Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 005


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(8)

«رسَائِلُ الإِصْلاحِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(5/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(5/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
ثمرة من ثمرات الجهاد العلمي الطويل والشاق كان هذا الكتاب "رسائل الإصلاح". بذل فيه الإمام محمد الخضر حسين الكثير من الوقت والعمل، وخطّه بحسن أسلوبه، وغزارة مادته، ودقة تحقيقه، وسعة اطلاعه، وسلاسة عبارته، وبلاغة بيانه وتبيانه، حتى كأن كل مقال فيه كتاب قائم بذاته، صيغ بموجز من الكلمات في صفحات، ومثله كمصباح يستضاء به في ظلمات الحياة.
لهذا الأثر القيّم مكانة خاصة وشهرة لدى الفقهاء والأدباء ورجال الثقافة وأصحاب القلم، وكثيراً ما يشار إليه في المصادر والمراجع على أنه من أهم الكتب التي تضمنت مقالات الإمام الشرعية والأحوال الاجتماعية.
صدر الكتاب في حياته المباركة في ثلاثة أجزاء متوسطة الحجم. ومنذ أن باشرت - بنعمة من الله وعونه وهداه - في جمع ونشر كتب الإمام التي افتقرت إليها المكتبة الإسلامية، وجدت أنه من الأرجح في الفائدة العلمية للكتاب وحدة مواضيعه؛ تسهيلاً للقارئ، وخدمة للعلم، وإن الحاجة آنذاك التي دفعت الناشر لجميع المقالات في مختلف المواضيع في كتاب واحد ظناً منه أنه ربما كان الكتاب الواحد الذي يصدر حاضناً ما كتبه الإمام في المجلات الدينية التي كان يرعاها، هذه الحاجة اختلفت الآن بعد أن أنعم الله علينا بجمع
(5/ 1/3)

كافة المقالات وتقديمها في العديد من الكتب.
والأمانة في العلم ونقله توجب علينا تبيان ذلك، وما هي المقالات التي نقلت إلى الكتب الأخرى (1).
__________
(1) الجزء الأول:
- التعليم الديني في مدارس الحكومة - إلى كتاب "الدعوة إلى الإصلاح".
- التعاون في الاسلام - إلى كتاب "هدى ونور".
- الحلم وأثره في سعادة الحياة - إلى كتاب "الهداية الإسلامية".
الجزء الثاني:
- التصوف - إلى كتاب "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان".
- العلماء وأولو الأمر - انتشار الإسلام في العالم وعوامل ذلك - إلى كتاب "الدعوة إلى الإصلاح".
- أديان العرب قبل الاسلام - قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة - إلى كتاب "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
- الصداقة - إلى كتاب "محاضرات إسلامية".
- قوة التخيل - إلى كتاب "الخيال في الشعر العربي".
- الاستشهاد بالحديث في اللغة - إلى كتاب "دراسات في اللغة".
- أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية - إلى كتاب "الرحلات".
الجزء الثالث:
- مقاصد الإسلام في إصلاح العالم - انتشار الاسلام في العالم - إلى كتاب "الدعوة إلى الإصلاح".
- الدين والفلسفة والمعجزات - إلى كتاب "الهداية الاسلامية". =
(5/ 1/4)

والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
__________
= - كتاب يلحد في آيات الله - كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد - إلى كتاب "بلاغة القرآن".
- البابية أو البهائية - طائفة القاديانية - كتاب مستقل بعنوان "القاديانية والبهائية".
- كافة مواضيع الجزء الثالث الباقية إلى كتاب "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان".
(5/ 1/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين
نحمَدك اللهم على أن هيأت لنا من أمرنا رشَداً، وأبيْتَ لنا أن نتخذ من المضلّين عَضُداً، ونصلّي ونسلّم على سيدنا محمد الذي أرسلته بشيراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الحق، ولم يتخذوا من دونك ولياً ولا نصيراً.
أمّا بعد:
فقد جرى القلم بتحرير مقالات في أغراض شتى، فاقترح عليّ بعض أهل العلم أن أجمعها في سِفْرٍ أو أسفار، حتى يَسْهُلَ تناولها، وتكون طوع يد من يريد مطالعتها، فحلَّ هذا الاقتراح من النفس محل القبول، وأخذت أجمعها، وأعيد النظر في بعض عباراتها، ووضعت لها اسماً هو: "رسائل الإصلاح".
وسيرى القارئ الألمعي أني قد طرقت في هذه الرسائل نواحي هي في حاجة إلى أن تُبْحثَ بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية بعد أن يُسْلِمَها النقدُ إلى صِدْقٍ.
وقد بذلت جهدي في أن أسلك بالبحث هذا السبيل، ولعلّي سرت فيه شوطاً غير قصير، فإن لم أبلغ فيه غاية بعيدة، فحسبي أني كنت قد تَبَيَّنْتُ
(5/ 1/6)

رشدَه، ووَلَّيْتُ وجهي شطرَه، وآنست في أقلام إخواني الذين يجاهدون في الإصلاح أثَرَهُ.
وكأني بالناشئ الذي سَلِمَتْ فطرته، واتّقدتْ قريحته، يهبُ هذه الرسائل قسطاً من وقته، ويلقي عليها أشعة من ثاقب فكره، فإذا هو ينظر إلى قلم أمين، يطارحه الحديث في أسلوب حكيم.
وإذا نفقت كتب تمكُرُ بالحق، أو تسمي المجون أدباً، ووجدتْ نفوساً كثيرة تتهافت عليها تهافت الفراش على النار، فحسب "رسائل الإصلاح" أن تحظى عند قوم يبحثون عن الرشد بحثَ الخبير بقيمته، ويتعشَّقون الأدب النزيه كأنما صُوِّرَتْ نفوسهم من طينته.
ولو سبق لبعض الناشئين أن نظروا في تلك الكتب المنطوية على زْيغ أو مجون، ولم يتنبهوا لما دُسَّ في عباراتها من سموم، ثم أقبلوا على هذه الرسائل، نابذين تقليدَهم القديم، صارفين قلوبَهم عن إكبار أولئك الزائغين أو الماجنين، لما كان بعيداً أن يعودوا إلى إيمان نقيّ، وأدب سَنيّ، فينفعوا الأمة بجدهم وكمال رجولتهم، ويتمتعوا بالحياة الطيبة في أُولاهم وآخرتهم.
محمّد الخضر حسين
القاهرة
1358 ه - 1939 م
(5/ 1/7)

المروءة ومظاهرها الصّادقة (1)
خصلةٌ رفيعة القدرِ، تجري في منشآت الأدباء، ويُتحدَّث عن معناها في علوم اللغة والشريعة والأدب والأخلاق، تلك الفضيلة هي: المروءة.
ننظر في منشآت الأدباء من منظوم ومتثور، فنجد لفظ المروءة وارداً في مقامات المدح؛ كما قال زياد الأعجم يمدح عبد الله بن الحشرج:
إنّ السَّماحةَ والمروءةَ والنَّدى ... في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرَجِ
وقالوا في الذمّ: فلان زَمِنُ المروءة: أي: أن مروءته دارسة بالية.
أو الفخر؛ كما قال أحد شعراء الحماسة:
عادوا مروءَتَنا فَضُلِّلَ سَعْيُهُمْ ... ولكُلِّ بَيْتِ مُروءَةٍ أَعْداءُ
وننظر في كتاب اللغة، فنجدها تقول: المروءة: الإنسانية، أو كمال الرجولية، أو الرجولية الكاملة، وكمال الرجولية ينتظم من الأخلاق الحميدة، والآداب السامية. فالمروءة إذاً هي جماع مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، فمن يفوته جانب من هذه المكارم أو المحاسن، يفوته جانب من العناصر التي تتكون منها المروءة.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس من المجلد الحادي عشر، الصادر في شهر ذي الحجة 1357 ه.
(5/ 1/8)

ولاشتمال المروءة على جملة الفضائل، يقتصر بعض الأدباء عليها في مقام إيجاز المديح؛ كما قال سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:
ولئن سبقتَ لتبكِينَّ بحسرَةٍ ... وليكثُرَنَّ عليَّ منك عويلُ
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لديَّ خليلُ
وليذهَبنَّ بهاءُ كُلِّ مُروءَةٍ ... وليفقدَنَّ جمالُها المأهولُ
وننظر في كتب الشريعة، فنجد المروءة واردة فيما يروى من الأحاديث النبوية، ونجد الفقهاء يذكرونها في بعض أبواب الفقه؛ كباب: القضاء، وياب: الشهادة، ويقولون: المروءة: صيانة النفس عن كل خلق رديء، والسمت الحسن، وحفظ اللسان، وتجنب المجون.
وقال آخرون منهم: المروءة: أن لا يأتي الإنسان ما يعتذر منه مما يحط مرتبته عند أهل الفضل، قال ابن سعيد يوصي ابنه:
وكلُّ ما يُفْضي لِعُذْرٍ فلا ... تجعَلْهُ في الغُرْبَةِ مِنْ إرْبَتِك (1)
وما يقوله علماء الشريعة غير بعيد مما يقوله علماء اللغة من أن المروءة: كمال الرجولية.
وننظر في كتب الأدب، فنجدها تسوق لبعض بلغاء الرجال وحكمائهم عبارات تشير إلى بعض الواجبات والآداب التي تقوم عليها المروءة؛ كما قال الأحنف بن قيس: المروءة: العفة والحرفة.
وقال ميمون بن ميمون: أول المروءة: طلاقة الوجه، والثاني: التودد، والثالث: قضاء الحوائج.
__________
(1) الإربة: البغية.
(5/ 1/9)

وقال مسلم بن قتيبة: المروءة: الصبر على الرجال، أي: الصبر على المكاره في معاشرتهم وقضاء مآربهم.
وقال ابن هبيرة: المروءة: إصلاح المال، والرزانة في المجلس، والغداء والعشاء في الفناء. ويريد من إصلاح المال: تنميته، والتصرف فيه على وجه الصلاح، وكنّى بالغداء والعشاء في الفناء، عن: الكرم والسخاء.
وقال معاوية: المروءة: ترك اللذة.
واللذات التي يعد تركها مروءة هي اللذات المحظورة على الإطلاق، واللذات الملهية عن الازدياد من الحمد، وإن لم تكن من المحظورات.
نَوْمُ الغَداةِ وشُرْبٌ بالعشيّات ... موكَّلانِ بتهديمِ المروءاتِ
وعبارات هؤلاء البلغاء والحكماء لا تخالف قول اللغويين: المروءة: كمال الرجولية؛ لأن البلغاء قد يتسامحون في بيان معاني الألفاظ، فيقتصر الواحد منهم على بعض المعنى؛ اهتماماً بشأنه، وحرصاً على أن يضعه نصب عين السائل؛ ليكون ذلك أدعى إلى عنايته به، ومحافظته عليه.
وننظر في كتب الأخلاق، فنرى بعضها يفسر المروءة بعِظَم النفس، ووجه هذا التفسير: أن عظم النفس هو المنمِّي لمكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وعلى هذه المكارم والمحاسن يقوم كمال الرجولية.
ولا خلاف بين من تحدثوا عن المروءة أن هناك آداباً لا يعلو مقام الرجل في المروءة إلا بالمحافظة عليها. وبين أيدينا منابع للمروءة عذبة صافية هي الكتاب الحكيم، وسيرة النبي الكريم - صلوات الله عليه -. وإن في آثار العظماء من السلف بعد ذلك لعبرة.
وها أنا أسوق إلى حضراتكم جملة من تلكم الآداب كأمثلة يزداد بها
(5/ 1/10)

معنى المروءة وضوحاً، فأقول:
من أدب صاحب المروءة: أن يكون ذا أناة وتؤدة، فلا يبدو في حركاته اضطراب أو عجلة؛ كأن يكثر الالتفات في الطريق، ويعجِّلَ في مشية العجلة الخارجة عن حد الاعتدال، وأما السرعة بمعنى: عدم التباطؤ والتثاقل، فدليل الحزم، والحزم من مقوِّمات المروءة.
ويتصل بهذا الأدب: أن يكون الرجل متئداً في كلامه، يرسل كلماته مفصلة، ولا يخطف حروفها خطفاً حتى يكاد بعضها يدخل في بعض.
وحيث كان لحسن البيان دخل في كمال الرجولية، صحَّ أن يعد في مظاهر المروءة. وينبّهُ لهذا قول عمر بن الخطاب: تعلموا العربية، فإنها تزيد في المروءة.
ومن أدب صاحب المروءة: أن يضبط نفسه عن هيجان الغضب، أو دهشة الفرح، ويقف موقف الاعتدال في حالي الضرّاء والسرّاء.
ولسْتُ بِمفْراحٍ إذا الدهرُ سرَّني ... ولا جازع مِنْ صرْفِه المتقلِّبِ
ومن هنا نرى ذا المروءة لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.
عدل معاوية عن تولية الأحنف بن قيس ثغر الهند، فقال له زياد: إن الأحنف بلغ من الشرف والحلم والسؤدد ما لا تنفعه الولاية، ولا يضره العزل.
وقال قاضي قرطبة محمد بن بشير: والله! لا أبالي في الحق من مدحني أو ذمّني، وما أُسرُّ للولاية، ولا أستوحش من العزل.
ومن أدب صاحب المروءة: الصراحة والترفع عن المواربة والنفاق، فلا يبدي لشخص الصداقة، وهو يحمل له العداوة، أو يشهد له باستقامة
(5/ 1/11)

السيرة، وهو يراه منحرفاً عن السبيل.
فَسِرّي كإعْلاني وتلكَ خَليقَتي (1) ... وظُلْمَةُ لَيْلي مِثْلُ ضَوْءِ نَهاري
والمراد: أن صاحب المروءة لا يتخذ الظهور بخلاف ما يضمر عادة مثلما يفعل قوم لا تشمئز نفوسهم من الملق والرياء، أما إذا اقتضت الحكمة إخفاء بعض ما يضمر من نحو العداوة والصداقة، فإن اتباع ما تقتضيه الحكمة من مكملات المروءة.
ويتصل بهذا الأدب أدب آخر، وهو: أن لا يفعل الرجل في الخفاء ما لو ظهر للناس لعدّوه من سقطاته. وقد رفع محمد بن عمران التيمسي شأن هذا الأدب حتى جعله هو المروءة، فقال لما سئل عن المروءة: أن لا تعمل في السر ما تستحي منه في العلانية.
وعمل القبيح في السر يدل على أن تجنبه في العلانية تصنّع ورياء. والمروءة أن يجتنب الرجل القبائح لقبحها، ووخامة عاقبتها.
وإذا وجد في الناس من فيه استعداد لأن يعاشر من يحملون له في أنفسهم عداء واستهانة بشأنه، ولا يبالي أن يلاقيهم صباحاً ومساء لغير ضرورة، فإن صاحب المروءة يستطيع أن يلاقي الناس بطلاقة وجه، ولسان رطب، غير باحث عما تكنّه صدورهم من مودة أو بغضاء، ولكنه لا يستطيع أن يرافق ويعاشر إلا ودوداً مخلصاً.
وعِشْ إمّا قَرينَ أخٍ وَفِىٍّ ... أمينَ الغَيْبِ أوْ عَيْشَ الوِحادِ
ويطلق خفيف الوزن لسانه في أعراض الناس يلتقط معايبهم، أو يختلق
__________
(1) الخليقة: الطبيعة التي يخلق المرء بها.
(5/ 1/12)

لهم معايب، متخيلاً أنه يحظى باسم المروءة من إلصاق العيب بغيره، والعرب تقول: "فلان يتمرَّأ بنا"؛ أي: يطلب المروءة بنقصنا وعيبنا.
أما صاحب المروءة الصادقة، فيبخل بوقته عن هذه الطريقة الحقيرة، ولا يرضى إلا أن يشغله بما تتقاضاه المروءة من حقوق.
قال رجل لخالد بن صفوان: كان عبدة بن الطيب لا يحسن يهجو، فقال له: لا تقل ذلك، فوالله! ما تركه من عِيّ، ولكنه كان يترفع عن الهجاء، ويراهُ ضَعَة، كما يرى تركه مروءة وشرفاً، وأنشد قول أبي الهيذام:
وأجْرَأُ مَنْ رأيتُ بظَهْرِ غَيْبٍ ... على عَيْبِ الرّجالِ ذوُو العُيوبِ
وربما اضطر ذو المروءة أن يدافع شر خصومه الكاشحين بذكر شيء من سقطاتهم، ولكن المروءة تأبى له أن يختلق لهم عيباً يقذفهم به وهم برآء؛ فإن الإخبار بغير الواقع يقوِّضُ صرح المروءة، ولا يبقي لها عيناً ولا أثراً.
قال الأحنف: لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل.
ويتصل بهذا الأدب: أن المروءة تحفظ لسان صاحبها أن يلفظ مثلما يلفظ أهل الخلاعة من سفه القول:
وحَذارِ مِنْ سَفَهٍ يَشينُكَ وصْفُهُ ... إنَّ السَّفاهَ بِذي المروءةِ زَاري
ومن الاحتفاظ بالمروءة: أن يتجنب الرجل تكليف زائريه، ولو بعمل خفيف؛ كان يكون بالقرب من الزائر كتابٌ، فيطلب منه مناولته إياه، أو يكون بجانبه الزر الكهربائي، فيشير إليه بالضغط عليه لإنارة المنزل، أو استدعاء الخادم.
قال عمر بن عبد العزيز: "ليس من المروءة استخدام الضيف".
والمروءة تنادي صاحبها أن يسود في مجلسه الجد والحكمة، وأن لا يلم
(5/ 1/13)

في حديثه بالمزاح إلا إلماماً مؤنساً في أحوال نادرة.
قال الأحنف بن قيس: "كثرة المزاح تُذهب المروءة"، ووجه ذلك: أن الذي يسرف في المزاح يكثر منه الوقوع في لغوالحديث، ولا يخلو من أن تصدر منه كلمات تؤذي بعض جلسائه، وكمال الإنسانية لا يلتقي بلغو الحديث، أو إيذاء بعض الإخوان في مجلس.
ومن أدب المروءة: حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه من الإخوان؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه، وجاء في الحديث الشريف: "من المروءة أن ينصت الأخ لأخيه إذا حدَّثه".
وإلى هذا الأدب الجميل يشير أبو تمام بقوله:
مَنْ لي بإنْسانٍ إذا أَغْضَبْتُهُ ... ورَضيتُ كانَ الحِلْمُ رَدَّ جوابِهِ
وتَراهُ يُصْغي للحديثِ بِقَلْبِهِ ... وَبِسَمْعِهِ ولعلَّهُ أَدْرى بِهِ
وشأن ذي المروءة أن يحتمل ضيق العيش، ولا يبذل ماء حياته وكرامته في السعي لما يجعل عيشه في سعة، أو يديه في ثراء، قال مهيار:
ونَفْسٌ حرَّةٌ لا يزْدَهيها ... حُلى الدُّنيا وزخرُفُها المُعارُ
يَبيتُ الحَقُّ أصدَقَ حاجَتَيْها ... وكَسْبُ العِزِّ أطْيَبُ ما يُمارُ
وذو المروءة لا يظهر الشكوى من حوادث الدهر إلا أن يتقاضى حقاً:
لا يفرحونَ إذا ما الدهرُ طاوَعَهُمْ ... يوماً بِيُسْرٍ ولا يشكون إن نُكِبُوا
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في عمر بن عثمان بن عفان:
فَتىً غَيْرُ محجوبِ الغِنى عن صديقِهِ ... ولا مظهر الشكوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
(5/ 1/14)

ويعد في مروءة الرجل: أن يكون حافظاً لما يؤتمن عليه من أسرار.
قال المتنبي من أبيات جعلها خطاباً لمن أودعه سراً، وخشي من إذاعته:
كَفَتْكَ المروءةُ ما تَتَّقي ... وأمَّنَكَ الوِدُّ ما تَحْذَرُ
يريد: أنه ذو مروءة، وذو المروءة لا يفشي سراً ائتمن عليه.
وذو المروءة يحذر أن يؤذي شخصاً، وأشد ما يحذر أن يؤذي ذا مروءة مثله:
وأستحي المروءةَ أنْ تَراني ... قتَلْتُ مُناسبي جَلَداً وقَهْرا
* في المروءة راحة ولذة:
إذا كانت المروءة تقتضي الإعراض عن كثير من اللذات، فإن في المروءة نفسها لذة تفوق كل نعيم في هذه الحياة، وإذا كان في حفظ المروءة ملاقاة كثير من المشاقّ، فإن راحة الضمير التي يجدها الرجل عندما يبلغ في المروءة غاية سامية تنسبه كل مشقة، ولا يبقى معها للتعب باقية.
قال المتنبي:
تَلَذُّ له المروءةُ وهي تُؤْذي ... ومَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ له الغرامُ
ولذة المروءة في شعور النفس ببلوغها كمال الرجولية، أو قربها منها، وإذايتها لصاحبها بما أشرنا إليه من أن للمروعة تكاليف باهظة لا ينهض بها إلا ذو صبر متين، حتى قال أبو عبد الله الكاتب: "الصبر على حقوق المروءة أشد من الصبر على ألم الحاجة".
* ذو المروءة حقيق بالإجلال:
إذا نظرنا في تفاصيل الأخلاق والآداب التي تقوم المروءة على رعايتها،
(5/ 1/15)

وجدناها تبعث على إجلال صاحبها، وامتلاء الأعين بمهابته.
ومن الحكم السائرة: "ذو المروءة يُكرم وإن كان معدماً، كالأسد يُهاب وإن كان رابضاً، ومن لا مروءة له، يُهان وإن كان موسراً؛ كالكلب يُهان وإن طُوِّق وحُلِّي بالذهب".
* الغرض من هذا الحديث:
قد رأينا كيف انتظمت المروءة أخلاقاً سنية، وآداباً مضيئة، وعرفنا أن رسوخ هذه الأخلاق والآداب في النفس يحتاج إلى صبر ومجاهدة، ودقة ملاحظة، وسلامة ذوق، فحقيق بنا أن نربي أبناءنا على رعايتها منذ عهد التمييز، حتى لا تسبق إليهم أخلاق غير نقية، وعادات غير رضية، فتحول بينهم وبين الفضائل، فلا تجد المروءة إلى نفوسهم مدخلاً.
إذا المرءُ أَعْيَتْهُ المروءةُ ناشئاً ... فَمَطْلَبُها كَهْلاً عليه عَسِيرُ
نربّي أبناءنا على ما يثبت قواعد المروءة، ويرفع بنائها؛ ليحمدوا أبوتنا، ويكونوا قرَّة أعينٍ لنا، وأسوةً حسنة لأحفادنا، وزينةً لأوطاننا، وليفوزوا بالعزة في الدنيا، والسعادة في الآخرة.
(5/ 1/16)

الإلحاد أسبابه، طبائعه، مفاسده، أسباب ظهوره، علاجه (1)
في الناس من يضع إلحاده على طرف لسانه، أو على ظاهر يده، فيريك ما في صدره، وهذا قد جعلك في حِلٍّ من أن تسميه ملحداً، ولم يحوجك إلى أن تنبه الناس لضلاله، أو تنصحَ لهم بالاحتراس من أقواله، إلا أن تعمد إلى ما يطعن به في الدين، فتكشف عن وجوه فساده، وتدفعه بالحجّة.
وفي الناس من يحمل في نفسه إلحاداً في الدين، ويُغضاً للشريعة، وإذا جلس إلى المؤمنين، حاول أن يضع بينهم وبين ما في نفسه حجاباً مستوراً، وإنما ينطلق بآرائه الزائغة حين يخلو بنفوس تَلَذُّ ما تَلَذُّ نفسُه من الطعن في وجود الإله الحق، أو في صدق النبوة وحكمة التشريع.
* أسباب الإلحاد:
للإلحاد مهيئات:
منها: أن ينشأ الشخص في بيت خالٍ من آداب الإسلام، ومبادئ هدايته، فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته - من نحو والد أو أم أو أخ - استقامة، ولا يتلقى عنه ما يطبعه على حب الدين، ويجعله على بصيرة من حكمته، فأقلُّ شُبه تَمَسُّ ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضلال.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الحادي عشر، الصادر في شهر شعبان 1357.
(5/ 1/17)

ومن أسباب الإلحاد: أن يتصل الفتى الضعيف النفس بملحد يكون أقوى منه نفساً، وأبرع لساناً، فيأخذه ببراعته إلى سوء العقيدة، ويفسد عليه أمر دينه، ومن هنا نرى الآباء - الذين يعنون بتربية أبنائهم تربية الناصح الأمين - يحولون بينهم وبين مخالطة فاسدي العقيدة، يخشون أن تسري إليهم العدوى من تلك النفوس الخبيثة، فتخبث عقائدهم وأخلاقهم.
ومن أسباب الإلحاد: أن يقرأ الناشئ مؤلفات الملحدين، وقد دسوا فيها سموماً من الشُبه تحت ألفاظ منمقة، فتضعف نفسه أمام هذه الألفاظ المنمقة، والشُّبه المبهرجة، فلا يلبث أن يدخل في زمرة الملاحدة الألداء. ومن أسباب الألحاد: أن تغلب الشهوات على نفس الرجل، فتريه أن المصلحة في إباحتها، وأن تحريم الشارع لها خالٍ من كل حكمة، فيخرج من هذا الباب إلى إباحية وجحود.
* طبائع الإلحاد:
ساقتني صروف الليالي إلى ملاقاة طائفة من الملاحدة في تونس، وفي الآستانة، وفي الشام، وفي ألمانيا، وفي مصر، فرأيت هذه الطوائف تتشابه في أمور يبعد أن يكون تواردهم عليها من قبيل المصادفة، وإنما هي طباخ لما تواطأت عليه قلوبهم من جحود لآيات الله، وإنكار لدينه الحنيف، وهأنذا أتحدث عن شيء من هذه الطباخ التي لا تجتمع في شخص إلا أن يكون قلبه مصاباً بعلة الجحود.
* فرحهم بتهمة عالم كبير بالإلحاد:
يفرح الملحدون بإشاعة الإلحاد عن بعض العلماء المفكرين، والمثير لهذا الفرح: حرصهم على أن لا ينسب إلى الدين من ظهرت له أثارة
(5/ 1/18)

من علم أو فكر.
* استهزاؤهم بالدين:
يستهزئون في مجالسهم بالدين، وربما رشحت ألسنتهم بهذا العبث في حضرة بعض المؤمنين؛ بزعم أنهم مازحون غير جادّين، كذلك كانت مجالس الزنادقة في القديم؛ أمثال: مطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحمَّاد عجرد، وأصحابهم، وهكذا حال ملاحدة هذا العصر.
* انهماكهم في الفسوق:
ولا ينتظر ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر أن يترك شيئاً من شهواته إلا أن يخشى الناس، والتاريخ يحدثنا عمن كانوا يتهمون بالزندقة، فيرينا كيف كانت مجالسهم قائمة على شرب الخمور وما يتبعها من الخبائث، وكذلك كانت مجالس أولئك النفر المعروفين بالإلحاد في عهد الدولة العباسية.
قال بعض الرواة: إن حمّاد عجرد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد نزلوا بالقرب منّا، فكانوا لا يُطاقون خبثاً ومجانة، وهكذا حال ملاحدة هذا العصر إذا خلوا في مجلس؛ فإنهم يرتكبون ما تترفع عنه مجالس الفضلاء، ومن تظاهر منهم بالرزانة وحسن السمت، فبمقدار، وإلى وقت.
* تناقضهم في الأقوال:
أشد النفوس طوعاً إلى الأهواء نفس لا تثق بأن لهذا العالَم مبدعاً حكيماً، أو لا تثق بأن وراء هذه الحياة دار جزاء، والنفوس المنقادة إلى الأهواء، قد تألف الشيء في وقت، وتنفر منه في وقت آخر، فتمدحه مرة، وتذمه أخرى، وقد تستقبح الأمر، وتستحسن ما يضاهيه من كل وجه، وربما استقبحت الشيء، واستحسنت ما هو أقبح وأشد مفسدة منه.
(5/ 1/19)

وانظروا ما يكتبه بعض الملاحدة في الاجتماع أو السياسة، تجدوه متخاذلاً يلعن بعضه بعضاً.
* إنكارهم المعجزات الكونية:
يرى الملاحدة أن المعجزة أساس للنبوة والرسالة، فيتوجهون إلى هدم هذا الأساس، فينكرونه، ويلقون حوله الشبه، ويقولون: إن حكمة الدعوة كافية في الدلالة على نبوة صاحبها.
وقد قال هذا البهائية، والقاديانية، وأشخاص في قلوبهم مرض.
وتراهم يعمدون إلى ما قصه القرآن الكريم من معجزات الأنبياء، فيخرجونه بالتأويل غير المعقول إلى معان مصنوعة، مثال ذلك: القادياني الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية، فإنه لا يمر بآية فيها معجزة صريحة إلا كتب معلقاً عليها هذياناً يخرجها من وجه دلالتها العربية.
وتبعه على ذلك أحد الجاهلين الضالين في أوراق سماها: تفسيراً، ومن قرأ هذه الأوراق، رآها بالغة الغاية في الزندقة.
* دسُّهم في الشريعة ما ينافي حكمتها:
يعمل الملاحدة لتنفير النفوس من الدين. ومن الطرق التي يسلكونها للتنفير: إلصاقهم بالدين أشياء لا تطابق الحكمة، وقد وضع الزنادقة أحاديث كئيرة نسبوها إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، كما وضعوا حديث "الباذنجان لما أُكل له".
وقد كشف علماء الحديث عن الأحاديث الموضوعة، وبيّنوها للناس، ومن جملتها هذه الأحاديث التي وضعها الزنادقة.
* إنكارهم العمل بالحديث:
لا يزال السلف الصالح من الصحابة والتابعين يجعلون الأحاديث أصلاً
(5/ 1/20)

من أصول الدين، يقفون عندها إذا وجدوها، ولا يتجاوزونها، حتى أخذت الزندقة تعبث من وراء ستار، فكان من مكايدها: أن أجرت على ألسنة شياطينها: أن مأخذ الدين هو القرآن وحده، وأن السنّة لا تستقل بإنشاء الأحكام، يقولون هذا؛ ليسقطوا جانباً كبيراً من أحكام الإسلام.
* تأويلهم القرآن على حسب أهوائهم:
يعمل الملاحدة لطرح السنَّة من أصول الدين، ثم يعمدون إلى القرآن المجيد، فيحرفون الآيات الحكيمة عن معانيها، ويفسرونها كما يشتهون؛ ليتم لهم بهذا التأويل تعطيل أوامر الدين ونواهيه، وذلك ما فعله الباطنية من قبل، وجرى فيه على آثارهم باطنية أهل هذا العصر؛ مثل: البهائية، والقاديانية، وأشخاص يطوون صدورهم على جحود غير قليل.
* صداقتهم للمجاهرين بالجحود:
من يشرح الله صدره للإيمان، لا ترتاح نفسه لصحبة الجاحدين، ولا يجد ودادهم إلى داخل نفسه سبيلاً، وقد يضطر المؤمن أن يلاقيهم ويشاركهم في بعض الأمور الحيوية أو الاجتماعية، فليكن اتصاله بهم على قدر الضرورة.
فإن رأيتَ شخصاً يصاحب جاحداً بآيات الله، وأحسست من لحن خطابه أن الصداقة بينهما محكمة، سبق إلى ذهنك أن منشأ هذه الصداقة التشابه في زيغ العقيدة {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22].
* إلحاحُهم في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين:
غاية الملحد أن يطعن في الدين، ويصد عن سبيله بقلمه أو لسانه، وقد
(5/ 1/21)

يرى أن الحال لا يسعه لأن يطعن في الدين، أو يصد عنه في علانية، فتجده يحتال لأن يذهب إلى غرضه من طريق البحث وإبداء الرأي، فيبالغ في الدعوة إلى حرية الرأي في الدين؛ ليكون مطلق العنان، يقول ويكتب ما يشاء من آراء يقوض بها صرح الدين من أساسه.
يدعون إلى حرية الرأي في الدين؛ لتجد دعوتهم المعادية للدين سعة، ومن ملك من هؤلاء قوة، استعملها في اضطهاد رجال الدين المستقيمين، وسدَّ باب الحرية في وجوههم، فإن لم يفعل ذلك على طريقة مكشوفة، فعله من طرق ملتوية.
* بَسْطُ ألسنتهم في رجال الدين:
من طبائع الملحدين الحطُّ من شأن علماء الدين المستقيمين؛ باعتقاد أن هدم من يتمثل فيهم الدين القويم هدم للدين نفسه، فإذا بلغوا أن جعلوا الناس يزدرون برجال الدين، ويصرفون أسماعهم عما يدعونهم إليه من حق، فقد بلغوا أمنيتهم من تعطيل أوامر الدين، وإهمال آدابه، وإطفاء نور حكمته.
* دعوتهم إلى الإلحاد:
في الملاحدة من يعجز أن يكون داعية إلى الإلحاد، فيكتفي بأن يطلق لنفسه العنان في الإباحية، ومنهم من يدفعه بغض الدين إلى أن يعمل بلسانه أو بقلمه لهدم أصوله، والصدّ عن سبيله، ولهؤلاء طرق يأتمرون لتدبيرها، وهي شبيهة بطريق إخوانهم الباطنية، وذلك أنهم يبتدئون من يريدون إغواعه بعرض شيء من الشبه في صورة السائل، أو الحائر في دفعها، ثم ينظرون إليه ماذا يكون حاله من الاستخفاف بتلك الشبه، أو التأثر بها، فإن رأوه قد ضعف أمام هذه الشبه، أكثروا من إلقاء أمثالها عليه حتى يقع في حيرة، ويستبينوا منه
(5/ 1/22)

أن إيمانه قد تزلزل، وعند ذلك يوحون إليه بما شاؤوا من الغمز في الدين، حتى يجردوه من عقيدة الحق، ويتخذوه عضواً في مجامعهم.
* مفاسد الإلحاد الاجتماعية:
عرفنا أن من طباع الإلحاد: اتباع الشهوات، والانطلاق في الإباحية، فالملحد لا يحافظ على عِرْضِ أحد، ولا على ماله، ولا على حرمه، إلا أن يعجز عن الوصول إلى شيء من ذلك، ومتى ساعدته الفرصة، وظن أنه بمأمن من العقوبة، عاث في الأعراض والأموال غير متحرج من انتهاك حرماتها، وقد يقع انتهاك الأعراض ونحوها من غير الملحد بدافع الشهوة، أما الملحد، فإنه يأتيها مستبيحاً لها، وضرر الطائفة التي ترتكب الفسوق مستبيحة له أشد من ضرر من يفعله معتقداً أنه يأتي أمراً محرماً.
ولنتخيَّل أمة مؤلفة من الملاحدة، أو كانت الأغلبية فيها للملاحدة، وننظر كيف تكون سيرتها، وماذا تكون عاقبتها في هذه الحياة؟.
لا شك أنها تسير في غير طريق، وتكون عاقبتها السقوط إلى الحضيض؛ إذ أن الملاحدة يبيحون موبقة الزنى وما يضاهيها من الفواحش، ويبيحون الخمور، ولا يتحرجون أن يضموا إليهم أموال غيرهم بغير حق، وإذا وجدت في أهل الدين من لا يفعل فاحشة، أو لا يعتدي على حق، ولو أمن من أن يطلع عليه مخلوق، فإن الملحد لا يكف نفسه عن الهوى، إلا أن يخاف ألماً يأتيه من الناس أكبر من ذلك الهوى.
وإذا وجدت في زائغي العقيدة من يتحدث عن الأخلاق، ويوهم الناس أن الأخلاق تكفي في استقامة السيرة والاحتفاظ بالعفاف، فإن ذلك كله رياء ونفاق. نَعَمْ، للأخلاق أثر في تقليل الشر، ولكنها لا تأتي بأثر عظيم في
(5/ 1/23)

انتظام حال الاجتماع، إلا حينما تسير تحت مراقبة عقيدة دينية ثابتة.
* أسباب ظهور الإلحاد:
لا سعادة للأمة إلا بالوحدة، ولا وحدة للأمة إلا أن تكون سليمة العقيدة، سنية الأخلاق والآداب، فمن الحكمة: أن يراعى الإسلام هذه الوحدة التي هي وسيلة، ويأخذ في المحافظة عليها بالتي هي أحزم، فكان من أحكامه: منع الناس من أن يركبوا الطيش، ويعلنوا إلحادهم تحت رايته، فلم يكن الملاحدة قبل اليوم يعلنون إلحادهم، وما كانوا يدعون إليه إلا من وراء ستار، فكان الإلحاد في العصور الماضية لا يتجاوز نفراً قليلاً يعرفهم الناس في لحن أقوالهم، وبانهماكهم في الفجور، وقضاء أوقاتهم في المجون.
أما اليوم، فقد ظهر الإلحاد، ورفع رأسه، وتجاوز المجالس الخاصة إلى الصحف والمؤلفات، ولهذا - فيما أرى - أربعة أسباب:
أحدها: أن بعض الحكومات صارت تضع قوانينها الدستورية في عبارات لا يرى فيها الملحد قيداً يكفه عن إعلان إلحاده، أو الدعوة إليه كما يشاء.
ثانيها: أن كثيراً من المنتمين إلى علوم الشريعة، فرَّطوا في جانب الغيرة على الحق، فتراهم يوادّون من يصفهم الناس بالإلحاد، ويتملقونهم بالإطراء، ويشهدون لهم بالإخلاص للدين، يفعلون هذا رجاء متاع الحياة الدنيا، وهم يعلمون أنهم إنما يمدحون طائفة تفسد على الأمة أمر دينها وأخلاقها.
ثالثها: أن بعض الحكومات الإسلامية ترفع إلى مناصبها العالية من لم يتلقوا من علوم الدين ما يميزون به المفسد من المصلح، فيجد الجاحدون لديهم حظوة، ولو مع إعلانهم الإلحاد، وجراءتهم على الطعن في الشريعة الغراء، وإقبال كبراء الدولة على الملحد وتمكينه من المناصب التي يتخذها
(5/ 1/24)

وسيلة لنفث سموم إلحاده، قد يكون مشجعاً لغيره من زائغي العقيدة على أن يجهروا بزيغهم، ويدعوا إليه وهم آمنون.
رابعها: أن بعض الملاحدة دخلوا في الحركات الوطنية، وتظاهروا بالغيرة على الوطن، فانخدع بهم الناس حتى خلعوا عليهم بلقب الزعامة، فأخذ هؤلاء الزعماء الملاحدة يعملون لنشر الإلحاد بين من يتصل بهم من الشبان.
* كيف يعالج الإلحاد؟
متى قيَّضَ الله للحكومات الإسلامية رجالاً يقدّرون فضل الدين في إصلاح حال الأفراد والجماعات، وفضله في إخراج رجال يطمحون إلى العزة، ويقتحمون كل ما يعترضهم في سبيلها من عقبات، وفضله في بسط الأمن في البلاد، متى قدر أولو الأمر فضل الدين، ومتى تضافر علماء الشريعة على الدعوة إلى الحق بحكمة، وعلى مكافحة الزائغين بالحجة، طهرت الأمة من خبث الإلحاد، وبلغت أقصى غايات المجد والفلاح.
(5/ 1/25)

في مفاسد البغاء (1)
في البغاء فساد كبير، وشر مستطير: يفتك بالفضيلة، يدنس الأعراض، يعكر صفو الأمن، يفصم رابطة الوفاق، يبعث الأمراض القاتلة في الأجسام، وأي حياة لجماعة تضيع أخلاقها، وتتسخ أعراضها، ويختل أمنها، وتدب البغضاء في نفوسها، وتنهك العلل أجسامها؟!.
أما فتكه بالفضيلة، فإنه يقتلع الحياء من منابته، فلا يبقي في نفس صاحبه ذرة من الحياء، ويلبس وجهه رقعة من الصفاقة، ومن لم يستح، هان عليه ارتكاب ما لا يليق بالإنسانية أن ترتكبه.
ومن يرتكب فاحشة الزنى، ينادي على نفسه بأنه محروم من أدب سام أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه". ذلك أن كل إنسان يحب لمن تنتمي إليه من بنت أو أخت أو زوجة العفاف، ويجاهد في صيانتهن إلى آخر نفس من حياته، ومن ثمرات إيمانك الصادق، وخلقك المهذب: أن تحب لمحارم غيرك من العفاف والطهارة ما تحب لمحارمك.
ومما يغلب على الزاني: أن تكون غيرته على محارمه ضعيفة جداً،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس والسابع من المجلد السابع الصادران في عدد واحد عن شهري ذي الحجة 1353 والمحرم 1354 ه.
(5/ 1/26)

أو مفقودة، وشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانباً من مهابتهن له، ويسهل عليهن بذل أعراضهن إن لم يكن ثوب عفافهن منسوجاً من تربية دينية صادقة، وهذا بخلاف حال من ينكر موبقة الزنى في ذاتها، ويستهجنها إلى حد أن يتجنبها بنفسه، ثم لا يرضاها لغيره، ولا سيما ممن ينتمون إليه بنسب أو صهرة فإن هذه السيرة تكسبه مهابة في قلويهن، وتساعد على أن يكون بيته بيت طهر وصيانة. ومصداق هذه النظرية الأثر المشهور: "عفّوا، تعفّ نساؤكم".
ولا أرى الذين يذهبون إلى إبقاء بيوت الدعارة مفتوحة في البلاد إلا نفراً يخونون أوطانهم بعد أن خانوا الفضيلة، وما بيت الدعارة إلا ماوى نفوس أُشربت حب الشهوات الممقوتة، واستغلظت فيها الأخلاق الدنيئة. والوطنية الصادقة: أن تحرص على أن يكون وطنك طاهر الموارد، طيب السمعة، فإن رضيت عن تلك البيوت القذرة، وحاربت من يسعى لتطهير وطنك منها، فقد خنت الفضيلة، وكنت في دعوى إخلاصك للوطن مفترياً أثيماً.
وأما تدنيسه الأعراض، فإنه يذهب بكرامة الفتاة، ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها، غير أن أنصباءهم من هذا العار على قدر قرابتهم منها، وكثيراً ما يدع الرجل الفاضل الاقتران بفتاة لا بأس عليها سوى أن الألسنة قذفت بعض من نبت في منبتها.
وينبني على ما يجرّه البغاء إلى أقارب المرأة من الخزي والمهانة: أن تثور بينهم وبين الزاني وأسرته العداوة، فيهيجوا إلى الانتقام منه، وقد تبلغ الفتنة إلى القتل، وذلك مَثَلٌ من مُثُلِ إخلاله بالأمن، وفصمه لرابطة الوفاق.
وأما ضرره العائد إلى الصحة، فقد قرر كثير من الأطباء أن الزنى منشأ
(5/ 1/27)

أمراض يعسر علاجها، وناع تفصيل هذا الضرر إلى طبيب ماهر في صناعته صادق في شهادته، مخلص لدينه ووطنه.
ومن مفاسد البغاء: أن أصحابه يُلقون نطَفَهم في حرام، فيتولد منها مخلوقات ربما اعتدي عليها بالقتل وهي أجنّة، أو قريبة عهد بالوضع؛ خشية الفضيحة، فتستتبع فاحشة الزنى جناية قتل النفس بغير حق، وإن سلم ولد الزنى من القتل، عاش محتقر الجانب، مقطوع النسب، فلا يجد ما يجده أبناء النكاح من عطف أولي القربى، والسلامة من القذف بأقبح الألقاب.
ولما يحتوي عليه الزنى من المفاسد الكبيرة، حذَّر الدين الحنيف من القرب منه، وسلك في التحذير منه طرقا حكيمة، فحزَم أموراً شأنها أن تكون ذريعة إليه؛ كالاختلاء بالأجنبية، أو النظر إليها نظر شهوة، ووضع له عقوبة رادعة في الدنيا، وتوعَّدَ فاعله بعذاب الهون في الأخرى.
فمن كان صادق الإيمان، فهذا الدين يحرِّمُ الزنى تحريماً مغلظاً.
ومن كان من عشاق الفضيلة، فالزنى فاحشة تتمثل فيها الرذيلة من رأسها إلى عقبها.
ومن كان حريصاً على إعلاء شأن قومه، فالزنى ينقلب بالأمم إلى وراء.
ومن كان يحزن لحرمان أمته من نعمة الصحة، فالزنى يبعث فيها أمراضاً يتعذر على الأطباء علاجها.
ونحن ننصح لمن يملكون إلغاء البغاء بقوة، أن يصرفوا أنظارهم عن تقليد الشعوب الغارقة في أرجاسه، وإن كانت ذات قوة مادية وبسطة في الاستعمار، ويجيبوا داعي الفضيلة، ونظم الإصلاح المعقولة، وُيرضوا أمة تعرف أن دين حكومتها الرسمي هو الإسلام.
(5/ 1/28)

كلمة في المسكرات (1)
يُفضَّل الإنسان على سائر الحيوان بمزية العقل، وتفاضل الناس في مراقي الكمال على قدر تفاوتهم في هذه المزية، وكل شيء يضعف القوة العاقلة، أو يعوقها عما خلقت له من تدبر الآيات، واستكشاف الحقائق، فهو عدو الإنسانية، تجب مدافعته بقدر المستطاع، وتجنبه الليل والنهار.
فالنوم يعطِّل هذه القوة، ويلحق الإنسان بالخشب المسندة، وهو أمر غالب ما له من مرد، ولكن أولي الحكمة لا يخضعون لسلطانه إلا حيث يغلب على أمرهم، ولا يعطونه من الوقت إلا أقل ما تفرضه عليهم البشرية، يبتغون بذلك أن تبقى عقولهم في حركات تثمر علماً نافعاً، أو عملاً صالحاً.
إذا ما مضى يَوْمٌ ولَمْ أصْطَنِعْ يَداً ... ولَمْ أَكْتَسِبْ عِلْماً فما ذاكَ مِنْ عُمْري
وإذا كان من حزم الرجل وحكمته أن يغالب النوم، ولا يأخذ منه إلا بمقدار الحاجة؛ حرصاً على وقته، وتوفيراً لثمرات فكره، فإن الخمر يأتي إلى تلك القوة التي هي أكبر مزية للإنسان، فيعبث بها عبث الريح العاصفة بالغصون الناعمة، ولا تسأل عما ينشأ عن هذا العبث من فساد.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد السابع الصادر في شهر ذي القعدة 1353 ه.
(5/ 1/29)

للفساد الذي ينشأ من تناول المسكرات ضروب متفرقة، وألوان مختلفة؛ لا يسع المقام تفصيلها، فأكتفي بوصف جانب منها، وفيه كفاية لمن يبغي حياة طيبة في الدنيا، وسعادة وحياة خالصة في الأخرى.
تذهب المسكرات بعقل من يتناولها، ولو أنه يبقى كالجماد لا ينطق ولا يتحرك، لكان البلاء مقصوراً عليه، ولكن السفاهة تخلف التعقل، والحماقة تظهر في مكان الكياسة، فلا تسمع إلا أقوالاً لاغية أو منكرة، ولا ترى إلا حركات مزرية به، أو مسيئة إلى من يقرب منه.
قيل لعدي بن حاتم: ما لك لا تشرب الخمر؟ قال: معاذ الله أن أصبح حليم قومي، وأمسي سفيههم!.
تجيء السفاهة في القول من جهة أن الخمر تعطل القوة العاقلة، وتترك الخيال يلقي على الألسنة ما شاء، وشأن الخيال الذي لا يعمل تحت سلطان العقل أن يصور المعاني في غير انتظام، ويمليها على اللسان كما صوّرها، فإذا هي أقوال تلبس صاحبها ثوب المهانة، أو تضعه موضع من يسخر به، أو يثير عليه غضباً.
دعا بعض الأمراء نُصيب بن رباح إلى تناول الخمر، فقال نصيب: أصلح الله الأمير! الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليه بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرق بينهما، فافعل!.
ويكفي متعاطي الخمور من الحقارة، أن يضرب به المثل عندما يتكلم أحد بما يشبه الهذيان.
وتجيء السفاهة في الحركات، من جهة أن الخمر تعزل العقل إلى جانب،
(5/ 1/30)

وتبقي النفوس تحت تصرف الخيال، فتنبعث إرادتها عن غير تعقل، وتصدر أفعالها في غير حكمة.
ومن المعروف في المسكر: أنه يحسِّنُ القبيح، ويقبِّح الحسن، قال أحد الشعراء المبتلين به:
إسْقِني حتّى ترَاني ... حَسَناً عندي القَبِيح
فقولوا لمتعاطي المسكرات، إذا طمع من الناس أن يلاقوه باحترام: إن من يعلم أن تلك حالات تخرج بها عن الإنسانية إلى حيوانية تصير بها هزأة، أو حيوانية تنفث سمها في غير عدو، لا تراك عينه إلا ازدرتك، ولا خطرتَ على قلبه إلا احتقرَك.
ومن مفاسد المسكرات: أنها تندفع بالشهوات إلى الفسوق، وهل في إمكانك أن تجد مولعاً بالخمور يحفظ فرجه عن موبقة الزنا، أو ما يشبه الزنا؟.
سقى قوم أعرابية شراباً مسكراً، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: فما يدري أحدكم من أبوه.
وقد عرفتَ أنّ السكران يقول ما يثير غضب نديمه، أو من يلقاه في طريقه، وأنت تعلم ما وراء ثورة الغضب من سوء، وعرفتَ أن السكران قد ينقلب إلى حيوانية متحفزة للشر، فلا يبالي أن يبسط يده للاعتداء على الأنفس، فيصيب ضعيفاً، أو يصيبه قوي، وكم من مشاجرات تعالت فيها أصوات، وأُصيبت فيها جسوم، وما هي إلا أثر من آثار تعاطي المسكرات!.
ولا تزال المسكرات تنقص من عقل المولع بها شيئاً فشيئاً، حتى يقع في خبال، أو ما يقرب من الخبال، ودلّت التجارب على أن متعاطي المسكرات
(5/ 1/31)

يكون ضعيف الفكر، خفيف العقل، ولا يصل - ولو بعد صحوه - إلى ما يصل إليه أقرانه الأذكياء؛ من آراء سامية، ونتائج صادقة.
قيل لعثمان بن عفان - رضي الله عنه -: ما منعك أن تشرب الخمر في الجاهلية، ولا حرج عليك؟ قال: رأيتها تذهب بالعقل جملة، وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة.
ولا يليق بك أن تتخذ ممن يتعاطون المسكرات أصحاباً أو أعواناً تفضي إليهم بشيء من أسرار عملك؛ فإن الأسرار المودعة في النفوس إنما تحرسها العقول، وعقول المولعين بالمسكرات تفارقهم في كثير من الأحيان، فلا تلبث تلك الأسرار أن تخرج من أفواههم وهم لا يشعرون.
وفي المسكرات - فوق هذه المفاسد -: إنفاق المال في غير فائدة، بل إنفاقه فيما يعود بخسران.
وفيها: صرف القلوب عن القيام بكثير من حقائق الخالق - جلّ شأنه -، ولا يجتمع الولوع باحتساء أمِّ الخبائث، وتعظيم أمر الله في نفس واحدة.
(5/ 1/32)

الشجاعة (1)
لا تحوز الأمة مكانة يهابها خصومها، وتقرُّ بها عين حلفائها، إلا أن تكون عزيزة الجانب، صلبة القناة. وعزة الجانب وصلابة القناة لا ينزلان إلا حيث تكون قوة الجأش، والاستهانة بملاقاة المكاره، وذلك ما نسميه: شجاعة.
والشجاعة صنفان:
أحدهما: الإقدام على مواقع القتال، والثبات على مكافحة الأبطال، وهي الشجاعة الحربية.
وثانيهما: الإقدام على قول الحق، وإبداء النصيحة، ولو لذي جاه أو سلطان يكره أن يُؤْمر بمعروف، أو يُنْهى عن منكر، وهذا ما نسمّيه: شجاعة أدبية.
ولما كان الإسلام ديناً وسياسة، وكان من مقاصده العالية: إقامة دولة تسير بالناس على ما أمر الله، عني بتربية النفوس على كلتا الشجاعتين.
فبالشجاعة الحربية تحمى الأوطان من مهاجمة الأعداء، ويسود الأمن في البلاد.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد السابع الصادر في شهر شعبان 1353 ه.
(5/ 1/33)

ويالشجاعة الأدبية يكون الناس على بصيرة من الحق والباطل، والصواب والخطأ، فيقيمون الحق، ويرجعون إلى الصواب.
ومن الآيات الواردة في تربية الشجاعة الحربية قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
ذكَّر المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب، يلاقي خصومهم مثلها، فكأنه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم، وهم أشياع الباطل، أصبر على الآلام، وأثبت في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة ودعاة يرجون من نصر الله وجزيل مثوبته ما لا يرجوه أعداؤهم الغاوون المفسدون.
ربّى الإسلام بهذه الآية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق، أو الاحتفاظ بالكرامة، خيراً من ألف حياة يقضيها صاحبها في هون، أو في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحأ، وكان أولئك الذين ربّاهم الإسلام، وبثَّ فيهم روح البطولة، يتشوقون إلى الإقدام، وينطقون في هذا الشأن بحكمة بالغة.
انظروا إلى قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في وصيته لخالد بن الوليد: "احْرِصْ على الموتِ توهَبْ لك الحياة" يريد بهذا: حثّه على اقتحام مواقع القتال، والخوض في غمراتها خوضَ من ينشد الموت. والحياة العزيزة والفزع من الموت لا يلتقيان بأرض حتى يلتقي البصر والعمى في عين واحدة.
ومما ينظر إلى معنى حكمة الصديق: قول الحصين بن الحمام:
تأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحياةَ فلَمْ أَجِدْ ... لنفسي حياةً مِثْلَ أنْ أتقدَّما
(5/ 1/34)

ولا يُعَدُّ الاستخقاف بالموت شجاعة في كل حال، بل الشجاعة: رباطة الجأش، والثبات في سبيل الدفاع عن حق، أو كرامة، فالمنتحر لحرمانه من شهوة، أو لوقوعه في بلاء، لا يسمّى شجاعاً، بل هو جدير - كما قال أرسطو - بأن يسمى: جباناً، بل أقول: إن انتحاره نشأ من ناحية استعظام فوات تلك الشهوة، أو حصول ذلك البلاء، حتى تخيله أشد ألماً من الموت. فالانتحار في الحقيقة أثرُ فَقْد الرجل لفضيلة الصبر على الشدائد، وما ينشأ عن فَقْدِ فضيلة لا يصح أن يسمى فضيلة أخرى.
وما زال الحكماء ينصحون الناس أن لا يقدموا على موقع خطر، إلا أن تكون فائدة الإقدام أكبر من خسارته، قال أبو الطيب المتنبي:
الرأيُ قبل شَجاعةِ الشُّجْعانِ ... هُوَ أوّلٌ وهي المَحَلُّ الثّاني
وإذا هُما اجْتَمعا لنَفْسٍ حُرَّةٍ ... حازَتْ من العَلْياءِ كُلَّ مكانِ
في الشباب شجاعة، وفي الشيوخ تجارب، فإذا صدرت شجاعة شباب الأمة عن آراء شيوخها الحكماء، فلا جَرَمَ أن يكون لها الموقف الحميد، والأثر المجيد.
يظهر أثر الشجاعة الأدبية في: إقامة شعائر الدين، وتقويم الأخلاق، وإصلاح السياسة، وانتظام المعاملات بين الناس.
فالشجاعة الأدبية هي التي تطلق لسان العالِم الأمين بوعظ جاهل غليظ القلب، أو مترف متشعب الأهواء، أو صاحب سلطان لا يحب الناصحين، يعظه ليؤدي طاعة يثقل عليه أداؤها، أو ليتعلق بفضيلة كان منقطعاً عنها، أو ليستقيم في سياسة انحرف عن رشدها، أو يعدل في قضايا جار في أحكامها، أو يحترم في معاملته حقوقاً أجحف بها.
(5/ 1/35)

والشجاعة الأدبية تدعو الرجل إلى أن يؤدي الشهادة على نحو ما علم، دون أن يهاب عند أدائها ذا جاه أو سطوة.
ولولا الشجاعة الأدبية يضعفها الله في قلوب كثير من الشهداء، لحرم كثيراً من الضعفاء حقوقاً يستولي عليها الأقوياء، ولا سبيل لخلاصها منهم غير القضاء العادل، قال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
ولا ينتظم العدل لقاضٍ، إلا أن تكون فيه شجاعة أدبية؛ إذ هي التي تساعده على أن يقضي للضعيف على القوي، كما فعل كثير من القضاة في قضايا كان المدعي فيها رجلاً من السوقة، والمدعى عليه أميراً، أو خليفة، فحكموا للسوقي على ذلك الأمير أو الخليفة، لا يخافون في الحق لومة اللائمين، أو عقوبة المستبدين.
ومما حدثنا به التاريخ: أن ابن بشير قاضي قرطبة نظر في قضية رفعها بعض التجار على الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقضى للتاجر على الخليفة، وذهب إلى الخليفة يخبره بالحكم، ويهدده بالاستقالة من القضاء إن لم يقرن الحكم بالتنفيذ، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
والشجاعة الأدبية تقف بالرجل في حدود ما يعلم، فيصدر فتواه في صراحة، لا يقول غير ما يعلم، ولا يرتكب طريق المواربة إرضاء لذي وجاهة أو سلطان.
يحدثنا التاريخ أن المأمون فتن الناس بمسألة: (خلق القرآن)، وأن الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - كان المثال الكامل للشجاعة الأدبية، فلم يجبن
(5/ 1/36)

كما جبن غيره أمام السلطان، ولم يسلك كما سلك غيره طريق الإبهام في الجواب، بل قال: إن القرآن كلام الله قديم، واحتمل في سبيل ذلك السجن والضرب بالسياط.
وفي القديم وقف بعض رجال الدين في بعض الفتاوى موقف الرهبة من السلطان، وجاروه على الباطل بعلة اتقاء عقابه، فتجافاهم الناس، حتى زهد بعض طلاب العلم في الأخذ عنه، كما ترك أبو زرعة وأحمد بن حنبل الرواية عن أحد كبار الشيوخ إذ أجاب في فتنة خلق القرآن إلى ما دعي إليه من أن القرآن مخلوق، واعتذر عندما عاتبه أهل العلم على ذلك بأنه قال ما قال اتقاء عقوبة بدنية لايحتملها.
وأكبر ما يقوي الشجاعة الأدبية في النفوس: تعظيم أمر الله تعالى، وشدة الثقة بما وعد به أنصار الحق من العزة في الدنيا، والسعادة في الأخرى. ومن قرأ التاريخ، وقف على أسماء رجال كثير لم ينالوا رفعة في حياتهم، وذكراً جميلاً بعد مماتهم، إلا لأنهم كانوا يجهرون بكلمة الحق في وجوه الوجهاء أو الرؤساء، لا يصدهم عن الجهر بها خوف من مكرهم، ولا طمع فيما بأيديهم.
(5/ 1/37)

المساواة في الإسلام (1)
يتفاضل الناس بحسب جودة أفكارهم، وصفاء بصائرهم، وسعة معارفهم، وسماحة أخلاقهم، وسمو هممهم، وصحة عزائمهم، وصلاح أعمالهم، وبلاغة أقوالهم، درجات، وقد تجري المعاملات بينهم على حسب تفاضلهم في هذه الخصال والشؤون، وليس على الناس من حرج من رعاية هذه المزايا، وربط صداقاتهم ومعاملتهم الخاصة بها.
أما المساواة بينهم التي يلهج بها أنصار الحرية، ويتوقف عليها انتظام السياسة، ويها يستتب الأمن في البلاد، فهي أن يكون الناس في عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفي التمتع بكل ما هو حق لهم، على سواء.
والسياسة لا تجري في مأمن إلا أن تكون قائمة على رعاية المساواة في التشريع والقضاء والتنفيذ، ومعنى هذا: أن يكون الناس في نظر واضع القانون، والقاضي به، والمنفذ له في منزلة واحدة.
أما المساواة في التشريع، فإن الشرع الإسلامي قد راعى في تقرير الحقوق المصالح العامة من غير نظر إلى أحوال الطوائف والطبقات، ومن هنا كانت الأحكام الواردة في صيغ خاصة محمولة على العموم؛ كالأحكام
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الأولى، الصادر في أول ذي القعدة 1366 ه - 16 سبتمبر 1947 م.
(5/ 1/38)

الواردة في خطاب الرجال تتعداهم إلى النساء، والأحكام الواردة في خطاب أشخاص بأعيانهم تتعداهم إلى سائر من هو أهل للتكليف، كما هو في علم أصول الفقه، فكل خطاب منه - صلى الله عليه وسلم - لواحد فيما يفتيه به، ويعلمه إياه، هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة (1).
وهناك نظم توضع لضبط الأعمال في نحو الدوائر الحكومية، والمؤسسات العلمية، أو الخيرية، وهذه هي التي قد يستخف فيها بقاعدة المساواة، ويراعى في وضعها منافع بعض الطوائف أو الأشخاص، فتجد غير المخلص فيما ألقي إليه من إدارة بعض الشؤون العامة، يتصرف في تلك النظم على حسب ما يوافق هواه، ويرضي أشياعه.
وأما المساواة في القضاء، فهي أن يتجه القاضي إلى القضية في نفسها قاصراً النظر على تفهم البيانات، وتعرف حكم الشارع الذي ينطبق عليها، دون أن يكون لشخصية المتخاصمين من أثر في مقطع الحكم؛ كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "وآسِ بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك".
لطم جبلة بن الأيهم رجلاً من بني فزارة وَطِئَ إزارَه وهو يطوف، فهشم أنفه، فاستعدى الفزاري عليه عمر بن الخطاب، فقال لجبلة: إِما أن ترضي الرجل، وإما أن أقتص له منك، فقال جبلة: كيف وهو من السوقة وأنا ملك؟! فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقى والعافية! ففَرَّ جبلة ليلاً، وعاد إلى نصرانيته.
سمعتُ بعض من يتحدث في السياسة ينقد فعل عمر هذا، ويَعُدُّهُ مخالفاً
__________
(1) كتاب "الأحكام" لابن حزم.
(5/ 1/39)

لما تقتضيه السياسة من تأليف رؤساء الأقوام للإسلام، فقلت: هذه نظرة عجلى، وإخلاص عمر للشرع الحكيم، وحرصه على تقرير الأمن في البلاد، هما اللذان أمليا عليه أن يحكم بما حكم، وأن يعزم على تنفيذ حكمه لو بقي جبلة تحت سطوته، وماذا يكون موقف عمر لو هدم قاعدة المساواة في هذه القضية، وكسر قلوب الضعفاء، وأيأسهم من أن يجدوا في عدله ناصراً على الأقوياء؟!.
وكذلك كانت سيرة القضاة العادلين؛ فقد حكم أبو يوسف ليهودي في قضية رفعها على الخليفة هارون الرشيد، وحكم ابن بشير قاضي قرطبة لتاجر خامل في قضية رفعها على الخليفة عبد الرحمن الناصر.
وأما المساواة في التنفيذ، فقد عني الإسلام برعايتها، ودلَّ على أن التعامي عنها من أسباب سقوط الأمم وهلاكها، ويكفي شاهداً على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - كما روي في الصحيح: "فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها" (1).
والواقع أن عدم المساواة في التنفيذ جناية على التشريع والقضاء؛ حيث يجعلهما عملاً بلا ثمر، وحبراً على ورق، وماذا ينفع تشريع أو قضاء لا نفاذ له؟.
قال عمر بن الخطاب في رسالة القضاء: "وإذا تبين لك الحق، فأنفذ؛ فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاذ له".
__________
(1) "صحيح مسلم ".
(5/ 1/40)

يتساوى الناس في التمتع بحقوقهم، ويتساوون فيما تقتضيه المصلحة العامة من أعمال، أو أداء أموال، فإذا اقتضى الحال محاربة عدو - مثلاً -، كان مناط الدعوة إليها من فيهم الكفاية لها، وإذا دعا الحال إلى الإنفاق في الذود عن الحوزة، أو إقامة منشآت عامة، كان مناط الدعوة إليه ذوي اليسار، فلا يعفى من الحرب أو الإنفاق وجيه لوجاهته، أو صديق لصداقته، أو قريب لقرابته.
ونحن نعلم أن عبد الله وعبيد الله ابني الخليفة عمر بن الخطاب كانا يخرجان في الجيوش التي توجه إلى الجهاد في عهد عمر كجنديين، لا يختلفان عن سائر الجنود في شيء.
ولا يظفر القابضون على زمام الأمور من شعوبهم بمثل حسن الطاعة، ولا طريق إلى حسن طاعة الشعوب إلا المساواة بينهم في الحقوق والواجبات.
ومن شواهد هذا: أن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - خصَّه أبوه بشير بهبة، وجاء إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ليشهده على ذلك، فقال له: "أكُلُّ ولدِك نحلته مثل هذا؟ " قال: لا، قال: "أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ "، قال: نعم، قال: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم في العطية". والشعوب للقائمين على تدبير شؤونهم بمنزلة الأبناء للآباء، فمن أحب أن يكونوا له في حسن الطاعة سواء، فليسلك بسياستهم طريق المساواة في الحقوق والواجبات.
هذه المساواة من أكبر الدعائم التي تقوم عليها السياسة العادلة، ولكنها تُبتلى في كثير من العصور أو المواطن بآفة تزلزل أساسها، وتقوّض بناءها، وهي المحسوبية، وما أفتك هذه الآفة بوحدة الأمة! وما أسرعها بإنزال الدولة عن المكانة المحفوفة بالمهابة إلى درك منظور إليه باستهانة!.
(5/ 1/41)

إباءة الضيم (1) وأثرها في سيادة الأمم
الضَّيْم: الظلم والاضطهاد، وإباءته: كراهته والنفور منه.
والنفور الصادق من الضيم يستلزم الغضب عند وقوعه؛ كما قال مهيار الديلمي يمدح أبا سعيد بن عبد الرحيم:
نفى الضيمَ عنه أنْفُ غَضبانَ ثائرٍ ... يَخِفُّ وقِسْطُ الحادِثاتِ ثَقيلُ
وإذا غضب الرجل من الضيم غضبة ملتهبة، بذل وسعه في التخلص منه، أو في التوقّي منه قبل وقوعه، فمن لم يغضب لوقوع الضيم، أو لم يبذل وسعه في التخلص أو الحذر منه، فهو محروم من هذا الخلق المجيد.
ولهذا الخلق صلة محكمة بخلقين عظيمين: عزّة النفس، والبطولة، فمن لم يكن عزيز النفس، لم يتألم من أن يضام، ومن لم يكن بطلاً، احتمل الضيم رهبة أو حرصاً على الحياة.
ومن طالع تاريخ العرب في عهد جاهليتهم، عرف أنهم كانوا يأبون الضيم في حماسة وصلابة، ويعدّونه في أول ما يفتخرون به من مكارم الأخلاق، وقد أخذ هذا الخلق في أشعارهم ومفاخراتهم مكاناً واسعاً، فنبهوا على أن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثاني والعشرين الصادر في شهر صفر 1369 ه.
(5/ 1/42)

احتمال الضيم عجز، والعاجز لا يرجى لدفع ملمّة، ولا للنهوض بمهمّة.
قال المتلمّس:
ولا تَقْبَلَنْ ضَيْماً مخافَةَ مِيتَةٍ ... وموتَنْ بها حُرّاً وجِلْدُك أَمْلَسُ
وضربوا لاحتمال الضيم أبشع الأمثال، وأشدها تنفيراً منه، فقال المتلمس أيضاً:
ولا يُقيمُ على ضَيْمٍ يُرادُ بهِ ... إلاَّ الأذلّانِ عَيْرُ الحيِّ والوَتَدُ
هذا على الخَسْفِ مَرْبوطٌ بِرُمَّتِهِ ... وذا يُشَجُّ فلا يَرْثي لَهُ أحَدُ
ونبهوا على أن حرية النفس والإقامة على ضيم لا يجتمعان أبداً، فقال الشنفرى:
ولكنَّ نفساً حُرَّةً لا تُقيمُ بي ... على الضَّيْمِ إلّا رَيْثما أتحوَّلُ
وأشاروا في حكمهم إلى أن ذوي النفوس الزكية يتجافون عن مواطن الضيم، وينأون عنها، ولو إلى مواقع الخطوب الدامية، قال معن بن أوس:
إذا أنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أخاكَ وجَدْتَهُ ... عَلى طَرَفِ الهجران إنْ كانَ يَعْقِلُ
ويرْكَبُ حدَّ السَّيْفِ مِنْ أنْ تُضيمَهُ ... إذا لم يَكُنْ عن شَفْرَة السَّيفِ مَزْحَلُ
وإباءة العرب للضيم أيام جاهليتهم ملأت أعين الدول المجاورة لهم مهابة، فعاشوا ولم يكن لواحدة من تلك الدول عليهم من سبيل.
قال النعمان بن المنذر يصف العرب في محادثة له مع كسرى: "وأما عزّها ومنعتها (يعني: العرب)، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد، ووطدوا الملك، ولم يطمع فيهم (أي: العرب) طامع، ولم ينلهم نائل".
(5/ 1/43)

جاء الإسلام، فوجد العرب قد يتجاوزون في هذه الخصلة حد الاعتدال، فهذّبها، وأحاطها بحكمة حققت فيها معنى ابتغاء العزّة، وهيأتها لأن تلتقي بالعدل، وترافق الحلم، وتساير السياسة الرشيدة أينما سارت.
وأضربُ المثلَ لتجاوزهم بإباء الضيم حد الاعتدال: أن القبيلة كانت عندما تقتل القبيلة واحداً منها، قامت تدفع هذا الضيم عن ساحتها، ولا ترضى إلا أن تقتل بالواحد جماعة، وربما قامت من أجل قتل نفس واحدة حرب شعواء بين قبيلتين، تستمر أعواماً طوالاً، ولا تضع أوزارها حتى تسيل فيها أنهر من الدماء؛ كحرب البسوس المعروفة في تاريخهم، وقد قوَّمَ القرآن الكريم هذا العوج، فقال تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].
وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة: 179].
وكانوا لا يبالون عند الانتقام من ظالم أن يقابلوه بأكثر أو أشد من مثل ما اعتدى به عليهم، فقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40].
فأنتم ترون أن القرآن الكريم قد نبه على أن الضيم الذي يحصل للقبيلة بقتل واحد منها يرتفع بالقصاص الذي هو قتل القاتل وحده، وأن الاعتداء الذي يقع على الفرد أو الجماعة يكفي في جزائه مقابلته بالمثل، فالقبيلة إذا اكتفت بقتل القاتل وحده، والمعتدى عليه إذا اقتصر في جزاء المعتدي بمثل ما اعتدى به، فقد أعطى كل منهما إباءة الضيم حقها، وليس لأحد أن يعيره بسبة احتمال الضيم إلا أن يكون خادماً للشيطان، أو جاهلاً بمواقع العدل،
(5/ 1/44)

غير بصير بمكارم الأخلاق.
هذَّب الإسلام إباءة الضيم، وجعلها من الخصال التي يقتضيها الإيمان الصادق، فأصبحت خلقاً إسلامياً، أينما وجد الإيمان الصادق، وجدت إباءة الضيم بجانبه، ألا تقرؤون فيما تقرؤون من الكتاب المجيد قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنانقون: 8]، ولا عزة لمن يسومه عدوه ضيماً، فيطأطئ له رأسه خاضعاً، وإنما قتل في نفسه الشعور بالمهانة الحرصُ على الحياة، أو على شيء من متاعها، وكل متاعها في جانب العزة حقير.
يأبى الرجل الراسخ في مكارم الأخلاق أن يلحقه الضيم في نفسه، ويأبى بعد هذا أن يضام من يمتُّ إليه بصلة قرابة أو جوار أو استجارة؛ إذ اضطهاد أحد من أمثال هؤلاء يجر إليه عاراً، ويلبسه صغاراً.
ورجل الأخلاق يغضب لأن يضام المنتمي إليه بصلة قرابة، وإذا كان هذا القريب ممن يناوئه، ويضمر له سوءاً، قال المغيرة بن حنباء:
وأغْضَبُ للمَوْلى فأمنَعُ ضَيْمَهُ ... وإنْ كان غِشّاً ما تَجِنُّ (1) ضمائِرُهْ
يغار الرجل على ذوي القرابة والصداقة والجوار، ويبذل في إِنقاذهم من الضيم دمه، أو ماله، أو جاهه، فيعظم بهذه المزية في أعين من يُقدرون المكارم قدرها.
وأكبر أباة الضيم همة، وأرقاهم في سماء السيادة مقاماً، من يغار على الأمة التي يجمع بينه وبينها دين أو وطن، ويأبى أن تمسها لفحة من ضيم،
__________
(1) تجِنُّ: تخفي.
(5/ 1/45)

فيجاهد في سبيل سلامتها من أن يهضم حق من حقوقها، أو يغتصب شبر من أوطانها.
ويصور لك إباءة الرجل لأن يضام قومُه قولُ عتبان الشيباني حين نزلت ثقيف متغلبة على أرض قومه:
فلا صُلْحَ ما دامَتْ منابِرُ أرْضِنا ... يقومُ عَلَيْهَا مِنْ ثَقيفَ خَطيبُ
ودفع الضيم عن الأمة حق على كل من يستطيع الاشتراك فيه بنفس، أو مال، أو تدبير، أو تحريض.
وقد نصَّ علماء الشريعة على أن العدو إذا أقبل مهاجماً، كان فرضاً على كل شخص، حتى النساء أن يخرجوا لدفاعه بما استطاعوا.
ووقاية الأمة من مهانة الضيم تستدعي العمل لأن تكون للأمة قوتان: مادية، ومعنوية.
أما المادية، فبإعداد ما يتطلبه الدفاع من وسائل الانتصار على العدو، وهذا ما أشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
وأما المعنوية، فبتربية النشء على خلق الشجاعة، وصرامة العزم، والاستهانة بالموت. فالأمة التي تأبى الضيم بحق، هي الأمة التي تلد أبطالاً، وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، وتفاضل الأمم في التمتع بالحرية والسلامة من أرجاس الضيم، على قدر ما تلد من أبطال، وما تعدّه من أدوات الرمي والطعان:
متى تَجْمَعِ القَلْبَ الذَكِيَّ وصارِماً ... وأَنْفاً حَمِيّاً تَجْتَنِبْكَ المَظَالِمُ
(5/ 1/46)

إباءة الضيم خلق محمود أينما حل، وأهم موقع له نفوس الرجال الموكول إليهم تدبير شؤون الأمة، وتنفيذ ما يحقق آمالها، وإنما تسقط الأمة في هاوية الاحتلال الأجنبي، إذا وقع زمام أمرها في يد من صغرت همته، فلا يغضب للضيم الذي يلقى على عنقه، ويسوق الأمة بعصاه إلى جهل وفقر وشقاق.
وأذكر أن أحد قواد الأسبان وقع أسيراً مع ابنته في يد أمير أندلسي، فأخذت ابنته الفتاة تظهر التودد للأمير الأندلسي، ولكن حزمه أبى له أن ينحدر مع شهوته، ويقرِّبها إليه حتى فُتِّشَتْ، فوُجد معها منديل صغير مُشَرِّبٌ بِسُمّ، وكان قد أرادت أن تغتال به الأمير عند اتصاله بها، فابتعد منها، وقال: لو كان قلب هذه الفتاة في صدر أبيها، ما تغلبنا عليه، ولا وقع في أسرنا!.
والضيم من أي معتدٍ صدر، شديدُ الوقع، خبيث الطعم، ولكن الضيم الذي يلحق الإنسان من وضيع مَلَك قوة، أو اعتز بذي قوة، يكون وقعه في نفسه أشد إيلاماً من ضيم يلحقه من عظيم في قومه. وقد أشار إلى هذا حاتم الطائي حين لطمته جارية وهو أسير في بعض أحياء العرب، فقال: "لو ذات سوار لطمتني! ".
وأذكر بهذا: أن من أشد النكبات تمزيقاً للقلوب مدّ اليهود الصهاينة أيديهم إلى بلاد عربية إسلامية ليضعوها تحت سيطرتهم الغاشمة. ولنطوِ الحديث عنهم وعن الدول التي انحازت إلى جانبهم، وظلت تنحط في أهوائهم، وتسارع إلى العمل لتثبيت أقدامهم، فستقدر هذه الدول يقظة الشرق قدرها، وتعرف أن السلام العام الذي تزعم أنها تنشده لا يتيسر، وللصهيونيين طمع في أن يقيموا في قلب الأمة العربية الإسلامية دولة.
(5/ 1/47)

ومن الحكمة أن يعمل الإنسان للتخلص من الضيم، بعد شيء من التدبر وإحكام الرأي، حتى لا تفضي به مكافحة الضيم الصغير إلى ضيم أفظع منه، أو تفوت على الجماعة مصلحة أو مصالح كبيرة، لا يُعَدُّ ذلك الضيم في جانبها شيئاً مذكوراً، وأورد في بيان هذا مثلين:
أحدهما: من السيرة النبوية، وثانيهما: من التاريخ الصحيح.
أما السيرة، فقد جاء في قضية الحديبية: أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عقد مع المشركين صلحاً، قد يبدو في أول النظر أن فيه إجحافاً بحقوق المسلمين، حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جاء إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! قال: "أنا عبد الله ورسولُه، لن أخالف أمره، ولن يضيعني".
ومن نظر في الفوائد التي ترتبت على هذا الصلح، وجدها من العظم بحيث لا يعد الصلح وقبولُ ما تمسك به المشركون من الشروط إلا شيئاً لا يقام له وزن، وعرف أن السياسة التي سار عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقومُ سبيلاً مما بدا لعمر بن الخطاب في نظرته الأولى.
وأما التاريخ: فإن الإسبان لما طغوا على ملوك الطوائف بالأندلس، وشعر هؤلاء الملوك بضعفهم عن مقاومتهم، ظهر للمعتمد بن عباد ملكِ إشبيلية أن يستعين في دفاعهم بسلطان المغرب يوسف بن تاشفين، فقال له بعض أولئك الملوك: نخشى أن يدخلَ بلاد الأندلس، ويردَّ العدو، ثم يبسط سلطانه علينا، فقال المعتمد تلك المقالة الخالدة: "لأن أرعى الجمال خير من أن أرعى الخنازير! ".
(5/ 1/48)

عِظَمُ الهمّة (1)
شؤون الأمم شتى، وأعزُّ شؤونها مكارم الأخلاق. وحقوق الأمم على علمائها وزعمائها كثيرة، وأهمُّ حقوقها القيام على هذه المكارم؛ فالجماعة التي تعمل على تقويم الأخلاق، وترقية الآداب، هي التي تحمل من أعباء حقوق الأمة ما كان أرجح وزناً، وأكبر نفعاً.
إذاً رجال "جمعية مكارم الأخلاق" يعنون بأعز شؤون الأمة، ويقومون على أهم وسيلة من وسائل سعادتها، فجمعية المكارم جديرة بالمؤازرة، خليقة بأن يكون أصلها ثابتاً، وفرعها في السماء.
شدَّة أثر الأخلاق السامية في تقدم الشعوب وتفوقها، وقيام جمعية المكارم على بثّ الفضيلة، وإعلاء كلمتها، هما اللذان يَسَّرا عليَّ أن أتقدم إلى هذا المجمع الكريم، وألقي فيه كلمة صغيرة، أصف بها خُلقاً من أجَلِّ الأخلاق، وهو عِظَمُ الهمّة.
* ما هو عِظَمُ الهمة؟
أحكم علماء الأخلاق بيان هذا الخلق، فقالوا: "هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور".
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد (75) من السنة الثانية لعام 1364 ه - 1927 م - القاهرة - محاضرة الإمام في جمعية "مكارم الأخلاق الإسلامية" بالقاهرة.
(5/ 1/49)

فعظيم الهمة يستخف بالمرتبة السفلى، أو المرتبة المتوسطة من معالي الأمور، ولا تهدأ نفسه إلا حين يضع نفسه في أسمى منزلة، وأقصى غاية، ويعبِّرُ عن هذا المعنى النّابغة الجَعْدي بقوله:
بلَغْنا السّماءَ مَجْدُنا وجدودُنا ... وإنّا لنَبْغي فوقَ ذلكَ مَظْهَرا
وإذا كان هذا الخلق لا يقع إلا على معالي الأمور، فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النهاية في زينة هذه الحياة، ويغرقون في التمتع بلذاتها المادية؛ كهؤلاء الذين يسرفون في الملابس المنمقة، والمطعومات الفاخرة، والمباني الشاهقة؛ فإن الزينة واللذائذ المادية لا تعد فيما تتسابق فيه الهمم من معالي الأمور:
إذا كان في لُبْسِ الفتى شَرَفٌ لَهُ ... فما السيف إلا غِمْدُهُ والحمائِلُ
والشاعر الذي يقول:
هِمَمُ الملوكِ إذا أرادوا ذِكْرَها ... مِنْ بَعْدِهِمْ فَبِأَلْسُنِ البُنْيَانِ
لم يقل صواباً، ولم ينطق بحكمة، إلا أن يريد من البنيان: ما أقاموه لمصالح عامة؛ كان يكون مدارس، أو مستشفيات، أو دوراً للكتب، أو مساجد يذكر فيها اسم الله، أو ملاجئ تأوي إليها اليتامى أو المساكين وابن السبيل.
يستصغر عظيم الهمة ما دون النهاية من معالي الأمور، وإذا رأى الوسائل في الخارج تخونه، وتأبى أن تساعده على إدراك النهاية، فإنه يمضي في عزمه، ويرضى بمبلغ جهده، وإن كان دون المرتبة العليا.
ومن الخطل في الرأي أن ينزع الرجل إلى خصلة شريفة، حتى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة، انصرف عنها جملة، والتحق بالطائفة التي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب. والذي يوافق الحكمة، ويقتضيه حق
(5/ 1/50)

التعاون في سعادة الجماعة، أن يذهب الرجل في همه إلى الغايات البعيدة، ثم يسعى لها سعياً، ولا يقف دون النهاية إلا حين ينفد جهده، ولا يهتدي للمزيد على ما فعل سبيلاً.
والناس في الحقيقة أصناف:
رجل يشعر بأن فيه الكفاية لعظائم الأمور، ويجعل هذه العظائم همته، وهذا من يسمى: "عظيم الهمة"، أو "عظيم النفس".
ورجل فيه الكفاية لعظائم الأمور، ولكنه يبخس نفسه، فيضع همه في سفساف الأمور وصغائرها، وهذا من يسمى: "صغير الهمة"، أو "صغير النفس".
ورجل لا يكفي لعظائم الأمور، ويحس بأنه لا يستطيعها، وأنه لم يخلق لأمثالها، فيجعل همته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الرجل بصير بنفسه، متواضع في سيرته.
هؤلاء ثلاثة، ورابعهم لا يكفي للعظائم، ولكنه يتظاهر بأنه قوي عليها، مخلوق لأن يحمل أثقالها، وهذا من يسمونه: "فخوراً"، وإن شئت فسَمِّهِ: "متعظِّماً".
* من أين ينشأ عِظَم الهمة:
يتربى عظم الهمة عن طريق الاقتداء؛ كأن ينشأ الفتى تحت رعاية ولي، أو أستاذ يطمح إلى النهايات من معالي الأمور، أو من طريق تلقين الحكمة، وبيان فضل عظم الهمة، وما يكسب صاحبه من سؤدد وكمال، أو من طريق درس التاريخ، والنظر في سير أعاظم الرجال، فإنّا لو أخذنا نبحث عن مفاخر أولئك الذين يلهج التاريخ بأسمائهم، لوجدنا معظم مفاخرهم قائمة على
(5/ 1/51)

هذا الخلق الذي نسميه: "عظم الهمة".
والقرآن يملأ النفوس بعظم الهمة، وهذا العِظَمُ هو الذي قذف بأوليائه ذات اليمين وذات الشمال، فأتوا على عروش كانت ظالمة، ونسفوها من وجه البسيطة نسفاً، ثم رفعوا لواء العدل والحرية والمساواة، وفجّروا أنهار العلوم تفجيراً. وإذا رأينا من بعض قرّائه همماً ضئيلة، ونفوساً خاملة، فلأنهم لم يتدبّروا آياته، ولم يتفقهوا في حكمه.
* فضل عظم الهمة:
يسمو هذا الخُلُق بصاحبه، فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد أو يُزدرى، فإذ هو عزيز كريم. وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويبدلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية.
هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها، وتسل يدَها من أسباب نجاتها ومنعتها.
أما صغير الهمة، فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويُطرق إليهم رأسه حِطّة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم.
نعم، يورِد هذا الخلق صاحبه موارد التعب والعناء، ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المرّ، فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذباً بارداً، وعظيم الهمة قد يشتد حرصه على الشرف، حتى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار.
وربما كان الشرف الذي يركب له الأخطار والشدائد أعزّ وقعاً وأدلّ
(5/ 1/52)

على عظم همته من الشرف الذي يناله في يسر وسهولة.
أراد أبو الوليد الباجي - حين كان يناظر أبا محمد بن حزم - أن يثبت لهمته فضلاً على همة ابن حزم، فقال له:
أنا أعظم منك همة في طلب العلم؛ لأنك طلبتَهُ وأنتَ تُعان عليه، تَسهر بمشكاة الذهب، وطلبْتُهُ وأنا أسهر بقنديلٍ بائر السوق.
وأجابه ابن حزم قائلاً: أنتَ طلبتَ العلم في حال فاقة رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبتُه في حين ما تعلمه وما ذكرته، لا أرجو إلا علوَّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة.
فضّل أبو الوليد الباجي همته على همة ابن حزم بما كان يلاقيه في سبيل طلب العلم من شدة وعناء، وفضّل ابن حزم همته على همة أبي الوليد الباجي بأنه كان يطلب العلم لفضيلته. ولو صح قول ابن حزم، وثبت ما اتهمَ به أبا الوليد من أنه كان يطلب العلم لليسار والرفاهية، لكان أعظم همة ممن يريد اتخاذ العلم وسيلة إلى منصب، أو وجاهة، أو مال.
يتعلق عظم الهمة بكل شأن رفيع، ومقام محمود، ولا تسع هذه الكلمة إلا أن نعرج فيها على عِظم الهمة في العلم، وعِظم الهمة في النصح والإرشاد.
* عظم الهمة في العلم:
تتفاضل العلوم بغاياتها، وبقدر ما يكون لها من الاتصال بسعادة الإنسان. وتتفاضل همم الطلاّب بالنظر إلى هذه العلوم المتفاضلة في نفسها. فلكلٍّ من علم الأخلاق وعلم العروض - مثلاً - أثر في الحياة الأدبية، ولكن علم الأخلاق أقرب إلى السعادة منزلة، وأوسع فيما ينفع الناس جولة. فمن يُعنى بالأخلاق ليتحلى بمكارمها، يكون أرفع همة ممن يُعنى بالعَروض ليعرف أوزان الشعر
(5/ 1/53)

وما يلحقها من زخارف أو علّة. وأعظم من هاتين الهمتين همة من جمع بين درس الأخلاق والعروض.
أخذ بعض أهل العلم يدرس العروض بعد أن بلغ من الكبر عتياً، ولما لامه بعض أصحابه على اشتغاله بهذا العلم الصغير، وهو شيخ كبير، قال له: شهدت مجلس قوم كانوا يتحاورون في هذا العلم، ولم أكن على معرفة به، وكان نصيبي بينهم السكوت، فأخذتني ذِلّة.
فمن درس علماً فأتقنه، ثم بسط نظره في علوم أخرى، كان أعظم همة ممن درس علماً، ثم قعد لا يلقي لغيره من العلوم بالاً، ولا يعرف لثمرها اللذيذ طعماً.
كان لطلاب العلم في الشرق حرص على أن يستكثروا من العلم، ويضعوا أيديهم في فنون شتى، وما كانت رغبة الواحد منهم في الاطلاع على العلوم والفنون بعائقة له عن أن يرسل نظره في بعضها حتى يرسخ فيها فهماً، ويأخذ بأطرافه علماً، ويرقى إلى المنزلة التي تسمى: "تخصّصاً".
فشيخ الإسلام ابن تيمية كان طوداً راسخاً في علوم الشريعة، وأضاف إلى رسوخه في هذه العلوم أن بلغ في علوم اللغة مرتبة تخوله أن يخطئ سيبويه في نحو أربع عشرة مسألة في علم النحو.
وهذا حجة الإسلام الغزالي كان متضلعاً من علوم الشريعة ووسائلها، وجمع إلى تضلعه في هذه العلوم أن كان يهاجم الفلاسفة في كثير من آرائهم، ويناقشها بمنطق وروية.
وهذا القاضي عبد الوهاب بن نصر كان فقيهاً نحريراً، وأديباً فائقاً، وهو الذي يقول فيه أبو العلاء المعري:
(5/ 1/54)

والمالِكيُّ ابنُ نَصْرٍ زارَ في سَفَرٍ ... بلادَنا فحمِدْنا النَّأْيَ والسَّفَرا
إذا تفقَّهَ أحيا مالِكاً جَدَلاً ... وينشُرُ المَلِكَ الضّلِّيلَ إنْ شَعَرا
فعظم الهمة يدعو طلاب علوم الشريعة الإسلامية أن يمدوا أنظارهم إلى هذه العلوم الحديثة؛ ليكونوا منها على بصيرة، وليزدادوا بها بينة على بيناتهم المفحمة لهذه الفئة التي تزعم أن بين الدين والعلم خلافاً، وأن من العلم ما لا يستقر مع حقائق الدين في نفس واحدة.
ومن عظم همة القائم على بعض هذه العلوم الحديثة: أن يأخذ نفسه بالاطلاع على حقائق الإسلام وآدابه؛ ليحرز بها الكمال والسعادة، وليتعالى عن أن يمشي وراء نفر يجتمعون على أن يحاربوا ما في هذا الدين القيّم من حكمة وفضيلة.
تتفاوت الهمم في العلم الواحد من ناحية الاطلاع على مسائله، ثم من ناحية التصرف في هذه المسائل بتحقيق النظر، وإجادة البحث.
فطالب العلم الذي لا يدع باباً من أبوابه إلا ولجه، ولا يغادر بحثاً من مباحثه المهمة إلا ألمَّ به، يكون أعظم همة ممن لا يطرق منه كل باب، أو لم يعرج فيه على كل مسألة قيمة.
وطالبُ العلم الذي يخوضه بنظر حر، ويتناول مباحثه بنقد وبصيرة، يكون أعظم همة ممن يجمع مسائله حفظاً، ويتلقاها كما يتلقاها "حاكي الصّدى"، لا يكلفك غير إملائها عليه.
وطالب العلم الذي يتحرى لبابه، ويجول في أصوله، يكون أعظم همة ممن يقضي الزمن في قشوره، ويحبس النظر في دائرةٍ ضيقة من فروعه.
وكذلك ترى الأستاذ النحرير يبخل بأوقاته النفيسة عن أن ينفقها في
(5/ 1/55)

مناقشات واهية، وإنما يندفع إلى الخوض في حقائق العلم، والغوص على أسراره، وإذا توجهت إلى نقد عبارة مؤلف، فإنما يمس الخلل الذي يشوه صورة المسألة التي هي موضع البحث.
هذا والأمل معقود على أن هذه المعاهد والمدارس، تُنبت لنا رجالاً تعظم هممهم، فيجمعون من العلوم ما يجعل الشرق بحراً زاخراً، ويسيرون في كل علم سيرة الباحث الذي يفتح فيه طرقا قيمة، ويجعل نتائجه في تجدد ونماء.
* عظم الهمة في النصح والإرشاد:
في سبيل الدفاع عن الحق، أو الدعوة إلى الإصلاح عقبة لا يقتحمها إلا ذوو الهمم الكبيرة؛ فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوساً طاغية، وأحلاماً طائشة، وألسنة مقذعة، وربما كانت فيهم أَيدٍ باطشة، وأرجلٌ في غير الخير ساعية.
فأنصار الحقيقة ينصبون أنفسهم أمام هذه الشرور كلها، وإنما تعظم هممهم على قدر ما يتوقعونه من فقد محبوب، أو لقاء مكروه، فالذي ينكر على الحكام خرقاً في السياسة، أو حيفاً في القضاء، يكون أعظم همة ممن لا يحمي الحقيقة إلا إذا عبثت بها أيدي الضعفاء، والذين لا يجدون ما ينفقون.
يتمثل لكم عظم الهمة في منذر بن سعيد قاضي قرطبة، حين قام في خطبة الجمعة ينكر على الخليفة عبد الرحمن الناصر إسرافه في الإنفاق على تشييد المباني وزخرفتها، وأخذ يلقي الخطبة في كلام جزل افتتحه بقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128 - 130]، وسلك ذلك الكلام الجزل،
(5/ 1/56)

وهو على علم بأن الخليفة حاضر مستمع إليه، ولكن الخليفة انصرف بعد أن قضيت الصلاة، ولم يزد على أن صار يصلي في جامع لا يخطب فيه منذر ابن سعيد.
يشهد العالِمان الرجلَ من ذوي الشأن يعمل عملاً غير صالح، وأعظمُهما همة هو الذي يسبق إلى إنكار عمله، وتذكيره بسوء عاقبته.
دخل عثمان بن إدريس، ومننر بن سعيد البلوطي على الخليفة الناصر وهو في الزهراء، فأنشد أبو عثمان أبياتاً أطرى بها الخليفة على هذا البناء، فابتهج الناصر، واهتز لهذا الإطراء، أما منذر بن سعيد، فإنه أطرق رأسه ساعة، ثم رفع رأسه وقال:
يا بانيَ الزَّهْراءِ مُسْتَغْرِقاً ... أوقاتَهُ فيها أما تُمْهِلُ
للهِ ما أحسنَها رَوْنَقاً ... لَوْ لَمْ تكُنْ زهْرَتُها تَذْبُلُ
فقال الناصر: إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسقتها مدامع الخشوع، لا تذبل إن شاء الله. فقال منذر: اللهم اشهد، فإني قد بثثت ما عندي، ولم آلُ نصحاً.
وأصاب منذر فيما قال، فقد ذبلت زهرة الزهراء، وتهدمت قصورها يوم قام محمد بن هشام على بني عامر، وانتزع الملك من أيديهم، واستولى على قرطبة سنة تسع وتسعين وثلاث مئة.
وإذا كانت الدعوة من معالي الأمور، فنهايتها التي يبلغها الداعي المصلح أن يرشد إلى ما يراه حقاً، وبحذر مما يراه منكراً، غير حافل بما يحفل به ضعيف الإيمان، أو قليل الإخلاص من رضا الملأ الذين استكبروا.
رفع القرآن مكان الدعوة، ثم جعل الدعاةَ إلى حق أو إصلاح خير أمة
(5/ 1/57)

أخرجت للناس. وقد خرج بفضل القرآن رجال عظمت هممهم، فكانوا يؤثرون الحق والنظام على منافعهم الخاصة، ويحتملون في سبيل النصح والإرشاد ما تدعوهم الحكمة إلى احتماله من فقد السرَّاء، أو لقاء الضرَّاء. وسنرى - بتوفيق الله تعالى - من هذه المعاهد والمدارس رجالاً كثيراً يقدرون عظم الهمة في النصح للأمة، وينهضون بهذا الواجب ضاربين بمنافعهم الخاصة إلى وراء. وإذا فاتهم أن يروا ثمرة جهادهم بأعينهم، ففي شرف الجهاد وإنارة السبيل للأجيال القابلة كفاية.
(5/ 1/58)

الإسلام والمدنية الحديثة (1)
قد تدرك العقول بنفسها حسن الأفعال أو قبحها لأول نظرة، أو بعد تأمل صروية، وتتفاوت العقول في إدراك حسن الأفعال وقبحها، حتى إن الفعل الواحد قد يبدو لعقل حسناً، ولعقل آخر قبيحاً، وقد يكون في بعض الأفعال وجه من الحسن أو القبح لا تجتليه العقول، فتقف تجاهه غافلة عنه، أو مشتبهة في أمره.
ولاختلاف العقول في إدراك حسن الأشياء وقبحها، اختلفت المذاهب، وتعددت الفرق: إلى عبّاد النار، وعبّاد الكواكب، وعبّاد الأحجار، وعبّاد بعض الحيوان، واختلفت الآراء في مظاهر العبادات، وفي القوانين التي تساس بها الرعايا، وفي العادات، هذا يستحسن أمراً، وهذا يستهجنه.
وعلى فرض أن تكون العقول متفقة أو متقاربة في إدراك الحقائق والمصالح، فهناك قوة في النفس قد تعارض العقل، وتشق عصا طاعته في كثير من الأحيان، وهي الإرادة، فقد يدرك الإنسان حسن شيء، وتأبى إرادته أن تتجه إليه، أو يدرك قبح شيء، وتنصب عليه إرادته، فإن الإرادة؛ قد تنبعث عن علم صحيح، وقد تسوقها أهواء طاغية، أو عادات مستحكمة.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الأولى، الصادر في أول شوال 1366 ه - 17 أغسطس 1947 م - القاهرة.
(5/ 1/59)

فالناس في حاجة إلى قوة تفيض أشعتها على العقول، فتتقارب في إدراك الحقائق والمصالح، وتوجه الإرادة إلى ما أدرك العقل حسنه، أو تصرفها عما أدرك العقل قُبْحه، وليست هذه القوة سوى: الدين الحق.
فالدين يهدي العقول إلى ما تغفل عنه، أو تقصر عن إدراكه من وجوه الإصلاح، ويروّض الإرادة حتى تساير العقل في اتجاهه السديد.
وللدين مزية أخرى في إصلاح المجتمع، هي أن البراهين القائمة على أنه وضع إلهي، تكسو أوامره مهابة، فتتلقى بالطاعة في السر والعلانية.
ومن مزايا الدين في الإصلاح: أن المؤتمِرَ بأوامره يشعر بأنه يعمل ابتغاء رضا الخالق - جلّ شأنه -، فهو يرجو الجزاء الأكبر في حياته الأخرى، زيادة على أن عمله الصالح كلبنة في رقي أمته، أو حلقة في نظام حياتها المطمئنة، وذلك الشعور يزيد عزمه على القيام بالأعمال الجليلة شدة، وبحثه على أن يتحرى بأعماله غاية ما يستطيع من الإتقان.
وإذا رأينا في بعض من ينتمون إلى الدين الحق وهناً في العزم، أو صغراً في الهمة، أو ضيقاً في العمل، فالدين بريء من تبعة هذه النقائص، وإنما تبعتها على أصحابها خاصة إن كانوا يعلمون، أو على من يوكل إليهم أمر التعليم، حيث لم يقوموا عليه بكفاية وأمانة.
ومن هنا كان تعرُّفُ حقائق الأديان من أحوال المنتمين إليها خطأً مبيناً، وإنما تعرف حقائق الدين من كتابه السماوي، أو حديث المبعوث به، حيث لم يطرأ عليه تغيير أو تحريف.
فما وعد الله به أهل الدين من عزة في الدنيا، أو فوز على الأعداء، إنما هو وعد لمن تلقوا ذلك الدين بإيمان يحملهم على أن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا
(5/ 1/60)

نواهيه ما استطاعوا، فلا يخالجك ريب في صدق الوعود التي وعد الله بها الموقنين من العزة والسيادة إذا رأيت جماعة أو أمة تنتمي إليه وهي تحت سلطان عدو يذيقها عذاب الهون صباحاً ومساءً، ذلك أن وعد الله حق، وهو موجه إلى من يجيبون داعيه بامتثال أمره في نحو قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104]، وباجتناب نهيه في مثل قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، وقوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113].
وإذا كان الدين الحق هو المنظّم لشؤون الأفراد والجماعات على وجه تقصر عنه النظم البشرية، فمن واجب الحكومات الإسلامية متى أرادت الخير لشعوبها، واستتباب الأمن في أوطانها، والمباهاة بعدل محاكمها، وبطولة جنودها، أن تبذل ما لديها من عناية في نشر تعاليم الإسلام بين سائر الطبقات، وأن تستمد قوانيها من تشريعه الواسع النطاق.
(5/ 1/61)

صدق اللهجة (1)
في كل خصلة فاضلة شرف وخير، ولكل خصلة فاضلة أثر في سعادة الجماعة، وقد تتفاوت هذه الخصال بكثرة الحاجة إليها، ومن الخصال التي تكثر مواضع الاحتياج إليها: صدق اللهجة، فلا غنى للجماعة عن أن يكون فيها صدق وحلم، والأحوال التي يحتاج فيها إلى الصدق أكثر من الأحوال التي يحتاج فيها إلى الحلم، ونحن لا نشعر بالحاجة إلى شجاعة السيدات والأطفال، وكل منا يشعر بالحاجة إلى صدق الطفل الآخذ في التردد على المدرسة، وصدق الصانع في مصنعه، والأمير على كرسيه.
فالكلمة التي نلقيها في هذه الليلة إنما نصف بها فضيلة شأنها رفيع، وأثرها في الاجتماع كبير، وهي صدق اللهجة.
ولا تثريب علينا إذا تناولنا في أثناء بحث هذه الفضيلة نبذة في الحديث عن ضدها، وهو الكذب؛ فإن حقائق الفضائل تتجلى بمعرفة أضدادها.
* ما هو الصدق؟
الصدق في لغة العرب: إلقاء الكلام على وجه يطابق الواقع والاعتقاد، ومقتضى هذا الشرح: أن الكلام الذي يخالف الواقع والاعتقاد معاً، أو يخالف
__________
(1) مجلة "الفتح" - العددان (64 و 65) من السنة الثانية 1346 ه. 1927 م - القاهرة. محاضرة الإمام في جمعية "مكارم الأخلاق الإسلامية" بالقاهرة.
(5/ 1/62)

أحدهما، لا يدخل في حقيقة الصدق، بل يندرج تحت اسم الكذب، والكذب ذو ضروب وألوان.
للصدق صورة واحدة، وهي أن تصوغ القول على نحو ما تعتقد، ويكون اعتقادك مطابقاً للواقع؛ كأن تقول وأنت الناصح الغيور: سلطة العدو أمَرُّ من الصبر، وأشد مضاضة من وقع الحسام.
وللكذب ثلاث صور:
إحداها: ما يخالف الواقع والاعتقاد؛ كمن يتملّق فاسقاً أو باغياً، فيصفه بالاستقامة، وهو على بينة من سيرته المغضوب عليها.
ثانيتها: ما يخالف الاعتقاد، ويطابق الواقع؛ كالزائغ المنافق ينطق على نحو ما ينطق به أولو الحكمة والهداية.
ثالتتها: ما يخالف الواقع، ويطابق الاعتقاد؛ كالغبي يعتقد صلاح بعض الفجّار؛ فيصفه بالولاية أو التقوى.
هذه صورة الكذب في مجاري كلام العرب، وقد رأيتموها ممثلة في المتملق والمنافق والغبي. والذي يرجع عيبه إلى الأخلاق العملية من هذه الصور ما جاء الحديث فيه مخالفاً للاعتقاد، وسواء بعد هذه أخالف الواقع أيضاً، وهي الصورة الأولى، أم كان مطابقاً للواقع، وهي الصورة الثانية.
وبيان هذا: أن الباحث في الأخلاق العملية، يوجِّه عنايته إلى نفس المتكلم حين إلقائه الحديث، وينظر إلى اعتقاده وما بينه وبين الحديث من مطابقة أو مخالفة، فإن وجد الرجل يسوق الحديث على غير ما يعتقد، وضع عليه اسم الكذب، وعدّه في جملة هذه الرذيلة الساقطة، ولو اتفق لحديثه أن كان مطابقاً للواقع، وان وجده يلقي الحديث على نحو ما يعتقد، لا يعده في
(5/ 1/63)

أصحاب رذيلة الكذب، وإن لم يجئ حديثه موافقاً للواقع.
وهذا الذي تحدث عن اعتقاد، وجاء حديثه مخالفاً للواقع، لا يرميه الباحثون في الأخلاق بسبّة الكذب، وقد يؤاخذ من جهة أخرى، وهي انقياده إلى الظنون الواهية، وحديثه عن الأمر قبل التثبت من أنه حقيقة واقعة.
فالكذب في إطلاق علماء الأخلاق ينصرف إلى من يحدثك بالأمر، وهو يعتقد أنه غير واقع، ومعظم ما ورد في الشريعة من ذم الكذب محمول على أولئك الذين تنطق عليك ألسنتهم بأشياء يزعمون أنها واقعة، وقلوبهم تنكرها.
* الاحتراس في صدق اللهجة:
يحدثك الرجل عن أشياء يحس بها في نفسه؛ كالحب والبغض، والعطش والري، ويحدّثك عن أمور يدركها بمحسّاته الخمس: البصر والسمع وغيرهما. وهو فيما يدركه بإحساسه الباطن، أو إحساسه الظاهر يستطيع ألا يحدثك إلا بما يطابق الواقع والاعتقاد، فالرجل الصادق لا يقول: "أحببت" وهو يبغض، ولا يقول: "سمعت"، أو "رأيت" إلا إذا سمع أو رأى.
وقد يحدثك عن حادثة تلقّى خبرها عن طريق الرواية، أو يحدثك عن أمر أدركه على وجه النظر والاستدلال، وهذان الصنفان هما يعثران به في مخالفة الواقع أحياناً، وينزلان به إلى أن تحوم حوله الظنون. فعلى صادق اللهجة أن يحترس فيما يتحدث به عن رواية، أو يتحدث به عن ظنٍّ واستنباط.
والاحتراس في الأخبار التي تجيء من طريق الرواية: أن لا يحدث بها قبل أن ينقدها نقداً بالغاً، وإن بدا له أن يخبر بها على نحو ما سمعها، فليذكر أسماء رواتها حتى يبرأ من عهدتها.
(5/ 1/64)

والاحتراس في الحديث الذي يستند فيه إلى ظن وأمارة: أن لا يطرحه إلى الناس في صورة المقطوع به، بل ينبه على أنه تحدث به على وجه الظن؛ كما يصنع كثير من الملأ الذين يعافون الكذب، ويريدون أن يجعلوا بينه وبين ألسنتهم حجاباً مستوراً.
فسياج صدق اللهجة: الاحتراس في الحديث المستند إلى رواية أو ظن، ومن حدثك بما علم، واحترس فيما روى أو ظن، فقد قضى حق فضيلة الصدق ووفى.
* صدق اللهجة والمجاز:
لا يخرج عن حدود الصدق ما يجري على ألسنة البلغاء من ضروب الكناية وفنون المجاز؛ كأن تقول لشخص: جئتك ألف مرة، تكنى بالألْف عن كثرة التردد، ولا تريد بها عدد المرات. وكأن تقول: رأيت أسداً مخلبه الحسام، وأنت تريد بطلاً لا يلوي جبينه من منازلة الأقران.
وقد جاء في كتب الأصول: أن قوماً منعوا أن يكون في القرآن مجاز، وهم الظاهرية، ولا شبهة لهؤلاء إلا زعمهم أن المجاز من قبيل الكذب، والقرآن قول فصل وما هو بالهزل. وهذه الشبهة مدفوعة بقيام القرينة الدالة على أن المتكلم لا يقصد سوى معنى المجاز، وإذا كان قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]. يحتوي قرينة تنفي أن يكون المراد من الظلمات: سواد الليل، ومن النور: بياض الشمس والقمر والسراج، لم يكن هناك إخبار بما يخالف الواقع أو الاعتقاد، حتى يتناوله اسم الكذب الذي لا يحوم على كتاب الله في حال، وإنما الكذب ذلك الإغراق أو الغلو الذي يضعه الشاعر خيالأ بحتاً؛ كقول بعضهم:
(5/ 1/65)

ليْسَ ذا الدَّمْعِ دَمْعَ عَيْني ولكِنْ ... هِيَ نَفْسي تُذيبُها أَنْفاسي
وقول الآخر:
وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتّى إِنَّهُ ... لتَخافُكَ النُّطَفُ الّتي لم تُخْلَقِ
* صدق اللهجة والقصص الخيالية:
القصص الخيالية ضروب:
أحدها: ما يحكى على ألسنة الجماد أو الحيوان، كقصة كليلة ودمنة.
ثانيها: ما يحكى على ألسنة ذوي نفوس ناطقة، ويدل المتكلم بالقرينة أو بالصريح من القول على أنه اخترعها لتكون مأخذ عبرة أو أدب لغة؛ كما صنع أبو القاسم الحريري في "مقاماته".
وهذا الضربان من قبيل الإخبار بما يخالف الواقع والاعتقاد، والذي يستر عيب الكذب هنا: أن المتكلم لم يوقع المخاطب في غلط وسوء تصور، وإنما يعرض عليه حكمة، أو أدب لغة في أسلوب طريف.
ثالثها: ما يحكيه الرجل على ألسنة ذوي نفوس ناطقة، ويدل ولا ينبه على أن القصة غير واقعة، وهذه أيضاً خارجة عن حد الصدق إلى مكان بعيد، ولو كان الداعي إلى وضعها ما تحتويه من عبرة أو أدب لغة.
فالذين يزعمون أن في القرآن قصصاً غير واقعة، وأنها سيقت لما تحتويه من موعظة، لا يريدون إلا أن يطعنوا في القرآن، ويخادعون المؤمنين، والمؤمنون لا يخدعون.
* صدق اللهجة وإخلاف الوعد:
الوعد: إخبار عما ستفعله في المستقبل من إحسان، والصدق والكذب
(5/ 1/66)

يجريان في الأخبار المستقبلة كما يجريان في الأخبار الماضية، وقد وصف الله تعالى إسماعيل - عليه السلام - بصدق الوعد؛ لوفائه بما يعد، فقال: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 54]، وإذا كان الوفاء بالوعد يجعله صادقاً، فإخلافه يجعله كاذباً لا محالة.
وقد اختلف أهل العلم - بعد هذا - في لزوم الوفاء بالعهد، فذهبت طائفة إلى أن من وعد شخصاً بإحسان، وجب عليه إنجاز ما وعد، وقضي عليه بأدائه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ورجّحه أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"، فقال: "والصحيح: لزوم الوعد، وخلفه كذب ونفاق".
وذهبت طائفة أخرى إلى أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق، وأن صاحبه يملك الرجوع عنه، وإذا بدا له أن يرجع، فليس للقاضي عليه من سبيل.
وذهب جماعة من فقهاء المالكية إلى تفصيل، وهو أن الوعد المطلق غير لازم، وأما الوعد المنوط بسبب، فإنه يصير بمنزلة الدَّيْن الذي لا مناص له من قضائه، ومثال هذا: أن تقول لشخص: تزوَّجْ وأنا أدفع المهر، فإذا تزوج، كان للحاكم أن يقضي عليك بدفع المهر قضاء نافذاً.
* صدق اللهجة وإخلاف الوعيد:
الوعيد: إخبار عما ستفعله من شر، فإخلافه يجعله كالوعد المخلَف قولاً كاذباً. والرجل الذي يوعِدُ آخر، ثم يضرب عنه عفواً، إنما يمدح من جهة أن مصلحة إخلاف الوعيد أرجح من مصلحة إنفاذه، ففضيلة العفو تغمر عيب الكذب، وتجعله في نظر الأخلاق شيئاً منسياً. ولتضاؤل نقص
(5/ 1/67)

الكذب تحت عظيم فضيلة العفو، ساغ للإنسان أن يمتدح بإخلاف الوعيد الذي يقول:
وإنّيَ إنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لأُخْلِفُ إيعادي وأُنْجِزُ مَوْعِدي
ولا شك أنّ من يقرن الوعيد بنحو المشيئة، يحميه أن يجعل إخلافه كذباً، ولكن الوعيد شأنه أن يصدر في حال غضب لا يملك صاحبه النظر إلى العواقب، فهو لا يكاد يلفظ به إلا بعد عزم وتصميم.
* صدق اللهجة والمعاريض:
في هذه الحياة بلاء، وأشد بلالها ما يمنعك من أن تقضي حق فضيلة. فقد يلاقي الإنسان حالاً ترغمه على أن ينطق بما يكره، ويسلك في القول ما لم يألف. ولو وقف علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المرغمة صلباً جامداً، لضاقت سبيله، ووجد بعض النفوس للخروج على أمره عذراً بينّاً، وقد وجدنا علم مكارم الأخلاق - الذي رفع الإسلام قواعده - فسيح الصدر بمقدار ما يسع مقتضيات الحياة الفاضلة.
فصدق اللهجة يعدّ من الفضائل؛ نظراً إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح، ودرء المفاسد، ولو عُرضت على وجه الندرة حال يكون حديث الرجل فيها على نحو ما يعلم جالباً عليه أو على غيره ضرراً فاحشاً، لوجد في قانون الأخلاق مرونة تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضرراً.
فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع، ولم يكن بد من أن يقول في شأنه شيئاً، فهاهنا يفسح له - بمقتضى قانون الأخلاق الذي أتقن الإسلام صنعه - أن يأخذ بالمعاريض، وهي ألفاظ محتملة لمعنيين، يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر، وإن شئت فقل: هي
(5/ 1/68)

ألفاظ ذات وجهين:
أحدهما: غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب.
وثانيهما: حقيقة، وهو ما يقصده المتكلم، ويحق لك أن تسمي اللفظ من أجله حديثاً صادقاً، وهذا ما يفعله الذين أشربوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجاً أو خطراً.
وما يساق مثلاً لهذا: أن أبا بكر الصديق كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة، وهو يريد كتم أمره، فيقول: هذا يهديني السبيل. يريد أبو بكر من السبيل: سبيل الخير والسعادة، ويحملها السائل على الطريق التي يسلكها المسافرون.
وما كانوا يرضون عن الحديث ذي الوجهين، إذا عمد إليه الرجل لغرض غير صالح.
قال عبد الله بن عقبة: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز، فخرجت وعليّ ثوب، فجعل الناس يقولون: هذا كساكَهُ أمير المؤمنين؟ فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيراً، فقال لي أبي: يا بني! اتق الكذب وما أشبهه. نهاه عقبة عن إجابة السائلين بقوله: جزى الله أمير المؤمنين خيراً؛ لأنه يلقي في أذهانهم أن الخليفة هو الذي خلع عليه هذا الثوب، ولا داعي له إلى أن يجيبهم بهذه الجملة التي يتبادر منها غير الواقع سوى قصد الفخر، والفخر بإصابة حظوة عند الأمراء - ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز - لا يحسب في الأغراض المحمودة، حتى يحل للرجل أن يرتكب له حديثاً ذا وجهين.
عني الإسلام بصدق اللهجة جهد العناية، ويريد مع هذا للأمة إخاء وائتلافاً، يجعلها كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ويريد لجيشها الفوز على أعداء
(5/ 1/69)

يهاجمون أن يتحفزون، ويرغب في أن يكون الزوجان على وفاق، وحياتهما في نظام، لهذا خفّف المصطفى - صلوات الله عليه - في الكلمة يقولها الرجل ليطفئ عداوة استعرت بين طائفتين، أو يقولها في حرب؛ ليكفي قومه قارعة تسلط الأعداء، أو ليسكت غضب زوجته الصالحة.
وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في تأويل الحديث إلى أنه أذن في المعاريض، فذكر هذا الحديث الذي يروى في استثناء الحرب والإصلاح وإسكات غضب الزوجة، ثم قال: "ولكن ذلك بالمعاريض، وهي الألفاظ التي يفهم منها السامع خلاف ما يريد القائل، فهذا هو المأذون فيه".
* أثر صدق اللهجة في سعادة الفرد:
يتحلّى الإنسان بأدب الصّدق، فيشرف قدره، وتطيب حياته، ويصفو باله.
أما الشرف، فلأن الصدق يدل على نقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، كما أن الكذب عنوان سفَهِ العقل، وسقوط الهمة، وخبث الطوية.
وقد جاء في حديث أكمل الخليقة ما يرشد إلى أن الصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى حسنات، وأن الكذب سيئة تنجَرُّ به إلى سيئات، قال المصطفى - صلوات الله عليه - فيما رواه الإمام البخاري: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".
ولا يستقيم لأحد سؤدد، أو يحرز في قلوب الناس مكانة، إلا حيث يهبه الله لساناً صادقاً. وإذا ابتغى الكذب منزلة، فإنما يتبوؤها بين طائفة ضُربت
(5/ 1/70)

على أدمغتهم الغباوة، أو طائفة تؤثر اللهو على الجد، ويشغلها الخداع عن النصيحة.
وأما طيب العيش، فإن الناس لا يطمئنون إلا إلى معاملة الصادق الأمين، وشأنهم الانصراف عمن ألفوه يضع الكلمة في غير واقع. وقد يحرص التاجر أو الصانع على درهم أو دينار يقتنصه بكلمة غير صادقة، فإذا هو يضيع سمعة طيبة، وربحاً وافراً.
ومن الشاهد: أن الصدق يكسب الرجل وقاراً، ويلقي له المودة في عشيرته والناس أجمعين.
واحترام الناس للرجل مما يدعوهم إلى النصح في صحبته، وإذا وضع بين أيديهم شأناً من شؤونه الحيوية، قاموا عليه بإخلاص.
وأما صفاء البال فمن ناحيتين:
أولاهما: أن مرتكب الرذيلة لا بد أن يحس بوخز في ضميره، ويسمّى: توييخ الضمير، والكذب من أفظع الرذائل، فوخزه في الضمير غير يسير، ومتى سار الإنسان في طريق الصدق، وأقام بينه وبين الكذب حصناً مانعاً، عاش في صفاء خاطر، وراحة ضمير، ولم يكن لهذا الوخز النفسي عليه من سبيل.
أخراهما: أن من يلطخ لسانه برجس الكذب، لا بد من أن تبدو سريرته، ويجر عليه شؤم هذه الرذيلة شقوة، فلا يلاقي من الناس إلا ازدراء، وربما رموه بالتوبيخ في وجهه. أما صادق القول، فإنه يظل ضافي الكرامة، آمناً من مثل هذا الخطاب المشين.
* أثر صدق اللهجة في سعادة الجماعة:
تسعد الجماعة وتنتظم شؤونها على قدر احتفاظها بفضيلة الصدق،
(5/ 1/71)

فالمعاملات؛ كالبيع، والإجارة، والقرض، والشركة لا يتسع مجالها ويستقيم سيرها إلا أن تديرها لهجة صادقة، والأمة التي تسود فيها فضيلة صدق اللهجة، حتى يكون القائم بأي عمل موضع ثقة الجمهور، تتقدم حالتها الاقتصادية، ولا يجد عدوها الوسيلة إلى مزاحمتها في نحو التجارة والصناعة.
والصداقات التي تجعل أفراد الأمة كالجسد الواحد، إنما يشتد رباطها على قدر ما يكون لهؤلاء الأفراد من الاحتفاظ بصدق اللهجة.
وقد يكون للكاذب صديق من صنف أصدقاء المنفعة، ولكنه لا يستطيع أن يتخذ من إخوان الفضيلة صديقاً حميماً.
فالذي يستهين بالكلمة الكاذبة يطلق بها لسانه، يؤذي نفسه، ويرهق المجتمع خللاً وفساداً، فالكاذب لا يعد عضواً أشل فقط، وإنما هو عضو يحمل دماً مسموماً لا يلبث أن يسري إلى الأعضاء المتصلة به فيؤذيها.
* أثر صدق اللهجة في العلم:
يمرق الرجل من فضيلة الصدق على طرق شتى، وأبعد هذه الطرق ضلالاً: أن يتحدث في العلم بما ليس من العلم، أو يضيف إلى أحد قولاً لم يصدر عنه، يفعل هذا من يرغب في التفوق على قرين ينافسه، أو يرغب في أن تطير له سمعة أعلى من منزلته، ومن يحاول التفوق على قرينه بزخرف من الباطل، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.
ومن رضي بأن تكون سمعته فوق منزلته، فإن وراء السمعة عقولاً تزن الرجال بالآثار، فلا يدعون السمعة تغلو في طيرانها، بل يأخذون بناصيتها، ويهبطون بها إلى أن تكون مع منزلة صاحبها على سواء.
ولو أيقن أولئك الذين يدسون ما ليس من العلم: أن من حولهم
(5/ 1/72)

بصائر نافذة، وأقلاماً ناقدة، لما انسلخوا من لباس الصدق، ولكنهم قوم لا يوقنون.
يتحدث العالِمُ في غير صدق، فتذهب الثقة به من القلوب، ويذهب معها شطر علمه، وهو ما يرجع إلى النقل والرواية. وكم من منتمٍ إلى العلم اطلعوا له على اصطناعه خبراً، فطرحوه من حساب الموثوق بنقلهم! وكذلك الرجل يخرج عن أدب الصدق مرة، فيتعدى شؤمُ الكذب إلى سائر أقواله، فتوشك أن تذهب كما يذهب هذيان المبرسمين هزؤاً.
كذَبْتَ ومَنْ يَكْذِبْ فإنّ جَزاءَهُ ... إذا ما أتى بالصَّدْقِ أنْ لا يُصَدَّقا
* علل التهاون بصدق اللهجة:
ينحرف الرجل في حديثه عن قصد السبيل لدول مقبوحة، ومآرب دنيئة. وليس في وسعنا ذكر هذه الدواعي والمآرب، وإنما نسوق منها أمثلة تريكم أن من لا يقدر قيمة الصدق قد يبيعه بثمن بخس، وكل ما يرضى به ثمناً للصدق فهو بخس، ولو حثوا له من هذه الصفراء والبيضاء ما لا يأتي عليه حساب.
ينحرف الرجل عن الصدق ليتملق ذا مقام وجيه، وليتزلف إلى ذوي المقامات الوجيهة بقول الزور، إلا من صغرت نفسه، وضاق عليه مجال القول الصائب الحكيم.
نحن نعلم أن بعض ذوي المناصب قد مسخت فطرهم، فلا يرضون عمن يجلس إليهم إلا أن يدخل عليهم من باب التملق والنفاق، ونعلم - مع هذا - أن كرم الأخلاق يدعوك إلى أن ترعى حرية ضميرك، وتحافظ على صدق لهجتك، فأجب داعيه، وذر الذين يحبون أن تشيع فاحشة الملق في
(5/ 1/73)

الأمة؛ فإنهم قوم لا يفقهون.
ينحرف الرجل عن الصدق ليُغرِب على الناس، ويريَهم أنه صاحب سمر؛ حتى يخف عليهم ظله، ويرغبوا في منادمته، وإنما يفعل هذا من يحرص على أن يغشى كل منزل، وتتم به حلقة كل مجتمع. أما من يبتغي الحياة الزاهرة الشريفة، فيتقلد فضيلة الصدق في كل حال، ثم لا يوالي إلا أولي الجد، ولا يبذل خطواته إلا حيث تحترم الحقيقة والفضيلة.
وقد ينطوي بعض الناس على عداوة لشخص، فيرميه بمساوئ ليصرف عنه القلوب، ويسقط مهابته من العيون، ولا أشأم على الرجل من أن يناضل عدوه بالبهتان. ومن كانت له حاجة في أن يؤلم أعداءه، فإنه لا يؤلمهم بأشد من احتفاظه بمكارم الأخلاق، ومن أعزّ هذه المكارم: أن يكون حر الضمير، عفيف اللسان.
ومن الناس من إذا أخذ يحدثك في شأنه، أو شأن سلفه، أذِنَ لقريحته، فيخترع، وأطلق لسانه، فيرتع في غير واقع، والألمعية تشهد بأن الرجل لا يستطيع أن ينال بمثل هذا الحديث ذرَّة من فخر أو حمد، وربما قام حديثه هذا شاهداً على أنه لم ينشأ في أدب متين، فيطرح نفسه في زراية من حيث يريد أن يرفعها إلى فخار.
ومن لا يؤمن بأن خالق الكون يجازي هذه الألسنة على ما تصنع من تحريف أو تزوير، لا يبالي أن يلبس الحقيقة بالباطل، ويصوّر بلسانه أشياء ليس لها في الواقع من مثال.
ولا يكاد الملحد يحتفظ بصدق القول إلا حين يريد أن يتشبه بذوي المروءة، وحين يخشى افتضاح زوره، ويخشى من افتضاحه ضرراً.
(5/ 1/74)

وانظر في قصة أبي سفيان حين استدعاه هرقل في ركب من قريش، وأخذ يسأله في شأن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنكم تجدون أبا سفيان، وهو زعيم قريش يومئذٍ يقول: "فو الله! لولا الحياء من أن يرثوا عني كذباً، لكذبت عليه"، قال أبو سفيان هذا أيام جاهليته، وهو سيد قومه.
أما صدق اللهجة القائم على الإيمان الساطع، فلا يختل نظمه، ولا يختلف غيب صاحبه عن حال علانيته. فمن تصدى لإصلاح جماعة، وعني بأن يجعلهم المثل الأعلى لفضيلة الصدق، فليسعَ لأن يكون إيمانهم بالله راسخاً، والإيمان الراسخ مطلع كل فضيلة.
(5/ 1/75)

فضيلة الإخلاص (1)
خُلق الإنسان ليعرف مبدعه الحكيم، ويعمل في حياته على صراط مستقيم، والعمل القيّم ما كان موافقاً لما رسمه الشارع، وصحبته نية طيبة، فإن كان العمل غير موافق لما ورد عن الشارع، فهو عمل باطل، وإن قصد به صاحبه التقرب إلى الله، وذلك هو البدعة التي سماها النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ضلالة، وإن كان العمل على نحو ما رسمه الشارع، ولكن صاحبه لم يقصد به امتثال أمر الله، فهو مردود على صاحبه؛ لأنه فقد الروح الذي يعطيه حياة وبهجة، وهو الإخلاص.
ومدار الإخلاص على أن يكون الباعث على العمل أولاً امتثال أمر الله، ولا حرج على من يطمح بعد هذا إلى شيء آخر، بنعيم الآخرة، أو النجاة من أليم عذابها، بل لا يذهب بالإخلاص - بعد ابتغاء وجه الله - أن يخطر في باله أن للعمل الصالح آثاراً في هذه الحياة؛ كطمأنينة النفس، وأمنها من المخاوف، وصيانتها من مواقف الهون، إلى غير هذا من الخيرات التي تعقب العمل الصالح، ويزداد به إقبال النفوس على الطاعات قوة على قوة.
ومن المعروف عند أهل العلم: أن قصد المصلحة الدنيوية من عمل
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثامن الصادر في شهر رمضان 1354 ه، والجزء الرابع من المجلد الثامن الصادر في شهر شوال 1354 ه.
(5/ 1/76)

الخير - بعد تحقق قصد الامتثال لأمر الله - لا ينزل عن درجة القبول؛ كأن يقصد من رحلته التجارة مع قصد أداء فريضة الحج، أو يقصد التبرُّدَ بعد قصد التطهُّرِ بالماء لأداء فريضة الصلاة، أو يقصد التلذذ بالعلم بعد أن يقصد الوجه الذي اقتضى أمر الشارع بدراسته، فمن يطلب علوم الدين؛ ليصلح نفسه، ويرشد غيره، أو يدرس فنون الحرب؛ ليدافع عن شريعته، ويحمي ذمار أمته، فلا جناح عليه بعد هذا أن يذكر ما في العلم من لذة، فيزداد ارتياحه، ويقوي نشاطه.
حضر الشريف التلمساني وهو صبي درس الأستاذ أبي زيد بن الإمام، فذكر أبو زيد نعيم الجنة، فقال له الشريف: هل يقرأ في الجنة العلم؟ فقال أبو زيد: نعم، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فقال الشريف: لو قلت: لا، لقلت: لا لذّة فيها. فعجب منه الشيخ، ودعا له.
والإخلاص يرفع شأن الأعمال حتى تكون مراقي للفلاح، وهو الذي يحمل الإنسان على مواصلة عمل الخير، فمن يصلي رياء، أو حياء من الناس، لا بد أن تمر عليه أوقات لا ينهض فيها إلى صلاة، ومن يحكم بالعدل ابتغاء السمعة، أو خوف العزل من المنصب، قد تعرض له منفعة يراها ألذ من السمعة، أو يصادفه عهد حكومة يأمن فيه من العزل، فلا يبالي أن يدع العدل جانباً، ومن يدعو إلى الإصلاح ابتغاء الجاه، قد ينزل بين قوم لا يحظى بينهم إلا من ينحط في أهوائهم، فينقلب داعياً إلى الأهواء.
وقد أرتنا الأيام أشخاصاً كانوا يظهرون في اعتدال وغيرة على الحق، ثم اتصلوا بنفر من أهل الدنيا يناوئون هداية الله، فلم يكن منهم إلا أن طرحوا ثوب الاعتدال، وصاروا ينطقون بلهجة أولئك النفر في شيء من التورية.
ومن يفعل المعروف؛ لتردد ذكره الألسنة في المجالس أو الصحف،
(5/ 1/77)

قد يرى بعينه سبيلاً من سبل الخير في حاجة إلى مؤازرة، ولكنه لا يرى بجانبه لساناً أو قلماً شأنه إطراء المؤازرين، فيصرف عنه وجهه، وهو يستطيع أن يمد إليه يده، ويسد حاجته.
والإخلاص هو الذي يجعل في عزم الرجل متانة، ويربط على قلبه، فيمضي في عمله إلى أن يبلغ الغاية، وكثير من العقبات التي تقوم دون بعض المشروعات لا يساعدك على العمل لتذليلها إلا الإخلاص، ولولا الإخلاص يضعه الله في نفوس زاكيات؛ لحرم الناس من خيرات كثيرة تقف دونها عقبات.
قد يخلص الرجل في بعض الأعمال، ويتغلب عليه الهوى في بعض؛ فيأتي بالعمل صورة خالية من الإخلاص، والذي يرفع الشخص إلى أقصى درجات الفضل والمجد، إنما هو الإخلاص الذي يجعله الإنسان حليف سيرته، فلا يقدم على عمل إلا وهو مستمسك بعروته الوثقى. ولا كون مبالغاً إذا قلت: إن النفس التي تتحرر من رق الأهواء، ولا تسير إلا على ما يمليه عليها الإخلاص، هي النفس المطمئنة بالإيمان، المؤدبة بحكمة الدين ومواعظه الحسنة.
فالإخلاص الذي يقوم على الإيمان الصادق، والتهذيب الديني، هو الذي يسمو سلطانه على كل سلطان، ويبلغ أن يكون مبدأً راسخاً تصدر عنه الأعمال الصالحة بانتظام، وهو الذي يجد له صاحبه حلاوة، فيسهل عليه أن يكون أحد السبعة المشار إليهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سَبعة يظلهم الله في ظِلّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ" إلى أن قال: "ورجل تصدَّقَ بصدقةٍ، فأخْفاها حتى لا تعلم شِماله ما تنفق يمينُه".
(5/ 1/78)

وحكى أشعب بن جبير: أنه كان في بعض سكك المدينة، فلقيه رجل وقال له: كم عيالك؟ قال: فأخبرته، فقال لي: قد أُمرت أن أجري عليك وعلى عيالك ما كنتَ حياً، فقلت: من أمرك؟ قال: لا أخبرك، قلت: إن هذا معروف يشكر، قال: الذي أمرني لم يُرِدْ شكرَك. قال: فكنت آخذ ذلك إلى أن توفي خالد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فحفل، له الناس، فشهدته، فلقيني ذلك الرجل فقال: يا أشعب! هذا والله! صاحبك الذي كان يجري عليك ما كنت أعطيك!.
هذا فاعل للخير من وراء حجاب، وأين هو من أشخاص لا يتورعون أن يلبسوا الحق بشيء من الباطل، ويزيدون على هذا أن يزعموا أن هذا اللبس إصلاح، ويعلنون بأجهر صوت أنهم مخلصون فيما يقولون أو يفعلون؟!.
ولعلك لا تجد أحداً يتصدّى لعمل إلا وهو يدّعي الإخلاص فيما يعمل، ذلك لأن الإخلاص موطنه القلب، والقلوب محجوبة عن الأبصار، واذا وصفت أحداً بالإخلاص، أو عدم الإخلاص، فإنما ترجع في وصفك إلى أمارات تبدو لك من أحواله الظاهرة.
ومن هذه الأحوال ما يدلك على سريرة الرجل دلالة قاطعة، ومنها ما لا يتجاوز بك حد الظن، وهذا موضع التثبت والاحتراس، ففي وصف المخادع بالإخلاص، ووصف المخلص بالخدل، ضرر اجتماعي كبير، فإن وثقت بمجرد الظن، لم تأمن أن تقضي على فاسد الضمير بالإخلاص، فيتخذه الناس موضع قدوة، فيستدرجهم إلى فساد صغير، حتى إذا ألفوه، نقلهم إلى فساد كبير، وربما قضيت على طاهر القلب بعدم الإخلاص، فكنت كمن يسعى لإطفاء سراج، والناس في حاجة إلى سُرج تنير لهم السبيل.
(5/ 1/79)

والإخلاص الذي يخالط النفوس حتى يكون القابض على عنانها هو في نفسه فضيلة؛ وهو لا ينزل إلا حيث تنزل فضائل كثيرة، فالإخلاص يمد جأش صاحبه بقوة، فلا يتباطأ أن ينهض للدفاع عن الحق، ولا يبالي ما يلاقي في دفاعه عنه من أذى.
والإخلاص يشرح صدر صاحبه للإنفاق في بعض وجوه البر، فتراه يؤثرها بجانب من ماله، وإن كان به خصاصة. الإخلاص يعلّم صاحبه الزهد في عَرَض الدنيا، فلا يخشى منه أن يناوئ الحق، أو يلبسه بشيء من الباطل، ولو أمطر عليه أشياع الباطل فضة أو ذهباً.
والإخلاص يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا، فلا يفصل في قضية إلا بعد أن يتبين له الحق.
والإخلاص يوحي إلى الأستاذ أن يبذل جهده في إيضاح المسائل، وأن لا يبخل على الطلاب بما تسعه أفهامهم من المباحث المفيدة، وأن يسلك في التدريس الأساليب التي تجدد نشاطهم للتلقي عنه.
والإخلاص يصون التاجر عن أن يخون الذي يأتمنه في صنف البضاعة أو قيمتها؛ ويحمل الصانع على إتقان عمله حسب الطاقة.
والإخلاص يردع قلم الكاتب عن أن يقلب بعض الحقائق، أو يكسوها لوناً غير لونها؛ إرضاء لشخص أو طائفة.
وإذا كان للإخلاص هذه المآثر العظيمة، فحقيق علينا أن نربّي الناشئين على أن يكونوا مخلصين في كل ما يقولون أو يفعلون، ونلقِّنَهم ماذا يناله المخلص من حمد وكرامة وحسن عاقبة؛ لكي تُخرِّجَ لنا معاهدُ الدين والعلم رجالاً يقوم كل منهم بالعمل الذي يتولاه بحزم وإتقان.
(5/ 1/80)

الأمانة في العلم (1)
فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة، فقد مسّ العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة.
لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة، وأمثال هؤلاء لا تجد الأمانة في نفوسهم مستقرًا، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا، وهذا ما كان يدعو جهابذة أهل العلم إلى نقد الرجال، وتمييز من يسرف في القول ممن يصوغه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفى عليهم منزلته، من القطْعِ بصدقه أو كذبه، أو رجحان أحدهما على الآخر، أو احتمالهما على سواء.
قيض الله للسنّة النبوية رجالاً أُشربوا في قلوبهم التقوى، فنهجوا في روايتها نهج أصحاب رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يروون إلا ما وثقوا من صحته، وهم بعد هذا الاحتراس البالغ على فريقين:
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الرابع من المجلد الثاني، الصادر في ربيع الثاني 1350 ه - القاهرة.
(5/ 1/81)

فريق يحافظون في الرواية على الألفاظ، لا يغيرون منها حرفاً، ومن أصحاب هذه الطريقة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ورجاء بن حيوة، ومحمد بن سيرين.
وفريق من أولئك الراشدين يحافظون فيما يروون من الحديث على المعنى، ولم يروا بأساً في التعبير عنه بلفظ غير لفظ الرواية، على شرط أن يؤدي المعنى كما هو، ومن أصحاب هذه الطريقة: الحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي.
اندسَّ بين هؤلاء الأمناء أشخاص يتشابهون في الاستخفاف بصدق اللهجة، ويختلفون في الأغراض التي دعتهم إلى هذا الاستخفاف.
فمنهم: الجاهل الذي يحسب أن من طرق الإحسان إلى الدين وضعَ أحاديث للترغيب في بعض ما ندب إليه من أعمال صالحة، كما وضع نوح ابن أبي مريم أحاديث في فضل سور القرآن، وقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة.
ومنهم: المغلوب على رشده، يضع الحديث لنحو تأييد مذهب، أو إصابة عَرَض زائل؛ كأن يصنع حديثاً فيما يوافق هوى ذي سلطان؛ ليزداد عنده حظوة؛ مثل: غياث بن إبراهيم؛ رأى المهدي يلعب بالحَمام، فتصرّف في حديث: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر"، فزاد فيه: "أو جناح". وقد شاء الله تعالى أن يتنبه المهدي لهذه الخيانة، فأنث غياثاً، وترك الحَمام، وأمر بذبحها.
ومنهم: الزنديق: يضع أحاديث ليفسد القلوب، ويزعزع الإيمان؛ كما
(5/ 1/82)

وضع بعض عباد الأوثان حديث: "لو أحسن أحدكم ظنّه بحجر لنفعه".
ونهض باللغة العربية وآدابها رجال طُبعوا على الأمانة، مثل: أبي عمرو ابن العلاء، والمفضّل الضبّي، والخليل بن أحمد، وسيبويه، والأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، ومحمد بن مسلم الدينوري.
ولم تخلص اللغة وآدابها من أن ينتمي إليها نفر لا يتحاشون أن يدخلوا فيها ما ليس من حقائقها؛ كقطرب (1)، وحمّاد الراوية، ولولا العلماء الذين ينقدون ما يرويه أمثال هؤلاء، لأصيبت اللغة بفساد كبير.
وللتاريخ القسط الأوفر من اختلاق الرواة، وتزوير الكتّاب، فكم من حقائق شاخصة حاولوا أن يذهبوا بها هباء! وكم من سِيَرٍ نقية أخرجوها في صورة ما يستحق هجاء! وسِيَرٍ مدنسّةٍ ألبسوها ثوب ما يستأهل ثناء!
ومن ناحية المحرومين من نعمة الأمانة في العلم، صدرت كتب مثل كتاب: "الإمامة والسياسة" - المنسوب لابن قتيبة - وصفَتْ كثيراً من أفاضل السلف في غير إنصاف، وولغت في أعراض الصحابة، وهم خير أمة أخرجت للناس، وقد حذّر أهل العلم من التسرع إلى تسليم ما يكتبه المؤرخون في شأنهم، وإنما يعوَّلُ في أخبارهم على الروايات الموثوق بها؛ كالأخبار الواردة على طريق علماء الحديث.
وكذلك ترى في غير الحديث واللغة والتاريخ من العلوم رهطاً يمسونها بأيد غير مؤتمنة، ويحشرون فيها ما لا يصح رواية، أو لا يقبل دراية، فيتناولها الجهابذة بالنقد، فينفون خَبَثَها كما تنفي النار خبث الحديد.
__________
(1) كان متهماً في رأيه وروايته عن العرب "مقدمة التهذيب" لأبي منصور الأزهري.
(5/ 1/83)

فالأمانة زينة العلم وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم.
وإذا قلبت النظر في تراجم رجال العلم، رأيت بين العالم الأمين وقرينه غير الأمين بونًا شاسعًا، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد، وترى الثاني في منزلة صاغرة، ونفوس طلاب العلم منصرفة عن الأخذ عنه، أو متباطئة.
وقد تقرأ كتاباً، فتراه حافلاً بالمسائل النادرة، فيكبر صاحبه في عينك، ومتى عرفت أنه من المطعون في أمانتهم، شعرت بأن شطرًا من ذلك الإكبار قد ذهب، وخالطك الريب في صحة ما أعجبت به من المسائل الراجعة إلى الرواية.
كيف تكون منزلة الجاحظ عندك، لو درست حياته، فخرجت مالئاً يدك بالثقة من أنه راوية أمين؟ لا شك في أن الأمانة إذا انحازت إلى مثل ذكاء الجاحظ، وسعة اطلاعه، بلغ صاحبها في الشرف والسؤدد المكانة القصوى، ولكنك تقرأ ما شهد به بعض (1) ناقدي علماء العربية من أن الجاحظ غير مأمون فيما يروي، فلا يبقى في نفسك من احترامه إلا ما جاءها من ناحية سعة علمه، وبراعة بيانه.
ولا أظنك بعد أن تعلم أن أبا الفرج الأصفهاني صاحب كتاب "الأغاني" غير معدود فيمن يطمأن إلى روايته (2)، إلا أن تقرأ كتاب "الأغاني" على أنه كتاب أدب يجمع بين الصحيح والسقيم، حتى إذا أردت تحقيق موضوع تاريخي، لم تعول على ما ينفرد بروايته، فتورده كما تورد ما يرويه ابن جرير
__________
(1) أبو منصور الأزهري في مقدمة كتاب "التهذيب".
(2) انظر: "عيون التواريخ" لابن شاكر.
(5/ 1/84)

الطبري - مثلاً -، وأنت مطمئن إليه، ولو كنت إذ درست حياة أبي الفرج، وجدتها خالصة مما يخدش في أمانته، لأخذ في نفسك مكانة فوق المكانة التي حازها من جهة سعة اطلاعه، وإتقانه لصناعة التأليف.
فالرجل الذي يكون على جانب من العلم، ولا يتصرف فيه بأمانة حصينة، يرمقه الناس بازدراء، وتذهب ثقتهم به، فلا يكادون ينتفعون بما يمكنهم أن ينتفعوا به من معلوماته الصحيحة.
وهذا صاعد بن الحسين البغدادي دخل قرطبة أيام المنصور بن أبي عامر، وكان عالماً باللغة والأدب والأخبار، ولكن أهل العلم اختبروه، فوجدوه يتنفّق بالكذب، فأعرضوا عنه، ولم يأخذوا منه شيئاً، وألف كتاباً سماه: "الفصوص" نحا فيه نحو: "الأمالي" لأبي علي القالي، فغلب شؤم ما فيه من كذب على ما فيه من صدق، وكان شكرهم لهذا الكتاب أن طرحوه في النهر.
قد يقع الرجل في حال يرى أن الاعتراف فيه بالجهل يذهب بشيء من احترام سائليه له، فيقف بين داعيين: فضيلة الأمانة تدعوه إلى أن يقول: "لا أدري"، وحرصه على أن يبقى احترامه في نفوس سائليه غير منقوص يدعوه إلى أن يستمد من غير الحقيقة جوابًا، وفي مثل هذا الحال يظهر مقدار صلة العالم بمزية الأمانة، فإن كان راسخًا فيها رسوخ الجبل تشتد به العواصف، فلا تزحزحه قيد شعرة، أجاب داعيها، واستيقن أن الاحترام الحق في الوقوف عند حدودها، وإن كانت الأمانة كلمة يقولها بفمه، ويسمعها بأذنه، دون أن تتخلل مسلك الروح منه، آثر لذة الاحترام في ذلك المشهد، وأجاب بما ليس له به علم.
(5/ 1/85)

حضر بعض أدباء المغرب مجلس السلطان إسماعيل، أو ابنه محمد، وقرأ هذا الأديب بين يديه صحيفة، فجاءت كلمة: "الوخيد" (1)، فقرأها: "الوخيذ"- بالذال المعجمة-، فأرجعه السلطان، فقال ذلك الأديب: إنه - بالمعجمة والمهملة -، فطلب منه شاهداً على ذلك، فارتجل:
أقولُ لصاحبي لما ارْتَحَلْنا ... وأشْرَعْنا النَّجائِبَ في الوخيذِ
تمتَّعْ من لذيذِ كلامِ حورا ... فما بعدَ العَشِيَّةِ من لَذيذِ
وإذا كان هذا الأديب قد خرج من مجلس السلطان في ستر، فقد لقي ما يلقاه المستخفّ بحق الأمانة في العلم، فافتضح أمره، ووعت صحف التاريخ حديثه، فأزرى بقدره.
وإذا أبديت في العلم رأياً، ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق في غير ما أبديت، فمقتضى الأمانة أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفًا، فما أنت إلا بشر؛ وما كان لبشر أن يبرئ نفسه من الخطأ، ويدعي أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً.
والأمانة هي التي كانت تحمل كبار أهل العلم على أن يعلنوا في الناس رجوعهم عن كثير من آراء علمية، أو اجتهادات دينية، تبينوا أنهم لم يقولوا فيها قولاً سديداً.
تجد هذه الفضيلة في الأئمة المقتدى بهم؛ كمالك بن أنس، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل؛ والفتاوى التي رجع عنها أمثال هؤلاء
__________
(1) الوخيد للإبل: الإسراع.
(5/ 1/86)

العظام منبه عليها في كتب الأحكام، ولا يعد شيء منها فيما يصح الاقتداء به إلا أن يراه بعض المجتهدين صحيح الاستنباط، ثابت الأصل، فحكمه العمل على ما رأى.
يُسأَلُ العالم ذو الخلق العظيم عما لا يعلم؛ فلا يجد في صدره حرجاً أن يقول: "لا أعلم".
وهذه سيرة علمائنا الأجلاء، يُلقى على الواحد منهم السؤال في العلم الذي علا فيه كعبه، فإذا لم يحضره الجواب، أطلق لسانه بكلمة: "لا أدري" غير مستنكف ولا مبال بما يكون لها من الأثر في نفوس السائلين، وإذا فاته أن يجيب طالب العلم عما سأل، لم يفُته أن يعلمه خلقاً شريفاً هو أن لا يتحدث في العلم إلا على بصيرة، فيحفظ مقامه من أن يرمى بضعف الرأي إن كانت المسألة من قبيل الدراية، أو بقلة الأمانة إن كانت عائدة إلى الرواية، ولأن يقال: سئل فقال: لا أدري، خير من أن يقال: سئل، فقال خطلاً، أو روى ما لم يكن واقعاً.
قال ابن هرمز: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: "لا أدري".
والمسائل التي قال فيها كبار العلماء: "لا أدري" بالغة من الكثرة ما لا يحيط به حساب.
سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة، وذكر أنه أُرسل فيها من مسيرة أشهر من المغرب، فقال له: أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها، قال: ومن يعلمها؟ قال: من علم الله.
وسأله آخر عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال: "ما أدري ما هي"، فقال الرجل: يا أبا عبد الله! تركت خلفي من يقول: ليس على وجه
(5/ 1/87)

الأرض أعلم منك، فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت، فأخبرهم أني لا أحسن.
وقال الكاتبون في سيرته: لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك: "لا أدري"، لفعل.
ونقرأ في سيرة الشعبي: أنه سئل عن مسألة، فقال: "لا أدري"، فقال له السائل: فبأي شيء تأخذون رزق السلطان؟ فقال: لأقول فيما لا أدري: "لا أدري".
ومن شواهد أمانة محمد بن الأعرابي: أن محمد بن حبيب سأله في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطَّرِمّاح، فكان يقول: لا أدري، ولم أسمع، أفأحدس لك برأي؟!.
وقد تخون الرجل ذاكرته، أو تأخذه غفلة، فيقع لسانه في خطأ، وينبه بعد، أو يتنبه من نفسه إلى هفوته، فإن كان على حظ عظيم من الأمانة، بادر إلى إصلاخ خطئه بنفسه، غير مستنكف من الاعتراف بما أخذه من ذهول قلب، أو غلط لسان.
حضر أبو بكر بن العربي (1) مجلس أبي الفضل النحوي، فسمعه يقول: طلّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وآلى، وظاهَرَ، فلما انصرف، قصده إلى منزله، وقال له: أصلحك الله! قلت: إنه - صلى الله عليه وسلم - طلّق وآلى وظاهر، وإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يظاهر؛ فإن الله جعل الظهار منكراً من القول وزوراً، فكان من أبي الفضل أن شكره، ومن
__________
(1) هكذا وردت هذه القصة في كتاب "الفائق" لابن راشد القفصي، وأوردها أبو بكر ابن العربي في كتاب "الأحكام" على أنها وقعت لمحمد بن قاسم العثماني حين حضر لمجلس أبي الفضل الجوهري.
(5/ 1/88)

الغد قال أبو الفضل لأهل مجلسه، بعد أن قرَّب ابن العربي إليه: إني قد قلت لكم بالأمس: إن رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طلّق وآلى وظاهر، وإن هذا أرشدني إلى أنه لم يظاهر، وهو كما قال، وإنه شيخي في هذه المسألة.
من الأمانة: الرجوع إلى الحق، وهو كمال لا تحرص عليه إلا نفوس ذللت لها سبل المكارم تذليلاً.
ومن الأمانة: أن تنقد الآراء، ولا تغمض فيما تراه باطلاً، وإن كان بينك وبين صاحبها صلة الصداقة أو القربى.
قدّم أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري للملك المستنصر في تونس كتاباً في النحو، فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم، فزار أبو جعفر حازمًا يوماً، فرأى الكتاب بين يديه، فقال: يا أبا الحسن! "وعين الرضا عن كل عيب كليلة"، فقال له حازم: أنت سيدي وأخي، والعلم لا يحتمل المداهنة، فقال له أبو جعفر: فأخبرني بما عثرت عليه، فاراه مواضع، فسلَّمها، وأصلَحها بخطه.
ومن أمانة العالِم: أن لا يفتي أو يقضي بما يراه باطلاً، فحرام عليه أن يفتي أو يقضي برأي غيره، وهو لا يتردد في بطلانه، ويبقي النظر في المسائل التي تعود إلى الاجتهاد، ولا يتعدى حكمها مراتب الظنون، وهذا ما يمكن أن يكون موضع اختلاف الفقهاء في قضاء العالِم أو إفتائه بغير مذهبه؛ كأن يقضي بين خصمين من أتباع بعض المذاهب على مقتضى المذهب الذي تقلداه.
كان العالم الجليل قاسم بن محمد بن سيّار يفتي في الأندلس بمذهب مالك، وهو يخالفه في كثير من المسائل، فقال له أحمد بن خالد: أراك تفتي
(5/ 1/89)

الناس بما لا تعتقد، وهذا لا يحل لك، فقال: إنما يسألونني عن مذهب جرى في البلد فعرف، فأفتيهم به، ولو سألوني عن مذهبي، لأخبرتهم به.
وشمهل على العالِم السبيل لإفتاء القوم بمذهب إمام تقلدوه: أن المجتهد - وإن خالف غيره من المجتهدين في بعض الأحكام المستنبطة- يرى أن عادات كل مجتهد ومن يقلدون في مذهبه صحيحة؛ لأنها قائمة على الاجتهاد الذي هو أقصى ما كلفهم الله بالعمل عليه، وليس عليهم أن يكون اجتهادهم مطابقاً لما هو الصواب عند الله.
وممن لا يجيز للعالِم أن يحكم بمذهب غير راجح في نظره: أبو بكر الطرطوشي؛ فإنه كان ينكر ما يفعله ولاة قرطبة من أنهم إذا ولوا أحداً القضاء، شرطوا عليه أن لا يخرج عن قول ابن القاسم، وقال: هذا جهل عظيم.
والحق أن ولاية القضاة المتبعين لمذهب بعض الأئمة المقتدى بهم - عند فَقْد المجتهدين- صحيحة، ولوَليِّ الأمر أن يشترط عليهم الحكم بالمشهور، أو الراجح في مذهب بعينه عند الولاية؛ ضبطاً للأحكام، وسداً لأبواب اتباع الأهواء، ولا حرج في قضائهم على هذا الشرط، وان حكموا بما لا تطمئن إليه نفوسهم؛ فإن آراء من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق أو المقيد تسقط أمام آراء المجتهدين، وليس لها في نظر الشارع من قيمة، أما بالغُ رتبة الاجتهاد، فليس له أن يحكم بغير ما قامت الأدلة القاطعة أو الراجحة على أنه حكم الله الذي شرع لعباده.
وإذا كانت الأمانة في العلم منبع حياة الأمم، وأساس عظمتها، زيادة على أنها الخصلة التي تكسب صاحبها وقارًا وجلالة، كان حقاً علينا أن نعطف على نشئنا من طلّاب العلم، ونتخذ كل وسيلة إلى أن نخرجهم أمناء فيما
(5/ 1/90)

يروون أو يصفون، ذلك بأن نتحرى في دروسنا الأمانة فيما نروي، ولا نجيب سؤالهم إلا بما ندري، أو بقولنا: "لا ندري". وإذا أوردنا رأيًا استبنّا بعدُ أنه مأخوذ من غير أصل، قلنا لهم في صراحة: قد أخطأنا في الفهم، أو خرجنا على ما تقتضيه أصول العلم.
ومن أساليب تلقينهم الأمانة في العلم: أن نتلقى مناقشاتهم بصدر رحب، ولا نقتل آراءهم بالكلمات الجارحة، أو نتعسف في ردها، فندافعها بما نعتقد في أنفسنا أنه غير كاف لدفاعها.
وعلى الأستاذ - بعد أن يقوم بحق الأمانة -: ملاحظة سير الطلاب، حتى إذا وقع أحدهم فيما يدل على أنه غافل عن رفعة شأنها، وغزارة فوائدها، أرشده إلى أن العلم بغير أمانة شر من الجهل، وأن ذكاء لا يصاحبه صدق اللهجة نكبة على العقل؛ {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
(5/ 1/91)

القضاء العادل في الإسلام (1)
أحاط الإسلام بضروب السعادة هداية وتعليماً، فدلّ على ضرب منها دلالة تقوم بها الحجة، وتقطع عن الناس عذر الجهل به، وله في هدايته درجات؛ فقد يرشد إلى الشيء دون أن يلهج به، أو يلحف في الترغيب فيه؛ حيث يكون سهل المأخذ على النفس، أو يكون في طبيعة البشر ما يسوق إليهح كإحسان الوالد لولده، والسعي في الأرض لابتغاء الرزق.
وقد يكون في الأمر ثقل على النفس، وصرف لها عن بعض شهواتها، فلا تكاد تقبل عليه إلا بعزم صميم، ونظر في العواقب بعيدة كإقامة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وهذا ما يامر به المرة بعد الأخرى، ويسلك في الدعوة إليه أساليب شتى، حتى يأخذ إليه النفوس على تفاوت هممها، واختلاف رغائبها.
وكذلك ترى مسلكه في الدعوة إلى العدل في القضاء.
يتقدم الخصمان إلى القاضي، وكثيراً ما يجد في نفسه ميلاً - شديداً أو ضعيفاً - إلى أحدهما، يميل إليه لنحو قرابة أو صداقة، أو وجاهة أو غنىً، أو يميل إليه لأنه فقير أو ضعيف، أو خصم لمن يناوئه، وقلّما استطاع القاضي
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الأول من المجلد الثاني، الصادر في شهر المحرم 1350 ه - القاهرة.
(5/ 1/92)

في هذه الأحوال أن يضع الخصمين من نفسه في درجة واحدة إلى أن يفصل في القضية بما أراه الله من الحق.
تلك العواطف التي تثور في القاضي حال النظر في القضية، هي في حكم المعفو عنه، إلا أن يكون لها في رجحان أحد الخصمين على الآخر أثر غير ما تقتضيه البينة وأصول الحكم.
شأن تلك العواطف أن تجاذب القاضي، وتناجيه أن ينحو بالحكم نحو منفعة المعطوف عليه، وعلى قدر العطف تكون هذه المجاذبة والمناجاة، ومتى قويتا في نفس لا تخاف مقام ربِّها، ولم تكن على بصيرة مما في لباس العدل من زينة وفخار، نبذت الحق وراء ظهرها، وانحدرت مع عاطفتها إلى هاوية الظلم، وما هاوية الظلم إلا حفرة من النار.
هذه العواطف التي تجاذب القاضي وتناجيه أن يرضي خصمًا بعينه، تجعل العدل في القضاء من قبيل ما يثقل على النفس، ويجمح عنه الطبع، فكان من حكمة الدعوة الإسلامية أن تعنى به عناية ضافية، وتدخل إلى الترغيب فيه من أبواب متعددة.
عنيت الشريعة بالعدل في القضاء بكل ما هو دعامة لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات البالغات، تبشر من أقامه بعلو المنزلة، وحسن العاقبة، وتنذر من انحرف عنه بسوء المنقلب، وعذاب الهون.
فمن الآيات المنبهة لما في العدل من فضل وكرامة: قوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]، فقد أمر بالعدل، ونبّه على أن خيراً عظيماً ينال الحاكم بالقسط: هو محبة الله له، وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى.
(5/ 1/93)

ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله تعالى: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -عَزَّ وَجَلَّ--، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (1)، وهذا كناية عن شدة قربهم من رب العالمين، وفوزهم برضوانه، وفي ذكر: "الرحمن" تربية للرجاء والثقة بأن الحاكم العادل يجد من النعيم ما تشتهيه نفسه، وتلذه عينه، شأن من يكون قريب المنزلة من ذي رحمة وسعت كل شيء.
وإن شئت مثلاً من آيات الوعيد، فانظر في قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26]، تجد الآية تنادى ي بن الفصل في القضايا جريًا مع الأهواء ضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله ملقٍ في شديد من العذاب. ومن ذا الذي يستخف بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع من هذه الحياة إلا من سفه نفسه، ولم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلبه؟.
فلهذه الآية أثر بليغ في النفوس المطمئنة بالإيمان.
كان أحمد بن سهل جاراً لقاضي مصر بكار بن قتيبة؛ فحدث أنه مر على بيت بكار في أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: ثم قمت في السحر، فسمعته يقرؤها ويرددها. فلا عجب أن يكون بكار هذا من أعدل القضاة حكماً، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفاً.
ومن الأحاديث الواردة في الوعيد على الجور في القضاء: قوله - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) "صحيح الإمام مسلم".
(5/ 1/94)

"من ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين" (1)، ففي هذا الحديث تمثيل القاضي - إذ يلاقي جزاءه في الآخرة - بأشد الناس عذاباً في هذه الحياة، وهو المذبوح بغير سكين، وهذا حال من يكون حظه من علم القضاء بخسًا، أو يكون خلق العفاف في نفسه واهياً.
ويصحُّ حملُ الحديث على معنى الإشارة إلى صعوبة القضاء، حتى كأن القاضي من أجل ما يلاقيه - من تعرف الحق وتنفيذه - من مكاره، ومجاهدة للأهواء، مذبوح بغير سكين، وهو بعد هذا مشعر بسمو منزلة القضاء؛ إذ كان القاضي العادل يضاهي القتيل في سبيل الله؛ بما انقطع عنه من شهوات، وقاساه من آلام، يبتغي أجر الله، والله عنده أجر عظيم.
ومما جمع بين الوعد والوعيد: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار" (2).
وصف هذا الحديث عاقبة من يقضي بالحق على بينة منه، وهي المصير إلى الجنة، وآذن بعاقبة من يقضي على جهل أو جور، وهي المصير إلى النار.
ولا يتناول هذا الوعيد العالم بأصول الشريعة يجتهد رأيه، فلا يصيب الحق، ويقضي بما رأى، قرأ الحسن البصري قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78 - 79]، وقال: لولا ما ذكر الله
__________
(1) رواه أبو داود، والترمذي، وحسَّنَه، وابن ماجه، والحاكم، وصححه.
(2) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم.
(5/ 1/95)

من أمر هذين، لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.
وصف الإسلام ما في العدل من فوز، وأعلن بما في الحيف من شقاء، وكان قضاؤه - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى لصيانة الحقوق، والتسوية بين الخصوم، ويكفي شاهداً على هذا: أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد إقامة الحد على امرأة مخزومية سرقت، فخاطب قريش أسامة؛ ليكلم رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في إسقاط الحد عنها، فقال- صلوات الله عليه-: "أتشفع في حد من حدود الله؟! " ثم قام فخطب، قال: "يا أيها الناس! إنما ضل من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
رسم - عليه الصلاة والسلام - طريق العدل في القضاء قيّمة غيرَ ذات عوج، وزادها بسيرته العملية وضوحًا واستنارة، فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديها الحكيم، وأروا الناس القضاء الذي يزن بالقسطاس المستقيم.
انظر إلى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالته إلى أي موسى الأشعري: "آسِ (1) بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".
كان للإسلام وسيرة الذين أوتوا العلم من رجاله أثر في إصلاح القضاء كبير، ولا تشرق المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيدُ العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.
__________
(1) آسِ؛ سوِّ بينهم، واجعل كل واحد أسوة خصمه.
(5/ 1/96)

فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة حتى يتعرف الحق، ولا يأخذ بأول ما يلوح له من الفهم، وإن تيقن أن قضاءه نافذ، وما له في الرؤساء من معقب.
ومن أمراء الأندلس من كان يعزل القاضي متى رأى منه السرعة في فصل القضايا التي تستدير بطبيعتها شيئاً من التروي؛ إذ يفهم من هذه السرعة عدم تحرجه من إثم الخطأ في الحكم.
وتقوى الله هي التي تقف القاضي في حدود العقل، لا يخرج عنها قيد أنملة في حال.
قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي: ألا تؤلف كتاباً في أدب القضاء؟ فقال: "اعدِلْ ومدَّ رجليك في مجلس القضاء، وهل للقاضي أدب غير الإسلام؟! ".
وفي سيرة أبي عبد الله محمد بن عيسى أحد قضاة قرطبة: أنه "التزم الصرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيان في السر، والصدع بالحق في الجهر، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أرباب السلطان وأهله، حتى تحاموا حدة جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه".
ونقرأ في وصف إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي أحدِ قضاة مصر: أنه "كان لا يقبل رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقاً".
وامتحن عبد الله بن طالب - أحد قضاة القيروان -، فكان يقول في سجوده وهو في السجن: "اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرت عليك أحداً من خلقك، ولا خفت فيك لومة لائم".
(5/ 1/97)

ووصف المؤرخون محمد بن عبد الله بن يحيى - أحد قضاة قرطبة - بأنه "لم يداهن ذا قدرة، ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان، ولم يطمع شريف في حَيْفه، ولم ييئس وضيع من عدله، ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوباً ولا ألسنة منهم في أيامه".
ومن القضاة العادلين من تطرح بين يديه قضية يدلي فيها أحد الخصمين بشهادة الخليفة نفسه، فيرد الشهادة في غير مبالاة.
شهد السلطان بايزيد عند شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي الآستانة في خصومة رفعت إليه، فرد القاضي الشهادة، ولما سأله السلطان عن وجه ردها، قال له: إنك تارك للجماعة! فبنى السلطان أمام قصره جامعًا، وعين لنفسه فيه موضعاً، ولم يترك الجماعة بعد ذلك.
ورفعت قضية إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة، أحدُ الخصمين فيها سعيد الخير عم الخليفة عبد الرحمن الناصر، وأقام سعيد بيّنةً أحدُ شهودها الخليفة نفسه، ولما قدم كتاب شهادة الخليفة إلى القاضي، نظر فيه، ثم قال لوكيل سعيد: هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بشاهد عدل، فمضى سعيد إلى الخليفة؛ وجعل يغريه على عزل القاضي، فقال الخليفة: القاضي رجل صالح، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست والله! أعارضه فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض مثله! ولما سئل ابن بشير عن رد شهادة الخليفة، قال: إنه لا بد من الإعذار في الشهادة، ومن الذي يجترئ على القدح في شهادة الأمير إذا قبلت؟! ولو لم أعذر، لبخست المشهود عليه حقه.
فالإسلام يلقن القاضي أنه مستقل، ليس لأحد عليه من سبيل؛ وقد قصّ
(5/ 1/98)

علينا التاريخ: أن كثيراً من القضاة العادلين كانوا لا يتباطؤون أن يحكموا على الرئيس الذي أجلسهم على منصة القضاء حكمَهم على أقصر الناس يداً، وأدناهم منزلة.
قال ابن عبد السلام يصف القضاة العادلين: "وربما كان بعضهم يحكم على من ولّاه، ولا يقبله إن شهد عنده".
وقال المقري يصف القضاء في الأندلس: "أما خطة القضاء بالأندلس، فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة؛ لتعلقها بأمور السلطان، وكون السلطان لو توجه عليه حكم، حضر بين يدي القاضي".
وحكم ابن بشير قاضي قرطبة على الخليفة عبد الرحمن الناصر في قضية رفعها عليه أحد المستضعفين من الرعية، وأُبلغ الخليفةُ الحكمَ مقروناً بالتهديد بالاستقالة من القضاء إذا لم يسلم الحكم، ويبادر إلى تنفيذه.
ومن القضاة العادلين من يرمي بالمنصب في وجه الدولة إذا أخذ بعض رجاله يتدخل فيما يرفع إليه من الخصومات.
فعل هذا إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر حين تخاصم إليه رجلان، وأمر بكتابة الحكم على أحدهما، فتشفع المحكوم عليه إلى الأمير، فأرسل إليه يأمره بالتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فترك القضاء، وأقام في منزله، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك أبداً، ليس في الحكم شفاعة.
وفعل هذا برهان الدين بن الخطيب بن جماعة أحدُ قضاة مصر، عارضه محب الدين ناظرُ الجيش في قضية، فقال: لا أرضى أن أكون تحت الحجر. وصرف أتباعه، وصرح بعزل نفسه، وأغلق بابه، فبلغ أمره الملك الأشرف،
(5/ 1/99)

فانزعج، وما زال يسترضيه حتى قبل، واشترط عليه أشياء تلقاها منه بالإجابة.
والرئيس الناصح يُكبر القاضي الذي يأنس منه استقامة، ويعمل لإرضائه حتى يصرفه عن الاستقالة.
أرسل أبو عبيد قاضي مصر أبا بكر بن الحداد إلى بغداد ليستعفي له عن القضاء، فأبى الوزير علي بن عيسى بن الجراح أن يعفيه، وقال: ما أظنه إلا أنه كره مراقبة هلال بن بدر؛ لأنه شاب غرّ لا يعرف قدره، فانا أصرف هلالًا، وأولي فلاناً، وهو شيخ عاقل يعرف قدر القاضي.
والرئيس العادل يُعجَب بالعالِم الذي دلته التجربة على استقامته عند الحكم، وتجرده من كل داعية غير داعية ظهور الحق، ويدعوه هذا الإعجاب إلى إقامته قاضياً بين الناس.
أخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فرسًا من رجل على سوم، فحمل عليه، فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينَك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي. فقال شريح: أخذته صحيحاً سليماً، فأنت ضامن له حتى ترده صحيحاً سليماً، قال الشعبي - وهو راوي القصة -: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضياً.
ولصعوبة القضاء من ناحية التثبت من الحق أولاً، والقدرة على تنفيذه ثانياً، أبى كثير من العلماء الأتقياء أن يقبلوا ولايته، ورفضوها بتصميم، يخشون أن يعترضهم في التنفيذ ما لا طاقة لهم بدفعه، أو يخشون الزلل عند النظر في بعض النوازل وتعرّف أحكامها؛ فإن إدراج الوقائع الجزئية تحت الأصول الكلية عسير المدخل؛ لكثرة ما يحوم حوله من الاشتباه، فكثير من الجزئيات تحتوي أوصافاً مختلفة، وكل وصف ينزع إِلى أصل، وقد يكون في
(5/ 1/100)

الأصل الذي هو أمسّ بالواقعة خفاء لا ينكشف إلا أن يردد القاضي الألمعي نظره، ويجهد في استكشافه روبته.
عرض هارون الرشيد على المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث قضاء المدينة المنورة بجائزة قدرها أربعة آلاف دينار، فأبى، وقال: لأن يخنقني السلطان أحبُّ إليَّ من القضاء.
ومن العلماء من يأبى قبولها، ويكون الأمير ممن يقدر قدره، ويراه أقدر أهل العلم على القيام بها، فيهدده بالعقاب، أو يسومه العذاب؛ ليكرهه على قبولها، ومنهم من يقبلها بعد التهديد البالغ، مثل: عيسى بن مسكين أحد الفقهاء بالقيروان، عرف الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب من زهده في المناصب أنه يأبى ولاية القضاء، فأحضره، وقال له: ما تقول في رجل جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء، وألمّ به شعث هذه الأمة، فامتنع؟ قال له عيسى بن مسكين: يلزمه أن يلي، قال: تمنّع، قال: تجبره على ذلك بجلد، قال: قمْ فانت هو، قال: ما أنا بالذي وصفت، وتمنّع حتى أخذوا بمجامع ثيابه، وقرّبوا السيف من نحره، فتقدم لها بعد أمر خطير.
ولارتباط سعادة الأمة باستقامة القضاء، جاز للرئيس الأعلى - متى رأى في أهل العلم من هو أدرى بمسالكه، وأقدر على القيام بأعبائه - أن يكرهه على ولايته بالوسائل الكافية.
قيل للإمام مالك: هل يجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: لا، إلا أن لا يوجد منه عوض، فيجبر عليه، قيل له: أيجبر بالضرب والسجن؟ قال: نعم.
وطلب ابن الأغلب أمير القيروان الإمام سحنون لولاية القضاء، فامتنع،
(5/ 1/101)

وبقي نحو سنة يطلبه لها وهو يمتنع، حتى قال له حالفاً: لئن لم تتقدم لها، لأقدّمن على الناس رجلاً من غير أهل السنّة، فاضطره هذا الحلف إلى قبولها.
ومن العلماء من يُطلب للقضاء، فلا يجيب إلا على شرط يصعب على رجال الدولة قبوله، ولا يسعهم إلا أن يتركوه.
طلبوا أبا محمد بن أبي زيد لقضاء القيروان، وقطعوا دون قبوله كل عذر، فشرط عليهم أن يجعلوا لمن بين يديه من الأعوان ما يقوم بكفايتهم من بيت المال؛ بحجة أن من واجب السلطان أن يوصل لكل ذي حق حقه، وليس على صاحب الحق أن يعطي من حقه شيئاً (1)، فاستكثروا ما ينفق في هذا السبيل، وتركوه.
وإن شئت مثلاً يريك الاعتزاز بالعلم والزهد في المناصب إلا أن يتيقن السير بها في استقامة، فإليك قصة زياد بن عبد الرحمن: دعاه هشام عندما تولى الخلافة بالأندلس إلى القضاء، فأبى، وبعث إليه الوزراء، فلم يتخلص منهم حتى قال لهم: عليّ المشي إلى مكة إن ولّيتموني القضاء، وجاء أحد يشتكي بكم، لآخذن ما بأيديكم، وأدفعه إليه، وكلفكم البينة؛ لما أعرفه من ظلمكم! فعرفوا أنه سيفعل ما يقول، فتركوه.
وعناية الإسلام بالقضاء رفعته إلى درجة أفضل الطاعات، فمن سار على بينة وهدى، كانت الأوقات التي يشغلها بالنظر في النوازل داعداد الوسائل لساعة الفصل أوقاتاً معمورة بالعمل الصالح، كافلة لصاحبها الكرامة في الدنيا، والفوز في الأخرى، ولهذا ترى بعض العلماء يتقلدون القضاء، ويأبون أن
__________
(1) نص على هذا ابن رشد في كتاب "البيان". وعمل القضاة جار على غير هذا، وهو أن أجرة العون على طالب الحق.
(5/ 1/102)

يأخذوا عليه رزقاً.
ومن هؤلاء العلماء الزاهدين: أبو القاسم حماس بن مروان، ولّاه زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية، فتولاه، وأبى أن يأخذ عليه أجراً، و"كانت أيامه أيام حق ظاهر، وسنّة فاشية، وعدل قائم".
وكان سحنون قاضي أفريقية "لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان، وإنما يأخذ لأعوانه وكتّابه من جزية أهل الكتاب".
ومن أبى أخذ الأجر على القضاء، فليدخر ثوابه كاملاً عند الله، أو لأنه كان في غنى، وليس في أهل العلم من يكفي كفايته، فتكون ولايته من قبيل القيام بفرض عين، ومن تعين عليه القضاء وهو في بسطة من المال، فهو الذي لا يجيز له الفقهاء أن يأخذ على ولايته عوضاً.
حقيقة إن الإسلام بنى القضاء على أسس محكمة، ونظم صالحة، وأخرج للناس قضاة سلكوا إلى العدل في الحكم، والحزم في التنفيذ، مسلكاً هو أقصى ما يستطيعه البشر، وأرقى ما يجده الباحث في القديم والجديد، فإذا توفقت الدول الإسلامية لأن تربّي رجالاً مثل من وصَفْنا علماً وجلالة، أمكنها أن تحتفظ بروح العدل الذي لا يجري إلا على يد من تفقه في كتاب الله، وسنّة رسوله، واهتدى بحكمتهما إلى أن الدنيا متاع، وأن الآخرة هي دار القرار.
(5/ 1/103)

الإنصاف الأدبي (1)
لا أريد أن أبحث تحت هذا العنوان عن الإنصاف الذي يفسر بالعدل، ويوصف به من ينتصب للحكم بين المتخاصمين، فقد سبق لنا أن تعرضنا لهذا الموضوع في مقال: "القضاء العادل في الإسلام". كما أني لا أريد البحث عن الإنصاف الذي هو خلق يحمل صاحبه على أن يعطي الحقوق المادية من نفسه؛ كأن يعرف الرجل أن هذا المال أو المتاع حق لفلان، فيكفّ يده، أو يرفعها عنه من تلقاء نفسه، لا يخشى سطوة حاكم، أو لومة لائم. فللحديث عن الإنصاف الذي هو تبرئة الذمة من الحقوق المادية مقام غير هذا المقام، وإنما الغرض: البحث عن ضرب خاص من ضروب الإنصاف، وهو أن يقول الرجل صوابًا، فتعترف بأنه محق، أو يحرز خصلة حمد، فتقرّ بها، ولا تنازع من يصفه بها، ولا أجد مانعاً من أن أسمّي هذا النوع من الإنصاف: "الإنصاف الأدبي"، ويقابله من الأخلاق المذمومة: "العناد"، وهو جحود الحق، وردّه مع العلم بأنه حق.
والإنصاف الأدبي من الخصال التي لا ترسخ إلا في نفس نبتت في بيئة صالحة، وارتضعت من ثدي التربية الصحيحة لبناً خالصاً، والجماعة
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الثالث من المجلد الرابع، الصادر في شهر ربيع الأول 1352 ه - القاهرة.
(5/ 1/104)

التي تفقد هذا الخلق تفقد جانباً عظيماً من أسباب السعادة، ويدخلها الوهن بعد الوهن، حتى تتفرق أيدي سبأ، وعليك الإنصات، وعلينا البيان:
بين الأخلاق روابط، وكثيراً ما يكون بعضها وليد بعض؛ كالعدل قد يكون وليد القناعة، وكالشجاعة قد تكون وليدة عزَّة النفس، وكالجبن قد يكون وليد الطمع، وكذلك خلق العناد وعدم الإذعان للحق قد يكون وليد الحسد، وقد ينشأ عن طبيعة الغلوِّ في حبّ الذات، وللغلو في حب الذات فرعان: حب الانفراد بالفخر، دايثار النفس على كل شيء حتى الحق، فالحاسد، أو الحريص على الانفراد بالفخر، هو الذي يسمع الرجل يقول صواباً، فيقول له: أخطأت، أو يسمع الثناء عليه ببعض ما أحرز من خصال، فيقول للمثنى عليه: كذبت. وإيثار النفس على النفس هو الذي يحمل الرجل على التعصب لرأيه، والدفاع عنه وهو يعلم أنه في خطأ مبين.
فمن أراد أن يطبع ناشئاً على خلق الإنصاف، نقّب على علتي: الحسد، والغلو في حب الذات، فإن وجد لهما في نفس الناشئ أثراً، راوضه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يتهيأ الناشئ لأن يكون على هذا الخلق العظيم؛ أعني: خلق الإنصاف.
وإذا كان منشأ الحسد قلة ملاحظة أن النعمة تصل إلى صاحبها من علاّم الغيوب، وهو لا يرسلها إلا لحكمة، فإن من وسائل علاج هذا الداء: تلقين الناشئ أن النعم - مادية أو أدبية - إنما ينالها بمشيئة العليم الحكيم.
وإذا كان منشأ الحرص على الانفراد بالفخر هو الغلو في حب الذات، كان على المربي تهذيب عاطفة حب الذات في نفس الناشئ حتى تكون عاطفة معتدلة: تجلب له الخير، وتأبى له أن ينال غيره بمكروه.
(5/ 1/105)

وإذا شفي الناشئ من مرض الحسد، وخلص من لوثة الغلو في حب الذات، لم يبق بينه وبين فضيلة الإنصاف إلا أن تعرض عليه شيئاً من آثارها الطيبة، وتذكره بما يدرك المحرومين منها، والمستخفّين بها من خسار وهوان.
وقلة الإنصاف تبعد ما بين الأقارب أو الأصدقاء، وكم من تجافٍ نشأ بين أخوين أو صديقين، وإنما نشأ من جحود أحدهما بعض ما يتحلى به الآخر من فضل، أو من ردّه عليه لرأياً أو رواية، وهو يعلم أنه مصيب فيما رأى، أو صادقاً فيما روى.
قال الحكيم العربي:
ولم تَزَلْ قِلّةُ الإنصافِ قاطعةً ... بينَ الرّجالِ وإنْ كانوا ذَوي رَحِمِ
ومتى شعر الرجل من آخر وإنكار شيء من فضله، أو بتعسفه في معارضه رأيه، رآه غير موضع للصحبة والمعاشرة، وربما وقع في ظنه أن الراحة في عدم لقائه.
قلة الإنصاف تجر إلى التقاطع، والإنصاف يدعو إلى الالفة، ويؤكد صلة الصداقة، فإذا كنت في مجلس، فقرر الرجل رأيًا واضح الحجة، فغلبك ما في نفسك، وحاولت أن تصوره للناس خطأ، فقد ألقيت بينك وبينه عداوة، فإن خضعت لحجته، وأعربت له عن استحسان رأيه، فقد مددتَ بينك وبينه سبباً من أسباب الألفة؛ إذ يشعر من إنصافك أنك لا تحمل له ضغناً، ولا تكره له أن ينال حمداً؛ فإن سبق هذا الإنصاف خصومة، شعر بأنك خصم شريف، فيسعى لأن تنقلب الخصومة سلماً، ويتبدل التقاطع ولاء.
وقلة الإنصاف تسقط احترامك من العيون؛ فإن من يراك تهاجم الآراء
(5/ 1/106)

المؤيدة بالحجة، قد يحمل هذا الهجوم على قصر نظرك، وعجزك عن تمييز الباطل من الحق، فإن حمله على أنك تهاجمها كراهة أن تكسب صاحبها حمدًا، وقع في نفسه أنك تتمنى لغيرك زوال النعمة، أو أنك حريص على الانفراد بخصال الحمد، فإن ذهب في تأويل إبايتك لقبول الحق إلى أنك تموّه على الناس؛ حتى لا ينسبوا إليك نقيصة الخطأ، علم ما لم يكن يعلم من إيثارك النفس على الحق، ولا احترام لمن لا يدرك الآراء المؤيدة بالحجة، أو يتألم من أن يرى غيره في نعمة، أو من يعمل للانفراد بالحمد من طريق التعسف والعناد، أو يدافع عن نفسه نقص الخطأ بمحاولة قتل الحق.
قلة الإنصاف تسقط احترامك من القلوب؛ والإنصاف يزيد احترامك في القلوب مكانة؛ ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك ونقائها من أن تكون قد حملت شيئاً من دنس الحسد، أو حام بها الغلو في حب الذات.
نقرأ في كتب الأدب: أن منذر بن سعيد البلوطي دخل مصر، وحضر مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأنشد أبو جعفر أبيات مجنون ليلى هكذا:
خليليَّ هلْ بالشّامِ عيْنٌ حزينةٌ ... تُبكّي على نَجْدٍ لعلّي أُعِينها
قد اسلَمها الباكون إلا حمامةً ... مطوّقةً باتَتْ وباتَ قرينُها
تجاوِبُها أخْرى على خَيْزُرانَةٍ ... يكادُ يدنيّها من الأرضِ لينُها
فأراد منذر أن ينبهه على أن قراءة: "باتت وبات" من عجز البيت الثاني بالتاء المثناة خطأ، فقال: يا أبا جعفر! ماذا- أعزك الله- باتا يصنعان؟ فقال أبو جعفر: كيف تقول أنت يا أندلسي؟ قال منذر: "بانت وبان قرينها".
(5/ 1/107)

كيف يكون مقام أبي جعفر في نفسك لو قصَّ عليك التاريخ أنه تلقى تصحيح منذر بن سعيد بالارتياح، وقال له: أنا أخطأتُ، وأنت أصبتَ؟ لا شك أنك تحمل له من الاحترام فوق ما كنت تحمل، ولكن منذر بن سعيد يقول: إن ابن النحاس سكت، وما زال يستثقلني، ثم عاد بعد حين إلى ما كنت أعرفه منه؛ يعني: من الإقبال والحفاوة.
وقلة الإنصاف تحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً؛ فمن لم تنصفه من أهل العلم، وجد في نفسه مثبطًا عن أن يسرع إلى إفادتك أو يقيض القول في مذاكرتك، فيفوتك حظّ من العلم لولا عدم إنصافك، لازددت به قوة في الفهم، وسعة في العلم، وقد يكون من أثر جحودك لفضل الرجل أن تقل رغبتك في ملاقاته، والتزود من آرائه أو رواياته، وكم وصل الرجل بإنصافه إلى علم وأدب جم!
قال أبو إسحاق الزجّاج: لما قدم المبرِّد بغداد، أتيته لأناظره؛ وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، وأميل إلى قول الكوفيين، فعزمت على إعنات المبرِّد، فلما فاتحني، ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلة؛ وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فتبينت فضله، واسترجحت عقله، وجددت في ملازمته.
فلو كان أبو إسحاق من أولئك الذين يجمح بهم التعصب للأشياع أو المذهب، حتى ينبذوا الانصاف ناحية، لما اعترف بفضل المبرد، وقد فاتحه بالمناظرة عازمًا إعناته، ولفاته العلم الذي غنمه بالجد في ملازمته.
وقلة الإنصاف تحدِث في العلم فساداً كبيراً؛ ذلك لأن من لا يقدر الإنصاف قدره، قد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأن تكون قد صدرت منه، فيقابلها بالرد والأنكار، وقد تكون
(5/ 1/108)

له براعة بيان، فيصرفها في تشويه وجه الحق، وهو يعلم أنه حق، فيظهر الجهل على العلم، ولو في فئة قليلة، أو دائرة صغيرة.
قلة الإنصاف تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، والإنصاف يؤيد العلم، ويجعل موارده صافية سائغة. ولو أخذ الإنصاف حظه من نفوس جميع الباحثين عن الحقائق، لقلَّت مسائل الخلف في كل علم، فيكون حفظ العلوم أيسر، ومدة دراستها والرسوخ فيها أقصر.
نقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبد السلام: أن ابن الصبّاغ اعترض عليه في أربع عشرة مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقرّ بالخطأ في جميعها.
ومن النواحي التي غفل فيها بعض الناس عن فضيلة الإنصاف، فكانت منبت فساد غير قليل: ناحية التعصب للمذهب تعصبَ من لا يسمع ولا يرى، ولصاحب المذهب أو المقتدى به أن يبسط القول في تقرير أصوله، وإيراد حججه، وله أن يناقش أقوال مخالفيه، وأدلتهم، فيردها، ويصفها بالخطأ إذا شاء، ومن الإنصاف أن يناقشها استبانة للحق، ولا يصفها بالخطأ إلا بعد أن تأذن له الحجة في وصفها، والعالِم الذي يطول نظره في أقوال الأئمة، يشهدهم كيف يرمون إلى غرض واحد هو الحكم المطابق للحق، فيمتلئ قلبه باحترامهم، ويقف في حدود الإنصاف عند درسه لمسألة من المسائل التي جرى فيها اختلافهم.
قال الإمام الشافعي: الظرف في الوقوف عند الحق كما وقف.
لا يصعب على النفوس - التي فيها بقية من خير - أن تنصف الرجل يبتكر رأياً، أو ينهض لعمل، فتعترف لرأيه بالإصابة، أو لعمله بالإجادة.
(5/ 1/109)

والإنصاف الذي قد تجمح عنه نفسك كثيراً أو قليلاً: أن تقول قولاً تظنّه صوابًا، أو تعمل عملاً تحسبه حسناً، فينقده آخر بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأ، أو عملت سيئاً، ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهة للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة في العمل، فإن كنتَ على ذكر من فضيلة الإنصاف، وما تؤتيه من ثمار طيبة، لم تلبث أن تكظم هذه الكراهة، ولا تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني قد أخطأت في قولي، أو أسأت في عملي.
وتاريخ الإسلام مملوء بقصص الذين رجعوا عن آرائهم بعد محاورات أو مناظرات ظهر لهم منها أن الحق في جانب من دارت بينهم ويينه المحاورة أو المناظرة.
ومما يروى في هذا الصدد: أن مناظرة جرت بين الإمامين: مالك بن أنس، وأبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة في مقدار الصاع الذي تؤدى به زكاة الفطر، فقال مالك: هو خمسة أرطال وثلث، وكان أبو يوسف يذهب إلى أنها ثمانية أرطال، فاحتج عليه مالك بالصيعان الموجودة لذلك العهد عند أبناء المهاجرين والأنصار بالمدينة، فرجع الإمام أبو يوسف إلى ما قاله الإمام مالك.
لا يصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل لا يصعب عليه أن ينصف من لا تربطه به قرابة أو صداقة، ولا تبعده منه عداوة.
والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مراوضة النفس كثيراً أو قليلاً: أن يبدي بعض أعدائه رأياً سديدًا، أو يناقشه في رأي مناقشة صائبة، فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.
(5/ 1/110)

ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة: أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه له من فضل.
أنشد في مجلس الإمام علي بن أبي طالب قول الشاعر:
فتىً كان يدنيه الغِنى من صديقِهِ ... إذا ما هو اسْتَغْنى ويبعدُه الفَقْرُ
كأنّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ بجبييهِ ... وفي خدِّهِ الشَّعرى وفي الآخَرِ البَدْرُ
فلما سمعها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف ليلتئذ مجرداً بينهما.
يسهل على الرجل أن ينصف من هو أكبر منه سناً، أكثَر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسد، وحسد الإنسان لأقرانه أكبر وأشد من حسده للمتقدمين عليه في السن، وشمهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدث سناً منه، إذ يسبق إلى ظنه أن ظهور مزية لمن هو أحدث عهدًا منه قد تقتضي إلى أن يكون ذكره أرفع، وفضل القرين على بعض أقرانه شائع أكثر من فضل المتأخر على المتقدم، وشيوع الشيء يجعله أهون على النفس مما هو أقل شيوعاً منه.
فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تتقوى فيها داعية العناد، ويعدّ للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية ما استطاع من قوة.
ويقص علينا التاريخ: أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يظهر عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.
يذكرون: أن العلامة عبد الله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صورة، ويروى أن أبا عبد الله هذا كان
(5/ 1/111)

قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد بن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:
أُعَلِّمُه الرِّمايةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اشْتَدَّ ساعِدُه رَماني
ومن نظر بروية إلى أن فضل العلم من جهة أنه وسيلة إلى إصلاح العمل وإسعاد البشر، وكان مع هذا النظر ناصحًا لأمته، وقف عند حد الإنصاف، ولم ينحرف عنه إجابةً لداعي الحسد، أو انسياقًا مع حب العلو في الأرض ولو بغير حق.
أخذ رجال بأدب الإسلام، فرسخوا في فضيلة الإنصاف على قدر صفاء سرائرهم، واحترامهم لأصول الدين وأحكامه؛ وقد مثّل الصحابة - رضي الله عنهم - الانصاف في أكمل صورة.
بدا لعمر بن الخطاب مرة أن يضع للمهور حداً، فخطب قائلاً: "لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد، ألقيت زيادته في بيت المال"، فقامت امرأة من صفّ النساء، فقالت: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، فقال عمر: "امرأة أصابت، ورجلٌ أخطأ". ولو كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من أولئك الذين يألمون من أن ينسب إليهم نقص أكثر من ألمهم لتحريف آية عن موضعها، أو استبدال خاطر بشري بحكم إلهي، لما عدم وجهاً من أمثال تلك الوجوه التي يصورها المخادعون أو ضعفاء الإيمان تعصباً لآرائهم المخالفة للقرآن.
اختلف ابن عباس، وزيد بن حارثة - رضي الله عنهما - في مسألة من باب الحيض، فقرر
(5/ 1/112)

ابن عباس حكماً، وخالفه زيد، فرأى فيها رأياً آخر، فقال له ابن عباس: سَل نسيّاتك: أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد فسألهن، ثم جاء وهو يضحك، فقال لابن عباس: القول ما قلتَ. وموضع العبرة من هذه القصة: أن زيداً تمسك برأيه في مخالفة ابن عباس حتى استبان له أن الحق مع ابن عباس، فلم يجد في نفسه حرجًا من أن يرجع إليه ضاحكًا، ويقول له: القول ما قلت.
ويروى: أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - تكلم في مسألة، فقال له أحد الحاضرين: ليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين، ولكنه كذا وكذا، فقال عليّ: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم. وعشاق الأخلاق الكريمة يجلون الإمام عليّاً لهذا الإنصاف إجلالهم له عندما يفتي فيصيب الحق، أو يعظ فينطق بالحكمة.
وقد اقتدى بالصحابة في هذا الخلق الكريم من جاء بعدهم من كبار العلماء، وهذا الإمام الشافعي - رضي الله عنه - يقول: "ما ناظرت أحداَّ عَلى الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه".
والراسخون في فضيلة الإنصاف لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده، أو بمحضر جمع كبير لم يشعروا بالخلاف، ولا بخطأ المخطئ، أو إصابة المصيب. وها هو ذا التاريخ يحدثنا عن رجال من علماء الإسلام بلغوا هذه الغاية من الإنصاف.
قال عبد الرحمن بن مهدي: ذاكرت القاضي عبيد الله بن الحسين في حديث، وهو يومئذٍ قاض، فخالفني فيه، فدخلت عليه بعد، وعنده الناس سماطين (1)، فقال لي: ذلك الحديث كما قلتَ أنتَ، وأرجع أنا صاغراً.
__________
(1) سماط القوم،: صفّهم، يقال؛ قام القوم حوله سماطين؛ أي: صفين.
(5/ 1/113)

فعبيد الله قد أحسن إلى نفسه إذ أخذها بفضيلة الإنصاف، وأحسن إلى الناس إذ علّمهم كيف يعترفون بالخطأ إذا أخطؤوا؛ ولا يتلبثون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم، وعلت أقدارهم.
العناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رده على صاحبه، فمتى كانت الحجة أظهر، كان العناد أقبح.
والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تتحيز لرأيك، وتهيئ كثيراً من الأذهان لقبوله.
وقد ينقل التاريخ شذرات من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة، فتهتز في نفوس قرائها عاطفة احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد، وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب، وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة، وسبب هذا الإكبار: عظمةُ الإنصاف، وعزّة من يأخذ نفسه بها في كل حال.
قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف.
وإذا لم ينصفك الرجل، فردَّ عليك الحق بالشمال واليمين، أو جحد جانباً من فضلك وهو يراه رأي العين، فلا تكن قلة إنصافه حاملة لك على أن تقابله بالعناد، فتردّ عليه حقاً، أو تجحد له فضلاً، واحترس من أن تسري لك من خصومك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك
(5/ 1/114)

أو قلمك، وأنت تحسبه من محاربة الخصوم بمثل سلاحهم، كلا، لا يحارب الرجل خصومه المبطلين بمثل الاعتصام بالفضيلة، ولا سيما فضيلة كفضيلة الإنصاف تدل على نفس مطمئنة، ونظر في العواقب بعيد. ومن وجد في خصمه فضائل، حصر محاربته في الأمر الذي هو منشأ للخصومة؛ وترك تلك الفضائل قارَّةً في مكانها، بادية لمن أراد أن يقتدي بها.
وإذا كان الإنصاف فضيلة ترتفع بها أقدار الرجال، وتتسع بها دوائر العلوم، وتصفو بها موارد الآداب، ويشتد بها حبل الاتحاد، وينتظم بها شأن الاجتماع، كان من واجب أولياء الأطفال، وأساتذة الأخلاق، ودعاة الإصلاح، أن يجعلوا له من تربيتهم وتعليمهم ودعوتهم نصيباً يكفي لأن نرى أنديتنا ومؤلفاتنا وصحفنا نقية من إنكار الحق، بريئة من جحود الفضل.
(5/ 1/115)

العلماء والإصلاح (1)
نود من صميم قلوبنا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة. ولا يرسخ بناؤها، ويروع طلاؤها، وتحمد عاقبتها، إلا أن تكون موصولة بنُظم الدين، مصبوغة بآدابه، والوسيلة إلى أن يجري فيها روح من الدين يجعلها رشيدة في وجهتها، بالغة غايتها: أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية بالقيام على ما استحفظوا من هداية، فلا يذروا شيئاً يشعرون بأنه موكول إلى أمانتهم إلا أحسنوا أداءه.
ينظر أهل العلم في حال الناس من جهة ما يتقربون به إلى الخالق، ويزنون أعمالهم ليميزوا البدعة من السنّة، ويرشدوهم إلى أن يعملوا صالحًا. ومن الذي لا يدرك أن البدع تقف كقطع من الليل المظلم، فتغطي جانباً من محاسن الشريعة الغرّاء، وهي - بعد هذا - ضلالات تهوي بأصحابها في ندامة وخسران؟.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يدور بينهم من المزاعم الباطلة، والأحاديث المصنوعة، وينفون خبثها نفي النار لخبث الحديد، يفعلون هذا ليكون الناشئ المسلم نقي الفكر، صافي البصيرة، لا يحمل في نفسه إلا
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الثاني - الصادر في شهر ربيع الآخر 1349 ه.
(5/ 1/116)

عقائد خالصة، وحقائق ناصعة.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسداً، ويصلون ما كان متقطعاً، وما شاعت المعاملات التي نهى عنها الدين في غير هوادة؛ كالربا، والميسر، إلا حيث قلّ من يعظ الناس في ارتكابها، ويبسط القول في شؤم عاقبتها.
ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يمسهم من السرّاء والضرّاء، ويسعون ما استطاعوا في كشف الضر عنهم، ولو بعرض حالهم على أولي الشأن، وإثارة دواعيهم إلى أن يعالجوا العسر حتى ينقلب بفضل تدبيرهم يسراً.
يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس: أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم، وقال أحد علمائهم:
وأتعبُ إنْ لم يُمْنَحِ الناسُ راحةً ... وغيري إن لم يُتْعِبِ النّاسَ يَتْعَبُ
ينظر أهل العلم بعين الاحتراس إلى كل من يدعو إلى مذهب باسم الدين، ويتخذون الوسائل إلى الاطلاع على حقيقة قصده.
ومن أسباب وهن حبل الإسلام، وتقطع أوصاله: مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون، أو جهال لا يفقهون.
أفلم يكن المذهب البهائي يعمل لهدم قواعد الإسلام، واستهواء أبنائه من خلف ستار؟! وقد أحس بعض أتباعه اليوم بقوة، فصاروا يخطبون على منابر النوادي، ويجهرون بشيء من مزاعمه، وعرف بعض خصوم الإسلام قصدهم، فقاموا يشدون أزرهم، ويرددون الثناء على مذهبهم.
نحن نعلم أن في كل أمة فئة يفتحون صدورهم لقبول كل دعوة توافق
(5/ 1/117)

أهواءهم، أو تأتيهم في طلاء يلائم أذواقهم، ولكن نهوض العلماء بعزم وحكمة، إن لم يسحق آراء هذه الفئة سحقًا، فإنه يكشف عما فيها من سوء، فلا يسكن إليها إلا من هم إلى الحيوان الأعجم أقرب منهم إلى الإنسان.
يرقب أهل العلم كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالِم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه، كواجب التعليم والإفتاء.
وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقاً من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قص علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويمثلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكراً.
كان أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر بن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.
وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيراً ما كان يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وَهى منها، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.
وظهور العلماء في أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة وداً واحتراماً، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقاماً كريماً، أفلا نذكر أيام كان أمراء
(5/ 1/118)

الإسلام يعرفون في طائفة من العلماء رجاحة الرأي، وصراحة العزم، وخلوص السريرة، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش، فيكُفُّون بأس أعدائهم الأشداء؟ وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، ومحمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة.
ينظر أهل العلم إلى ما غرق فيه بعض شبابنا من التشبه بالمخالفين، وتقليدهم في عادات لا تغني من الرقي شيئاً، وقد يرى بعضهم انحطاط كثير من أبنائنا في هذا التشبه والتقليد، فيعده قضاء مبرماً، ويملكه خاطر اليأس، حتى ينتكث من التعرض للشؤون العامة ومعالجتها، ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع، ويكون قد قرأ التاريخ ليعتبر، يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة، بَلْهَ اليأسَ من نجاحها.
وأذكر بهذا: أن كاتباً كتب في إحدى المجلات مقالاً تحت عنوان: "وحدة العالم" يدعو فيه إلى مسايرة أوربا في السفور ونحوه، وقال في علة الدعوة إلى هذه المسايرة: ليخرج الشرق والغرب في مدنية واحدة، وأشار على دعاة الإصلاح في الشرق بأن لا يقفوا في سبيل هذه المدنية، زاعماً أنهم لا يستطيعون مقاومتها، ولا يزيدون على أن يجعلوا سيرها بطيئاً، ورغب إليهم أن يحثّوا الناس على المسارعة إلى قبولها.
والذين ينظرون إلى مدنية أوربا باعتبار، يبصرون فيها على البداهة ما لا يرتضيه العقل، ولا يقبله الشرع.
واختلاف الأمم بالحق خير من اتحادها على باطل، ولا يفوت الحكمة أن تجد نفوساً مهذبة، وعقولاً سليمة فتقبلها. فحقيق على العلماء أن يبتسموا
(5/ 1/119)

لهذا الرأي تبسم الازدراء، ولا يقيموا لمثله وزناً إلا أن يكشفوا سريرته، ويعرضوا على الأنظار سوء مغبته.
والعالِم بحق من يتدرَّعُ بالإيمان البالغ، والثقة بما وعد الله به الداعي إلى الحق من الظهور على أشياع الباطل، وإن أوتوا زخرفاً من القول، وسعة من المال، وكانوا أكثر قبيلاً.
لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجًا، نصحوا لهم بأَنَّ يستقيموا، أو رأوا حقاً مهملاً، لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوهم على إقامته.
أمر السلطان سليم بقتل مئة وخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن، فبلغ هذا النبا الأستاذ علاء الدين الجمالي، وكان متوليًا أمر الفتوى، فذهب إلى السلطان وقال له: وظيفة أرياب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعاً، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال له: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، فقال الأستاذ علاء الدين: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة غضب السلطان، وعفا عن الجميع.
ومتى كان في ولاة الأمور شيء من العدل، وكان في الداعي إلى الإصلاح حكمة وإخلاص، نجحت الدعوة في سعيها، وبلغت بتأييد الله مأربها.
يكون العالِم رفيقاً في خطابه، ليناً في إرشاده، أما إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق، أو يأتي ما ليس بمصلحة، أخذ بالتي هي أرضى للخالق، وكان مثالاً للاستقامة صالحاً.
(5/ 1/120)

أذكر أن أحمد بن طولون دعا القاضي بكار بن قتيبة إلى خلع الموفق من ولاية العهد، فأبى، فحبسه، وكرر عليه القول، فأصر على الإباءة، وبقي في السجن حتى ثقل ابن طولون في مرض الوفاة، فبعث إلى القاضي بكار يقول له: أردك إلى منزلتك، أو أحسن منها، فقال بكار للرسول: قل له: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله -عَزَّ وَجَلَّ-. فأبلغ الرسول ابن طولون ذلك، فأطرق ساعة ثم قال: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وأمر بنقله من السجن إلى دار اكْتُرِيَتْ له.
وإنما يقوم العالِم بإسداء النصيحة إلى ذي قوة، أو لا يوافقه فيما يخدش أمانته وتقواه، متى قدر مقامه العلمي قدره، وكان شأن العلم أسمى في نظره من كل شأن، وهذا الشعور هو الذي يهيئه - بعد داعية الغيرة - لأن يجاهد في سبيل الحق مستهيناً بكل ما يعترضه من أذى.
ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالِم قام في وجه الباطل، فأوذي فتجلد للأذى، وأجاب داعي التقوى متأسياً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون".
وممن جرى على هذا الخلق المتين: أبو بكر بن العربي يوم كان قاضياً بأشبيلية، قال في كتاب "القواصم والعواصم": حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألّبوا، وثاروا عليّ، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا عليّ حتى أمسيت سليب
(5/ 1/121)

الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار، لكنت قتيل الدار، يعني بقتيل الدار: عثمان - رضي الله عنه -.
ولا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي يدعو الناس إلى العمل الصالح، ويقبض عنه يده، أو ينهاهم عن العمل السيئ، ولا يصرف عنه وجهه، فمن أدب العلماء: أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب ما يُؤاخَذُ به، وعمل ما يحمد عليه؛ كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين؛ فإن ذلك أدل على إخلاصهم، وأدعى إلى توقيرهم وقبول نصائحهم.
وإذا كان العدد القليل فيما سلف يكفي لحراسة الدين، وإرشاد من ينحرف عنه حتى يعود إليه، فلأن سلطان الإسلام يومئذ، وصوتَ غالب الجهل عليه خافت، أما اليوم، فالحال ما ترون وما تسمعون، فلا يمكن للدعوة أن تأتي بفائدتها إلا أن تضم المعاهد الإسلامية بين جدرانها طوائف كثيرة من أولي الغيرة والعزم، يصرفون جهدهم في الدفاع عن الدين، والدعوة إلى الخير، ويعيدون الدعوة مرة بعد أخرى.
وستُنبت المعاهد الإسلامية - إن شاء الله - كثيراً من العلماء القوّامين على نحو ما وصفناه، ولا سيما حين يأخذ التعليم بالأزهر الشريف نظامه الأسمى، ويجري مثل هذا النظام في غيره من المعاهد الإسلامية؛ كجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في فاس، ويقوى الأمل، ويقوي الأمل في أن تؤتي هذه المعاهد الثمرة الغزيرة الطيبة، متى نظر إليها أولو الأمر برعاية، وعاملوا النشء المتخرجين منها بما يدل على أنهم يحترمون الشريعة، ويقدرون ما تثبته في الأمة من رشد وإصلاح.
(5/ 1/122)

المدنيَّة الفاضلة في الإسلام (1)
أخذ نبهاء الأمم الخاملة أو مهضومة الجانب يسعون إلى أن تكون أممهم في رقي وسعادة، وخطَوا في هذا السبيل خطوات قصيرة أو واسعة، ووضعوا أسسًا متينة أو واهية، والذي يعنينا في هذا المقام أن نقول كلمة في وسائل نهوض الشعوب الإسلامية إن كانت خاملة، أو ظفرها بالحرية الصادقة إن كانت محرومة من التمتع بحقوقها التي أوصى دينها الحنيف.
لا نفتأ نذكر ذلك السلطان الكريم الذي بسطه خلفاء الإسلام الراشدون على المعمورة، فعَلَّم الناس كيف يعيشون أحرارًا، والملوك كيف يقيمون عروشهم على قواعد العدل والمساواة، ورجال الدين كيف يدعون إلى الحقيقة والفضيلة في سماحة ووقار. ولا نجحد مع هذه الذكرى أن الشعوب الإسلامية قد وقعت منذ عهد بعيد في وهدة من الخمول، وانقطعت الصلة بينها وبين الأمم، فلم تدر ماذا يصنعون، حتى تراءى لها ما نبهها من غفوتها، وحثّها أن تنهض من كبوتها، فمسك بقيادتها فريق كانوا على بصيرة من هداية الإسلام، وإن شئت فقل: تقدم لقيادتها رجال مستنيرون من أبناء المعاهد الإسلامية، وآخرون مهتدون من القائمين على جانب من العلوم الكونية. فمن يتحدث
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الثاني- الصادر في شهر جمادى الأولى 1349 ه.
(5/ 1/123)

عن النهضة المصرية - مثلاً - لا يحيد عن ذكر رجال استنارت عقولهم بين جدران الجامعة الأزهرية، ومن يتحدث عن النهضة التونسية ذكر في مقدمة رجالها فريقاً تلقوا معارفهم بين جدران الجامعة الزيتونية.
ولو استمر العمل لرقينا المدني بأيدي طوائف تجمع بين رجال الدين المصلحين، ورجال العلم الحديث المهتدين، لقطعنا في سبيل السعادة شوطاً أبعد مما قطعنا، ولكُنّا أثبت موقفاً وأقرب إلى أن يهابنا الذين يعملون لشقائنا، ولكن حركة تقدمنا لم تستمر على ما وصفنا، ومسها مرض إذا لم نبادر إلى إنقاذها منه، كان شرها أكبر من خيرها، وخيبتنا أقرب إلينا من نجاحها.
بليت نهضتنا المدنية بعلتين:
أولاهما: أن بعض نشئنا المتخرجين من مدارس غير إسلامية قد وقفوا موقف الدعوة إلى الإصلاح، ولم يصبروا أنفسهم على تعرف آداب الدين، فحادوا عن طريق الإصلاح النقية، ولم يبالوا أن يجهلوا على الدين، ويجحدوا أن يكون له في الحياة المدنية سلطان كبير أو صغير.
ثانيتهما: أن كثيراً ممن درسوا العلوم الإسلامية، تقاعدوا عن أن يخوضوا في شؤون الحياة المدنية، فكان انزواؤهم وزهدهم في منصب الإرشاد العام فرصة لظهور الدعايات المنحرفة عن الطريق المستقيم.
إن الأمة التي تأخذ بنصائح الدين، وتقتدي بآدابه في السر والعلانية، لهي الأمة التي يمكنها أن تتحد وتتآزر في صفاء، وهي التي تستطيع أن تبني عظمة، وتحوط كنافها بمنعة، فلا تجد الأيدي العادية إلى هضم حق من حقوقها منفذاً.
سنواصل - بتوفيق الله - القول في نصائح الدين التي تأخذ بيد الجماعة
(5/ 1/124)

إلى هضبة الشرف القصوى، ونقفّي على أثر النصيحة بأخرى، حتى يستبين لك أن الإسلام صُنع الله الذي أتقن كل شيء. وإنما أذكر في هذا المقام خصالاً كالدعائم يقوم عليها صرح الحياة المدنية بهيّ المنظر، شامخ البناء. وما هذه الدعائم إلا العلم الصحيح، والعمل النافع، والخلق الرفيع.
أما العلم، فقد عُني به الدين فيما عُني، ونوه بذكره فيما نوه، فقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. ومن دلائل أن الإسلام ينظر إلى العلم بإقبال، ويعده في أكبر النعم التي يتقلب فيها الإنسان: أنك ترى في أول ما نزل به الروح الأمين قوله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 3 - 5] .. وقد اندفع المسلمون إلى اقتناء ما لغيرهم من العلوم برغبة حريصة، وهمم كبيرة، وتناولوا بحثها بعقول راجحة، علاوة على العلوم التي استمدوها من الكتاب والسنّة؛ كأحكام الفقه وأصوله، أو العلوم اللغوية؛ كالنحو والبيان.
فالإسلام ينصح لأوليائه أن يبتغوا العلوم أينما كانت، ويحضهم على أن ينظموا شؤونهم الحيوية على مقتضى ما علموا، ولم يجئ الإسلام في عقائده أو أخباره بما يخالف العلم الصحيح، ولم يجئ في نصائحه بما ينقص الرغبة في العلم على اختلاف فنونه، فشأن الأمة التي تبتغيه ديناً أن تكون أصفى الأمم بصائر، وأغزرها معارف، وأبعدها في البحث نظراً.
وإذا أضاف أحد على جهالة أو سوء قصد إلى الدين شيئاً لا يقبله العلم، فالإسلام كله حقائق، وهو من تبعة ما يلصقه به الجاهلون أو المفسدون براء. واذا صدر من بعض المنتمين إلى الدين كلمة تصرف الناس عن علم مادي أو أدبي، فأقصى مصدر هذه الكلمة ذهن صاحبها، وليس بينها وبين الدين من
(5/ 1/125)

صلة، بل شأن الدين أن لا يكون عنها راضياً.
ولم يبق اليوم بعد أن ظهر من نتائج العلوم الكونية من أمثال هذه الغواصات والطائرات والمقذوفات ووسائل المخابرات من لا يرجع إلى قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ويتفقه فيها أكثر مما كان يتفقه، ويشهد بن العلوم التي يسمونها: الطبيعيات والرياضيات هي من فروض الكفايات التي يجب أن تقوم عليها طائفة من الأمة، فإن الله لا يرضى لها إلا حياة العزة والكرامة، وهي لا تحيا هذه الحياة إلا أن تكون على بينة مما يعلم أو يصنع خصومها.
وأما الأخلاق الشريفة، فإن الإسلام لم يدع مكرمة إلا نبه على مكانها، وندب على التجمل بحليتها، وقد عُني بمزايا هي أساس رقي الأمة وانتظام حياتها الاجتماعية؛ كالصدق والأمانة، والعفاف، والحلم، والعفو، والتراحم، والعدل، وعزة النفس والشجاعة، وحرية الضمير والإقدام على قول الحق وبذل المال في وجوه البر، وسنبحث في هذه المزايا ببسط القول، وإقامة الشواهد في مقام آخر - إن شاء الله -.
وأما العمل النافع، فإن الدين يحث على العمل لهذه الحياة كما يحث على العمل للحياة الأخرى، وجعل لعمل الشخص في هذه الحياة نصيباً من ثواب الآخرة - فوق ما يناله من منفعة عاجلة - متى كان قصده من العمل خالصاً.
ولما نسميه أعمالاً أخروية - وهي العبادات - الأثرُ الطيب في الحياة الدنيا قبل الحياة الآخرة، أليست الصلاة المقرونة بحضور القلب وعمارته بجلال الله تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتكف يد صاحبها عن أن يعمل سوءاً.
(5/ 1/126)

فتحميه من جرائم شأنها أن تجره إلى عقويات بدنية أو مالية، وفيها - بعد هذا - غنى عن طائفة من الشرط والسجون ينفق عليها أولو الأمر أموالاً طائلة؟!.
أو ليس في الصيام رياضة النفوس، وتدريبها على احتمال المكاره، والصبر عن الشهوات حتى لا تكون أسيرة في ملاذها؟! وفي النفوس التي اعتادت الصبر عما تشتهي- وهو حاضر لديها- قوة وجلادة لا تجدها في النفوس التي لا تكف عن المشتهيات إلا عند فقدانها، فالصيام بحق يشفي النفوس من علّة الانحطاط في الشهوات كلما عرضت، ويسبكها في صورة النفوس القوية التي يسهل عليها أن تنصرف عن ملاذها ساعة ترى الخير في الانصراف عنها.
أو ليس في الحج فوائد اقتصادية واجتماعية، لو وجه إليها زعماء الحجيج عنايتهم، لعادوا إلى أوطانهم بما ينفعهم في الأولى، بعد أن قدموا للآخرة من العمل الصالح ذخراً باقياً؟!.
ولا أرى حاجة إلى أن أذكر في هذا النسق فريضة الزكاة؛ فإن أثرها في سد حاجات كبيرة من حاجات الأمة ظاهر ظهور الشمس في كبد السماء.
ولم يشرع الدين من العبادات ما يضيق به وقت العمل للحياة مقدار أنملة، فنحن نرى الذين هم عن الآخرة غافلون، يشغلون جانباً من أوقاتهم في راحة ولهو، أفلا يحق للمؤمن أن يقضي جزءاً من وقت راحته في الوقوف بين يدي الخالق ابتغاء رضوانه، وهذا الجزء لا يزيد على ساعة في اليوم والليلة إذا شاء؟! ليفعل هذا، وليقس حياته بحياة من يصرف أوقاته في جمع المال، وإذا انتقل عنه، فإلى راحة ولهو، فإنه يجد من طمأنينة القلب وارتياح النفس ما يجعل عيشه أهنأ، وحياته أطيب، مصداق قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
(5/ 1/127)

مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
لا أدري كيف حدث خاطر: أن قلة إقبال المسلمين على العمل لجمع المال، وتفشي الفقر في شعوبهم آتيان من ناحية دينهم؟! وهؤلاء علماؤنا يقررون أن كل صنعة تحتاج إليها الأمة فرض كفاية، لا تخلص الأمة من واجبها حتى تقوم بها طائفة منهم، وقالوا: إن نحو التجارة هي مباحة بالنسبة للأفراد؛ أي: يجوز للرجل أن يتخذها حرفة يستمر عليها، وله أن يختار غيرها في بعض الأحيان، ولو تركها الناس جميعاً، لأثموا بتركهم لما هو من الضروريات المأمور بها (1).
وهذا الزركشي يقول في بحث: فروض الكفاية من "قواعده": "الدنيوي: كالحرف، والصنائع، وما به قوام المعاش؛ كالبيع، والشراء، والحراثة، وما لا بد منه، حتى الحجامة والكنس"، ثم قال: "ولو فرض امتناع الخلق منها، أثموا".
والتوكل في لسان الدين إنما يراد به: توجه القلب إلى الخالق حال العمل، واستمداد المعونة منه، فلم يكن داعية إلى البطالة والإقلال من العمل البتّة، بل كان للتوكل الأثر العظيم في إقدام عظماء الرجال على الأعمال الجليلة التي يسبق إلى ظنونهم أن استطاعتهم وما لديهم من الأسباب الحاضرة يقصران عن إدراكها، وإذا فسرته فئة غير عالمة بقبض اليد عن العمل، وطرح الأسباب جملة، فذلك تفسير لا يقزه الدين الذي يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ
__________
(1) انظر بحث: المباح بالجزء المطلوب بالكل من "موافقات" الشاطبي.
(5/ 1/128)

لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، ويقول: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102].
فالشريعة الإسلامية تأمر بالعمل لهذه الحياة، وتجعل السعي على العيال، والعمل للتعفف عما في أيدي الناس، أو للإنفاق في سبيل الخير، من قبيل العمل الذي يستحق صاحبه ثواب الله في الأخرى، وتكره للرجل أن يوصي بما فوق الثلث، وتقول له: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم".
إن شريعة هذا شأنها، لشريعة مدنية تجمع إلى تهذيب النفوس - الذي هو القوة المعنوية - أسباب البسطة في المال- الذي هو القوة المادية -، وإذا جمع قوم بين القوتين، فقد أحرزوا الكفاية لأن يعيشوا كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
فالإسلام ينادي أممه إلى أن يتعلقوا من العلم بكل فن، وينوه بشأن الأخلاق أبلغ تنويه، ويجعل كل ما تدعو إليه حاجة الجماعة من العمل النافع أمراً واجبًا، فما من أمة تريد أن تصعد إلى أفق السيادة الأعلى إلا وجدت في مبادئه أجنحة تطير بها إلى حيث تطمح همتها، وعلى قدر ما تنفق من عزمها.
وكذلك قصّ علينا التاريخ الصادق أن الإسلام أخرج للناس أمة بهرت العالم بعلومها الزاخرة، وأعمالها الفاخرة. وإذا شاءت الشعوب الإسلامية أن تكون المثل الأعلى للمدنية الفاضلة، ففي استطاعتها أن تتحرى نصائح الدين الحنيف، وفي احترام رؤسائها وزعمائها لأحكام الدين ونصائحه أخْذ بالسياسة الرشيدة، وهي التصرف في شؤون الأمة على مقتضى إرادتها.
(5/ 1/129)

أصول سعادة الأمة (1)
سعادة الأمة: أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، وتغتبط بالنظم التي تساس بها، وترضى عن طريق تطبيقها، وترتاح إلى تنفيذها، وتأمن أن تمتد يد غريبة إلى حق من حقوقها.
أما استنارة عقولها، فبإقامة معاهد كافية للتعليم؛ فإن الأمة التي تتألف من متعلمين وغير متعلمين، يصعب على قادتها، متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة، أن يجدوها لينة القياد، خفيفة الخطأ، والتعليم الصحيح: ما يؤخذ فيه بأرقى النظم وأحكم الأساليب. وتلقِّي العلوم بأساليب غير مهذبة هو العلة في تباطؤ النهضة العلمية، وعدم انتظام طرق البحث والتفكير.
ولا سبيل إلى أن يغبط الشعب بنهضته العلمية، حتى يتربى نشؤه على أن يطلبوا العلم بداعي اجتلاء الحقائق، والحرص على أسمى الفضائل. ومما يقعد بهم عن مرتبة النبوغ والابتكار في العلوم: أن يجعلوا لطلب العلم غاية مادية، حتى إذا أدركوها، انقطعوا.
والتعليم الذي تؤمن عاقبته، وتزكو ثمرته: ما اهتدى فيه الطلاب إلى طريقة نقد الآراء وتمحيصها، حتى لا يقبلوا رأياً إلا أن يستبينوا رجحانه بدليل،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثالث، الصادر في شهر جمادى الآخرة 1349 ه.
(5/ 1/130)

وقد رأينا رأي العين أن طائفة من أبنائنا قد انحرفوا عن طريق الرشد، ولو كانوا ممن يرد الآراء إلى قوانين البحث المعقولة، لاستقاموا على هدى الله، وما كانوا من المفتونين.
وأما سمو أخلاقها، فلتستقيم أعمالها، وتنتظم المعاملات بينها، والأعمال الخطيرة إنما تقوم على نحو الصبر والعزم والكرم والإقدام، والمعاملات الرابحة لا تدوم في تماسك وصفاء، إلا أن تكون محفوظة بنحو الصدق والأمانة والحلم، وسماحة النفس ورقة العاطفة، وهذا الوجه من وجوه السعادة ملقى في عهدة من يتولى أمر التربية؛ كالأمهات والآباء ورجال التعليم، ولا يكون في الأمهات والآباء والمعلمين كفاية لأن يخرج الطفل أو الفتى من بين أيديهم طاهر السريرة، مستقيم السيرة، حتى يكون التعليم الديني ضارباً بأشعته في جميع مدارسنا، أولية كانت أو عليا، واذا وصلت التربية الدينية إلى النفوس من طريقها الصحيح، فلا ترى منها إلا حياء وعفافاً، وصدقاً وأمانة، واستصغاراً للعظائم، وغيرة على الحقائق والمصالح، وما شئت بعد من عزة النفس وكبر الهمة. تلك خصال لا تثبت أصولها وتعلو فروعها إلا أن يتفيأ عليها ظلال الهداية ذات اليمين وذات الشمال.
وأما توافر وسائل الثروة، فلتكون مرافق الحياة بين يديها، والعيش ميسوراً لكل فرد من أفرادها، وما أبعد الأمة عن سعادة الحياة إذا أكثر فيها أولئك الذين يتكففون الناس في أيديهم، وأولئك الذين يترددون على المقاهي والنوادي في الصباح، كما يترددون عليها في المساء!.
من حقوق الأمة أن يهيئ لها ولاة أمورها الوسائل للأعمال العامة، وينظروا في ترقية الصناعة والزراعة والتجارة، وتوسيع دائرتها، يعنون بها من
(5/ 1/131)

الوجهة العلمية: بفتح مدارس لتلقي ما له اختصاص بهذه الأصول الاقتصادية من علوم وفنون، ويعنون بها من الوجهة العملية: لإنشاء مصانع، وتشجيع الزرل، وتدبير الوسائل لرواج البضائع الوطنية ما استطاعوا، وبمثل هذه المساعي تجد الأيدي العاطلة مجالاً للعمل، ولا تخرج أثمان ملابسنا وأمتعة منازلنا وسائر مرافق حياتنا عن حدود أوطاننا.
وليست تَبِعَةُ الحالة الاقتصادية ملقاة على عاتق أولي الأمر وحدهم، بل على الموسرين حظ من هذه التبعة عظيم؛ إذ في ميسورهم تأليف شركات تراعي في نظمها أصول الدين الحنيف، فتفيض بربح مبارك غزير، ويعيش من العمل بها خلق كثير.
أقمت في عاصمة ألمانيا وبعض مدنها وقراها زمناً غير قصير، فلم أر قط سائلًا سليم البنية، بل لم أر في تلك المدة متكففًا غير نفر قليل هم ما بين رجل مقطوع اليد أو الزجْل، أو عجوز بلغت من الكبر ما فتّ في عضدها، لم أر سليم البدن يتكفف؛ إذ لا يعدم سليم البدن أن يجد هنالك عملاً حيوياً إذا شاء، والتعليم - وهو هناك إلزامي - يقبح لصاحبه أن يقف موقف الاستجداء.
وكثير من أمراء الإسلام كانوا ينظرون الأمة برأفة، ويجتهدون في أن يخففوا عنها متاعب الحياة ما قدروا.
وهذا طاهر بن الحسين يقول في كتابه الذي بعث به إلى ابنه عبد الله حين ولاه المامون مصر والرقة وما بينهما: "وتعاهد ذوي الباساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقوّاماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد
(5/ 1/132)

ذلك إلى سرف في بيت المال".
وفي فتح طرق العمل للمستطيعين، وإقامة مستشفيات وملاجئ للمرضى والعاجزين، إنقاذ للأمة من أن تقود الحاجة طائفة من أبنائها إلى نواد أو مستشفيات يفتحها من يقصد إلى إفساد عقائدها الدينية، أو إطفاء غيرتها الوطنية.
وأما الاغتباط بالنظم المدنية، فذلك ما يدعوها إلى أن تحترمها من صميم أفئدتها، فتراعيها في السرة كما تتقيها في العلانية، فيكتفي الناس في أكثر الخصومات بمعرفة الحق من طريق الاستفتاء. وأولو الأمر هم الذين يقررون النظم المدنية، ويقومون على تطبيقها، فأولو الأمر - على اختلاف طبقاتهم، وتفاوت مقاماتهم - طائفة من الأمة تولوا النظر في شؤونها العامة، فيجب أن يتجلى فيهم روح النيابة عنها، ولا يتجلى هذا الروح إلا أن يعملوا على ما يكفل مصالحها، ومقتضى هذا أن تساس بنظم تراها أحكم وضعاً، وأرعى للمصالح. والأمة الإسلامية إنما تشهد للنظم بالحكمة ورعاية المصالح، متى وافقت أصول شريعتها، ولم ينتهك بها شيء من حرمتها.
وأما الرضا عن حال التطبيق، فلأن صحة النظم إنما يظهر أثرها على أيدي من يوكل إليهم أمر تطبيقها. وما مزية القانون العادل إذا وكل العمل به إلى من لم تحسن المدرسة أدبه؟ فتطبيق القوانين على الحوادث، يرجع إلى أدب الحاكم، ومبلغه من العلم والفهم. فمن حق الأمة أن لا يتولى الحكم فيما شجر بينها إلا ذو ثقافة يجيد بها عمل التطبيق، واستقامة يقف أمامها القوي والضعيف على سواء، وهذا ما يدور عليه فضيلة العدل المأمور به في قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].
(5/ 1/133)

وأما الارتياح لطرق التنفيذ، فيعود إلى السلطة الإجرائية؛ كإدارة الشرطة. وحق الشعب على هؤلاء أن تأخذهم به الرحمة، ويشعروا بأنه جسدهم بعض أعضائه.
أقمت في بعض البلاد الشرقية، فكنت أرى بين رجال القوة المسلحة وسائر الوطنيين جفاء يتطاير شرره لأدنى مخاطبة تدور بينهما، ثم رحلت إلى عاصمة أوربية، وطفت في بعض المدن والقرى، فكنت أرى تعطفاً وائتلافاً بين الجند والشرطة وبقية الشعب، ولا يكاد الناظر يفرق بينهما إلا بما يحمله الأولون من هيئة رسمية أو سلاح، كنت أشاهد سائق العجلة يجادل الشرطي مدة غير قصيرة، وأصواتهما في ارتفاع متساوية، ولا يكون بعد هذا إلا أن يقنع أحدهما الآخر ويفترقا.
نحن نعلم أن انتشار التعليم في الشعب يساعد رجال الأمن وغيرهم على تنفيذ النظم العامة بكلمة ينبهون بها من يروم مخالفتها، ولكن المحروم من التعليم هو في حاجة إلى أن ينظر إليه بشفقة، ويعالج إليه بشيء من الرفق، إلا أن يخرق النظام متمرداً.
قال معاوية بن أبي سفيان: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني".
وتطبيق النظم على الواقع، وتنفيذها بعدل، حق من حقوق الأمة على ولاة أمورها، وإذا توقف على شيء يرجع الخطاب فيه إلى بعض أفراد الأمة؛ كأداء الشهادة على وجهها، كانت تبعته على أولئك الذين يستطيعون أن يشهدوا بحق، ويكتمون الشهادة وهم يعلمون.
وأما أمن الأمة من أن تسطو يد غريبة على حق من حقوقها، فلتطمئن
(5/ 1/134)

على عزتها وكرامتها، ولتشعر بأن من تلدهم سيعيشون كما تعيش الأمم ذات الشوكة أحرارًا، ولا تأمن بأس خصومها، ولا تنظر إلى مستقبل أبنائها، فتراه أغرّ محجّلًا، إلا أن يكون ما بينهما وبين رعاتها عامرًا بالنصح من ناحية، وبحسن الطاعة من ناحية أخرى، فبالنصح ترقى معاهد التعليم، فتستغني بعلم أبنائها وكفايتهم للعمل عن أن تستمد وسائل الدفاع والمنعة من وطن غير وطنها، وبحسن الطاعة ينتظم أمر الجند، وتبلغ القوة المالية غايتها.
وقد عني الإسلام - فيما عني - بهاتين الخصلتين العظيمتين: إخلاص ولاة الأمور للأمة، وطاعة الأمة لولاة أمورها، فأوجب على الولاة أن يقيموا سياستهم على رعاية الحقوق والمصالح، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، إِلا لم يجد ريح الجنة" (1). ثم التفت إلى الرعية، فأمرهم بحسن الطاعة. ومن شواهد هذا: قوله- عليه الصلاة والسلام-: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" (2).
فالحق أن سعادة الأمة في أيدي رؤسائها، فإذا استقاموا على الطريقة، وساسوها برفق وحرص على مصالحها وكرامتها، سرت بجانبهم مستقيمة، فلا تلبث أن تنجح في سيرتها، وتظفر ببغيتها؛ {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 64].
__________
(1) "صحيح البخاري".
(2) "صحيح البخاري".
(5/ 1/135)

صدق العزيمة أو قوة الإرادة (1)
يخطُر في النفس أمر، فتثق بأنه حق أو نافع، فتحرص على حصوله، فإذا أضافت إلى هذا الحرص النظر في وسيلة بلوغها إياه؛ وبدا لها أنه في حدود استطاعتها، فسرعان ما تقبل عليه، وتبذل سعيها للوصول إليه، وذلك ما نسميه: بالعزم، أو الإرادة.
فما يخطر في النفس مما تعتقد حقيقته أو نفعه، وتود أن يكون حاصلًا لديها، ثم لا تسعى له سعيه، ولا تضع لبلوغه خطة، فإنما هو التمني الذي لا يفرق بين المحال والمستطاع، والذي يخطر في نفوس القاعدين؛ كما يخطر في نفوس المجاهدين، وما مثله إلا كمثل الشرر الذي يلمع حول النار، ثم يتصاعد هباء.
وإذا تحدثنا في هذا المقال عن قوة الإرادة، وذهبنا في حديثها مذهب خصال الحمد، فإنما نعني: الإرادة المتوجهة إلى ما هو خير. ومن أفضل ما يمدح به الرجل: أن يتوجه بعزمه القاطع إلى إظهار حق، أو إقامة مصلحة. تنشأ قوة الإرادة من التجارب، فمن تعلق همه بأمر، كان قد عرف بطريق التجربة أنه ميسور، وأن عاقبته سلامة ونجاح، انقلب همه في الحال
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثالث، الصادر في شهر رجب 1349 ه.
(5/ 1/136)

عزماً صادقاً، أما من لم تسبق له تجربة، فقد يتخيل الأمر بمكان لا تناله يده، أو يخشى من أن يلاقي وراء السعي إليه خيبة، فيقف في تردد وإحجام، فذو العمر الطويل من أولي الألباب، قد يكون أسرع إلى بعض الأمور، وأشد عزماً عليها من حديث السن؛ لما تفيده التجارب من إمكانها، ونجاح السعي لها.
وتنشأ قوة الإرادة من درس التاريخ، فالذي يخطر في باله أمر، قرأ في سيرة شخص أنه كان قد هم بمثله، وعمل لحصوله، فنجح عمله، وصلحت عاقبته، شأنه أن يعزم على ذلك الخاطر، ويجعله بعد العزم عملاً نافذاً، فمن يخطر في باله أن يدعو الحاكم الجائر بالموعظة الحسنة، وقد قرأ سير العلماء الذين كانوا يأمرون بعض الجبارين بالمعروف فيأتمرون، أو يكظمون في الأقل غيظهم ولا يبطشون، يكون أقوى عزمأ على الدعوة ممن لم يقرأ في هذا الشأن خبراً، لما عرفه من أن للحق الذي يخرج في أسلويه الحكيم سطوة على النفوس، وإن كانت طاغية، فيقدم على وعظه في رفق، وحسن خطاب، فإن لم يهده سبيل الرشد، قضى حق النصيحة له، وما على الذين أوتوا الحكمة إلا البلاغ.
وتنشأ قوة الإرادة من أدلة خاصة تجعل الرجل على يقين من نجاح العمل وحسن العاقبة، واعتبروا في هذا بتصميم أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فإنه كان عالماً بأنه على حق من قتالهم، وكان على ثقة من أنه سينتصر بفئته القليلة على جموعهم الكثيرة، ومما دله على أنه الظافر، وأن المرتدين عن الدين لا يفلحون، قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9]. ولو تقاعد أبو
(5/ 1/137)

بكر عن جهاد تلك القبائل، وخلّى الردة تتفشى في جزيرة العرب وباء فاتكًا، لانفصمت عرا الوحدة العربية الإسلامية، ولم يستقم أمر تلك الفتوح التي كانت عاقبتها ظهور دين الحق على سائر الأديان.
وتنشأ قوة الإرادة من كمال بعض السجايا الأخرى، وبلوغها غاية قصوى؛ كسجية إباءة الضيم تهز الضعيف، وتثير في نفسه العزم على أن يدافع القوي عن حقوقه ما استطاع دفاعه، وكذلك خُلُق الشجاعة يجعل الرجل أمضى عزماً، وأسبق إلى الحروب من الجبان الذي يتمثل له الموت في كل سبيل.
ومما يساعد الرجل على صدق العزيمة خُلُقُ التعفف وشرف الهمة، فلتجدنَّ أنزه القوم نفسًا، وأبعدهم عن الطمع وجهة، أشدَّهم عزماً على أن يقول حقاً، أو يعمل صالحاً، وإن لم يرض عن قوله الحق، أو عملِه الصالح ذو مال أو سلطان.
تتفاوت الإرادة في القوة، وتفاوتها على قدر قوة شعور الرجل بما للشيء من حقيقة أو نفع، وعلى قدر ثقته من تيسره وإمكان حصوله، فالذي أتقن علماً، فأحاط بأصوله، وغاص على أسراره، يكون عزمه في الدعاية إلى الأعمال المرتبطة به أقوى من عزم ذلك الذي وقف في دراسته عند حد لا يجعله من أعلامه، والرئيس العادل يكون أقوى عزماً على حرب أعدائه من الرئيس الجائر؛ لأن العادل يثق من قومه بحسن الطاعة أكثر مما يثق الجائر، ومن ظفر من قومه بحسن الطاعة، فقد ظفر باكبر أسباب الفوز والانتصار.
نقرأ في التاريخ: أن المنصور بن أبي عامر الذي جذب عنان الملك من يد هشام بن الحكم في قرطبة، قد غزا ستًا وخمسين غزوة دون أن تنتكس له راية، أو يتخاذل له جيش، أو يصاب له بعث، أو تهلك له سرية، ومن درس
(5/ 1/138)

سيرته، لم يعجب لهذا الانتصار المطرد؛ إذ يجد فيها عدلاً ومساواة يأخذان النفوس إلى أن تلقي إليه بالمودة والامتثال، ومن الأخبار الشاهدة بما وصفنا: أن رجلاً من العامة وقف بمجلسه، وقال له: إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك، وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة (1)، وكان للفتى فضل محل عنده، فقال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية! ثم نظر إلى الفتى، وقال له: ادفع الدرقة إلى فلان، وانزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه، حتى يرفعك الحق أو يضعك، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الفاسق الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره، وبعد أن جازاه القضاء بما يستحق، أبعده المنصور عن خدمته، وصاحبُ مثل هذه السيرة حقيق بأن يكون له، متى هم بالحرب، عزم لا يختلج بتردد.
فمن وضع أمامه غاية شريفة، ورام من قومه العمل لها بعزم لا يخالطه فتور، فما عليه إلا أن يريهم بالأسلوب السائغ والدليل المقنع وجه شرف تلك الغاية، ثم يصف لهم طريقها الناجح، فلا يكون منهم إلا أن يتسابقوا إليها، ويقتحموا كل عقبة تلاقيهم في سبيلها.
فإذا رأيت قوماً يذكرون في صباحهم ومسائهم شيئاً من معالي الأمور، ولم ترهم يسعون له سعيه، ولا يتقدمون إليه بخطوة، فاعلم أن العزم لم يأخذ من قلوبهم مأخذه، فهم إما أن يكونوا عن حقيقته وشرف غايته غائبين، وإما أنهم ضلّوا طريقه وما كانوا مهتدين.
__________
(1) الدرقة: الترس.
(5/ 1/139)

وإذا ذكرنا العزم النافذ في خصال الشرف، فإنما نريد: الإقدام على الأمر بعد استبانة عاقبته، ولو على وجه الظن الغالب، وذلك ما يعنيه عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - في قوله: "ولكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المَكيث"، والمكيث: من لا يخف إلى الهجوم إلا بعد روية وتدبر.
ولا يعد في قلة العزم أن يستبين الرجل الحق أو المصلحة، ويقف دون عزمه مانع؛ كأن يعلم أن عقول الجمهور لا تتسع لقبوله، ويخشى الفتنة، فيرجئه ريثما يمهد له بما يجعله مقبولاً سائغاً.
قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر: يا أبت! ما لك لا تنفذ الأمور؟ فو الله! لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور، فقال له عمر: لا تعجل يا بني، إن الله تعالى ذمّ الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه، وتكون فتنة.
ولا يُعَدُّ في قلة العزم أن يرى الرجل رأياً، ويعقد النية على إنقاذه، ثم يبدو له على طريق الحجة أنه غير صالح، فينصرف عنه.
وقويُّ العزيمة هو الذي تكون إرادته تحت سلطان عقله، فيقبل بها على ما يراه صواباً، ويدبر بها عما يراه فساداً.
وإذا قال الشاعر مادحاً:
إذا همَّ ألقى بين عينيه عَزْمَهُ ... ونكَّبَ عن ذِكْرِ العواقِبِ جانِبا
فإنما يريد: الهمّ الناشئ عن رجاحة رأي. وقويُّ العزم متى بصر بالأمر، ووثق بأنه سداد، قطع نظره عن العواقب، ونهض له في قوة، أما ضعيف العزم، فإنه يترك نفسه مجالاً للخواطر وذكر العواقب، هذه تغريه على العمل، وهذه تصده عنه، حتى تفوت الفرصة، ويذهب وقت العمل ضائعاً.
(5/ 1/140)

ومن صرامة العزم: أن تفرغ فؤادك من كل داعية شأنها أن تلحق بعزمك وهنًا، أو تصرف وجهك عنه صفحًا. وتتمثل هذه الصرامة في عبد الرحمن الداخل "صقر قريش (1) "؛ إذ خرج من البحر أول قدومه على الأندلس، وأُهْدِيت له جارية بارعة الجمال، فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شغلت عنها بما أهم به، ظلمتُها، وإن أنا اشتغلت بها عما أهم به، ظلمت همتي، فلا حاجة لي بها الآن. وردّها على صاحبها.
وكثيراً ما يجيء التردد في أمر من ناحية الشهوات والعواطف؛ كالذي يثق بما في طلب العلم من خير وشرف، ويقعده عنه حب الراحة، وإيثار ما تنزع إليه النفس من اللذات الحاضرة، والذي يقول:
إذا كنتَ ذا رأي فكُنْ ذا عزيمةٍ ... فإنَّ فسادَ الرأي أنْ تَتردَّدا
إنما ينبه على التردد الناشئ عن نحو الشهوات والعواطف، فذلك هو التردد المفسد للرأي، والموقعُ في خسر.
لقوة الإرادة أثر في انقلاب حال الأفراد والجماعات عظيم، فكم من فتى يساويه في نباهة الذهن وسائر وسائل السؤدد فتيان كثيرون، ولكنه يجد من قوة الإرادة ما لا يجدون، فيكون له شأن غير شأنهم، ويبلغ في المحامد شأوًا أبعد من شأوهم، ولو نظرت إلى كثير ممن ظهروا أكثر مما ظهر غيرهم،
__________
(1) قال أبو جعفر المنصور لأصحابه يوماً: أخبروني عن صقر قريش، فذكروا له طائفة من الخلفاء، وهو يقول: "لا"، فقالوا: من يا أمير المؤمنين؟ فقال: عبد الرحمن ابن معاوية الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًا مفردًا، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكاً بعد انقطاعه؛ لحسن تدبيره، وشدة شكيمته.
(5/ 1/141)

وأقمت موازنة بينهم وبين كثير من لِداتهم، لم تجد في أولئك الظاهرين مزية يرجح بها وزنهم غير أنه يهمون بالأمر، فيعملون.
وإذا جعلت تتقصى أثر دولة الموحِّدين التي وضعت قدمها في فاس، وبسطَت أجنحتها على الأندلس والجزائر وتونس، وجدت أقصى هذه الدولة همة طفحت بها نفس محمد بن تومرت بعد انصرافه عن مجالس أبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي، وغيرهما، عائداً إلى بلده بالمغرب الأقصى.
وكم من أمة أو دولة لم ينقذها ممن يبتغي بها سوءاً سوى قوة الإرادة!.
وقد يكون فيما صنع هارون الرشيد بالبرامكة غلو في الانتقام، وسرف في القتل، ولكن تنقية مناصب الدولة لم تكن إلا بنت اليقظة والإرادة التي لا يأخذها التردد في قطع المكر السيئ من جذوره. وإذا صح ما يصفهم به بعض أهل (1) العلم من أنهم كانوا يكيدون للإسلام كيد الباطنية، كان لهارون الرشيد موقف المنتقم لملكه، أو ملك أسرته من بعده.
فإذا كان صدق العزيمة من أفضل خصال الشرف، وأجلها في الإصلاح أثراً، فجدير بأساتيذ التربية أن يعطوه من عنايتهم نصيباً وافرًا، وحقيق بالرجال القوّامين على الشؤون العامة أن يأخذوا به أنفسهم، ويقيموه شاهداً على كفايتهم؛ فإن ما بيننا وبين المدنية الفاضلة والحياة الآمنة مسافة طويلة المدى، صعبة المرتقى، إذا لم نقطعها بالعزم الصارم والعمل المتواصل، ظلمنا أنفسنا، ولم نقض حق الأجيال بعدنا، فمن واجبهم علينا أن نبني لهم صروحاً من العز شامخة، فإن لم نستطع، هيأنا لهم أسسًا ليرفعوا عليها قواعد الشرف والمنعة، فإذا هم أحرار في أوطانهم حقاً، مكرمون لنزلائهم طوعاً.
__________
(1) هذا ما قرره القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم".
(5/ 1/142)

وما اقترن العزم الصحيح بأدب التوكل على من بيده ملكوت كل شيء إلا كانت عاقبته نجاحاً ورشداً؛ {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
(5/ 1/143)

الغيرة على الحقائق والمصالح (1)
متى نظر الإنسان، أو تدبر أمراً، ووثق بأنه حقيقة أو مصلحة، وجد في نفسه ارتياحًا عندما يلاقي شخصًا يشاركه في الشعور به، ويكون ارتياحه أشد حيث يراه يعمل على مقتضى هذا الشعور، كما أنه يتألم حينما يشاهد امرأً ينكر تلك الحقيقة أو المصلحة، ويكون تألمه أشد حيث يراه مجداً في مناوأتها، سالكاً غير سبيلها، وهذا التألم الذي يشتد، فيدفعك إلى أن تسهب في إيضاح وجه الحقيقة أو المصلحة، أو تعمل على أن تكف من يبغي عليها ما أمكنك، هو ما نعنيه بالغيرة.
فإذا حدثك الرجل في أمر، وأراك أنه مطمئن إلى أنه حق، ثم لا تلبث أن تراه متحيزًا إلى من يكيد له، ويدعو إلى من ينقضه، فاعلم أنه خالي القلب من الاطمئنان إليه، وإنما أراك ظاهرًا يخالف ما يكنه صدره، وتطمئن إليه نفسه. والعقل السليم لا يستطيع أن يفهم كيف يجتمع الإيمان بالحق مع موالاة من يحاربه في السر أو العلانية، فالغيرة على الحق من مقتضيات الإيمان به، تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتفقد حيث لا يكون القلب مؤمناً.
وفي الناس من يلهج بكلمة: "التسامح" يملأ بها فمه، حتى لا تنكر
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثالث الصادر في شهر شعبان 1349 ه.
(5/ 1/144)

عليه حين تراه قد اتخذ من المضلين أو المفسدين في الأرض أولياء يطيل التردد على أعتابهم، ويغمس لسانه أينما جلس في إطرائهم، ويجهد نفسه في تمويه باطلهم. والتسامح المعقول: أن لا تؤذي من خالفك في العقيدة، فتنسب إليه زوراً، أو تنفي عنه مكرمةً، أو تهضم له حقاً، أو تنكث له عهداً، أو تخلف له وعداً.
ومن التسامح المقبول: أن تبرّه، وتقسط إليه، وتمد إليه يد التعاون على المصالح المشتركة، وقد حرَّمت الشريعة الإسلامية الإساءة إلى المخالفين الذين لم يخرجونا من ديارنا، ولم يطعنوا في ديننا، ولم يوقدوا نارًا لحربنا، ووردت أحاديث تنهى عن مس الناس بشيء من الأذى، فحمل الفقهاء النهي فيها على وجه يعم المخالفين المقيمين في ظل الإسلام، كما قالوا في حديث: "لا يبعْ بعضكم على بيع أخيه": إن النهي شامل لبيع المسلم على بيع غير المسلم؛ لما ينشأ عن صرف المشتري عنه من تقاطع وشحناء، وأذنت في أن نبرّهم، ونقسط إليهم، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وقد علّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نداري من ينتمون إلى الإسلام، ونعاشرهم بالمعروف، وإن عرفنا في لحن أقوالهم أو غيره من الدلائل الخفية أنهم من طائفة المنافقين.
أما الرجل يملك قلماً أو لساناً أو حساماً أو جاهاً، فيصرفه في نقض أساس ما هو دين حق، أو شريعة صالحة، فذلك ما لا يتولاه إلا غبي لا يفرق بين الأعمى والبصير. أو زائغ عن سبيل الرشد فما له من نور. وقد أنكر الله على من يتزلف لأشياع الغي، فقال: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
(5/ 1/145)

جَمِيعًا} [النساء: 139]، وفي الآية شاهد صدق على أن العزة بيد الله يخلعها على من يغار على الحقائق غير مكترث بمن يناوئونها، وإن كانوا أولي جاه أو سلطان.
فمن الغيرة على الحق: أن تقاوم المبطلين أو المفسدين قاطعًا النظر عن كل صلة وعاطفة، ومن التسامح المقبول: أن تدفعهم بالتي هي أحسن، حتى كأنك لا تعرف شيئاً من شؤونهم غير ما تصديت لمناقشتهم فيه، وذلك ما يستبين به الناس أنك لا تقصد إلا أن تكف بأسهم، وتحمي النفوس من وباء دعايتهم.
تتفاضل الحقائق والمصالح من ناحية ما يتصل بها من خير، فوجود الخالق، أو صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في رسالته - مثلاً - يقوم على الإيمان به من سعادة الأفراد والأقوام أكثر مما يقوم على الإيمان بعدل أبي بكر، وعمر بن الخطاب؛ وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يترتب عليها من الفلاح فوق ما يترتب على زيارة أخ، أو عيادة مريض.
وكذلك الغيرة على الحقائق تكون على قدر تفاضلها فيما يترتب عليها من العواقب، فالغيرة الصادقة: أن يتألم الرجل من الجهل على مقام الإلهية، أو الرسالة العظمى أشد مما يتألم للطعن في نفسه، أو في أخ له، أو صديق، ويتألم مسجد، أو إلغاء مدرسة أشد مما يتألم لهدم بيت، أو إهمال حديقة.
بعيد من الغيرة عن الحقائق ذلك الذي يسمع سوء القول في الله أو في رسوله، فلا يجد في نفسه لسماع هذا السفه أثراً، وإذا مُسَّ جانب من يتصل به نسبًا، أو يمد له من متاع هذه الحياة سبباً، هاج غضبه، وارتعدت فرائصه.
(5/ 1/146)

بعيد من الغيرة على المصالح ذلك الذي يكون تحت يده مال، فيبخل به على بناء مدرسة يستنير فيها الناشئون، أو إقامة ملجأ يأوي إليه البائسون، ويبسط به يده في إنشاء مرقص، أو ملهى يتخذ فيه الفتيان والفتيات نصاباً يسفكون عليها دم الفضيلة.
ضعف الغيرة على الحق، أو فقدُها، نقيصة تنزل بصاحبها إلى الحضيض، وكذلك ينبغي للإنسان أن يملك الغيرة عند ثورتها، فلا يخرج في معاملة المنتهك لحرمة الحق عن حدود العدل، فالذي يغار على أمر جعل الشارع لمنتهِكِه حدًّا مفروضًا، لا يحلُّ له أن يتجاوز ما حدَّه الشارع استرسالاً مع طغيانها، فإن كان الجزاء موكولًا لاجتهاد القاضي، اجتزأ (1) القاضي بالمقدار الذي يكفي للردع، وليس من الغيرة المحمودة أن يتعدى في جزاء السيئة ما يكفي للزجر عن اقترافها.
والغيرة الصادقة: هي التي تنهض بصاحبها إلى مكافحة المبطل أو المفسد، وتقويم عوجه في تثبت وحزم.
الغيرة تبعث الرجل على الجهاد في الحق بأي وسيلة استطاعها، فالرئيس الغيور يذود عن الحق بما في يده من قوة، متى كان الهاجم عليه في غشاوة تمنعه من أن يفقه الحجة.
والعالم الغيور لا يفتأ يذب عن الحق بلسانه أو قلمه، ولا يسوقه طمع أو رهبة إلى الخمول أو الصمت، وما خمول العالم وصمته سوى قلة الثقة بما وعد الله به أنصار الحق من فوز وحياة طيبة.
والموسر الغيور ينفق في سبيل الإصلاخ باليمين واليسار، ومن كان
__________
(1) اجتزأ: اكتفى.
(5/ 1/147)

صافي البصيرة يرتاح لظهور الحق وقيامِ المصلحة العامة أكثر مما يرتاح لأن يكنز ذهباً، أو تكون له قصور فيحاء، وحدائق غناء.
وإذا أردت أن تميز فاقد الغيرة على المصالح ممن يغارون عليها، فهو الذي يجري وراء منافعه الخاصة أينما رآها أو تخيلها، يراها بجانب مصلحة عامة، فيظهر في زي الداعي إلى هذه المصلحة، ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة، لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس جميعاً، داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته تواً لا يلوي على شيء.
قد يسلك الرجل طريق العدل محافظة على المنصب، أو رغبة في حسن الأحدوثة، ولكن الغيرة على الحق هي التي تجعل الحكم عادلاً في كل قضية، فالغيرة على الحق هي التي تقف بالقاضي في حدود الإنصاف حين ترفع إليه خصومة بين ذي سلطان وأشعث أغبر ذي طمرين، فلا يبالي أن ينصف ذا الطمرين (1)، ويقضي على ذي السلطان، وكذلك يفعل القضاة العادلون.
دُعي العلامة محمد بن بشير إلى قضاء قرطبة، فاستشار صديقًا له في قبول الولاية، فقال له: كيف حبك لمدح الناس لك وثنائهم عليك؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل؟ قال: والله! ما أُبالي من مَدَحني أو ذمَّني، وما أُسَرُّ للولاية ولا أستوحش للعزل! فقال: اقبل الولاية، ولا بأس عليك. وفي سيرة ابن بشير هذا ما يشهد بصدق غيرته على الحق، ويحقق ما وصف به نفسه من أنه لا يسر للولاية، ولا يستوحش من العزل.
ومن الخطر على الحقوق والمصالح: أن يتولى أمرها محروم من الغيرة عليها، وكم من حق أهمل، ومصلحة أُميتت، والسبب في إهمال ذاك،
__________
(1) الطمر: الثوب الخلق.
(5/ 1/148)

وإماتة هذا: أن ألقي أمرهما إلى من لم يذق للغيرة عليهما طمعاً.
ماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على هتك عرض الفتاة إذا أسندت إلى من تقلب في بيئة لا تعرف للعفاف سبيلاً؟ وماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على الدين، إذا وضعت بين يدي من لا يرى له حرمة، ولا يرعى للأمة التي تعتصم به ذمة؟ وكيف تدار مدرسة ترجع نظم التعليم فيها إلى من يؤثر اللهو على الجد، ويفتنه زخرف الحياة عن طرق الرشد التي تخرج رجالاً يعملون صالحاً، ويبتكرون عظيماً؟
ونحن نرى في الشعوب من حيل بينها وبين واجبات دينها، وأكرهت على التعامل بغير ما لم تأذن به شريعتها، واستبد عليها في طريقة تعليم أبنائها، ذلك لأنها وقعت تحت ذي قوة استضعفها، ولم يكن له نصيب من الغيرة على شريعتها!.
إن أمة لها دين قيم، وشرع حكيم، ومجد لم يصف التاريخ له من نظير، لا يستقيم أمرها إلا لمن يغار على شرعها، أو يتودد لها باحترامه، والمحافظة على أصوله.
وإذا حكى لنا التاريخ أن ذا سلطان آذى أُمة إسلامية في دينها، أو قهرها بالسيف، أو بوسيلة التعليم على أن تنسلخ من هداية ربها، فلأنه إنما وضع سلطانه على رؤوس جماعات متفرقة غافلة، أما الأمم المتيقظة التي تقدر الحق قدره، فليس من السهل على ذي القوة أن يؤذيها في دينها، ويستخف بالحقوق التي قررها شرعها، إلا أن يكون جهولاً بالعواقب، أو غير راغب في أن يكون سلطانه ثابت القواعد.
الغيرة على الحق تتمثل فيمن ينظر إلى الدليل، ويصدع بما أراه الله،
(5/ 1/149)

وإن كره السائلون.
حضر لدى ابن هبيرة الحسن البصري، فاستفتاه ابن هبيرة في كتب تأتيه من عند يزيد بن عبد الملك، وفيها من الأمر بما لم يأذن به الله، وقال: "إن أنفذتها، وافقت سخط الله، صان لم أنفذها، خشيت على دمي! "، فقال الحسن: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، يا ابن هبيرة! إن الله مانعك من يزيد، صان يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة! لا طاعة لمخلوق في معصية الله، فانظر ما كتب إليك فيه يزيد، فاعرضه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب الله تعالى، فأنفذه، وما خالف كتاب الله، فلا تنفذه، فإن الله أولى بك من يزيد، وكتاب الله أولى بك من كتابه"، فضرب ابن هبيرة على كتف الحسن، وقال: "هذا الشيخ صدقني وربِّ الكعبة! ".
وتتمثل الغيرة على الحق فيمن يفسح له بعض الوجهاء في الإكرام مكانة، ولا يمنعه ذلك من أن ينظر إلى ما أكرمه الله به من عقل، ورَفَعه به من علم، فلا يسكت لذلك الوجيه عما يأتي من منكر، ويذهب في تقويمه كل مذهب ممكن.
وأضرب المثل لهذا بإبراهيم بن محمد بن طلحة، إذ قرّبه الحجاج، وعظَّم منزلته، وقدم به على عبد الملك بن مروان، وقال له: قدمت عليك برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيراً في الفضل والأدب والمروءة، وهو إبراهيم ابن محمد بن طلحة، ولكن إبراهيم بن طلحة قال لعبد الملك: عندي نصيحة لا أجد بداً من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خالي، فصرف عبدُ الملك الحجَّاج من المجلس، وقال لابن طلحة: قل نصيحتك، فقال: "تالله يا أمير المؤمنين! لقد عمدتَ إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه، وبعدِه عن الحق،
(5/ 1/150)

وقربِه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي والأخيار، يسومهم الخسف، ويحكم فيهم بغير السنّة بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم! "، ولم يخبر عبد الملك الحجاج بما قال ابن طلحة، ولكنه عزله عن الحرمين، وولاه العراقين، واعتذر لابن طلحة عن توليته العراقيين بأن فيهما من الأمور ما لا يدحضها إلا مثله.
وفصل القول في هذا: أن الغيرة على الحق والمصلحة ما غلبت على نفوس الأمة إلا استقامت سيرتها، وعلت في الأمم سمعتها، وحسنت في كلتا الحياتين عاقبتها، ولا حق أجلى مما يدعو إليه الخلاّق العليم، ولا مصلحة أعظم مما تهدي إليه أصول شرعه الحكيم، فإذا لم نرسم في نفوس نشئنا الغيرة على حقائق الدين، وما أرشد إليه من مصالح، وما سنّه من آداب، ضلوا عن أسمى الحقائق، وأضاعوا أكبر المصالح، وتجردوا من أسنى الآداب، وهل غير هذه العاقبة من خسران مبين؟!.
فمن أهم واجباتنا: أن نربي نشأنا على الشعور بعظمة الله، ثم لا نفتأ نذكر لهم آيات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يطمئنوا إلى صحتها، ولا ندع أن نقرر لهم أصول الشريعة على وجه يجعلهم على بصيرة من حكمتها، وهذا ما يربي فيهم الغيرة المهذبة، ويعدّهم لأن يكونوا للحقائق والمصالح أنصاراً.
(5/ 1/151)

الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم (1)
في الدنيا لذة وخير، وفي الدنيا ألم وشر، وفي النفوس طبيعة الارتياح والرغبة فيما فيه لذة أو خير، وطبيعة النفور والخوف مما فيه ألم أو شر، وعلى حال الرغبة والرهبة تقوم فضيلة الشجاعة، ورذيلة الجبن.
ذلك أن الإنسان يخاف أن يقع في ألم، أو يرغب في إدراك لذة، فيبتغي الوسيلة إلى التخلص من الألم، أو الوصول إلى اللذة.
فالشجاع يخاف من العار الذي يلحقه من احتمال الضيم، أو يرغب في أن يدرك مجداً شامخاً، أو ثناء فاخرًا، فيلقي بنفسه في مواقع الدفاع، لا يلوي جبينه عن طعان أو نضال.
ويخاف الجبان الموت، أو يرغب في نعيم عاجل، أو زينة، فيقعد مع القواعد، ولا يهمه أن تزدريه كل عين، أو يذمه كل لسان.
إذا ما الفتى لم يبغ إلا لباسَه ... ومطعَمَهُ فالخَيْرُ مِنْهُ بعيدُ
وليس كل إقدام على الموت شجاعة، وإنما الشجاعة: الإقدام في المواطن التي ينبغي فيها الإقدام؛ كمواقف الدفاع عن النفس، أو العرض،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد العاشر، الصادر في شهر جمادى الأولى 1357 ه.
(5/ 1/152)

أو الدين، أو المستضعفين من الناس، فليس بالشجاع ذلك الذي يحمل السلاح، ويلبس ظلام الليل؛ ليسفك دماً معصوماً، أو ينهب مالاً بغير حق، وإنما هو سفه الرأي، وقسوة القلب، يلتقيان، فيلدان بغياً وفساداً في الأرض. وعلماء الأخلاق يسمون مثل هذا الإقدام: جراءة وتهوراً.
وليس بالشجاعة ذلك الذي يفاجئه مكروه من نحو مرض أو خيبة أمل، فيسودّ في عينه وجه الحياة، ويرتكب جريمة الانتحار؛ فإن إِقدام المنتحر على الموت إنما هو أثر ضعف النفس، وفقد العزم الذي يُعِدُّه عظماء الرجال لما يعرض لهم من الشدائد. ومن هنا قال أرسطو في كتاب "الأخلاق": إن الإقدام على الانتحار خليق بأن يسمى: جبناً، دون أن يسمى: شجاعة.
وإذا كان الإقدام على الموت ونحوه قد يسمى: تهوراً، وقد يسمى: جبناً، فالشجاعة إنما هي الإقدام الصادر عن روية وحكمة.
ينظر حكيم الرأي إلى ما قد يلحقه في مواطن الدفاع من نحو مصيبة الموت، ويزنه بما يلحقه عند الإحجام من نحو الذل والهوان، فيبدو له أن الإحجام لا يمنع من الموت.
ومَنْ لم يَمُتْ بالسَّيْفِ ماتَ بغيره ... تنوَّعَتِ الأسبابُ والمَوْتُ واحِدُ
وان العار والهوان يمكن اتقاؤهما بالإقدام والثبات، فيكون الإقدام في نظره أرجح من الإحجام، قال قطري بن الفجاءة:
وما للمرءِ خيرُ في حياةٍ ... إذا ما عُد من سَقَطِ المتاعِ
وقد يعتدي على الرجل طائفة من عشيرته أو قومه، فينظر إلى اللذة التي قد يدركها بالانتقام منها، ويقيسها بالضرر الذي يلحقه من هذا الانتقام، فيبدو له أن لذة الانتقام عرض زائل، وأن في الإقدام على حربهم توسيعاً
(5/ 1/153)

لثلمة العداوة، وتقليلاً لعدد أنصاره، داضاعة لخصلة من أعظم خصال الشرف، وهي الحلم، فيؤثر هنا الإحجام على الإقدام.
قومي هُمُ قَتلوا أمَيْمَ أخي ... فإذا رَميْتُ يُصيبني سَهْمي
وليس من شرط الشجاعة أن لا يجد الرجل في نفسه الخوف من الهلاك جملة، بل يكفي في شجاعة الرجل أن لا يعظم في نفسه الخوف حتى يمنعه من الإقدام، أو يرجع به إلى انهزام.
قال هشام بن عبد الملك لمسلمة: يا أبا سعيد! هل دخَلك ذعر قط لحرب أو عدوّ؟ قال مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذكر سلبني رأي، قال هشام: هذه هي البسالة!.
وقد يتوهم متوهِّم أن الجبان يحب نفسه أكثر مما يحب الشجاع نفسه، والواقع أن الشجاع شديد الحب لنفسه، وشدة الحب لنفسه هي التي تحمله على أن يركب الأخطار، ويخوض غمرات الحروب؛ ليكسبها الشرف أو السعادة، قال ابن الحسين:
وحبُّ الجبانِ النفْسَ أورَثه التُّقى ... وحبُّ الشجاعِ النَّفْسَ أَوْرَثَهُ الحَرْبا
يحرص الجبان على الحياة؛ ليتمتع بما يصل إليه من مطعوم أو زينة، ويحرص الشجاع على الحياة؛ ليتمتع بما يكسب من شرف وعزة، وهذه الحياة هي التي توهب للشجاع عندما يخوض غمار الحرب بثبات وعزم، كما قال الصدّيق لخالد بن الوليد: "احرص على الموت، توهب لك الحياة".
وهذه الحياة هي التي وجدها الحصين بن الحمام في الإقدام، فقال:
تأخَّرْتُ أسْتبقي الحياةَ فلَمْ أَجِدْ ... لنَفْسي حياةً مِثْلَ أنْ أتقدَّما
(5/ 1/154)

يتفاضل الناس في الشجاعة، فمنهم من يقدم على مواقع الخطر، ويخوض عبابها ثابتَ الجنان، حتى يفوز بالظفر، أو يلاقي مصرعه.
قال السريّ الرفاء في سيف الدولة:
وأغرَّ يأنفُ أن يَصُدَّ عن الوَغى ... حتّى يُذِلَّ معاطِساً وأُنوفا
وقال المعتمد بن عباد:
ما سِرْتُ قَطُّ إلى القتا ... لِ وكان من أملي الرجوع
وقال أبو تمام في مدح محمد بن حميد:
فأثْبتَ في مُستَنقَعِ الموتِ رِجْلَهُ ... وقال لها مِنْ تحتِ أخْمُصِكِ الحَشْرُ
وهذا المصنف من الأبطال هم الذين يفخرون، أو يمدحون بأن الطعن لا يقع في ظهورهم قط، وإذا طُعنوا، ففي وجوههم، أو صدورهم، قال الحصين بن الحمام:
ولسْنا على الأعقابِ تدمى كُلومُنا ... ولكنْ على أقدامِنا تُقْطَرُ الدِّما
ومن أهل هذه الطبقة: أولئك الذين يصفونهم في مواقع الخطوب بطلاقة المحيا، أو ابتسام الثغر، أو ابتهاج القلب، قال ابن الحسين:
تمر بك الأبطالُ كَلْمى هزيمةً ... ووجْهُكَ وَضَّاحٌ وثغرُك باسمُ
وقال ابن هانح:
كأنَّ لواءَ الشَّمْسِ جعفَرٍ ... رأى القِرْنَ فازدادَتْ طلاقتُه ضِعفا
وقد يحدثونك عن قوة شجاعة القوم، فيصفونهم بأنهم يلذَّون ذكر المنايا، ويطربون لأحاديث الحروب:
(5/ 1/155)

يثْني حديثُ الوغى أعطافَهم طَرَباً ... كان ذِكْرَ المنايا بينَهم غَزَلُ
ومن ثقة الرجل بشجاعته: أن يقارع خصومه مجابهة، ويأنف أن يقارعهم على وجه المخاتلة، قال بعض مادحي سيف الدولة:
إذا حاول الأقرانُ في الرَّوعِ خَتْلَهُ ... أبرَّ عليهم مُقدِماً لا مُخاتِلا خَتْلَهُ
ويبالغ بعض الأبطال في عدم المبالاة بالموت، فيدخل مواقع القتال دون أن يقي بدنه بنحو درعِ أو مِغْفَرِ (1)، وهو قادر على وقايته؛ كما قال المعتمد بن عباد:
قد رمتُ يومَ نزالِهم ... أن لا تحصِّنَني الدروعُ
وبرزت ليس سوى القمي ... صِ على الحشا شيءٌ دفوعُ
ويعدّون من تناهي القوم في الشجاعة: أن يدعوهم إلى الحرب داع، فينهضوا لها من غير أن يسألوا داعيهم عن وجهة الحرب، ولا عن الباعث عليها، قال وداك بن نمير المازني:
إذا استُنْجِدوا لم يَسْألوا من دَعاهُمُ ... لأيةِ حَرْبٍ أَمْ بأَيِّ مكانِ
وتعد هذه الطاعة البالغة من قبيل الشجاعة المحمودة، متى كانت إجابةً لدل عرفوه بصدق اللهجة، وحكمة الرأي.
وليس من لباب الشجاعة، ولا من قشورها: أن يسرع الرجل إلى مواقع الخطوب جاهلاً بما يلاقيه عندها من شدائد، حتى إذا شاهد طرفاً من أهوالها، أو وقعت عليه شرارة من نارها، لاذ بالفرار، ورجع إلى أهله بغير قلب.
__________
(1) المغفر: زرد ينسج من الدروع قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
(5/ 1/156)

ومن ظنَّ ممن يلاقي الحروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فقَدْ ظَنَّ عَجْزا
ولا ينقص من قدر الشجاع أن يقتل وهو يخوض في غمار الحروب.
قال أبو تمام في رثاء محمد بن حميد:
فتىً ماتَ بين الطَّعْنِ والضَّرْبِ ميتةً ... تقومُ مَقامَ النَّصْرِ إنْ فاتَه النَّصْرُ
ولا ينقص من قدره أن يثبت في موقف الدفاع حتى يقع في أسر. وقع هشام بن عبد العزيز قائد جيش السلطان محمد بن عبد الرحمن الأندلسي أسيراً في يد العدو، فاستقصره السلطان، ونسبه إلى الطيش، فاعتذر عنه الوليد بن عبد الرحمن بن غانم، ومما قال في الاعتذار عنه: إن هاشماً قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، حتى مُلك مقبلًا غير مدبر، مُبليًا غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه!.
والشأن فيمن يعيش في نعيم وزينة أن يكون أشد الناس كراهة للحروب، فإذا أنبتت بيئات الترف فتى يزدري النعيم والزينة، ويطمح بهمته إلى الشرف الصميم، كان فضله في الشجاعة أظهر، وإقدامه أدعى إلى الإعجاب به، ولذلك ترى الأدباء إذا أرادوا أن يجعلوا إعجابك بشجاعة الممدوح أبلغ، أشاروا إلى أن النعمة والزينة لا تذهب برجوليته، ولا تقعد به عن حماية الشرف والكرامة، قال الحطيئة:
إذا همَّ بالأعداءِ لم يَثْنِ عزمَهُ ... كعابٌ عليها لؤلؤٌ وشُنوفُ
حَصانٌ لها في البيتِ زيٌّ وبهجةٌ ... ومشيٌ كما تمشي القَطاةُ قَطوفُ
وقال كثير في عبد الملك بن مروان:
إذا ما أرادَ الغزوَ لم يثْنِ عَزْمَهُ ... حَصانٌ عليها نَظْمُ درٍّ يَزينُها
(5/ 1/157)

نهتْه فلمّا لم ترَ النهيَ عاقَه ... بكتْ فبكى مما شجاها قَطينُها
قد يعرف الجبان فضل الشجاعة، ولكن الشجاع أعرف بقدرها، وأدرى بقيمة قِرْنه المطبوع عليها، وربما طاعنه مضطرًا إلى طعانه، والأسف يملأ ما بين جوانحه، قال بشر في القصيدة التي وصف فيها مقاتلته للأسد:
وقلتُ له يَعزُّعليَّ أَنّي ... قتلتُ مُناسِبي جَلداً وقَهْرا
ولكن رمتُ أمْراً لم يَرُمْهُ ... سِواكَ فلمْ أَطِقْ يا ليثُ صَبْرا
ويعجبني من تشطير الأستاذ محمود قبادو التونسي لهذه القصيدة قوله:
(وقلتُ له يعزُّ عليَّ أَنِّي) ... أراك معفَّرًا شَطْرًا فَشَطْرا
وأستحيي المروءة أن تَراني ... (قتلتُ مُناسبي جَلداً وقَهْرا)
وللشجاعة الفضل الأكبر في حماية شرف الفرد أو الجماعة، قال عمر ابن براقة الهمداني:
متى تجمعِ القلبَ الذَّكيَّ وصارِماً ... وأَنفاً حمياً تجتنِبْكَ المظالمُ
وقال حسان بن ثابت يصف قوماً حرموا فضيلة الشجاعة، فوقعوا في ذلٍّ وصَغار:
كرِهوا الموتَ فاستبيحَ حِماهُم ... وأقاموا فِعْلَ اللئيمِ الذّليلِ
وكم من شرف قوم سقط إلى الثرى، وإنما سقط على أيدي أناس خالط قلوبهم الجبن، واشتد بهم الحرص على متاع هذه الحياة، حتى خيل إليهم أن قعودهم عن الدفاع حزم وروية، قال ابن الحسن:
يرى الجبناءُ أن الجبنَ حَزْمٌ ... وتلك خديعةُ الطَّبْعِ اللئيمِ
(5/ 1/158)

وللقرآن الكريم أبلغ الكلم في تصوير حال الجبناء، فانظروا إليه إذ يصفهم ويريكم كيف يذوقون موتات الفزع المرة بعد الأخرى، فيقول: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4]، ويريكم كيف يظهر أثر الجبن في أبصارهم إذ يقلبونها وهم في ذهول من أدركه الموت، فيقول: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19].
ومن أبدع ما ورد عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في تمجيد الأبطال الذين يركبون البحر للدفاع عن الحق: أن شبههم بالملوك على الأسرّة.
ولفضل الشجاعة في الذود عن الشرف والكرامة، جاء الفخر بالموت في مواقف الدفاع دون الموت على الفراش، قال عبد الله بن الزبير في خطبة تأبينه لأخيه مصعب: "إنا والله لا نموت إلا قتلاً: قَعْصاً بالرماح، وتحت ظلال السيوف".
وخلاصة الحديث: أن الأمة لا تحتفظ بعظمتها إلا أن تسود فيها الشجاعة، وأن عظمتها على قدر من تخفق عليهم رايتها من ذوي البطولة، فكان حقاً علينا أن نعنى في تربية أبنائنا بخلق الشجاعة الموصولة بالحكمة، حتى يروا العظائم صغائر، ويقتحموا الخطوب بعزائم لا يعرف التردد ولا الوهن طريقها.
(5/ 1/159)

كبر الهمّة في العلم (1)
الحديث عن فضل العلم وما يناله طالبه من مجد وكرامة حديث لا يكشف عن غامض، ولا يطرق السمع بجديد، فأقصد إلى شيء غير هذا، هو: لفت أنظار نشئنا إلى ناحية تجعل المعارف لدينا غزيرة، والمباحث محررة، والآراء مبتكرة، وهي الوسيلة التي صعدت بعلمائنا الذين خدموا الدين والعلم والمدنية، فكانت لهم المكانة التي يصفها التاريخ بإجلال وإعجاب، ونعني بهذه الوسيلة: كِبَر الهمّة في العلم.

ل كبر الهمة في العلم مظاهر، هي: أن تقضي الوقت في درس أو مطالعة أو تحرير، وأن تقتحم في سبيل ذلك المصاعب، وتدافع ما يعترضك من العوائق، وأن تبسط النظر في كل مسألة تصديت لبحثها حتى تنفذ إلى لبابها، وأن تضع يدك في كل علم استطعت إليه طريقاً، ثم تحط رحلك في علم تكون فيه النجم الذي يهتدي به المدلجون، والغيث الذي ينتجعه الظامئون، وكبر همتك في العلم يأبى إلا أن يكون للعلم مظهر، هو: العمل به، والسير على ما يرسمه من الخطط الصالحة في هذه الحياة.
أما صرف الوقت في ابتغاء العلم، فإن للعمر أجلاً إذا جاء لا يستأخر،
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الثامن من المجلد الأول، الصادر في شهر شعبان 1349 ه.
(5/ 1/160)

وللعلم بحراً طافحاً ليس له من آخر، فكل ساعة قابلة لأن تضع فيها حجراً يزداد به صرح مجدك ارتفاعاً، ويقطع به قومك في السعادة باعاً أو ذراعاً، فإن كنت حريصاً على أن يكون لك المجد الأسمى، ولقومك السعادة العظمى، فدَعِ الراحة جانباً، واجعل بينك وبين اللهو حاجباً.
وإذا رجعنا البصر في تاريخ النوافي الذين رفعوا للحكمة لواء، وجدناهم يبخلون بأوقاتهم أن يصرفوا شيئاً منها في غير درس أو بحث أو تحرير.
قدم الحافظ ابن أبي حاتم صاحب كتاب "علل الحديث" القاهرة؛ ليتلَقّى عن شيوخها مالم يكن يعلم، فقضى في مصرسبعة أشهر لم يجد هو وأصحابه من الوقت ما يهيئون فيه لطعامهم مَرَقأ، وكانوا بالنهار يطوفون على الشيوخ، وبالليل ينسخون ويقابلون.
ونقرأ في حياة الفيلسوف أبي علي ابن سينا أنه لم ينم مدة اشتغاله بالعلم ليلة كاملة، ولم يشتغل بالنهار بسوى المطالعة.
ونجد في التاريخ: أن الفيلسوف ابن رشد لم يدع النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله.
لم يقض حقَّ العلم، بل لم يدرِ ما شرف العلم، ذلك الذي يطلبه لينال به رزقاً، أو ينافس فيه قريناً، حتى إذا أدرك وظيفة، أو أَنِسَ من نفسه الفوز على القرين، أمسك عنانه ثانياً، وتنحى عن الطلب جانباً.
وإنما ترفع الأوطان رأسها، وتبرز في مظاهر عزتها، بهمم أولئك الذين يقبلون على العلم بجد وثبات، ولا ينقطعون إلا أن ينقطعوا عن الحياة.
وأما اقتحام المصاعب في الطلب، فإن معالي الأمور وعرة المسالك، محفوفة بالمكاره، والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق
(5/ 1/161)

إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطالب دون أن يقاسي شدائد، ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشدائد إلا كبير الهمة، ماضي العزيمة.
كان سعيد بن المسيب يسير الليالي في طلب الحديث الواحد.
ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن نافع وهو في مصر ليروي عنه حديثاً، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته، وقفل إلى المدينة راجعاً.
ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلا برجال رحلوا إلى الشرق، ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبأ، مثل: أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي.
يتجرع كبير الهمة مرارةً حين تقف بينه وبين جانب من العلم عقبة، فإذا وجد مرعى العلم خصبًا، فعناؤه فيما يدعونه: راحة، وانقباضه فيما يسمونه: لهوًا، وألمه في ساعة ينقطع فيها عن العلم يساوي ألم المستهتر في الشهوات حين يقضي يومه في غير شهوة.
وقد يحسب من لم تصفُ بصيرته حتى يرى الحكمة في أسنى مظاهرها أن الذي يقول:
سَهَرِي لتَنقيحِ العلومِ ألذُّ لي ... من وصْلِ غانية وطيبِ عِناقِ
إنما هو شاعر لا يبالي أن يفضل الشيء على ما هو أكمل في وجه الشبه وأقوى، ويبعد في نظره أن يبلغ ابتهاج النفس عند تحقيق بحث علمي مبلغ ابتهاجها بلقاء الغانيات، ولكن الذي يقدر الحكمة، يرى أن ناظم البيت لم يجد شيئاً يحاكي به اللذة التي يجدها عندما يطلق فكره وراء شوارد العلوم، فيظفر بها، فجاء إلى هذا الذي اشتهر بين الناس أنه لذيذ بالغ، ووصف لذة
(5/ 1/162)

الحكمة بأنها فوق لذته، فصاحب البيت لم يتجاوز في تصوير ارتياحه لتنقيح العلوم حد الحقيقة.
وأما نفوذ النظر في لباب المسائل، فلأن وقوف طالب العلم عند ظواهرها، واكتفاءه بالمقدار الذي يقصر به عن حسن بيانها، وإجادة العلم بها، لا يبعدان به عن منزلة خالي الذهن منها؛ فإنما وضعت العلوم لتهدي إلى العمل النافع، ولا شرف لها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من عمل صالح، أو كلم طيب، فمن يقضي زمناً في طلب علم، ثم ينفصل عنه وهو لا يستطيع أن يدفع عن أصوله شبهاً، أو يضرب له من العمل مثلاً، ذهب وقته ضائعاً، وبقي اسم الجهل عليه واقعاً.
فالفقيه بحق من تعرض لواقعة لم يفصل لها الشارع حكماً، ولم يتناولها السَّلَف باجتهاد، فيرجع إلى الأصول الثابتة، والقواعد المقررة، ويقتبس لها حكماً موافقاً.
ولا نكتفي ممن يدرس البلاغة أن يتصور قوانينها، ويعرف أمثلتها إلا أن يبصر بها كيف تسري في كتاب الله سريان الماء في الأزهار الناضرة، وحتى يستطيع أن يخطب أو يكتب على وفق ما درس من مناهجها الواضحة، وأساليبها الساحرة.
ولا يحق لنا أن نفتخر بفتيان درسوا الطبيعة والكيمياء، إلا أن يعودوا وفي قدرتهم أن يستقلوا بإدارة مصاح للدفاع، ومعامل لمرافق الحياة، فإنا نريد أن نعود كما كنا أساتذة في العلوم، نقلية أو عقلية، نظرية أو مادية.
ومما رمى الأفكار في خمول، ووقف بها حقبة عن الخوض في عباب العلوم إلى أمد بعيد، هذه المختصرات التي يقضي الطالب في فتح مغلقها،
(5/ 1/163)

وحل عقدها قطعة من حياته، جديرة بأن تصرف في اكتساب مسائل هي من صميم العلم، والملكات تقوى بالبحث في لباب العلم أكثر مما تقوى بالمناقشة في ألفاظ المؤلفين.
وممن نبه على أن الاختصار عائق عن التحقيق في العلم: أحد علماء القرن الثامن العلامة محمد المعروف (1) بالأيلي إذ قال: "كل أهل هذه المئة على حال من قبلهم من حفظ المختصرات، فاقتصروا على حفظ ما قلّ لفظه، ونزرَ حظُّه. وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه، وفهم رموزه، ولم يصلوا إلى ردّما فيه إلى أصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الضعيف والصحيح".
فمن أسباب الرسوخ في العلم، وطموح الهمم إلى التوسع في البحث، وعدم الرضا بما دون الذروة: قراعة الكتب التي تنسج على طريقة الاستدلال والغوص على أسرار المسائل، وهي طريقة المتقدمين من علمائنا.
وأما بسط النظر في علوم متعددة، فلارتباط العلوم بعضها ببعض، وكلما كان الاطلاع على العلوم أوسع، كان البحث في المسائل أجود، والخطأ في تقريرها أقل، والاحتجاج عليها أسلم، فلا يجيد دراسة التفسير أو الحديث من لم يكن ضليعاً في العربية، ولا يحكم الاستدلال على العقائد، ويدفع ما يحوم عليها من شُبه، إلا من كان عارفاً بالتفسير والحديث، والقوانين المنطقية، والمذاهب والآراء الفلسفية، ولا يقوم على دراسة الفقه أو أصوله من لم يملأ يده من الحديث والتفسير والعلوم العربية.
واطّلاع الرجل على علوم كثيرة يعرف موضوع بحثها، ويقف على جانب عظيم من مبادئها، لا يمنعه من الإقبال على علم يجعل له من الدرس والمطالعة
__________
(1) من أساتذة ابن خلدون.
(5/ 1/164)

ما يرفعه إلى مرتبة أئمته الذين يكتبون فيه فيحققون، ويسألون عن أخفى مسائله فيجيبون، والذي يضع يده في علوم شتى، يمكنه أن يجاري طوائف العلماء في المباحث المختلفة، وعلى قدر ما يكون للرجل من خبرة بالعلوم، يبعد عن مواقع الذِّلَّة، ويزداد في أعين الناس تَجِلَّة.
عكف أبو صالح أيوب بن سليمان على كتاب "العروض" حتى حفظه، فسأله بعضهم عن إقباله على هذا العلم بعد الكبر، فقال: حضرت قوماً يتكلمون فيه، فأخذني ذل في نفسي أن يكون باب من العلم لا أتكلم فيه.
تقضي الحياة الراقية أن يقوم بكل علم طائفة يكونون السند الذي يرجع إليه، وكذلك كان علماؤنا فيما سلف: يُقْبل كل طائفة منهم على علم يقومون عليه دراية، ويقتلونه بحثًا. وبهذا اتَّسَعت دائرة المعارف، وظهرت المؤلفات الفائقة. وتراهم قد عرفوا من قبل أن نجاح قصر الطالب على الرسوخ في علم، يرجع إلى ترك الطالب وما تميل إليه نفسه من العلوم.
ومما نقرأ في ترجمة أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني - وكان راسخاً في المنقول والمعقول -: أنه كان "يترك كل أحد من الطلبة وما يميل إليه من العلوم، ويرى أن كل ذلك من أبواب السعادة".
ومن لطف مبدع الكون أن جعل النفوس تختلف في استعدادها للعلوم والفنون والصنائع؛ لينتظم شأن الحياة، وتتوافر وسائل السعادة. وربما نشأ أفراد في مهد واحد، واختلف ميلهم إلى العلوم، فبرز كل في العلم الذي وافق رغبته، ووجه إليه همته؛ كأبناء الأثير الثلاثة: علي (1) الملقب بعز الدين: إمام
__________
(1) صاحب كتاب "الكامل" المعروف بتاريخ ابن الأثير.
(5/ 1/165)

في التاريخ، ومحمد (1) الملقب بمجد الدين: نحرير في الحديث والأدب، ونصر الله (2) الملقب بضياء الدين: بارع في الأدب وتحرير الرسائل، وكثير من علمائنا كانوا يدرسون علومًا مختلفة يبلغون في بعضها الذروة، ويكتفون في بعضها بالمقدرة على تدريسها، أو تحقيق مباحثها عند الحاجة.
فهذا أبو إسحاق الشاطبي تقرأ له كتاب "الموافقات"، فتحس أنك تتلقى الشريعة من إمام أحكم أصولها خبرة، وأشرب مقاصدها دراية، ثم تقرأ " شرحه على الخلاصة" في النحو، فتشعر بأنك بين يدي رجل هو من أغزر النحاة علماً، وأوسعهم نظراً، وأقواهم في الاستدلال حجة.
والقاضي إسماعيل من فقهاء المالكية البالغين درجة الاجتهاد في الفقه، قد سمت منزلته في العربية، حتى تحاكم إليه عَلَمان من أعلامها في مسألة، وهما: المبرّد، وثعلب.
وكبير الهمة في العلم يريد أن يكون النفع بعلمه أشمل، ومما يدرك به هذا الغرض: احترامه لآراء أهل العلم، ولا نعني باحترامها: أخذها بالقبول والتسليم على أي حال، وإنما نريد: نقدها بتئبت، وعرضها على قانون البحث، ثم الفصل فيها من غير تطاول عليها، ولا انحراف عن سبيل الأدب في تفنيدها.
والفطر السليمة، والنفوس الزاكية، لا تجد من الأقبال على حديث من يستخفه الغرور بما عنده مثلما تجد من الإقبال على حديث من أحسن
__________
(1) صاحب كتاب "النهاية في غريب الحديث"، و"جامع الأصول في أحاديث الرسول".
(2) صاحب كتاب "المثل السائر".
(5/ 1/166)

الدرسُ أدبَه، وهذَّب الأدبُ منطقَه.
وإذا كان الأستاذ كمدرسة يتخرج في مجالس درسه خلق كثير، فحقيق عليه أن يكون المثال الذي يشهد فيه الطلاب كيف تناقش آراء العلماء مع صيانة اللسان من هجر القول الذي هو أثر الإعجاب بالنفس، والإعجاب بالنفس أثر ضعف لم تتناوله التربية بتهذيب.
كبير الهمة يستبين خطأ في رأي عالم، أو عبارةِ كاتب، فيكتفي بعرض ما استبان من خطأ على طلاب العلم ليفقهوه، ويأبى له أدبه أن ينزل إلى سقط الكلام، أو يخف إلى التبجح بما عنده.
وقد حدثنا التاريخ عن رجال كانوا أذكياء، ولكنهم ابتلوا بشيء من هذا الخلق المكروه، فكان عوجًا في سيرهم، ولطخاً في صحفهم، ولو تحاموه، لكان ذكرهم أعلى، ومقامهم في النفوس أسمى، ومنزلتهم عند الله أرقى. وخلاصة المقال: تذكير النبهاء من نشئنا بأن يُقْبلوا على العلم بهمم كبيرة؛ صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يَبلى الجديدان (1) وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفى غليله إلا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطريق، وألسنة مهذبة لا تقع في لغو أو مهاترة.
ذلك عنوان أكبر الهمة في العلم، وذلك ما يجعل أوطاننا منبت عبقرية فائقة، ومطلع حياة علمية رائعة، وما نبتت العبقرية في وطن نباتاً حسناً، إلا كانت أرضه كرامة، وسماؤه عزة، وجوانبه حصانة ومنعة.
__________
(1) الليل والنهار.
(5/ 1/167)

الدهاء والاستقامة (1)
خصلتان يبلغ بهما الرجل أن يكون عظيماً، وحقَّ لمن استولى على الأمد الأقصى منهما أن يكون زعيماً، هما: بعد النظر في استكشاف غوامض الأمور، وذلك ما نسميه: الدهاء، أو الكياسة، والسير في سبيل الرشد بقلب سليم، وذلك ما نسمّيه: الاستقامة، أو التقوى.
ولا نقصد في هذا المقام إلى الحديث عن بعد النظر في إدراك العويص من مباحث العلوم، وإنما نقصد إلى الحديث عن الدهاء من ناحية تقدير وسائل النفع والضرر، أو من حيث شعور صاحبه بما يحمل له من ضغن، أو ينصب له من كيد.
يقارن الدهاء الاستقامة، فيصرف في تدبير الوسائل التي تكفي شراً مقبلًا، أو تجلب خيراً معسراً، ويقارن زيغ العقيدة، أو لؤم الطبيعة، فيندفع بصاحبه في شعاب الباطل، ويكون نصيبه من الإفساد في الأرض فوق نصيب الغباوة؛ إذ يزيد عليها: أن يبتكر للشر فنوناً غير معروفة، ويلبس الباطل ثوب الحق، ويخرج المفسدة في لون المصلحة، فإذا لم تجد الحقائق أو المصالح دهاء يمحق دهاء المبطلين أو المفسدين، عمي على العامة أمرها، وظهرت
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد التاسع من المجلد الأول - الصادر في شهر رمضان 1349 ه - القاهرة.
(5/ 1/168)

الضلالة والسفاهة مكانها.
ولكثرة ما يصاحب الدهاء من المكر، والنزوع إلى الشر، توهم بعض العامة أنه لا يجتمع مع سلامة الضمير، والحرصِ على فعل الخير، فتراهم يعدون غفلة الرجل عما ينطوي عليه الحديث من مغامز، وما يراد به من مكايد، أثرَ صلاحه وطيبِ سريرته، وكاد بعض الكاتبين على حديث: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" يحوم حول هذا الوهم؛ إذ حمل الحديث على عدم الانخدل في الدين؛ بأن يصدق الكاذب الذي ظهر له كذبه مرة ثانية، ثم قال: "وأما الانخدل في أمور الدنيا بناء على قلة التفاته إليها، وعدم اهتمامه بها، فهو ممدوح مطلوب".
والحق أن الغفلة عن نواحي الشر، دينية أو دنيوية، لا تدخل في سلك الكمال، ولا تستدعي مدحًا، وانما الكمال في اليقظة والكياسة. والقصد من الحديث الشريف: تحذير المؤمن من أن يكون مغفّلاً، وإرشاده إلى استعمال الفطنة في شؤونه، دينية أو دنيوية. وإذا كان الحديث مسوقاً للإخبار عن حال المؤمن، فإنما يريد: المؤمن الكامل، وهو الذي يستنير بالحكمة، ويعتبر بالحوادث، فتصفو بصيرته، ويهتدي إلى غوامض الأمور، حتى يكون حذراً مما سيقع، وإذا أخذته الغفلة مرة، فنكب من ناحية، كانت نكبته من هذه الناحية هي الأولى، وهي الآخرة. ويوافق هذا قول عمر بن الخطاب: "لست بخبٍّ، والخبُّ لا يخدعني"، وأما المؤمن الذي يكون حظه من الحكمة والاعتبار بخسًا، فقد يلدغ من الجحر الواحد مرتين أو مراراً.
ولا يعارض هذا حديث: "المؤمن غرّ كريم، والفاجر خب لئيم"؛ فقد تكلم الحفّاظ في سنده، حتى ذهب بعضهم إلى أنه موضوع، وهو بقطع النظر
(5/ 1/169)

عن سنده، قد وقع لفظ الغز فيه مقابلاً للفظ الخب الذي هو الجُرْبُز؛ أي: الخدّاع، فيكون المراد من الغرارة: غفلته عن الشر؛ فإن كريم الأخلاق طيّب السريرة، لا يبحث عن الشر بحثَ من يريد التوغل في طرقه، والخوض في غماره، وهو مع كونه لا يبحث عن هذه الطرق بحثَ المولع بها، يأخذ بسنّة الاحتراس، فلا ينخدع لخب يزخرف له القول مداهنة، أو ينصب في طريقة حباله، فغفلة الرجل عن وسائل الشر لانصرافه إلى الخير بشراشر (1) لا تنقص من كياسته في تدبير وسائل الخير، أو الاحتراز عما يهيأ له أو لقومه من الشر، فلا يصح أن يكون الإيمان - الذي هو أساس استنارة الفكر - سببَ الانخداع لتمويه مبطل، أو مخاتلة ذي مأرب.
نجد في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يرشدنا إلى أن السياسة الإسلامية لا ينهض بها المستقيم إلا أن يكون أريباً، ولا الأريب إلا أن يكون مستقيماً.
فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما كان محفوفًا به من رعاية الله وتأييده - لم يترك أمر السياسة الحربية أو المدنية دون أن يجريه على سنّة التدبير والاحتراس من أمور يتبعها في العادة عواقبُ سيئة، فما نقرؤه في سيرته الزاهرة: أنه كان إذا قصد السفر لحرب قوم، أخذ يسأل عن ناحية قوم آخرين، حتى يظن السامع أنه ينوي السفر إلى الناحية التي يسأل عنها. ونقرأ فيها: أنه كتب لأمير سرية كتاباً وقال له: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا"، فلما بلغ ذلك المكان، قرأه على الناس، وفيه ذكر الناحية التي أمرهم بالتوجه إليها.
ومن مثل هذا أخذ يحيى بن أكثم قوله في حديث مع المأمون: "لا يستقيم كتمان شيء إلا بإذاعة غيره".
__________
(1) الشراشر: النفس.
(5/ 1/170)

ومن بديع سياسته - عليه الصلاة والسلام -: صلحُ الحديبية؛ فقد خفي على بعض كبار الصحابة حكمته، فلم يرتح له، ولكنه أتى بخير كثيرة إذ كان توطئة لفتح مكة دون أن تراق فيه دماء طاهرة، أو تقصم فيه ظهور انحنت بعد الفتح راكعة لله، وخرج منها رجال جاهدوا في الحق بحماسة وإخلاص. وكان - صلوات الله عليه - مع ما يجده في الناس من حسن الطاعة والتسليم، قد يستحسن الأمر، ويدعيه. حذراً من أن يلاقيه بعضهم بإنكار.
فانظروا إلى ما جاء في الصحيح من أنه - عليه الصلاة والسلام - استحسن نقض البيت وبناءه على أساس إبراهيم، وإنما تركه مخافة أن تنكره قلوب من كانوا حديثي عهد بالجاهلية من قريش، وإنما يراعي - عليه الصلاة والسلام - إنكار الناس فيما لم ينزل به وحي، ولم تقتض حاله أن يكون شرعه نافذاً.
وإذا قال ابن خلدون في الحديث عن العرب: "إنهم أبعد الأمم عن السياسة"، فإنما يريد: العربَ قبل أن يستضيئوا بحكمة الإسلام، أما بعد أن نزل القرآن، وشاهدوا سيرة أحكم الخليقة - صلوات الله عليه -، فقد كان نصيبهم من البراعة في السياسة فوق كل نصيب.
نقرأ في تاريخ فتح الفرس: أن سعد بن أبي وقاص أرسل المغيرة بن شعبة إلى رستم القائد الفارسي، فأقبل حتى جلس معه على سريره، فوثب إليه أتباع رستم، وأنزلوه من السرير، فقال المغيرة: "إنا - معشر العرب - لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم: أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول".
قصد المغيرة بما صنع وما قال: تعليمَ القوم المساواة التي جاء بها
(5/ 1/171)

الإسلام؛ ليألفوه، وإشعارَهم بأنهم يعيشون تحت راية تلك الدولة عيش المستعبدين؛ ليجني من وراء هذا سقوط مكانتها من أنفسهم، فلا يدافعوا عنها من صميم أفئدتهم.
لا يستغني رؤساء الشعوب عن الدهاء في السياسة، وأشدُّهم حاجة إلى تدابيره الغامضة: رئيسٌ قبض على زمام طوائف اختلفت أهواؤهم سبلاً، وتفرقت آراؤهم مذاهب، فإذا رأينا السياسة في عهد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - تسير على مناهج من العدل واضحة، فلأن الرئيس عادل، ومعظم الأمة على سبيل من الهداية لا تختلف.
وما استقام الأمر لمعاوية - مع ما خالط الأمة يومئذ من التفرق في الآراء - إلا لأنه كان يسلك في السياسة مسالك خفية، ويركب لها من الطرق الوعرة ما لم يركبه الخلفاء من قبله، ومعاوية هو الذي يقول: "لو أن بيني ويين الناس شعرة، ما انقطعت"، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: "كنت إذا مدّوها، أرخيتها، وإذا أرخوها، مددتها".
ومن أساليب الدهاة في إضعاف الجماعة التي تناوئ سلطانهم: أن يغروا بين كبرائها العداوة، فتنفصم رابطتهم، وتشتد الخصومة فيما بينهم، وهو مسلك قد يضطر إليه المصلحون في تفريق الجماعة التي تتحالف على ما لا خير منه، ومن هذا القبيل ما فعله نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - حين تحالفت قريش وغطفان وبنو قريظة على حرب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في واقعة الأحزاب؛ إذ ألقى بينهم ما تقطع به حبل اجتماعهم على الباطل، فانصرفوا خائبين.
وقد يعمل الطامع في الأمة على هذا المسلك؛ حذراً من أن يتنبه شعورها، فتجمع أمرها، وتوجه إليه قوتها، فمن واجب الأمة التي يربطها دين، أو مصالح
(5/ 1/172)

وطنية: أن تؤكد أواصر الإخاء بينها، وتجعل المصلحة العامة نصب أعينها، وتوجه ما تستطيع من قوة إلى من يريد القضاء على دينها، أو الاستئثار بمنافع بلادها.
لما تحفز الملك "الأذفونش" للهجوم على بلاد الأندلس، عقد كبراؤها مؤتمرًا للنظر في دفاعه، وقرروا الاستنجاد بسلطان مراكش "يوسف بن تاشفين"، ولما أبدى بعضهم التخوّف من أن ينقذ هذا السلطان البلاد من "الأذفونش"، ثم يضع عليها يده، قال له المعتمد بن عباد: "لأن يرعى أبناؤنا الجمال خيرٌ من أن يرعوا الخنازير".
ومن أساليب الدهاة في القديم: أن يسوسوا الجماعة الناشزة بأيدي رجال منهم، قال عباد بن زياد يصف زيادًا لعبد الملك بن مروان: "قدم العراق، وهي جمرة تشتعل، فسلَّ أحقادهم، وداوى أدواءهم، وضبط أهل العراق بأهل العراق". وهو أسلوب بعيد الشأو، ظاهر الأثر، قد يأخذ به ذو السياسة الرشيدة لزيادة تأليف القوم، وتأكيد الإخلاص في نفوسهم. دلت السيرة النبوية على هذا الضرب من السياسة، ومن شواهده: ترتيبه - عليه الصلاة والسلام - الجيش يوم فتح مكة؛ إذ نظمه على حسب القبائل، وجعل على رأس كل قبيلة واحداً من سراتها.
وعلامة كون السياسة رشيدة: أن يوضع أمر القوم في يد من ينصح لهم، ويرعى مصالحهم، ويعمل لسعادتهم.
ومما يتخذه الدهاة في وسائل أخذ القوم إلى جانبهم: بذل شيء من المال إلى ذوي النفوذ من رجالهم، وهذا أحد الوسائل التي استطاع بها معاوية - رضي الله عنه - أن يقف تجاه عليّ - كرم الله وجهه -، ويأخذ منه شطر الخلافة،
(5/ 1/173)

على ما كان لعليّ من المكانة في العلم والبيان، والقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبذل النفس في الجهاد، وبلوغه في تقوى القلب أبعد غاية.
هذه الوسيلة قررها الإسلام في سياسة الدعوة إليه، فأذن في صرف جانب من الزكاة لأناس قالوا: أسلمنا؛ تأليفًا لقلوبهم، واستدعاء لاطمئنان عقيدتهم؛ كما قال تعالى في آية مصارف الزكاة: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60].
لا يعتمد رئيس القوم على القوة يستطيع أن يخمد بها كل فتنة، ويرى أنه في غير حاجة إلى أن ينظر في منابت الفتن بدهاء، فللدهاء مواضع يظهر فيها فضله على القوة. منها: دفع الخطر الذي يتراءى شبحه من بعيدة بحيث لا يشعر به إلا البصير بما وراء الخير من شرور؛ فقد يكون استعمال القوة في الشر المتواري موضع إنكار، أو مثار فتنة، أما الدهاء، فيرده، والنفوس مطمئنة، والفتن نائمة.
ويحتاج الحكم إلى الدهاء في استبانة الحقوق؛ حيث ترفع إليه الدعاوى مجردة من كل بينة، وفي مثل هذه الدعاوى يظهر مبلغ ذكاء القاضي؛ كما يظهر فضله في نقد البينات، وتمييز زائفها من صحيحها.
ومن دهاء المنصور بن أبي عامر: أن أحد التجار قدم قرطبة، ومعه كيس ياقوت نفيس، فتجرد ليسبح في البحر، وترك الكيس على ثيابه، وكان أحمر، فاختطفته حدأة في مخالبها، وتغلغلت به في البساتين، فأبلغ أمره إلى ابن أبي عامر، فجعل يستدعي أصحاب البساتين، ويسأل العاملين فيها عمن ظهر عليه تغيير حال من بؤس إلى سعة، حتى ذكر له شخص ظهر عليه من اليسر ما لم يعرف به من قبل، فاستدعاه، وفاجأه بقوله: أحضر الكيس الأحمر! فَتَمَلَّكه الرعب، وجاء به وقد نقص منه ما عفا له عنه صاحبه.
(5/ 1/174)

يحتاج الولاة إلى الدهاء في سياسة الجماعات واستبانة الحقوق، ويحتاج إليه العلماء في الدعوة إلى الخير، فقد تكون مواجهة الرجل بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لا تأتي بفائدة، فيعدل الداعي إلى طريق يكون له الأثر المقصود من الدعوة، وهو السمع والامتثال.
عزم المعتصم على قتل محمد بن الجهم البرمكي؛ لجولان يده في مال الدولة، فرأى القاضي أحمد بن داود هذا التصميم، وعرف أن الموعظة أو الشفاعة لا تحول دون هذا القتل، فسلك لإنقاذ محمد بن الجهم طريقاً آخر، هو أن قال للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته؟ قال: ومن يحول بيني وبينه! قال: يأبى الله تعالى ذلك، ويأباه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث إذا قتلته حتى تقيم البينة على ما فعله، وأمرُه باستخراج ما اختانه وهو حي أقربُ عليك، فرجع المعتصم عن عزمه، وخلص محمد بن الجهم من القتل.
وينتفع الرجل من دهائه عند لقاء الطبقات المختلفة، يزن عقول من يلاقونه، ويحسُّ ما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفُوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول وسرائر وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم، إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق.
ومراعاة عقول الناس وطباعهم ونزعاتهم فيما لا يقعد حقاً، ولا يقيم باطلاً، مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة، ومتى كان الدهاء - أعني: جودة النظر في سياسة الأمور، وتقدير وسائل الخير - عائداً إلى الألمعية، وهي في أصلها موهبة إلهية، فإن التدبير في سير أعاظم الرجال، والنظرَ في مجاري
(5/ 1/175)

الحوادث باعتبار، مما تقوى بهما خصلة الدهاء، فمن حق الملقى إليهم بتربية النشء من أوليائهم ومعلميهم: أن يصرفوا العناية إلى تغذيتهم بالحديث عن دهاة الرجال، وتنبيههم لما دبروه من وسائل يبتغون بها إصلاحاً أو شرفاً، ومن حقهم: أن يلاحظوا الحوادث التي تظهر من ناحية عرفت بالدهاء، فيكشفوا غطاءها، ويقفوا على بطائنها؛ ذلك لأننا نريد أن نعد للمستقبل ناشئة تستقيم على هدى الله، وتخوض لجج الحياة بكياسة تبصر بها مواقع الشر والخير، فتسعى إلى أن يكون الشر بعيداً منها، والخير طوع أيديها، وعلى قدر ما يكون في دعاة الشعب وقادته من دهاء وتقوى، يبعد في سبيل الشرف شاوه، وتثبت في مواقف الجهاد قدمُه، ويرقى في السماء ذكره، والذكر الذي تحوطه التقوى، ويحرسه الدهاء، لا يخفت صوته إن شاء الله.
(5/ 1/176)

الانحراف عن الدين علله، آثاره، دواؤه (1)
بين أيدينا حِكَم رائعات، وعِظاتٌ بالغات، وتاريخ عظمائنا مملوء بالهمم الكبيرة، والمساعي الخطيرة، وقد أتى علينا مع هذا النور الساطع والتاريخ المجيد حين من الدهر، ونحن عن طريق السعادة والمنعة غافلون، وعن العمل للحياة الصالحة نائمون، جهلٌ بعد علم، تقاطعٌ بعد ائتلاف، بطالةٌ بعد نشاط، صَغائرٌ بعد شمم، خمولٌ بعد نباهة شأن. كذلك كنّا، حتى جاءنا من صروف الليالي ما نبهنا من سباتنا، فنهضنا نبحث عن وسائل تقدمنا، ونجاري الأمم العاملة والأمل يملأ ما بين جوانحنا، نهضة مباركة، ولكن نفوسنا خالطها من الانحراف عن سبيل الرشد ما خالطها، فأصبحنا في حاجة إلى أن نشغل جانباً من أوقاتنا في تقويمها.
حقّ علينا أن نبحث عن علل انحراف هذه النفوس حتى نعرف طريق علاجنا، فنزيح أو نخفف مرضًا لو خلينا سبيله، لسرى إلى نفوس كثيرة، وعاقنا أن نسير إلى السعادة كيف نشاء.
* علل الانحراف:
النواحي التي يأتي من قبلها هذا الانحراف كثيرة، وجماعها: الجهل،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد الثاني- الصادر عن شهر ربيع الأول 1349 ه.
(5/ 1/177)

والدعايات الباطلة.
وإليك البيان:
ينحرف الناشئ عن الدين متى شبَّ على الجهل بحقائقه. وفريق من أبنائنا غير قليل لا يتعرفون الإسلام من وجهه الصحيح، وإنما ينتزعون صورته من مظاهر يرون عليها طوائف من المسلمين، ولم تكن هذه المظاهر من الإسلام في كثير ولا قليل، فليس بعيداً أن يشهد الشاب شيئاً من البدع المزرية؛ كضرب الدفوف في المساجد، أو تحت رايات يحملها أحداث باسم الدين لهوًا ولعبًا، فيخالها من تعاليم الإسلام، ويسوء اعتقاده في هدايته.
ونحن نعلم أن بعض البلاد الداخلة تحت سلطان غير إسلامي، قد تقام فيه حفلات مشهودة، يكلف فيها بعض الجهلة من المنتمين إلى طرق المتصوفة أن يحضروها بأزيائهم الخاصة، وتقوم كل طائفة بأعمال يمتازون بها عَمَّنْ سواهم، وقد يكون في هذه الأزياء والأعمال ما لا صلة له بالدين، ولا بما ترضى عنه العقول السليمة، فتتناولهم من أجل هذه المظاهر الألسنُ بالازدراء، ولا شك أن شبابنا كبعض المخالفين الذين يشهدون هذه الحفلات، قد يسبق إلى أذهانهم أن نسبة ما يعمل باسم الدين إلى الدين صحيحة، فيتجافون عنه، وهو منه براء.
فمظاهر البِدَع والمحدَثات من وسائل إضعاف العقيدة في نفوس أبنائنا، ومن أصعب العقبات التي تحول بين المخالفين وبين قبولهم للدين الحق بسهولة.
وإذا كان في المتجافين عن الدين من قرؤوا جانباً من الكتب المعزوة إليه، فعلة انحرافهم فيما يظهر أنهم لم يدرسوا تعاليمه خالصة مما أضيف
(5/ 1/178)

إليها من مزاعم وآراء، ولم يبلغوا من قوة العلم أن يفرقوا بين الشرع الخالص، وما يوضع بجانبه من أشياء لا تدخل في الصميم. ونحن نعلم أن في كثير من المؤلفات أحاديث موضوعة، وقصصًا مزعومة، وآراء لا تستند إلى أصول معقولة، ومن الذي ينكر أن في بعض الكتب أحاديث مصنوعة، وقصصاً مختلفة، وأن في مؤلفات بعض أصحاب الأهواء والمستضعفين في العلم آراء سقيمة، وأقيسة عقيمة؟.
كان لهذه الكتب أثر سيء في نفوس بعض نشئنا، وقد اتخذ بعض من خفَّ في العلم وزنهم من هذه الكتب وسيلة إلى الطعن في علماء الإسلام، فذهبوا يلتقطون هذه الآراء السخيفة، ولا يتقون الله في نسبتها إلى علماء الشريعة ليضعوا من شأنهم، مع أن أهل العلم من قبلهم، قد نقدوها بأنظار راجحة، وطرحوها من حساب الشريعة بالحجة الساطعة، وجعلوا تبعتها على أصحابها وحدهم، وأي طائفة من طوائف أهل العلم لا يوجد بينهم ذو رأي ضعيف، أو ذوق عليل؟! بل العالِم الراسخ قد تصدر عنه آراء تدفعها أصول العلم الذي رسخت فيه قدمه، ويردها عليه من هو أقل منه نباهة، وأدنى في العلم منزلة.
أما الفريق الذين ينكرون أشياء من صميم الدين، فلم يجئهم الجحود من ناحية البحث الدقيق، والنظر القائم على قوانين المنطق الصحيح، وإنما سبقت إليهم في التعليم، أو في الجلوس ببعض الأندية آراء، فتقبلوها، وتراءت لهم شبه، فاعتنقوها. والآراء الفاسدة والشبه المغوية تربي في النفوس الضعيفة أذواقًا سقيمة، ويكون لهذه الأذواق الحكم العاجل، حتى إذا أنكرت حقاً، خيّل إلى أصحابها أن إنكارهم صادف محزاً، وظلوا في جهالتهم يتخبطون.
(5/ 1/179)

فقطع يد السارق أو السارقة - مثلاً - قد تُنازع في حكمته بعض الأذواق الخاصة.
ولكن الأحكام إنما يراعى فيه المصالح العامة، وفي قطع يد هذا الصنف من المجرمين مصلحة سنأتي على بيانها في مقام غير هذا.
ولا ننسى بعد هذا أن ما بلغه الغربيون من التقدم في العلوم والفنون، قد جعل لهم في القلوب إكباراً، وبلغ هذا الإكبار في بعض النفوس الصغيرة أن يفوه أحد الغربيين بكلمة يطعن بها في حقيقة من حقائق الإسلام، فيتلقوها منه بمتابعة، ويحسبوها طعنا صائباً، ولا سيما الكلمات التي تصدر من طائفة يخرجون في زي الكتاب أو الفلاسفة؛ إذ يقع في أوهام الغافلين أنه نتيجة نظر لا يعرف غير البحث والدليل، ويفوتهم أن في هؤلاء الكتاب من لا يزال في أسر تقاليده وعواطفه، وفيهم من يكون بارعاً في ناحية من العلم، قاصرَ النظر في ناحية أخرى، وها نحن أولاء نقرأ نتائج أبحاثهم في موضوعات إلهية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو لغوية، فنرى فيهم من يتبع الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، وكان على نشئنا أن يعتبروا بالمناقشات التي تدور بين علمائهم أنفسهم؛ فإنها شاهد صدق على أن من علمائهم أو فلاسفتهم من يعتمد الرأي لمجرد الشبهة، ولا يبالي أن يسميه علماً، وهو لا يرتبط بعد بالحجة، أو ما يشبه أن يكون حجة.
ومن الطرق المضلّة عن السبيل: أن بعض الداعين إلى غير الإسلام، قد وجدوا من موسريهم خزائن مفتحة الأبواب، وأيدياً تفيض عليهم الأموال بغير حساب، ومن الميسور أن يتصل هؤلاء الدعاة ببعض البائسين من نشئنا الذين لم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلوبهم، فيشتروا ضمائرهم أو ألسنتهم بشيء من حطام هذه الحياة، وربما أتوهم من ناحية الشهوات، ففتحوا لهم
(5/ 1/180)

أبواباً، وجعلوا ثمن تمكينهم منها الانسلاخ عن الدين، فلا يبالون أن ينسلخوا منه؛ إذ لم يدخل بعد في قلوبهم، حتى يكون أعزّ عليهم من كل ما تهوى أنفسهم.
ومن الذي لا يعلم أن معاهد تقام في أوطاننا باسم العلم، أو العطف على الإنسانية، والغايةُ منها: صدفُ النفوس عن صراط الله السوي؟ دل على هذا كتب يدرسونها في هذه المعاهد، وهي كما قرأنا نبذًا منها محشوة بالطعن في الإسلام، والحط من شأن الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا القس "زويمر" نفسه ينبهنا على أن المدارس التي يقوم بها جماعات التبشير إنما تجعل وسيلة إلى تحويل المسلمين عن دينهم القويم، فقال في مقال تحت عنوان: (حركة التبشير في العالم الإسلامي) بعد أن ذكر ما يعترضهم من المصاعب في داخل أفريقية: "ومن استطاع التغلب على هذه الصعوبة بالالتجاء إلى الوسائل المعروفة؛ كالمتاجرة مع الأهالي، وفتح المدارس لأبنائهم، وما مائل ذلك".
وقد رأينا لهذه المدارس التي تفتح في سورية ومصر وغيرها من البلاد آثاراً محزنة.
فكم من فتى مسلم بعث به إليها، فتخرج منها وهو يحمل من التنكر لقومه وشريعتهم مثل ما يحمله خصومهم المحاربون.
ثم إن بعض الناشئين في مهد إسلامي قد أصيبوا بما يشوّه فطرهم، وأرادوا ألا يكون هذا التشويه مقصورًا على أنفسهم، فاجتهدوا في أن ينقلب الناس منقلبهم، ويعملوا على شاكلتهم، فكان لهم في الاستخفاف بالعقائد الصحيحة والشريعة الحكيمة حركات طائشة، ولولا هداية القرآن، ووقوف
(5/ 1/181)

فريق من أهل العلم في وجوههم، لاستدرجوا خلقاً كثيراً.
نذكر بمنتهى الأسف: أن من هذا الصنف من يقضي نصيباً من حياته في الدفاع عن الإسلام حتى يتبوأ مقعد الدعاة المصلحين، ثم لا يلبث أن يرى بضاعة الازدراء بالدين نافقة، فيثور عليها مع الثائرين، ويسرع إلى لمز الرجال الذين رفعوا لواءه، وقد كان يطنب في تمجيدهم. وفي أمثال من يكون على هذا النعت خطر على النشء كبير؛ إذ الثقة التي أحرزها من قبل قد تجعلهم يسيغون أقواله بما تحمل من أقذاء وسموم، فيبلغ مأربه دون أن يفقد مكانته. ثم إن انحرافه عن الدين بعد أن كان من أنصاره قد يلقي في نفوس المستضعفين أن هذا الذي قضى زمناً في مظاهرة الدين لم يتجاف عنه إلا بعد أن بَصُرَ بالحجة، واستبان له أنه كان على غير هدى، وصغار العقول لا يشعرون بأن في الناس من يطوي في نفسه حاجة يستطيع أن يلبس لها ثوب الرياء أمدًا غير قصير، حتى إذا رأى قضاءها في ذم ما كان يَحْمَد، ومحاربة ما كان يَنْصُرُ، وجد في استعداده ما يساعده على أن يظهر في أي لباس شاء.
* آثار الانحراف:
دلّت المشاهدة على أن الناشئ الذي يصاب بمرض الريْب أو الجحود، لا يمكث أن ينحط في المآثم، وينبذ الأدب الرفيع والعمل الرشيد وراء ظهره، وإذا رأيناه يتجنب إثمًا، فبالمقدار الذي يتقي به لومة لائم، أو طائلة قانون، وإذا عمل حسناً، فلينال مدحاً وإطراء، أو ليصل إلى عاجل من المنافع المادية أكبر، وإن ناشئاً يعتقد أنه متى استتر عن أعين الناس، لم يبق له فيما يفعل من رقيب، ولا يناله على ما يأتي من جزاء، لا يتحامى في غالب أمره أن يعتدي على نفس أو عرض، أو نسب أو مال الاعتداءَ الذي يشين وجه المدنية، ويحدث
(5/ 1/182)

في نظام الجماعة وهناً.
ودلت التجارب على أن زائغ العقيدة، متى ملك جاهاً أو سلطة، فتن الأمة في دينها، وانتهك حرمات شريعتها، ولم يخلص النظر في إصلاح أمرها، ولاقى منه المؤمنون اضطهاداً، والجاحدون وأصحاب الأهواء مناصرة وإقبالاً، فيكون داعياً عمليًا إلى الخروج على الدين، فتموت الفضيلة والغيرة على الحقوق العامة، وينقطع حبل اتحاد الأمة إرباً.
* دواء الانحراف:
حَتمٌ علينا أن نسعى إلى أن يكون التعليم المديني شاملاً، فما من ناشئ إلا يتلقى منه مقدارًا يكفي لإنارة عقله وطمأنينة نفسه، ونقبل بعد هذا على كتب الدراسة، فنتخير منها ما هو حسن الوضع، نقي من كل ما ليس بشرع، وبهذا نأمن من أن يكون في نشئنا من ينحرف عن الدين جهلاً بحقائقه.
وإذا نحن سرنا في تقرير أصول الدين وأحكامه على طريقة إقامة الحجة، وبيان الحكمة، خففنا شر الصنف الذي ينكر أموراً من الدين بعلة أنها لا توافق المعقول، أو لا تتحقق بها المصلحة.
وإنما يستعان على جعل التعليم عاماً بعناية أولي الأمر ونصحهم في تدبير شؤون الأمة؛ حيث يقررونه في سائر المدارس، ويقومون عليه كما يقومون في سائر العلوم، ومما يسر الأمة أن ترى من ولاة أمورها بتعليم الدين الذي هو ملاك سعادة أبنائها في الدنيا قبل الآخرة.
ومن واجب أهل العلم - بعد هذا -: أن يرقبوا حركة الثائرين على الدين، ويكونوا على بصيرة مما يكتبونه في الصحف، أو يحضرون به في النوادي؛ ليقَوِّموا أوده، وينبهوا على خطره، حتى يستبين أمره، وتتضح أمام الناشئين
(5/ 1/183)

طريقة قرع الشبهة بالحجة، وصرع الباطل بقوة الحق، وكذلك يفعل العلماء الراسخون، والكتاب المخلصون.
وحقَّ على من يبغي السعادة لابنه، أو لقريب وكّلَ إليه أمره، ألا يُلْقي به إلا حيث يأمن على إيمانه وطهارة نفسه، ولا يذهب به الطمع في متاع الدنيا إلى الاستهانة بأمر العقيدة؛ فإنها الأساس الذي تقوم عليه الحياة الطيبة، والشرف الأصيل.
فإذا اشتدت عناية أولي الأمر بالتعليم المديني في المدارس على اختلاف أقسامها وفنونها، وأرهف أهل العلم أقلامهم في حماية الشريعة ممن يتساقطون على الطعن فيها، أو المكر في تأويلها، وأخذ الآباء بهدي الله، فصانوا أبناءهم عن المدارس المنشأة للصدِّ عن السبيل، خسرت تجارة الرهط الذين يجهلون على الحق والفضيلة، وتهيأت لنا أسباب نهضة علمية اجتماعية نجني ثمراً لذيذاً من نتائجها، وتحمد الأجيال القابلة عاقبتها.
(5/ 1/184)

ضلالة فصل الدّين عن السّياسة (1)
ما زال الرسل - عليهم السلام - يرمون في الدعوة إلى أصول الإيمان بالله عن قوس واحدة، ولكل رسول -بعد هذا- شريعة يُراعَى في أمرها ونهيها من يرسل إليهم خاصة، حتى حضر الوقت الذي تهيأ فيه البشر من اختلاف بيئاتهم للانتظام في شريعة واحدة، فبعث الله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية السمحة، وجعله خاتم النبيين، وقضى بأن تكون شريعته خاتمة الشرائع، ولعموم رسالته، سواء الشاهد فيها والغائب، والعربي والعجمي، أقام على صدقه آيات باقيات ما نظرَ فيها ذو فطرة صافية، أو بصيرة نافذة، إلا أسلم وجهه لله قانتًا {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، ولخلود شريعته جعلها أبلغ الشرائع حكمة، وأوفاها أصولاً، وأوسعها للمصالح رعاية.
ثلاث حقائق كل واحدة منها شطر من الإسلام: عموم رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، واشتمال شريعته بنصوصها وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع، وكون هذه الشريعة أحكم ما تساس به الأمم، وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق.
أجمع علماء المسلمين على هذه الحقائق، وعرفها عامتهم، فمن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد الحادي عشر - الصادر في شهر المحرم 1358 ه - القاهرة. كما نشر البحث في مجلة "نور الإسلام".
(5/ 1/185)

أنكر واحدة منها، فقد ابتغى في غير هداية الإسلام سبيلاً، ومَثَلُ من يماري في شيء منها، ثم يدعي أنه لا يزال مخلصًا للإسلام، مثل من يضرب بمعوله في أساس صرح شامخ، ثم يزعم أنه حريص على سلامته، عاملٌ على رفع قواعده.
فتنت مدنية الشهوات أشخاصاً ينتمون إلى الإسلام، فانحرفت بهم عن المحجة، وأدركوا أن مجاهرتهم بإنكار رسالة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - تسقطهم من حساب المسلمين دفعة، فلا يبلغون من فتنة الأمة مأربًا، فبيتوا أن يبقوا ثوب الإسلام على أكتافهم، ويحركوا بمدحه في بعض المجالس ألسنتهم، أو في بعض الصحف أقلامهم؛ لكي يركن الغافلون من المسلمين إلى أقوالهم، فيقذفوا من وراء ريائهم، وثقةِ بعض الناس بهم ما شاؤوا من آراء خاسرة، ويزعموا أن هذه الآراء من هداية الإسلام، أو أن الإسلام لا ينكرها.
والواقع أن هذا الصنف من المنحرفين قد أحدث في بعض البلاد الإسلامية آثار فساد، لم يُحدث معشارها النابذون إلى الدين على سواء، وكم أرتنا الأيام في هذا الصنف من عجائب دلتنا على أن هناك مغارات يأتمرون بالدين بين حيطانها، ولغةً إذا حضرهم بعض المسلمين، يجنحون إلى التخاطب بها، وضروباً من الإغواء يجهدون أنفسهم في تمويهها.
منذ عهد قريب أخذ بعض الكاتبين يتشبهون بمن يؤلف على طريق البحث العلمي، فقالوا ما شاؤوا أن يقولوا، وخرجوا بغير مناسبة منطقية إلى إنكار أن يكون للإسلام مدخل في الشؤون القضائية، والمعاملات المدنية.
جال هذا الصوت جولة الباطل، ثم ذهب كصيحة في واد، ولم يبق له صدى إلا في آذان رهط لا يسمعون رشداً، ولا يفقهون حجة، وإن شئت
(5/ 1/186)

فقل: صادف ذلك الصوت أفئدة هواء، فجعلوا يحاكونه في بعض ما يكتبون، ويوقظون فتناً لو أقبل كل على ما يحسن أن يتحدث فيه، لكانوا عنها في شغل.
ما كدنا ننتهي من إماطة أذى ذلك الذي ادعى أنه يفسر القرآن بالقرآن (1)، حتى خرجت إحدى المجلات تحمل مقالاً تحت عنوان: "داء الشرق ودواؤه"، وفي هذا المقال دعاية إلى فصل الدين عن السياسة، وبلغ بكاتبه الحال أن زعم أن سبب تأخر المسلمين عدم فصلهم الدين عن السياسة.
ونحن نودّ - والله يعلم - أن يقبل كل من بيده قلم على ما فيه خير الناس، والموضوعات العلمية والأدبية والسياسية مترامية الأطراف، وانصراف نفس الكاتب عن البحث في أمثال هذه الموضوعات ليس بعذر يبيح له أن يخوض بقلمه في الحديث عن الدين خوضَ من يقولون ما لا يتدبرون.
ونود - والله يعلم - أن نقبل على شأننا، ونمضي في سبيلنا، وليس في فطرتنا الولوع بأن نفند لكاتب رأياً، أو نبطل لباحث قولاً، ولكن القوم أصبحوا يتساقطون على طمس معالم الحقيقة والفضيلة تساقطَ الفراش على السراج، والسكوت عنهم تفريط في جنب الله، ومن فرط في جنب الله، خسر الدنيا قبل الآخرة.
قال صاحب المقال في ذكر أهم النقط الجوهرية التي ترجع إليها أسباب
__________
(1) إشارة إلى كتاب: "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" تأليف محمد أبو زيد الدمنهوري. وردَّ عليه الإمام محمد الخضر حسين -انظر كتابه: "بلاغة القرآن". ومجلة "نور الإسلام" - العدد الثاني من المجلد الثاني الصادر في صفر 1350 ه.
(5/ 1/187)

ضعف الشرق: "الثانية: عدم التفريق بنظام قاض بين السلطتين الدينية والدنيوية، فكان هذا من جملة المسببات لتأخر المسلمين؛ إذ أن جمع السلطتين في شخص واحد، بدون تحديد لهما، كان من أبعد (1) الأمور إلى اختلاف النظام، وإذا كان هذا أفاد المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي، وأمر العالم لهم كما قدمنا، إلا أنه كان بلاء بعد انقسام المسلمين إلى ممالك وفرق، وشيع ومذاهب وأحزاب، ووجود دول أخرى تنازعهم السيادة على العالم، وقد عاد اجتماع هاتين السلطتين بلاء عليهم إذ أصبحت الرياسة الدينية والدنيوية في الواقع في قبضة تلك الدول التي نازعتهم كما هو مشاهد الآن".
نعرف من قبل أن يظهر هذا المقال: أن الذين يدعون إلى فصل الدين عن السياسة فريقان:
فريق يعترفون بأن للدين أحكاماً وأصولاً تتصل بالقضاء والسياسة، ولكنهم يفكرون أن تكون هذه الأحكام والأصول كافلة بالمصالح، آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب، ولم يبال هؤلاء أن يجهروا بالطعن في أحكام الدين وأصوله، وقبلوا أن يسميهم المسلمون: ملاحدة؛ لأنهم مقرّون بأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا بمن نزل عليه القرآن.
ورأى فريق: أن الاعتراف بأن في الدين أصولاً قضائية وأخرى سياسية، ثم الطعن في صلاحها، إيذانٌ بالانفصال عن الدين، وإذا دعا المنفصل عن الدين إلى فصل الدين عن السياسة، كان قصده مفضوحاً، وسعيه خائباً، فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم، وهو أن يدّعوا أن الإسلام
__________
(1) كذا في الأصل ولعلها محرفة عن كلمة (أدعى).
(5/ 1/188)

توحيد وعبادات، ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه؛ لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة، فيتم لهم ما بيتوا.
هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الدين عن السياسة، وكلاهما يبغي من أصحاب السلطان أن يضعوا للأمة الإسلامية قوانين تناقض شريعتها، ويسلكوا بها مذاهب لا توافق ما ارتضاه الله في إصلاحها، وكلا المسلكين وليد الافتتان بسياسة الشهوات، وقصور النظر عما لشريعة الإسلام من حكم بالغات.
أما أن الإسلام قد جاء بأحكام وأصول قضائية، ووضع في فم السياسة لجاماً من الحكمة، فإنما ينكره من تجاهل القرآن والسنّة، ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين؛ إذ كانوا يزنون الحوادث بقسطاس الشريعة، ويرجعون عند الاختلاف إلى كتاب الله، أو سنّة رسول الله.
في القرآن شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملات المدنية، وتتولى إرشاد السلطة السياسية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، وكل حكم يخالف شرع الله، فهو من فصيلة أحكام الجاهلية، وفي قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} إيماء إلى أن غير الموقنين قد ينازعون في حسن أحكام ربّ البرية، وتهوى أنفسهم تبدُّلها بمثل أحكام الجاهلية، ذلك لأنهم في غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم، ولم يستطيعوا أن يميزوا سيئاتهم من حسناتهم، وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، فرض في هذه الآية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب الله، ونبّه على أن من
(5/ 1/189)

لم يدخل الإيمان في قلوبهم يبتغون من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينة ما يوافق أهواءهم، وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أسرى الشهوات عن بعض ما أنزل الله، وفتنتهم له في أن يسمع لقولهم، ويضع مكان حكم الله حكماً يلائم بغيتهم، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وفي آية: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وفي آية ثالثة: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
وفي القرآن أحكام كثيرة ليست من التوحيد، ولا من العبادات؛ كأحكام البيع والربا، والرهن والدَّين والإشهاد، وأحكام النكاح والطلاق واللعان والولاء والظهار، والحجْر على الأيتام، والوصايا والمواريث، وأحكام القصاص والديّة، وقطع يد السارق، وجلد الزاني وقاذف المحصنات، وجزاء الساعي في الأرض فساداً، بل في القرآن آيات حربية فيها ما يرشد إلى وسائل الانتصار؛ كقوله مرشداً إلى القوة المادية: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وقوله تعالى مرشداً إلى القوة المعنوية: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، وقوله تعالى منبهاً على خطة هي من أنفع الخطط الحربية: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]، والكفار هنا المحاربون، ففي الآية إرشاد إلى أن يكون ما بينهم ويين ديارهم أمنًا، ولا يدعوا من ورائهم من يخشون منه أن ينهض إلى أموالهم وأهليهم من بعدهم، أو يجلب عليهم بخيله ورجله ليطعن في ظهورهم، وقد أقبلوا على العدو الذي تجاوزوا إليه بوجوههم.
وفي الآيات الحربية ما يتعلق بالصلح؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]، وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
(5/ 1/190)

صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وفيها ما يتعلق بالمعاهدات؛ كقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58].
وفي السنّة الصحيحة أحكام مفصلة في أبواب من المعاملات والجنايات إلى نحو هذا مما يدلك على أن من يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، إنما تصور ديناً آخر، وسمّاه: الإسلام.
وفي سيرة أصحاب رسول الله وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة - ما يدل دلالة قاطعة على أن للدين سلطانًا على السياسة؛ فإنهم كانوا يأخذون على الخليفة عند مبايعته شرط العمل بكتاب الله، وسنّة رسول الله.
ولولا علمهم بأن السياسة لا تنفصل عن الدين، لبايعوه على أن يسوسهم بما يراه، أو يراه مجلس شوراه مصلحة، وفي "صحيح البخاري": "كانت الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنّة، لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداء بالنَّبي - صلى الله عليه وسلم -".
من شواهد هذا: محاورة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة؛ فإنها كانت تدور على التفقه في حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فعمر بن الخطاب يستدل على عدم قتالهم بقوله في الحديث: "فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وأبو بكر الصديق يحتج بقوله في الحديث: "إلا بحقها"، ويقول: الزكاة من حق الأموال.
ولو لم يكونوا على يقين من أن السياسة لا يسوغ لها أن تخطو خطوة إلا أن يأذن لها الدين بأن تخطوها، ما أورد عمر بن الخطاب هذا الحديث، أو لوجد أبو بكر عندما احتج عمر بالحديث فسحة في أن يقول له: ذلك
(5/ 1/191)

حديث رسول الله، وقتال مانعي الزكاة من شؤون السياسة.
ومن شواهد أن ربط السياسة بالدين أمر عرفه خاصة الصحابة وعامتهم: قصة عمر بن الخطاب إذ بدا له أن يضع لمهور النساء حداً، فتلت عليه امرأة قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، فما زاد على أن قال: رجل أخطأ، وامرأة أصابت، ونبذ رأيه وراء ظهره، ولم يقل لها: ذلك دين، وهذه سياسة.
وكتبُ السنّة والآثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد، ولم يوجد - حتى في الأمراء المعروفين بالفجور - من حاول أن يمس اتصال السياسة بالدين من الوجهة العلمية، وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما يأذن به الله، جهالة منهم أو طغياناً.
وأراد الحجّاج أن يأخذ رجلاً بجريمة بعض أقاربه، فذكّره الرجل بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فتركه، ولم يخطر على باله وهو ذلك الطاغية أن يقول له: ما تلوته دين، وما سأفعله سياسة.
وأما قيام أحكام الشريعة على أساس العدل، ورسمها للسياسة خططاً محكمة الوضع، فسيحة ما بين الجوانب، فذلك ما لا أستطيع تفصيل الحديث عنه في هذا المقال، وفيما كتبناه ونكتبه -إن شاء الله- تحت عنوان: "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" (1) ما يساعد عل الإلمام بأصول الشريعة، ومعرفة اتساعها لكل ما يحدث من الوقائع، والذي نقوله في هذا المقام: إن السياسة لا تجد في الدين ما يقف دون مصلحة، ولا تجد منه ما يحمل على إتيان مفسدة، لا تجد فيه هذا ولا ذاك متى وزنت المصالح والمفاسد
__________
(1) كتاب للإمام مطبوع.
(5/ 1/192)

بميزان العقل الراجح، وكان القابضون على زمامها من حصافة الرأي في منعة من أن يطيش بهم التقليد، أو إرضاء طائفة خاصة إلى أن يروا الفساد صلاحاً، فيشرعوه، أو يروا الصلاح في لون الفساد، فينصرفوا عنه، وليس من شأن الدين أن يراعي فيما يشرع الأهواء الجامحة، وإن كانت أهواء الملأ الذين استكبروا، أو أهواء من في الأرض جميعاً.
والرؤساء الذين لم يحافظوا في سياسة شعوبهم الإسلامية على أحكام الشريعة وآدابها، فوضعوا لهم قوانين جائرة، وأذنوا بمظاهر غير صالحة، إنما أتوا من ناحية جهلهم بسماحة شرع الإسلام، وسعة قواعده وسمو مقاصده، وإذا كان على غير الرؤساء تبعة، فعلى أولي الحل والعقد من فضلاء الأمة وعلمائها إذا أهملوا علاجهم، ولم يبذلوا في دعوتهم إلى الاستقامة جهدهم.
أما الأحداث وأشباه الأحداث الذين لا يهدأ لهم بال ما داموا يسمعون اسم الدين يجري في لسان بعض الدول باحترام، فإن من نشأ في غير جد، وأسرف في حب اللهو، لا يألف شريعة تأمر بالعدل، وتضع دون الأهواء الجامحة حاجزًا، فلا عجيب أن يتآمروا بها، ويشيروا على السياسة بأن تبتعد منها، وإذا بلغ هؤلاء مأريهم في سياسة وقع زمامها في يد زائغ عن سبيل الرشد، فستذهب آمالهم خائبة في كل قطر يسوسه رئيس يقدر الإسلام قدره، ويجد من حوله علماء درسوا الشريعة بنباهة، ولا يخفى عليهم قصد من يتغنون بمدح الإسلام، وقبل أن تستريح حناجرهم يطعنونه في الصميم.
يقول الكاتب: "إن جمع السلطتين في شخص واحد بدون تحديد لهما كان من أدعى الأمور إلى اختلال النظام".
ليس في الإسلام سلطة دينية إلا على معنى أن الأمير ينفذ أحكام الشريعة
(5/ 1/193)

المفصلة في الكتاب والسنّة، أو المندرجة في الأصول المأخوذة منهما. وقاعدة الشورى التي قررها القرآن الكريم، وجرى عليها الخلفاء الراشدون كافلةٌ بصحة الاجتهاد في الأحكام المستنبطة من الأصول، أما النظم التي تقوم بها الشورى على وجهها الصحيح، فموكولة إلى الآراء الراجحة، وما تقتضيه مصالح الأمم أو العصور، فالإسلام لم يترك السلطة التي وضعها في أيدي الأمراء مطلقة عن التقيد، وإذا استهان بعض الأمراء بقاعدة الشورى، فإن التشريع تام، والوِزْر على من لم يأخذ نفسه بما قرره الشرع العزيز.
وإذا كان بعض الأمراء هم الذين خرجوا عما حده الإسلام لسلطتهم الدينية، فحكمة الكاتب متى كان مسلمًا أن يقرر الحد الذي رسمه الإسلام، ويبين للناس كيف تعداه أولو الأمر؛ ليطالبوهم بالوقوف عنده، لا أن يقول كلاماً مبهماً، ويبني عليه المناداة إلى شهوة هي فصل الدين عن السياسة.
ويقول صاحب المقال: "وقد عاد اجتماع السلطتين بلاءً عليهم؛ إذ أصبحت الرياسة الدينية والدنيوية في الواقع في قبضة تلك الدول التي نازعتهم، كما هو مشاهد الآن".
لسقوط الشعوب الإسلامية في قبضة تلك الدول التي نازعتهم أسباب ليس الجمع بين السلطتين منها في شيء، ومن طبيعة سيطرة تلك الدول عليهم أن تتصرف في شؤونهم على طرق لا تحفظ حقوقهم، ولا تراعي فيها مصالحهم، وهل ينقص هذا البلاء لو أن المسلمين أعلنوا فصل سياستهم عن الدين قبل أن يسقطوا في أيدي هذه الدول المنازعة لهم؟!.
حِرْص الكاتب على شهوة فصل الدين عن السياسة جعله يورد في معرض التسويق إليها ما ليس بحق، ولا يشبه أن يكون حقاً، بأي طريق عرف
(5/ 1/194)

الكاتب أن تلك الدول إذا وجدت السياسة في يد، والدين في يد أخرى، سلبت ما في اليد الأولى من سياسة، وتركت اليد الأخرى تعمل في حدود سلطتها بحرية؟!.
ويقول الكاتب: "وإذا كان هذا أفاد المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي، وأمر العالم لهم كما قدمنا، إلا أنه كان بلاء بعد انقسام المسلمين إلى ممالك وفرق، وشيع ومذاهب وأحزاب، ووجود دول أخرى تنازعهم السيادة على العالم".
قد عرفتَ أن الأمير ليس عنده في الواقع سوى سلطة واحدة هي: تدبير شؤون الأمة على مقتضى القوانين الشرعية، والنظم التي لا تخالف شيئاً من أصولها، فتجريد الأمير من السلطة الدينية هو عزل له عن الإمارة في نظر المسلمين، فالمسلمون لا يستطيعون أن يتصوروا أميراً مجرداً عن السلطة الدينية، فضلاً عن أن يجردوه منها بالفعل، ويرضوا بعد تجريده منها بالاستماع إليه، والطاعة له. ولم تكن السلطة الدينية بيد الأمراء في يوم من الأيام بلاء على المسلمين، وإنما بلاء المسلمين في عدم قيام بعض أمرائهم بما توجبه هذه السلطة من نحو العدل والشورى والمساواة، وإعداد القوة لتقرير الأمن وكفّ العدو الذي يبسط إليهم يده بالسوء.
قال صاحب المقال: "فكل مملكة احتضنت مذهباً في العقائد والفروع لتبقى وحدها منفصلة عن الممالك الأخرى، فبعد الانقسام أصبح كل أمير إمامًا دينيًا، وحاكمًا سياسيًا لقطره، فكانت النتيجة من هذا الجمع الإخلال بالنظام العام، وزالت الوحدة المقصودة من روح التشريع الإسلامي، فتعددت الخلافة، واختلت أحكامها، بعكس الأمم الأخرى التي تنبهت إلى حكمة الفصل
(5/ 1/195)

بين السلطتين، فصار ذلك الفصل مصدراً لفائدة الأمة، وحمايتها من التلاشي والانهيار، فلم يضرها اختلاف الدول فيها لوجود الرياسة الدينية قائمة في حدود سلطتها وتخصصها. ولذلك بقيت وحدتها خالدة في عصمة من الانشقاق والتدهور الذين أصابا الوحدة الإسلامية".
وقع تفرّقٌ في الممالك الإسلامية، وأصبح كل أمير مستقلاً بالنظر في أمور قطره، فكانت النتيجة من استقلال كل أمير بملكه، مع تقاطع هذه الممالك وتدابرها: انحلال الرابطة الإسلامية، وزوال الوحدة المقصودة من التشريع الإسلامي.
فسبب إخلال النظام العام، أو أحكام الخلافة: انقسام الأمة الإسلامية إلى دول انقسامًا غير مصحوب بشيء من التحالف والتعاطف، أما إن كل أمير يرجع إليه النظر في شؤون رعيته الدينية، فذلك من لوازم الإمارة في الإسلام، فلم يكن لعدِّ الأمير المستقل نفسه حارساً للدين في مملكته الخاصة دخل في اختلال النظام، فوهْنُ المسلمين جاء من جهة استقلال كل أمير بطائفة من المسلمين استقلالًا يقطع بينها وبين الدولة العظمى صلة التناصر والتعاون، لا من جهة أن رعاية الدين داخلة في سياسة كل دولة.
ويقول الكاتب: "بعكس الأمم الأخرى التي تنبهت إلى حكمة الفصل بين السلطتين، فصار ذلك الفصل مصدراً لفائدة الأمة، أو حمايتها ... إلخ".
وهذا صريح في أن الكاتب يريد من الدول الإسلامية أن تفعل ما فعلته الدول الغربية من تجريد السياسة من الدين، وهو رأي لا يصدر إلا ممن يكنّ في صدره أن ليس للدين من سلطان على السياسة، وهذا ما بيتّه فئة يريدون أن ينقصوا حقيقة الإسلام من أطرافها حتى تكون بمقدار الديانة المسيحية، ثم
(5/ 1/196)

يصبغوا هذا المقدار من بعد بأي صبغة أرادوا، فيذهب الإسلام، فلا القرآن نزل، ولا محمد - صلى الله عليه وسلم - بعث، ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق جهاده، ولا الراسخون في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها، وانتزاع الأحكام من أصولها.
يضرب الكاتب المثل بالأمم الأخرى، ويزعم أن فصلها الدين عن السياسة كان مصدر فائدة الأمة، وحمايتها من التلاشي والانهيار، ومن أجل فصلها الدين عن السياسة، ووجود الرياسة الدينية قائمة في حدود سلطتها، لم يضرها اختلاف الدول فيها.
وضربُ المثل على هذا الوجه أثرُ نظرة متسرعة؛ إذ ليس للرياسة الدينية في الإسلام حد تنتهي إليه، ثم يكون للأفراد أو الجماعات أن تفعل بعده ما تشاء، ولو كان في دين تلك الدول قوانين مدنية، ونظم سياسية، وقامت كل دولة على تنفيذ تلك القوانين والنظم داخل حدودها، أفيكون مجرد رعايتها لما جاء به دينها سبباً لانتشارمرض التقاطع بينها؟!.
ليس في طبيعة ربط السياسة بالدين التقهقر والتنازع إلا أن يكون في تعاليم الدين ما يسير بالناس إلى وراء، أو ما يغري بينهم العداوة والبغضاء، وليس في دين الإسلام إلا ما يصعد بالأمم متى شاءت الصعود إلى السماء، وليس فيه إلا ما يدعو إلى الائتلاف والتعاون على أن تكون كلمة الحق هي العليا.
قال صاحب المقال: "ولنضرب لذلك مثلاً: وحدة الكنيسة الكاثوليكية؛ فإنها على الرغم من اختلاف الدول الكاثوليكية بقيت لها زعامتها وشعورها بقوة فكرتها، وقد رأينا أثرها في الحروب الصليبية المستمرة، بل وفي كل
(5/ 1/197)

الحوادث التي تلتها، والتي تألبت فيها أوربا على الأمم الإسلامية، فإن للكنيسة والجمعيات الدينية المختلفة التي تستمد سلطتها منها أثرها الفعال في بقاء وانتشار المسيحية، وتأثيرها في سياسة العالم".
ليس في الإسلام سلطة دينية تشبه السلطة الكاثوليكية، والسلطة الدينية في الإسلام لكتاب الله، وسنّة رسول الله؛ {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وعلى العلماء البيان، وعلى الأمراء التنفيذ، فإن أراد الكاتب من السلطة: البيان، فالبيان حق لكل عالم تفقه في أصول الشريعة ومقاصدها، فلا يختص به عالم دون آخر، ولا يعد بيان العالم الذي تعينه الأمة للبيان أرجح من بيان غيره، إلا أن تكون حجته أقوى، وإذا كان الأمر للحجة، فما معنى تعيين شخص ليكون مصدر البيان في كل حال؟ فإن أراد من السلطة: التنفيذ، فليس له معنى سوى أن تأكل الأمة إلى شخص القيامَ بتنفيذ أحكام الدين على أن تكون هي يده التي ينفذ بها، وسلاحه الذي يدافع به من يعارض في التنفيذ، وذلك معنى الخلافة المعروفة في الإسلام.
قال صاحب المقال: "ولو رزق المسلمون رجالاً ينظرون بعين الناقد البصير - من قبل قرنين -، وفصلوا الدين عن السياسة، لكان للإسلام اليوم من الشأن والسيادة في الممالك التي اغتصبتها الدول الأوربية ما لا يقل عما للفاتيكان، وما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً".
كلام يروج، ولكن في غير هذا الوادي، ويُتقبل، ولكن بعقول لم تستنر بهداية، يأسف صاحب المقال على الشأن والسيادة اللذين فاتا للمسلمين لعدم فصلهم الدين عن السياسة من قبل قرنين، ويرى أن إبقاءهم الدين في جانب
(5/ 1/198)

السياسة كان سبباً في أن صار خطر الأجنبي عليهم عظيماً.
فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين فصلوا الدين عن السياسة علنًا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدين ممن أصيبوا بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب، لو ملكت القوة، لألغت محاكم يُقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تُدرس فيها علوم شريعته الغراء إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم الله تصرّفَ من لا يرجو لله وقاراً.
يقول الكاتب: لو فصلوا الدين عن السياسة، ما كان خطر الاستيلاء الأجنبي عليهم عظيماً، يقول هذا كأنه لا يدري أن السياسة الطاغية لا تهاب إلا حديداً أشد بأساً من حديدها، وناراً أشد حراً من نارها، فليس من المعقول أن تردّها عن قصدها سلطة دينية ليس في كنانتها سهم، ولا في كفّها حسام، أما قياسه حال السلطة الدينية الإِسلامية - على فرض صحة إقامتها - بحال السلطة الكاثوليكية في احترام مؤسساتها، وإطلاق يدها في عمل يرفع أهل ملتها، فمغالطة أو غفلة عن الفرق بين سلطة دينية يجد فيها الاستعمار مؤازرة أو موافقة على أي حال، وسلطة دينية قد يكون في بعض أصولها ما لا يلائم طبيعة الاستعمار.
ولو ربط المسلمون سياستهم بالدين من قبل قرنين ربطاً محكماً، لم
(5/ 1/199)

تجد يدُ الغاصب للعبث بحقوقهم مدخلاً، ولو أعلنوا فصل الدين عن السياسة، لظلوا بغير دين، ولوجدَ فيهم الغاصب من الفشل أكثر مما وجد، فليس مصيبة المسلمين في تركهم السياسة مربوطة بالدين كما زعم الكاتب، وإنما هي ذهولهم عن تعاليم دين لم يدع وسيلة من وسائل النجاة إلا وصفها، ولا قاعدة من قواعد العدل إلا رفعها.
قال صاحب المقال: "فإن أعظم ما أصاب المسلمين من المصائب: إنما هو فقد الرياسة الدينية بعد أن فقد منهم الاستقلال وحرمانهم من بقائها درعا حامياً وسداً منيعاً من تسرب المستعمرين باسم السياسة إلى السيطرة على شعور وضمائر الأمم الإِسلامية، حتى كاد يختل بناء الدين، ويتنكر المسلمون تعاليمه الحقة".
حقيقة فقد الرياسة الدينية من أعظم ما أصاب المسلمين، وهي الرياسة التي في إحدى يديها هداية، وفي أخراهما قوة، أما الرياسة التي لا يتعدى صاحبها أن يكون واعظًا عاماً، يدعو الناس إلى الصلاة والصيام والحج إن استطاعوا إليه سبيلاً، فلم تفقد بعد، ولم يحرم المسلمون منها، ولا تزال باقية، ولكن في أشخاص متفرقين في البلاد، لا في شخص واحد كما يرغب صاحب المقال، ولم نذكر الزكاة من قبيل ما يدخل في الوعظ؛ مخافة أن يكون الكاتب قد انتزعها من أحضان الدين، وجعلها في قسمة السياسة.
يربط الكاتب الوقائع، ولكن بغير أسبابها، ويصل النتائج، ولكن بغير مقدماتا، النفرض أن المسلمين اتفقوا على ضلالة فصل الدين عن السياسة، وأقاموا رياسة دينية لا جند لها ولا سلاح، أمن العقول أن تكون هذه الرياسة درعًا حاميًا، وسدًا يمنع تسرب المستعمرين إلى السيطرة على شعور الأمم
(5/ 1/200)

الإِسلامية وضمائرها؟!.
إذا سيطر المستعمر على الشعور والضمائر، فإن أكبر مساعد له على هذه السيطرة: قبضه على زمام التعليم العام؛ حيث يسير به على منهج يخرج به الناشئ مزلزل العقيدة، غائبًا من سماحة الدين وحكمة التشريع، ومعظم النشء مأخوذون بحاجات أول دواع إلى أن يترددوا على مدارس الحكومة.
فإن أراد الكاتب أن يكون لتلك السلطة الدينية فضل إقامة مؤسسات تغني عن مدارس التبشير ومستشفياتهم التي يتخذونها وسائل للسيطرة على شعور المسلمين وضمائرهم، قلنا: في يد المسلمين أن يقيموا مؤسسات تحاكي تلك المؤسسات، فينقذوا أبناءهم من شر مؤسسات الأجنبي، ولا شيء يضطرهم إلى موبقة فصل الدين عن السياسة، وابتداع رياسة دينية لم ينزل الله بها من سلطان.
بسط صاحب المقال لسانه في "الفقهاء المسلمين" كما يبسطه فيهم من لم يطالع كتبهم، فغلا في وصفهم بالجمود، حتى زعم أنهم "لم يقولوا لنا كيف يجتهد الفقيه"، وتمادى في هذه المزاعم إلى أن قال: "ووجد من الفقهاء المزيفين من جوَّز إمامة المغتصب الذي يتولى ولاية الأمة بغير رغبتها وإرادتها".
يقول الفقهاء: تنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن تكون عليه الإمامة في كل حال، وأجازوا للإمام متى خشي التنازع في الإمامة من بعده، ورأى في أحد رجاله الكفاية، أن يعهد إليه بها قطعاً للفتنة، ولم يجيزوا لأحد أن يتولى أمرها دون أن يبايعه أهل الحل والعقد، أو يعهد إليه بها الإمام، وإن قام مسلم
(5/ 1/201)

ذو قوة، فتولاها بالقهر والغلبة، فإن كان جامعاً لشروط الولاية؛ من نحو العلم والعدل والاستقامة، كان إقراره أسلم عاقبة من منازعته، وليس في إقراره من بأس ما تحققت فيه شروط الولاية، فالفقهاء يجيزون ولاية المتغلب على معنى أنه بعد القهر والغلبة يعد إماماً لتحقق شروط الإمامة فيه، ولأن منازعته تفضي إلى فتنة ليسوا في حاجة إلى إثارتها.
فإن فقد منه بعض شروط الولاية، منتخباً كان، أو معهوداً إليه، أو متغلباً، فمن الشروط ما يكون فقده مسقطًا للولاية بنفسه؛ كالارتداد عن الدين، واختلال العقل، ومنها ما يستحق به العزل لإجماع؛ كالفسق، ومن الفقهاء غير المزيفين من يعد الفسق في الشروط التي تسقط ولايته بنفسها، ولا تحتاج إلى إعلان أهل الحل والعقد بخلعه، أما القيام على الفاسق، وإبعاده من مقر الولاية باليد، فموكول إلى اجتهاد أهل الحل والعقد، وهم الذين يسلكون ما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه مصلحة الأمة.
هذا ما يقوله الفقهاء أخذاً من أصول الشريعة، ورعاية لمقاصدها في الاستنباط، وليس فيه تفريط في المصلحة العامة، ولا ما يمس مقام الولاية العظمى بسوء.
(5/ 1/202)

سماحة الإِسلام في معاملة غير المسلمين (1)
من يدرس أصول الإِسلام بجِدّ، ويذهب في تعرف روح تشريعه مذاهب بعيدة المدى، يدرك دون أن يأخذه ريب: أنه دين نزل من السماء؛ ليضرب بهدايته في أرجاء المعمورة، ويعلّم الأمم أرقى نظُم الاجتماع، وقد ارتفعت في الشرق والغرب رايته، يوم تولى أمره زعماء لبسوا من آدابه برودًا سنيَّة، وتحروا في الدعوة إليه سبلاً سويَّة، ولا أستطيع أن أُلمّ في هذا المقال بما احتوته شريعته من النظم المدنية، والقواعد التي تشهد بأنه تشريع لم يكن للعواطف البشرية والعادات القومية عليه سلطان، فأكتفي بأن أصف لك ناحية يتمثل فيها عدل قضائه، ورفق سياسته، وسمو آدابه، تلك الناحية هي: أصوله الخاصة في معاملة غير المسلمين.
المخالفون في نظر الإِسلام: محاربون، أو معاهدون، أو أهل ذمة، والمراد: ذمة الله؛ أي: عهده، فهذا الاسم يشعر بأن من مسهم بأذى، فقد خان عهد الله، وعهد دينه الحنيف.
أما المحاربون، فهم الذين يهاجمون أمة إسلامية، أو يتحفزون للهجوم عليها، أو يمدون أيديهم إلى حق من حقوقها، وحكم الإِسلام في هؤلاء: أن
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" -العدد العاشر من المجلد الثاني، الصادر في شهر شوال 1350 ه - القاهرة.
(5/ 1/203)

يُدفعوا إذا هاجموا، ويُبادرَوا بما يكف بأسهم إذا تحفزوا، وُيقوّموا إذا اعتدوا على الحق حتى ينصفوا، يأذن الإِسلام في دفع المهاجم، أو كف المناوئ، مع رعاية جانب الرفق والأخذ بالعرف.
ومن الرفق الذي أقام عليه سياسته الحربية: أنه منع من التعرض بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان، والفلاحين، والنساء، والأطفال، والشيخ الهرم، والأجير، والمعتوه، والأعمى، والزَّمِن، ومن الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى والزَّمن، ولو كانا ذوي رأي في الحرب وتدبير. ولا يجوز قتل النساء، وإن استُعملن لحراسة الحصون، أو رَمين بنحو الحجارة، ودليل هذا قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]، فجعل القتال في مقابلة القتال. ونبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن من لا يقاتل لا يُقتل، حين وجد امرأة في بعض الغزوات قتيلة، فأنكر ذلك وقال: "ما كانت هذه لتقاتل" (1).
وإذا وضع المحاربون الأطفال والنساء أمامهم، وجب الكف عن قتالهم، إلا أن يتخذوا ذلك ذريعة للفوز علينا، ونخشى أن تكون دائرة السوء على جندنا.
ولا يجيز الإِسلام التمثيل بالمحارب، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً" (2)، ويمنع من حمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، أو حملها إلى الولاة، وقد أنكر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - هذا، وقال: هو فعل الأعاجم.
ولم يشرّع الإِسلام للأسير حكماً واحداً، بل جعل أمره موكولاً إلى
__________
(1) "صحيح الإمام مسلم".
(2) رواه مسلم.
(5/ 1/204)

الأمير الذي يقدر مصلحة الحرب، وله أن يخلي سبيله بفداء، أو بغير فداء. ولا يرغم الإِسلام المحارب على الدخول في ملته، بل يعرض عليه أن يقيم تحت سلطانه آمناً على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويساوي في هذا الحكم أصحاب الأديان السماوية، وغيرهم، قال الإمام مالك، وصاحبه ابن القاسم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإِسلام.
وأما المعاهدون، وهم الذين انعقد بيننا وبينهم عهد على السلم، فيجب علينا الوفاء بعهدهم، وأن نستقيم لهم ما استقاموا لنا، وإذا كان في بعض ذوي القوة من يحسّ من خصمه المعاهد تحفزًا إلى الخيانة، فيسبقه إليها، فإن الإِسلام يوجب في حال الخوف من خيانة المعاهدين أن ننبذ لهم العهد علنًا، وفي القرآن الكريم: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].
ولم يخص الإِسلام تأمين المحارب بصاحب الدولة، بل هو حق لكل مسلم ومسلمة، فإذا أمّن رجلاً وامرأة من المسلمين محارباً، كان تأمينه نافذاً، واعتصم بهذا التأمين من أن يناله أحد بسوء حتى يبلغ مأمنه. وليس من شرط التأمين البلوغ، ولا الإِسلام، فلو أمن صبي يعلم ما يقول، أو أحد من أهل الذمة بعض المحاربين، كان هذا التأمين عقداً محترماً.
بلغ الدين في رعاية عهد الأمان أقصى غاية، فلو أشار المسلم إلى الحربي إشارة يريد بها عدم التأمين، ففهمها الحربي على التأمين، وجب له الأمان على حسب ما فهم من تلك الإشارة.
وهذا حكم التأمين في حال الحرب، أما تأمين المحارب ليدخل البلاد بقصد التجارة، وظن المحارب أن هذا التأمين نافذ، وجب الوفاء له على حسب
(5/ 1/205)

ظنه، وليس لولي الأمر إن لم يرض عن هذا التأمين إلا أن يرد المحارب إلى مأمنه.
وإذا أخذ المحارب أماناً لينظر في الدين، ولم ينشرح صدره للإسلام، فما لنا إلا أن نرده إلى داره آمنًا، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].
ولو ظفر المسلمون بمحارب جاء مقبلاً من بلد عدو، فقال: جئت لأطلب الأمان، لم يجز التعرض له بمكروه، وإذا لم يروا المصلحة في تأمينه، ردّوه إلى مأمنه.
ولو وجد المسلمون طائفة من المحاربين في أطراف بلاد الإِسلام، فقالوا: جئنا تجاراً، وظننا أنكم لا تتعرضون لمن جاء تاجرًا، فليس لنا إلا أن ندعهم وشأن تجارتهم، أو نردهم إلى مأمنهم، إلا أن تقوم الشواهد على أنهم يقصدون من الشر ما لا يقولون.
ومن رعاية الإِسلام لعهد التأمين: أن أكد في احترام أموال المعاهدين، حتى إذا رجع المعاهد إلى بلده، وترك في دار الإِسلام وديعة، أو ديناً، وجب إرسالها إليه، فإن مات، بُعث بها إلى ورثته إن عُرفوا، فإن لم يعرفوا، أرسل بها إلى رئيس قومه.
ويدلك على ما لعهد التأمين في دين الإِسلام من حرمة: قول عمر بن الخطاب: "إنه بلغني أن رجالاً منكم يطلبون العلج، حتى إذا أسند إلى الجبل، وامتنع، قال رجل: "مَتَرْس" (1)، يقول: لا تخف، حتى إذا أدركه، قتله، وإني
__________
(1) كلمة فارسية معناها: لا تخف.
(5/ 1/206)

والذي نفسي بيده! لا أعلم مكان واحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه" (1).
وأما من رضوا بالإقامة تحت راية الدولة الإِسلامية، فقد قرر لهم الدين من الحقوق ما يكفل لهم حريتهم، ويجعلهم أعضاء حية مرتبطة بسائر أعضاء الأمة المسلمة ارتباطَ ألفة وعطف وتعاون. توجد هذه الروابط في القرآن والحديث، وآثار الصحابة، وأقوال أهل العلم من بعدهم.
يقتضي العهد الذي يعقد لأهل الذمّة: أن يقيموا تحت راياتنا متمتعين بحقوقهم الدينية، آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وإليك نص عهد عمر بن الخطاب لأهل إيليا: "أَعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسائر ملتهم، لا تُسكن كنائسهم، ولا يُنقص منها، ولا من خيرها، ولا من صُلُبهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم".
إن القرآن كقانون أساسي لدولة الإِسلام، فلم يترك ناحية من نواحي الاجتماع أو السياسة إلا وضع لها أصلاً يهتدى به في تفاصيل أحكامها، وانظر إليه ماذا صنع في ناحية هي من أكبر النواحي الاجتماعية أو السياسية، وهي معاملة الطوائف غير المسلمين إذا اختاروا الإقامة في جوارنا، ولم ينزعوا إلى مناوأتنا، اقرا إن شئت قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، فالآية تحثّ على رعاية قانون العدل في معاملتهم، وتدل - بعد هذا - على فضيلة البرّ بهم، وإذا عبرت عن هذا المعنى بعدم النهي عنه، فلأنها قصدت الردّ على ما يسبق إلى الذهن من أن مخالفتهم للدين تمنع من برهم، وتسهل الاستهانة بحقوقهم.
وقد جرى أمراء الإِسلام العادلون على سيرة هذه الآية، فكانوا ينصحون
__________
(1) "الموطأ".
(5/ 1/207)

لنوابهم بالعدل، ويخصون أهل الذمة في نصيحتهم بالذّكر، وأحسن مثل نسوقه على هذا: كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عمرو بن العاص، وهو يومئذ الوالي على مصر، ومما جاء في هذا الكتاب: "وإن معك أهل ذمة وعهد، وقد وصّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم". ومنه: "وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من ظلم معاهداً، أو كلّفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة"، احذر يا عمرو أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك خصماً، فإنه من خاصمه، خصمه" (1).
ومن الأحاديث الثابتة في هذا الصدد: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قذف ذمياً، حُدَّ له يوم القيامة بسياط من نار".
فانظروا إلى مكانة العهد في الإِسلام، وزنوها بمعاهدات يأخذ فيها بعض الأقوياء على أنفسهم احترامَ حقوق شعب إسلامي، حتى إذا أمسكوا بناصيته، لم يستحيوا أن يعبثوا بالأرواح، وتجول أيديهم في الأموال، ويعملوا جهدهم على أن يقلبوهم إلى جحود بعد إيمان، ويحنقون بعد هذا كله على من يسميهم: أعداء الإنسانية، وقابضي روح الحرية.
أدرك الفقهاء رعاية شارع الإِسلام لأهل الذمة، وحرصَه على احترام حقوقهم، فاستنبطوا من أصوله أحكاماً جعلوا المسلم وغير المسلم فيها على سواء، وأذكر من هذه الأحكام: أنهم أجازوا للمسلم أن يوصي أو يقف شيئاً من ماله لغير المسلمين من أهل الذمة، وتكون هذه الوصية أو الوقف أمراً نافذاً، ولما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه" (2)،
__________
(1) روى الخطيب في "تاريخه" عن ابن مسعود: "من آذى ذمياً، فأنا خصمه، ومن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة".
(2) "صحيح الإمام مسلم".
(5/ 1/208)

قالوا: البيع على غير المسلم الداخل في ذمة الإِسلام كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته كالخطبة على خطبة المسلم، كلاهما حرام.
وإذا ذكر فقهاؤنا آداب المعاشرة، نبهوا على حقوق أهل الذمة، وندبوا إلى الرفق بهم، واحتمال الأذى في جوارهم، وحفظ غيبتهم، ودفع من يعرض لأذيتهم.
قال شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق": "إن عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى، وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ودين الإِسلام، فمن اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو أي نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيَّع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وذمة دين الإِسلام".
وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع": "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمّة الله تعالى، وذمة رسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".
وجعل الإِسلام أحكام رؤسائهم فيما بينهم نافذة، فلهم أن يتحاكموا أمام رؤساء مللهم فيما يعرض لهم من القضايا، وإنما اختلف علماؤنا فيما إذا رفع الخصمان منهم القضية إلى الحاكم المسلم، فقال المالكية: إن كان ما رفعوه ظلماً لا تختلف الشرائع في تحريمه؛ كالغصب، والقتل، وجب على المسلم أن يفصل فيه على وجه العدل، فإن كان مما تختلف فيه الشرائع، كان له الخيار في الفصل بينهم بشريعة الإِسلام، أو صرفهم إلى رئيس طائفتهم. وحملوا على هذا الوجه قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ
(5/ 1/209)

بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42].
وقال الإمام أبو حنيفة: على الحاكم المسلم متى ارتفع إليه الخصمان من أهل الكتاب أن يفصل في قضيتهم، وليس له الإعراض عنهم، وأخذ في وجوب الفصل بينهم بقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]، وقال: إن الأمر القاطع في هذه الآية ناسخ للتخيير في آية: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42].
هذا أصل البحث في هذه المسألة، أما تفصيل المذاهب، وبسط أدلتها، فموضعه كتب الفقه، وأحكام القرآن.
وأباح للمسلم أن يتزوج تحت سلطان الإِسلام بيهودية أو نصرانية، وجعل لها من الحقوق ما لزوجته المسلمة، وفي الزواج صلة الصهر، وتتبعها صلة النسب، وفي هذا شاهد على أن الدين الحنيف ليس بالدين الذي يدعو إلى التقاطع المانع من المعاشرة بالمعروف، والتعاون على مرافق الحياة.
وكره الإِسلام أن يجري المسلم في مخاطبة المسلمين مجرى أولئك الذين يتعصبون لمعتقداتهم بغير الحق، فيطلقون ألسنتهم بإذاية من يجادل في صحتها، فقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
وخاتمة المقال: أن المسلمين قد استناروا بسماحة دينهم، وتعلموا من آدابه أن يحسنوا معاشرة أصحاب الأديان الأخرى، ممن لا يكيدون لهم
(5/ 1/210)

كيداً، ولا يظاهرون عليهم عدواً، ويمكنهم أن يعيشوا معهم في صفاء وتعاون على المصالح الوطنية.
وكثيراً ما نقرأ أنباء من يشرح الله صدورهم للإسلام، فنجدهم حيث يذكرون دواعي اهتدائهم، يصرحون بأن من هذه الدواعي: ما يرونه في هذا الدين من سعة الصدر، والأمر بالرفق والإحسان في معاملة المخالفين، وبأن لا يزاد عند جدالهم على دفع الشبهة بالحجّة.
(5/ 1/211)

العزّة والتواضع (1)
سهْلٌ على الإنسان أن يدرك معنى الفضيلة في صورة مجملة، بل عليه أن يتعرف ما هي الفضائل بتفصيل، وإنما العسر في أخذ النفس بها، والسير في معاملة الناس على قانونها، وعُسْر العمل على الفضيلة مع تصور مفهومها، والشعور بحسن أثرها يجيء من ناحية الشهوات التي قد تطغى، فتطمس على البصائر، وتكاد تحوّل معرفتها لخير إلى جهالة عمياء. وقد يؤخذ الدارس للأخلاق من ناحية ضعْفه في تطبيق الأعمال على ما تقتضيه أصول المكارم، ذلك لأن علم الأخلاق يشرح الفضيلة، ويبين ما بينها وبين الأخلاق الأخرى من صلة، وينبه على ما لها من آثار حميدة، ولا يتعرض لمظاهر الفضيلة مظهراً فمظهرًا، ولا لمواضع الأخذ بها موضعًا فموضعًا، بل يكِلُ ذلك إلى اجتهاد الشخص ونباهته.
وحدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة، وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها ما هو خارج عنها، يحتاج إلى صفاء فطرة، أو تربية تُساس بها النفس شيئاً فشيئاً.
وكثيراً ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمورٌ، فلا يدري أهي داخلة
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد السابع من المجلد الثاني، الصادر في شهر رجب 1350 ه - القاهرة.
(5/ 1/212)

في الفضيلة، أم هي خارجة عن حدودها؟ وربما سبق ظنّه إلى غير صواب، فيخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهاً، فيدعه، أو يعيب غيره به، أو يخال ما هو من قبيل المكروه فضيلة، فيرتكبه، أو يمدح غيره عليه. وهذا الشأن يجري في خلقي العزّة والتواضع.
فعزة النفس تمتاز في الأذهان عن الكبرياء امتياز الصبح من الدجى؛ إذ العزة: ارتفاع النفس عن مواضع المهانة، والكبرياء: استنكاف النفس أن تأتي صالحاً، بتخيل أن ذلك العمل لا يليق بمنزلتها، أو تعظمها عن أن تجامل ذا نفس زاكية بزعم أنه غير كفء لها.
ويقابل العزَّةَ: الضِّعةُ، وهي انحدار النفس في هوة المهانة، ويقابل الكبرياء: التواضع، وهو إذعانها للحق، ونظرها إلى ذي النفس الزاكية، أو المستعدة لأن تكون زاكية، نظرَ احترام، أو عطف وإشفاق.
والفرق بين حقائق هذه الأخلاق سهل المأخذ، ولا يكاد يَخْفَى أمره على عامة الناس، فضلاً عن خواصهم، ولكن أحوالاً تعرض للرجل، فيخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى مظهر التواضع، فيعد صاغراً.
وفي الناس مَنْ عَدَّ التواضُعَ ذِلَّةً ... وعَدَّ اعْتزازَ النفس من جَهْله كِبْرا
وقال رجل للحسين بن علي: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً، فقال: ليس بتيه، ولكنه عزّة، وتلا قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
وقال عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي بالأندلس لابنه المنذر: "إن لهذا السلطان رونقاً يُريقه التبدُّل، وعلوًا يُخفِّضه الانبساط، ولا يصونه إلا التيه والانقباض"، ثم ذكر أناساً يعدون تواضع الرجل صغراً، وتخفّضه خِسَّة،
(5/ 1/213)

فقال له عبد الرحمن: ابق وما رأيت.
فوزْن المعاملات الخاصة، وإلحاقُها بإحدى خصلتي العزة أو التواضع، أو طرحُها إلى الكبرياء أو المهانة، يرجع إلى اجتهاد الشخص نفسه، وهذا لا يمنع غيره الذي عرف من سر المعاملة ما عرف من علانيتها، أن ينقدَها، ويصفَ صاحبها بأنه عزيز النفس، أو متواضع، أو يحكم عليه بأنه متكبر أو متصاغر.
في عزة النفس فوائد تعود على الشخص نفسه، منها: ارتياح ضميره، وسلامته من ألم الهوان الذي يلاقيه من لا يحتفظ بكرامته، ثم ما يلقيه هذا الخلق على صاحبه من مهابة ووقار، وإحراز مكانة احترام في النفوس مما تنشرح له صدور العظماء، وإنما عيب الرجل في أن يجعل هذه المكانة غايته المنشودة، أو يتخذها حِبالَة لاصطياد مآرب لا يتعداه نفعها.
ولهذه الخصلة آثار صالحة في الاجتماع؛ فإن الأمة التي تُشرَّب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشؤونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر من أن تقع في يد من يطعن في نحو كرامتها، ولا يستحي الإنسانية أن تراه مهتضماً لحقوقها.
ومن عناية الإِسلام بأدب العزة: أنه بني كثيراً من أحكامه العملية على رعايتها، كما منع القادر على الكسب من بسط كله للاستجداء؛ إذ كان في استجدائه إراقة لماء وجهه بين يدي من تكون يده هي العليا، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه، أو منعه".
وسنَّ الهجرة من بلد لا يرفع فيها الإِسلام لواءه إلى بلد تخفق عليه
(5/ 1/214)

رايته، وتقام فيه أحكام شريعته، قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100].
وشرَّع الذود عن الأوطان، وحمايتها من أن يكون للخصوم عليها سيطرة؛ إذ لا نصيب لجماعة المسلمين من سيطرة غير المسلم إلا العسف والإرهاق.
ومن الأحكام القائمة على رعاية العزة: أن التبرعات لا تتقرر إلا بقبول المتبرع له، فلو وهب شخص لآخر مالاً، لم تنعقد الهبة إلا أن يقبلها الموهوب له؛ إذ قد يربأ به خُلُق العزّة عن قبولها؛ كراهة احتمال مِنّتها، والمنّة تصدع قناةَ العزة، فلا يحتملها ذوو المروءات إلا في حال ضرورة، ولا سيما مِنة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.
والعلماء الذين كانوا لا يقبلون عطايا ولاة الأمور، يريدون الاحتفاظ بكامل عزتهم، حتى يكون موقفهم في وعظ أولئك إذا حادوا عن الرشد موقفَ الناصح الأمين.
ومن هذه الأحكام: شرط الكفاءة في النكاح؛ ذلك لأن في تزوج الرفيعة بمن هو دونها امتهاناً لقدرها، وغضًا من كرامة أوليائها، فجعل للمرأة وأوليائها الحق في الممانعة من تزوجها بمن لا يكافئها، وإنما اختلف الفقهاء في تحديد الكفاءة، كما هو مقرر في كتب الأحكام.
وقد عرف الفقهاء: أن الشريعة تراعي في أحكامها حق العزة، فقالوا: إن المسافر يقبل هبة الماء للوضوء، ولا يتيمم؛ إذ لا يمتن بمقدار ما يتوضأ به من الماء عادة، ولم يلزموه قبول هبة ثمن الماء، وأجازوا له التيمم، إذا كان في هبة الثمن مِنَّة، والمنة تورث شيئاً من الذلة. وعلى هذا النحو جرى
(5/ 1/215)

الإمام الغزالي؛ إذ جعل خشية الإهانة مُسْقطة لوجوب النهي عن المنكر. وموضع هذا: أن يعرف العالِم أن نهيه لا يجدي نفعًا، ويزيد على عدم جدواه بأن يسومه أولئك المبطلون أو الفاسقون خسفًا، أما إذا كان يرجو مما يقوله أو يكتبه فائدة، فاحتمال الأذى في سبيل العمل الصالح عزة لا تطاولها عزة.
ومدحُ الإنسان نفسَه رعونة، فإذا مسه أحد بازدراء، فإن علم الأخلاق يسمح له بأن يذود عن عزته، ويقول كلمة ينبه بها على مكانته.
وفد أبو الفضل بن شرف إلى المعتصم أحد أمراء الأندلس في زي تظهر عليه البداوة، وأنشده قصيدته التي يقول في طالعها:
مُطِلَ الليلُ بوعْدِ الفَلَقِ ... وتَشَكَّى النجمُ طولَ الأرقِ
فاهتز المعتصم لسماعها طرباً، فحسد أبا الفضل من الحاضرين ابنُ أخت غانم، وقال له: من أي البوادي أنت؟ فقال أبو الفضل: أنا من الشرف في الدرجة العالية، وإن كانت البادية عليّ بادية، ولا أنكر خالي، ولا أعرف بحالي. فانقبض ابن أخت غانم خجلاً.
وأما التواضع، وهو بذل الاحترام، أو العطف والمجاملة لمن يستحقه، فهو خلق يكسب صاحبه رضا أهل الفضل من الناس ومودتهم، وهو الطريق الذي يدخل بالشخص في المجتمع، ويكون به عضواً ملتئماً مع سائر الأعضاء التي يتألف منها جسد نسميه: الأمة، فالتواضع أنجح وسيلة إلى الائتلاف والاتحاد، اللذين هما أساس التعاون على مرافق الحياة وجلائل الأعمال، قال الله تعالى يدعو رسوله الكريم إلى هذا الخلق العظيم: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} [الحجر: 88 - 89]، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ
(5/ 1/216)

نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].
يستكبر الأغبياء ظناً منهم أن في الاستكبار رِفعة، والحقيقة أن ابتغاء الرفعة من طريق التواضع أنجحُ من التوصل إليها بطريق التجبُّر والغطرسة، فالتواضع الحكيم يورث المودة، ومن عَمَر فؤاده بمودتك، امتلأت عينه بمهابتك.
وأحسنُ مقرونين في عينِ ناظرٍ ... جلالةُ قَدرٍ في خُمولِ تواضُعٍ
قد يراك الرجل وأنت تؤدي حق الاحترام إلى رجل عرفتَ من كماله ما لم يعرفه، فيعدُّ عملك تصاغرًا، ويرمي أمامك أو وراءك بسهم الإنكار، ولو اطلع على ما بطن من هذه المعاملة كما اطلع على ما ظهر منها، لأقام لك بدل الإنكار عذراً.
قدّم أبو الفضل بن العميد لأبي بكر بن الخياط نعله، فعده بعض الحاضرين إفراطاً في التنازل، فقال أبو الفضل: أأُلام على تعظيم رجل ما قرأتُ عليه شيئاً من الطباع للجاحظ، إلا عرف ديوانه، وقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها حتى ينتهي إليه؟!.
وكان أبو العباس المبرِّد عندما يرى أبا بكر الأبهري مقبلاً، ينهض قائماً حفاوة وإجلالاً، فخطر على بال بعض أصحابه أنه تجاوز حد التواضع، وأن أبا بكر لا يستحق هذا القدر من الإجلال، وشافَهَ المبرد بهذا الخاطر، فقال المبرد:
إذا ما رأيناهُ مقْتبِلاً ... حَلَلْنا الحبا وابتدَرْنا القِياما
فلا تُنْكِرنَّ قيامي له ... فإنَّ الكريمَ يُجِلُّ الكِراما
(5/ 1/217)

يتواضع الرجل لأقرانه، فلا يُصاعِر لهم خداً، وإن أبى الدهر إسعافهم، ولا يخرج في معاملتهم عن حدود المساواة، وإن رزق من المال أو الجاه ما لم يرزقوا، قال البحتري:
وإذا ما الشريفُ لَمْ يتواضعْ ... للأَخِلّاءِ فهو عينُ الوَضيعِ
ويتواضع الرجل لمن هو دونه في ظاهر هذه الحياة، أو فيما يجري به عُرف الناس؛ كالأستاذ يجامل طالب العلم، والرئيس يجامل المرؤوس. وفي سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقوال الذين أوتوا الحكمة، وسيرة الذين استقاموا على الفضيلة، ما فيه عظة حسنة، وقدوة صالحة.
أما الأستاذ لا يتعاظم على طالب العلم، فمن مظاهره: الإصغاء إليه عند المناقشة، وإجابته عما سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم لإنصاف، فإنْ أخطأ، نبّهه لوجه الخطأ، وإن قال صواباً، تقبله منه بارتياح، وارتياح الأستاذ لآثار نجابة الطلاب مما يريدهم جدًّا في الطلب، ويشعرهم باستعدادهم لأن يكونوا في النوابغ، وإنما ينبغ الناشئ في العلم متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "تعلموا العلم، وعلّموه الناس، وتعلّموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه، ولمن علمتموه".
ومن حكم الإمام علي -كرم الله وجهه-: "وتواضعوا لمن تتعلّمون منه، ولمن تعلّمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء".
وأما الرئيس لا يتعظم على المرؤوس، فمن مظاهره: لين القول في مخاطبته، والعناية بقضاء ما يستطيع من حاجته، والسعي في دفع الأذى عن جانبه. والرئيس المتواضع يتحامى أن تشهد منه أثراً يدل على أن نفسه تحدثه
(5/ 1/218)

بأنه أفضل منك، إلا مظاهر يسيغها عرف أصبح مألوفاً بين الناس.
روى الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "كان في فضله وقدمه ينفخ عام الرمادة (1) النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من تحت لحيته"، ذكر هذا مالك لهارون الرشيد، وقال له: إن الناس يرضون منكم ما دون هذا.
ونقرأ في سيرة مظفر الدين صاحب أربل: أنه بني أربعة ملاجع للزمنى والعميان، وقرر لهم ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يأتيهم بنفسه في عصر كل اثنين وخميس، ويدخل إلى كل واحد في نزله، ويسأله عن حاجته. فإحسان مظفر الدين إلى هؤلاء رحمة، ودخوله على كل واحد في نزله، وسؤاله عن حاله، تواضع.
وصفوة المقال: أن العزة ترجع إلى أن يقدر الإنسان قيمة نفسه، فلا يوردها إلا الموارد التي تليق بها. والكبر يرجع إلى أن يرى نفسه في منزلة فوق منزلتها، فيتراءى في مظاهر يعدها العارفون بكنه حاله اغترارًا وإسرافًا في التقدير.
والضعة ترجع إلى أن يغمط نفسه حقها، ويضعها في مواضع أدنى مما تستحق أن يضعها. والمتواضع من يعرف قدره، ولا يأبى أن يرسل نفسه في وجوه الخير وما يقتضيه حسن المعاشرة.
وإذا كان من يحتفظ بالعزة، ولا يصرف وجهه عن التواضع، هو الرجل الذي يرجى لنفع الأمة، ويستطيع أن يخوض في كل مجتمع، ضافي الكرامة، أنيس الملتقى، شديد الثقة بنفسه، كان حقا على من يتولى تربية الناشئ أن
__________
(1) الرمادة: الهلكة، سمي به عام جدب وقحط وقع في زمن ابن الخطاب؛ لهلاك الناس فيه والأموال.
(5/ 1/219)

يتفقده في كل طور، حتى إذا رأى فيه خمولاً وقلة احتراس من مواقع المهانة، أيقظ فيه الشعور بالعزة، والطموح إلى المقامات العلا. وإذا رأى فيه كبراً عاتياً، وتيهاً مسرفاً، خفف من غلوائه، وساسه بالحكمة، حتى يتعلم أن المجد الموثل لا يقوم إلا على دعائم العزة والتواضع.
(5/ 1/220)

المداراة والمداهنة (1)
خُلِقَ الناس للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا لينفرد كل واحد بمرافق حياته.
وللإنسان عوارض نفسية؛ كالحب والبغض، والرضا والغضب، والاستحسان والاستهجان، فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يَعْرض له من هذه الشؤون في كل وقت، وعلى أي حال، لاختلَّ الاجتماع، ولم يخلص التعارف، وانقبضت الأيدي عن التعاون، فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به ما يُحدث تقاطعاً، أو يدعو إلى تخاذل، ذلك الأدب هو: المداراة.
فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب أو استنكار، إلا في أحوال يكون الإشعار به خيراً من كتمانه.
فمن المداراة: أن يجمعك بالرجل يضمر لك العداوة مجلس، فتقابله بوجه طلق، وتقضيه حق التحية، وترفق به في الخطاب.
قال سحنون في وصيته لابنه محمد: "وسلِّمْ على عدوك وداره؛ فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس".
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد الثالث من المجلد الثاني، الصادر في شهر ربيع الأول 1350 ه - القاهرة.
(5/ 1/221)

وقال أحد الحكماء من بني أسد:
وأَمْنَحُه مالي ووُدِّي ونُصرَتي ... وإن كان مَحنِيَّ الضُّلوعِ على بُغْضي
ونقرأ في سيرة الأستاذ محمد بن يوسف السنوسي صاحب المؤلفات المعروفة في علم الكلام وغيره: أنه "كان يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام، حتى يُعتقد أنه صديقه".
ونقرا في سيرة القاضي يحيى بن أكثم: أنه "كان يداعب خصمه وعدوّه".
وقد تبلغ المداراة إلى إطفاء العداوة وقلبها صداقة.
قال محمد بن أبي الفضل الهاشمي: قلت لأبي: لِمَ تجلس إلى فلان، وقد عرفت عداوته؟ قال: أُخْبي ناراً، وأقْدحُ وداً.
وقد يقصد المداري إلى علاج جرح العداوة، ومنعه من أن يتسع.
قال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل، فحياه أبي وألطفه، فلما مضى، قلت: أَبَعْدَ ما قال لنا ما قال؟! قال: يا بني! أفأوسع جرحي؟!.
ومن المداراة: أن يلاقيك ذو لسان أو قلم عُرف بنهش الأعراض، ولمز الأبرياء، فتطلق له جبينك، وتحييه في حفاوة؛ لعلك تحمي جانبك من قذفه، أو تجعل لدغاته خفيفة الوقع على عرضك.
نقرأ في الصحيح عن عروة بن الزبير: أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته: أنه استأذن على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: "ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة" أو "بئس أخو العشيرة"، فلما دخل، ألان له الكلام، وفي رواية: فلما جلس، تطلق النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه، وانبسط إليه، فقلت: يا رسول الله! قلْتَ ما قلت، ثم ألَنْتَ له القول؟! فقال: "أي عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو: ودعه -
(5/ 1/222)

الناس اتقاء فُحْشه" (1).
فلقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا الرجل المعروف بالبذاء، من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رفق به في الخطاب، وقد سبق إلى ذهن عائشة - رضي الله عنها -: أن الذي بلغ أن يقال فيه: "بئس ابن العشيرة" لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبه قسوة الخطاب، وعبوسة الجبين، ولكن نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبعد مدى، وأناته أطول أمدًا، فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم، فلا يظهر أثره إلا في مكان أو زمان يليق فيه إظهاره، ويريد تعليمهم أدبا من آداب الاجتماع هو رفق الإنسان بمن يقصد زيارته في منزله، ولو كان شره في الناس فاشياً.
على أن إطلاق جبينك لمثل هذا الزائر لا يمنعك من أن تشعره بطريق سائغ أنك غير راض عما يشيعه في الناس من أذى، ولا يعوقك عن أن تعالجه بالموعظة الحسنة، إلا أن يكون شيطاناً مارداً.
ومن المداراة: أن تلقى ذا يد تبطش، فتمنحه جبيناً طلقاً، وتتجنب في حديثك ما لا يكون له أثر في نفسه، إلا أنه يثير فيها القصد إلى أذيتك، وهذا مجمل قول أبي الدرداء - رضي الله عنه -: "إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لَتَلْعنهم"، وفي رواية: "لتقليهم" (2)، والكشر: التبسم. وفي هذا الأثر شاهد على أن التبسم في وجه الظالم اتقاء بأسه ضرب من المداراة، ولا يتعداها إلى أن يكون مداهنة.
ومن المداراة: أن يكون الرجل على حال تقتضي صرفه عن بغية، أو
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) تبغضهم.
(5/ 1/223)

عمل، وتعرف أن في الاعتذار له بهذا الحال ما يثير في نفسه ألماً، فتعرض عن ذكر ما يؤلم، وتذكر له وجهًا غيره مما هو واقع، حتى لا تجمع له بين الحرمان من بغيته، وإيلامه بما لا يجب أن يعتذر له به.
أصاب الكسائي وَضَح (برص)، وهو مؤدبُ أبناء هارون الرشيد، فكره الرشيد ملازمته لأولاده، فقال له: كبرتَ في السن، ولسنا نقطع راتبك، وأمره أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، فاختار لهم علي بن الحسن المعروف بالأحمر. ولا ريب أن اعتذار هارون الرشيد للكسائي بكبر السنن أخف على نفسه من أن يقول له: أُصِبْت بوضَحٍ، ولسنا نقطع راتبك.
فالنفوس المطبوعة على المداراة، نفوس أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كجسد واحد، وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة متماسكة على قدر ما فيها من حياة، ولا تنكر عضوًا ركب معها في جسد، إلا أن يصاب بعلة يعجز الأطباء أن يَصِفوا له بعدُ دواء.
فالمداراة يُبتغى بها رضا الناس، وتكليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون، فلا يُبعدك عنها قضاء بالقسط، أو إلقاء النصيحة في رفق، فلم يخرج عن المداراة أبو حازم حين دخل على سليمان بن عبد الملك، وقال له: "إنما أنت سوق، فما نفق عندك، حمل إليك؛ من خير أو شر، فاختر أيهما شئت".
ترجع المداراة إلى ذكاء الشخص نفسه؛ فهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما ينبغي أن يكون، ولأسباب العداوة مدخل في تفاوت مقادير المداراة، واختلاف طرقها، فإذا ساغ لك أن تبالغ في مداراة من ينحرف عنك لخطأ في ظنٍّ يظنُّه بك، أو لعدم ارتياحه لنعمة يسوقها الله إليك، فلمداراة من يحارب الحق والفضيلة إن صادفك واقتضى الحال مداراته، حد قريب، ومسحة من
(5/ 1/224)

التلطف خفيفة، وينبغي أن تكون مداراتك لمن ترجو منه العود إلى الرشد، وتأنس في فطرته شيئاً من الطيب، فوق مداراتك لمن شابَ على عِوَج العقل، ولؤم الخلُق، حتى انقطع أَمَلُك من أن يصير ذا عقل سليم، أو خلق كريم، ولك مع من فيه بقية من العقل ضرْب من المداراة لا تسلكه مع من يعد مداراتك له أثر الخوف من سلاطة لسانه، فيزداد فُحشًا؛ ليزداد الناس رهبة، فيزيدوه خضوعاً.
المداراة خصلة كريمة، يحكمها الأذكياء، ولا يتعدى حدودها الفضلاء.
أما المداهنة، فهي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل، أو عمل مكروه، وأصلها الدِّهان، وهو: الذي يظهر على الشيء، ويستر باطنه.
تضم المداهنة تحت جناحيها: الكذب، وإخلاف الوعد.
أما الكذب، فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال، فلا يبالي أن يعده بشيء، وهو عازم على أن لا يصدق في وعده، وليس من الصعب على المداهن - وقد مرَد (1) على الكذب - أن يخلف الوعد، ويختلق لإخلافه عذراً، وهذا الاختلاق لا يرتكبه الراسخ في كرم الأخلاق، وإن كلفه الوفاء بالوعد أمراً جللاً.
فالمداهن لا يتريث في أن يَعِدَ؛ لأنه لا يتألم من أن يخلف، ولا يصعب عليه أن يصور من غير الواقع عذراً، والراسخ في الفضل لا يعد إلا عند العزم على أن يصدق فيما وعد، فإن وقف أمامه عائق، كشف لك عن وجهه الحق،
__________
(1) مرد: أقدم. "القاموس".
(5/ 1/225)

فإذا لم يساعده الحال على إنجاز الوعد، لم يفُتْه الصدق فيما يلقيه إليك من عذر.
ومن المداهنة: أن تثني على الرجل في وجهه، فإذا انصرفْتَ عنه، أطلقتَ لسانك في ذمّه.
قيل لابن عمر - رضي الله عنه -: "إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا، قلنا غيره"، فقال: "كنا نَعُدُّ ذلك نفاقاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وقد قرر أهل العلم أن الرجل إن كان مستغنياً عن الدخول على من يضطره الحال إلى الثناء عليه، فدخل، وأثنى بغير ما يعلم، كان نفاقاً؛ أما إن اضطر إلى الدخول على ذي قوة لا يخلص من بأسه إلا أن يُسمعه شيئاً من الإطراء، فهو في سعة من أن يُطريه بمقدار ما يخلص من بأسه، ولا تُلْحِقه هذه الحالة الشاذة بزمرة المداهنين.
انهزم جيش السلطان فرج بن برقوق أمام جيش الطاغية تيمورلنك، ووقع طائفة من العلماء في أسر الطاغية، ومن هذه الطائفة: الفيلسوف ابن خلدون، فكان من هذا الفيلسوف أن تقدم إلى تيمورلنك، وقال له فيما حادثه به: "إني ألفت كتاباً في تاريخ العالم، وحلَّيته بذكرك، وما أسفي إلا على هذا الكتاب الذي أنفقت فيه عمري، وقد تركته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب ضياعًا حيث لم يكن في خدمتك، وتحت ظل دولتك، والآن أذهب، فآتي بهذا الكتاب، وأرجع سريعًا حتى أموت في خدمتك"، فأطلق سبيله، فقدم مصر، ولم يعد إليه.
ومن أسوأ ما يفعل المداهن: أن يلاقي رجلين بينهما عداوة، فيظهر لكل واحد الرضا عن معاداته لصاحبه، ويوافقه على دعوى أنه المحق، وصاحبه
(5/ 1/226)

هو المبطل، وفي مثل هذا ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" (1).
وقال حكيم من بني أسد:
ولستُ بذي وَجْهينِ فيمَنْ عرفْتُه ... ولا البخُلُ فاعلم من سمائي ولا أرضي
يتخذ الرجل وجهين متى كان يطمح إلى ما في أيدي الناس من متاع، أو كان يطمع في إرضاء طوائف على تباعد ما بينهم من نزعات، وعلى شدة ما بينهم من اختلاف، والعبور إلى النفع على جسر من المداهنة يحرم صاحبه من أعز متاع هو الصدق، بعد أن يحرمه من أطيب لذة هي ارتياح الضمير. ومن كان حريصاً على أن يكون صديق الطوائف المتباينة، فإن الطيّب منهم يأبى أن يلوث صدره بصداقة من يتملق الخبيث.
المداهنون يجعلون ألسنتهم طوع بغية الوجيه، ويعجّلون إلى قول ما يشتهي أن يقولوا، فيمدحون ما يراه حسناً، ويذمون ما يعده سيئاً، أما الذين يعرفون ما في المداهنة من شر، ويحزنهم أن يظهر الشر على يد من في استطاعته الخير، فيربؤون بألسنتهم أن تساير في غير حق، ويؤثرون نُصْحَ الوجيه على أن يزينوا له ما ليس بزين.
ابتنى الخليفة عبد الرحمن الناصر "القبيبة" بقصر الزهراء، واتخذ لسطحها قراميد من ذهب وفضّة، وجلس فيها إثر إتمامها، وقال لمن حضر مفتخرًا: "هل رأيتم أو سمعتم من فعلَ هذا من قبلي؟ "، فقالوا: إنك لأوحد في شأنك
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(5/ 1/227)

كله، ولكن القاضي منذر بن سعيد وعظه وعظاً بليغاً، وتلا عليه قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33]، فأطرق الناصر مليًا، ثم أقبل على منذر، وقال له: جازاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيراً، وعن الدين والمسلمين أجل جزائه، فالذي قلت هو الحق، وقام من مجلسه، ونقض سقف "القبيبة"، وأعاد قرمدها تراباً.
والوجيه الحازم يكره المداهنة، ويملأ عينه باحترام من يوقظه لوجه الخير إذا كان في غفلة منه، ولوجه الشر إذا اشتبه عليه.
قال الطاهر بن الحسين في الكتاب الذي بعث به لابنه عبد الله بن طاهر: "وليكن كرم دخلائك وخاصتك عليك: من إذا رأى عيباً، لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في ستر، وإعلامك بما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك".
وقع الوزير هاشم بن عبد العزيز في يد العدو أسيراً، وذكره الأمير محمد ابن عبد الرحمن الأموي في جماعة من رجال دولته مستقصراً له، ناسباً له إلى الطيش والعجلة والاستبداد برأيه، فلم ينطق أحد ممن كان في المجلس بالاعتذار عنهما عدا الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم، فإنه اعتذر عن الوزير هاشم، ورد على السلطان في مسلك سائغ، ومما قال في الاعتذار عن هاشم: "قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يك ملاك النصر بيده، فخذَله من وثق به، ونَكَلَ عنه من كان معه"، ثم قال: "فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم، وأيضًا فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا
(5/ 1/228)

جالباً التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ". فأعجب الأمير بكلامه، وأقصر بعد عن تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه من الأسر.
ومن عظماء الرجال من يبغض المداهنة، ولا يقبل من جليس مبالغة في مدح أو مسايرة.
ومن المُثل الكاملة لهؤلاء العظماء: عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -؛ فإنا نقرأ في سيرته: أنه قال لجرير حين دخل عليه بقصيدة يهنئه فيها بالخلافة: "اتَّقِ الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً".
وقال له رجل مرة: "طاعتكم مفروضة"، فقال له: "كذبت! لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله".
والأجلّاء من علماء الدين الذين كانوا يداخلون رجال السياسة، فينعقد بينهما التئام أو صداقة، كانوا يأخذون بسنّة المداراة، ولم يكونوا - فيما نقرأ من سيرتهم - يتلطخون برِجْسِ المداهنة.
فهذا أبو الوليد الباجي كان يصاحب رجال السياسة، ويختارونه للسفارة بينهم، وهو الذي قال لمن ذكره بمداخلة السلطان: لولا السلطان، لنقلني الذرُّ (1) من الظلِّ إلى الشمس. وتاريخه يشهد بأن قوة إيمانه كانت تحرسه من أن يقع في حمأ المداهنة.
كان مرة في انتظار أحمد بن هود صاحب "سرقسطة" بالأندلس، فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن، وأخذ المؤتمن يجاذب الباجي الحديث في كتب الفلسفة حتى قال له: "هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ "، فقال له
__________
(1) الذرّ: صغار النمل.
(5/ 1/229)

الباجي: "قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -"؛ يعني: شريعته من قرآن وسنّة.
والباجي هو الذي رجع من الشرق إلى الأندلس، فوجد أمراءها في تقاطع، والعدو يتحفز لوضع يده على رقابهم، فقام يتردد على مجالسهم، ويطرق بالنصيحة آذانهم، ويسعى لجمع كلمتهم، فكانوا يجلونه في الظاهر، ويستبردون نزعته في الباطن، وأقل ما يجتنيه الداعي إلى الإصلاح براءة ذمته، وأنه عند الوقوف بين يدي ربّه.
فالنفوس التي تنحط في المداهنة انحطاطَ الماء من صَبَب، نفوس لم تشبّ في مهد الأدب السنيّ، ولم تهدها المدرسة إلى الصراط السويّ، وما شاعت المداهنة في جماعة، إلا تقلصت الكرامة من ديارهم، وكانت الاستكانة شعارهم، ومن ضاعت كرامتهم، وداخلت الاستكانة نفوسهم، جالت أيدي البغاة في حقوقهم، وكان الموت أقرب إليهم من حبال أوردتهم.
فمن واجب أساتذة التربية ودعاة الإصلاح: أن يُعنوا بجهاد هذا الخلق المشؤوم حتى ينفوه من أرضنا، وتكون أوطاننا ومدارسنا منابت نشء يميزون المداهنة من المداراة، فيخاطبون الناس في رقة أدب وشجاعة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق، ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام لأن يحدثهم في صراحة.
(5/ 1/230)

الرفق بالحيوان (1)
أقام الإِسلام هدايته على أساس الرحمة المحفوفة بالحكمة، والرحمةُ تبعث النفوس مبعث الرفق والإحسان، والحكمةُ تقف بالرحمة عند حدود لو تجاوزتها، انقلبت إلى ضعف ورعونة، وعلى هذا الطريق الوسط جاءت الأحكام والآداب الخاصة بالتصرف في الحيوان.
أذِنَ الإِسلام في أكل الطيّب من الحيوان، ونبَّه بهذا الإذن على خطأ أولئك الذين يقبضون أيديهم عن تذكيته، أو أكله بدعوى الرأفة أو الزهد، وأباح استعماله في نحو الركوب والحراثة وحمل الأثقال.
وقد امتنَّ القرآن الكريم بهذه الضروب من الاستمتاع المألوف بين العقلاء، فقال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 5 - 6]، وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]
امتن الله تعالى في كتابه العزيز بما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها وجلودها من الملابس والفرش، والبيوت، وبما يتغذى به من ألبانها
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد الثاني من المجلد الثالث، الصادر في شهر صفر 1351 ه - القاهرة.
(5/ 1/231)

ولحومها، وبما هُيئت له من حمل الأثقال، وهذه المنافع من أهم ما تنتظم به حياة الإنسان.
وقال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]، فذكر في هذه الآية أهم ما خلقت له الخيل والبغال والحمير من المنافع، وهو الركوب، وفي الركوب راحة البدن، وسرعة الانتقال من مكان إلى مكان، والراحة من متممات الصحة، وسرعة الانتقال حفظ للوقت من أن يذهب في غير جدوى.
امتنَّ الله تعالى بالأنعام والخيل وما عطف عليها، ونبه على ما فيها من جَمال وزينة، وفي هذا ما يرشد إلى أن يكون الاستمتاع بها في رفق ورعاية؛ فإن إرهاقها، أو قلة القيام على ما تستمد منه حياتها، يجعل نفعها ضئيلًا، ويذهب بما فيها من جَمال وزينة.
كان للعرب قبل الإِسلام عادات تحرمهم من الانتفاع ببعض أفراد الحيوان، وفيها قوة على أن ينتفعوا بها، ومن هذا القبيل: الناقة المسماة بالسائبة، وهي الناقة التي يقول فيها الرجل: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فهي سائبة، ويحرم ركوبها ودرّها؛ والوصيلة: وهي أن تلد الشاة ذكراً وأنثى، فيقولون: وصلت أخاها، فلا يذبح من أجلها الذكر؛ والجمل المسمى بالحام: وهو الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، فكانوا يقولون: قد حمى ظهره، ويمتنعون من ركوبه والحمل عليه، والبَحيرة: وهي الناقة التي تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر؛ فإنهم كانوا يبحرون أذنها؛ أي: يشقونها، ثم يحرمون ركوبها ودرّها.
ثم جاء الإِسلام، فلم ير من الحكمة تعطيل الحيوان وهو صالح لأن
(5/ 1/232)

يُنتفع منه، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي، فقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103].
وكان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب، ومن هذه العادات: ما يفعلونه لموت كريم القوم، إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر، ويتركونها في حفرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت.
ومن هذا الباب: شقّهم لآذان الأنعام كما قصصنا عليك عادتهم في البحيرة، وهو ما أشار القرآن إلى قبحه؛ إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال تعالى: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 118 - 119].
ما زال الحيوان كسائر الأمتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء، وإذا ناله رفق، فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك؛ لتطول مدة انتفاعه به، ولكن الإِسلام أرشد إلى أن الحيوان في نفسه حقيق باللطف، فغرس له في القلوب عطفًا عاماً، واستدعى له الرحمة حتى من قوم لا ينتفعون، أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال. وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات، وتنال بها المثوبة عند الله.
أذِنَ الإِسلام في قتل الحيوان المؤذي؛ كالكلب العقور، والفأرة، وأمر بالإحسان في القتل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة". وأذن في ذبح الحيوان للاستمتاع بالطيب من لحومه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
(5/ 1/233)

قد يخطر على البال: أنه متى أذِنَ في قتل الحيوان أو ذبحه، فللإنسان أن يتخذ لإزهاق روحه ما يشاء من الطرق أو الوسائل، فقصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر، وإرشاد الناس إلى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح، فلا يجوز إحراق ما أُذِنَ في قتله، أو التمثيلُ به، ويجب إرهاف آلة الذبح حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلاماً.
وقد ذكر أهل العلم آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة من أصول الرفق بالحيوان، فقال عمر - رضي الله عنه -: "من الإحسان للذبيحة: أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها".
وقال ربيعة: "من الإحسان: أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها".
وقالوا: يستحب للذابح أن لا يحد شفرته بحضرة الذبيحة، وأن لا يصرعها بعنف.
أباحت الشريعة صيد الحيوان بنحو الجوارح والنبال والشباك؛ لينتفع منه الإنسان بما يحل الانتفاع به، ومنعت من أن يُنصَب الحيوان غرضاً ليرمى بنحو النبال.
ومما نقرؤه في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قوله: "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً" (1). وفي "صحيح الإمام مسلم": "مرّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر، تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً".
__________
(1) "صحيح الإمام مسلم".
(5/ 1/234)

ووردت أحاديث عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل سقي الحيوان وإطعامه، وعدِّهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة" (1).
وفي الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله، فغفر له"، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ " فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر" (2).
وانظر إلى قولهم: "وإن لنا في البهائم أجراً"، تَرَهم كيف كانوا يستهينون بأمر الحيوان، ولا يعتقدون أن الإحسان إليه يبلغ مبلغ الإحسان إلى الإنسان، فيستحقون عليه أجراً، وكيف يكون حال حيوان وقع تحت يد من لا يعتقد أنه سينال بالإحسان إليه ثوابًا، ويلقى من أجل القسوة عليه عذاباً؟!.
وفي الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عذبت امرأة في هرّة لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض" (3). والوعيد بعقوبة النار على الأمر يدل على أنه من المحظور حظرًا لا هوادة فيه، ومن ذا يخطر على باله قبل هذا أن يكون لحيوان كالهرة حرمة تبلغ في الخطر أن يعاقب من
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) "صحيح البخاري".
(3) البخاري ومسلم.
(5/ 1/235)

ينتهكها بعذاب النار؟!.
وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها؛ بأن يعلفها، أو يرعاها بنفسه، أو يَكِلَ لغيره رعْيها، ولو بأجر، ولم يختلفوا في وجوب ذلك عليه، وصرح طائفة منهم بأنه يجبر عليه قضاءً، فإن لم يفعل، بيعت الدابة، ولا تترك تحت يده تقاسي عذاب الجوع.
ومما نقرؤه في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة (1)، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة" (2).
وتحرم الشريعة الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يعرفون أن من حمّل دابة ما لا تطيق، حوسب عليه يوم القيامة.
يروى عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: أنه قال لبعير له عند الموت: يا أيها البعير! لا تخاصمني إلى ربك؛ فإني لم أكن أحمّلك فوق طاقتك.
وقال الغزالي في الحديث عن الرفق بالدابة، وعدم تحميلها ما لا تطيق: "والمحمل (3) خارج عن حد طاقتها، والنوم عليها يؤذيها، ويثقل عليها"، وقال: "كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة عن قعود".
وإنما يجوز الحمل على ما يطيق الحمل؛ كالإبل والبغال والحمير،
__________
(1) التي لا تقدر على النطق.
(2) "سنن أبي داود".
(3) المحمل: شقان على البعير يحمل فيهما العديلان. ويقال: أول من اتخذه الحجاج ابن يوسف الثقفي.
(5/ 1/236)

ولا يجوزالحمل على ما لم يخلق للحمل؛ كالبقر.
قال ابن العربي: لا خلاف في البقر أنه لا يجوز أن يحمل عليها.
وذهب كثير من أهل العلم إلى المنع من ركوبها؛ نظراً إلى أنها لا تقوى على الركوب، وإنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض، وسقي الحرث.
ومن الرفق بالدابة: أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً.
أخرج ابن أبي شيبة عن زاذان: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدُكم؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الثالث.
وأخرج الطبري عن علي - رضي الله عنه -: أنه قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم".
ومحمل هذه الآثار على حال ما إذا كان ركوب الثلاثة يرهق الدابة، فإن كانت تطيق ذلك؛ كالناقة أو البغلة يركبها رجل وصبيّان - مثلاً -، فليس به من بأس، ولا سيما ركوبها في مسافة قصيرة، وهذا ما كان من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة راكباً على بغلته، فاستقبله أغيلمة من بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، والآخر خلفه.
ومن الرفق بالحيوان: تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم، والإشعار الوارد في بُدن الهدي ليس إلا جرحًا في سنام البعير بنحو المبضع؛ ليكون علامة أنها هَدْي، وأما طعن البدنة بنحو السنان حتى يتجاوز الجلد إلى اللحم، فإنما يرتكبه الجهال، ولا يختلف العلماء في تحريمه.
وورد النهي عن خصاء البهائم كما جاء من حديث ابن عمر: "أن
(5/ 1/237)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل" (1). وبهذا احتج فريق من أهل العلم على أنه لا يحل خصاء شيء من الفحول، وأفتى فريق بجوازه متى دعت إليه مصلحة؛ كان يخاف عضاضه، وإذا وجد طريق لمثل هذه المصلحة من غير الخصاء، لم يبق موضع للخلاف؛ لأنه تعذيب، وقد نهى الشارع عن تعذيب الحيوان.
ومن الرفق بالدابة: أن لا يتابع السير عليها متابعة ترهقها تعبًا، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظًا من الأرض" (2)، وفي رواية: "ولا تعدو المنازل".
وورد في الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة (3) إلا قطعت"، فذهب بعض أهل العلم في فهم الحديث مذهب الرحمة بالحيوان، وقال: إنما أمر بقطع القلائد من أعناق الإبل؛ مخافة اختناق الدابة بها عند شده الركض، ولأنها تضيق عليها نفسها ورعيها، وكراهة أن تتعلّق بشجرة، فتخنقها، أو تعوقها عن المضي في سيرها.
ومن المحظور: وقوف الراكب على الدابة وقوفاً يؤلمها، وقد ورد في النهي عن هذا الصنيع حديث: "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر؛ فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس" (4).
وذكر الغزالي أن أهل الورع من السلف كانوا لا يقفون على الدواب
__________
(1) "شرح معاني الآثار" للطحاوي.
(2) مسلم، وأبو داود.
(3) أمر بقطع ما تقلد به من وتر القوس، ثم أمر بقطع كل قلادة من أي صنف كانت.
(4) رواه أبو داود.
(5/ 1/238)

الوقوف الطويل.
ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان: تهييج بعض الحيوان على بعض؛ كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها، وهو من اللهو الذي حرمته الشريعة؛ لما فيه من إيلام الحيوان، وإتعابه في غير فائدة، وفي "سنن أبي داود"، والترمذي: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التحريش بين البهائم "، والتحريش بينها: إغراء بعضها على بعض.
وان شئت أن تزيد يقيناً بما جاء به الإِسلام من الرأفة بالحيوان، فانظر إلى ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه إذ قال: كنّا مع النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة (1) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تعرش (2)، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: "من أحرق هذه؟ "، قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" (3).
وقد نص علماؤنا على حرمة تمكين الصبي من التلهي بالطير على وجه فيه إيلام له، وأمّا ما ورد في الحديث من أن ابناً فطيماً لأم سليم كان يلعب بنُغَر (4)، فمحمول على أن ذلك التلهي لم يكن بحال تعذيب؛ كأن يكون الطير في قفص أو نحوه، أو يكون التلهي بمحضر أحد أبويه، وهما يعلمان
__________
(1) ضرب من الطير، وقيل: الحمرة: القبرة.
(2) ترتفع وتطل بجناحيها.
(3) أبو داود.
(4) اسم لنوع من الطير. وقد بلغ هذا الخبر النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينقل إنكاره له.
(5/ 1/239)

ما جاءت به الشريعة من النهي عن تعذيب الحيوان.
ونهى الشارع عن إيذاء الحيوان في وجهه نهياً خاصاً.
روى أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى حماراً موسوماً على وجهه، فقال: "لعن الله من فعل هذا" (1).
وقال المقداد بن معد يكرب: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن لطم خدود الدواب".
أما شتم الحيوان ولعنه، فأدنى ما يقال فيه: أنه لغو من القول، لا يصدر إلا ممن شأنه الرمي بألفاظ الشتم واللعن دون تدبر في معناها، ولا قصد إلى موضعها، بل وردت الأحاديث في الزجر عن لعن الحيوان بطريقة بالغة، فإنا نقرأ في "صحيح مسلم": أن امرأة كانت على ناقة، فضجرت منها، فلعنتها، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فقال: "خذوا ما عليها، وأعروها؛ فإنها ملعونة". وإنما أمر بإعراء الناقة مما عليها، وإرسالها، عقوبةً لصاحبتها، وفي رواية "لا تصحبنا ناقة عليها لعنة". وفي هذا الأسلوب من النهي مبالغة في الزجر عن لعن الحيوان، وكذلك كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يعمد إلى الشيء الذي يظنه الناس هينًا، فيزجر عنه بطريق أشد؛ حتى ينصرفوا عنه جملة.
ومن فوائد النهي عن لعن الحيوان: تطهير الألسنة من التعود على قول السوء، ومتى ارتدعت النفوس عن لعن ما لا يفهم للّعن معنى، كان ارتداعها عن لعن من تثور ثائرة غضبه، أو غضبِ بعض أوليائه إذا لعن، أقرب وأولى.
هذه شذرات مما أوصى به الإِسلام من الرفق بالحيوان، وإن شئت
__________
(1) "تهذيب الأسماء" للنووي.
(5/ 1/240)

أن تعلم كيف كان أثرها في نفوس من يقتدون بآدابه في كل حال، فإليك مثلاً من آداب عديّ بن حاتم أحد أفاضل الصحابة، هو: أنه كان يفتّ الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات، ولهن حق (1).
ومن أدب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: أنه كان يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب، فزجره رفيق الأستاذ، فنهاه الأستاذ، وقال له: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك؟!.
فقد رأيت كيف حاربت الشريعة السمحة طبيعة القسوة على الحيوان، وقررت للتصرف فيه أحكاماً مبنية على قاعدة الرفق بكل ذي كبد رطبة، ولعلك تنتبه مما تلوناه عليك أن الإِسلام قد وضع لجمعيات الرفق بالحيوان أساسًا يقيمون عليه دعوتهم، وما من نفس أو جمعية تدعو إلى ناحية من الخير إلا وجدت في هذه الشريعة ما يؤيد دعوتها، ويهديها سبيل الرشد إذا تشابهت السبل عليها.
ومما تضطرم له القلوب أسفاً: أن تؤسس جمعيات الرفق بالحيوان في بلاد أوربة منذ نحو مئة سنة، ويرتفع صوت الدعوة إلى الرحمة بالحيوان أكثر مما يرتفع في بلاد الإِسلام، حتى ظن كثير من الأحداث والعامة الذين يقيسون الأديان بسير المنتمين إليها: أن الإِسلام لم يوجه عنايته إلى واجب الشفقة على الحيوان، وأن أوربا هي صاحبة الفضل في الدعوة إلى هذه الشفقة!.
أنشئت في إنكلترة جمعية الرفق بالحيوان الملكية (سنة 1824 م)، ومما يثير الخجل أن يكون لتلك الجمعية فرع في بلد إسلامي كالقاهرة، ولا يقوم
__________
(1) رواه الطبراني والبزار.
(5/ 1/241)

بمثل عملها جماعة من المسلمين، وقد أيقظ الدين الحنيف في قلوب أسلافهم عاطفة الرحمة بالحيوان منذ (1350 سنة).
وإذا احتاج الإنسان إلى حُماة، وهو يملك من البيان ما يعبر به عن حاجته، ويدافع به عن حقه، كان الحيوان الأعجم أشد احتياجًا إلى من يستجدي له الرحمة، ويدافع عنه البلاء بيده إن استطاع، أو بلسانه.
هذا والأمل معقود على أن تؤلف في أوطاننا جمعيات لمراقبة تصرف الناس في الحيوان، حتى إذا رأت صاحب الحيوان يرهقه يحمل الأثقال، أو يناله بأذى، سعت بما تستطيع من طرق النهي عن المنكر إلى إزالة ما تشهده من الإرهاق أو الأذى، فيكون لها حمد الناس في الدنيا، وثواب الله في الآخرة.
(5/ 1/242)

محاكاة المسلمين للأجانب (1)
قد يوجد في أفراد البشر من يولد في بيئة عفاف وحكمة، وتتولاه يد التربية الحازمة بالتنبيه لمواقع الهَنات، فتكون سيرته كالسبيكة الخالصة لا يجد فيها الناقد مغمزاً. وليس على وجه المعمورة اليوم أمة استوفت خصال الكمال، وبلغت في رقيها المدني أن يفتح الناقد الألمعي فيها عينه، فلا يرى إلا أعمالاً مرضية، أو عادات مقبولة، فإذا وجد في الأفراد من يُفَضَّل ببراءته من العيوب جملة، فإن الأمم تُفَضَّل بغلبة خيرها على شرها، ورجحان محامدها على مذامها، وإذا وجد في الأفراد من يأذن لك أساتذة التربية في أن تقتدي بسيرته على الإطلاق، فليس في الأمم أمة يقول الرجل الحكيم لشعبه الناهض: خض خوضها في كل واد، وشابهها مشابهةَ الغراب للغراب.
هذه حقيقة قد تغيب عن أذهان فئة من الشعوب الآخذة في النهوض، فإذا رأوا أمة ذات معارف وسطوة، تهافتوا على محاكاتها في غير تدبر واحتراس، وربما سبقوا إلى ما يعدّ من سقط متاعها، ومستهجن عاداتها، فصبّوا هممهم في تقليدها فيه، فزادوا شعبهم وهناً على وهن، وكانوا كالعثرات تعترضه، فتعوقه عن السير، أو تجعل سيره في الأقل بطيئاً.
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد السادس من المجلد الثالث، الصادر في شهر جمادى الثانية 1351 ه - القاهرة.
(5/ 1/243)

ومتى أكثر في الشعب أمثال هؤلاء الذين لا يميزون في محاكاتهم السيئة من الحسنة، فقد الشعب هدايته الدينية، وتجردَ من مميزاته القومية، ولا يفلح شعب نكث يده من الدين الحق، ولا يعتز شعب نظر إلى قوميته بازدراء.
وقد تعرض ابن خلدون في "مقدمته" لهذه المحاكاة من حيث إنها طبيعة اجتماعية، فقال: "إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك: أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب"، ثم قال: "ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في اتخاذها، وأشكالها، بل هو في سائر أحواله"، ثم قال: "وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيُّ الحامية وجندِ السلطان في الأكثر؛ لأنهم الغالبون لهم، حتى إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغالب عليها، يسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير؛ كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم، والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، والأمر لله".
وهذا الذي قرره ابن خلدون طبيعة من طبائع الأمم الضعيفة حيث توجد بجوار أمة قوية، ولكنها طبيعة عرفت علتها، فيمكن لزعماء الأمة الضعيفة أن يعالجوا العلة، فتسْلم الأمة من هذه الطبيعة، ويمكنها أن تتحفظ من الاقتداء بالغالب، إلا فيما كان من وسائل الرقي والسيادة.
(5/ 1/244)

يذكر ابن خلدون: أن العلة في هذا التقليد إمّا ما وقر في صدر الأمة من تعظيم الغالب، وإما ما تغالط به من أن غلب الغالب ليس بعصبية، ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحله من المذاهب والعوائد، وكلتا العلتين إنما تتفشى في الأمة الملقى حبلُها على عاتقها، تمشي على غير بصيرة، ولا تقصد إلى غاية نبيلة. فإذا قيض الله للأمة المغلوبة رجالاً يعالجون ما عساه أن يطغى في صدرها من تعظيم شأن الغالب، أو يوقظونها إلى ما تغالط به من أن غلب الغالب بما انتحله من المذاهب والعوائد، أنقذوها من عماية التقليد الذي تتجرد به من الآداب الدينية، والمميزات القومية. والناشئ الذي يدرس تاريخ الإِسلام، وما كان لرجاله من مجد شامخ، وسلطان كريم، لا يكبر في عينه سلطان الغالب إلى أن ينحدر في التشبه به في كل حال.
يذكر الكتّاب والخطباء تقليد المسلمين للأجانب، ومنهم المسرفون في الدعوة إلى التقليد، ومنهم الراشد.
وإليك كلمة تعرض عليك الرأي الذي يقف عند حدود الدين، ويرعى حق القومية، ويقدر المصالح، ويحرص على أن لا يفوت الأمة منها مثقال ذرة.
* محاكاة المسلمين للأجانب تظهر في خمسة وجوه:
أحدها: محاكاتهم فيما يشتمل على مصلحة دنيوية، ولا يخالف حكماً شرعياً، أو أدباً دينياً، وهذا مما تأذن الشريعة في الأخذ به، ويتأكد العمل به على قدر ما فيه من مصلحة، وليس من المعقول أن تنهى الشريعة عما فيه خير لمجرد أن قوماً من غير المسلمين سبقوا إليه. ويدخل في هذا: مجاراتهم في العلوم والصنائع، ووسائل الدفاع، والمرافق التي يخف بها جانب عظيم من عناء
(5/ 1/245)

هذه الحياة.
ومن شواهد هذا: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من حفر الخندق حول المدينة المنورة، وقد أشار به سلمان الفارسي، وهو من مكايد الفرس في حروبها.
وفي أوربا اليوم نظم إدارية نزنها بقاعدة: رعاية المصالح، فنرى إجراءها في بلادنا من قبيل إصلاح الإدارة.
كنت أرسلت من "برلين" برقية لصديق لي في "جنيف"، فجاءني خطاب من إدارة البرقيات يقول لي: لم نهتد إلى معرفة المبعوث إليه بالبرقية، وبعد ساعات وصلتني برقية من تلك الإدارة تقول فيه: اهتدينا إلى معرفة صاحبك بعد، وأبلغناه البرقية. فمن ذا ينكر فائدة مجاراة الأجانب في مثل هذه النظم المريحة للنفوس؟!
وأذكر من أبيات للأستاذ محمد بن عبد الكريم المقيلي في الرد على من أنكر تعلم علم المنطق قوله:
دليلاً على شيء بمذهبِ أهلِهِ ... خُذِ العلم حتى من كَفُورٍ ولا تُقِمْ
ولا أسوق في هذا الوجه محكاتهم في بعض أخلاق انتظمت بها مدنيتهم، وارتفعت بها على كثير من البلاد درايتهم؛ كالصبر على المكاره، والإقدام على العظائم، وقوة رابطة الاتحاد والتعاون بين أفرادهم وجماعاتهم؛ فإن الإِسلام قد أرشد إلى جميع الأخلاق التي تزدهر بها المدنية، وتستحكم بها عرا السيادة، فإذا ظهر المسلمون بخلق عظيم، فإنما يقتبسونه من حكمة دينهم، وسيرة عظمائهم.
ثانيها: محاكاتهم في شيء من شعائر دينهم، وهذه المحاكاة إن كانت عن رضا، دلت على نبذ الإِسلام، ولا سيما محاكاة تقع منه مرة بعد أخرى، فإن
(5/ 1/246)

قامت قرينة على أنه يقصد الاستهزاء بمن يقلدهم، فهي سفاهة وعصيان، فالذين يرسلون أبناءهم لمدارس أجنبية تحتم على كل تلميذ الاشتراك في القيام بشعائرها الدينية، إنما يلقون بأفلاذ أكبادهم في حفرة من النار.
وقد وصل ببعضهم الشغف بالانحطاط في هوى الأجانب، والانغماس في التشبه بهم: أن اقترح - في غير خجل - قلبَ هيئة المساجد إلى هيئة كنائس، وتغيير الصلوات ذات القيام والركوع والسجود إلى حال الصلوات التي تؤدَّى في الكنائس، وهذا الاقتراح شاهد على أن في الناس من يحمل تحت ناصيته جبينًا هو في حاجة إلى أن توضع فيه قطرة من الحياء.
ثالثها: محاكاتهم في شيء لم يكن من شعائر دينهم، ولكنه مما نهى عنه الإِسلام على وجه الحرمة؛ كتقليدهم في اختلاط الرجال بالنساء، ورقص الفتيان مع الفتيات، أو نهى عنه على وجه الكراهة؛ كتقليدهم في تناول الطعام باليد الشمال (1)، أو إطالة بعض الأظفار، والمحاكاةُ التي توقع في محرم، فسوقٌ عن أمر الله، والتي توقع في مكروه يخسر بها صاحبها قسطاً من ثواب الله.
هذا إذا كانت المحاكاة عن مجرد هوى، فإن كانت عن اعتقادِ أن ما يفعله الأجنبي أحكم وأليق، زلزلت أصل الإيمان، والتحقت بمحاكاته فيما هو من شعائر ملته، وعلى هذا الوجه يجري حكم استبدال قوانينهم الوضعية بأحكام الشريعة الغرّاء؛ نحو: القوانين المبيحة لما حرم الله من الربا.
ومن الأمراض التي سرت إلى المسلمين على طريق التقليد للأجانب:
__________
(1) ليس من الصعب على من يريد المحافظة على أدب إسلامي أن يعوّد يسراه قطع اللحم ونحوه بالسكين، ويعوّد يمناه تناوله بالشوكة، وقد عزم على هذا قوم يعز عليهم أن يستخفوا بأدب ديني، فوجدوه أمراً ميسوراً.
(5/ 1/247)

موبقة الانتحار، فقد يتخيل صغير العقل حيث يقع في بلاد أن الانتحار طريق يصح أن يسلك للتخلص من البلاء، متكئًا في هذا الخيال على أن كثيراً من رجال الدول أم الأمم الغالبة يرتكبونه وسيلة إلى الخلاص من مكاره تصيبهم، أو مكاره يخشون إصابتها.
ومن هذا الباب: محاكاتهم في إغلاق محالّ التجارة في يوم الأحد أو السبت، فقد ثبت أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قصد إلى صوم يوم السبت والأحد؛ ليخالف أهل الكتاب في جعلهما يومي عيد؛ لأن صوم اليوم يبعده من أن يكون عيداً.
نقرأ في "سنن أبي داود": أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول: "إنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم".
وأخرج الإمام أحمد، والنسائيُّ: "أنه ما مات - صلى الله عليه وسلم - حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد".
فإغلاق المسلم لمحل تجارته يوم الأحد أو السبت يناقض قصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صوم هذين اليومين؛ لأن إغلاق محلّ التجارة أو الصناعة في يوم معين لا يلتزمه إلا مَن شأنُه أن يعتقد أن ذلك اليوم حقيق بأن يتخذ عيداً.
ومن محكاتهم فيما يحرمه الشرع، وينبذه العقل: إنشاء مكتب يستأذنه فاسدات الأخلاق في التجارة بأعراضهن، فلا يجد في صدره حرجًا أن يأذن لهن، وقد تيقظ كثير من رجال دولتنا الرشيدة إلى ما في هذه المحاكاة من شر مستطير، فأخذوا يجاهدون في تطهير البلاد من الخبائث، وسيلقون على هذا الجهاد شكراً صادقاً، وذكراً طيباً، وما عند الله خير وأبقى.
(5/ 1/248)

رابعها: محاكاتهم فيما لم يتعرض له الدين بنهي خاص، ولكن رعاية جلب المصالح، أو درء المفاسد تقضي بترك هذه المحاكاة، والمصالح كالمفاسد تتفاوت في شدتها، فيفصل الحكم على حسب هذه التفاوت.
ومن أمثلة هذا النوع: اتخاذ بعض الأزياء الظاهرة في الاختصاص بهم؛ كالقبعة؛ فإنَّ وضعَ المسلم لها على رأسه بين قوم مسلمين يدل على ميله، وترجيحه لجانب من اختصوا بلبسها، ويوقع في اعتقاد الناظرين إليه أنه من طائفة المخالفين، والمسلم المطمئن لدينه يتحامى ما يدل على أنه يميل إلى غير أمته أكثر مما يميل إلى أمته، ويتألم من أن يصفه أحد بأنه من قوم غير مسلمين. وقد حاول بعض المفتونين بتقليد الغالب فيما لا أثر له في قوة سلطانه أن يحملوا أبناء المسلمين في مصر على لبسها، فخاب سعيهم، ولم يكن جند صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر على جيوش الأوربيين في حطين حيث كانت الواقعة الفاصلة، يرضى بأن يتخذ في شعاره القبعات، ولم ينفع أعداءه المنهزمين أن كان على رأس كل واحد منهم قبعة!.
ويدخل في هذا القبيل: اتخاذ نحو الملابس وأثاث البيوت من مصنوعاتهم، وفي المصنوعات القومية ما يغني غناءها، وفي الإقبال على المصنوعات القومية فتح باب عظيم من أبواب الثروة العامة؛ وارتقاءُ الشعوب على قدر يسارها.
ومما يثير الأسف البالغ: أن يقتصر المسلم في رسائله، أو عند ذكر الحوادث على ما يؤرخ به المسيحيون، وهو التاريخ القائم على ميلاد المسيح - عليه السلام - وقد فشت هذه المحاكاة حتى أصابت أقلاماً شأنها أن تنهى عن مثل هذا التشبيه. وفي الاعتماد على التاريخ الهجري محافظة على ذكرى مبدأ
(5/ 1/249)

علو الإِسلام وظهوره على الدين كله. وكان صاحبنا العلامة أحمد تيمور باشا -رحمه الله تعالى- يقتصر في مراسلاته على التاريخ الهجري معتمداً هذا الاقتصار، حتى في مخاطبة الجمعيات أو الشركات الأجنبية.
خامسها: محاكاتهم في أمور لم يَرِدْ فيها عن الشارع نهي خاص، ولم تكن في نفس موافقتهم فيها مصلحة أو مفسدة، ولا تلقي على صاحبها شبهة الانتماء إلى ملتهم. ولا حرج في هذه المحاكاة إلا من جهة الاحتفاظ بالتقاليد القومية، فصغار النفوس أو العقول يسارعون إلى التخلي عن المعروف بين قومهم، ويستبدلون به المعروف بين الأمم الأجنبية، ولا داعي لهم إلى هذه المحاكاة إلا الافتتان بكل شأن من شؤون أولي الشوكة والسلطان. أما أولو الأحلام الراجحة، فلا ينتقلون عن المعهود في بيئتهم إلا إلى ما هو أفضل، ولا يفضل عرف على عرف لمجرد أنه يجري بين قوم لهم القوة والغلبة.
ومن أمثلة هذا: محاكاتهم في لون خاص يلتزمونه في حفلات خاصة، فليس للّون الخاص في الحفلات مصلحة أو مدخل في نهوض القوم، وإنما هي عادة جرت بينهم، وألفتها أذواقهم، فماذا لم يعتد قوم مسلمون التزام في مثل تلك الحفلات، وأبوا تقليد الأجانب في هذا العرف، دلوا بهذه الإباية على الاعتزاز بقوميتهم، ونبهوا على أنهم لا يريدون أن يكونوا أتباعاً حتى فيما لا يقدمهم خطوة، ولا يسد من حاجاتهم خلّة.
فإن خطر على بال أحد أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسدل شعر رأسه موافقة لأهل الكتاب، قلنا: كان - عليه الصلاة والسلام - بين فريقين: عبّاد الأوثان، وأهل الكتاب، وأهل الكتاب أقربُ إلى الدين الحنيف من عباد الأوثان، فهم بالموافقة يومئذٍ أحق من عباد الأوثان، ولكن بعد أن دخل عباد الأوثان في الإِسلام،
(5/ 1/250)

وأصبح فرق الشعر شعار فريق كبير من المسلمين، عاد - صلى الله عليه وسلم - ففرق شعر رأسه، وكان الفرق آخر حالتيه.
وإن تعجب، فعجب لذلك الذي وضعت صولة الغالب على بصيرته غشاوة، فقام يدعو المسلمين إلى تقليد الأجانب بدون قيد ولا استثناء، وذهب يذكر في وجه هذا التقليد المطلق غاية هي العمل لاتحاد العالم. ولا نطيل في وصف انحراف هذا الرأي، فإن العالم في حاجة إلى الاتحاد في معرفة واجبات الإنسانية، وفي احترام الأقوياء لحقوق الضعفاء، ومتى ظفر بهذا الاتحاد، لم يضره اختلاف شعوبه في بعض مظاهر الحياة. ثم ما بال هذا الكاتب يسعى لاتحاد العالم من ناحية دعوة المسلمين إلى موافقة الغربيين في كل شيء، ولم ينظر نظر المتدبر الرصين فيدعو الغربيين إلى موافقة المسلمين في آداب هي أشد انطباقاً على ما تقتضيه الإنسانية، وترتضيه الأذواق السليمة؟!.
هذه كلمة نوجهها إلى الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه؛ لعلهم يجدون فيها تحقيق الفرق بين محاكاة الأجنبي المحمودة، ومحاكاته المنبوذة، فيسلكوا طريقاً وسطاً يكفل لهم سعادتي الأولى والآخرة، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4].
(5/ 1/251)

الاجتماع والعزلة (1)
خُلق البشر لحكمة سامية، هي: عبادة مبدع الكائنات وحده، والعبادات: عقلية؛ كالإيمان بالخالق، وبدنية؛ كالصلاة، ومالية؛ كالزكاة، ومركبة من ماليّ وبدنيّ؛ كالحج والجهاد، فالعبادات لا تقام على وجهها إلا بوسائل هي: صحة الفكر، وسلامة البدن، وذات اليد، ولهذه الوسائل وسائل تسبقها؛ كالزراعة، والصناعة، والتفقه في الدين، وبعض العلوم النظرية؛ كالمنطق، أو الكونية؛ كالطب، وليس في استطاعة الفرد أو الرهط من الناس الاستقلال بهذه الوسائل، فاحتاج الناس بمقتضى فطرتهم وما خلقوا من أجله إلى التعارف والتعاون، ولا تعارف ولا تعاون إلا بالاجتماع.
فالاجتماع هو الذي تقتضيه الفطرة، وبه تنتظم العلوم، وتبلغ المدنية الفاضلة أشدها، فيتهيأ للناس أن يعبدوا الله على بصيرة، ويتقربوا إليه بضروب من الأعمال الصالحة لا تحصى.
يظهر إيثار الإِسلام للاجتماع على العزلة في كثير من الأحكام والآداب، فانظروا إلى ما دعا إليه على وجه التوكيد من إقامة الصلوات الخمس في جماعة، ثم ما فرضه من الاجتماع لصلاة يوم في الأسبوع، وهي صلاة الجمعة، وعين
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد العاشر من المجلد الثالث، الصادر في شهر شوال 1351 ه القاهرة.
(5/ 1/252)

للحج وقتاً في السنة، فكان من حكمة هذا التعيين التقاء أمم من بلاد وأقطار مختلفة على صعيد واحد، وشرع ليوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى صلاة تؤدى في جماعة، وتوصل بوعظ وإرشاد.
وشرع إقامة الولائم في مثل عقد النكاح، ويوم سابع الولادة، وحثّ على إجابة الدعوة، حتى إن عبد الله بن عمر كان يجيب الدعوة في العرس وغيره وهو صائم.
دعا إلى الاجتماع في أوقات السرور؛ كأيام الأعياد، ودعا إلى الاجتماع في أوقات المكاره والشدائد؛ كالاجتماع لصلاة الكسوف، والاجتماع للصلاة على الميت، وتشييع جنازته، حتى يكون الاجتماع مالئاً لمواطن السرور والحزن، ولا يبقى للعزلة الجافية مظهر في حال.
ومما يومئ إلى اختيار الاجتماع: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]؛ فإن من مقتضى الأخوة الائتلاف والاجتماع في أوقات كثيرة، وقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وكيف يتسنى للمبتعد عن الجماعة في ناحية أن يعرض عليهم آراءه، أو يستطلع منهم أمثالها، فضلاً عما تقتضيه الشورى من مناقشة الآراء؟. وقال تعالى في وصف ما يدعو به المؤمنون الفائزون: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وكيف يصلح المفارق للجماعة أن يكون مثلاً كاملاً للهداية، يشهد الناس سيرته فيما يفعل أو يذر، فيسيرون على أثره مقتدين؟.
ومما يومئ إلى اختيار الاجتماع من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (1). وليس المعتزل من الناس
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(5/ 1/253)

باللبنة المرصوفة في الجدار تمسك لبنة، وتمسكها لبنة، وما مثله إلا لبنة تخرج عن الصف المستقيم في البناء، ولا يزال اتصالها بالبناء يضعف حتى تهوي ساقطة إلى الأرض.
دعا الإِسلام إلى الاجتماع، وشرع للاجتماع أحكاماً عادلة، وآداباً فاضلة؛ كالحثّ على القرض، والمهاداة، وقضاء الحاجات، والإحسان لأولي القربى، واليتامى والمساكين وابن السبيل، وتحريم الربا والميسر، ووضع عقوبات للاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، إلى ما يشاكل هذا من الأحكام القضائية والنظم السياسية، والآداب التي تحمي الاجتماع من كل نقيصة، وتجعله مصدر خير وسعادة.
فشريعة الإِسلام مشرَّبة روح الاجتماع، ومن ثم ترى علماءها يخوضون في المجامع يقولون طيباً، ويعملون صالحاً، وهذا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: "خالط الناس ودينك لا تكْلمنّه". وإذا نُقل عن بعض من عرفوا بالتدبر في القرآن والسنّة آثار تدل على إيثارهم العزلة على الاجتماع، فإنما هي حال خاصة تعرض للشخص، فتجعل الاعتزال في رأيه أرجح من الاجتماع، ولا يصح حملها على أنهم يقصدون إلى جعل العزلة مذهباً يسع كل الناس.
وانظر إلى ما يحكى عن الإمام مالك من أنه كان يشهد الجنائز، ويعطي الإخوان حقوقهم، ثم ترك ذلك في آخر حياته، وإنما ترك مالك هذا النوع من الاجتماع لحالة خاصة عرضت له؛ ويدلّك على أنه رأى العذر في ترك تلك الحقوق قائماً، وقوله حين سئل عن ذلك: لا يتهيأ للمرء أن يخبر بكل عذر له. فانظر كيف جعل العزلة من الشؤون التي لا يجنح لها الإنسان إلا لعذر، ولكنه كره ذكر العذر الذي حمله عليها؛ وإذا ثبتت استقامة رجل كالإمام
(5/ 1/254)

مالك، وعرف بالمحافظة على آداب الشريعة، ثم روي عنه ترك شيء من هذه الآداب الثابتة، حمل تركه لها على قيام عذر، ولا يكون هذا الترك موضعًا للاقتداء، وكيف يرى مالك للرجل - ولا سيما العالم - أن يخلد إلى العزلة، وهو الذي يقول: "حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئاً من العلم أن يدخل على كل ذي سلطان، يأمره الخير، وينهاه عن الشر، حتى يتبين دخول العالم على غيره".
في الاجتماع مزايا دينية ومدنية لا يدركها المعتزلون، فالمعتزل للناس يفوته العلم إن كان في حاجة إلى أن يتعلم، ويفوته فضل التعليم إن كان فيه كفاية لأن يعلّم غيره من الجاهلين، والمعتزل يفوته ما يقف عليه المشاهد لأحوال الناس من التجارب التي يبلغ بها العقل أشده، ويفوته كسب المال أو نماؤه، والمال وسيلة العفاف وصيانة ماء الوجه، وهو المرقاة التي تصل بها الأمة إلى قمة المنعة والعزة والسيادة.
وفي الاجتماع لذة روحية هي: الاستئناس لمحادثات المصطفين من العلماء والأدباء، وإلى هذا الاستئناس يشير القائل:
وما بقيتْ من اللّذاتِ إلّا ... مجالسةُ الأديبِ إلى الأديبِ
ثم إن معظم خصال الشرف والحمد التي يفضل بها الإنسان على سائر الحيوان، إنما تبلغ كمالها، ويعظم أثرها فيمن سيرته الاجتماع.
فسيرة الاجتماع هي التي يتجلى فيها خلق السخاء؛ إذ يشهد صاحبها حاجات الأفراد أو الجماعة، فتثور في نفسه الشفقة أو الإشفاق، فيبسط يده إلى سدها جهد المستطاع.
وسيرة الاجتماع هي التي يظهر بها خلق الحلم والأناة؛ حيث يصادف
(5/ 1/255)

صاحبها طبقات من غير أولي الكياسة، فيقابل خشونة ألسنتهم باللين، وغلظة قلوبهم بالرفق.
وسيرة الاجتماع هي التي يستبين بها فضل الشجاعة الأدبية، وهي خلق يهوّن عليك أن تقول للمخطئ: إن الصواب في غير ما نطقت، أو تقول للمبطل: إن الحق في غير ما رأيت، أو تقول للمفسد: إن الخير في غير ما أتيت.
وسيرة الاجتماع هي التي يتبين بها الناس كيف تحدِّث فتصدُق، أو كيف تعِدُ فلا تخلف، أو كيف تؤتمن فلا تخون.
قد يخطر بالبال أن في العزلة تخلصاً من نحو القدح في الأعراض، والسعي بالنميمة، والتنابز بالألقاب، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة، والواقع أن الذي يعلم عاقبة وزر الغيبة والنميمة وما يشاكلها من الأوزار التي قد يسوق إليها الاجتماع، يجد في نفسه زاجراً عن ارتكاب شيء منها، وفي يده أن يسدي النصيحة لمن يحوم بها، أو يلوث صحيفته بلطخ من أقذارها، فإن لم يجد للنصيحة في مجلس سامعًا، تركه إلى مجلس أبعد من اللغو، وأبرأ من الإثم، وأما مسارقة الطبع، فمن الاجتماع ما يقتبس منه الطبع آداباً سامية. ومن الاجتماع ما يمكنك أن تفيض عليه من حكمتك نوراً، ومن إرشادك ماء طهوراً، فينقلب ليله صبحاً، ورجسه طهراً.
ومن ذا يرضى لك وأنت سليم القلب، نقى العرض، أن تتردد على مجامع بضاعتها أقوال لا خير في سماعها، أو تكثر من لقاء وجوه لا يغبطك أهل الفضل على لقائها، ومن ذا يجهل أن الوقت ذهبٌ، فيزيِّن لك أن تبذلة في غير حق، أو تشتري به ما ليس بحمد؟.
(5/ 1/256)

وإذا قلنا: إن الاجتماع خير من العزلة، لا نقصد إلى أن يصرف الإنسان أوقاته في التردد على البيوت، وغشيان المجالس، والتعرض للقاء كل من يجري اسمه على الألسنة، كما يفعل بعض من لم يقدروا الوقت حق قدره، فيبذّرونه تبذيرًا، فإنه لا بد للإنسان من أوقات يخلو فيها بنفسه، ليؤدي واجباً، أو يتقرب إلى الله بنفل، أو يحفظ علماً، أو يحقق مسألة، وذلك معنى قول عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: "خذوا حظكم من العزلة".
ونقرأ في تراجم كثير من أهل العلم: أنهم كانوا يجعلون من اليوم والليلة نصيباً للتقرب من الخالق بصلوات، أو ذكر، أو تلاوة قرآن، ويقبلون في جانب عظيم منها على العلم تأليفاً ودراسة، ويصرفون طائفة من الوقت في قضاء حقوق اجتماعية.
فإن قال الراغب في العزلة: أريد أن أقضي أوقاتي في عبادة، قلنا: في حضور مجالس العلم أو مستفيدًا عبادةٌ، وفي عيادة المريض وفي زيارة الإخوان تأكيداً لمودتهم، أو تهنئة بنعمة، أو تعزية على مصيبة عبادة، وفي إرشاد الناس إلى الخير عبادة، وفي مدّ يد المعونة على ما يسد حاجتهم، أو تقوى به شوكتهم عبادة.
وليس ببعيد أن يكون ما يُعزى إلى بعض أهل العلم من إيثار العزلة مراداً به صرف معظم الوقت في علم أو عبادة خالصة، حتى إذا أحس واجباً يدعوه إلى الاجتماع، أجاب داعيه في نشاط، ووضع يده في أيدي العاملين بإخلاص. وقد يخطر بالبال: أن الشر في هذا العصر أصبح مستطيراً، وأن للضلال والفساد دعاة لا يملّون، وجنوداً لا يتقهقرون، فمن فئة غلبت عليهم أهواؤهم، فاتخذوا اسم الدين وسيلة إلى ما تهوى أنفسهم، ومن قوم نبذوا الدين، وخرجوا
(5/ 1/257)

يدعون إلى الإباحية والإلحاد علانية، ومن جماعات يُرسَلون إلى بلادنا، ويقيمون معاهد ليتصلوا فيها بأبنائنا، ويحاولوا صرفهم إلى ملة غير ملتنا، ومن طوائف ابتدعوا نحلات خاسرة، انتموا بأفواههم إلى الإِسلام، وقلوبُهم تجحده، ولا شأن لهم إلا اصطياد الغافلين، ومن لم تسبق له تربية رشيدة؛ كما يصنع الفرقتان المدفوعتان إلى تقويض أركان الإِسلام، واستدراج شعوبه إلى احتمال الذلة والهوان، وهما: البهائية، والقاديانية، ومن فِرَق لا شأن لها سوى أن تضع أمام عين الشبان مناظر اللهو والخلاعة، فتصرفهم عن الطريق السويّ، وتمشي بهم في عوج، فلا يدركوا ما يدركه أولو الجد والعفاف والشهامة من مجد وكرامة. قد يخطر كل هذا ببال الرجل، فينحدر في غم، ويضل سُبل التفكير، فلا يرى طريقاً للخلاص من هذا الغم سوى البعد عن المجتمع، والعيش في عزلة لا يَسمع فيها صوت الباطل، ولا يبصر فيها منظراً من مناظر الإباحية المنتهكة.
ربما نسمع مثل هذا الخاطر من بعض من نشؤوا في رشد وصلاح، وقد يكون هذا الخاطر وليد سريرة طيبة، ولكن العمل عليه يزيد الضلالة صولة، والفساد جولة، ويجعل المجتمع الذي تستمد منه الأمة حياتها ظلاما لا يخلفه ضياء، ودنساً لا يغسله ماء.
أما أصحاب الأهواء والدعايات الزائغة، ففي أيدينا مقاومتهم بالحجج التي تكشف عن تمويههم، وتنقذ الناس من مصارع باطلهم.
وأما المحترفون بترويج الخلاعة، فمتى قامت التربية على دعائم الحكمة والحزم، خملت سوقهم، وكسدت بضاعتهم. ومن أبقى يده في أيدي الجماعة، قام بنصيبه من الجهاد في هذا السبيل، ومن خطر على باله العيش في عزلة،
(5/ 1/258)

فليستعذ بالله من اليأس، ويدع العزلة إلى اليوم الذي يلتحق فيه بأصحاب القبور.
وإذا هان اعتزال من لا يرجوه الناس لعلم أو رأي أو معونة على عمل اجتماعي، فإن عزلة العالم أو المجرب للأمور أو المستطيع لأن يعمل مع الجماعة خيراً، ذاتُ خطر كبير، وبالأحرى حيث تظهر المنكرات، أو تكون الأمة غارقة في جهالة، أو تُبتلى بملمات اجتماعية.
واعتزال العالِم للجماعة قد يكون له أثر في قلة إصابته فيما يتعرض له من الفتاوى؛ فإن للنظر في الوقائع من ناحية ما يترتب عليها من خير أو شر دخلاً في إصابة الحق.
ولا يستقيم النظر في الوقائع من تلك الناحية إلا لمن يتصل بالناس، ويرسخ في معرفة أحوال المجتمع، وكيف يدري هذه الأحوال من هو غائب عنها، بعيد من مصادرها ومواردها؟.
وإذا انصرف بعض أهل العلم أو الرأي عن الاتصال بالجمهور أيام كانت راية الإِسلام تخفق في الشرق والغرب، وكانت النفوس في اطمئنان سائد، فإن الحال في هذه العصور يدعو إلى بذل كل عناية في التعارف والبحث عن علل ضعفنا، ثم عن الدواء القاطع لهذه العلل، وماذا ينفع البحث عن العلل وأدويتها، إذا لم ننهض إلى تركيب الأدوية، ونتعاطاها على الوجه الذي يُوفّر نشاطنا، وتشتد به سواعدنا، ويجري به دم الحياة أو الحماسة في صغارنا وكبارنا؟.
لا يليق بالفرد أن يعتزل الجماعة، ولا يليق بالجماعة أن ترى نفسها في غنى عن الاتصال بباقي جماعات الأمة، وإذا كان اتصال أفراد الجماعة
(5/ 1/259)

باللقاء والتعاون على حاجات بلدهم، فاتصال الجماعات المتباعدة الأوطان يكون بوسيلة أفراد يرحلون فيدلّون على مبلغ ثقافتها، ويستطيعون أن يصفوا كمالها أو حاجاتها، وهؤلاء هم الذين يصلحون لأن يؤكدوا الروابط بين الجماعات حتى تكون كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
(5/ 1/260)

علّة إعراض الشبّان عن الزواج (1)
في الشعوب من يهضم حقوق الزوجة، ويقسو في عشرتها، وفيهم من تكون إرادته متابعة لإرادتها، ورأيه ملغي أمام رأيها. وقلّما أخلصت المرأة لمن يهضم حقوقها، ويسيء عشرتها، وقلما طاب للرجل عيش مع زوجة تكون كلمتها فوق كلمته، وقلما اغتبط بولد تضعه من لا تحترمه في حضوره فضلاً عن غيبته.
أما الإِسلام، فكان بين ذلك قوامًا: أنقذ المرأة من أيدي الفريق الذين يزدرون مكانها، وتأخذهم الجفوة في معاشرتها، فقرر لها من الحقوق ما يكفل راحتها، وينبّه على رفعة منزلتها، ثم جعل للرجل حق رعايتها، وإقامة سياج بينها وبين ما يخدش كرامتها.
ومن الشاهد على هذا: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]. فجعلت الآية للمرأة من الحقوق مثل الرجل.
وإذا كان أمر الأسرة لا يستقيم إلا برئيس يدبره، فأحقهم بالرياسة هو الرجل، الذي شأنه الإنفاق عليها، والقدرة على دفاع الأذى عن ساحتها، وهذا ما استحق به الدرجة المومأ إليها في قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}.
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - العدد الخامس من المجلد الرابع، الصادر في شهر جمادى الأولى 1352 ه - القاهرة.
(5/ 1/261)

فالإِسلام أصلحَ الصلة بين الرجل والمرأة، وجعلها بمأمن من أن يلحقها وهن، أو يعلق بها كدر. وبعد أن أحكم صلة الزواج، وهذّب حواشيها، حثّ على الزواج، وجعله من سننه التي يعدّ تاركها من غير عذر مستخفًا بما أمر الله.
وإذا نظرت إلى أن حكمة الله تعالى قد اقتضت بقاء النسل؛ لإقامة الشرائع، وعمران الكون، وإصلاح الأرض، وأن النسل الصالح لا يبقى إلا بالزواج، رأيت كيف كان الزوج وسيلة إلى تحقيق أمور عظيمة أحبّ الله أن تكون، وحبب للناس القيام عليها.
وإن كنتَ من علماء الأخلاق، ونظرت إلى أن هناك فضيلة يقال لها: العفاف، وعرفت أن الزواج مما يعين على التحلي بهذه الفضيلة، ظهر لك أن الزواج وسيلة من وسائل الفضائل، وكثيراً ما تأخذ الوسائل حكم المقاصد في نظر الشارع، وفي عرف الناس.
وإذا نظرت إلى الناس "الجنس اللطيف"، وما فطرن عليه من الضعف، وعدم إطاقة الأعمال الشاقة، شهدت فيهن العجز عن أن يهيئن لأنفسهن مرافق الحياة، ويعشن في شيء من الراحة. والزواج يصل ضعفهن بقوة، ويسوق إليهن جانباً من الهناءة. ولو قصد الرجل بالزواج كفاية المرأة ما يعنيها من مطالب الحياة، لقصَد لعمل يكسبه شكوراً، وتزداد به صحيفة حياته نوراً.
أوليس الزواج يكسب الرجل رفيقة تخلص له ودّها، وتشمل منزله برعايتها؟ ومثل هذه الرفيقة التي تحمل حبه الطاهر، وتعمل لتدبير منزله في غير مَنّ ولا تباطؤ، ولا تتمثل إلا فيمن تربطه بها صلة الزواج.
وليس الزواج صلة مقصورة على الزوجين فحسب، بل تمتد هذه الصلة من الزوجين إلى أسرتيهما، فتكون حلقة واسعة في سلسلة اتحاد الأمة،
(5/ 1/262)

وللصلات الخاصة؛ كالقرابة والصهر أثر في التناصر كبير.
والزواج يكسب الرجل ولداً إن يحسن تربيته، كان له قرة عين في حياته، وذكراً طيباً بعد وفاته. ومن ذا ينكر أن الولد المهذب من أجلّ النعم في هذه الحياة؟.
فللزواج مصالح تكثر بكثرته، وتقلّ بقلته، وتفقد بفقده. وقد عرفت قيمة هذه المصالح، ومكأنها في إعلاء الدين، وبسطِ أجنحة العمران، وتخفيف متاعب الحياة.
ويكفي الإعراض عن الزواج شراً: أنه علة خراب الديار، واليد القابضة لروح العفاف، والوسيلة إلى ابتذال فتياتنا، وعيشهن في تعب، أو في غير صيانة.
فمن واجب من يغارون على الفضيلة، أو على عمارة الأوطان، أو على الفتيات المصونات: أن يعملوا للتعاون على مكافحة هذا الوباء المتفشي في البلاد، وهو انصراف شباننا عن الزواج.
الزواج صلة بين الرجل والمرأة، تسوق إليه الفطرة السليمة، وتدعو إليه الشراع الحكيمة. وما زالت نفوس البشر تنساق فيه مع الفطرة، وتجيب به داعي الحكمة، إلا نفوساً لم تسلم فطرتها، أو عميت عن حكمة خالقها.
وقد كانت هذه النفوس المعرضة عن الزواج؛ لعدم سلامة الفطرة، أو لجهلها بما في الزواج من حكمة، مغمورة بالنفوس الآخذة بسنته، العاملة على تحقيق حكمته، فلم يشعر الناس بالنقص أو الفساد الذي دخل في المجتمع من ناحية أولئك المعرضين عن الزواج.
(5/ 1/263)

أما اليوم، فقد أصبح انصراف شبابنا عن الزواج في ازدياد، حتى ظهر في مظهر ينذرنا سوء المنقلب، وما بعد هذا المنقلب إلا الانقراض، فحرام علينا أن نقف أمام هذا الخطر الداهم صامتين، وحقيق علينا أن نبحث عن العلل التي أصبحت بها قلة الزواج ظاهرة ظهور المرئي بالعين الباصرة. وعلينا - بعد البحث عن هذه العلل - النظرُ في طريق معالجتها؛ لعلّنا نقطعها من منبتها، وننقذ فتياتنا، ونحفظ أمتنا، ونطهر أوطاننا من خبائث لا تظهر إلا من إعراض الفتيان عن الزواج.
وإذا بحثنا عما يصح أن يكون سبباً لهذه الأزمة الاجتماعية، وجدناه يرجع إلى علل مختلفة.
وأظهر هذه العلل: تبرُّج كثير من الفتيات تبرج من استولى عليهن الهوى، ونضب من وجوههن ماء الحياء، حتى استوى في هذا التبرج الممقوت بعض الناشئات في بيوت غير فاضلة، وبعض المترددات على مدارس لا تعنى بتلقين الفضيلة، ولا يؤلمها أن تذهب الفتاة في الخلاعة إلى غاية قصوى.
وهذا المظهر الذي ظهر به كثير من فتياتنا اليوم، قد جعل الشاب يحجم عن الزواج؛ مخافة أن يساق إلى قرينة تستخفّ بجانب الصيانة، كما تستخف به هؤلاء السافرات المتهتكات.
وليس هذا الخوف بحق، فإن البيوت المحتفظة بالحشمة، الآخذة بأدب الصيانة، غير قليلة، يهتدي إليها كل من يبتغي الحياة الطاهرة، ولا سيما فتى لا يعنيه من الفتاة إلا أن يرتاح قلبه إذا نظر إليها، ويأمن على عرضه إن غاب عنها.
وإذا أردنا معالجة هذا التبرج الذي أوجس منه الشبان خيفة، فإن تبعته
(5/ 1/264)

تعود إلى أولياء المتبرجات؛ إذ لم يأخذوا في تربيتهن بالحزم، ولا في الرقابة عليهن باليقظة.
فمن طرق مكافحة الإعراض عن الزواج: مقاومة هذا السفور القاضي على كرامة فتياتنا، وإرشادهُن إلى أن الصيانة خير من الابتذال، والحياء أجمل من الصفاقة، وأي صفاقة أكثر من أن تقلّب الفتاة وجهها في وجوه الرجال!.
ومن علل قلة الزواج: ضعف العقيدة الدينية؛ فإن الإيمان بما ينال الفاسق من الخزي والشقاء، يقر النفس على العفاف، ويقطع تطلعها إلى ما ليس بحلال، فلا يبقى له إلا الاستمتاع بالزواج المباح. أما مزلزل العقيدة، فلا يجد في نفسه حرجًا من أن يطلق لشهواته العنان، ويتقلب بها في بيوت الدعارة، وذلك ما يصرف قصده عن الزواج وهو يستطيع الزواج.
وإذا أردنا أن نعالج هذه العلة، فإن أكبر جانب من تبعة ضعف العقيدة يقع على المتولين لتربية النشء؛ حيث لم يعملوا لتلقينهم العقائد الصحيحة تلقينًا يجعلها راسخة رسوخ الشجرة الطيبة: أصلها ثابت، وفرعها في السماء. فعلاج هذه العلة: أن نسعى لأن يكون نشؤنا على تربية دينية صحيحة، والدين هو الذي يزكي النفوس، فلا ترى القبيح حسناً، ولا الخبيث طيباً.
ومن علل قلة الزواج: تشوّف كثير من الشبان للاقتران بذات ثروة، وذواتُ الثروة اللاتي يقبلن على التزوج بالشبان المقلّين غير كثير. فهل لأساتيذ التربية وخطباء المنابر، أن يلقوا للنشء نصائح في الزواج، ويوجهوا نفوسهم إلى الناحية التي تجيء منها راحة البال، وانتظام الحياة، ودوام العشرة، وهي طيب منبت الزوجة، وسماحة أخلاقها، وسمو آدابها؟ " وأريد بطيب المنبت: أن تنشأ في بيت يرعاه ذو غيرة وحزم، وإن كان قوت أهله كفافاً، قال - صلى الله عليه وسلم -:
(5/ 1/265)

"الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (2)!.
وانظروا كيف عنيت الشريعة الإِسلامية بوصف الكفاءة بين الرجل والمرأة، ومن وجوه الكفاءة: أن يكون حال الرجل من جهة المال والحسب مناسبًا لحال المرأة من هذه الجهة، وإنما عنيت بالكفاءة بين الزوجين، وجعلت المال من مقوماتها؛ لأن أمر الزواج لا ينتظم في غالب الأحوال إلا أن يكون الرجل محترمًا في عين المرأة، وشأن المرأة أن لا تحترم من يكون أقل منها مالاً أو حسبًا، فلا يجد منها المعاشرة التي يودّ دوامها، ولا يطمع أن تطيعه بالمعروف، فيكون مرتاح القلب للاقتران بمثلها.
وقد يكون سبب الإعراض عن الزواج: اتساع رغبات النساء في صنوف الملابس والمآكل والفرش، ونحوها من أمتعة البيوت ووسائل الرفاهية، حتى صارت كل طبقة تنظر إلى ما فوقها من الطبقات ثروة، وتجتهد أن تحاكيها في الترف ومظاهر الأبهة. فإن صمّمت الفتاة على محاكاة الأسر التي هي أوسع غنى، وأنمى ثراء من أسرة زوجها، فإما أن تجد من الزوج غفلة، أو ضعف إرادة، فترهقه بما تقترحه من النفقات إرهاقًا، ومصير من ينفق من غير سعة الفاقةُ والإفلاس، وإما أن يقابل مقترحاتها الخارجة عن مستطاعه بشيء الحزم والنظر في العواقب، فينفق بمقدار ما يسعه كسبه، وهي بعد هذا إما أن تجنح إلى الفراق، وإما أن تبقى مع زوجها الحازم في حالة من ترى أنها مبتلاة بهذا الزوج الذي لا يفي بجميع رغائبها. وماذا ترى في عيشة صاحبين يعتقد أحدهما
__________
(1) "صحيح الإمام مسلم".
(2) رواه الإمامان: البخاري، ومسلم.
(5/ 1/266)

أن صحبته للآخر قد جرّت عليه شقاء، وإلى عيشه كدراً؟ فهل يقطعان مسافة الحياة في شيء من الراحة والصفاء؟!.
أما التي تعود إلى رشدها، وتقنع بالرزق الذي يسوقه الله تعالى إلى زوجها، فأمثالها في هذا العصر، ولا سيما الناشئات في المدن، غير كثير.
قد يكون هذا المرض الخلقي المتفشي في فتياتنا أحد الأسباب التي صرفت الشبان عن الزواج؛ لأن الشباب يخشى أن يبتلى بزوجة تتعدى بمطالبها وما تشتهيه نفسها حدود المعروف؛ فإما أن ترهقه عسراً، وإما أن تسلّ ثوبها من ثوبه جانحة للفراق، وإما أن تبقى معه على غير مودة خالصة. وإذا لم تخلص المودة بين الصاحبين، فلا تسلْ عن كثرة ما يدور من مناقشات ومنغّصات.
ونحن لا ننازع في أن اتساع رغبات النساء في شؤون الحياة قد تجاوز حد المستطاع، ولكنا لا نسلم أنه نزعة عامة، وطبيعة لا تتحول حتى نتخذ منه للشبان الذين لا يقبلون على الزواج معذرة، بل نرى أن اتساع الرغبات إلى الحد الذي يثبّط عن الزواج إنما هو شائع في طبقات الناشئات في ترف، أو من يتصلن بهن، ولم تسبق لهن تربية نافعة. أما الأسر التي تعيش في حالة اقتصاد، وفيها أثارة من تهذيب، فإن فتاتهم تقنع بما يسره الله لزوجها من رزق، وتغتبط بحسن خلقه ومودته، وبذله الوسع في إنعام بالها، غير ناظرة إلى ما تقصر عنه يده من الأشياء الزائدة على الضروريات والحاجيات. وليست هذه الأسر المهذبات بقليل، فلو وجه للفتيان هممهم إلى لذة الحكمة والعلم، وعرفوا أنهم يجدون مع الفتاة المهذبة من راحة الضمير، والتفرغ لاكتساب المجد ما لا يجدونه مع الفتاة الواسعة الرغبات، لكان لهم في مصاهرة تلك الأسر الفاضلة ما يجعل ضمائرهم في راحة، وعيشهم في هناء.
(5/ 1/267)

فمن يُبلِّغ شبابنا هذه الحقائق؛ ليعلموا أن إعراضهم عن الزواج قتل لفضيلة العفاف، وحرمان للأوطان من نسل طيب، وإطفاء لمصابيح الحياة الاجتماعية الراقية؟ ولا أراهم بعد أن يعلموا هذه الحقائق، وهم عشاق الفضيلة، والغيورون على المصالح العامة، والعاملون لحياة الأمة ورقيها، إلا أن يطهروا نفوسهم من محكاة الإباحيين في الإعراض عن الزواج وهم يستطيعونه، فيكونوا -بتوفيق الله تعالى- أيديًا بانية لا هادمة، ومصلحة لا مفسدة: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].
(5/ 1/268)

النبوغ في العلوم والفنون (1)
في الناس من يجمع علماً غزيراً، أو يروي أدباً واسعاً، وقد يؤلف فتعد مؤلفاته بالمئات أو الآلاف من الصفحات، ولكن لا نجد فيما ألف من مئات الصفحات وآلافها شيئاً زائداً عما كتبه الناس من قبله، ويسوغ لنا أن نسمي هذا العالم أو الأديب: "حافظاً"، أو "ناقلاً".
أما العالِم أو الأديب الذي يدرّس، فنسمع منه ما لم نكن قد سمعنا، ويؤلّف، فنقرأ له ما لم نكن قد قرأنا، فذلك ما يحق لنا أن نسميه: نابغة، أو عبقرياً.
فالنابغة أو العبقري هو الذي يحدث علماً أو فناً من فنون الأدب لم يكن شيئاً مذكورًا؛ كما صنع الخليل بن أحمد في علم مقاييس الشعر، أو ينقله من قلة إلى كثرة؛ كما صنع عبد القاهر الجرجاني في علم البلاغة، ودون هذه الدرجة درجات، وسموّ كعب العالم أو الأديب في العبقرية على قدر ما يأتي به من أفكار مبتكرة، أو ما يستطيعه من حل المسائل المعضلة.
أما ابتداع الرجل للعلم أساليب تجعل مأخذه أقرب، وتناوله أيسر، فليس بنبوغ في نفس العلم، وإنما هو نبوغ في صناعة التأليف فيه.
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الحادي عشر، الصادر في شهر رمضان 1357 ه.
(5/ 1/269)

وإذا كانت العصور قد تبسط يدها بالعلماء الناقلين كل البسط، فإنها لا تسمح بالعبقري إلا قليلاً:
فِتْيةٌ لَمْ تلِدْ سِواها المعالي ... والمعالي قَليلَةُ الأَوْلادِ
تقوم العبقرية على الذكاء والجدّ في طلب العلم، ثم على أكبر الهمة، فمن لم يكن ذكيًا، لم يكن حظّه من العلم إلا أن يحفظ ما أنتجته قرائح العلماء من قبله، ومن لم يجدّ في طلب العلم، ولم يُغذّى ذكاءه بثمرات القرائح المبدعة، بقي ذكاؤه مقصوراً في دائرة ضيقة، فلا يقوى على أن يحلق في سماء العلوم ليبلغ الغاية السامية، وماذا تصنع المرأة الكيسة في بيت لا مؤونة فيه ولا متاع؟!.
يقولون: إن ابن سينا لم ينم مدةَ اشتغاله بالعلم ليلة واحدة كاملة، ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة.
وقالوا: لم يترك ابن رشد النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، أو ليلة بنائه على أهله.
ومن لم تكن همته في العلم كبيرة، لم يكفه ذكاؤه ولا جدّه في الطلب لأن يكون عبقرياً؛ فقد يكون الرجل ذكياً مُجداً في التحصيل، وصغر همته يحجم به أن يوجه ذكاءه إلى نقد آراء قديمة، أو ابتكار آراء جديدة حميدة:
إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تقْنَعْ بما دون النُّجومِ
والعبقري يلذُّ العلم أكثر مما يلذه الناقلون، وإنا لنرى الرجل يرتاح للعلم ينحدر من سماء فكره أكثر مما يرتاح للعلم الذي ينساق إليه من فكر غيره، ولا يزيد هو على أن يودعه حافظته.
قال تقي الدين السبكي في أبيات أجاب فيها عن سؤال يتعلق بآية من
(5/ 1/270)

الكتاب المجيد:
لأسْرارِ آياتِ الكتابِ مَعانِ ... تدق فلا تبدو لكلٍ معانِ
إذا بارقٌ قد لاحَ منها لخاطِري ... هممتُ قريرَ العَيْنِ بالطيرانِ
ولشدة ارتياح النابغة لاستخراج المعاني من معادنها، وتخليص الآراء الراجحة من بين الآراء الواهية، نجده أحرص الناس على العلم، وأشدهم أنسًا به، وأثبتهم على الانقطاع له.
* مهيئات النبوغ:
للنبوغ مهيئات:
منها: أن ينشأ الذكي في درس أستاذ يطلق له العنان في البحث، ويردّه إلى الصواب برفق، ويثني عليه إن ناقش فأصاب المرمى.
نقرأ في ترجمة العلامة إبراهيم بن فتوح الأندلسي: أنه كان يفسح لصاحب البحث مجالاً رحبًا، بل يطلب من التلاميذ أن يناقشوه فيما يقرر، ويحثّهم على ذلك، ويختار طريق التعليم به، وشأن العالم العبقري أن يقبل على التلميذ المتقد ذكاء، ويأخذ بيده في طريق التحصيل حتى يعرف كيف يكون عبقرياً.
ومن مهيئات النبوغ: أن يشبّ الألمعي بين قوم يقدرون النوابغ قدرهم، فإن نظر القوم إلى النابغة بعين التجلة، وإقبالهم عليه باحتفاء، مما يزيد الناشئين الأذكياء قوة على الجد في الطلب، والسعي إلى أقصى درجات الكمال.
ولا عجب أن يظهر النابغون في العلم والأدب ببلاد الأندلس؛ فقد كان أهلها كما قال صاحب "نفح الطيب": "يعظمون من عَظّمه علمه، ويرفعون من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب: يقدّمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكايده".
(5/ 1/271)

وظهر في عالم الإِسلام خلفاء وملوك ووزراء، كانوا يقدرون النوابغ، ويحتفون بهم لنبوغهم؛ مثل: المأمون العباسي، وعبد الله بن طاهر، وسيف الدولة، والصاحب بن عباد في الشرق، وعبد الرحمن الناصر، والمنصور بن أبي عامر، والمعتمد بن عباد في الأندلس.
وأسوق مثلاً لهذا التقدير: أن القاسم بن سلام عرض على عبد الله بن طاهر تأليفه في غريب الحديث، فقال عبد الله: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب، حقيق بأن لا يحوج إلى طلب المعاش، وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في الشهر.
وقد يهيئ الناشئَ للنبوغ أن يسبقه أب أو جد بالنبوغ؛ فإن كثرة تردد اسم سلفه العبقري على سمعه، ومطالعته لبعض آثار عبقريته يثيران همته، ويرهفان عزمه لأن يظفر بما ظفر به سلفه من منزلة شامخة، وذكر مجيد.
وإذا رأينا كثيراً من أبناء فطاحل العلماء، لم يتجاوزوا مرتبة العلماء الناقلين، فلنقصٍ في ذكائهم الفطري، أو لعلل نفسية صرفتهم إلى نواح غير ناحية العبقرية.
ومن مهيئات النبوغ: نشأة الذكي في حاضرة زاخرة بالعلوم والآداب؛ إذ في الحواضر يلاقي الناشئ جهابذة العلماء، وأعلام الأدباء، وفي الحواضر يشتد التنافس في العلوم والفنون، ويتسع مجال المحاورات والمناظرات.
ومن مهيئات النبوغ: قراءة مؤلفات النابغين في العلم بعد الاطلاع على دراسة الكتب التي تسوق المسائل مجردة من أدلتها، غير معنية بالغوص على أسرارها، وإنما يرجى منه النبوغ متى وضعت تحت نظره كتب يرى مؤلفيها كيف يستمدون آراءهم من الأصول العالية، ولا يوردون مسألة إلا بعد
(5/ 1/272)

أن يعزّزوها بالدليل.
ومن مهيئات النبوغ: مطالعة تراجم النابغين المحررة بأقلام تشرح نواحي نبوغهم، وتصف آثاره؛ نحو: مؤلفاتهم المنقطعة النظير، ثم ما يخصه بهم عظماء الرجال من تقدير وتمجيد.
ومن مهيئات النبوغ: الرحلة، والتقلب في كثير من البلاد، ولا سيما بلادًا تختلف بعاداتها وأساليب تربيتها ومناهج حياتها العلمية والسياسية، ولعل نبوغ ابن خلدون في شؤون الاجتماع ذلك النبوغ الرائع؛ إنما جاءه من نشأته في تونس، ثم سياحته في بلاد الجزائر والمغرب الأقصى والأندلس ومصر سياحةَ اعتبار، سياحة اتصل فيها برؤساء حكوماتها، وأكابر علمائها، بل سياحة كان يقبض فيها -أحياناً- على طرف من سياسة تلك البلاد.
* تقدير النبوغ:
يعرف الناس أن زيداً عالم أو أديب، أما بلوغه مرتبة النبوغ في علم أو فن من فنون الأدب، فإنما يعرفه من درسوا ذلك العلم أو الفن دراسة تمكنهم من الحكم بأن ما يثمره فكر هذا العالم أو الأديب جديد بديع.
فمن لم يدرس علم الطب - مثلاً - لا يستطيع أن يصف أحداً بالنبوغ فيه إلا أن يقلد في وصفه بعض كبار الأطباء، ومن لم يدرس علوم اللغة ليس من شأنه أن يشهد لأحد بالنبوغ في هذه العلوم إلا أن يتلقى تلك الشهادة من أفواه أساتذة اللغة وآدابها.
وأعدُّ مِنْ تعقُّلِ ابن حزم: أنه كتب رسالة بيَّن فيها كيف أبدع أهل الأندلس فيما ألّفوه في العلوم والفنون، ولما وصل إلى علم الحساب والهندسة، قال: "وأما العدد (الحساب) والهندسة، فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ،
(5/ 1/273)

ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا".
وإذا انتشر العلم والأدب في بلد أو قطر، كان أهله أعرف بأقدار النبغاء، وربما عاش العبقري في بلد، ويكون ذكره في بلد آخر أذيعَ، وشأنه فيه أعلى.
نشأ العلامة أبو عبد الله التلمساني في تلمسان، وعاش بها، ويقول الكاتبون في التعريف به: "وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره، وأكثرهم تعظيماً له".
وأشار إلى هذا المعنى بعض من نشأ أو أقام بين قوم لم يقدروا فضل براعته، فقال:
وما أنا إلا المِسْكُ في غَيْرِ أَرْضِكُمْ ... يَضوعُ وأمَّا عندَكم فيَضيعُ
* أثر النبوغ في العلم:
عرفنا أن العلماء الناقلين مزيتهم في حفظ أقوال من تقدمهم، وليس من شأنهم أن يتقدموا بالعلوم ولو خطوة، وإنما الذي يبتكر العلوم، أو تكون له يد في تلاحق مسائلها قليلاً أو كثيراً، هو العبقري.
ولا يستغني علم من العلوم عن عبقري يضيف إليه مسائل، أو يحل منه مشاكل، أو يجيد تطبيق أصوله العالية على فروعها.
فعبقرية الأئمة المجتهدين أورثتنا هذه الثروة العظيمة من أصول الشريعة وأحكامها العائدة إلى حفظ الدين والأنفس والأعراض والأموال، وعبقرية علماء الكلام دخلت في تفاصيل الإلهيات والنبوات، فخلصت الحقائق من الأوهام، وحفظت أصول الدين من أن تزلزلها عواصف الشبهات. وعبقرية
(5/ 1/274)

المناطقة استنبطت هذه القوانين التي تساعد العقل السليم على أن تكون آراؤه صائبة، وحججه ساطعة. وعبقرية علماء العربية جعلت مقاييس اللغة ومحاسن بيانها في متناول نشئنا يجرون عليها في خطبهم وأشعارهم، فيسترعون الأسماع، ويأخذون بالألباب.
وهكذا ننظر إلى كل فن من الفنون التي تقوم عليها المدنية الفاضلة الرائعة، فنجده وليد العبقرية التي تخرق القشر، وتنفذ إلى اللباب.
فحاجة العلم إلى العبقرية لا يقضيها الجماعات التي تقنع بالحفظ وإن كثروا، ومما ينبه لهذا المعنى قول محمد بن عيسى القوصي يرثي العلامة ابن دقيق العيد:
لو كانَ يقبَلُ فيك حتْفُكَ فِديَةً ... لَفُديتَ من عُلمائنا بألوفِ
* أثر النبوغ في شرف الأمة:
للنبوغ في عظمة الأمة حظ كبير، لذلك نرى الشعوب والقبائل يباهي بعضها بعضاً بالنابغين في علم أو أدب أو سياسة، وانظروا إلى رسالة كتبها أبو الوليد الشقندي في فضل الأندلس على بر العدوة، وقد ملأها بقوله يخاطب أهل العدوة: هل لكم في علم كذا مثل فلان وفلان؟ وذكر البارعين في الفقه والنحو والأدب والشعر والتاريخ والهندسة.
ولابن حزم رسالة نوّه فيها بفضل الأندلس، فذكر طائفة من جهابذة تلك البلاد: يقيسهم ببعض علماء الشرق وأدبائه، فيقول مثلاً: فلان نباهي به جريرًا أو الفرزدق، وفلان نسابق به محمد بن إسماعيل البخاري، وفلان نناطح به محمد بن الحكم، وفلان وفلان لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد ابن يزيد المبرّد.
(5/ 1/275)

* أثر النبوغ في علو الهمة:
أشرنا إلى أن النبوغ يقوم على أكبر الهمة في العلم، ونقول الآن: إن النبوغ ينحو بصاحبه نحو عزّة النفس، ويرفع همته عن أن تسلك طريق الملق والخضوع لإدراك نحو منصب أو مال؛ فإن شعور العبقري برفعة منزلته العلمية، يريه أن كل ما عدا هذه المنزلة أهونُ من أن تطمح إليه النفوس، أو تحرص عليه، وقد نال ابن حزم الوزارة، ولما رأى العلم فوق كل مرتبة، انصرفت نفسه عنها، وطلّقها بتاتاً من تلقاء نفسه، وانقطع للبحث والتحرير.
* كيف نصعد بأبنائنا في مراقي النبوغ؟
تختلف نفوس الناشئين في الميل إلى العلوم، كل نفس تميل إلى ما يوافق طبعها، فنرى نفسًا تختار علماً، ونفساً تختار علماً غيره، ولندع الفلسفة تبحث عن سر موافقة هذا العلم لطبع هذه النفس، ونكتفي بأن نعلم أن هذه النفس تميل إلى هذا العلم. لنتوجه بها إلى التخصص به، فتطلبه برغبة زائدة عن رغبتها فيه من حيث إنه علم، وقد أدرك هذا علماؤنا من قبل، فنقرأ في التعريف بحياة العلامة أبي عبد الله التلمساني: أنه كان يترك كل طالب يتخصص بالعلم الذي تميل إليه نفسه.
ومناهج التعليم اليوم تقتضي تخصص كل طائفة بقسم من العلوم، ولا يكفي توجه الطالب إلى التخصص بقسم من العلوم لأن يكون نابغًا فيه، وما فتح أبواب التخصص إلا أحد المهيئات للنبوغ، وقد تفوت الطالب القريحة الوقادة، والألميعة المهذبة، أو تفوته الهمة التي تطمح به إلى بلوغ الذروة في العلم، فعلى القائمين على شؤون التعليم العام أن لا يكتفوا بأن تخرج أقسام التخصص في كل عام فرقًا يؤدون الامتحان، ويحرزون شهادات تخوِّلهم ولاية
(5/ 1/276)

بعض المناصب، بل واجبهم أن يوجهوا عنايتهم إلى ذوي الذكاء المتقد، وإن كانوا من أبناء البيوت الخاملة، ويربون فيهم الهمة الطامحة إلى أسمى الغايات، ويقوون عزائمهم بكل وسيلة ممكنة، حتى يسيروا في طريق العبقرية؛ فإن سلامة الأمة وسيادتها على قدر ما تخرجه معاهدها وجامعاتها من أساتذة أجلاء، أساتذة لا يتركون في العلم الذي يتخصصون به غامضاً إلا استكشفوه، ولا باباً من أبوابه إلا نفذوا منه.
(5/ 1/277)

متى تكون الصّراحة فضيلة (1)
وهبَ الله للإنسان لساناً يعبر به عما يجول في نفسه من آراء، أو يشعر به من نحو الحب والبغض، والسرور والحزن، واللذة والألم، وإذا كانت الآراء أو العواطف ونحوها قد تحدث في النفس غير اختيار، فإن اللسان موكول إلى صاحبه يتصرف فيه حسب اختياره، فله أن لا يبين ما في نفسه إلا حيث يدعوه إلى ذلك البيان ابتغاء خير، أو دفع ضرر، ومن هنا ترى الناس يلومون الإنسان على بعض ما يلفظ من قول، فيلام على القول من جهة مخالفته للواقع، وهو الكذب، أو من جهة مخالفته لما لا يعتقد، وهو النفاق، أو من جهة أنه يجلب ضرراً؛ كالغيبة والنميمة، أو من جهة أنه لا يأتي بفائدة، وهو اللغو، كما يلام الإنسان على تركه القول في حال يكون القول فيه نافعًا أو واجباً؛ كإظهار المودة لذوي النفوس الكريمة، والشفاعة لذوي الحاجات، والحكم بين الناس بالحق، وأداء الشهادة الصادقة، وتنبيه الغافلين لما فيه خير، أو تحذيرهم مما هو شر.
والناس يقولون: فلان صريح، على معنى: أنه يجهر بما في نفسه من نحو الآراء والعواطف، لا يكتمها، ولا يدل عليها بتعريض أو كنايات خفية، وقد يصف الإنسان بها نفسه على وجه الفخر، أو يصف بها غيره على وجه
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الثاني عشر، الصادر في جمادى الثانية 1359 ه.
(5/ 1/278)

المدح؛ لأنه يراها وليدة الشجاعة، أو يراها وليدة الإخلاص والسلامة من علة الحب والمداهنة.
والحقيقة: أن الصراحة التي تعد من خصال الحمد، واقعة بين طرفين مذمومين، فطرف التفريط فيها يرجع إلى علة الجبن، أو الطمع، أو الجهل بما تأتي به الصراحة من خير كثير. وطرف الإفراط فيها يرجع إلى علة العجلة، وقلة التروي فيما تثير بعض الأقوال الصريحة من عداوات خاصة، أو فتن عامة.
والطريق المعتدل للصراحة، وهو الذي يعد فضيلة: أن يجهر الإنسان بما له من آراء أو عواطف؛ حيث يكون في الجهر مصلحة، ولا يتوصل إليها بطريق التعريض، أو الكنايات الخفية.
ويمثل التفريط في الصراحة: أولئك الذين يرون أمتهم، أو طائفة منهم منحدرين في غواية، أو عمل منكر، ويمتنعون من دعوتهم إلى سبيل الرشد والعمل الصالح؛ خشية أن تحرمه الدعوة منفعة دنيوية، أو تجر إليه مكروهاً، ولو لم يكن شيئاً يذكر بالنسبة إلى المكروه الذي انحدرت فيه الأمة، وكان في ميسوره أن ينقذها بدعوة صريحة.
ولا يدخل في هذا التفريط المذموم من أبى أن يقول غير الحق، وسلك في التعبير عن الحق طريقاً غير صريح، ولكنه يغني غناء الصريح في جلب الخير، أو دفع الأذى، ونسوق إليك مثلاً لهذا: قصة تيمورلنك إذ جمع علماء حلب، وقال لهم متعنتًا: قُتِل منّا ومنكم جماعة، فمن الذي في الجنة: قتلانا، أم قتلاكم؟ وأراد بهذا السؤال إيقاعهم في حرج حتى يتوصل إلى أذيتهم، فقال له أحد العلماء، وهو ابن الشحنة فيما يظن: قد أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا السؤال حين سئل عنه، فغضب تيمورلنك، وقال له: كيف ذاك؟ فقال: روينا
(5/ 1/279)

في الصحيح: أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليذكر وليرى مكانه، فمن الذي في الجنّة؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو الذي في الجنة"، فتلقى تيمورلنك هذا الجواب بالإعجاب، ثم بالسكوت.
وهذا الجواب وإن يكن صريحاً، ولكنه أغنى عن الصراحة، ويمتاز عنها بأنه كان مخلِّصاً للقوم من سطوة ظالم غشوم.
ويمثل ذلك الإفراط في الصراحة: أولئك الذين لا يحكمون سياسة الأمور، ولا يريدون أن الدهاء خصلة محمودة، وإن من الدهاء أن يبقي الرجل بعض آرائه في نفسه، ولا يحرك بها لسانه؛ حيث يرى أن النفوس لم تتهيأ لقبولها، أو أن الحال لا يساعد على إنقاذها.
وليس من الإفراط في الصراحة أن يخشى الرجل في سكوته عن قول الحق، ضياعَ هذا الحق، وظهور الباطل مكانه، فيصدع بكلمة الحق موطنًا نفسه على احتمال ما يلاقيه من أذى، فلا أعدّ القاضي مالكَ بنَ سعيد الفاروقي قد أفرط في الصراحة إذ أمره الحاكم العبيدي بن يكتب سبّ الصحابة على أبواب المساجد، فأبى أن يفعل، وكتب عليها: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، ولما قال له الحاكم: هل فعلتَ ما أمرتك به؟ قال: نعم، فعلت ما يرضي الرب -عَزَّ وَجَلَّ-، وقرأ عليه الآية، فأمر بضرب عنقه، فمات شهيداً، وحماه الله من أن تكتب يمينه شيئاً يجر إليه عاراً في الدنيا، وخزياً في الآخرة.
ويمثل لك الطريق المعتدل للصراحة: أولئك الذين يجمعون إلى
(5/ 1/280)

الإخلاص والغيرة على الإصلاح روية ودهاء، فالإخلاص والغيرة يمنعانهم من التفريط في الصراحة؛ إذ لا يكون مع الإخلاص والغيرة جبن ولا طمع، ولا إيثار المنافع الشخصية على المنافع العامة، والروية والدهاء يمنعانهم من الإفراط في الصراحة؛ إذ يرون ببصائرهم المضيئة وألمعيتهم المهذبة المواطن التي يكون السكوت عن شيء، أو استعمال الكنايات الخفية، أفضلَ من التصريح به.
ويظهر فضل الصراحة جلياً متى وقع بجانب الكلام المبهم أو المطلي بشيء من المواربة، كما ترى في قصة عمر بن هبيرة والي العراق في عهد يزيد ابن عبد الملك؛ إذ استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وقال لهم: "إن يزيد خليفة الله أخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب لي بالأمر من أمره، فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ ".
فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية.
فأقبل ابن هبيرة على الحسن البصري، وقال له: "ما تقول يا حسن؟ ".
فقال: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله .. حتى قال له .. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
فموقف الحسن البصري في هذه القصة ظاهر الفضل، وبمقارنته بموقف ابن سيرين والشعبي ازداد فضله ظهوراً.
وإذا اقتضى الحال الصراحة، فإن لها أساليب تختلف باختلاف أحوال المخاطبين، فمن حسن بيان المتكلم أن يراعيها، ويصوغ عبارته في الأسلوب المناسب؛ حتى تأتي الصراحة بثمراتها الطيبة.
(5/ 1/281)

رسائل الإصلاح (1)
سيدي الأستاذ الجليل محرر مجلة الهداية الإسلامية الغراء! سلام الله عليك، ويعد: فتلك كلمة أملاها عليّ الحق، ويعثت بها إلى إحدى المجلات، فنشرتها مبتورة، فأرجو باسم حرية الرأي أن تتفضل بنشرها كاملة بمجلتكم، ولكم خالص الشكر.
أحمد الشرباصي (2)
تفضل الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين المدرس بكلية أصول الدين، وعضو مجمع اللغة العربية، ورئيس جمعية "الهداية الإسلامية"، فأهداني كتابه الجديد "رسائل الإصلاح"، فرأيت واجباً عليّ أن كتب عنه كلمة أعرف فيها القرّاء به، فهو من أمهات الكتب الإسلامية الحديثة التي يجب على كل مسلم يريد أن يصحح عقيدته، وأن يعرف دينه على حقيقته، أن يقرأها مثنى وثلاث.
والشيخ محمد الخضر حسين رجل أهمُّ ما يتصف به الهدوء والاتزان
__________
(1) مجلة "لهداية الإسلامية" - الجزآن الخامس والسادس من المجلد الخامس عشر الصادران في ذي القعدة وذي الحجة 1361 ه.
(2) من كبار علماء الأزهر.
(5/ 1/282)

والعمق، فهو يفكر طويلاً، ويستقصي في بحثه، ويستوعب، ويدير الفكرة في ذهنه أياماً، ويأخذ لها زادها من إحساسه ومعارفه، ومطالعاته واستنتاجاته، ثم إذا جلس ليكتب، كتب في هدوء وأناة، يزن لفظه قبل أن يخطه، ويتدبر عبارته قبل أن يصوغها، فإذا ما جئت بعد ذلك لتقرأ ما كتب، أعجبك أن ترى عقلاً واسعاً نيّراً، وتفكيراً عميقاً سليماً، ونظرة بعيدة صحيحة، وأسلوباً رزيناً محكماً.
ولعل بعض القراء الذين لا ينسون التاريخ، يذكرون للشيخ الخضر حسين أنه نصب نفسه في أحيان كثيرة مدافعًا عن الدين الإسلامي، مجاهداً أولئك الذين حاولوا في خبث ودهاء أن يقوضوا دعائم الشريعة المحمدية، والله يتم نوره ولو كره الكافرون، فلم يتخذ طريقة السب والشتم والمناداة بالويل والثبور، والإسراف في الغضب والثورة وسيلة إلى أداء واجبه نحو ربّه ونبيه.
بل تناول قلمه الرزين العفيف المحكم الذي خط به كتابه "القياس في اللغة العربية"، ذلك الكتاب الذي يعد آية بينة على الدراسة اللغوية الصحيحة الأصول، المسددة الخطا، الطيبة الثمرات، فكتب بهذا القلم ردوده ودفاعه عن الإسلام، وأظهر تلك الردود في كتب كثيرة شرقت وغربت، وكان من جميل عمله، ونبيل خلقه: أنه في مجادلته أو نقده يورد عبارة المنقود بنصها، ثم يكر عليها بالهدم والتفنيد، دون أن يستعمل كلمة نابية، أو تصدر عنه عبارة جافية.
بل يذكر القرّاء أن الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت وكيل كلية الشريعة الإسلامية كتب في بعض أعداد مجلة "الرسالة" مقالاً عنوانه: "الهجرة وشخصيات الرسول" ذهب فيه مذاهب هاجت عليه المسلمين في مصر وبعض
(5/ 1/283)

الأقطار العربية، ورأى الأستاذ الخضر أن في هذا المقال من الآراء ما هو خطأ محض، ولا يصح السكوت عليه. أفتدري ماذا فعل؟ لم يثر، ولم يغضب، ولم يرد على مقالة الأستاذ شلتوت بمقال مثله في عجلة وتسرع؛ بل أقبل على موضوع المقال، فدرسه دراسة العالم الخبير، وجمعَ الدلائل والشواهد على ما فيه من أخطاء، ثم جلس إلى مكتبه الهادئ العامر بمكتبته العظيمة في دار جمعيته، وكتب كتابه القيم "نقد مقالة الهجرة وشخصيات الرسول"، وطبعه فيما يزيد على تسعين صفحة، فعلى الذين قرؤوا مقالة الشيخ شلتوت، أو سمعوا بها: أن يحرصوا على قراءة هذا الكتاب الذي يعد مثلاً على الإنصاف في النقد، والعفة في المجادلة، والحكمة في الدعوة، حتى يتبين لهم الحق بعد أن يسمعوا كلام الفريقين.
ونعود بعد هذا الإيضاح إلى "رسائل الإصلاح"، فنقول: إنه مجموعة من المقالات الممتعة التي كان يزين بها الأستاذ الخضر جيد مجلته "الهداية الإسلامية"، والجزء الأول من الكتاب يتحدث عن مسائل الأخلاق والاجتماع، فتقرأ فيه القول الفصل، والكلام الجزل، والحديث المؤيد بكتاب الله وسنّة رسوله، وأقوال السلف الصالح، وتراه يتناول أبحاثًا لها أهميتها، فيجيد في الدراسة والعرض، والاستتتاج والحكم؛ مثل حديثه عن: العلماء والإصلاح، والإنصاف الأدبي، والدهاء والاستقامة، والرفق بالحيوان، والتعاون في الإسلام، والنبوغ في العلوم والفنون، وغير ذلك.
وقد صدر هذا الجزء في (240 صفحة) من الحجم الكبير، والجزء الثاني من الكتاب تابع للأول في أبحاثه وموضوعاته، ولكنه لم يظهر (1) لأسباب ليس
__________
(1) طبع الكتاب فيما بعد.
(5/ 1/284)

هنا مجال الحديث هنا، بل صدر الجزء الثالث، وهو يتحدث عن مسائل علم الأصول؛ كالقياس، والاستصحاب، ومراعاة العرف، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والسنّة والبدعة، وغير ذلك، وهذا الجزء يهم الذين يشتغلون بدراسة علم الأصول في كليتي أصول الدين والشريعة؛ لأن مؤلفه استطاع فيه أن يعرض مسائل هذا العلم مصفاة مجلوة، تأخذ طريقها إلى العقل والذاكرة في سهولة ويسر.
وسيرى المطالع لكتاب "رسائل الإصلاح" أنه ثمرة لجهاد علمي طويل، بذل فيه صاحبه ما بذل من وقته وجهده وتفكيره، وأنت حينما ترى الأستاذ الخضر حسين، أو تجلس إليه، تعجب لهذه الشخصية النبيلة التي تفيض خلقًا وأدبًا، وتطيل الصمت والسكوت، ولا تتكلم إلا بقدر، ولا تنطق إلا بحياء، وقد تقول: كيف استطاع ذلك الشيخ الكبير أن يصبر لمتاعب التفكير والتأليف والكتابة والطباعة؟ ولكنك لو علمت أن في هذه الأثواب الرهيبة أسداً إسلامياً طالما ضحّى وجاهد، وطالما دعا إلى الله، وعمل لثه، ولو علمت ما يجب أن تعلمه من تاريخ الخضر حسين، لأدركت أن وراء هذا الهدوء ثورة، وأن هذا الشخص يحكمه عقل جبّار، وتزينه روح مؤمنة لا تعرف هوادة ولا لينًا، ولا راحة في سبيل العمل للعلم والدين.
(5/ 1/285)

المكتبة العربية: رسائل الإصلاح (1)
زوّد السيد محمد الخضر حسين المكتبة العربية بكتابه: "رسائل الإصلاح" الذي صدر الجزء الأول والثالث منه في الأخلاق والاجتماع، تناول فيه كثيراً من المسائل الحيوية التي تتصل بحياة الإنسان اتصالًا وثيقًا، وبحثها بحثًا منطقيًا غيرَ متعصب لآراء السابقين، أو مشايم فيها جنوح المجددين المندفعين، وإنما سار فيها مستضيئاً بنور اليقين، وكتاب الله وسنّة سيد المرسلين، فجاعت البحوث آية من آيات البيان، دالّة على صدق إخلاصه لرسالته، وإيمانه بدعوته، معتمداً على الله في سبيل نجاح غايته.
ويكاد يكون كل مقال من الكتاب موضوع رسالة تؤلف فيها الكتب، ولكن توفيق الله للأستاذ هيأ له من سلاسة العبارة، وحسن الأسلوب، وبلاغة البيان ما أقدره على إدماجه في مقال، هو زبدة ما يكتب فيه، مدعم بالأسانيد والأدلة، فلا تفرغ من قراءته حتى تصدق ما فيه داعيا إلى سبيله، ولا تنتهي من مقال حتى تبدأ المقال الذي يليه، ولا تفرغ من هذا الجزء حتى تدعو الله أن يوفق الشيخ إلى إتمام إصدار بقية أجزاء الكتاب، حتى ترتوي من فيض هذا البحر الخضم، وإني لأدعو الآباء أن يجعلوا هذا الكتاب مما يذخرونه لأبنائهم،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الخامس عشر، الصادر في شوال 1361 ه.
(5/ 1/286)

ويحثونهم على قراءته، والتبصر فيه؛ فهو مصباح يستضاء به في ظلمات هذه الحياة.
مدّ الله في عمر الشيخ، ونفعنا بعلمه وفضله، وجزاه خير الجزاء، إنه - سبحانه وتعالى- خير من يستجيب الدعاء. آمين.
المربي الفاضل
عبد الفتاح مصطفى
(5/ 1/287)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(9)

«الدَّعْوَةُ إلى الإِصْلاحِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(5/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(5/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
للمصلح الكبير الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين رسالة: "الدعوة إلى الإصلاح"، وهناك - إلى جانب هذه الرسالة القيمة - مقالات ومحاضرات عن الإِصلاح الديني، منها: ما نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها الإمام في القاهرة، ومنها: محاضرات ألقاها في النوادي الاجتماعية.
وقد طبعت رسالة: "الدعوة إلى الإصلاح" للمرة الأولى عام 1346 ه، وكان لها شأن عظيم؛ لما احتوته من أسس يعتمدها أي مصلح يبادر لحمل عبء الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ضممت إلى الرسالة المقالات والمحاضرات في كتاب يحمل عنوان الرسالة: "الدعوة إلى الإصلاح"، وألحقت بها مذكرات هامة وجهها الإمام إلى الحكومة المصرية في طلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية بالمدارس المصرية، وسيجد القارئ المسلم في هذه المذكرات ما يصلح للأخذ بها في كل زمان ومكان؛ نظراً للمبادئ الواضحة التي قررها الإِمام الأكبر - رضوان الله عليه -.
(5/ 2/3)

أن العم الإمام لم يكتب في الدعوة إلى الإِصلاح، إلا بعد بلوغه المكانة العلمية المرموقة، وأن هذه الرسالة تعتبر صورة صادقة عن حياته.
والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
(5/ 2/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الإمام محمّد الخضر حسين
يبحث الكتّاب عن العلل التي لبست الأمم الإسلامية، وقعدت بها في خمول، حتى ضربت عليها الدول الغربية بهذه السلطة الغاشمة؛ ويوردون في نتيجة بحثهم أسباباً شتى. وأنت إذا تدبرت هذه الأسباب، وجدت السبب الحق منها يرجع إلى تهاون هذه الأمم بتعاليم الشريعة، ونكث أيديهم من المشروعات التي عهدت إليهم بالقيام عليها. والعلة في ضعف هممهم، وقلة إقبالهم على ما أرشد إليه القرآن - من وجوه الإصلاح ووسائل المنعة والعزة - إنما هي تقصيرهم في التواصي بالحق، وعدم استقامة زعمائهم على طريقة الدعوة والإرشاد.
هذا ما استثار الهمة، وأخذ برأس القلم يجرّه إلى البحث في مشروع الدعوة إلى الإصلاح؛ لعله يبسط من حقائقه وآدابه جملًا كافية، ويملك بتأييد الله زمامه.
محمّد الخضر حسين
(5/ 2/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي رفع منازل العلماء المصلحين، وأعلى كلمتهم في نفوس قوم مخلصين. والصلاة والسلام على من أبلغ فرائضَ هذا الدين وسننه، ودعا إلى سبيل ريه بالحكمة والموعظة الحسنة. ثم الرضا عن آله وصحبه الذين أُخرجوا للناس في أحسن تقويم، وهدوا الأمم بالحجة والأسلوب الحكيم.
* * *
الدعوة إلى الإصلاح
الحاجة إلى الدعوة - الدعوة في نظر الإسلام - المبادرة إلى الدعوة - التعاضد على الدعوة - من الذي يقوم بالدعوة؟ - الاخلاص في الدعوة - طرق الدعوة- أدب الدعوة- سياسة الدعوة - الإذن في السكوت عن الدعوة - علل إهمال الدعوة - آثار السكوت عن الدعوة - ما يُدعى إلى إصلاحه.
(5/ 2/6)

الحاجة إلى الدعوة
في فطرة الإنسان قوّة يعقل بها طرق الصلاح والفساد، ويفقه بها الحق والباطل. ولكن هذه القوة العاقلة لا تستقلّ وحدها بتمييز المعروف من المنكر، وليس من شأنها أن تطلع على كل حقيقة، ولا أن تدبر أعمال البشر على نظام لا عوج فيه؛ فإنها- وإن بلغت في الإدراك أشُدها - قد تنبو عن الحق، ويعزب عنها وجه المصلحة، ولا تهتدي إلى عاقبة العمل؛ وربما ألقت على الحسنة نظرة عجلى، فتحسبها سيئة، وقد يتراءى لها الشر في شبهٍ من الخير، فتتلقاه بالقبول.
وقد تصدى رجال من أصحاب هذه القوى العاقلة للبحث في نشاة الخليقة، فكانت عاقبة بحثهم: أن خرّوا للأحجار أو الكواكب أو الحيوان سُجّداً. وتصدى آخرون لإنشاء نظُم اجتماعية، فوضعوا ما يذهب بالجماعة في غير طريق، ويكبو بها في خسار؛ وأمثلة هؤلاء مشهودة حديثاً، ومضروية في كتب التاريخ قديماً. وليس القانون الذي يسيغ المقاتلة الشخصية (المبارزة) إلا صنع نفس عريقة في الهمجية، وليس القانون الذي يساعد الفتيات على إراقة ماء الحياة والعزّة من وجوههن، والزهد في صيانة أعراضهن، إلا وليد عقل غمرته الغباوة، أو حفت به الشهوات من كل ناحية. وأراد ذو عقل كبير - وهو الحجّاج بن يوسف - معاقبة شخص على جريمة ارتكبها بعض ذوي قرابته، فدافعه بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فما كان إلا أن استمع للآية وارْعوى.
(5/ 2/7)

وإذا وقف صاحب القوة العاقلة على وجه الخير أو الشر، فقد يساوره الغضب، أو تسيطر عليه اللذة، فيترك الصالح، أو يأتي المنكر، ولا يبالي بما يوقعه فيه التهاون بالصالحات، أو ارتكاب المنكرات من شقاء بعيد.
وقد تخلص النفوس من تخبط الغضب، أو أسر الشهوات، ثم لا يستطيع أصحابها البقاء دون أن ينشب بينهم نزاع؛ فإن المدارك تتفاوت إما بحسب فطرتها، وإما بالنظر إلى استعدادها المكتسب من التجارب، فترى الرجل يستحسن عينَ ما يستقبحه غيره، بل النفس الواحدة قد يبدو لها الأمر حسناً في حال، فإن لم يوافق غرضها في وقت آخر، انقلب في رأيها شيئاً نكراً. وكثيراً ما يشتمل الأمر في الواقع على وجهي الإثم والمنفعة، فيريد بعضهم جلب منفعته، فيسعى في تقريره، ويرغب آخر في درء مفسدته، فيلوي عنها صفحاً. وربما يشاهد الإنسان الحادثة تنزل بغيره، فيقضي عليها برأي، ولو عرضت له في نفسه، وأدرك مقدار تأثيرها، لعاد إلى الحكم عليها بأشدّ مما قضى به أولاً، أو أدنى.
ولما كانت الأنظار تقصر، والأهواء تتغلب، والعقول تتفاوت وتختلف؛ اشتدت حاجة الناس إلى مصلح إلهيّ يطلق نفوسهم من قيود الأوهام، ويهديهم السبيل إلى ما فيه خير، وينذرهم عاقبة الانهماك في اللذائذ، ويعلمهم كيف يتحامون الفتنة إذا اختلفوا.
هذا وجه من حكمة بعثة الأنبياء - عليهم السلام -, وصعودهم بالناس إلى مراقي السعادة، وإقامتهم القضاء على أسس عادلة.
فبهذه الدعوة الإلهية لبست النفوس أدبًا ضافيًا، وأخذ الاجتماع سُنّة منتظمة، وبصرت العقول بحقائق كانت غامضة. وإذا كان للشرائع السماوية مزية تقويم النفوس، وإنارة البصائر، وفتح طرق الحكمة؛ فإن نصيب الإسلام
(5/ 2/8)

من هذه المزية أوفر وأجلى.
وما برح الناس - بعد انطواء عهد النبوة - في حاجة إلى من يعلمهم إذا جهلوا، ويذكرهم إذا نسوا، ويجادلهم إذا ضلوا، ويكفُّ بأسهم إذا أضلوا. واذا سهل عليك أن تعلّم الجاهل، وتذكر الناسي، فإن جدال الضال، وكف بأس المضل لا يستطيعهما إلا ذو بصيرة وحكمة وبيان.
وما برحت العصور تلد من الضالين المعاندين، والمضلين المخادعين، من يحاولون إثارة الفتن، وإطلاق النفوس من قيد الأدب والعفاف؛ وفي كل عصر لا يفقد هؤلاء أولي عزم وإخلاص يقرعونهم بالحجة، ويهتكون الستار عن مكايدهم؛ فيزهق باطلهم، وترهق وجوههم قترةُ الخيبة والخذلان.
ولا تنس أن المضلين المخادعين في هذا العصر قد تهيأ لهم من وسائل الدعاية ما لم يتهيأ لإخوانهم الغابرين: فمن نوادٍ تفتح، وصحف تنشر، وجمعيات تعقد، وأموال تنفق، وجاه يبذل، وسلطات تمالئ وتستبد؛ وهذا ما يجعل الدعوة الرشيدة من أفضل الواجبات، وأحمد المساعي، وهذا ما يقضي على حكماء الأمة بأن يعدّوا للدعوة ما استطاعوا من قوة، ويكسروا شوكة هذه النفوس المحشوّة بالغواية والشهوات، قبل أن تبلغ أمنيتها. وهناك طائفة لم تفسق عن جحود وتمرد، وإنما أُتيت من قِبل الجهل، وعدم صفاء البصيرة، فوضعت بجانب حقائق الإسلام ما يتبرأ منه الإسلام؛ ومن أيدي هؤلاء نزلت البدع، ومن ألسنتهم هبطت المزاعم والخرافات، ومن آرائهم دخل في الكتاب والسنّة ضرب من سوء التأويل. وحاجتنا إلى تقويم أصحاب هذه البدع، تضاهي حاجتنا إلى إنقاذ النفوس الزاكية من أن تقع في حبائل أولئك الذين يضلون عن سبيل الحياة الطيبة، ويبغونها عوجاً.
(5/ 2/9)

الدعوة في نظر الإسلام
للدعوة الأثر الكبير في فلاح الأمم، وتسابقها في مضمار الحياة الزاهرة، وهذا ما يجعلها بالمكانة السامية في نظر الشارع الحكيم، وقد ألقى عليها الإسلام عناية شديدة، فعهد إلى الأمة بأن تقوم طائفة منها على الدعاء إلى الخير، وإسداء النصيحة للأفراد والجماعات. قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
فالآية ناطقة بأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة ملقاة على رقاب الأمة، لا تخلص من عهدتها حتى تؤديها طائفة على النحو الذي هو أبلغ أثراً في استجابة الدعوة وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. والدعوة إلى الخير- كسائر فروض الكفاية- يوجه خطابها إلى الأمة بقصد إفهامهم وإعلامهم. ومناط التكليف والإلزام إنما هو طائفة يتفق أهل الحل والعقد على تعيينها، أو تتقدم إليه من تلقاء نفسها.
وإذا قلنا: إن الخطاب بفرض الكفاية، والإعلام به يتوجهان إلى الأمة، فإنما نريد من الأمة: القادرين على القيام به خاصة، وهؤلاء هم الذين تحقُّ عليهم كلمة العذاب حيث لا تنهض به طائفة منهم، فلا جُناح على من لا يستطيع الدعاء إلى خير، أو الدفاع عن حق إذا سكت المستطيعون إليه سبيلاً. ولو ضل قوم عن سبيل الخير، أو جهلوا معروفاً، أو ركبوا منكراً، وقامت طائفة تدعوهم،
(5/ 2/10)

أو تأمرهم، أو تنهاهم بأسلوب ليس من شأنه التأثير على أمثالهم، لبقيت هذه الفريضة ملزمة في أعناق الذين يستطيعون أن ينفذوا بألمعيتهم إلى نفوس الطوائف، ويصوغوا إرشادهم وموعظتهم على الطراز الذي تألفه نفوس الطائفة التي يحاورونها.
وليست القدرة على الدعوة في قوتي الحجة والبيان وحدهما، بل تأخذ معهما كل ما يتوقف عليه إقامة الدعوة؛ كوسائل نشرها في بيئة نفقت فيها سوق الفسوق، أو خفقت فيها ريح الإلحاد؛ فهذه الفئة الموعز إليها بالدعاية إلى غير هدى وغير أدب، قد ملكت لنشر باطلها وسائل أهمها الإنفاق؛ وإذا وجب على الأمة أن تميط أذى هذه الدعاية عن طريقها، فخطاب هذا الواجب يتوجه إلى الكتّاب والخطباء، ثم إلى كل من له شيء من القدرة على البذل في سبيل الدعوة، كفتح نوادٍ لإلقاء المحاضرات، وإنشاء صحف، أو مساعدة صحف تُظاهر الدعوةَ بإخلاص.
رَفع كتابُ الله منزلةَ القائمين على خطبة الإرشاد، ومن آياته المحكمات قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، فالآية تومئ إلى أن المخاطبين بها يفضلون على سائر الأمم، وإنما نالوا هذه الأفضلية بمزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ومن يطلق النظر فيما يتجشمه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر من أخطار، وما يلاقونه من أذى؛ ثم لا يلوون أعنَّتهم إلى راحة، ولا يحملون أنفسهم على مصانعة أو إغضاء؛ يعرف أن هنالك بصائرَ ساطعة، وعزائم متوقدة، وهمماً ينحطُّ أمامها كل عظيم. أفلا يكون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر خير أمة أخرجت للناس؟
(5/ 2/11)

نوَّه التنزيل بشأن المصلحين، ثم أنحى باللعنة على من يؤتون الحكمة ولا يبسطون ألسنتهم ببيانها، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. فالآية نزلت في وصف حال فريق من غير المسلمين؛ ولكن حكمها- وهو استحقاق اللعن- لا يقف عند حدَّهم، بل يجري على كل من درس آيات الله، أو قبض قبضة من أثر هدايته، ثم أمسك عن بيانها، والناس في جهالة أو حيرة يتخبطون. وكذلك يقول علماء الأصول: إن مقتبس الأحكام من الآيات لا يقتصر على سبب نزولها، بل يمشي في تقرير معانيها على قدر ما يسعه عموم لفظها.
الحقائق التي لا يسوغ كتمانها هي ما ينبني على العلم به أثر في صحة اعتقاد، أو أدب نفس، أو استقامة عمل، فإن كانت من قبيل ما هو من مُلح العلم، فلا حرج عليه في احتكارها، والسكوت عن بيانها. حكى الشيخ ابن عرفة في درس تفسيره: أنه دخل على شيخه ابن الحباب، وجعل ينظر في كتبه، فمنعه من استيفاء النظر فيها، وقال له: للشيخ أن يمتاز عن طلبته بزيادات لا يخبرهم بها.
وعمد بعض الناس لعهد الصديق - رضي الله عنه - إلى قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، فتأوله على غير صواب، فقام الصدّيق خطيباً، وقال: إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]، وتضعونها في غير موضعها، وإنني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب".
(5/ 2/12)

ولم ينقطع أثر ذلك التأويل الخاطئ، فظلَّ في أوهام بعض العامة إلى هذا العهد، حتى إذا أمرتَ أحد هؤلاء بمعروف، أو نهيته عن منكر، ألقى عليك الآية؛ كالمستشهد بها على أنك تخطيت حدَّك، ورميت بكلامك في فضول. ومنهم من يتلوها على قصد الاعتذار، وتبرئة جانبه من اللائمة متى شهد منكراً، ولم يغيره بيده أو لسانه أو قلبه الذي من أمارات تغييره البعد عن مكان الواقعة المنكرة.
ومعنى الآية الذي تطابق به غيرها من الآيات الآمرة بالدعوة: أنكم إذا استقمتم كما أُمرتم، وقضيتم الواجبات التي من جملتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكرة فلا يضرّكم من اشتدَّ به هواه، وتطوَّح به في واد من الغواية.
ولا تُقدَّر الدعوة الواجبة بعدد، أو تضبط بقدر من الزمن إذا قضاه الداعي برئ من عهدتها، وإنما يُرجع في إبلاغها واستئنافها مرة أخرى إلى اجتهاد الداعي، ورجائه تأثيرَها، وأخذها في نفوس المدعوّين مأخذ القبول.
وإذا دعا العالم طائفةً إلى إصلاح شأن من شؤونهم، فعتوا عن أمره، واستكبروا عن إجابته، حتى أيس من إقبالهم على نصيحته، واستيقن عدم الفائدة من تذكيرهم، خلصت ذمته، ولا جناح عليه أن يقف عند هذه الغاية. وحمل بعض المفسرين مفهوم الشرط في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9] على مثل هذا الحال، وبيان هذا التاويل: أنك إذا قمت بذكرى قوم على الوجه الأكمل، ولم ينتفعوا بالذكرى، وتمادوا على غوايتهم، فقد قضيت حق الدعوة، ولا عليك في أن تصرف عنهم نظرك، وتدعهم إلى أيام الله.
ولا يقطع الداعي بعدم نفع الذكرى، وضياعها كصيحة في فلاة، إلا
(5/ 2/13)

إذا وجه بخطابها إلى قوم معينين مرة بعد أخرى حتى عجم عيدانهم، وكان على ثقة مما انطوت عليه نفوسهم من التقليد في الباطل، وإنكار الحقيقة في أي صورة ظهرت.
أما مَن دأبه النصيحة العامة - كخطباء المنابر وأرباب الصحف -, فلا يحق لهم أن يهجروا الإرشاد، وإن شهدوا قلة تأثيره في قوم بأعيانهم، فما يُدريهم أن تصادف نفوسًا مستعدة للخير، فتقودها إلى سواء السبيل. قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]. وما سطع الإيمان في نفس إلا كانت كالبلد الطيب يُخرج نباته بإذن ربه، فابذر فيها من الحكمة والموعظة ما شئتَ أن تبذر، فلا تريك إلا نيات صالحة، وأعمالاً راضية.
وكثيراً ما يستخف الناس بالأمر تلقى له الخطبة، أو تؤلف فيه المقالة، فماذا تتابم الترغيب فيه، أو التحذير منه، ولو من المرشد الواحد، أخذوا يعنون بشأنه، ويتداعون إلى العمل به، أو الإقلاع عنه.
(5/ 2/14)

المبادرة إلى الدعوة
الدعوة نوعان: دعوة يُقصد بها إنقاذ الناس من ضلالة أو شرّ واقع، ودعوة يُقصد بها تحذيرهم من أمر يخشى عليهم الوقوع في بأسه.
أما الأولى، فيتحتم القيام بهالأول وقت ممكن، ويلوّح إلى هذا الواجب قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]. فقوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} إظهار لعناية هذا الداعي، وشدَّة رغبته في الإصلاح حيث لم يثبطه بُعد المسافة عن السعي إليه، والوفاء بحقه. وقوله: {يَسْعَى} تذكرة لدعاة الإصلاح، وإيقاظ لهممهم؛ كي ينفقوا في هذه الغاية وسعهم، ويسارعوا إلى النصيحة جهدهم؛ لأن السعي في لسان العرب بمعنى العدْو والمشي بسرعة.
وأما النوع الثاني من الدعوة، فإن كان مما ينشأ عن تأخيره حرَج، التحق بالأمر الواقع، ووجبت المبادرة إلى الدعوة حسب الطاقة، وإن كان بينك وبين وقوعه فسحة، جاز إرجاؤها إلى زمن الحاجة. وما يقوله بعض أهل العلم من جواز السكوت عن العلم إلى أن يُسأل عنه إنما يحمل على هذا النوع الذي لم يدعُ الحال إلى معرفته في الوقت الحاضر.
حكى القاضي عياض في كتاب "المدارك": أن سحنون وصاحبي عون ابن يوسف، وابن رشيد دخلوا على أسد بن الفرات، فسألهم عن مسألة،
(5/ 2/15)

فابتدر لجوابه صاحبا سحنون، وسكت سحنون، فلما خرجوا، قال له صاحباه: لمَ لم تتكلم؟ فقال سحنون: ظهر في أن جوابكما خطأ؛ وبيَّن لهما ذلك، فقالا له: لمَ لم تتكلم بهذا ونحن عنده؟ فقال: خشيت أن ندخل عليه ونحن أصدقاء، ونخرج ونحن أعداء. قال القاضي عياض: وسكت سحنون حين علم أن القضية لا يفوت أمرها، ولو علم ذلك لبادر، بما ظهر له.
(5/ 2/16)

التعاضد على الدعوة
ذكر بعض أهل العلم أن قيام الواحد بفريضة الدعوة كافٍ، واستشهدوا بقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]. وقالوافي وجه الاستشهاد: إن الطائفة في لسان العرب: الواحد فما فوقه. وهذا القول مستقيم بالنظر إلى إبلاع الأمر والنهي، ووضع الحق بين أيدي الغافلين عنه. أما من حيث فعل الدعوة في النفوس، ودخولها مدخل الإقناع، فمن البيّن بنفسه أن للدعوة التي تقوم بها الجماعة أثراً لا تبلغه دعوة الفرد، وربما كان النظر في هذا يرجع إلى حال المدعوين، أو حال ما تتعلق به الدعوة، أو ما يقصد من الدعوة.
أما النظر إلى حال المدعوين، فقد يغني العدد القليل في دعوة جماعة تتقارب مشاربهم، وتتشابه أحوالهم النفسية، أما إذا اختلفت مشاربهم، وتعمَّدت نزعاتهم، فلكثرة القائمين بالدعوة، وتظاهرهم عليها وقعٌ في نفوسهم، وأخذٌ لها من بين تلك النزعات المتباينة، والمسالك المتشعبة؛ فإن الدعاة إذا تعمَّدوا، اختلفت أساليبهم في الدعوة غالباً، وقد يبدو للداعي من وجوه تحسين الأمر أو التنفير منه ما لا يخطر على بال آخر، وإن كان أغزر علماً، وأوسع نظراً، وقد تخضع النفس لأسلوب دون أسلوب، وتهتدي بطرز من الجدل أو الموعظة أكثر مما تهتدي بغيره، ولو كان أقرب دلالة بحكم المنطق، وأوضح إنتاجاً.
(5/ 2/17)

وأما حال ما تتعلق به الدعوة، فإن الإرشاد إلى أحكام الدين العملية - مثلاً - أيسر من إصلاح العقائد ووضع الإيمان موضع الجحود بالله، فداعي المطمئنين بالإيمان إلى مثل الأحكام العملية إنما يتلو قرآناً أو حديثاً، أو نصوصَ من يُقتدَى باجتهادهم، والداعي إلى الإيمان يقصد إلى نقل النفوس من ملة إلى ملة، وتحويلُ النفوس من عقيدة إلى أخرى يبلغ من الصعوبة أن يحتاج دعاته إلى من يشد أزرهم في إبلاغ الحجة، أو مطاردة الشبهة، وكذلك سأل موسى - عليه السلام - ريه أن يجعل أخاه هارون شريكًا له في الرسالة، فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 29 - 32]. وبَعث عيسى - عليه السلام - إلى أهل أنطاكية برجلين اثنين؛ ليدعواهم إلى الإيمان، فقابلوهما بعناد وتكذيب، فأضاف إليهما ثالثاً يؤيد بعثتهما، قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 13، 14].
وأما حال ما يقصد من الدعوة، فإنك ترى رجالاً انحرفت عن أدب الإسلام قلوبهم، وساعدتهم الأيام على أن أصبحوا يسيطرون على بعض شعوبه، ويفسدون عليهم دنياهم وآخرتهم، فيعتدون على أحكام دينهم، ويناصرون الأشخاص الذين يملؤون أفواههم بالجهل على رسوله الاكرم. فإذا كان أولئك المنحرفون عن أدب الإسلام ممن لا يُقبِلون على الحق بعين باصرة، أولا ينقادون إلى الحقائق المبصَرة، فمن المحتمل ألا يراد من دعوتهم إصلاح نفوسهم، وإنما يراد منها صرفهم عن هذه السيرة الخرقاء، وإراءتهم أن الأمة التي تتقلد الإسلام شريعة لا تستطيع أن تبقى أمامَ تعسفهم هذا معقودة الألسنة، أو مقبوضة الأيدي. فالذين يرضون عن عبث هذه الأرواح
(5/ 2/18)

غير الطيبة، إنما يغني في دعوتهم جماعة من زعماء الأمة لا يحوم على ألسنتهم مَلق، ولا يشترون متاع هذه الحياة بكتمان ما أوتوا من حكمة، فيوقظونهم من غرورهم، وُيرونهم أن العزَّة للمؤمنين. أما صوت الواحد ونحوه، فإنما يلقى منهم آذان الصمّ الذين لا يفقهون.
وإنما تفيد كثرة الدعاة عند اتحادهم وقصدهم إلى إقامة المصالح، ونصرة الحقيقة في نفسها، وبذلك أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى، ومُعاذَ بن جبل حين بعثهما إلى اليمن: قال لهما: "يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرّا، وتطاوعا". وُيشعر بهذا الشرط التعبير عن الدعاة باسم "الأمة" دون "القوم " في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104].
قال القفّال: الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد، يقتدي بعضهم ببعض، مأخوذ من الائتمام. وهو الوجه في إيثار التعبير به أيضاً في آية: وَ {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)} [الأعراف: 159]، فإن لفظ: "القوم" يطلق في اللسان على عدد أقلّ مما يطلق عليه لفظ: "الأمة"، وهو من هاته الجهة أنسب عادة بدعاة الإصلاح، لقلة عددهم، ولفظ: "الأمة" أليق بسائر الأفراد؛ لكثرتهم؛ ولكنه اختير للدعاة اسم "الأمة"؛ لأن إشعاره بمعنى اتحادهم وتآلفهم أقوى مما يشعر به لفظ: "القوم".
فالقرآن يرشد إلى أن يكون دعاة الإصلاح جماعة، وأن يكون أدب هذه الجماعة الاتحاد والتعاضد. ومن الواجب صرف الهمة إلى مشروع الدعوة حتى تقام على نظام يحفظ الحقائق والمصالح، أما بقاؤها مطروحة إلى داعية الأفراد، فقد يفضي بها إلى ضياع، وطالما جعلها تفقد حيث يجب أن تكون.
(5/ 2/19)

من الذي يقوم بالدعوة؟
أطلق الإسلامُ في أمر الدعوة، فأعطى لكل إنسان الحقَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أذن لأدنى الناس منزلة أن يصعد إلى مقام الأمير الأعلى، ويجاهره بالنصيحة وطلب الإصلاح. وقد كان الفرد من سائر الناس يأمر الولاة في عهد السلف وينهاهم.
روى البخاري في "جامعه الصحيح" عن طارق بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد تُرك ما هنالك، قال أبو سعيد الخدري: أما هذا، فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ، فبلسانه، فإن لم يستطعْ، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وجاء في حديث آخر رُوي في الصحيح أيضاً: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان - حين رآه يصعد المنبر -، فردَّ عليه مروان بمثل ما ردَّ به على ذلك الرجل. ولعلهما قضيتان كما قال شارحوالحديث: إحداهما وقعت لأبي سعيد، والأخرى كانت من الرجل بحضرته.
ويضاهي هذا ما روى مسلم في "صحيحه" عن كعب بن عجرة: أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى
(5/ 2/20)

هذا الخبيث يخطب قاعداً، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11].
واعتبروا بعد هذا في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، وقوله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79]، فالتعبير بصيغة الفاعل في قوله: {وَتَوَاصَوْا}، وقوله: {لَا يَتَنَاهَوْنَ} يدلُّ على تبادل الوصاية، والتناوب في النهي عن المنكر. ويشير إلى أن الشخص الذي يُوصي آخر بحق، أو ينهاه عن منكر، لا يعلو به قدره عن طاعة ذلك الموصَى أو المنهي إذا دعاه إلى صالح، أو إلى النزوع عن باطل.
ويجري على هذا الباب: أن الفقهاء يطلقون للخصوم أن يخاطبوا القاضي بنحو: "اتق الله"، أو "اذكر الله"، ولم يعدّوه من اللمز بقلة التقوى. ولو أجري على مثل هذا حكم الجفاء أو الطعن الذي يستحق به الخصم الأدب، لاتخذه الحاكم المستبد ذريعة إلى كفّ الرعية، وسدّ أفواههم عن إحضاره النصيحة، ودعوته إلى القيام بصالح الأعمال.
يروى أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب في كلام دار بينهما: "اتَّقِ الله"، فأنكر عليه بعض الحاضرين، وقال له: أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟ فقال له عمر: دعه فليقلها لي، نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها.
إنما يعتمد في شرط المصلح: أن يكون على بيّنة من حكم ما يأمر به، أو ينهى عنه، تلك المزية المومأ إليها بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].
(5/ 2/21)

والناس في إدراك الحقائق أربع طبقات:
فمنهم: من يشعر بوجه الحق، فيستولي عليه نظراً وعلماً، وفي استطاعته أن ينصب عليه الدلائل الصريحة؛ ليهتدي بها المقتدون على أثره. ولا تنبعث أمة من مرقدها، وتمتطي غارب عزّها إلا إذا نبتت فيها نابتة من أهل هاته الطبقة.
ومنهم: من لم يبلغ في قوة الشعر وسرعة المخاطر أن ينتبه إلى جهة الحق من تلقاء نفسه، ولو ترك بحاله، وخُلي سبيله، لتمادى في جهالته، واستمر على غوايته. ولكنه يسمع الكلمة تشير إلى موضع الحق، فيرمي ببصره إليه، ويأخذ في نصب الدلائل الموصلة إلى معرفته.
وبعض الناس لا ينتبه للحق بنفسه، ولا يتمكن من إقامة الشواهد عليه لو أنبأته بناحيته، فيفتقر إلى أن تأخذ بيده، وتقوده بما تلقيه من الأدلة حتى يراه رأي العين. إلا أنه انطوى على فطرة سليمة، ونظر صحيح، فلا يمكنك بعد أن يفقه الرشد، ويستقرَّ على علم أن تنتزعه منه، وتغرس في مكانه جهلًا أو ضلالاً.
وفي الناس من يلقي زمامه إلى أيدي الدعاة، ويتلقى أقوالهم بالطاعة، دون أن يكلفهم الدليل على صحة قضية، أو الوجه في بيان حسن عمل، وإنما يعتمد في الاقتداء بهم على ما اشتهروا به من نحو العلم والاستقامة وكثرة المريدين من أولي الأحلام الراجحة. وعلامة هذه الطبقة: أن يرجع مرشدهم عما بثه من علم، أو ندب له من عمل، فينقلبوا معه إلى تقليد مذهبه الجديد.
ولا يختص بواجب الدعوة أهل الطبقة العالية وما يقرب منها؛ فإن من الحق ما يكون واضحاً بنفسه، أو بدليل متوافر؛ بحيث لا يتأتَّى فيه نزاع،
(5/ 2/22)

ولا يحتاج الأمر فيه إلى تقرير حجة، أو إزالة شبهة؛ كفريضة الصلاة، وفضيلة العدل، والعمل لتخليص الوطن من سيطرة الأجنبي؛ فأمثال هذه الحقوق إنما يهملها مستطيع القيام بها لآفة سهو، أو داعية هوى. فيحق لكل مسلم - وإن كان من أهل الطبقة السفلى- أن يذكّر فيها غيره، ويوصيه بها، وإن كان من أهل الطبقة العليا. وأما ما لا تدركه العامة من الحقائق، ويضطر الداعي إلى أن يورد في بيانه الأدلة، ويطارد الشبه، فأمر الدعوة إليه من حق العلماء القادرين على تحرير بحثه، وحسن التصرف في سَوق أدلَّته.
يأخذ بعض أهل العلم في وصف الداعي أن يكون صالحًا في نفسه، مستقيمًا في سيرته. وهو شرط صحيح بالنظر إلى انتفاع الناس بإرشاده، وتسابقهم إلى إجابته؛ فإنهم- على ما نرى ونسمع- لا تلين قلوبهم لموعظة واعظ، ولا يقتدون برأي مرشد إلا إذا وثقوا بأمانته، وأبصروا في حالته الظاهرة مثالاً لما ينصحهم به. وقد تبرأ شعيبٌ - عليه السلام - من مخالفة قومه إلى ما حذَّرهم منه، فقال: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88].
وجاء في كثير من الآيات المسوقة في فضل الدعوة ذكر صلاح الداعي في نفسه، واستقامته في عمله، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33]، وقال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76]،. وجاء في التنزيل مافيه تقريع وتعجب من حال الذي يلقي الموعظة، ويبسط لسانه بالأمر بالمعروف، وهو يترك العمل به ناحية قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وفي هذه الآية شاهد على أن من
(5/ 2/23)

أرشد غيره إلى صالح، وهو قابض يده عنه، أو حذره مفسدة، وهو لا يغادر موضعها، فقد خالف مقتضى الحكمة، ودخل في قبيل الذين لا يعقلون.
يتوهم بعضُ الناس أن الدعوة إلى احترام حقائق الإسلام وآدابه إنما هي شأن من شؤون علماء الدين، وربما ذهب بهم الوهم في مصر، أو في تونس- مثلاً - إلى أنها شأن علماء الأزهر، أو جامع الزيتونة؛ وانبنى على هذا أن بعض من يدرس حقائق الإسلام وآدابه، ويستطيع بيان حكمتها، ودفع شبه المضلين عنها؛ لا يهز في هذا الغرض قلمًا، ولا يحرّك به لسانًا، ثم لا ترى له من عذر عن هذا التقصير سوى أنه لم يكن من أصحاب العمائم، أو أنه لم يكن من علماء المعاهد الدينية؛ إن لم يلق إليك هذا العذر بمقاله، دلّك عليه بلسان حاله. وقد عرف فريق من حكماء الشرق: أن الداعيَ إلى مبادئ الإسلام خادمٌ للإنسانية، عامل على إنقاذ الشرق من مخالب الاستعمار، فوقفوا حياتهم أو جانباً منها على نشر محاسنه، وإفحام هذه الفئة المتهالكة على محاربته.
(5/ 2/24)

الإخلاص في الدعوة
الغاية من "الدعوة" صلاح العالم، وانتظام شؤونه على منهج السعادة.
فإذا وجَّه الداعي قصده إلى هذا الغرض، وأقامه نصب عينه، استقام على الطريقة، وقضى حياته في سيرة راضية، وإذا انحرف عن هذا القصد - ولو قيد أنملة -، رأيته يضطرب في حال دعوته كالريشة تخفق بها الرياح أينما تصرَّفت. وقد حكى التنزيل في مواعظه أن شعيبًا - عليه السلام - قد برَّأ نفسه، ودفعها عن أن تؤم غرضاً من الدعوة سوى الإصلاح حين قال: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88]. ويرشدنا قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]، وقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21] إلى أن تشوف الداعي إلى ما في أيدي القوم، وتطلعه إلى أن ينال من وراء إرشاده شيئاً من متاع هذه الحياة، قادح في صدقه، وداخل بالريبة في إخلاصه.
ولا يدخل في زمرة المصلحين من يظهر بدعوى الغضب للعدالة، ويعلن البغضاء لمن يروم انتهاك حرمتها، ثم يبصر مرة أخرى قوماً يعمدون إلى حقوق قائمة، فيفتلون أعناقها، فإذا هو يتبسم لصنيعهم تبسم المرتاح، أو يشاركهم في دفنها ولو بحثية من تراب. ماذا حمله على حب العمل بالحق والانتصار له أولاً، ثم ماذا بعثه على خِذلانه والارتياح لإزهاق روحه ثانياً؟
(5/ 2/25)

إقامة الحق في الأولى تعود عليه بمنفعة، فكان من أشياعه، وإطفاء نوره في المرة الأخرى لا يذهب بحظ من لذائذه، فلم يأسف للقضاء عليه.
ومن الناس من يضمن في نفسه لبانة لا تنالها يده إلا بمساعدة قومه، فينصب اسم "الإصلاح" شرَكًا لاستعطافهم والتفافهم حوله، فإذا ضحك الإقبال في وجهه، وحان قِطاف أمنيته، انصرف عن معاضدة العدل، وعرَّى أفراسَ الدعوة ورواحلها.
تهافت كثير من أصحاب الضمائر المعتلة على منصب "الدعوة"، واجتهدوا في كتم سرائرهم بغاية ما يستطيعون، وما لبثوا أن انكشف سرهم، وافتضح أمرهم، سنّة الله في الذين يظهرون بغير ما يعلمون من أنفسهم، وهذا ما يجعل أذكياء الناس يحترسون ممن يخرج في زي مصلح أشد مما يحذرون المجاهر بإرادة العنت والفساد، فأخو العشيرة إذا ظهر لهم في ثوب الناصح الأمين، انخدع لأقواله أهل الغباوة، والتبس حاله على كثير من أهل النباهة، فيجد سبلاً مفتوحة ونفوسًا متهيئة لقبول ما يدسه في مطويّ كلامه، ويكنّه تحت اسم الإصلاح من مقاصد سيئة، فيكون كيده أقرب إصابة، وأنفذ رميةً من خطر المبارز لهم بالعداوة والعمل على شقائهم، فإن من يكشف لهم عن بطانة صدره لا يرميهم بالمكايد تحت ستار، ولو رماهم بها في مواربة، لوجدوا من شعورهم بطويته ما يحملهم على سوء الظن به، وينقذهم من الوقوع في حبائله.
ونحن نرى الذي يصدّون عن الإسلام من المخالفين له علانية لم ينالوا بين الأمم الإسلامية إلا خَيبة وخسارًا، ورأينا الفئة التي ما برحت تُذكر في حساب المسلمين- وهي تحمل لهم عداوة الذين أشركوا- قد فعلت في فريق من شبابنا ما تقر له عين الأجنبي الذي يحاول أن تكون سلطته خالدة.
(5/ 2/26)

والتمييز بين مَن وقف ينادي للإصلاح صادقاً، ومن لبس قميص المصلح عارية- لدنيا يصيبها، أو وجاهة يتباهى بها - إنما تَهدي إليه الفراسة المهذَّبة، والاختبار الصحيح: فإذا أبصرنا داعياً ذا يسار، ولم يظهر في طبيعته حرص على نماء ما بين يديه من المال، أو قام يدعو فريقاً ليس من دأبهم بسط أكفهم بصلة الدعاة، فما كان لها أن نرميه بتهمة القصد إلى اصطياد ما في خزائن الناس من زينة هذه الحياة.
ويدلك على سلامة نيته من إحراز رياسة أو وجاهة: أن ينشأ في بيت مساجد، ويحوز في الشرف مكانة سامية، فيقوم وهو يشعر بأن مجاراته للقوم، وإغضاءه عما يشاهدهم عليه من العوج يزيد في إقبالهم عليه، ويضع قلوبهم في الرضا عن سيرته، فيضرب عن مداجاتهم، ويناضلهم بالحجة، ولا ينفكّ يعرض شمس الحقيقة على أبصارهم وهم لها كارهون.
ومن شواهد طيب السريرة: أن ينادي قومه للإصلاح سنين، ويتمادى في سعيه المتواصل إلى آخر رمق من حياته، دون أن يفل عزمه تباطؤهم عن إجابته، أو مقابلتهم لصنيعه بالكفران. والشأن فيمن انطوى صدره على سريرة غير طيبة أن يبتغي إليها الوسيلة، فإذا أبطأت به، ولم تقع عينه إلا على خيبة وإخفاق، ملّ العمل، وصرف جهده إلى وسيلة أخرى.
والذي يواصل سعيه، وينفق معظم حياته في الدعوة، قد نصفه بسلامة النية، وإرادة الخير لقومه، ولكنا لا ننعته باسم: "المصلح"، إلا إذا صفا منهجه، واستقامت آراؤه، فمن الدعاة من تطيب سريرته، ويخلص قصده، وإنما يخونه قلة بضاعته في العلم، أو قصور نظره عند قياس الأشياء بأشباهها، أو اقتباس الفروع من أصولها.
(5/ 2/27)

طرق الدعوة
تؤدَّى الدعوة باللسان تارة، وبالقلم تارة أخرى. ولكل منهما مقام هو أحق به من الآخر؛ ففي الناس من يُسعده لسانه، فيعبر كيف يشاء، ويمسك القلم، فلا يجده مطواعاً. وفي الناس من إذا نطق، وقع في كبوة، واذا كتب، أباع، وبلغ ببيان ما يجول في ضميره الأمدَ الأقصى.
فينبغي للداعي أن يُبصر في نفسه، ويعرف من أي صنف هو، ثم يأخذ الناس بالطريق التي يركبها ذلولًا. فإن كان الداعي طلق اللسان، بليغ القلم، راعى في إرشاده حال المدعوين؛ فإن الناس طبقات، وإذا استوى في نظر الطبقة المستنيرة الخطيب البارع والكاتب الفائق، فإن الخُطب أسرع إلى فهم العامة، وأنهض بهم إلى ما تأمر أو تنهى، ولشدة ما تؤثر الخطب في نفوسهم ترى الرئيس المستبدّ يحنق على الخطباء كبر مما يحنق على الكتّاب.
والدعوة بالكتابة أوسع جولة، وأخلد أثراً، ومن فوائدها: إرشاد من لا يمكنك أن تخاطبه فوك إلى أذنه، وإرشاد المنحرفين عن السبيل، مع البعد من ساحتهم، والسلامة من أن يواجهك سفهاؤهم بالسخرية والأذى.
عُني الإسلام بالخطابة، فشرعّ الخطب أيام الجمع والأعياد؛ ليقوم فيها الخطيب بإرشادٍ يراعي فيه حال الأمة، فيقرع أسماعها بالموعظة الحسنة، ويستنهضها للأعمال الكافلة بعزها في الدنيا، وسعادتها في الأخرى.
(5/ 2/28)

ذهل كثير من الخطباء عن هذه الحكمة، فالتزموا لكل شهر خطبًا معينة يسردونها سردًا، ولا ينظرون فيها إلى ما يقتضيه حال الناس في التعليم أو التذكير. وبصنيعهم هذا خرجوا بالخطب عن أن تكون طريق الدعوة إلى إصلاح.
ويزيد في حسن الخطبة ونفعها: أن تكون من إنشاء الداعي، ويكون نفعها أبلغ إذا استطاع أن يرتجلها ارتجالاً؛ فإن الأقوال التي ينزع معناها بنفسه، ويسبك عباراتها بطبعه؛ تكون أبلغ أثراً في نفوس السامعين، وأملك لعواطفهم من أقوال صنعت من قبل، فأخذ يحكي ألفاظها حرفاً فحرفًا. والأقوال المنشأة حال إلقائها تصدر عن انفعال نفسي، وقوة إرادة، فتنفذ في نفس السامع بألفاظ جديدة، وهيئة غير مصطنعة. ويمكنك أن تعرف مقدار انفعال الخطيب وقوة إرادته مما تشاهده في هيئته الظاهرة من تبسم أو استعبار، وعبوسة جبين أو طلاقته، ورفع صوت أو خفض، إلى ما يماثل هذا من الآثار التي لا تشاهدها على ظاهر الناقل أو المترجم لكلام غيره، إلا أن يتكلّفها.
وتختلف طرق الدعوة - من حيث طرز الكلام، ومبلغ الاستدلال- إلى ما يفيد يقينًا لا ريب فيه، وإلى ما يفيد ظنًا غالباً. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد من الحكمة: الحجة المفيدة لليقين، ومن الموعظة الحسنة: الأمارات الظنية، والدلائل الاقناعية، ومن المجادلة بالتي هي أحسن: الدليل المؤلف من مقدمات مسلمة عند المنازع. وفصَّل الإمام الغزالي في كتاب "الاقتصاد" هذه الأنواع من الحجج، وقسم المخاطبين
(5/ 2/29)

إلى ثلاث طبقات، وعيّن لكل طبقة نوعاً، قال: والبرهان يخاطب به الأذكياء، والخطابة يخاطب بها العوام؛ لأنهم لا يفهمون البرهان، والجدل لا يخاطب به إلا المعاندون في الاعتقادة لأنهم لا يرجعون عن مذهبهم بالموعظة.
ولم يرتضِ الشيخ ابن تيمية تفسير الآية بهذه الطرق المنطقية، وقال في رسالة "معراج الوصول": بل الحكمة هي معرفة الحق، والعمل به؛ فالقلوب التي لها فهم وقصد تُدعى بالحكمة، فيبين لها الحق علماً وعملًا، فتبلغه وتعمل به. وآخرون يعترفون بالحق، لكن لهم أهواء تصدهم عن إتباعه، فهؤلاء يُدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق، والترهيب من الباطل. والدعوة بهذيْن الطريقين لمن قبل الحق، ومن لم يقبله، فإنه يجادل بالتي هي أحسن. ثم قال: والقرآن لا يَحتج في مجادلته بمقدمة لمجرّد تسليم الخصم لها - كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم -، بل بالقضايا والمقدّمات التي تسلمها الناس، وهي برهانية. وإن كان بعضهم يسلمها، وبعضهم ينازع فيها، ذكر الدليلَ على صحتها.
والواقع أن القرآن لا يحتجُّ إلا بقاطع؛ فإن دعوته للناس كافة، وهدايته للعقول، كبيرة كانت أو صغيرة. ومن حكمته- وهو يدعو البشر قاطبة- أن يقيم على الحق أدلة لا تحوم عليها ريبة، ولا يستطيع لها كبار الفلاسفة نقضًا. أما غيره من الدعاة الذين قد يقصدون لإصلاح طائفة معينة، فلا جناح عليهم أن يسلكوا في الاستدلال على الحق ما يجعله مألوفاً للمخاطبين، وإن لم يبلغ في قوة الدلالة أن يقع من طلاب اليقين موقع التسليم.
(5/ 2/30)

أدب الدعوة
العمل على إنقاذ النفوس من وادي الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة؛ مسلك وعر لا يمر فيه على استقامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمداً قاصياً.
لا يكفي في الدعوة أن يكون يزيد القائم بها حجة أو موعظة يلقيها في أي صورة شاء؛ فإن المخاطبين يختلفون ذوقاً وثقافة اختلاف الزمن والبيئة، ومن اللائق أن تصاغ دعوة كل طائفة في أدب يليق بأذواقها أو ثقافتها.
الخبرة بما للطوائف من أحوال نفسية، والقاء الدعوة في الثوب الملائم لهذه الأحوال؛ موكول إلى ذكاء الداعي، ورسوخِه في فنون البلاغة وأدب اللسان. ولا يمنعنا هذا من تذكير القارئ ببعض جمل نوردها كأمثلة للأدب الذي تخرج به الدعوة في خطاب بليغ.
من أدب الدعوة: الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية؛ فإن الخطاب اللين قد يتألَّف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد والإصغاء إلى الحجة أو الموعظة. قال تعالى في خطاب موسى وهارون- عليهما السلام-: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]. ولقّن موسى - عليه السلام - من القول اللين أحسنَ ما يخاطَب به جبّار يقول لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]؛ فقال تعالى: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18)
(5/ 2/31)

وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18، 19]. ويندرج في سلك هذا: صرفُ الإنكار إلى غير معين؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - في النكير على أهل بَرِيرة، وقد عرفهم بأعيانهم: "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ". ومن هذا القبيل قوله - عليه السلام -: "ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله! إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية"، وشكا إليه - صلوات الله عليه- رجل من مُعاذ بن جبل حين كان يطيل بهم الصلاة، فاشتد غضبه، ولكنه احتفظ بعادته الجميلة، فلم يخاطب معاذًا على التعيين، بل عمَّم في الموعظة، وقال: "أيها الناس! إنكم منفرون، فمن صلى بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم المريضَ والضعيف وذا الحاجة".
ومن أمثلة هذا الأدب: أن يوجه الداعي الإنكار إلى نفسه، وهو يعني السامع؛ كقوله تعالى فيما يقصه عن رجل يدعو إلى الإيمان بالله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22]، فإنه أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئاً، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه؛ تلطفاً في الخطاب، وإظهاراً للخلوص في النصيحة، حيث اختار لهم ما يختار لنفسه.
ويضاهي هذا الأدب: أن يضع نفسه بمنزلة السائل المتطلب للحقيقة، ويقيم الحجة في معرض الاسترشاد، حتى تعلق بأذهان المخاطبين، قبل أن يشعروا بغرضه، فينصرفوا بقلوبهم عن الإصغاء إليه. ومثل هذا: ما فعل إبراهيم - عليه السلام - في محاجَّة قومه المشار إليها بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 70 - 73].
(5/ 2/32)

وقال تعالى في تعليم رسوله الأكرم كيف يدعو إلى الحق: {قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]. فإذا لم يظهر الداعي أنه على بينة من أمره، وألقى الكلام في هيئة المتردّد الذي لا يتيقن أن الهدى في جانبه، كان كالمستعين برأي المخاطب في البث عما هو حقّ ورشد، فتنحلّ في قلب هذا المخاطب عقدة التعصب. وريما طمع في الداعي، وأخذه إلى مذهبه، فيقبل على النظر بجدّ حتى يمرّ به مغالبة الداعي على الآيات البيّنات، فإذا هو ينظر إلى الحق: فإما إيماناً بعد، وإما عناداً.
ومن لطف الدعوة: أن تنادي المدعوَّ بلقبه الشريف، وتنعته بوصف شأنه أن يبعث صاحبه على قبول الموعظة، أو الإنصاف في المجادلة. وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 65]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104]، {يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]، {يَاأُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، وقد وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - هرقل في كتاب دعوته إلى الإسلام بعظيم الروم. ويتأكد مثل هذا الأدب في موعظة الصغير للكبير، والمرؤوس لرئيسه، ولاسيما حيث تُضرب على الدولة طبائع الاستبداد.
وقد يفتتح الداعي للرؤساء خطابه بكلمة: "ائذن لي"، قال ابن شريح لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: "ائذن في- أيها الأمير- أحدّثك قولاً"، وروى له قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مكة حرّمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا" إلخ الحديث. فقال له عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال له ابن شريح: إني كنتُ شاهداً، وكنت غائبًا، وقد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك.
(5/ 2/33)

يذهب بعض الناس في الإنكار على من يراه مبطلاً مذهب الفظاظة في القول، فيرميه باللعن والشتائم، وفن الشتم والهجاء مما يبذر الشقاق الذي نهينا عنه، وربما حمل المبطلَ على التعصب لرأيه أو هواه، وقبض عليه باليمين والشمال.
والناس يعرفون أن طريقة السباب في المجادلة إنما يسلكها العاجز عن إقامة الحجج الدامغة، فترى المقال الذي يحرر في سعة صدر وأدب مع المخالف يجد من القبول وشدة الأثر في نفوس القراء ما لا يجده المقال الذي يخالطه السفه والحماقة. وكذلك ترى المستيقن أنه على حق، مطمئنَّ المخاطر، آمنًا على مذهبه من صولة الباطل، فينطق عن أناة وتخيّر للأقوال الصائبة. أما من لم يكن على بصيرة من رأيه أو عقيدته، فإنه ينزعج عند المجادلة، ويطيش به الجدل حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً.
وقد يكون حديثك مع طائفة باعوا نفوسهم بمتاع هذه الحياة، واندفعوا لإغواء الأمة، والكيدِ لشريعتها وحياتها السياسية، بجميع ما ملكوا من صفاقة وعناد وسوء طوية. ولعل الناس يعذرونك حين تتصدَّى لكف بأس هؤلاء، ويجري على لسانك أو قلمك في خلال جدالهم كلمة تتهكم بعقولهم، أو تزدري آراءهم، أو تنبه على مكر انطوت عليه دعايتهم.
فإنك إن تهكمت بعقول هؤلاء، أو ازدريت آراءهم، فإنما تضعها في مواضعها، وتمس خيلاءهم بما يخفف من غلوائها، وإن رفعت الغطاء عن مكايدهم، فينما تجادل قوماً يجعلون مكان الصريح رمزًا، ومكان الطعن غمزاً، ويلبسون أقوالهم المعبرة عن آرائهم تردداً أو ريباً.
(5/ 2/34)

سياسة الدعوة
ضربنا لك الأمثلة في المقال السالف للأدب الذي ينبغي أن يصاغ فيه خطاب الدعوة. أما هذا الفصل، فمعقود في طرق من غير أدب اللسان يراعيها الداعي، ويأخذ بها الدعوة، فيكون لها في النفوس المستعدة للخير أثر حميد.
إذا كان أدب الخطاب يقوم على البراعة في فنون البلاغة، فإن الطرق التي نبحث عنها في هذا الفصل إنما تقوم على نظرٍ تقلَّبَ في أحوال الجماعات أطواراً، ودرسَ سنن الله في الخليقة، فعرف كيف يسوس النفوس الجامحة، ويردّها إلى قصد السبيل.
لا يسهل على القلم استيفاء الحديث عن هذه الطرق، ولا يسعه إلا أن يضرب لها أمثلة، ويأكل الأمر بعدها إلى ألمعيتك، فهي التي تتناول المعنى القليل فتجعله كثيراً، وتتلقى القول مجملاً فتفصله تفصيلاً.
من الحكمة في الدعوة: أن تناجي بها الجاهل أو الغافل في خلوة؛ إبقاءً للستر عليه، ورغبة في حسن إصغائه إليك؛ فإن كثيراً من الناس مَن إذا ألقيت عليه النصيحة في علن، أخذته العزة، وثنى عطفه عن الاستماع أو الامتثال.
فإذا تصامم عن قبولها في خلوة، ساغ لك أن تلقيها عليه في ملأ؛ لعله يتألم من الفضيحة، ويحذر سوء الأحدوثة، فيعود إلى سيرة نقية، ويذكَّر كما يذكَّر أولو الألباب. قال تعالى في قصة نوح - عليه السلام -: {قَالَ رَبِّ
(5/ 2/35)

إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5] إلى أن قال: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح: 8، 9].
ومن الحكمة: الجمعُ بين الإعلان والإِسرار؛ إزالة لما يقع في نفس المدعو من اتهام الداعي بأنه ما أراد من دعوته علانية إلا تلويث عرضه، وإذاعة كلمة السوء عن سيرته.
ومن حسن النظر: أن تكون الدعوة إلى المطالب العظيمة بطريق الترقي؛ كأن يبتدئ المصلح بما هو أيسر عملاً، أو أقرب إلى المألوف لدى الأمة، أو أظهر حكمة لعقولهم. وعلى هذه القاعدة وضع الإسلام سياسته، فنجد في تاريخ التشريع: أنه أمر بالصلاة، وسكت عن الكلام في أثنائها، ثم نهى عنه، وجعله من مبطلاتها. وأمر بالإنفاق على وجه التطوع، ثم شرع فريضة الزكاة. ونبه على مفسدة الخمر بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]. ثم منع منها في حال الصلاة خاصة فقال: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]. ثم حرّمها في كل حال تحريمًا لا هوادة فيه فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
وروي عن بعض الصحابة: أنه قال: لو جاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين وبالقرآن دفعة، لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الإسلام. ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها، وعرفنا حلاوة الإيمان، قبلنا ما وراءه كلمة بعد كلمة، على سبيل الرفق، إلى أن تم الدين، وكملت الشريعة.
ويحكى عن عمر بن عبد العزيز: أن ابنه عبد الملك قال له: ما لك
(5/ 2/36)

لا تنفذ الأمور؟! فو الله! لا أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. فقال له عمر: لا تعجل يا بنيَّ؛ فإن الله ذمَّ الخمر مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإنني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، وتكون من ذا فتنة.
ويشابه هذا: أن يقصد الداعي إلى أمر فيه مشقة، فيضع أمامه تمهيدًا يخفف وقعه، ويقلل شأنه؛ حتى لا تكبره النفوس، وترتخي دونه العزائم خَورًا. ومثال هذا: ما سلكه التنزيل في التكليف بفريضة الصيام؛ حيث شرعه أولاً في أمر مجمل فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وذكر أن هذا النوع من القربة قد فرض على الأمم السالفة، فقال تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فهو عمل مألوف، وشريعة غير خاصة، وفي هذه التذكرة ما يدخله في قبيل السنن الجارية، ويجعله أمراً هينًا. ثم أشعرهم بأن أيامه في الحساب قليلة، فقال تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]. وبعد أن هيأ النفوس لقبول فريضته، قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
وجرى التنزيل على هذه السنّة عند الترغيب في أمر صعب المركب، شديدِ الأثر على النفس، وهو الصبر على الأذى، ومقابلة الإساءة بالعفو، فأمر بالعدل في المجازاة، ونهى عن تجاوز المثل في العقوبة، فقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]، ثم بيّن في قوله تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]: أن الأكمل لهم الإغضاء عن السيئة، وترك المؤاخذة عليها، فالصفح عن الأذى - مع القدرة على الانتقام -
(5/ 2/37)

ضرب من الكرم، ومظهر من مظاهر الرحمة. ثم قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127]، فرغب في الصبر بطريق أبلغ؛ إذ وجّه الخطابَ به إلى الرسول اللأعظم، وهو أسرع الناس إلى الاستقامة على الطريقة، فيجدون من سنّة التأسي به نشاطاً للطاعة، وباعثاً على التجمل بالصبر، وإن ثقلت على النفوس وطأته.
ويُقارب هذا النوع من السياسة: أن يأخذ الداعي في تقرير المصالح بوجه عام حتى يأنس لها الناس، ويتفقهوا في طرق الخير على سبيل الإجمال، ثم يندبهم إلى الأعمال المندرجة تحتها ببيان وتفصيل؛ فإن من السهل على البشر قبول القضايا الكلية، وقلما نازعوا في صحتها. وأكثر ما يقع منهم الإنكار والاختلاف في المسائل الجزئية، وأحكام النوازل المعينة، وعلى هذا النمط أدار الإسلام سياسته، فأسسّ معظم قواعده العامة بمكة، وشرع أكثر الأحكام الفرعية بالمدينة المنوَّرة.
ومن حسن السياسة: ألا يجهر برأيه الصريح في صدر مقاله، وإنما يبتدئ بما يخفُّ على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ويدنو من إيضاحه شيئاً فشيئًا حتى لا يفصح عنه إلا وقد ألفته نفوسهم، وهدأت له خواطرهم. وعلى هذه الطريقة جرى ذلك المؤمن من آل فرعون، فقد كان يكتم إيمانه، وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله، وكان يخشى- من التصريح بعقيدته - بادرة غضبهم، أو انتقامهم منه، حتى اغتنم وقت إجماعهم على قتل موسى - عليه السلام - فرصة، وقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتخلص إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بُعث به هذا الرسول دعوةً ظاهرة، قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ
(5/ 2/38)

مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28].
فاتحهم بالإنكار على قتله، وهو لا يدلُّ على أنه مصدّق برسالته، إذ قد ينهى العاقل عن سفك دم الرجل أو اضطهاده، وهو من أبغض الناس إليه، تألماً من مشهد الظلم، أو حذراً مما ينشأ عنه من فتنة، ودل بقوله: {أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأومأ إلى أنه لم يجئ شيئاً نكراً يستحقّ به هذه العقوبة الصارمة، وذكّرهم إذ قال: {وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28] بالدلائل القائمة على صدقه في دعوى الرسالة، وقد أخذ يتقرّب بهذه الجملة من دعوتهم إلى الإيمان به، ولم يرد التظاهر بأنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة في أدب الإنصاف إلى أن صدع ببطلان نحلتهم، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح، قال تعالى فيما يقصه عنه: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} [غافر: 41، 42].
قد يسكت المرشد عن بعض ما يكون حقاً، أو يتعرض له بعبارة مجملة، أو ذات وجهين، إذا لم يساعده الحال على أن يصدع به، ورأى ضرر التصريح به أرجح من نفعه. وليس له أن يقول غيرَ الحق بقصد أن يتألف أصحاب النحَل والمذاهب الزائغة، ويستدرجهم إلى ما يُورده بعده، أو يثبته في حديثه من الحقائق والدلائل الفاضحة لمعتقداتهم وأوهامهم. وزعم الرازي صحة هذا الصنيع، وعدَّه من حكمة المتشابه في التنزيل، وحمل عليه قول إبراهيم - عليه
(5/ 2/39)

السلام - في محاجّة قومه الواردة في القرآن {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] مشيراً إلى النجم، ثم القمر، ثم الشمس. وقد ذكر المحققون للمتشابه وجوهاً أظهر من هذا الوجه، وفهموا قول إبراهيم - عليه السلام - على غير هذا التأويل.
ومن حكمة الداعي: أن يسبق إلى العمل بما يأمر، فقد يكون اقتداء الناس بأفعال المصلح أقرب من اتباعهم لأقواله، ويشهد بهذا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في شرع الأحكام، فتراه في بعض الأحيان يصرح بالإذن في أشياء، فلا يبادرون إلى فعلها، ويستمرّون على الإحجام عنها حتى يقرّرها بالعمل، ثانياً: تجده قد أذن لهم- وهم على سفر- في الإفطار شهر رمضان، وبقي هو صائماً، فلم يقطعوا صومهم حتى عمد إلى الفطر، فخفّوا إلى الاقتداء بفعله، وأفطروا. وأذن لهم في نكاح من كنَ أزواجًا لأدعيائهم، فكبر عليهم أن يخرقوا هذه العادة حتى تزوج - صلى الله عليه وسلم - بزينب بعد أن فارقها مولاه زيد، وفي هذا المعنى نزلت آية: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37].
ومن الوسائل التي يكون لها أثر في تألّف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح: بسط المعروف في وجوههم، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة، قد يعطف قلويهم نحو الداعي، ويمهد السبيل لقبول ما يعرضه عليها من النصيحة. والنفوس مطبوعة على مصافاة من يُلبسها نعمة، ويُفيض عليها خيراً. ولمثل هذه الحكمة ذكر القرآن في مصارف الزكاة: صنف المؤلفة قلوبهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60]
(5/ 2/40)

الإذن في السكوت عن الدعوة
إنما تسقط فريضة النصح والدعوة إلى الحق في موضعين:
أحدهما: أن ينشأ عن الأمر أو النهي مفسدة أعظم، وذلك ما تقتضيه قاعدة: ارتكاب أخفّ الضررين إذا تعارضا. ومن شواهده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره من الصحابة تناولهم الأعرابي حين أخذ يبول في المسجد، ونهاهم عن ذلك، وقال: "إنما بُعثتم ميسرين، ولم تُبعثوا معسرين"، فالبول في المسجد تلطيخ لمحل العبادة بنجاسة، وفي قطعه عمن شَرع فيه مفسدة أكبر منه، وهي ما يحدث عنه من علة في البدن. والنجاسة تزال بالماء. ومن العلل ما ينبو عنه رأي الطبيب، ويخونه فيه الدواء، واعتناء الإسلام بالمحافظة على سلامة الأبدان غير قليل.
ويماثل هذا: أن يكون صاحب الضلالة ممن يطغى على الداعي، ويستنكف أن يكون بمنزلة المصادر عن إرشاده أو تذكيره، فيأخذه الإعجاب بسطوته إلى ارتكاب جهالة أفظع من الأولى حتى يغيظ داعيه إلى الخير، ويتظاهر بالغلو في مخالفة أمره أو نهيه.
ولا يدخل في هذا القبيل أن تجري عادة العامة بترك سنّة، أو فعل بدعة، ويكون أمرهم أو نهيهم سبب ثورة لا تتجاوز القلم أو اللسان، فإذا شد المصلح قلبه بإخلاص، وتحرَّى الأدب جهده، فلا جرم أن يكون لدعوته
(5/ 2/41)

الأثر النافذ، والعاقبة الحسنة، وليس السكوت عن صنيعهم، أو التمحل في تأويله، والفتوى بصحته، إلا مداهنة وإيثاراً للخلق على الحق، ولا يلبس هذه الخصلة المنكرة إلا قصير النظر، أو ضعيف الإرادة.
ولا حقَّ لأحد في أن يكتم ما فرض الله معرفته معتذراً بالخوف من أن يقع المخاطبون في سوء فهم، أو اضطراب فكر؛ فإن هذا النوع من العلم لا تحار في إدراكه العقول، وإنما يقوم مثل هذا معذرة للسكوت عن الحق الذي لم يكلف الناس بعلمه، وهو المراد يقول الإمام علي - كرم الله وجهه -: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! "، ومن هذا: حديث عائشة - رضي الله عنها-، قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة! لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر- وفي رواية "بجاهلية" -، لنقضتُ الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون"، والذي تحاماه - صلى الله عليه وسلم - أن يظن بعضهم - لقرب عهدهم بالإسلام - أنه غيّر بناء الكعبة لينفرد بالفخر عنهم.
ثانيهما: أن يوقعه الأمر أو النهي في بلاء، ويلحق به ضرراً فادحاً. وعدّ الإمام الغزالي من هذا البلاء: الاستخفاف به على وجه يزري بكرامته. وقد يكون هذا عذراً في صرف الدعوة عن طائفة خاصة عرف منها هذا الخلق اللئيم، ولا يصح أن يكون عذراً في الإحجام عن دعوة الأمة إلى صالح، وإن وجد فيها طائفة تطلق ألسنتها بسباب المصلحين، وتباهتهم في المجامع أو الصحف بغير حساب.
وقد اتخذ بعض المفسدين هذا السباب والمباهتة سلاحاً يشهرونه في وجوه من يعترضون دعايتهم بالإنكار، ولو كان مثل هذا الأذى يجيز لأهل
(5/ 2/42)

العلم أن يخلوا سبيلهم، ويغمضوا عن منكراتهم، لسرت تلك الدعاية سريان السم الناقع، ولوثت هذه الفطرة السليمة برجس الغواية، ولا مرية في أن بلية الإغواء أشد إيلاماً لعقلاء الأمة، وأسوأ عاقبة من أن تنهش أعراضهم بألسنة حداد.
ويرى الشيخ ابن عرفة: أن خوف العزل من المنصب لا يعد عذراً يسقط عن الرجل فريضة النهي عن المنكر، وإذا كان بعض من لا يرجون لله وقارًا، قد يدعوه الحرص على إحراز سمعة فاخرة إلى أن يذود عن المصلحة العامة، وبزدري الولاية، ولا يبالي أن يصبح عاطلاً من قلادتها، أفلا يليق بأهل التوحيد الخالص - ما داموا يستيقنون أن الله يرزق الداعي إلى الإصلاح من حيث لا يحتسب - أن يكون أزهد الناس في المنصب الذي يطوي ألسنتهم عن قول الحق، أو يحملهم على مجاراة رئيس لا ينهى النفس عن الهوى؟!.
فإذا اعتقد الداعي إلى الإصلاح بما يناله من عذاب وبلاء، فهو في سعة واختيار من تحمل الأذى، أو طلب السلامة، فإن شاء، أخذ بالعزيمة، ورفع صوته بالدعوة إلى الحق، وإن شاء، تمسك بالرخصة التي يتمسك بها المستضعفون من الرجال والنساء.
وقد آثر جماعة من علماء الإسلام؛ لقوة غيرتهم على العدل، وشدة رغبتهم في الصالحات، أن يأخذوا بالعزم، وبحافظوا على الجهر بالإرشاد، وإن كره المفسدون جهرهم، وأذاقوهم من ألوان جورهم عذاباً أليمًا.
ومن قصصهم في هذا الشأن: أن الملك إسماعيل والى الإفرنج، وسلَّم لهم "صيدا"، وغيرها من الحصون؛ لينجدوه على الملك نجم الدين أيوب،
(5/ 2/43)

فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذه الفعلة الخائنة، فغضب عليه الملك، وعزله عن مناصبه، وأمر باعتقاله، ثم بعث إليه من يعده ويمنيه لعله يرجع عن إنكاره ويرضى، فجاءه الرسول وقال له: تعاد إليك مناصبك وزيادة، وما عليك إلا أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير. وما كان جواب الشيخ إلا أن قال له: والله! ما أرضاه أن يقبّل يدي، فضلاً أن أقبَّل يده، يا قوم! أنتم في واد، وأنا في واد.
(5/ 2/44)

علل إهمال الدعوة
ما بال الرجل يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة، ولا تنهض به الهمة ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالم فوزهم؟!.
أخذنا نبحث عن منشأ هذا التقصير، وندير النظر في البحث كرتين، فرأينا مدار علته الفاقرة على عشرة أسباب:
1 - المداهنة، فمن أهل العلم من يرى ذا جاه أو رياسة يهتك ستر الأدب، أو يعثو في الأرض فساداً، فيتغابى عن سفهه أو بغيه، ويطوي دونه التذكرة والموعظة ابتغاء مرضاته، أو حرصًا على مكانة أو غنيمة ينالها على يديه. ومن البلية: أن المترفين، ومن بنحو نحوهم في الزيغ والغرور، لا يكتفون ممن يسوقه الزمن إلى نواديهم أن يسكت عن جهلهم، ويتركهم وشأنهم. وإنما يرضيهم منه: أن يزين لهم سوءَ عملهم، أو يرمقهم بعين مكحولة بتبسم الاستحسان، وهو أقل شيء يستحق به في نظرهم لقب كيِّس ظريف!.
والمداهنة خلق قذر، لا ينحط فيه إلا مَن خفَّ في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغار ومهانة، وهذا تاريخ العلماء الراسخين ناطق بما كان لهم من الإقدام على وعظ الأمراء، والإنكار عليهم إذا أساؤوا التصرف، أو أهملوا.
(5/ 2/45)

قال عز الدين بن عبد السلام للملك نجم الدين أيوب في مجلس حافل برجال الدولة: يا أيوب! ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوّئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة. فقال: هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. فقال: أنت من الذين يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 23]، فرسم الملك بإبطال تلك الحانة (1).
نعلم أن السلطة السياسية تتتقل أطواراً، وأن موقف العلماء أمام الأمراء يختلف على قدر ما يكون للعالم من مكانة في قلوب الأمة، وعلى قدر ما يكون للأمير من حماقة أو أناة. واختلاف السياسة أطوارًا، أو اختلاف مواقف العلماء أمام الأمراء إنما يقتضي أن يكون لكل طور سياسي- أو لموقف كل عالم- أسلوب في الدعوة يطابق مقتضى الحال، أما أصل دعوة الأمراء إلى حق أو صالح، ففريضة قائمة، وعز الدين بن عبد السلام، وأحدُ علماء هذا العصر - في احتمال أمانتها، ووجوب تحرير الذمة بأدائها - على سواء.
2 - ضعف الجأش، وقلة الصبر على المكاره، وهو خلق يقطع لسان صاحبه عن قول الحق؛ مخافة أن لا يرتضي بعض الناس قوله، فيضمروا له البغضاء، ويسوموه أذى أو تهمكاً:
وكم سقتُ في آثارهم من نصيحةِ ... وقد يستفيد البغضة المتنصحُ
وقد تعرض الكتاب العزيز لخصلة الاستهزاء بالمرشدين، ونبه على
__________
(1) "طبقات الشافعية" لابن السبكي.
(5/ 2/46)

أنها عادة مالوفة، وأذى يعترض في طريق كل مناد بالإصلاح، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر 10 - 11].
وقد يقص علينا من بذائهم ومكرهم ما يصح أن يكون من حكمةِ تسلية الدعاة، وتأكيد عزمهم على مواصلة الدعوة، وقلة الاكتراث بما يلاقونه من شغب وإساءة، فإذا لقي رُسُل الله- عليهم السلام- من سفهاء القوم أذى كثيراً، فأغمضوا عنه، وداسوه بأقدامهم، فلا يسع غيرهم ممن يريد الخير لأمته إلا أن ينصح لهم، ويفتح في طرق الهداية أبصارهم، ولا يبالي بمن ينغض إليه رأسه ساخراً، أو يطلق فيه لسانه لامزاً.
3 - إن في الرؤساء من تجمح بهم أهواؤهم عن ناحية العدل، ولا يرقبون لفضيلة العفاف عهداً، فيكيدون لكل من شأنه الدعوة والإصلاح؛ لكيلا يتعرض لسيرتهم، أو يتطاول إلى نقد سياستهم. وهذا الضرب من الاستبداد يلقي في النفوس الضعيفة حذراً بالغاً، ويقلب العارفين بطرق الإصلاح إلى حال الغافلين عنه، فتراهم ينظرون إلى الفساد يتقلب في البلاد كأنهم لا يبصرون.
قد يعذر أمثال هؤلاء في عدم التعرض لأحوال الرؤساء المستبدين؛ حيث اعتقدوا أن خوضهم فيها يسوقهم إلى عقوبة لا طاقة لهم بها. ولا عذر لأحد في الصمت عن التذكير جملة إلا إذا بلغ هؤلاء المستبدون أن يضعوا عقوبتهم على ظهر كل من ينهى عن منكر، ولو لم يكن له صلة بسياستهم الجائرة، ولعلك لا تجد في أنباء الدول من يتخطبه شيطان الاستبداد حتى يسطو على كل من ينطق بالحكمة والموعظة، وواجب العلماء أن يقوموا
(5/ 2/47)

بالإصلاح والإرشاد في دائرة الإمكان.
4 - أن يغلوَ العالم في الورع، فيأبى الذهاب إلى حيث يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكرة حذراً من أن يغشى ناديَ منكر، أو يختلط بصاحب ضلالة.
حكى القاضي عياض في كتاب "المدارك": أن عضد الدولة فنا خسرو الديلمي بعث إلى أبي بكر بن مجاهد، والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة، فلما وصل كتابه إليهما، قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه: هؤلاء قوم فسقة، لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه يشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان مخلصاً، لنهضتُ. قال القاضي ابن الطيب: فقلت لهم: كذا قال المحاسبي، وفلان، ومن عاصرهم: إن المأمون فاسق لا يحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرطوس، وجرى عليه ما عرف، ولو ناظروه، لكفّوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة. وأنت أيضاً - أيها الشيخ - سلكت سبيلهم حتى يجري على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية، وها أنا خارج إن لم تخرج. فقال ابن مجاهد: إذا شرح الله صدرك لهذا، فاخرج.
5 - أن يقوم الرجل بالإرشاد، فلا يجد ممن فيهم الكفاية مساعداً، وربما أدخلوا في قلبه اليأس، وسدوا باب الأمل في وجهه متكئين على دعوى فساد الزمان، وعدم إفادة النصيحة عند غلبة الفساد، وهو الخاطر الذي يسر أعداء الأدب أن يستقر في نفس كل مؤمن، فيجدوا من خمول أهل العلم وكسلهم، ما ينشط بهم إلى أن ينادوا للخروج على الفضيلة وهم آمنون.
6 - أن يجد العالم في سيرته سيئة أو سيئات، فتلقي في نفسه الذلة
(5/ 2/48)

والرهبة، ويترك الإرشادة حذراً من أن يلمزه بها الناس حين يقوم بينهم مقام الواعظ الأمين. والعادة أن من يخرج للناس في ثوب مرشد، وقد علقت بسيرته وصمة، لم يلبثوا أن يذكروه بها، وينشدوه:
يا أيها الرجلُ المعلّم غيرَه ... هلّا لنفسك كان ذا التعليمُ
فينبغي للعالم أن يكون ذا نفس زكية، وساحة نقية، حتى لا يكون الخلل في سيرته كالشجا يقف له في لهاته، ويمنعه من هداية المسرفين. وعلى أي حال كان، لا يليق به الإحجام عن الإرشاد، فإن ما يعرفه له الناس من زلل قد يصرف عنه وجوه العامة، ويقعد بهم عن سماع موعظته، أما الخاصة، فربما انتفعوا بدعوته الموصولة بالحجة أو بيان الحكمة.
7 - العداوة تنشب بين الرجل والفئة الجاهلة، فتمسك لسانه عن نصيحتهم وإنذارهم ليتمادوا في ضلال، ويتساقطوا على عمل يهوي بهم في خسار. وقد خادعت هذا البائسَ نفسه، فرمت به في غش، وساقته إلى التهاون بواجب النصيحة.
8 - الشفقة تفيض في فؤاد الرجل، وتطغو على حبه للإصلاح، فترده عن أمر الشخص بصالح فيه كلفة. والشفقة كسائر الفضائل التي يخرج بها الإفراط إلى ما لا يسمى فضيلة، وقد نهى القرآن عن مثل هذه الشفقة الطاغية، فقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} [النور: 2]. فالحدود والنظم وضعت لحفظ المصالح، واستيفاء الحقوق، فيجب ألا يكون للرأفة الداعية إلى الإخلال بشيء من إقامتها أثر يرى.
وأخرج ابن جرير في "تاريخه" عن سالم: أن عمر بن الخطاب كان إذا
(5/ 2/49)

صعد المنبر، فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير، وأقسم بالله! لا أجد أحداً منكم فعله، إلا أضعفت عليه العقوية؛ لمكانه مني.
9 - أن يكون المستحق لأن يوجِّه إليه الداعي أمره أو نهيه مثل أب مطاع، أو معلم محترم، فيبلغ به الحياء منه، والاحترام لمقامه أن يسكت عن دعوته المشعرة بنسبته إلى جهالة أو خطيئة. وفيما قصة الله علينا من موعظة إبراهيم - عليه السلام - لآزر، وتسميته أباً، ما يرشدنا إلى أن الأبؤَة لا تمنع من الأمر بمعروف، أو النهي عن منكر، ولكن الأب يستحق من أدب الخطاب ولطف الموعظة أكثر مما يستحق غيره. وفي قصة موسى والخضر- عليهما السلام -، واتباع الأول للثاني بصفة متعلم، ثم إنكاره عليه خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، عبرةٌ للمتعلمين والمعلمين، فللمتعلمين حق الإنكار، وعلى المعلمين أن لا يستنكفوا.
10 - علة نادرة، ولا ندري هل بقي لها من أثر إلى هذا اليوم، وهي: أنه كان في الناس من يبدو له أن يترك بعض أعمال الخيرة حذراً من أن يخالط قصدَه الرياءُ، والتطلعُ للسمعة، فيقلص نور إخلاصه، ويفوته ثواب الله في الآخرة. وترك الدعوة بمثل هذا الوسواس ورعٌ خادع، وما على العارف بالإصلاح إلا أن يجاهد نفسه، ويأخذها بأدب الإخلاص ما استطاع، ومخافةُ الرياء تجاه فائدة الدعوة إلى صالح لاغية.
11 - علةٌ نشات في هذه الأيام، وهي أن الذين في قلويهم زيغ قد وجدوا من القوة المادية، وسلطان الدول الأجنبية، ما يزين لهم نشر دعايتهم الهازلة، فصادفت من بعض الأحداث أفئدة هواء، فباضت فيها وفرخت، وأخذ الإلحاد
(5/ 2/50)

يدرج على ألسنتهم، وصفاقة المجّان بارزة على وجوههم. وقد ينظر بعض أهل العلم إلى أن هذه الفتنة لم يسبق لها مثيل فيما سلف، فيهاب سطوتها، ويحسبها ناراً لا يمكن إطفاؤها، فيذوب أمامها، ويوليها ظهره يائساً!.
وما هذه الفتنة إلا جولة باطل يتوكأ على قوة مادية، فمتى لقي في سبيله الحقائق تكتنفها البينات، ذهب جُفاء، ولا يبقى له أثر إلا في نفوس يذهب المنطق بين جهالتها وشهواتها ضائعاً.
(5/ 2/51)

آثار السكوت عن الدعوة
ينزوي العارفون بوجوه الإصلاح، فيرفع البغي لواءه، ويبقى إخوان الفساد يتردّدون على نوادي المنكرات، والبغيُ يضرب على الأمة الذلة والمسكنة، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة؛ من نحو: الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير. وإذا تفشى وباء البغي والفساد، تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلّت الرغبة في الآداب والعلوم. وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام والجهل والتفرّق وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدّمار، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [لإسراء: 16]. ومن أكبر الدَّمار الذي تبتلى به الأمم الفاسقة: أن تقع ناصيتها في قبضة خصمها العنيد، وفي التنزيل الحكيم ما يفيد أن لمرتكبي فاحشة الظلم عاقبة وبيلة، هي وقوعهم تحت سيطرة الظالمين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين، أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارهم في العمل الصالح على أنفسهم، يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون، والذي جرت به
(5/ 2/52)

سنة الله في الأمم، أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها، لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعدّاها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم ياخذوا على أيديهم، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]. ومن الفتن ما ينزل على القرى الظالمة، ويأتي على المؤمنين منهم، ولو لم يلبسوا إيمانهم بترك النصيحة، وقاموا بالأمر والنهي جهدهم. فإنك تجد فيما تطالعه من أنباء الأمم: أن الأمة التي يجوس خلالها الظلم والفساد، لا تلبث أن تسقط من شامخ عزّها، فإما أن تقبض عليها يد أجنبية، وإما أن تحل بها قارعة سماوية، وما كان من نوع هاتين العقوبتين يتناول الأفراد الذين نصحوا لقومهم فلم يقبلوا، كما يتناول الصبيان، ومن لا قدرة له على الجهر بالنصيحة.
روي في الصحيح عن زينب بنت جحش، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا أكثر الخبث".
وعن ابن عمر: أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أنزل الله عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم".
ومن البلية في سكوت العلماء: أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء، أو استحسانها، فإذا نهيتهم عن بدعة أو سيئة، وسقتَ إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله، كان جوابهم: أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من العالم فلان، ولم يعترض فعلهم بإنكار.
ومن أثر التهاون بالإرشاد: أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية، فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها
(5/ 2/53)

قلوبهم حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها. ومن أثر هذا: أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع، ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يشرف عليها.
ومن أثر السكوت عن بيان الحق والدعوة إليه: أن نبتت هذه الفئة التي تحاول القضاء على الآداب الفاضلة، والنظم الحكمية، وتهذي باسم الجديد والقديم، وأنصار الجديد وأنصار القديم، ويلغت بإخلاصها للقوة التي يعد الإخلاص لها جريمة، أن أخذت تدفع بعض أذنابها إلى إيذاء الأمة بتضليل أبنائها، والطعن في شريعتها، يفعلون هذا وهم يعلمون ما فيه من تمزيق رابطة الإلفة، وصدع بناء الوحدة، يفعلون هذا وهم يعلمون أنهم سيشاغبون أفكاراً وأقلاماً تعمل على إصلاح شؤون الأمة، وتجاهد في سبيل خلاصها، كانهم يبتغون منها أن تنصرف عن هذه الغاية السامية، وتقضي الزمن في جدالهم، وكشفِ اللثام عن بنات جهلهم ومواقع أهوائهم، وهذا ما وقع، وإلى الله المشتكى.
وإذا كان ضرر هذه الفئة على الحياة السياسية يساوي ضررها على الحياة الأدبية، فإن تقويمها، وحماية الشعوب من وبائها، لا يجب على رجال الدين خاصة، بل هو حق على كل من يغار على الأدب والنظام، وإطلاق الشعوب من قيود الاستعباد.
(5/ 2/54)

ما يدعى إلى إصلاحه
يجري الإنسان في أعماله على وفق ما يريده من أوضاعها وهيئاتها، وللإرادة صلة بالعقائد تصفو لصفائها، وتخبث لخبثها، فالإيمان بيوم البعث والجزاء تنشأ عنه إرادة فعل الخير؛ كالانتصار للمظلوم، أو إيثار ذي الحاجة، دون انتظار جزاء أو شكور في هذه الحياة. والجحود بعلاّم الغيوب إنما يكون مثار الإرادات الذميمة، ويزين لصاحبه أن يعقد نيته على ارتكاب الفحشاء والمنكر، إن لم يكن علناً، فمن وراء ستار، فإذا زاغت العقائد، كانت أعمال صاحبها بمنزلة من يرمي عن قوس معوجة، أو يضرب برمح غير مستقيم:
وإذاكان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدور الصِّعادِ
وإذاً، يجب على الداعي أن يوجه عنايته إلى محو المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح.
وللطباع الراسخة أثر في المسابقة إلى الأعمال، أو التباطؤ عنها؛ كسجية الكرم تنهض بالأمة إلى إنشاء الجمعيات العلمية، وتبسط أيديهم بالبذل في سبيل المشروعات الخيرية.
ومما ينبهك على أن للأخلاق سلطاناً على الإرادة: أنك ترى المسلم يعتقد بفريضة الزكاة، ويقرأ ما يناله في تركها من عذاب، ثم لا يكون منه إلا
(5/ 2/55)

أن يقبض يده عن قضاء واجبها؛ مطاوعة لداعية الشح، وإيثاراً للذة العاجلة على السعادة الباقية. وإذا كانت السجايا ميسرة للأعمال، ومساعدة على صدورها بسهولة، دخل في وظيفة المصلح الدعوةُ إلى نبذ الأخلاق السافلة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
وإصلاح الأخلاق بالمقالات العامة نافع، وأقرب الوسائل في تربيتها أن يركبها المصلح في طبيعة كل شخص بعينه، فكثير من الناس يتعلم الأخلاق الحميدة، ولا يشعر بأنه عارٍ من حليتها، وقد يدرك حقيقة الخلق الحسن وحقيقة ضده نظرياً، وتتشابه عليه صورهما في الواقع، فلا يكاد يفرق بينهما:
وفي الناسِ من عدَّ التواضعَ ذلةً ... وعدّ اعتزازَ النفسِ من جهلهِ كبرا
ومن هنا كانت تربية الأبوين الصالحين أرسخ أثراً من الأدب الذي يتلقاه الناشئ من الدرس أو الكتاب.
وكان المصطفى - صلوات الله عليه - يرشد إلى مكارم الأخلاق بالحكمة العامة، ويتولى تربية الأفراد على وجه خاص، فكثيراً ما نرى في الأحاديث الواردة في الحثّ على الخلق الجميل ما يصرف الخطاب به إلى شخص بعينه؛ كقوله - عليه السلام - لمعاذ بن جبل: "أحسن خلقك للناس"، وقوله لجارية بن قدامة: "لا تغضب".
ثم إن العمل لا يكون حسناً في نفسه إلا أن يسير به صاحبه في سنّة الله، ويقتدي فيه على آثار حكمته البالغة، فكان من شرط المصلح: درسُ كتاب الله، وسيرة رسوله الأعظم؛ ليكون على بصيرة من الأعمال التي يدعو الناس إليها. وقد ترامى على مقام الدعوة نفر لا يدرون ما الحكمة، ولا يفرقون بين السيرة القيمة والسيرة الضالة، فلطخوا النفوس بأرجاس تكاد تشبه هذه الأرجاس التي
(5/ 2/56)

تسيل من أفواه طائفة يسمون أنفسهم المجددين.
وحيث كانت الأمة تفتقر في بقائها وطيب حياتها وحماية ذمارها إلى وسائل شتى؛ كالصناع والعلوم النظرية- من نحو الطبيعيات والرياضيات -، أصبحت هذه الوسائل من قبيل ما تجب الدعوة إليه، كما صرح بذلك أبو إسحاق الشاطيي وغيره من الراسخين في العلم، فإن عظم مصلحتها، والخطر الذي ينشأ عن إهمالها دليلٌ واضح على أنها داخلة فيما تأمرنا حكمة الله بالمسابقة إليه، ولكن الإسلام لم يفتح العيون في كل موضع من مواضع إصلاحها، وما أعطى لتفاصيلها قواعد؛ كما فعل في قسم العبادات، والمعاملات، والجنايات، وإنما أرشد إليها في كثير من أوامره؛ كقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 65]. ثم فوَّض استنباطها واختيار ما هو الأصلح منها إلى الفطر السليمة، والعقول الراجحة، كما قال المصطفى - صلوات الله عليه - في واقعة تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"؛ فإن تمييز النافع والضار في مثل هذا لا يكاد يفوت مداركهم، أو يضيق عنه طوق عقولهم.
وقد يسبق غير العارفين بأدب الشرع إلى بعض نظم مدنية، أو فنون حيوية، فلا حرج على إخوان الإسلام أن يحاكوا غير المسلمين، ويعملوا على مثالهم فيما يحسن في نظرهم من هذه النظم أو الفنون؛ فإن إحجامنا عن أخذ ما بأيدي المخالفين من المعارف والنظم المفيدة في هذه الحياة، يفضي بنا- كما قال أبو حامد الغزالي- إلى أن نحرم من كل صالح سبقونا إليه.
فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجيدوا البحث عن أحوال الأمم الأخرى؛
(5/ 2/57)

لعلهم يقتبسون منها ما يليق بحياة أمتهم، كما يتعين عليهم أن يعرفوا أسباب ارتقاء الشعوب، وعلل سقوطها؛ ليستعينوا بها في ضرب الأمثلة، ويؤيدوا بها صواب ما تهديهم إليه البصيرة الخالصة.
وإذا استبان لنا أن وجوه الإصلاح كثيرة، وأن الدعوة لا تنهض بالأمة إلا أن تاتي على كل علة، فتصف دواءها، أدركنا شدة الحاجة إلى أن يكون المتصدي للدعوة جماعة مؤلفة من رجال رسخوا في علوم الشريعة، وألمّوا بالعلوم العمرانية، والشؤون المدنية، يجتمعون فيبحثون، ويسيرون تحت راية الإخلاص والإنصاف، ولو تقارب ما بين من درسوا علوم الإسلام، ومن درسوا العلوم الأخرى من المؤمنين، وتعاونوا على الدعوة، لأقاموها على وجهها المتين، وشادوا من قوة إيمان الأمة، وشرف أخلاقها، وسعة معارفها، وشدة عزمها حصونا تتساقط دونها مكايد عدوها خاسئة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].
(انتهت رسالة الدعوة إلى الإصلاح)
(5/ 2/58)

أثر الدين في إصلاح المجتمع (1)
كل أمة تنشد الإصلاح، وكثيراً ما يختلف زعماء الأمم في طرقه، وكثيراً ما تزِلّ أقدامهم إلى حضيض من الفساد، والحقيقة التي نقولها ونحن على بصيرة مما نقول، هي: أن الإصلاح الذي يرفع الأمة إلى منزلة تجلها القلوب، وتهابها العيون، وتجعلها في مأمن من أن تتداعى على أركانها، وتسقط إلى خمول واستكانة، هو الإصلاح الذي يرشد إليه الدين الحق، ذلك أن الدين الحق يسير بالناس على الطريقة الوسطى، فلا يأمر بما فيه حرج، كما يفعل بعض الدعاة المتنطعين، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ولا يجاري أهواء الناس ابتغاء مرضاتهم كما يفعل بعض الدعاة المتملقين. قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].
وغرضنا من هذا الحديث إلقاء نظرة عامة على نواحي الإصلاح الذي جاء به دين الإسلام، وسنتبع هذه النظرة العامة - إن شاء تعالى - بنظرات نقف بها في كل ناحية من نواحي هذا الإصلاح المعصوم، ونتحدث عنها بتفصيل، حتى نرى رأي العين كيف عالج الدين حاجات الاجتماع بحكمة وحزم.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الخامس عشر.
(5/ 2/59)

بعث الله محمداً - صلوات الله عليه -، والعالم في جهالة غامرة، وأهواء جائرة، وأعمال خاسرة، وما زالت هدايته تتكامل حتى أخذت بالإصلاح من جميع أطرافه، فوضعت مكان الجهالة علماً، ومكان الأهواء همماً سامية، ومكان الخسر صلاحاً وفلاحاً.
أصلح النفوس بالعقائد السليمة، وزودها بالأخلاق الزاهرة، وشرع من العبادات ما يؤكد الصلة بين العبد وربه، ثم نظر إلى أن الإنسان لم يخلق ليعيش في عزلة عن الناس، وإنما خلق ليكون واحداً من جماعة تتعاون على القيام بمرافق حياتها، والأخذ بوسائل سعادتها، فعني بحقوق ذوي القربى، فقرر النفقات والمواريث في نظم محكمة، وحرّض على إسعادهم، والبرِّ بهم من طرق المروءة وكرم الأخلاق.
وحاط الزوجية بحقوق تجعل الزوجين في ألفة صادقة، وعيشة راضية، وأخذ بإصلاح رابطة أخرى هي رابطة الجوار، واتجه بعد إصلاح هذه الصلات الصغيرة إلى إصلاح رابطة الإيمان، ثم رابطة الإنسانية، ووضع للمعاملات المالية نظماً عادلة، وللجنايات عقوبات زاجرة، فأصبحت النفوس والعقول والأعراض والأموال والأنساب بتلك النظم والعقوبات في صيانة.
وتناول الإسلام إصلاح الغذاء، فاذن في الطيبات من الرزق، وحرّم أشياء؛ لقذارتها، أو لأنها تلحق بالأبدان ضرراً، أو بالعقول خللاً، فترونه قد حرّم كل الميتة، وتناول السموم والمسكرات والمخدرات.
ووضع الزينة بمكانتها اللائقة، فاذن فيها، وأنكر على من يتعمد اجتنابها بدعوى أن اجتنابها من الورع والتقوى، ولكنه نهى عن الإسراف فيها، وأنذر الناس سوء عاقبة المسرفين.
(5/ 2/60)

وشمل الإسلام بنظرته الإصلاحية ناحية السياسة الخارجية، واتجه فيها بين رفق وحزم، فاذن في الحرب متى كان الشر في السلم، وأذن في السلم متى كان الشر في الحرب، وقرر للحرب آداباً تخفف من ويلاتها، وتجعلها كالدواء لا يتجاوز به المقدار الذي يحصل به الشفاء، وأذن في عقد المعاهدات على وفق المصلحة العامة، وحثَّ على الوفاء بالعهد.
وأرشد الدين إلى التسامح في معاملة المخالفين غير المحاربين، تسامحاً يرضي الإنسانية دون أن يبخس حقاً، أو ينصر باطلاً. قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
ووجد الإسلام في الناس مزاعم شأنها أن تكدر صفو الفكر، أو تعوق عن كثير من الأعمال الفاضلة، فأماطها عن الطريق السوي؛ كالتشاؤم ببعض الأمور، والإخلاد إلى البطالة بدعوى التوكل أو الزهد، وزعم الاطلاع على الغيب.
ونظر إلى أشياء هي وسائل إلى رقي الفكر البشري، أو وسائل إلى ازدهار العلوم على اختلاف موضوعاتها، فأدخلها في دائرة إصلاحه؛ كتحرير العقول من أسر التقليد، ودعوتها إلى الاعتماد على الحجة والدليل. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]. وكرفعه من شأن العلم، وحثه على طلبه، والسعي إلى تلقينه بقدر الطاقة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]. ولو قلت: إن النهضة العلمية الزاخرة التي ظهرت ببغداد وقرطبة هي من أثر الإصلاح الديني، لم أكن مخطئاً.
أصلح الدين الشؤون الفردية والاجتماعية بما أشرنا إليه من النظم
(5/ 2/61)

والآداب، ولا بد لهذه النظم والآداب من سلطان يشرف عليها، ويرد إليها من يحاول الخروج عنها، وذلك ما يسمونه السلطة القضائية أو التنفيذية، فدعا الدين الحق إلى إقامة هذه السلطة، ورسم لها سيرة حازمة عادلة، ومما أخذه عليها: أن تقيم سياستها على قاعدة الشورى، ومثل قاعدة: التسوية بين أفراد الأمة وجماعاتها، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقال وأثنى تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. قال- عليه الصلاة والسلام -: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". وكما جعل هذه السلطة راعية للأمة، جعل لعلماء الأمة وحكمائها الحق في أن ينصحوا للحائد في قضائه اْو تنفيذه عن طريق الرشاد. قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
ومن أثر إصلاح الدين للقضاء: ما يحدثنا به التاريخ عن أمثال قاضي قرطبة منذر بن سعيد؛ إذ كانوا يحكمون على الخليفة في قضايا يرفعها عليهم ناظر يتيم، أو تاجر قليل البضاعة خامل الذكر. وقد أتت رعاية العلماء الأمناء للسلطة القضائية أو التنفيذية فيما سلف بخير كثير.
يرعى الدين مصالح الأفراد والجماعات، وينهى عن الأعمال والمعاملات الضارة، وإن رضي بها من يلحقه ضررها، ومن هنا شرع الحجر على السفهاء، وحرم الزنا ونحوه في كل حال.
ويتحدث الناس عن الاشتراكية، وقد حل الدين هذه المشكلة. بأن جعل للفقراء أنصباء في أموال الأغنياء تؤخذ لهم، رضي الأغنياء أم كرهوا، وإذا نظرنا إلى أن الغني الذي يكون في ماله حق للفقراء هو كل من يملك النصاب
(5/ 2/62)

المقرر في الزكاة، عرفنا أنها اشتراكية كافية وعادلة.
وإذا تحدث الناس عن الرفق بالحيوان، فإن الدين الإسلامي قد وجه إلى الحيوان جانباً من عنايته، فحض على الرفق به، ونهى عما فيه تعذيب له، وشواهد هذا من نصوص الشريعة وسيرة علماء الأمة وأتقيائها ليست بقليل. يحض الإسلام على إصلاح شؤون الأمة عامة أو خاصة، حتى إنك لتراه يأمر بالفعل المشتمل على مصلحة، ويحذر أن يعتذر الناس بفقد الوسائل التي يتحقق بها هذا العمل الصالح، فيعود إلى الأمر بإعداد وسائله، حتى يتحقق الإصلاح، كما أمر بالدفاع عن الأوطان، وحذر أن يقول الناس عند الحاجة إلى الدفاع: ليس بأيدينا من سلاح، فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
ومن حرص الدين على الإصلاح، وأخذه في الدعوة إليه بالحيطة: أنه ينهى عما فيه مفسدة، ثم يعود إلى الوسائل التي تفضي إليه لا محالة، فيمنعها، ومن هنا تقرر في قواعد الشريعة قاعدة: سد ذرائع الفساد.
وقد سلك الدين في الدعوة إلى الإصلاح أساليب حكيمة؛ ليجعلها قريبة من النفوس، فلا تلبث أن تتلقاها بالقبول.
ومما تراه في أساليبه: أن يرشد إلى ناحية الإصلاح بكلمة عامة تجري مجرى الحكمة السائرة، ويذكر بعد ذلك ما يرى الحاجة داعية إلى بيانه وتفصيله، فانظروا إليه كيف قال في إصلاح صلة الزوجية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. ثم دل القرآن المجيد، وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - على كثير مما لهن أو عليهن من الحقوق بتفصيل.
ويدلكم على أن الإصلاح الديني مراعى فيه حفظ المصالح، ودرء المفاسد
(5/ 2/63)

في الواقع: رجوع أحكامه بعد الاستقراء إلى أربعة فصول: "الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الأعمال بمقاصدها"، واالعادة محكمة".
تناول الدين بنصوصه وأصوله نواحي الإصلاح أينما كانت، وليس من شك في أن اتباع الناس لهدايته أقرب، وسيرهم على ما يرسمه من الخطط أيسر، فإذا نحن دعونا إلى الإصلاح بحكمته، وذكرناهم بموعظته، أمِنّا ما يزِلُّ فيه الدعاة من عثرات، وكفينا ما يواجهون به من إعراض وعصيان.
ذلك دين الله، لا يدعو إلا إلى الخير، ولا ينهى إلا عن سوء، وقد أنصف الفيلسوف أبو العلاء المعري حين قال في لزومياته:
دعاكم إلى خير الأمور محمدٌ ... وليس العوالي في القنا كالسوافِلِ
حداكم على تعظيم من خلق الضحى ... وشهب الدجى من طالعات وآفلِ
وألزمكم ما ليس يُعجز حملُه ... أخا الضعف من فرض له ونوافلِ
وحثَّ على تطهير جسم وملبسٍ ... وعاقب في قذف النساء الغوافلِ
وحرم خمراً خلتُ ألباب شربها ... من الطيش ألباب النعام الجوافلِ
فصلى عليه الله ما ذزَّ شارق ... وما فتَّ مسكاً ذكره في المحافلِ
(5/ 2/64)

أثر أدب اللغة في نجاح الدعوة إلى الإصلاح (1)
العلم في نفسه فضيلة، ومن أتقن علماً من العلوم المعدودة في وسائل السعادة، أصبح ركناً من أركان نهضة الأمة، تنشرح الصدور لبقائه، وتحزن القلوب لفقده، ولكن العلم الذي يضيف إليه صاحبه الحذق في صناعة الأدب، يكون فضله أظهر، وأثره أقوى وأشمل.
ولو سألت التاريخ عن العلماء الذين طار صيتهم في الآفاق، أو تركوا آثاراً لا تضعها يد إلا تناولتها يد أخرى، لوجدت معظمهم من العلماء الذين خاضوا غمار أدب اللغة، ويلغوا فيه غاية سامية. ذلك أن أدب العالم يجذب إلى مجالسه الأذكياء من الطلاب، فيبذر علومه وآراءه في عقول خصبة، ويساعده على أن يقرر الحقائق بعبارات رصينة أنيقة، فتقع من النفوس وقع العذب الفرات من الكبد الحرّى.
وإذا كان العالم غير الأديب يلقي المعاني في عبارات لا يراعي فيها إلا أن تكون دالة على المعنى بمقتضى وضعها العربي، فإن العالم الأديب يستطيع شيئاً آخر وراء ذلك، هو أن يصوغ المعاني في عبارات تألفها أذواق السامعين أو القارئين، وتهوي إليها أفئدتهم، فيكون لها في نفوسهم أثر لا يوجد مع العبارات الخالية من روح الأدب، وإن صحت دلالتها على
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثامن.
(5/ 2/65)

المعنى في نظر اللغويين والنحاة.
للأدب أثر في أن يكون وعظك ناجحاً، ورأيك نافذاً. وللأدب أثر في أن تسوق القصة، فتسرع القلوب إلى ملاحظة ما حوته من عبرة. وللأدب أثر في أن تستقر الآراء العلمية في نفوس كانت قد عرضت عليها في غير أسلوب أدبي، فلم تسكن إليها.
فالأديب يحسن عقد المشابهة بين المعقولات والمحسوسات، أو بين المعاني الخفية والمعاني الجلية، ويجيد الاقتباس من آيات القرآن الحكيم، ويضع الأمثال في المقامات الشبيهة بمواردها، وهو الذي يريد أن يتحدث عن المعنى الواحد في المقام الواحد مرات متعددة، فيستطيع أن يعبر عنه في كل مرة بطريق يعرضه عليك في صورة جديدة، فتجد من الارتياح له ما لا تجده عندما ياتيك في صورته التي عرفته بها أول مرة.
ولو نظرت في المواعظ التي كانت تلقى على الأمراء والوزراء ونحوهم من الرؤساء المستبدين، فيلاقونها بسكينة، أو يتقبلونها بقبول حسن، لوجدت كثرها من قبيل المواعظ التي ينفث فيها الأدب شيئاً من روحه اللطيف، ولاسيما أدباً يتالق في موعظة صادرة عن إخلاص.
وإذا كان أولو الأنظار السليمة يعرفون الحق في أي عبارة ظهر، ويدركون الحجة في أي مقال وردت، فإن في الناس من يرد عليه الباطل في زخرف من القول، فيحسبه حقا، وتتعرض له الشبهة في حلية من محاسن البيان، فلا يرتاب في أنها حجة، ذلك لأنه يتخيل أن بين البراعة في القول، والسداد في الرأي صلةً لا تنقطع، فلا تراه يزن المعاني بميزان المنطق ليعلم صحيحها من سقيمها.
(5/ 2/66)

وهؤلاء الذين يستهويهم رونق الألفاظ أكثر من حكمة معانيها، ليسوا بقليل، فلا ينبغي لنا أن نستخف بهم، وندعهم لعصبة المضلين، يعرضون عليهم الآراء المنحدرة بهم في شقاء.
وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيل على المستضعفين سوى أنهم يحبرون لهم القول تحبيراً، فمن الميسور لدعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة، فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة، أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخير لإبلاغ رسالته الملوك والرؤساء من عرفوا بالحكمة وفصاحة اللهجة، تعرف هذا حين تقف على أسماء أولئك المبعوثين، وتقرأ شيئاً من أحاديث دعوتهم؛ كقول العلاء الحضرمي للمنذر ابن ساوي ملك البحرين: "يا منذر! إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة". وقول سليط بن عمرو لهوذة بن علي ملك اليمامة: "إن قوماً سعدوا برأيك، فلا تشق به". وقول عمرو بن أمية الضمري للنجاشي: "إن عليّ القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا بالثقة بك منك؛ لأناّ لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء إلا أمناه". وقول عبد الله بن حذافة لكسرى: "قد ملك قبلك ملوك أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا، وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة، فاختلفوا في سعي الدنيا، واستووا في عدل الآخرة". وقول دحية ابن خليفة الكلبي لقيصر ملك الروم: "فاسمع بذلّ، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل، لم تفهم، وإن لم تنصح، لم تنصف".
عني بأدب اللغة نفر تصدوا بعد للكتابة في العلم أو الاجتماع أو السياسة،
(5/ 2/67)

وكانت آراؤهم بعيدة من الرشد، واستطاعوا أن يسوقوا بعض الشبان الغافلين إلى غير حق، أو غير فضيلة، ويقذفوا بهم في إباحية هوجاء، ومن طباح هؤلاء القادة غير الراشدين أن يستخفوا بمن يقف في سبيلهم، ولو كان غزير العلم، قوي الحجة، إلا أن ينطق بأفصح من ألسنتهم، أو يكتب بابرع من أقلامهم.
وإذا اتخذ بعض الكتاب أو الخطباء أدب اللغة سلاحاً يقطعون به سبيل الخير والفلاح، أفلا يجدر بدعاة الحق والفضيلة أن يسبقوا إلى تقلد هذا السلاح، ويغوصوا في علم الأدب إلى غاية بعيدة، ويعملوا لإعلاء شأن هذا العلم، حتى تخرج لنا المعاهد الدينية والمدارس العلمية رجالاً يوردون الحجج في أساليب سائغة، ويزيحون عن الشبه والمغالطات ما تضعه على وجوهها من صبغة خادعة؟!.
ولم ننس أن في الشرق لهذا العهد رجالاً يجمعون بين حصافة الرأي، وطهارة القلب، وبلاغة القول، ويجاهدون في الإصلاح جهافى من لا يخافون لومة لائم، ولكنهم بالنظر إلى الطوائف الذين يحاربون الهداية، ويصدون عن سبيل الله، لا يبلغون الكفاية. والقصد: أن نعد للدعوة إلى الإصلاح قوة من الخطابة والكتابة تستطيع أن تقف في وجه كل دعاية لا تأتي بخير.
(5/ 2/68)

حريّة الدعوة فى دليل على رقي الأمة وعظمة الدولة (1)
أطيب الأمم حياة: أمة تجد الدعوةُ إلى الحق بينها طرقاً معبدة، فتذهب مطلقة العنان دون أن تعترضها عقبات. وإنما تملك دعوةُ الحق حريتها في ظلال دولة تسير في سياستها على رشد، ولا غاية لها إلا أن ترعى أمة عزيزة الجانب، نبيهة القدر.
يدرك المخلصون من أولي الأمر أن لا فلاح لأمة إلا بالدعوة، فينظرون إلى دعاة الإصلاح بارتياح وإكبار، ويدرك الدعاة إلى الإصلاح أن فتح باب الحرية في وجه الدعوة شأن الدولة التي تريد بأمتها خيراً، فتألفها قلوبهم. ويبذلون في تنبيهها لوجوه الإصلاح جهدهم.
فالدعوة إلى الحق ميزان الحرية الصادقة، ودليل رقي الشعب، فإذا رأيت الدعوة تغشى كل موطن، وتطرق كل سمع، فاعلم أن الحرية باسطة أجنحتها، وأن الشعب سائر إلى حياة راضية.
ولو رجعت إلى ماضي الأمم، رأيت هذه الحقيقة رأي العين: ترى الدعوة ترد مجالس بعض الرؤساء، فيفسح لها، ويتلقاها بأذن واعية، ويعمل لنفاذها، فتفهم من الجهر بالدعوة، وإبلاغها مسامع الرؤساء، أن الدعاة إلى
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الثاني عشر.
(5/ 2/69)

الحق في يقظة وعزم، وتفهم من عدم مقابلتها بالامتعاض: أن للرؤساء صدوراً فسيحة، وبصائر سليمة. وإذا قيض الله لأمة دعاة لا تأخذهم غفلة ولا جبن، ورؤساء يسمعون دعوة الحق، فلا تاخذهم العزة بالإثم، فهي الأمة البالغة الذروة من السعادة، أو السائرة إلى الذروة بخطا سريعة واسعة.
ولا أريد أن أذهب بك إلى عهود الخلفاء الراشدين، فتلك عهود معروفة بان الداعي يقول فيها كلمة الحق، وهو على يقين من أنه محفوف بالأمن من كل ناحية، حتى لا يحس الحاجة إلى تذكير نفسه بفضل الشجاعة، ومعروفة بأن الرئيس يسمع فيها كلمة الحق، ويسيغها دون أن يجد لها مرارة، ولكني أريد منك التفاتة إلى عهود دول إسلامية جاءت بعد تلك العهود الزاهرة، وأخذت فيها الدعوة إلى الحق أو الإصلاح حريتها، وكان الفضل في هذه الحرية لقوة إيمان الدعاة بما قاموا يدعون إليه من صالح، ولاستنارة بصائر الرؤساء، وإخلاصهم في تدبير شؤون جماعاتهم.
ومن العهود التي حظيت فيها الدعوة بحريتها الضافية: عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر بالأندلس، فكان العلماء في عهده يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحكمون بما أنزل الله، لا يخافون لومة لائم، وكثيراً ما يوجهون أمرهم ونهيهم إلى الخليفة نفسه، فيتلقى دعوتهم بالرضاء، ولا تحدثه نفسه بان يلحق بهم أذى، أو يقطعهم عن القيام بواجبهم، أو ينقصهم مثقال ذرة من الإجلال اللائق بمقاماتهم، وكان منذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة يواجهه بإنكار بعض أفعاله الخاطئة، وربما اشتد في لهجة الإنكار، وكان في مقدور الناصر أن يناله بأذى، ولكنه عرف إخلاص منذر، فتلقى إنكاره بأناة وسكينة.
(5/ 2/70)

ومن العهود التي أخذت فيها الدعوة حريتها: عهد أبي جعفر المنصور، وأذكر أنه وفد إليه عبد الرحمن بن زياد من القيروان، فلما جلس إليه، قال له المنصور: كيف رأيت ما وراء بابنا؟ قال: رأيت ظلماً فاشياً، وأمراً قبيحاً!! قال له أبو جعفر: لعله فيما بعُد عن بابي، قال: بل كلما قربت، استفحل الأمر وغلُظ، قال: ما يمنعك أن ترفع ذلك إلينا وقولك عندنا مقبول؟ قال: رأيت السلطان سوقاً، وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها. فأثّرت في أبي جعفر الموعظة، حتى اغرورقت لها عيناه.
وقد تحظى الأمة برجال تذهب بهم الغيرة على الحقوق والمصالح أن يقولوا الحق، ويتحروا في دعوتهم الصراحة، ولكنها تكون محرومة من رؤساء تتسع صدورهم لسماع كلمة الحق، فيعملون جهدهم لإسكات أولئك الدعاة، ويأخذون في قطعهم عن الدعوة بكل ما يستطيعون من حيلة.
وهاهنا يقع بين أولئك الدعاة والرؤساء جدال وتدافع، يريد الدعاة أن يوصلوا نصائحهم إلى كل أذن، ويشعروا كل مفسد بأنه مفسد، ويريد الرؤساء أن يستبدوا بتصريف الشؤون، ولا يشاركهم فيها أحد، ولو على وجه الوعظ والإرشاد.
وبين هذا الجدال والتدافع يسقط من صفوف الدعاة كثير من المستضعفين والمرائين، أما قوي العزيمة، سليم الإرادة، فيبقى ثابت القدم في الجهاد، وقد يدعوه إخلاصه وحكمته إلى أن يسلك في الدعوة أساليب تنفذ بها إلى القلوب، دون أن يجد المستبد الذي فيه مسكة من عقل منفذاً لصرفه عن الدعوة. فإذا حكى التاريخ، أو دلت المشاهدة على أن طائفة كانوا يدعون إلى حق جُحد، أو فضيلة أضيعت، ثم أخلدوا إلى الصمت، والحق لم يزل
(5/ 2/71)

مجحوداً، والفضيلة لم تزل مضاعة، فلك أن تجعل هذا الصمت أمارة على أن الدعوة لم تقم على إيمان قوي، وغيرة صادقة.
وقد يتولى أمر الجماعة رحيب الصدر، العارف بما تأتي به الحرية الصادقة من الفوائد العظيمة، ولكنك ترى طائفة من شأنهم الدعوة إلى الحق في خمول وانزواء، وإذا كان الصمت عن الدعوة في عهد المستبد قبيحاً، فهو في عهد من يوسع صدره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد قبحا، وأكبر إثماً.
وإذا كان من واجب دعاة الإصلاح صرف الجهد في معالجة المنحرفين عن السبيل، وانتزل ما في قلوبهم من قسوة حتى يالفوا سماع كلمة الحق، فإن من واجب ولي الأمر، الرافع للواء العدل، أن يبذل همته في معالجة المهملين للدعوة، وينتزع ما في نفوسهم من دواعي الجبن أو اليأس، حتى يظهروا في ميدان الجهاد لإعلاء كلمة الحق، وإزهاق روح الباطل، فيزعوا بحكمتهم ما لا يزعه السلطان القاهر بقوته.
والغاية التي نرمي إليها في هذا المقال: أن الأمة التي تحظى بالحياة الطيبة في دنياها وآخرتها، هي الأمة التي تنبت أرضها رجالاً تتقد قلوبهم غيرة على الحق، ويكون القابضون على أمرها رجالاً لا يعترضون دعوة الإصلاح، وان نسبت إليهم عوجاً في سيرتهم، أو نبهتهم لخطأ في سياستهم.
(5/ 2/72)

أصول الإصلاح الاجتماعي (1)
يعمل المصلحون على أن تكون شؤون أممهم الاجتماعية في نظام وصفاء، ولا تستقيم هذه الشؤون، وتخلص من كل كدر، إلا حيث تكون الأمة قد استوفت وسائل القوة والمنعة، وهي: الارتواء من مناهل العرفان، والرسوخ في مكارم الأخلاق، والاعتصام بحبل الائتلاف والاتحاد، وتوفير الأيدي على العمل لكسب الأرزاق. وهذه الوسائل الأربع إنما تعود على النفس بطمأنينة، وتذيقها طعم حياة لذيذة متى سبقها إيمان يضرب بأشعته في كل سبيل.
فتفاضل الأمم في مراقي العزة والقوة، يجري على قدر تفاوتها في الإيمان والعلم وكرم السجايا، ومتانة الاتحاد، والسعي لاكتساب الطيّب من الرزق.
أما الإيمان، فهو النور الذي يسعى بين أيدي الجماعة، يرد بها كل ورد عذب، ويرتاد بها كل مرعى خصب، وهو الوسيلة التي يبتغون بها رضا الخالق - جل شأنه -، وإذا ظفروا برضا الخالق، وفّقهم لكل عمل مجيد، وجعلهم إذ يجارون غير المؤمنين هم السابقين، وإذ يناضلون غير المؤمنين هم الفائزين.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد السابع عشر.
(5/ 2/73)

وقد دل التاريخ الصادق، والمشاهدات المتواصلة على أن المنتمين إلى دين حق، لا يدركهم خمول، ولا تعلو عليهم يد ممن سواهم إلا حيث يتضاءل الإيمان في قلويهم تضاؤلاً ينسيهم جلال علاّم الغيوب، ولا يبقى لحكمته البالغة عليهم من سبيل.
والسياسة الرشيدة تعلم يقيناً أن للإيمان الصحيح فضلاً في تقوية صلات الألفة والاتحاد، وفضلاً في تهذيب النفوس، وانتظام الأمن في البلاد، فتوجه عنايتها إلى تربية النشء على تعظيم أمر الله تعظيماً يتجه بهم إلى أفضل السير، وأحمدها عاقبة، وفي الحق أن من يضع في نفس الناشئ إيماناً مسنداً إلى حجة، إنما يبني فيها أساساً للسيرة القويمة، والعواطف الكريمة.
وأما العلم، فنريد منه: المعارف التي طلعت من أفق النبوة الصادقة، واستنبطتها العقول الثاقبة، أو ثمرتها التجارب الصحيحة، وفضل هذه العلوم في استبانة طرق الفلاح، واستكشاف ما في هذا العالم من أسرار، وتوفير أسباب الراحة في هذه الحياة، واضح بحيث يشهد به كل ذي باصرة، أو أذن واعية. والذي أرى التنبيه له في هذا المقام: هو أن الشرف إنما جاء على العلم من ناحية العمل به، فلو بلغ شخص الدرجة القصوى في علم من العلوم، ولم يكن لهذا العلم في حياته العملية من أثر، لكان هو والجاهل به سواء. فلا فضل للعالم بالشريعة إلا أن يقف بجانب حمايتها، ويأخذ نفسه بآدابها، ولا فضل للعالم بالهندسة، إلا أن يكون له قسط في تثبيت قواعد العمران والحضارة، ولا فضل لدارس الطبيعة، إلا أن يضع يده فيما يجلب للإنسانية راحة، أو يزيح عنها نصباً، ولا يحق لدارس علم أن يعد نفسه في قبيل أهل ذلك العلم، إلا أن يستطيع تحقيقه في صور عملية، كما يفعل
(5/ 2/74)

علماؤه الراسخون، والطالب الذي يقبل على العلم بداعية قوية من نفسه، هو الذي يسير فيه إلى أقصى غاية، ولا يرضى إلا أن يتجه به إلى الناحية الحيوية التي وُضع ودوِّن لإصلاحها.
وليس من شك في أن المعلم الذي يدرّس علماً برغبة من نفسه، هو الذي يصلح لأن يناط به العمل الذي يتصل بذلك العلم، وهو الذي يرجى لأن ينهض به في غير سآمة، ويعده عزمه على أن يقوم به أفضل قيام.
وأما أثر الأخلاق في رقي الاجتماع، فإن كل خلق يسد ثغرة في بناء المجتمع لا يسدها غيره، فالحاجة إلى إقامة المشروعات الكبيرة ثغرة لا يسدها إلا خلق السخاء، والحاجة إلى دفاع البغاة ثغرة لا يسدها إلا الشجاعة، ورباطة الجأش، والحاجة إلى حرية الدعوة إلى الحق لا يسدها إلى إقدام الدعاة، وحلم أولياء الأمور وأناتهم، ولطالما لهجت الألسنة والأقلام بتمجيد الأخلاق، ونوهت بما لها من فضل في الصعود بالأفراد والأمم إلى أوج السؤدد والكرامة، والذي يحتاج إلى ألمعية مهذبة، وبصيرة نافذة، إنما هو استبانة الطريق التي تسلك لتربية نشأتنا على الأخلاق الماجدة تربية تجعلهم يقدرونها حق قدرها، ويتنافسون فيها كما يتنافسون في العلوم والفنون. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقول:
إن المعاهد والمدارس التي يدرَّس فيها علم الأخلاق، ويكون رؤساؤها وأساتذتها أنفسهم مثلاً كاملة للأخلاق الراقية، هي الكفيلة بأن تخرج لنا نشئاً نباهي بسمو أخلاقهم، قبل أن نباهي بغزارة علومهم، ورجاجة عقولهم، وطلاقة ألسنتهم.
قال عمرو بن عتبة لمعلم أولاده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك
(5/ 2/75)

لنفسك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح ما تركت.
وأما الاعتصام بحبل الائتلاف والاتحاد، فإن في الناس من تقصر يده عن الوصول إلى حقوقه الشخصية، ومآربه الحيوية، إلا أن يعينه عليها قوم آخرون، كما أن من مقتضيات الحياة الاجتماعية ما يتعذر القيام به إلا أن تتمالأ عليه الجماعات الكثيرة، والتعاون الفردي أو الاجتماعي إنما يصدر عن ائتلاف وتعاطف يجعل الأمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فإن تفرقت القلوب، ضاعت المصالح الفردية، واختل أمر المصالح الوطنية، وصارت البيوت بحال القبور، وإن كانت مفتحة الأبواب، وسكانها بحال الجثث الهامدة، ولكنهم لا يستغنون عن الطعام والشراب.
وأما الثروة، فتدخل في أصول الإصلاح؛ من ناحيةِ أن كثيراً من المصالح الحيوية لا تقام إلا أن يبذل في سبيلها مال غزير، ثم إن كثيراً من الأخطار الداهمة لا يكفي في دفعها إلا قوة يسعدها الأغنياء بأموالهم قبل أن يسعدها الحكماء بآرائهم، وإذا استطاع الفرد أن يعيش في قلة من المال، وهو حافظ لكرامته، فإن الأمة لا تعيش حافظة لكرامتها إلا أن تكون في خزائنها أو بيت مالها ما يسد حاجاتها، ويكفل لها السلامة من كل قوة تحاول أن تسلبها حقاً من حقوقها.
وشعر الناس في القديم بمزية المال، ومساعدته لذي الهمم الكبيرة على أن يدركوا من الحمد ما لا يدركه المقلّون منهم، كما قال أحد أدبائهم:
أريد بسطة مالٍ أستعين بها ... على أداءِ حقوق للعلا قِبَلي
وكذلك الأمم لا تدرك سيادتها كاملة إلا أن تضيف إلى ما لديها من بسطة العلم وسماحة الأخلاق بسطة في الأرزاق، وقد جعل الله تعالى
(5/ 2/76)

لبسطة الرزق أسباباً، وجعل تعاطي هذه الأسباب صالحة معدوداً في الطاعات التي يجازي عليها بالحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، والزهد الذي يعد في جملة الفضائل لا يراد منه إيثار الفقر على الغنى في كل حال، وإنما يراد منه طهارة القلب من التعلق بالملذات والزينات تعلقاً يدفع إلى الوصول إليها ولو من طرق خبيثة، والتوكل على الله الذي هو شعبة من شعب الإيمان المثمر إنما هو قوة اتجاه القلب إلى الخالق عند العزم على العمل، حتى يسعده بالتوفيق، ويمده بالتأييد، وشاهد هذا قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
(5/ 2/77)

من هو الواعظ بحق؟ (1)
الوعظ: الدعوة إلى ما فيه خير وصلاح، والتحذير مما فيه شر وفساد، فالواعظ يرشد الجاهلين، وينبه الغافلين، ويعالج النفوس الطائشة مع أهوائها؛ ليعيدها إلى فطرتها السليمة من الإقبال على الفضائل، والترفع عن الرذائل، ولكن إرشاد الجاهلين، وتنبيه الغافلين، وتقويم عوج من غلبت عليهم شهواتهم، جهادٌ يحتاج صاحبه إلى ألمعية مهذبة، ودراية بالطرق الحكيمة، علاوة على العلم الذي يميز به بين الحق والباطل، ويفرق به بين المعروف والمنكر، ثم إن العلم والنباهة وحكمة الأسلوب لا تاتي بثمرتها المنشودة إلا أن يكون الواعظ طيب السريرة، مستقيم السيرة.
فمن واجبات المتصدي للوعظ: أن يكون متفقهاً في الدين تفقه من يستطيع أن يدعو إلى ما قرره الدين القيم من عقائد وأحكام وآداب، ويكون بعد هذا سريع التنبه لما يجري بين الناس من وسائل شأنها أن تفضي إلى فساد، ويكون نافذ البصيرة إلى ما يستتر تحت أقوالهم أو أعمالهم من أغراض وخيمة العاقبة، ويكون بعد هذا وذاك خبيراً بالأساليب التي تدخل بالوعظ إلى أعماق النفوس، فتبدل جهالتها معرفة، أو غفلتها يقظة، أو أهواءها الجامحة شغفاً بالخير، وتقبلاً للنصيحة، ويضيف إلى هذا: أن يكون لباسُ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثامن عشر.
(5/ 2/78)

التقوى شعاره ودثاره.
أما التفقه في الدين، فتتكفل به السنون التي يقضيها الطالب بالمعاهد الدينية العليا متى قضاها مجدّاً في التلقي والبحث، وقد أشار القرآن المجيد إلى أن الوعظ إنما يقوم على التفقه في الدين؛ حيث قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
والتفقه في الدين هو الذي يجعل الموعظة نقية من نحو إيراد الأحاديث الموضوعة، والقصص المنبوذة، وتحسين البدع المحظورة أو المكروهة، بزعم أنها سنّة، أو موافقة لروح التشريع.
وفي الحق أن الوعظ عمل جليل، وله في نظر الشارع مقام رفيع، وانما يحط من شأنه أن يتصدى له من لا يميز الأحاديث المصنوعة من الأحاديث الثابتة، ولا يفرق بين ما هو سنّة وما هو بدعة، ومن ينسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً لا يثق من أنه صدر منه، أو يلصق بالدين ما هو بريء منه، فقد ارتكب بهتاناً وإثماً مبينا، وكان مالك - رضي الله عنه - كثيراً ما ينشد البيت:
وخيرُ أمورِ الدين ما كان سُنَّةً ... وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائعُ
وأما اليقظة ودقة الملاحظة، ففي أصلها موهبة فطرية، ولكنها تقوى وتنمو على قدر ما يتقلب فيه الفكر من مشاهدات وتجارب ومطالعات تاريخية.
فينبغي - مراعاةً لهذا الواجب - أن ينظر في حال طالب الانتظام في سلك الوعّاظ، ويلاحظ في اختبار مبلغ هذه الموهبة الفطرية، حتى إذا كانت مفقودة أو ضئيلة، ولم يكن فيه استعداد لتنميتها، صرف إلى ناحية أخرى يمكنه أن
(5/ 2/79)

ينفع فيها المجتمع بقدر ما أوتي من علم.
وأما الأساليب الحكيمة، فتكتسب من النظر في سيرة الدعوة المحمدية، وسيرة الدعاة البلغاء في نصائحهم التي يوجهونها إلى الطوائف الخاصة أو الجمهور. يقولون: الموعظة ثقيلة على السمع، مستحرجة على النفس؛ لاعتراضها الشهوة، ومضادتها للهوى، حتى قال يونس بن عبيد: "لو أمرنا بالجزع، لصبرنا"؛ يشير: إلى ثقل الموعظة على السمع، وجنوح النفس إلى مخالفتها. ولكن صوغها في أسلوب راع يجعلها خفيفة على السمع، سهلة النفوذ إلى القلب، وقد تكون معاني الموعظة حاضرة في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثراً بها، حتى إذا عرضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع، وقعت منه موقع الإعجاب، كأنها معان جديدة لم يسبق له بها علم.
خرج الزهري يوماً من عند هشام بن عبد الملك، فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت كاربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام: دخل عليه فقال: احفظ مني أربع كلمات فيهن صلاحُ ملكك، واستقامة رعيتك، قال: ما هن؟ قال: "لا تعد عِدة لا تثق من نفسك بانجازها، ولا يغرنكّ المرتقى وإن كان سهلاً، إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن للأعمال جزاء، فاتق العواقب، وأن للأمور بغتات، فكن على حذر". ومعاني هذه الموعظة لا تغيب - فيما أحسب - عن أمثال الزهري، وإنما جاء إعجابه مما كسيت به من الإيجاز الساحر، وسلامة الألفاظ، وجمع الحكم الأربع في نسق جعلها كعقد ملتئم الدرر، محكم التأليف.
وأما التجمل بالتقوى في السر والعلانية، فيستمده الواعظ من قوة الإيمان بأن الله يعلم ما يسر الناس وما يعلنون؛ ومن تيقنه بأن دعوته إلى فعل شيء
(5/ 2/80)

هو تاركه، أو إلى ترك شيء هو يفعله لا تتجاوز الآذان إلى القلوب، وتذهب كما يذهب الزبد جفاء، وقد أشار القرآن المجيد إلى أن داعي الناس إلى معروف لا يفعله، معدودٌ في فاقدي العقول، وهو جدير بأبلغ عبارات التوبيخ، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
والتقوى هي التي تجعل الواعظ مخلصاً فيما يأمر به، أو ينهى عنه، وللإخلاص أثر كبير في نجاح الموعظة، وانشراح الصدور للانتفاع بها على أي حال.
والتقوى الصادرة عن التفقه في الدين بحق، هي التي تكسو الواعظ وقاراً وحسنَ سمتٍ غير مصطنع، فتمتلئ العيون بمهابته، فإذا ألقى الموعظة، ذهبت تواً إلى القلوب، وأثمرت كلماً طيباً، وعملاً صالحاً.
يجمل بالواعظ أن يراه الناس في وقار وحسن سمت، فذلك مما يدعوهم أن يتلقوا وعظه بحسن القبول، ومما لا يليق بمكانته - على ما يبدو لي - أن يقف أمامهم، ويكثر من حركات يديه ورأسه، أو يحرص على أن يقص عليهم القصص المضحكة، ويطارحهم النكت المسلية، فللضحك والتسلية مسارح ومناظر، إنما شرعت مجالس الوعظ للتخفيف من أثرها الذي هو الافتتان بزخرف هذه الحياة، والغفلة عن سبيل الفلاح في الحياتين: الأولى، والآخرة.
(5/ 2/81)

الإسلام والعلم (1)
طلع الإسلام، فوجد طرقاً من الباطل مسلوكة، ومظاهر من الفساد مألوفة، فجاهد تلك الأباطيل حتى زهقت، وكشف عن قبح تلك المفاسد حتى هجرت، قوّم النفوس حتى استقامت على توحيد الله تعالى، والعبادات التي يتقبلها، ويجزل المثوبة عليها، وعلّمها بعد هذا كيف تعيش في هذه الدنيا عالية الهمم، نبيلة الأعمال، عزيزة الجانب، محفوظة الكرامة، مأمونة العواقب، سديدة الأنظار، رشيدة الآراء، متواصلة القلوب، وتفاضل الشعوب على قدر أنصبائها في هذه الخصال والمزايا التي لا تتحقق المدنية الفاضلة إلا بها.
دعا الإسلام إلى تلك المقاصد السامية، وأخذ في دعوته لإقامة الحجة، وإلقاء الحكمة، وضرب الأمثال، وإيراد القصص العامرة بما فيه عبرة.
نشأ هذا الدين الحق بين خصوم يناصبونه العداء، ويأتمرون به ليطفئوا نوره، ويقطع السبيل دونه، وما كان إلا أن خاب سعيهم، فسطعت حجته، وعلت كلمته، ومع سطوع حجته وعلو كلمته يلقى في كل عصر طوائف يكل الزيغ قلوبهم، فيطعنون فيه علناً، أو يذهبون في الكيد له مذهب التاويل الفاسد وهم يعلمون.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء السادس من المجلد الرابع - القاهرة.
(5/ 2/82)

ولم يفقد - بتوفيق الله تعالى - في كل عصر طائفة من ذوي العقول الراجحة، لا يخشون في الذود عن موارده لومة لائم، فيزيحون من طريق هدايته ما يلقيه أولئك الجاحدون أو المراؤون.
ومن هذه الطوائف الخاطئة من يزعم أن الإسلام لم يبعث الدواعي إلى طلب العلم. والواقع أن الإسلام قد رفع قدر العلم، ونوّه بشان العقل، وسلك بطلاب العلم مسالك النظر والاجتهاد، وعوّدهم على نقد الآراء، وتمييز زائف الأخبار من صحيحها، فلما نقلت العلوم النظرية إلى اللغة العربية، وجدت منهم نفوساً تلذ العلم، وعقولاً تنشط للمناظرة، وألسنة تعرف كيف تقرر الحجة، ففتحوا لها صدورهم، ووضعوها تحت سلطان أنظارهم، ولم يمنعهم إعجابهم بها، وتنافسهم على التضلع من مواردها، أن يطلقوا الأعنة في مناقشتها، وتقويم المعوج من مذاهبها، فسدّوا ثغوراً يأتي من قِبَلها الباطل، وذلّلوا لطلاب العلم الطريق الذي تفيؤوا فيه ظلال الرشد، وتدني فيه الفلسفة المعقولة قطوفها، فقامت للعلوم- على اختلاف موضوعاتها- سوق نافقة، وأصبحت ترى علوم الشريعة وعلوم الفلسفة المعقولة يلتقيان في النفوس المطمئنة بالإيمان، وتسنى للتاريخ أن يحدثك عن كثير من علماء الإسلام، ويصفهم بأنهم جمعوا بين العلوم الشرعية والعلوم الفلسفية؛ كالغزالي، وابن رشد، وأبي عبيدة مسلم بن أحمد الأندلسي، وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم الفلسفة، وكان - مع هذا - صاحب فقه وحديث.
ومن الظن الخاطئ ما تخطه بعض الأقلام من أن هذه العلوم المادية قد تشد أزر الإلحاد، وتجعله يظهر على دين كدين الإسلام؛ فإن النظر الصحيح في هذه العلوم لم يأت بما يؤازر الإلحاد، وليس في نصوص الدين الإسلامي
(5/ 2/83)

وأصوله ما يتعارض مع العلم الصحيح حتى يستطيع الإلحاد أن يتخذ منه قوة، وإنما الآراء التي تدفعها الحجة قد تقع في يد من لا يحسن نقدها، ولا يميز رأسها من عقبها، فيعارض بها آية من كتاب الله، أو حديثاً صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويذهب في الحيرة أو الضلالة إلى مكان بعيد. وقد تكون آفة الرجل من عدم تفقهه في الدين، وتخيله أن معنى الآية أو الحديث يخالف ما أثبته العلم الصحيح.
فبلاء أبناء المسلمين الآن من أحد رجلين: رجل يتعلق بآراء المنتمين إلى الفلسفة، لا يفرق بين جيدها وزائها، حتى إذا لقي في الدين ما لا يوافق تلك الآراء الزائفة، خالطه الريب أو الجحود، ورجل يدرس الفلسفة، ولكنه لم يدرس الدين في طمأنينة، ولم يبحث في حقائقه بنظر فاصل، فيتوهم أن بعض نصوص الدين أو أصوله لا يطابق المعقول.
ماذا يكون مبلغنا من الحكمة إذا لم نزن آراء علماء الغرب بالقسطاس المستقيم، ولم نفرق بين ما ينبني على علم أصيل، وما يقولونه على وجه الفرض، أو يتعلقون فيه بشبه واهية، وعمدنا إلى كل نص يظهر لنا أنه مخالف لرأي من آراء أولئك العلماء، فنذهب في تأويله إلى معنى يطابق ذلك الرأي، حتى إذا انكشف الحق، وظهر للملأ أن ذلك الرأي خيال في خيال، عدنا إلى ذلك التأويل، فمحوناه بايدينا، وكذلك يفعل من يستهويه كل ناعق، ويفتنه كل جديد.
لم يخلص الدين من مبتدعة أو زنادقة افتروا عليه مزاعم باطلة، وذهبوا في تاويله مذاهب فاسدة، وقد قام علماء الشريعة الذين يردون منابعها العالية، فبينوا بطلان تلك المزاعم، وفساد تلك المذاهب، فما كان لأحد أن يأتي إلى
(5/ 2/84)

أمثال هذه الأقذاء التي نفاها أهل العلم من قبل، ويتخذ منها شبهة على أن في الدين ما لا يقبله العقل، أو لا يرضى عنه العلم.
فإنْ بدا لك أن في قسم العبادات ما لم يصل العقل إلى حكمته الخاصة، وهو ما يقول فيه بعض العلماء: هذا الأمر تعبُّدي، قلنا: معنى هذا: أن في الشريعة أحكاماً قد تخفى على العقل حكمتها المعينة، كما أنه لا يستطيع إنكارها إنكاراً يستند إلى وجه معقول، وهذا النوع - على قلّته في شريعة الإسلام- ليس بموضع خلاف بين الدين والعلم أو العقل، وإنما يرينا أن من أحكام الدين ما لا يدخل العقل في تفصيل حكمته، ولا في نفي حكمته، ولكن الآيات القائمات على أن الدين حق، هي الآيات البينات على أن هذه الأحكام مطوية على حكمة بالغة، وإن لم ندركها بوجه خاص، فإن الدين الحق لا يدعو إلا لما فيه خير {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4].
(5/ 2/85)

التربية الدينية والشباب (1)
سادتي! نقلب النظر في الأيام الخالية، فنقف على وقائع تحدث عنها التاريخ بإعجاب، ذلك أنها كانت مظهر قوة الفكر، ومتانة العزم.
ومن هذه الوقائع ما رفع أمة من خمول إلى نباهة، أو نقلها من استعباد إلى سيادة، فإذا تجاوزنا الوقائع إلى الأيدي التي هزتها وأطلقتها من عقالها، وجدناها أيدي الشباب الذين يشعرون فيعزمون، ويبصرون الخطر فلا يحجمون.
فذلك أبو مسلم الخراساني نهض بالدعوة العباسية، وزلزل عرش الدولة الأموية، وهو ابن إحدى وعشرين سنة.
وتولى محمد بن القاسم الثقفي قيادة جيش قاتل قبائل ثائرة، فأطفأ ثورتها وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال فيه الشاعر:
إن السماحة والمروءة والنَّدى ... لمحمد بن القاسم بن محمدِ
قاد الجيوش لسبع عشرة حجةً ... يا قربَ ذلك سؤوداً من مولدِ
وقد نبّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن الولايات منوطة بالكفاية، وأن الكفاية
__________
(1) كلمة الإمام في مهرجان رابطة الشباب المصري - مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع.
(5/ 2/86)

للعظائم قد تتحقق في الشباب، فولى أسامة بن زيد جيشاً تخفق رايته على أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ولم يتجاوز أسامة يومئذ الثامنة عشرة من عمره.
ففي الشباب نفوس قريبة من الخير، وهمم لا ترضى من المجد إلا باللباب، فإذا توجه الشباب إلى غايات خطيرة، وساروا في طرق قويمة، فما للأمة إلا أن ترفع رأسها عزّة، وما لخصومها إلا أن يتقوا بأسها، ويجنحوا لسلمها.
ومن أين لنا أن يتوجه شبابنا إلى السيادة لا يبغي بها بدلا؟ وإذا توجهوا إليها، فمن أين لنا أن يسيروا إليها في أقوم الطرق وآمنها؟
ذلك ما يجب علينا أن نفكر فيه بجد، ونبذل في سبيله كل جهد. نعم!
ذهبنا بالفكر في كل مذهب، ورجعنا إلى التاريخ والتجارب، فلم ندع بعيداً إلا دنونا منه، ولا شافياً إلا كشفنا غطاءه، فلم نر لشبابنا سيرة تجعلهم خير شباب أخرج للناس، إلا أن نراهم يستنيرون بهدى الله، ويتنافسون في التجمل بآداب شريعته الغرّاء:
أدب الفتى في أن يُرى متمسكاً ... بأوامرٍ من ربّه ونواهي
إن الدين ليهدي للتي هي أقوم!
يطبع النفوس على الأخلاق السمحة الكريمة؛ ويضع أمامها موازين تستبين به الرشد من الغي، ويريها كيف تحيا الحياة الزاهرة المطمئنة.
فإذا تلقن شبابنا حقائق الدين نقية من كل بدعة، وابتهجت نفوسهم بحكمته ابتهاج البلد الطيب بالغيث النافع، فقد أعددنا للخوض في غمار
(5/ 2/87)

الحياة رجالاً لا يكتفون بالخُطب تلقى على المنابر، ولا بالمقالات تحرر على المكاتب، بل يعلمون فيقولون، ويقولون فيفعلون.
وأراكَ تفعلُ ما تقولُ، وبعضُهم ... مذقُ اللسان يقولُ ما لايفعلُ
إن الإيمان ليملأ القلوب إجلالاً للواحد الخلّاق، ومَنْ أجلَّ مقامَ خالقه، صغر في عينه كل جبار مخلوق، ومن الأمراض التي تأكل من كرامة الأمم أكلاً ذريعا، وترمي بالمهانة في أوطانها: أن ترهب سطوة المخلوق رهبة تمنعها من أن تقول في صدق، أو تعمل في حكمة.
فحقيق بشبابنا أن يكون الإيمان الصادق رائدهم، فإنا لا نرى من ضعيف الإيمان عملاً إلا أن يكون مخلوطا برياءة ولا نرى له من سيرة إلا أن تنحرف إلى الشمال مرة، وتتأخر إلى الخلف مرة أخرى.
وإذا كان في الأنابيبِ حيفٌ ... وقعَ الطيشُ في صدورِ الصِّعادِ
وإذا قيل: إن الذمم تباع وتشترى، فإن ذمم المؤمنين الصادقين، لا يملك ثمنها إلا رب العالمين.
كنا رأينا من بعض شبابنا انحرافاً عن الرشد، فخشينا أن تسري عدوى هذا الانحراف إلى سائر الشباب، فتصبح مصر - وهي زعيمة الأقطار الشرقية - مبعث الجحود والإباحية، ولكنا لم نلبث أن رأينا شباباً في المدارس العالية يحرصون على تلقي دروس علوم الدين، ويتبينون أحكامه وآدابه، ويتصلون بالجمعيات الإسلامية، بل أقول: إن للشباب الفضل في إنشاء هذه الجمعيات، أو المؤازرة على نهوضها.
والواقع أن ما قام به بعض العاملين من دعوة الشباب إلى الدين، قد أتى بثمر على قدر الجهاد الذي بذل في هذا السبيل.
(5/ 2/88)

فمتى اتسعت دائرة هذا الجهاد، وكثر العاملون في صفوفه من رجال العلم، ووجه أولو الشأن عنايتهم للتربية الدينية أكثر مما وجهوا، متى تحقق هذا الأمل - ولا أراه إلا متحققاً -، أدركنا ما نبتغي من شرف وقوة، وفزنا بحياة آمنة المسالك، محمودة العواقب، ذلك وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
(5/ 2/89)

التعليم الديني في مدارس الحكومة (1)
يشعر كل من يطلع على ما ينشر في الصحف، أو يشهد مجالس طوائف من الناس مختلفة: أن انحرافاً غريباً طرأ على الأخلاق، وأخذ يدب في نفوس النشء دبيب السم الناقع في جسم اللسيع، ويمتاز هذا الانحراف بأنه ناشئ عن زيغ العقيدة، لا عن مجرد الأهواء الغالبة. وزيغ العقيدة مصدر الأخلاق المرذولة في كل حين، إلا أن الدعاية إلى القبائح - فيما مضى - لم تبلغ في علانيتها ما بلغته اليوم، ألم يبلغ الحال أن يكتب الكاتب، أو يخطب الخطيب داعياً إلى ما يمزق رداء العفاف والكرامة، مخادعاً الشباب باسم الحرية، أو الفن الجميل؟ ولا جمال إلا مع الفضيلة، ولا حرية إلا لمن يلقى الناس بعرض سليم.
والانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعبُ علاجاً من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة؛ فإن زائغ العقيدة يستهين ببعض محاسن الآداب؛ بزعم أنها ليست من الحسن في شيء، ويخرج عن حدود المكارم؛ بدعوى أن هذه الحدود رسمت على غير حكمة.
والمغلوب للشهوة وحدها قد ينصرف عن الحسنة معترفاً بأنه أقبل على سيئة، وينتهك حرمة الحق غير منازع في أنه ارتكب جريمة، وإذا احتجت
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء السادس من المجلد الثاني - القاهرة.
(5/ 2/90)

في تهذيب أخلاق الزائغ إلى إصلاح عقيدته بالحجة، فإنه يكفيك في تقويم أخلاق المنحط في أهوائه شيء من الموعظة، وتاثير الموعظة في زجر من يعرف الحق حقاً، والباطل باطلاً، أيسرُ من تأثير الحجة فيمن يبصر الباطل حقاً، أو الحق باطلاً.
وقد يندى جبين المغلوب لأهوائه إذا أنبّته، ويعرف لك فضل النصيحة إذا ذكّرته، أما زائغ العقيدة، فإنه يحمل بين حاجبيه وناصيته ما هو أشد قسوة من الحجارة، ويرى إرشادك له لغواً في القول، فلا يعيرك فؤاداً صاغياً إلا أن تبقى فيه للإنصاف وحرية النظر بقية.
ولا مرية في أن انحراف الزائغين أظهر فساداً، وأشد فتنة من انحراف الشاعرين بقبح ما يفعلون؛ فإن الزائغ يندفع فيما لا يليق إلا أن يرهب قانوناً حازماً؛ ولا يبالي أن يبصر به من لا يملك للقانون نفاذاً، أما الشاعر بقبح ما سيفعل، فشأنه أن يجتهد في التستر عن أعين الناس- حتى في حال أمنه- من أن يناله القانون بأذى، فإذا قست الجاحد بأمثاله في التعلم أو الأمية، وجدت لخروجه عن مكارم الأخلاق مواطن أكثر، ومشاهد أظهر؛ فتكون جنايته في الناس أكبر وأفظع، فلا شبهة في أن إصلاح العقائد أساس لتهذيب الأخلاق، وأن الأخلاق الكريمة لا تستقيم إلا على العقيدة السليمة.
لم يتفشّ زيغ العقيدة فيما سلف تفشيه اليوم؛ لأن وسائل ساعدت على سريان وبائه لم توجد قبل، وأمهات هذه الوسائل ثلاثة أمور:
أحدها: هذه المدارس التي يفتحها الأجانب في أوطاننا باسم العلم، ويغفل بعض المسلمين عن سريرتها، فتأخذهم بمظاهرها، حتى يسلموا أطفالهم - وهم على الفطرة - إلى من يصبغ هذه الفطر بسواد، وينزع منها
(5/ 2/91)

روح الأدب الذي يجعلهم أولياء لعشيرتهم، نصحاء لأمتهم.
ثانيها: تهاون بعض الآباء بواجب أبنائهم، إذ يرسلون الناشئ إلى معاهد العلم باوربا قبل أن يتلقن من علوم الدين ما يجعل عقيدته مطمئنة، فيلاقي في أثناء الدراسة هنالك، أو في بعض المحادثات شُبهاً لا يجد في نفسه من الحجج ما يدفعها، وإذا تواردت الشبه على الناشئ، رانت على قلبه، وأصبح يبصر وجه الحق أسود قاتما، فيعود إلى وطنه وهو يحمل لأبويه عقيدة أنهما في ضلال قديم، وذلك جزاء من يستهين بهدى الله، ولا يهمه إلا أن يكون لابنه مورد رزق واسع، أو منصب في أحد الدواوين.
ثالثها: أن كثيراً من الحكومات الإسلامية ضعف فيها روح الاعتزاز بالدين الحنيف، فاستباح واضعو برامج التعليم العام في مدارسها أن لا يضربوا لعلوم الدين بسهم، ومن يضرب لها، فبسهم لا يغني من جهل، والتعليم الذي يهضم فيه جانب العلوم الدينية، لا يرجى منه تهيئة نشء تتساقط عليهم الشبه فيطردونها، أو توسوس إليهم الشياطين فيستعيذون منها.
وإذا كان سوء الأخلاق الذي هو علة اختلال النظام، ينشأ من زيغ العقيدة تارة، ومن طغيان الشهوات تارة أخرى، فإن الإسلام دين ينير العقول بالحجة، ويهذب النفوس بالحكمة، ولكم أخرجت مدارسه، أو مجالس القوّامين على هدايته من رجال يلاقون الأسود فيصرعونها، ويجارون الرياح فيسبقونها، يخفضون أجنحتهم تواضعا للمستضعفين، ويرفعون رؤوسهم عزّة على الجبارين، تعترضهم الأخطار، فيخوضون غمارها، وتعتل قلوب أو عقول، فيضعون الدواء موضع عللها، عدلٌ كأنه القسطاس المستقيم، وسخاء كانه الغيث النافع العميم، وجدٌّ في طلب العلم وإن كان بمناط الثريا، وطموح
(5/ 2/92)

إلى المعالي وإن انتبذت وراء الفلك الدّوار مكاناً قصياً، إلى ما يشاكل كل هذا من الخصال التي ترفع بعض الأمم على بعض درجات.
والأمة في حاجة إلى نشء ترتبط قلوبهم بالتعاطف، وتمتلئ صدورهم بالغيرة على حقوق الوطن، والإخلاص في كفاح من يروم اغتصابها، والدين يفجّر ينبوع التعاطف، ويجعل الغيرة على الحقوق حامية، ويبعث في النفوس إخلاصاً يأبى لها أن تتخذ من المنافع الخاصة غرضاً.
والتاريخ يملأ آذاننا بأسماء رجال أحرزوا بعلمهم الزاخر مكانة تكفيهم لأن يعيشوا بين الناس في هناءة وإجلال، ولكن ما يبذره الدين في نفوسهم من غيرة وإخلاص يأبى لها أن يقضوا حياتهم بين جدران المدارس أو المساجد دون أن ينفقوا منها في تعرّف الشؤون العامة، والجهاد في نجاة الأمة قسطاً وافراً، ولو أخذنا نضرب الأمثال على أن التعليم الديني يطبع النفوس على خصال الشرف، ويملؤها همماً لا تقف عند حد، وغيرة لا تلهو عن حق، لملأنا صحفاً كثيرة أو أسفاراً، ولكن المقام للتذكرة، ومن مقامات التذكرة ما يغني فيه الإيجاز عن الإسهاب.
وإذا رأينا في بعض المتلقين لعلوم الدين عوجاً، فتلك سنّة الله في الخليقة أن لا تخلص الطوائف الكثيرة من أفراد يشربون بكأسها، ويظهرون في زيها، ثم هم يشذون عنها، ويسيرون في غير وجهتها؛ لعوارض تجد في نفوسهم من الاستعداد للهو أكثر من الاستعداد للجد، ويكفي شاهداً على استقامة الطريق: أن يبلغ أكثر سالكيه غاية الفلاح، فإن قعد في منتصفه ذو همة خامدة، أو التوى عنه ذو هوى غالب، فالطريق لا يزال طريق رشد وفلاح، والوزر على رقبة من قعد في منتصفه لاهياً، أو التوى عنه قبل أن يدرك من
(5/ 2/93)

الاهتداء به حظاً كافياً.
فسماحة الدين، وما له من الأثر الخطير في إعداد أمة روحها البطولة، وزينتها التقوى، وغايتها السيادة، من أشد ما يبعث أولي الأمر منا على أن يضعوا علوم الدين بالمكانة العليا، ويقرروا لها في جميع المدارس، وفي كل سني الدراسة ما فيه الكفاية.
ومما يقضي عليهم بأن يعنوا بها عناية ضافية: أن الأمة مسلمة، والأمة المسلمة لا ترضى إلا أن يكون أبناؤها مطمئنين بحجج الدين الحنيف، سائرين في ضوء حكمته الغراء، فمن سلك في تعليم أبنائها طريقاً لا يأتي بهم على هذه الحجج، ولا يدخل بهم في نهار من ضوء هذه الحكمة، فقد تصرف في شؤونها تصرف من لا يرعى ذمتها، ولا يحترم وكالته على أمرها، وإذا وجد في الناس من لا يؤلمه أن يكون ولده في ظلام من الغي، فامثال هؤلاء - على قلتهم - طائفة استهواهم زخرف الحياة غروراً، ولم يهتدوا إلى خير أبنائهم سبيلاً، وما كان للحكومة الرشيدة إلا أن تقيم سياستها على رعاية ما فيه خير النشء، وما يرتضيه أهل العلم والعقل، ويكون قسط تلك الطائفة من هذه السياسة تقويم عوجهم، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم، وإذا أهملت التعليم الديني حكومة باض الإلحاد في أدمغة رؤسائها وفرخ، فأعلنوا فسوقهم عن الدين في غير استحياء؛ فإن حكومة يكون على رأسها ملك يعتز عرشه الرفيع بعزة الدين الحنيف، وينص في دستورها على أن دينها الرسمي الإسلام، لجديرة بان يكون للتعليم الديني في مدارسها شأن لا يقل عن شأن غيره من العلوم النافعة في الحياة.
ولا يكفي في تعليم الدين أن تكون له جامعة كالأزهر، وما يتصل به
(5/ 2/94)

من معاهد؛ فإن قصره على الأزهر والمعاهد الدينية يجعل تربيته العالية في طائفة من الناس خاصة، والخير في أن تكون روح الدين سارية في نفوس الأمة قاطبة، وبثها في جميع الأفراد مدعاة إلى الائتلاف والاتحاد الذي هو أساس كل نهضة، وكل عمل اجتماعي يقام على غير هذا الأساس، فمنقلب إلى فساد.
ولو كان التعليم الديني آخذاً حقه في جميع مدارسنا، لم ير الناس ما يرونه من التجافي بين أفراد نشؤوا في مدارس دينية، وآخرين نشؤوا في مدارس ليس للدين فيها من نصيب، ولا منشأ لهذا التجافي إلا بُعد النشأتين، وإدخال العلوم الحديثة في المعاهد الدينية يذهب بجانب هذا التجافي، فإذا عنيت وزارة المعارف بدراسة علوم الدين درساً جدياً، اتحد أبناؤنا في أصل التربية، فيكون فضل المعاهد الدينية والمدارس الرسمية على الشرق في إخراجهما نشئاً يتقارب شعورهم، وتتدانى عواطفهم، فيتسابقون إلى أعباء الحياة بكواهل متساوية، ويرمون في وجوه العظائم عن قوس واحدة.
لا يغيب عنا أن في بعض الأمم التي لا تعني وزارات معارفها بدرس علوم الدين شيئاً من كمال أو قوة، ونقول مع هذا: إن الأمم التي يقوم تعليمها على روح دينية قوية تبلغ من العظمة ما لا تبلغه أمة تساويها في غير هذه الروح من وسائل الحياة.
فإذا تقدمت فرنسا - مثلاً - على بعض الشعوب الشرقية، وكانت أبسط منه سلطاناً وأنعم بالاً، فإنما فضلته بالقوة المادية، ثم بجانب من الأخلاق التي ينتظم بها شأن الاجتماع في بلادها، ويجعلها قوية أمام خصومها، ولو جاراها ذلك الشعب الشرقي في وسائل الحياة المادية، واستنار في تقويم
(5/ 2/95)

أخلاقه بحكمة الدين، لكان أسعد منها حالاً، وأرسخ في السيادة قدماً، وأعلى يوم ينادي المنادي علماً.
وليس في إعطاء علوم الدين بمدارس الحكومة حقها ما يجحف بحق دراسة العلوم الأخرى؛ لأنا لا نرجو من وزارة المعارف أن تغذي التلاميذ من علوم الدين بمقدار ما يتغذى به طلاب العلم بالمعاهد الدينية، وإنما نرجو منها أن تقرر من هذه العلوم ما يستنير به التلميذ في كل سنة من سني الدراسة، وتجعله مادة أساسية في امتحاني النقل والشهادة، وأن تسن لهذه العلوم مناهج حكيمة، ولا تغمض عن كفاية من تعهد إليهم بتدريسها.
وقد دلنا التاريخ والمشاهدات على أن وزارات المعارف في بعض الشعوب الإسلامية، قد تستخف بالتعليم الديني متى ألقي أمرها إلى من نشأ في غفلة عن آداب الدين، وقصر في السياسة شأوه، فليس له بصيرة يحس بها فضل الدين ومحاسنه، ولا بعدُ نظر في السياسة يفقه به أن خير ما تتألف به الأمم الإسلامية رعاية دينها، وجعله روحاً في تربية أبنائها، ومن أشد ما تبلى به المصالح العامة أن يصرفها من لا يدري كنهها، ولا يتدبر العواقب في تصريفها، وإذا انتهز أولئك الخاطئون غفلة الأمة فرصة لاهتضام حق التعليم والتربية، فإنها اليوم في يقظة تميز بها المهوشين من المصلحين، فتقابل المهوش بامتعاض وتنديد، وتلاقي المصلح بإقبال وتأييد، ورجاؤنا في حضرة صاحب المعالي وزير المعارف أن يكون الرجل الذي يؤثر إقبال الأمة على امتعاضها، وتأييدها على تنديدها، بل صلاحها على فسادها، وسعادتها على شقوتها؛ فيوفي للتعليم الديني حقه، حتى تصبح مدارسنا منبع العلم، ومطلع الهداية.
ومن فائدة الشرق: أن تكون له عاصمة تلتقي فيها آراء المصلحين،
(5/ 2/96)

ويتدفق منها الشعور السامي إلى سائر الأقطار. وموقع مصر في البلاد يستدعي أن تكون مصر هي ملتقى تلك الآراء، ومصدر ذلك الشعور؛ ولا يكفيها لهذه الزعامة أنهارها التي تجري من تحتها، والعلوم والفنون المالئة ما بين جوانبها، وإنما تحن لها القلوب، وتمتلئ بمهابتها العيون، إذا أضافت إلى هذه الأنهار والمدارس تربية دينية عامة، حتى يقول كل زائر لها فاضل - مثل ما قال العلامة أبو عبد المقري - حين زارها، وعاد إلى المغرب في أثناء المئة الثامنة: "من لم ير مصر، لم ير عز الإسلام".
(5/ 2/97)

العلماء وأولو الأمر (1)
يقصد الإسلام لأن يخرج للناس أمة تُجفها القلوب، وتهابها العيون، وإنما تجلها القلوب وتهابها العيون على قدر اعتصامها بهدى الله، وعلى قدر ما تأخذ به من مظاهر القوة والمنعة.
ولا تعتصم الأمة بهدى الله، ولا تظهر في قوة ومنعة، إلا أن يقيض الله لها علماء يملأ الخوف من الله قلوبهم، حتى لا يدع فيها للخوف من مخلوق مثقال ذرة، وتظفر مع هذا بولاة يحرصون على أن يقيموا العدل، ويستقيموا على طريق الرشد كثرَ من حرصهم على ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من متاع هذه الحياة.
لهذا عني الإسلام بأن يكون في الأمة علماء لا يكتمون عن أحد نصائحهم، وأمراء يحبون أن يسمعوا كلمة الحق تتردد في مجالسهم.
والتاريخ الصادق يحدثنا أن بلاد الإسلام قد حظيت بعلماء يزهدون في زهرة الحياة الدنيا، ويبيعونها بكلمة حق يقولونها ابتغاء أن يكون لها في إصلاح حال السلطان أثر كبير أو صغير.
وحظيت برؤساء يرتاحون لوعظ العالم الأمين، ويسيغونه إساغة الظمآن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الحادي عشر.
(5/ 2/98)

للماء القراح. وبمثل هؤلاء العلماء والأمراء تسعد الأمة، ويعظم شأن الدولة.
والتاريخ الصادق قد حدثنا أيضاً: أن في أهل العلم مَنْ فتنته الدنيا بزخرفها، فانطلق يجري وراءها، لا يرعى للحق عهداً، ولا لجانب الله حرمة. وحدثنا: أن في الرؤساء من يكون نصيب اللهو والانهماك في الشهوات منه أكثرَ من نصيب الجد والرشد.
وإذا حدثنا التاريخ عن أمة ذلّت بعد عزة، أو دولة سقطت بعد قوة، فتبعة ذلك الذل أو السقوط ملقاة على رقاب أولئك العلماء الذين لا ينصحون، أو الرؤساء الذين لا يحبون الناصحين.
نلقي نظرة على تراجم العلماء، فنجد حالهم مع الأمراء يجعلهم على ثلاثة أصناف:
أولهم: عالم يضع نصب عينه رضا الله، ويهمه أن يسير أولو الأمر في الناس على استقامة، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بمرأى ومسمع منهم، غير مبال بأن يقع أمره أو نهيه لديهم موقع الرضا والقبول، أو موقع الكراهية والإِعراض عنه.
قيل لمالك: إنك تدخل على السلطان وهو يظلم أو يجور؟ فقال: يرحمك الله، فأين يكون الكلام في الحق؟!.
والعلماء الذين يقومون بواجب النصيحة للأمراء يختلفون في أساليب وعظهم، فمنهم من يسلك طريق الصراحة، ويشافه الأمير بإنكار ما يريد إنكاره على وجه التعيين؛ حيث يرى أن طريق التصريح والتعيين أبلغ وأقرب إلى نجاح الدعوة.
كان السلطان سليم أمر بقتل مئة وخمسين رجلاً من حفّاظ الخزائن،
(5/ 2/99)

فبلغ ذلك الشيخ علاء الدين الجمالي، فدخل على السلطان وقال له: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعاً، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال للشيخ: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك. فقال: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة الغضب في نفس السلطان، وعفا عن أولئك الرجال الذين كان قد أمر بقتلهم.
ومن العلماء الحكماء من يسلك في وعظ الأمراء طريقاً غير صريح؛ إذ يراه كافياً في إبلاغ النصيحة. قدم الشيخ أبو بكر بن سيد الناس حاضرة تونس في عهد المنتصر بالله، ولما دخل على الأمير، أمره أن يقرأ بين يديه آية من القرآن، فقرأ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] فاستحسن المنتصر قراءته وقصده، وكان ذلك سبب حظوته، ورفعة منزلته عنده.
ومن العلماء من يأخذ في نصح الأمراء بالعزيمة، ويوطن نفسه على احتمال كل ما يمكن أن يلاقيه من أذى. وقد صبر رجال من كبار أهل العلم أيام فتنة القول بخلق القرآن، على ما أصابهم في الدين من أذى، واحتملوا أشد العذاب، مثل: نعيم بن حميد الذي توفى في سجن الواثق، وأحمد بن نصر الخزاعي الذي قتل في عهد الواثق، وأحمد بن حنبل الذي سجن وضرب في عهد المعتصم، ومثل أبي يعقوب البويطي الذي حمل مقيداً من مصر إلى العراق، حتى مات في أقياده.
ومن العلماء من يرى أن له فيما يلحقه من الأذى عذراً في السكوت
(5/ 2/100)

وعدم التعرض للسلطان بأمر أو نهي. ويصح أن يقال: إن هؤلاء قد أخذوا بالرخصة، وليس لهم من قوة الصبر على الأذى ما يحملهم على أن يأخذوا بالعزيمة، ويجاهروا بالدعوة إلى حق أو إصلاح.
وإذا جاز للعالم أن يسكت عن الأمر أو النهي اتقاء لأذى لا طاقة له به، فليس له أن يكتم الحق بمجرد الخوف من أن يجفوه السلطان، أو يبعده من مجلسه، أو يحرمه من ولاية منصب.
ثانيهم: عالم يذهب مذهب العزلة والبعد من ساحات الأمراء؛ حتى لا يقف بين يدي ذي نخوة وتعاظم، ومن هؤلاء من يقول:
إنْ صحبنا الملوكَ تاهوا علينا ... واستخفّوا كبراً بحق الجليسِ
فلزمنا البيوت نستخرج العل ... م ونملا به بطونَ الطروس
وملاقاة النخوة والتعاظم ليست عذراً يبيح للعالم القعود عن إسماع الأمراء النصيحة، فقد دخل موسى - عليه السلام - على فرعون ليدعوه إلى الحق، وكان فرعون متكبّراً جبّاراً.
وقد يبتعد العالم عن الأمراء الذين لا يعنون بتنقية ساحتهم من أقذاء المنكرات؛ كراهة أن يشاهد منكراً، وقد يكون هذا الابتعاد حكمة متى عرف العالم أنه لا يستطيع النصح بإزالة ذلك المنكر، وأنه لا يجتني من رؤيته إلا حسرة وأسفاً.
وقد يكون الاقتراب خيراً من الابتعاد، متى قصد بالاقتراب إيصال النصيحة إليهم، عسى أن تجد أذناً واعية، أو نفساً زاكية، وكان أبو الحسن الأشعري يقصد إلى مجالس المعتزلة ليناظرهم، ويقول: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إليّ، فإذا لم أسر إليهم، فكيف
(5/ 2/101)

يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنّة ناصراً بالحجة؟.
ثالثهم: عالم يتردد على ساحة الأمراء، ويميل مع أهوائهم، وربما بلغ به الإغراق في ابتغاء مرضاتهم: أن يحرف أحكام الله عن مواضعها، ومثل هذا الصنف من العلماء لا يرجى منهم أن يبسطوا ألسنتهم إلى السلطان بنصيحة.
ولهذا الصنف جنايات على الدين، وعلى الأمة، وعلى الأمراء نفسهم.
أما جنايتهم على الدين، فلأنهم يختلقون أحكاما يلصقونها بالدين، وليست من الدين.
وأما جنايتهم على الأمة، فلأنهم يسهلون على الولاة السير بالسياسة في طريقة عمياء.
وأما جنايتهم على الأمراء أنفسهم، فلأن الأمة إنما تفتح صدورها لمحبة أمرائها، وتبذل لهم حسن الطاعة من جميع أفئدتها، متى ساروا في رشد، وساسوا الناس بقوانين العدل.
ونحن نعلم أن العصور تتغير، وأن مقتضياتها تختلف، ولكن الحق هو الحق، والكرامة هي الكرامة، فلا يأتي عصر يفقد فيه الحق جلاله، ولا يأتي عصر يبيح للعالم أن يداهن السلطان، ولا أن يغمض عن شيء من كرامته، وإنما هي التربية الدينية الصحيحة تُري العالم وجه الحق مشرقاً، فلا يرضى إلا أن يحميه بيده، أو لسانه، وتريه منزلته شامخة الذرى، فيابى أن ينزل عنها، ولو وضعت الشمس في يمينه، والقمر في يساره.
يحدثنا التاريخ القديم: أن بعض المنتمين إلى العلم كانوا يتملقون أولي الأمر من المسلمين، وقد يفتونهم بغير ما أنزل الله، ويحدثنا التاريخ غير القديم: أن من المنتمين إلى العلم من يتملق بعض المخالفين الغاصبين، ويرضى أن
(5/ 2/102)

يكون جسراً يعبرون به إلى قضاء مآربهم التي يكيدون بها الإسلام والمسلمين.
وقد يسمّي هذا العالم تملقه للمخالفين الغاصبين: مداراة؛ ليقضي بعض حاجات شخصية، وربما زعم أنه يقضي بهذا التملق مصالح وطنية. والواقع: أن اتصال العالم بالمخالفين الظالمين، وهو يستطيع أن لا يتصل بهم، وصمةٌ في عرضه لا يغسلها ماء، وجناية على الدين خاصة، وعلى الأمة عامة.
أما أنه وصمة في عرض ذلك العالم، فلما عرف من أن المخالف الغاصب لا يُقبل بوجهه، ولا يضع يد الصداقة إلا في يد من اختبر سرائرهم، ووثق من إخلاصهم له.
وأما أنه جناية على الدين فلأن ذلك الاتصال الآخذ اسم الصداقة خروج عن الدين الذي ينهى عن موادة أعدائه.
وأما أنه جناية على الأمة عامة، فلأن هذا العالم لا يتحامى أن يرضي أولئك المتغلبين المخالفين بالمساعدة على أعمال يفسدون بها على الأمة أمر دينهم أو دنياهم.
ونلقي بعد هذا نظرة في حال الأمراء مع العلماء الذين يجاهرونهم بالنصيحة، أو يؤثرون الحق على أهواء الأمراء، فنجدهم ثلاثة أصناف:
أولهم: أمير تلقى إليه النصيحة، فيأخذه التعاظم بالإثم، ويقابل الناصحين بوعيد، أو بعقوبة المجرمين.
وقد يدعو بعض الأمراء بعض العلماء إلى حرام، فلا يجيبه إلى ذلك، فيناله بالعقوبة، ويتلقاها العالم بصبر جميل.
دعا أحمد بن طولون القاضي بكّار بن قتيبة لخلع الموفق من ولاية العهد
(5/ 2/103)

للخلافة، فامتنع، فحبسه، وما زال يكرر عليه القول، وهو لا يجيبه إلى ذلك، حتى مرض ابن طولون، وأمر بنقل بكار من السجن إلى دار اكتريت له.
ثانيهم: أمير يجد في صدره الحرج من إسماعه الموعظة تأتي على غير ما يهوى، ولكنه يهاب مكان العالم، فلا يقابله بأذى.
استدعى أبو جعفر المنصور عبدالله بن طاوس بن كيسان، ومالك بن أنس، فلما دخلا عليه، أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك، فقال: حدثني أبي: أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك أبو جعفر ساعة. قال مالك: فضممت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه. ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة، قال ذلك ثلاث مرات، فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فاكون قد شاركتك فيها! فلما سمع ذلك، قال: قوما عني! قال: ذلك ما كنا نبغي! قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
ثالثهم: أمير تأخذه اليقظة وصفاء الفطرة إلى طاعة الحق، وشكر الدعاة إليه.
دخل عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان أيوب نجم الدين، وقال له: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أُبَوِّئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ قال: نعم، الحانة الفلانية تباح فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة! فقال: أنا ما علمته، ثم أمر السلطان بإبطال تلك الحانة.
ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد عن حديث:
(5/ 2/104)

"إن الله إذا استرعى عبداً الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذب، ثم تلا: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26]. الآية، فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا (1).
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس بن كيسان: "إن أردت أن يكون عملك كله خيراً، فاستعمل أهل الخير"، فقال عمر: كفى بها موعظة.
ومن الأمراء الذين كانوا يوسعون صدورهم لنصح العلماء: عبد الرحمن الناصرة فقد كان القاضي منذر بن سعيد يواجهه بإنكار ما يراه من أعماله منكراً؛ كخطبته التي ألقاها على مسمع منه في إنكاره عليه الإسراف في الإنفاق على بناء القصور وزخارفها. ومن مواقف منذر بن سعيد في هذا السبيل: دخوله على الناصر، ومخاطبته بالبيتين:
يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل
ولم يزد الناصر على أن قال: إذا سقيت بماء الخشوع، وهب عليها نسيم التذكار، لا تذبل إن شاء الله.
ولقبول الأمراء لنصح العلماء فضل لا يقل عن فضل قيام العلماء بنصيحة الأمراء؛ فإن النفوس - ولاسيما الشاعرة بما لديها من قوة ومقدرة على البطش - شأنها النفور من أن تؤمر بمعروف، أن تنهى عن منكر، تتخيل أن ذلك الأمر أو النهي يتضمن نسبتها إلى الجهل، أو القصد إلى ارتكاب أمر قبيح، فإن
__________
(1) "فتح الباري".
(5/ 2/105)

تلقى الأمير نصيحة العالم الأمين، وأساغها على ما فيها من مرارة، دل ذلك على أنه يجل الحق، ويبتغي الخير، ويريد أن يفتح لحرية القول باباً طالما أغلقه المستبدون الظالمون. ولا تبلغ الأمم مراقي المنعة والسيادة إلا أن يكون باب الحرية مفتوحاً في وجوه الدعاة المصلحين.
يقدم العالم الأمين على نصح ذي السلطان غيرة على الحق، وحرصاً على أن يكون ذو السلطان كامل السيرة، طيب السمعة، وكثير من الأمراء من يفهم وعظ العلماء على هذا القصد، ويكون في نفسه نزعة إلى الاستقامة، فيتلقى الإرشاد بارتياح وشكر.
الأمراء المستقيمون يرتاحون لوعظ أهل العلم، ومنهم من يطلب من أتقياء العلماء أن يزودوه بالوعظ؛ كما كان عمر بن عبد العزيز وأمثاله يفعلون ذلك.
يعظ العلماء المستقيمون الأمراء، فيساعدونهم على أن يكونوا أمراء راشدين، ويستطيع الأمراء أن يلاقوا العلماء بما يساعدهم على أن يكونوا علماء مصلحين، وسبيل هذه المساعدة: أن يجلوا العلماء، ويفهموهم أنهم يجلونهم لعلمهم واستقامتهم، ثم إذا استفتوهم في واقعة، طلبوا منهم أن يبينوا لهم حكم الله الذي تدل عليه نصوص الشريعة أو أصولها دلالة تطمئن إليها النفوس، وإذا استبانوا أن عالماً فقد الخشية من الله، وأخذ يبتغي مرضاتهم بتحريف النصوص، اْو تلقط الأقوال الساقطة، عمّوه في جماعة المنافقين، وأشعروه بأن مثل هذا النفاق لا يزيده عندهم إلا حقارة، ثم كانوا منه على حذر.
وبمثل هذه السيرة يصل الأمير العادل إلى أن يرى المعاهد العلمية، والمحاكم الشرعية طافحة بعلماء تزدهر بهم مملكته ازدهار السماء بالكواكب النيرة.
(5/ 2/106)

تعاون الدولة والأمّة على انتظام الأمن (1)
يطمح كل أحد إلى أن يحيا حياة طيبة، ولا حياة طيبة إلا مع ارتياح الضمير، وطمأنينة النفس، وإنما ترتاح الضمائر، وتطمئن النفوس عندما يكون الأمن الشامل ضارباً أطنابه في البلاد.
ونريد من الأمن: أن تسير الأمة في حياتها وهي آمنة على نفوسها ودينها وأعراضها وأموالها، وكل اعتداء على نفس أو دين أو عرض أو مال يعد خرقاً في سياج الأمن.
والمخل بالأمن أحد رجلين: رجل يباشر الأعمال المخلة بنفسه؛ كالقاتل، والقاذف، والغاصب، ورجل ينصب للأعمال المخلة وسائل، فتقع على غير يده؛ كالنمام، والمحرّض على الجناية، والمفتي إذا أفتى بجهالة، والقاضي إذا قضى بغير علم.
ويدخل في الاعتداء على النفوس: حال الطبيب الذي لا يفحص العليل بعناية وروية، فيخطئ في فهم الداء ووصف الدواء، فيقع العليل في موت، أو يصاب بآفة مزمنة.
ويدخل في الاعتداء على الدين: تحريف كلمة عن مواضعها، وحملها
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد الثالث عشر.
(5/ 2/107)

على غير ما يقصد منها.
ويدخل في الاعتداء على الأعراض: الطعن فيها بنحو الكنايات الجلية، وقد ذهب بعض أهل العلم؛ كمالك بن أنس إلى أن القاذف بالكناية المفهومة مستحق للعقوبة.
ويدخل في الاعتداء على الأموال: الرشوة؛ فإن لها شبهاً بالغصب؛ حيث تؤخذ من صاحبها وهو يبصر، وشبهاً بالسرقة؛ حيث تؤخذ على استخفاء من الناس، وإن شئت فقل: تزوج الغصب السرقة، فولدا الرشوة.
وللأمن الشامل وسائل يقوم عليها، وآثار يحمد من أجلها. والقصد من هذا الحديث: إلقاء نظرة على وسائل الأمن، وإتباع هذه النظرة بنظرة أخرى فيما يأتي به الأمن من خير وسعادة.
أعظم وسيلة لبسط ظلال الأمن في البلاد: التعليم المثمر، والتربية الصحيحة. فمتى انتشر التعليم بين الأمة، وأصبح كل فرد يدرك ما له من حقوق، وما عليه من واجبات، رأيت الرجل يبادر إلى أداء ما عليه من واجب، ولا يطالب غيره إلا بما هو حق له.
والتعليم الصحيح يرفع همّة الرجل من أن يتعرض لنقيصة، وإن من أنقص النقائص امتناعَ الإنسان من أن يقضي حقا حضر وقت قضائه، أو إطلاق يده إلى حق فرد أو جماعة، وانتزاعه بخدل أو بقوة، قال بشير بن عبيد الله: إياك والخصومات، فإنها تذهب بالمروءة.
والتعليم الصحيح يسمو بالرجل إلى منزلة من الشرف متى قدرها حقَّ قدرها، يأبى كل الإِباء أن يدنسها بعمل قد يساق من أجله إلى القضاء، أو إلى دار لا يساق إليها إلا المجرمون، ومن هنا نرى الجنايات تقل من طبقات
(5/ 2/108)

المتعلمين، ولاسيما الطبقة الراقية منهم، وإذا صدر من متعلم اعتداء على نفس أو عرض أو مال، نظر الناس إلى هذا الاعتداء بتعجب، وتكون شدة تعجبهم على قدر منزلته من العلم.
والتربية الصحيحة تغرس في النفوس أخلاقاً وآداباً تجعلها بعيدة من أن يصدر عنها ما يمس الأمن العام بسوء: تغرس فيها الحلم والأمانة والسخاء، وإيثار طهارة العرض على الحطام الزائل.
قال الشاعر:
أقي العرض بالمال التلاد وما عسى ... أخوك إذا ما أُضيع العرض يشتري
وقال مهيار:
ومتى تسمع بقوم أعجفوا ... ليعزّوا فابغني فيهم تجدني
وكذلك ترى الرجل الذي نشأ في بيئة عفاف وكرم نفس يؤثر بقاء العرض على الشهوات؛ كما قال العجير السلولي:
يبين الجار حين يبين عني ... ولم تأنس إليّ كلاب جاري
وتظعن جارتي من جنب بيتي ... ولم تستر بستر من جوار
وتأمن أن أطالع حين آتي ... عليها وهي واضعة الخمار
كذلك كان آبائي قديماً ... توارثه النِّجار عن النجار
ويروى: أن عبد الملك بن مروان قال لمؤدب ولده: إذا روَّيتهم الشعر، فلا تروِّهم إلا مثل قول العجير السلولي: (يبين الجار حين يبين عني ... إلخ الأبيات).
وللتربية الدينية في ترقية النفوس، وتهذيب الأخلاق أثر أعظم من كل
(5/ 2/109)

أثر، فإن التربية غير الدينية قد تضعف أمام كثير من الأهواء الطاغية، فلا تستطيع كبح جماحها، أما التربية الدينية فلديها من المتانة ما يطارد هذه الأهواء، وليس الذي يؤمن بأنه سيقف بين يدي علاّم الغيوب، ويحاسبه على ما يرتكبه من جنايات، ويجازيه عليه جزاء العادل الحكيم، مثل الذي لا يعرف زاجراً عن الجناية سوى أنها موضع لوم من يطلعون عليها، أو عقوبة من ترفع إليهم قضيتها.
ومما يعد في وسائل انتظام الأمن العام: براعة الرجال الذين يتولون استنطاق مرتكبي الجرائم، فمتى عرف المجرمون أن الذي يتولى استكشاف الجنايات قد رزق ألمعية تصل به إلى معرفة مرتكب الجريمة ولو بالغ في إخفائها ما شاء، أدركتهم الرهبة، وأحجموا عن الأِجرام؛ مخافة أن ينكشف أمرهم، ويقعوا في عقوبة لا يطيقونها.
وتتصل بوسيلة براعة المتصدين للبحث عن الجنايات وسيلة أخرى، هي: اختيار العيون؛ أي: المخبرين من الرجال النبهاء الأمناء، حتى يصلوا بنباهتهم إلى ما يقع في الخفاء من أعمال الفساد، ويبلغوا ما يطلعون عليه إلى ولي الأمر بصدق وأمانة، وكان أحمد بن طولون يوجه في ملأ من الناس تهمة جناية على بعض الأشخاص، ويبعث بهم إلى السجن على أنهم من أرباب الجرائم، حتى يتصلوا بالمسجونين، ويتعرفوا منهم أسراراً كانوا قد أصروا على كتمانها من قبل، ثم يأذن بإخراجهم؛ ليبلغوه ما أفضى به إليهم المسجونون من أنباء الجنايات الخفية.
وينتظم الأمن العام بالقضاء العادل، فإذا عرف من يتهم بالجناية أن القاضي يقضي على كل جان بما يستحقه من العقاب، ولا تأخذه في تنفيذ
(5/ 2/110)

ما يقضي به لومة لائم، كان هذا من أسباب إحجامهم عن الجناية؛ حذراً من أن تناله عقوبتها المؤلمة.
فالقاضي العادل هو الذي يأخذ أرباب الجرائم بالحزم، ولا يجيب عاطفة الرأفة في إهمال عقوبتهم، ولا يقبل شفاعة من يشفع عنده لإِطلاق الجاني وتخلية سبيله من غير عفو المجني عليه.
وقد تقع ولاية الحكم إلى من ليس فيه كفاية لها، فتكون سيرته عاملاً من عوامل الإخلال بالأمن، ورؤساء الدولة المخلصون يحترسون من مثل هذا الحال بإرسال عيون من وراء كل ذي ولاية، حتى يكونوا على بينة من استقامتهم أو انحرافهم، وكذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرسل وراء كل عامل بعض من يثق به؛ ليطلع على سيرته، ويأتيه بخبرها، وقالوا في سيرة هشام بن عبد الرحمن أمير قرطبة: وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى نواحي البلاد، فيسألون الناس عن سير عمالهم، ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم، أنصف منه، وأسقطه، ولم يستعمله بعد.
ومن ينظر في تراجم الأمراء والقضاة الذين استقاموا على سيرة العدل، يجد الأمن في عهدهم سائداً، كما قالوا في سيرة ملك شاه بن ألب أرسلان، وكانت السبل في أيامه آمنة، تسافر القوافل أو الأفراد مما وراء النهر إلى أقصى الشام من غير خوف ولا رهبة.
ومما يساعد القضاء العادل على تثبيت دعائم الأمن: أن يكون الرجل قد عرف الجناية، فيؤدي شهادته على الجاني كما عرفها، وكذلك المحامي يساعد القضاة على تخفيف شر الجنايات، أو قطع دابرها، متى اتجه في دفاعه إلى إظهار الحقيقة، فإذا دافع عن الجاني، وهو يعلم أنه مرتكب الجناية، وبذل
(5/ 2/111)

قوة بيانه لينقذه من عقوبتها، فهو أخو الجاني، وعليه نصيب من وزر الإخلال بالأمن والفساد في الأرض.
ورئيس الدولة الذي يقدر الأمن العام قدره يمنح القضاء حريته، فلا يتدخل في شأن من شؤونه، ويساعد على تنفيذ الأحكام، ولو كان الحكم صادراً عليه، أو على بعض شيعته.
كان المنصور بن أبي عامر ملك قرطبة في مجلس عام يسمع فيه شكوى المظلومين، فنادى رجل من العامة: يا ناصر الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الفتى الذي هو قائم على رأسك، وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يحضر. فقال المنصور: أو عبد الرحمن بن فطيس (يعني: صاحب المظالم) بهذا العجز والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟!، ثم قال المنصور: ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية، وقال للفتى: انزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك، ففعل، وقال لصاحب شرطته الخاص: خذ بيد هذا الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم، لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره. وبعد أن نفذ عليه صاحب المظالم حكمه، أبعده المنصور من خدمته.
ومن أهم وسائل الأمن الشامل: أن يكون الملقى على كواهلهم أمرُ المحافظة على الأمن ذوي حزم، وغيرة على الحقوق والنظام؛ بحيث لا تأخذهم غفلة عن الأفراد والجماعات التي شأنها تعكير صفو الأمن، ويكونون على أهبة في كل ساعة من ليل أو نهار للضرب على يد كل من يحاول الاعتداء على نفس أو دين أو عرض أو مال، وإنما يفضل القائم على أمر الأمن بمثل هذه الأهبة التي تساعد على صد حوادث الفساد قبل وقوعها، أو قطعها قبل
(5/ 2/112)

استفحال أمرها، والناس يمدحون الأهبة لمكافحة الحوادث، ويجدونها من أكبر مظاهر الحزم واليقظة.
قال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد الشيباني:
تراه في الأمن في درع مضاعَفَةٍ ... لايأمن الدهر أن يأتي على عَجَلِ
تتمتع الأمة براحة البال متى كان المسؤولون عن الأمن في حزم ويقظة، ومن متممات الحزم واليقظة: أن يوجهوا عنايتهم إلى الغاية التي نيطت بعهدتهم، لا يشغلهم عنها شاغل ولو طرفة عين، وأن يحملوا في صدورهم قلوب آساد لا تلوي جباهها عن كفاح؛ كما قال لقيط بن يعمر فيمن ينبغي أن يوكل إليه أمر الدفاع:
لا مترفاً إن رَخِىُّ العيش ساعده ... ولا إذا حلَّ مكروه به خضعا
مسهر النوم تعنيه أموركم ... يروم منها على الأعداء مطلعا
فليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولاولد يبغي له الرفعا
ومن وسائل انتظام الأمن العام: مكافحة البطالة؛ فإن البلاد التي تكثر فيها طرق الاكتساب من نحو الزراعة والصناعة والتجارة، وتكون عامرة بالجمعيات الخيرية والملاجئ؛ بحيث يجد صحيح البنية طريق العمل ميسوراً، ويجد العاجز باب البر مفتوحاً، يقل فيها ارتكاب جريمة الاعتداء على الأموال التي تفضي في كثير من الأحوال إلى سفك الدماء.
ومكافحة البطالة ترجع إلى أغنياء الأمة، ورجال الدولة، فأغنياء الأمة يستطيعون عقد شركات تجارية أو زراعية أو صناعية، فتكون طرقاً لاكتساب كثير من أرباب العائلات معايشهم.
(5/ 2/113)

أما رجال الدولة، فشأنهم تدبير كل ما يعود على ذوي الحاجات بالرفق واليسر.
وإذا ساد الأمن في البلاد، وقلَّ الاعتداء على النفوس والأعراض، شعر الناس بطمأنينة، وعاشوا في راحة وصفاء، ولم يجهدوا أنفسهم في اتخاذ وسائل السلامة.
وطمأنينة القلوب أهم ركن من أركان الحياة الطيبة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أصبحت آمناً في سربك، معافى في بدنك، عندك قوت يومك، فعلى الدنيا وأهلها العفاء". والأمن في السرب يراد به: الأمن في طريق الحياة.
وقد جعل القرآن الكريم اطمئنان النفوس من أعظم نعم الله على الناس، فقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4].
فامتن على قريش بالإطعام من الجوع الذي هو أساس الحياة الجسمية، وأتبعه بالامتنان عليهم بالأمن من الخوف، ذلك أن التمتع بالحياة الجسمية لا يتم إلا مع راحة النفوس، وعدم اضطرابها بالخوف من الأيدي العادية.
وكذلك نرى القرآن المجيد قد جعل الخوف فيما ينتقم به الله من الجاحدين المجرمين، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
أراد تعالى أن يصف أهل قرية بأنهم كانوا على ما يرام من سعادة الحياة، فأشار إلى ذلك بأنهم كانوا آمنين من المخاوف، وكانوا في سعة من العيش، ثم أراد التنبيه لما يوقعهم فيه الكفر بالنعم من شقاء، فذكر ابتلاءهم بضيق
(5/ 2/114)

العيش، وتجرع غصص الخوف، ويكفي شاهداً على شدة بلاء الخوف أن ينبه به على سوء عاقبة من يكفر بأنعم الله.
وكذلك نرى الشعراء إذا مدحوا الكبراء، قد يصفونهم بفضيلة البر والإحسان، ويقرنون ذلك بمدحهم بخصلة تأمين الناس من الخوف؛ كما قال المغيرة بن حبناء في مدح المهلب بن أبي صفرة:
أمنٌ لخائفهم فيضٌ لسائلهم ... ينتاب نائله البادون والحضر
وإذا ساد الأمن في البلاد، وقلّ الاعتداء على الأموال، انتظمت الزراعة والتجارة والصناعة، وتقدمت هذه الأصول في نماء، وعادت على الناس بثراء؛ كما قال الأستاذ محمود قبادو في قصيدة تعرض فيها لصيانة النفوس والأموال والأعراض:
والأمن في تلك الأصول جميعها ... هو منشأ الإثراء والعمران
وليس الثراء بالأمر الذي يقصد لذاته، وإنما هو وسيلة لبلوغ ذروة العزة، متى صرف في سبيل الخير وحماية الأوطان من أيد تريد إذلالها.
إذن يمكننا أن نقول: إن الأمن الشامل في داخل البلاد، هو الوسيلة إلى أن تكون الأمة بمأمن من أن يستخف عدو أجنبي بحقوقها، أو يبسط يده إلى استعبادها.
وقد عني الإسلام بالأمن العام، ومن شدة عنايته به: أنه لم يلق واجبه على رجال الدولة وحدهم، بل جعل على الأمة قسطاً كبيراً من العمل لمكافحة الجنايات، فكل أحد يرى شخصاً قد عزم على ارتكاب جريمة، وجب عليه زجره ووعظه بكل قوة، وإذا رآه قد أخذ في فعلها، كان رآه يحاول الاعتداء على نفس أو مال أو عرض، وجب عليه رده عنها بيده حسب المستطاع،
(5/ 2/115)

قال - صلى الله عليه وسلم - "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".
ويبقى استخلاص الحقوق بعد الاعتداء عليها، أو عقوبات الجنايات بعد وقوعها، فذلك ما يرجع إلى القضاء العادل؛ اتقاء للفتنة، وحذراً من انتشار الفوضى.
(5/ 2/116)

من هو الشاب المسلم؟ (1)
في شبابنا من يكتفي في إسلامه بأن ينشأ في بيت إسلامي، ويسمّى: محمداً، أو مصطفى، ويعد عند إحصاء طوائف البلاد في قبيل المسلمين، ولا تجد بعد هذا فارقاً بينه وبين شاب لا تمت روحه إلى الإسلام بصلة. وهذا ما بعثني على أن اخترت للمحاضرة موضوع: "من هو الشاب المسلم؟ ".
ذلك أن أنظار حكماء الأمة متجهة إلى بناء مدنية روحها الإيمان، وجسمها نظم الإسلام، وحليتها آدابه التي صاغتها يد الوحي السماوي، وما زالت ولن تزال في صفاء وضياء، فوجب أن تعلم من هو الشاب الذي يصلح لأن يمد يده لبناء هذه المدنية الشامخة الذرا؟ فنقول:
الشاب المسلم: هو الذي يسمو بنفسه إلى أن يكون مسلماً حقاً، فيقرأ القرآن المجيد بروية، ويجيل فكره في آياته الزاهرة، حتى يتملأ حكمه البالغة، ومواعظه الرائعة، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51].
والشاب المسلم: هو الذي يؤمن بالله من الشرك، أو ما يشبه الشرك، فيعتقد من صميم قلبه أن الله وحده هو المتصرف في الكون، فلا مانع ولا ضار
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السادس والسابع من المجلد الثامن عشر.
(5/ 2/117)

إلا هو، وبهذه العقيدة السليمة يحمي نفسه من أن تلابسها مزاعم مزرية، ويصغر في عينه كل جبار، ويهون عليه احتمال المصاعب، واقتحام الأخطار في سبيل الجهاد في الإصلاح والدعوة إلى الحق.
والشاب المسلم: هو الذي يدرس سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دراية يرى بها رأي العين أن تلك المكانة البالغة المنتهى من الحكمة وقوة البصيرة، والنهوض بجلائل الأعمال المختلفة الغايات، مكانة لا يدركها بشر ليس برسول، وإن بلغ في العبقرية الذروة القصوى، وأنفق في السعي إليها مئات من الأعوام أو الأحقاب.
والشاب المسلم: يستجيب لله فيما شرعه من عبادات تقربه إليه زلفى؛ كالصلوات الخمس بقلب حاضر، ويؤديها ولو بمحضر طائفة لم تذق حلاوة الإيمان، فتنظر إلى المستقيمين بتهكم وسخرية، وضعفاء الايمان من شبابنا لا يقومون إلى الصلاة في مجالس الملاحدة وأشباه الملاحدة من المترفين، يخافون أن يسخروا منهم، أو تزدريهم أعينهم.
والشاب المسلم يعتز بدين الله، فيدافع عنه بالطرق المنطقية، ويرمي بشواهد حكمته في وجه المهاجم له، أو ملقي الشبه حوله، وإن كان ذا سلطان واسع، وكلمة نافذة، وضعفاءُ الإيمان من شبابنا تتضاءل نفوسهم أمام أولئك الطغاة، ويقابلون تهجمهم على الدين بالصمت، وربما بلغ بهم ضعف العقيدة أن يجاروهم فيما يقولون، وسيعلم الذين يشترون رضا المخلوق بغضب الخالق أي منقلب ينقلبون.
والشاب المسلم يذكر في كل حين: أن أمد عمره غير معروف، ويتوقع انقطاعه في كل يوم، فتجده حريصاً على أن لا تمر ساعة من ساعات حياته
(5/ 2/118)

دون أن يكسب فيها علماً نافعاً، أو عملاً صالحاً.
إذا ما مضى يومٌ ولم أصطنع يداً ... ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري
والشاب المسلم: إذا وكل إليه عمل، أقبل عليه بنصح، وتولاه بأمانة، ذلك بانه يشعر بان الرجال إنما يتفاضلون على قدر إتقانهم للأعمال، ويشعر بانه مسؤول عما ائتمن عليه بين يدي من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والشاب المسلم: ينظر بنور الله، فلا يسارع إلى تقليد المخالفين، ومحاكاتهم في عاداتهم وأساليب مدنيتهم، وإن لم تقم على رعاية مصلحة، وضعفاء الإيمان يحرصون على أن يقلدوهم في كل شيء، ولو خالف آداب الشريعة، كمن يمسك السكين باليمين عند الأكل، والشوكة بالشمال، ويتناول بها الطعام مخالفاً لآداب الشريعة الغراء.
والشاب المسلم: يؤمن بأن النظم الإسلامية الاقتصادية أرقى نظم يسعد بها البشر، ويدركون بها حياة مطمئنة آمنة، فمن يعتقد أن الربا - مثلاً - من الوسائل التي تتسع بها الثروة، وينتقل بها الناس من فقر إلى غنى، فقد وقف بهذا الرأي محارباً لله ورسوله، ولا يزيده ما يرتكبه في تحريف نصوص الشريعة عن مواضعها إلا ضلالاً.
والشاب المسلم: لا يجعل أحكام الشريعة تابعة لهواه وشهواته، فياخذ في تأويل نصوص الشريعة والتلاعب بقواعدها حتى يزعم أنها موافقة لهواه،، كمن يحاول أن يكون سفور النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال غير محظور شرعاً، يزعم هذا؛ لينظر إلى بنات المسلمين وأزواجهن بملء عينيه، أو يتصل بهم دون أن يسمع كلمة إنكار.
(5/ 2/119)

والشاب المسلم: لا يسعى لمجالسة الجاحدين، إلا أن تدعوه إلى ذلك ضرورة؛ فإن علامة حياة القلب بالإيمان تألمه من سماع كلمة تهكم أو طعن في الدين، وقد دل التاريخ والمشاهدة: أن الزنا دقة إن لم يطعنوا في الدين، أو يتهكموا بالمؤمنين صراحة، لم يلبثوا أن يطعنوا فيه، أو يتهكموا به رمزاً وكناية، ثم إن الملحد - أيها الشاب المسلم- لا تجد في خلقه وفاء، ولا في مودته صفاء، إلا أن تسير سيرته، وتحمل بين جنبيك سريرته.
والشاب المسلم: يمثل سماحة الإسلام، وفضلَه في تهذيب النفوس، وأخذها بأرقى الآداب، فإذا جمع بينه ويين المخالفين المسالمين عملٌ لمصلحة وطنية، عاشرهم برفق وإنصاف، وإذا دارت بينه وبينهم محاورة في علم أو دين، اكتفى بتقرير الحقائق، وإقامة الحجة، وطفر لسانه أو قلمه من الكلمات الجافية، وأخفى ما قد يقع في نفسه من غيظ، والتجملُ بالأناة وحسن السمت، ولين القول قد يجاذب النفوس الجامحة عن الحق، ويخطو بها الخطوة الأولى إلى التدبر في الحجة.
والشاب المسلم: يعمل ليرضي ربه، ولا يحفل بأن تكون له وجاهة عند رجال الدولة، فإذا وجد أمامه أمرين، أحدهما يرضي الخالق، وثانيهما يقربه من ذوي السلطان درجة، اختار أولهما؛ فإن آثر رضا السلطان على رضا الله، فليتفقد مقر إيمانه، فعساه أن يهتدي إلى المرض الذي طرأ على قلبه، فليلتمس له دواء ناجعاً، وإنما دواؤه الناجع: أن يعلم أن الله يمنعه من ذوي السلطان، وأن ذوي السلطان لا يمنعونه من الله.
والشاب المسلم: قد تقضي عليه ظروف خاصة بأن يسكت عن بعض ما هو حق، ولكنه إذا تكلم، لا يقول إلا الحق.
(5/ 2/120)

والشاب المسلم: لا يزن الناس في مقام التفاضل بما يزنهم به العامة من نحو المال أو المنصب، وإنما يزنهم بما يزنهم به القرآن المجيد، والعقل السليم من ورائه، أعني: العلم النافع، والسيرة النقية الطاهرة؛ كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
والشاب المسلم: يكسب المال ليسد حاجات الحياة، ويحيط نفسه بسياج من العفاف والكرامة، ويأبى أشد الإباء أن يسعى له من طريق الملق وإراقة ماء الوجه، والذي يبذل ماء محياه، ولا يبالي أن يقف موقف الهوان، هو الشخص الذي فقد أدب التوكل على الخالق - جل شأنه -، وزهد في ثوب العزة الذي ألبسه إياه بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
والشاب المسلم: لا يرفع رأسه كبراً وتعظماً على الطيبين من الناس، وإن كان أغزر منهم علماً، وأعلى منصباً، وأكثر مالاً، وأوسع جاهاً، وانما الكبر والتعاظم مظهر قذارة في النفس توحي إلى أن من ورائها نقائص أراد صاحبها أن يوريها عن أعين الناس بهذه الكبرياء.
والشاب المسلم: يرفع رأسه عزة على من يعدّون تواضعه خسة في النفس، أو بلاهة في العقل، حتى يريهم أن الإيمان الصادق لا يلتقي بالذلة في نفس واحدة.
والشاب المسلم: إذا رأى منكراً يُفعل، نهى عنه، وإذا رأى معروفاً يُترك، أمر به، ولا يقول كما يقول فاقدو الغيرة على الإصلاح: ذلك شأن رجال الدين، يعنون: أرباب العمائم خاصة، والدين لم يقصر واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة تسمى: رجال الدين، بل أوجب الأمر بالمعروف على كل من علم أنه معروف، وأوجب النهي عن المنكر
(5/ 2/121)

على كل من عرف أنه منكر، لا فرق بين الشاب والشيخ، والمتعمم وحاسر الرأس.
سادتي! هذه كلمة سقنا فيها مثلاً من السيرة التي يجب أن يكون عليها شباب الإسلام، وإذا هم نحروها رشداً، وثقنا بأن لنا أمة تستطيع أن تقف أمام كل قوة، وهي على ثقة بأن تجد من الله ولياً ونصيراً.
(5/ 2/122)

إلى شباب محمد - صلى الله عليه وسلم - أيها الشباب الناهضون! (1)
تعلم حق اليقين أن دين الإسلام منبع العزة في الدنيا، ومرقاة السعادة في الأخرى، يدري هذا من درس أصول الدين، واطلع على أسرار أحكامه وآدابه، ولا يزال المسلمون في سلامة وسيادة، حتى حادوا عن سبيله، ونكثوا أيديهم عن عروته الوثقى، وكان عاقبة ذلك: أن سقطت أوطانهم في أيدي أعدائهم، وأصبحوا لا يملكون لأنفسهم رأياً ولا نفاذاً.
وكان يهوّن هذا الخطب أن انحراف المسلمين عن شريعتهم الذي كان سبب ضعفهم، لم يكن إلا إهمال الواجبات العملية عن غفلة، أو تغلب شهوة، والغفلة تداوى بالتنبيه، والشهوات تقاوم بالموعظة الحسنة.
ولكن أمتنا بعد أن انحدرت بها الأهواء في تلك الحفرة من الذلة، أصيبت بعلة أخرى هي أسوأ أثراً، وأشأم عاقبة من علتهم الأولى، وهي ابتلاء كثير من أبنائنا بزيغ العقيدة، ومحاكاة المخالفين، حتى في الآراء المخالفة لجوهر الدين.
وإذا كان خسران العقيدة فيما سلف، قد يبتلى به أشخاص متفرقون، ويبالغون في كتمانه، وإنما يظهر في لحن خطابهم، أو ينقله عنهم بعض من
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر.
(5/ 2/123)

يسرون إليه به، فإنه في هذا العصر قد تفشى، حتى أصبح الملاحدة والاباحيون يصرخون في المجالس العامة، أو على صفحات المجلات أو الجرائد بما لا يختلف علماء الإسلام في أنه ردة وخروج على الدين إلى حد بعيد.
وليس من العجب أن يلحد أبناؤنا الذين نشؤوا في بيئات لا تعرف من الدين إلا اسمه، ولم يلاقوا إلا النفر الذين تصدوا لمحاربة الدين بجهالة أو بسوء قصد، وإنما العجب أن تجد الإلحاد والإباحية في نفر نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم يتسترون بتأويل القرآن المجيد، والحديث النبوي الشريف تأويلاً لو سلكناه في تأويل كلام أحدهم، لغضب منه، وعمّه رمياً له بالعيّ، أو العبث باوضاع اللغة العربية.
إذن فالزائغون عن الرشد في أوطاننا صنفان:
1 - صنف نشؤوا في بيئات شأنها الطعن في الدين، ولا عمل لها إلا إيراد الشبه مجردة من الحجج التي تدفعها، وتقر الحقائق في مواضعها.
2 - وصنف نشؤوا في معاهد إسلامية، ولكنهم لم يدرسوا الدين دراسة جد وتحقيق تجعلهم في حصانه من أن تأخذهم الشبه، وتخدعهم زخارف الحياة، ولم يملكوا من خشية الله تعالى ما يمنعهم أن يقولوا على الله غير الحق.
وتقويم الصنف الأول من الملاحدة أيسر من تقويم الصنف الثاني؛ إذ الصنف الأول قد يجلس إليك بصفتك داعياً إلى الإصلاح، فيصغي إليك عندما تتصدى لدفع شبهة، وإقامة حجة، فإذا بصر بالشبهة ذهبت، وبالحجة أضاءت، لم يلبث أن يجيب دعوتك متأسفاً عما سبق له من الغواية، مغتبطاً بما وفقه الله إليه من هداية.
(5/ 2/124)

أما الصنف الثاني، وهو الذين يلحدون بعد قطع مراحل من التعليم الديني، ففي دعوتهم من ظلمات الزيغ إلى نور الرشد عسرة إذ يخيل إليهم أنهم عرفوا ما يعرفه الدعاة، ولم يجدوه موصلاً إلى حق، وهذا التخيل يصدهم عن الإصغاء إلى الدعوة، وإذا أصغوا إليها، فإنما يقصدون في غالب أمرهم استكشاف موضع ضعف يهاجمونها منه.
وهذا الصنف أشد ضرراً على الأمة من الصنف الأول؛ إذ الصنف الأول قد يكون إلحاده مقصوراً عليه، وإن قام بدعاية إلى الإلحاد، فإن الناس لا يستمعون إليه؛ إذ هو محمول على الجهل بحقائق الدين وأصوله، أما ذلك الذي يخرج لهم في زي رجال الدين، أو يذكر أنه درس الدين حتى انتهى إلى غاية بعيدة، فكثيراً ما يغرّ الغافلين من الشباب أو العامة؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أنه يتكلم على بينة، ولا ينتبهون لما يحمل في صدره من زيغ، ولا لما يضمر في نفسه من أغراض دنيئة.
أقول هذا - أيها الشباب الناهضون - لأذكركم بأنكم ستلاقون شباباً سرى إليهم وباء الإلحاد والإباحية من اتصالهم بنفر أعرفَ بطرق المكر، أو أبرعَ في صناعة البيان، فخذوهم بالحكمة والرفق وسعة الصدر عند المناقشة؛ فإنكم تدعون إلى الحق، وللحق ضياء ينكشف إزاءه كل باطل، وإن خرج في ثوب مستعار من الحق.
وأنكم ستلاقون فئة ممن يدّعون أنهم درسوا الدين وهم زائغون عن سبيله، وقد يجنحون بكم إلى طريقة التأويل الفاسد، فازدرُوا أقوالهم، وارموا في وجوههم بالحجة، ولا تهابوهم، ولو لبسوا العمائم؛ فإنها قد تنصب على رؤوس لا تفكر إلا في وسائل المكر بالدين الحنيف، وهذه الخيانة تكسبهم
(5/ 2/125)

ضعفاً، وتجعل مسالك القول أضيق عليهم من سم الخياط، فلا يقفون لجدالكم إلا بمقدار ما يعرفون قوة إيمانكم، وثبات أقدامكم.
وإنكم ستلاقون فئة باض اليأس من الإصلاح في قلوبهم وفرخ، ويصارحونكم بأن الدعوة إلى الحق في هذا العصر من قبيل النقش في الماء، أو الضرب في حديد بارد، فإن تعذر عليكم اقتلاع هذا اليأس من نفوسهم، فاعلموا أن خلف يأسهم جبناً، ولا خير لكم في محادثة الجبناء.
وإنكم ستمرون بأشخاص مردوا على التهكم والاستهزاء، فيهمسون في الآذان، ويتغامزون بالأعين، وكذلك كان أمثالهم يستهزئون بالدعاة إلى الخير، فيجدون من الدعاة إخلاصاً وثباتاً يذهب كل استهزاء من حولهما لاغية، فدعوا المتهكمين والمستهزئين في هزلهم، وامضوا في سبيل دعوتكم إلى الحق والفضيلة، فستجنون بتأييد الله تعالى ثمرتها، وتحمدون عاقبتها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(5/ 2/126)

مقاصد الاسلام في إصلاح العالم (1)
يدخل الفساد في العقائد والآراء والأخلاق، وفيما يقصد به التقرب إلى الخالق - جلّ شأنه -، وفيما يتناوله الإنسان من نحو المطعوم والملبوس، وفي المعاملات الجارية بين الأفراد والجماعات من الناس، بل يدخل الفساد في معاملة الإنسان للحيوان.
وقد دلّنا التاريخ أن كثيراً من عقائد الأمم كانت زائغة، وكثيراً من آرائهم كانت مزاعم ينبذها العقل، وأن الأخلاق كانت منحطة، والتقرب إلى مبدع الخليقة لا يقع على وجهه الصحيح، والتمتع بالمطعومات والملبوسات وما يتخذ من المراكب لا يقف عند الطيبات والزينة وما يوافق الحكمة، ومعاملات الأفراد والجماعات من الناس والحيوان لم تكن جارية على نظام الرحمة والعدل.
فكان من مقاصد الإسلام: تقويم العقائد، وتطهير العقول من المزاعم السخيفة، وإصلاح الأخلاق، وشرع العبادات الصحيحة، وبيان الطيبات من الرزق، وما لا يخرج عن حدود الحكمة من نحو الملابس والمراكب، وتنظيم المعاملات على وجه العدل والرفق.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد التاسع.
(5/ 2/127)

أما العقائد، فقد أنكر الإسلام على أصحاب الملل الباطلة، وأقام الحجج على بطلان تلك الملل، وقرر العقائد السليمة، وثبتها بالبراهين القاطعة.
حارب عقيدة الشرك بالله، ونهى عما يفضي إليها؛ كالمبالغة في تعظيم بعض المخلوقات، وصرّح ببطلان كل عبادة يتوجه بها إلى مخلوق؛ من نحو صنم، أو كوكب، أو نار، أو حيوان، أو إنسان، ونظر في الأديان السماوية السابقة؛ كاليهودية، والنصرانية، فدلّ على ما طرأ عليها من تغيير، وما دخلها من مبتدعات حتى بعدت عن هداية الله، وأصبحت تلك الأديان في واد، والسعادة في واد.
وأما الآراء، فقد قصد الإسلام لتقويمها بطريقة عامة هي: نهيه عن التقليد، وحثّه على الرجوع إلى العقل، وإقامة العلم على قاعدة الاستدلال، ثم أتى إلى مزاعم كانت ذائعة بين الناس، فنبّه على بطلانها؛ كزعم الشؤم في بعض الأشياء، وكزعم أن خسوف الشمس أو القمر يقع لموت رجل عظيم.
وأما الأخلاق، فقد وجه إليها الإسلام جانباً كبيراً من عنايته، فانكر الجبن والبخل والكذب والخيانة والرياء والحسد، إلى غير ذلك من الأخلاق الذميمة، وحثّ على الشجاعة والكرم والصدق والأمانة والحلم والإخلاص، إلى نحو هذا من الأخلاق الحميدة.
وأما العبادات التي هي صلة بين الخالق والمخلوق، فقد قرر أوضاعها، ورسم حدودها، ونبّه على شروط صحتها؛ مثل: الصلوات والصيام والحج والزكاة والذكر، ونبّه على فساد أعمال قد يحسبها الناس عبادات تقربهم إلى الله، نبّه على ذلك بوجه عام كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا
(5/ 2/128)

ما ليس منه، فهو رد"، وقصد لكثير من الأعمال الخاصة؛ فدلّ على أنها ليست من العبادات في شيء؛ كشدِّ الرحال للصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، وكوصل الليل بالنهار في الصيام.
وأما المطعومات، فقد ذكر الطيبات، وأذن في التمتع بها، وذكر الخبائث، ونهى عن تناولها.
وأما الملبوسات، فقد حرم بعضها؛ كما حرم على الرجال لبس الحرير والذهب والفضة؛ لما في استعمالها من السرف والرفاهية، والرجال في حاجة إلى الكمال النفسي، وليسوا في حاجة إلى زخرف المظهر، وإذا كان الحرير والذهب والفضة تزيد في ظاهر المرأة حسناً، فإن الرجل لا يباهي إلا بسمو خلقه، واستنارة فكره، واستقامة سيرته، وصلاح أعماله، وتطوّحُه في النعيم إلى حد بعيد يعود إلى الرجولة الكاملة بشيء من النقص كثير أو قليل. وأما المراكب، فقد أذن في ركوب بعض الحيوان؛ كالخيل والبغال والحمير والإبل، ونهى عن ركوب البقر، ويلحق بالبقر كل حيوان يحصل له ما يحصل للبقر من ضرر الركوب عليه.
وأما المعاملات بين الناس، فقد أخذت من شريعة الإسلام أوسع مكان، ونريد من المعاملات: ما يجري بين شخصين أو أشخاص من نحو عقود البيع والإجارة والقرض والهبة، ويدخل في هذا القبيل: مراعاة حقوق الزوجين والأقارب والأرقاء والأطفال، فيعدّ في قبيل المعاملات: أحكام النكاح والطلاق والعتق والحضانة والنفقات والإيصاء.
وأما معاملة الحيوان، فقد أخذت جانباً من عناية الإسلام؛ إذ نهى عن تعذيب الحيوان، وحثّ على الرفق به.
(5/ 2/129)

ثم إن الإسلام أرشد إلى أشياء قصد لها قصد الوسائل التي لا تتحقق المقاصد الأصلية إلا بها؛ كالجهاد، وعقوبات الجناة المشروعة للزجر عن الاعتداء على الدين والنفس والعرض والمال والعقل، وكالشورى؛ فإنها طريق الوصول إلى الحكم العادل، وطريق تدبير الأمور على نهج السداد، وكإطلاق العقل من أسر التقليد؛ لأنه طريق الإيمان الصادق، واستنباط الأحكام الصحيحة، وتوسيع دائرة العلوم على اختلاف موضوعاتها.
فالإسلام لم يقتصر على إصلاح العقائد، وتنظيم الصلة بين العبد وربه؛ كما يقول بعض من يظهر الاسلام ويخفي الإنكار، بل الإسلام دين سماوي، نظر إلى كل ناحية من نواحي الحياة الفردية والاجتماعية، وقرر لها نظماً مفصلة، أو وضع لها أصولاً عامة، وعدَّ الخروج على هذه النظم وهذه الأصول فسقاً وظلماً، بل سماه في بعض الآيات كفراً؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وليس من شك في أن من خرج على نظم الإسلام وأصوله معتقداً أن ما خرج إليه أقرب إلى الحكمة، وأحفظ للمصلحة، فقد خلع طوق الدين الحنيف من عنقه.
ولماذا لا يحتفظ المسلمون بشريعتهم وهي قائمة على رعاية المصالح التي يبحث عنها أصحاب القوانين الوضعية، فيسيبونها حيناً ويخطئونها أحياناً كثيرة. وقد تتبع الراسخون في العلم أحكام الشريعة الغراء فوجدوها ترجع إلى أربعة أصول:
أولها: الأعمال بمقاصدها.
ثانيها: الضرر يزال.
ثالثها: المشقة تجلب التيسير.
(5/ 2/130)

رابعها: العادة محكمة.
والقضاء الذي يقوم على رعاية هذه الأصول، قضاء محكم عادل، وهو يعد عدله وحكمته، كفيل بأن تطيعه قلوب الأمة، ولا تجد في أنفسها حرجاً متى أجرى عليها بإنصاف.
(5/ 2/131)

انتشار الإسلام في العالم وعوامل ذلك (1)
أبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته إلى العرب، ثم اتجه بإبلاغها إلى الأمم الأخرى من غير العرب، فبعث رسله بكتب إلى ملك الفرس، وملك الروم، وملك مصر، وملك الحبشة، يدعوهم إلى الإسلام.
فكتب إلى كسرى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لينذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثم المجوس".
وكتب إلى هرقل: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين (2)، و {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًامِنْ دُونِ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن والجزء التاسع من المجلد التاسع.
(2) الفلاحون والزارعون، والمراد: إثم رعاياه الذين يتبعونه.
(5/ 2/132)

اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ".
وكتب إلى المقوقس ملك مصر: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك اثم أهل القبط، {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت به، فخلقه الله من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي. والسلام على من اتبع الهدى".
أما ملك الفرس، فمزق الكتاب، وبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "مزق الله
ملكه".
وأما ملك الروم وملك مصر، فقابلا الدعوة برفق وأناة، ولكنهما لم يجيبا إليها.
وأما النجاشي، فقبل الدعوة ودخل في الإسلام (1)
__________
(1) هذا ما يوجد في بعض كتب السيرة، وفي "صحيح مسلم" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى=
(5/ 2/133)

وجّه - صلى الله عليه وسلم - الدعوة إلى تلك الأمم بدعوة ملوكها، فكان هذا من دلائل أنه مأمور بإبلاغهم الدعوة كما أبلغها العرب، فلم يتردد أصحابه - رضي الله عنه - في قصدهم لبثِّ الدعوة بين الأمم ما أمكنهم، وكان من أبي بكر الصديق بعد أن أطفأ فتنة المرتدين ومانعي الزكاة في البلاد العربية أن وجه نظره إلى نشر الإسلام في العراق والشام على طريق الفتح، وجاء عمر بن الخطاب، فأتم فتح الشام، ثم فتح الفرس ومصر وطرابلس الغرب، وجاء عثمان بن عفان، فاتم فتح الفرس، وفتح أرمينية والقوقاز.
وفي عهد بني أمية فتحت تونس والجزائر والمغرب الأقصى وبلاد الأندلس، وانتشر الإسلام في الهند على يد فاتحها السلطان محمود بن سبكتكين، ثم المغول الذين أسسوا فيها الدولة المغولية.
ووصل الإسلام إلى الصين منذ عهد قديم (1) على أيدي الدعاة من التجار والمهاجرين الذين يرحلون إلى تلك البلاد بحراً من طريق الهند، أو براً من طريق ما وراء النهر، ودخل جزائر سو مطرة، وجاوة منذ عهد بعيد على أيدي الدعاة أيضاً من التجار الوافدين عليها (2)، ووصل إلى جزائر سرنديب "سيلان"، وجزائر الفلبين، وسيام، وأستراليا، والبرازيل، وبلاد أخرى من أميركة.
__________
=النجاشي، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه؛ أي: صلاة الغائب. انظر: "زاد المعاد" لابن القيم.
(1) من مؤرخي الصين من يقول: إن أول وفد من المسلمين دخل الصين كان في عهد الخليفة عثمان - رضي الله عنه -.
(2) من الكاتبين من ذهب إلى أنه دخل جاوة بدعوة تجار من الفرس، ومنهم من ذهب إلى أنه دخل بدعوة الحضارمة من العرب.
(5/ 2/134)

وانتشر في السودان، وبلغ بلاد "السنغال"، و"غيانا"، و"ساحل العاج"، و"سيراليونا"، و"نيجيريا"، و"ساحل الذهب"، و"توجو"، و"الكمرون"، وجنوب أفريقية "مستعمرة الكاب"، و"مدغشقر"، و"زنجبار"، و"بلاد الحبشة".
وانتشر الإسلام بالفتح العثماني في آسيا الصغرى، والآستانة، وشرقي أوربا، وهو اليوم في بولونيا، ويوغوسلافيا، وألبانيا، وبلاد اليونان. وانتشر في المغول "التتار"، وبلاد روسيا بالدعوة الخالصة.

* عوامل انتشار الإسلام:
انتشر الإسلام ذلك الانتشار الواسع المدى في زمن غير بعيد، بعوامل اقتضتها حكمة الله:
وأول هذه العوامل: متانة أصول الدين، وسماحة شريعته، ووضاءة ما دعا إليه من أخلاق وآداب، فإذا صادفت الدعوة ذا فطرة سليمة، وعقل راجح، فنظر فيما يدعو إليه الدين من عقائد وأحكام وآداب، لم يلبث أن يتقبل دعوته، ويصير إلى إيمان لا تزلزله عواصف التضليل.
في خطاب العلاء الحضرمي عند دعوة المنذر بن ساوي ملك البحرين: "هذا النبي الأميّ الذي والله! لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه ليته أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه؛ إذ كل ذلك منه على أمنية العقل، وفكر أهل البصر".
وكذلك قال المنذر في جواب العلاء: "قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم، فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة، وراحة الموت".
(5/ 2/135)

ولما بلغ أبا ذزّ الغفاري مبعثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أرسل أخاه إلى مكة؛ ليسمع من قول النبي - صلوات الله عليه -، ويأتيه بخبره، فانطلق إلى مكة، وعاد إلى أبي ذر، وقال له: "رأيته يأمر بمكارم الأخلاق".
وكذلك قال المقوقس عندما جاءه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى الإسلام: "إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه".
وسلك الكتاب والسنّة في كثير من هذه الأصول والأحكام والآداب طريق الاحتجاج لها، وبيان الداعي لها، وما يترتب عليها من المصالح؛ لتزداد القلوب إيماناً بصحتها، وتطمئن إلى أن دعوة هذا الدين دعوة قائمة على رعاية المصالح؛ كما قال تعالى في الاستدلال على الوحدانية: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وقال - صلى الله عليه وسلم - في علة النهي عن بيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ "، وقال لمن سأله عن الاستئذان على أمه: "استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ ".
ثانيها: استقامة الدعاة، وتحليهم بما يدعون إليه من خير. وانظر إلى قول ملك عمان لعمرو بن العاص إذ أبلغه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - داعياً إلى الإسلام: "إنه والله! لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وأنه يفي بالعهد، وينجز الموعود".
ومن نظر في تاريخ الخلفاء الراشدين، وجدهم يقتدون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثل: الزهد في الدنيا، والعدل في القضاء، والجد في العبادة، فكانوا
(5/ 2/136)

دعاة للإسلام بسيرتهم قبل أن يدعوا إليه بالسنتهم.
وفد على الخليفة الأول ذو الكلاع من ملوك اليمن، ولما شاهد ما كان عليه الخليفة أبو بكر من الزهد والتواضع، أخذ يتزيا بزيه حتى رئي ذو الكلاع وهو حامل لجلد شاة، فأنكر عليه بعض قومه أن يفعل هذا بين المهاجرين والأنصار. فقال: "أفأردتم أن كون ملكاً جباراً في الإسلام؟ لا والله! لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد".
وانظر إلى ما كانوا يوصون به عمالهم من إنصاف أهل الذمة، وعدم إيذائهم، ومن هذا ما رواه الطبري في "تاريخه": أن عمر كتب إلى أمير البصرة أن يبعث إليه جماعة من ذوي الرأي والبصيرة، فأرسل إليه وفدأ فيهم الأحنف ابن قيس، فسألهم عن أهل الذمة، وقال: أيشكون ظلماً؟ فقالوا: لا. ولم يكتف بهذا حتى سأل الأحنف، وكان يطمئن له ويثق بخبره، فأجاب بمثل جوابهم، ثم صرفهم.
ومن نظر إلى تاريخ أمراء الجيوش الفاتحة للفرس والعراق والشام ومصر وأفريقية، رآهم على سير قيمة، وآداب سنية، يكبرهم من أجلها المخالفون، وأقل ما يكون لها من الأثر: أن تستدعيهم إلى النظر في الدين الذي هو يدعو إليه هؤلاء العظماء.
أرسل المقوقس رسلاً إلى عمرو بن العاص، فحبسهم عمرو عنده يومين وليلتين؟ ليروا حال المسلمين، فلما عادوا إلى المقوقس، وصفوا له المسلمين فقالوا: "رأينا قوماًالموتُ أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم،
(5/ 2/137)

ولا السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة، لم يتخلف منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم".
وإن شئت شاهداً على أن استقامتهم كانت قائمة على خشية الله، لا على الخوف من رئيسهم الأعلى، فذلك عمير بن سعد عاملُ عمر بن الخطاب على حمص: وفد على عمر، وسأله عن أشياء، ثم قال له: عد إلى عملك. فقال: لا تردني إلى عملي؛ فإني لم أسلم منه. حتى قلت لذمي: "أخزاك الله"، ولقد خشيت أن يخصمني له محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد سمعته يقول: "أنا حجيج المظلوم، فمن حاججته، حججته"، ولكن ائذن لي إلى أهلي، فأذن له، فأتى أهله (1).
ثالثها: حكمة طرق الدعوة، فإن القرآن الكريم أرشد الدعاة إلى الأخذ بالحكمة والموعظة الحسنة، وأمرهم أن يتحروا في مجادلاتهم أحسن الطرق.
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ومن ينظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجده يأخذ في الدعوة بالطرق التي تجعلها مالوفة للعقول، قريبة من القلوب، فكان يعرضها في لين من القول، ويخاطب كل قوم بما يفهمون، ولا يخاطب أحداً إلا بما يحتمله عقله، وينظر إلى النفوس وما يلابسها من علل وشبهات، ويضع كلامه موضع الدواء الناجع.
وانظر قصة دعوته عدي بن حاتم حين دخل عليه في المسجد، فأخذ بيده، وانطلق به إلى بيته، وأخذ يدعوه إلى الحق، ويعالج ما في نفسه من شبه، ويزيحها في رفق، ومما يروى في هذه القصة: أنه قال له: "لعلك إنما يمنعك
__________
(1) "سراج الملوك" للطرطوشي.
(5/ 2/138)

من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى هرمز"، (1) فأسلم عدي، وكان من أصدق الناس إيماناً.
وقد تعلم الناس من القرآن والسيرة النبوية كيف يدعون إلى الدين والإصلاح على طريق الحكمة، وكانت هذه الحكمة من وسائل نجاح الدعوة، وذهابها إلى أقصى الشرق والغرب.
رابعها: بلاغة القول، وحسن البيان، ذلك أن بلاغة الداعي مما يأخذ إلى قبول الدعوة؛ فإن إخراج الحق في صورة واضحة جميلة يسرع بإلقائه في النفوس، وإذا نظرت إلى الرسل الذين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث بهم للدعوة، وتدبرت في المخاطبات التي كانت تجري بينهم وبين الملوك أو غيرهم من المدعوين، وجدتهم من أبدع الناس بياناً، وأعرفهم بالطرق التي تنفذ منها الدعوة إلى القلوب المستعدة إلى الرشد.
وانظر إلى دعوة المهاجر بن أمية للحارث بن عبد كلال، فمما يقول فيها: "فإذا نظرت في غلبة الملوك، فانظر في غالب الملوك، وإذا سرّك يومك، فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارهم، وبقيت أخبارهم، عاشوا طويلاً، وأملوا بعيداً، وتزودوا قليلاً، منهم من أدركه الموت، ومنهم
__________
(1) انظر: "سيرة ابن هشام"، وكتاب: علامات النبوة من "الجامع الصحيح" للإمام البخاري.
(5/ 2/139)

من أكلته النقم، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى، لم يمنعك، وإن أرادك، لم يمنعك منه أحد".
ثم انظر إلى دعوة عمرو بن أمية الضمري للنجاشي، فمما يقول فيها: "إن عليَّ القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا منا، وكأنا بالثقة بك منك؛ لأنا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء قط إلا أمنّاه، وقد أخذنا عليك الحجة من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك وقع المحزّ، وإصابة المفصل، وإلا، فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى بن مريم".
وإذا عُدَّ بذل المال في وسائل نجاح الدعوة، فلأن الإحسان يزيل ما في النفوس من نفور، فيهيئها للنظر في أمر الرسالة، والتأمل في دلائلها، فإذا أذن الشارع بصرف جانب من المال لبعض من لم تطمئن قلوبهم بالإيمان، فإنما أذن في وسيلة من وسائل لفت النفوس المتجافية عن الحق إلى النظر في أمره، لعلها تصل إلى العقيدة الصادقة.
قال بعض من نَفَّلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، من غنيمة هوازن: (لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ).
أما عن سوء سيرة رؤساء الأمم غير المسلمة، وعنف سياستهم، فذلك سبب لنفور أولئك الأقوام منهم، ووهن عزائمهم في الدفاع عن عروشهم، فيصح أن يعد من ميسرات تلك الفتوح التي هي وسيلة إلى الاتصال بالشعوب، وذلك الاتصال وسيلة إلى اطلاعها على مزايا الإسلام، ومحاسن آدابه، فتدخل فيه بركبة تملأ أفئدتها.
(5/ 2/140)

وانظروا إلى قصة المغيرة بن شعبة إذ دخل على رستم قائد جيوش كسرى، وجلس معه على سريره، فوثب عليه الجند وأنزلوه، كيف قال كلمة حق، وكان لها في الجند أثر، قال: "إنا - معشر العرب - لا يتعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبرونا أن بعضكم أرباب بعض"!.

* ما يثار حول انتشار الإسلام من شبه:
يزعم بعض المخالفين غير المنصفين: أن الإسلام انتشر بالسيف، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كره الناس على قبوله، وهذا الزعم باطل، والحق أن دين الإسلام انتشر بالدعوة، وانقاد إليه الناس من طريق الحجة، وإليك البيان:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجاهد في مكة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد عرفتهم ما كان يلاقيه من المشركين من أذى، وما ينالون به أصحابه من سوء العذاب، حتى هاجر بعض أصحابه إلى الحبشة، وهاجر هو وبقية المسلمين إلى المدينة المنورة، وهنالك تألف حوله حزب من المهاجرين والأنصار، وأصبح هذا الحزب بين أربعة أصناف من المخالفين: معاهدون: وهم اليهود وبعض قبائل من العرب؛ كبني مدلج، وبني ضمرة. ومنافقون: وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. ومحاريون: وهم كفار قريش ومن شاكلهم في المجاهرة بالعداوة، والسعي للقضاء على هذه الدعوة قبل ظهورها، ومتاركون: وهم القبائل التي لم تتعرض لحربه، ولم تدخل معه في عهد.
وقد جرى حكم معاملاته - صلوات الله عليه - لهذه الأصناف الأربعة على مقتضى الحكمة، وهو رعاية حق المعاهدين ما استقاموا على عهدهم، والأخذ في معاملة المنافقين بظاهر حالهم، ومسالمة المتاركين ما داموا على
(5/ 2/141)

حيادتهم، وإعلان الحرب على من وقف موقف العدو الذي لا يرعى عهداً، ولا يقبض يده عن شر.
ومن درس غزواته - صلى الله عليه وسلم -، وسراياه، وجدها إما حرباً لعدو لم يدع أذى وصلت إليه يده إلا فعله؛ كغزوة بدر، أو دفاعاً لعدو مهاجم؛ كغزوة أحد، وغزوة حنين، أو مبادرة لعدو تحفز للشر؛ كغزوة بني قريظة، وغزوة المريسيع، وغزوة دومة الجندل، وغزوة ذات السلاسل، أو كسراً لشوكة عدو نقض العهد، وعرف بمحاربة الدعوة، واتخذ كل وسيلة للانتقام من القائمين بها، والقضاء عليها؛ كفتح مكة.
حارب - صلى الله عليه وسلم - أولئك الأعداء، وكان يحاريهم في جانب عظيم من السماحة، فنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، ونهى عن المثلة، وكان يمضي كل تأمين يصدر من أحد من المسلمين لبعض المحاريين، ولو صدر التأمين من امرأة أو عبد (1)، وقال: "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وكان يوصي بالإحسان إلى الأسرى، وقد يطلق سبيلهم من غير فداء؛ كما أطلق سبيل سبعين رجلاً من المشركين هبطوا عليه في صلح الحديبية يريدون غرته؛ وقد أشار القرآن المجيد إلى هذه القضية، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24].
وإذا عقد مع قوم عهداً، حافظ على العهد إلى أن ينقضوه بأنفسهم، ومن أظهر المثل التي نسوقها على هذا: قصة أبي رافع الذي بعثه إلى قريش؛
__________
(1) أعطى عبد يدعى مكنفاً الأمان لجيش حاصرهم أبو سبرة، فتمسك به الجيش، وكتب أبو سبرة بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: "إن الله عظَّم الوفاء، فوّفوا إليهم"، فوّفوا لهم وانصرفوا عنهم."تاريخ الطبري".
(5/ 2/142)

فإنه لما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقع في قلبه الإيمان، وقال: يا رسول الله! لا أرجع إليهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن، فارجع".
ونص الفقهاء على أنه لا يقتل المعتوه، ولا الأعمى، ولا الزَّمِن، ومن الفقهاء من يقول: لا يقتل الأعمى والزمن، ولو كانا ذوَي رأي وتدبير.
وما زال - صلى الله عليه وسلم - يدافع أولئك المعتدين على الوجه المذكور آنفاً، إلى أن شرعت الجزية في السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة، ونزل قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فأخذ الجزية من النصارى واليهود والمجوس. أخذها من نصارى نجران، ومن اليهود الذين كانوا باليمن، ومن المجوس الذين كانوا بالبحرين، أما محاربته ليهود المدينة، فكانت قبل شرع الجزية.
واختلفت أنظار الفقهاء فيمن تقبل منهم الجزية، وقد قرر جماعة منهم: أن الجزية تقبل من كل مخالف، ولو لم يكن من أهل الكتاب، قال ابن حجر في "الفتح": "وقال مالك: تقبل الجزية من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي، وفقهاء الشام". وقال ابن القاسم من أصحاب مالك: "إذا رضيت الأمم كلها بالجزية، قبلت منهم" (1). وإذا لم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها من عبدة الأصنام، فلأن مشركي العرب أسلموا قبل نزول آية الجزية؛ لأنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فرغ من قتال العرب،
__________
(1) يقابل هذا مذهب الإمام الشافعي أنها لا تقبل إلا من النصارى واليهود والمجوس. وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار وعبدة الأصنام من العجم دون العرب.
(5/ 2/143)

واستوثقت كلها بالإسلام، فعدم أخذه الجزية من عبدة الأصنام لعدم وجود من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها (1)، وفي "صحيح مسلم" أنه قال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث، فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم". ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام، أو الجزية، أو يقاتلهم.
فلا شبهة أن الدعوة انتشرت في مكة بالحجة، ولا شك أن الأنصار من الأوس والخزرج أسلموا بمجرد الدعوة. وكذلك من أسلم من اليهود بالمدينة، فإنهم أسلموا وهم في حماية العهد الذي كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأسلم قبل فتح مكة رجال كثير من قريش باختيار منهم، مثل: خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص، وطلحة بن أبي طلحة، ومن غير قريش مثل: رفاعة بن زيد الجذامي، وأبي موسى الأشعري، وأصحابه الأشعريين، وكذلك كان إسلام فريق من الحبشة.
ومن أسلم بعد فتح مكة من قريش قد أسلموا بعد أن أعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمان بقوله: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن أغلق بابه، فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام، فهو آمن". وبقوله - صلوات الله عليه - لقريش: "لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء،. ونرى قبيلة ثقيف لم يدخلوا الإسلام يوم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - محاصِراً لهم وهم بالطائف، ولكنهم بعد أن تركهم، وعاد إلى المدينة، جاؤوا إلى المدينة فأسلموا بحق، ثم عادوا إلى قومهم، وأخذوهم إلى الإسلام بالدعوة فأسلموا، وكذلك كان الشأن في
__________
(1) "زاد المعاد" لابن القيم.
(5/ 2/144)

القبيلة التي يسلم رؤساؤها من غير حرب؛ فإنه يتركهم يدعون بقية قومهم، ويرسل معهم من يدعو عامتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن أسلم في البلاد التي تُقبل من أهلها الجزية لا يصح أن يقال: إنه أكره على الإسلام؛ لأن له سبيلاً إلى البقاء على دينه، وعدم الدخول في الإسلام، وذلك السبيل هو إعطاء الجزية، وليست الجزية بالشيء الذي يضطر الشخص إلى الخروج عن دينه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذاً إذ أرسله إلى اليمن أن يأخذ من كل محتلم ديناراً، أو قيمته (1)، وهذا المقدار اليسير إنما يؤخذ من الرجل البالغ القادر على أدائه، ولا يؤخذ من امرأة، أو صبي، أو فقير عاجز عن الكسب.
وكذلك نرى الخلفاء الراشدين في فتوحهم لم يحملوا أمة على الإسلام، بل كانوا يخيرون الأمم بين الإسلام والجزية والمقاتلة، وفي حديث المغيرة ابن شعبة لعامل كسرى: "أمرَنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله، أو تؤدوا الجزية".
وماذا يقول هؤلاء الذين يزعمون أن الإسلام انتشر بالسيف إذا نظروا في مسلمي الصين، وجاوة، وغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام بمجرد الدعاية؟! وقد اعترف بعض منصفي الأوربيين بهذه الحقيقة، مثل: (السير توماس أرنولد) حيث قال: "لا يعرف الإسلام بين ما نزل به من الخطوب والويلات خطباً أشد هولاً من غزوات المغول، فقد انسابت جيوش جنكيز
__________
(1) اختلف الفقهاء بعد في تقدير الجزية؛ ومنهم من يقول - كالمالكية -: تخفف عن الضعيف بقدر ما يراه ولي الأمر.
(5/ 2/145)

خان انسياب الثلوج من قنن الجبال، واكتسحت في طريقها العواصم الإسلامية، وأتت على ما كان لها من مدنية وثقافة، على أن الإسلام لم يلبث أن نهض من تحت أنقاض عظمته الأولى، وأطلال مجده التالد، واستطاع بواسطة دعاته أن يجذب أولئك الفاتحين المتبربرين، ويحملهم على اعتناقه، ويرجع الفضل في ذلك إلى حماسة الدعاة من المسلمين الذين كانوا يلاقون من الصعوبات أشدها، لمناهضة منافسينِ عظيمين هما: المسيحية، والبوذية" (1).
وقال في كتابه "تاريخ انتشار الأديان": "إن اقتناع المسلمين بأن دينهم دين الحق قد غرس في نفوسهم المران والاندفاع في الدعاية إليه حيثما وجدوا، وآية هذه الدعاية في ثلاثة عشر قرناً مضت: ما نراه اليوم من استقرار الإسلام في نفوس بضع مئات من ملايين البشر منتشرين في كل بقعة من بقاع الأرض".
وقال: "بينما كان المغول يغيرون على بغداد، وينهبونها عام (656 ه)، ويحتلون بيت الخلافة من بني العباس، ويغرقونه بالدماء، وبينما كان (فرديناند) يكتسح بقايا المسلمين في قرطبة عام (634 ه)، ويرغم غرناطة - وهي المعقل الأخير للمسلمين في الأندلس- على أداء الخراج، كان الإسلام يظفر في خلال ذلك بالتقدم والانتشار في جزائر سومطرة".
وقال سليمان نظيف بك التركي في التعليق على هذا الذي كتبه (السير أرنولد) في صحيفة "صوت تلغراف": "فالترك السلجوقيون في القرن الخامس الهجري، والمغول من بعدهم بقرنين، إنما جاؤوا إلى بلاد الإسلام أعداء
__________
(1) "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم.
(5/ 2/146)

مغيرين، فما لبثوا أن دخلوا تحت جناح هذا الدين، وصاروا إلى دعاته وناشريه" (1).
فالحق: أن الإِسلام لم ينتشر بالسيف، وإنما انتشر بالدعوة والحجة، وإذا كان للفتح أثر في انتشار الإِسلام، فمن جهة أن فتح البلاد يستدعي قصد كثير من المسلمين للرحلة إليها، والإقامة في ربوعها، فيكثر اتصال أهل البلاد بالمسلمين، فيقفون في محادثتهم ومعاملتهم على جانب من حقائق الدين، ولو لم يتعمدوا البحث عنها، ثم إن ظهور الدعاة بمظهر العزة والوجاهة يجعل العيون ترمقهم بإجلال، فتقرب منهم النفوس، حتى إذا وجدتهم على دين أفضل من دينها، وشريعة أحكم من شريعتها، وآداب أرفع من آدابها، آمنت بما يؤمنون، وسارت في حياتها على ما يسيرون.
__________
(1) مجلة "الزهراء" - شعبان سنة 1343 ه.
(5/ 2/147)

نهوض الشباب بعظائِم الأمُور (1)
يسبق إلى الأذهان: أن الفتى حديث السنن؛ لقلّة ما مر عليه من التجارب، تخفى عليه عواقب الأمور، ويقصر باعه عن حل المعضلات، وتصريف الأمور بحكمة، ومن هنا نرى الناس يحتملون أخطاء الشباب أكثر من احتمالهم أخطاء غيره، ويعتذرون عنه بحداثة سنِّهِ، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لمن أنكر عليه عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش الفاتح للشام: إنك حديث السنن, مغضب في ابن عمك.
وهذا حق بالنظر إلى الشباب الذين ينشؤون نشأة عادية، فتنمو عقولهم على قدر ما يمر عليهم من السنين، وعلى قدر ما يلاقون من تجارب الحياة.
ما استقامت قناةُ فكري ... إلا بعد أن أعوجَ المشيبُ قناتي
ولكن التاريخ والمشاهدة يدلان على أن في الشباب من يبلغ في حصافة العقل، وحسن التدبير، المنزلةَ الكافية لأن يلقى على عاتقه ما يلقى على عواتق الكهول أو الشيوخ من عظائم الأمور.
وفي مثل هذا الفتى يقول بعض الأدباء: "قد لبس شبابه على عقل كهل، ورأي جزل، ومنطق فصل، حمدت عزائمه، قبل أن تحمل تمائمه"، وفي
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الأجزاء الثاني والثالث والرابع من المجلد الثالث عشر.
(5/ 2/148)

مثل هذا يقول آخر: "وكان بارعاً في العلم، أو السياسة إلى درجة تسمو على سنِّه"، وفي مثل هذا الفتى يقولون: "كان حسن السيرة، رفيقاً بالرعية، على حداثة سنِّه)، وقد يقولون: لا تنظر إلى صغر سن فلان، وانظر إلى عظم ما بلغه من المجد, كما قال البحتري:
لا تنظرن إلى الفياض من صغر ... في السنن وانظر إلى المجد الذي شادا
إن النحوم نجومَ الأفق أصغرها ... في العين أذهبها في الجو إصعادا
وإذا قلبنا صفحات التاريخ, دلتنا على رجال ظهرت عبقريتهم وكفايتهم للقيام بأعمال جليلة، وهم في أوائل عهد شبيبتهم.
نقرأ في السيرة النبوية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولّى عتاب بن أسيد مكة وقضاءها، وهو في سن الحادية والعشرين، وولّى معاذ بن جبل على اليمن وهو دون سن العشرين، وولّى أسامة بن زيد إمارة جيش فيه الشيخان أبو بكر وعمر، وسن أسامة يومئذ تسع عشر سنة، وولّى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كعبَ بن صور قضاء البصرة وهو في سن العشرين. وكان يدعو ابن عباس في المعضلات، ويجلسه بين الأشياخ، وهو دون سن العشرين.
وقلّد عثمان - رضي الله عنه - عبد الله بن عامر ولاية البصرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، قاد الجيوش، وفتح ما بقي من بلاد الفرس، حتى انقرضت على يده الدولة الساسانية، وولّى الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي قيادة جيش أخمد ثورة في الفرس، وقيادة جيش افتتح السند، وكان عمر هذا القائد سبع عشرة سنة، حتى قال فيه بعضهم:
قاد الجيوش لسبع عشرة حجَّة ... يا قربَ ذلك سؤدداً من مولدِ
وظهر نبوغ مخلد بن يزيد المهلبي في أوائل عهد شبابه، وفيه يقول
(5/ 2/149)

حمزة بن بيض الحنفي:
بلغت لعشر مضت من سني ... ك ما يبلغ السيد الأشيب
فهمّك فيها جسام الأمور ... وهمُّ لداتك أن يلعبوا
وكان مخلد هذا والياً على جرجان، وتوفي في عهد عمر بن عبد العزيز، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وقال عمر بن العزيز: اليوم مات فتى العرب، وأنشد متمثلاً:
على مثل عمرٍ تذهب النفس حسرةً ... وتضحي وجوه القوم مغبّرةً سودا
وولى المأمون يحيى بن الأكثم قضاء بغداد وهو في سن الحادية والعشرين، وتولى أبو شجاع بن نظام الدين الوزارة للمسترشد، وسنه دون العشرين، ولم يل الوزارة أصغر منه.
وإذا انتقلنا إلى النظر في شباب الملوك، وجدنا رجالاً تقلدوا الملك في سن العشرين، أو فيما دونه، أو فيما يزيد عليه بقليل، وأخص حديثي وما أسوقه من الأمثال بمن تولوا الملك في عهد الشباب، وظهرت لهم آثار تدل على كفايتهم للقيام بأعباء الملك.
وأضع في أول سلسلة هؤلاء الشباب من الملوك: الخليفة هارون الرشيد, فإنه تولى الخلافة وهو في سن الحادية أو الثانية والعشرين، وماذا أقول في هارون الرشيد، وصحف التاريخ مملوءة بمآثره الحميدة، وبما بلغه الإِسلام في عهده من العزة والعظمة؟!. وإذا لم يكن بدّ من ذكر خصلة من خصاله الزاهرة، فإنه كان يدع القضاء يتمتع بحريته الكاملة، ومما حدثنا به التاريخ: أن يهودياً كان قد رفع عليه قضية لدى القاضي أبي يوسف، وحكم القاضي لليهودي، وكان هارون في المجلس، فبادر إلى تنفيذ ما حكم به القاضي.
(5/ 2/150)

ومن عظماء شباب الملوك: ملك شاه بن ألب أرسلان الملقب بالسلطان العادل، تولّى الملك وهو في سن التاسعة عشرة، أو العشرين، وقد ملك من كاشغر "أقصى مدينة في بلاد الترك" إلى بيت المقدس، وكان مغرماً بالعمران، لهجاً بالصيد، مظفرًا في الحروب، وكانت السبل في أيامه آمنة: تسافر القوافل أو الأفراد مما وراء النهر إلى أقصى الشام من غير خوف ولا رهبة، وأصدق شاهد على إخلاصه في سياسة الأمة: أنه خرج لقتال أخيه أبي سعيد بن ألب أرسلان، واجتاز بمشهد الإمام علي الرضا، فقال في دعائه: "اللهم انصر أصلحَنا للمسلمين، وأنفعَنا للرعية".
ومن عظمائهم: محمد بن ملك شاه، فقد تولى السلطنة وهو في سن العشرين، وسار سيرة حسنة، وكانت له الآثار الجميلة من العدل الشامل، والبرّ بالفقراء والأيتام، وكان ساهرًا على أن تكون عقيدة الأمة سليمة، يخشى أن يدخلها الإلحاد، فتتزعزع قوتها المعنوية، وما تفشّى الإلحاد والإباحية في قوم إلا فقلت الرجولة من نفوسهم، وركب العدو أعناقهم.
ومن عظمائهم: محمود بن محمد بن ملك شاه؛ فقد تولى السلطنة في خلافة المستظهر بالله، وخطب له في بغداد وهو في سن الحلم، وكان هذا السلطان متوقدًا ذكاء، قوياً في العربية، عارفًا بالتواريخ، شديد الميل إلى أهل العلم والفضل، وهو الذي مدحه الشاعر حيص بيص بقصيدته التي يقول فيها:
يا ساري الليل لا جدب ولا فرق ... فالنبت أغيد والسلطان محمود
قيلٌ تألفت الأضداد خيفته ... فالمورد الضنك فيه الشاء السيد
ومن عظمائهم: فنا خسرو عضد الدولة بن بويه، فقد ولّي سلطنة فارس
(5/ 2/151)

وعمره خمس عشرة سنة، واستولى على العراق والجزيرة، وهو أول من خوطب بالملك في الإِسلام، وكان شهمًا حازماً متيقظًا، محبًا لأهل الفضل، وقصده فحول الشعراء ومدحوه بأحسن المدائح، ومن هؤلاء الشعراء المتنبي، ومما قال فيه:
ومن أَعتاضُ عنك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا
ومنهم محمد بن عبد الله السلامي، وهو الذي يقول فيه:
وبشرف آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
ومن عظماء شباب الملوك في الشام أو مصر: أبو الفتح غازي بن السلطان صلاح الدين المعروف بالملك الظاهر، فقد سلم إليه والده مملكة حلب وسنه أربع عشرة سنة، وكان ملكاً حازماً عالي الهمة، حسن السياسة، كثير الاطلاع على حال الرعية وأخبار الملوك، باسطاً للعدل، مجّلاً للعلماء، مجيزاً للشعراء، ورثاه راجح بن إسماعيل الحلبي بقصيدة بديعة يقول في طالعها:
سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه ... بمن علقت أنيابه ومخالبه
ثم يقول:
أيا تاركي ألقى العدو مسالماً ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبُهْ
(5/ 2/152)

ومن شباب ملوك مصر: خمارويه بن أحمد بن طولون؛ فقد تولى ملك مصر وهو ابن عشرين سنة، وكان هذا الملك يمثل الثبات ومقارعة الخطوب؛ فقد أصابه في أوائل ولايته ما يكسر العزم، ولكنه ما زال ينهض حتى ثبت لقتال الخارجين عن طاعته، ووصل أصحابه إلى "سر من رأى" بالعراق، وعظم أمره، واستولت الهيبة منه على القلوب. وإذا نزل بقدره شيء، فهو أنه كان ينفق الأموال الطائلة في الملاهي والزينة. كما فعل في تجهيز ابنته "قطر الندى".
وممن يذكر في هذا القبيل: علي بن الحاكم العبيدي، الملقب بالظاهر، فقد تولى ملك مصر وعمره ست عشرة سنة، وكان على خصال حميدة من نحو: السخاء والحلم والتواضع، والعدل في الرعية، والنظر في إصلاح البلاد، وكان لا يدّعي ما كان يدّعيه والده وجدّه من المزاعم، وله كتاب يتبرأ فيه من الغلاة فيه، وفي آبائه.
ومن هؤلاء العظماء: المظفّر موسى بن الملك العادل، فقد ملكه والده مدينة "الرها" وهو في سن العشرين، واتسع ملكه بعد، وكان سلطاناً واسع الصدر، كريم الأخلاق، ويقول المؤرخون: إنه أحسن إلى الناس إحساناً لم يعهدوه ممن كان قبله، فكان محبوباً إلى الناس، مؤيداً في الحروب، ومن شعرائه أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه، ويعجبني من مديحه له قوله:
قام بالدنيا وبالأخرى معاً ... فهي ضرات به قد رضيت
حسن الظاهر للناس ولل ... ه منه حسنات خفيت
ومن عظماء شباب الملوك في تونس: أحمد بن محمد بن الأغلب،
(5/ 2/153)

فقد ولي الملك بالقيروان وهو في سن العشرين، وكان حسن السيرة، رفيقاً بالرعية، كثير الصدقات، وكان مولعاً بالعمارة، فبنى بأفريقية حصوناً كثيرة الحجارة والكلس وأبواب الحديد.
ومن هؤلاء العظماء: باديس بن المنصور، فقد تولى الملك بالقيروان وعمره إحدى عشرة سنة، وكان ملكاً كبيراً، حازم الرأي، شديد البأس، وأذكر من مآثره: أن الفقيه الزاهد محرز بن خلف بعث إليه بكتاب يعظه فيه، ويطلب رفع مظلمة وقعت على أحد تلاميذه، ومما يقوله في الكتاب: "لا يغرنك توالي زخارف الدنيا عليك، وشاور في أمرك من يتقي الله، وخف من لا يحتاج إلى عون عليك، أنت على رحيل، فخذ الزاد". ولما وصل الكتاب إلى باديس، أصدر أمراً بتحرير طلبة العلم كافة، ورفع المظالم عنهم جملة.
ومن هؤلاء العظماء: المعزِّ معد بن منصور العبيدي، تولى الملك وهو في الثانية والعشرين من العمر، وثبّت دعائم دولتهم بالمغرب، ثم أسس الدولة العبيدية بمصر، وكان عاقلاً حازماً أديباً.
ومنهم: المعزّ بن باديس؛ فقد تولى الملك وهو في السنة الثامنة من العمر، وكان ملكاً جليلًا، عالي الهمة، حريصاً على تنفيذ أحكام الشريعة الغراء، واجتمع بحضرته من أفاضل الشعراء ما لم يجتمع إلا بباب الصاحب ابن عباد.
ويدخل في صف هؤلاء: المستنصر باللهِ محمد بن زكريا؛ فقد تقلّد الملك في تونس وعمره عشرون سنة، فنهض بأعباء الملك، وعلا صيته، وأبقى آثاراً علمية وأدبية وعمرانية أبقت له ذكراً جميلاً، وهو الذي قدم عليه حازم القرطاجني من الأندلس، فأكرم نزله، ومدحه بقصيدته الطائية المعروفة،
(5/ 2/154)

وقصيدته الرائية التي يقول في نسيبها:
ولا تعجبوا يوماً لكسر جفونها ... فإن إناء الخمر في الشرع يُكسَرُ
ويقول في حال الأعداء:
وقد شابه الأعداء جمعاً مؤنثاً ... لذاك غدت في حالة الفتح تُكسَرُ
ومن عظماء شباب السلاطين بالمغرب الأقصى: إدريس بن إدريس الحسني؛ فقد أخذت له البيعة بالمغرب الأقصى وعمره إحدى عشرة سنة، فقد نشأ في كفالة مولى أبيه راشد، فأقرأه القرآن الكريم، وعلمه السنّة، وروّاه الشعر وأمثال العرب، وأطلعه على سير الملوك، ودربه على ركوب الخيل، والرمي بالسهام، فلم يصل إلى السنة الحادية عشرة حتى ترشح للأمر، واستحق أن يبايع، وظهر من ذكائه ونبله ما أذهل العامة والخاصة.
صعد المنبر يوم بيعته وخطب، ومما قال في خطبته: "أيها الناس! إنا قد ولّينا هذا الأمر الذي يضاعف للمحسن فيه الثواب، وللمسيء الوزر، ونحن - والحمد لله- على قصد جميل، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا, فإن ما تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا"، وكان عاملاً بكتاب الله، قائماً بحدوده، وبذلك استقام له الملك، وعظم أمره.
ومن هؤلاء العظماء: علي بن محمد بن إدريس، أخذت له البيعة بعد وفاة أبيه، وكان يوم بويع في سن العاشرة من العمر، فظهر ذكاؤه ونبله، وسار بسيرة أبيه وجده في العدل، وإقامة الحق، وقمع الأعداء، وضبط البلاد والثغور، ويقول المؤرخون: كانت أيامه خير أيام.
ومن هؤلاء العظماء: علي بن يوسف بن تاشفين، بويع وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكان حليماً عادلاً وقوراً، آخذاً بالحزم، فضبط الثغور، وملك
(5/ 2/155)

من البلاد ما لم يملكه أبوه من قبله.
ومن عظماء شباب الملوك بالأندلس: عبد الرحمن الناصر، تولى الملك غير متجاوز الثانية والعشرين من عمره، درس عبد الرحمن القرآن والسنّة، وأجاد النحو والتاريخ, وبرع في فنون الحرب والفروسية، وزهت في عصره العلوم والزراعة والصناعة، وساد الأمن في البلاد، وكان للعلماء في عصره الحرية المطلقة، يواجهونه بالأمر بالمعروف، ويتلقى منهم ذلك بصدر رحب. ومواقف منذر بن سعيد في نصحه له معروفة في التاريخ, وهو الذي خطب على المنبر في بعض المجالس الحافلة منكراً عليه الإسراف في تشييد المباني وزخرفتها، وهو الذي خاطبه في أحد المجالس بقوله:
يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل
وكان القضاء في عهده على استقلال لا يخشون معه لومة لائم، وكان القاضي ابن بشير يحكم عليه لخصمه، ويتوعده بالاستقالة إذا لم يمتثل ما حكم به عليه.
ومن هؤلاء العظماء: أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج أحد ملوك غرناطة، تولى الملك وهو في السادسة من العمر، وكان الغالب على أيامه الهدنة والصلاح والخير، وكان وزيره الأديب الكبير أبو الحسن بن الجياب، ثم توزر له لسان الدين بن الخطيب.
ومن هؤلاء العظماء: ابنه محمد بن يوسف بن إسماعيل، بويع له بعد وفاة أبيه يوسف وعمره تسع سنين، وكان وزيره لسان الدين بن الخطيب بعد أن توزر لأبيه من قبله، ووصفه ابن الخطيب فقال؛ متحلٍّ بوقار وسكينة،
(5/ 2/156)

وسافر عن وسامة يكتنفها جلباب حياء وحشمة، كثير الأناة، ظاهر الشفقة، عطوف، مخفوض الجناح، مائل إلى الخير بفضل السجية، فأنست العامة بقربه، وسكنت الخاصة إلى طيب نفسه، وحمد الناس فضل عفافه، وكلفه بما يعنيه من أمره، وكان مع هذه المزايا مثلاً في الفروسية، قال بعض مادحيه:
إن ألمَّتْ هيعةٌ طا ... ر إليها غير وانِ
يصدع الليل بقلبٍ ... ليس بالقلب الجبان
وأختم حديثي هذا بحديث ملوك تقلدوا في أوائل شبابهم ولايات كانوا فيها مظهر اليقظة والحزم، وتولوا الملك بعده، فساروا فيه سيرة عبقري زادته التجارب خبرة بطرق السياسة الرشيدة.
ومن هؤلاء الملوك: هشام بن عبد الرحمن الداخل "مؤسس الدولة الأموية بالأندلس"؛ فقد كان والده عبد الرحمن يوليه في صباه الأعمال، ويرشحه لولاية الملك، ولما توفي عبد الرحمن، تولى هشام الخلافة وعمره ثلاثون سنة، وكان يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.
ويدخل في نظم هؤلاء الملوك: عبد الرحمن بن الحكم الأموي، وكان أبوه الحكم يوليه قيادة الجيوش العظيمة في الأندلس وهو ابن خمس عشرة سنة، فيهزم الأعداء، ويعود ظافراً.
وأذكر من هذا القبيل: تميم بن المعزّ بن باديس، فوض إليه والده المعزّ ولاية "المهدية" وهو في سن الثالثة والعشرين، وتولى الملك بعده وهو في سن الثانية والثلاثين، وكان حسن السيرة، محمود الآثار, معظمًا لأرباب الفضائل، وقصدته الشعراء من الآفاق، وكان هو نفسه معدوداً من طبقات الأدباء. ومن شعره:
(5/ 2/157)

فإما الملك في شرف وعزٍّ ... عليّ التاج في أعلى السرير
وأما الموت بين ظبا العوالي ... فلست بخالد أبد الدهور
والغرض من حديثنا عن أولئك الشباب الذين تولوا أموراً جليلة القدر، عظيمة الشأن، فقاموا بأعبائها خير قيام: أن نستنهض همم أبنائنا للأخذ بأسباب قوة الفكر، وسعة الدراية لأول عهد التمييز، ولمواصلة السير في سبيل السيادة بجد وحزم؛ لكي نراهم وهم في ريعان الشباب قد بلغوا بجودة النظر، واستقامة السيرة أن كانوا موضع آمال الأمة، يعملون لسلامتها، والاحتفاظ بعزتها. وواجب على ولي أمر الناشئ أن يشعره بأن بلوغ الفتى المنزلة المحمودة في السيادة وهو في مقتبل العمر، ليس بالأمر المتعذر أو المتعسر، وليس من شك في أن هذا الشعور يريه السيادة قريبة التناول، فيشمر عن ساعد الجد، وسرعان ما يبلغ ذروتها، ومن أدرك السيادة في عنفوان شبابه، فإن مات، مات سيداً، وإن عاش إلى زمن الكهولة أو الشيخوخة، كانت سيادته أطول عماداً، وأرفع ذكراً، وأطيب ثمراً.
(5/ 2/158)

جيل يؤمن بالأخلاق (1)
إن الأمم الناهضة تحتاج نفوسها إلى الغذاء الجيد من الأخلاق والسجايا, لتقوى به على مواصلة النهوض إلى المعالي، كما تحتاج أجسامها إلى الغذاء الجيد من الطعام؛ لتقوى به على مواصلة الكفاح في سبيل المعايش، والشجاعة غذاء من أغذية الأمة في طور التحرير، لا يتهاون به إلا صغار النفوس، والذين يستعذبون موارد العبودية، وإن لم تفرض عليهم، وأصل الشجاعة: أن تعرف الحق: حق الله، وحق الأمة، وحقوق المواطنين، وحقك الشخصي، فتوطن نفسك على أن تكون صادق العزم في إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف.
وقد أوصى المسلمين بأن يكونوا أهل الشجاعة في مواقف الدفاع عن الحق، ما داموا يرجون لهذا الحق العزة والاستعلاء، فقال - صلى الله عليه وسلم -؛ في سورة النساء: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]، فأرشدهم الله إلى أنهم بما يرجون من إقامة الحق ومعونة الله عليه، ينبغي
__________
(1) حديث صحفي للإمام نشرته مجلة "الأزهر" - الجزء الثامن من المجلد الرابع والعشرين.
(5/ 2/159)

لهم أن يكونوا أبعد من أعداء الحق عن الوهن والضعف؛ لأن المؤمن الذي يرجو الحق، ويعيش له، ويعد نفسه لإعلانه ونصرته، يجب أن يكون من أبعد الناس عن الوهن في سبيله.
ومن هنا يتبين لنا: أن الشجاعة العسكرية وليدة الشجاعة الأدبية، لأن كلا نوعي الشجاعة منبعث عن الولاء للحق، وتوطين النفس على إقامته ونصرته. وإن الرجل الشهم الذي يوطن نفسه على الدفاع عن الحق، ويؤدي الشهادة الصادقة على نحو ما علم، دون أن يهاب ذا جاه أو سطوة، لا يقل عن البطل الصنديد في موقفه بساحة الحرب أمام نيران العدو مدافعاً عن حق أمته وملته ووطنه.
إن المسلم الذي يعلم أنه لم يكن مسلماً إلا بشهادة الحق: "لا إله إلا الله" يوطن نفسه على أن ألا يشهد إلا بالحق، ولو على نفسه وعلى والديه في كل المواقف، متمثلًا دائمًا في ذهنه أمر الله -عَزَّ وَجَلَّ- للمسلمين: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
ولما ربى الإِسلام أبناءه على إقامة الحق ونصرته ومحبته، والشهادة به والإعانة عليه، ربى فيهم بهذه السجية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج منهم أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق خيرا من ألف حياة يقضيها صاحبها في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً.
انظروا إلى قول الخليفة الأول أبي بكر الصديق في وصيته لقائده العظيم خالد بن الوليد: "احرص على الموت، توهب لك الحياة"، فباقتحام موارد الموت في سبيل إقامة الحق تبرهن الأمة على أنها جديرة بالحق، وبهذا
(5/ 2/160)

نكون من أهل الحياة، وأن الشهداء من رجالها أحياء عند ربهم، وأحياء في قلوب عباده، والذين لم ينالوا منهم نعمة الشهادة يتمتعون بالحق، وبما يفيضه عليهم الحق من نعمة الحياة.
وإلى هذا المعنى يشير الفارس الشاعر حصين بن الحمام أحد بني سهم ابن مرة:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
جلس القائد المجاهد الشهير مسلمة بن عبد الملك مع أخيه الخليفة الأموي هشام ذات ليلة، فقال له أخوه الخليفة:
"يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ "، فأجاب مسلمة: "ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه إلى حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي"، فقال له هشام: "هذه هي البسالة".
ولما كان الحكم والسلطان في إسبانيا للخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، رفع أحد التجار قضية على الخليفة إلى القاضي الأكبر في عاصمة الأندلس "قرطبة"، وهو العالم الفقيه الورع ابن بشير، فحكم ابن بشير للتاجر على الخليفة، ولم يكتف بإصدار الحكم، بل كان حريصاً على سرعة تنفيذه، فذهب إلى الخليفة يخبره بنص الحكم الذي صدر عليه، وينذره بالاستقالة من القضاء إن لم يبادر الخليفة بالتنفيذ.
وحتى في أحط أدوار الدولة العبيدية بمصر، دخل الإمام أبو بكر محمد ابن الوليد الطرطوشي على الملك الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي - وكان الأفضل وزير مصر للمستنصر والمستعلي والآمر-, فتكلم الطرطوشي موجهًا الموعظة والنصيحة للملك الأفضل. ولاحظ في أثناء موعظته أن إلى
(5/ 2/161)

جانب الملك رجلاً لا يؤتمن على الدولة، ولا تهمه مصلحة الملة، فختم الطرطوشي موعظته بالحديث عن ذلك الرجل غير المؤتمن، وأشار إليه بيده، فلم يكن من الملك الأفضل - لما استشعره من صدق الإمام الطرطوشي وغيرته على الحق وشجاعته في إعلانه - إلا أن أمر ذلك الرجل الجالس إلى جانبه بأن يتنحى عن ذلك المقام.
إن الأمة الضعيفة المستكينة لا تستحق الحياة، وهي لا تقوى وترتقي وتعتز إلا إذا شاع في أفرادها - ولا سيما شبابها، خصوصًا المثقفين منهم - خلق الصدق، ومحبة الحق، وتوطين النفوس على نصرته، والصراحة فيه، والدفاع عنه. ومن هذا الخلق يولد الجيش الباسل الذي لا يغلب، بل من ذلك الخلق يولد الجيل الفاضل الذي لا يطمع في حق غيره، ولا يطمع غيره في حقه. والحق شطر الإِسلام، بل هو عظامه التي تقوم بها بنيته، أما الشطر الآخر، فهو الخير، وهو في مقام اللحم والشحم من بنية الإِسلام. ولم يرد في الإِسلام أمر ولا نهي إلا وهو يرجع إلى شعبة من شعب الحق، أو إلى شعبة من شعب الخير. والمسلمون لن يعودوا كإخوانهم الذين حملوا لواء الحق، ونشروا قانونه في الأرض، إلا إذا تضلعوا من معين الحق، وارتووا من موارد الخير، فأصبحوا يعرفون بين الأمم بأنهم أمة الحق والخير، وحينئذ يكون منهم الجيش الغالب الظافر الذي يقتحم كل عقبة تحول بينه ويين الحق، ويجتاز كل مخاضة تمنعه من الوصول إلى أهداف الخير.
وكما ينبغي أن يجهز الجيش بالدبابات والمدافع الضخمة، والطائرات النفاثة والقنابل الذرية، فإن كل هذه المعدات لا تنفعه إن لم يستمد جنوده وضباطه من أمة تربت على الصدق، وآمنت بالحق، ووطنت نفسها على
(5/ 2/162)

محبة الخير. بل إن تجهيز الأمة بسجية الصدق، وتربيتها على الإيمان بالحق، وعلى الإيمان بالخير، هو الذي ييسر لها الأسلحة من كل نوع، والأنصار من كل أمة، وهو الذي يملا بالهيبة والحرمة لها قلوب الأمم جميعاً. وهكذا الأخلاق لا تزال معيار الأمم، وهي مفتاح الأماني المغلقة وهي السبيل إلى استرداد الحقوق، وتيسير السبل إليها.
إن إعداد شباب الجيل بسجية الصدق، وتربيتهم على الإيمان بالحق، وعلى محبة الخير، عنصر من عناصر الإِسلام.
ولقد صرنا الآن إلى عهد قام بالأخلاق، وهو في حاجة إلى الاستعانة بجيل يؤمن بالأخلاق. والمصانع المصرية لتربية الأخلاق هي معاهد العلم التي يتوقف عليها نجاح هذا العهد، ويكون لأمتنا منها الجيش الظافر الذي هي بحاجة إليه في مصيرها القريب، وكل يوم تضيعه معاهدنا العلمية، وتحجم فيه عن البدء في مناهجها الصالحة، يكون خسارة على الأمة، وعلى حقوقها.
إن الأمر جد، والوقت أثمن من أن يضيع بغير عمل.
(5/ 2/163)

مثل أعلى لشجاعة العلماء واستهانتهم بالموت في سبيل الحق (1)
رأى عبد الملك بن مروان أن يدعو الناس إلى مبايعة ابنيه: الوليد، وسليمان بولاية العهد، وكتب فيما كتب إلى والي المدينة هشام بن إسماعيل أن يدعو أهل المدينة إلى هذه المبايعة، ففعل، وأطبق أهل المدينة على البيعة إلا سعيد بن المسيّب؛ فإنه امتنع بعلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين، فكتب هشام إلى عبد الملك يخبره بأن أهل المدينة بايعوا قاطبة، ولم يأب منهم البيعة إلا سعيد بن المسيّب، فكتب عبد الملك إلى هشام بأنه يأمر سعيداً بالمبايعة، فإن أبى، عرضه على السيف، فإن أصر على عدم المبايعة، جلده خمسين صوتاً، وطيف به في أسواق المدينة.
وصل كتاب عبد الملك إلى هشام، واتصل بهشام ثلاثة من أصدقاء سعيد، وهم: سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، فأخبرهم هشام بما أُمر به في شأن سعيد، والظاهر أن هشامًا لم يطلعهم إلا على ما أمر به عبد الملك من عرض سعيد على السيف إن امتنع من البيعة، ولم يذكر لهم ما جاء في الخطاب من قتله إذا أصر على رأيه، واستبدال الجلد بالقتل. ارتاع الفقهاء الثلاثة لهذا الخبر، وخشوا أن يصمم سعيد على عدم
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزآن الثالث والرابع من المجلد الثالث عشر.
(5/ 2/164)

المبايعة، فيناله عقاب القتل، فأخذوا يدبرون وجهاً لتخليص سعيد من هذه الورطة متى صمّم على عدم البيعة، حتى وصلوا إلى تدبير عرضوه على الوالي، فقبله، وكانوا يظنون أن ما دبروه من الوجوه لإنقاذ سعيد من عقوبة القتل سيجد من سعيد ليناً وقبولاً حسناً.
كذلك ذهب الفقهاء الثلاثة إلى سعيد، وقالوا: جئناك في أمر عظيم: إن عبد الملك كتب إلى الوالي يأمره بأن يعرض عليك المبايعة، فإن لم تفعل، ضرب عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً، فأعطنا إحداهن، وهي:
أن يقرأ عليك الكتاب، فتسكت، ولا تقل: "لا"، ولا "نعم"، فيكتفي منك الوالي بهذا السكوت، فتمضي على ما صممت عليه من عدم المبايعة، وتدرأ عن نفسك عقوبة القتل.
سعيد: ما أنا بفاعل؟
الفقهاء الثلاثة: تجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياماً، فيعتمد الوالي في عدم إنفاذ أمر عبد الملك على أنه قد طلبك من مجلسك فلم يجدك.
سعيد: أفعل هذا، وأنا أسمع الأذان فوق أذني: حي على الصلاة، حي على الصلاة؟! ما أنا بفاعل.
الفقهاء الثلاثة: انتقل من مجلسك بالمسجد إلى مكان غيره، فإن الوالي يطلبك في مجلسك، فإن لم يجدك، أمسك عنك.
سعيد: أفرقاً من مخلوق؟! ما أنا بمقدم شبراً ولا متأخر.
ولما رأى الفقهاء صلابة سعيد، وأيسوا من قبوله إحدى الخصال التي
(5/ 2/165)

عرضوها عليه، خرجوا والأسف على سفك لم سعيد يملا صدورهم.
وما كان من سعيد إلا أنه خرج إلى صلاة الظهر، وجلس في مجلسه الذي اعتاد الجلوس فيه من قبل، ولم يكن من الوالي إلا أن بعث إليه، فأتي به، فقال له: إن أمير المؤمنين كتب يأمر إن لم تبايع ضربنا عنقك. سعيد: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين.
هشام: اخرجوا سعيداً إلى السدة، ومدوا عنقه، وسلّوا عليه السيوف، ففعلوا، وسعيد مصر على عدم البيعة.
فلما رأى هشام إصراره، أمر به، فجرد من بعض الثياب؛ ليذوق ألم الجلد، وضرب خمسين سوطاً، ثم طافوا به في أسواق المدينة، ومنعوا الناس أن يجالسوه.
بايع أهل المدينة - علماؤهم وأهل الحل والعقد منهم - بولاية الوليد وسليمان العهد، وكان لسعيد بن المسيّب أن يجاري هذا الاجتماع دون أن يجد من أحد لومًا أو اتهامًا بالانحراف عن أوامر الشريعة، ولكنه رأى أن هذه المبايعة قد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فليس له أن يقدم عليها، وإن أجمع عليها أهل الأرض قاطبة.
وكان لسعيد رخصة في أن يقرأعليه كتاب عبد الملك فيسكت، ولكنه خشي أن يفهم الناس أنه موافق على هذه البيعة، فيكون سكوته كالإفتاء بصحتها، وإفتاء العالم بغير ما يراه حكم الله في الواقعة، من باب قوله على الله غير الحق، وهو يعلم أنه غير الحق، وذلك ما لا يصح أن يصدر من مؤمن، فضلاً عن عالم عرف بتقوى الله تعالى، واتخذه الناس قدوة مثل سعيد بن المسيّب.
(5/ 2/166)

وكان لسعيد رخصة في أن يمكث في منزله أياماً حتى يصرف عنه عذاب القتل، ولكنه رأى أن الحياة أحقر من أن يترك المسلم من أجلها صلاة أو صلوات في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الجماعة.
وكان لسعيد رخصة في أن يترك محله في المسجد، ويجلس في مكان آخر من المسجد، فيتجنب بذلك عقوبة القتل دون أن يخطر على بال أحد أن سعيداً غير رأيه في المبايعة، أو تردد في حكمها، ولكن سعيدًا يزدري الحياة، ولا يهاب الموت، فلا يرى تهديده بالقتل بالأمر الذي يمنعه من أن يكون صريحاً في الحق، وأن يذهب في هذه الصراحة إلى أقصى غاية، فلا يرضى لنفسه أن يترك شيئاً اعتاده، ولا داعي لهذا الترك، سوى اتقاء أذى تجرّه إليه تلك الصراحة.
ثم إن سعيد - رضي الله عنه - لو قبل إحدى الخصال التي عرضها عليه الفقهاء الثلاثة، لفتح باباً لمن يريد أن ينعته بالجبن والفزع من الموت، وذلك ما لا يصح أن يكون نعت عالم درس الشريعة الغرّاء بحق، وعرف ما تقصد إليه من إقامة صروح العزّة والسيادة.
ومأخذ العبرة في هذه القصة: أن سعيد بن المسيّب قد ضرب مثلاً أعلى لشجاعة العلماء وثباتهم على ما يرونه شريعة، واحتمالهم في سبيل ذلك كل ما يتوقع من أذى، ولو بلغ ضرب الأعناق بالسيوف.
(5/ 2/167)

شجاعة العلماء وإنصاف الأمراء (1)
كان يحيى بن أكثم، ومحمد بن المنصور، وأبو العيناء، مرافقين للخليفة المأمون في رحلة من بغداد إلى الشام.
- المأمون لبعض أعوانه: نادوا بتحليل نكاح المتعة.
- الأعوان ينادون بأمر الخليفة: نكاح المتعة حلال.
- يحيى بن أكثم: يا محمد بن المنصور، ويا أبا العيناء! بكّرا غداً إلى المأمون، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل.
محمد بن المنصور وأبو العيناء يدخلان على المأمون، المأمون يقول وهو مغتاظ:
المتعة كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى عهد أبي بكر، ومن أنت حتى تنهى عما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر - رضي الله عنه -؟!
- أبو العيناء ومحمد بن المنصور يقولان بينهما: رجل يقول في عمر ابن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن؟! وأمسكا عن الكلام. .
يحيى بن أكثم يدخل المجلس وعلى وجهه أثر غم وكآبة.
- المأمون: ما لي أراك متغيراً؟
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الثالث عشر.
(5/ 2/168)

- يحيى بن أكثمَّ: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإِسلام.
- المأمون: وما حدث في الإِسلام؟
- يحيى بن أكثم: النداء بتحليل الزنا.
- المأمون: الزنا؟
- يحيى بن أكثم: نعم: المتعة زنا.
- المأمون: ومن أين قلت هذا؟!
- يحيى بن أكثم: قلت هذا من كتاب الله، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 1 - 6]. يا أمير المؤمنين: زوجة المتعة ملك اليمين؟
- المأمون: لا.
- يحيى بن أكثم: أهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث، وتلحق الولد، ولها شرائطها؟
- المأمون: لا.
- يحيى بن أكثم: فقد صار الناكح نكاح المتعة متجاوزاً ملك اليمين والزوجية اللذين أحلتهما الآية، فهو من العادين. وهذا الزهري- يا أمير المؤمنين- روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أذن فيها.
- المأمون يلتفت إلى محمد بن المنصور وأبي العيناء، ويقول: أمحفوظ
(5/ 2/169)

هذا من حديث الزهري؟
- محمد بن منصور وأبو العيناء: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة، منهم مالك بن أنس - رضي الله عنه -.
- المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة.
في هذه القصة مواضع صالحة لأن تؤخذ منها عبر قيمة:
يؤخذ منها: أن شأن أمراء الإِسلام أن لا يقدموا على أمر من أمور الدين إلا أن يستندوا فيه إلى دليل، فالمأمون لم يأمر بالنداء بتحليل المتعة إلا بعد أن بلغه أنها كانت تُفعل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.
ويؤخذ منها: أن العالم إذا رأى أنه أقدر على النهي عن المنكر من غيره، وجب عليه النهي عن المنكر بنفسه، فقد علم يحيى بن أكثم أن ليس لصاحبيه: محمد بن المنصور، وأبي العيناء من عظم المنزلة لدى المأمون ما يسهل عليهما الإنكار عليه في كل حال، فقال لهما: إن رأيتما للقول وجهًا، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل.
ويؤخذ منها: أن العالم إذا خشي أن يناله من ذي السلطان مكروه حينما ينهاه عن منكر، فله أن يترك نهيه إلى من هو أقوى منه، وأبعد من أن يسومه ذو السلطان بأذى، فالشيخان محمد بن المنصور وأبو العيناء لما سمعا المأمون يقول في عمر بن الخطاب ما قال، خشيا أن ينالهما منه مكروه، وسكتا, اعتماداً على أن المأمون سيخاطبه من هو أرفع منهما لديه منزلة، وأدرى بأساليب الدعوة وإقامة الحجة.
ومن مواضع العبرة: تغير وجه يحيى بن أكثم عند دخوله على المأمون،
(5/ 2/170)

حتى أدرك المأمون ذلك، وقال له: ما لي أراك متغيّراً؟ وشأن العالم المصلح أن يكون صدره عامراً بالغيرة على الحق متى يظهر أثر استيائه من الباطل في وجهه قبل أن يظهر على لسانه.
وانظروا كيف افتتح يحيى بن أكثم الكلام مع المأمون بعبارة فيها تهويل وإخراج لنكاح المتعة في صورة أقبح الفواحش، إذ جعل النداء به نداء بتحليل الزنا، والعلماء المتملقون يبتغون رضا الأمراء أكثر من رضا الله، ولا يبالون أن يفتوهم بغير ما حكم الله، ويعرضون عليهم المحرمات في صورة المباحات.
وانظروا إلى المأمون إذ لم يقبل دعوى يحيى بن أكثم أن نكاح المتعة زنا، حتى طالبه بإقامة الدليل، والشأن فيمن يستطيع فهم الأدلة أن لا يقبل فتوى من عالم إلا أن تكون مقرونة بدليل.
وانظروا إلى المأمون كيف انقاد إلى الحق عندما قامت عليه الحجة، وذلك شأن من يخطئ في الدين عن سلامة نية، لا عن هوى واستخفاف بأمر الشرع الحكيم.
(5/ 2/171)

محاربوا الأديان ونموذج من سلاحهم (1)
الحكم المنعقد على كون الشيء حقاً أو مصلحة أو حسناً، قد تستمده النفس من الدلائل الخارجية؛ كالمشاهدة، والتجربة، والتواتر، والقياسات النظرية. وأحيانا يكون أثر من آثار النشاة في بيئة، والتقلب في أطوار، وربما كان صادراً عن الذوق الذي يتربى من العيش في بيئة خاصة، والتنقل في أطوار معينة. وللأهواء تأثير في الآراء المتولدة عن العادة والذوق أكثر من تأثيرها في الآراء القائمة على سند الحجة ومكانة الدليل، فالرأي الناشئ عن القعود أو الذوق، لا يلبث أن يتغير ويتلاشى متى تكونت في الرجل حالة نفسية تستدعي رأيًا أوسع مجالًا لدواعي الشهوة، وأجمع لفنون اللذة من الرأي الناتج عن سيرته الأولى.
نتخلص من هذا إلى أن من الناشئين في بلاد الشرق من ينبت نباتاً حسناً، ويتلقى آداب الدين وعقائده على بينة وروية، ومثل هذا الفريق لا يتزحزح عن عقيدته، ولا يتحول عن مبادئ تربيته، وإن تغلغل في أحشاء بلاد أجنبية، وانغمس في عادات أقوامها أمداً طويلاً.
__________
(1) مقال نشر في "جريدة الاستقلال المصرية"، وقد أخذته من كتاب "مجمع "الفوائد" الذي جمع فيه الجيلاني الفلاح بعض المقالات الاجتماعية.
(5/ 2/172)

ومنهم من يتلبس بتلك العقائد والآداب، تبعًا للبيئة، وجريًا على عادة البيت الذي شبّ فيه، والجماعة التي اتفق له لقاؤها، وارتبط بمعاشرتها، وهذا الفريق متى انتقل إلى بيئة غير شرقية، واندمج في أقوام يخالفون الشرقيين في عاداتهم وتقاليدهم، لا يلبث أن تأخذ نفسه حالة غير حالتها الأولى، فينفر ذوقه الجديد أن يشاهد رجلاً يؤدي فريضة الصلاة، أو يتناول الطعام بيده اليمنى، ويجمل في نظره أن تبرز الفتاة إلى المحافل العامة حاسرة عن صدرها، بعد أن كان يراه حسبما تقتضيه تربيته الأولى عملاً غير لائق.
قد يفتتن هذا الفريق بمحاكاة الأجانب، ويطوي ضميره على أن ينقل جميع تقاليدهم ومظاهر عاداتهم إلى أمتنا، ويسعى في السر والعلانية إلى أن يغير مزاجها النفسي والاجتماعي، ويقلبه إلى مزاج الأمة التي نشأت فيها نفسه نشأة أخرى، واكتسبت فيها صبغة لا شرقية ولا غربية، كأنه لا يشعر بأن تجرد الأمة من مميزاتها، وتطوُّحَها في تقليد غيرها إلى هذه الغاية، علة من علل موتها، ومرونتها تحت مؤثرات من تقلده، ولا سيما حيث تكون له السلطة الغالبة على أمرها، والرأي الذي لا يستقيم مع إرادتها.
لسنا ممن يزدري مدنية أوربا وعلومها النافعة ومخترعاتها البديعة، وإنما نطالب الفريق الذي يحط رحله في تلك البلاد أن يكون من رصانة العقل وحكمة الرأي بحيث يميز الطيب من الخبيث، ويفرق بين ماله مدخل في رقي الأمم وسعادتها، وبين ما ينشأ عن مجرد الذوق، وطبيعة البيئة الخاصة.
نقضي العجب من القوم الذين يفتنهم كل شأن من شؤون البلاد الغربية، ولكن ماذا تقولون في أفراد بعثوا إلى تلك البلاد ليشهدوا معارف ونظامًا، فقضوا الأجل فيما قضوا، ثم انقلبوا إلينا وقد تأهبنا لنقتبس منهم علماً، أو
(5/ 2/173)

نلاقي أدباً، أو غوصاً في أغوار السياسة، فما راعنا إلا أن قالوا: أفرغوا قلوبكم من التوحيد الخالص، واجعلوا مكانه إلحاداً، وانزلوا في أحوالكم الشخصية على حكم القانون الإفرنجي؛ فإنه أقرب عهداً من كتاب ربكم وأحكم وضعاً. ولولا أنهم يدعوننا إلى الإلحاد، لقالوا: أقيموا الصلاة في مساجدكم مثلما رأيناها تقام في المعابد بأوربا؛ فإنها أبدع طرزاً، وأشد انطباقاً على المدنية الحديثة.
ولقد جُسنا خلال أوربا كما جاسوا، فرأينا: صفواً وكدراً، ونظاماً وخللاً، وأدباً وسفهاً، وتدينا وإلحاداً. فما بال هؤلاء الأفراد يكتمون الحقائق، ويقولون: كل ما في البلاد الأجنبية نظام ومدنية راقية. وسيقولون - بل قالوا -: لا نظام ولا مدنية إلا مع الإلحاد!
نشرت "صحيفة الأمة الغراء" مقالا ذكرت في نسقه نبذة من مزايا الدين الإِسلامي وتعاليمه المحكمة، ووصلتها ببيان تأثيرها في سعادة الحياة، وإحراز الأمد الأقصى في معارج السيادة. فكانت تلك الجمل كالغصة في لهاة أحد المتملصين من جلال هذا الدين كما يقولون، فأوردها في "جريدة الاستقلال"، وقال ملاحظاً عليها ومعلقاً:
"مهما يكن من أمر الأديان وما فيها من تربية وآداب وأخلاق، وتمسك أهلها بها، فإنها لم تكن يوماً مانعة من أن يحكم غيرهم من المستعمرين، سواء كانوا من أهل الأديان السماوية، أو سواها، بل لو أننا أخذنا بنظرية الكاتب (يعني: صاحب جريدة الأمة)، لما وجدنا مبرراً لتغلب الحكومات الإِسلامية بعضها على بعض. وكلها ذات دين واحد، وعقيدة واحدة، بل ربما كان الفاتح المستعمر أبعد عن الدين ممن يقع فريسة بين يديه".
(5/ 2/174)

هذا نموذج من السلاح الذي أعدوه لمحاربة الدين، نعرضه على أنظار الأمة الرشيدة حتى تعلم حق اليقين: أن هذه الطائفة إنما تنطق عن أذواق خاصة، وآراء ملفقة، ولو كانت حملتهم على الأديان قائمة على تدبر ومحاكمة فكر، لتعلموا فن المنطق قبل أن يعلنوا الحرب على مبادئ يقدسها الآلاف من ذوي البصائر النقية، والأفكار الحرة، والأقلام المتمرنة على مكافحة عصبة الغواية.
أنكر الملاحظ أن يكون الدين منشأ لقوة الأمة، وقيامها على أمرها، وأقام في الرد على "جريدة الأمة" دليلاً أفرغه في شكل فات علماء المنطق قديمًا وحديثًا، فيحق له أن يفاخر بأنه اخترع شكلًا خامساً كان من الواجب إضافته إلى الأشكال الأربعة المدونة في فن المنطق، إذ لا فرق بينه وبينها سوى أن تلك الأشكال المعروفة منتجة، وهذا الشكل المخترع عقيم.
أنكر الملاحظ أن يكون لتربية الدين وتعاليمه أثر في القوة، وضرب بفكره يمينًا وشمالًا باحثاً عما يساعده على ترويج هذه النظرية البالية، فلم يعثر لسوء الحظ إلا فيما قصصناه عليكم من قوله: "أنها لم تمنع أهلها من أن يحكمهم غيرهم من المستعمرين"، ومن الواضح الغني عن البيان: أن الملاحظ لم يفهم مقال صاحب "جريدة الأمة" على صراحته، فالذي يقول: "إن تربية الدين وآدابه تمنع أهلها من أن يتحكم فيهم غيرهم" لا يريد: أن تقرير الدين لها، وحثه على التمسك بها، يكفي في قوة المنتمين إليه، وسلامتهم من أن يقعوا في قبضة دولة أجنبية، وإنما يريد: أن اعتصامهم بعهد الشريعة، وسيرهم في الحياة على ما يطابق إرشاداتها، يجعلهم في أمن ومنعة من أن يصابوا بسيطرة المستعمرين، فالشعوب التي وقع زمامها
(5/ 2/175)

في أيدي المستعمرين، لم تكن عاملة بما أرشد إليه الدين من استقامة الأخلاق والنظر في علوم الاجتماع، والقيام على فنون الحرب، والابتعاد عما يوقظ الفتن النائمة، وما شاكل ذلك.
يعز علينا أن نلفت أقلامنا إلى تزييف أمثال هذه الخواطر المنادية على نفسها بأنها هزل يتعرض لمصارعة جد، وباطل يحاول أن يظهر على حق، ولكن ماذا نصنع وهي تتساقط علينا من أدمغة رهط شربوا في حانة السياسة الموسومة بهم كأسًا دهاقاً، وخرجوا للأمة في ثوب الحريص على رشدها، القائم على تثقيف أفكارها، وفي الناس من ينخدع بالمظاهر، ويجر رداءه وراء كل ناعق؟!
ولا أحسب العامل لمحو أثر الدين من النفوس مدركاً بغيته، إلا إذا تسنى له وسمحت له ديمقراطيته أن يلتقط جميع نسخ القرآن المبثوثة في الشرق والغرب، ثم يصدر من إنذاراته البليغة ما يحجم بالمطابع، ويغل أيدي الكاتبين عن اصطناع نسخ أخرى. أما إذا تحقق أن هذا الكتاب سيستمر قريب التناول من أيدي البشر، فيتلونه صباحاً ومساء، ويتلقون منه العقائد الخاصة، والبراهين الدامغة لأباطيل الملحدين، فلا مطمع له في فوز الإلحاد على الإِسلام، وجدير به أن يريح قلمه، ويأخذ في شرطي تسخيره أن لا يهاجم به المبادئ القائمة على دعائم ثابتة، وحجج ساطعة.
(5/ 2/176)

العلماء وحياتهم الاجتماعية (1)
كان للذين أوتوا العلم فيما سلف سلطة نافذة في القلوب، وجلالة تملأ الصدور، حتى أصبحت مكانتهم أعزّ منزلة تطمح إليها النفوس، وأشرف غاية تتسابق إليها الهمم، ولم يرتقوا إلى تلك المكانة الشامخة بمعرفة اصطلاحات العلوم، وفهم ما تنطوي عليه صحف من تقدمهم فقط، فإن هذا المقدار وحده لا يغني في إحراز مظهر تحفل به العقول الراجحة، وتتضاءل أمامه النفوس المتعاظمة. وإنما أدركوا ذلك المقام الذي يكتنفه الاحترام من كل جانب؛ لأنهم كانوا يؤدون وظيفتهم بحق، ويتحرون بهديهم وتعليمهم الخطة المرسومة على حكمة. وما أحكموا القيام بوظيفتهم، وغنموا- بعد رضا الله تعالى- لسانَ صدق يلهج بتمجيدهم، إلا لأنهم يتحلون بأربع مزايا:
أولاها: استقلال الفكر؛ فإن من يغوص في فهم حقائق الشريعة ببصيرة نقية، ونظر قائم بنفسه، لا يعجزه أن يبينها للناس في أسلوب ينهض بحجتها، ويكشف عن وجه حكمتها. وهذا مما يحفظ رونقها، ويرفع شأن القائمين على حمايتها، أما الذي يتلقى تعاليمها بمجرد المتابعة، فلا يأمن أن يبتلى ببارع في فن الجدل يكافحه بتخيلات وشُبه تزلّ به في حيرة، وتهبط به في هاوية خيبة وصَغار.
__________
(1) مجلة "البدر التونسية" - الجزء الثاني.
(5/ 2/177)

من ملك فكراً يفرق بين قشور العلم ولبابه، ولا يتناول القضايا النظرية إلا من دلائلها الناصعة، هو الذي يشهد أن لا لذة إلا في الحكمة، ولا شرف إلا مع العلم، فيعز عليه أن يمر به وقت لا يبحث فيه عن حقيقة، أو أن يخوض في موضوع دون أن تجود قريحته بما لم يسبقه إليه أستاذ، ولولا أن الأستاذ أبا إبراهيم المشاور على يقين من أن وظيفة التدريس منصب ليس وراءه مرتقى، لما قال لرسول الخليفة الناصر - حين جاء يدعوه وهو في مجلس حافل من الطلبة -: ارجع إلى أمير المؤمنين، وعرفه أنك وجدتني مع طلاب العلم، وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم مجلسهم المعهود لهم. وحيث كان الخليفة ممن يقدر العلماء المستقيمين حقَّ قدرهم، أعاد إليه الرسول في الحال قائلاً له في الجواب: "جازاك الله عن الدين وعن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين خيراً، وأمتعهم بك".
ثانيتها: الاستقامة؛ فإن العلم لم يدخل في قبيل الفضيلة إلا لأنه أساس للعمل الذي هو وسيلة السعادة وعنوان الفلاح، فمن أتيح له أن اجتنى من ثمار العلم ما أحرز به لقب عالم، إلا أنه كان يمشي على عوج، ولا يبالي أن يتلطخ ذيله بريبة أو إثم، كان في عين الأمة الراقية كالقذى، ولا سيما إذا رمى بخطيئته النظام الاجتماعي، والمصلحة المشتركة.
لا يفي الناس للراسخ في العلم كيل الاحترام، إلا إذا استقامت سيرته، ووثقوا بصفاء سريرته، ولهذا ترى خصوم العالم العظيم إذا أرادوا القضاء على سمعته، يجنحون إلى الطعن في عدالته، فيرمونه بالماَثم، فإن لم يجدوا لذلك سبيلًا، التجؤوا إلى اتهامه بقلة الإخلاص في أعماله. يحق للأمة متى ألقى العالم زمامه بيد الهوى أن يشعروه بامتعاضهم من سوء مسلكه، ويطرحوا عن أنفسهم إجلاله بقدر ما طرح من رعاية الشريعة ومظاهر التقوى؛ إذ زلة
(5/ 2/178)

العالم ليست عقيمة كزلة غيره، بل لكونه محل القدوة، تتناسل، وتذلل للعامة الطريق إلى إتيان أمثالها، وارتكاب ما هو أشد خطراً، وأكبر وزراً منها.
ثالثتها: النظر في شؤون الاجتماع ومجاري السياسة، وبهذا يمكنكم السير في إرشادهم العام على منهج يستدرج الناشئة إلى التجمل بالآداب، والقيام على المصالح.
ثم إن كانت الحكومة رشيدة، وطدوا لها في كثير من النظامات القيّمة والمشروعات النافعة أكناف الأمة، وأنذروها عاقبة التهاون بالطاعة، والاستخفاف بواجب السكينة.
فإن كانت تغمض عن بعض الحقوق طرفها، ولا يبالي الباطل أن يرفع تحت سلطتها رأسه، دعوها إلى موقف السياسة العادلة، وجادلوها بالتي هي أحكم وأهدى سبيلاً.
ومما يشهد به النظر، وتؤيده التجربة: أن سلطة الدين المالكة لقلوبهم تجعلهم أطهر الناس ذمة، وأشدهم رعاية لحقوق الأمة متى عهد إليهم بتدبير قضية، أو إجراء نظام.
رابعتها: قوة الإرادة؛ إذ من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة، حتى إذا اعترضها خلل، أرشد إلى إصلاحه، أو ضلت عن حق، قادها إلى مكانه، ومن تصدى لتقويم الخاطئين، وردِّ جماح المبطلين، يلاقي بالطبيعة أذى، ويجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت، وإقدام لا يتزلزل، وكم من عالم يفوقه أقرانه علماً وألمعية، ولكن ينهض لإحياء سنة، أو إماتة باطل، ويلاقي في جهاده شدائد، فيجتازها بنفس مطمئنة، ولا يلبث أن يرجح وزنه،
(5/ 2/179)

ويبعد في حلبة السباق شأوه، ولو كشف لنا الغطاء عن حياة العلماء الذين أوذوا في سبيل الدعوة إلى الخير، ولم ينحرفوا عن خطتهم فتيلًا، لرأينا كيف ارتفعت منزلتهم، وتجلى وقارهم، حتى في عين من كان يسومهم سوء الأذية، أو يشفي غليل صدره أن يصرعوا في مصارع الاضطهاد.
الرجال الذين أحرزوا هذه المزايا، واستحقوا بها لقب العالم المصلح، ليسوا بكثير، فلو قلبت نظرك في السنين الماضية، وصعدت به إلى عهد غير قريب، رأيت المعاهد العلمية إنما تنبت في العصر الواحد الرجل أو الرجلين، وعلة هذا: ما طرأ على أسلوب التعليم من العوج الذي يقف بالأفكار في دائرة ضيقة، ويحرمها من أن تتمتع بنعمة استقلالها، ثم إن كثيراً من الحكومات لا توسع لدعاة الإصلاح صدرها، بل تنظر إليهم - في أغلب الأوقات - نظر المزدري بهم، أو الناقم عليهم، وهذا يفسد على العالم خصلة الشهامة، فينقلب إلى خمول وفرار من معترك الحياة.
كيف تكون حياة العلماء، ومبلغ الأمة من السعادة، لو جرى جميع الرؤساء على سياسة الخليفة الناصر, حيث قام القاضي منذر بن سعيد على منبر الجامع بقرطبة، وخطب منكراً عليه -وهو من الشاهدين- الإسرافَ في زخرفة المباني، وانفاق أموال الرعية في غير مصلحتها، وقارعاً سمعه بمثل قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128 - 130]، وما كان من الخليفة سوى أن قال لابنه الحكم- حين قال له: اعزله -: أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟! هذا ما لا يكون.
(5/ 2/180)

فانزواء العلماء عن الدعوة إلى الخير إضاعة للقسم المهم من وظيفتهم، وقضاء على أعظم وسيلة لرقي الحالة الاجتماعية. فما أجدر الرجال الذين شربوا من موارد الحكمة بالكأس الراوية، وحزبت نفوسهم على العناية بحال الاجتماع، أن يخوضوا في أسباب سعادة الأمة، ويبحثوا في السير الذي تظهر في مظهر عزيز.
(5/ 2/181)

العناية بالتعليم الديني (1)
حضرة صاحب. . . .
جمعية الهداية الإِسلامية تحييكم أجمل التحية، وتقدم إليكم أليق مظاهر الإجلال، وتأمل فيكم أن تتقبلوا هذه المذكرة بقبول حسن، وأن تنبتوها نباتًا حسناً، فتحققوا ما فيها من رغبة، وتعملوا على إنجاز ما تحمل من رجاء، وما رغبتنا إلا رغبة مصر في كثرية سكانها، وما رجاؤنا إلا رجاء الإِسلام في أشرف غاياته وأنبل مقاصده.
لقد أصاب المسلمين في أنحاء المعمورة مصاب جلل أبدلهم من قوتهم ضعفاً، ومن عزتهم ذلاً، ومن نشاطهم ورقيهم في كافة مناحي الحياة خمولاً وتدهوراً.
مصاب دهى الأفراد والجماعات، واكتسح الرجل والمرأة، وعمَّ الصغير والكبير، وشمل الغني والفقير، ولم يرحم الفتى ولا الفتاة، ولم يسلم منه الجاهل ولا العالم.
ولسنا في حاجة إلى التفصيل ولا التدليل؛ فإن نظرة واحدة إلى مصر
__________
(1) المذكرة الأولى التي رفعها الإمام بصفته رئيساً لجمعية "الهداية الإِسلامية" إلى الحكومة المصرية في طلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية بالمدارس المصرية، ونشرت عام 1350 ه - 1932 م.
(5/ 2/182)

- وهي مركز الثقافة الإِسلامية - تشعركم بفداحة ما نئنّ منه اليوم من انحلال في الأخلاق، وتفكك في الجماعات، وانهدام في الأسر، وانهيار في كل مقومات الأمة، وتقهقر ذريع إلى الوراء، في الوقت الذي تسير فيه قافلة العالم جادة إلى الأمام.
ولقد فكرنا وفكّر المصلحون، فألفينا الخطر كله أو جله يرجع إلى نقص التعليم المدرسي، وقصوره عن الوفاء بحاجات النفوس، وتربيتها تربية دينية صحيحة، تسلّحها ضد عاديات الأيام، وتقيها شر الزيغ والإباحة، وتحميها موارد الفسوق والفتنة، وتهيب بها إلى استرداد مجدها الأول، وعزها الراحل.
* مزايا التعليم الديني:
نعم، إن الدين الإِسلامي يقوّم العقيدة ويصلحها، ومتى استقامت العقيدة وصلحت، أقامت على المرء رقيباً منه عليه في حركاته وسكناته، وفي سره وعلانيته، وجعلت قلبه عرشاً لحكومة ساهرة، حاكمُها قدير عادل، عينه لا تنام، وملكه لا يرام. وهذه العقيدة الصالحة تحفز الهمة إلى النهوض والعمل، وتملا النفس بالشجاعة والأمل، وتطبع الإنسان على الإباء والشمم، وترفع القلب البشري عن الذلة والعبودية لغير من له السلطان وحده، وتنأى بالعقل الإنساني عن الخضوع للخرافات والأوهام، والتحاكم لغير الدليل والبرهان. وهذه العقيدة الصالحة أيضاً تفتح أمام الناس مستقبلاً أوسع من هذا المستقبل الضيق الذي يتطاحنون من حوله، وتجعل ميدان المجد متسعاً للجميع بما ترسم بين يدي صاحبها من حياة أسعد وأبقى وألذ وأمتع من هذه الحياة.
(5/ 2/183)

والدين الإِسلامي يصف لأتباعه من شعائر العبادات ما ينظم علاقتهم بالله تعالى، ويحرك فيهم دائماً إحساس الدين، ويقوي فيهم سلطان تلكم العقيدة التي هي مبعث كل إصلاح إن صلحت، كما أنها مثار كل فساد إن فسدت.
والدين الإِسلامي يقرر من ضروب المعاملات ما ينظم صلة الناس بعضهم ببعض، ويضمن راحة غنيهم وفقيرهم، ويجعل الجميع في أمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، بأفضل ما عرف البشر من القوانين المدنية والتجارية والشخصية والجنائية والاجتماعية.
والدين الإِسلامي يشرعّ من مكارم الأخلاق ما يحكم به الروابط الإنسانية، وما يملأ العالم عدلاً وإحساناً وسلاماً ورحمة، وما يفي بحاجات بني الإنسان براً ونهوضاً ورقياً ورفعة.
والدين الإِسلامي زاخر بثقافات عالية في الفلسفة والأدب واللغة والقصص والتاريخ والاجتماع والتربية الوطنية وكثير من العلوم القديمة والحديثة.
* الإسلام والتجربة:
وليست هذه المزايا نظرية فحسب، بل هي عملية يؤيدها الواقع، وتسجلها الأيام، ويشهد بها الزمان؛ فإن الدين الإِسلامي قد جرب غير مرة في البوادي، وفي الحواضر، فنجح نجاحاً باهراً أدهش التاريخ, وبهر المؤرخين، وترك وراءه من جليل الآثار في حقب قليلة من الدهر ما لم يُسمَع بمثله في آية نهضة من النهضات الدينية وغير الدينية، حتى كأنما خلق العالم خلقاً جديداً، أو ولد الوجود ولادة ثانية.
فهل بعد هذه الحقائق الواضحة والتجارب الناجحة في دين الإِسلام،
(5/ 2/184)

يليق أن تُحرم ناشئتنا منه، وهو سر كل قوة، ويحال بينهم وبينه، وهو مبعث كل عظمة؟!.
* أولادنا وتعليم الدين:
ألا إن العين لتدمع، والقلب ليجزع من تلك المآسي المفجعة التي تمثَّل على أبنائنا وبناتنا من غير رحمة في طلعة كل شمس، فتُخفيهم عن أهليهم وذويهم، وتفرق بين الأم وولدها، والأب وابنه، والأخ وأخيه، والمسلم ودينه. وتجعل منهم حطب المبشرين، ووقود المضللين، وزبانية الملحدين، وذبائح الانتحار، وضحايا البغاء، وصرعى الخمور، وفرائس السموم البيضاء والسوداء، وسوس الأموال، ونكد الآباء والأمهات، وهمّ المعلمين والمعلمات، وعار الحال، وخيبة المآل.
أليس ذلك كله نتيجة مباشرة لإهمالنا هذه الناحية الحصينة في تكوين الطفل، وإعداد التلميذ، وتثقيف النشء تثقيفا إسلاميًا يكسبه المناعة ضد هذه الجراثيم المتفشية التي تحيط به إحاطة الظلام بالليل؟.
ثم ألسنا نحن الذين نتحمل بحق مسؤولية هذا النقص الفاضح في التربية، ونعتبر في نظر العدالة جناة على أولادنا، وبالتالي على أسرنا وأمتنا، وعلى شرفنا الماضي ومركزنا الحالي ومستقبلنا الآتي؟!.
ثم أليس هذا التلميذ وهذه التلميذة هما في الغد القريب سيقومان وحدهما بتمثيل أدوار الزوج والزوجة، والأب والأم، والمعلم والمعلمة، والطبيب والطبيبة، والصانع والزارع، والعامل والتاجر، والموظف والمحامي، والقاضي والحاكم، والوزير والأمير، والراعي والرعية؟
وهل ينجح أحد هؤلاء في الحياة، أو تنجح الحياة بأحد هؤلاء إلا إن
(5/ 2/185)

كان له ضمير حي، ولديه وازع قوي؟ وهل يحي الضمير، ويقوي الوازعَ سلطانٌ فوق سلطان الدين، وتربية أعلى من التربية الإِسلامية العملية الصادقة؟
إن كنتم في شك، فاسألوا التاريخ عن الآثار الجليلة التي خلقتها تربية الإِسلام "الصحيحة" حين كانت عملاً لا قولاً، وعامة لا خاصة، ويناء لا طلاء، وإخلاصاً لا نفاقاً، ونرجو ألا تنخدعوا بهذه الأصباغ والمساحيق الموضوعة على وجوه المنتسبين إلى الإِسلام زوراً في هذه الأيام؛ فإن بينها وبين الحقيقة ما بين النور والظلام، والجهل والعلم، والصدق والكذب، وذلك هو مثار الشكوى، ومنشأ البلاء.
* عيوب التعليم الديني الحاضر:
- من دواعي الأسف والأسى أن التعليم الديني الحاضر في المدارس يكاد يكون اسمًا بلا مسمى، أو جسماً من غير روح؛ إذ هو عبارة عن معلومات هزيلة ضئيلة لا تشبع حاجة التلميذ، ولا تتناول تفنيد الشبهات الطارئة عليه، ولا تفضح أمامه كثيراً من البدع والخرافات المحيطة من حوله، ولذلك فإن تعليم الدين على الوجه الموجود لا يترك أثراً في نفس التلميذ وأخلاقه وأفكاره، ولا في مظاهره وأعماله.
- وفوق ذلك، فإن الوزارة سلكت بالتعليم الديني مسلك الألعاب الرياضية، فجعلته مادة إضافية لا يحاسب التلميذ عليها، ولا يمتحن فيها، ولا وزن له في نجاحه أو رسوبه، ولا فرق بينه وبين الألعاب إلا أن الألعاب محبوبة إلى التلميذ بداعٍ من طبيعته وميوله، أما الدرس الديني، فمُبْغَض إليه بدافع من هواه ومجونه.
(5/ 2/186)

- وزاد الطين بلة: أنْ تُقرر هذه المادة الحيوية على صغار التلاميذ دون كبارهم، ففرضت على القسم الابتدائي، وصدر من القسم الثانوي، حتى إذا بلغ التلميذ أشده، واستوى وصار في السنة الثالثة الثانوية وما بعدها من بقية الثانوي وجميع العالي، هنالك لا يذوق لدينه طعماً، ولا يعرف لإسلامه هداية، على حين أنه في هذا الدور من السن والوسط والتفكير أمسُّ حاجة إلى التدرع بتعاليم الإِسلام، فإن دوَر المراهقة - بإجماع آراء المربين - هو أخطر الأدوار على الفتى والفتاة، وأشدها احتياجاً إلى تقوية الوازع الخلقي، وتربية الضمير الأدبي؛ لمكان ثورة الشباب، وطغيان الشهوة، وغلبة الهوى في هذه المرحلة الطاغية في حياة الإنسان. ومما لا ريب فيه: أنه لا قوة تعدل قوة الدين في تقوية الوازع، وإيقاظ الضمير.
- ومما هو جدير بالنظر: أن ليمس في مدارسنا رقابة دينية تهيمن على التلاميذ في أعمالهم وأحوالهم، ولا في أفكارهم ومظاهرهم، فليس ثمة عقوبة مفروضة على من ظهر بأفكار كافرة أو ملحدة، ولا على من قصر في صلاة وهو في المدرسة، ولا على من أفطر في رمضان مع الاستطاعة، ولا على من لوحظ عليه أو عليها رذيلة أو سلوك غير شريف.
- ومن عجيب أنك ترى ملابس التلاميذ وأزياءهم لا يلاحظ فيها ذوق الإِسلام، ولا تراعى فيها حرمة الدين، ولا تقدر فيها كرامة القومية. فإذا نظرت إلى الطفل وهو في روضة الأطفال، رأيته يلبس القبعة، وإذا نظرت إلى الفتاة، وجدتها حاسرة، وقد تعرى صدرها ونحرها، وربما غطت رأسها خارج المدرسة، فإذا دخلت حجرة الدراسة، كشفت رأسها أمام أستاذها، وإذا تأملت الفتى في بشرة وجهه، وشعر رأسه، وتفصيل ملابسه، وجدت في الكثير من الأحوال خروجاً عن واجب اللياقة، ومقتضيات الرجولة.
(5/ 2/187)

وإننا لا نشك لحظة في أن النظافة من الإيمان, وأن التجمُّل من المروءة، ولكننا نقول مع هذا: إن الشيء إذا خرج عن حده، عاد إلى ضده.
- نضيف إلى ما سبق: أن مادة القرآن الكريم قلّت عناية الوزارة بها عن ذي قبل، فأصبحت المدارس لا يتخرج فيها من الحفّاظ مثل من كانوا يتخرجون فيها من قبل، لا كثرة في العدد، ولا جودة في الأداء. ولوحظ التضييق على كثير من المدارس أو المكاتب التي كانت معنية بهذه الناحية من استظهار كتاب الله تعالى وتجويده، واضطر بعض الغيورين من الأمة أن يسدوا هذا النقص، ويدفعوا هذا الخطر بتأليف جمعيات للمحافظة على القرآن الكريم.
ونحن نألم من عدم احترام شعور الأمة المسلمة إلى هذا الحد. ونود من وزارة المعارف أن تبذل أقصى ما يستطاع من ترضية الأهالي في تعليم أولادهم، خصوصاً فيما يتصل بقداسة كتابهم، وأساس دينهم.
- وإن تعجب، فعجب أن تجد التلميذ المسلم لا يعرف من تاريخ نبيّه بقدر ما يعرف من تاريخ نابليون - مثلاً -. ولا يدرك من سيرة عظماء الإِسلام وأبطاله على نحو ما يدرك من سيرة مشاهير الغرب ورجاله، "وتلك ثالثة الأثافي".
ومن رابه شيء في ذلك، فليرجع إلى كتب الوزارة ومنهاجها في التاريخ" ثم ليسامحنا إذا خجل، ووارى وجهه استحياء حين يرى التاريخ الإِسلامي يندب حظه في مدارسنا، ويبكي أهله فينا وفي أولادنا.
* الذنب على الماضي والإصلاح على الحاضر:
وإننا لنعلم أن هذه التبعات في مجموعها ذنب جناه الماضي على يد
(5/ 2/188)

فئات يعلم الله ماذا كانوا يقصدون من وضع هذه السياسة في التعليم، ونعلم بجانب ذلك أن رجال العهد الحالي قد أخذوا يرأبون باصلاحهم صدع ما أفسدته الأيام الخالية، فحققوا بذلك أمنية عزيزة لشعب عزيز لا يرى شيئاً أعزّ عليه من دينه، ونفذوا بجهادهم هذا أجلّ رغبة سامية لأجلّ مليك إسلامي يكتب له التاريخ كل يوم يداً جديدة في خدمة الإِسلام ونصرته وإنهاضه وحراسته.
* الشكر لأنصار الإِسلام:
ونحن نشكر لأنصار الإِسلام هذه المواقف المشهورة المشرفة. ومن ورائنا مئات الملايين من المسلمين في أقطار الأرض يقدرون كل من آزر الحنيفية البيضاء في أمنية من أمنياتها، وأنهضها في عثرة من عثراتها، غير ناظرين إلى الأسماء، ولا آبهين إلى الألوان السياسية ولا غير السياسية، ولكن إلى الأعمال وحدها، وإلى الحقائق الواقعة أياً كان مصدرها.
وتلك البارقة التي لاحت في سماء هذا العهد، قد أنارت لنا السبيل، وجعلتنا نرغب إليكم في العمل على تهذيب سياسة التعليم، واثقين أنكم بذلك تكفِّرون ذنوب الماضي، وتصلحون الحاضر، وتحسنون إلى المستقبل بتنشئة جيل مسلم صادق، يستطيع أن يواجه الحياة بضمائر حية، وقلوب نقية، ورجولة صحيحة، وهمة فتية.
* كيف يكون الإصلاح؟
ونرى من الحكمة أن نترك لوزارة المعارف الشكل الذي تختاره، والثوب الذي تُلبسه لإصلاح تلك الغلطات السابقة، وعقيدتنا أن فيها رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يعرفون من الدين ومن وسائل التربية ما هو جدير
(5/ 2/189)

بإصلاحهم التعليم في هذه الناحية الدينية الخطيرة إذا ما عنوا بذلك، غير أننا نرجو ونلح، ونسأل ونلحف ونوصي، ونؤكد بضرورة تحقيق المطالب الآتية:
المطالب:
- يجب أن يقرر تعليم الدين كمادة أساسية، شأنه شأن بعض اللغات الأجنبية- على الأقل-. أما تقريره كمادة إضافية، فهو بالهزل أشبه منه بالجد.
- ويجب أن يكون تعليم الدين عاماً يشمل كل دور من أدوار التعليم، لا فرق بين إلزامي وأولي، وابتدائي وثانوي، وعال وفني وخصوصي، ولا فرق بين البنين والبنات، ولا بين المدارس الأميرية والأهلية.
- ويجب تعديل مناهج التعليم تعديلاً يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم، وفي نوع دراستهم ومستقبلهم، ويتناول بالبحث جميع الشبهات التي تعرض لهم، ويتعرض للبدع والخرافات، فيقضي عليها أمامهم، ويعنى عناية تامة بتهذيبهم وردعهم عن كل ما يحيط بهم من فتنة، لا سيما وهم في سن المراهقة.
- ويجب أن يكون التعليم عملياً يحمل فيه التلاميذ حملًا على التزام الشعائر الدينية مدى وجودهم بالمدرسة، ويبنى في كل مدرسة مصلى إن لم يكن بها، ويعين لها الإمام والمراقب الديني.
وتفرض العقوبة الرادعة على كل من أهان الإِسلام بكلمة أو فكرة من الإلحاد أو الكفر أو الزندقة، كما تفرض عقوبة زاجرة على كل من قصر في تأدية الصلاة وهو في المدرسة، أو انتهك حرمة الصيام مع الاستطاعة، أو ثبت عليه أنه يخادن فتاة، أو يسلك سلوكاً شائناً.
(5/ 2/190)

- ويتصل بهذه الرغبة: إلزام الفتيات بتهذيب أزيائهن، ورعاية الذوق الإِسلامي والكرامة القومية في غطاء رؤوسهن، وحشمة ملابسهن، وحياء وجوههن، وشرف سيرهن، ونقاء سيرتهن، ولا يفوتنا أن ننوه بمنع الاختلاط المحرم بين الجنسين، كما لا ننسى المطالبة بالقضاء على كل تعليم يتنافى ومبادئ الإِسلام، وإن أملنا لعظيم في أن يكون حضرات المعلمين والمعلمات في المدارس قدوة حسنة لتلاميذهم في المحافظة على هذه الشعائر الدينية والتقاليد القومية.
- ويجب أن يعني بتحفيظ القرآن الكريم أتم عناية، على نحو يستبقي لمصر مجدها في كثرة من يتخرج فيها من حفاظ، وبطريقة واسعة تشبع رغبات الأهلين في تزويد أولادهم باستظهار كتاب الله تعالى.
- ويجب أن يعني بدراسة التاريخ الإِسلامي دراسة حية واسعة تطبع في نفس التلميذ طابعًا لا يمحى؛ من الاعتزاز بدينه، والاعتداد بأسلافه، والإجلال لأبطال أمته، والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في التوثب والنهوض، والتشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة.
* شبهات المعترضين وردها:
ترى الجمعية أن المعترضين على هذا المشروع الجليل لا يتجاوزون في شبهاتهم الاعتراضات التالية:
الاعتراض الأول: انقسام عناصر السكان في مصر إلى مسلمين وأقباط، ولكل ديانة هو موليها. أما مدارس الحكومة، فهي مفتوحة للعنصرين على سواء، فيجب أن تكون الدراسة فيها مدنية فقط بعيدة عن كل ما هو دين.
والجمعية ترى: أن هذا الاعتراض منقوض من أساسه؛ لأن الدين هو
(5/ 2/191)

حاجة كل نفس، ووزارة المعارف - باعتبارها القائمة على تربية الأمة - يجب أن تسفح التلاميذ بما يحتاجون إليه من وسائل التربية والتهذيب. ولا شك أن الأغلبية الساحقة في البلاد مسلمة، ودين الدولة الرسمي بنص دستورها هو الإِسلام، ودافعي الضرائب الذين ينفقون على الحكومة، ومنها وزارة المعارف، مسلمون في معظمهم، ولا يرضون مطلقاً بأن يحرم أولادهم ثقافة الإِسلام الذي هو عصب السعادة الصحيحة للإنسان في حياته العاجلة والآجلة.
أما اختلاف ديانة السكان، فلا يصح أن تهدر في الأغلبية لأجل الأقلية، بل المعقول والمعمول به في كل عصر ومصر مراعاةُ الأغلبية، ومن خالجه شك في هذه الحقيقة، فلينظر إلى المدارس في البلدان الأجنبية، بل فلينظر إلى المدارس الأجنبية في بلادنا الإِسلامية، هنالك يجد الدين المسيحي يدرس دراسة أساسية عملية عامة لكل من في تلك المدارس من تلاميذ مسلمين وغير مسلمين. فأحرٍ ببلاد أكثريتها مسلمة، ومدارسها مسلمة، وأموالها مسلمة أن يكون الدين الإِسلامي فيها مادة أساسية عملية مفروضة على كل من فيها، مسلمين وغير مسلمين.
على أن سماحة الإِسلام لا تريد أن تذهب بعيداً كما ذهب أولئك، ولا تلزم غير المسلمين بتعاليم الإِسلام، وإنما تريد ألا يحرم الناشئ المسلم من أول مقوم له، وأعز شيء لديه، وهو معرفة دينه معرفة صحيحة لها قيمتها وأثرها. ولا ترى الجمعية مانعاً من أن تفسح وزارة المعارف لغير المسلمين أن يتعلموا دينهم، والله يقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].
الاعتراض الثاني: قد نعلم أنهم يقولون: إن جعل هذه المادة أساسية
(5/ 2/192)

فيها امتحان ورسوب، يؤدي إلى خلل في نظام النجاح وترتيب التلاميذ إذا لوحظ اجتماع العنصرين.
والجمعية تقول لهم: إن المخرج من ذلك سهل، فيمكن أن تجعل درجات الدين مستقلة لا تضم إلى المجموع في ملاحظة الترتيب. وإنما يكفي أن تراعى في نجاح التلميذ ورسوبه فحسب. وذلك هو المهم.
وإذا جعل تعليم غير المسلمين لدينهم مباحاً في المدارس، زال الإشكال، أو كاد.
الاعتراض الثالث: يذهب بعض الأفكار إلى أن تعليم الدين في المدارس يُنافي مبدأ التخصص ذلك المبدأ الذي أجمع علماء التربية على احترامه، وضرورة تركيز سياسة التعليم عليه.
والجواب: إننا لا نريد تلاميذ المدارس على دراسة الدين دراسة المتخصصين، ولا أن يتوسعوا فيه توسع الأزهريين الفنيين، ولكننا نريدهم على أن يأخذوا من ثقافة الإِسلام بالقدر الذي لا بد منه في هداية كل نفس، وحمايتها من عاديات الإلحاد والزيغ، والفتنة والرذيلة.
ما بال هؤلاء القوم يؤمنون بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ عامة، بعلوم مختلفة في مبدئها وغايتها, فمن لغة إنكليزية، إلى لغة أخرى فرنسية، إلى لغات شرقية، ومن حساب، إلى تاريخ، إلى قواعد صحة، إلى طبيعة، إلى تمرينات بدنية وألعاب رباضية، إلى غير ذلك. ثم ما بالهم لا يؤمنون في جانب ذلك بوجهة النظر في تثقيف التلاميذ بثقافة الإِسلام، التي هي بلا نزل أعلى الثقافات، وأبلغها أثراً في خُلق التلميذ وأفكاره، وعلومه وأعماله، ومظاهره وسائر شؤونه وأحواله؟!.
(5/ 2/193)

الاعتراض الرابع: ربما سمعنا منهم: أن تعاليم الإِسلام تتصل بالسياسة، وتتحكم فيها تحكماً لا يلائم الحال القائمة في مصر، ولا يتفق والصالح الخاص أو العام.
ونحن نؤكد: أن الإِسلام إذا اتصل بالسياسة، يحسن إليها ولا يسيء، ويوجهها إلى الغاية المثلى في ضمان السلام للعالم، وبث الطمأنينة في نفوس بني الإنسان، ويضع لها ميزانًا عادلاً يحمي حقوق الأفراد والجماعات.
الاعتراض الخامس: ربما قال قائلهم: إن أوروبا هي أسوتنا الحسنة، بل قدوة العالم كله اليوم. والناظر إلى نهضتها يجدها قائمة على نفض يدها من كل دين، وتذرعها في توثبها بقوة العلوم والصناعات فقط.
والجمعية ترى في ذلك الزعم انحرافاً عن جادة الصواب، وتجنياً على الحقيقة الواقعة؛ فإن الغربيين في مجموعهم لا يقلون عن الشرقيين في تمسكهم بدينهم الآن. وإذا صح أن بعض دولهم قد حاربت الأديان حيناً من الدهر، فذلك من الخطأ الفاحش في نظر أغلبيتهم، أو لظروف قاهرة أحاطت بها الفتنة، والتهمتها نار الثورة، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وهدأت العواصف، عادوا إلى حظيرة دينهم أشد مما كانوا، على أن الإِسلام في طبيعة تعاليمه وسماحة مبادئه له طابع خاص يجعله يساير الحوادث في كل زمان ومكان، وبؤيد النهضات كلها ما دامت صالحة؛ لأنه في الواقع هو دين النهضة، إليها دعا، وعليها قام، وبدونها لا يحيا ولا يعيش.
الاعتراض السادس: بقي أن طائفة يحتجون على الإِسلام بخمول أهله، وتأخر متبعيه في هذه الأيام.
والجمعية تقول لهؤلاء: "شنشنة أعرفها من أخزم"، هذه مغالطة لا يتكلم
(5/ 2/194)

بها، ولا يصغي إليها إلا مفتون طبع على قلبه، أو جهول بحقيقة الإِسلام لم يتذوق طعم مبادئه، وإذا أردتم أن تحكموا على الإِسلام كقانون مقدس، فادرسوا تعاليمه أولاً، ثم زنوها بميزان المنطق والعقل ثانياً، ثم احكموا بعد ذلك عليه بها، واحكموا به على أدعيائه، ولا تحكموا بأدعيائه عليه {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].
أما بعد:
فلا نحسب وزارة المعارف تعلل بمثل هذه السفاسف اليوم، خصوصاً بعد أن سلّمت بوجهة النظر في تعليم الدين، وقررته فعلاً. ولكن الذي نطلبه إليها الآن، ونرجو من رجال الإصلاح معاونتنا عليه، هو اعتبار الديانة لمادة أساسية عملية عامة على نحو ما أسلفنا.
(5/ 2/195)

العناية بالتعليم الديني (1)
حضرة صاحب. . . .
في هذا العهد السعيد من عهود مصر ترفع "جمعية الهداية الإِسلامية" إلى مقامكم الكريم هذه المذكرة الخطيرة، حاملة أبلغ آيات التحية، وأليق مظاهر الإجلال، راجية أن تتقبلوها بقبول حسن، متمنية على الله تعالى أن يبارك في جهودكم الموفقة، حتى يؤتي الاستقلال والدستور ثمارهما الغالية المنشودة.
* التعليم في مصر:
تفتتح مصر الآن صفحة جديدة من كتاب الاستقلال بعد إبرام المعاهدة، ولهذا الاستقلال تبعات جسام تضع البلاد بين حاضر ترهقه التجارب الثقيلة، ومستقبل تنتظره النتائج الخطيرة. ولا ريب أن أهم هذه التبعات، وأولاها بالعناية: هي مسألة التربية والتعليم، ولكن تربية رشيدة وتعليماً صالحاً، يفي
__________
(1) المذكرة الثالثة المرفوعة من الإمام إلى الحكومة المصرية في طلب العناية بالتعليم الديني والتربية الدينية. وقد نشرت في مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد العاشر. وهذه المذكرة قد ضمت جميع فقرات المذكرة الثانية المنشورة في الجزء الثاني عشر من المجلد السابع لمجلة "الهداية الإِسلامية"، لذا اكتفينا بنشر المذكرة الثالثة فقط.
(5/ 2/196)

بحاجات البلد، ويربي لأبنائها كواهل قوية، وعوائق صُلبة، تستطيع أن تضطلع يحمل تلك الأعباء الضخمة، التي يفرضها عهد إلاستقلال السعيد.
ونحن في هذه المذكرة لا نحاول علاج مشكلة التربية والتعليم من جميع وجوهها، فتلك مجالات واسعة نترك الحديث في كل مجال منها للمتوفرين على دراسته من ذوي التخصص والامتياز.
ونقتصر نحن هنا على الجانب الأهم من تلك الجوانب جميعاً، وهو التعليم الديني والتربية الإِسلامية، أو الإسراع بوضع سياسة التعليم في مصر على أساس العناية بالدين الإِسلامي تربية وتعليماً، حتى ينطبع النشء بشريف طابعه، وحتى تظهر آثاره الجليلة في اعتدال أفكارهم، وسمو أخلاقهم، ومتانة رجولتهم، وحسن انتفاعهم بالحياة ونفعهم إياها.
* الغرض من التعليم:
يقول سعادة وزير المعارف الأسبق في تقريره عن التعليم الثانوي نقلاً عن المؤتمر الدولي للتعليم الثانوي، يقول: "إن الغرض من التعليم هو تكوين الشخصية، وتقويم الخُلق".
ونحن أمام هذا البيان الرائع، نرى من واجبنا أن نمدّ يد المعونة للوزارة في هذه المهمة السامية، وأن ندلها في هذه المحاولات الجليلة الشأن على أن أهم عامل من عوامل تحقيق هذه الغايات العليا: هو الاعتصام بالدين الإِسلامي الذي شرعه الله لمثل هذه الأغراض نفسها، من إيجاد شخصيات عظيمة، وأمم قوية ممتازة، عن طريق بث روح الإيمان بالحق، وتوجيه البشر إلى اعتناق العقائد الراشدة، والمبادئ السليمة، والأعمال الصالحة المثمرة، وتقويم الأخلاق، وتزكية النفوس.
(5/ 2/197)

* الإِسلام كفيل بذلك الغرض:
ولسنا نحاول في هذه الكلمة أن نقيم الأدلة النظرية على أن الحنيفية السمْحة هي الأساس النافع لبناء الأفراد والأمم، ولكن حسبنا أن نلفت النظر إلى شيء واحد فيه غناء عن كل دليل: ذلك أن التربية الإِسلامية جُربت، وأعيدت تجربتها مراراً، فنجحت في كل مرة أكبر نجاح، وانتفع بها كل من صدق في تجربتها من الأمم المتبدِّية والمتحضرة على سواء. وكان لهذا النجاح دويّ هائل في التاريخ, وروعة أخاذة في الوجود، وتحول مدهش في العالم، وانتقال سريع في حدود الممالك، وحياة جديدة صالحة لبني الإنسان في كل زمان ومكان! وكان فيها - فوق ذلك - تحقيق واسع لأمنية الجامعة الإنسانية التي تحلم بها الشعوب المتزعمة لحضارة الوجود في هذا الزمن.
وما ظنك بدين جمع تحت رايته نصف الكرة الأرضية في أقل من خمسين ومئة سنة، جمعها ولكن على مبدأ المساواة والعدل، وعلى قاعدة الحرية والرحمة.
هذا إذا نظرنا إلى الإِسلام من ناحية تأثيره في المجموع. أما تأثيره في الفرد، فإنه يتجلى لنا فيما تركه من السمو المدهش بعقل المسلم الصادق، وضميره، وعاطفته وخلقه، وعمله، وسلوكه مع الله ومع الناس، حتى لقد جعل من رعاء الشاء رعاة للأمم، وأخرج من البادين في الأعراب مضارب الأمثال في الحضارة "الصحيحة" والمدنية الراقية، وحوّل أشباه الشياطين في جزيرة العرب وغيرها إلى أشباه ملائكة يمشون على الأرض، ملؤوها بالهداية والنور، وفتحوها بالعلم والخلق، ذلك لأن الإِسلام تناول بالإصلاح كل ناحية من نواحي الإنسانية، فوفق بين مطالب الروح والجسد، وحدَّ
(5/ 2/198)

للإنسان حدودًا في عقيدته، وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، ووضع أسس الإصلاح المالي والاجتماعي والسياسي، وهذّب الحرب والسلم، وأنصف النساء، ووضع قواعد تحرير الرقيق، وحافظ على كل عزيزة لدى الإنسان؛ من عقله وعرضه، وصحته وماله، وحريته وحياته، وأهله ووطنه، ومستقبله العاجل والآجل!! وبهذا الإصلاح الشامل طبع الإِسلام شخصية الفرد وشخصية الأمة بأعلى طابع عُرف منذ خلق الإنسان الأول إلى يوم الناس هذا.
ولقد بهر هذا الإصلاح الإِسلامي أمم الغرب، فمدوا أيديهم يقتبسون من هدايته، وراحوا يغترفون من مناهله العذبة في جامعات الأندلس أيام عزّ الإِسلام هناك، وكذلك فتحوا عيونهم على تعاليمه منذ الحروب الصليبية واتصالهم بالشرق وبلاد الإِسلام. ومن أجل ذلك اعتبرت المدنية الغربية مدينة إلى حد بعيد لمدنية الإِسلام وعلوم الإِسلام، ثم لا يزال دعاة الإصلاح في هذا العصر من الغربيين ينادون: أن هلمّوا إلى الإِسلام في آدابه وأحكامه، وهاهي مؤتمراتهم الدولية تعجب بالتشريع الإِسلامي، وتقرر دراسة الشريعة الإِسلامية، وهاهي بعض دولهم الفتية ترجع إلى مقررات الإِسلام في بعض أحكامها وتقاليدها. وينتهي الأمر إلى هذه النتيجة الرائعة التي يعلنها الكاتب الذائع الصيت (برناردشو) إذ يقول:
"إن أوربة لا تتماثل من ع