل، والمستثنى منه يتقدم على المستثنى، والمميز يتقدم على التمييز، وصاحب الحال يتقدم على الحال.
فمن يجيز تقديم كلمة تابعة على متبوعها، فإنما تقبل دعواه متى كانت مصحوبة بدليل. فالكوفيون- مثلاً - أجازوا تقديم المعطوف على المعطوف عليه، والكسائي والمبرد سوَّغا تقديم التمييز على عامله، والفرَّاء والأخفش ذهبا إلى صحة تقديم الحال على عاملها الظرف أو الجار والمجرور. وابن برهان وابن كيسان نباحا تقديم الحال على صاحبها المجرصر بالحرف، وما أجاز هؤلاء التقديم في هذه المسائل، وهو مخالف للقياس، إلا مستندين إلى شواهد رأوها كافية في تقرير ما ذهبوا إليه.
ومن فروع هذا الأصل: أن لا يتقدم الضمير على معاده، واستثنوا من ذلك مواضع، أجازوا منها تقديم الضمير على معاده: إما باتفاق؛ كتقديم ضمير الشأن، وإما مع اختلاف؛ كتقديم الضمير العائد على مفعول متأخر عنه، والأصل في محل الاختلاف بيد من لا يجيز عوده على المتأخر عنه في نظم الكلام إلى أن يأتي المخالف بشاهد صحيح، وكذلك كان مذهب الأخفش، وأبي الفتح في إجازة عود الضمير المتصل بفاعل مقدم على مفعول متأخر لم يقف أمام مذهب الجمهور الذين يمنعون هذه الصورة إلا بما احتف به من الشواهد؛ نحو:
جزى بنوه أبا الغيلان عن أكبر ... وحسن فعل كما يجزي سِنمَّار
(6/ 1/86)

ووجهة نظر الجمهور في عدم الأخذ بهذه الشواهد، وحملها على الشذوذ أو الضرورة: أنها جاءت على خلاف أصل أصيل، وما يرد على خلاف الأصول المعتد بها، لا يجعل مقيساً إلا حيث تكثر شواهده حتى تدل على قصد العرب لاطراده.
ومقتضى هذا الأصل، وهو أن ترتب الألفاظ يكون على حسب ترتب المعاني في الذهن: أن يجيء المستثنى بعد المستثنى منه، وما نسب إليه من الحكم؛ نحو: قام الرجال إلا علياً؛ فإن مرتبة المُخرَج بعنوان أنه مخرج متأخرة عن مرتبة المخرج منه، سواء قلنا: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه، أو من الحكم المتعلق به، ولكن أكثر في الاستعمال تقدمه على المستثنى منه؛ نحو: جاعني إلا زيداً القوم، أو على الحكم فقط؛ نحو: القوم إلا زيداً إخوتك، فبقيت مسألة تقدمه عليهما معاً على أصل المنع، وقد جوزها الكوفيون قياساً؛ والحق أن مخالفة الأصل بكل واحد من أمرين على انفراده، لا تدل على جواز مخالفته بالأمرين كليهما.

* القياس في الفصل:
الأصل في الألفاظ المربوط بعضها ببعض من جهة المعنى: أن لا يلقى بينها بفاصل، وقد خالفوا هذا الأصل في مواضع كثيرة، حتى دخل بعضها في فنون البلاغة؛ كالفصل بين مفعولي "رأيت" في مثل قول الشاعر:
ويمتحن الدنيا امتحان مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
أو بين النعت والمنعوت؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76]، ويجب النظر في قوة الارتباط وضعفه في هذا المقام، فيكفي من الشواهد الواردة في الفصل بين ما ضعف ارتباطهما ما لا يكفي
(6/ 1/87)

في الفصل بين ما كان الارتباط بينهما قوياً، ويدلك على أن لشدة الارتباط بين المعنيين أثراً في ضعف القياس: أن بعض النحاة منعوا من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمجموع الأمور التي يجوز الفصل بكل واحد منها منفردًا؛ نحو: الظرف، والمفعول، ولما أجاز طائفة الفصل بمجموعها قياساً على الفصل بين "تقول" العاملة عمل ظن، وأداة الاستفهام بمجموع ما يجوز به الفصل بينهما، وهو الظرف والمعمول، وطعنوا في هذا القياس بن ما بين المضاف والمضاف إليه من الاتصال أشد مما بين أداة الاستفهام والفعل المستفهم عنه.
ويزيدك علما بن لشدة ارتباط الكلمة بالأخرى أثراً في أحكام النحو: أن كثيراً من علماء العربية منعوا الفصل بين الموصول الحرفي وصلته متى كان الموصول عاملاً؛ مثل: "أن" المصدرية، وأجازوا الفصل بين الموصول غير العامل وصلته؛ مثل: "ما" المصدرية، ذلك لأن الموصول العامل أشد اتصالًا بصلته من الموصول غير العامل؛ إذ الأول طالب للصلة من جهة المعنى والعمل، وأما الثاني، فطلبه لها من جهة واحدة، وهي الموصولية.

* القياس في الحذف:
من الجليّ: أن حذف أحد أجزاء الجملة يغير أسلوبها، ويحدث فيها هيئة جديدة، والمحافظة على الأسلوب العربي تقضي أن لا يلفظ الإنسان بعبارة إلا أن تجيء مطابقة للهجة العربية.
وهذا الأصل هو الذي يتمسك به من لا يجيز حذف كلمة من الجملة حيث لم يقم عنده دليل على صحة حذف أمثالها. كما منع الجمهور حذف الفاعل، ومنع البصريون حذف الموصول، ومنع ابن ملكون حذف أحد
(6/ 1/88)

مفعولي ظننت، منعوا حذف هذه الأصناف من الكلم، وإن قامت القرائن، ودلت على الحذف بوضوح.
فإذا جرى خلاف في حذف إحدى الكلم، فالأصل بيد من يوجب ذكرها، والمجيز لحذفها هو المطالب بالدليل.
قد يقال: إن العرب أكثروا من حذف ما تقوم عليه القرينة، كالمبتدأ والخبر، والمفعول به، والمعطوف والمعطوف عليه، والحال والتمييز، وفعل الشرط وجوابه، وباستقراء هذه المواضع يتقرر أصل يمكن اطراده، وهو صحة الحذف لدليل.
والجواب: أن ورود السماع بالحذف في باب؛ كالنعت أو المنعوت، إنما يبيح القياس في ذلك الباب خاصة؛ إذ أقصى ما تدل عليه شواهده: أن الحذف هنالك غير مخالف لأسلوب اللغة، وإنما أجاز الكسائي حذف الفاعل، والكوفيون حذف الموصول، والجمهور حذف أحد مفعولي ظننت؛ اعتماداً على شواهد مبسوطة في كتب الفروع.
وإذا ورد السماع بحذف حرف في موضوع من التركيب على سبيل الاطراد، فهل يقاس عليه ما يرادفه من الحروف، فيسوغ حذفه، ولو لم ترد به الرواية؟ هذا من مواقع اختلاف علماء العربية أيضاً، ومن أمثلته: أنهم أجازوا حذف "لا" النافية في جواب القسم، كما ورد في قوله تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85]، وقول الشاعر:
آليتَ حبَّ العراق الدهرَ أطعمه ... والحبُّ يأكله في القرية السوس
واختلفوا في حذف "ما" النافية في نحو هذا المقام، ومن أبى حذفها قد يتمسك بأن "لا" وضعت للدلالة على السلب، وحذفها يوهم إرادة الإثبات
(6/ 1/89)

الذي هو ضد مدلوها، فكان ذكرها على ما يقتضيه وضعها أمراً لابد منه، ولكنهم حذفوها في جواب القسم؛ لكثرة استعمالها، ولا يصح إلحاق لفظ "ما" بها، وإن كانت مرادفة لها في المعنى؛ لأنها لا تشاركها في الوجه الذي اقتضى العدول بها عن الأصل، وهو كثرة الاستعمال.
وإذا وضعت ألفاظ للدلالة على غرض، وانتظمت في منهج، وسمع في أحدها حذف بعض متعلقاته، فهل يجري الحذف في متعلقات ما يشاركه في المعنى على طريقة قياس التمثيل؟.
ومثال هذا: ما ثبت من أن العرب يحذفون صدر الصلة مع أيّ الموصولة، فيقولون: زارني أيهم أفضل، والأصل: أيهم هو أفضل، فحذفوا الضمير الذى هو صدر الصلة، وقد وقف بعض النحاة عند هذا الموضع، واستضعفوا حذف مثل هذا الضمير مع غير أيّ من الموصولات، ولم يستضعفه ابن مالك، فالقائل بمنع القياس ناظر إلى أن حذف متعلق الكلمة، وهو صدر الصلة، جرى على غير أصل، فلا نتجاوز به حد السماع، ونلحق به ما يشارك تلك الكلمة في وجه الاستعمال، ونحذف متعلقه كما حذف تعلقها. والقائل بجواز الإلحاق ناظر إلى أن اتحاد الكلمتين في المعنى يجعلهما بمنزلة الكلمة الواحدة، فما يثبت لأحدهما من الأحكام يصح إعطاؤه للأخرى؛ حيث إن الأسلوب معهما متماثل.

* القياس في مواقع الإعراب:
إذا وردت الكلمة بمكان من الإعراب، ولم يسمع استعمالها في غير هذا المكان، فأصولهم تقتضي أنها تطرد فيما سمعت، ولا يقاس عليه غيره من المواضع، ومن هذا: تخصيصهم الكلمات: فل، ولومان، ونومان بحال
(6/ 1/90)

النداء، وقط، وعوض بالظرفية، أو الجر بمن.
ومن فروع هذا: قول ابن الحاجب، وسعد الدين التفتازاني: إن لفظه: "كل" إذا أضيفت إلى الضمير لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدًا، فيمتنع إيرادها مفعولاً به، أو فاعلًا، ومن أجاز إيرادها مفعولاً به؛ كابن هشام اعتمد على ما وقع في يده من الشواهد التي منها قول الشاعر:
"فيصدر عنها كلُّها وهو ناهل"
ومما يجري على هذا الأصل قولهم: إن كافة، وقاطبة، وطُرّاً لا تخرج عن الحالية، وعدّ ابن هشام في أوهام الزمخشري تخريجه لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] على أن كافة نعت لمصدر محذوف، والتقدير: رسالة كافة، ومن نازعوا في اختصاصها بالحالية يقفون موقف المدعي المطالَب بالدليل، وقد استشهدوا على ما ذهبوا إليه بمثل قول عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: "قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً".
وحاول الشهاب الخفاجي هدم هذا الأصل المقرر في الصدر، فقال في "شرح الدرة": فإن "كافة" ورد عن العرب بمعنى جميع، لكنه استعمل منكراً منصوباً، وفي الناس خاصة، ومقتضي الوضع: أنه لا يلزمه ما ذكر، فيستعمل كما استعمل "جميع" معرفاً ومنكراً بوجوه الإعراب، وفي الناس وغيرهم؛ لأنَّا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العارية والمستعربة، حجَّرنا الواسع، وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم.
وهذا الرأي لا يؤخذ به على الإطلاق، ولا يستضاء به في كل حال؛ فإنه لا يطابق ما قاله أساتيذ العربية من أن معرفة الوضع غير كافية ما لم ينضم إليها
(6/ 1/91)

العلم بحال الاستعمال.
قال ابن خلدون في "المقدمة": ليس معرفة الوضع الأول بكاف في التركيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك، وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره؛ حذراً من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها، وهو شر من اللحن في الأعراب وأفحش.
ولو اقتدينا بالشهاب في إباحته، وسرنا على أثر مقالته المطلقة العنان، لعمدنا إلى مثل: قط، وقبل، وعند، ومع، وأخرجناها عن الظرفية إلى نحو الابتداء، أو الفاعلية، ولا أحسبه يرضى للغة هذه الفوضى، فيفصم نظامها، وهو يريد توسيع نطاقها.
والتحقيق في هذا المطلب: أن ما يصلح أن نجريه على القاعدة في الإعراب نوعان:
أحدهما: ما يدور على ألسنة البلغاء وغيرهم، ويجري في مخاطباتهم بحالة خاصة من الإعراب، مثل: عند، وقبل، وقاطبة، ومع، وهذا هو الذي نقف فيه عند حد السماع؛ فإن كثرة دورانه في مجاري كلامهم نظمًا ونثرًا، وتقلبه في أساليبهم بحالة مخصوصة من الإعراب يشعر بقصدهم إلى تخصيصه بتلك الحالة، وما كان ينبغي لنا في هذا القسم إلا أن نتحرى الطريقة المألوفة في استعماله.
ثانيهما: ما لا يتردد في أغلب مخاطباتهم، وإنما يرد في حال لا يدل على قصدهم إلى قصره على الحالة التي جاءت بها الرواية. وهذا هو الذي يسوغ لنا أن نخرج به عن حالته الواردة. ونستعمله في المواضع التي يساعد عليها الوضع، فلو لم نسمع لفظ الضرغام، أو اللوذعي، أو الفيصل إلَّا فاعلاً أو
(6/ 1/92)

مفعولاً، كان لنا إيراده في تراكيب من عندنا مضافاً إليه، أو مبتدأ، أو خبراً.
فيتضح من هذا التفصيل مذهب الجمهور، ووجه ماخذه. ويمكنك أن تقضي به على مقالة الشهاب؛ حيث أباح خروج "كافة" عن الحالية بمجرد النظر إلى حال الوضع؛ فإن هذه الكلمة من القسم الأول قطعاً، فيجب على من ذهب إلى صحة استعمالها فاعلاً أو مفعولاً - مثلاً - إقامة شاهد على ذلك، ولا يكفيه التمسك بأنها قابلة لهذه الوجوه من الإعراب بحسب وضعها.
وللشيخ الكافيجي مقالة تشبه مقالة الخفاجي، هي: أنه تكلم عن نحو قولك، في الدار علي، والمسجدِ خالد (1)، ثم قال: إن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة لا يحتاج إلى النقل والسماع، وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم على ذلك.
وهذه العبارة مطلقة العنان، فلابد من وقفها عند حد، فنقول:
إن أراد الكافيجي بقوله: "أفادت المعنى على وجه الاستقامة": أن المعنى حصل في ذهن المخاطب عند النطق بها كاملاً. فهذا لا يكفي في صحة الكلام عند علماء العربية قطعاً؛ فإن من التراكيب ما يفهم منه المعنى المراد، ويكون المتكلم قد خالف فيه بعض القواعد المجمع عليها، وإن قصد بوجه الاستقامة: المطابقة لصحة الأسلوب عربية، قلنا: هذا هو محل النزل بينه وبين من لا يجيز المثال: في الدار عليٌّ، والمسجدِ خالد؛ فإن
__________
(1) هذا مما يعبر عنه النحاة بمسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين؛ فإن المسجد معطوف على الدار المعمول لحرف الجر. وخالد معطوف على علي المعمول للابتداء.
(6/ 1/93)

المانع يراه غير مطابق للأسلوب العري الصحيح، فلا محيص للكافيجي وغيره من إقامة الدليل على صحة هذا التركيب.

* القياس في العوامل:
من البين أن الرافع والناصب للكلمة هو الناطق بها، وما نسميه بالعامل؛ كالفعل والحرف إنما هو أداة يلاحظها المتكلم، وياخذها بمنزلة الوسيلة لتلك الآثار الخاصة من رفع ونصب وخفض وجزم.
ولما لم يكن تأثير هذه العوامل النحوية من قبيل تأثير الأسباب العقلية أو الحسية، وإنما هو بقصد المتكلم إلى جعلها وسيلة للعمل، جاز تأخيرها عن المعمول، واستقام لكل من اللفظين أن يكون عاملاً في صاحبه؛ كأسم الشرط والفعل المجزوم به؛ نحو: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 10]، ولا يتوجه الاعتراض عليهما بأن الأثر لا يوجد قبل علته الفاعلة. وساغ لهذا المعنى أيضاً أن يتوارد عاملان على معمول واحد، ولكنهم ضعفوا قول المبرد: إن الابتداء عامل في المبتدأ، وهما؛ أي: الابتداء والمبتدأ عاملان في الخبر، من جهة السماع، فقالوا: إن توجّه عاملين إلى معمول واحد لا يعهد له نظير في العربية، وبمثل هذا الوجه ضعفوا قول الفراء: إن زيداً في قولك: "قام وقعد زيد" مرفوع بالفعلين، واختاروا أن يكون فاعلاً للثاني، وهو قعد، وجعلوا الفاعل للأول ضميراً مقدراً.
وأكثر اختلافهم في تحقيق العامل لا يظهر له أثر في نظم الجملة، وقد ينبني عليه الحكم بصحة بعض التراكيب؛ كاختلاف الكوفيين والبصريين في الرافع لاسم "كان" الناسخة، فمقتضى قول الكوفيين: إن الاسم لم يزل مرفوعا بالابتداء، وإن "كان" إنما عملت في الخبر، امتناع نحو: كان زيد
(6/ 1/94)

كاتباً، وعمرو شاعراً؛ لأنك عطفت قولك: "عمرو شاعراً" على قولك: "زيد كاتباً"، فيكون التركيب من قبيل عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وهما - أي: العاملان: كان، والابتداء - ولكنه بمقتضى مذهب البصريين كلام عربي فصيح؛ لأن المعطوف عليهما، وهما "زيد كاتباً" معمولان لمعمول واحد هو لفظ كان، وعطف اسمين على معمولي عامل واحد - وإن اختلف إعرابهما - لا مرية في صحته.
وعوامل الإعراب ترجع إلى ستة أصناف:
أولها: الأفعال المتصرفة، ومصادرها، وما يشتق منها؛ نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل.
ثانيها: الأفعال غير المتصرفة؛ نحو: عسى وليس ونعم وبئس.
ثالثها: الحروف؛ مثل: الحروف الخافضة للأسماء، والحروف الناصبة للأفعال، أو الجازمة لها.
رابعها: أسماء تعمل من جهة موقعها في الجملة؛ كالمضاف يعمل في الخبر، والمميز المفرد يعمل في التمييز.
خامسها: صفات تكتسبها الكلمة من حال استعمالها في الجملة؛ كالإبتداء، والإضافة في الأسماء، والتجرد من الناصب والجازم في الأفعال.
سادسها: كلمات ليست بأفعال، ولكنها تشبه الأفعال في المعنى؛ كاسم الإشارة وحرف التنبيه في رأي من يجعلهما عاملين في الحال؛ نحو: هذا زيد كاتباً، وكحروف النداء، وما النافية عند من يجيز تعلق الظرف أو الجار والمجرور بها.
ولا شبهة في أن الصنف الأول، وهو الأفعال والمصادر، وما يشتق
(6/ 1/95)

منها، أقوى من بقية أصناف العوامل، ولقوته في العمل صح لهم أن يسندوا إليه عملين مختلفين؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب المفعول، أو ثلاثة آثار؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب مفعولين، أو أربعة آثار؛ كالأفعال التي ترفع الفاعل، وتنصب ثلاثة مفاعيل.
ونبني على هذا: أنه متى أمكن أن يكون العامل من هذا الصنف الأقوى، لم يعدل عنه إلى جعل العامل من صنف غيره، وقد اختار سيبويه أن يكون العامل في المنادى فعلاً مقدراً، ورجحه على أن يكون العامل حرف النداء، وإن كان ملفوظاً به؛ حيث قال: إن العامل في المنادى فعل مضمر تقديره: "أدعو".
والتحقيق - فيما نرى - أن الموازنة بين الصنف الأول إذا كان مقدراً، وغيره إذا كان ملفوظاً به، يرجع إلى قوة النظر في المعنى، وسرعة انتقال الخاطر إلى المقدر، فإذا كان المدعى تقديره لا ينتقل إليه الذهن بسرعة، أو لا يلتئم بنظم الكلام عندما تصرح به، فالراجح نسبة العمل إلى الملفوظ به، ولو كان من الأصناف الضعيفة، وهذا ما دعا المبرد إلى أن قال: العامل في المنادى حرف النداء نفسه.
والرجوع في العوامل إلى ما يقتضيه المعنى ويتبادر إلى الأذهان، يريك أن قول سيبويه: إن العامل في عطف النسق هو العامل في المتبوع، أقوى من قول ابن جني في "سرِّ الصناعة": إن العامل مضمر، ويقدر من جنس العامل في المعطوف عليه.
وإذا وزنت بهذا الأصل قول الجمهور: ان المفعول لأجله في نحو: "قمت إجلالاً لك" منصوب بالفعل المذكور، رأيته أرجح من مذهب الزجاج؛
(6/ 1/96)

حيث أرجعه إلى المفعول المطلق، وقدر له فعلاً من نوعه، والتقدير: قمت وأجلك إجلالاً.
ومما يجري على هذا النسق: أن الجمهور يرون أن عامل الجزم في الفعل الواقع في جواب الطلب، شرط مقدر؛ والتقدير عندهم في نحو: "استقمْ يرفعِ الله قدرك": إن استقمت، يرفع الله قدرك، وذهب فريق إلى أن عامل الجزم هو الطلب نفسه، ومن أقام موازنة بين المذهبين، قد تدفعه قوة المعنى إلى ترجيح قول الجمهور، فإن رفعة القدر في المثال السابق معلقة على حصول الاستقامة، وهذا المعنى لا يستقل بافادته الأمر أو الاستفهام وحده، فلابد من ملاحظة شرط يستقيم به نظم الكلام، ويطابق به المعنى الذي أردت التعبير عنه.
وللفريق الذي جعل عامل الجزم في ذلك المثال فعلَ الطلب نفسه، أن يجيب بأن ترتب رفعة القدر على الاستقامة، ودلالة الجملة على أن أولاهما موقوفة على ثانيتهما، يؤخذ بقرينة الجزم، فيكون الجزم بمنزلة الفاء في مثل قولك: كن شريف الهمة، فيكبُر عملك، فكبُر العمل موقوف على شرف الهمة، ولا حاجة إلى تقدير شرط؛ فإن الفاء تنبئ عن هذا الارتباط الذي سميت من أجله فاء السببية.
والأصل في الحروف المشتركة بين الأسماء والأفعال: أن تكون معزولة عن العمل، وخرج عن هذا الأصل: "ما"، و"لا"، و"إن" النافيات؛ فإنها من قبيل ما يشترك فيه الأسماء والأفعال، وقد أعطاها بعض العرب عمل "ليس" الناسخة.
فإذا وقع نزاع في نسبة العمل إلى حرف مشترك بين الأسماء والأفعال،
(6/ 1/97)

فهذا الأصل ينصر من ينفي عنه العمل، فيمكنك أن تستدل به على ضعف مذهب من يقول: إن العامل في المعطوف هو حرف العطف، فان العاطف يتصل بنوعي الأسماء والأفعال.
وعلى هذا الأصل ينبني خلافهم في إن وأخواتها عندما تتصل بها "ما" الزائدة، فقد سمع إعمال "ليتما"، فاتفقوا على جواز إعمال هذا الحرف. واختلفوا في إعمال بقية الحروف، فمنعه سيبويه. وأجازه الزجاج، وابن سراج، والكسائي، ومذهب سييويه قائم على أن "ليتما" لم تزل على اختصاصها بالأسماء، فساغ إعمالها، ولا يسوغ قياس الأحرف الباقية عليها؛ لأن "ما" أزالت اختصاصها بالأسماء، وهيأتها للدخول على الأفعال.
ومن أصولهم: أن الحرف لا يعمل عملين مختلفين، وإنما يعمل عملاً واحداً؛ كالحروف الخافضة للأسماء، أو الناصبة للأفعال، أو عملين متماثلين؛ نحو: إن، وإذما الشرطيتين، يجزمان فعل الشرط وجوابه، وخرج عن هذا الأصل عند البصريين: إن وأخواتها؛ فإنها في مذهبهم ناصبة للاسم ورافعة للخبر، وحافظ عليه الكوفيون، فطردوه في كل موضع، وقالوا: إن الناسخ عمل في الاسم وحده، وأما الخبر، فإنه مرفوع بما ارتفع به قبل أن يرد عليه الناسخ، وهو المبتدأ.
ويشبه هذا قول سيبويه: إن "لا" النافية للجنس إنما عملت في الاسم، وأما الخبر، فإنه مرفوع بكونه خبر المبتدأ.
والأصل فيما يسند إليه العمل: أن لا يتخلف عنه أثره أينما وجد، فإذا احتمل وجه الاعراب أن ينسب إلى ما يدور معه العمل حيثما وجد، وأن ينسب إلى ما لا يطرد معه العمل في جميع مواقعه، ترجح جانب الاحتمال
(6/ 1/98)

الأول، ومن أمثلة هذا: أن بعض الكوفيين يقولون: إن الفعل الواقع بعد واو المعية المسبوقة بطلب (1) أو نهي منصوب بالخلاف المسمى عندهم بالصرف، وبيانه: أن ما بعد واو المعية مثل: "وتأتي" في قول الشاعر:
"لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله"
خبر، وما قبله طلب، فلما اختلفا في المعنى، وقع الخلاف بينهما في الإعراب. وهذا المذهب مردود بأن نحو هذا الخلاف قد ثبت في مواضع لم يظهر له فيها عمل؛ مثل: الأسماء الواقعة بعد "لا"، أو "لكن" العاطفتين؛ نحو: ما كتب زيد، لكن بكر، وأحسن عمرو، لا خالد.
وإذا دلت الصيغة على المعنى، وتقرر لها عمل خاص، ثم جاءت صيغة أخرى توافقها في الدلالة على ذلك المعنى، أفنلحق الصفة الثانية بالأولى، ونعطيها ذلك العمل الخاص، أو لا نملك هذا الإلحاق، ونقف دونه حتى يرد في كلام العرب ما يشهد بأنهم أعطوا من العمل ما أعطوه للصيغة الأولى؟ ووجه الوقف: أنه لا يلزم من الاتحاد في المعنى التماثل في العمل؛ فإنك ترى كثيراَ من الكلم تتحد معنى، وهي تختلف في التعدي واللزوم؛ نحو: رحمه، وصلى عليه.
ومما يوضح هذا أن صيغة "مفعول" تعمل في الاسم الظاهر؛ نحو: محمود مُقامه، ومرفوع ذكْرُه؛ ويوافق صيغة مفعول في الدلالة على معناها صيغة فعيل، نحو قتيل وجريح، وقد أبى الجمهور أن يلحقوا فعيلاً بشبيهه، وهو مفعول، فيجيزوا رفعه للظاهر، وقالوا: لا يصح أن يقال: مررت برجل
__________
(1) المراد من الطلب ما يشمل الأمر والنهي والاستفهام.
(6/ 1/99)

كحيل عينه، أو قتيل أبوه، وأجاز ذلك ابن عصفور، ولعله استند في هذا إلى أصل القياس.
ويدخل في هذا الباب صيغة فَعِل؛ نحو: حَذِر، فالجمهور يمنعون عمله عمل الصيغة المحول عنها، وهي صيغة فاعل، فلا ينصب المفعول به، وسيبويه يجيز عمله، ولكنه استند في مذهبه إلى شاهد على أنه من كلام العرب هو قول الشاعر:
حذر أموراً ماتخاف وآمن ... ما ليس ينجيه من الأقدار
وطعن الجمهور في هذا البيت بأنه مصنوع، وحكوا عن اللاحقي أنه قال: إن سيبويه سألني عن شاهد في تعدي فَعِل، فعملت له هذا البيت.

* القياس في شرط العمل:
قد يكون العامل مقارناً لوصف، أو لفظ، فيجعلون مقارنته لذلك الوصف أو اللفظ شرطاً في عمله، كما أخذوا في فعل التعجب شرط تاخير معموله عليه، فلا يقال: زيداً ما أحسن، وكما قالوا: إنَّ "دام" تعمل عمل كان بشرط أن تسبقها "ما" المصدرية الظرفية.
وللعامل مع هذه الشروط حالان:
أحدهما: ما إذا فقد الشرط بطل العمل، ويقي العامل مهملاً، كما شرطوا في نصب "إذن" للمضارع أن تكون في صدر الجملة، فإذا فقدت الصدارة، بطل النصب، مع بقاء"إذن" في نظم الكلام مهملة.
ومثل هذا النوع من الشروط لا تنبغي المخالفة فيه إلا ممن لم تبلغه الشواهد التي خليت من الشرط، فتخلى العامل فيها عن العمل.
ثانيهما: ما إذا فقد الشرط، لم يصح أن يؤتى بالعامل في نظم الجملة
(6/ 1/100)

البتة، وهذا كما شرطوا لعمل إن وأخواتها الترتيب في الوضع؛ بأن يأتي اسمها مقدماً على خبرها، فإن المتكلم إذا لم يوف لها هذا الشرط لا يسوغ له أن يدخلها في التركيب، ولو مع إهمالها.
وهذا النوع من الشروط هو الذي يختلفون فيه كثيراً؛ فإن للمخالف في الشرطية أن يدَّعي أن مقارنة ذلك الوصف أو اللفظ إنما كانت على سبيل الاتفاق، لا على أنها لازمة بحيث يكون العمل موقوفاً عليها، إذ لا يوجد في هذا القسم صورة تبين كيف أهمل العامل من أجل تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، مثلما وجد في القسم الأول.
ولمدَّعي الشرطية أن يقول: إني لم أر هذه الأداة عاملة إلاَّ مع هذا الوصف أو اللفظ الخاص، فاعده شرطاً للعمل، ومن ينفي الشرطية، فعليه بإقامة الدليل.
فمنكر الشرطية إما أن يسوق شاهداً على عملها مع عدم ذلك الوصف أو اللفظ، أو يمنع أن يكون لارتباط العمل به وجه مناسب.
فإن سلك الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد الصحيح على العمل مع تخلف الوصف أو اللفظ، فقد رمى بسهم صائب، وأصبح مذهبه في حرز من الصحة. ومثال هذا: أن البصريين يقولون: لا يصح العطف على الضمير المجرور إلا بشرط إعادة حرف الجر. وخالفهم الكوفيون، فأجازوا العطف مع عدم إعادة الجار، وأقاموا على مذهبهم شواهد، منها: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وقول الشاعر:
"فاذهب فما بك والأيامِ من عجب"
وقد يستمر مدعي الشرطية متشبثاً برأيه، ولو بعد أن تلقى عليه الشواهد
(6/ 1/101)

البينة في إلغاء الشرط وقيام الحكم بدونه، ويذهب في التأويل أبعد مذهب، وهذا كما قال البصريون في تاويل آية {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]: إن الواو في قوله: (والأرحامِ) للقسم، لا للعطف، أو إن حرف الجر، وهو الباء، مقدر، وكلا الوجهين في منتهى الضعف كما ترى.
فلو عجز المخالف في شرطية الاقتران بوصف أو لفظ عن الطريقة الأولى، وهي إقامة الشاهد على وجود العمل مع تخلف ذلك الوصف أو اللفظ، وجنح إلى الطريقة الثانية، وهي المطالبة بالوجه المناسب، لجعل الاقتران بذلك الوصف أو اللفظ شرطاً، فإن أبدى القائل بالشرطية وجهاً صحيحاً لارتباط العمل بالوصف أو اللفظ المقارن، انقطع المخالف، واستقر الشرط في محله.
وهذا كما يقول البصري: إن الفعل الناسخ المقرون بما النافية لا يجوز تقديم خبره على "ما"، وهذا القول في معنى أن شرط عمل الناسخ المنفي بحرف "ما" أن يكون خبره مؤخراً عنه.
وقد نازع الكوفيون في هذا الشرط، مع اعترافهم بأن الخبر لم يرد في السماع إلا مؤخراً، فكان من البصريين أن قالوا: لربط العمل بتأخير الخبر وجه هو: أن "ما"، النافية من الأدوات المستحقة للصدارة، فلا يصح لما بعدها أن يعمل فيما قبلها.
فإذا لم يأت مدعي الشرطية بوجه، أو أتى بوجه غير مقبول، بقي باب القياس مفتوحاً في وجه المخالف، فإن كان قريب المأخذ، حسن الموقع، انهدم ذلك الشرط، واستمر العمل على إطلاقه.

* القياس في الأعلام:
المعروف في الأعلام أن أمرها موكول إلى واضعها، فينقلها من أي
(6/ 1/102)

موضع شاء، ويصوغها في أي وزن شاء، دون أن يراعي قانوناً، أو يجري فيها على سنة قياس.
قال الشيخ ابن عرفة في تفسير قوله تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 14]: انتقد القرافي على الفخر بن الخطيب تسمية كتابه بالمحصول قائلاً: إن فعل حصل "لا يتعدى" إلا بحرف الجر، ومثل هذا لا يبنى منه اسم المفعول إلا مصحوباً بالمجرور، فكان حق التسمية: المحصول فيه.
ثم تصدَّى الشيخ ابن عرفة لجواب هذا الاعتراض، فقال: إن صوغ اسم المفعول من اللازم بدون المجرور إنما يمنع إذا أريد منه مجرد الوصف، وأما أخذه على أنه اسم لشيء معين، فجائز؛ لأنه يصح تسمية الإنسان ببعض الاسم، فأحرى أن يسمى باسم المفعول غير مصحوب بحرف الجر؛ كما سميت الشجرة: "سدرة المنتهى"، دون: المنتهى إليها.
وبمثل هذا يجاب المعترض على القاضي عياض في تسمية كتابه: "الشفا"؛ حيث قال: إن ما ورد ممدوداً؛ كالشفاء، لا يجوز قصره إلا في ضرورة الشعر.
وبمثل هذا أيضاً يجاب من اعترض تسمية بعض المؤلفات بنحو: رد المحتار، أو المقتطف؛ إذ لم يجد في كتب اللغة احتار واقتطف، وليس هناك قياس يجيز اشتقاق احتار من حار، أو اقتطف من قطف.
والتحقيق: أن إنكار تسمية بعض المؤلفات برد المحتار، أو المقتطف، إنما يتوجه على واضع الاسم متى بنى وضعه على أن العرب قالوا: احتار، أو اقتطف، أو على اعتقاد صحة أخذ افتعل من مادة: حار، أو قطف، ولو علم أنه لا يقال: محتار، ومقتطف، ثم عمد إلى وضع أحدهما اسماً لتاليف
(6/ 1/103)

بعينه، لم يكن مخالفاً لقانون اللغة، وعلى أي حال، لا يؤاخذ الناطق بهما بعد أن صارا علمين، ولا يوصف بالخطأ الذي يوصف به القائل: اقتطفت الثمرة، واحترت في أمر كذا.
ولا أدري - إلى هذا اليوم - ماذا أراد صاحب "القاموس" بالقياس في قوله: "فَقْعَس عَلمٌ مرتجل قياسي"؛ إذ لا نعرف فارقاً بين فقعس وغيره من بقية الأعلام المرتجلة سوى أن مادته لم تستعمل إلا في صيغة هذا العلم؛ بخلاف غيره من الأعلام المرتجلة؛ كسعاد، وأدَد؛ فإنها مرتجلة؛ نظراً إلى صيغتها، وأما مادة حروفها، فإنها مستعملة من قبل هذه الأعلام بصيغ أخرى.

* الكلمات غير القاموسية (1):
كان فضيلة الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي رئيس المجمع العلمي بدمشق قدَّم إلى ذلك المجمع اقتراحاً، وبعث إليَّ المجمع بنسخة من ذلك الاقتراح يطلب إبداء رأي فيه، فكتبت في جوابه مقالاً موجزاً، وقد رأيت إضافته في الطبع إلى كتاب "القياس في اللغة العربية" مصدَّراً باقتراح المغربي.
اقتراح الأستاذ المغربي:
موضوع اقتراحي - أيها السادة - هو استمالة نظركم إلى العناية بالكلمات (غير القاموسية)؛ وأعني بالكلمات غير القاموسية: كلمات نستنكف من إيداعها
__________
(1) نشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس من المجلد الأول- الصادر في ذي القعدة 1347 - القاهرة.
(6/ 1/104)

قواميسنا العربية. وقد أصبحنا - مع هذا - لا نستنكف من التكلم بها، وإيداعها كتاباتنا أحياناً. وقد أصبحنا -معشر العرب- مع معاجم لغتنا تجاه أمر واقع غريب الشكل، ذلك أننا نرى ألوفاً من الكلمات العربية الحوشية المهجورة الاستعمال قد تبوأت من قواميسنا الصدر والمحراب، وألوفاً من الكلمات الدخيلة التي ألفتها الأسماع، والتي نرى أنفسنا مضطرين لاستعمالها قد حرمت دخول المعاجم، وطرحت وراء الأبواب.
وهذا على خلاف ما عليه الحال في لغات الأمم الراقية؛ فإن معاجمها اليوم تتضمن من الكلمات القديم والحديث، والأصيل والدخيل، وميزان التفاضل بينهما إنما هو استعمال البلغاء لها، لا لكونها أصيلة أو دخيلة، فإذا تصفحت معجم (لاروس) - مثل -، وجدت فيه إزاء الألفاظ الإفرنسية المحضة ألفاظاً أخرى من لغات مختلفة، فنجد من اللغة العربية - مثلاً - كلمات: mesquine " مسكين"، felouque " فلك"، marbout " مرابط" (شيخ صوفي)، bled " بلد"، cable " جبل"، sirop " شراب"، houri " حورية"، mantille " منديل"، jare " جرة" في نظير ذلك من الكلمات العربية التي يحلونها المحل الأرفع من معاجمهم، ويزينون بها خطبهم وكتاباتهم. ولا يخفى على حضراتكم - أيها السادة - أن الكلمات الدخيلة التي سميناها: (غير قاموسية) تبقى مرذولة سيئة السمعة ما دامت لا تذكر في معاجمنا العربية. وما دام كتابنا المجيدون يأنفون من استعمالها خشية أن ينسب إليهم قصور، أو توصم كتاباتهم بلوثة العجمة، وكل ما أريد الآن من أفاضلنا أن لا ينظروا إلى الكلمات (غير القاموسية) نظرة ازدراء، ولا يحرموا استعمالها على السواء، بل أقترح عليهم أن يضعوها، ثم يميزوا بين أصنافها، فصنف منها يعلن مجمعنا
(6/ 1/105)

العلمي الفتوى بجواز استعماله، بل بلزوم ذكره في معاجمنا اللغوية الحديثة أيضاً، وصنف منها يعلن عدم جواز استعماله أصلاً، ثم يبين السبب في الأمرين: الجواز، وعدم الجواز.
وها أنذا منذ الساعة أصنف هذه الكلمات تصنيفاً أولياً يدرك الذهن منه ما هي الكلمات (غير القاموسية) التي ينبغي استعمالها، وما هي الكلمات التي يجب اطراحها وإهمالها:
"الصنف الأول": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية قحة، لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين يحتج بأقوالهم، مثل فعل "تبدَّى" بمعنى: ظهر، لم تذكره المعاجم بهذا المعنى، وإنما ذكرته بمعنى: "سكن البادية"، لكنه ورد في بيت شعر لعمرو بن معدي كرب من قصيدته الدالية المذكورة في "ديوان الحماسة". والبيت هو قوله:
وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدَّي
فما رأيكم - أيها السادة - في هذه الكلمة (غير القاموسية)؟ هل يجوز لنا إهمالها بعد أن جات في شعر هذا العربي الصميم؟ لكن لماذا لم تذكرها المعاجم؟ هذا شيء آخر لا يتسع الوقت للبحث فيه، ولا أظن أن زملائي أعضاء المجمع العلمي يخالفونني في وجوب الإسراع إلى إعلان الفتوى بجواز استعمال كلمة (تبدى) وما أشبهها.
"الصنف الثاني": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية خالصة لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الإسلاميين الذين لا يحتج بأقولهم: وهذا كفعل (أقصَّ) الخبر-رباعياً- بمعنى: (قصه) - ثلاثياً - لم تذكره المعاجم، لكنه جاء في كلام الإمام الطبري المشهور ببلاغة عبارته إذ
(6/ 1/106)

قال في "تاريخه" (جزء 2 ص 184) من الطبعة الأوربية -: "فأتيته فأقصصت قصته".
وأظن أن السادة أعضاء المجمع يوافقونني أيضاً على إعطاء الفتوى بجواز استعمال هذا الصنف من الكلمات (غير القاموسية)، ويمكن أن يعدّ من هذا النوع إقرار العلامة اليازجي لكلمة "فخيم"، مع أن علماء اللغة لم يذكروا إلا "فَخْم"، واستعمال الإمام الشيخ محمد عبده لكلمة: "صدفة" في خطبة "شرحه لنهج البلاغة" مكان كلمة: (مصادفة).
"الصنف الثالث": كلمات عربية المادة، ومع هذا لا يعرفها العرب، أو يعرفونها في معان أخر، وهي كلمات اصطلاحية فنية أو إدارية؛ كقولهم: (هيئة المحكمة)، (تشكيل المحاكم)، (انعقدت الجلسة)، (تعريفة الرسوم)، (ميزانية)، (كمية)، (كيفية)، وما في نظير ذلك، وهذه الكلمات (غير القاموسية) أرجو من رفاقي أعضاء المجمع أن يجوزوا استعمالها، لا سيما أنها كلمات اصطلاحية كما قلنا، ولكل قوم اصطلاحهم.
"الصنف الرابع": كلمات عربية المادة ولَّدها المتأخرون من أهل الأمصار الإسلامية لا يعرفها العرب الأولون، ولم ينطق بها الفحول المقرمون؛ مثل فعل: "خابره" بمعنى: راسله، وفعل: "تفرج" على الشيء، "واحتار" في أمره، "وتنزه" في البستان، وهكذا. وأنا أعترف بأنني سألقي صعوبة في حمل زملائي أعضاء المجمع العلمي على إعطاء فتوى بجواز استعمال هذا الضرب من الكلمات (غير القاموسية).
"الصنف الخامس": كلمات دخلية عجمية الأصل، وهي منها ما هو ثقيل "على اللسان": (أتوموبيل)، (بيرصو ناليته)، ومنها ما هو خفيف في
(6/ 1/107)

السمع مثل: (فلم)، (بالون). وأنا على يقين أن أعضاء المجمع لا يجوزون استعمال كلا القسمين: الثقيل، والخفيف، وإنما هم يوجبون العدول عنهما إلى كلمات عربية تقوم مقامهما، أو تعريبها بكلمات ذات صيغة عربية كما قالوا: مناورة في تعريب manoeuvre.
وأنا أوافقكم في الكلمات الثقيلة. أما الخفيفة مثل: (فِلم، وبالون)، فأرتاح إلى القول بجواز استعمالها كما هي.
"الصنف السادس": أساليب أو تراكيب أعجمية تسربت إلى لغتنا مترجمة عن اللغات الأوربية، وهي مما لا يعرفه العرب الأقدمون، وهذا كقولهم: "ذر الرماد في العيون"، "عاش ستة عشر ربيعاً"، "وضع المسألة على بساط البحث"، "لا جديد تحت الشمس"، "ساد الأمن في البلاد"، وما في نظير ذلك، وكل هذا مما استفاض بيننا، وتعاورته أقلامنا، ولا أظن أن أحداً ينازع في جواز استعماله، اللهم إلا الذين أصيبوا بالوسواس اللغوي.
"الصنف السابع": من الكلمات (غير القاموسية): كلمات عربية لا يستعملها أحد من الفصحاء، بل يتحاشون النطق بها لعمري، وهو ما نسميه: "العامي"، وهذا كثير لا يجهله أحد مثل كلمة "بدّى" أذهب، "جيب" الكتاب، "لحشه" على الأرض، "تعربش" على الشجرة، "تحركش" بفلان، إلى غير ذلك، وهذا لا يجوز استعماله بالطبع، بل يجب العمل على تقليص ظله من بيننا تدريجاً، وتعويد أبنائنا على استعمال غيره من الفصيح الذى يصلح أن يقوم مقامه.
هذا ما خطر لي - أيها السادة - في تصنيف الكلمات (غير القاموسية)، ويمكن تصور أصناف أخرى غيرها؛ إذ ليس القصد من هذا الاقتراح الاستقصاء وبلوغ الغاية، وإنما القصد الإشارة والتلميح إلى ما يجب على مجمعنا العلمي
(6/ 1/108)

عمله من التسامح، وإعطاء الفتوى في الكلمات التي عمت بها البلوى.
"المغربي"
جواب هذا الاقتراح:
لم يبق اليوم من يخالف في أن اللغة العربية في حاجة إلى مجمع علمي يسير بها مع مقتضيات العصر، ويضع للمعاني المتجددة ألفاظاً لائقة.
والذي يمكن أن تختلف فيه الآراء إنما هو الطريق الذي نذهب منه إلى سد الحاجة ورفع الحرج حتى لا تفقد اللغة حياتها. وحتى لا يقف الكاتب أو الخطيب أو الشاعر أمام هذه المعاني الطارئة مبهوتاً. يكاد علماء اللغة -فيما سلف- يجمعون على أن الناطق بكلمة لم ترو عن العرب الخلص مخطئ، إلا أن تكون على قياس لغتهم. وإذا جرى الخلاف في صحة استعمال كلمة أو تركيب لم ينقل عن العرب، فاساسه اختلاف النظر في أن هذا الاستعمال موافق لمقاييس اللغة، أو غير موافق لها.
وإذا وجد الباحث في مواقع اختلاف علماء العربية سعة فيما يأخذ به من قبول بعض الكلمات أو التراكيب، فإن مخالفتهم فيما يجمعون على أنه غير مطابق للقياس ليست من السهولة بحيث يجهر به الكاتب أو الخطيب غير مستند إلى شيء سوى الحرص على تكثير سواد اللغة، وإطلاق الألسنة من أن تتقيد بنظمها.
ولا أذهب إلى أن خرق إجماعهم في نفسه خطأ، وأن قولاً خارقاً مردود على كل حال؛ وإنما أود من الكاتب أو الخطيب أن يدخل البحث على طريقة يثبت بها أن اسمتعمال الكلمة أو التركيب على الوجه الذى يختاره موافق لمقاييس اللغة، أو يذكر وجه الحاجة الداعية إلى هذا الاستعمال، ويبين أن اللغة تبقى
(6/ 1/109)

من دونه في قصور يقف بها دون هذه اللغات النامية.
ضبط علماء اللغة قواعد العربية، ومازوا بين ما جاء على وجه الشذوذ، فينطق به كما ورد، وبين ما يصلح لأن يكون قياساً مطرداً، فرموا بهذا إلى غرضين شريفين:
أحدهما: المحافظة على لهجة العرب وطرز خطابهم.
ثانيهما: فتح السبيل إلى أن تستمر اللغة نامية على وجه يلائم روحها يوم وصلت في بلاغتها وحسن بيانها إلى ذروة لا تطمح العين إلى ما وراءها.
"لم يزل ولدُ إسماعيل على مر الزمن يشتقون الكلام بعضه من بعض، ويضعون للأشياء أسماء كثيرة بحسب حدوث الأشياء الموجودات وظهورها". وهذا النوع من التصرف لا يختص بالعرب الخلص، بل هو حق باق لكل من ينشؤون على النطق بهذه اللغة الفضلى. وإذا لم تسر هذه اللغة فيما سلف على مقتضيات العصور، فليست علة ذلك أن آراء علمائها وقفت في سبيل تقدمها، وإنما فات علماءها أن يقوموا بهذا الإصلاح العلمي على طريقة منتظمة دائمة.
طرأت على اللغة علل سرت من ألسنة غير فصيحة، وترجع هذه العلل إلى أضرب:
أحدهما: تغيير نظم الكلام؛ كتقديم ما التزم العرب تأخيره، والفصل بين كلمتين التزموا فيهما الإتصال. وهذا النوع من التغيير لا يصح أن يجارى فيه العامة البتة؛ لأن الإغماض فيه يفضي إلى انقلاب اللغة الفصحى إلى لغة أو لغات لا ندري كيف تكون منزلتها في الانحطاط والبعد عن هذه الأساليب المحكمة.
(6/ 1/110)

ثانيها: ترك هذه الحلية المسماة بحركات الإعراب، والأخذُ في هذا بما تفعله العامة مُذْهِبٌ لبهاء اللغة، وملقٍ للكلام في ضروب من الإبهام، وقد كانت وجوه الإعراب تصونه عنها لأول ما يلفظ به من غير احتياج في رفع هذا الإبهام إلى قرينة زائدة عن نفس الخطاب.
ثالثها: مفردات أصلها عربي، فتغيرها العامة بنحو الحذف أو الزيادة أو القلب. مثل كلمة: (بِدِّى) أفعل، فالظاهر أن أصلها: (بوُدّي) ومثل: (تحركش) بفلان، فالظاهر أن أصلها: (تحرَّش)، وهذا من أمراض اللغة التي يجب أن نحمي ألسنتنا وأقلامنا من أن تحوم حولها.
والأستاذ المغربي يوافق على أن هذا الصنف مما يتحاشى من النطق به، ويجب العمل على تقليص ظله. ولا أحسبه يخالف في تحامي الصنفين الأولين، ووجوب العمل على تنقية اللغة من أقذائهما. ونحن نوافق الأستاذ في صحة استعمال ما سماه صنفاً أول، وهو "كلمات عربية قحة لم تذكرها المعاجم، ولكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين يحتج بأقوالهم، مثل فعل (تبدَّى) بمعنى "ظهر"؛ حيث ورد في بيت لعمرو بن معدي كرب مروي في "ديوان الحماسة"، ومن الذي يعارضه في صحة استعمال كلمة جاءت في شعر عربي احتواه كتاب يوثق به؛ ككتاب "ديوان الحماسة"؟!
ويجري على هذا السبيل كلمة: (معتمد) للذي عمده الوجع؛ فقد وردت في شعر عزاه صاحب "الأغاني" لعدي بن زيد، وهو "من لقلب دنفٍ أو معتمد"، والقافية، وتفسير صاحب "الأغاني" لها بقوله: "المعتمد: الذي قد عمده الوجع" ينفيان احتمال أن تكون هذه الكلمة قد أصيبت بتحريف. فعد مثل هذه الكلمة في لغة العرب مما يجد في القبول مساغاً، وإن لم يرد
(6/ 1/111)

في كتب المعاجم. ومن هذا القبيل لفظ (يُسوِّف) مضعف سافَ؛ أي: شَمَّ، فإنا لم نجده في مثل "القاموس"، و"اللسان"، ولكنه ورد في قول أمية بن أبي عائذ: "فظل يسوف أبوالها"، وفسره أبو سعيد العسكري في "شرح أشعار الهذليين" بقوله: "يسوف: يشم".
ونوافق الأستاذ "المغربي" فيما سماه صنفاً سادساً. وهو أساليب أو تراكيب أعجمية مترجمة عن اللغات الأجنبية، ولا يعرفها العرب الأقدمون، ونحن لا نعلم وجهاً للنفور من استعمال هذا الصنف ما دام التركيب موافقاً للنظم المالوفة في علم النحو؛ كهذه الأمثلة التى ضربها الأستاذ: (ذر الرماد في العيون)، (عاش ستة عشر ربيعاً)، (وضع المسالة على بساط البحث)، (لا جديد تحت الشمس)، (ساد الأمن في البلاد)، وهذا الصنف يرجع في الواقع إلى اقتباس صور من معاني لغة أخرى. واقتباس المعاني من اللغات الأجنبية شيء يتسع به أدب اللغة، ولا أعرف أحداً في القدماء أو المحدثين يلاقيه بإنكار، إلا أن يكون شيئاً تنبو عنه الأذواق السليمة.
وأما ما سماه الأستاذ صنفاً ثالثاً، وهو (كلمات عربية المادة، ومع هذا لا يعرفها العرب، أو يعرفونها في معان أخرى، وهي كلمات اصطلاحية فنية أو إدارية)، فهذا النوع مما تدعو الحاجة إليه، ولمثله تؤسس المجامع اللغوية، والوقوف في سبيله وقوف في سبيل حياة اللغة، ولا شرط له إلا أن يجيء على قياس لغة العرب، ويصاغ على وجه يقع من ذوق الأديب العربي موقع القبول.
وأما ما سماه الأستاذ: (صنفاً خامساً)، وهي كلمات دخيلة أعجمية الأصل؛ نحو: (أتوموبيل)، و (بالون)، فارى أن واجب المجمع اللغوي أن
(6/ 1/112)

يضع لهذه المعاني الحديثة ألفاظاً عربية، والمجال أمامه فسيح. ففي المجاز، والاشتقاق القائم على القياس سعة. ولا سيما الكلمات الخفيفة المهجورة؛ فإن إحياءها واستعمالها فيما يشبه معناها الأصلي، أو يكون له به صلة غير مشابهة، خير من جلب كلمة غير عربية، وأدعى إلى تناسب الكلمات وائتلافها. ولا نعد المجمع اللغوي مضطراً إلى إباحة استعمال الأعجمية إلا إذا لم يجد في نفس اللغة العربية ما يغني غناءها.
وأما ما سماه الأستاذ: صنفاً رابعاً، وهو (كلمات عربية المادة، ولَّدها المتاخرون من أهل الأمصار الإسلامية، لا يعرفها العرب الأولون، ولم ينطق بها الفحول المقرمون)، وضرب له المثل بنحو: (تفرج)، و (تنزه)، و (احتار)، فإن قبوله يطلق لكل أحد العنان في أن يشتق الكلمة على غير قياس؛ كأن يقول: اقتام في معنى قام، واعتلم في معنى علم، كما قال غيره: احتار في موضع حار، واقتطف في موضع قطف.
وأما ما سماه الأستاذ: صنفاً ثانياً، وهو (كلمات عربية خالصة لم تذكرها المعاجم، لكنها وردت في كلام فصحاء العرب الذين لا يحتج بأقوالهم)، ومثل له بكلمة (أقصصنا) الواردة في تاريخ ابن جرير، و (فخيم) الواردة في كلام اليازجي، و (صدفة) الواردة في كلام الشيخ محمد عبده، فنحن لا نفهم إلا أن اليازجي والشيخ محمد عبده استعملا هاتين الكلمتين على توهم أنهما من العربي الفصيح، ولسنا على ثقة من أن ابن جرير الطبري قال: (فاقصصنا)، ومجيئها في بعض النسخ من "تاريخه" لا يكفي دليلاً على أنه لفظها بفمه، أو كتبها بقلمه.
ولو سلمنا أن يكون الشيخ محمد عبده واليازجي قد استعملا الكلمتين
(6/ 1/113)

مع العلم بأنهما لم يردا في كلام العرب الخلص، لكان تصرفهما هذا إطلاقاً لكل ناطق بالضاد أن يلقي الكلمات كيف يشاء. فيقول في الوصف من صعب - مثلاً - صعيباً، ومن سهل: سهيلاً؛ كما قال اليازجي في الوصف من فخم (فخيماً)، ويقول مكان قتل: (أقتلَ)، ومكان ضرب: (أضرب)؛ كما جاء في بعض النسخ من "تاريخ ابن جرير": (أقصصت)، ويقول كلمته (شفهة) بدل كلمته (مشافهة)؛ كما قال الشيخ محمد عبده: (صدفة) بدل مصادفة، ولسنا في حاجة إلى إيقاظ هذه الفوضى وهي نائمة، ولسنا في حاجة إلى أن ناع اللغة تمشي في غير نظام.
انتهى
(6/ 1/114)

حياة اللغة العربية
(6/ 1/115)

حياة اللغة العربية (1)
"محاضرة ألقاها المؤلف سنة 1327 ه في جمهور غفير من الأدباء وأساتيذ اللغة العربية، في "الجمعية الصادقية": كبرى الجمعيات الأدبية في تونس، عندما كان مدرساً بجامع الزيتونة".
مقدمة في دلالة الألفاظ - تأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية - أطوار اللغة العربية، وفيه: حكم الاستدلال بالحديث - فصاحة مفرداتها، ومحكم وضعها - حكمة تراكيبها - تعداد وجه دلالتها، وفي هذا الفصل: حكم ترجمة القرآن - تعداد أساليبها - طريق اختصارها - اتساع وصفها، وفي هذا الفصل: كلمة في الشعر والسجع - إبدل العرب في التشبيه - اقتباسهم من غير لغتهم - ارتقاء اللغة مع المدنية - اتحاد لغة العامة والعربية.
__________
(1) طبعت هذه المسامرة (حياة اللغة العربية) طبعتها الأولى في تونس بالمطبعة التونسية بنهج سوق البلاط عدد 57 عام 1327 ه - 1909 م.
(6/ 1/117)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
الحمد لله الذي فاوت بين الألسنة في مراتب البيان والتبيين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرسل بلسان عربي مبين؛ ثم الرضا عن آل بيته الطاهرين. وأصحابه الأنصار والمهاجرين.
هل أتاكم نبأ فريق من أعيان الأدباء، وأعضاء هذه الجمعية "جمعية الخلدونية"؛ إذ أخذتهم الغيرة على ما للغة العربية من الوضع المحكم، والأساليب المؤثرة، فاجمعوا أمرهم على السعي في ترقية شأنها باقرب الوسائل، ومواصلة البحث عن أسرار فصاحتها، ومن مآثر هذه الهمة أن خاطبني مجلس إدارتهم السامية بكتاب يقترح علي القيام بمسامرة في بيان شرف هذه اللغة، ودلائل حياتها، فضربوا لي معهم بسهم من ذلك الاهتمام، وما لبثت أن تلقيت دعوتهم بالاجابة.
حررت ما سنناجيكم به في هذا المقام، وأتيت في خلال تحريره على شُبه أوحى بها إليّ بعض المسامرين، فالتبس عليه حال اللغة من جهة حياتها، ولئن أشهدناه دم الحياة كيف يجري في عروقها، وتلونا عليه من دلائل فصاحتها
(6/ 1/118)

ما لا يستطيع إنكاره، فإنا نعترف له بمزية البحث، وإعمال الفكرة لأننا أمة بحث ونظر، لا أمة تقليد وضغط على الأفكار.
ولا أظهر في هذا الموقف بدعوى المفاضل بينها وبين لغات أخرى، ثم أقضي لها بالمزية والسباق؛ فإن شرف منزلتها، وقرار حياتها، لا يتوقف في بيانه على الموازنة بينها وبين ما عداها من اللغات.
ولا أدعي - فيما أسوقه من شواهد حسنها - أن جميعه خاصة لها، لا يشاركها فيه لسان، فإذا أوردنا في سلكها فضيلة يعهدها بعض الحاضرين من لغة أخرى، فلا يناجِ نفسه بأنا خرجنا عن سبيل الغرض والقصد من الاستشهاد؛ إذ يكفينا داعيا إلى الذود عن حياضها، وناهضاً بالهمم إلى الاحتفاظ بها، أن غيرها من الالسنة لا يفوقها بفن من فنون البيان.
فالغرض، إنما هو البحث عن حال اللغة في حد نفسها من جهة أطوارها، ومحكم وضعها، واتساع نطاقها، وارتقائها مع المدنية، وما يشاكل ذلك، وإليكم حديثها.
محمّد الخضر حسين
(6/ 1/119)

دلالة الألفاظ
لا يشتبه على ذي نظر قيم: أن الألفاظ - وإن حسن تاليفها، وتناسبت أوضاعها، وامتدت إلى غير نهاية - لا تزيد فائدتها عن ضبط الغرض القائم في النفس، وتمييزه عما سواه، ولا تكاد تؤدي الصور والمعاني، وتنقشها في نفس السامع بحالتها المرسومة عليها في ذهن المخبر بها، فإذا شاهد الرجل حادثة، أو أدرك بحاسة وجدانه معنى، وأراد حكايته وإفراغه بمثاله الحقيقي في ذهن السامع، حتى يصير إدراك المخاطب للمحكي، مطابقاً لإدراك الحاكي مطابقةَ النعل للنعل، لم يجد لذلك لساناً كافياً.
ولا يستطيع إنسان - وإن ملك الفصاحة تحت طي لسانه - أن يصف لك ذات شيء أبصره، فتتصوره على وجه يطابق صورته، إذا رأيته رأي العين، فيضطر إلى أن يفحص بخاطره فيما سبقت لك به معرفة من الموجودات؛ ليأخذ لك مثلاً تتعرف فيه أحوالاً للموصوف، لا تفي العبارة بتشخيصها، ومن ثمة انفتح باب التشبيه والتمثيل، ولم يستغن الفصحاء بعباراتهم الصريحة أن يقرنوها بضروب من إشارة اليد ونحوها.
وإذا كان الحاذق في صناعة التصوير، لا يمكنه أن يرسم للشيء مثالاً يحكيه لك بجميع خواصه، ويغنيك عن مشاهدته، فكذلك مؤلف الألفاظ؛ لأن التعبير بها نوع من التصوير والمحكاة.
(6/ 1/120)

قال الشيخ ابن سينا في "كتاب الشفا": إن النفوس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سبباً لأن يقع عندها للأمر فضل موقع، والدليل على فرحهم بالمحاكاة؛ أنهم يسرون بتامل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة المنظر المتقزر منها، ولو شاهدوها أنفسها، لنفرت أنفسهم عنها، فيكون الفرح ليس بنفس تلك الصورة، ولا المنقوش، بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد أتقنت، ولهذا السبب ما صار التعليم لذيذاً إلى الفلاسفة فقط، بل إلى الجمهور، لما في التعليم من المحاكاة؛ لأن التعليم تصوير ما للأمر في رقعة النفس. وإذا كان التعبير بالألفاظ من قبيل التصوير ونقش المثال، فالصورة التي يمثلها الصانع بمقدار جمعها لخواص الممثل، وعلى حسب جودة أصباغها، وتناسب أوضاعها، تلذها العيون، ويرتاح الطبع عند النظر إليها، كذلك العبارة على قدر ما تسع من المعاني، وتحتوي عليه من الألفاظ السائغة، وحسن الائتلاف في التركيب، تطرب لها الأسماع، وتستعذبها الأذواق، ومن هذه الجهة يدخل العادلون إلى الحكم والتفضيل بين العبارات واللغات، فما كان أوسع دائرة في تصوير الغرض، وأرشق في مبانيه، وأحكم في نسيجه، كان أحق بالشرف، وأحرز للسباق.

* تأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية:
مما لا سبيل للشبهة فيه، أن الشخص الذي يحل بين أقوام يجهل لغتهم، يبقى منفرداً عن جامعتهم، غيرَ معدود في زمرتهم، وتتوعر أمامه الطرق الموصلة إلى انخراطه في سلكهم، وتبادل المنافع معهم، فإذا تعلم من لسانهم ما يطلع به على آدابهم وعوائدهم ومعارفهم، انعقدت بينه وبينهم صلة التعارف والمعاشرة، وأصبح عضواً متصلاً بهم، عاملاً في هيئة مجتمعهم. هذا ما ينشأ عن مجرد
(6/ 1/121)

حفظ اللغة، فإذا أدرك من تلك اللغة فصاحة ورونقاً، ورأى تلك الآداب والعوائد والمعارف قائمة على أساس الحكمة، واستحسان العقل الصحيح، ترقى فوق ذلك إلى مكان التقرب منهم بفؤاده، والتحم معهم بجامع التحابب التحام الأنامل بالراحة.
وربما ينتقل الإنسان إلى بلد لا يعرف لغة أهلها، فيوقعه سوء التفاهم مع أولي القوة منها في خطر لا يجد للخلاص منه طريقاً.
روي أن زيد بن عبد الله بن دارم الحجازي دخل على ملك حِمير في مدينة ظفار، وهو جالس على مكان مرتفع، فقال له الملك: ثِبْ؛ أي: اجلس، في لسان حمير، ومعناها في لسان أهل الحجاز: اقفز، ففهمها الأعرابي على مقتضى لغته، وقفز، فتكسر، واندقت رجلاه، فسأل الملك عنه، فأخبر بلغة أهل الحجاز، فقال: ليس عندنا عربيت (1)، من دخل ظفار، حمر، وفي رواية: أما علم أن من دخل ظفار حمر؛ أي: تعلم اللغة الحميرية. ولا نفهم من هذا أن استحسان تعلم الوارد على البلد لغة أهلها يختص بالضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن حقوقه، بل إذا كانت القوة والسلطة للوافد عليهم، تأكد في حقه أيضاً بموجب فضيلة العدل أن يتعلم من لغة المحكومين؛ لئلا يفضي به سوء التفاهم معهم إلى خطيئة ظلمهم، والقضاء عليهم، بغير ما يستحقون.
والتوافق في اللغة مما يزيد العلائق التي تؤلف الناس في نظم الاتحاد قوة ووثوقاً، ولهذا ترى الداعي إلى الوحدة الوطنية يسعى في تعليم لغة الوطن، وتعميم نشرها؛ حتى تكون هي اللغة الجارية في خطاباتهم وتحريراتهم على
__________
(1) أراد: عربية، لكنه وقف على هاء التأنيث بالتاء، وكذلك لغتهم.
(6/ 1/122)

وجه الصحة، لا يعدلون إلى التفاهم بغيرها إلا عند الحاجة، ومتى أهملت الأمة لغتها، وزهدت في تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة، وتفرقوا أيدي سبأ، فإذا قام مناد يدعو أمة إلى نبذ لغتها، وأن تستبدل بها لغة أخرى، فإنما يريد انقسام وحدتها، وإخراجها من صبغة جنسها.
ولن تتقدم أمة في معارج النهضة والرقي إلا بوسيلة لغتها، وعلى قدر ما تحتفظ بلغتها ترتقي في حياتها الأدبية، فمثل اللغة مع حال الأمة كالمثاقيل التي توضع في مقابلة الموزون، فبحساب ما ينقص من اللغة، ينزل ما يقابلها من حال الأمة إلى درك الشقاء؛ إذ لا يؤثر على إحساسهم في تذكيرهم بمجد الآباء، أو يهيج بعواطفهم إلى الاتحاد، والأخذ بوسائل السعادة غيرُ لغتهم الراقية، واعتبر في ذلك ببلاد الأندلس؛ فإن من أسباب سقوطها، ونزع أيدي المسلمين من ولايتها: ضعف اللغة العربية عندهم، ومسخ صورتها بما خالطها من الكلمات والأساليب التي لا تطابق وضعها، ولا تحتملها طبيعته.

* أطوار اللغة العربية:
لم يأت الباحثون عن مبدأ اللغة في أدلتهم بما تطمئن إليه النفوس، ويحل منها محل القطع، أو الظن القريب منه. على أن اختلافهم في تعيين الواضع هل هو الله تعالى، أو البشر؟ مما لا تترتب عليه فائدة في العمل تقتضي العناية بترجيح أحد المذهبين، ومن ثم صحح المحققون: أن ادخال هذه المسألة في علم الأصول من الفضول، وزعم بعضهم: أن قلب الألفاظ التي يؤدي تغييرها إلى فساد في أحكام الشريعة؛ كتسمية الثوب فرساً، والفرس ثوباً، يرجع حكمه إلى أصل ذلك الخلاف، فيمتنع القلب على القول بأن اللغة كلها وقعت بتعليم من الله، ويجوز على القول بأنها وضعت باصطلاح البشر، وليس هذا
(6/ 1/123)

البناء بمستقيم؛ فإن مجرد إسناد الوضع إلى الله تعالى، وإن ثبت بالحجة القاطعة، لا يقتضي الوقوف عند حد ما ورد منه، والإمساك عن تغييره باصطلاح جديد.
وأقصى ما ثبت في التاريخ: أن هذه اللغة كانت في قبائل من ولد سام بن نوح - عليه السلام -، وهم: عاد، وثمود، وجرهم الأولى، وويار، وغيرها، وقد انقرضت أجيال هؤلاء، إلا بقايا متفرقين في القبائل، ولا يصح شيء مما يروى عنهم من الشعر، وقد أنكر العارفون على من كتب في السيرة أشعاراً كثيرة، ونسبها إلى عاد وثمود. ثم انتقلت إلى بني قحطان، وكانوا يتكلمون باللسانِ الكلداني لسان أهل العراق الأصليين، وأول من انعدل لسانه إلى العربية: يعرب بن قحطان، وبعد أن نشأت منها الحميرية لغة أهل اليمن، انتقلت إلى أولاد إسماعيل - عليه السلام - بالحجاز، ولم تكن لغة إسماعيل عربية، بل كان عبرانياً على لسان أبيه إبراهيم - عليه السلام -، ثم انخرط في شعوب العرب بمجاورتهم، ومصاهرته لجرهم الثانية حين نزل بمكة، فنطق بلسانهم، وورثه عنه أولاده، فاخذوا يصوغون الكلام بعضه عن بعض، ويضعون الأسماء بحسب ما يحدث من المعاني إلى أن ظهرت اللغة في كامل حسنها وبيانها، وصار لها شأن عظيم وتأثير بليغ.
ويدلك على عنايتهم بأمر الفصاحة: ما وصل إلينا من نتائج أفكارهم، ويدائع خطبهم وقصائدهم في سوق عكاظ، وسوق مجنّة؛ إذ يفدون عليهما في موسم الحج، ويقيمون في عكاظ ثلاثين يوماً، وفي مجنة سبعة أيام، يتناشدون ما وضعوه من الشعر، ويتفاخرون بجودة صناعة الكلام، وعند احتفالهم يضربون قبة للشاعر العظيم في وقته؛ كالنابغة الذبياني، ويعرضون
(6/ 1/124)

عليه منتخبات أشعارهم، وكان بعضهم يهمد بعضاً بنظم الهجاء، وتسييره في ذينك الموضعين.
قال أمية بن خلف يهدد حسان - رضي الله عنه -:
ألامن مبلغٌ حسان عني ... مغلغلةً تدبُّ إلى عكاظ
وقال حسان في جوابه.
أتاني عن أمية زور قول ... وما هو في المغيب بذي حفاظ
سأنشر إن بقيت له كلاماً ... ينشر في المجنة مع عكاظ
ومن شواهد هذا: أن الحارث بن حلزة اليشكري كان شاعراً حكيماً، ولكنه ابتلي بوضَح (برص)، ومن أجله كان عمرو بن هند ملك الحيرة يكره النظر إليه، ويأبى أن يستمع إلى خطابه إلا من وراء ستار، فدخل عليه يوماً، وأنشد بين يديه قصيدته المعدودة في المعلقات:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربَّ ثاوٍ يمل منه الثواء
وتعرض فيها إلى شيء من الصلح بين بكر وتغلب، فبهرت عمراً برائع نظمها، واستولت على لبه بسحر بيانها، فأخذته هزة وارتياح، ولم يتمالك أن أمر برفع الستار ما بينهما.
واقتضت عناية العرب لذلك العهد بالإبداع في القول، والتنافس في مقام الفصاحة أن ظهرت معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بلاغة ما أنزل عليه من القرآن؛ كما جاء عيسى - عليه السلام - يبرئ الاكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله لما أرسل إلى قوم توفرت عندهم العناية بعلم الطب، وكما بعث موسى - عليه السلام - إلى أمة انتهى السحر فيها إلى غاية، فأتاهم في مقام
(6/ 1/125)

المعجزة بأبدع ما يكون في قلب الأعيان وإراءتها في غير سيرتها الأولى.
ثم ارتقت اللغة في صدر الإسلام إلى طورها الأعلى، ودخلت في أهم دور يحق علينا أن نسميه: عصر شبابها، فنمت عروقها، وأثمرت غصونها بألوان مختلفة من الأساليب.
ومن مآثر هذه الحياة الراقية: أن كان كلام الناشئين في الإسلام من العرب أحلى نسقاً، وأصفى ديباجة من كلام الجاهلية في شعرهم وخطبهم ومحاورتهم.
والأسباب التي ارتقت بها اللغة حتى بلغت أشدها، وأخذت زخرفها أمور ثلاثة:
أحدها: ما جاء به القرآن الحكيم من صورة النظم البديع، والتصرف في لسان العرب على وجه يملك العقول؛ فإنه جرى في أسلوبه على منهاج يخالف الأساليب المعتادة للفصحاء قاطبة، وان لم يخرج عما تقتضيه قوانين اللغة، واتفق كبراؤهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به، وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق وجودة القريحة.
ومن النحاة من يحكم على بعض استعمالات يرد عليها القرآن بعدم القياس عليها؛ كما قصروا حذف حرف المصدر ورفع المضارع بعده على السماع بعد أن أوردوا في مثاله قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم: 24]، ولا أدري كيف يتفق لهم هذا، مع علمهم بأنه صاحب وجد ما يعارضه في القياس يوقف على السماع، فنسلم لهم إجراء هذه البلاغة التي ليس وراءها مطلع، وإنا لنعلم قولهم في أصول العربية:
(6/ 1/126)

إن ما قل في السماع إن كان مقبولاً في القياس، صح القياس عليه، وإن وجد ما يعارضه في القياس، يوقف على السماع، فتسلم لهم إجراء هذه القاعدة في كلام العرب؛ لاحتمال أن تزيغ ألسنتهم عن القصد، فيحرفون الكلمة عن أصل استعمالها غلطاً، ولا نسلم لهم تحكيمها في كتاب الله الذي أخرس بفصاحته لسان كل منطيق.
ثانيها: ما تفجر في أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ينابيع الفصاحة، وما جاء في حديثه من الرقة والمتانة والإبانة من الغرض بدون تكلف.
روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: لقد طفت في أحياء العرب، فما رأيت أحداً أفصح منك يا رسول الله، قال: "وما يمنعني، وأنا قرشي، وأرضعت في بني سعد؟! " وبنو سعد أفصح قبيلة في العرب بعد قريش.
وإنما أغضى علماء اللسان النظر عن الإستشهاد بالحديث؛ لأن رواته لم يجمعوا عنايتهم على ضبط ألفاظه كما كانوا يثبتون في نقله على المعنى، ولو تحقق أهل العربية من رواية حديث بلفظه؛ كالأحاديث المنقولة للاستشهاد على فصاحته - صلى الله عليه وسلم -، لاستندوا إليه في وضع أحكامها يقيناً.
ثالثها: ما أفاضه الإسلام على عقولهم بواسطة القرآن والحديث من العلوم السامية، وبما نتج عن تعارف الشعوب والقبائل، والتئام بعضها ببعض من الأفكار ومطارحة الآراء، ومعلوم أن اتساع العقول وامتلاءها بالمعارف مما يرقي مداركها، ويزيد في تهذيب ألمعيتها، فتقذف بالمعاني المبتكرة، وتبرزها في أساليب مستحدثة؛ فإن كثرة المعاني ودقتها تبعث على التفنن في العبارة، والتأنق في سياقها، وبوضح لكم هذا: أن الناشئين في الحواضر نجدهم في الغالب أوسع غاية في اجتلاب المعاني الفائقة، وأهدى إلى العبارات
(6/ 1/127)

الحسنة ممن يعادلها في جودة القريحة، وفصاحة المنطق بفطرته؛ لاشتمال المدن على معان شتى ينتزع الذهن منها هيئات غريبة لا طريق لتصورها إلا المشاهدة.
ولما فارق العرب الحجاز لإبلاغ دعوة الإسلام، وبث تعاليمه بين الأمم، اقتضت مخالطتهم لمن لا يحسن لغتهم ضعف ملكاتها على ألسنتهم، ودخول التغيير عليها في مبانيها وأساليبها وحركات إعرابها، وابتدأ التحريف يسري إلى اللغة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فأشار على أبي الأسود الدؤلي بوضع علم النحو، ولم يزل أئمة العربية يحوطونها باستنباط القواعد حتى ضربوا عليها بسياج يقيها عادية الفساد، ويحول بينها ويين غوائل الضياع والاضمحلال، وحين انتشرت المخالطة، وتفشى داء اللحن، أمسك العلماء عن الاستشهاد بكلام معاصريهم من العرب، ويعدّون أول المحدَثين الذين لا يستشهد باقوالهم: بشار بن برد المتوفى سنة 167 ه، واحتج سيبويه بشيء من شعر بشار بدون اعتماد عليه، وإنما أراد مصانعته، وكف أذيته؛ حيث هجاه لتركه الاحتجاج بشعره، كما استشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" بقول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الاماني لم يزل مهزولا
وليس من عادتهم الاستشهاد بشعر أبي تمام؛ لأن عضد الدولة كان يعجب بهذا البيت، وينشده كثيراً.
واستشهد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] ببيت من شعر أبي تمام، وقال: وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة
(6/ 1/128)

ما يرويه، فيؤخذ من صريحه أنه يرى صحة الاحتجاج بكلام المحدث إذا كان من أئمة اللغة، وليس مذهبه هذا بسديد، وقياس ما يقوله أبو تمام على ما يرويه غير صحيح؛ فإن التكلم بالعربية الصحيحة لعهد أبي تمام ناشئ عن ملكة تستفاد من تعلم صناعتها، ومدارسة قوانينها، فعلى فرض أن لا تفوته معرفة بعضها، قد يذهل عن ملاحظة تلك القوانين، فلا يامن أن يزل به لسانه في خطأ مبين. وأبو تمام نفسه صدرت عنه أبيات كثيرة خرج فيها عن مقاييس العربية.
قال ابن الأثير: لم أجد أحداً من الشعراء المفلقين سلم من الغلط، فإما أن يكون لحن لحناً يدل على جهله بمواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطا في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدم زمانه؛ كالمتنبي، ومن كان قبله؛ كالبحتري، ومن تقدمه؛ كأبي تمام، ومن سبقه؛ كأبي نواس.
أما العربي القح، فإنه يطلق العبارة بدون كلفة في اختيار ألفاظها، أو ترتيب وضعها، فتقع صحيحة في مبانيها، مستقيمة في إعرابها، ولا يكاد يلحن في إعراب كلمة، أو يزيلها عن موضعها إذا ترك لسانه وسجيته، ومن ثم كان قرض الشعر كالخطابة على الارتجال والبديهة شائعاً عند العرب، نادراً في عصر المولدين، ولا يعترض هذا بأن كثيراً من العرب يطيل المدة في عمل القصيدة؛ كما فعل زهير في حولياته؛ لأنه يستوفيها في أمد قريب، ويتمها على شرط الصحة، ولكنه لا يخرجها للناس إذا فرغ من عملها إلا بعد التروي، وإعادة النظر في تقويم معانيها، وحسن النسق في بنائها وإحكام قوافيها، لا ليخلصها من اللحن، ويطبق عليها أصول العربية كما هو شأن المحدثين.
(6/ 1/129)

ثم نشأ بجانب هذا التحريف الذي طرأ على اللغة مرض آخر انجر إليها بسبب من أسباب حسنها، هو: أن مسلم بن الوليد وأبا تمام أمعنا النظر في أشعار الفصحاء وخطبهم، وحسروا اللثام عن وجه بيانها، فابصروا فيها محاسن من فنون البديع؛ كالاستعارة والجناس والتورية، فشغفوا بها، وثابروا على إيرادها في منظوماتهم؛ توفيراً لحسنها، واستزادة من التأنق فيها، فكان الناس يقولون: إن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وسمع أعرابي قصيدة أبي تمام التي يقول في طالعها:
"طلل الجميع أراك غير حميد"
فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. وما تعاصى فهمها على الأعرابي إلا لكونه سمع شعراً حشي بوجوه من البديع خرجت به عن الأسلوب المألوف، فثقل تأليفه، وبعد عن الأفهام تناوله.
واتبع طريقهما كثير من الأدباء، وربما انتهى بهم الإعجاب بمحاسن البديع إلى مخالفة قانون العربية، وتغيير بنية الكلمة من أجلها؛ كقول بعضهم:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
فكأنه زاد في مصدر تلف ألفاً يتم له الجناس مع قوله: تلاف، ولا نعرف في كتب اللغة من ذكر التلاف مصدراً لتلف، وإنما يوردون في مصدره التلف - بدون ألف -.
ولم تقف سيئة الإكثار من البديع عند حد الشعر، بل تعدى وباؤها إلى النثر أيضاً، فطفق كثير من الكتاب يملؤون رسائلهم بوجوه التحسين: الاستعارة والجناس ونحوها، واجتهدوا أن لا يفوتهم الشعراء بواحد منها،
(6/ 1/130)

حتى إذا ما تلقيت صحيفة من هذا القبيل، وألقيت فيها نظرك ليطوف عليها بالمطالعة، أدركته عند كل فقرة حبسة، والتوت أمامه طرق فهمها، وإن كانت معاني مفرداتها جلية، فتحس به كيف ينتقل من كلمة إلى أخرى بخطوات ضيقة كأنما حمل على قيد من حديد. وأكثر هؤلاء يهملون النظر إلى جانب المعنى والمحافظة على إقامته واستيفائه، وهذا ما بعث الشيخ عبد القاهر الجرجاني حين قام ينادي بابسط عبارة: إن الألفاظ خدم للمعاني، وإن المعاني مالكة سياسة الألفاظ، وأقام الحجة في كتابيه "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة" على أن مزية الفصاحة إنما استحقتها الألفاظ، ووصفت بها من جهة معانيها، وأزال كل شبهة عرضت لمن اعتقد أنها مزية استحقها اللفظ بنفسه.
وأدرك غالب المحررين اليوم: أن تتبع هذه الحسنات، ومواصلة العمل بها في نظم الكلام يبدلها سيئات تشمئز منها قلوب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بياناً، فأقلعوا عن الإكثار منها، لا سيما في خطابات الجمهور، وزهدوا فيها، إلا ما سمح به الخاطر عفواً، ورمته الطبيعة بدون كلفة ظاهرة.
وكانت اللغة في خلال الأعصر الماضية تعلو وتضعف وتنتشر في أنحاء المعمورة على حسب كرم الدولة، وعناية رجالها بالفنون الأدبية، فارتفع ذكرها حين كان الأمير سيف الدولة يباحث أبا علي الفارسي في غوامض علم النحو، وينقد شعر أبي الطيب المتنبي بذوق لطيف، ويجازيه وغيره من الشعراء بغير حساب.
وأرتقى شأنها يوم قام القاضي منذر بن سعيد في مجلس الملك الناصر لدين الله عند احتفاله برسول ملك الروم في قصر قرطبة، وشرع يخطب من
(6/ 1/131)

حيث وقف أبو علي البغدادي، وانقطع به القول، فوصل منذر افتتاح أي علي بكلام عجيب، وأطال النفس في خطبة مرتجلة، فخرج الناس يتحدثون ببديهته المعجزة، وارتواء لسانه من اللغة الفصحى، ولا مرية في أن كرم الدولة باعث على إرتقاء حال اللغة عند من التفت إلى التاريخ، وأقام الوزن بين الشعراء الناشئين في زمن أجواد العرب، وملوك آل جفنة، وملوك لخم؛ كزهير والنابغة، وبين من تقدمهم من الشعراء.

* فصاحة مفرداتها ومحكم وضعها:
تتفرع العربية بحسب إختلاف الشعوب والقبائل إلى لغات متعددة، ولكنها متقاربة اللهجة في أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها، والمغايرة بينها يسيرة جداً لا تخرجها عن اعتبارها في الأصل لغة واحدة ذات قوانين تطرد في جميعها، ما عدا لغة حِمير؛ فإنها تخالف لغة مضر خلافاً ظاهراً، ولا توافقها في أكثر أوضاعها ومقاييسها.
وأفصح لغات العرب لغة قريش، وفضلت عن سائر اللغات بوجهين:
أحدهما: بعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ولهذا لم يحتج أهل الصناعة العريية إلا بلسانهم، أو ما كان قريباً منه، ولم يعتمدوا لغات القبائل التي تجاور غيرها من الأمم؛ كلغة لخم وجذام وقضاعة وغسان، ولم يخالفهم في شرطهم هذا إلا أبو عبدالله بن مالك، فنقل في كتبه لغة لخم وقضاعة وغيرهم ممن يسكن أطراف الحجاز.
ثانيهما: أن العرب كانوا يفدون عليهم في موسم الحج، ويقيمون عندهم قريباً من خمسين يوماً، فيتخيرون من لغات أولئك الوفود ما تعادلت حروفه، وخف وقعه على الأسماع، ويرفضون كل ما يثقل على الذوق، ولا يجد
(6/ 1/132)

في السمع مساغاً.
ولا غرابة أن تجري الألفاظ في وصف الحسن والقبح مجرى جنسها الذي هو الصوت، فمن الأصوات ما يحدث في السمع لذة، ويرتاح الخاطر بالإصغاء إليه كنغم الأوتار، وسجع البلبل من الطير، ومنها ما يرميه الطبع، وينقبض لسماعه؛ كنعيق الغراب، وصرير آلة النشر.
ويمكن الحكم على اللفظ بالحسن وضده - ولو من غير العارف بمعناه - متى كان ذوقه صحيحاً، فكل ذي ذوق سليم يفرق بين الورد، والوردة، والخوجم والخوجمة، ويميز بين السيف والخنشليل، ولا تتشابه عنده النفس والجرشى.
وإذا كان إدراك صفة الحسن في اللفظ المفرد لا يتوقف على ملاحظة مدلوله، فيتيسر لمن لا يحسن لغة قوم أن يستمع إلى مفرداتها المستعملة عند الفحصاء منهم، ويستقرئها إلى أن يأتي على أكثرها، ثم يدخل إلى الحكم في وصفها بالفصاحة، أو الموازنة بينها وبين لغة أخرى، ولا يبالي. ومن أصغى جيداً إلى الألفاظ العربية الجارية على ألسنة الفصحاء، وجدها لذيذة في السمع، خفيفة على الأرواح.
حكى الشيخ ابن الأثير في "المثل السائر": أنه لقي رجلاً إسرائيلياً بالديار المصرية، قال: فجرى ذكر اللغة العربية وفصاحتها، فقال ذلك الرجل من بني إسرائيل: كيف لا تكون كذلك؛ فإن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة، فاختصر ما اختصر، وخفف ما ضف، فمن ذلك اسم الجمل؛ فإنه عندنا في اللسان العبراني: كوميل، فجاء واضع اللغة العربية، وحذف منه الثقيل، وقال: جمل، فصار عذباً حسناً، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة.
(6/ 1/133)

ونقل بعض المحررين أخيراً حكاية ابن الأثير، وقال: سمعت من بعض اليهود العارفين بالعبرية أن الجمل يسمى: جمال، فيكون الفرق بينهما الألف بعد الميم، وأنكر تسميته كوميلاً، إلا أن هذا يقرب من اسمه بالرومية.
ويشهد لبناء العربية على قاعدة الاعتدال: أن أكثر كلماتها وضعت على ثلاثة أحرف، وأقلوا من الرباعي والخماسي؛ لئلا يطول بهم الأمد في القول بدون فائدة، ولم يكثروا من الثنائي؛ حذراً من أن تتجاور منه عدة كلمات في خطاب واحد، فيقع في لهجته تقطع كثير يضعف بنسيجه، ويذهب بحسن تناسقه، وبهاء توسله؛ فإن المتكلم الفصيح - وإن وصل الجمل بعضها ببعض، ولم يقف عند انتهاء كل جملة منها - لا يسردها سرداً، بل يفصلها في منطقه، ويرتلها ترتيلاً يميز به المتثبت في تلقي الخطاب الكلم الداخلة في الجملة من الكلم المنفصلة عنها، وربما يتبين من هيئة نطق الفصيح نهاية الكلمات، فيميز السامع الحرف الذي هو منتهى كلمة، من الحرف الذي هو بداية لكلمة أخرى. والثلاثي يبتدئ فيه المتكلم بحرف، ويعتمد على ثان، ثم ينتهي بحرف آخر، فيكون في آلة النطق أمكن، وشماعده على أن ينحو في هيئة خطابه نحو المتانة والانسجام.
قال الباقلاني: ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً؛ نحو: تكرر الطاء والسين في لسان يونان، ونحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية. ولشدة محافظتهم على الاعتدال في الكلم يسقطون شيئاً من حروفها إذا عرض لها طول في بعض
(6/ 1/134)

تصاريفها؛ كحذفهم لآخر الاسم الخماسي في التصغير؛ نحو: سفر جل إذا أرادوا تصغيره يقولون: سُفيرج، وكذلك يفعلون في جمعه، فيقولون: سفارج. ثم إنك لا تجدهم يجمعون في حشو الكلمة بين ساكنين؛ لما ينشأ عن اجتماع الساكنين من البطء في التلفظ بها، ولا يوالون في اللفظة الواحدة بين أربعة أحرف متحركة؛ حذراً من الاستعجال الحاصل من كثرة الحركات المتوالية، ويزيدك بصيرة بهذا: إهمالهم للأوزان التي يتعسر النطق بها؛ نحو: فِعُل - بكسر الفاء وضم العين - رفضوه من أن يبنوا عليه شيئاً من كلمهم؛ للثقل الذي يوجبه الانتقال من الكسر إلى الضم.
وقرر الباحثون عن أسرار اللغة أن الألفاظ تختلف بطبائعها وهيئاتها مثل اختلافها بالصلابة والرخاوة، والفك والإدغام، والحركة والسكون، ولم يصرف واضع العربية نظره عن هذه الوجوه، ولاحظ في كثير من الألفاظ المناسبة بينها وبين ما يدخل في قياسها. وإن شئت مثالاً يضرب على شاكلة ما قرروه، فانظر إلى علامة النسب، فتجدها ياء شددت للمبالغة في وصف الانتساب، وتلويحاً إلى شدة رابطة المنسوب بالمنسوب إليه، فإذا استعملت في نسبة الشخص إلى عشيرته - مثلاً -، كان تشديدها؛ كالمهماز لتحريك غيرته عليهم، أو تنبيه عواطفهم للإقبال عليه.

* حكمة تراكيبها:
من يرجع إلى حال نفسه عند إلقاء العبارة، يشعر بأنه لا يحرك بها لسانه إلا بعد أن يتصور معانيها المفردة، ويضم بعضها إلى بعض بروابط النسب الإسنادية، أو التقييدية في ذهنه، فيأخذ كل معنى من جهة التقديم والتأخير رتبة في النفس يستحقها بطبعه؛ كالفاعل يخطر في البال قبل المفعول،
(6/ 1/135)

والموصوف يجري على المخيلة قبل صفته. وقد يعرض لبعض المعاني حال ينقله عن مرتبته الطبيعية، ويعطيه في نفس المتكلم منزلة ثانية؛ كالاهتمام بالمفعول به يقتضي تقديمه على الفعل.
وإذا تبين هذا، فمما يرجع إليه في وصف العبارة بحسن البيان: أن تكون ألفاظها مؤلفة على حسب ترتب معانيها في النفس، سواء كان ذلك الترتب مما دعت إليه طبيعتها، أو اقتضته الأحوال العارضة، ومن افتكر في تاليف الكلام العربي بالنظر إلى تقديم أجزائه وتأخيرها، وجده معتمداً على رعاية هذه القاعدة.
تراتيب الكلم على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما عينه الواضع، وحكم به على سبيل الوجوب، فيعد مخالفه مخطئاً، ويخرج الكلام الخالي من مراعاته عن الأسلوب العربي؛ كتأخر التمييز عن المميز، والمضاف إليه عن المضاف.
ثانيها: ما عينه الواضع أيضاً، ولكنه قضى به على وجه الأصالة، واعتبار ما هو الأولى، ولا تخرج العبارة بمخالفته عن حدود العربية؛ كتقديم اسم من صدر منه الفعل على اسم الذات الواقع عليها، والبحث عن أسرار ما كان من قبيل هذين الضربين مبثوثاً في مدارج علم النحو.
ثالثها: ما لا يقتضيه الوضع على التعيين، وجعل أمره دائراً على رعاية ما يناسب المقام، وتعيينه بحسب التراكيب المخصوصة موكول إلى ألمعية المتكلم، وحسن تصرفه؛ كتقديم المفعول على الفعل لإفادة اختصاصه به، وعدم تعلقه بغيره، والبحث في هذا القسم ووجوهِه المناسبة مندرج في موضوع علم البيان.
(6/ 1/136)

وكان من حق الألفاظ والجمل التي تناسبت معانيها، وتعلق بعضها ببعض أن يلاءم بينها في السبك، ولا يفرق بينها في التأليف، هذا هو الأصل الذي بنيت عليه العربية، إلا أنهم لم يغلوا في ذلك؛ لئلا يوقعوا ألسنتهم في حرج، فأباحوا الفصل في مواضع لا يؤثر فيها الفصل تعقيداً، ولا يختل به فهم المعنى، وعملوا به في موارد الجمل الاعتراضية على وجه الزينة، وشبهوا ما بلغ الغاية في الحسن والقبول بحشو اللوزينج.
ثم نظر العرب إلى الجمل تستقل كل واحدة منها بنفسها، فوجدوها تارة تتناسب، ويتشبث بعضها ببعض من جهة المعنى، فليس من الحكمة وجودةِ التصرف أن تلقى منثورة لا يراعى فيها جانب المعنى، وتستأنف واحدة بعد أخرى، فاعملوا حروف العطف وسائط في وصل الجمل ونظمها في سمط المناسبة؛ لتكون أجزاء الكلام متماسكة.
وتارة تنقطع الجملة الثانية عن الجملة قبلها، ولا يتصل حديثها، بحديثها، سوى أنه اتفق الجمع بينهما في الإخبار، وفي هذا الموضع يجب الفصل بين الجملتين، فلو ضم المتكلم الجملة الأخيرة إلى الجملة السابقة بعاطف، كان بمنزلة من عمد إلى جواهر غير متناسبة في المقدار، ولا يشبه بعضها بعضاً في الشكل، وركبها في نظام واحد.
ودعاهم اللطف ورعاية الأدب في الخطاب إلى الإغضاء عن شرط المناسبة، فادمجوا حرف العطف بين جملتين ليس بينهما صلة مناسبة إذا كرهوا أن يسبق إلى ظن السامع خلاف ما يراد منهما لولا واسطة حرف العطف؛ كقولهم: لا، وأيدك الله.
فوضع الفصل والوصل بين الجمل على هذا الوجه وبناء حكمهما على
(6/ 1/137)

اعتبار المناسبة، وما يقتضيه أدب الخطاب؛ مما يوضع في ميزان العربية، ويعد من دلائل الحكمة في وضع أساليبها. ويظهر مما ذكر الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" "أن الفارسي سئل، فقيل له: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل والوصل" أن للغة الفارسية تعلقاً بهذا الباب.

* تعدد وجه دلالتها:
من المقرر أن الألفاظ لم توضع لإفادة معانيها في أنفسها ضرورة أن المخاطب يتصورها ويعرفها من حين علمه بالوضع، وإنما وضعت لإفادة النسب والربط بين موضوعاتها على وجه الثبوت أو السلب، فلا دلالة للألفاظ على شيء قبل تركيبها وارتباطها بهيئتها الصحيحة.
وللألفاظ العربية إذا ركبت دلالتان:
إحداهما: تصور مفردات على وجه النسبة بينهما، وإسناد بعضها إلى بعض؛ كدلالة قولك: "أكرمت زيداً العالم إجلالاً" على معنى صدور الإكرام منك، وتعلقه بزيد الموصوف بالعلم؛ لعلة باعثة على إكرامه هي الإجلال، والدلالة على هذه المعاني تشترك فيها جميع الألسنة، وهي الداعي الأول إلى وضع اللغات، ويمكن بالنسبة إليها نقل الكلام العربي إلى لغة أخرى، مع الإحاطة بجميع ما يراد منه ما لم يكن صالحاً لعدة معان لم يتحقق المراد في واحد منها كما يفعله البليغ بقصد الإجمال على السامع لغرض يستدعيه المقام.
ثانيتهما: الدلالة على معان زائدة على المعاني الأصلية من أحوال ترجع إلى المتكلم، أو المخاطب، أو المتحدث في شأنه، أو حال الفعل المخبر به، وغير ذلك؛ كدلالة الحذف لشيء من اْجزاء الكلام على ضجر المتكلم
(6/ 1/138)

وسآمته، ودلالة تكيد الجملة بالقسم على أن المخاطب ينكر مضمونها، ومن هذا إيراد المسند إليه نكرة؛ للدلالة على تعظيمه، وتقديم الفعل على المفعول - مثلاً - لاهتمام المخبر بشأنه.
وهذه المعاني الزوائد تعتبر في صورة الكلام بمنزلة الروح تسري في الجسد، فتحدث فيه منظراً بهيجاً، وعلى حسب رعايتها تتفاضل العبارات في مقام البلاغة.
قال الباقلاني: إن كثيراً من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة، وهم من أهل البراعة فيها، وفي العربية وقفوا على أنه ليس يقع فيها من التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية.
ومن قصد إلى ترجمة كلام عربي، ونقله إلى لغة أخرى، لا يمكنه تأدية ما اشتمل عليه من هذه المعاني الثواني، والإفصاح بها أثناء حكايته لمعانيه الأصلية، ومع هذا لم يمنع أهل الأسلام ترجمة القرآن، وأجمعوا على جواز ترجمته؛ لإفادة ما ظهر من معانيه الأصلية لمن لا قدرة له على فهم العربية، نقل الإجماع على ذلك أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته"، فما نقل إلى بعض المسامرين بموت العربية من (أن ترجمة إحدى سور القرآن إلى لغة أخرى ممنوع عند المسلمين) غير مطابق للحقيقة، بل أجاز بعض الأئمة ترجمته إلى الفارسية، أو القراءة بها عند العجز عن العربية، ولو في حال الصلاة.
ومن الآيات ما يحتمل بإعتبار معانيه الأصلية عدة وجوه، ولا يمكن نقله إلى لغة أخرى بحاله، فإذا اعتمد المترجم على أحد الوجوه، لم تكن الترجمة قرآناً بالمعنى؛ إذ يحتمل أن لا يكون مطابقاً للمراد من كلام الله تعالى، ومثل هذا لا ينبغي أن ينقل إلا على وجه التفسير والبيان؛ كأن يذكر المترجم
(6/ 1/139)

الآية بلفظها العربي، ويأخذ بعد ذلك في بيانها باللسان الآخر.
وصرح الغزالي في كتاب "إلجام العوام" بحرمة ترجمة الآيات المتشابهات، واستدل على ذلك بأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسية تطابقها، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها منها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربية، ولا يكون في العجمية كذلك، ومثل الفارسية غيرها من لغات الأعاجم.

* تعدد أساليبها:
مما يشهد بارتقاء اللغة، وسعة غايتها في البيان: تعدد أساليبها، وكثرة طرق إفادتها؛ فإن العبارات إذا اختلفت في أساليبها تغاير ما تصوره في نفوس المخاطبين من المعاني، وإن كان الغرض واحداً، فصورة المعنى الذي يستفاد بطريق المجاز أو الكناية يغاير الصورة التي تؤدى بلفظ الحقيقة أو القول الصريح، بل الصورة التي يرسمها قولك: زيد كريم الطبع غير الصورة التي ينقشها قولك: زيد ذو طبع كريم، وإن اتحد أصل المراد من المثالين، وهو إثبات الكرم لطبع زيد، ولولا أن العبارات الواردة على غرض واحد مختلفة في صور معانيها، لم يظهر التفاوت والتسابق بينها في حلبة البيان.
وإذا قويت عارضة المتكلم في العربية، أمكنه أن يتصرف في الغرض الواحد، ويفرغه في أساليب مختلفة، كأن يلقيه في صورة تكلم أو خطاب أو غيبة يطابق به الحقيقة، أو يسلك به خلاف الظاهر على وجه الالتفات أو التجريد، أو ينشئ الطلب في صيغة الخبر، أو يحكي الخبر في صورة الانشاء، أو يدخل بعض كلمات في نظم الجملة؛ ليتقوى به نسجها، أو يفيد قيداً تتوفر به جزالة
(6/ 1/140)

معناها، وتارة يأتي بالألفاظ مساوية للمعنى المراد، ويفصلها على مقدار الحاجة، وريما كان إسقاطه لبعض الجملة أوقع في النفس، وأبعد عن اللغو، فيحذفه، وينبه على مكانه. ويعبر بلفظ مفرد إن شاء، أو مركب؛ نحو: سبقه، ووصل قبله، والمفرد إما مجرد من حرف الجر، أو موصول به؛ نحو: أخرجته، وخرجت به، أو يأتي بالمراد في سياق النفي أو الإيجاب؛ نحو: لم يشح بالتعليم، وسمحت نفسه به، أو يعبر عن الشيء وصفته بمركب إضافي، أو يركبهما على قياس النعت مع منعوته؛ نحو: يعجبني أكبر همتك، أو همتك الكبرى.
ثم إن الحاذق في عمل التمثيل هو الذي يمثل لك الحزين المتضاحك، والمستبشر المتباكي، كذلك الفصيح يبرز لك الجد في صورة الهزل، أو يكسو الهزل بلباس من الجد، ويلقي المدح في قالب الذم، ويسوق الذم في معرض المديح؛ كقولهم: "أرانيه الله أغر محجلاً"؛ أي: محلوق الرأس مقيداً. وقد ينحو نحو البراعة في الصناعة وإظهار القدرة على التانق في تأليف الكلام، فيشحنه بضروب الاستعارات، وفنون التشابيه، وغيرها من محاسن البيان التي لا يعقلها إلا الخاصة من الأدباء؛ كما فعل الحريري في "مقاماته"، أو يتخير ما كانت ألفاظه صريحة، ومعانيه واضحة يسهل مأخذها على كل من له إلمام باللغة، وذهن حاضر في الجملة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف وطرق التعبير البالغة إلى غاية يقف دونها البيان.
ومن تنوع الأساليب إلى ما يفوق حد الوصف: أخذ كل شاعر وكاتب طريقة يعرف بها نظمه أو تحريره، حتى إذا تليت قصيدة لشاعر، أو رسالة لكاتب لا تعلم نسبتها إليه، وكنت عارفاً بطريقته، لم يشتبه عليك أنها من
(6/ 1/141)

إنشائه. يؤيد لكم هذا: أن خلف الأحمر كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فيشبه كل شعر بقوله شعر من يصطنعه عليه، ويقال: إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميلُ
هي له، وقال: أنا وضعت القصيدة التي أولها:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجُما
ونسبتها إلى النابغة.
وروي أن الفرزدق أنتحل بيتاً من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعري.
وإذا نبغ كاتب كالجاحظ، أو شاعر كالمعريّ، وابتدع لنفسه أسلوباً راق في نظر أبناء عصره، أخذوا في محاكاته، واقتدوا بالعمل على منواله، فتتماثل تحريراتهم، ويتقرر لهم أسلوب جديد.
ونقل إلى المسامر بموت العربية (أن أساليبها واقفة عند غاية لا تتجدد)، ولم يصب المبلغ له ذلك شاكلة الصواب؛ فإن من ينظر في أساليب التحريرات الراقية اليوم يجد بينها وبين أساليب المتقدمين بوناً شاسعاً، فلو جئت إلى رجل تدرب على مطالعة هذه المحررات الحديثة، وأمليت عليه صحيفة من نسجها، وهو لا يعرف من أين صدرت، ولا متى نشأت، عقل على البديهة جدتها، ولم يرتَبْ في أنها من قبيل الصنع الذي ظهر به هؤلاء الكاتبون، كما لا يشك في معرفة ما يتلى من زبر الأولين، ويدرك لأول نظرة إنشاءها على الطراز العتيق.
والناقد لأصناف الكلام يفرق بين الإنشاء الحادث والعتيق، وإن كانت المعاني فيهما متماثلة، فلا يكن في ظنك أن الطريق المعرف للمنشآت الجديدة
(6/ 1/142)

هو ما تتضمنه من الأسماء المستحدثة، أو الأفكار التي لم يعتن القدماء ببثها، والأساليب الخاصة بفرد، أو بأهل عصر مما يرجع في تمييزه إلى الذوق، وليس في طوق أحد أن يضبط لك أسلوباً ابتدعه كاتب أو شاعر بقواعد يدونها، حتى يمكنك إذا عرفتها أن تجري في تاليفك على نمطه بدون أن تتردد على محرراته بالنظر الجيد، وتدع في حفظك شذوراً منها، بل صاحب الأسلوب نفسه ليس في طاعته سوى أن يتصور المعنى مجملاً أو مفصلاً، ثم يطلق عليه العبارة بمقدار ما تصوره به من الإجمال أو التفصيل، فإذا وجد في أمد التعبير حرجاً، وعدم التئام مع الذوق، شعر حينئذ بأنه ذهب في غير منهجه المألوف، ولا يسعه إلا التصرف في القول بنحو تبديل الترتيب حتى يرده إلى الأسلوب.

* طرق إختصارها:
من البين أن الألفاظ وضعت لتنقل المعاني القائمة بالذهن إلى أفهام السامعين، لا زينة في المنطق، وحلية للألسنة كيف حضرت، وهذا ما دعا الواضع أولاً إلى التقدير في وضعها، واعتباره بمقدار الحاجة إلى الإفهام، فإذا اتفق في اللفظ القصير كفاية وغنى في الدلالة على المراد، آثره في الوضع على ما هو أبسط منه؛ حتى لا تسمع في حديث مخاطبك الحكيم لاغية.
ثم إن عقول المخاطبين تتفاوت في الاستفادة من العبارات بالنظر إلى سرعتها في الإنتقال إلى المعاني وبطئها، ومن جهة قرب غايتها في الفهم وبعدها، وربَّ خطاب يلقى إلى الغبي، فيراه أبتر عن الفائدة، لا يشفي غليل المنتظر لتحصيلها، ويوجه إلى الألمعي، فيسام لبعض كلمات أو جمل تغنيه قوة الكلام وقرينة السياق عن ذكرها الصريح.
فاقتضى تمايز المخاطبين بالفطنة والغباوة أن لا يستمر البليغ في سائر
(6/ 1/143)

عباراته على نسق واحد، وبيان لا يختلف، وسبيله أن يلاحظ حال المخاطب أولاً، ثم يزن العبارة بحسبها، ولم يغب هذا المعنى عن العرب، فراعوا جانبه، وأضافوا إليه في الاعتبار أن الإنسان قد تدعوه الحاجة إلى الحديث في شأن، ويضيق به الوقت عن التوسع في البيان، أو يجد في نفسه ضجراً يثقل الكلام على لسانه، فوضعوا في الأساس الذي بنيت عليه لغتهم قاعدة الاختصار، ويجري في كلامهم على وجوه يرجع الفضل في بعضها إلى حكمة الواضع، ومنها ما تعود المزية فيه إلى اقتدار المتكلم ولطف تصرفه.
روعيت هذه القاعدة في كثير من المفردات حال وضعها، كما وضعوا الضمائر لتنوب عن الأسماء الظاهرة، وأقاموا علامة التثنية والجمع بأنواعه مقام العاطف والمعطوف، واستغنوا بتغيير الكلمة في التصغير عن وصف المسمى بالصغر بعد ذكر اسمه، واعتبروا في وضع أدوات الشرط زيادة على التعليق الدلالة على جنس المعلق عليه من عاقل وغيره، أو مكان أو زمان أو حال، فاكتفوا بنفس الأداة عن التصريح به من بعد، وكذلك صنعوا في أدوات الاستفهام حين أدخلوا في مفهوماتها فضلاً عن طلب الإعلام الدلالة على جنس المسؤول عنه، فإذا علمت بأن أحداً عند المخاطب، وقصدت إلى استكشاف حاله لتعرفه بعينه، فهنا لا تفيدك الهمزة في طلب تعيينه مثلما تفيدك كلمة (مَنْ)؛ إذ يلزمك مع الهمزة أن تعد الناس فرداً فرداً حتى تذكر الشخص المسؤول عنه، وربما لا يخطر على قلبك، أو كنت لا تعلم اسمه من قبل، فتستمر في تجديد السؤال: أزيدٌ عندك أو عمرو أو خالد؟ وهو يجيبك بالنفي إلى أن ينفد ما عندك من الأسماء، ولا يحصل لك الجواب المطابق، وليس على المخاطب أن يقول لك: عندي بكر - مثلاً - في جواب: أعندك زيد ... إلخ،
(6/ 1/144)

وسبيله أن يجيبك بكلمة: لا، أو نعم، وكذلك القول في بقية ما يسأل عنه من مكان أو زمان أو حال أو عدد.
ومن هذا النوع: ضمير الفصل، وأدوات الاستثناء، وكلمة: إنما، فإنك تجد في ضمن استعمالها جملة ثانية تخالف الجملة المنطوق بها في الإيجاب أو السلب، وتقرب منها حروف العطف؛ لإغنائها عن إعادة العامل، ودلالتها فوق ذلك على معان أخرى؛ كمعنى الترتيب والتعقيب المستفاد من الفاء، والترتيب والمهلة المستفاد من "ثم".
وانظروا إليهم كيف خالفوا بين أواخر الكلم في هيئاتها، وأجروها على نظام محدود، فكانت أوقع في النفس، وأدعى للإعجاب؛ لما فطرت عليه النفوس المتنورة من استعظام ما يكون مرتباً على نظامات مطردة، ولو لم يجروها على قانون، ورموا بها كيف اتفق، لقل العجب بها، وفقدت من مآثر الفصاحة وجهاً بديعاً، ثم استشعروا حاجاتهم إلى التفرقة بين معان ينبني على تمايزها فهم المراد من الجملة؛ كتمييز الفاعل والمفعول والمضاف إليه، والمسند والمسند إليه، وفي طوقهم أن يضعوا للدلالة على ذلك علامات غير أحوال أواخر الكلم، ولكن جنحوا إلى طريقة الاختصار، واكتفوا بها في التمييز بين تلك المعاني، واعتمدوا في بعض الأحيان على دلالة التقديم والتأخير، وقرائن الأحوال.
وزعم ابن خلدون أن الإعراب لا يوجد إلا في لغة العرب، قال: وأما غيرها من اللغات، فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة.
وقد ثبت أن حكم الإعراب مما يوجد له أثر في اللغتين اليونانية والألمانية، وإن كانت العبرة به في لسان العرب أزيد، وعنايتهم به أقوى. ثم إن العبارة
(6/ 1/145)

المطابقة للمعنى المراد من نسبة أمر لآخر تقتضي بطبيعتها أن تؤلف من ثلاثة ألفاظ في الأقل، واحد للمحكوم عليه، وآخر للمحكوم به، ولفظ ثالث لإفادة النسبة بينهما، وربطِ أحدهما بالآخر طبق ما هو المنقول عن اللغة الفارسية واللغة اليونانية، فالدال على النسبة عند الفرس لفظ: است، والموضوع لها في لغة اليونان لفظ: استين، ولكن العرب اقتصروا في تأدية ذلك المعنى على لفظين، فقالوا: زيد عالم، واستغنوا عن الرابطة بهيئة وضع التراكيب وما يجري في أواخر الكلم من علامات الإعراب.
ومن اللغات الراقية ما لا يتصرف؛ مثل: اللغة التركية، وبدخول الصرف في العربية تيسر في اللفظة الواحدة أن تدل على معان؛ مثل قولنا: تحاربوا يدل بواسطة صيغته الخاصة على وقوع الحرب بين جماعة، وطبيعة المعنى تقتضي أن لا يعبر عنه باقل من أربع كلمات.
وينحتون من كلمتين فكئر كلمة واحدة؛ نحو: سمعل: إذا قال: سلام عليكم، ودمعز: إذا قال: أدام الله عزك.
وقال ياقوت في "معجم الأدباء": إن الشيخ أبا الفتح عثمان بن عيسي البلطي سأل الظهير الفارسي عما وقع في ألفاظ العرب على مثال: شقحطب، فقال: هذا يسمى في كلام العرب: المنحوت، ومعناه: أن الكلمة منحوتة من كلمتين؛ كما ينحت خشبتين، ويجعلهما واحدة، فشقحطب (1) منحوت من شق حطب، فسأله الملطي أن يثبت له ما وقع من هذا المثال ليعول في معرفته عليه، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه.
__________
(1) الكبش: له قرنان أو أربعة كل منهما كشق حطب "قاموس". جمع شقاحط وشقاطب وهو منحوت من شقّ وحطب.
(6/ 1/146)

ولم يقف الناس في زمن الإسلام على ما سمع منه عن العرب، فقالوا في النسبة إلى الشافعي وأبي حنيفة: شفعنتي، ولا نعد النحت من خصائص العربية، بل هو معروف في اللغات الإفرنجية، اتخذوه منبعاً يستمدون منه أسماء ما يحدث من المعاني على ممر الزمان؛ فإن جغرافيا - مثلاً - مأخوذة من جيه بمعنى أرض، وأغرافو بمعنى ارسم، وتلسكوب (المنظار الفلكي) من تيل؛ أي: بعيد، وسكوبيو؛ أي: اختبر، وجيولوجيا من جيو بمعنى أرض، ولوغوس بمعنى علم، وتلغراف مشتق من تيل؛ أي: بعيد، واغرافو؛ أي: اكتب، وتليفون من تيل؛ أي: بعيد، وفون؛ أي: صوت، وترامواي كلمة إنكليزية من ترام بمعنى قضيب منبعج، "ويه" بمعنى طريق، إلى غير ذلك من الأسماء المحدثة.
وشرع العرب سنّة الحذف، فيضمرون الكلمة، والجملةَ فما فوقها، وينبهون على المحذوف بقرينة المقال أو المقام. وحال الحذف من مقدار اللفظ الذي يستحقه المعنى كإبانة بعض أجزاء من خلقة الإنسان، والنقص في الخلقة منه ما يكون مكروهاً؛ كقطع يد أو لسان، ومنه ما يستحب دائماً، ولا يحسن في النظر سواه؛ كتقليم الظفر، وتقصير بعض الشعر، وقد يتقارب النقص والبقاء على أصل الفطرة، فيختلف الناس في ترجيح أحدهما واختياره بحسب الأشخاص والأذواق؛ كشجة تعرض في الوجه، فتزيده حسناً، وبعض أنواع اللثغ يلذ في سماع أناس، ويؤثرونه على الحرف المتمكن في مخرجه، وكذلك الحذف يجري على هذا التقسيم، منه معيب، وهو ما اختل به أداء المعنى المراد، وفسدت به هيئة الكلام، ومنه ما يدخل في سبيل الواجب، ويعد الذكر مكانه خروجاً عن قانون العربية؛ كحذف الفعل في باب التحذير التزموه عند تكرار المحذر منه، أو العطف عليه؛ لأن التحذير إنما يقع حيث
(6/ 1/147)

أشرف المخاطب على مهواة خطر، أو خيف عليه من الحصول في مكروه، وهذا يوجب على المتكلم المبادرة لاستيفاء الكلام، والاختصار على قدر ما يفهم المراد؛ حذراً من طول الكلام على المخاطب حتى يغشاه المخوف منه قبل أن يأخذ في سبب النجاة، وكذلك أوجبوه على أنفسهم عند حث المخاطب وإغرائه على طلب أمر محبوب؛ فإن شدة الحرص على فوزه بمرغوب فيه، وسباقه إليه تستدعي اختصار القول له ما أمكن؛ لئلا تفوته الفرصة قبل انقضائه.
ومن الحذف ما يدخل في حكم الجائز بحسب أصل الوضع، ويفوض في ترجيحه وإختياره عن الذكر إلى نظر البليغ، وما يقتضيه مقام تلك العبارة بخصوصها؛ كالحذف مع القرائن الخفية لإختبار نباهة المخاطب، والعلم بمقدار شعوره.
ونسمع من كثير: أن العربية لا تصلح في تعليم الجند، وأمرهم بالانتظام والاستعداد والهجوم وأعمال السلاح؛ بدعوى أن عباراتها الكافية للإفهام في هذا الغرض لا تبلغ غاية الاختصار المطلوب في مواقع الحروب، وهذه غفلة منهم عن وجه الحذف الذي أوجبته العربية في مثل هذه المقامات، وعدم دراية بأن الكلم المستعملة لتنظيم حال الجيش عند الأمم الأخرى إنما دخل عليها الاختصار من باب الحذف والإضمار.
وسلك العرب في طلب الإيجاز جهة أخرى سوى طريقة الحذف هي: أن يطلقوا العبارة، فتشتمل بمفهومها على معان جمة، ولا تستطيع أن تضع يدك في حشوها، أو على موضع من جوانبها، وتشير إلى كلمة أو جملة سقطت هناك، ولكنك لو أخذت المعنى من حواشيه، وأفرغته في ألفاظ تفصلها من عندك، وتقدرها بالقياس على أفهام الأوساط أو العامة الذين لا يعقلون إلا
(6/ 1/148)

الصريح من القول، لاتسع مجالها، وكبرت عن طوق العبارة الأولى.

* اتساع وضعها:
تنقسم اللغات إلى: راقية، وغير راقية، فغير الراقية: ما كانت موادها قليلة، لا يسع التعبير بها أكثر ما تمس الحاجة إليه؛ مثل: اللغات الزنجية، ولغة بعض سكان أستراليا، وهذه الأخيرة - على ما نقل بعض الكاتبين - ناقصة جداً بحيث لا يمكنهم التفاهم بها إلا مع إشارات حسية، والعمي عندهم، والمتخاطبون ليلاً بمنزلة من في آذانهم وقر، لا يكادون يفقهون حديثاً. والراقية: ما غزرت مبانيها، واتسعت طرق دلالتها، فكانت موفية بتأدية المراد مع الاستغناء عن الإشارة، وعدم الاعتماد على قرائن الأحوال في الأكثر؛ مثل: اللاتينية، والفارسية، والعربية.
تحتوي العربية على ما يقوم بسداد الحاجة من أبنية الكلم، بل على ما تدعو إليه زيادة التحسن والتحبير، فإنا نجد المعنى الواحد قد وضعت له ألفاظ متعددة؛ لتكثر وسائل التفاهم؛ حتى لا تأخذ المتكلم حبسة في أثناء الخطاب، فإذا غاب عنه لفظ، وسعه أن يأتي بمرادفه، وإذا تعسر عليه النطق بكلمة؛ كالألثغ، عدل عنها إلى غيرها؛ كما فعل واصل الغزالي حين كان لا يحسن النطق بحرف الراء، فتركه في زوايا الإهمال، ولولا المترادف، ما أمكنه أن ينبذ الراء من كلامه جملة.
وقد يضطره الحديث إلى إعادة المعنى، فلا يؤوده أن يعيده بغير اللفظ الذي عبر به أولاً؛ مثلما قال معاوية - رضي الله عنه -: من لم يكن من بني عبد المطلب جواداً، فهو دخيل، ومن لم يكن من بني الزبير شجاعاً، فهو لزيق، ومن لم يكن من ولد المغيرة تياهاً، فهو سنيد. فقال: دخيل، ثم قال: لزيق، ثم قال:
(6/ 1/149)

سنيد، فخلص كلامه من كراهة التكرار، وارتفع شأنه في الحسن درجة. وبالمترادف استعان المعتمد بن عباد ملك إشبيلية حين وقف إثر جنازة ولده في محفل عظيم من الناس قاموا لتعزيته، واقتدر على أن يجيب كل واحد من المعزين بعبارة لم يعدها إلى غيره، مع كثرتهم، وكونه في أسف شديد.
قال الباقلاني: ويقول العارفون بألسنة الأمم: إنهم لا يجدون في تلك الألسنة من الأسماء الموضوعة للشيء الواحد ما يعرفونه من اللغة العربية. وتجد بعض اللغات خالية من علامة التمييز يين المذكر والمؤنث؛ كاللغة الفارسية، والتركية، والإنكليزية، وميزت العرب المؤنث عن المذكر بوضع الألف في اسم، أو التاء في اسم وفعل؛ كما فرقوا بينهما في الضمائر والموصولات وأسماء الاشارة.
ومن اللغات ما وضع خالياً مما يدل على العدد؛ كاللغة الإنكليزية، فاللفظ الدال على المفرد هو الدال على غيره، ومنها ما لا يوجد فيه سوى المفرد والجمع؛ كاللغة الفارسية، وزادت العربية بما يدل على الاثنين، فميزوه عن المفرد والجمع بعلامة الألف أو الياء، وأفردوه في وضع الضمائر والموصولات وأسماء الإشارة باوضاع خاصة.
ومن خصائص هذه اللغة: جمع التكسير، وجمع الاسم الواحد على عدة أمثلة، وهذا لا يشاركها فيه غيرها، حتى اللغتان اللتان يجتمعان معها في أصل واحد: العبرانية، والسريانية، ويوجد جمع التكسير في اللغة الجيزية من لغات بلاد الحبشة؛ لأنها تفرعت في الأصل عن العربية.
ولا نجد في بعض اللغات أدوات رابطة بين الأفعال والذوات، وهي الحروف؛ مثل: اللغة الصينية، فيتكلفون في تأدية معنى "في" - مثلاً - إلى
(6/ 1/150)

ما يرادف كلمة: وسط، ولها في العربية محل من الاعتبار، ومدخل في الدلالة على المقصود، حتى أفردها بعضهم بالتاليف، وعدها ابن خلدون من خصائص العربية، ونفاها عن غيرها، وليس حكمه هذا بشامل؛ لأن الحروف توجد في لغات أخرى؛ مثل: اللاتينية، وما تفرع عنها.
ويحتمل الوضع العربي أن ينقل اللفظ عملاً وضع له أولاً، ويستعمل في غيره على شرط المناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المقصود من اللفظ، فيقال: غيث - مثلاً - ويراد: نبات، وأسد، ويراد: شجاع، وهذا ضرب من التوسع في الخطاب؛ لأنه زيد للنبات اسم هو الغيث، وجعل للشجاع اسم آخر هو الأسد، بل أسماء الغيث كلها صارت بهذه الوسيلة صالحة لأن تطلق على النبات، وجميع الألفاظ الموضوعة للأسد يصح استعمالها في الشجاع، وترجع أمثلة هذا النوع المسمى بالمجاز إلى ضربين:
أحدهما: ما كانت علاقته غير المشابهة، ويعرف بالمجاز المرسل، وقد أخبر الشيخ عبد القاهر الجرجاني بأنه لا يوجد في غير اللغة العربية.
ثانيهما: ما كانت علاقته المشابهة، ويختص باسم الاستعارة، وهذا الضرب لا تختص به العربية، بل يجري به العرف في غير اللغات الراقية أيضاً؛ فإن بعض سكان أستراليا لا يجدون في لغتهم ما يفيد معنى صلب، فإذا اضطروا إلى وصف شيء بالصلابة، قالوا: حجر.
ويتمايز هذان النوعان في الترجمة أيضاً، فلو أبدل مترجم الغيث في قولنا: رعينا غيثاً باللفظ الموضوع للنبات في اللغة المنقول إليها، لم يتغير المعنى، وكان مؤدياً للكلام بحاله، ولو أنه ترجم بحراً في قولك: رأيت بحراً يعطي الدنانير بلفظ يرادف كريماً، ولم يعبر بالاسم الذي يوافق البحر في تلك
(6/ 1/151)

اللغة، لأخل بجانب المعنى، ولم تكن الترجمة مطابقة، وقد تجري العادة في لسان قوم باستعارة اسم شيء لآخر، فيحسن موقعها من قلوبهم، ولا يألفها قوم في مجاري خطاباتهم، فتتبرأ منها أسماعهم، وتنفرها أذواقهم، وبمثل هذا يظهر النقص في صورة المعنى المؤدى بلهجة لغة إذا نقل إلى لغة أخرى.
ولاتساع العرب في كلامهم بهذه الوجوه: المترادف، وجمع التكسير، والمجاز، وما يشاكلها من القلب اللفظي؛ نحو: جبذ وجذب، وورود الكلمة الواحدة على عدة أحوال مختلفة بزيالة بعض الأحرف ونقصها؛ كإصبع وأصبوع، تمكنوا من بناء أشعارهم على هذه الأوزان المعتدلة، والتزموا فيها القافية ورويَّها بدون كلفة، فجاءت محكمة في وضعها، بديعة في نسجها.
قال أبو نصر الفارابي: إن الألسن العجمية متى وجد فيها شعر مقفى، فإنما يرومون أن يحتذوا فيه حذو العرب، وليس ذلك موجوداً في أشعارهم القديمة.
وتيسر للعرب بهذه الأسباب أيضاً أن يأخذوا بطريقة السجع، فيأتوا بالكلام قطعاً قطعاً، ويلتزموا في كل كلمتين منه قافية، وكان هذا النوع في زمن الجاهلية متداولاً بدون أن يتغلب على المرسل، وكثر ما يستعمل عند أصحاب الكهانة؛ فإنهم كانوا يلتزمونه التزاماً، ثم هجره الناس في صدر الإسلام هجراً جميلاً، فلا يستعملونه إلا إذا أرسلته السجية بدون تطلب وتصنع، ثم أخذ في القرون الوسطى من العناية والحظوة ما لم يكن له في صدر الإسلام، ولا في زمن الجاهلية، فدرج الناس على سنته في خطاب الجمهور، والتزمه الكتاب في مخاطبة السلطان إلى الرعايا، وكتبوا به بعض الرسائل العلمية، وتغنت به الباعة في النداء على أمتعتها.
(6/ 1/152)

وبالغ بعض البيانيين في الرفع من شأنه حتى جعل تقديم الكلمة عن موضعها لصحة السجع أو الفاصلة من وجوه البلاغة، ونبه الباقلاني على عدم استقامة هذا الوجه بالنسبة إلى الكتاب الحكيم؛ لأن صرف الكلمة عن مرتبتها في النظم؛ لتوافق شيئاً من محاسن البديع، نوع من التصنع الذي عابه علماء الفصاحة على المولدين، ثم إن صحة السجع إنما هي عذر يقيمونه لرفع الملامة في مخالفة ما يقتضيه السياق، وإذا ساعدتك نفسك على الاعتذار به في سجع أو قافية من كلام البشر، فلا تسمح لك بتقريره في كتاب الله الذي لا يعجزه أن يضع كل كلمة في منزلتها التي يستدعيها حال المعنى مع سلامة الفاصلة.
وأدرك كثير من المحررين اليوم أن المرسَل أوسع مذهباً في البيان، فعدلوا إلى طريقته في خطاب الجمهور، إلا إذا ساعدهم الطبع على السجع بسهولة كغيره من محاسن البديع.

* إبداع العرب في التشبيه:
علم من صدر هذه المسامرة: أن الباعث على التشبيه أمر فطري، وهو قصور العبارة عن إيضاح المراد، لهذا لم يختص في أصل استعماله بالبلغاء من الناس، وتناولته الأطفال في حجور أمهاتهم، وأيضاً لم تتميز به لغة دون أخرى، بل فازت اللغات السافلة منه بنصيب؛ فإن بعض سكان أستراليا لا يوجد عندهم ما يؤدي معنى مستدير، فيقولون: مثل القمر، وجرى العرب في هذا المضمار إلى الغاية القصوى، ورموا في تشابيههم إلى أغراض أخرى وراء البيان والإيضاح، منها: القصد إلى مدح المشبه وتزيينه في عين السامع؛ لتنبسط نفسه إليه، وتتقوى رغبتها فيه حيث حوكي بصورة راقية في حقيقتها، أو حسنة
(6/ 1/153)

في وضعها، ومما ينبئ عليه التشبيه: الاهتمام بشأن المشبه به؛ لأن صانع التشبيه يلتفت أولاً إلى ما استودعه في مخيلته من الصور، فتخطر على مفكرته، وتتسابق إليها على حسب تكررها على ذهنه، وتوجه قلبه إليها، فإذا ضرب مثلاً عند الاستغناء عنه، أو اختاره دون غيره، مع مساواته له في تحصيل الغرض، أشعر بكثرة ملابسته له، وتردده على فكره، فلا غرو أن تستفيد من تشابيه الرجل مكان همته، وإلى أين تذهب نفسه في معالي الأمور أو أسافلها، ومن الخطأ الذي يعرض للأديب هنا: أن يجري في تشابيهه على ما يلابس خاطره، ويسبق إلى قريحته، ولا يراعي في ضرب المثل حال المخاطبين، وما هو معروف لديهم.
ثم إنهم لم يقتصروا في المشبه به على حد ما تقع عليه الحاسة، أو تدركه القوة العاقلة من الحقائق الثابتة، وتعدوا إلى ما تقدره قوة الخيال من المعاني التي لم يتحقق لها أثر في الوجود. ورأوا الفضل في التشبيه البسيط غير كبير؛ إذ لا مزية تظهر للشاعر في تشبيه الشجاع بالأسد، والعزيمة بالسيف، فترقوا في ذلك إلى انتزاع الهيئات المفصلة من المركبات في الواقع، أو بواسطة الخيال؛ كتشبيههم الزرع تتخلله شقائق النعمان وهو يميس أمام الرياح بكتيبة لباسها أخضر قد انهزمت، ومن بينها جرحى كسيت باثواب من الدماء، ولولا قوة مداركهم، ولطف تصرفها، ما رأيت فئة كثيرة من الشعراء يتواردون على تشبيه شيء واحد، فيسلك كل فرد منهم جهة لم يتعلق بها نظر غيره، كما بلغوا في تشبيه الهلال إلى ما يقارب السبعين وجهاً.
منها: قول شرف الدين بن الريان:
كأن الهلال نزيل السماء ... وقد قارن الزهرة النيره
(6/ 1/154)

سِوارٌ لحسناءَ من عسجدٍ ... على قفله وضعت جوهره
ومنها: قول بدر الدين محمد بن مكي:
كأن الشمس إذ غربت غريق ... هوى في البحر أو وافي مغاصا
فأتبعها الهلال لدى غروب ... بزورقه يريد لها خلاصا
فيمكنك أن تنظر إلى تشابيه الأمة وما يضربونه من الأمثال، وتجعلها عنواناً على إضاءة عقولهم، وشاهداً بالغاية التي تنفذ إليها بصائرهم؛ فإن المشبه به إذا كان نادر الحصول في الذهن، أو في ضمنه تفصيل كثير، صعب استطراده في غير موضع الحديث عنه، ولا يتمكن من قلادة التمثيل به إلى من كان له نظر واسمع في تخييل المعاني القاصية، وقوة فائقة في تأليفها مع ما يجانسها في شمل واحد. وكثيراً ما يصنع الأدباء التشابيه على بساط المساجلة لمجرد الرياضة، وإظهار البراعة في الالتفات من معنى إلى آخر، وإدخاله في نسق الحديث عن غيره بمناسبة لطيفة.
فالأدباء يختلفون في مراتب التشبيه، ويتفاوتون في الغوص على لطائفة؛ مثلما يختلف المصورون من أهل السياسة في تمثيل حال أمة في سعادتها أو شقائها - مثلاً -، أو حال دولة في اتحادها مع دولة أخرى أو معارضتها، ويتفاوتون فيما يضمنونه في ذلك التمثيل من النكت السياسية.
ولم تكفهم الإصابة في وجه الشبه والتحقيق فيه، فدعاهم لطف الذوق في التمثيل إلى التحفظ في موارده عما لا يلائم الغرض منه، ألا ترى الأصمعي كيف عاب في مجلس الرشيد قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم الى وجوه العُوَّدِ
(6/ 1/155)

فإن النابغة - وإن سدد الرمية إلى وجه الشبه -، لكنه أورده في صورة تقتضي تشبيه المحبوبة بالسقيم، وذلك مما يتخلى ذوق الأديب عن قبوله. ونظير هذا: أن يمثل المصور السياسي أمة في سعة رفاهيتها، وسعادة حريتها، فيرسم صوراً كريهة المناظر، تمرح بملابسها الفاخرة في رياض باسمة الأزهار، ويرمز إلى روح الأمن والاطمئنان باسطة أشعتها في صدورهم بانتظام سيرهم، والسكينة في حركاتهم، فهذا المثل كما رأيته مستوف للغرض الذي رسم من أجله؛ لأن السعداء بنعمة الحرية لا يجب أن تكون وجوههم مشرقة، وأعضاؤهم متناسبة، ولكن ما ارتكز في النفوس من إعظام الحرية، وشدة الشغف بها يخيل إليها أن من لبسوا رداءها، وتحلوا بزينتها، لابد أن تلقى على وجوههم نضرة النعيم، وتعلوها وضاءة لا يبصر الناظر معها إلا حسناً، فإذا شاهد إنسان الأحرار في صور كريهة، نقص إعجابه بالحرية، أو نازع المصور في عدم إتقانه لذلك التمثيل.
واتسع العرب في هذا الباب إلى أن قال المبرد في "الكامل": لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب، لم يبعد.
وتفننوا فيه على حسب توغلهم في الحضارة، ومشاهدتهم للصور الغريبة، ولا جرم أن يجد الناظر في تشابيه أدباء الأمة ما يطلعه على نبذة من أحوالهم المدنية؛ فإن كثيراً من الأشياء يتعالى الأديب عن الحديث في شأنها. إذا ساقها إليك مساق التمثيل بها.
فمما يقرب معرفتك إلى هيئة لباس النساء في عهد ابن الرومي قوله يصف قوس الغمام:
يطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أخضر في أحمر وسط مبيض
(6/ 1/156)

كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
ومن عرف القائل:
أأميم شاهدت يوم نزالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح
تطفو وترسب في الدماء كأنها ... صور الفوارس في كؤوس الراح
لم يبق على الجهالة بشكل الكؤوس المستعملة لذلك العصر، وعقلها على أي صورة تصنع.
ولعلك تسمع قول النور الأسعدي:
يميناً ما مدحتك من ضلال ... ولي في ذاك عذر في الكمال
ولكني لأكمل منك نقصاً ... كما جعل الطراز على الشمال
فتستفيد منه: أن العلامة التي تجعل في ثياب الكبراء من قبل الأمراء؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، كانت توضع في القديم على جهة اليسار؛ كما هي عادة رجال الدول اليوم في وضع غالب النياشين التي هي بمثابة الطراز.

* اقتباسهم من غير لغتهم:
مما يشهد للعرب بارتقاء أفكارهم، وبعدها عن ساحة الجمود: أنهم لم يستنكفوا - مع إعجابهم بفصاحة لغتهم، وعلمهم بكثرة مفرداتها وتصاريفها - أن يضيفوا إليها من لغات الأمم ما يوفر عددها، ويزيدها سعة على سعتها، ومن هذه الألفاظ الدخيلة ما يبقونه على حالته التي كان عليها عند العجم؛ نحو: كركم، ومنه ما يغيرونه بالنقص أو الزيادة أو الإبدال، لاسيما إذا كانت حروفه مخالفة في المخارج والصفات لحروف لغتهم؛ مثل: فيروز، فاؤه عند العجم بين الفاء والباء، ومثل: الأسقف، وأصله باليونانية (إيسكوبوس)،
(6/ 1/157)

وربما اشتقوا منه أفعالاً على قياس ما يشتقونه من أسماء الأجناس الأصلية في أبنيتهم؛ نحو: تطليس: إذا لبس الطيلسان، وألجم الدابة: إذا وضع اللجام في فمها، واتسعوا في تصريفها إلى أن نقلوها إلى غير معناها على سبيل المجاز، فقالوا: لجمه الماء: إذا بلغ فاه.
وإذا تصرفوا فيها كما يتصرفون في أوضاع كلامهم، صارت بمنزلة الألفاظ المرتجلة عندهم. وليس بصحيح ما يزعمه بعضهم من أن إدخال الألفاظ الأعجمية على اللغة مفسد لها؛ فإن القرآن، وهو الراقي بفصاحته إلى حد الإعجاز، قد اشتمل على عدة كلمات غير عربية؛ نحو: مشكاة من الهندية، وإستبرق من الفارسية، وقسطاس من الرومية، وهذا لا ينافيه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]؛ فإن هذه الألفاظ لما أخذها العرب، وأدخلوها في لسانهم، اختلطت بلغتهم، وصارت معدودة فيما هو عربي فصيح، فلا يخرج الكلام الشامل لها من نسبته إلى العربية.
وأنكرت طائفة - منهم ابن جرير الطبري - وقوع المعرَّب في القرآن، وادعوا أن هذه الأمثلة مما تواردت فيها اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس أو الروم - مثلاً - بلفظ واحد من دون اقتباس، ولا يصح القول بهذا في مثل إستبرق وسندس؛ لأن الثياب الحرير ليست من مصنوعات العرب، وإنما عرفوها من الفرس.
وتجاوز كثير الحد في هذا النوع، وأتوا إلى كل لفظ عربي يعثرون عليه في لغة أخرى، وحكموا عليه بأن العرب اقتبسته من تلك اللغة، وإن كان معناه مما شأنه أن تشترك فيه الأمم، أو لا يدرى من الذي أنشاه سابقاً؛ مثل: الهرج؛ أي: الفتنة، والدرّي؛ أي: المضيء، والشطر؛ أي: الجهة،
(6/ 1/158)

يقول بعضهم: إن العرب أخذتها من الحبشة، ولن يجد دليلاً على ذلك؛ إذ يحتمل أن الحبشة هي التي أخذتها من العرب، أو تكلم بها الفريقان على سبيل الاتفاق.

* ارتقاء اللغة مع المدنية:
يعلم كل من له حظ من تعاليم هذه اللغة أن موضوعاتها لم تقف عند الحد الذي انتهت إليه قبل الإسلام، ولا في زمن نزول الوحي، فكثير من الألفاظ وقع التصرف فيها، فنقلت إلى شرائع ومعان لا تعرفها الجاهلية؛ مثل: الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، ومثل: المنافق، والفاسق، والمخضرم، ولما دونت العلوم على اختلاف فنونها، وحدثت معان لم تكن اشتقوا لها أسماء من اللغة، وأجروها مجرى العربي الصحيح في الاستعمال، ولم يقتصروا على الاشتقاق من العربية، وسلكوا طريقة العرب في اقتباسهم من غير لغتهم، فنقلوا جملة من الكلمات الأعجمية، واستعملوها بحالها؛ كالسقمونيا، والإسطرلاب من اللغة اليونانية، والأسطوانة، والبنج من اللغة الفارسية، هذه الاصطلاحات المتجددة، وإن كان السبب الذي يدعو إلى وضعها أولاً هو الحاجة إلى التفاهم في مسائل تلك العلوم، فلا جناح على من أوردها في أغراض خارجة عن العلم متى جرت إليها مناسبة تشبيه، أو تلميح في خطاب لا يقصد به إلا الخاصة من الأدباء، وإنما يعاب استعمالها في مثل المقالات والقصائد والخطب التي يوجه الخطاب فيها إلى عامة الناس؛ لغموض معانيها، وعدم اشتهار وضعها.
وفي قصائد الشعراء ورسائل الكتاب من التلميحات والتشابيه بالمعاني العلمية ما يستحق أن يذكر في عدد حسناتهم البديعية؛ كقول بدر الدين الدماميني
(6/ 1/159)

في بعض قصائده:
وقد شابه الأعداء جمعاً مؤنثا ... لذاك غدت في حالة الفتح تكسر
وكثرت اصطلاحات الفنون، واتسعت شعويها حتى خصصوها بمعجمات؛ مثل كتاب: "التعريفات" للجرجاني، وكتاب "الكليات" لأبي البقاء، و"كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي.
فالإسلام لم يعق العربية عن النمو، ولا شد وثاقها عن الارتقاء مع المدنية كما أوحي به إلى بعض المسامرين، فقرر في سياق الاستشهاد على موت العربية: "أن المسلم الخالص يلزمه أن يبقى اللسان الذي نزل به القرآن على حاله. وتحويل الكلمة عن معناها الأصلي إلى معنى جديد يعد تغييراً للغة"، فهذا لفظ الباي، والمدير، والسفير، والمشير، ومجلس الشورى، وكثير من اصطلاحات الصنائع والفنون لم تكن معروفة في صدر الأسلام بهذه المعاني الخاصة، ويستعملها الناس منذ وضعت بدون تحرج منها، أو دخول شبهة عليهم في استعمالها.
ومما يزيل هذا الغلط، ويمحي أثره: أن العربية لم يحتكرها العرب المسلمون لأنفسهم، ولا سدوا أفواه القوم المخالفين لهم عن التخاطب بها، بل لا تزال لسانَ طوائف ذات ملل مختلفة من حين بزغت شمس الإسلام إلى يومنا هذا، فعلى تسليم أن يقضي الإسلام ببقاء اللغة واقفةً عند حد، فلا يجري حكمه هذا إلا على من لبسوا هديه، وتطوقوا بقلادة شريعته؛ لأن هؤلاء الطوائف - وإن ضمهم الأسلام تحت حمايته - فإنه يطلق لهم الحرية فيما يدينون وما يصنعون، ولا يحملهم على ما يقرره من الأصول أو الفروع، فإذا قدرنا أن العربية سكنت أنفاسها، ولحقت بأصحاب القبور كما يزعم المسامر، فهي
(6/ 1/160)

وسيلة من وسائل الارتقاء وسعادة الحياة، أهملتها أمة غير متحدة في الملة، فكيف يستقيم لنا أن نلقي مسؤولية ذلك على عاتق دين لا تنسحب واجباته على جميعها، وليس التصرف في ترقية حال اللغة من متعلقات السياسة خاصة حتى يقال إن أمره في يد الهيئة الحاكمة، وهي متلبسة بشعار الإسلام. فلو نهض أفراد من أمة غير مسلمة يسعون إلى عمل لا يلحق بغيرهم ضرراً؛ كإصلاح لسانهم، لم يكن للدولة الإسلامية بوصفها إسلامية أن تعاضهم، وتحول بينهم وبين ذلك المسعى، صان كان عملاً غير صالح في شريعة الإسلام. فليس من العدل في القضية أن نسند موت اللغة -لو وقع - إلى الإسلام وحده، وهي لسان أمم لا تجمعها شريعته.
قال المسامر: إن هذه اللغة ضيقة النطاق، لا تسع تحريرات العلوم العصرية، ولا يمكن أن يوجد فيها أسماء لهذه المخترعات، نحو: فوتغراف، وتلفون. وهذه قضية تردها شهادة التاريخ والعلم؛ فإن علوم الحكمة والطب والهندسة والحساب والفلك والمنطق وغيرها قد ترجمت في عهد الدولة العباسية، ودونت بالقلم العربي، وأصبحت تدرس بلسان عربي مبين، وأما شهادة العلم، فانه يمكننا أن نضع لهذه المعارف الحديثة أسماء عربية، وهو أحسن الطرق وأفضلها؛ لئلا تكثر الألفاظ الدخيلة، وتتغلب على ما هو عربي، فتؤول بكثرتها إلى خروج الكلام وانسلاخه عن صبغته العربية؛ فإن اللغات تتمايز بالأساليب، وبالمفردات، إلا ما كان قليلاً.
ولما كانت العربية من اللغات المتصرفة يُشتق منها اسم الفاعل والمفعول، والمكان والآلة، سهل الطريق إلى وضع أسماء مفردة لهذه المستحدثات؛ فإن أكثرها من قبيل المكان، أو الآلة، أو الموصوف بالفعل، وهناك وسيلة
(6/ 1/161)

أخرى هي طريقة، المجاز، فإذا عرض لنا معنى جديد، نظرنا إلى لفظ يتناوله على وجه عام - مثلاً - أو مستعمل في معنى يقرب منه، وعلقناه عليه؛ كما فعل بعض الأذكياء في: رتل، وقطار، وبريد، ومنطاد، وعربة، ولا تثريب علينا إذا لم نهتد إلى وضع أسماء مفردة أن نعلق عليها أسماء مركبة؛ نحو: حاكي الصدى لفونغراف، وكذلك يفعل الإفرنج الآن، فأسماء المستحدثات عندهم من قبيل المركب، أو المنحوت.
وبعد هذه الوسائل، فإن العربية - كما علمنا - تتلقى ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن بعد تنقيحه وسبكه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها، ونهذبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح.

* اتحاد لغة العامة والعربية:
إذا تتبعنا لغة التخاطب الآن؛ لنعلم نسبتها من العربية، وجدناها نفس العربية، ولكن طرأ عليها التحريف بنقص أحوال الإعراب، أو تغيير حروف بعض الكلم بالحركة أو السكون، اْو التخفيف أو التشديد، أو الحذف أو الزيادة، أو القلب أو الإبدال، وقد يرد الخطأ عليها من ناحية الاشتقاق؛ نحو: شائب، ومهبول، ومبروك؛ فإن الصحيح عربية: أشيب، وأهبل، ومبارك.
وهناك كلمات دخيلة اقتضتها سنة المخاطبة، وقدرها بعض المحررين بالنسبة إلى ما هو عربي في لسان المصريين بخمسة في المئة، وليس التفاوت بينهم وبين التونسيين ببعيد.
ومن شواهد أن لغة العامة لسان عربي دخله التحريف: أنك تراهم يستمعون إلى القرآن الحكيم، فيفهمون ظاهراً منه، ويتأثرون لسماعه، وتسرد
(6/ 1/162)

عليهم القصص المؤلفة بقلم عربي، فلا يفوتهم من فهمها إلا ما كان نادراً.
واستشهد المسامر على عدم حياة العربية: بأن الجرائد المحررة بقلم راق لا يفهمها جميع الناس. وهذا مسلم في المنشآت التي يرمي فيها الكاتب إلى أنظار بعيدة عن أفكار العامة، ولا أظن العالم والأمي في أي أمة يكونان سواء في فهم التحريرات المشحونة بالأنظار العالية، وإن كانت خالية من المعاني العلمية واصطلاحاتها، وأما ما كانت معانيه قريبة التناول؛ كأخبار الوقائع والإعلانات، فلا يخفى عليهم فهمها، وإن كانت عباراتها راقية، إلا أن تشتمل على بعض مفردات غريبة وعندهم ما يرادفها من العربي صحيحاً أو محرفاً.
ولا ننسى - وإن نسي المسامر - أن لغة العامة في كل أمة لا تنطبق بجملتها على اللسان الذي يكتب به علماؤها، وإن كان الفرق بينهما في ممالك أوربا على ما ينقل أقل من الفرق بين لغة التخاطب عندنا والعربية الفصحى؛ لأن أولي الأمر منهم في الأعصر القريبة كانوا أشد عناية بشأن التعليم، وأحرص على تعميمه بين رعاياهم، واستقامة ألسنة الأمة في اللغة على قدر ما يفتح لها من أبواب التعليم، ويتخذ فيه من الوسائل القريبة، ولهذا نرى لسان المتعلمين منا، أو من يتردد على صحبتهم أقرب إلى العربية من لسان الأميين الذين لا يحومون على ساحة التعليم.
ثم إن ما قرره المسامر في شرط حياة اللغة، وبنى عليه الحكم بموت العربية، وهو: "أن يكون لسان التخاطب بها مطابقاً للسان الكتابة تماماً" نحن في سعة واختيار من قبوله، والاعتبار بوزنه، سواء قاله من تلقاء نفسه، أو تبع فيه سلفاً على وجه التقليد؛ فإن شرطه هذا أمر وضعي لا يستند في
(6/ 1/163)

تحقيقه إلى حجة عقلية، فلا يكبر علينا الالتفات عنه، ونعتمد وضعاً آخر لشرط الحياة، فنقول: إن اللغة الحية هي التي يكتب بها طائفة من الأمة على وجه الصحة، ويمكنهم أن يتفاهموا بها كذلك في أي عرض يعرض، وإن كانت في نطق العامة محرفة، ونسمي ذلك التحريف: مرضاً، لا موتاً حقيقياً.
وإذا أثبت أن لغة التخاطب الآن عربية، ولكنها ابتليت بعلل يرجى برؤها منها، وعودها إلى تمام صحتها بالمعالجة شيئاً فشيئاً، فلا يحسن بنا أن نهجر اللغة الفصحى، ونسعى في تدوين لغة العامة على علاتها، فإن تحريفها يختلف بحسب اختلاف الأقطار والبلاد، حتى يكاد أهل الأقطار المتباعدة لا يفهم بعضهم خطاب بعض، وإن اشتركوا في فهم العربية الصحيحة، وإذا أريد أن أهل كل قطر أو بلاد يدونون لسانهم المحرف، فانظروا ماذا ترون. أيجمل بنا أن نعمد إلى لغة يشترك في التفاهم بها جميع المسلمين على اختلاف أجناسهم، ويتخاطب بها ابن الصين مع ابن مراكش بدون واسطة ترجمان، ويينهما من بعد المسافة مثل ما بين ملتقى الخافقين، ونفرقها الى لغات شتى تفريقاً يجعلها -في الأقل- لغات سافلة منزوعة من سر الفصاحة والرونق، ولا تجد قوة تذود بها عن حياضها كما وجدت العربية من ذات فصاحتها حانياً ونصيراً.
وللعربية في نظر المسلم موقع عظيم من الاعتبار؛ لأن الإسلام وإن لم يجعلها من شعائره، فيأمر المسلم بالتزامها في سائر خطاباته، إلا أنه استحب له تلاوة القرآن، والتدبر في معانيه؛ لمعرفة وجوه إعجازه، واستخراج عبره، والاستضاءة بأنوار هديه؛ لأن غيره من كتب الحكمة والإرشاد ليس لقولها سلطان يؤثر على النفوس، ويعمل عمل القرآن في تطهيرها عما يعرض
(6/ 1/164)

لها من الوساوس، وهدايتها إلى محاسن الأخلاق، ولا سبيل إلى التدبر في آياته وإدراك بلاغته إلا بعلم هذه اللغة.
ولما علم المحققون أن استنباط الأحكام التفصيلية عند الحاجة إليها يجب أن يقوم به طائفة من الأمة. والأحكام إنما تؤخذ من القرآن، وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكلاهما وارد بلسان العرب، عدوا من فروض الكفاية التبحر في معرفة العربية، وهذا وجه نسبتها إلى الإسلام، وهو الحصن الذي يتكفل بحفظها وبقائها ما بقي دينه القويم.
وإذا كانت العربية رواية نتلقى منها علوم الدين، وبريداً يحمل إلينا علوم الدنيا، فمن واجباتها علينا أن نصرف الهمة في سبيل إصلاحها، ونعدل ألسنة الناشئين بآثارها الصحيحة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

* حياة اللغة العربية:
كان المؤلف -رحمه الله- أنشأ في رمضان سنة 1335 ه قصيدة في حياة اللغة العربية في أسلوب رواية خيالية، ونشرت في جريدة "الزهرة" الزاهرة، وقد رأينا من المناسب إثباتها هنا إتماماً للفائدة، ونصها:
بصري يسبح في وادي النظر ... يتقصى أثراً بعد أثرْ
وسبيل الرشد ممهود لمن ... يتجافى الغمض ما اسطاع السهر
إنما الكون سجل رسمت ... فيه للأفكار آيٌ وعبر
وإذا أرخى الدجى أستاره ... هب سمعي كاشفاً عما استتر
لست أنسى جنح ليل خفقت ... فيه بالأحشاء أنفاس الضجر
لج بي التسهيد حتى أوشكت ... غرة الإصباح أن تغشى السحر
(6/ 1/165)

قمت أسعى لتقاضي سلوة ... ومطايا السعي مرقاة الوطر
قمت أخطو فجرى حادي الصبا ... بحسيس من أحاديث السمر
وانثنى بي نحو ناد نشبوا ... في لحاء ولجاج منتشر
لا تعي من بينهم إلا وغى ... في مزيج مثل ضغث معتكر
وإذا الخصمان لم يهتديا ... سنة البحث عن الحق غبر
هذه طائفة تحدو بما ... في لسان العرب من فضل ظهر
وجفته فئة فاهتضموا ... شأنه والجهل مدعاة الهذر
وتراضوا بعد ذا أن نصبوا ... حكماً بينهم فيما شجر
فانبرى فيهم خطيباً بصدى ... لهجة فصحى وجأش مستقر
لغة أودع في أصدافها ... من قوانين الهدى أبهى درر
لغة نهصر من أغصانها ... زهر آداب وأخلاق غرر
ضاق طوق الحصر عن بسطتها ... ولآلي البحر ليست تنحصر
فاض من نهر مبانيها على ... فصحاء العرب سيل منهمر
فسرت روح بيان في اللهى ... كخصيب الأرض يحييه المطر
وابنها المنطيق إن زج به ... في مجال القول جلى وبهر
يسبك المعنى متى شاء على ... صيغ شأن الغني المقتدر
ثم لا يعوزه السير على ... وضعها في كل معنى مبتكر
فأسأل التاريخ ينبيك بما ... أنجبت أرض قريش ومضر
من خطيب مصقع أو شاعر ... مفلق يسحب أذيال الفخر
(6/ 1/166)

ضربت في كل شرب ينتحى ... من فنون الحسن بالسهم الأغر
أرشفت من شنب الرقة ما ... يذهل الأسماع عن نغم الوتر
ولطيف اللفظ يسري في الحشا ... ما سرت نظرة ظبي ذي حور
وتذيب القلب رعبأ بجزا ... لة أسلوب لديها محتكر
والكلام الجزل وضعاً واقع ... موقع السيف إذا السيف خطر
ضل قوم سلكوا في حفظها ... سبباً أوهن من حبل القمر
واحتست في نطق بعض أحرفاً ... من لغى أخرى فأضناها الخدر
بعض من لم يفقهوا أسرارها ... قذفوها بموات مستمر
نفروا عنها لواذاً وإذا ... جف طبع المرء لم تغن النذر
مازكا تفاح لبنان على ... حسك السعدان في ذوق مذر
هكذا في نظر الأعشى استوى ... زهر روض وهشيم المحتظر
لغة قد عقد الدين لها ... ذمة يكلؤها كل البشر
أو لم تنسج على منوالها ... كلم التنزيل في أرقى سور
يالقومي لِوفاء إن من ... نكث العهد أتى إحدى الكبر
فأقيموا الوجه في إحيائها ... وتلافوا عقد ما كان انتشر
(6/ 1/167)

الاستشهاد بالحديث في اللغة (1)
يستند علماء العربية في إثبات الألفاظ اللغوية، وتقرير الأصول النحوية، إلى القرآن المجيد، وكلام العرب الخلص، وجرى بينهم الخلاف في الاحتجاج بما يروى من الأحاديث النبوية. وحقيق بمجمع اللغة العربية أن ينظر في هذه المسألة، ويقطع فيها رأياً؛ فإن الكتب المؤلفة في الحديث وغريبه كثيرة، ومنها ما يبلغ مجلدات ضخمة.
ومتى رأينا أن الحق في جانب من يراها حجة كافية في اللغة، كان مجال البحث في علوم اللغة أوسع، ووجدنا من المساعدة على إعلاء شأن اللغة ما لا نجده عندما نقصر الحجة في القرآن الكريم، وما يبلغنا من كلام عربي فصيح.
وهذا ما دعاني إلى أن بحثت هذه المسألة، وبذلت جهداً في استقصاء ما كتبه فيها أهل العلم، ثم استخلصت من بين اختلافهم رأياً.
وهأنذا أعرض البحث كما اتفق لي أن سرت فيه، وأصله بإبداء ما رأيت؛ لينظر مجمعنا ماذا يرى.
__________
(1) بحث قدمه الإمام إلى مجمع اللغة العربية، ونشر في الجزء الثالث من "مجلة المجمع". الصادر في شعبان 1355 - أكتوير 1936. ونشر في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد العاشر الصادر في شعبان 1356 - أكتوبر 1937.
(6/ 1/168)

* ما المراد من الحديث؟
تشتمل كتب الحديث على أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أقوال الصحابة تحكي فعلاً من أفعاله - عليه السلام -، أو حالاً من أحواله، أو تحكي ما سوى ذلك من شؤون عامة أو خاصة تتصل بالدين؛ بل يوجد في كثير من كتب الحديث أقوال صادرة عن بعض التابعين.
وكذلك نرى المؤلفين في غريب الحديث يوردون ألفاظاً من أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أقوال الصحابة، أو أقوال بعض التابعين؛ كعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.
وهذه الأقوال المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين، متى جاءت من طريق المحدثين، تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو قاعدة نحوية.

* هل في الحديث ما لا شاهد له في كلام العرب؟
يرد في الحديث ألفاظ لا يعرف لها علماء اللغة شاهداً في كلام العرب، وترد بعض الألفاظ على وجه من الاستعمال لا يعرف إلا من الحديث.
وكثيرا ما يقول شراح غريب الحديث، وهم من جهابذة علماء اللغة: هذا اللفظ لم يجئ إلا في الحديث، ولم نسمعه إلا فيه.
وقال أبو بكر محمد بن قاسم الأنباري أحدُ المؤلفين في غريب الحديث: "وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث" (1).
وتكلم أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني في كتاب "الغريب" عن
__________
(1) "النهاية" لابن الاثير في مادة هرو.
(6/ 1/169)

الألفاظ التي لم ترد إلا في بعض روايات الحديث، فقال: وإنما أورد نحو هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان إذا طلبه، لم يجده في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابنا، عرف أصله ومعناه.
ومن أمثلة هذا النوع كلمة "استارة" وردت في حديث: "أيما رجل أغلق بابه على امرأته، وأرخى دونها استارة، فقد تم صداقها".
لقد قال شراح الغريب: لم تستعمل "استارة" إلا في هذا الحديث (1).
ومن أمثلته كلمة "أفلج" من الفلج؛ أي: تباعد ما بين الثنايا، فقد وردت في وصف ابن أبي هالة للنبي - صلى الله عليه وسلم - غير مضافة إلى الأسنان، وابن دريد، وصاحب "القاموس" يقولان: لا يقال: رجل أفلج، إلا إذا ذكر معه الأسنان.

* الخلاف في الاحتجاج بالحديث:
ذهب جماعة من النحاة إلى أن الحديث لا يستشهد به في اللغة؛ أي: لا يستند اليه في إثبات ألفاظ اللغة، ولا في وضع قواعدها، ومن هذه الجماعة: أبو الحسن علي بن محمد الاشبيلي المعروف بابن الضائع (2)، وأثير الدين محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان (3)، وزعم أبو حيان: أنه مذهب المتقدمين والمتأخرين من علماء العربية، فقال في "شرح كتاب التسهيل": "إن الواضعين الأولين لعلم النحو، المستقرئين للأحكام من لسان العرب؛ كأبي عمرو، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه، من أئمة البصريين،
__________
(1) "النهاية" لابن الأثير مادة: ستر.
(2) توفي سنة 680 ه.
(3) توفي سنة 672 ه.
(6/ 1/170)

والكسائي، والفراء، وعلي بن مبارك الأحمر، وهشام الضرير، من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك -أي: لم يحتجوا بالحديث- وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم؛ كنحاة بغداد، وأهل الأندلس".
وأجاز قوم الاحتجاج بالحديث في اللغة، وعدوه في الأصول التي يرجع إليها في تحقيق الألفاظ، وتقرير القواعد. وممن عرف بهذا المذهب: محمد بن عبدالله المعروف بابن مالك (1)، وعبدالله بن يوسف المعروف بابن هشام (2)، وممن انتصر لهذا المذهب: البدر الدماميني في شرحه لى: "كفاية المتحفظ" المسمى بتحرير الرواية، وعد من أصحاب هذا المذهب: الجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وابن بري، والسهيلي، حتى قال: لا نعلم أحداً من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في "شرح التسهيل"، وأبو الحسن الضائع في "شرح الجمل"، وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي.

* وجهة نظر المانعين:
قالوا: لا يستشهد بالحديث؛ لعدم الوثوق بأن ذلك لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتفت الثقة من أنه لفظ الرسول لأمرين:
أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد القصة الواحدة قد جرت في زمانه - صلى الله عليه وسلم -، فتنقل بألفاظ مختلفة؛ كحديث: "زوجتكما بما معك
__________
(1) توفي سنة 745 ه.
(2) توفي سنة 761 ه.
(6/ 1/171)

من القرآن"، وفي رواية أخرى: "ملكتكها بما معك من القرآن"، وثالثة: "خذها بما معك من القرآن"، وفي رابعة: "أمكناكها بما معك من القرآن".
نعلم يقينا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظاً آخر مرادفاً لهذه الألفاظ، فأتى الرواة بالمراد منه، ولم يأتوا بلفظه؛ إذ المطلوب إنما هو نقل المعنى. وأضافوا إلى هذا: أن الرواة لم يكونوا يضبطون الحديث بالكتابة؛ اتكالاً على الحفظ، وأن الضابط منهم من يحتفظ بالمعنى، وأما ضبط اللفظ، فبعيد جداً، ولا سيما ألفاظ الأحاديث الطويلة.
ثانيهما: أنه وقع اللحن في كثير مما روي من الأحاديث؛ لأن كثيراً من الرواة لم ينشؤوا في بيئة عربية خالصة حتى يكونوا عرباً بالفطرة، بل كانوا قد تعلموا العربية الفصحى من طريق صناعة النحو.

* وجهة نظر المجوزين:
يستند هؤلاء إلى الإجماع على أنه - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لهجة؛ كما قال ابن حزم في كتاب؛ "الفصل" منكراً على من لم يجعلوا الحديث حجة في اللغة: "لقد كان محمد بن عبدالله قبل أن يكرمه الله بالنبوة، وأيام كان بمكة، أعلمَ بلغة قومه، وأفصح، فكيف بعد أن اختصه الله للنذارة، واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه؟! ".
وقالوا: إن الأحاديث أصح سنداً مما ينقل من أشعار العرب؛ كما قال صاحب "المصباح" بعد أن استشهد بحديث: "من أثنيتم عليه بشر، وجبت"، على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشر: "قد نقل هذا العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة؛ فإنهم
(6/ 1/172)

يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يعرف حاله".
وقد عرفت أن المانعين من الاحتجاج بالحديث معترفون بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لساناً، وأبرعهم بياناً، ولا ينازعون في أن أسانيد الأحاديث أقوى من أسانيد الأشعار، وإنما استندوا في المنع إلى أن الأحاديث قد تروى بالمعنى، بخلاف شعر العرب، أو منثورهم؛ فإن رواته اعتنوا بألفاظه؛ لأن الغرض من روايته تقرير أحكام الألفاظ.
قال ابن ضائع في "شرح الجمل": "لولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث، لكان أولى وأثبت في إثبات فصيح اللغة كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وأظهر وجه يورده المجيزون: أن الأصل رواية الحديث الشريف على نحو ما سمع، وأن أهل العلم قد شددوا في ضبط ألفاظه، والتحري في نقله، ولهذا الأصل تحصل غلبة الظن بأن الحديث مروي بلفظه، وهذا الظن كافٍ في إثبات الألفاظ اللغوية، وتقرير الأحكام النحوية.

* مناقشتهم لأدلة المانعين:
يقول المانعون: إن الرواة كانوا ينقلون الأحاديث بالمعنى، فلا ثقة لنا من أن اللفظ الذي روي به الحديث هو لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأجاب المجيزون على هذا: بأن كثيراً من المحدثين والفقهاء والأصوليين قد ذهبوا إلى منع رواية الحديث بالمعنى، ومن أجازوا الرواية بالمعنى شرطوا لذلك أن يكون الراوي على علم بما يغير المعنى، أو ينقصه، وأن يكون محيطاً بمواقع الألفاظ، بل قال بعضهم: شرطه أن يحيط بدقائق علم اللغة، وأن تكون المحسنات الفائقة على ذكر منه، فيراعيها في نظم كلامه. على أن المجيزين
(6/ 1/173)

للرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هي الأولى، وإذا كانت الرواية بالمعنى ليست في رأيهم سوى رخصة، فإنهم لا يحتجون لها إلا في حال ضرورة، وأضافوا إلى هذا: أن النقل بالمعنى إنما أجازه من أجازه في غير ما لم يدون في الكتب، أما ما دون في الكتب، فلا يجوز التصرف فيه بوجه، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل أن تفسد اللغة، وإذا كان قد وقع في الأحاديث المدونة نقل بالمعنى، فإنما هو تصرف ممن يصح الاحتجاج بأقوالهم.
وإليك ما قاله البدر الدماميني، وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرد على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في "حواشيه على المغني":
"أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيراً ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها، ورده شيخنا ابن خلدون بأنها - على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية - تفيد غلبة الظن بها؛ لأن الاصل عدم التبديل، لاسيما والتشديد في ضبط ألفاظها، والتحري في نقلها بأعيانها، مما شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام، بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبان الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما لم يدون في كتب.
أما ما دُون، فلا يجوز تبديل ألفاظه بلا خلاف؛ كما قاله ابن الصلاح (1)،
__________
(1) قال أهل العلم بالحديث: ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ما قيل فيه: أخبرنا، بقولك: حدثنا، ونحوه.
(6/ 1/174)

وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك البدل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى، فبقي حجة في بابه صحيحة، ولا يضر توهم ذلك الاحتمال السابق في استدلالهم بالمتأخر.
وقد ناقش بعض شارحي (1) كتاب "الاقتراح" ابنَ خلدون، فقال:
إن تدوين الأحاديث وقع بعد فساد اللغة، وقال: لم يحصل التدوين إلا في عصر التابعين، ووقع يومئذ الاختلاط في اللغة، والرواية بالمعنى لم تقف عند حد من يتكلم بالعربية سليقة.
ولا يسعنا أمام دعوى ابن خلدون، ومناقشة هذا الشارح له، إلا أن نقول كلمة في تاريخ تدوين الحديث، ونتحدث عن العهد الذي وقع فيه فساد اللغة، لعلنا نهتدي إلى ما يفيدنا في أصل البحث: "بحث الاستشهاد بالحديث في اللغة".
الواقع أن أصل كتابة الحديث وقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وممن كان يكتب الحديث: عبدالله بن عمرو بن العاص، ولهذا كان أكثر جمعأ للحديث: من أبي هريرة. أما تدوينه في كتب، فقد وقع بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101 ه، ومن المروي في الصحيح: أنه كتب إلى أهل الآفاق: أن انظروا ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو سنته، فاجمعوه، أو فاكتبوه.
وأول من دون الحديث: محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة 124 ه والمعروف أنه كان يروي عن الصحابة مثل: عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك،
__________
(1) هو: ابن علان، وتوجد نسخة من شرحه بالمكتبة التيمورية.
(6/ 1/175)

وسهل بن سعد الساعدي.
وقيل إن أول من دون الحديث: الربيع بن صبيح المتوفى سنة 160 ه، وسعيد بن أبي عروبة المتوفى سنة 156 ه.
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري؛ كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة.
وكان كثير من رواة الحديث في هذا العهد يكتبون الأحاديث عند تلقيها، ولا يكتفون بحفظها عن ظهر القلب، فإنا نجد في تاريخ طائفة منهم: أن لهم كتباً كانوا يرجعون إليها عند الرواية.
ونجد في تاريخ من يروون عن أمثال الزهري: أن في مخلفاتهم أجزاء كثيرة تحتوي أحاديث أخذوها عن أولئك الأئمة. وكتابة الحديث تساعد على روايته بلفظه، وحفظُه عن ظهر القلب يبعده من أن يدخله غلط أو تصحيف.
ويصل بنا البحث إلى أن مصنفات الطبقة التي جات بعد طبقة مالك، وابن جريج قد بلغت الغاية في جمع الأحاديث، وفي ذلك العهد صنفت مسندات كثيرة؛ ك: "مسند أسد بن موسى الأموي" المتوفى سنة 212 ه، و"مسند عبيدالله بن موسى العيسى" المتوفى سنة 213 ه، و"مسند نعيم بن حماد الخزاعي" المتوفى سنة 228 ه، و"مسند أحمد بن حنبل" المتوفى سنة 241 ه.
وجاء بعد هؤلاء أصحاب الكتب الستة، وأولهم: البخاري المولود سنة 194 ه، وآخرهم النسائي المولود سنة 215 ه.
وما في الكتب الستة، أو معظمه كان مدوناً في الكتب المصنفة من قبل. ذكر الحافظ أبن حجر مصنفات أئمة الحديث في الصدر الأول، وقال:
(6/ 1/176)

فلما رأى البخاري هذه المصنفات، ورواها، وجدها بحسب الوضع جامعة، فألف كتابه مقتصراً على الصحيح.
وإذا رأينا أن البخاري يقول في كتابه: حدثنا فلان. فهذا لا يمنع من أن يكون الحديث مدوناً في كتاب؛ فإنهم كانوا - كما عرفت آنفاً - لا يستغنون بالكتابة عن الحفظ، وربما قال الراوي: أملى علينا فلان كذا وكذا حديثاً من حفظه، ثم قرأها علينا من كتابه.
وهذه النظرة التاريخية تدلنا على أن ابتداء تدوين الحديث كان في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يمض القرن الثاني حتى قيد معظم الأحاديث بالكتابة والتدوبن.
ولننظر بعد هذا إلى حال اللغة من جهة ما دخلها من الفساد، وننظر ما يكون لهذا الفساد من أثر في رواية الحديث.
أخذ الفساد يدخل اللغة منذ وصلت الفتوح الإسلامية العرب بالعجم، وأسرع إلى ألسنة طائفتين من أبناء العرب، أو الناشئين في بيئتهم: طائفة كانت أمهاتهم من الأعاجم، وطائفة العامة الذين يسكنون الأمصار، وتكثر مخالطتهم للأعاجم.
وظهر اللحن بجلاء في أواخر عهد الدولة الأموية، وكان انقراضها سنة 132 ه.
وبقي بجانب هاتين الطائفتين فريقان: سكان الجزيرة البعيدون عن مخالطة الأعاجم مخالطة تمس فصاحتهم بسوء، وأبناء الخاصة من سكان الأمصار الذين لم تكن أمهاتهم من الأعاجم.
أما سكان الجزيرة، فإنهم ما برحوا على فصاحة اللغة إلى أواسط القرن
(6/ 1/177)

الرابع، وأما الخاصة من سكان المدن، فبقوا على فصاحة اللهجة مدة في أوائل عهد الدولة العباسية.
وذكر الباحثون في طبقات الشعراء: أن إبراهيم بن هرمة آخر من يحتج بشعرهم، وقد توفي في خلافة الرشيد بعد الخمسين والمئة بقليل.
والذين نشؤوا في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة انتشاراً يرفع الثقة بفصاحة لهجتها، يوثق بأقوالهم، ولو تأخروا عن منتصف القرن الثاني؛ كا لإمام الشافعي؛ فإنه ولد سنة 150 ه، ولكنه نشأ في بيئة عربية، وهي مكة، فيصح الاستشهاد بما يستعمله من الألفاظ.
قال الإمام أحمد: "كلام الشافعي حجة في اللغة"، وقال الأزهري في "إيضاح ما استشكل من مختصر المزني": "ألفاظ الإمام الشافعي عربية محضة، ومن عجمة المولدين مصونة".
وإذا عدنا إلى قول ابن خلدون: "وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به"، وعرضناه على التاريخ، وجدنا التدوين وقع بعد أن دخل الفساد في اللغة، ولكن من المدونين من يحتج بأقواله؛ لأنه نشأ في بيئة عربية؛ كالزهري، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، ومنهم من نشؤوا في بيئة غير عربية، أو عربية انتشر فيها الفساد، وصارت العربية الفصحى فيها إنما تدرك من طريق التعلم.
فدعوى أن الاحاديث دونت قبل فساد اللغة، وأن كلام المدونين لها يسوغ الاحتجاج به في اللغة، غير مطابقة للتاريخ من كل وجه، ولو تمت على نحو ما قرره ابن خلدون؛ لقامت لها الحجة الفاصلة على الاستشهاد بالحديث
(6/ 1/178)

في اللغة من غير حاجة إلى شيء آخر يعضدها.
والذي نستفيده من حقائق التاريخ: أن قسماً كبيراً من الأحاديث دونه رجال يحتج بأقوالهم في العربية، وأن كثيراً من الرواة كانوا يكتبون الأحاديث عند سماعها، وذلك مما يساعد على روايتها بألفاظها، فيضاف هذا وذاك إلى ما وقع من التشديد في رواية الحديث بالمعنى، وما عرف من احتياط أئمة الحديث، وتحريهم في الرواية، فيحصل الظن الكافي لرجحان أن تكون الأحاديث المدونة في الصدر الأول مروية بألفاظها ممن يحتج بكلامه.
وأما قول المانعين: إنه وقع اللحن في كثير من الأحاديث، فيجاب عنه: بأن كثيراً مما يرى أنه لحن قد ظهر له وجه من الصحة، وقد ألف في هذا الباب ابن مالك كتابه: "التوضيح في حل مشكلات الجامع الصحيح"، وذكر للأحاديث التي يشكل إعرابها وجوهاً يستبين بها أنها من قبيل العربي الصحيح، وكثيراً ما نرى ألفاظاً من الحديث ينكرها بعض اللغويين، فيأتي لغوي آخر فيذكر لها وجهاً مقبولاً، أو يسوق عليها شاهداً صحيحاً.
ثم إن وجود ألفاظ غير موافقة للقواعد المتفق عليها، لا يقتضي ترك الاحتجاج بالحديث جملة، وإنما يحمل أمرها على قلة ضبط أحد الرواة في هذه الألفاظ خاصة.
وإذا وقع في رواية بعض الأحاديث غلط، أو تصحيف، فإن الأشعار يقع فيها الغلط والتصحيف، وهي حجة من غير خلاف.
قال محمد بن سلام: وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله. وأبو أحمد العسكري الذي ألف كتاباً في تصحيف رواة الحديث، قد ألف كتاباً فيما وقع من أصحاب اللغة والشعر من التصحيف.
(6/ 1/179)

أما قول أبى حيان: "إن المتقدمين من علماء العربية لا يحتجون بالحديث"، فأجاب عنه المجيزون: بأن علماء العربية في العهد الأول لم يتعاطوا رواية الحديث، فعلماء الحديث غير علماء العربية (1)، ثم إن دواوين الحديث لم تكن مشتهرة في ذلك العهد، ولم يتناولها علماء العربية كما كانوا يتناولون القرآن الكريم، وإنما اشتهرت دواوينه، ووصلت إلى أيدي جمهور أهل العلم من بعد، فإن سلمنا عدم احتجاجهم بالحديث، فلعدم انتشاره بينهم، لا لأنهم يمنعون الاحتجاج به. على أن كتب الأقدمين الموضوعة في اللغة لا تكاد تخلو من الاستدلال على إثبات الكلمات بألفاظ الحديث، واللغة أخت النحو كما صرحوا به.
وكذلك نرى الإمام اللغوي أبا منصور الأزهري المولود سنة 282 ه يعتمد في كتابه "التهذيب" على الأحاديث، ويكثر من الاستشهاد بها.
وأما ما ادعاه أبو حيان من أن المتاخرين من نحاة الأقاليم تابعوا المتقدمين في عدم الاحتجاج بالحديث، فمرود بأن كتب النحاة من أندلسيين وغيرهم مملوءة بالاستشهاد بالحديث. وقد استدل بالحديث الشريف: الصقلي، والشريف الغرناطي في "شرحيهما لكتاب سيبويه"، وابن الحاج في "شرح المقرب"، وابن الخباز في "شرح ألفية ابن معطي"، وأبن علي الشلوبين في كثير من مسائله. وكذلك استشهد بالحديث: السيرافي، والصفار في "شرحيهما لكتاب سيبويه". وقال ابن الطيب: "بل رأيت الاستدلال بالحديث في كلام
__________
(1) من علماء العربية من كانوا يعدون في رواية الحديث؛ مثل: أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، والنضر بن شميل المازني، والخليل بن أحمد، والقاسم ابن سلام، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، والرياشي.
(6/ 1/180)

أبي حيان نفسه ".
وقد عرفت أن مذهب البدر الدماميني صحة الاستشهاد بالحديث، وقد جرى على مذهبه في شرحه للمغني والتسهيل والبخاري.

* تفضيل وترجيح:
من الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف في الاحتجاج به في اللغة، وهو ستة أنواع:
أحدها: ما يروى بقصد الاستدلال على كمال فصاحته - صلى الله عليه وسلم -؛ كقوله: "حمي الوطيمس"، وقوله: "مات حتف أنفه"، وقوله: "الظلم ظلمات يوم القيامه" إلى نحو هذا من الأحاديث القصار المشتملة على شيء من محاسن البيان؛ كقوله: "مأزورات غير مأجورات"، وقوله: "إن الله لا يمل حتى تملوا".
ثمانيها: ما يروى من الأقوال التي كان يتعبد بها، أو أمر بالتعبد بها؛ كألفاظ القنوت والتحيات، وكثير من الأذكار والأدعية التي كان يدعو بها في أوقات خاصة.
ثالثها: ما يروى شاهداً على أنه كان يخاطب كل قوم من العرب بلغتهم. ومما هو ظاهر أن الرواة يقصدون في هذه الأنواع الثلاثة لرواية الحديث بلفظه.
رابعها: الأحاديث التي وردت من طرق متعددة، واتحدت ألفاظها؛ فإن اتحاد الألفاظ مع تعدد الطرق دليل على ان الرواة لم يتصرفوا في ألفاظها، والمراد أن تتعدد طرقها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى الصحابة، أو التابعين الذين ينطقون الكلام العربي فصيحاً.
(6/ 1/181)

خامسها: الأحاديث التي دونها من نشأ في بيئة عربية لم ينتشر فيها فساد اللغة؛ كمالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، والإمام الشافعي.
سادسها: ما عرف من حال رواته أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى؛ مثل: ابن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة، وعلي بن المديني. ومن الأحاديث ما لا ينبغي الاختلاف في عدم الاحتجاج به، وهي الأحاديث التي لم تدون في الصدر الأول، وإنما تروى في كتب بعض المتأخرين.
ولا يحتج بهذا النوع من الأحاديث، سواء أكان سندها مقطوعاً، أم متصلاً، أما مقطوعة السند، فوجه عدم الاحتجاج بها واضح، وأما متصلة السند، فلبعد مدونها عن الطبقة التي يحتج بأقوالها. وإذا أضيفت كثرة المولدين في رجال سند الحديث إلى احتمال أن يكون بعضهم قد رواه بالمعنى، أصبح احتمال أن تكون ألفاظه ألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ألفاظ رواية الذي يحتج بكلامه، قاصراً عن درجة الظن الكافي لإثبات الألفاظ اللغوية، أو وجوه استعمالها.
والحديث الذي يصح أن تختلف الأنظار في الاستشهاد بألفاظه هو الحديث الذي دون في الصدر الأول، ولم يكن من الأنواع الستة المنبه عليها آنفاً، وهو على نوعين:
(حديث) يرد لفظه على وجه واحد، (وحديث) اختلفت الرواية في بعض ألفاظه.
أما الحديث الوارد على وجه واحد، فالظاهر صحة الاحتجاج به؛ نظراً إلى أن الأصل الرواية باللفظ، وإلى تشديدهم في الرواية بالمعنى، ويضاف
(6/ 1/182)

إلى هذا: قلة عدد من يوجد في السند من الرواة الذين لا يحتج بأقوالهم، فقد يكون بين البخاري ومن يحتج بأقواله من الرواة واحد، أو اثنان، وأقصاهم ثلاثة.
ومثال هذا النوع: أن الحريري أنكر على الناس قولهم قبل الزوال: سهرنا البارحة، قال: وإنما يقال: سهرنا الليلة، ويقال بعد الزوال: سهرنا البارحة. والشاهد على صحة ما يقوله الناس حديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أصبح، قال: "هل رأى أحد منكم البارحةَ رؤيا؟ "، وحديث: "وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: عملت البارحة كذا"؛ ففي قوله: "إذا أصبح، قال: هل رأى أحد منكم البارحةَ"، وقوله: "ثم يصبح فيقول: عملت البارحة" شاهد على صحة أن يقول الرجل متحدثاً عن الليلة الماضية، وهو في الصباح: سهرنا البارحة، أو وقع البارحة كذا.
وأما الأحاديث التي اختلفت فيها الرواية، فإنا نرى من يستشهدون بالأحاديث من اللغويين والنحاة لا يفرقون بين ما روي على وجه واحد، وما روي على وجهين، أو وجوه. ويمكننا أن نفصل القول في هذا النوع، فنجيز الاستشهاد بما جاء في رواية مشهورة لم يغمزها بعض المحدثين بأنها وهم من الراوي؛ مثل كلمة: "ممثل" وردت في أشهر رواية لحديث: "قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ممثلاً"؛ أي: منتصباً، والمعروف في كلام العرب إنما هو ماثل من مثل؛ كنصَر وكرُم.
وأما يجيء في رواية شاذة، أو في رواية يقول فيها بعض المحدثين: إنها غلط من الراوي، فنقف دون الاستشهاد بها، ومثال هذا كلمة: "ناعوس" وردت في إحدى روايات حديث: "إن كلماته بلغت ناعوس البحر"، ووردت
(6/ 1/183)

في بقية الروايات: "قاموس البحر"؛ أي وسطه ولجته. وكلمة ناعوس غير معروفة في كلام العرب.
قال أبو موسى محمد بن أيي بكر الأصفهاني أحدُ المؤلفين في غريب الحديث: "فلعل الراوي لم يجود كتب كلمة قاموس".
وأضعف من هذا: أن تجيء الكلمة غير معروفة في اللغة في صورة الشك من الراوي؛ ككلمة: خطيط، وردت في حديث: "ثم نام حتى سمعت غطيطه، أو خطيطه"، قال ابن بطال: لم أجد كلمة "خطيط" - بالخاء - عند أهل اللغة.
وخلاصة البحث: أنا نرى الاستشهاد بألفاظ ما يروى في كتب الحديث المدونة في الصدر الأول، وإن اختلفت فيها الرواية، ولا نستثني إلا الألفاظ التي تجيء في رواية شاذة، أو يغمزها بعض المحدثين بالغلط، أو التصحيف غمزاً لا مرد له، ويشد أزرنا في ترجيح هذا الرأي: أن جمهور اللغويين، وطائفة عظيمة من النحويين يستشهدون بالألفاظ الواردة في الحديث، ولو على بعض رواياته.
(6/ 1/184)

موضوع علم النحو (1)
اطلعت على كتاب "إحياء النحو" لأحد أساتذة الجامعة المصرية، فبدا لي أن أشاركه في بعض بحوثه التي رأى أن النحاة قد غفلوا عن وجه الصواب فيها، وهو: موضوع علم النحو، وإذا نقدت بعض عبارات المؤلف، وعرضت رأياً غير رأيه، فإنما أريد طرح البحث بين أيدي القراء؛ لينظروا ماذا يرون.
قال المؤلف في (ص 1): "يقول النحاة في تحديد علم النحو: إنه علم يعرف به أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناء"، ثم قال: "فيقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة، بل على خاصة من خواصه، وهي الإعراب والبناء"، وقال: "غاية النحو - أي عند النحويين - بيان الإعراب، وتفصيل أحكامه، حتى سماه بعضهم: علم الإعراب"، وقال: "وفي هذا التحديد تضييق شديد لدائرة البحث النحوي، وتقصير لمداه، وحصر له في جزء يسير مما ينبغي أن يتناوله".
لا ندري ماذا صنع المؤلف عندما وقف على هذا التعريف الذي ساقه لعلم النحو، هل تجاوزه الى مطالعة ما كتبه أهل العلم في شرحه، أو أنه اقتصر
__________
(1) نقد لكتاب "إحياء النحو" لمؤلفه الأستاذ إبراهيم مصطفى - مجلة "الهداية الإسلامية" الجزءان السابع والثامن الصادران في المحرم وصفر 1357 ه - مارس وإبريل 1938 م - القاهرة.
(6/ 1/185)

على قراءته وحده، وكتب هذا الذي يقوله في الإنكار على علماء النحو، فإن كان قد اطلع على ما كتبه أولئك المحققون في شرحه، كان حقاً عليه أن يكف قلمه عن هذا الإنكار جملة، أو يترك -على الأقل - نسبته إلى النجاة في تلك العبارة الظاهرة في أن هذا هو التعريف الذي يقولونه على اتفاق منهم.
وإن لم يكن المؤلف قد اطلع عل ما كتبوه في شرح هذا التعريف، وهو في المؤلفات القريبة المنال، أفلا يكون لقارئ كتابه حق في عتبه عتباً جميلاً على عدم صرف شيء من وقته في الرجوع إلى أمثال هذه المؤلفات قبل أن يتعرض لتخطئة علماء قضوا في استنباط قواعد العربية والتفقه في أسرارها وقتاً طويلاً؟! والتحديد الذي ساقه الأستاذ، وغمره بالإنكار، قد اقتصر فيه صاحبه على أحوال الكلم مراعياً الغالب في مباحث علم النحو. قال العلامة الأمير في شرح هذا التعريف: "هو اقتصار على غالب، وإلا فيعرف به - أي النحو- أحوال غير الكلمات؛ كالجمل التي لا محل لها من الإعراب، والتي لها محل، وكأحكام جملة الصلة من حيث العائد، وكونها لا تكون جملة إنشائية، وكذا جملة النعت والخبر.
واقتصر في هذا التعريف على حال الإعراب والبناء، مع أن النحو يبحث فيه عن أحوال غير هذا الحال مراعاة للغالب أيضاً".
قال العلامة الأمير: "وقولهم: إعراباً وبناء اقتصار على غالب، وإلا فيعرف به أحوال الكلم من غير أحوال الإعراب والبناء، ك "إنَّ" من جهة كسر همزها أو فتحها، أو تخفيفها، أو شروط عملها، وشروط عمل بقية النواسخ، وكالعائد من حيث حذفه وعدمه، وغير ذلك".
وصرح بعد هذا كئير من النحاة بأن علم النحو يبحث عن أحوال الألفاظ
(6/ 1/186)

من حيث دلالتها على المعاني التركيبية؛ أي: المعاني التي تستفاد من إسناد بعض الكلم إلى بعض، وهذا أبو إسحاق الشاطبي يقول في "شرح الخلاصة":
"وهو - أي النحو - في الاصلاح: علم بالأحوال والأشكال التي بها تدل ألفاظ العرب على المعاني، ويعني بالأحوال: وضع الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني التركيبية؛ أي: المعاني التي تستفاد بالأشكال ما يعرض في آخر طرفي اللفظ ووسطه من الآثار والتغييرات التي تدل بها ألفاظ العرب على المعاني"، فانظر إلى قوله "علم بالأحوال والأشكال"، وإلى تفسيره الأحوال بأنها وضع الألفاظ بعضها مع بعض، فذلك صريح بأن النحاة لا يقصرون بحثهم على الإعراب والبناء.
وهذا السيد الجرجاني قد ذكر في "شرح المفتاح" علوم الأدب التي تبحث عن المركبات، فقال: "وأما عن المركبات على الإطلاق، فأما باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فعلم النحو، وأما باعتبار إفادتها لمعان مغايرة لأصل المعنى، فعلم المعاني".
فانظر كيف جعل موضوع علم النحو: المركبات باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، ولم يقل: يبحث عن الكلم باعتبار ما يعرض لها من الإعراب والبناء.
وكذلك ترى ابن سيده اللغوي قد تناول النحو بشرح يجعل موضوعه أوسع من أحوال الإعراب والبناء، فقال: "النحو أخذ من قولهم: انتحاه: إذا قصده. إنما هو انتحاء سمتِ كلام العرب من إعراب وغيره؛ كالتثنية والجمع والتصغير والتكسير والإضافة والنسب؛ ليلحق به من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها".
(6/ 1/187)

وكذلك يقول ابن كمال باشا في رسالة تعرض فيها للتفرقة بين موضوع علم النحو وعلم المعاني: "ويشارك النحوي صاحب المعاني في البحث عن المركبات، إلا أن النحوي يبحث عنها من جهة هيئتها التركيبية صحة وفساداً، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد، وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبر عنه بالفصاحة في التركيب، وقبحه"، وقال: "فما يبحث عنه في علم النحو من جهة الصحة والفساد، يبحث عنه في علم المعاني من جهة الحسن والقبح، وهذا معنى كون علم المعاني تمام علم النحو". وهذا صريح في أن بحث علم النحو لا يقف به النحويون عند حد الإعراب والبناء، ولا يجعلونه دائراً على هذا الحال كما يدعي صاحب كتاب "إحياء النحو".
وإذا رجعنا إلى الكاتبين في حقائق العلوم وموضوعاتها، وجدناهم لا يفهمون إلا أن النحاة يبحثون عن أحوال الكلم من حيث دلالتها على المعاني التركيبية، فصاحب "كشاف اصطلاحات الفنون" يقول:
"علم النحو، ويسمى: علم الاعراب - على ما في شرح اللب - وهو: علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقماً"، ثم قال: "والغرض منه: الاحتراز عن الخطأ في التأليف، والاقتدار على فهمه، والإفهام به"، ومعنى هذا: أن النحو قوانين يعرف بها أحوال التركيب؛ من نحو: الترتيب والذكر والحذف والإعراب والبناء.
وسلك صاحب "مدينة العلوم" هذا المسلك، فعرف النحو: بأنه علم باحث عن أحوال المركبات من حيث دلالتها على المعاني التركيبية النسبية، وقال: "وغايته: الاحتراز عن الخطأ في تطبيق التراكيب العربية على المعاني
(6/ 1/188)

الوضعية الأصلية"، ولو كان موضوع علم النحو عندهم محصوراً في حال الإعراب والبناء، لما كان علم النحو كافياً في تطبيق التراكيب العربية على المعاني الوضعية الأصلية.
وهؤلاء البيانيون يعدون فيما يخل بفصاحة الكلام التعقيد اللفظي، ويذكرون أن التعقيد يحصل بأحد أمرين:
أولهما: ضعف التأليف، وهو أن يكون الكلام مخالفاً لقوانين علم النحو؛ كالفصل بين المبتدأ والخبر، أو النعت والمنعوت، بأجنبي.
ثانيهما: اجتماع أمور كل واحد منها جائز، ولكنه خلاف الأصل؛ كتقديم المفعول على الفاعل، والمستثنى على المستثنى منه، والخبر على المبتدأ، ويقولون بعد هذا: إن كلاً من الأمرين - أعني: ضعف التأليف، ومخالفة الأصل - يعرف بعلم النحو.
ولا يصح لنا أن نتهم هؤلاء البيانيين بأنهم لم يكونوا على بينة من علم النحو، أو أنهم أحالوا عليه أشياء لا تحتوي عليها كتبه.
ثم قال المؤلف في (ص 1) "فإن النحو - كما نرى، وكما يجب أن يكون - هو قانون تأليف الكلام، وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى تتسق العبارة، ويمكن أن تؤدي معناها".
حقق النحاة النظر في علم النحو، وعرفوه كما يجب أن يكون، وقالوا: إنه يبحث عن أحوال التركيب، ويبين ما تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى يكون الكلام مطابقاً للمعاني الوضعية الأصلية.
وقال المؤلف في (ص 2): "فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات، وعلى تعرف أحكامها، قد ضيقوا من حدوده الواسعة، وسلكوا
(6/ 1/189)

به طريقاً منحرفة إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيراً من أحكام نظم الكلام، وأسرار تأليف العبارة".
لم يقصر النحاة النحو على أواخر الكلمات وتعرفِ أحكامها، بل بحثوا في أحكام تأليف الكلام؛ من نحو: التقديم والتأخير، والذكر والحذف، واتصال بعض الكلم ببعض، وانفصاله منه، ولا يكاد باب من أبواب النحو يخلو من البحث في التراكيب من هذه الناحية، ولعل الدارس لعلم النحو في كتبه المبسوطة، يخرج منها وهو على ثقة من أنهم قد أعطوا ناحية تأليف الكلام حقها، فلا يعرض له أسلوب من الكلام إلا نقده بما استفاده من تلك الكتب، ويقضي بانطباقه على الأسلوب العربي، أو انحرافه عنه.
قال المؤلف في (ص 3): "فطرق الإثبات والنفي، والتأكيد والتوقيت، والتقديم والتأخير، وغيرها من صور الكلام قد مروا بها من غير درس، إلا ما كان ماساً بالإعراب، أو متصلاً بأحكامه، وفاتهم لذلك كثير من فقه العربية، وتقدير أساليبها".
إذا ألقينا نظرة على علم النحو، وجدناه يبحث عن أحوال الجمل والمفردات من حيث وقوعها في التراكيب، أو عن الأحوال التي يكون بها التركيب مطابقاً للمعاني الوضعية الأصلية، أما الجمل، فنحو الجملة التي تقع خبراً، أو حالاً، أو صفة، أو معطوفة، أو شرطاً، أو جزاء، أو جواب قسم، أو مضافا إليه، أو مفعولاً ثانياً لنحو: علمت وظننت، ولم يقصر النحاة بحثهم في هذه الجمل على جهة الإعراب، بل بحثوا عن أحكامها من جهات أخرى؛ ككونها خبرية أو إنشائية اسمية أو فعلية، مقيدة بنوع خاص من الألفاظ أو مطلقة، كما بحثوا عنها من جهة موقعها في نظم الكلام، أو من جهة ما تتصل
(6/ 1/190)

به من الألفاظ أو من جهة وجوب الحذف وامتناعه أو جوازه.
فيقولون لك - مثلاً -: إن جملة الخبر أو الوصف أو الصلة لا تكون إنشائية، وإن جملة الجزاء لا تتقدم على الشرط، وجملة الصلة لا تتقدم على الموصول، ويحدثونك عن حكم عطف الجملة الإسمية على الفعلية، وعطف الإنشائية على الخبرية، ويقولون لك: إن جملة الجزاء إذا كانت إسمية أو إنشائية، وجب قرنها بالفاء، ويدلونك على مواضع حذف جملة الشرط أو الجزاء أو جواب القسم.
وأما المفردات، فيبحثون عن المفرد الذي يقع مبتدأً أو خبراً، أو فاعلاً، أو مفعولاً، أو حالاً، أو تمييزاً، أو مضافاً إليه أو مجروراً بحرف، ولا يقصرون بحثهم فيه على جهة الإعراب، بل يبحثون عن حال المبتدأ والحال والتابع - مثلاً - من جهة التنكير والتعريف، وعن الخبر والفاعل والمفعول والحال والتمييز والتابع من جهة التقديم والتأخير، وعن هذه الأنواع وغيرها من جهة الحذف والذكر، ويبحثون عن نوع الكلم التي يتصل بها كل من الحروف الرابطة بين الكلم، فيقولون لك - مثلاً -: إن حروف القسم، وكاف التشبيه، ومذ ومنذ لا تدخل على الضمائر، وإن "ربَّ" مختصة بالنكرات، وإن حيث وإذ لا يضافان إلا إلى جمل الأفعال، وتراهم يبسطون القول في حكم المضارع الذي يقع خبراً لكاد وعسى وأخواتها من جهة اتصاله بأَنْ.
قال المؤلف في (ص 3): "نعم، ربما تعرضوا لشيء من هذه الأحكام حين يضطرون إليها لبيان الإعراب وتكميل أحكامه، فقد تكلموا في وجوب الصدارة لأسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي، حين أرادوا شرح التعليق، وبيان مواضعه، ولزمهم أن يحصوا من الأدوات ما يحجب ما قبله عن
(6/ 1/191)

العمل فيما بعدمه".
والمعروف أن النحاة يتكلمون عما تجب له الصدارة في أبواب غير بحث التعليق، فيقولون في باب المبتدأ والخبر: يجب تقديم المبتدأ إذا كان مشتملاً على ماله الصدر، ويجب تقديم الخبر إذا كان متضمناً ماله الصدر (1)، ويذكر بعضهم في هذا الباب بعض ماله الصدارة؛ من نحو: الشرط والعرض والتمني (2)، ويقولون في باب الجوازم: إن الشرط له الصدارة (3)، ويقولون في باب كم وكأين: إن كم الخبرية والاستفهامية يلزمان الصدارة.
وقال ابن حاجب في فصل عقده لحروف التحضيض: حروف التحضيض: هلا، وألا، ولولا، ولوما، لها صدر الكلام.
قال المؤلف: "وبينوا بعض الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم، حين أرادوا تفصيل أحكام الاشتغال". المعروف أن النحاة يتكلمون عن الأدوات من جهة ما تتصل به من فعل أو اسم؛ في مواضع غير باب الاشتغال، فقد قالوا في بحث حروف التحضيض هلا وألا ولولا ولوما إنها تلزم الفعل لفظاً أو تقديراً، وقالوا في بحث حروف الاستفهام: إن الهمزة وهل تدخلان على الجملة الاسمية والفعلية (4)، وقالوا في بحث لو: إنها تختص بالفعل كإن الشرطية (5).
__________
(1) "الكافية" لابن الحاجب.
(2) الرضي في "شرح الكافية".
(3) "الصبان على الاشموني".
(4) "شرح الرضي للكافية".
(5) "الخلاصة وشروحها".
(6/ 1/192)

وقال المؤلف: "ولكن هذه المباحث جاءت متفرقة على الأبواب، تابعة لغيرها، فلم يُستوف درسها، ولا أُحيطَ بأحكامها".
قال لنا المؤلف: إن النحاة ذكروا ما يجب له الصدارة من أسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي في بحث التعليق، وذكروا الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم في باب الاشتغال، واستخرج من هذا نتيجة، هي: أنهم لم يستوفوا درس هذه المباحث، ولا أحاطوا بأحكامها، وقد عرفت أنهم تكلموا عنها في غير بحث التعليق وباب الاشتغال، وكان على الأستاذ أن يذكر لنا شيئاً من الوجوه التي فاتتهم دراستها، أو شيئاً من الأحكام التي ظفر بها من الكلام العربي، ولم يتعرضوا له، ولو فعل شيئاً من هذا، لكان قوله: "فلم يستوف درسها، ولا أحيط بأحكامها" نتيجة يعترف المنطق الصحيح بصدقها.
ثم تكلم الأستاذ على النفي من جهة أنه كثير الدوران في كلام العرب، مختلف الأساليب، متعدد الأدوات، وذكر أن النحاة درسوه مفرقاً على أبواب الإعراب، ممزقاً، وأخذ يتحدث عن هذه الأدوات التي هي: ليس، وما، وإن، ولا، وغير، وإلا، ولم، ولن، ولما. فلم يرض عن أن تدرس "لا" فيما ألحق بكان، ثم فيما ألحق بأنَّ، ولا أن تدرس "غير، وإلا، وليس" في باب الاستثناء، ولا أن تدرس "لن" في نواصب الفعل، "ولم، ولما" في جوازمه، ثم قال: "درست هذه الأدوات - كما ترى - مفرقة، ووجهت العناية كلها إلى بيان ما تحدث من أثر في الإعراب، وأغفل شر إغفال درس معانيها، وخاصة كل أداة في النفي، وفرق ما بينها وبين غيرها في الاستعمال، ولو أنها جمعت في باب، وقرنت أساليبها، ثم ووزن بينها، وبين منها ما ينفى الحال،
(6/ 1/193)

وما ينفي الاستقبال، وما ينفى الماضي، وما يكون نفيا لمفرد، وما يكون نفياً لجملة، وما يخص الاسم، وما يخص الفعل، وما يتكرر، لأحطنا بأحكام النفي، وفقهنا أساليبها، ولظهر لنا من خصائص العربية ودقتها في الأداء شيء كثير أغفله النحاة، وكان علينا ان نتبعه ونبينه".
شأن علم النحو البحث عن أحوال ألفاظ من حيث دخولها في التركيب؛ مثل: تقديم اللفظ أو تاخيره، واتصاله أو انفصاله، وحذفه أو إثباته، وزيادته أو إفادته لمعنى، وإعرابه أو بنائه، وعمله في غيره أو إهماله عن العمل، فإذا درس النحاة حروف النفي في أبواب متفرقة، فذلك ما يناسب موضوع علمهم، إذ يذكرون الألفاظ في مقام البحث عن حال يعرض للفظ عند وقوعه في تركيب، وليس هناك حال يعرض لأدوات النفي عند التركيب، ويكون جارياً في جميع هذه الأدوات، وإنما نجد من الأحوال التي تعرض عند التركيب ما يتناول بعض أدوات النفي وغيرها من الكلم؛ كرفع الاسم ونصب الخبر يعرض لفعل نفي، وهو ليس، وأحرف نفي، وهي: ما، وإن، ولا، ولبعض أفعال الإثبات، وهي: كان وبقية أخواتها.
ولا شك أن هذه الوجوه التي تشترك فيها حروف النفي مع غيرها هي أشد صلة بعلم النحو من مجرد الاشتراك في أصل المعنى الذي وضع له اللفظ.
والواقع أن البحث عن معاني الحروف والأدوات لا يدخل في صلب علم النحو؛ إذ لم يكن بحثاً عن أحوال اللفظ من جهة وقوعه في التركيب، بل هو بحث عن المعاني التي وضعت لها هذه الكلم -؛ أعني: الحروف -، فهو إلى علم اللغة أقرب منه إلى علم النحو، ولكن النحويين لاحظوا أن هذه
(6/ 1/194)

الحروف روابط للتراكيب، فتعرضوا لمعانيها عند البحث عن الحال الذي يعرض لها عند التركيب؛ كالعمل أو الإعراب أو البناء أو الزيادة.
قال المؤلف: "ومثل النفي في ذلك التوكيد، يدرسونه في "باب: إن"، ويقرنون بأن المؤكدة "أن" الواصلة، و"ليت" المتمنية؛ لأنها أدوات تتماثل في العمل، وإن تباعد ما بينها في المعنى والغرض، وفي باب الفعل يذكرون نوني التوكيد وأحكامهما؛ لأثرهما في إعرابه، وفي بحث التوابع يجعلون للتوكيد باباً خاصاً يذكرون فيه عدداً من الكلمات حكمها في الإعراب حكم ما قبلها، ولو جمعت أساليب التوكيد في العربية، ما ذكر هنا، وما لم يذكر، وبين ما يكون تنبيهاً للسامع، وما يكون توكيداً للخبر، وما يكون تقوية لرغبة، لكان أقرب إلى أن تدرس كل أنواع التوكيد، ويبين لكل نوع موضعه، ولكان أدنى إلى توضيح أساليب العربية وسرها في التعبير".
فعل النحويون في التوكيد وأدواته ما يناسب صناعتهم، قرنوا إن بأن الواصلة، وليت المتمنية؛ لاشتراك الأحرف الثلاثة في حال يعرض لها بالتركيب، وهو نصب الاسم ورفع الخبر، وأوردوا الكلمات التي تستعمل للتوكيد؛ مثل: كل، وأجمع في بحث التوابع؛ لمماثلتها للتوابع في حكم ما يعرض لها بالتركيب، وهو موافقة ما قبلها في الإعراب، وذكروا نوني التوكيد في بحث الفعل حيث كان لهما عند الاتصال بالفعل أحكام خاصة لا يشاركهما فيها غيرهما من أدوات التوكيد، وهو إعراب الفعل الذي يتصلان به أو بناؤه على الوجه المعروف في ذلك البحث.
ولو سلك النحاة في ألفاظ التوكيد هذا الطريق الذي أشار به المؤلف، فجمعوها في باب، لم يكن من اللائق بصناعتهم أن يقتصروا على بيان معانيها
(6/ 1/195)

الذي هو في الواقع من موضوع علم اللغة، ولو تعرضوا في كل لفظ إلى الحكم الذي يعرض له في التراكيب؛ كأن يذكروا عمل "إن" في الاسم والخبر في البحث عن حروف التوكيد، ويذكروا عمل "ليت" كذلك في حروف التمني، وعمل "كأن" في بحث حروف التشبيه، وعمل "لكن" في بحث الاستدراك، لتشتت الكلام في الأحوال التي يعد البحث فيها من صلب علم النحو، وهي رفع: الاسم والخبر، وما يعرض لهما من نحو الترتيب والذكر والحذف.
ثم قال المؤلف: "والزمن جعله النحاة ثلاثة أنواع: الماضي، والحال، والمستقبل، وجعلوا للدلالة عليها صيغتين فقط: الفعل الماضي، والفعل المضارع، وكفاهم ذلك؛ لأن أحكام الإعراب لا تكلفهم أكثر منه، ولم يحيطوا بشيء من أنواع الزمن، وأساليب الدلالة عليه، وهي في العربية أوسع وأدق، يدل على الزمن بالفعل وبالاسم، وبالفعل والفعل، وبالفعل والاسم وبالحرف، ولكل اسلوب من هذه جزء من الزمن محدود يدل عليه".
ثم قال المؤلف: "وليس لهذه الأبحاث من موضع يجب أن تفصل فيه وتبين أحكامها إلا علم النحو".
قد عرفت أن علم النحو أحد العلوم العربية، لا أنه كل العلوم العربية؛ فإن علماء العربية يقسمون البحث في اللغة إلى علوم، فيقولون: البحث فيها إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها وهيئتها، فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئتها فقط، فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها ببعض بالأصالة والفرعية، فعلم الاشتقاق، وأما عن المركبات فباعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فعلم النحو، وأما باعتبار تأديتها لمعان مغايرة لأصل المعنى، فعلم المعاني، وأما باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب
(6/ 1/196)

الوضوح، فعلم البيان (1).
فهناك نحو، ولغة، وصرف، ومعان، وبيان، ولكل علم من هذه العلوم حد لا يتعداه، وعلم النحو من بينها إنما يبحث عن الألفاظ باعتبار هيئتها التركيبية، وتأديتها لمعانيها الأصلية، فنظره يتوجه إلى الأحوال التي تعرض للألفاظ عند تأليفها، وهذا لا يستدعي أن تجمع الكلمات المشتركة في الدلالة على معنى وضعت له، في بحث، إلا أن تشترك بعد ذلك في وجه من الوجوه التي يتناولها موضوع علم النحو، وهي الأحوال التي تعرض للألفاظ من حيث التركيب، وتأدية المعاني الأصلية.
ثم أعاد الأستاذ دعوى أن النحاة قصروا النحو على البحث في أواخر الكلم، وقال: "قد أخطؤوا إلى العربية من وجهين"، وقال: "الأول -؛ أي: من الوجهين - أنهم حين حددوا النحو، وضيقوا بحثه، حرموا أنفسهم وحرمونا إذ اتبعناهم، من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، ومقدرتها في التعبير، فبقيت هذه الأسرار مجهولة، ولم نزل نقرأ العربية ونحفظها ونرويها، ونزعم أننا نفهمها، ونحيط بما فيها من إشارة، وما لأساليبها من دلالة، والحق أنه يخفى علينا كثير من فقه أساليبها، ومن دقائق التصوير بها".
قد أريناك أن النحاة لم يقصروا النحو على البحث في أواخر الكلم، وأنهم بحثوا في أحوال التأليف من كل ناحية تدخل في موضوع علمهم، ولا يسلم للمؤلف أنهم حرموا أنفسهم، وحرموا من اتبعهم، من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، وإليك التحقيق:
__________
(1) "شرح السيد للمفتاح".
(6/ 1/197)

للنظر في أسلوب الكلام العربي جهتان:
أولاهما: جهة صحة تأليف الكلام بحيث لا يعد صاحبه خارجاً عن العربية، محكوماً عليه باللحن، وبعبارة أخرى: يكون الكلام مطابقاً لأحد الأساليب التي يؤدي بها العرب المعنى الأصلي بليغاً أو غير بليغ، وهذه الجهة هي التي يبحث عنها النحاة.
الثانية: جهة أخذ الكلام مرتبة من المراتب الزائدة على صحة التاليف عربية؛ أعني: مراتب حسن البيان، وهذه الجهة هي التي يبحث عنها علماء البلاغة.
وإذا درسنا كتب النحاة، وكتب البيان بإنصاف، وجدنا كلاً من الطائفتين قد قطعوا في البحث عن فقه الأساليب ودقائق التصوير بها أشواطاً واسعة، وبلغوا فيها إلى غايات بعيدة، فدعوى أنهم حرموا أنفسهم، أو حرموا أتباعهم من الاطلاع على كثير من أسرار العربية، مبنية على أن النحاة قد ضيقوا بحث علم النحو، وقد أريناك أنهم لم يضيقوه، ولكنهم لم يريدوا أن يتعدوا حدوده إلى موضوعات يبحث عنها في علوم أخرى؛ كعلم اللغة وفقهها، أو علوم البلاغة.
وأشار الأستاذ إلى الوجه الثاني من الوجوه التي أخطأ فيها النحاة إلى العربية من أجل قصرهم النحو على البحث في أواخر الكلم، فقال: "الثاني: أنهم رسموا للنحو طريقة لفظية، فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ؛ من رفع أو نصب، من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعنى. يجيزون في الكلام وجهين أو أكثر من أوجه الإعراب، ولا يشيرون إلى ما يتبع كل وجه من أثر في رسم المعنى وتصويره. وبهذا يشتد جدلهم، ويطول احتجاجهم،
(6/ 1/198)

ثم لا ينتهون إلى كلمة فاصلة".
النحاة يبحثون عن الأساليب التي لا يقال للناطق بها: قد جئت بما لا تتكلم به العرب، فإذا أجازوا في بعض التراكيب وجهين، أو وجوهاً من الإعراب، فمعنى ذلك: أن هذين الوجهين، أو تلك الوجوه قد تكلم بها العرب عند تأدية المعنى الأصلي لذلك التركيب، يقولون هذا، ولا ينفون أن يكون لكل وجه من الوجهين أو الوجوه أثر في تصوير المعنى الأصلي يغاير الآثار التي قد يحدثها غيره من الوجوه، فهم إذا اختلفوا في وجه من وجوه الإعراب يجيزه طائفة، ويمنعه آخرون، فإن اختلافهم يرجع إلى أن هذا الوجه قد نطق به العرب في مثل هذا التركيب، أو لم ينطقوا، وبعد أن يقوم الشاهد على جواز وجهين أو وجوه في التركيب، قد ينبهون إلى ما يفترق به الوجهان أو الوجوه من الأثر في رسم المعنى الأصلي وتصويره، وإن صح أنهم لم ينتهوا في جدلهم إلى كلمة فاصلة، فلأن المجيز لبعض الوجوه لم يقم الشاهد المقنع لخصمه من كلام فصيح، أو قياس صحيح.

* وجهات البحث النحوي:
ذكر المؤلف شدة عناية العرب بالإعراب، وساق على ذلك شواهد، وتخلص منها إلى وصف النحاة بأنهم أطالوا مراقبة أواخر الكلمات، وأنهم قد يختلفون فيها، ويتجادلون عندها، ثم قال: "وطول هذه المراقبة، ودأبهم عليها هداهم إلى كشف سر من أسرار العربية عظيم، وهو أن هذه الحركات ترجع إلى علل وأسباب يطرد حكمها في الكلام، ويمكن الرجوع إليها، والاحتجاج بها، وقد أعجبوا بهذا الكشف إعجاباً عظيماً، فألحوا في الدرس، وفي تتبع الأواخر، والكشف عن أسرار تبديلها، وسموا ما كشفوا أول الأمر:
(6/ 1/199)

علل الاعراب، أو: علل النحو، ثم لم يلبثوا أن أوجزوا، فسموها: علم النحو، أو الإعراب".
العلل التي يذكرها النحاة على أن العرب راعتها، وبنت عليها أحكام ألفاظها ترجع إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يقرب مأخذه، ويتلقاه النظر بالقبول؛ كما وجهوا تحريك بعض الحروف والساكنة بالتخلص من التقاء الساكنين، ووجهوا حذف أحد الحرفين المتماثلين بطلب الخفة.
ثانيهما: ما يكون من قبيل الفرضيات التي لا تستطيع أن تردها على قائلها، كما أنك لا تضعها بمحل العلم، أو الظن القريب منه، كما قالوا في وجه بناء قبلُ وبعدُ: إنهما شابها الحرف في احتياجهما إلى المحذوف، وهو المضاف إليه.
ثالثها: ما يجري فيه بعض النحاة على ما يشبه التخييل، ويسهل عليك أن ترده على صاحبه، وأنت واثق من أنك دفعت عن العلم شيئاً لا يتصل بأول منه ولا بآخر، ومن هذا القبيل - فيما أرى -: قول بعضهم في تعليل عدم جواز اتصال الضمير الثاني في نحو: أعطاه إياك، فلا تقول: أعطاهك؛ بأن الضمير الثاني أشرف أنه أعرف، فيأنف من كونه متعلقاً بما هو أدنى منه.
أما النوعان الثاني والثالث، فلا يدخلان في صلب العلم، ولا ملحه، وأما النوع الأول، فهو الذي يصح أن يدخل في علم النحو على أنه من أسرار أحكامه، والنحاة يعدونه في المرتبة الثانية، ومنهم من يصرح بأنه ليس من مقصود علم النحو.
قال أبو إسحق الشاطبي في "شرح الخلاصة": "وعلم النحو يحتوي
(6/ 1/200)

على نوعين من الكلام"، وذكر أول النوعين، وهو إحراز اللفظ عند التركيب عن التحريف والزيغ عن معتاد العرب في نطقها، ثم قال: "والنوع الثاني: التنبيه على أصول تلك القوانين، وعلل تلك المقاييس والأنحاء التي نحت العرب في كلامها وتصرفاتها مأخوذاً ذلك من استقراء كلامها، وهذا النوع مهم، وليس بواجب، ولا هو المقصود من علم النحو، فلذلك لم يتعرض له الناظم (يعني: ابن مالك)؛ إذ لا ينبني عليه من حيث انتحاء سمة كلام العرب شيء، لكن لما كان هذا النوع لائقاً بغرض الشرح، لم أخل هذا الكتاب (يعني: شرحه للخلاصة) منه".
وتحدث المؤلف بعد هذا على كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ووصفه بأنه حاول أن يبين ما في الجملة العربية من تقديم أو تأخير، أو حذف، أو غيرها، ثم قال:
"ولكن النحاة - والناس من ورائهم كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه، وفتنوا به كل الفتنة"، وقال: "فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتابه "مجاز القرآن"، وأُهمل الكتاب، ونُسي"، ثم نقل المؤلف نحو ثلاث صفحات مما جاء في مجاز أبي عبيدة، ليبين بها كيف كان أبو عبيدة يتكلم عما يتجاوز آخر الكلمة وحكم إعرابها من سر العربية، ونظم تأليفها".
لم يرد أبو عبيدة بتأليف "مجاز القرآن" البحث عن قوانين النحو، وإنما أراد بيان ما قد يخفى فهمه من الآيات، فيقف الذهن مستكشفاً عنه، فذكر وجوهاً يدل بها على المعنى الذي يطابق استعمال الكلمات أو الجمل عربية، أو وجوهاً ينبه بها القارئ على شيء من حسن بيان الآية، وأخذها
(6/ 1/201)

من البلاغة مكانتها السامية.
وإذا نظرنا في هذه الصفحات الثلاث التي نقلها المؤلف من كتاب "مجاز القرآن"، وجدناها تشتمل على سبعة أحكام تتعلق بالأساليب.
أولها: إيراد الضمير مفرداً في سياق الحديث عن أمرين أو أمور، فذكر أنه قد يراعى في هذا الضمير الأول؛ كما ورد في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا (11)} [الجمعة: 11]، وقد يراعى في استعماله الأمر الأخير؛ كما ورد في قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112].
وقد تعرض النحاة لمثل هذا البحث، إذ ذكروا في بحث الضمير شرط مطابقته لمرجعه من جهة التذكير والتأنيث والإفراد والجمع، وأوردوا آيات جاء فيها الضمير مفرداً، ومرجعه فيما يظهر متعدد، وتأولوها على وجوه لا تنافي شرط المطابقة؛ كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، ومن الوجوه التي ذهبوا إليها في الآية: أن عود الضمير على أحدهما لا يخل بالمعنى؛ لأن في إرضاء الله إرضاء الرسول، وفي إرضاء الرسول إرضاء الله.
ثانيها: ما عبر عنه أبو عبيدة بمخاطبة الغائب، ومعناه: الشاهد، وقال في قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1 - 2] مجازه: هذا القرآن. واستعمال أسماء الإشارة الموضوعة للبعيد، في مشار إليه قريب، قد تعرض له علماء المعاني، وجعلوه من موضوع علمهم (1).
ومن النحويين من يتعرض له، ويسوقه في تأليفه النحوي على طريق البسط، ومن هؤلاء: العلامة الرضي؛ فقد بحث في وجوه استعمال الإشارة،
__________
(1) بحث تعريف المسند اليه بالاشارة.
(6/ 1/202)

وتعرض لاستعمال اسم الإشارة البعيد في مشار إليه قريب، وقال في أثناء البحث: "ويجوز أن يكون قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2]، من باب عظمة المشار إليه، أو المشير (1).
ثالثها: الانتقال من مخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب، قال هذا في تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 2]، وقد أشار بهذا إلى النوع المسمى: بالالتفات، والالتفات قد تناوله علماء الأدب في القديم؛ كابن المعتز، وقدامة، وأدخلوه في مباحث علم البيان.
وإذا ترك النحاة البحث في الالتفات إلى علماء البديع، فلأنه يرجع إلى وجه من وجوه حسن البيان، وقد وجهوا أنظارهم إلى استعمال الضمير مكان آخر يوافقه في المعنى، كما بحثوا عن صحة مثل قولك: أنت الذي أكرمتني، أو أنا الذي قمت، مكان: أنت الذي أكرمني، وأنا الذي قام، فأجازوه، وبحثوا عن مثل قولك: الذي أكرمتك أنا، أو الذي أكرمتني أنت، فمنعوه، فالحق أن النحاة لم يتركوا البحث عن وجه من وجوه نظم الكلام إلا أن يدعوه لفن يرونه أحق به من فنهم.
رابعها: التكرار للتوكيد، فقال: "ومن مجاز المكرر للتوكيد قال: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] أعاد الرؤية، وقال: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34] أعاد اللفظ".
وقد تحدث النحاة في باب التوكيد عن هذا النوع المسمى عندهم: التوكيد اللفظي؛ من جهة أنه يتبع المؤكد في إعرابه، أو من جهة أنه أسلوب
__________
(1) "شرح الكافية" (ص 13 ج 2).
(6/ 1/203)

عربي صحيح، وساقوا عليه شواهد من القرآن والحديث والشعر، وتحدث عنه البيانيون في بحث توكيد المسند إليه من جهة ما يقتضيه من الأحوال.
خامسها: تقديم المؤخر، وتأخير المقدم، وساق عليه قوله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}، وقال: "أراد: ربت، واهتزت".
والنحاة يتعرضون لمثل هذا بما يقولونه من أن العطف بالواو لا يفيد ترتيباً، فيجوز لك أن تعطف بها المتأخر في الواقع عن المتقدم، ولا تعد بما فعلت مخطئاً الأسلوب العربي.
وإذا أجاز النحاة تقديم المؤخر على معنى أنه لا يخرج بنظم الكلام عن الأسلوب العربي الصحيح، بقي للباحث عن البلاغة النظر في وجه تقديم كذا في النظم، وهو مؤخر في المعنى.
سادسها: أن يكون الحديث عن سبب شيء، فتحول الحديث عن السبب إلى الشيء نفسه، قال: هذا في معنى قوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]؛ فإنه حول الخبر، وهو وقوله {خَاضِعِينَ} عن الأعناق إلى من أضيفت إليهم الأعناق.
وقد تعرض النحاة في بحث جمع المذكر السالم لوجه ورود {خَاضِعِينَ} في الآية وصفاً للأعناق على خلاف المعروف من أن وصف غير العاقل لا يأتي على هذا الجمع، فقال الرضي: "وقد شبه غير أولي العلم بأولي العلم في الصفات إذا كان مصدر تلك الصفات من أفعال العلماء؛ كقوله تعالى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، وقوله: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}، وقوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، ومثله في الفعل: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].
(6/ 1/204)

سابعها: حذف حرف النداء، قاله في تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4].
وحذف حرف النداء من الأحكام التي يذكرها النحاة في باب النداء.
ثامنها: زيادة "لا" النافية. قال في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] مجازه: غير المغضوب عليهم والضالين.
وقد بحث النحاة في حروف الزيادة، وأتوا على مواضع زيادتها، ومما تناولوه في بحثهم: زيادة حرف "لا"، وذكروا في الحديث عن مواضع زيادتها: أنها تزاد بعد حرف العطف.
ثم أخذ المؤلف في حديث عن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ونقل ما كتبه في "دلائل الإعجاز" عن معنى النظم، وخرج منه باعتقاد أن الشيخ قد رسم في كتابه المذكور "طريقاً جديداً للبحث النحوي، تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب".
ونحن نسوق إليك عبارات الشيخ التي حملها المؤلف على أنها تنبيه لطريق جديد للبحث في النحو، ونريك أن غرض الشيخ في ناحية غير الناحية التي نظر إليها المؤلف عند تفهم كلامه.
قال الشيخ عبد القاهر في (صفحة 61) من الكتاب المذكور:
"واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت، فلا تخلّ بشيء منها".
موضوع حديث الشيخ عبد القاهر: الفصاحة التي هي بمعنى البلاغة والبراعة، وهي الوصف الذي يقع به التفاضل في خصلة البيان.
(6/ 1/205)

أراد الشيخ أن يحقق البحث عن منشأ هذه الفصاحة وموطنها، فأنكر أن تكون من صفات الألفاظ المفردة، والكلم المجردة، وقرر أنها من صفات الألفاظ باعتبار إفادتها المعاني عند التركيب.
وكلمة النظم يطلقها الشيخ، ويريد بها: تطبيق الكلام لمقتضى الحال، فيقول مرة: "النظم هو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام"، ومعنى توخي معاني النحو: إيرادها على حسب الأغراض، ومعاني النحو هي: التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتكرار والإضمار، والتعريف والتنكير، ونحو ذلك. ويقول مرة: "ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله".
والقوانين التي أشار إليها هي أحكام المبتدأ والخبر، والفاعل والمفعول، والحال والتمييز، والمضاف والمضاف إليه، والتوابع، والشروط والجزاء، وغيرها، وأحكام هذه الأبواب ترجع إلى الإعراب، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، وغير ذلك مما يبحث عنه في علم النحو.
ومعنى وضع الكلام الموضع الذي يقتضيه علم النحو: أن تضع كل واحد من مفرداته ومركباته، موضعه الذي يقتضيه علم النحو، ووضع المفردات والمركبات على وفق النحو لا يكفي لارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول إلا بعد أن يفيد الأغراض التي تراد منه، ووضع المفردات والمركبات على وجه يفيد هذه الأغراض، قد تهدي إليه السليقة، وقد تساعد عليه معرفة علم المعاني.
ومعنى العمل على قوانين النحو: أن يكون تأليف الكلام على طبق قوانين النحو؛ بأن لا يرتكب فيه ضعف التأليف، أو التعقيد اللفظي، ولكن
(6/ 1/206)

وضع المعاني النحوية التي هي الحذف ونحوه من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير في مواضعها إنما يعرف بالملكة التي تتربى من كثرة كلام البلغاء، أو دراسة علم المعاني.
فكلام الشيخ عبد القاهر يشبه قول الزمخشري في مقدمة "المفصل" يمدح علم النحو: "وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكت نظم القرآن".
ثم إن الشيخ عبد القاهر بعد أن قال: "أن تنظر في الخبر، وتنظر إلى الحروف؛ فتضع كلاً من ذلك في خاص معناه"، قال: "فتنظر في الجمل التي ترد، فتعرف موضع الفصل من موضع الوصل، وفي الوصل موضع الواو من الفاء، والفاء من ثم، إلى غير ذلك".
والمراد: أنك بعد أن تنظر إلى الوجوه التي تذكر في النحو؛ تعرف أن لكل واحد منها موضعاً مخصوصاً عند تركيب الكلام باعتبار إفادتها الأغراض المطلوبة منها، وتجيء بكل واحد في موضع ينبغي له.
والخلاصة: أن تنظر في الجمل التي تؤلف باعتبار العوارض التي يبحث عنها في علم النحو من العطف بالحروف المختلفة المعاني وتركه، فتعرف بالسليقة، أو بعلم المعاني موضع كل منها بحسب الأغراض المطلوبة منها، فتجيء به في موضعه.
وقد رأيت الشيخ كيف ذكر وجوهاً من تصرفات الخبر، ووجوهاً من تصرفات الشرط والجزاء، وأشار إلى حال التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، ونبه على أن النظم أن تضع كلاً من ذلك مكانه، وتستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له، ثم قال:
(6/ 1/207)

"ولست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً، وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه".
فالنحوي يدلك على أن المبتدأ والمفعول - مثلاً - متى فهم بقرينة حال أو مقال، جاز حذفه، ولكن هذا المعنى النحوي الذي هو الحذف لا يأخذ به الكلام حكم الصواب عند البلغاء إلا أن تصيب به موضعاً من مواضعه المعروفة لدى السليقة العربية الصحيحة، أو الملم بالقوانين المبحوث عنها في فن البلاغة.
ومن الظاهر أن الشيخ عبد القاهر عندما ذكر أن النظم توخي معاني النحو، والعمل على قوانينه وأصوله، يريد: النحو الذي كتب فيه النحاة قبله، مثل: سيبويه، وأبي علي الفارسي، وابن جني، ويريد القوانين والأصول المقررة في كتب هؤلاء وأمثالهم، وليس من المحتمل أن يريد نحواً وقوانين وأصولاً لم يتكلم أو لم يحقق البحث فيها العلماء من قبله. ننفي هذا الاحتمال؛ لأنه يذكر النحاة وأصولهم وقوانينهم ذكرَ من هو راضٍ عنها، ولم يرمِهم كما رماهم المؤلف بإزهاق روح فكرة النحو، وعدم الاهتداء في أبحاثهم النحوية، ولو أن الشيخ عبد القاهر يريد أن يرسم طريقاً جديداً للنحو، لنبه -ولو بايماء ولطف- على أن النحاة ضيقوا دائرة النحو؛ وأهملوا جانباً من معانيه وأصوله.
وقد رأينا الشيخ عبد القاهر قد ألف في النحو مثل شرحه لكتاب الإيضاح الذي سماه: "المقتصد"، وذهب فيه مذهب النحاة من قبله ومن بعده في تقرير القواعد التي يستقيم بها التركيب، ويسلم بها من آفة الفساد، تاركين النظر فيه من جهة الفصاحة وحسن البيان إلى علماء البيان.
(6/ 1/208)

وإذا قال الشيخ: إن النظم يعني البلاغة والبراعة أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، فهذا القول لاغبار عليه، ولا يقتضي أن رعاية قوانين النحو وحدها كافية في صوغ الكلام البليغ، أو فهم ما في الكلام من بلاغة عند سماعه، ذلك لأن النحو كما قدمنا يبحث عن المفردات والجمل من حيث هيئاتها التركيبية؛ فيفتح أمامك طرقاً متعددة للتعبير عن المعاني الوضعية، وليس من شأنه التعرض للأغراض التى يستدعي كل واحد منها طريقاً خاصاً، فما من غرض يعرض لك إلا وجدت له في النحو طريقاً تعبر به عنه، ولكن معرفة أن هذا الغرض يؤدى بهذا الطريق تحتاج فيه إلى وسيلة أخرى هي السليقة، أو تتبع علم المعاني، ونريد من الأغراض التي ليس من شأن علم النحو أن يبحث عنها: ما يسميه علماء البلاغة: المعاني التابعة؛ كالتعظيم يؤدى بالتركيب الذي يعبر فيه باسم الاشارة للبعيد، والتحقير يؤدى بالتركيب الذي يحذف فيه المسند إليه.
ودلالة الألفاظ على هذه الأغراض لم تكن بطريق الوضع، ولهذا لا يبحث عنها علماء اللغة أيضاً.
ذكر المؤلف: أن الشيخ عبد القاهر قد بلغ أقصى الجهد في تصوير رأيه وتوضيحه، وقال "فجمهور النحاة لم يزيدوا به في أبحاثهم النحوية حرفاً، ولا اهتدوا منه بشيء".
لم يزد النحاة بكتاب "دلائل الإعجاز" حرفاً؛ لأنه لم يؤلف في علم النحو، ولا قصد مؤلفه أن يزيد في علم النحو مسألة، وليست مباحثه مما تهدي إلى شيء من علم النحو.
وكيف يستقيم رأي المؤلف في أن عبد القاهر يقصد رسم طريق جديد
(6/ 1/209)

في النحو، وعبد القاهر يدلنا في فاتحة كتابه أنه مؤلف في فن البيان؛ إذ قال بعد الحديث عن شرف العلم: "ثم إنك لا ترى علماً هو أرسخ أصلاً، وأبسق فرعاً، وأحلى جنى، وأعذب ورداً، وكرم نتاجاً، وأنور سراجاً، من علم البيان الذي لولاه، لم تر لساناً يحوك الوشي ... الخ".
وسمى الشيخ علم البيان: علمَ الفصاحة، فذكر أن القرآن كان معجزاً بالمزايا التي ظهرت في نظمه، والبدائع التي راعت العرب، وأنه يجب على العاقل أن يبحث عن تلك المزايا والبدائع ما هي؟ ولم هي؟ وكيف هي؟ ثم قال:
"ولا يمكن ذلك إلا بالبحث عن حقيقة المجاز والحقيقة، والاستعارة والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والوصل والفصل، وسائر وجوه المحاسن المعتبرة في النظم والنثر"، ثم قال: "وإذا ثبت ذلك، كان العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، والكاشف عن ماهيتها، والمتفحص عن أقسامها؛ والمستخرج لشرائطها وأحكامها، والمقرر لمعاقدها وفصولها، والملخص المحرر لفروعها وأصولها، باحثاً عن أشرف المطالب الدينية، وأرفع المباحث اليقينية".
قال المؤلف: "وآخرون منهم أخذوا الأمثلة التي ضربها عبد القاهر بياناً لرأيه، وتأييداً لمذهبه، وجعلوها أصول علم البلاغة، سموه: علم المعاني، وفصلوه عن النحو فصلاً أزهق روح الفكرة، وذهب بنورها، وقد كان أبو بكر يبدي ويعيد أنها معاني النحو، فسموا علمهم: "المعاني"، وبتروا هذا الاسم البتر المضلل".
قد أريناك أن الشيخ عبد القاهر قد ذكر علم النحو، وقرر أن هناك علماً
(6/ 1/210)

يسمى: علم البيان، وهو العلم الذي تحدث عنه بعدُ بأنه العلم الباحث عن حقيقة الفصاحة، وذكر في قبيل ما يبحث عنه في هذا العلم: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، وحقيقة النظم، والتقديم والتأخير، والإيجاز والحذف، والفصل والوصل ... إلخ.
ولا يصح أن يكون المراد من علم البيان: علم النحو؛ فإنه عد في موضوع علم البيان: المجاز والاستعارة، والتشبيه والتمثيل، ولا أظن المؤلف يقدم على دعوى أن هذه المباحث من قبيل علم النحو، فإن ظهر للمؤلف أن يترك المجاز والاستعارة ونحوها إلى علم البيان، ويأخذ مباحث التقديم والتأخير ونحوها إلى علم النحو، فإن هذا رأي المؤلف، لا رأي الشيخ عبد القاهر، وإذا كانت أحوال التركيب في الواقع نوعين:
أحوال يخلص بها الكلام من فساد البنية وعيب اللحن، وأحوال يرتفع بها شأن الكلام في الحسن، فليس لنا أن ننكر على علماء العربية إذا فصلوا بين النوعين، وجمعوا مباحث كل نوع منهما على جانب، وعدُّوه علماً مستقلاً، ذلك أن هذا الصنيع أقرب إلى تنظيم العلوم، ووضع مسائلها في سلك محكم من التناسب.
(6/ 1/211)

التضمين (1)
للتضمين غرض هو: الإيجاز، وللتضمين قرينة هي: تعدية الفعل بالحرف، وهو يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه، وهو يتعدى بالحرف.
وللتضمين شرط هو: وجود مناسبة بين الفعلين، وكثرة وروده في الكلام المنثور والمنظوم تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية، متى حافظ على شرطه، وهو مراعاة المناسبة.
فإذا لم توجد بين الفعلين العلاقة المعتبرة في صحة المجاز، كان التضمين باطلاً، فإذا وجدت العلاقة بين الفعلين، ولم يلاحظها المتكلم، بل استعمل فعل أذاع - مثلاً - متعدياً بحرف الباء على ظن أنه يتعدى بهذا الحرف، لم يكن كلامه من قبيل التضمين، بل كان كلامه غير صحيح عربية.
فالكلام الذي يشتمل على فعل عُدي بحرف، وهو يتعدى بنفسه، أو عدي بحرف، وهو يتعدى بغيره، يأتي على وجهين:
الوجه الأول: أن لا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به، حتى تخرج الجملة على طريقة التضمين. ومثل هذا نصفه بالخطأ، والخروج
__________
(1) بحث لغوي ألقاه الإمام في "مجمع اللغة العربية"، ونشر في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد السابع - الصادر في ذي القعدة 1353 ه القاهرة.
(6/ 1/212)

عن العربية، ولو صدر من العارف بفنون البيان.
الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل يصح أن يقصد المتكلم لمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم، وهذا إن صدر ممن شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها، حمل على وجه التضمين الصحيح، كما قال سعد الدين التفتازاني: "فشمرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم"، والتشمير لا يتعدى بإلى، فيحمل على أنه قد ضمن شمر معنى الميل الذي هو سبب التشمير عن ساق الجد.
فإن صدر مثل هذا من عامي، أو شبيه بعامي؛ أي: ممن يدلك حاله على أنه لم يبن كلامه على مراعاة فعل آخر مناسب للفعل الملفوظ، كان لك أن تحكم عليه بالخطأ، فلا جناح عليك أن تحكم على قول العامة - مثلاً -: أرجو الله قضاء حاجتي، باللحن، والخروج عن قانون اللغة الفصحى؛ لأن فعل الرجاء لا يتعدى إلى مفعولين، وليس لك أن تخرجه على باب التضمين؛ كأن تجعل "أرجو" مشرباً معنى "أسال" بناء على أن بين الرجاء والسؤال علاقة السببية، فإن هذا الوجه لم ينظر إليه أولئك الذين استعملوا فعل "أرجو" متعديا إلى المفعولين.
ومن هنا نعلم أن من يخطئ العامة في أفعال متعدية بنفسها، وهم يعدونها بالحروف، مصيب في تخطئته، إذ لم يقصدوا لإشراب هذه الأفعال معاني أفعال أخرى تناسبها، حتى يخرج كلامهم على باب التضمين.
وليس معنى هذا أن التضمين سائغ للعارف بطرق البيان دون غيره، وإنما أريد: أن العارف بوجوه استعمال الألفاظ، لا نبادر إلى تخطئته، متى وجدنا لكلامه مخرجاً من التضمين الصحيح. أما غيره؛ كالتلاميذ، ومن يتعاطى
(6/ 1/213)

الكتابة من غير أن يستوفي وسائلها، فإن قام الشاهد على أنه نحا نحو التضمين؛ كما إذا اعترضت عليه في استعمال الفعل المتعدي بنفسه متعدياً بحرف، فأجاب بأنه قصد التضمين، وبين الوجه، فوجدته قد أصاب الرمية، فقد اعتصم منك بهذا الجواب المقبول، ولم يبق لاعتراضك عليه من سبيل.
وإن قام شاهد على أن المتكلم لم يقصد للتضمين، وإنما تكلم على جهالة بوجه استعمال الفعل، كان قضاؤك عليه بالخطأ قضاء لا مرد له.
فمصحح ما يكتبه التلاميذ ونحوهم، يجب عليه أن يرد الأفعال إلى أصولها، ولا يتخذ من التضمين وجهاً لترك العبارة بحالها، والكاتب لا يعرف هذا الوجه، أو لم يلاحظه عند الاستعمال.
فللتضمين صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه، أو تعديه بالحرف، وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حد ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو، قد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم.
(6/ 1/214)

تيسير وضع مصطلحات الألوان (1)
حمداً لمن علم البشر أسماء الكائنات، وجعل لغة العرب أفضل اللغات، وصلى الله على سيدنا محمد أفصح الناطقين لساناً، وأبدعهم بياناً، وعلى آله وصحبه وسلم.
كثرت ضروب الألوان، بما ينشأ من مزج لون بلون، وبظهور اللون الواحد في درجات متفاوتة، فاحتاج كل لون يحصل من امتزاج لونين إلى اسم، كما احتاج كل لون إلى أن يكون له في كل درجة اسم يمتاز به.
وقد عنيت اللغات الحية بوضع أسماء تأتى على الألوان أصولها وفروعها، وربما بدا لذي النظرة القصيرة أن اللغة العربية فقيرة من أسماء الألوان، وأننا في حاجة إلى أن نستمد للألوان مصطلحات من لغات أخرى.
وهذا ما دعاني الى أن أحرر مقالاً، ترى فيه كيف وسعت العربية بما تحتويه معجماتها من الكلم، وبما تقرر في علم صرفها من المقاييس كلَّ ضرب من ضروب الألوان المختلفة بأصباغها، أو أشكالها أو درجاتها.
__________
(1) بحث قدمه الإمام إلى المؤتمر الطبي العربي الثالث، والمنعقد في القاهرة في (ذي الحجة سنة 1358 ه يناير سنة 1940 م)، لمناسبة انتدابه لتمثيل المجمع اللغوي في المؤتمر، ونشر في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السابع والثامن من المجلد الثاني عشر - الصادران في المحرم وصفر 1359 ه - فبراير ومارس 1940 م.
(6/ 1/215)

يقع نظري عندما أتصفح بعض المعجمات على كثير من أسماء الألوان، أو الأسماء التي روعي عند وضعها لون ما وضعت له، حتى وثقت بأن الألوان أخذت من اللغة حظاً وافراً.
ثم ألقيت نظرة على ما بين يدي من الكلم العائدة إلى الألوان، أو الكلم المراعى في وضعها لون، فلمحت أصولاً لا يمكن الاستعانة بها على توسيع دائرة مصطلحات الألوان كلما دعت الحاجة.
وها أنا ذا أعرض عليك أصنافاً من أسماء الألوان، وأصنافاً من الأسماء التي روعي في وضعها لون، وأحدثك عقب كل صنف عن مزيته، أو عما ينبه له من الأصول الميسرة لوضع مصطلحات جديدة:
* أسماء الألوان:
الاسم إما أن يدل على لون ساذج، وإما أن يدل على هيئة مركبة من لونين، أو ألوان، وكل من النوعين إما أن يكون مصدراً يؤخذ منه فعل، واسم فاعل، وإما أن يكون غير قابل للتصريف.

* القابل للتصريف من أسماء الألوان الساذجة:
أريد من اللون الساذج: ما يشمل اللون الأصلي؛ كالسواد، والفرعي؛ كالشهبة، وإليك جملة من هذا الصنف القابل للتصريف:
1 - الُأدمة: لون بين البياض والسواد، ويراد بها في وصف الإبل: البياض الواضح. يقال: أدِم وأدُم فهو آدم، والمؤنث أَدماء.
2 - البرغثة: لون شبيه بالطحلة، ومنه اشتقاق البرغوث.
3 - البضَاضة: شدة البياض. يقال: أبيض بَضَّ: شديد البياض.
4 - البُغثة: بياض يضرب إلى الخضرة، أو إلى الحمرة، فهو
(6/ 1/216)

أبغث، وهي بغثاء.
5 - البُهمة: اللون الذي لا يخالطه غيره، فهو بهيم.
6 - البياض: معروف.
7 - الثقابة: شدة الحمرة، ثُقب، وهو ثقيب.
8 - الحُتْمَة: السواد، والأَحتم: الأسود، والحاتم: الغراب الأسود.
9 - الحُمرة: معروفة، احمرَّ الشيء، فهو أحمر، وهي حمراء.
10 - الحُلْبَة: سواد صرف، حَلِبَ، فهو أَحلب، وحلوب، ويقال: أسود حُلبوب: حالك.
11 - الحُلكة: شدة السواد، حَلِك، فهو حالك، ويبالغ به، فيقال: أسود حالك.
12 - الحُمة: السواد، وقد يبالغ به في السواد، ويقال: أسود أحمُّ.
13 - الحَنْط: شدة الحمرة، يقال: حَنَطَ الأَديم، فهو حانط: احمرَّ، وقد يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر حانط؛ أي: قانئ.
14 - الحَور: البياض، يقال: احوَّر الشيء: ابيضَّ، والحُوَّارَى: الدقيق الأبيض، وامرأة حوارية: بيضاء، وهو في العين شدة بياضها في شدة سوادها.
15 - الحُوَّة: حمرة تضرب إلى سواد، وسموا كل أسود غير شديد السواد: أحوى.
16 - الخَضْب: الخضرة تظهر في الشجر، يقال: خضَب الشجر، أو الأرض: اخضرَّ، فهو خاضب، وهي خاضبة.
17 - الخُضرة: معروفة، خَضِرَ، فهو أخضر، والمؤنث: خضراء،
(6/ 1/217)

وخضِرة، وهو في الخيل: غُبرة تخالطها دهمة، وقد يطلق على السواد، فيقال: اخضرَّ الليل؛ أي: اسود.
18 - الذُّبْسة: حمرة مشربة سواداً، دبس، فهو أدبس، وهي دبساء، والدَّبس: الأسود من كل شيء.
19 - الدُّجة: في الأصل: شدة الظلمة، وجاءت بمعنى السواد، فقالوا للجبال السود: دُجُج، وقالوا: دُجدج ودَجوجى: شديد السواد.
20 - الدُّجنة: أقبح السواد: دَجِنَ فهو أدجن، وهي دجناء.
21 - الدُّخنة: كُدرة في سواد، دَخِنَ فهو أدخن، وهي دخناء.
22 - الدُّسمة: غبرة إلى سواد، دَسِمَ، فهو أدسم، وهي دسماء؛ والديسم: السواد.
23 - الدُّعجة: السواد، أو شدة السواد، دَعِجَ، فهو أدعج، وهي دعجاء، وقيل: شدة سواد العين وشدة بياضها، فيدخل في القسم الآتي، وهي أسماء ما ركب من لونين.
24 - الدُّهسة: لون الرمل يعلوه أدنى سواد، يقال: ادهاست الأرض، أو العنز: صارت دهساء اللون.
25 - الدُّكنة: لون يضرب إلى الغبرة - بين الحمرة والسواد - دكِن، فهو أدكن، وهي دكناء.
26 - الدُّلمة: لون الفيل، والدَّلام: السواد، فهو أدلم، ودلماء.
27 - الدُّهمة: السواد، يقال: ادهمَّ وادهامَّ، فهو أدهمُ، وهي دهماء، ويوصف به الضأن، فيراد به: الخالصة الحمرة.
28 - الرُّبدة: لون الرماد "كدرة في سواد"، وقد اربدَّ، واربادَّ، وهو
(6/ 1/218)

أربد، وهي ربداء.
29 - الرُّبْسة: مثل الدُّبْسة، يقال: داهية دبساء، وربساء، وجاء بأمور رُبْس: سود.
30 - الرُّمدة - لون الرماد، يقال: نعامة رمداء، وثوب أرمد.
31 - الرُّمكة: سواد مشرب كُدرة "لون الرماد"، يقال: ارمكَّ الجمل، فهو أرمك.
32 - الرَّهرهة: حسن بصيص البشرة ونحوه، وترهره الجسم: ابيضَّ من النعمة.
33 - الزُّهرة: البياض، والأزهر: الأبيض، وهي زهراء، وقد يبالغ به في لون الحمرة، فيقال: أحمر زاهر.
34 - السُّحمة: السواد، يقال: سَحِم فهو أسحم، وهي سحماء.
35 - السُّخمة: السواد، سخِم، فهو أسخم، والسَّخام: سواد القدر.
36 - السُّدفة: في الأصل: الظلمة، وتستعمل في السواد، وأشار صاحب "القاموس" إلى هذا بقوله: والأسدف: الأسود.
37 - السُّعرة: لون يضرب إلى السواد فويق الأُدمة، يقال: سَعِر، فهو أسعر.
38 - السَّفَر: بياض النهار.
39 - السُّفعة: سواد مشرب بحمرة، وقيل: سواد مع لون آخر، يقال: سفع، فهو أسفع، وهي سفعاء.
40 - السُّمرة: لون بين البياض والسواد، يقال: سمُر، فهو أسمر، وهي سمراء.
(6/ 1/219)

41 - الشَّرَق: اشتداد الحمرة، يقال: شرق الشيء: اشتدت حمرته، وأشرقته بالصبغ إذا بالغت في حمرته، وثياب مشرقة؛ أي: محمرة.
42 - الشُّقرة: بياض تعلوه حمرة، وهي في الخيل حمرة في مُغرة، يقال: شقِر، فهو أشقر، وهي شقراء.
43 - الشُكلة - حمرة وبياض مختلطان، وقيل: بياض يضرب إلى حمرة، وفي الإبل: ما يخالط سواده حمرة.
44 - الشُّهْبة: بياض يغلب على السواد، يقال: شَهِب وشَهُب، فهو أشهب، وهي شهباء.
45 - الصُّبْحة: سواد يضرب إلى حمرة، يقال: صَبُح، فهو أصبح، وهي صبحاء.
46 - الصُّحْرة: غبرة في حمرة خفيفة إلى بياض قليل، وهو أصحر، وهي صحراء.
47 - الصُّحْمة: سواد إلى صفرة، أو غبرة إلى سواد قليل، أو حمرة في بياض، وهو أصحم، وهي صحماء.
48 - الصُّدأة: شقرة إلى سواد، وهو أصدأ، وهي صدآء.
49 - الصُّفرة: معروفة، وقد اصفرَّ واصفارَّ، فهو أصفر، وهي صفراء.
55 - الصُّهبة: حمرة في سواد، أو شقرة في الشعر، صَهِب، فهو أصهب، وهي صهباء.
51 - الضحاء: البياض أو الشهبة، والأضحى من الخيل: الأشهب، والأنثى ضحياء: قال أبو عبيدة: لا يقال للفرس إذا كان أبيض: أبيض، ولكن يقال له: أضحى، وليلة ضحياء - بيضاء.
(6/ 1/220)

52 - الطّحْلة: لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل "لون الرماد"، وفي "أساس البلاغة": "شراب أطحل: كدر على لون الطحال".
53 - الطُّلسة: غبرة إلى سواد، وهو أطلس.
54 - الطُّهمة: سمرة تجاوزت إلى سواد.
55 - الظَّمى: السمرة، يقال: رمح أظمى: أسمر، وقد يراد به السواد، يقال: ظل أظمى، وبعير أظمى: اسود.
56 - العَتك والعتوك: الاحمرار، يقال: عتك الرمل، والدم: اشتدت حمرتهما، والعاتك في الألوان الخالص، ومن النساء: المحمرة أو المصفرة من كثرة الطيب.
57 - العَشرقة: الاخضرار، يقال: عشرق النبت، أو الأرض: اخضرَّ.
58 - العُفرة: بياض تعلوه حمرة، أو بياض ليس بشديد.
59 - العِيْسة: بياض يخالطه شيء من شقرة، وقيل: لون أبيض مشرب صفاء في ظلمة خفيفة.
60 - الغُبرة: لون شبيه بالغبار، والأغبر: الذئب؛ لغبرة لونه، وهي غبراء.
61 - الغُبسة: بياض فيه كدرة "لون الرماد"، فهو أغبس.
62 - الغُثرة: الغبرة: أو الغبرة تضرب إلى خضرة، أو إلى حمرة.
63 - الغُربة: بياض صرف، والمُغرب: الأبيض وما كل شيء منه أبيض، يقال: أسود غربيب: حالك.
64 - الغُرَّة: البياض، والأَغَر: الأبيض من كل شيء، ويقال: غَرَّ غَرّاً وغُرَّةً: ابيضَّ، والغرة في الفرس: بياض في جبهته.
(6/ 1/221)

65 - الفُحومة: السواد: فَحُم، فهو فاحم، وفحيم.
66 - الفُضحة: الغُبرة في طُلحة، يكون في ألوان الإبل والحمام، فضح، فهو أفضح، وهي فضحاء، وقال أبو عمرو: سألت أعرايياً عن الأفضح، فقال: هو لون اللحم المطبوخ.
67 - الفُقوع: شدة الصفرة، وأصفر فاقع مبالغة، وقد يبالغ به في كل ناصع اللون من بياض وغيره.
68 - القُتمة: سواد ليس بشديد، كسواد ظهر البازي، قَتِم، فهو قاتم، وقَتُم فهو أقتم، وهي قتماء، وقيل: القُتمة: حمرة وغبرة، ويقال: أحمر قاتم: شديد الحمرة، كما يقال: أسود قاتم.
69 - القُثمة: الغبرة، قَثُم: اغبرَّ.
70 - القُلْبة: الحمرة، يقال: قلبت البسرة: احمرت.
71 - القُمرة: شدة البياض، ومنه اشتق القمر، أو بياض يضرب إلى خضرة، أو بياض فيه كدرة، ويقال للسحاب الذي يشتد ضوؤه لكثرة مائه: سحاب أقمر، وهي قمراء، وقمرة.
72 - القُنوء: اشتداد الحمرة، يقال: قَنَأ، وهو قانِئ، وهي قانئة، ويبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر قانئ.
73 - القُهبة: بياض تعلوه كدرة، قَهِب فهو أقهب، وهي قَهِبة.
74 - الكُدرة: لون ينحو نحو السواد والغبرة، كدِر، فهو كدر.
75 - الكُلفة: لون بين البياض والسواد، والكَلَف: السواد في صفرة، ويقال: بعير كَلِف: للبعير الذي يخالط حمرته سواد.
76 - الكُمتة: حمرة يخالطها سواد، كمت فهو كُميت.
(6/ 1/222)

77 - الكُمْدة - تغير اللون وذهاب صفائه، قالوا: مالي أراك أكمدَ اللون؟ وكمِد الثوب: تغير لونه من إخلاق.
78 - الكُهبة: غيره مشربه سواداً.
79 - اللُّهبة: بياض ناصع نقي، والملهَّب من الثياب: ما لم تشبع
80 - اللَّهَق: شدة البياض، وهو لَهِق، وقيل: اللهق: بياض ليس بذي بريق.
81 - المُعرة. لون يضرب إلى الحمرة.
82 - المُغرة: لون ليس بناصع الحمرة، أو شقرة بكدرة، والأَمغر الذي في وجهه حمرة في بياض صاف.
83 - المَقَه: بياض في زرقة، أو حمرة في غبرة، أو غبرة إلى البياض، مَقِه مَقْهاً، فهو أمقهُ، وهي مقهاء.
84 - المُلحة: بياض يخالطه سواد، وهو أملح، وهي ملحاء، وقد يطلق على أشد الزرق.
85 - المُهْقة: بياض في زرقة، أو شدة البياض، مَهِق مَهَقاً فهو أمهق، وهي مهقاء.
86 - النَّصاعة: شدة البياض، يقال: نصَع لونه؛ أي: اشتد بياضه، ويبالغ به في البياض، فيقال: أبيض ناصع، وقد يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر ناصع؛ أي: قانئ.
87 - النَّضْرة: الحسن والبهجة، والناضر: شديد الخضرة، ويبالغ به في كل لون، فيقال: أخضر ناضر، وأحمر ناضر، وأصفر ناضر.
(6/ 1/223)

88 - النُّعوج: البياض الخالص، يقال نعَجَ؛ أي: ابيضَّ، فهو ناعج، وهي ناعجة.
89 - النُفوض: ذهاب بعض لون الصبغ، نفَض الثوب، فهو نافض: (باهت).
90 - النَّوَق: بياض فيه حمرة يسيرة.
91 - الوُردة: حمرة تضرب إلى الصفرة، يقال وَرُد، فهو وَرْد، وهي وردة.
92 - الوُرقة: بياض يضرب إلى سواد "لون الرماد"، وهو أورق، وهي ورقاء.
93 - الوَضَح: بياض الصبح: والواضح من الإبل: غير شديد البياض، والوضاح: الأبيض اللون، الحسنه.
94 - اليُقوقة: البياض، يقال: يَقَّ: ابيضَّ، فهو يَقِق، ويبالغ بها فيه، فيقال: أبيض يقق.
فقد رأيت من هذه الكلم، كيف كان واضع اللغة العربية يضع للألوان أسماء يؤخذ منها أفعال وأسماء الفاعل، ورأيته كيف كان يدل على اللولين يمتزجان بلفظ واحد، وفي ذلك كله تيسيرٌ على الناطق بها، وتَحَرٍّ لوجه من وجوه الإيجاز البديع.
ومن مزايا هذا النوع من الكلم: أنه يؤخذ منه لايجاد اللون مصادر، وأفعال، وأسماء فاعل، وأسماء مفعول، فيقال: بيَّض الشيء تبييضاً، فهو مبيِّض، والشيء مبيَّض، وكذلك قالوا: حمرته، وسودته، وصفرته، وخضَّرته، ووردته، وقنأته.
(6/ 1/224)

وتعدية الفعل الثلاثي اللازم بالتضعيف إلى المفعول، مقيسٌ عند طائفة من علماء العربية، وإذا رأيت في هذا النوع ألفاظاً مترادفة على لون واحد، فلواضع المصطلحات أن يخص كل لفظ من هذه المترادفات بدرجة من درجات اللون الذي فسر به.
وما كان ينبغي لواضع مصطلحات أن يعدل عن هذه الأسماء إلى غيرها من الأسماء التي لا تتصرف، أو الألفاظ التي لا تشعر باللونين الممتزجين إلا أن تمكون مركبة.

* أسماء الألوان الساذجة غير القابلة للتصريف:
في أسماء الألوان الساذجة ما لا يساعد على أن يؤخذ منه فعل، أو اسم فاعل، كالأرجوان للحمرة (1)، والجريال لحمرة الذهب (2)، والعوهق للون كلون السماء مشرب سواداً.
ومن هذا القبيل الألفاظ التي تدل على لون بإلحاق ياء النسبة إلى اسم شيء عرف بذلك اللون؛ كما قالوا: الزنجارية (3) للون الكُهبة، والكراثية (4) لخضرة تضرب إلى سواد، والنيلية (5) للكراثية مع قليل من الحمرة، والبنفسجية لما يشبه لون البنفسج؛ وقال العرب: أسود لوبيّ، وأرادوا باللوبي: شديد السواد، نسبة إلى اللوبة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، وقالوا: فرس
__________
(1) قد يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر أرجوان.
(2) قد يطلق على ما خلص من لون أحمر.
(3) نسبة إلى الزنجار.
(4) نسبة إلى الكراث: ضرب من النبات.
(5) نسبة إلى النيل، وهو نبات يصبغ به.
(6/ 1/225)

صنابيّ اللون: بين الصفرة والحمرة: نسبة إلى الصناب، وهو الخردل مع الزبيب، وقالوا حمام ورسيّ: أصفر: نسبة إلى الورس، وهو نبات أصفر تصبغ به الثياب، وقالوا: تِبْنىّ: أصفر كالتبن.
والوصول إلى التشبيه من طريق النسبة غير عزيز، فقول الناس: برتقالي، ورمادي، وسماوي، غير خارج عن مقاييس اللغة.

* أسماء هيئات الأشياء المركبة من ألوان:
نريد من هذا النوع: الاسم الذي يدل على هيئة مركبة من لونين يمتاز كل منهما عن الآخر بصبغة وموضعه نحو: الرُّقطة، وتلحق بهذا ما يدل على لون يستلزم لوناً آخر، كاللُّمظة، وهذا النوع يأتي مصدراً يؤخذ منه فعل، واسم فاعل، ويأتي اسماً غير قابل للتصريف.

* أسماء الألوان المركبة القابلة للتصريف:
يوجد من هذا النوع أسماء كثيرة، وإليك طائفة مما وقع عليها نظرنا فى المعجمات:
1 - الأُرْثة: بياض وسواد، وهي الرقطة، يقال: كبش آرث، ونعجة أرثاء.
2 - البُرشة: أن يكون في الشيء ألوان مختلفة، يقال: مكان أبرش: مختلف الألوان، والبَرَش في شعر الفرس: نكت صغار تخالف سائر لونه.
3 - البَرص: بياض يظهر في البدن، وجاوز العرب به هذا المرض، فقالوا للحية فيها لمع بياض: البرصاء، بل سموا القمر بالأبرص.
4 - البُغثة: سواد يشوبه نقط بياض؛ أو بياض يشوبه نقط سواد، بغِث فهو أبغث، وهي بغثاء.
(6/ 1/226)

5 - البَقَع: بياض يخالطه لون آخر، وهو أبقع، ومبقَّع: فيه موضع بياض، وموضع غيره.
6 - البُلقة: سواد وبياض، بَلُق، فهو أبلق، وهي بلقاء، والفرس الأبلق: ما ارتفع تحجيله إلى فخذيه.
7 - الخصاف: أن يجتمع لونان من سواد وبياض، والأخصف من الخيل والغنم: الأبيض الخاصرتين والجنبين، ومن الجبال: ما فيه بياض وسواد، ورماد خصيف: فيه سواد وبياض، وسماء مخصوفة: ذات لونين، وخصَّف الشيبُ لمته: جعلها خصيفة: ذات بياض وسواد.
8 - الخُلسة: أن يكون السواد أكثر من البياض، يقال: أخلس الشعر، فهو مخلس، وخليس: إذا ابيض بعضه، وأخلس النبت: إذا كان بعضه أخضر، وبعضه أبيض.
9 - الخَيَف: أن يكون إحدى عيني الفرس أو غيره زرقاء، والأخرى كحلاء، فهو أخيف، ويقال: تخيَّف ألواناً؛ أي: تغير.
10 - الخال: الشَّامة في الجسد، والأخيل: كثير الخيلان، وهي خيلاء، (وقد نص صاحب "اللسان" على أنه لا فعل له).
11 - الدُّرعة: أن يكون رأس الفرس أو الشاة أسود، وسائره أبيض، دَرع، فهو أدرع، وهي درعاء.
12 - الدغمة: أن يضرب وجه الفرس وجحافله إلى سواد أشد من سواد سائر جسده، ويقال: ادغامَّ، فهو أدغم، وهي دغماء.
13 - الرُّبشة: اختلاف اللون، يقال: رجل أربش: مختلف اللون.
14 - الرُّثمة: بياض في جحفلة الفرس العليا، أو بياض في الأنف،
(6/ 1/227)

رثم، فهو أرثم، وهي رثماء، ونعجة رثماء: سوداء الأرنبة، وسائرها أبيض.
15 - الرُّقش: نقط أو خطوط سود وبيض، يقال: حية رقشاء؛ لترقيش ظهرها بخطوط ونقط. والرقشاء من المعز: التي فيها نقط من سواد وبياض.
16 - الرُّقطة: سواد يشوبه نقط بيض، أو بياض يشوبه نقط سود، ارقَطَّ وارقاطَّ، فهو أرقط، وهي رقطاء.
17 - الرَّمش: رجل أرمش: مختلف اللون، وأرض، أو سنة رمشاء: كثيرة العشب.
18 - الرَّمَل: خطوط في قوائم الثور أو البقرة الوحشية تخالف سائر لونه، وهو أرمل، وهي رملاء، ونعجة رملاء: سوداء القوائم، وسائرها أبيض.
19 - الشُّمَط: بياض الرأس يخالطه سواد، والشميط: ذئب فيه سواد وبياض.
20 - الصُّقعة: أن يكون في وسط رأس الفرس أو الطير أو غيره بياض، وهو أصقع، وهي صقعاء.
21 - العُرمة: تنقيط ببياض وسواد، ومن غير أن يتسع كل نقطة، وهو أعرم، وهي عرماء، والحية العرماء: التي فيها نقط سود وبيض.
22 - العُصمة: أن يكون في ذراعي الظبي أو الوعل، أو في إحدى ذراعيه بياض، وسائره أسود أو أحمر، وهو أعصم، وهي عصماء.
23 - الكَحَل: سواد يعلو جفون العين خِلقة، والكحلاء: الشديدة سواد العين، ومن النعاج: البيضاء السوداء العين.
24 - اللُّمْظة: بياض في جحفلة الفرس السفلى، فهو ألمظ.
(6/ 1/228)

25 - اللَّمى: سمرة في الشفة، لَمِيَ، فهو ألمى، وهي لمياء، واستعملوها في شديد السمرة، فقالوا: رمح ألمى: شديد السمرة.
26 - النَّبَطُ: أن يكون في بطن الفرس أو شاكلة الشاة بياض، يقال: فرس أنبط: أبيض البطن، وشاة نبطاء: بيضاء الشاكلة.
27 - النَّشَم: أن يكون في الثور نقط بيض وسود، يقال: نشِم، فهو نشيم.
28 - النَّكتة: النقطة من أي لون كان، يقال: في العين نكتة بياض، أو حمرة، ويقال: هو كالنكتة البيضاء في الثور الأسود، ونكَّت البُسر: بدا فيه نقط من الإرطاب، فهو منكِّت، والبسرة منكِّتة (بصيغة اسم الفاعل).
29 - النُّمرة: النكتة من أي لون كان، ولكنهم يقولون: الأنمر: ما فيه نكتة بيضاء، وأخرى سوداء، ومنه سمي السبع المعروف بالنَّمر، ويقال نَمِر (كفرِح) السحابُ: صار على لون النمر، فهو نِمر وأنمر، وهي نَمِرة ونمراء.
30 - الوبَش: الرَّقَط من الجرب، وَبِش البعير، فهو وَبِش.
31 - الوَدَق: نقط حمر تخرج في العين من علة كدم تشرق به، ودِقت، فهي ودِقة.
32 - الوَكتة: النقطة في الشيء من غير لونه، يقال: وكَّت البُسْر: بدت فيه نقط من الإرطاب، فهو موكِّت، والبسرة موكِّتة (بصيغة اسم الفاعل).
وفي هذا النوع المزايا التي نبهنا لها آنفاً من صوغ الأفعال، وأسماء الفاعل، ومن دلالة الكلمة الواحدة على هيئة شيء ذي لونين.

* أسماء الألوان المركبة غير قابلة التصريف:
نريد من هذا: ما كان نحو الخِلقة، وهو كل لونين اجتمعا.
(6/ 1/229)

ويمكن صوغ أسماء للألوان المركبة بوسيلة النسبة التي يراد بها التشبيه؛ كأن تريد الدلالة على حال ما يركب من سواد وبياض في هيئة الجِزعْ "وهو: خرز يماني فيه سواد وبياض"، فتقول: الجزعية، وذو اللون جزعي، ولو أردت الدلالة على حال ما يركب من ألوان متعددة مختلفة بهيئة قوس قُزَح، لساغ لك أن تقول القزحية، وذو اللون قزحي، وتقول على هذا النمط: النرجسية، متى أردت تشبيه حال ما اجتمع فيه بياض وصفرة على هيئة النرجس، والعرب يشبهون العيون بالنرجس، وشبهوا عيون الوحش بالجَزْع.

* الأسماء المراعى في معانيها لون:
في اللغة أسماء يلاحظ عند وضعها، أو عند استعمالها لون من الألوان، دون أن نجد لها في المعجمات مصدراً، أو فعلاً يدل على نفس اللون. أولاها: أسماء لا يوجد في مادتها مصدر، أو فعل يدل على نفس اللون، ويصح أن تكون مأخوذة منه على وجه مقيس، وهذه إما أن تكون موضوعة، أو مستعملة لمجرد الدلالة على الاتصاف بلون.
وأمثلتها:
الدَّيجور: الأغبر الضارب إلى السواد.
الدِّحمس: الأسود من كل شيء.
الذريحي: يبالغ به في الحمرة، فيقال: أحمر ذريحي؛ أي: أرجوان. الأصبغ: المبيضّ طرف الذنب، يقال: طائر أصبغ، وعنز صبغاء.
المُصْمَت: ما لا يخالط لونه لون آخر، يقال: ثوب مصمت؛ أي: بلون واحد لا شِيَة فيه.
الصَّمعريُّ: الخالص الحمرة.
(6/ 1/230)

الصَّيعريُّ: يبالغ به في الحمرة، يقال: أحمر صيعري؛ أي: قانئ. المضرحيُّ: الأبيض من كل شيء.
الغُداف: الأسود، يقال: شعر غداف، وجناج غداف: أسود، ويقال للغراب الأسود غداف، وأغدف الليل: إذا أظلم.
الغضْب: الشديد الحمرة.
الغيهب: شديد السواد من الخيل.
الفَدْم: الأحمر المشبع حمرة، أو ما لم تكن حمرته شديدة.
القَرَّاص: القانئ، يقال: أحمر قراص: قانئ.
القهْبَلس: الأبيض تعلوه كدرة.
الكرك: الأحمر، وأكثر ما يوصف به الثياب، واستعمل في الخوخ، فقالوا: خوخ كرك: فيه حمرة.
اللُّهاثي: الكثير الخيلان الحمر في الوجه، واللُّهاث: النقط في الخوص.
الماذي: الأبيض، قالوا: عسل ماذيّ؛ أي: أبيض، ودرع ماذيَّة: بيضاء.
الأمرخ: المنقط ببياض وحمرة، قالوا: ثور أمرخ؛ أي: به نقط بيض وحمر.
المارَّية: البيضاء البراقة (لؤلئية اللون) يقال: امرأة أو قطاة مارية؛ أي: بيضاء براقة.
اليلَق: الأبيض من كل شيء، ويقال: أبيض يلق: متناهٍ في البياض.
وإما أن يجري مجرى اسم العين، فلا يقع وصفاً لغيره، وهو الذي يقول فيه أصحاب المعجمات: هو اسم لاصفة.
(6/ 1/231)

وأمثلته:
البرّكان والبرنكان: الكساء الأسود.
الشَّمرساء: السحابة البيضاء.
الصبير: السحابة البيضاء.
العلجوم: الظبي الآدم.
العوهج: الظبية في كشحيها خطتان سوداوان.
الغَمِرة: ثوب أسود يلبسه الخدمة.
القصيم: الجلد الأبيض يكتب فيه.
ثانيتها: أسماء تدل على ذي لون أو لونين، وهي مأخوذة من اسم عين؛ كاسم الموضع الذي يقع عليه أحد اللونين.
أمثلته:
الأصدر: الأبيض لبة الصدر من الغنم والخيل.
المطرَّف: أبيض الطرفين: الرأس، والذنب، أو أسودهما، وسائر لونه يخالف ذلك.
الأعنق: الكلب في عنقه بياض.
المعضَّد: ثوب له علم في موضع العضد.
أو اسم ما يشبهه اللون في صبغه أو هيئته.
وأمثلته:
الآزر: يقال: فرس آزر: إذا كان لون فخذيه أبيض، ولون مقاديمه أسود، أو أي لون كان، فكأن بياضه إزار، والمؤزرة: نعجة كأنها أزرت بسواد.
(6/ 1/232)

المحجَّل: يقال: فرس محجَّل: إذا ابيضت قوائمه، وجازوا البياض إلى نصف الوظيف (ما فوق الرسغ إلى الساق) كأن بياضه حجل (والحجل: الخلخال).
المتبَّن: الأصفر في لون التبن.
المدنَّر: الفرس فيه نكت فوق البرش (تشبه الدنانير).
المرجَّل: يقال: بُرد مرجل: فيه صور الرجال.
المرحَّل: برد مرحل: فيه صور الرحال.
المسروَل: يقال: فرس مسرول: إذا جاوز بياض تحجيله العضدين والفخذين؛ كأنه لبس السراويل.
المسهَّم: يقال: برد مسهم: إذا كان فيه وشي كالسهام.
المشجَّر: ما نقش بهيئة الشجر من الديباج.
المضلَّع: ثوب فيه خيوط تشبه الأضلاع.
المطبَّل: ثوب عليه صورة الطبل، يقال: برزوا في أردية الطبل.
المطيَّر: ما نقش فيه صورة الطيور.
المعمَّم: الأبيض الرأس، يقال: فرس معمَّم؛ أي: أبيض الرأس دون العنق، ودون سائر جسده، كأن بياضه عمامة، وهي ما يلف على الرأس. المعيَّن: ثوب في وشيه ترابيع صغار كعيون الوحش.
المقفَّص: يقال: ثوب مقفص؛ أي: مخطط بهيئة القفص.
المفوَّف: الثوب الذي فيه خيوط بيض كالفُوف، والفوف: نقط بياض في أظفار الأحداث.
(6/ 1/233)

المقفَّز: ما كان بياض تحجيله في يديه إلى المرفقين؛ كأنه لبس القفاز.
المُمَرجَل: ثوب فيه صور المراجل؛ أي: القدور.
المكعَّب: الموشَّى على هيئة الكعاب.
الممغَّر: ما لونه كلون المغرة.
المنطَّقة: ما علم عليها بحمرة في موضع النطاق.
الوشحاء: العنز التي يكون بياضها المخالف لسائر لونها؛ كالوشاح لها.
وما جاء على وزن مفعَّل من هذا الضرب يصح لواضع المصطلحات أن يقيس عليه، فيقول - مثلاً -: مسوَّر، أو مسمَّك، أو مسيَّف، لما نقش عليه صور أسورة، أو اسماك، أو سيوف.
ومن قبيل الأسماء المأخوذة من اسم عين ما يؤخذ من اسم الموضع الذي ينتهى إليه اللون نحو:
1 - المجبَّب: يقال: فرس مجبب: إذا ارتفع البياض منه إلى الجبُب (جمع: جبة، وهو موصل ما بين الساق والفخذ).
2 - المجوَّف: الذي يصعد البلق فيه حتى يبلغ الجوف (البطن).
3 - مرفَّقة: وصف للشاة التي يبلغ بياض يديها إلى مرافقها.
ومن هذا القبيل ما يؤخذ من اسم الصبغ الذي يعطي اللون، نحو:
1 - المجسَّد: الأحمر، يقال: ثوب مجسد؛ أي: أحمر، وأصله: المصبوغ بالجساد، وهو الزعفران، أو العصفر.
2 - المضرَّج: الأحمر، قيل: مأخوذ من الإضريج، وهو صبغ أحمر.
3 - المُمَصَّر: يطلق على ما فيه حمرة خفيفة من الثياب، وقال بعض
(6/ 1/234)

علماء اللغة: الممصَّر: المصبوغ بالمصر، وهو الطين الأحمر، ومن فسروا الممصر بما فيه صفرة خفيفة لم نرهم تعرضوا لوجه اشتقاقه.
4 - المُهَرْوَد: ما فيه صفرة خفيفة في الثياب، وقال بعض علماء اللغة: المهرود: الثوب الذي يصبغ بعروق يقال لها: الهُرد.
ويدخل في هذا الباب الاسم الذي يؤخذ من اسم البلد الذي يصنع فيه ذو اللون.
ومثاله:
مهراة: صفراء، يقال: عمامة مهراة؛ أي: صفراء، وكان سادات العرب يلبسون العمائم الصفر، قال بعض علماء اللغة: مهراة،: نسبة إلى هراة، لأن هذه العمائم كانت تجلب منها.

* أسماء إيجاد الألوان:
ذكرنا أن أسماء الألوان يشتق منها مصادر وأفعال للدلالة على إيجادها؛ نحو: بيَّض وحمَّر وسوَّد، وللعرب بعد هذا ألفاظ للدلالة على إيجاد الألوان.
وأمثلتها:
البرقشة: النقش بألوان شتى، وتبرقش الرجل: تزين بألوان شتى مختلفة، وتبرقش النبت: إذا اختلفت ألوانه.
الدِّخلة: تخليط ألوان في لون.
الدَّمّ: طلاء الشيء بأي لون كان، دمَّه بالدمام (الطلاء)، فهو مدموم، ودميم.
الرَّقْم: تخطيط في الثوب وغيره كالترقيم.
الترقين: الترقيم.
(6/ 1/235)

الزَّبرقة: تصفير الثوب.
الزَّهلقة: تبييض الثوب.
التزويق: النقش والتزيين.
التضريج: صبغ الشيء بحمرة.
النقش: تلوين الشيء بلونين.
الوشي: الرقم والنقش.
هذا ما أردنا عرضه من أسماء الألوان، وأسماء ما يراعى في استعماله لون يقوم به، وقد رأيت فيما عرضناه من أسماء الألوان ما يذكر علماء اللغة في تفسيره لونين، أو ألواناً، ولواضع المصطلحات أن يقصر اللفظ المشترك على أحد معانيه؛ كما قالوا: الجون: الأحمر والأبيض والأسود، فله أن يخصه بأي لون شاء.
ورأيت فيما عرضناه من الأسماء ما يختلف علماء اللغة في تعيين اللون المراد منه، ولواضع المصطلحات فيما إذا اختلفوا، ولم يظهر وجه لترجيح رأي على غيره: أن يأخذ بالرأي الذي ينايسب الاصطلاح، كما اختلفوا في "الممصر" هذا يقول: ما فيه حمرة خفيفة، وهذا يقول: ما فيه صفرة خفيفة، فله أن يخص الممصر بما شاء من ذي حمرة خفيفة، أو ذي صفرة خفيفة. ويشابه هذا أن يختلف اللغويون في درجة اللون الذي وضع له الاسم، كما اختلفوا في "الفدم"، هذا يقول: المشبع حمرة، وهذا يقول: ما حمرته غير شديدة، فلواضع المصطلحات أن يخص كلمة الفدم بذي الحمرة الشديدة، أو ذي الحمرة الخفيفة.
ورأيت فيما عرضناه عليك أسماء تخصها المعجمات بنوع من الأشياء؛
(6/ 1/236)

كالثياب، أو الحيوان، أو النبات، وهذا النوع من الأسماء يصح لواضع المصطلحات التصرف فيه باستعماله على وجه المجاز فيما بينه وبينه علاقة من نحو مشابهة، أو إطلاق، أو تقييد.
وملخص البحث: أن اللغة العربية تسع - بغزارة مفرداتها، ومساعدة أصول صرفها - كلَّ ما يحتاج إليه من المصطلحات العائدة إلى الألوان، وقد رأيتها كيف تدل على الألوان بالألفاظ الكثيرة التصرف، ورأيتها كيف فتحت أبواباً يمكن الدخول منها إلى وضع مصطلحات حاجات العلوم والمدنية، دون أن نضطر إلى ترقيعها بكلمات من لغات غير عربية.
(6/ 1/237)

طرق وضع المصطلحات الطبيّة (1) وتوحيدها في البلاد العربية
شرف الأمة في رقي لغتها، ورقي لغتها في مسايرتها للعلوم والفنون، واتساعها لأن تخوض في بحث كل علم أو فن، وتشرح مسائله، وإن بلغت في كثرتها وغموضها أقصى غاية.
كانت العلوم والفنون على اختلاف موضوعاتها، قد وجدت من بيان اللغة العربية معيناً لا ينضب، فلم تلبث أن لبست من ألفاظ هذه اللغة وأساليبها حللاً ضافية.
ومن بين العلوم التي وجدت في اللغة العربية بغيتها في علم الطب، فتقبلته، وتقبلت كل ما يدخل فيه أو يتصل به من فنون.
وجد هذا العلم في اللغة أيام انتقاله إلى العرب مادة غزيرة، واستطاع أن يأخذ منها كل ما يسد حاجته، ويجعل العرب والمستعربين يتدارسونه بلسان عربي مبين.
انتقل هذا العلم إلى العرب وهو يعتزون بلغتهم، ويحرصون على أن تكون لغة العلم، كما كانت لغة السياسة والأدب والاجتماع، فالتفت علماء
__________
(1) بحث قدمه الإمام إلى المؤتمر الطبي العربي المنعقد بالقاهرة سنة 1939 بصفته مندوب المجمع اللغوي. ونشر في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد الحادي عشر - الصادر في صفر 1358 ه - مارس 1939 م - القاهرة.
(6/ 1/238)

الطب إلى الألفاظ العربية التي وضعت لمعان تدخل في علمهم، أو تتصل به من نحو: أسماء العلل (1)، وأسبابها، وأعراضها، وأطوارها، وآثارها (2). وأسماء الأعضاء والأجزاء منها، ظاهرة كانت أو باطنة، وأسماء ما يركب منه الأدوية من نحو: النبات، والمعادن، والأحجار، وأسماء الأدوات التي يستعان بها على المداواة (3).
التفتوا إلى هذه الكلمات، واستعملوا كثيراً منها في معانيها المعروفة في اللغة، ولعلي لا أكون مخطئاً إذا قلت: أن علم الطب قد وجد في اللغة العربية مدداً أكثر مما وجده غيره من العلوم المنقولة إليها ووجد علماء الطب بعد ذلك المدد أصولاً في اللغة تسمح لهم بوضع مصطلحات لمعان طبية لم يتقدم للعرب أن وضعوا لها أسماء؛ مثل: أصول الاشتقاق والمجاز والنقل، فصاروا يضعون مصطلحات زائدة على ما تكلمت به العرب في هذا العلم، وصارت كتب الطب تصدر في عبارات عربية فصحى.
فإذا ألقينا نظرة على كتب الطب المؤلفة فيما سلف بأقلام عربية فصيحة، وجدناها قائمة على كلمات مستعملة فيما وضعها له العرب من المعاني الطبية، وكلمات اشتقها أولئك الأطباء لمعان يتحقق فيها معنى الفعل الذي
__________
(1) معظم أسماء العلل جاء على وزن فُعال؛ نحو: (صداع)، أو وزن فعل؛ نحو: (بهق).
(2) نريد من آثارها ما يعقبها من نحو: "الندبة" لأثر الجرح بعد برئة، ونحو: "المهج" لحسن الوجه بعد علة.
(3) نحو: "الميجر" لما يصب به الدواء في الفم، و"المسعط" لما يصب به الدواء في الانف، و"الدسلم" لما يسد به الجرح من نحو الفتيلة.
(6/ 1/239)

اشتقت منه، كما سموا العرض دليلاً، نظراً إلى مطالعة الطبيب الاه، ومعرفته ماهية المرض منه.
وكلمات نقلوها من معانيها المعروفة عند العرب إلى معان تربطها بتلك المعاني مناسبة، كما استعملوا الرسوب في كل جوهر أغلظ قواماً من المائية، وإن لم يرسب.
قال ابن سينا في كتاب "القانون": إن اصطلاح الأطباء في استعمال لفظة: الرسوب، والثفل قد زال عن المجرى المتعارف؛ لأنهم يقولون: رسوب وثفل، لا لما يرسب فقط، بل لكل جوهر أغلظ قواماً من المائية متميزاً عنها، وإن طفا.
وكلمات صاغوها على مثال الإضافة؛ كما قالوا: حمى الدق، وهي الحمى المعروفة "أنطيقوس".
أو على مثال تركيب الصفة والموصوف؛ كما قالوا: الشريان الصاعد، والشريان النازل، أو على مثال النسب الذي يقصد به التشبيه؛ كما سموا أحد أنواع النبض الموجي؛ لأنه يشبه الأمواج إذ يتلو بعضها بعضاً على الاستقامة، مع اختلاف بينها في السرعة والبطء.
وقد نبه أبو علي بن سينا في كتاب "القانون" على وجوه تسمية الأمراض، فقال: قد تلحقها التسمية من وجوه:
إما من الأعضاء الحاملة (1) لها؛ كذات الجنب، وذات الرئة، وإما من
__________
(1) اشتق العرب من بعض الأعضاء أسماء للعلل التي تصيبها، وهي: القلاب لداء يصيب القلب، والكباد لداء يصيب الكبد، والنكاف لداء يصيب النكفتين، وهما غدتان يكتنفان الحلقوم من أصل اللحي، والقوام لداء يصيب الشاة في قوائمها.
(6/ 1/240)

أعراضها؛ كالصرع، وإما من أسبابها؛ كقولهم: مرض سوداوي، وإما من التشبيه؛ كقولهم: داء الأسد (1)، وداء الفيل (2)، وإما منسوباً إلى أول من يذكر أنه عرض له؛ كقولهم: قرحة طيلانية منسوبة إلى رجل يقال له: طيلانس، وإما منسوباً إلى بلدة يكثر حدوثه فيها؛ كقولهم: القروح البلخية، وإما منسوباً إلى من كان مشهوراً بالإنجاح في معالجتها؛ كالقرحة السيروتية، وإما من جواهرها وذواتها؛ كالحمى، والورم.
وتجدد لذلك العهد أسماء عربية لأدوات طبية؛ كأسماء آلات الكي والجراحة التي ذكرها أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (3) في كتابه المسمى: "التصريف" (4)؛ فإنه رسم في هذا الكتاب صور الآلات، وذكر لكثير منها أسماء مناسبة؛ نحو: المكواة، والزيتونية، والمنشارية، والهلالية والمسارية.
ودخل في مصطلحاتهم كلمات مولدة؛ ككلمة "بحران" للتغير الذي يحدث للعليل دفعة في الأمراض الحادة، وكلمة "تفسرة" لماء المريض المستدل به على علته، يقال: أرسل فلان تفسرته إلى الطبيب، ونظر الطبيب
__________
(1) الجذام لأن وجه المبتلى به ليشبه وجه الأسد في كراهة منظره.
(2) زيادة في القدم والساق، وسمي داء الفيل؛ لأن رجل المريض به تشبه رجل الفيل، ومن هذا القبيل اسم السرطان فإنه في الأصل اسم لدابة نهرية، وسمي به الداء المعروف؛ لأنه اذا كبر، ظهر عليه عروق حمر وخضر تشبه أرجل الدابة التي تسمي: السرطان.
(3) ذكره ابن حزم في رسالة أودعها مؤلفات الأندلسيين، وقال: قد أدركته. وابن حزم توفي سنة 399 ه.
(4) طبع بالعربية واللاتينية في اكسفورد، وتوجد منه نسخة في دار الكتب المصرية.
(6/ 1/241)

في تفسرة المريض.
ومن أسباب أخذ علم الطب فيما سلف مكانة في اللغة الفصحى: أن كثيراً من رجال هذا العلم كانوا قد درسوا اللغة العربية إلى أن صاروا من أئمتها، أو صاروا من كبار أدبائها، تجدون الحديث عن هؤلاء الرجال، والتنبيه على رسوخهم في علم الطب واللغة، في كتب طبقات الأطباء، وطبقات اللغويين والأدباء؛ مثل: الرئيس أبي علي الحسين بن سينا، برع في الطب، وأتقن الأدب، وبلغ في اللغة مرتبة عليا، وله في الطب مؤلفات كثيرة، منها: كتاب "القانون"، وله مؤلف في اللغة يسمى: "لسان العرب".
ومثل أبي بكر محمد بن أبي مروان بن زهر (1)؛ فقد كان - كما قالوا - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرمة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب (2).
ومثل محمد بن أحمد بن رشد (3)؛ فقد جمع إلى الطب والفلسفة التضلع في علوم العربية، وله في الطب مؤلفات منها كتاب "الكليات"، وله في العربية الكتاب المسمى: "الضروري".
ونرى طائفة ممن بلغوا في علوم الشريعة مرتبة الاستنباط - ولا يبلغ مرتبة الاستنباط في الشريعة إلا من كان له في علوم اللغة قدم راسخة - قد برعوا في علم الطب، ومن هؤلاء: الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر المازري (4)، كان
__________
(1) توفي سنة 596 ه.
(2) "نفح الطيب" للمقري.
(3) توفي سنة 595 ه.
(4) توفي سنة 536 ه.
(6/ 1/242)

يعد في طبقة المجتهدين، ودرس علم الطب، وألف فيه، وقالوا في ترجمته: "كان يفزع إليه في الطب كما يفزع اليه في الفتوى (1) ".
ولا عجب أن يقبل الفقهاء على علم الطب، فإنهم يرونه من العلوم التي رفع الشرع الإسلامي منزلتها، حتى إنهم بنوا كثيراً من الأحكام الشرعية على رعايته، واستعانوا في بيان أسرار الأوامر والنواهي بشيء من مسائله، ومثال هذا: أن النبي - صلوات الله عليه - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا إحداهن بتراب"، والعلامة محمد بن رشد جد الفيلسوف ابن رشد أول من نبه - فيما بلغنا - على أن هذا الامر مراعى فيه وجهة طبية، هي ما يخالط لعاب الكلب من مواد ضارة تعرض له عند ما يصاب بداء الكلب، وإصابته بهذا الداء قد تكون خفية، فلا تظهر لكل ناظر (2).
فلولا أن علم الطب قد وقع فيما مضى بأيدي علماء اللغة، ما ظفر هذا العلم بتلك المصطلحات التي ترتبط باللغة ارتباطاً محكماً.
ويدلكم على أن أولئك الأطباء اللغويين كانوا يجتهمون في أن يخرج علم الطب في لسان عربى فصيح: تحريهم العربية الفصحى في ألفاظ مؤلفاتهم، نجد في ترجمة الطبيب اللغوي مهذب الدين عبد الرحيم بن علي: أنه كان إذا تفرغ من افتقاد المرضى من أعيان الدولة وغيرهم، يأتي إلى داره، ويأتيه طلاب علم الطب قوماً بعد قوم، وكان إلى جانبه - مع ما يحتاج إليه من الكتب الطبية - كتب اللغة: "الصحاح" للجوهري، و"المجمل" لابن فارس، وكتاب "النبات" لأبي حنيفة الدينوري، فكان إذا جاءت في الدرس
__________
(1) كتاب "الديباج" لابن فرحون.
(2) "بداية المجتهد" للحفيد الفيلسوف ابن رشد.
(6/ 1/243)

كلمة لغوية محتاج إلى كشفها وتحقيقها، نظرها من تلك الكتب.
ومن يطالع شيئاً من مؤلفات أولئك الأطباء، ويمعن النظر فيما يستعملون من أسماء الأمراض وغيرها من المعاني المتصلة بعلم الطب، يعرف أن أولئك المؤلفين كانوا على اطلاع واسع في اللغة، وبذلك أمكنهم أن يجعلوا اللغة تسير مع علم الطب جنباً لجنب.
ينبئنا بهذا: أننا نجد جانباً عظيما من الألفاظ العربية غير الكثيرة الاستعمال مبثوثة في هذا العلم، ومنظومة في سلك مصطلحاته؛ ككلمة: "الحصف" للجرب اليابس، وكلمة: "الشرى" لبثور صغار حكاكة، وكلمة: "الحرصان" للحمة دقيقة لاصقة بحجاب البطن، وكلمة: "الصاخة" لورم يكون في العظم من صدمة أو كدمة (1)، و"القطرب" لنوع من الماليخوليا (2).
وقف علم الطب بعد هذا في الشرق عند حد، وتناوله الغربيون من مؤلفات علمائنا، وأوسعوه بحثًا، وقطعوا فيه أشواطًا بعيدة المدى، وصارت المصطلحات العربية التي وضعت له من قبل لا تفي بما تجدد فيه من آراء ومستكشفات.
ظل هذا العلم يتقدم بخطوات سريعة، ويقيت لغتنا واقفة دونه بمراحل، ولما أقبل أبناء العربية على دراسته، اضطروا إلى أن يدرسوه بلغات أجنبية، وأصبح علم الطب وهو في ديارنا يدرس بلسان غير عربي.
وإذا وجد فيما سلف لغويون أطباء استطاعوا أن يسيروا بعلم الطب تحت ظلال اللغة ومقاييسها، فإن علم الطب الحديث واسع المباحث،
__________
(1) التأثير فيه بنحو حديدة.
(2) الماليخوليا: المزاج السوداوي.
(6/ 1/244)

كثير الفنون، فلا يتيسر لعلماء اللغة اليوم أن يبرعوا فيه كما برع فيه كثير من اللغويين من قبل إلا بمجهود كبير، وعناية متناهية.
ومن هنا شعر الناس في هذا العصر بالحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي عربي يقوم بوضع مصطلحات العلوم؛ كي تسير اللغة الفصحى مع العلوم كتفًا لكتف.
وأخذ مجمع اللغة العربية يعمل لهذه الغاية المنشودة، ووجد في ميسوره أن ينقل العلوم - وبينها علم الطب على اختلاف فنونه، وكثرة مصطلحاته - إلى العربية الفصحى. تجد في المعاجم ألفاظاً كثيرة تتصل بهذا العلم، وهذه الألفاظ إما أن تكون نصاً في المعنى الطبي؛ نحو: "مثير" بمعنى الموضع الذي تلد فيه المرأة، فلو أطلقناه على الحجرة، أو الغرفة المعدة في المستشفى للولادة، كان استعمالاً للفظ في معناه العربي من غير تصرف فيه.
وأذكر بهذه المناسبة أني رأيت الطبيب أبا المؤيد محمد بن الصائغ الجزري ينهى في وصية له طبية عن أن يلتزم الإنسان في غذائه طعاماً خاصاً، فيقول:
إياك تلزأ كل شيء واحد ... فتقود طبعك للأذى بزمام
ووجدت لهذا المعنى بعد ذلك كلمة عربية هي: المرازمة، فقد شرحتها المعاجم بأن لا يداوم الإنسان في عيشه على طعام خاص.
ويلحق بمثل هذه الألفاظ المطابقة لمعناها: أن تذكر المعاجم في بيان مفهوم اسم المرض- مثلاً - سبب المرض، كما قالت: "السواد": داء يأخذ الإنسان من كل التمر يجد منه وجعًا في كبده، فنرى أن ذكر السبب لا يجعل الاسم خاصًا بما ينشأ عن هذا السبب، فإذا ظهر من طريق علم الطب
(6/ 1/245)

أن هذا الداء بنفسه وأعراضه قد يحصل في الكبد من سبب آخر غير كل التمر، صح أن نطلق عليه لفظ: "السواد"، وإن لم يحدث عن كل التمر، ولا نعد هذا الإطلاق من نوع التصرف لإخراجها عن موضوعاتها اللغوية.
وأنبه هنا على أن المعاجم قد تذكر للكلمة الواحدة معاني طبية متعددة، كما قالوا: "الذرب": فساد الجرح، وفساد المعدة، والمرض الذي لا يبرأ.
والمجمع يتجنب في وضع مصطلحات العلوم أن يكون بينها لفظ مشترك، ويحافظ على أن يكون للاسم الواحد في العلم الواحد معنى واحد.
وقد تذكر المعاجم للمعنى الطعي الواحد، - مثلاً -, أسماء متعددة توردها على أنها مترادفة، كما قالوا لما يقاس به غور الجرح: سبار، ومسبار، ومحراف، وقالوا لذلك المرض: السل، والسحاف، ولواضعي المصطلحات وجه من الحق في تخصيص كل اسم بنوع من أنواع ذلك المعنى متى تعددت أنواعه، وقد سلك المجمع هذا المسلك في طائفة من مصطلحات العلوم.
وقد تشير المعاجم إلى اختلاف اللغويين في معنى الاسم، كما قال صاحب "القاموس": السلعة: خرل في العنق، أو غدة في العنق، أو زيادة في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت.
وقد جرى المجمع على أن يأخذ في مثل هذا بالقول الذي يسد حاجة العلم.
ووجد المجمع في مؤلفات الأطباء فيما سلف مصطلحات محكمة الوضع، وخطته أن يحافظ على المصطلحات القديمة ما وجد لها وجهاً تدخل به في حدود العربية.
ووجد في علم العربية مقاييس تساعده على أن يصوغ للمعاني التي
(6/ 1/246)

حدثت أو تحدث أسماء عربية، فلو اتخذ في المستوصف - مثلاً - محل خاص ينزع فيه المريض ثوبه، ووجد العرب قالوا: ثرب فلان المريض يثربه: نزع ثوبه، صح أن يسمى ذلك المحل: "مثرباً".
ولم يقتصر المجمع على الأصول المعروفة بأنها مقيسة؛ نحو: الاشتقاق من المصادر أو الافعال، ونحو المجاز والنقل، بل نظر في طريق آخر سلكه العرب في وضع كعير من المفردات، وهو الاشتقاق من أسماء الأعيان كما قال العرب: جلده، ورَأَسه وبَطَنه، وصَمَخه؛ أي: أصاب جلده ورأسه، وبطنه، وصماخه، وقالوا: رمحه، وسهمه، وسافه؛ أي: أصابه بالرمح، والسهم، والسيف، ومنه: أبرته العقرب؛ أي: أصابته بإبرتها، وقالوا: لبنه وعسله ولحمه، وشحمه؛ أي: أطعمه اللبن والعسل واللحم والشحم (1)، وقالوا: جدر، وبارة أي: صنع الجدار والبئر.
وقد قرر المجمع صحة الاشتقاق من أسماء الأعيان في مصطلحات العلوم عند الحاجة، وجرى على هذا في وضع طائفة من مصطلحات العلوم.
ومن الطرق التي تتسع بها اللغة، وأخذ بها المجمع في وضع المصطلحات العملية: طريقة المصدر الصناعي، وهو المصدر الحاصل من إلحاق ياء النسب لأسماء الفاعلين والمفعولين، وغيرهما، نحو العالمية، والمعلومية، والجاذبية، والمجذوبية، وقد استعمله علماؤنا من مناطقة وفلاسفة وغيرهم في مؤلفاتهم كثيراً.
ويمتاز هذا المصدر الصريح بأنه يدل على معنى الوصف من حيث
__________
(1) نص ابن مالك في كتاب "التسهيل" على أن هذه الأنواع الثلاثة مطردة، فيصح القياس عليها.
(6/ 1/247)

صدوره عن الفاعل، أو وقوعه على المفعول، بخلاف المصدر الصريح، فإنه لا يدل على هذه الناحية الخاصة بنفسه.
ويمتاز هذا المصدر الصناعي عن المصدر الصريح من وجه آخر: هو أنه يدل على المبالغة متى كان المنسوب إليه من صيغ المبالغة، فالعلامية أبلغ من العلم، وقد رأينا الأطباء السابقين يقولون: المصحاحية، والممراضية، وهاتان الصيغتان من قبيل المصدر الصناعي، فالمصحاحية تدل على الصحة التامة؛ لأنها نسبة إلى مصحاح، وهو كثير الصحة، والممراضية تدل على المرض الشديد أو الكثير؛ لأنه نسبة إلى ممراض، وهو شديد المرض أو كثيره.
وفي المصدر الصناعي سعة من جهة أخرى هي: أنا نتوصل به إلى وضع أسماء لمعان يشير إليها اسم العين، فإذ أردنا أن نتحدث عن كون الشيء إنسانًا، أو حيوانًا، أو نباتًا، أو حجراً - مثلاً - قلنا: الإنسانية والحيوانية والنباتية والحجرية.
ووجد المجمع المعجمات قد تقتصر في بعض المواد على ذكر المصدر أو الفعل أو الوصف، فوضع المجمع قواعد لتكميل المادة الناقصة، مستمدًا هذه القواعد من أقوال علماء العربية، فإذا وجدنا المعجمات تقول- مثلاً - المؤتنب: من لا يشتهي الطعام، صح لنا أن نسمي علة انقطاع شهوة الطعام "ائتنابًا"، وإذا وجدنا المعجمات تقول: سنَّني هذا الشيء؛ أي: شهى إلي الطعام، صح لنا أن نزيد فيها فعيلاً، ونسمي الدواء الذي يقوي شاهية الطعام سنيناً وإذا وجدنا المعاجم تقول: القامح: الكاره للماء لأي علة، صح لنا أن نسمي علة انصراف النفس عن شرب الماء: "قماحاً".
(6/ 1/248)

ومن المعروف في وضع المصطلحات تفضيل اللفظ المفرد على المركب، والمجمع يحافظ على هذا القصد، فيؤثر المفرد على المركب إلا أن يكون في المركب مزية تدعو إلى اختياره، فلو أراد المجمع أن يضع لفظاً للموضع الذي يتداوى فيه بحرارة الشمس، لا أحسبه يعدل عن كلمة "المشرقة" إلى لفظ آخر مركب، فمان المشرقة موضع القعود في الشمس للتمتع بدفئها، وهذا المعنى متحقق فيما يقال له: الحمام الشمسي، ورأيت ابن سينا في "القانون" يعبر بالتضحي إلى الشمس عن التعرض للشمس بقصد التداوي.
والألفاظ العربية تختلف من حيث أنسُ السمع بها، وإساغة الذوق لها، والمجمع يلاحظ هذا فيما يضعه من المصطلحات، فإذا وجد في المعجمات - مثلاً -: توحش فلان؛ أي: أخلى معدته من الطعام لشرب الدواء، آثر عليها كلمة: تحامى للدواء؛ لأن الذوق يسيغها أكثر من كلمة توحش.
ومع ما أحرزته اللغة من الثروة الواسعة، والمقاييس التي يمكننا أن تتصيد بها من الأسماء ما نشاء، لم يقف المجمع وقفة الرافض لكل مصطلح علمي أجنبي، بل أبقى باب التعريب أمامه مفتوحًا، حتى إذا دعته ضرورة إلى قبول اسم غير عربي، وإلحاقه بالمصطلحات العربية الصميمة، أجاب داعي الضرورة، وله بالعرب في القديم أسوة، إذ قالوا: الترياق (1)، والقولنج (2)، والنقرس (3)، والكيموس (4)، والكلمات الأربع يونانية، وقالوا: "البرسام" لذلك
__________
(1) دواء مركب من أجزاء كثيرة، ويطلق على ماله نفع عظيم سريع.
(2) مرض معوي.
(3) مرض في مفاصل الكعبين، أو أصابع الرجلين.
(4) الغذاء بعد أن تهضمه العصارة المعدية.
(6/ 1/249)

المرض الصدري، والكلمة فارسية.
ومن ينظر في كتب الطب أيام رقيه في البلاد العربية يرى المؤلفين فيه قد يختلفون في بعض المصطلحات، فابن سينا- مثلاً - يستعمل البرسام، والشوصة، وذات الجنب على أنها أسماء مترادفة، وغيره يجعل كل واحد من هذه الأسماء اسماً لمرض مختص به (1).
وإنما جرى مثل هذا الاختلاف بينهم؛ لأن المصطلحات في ذلك العهد لا تصدر عن مجمع أو مؤثمر ينعقد لها.
والقصد من إنشاء المجمع اللغوي: توحيد المصطلحات العلمية، ودليل هذا: أن المجمع لم يؤلف من أعضاء مصريين فقط، بل ألف من أعضاء يمثلون البلاد العربية من نحو المغرب والشام والعراق.
وصفوة ما كنت أقول أن الطموح إلى عزة ليس بعدها عزة، يقضي علينا بأن نعيد علم الطب وسائر العلوم والفنون إلى لغتنا العربية، وأن هذه اللغة تسع - بما آتاها الله من غزارة العلم، وحكمة المقاييس - كل ما تدركه الأبصار والعقول.
ولم يبق علينا إلا أن نرجع إلى معجمات ومصطلحات علمائنا، ومقاييس لغتنا، ونتعاون على أن تكون مصطلحاتنا العلمية واحدة.
__________
(1) يخص البرسام بالمرض العارض للحجاب الذي بين الكبد والمعدة، و "الشوصة" بالورم العارض في أضلاع الخلف، و "ذات الجنب" بالورم العارض للغشاء المستبطن للأضلاع والحجاب، انظر: "كشاف مصطلحات العلوم".
(6/ 1/250)

حول تبيسيط قواعد النحو والصرف والرّد عليها (1)
أصدر بهي الدين بركات عندما تولى وزارة المعارف في مصر قرارًا بتأليف لجنة للنظر في تبسيط قواعد النحو والصرف والبلاغة، واللجنة مؤلفة من: الدكتور طه حسين، والأساتذة أحمد أمين، وعلي الجارم، ومحمد أبي بكر إبراهيم المفتش بالوزارة، وإبراهيم مصطفى المساعد بكلية الآداب، وقد قدمت اللجنة تقريراً يشتمل على اقتراحات. وقد قام الإمام بتقديم ملاحظاته عليها.
* اقتراحات اللجنة في النحو والصرف والرد عليها:

* باب الإعراب:
ترى اللجنة وجوب الاستغناء عن الإعراب التقديري، والإعراب المحلي؛ فإن مثل (الفتى) يعرب بحركات مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، ومثل (القاضي) تقدر فيه حركتا الرفع والجر، ويقال: منع من ظهورها الثقل، ومثل (غلامي) تقدر فيه الحركات الثلاث، ويقال: منع من ظهورها حركة مناسبة، وفي تقدير الحركات، وفي الإشارة إلى سبب التقدير مشقة يكلفها
__________
(1) ملاحظات الإمام محمد الخضر حسين على تقرير لجنة النظر في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة - مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزءان الثاني والثالث من المجلد الحادي عشر- الصادران في شعبان ورمضان 1357 ه - سبتمبر وأكتوبر 1938 م - القاهرة.
(6/ 1/251)

التلميذ من غير فائدة يجنيها في ضبط كلمة، أو في تصحيح إعراب.
كذلك الإعراب المحلي: فمثل (هذا هدى) - هذا: مبني على السكون في محل رفع، ومثل (يا هذا) - هذا: مبني على ضم مقدر منع منه سكون البناء الأصلي في محل نصب، وكذلك (يا سيبويه) مبني على ضم مقدر منع من ظهوره حركة البناء الأصلي في محل نصب، وهذا عناء مضاعف، وجهد يبذل لغير شيء. واللجنة ترى أن يستغنى عن الإعراب التقديري، وعن الإعراب المحلي في المفردات وفي الجمل، ويوفر على التلميذ والمعلم والعلم هذا العناء.

* العلامات الأصلية للإعراب والعلامات الفرعية:
جعلت بعض علامات الإعراب، أصلية ويعضها فرعية، فتنوب الحروف عن الحركات، وتنوب الحركة عن الحركة في أبواب معدودة معروفة، ويعرب (الزيدان) مرفوعاً بالألف نيابة عن الضمة، و (مسلمات) منصوباً بالكسرة نيابة عن الفتحة.
ولا ترى اللجنة هذا التمييز، ولا تلك النيابة، بل تجعل كلاً في موضعه أصلاً، وتقسم الاسم المعرب إلى الأقسام الآتية:
1 - اسم تظهر فيه الحركات الثلاث، وهو أكثر الأسماء.
2 - اسم تظهر فيه الحركات الثلاث مع مدها، وهو الأسماء الخمسة.
3 - اسم تظهر فيه حركتان: ضم وفتح، وهو الممنوع من التنوين.
4 - اسم تظهر فيه حركتان: ضم وكسر، وهو الجمع بألف وتاء.
5 - اسم تظهر فيه حركة واحدة هي الفتح، وهو ما آخره ياء لينة (المنقوص).
(6/ 1/252)

6 - اسم تظهر فيه ألف ونون أو ياء ونون، وهو المثنى.
7 - اسم تظهر فيه واو ونون، أو ياء ونون، وهو المجموع بهما.
ويستغنى بهذا عن الإعراب التقديري، وعن القول بنيابة علامة عن أخرى.

* ألقاب الإعراب والبناء:
جعل النحاة لحركات الإعراب ألقاباً، ولحركات البناء ألقاباً.
فحركات الإعراب: الرفع، والنصب، والجر، والجزم.
وحركات البناء: الضم، والفتح، والكسر، والسكون.
وعلى هذا، (فمحمد) مرفوع، و (قبلُ) مضموم، و (محمداً) منصوب و (الآن) مفتوح.
وهذه التفرقة دعتهم إليها الدقة، بل الإفراط في الدقة، والسخاء في الاصطلاحات، ومن النحويين من لم يلتزم هذه التفرقة، واستعمل ألقاب نوع في غيره.
وترى اللجنة أن يكون لكل حركة لقب واحد في الإعراب وفي البناء، وأن يكتفى بالقاب البناء.

* الجملة:
تتألف الجملة من جزأين أساسيين، ومن تكملة تذكر حين يحتاج إليها، وقد يستغنى عنها تبعًا لغرض المتكلم، ولما يريد أن يعرب عنه. وعلى هذا التقسيم رتبت اللجنة أبواب النحو.

* تسمية الجزأين الأساسيين:
كان أمام اللجنة أن تسميهما بالأسماء الآتية:
(6/ 1/253)

أولاً: مسند إليه، ومسند كما اصطلح علماء البلاغة، وكما عبر بعض علماء النحو قديمًا منذ سيبويه.
ثانياً: الموضوع، والمحمول. كما اصطلح علماء المنطق.
ثالثاً: الأساس، والبناء.
رابعًا: المحدث عنه، والحديث.
والأخيران: اصطلاح جديد قد يكون أوضح في معناه.
وقد عرضت اللجنة هذه الأسماء، ثم فضلت اصطلاح المناطقة، وهو: الموضوع والمحمول؛ لأنه أوجز، ولأنه لا يكلفنا اصطلاحاً جديداً.

* أحكام إعرابهما:
الموضوع: هو المحدث عنه في الجملة، وهو مضموم دائماً، إلا أن يقع بعد إنَّ أو إحدى أخواتها، والمحمول: هوالحديث، وهو الركن الثاني من ركني الجملة.
أ - ويكون اسماً، فيضم، إلا إذا وقع مع كان أو إحدى أخواتها، فيفتح.
ب - ويكون ظرفاً فيفتح.
ج - ويكون فعلاً، أو مع حرف من حروف الإضافة، أو جملة، ويكتفى
في إعرابه ببيان أنه محمول.

* الترتيب بين الموضوع والمحمول:
الجملة العربية مرنة في الترتيب طيعة، فلا تلزم أحد الركنين موضعاً واحداً، وقد ساعدتها تلك المرونة على أداء معان خاصة دقيقة، وإنما يغلب أن يتأخر الموضوع فيما يأتي:
(6/ 1/254)

أ - إذا كام المحمول فعلاً.
ب - إذا كان الموضوع نكرة.

* المطابقة بين الموضوع والمحمول:
أولاً: في النوع إذا كان الموضوع مؤنثًا، كان في المحمول علامة التأنيث.
ثانياً: في العدد إذا كان المحمول متأخراً، لحقته علامة العدد التي توافق الموضوع، وإذا كان متقدمًا، لم تلحقه، فيقال: الرجال قاموا، وقام الرجال.
وعلامة العدد التي تلحق الفعل هي في الجمع: الواو للذكور، والنون للإناث. وفي المثنى: الألف لهما، وفي المفرد: التاء للواحدة.
وتأخذ اللجنة في ذلك برأي الإمام المازني القائل: إنها علامات، لا ضمائر!!
وبهذا النحو من تقسيم الجملة إلى موضوع ومحمول، واعتبار إشارات العدد علامات لا ضمائر، يسرت اللجنة الإعراب، ونائب الفاعل، وقللت الاصطلاحات، وجمعت أبواب الفاعل والمبتدأ، واسم كان واسم إن في باب الموضوع، وجمعت أبواب خبر المبتدأ، وخبر كان وخبر إن في باب واحد هو المحمول، وخففت عن المعلمين والمتعلمين بردِّ باب ظن إلى الفعل المتعدي.

* متعلق الظرف وحروف الإضافة:
يقسم النحاة هذا المتعلق إلى قسمين:
الأول: متعلق عام؛ كمتعلق (زيد عندك، أو في الدار)، ويقدرونه (كائن، أو استقر) وهو عندهم واجب الحذف، ويعربونه هنا خبراً.
(6/ 1/255)

الثاني: متعلق خاص، ولا يفهم الكلام إذا حذف؛ مثل: (أنا واثق بك)، والخبر هو المتعلق، والظرف فضلة.
وترى اللجنة أن المتعلق العام لا يقدر، وأن المحمول في مثل: (زيد عندك، أو في الدار) هو الظرف، أما النوع الثاني، فهو كما قرر النحاة: المتعلق هو المحمول، والظرف تكملة، ويجيء إعرابها فيما بعد.

* الضمير:
من أصول اللجنة أن تلغي الضمير المستتر جوازًا أو وجوبًا، فمثل (زيد قام): الفعل هو المحمول، ولا ضمير فيه، وليس بجملة كما يعده النحاة، وهو كمثل: (قام زيد)، ومثل: (الرجال قاموا) الفعل محمول اتصلت به علامة العدد، ولا يعتبر جملة.
ومثل (أقوم) و (نقوم) مما يقدر فيه الضمير مستترًا وجوبًا: الفعل محمول، والهمزة أو النون إشارة إلى الموضوع أغنت عنه، وكفى ذلك في إعرابه.
الضمير المتصل البارز - منه الدال على العدد، وقد اعتبر إشارة لا ضميراً، واتبع فيه مذهب المازنى. وغير الدال على العدد؛ مثل: (قمت) أو (قمتَ)، (وقمتم): الضمير موضوع، والفعل قبله محمول. وإذا ذكر مع المتصل ضمير منفصل، فهو تقوية له؛ مثل: (قمت أنا)، و (أنا قمت).

* التكملة:
كل ما يذكر في الجملة غير الموضوع والمحمول فهو تكملة، وحكم التكملة أنها مفتوحة أبداً، إلا إذا كانت مضافاً إليها، أو مبسوقة بحرف إضافة.
* أغراض التكملة:
وتجيئ التكملة لبيان الزمان أو المكان، ولبيان العلة، ولتأكيد الفعل،
(6/ 1/256)

أو بيان نوعه، ولبيان المفعول، أو لبيان الحالة، أو النوع.
وبذلك جمعنا كثيراً من الأبواب؛ كالمفاعيل، والحال، والتمييز تحت اسم واحد، وهو: التكملة، دون ان نضيع غرضاً.

* الأساليب:
في العربية أنواع من العبارات تعب النحاة كثيراً في إعرابها، وفي تخريجها على قواعدهم: مثل: التعجب، فله صيغتان هما: (ما أجملَ زيداً) و (أَجْمِلْ بزيد). ومعروف خلاف النحاة في إعرابها، وعناء المعلمين والمتعلمين في شرحها وفهمها. وقد رأت اللجنة أن تدرس هذه على أنها أساليب يبين معناها واستعمالها، ويقاس عليها. أما إعرابها، فسهل (ما أحسنَ): صيغة تعجب، والاسم بعدها المتعجَّب منه مفتوح، و (أحسنْ) صيغة تعجب أيضاً، والاسم بعدها مكسور مع حرف الاضافة.
ومثل هذا: التحذير، والإغراء كما في (النارَ)، أو (إياك النارَ)، أو (النارَ النارَ): هو أسلوب، والاسم فيه مفتوح، والاسمان مفتوحان أيضاً، وإنما توجه العناية في درس هذه الأساليب إلى طرق الاستعمال، لا بتحليل الصيغ وفلسفة تخريجها، وقد جمعت أمثال تلك العبارات لتدرس على هذا الوجه.

* ملاحظات الإمام على الاقتراحات:
اطلعت على تقرير اللجنة التي ألفتها وزارة المعارف للنظر في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة، فمررت في أثناء قراعته على عبارات يخالطها شيء من الغموض، وآراء لا يظهر لها وجه في تيسير القواعد، بل آراء أرادت اللجنة أن تستبدلها بأصول اتفق عليها النحاة، ولم يكن بجانب هذه الآراء
(6/ 1/257)

ما يجعلها أرجح من تلك الأصول المتفق عليها.

ومن المعقول أن تيسير القواعد باختيار المذهب السهل، أو ابتكار مذهب سهل يقوم عليه الشاهد، وتؤازره الحجة، وليس من المعقول أن يلقن الناشئ رأياً في أنظمة اللغة الفصحى بدعوى أنه أيسر، حتى إذا قوي في العلم، رأى رأي الباصرة كيف يسقط هذا الرأي أمام الشاهد والدليل. وسواء علينا مست اللجنة اقتراحاتها أصلاً من أصول اللغة، أم لم تمس تلك الأصول من قريب أو بعيد فشأننا نقد هذه الاقتراحات اجابة لرغبة وزارة المعارف، وإبداء ما رأيناه فيها من وهن، أو حيدة عن الأصول الثابتة بمكانها.
* الاقتراحات:
تعرضت اللجنة للإعراب التقديري، والإعراب المحلي، وبعد أن ساقت أمثلة من المعتل والمضاف والمبني، وذكرت ما يقوله النحاة في إعرابها، قالت: واللجنة ترى أن يستغنى عن الإعراب التقديري، وعن الإعراب المحلي في المفردات وفي الجمل، ويوفر على التلميذ والمعلم والعلم هذا العناء.
قرر النحاة الإعراب التقديري، والإعراب المحلي، ذلك أن تتبع كلام العرب دلهم على أن الكلمة إذا وقعت مسنداً إليها - مثلاً - كان حالها في الإعراب الرفع، فإذا ورد مسند إليه لم يظهر عليه حال الإعراب لعلة خاصة في ذلك اللفظ؛ كعدم قبول الحرف الأخير لحركة الضم، سلكوا به في الإعراب مسلك أمثاله من الكلم المسند إليه، وعدوه من قبيل المرفوعات، وقالوا: إن الضم مقدر؛ أي: منوي، وملاحظ.
وهذا حال الجملة الواقعة موقع المفرد المعروف بنوع من الإعراب؛ كالجملة الواقعة موقع الخبر المعروف بالرفع إذ يرون أن مقتضى الرفع الظاهر
(6/ 1/258)

في المفرد، وهو الخبرية، متحقق في الجملة، فيعطون المقتضى أثره الذي هو الرفع، غير أن هذا الأثر يكون ملاحظاً لا ظاهراً، وذلك معنى قولهم: إن الجملة في محل رفع.
ولم يكن إجراء افراد المسند إليه في الإعراب على طريقة واحدة هو الداعي الوحيد إلى تقرير الإعراب التقديري، أو المحلي، بل دعاهم إليه داع آخر، هو ما يرد بعد المقصور والمنقوص، والمضاف والمبني؛ من نحو: النعت والعطف والتوكيد؛ فإن توابع هذه الأنواع تجري في إعرابها على الحركات التي تظهر فيها عندما تكون تابعة لاسم معرب صحيح الآخر غير مضاف، وهذا معروف في القرآن الكريم وغيره من الكلام العربي الفصيح.
فإذا وقع المقصور أو المضاف أو المبني أو الجملة موقعًا يقتضي وجهاً خاصًا من الإعراب؛ كالفاعلية والخبرية، ثم تلاه تابم قد ظهر فيه هذا الوجه الخاص، وهو الضم، أفلا يكفي هذا دليلاً على أن الوجه نفسه ملاحظ في المقصور وما عطف عليه من الألفاظ التي لا يظهر فيها أثر الإعراب؛ وإذا اقتضى حال البادئ ألا يتعرض في تعليمه للإعراب التقديري، والإعراب المحلي، فإن عقدة التوابع لما لا يظهر فيه الإعراب، لا تنحل إلا بمراعاتهما، فليس في الاستغناء عنهما توفير لعنائهما على العلم كما تقول اللجنة.

* العلامات الأصلية للإعراب والعلامات الفرعية:
خالفت اللجنة النحاة في أن يكون للإعراب علامات أصلية وعلامات فرعية تنوب عنها، وقالت: "لا ترى اللجنة هذا التمييز، ولا تلك النيابة، بل تجعل كلاً في موضعه أصلاً"، ثم قسمت الاسم المعرب إلى سبعة أقسام، وأشارت بلى إعراب الأسماء الخمسة، فقالت: "اسم تظهر فيه الحركات الثلاث
(6/ 1/259)

مع مدها، وهي الأسماء الخمسة"، وأشارت إلى إعراب المثنى والجمع، فقالت: "اسم تظهر فيه ألف ونون، او ياء ونون، وهو المثنى، واسم تظهر فيه واو ونون، أو ياء ونون، وهو المجموع بهما".
يقول النحاة: الأصل في الإعراب أن يكون بالحركات، ويكون بالرفع والضم، والنصب والفتح، والجر والكسر، ذلك أن الحركة أخف من الحرف، ثم هي أبين في الدلالة على المعنى المقصود بالإعراب؛ لظهور زيادتها على بنية كاملة، وعدم تدخلها في الدلالة على مفهومها، بخلاف الحرف؛ كألف المثنى، وواو الجماعة؛ فإن لها دخلاً في الدلالة على مفهوم الكلمة؛ إذ بسقوطها يختل المفهوم، والعلامة التي تختص بالدلالة على معنى لا تتعداه إلى غيره أقوى من علامة تشعر به مع دلالتها على شيء آخر.
ثم إن الرفع بالضم، والنصب بالفتح، والجر بالكسر، هي إعراب أكثر الألفاظ الدائرة في الكلام العربي، فلم يخرج عن الرفع بالضمة شيء مما يعرب بالحركات، ولم يخرج عن النصب بالفتح سوى جمع المؤنث السالم، ولم يخرج عن الجر بالكسر سوى الممنوع من الصرف.
ولكون الإعراب بالحروف، والنصب بالكسر، والجر بالفتح على خلاف الأصل، ترى العرب يرجعون إلى الأصل المشار إليه في كثير من الأحوال؛ كالمجرور بالفتح "ما لا ينصرف" يرجعون به إلى الأصل في حال الإضافة، وحال اتصاله بأداة التعريف، والأسماء الخمسة يرجعون بها إلى الأصل إذا جردت عن الإضافة، أو أضيفت إلى ياء المتكلم، و "كلا وكلتا" يرجعون بهما إلى الأصل إذا أضيفا إلى اسم ظاهر.
وفي بعض ما خرج عن الأصل لغات تجري على الأصل؛ كالأسماء
(6/ 1/260)

الخمسة، ولو في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم، ورجعوا بما لا ينصرف إلى الأصل لداعي ضرورة أو تناسب، وورد في هذا كثير من أشعارهم، وحكى قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقاً لغة قوم.
وفي بعض ما خرج عن الأصل أقوال تجيز إعادته إلى الأصل، كما أجاز الكوفيون نصب جمع المؤنث السالم بالفتح على الأصل.
ومجمل القول: أن الوجوه التي دعت علماء العربية إلى تقسيم علامات الإعراب إلى أصلية وفرعية وجوه لا يستهان بها، ومن هنا نشأ بحثهم عن أسباب عدول العرب في بعض أنواع الكلم عن تلك الأصول إلى غيرها.
وفي إعراب الأسماء الخمسة مذاهب اختارت اللجنة منها أنها معربة بالحركات الظاهرة، والواو والألف والياء حروف مد د"إشباع"، وهو مذهب المازني، وإذا ذهب المازني إلى هذا الوجه، مع ما فيه من دعوى الإشباع الذي يعد من الأحوال الشاذة في الكلام العربي، فلأن الحركات عنده هي العلامات الأصول، فلا يعدل في الإعراب إلى الحروف إلا حيث يتعذر تخريجه على الأصول، أما اللجنة، فإنها ترى الواو والألف والياء علامات أصول، فما الذي دعاها إلى العدول عن أصول لا شذوذ معها، إلى أصول يصحبها شذوذ؟

* ألقاب الإعراب والبناء:
ذكرت اللجنة أن النحاة جعلوا لحركات الأعراب ألقاباً هي: الرفع والنصب والجر والجزم، ولحركات البناء ألقاباً هي: الضم والفتح والكسر والسكون، ثم قالت: "ومن النحويين من يلتزم هذه التفرقة، واستعمل ألقاب نوع في غيره، وترى اللجنة أن يكون لكل حركة لقب واحد في الإعراب
(6/ 1/261)

والبناء، وأن يكتفى بألقاب البناء".
للرفع والنصب والجر والجزم في اصطلاح النحويين وجهان تستعمل ألقاباً لما تحدثه العوامل في آخر الكلمة من حركات وسكون وما ناب عنهما، فالضمة بمقتضى هذا الاصطلاخ رفع، والواو رفع، وهكذا سائرها تطلق على الحكم الذي يحدثه العامل، والضمة والواو وغيرها من العلامات دالة عليه، وكل من الاصطلاحين يجري عليه الإعراب في انتظام، أما اللجنة، فقد أحدثت لنفسها اصطلاحا هو استعمال الضم والفتح والكسر ألقاباً للإعراب والبناء، مع إلغاء ألقاب الرفع والنصب والجر، فلم تنتظم عباراتها في الحديث عن حال الإعراب، ذلك أن الاسم المعرب لا يوصف على مقتضى اصطلاحها بالرفع ولا النصب ولا الجر، وإنما يقال في إعرابه: مضموم ومفتوح ومكسور، وهذا يستقيم في نحو المفرد، وأما المثنى والجمع، كالفاعل في نحو: جاء الزيدان، أو الزيدون، فإنه لا يقال فيه: مرفوع؛ لأن اللجنة ألغت الرفع، ولا يقال: مضموم؛ لأنها لما قسمت علامات الإعراب، بنت تقسيمها على حسب ما يظهر في آخر الاسم، فجعلت من المعربات ما تظهر فيه الحركة؛ كالاسم المفرد، ومنها ما تظهر فيه ألف ونون، وهو المثنى، أو واو ونون، وهو الجمع، قالت هذا، وصرحت بأن كلاً من الألف والواو أصل في الإعراب، وأنكرت أن يقال: إنهما نائبان عن الضم. ولا ندري ماذا تقول اللجنة في وجه ضم التابع المعرب بالحركات إذا كان متبوعه معربًا بالحروف؛ نحو: جاء الزيدون كلُّهم؛ فإن الفاعل في هذا المثال بمقتضى اصطلاح اللجنة ليس بمرفوع ولا مضموم، ففي أي شيء تبع هذا التأكيد المضموم ذلك الاسم المؤكد، وهو غير مضموم؟ أما النحاة، فإعرابهم للمثال منتظم؛ فإن التابع والمتبوع يشتركان في الرفع على كلا الوجهين من اصطلاحهم، فالرفع على
(6/ 1/262)

الوجه الأول لقب يتناول النوعين: الضم، والواو، وهو على الوجه الثاني: حكم، والضم والواو يدلان عليه.

* تسمية الجزأيين الأساسيين للجملة:
ذكرت اللجنة اصطلاح أرباب العلوم في تسمية الجزأين الأساسيين للجملة، وقالت: "وقد عرضت اللجنة الأسماء، ثم فضلت اصطلاخ المناطقة، وهو: الموضوع والمحمول؛ لأنه أوجز، ولأنه لا يكلفنا اصطلاحاً جديداً".
نظر النحاة إلى ما يسميه المناطقة موضوعاً، فوجدوا محموله إما اسماً، أو جملة اسمية، أو فعلية، وإما فعلاً أو وصفاً متقدماً عليه، ووجدوا هذين النوعين يختلفان في أحكام شتى، فرأوا أن اختلافهما في الأحكام يناسب أن يكون لكل منهما باب يجمع مباحثه، واسم يمتاز به، فسموا الأول: مبتدأ، والثاني: فاعلاً، ووضعوا لكل منهما باباً خاصاً.
وإذا كان للجزء الأول اسم واحد عند المناطقة هو الموضوع، واسم واحد عند البيانيين هو المسند إليه، فلأن أنواعه لا تختلف بالنظر إلى الأحوال المبحوث عنها في ذينك العلمين اختلافاً يقتضي تقسيماً مثل التقسيم الواقع في علم النحو.

* أحكام إعرابها:
قالت اللجنة: "الموضوع هو: المحدث عنه في الجملة، وهو مضموم دائماً، إلا أن يقع بعد إنَّ أو إحدى أخواتها.
صرحت اللجنة قبل هذا بأن الألف في المثنى، والواو في الجمع كلّ منهما أصل في الإعراب، وخالفت النحاة في قولهم: إن الضم أصل، والألف والواو نائبان عنه، فكان على اللجنة إذ حكمت على الموضوع بالضم الدائم
(6/ 1/263)

أن تستثني المثنى والجمع؛ لأنهما لا يظهر في آخرهما ضم، ولا شيء ينوب عن الضم.
وتحدثت اللجنة عن إعراب المحمول ذاكرة له ثلاثة أقسام، فقالت: فيكون اسماً، فيضم، إلا إذا وقع مع كان أو إحدى أخواتها، ويكون ظرفاً، فيفتح، ويكون فعلاً، أو مع حرف من حروف الإضافة، أو جملة، ويكتفى في إعرابه ببيان أنه محمول".
كان على اللجنة ان تحافظ على اصطلاحها السابق؛ من أن الألف في المثنى، والواو في الجمع علامتان أصليتان، فتقول: فيضم، أو يظهر في آخره ألف ونون، أو واو ونون، واكتفاء اللجنة في إعراب المحمول الواقع فعلاً أو جملة ببيان أنه محمول مبني على إلغائها للإعراب المحلي، وقد أريناك أن الجملة الواقعة موقع المفرد لا تستغني عن الإعراب المحلي؛ إذ عليه يقوم إعراب تابعها؛ نحو: (زيد أبوه كريم، وعالم أخوه)، ولم يجر - فيما نعلم - خلاف بين النحاة في فصاحة هذا الأسلوب، أما اكتفاؤها في إعراب المحمول المصاحب لحرف الإضافة ببيان أنه محمول، فمبني على ما ذهبت إليه اللجنة من عدم تقدير المتعلق العام، وجعل الجار والمجرور نفس المحمول، وسننبه على مكان هذا المذهب من الضعف، والحق أن الجار والمجرور الواقعين بمكان الخبر متى صرف النظر عن متعلقهما، أخذا حكم الخبر، وكانا بمحل رفع، ووردت التوابع بعدهما على رعاية هذا المحل؛ كأن تقول (زيد في الدار أو مسافر).

* المطابقة بين المحمول والموضوع:
قالت اللجنة: "وعلامة العدد التي تلحق الفعل هي في الجمع: الواو
(6/ 1/264)

للذكور، والنون للاناث، وفي المثنى: الألف لهما، وفي المفرد: التاء للواحدة، وتأخذ اللجنة في ذلك برأي الإمام المازني القائل: إنها علامات لا ضمائر".
يقول جمهور النحاة: إن الواو في نحو: الزيدون قاموا، والنون في نحو: الهندات قمن، والألف في نحو: الزيدان قاما، هي ضمائر، وهي المسند إليها الفعل، ويقول المازني: "هي علامات، وفي الأفعال ضمائر مستكنة هي المسند إليها الفعل"، أما اللجنة، فتراها علامات كما يراها المازني، ولكنها ترى الأفعال خالية من ضمائر على ما تصرح به بعد من إلغائها للضمائر المستترة.
فرأي اللجنة في إعراب الأفعال التي تلحقها الواو والنون والألف لا يطابق مذهب المازني من كل وجه، ولهذا نجد رأيها قد يترلزل أمام نقد يثبت أمامه مذهب المازني.
ماذا تقول اللجنة حين تُسأل عن الموضوع في مثل قوله تعالى: "فسجدوا" من آية: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [البقرة: 34]؟ وعن الموضوع في مثل: جفوني من قول الشاعر:
جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل
وعن الموضوع في مثل: "هوينني" من قول الشاعر:
هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالي
لا يستقيم لها أن تقول: الموضوع في الآية لفظ: الملائكة، وفي البيت الأول لفظ: الأخلاء، وفي البيت الثاني: الغانيات، كما قالت: الموضوع في نحو: الزيدون قاموا، والهندات قمن، والزيدان قاما: هذا الاسم الظاهر؛
(6/ 1/265)

لأن لفظ الملائكة مكسور، ولفظ الأخلاء مفتوح، ولفظ الغانيات ظاهرة في آخره كسرة، والموضوع - على ما تقول اللجنة - مضموم دائماً.
ولا يشكل علينا إعراب هذه الأسئلة على مذهب المازني؛ لأنه يقول: المسند إليه هو الضمير المستتر، والواو والنون من قبيل العلامات المشيرة إلى العدد.

* متعلق الظروف وحرف الإضافة:
ذكرت اللجنة ما يقول النحاة في متعلق الظروف وحروف الإضافة، وتقسيمهم له إلى: متعلق عام، ومتعلق خاص، ثم قالت: "وترى اللجنة أن المتعلق العام لا يقدر، وأن المحمول في مثل: زيد عندك، وفي الدار، هو الظرف".
لاحظ النحاة أن الجملة ذات المبتدأ والخبر المفرد لا يستقيم معناها إلا على معنى أن هذا المحمول عين الموضوع؛ نحو: زيدٌ إنسان، أو قائم، فإذا ورد بعد المبتدأ ظرف؛ نحو: زيد: أمامك، فالظرف من قبيل الاسم الجامد، ولا يستقيم معنى الجملة على أن هذا الخبر هو عين المبتدأ؛ إذ الظرف الذي هو المكان ليس عين زيد، ولما كانت حكمة العرب تأبى لهم أن يخبروا بجامد عن جامد ليس عينه، وثق النحاة بأن العرب لابد أن يكونوا قد لاحظوا عند النطق بهذا الترتيب كلمة أخرى يصح حملها على المبتدأ، وحذفوها على عادتهم في حذف ما تشير القرائن إلى مكانه، والتركيب ينساق بسامعه إلى معنى أن زيداً موجود وكائن أمام المخاطب، فقالوا: إن المحمول هو هذا اللفظ الملاحظ في نظم الكلام، والظرف قيد له.
ولاحظ النحاة أيضاً أن حروف الإضافة وضعت لتربط بين الأسماء والأفعال، وأنه لا يتحقق معنى حرف الإضافة في الجملة إلا إذا تعلق بفعل،
(6/ 1/266)

أو ما يقوم مقامه في الدلالة على الحدث، فإذا جاءتهم جملة تشتمل على حرف الإضافة، وليس هناك فعل، أو ما يشبهه؛ نحو: زيد في الدار، ذكروا قاعدة وضع حروف الإضافة، وما تجري عليه في الاستعمال، وعرفوا بذلك أن العرب لا يستعملون حرف الإضافة دون أن يكون له متعلق من العقل أو نحوه، فوثقوا من أن في الجملة متعلقاً لحرف الإضافة ملاحظًا في نظم الجملة، وأول ما ينساق إليه ذهن سامع الجملة هو معنى موجود وكائن، فإذا قال النحاة: إن لحرف الإضافة في نحو: زيد في الدار متعلقاً منويًا هو من معنى الكون العام، فقد جروا في إعراب الكلام على ما تقتضيه قاعدة وضع الحروف، ونبهوا على لفظ لا يظهر معنى الجملة في صورته الجلية إلا بملاحظته.

هذا وقد جرى بعض النحاة على ظاهر حال الجملة، وقالوا كما قالت اللجنة: إن الظرف والجار والمجرور هو الخبر، ولا حاجة إلى تقدير متعلق، غير أن هؤلاء يخالفون اللجنة بقولهم: إن الضمير الذي كان في المتعلق انتقل إلى الظرف والجار والمجرور، وصار ملاحظًا معه، ولم يبق للمتعلق حظ من الإعراب، واللجنة التي تنكر الضمير المستتر في: زيد قام، لا تسيغ أن يكون في الظرف والجار والمجرور هذا الضمير.
وورد في الشواهد العربية الصحيحة نحو: "فإن فؤادي عندك الدهرَ أجمعُ"، وهذه الطائفة من النحويين يقولون: إن أجمع توكيد للضمير الملاحظ في الظرف، وماذا ترى اللجنة في وجه ضم أجمع، ولم يسبقه على مقتضى رأيهم مؤكد مضموم؟
* الضمير:
قالت اللجنة: "من أصول اللجنة أن تلغي الضمير المستتر جوازاً أو وجوباً، فمثل: زيد قام، الفعل هو المحمول، ولا ضمير فيه، وليس بجملة
(6/ 1/267)

كما يعده النحاة، وهو كمثل: قام زيد".
أنكرت اللجنة الضمير المستتر جوازاً ووجوباً، ووجه ما يقوله النحاة: أنهم وجدوا في بعض الجمل أفعالاً لم يذكر معها اسم ظاهر، ولا ضمير بارز يصلح لأن يكون فاعلاً (موضوعاً) لها.
فقالوا: إن الفاعل ضمير مستتر؛ أي: ملاحظ في ذهن المتكلم عند إلقاء الجملة، ولم يذكره استغناء عنه بالقرينة المشيرة إليه، فنحو "كتب" من قولك: أمرت زيداً بالكتابة، فكتب، فعل لم يذكر معه اسم ظاهر، ولا ضمير بارز يصلح لأن يكون فاعلاً له، ولكل فعل فاعل، فالنحاة يقولون: إن الفاعل ضمير مستتر يعود على زيد، والقرينة تقدم الأمر له بالكتابة، وإذا أرادوا التنبيه لهذا الضمير الذي أسند إليه الفعل، دلوا عليه بلفظ الضمير المنفصل، فقالوا: "هو". ليس بمعقول أن تقول اللجنة: إن لفظ: كتب في المثال مسند إلى زيد المتقدم.
وهو مفتوح على أنه مفعول به تكملة؛ فإنه سبق لها أن قالت: "والموضوع مضموم دائماً".
ومما يساعد النحاة على تقدير الضمير مع الفعل الذي لم يذكر بعده اسم ظاهر، ولا ضمير بارز: أنهم وجدوا بعض العرب قد أتوا بعد الفعل بمعطوف لا يستقيم عطفه إلا على ضمير ملاحظ في الفعل؛ نحو قول جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... مالم يكن وأبٌ له قد نالا
فإن قوله: "وأب له" لا يستقيم عطفه إلا على الضمير المستكن في قوله: لم "يكن".
ومن هذا قول عمر بن أبي ربيعة:
(6/ 1/268)

قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسفن رملا
فإن قوله: "زهر" معطوف كذلك على الضمير المستتر في قوله: "أقبلت".
وقد اتفق علماء العربية فيما نعلم على أن نحو: "رأيت الذي سافر يوم الجمعة وزيد" أسلوب عربي فصيح.
وقالت اللجنة: "ومثل: أقومُ، ونقوم؛ مما يقدر فيه الضمير مستتراً وجوباً الفعل محمول، والهمزة أو النون إشارة إلى الموضوع أغنت عنه، وكفى ذلك في إعرابه".
يقول النحاة في الأفعال المشار إليها في هذه العبارة: الفاعل ضمير مستتر وجوباً، وتقول اللجنة: "والموضوع أشارت إليه الهمزة والنون، فأغنت فيه"، وقد ظنت اللجنة أنها يسرت بهذا الصنع قاعدة من قواعد النحو، ولا أظنها فعلت؛ إذ معنى الإشارة إلى الموضوع لا يقل عن قول النحاة: إن الموضوع مستتر؛ أي: ملاحظ في نفس المتكلم، والنحاة يفسرون الضمير المستتر بالضمير المنفصل. فيقولون: تقديره: أنت، أو نحن، ولا ندري ماذا يكون جواب اللجنة لو طلب منها بيان هذا الموضوع الذي أشارت إليه الهمزة أو النون، ولعلها تضطر فتذكر هذه الضمائر التي يذكرها النحاة، وإذا استطاع التلميذ أن يفهم إعراب جملة مركبة من فعل وحرف يشير إلى الموضوع، لم يعسر عليه أن يفهم إعراب جملة مركبة من فعل وضمير مشار إليه بحرف، ولم تحدثنا اللجنة عن الحرف الذي يشير إلى الموضوع في فعل الأمر نحو: "اكتب"، وفي اسم الفعل نحو: صَهْ، وأُفّ.
وقالت اللجنة: "الضمير المتصل البارز منه الدال على العدد، وقد اعتبر إشارة لا ضميراً، واتبع فيه مذهب المازني. وغير الدال على العدد مثل:
(6/ 1/269)

"قمت، أو قمتم" الضمير موضوع، والفعل قبله محمول، وإذا ذكر مع المتصل ضمير منفصل، فهو تقوية له مثل: قمت أنا وأنا قمت".
نبهنا فيما سلف على الفرق بين رأي اللجنة ومذهب المازني في نحو: "الزيدان يقومان، والزيدون يقومون، والنسوة يقمن"، وقول اللجنة هنا: وإذا ذكر مع المتصل ضمير منفصل، فهو تقوية له، عبارة غير واضحة؛ لأن موضوع بحثها الإعراب، ومقتضى موضوع البحث أن تريد من التقوية التوكيد المعروف في علم النحو، وهذا ظاهر في مثل: "قمت أنا"، أما نحو: "أنا قمت"، فالضمير المنفصل لا يدخل في باب التوكيد المعدود من التوابع، وإنما هو مبتدأ أخبر عنه بجملة، وحصل توكيد النسبة من تكرر الإسناد؛ لأن فعل القيام أسند إلى الضمير المتصل على وجه الفاعلية، وأسند إلى الضمير المنفصل في ضمن الجملة على وجه الخبرية.
فإذا كانت اللجنة تريد أن تخالف النحاة فيما قرروه من وجوب تأخير التأكيد عن المؤكد، فلتكن عباراتها أوضح مما كتبت، حتى يكون للناقد رأي في هذه المخالفة.

* التكملة:
اختارت اللجنة أن تسمي كل ما عدا الموضوع، والمحصول: تكملة، ثم قسمت التكملة بالنظر إلى أغراضهما إلى تكملة لبيان الزمان أو المكان: "المفعول فيه"، ولبيان العلة: "المفعول المطلق"، ولبيان المفعول: "المفعول به"، أو لبيان "الحال"، أو لبيان النوع: "التمييز"، ثم قالت اللجنة: وبذلك جمعنا كثيراً من الأبواب؛ كالمفاعيل، والحال، والتمييز تحت اسم واحد هو: التكملة دون أن نضيع غرضاً.
(6/ 1/270)

إذا كان الناشئ يلقن أغراض التكملة، وكان إعراب التكملة يستدعي ذكر الغرض منها، فإن اللجنة لم تأت بشيء سوى أنها استبدلت بالمصطلحات النحوية كلمات ليست بأوجز منها، ففي نحو: جاء زيد راكباً يقول النحاة: راكباً حال. وتقول اللجنة: راكباً تكملة لبيان الحالة، وفي نحو: عندي عشرون كتاباً يقول النحاة: كتاباً تمييز، وتقول اللجنة: كتاباً تكملة لبيان النوع، فالذي نرى أن المصطلحات النحوية تشعر بالأغراض مع الإيجاز، فلا داعي إلى أن نستبدل بها مصطلحات أخرى.

* الأساليب:
قالت اللجنة: إن النحاة تعبوا كثيراً في إعراب أنواع من العبارات، وفي تخريجها على قواعدهم؛ مثل: التعجب، ثم قالت: "وقد رأت اللجنة أن تدرس هذه على أنها أساليب يبين معناها، واستعمالها، ويقاس عليها، أما إعرابها، فسهل "ما أحسن": صيغة تعجب، والاسم بعدها المتعجبُ منه مفتوح "وأحسنْ": صيغة تعجب، والاسم بعدها مكسور مع حرف الإضافة".
صيغة التعجب يكثر دورانها في كلام العرب، وتتعلق بها أحكام خاصة، ولذلك عقد لها النحاة في كتبهم باباً قائماً بنفسه، وما ذكرته اللجنة لا يكفي في إعراب هذه الصيغة، بل هو إهمال لإعرابها؛ إذ أقل ما يجب في إعراب الجملة أن يبين فيها الموضوع والمحمول، وإعراب جملة التعجب على الوجه الذي ذكرته اللجنة لم يبين فيه الموضوع، ولا المحمول، وإذا كان النحاة قد تعبوا كثيراً في إعرابها، وتخريجها على قواعدهم، فمن السهل على اللجنة أن تختار وجهاً من الوجوه التي تعبوا فيها، وتقتصر عليه في إعراب الجملة، وإذا بدا للجنة أن النحاة لم يصيبوا في تخريج صيغة التعجب على
(6/ 1/271)

قواعدهم، أو أن قواعدهم التي خرجوا عليها الصيغة غير صحيحة، أو غير ميسرة، فلتورد على وجه الاجتهاد تخريجا غير تخريجهم، ووجهًا من الإعراب أيسر من وجوههم.
وقالت اللجنة: "ومثل هذا التحذير والإغراء؛ كما في: النارَ، أو إياك والنارَ، أو النارَ النارَ، وهو أسلوب، والاسم منه مفتوح، والاسمان مفتوحان أيضاً، وإنما توجه اللجنة العناية في درس هذه الأساليب إلى طرق الاستعمال، لا بتحليل الصيغ وفلسفة تخريجها".
إذا قيل للتلميذ في درس النحو: إن النار "في نحو النارَ النارَ"، وأخاك في نحو "أخاك أخاك" مفتوح، يذهب ذهنه، وإن لم يكن نبيها، إلى أن هذه الكلمات تكملات من تكملات الجملة، ويتشوف لمعرفة ركني الجملة: "الموضوع، والمحمول"، فماذا يكون جواب المعلم له؟ "أيقول له: هذه صيغة لا محمول لها"، ولا موضوع، أو يقول له: لها موضوع ومحمول لا حاجة بك إلى معرفتهما؟
ثم إن درس أسلوب التحذير والإغراء يستدعي بيان معنى الصيغة، وإذ استبان معناها، كان من أسهل ما يلقنه التلميذ أن هذه الأسماء المفتوحة تكملات لفعل وفاعل: "موضوع، ومحمول" جرت العرب على حذفهما؛ لقيام ما يدل عليهما.
ولا أظن اللجنة تريد من مثل هذا الاختصار البالغ في الإعراب صرف المعربين عن حديث تقدير مفرد أو جملة في الكلام، ولو في مثل هذه الصيغ التي لا يجد التلميذ في معرفة الفعل والفاعل المقدرين فيها أدنى صعوبة.
هذا ما أردت تقديمه لوزارة المعارف، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(6/ 1/272)

الإمتاع (1) بما يتوقف تأنيثه على السماع
الحمد لله العلي الأعلى، والصلاة والسلام على مرشد الأمم إلى الطريقة المثلى، والرضا عن آله الأبرار، وصحبه الأخيار.
أما بعد:
فهذه رسالة في الألفاظ المؤنثة سماعاً، جمعتها مرتبة على حروف المعجم؛ لتكون تذكرة لي ولمن شاء أن يذكر بها من الكتاب والأدباء بعدي.
وقد أخذت فيها على القلم أن يستشهد على كل كلمة بنص إمام من أئمة اللغة، وستجد فيها ما ينبهك على أن الشيخ ابن الحاجب وغيره قد أوردوا كلمات فيما يجب تأنيثه، والتحقيق أنها مما يجوز فيها التذكير والتانيث، وإليك ما تقصيت أثره ووقعت عليه يدي من هذه الاسماء.
حرف الهمزة
(الإبْطُ): هو باطن المنكب، وتكسر الباء، قد يؤنث. "قاموس". وقال ابن جني: يذكر ويؤنث، وتذكيره أجود. قال أبو حاتم: سألت بعض فصحاء
__________
(1) بحث نشره الإمام في رسالة صغيرة مطبوعة. ونشر في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس من المجلد الثاني عشر الصادر في ذي الحجة 1358 - يناير 1940. والجزء الأول من المجلد الثالث عشر- الصادر في رجب 1359 - أغسطس 1940 - القاهرة.
(6/ 1/273)

العرب عن تأنيث الإبط، فأنكره أشد الإنكار، فقلت: إنه حكي لنا أن بعض العرب قال: وقع السوط حتى برقت إبطه، فقال: ليس هذا من العربية، إنما هو: حتى وضح إبطه. "المخصص".
(الإبْهَامُ): أكبر الأصابع، وقد تذكر. "قاموس". وقال ابن جني: الإبهام يؤنث، وتذكيره لغة لبني أسد.
(الأذُنُ): الأُذن- بالضم - وبضمتين معروفة مؤنثة. "قاموس". وفي "لسان العرب": وأذن كل شيء: مقبضه؛ كأذن الكوز والدلو على التشبيه، وكله مؤنث.
(الأَرْنَبُ): عدها ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه، وعده صاحب "المكمل" فيما يؤنث. وظاهر عبارة المبرد في "الكامل" أنه يؤنث إذا قصد به أنثى ويذكر إذا أريد به ذكر، قال: إن العقاب يقع على الذكر والأنثى، وانما ميز باسم الإشارة كالأرنب.
(أَرْوَى): هي جمع، أو اسم لأروية، وهي الأنثى من الوعول، عدها صاحب "المكمل" فيما يؤنث. وفي "اللسان": والأروى مؤنث.
(الأزْيَبُ): السرعة والنشاط مؤنث، يقال مرَّ فلان وله أزيب منكرةٌ: إذا مر مرًا سريعًا من النشاط. "لسان العرب".
(الإزَارُ): الملحفة، ويؤنث. "قاموس". والإزار: الملحفة، يذكر ويؤنث عن اللحياني. "لسان العرب". وقال ابن سيده: وقول أبي ذؤيب "وقد علقت دم القتيل إزارها" يجوز أن يكون على لغة من أنث الإزار.
(الاسْتُ): عده ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه. وأورده صاحب "المكمل في شرح المفصل" في قبيل المؤنث السماعي.
(6/ 1/274)

(الإصْبَعُ) أشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التأنيث والتذكير بقوله: وقد تذكر. وقال ابن فارس: الأجود في أصبع الإنسان التأنيث. وقال الصاغاني: يذكر ويؤنث، والغالب التأنيث.
(الأشْفى): المثقب والسراد يخرز به، ويؤنث. "قاموس".
(الأَضْحَى): جمع أضحاة، وهي الذبيحة يذكر ويؤنث. ومن ذَكَّر، ذهب بها إلى اليوم. "لسان العرب"، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة.
(الأَفعى) ذكرها ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه، وكذلك أوردها صاحب "المكمل" في حساب ما يؤنث.
(الألفُ) الألف من العدد مذكر، ولو أنث باعتبار الدراهم، لجاز.
"قاموس". وقال ابن جني: الألف من العدد مذكر، فإن أنث، فإنها يذهب بها إلى الدراهم.
(الآلُ): هو السراب، أو خاص بما في أول النهار، ويؤنث. "قاموس". وقال ابن جني: الآل الذي يشبه السراب مذكر، وتأنيثه لغة.
حرف الباء
(بَشَرٌ) أورده صاحب "المكمل" فيما يؤنث ويذكر، ومعناه أنه يقع على الأنثى والذكر، ولكن يقال: هي بشر، وهو بشر؛ كما في "لسان العرب". (البطن) خلاف الظهر مذكر. "قاموس". ومثله في "لسان العرب"، ثم قال: وحكى أبو عبيدة أن تأنيثه لغة.
(البلد) بلد يذكر ويؤنث. "مصباح". قال سيبويه: هذه الدار نعمت البلد، فأنث حيث كان الدار. "لسان العرب".
(البنصر) البنصر مؤنثة. "قاموس". ومثله في "اللسان".
(6/ 1/275)

(البِيرُ) هي أنثى. قاموس. ومثله في (اللسان".
حرف التاء
(تمر) يذكر ويؤنث. "المكمل في شرح المفصل".
حرف الثاء
(الثدي) أشار صاحب "القاموس" إلى وجه التأنيث بقوله: ويؤنث. وقال النووي في "شرح مسلم": الثدي مذكر، وقد يؤنث في لغة. وفي "المحكم": الثدي معروف يذكر ويؤنث.
(ثعلب) عدها ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه.
حرف الجيم
(الجحيم) عده ابن قتيبة وابن الحاجب فيما يؤنث. وقال ابن جني. الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر، وسائر أسمائها مؤنث.
(الجَزُور) يقع على الذكر والأنثى، وهو يؤنث؛ لأن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكرًا. "لسان العرب".
(الجِعَارُ) حبل يشد به المستقي وسطه إذا نزل في البئر لئلا يقع فيها. عده صاحب "المكمل في شرح المفصل" مما يؤنث.
(الجناح) عده صاحب (المكمل في شرح المفصل" فيما يؤنث. وقال صاحب "اللسان": جمع الجناح أجنحة، وأجنح، حكم الأخيرة ابن جني، وقال: كسروا الجناح وهو مذكر على أفعل، وهو من تكسير المؤنث؛ لأنهم ذهبوا بالتأنيث إلى الريشة.
(الجن) عده صاحبا "المكمل" في جملة ما يؤنث. وفي "اللسان": قوله:
(6/ 1/276)

"لا ينفخ التقريب منه إلا بهرا ... إذا عرته جنه وأبطرا"
قد يجوز أن يكون جنون مرحه، وقد يكون الجن هنا هذا النوع المستتر عن العيون؛ أي: كان الجن تستحثه. ويقويه قوله: عرته؛ لأن جن المرح لا يؤنث، إنما هو كجنونه.
(جهنم) اسم لنار الآخرة منع من الصرف للتعريف والتأنيث. "لسان العرب".
(الجام) عده صاحب "المكمل" فيما يؤنث، وقال صاحب "اللسان": ابن بري: الجام جمع جامة، وتصغيره جويمة، وهي مؤنثة؛ أعني: الجام.
(جيأل): الضبع: قال ابن بري: جيال غير مصروف للتأنيث والتعريف. "لسان العرب".
حرت الحاء
(الحانوت) يذكر ويؤنث. التبريزي في شرح معلقة طرفة. وقال ابن جني، والزجاج: هي مؤنثة، فإن ذكرت، فانما يعني بها البيت.
(الحدثان) قال الأزهري: ربما أنثت العرب الحدثان، يذهبون به إلى الحوادث. وقال الفراء: يقول العرب: أهلكتنا الحدثان. "لسان العرب".
(الحَدُور) يقال: وقعنا في حدور منكرة، وهي الهبوط: "لسان العرب".
(الحرب) الحرب أنثى، وحكى ابن الأعرابي فيها التذكير، والأعرف تأنيثها، وإنما حكاية ابن الأعرابي نادرة. "لسان العرب".
(حَلاقِ) بنيت على الكسر لأنه حاصل فيها العدل والتأنيث والصفة الغالبة. "لسان العرب". ويريد بالعدل: أنها معدولة عن الحالقة.
(الحال) كينة الإنسان، وهو ما كان عليه من خير أو شر، يذكر ويؤنث،
(6/ 1/277)

اللحياني: يقال: حال فلان حسنة، وحسن، والواحدة حالة، يقال: هو بحالة سوء، فمن ذكر الحال، جمعه أحوالاً، ومن أنثها، جمعه حالات. "لسان العرب".
(الحمَّام) قال ابن بري: وقد جاء الحمام مؤنثاً في بيت زعم الجوهري أنه يصف حماماً، وهو قوله:
فإذا دخلت سمعت فيها رجة ... لفظ المعاول في بيوت هداد
قال ابن سيده: والحمام: الديماس، مشتق من الحميم، مذكر، تذكره العرب. وقال سيبويه: جمعوه بالألف والتاء وإن كان مذكراً حين لم يكسر جعلوا ذلك عوضاً من التكسير. "لسان العرب".
(حَضَاجِر): هي الضبع، أوردها مظهر الدين صاحب "المكمل في شرح المفصل" في قبيل ما يؤنث سماعاً، وقال صاحب "اللسان": حضاجر اسم للذكر والأنثى من الضباع، سميت بذلك لسعة بطنها وعظمه.
(حضار) عده صاحب "المكمل" فيما يؤنث سماعاً. وقال صاحب "اللسان": وحضارِ مبنية مؤنثة مجرور أبداً: اسم كوكب.
حرف الخاء
الخِرْنق: ولد الأرنب يذكر ويؤنث. "المكمل في شرح المفصل". وفي "اللسان": أنه يقع على الذكر والأنثى.
(الخليفة) قال صاحب "القاموس": والخليفة: السلطان الأعظم، ويؤنث.
(الخمر) قال ابن جني: الخمر أنثى، وكذلك جميع أسمائها. وذكر صاحب "القاموس" وجه التذكير، فقال: وقد يذكر. قال شارحه المرتضى: الأعرف في الخمر التأنيث، وقد يذكر، وأنكره الأصمعي.
(6/ 1/278)

(الخنصر) الخنصَر - بفتح الصاد - الإصبع الصغرى، أو الوسطى مؤنث. "قاموس".
حرف الدال
(الدَّبُور) أسماء الرياح كلها مؤنثة إلا الإعصار. "تاج العروس" في مادة (دبر).
(الدرع) الدرع: لبوس الحديد، تذكر وتؤنث.
حكى اللحياني: درع سابغة، ودرع سابغ. وتصغير درع دريع بغير هاء على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء، وهو أحد ماشذ من هذا الضرب. "لسان العرب". وقال ابن جني: درع الحديد أنثى، ودرع المرأة مذكر لا غير. وهذا ما قاله اللحياني في درع المرأة. وفي "اللسان": ودرع المرأة: قميصها، وهو أيضاً: الثوب الصغير تلبسه الجارية الصغيرة في بيتها، وكلاهما مذكر، وقد يؤنثان.
(الدلو) الدلو معروفة، واحدة الدلاء التي يستقى بها، تذكر وتؤنث. "لسان العرب". وقال ابن جني: يجوز تذكير الدلو. وهذا يدل على أن الأكثر التأنيث حتى عدها ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه.
(الدار) هو المحل يجمع البناء والعرصة، وقد تذكر. "قاموس". وقال الجوهري: الدار مؤنثه، وإنما قال تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30]، فذكر على معنى المثوى والموضع؛ كما قال عزوجل: {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31] فأنث على المعنى.
حرف الذال
(الذراع) الذراع: ما بين طرفي المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى،
(6/ 1/279)

أنثى، وقد تذكر. وقال ابن بري الذراع عند سيبويه مؤنثة لا غير.
"لسان العرب". وقال ابن جني: الذراع مؤنثة، وربما ذكرت.
(ذُكاءُ) - بالضم - اسم الشمس، معرفة لا ينصرف، ولا تدخله الألف واللام، تقول: هذه ذكاء طالعة. "لسان العرب".
(الذَّنوبُ) هي الدلو، أو فيها ماء، أو الملأى، أو دون الملأى. "قاموس". في "تهذيب التبريزي": الذنوب تذكر وتؤنث. "المزهر". وقيل: إن الذنوب تذكر وتؤنث. "لسان العرب".
(الذَّودُ): القطيع من الإبل. قال ابن سيده: الذود مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس. "لسان العرب".
(الذهب) الذهب: التبر، ويؤنث. "قاموس". يقال: إن التأنيث لغة أهل الحجاز. وسائر العرب يقولون: هو الذهب: "تاج العروس".
حرف الراء
(الرِّجْلُ) قال أبو إسحق: والرجل من أصل الفخذ إلى القدم، أنثى. "لسان العرب".
(الرَّحِمُ): هو بيت الولد، أنثى "المخصص". والرحم: رحم الأنثى، وهي مؤنثة. "لسان العرب".
(الرَّحا) الرحا مؤنثة. "قاموس". ابن سيده: الرحى: الحجر العظيم، أنثى، والرحى معرفة التي يطحن بها. "لسان العرب".
(الروح) الروح: النفس، يذكر ويؤنث، والجمع الأرواح. "التهذيب" قال أبو بكر بن الأنباري: الروح والنفس واحد، غير أن الروح مذكر، والنفس مؤنثة عند العرب. "لسان العرب". وقال ابن جني: الروح مذكر، فإن أنث،
(6/ 1/280)

فإنما يعنى به: النفس. وأشار صاحب "القاموس" إلى وجه التأنيث بقوله: ويؤنث.
(الرّيح) الريح: نسيم الهواء، أنثى. "مخصص". الريح: نسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء وهي مؤنثة. "لسان العرب". وقال صاحب "المكمل" في تعداد ما يؤنث: الريح وجميع أسمائها؛ كالجنوب والشمال، وغيرهما.
حرف الزاي
(الزقاق) الزقاق: السكة، يذكر ويؤنث. قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق والسراط والسبيل والسوق والزقاق والكلاء، وهو سوق البصرة، وبنو تميم يذكرون هذا كله. "لسان العرب".
حرف السين
(سَباطِ) كقطامِ: هي الحمى، ذكرها صاحب "المكمل" فيما يؤنث.
(السبيل) السبيل: الطريق وما وضح منه، يذكر ويؤنث. "لسان العرب". وقال ابن الأثير: والسبيل في الأصل: الطريق، والتأنيث فيها أغلب.
(السراب) قال اللحياني: السراب يذكر ويؤنث. "لسان العرب".
(السراويل) السراويل فارسي معرب، يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعى فيه إلا التأنيث. "لسان العرب". وعلى تأنيثها اقتصر ابن جني في "رسالته"، وابن الحاجب في قصيدته. وأشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التأنيث والتذكير بقوله: وقد تذكر.
(السُّرى): سير عامة الليل، ويذكر. "قاموس". وكذلك قال صاحب "اللسان": تذكره العرب وتؤنثه، قال: ولم يعرف اللحياني إلا التأنيث.
(6/ 1/281)

(السعير) عدها الشيخ ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه، وسبق في الكلام على جحيم قول ابن جنى: الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر، وسائر أسمائها مؤنث.
(سَقَرُ) عدها الشيخ ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه، وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 27 - 30] الآية.
(السِّقْطى) - مثلث السين-: هو ما سقط بين الزندين وقبل استحكام الوري، ذكره صاحب "المكمل" فيما يؤنث في "اللسان" عن ابن سيده أنه يذكر ويؤنث.
(السكين) السكين: المدية، تذكر وتؤنث. قال ابن الأعرابي لم أسمع تأنيث السكين. وقال ثعلب قد سمعه الفراء. قال الجوهرى: والغالب عليه التذكير. "لسان العرب".
(السِّلَاحُ): هو ما يقاتل به، يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى؛ لأنه يجمع على أسلحة، وهو جمع للمذكر. "مصباح". وقال صاحب "اللسان": السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وخص بعضهم به ما كان من الحديدة، يؤنث ويذكر، والتذكير أعلى؛ لأنه يجمع على أسلحة، وهو جمع المذكر؛ مثل: حمار وأحمرة، ورداء وأردية.
(السلطان) السلطان: الوالي وهو فُعلان، يذكر ويؤنث. وقال ابن السكيت: السلطان مؤنثة، يقال: قضت به عليه السلطان، وقد آمنته السلطان. قال الأزهري: وربما ذكر السلطان؛ لأن لفظه مذكر. وقال الفرَّاء: السلطان عند العرب: الحجة، ويذكر ويؤنث، فمن ذكر السلطان، ذهب به إلى معنى
(6/ 1/282)

الرجل، ومن أنثه، ذهب به إلى معنى الحجة. "لسان العرب".
(السلم) السلم: الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث. "لسان العرب".
(السُّلَّمُ) كسكَّر: المرقاة، وقد تذكر. "قاموس". وفي "المحكم"، السلم: الدرجة، والمرقاة، يذكر ويؤنث.
(السماء) وسماء كل شيء: أعلاء، مذكر. والسماء التي تظل الأرض أنثى عند العرب؛ لأنها جمع سماعة. والسماء: السحاب، والسماء: المطر، مذكر. ومنهم من يؤنثه، وإن كان بمعنى المطر كما تذكر السماء وإن كانت مؤنثة. "لسان العرب". السماء معروفة، وقد تذكر. "قاموس".
(السَّمُومُ): الريح الحارة، تؤنث. "لسان العرب".
(السِّنُّ): سن الجارحة، مؤنثة، ثم استعيرت للعمر استدلالاً بها على طوله وقصره، وبقيت على التأنيث. "النهاية" لابن الأثير. السن: واحد الأسنان.
ابن سيده. السن الضرس، أنثى. "لسان العرب".
(الساق) والساق مؤنث، قال الله تعالى {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} [القيامة: 29]. "لسان العرب".
(السِّواك) السواك: اسم العود المسواك، يذكر ويؤنث، وقيل: السواك تؤنثه العرب، وفي الحديث: "السواك مطهرة للفم". قال أبو منصور: ما سمعت أن السواك يؤنث، فهو مذكر، وقولهم: مطهرة كقولهم: الولد مجبنة مبخلة. "لسان العرب". واشار صاحب "القاموس" الى الوجهين بقوله: والعود مِسواك وسِواك - بكسرهما - أي: (الميم والسين)، ويذكر.
(السُّوقُ) ابن سيده: السوق التي يتعامل فيها، تذكر وتؤنث. "لسان العرب". ونقل صاحب "المزهر" عن الأخفش: أن أهل الحجاز يؤنثونها،
(6/ 1/283)

وبنو تميم يذكرونها.
(السَّه): هي الاست، عده صاحب "المكمل" في جملة ما يؤنث، وقال أوس: "وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر".
حرف الشين
(شَعُوب) عدها صاحب "المكمل في شرح المفصل" فيما يؤنث سماعا. وفي "اللسان": شعبته شعوب؛ أي: المنية.
(الشَّمَالُ) قال ابن سيده في "المخصص": وقد كسرت - يعني: شمال - على الزيادة التي فيها، فقالوا: شمائل؛ كما قالوا في الرسالة: رسائل إذ كانت مؤنثة مثلها.
(الشمس) قال ابن جني: الشمس الطالعة مؤنثة، والشمس الذي في القلادة ذكر. الشمس معروفة مؤنثة. "قاموس". قال اللحياني. الشمس: ضرب من الحلي مذكر. "لسان العرب".
حرف الصاد
(الصَّبوب) عده صاحب "المكمل" فيما يؤنث. وكذلك قال ابن جني: الصبوب مؤنثة مثل الصعود.
(الصَّبا) أوردها صاحب "المكمل" وغيره فيما يؤنث، وأعاد عليها صاحب "القاموس" الضمير مؤنثاً.
(الصَّعُودُ): الطريق صاعداً مؤنثة. "لسان العرب". وقال ابن جني: الصعود من الأرض مؤنثاً.
(الصِّلاح) والصلاح - بكسر الصاد -: مصد ر المصالحة، والعرب تؤنثها، والاسم: الصلح، يذكر ويؤنث. "لسان العرب".
(6/ 1/284)

(الصُّلْحُ) الصلح - بالضم - السلم، ويؤنث. "قاموس".
(صَليفُ): هي صفحة العنق، يذكر ويؤنث. "المكمل في شرح المفصل".
(الصَّاعُ) قال ابن جني. الصاع يذكر ويؤنث. وقال صاحب "اللسان": والصاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، فمن أنث قال: ثلاث أصوع مثل: ثلاث أدور، ومن ذكره قال: أصواع مثل: أثواب، وقيل جمعه أصوع. وفي "القاموس". الصاع: الذي يكال به، ويؤنث.
(الصُّوَاعُ) قال صاحب "اللسان" الصواع إناء يشرب فيه، مذكر، ثم قال: وأما قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف: 76]؛ فإن الضمير راجع إلى السقاية من قوله: {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف: 70]، وقال الزجاج: هو يذكر ويؤنث.
حرف الضاد
(الضَّبُعُ) قال صاحب "اللسان": الضبع والضبع: ضرب من السباع، أنثى، ثم قال: والضبع: السنة الشديدة المهلكة المجدبة، مؤنث قال عباس ابن مرداس.
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وفي "القاموس": الضبع- بضم الباء وسكونها- مؤنثة.
(الضُّحى) قال التبريزي في "شرح المعلقات": الضحى مؤنثة تأنيث صيغة، وليست الألف فيها بألف تأنيث، وإنما هو بمنزلة موسى الحديد. وفي "لسان العرب": والضحى مقصورة مؤنثة، وذلك حين تشرق الشمس، قال: وتصغيرها بغير هاء؛ لئلا تلتبس بتصغير ضحوة.
(الضَّرب) - بسكون الراء، وفتحها أشهر - وهو العسل الأبيض، يذكر
(6/ 1/285)

ويؤنث كما في "تاج العروس"، ولم يذكر فيه ابن جني سوى التأنيث.
(الضِّرْس) الضرس: السن، وهو مذكر ما دام له هذا الاسم؛ لأن الأسنان كلها إناث إلا الأضراس والأنياب. وقال ابن سيده: الضرس: السن، يذكر ويؤنث، وأنكر الأصمعي تأنيثه. "لسان العرب". والضرس - بالكسر - السن، مذكر. "قاموس".
(الضِّلَع) قال صاحب "القاموس": الضلع مؤنثة، وقال شارحه المرتضى: هذا هو المشهور، وقيل: مذكرة، وقيل بالوجهين، وهو مختار ابن مالك. وفي "اللسان": الضلع لغتان محنية الجنب، مؤنثة.
حرف الطاء
(الطاغوت) ما يعبد من دون الله، قال ابن جني: الطاغوت يذكر ويؤنث، ومثله للثعالبي في "فقه اللغة". وفي "اللسان": الطاغوت يقع على الواحد والجميع، والمذكر والمؤنث، ثم قال ابن السكيت: هو مثل الفلك يذكر ويؤنث.
(الطريق) مذكر، ويؤنث "قاموس". وقال شارحه المرتضى: والذي صرح به الصاغاني أن التذكير أكثر. وفي "اللسان": الطريق يذكر ويؤنث، فجمعه على التذكير أطرِقة؛ كرغيف وأرغفة، وعلى التأنيث أطرقُ؛ كيمين وأيمن.
(الطَّستُ) قال ابن جني: الطس، والطسة، والطست مؤنثات. ونقل الشهاب في "شفاء الغليل" عن المغرب أن طست مؤنثة. والتحقيق أن التاء في طست ليست أصلية بدليل جمعه على طِساس، وتصغيرها على طسيسة. (الطَّاسُ) قال ابن جني: الطاس مؤنثة.
(6/ 1/286)

حرف الظاء
(الظُّهر) قال صاحب "اللسان": الظهر: ساعة الزوال، ولذلك قيل: صلاة الظهر، وقد يحذفون على السعة، فيقولون: هذه الظهر يريدون: صلاة الظهر.
حرف العين
(العاتق) مذكر، وقد أنث "المخصص". وقال ابن جني: العاتق يذكر ويؤنث. وأشعرَ صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: ويؤنث.
(العجُز) قال صاحب "اللسان" بعد أن حكى فيه لغات شتى: يذكر ويؤنث. وقال اللحيانى: هي مؤنثة فقط. والعجز: ما بعد الظهر، وجميع تلك اللغات تذكر وتؤنث، والجمع أعجاز، لا يكسر على غيره. وأشار صاحب "القاموس" الى الوجهين بقوله: يؤنث.
(العُرْب) - بالضم وبالتحريك - خلاف العجم، مؤنث "قاموس".
(العُرس): طعام الابتناء، أنثى "المخصص". في "اللسان": والعرس: مهنة الإملاك والبناء، وقيل: طعامه خاصة، أنثى، تؤنثها العرب، وقد تذكر، وتصغيرها بغير هاء، وهو نادر إذ هو مؤنث على ثلاثة أحرف.
(العَروض): هو ميزان الشعر، واسم للجزء الأخير من النصف الأول سالمًا أو مغيرًا، مؤنثة. "قاموس". وربما ذكرت كما في "اللسان". مرتضى.
(العسل) أشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التذكير والتأنيث بقوله: ويؤنث.
(العصا): العود، أنثى. "قاموس".
(العَصْر) وقالوا: هذه العصر على سعة الكلام، يريدون: صلاة
(6/ 1/287)

العصر. "لسان العرب".
(العضد) قال صاحب "اللسان" بعد أن حكى لغاته: كل يذكر ويؤنث. وقال اللحياني: العضد مؤنثة لا غير. وفي "المخصص": وهي تذكر وتؤنث.
(العَقِب): مؤخر القدم، أنثى. "المخصص".
(عقرب): معروف، ويؤنث. "قاموس". وقال الليث: يذكر ويؤنث بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث. وقال ابن جني: العقرب اسم للذكر والأنثى.
(عنبر) أشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التذكير والتأنيث بقوله: ويؤنث. وفي "المصباح": يقال: هو العنبر، وهي العنبر.
(العنق) وصلة ما بين الرأس والجسد، يذكر ويؤنث. "لسان العرب".
(العنكبوت) وقال ابن جني: العنكبوت يذكر ويؤنث. وأشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: وقد يذكر.
(العِيرُ) والعير - بالكسر - القافلة، مؤنثة. "قاموس".
(العَيْنُ) الباصرة مؤنثة. "قاموس". والعين: ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض ويجري. أنثى. "تاج العروس".
حرف الغين
(الغول) عده ابن الحاجب فيما يجب تأنيثه. وقال صاحب "اللسان": تغيلت الغول: تخيلت، وتلونت. قال ذو الرمة:
فيوماً يجارينا الهوى غير ماضي ... ويوماً ترى منهن غولاً تغول
حرف الفاء
(الفأس): آلة من آلات الحديد يحفر بها ويقطع، أنثى. "لسان العرب".
(6/ 1/288)

(الفَخِذ): وصل ما بين الساق والورك، أنثى. "لسان العرب".
(الفَرَس) يقال للذكر والأنثى. قال ابن سيده: وأصله التأنيث، فلذلك قال سيبويه: وتقول: ثلاثة أفراس إذا أردت المذكر، ألزموه التأنيث، وصار في كلامهم للمؤنث أكثر منه للمذكر حتى صار بمنزلة القدم. "لسان العرب".
(الفردوس) قال أهل اللغة: الفردوس مذكر، وقد يؤنث، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11] , وإنما أنث، لأنه عنى به الجنة، وهو قليل. "تاج العروس".
(الفِرْسِن) هو للبعير كالحافر للفرس، مؤنثة. "قاموس". والفرسن: فرسن البعير، وهي مؤنثة. "لسان العرب".
(الفُلك) قال ابن جني: الفلك يذكر ويؤنث. وقال صاحب "القاموس": الفلك: السفينة، ويذكر. وقال صاحب "المخصص": الفلك واحد، وجمع، ويذكر.
(الفِهْر) أشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التذكير والتأنيث بقوله: ويؤنث، خلاف قول الليث: عامة العرب تؤنث الفهر.
حرف القاف
(القَتَب) قال ابن جني: القتب من الأمعاء أنثى. وقال صاحب "القاموس" القتب: أكتاف البعير، مذكر، وقد يؤنث.
(قُدَّام) قال ابن جني: قدام أنثى، وتصغيرها بالهاء. وأشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: ضد وراء، وقد يذكر.
(القدم) اقتصر صاحب القاموس فيه على التأنيث، ونقل شارحه المرتضى: أنه إذا قصد به الجارحة، يجوز فيه التذكير والتأنيث.
(6/ 1/289)

(القَدُوم) القدوم: آلة للنجر، مؤنثة. "قاموس".
(القِدْر) معروفة، أنثى، أو يؤنث. "قاموس".
(القفا) قال الأزهري: القفا - مقصور -: مؤخر العنق، ألفها واو، والعرب تؤنثها، والتذكير أعم. وقال ابن سيده: القفا: وراء العنق، أنثى. وقال اللحياني: القفا يذكر ويؤنث.
(القَلْت) هي النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء. وفي "اللسان"، و"المخصص"، و "رسالة ابن جني": القلت أنثى.
(القَلِيب): البئر قبل أن تُطوى، تذكر وتؤنث. قال ابن جني: القليب تذكر وتؤنث، واْشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: ويؤنث.
(القاع): هو ما انبسط من الأرض. قال صاحب "اللسان": ويصغر قويعة، من أنث، ومن ذكر قال: قويع.
حرف الكاف
(الكأس) مؤنثة. "لسان العرب". الكأس: الإناء يشرب فيه، أو ما دام الشراب فيه، مؤنثة. "قاموس".
(الكبد) اقتصر ابن جني فيها على التأنيث، وكذلك قال اللحياني: هي مؤنثة فقط. وذكر صاحب "القاموس" الوجهين حيث قال: وقد يذكر. ونسب شارحه وجه التذكير إلى الفراء وغيره.
(الكتف): هي عظم عريض خلف المنكب، أنثى. "لسان العرب".
(الكَحْل): السنة الشديدة، يقال: صرحت كحل؛ أي: أجدبت؛ عده صاحب "المكمل" فيما يؤنث، وقال صاحب "اللسان": الكحل تصرف ولا تصرف على ما يجب في هذا الضرب من المؤنث العلم.
(6/ 1/290)

(الكِرش) الكرش لكل مجتر في الإنسان وغيره بمنزلة المعدة للإنسان، تؤنثها العرب. "لسان العرب".
(الكُراع) مستدق الساق، ويؤنث. "قاموس". وقال ابن جني: هي أنثى، وقد يذكر.
(الكَفّ) قال شيخنا: الكف مؤنثة، وتذكيرها غلط غير معروف، وإن جوزه بعض تأويلًا. وقال بعض: هي لغة قليلة. "تاج العروس".
(الكُمَيْت) كزبير: الذي خالط حمرته قنوء، ويؤنث. "قاموس".
حرف اللام
(اللَّبُوس): هي الدرع، عده صاحب "المكمل" فيما يؤنث.
(اللِّسان) يذكر ويؤنث. قال في "المصباح": ربما أنث على معنى الرسالة والقصيدة من الشعر. وقال الفراء: اللسان لم يسمع من العرب إلا مذكراً. وقال عمرو بن العلاء: اللسان يذكر ويؤنث.
(لظى) لظى: اسم جهنم، غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي التنزيل العزيز: {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} [المعارج: 15، 16] "لسان العرب".
حرف الميم
(المَتْن) متنا الظهر: مكتنفا الصلب، ويؤنث. "قاموس". وقال ابن جني: المتن مذكر، وربما أنث.
(المِجْمَر) في "التهذيب": المجمر قد يؤنث، وهي التي يدخن بها الثياب. "لسان العرب".
(المسك) قال ابن سيده: المسك: ضرب من الطيب، مذكر، وقد أنثه بعضهم على أنه جمع واحدته مسكة.
(6/ 1/291)

وقال الجوهري: وأما قول جران العود:
لقد عاجلتني بالسباب وثوبها ... جديد ومن أردانها المسك تنفح
فإنما أنثه لأنه ذهب به إلى ريح المسك. "لسان العرب".
(المِعَى): من أعفاج البطن، وقد يؤنث. "قاموس".
(الملح) معروف، وقد يذكر. "قاموس". وقال صاحب "اللسان": الملح: ما يطيب به الطعام، يؤنث ويذكر، والتأنيث فيه أكثر.
(المَنْجَنِيق): القذاف التي ترمى بها الحجارة، أعجمي معرب، قال صاحب"اللسان": هي مؤنثة. وأشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التأنيث والتذكير بقوله: وقد تذكر.
(المَنُونُ) قال صاحب "اللسان": هو يذكر ويؤنث، فمَن أنث، حمل على المنية، ومَن ذكر، حمل على الموت.
(المُوسى): ما يحلق به، من جعله فُعلى قال: يذكر ويؤنث. وحكى الجوهري عن الفراء قال: هي فعلى، ويؤنث. وقال عبدالله بن سعيد الأموي: هو مذكر لا غير، وهو مفعل من أوسيت رأسه. قال أبو عبيد: ولم يسمع التذكير فيه إلا من الأموي. "لسان العرب".
حرف النون
(النَّفس) قال أبو بكر بن الأنباري: من اللغويين من سوى النفس والروح، وقال: هما شيء واحد، إلا أن النفس مؤنث، والروح مذكر. وقال اللحياني: العرب تقول: رأيت نفسًا واحدة، فتؤنث، وكذلك رأيت نفيساً، فاذا قالوا: رأيت ثلاثة أنفس، وأربعة أنفس، ذكروا، وكذلك جميع العدد، وقد يجوز التذكير في الواحد والاثنين، والتأنيث في الجميع. "لسان العرب".
(6/ 1/292)

(النَّوَى) قال ابن جني. النوى: البعد، مؤنث. وقال الجوهري: والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير، والنوى: الدار، والنوى: التحول من مكان الى مكان آخر، أو من دار إلى دار غيرها، كل ذلك أنثى. "لسان العرب". وفي "اللسان": النوى: جمع نواة التمر، وهو يذكر ويؤنث.
(النَّاب): السن خلف الرباعية، مؤنث. "قاموس".
حرف الواو
(الوَرِك) - بالفتح والكسر، وككتف - ما فوق الفخذ، مؤنثة. "قاموس".
والورك: ما فوق الفخذ كالكتف فوق العضد، أنثى. "لسان العرب".
(وراء) قال ابن جني: وراء بمعنى: خلف، مؤنثة. وأشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: ويؤنث.
حرف الهاء
(الهبُوط): قال ابن جني: الهبوط في الأرض أنثى.
(الهُدى) ابن سيده: الهدى: ضد الضلال، وهو الرشاد، والدلالة، أنثى. وقد حكي فيه التذكير. وأشار صاحب "القاموس" إلى وجهي التذكير والتأنيث بقوله: ويذكر. وقال ابن جني: قال اللحياني: الهدى مذكر، قال: وقال الكسائي: بعض بني أسد يؤنثه. "لسان العرب".
حرف الياء
(اليد) اليد مؤنثة، وكذلك يد القميص، ويد الرحا، واليد التي يتخذها الرجل عند آخر. "المخصص".
(اليسار): الشمال. مؤنثة. "المخصص".
(6/ 1/293)

(اليمين) القسم. مؤنث. "القاموس".
هذا ما تيسر جمعه من الكلمات المؤنثة وجوباً أو جوازاً باتفاق، أو على أحد الأقوال، وسميتها: "الامتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع".
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(6/ 1/294)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(11)

«دِرَاسَاتٌ فِي اللُّغَةِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(6/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(6/ 2/2)

بِسْمِ الله الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيمِ

المقدمة
للعلامة المرحوم محمد الخضر حسين دراسات لغوية قيمة أنشأها منذ مطلع حياته العلمية في تونس، وحتى أواخر أيام جهاده الإسلامي الطويل، وبصفته عضواً في مجمع اللغة العربية القاهرة. وقد سبق أن ضممت بعضاً من تلك الدراسات في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، وقدمته إلى قراء العربية. وها أنذا أتقدم إليهم بمجموعة أخرى ومتممة من تلك الأبحاث والاقتراحات والنقد تحت عنوان: "دراسات في اللغة"، وأملي أن أكون بهذا الكتاب قد أحطت بكل الآثار اللغوية للعم الإمام.
ومن المفيد أن نذكر أمثولة للأم المسلمة رواها سيدي الوالد الشيخ زين العابدين - رحمه الله - هي أن السيدة حليمة السعدية بنت الشيخ مصطفى ابن عزوز والدة الإمام كانت أول من لقن أولادها العلوم الدينية واللغوية، وأن الشيخ محمد الخضر- شأن إخوته الآخرين- قد أخذ عن والدته: كتاب الكفراوي في النحو، وكتاب السفطي في الفقه المالكي. وهكذا تكون الأمهات المسلمات.
رحم الله الإمام الأكبر رحمة واسعة على هذا الثراء العلمي العظيم، وبما قدمه للإسلام والعروبة من خدمات جلىّ. والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
(6/ 2/3)

المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية (1)
شبَّت اللغة العربية في ربوع عدنان وقحطان، فصيحةَ الكلمات، محكمة الأساليب، وكانت تسير بعهد الجاهلية على قدر سيرهم في الحياة الفكرية والمدنية حتى طلع الإسلام، فوجد في حكمة وضعها، وقوانين استعمال ألفاظها، ما يساعد على توسيع دائرتها، وإعلاء سمائها، وتكثير طرق بيانها، فاتخذها لسان دعوته الحكيمة، فأصبحت هذه اللغة تنتقل مع الدعوة الإسلامية حيثما انتقلت، ودخلت في أمم ذات علوم خصبة، وحضارة بعيدة المدى، فلم تقف وقفة اللغة المعسرة، لا تجد في ألفاظها ولا أصول وضعها واستعمالها ما يكفي حاجات العلوم والحضارة، بل كانت اللغة التي تسع العلوم على اختلاف موضوعاتها، والحضارة على كثرة مظاهرها، فنهضت بالعلوم الشرعية والعربية، والفنون الأدبية، وصارت لسان الفلسفة والسياسة، ولا يعرض معنى غامض إلا دلت عليه بأسنى عبارة، وأضفى بيان.
وَسِعت هذه اللغة العلمَ والسياسة والصناعة وضروب المعاملات، وكل معنى يراد نقله من ذهن إلى آخر، وساعدها على ذلك كله غزارةُ مادتها،
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة - الجزء الأول - تشرين الأول (أكتوبر) 1934.
(6/ 2/4)

وما تفتح فيها من أبواب الاشتقاق والتصرف في الكلم على وجوه المجاز أو النقل، ثم تهيؤها لقبول الكلمات الأعجمية بعد تهذيب حروفها، وحيث تدعو الحاجة إلى تعريبها.
والكلام في هذه المزايا كثير الشعاب، بعيد مابين الجوانب، وحظ القلم منه في هذا المقال: بحثُ المجاز والنقل، وأراني في موقف الباحث الذي يسوق حديثه إلى أدباء درسوا فن البيان، وكانوا منه على بينه، فلا أطيل في تعريف المجاز وذكر أقسامه، ولا أتعرض للعلاقات التي هي شرط صحته: علاقةً فعلاقة، بل أمرّ على معنى المجاز بكلمة وجيزة، وأتحدث عن العلاقة من الناحية التي يأخذ بها الكلام صحته أو فصاحته العربية، وأتخلص إلى الفرق بين المجاز والنقل، وأريك كيف يكسبان اللغة ثروة، وكيف يقومان بجانب عظيم من حاجات العلوم، وما يتجدد من مرافق الحياة.
* المجاز:
كلمة "المجاز" وزنها مَفْعَل، وهو من جاز المكان؛ أي: سلكه، وسار فيه، ومن ثم قيل للطريق: مجاز؛ لأنه مكان يجوزه الناس عند الانتقال من أحد جانبيه إلى الآخر، ثم استعمل المجاز فيما يشبه الطريق من الأمور التي تتخذ وسيلة إلى بعض الأغراض، فقالوا: "جعل فلان ذلك الأمر مجازاً إلى حاجته؛ أي: اتخذه وسيلة إلى قضائها".
ثم استعملت هذه الكلمة في العلوم لمعان خاصة، وأول من نحا بها هذا النحو - فيما عرفنا - أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثنَى المتوفى سنة 209 ه؛ إذ وجدناه يستعملها قاصداً بها الوجه الذي يخرّج عليه الكلام، وما يحسن أن
(6/ 2/5)

يقال في تفسيره، وذلك ما يعنيه في كتابه "المجاز في غريب القرآن" كما قال: "والرحمن: مجازه: ذو الرحمة، والرحيم: مجازه: الراحم". ورأينا الشريف الرضىّ المتوفى سنة 406 ه يطلق المجاز على اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، ويضيف إلى ذلك التشابيه التي ذكر فيها المشبّه والمشّبه به، وحذفت منها أداة التشبيه، وهذا كتابه "المجازات النبوية" يورد فيه التشابيه البليغة، نحو حديث: "المرء مرآة أخيه"، وحديث: "الناس معادن"، وصرح بأن التشابيه المصرح فيها بأداة التشبيه خارجة عن المجاز (1).
وتعرض ابن رشيق المتوفى سنة 463 ه في كتاب "العمدة" لكلمة المجاز، فذكر لها معنى عاماً هو: "طريق القول ومأخذه"، وقال: "فصار التشبيه والاستعارة وغيرها من محاسن الكلام داخلة تحت اسم المجاز". ثم نبه ابن رشيق على أن هذه الكلمة نقلت بعدُ إلى معنى أخص، فقال: "إلا أنهم خصوا به - أعني: اسم المجاز - باباً بعينه، وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه، أو كان منه بسبب".
وأراد من قوله: "ما قاربه": الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر مشابهة، ومن قوله: "أو ما كان منه بسبب": الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر صلة غير المشابهة؛ كالسببية والمجاورة.
وهذا المعنى الخاص الذي صارت إليه كلمة المجاز، هو الذي جرت عليه كلمة المجاز، في عرف البيانيين؛ فإنهم إنما يطلقونه على اللفظ الذي ينقله المتكلم من معنى وضع له اللفظ، إلى معنى بينه وبين ذلك المعنى
__________
(1) انظر: (ص 169) من ذلك الكتاب.
(6/ 2/6)

مناسبة؛ أي: علاقة (1)، والعلاقة إما المشابهة، وهو مَبْنَى الاستعارة، وإما غير المشابهة، وذلك مبنى ما يسمونه: المجاز المرسل. وهذا المعنى الذي انتهت إليه كلمة المجاز هو ما نقصده بالبحث في هذا المقال.
* العلاقة:
تتبع علماء البيان الكلام العربي؛ ليتعرفوا وجوه العلاقات التي يراعيها العرب في نقل اللفظ إلى غير معناه على سبيل المجاز، فالمُّوا بها خُبرًا، وأحصوها عَدّاً، واختلفوا بعد هذا الاستقراء والضبط في موقف المولَّدين إزاء هذه العلاقات، فبعضهم ضيَّق عليهم الدائرة، وبالغ في تضييقها، فلم يبح لهم - ولو عند تحقق العلاقة - إجراء أي لفظ شاؤوا مجرى المجاز، وجعل حظهم من هذا الفن البديع لا يزيد على استعمال الألفاظ التي نطق بها العرب من قبل؛ كالأسد للرجل الشجاع، والغيث للنبات، واليد للنعمة، وهذا المذهب صريح في أن المولد لا يباح له نقل لفظ من معنى إلى معنى لم ينقله إليه العرب، وإن كان بين المعنيين علاقة من تلك العلاقات المقررة في فن البيان، فلا يستعير لفظ الغضنفر- مثلاً - للرجل الشجاع، إلا إذا ثبت أن العرب استعاروه له، كما استعاروا له لفظ الأسد، ولا يطلق لفظ المُدام على عصير العنب، مع تحقق العلاقة، وهي مصير العصير إلى أن يكون مُدامًا، إلا إذا ورد إطلاقه عليه في الكلام العربي، كما أطلق عليه لفظ الخمر في نحو قوله تعالى: {أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36].
__________
(1) وممن فسر المجاز بهذا المعنى: عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 ه، فقال في كتاب "دلائل الإعجاز": "وأما المجاز، فقد عول الناس في حده على النقل، وإن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز".
(6/ 2/7)

وهذا المذهب ساقط بنفسه، ولا أظنك تجد له نظيراً بين علماء لغة يجري في عروقها دم الحياة (1).
وجمهور العلماء على أن مدار صحة المجاز على تحقق ما كان يراعيه العرب من نوع العلاقات، فلا تقف عند حد الألفاظ التي استعملوها في غير ما وضعت له؛ كالأسد والقمر والغيث، فإذا رأيناهم قد نقلوا اسم شيء إلى آخر لعلاقة السببية- مثلاً -، جرينا على أثرهم، وساغ لنا أن نتصرف في الألفاظ تصرفهم، فننقل اسم كل سبب إلى المعنى الذي ينشأ عنه، كما ننقل اسم كل محل إلى ما يحل فيه، وننقل اسم كل معنى إلى ما بينه وبين ذلك المعنى وجه من المشابهة، فنطلق لفظ "الاستقلال" على راحة البال وهناءة العيش، ونسمي الكتب: خِزانة، ونستعمل الرعد في أصوات المدافع، وان لم يذهب العرب بلفظ الاستقلال والخزانة والرعد هذا المذهب من المجاز.
وقد جرى على هذا المذهب أئمة الأدب، فما كانوا ليتوقفوا في الأخذ بسبيل المجاز إلا على تحقق نوع العلاقة، دون يبحثوا عن اللفظ بعينه، ليتعرفوا: هل سلك به العرب مسلك المجاز؟.
ولو لم يكن باب القياس في المجاز مفتوحاً إلى هذا الحد، لما وجد الشعراء والخطباء في فن البيان متسعًا، ولما أحرزت اللغة من ضروب المجاز والاستعارات هذه الثروة، التي زادت مكانتها رفعة، وآدابها بهاء وسناء.
__________
(1) ليس هذا المذهب باقرب ولا أنفع - ولو قليلاً - من مذهب من ينكر وجود المجاز في اللغة، بزعم أن الواضع وضع الأسد للرجل الشجاع، كما وضعه للحيوان المفترس، ووضع الغيث للنبات كما وضعه للمطر.
(6/ 2/8)

ويزيدك علماً بقوة هذا المذهب: صنيع علماء اللغة؛ فإنهم يقصدون في كتبهم لبيان المعاني الحقيقية، ولو كان استعمال الألفاظ على سبيل المجاز موقوفاً على النقل، لدعاهم الاحتفاظ بهذا الفن من البيان: أن يلتزموا بعد بيان المعاني الحقيقية: ذكر المعاني التي استعمل العرب فيها اللفظ على وجه من المجاز، وما رأيناهم يفعلون.
ولا يقصد الزمخشري بتعرضه في كتاب "أساس البلاغة" للمعاني المجازية بعد الحقيقية أن يقصر المجاز على تلك الألفاظ، ولا أن يحجر على الناس التصرف في تلك الألفاظ بنقلها إلى معان لم ينقلها إليها العرب، وإنما قصده التنبيه على جانب عظيم من أساليب البلغاء، وتصرفاتهم في المعاني؛ ليقتدي بها الناشئون، ويتخذوها سُلَّمًا يرتقون به إلى المرتبة العليا من مراتب البلاغة.
وقد يبدو لك أن الاكتفاء بنوع العلاقة ينحط بالكلام - في كثير من الأحيان- إلى ما لا ترتاح له النفوس، ولا يليق بحسن بيان اللغة العربية، ومئال هذا: أنهم يعدون في العلاقات: "التضاد"، ومقتضى الاكتفاء بنوع العلاقة: أن نستعمل لفظ النور في الظلام، ولفظ الظلام في النور، ونطلق البياض على السواد، والسواد على البياض، ويعدون في العلاقات: "علاقة اعتبار ما كان دا، ومقتضى الاكتفاء بنوع العلاقة: أن ننقل لفظ الطفل إلى الشيخ، ونطلق على من آمن بعد شرك لفظ: مشرك، ومثل هذا الصنيع لا تسلم معه اللغة من غمز. فمن أين لنا أن نعده في فنون فصاحتها ... ؟
وتحقيق البحث: أننا نكتفي في صحة المجاز بمراعاة نوع العلاقة. وللبيانيين في كل علاقة نظر خاص؛ من حيث الاكتفاء بمجرد وجودها، أو
(6/ 2/9)

إضافة بعض قيود إلى أصلها. وهم لا يكتفون في إطلاق اسم الشيء على ضده بعلاقة التضاد، حتى يفيد معنى لطيفًا؛ كالتهكم في تسمية قبيح المنظر: قمرًا، أو التفاؤل؛ كتسمية الصحراء: مفازة، أو اللسيع: سليمًا. ولا يجيزون تسمية شيء باسم ما كان له، ثم انقطع متى صار الشيء متلبسًا بضد ما كان عليه؛ كمن صار إلى الشيخوخة، ليس لك أن تطلق عليه اسم الطفل، مراعيا علاقة أنه كان طفلًا. فإن سميته طفلًا لصغر عقله، أو قلة تجاربه، فقد خرجت عن علاقة التضاد، إلى علاقة المشابهة.
ولا يكتفون في إطلاق الجزء على الكل بعلاقة الجزئية، حتى يكون للجزء اختصاص بالمعنى الذي يقصد من الكل. نحو: "عين" يستعمل في "الجاسوس"؛ لأن للعين مزيد اختصاص بحرفة التجسس.
وللذوق السليم بعد هذا التحقيق مدخل في الحكم على بعض الاستعمال المجازي، بالرد أو القبول. وإطلاق الحلواء على البنين (1) لا يخلو من علاقة المشابهة، ولكن الذوق يمجه، كما يمج استعارة ماء الملام (2).
* النقل:
يذكر الكاتبون في طرق استعمال الألفاظ: المجاز، والنقل، وقد يختلف علماء العربية، أو يترددون في لفظ أخذ من معنى إلى آخر: أطريق أخذه المجاز، أم النقل؟. فالنقل إذاً طريق من طرق استعمال اللفظ يقع في
__________
(1) إشارة إلى قول أبي الطيب المتنبي:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
(2) إشارة إلى قول أبي تمام:
لاتسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
(6/ 2/10)

مقابلة المجاز، وإليك بيانه:
قد يغلب استعمال اللفظ في معنى على سبيل المجاز، حتى يصير المعنى المجازي هو الذي ينساق إليه الذهن عند الإطلاق، وذلك ما يسمى في عرف البيانيين: "المجاز الراجح"، وإذا صار اللفظ لغلبة استعماله في المعنى المجازي لا يفهم منه عند التجرد من القرينة إلا هذا المعنى، سُمِّي: منقولًا، وكان النقل اسماً لغلبة هذا الاستعمال.
وعلى هذا الوجه من النقل حمل كثير من العلماء الألفاظ الإسلامية؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وقالوا: "إن الشارع نقل هذه الألفاظ من معانيها اللغوية، واستعملها في معانيها الشرعية على سبيل المجاز، ثم غلب استعمال الناس لهذه الألفاظ في هذه العبادات على الوجه الذي استعملها عليه الشارع، حتى صارت مجازاً راجحًا، فتكون هذه الألفاظ الإسلامية بالنظر إلى أصل استعمال الشارع من قبيل المجاز اللغوي، صدر التجوز فيها من الشارع نفسه، ثم صارت بغلبة الاستعمال المسماة بالنقل، حقائق في عرف حملة الشريعة" ...
وعلى هذا الوجه من النقل أيضا يجري جانب كبير من الأسماء المستحدثة في العلوم وغيرها، كما أطلق الفقهاء على اتباع قول أحد العلماء تقليدًا، والتقليد: وضع القلادة في العنق؛ كأن المتبع جعل قول غيره قلادة في عنقه، وكما أطلق العروضيون على حذف الثاني من "متفاعلن": وَقْصًا، والوقص في الأصل: كسر العنق؛ كأن حذف الشاعر للحرف الثاني المتحرك من "متفاعلن" كسرٌ للعنق الذي هو العضو الثاني بالنسبة إلى الرأس، ويدخل في هذا الوجه: نقل كلمة "البرق" إلى "تلغراف"، وكلمة "المدرعة" أو
(6/ 2/11)

"الدارعة" إلى سفينة على جوانبها ما يحميها من ضربات العدو كما تحمي الدروع الضافية رجل الحرب من الطعان.
ومن الألفاظ ما يكون موضوعاً في أصل اللغة لمعنى كلي يتناول جزئيات متعددة، فيكون إطلاقه على كل فرد من أفراد هذه الجزئيات من قبيل الحقيقة، ثم يغلب استعماله في جزئي خاص حتى يكون هذا المعنى الجزئي هو المتبادر منه عند الإطلاق؛ مثل: لفظة "الدابة" يتناول بحسب مفهومه اللغوي كل ما دب على وجه الأرض من حيوان، فاستعماله بحسب هذا الوضع- في أي حيوان يمشي على الأرض- من قبيل الحقيقة، وقد يغلب استعماله في بعض الأزمنة أو المواطن في نوع خاص من أنواع الحيوان؛ كالذي يمشي على أربع، حتى يكون هذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وغلبة استعمال اللفظ على هذا الوجه تسمى: (نقلًا" أيضاً ...
ولهذا النوع من النقل أمثلة كثيرة في أسماء ما تجدد من العلوم وغيرها من الشؤون المدنية، فانظر إلى كلمة "الإنشاء"- مثلاً -، تجدها موضوعة في أصل اللغة لمعنى عام هو الإيجاد، ثم أكثر استعمالها في إيجاد القول المحرر خاصة، حتى صار هذا المعنى الخاص هو المتبادر منها عند الإطلاق. وشمهل عليك أن ترد إلى هذا النوع كلمة: "الحلول، والاتحاد" في علم الكلام والتصوف، وكلمة: "التالي" للجزء الثاني من القضية الشرطية في علم المنطق، إلى ما يشابه هذا من نحو: المندوب، والعميد، والمدير، والمأمور، والحاجب، والمحافظ، والمحامي، والسيارة، والغواصة.
هذا الوجهان هما المعروفان في معنى النقل، وقد يبدو لك أن للنقل وجهاً ثالثاً لا يأتي من ناحية غلبة الاستعمال، وإنما هو اللفظ ينقل من معناه
(6/ 2/12)

الأصلي، ويوضع لمعنى علمي أو مدني حديث وضعاً مستانفًا؛ لمناسبة بين المعنيين؛ كأن يتفق طائفة على نقل اسم "السَّلوف" من الناقة التي تكون أوائل الإبل، إذا وردت الماء، ووضعه للعربة التي تكون أول القطار- مثلاً -, ثم أخذوا يستعملونه في هذا المعنى الجديد، بانين استعمالهم على هذا الوضع المتفق عليه، لا لملاحظة علاقة المشابهة، والظاهر أن هذا النقل لا يرجع إلى واحد من الوجهين المذكورين آنفاً.
أما امتناع رجوعه إلى الوجه الأول، فلأن استعمال اللفظ في معنى بناء على أنه وضع له وضعاً خاصاً، لا يسمى مجازاً، وأما امتناع الوجه الثاني، فلأن العربة التي تكون في أول القطار ليست فردًا من أفراد المعنى الذي وضع له لفظ "السلوف".
ويدلك على أن اللفظ الذي يستأنف وضعه لمعنى غير معناه الأصلي، لا يكون استعماله في هذا المعنى من قبيل المجاز: أن طائفة كبيرة من أهل العلم خالفوا من ذهب إلى أن الأسماء الشرعية؛ كالصلاة ونحوها قد استعملها الشارع في معانيها الإسلامية على وجه المجاز، وقالوا: إن صاحب الشريعة نقل هذه الأسماء، ووضعها لهذه المعاني بوضع جديد؛ كمولود يولد، فيوضع له اسم يعرف به بين الناس، فيكون استعمال الصلاة في العبادة المخصوصة لأول مرة من قبيل الحقيقة الشرعية.
فإن خطر على بال أحد أنَّ وضع الألفاظ للمعاني لا يملكه إلا العرب، وأجاز مع هذا للطوائف من أرباب العلوم والصناعات أن يتفقوا على لفظ معين يجعلونه دليلاً على معنى علمي أو صناعي، غير أنه يرى استعمال اللفظ بعد هذا الاتفاق من قبيل المجاز، لم يكن للخلاف بينك وبينه ثمرة عملية،
(6/ 2/13)

وإنما هو خلاف في هذا اللفظ المستعمل في معناه الجديد لأول مرة: أمن باب الحقيقة هو، أم من باب المجاز؟
* شرط المناسبة في النقل:
أشرنا في البحث السابق إلى شرط المناسبة بين المعنى المنقول منه، والمعنى المنقول إليه، وذلك ما صرح به كثير من الراسخين في العلم، فمن الحق مراعاة المناسبة في النقل، ومما نراه بعيداً وغير لائق: أن يعرض لطائفة من العلماء معنى لا يجدون له اسماً خاصاً في اللغة، فيمدون أيديهم إلى الألفاظ غير ناظرين إلى معانيها اللغوية، فينقلون إليه لفظاً ليس بين معناه الأصلي والمعنى المنقول إليه مناسبة.
* أثر المجاز والنقل في حياة اللغة:
إن المعاني التي تتجدد بحسب رقي الأفكار، واتساع العلوم، وامتداد ظلال المدنية، لا بد لها من أسماء تدل عليها، وقد كان للألفاظ المنقولة على سبيل المجاز، ثم النقل، جولة واسعة في العلوم وشؤون الاجتماع.
والناظر في العلوم وكتب التاريخ والأدب يقف على مقدار كبير من الألفاظ التي دخلت في اللغة من هذا الطريق، فاتسع به نطاقها، ويسر على الأقلام الخوض في موضوعات علمية أو سياسية أو أدبية لم تخض فيها العرب من قبل، وهذا باب واسع لو أرسلنا فيه القلم، لجرى فيه أشواطاً بعيدة، دون أن يدنو من النهاية، وقد سقنا إليك أمثلة منها في حديثنا عن النقل، ففي تلك الأمثلة الكفاية.
وربما يحوم في خاطرك: أن الرجوع إلى المجاز والنقل، والتعلق بهما في سد حاجات المعاني المستجدة، يوقعنا في تكثير الالمفاظ المشتركة، وكثرة
(6/ 2/14)

الاشتراك في الألفاظ يعد مرضاً من أمراض اللغة، التي يجب النظر في طرق علاجها، ولا سيما ألفاظاً تشترك فيها معان كثيرة.
فإذا عمدنا إلى كلمة "القطار" - مثلاً -، ونقلناها من الإبل، تجئ على نسق إلى مجموع مراكب "عربات" السكة الحديدية، كنا قد داوينا حاجتنا إلى وضع اسم لمجموع هذه العربات بأمر يقتضي قانون الفصاحة أن نعمل لنقصه، لا للازدياد منه، وهو اشتراك المعاني المتعددة في كلمة واحدة.
وهذا ما يتعلق به بعض من يميل إلى استعمال الأسماء الأجنبية، ويؤثره على أن نتخير لها أسماء عربية، فقال: وضعُ الكلمة العربية لمعنى جديد، وقد وضعت من قبل لمعنى آخر، يصيرها من قبيل المشترك، فبعد أن يكون لها معنى يتبادر إلى الذهن عند سماعها، يلابسها شيء من الإبهام لا ينكشف إلا بنصب قرينة.
ونحن نرى أن المعاني التي تشترك في اللفظ الواحد قد تختلف مواطنها اختلافاً بعيداً؛ كان يكون لها معنى يرجع إلى الشؤون المدنية، ومعنى آخر يرجع إلى مصطلحات علم خاص؛ كالنحو، أو الطب، أو الحساب، والاشتراك في هذا القبيل لا باس به؛ فإن مقام البحث أو المحاورة يعين أحد المعنيين، ويتجه بذهن المخاطب أو القارئ إلى المعنى المراد، حتى كأن اللفظ لا معنى له غير ما قصد في ذلك الكلام الخاص، ومن ذا الذي يأخذ كتاباً في النحو - مثلاً -, أو يشهد درساً، أو محاورة في بعض مباحثه، فيمر على كلمة الفاعل أو المفعول، أو الظرف أو المجرور أو الحال، ولا يذهب توًا إلى المعنى الذي يريده النحاة من هذه الأسماء؟.
أما إذا كانت المعاني المشتركة في اللفظ الواحد ترجع إلى جهة واحدة؛
(6/ 2/15)

كأن تكون راجعة إلى علم واحد، أو يكون كل منها يجري في الشؤون السياسية أو الإدارية أو الصناعية، فذلك هو الاشتراك الذي ينبغي لنا أن نتحاماه، حتى تكون المعاني سهلة المأخذ من الألفاظ.
ثم إننا - وإن رأينا إبقاء طريق المجاز والنقل مفتوحًا في وجوه العاملين لحياة اللغة- لا نريد إطلاق العنان فيها ما أمكن، بل نرى في كتب اللغة المبسوطة ألوفًا مؤلفة من الألفاظ التي لا تجري في مخاطبات الجمهور، ولا ترد في كلام أدباء العصر، وإن وردت، فعلى وجه الندرة، فيمكننا أن نرجع إلى هذه الألفاظ المهجورة، وننتقي منها ما يسد الحاجة، ويصلح لأن يكون غذاء للغة حية راقية، مؤثرين له على الأسماء الأجنبية التي لا تمت إلى العربية بسبب، ولا تلتقي معها في أب ولا جدّ، وسلامة الذوق وجودة الاختيار كفيلان بأن نسوق إلى ميدان الحياة اللغوية ما يجري على الألسنة جريان الألفاظ المأنوسة في الاستعمال، وليس كل غريب يثقل على السمع، ولا كل مهجور ينبو عنه الطبع، ومثال هذا: أننا نرى لأوعية الأمتعة أسماء كثيرة، ومنها ما أصبح غريبًا لا يراه الناس إلا في كتب اللغة المبسوطة، أو في شعر قديم لا يدور على ألسنة الأدباء إلا قليلاً؛ مثل: "الوفضة": اسم لما يضع فيه الراعي زاده وأدواته، و"الكنف": اسم لوعاء أداة الراعي، أو وعاء أسقاط التاجر، و "الزنفليجة": وعاء شبه الكنف، و"العيبة": زبيل من أدم (1)، وما يجعل فيه الثياب، و"الخريطة": وعاء من أدم يشرج (2) على ما فيه.
__________
(1) اسم جمع للأديم، وهو الجلد.
(2) يشرج: يشدّ.
(6/ 2/16)

فما الذي يضرنا لو نقلنا بعض هذه الأسماء إلى ما نسميه: "شنطة"، وبعضها إلى ما نسميه: "سَبَتْ" مثلاً، وندع لزاد الراير وأدواته اسماً واحداً، ففيه الكفاية.
وقد يعلق بالظن: أن نقل هذه الألفاظ العربية إلى معان غير معانيها المعروفة في عهد العرب الخلص، يجر- ولو بعد طول العهد- إلى التباس في فهم بعض الكلام العربي القديم، وربما سبق المخاطب إلى حمل اللفظ على المعنى الطارئ، فيقع في خطأ مبين، والذي يدفع هذه الشبهة: أن ليس في استطاعتك حماية العامة أو أشباه العامة من الخطأ في فهم الكلام العربي الفصيح في كل حال، أما الناشئون المتعلمون، فما يدفع هذا اللبس والخطأ عن أذهانهم ما سيؤلف بعد من المعاجم؛ حيث يلتزم فيها عند التعرض لمعاني الألفاظ الإشارة إلى عهد نقل اللفظ إلى معناه الحديث.
ولنا الأمل الوطيد في أن يكون نشؤنا كلهم متعلمين، وما ذلك على الله بعزيز.
(6/ 2/17)

من وُثِّق من علماء اللغة ومن طُعِن فيه (1)
لما نزل الكتاب المجيد، وبيَّن الحديث النبوي أحكامه وحكمه ودلائله - وكلاهما ورد باللغة العربية-، أقبل الناس على النظر في العربية مفرداتها وإعرابها وأساليبها؛ لتحقيق تفسير القرآن، وشرح الحديث الذي هو بيان له.
ومقالنا هذا يبحث في رواية المفردات الصحيحة والمعتلَّة، ورواية الأساليب الصحيحة والفاسدة، وهو موضوع علم النحو، ولا يبحث عن رواية الأساليب التي يرتفع بها شأن الكلام، وهو موضوع علم البلاغة.
ومن العلماء من وُثِّق في رواية مفردات اللغة؛ كمحمد بن أحمد الأزهري المتوفى سنة 370 ه، ألف كتابه المشهور "تهذيب اللغة"، وكان متفَقًا على ثقته وورعه، كما قال ابن خلكان: إن بعض الأفاضل ذكر لي أنه رأى بخطه: "إني امتُحنت بالأسر، سنةَ أن عارضت القرامطةُ الحاج في الهبير (2)، والقوم الذين وقعت في سهمهم عرب نشؤوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ... إلخ"، وهذا الذي نقله ابن خلكان عن بعض الأفاضل هو ما ذكره الأزهري في مطلع كتابه "التهذيب".
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة- الجزء الثاني عشر لعام 1960.
(2) الهبير: رمل في طريق مكة كانت عنده وقعة أبي سعد القرمطي سنة 312 ه. "تاج العروس".
(6/ 2/18)

وممن ألف في اللغة: محمود الزمخشري المتوفى سنة 538 ه؛ فقد ألف كتابه المسمى "أساس البلاغة"، غير أنه يمتاز عن بقية المعجمات ببيان ما هو مجاز أو استعارة؛ كقوله: "ذهب من داره إلى المسجد ذهابًا ومذهباً"، ثم قالوا: ومن المجاز والكناية: ذهب فلان مذهباً حسناً، وذهب عليَّ كذا: نسيته.
ونرى "القاموس" يخلط في معاني الكلمة بين الحقيقة والمجاز؛ كما قال في مادة "أبل": "الإبل: حيوان معروف"، وأردف ذلك مباشرة: "أو السحاب الذي يحمل ماء المطر"، وهو مجاز، ثم قال، ويقال: "إبلان للقطيعين من الإبل ... إلخ".
ومنهم من ألف في مفردات خاصة بأجناس؛ كما ألف معمر بن المثنى: "غريب القرآن"، و"غريب الحديث"، وكما ألف ابن الأثير: "النهاية في غريب الحديث"، وكما ألف الفيروز أبادي: "الروض المسلوف فيمن له اسمان إلى ألوف".
وممن ألف في النحو: سيبويه، والخليل من البصريين، والكسائي، وثعلب من الكوفيين. فسيبويه له: "الكتاب" المعروف، والخليل بن أحمد له: "كتاب العين"، وثعلب له كتاب: "المصون"، وكتاب "اختلاف النحاة". ومن هنا صار النحو قسمين: نحو البصريين، ونحو الكوفيين. وظهر تأليفان: تأليف في نحو البصريين، وتأليف في نحو الكوفيين، وتأليف في اختلاف البصريين والكوفيين. ويقول أصحاب الطبقات: فلان يعرف نحو البصريين والكوفيين.
وممن وثق من علماء اللغة: الخليل، وتلاميذه: سيبويه، ومؤرج
(6/ 2/19)

السدوسي، والنضر بن شميل، وكذلك ثعلب، والكسائي، والقاسم بن سلام، وأبو حنيفة الدينوري.
والموثقون من علماء العربية كثير، والمطعون فيهم قليل، ويعتمد في التوثيق وعدم التوثيق على من عاصرهم من أهل الصدق، ولم يكن بينهما منافرة. فلا يعتمد على قلة الثقة بابن دريد على ما قاله فيه نفطويه؛ لأن بينهما منافرة فقد قال فيه:
ابن دريد بقرة ... وفيه عِيٌّ وشَرَه
ويدَّعي من حمقه ... وضعَ كتاب "الجمهرة"
وهو كتاب "العين" ... إلا أنه قد غَيَّره
وقد نفهم صدق العالم من تأليفه. فتتبع كلام الرجل المختلف الغايات يدل على شيء من أخلاقه وطبائعه، مثال هذا: ابن الأنباري الذي يقول في قصيدته التي خاطب بها أبا زكريا الحفصي يرغب منه النصرة لأهل الأندلس:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
والقصيدة طويلة بليغة للغاية. فالذي ينظم هذه القصيدة المملوءة بلاغة وغيرة لا يكون إلا نقي الأخلاق، بعيداً عن أن يقول في العربية ما لم يسمع.
والذي يشترط فيه الصدق هو من ينقل عن العرب أنفسهم؛ كالأزهري في "التهذيب"، أو من ينقل عن الثقة الذي ينقل عنهم؛ كالجوهري صاحب "الصحاح". أما صاحب "المصباح"، فأكثره متابع للمعاجم المعروفة، ونجد فيه ألفاظاً لا توجد في المعاجم التي بين أيدينا؛ كرفيع بمعنى: رقيق، وكعوائد: جمع عادة.
(6/ 2/20)

وممن طُعن فيه: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي. قال الأزهري في "التهذيب": حضرته في داره ببغداد غير مرة، فرأيته يروي عن أبي حاتم، والرياشي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، فسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بنفطويه عنه، فاستخف به، ولم يوثقه في روايته.
ودخلت يوماً عليه، فوجدته سكران لا يكاد يستمر لسانه على الكلام من غلبة السكر عليه. وتصفحت كتاب "الجمهرة" له، فلم أره دالًا على معرفة ثاقبة، وعثرت منه على حروف كثيرة أزالها عن وجوهها، وأوقع في تضاعيف الكتاب حروفًا كثيرة أنكرتها، ولم أعرف مخارجها، فاثبتها من كتابي في مواقعها منه؛ لأبحث عنها أنا وغيري ممن يظهر فيه لبعض الأئمة، فإن صحت لبعض الأئمة، اعتمدتها، وإن لم توجد لغيره، وقفت.
وممن طعن فيه الأزهريُّ - في مقدمة كتاب "التهذيب" -: الجاحظُ، فقال: "وممن تكلم في لغة الغريب بما حضر لسانه، وروى عن الأئمة في كلام العرب ما ليس من كلامهم: عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ، وكان أوتي بسطة في لسانه، وبيانًا عذبًا في خطابه، ومجالاً واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات الغريب ذموه، وعن الصدق دفعوه". وأخبر أبو عمرو الزاهد: أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى، فقال: "اعزبوا عن ذكر الجاحظ؛ فإنه غير ثقة، ولا مأمون".
وممن طعن فيه: أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب. قال ابن السكيت: "كتبت عنه قِمَطْراً، ثم تبينت أنه يكذب في اللغة، فلم أذكر عنه شيئاً".
وممن طعن في روايته: أبو الفرج الحسين الأصبهاني صاحب كتاب
(6/ 2/21)

"الأغاني"؛ فقد قال ابن شاكر في كتابه "عيون التواريخ": إن الشيخ شمس الدين الذهبي قال: رأيت شيخنا - يعني: ابن تيمية - يضعفه، ويتهمه في نقله، ويستهول ما يأتي به. وقال ابن الجوزي: "لا يوثق بروايته؛ فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق. ومن تأمل كتاب "الأغاني"، رأى كل قبيح ومنكر".
وممن طُعن فيه: أبو العلاء صاعد بن الحسين، جاء من الشرق إلى الأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر، فشاهد منه علماء الأندلس إخباراً في اللغة بخلاف الواقع، فاعرض عنه أهل العلم كما قال المقري في "نفح الطيب"، وقدحوا في علمه وعقله. وألَّف لهم كتاب "الفصوص"، فألقوه في النهر، ولم يأخذوا عنه شيئاً؛ لقلة الثقة به.
ولا يقدح خطأ رأي العالم في الثقة بروايته. فابن تيمية - مثلاً - يصحح رواية سيبويه، ويخطئه في التطبيق، وقد روى: أن أبا حيان كان رفيقًا لابن تيمية، فرد ابن تيمية على سيبويه فقال له أبو حيان: أترد على سيبويه؟ فقال: هل سيبويه نبي النحو؟ لقد أخطأ في ثلاثين موضعاً من كتابه، فهجره أبو حيان، وكان شأن أبي حيان أن يقول له: بيِّن لنا الخطأ الذي وقع في الثلاثين موضعاً ويردها أو يسلم بها، ولا يكون قول ابن تيمية وحده سبباً للهجرة.
ومن يروي شيئاً في اللغة، وهو لا يوثق بروايته، يحفظ قوله، فإن ورد ما رواه عن راو آخر يوثق بروايته، أخذ به، وإلا، وقف عن روايته كما قال الأزهري في "تهذيبه".
وهناك فريق ثالث يخرج من اللغة ما يصح أن يكون داخلاً فيها؛
(6/ 2/22)

كالقاسم الحريري؛ فقد ألَّف "درة الغواص في أوهام الخواص"، وكثر ما جعله وهمًا، وليس بعربي فصيح، رده شارحو كتابه: الشهاب الخفاجى، والشيخ محمود الألوسي بأنه عربي فصيح، إما بمطابقته لقول بعض النحاة، أو بوجه عربي مقبول. وعلى فرض أن سجل ما ينطق به أشباه العامة، فعلينا أن نضع علامات لما زيد على العربية الفصحى.
ومن أدبائنا من يمشي في طريق معاكس لهذا، فيسبق إلى ذهنه أن استعمال العامة من الناس لكلمة توافق العربية، فيستعملها على أنها عربية فصيحة، ويتبين أن العامة لم يستندوا إلى نطق عربي فصيح، ولو قبلنا هذه الكلمة، لزم أن نقبل كل ما تنطق به العامة مخالفاً العربية الفصحى؛ كاشتقاق بعضهم اسم الفاعل من فخم: فخيم، والعرب يقولون: هو فخم، ولم يقولوا: فخيم، وقول العامة: عمولة، وهي في اللغة: عمالة - بالكسر والضم -. ثم إنا لو قبلنا دخول هذا في معاجمنا على أنه من العربية الفصحى، لكثر في اللغة المترادف: اللفظ العربي، واللفظ العامي الذي زيد عليه. ومن أدبائنا من يرون كثرة المترادف في اللغة من العيب فيها، وأنه يجب إعدامه.
ولا يضرنا وجود المعرب في اللغة إذا اقتضت الحاجة، ولا سيما إذا لم يوجد له مثال قريب من العربية. وقد أخذ الأتراك كلمتي: فانوس، وفنار من اليونان، ثم أخذتهما أمم عربية، وصارتا من مفرداتها اللغوية. وكذلك: الجذوة؛ فقد قال في المعجم التركي شمس الدين سامي: هي مأخوذة من العربية، والأصل: قبسة من النار. ويستعمل في تونس: "كاهية" لنائب الرئيس، قال السيد محمد فريد في رحلته إلى تونس: إن أهل تونس يطلقون كاهية بمعنى: وكيل الرئيس، وهي محرفة عن "كيخيا" المحرفة هي أيضاً عن
(6/ 2/23)

"كتخدا". والحق أن كتخدا فارسي، ومعناه: بيت الرب. وحرّفه الأتراك إلى قولهم: كاهية بمعنى: وكيل الرئيس، ولفظ كيخيا لعلّه مستعمل في مصر فقط، فإنا لم نره في المعجم التركي الذي بين أيدينا لشمس الدين سامي.
لهذا أرى من الواجب أن نتحرز مما ينسب إلى غير الموثوق بهم حتى يعضده نقل آخر موثوق به، أو يكون له في العربية وجه مقبول.
(6/ 2/24)

اللَّهجات العربية في هذا العصر (1)
لهجات البلاد العربية اليوم أصلها العربية الفصحى، دخلها الفساد من وجوه شتى، وظهر في كثير من ألفاظها وأساليب مخاطبتها. ولما كان مجمع اللغة العربية الملكي يعمل لسلامة اللغة العربية، وسد ثغور حاجاتها، وإصلاح ما اعتراها من خلل، كان من حقه دراسة تلك اللهجات بقدر المستطاع، متخذًا هذه الدراسات وسيلة إلى تخليصها مما طرأ على ألفاظها وأساليبها من فساد.
وذلك أن دارس اللهجة يذكر الكلمات التي دخلها التحريف، ويبيِّن وجه تحريفها، وينبه على وجهها الصحيح، ويذكر الكلمات التي دخلها التحريف، ويدل على ما يقوم مقامها من الألفاظ العربية الفصيحة، ويتعرض للكلمة المستعملة في غير معانيها المعروفة في كلام العرب، أو معجمات اللغة، حتى إذا لم يجد بين هذه المعاني والمعاني التي وضعت لها الكلمة مناسبة، نبّه على أن هذه الكلمة استعملت في غير مواضعها، وأرشد إلى الألفاظ التي يصح أن تستعمل مكانها.
وإذا أخذ يبحث في الأساليب، ووجد فيها ما يخالف قانون نظم الكلام
__________
(1) مذكرة قدمها الإمام إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ونشرت في الجزء الثامن من المجلد الثالث عشر - مجلة "الهداية الإسلامية".
(6/ 2/25)

العربي، نبه على هذه المخالفة، وذكر الوجه الذي يكون به الأسلوب عربيًا فصيحاً.
وفي دراسة هذه اللهجات معرفة مقدار بُعدها عن العربية. والمجهودات التي تبذل في إصلاحها تكون على قدر ما عرف من هذا البعد؛ فقد يظن بعض أهل العلم أن اللغة الدارجة في طرابلس الغرب، أو في المغرب الأقصى بعيدة عن العربية أشد البعد، ويرى أن العودة بها إلى العربية المستقيمة أمر متعسر أو متعذر، ولكنه متى درسها بنفسه، أوقرأ كتبًا بحثتها بحثًا علميًا وافيًا، يعرف أنها لم تبعد عن العربية إلى الحد الذي سبق إلى ظنه، فيقوى أمله في السعي لإعادتها إلى العربية السليمة، ويعمل لتحقيق هذا الأمر مجتهداً.
وأذكر أني كنت ممن يحسبون أن لهجة بلاد الجزائر قد بعدت من العربية إلى أقصى غاية، حتى أخذت أدرس مفرداتها، وأرجع فيما أشتبه فيه إلى معجمات اللغة، فوجدت أكثرها من أصل العربية، غير أنهم يحرفونه بنحو تبديل بعض الحركات أو الحروف، أو بصوغه على غير قياس، أو يتصرفون فيه باحد طرق المجاز، ويغلب استعماله في المعنى المجازي حتى يصبح حقيقة في عرفهم الخاص.
ونجد في لهجة كل قطر ألفاظاً عربية فصيحة دارجة بين عامتهم، ولابتذالها في ألسنة العامة يتحاماها الكتاب والشعراء والمؤلفون، وقد تكون هذه الألفاظ عند أدباء قطر معدودة في غريب اللغة؛ لعدم جريانها في لهجتهم، وقلة ورودها فيما قرب مأخذه من كلام العرب، ومثال ذلك: أنك ترى العامة في بلاد بصحراء الجزائر يقال لها: "سوف" يستعملون لفظ: كرف بمعنى:
(6/ 2/26)

الشم، فيقولون: كرفت؛ أي: شممت. وفي "القاموس": كل ما كرفته، فقد شممته. وأدباء تلك الناحية يتجنبون استعمالها بهذا المعنى؛ لابتذالها، وربما يعدها بعض الأدباء في بلاد الشرق من غريب اللغة، فيترك استعمالها لغرابتها، لا لابتذالها. ولو أرسلت في إيراد ما يشاكل هذه الكلمة في ابتذاله بين أهل قطر، وعده غريباً عن آخرين، لأتيت بكلم كثير.
فبحثُ المجمع في لهجات البلاد العربية اليوم وأساليبها، واستكشافُ ما دخلها من ضروب الفساد، ثم التنبيهُ على وجوه صحتها في مجلته، أو في مؤلفات خاصة، نراه من أقرب الوسائل إلى إصلاح هذه اللهجات، وإعادتها إلى أصلها العربي الفصيح.
ولا يغني عن هذه الدراسة أن يحيل أهل تلك اللهجات على معجمات اللغة، وكتب النحو؛ فإن أكثر الناس يأخذهم التعود على النطق بلفظ أو أسلوب غير عربي، فلا يتنبهون لوجه الخطأ في استعماله.
ومثل هذا التعود كان السبب في انتشار أخطاء كثيرة، حتى بين الأدباء والمؤلفين من أهل العلم، ولم ينكشف للناس أمرها إلا بعد أن قام رجال من العلماء الراسخين في اللغة، فأقبلوا يتتبعون بقدر ما استطاعوا تلك الألفاظ التي يخطئ في استعمالها الخواص من الناس، فنقدوها، وبيَّنوا وجه استعمالها الصحيح، فتجنبها من يتحرَّى النطق والكتابة بالعربية الفصحى.
وإذا وجد أفراد خدموا اللغة بإصلاحِ جانبٍ من أخطاء طرأت عليها، وأنقذوا ألسنة كثيرة وأقلامًا من معرَّة تلك الأخطاء، فجدير بمجمع اللغة العربية الملكي أن يقوم بعمل أوسع من عمل أولئك الأفراد، وأعظم منه أثراً، وهو أن يدرس لهجات الأقطار العربية من ناحية ما دخل في ألفاظها وأساليبها من
(6/ 2/27)

أغلاط، ويدل على وجهها الصحيح.
وأذكر أني كنت في مجلس حضره أحد كبار رجال الدولة في هذا العهد، ودار حديث يتعلق بالمجمع، فقال: إن أهم عمل يقوم به المجمع أن يأتي إلى ألفاظ دائرة في اللغة الدارجة، وليست بعربية، فينبه على الألفاظ الفصيحة التي تقوم مقامها، وضرب المثل بكلمة: "يادوبك" في اللهجة المصرية، وهذه الكلمة تستعمل بمعنى: على أكثر تقدير.
فهذا أحد عظماء الدولة يرى أن من أهم أغراض المجمع دراسة اللهجات الحاضرة، والعمل لإصلاحها.
واتصال المجمع بعلماء الأقطار العربية وأدبائها يساعده على درس هذه اللهجات، ويكون هؤلاء العلماء والأدباء هم الذين يتلقون ما يقرره من إصلاح، ويأخذون به النشء ما أمكنهم، ويذيعونه في دروسهم ومجالسهم، ويدعون إليه في صحفهم.
وقد روير في نظام المجمع ما يؤكد الصلة بينه وبين تلك الأقطار؛ إذ جعل للمجمع انتخاب أعضاء فخريين، وأعضاء مراسلين، فإذا جرى المجمع في انتخاب هؤلاء الأعضاء على أن يكون له في كل قطر عضو أو أعضاء، انفتح أمامه الطريق لدراسة هذه اللهجات دراسة وافية.
ودراسة اللهجات - بعرض مفرداتها وأساليبها على قوانين العلوم العربية - قد تحتاج إلى مجهود كبير، وزمن غير قصير، ولكن غاية سامية مثل هذا الإصلاح ينبغي للمجمع أن يقف دونها، وهو يستطيع إدراكها، ولو بعد عشرات من السنين.
أما لجنة اللهجات، فقد كتب أعضاؤها في لهجة مصر والشام وتونس
(6/ 2/28)

والجزائر، ولكن اللجنة أرجات النظر فيما كتبوه؛ لكثره ما عرض في جلسات المجمع من مصطلحات العلوم والفنون والشؤون العامة، فإذا زيد في أعضاء المجمع، وكان عمله متواصلاً غير مقيد بجلسات معلومة، استطاعت اللجنة أن تواصل عملها، وتعرض على المجمع ما يصل إليه بحثها.
(6/ 2/29)

نيابة بعض الحروف عن بعض (1)
يتعرض النحاة لمعاني الحروف، فيذكرون للحرف الواحد معنيين، أو معاني، كما يقولون في الباء: تأتي للسببية، والظرفية، والاستعانة، وإذا وقفت على ظاهر صنيعهم، تبادر إلى ذهنك أن الحروف التي تعددت معانيها من قبيل المشترك، وهو اللفظ الدال على معنيين فأكثر؛ بحيث يدل كل معنى مستقل عن الآخر دلالة لا يحتاج فيها إلى تطلب علاقة.
وقد رأينا كثيراً من محققي النحاة يعملون لتقليل معنى الحروف، فيأتون إلى كثير من الشواهد التي يريد بعضهم أن يثبت بها للحروف معاني زائدة على معانيها الكثيرة الدوران في كلام الفصحاء، ويردونها إلى المعاني المعروفة في الاستعمال، كما يفعل ابن هشام، ونجم الدين الرضي، وكما فعل السكاكي في كتاب "المفتاح"، وكذاك ينبغي أن تكون معاني الألفاظ المشتركة قليلة؛ فإن قلتها أعون على حسن البيان.
وقد تمر على قول النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فيجعلك هذا القول في حيرة، أو يذهب بك في استعمالها على غير طريقة، تسمعهم يقولون: إن "في" - مثلاً - تكون بمعنى: "إلى"، أو تكون بمعنى:
__________
(1) بحث طرحه الإمام في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ونشر في الجزأين السادس والسابع من المجلد السابع لمجلة "الهداية الاسلامية".
(6/ 2/30)

"الباء"، فتريد أن تذهب بذلك مذهب القياس، فتقول بدل "سرت إلى البحر": سرت في البحر، أو تقول بدل "بعته بدرهم": بعته في درهم.
وإذا مشيت على هذا الوجه من القياس، وقعت في لبس من القول، وأتيت بجمل تنبو عنها الفطرة العربية، وقد نقد أحد فلاسفة اللغة- وهو ابن جني- قول النحاة: إن الحروف يستعمل بعضها مكان بعض، ونبه لما في إطلاق هذه العبارة من فساد، فقال في كتاب "الخصائص": "هذا باب يتلقاه الناس مغسولًا ساذجًا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنه، وأوقفه دونه! ". ثم قال: "ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، ولكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع، دون موضع على حسب الحال الداعية إليه، والمسوغة له، فأما في كل موضع، وعلى كل حال، فلا". ثم أتى إلى كثير من الشواهد التي ساقوها على استعمال الحرف بمعنى الحرف؛ وخرَّجها على وجوه تبقى بها الحروف في معانيها المعروفة، واعتمد في هذه الوجوه على باب التضمين.
وقال ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد": "وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأما فقهاء العربية، فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف، وما يستدعي من الأفعال، فيشربون الفعل المتعدي به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه، وطريقة حذاق الصناعة، يضمنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف. وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن".
وخلاصة هذا المذهب: أن الحروف لا تستعمل إلا في معانيها الشائعة
(6/ 2/31)

في كلام الفصحاء، فإذا وجه إليك كلام، وظهر لك أنه قد أنيب فيه حرف مكان حرف، فإن هناك تضميناً، أو حذف كلمة يبقى به الحرف على حقيقته المعروفة في الاستعمال.
وإذا صرفت النظر إلى فن البيان؛ رجاء أن تجد فيه ما يزيد البحث وضوحًا، وجدتهم يعدون في قبيل الاستعارات: استعارة حرف لمعنى آخر. ولا يزيدون على أن يذكروا لك أمثلة قليلة؛ لتعلم منها كيف تجري الاستعارة في الحروف. غير أنك تحتاج بعد هذا إلى تفصيل القول في معاني الحروف، حتى تصرف المعاني التي وضعت لها الحروف على وجه الحقيقة؛ لتفرق بينها وبين المعاني التي تستعمل فيها على وجه المجاز. ولا لوم على البيانيين إذا لم يفصّلوا لك القول في معاني حروف الجر؛ فإن ذلك من شأن اللغوي الذي يبحث عن دلالات الألفاظ المفردة.
فإذا ضم المجمع اللغوي ما يقوله البيانيون إلى ما يقوله ابن جنّي وغيره من المتفقهين في العربية، أمكنه أن يقرر أن الحرف لا يستعمل مكان آخر إلا على وجه الاستعارة، أو على وجه التضمين. وعلى المؤلفين في العربية بعد هذا أن يقتصروا في بيان معاني الحروف على المعاني الحقيقية، وإن تعرضوا لما زاد على ذلك، فمع بيان أنها معان لم يوضع لها الحرف، حتى يكون الناشئ على بصيرة من أن استعمال الحرف في هذه المعاني من قبيل الاستعارة التي لا تتم إلا بملاحظة علاقة، ونصب قرينة.
وتتعرف المعاني الأصلية للحروف من نصوص علماء العربية، أو من تتبع موارد استعمالها، وكثرة دورانها في الكلام الفصيح.
(6/ 2/32)

الأمثال في اللّغة العربيّة (1)
المَثَلُ في أصل وضعه: المثيل، والشبيه، ويطلق على الكلام البليغ الشاخ المشهور؛ لحسنه، أو لاشتماله على حكمة، وذلك ما نبغي الحديث عنه في هذا المقال.
توجد الأمثال حتى في غير اللغات الراقية، ولا تكاد لغة تخلو من الأمثال. وها نحن نجد بين الجماعات البعيدة من العلم أو المدنية أقوالاً من نوع كلامهم يضربونها في مواضع تشبه مواردها، ولا فرق بينها وبين ما جاء في الفصيح من الأمثال إلا الفرق الذي نحسه بين اللغة الدارجة واللغة العربية الخالصة.
من خواص المثل: الإيجاز، وأن يكون جيد العبارة. ولإيجازه وجودة عبارته تداولته الألسنة، وقبلته خاصة الناس وعامتهم. قال الزمخشري: "ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلاً للسير، ولا جديرًا بالتداول والقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه".
وقال الفارابي: "المثل ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه، حتى ابتذلوه فيما بينهم، وفاه بها في السرَّاء والضرَّاء".
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء التاسع من المجلد الرابع.
(6/ 2/33)

وقال: "وهو أبلغ الحكمة؛ لأن الناس لا يجتمعون على ناقص، أو مقصر في الجودة، أو غير مبالغ في بلوغ المدى في النفاسة".
وقال أبو عبيد: "اجتمع في الأمثال ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه".
يصوِّر المثل الحقائق في أجلى صورة، ويريك المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، فإذا أردت أن تصف رجلاً بالدهاء، وجودة الرأي، والأخذ في تدبير الأمور بأنجح الطرق، ورمت أن تعبر عن هذا المعنى بلفظ موجز ينقشه في نفس المخاطب حتى كأنه يراه رأي العين، ضربت فيه المثل: "يعرف من أين تؤكل الكتف".
وإذا سمعت كلاماً كثيراً لا تُجنى منه فائدة، وأردت أن تصفه بكلمة يخف وقعها في الأذن، وتضع ذلك المعنى موضع المشاهد، ضربت فيه المثل: "أسمع جعجعة، ولا أرى طحناً".
يحسن ضرب المثل حيث يكون سبب وروده معروفاً للمخاطبين.
وكثير من الأمثال لا يفهم منها معنى، وإن كانت ألفاظها واضحة الدلالة على معانيها المفردة، فالمثل: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر"، مفرداته واضحة المعاني، وليس في تركيبه حذف، ولا لفظ يتوقف فهمه على كلام يسبقه أو يأتي من بعده، ولو سقته في الحديث مع من لا يعرف مورده، لم تصل به إلى الغرض الذي تستعمل من أجله الأمثال، وهو إبراز المعنى في صورة مألوفة تتلقاها النفوس بارتياح، وإنما يفي هذا المثل بالغرض، ويقع المعنى المقصود في نفس المخاطب موضع الجلي الواضح، متى عرف: "أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة
(6/ 2/34)

أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس، والقمر يُرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجلٍ جعلوه حكماً، فقال واحد منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم: "إن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر".
قد يستعمل المثل على وجه الاستعارة؛ كضرب المثل: "الصيف ضيَّعتِ اللبن" في حق من كان متمكنًا من أمر، فأضاعه من يده، ثم جاء يطلبه بعد فواته، فإنك شبهت حال هذا الرجل بمورد المثل، وهو حال المرأة التي كانت تحت شيخ موسر سألته الطلاق، فطلقها زمن الصيف، فتزوجت شابًا فقيراً، فلما دخل الشتاء، أرسلت إلى الشيخ تستقيه لبناً، فقال لها: "الصيف ضيعت اللبن"، واستعرتَ هذا المثل إلى حال الرجل الذي أضاع أمراً كان طوع يده، ثم رغب في مناله. واستعمال الأمثال على هذا الوجه هو الذي تحدث عنه البيانيون، فقالوا: "متى فشا استعمال المجاز المركب، سمي: مثلاً".
وقد يستعمل المثل على وجه التشبيه الصريح؛ كان تذكر شخصًا تريد أن تصفه بأنه يُشتهى قربه، ويخاف شره، فتقول: هو "كالخمر يُشتهى شربها، ويُخاف صداعها".
وقد يستعمل على وجه الحقيقة المحضة، كأن ترى شخصًا اعتبر في بعض الأمور بما وقع فيه غيره من عاقبة مكروهة، فأخذ حذره من ذلك الأمر، فتقول: "السعيد من اتعظ بغيره" فليس في ضرب هذا المثل استعارة ولا تشبيه.
والكتب التي صنفت في أمثال العرب، كأمثال أبي عبيدة، والميداني،
(6/ 2/35)

وابن قتيبة، وابن حبيب، وابن الأنباري، وابن هلال، والشيخ طاهر الجزائري، تجمع الأنواع الثلاثة، ولا تختص بما تحدث عنه البيانيون، وهو المجاز المركب الذي يفشو استعماله. يلزم في المثل: أن يكون قولاً موجزاً شائعاً، وقد يكون حكمة؛ أي: كلاماً ينهى عن سفه، أو يدعو إلى خير، نحو: "إنَ المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقي"، وهو مثل يضرب لمن يجهد نفسه في طلب الشيء، ويبالغ في الطلب، حتى إنه ربما يدركه التعب أو الملل، فينقطع دون البلوغ إلى الغاية.
وقد يكون خالياً من الحكمة بالمعنى المشار إليه، ولكنه يدل على معنى مقبول؛ كالأمثال الصالحة للاعتذار؛ نحو: "مكره أخاك لا بطل".
والحكمة التي تؤدي إلى ما يؤديه المثل، إلا أنها لم تشع في الجمهور، ولم تجر إلا بين الخواص، يسميها بعض الأدباء بالنادرة.
ومن الأمثال ما يكون كلاماً مستقلاً بنفسه، نحو: (حُبُّك الشيءَ يُعمي وُيصم"، ونحو: "ربَّ أخ لك لم تلده أمك". وقد يكون مقتطعًا من كلام؛ نحو: "إن المقدرة تذهب الحفيظة". قال أبو عبيد: بلغنا هذا المثل عن رجل عظيم من قريش في سالف الدهر كان يطلب رجلاً بثأر، فلما ظفر به، قال: لولا أن المقدرة تذهب الحفيظة، لا نتقمت منك. ثم تركه. وإلى هذين الضربين من الأمثال أشار المرزوقي في كتاب "الفصيح"، فقال: المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول، وتشتهر بالتداول.
يقول علماء الأدب: إن الأمثال لا تُغير، بل تجري كما جاءت، حتى إنهم يحافظون عليها، وإن جاءت على بعض الوجوه الشاذة. قال الزجاج
(6/ 2/36)

في "شرح أدب الكاتب": الأمثال قد تخرج عن القياس، فتحكى كما سمعت، ولا يطرد فيها القياس، فتخرج عن طريقة الأمثال. وقال المرزوقي: من شرط المثل: أن لا يغير عما يقع في الأصل، ألا ترى أن قولهم: "أعطِ القوس باريها" تسكن ياؤه، وإن كان التحريك الأصل؛ لوقوع المثل في الأصل على ذلك.
ويتصل بهذا: أن لا يغير المثل ليوافق حال من ضرب في شأنهم؛ من نحو التذكير والتأنيث، أو الإفراد والتثنية والجمع، بل يستعمل باللفظ والحال التي نطق به العربي في أول ما نطق به (1).
والعلَّة العامة في امتناع تغيير ما يسمى مثلاً: أن تغييره يخرجه عن أن يكون اللفظ المتداول المشهور، وفي امتناع تغيير المثل الذي يستعمل على وجه الاستعارة علة خاصة، هي أن الاستعارة مبنية على استعمال لفظ المشبه به، ولو غير المثل؛ كأن قلت: (الصيف ضيعتَ اللبن"- بفتح تاء الخطاب -، لما كان لفظ المشبه به مستعملاً في المشبه بعينه، ومن تصرف في المثل بالتغيير، كان مشيرًا إلى المثل، لا ضارباً للمثل نفسه.
وقد عد علماء الأدب فيما يجب أن يعرفه الكاتب والشاعر: الأمثال العربية. قال ابن الأثير في "المثل السائر": وكنت جردت من كتاب "الأمثال" للميداني أوراقاً خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال.
وإذا كان في الأمثال حكمة وبلاغة، كان في العناية بجمعها ودرسها وسيلة من وسائل ترقية التحرير والخطابة.
__________
(1) قال الزمخشري: لم يضربوا مثلاً إلا قولاً فبه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ عليه، وحمي عن التغيير.
(6/ 2/37)

وصف جمع غير العاقل بصيغة فَعْلاء (1)
جرى اختلاف بين أدباء العصر في صحة عبارة وقعت في منثور الكتَّاب، ومنظوم الشعراء منذ عهد بعيد، وهي العبارة التي يوصف فيها الجمع بصيغة فعلاء.
وأول مناقشة جرت في هذا كانت بين الأستاذ (فريتس كرنكو العرباني الجرماني)، والأب (آنستاس الكرملي)؛ حيث كان الأب آنستاس يستعمل في مجلته "لغة العرب" فعلاء وصفاً للجمع، كان يقول: الأشجار الخضراء، بدلأ من: الأشجار الخضر، فأنكر عليه الأستاذ (كرنكو) بدعوى أن هذا الاستعمال خطأ، ورد عليه الأب (آنستاس) بأن من مزايا لغة العرب وصف المنعوت المجموع من غير العاقل بصفة المفردة المؤنثة، وأورد شواهد فيها وصف الجمع بصفة فاعلة؛ نحو: الأيام الخالية، وقطوفها دانية، وتناولت الصحف والأندية الحديث عن هذه المسألة باحثة عن وجه الحق في هذه العبارة، فبدا لي أن ألقي نظرة فاحصة بين نظراتهم حتى أثق بفصاحة هذا الوصف، وتناولته من حيث القياس والسماع، فكان ملخص البحث ونتيجته ما يأتي:
__________
(1) اقتراح قدمه الإمام إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ونشر في الجزء التاسع من المجلد العشرين لمجلة "الهداية الاسلامية".
(6/ 2/38)

يقول علماء العربية: يجوز وصف الجمع المكسر لغير العاقل بالمفرد المؤنث، غير أن وصفه بالمفرد المؤنث بالتاء كثير شائع، ووصفه بالمفرد المؤنث بالصيغة قليل، والمراد من المؤنث بالصيغة: ما كانت علامة تأنيثه ألف التأنيث المقصورة، أو الممدودة، فالحكم الذي قرروه عام، ولكنهم اقتصروا فيما رأينا على التمثيل بما فيه ألف التأنيث المقصورة. قال أبو البقاء في "الكليات": "والجمع المكسر لغير العاقل يجوز أن يوصف بما يوصف به المؤنث، نحو: {مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18]، وهو قليل". ثم قال: "والجمع يوصف بالمفرد المؤنث بالتاء، وهو شائع، وقد يوصف بالمفرد المؤنث بالصيغة؛ كما في قوله تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]. ومازال الناس يحملون ما قرره علماء العربية من جواز وصف جمع التكسير لغير العاقل بالمفرد المؤنث على عمومه، دون أن يتعرض أحد لمنع وصفه بفعلاء.
وورد وصف الجمع بصيغة فعلاء في أشعار هذا العصر؛ كما قال الأستاذ خليل مطران في رثاء شوقي:
يجلو نبوغك كلَّ يوم آية ... عذراءمن آياته الغرّاء
فقد وصف الآيات، وهي جمع، بغرّاء.
وقال أيضاً:
النيل يجري من عميق دافق ... من حيث ينبع في الربا السَّمَّاء
وقال الأستاذ بشارة الخوري في رثاء شوقي:
قاموا على سرر الأعراس وانتبهوا ... على صياح بكيّ الطرف عائرِهِ
على مآتم من طير ومن شجر ... خرساء كالقبر غرقى في دياجره
(6/ 2/39)

فوصف المآتم بقوله: خرساء.
وورد وصف الجمع بفعلاء في كثير من أشعار المولدين قبل هذا العصر، كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم (1):
متكفن بملابس ... حمراء وهي تعود خضرا
وقال برهان الدين القيراطي المتوفى سنة 781 ه:
شرَّف الله أحمداً سيد الخلق ... بأسنى المواهب الحسناء
وقال:
قد تشرفت حيث صغت قريضاً ... في معاني صفاتك العلياء
وقال الإشبيلي (2):
أفديه إن أخذ الطلا منه وقد ... دعت الكرى أجفانه الوطفاء
وقال مهيار الديملي:
راكب العز في مفاوزها اليَهْ ... ماءِ سار لا يركب التغريرا
فوصف المفاوز، وهو جمع، باليهماء، قال صاحب "الأساس": "مفازة يهماء: ما فيها ماء". وقال اليازجي: "وبوده أن يكون فداء عن أياديهم البيضاء".
وورد في أشعار المولدين فَعْلاء خبراً عن ضمير يعود على جمع؛ كما قال أبو تمام:
__________
(1) "معاهد التنصيص" (ج 1 ص 197).
(2) كتاب "تراجم بعض أعيان دمشق" لابن شاشو.
(6/ 2/40)

فيا حسن الرسوم وما تمشى ... إليها الدهر في صور البعاد
وإذ طير الحوادث في رباها ... سواكن وهي غنّاء المراد
فقوله "غنّاء المراد" خبر عن الضمير العائد إلى الرسوم، أو إلى رياها. وقال ابن هانئ:
طويت لي الأيام فوق مكايد ... ما ينطوي من فوقها الأعداء
ما كان أحسن من أياديها التي ... توليك إلا أنهاحسناء
وقال أبو الطيب المتنبي:
وعقاب لبنان وكيف يقطعها ... وهوالشتاء وصيفهن شتاء
لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
فقوله: "سوداء" خبر عن الضمير في قوله: "فكأنها"، وهذا الضمير عائد على الثلوج، أو على المسالك.
بل ورد مثل هذا في شعر عربي فصيح، قال المخبل السعدي:
أعرفت من سلمى رسوم ديار ... بالشط بين مخفق وصحار
وسألتها عن أهلها فوجدتها ... عمياء جاهلة عن الأخبار
فقوله: "عمياء" مفعول ثان لوجدت، وهو بمنزلة الخبر عن الضمير العائد إلى رسوم ديار "الأغاني".
وورد خبراً عن الضمير العائد إلى جمع بعد الإخبار عنه المفرد المؤنث بالتاء؛ كما قال ابن هانئ:
لولا مشيب بفودي للفؤاد عصا ... أنضيت في مهمه التشبيب لي قلصا
واستوقفت عبراتي وهي جارية ... وكفاء توهم ربعاً للحبيب قصا
(6/ 2/41)

وجرى على هذا المرحوم حافظ إبراهيم، فقال:
يستنطق الآلام وهي دفينة ... خرساء حتى تنطق الآلام
فأخبر عن الضمير العائد إلى الآلام بفعلاء بعد أن أخبر عنه بالمفرد المؤنث بالتاء، ونسج على هذا المنوال المرحوم مصطفى صادق الرافعي، فقال: "وترد الأمواج نقية بيضاء كأنها عمائم العلماء".
وورد خبراً عن ضمير يعود على اسم جمع؛ كما قال ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 في طير أبابيل من سورة الفيل: "ثم اختلفوا في صفتها، فقال بعضهم: كانت بيضاء، وقال آخرون: كانت سوداء، وقال آخرون: كانت خضراء، والطير اسم لجماعة ما يطير، والواحد طائر".
وورد فعلاء في أشعارهم حالاً من الجمع، كما قال ابن الخطيب (1):
ولك الجواري المنشآت وقد غدت ... تختال في برد الشباب وترفل
جوفاء يحملها ومن حملت به ... من يعلم الأنثى وماذا تحمل
فقوله: "جوفاء" حال من الجواري المنشآت، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ أعني: الجواري.
وقال الطغرائي يمدح أبا الفضل أسعد بن محمد بن موسى (2):
لقد قلت للمزجي قلائصه ... حدباء يعرق لحمها الجدب
فقوله: "حدباء" حال من جمع، وهو: "قلائصه".
ووردت وصفاً لجمع محذوف بعد وصفه بصفة المؤنث بالتاء،
__________
(1) "نفح الطيب".
(2) "مختارات البارودي".
(6/ 2/42)

قال المتنبي:
وبساتينك الجياد وما تح ... ل من سمهرية سمراء
وقال الأبيوردي:
ولو استطيل على الحمام بعزة رفعت له اليزنية السمراء
واليزنية: الرماخ، نسبة إلى ذي يزن.
وملخص البحث: أن علماء العربية أطلقوا في صحة وصف جمع غير العاقل بصفة المفردة المؤنثة، فيدخل في إطلاقهم وصفه بفَعلاء، ولم نر أحداً منهم خص هذا الحكم بصيغتي فاعلة، وفعلى. ثم إن الوصف بها ورد في كلام العلماء والأدباء كثيراً؛ كما ورد في عبارة ابن جرير الطبري، وورد في شعر أبي تمام، والمتنبي ما يدل على صحته. وقد قال صاحب "الكشاف": اجعل ما يقوله أبو تمام بمنزلة ما يرويه. وقال الشهاب الخفاجي في "شرح درة الغواص": اجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه. ثم إن قياس فَعلاء على فعلى وفاعلة في صحة الوصف بهما من الأقيسة التي تتلقاها اللغة العربية على الرحب والسعة.
وبناء على هذا، أقترح على مؤتمر المجمع الموقر أن يُصدر قراراً في صحة التركيب الذي يوصف فيه جمع غير العاقل بصيغة فَعلاء، قطعاً للمناقشة التي تدور حول هذا الأسلوب.
وبعد عرض هذا الاقتراح قرر المجمع صحة وصف جمع غير العاقل بصيغة فعلاء.
(6/ 2/43)

اسم المصدر في المعاجم (1)
يقوم المجمع اليوم بعمل معجمين: المعجم الوسيط، والمعجم التاريخي الكبير؛ ليخرج للناس معاجم تمتاز عن المعاجم السابقة بترتيب يجعل الاستفادة منها أيسر، وبعبارات تعرض المعاني في أجلى صورة، علاوة على الداعها ألفاظاً وضعها المجمع، أو أقر وضعها؛ استيفاء لمقتضيات العلم والحضارة.
وهذا الاتجاه الموفق دعاني إلى أن أطرح على بساط المؤتمر الموقر بحثًا في كلمة ترد في المعاجم على وجه غير منضبط، وغير واضح وضوحًا يسارع بمعناها إلى أذهان عامة المطالعين. وهذه الكلمة هي: اسم المصدر، الذي يشيرون إليه بعد ذكر الفعل أو المصدر أو الوصف بقولهم: "اسم المصدر كذا"، أو "الاسم منه كذا"، أو "الاسم كذا"، أو "وكذا الاسم".
توجد هذه الكلمة في المعاجم القديمة؛ ككتاب "الصحاح"، "والمخصص"، "والجمهرة" لابن دريد، "والنهاية" لابن الأثير، "والقاموس المحيط"، "ولسان العرب"، و"المصباح"، كما توجد في المعاجم الحديثة؛
__________
(1) ألقى الإمام هذا البحث في الجلسة التاسعة لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة (18 يناير 1950) ووفق على إحالته إلى لجنة الأصول. ونشر في الجزء الثامن من مجلة "مجمع اللغة العربية" سنة 1955.
(6/ 2/44)

ك "البستان"، "وأقرب الموارد"، ولا تخلو منها كتب الأدب؛ ك "الكامل" للمبرد، و"الأمالي" لأبي علي القالي، بل توجد في عبارات يعزوها بعض أصحاب المعاجم إلى الأقدمين من علماء العربية؛ كالخليل، وسيبويه، وأبي عبيدة.
ودخلت هذه الكلمة في كتب العلوم الأخرى، وذاعت في شروحها وحواشمِها، حتى انساقت إلى التفسير، وشروح الحديث عندما يرد شيء من أفرادها في القرآن الكريم، أوالحديث الشريف، وجرت على ألسنة الفقهاء عند تعريف بعض الحقائق الشرعية؛ كالطهارة، والسرقة، والعطية.
ولا أحسب أن في اللغات الواسعة النطاق لغة تخلو من اسم المصدر، وأعرف أن في اللغة الألمانية مصدراً infinitive، واسم مصدر substantivischer infinitive، والقصد من كلمتنا هذه يرجع إلى أربعة أهداف:
أولها: بيان ما هو اسم المصدر في عرف علماء العربية.
ثانيها: عرض أمثلة ترون فيها كيف اختلف أصحاب المعاجم في تمييز اسم المصدر عن المصدر، وساروا في ذكره على طريقة غير منتظمة.
ثالثها: أسباب هذا الاختلاف.
رابعها: البحث عما ينبغي أن نأخذ به في المعاجم التىِ بين أيدينا عندما يقتضي الحال ذكر هذا الصنف من المشتقات.
* ما اسم المصدر؟ وما الفرق بينه وبين المصدر؟
حيث جعلنا الهدف الأخير لهذا البحث: لفتَ نظر المجمع إلى رسم الطريقة التي. ينبغي أن تسير عليها معاجمنا في الصيغ التي تسميها المعاجم السابقة: اسم المصدر، رأيت أن أضع على وجه التذكرة أمام المجمع مذاهب
(6/ 2/45)

علماء العربية في هذا المصطلح، وما قرروه في الفرق بينه وبين المصدر، فأقول:
اسم المصدر: كلمة جرى عرف علماء العربية باستعمالها في نوع خاص من الكلمات المشتقة، يجري بحثها في علمي الصرف والنحو، ينظر الصرفيون في بحثها إلى حال بنيتها واشتقاقها، ويبحثها النحويون من جهة إعرابها، وعملها عمل المصدر في نحو الفاعل والمفعول، ويتناول كل منهما عند شرح معناها الفرق بينها وبين المصدر.
يقسم بعض النحويين اسم المصدر إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: الاسم المشتق من المصدر بزيادة ميم في أوله؛ نحو: ضرب مَضْرِباً؛ أي: ضرباً، وأكرم مُكرماً؛ أي: إكراما .. وليس هذا موضع بحثنا؛ لأنه من الصيغ المطردة المنضبطة، فلا يقع في اشتقاقه غلط، ولا في معناه التباس. على أن كثيراً من النحويين والصرفيين يسمونه: مصدراً ميمياً، لا اسم المصدر.
ثانيها: اسم يدل على ما يدل عليه المصدر، ويجري عليه من الأحكام ما يجري على بعض الأعلام؛ من البناء، أو المنع من الصرف؛ نحو: برة غير مصروف بمعنى: المبرة، وفجارِ مبنياً على الكسر بمعنى: الفجور، ونظيره بدادِ، ومعناه: البدة، أو المبادة، وهي التفرق، وهمامِ، ومعناه: الهمة، وصلاحِ، ومعناه: المصالحة، وورد إطلاق اسم المصدر على هذا النوع في كتاب سيبويه إذ قال: ومما جاء اسماً للمصدر: قول الشاعر:
إنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجارِ
وليس هذا النوع أيضاً موضع بحثنا؛ لأنه يمتاز عن المصادر بما أجري
(6/ 2/46)

عليه من أحكام العلم، وهي ألفاظ محصورة في المعاجم ليست بكثير.
ثالثها: اسم دال على معنى المصدر، ولكنه يخالف المصدر في عدم جريانه على الفعل الذي يجري عليه المصدر، نحو: الصلح اسم مصدر للمصالحة، فالمصالحة مصدر لصالَحَ، والصلح اسم للمصدر؛ أعني: المصالحة؛ لأنه لا يجري على فعل صالَحَ.
وهذا النوع هو الذي نريد بحثه في هذا الحديث، ونعنيه باسم المصدر، أو هو الذي اختلفت كلمة النحاة في تعريفه، وافترقت المعاجم في إيراده بين المشتقات.
وإليكم بعض النصوص المعبرة عما يراد منه، الكاشفة عما بينه وبين المصدر من فروق. وستلمحون في نصوص أولئك الباحثين اختلافاً أدى إلى ما ألفوه من حرية الرأي، وإطلاق الفكر في مجال الاجتهاد، ولا يضر الاختلاف الصادر عن حرية واجتهاد ما دام وراءه نقد بريء يميز الراجح من الضعيف، والمخطئ من المصيب.
والنصوص التي سنسوقها في التعريف باسم المصدر بعضها يبين الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ، وبعضها يبين الفرق بينهما من جهة المعنى.
قال أبو إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة":
"اسم المصدر يطلق عند النحويين بإطلاقين: أحدهما: أن يكون معناه الاسم المشتق من المصدر بزيادة ميم في أوله؛ كقولك: ضرب مضربًا، وقتل مقتلًا، وأكرم مكرمًا (1). والثاني: أن يكون معناه: الاسم الدال على
__________
(1) وهذا هو الذي أشرنا إليه آنفاً، وقلنا: لا نقصد إلى بحثه في هذه الكلمة.
(6/ 2/47)

معنى المصدر المخالف له بعدم جريانه على فعله، ومثاله: الكلام، والسلام، والعون، والكبر، والطاقة، والطاعة، والعطاء، والعسرة، والثواب؛ فإن هذه الكلمات ونحوها غير جارية على أفعالها: والجاري على سَلَّم: التسليم، وعلى كَلَّم: التكليم، وعلى أَعان: الإعانة، وكذلك سائرها؛ أي: والجاري على تكبر: التكبر، وعلى أطاق: الإطاقة، وعلى أطاع: الإطاعة، وعلى أعطى: الإعطاء، وعلى أعسر: الإعسار، وعلى أثاب: الإثابة، فالجاري هو المصدر، وغير الجاري هو اسم المصدر".
وقد رأيتموه كيف أتى بهذه الأمثلة من الصيغ التي جاءت حروفها أقل من حروف الفعل، وهذا ما يصرح به جمهور النحويين؛ إذ يجعلون الفرق بين المصدر واسم المصدر في اللفظ: أن تكون أحرف اسم المصدر أقل من أحرف الفعل، فإن ساوت أحرفُ الصيغة أحرفَ الفعل، أو كانت أزيدَ منها، فذاك هو المصدر، والظاهر أن أبا إسحاق يريد بجريان المصدر على فعله: أن يكون المصدر مشتملًا على أحرف الفعل، سواء كانت أحرفه مساوية، أو أزيد، ويعدم الجريان على الفعل أن تكون أحرفه أنقص من أحرف الفعل، فيدخل في تعريف المصدر: المصادرُ غير القياسية، وهي المصادر الشاذة الموقوفة على السماع، فتكون الصيغ التي تدل على الحدث: مصادر قياسية، ومصادر سماعية، وأسماء مصادر.
وقد ذكر ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد" هذا الفرق، فقال: "إن المصدر هو الجاري على فعله الذي هو قياسه؛ كالإفعال من أفعل، والتفعيل من فَعَّل، والانفعال من انفعل، والتفغُّل من تفغل، وأما السلام والكلام، فليسا بجاريين على فعليهما، ولو جريا عليه، لقيل: تسليم، وتكليم.
(6/ 2/48)

وإذا كان المصدر ما يجري على قياس فعله، واسم المصدر ما لا يجري على قياس فعله، بقيت المصادر التي لا تجري على قياس فعلها، وهي المصادر السماعية، خارجة عن التعريفين؛ أي: تعريف المصدر؛ لأنها غير جارية على فعلها، وعن تعريف اسم المصدر؛ لأنها تجيء مساوية للفعل بأحرفها، أو أزيد منها.
والفرق بين المصدر واسم المصدر في اللغة الألمانية من جهة اللفظ: أن المصدر ما كان منتهياً بحرفي en دائماً؛ نحو: kammen المجيء gehen: الذهاب.
وأما اسم المصدر، فإنه يأتي في صيغ مختلفة.
هذا ما يقرره علماؤنا من الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ، وأما الفرق بينهما من جهة المعنى، فقد افترقوا في ذلك على ستة مذاهب:
1 - أن اسم المصدر يدل على ما يدل عليه المصدر؛ أعني: الحدث، فهما في المعنى سواء، وإنما الاختلاف بينهما في اللفظ فقط، وهذا ما يوافق قول الشاطبي فيما نقلناه عنه في تعريف اسم المصدر: "الاسم الدال على معنى المصدر، المخالف له بعدم جريانه على فعله"، وقال ابن مالك في "التسهيل": "اسم المصدر هو ما دل على معناه ... " إلخ.
2 - أن معنى اسم المصدر: هو لفظ المصدر من حيث دلالته على الحدث، فتكون دلالة اسم المصدر على الحدث بواسطة دلالته على لفظ المصدر، فمدلول عطاء: لفظ: الإعطاء؛ من حيث دلالة الإعطاء على المعنى الصادر من الفاعل، وهو المناولة، وهذا الرأي - وإن اختاره بعض كبار
(6/ 2/49)

النحويين؛ كأبي حيان - نراه بعيداً، ودعوى أن العربي عندما يعبر بلفظ الإعطاء يريد به نفس الفعل، وإذا عبر بالعطاء يريد منه: كلمة الإعطاء؛ ليتوصل منها إلى معناها الذي هو المناولة، تعسفُ ينبو عنه الفكر.
3 - ثالث المذاهب: أن معنى المصدر هو الفعل، مع ملاحظة تعلقه بالمنسوب إليه، وأما اسم المصدر، فهو موضوع للفعل من حيث هو، بلا اعتبار تعلقه بالمنسوب إليه، وإن كان له تعلق في الواقع. قال الرضي: الحدث إن اعتبر صدوره عن الفاعل، ووقوعه على المفعول، سمي: مصدراً، وإذالم يعتبر من هذه الحيثية، سمي: اسم مصدر، ويرجع إلى هذا المذهب قول ابن القيم في كتاب "بدائع الفوائد": "وأما الفرق المعنوي - أي: بين المصدر واسم المصدر -، فهو أن المصدر وإل على الحدث وفاعله، فإذا قلت: تكليم، وتسليم، وتعليم، ونحو ذلك، دل على الحدث ومن قام به، فيدل التسليم على السلام والمسلم، وكذلك التكليم والتعليم، وأما اسم المصدر، فإنما يدل على الحدث وحده، فالسلام والكلام لا يدل لفظه على مسلم ومكلم؛ بخلاف التكليم والتسليم، فاسم المصدر جردوه لمجرد الدلالة على الحدث".
وقريب من هذا ما يقرر في اللغة الألمانية من أن المصدر الاسمي يلاحظ فيه الحدث مجرداً عن اعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول؛ بخلاف المصدر، ولعدم اعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول صرحوا بأنه لا أثر له في الإعراب، فلا يعمل في فاعل أو مفعول، وكذلك يقول جماعة من علماء لغتنا: إن اسم المصدر لا يعمل في شيء من متعلقات الفعل، ووقف جماعة على شواهد قليلة فيها إعمال ما يسمى مصدراً، فأجازوا إعماله.
(6/ 2/50)

4 - ورابع المذاهب: ما حكاه أبو البقاء في "كلياته"، وهو أن المصدر مدلوله الفعل مع ملاحظة تعلقه بالفاعل، واسم المصدر يدل على الفعل أيضاً، ولكن مع ملاحظة الأثر المترتب عليه.
5 - خامسها: أن المصدر اسم عين يستعمل بمعنى المصدر، فيقال فيه عند استعماله لمعنى المصدر: اسم مصدر، قال الرضي في "شرح الكافية": "هو اسم العين يستعمل بمعنى المصدر؛ كقوله:
أكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المئة الرتاعا
أي: إعطائك، والعطاء في الأصل اسم لما يعطى".
فاسم الحدث - بناء على هذا الرأي - لا يسمى: اسم مصدر، إلا إذا ثبت أنه استعمل من قبل اسماً لعين.
6 - وسادس المذاهب: ما أشار إليه فارس الشدياق في كتاب "الجاسوس" إذ قال: "الفرق بين المصدر والاسم: أن المصدر يتضمن معنى الفعل ينصب مثله، والاسم هو الحال التي حصلت من الفعل، مثال ذلك: الغَسل، والغُسل تقول: قد بالغت في غَسل هذا الثوب، فتنصب الثوب، فإن أردت الحال، قلت: لست أرى في هذا الثوب غسلاً، وهذا ماظهر لي".
وهذا الرأي غير معروف في كتب النحو صراحة. غير أني وقفت على عبارة للشهاب الخفاجي في "شرحه للشفاء" توافقه؛ حيث ذكر صاحب "الشفاء": "الثناء، والكرامة"، فقال الشهاب مفسراً للكرامة: الكرامة: اسم مصدر بمعنى الحاصل بالمصدر، وهو الإكرام. والحاصل بالمصدر يريدون منه: الأثر الذي يترتب على فعل الفاعل؛ أعني: الإيقاع. فمدلول المصدر
(6/ 2/51)

نفس الإيقاع الذي هو أمر معنوي لا يشاهد، وهو من مقولة الفعل، ومدلول اسم المصدر: أثره الذي هو هيئة محسوسة، وهو بهذا المعنى من مقولة الكيف.
* اختلاف المعاجم في أسماء المصادر:
هل سار اللغويون في معاجمهم عند إيراد اسم المصدر على قاعدة النحويين، وهو أن تكون أحرفه أقل من أحرف الفعل، أو أنهم اتخذوا قاعدة أخرى لهذا المصطلح، وساروا عليها بانتظام؟.
هم يقولون فيما كانت أحرفه أقل من أحرف الفعل: اسم مصدر، فكثيراً ما تجدهم يذكرون فعلاً على وزن أفعل، أو فغَّل، أو تفاعل، أو نحوها من الأفعال المزيدة، ويوردون صيغة أقل حروفاً منه على أنها اسم المصدر، كما قال صاحب "المخصص": "الأداء اسم من قولك: أديت الشيء تأدية". ولكننا نجدهم قد يذكرون الفعل الثلاثي، ويسمون ما يذكرونه بعدُ: اسماً، وهو مساو لحروفه للفعل، كما قال صاحب "المصباح": أثم أثماً من باب تعب، والإثم -بالكسر- اسم منه. وقال صاحب "المخصص": نبزه ينبزه نبزاً، والاسم النبز. وقال صاحبه "البستان": والصدر - محركة -: الاسم من صدر؛ أي: رفع. وقال صاحب "المخصص": عفوت للحق: خضعت، والاسم العفوة. وقال صاحب "الجمهرة": غبّ الطعام يغب غباً، والاسم: الغبّ.
بل نجدهم يذكرون الفعل الثلاثي، ويصلونه بما يسمونه اسماً، وهو أزيد حروفاً من الفعل؛ كما قال صاحب "المصباح": "أتى الرجل يأتي أتياً: جاء، والإتيان اسم منه". قال: "شَتَّ من باب ضرب، والاسم: الشتات"،
(6/ 2/52)

وقال صاحب "القاموس": "مرح؛ كفرح ونشط: تبختر، والاسم ككتاب؛ أي: مراح"، وقال: "صقله: جلاه، فهو مصقول، وصقيل، والاسم ككتاب"، وقال: "فطمه: فصله عن الرضاع، والاسم: ككتاب".
وقد يبدو للناظر في المعاجم أن ليس للغويين قاعدة مضبوطة في تسمية بعض أسماء المعاني أسماء مصادر؛ لوجوه:
أحدها: أنهم قد يترددون، أو يختلفون في الصيغة الواحدة بين كونها مصدراً أو اسماً كما قال صاحب "القاموس": عتق العبد يعتق عتقاً، ويفتح، أو بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقال: الصدق - بالكسر والفتح -: ضد الكذب، أو - بالفتح -: المصدر، و - بالكسر - الاسم، وقال: عاف عيفاً وعيافاً، أو ككتاب: مصدر، وككتابة: اسم، وقال صاحب "المحكم": التلقاء اسم مصدر، لا مصدر، وقيل: مصدر، ولا نظير له.
ثانيها: أنهم يختلفون في الصيغة، هل هي اسم مصدر، أو هي مصدر في بعض اللغات، كما قال صاحب "المصباح": شربته شَرباً - بالفتح -، والاسم: الشُّرب - بالضم -، وقيل: همالغتان، أي: كل منهما مصدر، وكل مصدر عائد إلى لغة، وورد الحَج بالفتح، والحِج بالكسر، فقال أبو علي الفارسي في كتاب "الحجة": الحج مصدر، والحِج الاسم، وقال غيره في "المخصص": همالغتان.
ثالثها: قد يدرج بعضهم في أسماء المصادر صيغة يعدها النحويون من الصيغ الجارية على القياس؛ كما عدّ صاحب "المصباح": النواح اسم مصدر لناح، مع أن الفُعال - بضم الفاء - من الأوزان القياسية مما يدل على صوت؛ كالصراخ، وقد أورده صاحب "القاموس" في المصادر، ثم
(6/ 2/53)

0 قال: والاسم: النياحة.
رابعها: أن يذكر فعلا ثلاثياً، وفعلاً آخر من المزيد. ويوردون صيغة واحدة على أنها اسم مصدر لهما؛ كما قال صاحب "المصباح" في مادة: ألف: ألفته إلفاً: أنست به، والاسم: الألفة - بالضم -، والألفة أيضاً اسم من الائتلاف.
خامسها: أن يختلف عمل المعجميين في الصيغة الواحدة، فيوردها
أحدهم في جملة المصادر، ويقول الآخر عنها: إنها اسم مصدر؛ كما ساق صاحب "القاموس" المودة في مصادر ودّ، وعدها صاحب "المصباح" اسم مصدر، فقال: والاسم: المودة، وكما اختلفا في لفظ مُزاحة، ساقها صاحب "المصباح" مساق المصدر، وعدها صاحب "القاموس" اسماً لمصدر مزح. واختلفا في لفظ البخل كفلس، ساقه صاحب "القاموس" مساق المصادر لبخل، وعده صاحب "المصباح" اسم مصدر.
ونسب فارس الشدياق لصاحب "القاموس" تخليط المصدر باسم المصدر؛ حيث ذكر القوت - بالضم - في مصدر قات، مع أن صاحب "الصحاح" عده اسماً إذ قال: والاسم: القوت.
وقد يجدهم الناظر يذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، ولا يسمون واحداً منها اسم مصدر، كما ذكر صاحب "القاموس" لفعل لزم ستة مصادر، ولخسر سبعة مصادر، ولمكث تسعة مصادر، وللقي أحد عشر مصدراً، ولتم عشرة مصادر، ولم يقل في واحد منها: إنه اسم مصدر.
وأحياناً يذكرون للفعل الواحد مصدراً، ويردفونه بصيغ يقولون عنها: إنها أسماء مصادر، قد يكون من المعقول أن يذكرواللفعل المزيد صيغاً
(6/ 2/54)

ليست جارية عليه، ويسمونها: أسماء مصدر؛ كما قال صاحب "القاموس": أوصاه، ووصَّاه توصية: عهد إليه والاسم: الوصاة، والوصاية، والوصية، ولكن النظر يقف عندما يذكرون فعلاً ثلاثياً ومصدره، ثم يذكرون صيغاً بمعنى المصدر، ويسمونه: أسماء مصدر، كما قال صاحب "القاموس": "مزح مزحاً"، ثم قال: "ومُزاحة، ومُزاحاً - بضمهما -، وهما اسمان".
* أسباب اختلات المعاجم في مسألة اسم المصدر:
لعدم اتحاد المعاجم على وجهة واحدة أسباب نعرض على حضراتكم ما بدالنا منها أثناء البحث، عسى أن يكون لعرضها أثر في تلافي ذلك النقص فيما سيصدره المجمع من المعاجم:
1 - جرى علماء اللغة على أن يجمعوالهجات القبائل العربية في لغة واحدة، فيذكرون للفعل الواحد مصادر متعددة، وقد يكون للفعل في لغة قبيلة صيغة مصدر، وله في لغة غيرها من القبائل صيغة أخرى، فهذا صاحب "القاموس" - مثلاً - عدّد لكل من فعلي حمّل وكذّب مصدرين هما: التحميل، والتحمال، والتكذيب، والكِذّاب، والواقع أن كل واحد من المصدرين عائد إلى لغة. قال سيبويه في "الكتاب": "وقال قوم: كلمته كِلاَّماً، وحَمَّلته حِمَّالا". وقال الكسائي: "أهل اليمن يجعلون مصدر فعّل فِعّالاً، وغيرهم من العرب يجعلونه تفعيلاً". ومن أمثلة هذا أن صاحب "القاموس" ذكر مصادر فعل طلع، فقال: طلعت الشمس طلوعاً، ومطلَعاً، ومطلِعاً، وسيبويه يقول في الكتاب أتيتك مطلِع الشمس؛ أي: عند طلوعها، وهذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز، فيفتحون؛ أي: اللام.
ومن قبيل ما كان تعددُ مصادره من اختلاف اللغات: غزر؛ ككرم،
(6/ 2/55)

غزراً، وغزراً؛ أي: أكثر، فقد قال الأصمعي كما في "أمالي أبي علي القالي": إن الغزر لغة أهل البحرين، والغزر - بالفتح - اللغة العالية.
ويدلكم على أن تعدد المصادر قد يكون من اختلاف اللغات: أن قياس أهل نجد كما قال الرضي في "شرح الشافية" أن يقولوا في مصدر مالم يسمع مصدره من فعَل - المفتوح العين -: فُعول، متعدياً كان أو لازماً، وقياس الحجازيين فيه: فعل، متعدياً كان أو لازماً.
ونشأ من إيراد المصادر من غير أن تنسب إلى قبائلها أن ألحقوا بعض المصادر باسم المصدر، وإنما هو مصدر في لغة من اللغات؛ كما عد بعضهم شُرباً - بضم الشين - اسم مصدر لشرب، وإنما هي لغة تميم، قال صاحب "المزهر": شربت الماء شَرباً، وبنو تميم يقولون: شربت الماء شُرباً.
2 - ومن المصادر الجارية على بعض الأفعال ما يوضع موضع مصدرٍ آخر جارٍ على فعله الخاص؛ كوضع تعقيد موضع تعقُّد، في قولك: فصاحةُ الكلام: خلوُصه من التعيقد،. إذ الكلام إنما يوصف بالتعقد، لا بالتعقيد، ولكنك وضعت التعقيد موضع التعقد، وقد جاء في الكتاب العزيز: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]، وضع هنا التبتيل موضع التبتُّل، وكثيراً ما يقول المتقدمون في مثل هذا النوع: اسم أقيم مقام مصدر كذا، وسماه سيبويه في كتابه: مصدراً، فقال: باب: ما جاء المصدر فيه على غير الفعل؛ لأن المعنى واحد، وذلك قولهم: اجتوروا تجاوراً، وتجاوروا اجتواراً، فإن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد، وأورد في هذا القبيل آية: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} وقول القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تَتَبَّعُهُ اتِّباعا
(6/ 2/56)

كما استعمل رؤبة الانطواء موضع التطوي في قوله: "وقد تطويت انطواء الحضب"، والحضب: الحية. وقد يطلق بعض أهل العربية على هذا النوع كلمة: اسم مصدر، مع أن له فعلاً يجري عليه.
3 - وقد يجد اللغوي اسم معنى، ولا يقف له على فعل من لفظه يجري عليه، فيسميه: اسم مصدر؛ كما قال ابن الحاجب في "أماليه": "واسم المصدر هو اسم المعنى، وليس له فعل يجري عليه؛ كالقهقرى". ولكن ثبت عند غيره أن له فعلاً يجري عليه؛ كما ورد في "القاموس": أنهم قالوا قهقر؛ أي: رجع إلى خلف. وكما قال ابن درستويه في "شرح الفصيح": ليس واحد من الخُطبة والخِطبة بمصدر لقولك: "خطب المرأة" يخطب، ولكنهما اسمان يوضعان موضع المصدر؛ لأن مصدر هذا الفعل غير مستعمل. وقد ثبت عند غيره أن له مصدراً جارياً عليه، وهو الخطب، أورده صاحب "القاموس"، وأضاف إليه: الخطبة، والخطِّيبى على أن الثلاثة مصادر لهذا الفعل.
4 - قد يسمون اللفظ الدال على الحدث: اسم مصدر؛ حيث يجدونه وارداً على صيغة غير معروفة في المصادر، ومن هنا أنكر كثير من علماء الصرف أن يكون ما جاء على وزن فَعول - بالفتح - مصدراً، وقالوا فيما ورد منه؛ كَقبول ووَلوع: اسم مصدر، لا مصدر، وحكى صاحب "اللسان" عن ابن جني: أن المجوبة: اسم مصدر من أجاب، ثم قال: "ولا تكون مصدراً؛ لأن المفعلَة عند سيبويه ليست من أبنية المصادر"، وقال صاحب "المحكم": التقاء اسم مصدر، لا مصدر، وإلا، فتحت التاء، فسماه: اسم مصدر؛ حيث ورد في وزن غير معروف في المصادر.
(6/ 2/57)

5 - ثم إن اللغويين قد يصرحون بأن كذا اسم مصدر؛ كما قال صاحب "المخصص": الجزاء اسم مصدر، وقد يقولون بعد ذكر الفعل والمصدر: والاسم كذا، ويتبعونه بما يدل على أنهم أرادوا اسم المصدر؛ كما قال صاحب "المخصص": أنفذت الأمر: قضيته، والاسم النَّفْذ، يقال: أمرته بنَفْذه؛ أي: إنفاذه. وتارة يردفونه بما يدل على أنهم أرادوا المشتق من نحو اسم الفاعل أو المفعول؛ كما قال صاحب "اللسان" في مادة دفأ: والاسم: الدفء - بالكسر -، وهو الشيء الذي يُدفئك، وقال صاحب "العين" فيما نقله صاحب "المخصص" وهو يتحدث عن صفد بمعنى أوثق: "والاسم الصفاد، والصفاد: حبل يوثق به، أو غُل".
وكما قال صاحب "المخصص": "فاد له مال فيداً، والاسم: الفائدة، وهو ما استفدت". وقال في مادة كنز: "والاسم: الكنز، إنما أراد: المال المكنوز؛ أي: المدفون؛ بدليل قوله: والجمع كنوز". وكثيراً ما يقول: والاسم كذا، إنما يريد: اسم الفاعل. وقد تدلك الصيغة على أن المراد اسم الفاعل؛ كما قال صاحب "النهاية": بئس يبأس بؤساً وبأساً: افتقر، والاسم: بائس. وسيبويه قد يعبر في "الكتاب" بالاسم عن اسم الفاعل؛ كما قال بعد ذكر أفعال ومصادرها: والاسم: قاتل، والاسم: خالق، والاسم: لاحس، والاسم: لا قم.
وقد يقولون بعد ذكر الفعل والمصدر: "والاسم كذا". ولا يستبين من عبارتهم ماذا أرادوا، وهذا قد يختلف في تفسيره الكاتبون في اللغة أنفسهم؛ ككلمة "بُقيا"، قال صاحب "القاموس": "والاسم: البُقيا"، ولم يذكر ما يبين المراد منها، وأوردها صاحب "المخصص"، وقال: "البُقيا:
(6/ 2/58)

الإبقاء على الشيء". ولكن صاحب "أقرب الموارد" أوردها مع البقوى، وقال: "أسماء لما بقي".
ولم يقع اضطراب لمعاجم اللغة الألمانية في ذكر اسم المصدر؛ لأن المصادر عندهم كلها منتهية بحرفي en. فما عداها مما يدل على المعنى الذي يدل عليه المصدر هو اسم مصدر؛ نحو der cang: الذهاب، و Die kemitnis المعرفة sicit: النظر.
* ما الطريق التي يصح لنا أن نتحراها في صنع معاجمنا؟
إذا كانت كلمة: اسم المصدر من المصطلحات التي نشأت في المصدر الأول، ودخلت في معاجمنا قديماً وحديثاً، بل في أكثر العلوم العربية، وكان لها نظير في اللغات الراقية، لا نرى وجهاً للاستغناء عنها وإيرادها أينما وجدت في قبيل المصادر، حتى على المذهب المشهور القائل: إن مدلول معنى اسم المصدر هو معنى المصدر، ويمكننا أن نتحاشى ذلك الاختلال الواقع في المعاجم بتقرير قاعدة مضبوطة؛ بأن نعتمد الفرق بين المصدر واسم المصدر من جهة اللفظ على ما قاله النحاة، واتبعته المعاجم في أكثر المواد، وهو أن اسم المصدر: ما كانت أحرفه أنقص من أحرف الفعل، والمصدر: ما كانت أحرفه مساوية لأحرف الفعل، أو أزيد منها.
ونضم إلى هذا ما يفهم من تعريف اسم المصدر من أنه إنما يكون للأفعال المزيد فيها؛ أي: لا يكون للأفعال الثلاثية، أو المصادر الثلاثية اسمُ فعل، وقد صرح بذلك بدر الدين بن مالك، فقال: "اسم المصدر ما كان لغير ثلاثي؛ كالغسل، والوضوء". ونعتمد على أن لا فرق بينهما من جهة المعنى؛ أي: أن كلاً منهما يدل على المعنى الصادر من الفاعل، أو القائم
(6/ 2/59)

به، وإذا أراد المتكلم أن يدل على معنى الفعل غير ملاحظ تعلقه بفاعل أو مفعول، كان الأولى أن يدل عليه باسم المصدر؛ لأنه أخصر، وله أن يعبر بالمصدر؛ إذ المصدر نفسه قد يستعمل في العربية مشاراً به إلى الاحداث كذات قائمة بنفسها، وذلك ما يعنونه بقولهم: المصدر معنى الثبوت، وما يشار به إلى الحدث باعتبار تعلقه بفاعل أو مفعول، وهو ما يعنونه بقولهم: المصدر بمعنى الحدوث (1)، ومن المعروف في اللسان الألماني أن المصدر قد يستعمل كالمصدر الاسمي مراداً منه الحدث المجرد ويصلونه بأداة التعريف der kammen المجيء، der sehen الرؤية.
ويسوغ لنا أن نطرح من أسماء المصادر كل اسم معنى له فعل ثلاثي يلاقي الفعل المزيد في المعنى، ونذكره على أنه مصدر للفعل الثلاثي، وإذا استعمل مع الفعل المزيد كأنه مصدر له، جعلناه من قبيل المصدر الذي وضع موضع مصدرآخر، وليس كل مصدر أقيم مقام مصدر آخر يستحق أن يسمى: اسم مصدر، فنحو لفظ: نبات له فعل ثلاثي هو نبت، فاستعماله مع الفعل الذي يلاقيه في المعنى، وهو أنبت، لا يقتضي دخوله في قبيل اسم المصدر، وإنما هو مصدر أقيم مقام مصدر آخر؛ لخفته، أو لاستقامة الفاصلة، أو القافية، ونحو ذلك من مقتضيات حسن البيان.
وممن درج على الفرق بين اسم المصدر وما وضع موضع المصدر: صاحب "المصباح" حين تكلم عن لفظ نبات في آية {أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17]، وقال: قيل: وضع موضع المصدر، وقيل: هو اسم مصدر.
أما اسم المعنى الذي لم نجد له فعلاً ثلاثياً يلاقي الفعل المزيد في
__________
(1) "شرح ابن هشام لقصيدة بانت سعاد".
(6/ 2/60)

المعنى؛ نحو: عطاء، وكلام، وسلام، فلتسميته اسم مصدر وجه، وهو مجيئه على خلاف ما هو معهود في المصادر من ارتباطها بالأفعال، وجريانها عليها بمعنى: استيفاء حروفها.
وترك تسمية بعض الألفاظ العربية باسم المصدر الذي هو مصطلح علمي لا يمس جوهر اللغة بشيء، وإنما هو تصرف في اصطلاح لم يتفق عليه علماء العربية أنفسهم.
هذا ما ظهر لي في تلافي النقص الذي وقع لمعاجمنا في مسألة اسم المصدر، ولينظر المجمع الموقر ماذا يرى.
(6/ 2/61)

شَرْحُ قراراتِ المجمَعِ، والاحتجاجُ لها تكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات، ولم ترد بقيتها (1)
نرى كتب اللغة - ولو كانت مبسوطة - قد تهمل في كثير من المواد بعض ما يتفرع عنها من نحو المصادر، والأفعال، والمشتقات غير الفعل. ومن هذه المهملات ما يعرف من اصطلاح صاحب المعجم، فيكون بمنزلة المذكور صراحة، كما نبه الفيروز أبادي في "مقدمة قاموسه" أنه إذا ذكر المصدر مطلقاً، أو الماضي، ولم يذكر المضارع، فالفعل من باب كتَب يكتُب.
ومن هذه المهملات ما يقول أصحاب المعاجم: إن العرب هجرته، أو أهملته، أو أماتته، أو لم تقله، أو لم تتكلم به، أو استغنت عنه بكذا، كما قالوا: إن العرب أماتوا ماضي دَعْ، وذَرْ (2)، وقالوا: مصدر عسى لا يستعمل؛ لأنه أصل مرفوض (3)، وقالوا: الحتف: الهلاك، ولا يبنى منه فعل (4)، وقالوا: السافر: المسافر، ولا فعل له (5)، وقالوا: إن العرب استغنوا بارتفع
__________
(1) مجلة "مجمع اللغة العربية" القاهرة الجزء الثاني مايو 1935 - صفر 1354.
(2) "القاموس".
(3) "المزهر".
(4) "المجمل" لابن فارس.
(5) "القاموس".
(6/ 2/62)

عن رفع، وعليه جاء رفيع.
وقد يقول بعضهم في المصدر، أو الفعل، أو المشتق غير الفعل: إن العرب أماتته، أو لم تقله، أو استغنت عنه بكذا، ويخالفهم آخرون من الثقات، وينسبون إلى العرب أنها قالته، أو استعملته في كلامها، والسماع كما قال أبو إسحاق الشاطبي: "إذا أثبته ثقة، لم يطرح بسبب أن ثقة آخر لم يثبته؛ لعدم اطلاعه عليه، بل القاعدة أن المثبت في مثل هذه الأمور مقدم على النافي؛ لأن النافي إنما يقول: لم أحفظه".
وجمهور علماء العربية على أن ما نص في المعاجم ونحوها أنه أميت، أو لم تقله العرب؛ من فعل أو مصدر أو مشتق، نجري فيه على ما جرت عليه العرب، فنهمله، ونستغني عنه بالألفاظ التي تغني عنه. ولم نر من أجاز استعمال ما أهمله العرب على هذا الوجه إلا ابن درستويه؛ فقد قال في "شرح الفصيح": "إنما أهملوا استعمال ودع، ووذر؛ لأن في أولهما واواً، وهو حرف مستثقل، فاستغني عنهما بما خلا منه، وهو: ترك". ثم قال: "واستعمال ما أهملوا من هذا جائز صواب، وهو الأصل". ومن المهملات في كتب اللغة: مالا يستدل عليه باصطلاخ، ومالا يقول فيه أصحاب المعاجم: إن العرب أماتته، أو لم تقله؛ كأن يشرحوا المادة، ويذكروا بعض ما يتصل بها، ويسكتوا عن بعض، وهذا النوع هو الذي عني به المجمع، شاعراً بالحاجة إلى إحيائه بالاستعمال؛ إذ تزداد به اللغة ثروة، وتسدّ به حاجات قد يقصر غيره عن أن يقوم مقامه في سدّها، فسلك في بحثه طريقاً وسطاً، وانتهى به البحث إلى ذلك القرار الحكيم.
افتتح القرار بالتنبيه على طريق تكملة المواد غير ثلاثية الحروف، وهي:
(6/ 2/63)

مزيد الثلاثي، ومجرد الرباعي، وملحقه (1)، ومزيده، ذلك أن تصوغ مالم يذكر على ما يقتضيه كل باب من هذه الأبواب.
وبيان هذا: أن ما زادت حروفه على ثلاثة، يكون لكل صيغة من أفعاله صيغة مصدر قياسية، وصيغة مشتق غير فعل لا يتخلفان عنها (2)، ويكون لكل صيغة من مصادره صيغة فعل واحدة، وهكذا الشأن في مشتقاته؛ من نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان والمكان، فلكل صيغة من صيغها وزن من الأفعال، وآخر من المصادر لا تتجاوزهما.
ولهذا كانت دلالة كل من المصدر، أو الفعل، أو المشتق غير الفعل على البقية واضحة مطرد؛، فإذا وجدت في مادة اسماً في وزن مفتعل - مثلاً -، صغت له فعلاً على وزن افتعل، ومصدراً على وزن الافتعال، وإذا وجدت في أخرى مصدراً في وزن "فعللة"، صغت له فعلاً في وزن فعلل، واسم فاعل في وزن مُفعلِل، وقس على هذا ما شاكله من الصيغ غير ثلاثية الحروف.
وتضمن القرار أن الفعل الثلاثي المتعدي يصاغ له مصدر على وزن
__________
(1) الإلحاق: أن يزاد في ثلاثي أو رباعي ما يجعله موازناً لما فوقه؛ أي: موافقاً في الحركة والسكون وعدد الحروف، وهو قياسي عند أبي علي الفارسي، وابن جني، قال ابن جني: لو احتجت في شعر أو سجع أن تشتق من ضرب اسماً، أو فعلاً، أو غير ذلك، لجاز، وكنت تقول: ضربب زيد عمراً، وأنت تريد: ضرب.
(2) وقد يكون للمصدر مع الصيغة القياسية صيغة أخرى؛ نحو: فاعَلَ، له صيغة لا تتخلف عنه هي المفاعلة، وصيغة أخرى مختلف في قياسيتها، وهي الفِعال، ونحو: فعلل، له صيغة لا نزاع في قياسيتها هي الفعللة، وصيغة أخرى جرى الخلاف في قياسيتها، هي: فِعلال - بكسر الفاء -.
(6/ 2/64)

فعل مالم يدل على حرفه.
وهذا موافق لما يقوله علماء العربية؛ إذ قرروا: أن مصدر الفعل الثلاثي المتعدي يكون على فعل قياساً مطرداً، واستثنوا الأفعال الدالة على الحرفة؛ فإن قياس مصدرها: فِعالة -بكسر الفاء-، وكان المجمع قد قرر في دورته الأولى قياسية فِعالة للحرفة، سواء أكان الفعل متعدياً، أم لازماً (1).
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يأتي على وزن فِعل - مكسور العين - يصاغ له مصدر على فعَل - مفتوح العين - مالم يدل على لون، فيصاغ مصدره حينئذ على فُعْلة -بضم فسكون-، وهذا القرار موافق لما جرى عليه علماء العربية؛ فإنهم قرروا أن مصدر فعِل اللازم يكون على وزن فَعَل؛ نحو: فرِح فرَحاً، وهوِي هوى، وشَلّ شَللاً، واستثنوا من ذلك ما دلّ على لون، وقالوا: إن الغالب على مصدره الفُعْلة؛ نحو سَمِر سُمْرة، وشهِب شُهبة، وكَهِب كُهبة.
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يأتي على وزن فُعل مضموم العين يصاغ له مصدر على وزن فَعالة، أو فُعولة. وهذا من الأصول المعروفة في علم الصرف.
قال الصبان في "حواشي الأشموني": "فعولة وفعالة كل منهما مصدر قياسي لفعُل المضموم العين، فإذا وردا، فذاك، أو أحدهما، اقتصر عليه، أو لم يرد واحد منهما، خيّر بينهما".
وتضمن القرار: أن الفعل اللازم الذي يجيء على وزن فعَل - بفتح
__________
(1) انظر قرار المجمع في: (ص 206) - الجزء الأول من مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة.
(6/ 2/65)

العين - يصاغ له مصدر على فُعُول - بالضم -، واستثنى من ذلك ما يدل على حرفة، أو اضطراب، أو صوت، أو مرض، أو سير، أو امتناع، أو ما كان معتل العين. أما أن قياس مصدر فعَل اللازم هو الفعول، فاصل معروف لا نحتاج إلى أن نقيم عليه شاهداً من نصوص علماء العربية. وأما الأصناف السبعة التي استثنيت من هذا الأصل، فلأن قياس مصدر ما يدل على الحرفة: فِعالة، وقياس مصدر ما يدل على الاضطراب: فَعَلان، وقياس مصدر ما يدل على الصوت: فُعال، أو فَعيل، وقياس مصدر ما يدل على المرض: فُعال (1)، وقياس مصدر ما يدل على السير: فَعِيل، وقياس ما يدل على الامتناع: فِعال؛ نحو: إباء وجماح وشراد، وقياس مصدر ما جاء معتل العين: فَعْل - بفتح الفاء وسكون العين-.
وتضمن القرار: أن الفعل الذي يكون مجهول الحال؛ أي: لا يعرف من أي باب هو، ينظر في معناه، أو في حال تعديه ولزومه، ويلحق بالباب الذي يقتضيه المعنى، أو التعدي واللزوم، ويصاغ له مصدر على مقتضى الباب الذي ألحق به، فإذا وجدنا في المعجمات - مثلاً - فعلاً لم ندر أهو مفتوح العين أم مكسورها أم مضموها؟ ونظرنا إلى معناه، ثم إلى حال تعديه ولزومه، فإن كان فعلاً لازماً يدل على سجية، ألحقناه بباب فعُل - بضم العين -؛ لأنه الأغلب في السجايا، وقال الرضي: "إن (فعُل) يأتي في الأغلب للغرائز؛ أي: الأوصاف المخلوقة؛ كالحسن والقبح، والوسامة والقسامة، والكبر والصغر، والسهولة والصعوبة، والثقل والحلم، ونحو ذلك".
__________
(1) انظر قرار المجمع: (ص 209) من الجزء الأول من المجلة.
(6/ 2/66)

وإذا ألحقناه بباب فَعَل صغنا له مصدراً على وزن فعالة أو فعولة؛ لأنهما الصيغتان القياسيتان لمصدر الفعل الآتي من باب فعُل.
وإن كان فعلاً لازماً يدل على حزن أو فرح، أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض، ألحقناه بباب فعِل يفعَل؛ لأن هذا الباب تكثر فيه هذه المعاني، كما هو مبسوط في علم الصرف.
وإذا ألحقناه بباب فعِل يفعَل، صغنا له مصدراً على وزن فَعَل - مفتوح العين -؛ لأنه الصيغة القياسية لمصدر هذا الباب.
فإذا كان الفعل المجهول لازماً، ولم يدل على شيء من تلك المعاني المفصلة، ألحقناه بباب فعَل - مفتوح العين -؛ لأنه أكثر في الاستعمال من فعُل - بالضم -، وفعِل - بالكسر -. قال الرضي في "شرح الشافية": "إن باب فعَل لخفته لم يختص بمعنى من المعاني، بل استعمل في جميعها؛ لأن اللفظ إذا خف، أكثر استعماله، واتسع التصرف فيه.
وإذا ألحقناه بباب فعَل، جاز لنا أن نجعله من باب نصر، فنضم عين مضارعه، أو من باب ضرب، فنكسرها، قال الرضي في ذلك الشرح: "قياس مضارع فعَل المفتوح عينه: إما بالضم، وإما بالكسر". وقال أبو زيد: كلاهما قياس، وليس أحدهما أولى به من الآخر، فإن عرف الاستعمال، فذاك، وإلا، استعملا معاً، وليس على المستعمل شيء (1).
ثم تعرض القرار للاستدلال بالمصدر على الفعل، وفصل القول في
__________
(1) قال بحرق في "شرح اللامية": لم أظفر بمادة مطلقة يكون الشخص مخيراً فيها بين الضم والكسر؛ يعني: أنه ما من فعل نقل عن العرب إلا ورد مقيداً بكسر أو بضم، أو بهما.
(6/ 2/67)

ذلك على حسب ما يدل عليه المصدر من المعاني، فإن دل على سجية، صيغ له فعل من باب فعُل يفعُل؛ لما سبق من أن هذا الباب هو الباب الأغلب في السجايا.
وإن دل المصدر على حزن أو فرح، أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض على فَعَل، صيغ له فعل من باب فعِل يفعَل؛ لما سبق من أن هذا الباب تكثر فيه هذه المعاني.
وإن لم يدل المصدر على شيء من هذه المعاني -أعني: السجية والحزن والفرح واللون وما عطف عليها-، ولم تكن عينه أو لامه حرف حلق، صيغ له فعل من باب نصَر أو ضَرب؛ لما سبق من أن فعَل المفتوح العين أكثر من فعُل - بالضم -، وفعِل - بالكسر -، وأن فعل الذي لا ندري كيف نطق العرب بمضارعه، كان لنا أن ناتي بمضارعه مضموم العين أو مكسورها.
وإن كانت عينه أو لامه حرف حلق (1)، صيغ له فعل من باب فعَل يَفعَل - بفتح العين فيهما -، وهكذا قياسه المعروف عند علماء الصرف. ووجهه: أن حروف الحلق ثقيلة، وبعيدة المخارج، فاعطي المضارع معها أخف الحركات الذي هو الفتح؛ ليكسب اللفظ من بين ثقل حروف الحلق وخفة حركة الفتح شيئاً من الاعتدال.
ثم تعرض القرار للاستدلال بالمشتق غير الفعل على مالم يذكر من الفعل والمصدر، ونبه على أنه يستدل بالمشتق على الفعل والمصدر بالنظر في معنى المشتق وحال تعريفه ولزومه. فاذا وجدنا - مثلاً - مشتقاً يدل على
__________
(1) حرف الحلق ستة هي: الهمزة والعين والخاء والهاء والحاء والغين.
(6/ 2/68)

سجية، صغنا له فعلاً من باب فعُل يفعُل؛ لما عرفته من أن هذا الباب هو الباب الأغلب في السجايا، وصغناله مصدراً من باب فَعالة أو فُعُولة؛ لما عرفته أيضاً من أن مصدر باب فعُل يفعُل قياسُهَ فَعالة أو فُعولة.
وإن كان المشتق لازماً، ودل على سير، صغنا له فعلاً من باب فَعَل؛ لأن السير معدود في المعاني التي يأتي لها فَعَل؛ نحو: رَقَل وذَمَل، وصغنا له مصدراً على الوزن المعروف للسير، وهو فَعِيل.
وإن دل المشتق على مرض، صغنا له فعلاً من باب فَعِل يفعَل، وصغناله مصدراً على الوزن المعروف للمرض وهو فُعال، وقس على هذا غيره من وجوه الاستدلال المشار إليها في قرار المجمع ونصه:
1 - قرار تكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات ونحوها ولم ترد بقيتها (1):
إذالم تذكر من مادة لغوية في المعجمات ونحوها إلا بعض ألفاظها؛ كالمصدر، أو الفعل، أو أحد المشتقات الأخرى، فلذلك حالان:
الأولى: أن تكون المادة غير ثلاثية الحروف، حينئذ يجوز لنا أن نصوغ منها مالم يذكر على حسب قياس كل باب من أبواب مزيد الثلاثي، وباب الرباعي، وملحقه، ومزيده.
الثانية: أن تكون المادة ثلاثية، والمذكور حينئذ إما فعل، وإما مصدر، وإما مشتق غير الفعل.
أ - فإن كان المذكور فعلاً، فهو إما متعد، وإمالازم. فالمتعدي نصوغ له مصدراً على وزن "فَعْل" - بفتح فسكون- مالم يدل على حرفة. واللازم
__________
(1) محضر الجلسة التاسعة.
(6/ 2/69)

له أربع حالات:
1 - إما أن يكون على وزن فعِل - مكسور العين -، فنصوغ له مصدراً على "فعَل" - مفتوح العين - مالم يدل على لون، فيصاغ مصدره حينئذ على وزن "فَعْلة" - بضم فسكون -.
2 - وإما يكون على وزن " فعُل" - مضموم العين -، فنصوغ له مصدراً على "فُعالة، أو فُعُولة" - بالضم -.
3 - وإما أن يكون على وزن " فعَل" - بفتح العين-، فنصوغ له مصدراً على وزن "فعول " - بالضم - مالم يدل على حرفة أو اضطراب، أو صوت أو مرض، فنصوغ مصدر كل منها على الوزن الذي قرر المجمع قياسيته في دورته الأولى، ومالم يدل أيضاً على سير أو امتناع، فإننا نصوغ للأول مصدراً على "فَعيل"، وللثاني مصدراً على "فِعال" - بالكسر -. ومالم يكن معتل العين، فيكون قياسه: "الفَعْل" - بفتح فسكون-.
4 - وإما أن يكون مجهول الباب، فنرجعه بحسب ما يدل عليه من المعنى أو التعدية أو اللزوم إلى باب من الأبواب المتقدمة، ونصوغ له مصدراً مناسباً لهذا الباب.
ب - وإذا كان المذكور في المعجمات ونحوها مصدراً:
1 - فإما ألا يدل على سجية أو حزن، أو فرح أو لون أو عيب أو حلية، أو خلو أو امتلاء، أو خوف أو مرض على وزن "فَعَل"، فيصاغ له فعل من باب نصر، أو ضرب، مالم تكن عينه أو لامه حرف حلق، فإن بابه "فعَل يفعَل".
2 - وإما أن يدل المصدر على معنى من المعاني السابقة، فإن دل على
(6/ 2/70)

سجية، كان فعله على "فعُل يفعُل"، وإلا كان الفعل من باب فعَل يفعَل.
ج - وإذا كان المذكور في المعجمات ونحوها مشتقاً غير فعل، استدللنا على مصدره أو فعله بمعرفة ما يدل عليه هذا المشتق من المعاني والتعدية واللزوم.
وكل ما تقدم جائز مالم ينص على أن الفعل مات، أو محظور، ومالم يسمع عن العرب ما يخالفه، فإن سمع، عملنا بالمسموع فقط، أو عملنا بالمسموع أو القياس.
* * *
وقد جاء القرار موافقاً لمذهب الجمهور من أن الأفعال التي لا تختلف نصوص علماء اللغة على أنها مماتة أو محظورة، نهملها كما أهملها العرب، ولا نأخذ فيها بطريقة القياس.
وجاء في القرار: إن ما بين فيه من وجوه الاستدلال بما ذكر على مالم يذكر نرجع إليه فيمالم يسمع عن العرب، أما ماسمع، كان مخالفاً للقياس، فنقف فيه عند حد السماع وحده، أو نعمل فيه على الأمرين: السماع، والقياس.
وقد أشار المجمع في هذا القرار إلى مذهبين ذكرهما علماء العربية في مصادر الأفعال الثلاثية:
أولهما: أن هذه المقاييس يعمل بها في صوغ مصادر الأفعال التي لم يسمع لها مصادر، أما ماسمع له مصدر مخالف للقياس، فلا تتجاوز فيه المسموع إلى القياس، وهو مذهب سيبويه، ووجهة نظر هذا المذهب: أن القياس في اللغة أمر دعت إليه الحاجة، فيؤخذ به على مقدارها.
(6/ 2/71)

ويوافق هذا المذهب: أنا نرى في بعض اللغات الأوريية - مثل الألمانية - ألفاظاً خرجت عن قاعدة أمثالها، فنبه العلماء على الوقوف فيها عند حد السماع، ويعدون من خرج إلى قياس أمثالها مخطئاً لاحناً.
ثانيهما: أن الأفعال التي سمعت لها مصادر مخالفة للقياس يكون للفعل الواحد منها مصدران: مصدر ثابت بطريق السماع، ومصدر ثابت بطريق القياس، ووجهة نظر هذا المذهب: أن الأفعال التي من شأن مصادرها أن تصاغ في أوزان خاصة، قد استحقت أن تكون لها مصادر على هذه الأوزان بحكم القياس، فإذا ورد مصدر على غير قياس، يبقى طريق القياس مفتوحاً، وصوغك للفعل مصدراً آخر على هذه الطريقة لا يخرج المصدر عن أن يكون عربياً فصيحاً.
2 - النسبة إلى جمع التكسير:
أصل النسب: أن يزاد في آخر اسم المنسوب إليه ياء مشددة. ومقتضى هذا: أن ينسب إلى جمع التكسير وهو باق على حاله، فيقال في النسبة إلى النجوم: نجوميّ، وإلى الأزهار: أزهاريّ، ولكن العرب لم يجروا في النسبة إلى الجموع على هذا الأصل، وعدلوا عن ذلك إلى النسبة إليها بلفظ المفرد.
وإنما تصرف العرب في النسبة إلى الجمع هذا التصرف لوجود ما يقتضيه، وانتفاء ما يمنع منه. أما ما يقتضيه، فهو خفة المفرد بالنظر إلى الجمع؛ إذ الغالب في الجموع أن تكون أكثر حروفاً من مفرداتها، وأما انتفاء المانع، فإن الذي يخشى منه عند النسبة إلى الجمع بلفظ المفرد التباس ما يراد نسبته إلى الجمع بما ينسب إلى المفرد، وهذا مدفوع بأن القصد في النسبة إلى
(6/ 2/72)

الجمع متوجه إلى الجنس، والجنس يحصل بلفظ الواحد، إذاً لا داعي لنسبه بلفظ الجمع.
وربما جال في خاطرك أن النسب قد يقصد به مجرد إفادة صلة المنسوب بجنس المنسوب إليه؛ كأن يقصد المتكلم إفادة أن لفلان علاقة بالفواكه، أو الكتب من جهة تعاطيه بيعها، فيكفي في هذا الحال أن نقول: فلان فاكهي، أو كتابي، وقد يتعلق الغرض من النسب بإفادة معنى لا يؤديه إلا النسبة إلى الجمع، كأن يكون لإنسان نسختان من كتاب، اشترى إحداهما بدينار، والأخرى بثلاثة دنانير، وتريد أن تستعير منه النسخة ذات ثلاثة الدنانير، فإنما تبلغ مرادك بنسبة الكتاب إلى الجمع، فتقول: أعرني النسخة الدنانيرية.
وجواب هذا: أن العرب اعتمدوا في دفع ما يدخل النسب من اللبس على القرائن المقالية أو الحالية. وفي هذا الباب - أعني: باب النسب - صيغٌ لا يفهم المراد منها إلا إذا صاحبتها قرينة، ففعيلة - مثلاً - وفَعَل ينسب إلى كل منها على وزن فعليّ، فإذا قلت: فلان "شَرَفيّ"، لم يدر إلى شرف نسبته أم إلى شريفة؟ وإنما يعرف قصدك بقرينة حال أو مقال.
وقد يبدو لك أن في النسبة إلى الجمع معانيَ غير رفع اللبس، لا تؤديها النسبة إلى الواحد؛ كتعظيم المنسوب؛ نحو أن تصف شخصاً لقي حظوة ومكانة عند ملوك متعددين بأنه "مُلوكيّ"، وتراه أدلَّ على تعظيمك من قولك: "ملكيّ"، أو تحقيره؛ نحو أن تصف أخلاق شخص يضع نفسه مواضع المهانة بأنها كلابيّة، وتراه أبلغ في ذمه من قولك: كلبية.
وجواب هذا: أن العرب لم يتخذوا النسب طريقاً إلى مثل هذه الأغراض، بل كانوا يصلون إليها بطرق أخرى؛ كالإضافة والموصولية والوصف، وكذلك
(6/ 2/73)

أهمله علماء البيان، فلا تراهم يذكرون في كتبهم الدواعي إلى النسب، كما ذكروا الدواعي إلى الإضافة وما شاكلها.
هذا أساس مذهب النحويين من البصريين، ولم يختلفوا في أن الجمع الذي له واحد من لفظه مناسب له في القياس؛ نحو: مدارس، وأسواق، وصحف، لا ينسب إليه على لفظه، وإنما ينسب إليه بلفظ الواحد، فيقال: مدرسيّ، وسوقيّ، وصحفيّ.
ومن الخطأ عندهم قول بعض الناس في وصف بعض الصحف: "أخلاقيّة"، وفيمن يتوسلون بالموتى: "قبوريّون"، وفيما يختص بالكواكب: "كواكبيّ"، أو الجبال: "جباليّ". والصواب خلقيّة، وقبريّون، وكوكبيّ، وجبليّ.
فإن كان للجمع واحد من لفظه، ولكن هذا الواحد غير مناسب له في القياس؛ كمحاسن جمع حسن، وملامح جمع لمحة، ومشابه جمع شبهة، ولواقح جمع ملقحة (1)، وطوائح (2) جمع لمطيحة. فهذا موضع خلاف بينهم.
فألحقه فريق بالجمع الوارد على القياس، فجعلوا النسبة إليه بلفظ الواحد، وهذا ما اختاره ابن مالك في كتاب "التسهيل"، فقال: "وذو الواحد الشاذ كذي الواحد القياسيّ".
وذهب آخرون، منهم ابن الصائغ، إلى أنه ينسب إليه بلفظه، فيقال: محاسنيّ، وملامحي، ومشابهي، ولواقحي، وطوائحي، وهذا ما رواه سيبويه عن أبي زيد، وذكر أبو حيان في كتاب "الارتشاف": أن أبا زيد صرح بنقل
__________
(1) يقال: ألقحت الرياح الشجر، فهي لواقح.
(2) يقال: طوّحته الطوائح؛ أي: قذفته القذائف، ولا يقال: المطوّحات.
(6/ 2/74)

ذلك عن العرب.
فإن لم يكن للجمع واحد من لفظه؛ نحو: خلابيس (1)، وعبابيد، وشماطيط، وأبابيل (2)، نسب إليه على لفظه، فيقال: عبابيديّ، وشماطيطيّ، وأبابيليّ، من غير خلاف، ويلحق بهذا النوع اسم الجمع؛ نحو: قوم ورهط ونفر ونسوة، فينسب إليه على لفظه، ويقال: قومي، ورهطي، ونفري، ونِسْوي.
ويجري هذا الحكم فيما جاء على بناء الجمع ومعناه واحد معين؛ نحو: أنمار وكلاب ومعافر وضباب - أسماء رجال -، فيقال: أنماريّ، ومعافريّ، وضبابي.
ومما يجري مجرى الأسماء الموضوعة لواحد في النسبة إليها على لفظها: أبنيةُ جموع يغلب استعمالها في طائفة مخصوصة؛ كالأنصار، غلب استعماله في أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأوس والخزرج، وهو في الأصل جمع ناصر، أو نصير، فيقال في النسبة إليه: أنصاريّ، وكالأبناء، غلب استعماله على قبائل من بني سعد بن مناة من تميم، أو على قوم من الفرس ارتهنهم العرب، أو على أبناء فارس الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما استنجده على الحبشة، فيقال في النسبة إليه: أبناوي، قال ابن مالك في "التسهيل": "وحكم اسم الجمع والجمعِ الغالب حكمُ الواحد".
__________
(1) الشيء الذي لا نظام له، ولم يعرف البصريون له واحداً، وقال البغداديون، خلبيس، وليس بثبت - "المزهر".
(2) العبابيد: الفرق من الناس، والشماطيط: القطع من الخيل، والأبابيل: الفرقة. وهذا مذهب الأصمعي وبعض علماء اللغة، وذكر لها بعضهم آحادا".
(6/ 2/75)

ويظهر من الفصل الذي عقده سيبويه في "الكتاب" لهذا البحث: أن للعرب في هذا الصنف طريقتين، فقد حكى أن العرب ينسبون إلى الأبناء بلفظ المفرد، فيقولون: بنويّ، ثم حكى عن بني سعد: أنهم ينسبون إليه على لفظه، فيقولون: أبناويّ، وخزّج ذلك على أنهم يجعلون كلمة الأبناء اسماً للحى، والحيّ كالبلد.
ومن أبنية الجموع الجارية على هذا السبيل: كلمة "شعوب"، فقد غلبت على جبل العجم، فنسبوا إليها على لفظ الجمع، وقالوالمحتقر أمر العرب: "شُعوبي".
ومن هذا الوادي أسماء بلاد تجيء على بناء الجمع، ويكون مدلول الاسم طائفة من الأماكن لا يستعمل واحدة في مفرد منها؛ نحو: الأهواز: اسم لسبع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم خاص، ولا يقال في الواحدة منها: هوز، فاذا نسبت إلى الأهواز، نسبت إليه على لفظه، وقلت: أهوازي.
ويدخل في هذا القبيل كلمة "مدائن"، وهو اسم غلب إطلاقه على مدن متقاربة كانت مسكن ملوك الفرس من الأكاسرة وغيرهم، وصار علماً على مجموع تلك المدن، حتى هجروا تسمية الواحدة منها "مدينة"، فالنسبة إليها: مدائني.
وربما نسب العرب إلى هذا الصنف من أبنية الجموع بلفظ الواحد؛ كما قالوا: سيف مشرفيّ نسبة إلى "مشارف"، وهو اسم لقرى من أرض العرب تصنع فيها السيوف، ولا يقال في الواحدة منها: مشرف.
والأقرب في القياس: أن ينسب إلى أبنية الجموع الغالبة في أفراد
(6/ 2/76)

مخصوصة على لفظها؛ لأن غلبة استعمالها في طائفة مخصوصة تجعلها بمنزلة الجموع الموضوعة لمعنى واحد، وذلك مالا ينبغي الاختلاف في النسبة إليه على لفظه، لا بلفظ واحده.
وذكر ابن مالك في كتاب "التسهيل": أن العرب قد ينسبون إلى الجمع إذا شابه واحداً في وزنه، وصلح لأن يجمع من بعد؛ نحو: كلاب. فإنه شابه واحداً في الوزن، وهو كتاب، وصالح لأن يجمع من بعد؛ فقد قالوا في الكلاب: كلابات.
هذا بيان مذهب البصريين، وعليه جمهور علماء العربية من بعدهم.
وأما الكوفيون، فقد نقل عنهم ابن بري: أنهم يجيزون النسبة إلى الجمع على لفظه مطلقاً (1)، وذكر هذا القول أبو حيان في كتاب "الارتشاف"، ولم يعزه إلى الكوفيين، وإنما قال بعد الكلام على منع النسبة إلى الجمع على لفظه: "وقد أجازه قوم، وذهبوا في قُمْريّ إلى أنه منسوب إلى الجمع، من قولهم: طيور قُمْر، وفي دُبْسيّ إلى طيور دُبْس"، ثم قال: وهو عندنا منسوب إلى القمرة (2)، والدبسة (3).
وهذا المذهب الذي ينسب إلى الكوفيين مبني على ما ورد من النسبة إلى أبنية بعض الجموع على لفظها، وإن كانت شاذة، والمعروف في أصولهم أنهم يكتفون بالشاذ في فتح باب القياس.
وما شاع بين الناس من النسب إلى الجموع على ألفاظها؛ نحو:
__________
(1) "شرح الألوسي لدرة الغواص" (ص 303).
(2) القمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياض فيه كدرة.
(3) لون بين السواد والحمرة.
(6/ 2/77)

قلانسي، وقواريري، وطيالسيّ، وحصائري، وأخلاقي، إنما يصح بالتخريج على هذا المذهب، ومن عمل عليه عند الحاجة؛ كالتخلص من لبس، لم يخرج عن حدود العربية الفصحى.
ورأى المجمع أن النسبة إلى الجمع أفيد في بعض الأحيان من النسبة إلى المفرد، وأوضح دلالة على المراد، فاعتد بمذهب الكوفيين في هذه المسألة، وأصدر قراره الآتي:
* قرار النسب إلى جمع التكسير:
"المذهب البصريّ في النسب إلى جمع التكسير أن يرد إلى واحده، ثم ينسب إلى هذا الواحد.
ويرى المجمع أن ينسب إلى لفظ الجمع عند الحاجة؛ كإرادة التمييز، أو نحو ذلك".
3 - صيغة مفعلة للمكان الذي يكثر فيه الشيء:
صاغ العرب من أسماء الأعيان ألفاظاً في وزن "مَفْعَلَة" للدلالة على المكان الذي تكثر فيه تلك الأعيان، ومن الواضح أن وزن مفعلة لا يسع أكثر من ثلاثة أحرف، فإن كان اسم العين المأخوذ منه مفعلة ثلاثي الأصول، وكان من قبيل المجردّ؛ نحو: سبع، وذئب، اشتقوا منه وهو على حروفه المنطوق بهالفظاً في وزن مفعلة، فقالواللأرض التي فيها السباع: مَسْبَعَة، وللأرض التي يكثر فيها الذئاب: مَذْأَبَة، فإن كان ثلاثي الأصول من قبيل المزيد فيه؛ نحو: بطيخ وأفعى، حذفوا ما زاد على الأصول، وقالواللأرض التي يكثر فيها البطيخ أو الأفاعي: مبطخة، أو مفعاة.
وأما ما زادت أصوله على ثلاثة أحرف؛ نحو: عقرب، فإنهم يحذفون
(6/ 2/78)

بعض أصوله حتى يمكن صوغه في مفعلة؛ كما قالوا في الأرض التي يكثر فيها العقارب: مَعْقَرة، وفي الأرض التي يكثر فيها الضغابيس (1): مَضْغَبَة.
والملخص: أن اسم العين الذي يشتق منه لفظ في وزن مفعلة إما أن يكون من الثلاثي المجرد، وإما أن يكون من ثلاثي المزيد، وإما أن تكون أصوله فوق ثلاثة أحرف.
وإذا نظرنا إلى هذه الأقسام الثلاثة من جهة فتح باب القياس، أو الوقوف بها عند حد السماع، وجدناها ترجع إلى قسمين: قسم اختلف علماء العربية في جعله مقيساً، وهو ثلاثي الأصول، مجرداً كان أو مزيداً فيه، وقسم لم ينقل عنهم خلاف في أنه مقصور على السماع، وهو ما زادت أصوله على ثلاثة أحرف.
أما الخلاف في القسم الأول، فإنك تبحث في كتب العربية، فترى في نصوص بعض علمائها ما يصرفك عن القياس، ويردك فيه إلى مقدار ماسمع عن العرب، كما فعل الرضي في "شرح الشافية" إذ قال: "واعلم أن الشيء إذ أكثر بالمكان، وكان اسمه جامداً، فالباب فيه "مفعلة" - بفتح العين-؛ كالمأسدة والمسبعة والمذأبة؛ أي: الموضع الكثير الأسد والسباع والذئاب، وهو - مع كثرته - ليس بقياس مطرد، فلا يقال: مضبعة، ومقردة"؛ أي: للأرض الكثيرة الضباع والقرود.
وترى في نصوص طائفة منهم ما يفسح المجال، ويأذن لك أن تقيس
مالم يقله العرب على ما قالوه في هذه الصيغة قياساً مطرداً، ومن هؤلاء الطائفة: مظهر الدين صاحب شرح المفصل المسمّى: "المكمَّل"، ونصه:
__________
(1) الضغابيس جمع ضغبوس، وهو صغار القثاء.
(6/ 2/79)

"اعلم أنهم إذا أرادوا أن يذكروا كثرة حصول شيء بمكان، وضعوا له مفعلة - بفتح الميم والعين -، مع لزوم التاء إياها. وهذا قياس مطرد في كل اسم ثلاثي؛ كقولك: أرض مسبعة؛ أي: يكثر فيها السباع، ومأسدة؛ أي: يكثر فيها الأسد، ومذأبة؛ أي: يكثر فيها الذئب، ومحياة؛ أي: يكثر فيها الحيّة، ومفعاة؛ أي: يكثر فيها الأفعى".
ومن هؤلاء الطائفة: أبو الحسن الأخفش - على ما نسب إليه ابن سيده في كتاب "المخصص" (1) -، ونصه: "ومكان مَوْعَلَة: كثير الوعول، ومفدرة: كثير الفدور، وهي الوعول المسنة، مطرد عند أبي الحسن".
وأشار إلى هذا المذهب المرتضى شارح "القاموس" في مادة أسد، فقال: "والمكان المأسدة أيضاً، وهو الأرض الكثيرة الأسود؛ كالمسبعة كما في "الروض"، وبعضهم جعله مقيساً؛ لكثرة أمثاله في كلامهم".
وعبارة سيبويه في "الكتاب" تنحو بظاهرها نحو هذا المذهب، ونصها: "هذا باب ما يكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة، وذلك إذا أردت أن يكثر الشيء بالمكان، وذلك قولك: أرض مسبعة ومأسدة ومذأبة، وليس في كل شيء يقال ذلك، إلا أن تقيس شيئاً، وتعلم أن العرب لم تتكلم به".
ونقل ابن سيده في كتاب "المخصص" عبارة سيبويه، وكساها شيئاً من البيان، فقال: "قال سيبويه: وليس في كل شيء يقال هذا؛ يعني: لم يقل العرب في كل شيء من هذا، فإن قست على ما تكلمت به العرب، كان هذا لفظه".
فالظاهر من عبارة سيبويه إجازة القياس على ما تكلم به العرب في
__________
(1) (ص 174 خ 16).
(6/ 2/80)

هذه الصيغة، واحتمال أن يقصد سيبوبه من القياس محاكاة العرب في ذلك على وجه التمرين، بعيد من ظاهر عبارته.
وأما صوغ مفعلة مما زادت أصوله على ثلاثة أحرف، فلم نر أحداً من علماء العربية ذهب به مذهب القياس، ووجهه: أن العرب لم يصوغوا مفعلة من اسم العين الرباعي إلا قليلاً، وسبب هذه القلة: أن الاسم الرباعي لا يمكن بناء مفعلة منه إلا أن يحذف منه حرف، وحذف الحرف الأصلي مكروه عندهم، لا يرتكبونه إلا أن تدفعهم إليه ضرورة، كما حذفوا اللام في نحو سفرجل عند تصغيره أو جمعه جمع تكسير، فقالوا: سفيرج وسفارج.
وورد عن العرب أنهم صاغوا من اسم العين الرباعي ألفاظاً على وزن مُفَعْلَلَة بصيغة اسم المفعول، فقالوا: أرض مُثَعْلَبَة من الثعالب، ومُعَقْرَبة من العقارب، وهذه رواية سيبويه، ورواها أبو زيد بصيغة اسم الفاعل: مُعَقْرِبة ومُثَعْلِبة، وعلى هذه الرواية اقتصر صاحبا "الصحاح"، و"المصباح"، وذكرهما صاحب "القاموس"، ولم يقيدهما بفتح أو كسر، فاحتمل كلامه الروايتين.
ورجح الدماميني في "شرح التسهيل" رواية سيبويه، فقال: ينبغي أن يقرأ بالفتح؛ فإن سيبويه أثبتُ من غيره، وإن كان أبو زيد أستاذُه قد حكى الكسر.
وما ورد من الألفاظ على مفعلله هو على كلا الروايتين نادر إلى حد يبعده أن يكون مقيساً، وذكر صاحب "المخصص" الألفاظ التي وردت في هذا الوزن، فلم تتجاوز خمس كلمات، وهي: مثعلبة، ومعقربة، ومعنكبة من
(6/ 2/81)

العناكب، ومؤرنبة من الأرانب، ومخرنقة من الخرانق، وهي أولاد الأرانب.
فاتضح من هذا البحث أن صوغ مفعلة من اسم العين الثلاثي مجرداً أو مزيداً، قد ورد عن العرب بكثرة، وأن من علماء العربية من اعتد بهذه الكثرة، وجعله من قبيل ما يقاس عليه.
ورأى المجمع أنه قد يحتاج إلى هذه الصيغة في التعبير عن أماكن يكثر فيها أشياء من حيوان أو نبات أو غيره، فأصدر قراره الآتي:
* قرار صوغ "مفعلة" للمكان الذي يكثر فيه الشيء:
"تصاغ مَفعَلة قياساً من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان، أم النبات، أم من الجماد".
4 - صيغة فعّال للمبالغة من المتعدي واللازم:
يقع النظر عند وضع الأسماء للمعاني الحديثة على أشياء تشتد فيها بعض الصفات، أو تكثر فيها بعض الأفعال، فمن المناسب وضعُ اسم لها يشعر بهذه الشدة أو الكثرة. ومن الصيغ التي تدل على شدة الوصف، أو كثرة الفعل: الصيغة فعّال (1)، وهذا ما دعا المجمع إلى النظر في هذه الصيغة من جهة اشتقاقها، وصحة القياس على ما سمع من أمثلتها. حتى أصدر قراره. واليك نتيجة البحث التي بني عليها هذا القرار:
__________
(1) تأتي صيغة فعّال للنسبة، ذلك أن تصوغ من اسم الشيء لمصاحبه وملازمه لفظاً على وزن فعال؛ كما يقال لصانع الزجاج: زجّاج، ولمن يبيع اللبن: لبّان، ولمن يقوم على أمر الجمال: جمّال، ولمن شأنه الضرب بالسيف: سيّاف. وقد قرر المجمع في دورته الأولى أن فعّالا للنسبة إلى شيء مقيس. انظر: (ص 215) من الجزء الأول من مجلة "مجمع اللغة العربية".
(6/ 2/82)

بحثنا عن أمر القياس في صيغة فعّال من طريقين: طريق الرجوع إلى كتب الصرف؛ للوقوف على عبارة تدل على صحة إجراء هذه الصيغة مجرى ما يقاس عليه، وطريق الرجوع إلى كتب اللغة؛ للوثوق من أن الألفاظ الواردة في هذا الوزن بالغة في الكثرة إلى حد يكتفى به في فتح باب القياس.
رجعنا إلى كتب الصرف، فوجدنا كثيراً منها لا يتعرض لصيغة فعّال من ناحية أنها قياسية أو سماعية، ولا يزيد على أن يذكر أنها صيغة تأتي بدلاً من اسم الفاعل؛ للدلالة على المبالغة في معنى الفعل، ووجدنا طائفة يتعرضون لمجيء فعَّال ومِفْعال وفَعول بدلاً من اسم الفاعل، ويصفونه بالكثرة، كما قال الأشموني في "شرح الخلاص": "كثير ما يحول اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة لقصد المبالغة والتكثير".
ووجدنا طائفة ثالثة تصرح بأن الصيغ الخمس: فعّالاً، ومفعالاً، وفعولاً، وفعيلاً، وفَعِلاً، المأخوذة من فعل متعد، قياسية. قال الدنوشري: ينظر هل التحويل إلى الخمسة المذكورة قياسيّ، أو سماعيّ، أو قياسي في الثلاثة الأُوَل: "فعّال ومِفعال وفَعول"، سماعيّ في الأخيرين "فعيل وفَعِل"، ثم قال: "مذهب البصريين منقاسة في كل فعل متعد ثلاثي؛ نحو: ضرب، تقول: ضرّاب ومِضراب وضروب وضريب وضَرِب" (1)، وهذا النص يدل على أن صوغ فعال من الفعل المتعدي قياسيّ كسائر أبنية المبالغة. ووقفنا على عبارة لأبي إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة" تدل على أن بناء صيغ المبالغة مقيس، وظاهر إطلاقها أن هذه الصيغ مقيسة في المتعدي واللازم، قال أبو إسحاق عقب الكلام على عمل هذه الصيغ عملَ اسم الفاعل:
__________
(1) "حواشي يس على التصريح".
(6/ 2/83)

"فإن قيل: إن بناء هذه الأمثلة للتكثير بالجمل على بناء الفعل للتكثير (1)، وذلك الفعل غير مقيس، فأولى أن يكون اسم الفاعل غير مقيس، قلنا: لا نسلم أنه غير مقيس، بل هو مقيس؛ لكثرة مجيئه".
ووجدنا في علماء الصرف من يذكر صيغة فعّال بوجه خاص، ويجعلها أصلاً مطرداً، ولم يخص هذه الأصالة والاطراد بالفعل المتعدي.
قال في "روح الشروح على المقصود": "ووزن فَعَّال - بالفتح - أصل مطرد، ولذا يثنى ويجمع، ويذكر ويؤنث على القياس المشهور"، وظاهر إطلاق هذه العبارة: أن فعالاً مطرد في اللازم اطراده في المتعدي.
ثم ألقينا بعد هذا نظرة على بعض كتب اللغة، فألفينا العرب قد صاغوا من اللازم ألفاظاً كثيرة في وزن فعّال، وإليك طائفة جاءت من الأفعال اللازمة في هذا الوزن:
1 - (الأطّاط) في "القاموس": أطَّ: صوّت، والأَطَّاط: الصيَّاح.
2 - (الأفّاك) في "القاموس": فهو أفّاك، وأَفيك، وأَفوك.
3 - (الألاّق) في "القاموس": ألق البرق يألق إِلاق؛ ككتاب: كَذَب، فهو ألاق.
4 - (الأوّاب) في "اللسان": الأوّاب: التائب.
5 - (البخّال) في "القاموس": رجل بَخيل، وبَخال؛ كسحاب، وشدّاد.
6 - (البرّاق) في "لسان العرب": وفي صفة أبي إدريس: دخلت مسجد
__________
(1) بناء الفعل للتكثير: أن يؤتي به على وزن فَعَّل؛ نحو: طوّف وجوّل وعبّس وموّت وجرّح، مبالغة في طاف وجال وعبس ومات وجرح،
(6/ 2/84)

دمشق، فإذا فتى برّاق الثنايا.
7 - (البسّام) في "القاموس": فهو باسم، ومِبسام، وبسّام.
8 - (البطّال) في "القاموس": ورجل بَطَل - محركة -، وكشدّاد: بيّن البطالة والبطولة، شجاع تبطل جارحته، فلا يكترث لها، أو تبطل عنده دماء الأقران.
9 - (التوّاب) في "اللسان": ورجل توّاب: تائب إلى الله.
10 - (التيّاح) في "اللسان": تاح في مشيته: إذا تمايل، وفرس متيح وتيّاح وتَيَّحان: يعترض في مشيته نشاطاً.
11 - (التيّاه) في "القاموس": التِّيه - بالكسر -: الصَّلَف والكِبر، تاه، فهو تائه وتيّاه.
12 - (الثَجَّاج) في "اللسان": وقال بعض أهل اللغة: ثج الماء نفسه يَثُجّ ثجوجاً: إذا انصب، فيكون ثجَّاجاً في قوله تعالى: {مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ: 14]؛ أي: ثاجّ.
13 - (الثوّاب) في "اللسان": ورجل ثوّاب: أوّابٌ توّاب منيب، بمعنى واحد.
14 - (الجفّاخ) في "القاموس": جفخ؛ كمنع: فخر وتكبر، فهو جفّاخ.
15 - (الجمّاز) في "القاموس": وحِمار جَمَّاز: وثّاب.
16 - (الجوّال) في "تاج العروس": وهو جوّال وجوّالة: طوّاف في البلاد.
17 - (الحنّان) في "القاموس": وكشداد: من يحن إلى الشيء، واسم
الله تعالى، ومعناه: الرحيم.
(6/ 2/85)

8 - (الحلَّاف) "في الأساس": حلف بالله على كذا حلفاً، وهو حلّاف وحلّافة.
19 - (الخرّاج) في "القاموس": ورجل خرّاج ولّاج: كثير الظرف والاحتيال.
20 - (الخرّارة) في "الأساس": وله عين خرارة في أرض فوّارة.
21 - (الخطّار) من خطر الرمح؛ أي: اهتز، وفي "القاموس": والرمح: اهتز، فهو خطّار، وفي "الأساس": ورجل خطار بالرمح؛ أي: مشى به بين الصفين.
22 - (الخنّاس) في "المصباح": ومن الثاني "اللازم" الخنّاس في صفة الشيطان؛ لأنه اسم فاعل للمبالغة؛ لأنه يخنس إذاسمع ذكر الله تعالى؛ أي: ينقبض.
23 - (الخوّار) في "القاموس": الخوار "ككَتان": الضعيف.
24 - (الدرّاج) في "اللسان": الدرّاج: القنفذ؛ لأنه يدرج ليلته جمعاء. صفة غالبة.
25 - (الدهّاس) في "القاموس": والدهسة والدهاسة: سهولة الخلق، وهو دهّاس؛ ككتان.
26 - (الدوّار) في "الأساس": والفلك دوّار، وفي "القاموس": والدهر دوّار، ودوّار في: دائر.
27 - (الرجّاس) من رجست السماء رجساً: قصفت بالرعد. وفي "الأساس": وسحاب رجَّاس وراجس ومرجس.
28 - (الرجّاف) في "الأساس": رجف البحر: اضطربت أمواجه،
(6/ 2/86)

ومن أسمائه الرجّاف.
29 - (الرعّاس) في "التاج": رمح رعّاس؛ كشداد: شديد الاضطراب.
30 - (الرقّاص) في "اللسان": رقص اللعاب يرقص رقصاً، فهو رقّاص.
31 - (الروّاغ) في "الأساس": هو ثعلب روّاغ.
32 - (الزحّار) في "اللسان": ورجل زحر وزحران وزحّار: بخيل يئن عند السؤال.
33 - (الزخّار) في "الأساس": بحر زاخر وزخّار.
34 - (الزعّاق) في "اللسان": يزعق بدوابه زعقاً؛ أي: يطردها مسرعاً، ويصيح في أثرها، وهو رجل ناعق وزَعّاق ونَعّار.
35 - (السبّاح) في "القاموس": سبوح من سبحاء، وسبّاح من سباحين.
36 - (السجّاع) في "القاموس": وكمنع: نطق بكلام له فواصل، فهو سجّاعة. وفي "الأساس": رجل سجّاع وسجّاعة.
37 - (السّرّاج) من سرج؛ أي: كذب، في "القاموس": والسرّاج متخذه - أي: السرج -، وحرفته السِّراجة. والكذاب.
38 - (السيّاح) في "الأساس": ورجل سائح وسيّاح.
39 - (السقّاط) في "الأساس": وسيف سقّاط: قطاع، يسقط من وراء الضريبة.
40 - (الشفّاف) من شف؛ أي: رقّ: وفي "الأساس": وزجاجة شفّافة ورقيقة المستشف.
41 - (الصخّاب) في "القاموس": صخب؛ كفرح، فهو صخّاب.
(6/ 2/87)

42 - (الصوّار) في "القاموس": صار: صوّت، وعصفور صوّار.
43 - (الصهّال) في "القاموس": صهل الفرس؛ كضرب، ومنع، صهيلاً، فهو صَهّال: صوّت.
44 - (الصيّاح) في "القاموس": والمِصْدَح الصيّاح: الصيِّت.
45 - (الضحّاك) في "القاموس": فهو ضاحك وضحّاك وضحوك.
46 - (الطنّاز) طنز به؛ أي: سخر، فهو طنّاز.
47 - (الطّوّاف) في "القاموس": والطوّاف أيضاً: الخادم يخدمك برفق وعناية.
48 - (الطيّار) في "القاموس": وفرس مُطار وطيّار: حديد الفؤاد ماض.
49 - (الطيّاش) في "المصباح": فهو طائش، وطيّاش مبالغة.
50 - (العبّاس) في "المصباح": فهو عابس، وبه سمّي، وعبّاس أيضاً للمبالغة، وبه سُمِّي.
51 - (العجّاج) من عبجَّ؛ أي: صاح، وفي "القاموس": والعجّاج: الصيَّاح.
52 - (العَوَّام) في "الأساس": الفرس العَوّام: السبوح.
53 - (الغوّاص) في "الأساس": وقال عمر لابن عباس: غص يا غوّاص.
54 - (الفحّاش) في (الأساس": أفحش فلان في كلامه، وفحش، وتفحش، وهو فحّاش.
55 - (الفرّار) في "الأساس": هو فرّار وفَرور.
56 - (الفوّارة) في "الصحاح": وفوّارة القدر: ما يفور من حرها،
(6/ 2/88)

وفي "الأساس": عين فوّارة في أرض خوّارة.
57 - (الفيّاح) في "اللسان": كل موضع واسع يقال له: أفيح، وفيّاح، والفعل من ذلك فاح يفيح فيحاً.
58 - (القفّاف) من قفّ الصيرفيُّ؛ أي: سرق الدراهم بين أصابعه، وفي "القاموس": فهو قفّاف.
59 - (القلّاص) من قلص الماء: ارتفع، وفي "القاموس": فهو قالص وقلوص وقلاّص.
60 - (القوّام) في "المصباح": قام بالأمر يقوم به قياماً، فهو قوّام وقائم.
61 - (اللمّاح) من لمح البرق أو النجم؛ أي: لمع، وفي "القاموس": فهو لامح ولموح ولمَّاح.
62 - (اللمّاع) في "الأساس": وبرق لامع ولَمَّاع.
63 - (المزّاح) في "الأساس": ورجل مزَّاح.
64 - (المشَّاء) في "الأساس": ورجل مشاء إلى المساجد.
65 - (المزّاع) من مزع؛ أي: سعى فأسرع، وفي "اللسان": والقنافذ تمزع بالليل مزعاً: إذا سعت فأسرعت. ابن الأعرابي: القنفذ يقال لها: المزَّاع.
66 - (المكَّار) في "القاموس": المكر: الخديعة، وهو ماكر ومكَّار.
67 - (الموَّار) مار؛ أي: تردد في عَرْضٍ. وفي "الأساس": جمل موَّار الضبعين، وفرس موَّار الظهر.
68 - (الميَّاس) من ماس؛ أي: تبختر، وفي "القاموس": فهو
(6/ 2/89)

مائس ومَيُوس ومَيّاس.
69 - (المثال) في "المصباح": مال الحاكم في حكمه ميلاً؛ أي: جار وظلم، فهو مائل، وميال مبالغة.
70 - (النبّاج) من نبُاج الكلاب؛ أي: نبيحها، وفي "القاموس": وكلب نبَّاج ونُبَاجي: نبّاح.
71 - (النبّاح) من نبح الكلب، وفي "القاموس": وككَنَّاف: والد عامر مؤذن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، والشديد الصوت.
72 - (النبّاغة) يقال: نبغ الرأس: ثارت هبريته. وفي "الأساس": ومحجة نباغة: يثور ترابها.
73 - (النهّات) في "القاموس": النهّات: النهّاق.
74 - (النهّاض) في "الأساس": وهو نهَّاض ببزلاء؛ أي: خُطَّة عظيمة.
75 - (النَوّام) في "الأساس": ورجل نَؤُوم، ونُوَمَة، ونوّام: كثير النوم.
76 - (الهتّافة) من هتفت الحمامة، أو القوس؛ أي: صاتت، وفي "القاموس": وقوس هتّافة وهتَوف وهتفى: ذات صوت.
77 - (هدّاج) من هدج الظليم؛ أي: مشى في ارتعاش. وفي "الأساس": وظليم هدّاج.
78 - (الهذّاف) من هذف؛ أي: أسرع، وفي "القاموس": والهذاف؛ كشداد، ومحسن، وخجل: السريع.
79 - (الهذّاء) في "أساس البلاغة": هو يهذي في كلامه، وهو هذَّاء.
80 - (الهرَّاج) في "اللسان": وإنه لمهرج وهرّاج: إذا كان كثير الهرج.
(6/ 2/90)

81 - (الهطّال) من الهطل، وهو تتابع المطر، وفي "القاموس": ومطر وسحاب هَطِل؛ ككتف، وشَدّاد.
82 - (الهفَّاف) في "القاموس": والهفّاف من الحمر: الطيّاش.
83 - (الهوّاس) من الهوس، وهو الطلب بجرأة، وفي "اللسان": وأسد هوّاس.
84 - (الهوّاك) من التهوك، وهو الحمق، وفي "القاموس": رجل هوّاك، ومتهوِّك: متحير.
85 - (الوبَّاص) من وبص؛ أي: لمع، وفي "الأساس": قمر وبّاص.
86 - (الوثّاب) في "الأساس": وظبي وثّاب.
87 - (الوضاح) في "الأساس": وإنه لوضّاح.
88 - (الوقّاع) من وقع فيه؛ أي: اغتابه، وفي "القاموس"، ورجل وقّاع ووقّاعة: يغتاب الناس.
89 - (الوَلاَّج) في "الأساس": وامرأة خَرَّاجة وَلاَّجة.
نظر المجمع في تلك النصوص التي اقتضت بإطلاقها أن صيغة فعال مقيسة في اللازم والمتعدي، وأضاف إلى هذا كثرة ما جاء في هذه الصيغة من نوعي اللازم والمتعدي. فقرر ما يأتي:
* قرار صوغ (فَعّال) للمبالغة:
يصاغ فَعّال للمبالغة من مصدر الفعل الثلاثي، اللازم والمتعدي.
(6/ 2/91)

نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة (1)
قرأت اقتراح حضرة الأستاذ أحمد أمين بك "لبعض الإصلاح في متن اللغة"، فكنت ألاقي في هذا الاقتراح آراء مقبولة، وآراء كان المجمع قد أقرها، وجرى عليها في وضع كثير من المصطلحات، وآراء يصح أن تكون موضع بحث ومناقشة، وحيث إن المجمع قد عمل منذ نشأته على القاعدة التي لا يقوم العلم الصحيح إلا عليها، أعني: منح الحرية المطلقة لكل عضو من أعضائه يريد أن يبدي رأياً، أو يناقش غيره في رأي، لم أتردد في أن أعرض على حضراتكم ما بدا لي في هذا الاقتراح من ملاحظات، وانظروا ماذا ترون:
ذكر الأستاذ في فاتحة اقتراحه: أنه يجب على اللغة أن تخضع لحياتنا، تنمو بنمونا، وتسير مع زماننا، وزمن من يأتي بعدنا، وأن تسايرنا في تقدمنا، وتكون أداة طيّعة لتطورنا، وقال: إن لغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها، ورقيها أو انحطاطها.
وهذا الذي قاله الأستاذ لا يختلف فيه اثنان درسا شؤون الاجتماع، وعرفا مقتضيات التطورات التي تتنقل فيها الأمم حيناً بعد حين، ولكن اللغة تخضع لحياة الأمم، وتنمو بنموها على قدر ما تدعو إليه الحاجة بحق،
__________
(1) مجلة "لهداية الإسلامية"- الجزآن التاسع والعاشر من المجلد السادس عشر.
(6/ 2/92)

وتسايرها في تقدمها، وتكون عنصراً من عناصر رقيها متى وقع زمامها في أيد تقودها بحزم وأناة.
ذلك أن الأحوال التي تطرأ على اللغة، أو التصرفات التي يراد إدخالها عليها، قد تكون من مقتضيات التطورات التي لابدَّ منها، وقد تكون أمراضاً تنذر بموتها، أو عيوباً تذهب بكثير من محاسنها.
تحدث الأستاذ عن علماء العربية، وجمعِهم للغة في صدر الدولة العباسية، وقال: إنهم أكملوا متن اللغة بالتعريب، وبتوسيع الاشتقاق بالقياس، وسايرت حركة الاجتهاد في اللغة حركة الاجتهاد في التشريع، وقال: "ثم أصيب العرب بالضربة الشنيعة في الأمرين، وهو إقفال باب الاجتهاد في التشريع، وباب الاجتهاد في اللغة".
ادعى بعض الفقهاء أن باب الاجتهاد مقفَل عندما أدرك الهممَ ضعف، وقلَّ في الناس من يدرس الشريعة دراسة تبلغ بصاحبها أن يكون مجتهدً، ولكن الراسخين في العلم - وإن ورثوا من السلف فتاوى وأقضية وأصولاً لاستنباط الأحكام - لم ينقطعوا عن الاجتهاد جملة، وكانوا لا يبالون أن يناقشوا أقوال أئمة المذاهب، ويتخيرون من بينها ما يرونه أرجح دليلاً، وأوفى برعاية المصلحة، ثم يطبقون على الحوادث المتجددة الأصولَ العامة، أو القواعد المذهبية الخاصة؛ كقاعدة المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع، وقاعدة رعاية العرف. واستمر الإفتاء والقضاء بفضل هؤلاء العلماء الذين يملكون أنظاراً مستقلة، جارين على منهج محفوف بعدل وسداد، ولعل كلمة إقفال باب الاجتهاد في الشريعة قيلت عندما تجاسر قليلو البضاعة في العلم على الإفتاء، وأفسدوا كثيراً من الأحكام بدعوى الاجتهاد.
(6/ 2/93)

وأذكر أني كنت أنشات في تونس منذ أربعين سنة مجلة (1)، وقلت في أول عدد منها: "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا بدليل يساوي الدليل الذي انفتح به أولاً".
وأما الاجتهاد في اللغة، فلا أدري متى أقفل بابه، وما زال علماء العربية في القرن السادس والسابع والثامن يناقشون آراء المتقدمين، ويقررون آراء تخالف آراءهم؛ مثل: ابن مالك، وأبي حيان، وابن هشام، وهذا ابن تيمية - وقد أدرك صدراً من القرن الثامن - قد كتب مخطئاً سيبويه في عشرات من المسائل، وهذا كتاب "بدائع الفوائد" لابن قيم الجوزية عامر بمسائل خالف بها علماء النحو والصرف.
فإذا فقد الاجتهاد اللغوي في عصر أو في موطن، فلأن همم طلاب اللغة قعدت بهم عن أن يبلغوا مرتبة الاجتهاد في نحوها وصرفها.
ذكر الأستاذ: أنه وقع التحايل على فتح باب الاجتهاد في التشريع، وقال: "ولمالم تنجح هذه الحيل، كانت الضربة المخجلة، وهي إهمال التشريع الإسلامي، والاعتماد على التشريع الأوربي، إلا في حدود ضيقة؛ كالأحوال الشخصية".
لم يفصح قلم عن وجه التحايل، حتى نأخذ معه بأطراف الحديث عنه، ونستطيع أن نوافقه في عدم نجاحه، أو نخالفه، والذي أريد أن أقوله هنا: هو أن الاعتماد على التشريع الأوربي لم ينشأ عن فقد الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وإنما نشأ من ناحية أن التصرف في شأن المحاكم وقع
__________
(1) مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها الإمام في تونس عام 1322 ه. انظر كتاب: "السعادة العظمى" للإمام.
(6/ 2/94)

في أيدي أشخاص لم يعرفوا كفاية الفقه الإسلامي للقضاء، او عرفوا هذا، ولكن لابستهم خواطر اتجهت بهم إلى استبدال التشريع الأوربي بالتشريع الإسلامي، ونحن نعلم أن دولة شرقية أخلت محاكمها من الشريعة الإسلامية حين ذهب بعض زعمائها إلى الطرف الأقصى في محاكاة الأوربيين، ونعلم أن أمة أخرى استبدلت التشريع الفرنسي بالتشريع الإسلامي يوم كان رئيس وزارتها لا يؤمن بحكمة الشريعة الإسلامية.
قال الأستاذ: "وأما في اللغة، فكذلك نمت اللغة العامية على حساب اللغة العربية، واستعمل الناس في حِرفهم وصناعاتهم وحياتهم اليومية الكلمات التي يرون أنفسهم في حاجة إليها، ولو أخذت من اللغات الأجنبية محرفة". ثم قال: "ولو استمروا على ذلك، كانت نتيجة اللغة نتيجة التشريع، ولا علاج لهذا إلا فتح باب الاجتهاد؛ لأن إغلاقه كان هو الداء".
لم يكن سبب نمو العامية إقفال باب الاجتهاد في اللغة، وإنما سببه قلة التعليم، وعدم وجود جماعات تسارع إلى أن تضع لكل معنى يحدث اسماً يليق به، وتذيعه بين الناس، كما فعل أصحاب العلوم فيما سلف؛ إذ رأوا أنفسهم في حاجة إلى وضع مصطلحات للمعاني التي لم يسبق للعرب أن وضعوا لها أسماء، فكثرت المصطلحات في الفقه والنحو والصرف، والفلسفة والحساب، والطب، وغيره، قال الجاحظ يتحدث عن المتكلمين: "وهم نخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، واشتقوالها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية مالم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفاً لكل خلف، وقدوة لكل تابع". ثم قال: "وكماسمى النحويون، فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك؛ لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات،
(6/ 2/95)

لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علوم العروض والنحو، وكذلك أصحاب الحساب قد اختلقوا أسماء، وجعلوها علامات التفاهم".
ونبه أبو علي ابن سينا في كتاب "القانون" على طرق يسلكونها لتسمية الأمراض التي لم يضع لها العرب أسماء خاصة، فقال: "قد تلحقها التسمية من وجوه: إما من الأعضاء الحاملة لها؛ كذات الجنب، وذات الرئة، وإما من أعراضها؛ كالصرع، وإما من أسبابها؛ كقولهم: مرض سوداوي، وإما من التشبيه؛ كقولهم: داء الأسد، وداء الفيل، وإما منسوباً إلى أول من يذكر أنه عرض له؛ كقولهم: قرحة طيلانية منسوبة إلى رجل يقال له: طيلاني، وإما منسوباً إلى بلدة يكثر حدوثه فيها؛ كقولهم: القروح البلخية، وإما منسوباً إلى من كان مشهوراً بالإنجاع في معالجتها؛ كالقرحة السيروتية، وإما من جواهرها وذواتها؛ كالحمى، والورم".
فإذا كان جماعات العلوم والفنون وضعوا من المصطلحات ما ألفت فيه كتب مستقلة، ونظر الناس إلى ما صنعوه بإعجاب واستحسان، فلو أن جماعة من العلماء في العهود الماضية أقبلوا على ما يرجع إلى الصناعات والشؤون الحيوية من الأشياء المحدثة، وأخذوا يضعون لها أسماء على نحو مصطلحات العلوم، لم يجدوا - فيما أحسب - منكراً يزعم لهم أن هذا اجتهاد في اللغة، وأن باب الاجتهاد مقفل.
ذكر الأستاذ: أن اللغة واسعة سعة عظيمة أكثر من اللازم، وضيقة في مواضع أخرى ضيقاً شديداً أكثر من اللازم، ثم قال: "وعلاج ذلك في نظري أمور".
وأورد في صدر هذه الأمور: التخفيف من كثير من مفردات اللغة التي
(6/ 2/96)

في المعاجم؛ بعلة أننا لسنا في حاجة إلى الثمانين ألف مادة في "لسان العرب"، وقال: لابد من طرح بعض الألفاظ وإماتتها، إلا أن تكون مؤرخة للغة.
توضع المعجات ليأخذ الناس منها ألفاظاً يؤلفون منها خُطبهم ومراسلاتهم وأشعارهم، كما توضع لتيسر للناس فهم ما يقوله بلغاء اللغة من شعر ونثر، وليس من شك أن الألفاظ العربية التي تحتويها المعجمات هي مبثوثة في كلام العرب شعراً ونثراً، ودراسة آداب اللغة تقتضي أن نكون مستعدين لنفهم كل ما يصل إلينا من ذلك الشعر والنثر، فيحسن التخفف من مفردات اللغة في المعجمات التي توضع ليرجع إليها جمهور المثقفين في الكشف عن الكلمات التي تكثر الحاجة إليها، ولا بد لنا بجانب هذا من معجمات نتقي فيها الألفاظ الواردة عن العرب بقدر المستطاع. وقد يقول الأستاذ: هذا ما أردته بقولي: إلا أن تكون مؤرخة للغة. فنقول: لا تورد الألفاظ العربية الصحيحة في المعاجم المبسوطة لمجرد التاريخ، بل توضع لأنه يحتاج إليها في فهم شعر أو نثر قد يكون مشتملاً على حكمة بالغة، أو صورة معنى رائعة.
وأورد الأستاذ ثلاثة أنواع من الكلم رآها أولى من غيرها بالإعدام، وهي الكلمات الحوشية، والمترادفات، وأسماء الأضداد، وساق ممثلاً للكلمات الحوشية أبيات صفي الدين الحلي التي يقول في أولها:
إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والنُّقاخ والعلطبيس
وملاحطتنا على هذا هو ما أشرنا إليه من أن أدب اللغة يحمل كثيراً من هذه الكلمات الحوشية أو المترادفة، أو ما قيل فيها: إنها أسماء الأضداد،
(6/ 2/97)

وليس من التحقيق في العلم أن نمر على هذه الكلمات في شعر أو نثر دون أن نفهم معانيها، إلا أن يريد الأستاذ من الحكم بالإعدام: إعدام هذه الأنواع من الكلمات، وإعدام الشعر أو النثر الذي يحملها، فالحيزبون - مثلاً - ورد في شعر عبيد بن الأبرص من الجاهلية، والدردبيس وردت في شعر جزي الكاهلي، إلى غير هذا من الكلمات، بل نجد أشعار البلغاء من الإسلاميين والمحدثين عامرة بكثير من الكلمات الحوشية، وإذا صح لنا أن نقول لمن يزاولون صناعة الفصاحة: لا تستعملوا الكلمة الحوشية؛ فإنها مخلة بالفصاحة، فليس بأيدينا أن نقول لهم: لا تستعملوا هذه الألفاظ المترادفة، وهي مأنوسة الاستعمال، خفيفة على اللسان، كما أنا لا نستطيع أن نقول لهم: لا تستعملوا هذا اللفظ الذي قيل: إنه من أسماء الأضداد، فإن بأيديهم حجة قوية إذ يقولون: نحن أعرف بما يقتضيه المقام، ونفرق بين الكلام الذي يجب أن يكون نصاً صريحاً فيما يراد منه؛ كالمؤلفات العلمية، وعقود المعاهدات والمعاملات، والكلام الذي يحسن أن تقوم فيه القرائن الجلية مقام التصريح، أو القرائن الخفية مقام القرائن الجلية، أو يقوم فيه الإبهام مقام الإيضاح، ولا يمتري أحد في أن كثيراً من المراسلات والمحاصرات الأدبية والسياسية تقوم على البراعة في هذا الأسلوب من الكلام، وقد يكون لنحو التورية والتوجيه والإبهام أغراض نبيلة، وصور من المعاني تستروح إليها النفوس، ويزداد بها أدب اللغة ثراء يغبط عليه.
ورأى الأستاذ أن المترادفات لازمة للشعر العربي حيث تلتزم وحدة القافية والروي في القصيدة الطويلة، وأشار على الشعراء أن يهجروا هذه الطريقة، ويأخذوا بطريقة تعدد القافية حتى يمكن تنفيذ حكم الإعدام على
(6/ 2/98)

كثير من المترادفات، وقال: "وما علينا لو تعددت القوافي في القصيدة الواحدة؟! فذلك أروح للسمع، وأفسح مجالاً للشاعر".
وحدة القافية والروي أو تعددهما أمر لا تسيطر عليه المجامع، وإنما هو متروك إلى ذوق الشاعر نفسه، والأذواق في مثل هذا تختلف باختلاف العصور، بل الأشخاص؛ ولا ينبغي -فيما أرى- أن نصرف الشعراء عن وجهة قد تكون ملائمة لأذواق كثير منهم، وهي وحدة القافية والروي، ونقصرهم على وجهة تعددهما، ونضطرهم إلى ذلك بإعدام وسيلة وحدة القافية، وهي المترادفات.
ثم تحدث الأستاذ عن المشترك، فقال: "ولكن لا أريد حذفه بتاتاً كما أريد حذف المتضاد، فالحاجة إليه شديدة، ولكن أريد التخفف منه قدر الإمكان".
يحسن التخفف من المشترك في المعجمات التي يراد منها إسعاف الجمهور؛ بأن تذكر فيها المعاني التي أكثر استعمال اللفظ المشترك فيها، وتترك المعاني التي قلما يستعمل فيها ذلك اللفظ، ولكن يجب أن نستوفي في المعاجم المبسوطة معاني الألفاظ المشتركة إجابة لداعي أدب اللغة؛ فإن معاني هذه الألفاظ قد عرفت من الشعر والنثر العربي القديم، وصارت مبثوثة في المنشآت التي حدثت في القرون الوسطى، أو في العصور القريبة من عصرنا.
ثم تعرض الأستاذ لصيغ الزوائد؛ كأفعل، وفعَّل، وفاعل، وانفعل، وافتعل، واستفعل، وذكر ما قاله النحاة في معانيها، وقال: "وجه العيب أنهم قصروا ذلك على ما سمع، ولم يبيحوا لعلماء اللغة أن يتوسعوا في هذا
(6/ 2/99)

الاستعمال متى احتيج إليه، واقترح على المجمع أن يقرر قياسية ذلك".
قد قرر المجمع قياسية أفعل وفعَّل مستأنساً بنصوص بعض أئمة اللغة على قياسيتها، ونعلم أن بعض أئمة العربية قرر قياسية انفعل مطاوعاً ليفعل أو أفعل، أما المطاوع لفعل، فقد قال علماء الصرف: إذا أردت أن تجعل المتعدي لازماً، فالطريقة فيه أن ترده إلى باب انفعل، وأما المطاوع لأفعل، فقد صحح قياسيته ابن عصفور، وأما استفعل بمعنى طلب الفعل، فقد ذهب بعض الأئمة إلى أنه سماعي، وظاهر كلام ابن سعيد السيرافي أنه قياسي؛ إذ قال: أصل استفعلت الشيء في معنى: طلبته، واستدعيته، وهو الأكثر، وما خرج عن هذا، فهو يحفظ، وليس بالباب.
وقد وجدت في بعض مذكراتي عبارة يغلب على ظني أني نقلتها من "شرح المكمل على المفصل" لمظهر الدين محمد، ونصها: "فالباب في استفعلت الشيء أن يكون للطلب، أو الإصابة، وما عدا ذلك، فإنه يحفظ حفظاً".
ومما يلاحظ هنا: أن الأستاذ حرص على تصحيح كلمة "خابره" قياساً على قول العرب: نابأه، وأبدى هذا الحرص عقب دعوته إلى استبعاد كثير من المترادفات في معاجمنا، فهل يريد الأستاذ استبعاد المترادفات المسموعة، وتكثير مواد المترادفات المصنوعة بيد القياس؟
على أني لا أرى مانعاً من جعل صيغة فاعل لمعنى المشاركة في الفعل قياسية؛ لكثرة ترددها في النصوص العربية.
قال الأستاذ: "وكذلك الشأن في المصادر، فقد نصوا على أن الفعل إذا دل على حرفة، فقياس مصدره فِعالة؛ كالخياطة والحياكة، فلنعمم ذلك
(6/ 2/100)

إذا شئنا؛ كالبرادة والنقاشة".
ذكر الأستاذ في هذه الفقرة أن النحاة نصوا على أن فِعالة مصدر قياسي للفعل الذي يدل على حرفة، فما وجه التوقف إذن في أن نقول: برادة، ونقاشة؟! وممن نص على قياسيته: ابن عصفور؛ فقد نقل عنه الأزهري وغيره أن فِعالة مصدر قياسي في كل فعل ثلاثي دل على حرفة، أو ولاية، سواء أكان مفتوح العين، أو مكسورها، وسواء كان متعدياً، أو لازماً.
وقد استأنس المجمع بمثل هذه النصوص، فقرر قياسيته، ونص القرار: "يصاغ للدلالة على الحرفة وشبهها من أي باب من أبواب الثلاثي مصدر على وزن فِعالة".
قال الأستاذ: "وفَعَلان يدل على التقلب؛ كالجولان والغليان، فنقيسه في مثله متى احتجنا إلى ذلك، ولو لم ينصوا عليه".
لا داعي لهذا الاقترح، وقد قرر المجمع فيما سلف قياسية هذا المصدر، ونصه: يقاس المصدر على وزن فَعَلان للفعل اللازم مفتوح العين إذا دل على تقلب واضطراب.
قال الأستاذ: "وصيغة فَعَّال تطلق على صاحب الحيوان، ومروضه، فقالوا: فيل وفيّال، فلم لا نقول إذا احتجنا: قرد وقرّاد، وكلب وكلَّاب، وهكذا؟ ".
تكلم النحاة على استعمال فعّال للنسب، ونقلوا عن سيبويه أنه سماعي، ونقلوا عن المبرد أنه قياسي، فيقال لصاحب الفاكهة: فَكَّاه، ولصاحب البر: برَّار ولصاحب الشعير: شعّار؛ كما قالوا: عطّار وبزّاز.
وقال ابن سيده في "المخصص": فرق حُذّاق النحويين بين فاعل
(6/ 2/101)

وفعّال، فقالوا: الباب فيما كان ذا شيء، وليس بصنعة يعالجها: أن يجيء على فاعل؛ لأنه ليس فيه تكثير؛ كقولنا لذي الدرع: دارع، ولذي اللبن: لابن، والباب فيما فيه صنعة ومعالجة: أن يجيء على فعّال؛ كالبزّاز والنجّار، وقد يستعمل أحدهما في موضع الآخر؛ نحو: ترّاس لصاحب الترس، وقد يستعمل في الشيء الواحد لفظان؛ نحو: رجل سائف وسيّاف. ومقتضى كلام ابن سيده أن نقول: قارد لمن له قرد، وقرّاد لمن يسوس القرود، على أن المجمعات قد نعتت أنه يقال لسائس القرود: قراد، قال صاحب "القاموس": والقرد معروف، والقرّاد: سائسه.
قال الأستاذ: "كذلك من أصعب الأبواب وأكثرها غلطاً في العربية المذكر والمؤنث"، وذكر ألفاظاً معانيها مذكرة، وقد لحقتها الهاء، وهي: راوية وعلّامة ونسّابة.
ثم ذكر ألفاظاً دالة على أوصاف خاصة بالإناث جاءت خالية من الهاء، وهي: كاعب، وناهد، وذكر ألفاظاً تستعمل للذكر والأنثى خالية من علامة التأنيث، وهي: أملود، وظهير، وضامر، وقال: "إن هناك الحيرة في أسماء هي مؤنثة أم مذكرة؛ كالدرع، والصاع، والسكين، والدلو، والسوق، والعسل، والدوح".
وقال: "فيجب العمل لتسهيل هذه الصعاب المربكة، والجرأة في تنظيمها، ووضع قواعد عامة، ولو خالفنا فيها بعض النصوص".
للأستاذ أن يضع قاعدة تخالف نصوص النحويين، وللمجمع أن ينظر في هذه القاعدة، ويزنها بمقاييس اللغة المأخوذة من موارد الكلام الفصيح، وليس للأستاذ أن يضع قاعدة تبطل استعمالاً شائعاً في نصوص الفصحاء،
(6/ 2/102)

وتفرض على أبناء العربية استعمالاً لم يألفوه فيما ينطق به فصحاؤهم في القديم والحديث، والهاء في راوية الشعر، وعلاّمة ونسّابة ونحوها للمبالغة، وأي ضرر في استعمال الهاء للمبالغة حيث لا يحتمل المقام إرادة التأنيث؟. وجاء الأستاذ بقواعد ليضبط بها باب التذكير والتأنيث، وقال أولاً: "جواز تأنيث كل مؤنث بإلحاق تاء التأنيث إليه، فيقال: هي كاعبة، وناهدة، وشاب أملود، وجارية أملودة، وجمل ضامر، وناقة ضامرة".
الأوصاف التي تختص بها الإناث مثل: كاعب وناهد وطالق يلتزم فيها حذف الهاء؛ لأن الهاء يؤتى بها في الأصل للفرق بين المذكر والمؤنث، فاستغني عنها في مثل هذه الأوصاف؛ لظهور التأنيث من نفس الوصف، ومع هذا، فقد قال النحويون: إذا أريد منه معنى الفعل؛ كأن يقال: طالقة غداً، جاز أن تلحق الهاء إجراء له مجرى الفعل، أما ما لا يختص بالإناث، كأملود وضامر، فلا مانع عندي من أن تلحقه الهاء على وجه الجواز، فقد ورد في المعجمات: أملودة، وضامرة، وظهيرة، قال صاحب "القاموس": شاب أملود، وجارية أملودة. وقال صاحب "اللسان": وناقة ضامر ذهبوا إلى النسب، وضامرة. وقال: بعير ظهير: إذا كان شديداً قوياً، وناقة ظهيرة.
ومن القواعد التي قصد بها الأستاذ تنظيم باب التأنيث والتذكير قوله: كل ما ليس مؤنثاً حقيقياً؛ كأسماء الجماد، إذا لم تكن فيها علامة التأنيث؛ كالدلو والبئر والأرض والسماء والنجم، يجوز تذكيره وتأنيثه؛ لما حكى صاحب "المصباح" عن ابن السكيت، وابن الأنباري؛ إذ قالا: إن العرب تجترئ على تذكير المؤنث إذا لم تكن فيه علامة التأنيث!!
الألفاظ التي تخلو من علامة التأنيث، وسُمع من العرب تأنيثها يقسّمها
(6/ 2/103)

علماء اللغة إلى قسمين: ما يجب تأنيثه، وما يجوز تأنيثه وتذكيره، وقد تعرض لجمعها بعض كتب فقه اللغة؛ ك "المخصص"، أو كتب النحو؛ ككتاب "المكمل في شرح المفصل"، وقصد بعضهم إلى جمعها مستقلة؛ كما صنع ابن جني، وابن الحاجب، وكنت منذ عهد بعيد قد تتبعتها في هذه المؤلفات وغيرها، فبلغت نحواً من مئة وستين اسماً، وقد تختلف عبارتهم في واجب التأنيث وجائزه، وإذا نحن أتينا إلى كل ما روى فيه أحد العلماء الوجهين من التذكير والتأنيث، وجعلناه في قبيل المتفق على أنه جائز التأنيث، بقي لنا فيما يجب تأنيثه نحو أربعين كلمة ونيف، وهذا المقدار قريب المأخذ متى أردنا المحافظة على ما هو جار في الاستعمال الفصيح.
ثم إن من ينظر في اللغة الألمانية يجد كلماتها التي يرجع تأنيثها إلى السماع لا تكاد تدخل تحت حساب، فهل خطر على بال طائفة من علمائها أن يبدلوا هذا الوضع من أوضاعها بدعوى أنه فوضى واضطراب؟. ثم إن وجود هذا القسم - أعني: واجب التأنيث - هو الذي يشهد له الاستعمال المعروف في الكلام الفصيح، وقرر جمهور علماء العربية التزام هذا الاستعمال، ولكن بعض اللغويين أجازوا نحو: الشمس طلع، والسماء أمطر، والأرض اخضرّ، قال الألوسي في "شرح ضرائر الشعر": "وعن ابن كيسان الجوهري أن الفعل إذا كان مسنداً إلى ضمير المؤنث المجازي لا يجب إلحاق علامة التأنيث به".
ورأى الأستاذ أن يعد في اللغة ما استعمله أبو تمام والبحتري والمتنبي وأبو العلاء، ومن أتى بعدهم على منوالهم، وقال: فإذا استعمل هؤلاء لفظة،
(6/ 2/104)

أو تعبيراً لم يرد في المعاجم، ووجدناه صالحاً يسد حاجة من حاجتنا، استعملناه.
هذا الذي قاله الأستاذ قد ذهب إليه بعض علماء العربية قديماً، وقد استشهد الزمخشري في "تفسيره" ببيت لأبي تمام، وقال: وهو - وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة - فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
واستشهد أبو علي الفارسي في كتاب "الإيضاح" ببيت لأبي تمام كان سيف الدولة يعجب به، وينشده كثيراً.
واستشهد الرضي في عدة مواضع من "شرح الكافية" بأشعار أبي تمام، وجرى على هذا المذهب: الخفاجي في الاستشهاد بشعر المتنبي. وقال في شرح "درة الغواص": أجعل ما يقوله المتنبي بمنزلة ما يرويه. واستشهد ببيت لابن دريد، وقال: وابن دريد إمام ثقة نعد ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
وتجاوز الأستاذ هذه الطبقة من علماء العربية، وقال: "وإذا استعمل المقري التذكرة بمعنى الرقعة التي يكتب فيها للتذكر، فهي عربية، والألفاظ الاصطلاحية التي استعملها ابن خلدون ليسد بها حاجته في علم الاجتماع عربية، فهل علينا أن نعد ما استعمله أبو تمام وأضرابه عربياً؛ لأنهم عُرفوا بإتقان الرواية، وسعة الاطلاع، وطول الباع في صناعة البيان، وذلك مما يجعل الخطأ فيما استعملوه من الكلمات والأساليب بعيد الاحتمال".
ومن موجبات الفوضى في اللغة: أن نعمد إلى ما يستعمله المؤلفون، ولو لم يتصدوا لرواية اللغة، وبعد عهدهم من العهود التي كانت فيها اللغة
(6/ 2/105)

على الألسنة نقية؛ كالمقري، وابن خلدون، ونجعله عربياً، والطريقة السليمة -فيما أرى-: أن ننظر إلى ما يستعمله هؤلاء المؤلفون من الكلمات التي لا تحتويها المعاجم العربية، ونعرضها على مقاييس اللغة، فإن لم تدفعها، تلقيت بالقبول؛ ككلمة التذكرة؛ فإن عربيتها مسلَّمة؛ إذ ليس فيها سوى التسمية بالمصدر، واستعمال المصدر فيما يقوم به، أو يقع عليه، قياس مطَّرد، أما إن كانت مثل كلمة: صدفة، أو كلمة: عمولة، فلا أرى وجهاً لعدها في قبيل اللغة العربية، وإدخالها في المعاجم.
وليسمح الأستاذ بأن أتقدم له بسؤال: هو أنه قال في هذا المقال: "الصعوبة المربكة"، فهل أراد الأستاذ عندما استعمل كلمة: مربكة أن تعد عربية صحيحة، وتدخل في المعجمات الجديدة، أو أنه كتبها على وجه السهو، وكلنا يقع في مثل هذا السهو؟ فإن كتبها على أن تعد عربية، مع وجود ربك، فقد أعان على تكثير المترادفات، وهو يدعو بإلحاح إلى أن نستبعد كثيراً منها، وإن كان كتبها على وجه السهو، فلم لا يحمل ما كتبه المقري، أو ابن خلدون؛ مما لم يسمع، ولم يدخل تحت قياس، على أنه مصدر سهو؟.
ذكر الأستاذ: أن من أشق الأمور على دارس اللغة العربية: وزن الفعل الثلاثي ماضيه ومضارعه، ومشى في تصوير هذه الصعوبة حتى قال: "ولو ترك هذا الأمر على حاله، ما أمكن النطق الصحيح الدائم، مهما طال الزمن، وكثر الدرس".
في الأفعال الستة صعوبة، ولكن متى قرر المجمع التزام شكل الحروف، وصار الناشئ يقرأ الأفعال الكثيرة الاستعمال في الكلام على وجهها الصحيح؛
(6/ 2/106)

لكثرة ما يسمعها، أو تقع عليها عينه وهي واضحة الشكل، لم تبق إلا الأفعال القليلة الاستعمال، فربما لقي فيها صعوبة عادية حيث يحتاج في معرفة بابها إلى مراجعة بعض المعجمات.
قال الأستاذ: وقد أدرك هذه الصعوبة بعض العلماء قبلنا، فاجتهدوا فيها، فقد روى "القاموس" في مقدمته عن أبي زيد الأنصاري: "إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي يأتي ماضيها على فعل، فأنت في المستقبل بالخيار، إن شئت قلت: يفعُل - بضم العين -، وإن شئت قلت: يفعِل -بكسرها -".
إنما تحدث أبو زيد على أفعال المضارعة للفعل الذي لم يسمع مضارعه، وذلك الذي فهمه أهل العربية فيما رأينا، وقد تصدى المرتضى في "التاج" لزيادة شرح هذه العبارة، وقال: ويريدون بمجاوزة المشاهير: أن يرد عليك فعل لا تعرف مضارعه بعد البحث في مظانه، أما إذا ورد في بعض المعجمات أنه من باب نصر، أو من باب ضرب، فيتعين الوجه الذي جاء في المعجمات. وهذا صاحب "المصباح" يقول: "وإن لم يسمع في المضارع بناء، فإن شئت ضممت، وإن شئت كسرت، إلا الحلقي العين أو اللام، فالفتح للتخفيف، وإلحاقاً بالأغلب".
قال الأستاذ: "وهو اجتهاد حسن لا بأس به، ولكن يجب أن يكون لنا من الحق ما لأبي زيد، فننظم الأفعال الثلاثية كلها، ولا نقتصر على ما كان من باب فعل، ولا نجيز أن يكون مضارع فعل من باب ينصر أو يضرب، فإن هذه توسعة ضارة لا حاجة إليها، بل نكتفي بوزن واحد، وليكن وزن يضرب".
اجتهاد أبي زيد على وجه الذي فهمه علماء اللغة حسن لا بأس به،
(6/ 2/107)

ولنترك مناقشة الأستاذ في تنظيمه للأفعال الثلاثية حتى يفصله، ومتى كان الأستاذ يريد من قوله: "ولا نجيز أن يكون مضارع فعل من باب ينصر"، فعد الذي لم يسمع مضارعه، فله أن يكتفي بوزن واحد، ولا يحجر على غيره أن ينطق به على وزن ينصر ما دامت قواعد اللغة تسمح بذلك.
قال الأستاذ: "فإذا جاز لأبي زيد أن ينظم بعض التنظيم، فنحن أحق ما نكون للتنظيم الكامل، وأقدر منه".
يعمل أبو زيد وأمثاله لتنظيم اللغة في دائرة الإبقاء على أوضاعها ومقاييسها المنظور فيها إلى استعمال فصائحها، ولسنا أقدر منهم على هذا التنظيم المعقول. أما التصرف في اللغة بنحو الهدم والتغيير والتبديل، فغير علماء العربية أسرع إليه، وأقدر عليه من علماء العربية.
قال الأستاذ: "وهناك أبواب أخرى في اللغة العربية مسببة للخلط والاضطراب؛ كباب التعدي واللزوم، وباب العدد، والمصادر، وكثرتها وبعثرتها، وجموع التكسير واضطرابها ... إلخ، وكلها تحتاج إلى ضبط، ولو بتضحية أرجئ القول فيها إلى فرصة أخرى".
ذكر الأستاذ في الأبواب التي يراها مسببة للخلط والاضطراب: باب العدد، وأذكر بهذه المناسبة أن شخصاً كتب في إحدى المجلات مقالاً حاول فيه قلب بعض الأوضاع العربية، وذكر في جملتها تذكير العدد للمؤنث، وتأنيثه للمذكر، واقترح تغيير هذا الوضع.
ونحن نعود فنقول: إن الأخذ بمثل هذا الاقتراح ينحرف بنا عن الغرض النبيل، وهو المحافظة على سلامة اللغة العربية؛ إذ هو اقتراح لإعدام شيء من مميزاتها، ولو مشينا في هذا السبيل، لكنا نعمل لإفناء اللغة العربية،
(6/ 2/108)

وإحداث لغة أخرى.
ذكر الأستاذ: أن فتح باب الاجتهاد في اللغة لتنظيمها لا يكون إلا بالاعتقاد بأن اللغة ملكنا، وقال: "نتصرف فيها كما يتصرف الملاك بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل".
ليست اللغة ملكاً لأفراد، ولا لجماعات قليلة العدد، وإن رأوا في أنفسهم الكفاية للتصرف معها بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل ما رأوا، وإنما هي ملك للأمة التي تنطق بها، والناطقون باللغة العربية شعوب يبلغ عددهم نحواً من ستين أو سبعين مليوناً، ومن بين هذه الشعوب علماء درسوا اللغة دراسة ملأت نفوسهم بالإعجاب بها، والحرص على سلامتها، وإنما يطمحون إلى تكميل حاجاتها بنحو وضع مصطلحات لما يتجدد من العلوم والفنون، ووضع أسماء لما يتجدد من مقتضيات المدنية، إلى نحو هذا مما تسعه مقاييسها، ويشر طرق تعليمها، والمجمع ألّف في مصر للمحافظة على سلامة اللغة العربية، وهذا ماجعل الشعوب العربية - ومن بينها مصر - تقدره، وتعلق عليه أمل القيام بالمهمة التي ألقيت على عاتقه، وتسائل كل ركب عن سيرته، وعما قرر في مؤتمراته، فإن أراد المجمع أن يتصرف في اللغة بالهدم والبناء، والتغيير والتبديل، فإنما يريد العمل لإيجاد لغة إقليمية، لا للمحافظة على سلامة اللغة العربية.
قال الأستاذ: "وأخيراً نستخلص من هذا كله مبدأ واحداً، وهو تقرير فتح باب الاجتهاد في اللغة؛ لتنظيمها، وضبط الفوضى فيها".
لا نرى باب الاجتهاد في اللغة مقفلاً، ولكن للاجتهاد فيها حدود، متى تخطاها الناظر، خرج إلى تفكير لا يسمى اجتهاداً في اللغة العربية، وإنما
(6/ 2/109)

المجتهدون في اللغة من يستكثرون من حفظ ألفاظها، ويمعنون النظر فيما يراد بها من المعاني، ثم يقبلون على النظر في كلام العرب، فيستخرجون المقاييس التي يقوم عليها الاشتقاق، والنظم التي تراعى في التراكيب.
قال الأستاذ: "ثم لا خطر من هذا الاجتهاد في اللغة مطلقاً متى أحكم طريقه، ومتى حوفظ على مقومات اللغة، وليست مقومات اللغة [في]، ألفاظ تحذف، وألفاظ تزاد، ولا في هذه الفوضى في كثير من الأبواب، إنما مقومات اللغة في هيئتها، وبناء كلماتها، وطريقة الاشتقاق، ونحو ذلك".
نوافق الأستاذ في أنه لا خطر على اللغة من الاجتهاد في اللغة مطلقاً متى أحكم طريقه، ومتى حافظ المجتهد على مقومات اللغة، ولم يمد يده إلى هدم وضع من أوضاعها التي عرفت بها، أو جرى عليها بلغاؤها بدعوى أنها فوضى منتشرة في أبوابها.
(6/ 2/110)

نقد إعرابين جديدين في صيغة التحذير (1)
اطلعت على مقال نشر في إحدى المجلات (2) الأسبوعية تحت عنوان: "إعرابان جديدان في صيغة التحذير"، فرأيت كاتب المقال قد أنكر ما قاله أعلام النحويين في إعراب صيغة التحذير، ورماه بالتكلف، وأبدى الكاتب تأويلين في إعرابها، وادعى أنهما خير مما قاله النحويون، وختم مقاله بقوله: "فكم ترك الأول للآخر! ".
ولما تراءى لي أن تأويلَي كاتب المقال ليسا خيراً مما قاله النحويون، خطر على بالي أن كتب كلمة أُلم فيها بوجهة نظر أولئك الأعلام، وأترك القول الفصل للقارئ الذي لا يضع المسائل موضع القبول إلا بعد عرضها على أصول العلم الذي تتصل به، وبحثها بروية وأناة.
قال كاتب المقال: "اضطرب النحويون في إعراب صيغة التحذير مع الواو التي يجعلونها للعطف اضطراباً كبيراً، ومن هذه الصيغة قول الشاعر:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
__________
(1) نقد منشور في مجلة "الهداية الإسلامية"، الجزء التاسع من المجلد الرابع عشر.
(2) مجلة "السياسة" عدد (7 شعبان سنة 1306 - 13 أغسطس سنة 1941) بالقاهرة.
(6/ 2/111)

ولم يأتهم هذا الاضطراب إلا من هذه الواو الداخلة على المحذَّر منه، فقد اتفقت كلمتهم على أنها للعطف، مع أن معنى الصيغة ينبو عن ذلك نبواً كبيراً".
يأتي العرب عند قصد التحذير من المكروه بضمير المخاطب المنصوب، أو باسم مضاف إلى ضمير المخاطب المتصل، ويأتون بعده باسم المحذَّر منه مقروناً بالواو، فيقولون - مثلاً -: إياك والأسدَ، ويقولون: رأسَك والسيفَ. ومن الواضح أن إعراب هذين التركيبين لا يتم إلا بتقدير عامل في المنصوب، أعني: إياك في المثال الأول، ورأسك في المثال الثاني.
ولما كان المتبادر من الواو الواردة في الصيغة هو العطف، لاحظ النحويون في التقدير صحة معنى التحذير، وقد اختلفت عباراتهم في المقدَّر، فمنهم من راعى الاقتصاد في التقدير، فجعل العطف من قبيل عطف المفردات، وقدر فعلاً يصح تسليطه على المحذَّر والمحذَّر منه مع إفادة الغرض الذي هو التحذير، فقال: التقدير: إياك باعدْ (1) والشر، ويهذا التقدير يكون الإعراب قد أخذ حقه، ثم إن الذهن ينساق من طلب مباعدته لنفسه والشر إلى أن المراد باعد نفسك من الشر، وباعد الشر منك.
ومن النحويين من قصد إلى أن يكون المقدر أوضح دلالة على التحذير، فجعل العطف من قبيل عطف الجمل، وقدر لكل واحد من المنصوبين في الصيغة فعلاً، فقال: التقدير: إياك باعد، واحذر الشر.
__________
(1) إذا قدر النحويون في الصيغة فعلاً، لا يريدون أن لفظ هذا الفعل متعين للتقدير، بل يصح تقدير ما كان موافقاً لذلك الفعل في المعنى ووجه الاستعمال من نحو التعدية واللزوم.
(6/ 2/112)

ومن قلَّب نظره في طرق الإيجاز في كلام العرب، ورآهم كيف يعتمدون على ظهور المعنى من الجمل، ولا يبالون حذف ما كان عمدة في الكلام أو فضلة، لم ير في حذفهم لفعلين في صيغة التحذير، واكتفائهم بالمفعولين، ما ينبو عنه المعنى نبواً كبيراً أو صغيراً.
وقد تكلم العرب بمثل هذا الضرب من الإيجاز، إذ قالوا: كلَّ شيء ولا شتيمةَ حُر، والتقدير: اصنع كل شيء، ولا ترتكب شتيمة حر، وقالوا: أهلَك والليلَ، والتقدير: ألحق أهلك، وبادر الليل.
والتقدير الصحيح المقبول ما كان مطابقاً لأصول اللغة، ملائماً للغرض الذي يرمي إليه المتكلم، غير زائد على قدر الحاجة.
إذا اختلفت عبارات النحويين في المقدر في صيغة التحذير، فإن من تلك المقدرات ما نجده مطابقاً لأصول اللغة، مؤدياً معنى التحذير، مقتصراً فيه على قدر الحاجة.
وإن كان اختلاف النحويين في الألفاظ المقدرة في التحذير يعدّ اضطراباً كبيراً، فسترى أن كاتب المفال لم يفعل شيئاً سوى أن زاد في طين هذا الاضطرابِ بلَّة.
قال كاتب المقال: "والحقيقة أن الواو في قولك: إياك والشر، ليست للعطف كما فهم النحويون؛ لأن واو العطف تقتضي دخول المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيكون العامل في المعطوف عليه بحيث يصح تسليطه في اللفظ والمعنى على المعطوف".
قد عرفت أن الذين يجعلون صيغة التحذير من قبيل عطف المفردات يقدرون عامل النصب في المعطوف والمعطوف عليه لفظ: باعدْ، ونحوه،
(6/ 2/113)

على معنى أن المطلوب من المخاطب تبعيد نفسه من الشر، وتبعيد الشر منه، وذلك قصد المحذر، والمباعدة يصح تسليطها على المحذر الذي هو المخاطب، والمحذر منه وهو الشر.
أما الذين يجعلون الصيغة من قبيل عطف الجمل، فيقدرون للمحذر عاملاً من نحو احذر، فلكل من المحذر والمحذر منه عامل يصح تسليطه عليه في اللفظ والمعنى.
قال كاتب المقال: "وأنت إذا قلت: إياك والشر، فالمعنى القريب لهذه الصيغة: أحذرك والشر، ولكن هذه الواو لا تستقيم أن تكون للعطف في هذا المعنى القريب لهذه الصيغة؛ لأن هذا العامل الذي قدرناه، لا يصح تسليطه على ما بعدها؛ إذ لا يصح أن تقول: احذر الشر، كما تقول: أحذرك؛ لأن الشر محذر منه، لا محذر كالمخاطب، وللواو استعمالات كثيرة غير استعمالها في العطف، وإذا عرضنا هذه الواو التي معنا على تلك الاستعمالات، وجدنا أقربها إليها أن تكون زائدة".
يتلخص تأويل كاتب المقال لصيغة التحذير في تقدير "احذر"، وجعل الواو في المحذر منه زائدة، أما تقدير احذر، فإن صح، إنما يصح في الصيغة المبدوءة بضمير المخاطب "إياك"، أما الصيغة المبدوءة باسم مضاف إلى المخاطب؛ نحو: رأسَك والسيَف، فإن فعل احذر غير صالح للعمل فيها؛ إذ لا يصح أن يقال: احذر رأسك والسيف، فلا بد من تقدير فعل من نوع ما يقدره النحاة، وهو: باعدْ أو نخِّ، وإذا رأى كاتب المقال نفسه مضطراً إلى العدول عن "احذر" في هذا القسم من التحذير، لزمه أن يسلم أن تقدير باعد أو نح، في نحو إياك والشر، لا يعد في قبيل التعقيد والخروج
(6/ 2/114)

عما نستسيغه الآن.
ثم إننا إذا وجدنا جملتين عطفت إحداهما على الأخرى، وكانت إحداهما صريحة في طلب أو نهي، والأخرى قد حذف منها المسند، وساعد المعنى على أن يقدر المسند فعلاً مضارعاً، أو فعل طلب، فمراعاة التناسب تقتضي أن يكونا متفقين في الطلبية، وقد وجدنا العرب يأتون بصيغة التحذير معطوفة على أمر أو نهي، أو معطوفاً عليها أمر أو نهي، ومن أمثلة ذلك البيت الذي ساقه كاتب المقال، أعني قوله:
ولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فإن قوله: "وإياك وإياه" معطوف على قوله: "ولا تصحب".
ومما عطف فيه النهي على صيغة التحذير قول أمية بن طارق الأسدي:
إياك والظلم المعبس إنني ... أرى الظلم يغشى بالرجال المغاشيا
ولاتك حفّاراً بظلفك إنما ... تصيب سهام الغي من كان غاويا
فقوله: "ولا تك حفّاراً" معطوف على قوله: "إياك والظلم". ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا".
ومما عطف فيه الأمر على صيغة التحذير قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، وليذِّك لكم الأسلُ والرمح"، فقوله: "وليذك" معطوف على قوله: "إياي وأن يحذف". ومن هذا الباب قوله - رضي الله عنه -: "إياكم والبطنة؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم".
ومما وردت فيه صيغة التحذير بين أمر ونهي تقدما عليها، وأمر تأخر
(6/ 2/115)

عنها: قول عمر بن الخطاب: "أما بعد: فاستعينوا على الناس وكل ما ينوبكم بالصبر والصلاة، وأمر الله أقيموه، ولا تدهنوا فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشر بأيسره؛ فإن قليل الشر كثير".
وكون المعنى في نحو: "إياك والأسد" على قصد التحذير، لا يقتضي تقدير عامل النصب من مادة حذر، كما أن القصد من نحو: "أخاك أخاك" هو الإغراء، ولا يصح أن يقدر عامل النصب هنالك من مادة أخرى.
وأما دعوى كاتب المقال أن الواو الداخلة على المحذر منه زائدة، فكلمتنا في نقده هي أن الألفاظ وضعت للدلالة على ما يقوم بالنفس من المعاني، فأصل الكلام أن يكون لكل كلمة منه معنى يقوم بنفس المتكلم، ويريد نقله إلى نفس المخاطب، فلا يصح لأحد أن يدعي زيادة كلمة في صيغة من صيغ الكلام إلا حيث يعجز الناس عن أن يذكروا لها معنى يلائم الغرض الذي صيغ له الخطاب، وقد وجد النحويون حروفاً ترد في مواضع من التراكيب مرة، وتسقط منها مرة أخرى، دون أن يظهر لها عندما تذكر معنى زائد على ما يفيده التركيب الخالي منها، فحكموا بزيادتها، مثل "أنْ" الواردة بعد "لما"، و "ما" الواردة بعد بعض حروف الجر.
وهؤلاء الذين يحكمون في بعض الحروف بالزيادة، لا يجيزون حمل كلمة على الزيادة إلا إذا تعذر فهم التركيب على وجه تحمل فيه على أحد معانيها الأصلية، قال الرضي في "شرح الكافية": "والأصل عدم الحكم بالزيادة ما كان للحكم بالأصالة محتمل". والنحويون قد فهموا من صيغة التحذير أن الواو عاطفة، وذكروا في تقدير عامل النصب وجهاً يلائم العطف، فصرْف الواو إلى الزيادة مع إمكان بقائها عاطفة خروج عن الأصل.
(6/ 2/116)

أراد كاتب المقال أن يؤيد دعوى أن الواو في صيغة التحذير زائدة بذكر نظائر في كلام العرب، فقال: كالواو في قول الشاعر:
فمابال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
فالواو في قوله: "وينوي" زائدة؛ لأنها حال، والمضارع المثبت لا يقترن بالواو، ومثلها:
ولقد رمقتك في المجالس كلها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني
فالواو في قوله: "فإذا وأنت" زائدة؛ لأن ما بعد إذا الفجائية "لا يقترن بالواو".
قد تكون زيادة الواو في البيتين ظاهرة بحيث تساوي أو ترجح رأي من يذهب فيهما إلى تأويل غير دعوى زيادة الواو، ولكن الحكم بزيادة حرف في تركيب جزئي على نحو ما ورد في البيتين، أمره هين بالنسبة إلى الحكم بزيادة حرف في صيغة عامة كصيغة التحذير تواردَ عليها الفصحاء من العرب، حتى كادوا لا يلفظون هذه الصيغة إلا مقرونة بهذه الواو.
قال كاتب المقال:
"ومن الواو الزائدة أيضاً: قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]، وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ} [الصافات: 103 - 104] ".
ذهب بعض المعربين للقرآن الكريم إلى أن الواو في قوله تعالى: {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، وفي قوله: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ} زائدة، ولكن فريقاً ممن يقدرون بلاغة القرآن قدرها أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد، وذهبوا إلى أن الواو في الآيتين عاطفة، وجعلوا الآية الأولى من قبل ما حذف
(6/ 2/117)

فيه جواب إذا.
وجعلوا الآية الثانية من قبيل ما حذف فيه جواب لما، والتقدير: فلما أسلما، وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم؛ فإن هناك ما لا يوصف من ألطافه تعالى.
وممن أنكروا أن يكون في القرآن حرف زائد صاحب "المثل السائر"، فقال راداً على من قال: إنَّ "أنْ" في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96]، زائدة: إن هذه اللفظة لو كانت زائدة، لكان ذلك قدحاً في كلام الله تعالى، وذلك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، فلا يكون كلامه معجزاً. وممن أنكروا ما أنكره ابن الأثير العلامة ابن قيم الجوزية، وألف كتاباً سماه "الفتح المكي" قرر فيه أن ليس في القرآن حرف زائد، وتكلم فيه على ما قيل: إنه زائد، وبين أن كل لفظة لها فائدة متجددة.
ولما قال أبو عبيدة: إنَّ "إذْ" في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 30]، زائدة، أنكر عليه المفسرون، حتى قال الزجّاج: هذا اجترام من أبي عبيدة.
ونحن لا نمنع أن يجيء في القرآن شيء من الحروف التي يسميها النحاة حروف الصلة؛ مثل: إن، وأن، وما، ومن، والباء؛ مما شاع استعماله في كلام البلغاء دون أن تدل على معنى من معانيها الخاصة بها، ونكتفي بالمعنى العام الذي هو التوكيد حتى يبدو لنا منها معنى غير التوكيد، ولا نجيز لأحد أن يقصد إلى حرف في القرآن من غير هذه الحروف المعهود استعمالها في كلام البلغاء ويحمله على الزيادة، وتخريجُ الآيات على حذف بعض
(6/ 2/118)

أجزاء الكلام لظهور معناه، أيسرُ من الحكم على بعضها بالزيادة.
قال كاتب المقال: "فلتكن تلك الواو التي ترد في صيغة التحذير داخلة على المحذر منه، زائدة، لا عاطفة؛ لأنك تقول: إياك والشر، كما تقول: إياك الشر، سواء بسواء، وهذه هي علامة الزيادة، الواو ونحوها من الحروف الزائدة، فيكون إعراب الصيغتين واحداً، وإياك فيها مفعول أول، والشر مفعول ثاني، ولا فرق بينها إلا زيادة الواو في الأولى دون الثانية".
يُحكَم على الحرف بالزيادة إذا لم يوجد وجه لحمله على معنى معروف في الاستعمال، أو معنى يناسب الغرض الذي سيق له الكلام، ولا يكفي في الحكم على الحرف بالزيادة أن يذكر في التركيب مرة، ويسقط منه مرة أخرى على وجه الندرة، ويكون المعنى مستقيماً في الحالين؛ فإن شأنهم فيما ورد مقروناً بحرف له معنى وروداً غالباً، ثم ورد على وجه الندرة غير مقرون بهذا الحرف: أن يحملوا الكلام على وجه يلائم المعنى المعروف للحرف، ويحملوا تلك الأمثلة النادرة على وجه لا يخدش في أصالة ذلك الحرف، وهذا حال صيغة التحذير من نحو قولك: "إياك والأسد"؛ فقد وردت مقرونة بالواو في كلام الفصحاء، ولم ترد مجردة من الواو إلا في قول نادر، ولما رأى النحويون حمل الواو الواردة في غالب الكلام الفصيح على العطف لا ينبو عنه المقام، أخذوا به في الإعراب، وحملوا ما ورد مجرداً من الواو على وجوه سنذكرها فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
بل شأنهم فيما يستعمل مقروناً بحرف مرة، ومجرداً منه مرة أخرى: أن يحملوا ما اقترن بالحرف على معنى يقتضيه الحرف، ويحملوا المجرد على معنى يقتضيه الخلو من ذلك الحرف، وإن شاع كل منهما في الاستعمال،
(6/ 2/119)

ولا يذهبون إلى الحكم بزيادة الحرف إلا إذا تعذر عليهم تخريج الكلام على وجه يلائم معنى الحرف، وانظروا إلى الأخيار حين تتعدد؛ إذ يصح عطف بعضها على بعض تارة، فنقول: زيد وشاعر وكاتب، ويصح تجريدها من حرف العطف تارة أخرى، فنقول: زيد عالم شاعر كاتب. ووجه هذا: أنك قد تنظر إلى تعداد الصفات وهي متغايرة، والتغاير يقتضي العطف، وقد تنظر إلى أن الذات الحاملة للصفات واحدة، وهذا الاتحاد يسوّغ تجريدها من حرف العطف.
قال كاتب المقال: "وبعضهم يوجب جر المحذر منه بمن إذا لم تذكر هذه الواو، ولكنه محجوج بقول الشاعر:
فإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعَّاء وللشر جالبُ
فقوله: "المراء" هو المحذر منه، وهو غير مجرور بمن؛ لأنه لا يلزم تقدير المحذوف فعلاً يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى الثاني بمن، بل يجوز تقديره فعلاً يتعدى إلى مفعولين بنفسه".
قد أريناك أن الوارد على وجه الندرة لا يقضى به على الغالب في استعمال البلغاء، بل تحمل الواو الواردة في غالب الاستعمال على أحد معانيها المعروفة حتى يمنع منه مانع لفظي أو معنوي.
والصيغة المجردة من الواو لم ترد إلا في وجه نادر، ولندرته لم يبن عليها جمهور النحويين صحة نحو: اياك الأسد، وقالوا: المحذر منه الذي يذكر بعد المحذر، يجب أن يكون مقروناً بالواو، أو بمن، وحملوا البيت الذي أورده كاتب المقال على ضرورة الشعر، أو على أن المراء جرى على قاعدة النصب بنزع الخافض، والأصل: من المراء، وذهب سيبويه إلى أن
(6/ 2/120)

الشاعر أضمر بعد إياك فعلاً آخر هو الناصب للمراء، فقال في "الكتاب": "ولو قلت: إياك والأسد، تريد: من الأسد، لم يجز"، ثم قال سيبويه: "إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز هذا البيت في شعر:
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالبُ
كأنه قال: إياك، ثم أضمر بعد إياك فعلاً آخر، فقال: اتق المراء".
وذهب إلى هذا الذي ذكره كاتب المقال في صحة نحو: إياك والأسد بدرُ الدين بن محمد بن مالك، وخالف الجمهور في منعه، وقدر عامل النصب في الاسمين لفظ "احذر"، غير أن بدر الدين بن مالك لم يتسرع إلى أن يقول: إن الواو في مثل: إياك والأسد، زائدة، بل يوافق الجمهور في أن الواو في نحو هذه الصيغة عاطفة. أجاز بدر الدين بن مالك نحو: إياك الأسد، ولم يقل: إن الواو في نحو: إياك والأسد زائدة بشبهة أن المعنى في الصيغتين واحد، كما قال كاتب المقال، ذلك أن معنى التركيب قد يأخذ في حال ذكر الحرف صورة غير الصورة التي يأخذها حال تجرده من ذلك الحرف، فتختلف الصورتان، ويكون المعنى في ظاهر الكلام واحداً، فلو قلت: إياك الأسد، مقدراً: احذر - مثلاً - أخذ المعنى صورة غير الصورة التي يأخذها عندما تقول: إياك والأسد، مقدراً فعلاً يقع على المعطوف والمعطوف عليه؛ نحو: باعدْ، فصورة المعنى في التركيب الأول تشتمل على الإخبار بأن المتكلم يحذر المخاطب من الأسد، وصورة المعنى في التركيب الثاني تشتمل على أمر المخاطب بأن يباعد نفسه من الأسد، ويباعد الأسد منه، والصورتان يلتقيان على غرض واحد هو: تحذير المخاطب من أن يدنو من الأسد.
(6/ 2/121)

قال كاتب المقال: "وهناك استعمال لواو العطف تأتي فيه بمعنى باء الجر، فلا تقضي من التشريك في الحكم ما يقتضيه الاستعمال المشهور لواو العطف، وذلك كالواو في قولهم: أنت أعلم ومالك، وكذلك الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، فالواو فيهما حرف عطف تقتضي التشريك في اللفظ، ولا تقتضي التشريك في الحكم؛ لأنها بمعنى باء الجر، ومعنى الأول: أنت أعلم بمالك، ومعنى الثاني: بعت الشاة شاة بدرهم".
ورد عن العرب أنهم قالوا: أنت أعلم ومالك، وقالوا: بعت الشاة شاة ودرهماً، فمن النحويين من ذهب إلى هذا الذي حكاه كاتب المقال، فقالوا: الواو بمعنى الباء، وهي مع دلالتها على هذا المعنى عاطفة، والعطف من قبيل التشريك في اللفظ دون الحكم.
ومن النحويين من ذهب في تأويل التركيبين إلى تقدير ألفاظ تكون بها الواو مستعملة في معناها المعروف، أعني: العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.
وإذا عقدنا موازنة بين المذهبين، وجدنا في المذهب الأول ضعفاً من ناحيتين:
أولاهما: أن في جعل الواو بمعنى الباء زيادة معنى في معانيها الدائرة في كلام العرب، ومن الأصول المعقولة التقليل من الاشتراك في الألفاظ ما أمكن التقليل.
ثانيتهما: أن جعل الواو للعطف في اللفظ دون الحكم، مخالف لأصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.
أما المذهب الثاني، فيعتمد على تقدير ألفاظ في نظم الكلام، والتقدير
(6/ 2/122)

لا يرتكب إلا عند الحاجة، فهو خلاف الأصل.
وتقدير كلمات يقتضيها الإعراب، وتتصيد من مجرى الخطاب، قد يكون أخف من تكثير الاشتراك في الألفاظ، والخروج بالعطف عن التشريك في اللفظ والحكم، ولكنه قد يكون أضعف من مخالفة ذينك الأصلين متى كانت الألفاظ المحذوفة كثيرة لا تتسابق إلى الذهن حين التلفظ بأصل الجملة، كما قال بعضهم في تقدير المحذوف في المثال الأول: أنت أعلم بحال مالك، فأنت ومالك، ثم خفف بحذف معمول أعلم "بحال مالك"، وحذف المبتدأ "أنت" المعطوف عليه "مالك"، وكما قال بعضهم في تأويل المثال الثاني: دفعت شاة، وأخذت درهماً.
فهذه الألفاظ التي أدعي حذفها في المثالين لا تنساق إلى ذهن السامع على أنها ملاحظة لتصحيح الإعراب يسهولة.
قال كاتب المقال: "وإذا صح للنحويين أن يجعلوا الواو عاطفة في هذين المثالين بمعنى باء الجر، فإنه يصح لي أن أجعل الواو الداخلة على المحذر منه عاطفة أيضاً، ولكنها بمعنى "من" الجارة، وليست هي الواو العاطفة التي تقتضي التشريك في اللفظ والحكم معاً، ويكون معنى قولك: إياك والشر: إياك من الشر، وهذا أيضاً إعراب تجري هذه الصيغة عليه بسهولة التأويل، وليس فيها شيء من التكلف الذي يشوه جمال العبارة، وينبو عنه الذوق الصحيح، والطبع السليم".
قد أريناك أن الوجه الذي حكاه كاتب المقال عن بعض النحاة في تخريج المثالين السابقين خارج عن أصل التقليل من الاشتراك في الألفاظ، وخارج عن أصل العطف الذي هو التشريك في اللفظ والحكم.
(6/ 2/123)

واذا سلك بعض النحاة في المثالين ذلك الوجه الخارج عن الأصول، فلأن غيره من الوجوه لا يخلو أيضاً من مخالفة بعض الأصول.
فتأويل كاتب المقال يشارك تأويل الجمهور في تقدير عامل النصب، ولكن تأويل الجمهور موافق للأصول من جهة إبقاء الواو على معنى العطف الذي يقتضي التشريك في اللفظ والحكم.
ثم ذكر كاتب المقال وجوهاً أبداها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وقال: "ومن يوازي بين هذه التكلفات التي ذهبوا إليها، وبين التأويلين السهلين اللذين اخترتهما، لا يتردد في اختيارهما على تكلفاتهم، ولا يهمه نسبتهما إلى علمائنا الأوائل، فكم ترك الأول للآخر! ".
حدثناك عن بعض الوجوه التي يراها النحويون في إعراب صيغة التحذير، وأريناك أنهم لم ينصرفوا فيها إلا بتقدير عامل النصب، وكاتب المقال يشاركهم فى هذا التقدير، ومن وجوه الفرق بينهما: أن ما يقدره النحاة يدل على طلب الابتعاد من المحذر منه بأصل وضعه، وما يقدره كاتب المقال موضوع للإخبار، وإنما يؤخذ منه الطلب بدليل خارج عن مدلول الصيغة بحسب وضعها.
ثم إن العامل الذي يقدره النحاة يجري في نحو: رأسَك والسيفَ، والفعل الذي يقدره كاتب المقال لا يجري في نحو هذا الضرب من التحذير.
ويلاقيك في تأويل كاتب المقال وجوه من الضعف لا تجدها فيما يقوله النحويون، مثل: دعوى زيادة الواو، أو أنها بمعنى من، أو أن العطف بها للتشريك في اللفظ دون الحكم.
(6/ 2/124)

ملاحظات على البحث المقدَّم عن موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى (1)
كتب حضرة العضو المحترم الأستاذ فريد بك أبو حديد بحثاً تحت عنوان: "موقف اللغة العامية من اللغة العربية الفصحى"، وألقاه في مجلس المجمع في الدورة الماضية، ثم إن المجمع وزع هذا البحث على حضراتكم لمناقشته في هذه الدورة، ووصلتني نسخة منه، فألقيت على البحث نظرة فاحصة، فلاحظت فيه فقرات تستوقف النظر، ليتعرف الهدف الذي نرمي إليه، وها أنذا أعرض على حضراتكم ملاحظاتي على تلك الفقرات، بعد أن أُورد كل فقرة بنصها، وانظروا ماذا ترون؟
قال حضرة العضو (ص 1): "والذي يتتبع تاريخ العربية الفصحى يستطيع أن يدرك أنها كانت تتغير وتتطور دائماً في ألفاظها وأساليب تعبيرها، حتى بعد أن جاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم بلغة قريش، وخلع عليها نوعاً من الثبات جعل تطورها محدوداً".
التطور الذي كان يعرض للغة العربية في ألفاظها وأساليبها قبل أن يجيء الإسلام وينزل القرآن هو التطور الذي يعرض لجميع اللغات عندما
__________
(1) هذه الملاحظات قدمها الإمام إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة بصفته عضواً في المجمع. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الأجزاء الأول والثاني والثالث والرابع من المجلد الحادي والعشرين.
(6/ 2/125)

تأخذ في النمو والتدرج في مراقي الكمال، ولم ينقضِ العصر الذي ظهر فيه الإسلام، ونزل فيه القرآن، حتى بلغت اللغة أشدها، وتسنمت ذروة كمالها، فاستقرت على هذا الحال الكامل من جهة قوانين بيانها، وفنون بلاغتها، وفصاحة ألفاظها.
ولا بد للغة الحية بعد هذا التطور الكمالي من تطورآخر تساير به حاجات العصر، ومقتضيات الحضارة في دائرة ما انتهت إليه من كمالها الجوهري، ولم تقف اللغة دون هذا في المائة الأولى لصدر الإسلام، واستطاعت أن تعبر عن كل معنى من معاني العلوم أو المحدثات، وأصبح الفرق بين التطور الذي أخذته اللغة في عهد الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، والطور الذي بلغته في عهد نزول القرآن الكريم واضحاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص 1): "وقد كان للاتصال بين اللغة العربية والقرآن الكريم أثران عظيمان".
قال حضرته هذه العبارة، ثم ذكر الأثرين، وسنسوق إلى حضراتكم نص حديثه عن هذين الأثرين، ثم ملاحظاتنا عن ذلك الحديث، حتى يتبين أن صلة الاتصال بين اللغة العربية الفصحى والقرآن الكريم قد أورثت اللغة أساليب بديعة، وارتقت بفنون تبلغها إلى ذروة الكمال، ولم ينشأ عن هذا الاتصال أثر يصدق عليه أنه عقيم.
قال حضرة العضو المحترم مبيناً الأثر الأول الذي قال: إنه نشأ عن الاتصال بين الفصحى والقرآن الكريم: "الأول: أن اللغة العربية احتفظت بصورة كادت تكون مستقرة مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً، وصار التراث الثقافي المتخلف من تلك القرون كلها ملكاً سهل التناول لكل من يقرأ الفصحى
(6/ 2/126)

إلى يومنا هذا".
إن أراد حضرته بالصورة التي احتفظت بها اللغة: الصورةَ التي تتقوم من مراعاة قوانين تراكيبها، فهذا يجب أن يكون، ومن حاول تغيير تلك القوانين، يسقط من حساب العاملين لسلامة اللغة العربية، وإنما يريد إحداث لغة إقليمية، وإن أراد بالصورة التي احتفظت بها: هي أنها حدثت معان علمية أو مدنية، ولم توضع لها أسماء خاصة، فهذا لم يكن ناشئاً عن قصور في اللغة، ولا عن اتصالها بالقرآن الكريم، وإنما هو الإهمال ممن شأنهم القيام على تسييرها مع العلم والمدنية.
قال حضرة العضو المحترم في (ص 1): مبيناً الأثر الثاني الذي قال: إنه ترتب على اتصال الفصحى بالقرآن الكريم: "والأمر الثاني: أن اللغة العربية منذ استقرت، فقدت كثيراً من المرونة الضرورية لتطور اللغات، ولا سيما فيما يتصل بالحياة اليومية والمعاملات، فنشأ من ذلك شيء من الانفصال بين لغة الثقافة والأدب والفكر، وبين لغة الأسواق والمعاملات اليومية وما إليها".
لم تفقد اللغة شيئاً من المرونة الضرورية لتطور الحياة؛ فقد كانت وسائل التطور ولا زالت متوفرة فيها، مثل: المجاز والاشتقاق والتعريب، وإذا وجدت معان علمية أو مدنية، ولم تأخذ في هذه اللغة أسماء خاصة، فذلك عائد إلى تقصير الموكول إليهم العمل على مسايرتها لمقتضيات الحياة.
قال حضرة العضو المحترم (ص 1): "وما زال هذا الانفصال يزداد مع تغيير الأحوال، وتبدل ظروف الحياة؛ لأن اللغة الفصحى قنعت بأن تكون أداة للتعبير الفكري والعلمي، وكانت القداسة التي خلعها عليها القرآن الكريم من أقوى أسباب اتصالها بالدراسة العقلية، وقلة قبولها للتطور الذي يبعدها
(6/ 2/127)

عن صورتها الأولى - نقصد: الصورة التي نزل القرآن الكريم بها -".
علل حضرته ازدياد الانفصال بين العامية والعربية بأن الفصحى قنعت بأن تكون أداة التعبير الفكري والعلمي، والواقع أن الفصحى بقيت تستعمل في المراسلات للتعبير عن كل شأن من شؤون الحياة، ولم تفقد مكانتها في المخاطبات العادية من جهة أنها غير قابلة لأن تتطور بتغير الأحوال وتبدل ظروف الحياة، وإنما السبب في ذلك: قلة العناية بتعلمها، وتمرين النشء على التخاطب بها، ومن هنا نرى الفصحى تطارد العامية في ألسنة المتعلمين، وتقلل من رطانتها على ألسنة أنصاف المتعلمين؛ حيث أصبحت أحاديث الإذاعة تطرق كل سمع، والصحف السيارة تقع في كل يد.
ويقول حضرته: وكانت القداسة التي خلعها عليها القرآن الكريم من أقوى أسباب قلة قبولها للتطور الذي يبعدها عن صورتها الأولى.
والواقع أن الأساليب التي تجري في اللغة نوعان:
أولهما: أساليب ترجع إلى ما يبحث عنه في علم النحو، وهي ما يعد الخروج عنه خروجاً من أوضاع اللغة؛ كان يجري الكلام على غير إعراب، أو على غير ما يجب مراعاته في نظم الكلام تقديماً وتاخيراً، أو ما يجب أن يقع عليه الكلام من أحوال الاتصال والانفصال، والذكر والحذف. ووقوفُ اللغة عند حد هذه الأساليب التي يقرها علم النحو، لم يكن سببه قداسة القرآن، بل لأنها محكمة الوضع، كافية للتعبير عن الأفكار السامية.
ثانيهما: الأساليب التي تجري في دائرة ما تجيزه القوانين النحوية، وهي من الكثرة والتفاضل بحيث يتسابق إليها الكتاب والخطباء إلى أقصى ما يرومون من مظاهر الفصاحة والبراعة.
(6/ 2/128)

قال حضرة العضو المحترم (ص 1): "وقد كان من أول ما هجم على العربية الفصحى من آثار تطور الحياة: شيوعُ اللحن فيها، ولهذا الأمر دلالة كبرى، فإنه ينم عما شعرت به الشعوب المتكلمة بالعربية من ثقل وطأة حركات الإعراب، وصعوبتها على الناس إذا احتاجوا إلى التعبير في حياتهم اليومية".
لا يصح أن ينسب دخول اللحن في العربية إلى تطور الحياة الذي تجب مسايرته، وإنما نشأ من دخول أمم غير عربية بين العروبة، واستيلائهم على كثير من مراكز الدولة كما وقع في أواخر الدولة العباسية، بل كان هذا اللحن مظهراً من مظاهر الانحطاط الذي أصيبت به الأمة من ناحية الثقافة والاجتماع.
ويشهد بهذا: أن الأمة اليوم قد أخذت تسترد رقيها الثقافي والاجتماعي، فأخذت لغة العامة تقترب من اللغة الفصحى، والأمل وطيد في أن لا يمر زمن طويل حتى تتحول إليها.
قال حضرة العضو المحترم (ص 2): "وقد كان أصحاب اللغة العربية في موقف يضطرهم للاختيار بين خطتين:
إما أن يختاروا تطوير لغتهم، والبعد بها عن صورتها الأولى، وإسقاط الإعراب جملة واحدة، وفي هذه الحالة كان الذي ينتج هو أن تستمر اللغة العربية لغة التعامل، وتدفع في تطورها إلى غايته، وكان هذا لا بد يؤدي بها آخر الأمر إلى أن تصير لغة جديدة إلى مدى كبير.
وإما أن يختاروا تجميد لغتهم، والمحافظة على صورتها، والإقبال على درسها وضبطها، والاحتفاظ بكل خصائصها، وبذلك يحتفظون بوحدتها، واتصال ثقافتها على مر العصور".
(6/ 2/129)

المخلصون للغة العربية، المتنبهون للنتائج التي تنشأ من تطورها، يرون أنا في حاجة إلى تطويرها، على معنى: أن نضع مفردات للمعاني المحدثة من علميات ومدنيات، أما أن نمس أوضاعها الجوهرية؛ بأن يخرج بها عن وجوه استعمالاتها المألوفة بين البلغاء، والتي انتهى إليها تطورها الكمالي، فذلك ما لا ينبغي أن يخطر على قلب عارف بمزايا هذه اللغة الفصحى، فضلاً عن أن يصدر مجمع فؤاد الأول به قراراً، على أمل أن يلقى من ذوي الأفكار المثقفة قبولاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص 2): "ولقد اختاروا الخطة الثانية في حماسة عجيبة يدل عليها كل ما تخلف من أخبار الرواة والعلماء والخلفاء والأدباء، وكانت حركة ضبط اللغة العربية ودراستها، والحرص على بقاء صورتها، من أعجب الحركات وأقواها في تاريخ اللغات كافة".
إنما اختار أصحاب اللغة العربية المحافظة على صورتها الكمالية، ولسلامة هذه الصورة وضعوا علوم النحو والصرف والبيان، ولا يعد هذا تجميداً للغة، وإذا وقع في اللغة جمود، فلم تساير العلم والمدنية، فإنما جاءها من قلة التوجه إلى وضع ألفاظ لتدل على المعاني المتجددة، وقد نبهنا على أن هذا واقع تبعاً لتباطؤ أهلها في مسايرة العلم والمدنية.
قال حضرة العضو المحترم (ص 2): "ومنذ اختار أصحاب اللغة العربية هذه الخطة، كان لا مفر من اتساع الفرق بين لغة أدبية فصحى ميدانها الفكر للخاصة، ولغة عامية ميدانها الحياة كلها للكافة".
إنما يتسع الفرق بين اللغة الفصحى واللغة العامية في دور انحطاط الأمة، وقلة حظها من التعليم، وحضرة العضو المحترم يتفاءل للعامية بأنها سائرة
(6/ 2/130)

في ازدياد البعد بينها وبين العربية الفصحى، ونحن نتفاءل للعامية بأنها سائرة في ازدياد التقرب من اللغة الفصحى، ومن نظر إلى اللغة العامية في العهد السالف، وقاسها بهذا العهد الحاضر، وجد اللغة العامية أخذت تتقرب من العربية على قدر انتشار التعليم، وتبسيط أساليبه، ومما ساعد عل هذا التقريب الصحف السيارة والإذاعة؛ فقد أصبحت العامة تسمع من مفردات اللغة وأساليبها ما لم يكونوا يسمعون من قبل.
قال حضرة العضو المحترم (ص 2): "بدأ هذا الانفصال منذ أول التاريخ الإسلامي، وما زال يزداد حتى بلغ إلى مداه الذي نراه اليوم بين لغة المثقفين القارئين، وبين لغة التعامل الحر".
قد رأيناك أن هذا الانفصال لم يكن ناشئاً عن التطور الذي تقتضيه طبيعة الحياة، وإنما نشأ عن قلة التعليم، وإطلاق الألسنة تنطق بالكلم على جهالة كيف تشاء، ولو كان ذلك الانفصال تطوراً طبيعياً، لما رأينا اللغة العامية الآن تنهض من كبوتها متدرجة في التقرب من اللغة الفصحى.
قال حضرة العضو المحترم (ص 2): "وذلك يشبه ما حدث في بلاد أوربا؛ إذ تطورت اللغة اللاتينية في الوطن اللاتيني، وما يليه من البلاد التي كانت لغة الثقافة فيها هي اللاتينية، ونشأت من ذلك اللغة الإيطالية والفرنسية والإسبانية، وتباعدت الصلة بين اللاتينية وبين سلالاتها تباعداً مختلفاً، يقل في بعضها، ويزيد في بعضها؛ تبعاً لما داخلها من آثار الأقوام الذين مزجوا لغاتهم الأجنبية باللغة اللاتينية الأصلية، وقد حدث مثل هذا التطور إلى حد كبير في اللغة اليونانية؛ فإن يونانية اليوم ليست هي اليونانية القديمة، وإن كان المصدر لا يزال واحداً".
(6/ 2/131)

هناك فرق بين اللغة اللاتينية وسلالتها، وبين اللغة العربية ولهجاتها؛ فإن في اللغة العربية ما يمنع من تطورها تطور اللغة اللاتينية، وهو كمال اللغة العربية الفصحى الذي لا تبلغه اليونانية الأصلية، ولا اللاتينية، ثم وحدة أصحاب اللغة العربية في الجنسية والعقلية والخلقية والدينية، قال خليل مطران بك في مقدمة ترجمته لرواية "عطيل" تأليف شكسبير:
"تا الله! لو ملكت العامية، لقتلتها بغير أسف، ولم أكن بقتلي إياها إلا منتقماً لمجد فوق كل مجد، نزلت من هيكله الذهبي الخالص الرنان منزلة الرجلين الخزفيتين القذرتين، فهو فوقهما متداع، وبهما مشوه، منتقماً لأمة كسرت العامية وحدتها، وكانت عليه أكبر معوان للتصاريف التي مزقتها في الشرق والغرب كل ممزق، منتقماً للفصاحة نفسها، وأي فصاحة في خشارة لا تصيب فيها تبر الأصل إلا وقد تلوث بذريرات لا تحصى من أوضار الرطانات بأنواعها".
قال حضرة العضو المحترم (ص 3): "ولكن مهما يكن الفرق بين موقف العامية من العربية الفصحى، وبين موقف اللغات الأوريية الحديثة من اللغات القديمة، فإنه من الواضح أن الاتجاه واحد في نوعه في الحالين، وإذا استمر في سبيله، كان من المحتوم أن تصير اللغة العربية الفصحى لغة الكتاب، على حين يزيد تطور العامة مع الحياة، وتزداد تبعاً لذلك شقة الخلاف بينها وبين الفصحى التي تصبح بعد حين في حكم اللغات القديمة".
غزارة مادة اللغة العربية، وحسن بيانها، وانتشار تعليم القرآن الكريم، تقف بألسنة الناطقين بها دون أن تغرق في العامية حتى تصبح الفصحى في حكم اللغات القديمة، وليس من المحتمل أن يزداد تطور العامية مع الحياة،
(6/ 2/132)

وتزداد شقة الخلاف بينها وبين الفصحى، إلا أن يبدو لأولياء الأمور أن يلغوا تعليم الفصحى في الأزهر، ودار العلوم، وكلية الآداب بالجامعة، وغيرها من المدارس، ويكون عمل هذا المجمع عقيماً، فلا يرمي إلى الغاية التي أنشئ من أجلها، وهي المحافظة على سلامة اللغة الفصحى.
قال حضرة العضو المحترم (ص 3): "لو حدث مثل هذا التباعد، لما كان للأمم العربية مفر -ولو بعد حين- من أن تقف مرة أخرى في موقف الاختيار بين أحد أمرين، كل منهما ينطوي على أضرار كبيرة".
ثم قال مبيناً الأمر الأول من الأمرين المنطويين على أضرار كبيرة:
"الأول: أن نختار الاتصال بالتراث القديم الماثل في اللغة الفصحى، ونضحي في سبيل هذا الاتصال بأعز ما عند أمة حية تتطلع إلى حياة مليئة قوية، وهو اتصال اللغة بالفكر اتصال الشعب الذي يتكلم بأصحاب الفكر الذين يكتبون، وعند ذلك يكون لا مناص لنا من أن نقنع بحركة فكرية منعزلة عن كتلة الأمة، وأن نرضى لأنفسنا بديمقراطية سطحية لا تتعدى المظاهر الكاذبة، على حين تبقى جماهير الأمة في حالة أمية، وعقم عقلي ونفسي.
"والأمر الثاني: أن نختار الحياة الحاضرة والمستقبلة مضحين بكنوز الثقافة القديمة، وما فيها من أصول حضارتنا ومثلنا العليا، ونقطع بيننا وبين ماضينا الكريم السامي، ويكون علينا في هذه الحالة أن نعود إلى حيث بدأت الأمم أول خطواتها نحو الحضارة إلى أن نستطيع - بعد أحقاب طويلة - تحصيل ثروة فكرية جديدة، تصلح لأن تكون غذاء لعقول أمة حديثة".
هذا كلام ناشئ عن التشاؤم لمستقبل اللغة الفصحى، والواقع أن العامية قد أخذت تزداد قرباً من اللغة الفصحى؛ للأسباب التي ذكرناها آنفاً، فيمكننا
(6/ 2/133)

- بلا ريب - أن نبقى متصلين بالتراث القديم الماثل في اللغة الفصحى، وأن نسير في الحياة الحاضرة والمستقبلة كما تسير الأمم الراقية شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.
أما الإعراض عن الفصحى، والتضحية بكنوز الثقافة القديمة، وابتداء أولى الخطوات إلى الحضارة كما قال حضرته، فنزعة لا تلتقي مع اتجاه المفكرين الناطقين باللغة العربية. ذلك أن هؤلاء المفكرين الصادقين يبتغون لأممهم حضارة فاضلة نقية، ولا فضل لحضارتنا إلا أن تقوم على التراث القديم الماثل في اللغة الفصحى.
قال حضرة العضو المحترم (ص 3): "ونرى أن الخطوة الأولى في تفكيرنا: هي أن نتامل في حال هذه اللغة العامية، وأن نحاول تجديد خصائصها، وما بلغته في تطورها، ثم نسأل أنفسنا بعد ذلك في صراحة عمّا يجدر بنا أن نفعله للمحافظة على حياتنا الفكرية أولاً، ولتجنب ما يمكن تجنبه من الخسارة ثانياً".
تأملنا في حال هذه اللغة العامية، وعرفنا ما بلغته في تطورها، وسألنا أنفسنا في صراحة عما يجدر بنا أن نفعله للمحافظة على حياتنا الفكرية أولاً، ولتجنب كل ما يمكن تجنبه من الخسارة ثانياً، فوصلنا إلى أن سعادة الأمم العربية في المحافظة على العربية الفصحى، وإصلاح العامية ما استطعنا حتى تعود إليها، وقد رأينا أمارات نجاحنا في الإصلاح؛ حيث شعرنا بأن العامية قد أخذت تقترب من العربية الفصحى؛ لوسائل وجدت في هذا العصر، فنبهنا لها من قبل.
قال حضرة العضو المحترم (ص 4): "لا شك أن الكثرة الكبرى من
(6/ 2/134)

الألفاظ العامية إما عربية قرشية صحيحة، وإما محرفة عنها تحريفاً قليلاً، وإما عربية من لهجات قبائل أخوى غير قريش، أو محرفة عنها تحريفاً قليلاً، فمن المعروف أن القبائل العربية التي جاءت إلى مصر في العصور المختلفة كانت من أصول مختلفة، وكان مقامها في العواصم والريف وعلى حدود الصحراء سبباً في وجود لهجات متباينة في الأقاليم المختلفة، ولكن العامية المصرية؛ أي: التي نشأت حول العاصمة مصر هي الأكثر انتشاراً، وقد امتزج فيها أثر كثير من القبائل، وكان رائدها دائماً التسهيل في النطق، والتيسير في التداول".
العربية القرشية الصحيحة، والعربية من لهجات قبائل أخرى غير قريش، قد احتوت عليها المعاجم الواسعة، ودواوين الشعراء. أما المحرفة عن القرشية، أو لهجات القبائل تحريفاً قليلاً أو كثيراً، فيجب تصحيحها، وتخطئة من ينطق بها محرفة، ولا يكفي في عدها صحيحة احتمال أن تكون لهجة قبيلة عربية من القبائل التي جاءت إلى مصر في العصور المختلفة.
ولو فتحنا باب التحريف بعلة التسهيل في النطق، والتيسير في التداول، لأفسدنا على اللغة الفصحى نظامها، وحشرنا فيها من الألفاظ ما يكثر سواد مترادفاتها، ونحن نريد التقليل منها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص 4): "ويستطيع كل منا أن يخلو إلى نفسه، ويثبت ما يرد على خاطره من الألفاظ المعروفة المتداولة، ومنها يتبين أن الألفاظ العامية ليست سوى صور من ألفاظ عربية ليس من العسير أن تصحح، بل إنه ليس من العسير أن يرد إليها اعتبارها، وترفع عنها الوصمة التي لصقت بها على مر القرون".
(6/ 2/135)

إن كانت هذه الألفاظ العامية مخالفة للسماع، فتصحيحها أن ترد إلى الوجه الذي نطق به الفصحاء من قبل، وإن كانت خارجة عن القياس، فتصحيحها أن ترد إلى الوجه الذي يوافق مقاييس اللغة الفصحى، أما ما يرد إليه اعتباره، وهو الكلمات العربية التي تلوكها ألسنة العامة، ويتحاماها البلغاء لابتذالها، فتلك الكلمات لم تزل معدودة في العربي الفصيح، وإذا تحاماها الأديب البارع، مؤثراً عليها ما يراه أجود وأليق بنظم الكلام، فكل له ذوقه واختياره فيما يستعمل من الألفاظ.
قال حضرة العضو المحترم (ص 4): "ونرى أن بُعد الألفاظ العامية عن العربية مبالغَ فيه، فالفرق لا يزال ضئيلاً بينها وبين الفصحى، ومن اليسير تدارك الأمر إذا نحن عنينا بجمع كل المفردات العامية، وعنينا لإعادة الاعتبار إلى كل ما يمكن رد الاعتبار إليه، وصححنا كل ما يمكن تصحيحه منها بغير إبعاد لها عن صورتها كلما أمكن ذلك".
لا ندري ماذا يريد حضرة العضو المحترم: أنجمع المفردات العامية في لهجات الشعوب العربية الجارية اليوم، أم يريد خصوص اللهجة المصرية وحدها؟ فإن أراد إجراء العمل في جميع اللهجات العربية؛ بأن يعيد للألفاظ العامية اعتبارها، فقد عمل على تكثير المترادفات في اللغة، وساعد على أن تكون لهجات الشعوب مختلفة، مع إمكان توحيدها في دائرة اللغة الفصحى، وإن أراد إجراء اللهجة المصرية خاصة، قلنا: إن الشعوب الأخرى إنما ترضى العود إلى اللغة العربية الفصحى، ولا يستطيع المجمع، ولا ما هو أقوى من المجمع أن يحملها على العود إلى لغة إقليمية، وإن بلغ أهلها في الثقافة ما لم يبلغه غيرهم.
(6/ 2/136)

قال حضرة العضو المحترم (ص 4): "على أن اللغة العامية تحتوي على كثير من الألفاظ التي أهملتها الفصحى تعالياً منها، أذكر منها: طرفة، قفة، سلة، دخان، مزراب، فلان يطوح - أي: يتطوح -".
ماذا يريد حضرة العضو الفاضل من الفصحى التي أهملت هذه الألفاظ؟ فإن أراد اللغة المقابلة للعامية، فهذه الألفاظ لم تتعال عنها اللغة الفصحى؛ فإن مزراب، وسلة، والجونة (1)، وقفة، ودخان ثابتة في المعاجم، وإن أراد لغة قريش، فليست الفصحى بمقصورة على هذه اللغة، على أن كلمة دخان واردة في القرآن الكريم.
قال حضرة العضو المحترم (ص 5): "والتحريف في العامية ناشئ في أغلب الأحوال من القصد إلى التخفيف في النطق، إذا لم يكن ناشئاً من تأثير لهجة بعض القبائل العربية".
ما يكون موافقاً للهجة بعض القبائل العربية لا يسمى تحريفاً، بل هو عربي صحيح، قال ابن جني في "الخصائص": "اللغات على اختلافها كلها حجة، والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ". وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": "كل ما كان لغة لقبيلة صح القياس عليه".
وأما التحريف الذي سماه حضرة العضو المحترم: قصداً إلى التخفيف في النطق. فيجب معالجته، وإعادة اللفظ إلى الحال التي كان عليها يوم بلغت اللغة طورها الكمالي، وإذا فتحنا باب التخفيف في النطق، دخل منه على اللغة ريح عاصف تنسف كثيراً من قوانينها، وأوضاع ألفاظها، وأهل
__________
(1) سليلة: منشأة أدما تكون مع العطارين.
(6/ 2/137)

العلم يأنفون في مجاراة العامة فيما يقعون فيه على جهالة، وإنما شأنهم إصلاح خطئهم، والأخذ بهم إلى أن ينطقوا بالكلام، أو يكتبوا على نحو ما ينطق به العلماء من الناس أو يكتبون.
قال حضرة العضو المحترم (ص 9): "ليس أسلوب اللغة العامية هو عين أسلوب الفصحى، وإن كان قريباً منه، فهناك فروق كثيرة نذكر منها البعض على سبيل التمثيل".
وأخذ حضرة العضو المحترم يسوق أمثلة لهذه الفروق الكثيرة، فأورد أربعة أمثلة حيث قال: "تقول في العربية عادة: جاء محمد، وكتب أخي لي كتاباً، وهكذا. وذلك بتقديم الفعل على الفاعل، فإذا قدمنا الفاعل، وابتدأنا به، كان لنا في ذلك قصد، وأما في العامية، فالمعتاد أن تقول: محمد جه، وأخويا بعث لي جواباً، وهكذا".
مقتضى ما قاله حضرة العضو: أن للعربية الفصحى في الإخبار أسلوبين: أسلوب تقديم الفاعل على الفعل، وأسلوب تقديم الفعل على الفاعل، وأن لكل منهما مقاماً كما هو معروف في علم البلاغة، وأن العامية جرت على أحد هذين الأسلوبين، وهو أسلوب تقديم الفاعل على الفعل.
إن جرت العامية على تقديم الفاعل، فقد جرت على أسلوب عربي فصيح، ولكن تنقصه البلاغة متى استعمل في مقام يستدعي تقديم الفعل على الفاعل، ونحن لا نقصد إلى تكليف العامة برعاية مقتضيات الأحوال في كل ما يتكلمون به، بل يكفيهم أن لا يخرجوا عن الأسلوب الذي يعد في نظر النحوي عربياً صحيحاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص 9): "تكثر في العامية العبارات الآتية التي
(6/ 2/138)

تدل على حركة النفس، والإشارات واللفتات، وهذا لشدة امتزاجها بالحياة اليومية"، ثم قال: "وسأورد عبارة عامية في وصف حالة لبيان ما فيها من اللفتات والإشارات التي أقصدها"، وأورد صورة واقعة باللغة العامية، ثم قال: "ومثل هذا الأسلوب لا يتفق والأسلوب العربي المعتاد، فمن سايره من الكتاب، فإن قصده تقريب أسلوبه من العامية".
قرأت القصة التي صورها حضرته باللهجة العامية، ولم تقع عيني على عبارة منها تقف اللغة الفصحى أمامها عاجزة عن أن تدل على حركة النفس والإشارات واللفتات التي دلت عليها تلك العبارات العامية، يعرف هذا من درس الفصحى بألمعية مهذبة، وذوق سليم.
قال حضرة العضو المحترم (ص 10): "ومهما يكن من الأمر، فإنما نوجه النظر إلى أن اللغة العامية قد ابتكرت لنفسها نظاماً كاملا في تعبيرها، وأصبح الخروج عنه خروجاً عن طريقة معترف بها، ومن ثم يمكن أن نقول: إن العامية قد كادت تصير لغة قائمة بنفسها في قواعدها وفي أسلوبها".
إن كان الخروج عن نظام العامية خروجاً إلى اللغة الفصحى، كان رجوعاً عن طريقة مكروهة إلى الطريقة المعترف بها.
وإن كان الخروج عنها إلى غير نظام العربية الفصحى، فهو خروج إلى طريقة ذات عوج، إنما أنشئ هذا المجمع لإصلاحها وتسويتها غير مبال باعتراف العامة من الناس بها.
ثم إن حضرة العضو المحترم يقول عن العامية: "وقد ابتكرت لنفسها نظاماً كاملاً في تعبيرها". ثم يقول: "وقد كادت تصير لغة قائمة بنفسها في قواعدها وفي أسلوبها".
(6/ 2/139)

إن صح أن يكون للعامية نظام كامل كما قال حضرته أولاً، أو أنها كادت تصير لغة قائمة بنفسها كما قال حضرته ثانياً، فما على المجمع إلا أن ينظر في تلك النظم أو القواعد، فيعيدها إلى نظم اللغة الفصحى وقواعدها.
قال حضرة العضو المحترم (ص 10): "عندما اضطرت الحياة الشعوب المتكلمة بالعربية إلى تطوير لغتها، أشعرت هذه الشعوب في الوقت عينه أنها مهددة بالحرمان الأدبي منذ بعدت الشقة بينها وبين اللغة الأدبية، والشعوب لا يمكن أن تحيا بغير تعبير عن خلجات نفسها في الأغاني والأناشيد والأمثال والعبر، فوجد الموهوبون من عامة الشعب وبعض الأدباء المتصلين بالشعب أن اللغة التي يتخاطبون بها، ويتعاملون ويفكرون في حاجة إلى أن تؤدي ما يحتاج إليه الناس من التعبير، وأخذوا يحاولون مرة بعد مرة أن يجعلوها أداة أدبية، فتحللوا من الأساليب الأدبية المعروفة في اللغة الفصحى؛ لأنها لا تلائم تلك اللغة الساذجة التي تولدت منها، فاخترعوا الموشحات، والمواليا ... إلخ ".
يصرح حضرة العضو المحترم هنا بأن الشقة بين العامية والعربية بعيدة، وقال في موضع آخر: والفرق بينهما لا يزال ضئيلاً.
قال حضرة العضو المحترم (ص 11): "فلو كانت العامية لا تزيد على أنها استخدمت أداة للتعامل في الأسواق والحياة اليومية، لكان أمرها هيناً، ولكنها منذ برهنت على صلاحها للتعبير الأدبي، وصار من الممكن أن تنطلق في سبيلها متباعدة عن الفصحى، حتى ينتهي بها الأمر إلى الاستغناء عنها، بل إن جمال أساليب التعبير العامي إذا بلغ مداه، كان أجدر أن يسترق القلوب؛ لأن تلك الأساليب أقرب إلى النفس والإلهام من الفصحى؛ لشدة
(6/ 2/140)

اتصالها بحياة الكافة".
لم تبرهن العامية حتى اليوم على صلاحها للتعبير الأدبي، وما هي إلا كالعامية التي توجد في كثير من اللغات الحية بجانب لغة الأدباء والكتاب، وهل وجد في أصحاب تلك اللغات من يدعو إلى ترك لغة الأدب والكتابة، واستبدال عاميتهم بها؟ قال الأستاذ جبر ضومط في مقال له نشرته مجلة "السيدات والرجال" (م 6 ص 449 و 450):
"خذ الإنكليزية - مثلاً -، فترى فيها لغتين: مكتتبة وهي الفصحى، وعامية وهي الدارجة، والفصاحة في المكتتبة بالغة أعلى درجاتها في لندن، والدارجة بالغة أحط درجاتها أيضاً في بعض أقسام من تلك المدينة؛ حيث الفقر والجهل على أشدهما، ومثل الإنكليزية الفرنسية، ومثل لندن باريس، فإن اللغة المكتتبة فيها وصلت في كتابات بعضهم إلى ما وصلت إليه تماثيل اليونان الجميلة، ولكن اللغة الدارجة في بعض شوارع باريس لا يزيد نصيبها عما هي فيما يقابلها من شوارع لندن، بل في برلين مدينة العلم والعلماء، ومدينة الأدب والأدباء تهبط اللغة الدائرة على الألسنة في أفواه الأقوام من الغوغاء والخشارة إلى ما لا يستطيع أن يتصور مثله بين أقوام العامة عندنا".
قال حضرة العضو المحترم (ص 12): "غير أننا لا ينبغي لنا أن نتجاهل الخطر الماثل في لباقة اللغة العامية وصلاحيتها كأداة للتعبير الأدبي، فهو إن كان اليوم من ذلك محدوداً، فقد يكون غداً أقوى. وقد تصبح أقدر على الأداء الأدبي السامي من الفصحى، إذا فتن الشباب المثقف بالإنتاج الفكري باللغة العامية، وعملت أجيال منهم على الارتفاع بها إلى المستوى الأدبي
(6/ 2/141)

الذي يجعلها لغة فكر وتعبير صحيح".
ليس من المعقول أن يجيء يوم تكون فيه اللغة العامية أقدر على الأداء السامي من الفصحى؛ فإن الفصحى بالغة نهاية الكمال في الأداء الأدبي السامي، يعرف هذا من أعارها نظرة منصف بعيد، ومن البعيد جداً -فيما نرى- أن يفتن شبابنا بالعامية، وقد اتجهوا اليوم إلى الاعتزاز بعربيتهم، وبذل كل مجهود في الاحتفاظ بتراثها وجمع شملها.
ولا أدري كيف غفل أو تغافل حضرته عن هذه الحركة العربية التي تشرف عليها جامعة الدول العربية، وينهض لتأييدها شبابنا في مصر وغير مصر، ومن أثر هذه الحركة: العمل لتوحيد الثقافة، ويجب أن يكون في مقدمتها: اتحاد اللغة. وحضرة العضو المحترم إن أراد من العناية باللغة العامية: العناية باللغة العامية المصرية وحدها، قلنا له: ما رأيك في اللغة العامية في تونس والشام والعراق والحجاز؛ فإنها تختلف اختلافا ظاهراً؟ فإن قال: يعني كل شعب بلغته العامية، قلنا له: كانت مذكرة حضرتك هذه دعوة إلى تشتيت شمل هذه الشعوب، وعقبة في سبيل توحيد الثقافة التي تعقد له الجامعة اليوم المؤتمرات، وتؤلف له اللجان. وإن قال: تفرض اللغة المصرية على تلك الشعوب، قلنا له: إن تلك الشعوب لا يسهل عليها أن تترك لهجتها، وتنقلب إلى اللهجة المصرية، وكلاهما من اللغات المعتلة المحتاجة إلى إصلاح وتصحيح. وإذا سهل على الشعوب أن تتحد في لغة، فهذه اللغة هي العربية الفصحى، فقد اتفق على فصاحتها وكمالها المسلمون من تلك الشعوب، وغير المسلمين.
قال حضرة العضو المحترم (ص 12): "وليس يجدينا أن تقاوم عوامل
(6/ 2/142)

الحياة بالعنف والقسوة؛ لأن الطبيعة تأبى كل عنف، وهي أقوى من كل قوة، ولسنا نملك أن نقاومها إلا بأن نطيعها، ونعرف أسرارها، ثم نتجه بها ومعها إلى حيث نحتال أن نصل بها".
قد عرفت وجه الحالة الملحة إلى أن تكون الشعوب العربية مرتبطة بلغة واحدة، واللغة الفصحى هي المحبوبة لهم جميعاً، وهي التي يرضون بالتوجيه إليها أن تكون جامعة لشتاتهم، ثم هي معروفة بينهم في الجملة، فبذل شيء من العناية يجعل جريانها على الألسن أمراً ميسوراً.
وحضرة العضو نفسه يقول في بعض المواضع من مذكرته: فالفرق لا يزال ضئيلاً بين العامية وبين الفصحى.
قال حضرة العضو المحترم (ص 12): "والذي يجعلنا نحرص على اللغة الفصحى واضح لا يحتاج إلى بيان، فلو لم تكن العربية لغة القرآن الكريم، ولو لم تكن كنوزنا القديمة هي أكبر ما نملك من ثقافة إنسانية، لكان من الهين علينا أن نقبل على هذه العامية بكل جهودنا، فنسمو بآدابها، ونودعها ثمار كل ما في شعوبنا من عبقرية، فتصبح هي لغتنا، ولا ضرر علينا أن تكون لنا لغة ليست هي الفصحى".
قد فات حضرة العضو وجه مهم من الوجوه التي تجعل انصرافنا عن اللغة الفصحى غير هين علينا، وهو حسن بيانها، وسعة وجوه تصرفاتها، وسمو منزلتها في البلاغة، تلك المزية التي تدعونا إلى أن نقبل بكل جهودنا على أن نحتفظ بها، ونودعها ثمار كل ما في شعوبنا من عبقرية، ومن الضرر الفادح في اتخاذنا لغة غير الفصحى سد أبواب التفاهم بين شعوب عربية، من الخير لها جميعاً أن تكون لها لغة واحدة، بها يتعارفون ويتخاطبون،
(6/ 2/143)

وليست هناك لغة يتقبلون أن تكون نظام وحدتهم، ووسيلة تعارفهم غير العربية الفصحى.
وهناك رجال يعرفون غير العربية من اللغات الحية، ولا يهمهم الاحتفاظ باللغة من جهة أنها لغة القرآن، قد شهدوا بأن العربية أقرب اللغات انطباقاً على النظم الطبيعية، قال المطران يوسف داود الموصلي:
"من خواص اللغة العربية وفضائلها: أنها أقرب لغات سائر الدنيا إلى قواعد المنطق، بحيث إن عباراتها سلسة طبيعية، يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها من دون تصنع ولا تكلف باتباع ما يدل عليه القانون الطبيعي، وهذه الخاصية إن كانت اللغات السامية تشترك فيها مع العربية في وجه من الوجوه، فقلما نجدها في اللغات المسماة: "الهندية الجرمانية"، ولا سيما الإفرنجية منها".
قال حضرة العضو المحترم (ص 17): "إن أسلوبها قد استقر على صورة اعتادها الناس، وفي ذلك الأسلوب خلاف كبير للأسلوب العربي الفصيح".
يقول حضرة العضو المحترم هنا: "في ذلك خلاف كبير للأسلوب العربي الفصيح"، وقال فيما سبق: "فالفرق لا يزال ضئيلاً بينها وبين العربية الفصحى".
قال حضرة العضو المحترم (ص 17): "إن اللغة العامية لا تزال تتطور عصراً بعد عصر، وإن هذا التطور ناشئ من حياة الناس، فهي وليدة الحياة نفسها، وفيها من المرونة كل ما للكائن الحي.
كانت العامية تتطور عصراً بعد عصر، أما الآن، فتطورها هو أنها أخذت تتقرب من الفصحى، وهذا دليل على أن تطورها في الماضي ناشئ من قلة
(6/ 2/144)

المحافظة على سلامة اللغة الفصحى، والسير بها مع العلم والمدنية جنباً لجنب، فالعامية وليدة قلة العناية بنشر الفصحى التي تملك من وسائل النمو والترقي ما تملكه كل لغة حية.
قال حضرة العضو المحترم (ص 17): "إنها أداة صالحة للتعبير الأدبي الساذج، فإذا أرادت التعبير عن المعاني الدقيقة السامية، كان لا مفر لها من الاقتراب من الفصحى".
اللغة العامية اليوم في طور التقرب من اللغة الفصحى، وللصحف السيارة وما يلقى في الإذاعة فضل في هذا التقريب، وقد أرادت الحكومة المصرية أن تسرع بهذا التقريب، فأنشأت هذا المجمع؛ للعود بالعامية إلى العربية؛ بوضع أسماء عربية، أو على مقاييس العربية الفصحى، وبنشر نصوص عربية فصيحة، ليعرف بها الناس كيف كان بلغاء العرب يتكلمون، فينحوا نحوهم، وينسجوا على منوالهم.
قال حضرة العضو المحترم (ص 17): "إن العامية ليست مجرد مسخ أو تشويه للعربية، بل قد أصبحت لغة قائمة بذاتها، ولها قواعدها وأصولها، وإذا شذ عنها شاذ، عد ذلك خروجاً عن طريقة مقررة".
تخلو اللغات - راقية كانت أم ساقطة - من قواعد يجري عليها المتكلمون بها، ولكن في العامية مفردات عربية فصيحة، وأساليب لا تخالف أساليب العربية الفصحى، وما عدا ذلك، فهو مسخ وتشويه للعربية، وإذا دعا مرسوم المجمع إلى دراسة لهجات الشعوب العربية، فليس معنى هذا أن ندرسها لتعد لغة مستقلة، ويعنى بتعليمها لأبنائنا، وإنما القصد من دراسة المجمع لها: أن يعلم وجوه الانحراف الذي دخل فيها حتى تصحح لتعود إلى العربية
(6/ 2/145)

الفصحى. ويلاحظ هنا: أن حضرة العضو المحترم قال هنا: "قد أصبحت لغة قائمة بذاتها، ولها قواعدها وأصولها".
ولو أراد من دراستها أن تعلم، لكان المجمع بين خطتين: إما أن يقصد إهمال العربية الفصحى، والاستغناء بالعامية عنها، ولا أظن أحداً من حضرات الأعضاء يسبق إلى ذهنه أن المجمع يستطيع أن يفعل هذا، أو إذا فعله يجد من الأمة العربية إغضاء عنه، وإما أن يفرض على الناس تعلم لغتين، لكل منهما نظامها وقواعدها، وهما: العامية والعربية.
قال حضرة العضو المحترم (ص 18): "ألا يمكن أن نقبل في الفصحى غير ما يصح في لغة قريش؟ ".
نقبل في الفصحى غير ما يصح في لغة قريش، فقد نقلنا لحضراتكم أن ابن جني قال: "اللغات على اختلافها كلها حجة".
وكذلك قال أبو حيان: "ما كان لغة لقبيلة، صح القياس عليه".
قال حضرة العضو المحترم (ص 18): "هل نجعل الأصل هو منع ما لم يستعمل في الفصحى من قبل، أم نجعل الأصل إجازة كل ما يمكن إجازته، ما دام قائماً في لغة الحياة؟ ".
المحافظة على سلامة اللغة العربية تقتضي أن يكون الأصل هو منع ما لم يستعمل في الفصحى من قبل، ولم يمكن تخريجه على وجه القياس في الفصحى، فإن أمكن تخريجه على وجه من وجوه القياس، أصبح عربياً فصيحاً، وإن لم يستعمل الفصحى من قبل، وليس من حق المجمع أن يجيز كلمة عامية تخالف ما سمع في اللغة الفصحى، ولم يمكن تخريجها على طريق من طرق القياس؛ ككلمة: عمولة، ونحو قولهم: "بالتبر لم بعتكم".
(6/ 2/146)

قال حضرة العضو المحترم (ص 19): "ولو استطعنا أن تتجرد من قيود الأساليب القديمة، لسهل علينا تطوير الفصحى بحيث تقترب من العامية خطوة جريئة في الطريق السوي، بغير أن يعود ذلك بضرر على الفصحى، بل يكسبها قوة وشباباً".
للغة الفصحى أساليب محكمة، وبعد أن يحافظ الناس على قوانين النحو، يجدون في دائرة هذه القوانين صوراً من التراكيب يتفاضل فيها البلغاء، فإن أراد حضرة العضو المحترم من الأساليب القديمة: الأساليب التي يبحث عنها النحاة من حيث الصحة والفساد، كان التجرد من قيودها هدماً لكيان اللغة الفصحى، وإن أراد من الأساليب القديمة: صور التراكيب التي يتفاوت فيها البلغاء بعد الاحتفاظ بالقوانين النحوية، فهذه يسوغ التجرد من قيودها إن كان في التجرد منها تطوير للغة؛ لأنه لا يعود على الفصحى بضرر، وربما أكسبها قوة وشباباً. وإذا قلت: إنَّ سلامة اللغة الفصحى في الوقوف عند قوانين نحوها، أريد: القوانين التي اتفق عليها النحاة، أو قررها جمهورهم، أو انفرد بها أحد علماء العربية الذين لا يقطعون رأياً إلا بعد نظر واجتهاد.
وقد أصدر المجمع قبل هذا قرارات قصد بها التوسع في أساليب اللغة، وتيسير وضع بعض المصطلحات، اعتمد فيها على آراء انفرد بها بعض العلماء عن الجمهور، ولا ننكر أن يقوم اليوم أحد الدارسين للعلوم العربية، ويتخذ في بعض المسائل العربية مذهباً يخالف به رأي الجمهور، على شرط أن يذكر أدلة علمية على ما ذهب إليه. والذي لا نرتاح إليه أن يتعرض بعض من لم يدر أصول اللغة العربية إلى إحدى المسائل العربية، ويرتجل فيها رأياً لم يسبقه إليه أحد، معتمدً على ذوقه الخاص، دون أن يسنده إلى شاهد يعتد به، أو قياس.
(6/ 2/147)

الألفاظ المؤنثة من طريق السماع (1)
للشيخ ابن الحاجب المتوفى سنة 646 قصيدة في الأسماء المؤنثة في كلام العرب من غير أن تكون فيها علامة تأنيث. وقسمها إلى: ما يجب فيه التأنيث، وما يجوز فيه التذكير والتأنيث، وقد أحببنا نشرها مع تعليق عليها في هذه المجلة؛ ليطلع عليها من حضرات القراء من لم يكن قد اطلع.
نفسي الفداء لسائل وافاني ... بمسائل فاحت كروض جِنان
أما الذي لابد من تأنيثه ... ستون شبه العين والأذنان
والنفس ثم الدار (2) ثم الدلو (3) من ... أعدادها والسن (4) والكتفان
وجهنم ثم السعير وعقرب (5) ... والأرض ثمَّ الاست والعضدان
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد العاشر.
(2) الدار: المحل يجمع البناء والعرصة، وقال صاحب "القاموس": وقد تذكر.
(3) في "رسالة ابن جني": ويجوز تذكير الدلو. وفي "القاموس": وقد تذكر.
(4) في "النهاية": سن الجارحة مؤنثة، ثم استعيرت للعمر استدلالاً بها على طوله وقصره، وبقيت على التأنيث.
(5) قال صاحب "القاموس": العقرب معروف، ويؤنث. وقال الليث: يذكر ويؤنث بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث.
(6/ 2/148)

ثم الجحيم (1) ونارها (2) ثم العصا ... والريح منها واللظى ويدان
والغول والفردوس (3) والفلك (4) ... في البحر تجري وهي في القرآن
وعروض شعر والذراع (5) وثعلب ... والملح (6) ثم الفأس والوركان
والقوس (7) ثم المنجنيق (8) وأرنب (9) ... والخمر (10) ثم البئر والفخدان
__________
(1) لم يتعرض "القاموس" لتأنيثه، وفي "رسالة ابن جني": الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر، وسائر أسمائها مؤنث.
(2) أورد ابن جني النار فيما لا يجوز تذكيره مثلما صنع الناظم. وفي "القاموس": النار معروفة، وقد تذكر.
(3) الفردوس مما يذكر ويؤنث، والتذكير فيه أكثر من التأنيث. قال صاحب "القاموس": وقد يؤنث، وفي "شرحه" للمرتضى: قال أهل اللغة: الفردوس مذكر، وقد يؤنث. واقتصر ابن جني في "رسالته" على التذكير، فقال: الفردوس مذكر.
(4) قال ابن جني: الفلك يذكر ويؤنث. وفي "القاموس": الفلك: السفينة، ويذكر. وفي "المرتضى": يؤنث ويذكر.
(5) قال ابن جني: الذراع مؤنثة، وربما ذكرت. وفي "القاموس": وقد تذكر.
(6) في "القاموس": الملح معروف، وقد يذكر. قال المرتضى: والتأنيث فيه أكثر.
(7) في "القاموس": وقد تذكر، قال المرتضى: فمن أنث، قال في تصغيره: قويسة، ومن ذكر، قال: قويس.
(8) أشار صاحب "القاموس" إلى وجه تذكيره، فقال: وقد يذكر.
(9) هذا مبني على أن الأرنب إنما يقال على الأنثى، وأما ذكرها فيقال فيه: الخزر، وعلى هذا درج ابن جني في "رسالته". وأما من يقول: إن الأرنب يستعمل في الذكر والأنثى كما قال المبرد، فيجعله مما يذكر ويؤنث
(10) اقتصر ابن جني في الخمر على التأنيث، فقال: الخمر أنثى، وكذلك جميع =
(6/ 2/149)

وكذاك في ذهبٍ (1) وفهر (2) حكمهم ... أبداً وفي ضرب (3) بكل مكان
والعين للينبوع، والدرع (4) التي ... هي من حديد قط والقدمان (5)
وكذاك في كبد (6) وفي كرش وفي ... سقر ومنها الحرب (7) والنعلان
وكذاك في فرس وفي كأس وفي ... أفعى، ومنها الشمس (8) والعقبان
__________
= أسمائها. وذكر صاحب "القاموس" وجه التذكير، فقال: وقد يذكر. وقال شارحه: والأعرف في الخمر التأنيث، وقد يذكر، وأنكره الاصمعي.
(1) قال ابن جني: الذهب مؤنثة، وربما ذكرت. ومثله قول صاحب "القاموس": الذهب: التبر، ويؤنث. قال شارحه: يقال إن التأنيث لغة أهل الحجاز، وسائر العرب يقولون: هو الذهب. وقال صاحب "اللسان": الذهب: التبر، والقطعة منه ذهبة.
وعلى هذا يذكر ويؤنث على ما ذكر في الجمع الذي لا يفارقه واحده إلا بالهاء.
(2) اقتصر ابن جني على التأنيث. ومثله قول الليث: عامة العرب تؤنث الفهر. وقال صاحب "القاموس" مشيرًا إلى جواز الوجهين: ويؤنث. ونقل شارحه عن الفراء أن فيه الوجهان.
(3) الضرْب - بسكون الراء، وفتحها أشهر -: وهو العسل الأبيض، ولم يذكر فيه ابن جني إلا التأنيث. وفي "المصباح" وجه لجواز تذكيره.
(4) مثله لابن جني إذ قال: درع الحديد أنثى، ودرع المرأة ذكر، وأشار صاحب "القاموس" إلى وجه التذكير، فقال: قد تذكر.
(5) اقتصر صاحب "القاموس" كابن جني على التأنيث، ونقل شارح "القاموس" أنه إذا قصد به الجارحة، يجوز فيه التذكير والتأنيث.
(6) اقتصر ابن جني في الكبد على التأنيث. وقال اللحياني: هي مؤنثة فقط. وأشار صاحب "القاموس" إلى وجه التذكير، فقال: وقد يذكر، ونسبه شارحه إلى الفراء وغيره.
(7) في "اللسان": الحرب مؤنثة، واقتصر عليه ابن جني، وأشار صاحب "القاموس" إلى وجه التذكير، فقال: وقد تذكر، وعزاه شارحه إلى ابن الاعرابي.
(8) قال ابن جني: الشمس الطالعة مؤنثة، والشمس الذي في القلادة ذكر.
(6/ 2/150)

والعنكبوت (1) تحوك والموسى معاً ... ثم اليمين وأصبع (2) الإنسان
والرِّجل منها والسراويل (3) التي ... في الرجل كانت زينة العريان
وكذا الشمال من الأناس ومثلها ... ضبع، ومنها الكف والساقانِ
* * *
أما الذي قد كنت فيه مخيراً ... هو كان سبعة عشر في التبيان
السلم ثم المسك ثم القدر في ... لغة، ومثل الحال كل أوان
والليث منها، والطريق وكالسرى ... ويقال في عنق كذا ولسان
وكذاك أسماء الليالي والضحى ... وكذا السلاح (4) لفاتك طعّانِ
والحكم هذا في القفا أبداً، وفي ... رحم وفي السكين (5) والسلطان (6)
وقصيدتي تبقى وإني اكتسي ... ثوب الفناء وكل شيء فان
__________
(1) قال ابن جني: العنكبوت يذكر ويؤنث، وأشار "القاموس" إلى الوجهين أيضاً.
(2) أشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين، وقال ابن فارس: الأجود في أصبع الإنسان التأنيث.
(3) اقتصر ابن جني كالناظم في السراويل على التأنيث. وقال "شارح القاموس": لا يعرف فيه الأصمعي إلا التأنيث. وأشار صاحب "القاموس" إلى الوجهين بقوله: وقد تذكر.
(4) في "المصباح ": السلاح: ما يقاتل به، يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى؛ لأنه يجمع على أسلحة، وهو جمع للمذكر.
(5) قال المرتضى: الغالب عليه التذكير.
(6) قال صاحب القاموس: السلطان يؤنث؛ لأنه بمعنى الحجة، وقد يذكر ذهاباً به إلى معنى الرجل.
(6/ 2/151)