Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 004


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(6)

«الشَّريْعَةُ الإسْلاميَّةُ صَالِحَة لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَان»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(4/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(4/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" من روائع الفكر المؤمن للإمام العلامة المرحوم محمد الخضر حسين مباحث دينية في أصول الدين، وأصول الفقه، والأحكام العملية، والفتاوى، بعضها ألقيت محاضرات في قسم التخصص بكلية أصول الدين إحدى كليات الجامع الأزهر، أو في نواد وجمعيات إسلامية مختلفة، وبعضها نشرت مقالات في مجلتي "نور الإِسلام" التي كان يرأس تحريرها، ويصدرها الأزهر، و"الهداية الإِسلامية" التي كان يصدرها ويرأس تحريرها.
وقد جمعنا كافة هذه المباحث تحت اسم: "الشريعة الإِسلامية صالحة لكل زمان ومكان" وهو البحث الأول في هذا الكتاب، والذي كان يؤلف القسم الأكبر من الجزء الثالث من كتاب "رسائل الإصلاح".
ولما كانت غايتنا إحياء التراث العظيم للعم المرحوم محمد الخضر حسين- رضوان الله عليه-, فقد رأينا- تسهيلاً للقارئ- أن يضم كل سفر من الأسفار المواضيع المتجانسة الواحدة، وبالتالي يجد طوع يده كتاباً يطوي بين كنوزه درراً ولآلئ تضيء للفكر سبيل الهداية والعرفان.
وهذه الرسائل كما قال الإمام "في حاجة إلى أن تبحث بفكر لا يتعصب لقديم، ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى صدق".
(4/ 1/3)

وشيخنا الجليل لم يطرق باباً من أبواب العلم إلا كان سيداً مهاباً، يجتث بصارم الحق خبائث الضلال، ويمحق الباطل والظلام، فهو الفارس في كل حلبة، والصدر في كل مقام، ولا أدل على ثرائه العلمي من هذا الفيض لرائع قلمه، ونتاج فكره في الأخلاق والاجتماعيات، وأصول الدين والفقه، ومباحث السيرة النبوية، وتراجم الرجال والبحوث التاريخية، ومباحث اللغة وصناعة الأدب.
وقد زودني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي - رحمه الله - بالتوجيه القيم في الترتيب والجمع، والله نسأل السداد".

على الرّضا الحسينى
(4/ 1/4)

الشريعة الإِسلامية صالحة لكل زمان ومكان
* تمهيد:
يقع في وهم من لا يدري ما الإِسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافًا كثيراً، فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة هي في نظره دعوة إلى خطة غير صالحة.
ذلك ما نقصد في هذا المقال إلى تفنيده، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين أن الشريعة الغرّاء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل.
ولما كان التشريع الإِسلامي يعتمد في معظم أحكامه على الاجتهاد، استدعى البحث أن نصدره بكلمة في الاجتهاد، وفي هذه الكلمة ترى شيئاً من عظمة علماء الشريعة، ولا أخالك أن تقرأ البحث بدقة، فلا تأتي على آخره حتى تشهد بأنهم كانوا هداة مصلحين.
ونأخذ بعد بحث الاجتهاد في تقرير الأصول التي جعلت الشريعة تسع مقتضيات العصور على اختلافها، وتقوم بحاجات الشعوب على تباعد ما بينها، ونسوق لك الشواهد على هذا من عمل القضاة ورجال الفتوى،
(4/ 1/5)

حتى لا يبقى في صدرك حرج من مزاعم أولئك الذين يكتبون، أو يخطبون فيما لا يعلمون (1).
* * *
__________
(1) بحث من عدة حلقات نشره الإمام في مجلة "نور الإِسلام" التي كان يصدرها الأزهر بالقاهرة، ويرأس تحريرها - المجلد الأول عام 1349 ه.
(4/ 1/6)

الاجتهاد في أحكام الشريعة
شريعة الإِسلام عامة، فلا يختص بها قبيل من البشر دون قبيل، ودائمة، فلا يختص بها جيل دون جيل، وأفعال البشر - على اختلاف أجناسهم، وتعاقب عصورهم - لا تنتهي إلى حد، ولا تدخل تحت حصر، ومن أجل هذا لم تنزل أحكامها في نسق واحد من التفصيل والبيان، بل أرشدت الشريعة إلى بعضها بدلائل خاصة، وقررت بقيتها في أصول كلية؛ ليستنبطها الذين أوتوا العلم عند الحاجة إليها.
يتمكن العالم من استنباط الأحكام بمعرفة أمرين:
أحدهما: الأدلة السمعية التي تنتزع منها القواعد والأحكام.
ثانيهما: وجود دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب، واستعمال البلغاء.
ويرجع النظر في الأدلة السمعية إلى الكتاب والسنّة والإجماع، ويتصل بهذه الأدلة أصول اختلفت فيها أنظار الأئمة؛ كمذهب الصحابي، وعمل أهل المدينة، وشَرْع من قبلنا الذي لم يرد في شريعتنا ما ينسخه، فإن الأخذ بهذه الأصول يرجع إلى التمسك بدليل منقول لا يدخل فيه العقل إلا على وجه التفهم؛ كما يدخل في غيره من نصوص الكتاب والسنّة.
ويرجع النظر في وجوه الدلالات إلى: دلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم،
(4/ 1/7)

ودلالة بالمعقول.
ومن متناول دلالة المعقول: ذلك الأصل الكبير الذي يسمونه: القياس، ويضارع القياس في هذه الدلالة أنواع جرى فيها الخلاف بين أهل العلم؛ مثل: الاستصحاب، والمصالح المرسلة، ومراعاة العرف، وسد الذرائع.
ثم إن الأدلة قد تتزاحم في نظر المجتهد، ويراها واردة على قضية واحدة، وكل منها يقتضي من الحكم غير ما يقتضيه الآخر، فيحتاج إلى أن ينقب عن الوجوه التي يترجح بها جانب أحدها, ليعتمد عليه في تقرير الحكم.
فدخل في الأركان التي يقوم عليها الاجتهاد: القدرة على الموازنة بين الأدلة، وترجيح أقواها على ما هو دونه عند تعارضها، فمن كان على بصيرة من الأدلة السمعية، ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح بين الأدلة عند تعارضها، فقد قبض على زمام الاستنباط، واستعد لأن يجلس على منصة الاجتهاد.
فالاجتهاد: بَذْلُ الفقيه الوِسْعَ لاستخراج الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.
* شرائط الاجتهاد:
قلنا: إن الاجتهاد يدور على معرفة الأدلة السمعية، ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح عند تعارضها.
أما معرفة الأدلة السمعية، فتتحقق بمعرفة الكتاب والسنة، والأحكام المشتركة بينهما؛ كالعلم بالناسخ والمنسوخ، والأحكام الخاصة بالكتاب؛ كالعلم بوجوه القراءات، والأحكام الخاصة بالسنة؛ كالعلم بأصول الحديث،
(4/ 1/8)

وأحوال الرواة.
وأما معرفة وجوه الدلالات، فتتحقق بالفرق بين المنطوق والمفهوم، والمجمَل والمبيَّن، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والصريح والكناية، والمعاني التي يدل عليها الكلام بنفسه، والمعاني التي يراعيها البلغاء ويسميها علماء البيان بمستتبعات التراكيب.
فمن شروط الاجتهاد: العلم باللغة والنحو والمعاني والبيان، ومجمل القول: أن يكون عارفاً باللسان العربي، ووجوه تصرفات ألفاظه ومعانيه معرفة ترفعه بين علماء اللغة وبلغائها مكاناً عالياً.
أما طرق الترجيح، فمنها ما يعرف بالنظر في علوم الشريعة؛ كتقديم ما يتلى في الكتاب الكريم على ما يروى على أنه حديث، ومنها ما يعرف بالبحث عن حال الرواة؛ كتقديم ما يرويه البخاري على ما يرويه غيره، ومنها ما يعرف بالنظر في علوم اللغة، كتقديم النص على الظاهر، والمنطوق على المفهوم.
* الكتاب:
ذكرنا في شروط الاجتهاد: العلم بالقرآن الكريم، ولا سيما آيات الأحكام التي قدّرها الغزالي وابن العربي بخمس مئة آية، واقتصرا في تقديرها على هذا العدد؛ لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان، وهو أول من أفرد آيات الأحكام في تصنيف، قد جعلها خمس مئة آية، وقد نازعهم ابن دقيق العيد في هذا التقرير، وقال: مقدارآيات الأحكام لا ينحصر في هذا العدد، بل هو يختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما يفتحه الله من وجوه الاستنباط. والراسخ في
(4/ 1/9)

علوم الشريعة يعرف أنّ من أصولها أو أحكامها ما يؤخذ من موارد متعددة، حتى الآيات الواردة في القصص والأمثال.
وقد عني طائفة من العلماء بآيات الأحكام بعد مقاتل، فألّفوا في تفسيرها خاصة؛ كما فعل منذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة المتوفى سنة 355، وأبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص المتوفى سنة 370، وأبو بكر بن العربي المتوفى سنة 468، وعبد المنعم بن محمد المعروف بابن الفرس المتوفى سنة 599.
* السنّة:
أوردنا في شروط الاجتهاد: العلم بسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف أهل العلم في القدر الذي فيه كفاية، فقال أبو بكر بن العربي في كتاب "المحصول": هي ثلاثة آلاف حديث، ونقل عن أحمد بن حنبل: أن الأصول التي يدور عليها العلم ينبغي أن تكون ألفاً ومئتين، ويذهب ابن القيّم إلى أن الأصول التي تدور عليها الأحكام خمس مئة حديث، وهي مفصلة في نحو أربعة آلاف حديث.
والحق في جانب من يقول: إنه لا يحق الاجتهاد إلا لمن كان عالماً بما اشتملت عليه مجاميع السنّة؛ كالأمهات الست، وما يلحق بها من الكتب التي التزم مصنفوها الصحة فيما يروون؛ إذ من المحتمل أن يوجد فيها ما يدل على الحكم صراحة، ويأتي الاستنباط بما يخالفها، وكان أهل العلم فيما سلف إنما يرجعون بالواقعة إلى الاستنباط بعد أن يبحثوا جهد استطاعتهم، فلا يظفروا بآية أو سنّة تنص على حكمها.
في كتاب "القضاء" لأبي عبيد: أن أبا بكر الصديق كان إذا ورد عليه
(4/ 1/10)

حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنّة سنّها النبي - صلى الله عليه وسلم -، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به؛ وكان عمر يفعل ذلك.
والحديث الذي يرويه أحد الأئمة، ويصله بما ينبئ عن صحته، يسوغ للفقيه متى عرف مذهب الراوي في التعديل أن يعتمد على تصحيحه, ومن هذا القبيل ما يرويه البخاري ومسلم في "صحيحيهما". وأما ما يروى في الكتب التي لا تخلو من الضعيف، فلا بد له من النظر في سند الحديث، والبحث عن سيرة من يجهل حاله، حتى يكون على بينة من أمره.
* علوم اللغة العربية:
أخذنا في شروط المجتهد: أن يكون قائمًا على علوم اللغة العربية، بحيث يبلغ في فهم الكلام العربي مبلغ العرب الناشئين في الجاهلية أو في صدر الإِسلام.
قال أبو إسحاق الشاطبي: "لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب؛ بحيث يصير فهم خطابها طبعاً غير متكلف".
وقد يقع في خاطرك أن شرط الاجتهاد في اللسان العربي يجعل رتبة الاجتهاد في الشريعة بمنزلة المتعذر, فإنه يقتضي أن يسلك الفقيه في البحث عن معاني الألفاظ وأحكامها ووجوه بلاغتها الطرق التى سلكها أئمة تلك العلوم، ولا يكفيه أن يأخذ من "القاموس": أن النكاح - مثلاً - يطلق
(4/ 1/11)

على الوطء، والعقد، ومن "كتاب سيبويه": أن الخفض يكون بالجوار، ومن "دلائل الإعجاز": أن تقديم المعمول، أو تعريف المسند يفيد القصر، حتى يتتبع كلام العرب بنفسه، ويقف على صحة إطلاق النكاح على الوطء والعقد، ويظفر بشواهد كثيرة يحقق بها قاعدة الخفض بالجوار، وشواهد أخرى يعلم بها أن تقديم المعمول، أو تعريف الطرفين يفيد الحصر. وتكليفه بأن يبلغ في علوم اللغة هذه الغاية يشبه التكليف بما لا تسعه الطاقة.
وجواب هذا:
أن المجتهد في الشريعة لا بدّ له من أن يرسخ في علوم اللغة رسوخ البالغين درجة الاجتهاد، وله أن يرجع في أحكام الألفاظ ومعانيها إلى رواية الثقة، وما يقوله الأئمة، وإذا وقع نزل في معنى أو حكم توقف عليه فهم نص شرعي، تعين عليه حينئذ بذل الوسع في معرفة الحق بين ذلك الاختلاف، ولا يسوغ له أن يعمل على أحد المذاهب النحوية أو البيانية في تقرير حكم إلا أن يستبين له رجحانه بدليل.
فالمجتهد في أحكام الشريعة - وإن ساغ له التقليد في العلوم التي هي وسائل الاستنباط - يجب عليه أن يكون في معرفتها بمكانة سامية، حتى إذا جرى اختلاف في رتبة حديث، أو قاعدة عربية احتاج إلى تطبيقها، جرّد نظره لاجتلاء الحقيقة دون أن يقف وقفة الحائر، أو يتمسك بأحد الآراء على غير بينة.
* أصول الفقه:
مسائل علم الأصول منها ما يستمد من النظر في الكتاب والسنّة، ومنها ما يستمد من النظر في علوم اللغة العربية، فيمكن من تضلَّع من موارد الشريعة،
(4/ 1/12)

ورسخ في فهم لسان العرب، أن يدرك هذه الأصول بنفسه؛ كما أدركها الأئمة الذين نهضوا بالاجتهاد قبل أن يدون علم الأصول، ولكن الوصول إلى مسائل الأصول، وهي مدونة، أسهل على الطالب من أن يبذل جهده في استقرائها، ويرسل فكره في اقتناصها، باحثاً عنها في أبواب متفرقة، وموارد متشعبة، وعلى أي حال كان طالب الاجتهاد في الأحكام، لا يستقيم له هذا المنصب إلا أن ينظر في الأصول نظر الباحث المستقل، بحيث لا يبني في الاستنباط على الاستصحاب أو سد الذرائع - مثلاً -, ولا يقرر الحكم اعتماداً على عمل أهل المدينة، أو مذهب الصحابي، متابعة لمن يقول بحجيتها، فالاجتهاد في الأصول بمنزلة الأساس للاجتهاد في الأحكام، فلا يدخل في قبيل المجتهد المطلق من يبني في تقرير الأحكام على أصول قررها إمامه، وتلقاها منه بتقليد.
فالحق جمع من لم يرض لمدعي الاجتهاد إلا أن يرسخ في أصول الفقه، ويبحث مسائله بنظر قائم بنفسه، حتى لا يعتمد في الاستنباط إلا على أصل رأى كيف تشهد به البينة، وتقوم عليه الحجَّة.
* في الفقه:
يظهر في بادئ الرأي أن ليس من شروط الاجتهاد المطلق معرفة الأحكام التي استنبطها الفقهاء من دلائل الشريعة، ذلك لأنها صادرة عن اجتهاد، فيجب أن يكون الاجتهاد متقدماً عليها في الوجود، فهو مستقل عنها، وجائز أن يتحقق بدونها، ولو قدرنا ناشئاً درس علوم اللغة حتى أصبح في ذوقه وفهمه لدقائق العربية كالعربي الخالص، ثم أقبل على التفقه في الكتاب والسنّة حتى عرف مقاصد الشريعة، لأمكنه استنباط الأحكام من دلائلها
(4/ 1/13)

كما استنبطها العلماء من قبل أن تدوّن المذاهب والآراء.
والتحقيق أن معرفة المذاهب، ودرس أحكام الفقه مربوطة بأصولها مما يخطو بالعالم في سبيل الاجتهاد خطوات سريعة، لولا دراسة الفقه على هذا الوجه؛ لأنفق في بلوغها مجهودًا كبيراً، وزمنًا طويلًا. ثم إنه يأمن العثار والخطأ في الفتوى أكثر مما إذا لم يدرس أقوال الأئمة من قبله، وهذا ما يراه طائفة من الأصوليين؛ كأبي حامد الغزالي إذ قال: "إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة الفقه، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان".
وهذا مجمل ما ينقل عن السلف من حثّ الفقهاء على معرفة اختلاف أهل العلم من قبلهم.
قال هشام بن عبد الله الرازي: "من لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه".
وقال عطاء: "لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك، رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه".
وقال سفيان بن عيينة: "أجرأ الناس على الفتوى: أقلّهم علماً باختلاف العلماء".
وقال سعيد بن أبي عروبة: "من لم يسمع الاختلاف، فلا تعدّه عالماً".
ولا يقصدون بهذا حفظ مجرد الخلاف، بل القصد أن يعرف أقوال السلف ومداركها.
* مواقع الإجماع:
يذكر الأصوليون في شرط المجتهد: أن يكون عارفاً بمواقع الإجماع، وهذا في الواقع شرط لصحة الاجتهاد بالفعل، وليس بشرط في بلوغ رتبة
(4/ 1/14)

الاجتهاد، وإنما أخذوا هذا شرطاً لصحته؛ لئلا يقرر الفقيه حكماً يخرج به عن الإجماع؛ إذ كل فتوى يخرق بها صاحبها الإجماع هي في نظر أئمة الدين باطلة.
وقد خفف الإمام الغزالي في هذا الشرط، فقال: ليس من واجبه أن يحفظ المسائل التي وقع عليها الإجماع، فالواقعة التي علم أنها كانت موضع اختلاف، والحادثة التي يعرف من حالها أنها وليدة عصره، ولم يقع لها مثيل في العصور المتقدمة، له أن يجتهد ويفتي فيهما بما قام الدليل على رجحانه، وإن لم يكن ملماً بالمسائل التي انعقد عليها الإجماع.
فإن وقعت الواقعة، ولم يكن قد بلغه أنه قد جرى فيها اختلاف، ولم يشق بأنها وليدة عصره، بحث ما استطاع، فإن لم يقف على أنها مسألة مجمع عليها، تناولها بالاجتهاد، وفصل لها حكماً مطابقاً.
* القياس:
هل يعد في شروط المجتهد أن يكون ممن يقول بأصل القياس؟
هذا ما يراه أبو إسحاق الإسفراييني، وعزا إلى الجمهور أنهم قالوا: إن نفاة القياس لا يبلغون درجة الاجتهاد، وأخذ به إمام الحرمين، وقال: علماء الشافعية لا يقيمون لأهل الظاهر وزناً.
ومن أهل العلم من لم يتمسك بهذا الشرط، وعدَّ الظاهريَّ الذي تحققت فيه الشروط الآنفة في قبيل أهل الاجتهاد، وينبني على هذا: أن يكون خلافهم معتدًا به، فلا إجماع فيما خالفوا فيه من الأحكام. وهذا ما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أنه الصحيح من مذهب الشافعية، وقال ابن الصلاح: إنه الذي استقر عليه الأمر.
(4/ 1/15)

وسنسوق في مقام آخر الأدلة على أن القياس أصل من أصول الشريعة الغراء.
* العدالة والاستقامة:
ليست العدالة شرطاً لتحقق وصف الاجتهاد في نفسه، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد, إذ الفتوى من قبيل الإخبار، والنفس لا تركن إلى خبر الفاسق، ومن يعمل سوءاً، يسهل عليه أن يقول زوراً، والتقوى هي التي تحمل المجتهد على التروي في تفصيل الحكم، فلا يلفظ بالفتوى إلا بعد النظر في الواقعة، وما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، ثم يعود إلى قواعد الشريعة، فيفصل لها حكماً يطابقها.
قال مالك بن أنس: "ربما وردت عليَّ المسألة، فتمنعني من الطعام والشراب والنوم"، فقيل له: يا أبا عبد الله! والله! ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئاً إلا تلقّوه منك. قال: "فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا؟! ". وقال: "ربما وردت عليَّ المسألة، فأفكر فيها ليالي". وكان إذا سئل عن المسألة يقول للسائل: "انصرف حتى أنظر فيها"، فينصرف السائل، ويجعل مالك يردد النظر في المسألة، فقيل له في ذلك، فقال: "إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأيُّ يوم! "
وكذلك كان السلف من الصحابة والتابعين، يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكون غيره قد كفاه أمرها، حتى إذا رآها قد تعينت عليه، بذل جهده في تعرُّف حكمها، ثم أفتى.
(4/ 1/16)

بناء الشريعة على حفظ المصالح ودرء المفاسد
القوانين العادلة: التي تقوم على رعاية حفظ المصالح، ودرء المفاسد، ولا يختلف علماء الإِسلام في أن أحكام الشريعة قائمة على رعاية هذين الأصلين، وإذا كانت المصالح والمفاسد قد تخفى في بعض ما يشرّع على أنه عبادة، فإن الأحكام المشروعة لغير العبادات؛ من آداب الاجتماع، ونظم المعاملات والجنايات، لا تقصر العقول السليمة عن إدراك أسرارها، ومن الميسور تقريرها على وجه يظهر به فضل الشريعة السماوية على القوانين الوضعية.
يقرر الباحثون عن حكمة التشربع من علمائنا أن المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها.
والأفراح وأسبابها، وأن المفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها.
ويسمون اللذات والأفراح بالمصالح الحقيقية، وأسبابها المصالح المجازية، كما يسمون الآلام والغموم المفاسد الحقيقية، وأسبابها المفاسد المجازية، ويذكرون أن المصالح المحضة كالمفاسد المحضة نادرة الوجود، وأكثر الوقائع ما تجتمع فيه المصلحة والمفسدة، فما كان مصلحة محضة، فحكمه الإذن قطعًا. وما كان مفسدة محضة، فحكمه النهي بلا مراء، فأما
(4/ 1/17)

ما يكون مصلحة من ناحية، ومفسدة من ناحية أخرى، فالشارع الحكيم ينظر إلى الأرجح منهما، ويفصل الحكم على قدر الأرجحية، فما رجحت مصلحته على مفسدته، أذن فيه على وجه الإباحة، أو الندب، أو الوجوب. وما رجحت مفسدته على مصلحته، نهى عنه على وجه الكراهة، أو التحريم.
* التفقه في الأدلة السمعية:
ذكرنا فيما سلف أن من أحكام الشريعة ما يدل عليه آية، أو سنّة صريحة؛ كتحريم الجمع بين الأختين، والقضاء للذكر في الإرث بمثل حظ الأنثيين، والقصاص، وقطع يد السارق والسارقة، وهذا النوع من الأحكام لا يختلف أئمة الدين في أنه شريعة عامة باقية، ولا يجوز لولي الأمر إهماله، ولا أن يستبدل به غيره.
وربما دعت الضرورة إلى إرجاء إقامة الحد؛ كما أخّر الإِمام علي -رضي الله عنه - القصاص من قتلة عثمان مرتقبًا وقتًا يتمكن فيه منهم، وهو آمنٌ من عصبيتهم.
وفي "سنن أبي داود": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تقطع الأيدي في الغزو.
وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى الناس: أن لا يجلدنَّ أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدَّرب قافلاً؛ لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالعدو.
وقد تطرأ حال عامة تجعل ولي الأمر في ريب من أن تكون واقعة أخذ المال خفية من قبيل السرقة المفروض فيها حد القطع، فيكف يده عن إجرائه. وقد روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - أسقط قطع يد السارق في عام المجاعة؛ لأن الحاجة كانت غالبة، فمن المحتمل القريب وقتئذ أن يكون الدافع إلى السرقة اضطراره إلى ما يسد رمقه، وينقذه من التهلكة.
(4/ 1/18)

ولا يلحق بمثل هذا الحال أن تعتل أذواق قوم، وتساورهم شهوات طائشة، فيقيموا هذه الأذواق مقام العقل، وتلك الشهوات مقام المصلحة، فينكروا ما فرض الإِسلام على الزاني أو شارب الخمر من عقوبة. وعلى حكماء الأمة أن يعالجوا هذه الأذواق حتى تسلم من مرضها، ويقوِّموا تلك الشهوات حتى تعود إلى حال اعتدالها.
يدخل الاجتهاد الأدلة السمعية على النحو الذي ذكرنا، ويدخلها من جهة الإطلاق والتقييد.
أما الإطلاق، فكما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]. فأطلق الأئمة في تحريم الربا، وعدّوا قوله تعالى: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} من قبيل ما روعي فيه حال ما كانوا يفعلون وقت نزول الآية، ومن أدلة هذا الإطلاق قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة: 279]، فهو صريح في حرمة الربا كثيرِه وقليله.
ومن أمثلة هذا: أن الله تعالى حرّم على الرجل نكاح ربيبته، فقال: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، وظاهر الآية: أن المحرّمة بنت الزوجة التي تكون في حجر الزوج، ولكن الأئمة تفقهوا في هذا الوصف، فلم يظهر فيه أثر للتحريم، فأوَّلوه على أنه من قبيل الأوصاف التي ترد في الكلام البليغ من جهة أنها الحال الغالبة في الموصوف، وأفتوا بتحريم الربيبة على زوج أمها، وإن لم تكن في حجره.
وأما التقييد، فكحديث النهي عن بيع الماء، فقد خصصه الإِمام مالك بآبار الصحراء التي تتخذ في الأرضين غير المتملكة، فيكون صاحبها الذي حفرها أولى بها، فإذا قضى منها وطره، ورويت ماشيته، ترك الفضل للناس
(4/ 1/19)

من غير ثمن، واستند الإِمام في هذا التخصيص، وصرف النهي عن بيع الماء في الأرض المملوكة إلى الأصل الذي ورد به السمع، وانعقد عليه الإجماع، وهو أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه.
ومن أمثلة هذا الباب حديث: "شاهداك أو يمينه".
فظاهر الحديث: أن اليمين حق على كل مُنْكِر، ولكن الإِمام مالكًا قيَّده بحال ما إذا كان بين المتقاضيين خلطة، وإنما قيّده بقاعدة درء المفاسد، إذ أخْذُ الحديث على إطلاقه يجرئ السفهاء على أهل الفضل، فيستطيعون أن يوجهوا عليهم متى شاؤوا دعاوى، ويقفوهم للحلف إيلاماً وامتهاناً.
يقيَّد المجتهد النصوص، أو يطلقها على ما تقتضيه الأدلة السمعية، والأصول الشرعية، ولا يصرف نظره عن النص جملة إلا أن يثبت لديه أنه منسوخ، أو يعارضه ما هو أقوى سنداً أو دلالة، أو يكون الحكم مربوطاً بشيء على أنه علة مشروعيته، وتزول هذه العلة، فيتبعها الحكم، وتدخل الواقعة في نص آخر، أو تحتاج إلى حكم من المجتهد يطابقها.
ومثال هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك صلاة التراويح في جماعة، وقال في وجه تركها: "ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها". وقد زالت بوفاته - عليه الصلاة والسلام - الخشية من أن تفرض عليهم، ولهذا أقامها عمر بن الخطاب بعد، وقال: "نعم البدعة هذه".
وقَصْرُ الحكم على حال وجود العلة متى كان منصوصاً عليها أمر واضح لا شبهة فيه. وقد يجيء الحكم مجردًا من ذكر العلة، فيقررها المجتهد استنباطاً، ويجعل الحكم مقصوراً على حال هذه العلة المستنبطة، ومن هذا
(4/ 1/20)

القبيل: أن المؤلفة قلوبهم قد ذُكروا في آية مصارف الزكاة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60] الآية.
فرأى بعض الأئمة أن علة جعلهم في مصارف الزكاة في بداية الإِسلام إلى تكثير أنصاره، أما حين قويت شوكته، وكثر أتباعه وحُماته، فقد زالت الحاجة إلى تأليف المخالفين، وسقطوا من مصارف الزكاة.
ومن أقوال الرسول - عليه الصلاة والسلام - ما يحمله المجتهد على أنه صادر منه بصفة الإمامة، لا أنه حكم عام كسائر أحكام الشريعة التي يراد بها التبليغ، ومثال هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبه"؛ فإن من الأئمة من يذهب في هذا إلى أنه تصرف من جهة الإمامة، وأنه منظور فيه إلى ما اقتضته المصلحة في تلك الغزوة، فلقائد الجيوش من بعده أن لا يجعل سَلَب القتيل للقاتل حيث لم تدع إلى ذلك مصلحة. ولهذا النوع من أقواله - عليه الصلاة والسلام - ناحية يرجع بها إلى التشريع، وهي أنه يجوز لولي الأمر أن يجتهد، ويقول: "من قتل قتيلاً، فله سلبه" أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يرده عن هذا القول أن السلب من الغنيمة، والغنيمة في أصلها ملك للمجاهدين، أو أن هذه المنحة تنقص الإخلاص، وتجعل بعض الجند يقاتل للسلب، لا لإعلاء كلمة الله.
هذه من الوجوه التي يدخل فيها الاجتهاد الصحيح عند التفقه في الأدلة السمعية، وها هنا قد تزلُّ أقدام بعض الناظرين في عجل، أو يفتضح بعض من يكيدون للشريعة من طريق التأويل؛ حيث يعمدون إلى بعض النصوص الشرعية، ويذهبون في تفسيرها مذهباً يخرجون به عن مقاصد الشريعة، أو ينقضون به أصلاً من أصولها.
(4/ 1/21)

وجمهور أهل العلم على أن الأحكام المقررة بطريق السمع، وليس للمجتهد أن يتعداها هي ما جاء في كتاب أو سنّة أو إجماع، وقول الصحابي فيما لا يقال بالرأي هو من قبيل المرفوع، فهو داخل في السنّة، أما قوله الذي يمكن أن يكون اجتهاداً، فليس بحجة تقطع غيره عن الاجتهاد؛ لأن الصحابي غير معصوم عن الخطأ، ولأن الصحابة كانوا يختلفون فيما بينهم من غير إنكار، وما يقع في "موطأ مالك" من ذكر قول الصحابي في مقام الاحتجاج إنما يأتي به الإِمام في معنى التأييد لاجتهاده، أو للترجيح بين الأخبار عند اختلافها.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين" من "سنن الترمذي ": "أمر بالرجوع إلى سنّة الخلفاء، وهو يكون على أمرين: الأول: التقليد لمن عجز عن النظر، والثاني: الترجيح عند اختلاف الصحابة، فيقدم فيه الخلفاء الأربعة، أو أبو بكر وعمر، وإلى هذه النزعة كان ينزع مالك، ونبّه عليه في الموطأ".
واعتماد الإِمام مالك على عمل أهل المدينة فيما لا مجال للرأي فيه، أو فيما كان طريقه النقل المستفيض؛ كالصاع، والمد، والأذان، والإقامة يرجع إلى الاحتجاج بالسنّة، فإن العادة تقتضي أن يكون عملهم هذا من زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو تغير عما كان عليه زمن الوحي، لعلموه، وإذا قدّم عمل أهل المدينة الذي هو في معنى السنّة على خبر الآحاد، فإنما قدّم على خبر الآحاد سنّة يراها أمتن سنداً وأقوى.
وأنكر بعض أصحابه أن يكون قد وقع منه تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": "ومن
(4/ 1/22)

لا تحصيل له من أصحابنا يظن أن مالكاً يقمّ عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، ولم يفعل ذلك قط، ولا ترك مالك قط حديثاً لأجل مخالفة أهل المدينة له بعملهم وفتواهم".
لا يدخل الاجتهاد في النصوص المحكمة إلا بنحو الإطلاق أو التقييد على مقتضى الأصول الصادقة، وهذا واضح بنفسه فيما إذا كان النص قرآنًا أو سنّة متواترة، أما خبر الآحاد، فإن لم يره المجتهد معارضًا لأصل آخر، وجب العمل به عند أئمة الدين بلا مراء؛ كما أخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سنوا بهم سنّة أهل الكتاب" (1).
أما إذا ورد خبر الآحاد فيما يظهر معارضاً لقاعدة، أو قياس صحيح، فهذا موضع نظر أهل العلم واختلاف آرائهم، فمنهم من يقدّم الحديث على الأقيسة والقواعد، يظهر هذا من قول الإِمام الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاضربوا بقولي الحائط، وقوله: إذا صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصح الإسناد به، فهو المنتهى، وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لا قول لأحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صح الخبر.
ونجد آثاراً كثيرة عن الصحابة تدل على أنهم كانوا يتركون القياس لخبر الواحد؛ كما ترك عمر بن الخطاب القياس في الجنين؛ لخبر حمل بن مالك في إيجاب غُرة عبدٍ أو أمة، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا (2)، وروي أنه ترك القياس في تفريق دية الأصابع على قدر منافعها حين روى له
__________
(1) في "صحيح البخاري".
(2) رواه أبو داود.
(4/ 1/23)

حديث: "في كل أصبع عشر من الإبل".
ويقول بعض المتمسكين بالحديث في كل حال: إنه لا يوجد حديث ثابت على خلاف القياس الصحيح، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأصناف بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك الصنف بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لتلك النظائر، لكن الوصف الذي اختص به الصنف قد يظهر لبعض الناس، ويخفى على بعض، فمن رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، لا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وقد جاء هؤلاء إلى كل ما جاعت به السنة من أحكام؛ كالمساقاة، والمزارعة، وبيع العرايا (1)، وبسطوا في بيان الفرق بينها وبين أفراد القياس الذي ادعى أنها جاءت على خلافه.
والواقع أن الذين يسمون مثل المساقاة والسلم والمصرّاة (2) خارجة عن القياس يعترفون بأنه انضم إلى هذه الأبواب ما جعلها تخالف سائر أفراد القاعدة التي يبدو لأول النظر أنها من مشمولاتها.
وهذا عز الدين بن عبد السلام يقول في قواعد المصالح: "أمر الله تعالى لإقامة مصالح متجانسة، وأخرج بعضها عن الأمر، إما لمشقة ملابستها، وإما لمفسدة تعارضها، وزجر عن مفاسد متماثلة، وأخرج بعضها عن الزجر،
__________
(1) أن يهب الرجل لآخر النخلة، ثم يتأذى بدخوله لها، فيخرص ثمرها، ويشتريه منها بتمر.
(2) المصراة: هي التي صُرِّي لبنها؛ أي: حبس، وجمع، فلم يحلب أياماً، وقد جاء في الحديث الشريف: أن مشتريها متى احتلبها يكون بخير النظرين: إما أن يمسكها، أو يردها وصاع تمر.
(4/ 1/24)

إما لمشقة اجتنابها، وإما لمصلحة تعارضها".
ومن أهل العلم من يقدّم القاعدة والقياس الذي تكون مقدماته قاطعة على خبر الواحد، وقد تردد أصحاب الإمام مالك في مذهبه: فروى عنه أصحابه العراقيون تقديم القياس على الخبر، وروى عنه المدنيون والمغارية تقديم الخبر على القياس، والتحقيق: أن للإمام في كل حديث يتعارض مع القياس نظراً خاصًا، فيقدم - مثلاً - الحديث الذي تعضده قاعدة أخرى؛ كحديث العرايا: عارضته قاعدة الربا، وعضدته قاعدة المعروف.
فقد أريناك أيها القارئ النبيه كيف كان علماء الإِسلام يرعون عند التفقه في الكتاب والسنّة قاعدة: حفظ المصالح ودرء المفاسد، وأن ما جاء به القرآن والسنة من الأحكام المفصلة كفيل بحفظ مصالح الوقائع، أو درء مفاسدها، وفي استطاعة الراسخين في العلم أن يبينوا ما حفظته من المصالح، أو درأته من المفاسد بياناً كافياً.
وإذا كان من لازم الأحكام العادلة حفظ المصالح أو درء المفاسد، فليس من شرط كل حكم أن يتغير باختلاف العصور أو المواطن؛ فإن الواقعة قد تشتمل بطبيعتها على مصلحة، أوعلى مفسدة لا يختلف حالها باختلاف العصور والمواطن، فيكون لها حكم واحد لا يتغير إلا أن يتغير حال الواقعة نفسها. ومن الذي يعقل أن يكون القصاص - مثلاً - زاجراً عن القتل، مقللاً لوقائعه في عصر أو موطن دون آخر؟
والحقيقة أن حكم الواقعة إنما يتجدد عندما تتغير طبيعة الواقعة، وأن الحكم المشروع للواقعة بحق قد يبقى حكمها العادل، ولو مضت عليه أحقاب، حتى يعرض لها من الأحوال ما يستدعي تفصيل حكم غير ما شرع لها أولا؛
(4/ 1/25)

ومن تيسر له أن يدرس ما فصلته الشريعة من أحكام محكمة - وهي فيما يرى أقل مما شرعته في ضمن أصول وقواعد- عزّ أن يجد فيها حكماً يتعلق بواقعة يختلف حالها باختلاف الزمان والمكان، وإذا وجد العالم الراسخ في فهم مقاصد الشريعة واقعة علّق عليها الشارع حكماً، ثم تغير حالها إلى حال تقتضي تغير الحكم اقتضاء ظاهراً، كان له أن يرجع بها إلى أصول الشريعة القاطعة، ويقتبس لها من هذه الأصول حكماً يطابقها، ومثال هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن منع النساء من الخروج إلى المساجد، فإذا نظر المجتهد إلى علة النهي عن منعهن، وجدها المحافظة على مصلحة المرأة من سعيها إلى المسجد، وحضورها صلاة الجماعة، وانتفاعها بما تسمع من قرآن أو خطبة، ولم يكن في خروجها لعهده - عليه الصلاة والسلام - مفسدة تستدعي المنع، فإذا جاء عهد يكثر فيه تعرض السفلة من الرجال للنساء، وحدثت وقائع تدل على أن سلطان الدين أصبح ضعيف الأثر في نفوس هؤلاء وهؤلاء، فقد أخذت واقعة خروج المرأة إلى المسجد حالاً غير الحال التي كانت عليه في زمن النبوة، وانضم إلى مصلحة خروجها مفسدة، فللمجتهد أن ينظر في هذه المفسدة، ويقيسها بالمصلحة؛ ليعلم أيهما أرجح وزناً، ثم يرجع بالواقعة إلى أصول الشريعة، ويستنبط لها حكماً يراعي فيه حالتها الطارئة.
وربما نظر الفقيه في مثل هذه نظرة مستعجل، فيخطئ المرمى، وهذا ما جرى لمروان بن الحكم حين قدّم خطبة العيد على الصلاة؛ نظراً إلى أن الناس كانوا في عهد النبوة والخلافة الرشيدة يجلسون بعد صلاة العيد لسماع الخطبة، فلم يكن في تقديم الصلاة على الخطبة من بأس، ولكنهم
(4/ 1/26)

صاروا بعد ذلك العهد يكتفون بالصلاة، ويدعون سماع الخطبة، كما قال مروان معتذرًا لأبي سعيد الخدري: "إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة". وقد خالفه الصحابة والأئمة من بعدهم في ترك هذه السنّة؛ لأنهم رأوا أن هذا تصرف في أمر من قبيل العبادات التي يجب أن تقام كما وردت عن الشارع، على أن مفسدة خروج الناس قبل سماع الخطبة يمكن درؤها بوعظهم وإرشادهم إلى البقاء بالمسجد حتى انتهائها، وقد حضرت صلاة العيد في السنة الماضية بأحد المساجد الكبيرة في القاهرة، فوقف الإِمام قبل الصلاة، وذكر الحاضرين بعدم الخروج قبل انقضاء الخطبة، فامتثلوا.
فالتفقه في الكتاب والسنّة على النحو الذي يحفظ الحقوق، ويسير بالأمة في أهدى سبل المدنية إنما يستطيعه من امتلاً بعلوم القرآن والحديث، وخاض في حكمة التشريع، وعرف مقاصد الشارع، وقدر المصالح والمفاسد بميزانها الصحيح.
(4/ 1/27)

الأصول النظرية الشرعية
لم يختلف المسلمون في أن الشريعة الإِسلامية نزلت لتقرير أحكام الوقائع، فلا واقعة إلا لها مدلول عليه بالنص، أو بأصل من الأصول المستمدة من النصوص.
أما الأحكام المستفادة من النصوص، فهي الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنّة؛ كتحريم الميسر، ومنع القاضي من أن يقضي وهو غضبان، وجواز الشفعة للشريك. وقد أريناك بوجه عام أن كل ما قرره الشارع من أحكام مفصلة هو دائر بين حفظ المصالح ودرء المفاسد. وسنتناول بإذن الله تعالى القول في هذه الأحكام بتفصيل كما اقتضى المقام بيانها.
وأما الأحكام المدلول عليها بأصول عامة، فيستبين أمرها بالنظر في هذه الأصول، وهو ما أزمعنا البحث عنه منذ الآن. وسترى من هذه الأصول كيف تيسر للشريعة أن لا تدع واقعة من غير حكم، وكيف تتحرى بالأمة أرشد طرق المدنية، وأعدل نظم القضاء. واحتواء الشريعة على أصول عامة، وتناول الأصول لما لا يتناهى من الوقائع مما يزيدنا تفقهًا في قوله -عليه الصلاة والسلام -: "بعثت بجوامع الكلم"، ويضع في أيدينا معجزة ما زال كثير من الناس عنها في غطاء، وهي شريعة سمحة حكيمة تتناول كل ما يمكن تصوره من الحوادث على تباعد المواطن واختلاف الأجيال. وما جاءت على هذا
(4/ 1/28)

النحو إلا لأن رسالة المبعوث بها عامة؛ كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبا: 28].
ونحن نعلم أن الألفاظ وضعت للدلالة على ما في النفس، فمتى أتى المتكلم بلفظ شأنه أن يدل على ما في نفسه، وششبين منه المخاطبون قصده، وقف عنده، سواء كانت دلالته بالمنطوق، أو المفهوم، أو بمقتضى المعنى، أو بقرينة حال، أو عادة مطردة.
ويكفي في الخطاب الموجه إلى الناس كافة أن يفهمه القوم المستنيرون منهم، وهم الذين يبلّغون سائر الطبقات ما فيه من أحكام وحكمة. وإذا كان هذا شأن المتكلم بلغة العرب، بل شأن المتكلمين بألسنة غيرها فيما يظهر، فمن حكمة الشريعة العامة الخالدة أن تسلكه في إرشادها، وفيما تسنّه من أحكام لا تنقضي وقائعها.
والأصول التي نريد البحث عنها في هذا المقام هي: القياس، والاستصحاب، ومراعاة العرف، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والاستحسان:
* القياس:
حقق علماء الإِسلام أن لكل حكم شرعي حكمة تلائم شرعه، ومرجع الحكمة إلى رعاية المصالح والمفاسد، وقد قرر المحققون؛ كأبي إسحاق الشاطبي، وغيره: أن أحكامه تعالى معللة بمصالح العباد، وهذا معروف باستقراء موارد الشريعة؛ كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]. وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ
(4/ 1/29)

وَطَرًا} [الأحزاب: 37] وقوله - صلى الله عليه وسلم - في وجه طهارة الهرة: "إنها هي من الطوافين عليكم والطوافات"، وقوله في وجه منع بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟! ".
وإذا كانت الأحكام المنصوص عليها قائمة على رعاية المصالح، فإذا قرر الشارع للواقعة حكماً، ونبَّه في الآية أوالحديث على وجه المصلحة المناسبة لتقريره، أو كان ذلك الوجه ظاهراً ظهوراً لا تحوم عليه شبهة، صحَّ للمجتهد أن يعمد إلى كل واقعة تحقق فيها ذلك الوجه من المصلحة، ويسوِّي بينها وبين الواقعة المنصوص عليها فيما علّقه عليها الشارع من حكم، وذلك ما نسميه بالقياس.
فالقياس: أن يعمد المجتهد إلى حكم أمر معلوم، فيثبته لأمر آخر؛ لاشتراك الأمرين في علة الحكم. ومثال هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتناجى اثنان دون واحد"، وعلة هذا النهي: أن الاثنين إذا تناجيا دون رفيقهما، قد يقع في نفسه أن حديثهما في شأنه، ويحدث له من الظنون ما يكدر صفو الإخاء بينهم. وللفقيه متى اطمأن إلى هذه العلة أن يقرر حرمة محادثة اثنين بلسان لا يعرفه الثالث متى كانا يحسنان لساناً لا يعرفه رفيقهما؛ لأن علة النهي متحققة في هذه الصورة تحققها في المناجاة.
فأي عالم يتلو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِوَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، ولا يفهم أن علة الأمر بترك البيع عند النداء للصلاة كونه شاغلاً عن أدائها؟ وهذه العلة موجودة في غير البيع؛ نحو: الإجارة بلا فارق، فيصح إلحاقها بالبيع في منعها عند النداء لصلاة الجمعة.
(4/ 1/30)

وأي عالم يسمع قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض"، ولا يفهم أن علة النهي: ما يحدثه هذا البيع من التقاطع والعداء، ثم ينتقل بوسيلة العلة إلى حرمة استئجاره على إجارته؟
وإنما جعلنا القياس في صدر البحث من نوع دلالة اللفظ بالمعقول؛ لأن اللفظ إذا دل بمقتضى وضعه على حكم واقعة، وعرفت علة الحكم؛ فإن العقل متى وجد هذه العلة متحققة في واقعة أخرى، أدرك أن حكمها حكم الأولى، نظراً إلى أن الشارع يسوّي بين الواقعتين حيث اشتركتا في الوصف المؤثر في الحكم، وتماثلتا فيه من كل وجه.
فالقياس أصل من أصول الشريعة، وبه اتسع نطاقها، وصارت تتناول من الوقائع مالا يتناهى.
قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يستغني أحد عن القياس.
وقال إبراهيم النخعي: ما كل شيء نسأل عنه نحفظه، ولكنَّا نعرف الشيء بالشيء، ونقيس الشيء بالشيء.
وقال الشعبيّ: إنا نأخذ في زكاة البقر فيما زاد على الأربعين بالمقاييس.
وقال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل.
وقال ابن عقيل الحنبلي: قد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعمال القياس، وهو قطعي.
وحقق أبو إسحاق الشاطبي أن أصل العادات (1) الالتفات إلى المعنى؛
__________
(1) يعني بالعادات: ما سوى العبادات.
(4/ 1/31)

أي: إنها معقولة الحكمة، واستدل على هذا بامرين:
أحدهما: الاستقراء، فقال: إنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيثما دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كانت فيه مصلحة جاز.
ثانيهما: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات، وأكثر ما علل بالمناسب الذي إذا عرض على المعقول، تلقته بالقبول، ثم قال: ففهمنا من ذلك: أن الشارع قصد منها اتباع المعاني، لا الوقوف على النصوص.
جرى العمل بالقياس لعهد الصحابة - رضي الله عنهم -، ثم التابعين، وظهر العمل عليه في العراق لعهد الإِمام أبي حنيفة وأصحابه أكثر من ظهوره في الحجاز، فاستكثروا منه، وبرعوا فيه، وما زال الناس يأخذون بالقياس إذا لم يجدوا في الواقعة نصاً، حتى جاء إبراهيم بن سيار النظام المتوفى سنة 221، فأحدث القول بإنكار القياس زاعماً الاستغناء عنه بالنظر إلى ما يدعونه من وصف الفعل بالحسن أو القبح الذاتيين.
قال أبو القاسم عبيد بن عمر في كتاب "القياس": ما علمت أن أحداً من البصريين ولا غيرهم ممن له نباهة سبق إبراهيم بن سيار النظام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد، ولم يلتفت إليه الجمهور، وممن خالفه في ذلك فريق من زعماء المعتزلة؛ كأبي الهذيل، وبشر بن المعتمر، وبشر المريسي.
وظهر بعد هذا داود بن علي الأصبهاني المتوفى سنة 270، ونشأ بظهوره مذهب الظاهرية، وروي عنه: أنه كان ينكر القياس، إلا أن يكون جلياً، وهو ما يكون المقيس فيه أولى بالحكم من المقيس عليه؛ كتحريم ضرب الوالدين
(4/ 1/32)

قياسًا على التأفيف الثابتة حرمته في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]. أو مساويًا؛ كحرمة إتلاف مال اليتيم باللبس قياسًا على أكله الثابتة حرمته بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]. وهذان النوعان يسميهما الأصوليون: مفهوم الموافقة. وأجاز بعضهم القياس الذي وقع النص على علته خاصة، وأنكروا ما كانت علته مستنبطة.
وجاء بعد هؤلاء أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456، فوقف في جمود، وأنكر أن تكون أحكام الشريعة معللة، وبنى على هذا الرأي الجامد. إنكار القياس جملة، ولم يفرق بين جليّ وخفيّ، وبين ما كانت علته منصوصة، وما كانت علته مستنبطة، قال في كتابه "الأحكام": ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القياس جملة، وهو الذي ندين الله به، والقول بالعلل باطل" وقال: "لا يشرع الله شيئاً من الأحكام لعلة أصلًا، فإذا نص الله تعالى، أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أن أمر كذا بسبب كذا، أو من أجل كذا، أو لأنه كان كذا، فعندي أنه جعل ذلك سبباً للشيء في ذلك الموضع خاصة، ولا توجب تلك الأسباب شيئاً من تلك الأحكام في غير تلك المواضع البتة" وأغلظ القول على القائلين بالقياس، وحمل عليهم حملة جافية.
والناظر في الشريعة بتدبر، القائم على سير الأئمة المجتهدين بيقظة، يدرك أن ابن حزم سار في غير سبيل، واعتمد على غير دليل.
تحدث أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة" عن طائفة الظاهرية، وقال: وغُرّ بهم رجل كان عندنا يقال له: ابن حزم، انتدب لإبطال النظر، وسدِّ سبل العبر، ونسب نفسه إلى الظاهر اقتداءً بداود وأشياعه، واعتمد
(4/ 1/33)

الرد على الحق نظمًا ونثراً.
ثم أورد القاضي أبو بكر أبياتاً في الرد عليه، ومما يقول في الأبيات:
إنَّ الظواهر معدودُ مواقعها ... فكيف تحصي بيانَ الحكم في البشر
فالظاهريةُ في بطلانِ قولهم ... كالباطنية غير الفرق في الصور
كلاهما هادم للدين من جهة ... والمقطع العدل موقوف على النظر
هذي الصحابة تستمري خواطرها ... ولا تخاف عليها غرة الخطر
وتعمل الرأي مضبوطاً مآخذه ... وتخرج الحق محفوظاً من الأثر
بالغ ابن حزم في إنكار القياس وجحوده أن تكون أحكام الشريعة معللة، وادعى أن نصوص الشريعة وافية بكل ما يحتاج إليه من أحكام، وقد خرج بهذه النزعة عن طريقة السلف، ولم يرتضها منه المحققون من الخلف، وجمهور أهل العلم يتمسكون بأصل القياس، وإن كانوا يختلفون في بعض ضروبه، وهؤلاء اختلفوا في تقدير الأحكام المستفادة من النصوص، فمنهم من يراها قليلة بالنسبة لما يؤخذ من طريق الأقيسة، حتى قال إمام الحرمين: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، وسائرها مأخوذ من طريق القياس.
وقال قوم منهم ابن تيمية: إن النصوص وافية بمعظم أحكام العباد، والبقية مشروعة على طريق القياس.
وقد يكون اختلافهم في هذا التقرير راجعاً إلى اختلافهم في فهم النصوص، وفيما تتناول من معان، فبعضهم لا يتعدى في تفسير اللفظ صورة واحدة، وغيره يذهب في تأويله إلى معنى واسع، ويجعله شاملاً لصور شتى، فالخمر المحرّمة بالكتاب - مثلاً - يحملها بعضهم على عصير العنب خاصة، وعليه فما لا يكون من عصير العنب من المسكرات، يرجع في حرمته إلى
(4/ 1/34)

دليل آخر؛ كالقياس.
ويذهب آخرون إلى أن الخمر في القرآن يتناول كل مسكر، واستدلوا على هذا بحديث مسلم: "كل مسكر خمر"، فعلم من الحديث أن لفظ الخمر لم يكن مخصوصًا بعصير العنب، فيكون المسكر من غير عصير العنب محرمًا بنص الآية، سواء أكان، الحديث مبيناً لمعنى الخمر لغة، أم مبيناً له على مقتضى عرف الشارع، فإن الشارع يتصرف اللغة، ومن تصرفاته فيها: أن يستعمل اللفظ فيما هو أعمّ من معناه؛ كما يستعمله فيما هو أخص منه.
ونحن لا ننكر أن من أنصار القياس من أوردوا في الاستدلال على صحته ما يقصر عن أن يفيد علماً، أو يكسب ظنًا، كما أن منكري القياس ساقوا آيات واَثارًا تعسفوا في جعلها أدلة على بطلانه، وإنما يقصد بتلك الآيات والآثار: الآراء التي لا تستند إلى علم، والأقيسة التي تتكئ على غير أصل؛ كقياس الذين قالوا: "إنما البيع مثل الربا"،
وأما القياس بمعنى: الحكم على الشيء بحكم نظيره الموافق له في المعنى، المقتضي للحكم بدون فارق، فذلك ما لا يختلف أولو الألباب في صحته.
قال ابن قيِّم الجوزية: وهل يستريب عاقل في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين إنعام النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع، والظمأ الشديد، وشغل القلب
(4/ 1/35)

المانع من اللهم، فقد قلَّ فقهه وفهمه.
فالقياس أصل في الشريعة أصيل، وإذا تعرض له نفر بعقول غير راجحة، أو بقلوب غير عامرة بالتقوى، فابتغوه وسيلة إلى أحكام تتبرأ منها الشريعة، فقد بليت النصوص - وهي حقائق كالصبح إذا أسفر - بامثال هؤلاء، فخرجوا بها عن مقتضى الحكمة والبلاغة، وجاؤوا في تأويلها بما يشاكل عقولهم، ويرضي شهواتهم.
قال الإِمام الشافعي - رضي الله عنه -: "ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالماً بما مضى قبله من السنن, وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ويكون صحيح العقل، حتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأن له في ذلك تنبيهاً على غفلة ربما كانت منه، أو تنبيهاً على فضل ما اعتقد من الصواب".
* الاستصحاب:
يجد الإنسان في نفسه أنه إذا تحقق عدم شيء أو وجوده، كان على ظن من استمرار ذلك الشيء على ما تحقق فيه من عدم أو وجود، ويبني على ذلك الظن أعمالاً ليس من شأنه أن يفعلها في حال ما إذا كان في شك من استمرار الشيء على العلم أو الوجود، فإذا ناقش أحد في مراسلة الشخص ممن عرف وجوده، وزعم أن مثل هذه المراسلة يكفي فيها أن يكون على شك من استمرار وجوده، فإنه لا يستطيع أن يناقش في أن من اشترى حيواناً غائبًا - مثلاً - كان قد رآه من قبل، ودفع ثمنه، أنه اعتمد على ظن استمرار حياته، ولا يستطيع أن يناقش في أن من اقتحم بصبيته مفازة مغبرَّة الأرجاء، دون أن يحمل معه ماءً كافياً، إنما اعتمد على ظنّه بقاء ما عرفه فيها من آبار
(4/ 1/36)

نابعة. ولولا ما يغلب على ظن الأب العطوف من حياة ابنه الغائب في سفر، لما كان يبيت إلا في قلق وحيرة. وإنك لتجلس إلى الإنسان العاقل، وتسأله عن شخص عرف أحواله، ثم انقطع عنه شهرًا أو سنة، فيتحدث عنها بكلام من لا يشك في أنها واقعة في الحال، فيقول: هو موسر، أو بائس، له ولد، أو لا ولد له، وبينه وبين فلان عداوة أو صداقة.
وظنُّ الإنسان لاستمرار ما تحقق عدمه أو وجوده، منبّه إلى أن الأصل في عدم الشيء أو وجوده الاستمرار حتى يقوم الشاهد على انقطاعه، وهذا الأصل مما نظر إليه الفقهاء عند تقرير الأصل الذي يسمونه: (الاستصحاب). الاستصحاب: أصل من أصول الشريعة التي تجعل العلماء في فسحة، وتخلصهم من مواقف الحيرة، وهو أصل متفق على العمل به في الجملة، وإن اختلفوا في بعض ضروبه.
قال القرطبي: "القول باستصحاب لازم لكل أحد؛ لأنه أصل تنبني عليه النبوة والشريعة، فإن لم نقل باستمرار حال تلك الأدلة، لم يحصل العلم بشيء من تلك الأمور".
واستمرار حال أدلة النبوة والشريعة من الاستصحاب الذي لا يختلف العقلاء في صحته، ولا يتطرق إليه الريب في حال.
ونحن لا نقصد في هذا المقام إلى بسط القول بذكر مذاهب الفقهاء في الاستصحاب، وتقرير أدلتها، فموضع ذلك كتب الأصول، والقصد أن نتحدث عنه بمقدار ما يستبين القارئ حقيقة أصل من الأصول التي جعلت مجال الاجتهاد فسيحًا، وطريق الفتوى ممهدة، ولا تنجلي حقيقته إلا ببيان أقسامه، وضرب المثل لكل قسم منها، وذلك ما نتحرَّاه في هذا المقال:
(4/ 1/37)

الاستصحاب: ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى، فالأمر الذي علم وجوده، ثم طرأ الشك في عدمه، فالأصل بقاؤه، والأمر الذي علم عدمه، ثم عرض الشك في وجوده، فالأصل استمراره في حال العلم، فمن تزوج فتاة على أنها بكر، ثم ادعى بعد البناء بها أنه وجدها ثيبًا، لم تقبل دعواه إلَّا ببينة؛ لأن حال البكارة ثابت من حين نشأتها، فيستصحب إلى حين البناء حتى تقوم على عدمه البينة. ومن اشترى طائراً أو كلباً على أنه يحسن الصيادة، وادعى بعدُ أنه وجده غير متعلم لها، سُمعت دعواه هذه، إلا أن تدفع ببينة؛ لأن حال الحيوان في الأصل عدم معرفة الصيادة حتى يعلَّمها، فإذا وقع فيها تردد، استصحب الأصل حتى يقوم الشاهد على ثبوتها.
والاستصحاب كسائر الأصول التي يستخلصها المجتهد من استقراء جزئيات كثيرة من موارد الشريعة، ويرجع بمقتضى ما ذكره علماء الأصول إلى أربعة أقسام:
أحدها: استصحاب ما هو حكم الأشياء في الأصل حتى يقوم الدليل على ما يخالفه، وبيان هذا: أن كثيراً من أئمة الشريعة ذهبوا إلى أن الأشياء في الأصل خالية من الحكم؛ أي: أنها لا توصف بشيء من الأحكام الشرعية من الوجوب والحرمة، والندب والكراهة والإباحة، ومقتضى هذا: رفع الحرج والإثم عن الفعل والترك، ورجَّح فريق أنها على الإباحة. ومآل القولين واحد، فإن الحرج في الفعل والترك مرفوع على كلا المذهبين، وإنما يمتاز مذهب الإباحة بأنه صريح في التخيير، أما مذهب انتفاء الأحكام، فغايته رفع الحرج، ورفع الحرج لا يستلزم التخيير في الأمر، لاحتمال أن يكون مكروهاً.
(4/ 1/38)

ورأى آخرون أنها على المنع. وأدلة هذه المذاهب مبسوطة كما ذكرنا في كتب الأصول.
وتظهر فائدة الخلاف في الأشياء التي لا يجد المجتهد على حكمها من دليل.
أو الأشياء التي تتعارض عندها الأدلة، ولا يبدو له في جانب أحدها وجه من الترجيح.
فهذه الأشياء يرجع بها كل فريق من أصحاب هذه المذاهب إلى استصحاب ما يراه أصلًا للأشياء، فهذا يستصحب فيها انتفاء الحكم، فتلحق بما لا حرج فيه، وذاك يستصحب فيها الإباحة، فتكون من قبيل المخير في فعله وتركه، والآخر يستصحب فيها المنع، فتدخل فيما لا يجوز الإقدام عليه.
وقد يسبق إلى ظنك أن القول بانتفاء الأحكام واستصحاب هذا الانتفاء فيما لا يطلع له المجتهد على حكم، يجعل بعض الأفعال خالية من أحكام الشريعة، فيدفع هذا الظن بأن المجتهد يصل به الدليل المعتدّ به في نظر الشارع إلى أن ما لا يجد له حكماً في نص أو قياس، يستصحب الأصل الذي هو انتفاء الأحكام الخمسة المقتضي رفع الحرج، فيرجع إلى أن حكم الشارع فيه رفع الحرج في الفعل والترك.
هذا: وقد اختار كثير من المحققين أن الأصل في الأشياء الإباحة، فهي على التخيير حتى ينهض الدليل على ما سواه من كراهة أو حرمة، أو ندب أو وجوب، فإذا عرض لهؤلاء، أو للقائلين بأن الأصل انتفاء الأحكام أمر، اجتهدوا في تعرف حكمه من الأدلة السمعية أو القياس، فإن لم يظفروا
(4/ 1/39)

به هنالك، استصحب الأولون فيه الإباحة، واستصحب الآخرون رفع الحرج والإثم. ومقتضى هذا الأصل أن كل ما يوجد في هذا الكون من جماد أو نبات أو حيوان، ولم يرد في الشرع ما يقتضي النهي عن تناوله واستعماله،
يكون من قبيل المأذون فيه.
ذلك ضرب من الاستصحاب.
وهنا ضرب آخر، وهو استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته؛ كملك الأرض أو البضاعة عند تحقق القول المقتضي له، وحلِّ النكاح بعد امتلاك العصمة، وشغل الذمة عند التزام مال أو إتلافه، فإذا عرض شك في الملك، أو حل النكاح، أو شغل الذمة، ألغي الشك، وقضي باستمرار الملك حتى تقوم البينة على نفيه، وببقاء العصمة حتى يعلم انقطاعها، وببقاء الذمة مشغولة بما التزمت، وقيمة ما أتلفت حتى تثبت براءتها بإقرار أو بينة.
والقضاء ببقاء الملك أو العصمة أو شغل الذمة، مع عروض الشك فيها، يستند إلى استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته قبل حال الشك، فصار بعد حال الشك بمنزلة المعلوم. ولم يختلف أهل العلم في العمل بهذا الضرب من الاستصحاب إلا أن يقوم تجاهه ما يراه المجتهد أقرب دلالة، وأظهر حكماً.
ذانك ضربان من الاستصحاب.
وهنا ضرب ثالث، وهو استصحاب العلم الأصلي؛ كأن يدعي الشريك أو المضارب أن المال لم ينتج عنه ربح، فتقبل دعواه استصحابًا للأصل الذي هو عدم الربح، إلا أن يثبت الربح ببينة. ومن مُثله: أن يشتري المضارب صنفًا من البضائع، فيدّعي صاحب المال أنه نهاه عن شراء هذا الصنف،
(4/ 1/40)

وينكر المضارب، فالقول للمضارب؛ استصحاباً للأصل الذي هو عدم النهي. وهذا الضرب من الاستصحاب لا يخالف في العمل به أحد من أهل العلم، إلا أن يصرفه عنه دليل أظهر منه وأقوى.
تلك ثلاثة أضرب من الاستصحاب.
وهنا ضرب رابع منه، وهو أن يعلم ثبوت أمر عقلي أو حسي بإحدى طرق العلم، ثم يقع الشك في زواله، فيستصحب بقاؤه، وتجري الأحكام على هذا الاستصحاب حتى يحصل العلم أو الظن بزواله، ومن أمثلته الدائرة: أن يفقد شخص، فيقوم بعض من شأنه أن يرثه مدعيًا وفاته مطالباً بقسم ما ترك من مال، فترد دعواه بأن حياة ذلك الشخص كانت قبل الفقد معلومة، فتستصحب فيما بعد حتى يقوم الشاهد بوفاته.
وهذا الضرب من الاستصحاب يعمل عليه كثير من أئمة الفقه، وخالف في حجيته أئمة آخرون، وذهبوا فيه مذاهب وسعتها كتب الأصول بحثاً واستدلالاً.
تلك أربعة أضرب من الاستصحاب.
وهنا ضرب خامس يسمى: استصحاب الإجماع، وهو أن يكون الأمر بحالة، ويتفق فيه على حكم، ثم يتغير إلى حالة أخرى، فيستصحب حكم الإجماع في الأمر بعد تغيره حتى يقوم الدليل على أن له حكماً غير ما انعقد عليه الإجماع.
والمثال الذي يوضحه: مناظرة جرت بين أبي سعبد البردعي، وداود الظاهري في بيع أم الولد، قال داود الظاهري: قد اتفقنا على جواز بيعها قبل العلوق بالحمل، فمن زعم أن بيعها بعد الولادة لا يجوز، فعليه الدليل.
(4/ 1/41)

فقال أبو سعيد: قد اتفقنا على منع بيعها حاملاً، فمن زعم أن بيعها بعد الوضع جائز فعليه الدليل. فسكت داود، ولم يحر جواباً، وهذا النوع من الاستصحاب قبله بعض أهل العلم وردَّ آخرون.
ذلك الاستصحاب، وتلك أقسامه، وقد استنبط الفقهاء استصحاباً آخر هو على عكس الأول، ويسمى: الاستصحاب المقلوب. وحقيقته: ثبوت أمر في الزمن السابق بناءً على ثبوته في الزمن الحاضر، وللمالكية فتاوى مبنية على رعايته؛ كمسألة الوقف الذي لا يدرى بعد البحث أصلُ مصرفه، وشرط واقفه، ولكنَّا نجده في الزمن الحاضر يصرف على حالة، إذ قالوا: إن هذه الحالة تستصحب فيما قبله، ويحمل على أن مصرفه في الأصل هكذا، وتكون الحالة التي يصرف عليها صحيحة حتى تقوم البينة على عدم مطابقتها لما صدر من الواقف. وكمسألة الزوج يغيب عن زوجته دون أن يترك لها نفقة، فتطالبه بما أنفقت في غيبته، فيدعي أنه كان في مدة الغيبة معسراً، وتدعي هي أنه كان موسراً، إذ قالوا: إنه ينظر إلى حال قدومه من عسر أو يسر، وتستصحب في زمان الغيبة، فإن قدم موسراً، عدّ في الغيبة ذا يسار، وقضي عليه بما تطلب الزوجة من النفقة. فها هنا ثبت أمر، وهو يسار الزوج في الزمن السابق، أعني: زمن الغيبة، بناء على ثبوته في الزمن الحاضر؛ أي: زمن قدومه، بالاستصحاب.
وإنما يعتمد المجتهد على الاستصحاب بجميع أقسامه بعد أن ينظر في الحادثة، ولا يجد لها حكماً في نص أو قياس.
قال الخوارزمي في كتاب "الكافي": "الاستصحاب آخر مدار الفتوى؛ فإن المفتي إذا سئل عن حادثة، يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنَّة، ثم
(4/ 1/42)

في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده، يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله، فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته، فالأصل عدم ثبوته".
هذا صفوة ما يقوله أهل العلم في الاستصحاب، وقد رأيته كيف يفتح للفقهاء طرقًا يصدرون بها الفتوى في يسر، وينفذون منها إلى فصل القضايا في سرعة، علاوة على ما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام، وأنه دين الفطرة الذي لا يشعر أولياؤه بحرج فيما شرع من أحكام.
* مراعاة العرف:
للعادات أثر كبير في شرع النظم والقوانين، فلا غنى للمشرع عن مراعاتها، قليلاً أو كثيراً، ولها قسط وافر من عناية واضعي القوانين في القديم والحديث، فأساس القانون الروماني عادات كانت تجري في مدينة رومة؛ وأساس القانون الإنكليزي عادات السكسون والنورمان الذين فتحوا بلاد إنكلترة.
وكذلك الشريعة الإِسلامية لم تقطع النظر عن العرف، وجعلت رعايته أصلاً من أصولها العامة على شروط نذكرها فيما بعد.
ومن القواعد التي تدور عليها أحكامها السمحة: "العادة المحكمة".
والعرف والعادة: ما يغلب على الناس من قول أو فعل أو ترك.
ومثال العرف القولي من باب الوقف: قول الفقهاء في حبس يقول صاحبه: "هو حبس على ولدي": إنَّه يدخل فيه البنات، إذا كان لفظ الولد يطلق على الذكر والأنثى في عرف بلد الواقف، أو لم يكن هناك عرف، أما إذا كان عرفهم إطلاقه على الذكر فقط، فإنه يختص بالذكور، ولا يدخل
(4/ 1/43)

فيه الإناث، وإن كان معنى الولد لغة يعم المصنفين.
ويراعى العرف القولي، وإن لم يوافق لغة العرب، أو ما جاء في لسان الشارع. وعلى هذا ينبني قول بعض أهل العلم فيمن حلف لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً: إنه لا يحنث؛ حيث إن السمك لا يسمّى في العرف لحماً، وإن سمي به في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12]. كما أن من حلف لا يجلس على بساط، لا يحنث بجلوسه على الأرض؛ لأنها لا تسمى في العرف بساطًا، وإن كان لفظ البساط يتناولها بمقتضى معناه في لسان العرب، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19].
يعتد بالعرف القولي متى كان عاماً لبلد أو قوم، وتحمل عليه ألفاظ المتكلمين من أهل تلك البلد بإطلاق، سواء في ذلك العقود والالتزامات، والأيمان والنذور، أما إذا كان العرف القولي خاصًا بالمتكلم دون قومه أو أهل بلده، حمل لفظه عند المالكية على عرفه الخاص في الأيمان والنذور والطلاق، أما العقود، فإنما يرجع فيها إلى العرف العام، أو الوضع اللغوي، إن لم يكن هناك عرف عام.
ومثال العرف الفعلي: الزوجان يختلفان في المهر بعد البناء، فيدعي الزوج أنه دفعه لها، وتنكر الزوجة ذلك، فقد قال الإِمام مالك: إن القول للزوج؛ لأن العرف بالمدينة كان جارياً بدفع المهر قبل الدخول. وتطَّرِد هذه الفتوى في كل بلد تجري فيه العادة بدفع المهر قبل البناء. ومن هذا القبيل مسألة الحيازة عند المالكية، فمن حاز عقاراً عشر سنين، ثم قام شخص يدعى استحقاق ذلك العقار، ولم يقم عذراً عن سكوته تلك المدة؛ بنحو غيبته عن البلد، أو عدم علمه بحيازة المدعى عليه للعقار، فإنه لا ينتفع بالبينة
(4/ 1/44)

التي تثبت له أصل الملك، ذلك لأن العرف جار على أن الرجل لا يشاهد غيره يتصرف في ملكه هذه المدة الطويلة، ويسكت عنه. وكذلك أفتى الإِمام المازري فيما إذا جرت عادة قوم بقدر الصداق، وعرفها المتعاقدان أن هذه العادة بمنزلة التسمية، ويحكم بذلك القدر المتعارف، ولا يكون النكاح من قبيل نكاح التفويض.
هذا هو الشأن في العرف الفعلي العام لقوم أو أهل بلد، أما العرف الفعلي الخاص بفرد، فقد حكى شهاب الدين القرافي: الإجماع على عدم الاعتداد به، فلا تخصص به العمومات، ولا تقيد به المطلقات. وأنكر عليه بعض الفقهاء المالكية حكاية الإجماع، وأوردوا مسائل في المذهب تدل على التخصيص بالعوائد الفعلية، وإن كانت خاصة. ومما ساقه بعضهم مثالاً لهذا الضرب من العرف: مسألة الرجل يوكَّل آخر على شراء ثوب، فيشتر له ما لا يناسب عادته أو عادة خدمه، فقد أفتوا بأن ما اشترى غير لازم للموكل، بل هو لازم للوكيل.
ومثال العرف الجاري بالترك: تسامح الناس في ثمر الغصن الخارج عن حدود البساتين، فمن وجد شيئاً منه واقعًا على الطريق - مثلاً -, ساغ له الانتفاع به دون توقف على الإذن الصريح من صاحبه؛ لأن أصحاب البساتين يتسامحون في مثله، ولا يتعرضون لمن يلتقطه.
والعرف ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقوم الدليل الخاص على اعتباره؛ كمراعاة الكفاءة في النكاح.
ثانيها: ما يقوم الدليل على نفيه؛ كعادة الجاهلية في التبرج، وطوافهم
(4/ 1/45)

بالبيت عراة، ومناصرة الأخ وإن كان ظالماً.
ثالثها: ما لم يقم دليل على اعتباره أو نفيه، وهذا موضع نظر المجتهدين، فيذهب كثير منهم إلى مراعاته، ويجعلونه أصلاً من أصول الشريعة يبنون عليه فتاوى وأحكاماً، وأكثر ما تجد هذه الفتاوى في كتب المالكية والحنفية والحنابلة.
وصلة العادة بالشريعة على وجهين:
أحدهما: أن يغلب على الناس أمر، فيقرره الشارع، ويجعله حكماً يقضي به عند الاختلاف. ومثال هذا من الشريعة الغرّاء: وضع الدية على العاقلة، ومراعاة الكفاءة في النكاح. والتحقيق: أن الشريعة العادلة لا تجعل نفس العادة قانونًا إلا أن تكون العادة معقولة صالحة.
ثانيهما: أن يغلب على الناس معنى، فيراعيه في تفصيل حكم الواقعة، حتى إذا تبدلوا بذلك المعنى عرفاً آخر، كان على المفتي إعادة النظر في الواقعة لتقرير حكم يراعى فيه العرف الطارئ، وهكذا يتجدد النظر في الواقعة ما تجددت العادات. ومثال هذا: أن يجري العرف في بضاعة بدفع ثمنها نقدًا، فإذا اشترى أحد شيئاً من هذه البضاعة، ووقع في حيازته، ثم قام البائع يدعي أنه لم يقبض ثمنها، وادعى المشتري أنه سلّم له الثمن حسب العادة الجارية، فأصل مراعاة العرف يقضي بأن يكون القول للمشتري مع اليمين متى عجز الباع عن إقامة البينة. فالحكم الذي بني على العرف في هذا المثال، وهو جعل القول للمشتري حيث صدّقه العرف حتى يكذبه البائع ببينة.
ومن أمثلته: أن العادة جارية في كثير من البلاد على أن الرجل يستودع
(4/ 1/46)

زوجته المال، فإذا سلم أحد إلى آخر وديعة، فوضعها عند زوجته، فضاعت منه، لا يكون ضامنًا لها، نظراً إلى هذا العرف، وكأن صاحب المال لعلمه بالعرضي إيداع الرجل لمال عند زوجته يعد راضياً بإيداع المال عند الزوجة، وإنما يضمن المودع إذا تصرف في الوديعة على وجه لا يرضى عنه صاحبها.
* هل يرعى العرف الفاسد؟
إذا جرى عرف الناس ببعض العقود الفاسدة - مثلاً -، فهل يراعى هذا العرف في بناء الأحكام، أو إنما تبنى الأحكام على العرف البخاري على وجه صحيح؟
ذهب كثير من فقهائنا إلى عدم مراعاة العرف الفاسد، وذهب آخرون إلى مراعاته. ومما ينبني على هذا: أن يجري عرف قوم ببعض العقود الفاسدة شرعاً، ويختلف المتعاملان، فيدعي أحدهما أن العقد وقع على الوجه الفاسد، يروم نقض البيع، ويدعي الآخر أنه وقع على الوجه الصحيح، فالقائلون بصحة مراعاة العرف الفاسد يرون العرف هنا شاهداً بصدق مدعي الفساد، فينقض البيع، إلا أن يقيم الآخر البينة على أن المعاملة جرت على وجهها الصحيح.
قال عبد المنعم بن الفرس في كتاب "أحكام القرآن": "وإذا تنازعا في بيع أو إجارة، وادعى أحدهما الصحة، والآخر الفساد، وكان الفساد الذي ادعاه جاريًا بين الناس، فالمشهور أن القول قول مدعي الصحة، ومن أصحاب مالك من يقول: القول عي الفساد، وتفسخ المعاملة".
والقائلون بمراعاة العرف الفاسد يثظرون إلى أن المعنى الذي اقتضى
(4/ 1/47)

جعل القول لمدعي الصحة فيما إذا جرى العرف على الصحة حاصل في العرف الفاسد، وهو غلبة معنى على الناس يقتضي غلبة الظن بصدق من اقترن هذا المعنى بدعواه.
وبمراعاة العرف في كثير من الأحكام صحّ أن تختلف أحكام بعض الوقائع باختلاف المكان والزمان؛ لأن العادة قد تجري في موطن دون آخر، وتطرأ في عصر، وتنقطع في عصر، ولا يعد اختلاف الأحكام باختلاف العادات اختلافاً في أصل خطاب الشارع، بل معنى هذا الاختلاف: أن العادات إذا اختلفت، اقتضت كل عادة حكماً يلائمها، فالواقعة إذا صحبتها عادة، اقتضت حكماً غير الحكم الذي تقتضيه عندما تقترن بغيرها من العادات، فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس في جماعة، كان للقاضي أن يعزر من استحق التعزير الخفيف بكشف رأسه في ملأ من الناس، فعمل من استحق التعزير قد اقترن بعادة استقباح كشف الرأس، فكان التعزير بكشف الرأس مجزئًا. وإذا لم يكن كشف الرأس في عادة قوم مستقبحاً، امتنع أن يكون طريقاً كافياً للتعزير، ولا بدّ للقاضي من اتخاذ طريق آخر يكون له وقع الألم في نفس المستحق للتعزير. فخطاب الشارع الذي تعلق بالواقعة المقتضية للتعزير حال صحبتها لعادة استقباح كشف الرأس، غيرُ الخطاب الذي يتعلق بواقعة مثلها تصاحب عادة عدم استقباح ذلك.
ولاختلاف الأحكام باختلاف العرف ترى فقهاء المذاهب لا يأخذون بفتاوى أئمتهم القائمة على رعاية العرف، متى تحققوا أن العرف قد تغير، وأن الواقعة أصبحت تستحق حكماً آخر غير ما قرره الأئمة من قبل، فلفقهاء المالكية؛ كأبي عبد الله بن عتاب، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي الوليد
(4/ 1/48)

ابن رشد، وأبي الأصبغ بن سهل، والقاضي ابن زرب - فتاوى عدلوا فيها عن المشهور في المذهب، وبنوها على رعاية العرف، وجرى باختيارهم عمل أهل القضاء والفتوى من بعدهم.
قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات - أيةً كانت - إضلال الذي الدين، وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين.
وكذلك ترى فقهاء الحنفية يخالفون ما نص عليه أبو حنيفة في مسائل بناها على عرف كان جاريًا في زمنه. وقالوا في وجه هذه المخالفة: إن أبا حنيفة لو كان في زمنهم، لما وسعه إلا أن يفتي بما أفتوا به. ولم يعدّوا التصرف في الأحكام القائمة على العرف خروجاً عن المذهب، وإنما هو الأخذ بأصل إمامهم الذي يقتضي الرجوع إلى العرف في الأحكام.
يراعى العرف في القضاء والفتوى، وليس للفقيه أن يفتي أو يقضي بما جرى به العرف المخالف لأصل من أصول الشريعة، إلا أن تدعو إلى ما جرى به العرف ضرورة، فيكون الحكم مبنيًا على مراعاة الضرورة، ويدخل في قبيل الرخصة التي يقررها الفقيه على سبيل الاجتهاد.
فشأن الفقيه أن ينظر في المعاملات المخالفة لأصل من أصول الشريعة، فإن وجدها ناشئة عن ضرورة، كان له أن يستثنيها من أصل المنع، ويجعل الضرورة علة استثنائها من ذلك الأصل. فإن كانت ناشئة عن جهالة، أو هوى غالب، فما له إلا أن يفتي بفسادها، ويعلم الناس وجه المعاملة الصحيحة. ولا يصح جعل ما يجري به العرف الفاسد أمراً مشروعاً، ويفتى بصحته دون
(4/ 1/49)

أن تدعو إليه ضرورة يحسن العارف بمقاصد الشريعة تقديرها.
قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب أحد علماء تونس في القرن الثامن: "وغلبة الفساد إنما هي من إهمال حملة الشريعة، ولو أنهم نقضوا عقود الفساد، لم يستمر الناس على الفساد".
وقال الأستاذ الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي في إحدى فتاويه: "والعرف المعتبر هو ما يخصص العام، ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب، ويبيح الحرام، فلا يقول به أحد من أهل الإِسلام".
فإذا أفتى بعض الفقهاء بصحة عقد مخالف لأصل شرعي، وظهر من عبارته أنه استند في إفتائه إلى جريان العرف بهذا العقد، فاعلم أن العبارة لم تفرغ في قالب التحقيق، أو أنه لم يزن الفتوى بقسطاس الشرع المستقيم.
وقد يذكر بعض الفقهاء العرف في سياق الاستدلال على جواز أمر، ويريدون ما كان جاريًا في عهد النبوة، أو بين أهل العلم، وليس الدليل في الحقيقة نفس العرف، وإنما هو إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو الإجماع الذي لا ينعقد إلا على دليل. ومثال هذا: أن الإِمام مالكاً خصّ قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] بغير ذوات الأقدار والشرف، وقال: لا يجب على الشريفة إرضاع ولدها؛ لأن العادة جارية بذلك. ولا يريد الإمام: أن مجرد جريان العرف يسوغ هذا التخصص، وإنما أراد: جريان العرف مع عدم إنكار أهل العلم من السلف، فيرجع إلى الاستدلال بالإجماع. وقال بعض أهل العلم: عدم إرضاع الشريفة لولدها عادة عربية، واستمر الأمر فيها بعد الإِسلام إلى زمن مالك - رضي الله عنه -. ومن هذا القبيل: اكتفاؤهم في صحة البيع بالمعاطاة مستندين إلى العادة. وقالوا: إن استمرار هذه العادة،
(4/ 1/50)

يشهد بصحة نقلها خلفاً عن السلف. ويغلب على الظن أنها كانت جارية في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1).
وقد نبه ابن السبكي على ما قلنا من أن العادة لا تخصص العام بنفسه، فقال في "جمع الجوامع": "والأصح أن العادة بترك بعض الأمور تخصيص إن أقرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو الإجماع".
هذا أصل من الأصول التي يستند إليها المفتي أو القاضي في تفصيل أحكام الحوادث، فتجيء صالحة عادلة. وبمثل هذا الأصل يعلم أن الشريعة الإِسلامية ملائمة لكل زمان ومكان. وليست كما يزعم خالي الذهن من تعاليمها أنها ضيقة المجال، فلا تقي بأحكام الحوادث، أو أنها قديمة العهد، فلا تحفظ مصالح ما تجدد من الأزمان.
* سد الذرائع:
من أعمال الإنسان أو أقواله ما يشتمل على المفسدة بنفسه؛ كالغصب يحرم الإنسان من الانتفاع بماله، وكالقذف يلوث عرض البريء، ويسقط مكانته من النفوس.
ومن الأعمال أو الأقوال ما لا تنشأ عنه المفسدة مباشرة، بل يكون وسيلة إلى عمل أو قول فيه مفسدة؛ كمناولة السكين لمن يسفك بها دمًا معصومًا، فالمناولة في نفسها عارية عن المفسدة، وإنما هي وسيلة إلى ما فيه المفسدة، وهو سفك الدم بغير حق، وكدلالة الظالم على مكان شخص بريء يريد الظالم أن يناله بأذى، فليس في نفس الدلالة مفسدة تقع بوقوعها، وإنما
__________
(1) البحر "المحيط للزركشي".
(4/ 1/51)

المفسدة فيما كانت الدلالة وسيلة إليه، وهو إصابة النفس البريئة بالأذى. ويدلّك على أن مثل مناولة السكين، ودلالة الظالم على مكان البريء لا تحمل في نفسها مفسدة: أنها توجد في بعض الأحيان دون أن ينشأ عنها في الخارج فساد؛ كأن يقوم مانع من استعمال السكين في معصوم الدم، أو ينصرف الظالم عن أذية من دُلَّ على مكانه. وتخلف المفسدة عن الوسيلة لعارض لا يرفع الإثم عن فاعلها؛ لأن الإثم منوط بفعل الوسيلة، مع العلم بما شأنها أن تفضي إليه من فساد.
ومن حكمة التشريع الإِسلامي: أنه لم يقصر النظر على ما يحتوى المفسدة بنفسه، بل وجّة نظره إلى وسائل ما فيه المفسدة، فمنعها. والنصوص الواردة في الكتاب والسنّة للنهي عن وسائل ما تقع المفسدة بوقوعه غير قليلة. ومن شواهد هذا: قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)} [النور: 30]، فالأمر بغض البصر من ناحية أن النظر يثير الهوى، والهوى يدفع إلى ارتكاب مفسدة هتك الأعراض، واختلاط الأنساب.
ومن هذه الشواهد: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] منع المسلمين من أن يقولوا: {رَاعِنَا}، مع قصدهم إلى طلب الرعاية؛ سدًا لباب كان اليهود يدخلون منه إلى سب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ يستعملون هذه الكلمة، ولا يقصدون منها طلب الرعاية، وإنما يقصدون بها معنى اسم الفاعل المأخوذ من الرعونة.
ومن هذا الباب: قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]؛ فقد نهى عن سب معبودات المشركين
(4/ 1/52)

وهم يسمعون، وأشار إلى أن وجه النهي عن هذا السب: إفضاؤه إلى ما فيه المفسدة، وهو إطلاق ألسنتهم بسب الله تعالى. ويضاهي هذا الشاهد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"؛ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه" (1)، فجعل الرجل شاتمًا لوالديه، ولم يصدر منه شتمهما، وإنما تعاطى وسيلة هذا الشتم؛ وهو شتمه لأبي الرجل الأجنبي أو أمه، فدل على أن فاعل الوسيلة بمنزلة فاعل ما يتبعها.
وفي الشريعة أحكام كثيرة تقوم على إعطاء الوسائل حكم ما من شأنه أن يوجد بعدها من ضروب الفساد، تراها قد منعت نكاح المرأة قبل أن تنقضي عدتها؛ حذرًا من اختلاط الأنساب، ثم منعت خطبة المعتدة باللفظ الصريح؛ لأنها تفضي إلى تسرع المعتدة بالإجابة، وادعاء انقضاء العدة قبل انتهاء أجلها، وقبول الهدية مأذون فيه، ولكنه يحرم على المقرض قبول هدية من المفترض كراهة أن تتخذ الهدية طريقاً للربا. وكذلك القاضي لا يجوز له قبول الهدية؛ حذراً من أن تتخذ وسيلة لموبقة الارتشاء. قال ربيعة: "إياك والهدية؛ فإنها ذريعة الرشوة".
وإذا أقبل القاضي على أحد الخصمين دون الآخر، وبشّ في وجهه، انكسر قلب خصمه، وضعف بيانه عن إقامة الحجة، فيضيع حقه. فيحرم هذا الإقبال؛ لأنه وسيلة إلى ضعف البيان الذي هو سبب ضياع كثير من الحقوق.
وقد تلقى تبعة الضمان على فاعل الوسيلة إذا أفضت إلى ما فيه المفسدة؛ كربّان السفينة يخرج في تصريفها عن المعتاد، ويسير بها في خطر، وهو قادر
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/53)

على اجتنابه، فإنه يضمن ما يضيع بغرقها من الأموال والنفوس، وإن لم يقصد إلى إغراقها. وجاء في فتاوى علمائنا: أن من حفر بئرًا في طريق شخص قاصداً هلاكه، فوقع فمات، كان جزاؤه القصاص.
ولا تختص الذرائع التي يجب سدها بالأفعال، بل يعد في قبيلها ترك الأفعال التي تحمى بها نفوس أو أموال. فمن وجد رضيعاً بمكان خال، وتركه بحاله، وهو قادر على إنقاذه، عالم بأن تركه يفضي إلى موته، فمات، عُدّ تركه للطفل في موقع التهلكة جريمة؛ إذ كان من وسائل الفساد التي يجب سدها، ومعاقبة من يرتكبها.
وجاء في فتاوى الفقهاء: أن من منع فضل مائه مسافراً، وهو عالم أنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه، فمات، حقت عليه عقوبة القصاص. وكذلك الحارس ينام اختياراً في غير الوقت الذي اعتاد فيه النوم، فيضيع شيء مما أقيم لحراسته، فإنه يضمن ما ضاع، وليس نومه إلا تركاً للحراسة، وكان هذا الترك وسيلة إلى ضياع المال.
لم يختلف العلماء في أن سد الذرائع من أصول الشريعة، وإنما يختلفون في بعض الفروع، يذهب بها بعضهم نحو سد الذرائع، ويرجع بها آخرون إلى أصل غير هذا الأصل.
قال أبو إسحاق الشاطبي: "إن سد الذرائع أصل شرعي قطعي متفق عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله، وقد عمل به السلف بناء على ما تكرر من التواتر المعنوي في نوازل متعددة دلت على عمومات معنوية، وإن كانت النوازل خاصة، ولكنها كثيرة". يريد الشاطبي: أن السلف جروا في تفصيل بعض الأحكام على أصل سد الذرائع. ومستندهم في تحقيق هذا
(4/ 1/54)

الأصل: ما ورد في الكتاب والسنّة من الأحكام- العائدة إلى هذا الأصل، وهذه الأحكام وإن كان كل واحد منها متعلقًا بنازلة خاصة - قد بلغت من الكثرة مبلغ ما يدل على قصد الشارع إلى سد ذرائع الفساد، فتكون هذه الأحكام الكثيرة بمنزلة قول عام يرد في القرآن أو السنّة مصرحاً ببناء الأحكام على سد الذرائع.
والذرائع ثلاثة أقسام:
أحدها: ما أجمع العلماء على سدِّه، وهي الوسيلة التي تفضي إلى ما فيه مفسدة على وجه القطع، أو الظن القريب منه؛ كإلقاء السموم في الأطعمة، وحفر الآبار في الطرق. فإلقاء السم في الطعام يفضي على وجه القطع أو الظن القريب منه إلى موت من يتناول الطعام، كما أن حفر الآبار في الطرق يفضي إلى وقوع السائرين بها في غفلة أو ظلام.
ومن هذا القسم: صنع الخمر، والاتجار بها؛ فإنه يفضي إلى مفسدة تعاطي شربها قطعاً أو ظناً غالباً، ويدلكم على وجوب سد هذه الوسائل: حديث أنس فيما رواه الترمذي: "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها"
وللحاكم المسلم أن يمنع بمقتضى هذا من زرع المخدرات، والاتجار بها ويضع على ذلك عقوبة رادعة.
ثانيها: ما أجمعوا على إلغائه، وعدم الالتفات إليه، وهي الوسائل التي يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً، ومثال هذا: زرع العنب؛ فإنه يكون وسيلة إلى اتخاذ الخمر وتناولها شرباً، ولكن هذه المفسدة نادرة بالنسبة
(4/ 1/55)

إلى الانتفاع بالعنب من حيث إنه ثمرة طيبة، فلا تمتد الحرمة من تعاطي الخمر إلى وسيلته التي هي زرع العنب، بل تبقى منوطة بنحو تحويله إلى خمر، أو تعاطي ما أسكر من عصيره.
وقد يكون اتخاذ الخمر من العنب في بعض البلاد كثيراً، ولا تقتضي هذه الكثرة المنع من زرع العنب؛ فإن في هذا المنع حرمانًا للناس من منافعه الطيبة، وقد جعل الشارع لموبقة الخمر عقوبة، متى تولى القيام عليها حازم رشيد، طهرت البلاد من خبث المسكرات، وباهت سائر البلاد برجال لا يخالط عقولهم كدر، ولا يمس نشاطهم كسل، ولا يدنو من جِدِّهم هزل.
وإذا فرض أن أمة تبلغ في السفاهة أن يكون اتخاذ الخمر هو الغالب على أعنابها؛ بحيث يكون انتفاعها من العنب في غير هذا الوجه نادرًا، كان للعارف بأصول الشريعة وسياستها النظر في هذه الحالة؛ ليقرر لها حكماً مطابقاً لها.
وفي صناعة الطب مصلحة الشفاء من أمراض كثيرة، وقد تكون المداواة وسيلة إلى إتلاف بعض النفوس، وهذه الحالة نادرة بالنسبة إلى ما تفضي إليه من الصحة والسلامة، فتلغى الحالة النادرة، وتبقى المداواة مأذوناً فيها بإطلاق، وليس على الطبيب ضمان ما أتلف، إلا أن يتبين تفريطه، وعدم نصحه في العلاج.
وفي تسيير السفن في البحر منافع لا تحصى، وقد يفضي تسيير السفينة إلى غرقها، وهلاك ركابها, ولكن الغرق نادر بالنظر إلى السلامة، فتلغى الحالة النادرة، ويبقى تسيير السفن مأذوناً فيه بإطلاق، وليس على ربّان السفينة
(4/ 1/56)

متى غرقت من ضمان؛ إلا أن يتصرف فيها على وجه يتبين فيه تفريطه.
ويلحق بهذا الضرب اتخاذ السيارات والطيارات والغواصات، فإنه قد ينشأ عن استعمال هذه المخترعات إتلاف بعض النفوس البريئة، ولكن هذا الضرر قليل بالنسبة إلى ما يترتب عليها من نحو مصلحة الدفاع، وقطع المسافات البعيدة في أقرب زمان، فلا تمتد الحرمة من إتلافها لبعض النفوس إلى أصل استعمالها، بل تبقى الحرمة مقصورة على استعمالها بدون روية واحتراس، وهو المفضي إلى نحو إهلاك النفوس أو الأموال.
ثالثها: ما يتردد بين أن يكون ذريعة إلى مفسدة، وبين أن لا يكون، وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال بالمنع من هذا القسم؛ نظراً إلى ما قد يفضي إليه من المفسدة، ومنهم من ذهب إلى الإغماض عنه، وعدم عدّه في الذرائع التي يجب سدها، ومثال هذا: استناد القاضي في الحكم إلى ما يعلم من حال القضية ترفع إليه، فمن أهل العلم من منعه. وأوجب على القاضي الرجوع إلى البينات، والوقوف عندها؛ مخافة أن يتخذ القضاة الذين لم تشرب قلوبهم التقوى الاستناد إلى العلم ذريعة إلى الجور في القضية، فيفصل فيها اتباعاً للهوى، بزعم أنه يعلم منها ما لم تعلمه البينة.
فاستناد القاضي إلى علمه متردد بين أن يكون وسيلة إلى حفظ الحق، وأن يكون ذريعة إلى مفسدة الجور في القضاء. والمحققون على سد الذريعة في مثل هذا الفرع. والقاضي الذي يعلم من القضية خلاف ما قامت عليه البينة، يصرف الحكم فيها إلى غيره، ويشهد لديه بما يعلم، فتجري عليه أحكام الشهادة، فإما أن يقبل، وإما أن يلغي.
(4/ 1/57)

ومما يساق في الحديث عن هذا القسم: أن الشريعة تحرم على الإنسان أن يقرض آخر عشرة دنانير - مثلاً - على أن يردها إليه خمسة عشرة دينارًا، فإن هذه العقدة هي الربا بعينه، ولو باع زيد سلعة لعمرو بخمسة عشر مؤجلة، ثم اشتراها منه بعشرة نقداً، لكان مآل هذا البيع والشراء إلى أن زيداً دفع إلى عمرو عشرة نقداً، وأخذ منه بعد أجل مسمّىً خمسة عشر، ومثل هذه الصورة قد يقصد فيها زيد وعمرو إلى البيع والشراء على وجه البت، ثم يبدو لزيد أن يشتري ما باع، فيكون هناك عقدان، كل منهما مستقل عن الآخر، فيفارق هذا البيع والشراء عقدة الربا.
فإن قصدا من البيع والشراء إعطاء عشرة ليؤخذ بدلها خمسة عشر عند الأجل، فقد جعلا هذه المعاملة وسيلة إلى ما حرّم من الربا؛ لأنها - وإن جرت بألفاظ البيع والشراء - تشتمل على معنى الربا من جميع أطرافه.
ومن كبار الأئمة من يمنع هذه المعاملة حيث يكثر قصد الناس فيها إلى القرض بمنفعة. ويستند في هذا المنع إلى قاعدة سد ذرائع الفساد.
وقد بلغ بعض الفقهاء في مراعاة سد الذرائع أنه كره فعل بعض المندوبات إذا كان إظهارها، والمواظبة عليها وسيلة إلى اعتقاد العامة سنيتها أو وجوبها. وكان الإِمام مالك - رضي الله عنه - يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ الناس ذلك سنّة، وقال سعيد بن حسان: كنت أقرأ على ابن نافع، فلما مررت بحديث التوسعة ليلة عاشوراء، قال لي: حرِّق (1) عليه، قلت: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: خوفاً من أن يتخذ سنّة، وقد ذكرنا فيما سبق أن الإِمام مالكاً كره إتباع
رمضان بصوم ستة أيام من شوال؛ مخافة أن يعتقد العامة أنها في حكم صوم
__________
(1) كذا في "الاعتصام" للشاطبي. ويطلق التحريق بمعنى: الحك، والبرد بالمبرد.
(4/ 1/58)

رمضان، ومن لا يجيزون ترك المندوب لخوف اعتقاد وجوبه أو سنيته، ويعتمدون على أن من واجب العلماء تبيين أحكام الشريعة وآدابها للناس، وإزاحة ما يحوم بأذهانهم من الأوهام الباطلة، وهذا هو الوسيلة التي يكفي بها شر اعتقاد العامة لسنية الأمر المندوب أو وجوبه.
وكمانظر الشارع إلى وسائل الفساد فسدّها، نظر إلى وسائل ما فيه صلاح، ففتحها بالإذن فيها، والحثّ عليها. ومثال هذا: تسعير ما يباع في الأسواق من نحو الأقوات؛ فإنه ذريعة إلى حماية العامة من أن يغبنوا، ويغلي الباعة عليهم ما يحتاجونه في كل يوم. فالإذن في التسعير فتح ذريعة إلى مصلحة اقتصادية لا يستهان بها. فلوليّ الأمران يجمع وجوه أهل السوق، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون، وكيف يبيعون، ويضع للحاجيات أثماناً محدودة فيها ربح للباعة، ولا تجحف بالعامة.
ونرى الشريعة تأتي إلى الأمر يكون له وجه من الضرر، فتأمر به حيث يكون ذريعة إلى ما فيه مصلحة أكبر من ذلك الضرر، ومن هذا القبيل: بذل المال لفداء الأسرى، فالمال المبذول للعدو يزيده قوة، وحرام على المسلمين أن يمدوا عدوهم، ولو بوزن ذرة من ذهب أو فضة، ولكن هذا البذل ذريعة إلى مصلحة يصغر في جانبها ضرر البذل، والمصلحة هي إنقاذ المسلمين من أيدٍ تسومهم سوء العذاب أو الهوان.
وفي حلف الشخص بالله كاذباً إثم كبير، ومقتضى هذا: أنه لا يجوز لصاحب الحق - متى أنكر المدعى عليه - أن يطالبه باليمين؛ لأنه يدفعه إلى ارتكاب الإثم الكبير، ولكن الشارع الحكيم أذن لصاحب الحق في تحليف
(4/ 1/59)

المنكر، مع علمه بأنه سيحلف بالله كاذباً؛ إذ كان التحليف ذريعة إلى ظهور الحق في كثير من الأحيان، حيث يحمل المدعى عليه على الإقرار لأول الأمر، أو على الرجوع إليه بعد الإنكار، فهذه المسألة من المواضع التي أغمض فيها الشارع عن وجه الفساد، وفتح بها الذريعة إلى مصلحة ذات شأن خطير.
وملخص المقال: أن الشريعة الإِسلامية قد بنت كثيراً من أحكامها المنطوق بها في الكتاب والسنة على رعاية سد الذرائع، وقد استخلص الفقهاء من هذه الأحكام الكثيرة: أن من أصول الشريعة: سد ذرائع الفساد، واستمدوا من هذا الأصل أحكاماً حالوا بها بين الناس وبين ما يفضي إلى كثير من مواقع الفساد، فقاعدة سد الذرائع قاعدة محكمة، وفيها شاهد واضح على أن الشرع الإِسلامي صالح لكل زمان ومكان.
* المصالح المرسلة:
من اطمأن قلبه إيماناً بأن الشريعة وحي نزل بها الروح الأمين على أفضل الخليقة، لم يرتب في أنها قائمة على حكمة، وأن الخير في الاقتداء بها، والوقوف عند حدودها، يقطع بهذا كل من صادفت فيه دلائل النبوة فطرة سليمة، أو ألمعية ثاقبة، ويزيد المتفقه في الشريعة بعد هذا الاعتقاد الذي اقتضاه أصل الإيمان؛ أنه يرى حق اليقين كيف قامت أصولها، وفصلت أحكامها على رعاية المصالح في الحياتين: العاجلة، والاَجلة، ولم يختلف أهل العلم في أن كل حكم شرعي مربوط بحكمة، وأن الحكمة هي التي دعت إلى تقريره، ومرجع هذه الحكم إلى المصالح والمفاسد، ومن هذا الأصل الذي دلّ على أن الله تعالى قد شرع الأحكام على طريقة جلب المصالح
(4/ 1/60)

ودرء المفاسد، نشأت قاعدة: المصالح المرسلة.
لا نزاع في بناء الأحكام على المصالح التي قام الدليل الشرعي على رعايتها، ومثال هذا: حفظ العقل الذي دلّ على رعايته تحريم الخمر، وإقامة الحد على شاربها، فإذا عرض للمجتهد مطعوم لا يسمّى خمراً، ولكنه يفعل بالعقل ما تفعله الخمر، لم يتردد في تحريمه؛ أخذاً بالدليل القائم على اعتداد الشارع بمصلحة حفظ العقل، وبنائه بعض الأحكام على رعايتها، وهذا هو أصل القياس في الشريعة، فإنه مبني على التفقه في بعض الأحكام المنصوصة، ومعرفة قصد الشارع فيها إلى مصلحة بعينها، حتى إذا وجدت هذه المصلحة في واقعة أخرى، أخذت حكم الواقعة المصرح بها.
ولا نزاع في عدم الاعتداد بالمصالح التي قام الدليل الشرعي على إلغائها، والشارع الحكيم لا يلغي مصلحة إلا إذا عارضتها مصلحة أرجح منها، أو استتبعت مفسدة لا يستخف بأمرها، ومثال هذا: الاستسلام للعدو: قد يبدو أن فيه مصلحة حفظ النفوس من القتل، ولكن الشارع رأى أن هذه المصلحة مغمورة بالمفاسد من كل جانب، فلم يعتدّ بها، وأذن في دفاع العدو؛ نظراً إلى مصلحة أرجح منها، وهي: احتفاظ الأمة بالعزة والكرامة، والتمكن من المسابقة في مضمار الحياة.
ومن هذا الباب: تعدد الزوجات: يتبعه من الضرر أن تتألم المرأة من أن تشاركها في صلة الزوجية امرأة أخرى، ففي ترك التعدد مصلحة هي: قطع وسيلة استياء الزوجة، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكئفيًا بما اشترطه من العدل بين الزوجات، وأباح التعدد؛ نظراً إلى ما قد يترتب عليه من المصالح؛ كتكثير النسمل، ومساعدة الرجل على تجنب الحرام الذي قد
(4/ 1/61)

يقع فيه صاحب الزوجة الواحدة إذا عرض مانع من التمتع بها؛ مثل: المرض، والنفاس.
ومما يدخل في هذا السلك: قصة أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم إذ باشر إحدى نسائه في رمضان، ثم ندم على ما فعل، وجمع الفقهاء، وسألهم عمَّا يكفِّر به، فقال له يحيى بن يحيى الليثي: تكفِّر بصوم شهرين متتابعين، فلما خرجوا، قال له بعض الفقهاء: لم لم تفته بمذهب مالك، وهو التخيير بين العتق والصيام والإطعام؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب، سهل عليه أن يباشر كل يوم، ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور؛ لئلّا يعود.
وقد أقيمت هذه الفتوى على رعاية مصلحة لم يعتدّ بها الشارع، ففي حمل الملك على الصوم مصلحة منعه من اتباع الشهوات، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكتفياً بالنهي عن الإفطار، وتأثيم من يرتكبه، وجعل الكفارة العتق أو الإطعام أو الصيام من غير فرق بين الملك وغيره.
ويبقى النظر في المصالح التي لم يقم دليل على رعايتها أو على إلغائها، وهذه هي التي تسمّى: المصالح المرسلة، وقد اعتدّ بهذه المصالح كثير من الفقهاء، وبنوا بعض الفتاوى على رعايتها، والبخاري على بعض الألسنة والأقلام: أنها أصل من أصول المذهب المالكي، والواقع أن لها يداً في سائر المذاهب المعوَّل عليها, وللمالكية القسط الأوفر في استثمارها.
قال ابن دقيق العيد: الذي لا شك فيه: أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في استعماله.
وقال البغدادي في "جنة الناظر": لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في
(4/ 1/62)

المصالح؛ فإن مالكاً يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره، أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياته، وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها, لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة، وما حكاه أصحاب الشافعي عن الشافعي لا يعدو هذه المقالة.
ولهذه القاعدة أمثلة مسوقة في كتب الأصول من فتاوى السلف وأقضيتهم، ومن هذه الأمثلة: قضاء الصحابة - رضي الله عنهم - بتضمين الصناع، فالرجل ينصب نفسه لصناعة؛ كالخياطة، أو الصبغ، فيدفع إليه شخص ثوباً ليخيطه أو يصبغه، فيدعي ضياعه، ولم يقم بينة على أنه تلف بغير سبب منه، فيقضى على الصانع بضمان الثوب؛ أخذًا بقاعدة المصالح المرسلة، ووجه المصلحة في هذا المثال: أن الناس في حاجة شديدة إلى الصنّاع، وهم يغيبون بالأمتعة عن أعين أصحابها, وليس من شأنهم الاحتياط في حفظها، فمن المصلحة القضاء بضمانهم حتى لا تضيع أموال كثيرة، وهذا معنى قول علي- كرم الله وجهه -: "لا يصلح الناس إلا ذاك"؛ يعني: تضمين الصنّاع.
ومن أمثلته: قتل الجماعة بالواحد؛ فإن القصاص الوارد في النص هو قتل النفس بالنفس، فإذا اشترك جماعة في قتل شخص واحد، فهي قضية لم يوجد لها دليل معين، وقد ذهب الإمامان: مالك، والشافعي إلى قتل الجماعة بالواحد، وهو ما يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، والمستند في هذا: قاعدة المصالح المرسلة، ووجه المصلحة: أن عدم أخذ الجماعة بالقصاص يذهب بدم القتيل المعصوم هدراً، ويفتح باباً قصد الشارع إلى إغلاقه، وهو باب سفك الدماء البريئة؛ فإن الجماعة متى أمنوا من عقوبة القصاص
(4/ 1/63)

حين يشتركون في القتل، سهل على أحقادهم أو شهواتهم أن تسوقهم حتى يمدوا أيديهم إلى إزهاق الأرواح دفعة، ففي قتل الجماعة بالواحد مصلحة حياة نفوس كثيرة، وحفظها من أن يتواطأ على قتلها جماعات ما لها في احترام الأرواح من خلاق.
ومما أسندوه إلى هذه القاعدة: أن يتحفز العدو للهجوم على بلاد الإِسلام، ولم يكن في بيت المال ما يقوم بحاجة الجند المهيأ لقتاله، فقد قال طائفة من علماء الأندلس: للامير العادل أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافيًا للجند في الحال، ووجه المصلحة: أن هذا الفرض تقوى به شوكة الدولة، وتخلص به البلاد من استيلاء قوم إن ظهروا عليها, لا يرقبوا فيها إلاًّ ولا ذمة.
وإلى هذه القاعدة يستند الإمام مالك في إجازته سجن المتهم، فالسجن عذاب، والأصل أن لا يعذب أحد لمجرد الدعوى، ولكن الإِمام - رحمه الله تعالى- نظر إلى أن في سجن المتهم مصلحة الوصول إلى الحق، وليس ببعيد أن يقصد الشارع إلى حفظ هذه المصلحة، ويغضي عما يلحق المتهم من ألم الاعتقال، والمراد من المتهم: من تقوم حوله قرينة تحيك في نفس الحاكم، وتؤثر في قلبه شيئاً من الظن.
وليس في الأخذ بالمصالح المرسلة فتحُ طريق يدخل منه العوام إلى التصرف في أحكام الشريعة على ما يلائم آراءهم أو ينافرها - كما ظنه بعض الكاتبين -؛ فإن ما ذكرناه في شرط الأخذ بهذه المصالح؛ من عدم ورود دليل شرعي على رعايتها، أو إلغائها برفعها عن أن تكون في متناول آراء العامة أو أشباه العامة، إذ لا يدري أن هذه المصلحة لم يرد في مراعاتها أو
(4/ 1/64)

إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلاً للاستنباط.
قال الشيخ عمر الفاسي في رسالة له في الوقف: "وأنى للمقلد أن يدّعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع، وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها, ولا ما يشهد بإلغائها، مع أنه لا بحث له في الأدلة، ولانظر له فيها، وهل هذا إلا اجتراء على الدين، وإقدام على حكم شرعي بغير يقين؟ "، فليس كل ما يبدو للعقل أنه مصلحة يدخل في قبيل المصالح المرسلة، وتبنى عليه الأحكام، وإنما هي المصالح التي يتدبرها من هو أهل لتعرف الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على مراعاتها أو إلغائها.
ولا يقف في سبيل المصالح المرسلة ما أورده بعض الكاتبين؛ من أنه يفضي إلى اختلاف الأحكام باختلاف المواطن والعصور؛ فإن هذا الاختلاف معدود في محاسن الشريعة، وهو ناحية من النواحي التي روعيت في جعلها الشريعة العامة الباقية. وليس اختلاف الأحكام الناشئ عن مراعاة المصالح المرسلة اختلافاً في أصل الخطاب، وإنما جاء من جهة تطبيق أصل عام دائم هو: أن المصلحة التي لم يرد دليل على مراعاتها بخصوصها أو إلغائها، يقضي فيها المجتهد على قدر ما يراه فيها من إصلاح. فالأحكام المبنية على رعاية المصالح المرسلة تستند إلى أصل تعرَّفه المجتهدون من موارد الشريعة، فكأن الشارع يقول للذين أوتوا العلم: إذا عرض لكم أمر فيه مصلحة، ولم تجدوا في الأدلة التي بين أيديكم ما يدل على رعايتها بخصوصها أو إلغائها، فزنوا تلك المصلحة بعقولكم الراسخة في فهم المقصود من التشريع، وفصّلوا لها حكماً يطابقها.
(4/ 1/65)

وقد ادّعى بعض أهل العلم من غير المالكية: أن الإمام مالكاً أفتى - بانياً على قاعدة المصالح المرسلة - بجواز قتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين، والمالكية ينكرون نسبة هذه الفتوى إلى الإمام مالك أشد الإنكار، ويقولون: إنها لم تنقل في كتبهم البتة، وإنما تكلموا كما تكلم غيرهم في مسألة العدو يضع أمامه الأسرى المسلمين يتترس بهم في الحرب، فأفتوا بأنه يجوز دفاع العدو بنحو الرمي متى خيف استئصال الأمة، ولو أفضى الدفاع إلى قتل أولئك الأسرى من المسلمين.
ونقرأ في ترجمة الشيخ علاء الدين الجمالي أحد فقهاء الحنفية: أن السلطان سليماً همَّ بقتل جماعة خالفوا أمر السلطان في بيع الحرير، فدخل عليه الشيخ علاء الدين منكراً عليه قتلهم، فقال له السلطان: أما يحل قتل ثلث العالم لنظام الباقي؟ فقال الشيخ علاء الدين: نعم، ولكن إذا أدى الحال إلى خلل عظيم، فعفا السلطان عن الجميع.
وقد حقق الباحثون في المصالح المرسلة النظر، وأجروها في أبواب المعاملات، وتجنبوا بها أصول العبادات؛ لأن المتفقه في علم الشريعة يدرك أن أحكام المعاملات مبنية على رعاية المصالح المدنية التي يتيسر للعقول السليمة، متى تلقتها من الشارع؛ وغاصت في تدبرها من كل جانب، أن تقف على أسرارها، وترى خير الحياة في التمسك بها، وأما العبادات، ففيها ما تستبين حكمته، ويبدو القصد من مشروعيته واضحاً، ومنها ما لم تقف العقول على حكمته الخاصة، وحسب العقل في الإيمان بحكمة ما كان من هذا القبيل: أنه صادر ممن قام الدليل القاطع على أنه لا يأمر إلا بخير. ولا يجد في هذا الإيمان حرجاً، ما دامت العبادات - على اختلاف ضروبها -
(4/ 1/66)

بريئة مما تنبذه العقول الراجحة. والفرق بين ما لا يقف العقل على مصلحته الخاصة، وما ينبذه لاشتماله على فساد راجح. لا يخفى إلا على ذي نظر سقيم.
ولما أكثر في العبادات ما تخفى مصلحته الخاصة، قالوا: إن أصلها التعبد، وقصروا الأمر فيها على ما ورد عن الشارع الحكيم. ثم إن الشارع حذر من الزيادة على ما قرره من العبادات، وسمى ما يخترع بقصد القربة بدعة وضلالة، والتصرف في العبادات من طريق المصالح المرسلة يفتح باب البدع، ويدخل بالناس في ضلال بعيد.
فلا نزاع في بطلان اختراع عبادات ذات أوضاع لم يرد بها كتاب أو سنّة، بدعوى أن فيها مصالح توافق قصد الشارع فيما وضع من العبادات.
وقد يتصرف الفقهاء في أشياء تتصل بأصل العبادة، وينظرون إليها من ناحية المصالح الملائمة لتلك العبادة، فيصيبون في الحكم، ويخطئون، ومن أمثلة تصرفهم الصحيح: أن أذان الجمعة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين بعده واحداً يقام بباب المسجد، ومن الواضح الجلي: أن القصد من الأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة، ولما أكثر الناس، واتسع العمران بالمدينة، أقام عثمان - رضي الله عنه - أذاناً بالزوراء (1)، وهذا العمل خارج عن البدعة؛ لأنه تصرف في إحدى وسائل العبادة، لا في أصل العبادة، ولأن القصد من الأذان واضح وضوحًا لا تحوم عليه ريبة، وهو إعلام المصلين بدخول الوقت، وفي الأذان بالزوراء إعلام بدخول الوقت على وجه أكمل، ولم
__________
(1) موضع بالمدينة قرب المسجد.
(4/ 1/67)

يكن الباعث على زيادة هذا الأذان، وهو كثرة الناس، واتساع العمران، متحققاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يقال: إن الشارع لم يعتدّ بهذه المصلحة، وإنها ليست من نوع المصالح التي توافق قصده من التشريع.
وقد يتسرع إلى هذه القاعدة من لا يجيد فهمها، فيفتي بغير حق، أو يقضي بغير عدل، وقد رأيت السلطان سليمًا كيف توهم أن في قتل جماعة كثيرة خالفوا أمره في بيع الحرير مصلحة يأذن الشارع بالمحافظة عليها. وظنّ بعض القضاة أن هذه القاعدة تبيح له أن يقطع أنملة شاهد زور ليمنعه من الكتابة، واستشار ابن دقيق العيد في هذه العقوية، فأنكرها أشد الإنكار، وعدّها من المنكرات العظيمة الوقع في الدين، والاسترسال في أذى المسلمين.
وخاتمة المقال: أن رعاية المصالح المرسلة من أهم القواعد التي تأتي بثمر طيب متى تناولها الراسخ في علوم الشريعة، البصير بتطبيق أصولها.
* الاستحسان:
جرى لفظ الاستحسان في عبارات بعض الأئمة على وجه يتوهم منه: أن الاستحسان أصل من الأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام، وتعرض له علماء الأصول عند بحث الأدلة، ونسبوا الأخذ به إلى بعض الأئمة، ونقلوا إنكاره عن آخرين، واختلفوا في تفسيره، وإليك صفوة ما قيل في هذا الوجه من الاستدلال:
روى محمد بن عبد العزيز العتبي في كتاب "المستخرجة" عن أصبغ ابن الفرج عن ابن القاسم: أن مالكاً قال: "تسعة أعشار العلم الاستحسان". وقال مالك في بعض فتاويه: أستحسن في كذا أن يكون الحكم كذا، وقال ابن خويز منداد، وهو من المالكية في كتابه "الجامع لأصول الفقه": "وقد
(4/ 1/68)

عوّل مالك على الاستحسان وبنى عليه أبواباً ومسائل من مذهبه".
واستند الحنفية إلى الاستحسان في تقرير كثير من الأحكام، ويعارضون به القياس، فيقولون في بعض الأحكام: هذا ما يقتضيه الاستحسان، وذاك ما يقتضيه القياس.
وعبر الإمام الشافعي بالاستحسان في أحكام بعض الحوادث، فقال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين، وقال: أستحسن أن يؤجل الشفيع ثلاثاً.
وأنكر قوم أن يكون الاستحسان دليلاً شرعياً، وشنعوا على القائلين به؛ ظنًا منهم أن استحسان هؤلاء الأئمة من قبيل الرجوع إلى الرأي دون رعاية دليل شرعي ثابت. والرجوع إلى الرأي المحض في تقرير الأحكام الشرعية لا يقول به عامي مسلم، فضلاً عن إمام بلغ رتبة الاجتهاد أو الترجيح. ومن هنا تصدى علماء الأصول من المالكية والحنفية لتفسير الاستحسان الوارد في عبارات أئمتهم. وبينوا أنه عائد إلى أدلة متفق عليها، أو أدلة معروفة في مذهب المعبر به. وحملوا قول الإِمام الشافعي: "من استحسن، فقد شرع" على معنى: الاستحسان الذي لا يقوم على رعاية دليل شرعي، وكذلك الأثر الذي يسوقه بعض المحتجين لصحة القول بالاستحسان، وهو: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن (1) " إنما يحمل على أن المراد بالمسلمين: ذوو الكفاية لاستنباط الأحكام، فيكون دليل الاحتجاج بالإجماع.
أما المالكية، فيقول محققوهم؛ كأبي الوليد الباجي: الاستحسان: هو الأخذ بأقوى الدليلين. وكذلك قال ابن خويز منداد: معنى الاستحسان عندنا: القول بأقوى الدليلين. ويضاهي هذا قول الحفيد بن رشد: الاستحسان
__________
(1) هو من قول عبد الله بن مسعود؛ وليس بحديث.
(4/ 1/69)

عند مالك: هو الجمع بين الأدلة المتعارضة. ومعنى هذا: أن الاستحسان في مذهب مالك ليس بدليل مستقل, وإنما هو ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ كأن يتعارض في حادثة جزئية قياسان، أو يعارض أصلاً من الأصول عرف، أو مصلحة مرسلة، أو سد ذريعة، فينظر المجتهد، ويرجح أحد القياسين على الآخر، أو يرجح قاعدة العرف، أو المصالح المرسلة، أو سد الذريعة على ذلك الأصل المعارض.
ونكتفي بذكر مثال لما تعارض فيه قياسان، ومن هذا المثال يتبين وجوه الترجيح في الأدلة الباقية:
معروف في مذهب مالك: أن المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن أو المبيع؛ كان يقول البائع: بعتك بعشرة، ويقول المشتري: إنما بعتني بستة، فوجه الحكم أن ينظر فيمن قوله أشبه؛ أي: أقرب إلى الصدق، فيقضي بقوله مع اليمين، فإن كان المبيع يساوي عشرة، ترجح قول البائع، وإن كان يساوي ستة، ترجح قول المشتري.
ومعروف في المذهب أيضاً: أن المودع - بكسر الدال -، والمودعَ -بفتحها-، أو المعير والمستعير، إذا اختلفا في الشيء المودعَ أو المعار، كان القول للمودع أو المستعير؛ لأن كلًا منهما أمين على ما تسلمه.
وجرت بين الفقهاء حادثة اختلاف المتراهنين؛ كأن يخرج المرتهن رهناً، فيقول الراهن: رهنتك ما هو أفضل منه، ويقول المرتهن: بل هو رهنك، وقد تجاذب هذه الحادثة قياسان: القياس على اختلاف المتبايعين، وهذا يقتضي أن يكون القول قول الراهن إن أشبه؛ أي: صدقه شاهد حال؛ كأن يرهنه رهناً بألف، فيخرج المرتهن رهناً يساوي مئة، وهذا ما ذهب إليه أصبغ
(4/ 1/70)

ابن الفرج، والقياس على المودع والمستعير، وهذا يقتضي أن يكون القول للمرتهن، وان لم يخرج إلا ما يساوي درهماً، وهذا ما ذهب إليه أشهب.
وقياس اختلاف المتراهنين على اختلاف المعير والمستعير، أو المودع والمودع، أجلى من قياسه على اختلاف المتبايعين؛ لأن المرتهن يشبه المودع أو المستعير في كونه مأمونًا على ما وضع عنده من الرهن، غير أن قياسه على المتبايعين الذي هو أخفى من قياسه على المودع أو المستعير قد تقوى بقلة الأمانة في الناس، وبأن الراهن سلم الرهن إلى المرتهن عن احتياج إلى الدين، أما المودع والمعير، فإنما سلم الوديعة أو العارية عن اختيار محض.
فيصح أن يقال: إن قول أشهب مبني على القياس، وقول أصبغ مبني على الاستحسان؛ كما قال ابن رشد في كتاب "البيان": قول أشهب إغراق في القياس، وقول أصبغ استحسان، وهو أظهر.
وهذه العبارة من العلامة ابن رشد تريك كيف يطلقون الاستحسان، ويريدون منه: القياس الخفي المعارض للقياس الجلي.
وأما الحنفية، فيقولون: الاستحسان: ترك القياس الجلي بدليل أقوى منه، ويريدون من الدليل الأقوى: ما يشمل الحديث، والإجماع، والضرورة، والقياس الخفي.
وأمثلة معارضة هذه الأدلة للقياس الجلي مفصلة في كتب أصول الفقه، ونكتفي بذكر الأمثال للأخذ بالقياس الخفي المعارض للقياس الجلي، وهو أنهم قالوا: سؤر (1) السباع من الطيور يتبادر إلى الذهن قياسه على سؤر سباع
__________
(1) السؤر: البقية والفضلة - "القاموس".
(4/ 1/71)

البهائم في الحكم بنجاسته؛ لاشتراك سباع الطيور وسباع البهائم في نجاسة اللعاب؛ لتولده من لحم حرام، وهذا هو القياس الجلي، ولكن سباع الطيور تشرب الماء بمنقارها، ومنقارها من عظم جافث طاهر، لا رطوبة فيه، فلا يخشى تنجس الماء بملاقاته، فيصح أن يقاس سؤرها على سؤرِ طاهرِ اللعاب؛ كالاَدمي، وما يؤكل من الأنعام؛ لعدم ملاقاة الماء للرطوبة التي يلاقيها من ألسنة السباع من البهائم، وهذا هو القياس الخفي.
وإذا كان الاستحسان ترجيح أحد الدليلين المتعارضين فيما يتراءى للمجتهد أول النظر، لا ينبغي أن يجري في صحته اختلاف بين أهل العلم. وهو بهذا المعنى شاهد على دقة أنظار علماء الشريعة؛ إذ كانوا لا ينساقون في تقرير الأحكام إلى ما يتبادر لهم في الاستدلال إلا بعد النظر في الواقعة من جميع وجوهها.
ومن فسَّر الاستحسان بدليل يقذفه الله في قلب المجتهد تقصر عنه عبارته، فقد فسره بما تتضافر أصول الشريعة على إسقاطه وإخراجه من دائرتها. ومن هذا الذي وصل إلى رتبة استنباط الأحكام، ولا يستطيع أن يعرب عمّا في ضميره، ويدل على ما خطر له من المعاني؟! ثم إن قبول مثل هذا الذي ينقدح في النفس، ويعجز اللسان عن بيانه، وعدّه في أدلة الأحكام، يفتح لأصحاب الأهواء باباً يخرجون منه إلى ما يشاؤون من الابتداع في الدين، والعبث بأحكامه.
(4/ 1/72)

مدارك الشريعة الإِسلامية - وسياستها - (1)
* حكمة التشريع:
تتأثر النفس بما يخالطها من حالتي اللذة والألم، فيلتذ الإنسان بسلامة حواسه، واستقامة فكره، وحسن سيرته، ووفر ماله واتساع سلطته، وسعادة أصفيائه. ويتألم لفقد واحد من هذه المطالب.
وقد طبعت النفوس على الميل والانعطاف لما فيه لذة، والكراهة والنفور لما فيه ألم، فكل شخص يسعى بحسب طبيعته لما فيه لذته، ويهرب مما فيه ألمه، بل لا يخلو في سائر أعماله التي يتعمَّدها أن يريد بها إدراك لذة، أو الحذر من ألم، فإذا ضرب صافحاً عن لذة، فليتوصل إلى لذة أوفر نصيباً، أو أطول مدة، وإذا أخذ يقتحم ألماً، فليتخلص من ألم أشد وقعًا، أو أبقى زمناً.
وقد تتعارض اللذائذ والآلام، فيكون العمل الواحد محرزاً للذة طائفة، أو كاشفًا لألمهم، ومفوتًا لما فيه لذة قوم آخرين، أو موقعاً لهم فيما فيه ألمهم، فلو انتصب كل أحد ليحكم في استيفاء لذائذه، وإزاحة آلامه، لاستأثر باللذائذ الأقوياء، وثارت من تنازع المتكافئين في القوة فتن، واختلال راحة.
__________
(1) محاضرة ألقاها الإِمام بنادي جمعية قدماء تلامذة مدرسة الصادقية بتونس يوم السبت 18 جمادى الثانية سنة 1331 ه. وطبعت في رسالة.
(4/ 1/73)

وهذا التعارض في دواعي جلب اللذائذ وإبعاد الآلام، يستدعي لكل هيئة مجتمعة أن يكون لها نظام يوفي للضعيف ما يستحق من اللذة، ويفك الهرج بين القوتين المتكافئتين.
فالقصد من وضع قوانين المعاملات والجنايات: تمكين الناس من حقوقهم التي تهوي إليها أفئدتهم، ووقايتهم مما يدخل على قلوبهم بالآثار المؤلمة، وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يدفع، ولا كل ما فيه لذة هو أهل لأن يجلب، فقد يتجرّع الشخص مشقة تعود عليه بسعادة، ويلتذ براحة تلقي به في تهلكة؛ كالمريض تلذ له بعض مطعومات تسوق له منيته، ويشمئز ذوقه من بعضها، وفيها غنيمة شفائه.
فالمعتبر لواضع الشريعة إنما هو اللذة التي لا يقارنها ألم راجح، ونسميها بالمنفعة أو المصلحة، والألم في لا تصاحبه لذة راجحة، ونعبر عنه بالمضرة أو المفسدة.
ثم إن المنافع والمضار تتفاوت، وتفاوتها إما بحسب شدتها وضعفها، أو طول بقائها وقصره، أو تحقق حصولها والارتياب فيه. تتفاوت بحسب عقمها دانتاجها، فمن المنافع أو المضار ما يكون عقيمًا لا يتولد عنه مثله، ومنها ما يتناسب وتتلاحق به نتائج على شاكلته.
ومما يلتفت إليه في الترجيح بين المصالح والمفاسد: أهمية ما ترجع إليه من دين، وعقب، وعرض، وبدن، ونسل، ومال.
فالشريعة العادلة، هي التي تزن المنافع والمفاسد، وتلاحظ ما يتفرع عنها من النتائج، ثم تفصل لها من الأحكام ما يطابقها.
وقد يسام الرجل بأدنى جناية، فتتفطر لها نفسه جزعاً، ويلذ له أن يقابل
(4/ 1/74)

الجاني بأقصى عقوبة وأشدها، ثم يشاهد جناية قاسية يبتلى بها من يباغضه، فلا يتألم لقبح موقعها, ولا يرتاح لمجازاتها, ولو بأقل تعزير، فمقرر القانون لا يعتبر بهذه اللذائذ الخاصة والآلام، وإنما يقرره بمقدار الارتياح والألم الذي يشعر به جمهور الأمة وعقلاؤها.
فبهذا يتحقق أن الشرع الذي يسنّه العالم بشعور الأمة، المطّلعُ على أحوال ضمائرها، يكون أحكم نظاماً، وأحفظ للمصالح، مما يضعه الذي لا يعرف سوى ظواهرها, ولم يحط خبرًا بعاداتها وأذواقها.
ومن خصائص الشريعة المحكمة: أن تكون أحكامها قائمة على أسباب حقيقية، وقد اختل نسيج بعض القوانين الوضعية حيث ذهب مقررُها إلى إقامتها على علل خيالية، ومن أمثلة هذا الصنيع: أن بعض المتشرعين وضعوا قانونًا لمصادرة أموال بعض المجرمين، وعدم إبقائها لورثته، وعللّوه بأنه يعرض للدم فساد في بعض الأوقات، فيقتضي قطع الرحم بين الأقارب. ولقد اشتبه على هذا المعلّل مقام الشرع بمقام الشعر؛ فإن مثل هذه العلّة تحتملها النفس إذا تبرجت في حلل من الشعر، وتنبو عن سماعها إذا طرحت على بساط العلم، ومثل هذا: أنك تقرأ في تأليف بعض النحويين تعليلهم لامتناع دخول (هل) على اسم إذا كان في الجملة فعل؛ بأنّ (هل) إذا رأت الفعل في حيّزها، تذكرت عهوده السالفة، وحنّت إلى وصاله، فلم ترض إلا بمعانقته، فتحسّ بسخافة هذا التعليل وبرودته، ولكنك تتناول بعض مؤلفات في الأدب، فيقع نظرك على قول الشاعر:
مليحة عشقت ظبياً حوى حوراً ... فمذ رأته سعت فوراً لخدمته
كهل إذا ما رأت فعلاً بحيزها ... حنّت إليه ولاترضى بفرقته
(4/ 1/75)

فيهش له ذوقك، وينفتح له خاطرك باستحسان.
وفي وضع الشرائع شدة على الطباع، حيث كانت تحصر أعمال الناس في دائرة، ولا تبقيها أمام الإرادات الشخصية تصرفها كيف شاءت، لا سيما إذا صرفت خطابها إلى أمة لا تألف النظام؛ كحال العرب قبل طلوع الإِسلام، فيوشك أن يتملصوا منها, ولا يعدوا أعناقهم لأطواق تكاليفها، فمن حسن تدبير شارعها، وحكمته في تقريرها: أن ياخذهم بها على مهل، وترشح لهم بها أوامره قضية بعد قضية مترقيًا، مما يلائم عوائدهم إلى ما يقاربها حتى تستقر لهم قوانينها كاملة. وعلى مبدأ هذه السياسة جرى التشريع في الإِسلام.
* الشرائع سماوية ووضعية:
فالسماوية: ما نزل بها الوحي على رسول، والوضعية: ما يضعها البشر من تلقاء عقولهم.
وتمتاز السماوية بأن معاملات الناس على طرائقها، وتصرفهم على مقتضى حدودها، من قبيل العمل برضا واجب الوجود واختياره؛ بخلاف القوانين الوضعية؛ فإن الداخل تحت سلطتها إنما يكون سائراً على حسب إرادة بشر يماثله، ولهذا لا يمكنها أن تأخذ من احترامات القلوب الموضع الذي تأخذه الشريعة التي هي تنزيل من حكيم حميد.
وتمتاز السماوية بأنها تعزّز قوانينها بسلطة غيبية، فتهدد المخالف بعقوبة آجلة، أو بلاء ينزل به القدر في هذه العاجلة، وتبشر الطائع بنعيم خالد، أو عيش طيب في هذه الحياة، ولا يختص ذلك الانذار والبشارة بما هو حق لله خالصاً كالعبادات، بل ورد أيضاً في الأحكام الموضوعة لمصالح الخلق في الدنيا.
(4/ 1/76)

وهذه السلطة المحتجبة هي التي تدعو النفوس الزكية إلى احترام قانونها، ولو في المواضع التي لا تنالها يد السلطة الطاهرة.
وتمتاز السماوية بأنها توجب على الفرد إصلاح عمله، وتنهاه عما يضر بشخصه، وإن لم يسر منه الضرر إلى غيره، فحجرت على الإنسان أن يلقي بعضو من جسده في تلف، أو يرمي بقسط من ماله في سرف. والقوانين الوضعية تقول: لا يجب استعمال القانون بين الناس إلا لمنعهم من إيذاء بعضهم لبعض، ولهذا عرفوا القانون بما يوضع للحكم بين الرعايا.
والسماوية تكلف الإنسان برفع الضرر عن غيره، وحمايته منه، وقد تلقي عليه التبعة إذا استطاع السبيل إلى خلاصه من أذى، أو وقايته من خطر، فمسك يده عن مساعدته، وأعرض بجانبه متهاوناً. ولم تنظر القوانين الوضعية إلى هذا المطلب باعتبار، وقد أخذ عليها بعض الكاتبين في أصولها ورجي منها حسن الالتفات إليه.
* منابع الشريعة الإِسلامية:
يتناول اسم الشريعة: ما أرشدت إليه دلائلها من عقائد وأخلاق وأعمال، والعلم الذي يبحث في الأحكام المتعلقة بالأعمال هو الذي نعنيه باسم: الفقه.
وقد أفادت الشريعة بعض الأحكام العملية بالدلائل الصريحة، ورسمت لبقيتها مناهج يهتدي بها المجتهد إذا وقعت الواقعة.
فكل حكم يعينه أحد علماء الإِسلام بإزاء واقعة، لا بد أن يستند فيه إلى مأخذ ظاهر من دلائل الشريعة حتى تصح إضافته إليها، ومن ثم طرح علماء الأصول الاستحسان الذي يفسره بعضهم: بدليل ينقدح في نفس
(4/ 1/77)

المجتهد تقصر العبارة عن بيانه؛ فإن الباني للقضية على مجرد استحسانه وميله، بمنزلة من يدعو الناس ليوافقوا رأيه على شرط أن لا يجاذبوه طرف البحث والمناظرة، كما أسقطوا المرائي المنامية، وما يجول في النفس من الحديث المعبر عنه بالإلهام.
ينحصر ما يتمسك به المستدل للحكم في نوعين:
أحدهما: ما يدل بنفسه، وهو: القرآن، والحديث، والقياس.
ثانيهما: ما يتضمن الدليل ويستلزمه، وهو الإجماع، وإنما كان متضمناً للدليل؛ لأنه لا ينعقد على حكم حادثة إلا إذا قام له دليل ثابت، ومستند صحيح.
فالقرآن: كلام الله المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، المنقول إلينا ما بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا. وقد أحصوا آيات الأحكام منه، فبلغت خمسمئة آية، وأفردها بعض العلماء بالنظر، وخصّها بالتفسير، كما صنع أبو بكر الرازي، وأبو بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس.
والحديث: قول الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وفعله، وتقريره، وهو مستقل بتشريع الأحكام، ومعتبر بمنزلة القرآن في العمل بتحليله وتحريمه؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. وما يروى من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن حتى لا يقبل منها إلا ما كان بياناً له، فقال يحيى بن معين وغيره من الحفّاظ: إن هذا مما وضعته الزنادقة، وأما قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، فيفهم على معنى أنه أرشد إلى جميع ما يحتاج إليه في تحصيل أمر السعادة، إم بنص، أو مقالة عامة، أو الإحالة على من
(4/ 1/78)

هو أهل للتعليم.
وإذا كان الحديث بمنزلة القرآن في التشريع، فلا يعدل المجتهد عن العمل بحديث إلا إذا ثبت لديه نسخه، أو ظفر بدليل أرجح منه في السند، أو أقوى في وجه الدلالة، ولهذا قال المالكية: إذا عرض للإِمام حديث، ونص على أنه لم يبلغه، ثم صح عند أهل الصناعة، فإنه يجب على مقلدي الإِمام العمل بالحديث.
قال ابن عبد السلام: وهذا كحديث ابن عباس في "مسلم"، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب، ويقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفّان لمن لم يجد النعلين"، مع قول مالك في "الموطأ": لم يبلغني هذا في السراويل.
ويعدّ المالكية الذين ينظرون في وجه ارتباط الفروع بالمدارك؛ كابن العربي، وعبد الحميد الصائغ، قد يتمسكون بالحديث الصحيح، ولو روى المذهب على خلافه، حيث لم يطلعوا على أصل ظاهر استند له أهل المذهب في ترك العمل بذلك الحديث، وكأنهم اعتصموا في هذا يقول مالك حسبما نقله الحافظ ابن عبد البر وغيره؛ انظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنّة، فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنّة، فاتركوه.
وقد ثبت عن الإِمام أبي حنيفة أيضاً: أنه قال: إذا صحّ الحديث، فهو مذهبي.
اشتهر بين الفقهاء أن مالكاً يقدّم إجماع أهل المدينة على الحديث الصحيح، وأنكره أبو بكر بن العربي، فقال في كتاب "العارضة": من لا تحصيل له من أصحابنا يظن أن مالكاً يقدم عمل أهل المدينة على الحديث، ولم
(4/ 1/79)

يفعل ذلك قط، ولا ترك مالك حديثاً لأجل مخالفة أهل المدينة له بعملهم وفتواهم.
والتحقيق: أن مالكاً إنما يحتج بإجماع أهل المدينة فيما طريقه النقل المستفيض؛ مما تقتضي العادة أنه لو يغيّر عما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لعُلِم؛ كالأذان والإقامة، فإن العهد بذلك الزمن ليس ببعيد عن عصر مالك، والفقهاء والمحدّثون بها متوافرون، مع ما عرف من تنافسهم وإقدامهم في الأمر بالمعروف، وأما ما يجمعون عليه من الأحكام المأخوذة بصناعة الاجتهاد، فلا يسعه تقليدهم، بل هم وغيرهم في نظره سواء.
ويستثنى من تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - نوعان هما غير داخلين فيما يطلب فيه الاقتداء والتأسي:
أحدهما: ما سار فيه على مقتضى العادة أو الجبلّة؛ كما ترك أكل لحم الضب، وقال: "لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه".
ثانيهما: ما قام الدليل على اختصاصه به؛ كحرمة أكل ذي الرائحة الكريهة، وطلاق من تكره صحبته.
وقد أفرز بعض العلماء أحاديث الأحكام على جانب، وألّفها مستقلة، ومن مؤلفاتها الجامعة كتاب "منتقى الأخبار" للحافظ مجد الدين المعروف بابن تيمية.
والإجماع: اتفاق كلمة المجتهدين على حكم شرعي، فإذا انعقد في عصر، لم يسغ لمجتهد حدث خرق سياجه بالخلاف، ومن افتكر في حقيقة المجتهد، وعرف أنه المحيط بمدارك الشريعة، مع وصف العدالة، ثم أخذ من استقراء سيرة المجتهدين أنهم كانوا يترفعون عن المتابعة، ويتحفظون
(4/ 1/80)

من القول بغير حجة، أدرك أنهم لا يتواردون على قضية، ويتضافرون على قطع الحكم فيها، إلا بعد النظر الواسع، والاعتماد على دليل واضح.
واجتهادات الآحاد وإن كان كل واحد منها بانفراده ليس حجة على غيره؛ لأن احتمال الخطأ فيه ليس ببعيد، فإذا انضم بعضها إلى بعض، وانصبّت على مدرك واحد، بدون أن ينازعها فيه مخالف، بعدت عن احتمال الخطأ، وقويت دلالتها على إصابة الحكم، ومشاكلة الحقيقة.
وقصر داود الظاهري الحجة في إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ومثله ما قال الإِمام أحمد بن حنبل في رواية أبي داود عنه: الإِجماع: أن يتبع ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن الصحابة، وهو في التابعين مخير.
وإذا حققنا أن الإِجماع الذي يسد فم المجتهدين بعده، هو الذي يصرح فيه جميع المجتهدين بالحكم الواحد، ولا يكفي أن يتلفظ بعضهم، ويسكت بعض، ولو واحداً، ظهر أن انعقاده بعد عصر الصحابة، وقد اتسعت ممالك الإسلام، ونشأ العلماء في أقطار متباعدة، مما يعسر إثباته، ولكنه على فرض وقوعه يكون حجة؛ كما هو مذهب جمهور العلماء.
وكثير من الفقهاء ينسب الإجماع إلى عدة مسائل، على معنى: أنه لم يعثر فيما طالع من الكتب على ذكر خلاف فيها, لا بمعنى أنه تتبع أقوال المجتهدين بأسرهم، فوجدها متصادفة على رأي واحد.
والقياس: أن ينص الشارع على حكم أمر، فنبحث عن علة الحكم، فإذا ظفرنا بمعرفتها، فإنا نلحق بذلك الأمر كل ما شاركه في العلة، ونسوّيه به في حكمه إذناً أو نهياً، ومن الأمثلة التي توضح هذا الطريق المهم في التشريم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، فنبه في الحديث على أن
(4/ 1/81)

الغضب علّة في منع القضاء، ويظهر بالنظر أن الغضب ليس علّة لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، والتروي من حال الواقعة، فيقول المجتهد: "لا يقضي القاضي وهو متألم"، فيقيس المتألم بالغضبان، ويسوّيه به في المنع من القضاء؛ لاشتراكهما في علّته، وهي: قلق الفكر، واضطراب شعوره.
واهتدى العلماء للاستدلال بقاعدته؛ حيث فهموا من استقراء مقاصد الشريعة: أن أحكامها مبنية على رعاية مصالح العباد، وخالف في صحة الاحتجاج به الظاهرية؛ بدعوى أن نصوص الشريعة تقي بجميع ما تدعو إليه الحاجة في جميع الحوادث.
ومما قال أبو محمد اليزيدي في الحثّ على القياس، والعمل به:
ما جهول لعالم بمدانٍ ... لا ولا العيّ كائن كبيان
فإذا ما جهلت فاسألْ تخبَّرْ ... إنّ بعض الأخبار مثل العيان
ثم قِسْ بعض ماسمعت ببعض ... وائت فيما تقول بالبرهان
لاتكن كالحمار يحمل أسفا ... راً كما قد قرأت في القرآن
إن هذا القياس في كل أمر ... عند أهل العقول كالميزان
لا يجوز القياس في الدين إلاّ ... من فقيه لدينه صوّان
إن من يحمل الحديث ولا يع ... رف فيه التأويل كالصيدلاني
حين يلغي لديه كل دواء ... وهو بالطب جاهل غير ران
ولنا في النبي صلى عليه الل ... هُ والراشدون كلَّ أوان
أسوة في مقاله لمعاذٍ ... اقض بالرأي إن أتى الخصمان
(4/ 1/82)

وكتاب الفاروق يرحمه الل ... هُ إلى الأشعري في تبيان
قس إذا أشكلت عليك أمور ... واقض بالحق في رضا الرحمن
لا يستقيم لقانون تفصّل أحكامه أن يطَّرد في جميع العصور، أو ينسحب على سائر الأقطار؛ لأن المصالح والمفاسد التي توضع لها القوانين، لا تلحق كل الأعمال لذاتها، أو لوصف لا ينفك عنها، حتى يكون العمل دائمًا لمصلحة أو مفسدة، بل المصلحة والمفسدة تترتب على الأفعال ترتب المسبّبات العادية على أسبابها، مثلَ ترتب منافع الأدوية ومضارها عليها، فإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فالعمل قد يكون منشأ لمصلحة في حال، أو في زمان، أو في حق أشخاص، فيستدعي الإثبات والإِقبال عليه، وقد ينتقل فعله إلى أن يتصل بمفسدة، فيستحق النفي والبعد عن جانبه.
من هنا كان بعض من لا يعرف بطانة الشريعة الإسلامية يتردد ويرتاب في صلاح العمل بها في كل عصر وجيل، ويقول: إن حقيقة القانون لا تنطبق على ما قررته من القضايا؛ لأنه يؤخذ في خصائص القانون أن يتبدل ويتجدد بحسب تغير العصور والأحوال.
ولا أرى هؤلاء إلا أنهم اعتقدوا شريعة الإسلام بمثال القوانين الوضعية، فصّلت أحكامًا، أو أعطت قواعد قريبة من التفصيل، ثم قطعت وحيها عن الناس.
إن الشريعة ضمت تحت جوانحها حقائق حفظت مصالح كل العصور والأجيال، ومكنت المجتهد في كل عصر أن ينتزع لأي حادثة تعرض حكماً يلائم مصلحتها.
فتحت الشريعة باب القياس، وهو - كما قرّرنا - إلحاق الأمور التي لم
(4/ 1/83)

نطلع على نص مفصل أو عام يدل على حكمها، بالأمور التي تقررت لها أحكام؛ بجامع العلل التي هي دائرة على اعتبار المصالح والمفاسد، ويسع هذا الباب من الوقائع المتجددة ما لا يحيط به الاستقصاء.
أقامت الشريعة دعائم كلية، وينبني على كل دعامة منها أصول وأحكام يستخرجها العارف بطبيعة النوازل، القائم بمقصد الشارع في أمثالها، ومن هذه الدعائم قولهم: "الضرر يزال". ومن مآخذها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "لا ضرر ولا ضرار". ومنها: "المشقة تجلب التيسير"، ومن دلائلها: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
ويدلنا دلالة جلية على اعتبار الشريعة للمصالح: أن المجتهدين الذين هم أعرف الناس بمقاصدها, لا يقفون في بعض الأحيان على ظواهر القرآن والحديث، فيقيدون مطلقاتها، ويخصصون عموماتها بمثل هذه القواعد، ومثال هذا. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه", وهذا مطلق، فقيّده الإِمام مالك بما إذا وقعت بين الخاطب والمخطوبة مراكنة واتفاق على الصداق، وقال في "الموطأ": وليس المراد إذا خطب الرجل المرأة، فلم يوافقها أمره، ولم تركن إليه، أن لا يخطبها أحد، فهذا باب فساد يدخل على الناس. أي: لما فيه من الحرج الذي هو مرفوع من الدين.
ويماثل هذا حديث "الصحيحين": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين على المدعى عليه، فحمله الإمام مالك وموافقوه على ما إذا كان بين المدعي والمدعى عليه خلطة؛ حذراً من أن يتجرأ السفهاء على أهل الفضل، ويبتذلوهم بتحليفهم في اليوم الواحد مراراً، فانظروا كيف خصن الحديث بشرط الخلطة؛
(4/ 1/84)

لكفّ ما يتوقع من الضرر على أهل الفضل؛ حيث علم: أن من مقاصد الشريعة: سد الأبواب التي يطرق الفساد من ناحيتها.
وقد يتوقف الأئمة عن العمل بحديث الآحاد، إذا ورد مناقضاً لقاعدة انتزعوها من موارد لا تحصى حتى قطعوا بصحتها، وقصد الشارع إلى إقامتها؛ كما صنع الإمام مالك وغيره في حديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا"؛ فإنه نظر إلى أن افتراقهما، وانفصال أحدهما عن الآخر ليس له وقت محدود، ولا غاية معينة، إلا أن يقوما، أو يقوم أحدهما، وهذه جهالة يقف عليها انعقاد البيع، فيصير في معنى الصور المقطوع بفسادها؛ كبيع الملامسة والمنابذة؛ بأن يقول له: إذا لمست، أو نبذت الحصاة، وجب البيع، والشأن في الصور المتماثلة، لا سيما في أبواب المعاملات التي هي مبنية على مقاصد عمرانية، وعلل ظاهرة للعقول: أن تكون أحكامها متساوية، فيجب أن يحشر جميعها زمرة واحدة تحت ما هو أقوى دلالة، وأبعد عن مواقع الظنون.
ومن شواهد الاعتبار بالمصالح والمفاسد: أن من الأشياء ما يكون في نفسه خاليًا من المفسدة، ولكنه يقرب منها بحيث يجر بطبيعته إلى ما فيه المفسدة، فتعاليم الإِسلام تقتضي المنع منه، كما تأذن في الأعمال التي تكون عارية من المصلحة في ذاتها، إلا أنها تفضي بعادتها إلى الأعمال المقترنة بالمصالح، ولهذه القاعدة المعروفة بسد الذرائع وفتحها فائدة عظيمة، ومدخل في مواقع السياسة بديع.
بسط الإسلام في رعاية المصالح المرسلة، وهي مصالح لم يقع التنصيص في الشرع على اعتبارها بخصوصها ولم يرد نص بإلغائها، ومن طرق الاحتجاج عليها: أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتعلقون بما يرونه مصلحة، ما لم يظهر دليل
(4/ 1/85)

خاص على منعه؛ ككتابتهم للمصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر - رضي الله عنهما -، وتدوين الدواوين، وعمل السكة، واتخاذ السجون، وما شاكل ذلك.
ومن وفاء الإِسلام بحق المصالح: أن جعل للعرف والعادة اعتباراً في تفاصيل الأحكام، فإن من الأحكام ما يبنيه الشارع على رعاية حال مستمرة، وسبب لا ينقطع، فيتعين العمل به في كل مكان وزمان؛ كالمنع من الربا، ومطالبة المدعي بالبينة، ومنها ما يبنيه على رعاية أحوال تتغير، وعوائد تتجدد، وهذا النوع من الأحكام لا يلزم طرده في كل عصر، ولا إجراؤه بكل موطن، بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد بين الناس.
قال شهاب الدين القرافي في "قواعده": إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، وينتقل الفقيه بانتقالها، ومن جهل المفتي جمودُه على المنصوب في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف، فإن القاعدة المجمع عليها: أن كل حكم مبني على عادة، إذا تغيرت العادة، تغير الحكم، والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال والعادات لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه، والخطاب به كما توهمه بعضهم، وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم، أو في عصر، فيكون مصلحة، وتتناوله دلائل الطلب، فإن لم تقتضه عادتهم، ولا تعلقت به مصلحتهم، دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم.
وممن حقق أن في أحكام الشريعة ما يجري بحسب اختلاف الزمان: شهاب الدين القرافي؛ حيث قال: إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفاً للشرع، بل تشهد له القواعد، ومن جملتها: أن الفساد قد أكثر وانتشر؛ بخلاف حاله في العصر الأول، ومقتضى ذلك: اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع.
(4/ 1/86)

ويوافق هذا قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وقول عز الدين بن عبد السلام: تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات والاحتياطات. أي: يحدثون أسباباً، فتستدعي أحكامًا تنتزع لها من دلائل الشرع، ومن هنا لزم أن يكون المقرر لأحكام السياسة وغيرها، ممن أوتي العلم بقوانين الشريعة، والفهم الراسخ في مداركها، حتى لا يخرج في تقريره عن الرسوم المطابقة لمقاصدها.
يتصرف علماء الإِسلام في الأحكام على نهج المصالح، فإذا أدركوا المصلحة في العمل بالقول الضعيف، أخذوا به، وتركوا ما هو المشهور حيث كان مجرداً عنها.
قال أبو علي المسناوي: إذا جرى العمل ممن يقتدى به بمخالف المشهور لمصلحة وسبب، فالواقع في كلامهم أنه يعمل بما جرى به العمل، وإن كان مخالفاً للمشهور، وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا، فالواجب الرجوع إلى المشهور.
ويقول بعض الفقهاء في شروط الأخذ بما جرى به العمل:
خامسها معرفة الأسباب ... فإنها معينة في الباب
وعند جهل بعض هذي الخمس ... ما العمل اليوم كمثل أمس
ولم يعدم الإسلام علماء يفقهون أن أحكامه واردة لحفظ المصالح، ودائرة على مقتضى الحاجات، فهذا أحد الفقهاء في قرية من صحراء الجزائر يقال له: خليفة بن حسن، نشأ في المئة الثالثة عشرة، فأفتى بجواز استناد الحاكم إلى آثار الأقدام في نحو السرقة؛ حيث كان لأهل بلاده براعة فائقة في معرفتها،
(4/ 1/87)

وأنكر عليه علماء بلد يقال لها: "الخنقة"، فأجابهم بقصيدة ذكر فيها بعض مستنداته في الفتوى، ويقول فيها:
إلى السادة الأشراف من أهل "خنقة" ... لهم في ندور الواقعات نقول
تمسكتم بالأصل والحق واضح ... ولا ينكر المعلوم إلا جهول
ولكن إذا عم السداد بحادث ... تقدم أصلاً والقياس دليل
كتضمين سمسار وتغريم صانع ... وما هو إلا مودع ووكيل
ومن ذاك ما قد جوّزوا في سفاتج ... إذا عم بالخوف الشديد سبيل
وفي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالح عمت والصلاح جميل
ومن أدب المسؤول قبل جوابه ... إذا وردت يوماً عليه سؤول
تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول
وما أنتم منا بأعلم بالذي ... به الضرّ يكفي عندنا ويزول
فلو أهملت آثار سرّاق أرضنا ... لكان فساداً للخراب يؤول
وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول
وما الأثر إلا كالخطوط شهادة ... كذا قال قوم في القياس عدول
فعرفانك الخط الذي غاب ربه ... لعرفان أثر المستراب عديل
وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهازَ أبي جهل وهو جديل
بأثر دم في السيف كان نبينا .... قضى أنه للسيدين قتيل
والوجه الذي لاحظه المعترضون لما أفتى به هذا الفقيه: أنّ النظر في المصلحة التي لم يقم على اعتبارها شاهد خاص منوط بوظيفة المجتهد،
(4/ 1/88)

ولا يصح ممن لم يبارح منزلة التقليد.
وهذا نظير ما اعترض به بعض المغاربة على ابن محسود، حين أفتى بجواز بيع أرض محبسة على مساكين في سنة قاحلة؛ دفعاً لما نزل بهم من الخصاصة.
ويوافق الفتوى الأولى: ما نقله الحافظ ابن رجب البغدادي في كتاب "جامع العلوم" عن الإمامين: الشافعي، وأحمد من استحسان قول القافة (1) في سرقة الأموال، والأخذ بذلك، وقال الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا قال صاحب الزرع: أفسدت غنمُك زرعي بالليل، ينظر إلى الأثر، فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع، فلا بد أن يجيء بالبينة، وهذا ظاهر في اكتفائها بمعرفة أثر الغنم، وإن البينة إنما تلزم عند عدم رؤية الأثر.
ومما يؤكد أن الحكم الشرعي يعتبر في تفصيله طبيعة الواقعة بحسب ما يجري به العرف، ويحف به من مقتضيات الزمان: أن السلف كانوا يكرهون السؤال عن النوازل قبل حدوثها. نقل الحافظ ابن عبد البر: أن عمر كان يلعن من سأل عما لم يكن، وكان زيد بن ثابت - رضي الله عنه - إذا سألة إنسان في نازلة، قال له: الله عليك، هل كان هذا؟ فإن قال: نعم، نظر في الحكم، وإن قال: لا، سكت عنه، ولم يعطه جوابًا. فيمكن أن يعد في أسباب كراهتهم للمسائل المقدرة: حذرهم من أن يفرضوا لصورة النازلة حكماً، فتبرز للخارج، ويقارنها بعض أحوال لو شاهدها المفتي، لغيّر حكمه، وفصله على ما يطابق تلك الأحوال. ومن وجوه هذه الكراهة - كما قال بعض العالمين -: أن الله يمد العلماء، وبؤيدهم بالسداد إذا توجهوا بأنظارهم إلى قضية ألجأتهم إليها
__________
(1) القافة: جمع القائف: من يعرف الآثار - "القاموس".
(4/ 1/89)

الحاجة. ويضاف إلى هذا: أن الناظر في القضية المفروضة لا يجتمع له من الاهتمام بأمرها، وإبعاد النظر في سائر أطرافها، مثلما يتوفر له من العناية والهمّة عند حضورها، والاضطرار إلى العمل بها.
هذه مقتبسات من مطالع الشرع الإسلامي، تمثل لنا حقيقته، وترينا رأي الباصرة كيف خلصت من كل كدر، وسلمت من كل خلل، حتى لا يستطيع الناشئ على أدب الإنصاف والاعتدال أن يرمي شيئاً من قوانينها بمخالفة الحكمة الثابتة، أو مناقضة قاعدة من قواعد العمران.
ولا أنكر أن بعض من ينتمي إلى الفقهاء، قد صدرت عنه أقوال ساقطة، وأجهز عليها المحققّون بالإبطال والنكير، كما أسقط بعضهم شرط العلم في ولاية القضاء، وجوّز إلقاء هذه الخطة على عنق من لا يعلم، وزعم أن استشارته لغيره تقوم مقام ذلك الشرط العظيم.
ووجه سخافة هذا القول، ونزوله عن مقام التحقيق: أن القاضي يؤمر بالاستشارة؛ ليستخلص الحق من بين الآراء المتعددة، وإذا كان في نفسه جاهلًا، فإنه لا يمكنه التمييز بين الآراء الصحيحة وغيرها حتى يتخير أقربها إلى الصواب، ولكن أمثال هذه الهفوة لا تلتصق بجانب الإسلام، وإنما ترسم في صحيفة من عثرت به الغفلة في أذيالها.
* اختلاف المذاهب:
كره الشارع التفرق في الآراء، وندب الأمة إلى الوفاق بقدر ما يمكنها، ولكنه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غير ميسر لهم، فأذن لهم بعد بذلهم الوسع في اتفاق الرأي، أن يأخذ كل طائفة بما استقرت عليه أفهامهم، ولا يضرهم متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام،
(4/ 1/90)

واستوفوا شروطها، أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر".
وأطلق الشارع للعقود عنانها في الاجتهاد؛ ليفتح لها المجال في النظر، ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي، حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها، فيتخللها الجمود، ويصبح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حمأ، والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر.
ومن شعر بهذه الحكمة، لا يمكنه الغضّ من جانب علماء الإِسلام؛ حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف، بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم، ويبرهن على أنهم نشؤوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر، ولو أنهم كانوا بعقول خامدة، وإرادة ميتة، لاتبعوا ما يفتي به أول فقيه منهم، وتسلّموه بتقليد.
لا محيص للمجتهدين من الخلاف لوجوه متعددة:
منها: أن غالب الدلائل أقوال نزلت بلسان العرب، وطرق دلالة الألفاظ على المعاني مما يجري فيه الخلاف بين الناظرين في علم العربية، وجريان الخلاف في دلالة مفردات الألفاظ ومركباتها يوجب الاختلاف في الأحكام المأخوذة منها.
ومنها: أن غالب الأحاديث يرويها الآحاد من الصحابة والتابعين، وقد يبلغ الحديث مجتهداً، ويصح عنده، فيبني عليه مذهبه، ولا يصل إلى مجتهد آخر، أو لا يثبت عنده، فيؤديه النظر إلى خلاف ما يتضمنه الحديث.
ومنها: أن بعض الأحكام تركب على علل لا يصرح بها الشارع، ولا يوميء إليها، ويكلها إلى اجتهادات العقول، فتذهب في الفحص عنها، والتنقيب
(4/ 1/91)

من ورائها إلى أن يستقر رأي بعضهم على علة، ويتعين عنده غير علة أخرى، وإذا اختلفت العلل، اختلف ما بسند إليها من الأحكام.
ولا ننسى أن فروعاً كثيرة إنما انجرّ إليها الخلاف من تباين العرف، أو عدم اتحاد المصالح؛ لتبدل العصور، أو تباعد المواطن، ومثل هذا لا ينبغي إدراجه في مسائل الخلاف الحقيقي كما أومأنا إليه فيما سلف.
ولو أن أهل الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية؛ لتحرير أحكام الحوادث، واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية، لالتأمت عدة خلافات حقيقية، وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف. وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة، فقد نقل الحافظ ابن عبد البر عن المسيب بن رافع: أنه جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنّة، رفع إلى الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم، فهو الحق.
وروي عن علي بن أبي طالب، قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولا سنّة، قال: "اجمعوا له العالمين". وهذا الحديث قدح الحافظ ابن عبد البر في سنده، ولكنه يدل على أن تأليف الجمعيات لتحرير المسائل العلمية مما شعر بفائدته علماء الإسلام في القديم.
* انتشار المذاهب:
أنبتت العصور الأولى طوائف من المجتهدين، ولم يبق من مذاهبهم التي هي محل للتقليد سوى مذاهب كان لأئمتها أصحاب يتلقونها منهم، فأوسعوها بالتفريع، وحفظوها بالتدوين؛ كمذاهب أبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -.
(4/ 1/92)

انتشرت هذه المذاهب في الأقطار الإِسلامية، وتوزع الناس أتباعها، وكانت كل طائفة -مع اعتقاد أن مذهبها أرجح وزنًا- تنظر إلى مذهب غيرها باحترام، ومما يشهد لهذا: أن أبا جعفر المنصور لما حج دعا الإمام مالكاً، ثم قال له: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها، يعني: "الموطأ"، فننسخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها, لا يتعدوها إلى غيرها، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملو ابه، ودانوا به، وإن ردّهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم.
والسبب في اختصاص كل قطر بمذهب، أو غلبته فيه، يرجع لأمرين: أحدهما: تمسك الدولة به في سياستها؛ فإن الناس مولعة بمحاكاة رجال دولتها، ويزاد على هذا: أن غالب الوظائف والمناصب إنما ينالها من ينتحل المذهب الذي تتصرف به الدولة.
ثانيهما: ما يتفق في القطر من كثرة علماء ذلك المذهب وقلتهم؛ كالمذهب المالكي؛ فإنه أخذ به أهل الأندلس والمغرب؛ لأن علماءهم كانوا يرحلون إلى الحجاز، وإمامه يومئذ مالك بن أنس، فيأخذون عنه، ثم يعودون وقد امتلأت حقائبهم من مذهبه، ثم تعلق به أمراء المغرب في سياستهم، فكان ذلك من أسباب استمرارهم على تقليده، مثلما انتشر مذهب الحنفية في بعض الممالك بكثرة ما انحاز إليها من فقهائه، واستدام فيها حيث ربطت به الدولة سياستها.
(4/ 1/93)

والعاميّ يتمسك بالمذهب؛ لأنه وجد آباءه أو أهل بلدته يتبعونه، حتى إذا فارق الرجل مذهب عشيرته إلى مذهب آخر، كان مسؤولاً عن وجه هذا التبديل، قال بعضهم لأبي ذر أحمد الهروي: من أين تمذهبت بمذهب مالك، مع أنك هروي؟ فقال: قدمت بغداد، وصحبت القاضي أبا بكر الباقلاني، فتمذهبت بمذهبه.
لم تكن العامة في الصدر الأول تلتزم اتباع المجتهد في سائر مذهبه، بل كان الواحد منهم يستفتي العالم في نازلة، فإذا عرضت له مسألة ثانية، ولقي عالماً آخر، عرضها عليه، واتبعه فيها كما اتبع العالم قبله في فتواه الأولى، ولكن القضية التي يأخذ فيها يقول إمام لا يتحول فيها إلى قول إمام آخر بغير وجه يرجحه؛ فإن انسلاله عن الفتوى الأولى، بعد أن اتثق بها شريعة، ورجوعه إلى غيرها بدون أن يترجح عنده دليله، أو تدعوه إليه ضرورة، هو في معنى الاسترسال مع الهوى، والعمل بما يلائم استحسان الطبيعة.
ولم يجوزوا للمقلد أن يتخير من كل مذهب ما هو الأهون عليه، والأوفق برغبته؛ لأنه من قبيل التلاعب واتباع الهوى، وربما اتخذه أصحاب النوايا السيئة وسيلة إلى الخروج عن عهدة التكليف، حكى البيهقي عن إسماعيل القاضي، قال: دخلت على المعتضد، فرفع إليّ كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنفُ هذا زنديق؛ فإن من أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلّا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ به، ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.
(4/ 1/94)

* طبقات الفقهاء:
يترتب أصحاب المدارك في الفقه إلى ثلاث طبقات:
الأولى: طبقة المجتهدين باطلاق، وهم الذين يؤسسون قواعد الأصول، ثم يستخرجون أحكام الوقاع على طبقها؛ مثل: الأئمة الأربعة.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، وهم القادرون على أخذ الأحكام من القواعد والأصول التي قررها أستاذهم؛ مثل: ابن القاسم في المالكية، وأبي يوسف في الحنفية، والمزني في الشافعية.
الثالثة: طبقة أصحاب الترجيح، وهم الذين يفضلون بعض الروايات أو الأقوال على بعض، بمثل قولهم: هذا أرفق للناس، وهذا أعلق بالمصلحة، ومن هؤلاء: أبو عبد الله بن عرفة في المالكية، وأبو حسن القدودي في الحنفية.
وها هنا طبقة رابعة تحفظ ما حرّره أصحاب المدارك، وتعلمه الناس من غير تصرف فيه، ومن هؤلاء من يأخذ مع بعض الأقوال مداركها، وبعضهم يحفظها نصوصاً مجردة، وفي هذه الطائفة يقول منذر بن سعيد البلوطي:
عذيري من قوم يقولون كلّما ... طلبت دليلاً: هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك
تجد في أهل هذه الطبقة من له اطلاع واسع في الحديث، والتفسير، والقواعد، إلا أنهم لا يفرغون عنايتهم في البحث عن الرابطة بينها وبين الفروع، إلى أن يمكنهم الارتقاء عند استحضار الفروع إلى أصولها، والنزول من ذكر الأصول إلى فروعها؛ بحيث تتواصل الفروع والأصول، وتتعانق بهيئة علم واحد.
يتفاضل الفقهاء أيضاً بمقدار حذقهم ومهارتهم في صناعة تطبيق الأحكام
(4/ 1/95)

على النوازل في الخارج؛ فقد يكون الرجل قائماً بالأحكام، وتنشر بين يديه النازلة، ويتعذر عليه تمييز الحكم الذي ينطبق عليها من جميع جهاتها.
وتنزيل الحكم على قدر الواقعة المعينة هو المسمّى عندهم بعلم القضاء، قال الإمام مالك في "المدونة": ليس علم القضاء كغيره من العلم، ولم يكن بهذا البلد أحد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئًاكان علم القضاء من أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان عن أبيه عثمان، وكان أبو بكر هذا قاضياً لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.
وصف ابن خلدون العلماء بنقيصة الجهل بمناهج السياسة، وادعى أن هذه النقيصة جرّها إليهم وصف العلم بطبيعته، فقال: إن عمارة أفكارهم بالقو اعد، وتعودهم بالقياس الفقهي، يقتضي بطبيعة قصور أمدهم، وبعدهم عن الإصابة لوجه السياسة.
والذي نختاره في وجه قصورهم عن مآخذ السياسة، وعدم تمكنهم من منازعها: إنما هو حصر وجهتهم في حفظ العلوم، وقلة الالتفات بها إلى أحوال العمران، أما من أضافوا إلى ما عندهم من العلم بأوضاع الشريعة النظرَ في الشؤون العامة، والكشف عن أسرار الحوادث، وما يعقبها في الخارج، فإنهم يحرزون السباق في نظام الدولة، والمحافظة على مصالح الأمة، كما يرشدنا إليه كمال خبرة المجتهدين والخلفاء الراشدين بمناهج السياسة، وحاجات الأمة، مع أنهم أغزر علماً ممن سمّاهم ابن خلدون بالعلماء.
كان علماء الشريعة يفحصون عن أحوال الأمة، ويستطلعون على مجاري أعمالها؛ ليفرغوا عليها من الأحكام ما ينطبق عليها، ثم اتفق لبعض حملة
(4/ 1/96)

الفقه أن قطعوا بحثهم عن الشؤون العامة، وألفوا مساكنهم، فإذا قصدهم أحد بمسألة، أعلموه بما يروونه عن سلفهم في حقها، وربما تكون فتوى القدماء مبنية على سبب استنتجوه من مطالعة الحالة الجارية بين الناس، وهذا السبب قد ينقرض، فيتعين استئناف النظر في الفتوى، والالتفات إلى ما بين يت عليه في الواقع.
وقد جرت على كثير من الفقهاء الذي يجهرون بشيء من نتائج عقولهم محن واضطهادات، فكانت أحد الأسباب التي رمت الأفكار بالجمود، وجعلتها تدور على محور المنقول؛ مثلما وقع لأبي الوليد الباجي، وابن حزم.
أحرق المعتضد بن عباد لابن حزم كتبه في "إشبيلية"، ومما قاله في هذه الواقعة:
دعوني من إحراق رَقٍ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمي كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
وقد يتفق للفقيه دولة أمير عالم، أو وزير لا تشتبه عليه الحقائق، فيستوقف عنه الفئة المتهافتة في قطع سبيله، مئلما جرى للشيخ بقي بن مخلد؛ فإنه دخل الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة، وأقرأه، فأنكر عليه جماعة بثه؛ لما فيه من مسائل الخلاف، وقام عليه جماعة من العامة، ومنعوه عن إقرائه، فاستحضره الأمير محمد، وتصفح الكتاب جزءاً جزءاً، حتى أتى على آخره،
(4/ 1/97)

ثم قال لخازن كتبه: هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر لنا في نسخة منه، وقال للشيخ: انشر علمك، وارو ما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له.
وكان للشيخ أبي الوليد الباجي علقة بالسلطان، فلامه بعض الفقهاء على هذه المداخلة، فقال لهم: لولا السلطان، لنقلني الذر (1) من الظل إلى الشمس.
تشعر الأمم الراقية بقيم العقول الكبيرة، فإذا تفرست في بعض الناشئين قرائح جيدة، وأنظارًا ترمي إلى غرض بعيد، ربتهم في مهد عنايتها، وساعدتهم بكل ما يقطع المعذرة في متاركة مداركهم، وإيقافها عند نهاية، وقد تضافرت صحف التاريخ على أن صاحب العقل الراجح لا يملأ يده مما يؤمل، أو يشرب من صفو حياته بكأس راوية، إلا بين رجال استقامت موازينهم، وخلصت هممهم، فبقسطاسهم المستقيم يدركون غاية وزنه، وبخلوص هممهم يخجلون من أن يعترضوا سعيه بعقبات شاخصة.
ومن الجليّ لدى كل متبصر: أن لرقي الشعب الذي يعيش فيه الرجل المفكر، وصفاء فطرتهم، تأثيراً شديداً في نماء أفكاره، واتساع مجالها؛ فإن الأمة إذا توجهت إلى ذي فكرة نافذة، ومثلت له في ألسنتها ما تحمله أفئدتها من رقة العواطف، انبعث في همته نشاط، ووصل صباحه بمسائه في استدرار قريحته، واعتصار مهجته؛ لتمحيص الحقائق، واستطلاع المخبآت من مكامنها؛ لينمّي سبيل معارفهم، ويزيد في رنة سمعتهم نغمة لذيذة.
فانظروا إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يوم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جمعًا من الصحابة عن الشجرة التي هي مثل المسلم، ووقع في نفس ابنه أنها النخلة، كيف
__________
(1) الذرّ: صغار النمل - القاموس.
(4/ 1/98)

أسف لعدم إسراع ابنه بالجواب قبل أن يصفها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن عمر أحب أن تظهر ألمعية ابنه وجودةُ قريحته في مجلس ينتظم شمله من رجال عظمت مداركهم، ولطف وجدانهم؛ لتنجذب إليه أفئدتهم ويحرز من استطلاعهم على فضيلته حظوة وعناية، ولو كان ابن عمر في مجمع لا يرتفع فيه شأن الأذكياء، لما أسف والده ذلك الأسف البالغ حين فاته أن يجهر بفكر يلوح إلى فطنة متنبهة.
* الفقهاء والأمراء:
إن للقائم بأمر الدولة ثلاث مقامات:
أحدها: تقرير أحكام تتميز بها الحقوق، وترسم للناس نظامات الاجتماع.
ثانيها: القضاء بها عند تحقق موجبها.
ثالثها: تنفيذها عند إباية المقضى عليه.
ولا تتمكن الدولة من الاحتفاظ بهذه المطالب الثلاثة إلا إذا صرفت عنايتها في نشر التعليم؛ لتستخلص رجالاً يقومون بمحكم واجباتها ونظاماتها، وآخرين يجيدون النظر في تطبيقاتها، كما يتعين عليها- لتستكمل قوتها التنفيذية-: أن تساعد الأمة على ترقية الصنائع، وتسهيل وسائل التجارة والفلاحة، وكل ما يعود على الثروة بالتوسعة، فشرف الدولة يرجع إلى أصلين: معنوي، وهو سعة المعارف، وحسن التدبير، وهذا هو السبب الذي يعرج بالأمة الخاملة إلى مطلع الفخر والسيادة. وحسي، وهو القوة والنظام، وهذا إنما تستمده الدولة من سعادة حال الأمة، وانظروا إلى الأمم الراقية فيما يقصه عليكم التاريخ, فإنها لا تكاد تنهض من مرقدها إلا حيث يقبض على زمام سياستها رجال أولو عقول نافذة، وتدبيرات صائبة، ثم تشاهد
(4/ 1/99)

الشوكة، وتنسيق المشروعات المدنية لم يتحققا لهم على وجه كامل، إلا عند تقدم الشعب، وبلوغه إلى أن يكون الشرف سائداً في أفراده.
ويتجلى من هذا: أن الدولة التي لها صبغة إسلامية، إنما يتحقق لها الشرف المعنوي بالرجال الذين يقومون بأحكام الإِسلام، ولهم المقدرة الطائلة في صناعة تطبيقها.
كان الأمراء في الصدر الأول يقومون بمعرفة أحكام الشريعة؛ بحيث يكون الأمير نفسه مرجعًا للعامة في الفتاوى وفصل الخصومات، حتى إن ابن عمر وغيره كانوا يقولون للسائل عن الفتيا: اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس، فضعها في عنقه، وهذا - كما قال الإمام الغزالي - إشارة إلى أن الفتيا في القضاء والأحكام من توابع الولاية والإِمارة. ثم عرض للأمراء ما استلفتهم عن القيام به؛ كاشتغالهم بوقائع الحروب، فصاروا يستعينون على ذلك بالعلماء، فكان الأمير يجلس وحوله بعض العلماء يرجع لهم في القضاء والأحكام، ويأمر أعوانه بتنفيذها.
ولما وجب على صاحب الدولة في الإِسلام أن ينظر إلى السياسة بمرآة الشريعة، كانت الرابطة بين الفقهاء والأمراء متحتمة.
والفقهاء في حالهم مع الأمراء على أربعة أصناف:
الصنف الأول: يتباعد عن ساحة الأمراء، ويضمر في نيته التحاشي عن مشاهدة ما ينكر، أو الترفع عن الوقوف بين يدي ذي نخوة وشفوف، ومن هؤلاء من يقول:
إن صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا كبراً بحق الجليس
فلزمنا البيوت نستخرج العلم ... ونملا به بطون الطروس
(4/ 1/100)

الصنف الثاني: يغشى منازلهم، ولا يغض طرفه عما يحدق بهم من المساوي، فيأمر بالقسط، ويصدع بالموعظة، ولو لم يأمن أن تقع حياته في خطر.
نقل الحافظ ابن عبد البر: أن مالكاً - رضي الله عنه - قيل له: إنك تدخل على السلطان، وهو يظلم ويجور! فقال: يرحمك الله، فأين الكلام في الحق؟.
والصنف الثالث: يتقرب منهم، ولا يناديهم بالإرشاد في كل خلل يرتكبونه، وإنما يتعرض بنصيحته في الزلل الذي يعلم منهم التسامح فيه، والإغضاء عمن يعظهم في حقه.
والصنف الرابع: يتردد على مجالس الأمراء، ويندمج في طباعهم، وربما بلغ به الإغراق في ملايمتهم وابتغاء مرضاتهم إلى تحريف الفتوى عن مواضع الحق، وفي مثل هؤلاء يقول بعض العلماء:
قل للملوك نصيحة ... لا تركنون إلى الفقيه
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه
وهذا الصنف مما زاد الوهن في العلاقة بين الأمراء والفقهاء؛ فإن الأمراء الذين يضطهدون الحقوق، قد تعودوا من هذه الفئة التملق في خطابهم، والتنازل بالفتاوى إلى ما يوافق أهواءهم، فإذانظروا إلى فقيه ينطوي على كبر همة، وتحالف متين مع الحق، حسبوه مناوئاً لهم، غير مسالم لسياستهم.
والأمراء باعتبار حالهم مع العلماء الذي يجاهرونهم بالنصيحة على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: تأخذه العزة بالإِثم، فتشمخ بمعطسه الكبرياء، ويقابل الداعي إلى الخير بعقوبة المجرمين.
(4/ 1/101)

الصنف الثاني: يجد في صدره الحرج من مشافهته بالوعظ، ولا يقلع عما نكب عليه من الباطل، ولكنه يحترم مكان العالم، فلا يسومه بمهانة، ومثل هذا ما حكي صاحب "نفح الطيب": أن أبا الوليد الباجي لما قدم من المشرق إلى الأندلس، وجد ملوك الطوائف أحزاباً متفرقة، فمشى بينهم في الصلح، وهم يجلُّونه في الظاهر، ويسثقلونه في الباطن، ويستبردون نزعته، حتى خاب فيهم أمله، ولم يقترن سعيه بنجاح.
الصنف الثالث: تأخذه رقة الحاشية، وصفاء الفطرة إلى طاعة الحق، وشكر الداعي.
طلع عز الدين بن عبد السلام إلى السلطان أيوب نجم الدين مرة، وقال له: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال: أنا ما علمته، ثم أمر السلطان بإبطال تلك الحانة.
وأكثر ما تؤثر الموعظة في قلوب الأمراء إذا برزت في صورة التعريض، أو ألقيت في مظهر الأقوال العامة، ومن مثل هذا: أن الشيخ أبا بكر بن سيد الناس قدم على حاضرة تونس، فاستدعاه المنتصر بالله، فلما دخل عليه، أمره أن يقرأ بين يديه آية من القرآن، فقرأ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. فاستحسن المنتصر قراءته وقصده، وكان ذلك سبباً في حظوته، ورفعة منزلته عنده.
(4/ 1/102)

النسخ في الشريعة الإسلامية (1)
النسخ في اللغة: الإزالة، ويقال نسخت الشمس الظلّ، والنقل والتحويل، ومنه: تناسخ المواريث؛ أي: تحويل الميراث من واحد إلى آخر.
أما النسخ في الشريعة، فهو: بيان انتهاء الحكم الشرعي المقدر في أوهام المكلفين دوامه، ويكون بيان انتهاء الحكم بخطاب.
فالحكم المشروع ابتداء، وإن بيّن انتهاء حكم البراءة الأصلية، لا يسمَّى نسخًا؛ لأن البراءة الأصلية ليست عندهم بحكم شرعي، ولو كان رفعُ حكم البراءة الأصلية نسخاً، لزم أن يكون كل حكم شرعي ناسخاً؛ لأنه رافع لحكم البراءة الأصلية. وإنما أخذنا في حقيقة النسخ إمّا يكون المبيِّن لانتهاء الحكم خطاب من الشارع؛ لنحترز عن رفع الحكم بالدليل العقلي؛ كأن يكون المكلف نائماً، أو مصاباً بجنون؛ فإن حكم الصلاة - مثلاً - يرتفع عنه، وارتفاعه إنما يكون بدليل عقلي، لا بخطاب شرعي.
ولم نقيد المبيّن لانتهاء الحكم بالتراخي كما ورد في بعض تعريفات النسخ؛ لأن التراخي إنما يذكر على أنه شرط، وقد جرى الخلاف في شرطيته.
__________
(1) محاضرة الإِمام في قسم التخصص بكلية أصول الدين إحدى كليات الأزهر، ونشرت في مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الرابع عشر، شوال 1358 ه.
(4/ 1/103)

وسمي رفع الحكم نسخاً؛ لأن الحكم الرافع قد أزال الحكم السابق.
ويظهر من كلام المتقدمين: أن النسخ في عرفهم أهمّ منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، كما يطلقونه على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي، ومن شواهد هذا التعميم: قول ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى:
{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] , هو منسوخ بقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الشعراء: 227].
وجرى الخلاف في جواز النسخ ووقوعه.
أما الخلاف في جوازه، فيحكي بعض الأصوليين أن بعض اليهود قد أنكروا النسخ، وقالوا بامتناعه عقلاً؛ بدعوى أنه منافٍ للحكمة؛ لأن النهي يعتمد المفسدة الخالصة أو الراجحة، فلو جاز نسخه بعد ذلك، لزم تجويز أن يأمر الله تعالى ويأذن في فعل المفاسد الخالصة أو الراجحة، وذلك محال على الله تعالى.
ثم إن النسخ يتضمن الإذن فيما نهى عنه، أو النهي بما أذن فيه، والفعل إما أن يكون حسناً، أو قبيحاً، فإن كان حسناً، استحال النهي عنه، وإن كان قبيحاً، استحال الإِذن فيه، فالنسخ محال عليه تعالى على كلا التقديرين.
وذهب أهل العلم في رفع هذه الشبهة مذهبين:
فالذين ينكرون تعليل الأحكام يقولون: إنها مسندة إلى محض إرادة الله تعالى من غير باعث، فالله تعالى هو الحاكم المطلق الفعّال لما يريد، فيجوز في حقه أن يضع حكماً، ويرفع حكماً، لا لغرض، ولا لباعث، ومن هؤلاء: ابن حزم، إذ قال في كتاب "الأحكام": "إن الله تعالى أراد أن يحرّم علينا بعض
(4/ 1/104)

ما خلق مدة، ثم أراد تعالى أن يحرمه علينا, ولا علّة لشيء من ذلك".
وأما المحققون الذين يقولون: إن أحكام الله تعالى مراعىً فيها مصالح العباد، واللطف بهم، فيجيبون عن هذه الشبهة؛ بأن المصالح تختلف بحسب اختلاف الأوقات، فقد يكون الفعل مفسدة في وقت، ومصلحة في وقت آخر؛ كوجوب وقوف الواحد من المسلمين للعشرة من الكفار حيث اقتضته قلة المسلمين، ورفع هذا الوجوب حيث استغني عنه بكثرتهم.
وإذا قالوا: إن النسخ من قبيل البداء، وهو مستحيل عليه تعالى، قلنا: بين النسخ والبداء فرق أجلى من الشمس، والفارق هو أن البداء يكون في الأمر بالشيء مع عدم العلم بما تؤول إليه حاله، وهذا هو المحال عليه تعالى، وأما النسخ (1)، فيكون الآمر عند شرعه الحكمَ الأول عالماً بأنه سيرفعه بعد مدة معلومة، وهذا يصح أن يكون من صفاته تعالى.
وأما الخلاف في وقوعه:
فقد قال أبو مسلم الأصفهاني (2) بجوازه عقلاً، وأنكر وقوعه، ونسب أبو بكر الجصّاص في كتاب "الأحكام" إنكار وقوعه في شريعتنا إلى بعض معاصريه، فقال: "وزعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه: أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد منه نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين؛ كالسبت، والصلاة إلى المشرق والمغرب".
__________
(1) وقد أخطأ بعض الشيعة إذ جوزوا على الله البداء، وادعوا أن علياً - رضي الله عنه - كان لا يخبر عن الغيب؛ مخافة أن يبدو لله فيه فيغيره، وزعموا أن محمد بن جعفر قال: ما بدا لله في كل شيء كما بدا له في إسماعيل؛ حيث أمر بذبحه، ثم فداه بذبح عظيم.
(2) هو محمد بن محمد من شيوخ المعتزلة المتوفى سنة 322.
(4/ 1/105)

ثم قال الجصّاص: "وكان هذا الرجل ذا حظ عظيم من البلاغة، وكثير من علم اللغة، غير محظوظ من علم الفقه وأصوله، وكان سليم الاعتقاد، غير مظنون به غير ظاهر أمره، ولكنه بَعُدَ من التوفيق بإظهار هذه المقالة؛ إذ لم يسبقه إليها أحد، بل عقلت الأمة سلفُها وخلفُها من دين الله وشريعته نسخَ كثير من شرائعه، ونقل إلينا ذلك نقلًا لا يرتابون فيه، ولا يجيزون فيه التأويل".
ثم قال: "فارتكب هذا الرجل في الآية المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أموراً أخرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها، وما أدري ما الذي ألجأه إلى ذلك، وأكثر ظني فيه أنه إنما أتي من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك، واستعمال رأيه فيه من غير معرفة منه بما قال السلف فيه، ونقلته الأمة، والله يغفر لنا وله" (1).
وذهب جمهور أهل العلم ومحققوهم إلى أن النسخ واقع في الشريعة.
وشبهة المنكرين لوقوع النسخ: أن اللفظ الدال على الحكم الأول إما أن يدل على الدوام، فإذا جاء الناسخ، كان متناقضاً، وإما أن لا يدل على الدوام، فيكون مطلقاً، ويكفي للعمل به مرة واحدة، وينقضي بذاته، فلا يحتاج إلى النسخ.
والجواب عن هذه الشبهة: أنه تعالى يأمرنا بالشيء، ولا ينص على دوام، ولا على عدم الدوام، وإنما يأتي الأمر بصيغة يفهم منها تكرار العمل، فنمتثل مقدرين استمراره، فهذا جاء الناسخ، نعلم أنه تعالى أمرنا بالأمر، وهو يريد العمل به إلى هذا الوقت المعين في علمه، وهذا الوقت لا يلزم
__________
(1) تفسير آية: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106].
(4/ 1/106)

أن يكون معلومًا لنا؛ إذ لا يترتب على هذا العلم فائدة.
ولما استدل الجمهور على النسخ بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 156] قال المنكرون للنسخ: إن الآية المراد منها: المعجزة؛ بدليل قوله تعالى بعد: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]؛ فإن وصف القدرة إنما يناسب الإِتيان بخير من الآية المتلوة، والإتيان بمثلها.
ورد هذا؛ بأن الصحابة - رضي الله عنهم - وهم أعرف الناس بفهم القرآن، كانوا يفهمون الآية على نسخ الآيات المتلوة في القرآن، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: أقرؤنا علي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذاك أن أبيًّا يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله (1) - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، يريد: أن أبيًّا ربما قرأ ما نسخت تلاوته؛ لكونه لم يبلغه النسخ.
وقال المنكرون للنسخ أيضاً: نسلم أن قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} مراد منه: نسخ الآية المتلوة، لا المعجزة، ولكن الآية وردت شرطية، والقضية الشرطية لا تستلزم الوقوع.
ويجاب عن هذا: بأن الآية - وإن كانت شرطية - قد وقعت في سياق الامتنان، والشرطية إذا وقعت في سياق الامتنان من الله تعالى، دلّت على وقوع فعل الشرط وجزائه.
وقد عمد منكرو النسخ لآيات وأحاديث متعددة ظاهرة في النسخ،
__________
(1) يريد: أن ما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علمه من طريق قطعي، وأما ما يخبره به غيره عنه، فلا يقبله، ويترك ما سمعه، إلا إذا بلغ مبلغ القطع.
(4/ 1/107)

فتأولوها على وجوه يريدون بها الجمع بين ما قيل فيه: إنه من قبيل الناسخ والمنسوخ.
وربما تعسف هؤلاء في التأويل، وأتوا بما لا يقع لدى العارف بحكمة التشريع ويلاغة القرآن موقع القبول.
كما أن بعض القائلين بالنسخ قد يتسرعون إلى تخريج آيات وأحاديث على باب النسخ، ويكون وجه إبقائها في الآيات المحكمة قريباً، وقد أسقط أبو بكر بن العربي كثيراً مما عد في الناسخ والمنسوخ بطريقة الجمع بينهما على وجه مقبول. "والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، بل ولا شطرها" (1).
ولا يكفي في تخريج كلام الشارع على النسخ مجرد التنافي بين ظاهري النصين، بل لا بد من قيام شاهد على النسخ، وأقوى شواهده: نص الشارع على ذلك؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"، وقوله: "كنت نهيتكم عن ادخار لحم الأضاحي، فادخروها"، وقوله: "كنت نهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا".
والنسح يقع في الشريعة لِحِكَم:
منها: اختلاف المصلحة باختلاف الزمان؛ كنسخ وجوب وقوف المسلم للعشرة من العدو للقتال بوجوب وقوفه للاثنين منهم.
ومنها: أخذ الناس إلى بعض الأحكام على وجه التدريج؛ حتى يسهل عليهم الامتثال؛ كما وقع تحريم الخمر، وتحريم الكلام في الصلاة بعد أن
__________
(1) "أعلام الموقعين" (ج 3 ص 458).
(4/ 1/108)

كان مباحاً.
ووقع في شريعة موسى - عليه السلام - نسخ الأخف بما هو أثقل منه؛ عقوبة على بعض المعاصي، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 160 - ا 16]، ولا نعلم مثالاً لهذا في شريعتنا.
المعروف أن النسخ ثلاثة أقسام:
أولها: ما نسخ حكمه وتلاوته، ويسوقون في أمثلته: نسخ تحريم عشر رضعات بتحريم خمس رضعات، المشار إليه في حديث مسلم عن عائشة -رضي الله عنها -، قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر: رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات (1)، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهن فيما يقرأ من القرآن" أي: يقرؤها من لم يبلغه نسخها.
ثانيها: ما نسخ حكمه، وبقي لفظه؛ كآية: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65]؛ إذ نسخ حكمها بقوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].
ثالثها: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه، ومثاله: نسخ آية رجم الزاني المحصن مع بقاء الحكم، وشاهدهم على هذا: ما رواه ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله قد
__________
(1) النسخ في الواقع متوجه إلى قصر التحريم على العشر الرضعات، وجعلها أدنى ما يقع به التحريم، وإلا، عشر رضعات لم ينسخ, لأن تحريم الخمس الرضعات يقتضي تحريم العشر الرضعات بالأولى.
(4/ 1/109)

بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحق، وأنزل عليه آية الرجم، قرأناها، ورويناها، ونقلناها، فرجم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجمنا بعده".
هذه رواية مسلم في "صحيحه"، وروى مالك في "موطئه"، قال: "قدم عمر بن الخطاب المدينة، فخطب الناس، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم بقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجمتُ، والذي نفسي بيده! لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله (1) تعالى، لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فإنا قد قرأناها".
خشي عمر - رضي الله عنه - أن ينكر عليه كتابة آية الرجم في المصحف قوم، ويقولوا: قد زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله، وهؤلاء الذين خشي عمر إنكارهم إما أناس يخالفونه في أن آية الرجم هذه نزلت في القرآن، وإما أناس يقولون إن هذه الآية غير مجمع عليها، وغير منقولة بالتواتر ولا يكتب في المصحف إلا ما نقل بالتواتر على أنه قرآن، وإما أناس يقرون بأنها نزلت قرآناً، ولكنهم يرون أنها نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، فلا يجوز إثباتها في المصحف.
والظاهر من كلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه يرى أن آية الرجم لم تنسخ تلاوتها؛ إذ لو كان يعلم أنها نسخت تلاوة، لما خطر له أن يكتبها في المصحف، وكان المانع له من كتابتها نسخ تلاوتها, لا الخوف من قول الناس: زاد عمر في كتاب الله.
وقد يقال: إن عمر كان عالماً بنسخها, ولم يرد كتابتها في المصحف
__________
(1) في "سنن أبي داود" "لولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله، لكتبته في المصحف".
(4/ 1/110)

داخلة بعض سوره، متصلة ببعض آياته، بل أراد بقوله: "لكتبتها": كتابتها في حواشي المصاحف، مع بيان أنها نسخت، حتى يطلع عليها كل من يقرأ المصحف، والذي منعه من كتابتها في المصحف على هذا الوجه؛ مخافة أن ينكر الناس عليه ذلك، ويسموه: زيادة في القرآن.
وجاء في رواية أبي داود في "سننه": "ولولا أني كره أن أزيد في كتاب الله، لكتبتبه"، فجعل علة عدم الكتابة كراهته لأن يزيد في كتاب الله؛ أي: إنه كره أن يكتب آية الرجم، ولو في حاشية المصحف؛ لأنها زائدة على القرآن، وقد أمروا بتجريد القرآن عن كل ما ليس بقرآن يتلى؛ حذرًا من أن يتجه الناس - ولو بعد حين - إلى اعتقاد أنه من القرآن المتعبد بتلاوته.
وليس فيما روي عن عمر بن الخطاب تصريح بأن ما نزل من الرجم قد نسخ، وإنما فهم النسخ من تسميتها آية، وقوله: قرأناها، مع عدم وجودها مكتوبة بين دفتي المصحف، ومن المحتمل أن يكون ما نزل في الرجم، لم ينزل على أنه قرآن يتعبد بتلاوته، ويأخذ مكاناً في المصحف، وإنما نزل بوحي؛ ليحفظ، ويعمل به.
قال ابن حزم في كتاب "الأحكام": "ونحن لا نقطع أنها كانت قرآناً يتلى في الصلوات، ولكن نقول: إنها كانت وحيًا أوحاه الله تعالى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - مع ما أوحي إليه من القرآن، فقرئ المتلو مثبوتاً في المصاحف والصلوات، وقرئ سائر الوحي منقولاً محفوظاً معمولاً به كسائر كلامه الذي هو وحي فقط".
وكان تسميتها آية على هذا الوجه مبنية على تفسير الآية بما نزل بوحي مطلقاً، ولا يختص بما نزل على أنه قرآن يتهجد به، ويتلى في الصلوات،
(4/ 1/111)

وأما قوله: "قرأناها"، فغير صريح أيضاً في أنها قرآن؛ إذ القراءة تكون لغير القرآن. ومما يدل على أن آية الرجم كانت تعد من قبيل الأحاديث، لا أنها قرآن: ما رواه الطبراني عن العجماء، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة بما قضياه من اللذة". ورجاله رجال الصحيح (1).
__________
(1) "مجمع الزوائد" (ج 6 ص 26).
(4/ 1/112)

صحيح البخاري وأثره في حفظ الشريعة (1)
أنزل الله تعالى القرآن المجيد بدين قيم، وشريعة محكمة، وأمر رسوله الكريم - صلوات الله عليه - أن يبين للناس ما لم تصل إليه أذهانهم من معانيه السامية؛ فقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ثم أمر الله تعالى بطاعة الرسول فيما يأمر به، أو ينهى عنه، وإن لم يرد أمره أو نهيه في صورة أنه بيان للقرآن، فقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
فدّلت الآيتان على أنّا مأمورون باتباع بيان الرسول للقرآن الكريم، واتباع ما يقرره من الأحكام، وإن لم يبد لنا وجه رجوعها إلى نص خاص من نصوص القرآن.
فمطلع الدين القيم، والشريعة السمحة: كتاب الله، وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، وإكمال الدين الممتن به في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] إنما تحقق بنزول القرآن، وبما
__________
(1) محاضرة الإمام في حفلة ذكرى الإمام البخاري التي أقامها نخبة من أبناء تركستان بالقاهرة. مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر، رمضان 1364.
(4/ 1/113)

فصّله الرسول - عليه الصلاة والسلام - في أحاديثه من أحكام وآداب.
وقد تكفل الله تعالى بحفظ الذكر في قوله العزيز: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ومن الجليّ أن الحكمة في حفظه إنما هي حفظ أصول الشريعة التي أراد الله تعالى أن تكون الشريعة العامة الخالدة، ومقتضى هذه الحكمة: أن يحفظ الله القرآن، ويحفظ السنّة التي تبين معاني بعض آياته، أو تقرر أحكامًا وأصولاً متممة للشريعة التي جاء لإقامتها.
ومن هنا عني الصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - بحفظ السنة رواية وكتابة، ومنذ عهد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أقبل العلماء على جمع الأحاديث، وإخراجها في مؤلفات اختلفت أنظارهم في أساليبها, ولكنهم لم يقصدوا فيها إلى كتاب "الموطأ"، وقصد في تأليفه جمع أحاديث صحيحة مرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأضاف إليها كثيراً من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، وكثيراً من إفراد الأحاديث الصحيحة عن غيرها، حتى جاء الإِمام مالك - رضي الله عنه -، وألّف أقوال الصحابة والتابعين وفتاواهم، وقد تتبع بعض أئمة الحديث تلك الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، فوجدوها موصولة في روايات أخرى إلا أربعة أحاديث، ولم يترددوا في أن يقولوا: إن أول من ألف في الصحيح: مالك بن أنس، حتى قال الإِمام الشافعي - رضي الله عنه -: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك.
ثم جاء الإِمام البخاري - رضي الله عنه -، فألف كتابه "الجامع الصحيح"، فكانت أحاديثه المرفوعة المتصلة الإسناد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من أحاديث "الموطأ"، وما أودعه فيه من الأحاديث المرسلة أو المنقطعة، أو آثار الصحابة والتابعين أقلّ مما في كتاب "الموطأ".
(4/ 1/114)

* كيف تيسّر للإمام البخاري أن يؤلف هذا الجامع الصحيح:
نشأ الإِمام البخاري في عهد كان المقام الأسمى فيه لمن يتفقه في الدين، وكانت أمصار الإِسلام طافحة بأئمة الحديث وحفّاظه، فأقبل على رواية الحديث، وتلقى عن أئمة خراسان، ثم رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، فلقي أئمتها وحفاظها, ولم يدخر جهداً في استقصاء ما عندهم من العلم، حتى تجمع له من الأحاديث ما لم يتجمع لغيره، وساعده على ذلك: سلامة الفطرة، وقوة الحافظة، وذكروا أنه روى عن أكثر من ألف شيخ، من بينهم: الإمام الحافظ علي بن المديني الذي قال فيه البخاري: "ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي بن المديني".
فلقاء البخاري في رحلاته بعدد كبير من حفاظ الحديث، مع صفاء ألمعيته، وقوة حافظته رفعه في علم الحديث والفقه إلى أن قال الإمام أحمد من شيوخه: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري فقيه الأمة.
* سبب تأليفه:
قال البخاري: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح رسول الله - رضي الله عنه -، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح"، وابتدأ جمعه في المسجد الحرام، يدل لهذا قوله فيما روي عنه: صنفت كتابي "الجامع الصحيح" في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته.
* حسن أسلوب "الجامع الصحيح"، ووجه تكراره للأحاديث:
اختلفت أساليب المصنفين في الحديث، فمنهم من رتبوا الأحاديث بالنظر إلى رواتها، وهي المسماة بالمسانيد؛ كما فعل الإمام أحمد بن حنبل
(4/ 1/115)

ومَن بعده، ومنهم من يرتبها على حسب الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به؛ كباب الصلاة، والزكاة، كما فعل مالك في "الموطأ"، وانتهى الأمر إلى زمن البخاري، فسلك هذه الطريقة، ولكن كثرت الأحاديث المودعة في كتابه، فكان أكثر أبواباً من كتاب "الموطأ".
قال ابن خلدون: وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره، فخرج أحاديث السنّة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه، وكرر الأحاديث، يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث، فتكررت لذلك أحاديثه.
قالوا: لمسلم فضل، قلت البخاري أعلى ... قالوا: المكرر فيه، قلت المكرر أحلى
* جمعة بين الرواية والتفقه في الحديث:
لم يقتصر البخاري على رواية الحديث كما يفعل كثير من المؤلفين في الحديث، بل جعل من مقاصد "جامعه": التفقه في أحاديثه، والنزوع إلى استنباط الأحكام والآداب، كما يشير إلى ذلك بالتراجم التي يضعها في صدور الأبواب، وهذا القصد قد سبقه إليه الإِمام مالك في "موطئه"، ولكن البخاري قطع فيه مراحل بعيدة على حسب كثرة ما جاء في "جامعه" من الأحاديث.
* استحسان شيوخه وغيرهم له عند عرضه عليهم:
لما صنف البخاري هذا الجامع، عرضه على علي بن المديني، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا
(4/ 1/116)

أربعة أحاديث، قال العقيلي: والحق فيه مع البخاري فهي صحيحة. واستحسان شيوخ المؤلف للكتاب، وشهادتهم له بالصحة، وسيلة كبرى لرواج الكتاب، وتنافس الناس في الإقبال عليه.
* تضافر العلماء من بعد على صحته، وترجيحه على غيره من كتب الحديث:
قال المحدثون: صحيحا البخاري ومسلم أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وقالوا: إن كتاب البخاري أصح من كتاب مسلم، وما ينفرد به البخاري أصح مما ينفرد به مسلم.
وقال الأصوليون: إذا تعارض حديثان، أحدهما في صحيح البخاري، والآخر في غيره من كتب الحديث، رجّح الحديث المروي في صحيح البخاري.
ومما ساعد البخاري على تحري الصحة في جامعه: أنه أخذ عن علي ابن المديني، وقد أجمعوا على أنه أعلم أقرانه بعلل الحديث، وأخذ عن محمد بن يحيى الذهلي، وكان أعلم أهل عصره بعلل الحديث.
وقال ابن الصلاح: "وقد أجمعت الأمة على تلقي هذا الكتاب بالتسليم والقبول لصحة جميع ما فيه".
وقال بعض أهل العلم: من حلف على صحة جميع ما في البخاري، كان باراً في يمينه.
* إقبال الناس على روايته ودراسته:
امتياز "الجامع الصحيح" بالصحة والرجحان على غيره، جعل الناس يقبلون على روايته بلهف، فقد ذكر الفربري الذي هو أحد رواة الجامع عن البخاري: أن الجامع سمعه من البخاري تسعون ألفاً، وإذا رأينا أكثر الروايات للجامع الصحيح تنتهي إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف الفريري عن البخاري،
(4/ 1/117)

فلأن الفريري سمع "الجامع الصحيح" من البخاري مرتين: مرة بفرير ومرة ببخارى، وتعد روايته أضبط الروايات.
ولثقة الناس بصحته، وعظم ما يقتبسونه من فوائده، ترى رجالاً يقرؤونه المرة بعد المرة في غير سآمة، فهذا غالب بن عطية الغرناطي يقول: كررت البخاري سبع مئة مرة. وذلك محدث اليمن سليمان بن إبراهيم العلوي يتحدثون عنه أنه أتى على البخاري نحو من مئتي مرة، قراءة وإقراء.
وأصحّ نسخة للجامع الصحيح اعتمد عليها المغاربة: نسخة برواية أبي عمران موسى بن سعادة، سمعها على أبي علي الصدفي نحو ستين مرة، وأبو علي الصدفي روى "الجامع الصحيح" عن أبي الوليد الباجي، والباجي رواه من أبي ذر - رضي الله عنه -.
* إقبال الناس عليه بالشرح والتعليق:
ولبلوغ "الجامع الصحيح" في الصحة الغاية، أقبل العلماء على اختلاف مذاهبهم على شرحه، والتعليق على المواضع المشكلة منه؛ كابن بطّال، وابن المهلب، وابن التين، والكرماني، وابن حجر، والليثي، والقسطلاني، والشيخ زكريا، وغيرهم.
ولم يستوف أكثر هؤلاء المصنفين ما يستحقه الكتاب من الشرح؛ إذ يحتاج شارحه- كما قال ابن خلدون- إلى معرفة الفرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق، ومعرفة أحوالهم، واختلاف الناس فيهم، ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه؛ لأنه يترجم الترجمة، ويورد فيها الحديث بسند أو طريق، ثم يترجم أخرى، ويورد فيها ذلك الحديث بعينه؛ لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب، إلى أن يتكرر
(4/ 1/118)

الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها، ثم قال: "ومن شرحه، ولم يستوف هذا فيه، فلم يوف حق الشرح؛ كابن بطال، وابن المهلب، وابن التين، ونحوهم، ولقد سمعت كثيراً من شيوخنا يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة، يعنون: أن أحداً من علماء الأمة لم يعرف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار".
وقال بعضهم: "لعل ذلك الدين قُضي بشرحي ابن حجر العسقلاني، والعيني".
وأشار الشوكاني إلى أن في شرح ابن حجر المسمّى "فتح الباري" كفاية، فأجاب حين طلبوا منه وضع شرح للبخاري بقوله: "لا هجرة بعد الفتح".
* أثره في تثبيت دعائم الإِسلام:
للجامع الصحيح أثر كبير في توطيد أركان الشريعة، وحمايتها من أن تعبث بها أصابع الجاحدين، يشهد بهذا وجوه كثيرة.
ومن هذه الوجوه: أن الأحاديث الضعيفة لا يعتمد عليها في استنباط الأحكام العملية، وتلقي الأمة للجامع الصحيح بالقبول والتسليم، يجعل أحاديثه كلها صالحة لأن يحتج بها في تقرير الأحكام العملية، فالجامع الصحيح وضع أمام الباحثين عن أحكام الشريعة جانباً عظيماً من الأحاديث التي لا يترددون في صحتها, ولا يشتبه عليهم الحال في عدالة رجالها.
ومن هذه الوجوه: أن بقية الكتب الستة التي أصبحت مدار علوم الحديث؛ كصحيح مسلم، وسنن الترمذي إنما ظهرت بعد الجامع الصحيح، وكان له أثر في توجيه مؤلفيها، وإجادة سندهم في تأليفها.
قال الدارقطني: لولا البخاري، لما ذهب مسلم ولا جاء.
(4/ 1/119)

وقال الحاكم: رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده، فإنما أخذ من كتابه.
وقال الإسماعيلي في "المدخل" بعد أن مدح البخاري في صنيعه، وذوقه: نحا نحوه في التصنيف جماعة، وذكر منهم: مسلم بن الحجاج، وقال: وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه.
ومن هذه الوجوه: أن بعض المجتهدين قد يسبق إلى استنباط حكم، ويتخذه مذهبًا، فإذا اطلع أتباعه على حديث في الجامع الصحيح ينافي ذلك الحكم، بينوا أن ذلك الاستنباط غير صائب، وتحولوا إلى الاقتداء بالحديث الصحيح، وكل إمام يقول: "إذا صح هذا الحديث، فهو مذهبي".
ومن هذه الوجوه: أن العلماء، بناء على شهرة الجامع الصحيح، وسمو مكانته في الصحة، وجهوا أنظارهم إلى البحث عن مرامي أحاديثه، والكشف عن أسرارها، وإيضاح ما أشكل منها، فجمعوا حول أحاديثه، وما يتصل بها من الآثار علماً غزيرًا، ومن هنا كانت شروحه من أقرب المراجع إلى أيدي الباحثين عن أحكام الشريعة وآدابها، وأفسحها مجالاً لمسائل الخلاف التي منشؤها التفقه في الحديث.
ومن هذه الوجوه: أن نفراً من زائغي العقيدة يحاولون اليوم وقبل اليوم أن يطرحوا السنّة النبوية من أصول الشريعة؛ بزعم أن الأحاديث غير ثابتة الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووجود الجامع الصحيح، وهو كتاب عرفه المسلمون بصحة السند، وأجمعوا على تلقيه بالقبول، يدفع هذا الزعم، ويكشف عن جهل صاحبه، أوسوء طويته.
وأذكر عقب هذا: أن الجامع الصحيح ساعد على حفظ اللغة العربية،
(4/ 1/120)

وإقامة قواعدها من وراء مساعدته على حفظ الشريعة وتأييد دعائمها؛ فإن ما في كتاب البخاري من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقوال الصحابة والتابعين يصح أن يستشهد به في اللغة، على ما بسطناه في رسالة قدمناها إلى المجمع, ونشرت في مجلته (1).
__________
(1) انظر كتاب الإمام: "دراسات في العربية وتاريخها" كما نشر البحث في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة - الجزء الثالث.
(4/ 1/121)

السُّنّة والبدعة (1)
شرع الله الدين الحنيف في سماحة وحكمة، فلم يأت بما فيه حرج، أو بما ينبو العقل السليم عن قبوله، وكانت هذه السماحة والحكمة من أسباب انتشاره في المعمورة، وظهوره على الأديان كلها في أعوام معدودة، وحيث بلي بعض الشرائع من قبل، فدخلها فساد التبديل والتأويل، اشتدت عناية الشارع بتحذير الناس من أن يحدثوا في الإِسلام ما ليس منه. قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدّ" (2) وقال: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (2).
ولم يخلص الدين - مع هذه الزواجر - من طوائف يلصقون به ما ينافي سماحته، أو ما يشوّه وجه حكمته، وقد كئرت هذه البدع حتى حجبت جانباً من محاسنه، وكان لها أثر في تنكر بعض القلوب لهدايته، وهذا ما حمل كثيراً من أهل العلم على أن يتناولوا البدع بالتأليف خاصة؛ كما فعل أبو بكر الطرطوشي، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهما من رجال الدين.
وللبحث في البدع مجال واسع، ونحن نلم في هذا المقال بالقدر الكافي لإجابة رسائل اقترح أصحابها على المجلة بيان ما هو سنّة، وما هو بدعة،
__________
(1) مجلة "نور الإسلام"- الجزآن الثامن والتاسع من المجلد الثاني، شعبان 1350 ه.
(2) "صحيح الإِمام البخاري".
(4/ 1/122)

وفي الفرق بين السنّة والبدعة، وتمييز البدعي من السني إصلاح كبير.
* السنَّة:
معنى السنّة في أصل اللغة: الطريقة، حسنة كانت أم سيئة، وقد تطلق على ما يقابل القرآن، فيراد بها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعلُه وتقريره، ويطلقها الفقهاء على ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم- وواظب عليه، وتطلق على ما يقابل البدعة، فيراد بها: ما وافق القرآن، أو حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - من قول أو فعل أو تقرير، وسواء كانت دلالة القرآن أوالحديث على طلب الفعل مباشرة، أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما، وينتظم في هذا السلك: عمل الخلفاء الراشدين، والصحابة الأكرمين؛ للثقة بأنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم.
قال عمر بن عبد العزيز: "سنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاةُ الأمور بعده سنناً، الأخذُ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن خالفها، اتبع غير سبيل المؤمنين".
أما دلالة القرآن، أو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن الأمر مشروع، فواضحة، ولا شأن للمجتهد في صيغ الأوامر إلا أن يتفقه فيها حتى يحملها على الوجوب أو الندب، ويتدبر أمرها فيما إذا عارضها دليل آخر؛ ليقضي بترجيح أحدهما على الآخر، أو يفصل في أن هذا ناسخ لذاك، وطرق الترجيح أو الحكم بالنسخ مقررة في كتب الأحكام.
والذي يستدعيه البحث في هذا المقال: أن نحدثك عن فعله - عليه الصلاة والسلام - وإقراره، حتى تعلم الضرب الذي كان لنا فيه أسوة حسنة، وسنّة قائمة:
(4/ 1/123)

من أفعاله - عليه الصلاة والسلام - ما يصدر عن وجه الجبلّة أو العادة؛ كالقيام والقعود والاضطجاع، والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي، وغاية ما يفيده فعله - عليه الصلاة والسلام - لمثل هذه الأشياء: الإِباحة، فإذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قام في مكان أو زمان، أو ركب نوعاً من الدواب، أو تناول لوناً من الأطعمة، أو لبس صنفًا من الثياب، فلا يقال فيمن لم يفعل شيئاً من ذلك: إنه تارك للسنّة.
ومن أفعاله - عليه الصلاة والسلام - ما علم اختصاصه به؛ كالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، ولا نزاع في أن مثل هذا ليس محلاً للتأسي، وما كان لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصائصه.
ومنها: ما عرف كونه بياناً للقرآن؛ كقطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وحكم الاقتداء به في هذا حكم المبين من وجوب أو استحباب.
ومنها: ما لم يكن جبليّاً, ولا خصوصية، ولا بياناً، وهذا إذا علمت صفته في حقه - عليه الصلاة والسلام - من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته متابعة له في الحكم؛ إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام.
فإن فعل - صلى الله عليه وسلم - أمراً، ولم يقم دليل خاص على أنه فعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة؛ كافتتاحه الرسائل بكلمة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فيحمل على أقل مراتب القرب، وهو الندب، وإما أن لا يظهر فيه معنى القربة، فيدل على أنه مأذون فيه، ومن أهل العلم من يذهب به مذهب المندوب إليه؛ نظراً إلى أنه - عليه السلام - مشرعّ، فالأصل في أفعاله التشريع، ومثال هذا: إرساله - عليه الصلاة والسلام -
(4/ 1/124)

شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذن، وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم؛ كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي بكر الطرطوشي جعلوه من مواضع الاقتداء، ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة، فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق، فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنّة.
ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن: إرساله - عليه الصلاة والسلام - ذؤابة من العمامة، وهي المسماة: "العذبة"، وقد ورد في حديث عمرو بن حريث في فتح مكة: "كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" (1)، وحديث ابن عمر: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتم، سدل عمامته بين كتفيه (2).
وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة، يكون موضعًا لاختلاف أهل العلم، فمنهم من يجعله من قبيل ما يتأسى به، وإلى هذا يجنح أبو بكر بن العربي، وقد روى الترمذي عن ابن عمر، وسالم، والقاسم: أنهم كانوا يفعلونه. ومنهم من يراه من قبيل العادة، فلا يعد المتعمِّم من غير عذبة تاركًا لسنّة، وهذه وجهة نظر من لم يكن يرسل العذبة من السلف، قال الإمام مالك: إنه لم ير أحداً يفعله إلا عامر بن عبد الله بن الزبير (3).
وقد يتقارب الحال في بعض الأفعال، فلا يظهر جلياً أهو عادة، أم شريعة؟ فتتردد فيه أنظار المجتهدين؛ نحو: جلسة الاستراحة عند قيامه
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه الترمذي، والنسائي.
(3) باب: العمائم في "فتح الباري".
(4/ 1/125)

للثانية أو الرابعة، فذهب بعضهم إلى أنه لم يفعلها على وجه القربة، فلا تدخل في قبيل السنّة، وعدّها طائفة فيما يستحب من أعمال الصلاة.
ومما لم يظهر فيه معنى القربة: تقديم اسمه - عليه الصلاة والسلام - في الرسائل على اسم المرسل إليه، ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه، وسئل الإمام مالك عن ذلك، فقال: لا بأس به، بل روى أن ابن عمر - وهو من أشد الناس محافظة على السنّة - قد كتب إلى معاوية، ثم إلى عبد الملك بن مروان، وقدم اسميهما على اسمه (1).
* تركه:
وكذلك يفصل القول في تركه - عليه الصلاة والسلام - لبعض الأشياء، فما يتركه من أجل كراهته له جبلَّة؛ كما امتنع من أكل الضب، ولما قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" وليس تركه - صلى الله عليه وسلم - للشيء على هذا الوجه من مواضع التأسي، وشاهده أن خالدًا - رضي الله عنه - سمع هذا الجواب، وما لبث أن جرّ إليه الضب، فأكله.
ويجري على هذا النحو ما يتركه - صلى الله عليه وسلم - لتحريم يختص به؛ كتركه أكل الثوم وما شاكله من كل ذي رائحة كريهة، فلغيره من المسلمين تناوله، ولا يكون بتناوله هذا خارجاً عن حدود قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
__________
(1) رواه البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح.
(4/ 1/126)

فإن لم يكن تركه - عليه الصلاة والسلام - من ناحية الجبلّة، ولم يثبت أنه كان لمنع يختص به، فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة، كانت الحرمة أو الكراهة شاملة لأمته؛ بحجة أن الأصل عدم الخصوصية، فإن ترك - عليه الصلاة والسلام - أمراً، ولم يعلم حكم هذا الترك، دلّ على عدم الإذن: في الفعل. وأقل مراتب عدم الإذن: الكراهة، فيحمل عليها حتى يقوم الليل على ما فوقها، وهو التحريم.
وإذا ترك - صلى الله عليه وسلم - الأمر لمانع من الفعل يصرح به، أو يفهمه المجتهد بطريق الاستنباط، ثم يزول هذا المانع، فإنه يصح النظر بعد في أمر المتروك، ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة؛ كما ترك - صلى الله عليه وسلم - صلاة القيام في رمضان جماعة، وذكر أن المانع من استمراره عليها: خوف افتراضها عليهم، ولما انقطع الوحي بانتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة؛ وهو خوف الافتراض، فلم يبق في تركها موضع للتأسي، ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الأصل الذي هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في جماعة.
ومن هذا الباب: تركه - صلى الله عليه وسلم - لقتل حاطب بن أبي بلتعة حين اطلع له على كتاب أرسله إلى قريش يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال ردًا على عمر بن الخطاب إذ قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق: "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" (1)، ففي ظاهر الحديث تعليل عدم قتله بشهوده واقعة بدر، فمن لم تتحقق فيه هذه المزية ممن يتجسسون على المسلمين،
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/127)

ويبلغون أخبارهم للمحاربين، يبقى أمره موكولاً لاجتهاد الإمام؛ ليجازيه بما تقتضيه المصلحة، ولو بالإعدام، وهذا ما يقوله إمام دار الهجرة مالك ابن أنس - رحمه الله -.
وإذا ترك - صلى الله عليه وسلم - أمراً لم يظهر في عهده ما يقتضي فعله، ثم طرأ حال يجعل المصلحة في الفعل، ارتفع طلب التأسي في الترك، وأصبح ذلك الأمر مجالاً لنظر المجتهد، حتى يفصل له حكماً على قدر المصلحة الداعية إلى فعله. ومثال هذا: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يجمع القرآن في مصحف؛ إذ لم يظهر في عهده ما يدعو إلى هذا الجمع، ولكن كثرة من قتل في حرب أهل الردة من القرّاء أثارت الخوف على القرآن من الضياع، ورأى الخليفة الأول صحة الجمع لهذا المقتضى الذي لم يكن في عهد الوحي قائماً.
ولا يدخل في الترك الذي نتحدث عنه عدم فعله - صلى الله عليه وسلم - لأمور لم تكن وسائلها قد تهيأت، ولا الفنون التي يتوقف عليها إنشاؤها قد ظهرت، فلا يخطر على البال أن نمنع من وضع آلات تعرف بها الأوقات في المساجد، ونستند في هذا المنع إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل هذا في مسجده الشريف. وليس من الفقه أن نرد الخبر بثبوت شهر رمضان يأتي على طريق البرق أو المسرّة (1)؛ بدعوى أن الأخذ به مخالف للسنّة؛ إذ لم يأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - في إثبات الشهر إلا بشهادة يؤديها من في حضرته. وإنما يعد مثل هذا من قبيل المسكوت عنه، فلأهل العلم أن يتناولوه بالاجتهاد، ويلحقوه بالأصل الذي يصح تطبيقه عليه.
__________
(1) المسرة: الهاتف.
(4/ 1/128)

والترك الذي يدل على عدم الإذن هو ما يروى في لفظ صريح؛ كتركه - عليه الصلاة والسلام - الأذان والإقامة ليوم العيد، وتركه غسل شهداء أحد، والصلاة عليهم. ويلحق بهذا: تركه الذي لم ينقل بلفظ صريح، ولكنه يفهم من عدم نقلهم للفعل الذي شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله لو وقع. فيصح لنها أن نقول: من السنّة ترك رفع الأصوات بالذكر أمام الجنازة، ويكفي في الاستشهاد على أن السنّة ترك هذا الرفع: عدم نقلهم لفعله، وهو من الأمور التي لو فعلت، لتوفرت الدواعي على نقلها.
وقد وردت أحاديث دلت على أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتركون الأمر لمجرد ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - له؛ كما ورد أنه - عليه الصلاة والسلام - خلع نعله في صلاة، فخلعوا نعالهم حتى أخبرهم بعدُ بأنه عَلِمَ من طريق الوحي أن بالنعل نجاسة (1).
ومن شواهده: أنه كان - عليه الصلاة والسلام - اتخذ خاتماً من الذهب، فاتخذوا خواتيم من ذهب، ثم نبذه، وقال: "إني لن ألبسه أبدًا" بها، فنبذوا خواتيمهم (2).
ومن عرف مسابقة الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى في ترك المكروه، لم يجد في أمثال هذا الحديث دليلاً كافيًا على أن تركه -عليه الصلاة والسلام - للشيء، يحمل على أشد مراتب النهي، وهو التحريم. وحرمة استعمال خاتم الذهب مأخوذة من الأحاديث الدالة على حرمة استعمال الذهب زينة للرجال.
__________
(1) رواه الإمام أحمد، وأبو داود.
(2) صحيح الإمام البخاري.
(4/ 1/129)

* تقريره:
من مقتضى ما تقرر من عصمته - صلى الله عليه وسلم -، وأمانته في التبليغ: أن لا يقر أحداً على أمر غير مأذون فيه شرعاً، فيكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله، سواء شاهده بنفسه فسكت، أو بلغه فلم ينكره. وما لا حرج فيه يشمل: الواجب، والمندوب، والمباح، فيحمل على أقل مراتبه، وهو الجواز، حتى يقوم الدليل على الندب أو الوجوب، ولا يدل الإقرار على جواز الفعل في حق من أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، بل يكون الجواز حكماً شاملاً لجميع المكلفين؛ أخذًا بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة. فليس لأحد أن يعد اللعب في المسجد بالسلاح تمرينًا على الحرب أمراً مخالفاً للسنّة، بعد أن ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الحبشة على اللعب في مسجده بالحراب. وليس لأحد أن ينكر على المعتدة عدة وفاة إذا خرجت للاستفتاء، بعد أن ثبت أن قريعة بنت مالك خرجت بعد وفاة زوجها تستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موضع العدة، فقال لها: "امكثي حتى تنقضي عدتك"، ولم يتعرض لخروجها بإنكار.
ويتصل ببحث السنّة مسألتان جرى فيهما اختلاف علماء الشريعة:
إحداهما: ما يقوم الدليل على أنه سنّة، ثم يتهاون فيه الناس، ولا يحتفظ به إلا فريق عرفوا باسم المبتدعة من ناحية اعتقاد أو عمل. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ترك هذه السنة احتراساً من التشبه بالمبتدعة. وضرب المثل لهذا بتسطيح القبور، والتختم باليمين، والحق أن محافظة بعض المبتدعة على سنّة حتى تفسير شعاراً لهم لا يخرجها عن حقيقة السنّة، ولا يزال خطاب الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيها متوجهاً إلى أولئك الذين تركوا السنّة حتى يعودوا إليها.
(4/ 1/130)

ثانيهما: ما يخشى من فعله اعتقاد العامة لوجوبه؛ فقد راعى بعض الأئمة مفسدة اعتقاد العامة لوجوب ما هو مندوب إليه؛ كما ذهب الإِمام مالك إلى كراهة صوم ستة أيام من شوال، مع صحة الحديث الوارد في فضله؛ خشية أن يعتقد العامة وجوبها.
قال أبو إسحاق الشاطبي: والذي خشي منه مالك وقع في المعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والبواقين.
وكذلك قال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الإِمام الشافعي: لا أحب أن يداوم الإِمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بسورة الجمعة ونحوها؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه، والجمهور لا يقيمون للخوف من اعتقاد العامة وزنًا. والتبعة في مثل هذا على أهل العلم؛ إذ هم المطالبون بتعليم الناس آداب دينهم، وهدايتهم إلى سبيل ربهم، وانظروا إلى ما صنع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين قبّل الحجر الأسود، وقال: "إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبّلك، ما قبّلت" (1)؛ فقد جمع بين الأخذ بالسنة، ودفع ما عساه يخطر في أذهان العامة من اعتقاد فاسد.
* البدعة:
البدعة في اللغة: الأمر المحدث على غير مثال، محموداً كان الأمر أم مذموماً، ووردت البدعة في لسان الشارع، فذهب الفقهاء في الحديث عنها مذهبين:
أحدهما: مذهب من يتوسع في معناها، فيحملها على ما أحدث بعد
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/131)

عهد النبوة، سواء أكان راجعاً إلى العبادات، أم المعاملات، وسواء أكان حسناً، أم قبيحاً.
قال الإِمام الشافعي - رضي الله عنه -: المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتاباً، أو سنّة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير، وهذه محدثة غير مذمومة.
وعلى هذه الطريقة جرى عز الدين بن عبد السلام؛ إذ قسم البدعة إلى: واجبة؛ كوضع علم العربية وتعليمه، ومندوبة؛ كإقامة المدارس، ومكروهة؛ كتزويق المساجد، ومحرمة؛ كتلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، ومباحة؛ كوضع الأطعمة على الموائد ألواناً.
ثانيهما: مذهب من يفسر البدعة بالطريقة المخترعة على أنها من الدين، وليست من الدين في شيء، فهي مذمومة في كل حال، ولا يدخل في حقيقتها واجب أو مندوب أو مباح، وعلى هذا المعنى ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وكل بدعة ضلالة"، وهذا ما يريده الإِمام مالك - رضي الله عنه - في قوله: "من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ".
وأصحاب هذه الطريقة يحملون قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" على معنى: البدعة في اللغة؛ كما أن أصحاب الطريقة الأولى يذهبون في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (1) إلى أن المراد من المحدثة والبدعة: نوع خاص من المحدثات والبدع، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنّة.
__________
(1) أخرجه مسلم.
(4/ 1/132)

والابتداع إما إحداث أمر في الدين غير مشروع من أصله؛ كصلاة الرغائب في رجب، وصلاة ليلة عاشورإء. وإما زيادة على أمر مشروع؛ كالذكر يقرن بالرقص في حركات متطابقة. وإما نقص من المشروع؛ كالذكر باسم مفرد في رأي من يعده بدعة؛ نظراً إلى أن الوارد إنما هو ذكر الله بلفظ مركب مفيد. وإما تحويل المشروع عن موضعه؛ كتقديم خطبة العيد على صلاته.
ويدخل في البدع: كل عمل استند صاحبه في ابتداعه إلى حديث موضوع؛ كالرقص في حال الذكر الذي يروي فيه فاعلوه حديثاً موضوعًا هو: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تواجد، واهتز حتى سقط الرداء عن منكبه"، أما الحديث الضعيف يدل على فضل عمل خاص، فينفي عن العمل اسم البدعة، بشرط أن لا يكون ضعيفاً جداً، وأن يشهد لما رغب فيه من العمل أصل عام من أصول الشريعة.
ويدخل في البدعة: ترك المأذون فيه على وجه التدين، وتسمى: البدعة التَّرْكية، وقد سدّت الشريعة الطريق دون هذه البدعة إذ همّ قوم أن يقعوا في خطيئتها، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]، ولم تعدم هذه البدعة بعد نزول الآية أناساً يتعلقون بها، ويحسبون أنهم يتقربون إلى الله بالتزامها، وإنما انحدروا إليها من ناحية الزهد، وللزهد مواطن لا يدخل ترك الطيبات في حدودها.
دعي الحسن البصري إلى طعام، ومعه أصحابه، وفرقد السبخي (1)، فمَعدوا على المائدة، وعليها ألوان من الدجاج المسمن، والفالوذج، وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا, ولكنه
__________
(1) السبخة: موضع بالبصرة ينسب إليه فرقد؛ لأنه كان يأوي إليه.
(4/ 1/133)

يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فرقد! أترى لُعاب النحل بلُباب البر بخالِص السمن، يعيبه مسلم؟!
ومن البدع التي يلبسها بعض المتصوفة بدعوى الزهد: أثواب ينشئونها من قطع مختلفة، وتسمى: المرقعات.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": إن الثوب إذا خلق منه جزء، كان طرحُ جميعه من الكِبر والمباهاة والتكاثر في الدنيا. وإذا رقعه، كان بعكس ذلك كله، ورقع الخلفاء ثيابهم. والحديث مشهور عن عمر، وذلك شعار الصالحين، وسنة المتقين. حتى اتخذه الصوفية شعاراً،
فجعلته في الجديد، وإنشاء مرقعة من أصلها، وهذا ليس سنّة، بل هو بدعة عظيمة، داخل في باب الرياء، وإنما المقصود بالترقيع: الانتفاع بالثوب على هيئة البِلى.
ومن أقبح البدع: ما يوضع موضع سنّة؛ كالاستخارة بنحو المصحف والسبحة بدل الاستخارة الواردة في السنّة التي هي صلاة ركعتين بالفاتحة، - وسورتي: الكافرون، والإخلاص، ثم الدعاء "اللهم إني أستخيرك بعلمك إلخ"، ولو قال إنسان لآخر عند الملاقاة: (صباح الخير)، أو (أسعد الله صباحكم) - مثلاً - في موضع: السلام عليكم، لعد صنيعه هذا من قبيل وضع المحدث مكان السنّة. غير أن الفرق بين هذا المثال وما تقدمه: أن الاستخارة بنحو المصحف والسبحة ممنوعة في نفسها.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام" بعد أن تكلم على التعرض للغيب: فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف؟ قلنا: لا يجوز؛ فإنه لم يتبين المصحف ليعلم به الغيب، إنما بينت آياته، ورسمت
(4/ 1/134)

كلماته؛ ليمنع عن الغيب، فلا تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. وأما نحو: (أسعد الله صباحكم)، فإنما ينكر حيث يوضع موضع تحية الإِسلام، فلو أضيف إلى التحية الإسلامية، لم يكن إضافته إليها من بأس.
ومما يفعله بعض الناس بدل حكايته الأذان والدعاء "اللهم رب هذه الدعوة التامة ... إلخ" الثابتين في الصحيح: أن يقول الشخص: "مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -"، ثم يقبل إبهاميه، ويجعلهما على عينيه، ولا نعلم لهذا الذي يفعلونه من سند يوثق به حتى يصح أن يقام مقام سنّة ثابتة.
ولا يدخل في البدعة ما يفتي به البالغ درجة الاجتهاد، وإن خالف الجمهور، وإنما هو رأي مرجوح، وآخر راجح، إلا أن تكون الفتوى مخالفة للنص الجلي من القرآن أو السنّة، أو القواعد القاطعة، أو الإجماع؛ فإن الفتوى تكون حينئذ زلة لا يصح البقاء عليها، أو المتابعة فيها.
والشاهد على ما نقول من أن الأعمال التي تستند إلى آراء اجتهادية - ولو كانت مرجوحة - لا تسمى بدعة: أن الأئمة المجتهدين يرون أقوال مخالفيهم بالنسبة إلى أقوالهم مرجوحة، ولا ينسبونهم إلى ضلال، ولا ينكرون على من يقتدي بهم في المذهب. وإجماعهم على أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، شاهد على أن المجتهد لا يرى أن العمل يقول مخالفه بدعة، ولو كان في نظره بدعة، لما أفتى بإقراره، وهو يعلم أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا نسمّي الصلاة لغير الخسوف والكسوف؛ كالزلزلة، والربح الشديدة بدعة وضلالة، وصاحبها مبتدعاً ضالاً؛ لأنها مشروعة عند بعض الأئمة، وإن كانت أدلتهم فيما نرى، أو يرى الإِمام الذي تفقهنا على مذهبه،
(4/ 1/135)

واهية مرجوحة.
نقول هذا؛ تحذيراً من قوم لم يدرسوا أصول الدين، ولم يتعرفوا مقاصد الشريعة، ولمجرد ما يتلون آية أو حديثاً، ويبدو لهم - وهم أشباه العامة- أن ما يقوله الإمام فلان، أو الأئمة الأربعة مخالف للآية أو الحديث، يعجلون إلى الإنكار، ولا يبالون أن يسموا العمل على ما ظهر لهم من أنه مخالف لنص الكتاب أو السنّة، بدعة، وصاحبها مبتدعاً.
وإذا كان في أشباه العامة من يقرأ الحديث في "صحيح الإمام البخاري"، أو الإمام مسلم - مثلاً -، ولا يحسن أن يتفقه فيه على مقتضى أصول الشريعة، فيخف إلى الطعن في مذاهب الأئمة حتى ينبذها بلقب البدعة، فإن في المستضعفين من أهل العلم من يعمد إلى أعمال يبتدعها العامة مخالفة للنصوص الجلية أو القواعد القطعية، فيتطلب لها مخرجًا يبتغي بها مرضاتهم {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62].
ومن أضر البدع: ما يكون إتلافاً للمال، وإنفاقاً له في غير جدوى؛ كإيقاد الشموع على قبور الأولياء بقصد القربة. ومن أجلبها للخسار: ما يعوق عن فعل خير؛ كالاستخارات غير الشرعية، فقد يتفق لفاتح المصحف أن يقع نظره على آية فيها معنى النهي- مثلاً -، فيترك الأمر، ويكون في فعله - لو استشار، أو اعتمد على الاستخارة الشرعية - خير كثير.
ومن شرها: ما يفعل بدعوى القربة، ويكون في الواقع مثيراً للأهواء، مبعدًا للنفوس عن التقوى؛ كهذه الأشعار التي توصف فيها الخمور والغواني والغلمان. ولا يتحاشى فيها عن ذكر العشق والهجر والوصال والعيون والثغور والرضاب، ويتغنى بها في المجامع بزعم أنها كنايات، أو إشارات لها تعلق
(4/ 1/136)

بالحضرة الإلهية أو النبوية.
ومن أسوأ البدع: ما يضاهي به بعض طرق المخالفين؛ كهذا الذي يدعو إليه بعض الزائغين أو المغفلين من إقامة خليفة (روحي) لا جند له ولا سلاح، ولا يملك من تنفيذ الأحكام الشرعية قليلاً ولا كثيراً، يدعو إليه الزائغون؛ لأنهم يريدون اتخاذه رمزاً لفصل الدين عن السياسة، ويدعو إليه بعض المغفلين؛ لأنهم لم ينتبهوا لسريرة الزائغين، أو لما قصد الشارع في إقامة الخليفة من مصلحة اتحاد كلمة المسلمين، وتنفيذ أحكام شريعته الغراء، وإنما يتحد المسلمون تحت راية من يحترمونه؛ لعدله، وجهاده في الحق جهادًا يطمس على أثر الباطل، وإنما يقيم أحكام الشريعة على وجهها من يكون في لسانه حجة، وفي يده قوة.
ومن البدع التي جاء الإسلام ليقتلعها من منبتها: أعمال يبنيها أصحابها على زعم أنها تقي من الجن، وليس بينها وبين هذه الوقاية من صلة؛ كذبح حيوان، أو صنع طعام؛ باعتقاد أنه يجلب رضاهم، ويكون سبباً لدفع ضرر يتوهم أنه يجيء من ناحيتهم.
ذكر لابن شهاب: أن إبراهيم بن هشام المخزومي أجرى عينًا، فقال له بعض المهندسين عند ظهور الماء: لو أهرقت عليها في دمًا، كان أحرى أن لا تغيض، ولا تفور فتقتل من يعمل فيها، فنحر جزائر (1) حتى جرى الماء مختلطًا بالدم، وأمر فصنع له ولأصحابه منه طعام. فقال ابن شهاب: أما بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يذبح للجن؟
وقد عرفت أن ترك السنّة لا يستدعي فعل بدعة، إلا أن تترك السنّة
__________
(1) جمع جزور، وهي الناقة المجزورة؛ أي: المنحورة.
(4/ 1/137)

على اعتقاد أن خير الدين في تركها، فيكون من قبيل البدعة التركية؛ كمن يترك الصلاة في جماعة بدعوى أن صلاته في حال انفراد أجمعُ للقلب، وأدعى للخشوع. أما من ترك السنّة لغرض دنيوي، فلا يسمى لمجرد تركه السنّة مبتدعاً، كما اعتاد الناس ترك تشميت (1) الرؤساء مهابة لهم، ولو حمدوا الله تعالى بعد العطاس.
عطس المأمون مرة في محضر جماعة، فلم يشمته أحد، فقال لهم: لماذا لم تشمتوني؟ قالوا: هبناك، فقال: لا خير في مهابة تحرمني من رحمة الله. وإنما أمات هذه السنّة في مجالس الرؤساء استنكاف بعضهم من الرد على من يشمتهم، وما كان لهم أن يستنكفوا.
وإذا كانت البدع تشوه وجه الدين الحنيف في نظر من يجهلون حقائقه، فضلاً عما تجره من المفاسد العظيمة والمآثم، فمن الواجب على أهل العلم أن يحاربوها بما استطاعوا، وعلى القوة الحاكمة أن تشد أزرهم في تغييرها. وكثير من البدع لا تقتلع عروقها، ويطمس على آثارها إلا أن تتعاضد القوتان العلمية والتنفيذية على إماتتها.
قال عز الدين بن عبد السلام في رسالة (2) أنكر فيها بدعة صلاة الرغائب: "ولما صح عند الملك الكامل -رحمه الله - أنها من البدع المفتراة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولى شيئاً من أمور المسلمين، فاعان على إماتة بدعة، أو إحياء سنّة".
__________
(1) تشميت العاطس: الدعاء له.
(2) أوردها ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (ج 4 ص 105).
(4/ 1/138)

الرؤيا ليست طريقاً للأحكام الشرعية (1)
كثيرُ من المرائي ينشأ من انطلاق المخيلة، وسيرها في غير نظام حيث تعطل الحواس، ويفقد التنبه، ولا يبقى للإرادة سلطان على تنظيم حركة التفكير. وقد تنشأ عن تعلق النفس بالشيء في حال اليقظة، وكثرة تفكيرها فيه، وربما نشأت عن أمر تنفعل له الأعصاب؛ كأن يقرع صوت الموسيقى أذن النائم، فتضطرب أعصابه، وتجري في مخيلته صور من خواص الموسيقى، فيرى نفسه في مجتمع سرور أو عرس. وجميع هذا من قبيل أضغاث الأحلام، لا يحتفل بتأويله، ولا ينبغي الالتفات إليه.
وفي المرائي ما يكون من قبيل الإلهام، فيدل على بعض المعاني دلالة صحيحة، وقد دل على وجود هذا القسم: القرآن، والسنّة الصحيحة والتجارب التي لا تقف عند نهاية، بل دل القرآن على أن صدق الرؤيا قد يتحقق في رؤيا غير المؤمنين، ومن شواهد هذا: رؤيا عزيز مصر التي عبرها يوسف - عليه السلام - ووقعت على نحو ما عبرها.
ولما كان في المرائي المنامية ما هو من هذيان المخيلة، سقطت الرؤيا عن درجة الاعتبار، ولم يكن لها في مآخذ الأحكام الشرعية موضع.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء الثالث من المجلد الثالث، ربيع الأول 1351 ه.
(4/ 1/139)

قرر أبو إسحاق الشاطبي: أن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - طريق من طرق الوحي الصادق، ثم قال: "وأما أمته، فكل واحد منها غير معصوم، بل يجوز عليه الخطأ والغلط والنسيان، ويجوز أن تكون رؤياه حلماً؛ وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه، واعتيد ذلك فيه، واطرد، فإمكان الخطأ والوهم بأن. وما كان هذا شأنه، لم يصح أن يقطع به حكم".
وإنما كانت رؤيا الأنبياء وحياً؛ لأنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم من سبيل.
هذه نظرة في أصل الرؤيا، فإن ذكر الرجل أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، وأمره بأمر يخالف ما جاء في شريعته، أو أخبره بشيء يخالف ما يعلمه في اليقظة، فليس له التمسك بهذه الرؤيا، بل يأخذ بما جاء في الشريعة الغراء، ويبني على ما يعلمه في اليقظة.
فإن قيل: إن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام، فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتخيل بي"، فيكون ما يأمر به أمراً حقاً، وما يخبر به خبراً صدقاً.
قلنا: إن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم قد تكون لمثاله الصادق؛ كرؤيا الصحابي الذي رآه في اليقظة، فانطبع مثاله في نفسه، أو رؤيا من درس صفاته المنقولة في الكتب، فارتسمت منها في نفسه صورة مطابقة، أما رؤياه على غير هذا الوجه، فمحتمل لأن يكون من قبيل تخيل الشيطان، ثم إن رؤيا مثاله الصادق - وإن كانت حقاً - لا يصح الاستناد إليها في حكم شرعي؛ لاحتمال الخطأ والغلط في ضبط المثال في النوم.
قال الزركشي في "البحر المحيط": "والصحيح أن المنام لا يثبت حكماً
(4/ 1/140)

شرعياً، ولا ينفيه، وإن كانت رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - حقاً، والشيطان لا يتمثل به، ولكن النائم ليس من أهل التحمل والرواية؛ لعدم تحفظه".
والخلاصة: أن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على صورة غير مطابقة لشمائله الواردة في اللصحيح، فرؤياه هذه ليست هي الرؤيا التي وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها حق، فضلاً عن أن تكون مأخذ حكم شرعي. فإن كانت مطابقة لما ورد في شمائله، فهي حق، ويؤخذ بها في نحو التحذير من عمل عرف من دلائل الشريعة أنه سيئ، أو الترغيب في عمل قام الدليل في اليقظة على أنه صالح. فالعمل الذي يذكر الإنسان أنه تلقنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، يعرض على دلائل الشريعة، ويوزن بمقاييسها، ويقضى فيه بأصولها؛ ويدخل في هذا الباب: صيغ التسبيح والتهليل؛ فيؤخذ فيها بما يرويه علماء السنّة، وتسعه أدلة الشريعة المتلقاة عنه - عليه الصلاة والسلام - في حال اليقظة. وليس من المقبول أن يكون في بعض صيغ الأذكار المتلقاة في المنام فضل لا يوجد في الصيغ التي تلقاها الصحابة - رضي الله عنهم - في حال اليقظة.
(4/ 1/141)

وجوب العمل بالحديث الشريف (1)
كبر على الطائفة التي تظهر الإِسلام، وتخفي الإلحاد، أن يعلنوا إنكار القرآن الكريم، وهو الثابت بالتواتر ثبوتًا لا تحوم حوله شبهة، فذهبوا في تأويله مذهبًا يوافق أهواءهم، ويقضي ماَربهم، ولو خذلتهم قوانين اللغة، وتبرأت منهم أساليب بلاغتها، ثم قصدوا إلى هدم الشريعة من ناحية أخرى، هي: ناحية سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنكروا وجوب العمل بالحديث، ولفّقوا لإِنكارهم شبهاً هي أحقر من لا شيء.
قال أبو نصر بن سلام: ليس شيء أثقل على الإلحاد، ولا أبغض إليها من سماع الحديث، وروايته وإسناده.
ونحن نقصد في هذه المحاضرة على تفنيد ما يقوله أولئك المخادعون، ونقيم الحجّة على أن إنكار العمل بالأحاديث النبوية الصحيحة إنما نشأ عن زيغ في العقيدة، فنقول: الحديث الوارد في تقرير حكم شرعي يأتي على ثلاثة أوجه:
أولاً: ما يكون موافقاً للقرآن من كل وجهة، فيكون توارد القرآن والحديث على الحكم الواحد من قبيل تظافر الأدلة، وهذا الوجه من التأكيد
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الثالث عشر، ذو القعدة 1359.
(4/ 1/142)

يدل على شدة عناية الشارع بذلك الحكم.
ثانياً: ما يكون بياناً لما جاء مجملاً في القرآن، فيتعين الأخذ بهذا البيان متى ورد في الصحيح؛ إذ لا بيان بعد بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالله تعالى يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. ومثال هذا: الأحاديث المفصلة لأحكام الصلاة أو الزكاة أو الصيام.
ثالثاً: ما يوجب حكماً لم يفهم إيجابه من القرآن؛ كحديث رجم الزاني المحصن، أو يحرم حكماً لم يفهم من القرآن تحريمًا؛ كحديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في عصمة، وحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
وهذا النوع من الأحاديث هو الذي نريد بحثه في هذه المحاضرة لوجه خاص.
الحديث الشريف إن قرر حكماً سكت عنه القرآن، وجب الأخذ به لأنّ؛ السنّة أصل مستقل بالتشريع، وإن كانت رتبتها دون رتبة القرآن.
ولنا على هذا أدلة من القرآن والسنّة، وعمل الخلفاء الراشدين، وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم -.
أما القرآن، فقد قال الله تعالى فيه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وهذه الآية بأخذ كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمر، والبعد عن كل ما نهى عنه، سواء أكان أمره أو نهيه بياناً لمجمل القرآن، أم تقريراً لحكم سكت القرآن عنه.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، والأمر بإطاعته بعد الأمر بإطاعة الله يشمل ما أمر به أو
(4/ 1/143)

نهى عنه من أشياء لا يفهم الأمر بها أو النهي عنها من القرآن الكريم.
وقال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
توعدّت الآية من يخالفون أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإصابة الفتنة أو العذاب الأليم، فيتناول هذا الوعيد كل من خالف أمره - عليه الصلاة والسلام -، ولا فرق بين أن يكون أمره موافقاً للقرآن، أو مقررًا لحكم لم يدل عليه القرآن، فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} [النساء: 59]. والظاهر من تفسير الآية: أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه في حال حياته، وإلى سنّته بعد مماته.
وأما السنّة، فمنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث في "صحيح الإمام البخاري" - رضي الله عنه -: "فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم".
وأما عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم -، فقد جرى على الاستدلال بسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أمر لم يخالف فيه أحد منهم، فمحاورة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - في قتال مانعي الزكاة، إنما كانت تدور على التفقه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها". فعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: أموالهم وأنفسهم معصومة؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ينظر إلى قوله: "إلا بحقها"، فيقول: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال.
وقد عمل الصحابة برواية أبي بكر لحديث: "نحن معاشر الأنبياء
(4/ 1/144)

لا نورث"، وروايته لحديث: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون"، وعملوا برواية عبد الرحمن بن عوف بحديث: "أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية من المجوس".
أما قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، فالمراد منه: أن القرآن أرشد إلى أحكام كل الوقائع، إما بتفصيل منه مباشرة، وإما بالتنبيه لما يؤخذ منه حكم الواقعة بتفصيل، كما نبّه على أن من مصادر التشريع: سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وقد روى ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله": أن امرأة من بني أسد أتت عبد الله بن مسعود، فقالت له: بلغني أنك لعنت كيت وكيت، والواشمة والمستوشمة، وإني قرأت بين اللوحين، فلم أجد الذي تقول، فقال لها: -أي: عبد الله بن مسعود-: أما قرأت: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؟
قالت: بلى، قال: فهو ذاك.
وروى ابن عبد البر أيضاً: أن عبد الرحمن بن يزيد رأى محرماً عليه ثياب، فنهاه، فقال المحرم: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، فقرأ عليه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الأحاديث الواردة في أحكام يبدو لنا أن القرآن سكت عنها، إنما هي مبينة لما دل عليه القرآن، غير أن دلالة القرآن على الحكم قد تقصر دونها أفهامنا, ولا يدركها إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورووا عن بعض السلف آثاراً ظاهرة في هذا الوجه الذي اختاروه، كما رووا عن سعيد بن جبيرة أنه قال: ما بلغني حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على
(4/ 1/145)

وجهه، إلا وجدت مصداقه في كتاب الله (1).
وقالت طائفة: إن السنّة لا تستقل بتشريع الأحكام، وإنما يقبل منها ما كان موافقاً للقرآن، ويسوق هؤلاء حديثاً هو: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف، فلم أقله".
وهذا الحديث موضوع، قال عبد الرحمن بن المهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله ... " وكذلك قال يحيى بن معين: إن هذا الحديث موضوع، وضعه الزنادقة.
وقد عارض هذا الحديث قوم، فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله، فخالفه؛ لأنّا وجدنا في كتاب الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وإذا وجد حديث غير ثابت، يتشبث به من يتهالكون على هدم أركان التشريع الإسلامي، فان الأدلة من القرآن والسنّة قد تدفقت تدفق السيل الجرّار على أن ما صح من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب الوقوف عنده، والعمل به على النحو الذي يهدي إليه العلم بمقاصد الشريعة، والإِلمام بوجوه دلالات الألفاظ العربية وأساليب بلاغتها.
وقد وجدنا فيما روي من الأحاديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذه الطائفة التي تزعم أن التشريع مقصور على القرآن الكريم.
وروى الحافظ ابن عبد البر في هذا المعنى أحاديث وصلت أسانيدها بثلاثة من الصحابة: المقدام بن معد يكرب، وجابر بن عبد الله، وأبي رافع.
__________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم.
(4/ 1/146)

وحديث المقدام بن معد يكرب: "يوشك رجل منكم متكئاً على أريكته يحدّث بحديث عني، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال، استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام، حرّمناه، ألا وإن الذي حرّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مثلُ الذي حرّم الله" (1).
وإذا أقمنا هذا الحديث أمام ذلك الحديث الموضوع، ورجعنا إلى الحجج الدالة دلالة قاطعة على أن السنّة أصل يستقل بالتشريع، عرفت أن منكر العمل بالحديث النبوي إنما هو خارج من دائرة الدين، أو ضالّ عن سبيله بجهالة.
__________
(1) انظر: "جامع بيان فضل العلم وأهله" لابن عبد البر.
(4/ 1/147)

أسباب وضع الحديث (1)
إذا كان في الكذب على عامة الناس قبح شديد، وفساد كبير، فإن الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد قبحًا، وكبر فساداً؛ فإنه ينقص من حكمة الدين، أو يقلب بعض حقائقه، وشر القول ما يفسد على الناس أمر دينهم، ولدرء هذا الفساد على ساحة الشريعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"، وقد بلغ هذا الحديث من حيث معناه مبلغ التواتر، حتى قال السيوطي: روى هذا الحديث أكثر من مئة من الصحابة - رضي الله عنهم -.
وقد اختلف العلماء في حكم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذهب الجمهور إلى أنه معصية كبرى، وذهب بعضهم - كأبي محمد الجويني والد إمام الحرمين- إلى أن من تعمد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكفر كفراً يخرجه عن الملّة. والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
ومع شدة هذا الوعيد قد دخل الوضع في الأحاديث لأغراض شتى.
وضع الزنادقة أحاديث تناقض المحسوس، أو تصادم القواعد العلمية الصحيحة؛ ليدخلوا الريبة في نفوس ضعفاء الأحلام؛ كحديث: "الباذنجان شفاء من كل داء" فقد ذكر مُلاّ علي قاري: أنه من وضع الزنادقة، ومن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد السادس، رجب 1352 ه.
(4/ 1/148)

هؤلاء الزنادقة: محمد بن سعيد الشامي، ومن موضوعاته: أنه جاء إلى حديث: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" وزاد فيه: "إلا أن يشاء الله".
وقد يضع بعضهم أحاديث؛ ليأخذ بها الناس إلى نحلته أو ملته؛ كحديث: "لو أحسن أحدكم ظنّه بحجر، لنفعه"، فقد قال ابن القيم: هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار، وقال ملّا علي قاري: إنه من وضع المشركين عباد الأوثان.
وقد يخترع بعض أصحاب الأهواء أحاديث يؤيدون بها مذاهبهم؛ كما قال بعض من كان على مذهب الخوارج، ثم تاب: "إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم؛ فإنا كنا إذا هوينا أمراً، صيّرناه حديثاً".
ومن أسباب وضع الحديث: قصد التقرب من بعض الرؤساء، مثلما صنع غياث بن إبراهيم حين رأى المهديّ معجبًا بالحَمام، فروى له حديث: "لا سبقَ إلا في خف، أو حافر، أو نصل"، وزاد فيه: "أو جناح"، فأدرك المهدي كذبه، وأمر بذبح الحمام.
ودخل الإِمام ابن شهاب الزهريّ على الوليد بن عبد الملك، فسأله عن حديث: "إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذب، ثم تلا ابن شهاب قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] , فقال الوليد: "إن الناس ليغروننا عن ديننا".
ومن أسباب الوضع: الغلو في الحب والتشيّع؛ كالأحاديث الموضوعة في فضل الإمام علي - كرم الله وجهه - أو معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، وغيرهما،
(4/ 1/149)

ومن هذا القبيل: الأحاديث الواردة في فضل بعض البلاد؛ كفاس، ومصر، وعسقلان.
وربما كان الباعث على الوضع: داعية بغض أو حسد؛ كما وضع سعد بن طريف حديث: "معلمو صبيانكم شراركم" حين رأى ابنه يبكي، وقال له: ضربني المعلم.
ومن الدواعي إلى الوضع: ترويج ما يتعاطاه الواضع للحديث من بعض المصنوعات؛ كحديث "أتيت بهريسة فأكلتها، فزادت في قوتي ... إلخ"، فقد وضعه محمد بن الحجّاج اللخمي، وكان صاحب هريسة، وغالب طرق الحديث يدور عليه، ثم سرقه منه كذابون آخرون.
وقد يضع الحديث بعض الأغبياء؛ للحث على خير، أو الكف عن شر؛ بزعم أن هذا النوع من الوضع لا يدخل في الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - المتوعَّد عليه بتبوء المقعد في النار؛ كما وضع أبو عصمة المروزي أحاديث في فضائل سور من القرآن، وقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وليس قصد هؤلاء لحمل الناس على عمل الخير بمنجيهم من وعيد الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد بذل علماء الحديث عنايتهم في نقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وضعيفها من موضوعها، ففتحوا باب الجرح في الرواية"ولم يخشوا أن يكون ذلك من باب الغيبة، أو الطعن في الأعراض.
قيل ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذي تركت حديثهم خصماء لك عند الله تعالى؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمائي، أحبُّ إليّ من أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - خصمي، يقول: لم لم تَذُبَّ الكذب عن حديثي.
(4/ 1/150)

وقيل لشعبة: هذا الذي تتكلم في الناس، أليس هو غيبة؟ فقال: يا أحمق! هذا دين، وتركه محاباة.
وقال محمد بن بندار الجرجاني لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليّ أن أقول: فلان ضعيف، وفلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكتَّ أنت، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟.
والخلاصة: أن علماء الحديث قد نقدوا الأحاديث، ووضعوا كل حديث في مرتبته، وبينوا الرواة الضعفاء الوضّاعين، فما من حديث يعرض لك إلا كان في ميسورك أن ترجع فيه إلى كتبهم، فتعرف هل هو صحيح، أو ضعيف، أو موضوع.
(4/ 1/151)

الحديث المتواتر وحكم مما رواه الإمامان البخاري ومسلم (1)
سؤال (1) - ما هي الأحاديث التي حازت درجة التواتر بالإجماع، أو ما هو أقرب إلى الإجماع؟
جواب: الحديث المتواتر: ما يرويه جمع يحيل العقل- نظراً إلى العادة- تواطؤهم على الكذب، ولا بد من تحقيق هذا الشرط في كل طبقة من ابتداء الرواية إلى من أخبروا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو فعله، أو حال من أحواله، وإذا كان ما يرويه كل واحد من الجمع هو ما يرويه الاخرون بعينه، سمّي: تواتراً لفظياً، وإذا اختلف ما يرويه الجماعة في اللفظ، ولكن أخبارهم تتوارد على معنى مشترك بينها، فهو التواتر المعنوي.
وقد نفى بعض أهل العلم أن يكون في السنّة حديث متواتر تواتراً لفظياً.
وقال ابن الصلاح: إنه عزيز الوجود، وذكر حديث: "من كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"، وقال: نراه مثالاً للتواتر اللفظي، فإنه نقله من الصحابة العدد الجم، وهو في "الصحيحين" مروي عن جماعة منهم (2).
ولم يرتض بعض الحفّاظ ما قاله ابن الصلاح، وأورد للتواتر اللفظي
__________
(1) مجلة "نور الإِسلام" - الجزء السابع من المجلد الأول، رجب 1349 ه.
(2) حكى النووي في "شرح مسلم": أنه ورد عن مئتي صحابي، منهم العشرة.
(4/ 1/152)

أحاديث كثيرة:
منها: حديث: "نضر الله أمرأً سمع مقالتي فوعاهاها"، وحديث: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، وحديث الشفاعة، وحديث الحوض، وحديث رؤية الله في الآخرة.
ومما أوردوه مثالاً للتواتر المعنوي: حديث رفع اليدين في الدعاء؛ فقد روح فيه نحو مئة حديث، ولكنها في وقائع مختلفة، فكل واقعة منها لم تتواتر، إلا أن القدر المشترك فيها - وهو الرفع - متواتر بالنظر إلى مجموعة الروايات.
ولا يضر أن لا تكثر في الشريعة الأحاديث المتواترة تواتراً لفظياً؛ لأن التواتر المعنوي يكفي في الاحتجاج على ما يرجع إلى العلم والاعتقاد، وخبر الآحاد يكفي في الاستدلال على ما يرجع إلى الأحكام العملية.
* * *
سؤال (2) - هل يكفر المسلم إذا أنكر حديثاً صحيحاً أو متواتراً؟.
جواب: لا يكفر منكر حديث الآحاد، ولو كان صحيحاً، ومتى كان إنكاره للحديث الصحيح عن هوى في النفس، أو تعصب لرأي، فهو فاسق آثم. وأما الحديث المتواتر، فإن جرى الخلاف في تواتره، فلا يكون منكره خارجاً عن حوزة الدين، وهو فاسق؛ كمنكر خبر الآحاد لهوى في نفسه، أو تعصب لرأيه، وإذا وجد حديث انعقد الإجماع على تواتره، وأصبح حكمه في جملة المعروف بين خاصة المسلمين وعامتهم،
كان إنكاره كفراً، وهذا الحكم في إنكار كل ما أجمع المسلمون على إسناده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو هيئة، وتناقلوه جيلاً بعد جيل؛
(4/ 1/153)

كعدد الصلوات الخمس وركعاتها، ومناسك الحج؛ من نحو: الطواف، والوقوف بعرفة.
* * *
سؤال (3) - هل يمكن القول: إن كل ما في "الصحيحين"- البخاري ومسلم- من الأحاديث الشريفة على وجه القطع واليقين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟.
جواب: ذهب ابن الصلاح إلى أن ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم، بإسناد متصل، أو رواه أحدهما كذلك، مقطوعُ بصحته؛ لاتفاق الأمة على تلقيهما بالقبول، والأمة لا تتفق على خطأ، وأما ما يروى فيهما معلقاً، وهو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، فلا يبلغ مرتبة القطع عنده؛ كما استثني من المقطوع بصحته ما تكلم فيه من أحاديثهما، وهي مئتان وعشرون حديثاً، وقد أفرد الحافظ العراقي هذه الأحاديث بكتاب تصدى فيه للجواب عنها، وتعرض الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" لما طعن فيه من أحاديث "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، ودفع ما وجه إليها من مأخذ بتفصيل.
ونازع الإِمام النووي ابن الصلاح في دعوى أن ما رواه الشيخان إلا ما استثني مقطوع بصحته، وقال: إن المحققين والأكثرين يذهبون إلى أن صحة ما روياه مظنونة، إلا أن يكون متواتراً، وأما تلقي الأمة لهما بالقبول، فلأن ما روياه يفيد ظنًا، والظن كاف في تقرير الأحكام العملية، وقوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]، محمول على ما يرجع إلى أصول الدين؛ لأنه يقصد منها العلم واليقين، أما الأحكام العملية، فإنما تراد للعمل، فيكفي فيها الاستناد إلى ما يفيد الظن. على أن الشارع إذا جعل ظن الحكم
(4/ 1/154)

علامة على تقديره، كان الحكم عند وجود الظن معلوماً قطعاً، وكان العامل على هذا الحكم ممتثلاً للأمر بلا شبهة.
ومزية "الصحيحين" على هذا المذهب في أن ما روي فيهما صحيح لا يحتاج إلى النظر والبحث؛ بخلاف ما يروى في غيرهما من كتب الحديث، فإنما يعتمد في الاستدلال بعد النظر في سنده ومعرفة رتبته.
والحق أن في الأحاديث التي لا تبلغ مبلغ التواتر ما يأخذ حكم المتواتر في إفادة العلم، وهو ما يكون رواته من الصدق والضبط في مرتبة يطمئن بها السامع إلى روايتهم اطمئنانًا لا يخالجه تردد، فالعلم يحصل من كثرة رواة الخبر تارة، ويحصل من تحقق أمانتهم وضبطهم تارة أخرى، وجمهور ما في البخاري ومسلم من هذا القبيل، وهذا ما يسميه بعض الحفاظ: متواتراً خاصًا؛ نظراً إلى أن أهل الحديث قد يحصل لهم العلم برواية رجلين عرفا بالاستقامة والضبط ما يحصل لغيرهم من رواية جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويعتبر في هذا يقول الإمام مالك - رضي الله عنه -: "إذا سمعت الخبر من نافع، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره"، ونحن نعلم أن من أئمة الحديث من يأخذون في الرواية بما هو الأحوط، فلا يكتفون بصدق الراوي وتقواه وورعه حتى يعرف بالضبط لما يحفظ، والإتقان لما يروي، قال الإمام مالك: أدركت بالمدينة أقواماً لو استُسقي بهم القطر، لسُقوا، قد سمعوا الحديث كثيراً، وما حدَّثتُ عن واحد منهم شيئاً؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم الزهد، وهذا الشأن -يعني الحديث- يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وإتقان، وعلم وفهم، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة، فلا ينتفع به، ولا هو حجّة.
ونلخص القول: أن ما رواه الشيخان متصل الإسناد من طريقين فأكثر،
(4/ 1/155)

وتلقاه نقّاد الحديث بالقبول، يفيد العلم بصحة نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كخبر الآحاد الذي تحتف به قرائن الصدق، فلا تبقي لمتلقيه شيئاً من التردد في صحته.
(4/ 1/156)

اجتهاد ابن القاسم (1)
سؤال: نجد في كتب الفقه مسائل يجتمع فيها قول الإِمام مالك، وقول ابن القاسم تلميذِه، فيقولون: قول مالك ضعيف، وقول ابن القاسم هو المعتمد.
فهل قول ابن القاسم هذا معدود من أقوال الإِمام، أم لا؟ فإذا كان قوله استنبطه من أقوال إمامه، فكيف يصح العزو إليه، ويجعل مقابلاً لقول الإِمام، ورداً عليه؟ وإذا كان من عند نفسه، فكيف يسوغ لنا أن نترك قول إمام المذهب، وتتبع قول تلميذه؟ وكيف نجترئ ونقول: قول الإمام ضعيف، وقول تلميذه هو المعتمد، ومن اعتمد هذا، وضعف ذاك؟
الجواب: يقسم علماء الشريعة المجتهد إلى: مجتهد مطلق، وهو الذي يرجج في تقرير الحكم إلى الكتاب والسنّة، وما يرجع إليهما من الأقيسة "الصحيحة" والقواعد القاطعة، ومجتهد مذهب، وهو الذي يجري على طريقة إمامه في الاستدلال، فيراعط قواعده، وما يراه شرطاً لصحة الاستنباط. وقد جرى خلاف في ابن القاسم هل هو مجتهد مطلق، أو مقيد بطريقة الإِمام مالك في الاستدلال؟
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء العاشر من المجلد الثاني، شوال 1350 ه.
(4/ 1/157)

قال المقري: "شهدت مجلس أبي تاشفين صاحب تلمسان، فذكر فيه أبو زيد بن الإِمام: أن ابن القاسم مقلّد لمالك، ونازعه أبو موسى بن عمران، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج بمخالفته لمالك في كثير من المسائل، وذكر منها نظائر".
وكذلك استدلّ ابن عبد السلام على أن ابن القاسم مجتهد مطلق بمخالفته للإمام في كثير من الأحكام، وخالفه ابن عرفة، ونفى عنه الاجتهاد المطلق، وقال: إن بضاعة ابن القاسم في الحديث مُزجاة.
والظاهر من سيرة ابن القاسم في الفتوى: أنه يجري في اجتهاده على قواعد مذهب الإمام مالك؛ فإنه كان يقول للمستفتي: سمعت مالكاً يقول كذا، أو بلغني عنه كذا، ومسألتك مثلها، وهذه طريقة مجتهد المذهب.
ولا يخرجه عن مرتبة الاجتهاد في المذهب أنه يخالف الإمام مالكاً في بعض المسائل؛ كما قال فيما كان من شأن الرجل والمرأة من متاع البيت: إنه يقسم بينهما عند التنازع بعد أيمانهما؛ لاشتراكهما في وضع اليد عليه، ومذهب مالك: أنه للرجل حتى تقيم المرأة البينة؛ لأن البيت بيته.
وكما قال فيمن لم يوص به الأب إلى أحد، ولم يقدم عليه الحاكم من ينظر في أمره: إنه ينظر في حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيداً، جازت أفعاله، وإن كان سفيهاً، لم يجز منها شيء، ومذهب مالك: أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة، رشيداً كان أو سفيهاً.
وكما قال فيمن قال لعبده: أنت حر، وعليك مئة دينار: هو حر، ولا يتبع بشيء. ومذهب مالك: أن العبد حر، وتبقى المئة في ذمته.
فأمثال هذه المخالفة محمولة على أنه رأى ما أفتى به الإمام غير جار
(4/ 1/158)

على قواعده، فأفتى بما يراه المطابق لقواعد مذهب الإمام، ومقتضى هذا: أنه يرى الإمام غير مصيب في استنباط هذا الحكم الخاص، وليس في هذا غضاضة على الإمام مالك؛ فإنه لا يدعي لنفسه العصمة، ولا أن أهل العلم من أصحابه يعتقدون فيه أنه لا يخطئ في حال، وقد نقل عنه أنه قال: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيى، فما وافق الكتاب والسنّة، فخذوا به، وما لم يوافق، فاتركوه"، وإذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد غفل عن قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] , فأراد تحديد المهور حتى ذكرته بها امرأة، فرجع عن رأيه، فمن المحتمل أن يقع الإِمام مالك أو غيره من الأئمة في خطأ الاجتهاد، ولأصحابه من بعده أن ينقدوا فتواه، حتى إذا وجدوها غير مطابقة لقواعده، ردوها إلى أصلها، وصح من هذا الوجه نسبة الحكم الذي يقرره بعض أصحابه إلى مذهبه.
وقد رجع الإمام نفسه في مسائل، فأفتى فيها بغير ما أفتى به أولاً، وهذه المسائل معروفة في كتب الفقه، وربما اعتمد أصحابه القول الذي رجع عنه، حيث يظهر لهم أنه أوضح دليلاً، وأقوم قيلاً.
ومن يرى أن الاجتهاد المطلق يتجزأ، على معنى: أن في الفقهاء من يبلغ رتبة الاجتهاد في باب دون باب، وأن له أن يأخذ باجتهاده في الباب الذي استطاع فيه الاجتهاد، قد يحمل مخالفة ابن القاسم للإمام مالك على أنها من قبيل الاجتهاد في أبواب بلغ فيها رتبة الاجتهاد بإطلاق، ثم إن الفقهاء الذين جاؤوا بعد ابن القاسم، ولم يقصروا على درجة الترجيح، قد يرون في قول ابن القاسم رجحانًا، فيأخذون به، ويعدون قول الإمام تجاهه ضعيفاً.
والخلاف الذي جرى في اجتهاد ابن القاسم قد جرى في الإمام أشهب،
(4/ 1/159)

فذهب بعضهم إلى أنه مجتهد مطلق، واستدل على هذا بمخالفته للإمام مالك في كثير من المسائل، ويروى: أنه سئل عن مسألة من باب العتق، فافتى فيها بما يخالف مذهب الإِمام مالك، ولما ذكر له قول الإمام، قال: "وإن قاله مالك، فلسنا له بمماليك" والظاهر أن أشهب كابن القاسم، يجتهد في بعض المسائل على مقتضى أصول مالك، وإذا خالف الإمام، أو نفى أن يكون مملوكًا له، فلأنه يرى أن الأصول قد تقضي بغير ما أفتى به الإمام، وتمنعه من أن يتبعه في كل ما يفتي به متابعةَ العبد لمالكه، وقد رأينا كثيراً من المالكية؛ كأبي بكر بن العربي، وعبد الحميد الصائغ قد يأخذون بغير مذهب مالك في المسائل التي يظهر لهم أن أدلة غيره فيها أرجح من أدلته وأقوى.
(4/ 1/160)

ليلة النصف من شعبان (1)
سؤال: (1) لماذا يحتفل المسلمون في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان من سائر ليالي العام؟
(2) وهل ما يتلى من الدعوات، ويصلى من الركعات بين المغرب والعشاء من هذه الليلة بنية طول العمر، ودفع البلاء، والاستغناء عن الناس، ورد فيه نص شرعي؟
سؤال: ما السبب في إحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم يومه، والتهليل فيها بالقراءة والأدعية والذكر، وجعلها في مصاف ليالي العيدين؟
سؤال: ما هي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، ويبرم، هل هي ليلة القدر، أو ليلة النصف من شعبان؟
الجواب: احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان، لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، والوارد: أن خالد ابن معدان، ومكحولاً الشاميّ من التابعين، كانا يجتهدان ليلة النصف من شعبان في العبادة، ولما اشتهر ذلك عنهما، اختلف الناس في تعظيم هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره، ومنهم من أنكره، والمقرّون على
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء السابع من المجلد الثاني، رجب 1350 ه.
(4/ 1/161)

طائفتين: طائفة تذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، وممن وافق على هذا: إسحاق بن راهويه، وطائفة تكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكرهون للرجل أن يحيى تلك الليلة في الصلاة وحده، وهذا ما اختاره الأوزاعي إمام أهل الشام.
والمنكرون لتخصيص هذه الليلة بتعظيم هم طائفة من علماء الحجازة كعطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وفقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم.
أما القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة، فإنهم يستندون إلى أحاديث وردت في فضلهاة كحديث: "إن الله (1) -عَزَّ وَجَلَّ- ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لأكثر من شعر غنم كلب". وحديث: "إن الله (2) -عَزَّ وَجَلَّ- يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه". وهذه الأحاديث قد صرح علماء الحديث بضعفها، فمن يستند إليها في فضل ليلة النصف من شعبان، فلأنه لا يعترف بضعفها، أو لأن الأحاديث الضعيفة تكفي لأن يستند إليها في فضائل الأعمال.
ثم إن من أجاز إحياءها جماعة في المساجد يبني على أن لا بأس بصلاة النوافل في جماعة، وقد نص الإِمام الشافعي - رضي الله عنه - في "مختصر البويطي" و"الربيع" على أن لا بأس بالجماعة في النافلة، وقد ورد في هذا أحاديث صحيحة؛ كحديث عتبان بن مالك، وغيره.
__________
(1) الدارقطني، والإمام أحمد في "مسنديهما".
(2) رواه الدارقطني في كتاب "السنن".
(4/ 1/162)

وأما من أجاز إحياءها للناس فرادى دون اجتماع لها في المساجد، فلعله يرى رأي الإمام مالك - رضي الله عنه - في أن لا تصلى النوافل جماعة حيث تشتهر، أو أن يجمع لها الناس، روى ابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهراً، ويجمع له الناس، فلا.
قال الحافظ ابن حجر: وهذ بناء منه على قاعدة سد الذرائع؛ كراهة أن يظن من لا علم عنده أن ذلك فريضة، ويستثنى قيام رمضان؛ لاشتهار ذلك من فعل الصحابة.
أما المنكرون لأن يكون لهذه الليلة فضل على غيرها، فلأنه لم يثبت عندهم في فضلها حديث.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها, ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليه".
وقال في كتاب "العارضة": "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماعه".
هذه مذاهب أهل العلم في تعظيم ليلة النصف من شعبان.
وأما الصلاة المخصوصة التي يعمد إليها بعض الناس في هذه الليلة، فقد ورد حديثها في "الإحياء" لأبي حامد الغزالي، و"قوت القلوب" لأبي طالب المكي، ولكن جماعة من الحفّاظ صرحوا بأن حديثها موضوع.
قال الحافظ ابن الجزري في "الحصين": "وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح، وسندها موضوع باطل".
(4/ 1/163)

وقال الإمام النووي في كتاب "المجموع": "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مئة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب"، و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما؛ فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد".
والليلة المباركة الواردة في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3 - 4] هي ليلة القدر، وتفسيرها بليلة النصف من شعبان ينسبه بعض المفسرين إلى عكرمة، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان؛ كما روى عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن في أنها في رمضان".
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: (وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، وهو باطل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] , فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر عن وقتية الليل هنا، فقال: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}.
ويتلخص الجواب: في أن ليلة النصف من شعبان ليست هي الليلة المرادة بالليلة المباركة الواردة في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}. وأن الصلاة المخصوصة التي يفعلها بعض الناس قد طعن كثير من الحفاظ
(4/ 1/164)

في صحة حديثها، وأدخلوها في قبيل البدعة التي هي طريقة في الدين تخترع ليضاهى بها الطريقة الشرعية.
أما إحياء الرجل لها بالعبادة في جملة ما يتيسر له إحياؤه من الليالي؛ رجاء أن يكون لها في استجابة الدعاء وقبول العبادة المزية التي وردت في أحاديث فضلها، فليس فيه من بأس، وهذه الأحاديث تكفي داعياً للإقبال فيها على العبادة، وتنفي أن يكون قيام الرجل فيها بشيء من العبادة المطلقة عن التقييد بعدد معين، أو هيئة مخصوصة، بدعة، وإن لم تبلغ هذه الأحاديث درجة الصحيح.
(4/ 1/165)

نظرة في أحاديث المهدي (1)
وردت أحاديث تنبئ بظهور رجل في آخر الزمان يقيم العدل، ويحكم الناس بالشريعة، وسمي في بعض هذه الأحاديث بالمهدي، وكثيراً ما يتشوف الناس إلى أن يقفوا على حقيقة هذه الأحاديث الواردة في شأنه، ويعرفوا موقعها من الصحة، ولا سيما عندما يقوم شخص يدعي المهدوية، أو تحدث حادث غريبة؛ كحادثة هذه الأيام، تدعو الناس إلى أن يجعلوا لها نصيباً من الحديث في مجالسهم.
ذلك ما دعاني - بصفة أني كنت مدرساً للحديث وعلوم الحديث في كلية أصول الدين - إلى أن أعرض في هذه المحاضرة ما وصل إليه بحثي، واستقر عليه نظري في هذه القضية مستنداً إلى القواعد الصحيحة التي تضع كل حديث موضعه، غير غافل عما يترتب على بعض الاعتقادات من فساد في العلم، أو يجول في النفس من شبه يثيرها الوهم، فأقول:
الأحاديث النبوية منها ما يسمّى بالحديث المتواتر، وهو ما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ومنها خبر الآحاد، وهو ما يرويه الثقة العدل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثاني والعشرين، محرم 1369 ه.
(4/ 1/166)

وما يدعو إليه الدين الحق، إما أن يكون أصلاً من أصول الدين؛ أي: لا تتم حقيقة الإيمان إلا به، وهذا لا يحتج عليه إلا بالحديث المتواتر، وإما أن يكون حكماً عملياً؛ كأن يقال: هذا واجب، أو حرام، أو جائز، وهذا موضع الاحتجاج بخبر الآحاد، ويلحق بالأحكام العملية - في صحة الاحتجاج عليه بخبر الآحاد - أشياء يخبر بها الشارع؛ ليعلمها الناس من غير أن يتوقف صحة إيمانهم على معرفتها، ومن هذا القبيل: حديث المهدي، فإذا ورد حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عنده من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر.
والأحاديث الواردة في شأن المهدي على وجهين:
أحاديث صرح فيها باسم المهدي؛ كحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: "المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً".
وأحاديث لم يصرح فيها بهذا الاسم، وإنما أشير إليه فيها بصفات خاصة؛ كحديث: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً".
ولم يرو في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري حديث في شأن المهدي، وإنما ورد في "صحيح مسلم" حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على أن المراد منه: المهدي المصرح به في غيره من كتب السنة، وهو حديث جابر بن عبد الله، إذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عدداً"، وفي رواية عن جابر، وأبي سعيد الخدري في "مسلم" أيضاً: "يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال، ولا يعده".
(4/ 1/167)

وقد روى أحاديث المهدي المصرَّح فيها باسم المهدي، أو المشار فيها إلى بعض صفاته بقية كتب الحديث، فرواها الإمام أحمد بن حنبل، والحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني، وأبو نعيم، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، والدارقطني، والبيهقي، ونعيم بن حماد، وغيرهم. وجمعت هذه الأحاديث في رسائل مستقلة؛ مثل: "العرف الوردي في أخبار المهدي" للسيوطي، و"القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" لابن حجر الهيثمي، و"البرهان في علامات مهدي آخر الزمان" لابن حسام الدين أحد تلاميذ ابن حجر، و"المورد الوردي في حقيقة المهدي" لملا علي قاري، و"التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح" للشوكاني.
وأول من اتجه إلى نقد أحاديث المهدي فيما عرفناه: أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون، فقد ذكر في "مقدمة تاريخه": أن في الناس من أنكروا أحاديث المهدي، وتكلموا فيها، وأورد منها ثمانية وعشرين حديثاً، وقد منعه ما اعتاده من تحقيق البحث في القضايا العلمية أن يحكم عليها كما يفعل غير أهل العلم بأنها غير ثابتة، بل تصدى إلى نقدها بنقل ما قدح به أهل الفن في بعض رواتها، وأورد من بينها حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض جوراً وظلماً وعدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي رجل يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً"، وقال: هذا الحديث رواه الحاكم، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين - يعني: البخاري ومسلماً -، ولم يخرجاه، وأورد فيها ما رواه الحاكم أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "في يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض لباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً؛ يعني: حججاً"، وقال الحاكم
(4/ 1/168)

في هذا الحديث: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، يعني: البخاري ومسلماً.
ثم اعترف ابن خلدون بعدُ بأن بعض الأحاديث خلص من النقد إذ قال: فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزمان كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل، والأقل منه.
ونحن نقول: متى ثبت حديث واحد من هذه الأحاديث، وسلم من النقد، كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع، ويحكمهم بالعدل، إذ أريناك أن مسألة المهدي لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلا بالأدلة القاطعة.
والصحابة الذين رويت من طرقهم أحاديث المهدي نحو 27 صحابياً - رضي الله عنهم -، منهم: أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم سلمة، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعمار بن ياسر، والعباس بن عبد المطلب، وتميم الداري، وابن عباس.
والواقع أن أحاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع، والضعيف القريب منه، فإن الباقي منها لا يستطيع العالم الباحث على بصيرة أن يصرف عنه نظره، كما يصرفه عن الأحاديث الموضوعة.
وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار إليها آنفاً بأن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر، فقال: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك، بل يصدق وصف التوإتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول".
(4/ 1/169)

يقول بعض المنكرين لأحاديث المهدي جملة: إن هذه الأحاديث من وضع الشيعة لا محالة.
ويرد هذا؛ بأن هذه الأحاديث مروية بأسانيدها، ومنها ما تقصينا رجال سنده، فوجدناهم ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهمهم أحد من رجال التعديل والتجريح بتشيع، مع شهرة نقدهم للرجال.
وقال ابن خلدون: وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن البصري، عن أنس ابن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لا مهدي إلا عيسى".
وهذا حديث مصنوع، فقد قال نقاد الأسانيد كالحاكم: إن محمد ابن خالد رجل مجهول، وقال ابن عبد البر: إنه متروك، وقال الأزدي: منكر الحديث، وآخذ في مثل هذا بقول ابن حزم: إذا كان في سند الحديث رجل مجروح بكذب، أو غفلة، أو مجهول الحال، لا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه.
وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لإنشاء دول وسيلة إلى الوصول إلى غاياتهم، فادعوا المهدوية؛ ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم، فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة؛ إذ زعم مؤسسها عبيد الله أنه المهدي، ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة؛ فان مؤسسها محمد بن تومرت أقام أمره على هذه الدعوة.
وظهر في أيام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى: التوزري، واجتمع حوله رؤساء صنهاجة، وقتله المصامدة.
وقام رجل اسمه العباس سنّة 690 ه في نواحي الريف من المغرب،
(4/ 1/170)

وزعم أنه المهدي، واتبعه جماعة، وآل أمره إلى أن قتل، وانقطعت دعوته.
وبعد ثورة أحمد عرابي بمصر ظهر في السودان رجل يسمى: محمد أحمد ادعى أنه المهدي، واتبعته قبيلة البقارة من جهبنة على أنه هو المهدي سنّة 1300 ه، وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي أحد زعماء قبيلة البقارة.
والفرقة الكيسانية يجعلون المهدي محمد بن الحنفية، ويزعمون أنه مختف في جبل رضوى بين المدينة وينبع.
والشيعة الإمامية يقولون: إن محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر، ويزعمون أنه اختفى في سرداب بالحلّة من بلاد العراق في أواخر القرن الخامس الهجري.
وإذا أساء الناس فهم حديث نبوي، أو لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح، حتى وقعت وراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون ذلك داعياً إلى الشك في صحة الحديث، أو المبادرة إلى إنكاره؛ فإن النبوة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها أناس كذباً وافتراء، وأخلوا بدعواهم كثيراً من الناس؛ مثل ما يفعل طائفة القاديانية اليوم، والإِلهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى أن الله - جل شأنه - يحل فيهم؛ مثلما يفعل طائفة البهائية في هذا العهد. فليس من الصواب إنكار الحق من أجل ما ألصق به من الباطل.
والخلاصة: أن في أحاديث المهدي ما يعد في الحديث الصحيح، وبما أني درست علم الحديث، ووقفت على ما يميز به الطيب من الخبيث، أراني مُلجأ إلى أن أقول كما قال رجال الحديث من قبلي: إن قضية المهدي ليست بقضية مصطنعة.
(4/ 1/171)

ولا أترك مكاني هذا حتى أنبه على أنه لم يرد - ولو في الأحاديث الموضوعة-: أن المهدي يولد من غير أب، وأنبه على أن الحديث الذي ذكره أبو بكر الإسكافي في كتاب "فوائد الأخبار" موضوع، وهو حديث: "من كفر بالمهدي، فقد كفر"، وأبو بكر الإسكافي من المتهمين بوضع الأحاديث.
{سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32].
(4/ 1/172)

لا عدوى ولا طيرة (1)
حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، وحمزة: أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا عدوى ولا طيرة".
أوتي - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم، فترى الحديث الواحد ينبّه لأبواب يدخل فيها على الناس فساد كبير، فيعمد إلى هذه الأبواب، وشمدها سدًا محكمًا، حتى انتظمت الشريعة الغرّاء طرق الإصلاح بأكملها. ومن هذا القبيل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عدوى ولا طِيَرَة".
ونحن نبحث في هذه المحاضرة عن حقيقة العدوى والطيرة، وأثرهما في المجتمع، فنقول:
العدوى: أن يجاوز المرض صاحبه إلى من يقرب منه، وهذا معروف في بعض الأمراض؛ كالجرب، والجذام، إذن فما معنى نفي العدوى في هذا الحديث؟
ونحن نورد أحاديث تنبئ بأن المرض قد ينتقل من شخص إلى آخر،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد الثالث عشر، محرم 1960 ه.
(4/ 1/173)

ونضع كل حديث موضعه؛ حتى يتضح أن لا إشكال في هذه الأحاديث، وأن الشريعة لا تجيء على خلاف الحقائق العلمية في حال:
جاء في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد"، والأمر بالفرار من المجذوم لا وجهة له - فيما يظهر - إلا اجتناب العدوى.
وفي الصحيح أيضاً: أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: " لا يورد مُمرِض على مُصِح"؛ أي: لا يورد ذو إبل مريضة على ذي إبل صحيحة. والمعنى: أن لا تورد إبل مريضة على إبل صحيحة. وعلة النهي عن إيراد المريضة على الصحيحة: خوف العدوى.
وجاء في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الوياء: "إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض، فلا تخرجوا منها".
وهذا الحديث ظاهر في أن علة النهي عن الإقدام على أرض الوباء هو الحذر من العدوى.
أما النهي عن الخروج من بلد الوياء فراراً منه، فمحمول على الكراهة، فلو خرج إنسان من البلد التي ضرب فيها الطاعون قاصداً الفرار من الإصابة به، لأتى شيئاً مكروهاً.
وعلة النهي عن الفرار من الطاعون هي فيما يظهر: أن الإذن في الخروج قد يفتح الباب لأن يخرج الأصحاء، ويترك المرضى به، فلا يجد هؤلاء المرضى من يتعهدهم، ويقوم على أمرهم؛ من نحو: طعام وسقاء وعلاج، وليس من المقبول أن يقول قائل: إن هؤلاء المرضى قد أصيبوا، ووقعوا بمقربة من الموت، فإهمالهم أخفّ شراً من بقاء الأصحاء بموطن فيه المرض
(4/ 1/174)

المفضي في غالب أحواله إلى الموت.
فيرد هذا: بأن هلاك المرضى بخروج الأصحاء محقق، وإصابة الأصحاء وهلاكهم مظنون، ودرء الضرر المحقق مقدم على درء الضرر المحتمل الوقوع.
والإلقاء بالتهلكة الذي نهى عنه الشارع بقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، هو: أن يرمي الإنسان بنفسه في مواقع الهلاك دون أن يدفع بهذا الإلقاء شراً، أو يجلب به خيراً، أما إذا قصد الإنسان إلى دفع شرّ أمرَ الشارع بدفعه، أو جلبِ خير استحبَّ الشارع جلبه، وألقى بنفسه في هذا السبيل، وهو يعلم أنه سيقع في مهلك، فنهي الآية لا يتناوله، بل يعده الشارع من أولي العزم الذين يحظون بالكرامة عنده، ويرتفع ذكرهم بين ذوي الأخلاق السامية.
وإذا أتينا البحث من ناحية الأخلاق، قلنا: إن خروج الأصحاء من موطن الطاعون لا لداعٍ غير الخوف من الموت، ينبئ أن نفوسهم خالية من العطف على من أصيبوا بالطاعون، حيث طابت نفوسهم أن يدَعوهم وهم يقاومون الآلام والجوع والظمأ حتى يموتوا في تلك الحالة المحزنة.
ثم إن الحديث إنما نهى عن الخروج من بلد الطاعون متى كان القصد الفرار من الموت، أما إذا خرج الشخص من بلد الطاعون بقصد آخر من نحو التجارة أو التداوي، فذلك ما لا حرج فيه، ولا يتناوله النهي الوارد في الحديث؛ لأن الحديث يقول: "وإذا وقع بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه".
فيؤخذ من لفظ الحديث وروح التشريع؛ أن خروج الأصحاء بحيث
(4/ 1/175)

لا يبقى مع المرضى من يقوم بضرورات حياتهم، حرام، وأن خروج فرد أو جماعة لم يتعين عليهم القيام بشؤون المرضى، مكروه، متى قصدوا الفرار من الموت، فإذا قصدوا غرضاً آخر ذا فائدة، كان الخروج مباحاً.
فأنتم ترون أن بين أيدينا أحاديث ثابتة بأن دعوى العدوى صحيحة، إذاً فما معنى العدوى في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عدوى"؟.
جواب هذا: أن العرب في الجاهلية كانوا يعتقدون أن بعض الأمراض؛ كالجرب والجذام تسري بطبيعتها من المصاب بها إلى من يقرب منه، دون أن يضيفوا المرض إلى مشيئة الله تعالى، فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - العدوى بهذا المعنى؛ لأن اعتقادهم أن سريان مثل الجذام والجرب أمر طبيعي، دون أن يكون لمشيئة الله تعالى تأثير في ذلك، يخل بعقيدة التوحيد التي جاء الإسلام لبنائها.
فلا يراد من الحديث: نفي أن تكون هناك أمراض قد جعل الله قرب الشخص من صاحبها سبباً لانتقالها إليه، بل المراد: نفي العدوى بالمعنى الذي يتصوره الجاهليون، وهو أن الانتقال من طبيعة المرض على أنه لا بد منه.
وقد جاء في بعض روايات حديث: "عدوى": أن أعرابياً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت الإبل تكون في الرمال أمثال الظباء، فيخالطها البعير الأجرب، فيجربها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن أعدى الأول؟ ".
وهذا الجواب منه - عليه الصلاة والسلام - في غاية الإبداع؛ فإن حال الأعرابي حال من ينفي أن يكون للجرب سبب غير العدوى؛ إذ لو كان يعتقد أن الجرب قد ينشأ عن أمر آخر غير العدوى، لما أورد قصة الجمل
(4/ 1/176)

الأجرب، يخالط الإبل "الصحيحة" فإن إيرادها إنما يناسب حصر الإصابة بالجرب في العدوى؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن أعدى الأول؟ " تنبيه على أن الجرب قد وجد في حال لا يمكن فيها ادعاء أنه قد نشأ من العدوى، وهاهنا يرجع الأعرابي إلى النظر في سبب هذا الجرب، فإذا عرف أن هناك سبباً للجرب غير العدوى، صار من الجائز أن يكون هذا السبب هو سبب الجرب الذي أصاب الإبل بعد اختلاطها بالجمل الأجرب، فإذا قيل له: إن السبب الحقيقي في الإصابة بالجرب هي مشيئة الله تعالى، ولكنه قد يربط الإصابة بقرب الصحيح من المرض، وقد يربطها بسبب آخر، سهل انقياده إلى هذه العقيدة، وترك عقيدة أن العدوى تؤثر بطبيعتها.
وإذا رأينا كثيراً ممن اتصلوا بذوي الأمراض المعدية، قد أصيبوا بهذه الأمراض، فقد نرى آخرين اقتربوا من أصحاب تلك الأمراض، فلم يصابوا بشيءمنها.
وملخص الجواب: أن الحديث ورد في سياق الرد على ما كان لدى الجاهلية من اعتقاد أن العدوى أمر طبيعي، دون أن يضيفوها إلى مشيئة الخالق، والحديث لا ينفي أن الله تعالى قد يشاء، فيجعل مخالطة الصحيح للمصاب بشيء من الأمراض؛ كالجذام والجرب، سبباً لحدوث ذلك المرض في الصحيح.
وقوله في بهاِّ: "ولا طيرة" نفي للتشاؤم؛ فإن الطيرة: التشاؤم بالشيء، وأصلها: أن العرب كانوا في الجاهلية يعتمدون في الإقدام على بعض الأعمال؛ كالسفر والزواج، على الطير، فإن مرّ الطير باليمين، تيمّن، وإن مرّ باليسار، تشاءم به، ثم أطلقت الطيرة على التشاؤم، ولو بغير الطيور.
(4/ 1/177)

والحديث ينفي على وجه العموم ما كان شائعاً في الجاهلية من التشاؤم بأمور لا دخل لها في نجاح الأعمال، ولا خيبتها؛ كالعطاس، ونعيق الغراب.
وفي مثل هذا التشاؤم فساد كبير؛ إذ يمنع الشخص من الإقدام على عمل قد يكون فيه خير كثير، والإِقدام على الأعمال يرجع فيه إلى الرأي السديد، وما يستكشف في تلك الأعمال من جلب مصلحة، أو درء مفسدة، فإن اشتبه الأمر، وخفي على الإنسان عاقبته من خير أو شر، فقد جعل الشارع الحكيم مكان التشاؤم أو التفاؤل: الاستخارة المعروفة في كتب السنّة.
ومن الأسف أن ينهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التشاؤم، ويبقى متفشيًا في الشعوب الإِسلامية، وقد أحدث الناس أنواعًا من التشاؤم لم تكن معروفة في الجاهلية، فأعرف في تونس أن الناس يتشاءمون بمناولة من يعزّ عليهم فراقه الصابون، أو آلة حادة؛ كالسكين، والمقص.
ويدخل في التشاؤم الممقوت: ما أحدثه الناس من الاستخارات غير الشرعية؛ كالاستخارة بالسبحة، والاستخارة المنامية، والاستخارة بالقرآن المجيد.
ويدخل في التشاؤم: الأخذ بأقوال الكهان والدجالين، فيمتنع من الشيء بمجرد قولهم له: إنه شر، أو لا خير فيه، فإن تعلّق الإنسان بشيء من ذلك، فقد خالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ولا طيرة".
ولا يجوز التشاؤم بيوم من الأيام، سئل مالك عن الحجامة يوم السبت، ويوم الأربعاء، فقال: لا بأس بذلك، وليس يوم إلا وقد احتجمت فيه، ولا أكره شيئاً من هذا: حجامة، ولا اطلاء، ولا نكاحاً، ولا سفراً في شيء من الأيام.
(4/ 1/178)

فإن قال قائل: حديث: "ولا طيرة" يعارضه ما جاء في الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشؤم في المرأة والدار والفرس"، وإذا كان في هذه الثلاث شؤم، صح أن تكون موضع التشاؤم، فمن تشاءم بشيء منها لم يكن عليه حرج في هذا التشاؤم.
وجواب هذا: أن شؤم الشيء في أن يكون فيه وجه من الشر؛ بحيث لو اتصل به شخص، ناله من أجل اتصاله به سوء، وللمرأة وجه من الشر هو سوء خلقها, وللدار وجه من الشر هو ضيقها، أو سوء جارها, وللفرس وجه من الشر هو شموسها، أو بطء سيرها، أو اتخاذها للمباهاة، وعدم استعمالها عندما يحتاج إليها ساعة الدفاع في سبيل الله، فمن المحتمل القريب تفسير الشؤم في الحديث على نحو هذه الوجوه، وقد رويت أحاديث يستأنس بها لهذا التأثير، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء" (1).
وفي رواية الحاكم: "ثلاثة من شقاء المرأة: تراها فتسوءك، وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها، أتعبتك، وإن تركتها, لم تلحق أصحابك، والدار ضيقة قليلة المرافق".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار، والمرأة، والدابة"، وفيه: "سوء الدار: ضيق ساحتها، وخبث جيرانها، وسوء الدابة: منعها ظهرها، وسوء طبعها، وسوء المرأة: عقم رحمها، وسوء خلقها" (2).
__________
(1) أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم.
(2) رواه الطبراني من حديث أسماء -رضي الله عنها -.
(4/ 1/179)

أما تفسير الشؤم في المرأة على ما يفهمه العامة من التشاؤم بكعبها، فقد أنكره تقي الدين السبكي، وقال: هو شيء لم يقل به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب فيما يحصل من الشر، فهو جاهل.
وملخص القول: أن حديث: "ولا طيرة" هو الموافق لما جاءت به الشريعة من أن معرفة حسن عاقبة العمل أو سوئها، إنما يعتمد فيها على الشرع، وفهم ذوي الأنظار السديدة، بل هو الموافق للعقل؛ إذ ليس لنا أن نعتقد تأثير شيء في شيء، إلا أن تدل عليه المشاهدة، أو يظهر له وجه من العقل، أو ينص عليه الشارع، وليس للشؤم بالمعنى الذي يعتقده العامة صلة تجعله من قبيل المعقولات، أو المشاهدات، أو الشرعيات.
(4/ 1/180)

باب في حديث السحر (1)
باب السحر من كتاب الطب من "الجامع الصحيح" للإمام البخاري - رضي الله عنه -، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-, قالت: سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم، دعا، ودعا، ثم قال: "يا عائشة! أشعرت أن الله أفتاني فيما إستفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما على رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (2)، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجفّ (3) طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"، فاتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة! كأن ماءها نقاعة (4) الحنّاء، وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين"، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد الثالث عشر، ربيع الثاني 1360 ه.
(2) مسحور.
(3) وعاء طلع النخل.
(4) النقاعة: الماء الذي ينقع فيه الحناء.
(4/ 1/181)

الناس فيه شراً"، فأمر بها فدفنت.
السحر في أصل اللغة: الصرف (1)، وشاع استعماله في كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، وورد في كلام الشارع، فاتفق علماء الإِسلام على أن هناك شيئاً يسمى: سحراً، واختلفوا في تصويره، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن للسحر آثاراً حقيقية، وقالوا: هو مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال وأحوال يترتب عليها أمور خارقة للعادة. وقالوا: هو خارق للعادة يظهر في نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة. والساحر عند هؤلاء قد يبلغ أن يطير في الهواء، ويمشي في الماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن السحر لا يبلغ أن يغير الحقائق في نفسها، وإنما هو تخييل وتمويه، وقالوا: لا يفعل الإنسان في غيره فعلاً من غير مماسة ولا ملامسة. وينسب هذا الرأي إلى المعتزلة، وجرى عليه أبو جعفر الاسترابادي، وأبو بكر الجصّاص.
وإذا كان السحر لا يتجاوز التخييل والتمويه، استبان الفرق بينه وبين المعجزة جليًا، فالمعجزات على حقائقها، وبواطنها كظواهرها, ولو اجتهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بمثلها, لظهر عجزهم عنها، وأما السحر، فإنما هو ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، ومن شاء أن يتعلم ذلك، بلغ فيه مبلغ غيره.
ويتلخص مما سبق: أن السحر نوعان:
أولهما: قلب حقيقة شيء إلى حقيقة شيءآخر على وجه خرق العادة
__________
(1) حكاه الأزهري عن الفرّاء وغيره.
(4/ 1/182)

في الواقع؛ كقلب جماد إلى حيوان، أو حيوان إلى جماد.
ثانيهما: مزاولة نفس شخص أفعالاً يكون لها أثر في شخص آخر من غير اتصال به، ولا مماسة؛ كأن يزاول فعلاً يكون من أثره تغيير حب شخص لشخص إلى بغضه إيّاه.
ونحن لم يقع بأيدينا دليل على أن النوع الأول قد وقع.
ولإيضاح الفرق بين المعجزة والسحر فرقاً ذاتياً، نقول: إن الساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعباناً، ولا أن يفلق البحر فتمر منه الجيوش، ولا أن يبرئ الاكمه، أو يحيى الموتى، ولا يبلغ أن يجعل الماء ينبع من بين الأصابع، فتروى منه العشرات أو المئات من الناس؛ أي: إنه لا يجري على يده من خوارق العادة ما يجري مثله على أيدي الأنبياء - عليهم السلام -.
أما النوع الثاني، وهو أن يزاول بعض النفوس الخبيثة أفعالاً يظهر أثرها في شخص آخر من غير اتصال ولا مماسة، فقد دلت ظواهر الشريعة على صحته؛ لقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، وقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4]، والنفاثات وصف للنفوس؛ لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، وهذا وجه ذكر الوصف بصيغة التأنيث، وإذا دلت على صحته ظواهر الشريعة، ولم يقم دليل قاطع على نفيه، وكانت قدرة الله صالحة لأن تجعل للنفوس أثراً في شخص آخر من غير مماسة، لم يكن هناك داع إلى تأويل الظواهر.
ونتخلص من هذا إلى أن الذين ينكرون السحر بنوعيه: قلب الحقائق، وتأثير النفوس من غير مماسة، ينكرون حديث سحر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الحديث
(4/ 1/183)

يتضمن أن لبيد بن الأعصم قد فعل فعلاً كان له أثر في النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو بعيد عنه.
ورأى المنكرون للحديث: أن هناك ما ينفي بوجه خاص أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سحر، وأوردوا ثلاثة وجوه:
أحدها: أن الاعتقاد بثبوت سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون تصديقًا لقول الكفّار فيما حكاه الله عنهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47]، وهذا كما قال فرعون لموسى - عليه السلام - فيما قصه الله عنهما: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء: 101].
ثانيها: أن سحر الأنبياء، وتمكّن الساحر من أن يفعل فعلاً يكون له أثر في قوة تفكيرهم يحط من منصب نبوتهم.
ثالثها: أن تجويز السحر عليهم يشكك في نبوتهم، ويعدم الثقة بما شرّعوه من الشرائع؛ إذ يكون من المحتمل على هذا التجويز أن يخيل إلى النبي أنه يرى جبريل - عليه السلام -، ولم يكن هناك جبريل، وأنه يوحى إليه بشيء، ولم يوح إليه به.
ونحن ننظر في سند الحديث، ثم ننظر فيما استند إليه المنكرون من الوجوه التي رأوها قاضية عليه بالوضع:
الطرق التي روي بها هذا الحديث في "الصحيحين" كلها ترجع إلى هشام بن عروة عن عائشة -رضي الله عنها -، وعروة أحد الفقهاء السبعة، لم يطعن فيه أحد بكلمة، ومن رووه عن هشام بن عروة - مع كونهم كثيرين - هم من الرجال الموثوق بروايتهم، فقد رواه عن هشام: عيسى بن يونس، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وابن جريج، وابن أبي الزناد، وابن نمير.
(4/ 1/184)

وبقي هشام بن عروة الذي تدور عليه رواية الحديث في "الصحيحين"، وهو معدود من ثقات الرجال، وأئمة الحديث، وإنما تعرض له أبو الحسن ابن القطان، ومسّه من جهة الضبط، فقال: إنه اختلط في آخر حياته، وتصدى للرد على ابن القطان الحافظ الذهبي في كتاب "الميزان"، واشتد في الإنكار عليه، وقال: إن عروة لم يختلط، وإنما تناقض حفظه في الكبر، فنسي بعض محفوظه، أو وَهِمَ، وقال عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضى هشام ابن عروة، نقم عليه حديثه لأهل العراق، وقدم الكوفة ثلاث مرات: قدمه كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، والثانية كان يقول: أخبرني أبي عن عائشة، وقدم الثالثة، فكان يقول: أبي عن عائشة؛ (يعني: أنه كان يرسل عن أبيه).
ولو روى هذا الحديث عن عائشة هشام وحده، لحام حوله شيء من الوهن، ولكن رواه البيهقي في "الدلائل" عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها -، ولم تنفرد برواية هذا الحديث عائشة، بل رواه ابن سعد عن ابن عباس، ورواه ابن سعد، وأبو بكر بن شيبة عن زيد بن أرقم، وصححه الحاكم.
فرواية الحديث في "الصحيحين"، ثم رواية غير عروة له عن عائشة، ورواية غير عائشة له من الصحابة، يجعله في مأمن من أن يحكم عليه بوضع، أو ضعف من جهة سنده.
وننظر بعدُ هذا الحديثَ من جهة المتن؛ لعلّنا نجد في رواياته اضطراباً واختلافاً يقضي بعدم التمسك به:
اختلفت الروايات في بعض ألفاظ الحديث اختلافاً لا يزيد على الاختلاف الذي ينشأ من رواية الحديث بالمعنى، كما جاء في بعض الروايات: "جف
(4/ 1/185)

طلع نخلة" - بالفاء - وفي بعضها: "جب" - بالباء - وفي بعض الروايات: "ومشاطة" - بالطاء -، وفي بعضها: "ومشاقة"- بالقاف -.
واختلفت الروايات من جهة العموم والخصوص، كما جاء في بعض الروايات "يخيل إليه أنه يفعل الشيء، ولا يفعله"، وجاء في رواية أخرى: "يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن"، وهذا الاختلاف أيضاً لا يقضي بضعف الحديث أو وضعه، فمن المحتمل أن يكون الراوي قد عبر في الرواية الأولى بلفظ عام، والمراد: ما دلت عليه الرواية الثانية من مباشرة النساء.
واختلفت الروايات اختلافاً يجعل بينها - فيما يظهر - تعارضاً؛ كما جاء في بعض الروايات: قلت: يا رسول الله! أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله - صلى الله عليه وسلم -"، وظاهر هذه الرواية: أنه لم يخرج ما وقع به السحر من جف الطلعة، وما حواه الجف، وجاء في رواية أخرى: "فاستخرج"، وهذا ظاهر في أنه أخرج، وهذا الاختلاف لا يبلغ بالحديث حد الوضع أو الضعف؛ إذ شأن المحدثين هنا أن يرجحوا إحدى الروايتين بأحد الوجوه المعروفة من الترجيح، كأن ترجح رواية: "فاستخرج"؛ لأن راويها سفيان بن عيينة، وهو أضبط من عيسى بن يونس، ويجمع بين الروايتين؛ بأن يحمل قولها: "فاستخرج" على معنى إخراجه من بئر ذروان حتى رآه وعلمه، ويحمل قولها: "فهلا استخرجته" على معنى: هلّا أخرجته للناس، وأريته إياهم حتى يعاينوه، فأخبرها بأن الذي منعه من إظهاره للناس هو أن المسلمين إذا رأوه، لا يسكتون، وقد يتعرضون للساحر بالأذى، فيغضب للساحر قومه، فتحدث فتنة، ولا داعي إليها بعد أن حصل الشفاء والعافية، فالاستخراج الذي وقع غير الاستخراج الذي سألته عائشة - رضي الله عنها -.
(4/ 1/186)

واختلفت الروايات في شيء آخر قد يلوح أن يجعل بينها تعارضاً: هو أن رواية الحديث الذي سقناه تقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - أتى البئر في ناس من أصحابه، ورواية زيد بن أرقم للحديث تقول: إنه أرسل علياً، فاستخرجها، فجاء بها، ورواية ابن عباس عند ابن سعد: فبعث إلى عليّ وعمّار، فأمرهما أن يأتيا البئر، ورواية غيره عن عائشة: فنزل رجل فاستخرجه.
والجمع بين هذه الروايات: أنه بعث علياً وعماراً إلى البئر لاستخراج ما فيها، ثم أدركهما في ناس من أصحابه، وقد نزل أحدهما إلى البئر، فاستخرج ما صنعه اليهودي، وكان الذي قدمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
فمتن الحديث سالم من الاضطراب، وعلى فرض أن يعدّ شيء من ذلك الاختلاف اضطرابًا، فقاعدة الأئمة أن يترك ما وقع فيه الاضطراب من ألفاظ الحديث، ويؤخذ بما اتفقت عليه الروايات منه، فإذا عدّ من الاضطراب اختلاف الروايات في تصريح بعضها بأنه - عليه الصلاة والسلام - استخرج ما وقع به السحر، ودلالة أخرى على أنه لم يستخرجه، وفي قول بعضها: إنه ذهب إلى البئر بنفسه، وقول أخرى: إنه أرسل علياً - رضي الله عنه -، صرف النظر عن هذا الذي وقع فيه الاختلاف، وبقي أصل السحر ثابتاً من الروايات التي اتفقت عليه.
ولم يرد - فيما رأينا من الروايات - رواية تنسب التخييل إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -، فتقول: يخيل إليه أنه كان يقول الشيء ولم يقله، كما أنا لم نقف على رواية تذكر التخييل الذي أحدثه السحر على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك، وأخبر به، وقد وقع في تفسير أبي بكر الجصّاص - في سياق إنكار الحديث - هذان الزعمان، فقال: وزعموا أنه قال: يخيل إليّ أني أقول الشيء وأفعله،
(4/ 1/187)

ولم أقله ولم أفعله.
ونوجه النظر بعد هذا إلى ما أورده منكرو الحديث من الوجوه القاضية في رأيهم بوضعه، فنقول: أما ما قالوه من أن الحديث يقتضي تصديق الكفار في قولهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47]، فيرد بأن الكفار لا يريدون من قولهم: {مَسْحُورً}: أن بعض الساحرين زاول فعلاً كان له أثر في اختلال عقله - عليه الصلاة والسلام -, وإنما يريدون: أنه زائل العقل؛ أي: إنه لا يعقل ما يقول؛ كما قص الله تعالى عنهم في آية أخرى أنهم قالوا: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان: 14]، وقالوا: {يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6]، وصح إطلاق المسحور على المجنون؛ لأن السحر عند المعتقدين بحقيقته، قد يقصد به التأثير في الفكر، فيبلغ المسحور حد الجنون.
وأما قولهم: إن سحر الأنبياء يحط من مناصبهم، فمسلم متى قيل: إن السحر قد أثر في قوتهم الفكرية، أما إذا قيل: إن السحر كان له أثر في جسده - صلى الله عليه وسلم - دون عقله، وكان هذا الأثر ما عرض له من عدم القدرة على مباشرة أزواجه، فإنه لا يحط شيئاً من منصبه الشريف، ويحمل قول عائشة -رضي الله عنها - في رواية سفيان بن عيينة: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن" (1) على معنى: أنه كان يظهر له من نشاطه القدرة على مباشرة نسائه حسب العادة، فإذا دنا منهن، لم يقدر على إتيانهن، ورواية: "يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله" نرجع بها إلى رواية سفيان: "كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن"، ونحملها على أنها من تصرف بعض الرواة؛ إذ أتى بدل قولها: "يرى أنه
__________
(1) "صحيح البخاري" في باب: هل يستخرج السحر؟.
(4/ 1/188)

يأتي النساء" بقوله: "كان يفعل الشيء"، وبدل قولها: "ولا يأتيهن" بقوله: "ولا يفعله"، فهذه الرواية عبّر فيها عن إتيان النساء وعدم إتيانهن بلفظ عام هو الفعل وعدم الفعل، وجاءت على خلاف قولها: "كان يرى أنه يأتي النساء"، فجاءت كلمة "كان" بعد كلمة "يخيل"، فقالت: "يخيل إليه أنه كان يفعل".
وأما رواية: "يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله" وهي التي تشعر بأن السحر أثر في قوته الفكرية، ومثلها رواية: "يخيل إليه أنه صنع شيئاً، ولم يصنعه"، فنحملها أيضاً على أنها من تصرف الرواة الذي يقع بهم في غلط، وقد ينسب بعض المحققين من أهل العلم الغلط في بعض ألفاظ الحديث الوارد في "الصحيحين" إلى الراوي متى رأوا اللفظ صريحًا في معنى يخالف ما عرف من معقول أو منقول، ويبقى ما عدا اللفظ الذي هو موضع الغلط ثابت الرواية.
وملخص ما نرى في هذا الحديث: أن أصله ثابت، ويحمل السحر على أنه أثّر في قوته الجسمية، دون أن يمس قوته العقلية بشيء، ومما يدل له: حديث ابن عباس عند ابن سعد: "مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذ عن النساء والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان" الحديث، ونجعل قول عائشة -رضي الله عنها - في رواية سفيان بن عيينة: "كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن " هو أصل الرواية, وما عداه من الروايات إما أن نرجع بتأويله إلى هذا الأصل، أو نحمله على أنه جرى على وجه الغلط من تصرف بعض الرواة.
وهذا ما نراه في شرح الحديث. وأراني بعد هذا لا أنسب من ينكر
(4/ 1/189)

هذا الحديث إلى ضلال، أو سوء قصد؛ لأن الشبه التي أوردها المنكرون ليست بهينة، وقصارى ما أقول فيه: إنه لم ينظر في الحديث نظراً يجمع بين ما تقتضيه قوانين علم الحديث، وما يقتضيه منصب النبوة من سمو مقام النبي من أن يكون للسحر أثر في عقله.
(4/ 1/190)

السنن والحكم النّبوية (1)
عن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
رواه البخاري في "صحيحه".
اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاثة أركان من أركان الإِسلام، وهي: كلمة الشهادة، وفريضتا الصلاة والزكاة. ودل بعد هذا على أحكام متعددة، ومواعظ حسنة، فهو معدود من الأحاديث العظيمة الشأن.
وقصة إرساله - عليه الصلاة والسلام - معاذاً إلى اليمن مشهورة، أرسله ليدعو إلى الإسلام، ويلي أمر اليمن، ويقضي بين الناس.
فكان معاذ داعياً ووالياً وقاضياً.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع المجلد الحادي عشر، محرم 1358 ه.
(4/ 1/191)

أما الدعوة، فيدل لها هذا الحديث؛ فقد قال له: "فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله"، وهذه هي الدعوة، وأمره بأن يأخذ منهم الزكاة، وقال: "فإياك وكرائم أموالهم"، وذلك معنى الولاية.
وأما القضاء، فيدل له الحديث الآخر، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ "، قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ "، قال: فبسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فإن لم يكن في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ "، قال: أجتهد رأي لا آلو؛ أي: لا أقصر (1).
قال في الحديث: "إنك ستأتي أقواماً من أهل الكتاب":
كان في اليمن أهل كتاب من يهود ونصارى، وغير أهل كتاب؛ كعبدة الأوثان، ومعاذ مرسل إلى أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، وخص في الحديث أهل الكتاب بالذكر؛ لينبهه على أنه سيأتي قوماً أولي علم في الجملة، فيحتاج إلى عناية ويدل جهد في دعوتهم، وإقامة الحجة عليهم أكثر مما يحتاج إليه في دعوة غيرهم.
ودخلت اليهودية اليمن منذ عهد بعيد، حتى دخل فيها بعض ملوك حمير، وقامت هناك دولة متهودة إلى أن جاء الحبش - وهم نصارى - كما فقوضوا أركانها، وبقيت طوائف من اليهود مفرقين في البلاد.
وكانت النصرانية في نجران من بلاد اليمن، ومن المعروف في السيرة: أن وفد نجران قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا من نصارى العرب، وهم
__________
(1) صححه ابن العربي، وابن القيم.
(4/ 1/192)

الذين نزلت فيهم آية المباهلة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].
"فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله":
أمره في الحديث بأن يدعو أهل الكتاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وظاهر هذا: أنهم غير مؤمنين بأن الله واحد، أما النصارى، فلأنهم يقولون: إن المسيح ابن الله، وانه إله، وهذه العقيدة تخرج بهم عن الإيمان الحق، وتجعلهم في حاجة إلى أن يُدعوا إلى توحيد الله قبل أن يُدعوا إلى الإيمان برسوله الكريم.
وأما اليهود، فكانوا يعتقدون في عزير أنه ابن الله هو {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] وقد تبرأ بعض اليهود المتأخرين من هذه العقيدة، وبراءتهم هذه لا تقف في صدق الآية الكريمة، فقد نزلت واليهود بالمدينة، وحول المدينة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار هذه العقيدة، فليس من شك في أنها كانت معروفة عندهم، ويكفي في صدق الآية أن تكون عقيدة طائفة منهم.
وزِيَد في كلمة الشهادة: التصديق بالرسالة المحمدية؛ لأن حقيقة الإيمان لا تحصل إلا به، فمن لم يشهد برسالة النبي - صلوات الله عليه - فهو كافر. هذا ما اتفق عليه علماء الإِسلام، وأصبح معلوماً من الدين بالضرورة، ومن دلائله قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح: 13].
(4/ 1/193)

"فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة":
والحديث ظاهر في أن لا صلاة واجبة - أي: يعاقب على تركها - غير الصلوات الخمس، وصلاةُ الوتر في مرتبة السنّة، وقد استدل عبادة بن الصامت على عدم وجوبها بمثل هذا الحديث، روى مالك في "الموطأ": أن عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه - سئل عمن قال: إن الوتر واجب، فأنكر عبادة ذلك، وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات كتبهن الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة".
"فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم":
نص في هذا الحديث على من تؤخذ منه الزكاة، وهم الأغنياء، والغني: من يملك نصابًا من الأنصبة المفصلة في أحاديث أخرى، وقوله: "أغنيائهم" جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، ويؤخذ من عمومه: أن الزكاة واجبة في مال الصبي، وبهذا قال مالك، والشافعي، وكثير من الفقهاء، وأضافوا إلى دليل العموم في هذا الحديث: أثرين أوردهما الإمام مالك في "الموطأ":
أولهما: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: اتجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة.
ثانيهما: أن عائشة - رضي الله عنها - كان في حجرها يتيمان، وكانت
(4/ 1/194)

تُخرج من أموالهما الزكاة.
وذهب بعض الأئمة إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، وقالوا: إن العموم في قوله: "من أغنيائهم" يحمل على المكلفين، والصبي فاقد لأحد شروط التكليف، وهو البلوغ، وأجابوا عن الأثرين - أعني: أثر عمر بن الخطاب، وأثر عائشة -: بأنهما من قبيل الاستدلال بمذهب الصحابي، ومذهب الصحابي لا يمنع المجتهد من أن يبحث عن الحكم في أصول الشريعة بنفسه، ويقرر في الواقعة الحكم الذي يصل إليه من طريق الاجتهاد.
ويؤخذ من قوله: "أغنيائهم": أن الزكاة تجب في الحلي الذي تملكه المرأة لتتجمل بلبسه، فإنها تصير به غنية، وهو مذهب جماعة من الصحابة، وبه قال الإمام أبو حنيفة.
وذهب جماعة من الصحابة إلى عدم وجوب الزكاة فيه، وبه أخذ الشافعية، والمالكية، وأورد مالك في "الموطأ" على هذا أثرين:
أحدهما: أن عائشة -رضي الله عنها - كانت تحلّي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج عن حليهن الزكاة.
وثانيهما: أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
فإن اتخذ الرجل حلي النساء ليلبسه أهله منهن، وكان عنده من اتخذه من أجلهن من نحو زوج أو بنات، فلا زكاة فيه، فإن اتخذه رجاء أن تكون له أهل يتجملن به، فهذا لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنه اتخذ ما لا يباح له لبسه، وليس عنده أهل للتحلي به.
ولا زكاة في الحلي المباح يتخذه الرجل للعارية؛ لأنه متخذ للبس
(4/ 1/195)

مباح، مع ما اقترن بذلك من قصد القربة.
وقوله: "فترد على فقرائهم" يدل على أن الزكاة تصرف للفقراء.
واختلفوا في المقدار الذي يملكه الشخص، فينتفي عنه الفقر، وتحرم عليه الصدقة، وهذا الحديث يدل على أن من ملك نصاباً مما تجب فيه الزكاة، فهو غني، فلا حق له في الزكاة، ووجه دلالة هذا الحديث: أنه قال: "تؤخذ من أغنيائهم" فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغنى، ولا تحل الصدقة لغني.
وظاهر هذا الحديث: أن الصدقة تصرف للفقير، ولو كان قادراً على الكسب؛ فإنه قال: "فترد على فقرائهم"، فجعل صرفها منوطاً بصفة الفقر.
وذهب بعض الأئمة إلى أن الزكاة لا تحل لمن كان قوياً على الكسب، وإن لم يملك شيئاً؛ لأنه بالقدرة على الكسب أصبح في حكم الأغنياء.
والمراد بالقوي على الكسب: من يقدر على كسب ما يقوم بضرورات الحياة، فسليم البنية الذي يبذل جهده في الكسب، ولا يصل إلى ما يقوم بالضروري من عيشه، أو عيش من يعولهم، يجوز صرف الزكاة له؛ لأنه لم يقدر على كسب ما يكفي حاجته.
ودل قوله: "على فقرائهم" على أن الزكاة إنما تعطى للفقير المسلم، ولا حق فيها للفقير الكافر؛ فإن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من أطاعوا بالشهادتين، وصاروا بذلك من القوم المسلمين.
ويؤخذ من قوله: "فقرائهم": أن الزكاة تفرق على الفقراء الذين هم بالبلد الذي أخذت منه الزكاة، وهذا هو الوجه، إلا أن تكون حاجة غيرهم أشد، فيجوز لولي الأمران يفرق بعض الصدقة بموضعها، وينقل الباقي
(4/ 1/196)

إلى موضع الحاجة.
ومن ذهب من الأئمة إلى جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، يرى أن الضمير في قوله: "فقرائهم" يعود على من يدعوهم معاذ من أهل اليمن بصفتهم مسلمين، فكأنه يقول: يرد على فقراء المسلمين.
وظاهر هذا الحديث - حيث اقتصر على الفقراء -: أنه يجوز صرف زكاة أهل البلد إلى صنف من الأصناف الثمانية المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] , وبهذا قال مالك، والقائلون بوجوب توزيعها على الأصناف الثمانية يتاولون هذا الحديث على أن الاقتصار على ذكر الفقراء روعي فيه الغالب؛ لأنهم أغلب جهة تصرف إليها الزكاة.
ثم قال: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم":
الكرائم: جمع كريمة، والمراد: نفائس الأموال من أي صنف كان.
نهاه عن أخذ خيار المال؛ لأنه إجحاف بحق أصحاب الأموال، إلا أن يعطوا الخيار من أنفسهم، وفي كتاب "الموطأ": أن عمر بن الخطاب مر بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حافلاً (1) ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (2) المسلمين".
__________
(1) الحافل: التي اجتمع اللبن في ضرعها.
(2) الحزرة من المال: خياره.
(4/ 1/197)

لا يجوز للعامل على الزكاة أخذ كرائم الأموال، ولا يجوز له أن يأخذ معايبها، فقد جاء في "صحيح البخاري": "لا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار"، والعوار: العيب.
ويؤخذ من الحديث: أن الحق إذا تعلق بمال تختلف أفراده بالخيار والرداءة، أخذ الحق من الوسط، وذلك ما يقتضيه العدل.
وفي قوله: "واتق دعوة المظلوم" تنبيه على أن أخذ أطايب الأموال في الزكاة ظلم، وأخرج النهي في صيغة عامة؛ ليتناول النهي كل نوع من أنواع الظلم.
"فإنه ليس بينها وبين الله حجاب":
الحجاب في الأصل: الستر الحائل بين الرائي والمرئي.
ولما كان الشأن في الساتر المنعَ من الوصول إلى المقصود، عبر بنفيه عن عدم المانع من وصول الدعوة إلى الله، فقوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" يرجع إلى معنى: أنها ليس لها صارف يصرفها, ولا مانع يمنعها، ونفي المانع من وصول دعوة المظلوم إلى الله كناية عن قبولها وإجابتها. ودعوة المظلوم مقبولة، وإن كان عاصياً، يدل على هذا حديث أبي هريرة فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل: "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه".
والحديث يدل على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به؛ ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرسل معاذًا إلى اليمن، وأمره أن يبلغهم الدعوة إلى الشهادة؛ والصلاة والزكاة، ولولا أن خبره حجة عليهم، لما اكتفى بإرساله إليهم وحده.
وأدلة قبول خبر الواحد فيما يرجع إلى الأحكام العملية قائمة متوفرة،
(4/ 1/198)

ويلحق بالأحكام العملية: العمليات التي لا ترجع إلى عقائد الإيمان؛ كالأخبار المتعلقة ببعض الأمور المغيبة مما لا يدخل في حقيقة الإيمان, وأما ما يرجع إلى العقائد، فإنما يتمسك فيه بالأدلة القطعية.
واقتصر في الحديث على الصلاة والزكاة، ولم يذكر فيه فريضتي الصوم والحج، مع أن بعث معاذ إلى اليمن كان في سنّة عشر، وهاتان الفريضتان مشروعتان، ووجه ذلك: أن في الصلاة والزكاة مشقة على النفوس أعظم من مشقة الصوم والحج، أما مشقة الصلاة، فلتكررها في كل يوم خمس مرات، وأما مشقة الزكاة، فلغلبة الشح على النفوس؛ فقد يحتمل الإنسان مشاق بدنية دون أن يبذل شيئاً من ماله في وجه لا يراه يعود عليه بفائدة دنيوية عاجلة، ونرى كثيراً ممن لا يحافظون على الصلاة، ولا يؤدون زكاة أموالهم، قد يلتزمون الصوم، ويسافرون لأداء فريضة الحج.
فمن أجاب دعوة الصلاة والزكاة، وسهل عليه أداؤهما، أجاب دعوة الصوم والحج عند إلاستطاعة من غير تردد.
(4/ 1/199)

شرح مسأله الاقتداء بالمذهب المخالف (1)
سؤال: يهمني أن تتكرموا بعرض المسألة الآتية على قلم التحرير؛ لتمحيصها وبحثها على مقتضى مذهبي الإمامين: الشافعي، والحنفي؛ لكثرة الجدل حولهما، وعدم الوقوف على حقيقتها، وهي:
هل يسوغ لشافعي أو حنفي الاقتداء بمالكي تحقق لهما أنه توضأ بماء مستعمل؟
ثم هل يصح للشافعي أو الحنفي أن يقلّد المالكي في الوضوء بالماء المذكور "المستعمل"، ويصليا على مذهبهما أم لا؟
جواب: اقتداء تابع أحد المذاهب في الصلاة بمخالف له في المذهب من المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإليك البيان:
مذهب الحنفية: الأصح في مذهب الحنفية: أن الحنفي إذا تحقق من الشافعي - مثلاً - أنه أخلّ بشيء مما يراه الحنفي شرطاً، أو ركنًا في الصلاة، لم يصح اقتداؤه به.
قال الشيخ الشرنبلاوي في "حواشيه على الدرر": "وأما الاقتداء
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء السادس من المجلد الأول جمادى الثانية 1349 ه.
(4/ 1/200)

بالمخالف، فإن كان مراعياً للشروط والأركان عندنا، فالاقتداء به صحيح على الأصح، ويكره، وإلا، فلا يصح أصلاً"؛ فالحنفي إذا رأى من الشافعي ما يفسد الصلاة في مذهبه، لم يصح اقتداؤه به.
وذهب أبو بكر الرازي من الحنفية إلى جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع باطلاق، فقال: "يجوز للحنفي الاقتداء بمن يخالف مذهبنا من المجتهدين، وتقليدهم، وإن رأى فيه ما يبطل الصلاة على رأيه ومذهبه".
ونقل ابن الهمام عن شيخه سراج الدين الشهير بقارئ الهداية: أنه كان يعتقد قول الرازي، حتى أنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مروياً عن المتقدمين.
وللشيخ محمد عبد العظيم بن فروخ رسالة اعتمد فيها قول الرازي، وبنى رسالته عليه؛ حيث قال: "هذا - يعني: قول الرازي - هو المنصور دراية، وإن اعتمدوا خلافه رواية" وهو الذي أميل إليه، وعليه يتمشى ما ذهبنا إليه في هذه الورقات".
فإذا تحقق حنفي من مالكي أنه توضأ بماء مستعمل، لم يصح الاقتداء به في المشهور من مذهب الحنفية، وساغ له الاقتداء به في قول أبي بكر الرازي.
مذهب الشافعية: الأصح في مذهب الشافعية، كما في "المجموع" للإمام النووي: أن المأموم إذا تحقق ترك الإِمام لشيء هو في اعتقاد المأموم معتبر في صحة الصلاة، لم يصح اقتداؤه به، وإن لم يحقق إتيانه به، أو شكّ في ذلك، صح الاقتداء.
وذهب أبو بكر محمد بن علي القفّال - من أكابر علماء الشافعية - إلى
(4/ 1/201)

أن العبرة باعتقاد الإمام، فيصح اقتداء الشافعي بالحنفي أو المالكي إذا أتى الصلاة على الوجه الصحيح في مذهبه، وإن لم تكن صحيحة على مذهب المأموم، وتحقق المأموم ذلك، فلو مس حنفي امرأة، أو ترك الطمأنينة في الصلاة - مثلاً -، لم يصح اقتداء الشافعي به على ما هو الأصح في المذهب، وصح الاقتداء على قول أبي بكر القفال، فاقتداء الشافعي بمالكي تحقق له أنه توضأ بماء مستعمل يمنعه جمهور الشافعية، ويجيزه القفال.
مذهب المالكية: المقرر في مذهب المالكية: أن الاقتداء بالمخالف في المذهب صحيح، ولو لم تكن صلاته صحيحة على مذهبهم؛ كأن يترك الدلك، أو مسح الرأس في الوضوء، قال الشيخ خليل في "مختصره": "وجاز اقتداء بمخالف في الفروع الظنية، ولو أتى بمناف لصحة الصلاة؛ كمسح بعض رأسه".
مذهب الحنابلة: يجيز الحنابلة الاقتداء بمخالف في الفروع كالمالكية.
قال الشيخ ابن تيمية في "فتاويه": "وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم، ولم يتوضأ، أفنصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب، ومالك؟!.
ومعنى هذا الجواب: أنه يصح للحنبلي أن يصلي وراء المخالف في المذهب، وإن تلبس بما ينافي الصلاة في مذهب الإِمام أحمد بن حنبل؛ فإن سعيد بن المسيب، ومالك بن أنس لا يريان الوضوء من خروج الدم، وقد أنكر أحمد بن حنبل على من تردد في الاقتداء بمن يرى رأيهما، وقد خرج منه الدم ولم يتوضأ.
وجه صحة الاقتداء: قد عرفت أن المالكية، والحنابلة، وأبا بكر الرازي
(4/ 1/202)

من الحنفية، وأبا بكر القفال من الشافعية يجيزون الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية على الإطلاق، ووجه هذا المذهب: أن الأصل صحة اقتداء المسلمين بعضهم ببعض، ومن ذهب إلى عدم الصحة، فعليه إقامة الدليل، ولم نر للقائلين بعدم الصحة إلا دليلاً هو: اعتقاد المأموم أن إمامه على خطأ، وهذا غير كاف في الاستدلال؛ لأن المأموم يعتقد مع ذلك أن عمل الإمام صحيح عند الله؛ إذ كل مجتهد مطالب بأن يعمل على مقتضى اجتهاده، ومن قلده إنما يعمل على مقتضى هذا الاجتهاد، وإذا كان عمل المجتهد، أو من يقلده صحيحاً عند الله، فما المانع من الاقتداء به؟
ثم إن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يختلفون في الفروع، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرّج من الاقتداء بمن يخالفه في اجتهاده.
* تقليد الشافعي أو الحنفي للمالكي:
يجوز لأحد أتباع الأئمة المجتهدين تقليد مذهب إمام آخر إذا لم يقصد التلاعب، وهذا ما كان في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فإنه لم يرد أنهم أنكروا على العامة تقليد أحدهم في بعض المسائل، وآخر في غيرها، والمدار على أن يكون قاصد الانتقال من مذهبه على بينة من صحة الحكم في المذهب المنتقل إليه؛ كأن يتلقاه من عالم أمين، وصحة الوضوء بالماء المستعمل ثابتة في مذهب مالك، فإذا توضأ الشافعي أو الحنفي بالماء المستعمل مقلداً مذهب الإمام مالك، فصلاته صحيحة.
هذا ما يقوله المحققون من علماء الأصول، غير أن منهم من يذكر للانتقال شروطاً، وأهم هذه الشروط: أن لا يحصل بالانتقال صورة يقع الإجماع على
(4/ 1/203)

بطلانها؛ كأن يتزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، وأن لا يكون شأنه التقاط رخص المذاهب أينما وجدها.
وهذا الحكم واضح فيما إذا لم يعمل في الحادثة بمذهب إمامه قبل الانتقال إلى مذهب غيره، أما الانتقال في حادثة سبق له العمل فيها بمذهب التزم تقليده، فقد حكى فيه ابن الحاجب، والآمدي الاتفاق على المنع، وأنكر أبو عبد الله الزركشي في كتابه "البحر المحيط" هذا الاتفاق، وذكر أن الخلاف جار في الانتقال بعد العمل أيضاً؛ أي: إن من أهل العلم من يجيز للعامي أن ينتقل في الحادثة إلى مذهب آخر، ولو سبق له العمل فيها بمذهب إمامه.
(4/ 1/204)

صنع الصّور واقتناؤها (1)
سؤال: ما حكم الشرع الشريف في التصوير الفوتوغرافي، وهل الصور الفوتوغرافية تمنع دخول الملائكة في المحل الذي توجد فيه؟
وما حكم الشرع الشريف في إقامة تماثيل العظماء، هل يجوّزها، أو يحرّمها؟
سؤال: هل يحرم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي)؟ وإذا كان، هل الحرمة مطلقة، أم هناك تفصيل؟
سؤال: هل يجوز حمل الصور والتماثيل، والنظر إليها، واقتناؤها في المكاتب والبيوت؟ وإذا كان ذلك حراماً، فما حكمة التحريم؟
وهل هناك فرق في التحريم بين التصوير الشمسي والرسم باليد (النصفي والكامل)، وصنع التماثيل (النصفية والكاملة)؟
وهل تصوير ما فيه روح وما لا روح فيه سواء، وما رأي "نور الإسلام" في إقامة تماثيل لعظماء الرجال بالميادين الفسيحة، والمنتزهات الكبيرة؟
سؤال: هل يجوز التصوير الشمسي؟
الجواب: يذكر فريق من أهل العلم حكم الصور، وما جرى فيها من
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء العاشر من المجلد الأول، شوال 1349 ه.
(4/ 1/205)

خلاف، غير فارقين بين صنعها واقتنائها.
ويرى فريق منهم: أن في الصور التي يحرم صنعها ما لا يحرم اقتناؤه، وطريقة هذا الفريق تدعونا إلى أن نبحث عن صنع الصور، ثم نبحث عن اتخاذها واقتنائها، والله ولي التوفيق.
* التصوير:
ورد في التصوير أحاديث صحيحة، منها: حديث: "إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون". وحديث: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" (1). ولما كان ظاهر هذين الحديثين يجعل المصور في أشد العذاب الذي هو جزاء الكافرين، وأصول الشريعة تقتضي أن عقوبة فعل المحرم لا تبلغ أشد العذاب، حمل بعض أهل العلم الحديث الأول على من يصور ما يعبد من دون الله، وحملوا الحديث الثاني على من يصور قاصداً أن يضاهي خلق الله، ومن يصنع الصور قاصداً لأن تعبد من دون الله، أو يصنعها قاصداً التشبه في فعله بخلق الله، فقد جاء بما لا يفعله إلا جاحد، فيستحق أن يكون من أشد الناس عذاباً يوم القيامة.
ومقتضى فهم الحديثين على هذا الوجه يخرج من وعيدهما من يصور ما لا يعبد، ومن يصور غير قاصد المضاهاة بخلق الله.
ووردت أحاديث في وعيد المصورين بالعذاب دون أن تجعلهم في أشد مراتبه؛ كحديث: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (1). وحديث: "من صور صورة، كلف يوم القيامة أن
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/206)

ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" (1).
جاءت هذه الأحاديث، وهي تدل بظاهرها على حرمة التصوير بوجه عام، ولكن العلماء اختلفوا في حكم تصوير الحيوان والإنسان على حسب اختلاف أنظارهم في فهم هذه الأحاديث، والتفقه في علة النهي، واختيار طريق الجمع بين ما يظهر في بعضها من تعارض.
فذهب فريق إلى المنع من صنعها بإطلاق، وقالوا: تصوير الحيوان حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو دينار، أو درهم، أو فلس، أو إناء، أو حائط، وسواء في هذا كله ما له ظل، وما لا ظل له.
واستثنى بعض أهل العلم من منع تصوير ما له ظل: الصور التي تصنع للعب البنات؛ لما ورد فيها من الرخصة، ذكر هذا القرطبي في "تفسيره"، ونقل الماوردي في "الأحكام السلطانية": أن أبا سعيد الإصطخري من أصحاب الإِمام الشافعي تقلد حسبة بغداد في أيام المقتدر، وأقر سوق اللُّعب، ولم يمنع منها، وقال: قد كانت عائشة - رضي الله عثها - تلعب بالبنات بمشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ينكره عليها (2)، ثم قال: وليس ما ذكره من اللُّعب ببعيد من الاجتهاد.
وأجاز بعض أهل العلم؛ كأصبغ بن الفرج المالكي صنعَ الصور مما لا يبقى طويلاً؛ كالعجين، ومن هذا ما يصنع في شكل الحيوان من الحلوى، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) في "صحيح الإمام البخاري" عن عائشة -رضي الله عنها -، قالت: كنت ألعب بالبنات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان لي صواحب يلعبن معي.
(4/ 1/207)

وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: 13]: قد استثني من هذا الباب: لعب البنات، وما يصنع من الحلوى أو العجين، ووجه نظر هؤلاء: أن صورة ما يعظم ويعبد من دون الله ليس من شأنها أن تصنع مما لا يبقى زمناً طويلاً.
وقيد آخرون منع الصور المجسمة بتمام الأعضاء الظاهرة، أما إذا كانت الصورة ناقصة عضواً لو قطع من الحيوان، فقد معه الحياة؛ كالرأس، والبطن، فصنعها غير محرم عند هؤلاء، ووجه هذا القيد: أن الحديث يقول في وعيد المصورين: "ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، ومقتضاه: أن تكون الصورة تامة الأعضاء التي لا حياة لها بدونها, ولا ينقصها إلا نفخ الروح الذي يكون به الإِحياء.
ورأى بعض الفقهاء - فيما حكاه أبو محمد الجويني - جواز نسج الصور في الثوب، وأفتى آخرون لإباحة التصوير على الأرض ونحوها، وقال الخطابي: الذي يصور أشكال الحيوان (أي: يصنع صورتها دون أن يكون لها ظل) أرجو ألا يكون داخلاً في هذا الوعيد. ومما يصح أن يكون مستنداً لهؤلاء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، قال: "إلا رقماً في ثوب"، وهذا استثناء - وإن ورد في سياق النهي عن اتخاذ الصور - فهو يؤذن بأن رقم الصور في الثوب غير داخل فيما حرم من التصوير.
وذهب بعض الناس في الشذوذ إلى مكان بعيد، فأجازوا تصوير ما له ظل بإطلاق، حكى هذا القول بعض المفسرين عند قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: 13].
قال ابن عطية: وذلك خطأ، ولا أعلم من أئمة العلم من يجوزه، ولا حجة لهم في هذه الآية على جواز تصوير ما له ظل، ولو سلمنا أن هذه
(4/ 1/208)

التماثيل التي كانت تعمل لسليمان - عليه السلام - من قبيل الصور ذات الأجسام التامة الأعضاء، فإن الآية حديث عما يعمله الجن لسليمان - عليه السلام -، وشَرْعُ من قبلنا ليس شرعاً لنا عند كثير من أهل العلم حتى يقوم الدليل على مشروعيته.
ومن يذهب إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، يضع لذلك شرطاً هو: أن لا يرد في الكتاب أو السنّة ما يخالفه، وقد ورد في السنّة الصحيحة أحاديث صريحة في تحريم الصور، وليس وراء الصور ذوات الأجسام ما يصح أن يكون مناط التحريم في هذه الأحاديث.
ويبقى النظر بعد هذا في أخذ الصور بالآلة المصورة (الفوتوغرافية) هل يجري في حكمه على ما برقم في الثوب، أو يرسم على الأرض أو الورق من أشكال الحيوان، فيكون من مواضع الخلاف السابق، حراماً عند قوم، جائزاً أو مكروهاً عند آخرين، أو أن لأخذ الصورة بالآلة المصورة نظراً آخر يستدعي من الحكم غير ما يستدعيه التصوير باليد مباشرة، فيكون جائزاً، ولو عند من يقول بحرمة التصوير أشكال الحيوان؟.
من الواضح أن المصوِّر بنحو الرقم أو النقش، والمصور بالآلة المصورة يفترقان في وسيلة حصول الصورة. فالأول يمسك القلم أو الريشة بيده، ويأخذ في صنع الصورة جزءاً فجزءاً حتى يستوفي أجزاءها، ويخرجها في شكل ذي روح، فهو صانع الصورة بيده، وهذا ما يمكن أن يقترن بعلة مضاهاة الخالق؛ أعني: العلة الواردة في الحديث.
أما حصول الصورة باستعمال الآلة المصورة، فطريقه: أن صاحب الآلة يضع ورق التصوير في مزيج من أملاح الفضة، و (يودور) الفضة، ومادة
(4/ 1/209)

أخرى لزجة، بمقدار مناسب، ثم يعرض رق التصوير (الفلم) للضوء، فتنطبع فيه صورة ما يراد أخذ صورته بوسيلة دخول الضوء من عدسة الآلة، ووقوعه على الرق (الفيلم)، ويعالج بعد هذا بمحلول (هيبوسلفات السودة)، فتظهر الصورة بعد أن كانت خافية، وبعد ظهورها تعاد بحمض خاص لتصير ثابتة، غير أن أجزاء الجسم المستنيرة تظهر في الصورة سوداء، وأجزاؤها القاتمة تظهر بيضاء، وهذه هي الصورة المسماة عندهم بالصورة السالبة؛ والذي يصنعه المصور بعد هذا حتى تخرج الصورة موافقة لما في الواقع، هو أن يلصق الصورة السالبة بورقة من الورق الحساس، ويعرضها للضوء، فتنطبع الصورة في الورقة عائداً كل لون منها إلى أصله من بياض أو سواد، وتلك هي المسماة عندهم: الصورة الموجبة.
فهذه الوسيلة لأخذ الصورة لم تكن معروفة لعهد الوحي في تصوير ما ليس له ظل، فمن يذهب إلى إباحة رقم الصور في الثوب يجيز التصوير بهذه الآلة من غير تردد؛ إذ لا تزيد على الرقم في الثوب، والنقش على الورق بشيء يقتضي منعها.
ومن منع من تصوير ما ليس له ظل، قد يرى أن المنع مقصور على التصوير بالطريقة المعروفة لعهد الوحي؛ لأن التصوير إيجاد الصورة، وهذا المعنى ظاهر فيمن صنع أجزاء الصور بيده، أما الصورة الحادثة بالآلة المصورة، فمرجعها إلى ما أوجده الخالق تعالى في تلك المواد من خواص، ثم دخول الضوء من العدسة، وانطباع الصورة على الرق (الفيلم)، أو الزجاجة، ثم انطباعها على الورق الحساس، فليس من البعيد أن يكون لهذا الفرق أثر في أن يكون الجواز في التصوير الشمسي أظهر منه في رقم
(4/ 1/210)

أشكال الحيوان باليد مباشرة، وهذا ما أفتى به حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية سابقاً.
* علة تحريم التصوير:
بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس ينصبون تماثيل يسمونها: آلهة، ويعبدونها من دون الله؛ بزعم أنها تقربهم إلى الله زلفى، فجاء الإسلام منكراً لصنيعهم أشد الإنكار، ومعبراً عن سفه عقولهم بأبلغ بيان.
ومن المناهج التي تسلكها الشريعة الحكيمة لظهور الرشد على الغي: أن تجيء إلى ما شأنه أن يكون وسيلة إلى ضلالة، ولا منفعة فيه البتة، أو تكون منفعته أقل من إثم ما يتوسل به إليه من ضلال، فتمنع من إتيانه، وهذه الطريقة تقتضي النهي عن التصوير الذي هو أحد الوسائل إلى عبادة غير الواحد الخلاق، وقد قرر بعض العلماء للمنع من التصوير هذه العلة، وهي كونه ذريعة للغلو في تعظيم غير الله.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: "والذي أوجب النهي عن التصوير في شرعنا- والله أعلم-: ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة، وحمى الباب".
وإذا قيل: إن علة المنع من التصوير - فيما يظهر في الأحاديث - هي التشبه بخلق الله، يؤخذ هذا من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله"، فقد نبه على أن علة عذابهم الأشد: تشبههم بخلق الله إلى صنعهم شيئاً يتشبهون فيه بالخالق، ودل على هذا الوجه أيضاً حديث: "ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، فقوله: "أحيوا ما خلقتم" مشعر بأن علة الإنكار هي التشبه بالخالق.
(4/ 1/211)

إذا قيل هذا، قلنا: هذه العلة المشار إليها في الحديث لا تمنع من أن يكون للمنع من التصوير علتان: إحداهما تجعله مفسدة في نفسه، وهي التشبه بمبدع الخليقة، والأخرى كونه وسيلة إلى ما فيه أكبر مفسدة؛ أعني: الغلو في تعظيم غير الله.
قال القاضي أبو بكر بن العربي - بعد أن ذكر علة سد الذريعة إلى عبادة الأصنام-: فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صور صورة، عذبه الله بها حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ"، وفي رواية: "يتشبهون بخلق الله"، فعلل بغير ما زعمتم، قلنا: نهى عن الصورة، وذكر علة التشبه بخلق الله، وفيها زيادة على هذا: عبادتها من دون الله، ذنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنّك بعبادتها؟!.
وهذا النظر يقتضي أن النهي عن التصوير قائم على هاتين العلتين، ولو كانت العلة سد الذريعة وحده، لكان لأنظار الفقهاء في حال انقطاع الناس عن اتخاذ الصور آلهة مجال، ولكن على المضاهاة بخلق الله تجعل المنع باقياً؛ حيث لم تقيد المضاهاة في الحديث بالقصد إليها، وقد عرفت أن العلماء الذين يذهبون إلى إباحة صنع بعض الصور؛ مثل: ما ليس له ظل، أو كان مجسماً غير تام الأعضاء، أو ما دعت إليه مصلحة التدريب على إدارة المنزل، يستندون فيما أفتوا به إلى أحاديث تجعل النهي مقصورًا على غير ما أفتوا لإباحته.
* هل يجوز التصوير لمصالح تقتضيه؟:
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التصوير؛ صَرفاً للناس عن حال التشبه بالخالق، وأذن بلعب البنات لمصلحة التمرين على إدارة المنزل، فدل على أن مصلحة هذا
(4/ 1/212)

التمرين ترجح على مفسدة التصوير، فهل للفقهاء إذا عرفوا في تصوير شيء من الأشياء مصلحة جلية، أن يفتوا بإباحته على قدر ما تدعو إليه الحاجة؟
لم نجد في كتب الفقه ما يشعر بصحة هذا التصرف إلا كلمة قالها الماوردي في "الأحكام السلطانية" عند الحديث عن لعب البنات، ونصه: "وأما اللعب، فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأرواح، ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه، وللمنع منها وجه، وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره".
وإذا أراد الماوردي من شواهد الأحوال: الأحوال التي نص فيها الشارع على منع التصوير، أو إباحته، لم يبق بأيدينا نص من الفقهاء في إباحة التصوير عند ما يكون له - فيما يظهر - فائدة.
ومن المواضع التي ينتفع فيها بالتصوير لهذا العهد: أن يوجد قتيل في خلاء، ولا يعرف من أي قبيل هو، فتؤخذ صورته لتعرض في الصحف؛ لعل أهله يطلعون عليها، ويترتب على درايتهم بقتله نحو: الإرث، وتنفيذ الوصايا، وفي حضور أهله معونة على تحقيق البحث في الجناية.
ويشبه هذا: أن يوجد صبي ضائعاً، فتؤخذ صورته لتعرض في الصحف، حتى إذا رآها وليّه، جاء فتسلمه، ومن هذا القبيل: وضع صورة من مَرَدَ على الجنايات في الصحف، أو في المجتمعات العامة؛ ليحذره الناس، فيسلموا من أذيته، ويضاهي هذا: رسم أشكال الحيوان في كتب علم الحيوان؛ إذ يتوقف عليه الرسوخ في ذلك العلم.
(4/ 1/213)

فهذه الأحوال ونحوها - مما يظهر فيه وجه الانتفاع بالتصوير - يصح أن يؤخذ فيها بمذهب من يحيى تصوير ما ليس له ظل، مرفوعاً كان أو ممتهناً، ناقص بعض الأعضاء أو تامها.
* اتخاذ الصور:
الصور على نوعين:
1 - ما ليس له ظل؛ كالمرقوم في ثوب، أو المرسوم في ورق.
2 - وما له ظل، وهو ما كان ذا جسم قائم بنفسه.
أما ما ليس له ظل، ففيه أربعة مذاهب:
أحدها: المنع من اتخاذه بإطلاق؛ وقوفاً مع ظاهر الأحاديث الواردة في الوعيد أو النهي غير مصحوبة بقيد.
ثانيها: منع ما تكون فيه الصورة متصلة الهيئة، تامة الشكل، وإباحةُ اتخاذ ما كان غير تام الشكل، وما تفرقت أجزاؤه بعد أن كانت ملتئمة، وهذا ما اختاره القاضي أبو بكر بن العربي، ورجحه ابن عبد البر، وهذا المذهب نشأ بالجمع بين حديثين في ظاهرهما تعارض، وهما: حديث هتك النبي - صلى الله عليه وسلم - للستر الذي كان فيه تماثيل، وجعل عائشة -رضي الله عنها - منه وسادتين؛ وحديث قيامه - عليه الصلاة والسلام - بباب الحجرة؛ إذ رأى نُمرقة فيها تصاوير حتى قال منكراً ذلك: "ما هذه النمرقة؟ "، فقالت له عائشة: لتجلس عليها وتوسدها، فلم يقر ذلك، بل قال: "إن أصحاب هذه الصورة يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، فالحديث الأول يدل على أن الصورة المنسوجة في نحو الوسادة جائزة، والحديث الثاني يدل على أنها ممنوعة، ومتى قلنا: إن الصورة في الحديث الأول - عندما جعل الستر وسادة -
(4/ 1/214)

لم تبق تامة الشكل، بل تفرقت أجزاؤها، فكانت جائزة، والصورة في الحديث الثاني كانت تامة الهيئة، فأنكرها - عليه الصلاة والسلام -، زالت شبهة التعارض بين الحديثين.
ثالثها: منع ما يكون معلقاً أو مرفوعاً، وإباحة ما يكون مفروشاً أو ممتهناً بالاستعمال؛ كالصور المرقومة في وسائد، أو زرابي، وهذا هو الذي رواه المزني عن الإمام الشافعي، ورجّحه النووي، وقال: هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، والفرق بين المعلق والمفروش: أن ما يوطأ ممتهن ومبتذل، والمرفوع يشبه ما نصب من الأصنام، والصور الممتهنة يرجح الإمام النووي جواز استعمالها، ويجزم مع هذا بحرمة صنعها.
رابعها: الجواز بإطلاق، وهو ما نقله ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد أحدِ فقهاء المدينة السبعة، ولفظه: "عن أبي عوني، قال: دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس (1) والعنقاء".
وهذا المذهب يستند إلى حديث بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصورة".
قال بسر: ثم اشتكى زيد، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقماً في ثوب"؟
وفي كتاب "الموطأ": "أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود دخل
__________
(1) كلب الماء.
(4/ 1/215)

على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف، فدعا أبو طلحة إنسانًا، فنزع نمطًا من تحته: فقال سهل بن حنيف: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قد علمتَ، فقال سهل: ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا رقماً ثوب"؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي.
وعلى هذا المذهب جرى المتأخرون من فقهاء المالكية، غير أنهم عبروا بالكراهة، وخلاف الأولى. قال الشيخ خليل في كتاب "التوضيح": التمثال إن كان لغير حيوان، جاز، وإن كان لحيوان، ويقيم (أي: يبقى طويلاً)، فهو حرام بإجماع، وكذا إن لم يقم؛ خلافاً لأصبغ، وما ليس له ظل إن كان غير ممتهن، فهو مكروه، وإن كان ممتهنًا، فتركه أولى.
ومن أهل العلم من يرى أن النهي عن اتخاذ الصور قد جاء في أول الإِسلام عاماً؛ ليقطع الوسيلة إلى عبادة الأصنام، وبعد أن تقرر هذا الحكم، وعرف الناس شدة مقت الشارع للتغالي في تعظيم غير الله إلى حد العبادة، أذن في اتخاذ ما كان رقمًا في ثوب، فيكون حديث: "إلا رقمًا في ثوب، مرخصاً في بعض ما حرم في أول الأمر من التصاوير.
وأما ما له ظل قائم، وكان تام الأعضاء، مصنوعاً مما يبقى زمناً طويلاً، ولم تدع إليه مصلحة التدريب على تدبير المنزل، فيحرم اتخاذه بلا خلاف، والرأي الشاذ الذي حكاه بعض المفسرين في جواز صنعه، ومقتضاه: جواز اقتنائه، لا يستند إلى أصل معقول، أو وجه يتلقاه النظر بالقبول.
فإن كان ناقص بعض الأعضاء الظاهرة؛ كالرأس أو البطن، فذلك ما يفتي المتأخرون من فقهاء المالكية بإباحته، وإن كان مصنوعاً مما لا يبقى زمناً طويلاً، فهو ما يقول أصبع بجواز اتخاذه، وإن دعت إليه حاجة التدريب
(4/ 1/216)

على إدارة شؤون المنزل، فهو جائز عند بعض الفقهاء، مستنداً إلى ما قدمناه لك من حديث عائشة - رضي الله عنها - في اتخاذها صور بنات تلعب بهن على مرأى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير إنكار.
وبهذا التفصيل يعلم حكم إقامة تماثيل للعظماء.
(4/ 1/217)

مكافحة الجشع والغش في المعاملات المالية (1)
تحيا الأمة في سلامة أو سيادة، متى حظيت بقوتين عظيمتين، هما: القوة النفسية، والقوة العملية. والقوة النفسية: في استنارة عقولها، وسمو أخلاقها، والقوة العملية: في إتقان فن الزراعة، والبراعة في الصناعة، وإحكام أمر التجارة.
فالزراعة والصناعة والتجارة هي الأصول التي تقوم عليها المدنية الزاخرة، ويحدث عنها ما يجري بين الأفراد والجماعات من المعاملات المالية. فإذا تحدثنا عن المعاملات المالية، وضربنا الأمثال لما يليق منها، وما لا يليق، فإنا نريد: المبايعات التي تقع بين التاجر أو الزارع أو الصاح، وبين من يأخذ منه حاجته بعوض مسمّى.
وقد وجّه الشرع الإسلامي عنايته إلى المعاملات المالية، ووضع لها نظماً تَحفَظُ من أكل أموال الناس بالباطل، وحاط هذه النظم بمواعظ بالغة متى كان في الناس إيمان صادق، وحذرٌ من سوء العواقب.
وليس من غرضنا التحدث عن تلك النظم التي يرجع إليها القضاة عند الفصل بين الخصوم؛ فإنها نظم واسعة النطاق، ولها مقامات غير هذا المقام،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السابع والثامن من المجلد الرابع عشر.
(4/ 1/218)

وإنما نريد تذكير الأمة في هذه الأوقات العسيرة بفضيلة العدل، والسماحة في المبايعات، ويما يعودان به على الفرد والجماعة من خيرات شاملة، وعواقب حسنة، ثم تذكيرها بضرر الخروج على نظم الشريعة، والذبذبة في طرق الغش والخداع.
وينبغي أن نعلم أن لتعاطي التجارة والزراعة والصناعة ثلاثة أغراض:
أولها: أن يقوم الإنسان بما تتطلبه حياته الخاصة؛ من نحو: المطعم والملبس والمسكن؛ ليحتفظ بكرامته، ويعيش في غنى عما في أيدي الناس.
ثانيها: أن ييسر للناس أمر معايشهم؛ إذ ليس كل أحد يقدر على أن يزرع أو يصنع، أو يجلب الأقوات أو البضائع من أماكن بعيدة.
ثالثها: أن يكون قومه في قوة يستطيعون أن يصدوا بها عدوّهم المهاجم، وقد عرفنا أن هذه الأصول الثلاثة هي قوام القوة العملية التي تجعل الأمة في أمن ومنعة.
والناس في المبايعات أصناف:
صنف يأخذ بالإنصاف، فيحرص على أن يستوفي حقه، ويأبى أن يتعداه إلى شيء من حقوق غيره، ويسير هذا الصنف في مبايعاته على طريقة المماكسة، وهي المساومة بالزيادة والنقصان. ولا بأس في الأخذ بهذه الطريقة ما دامت المساومة في حدود الاعتدال، وما زال الفضلاء يأخذون في مبايعاتهم بالمماكسة المعقولة. رُئي عبد الله بن جعفر يماكس في درهم، فقيل له: أتماكس في درهم، وأنت تجود من المال بما تجود؟ فقال: ذلك مالي جُدت به، وهذا عقلي بخلت به.
ومن الناس من يلوذ بالعفاف، ويأبى أن يصل إلى يده شيء من حقوق
(4/ 1/219)

غيره، وتطيب نفسه بأن يترك شيئاً من حقه للمبايع على وجه المكارمة؛ كان يحتمل في مبايعات الفقراء شيئاً من الغبن، أو يعطي المبايع شيئاً أفضل مما وقع عليه العقد.
كان لرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دين، فقضاه بأحسن مما أخذ منه، فقال له الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، فقال - صلوات الله عليه -: "إن خياركم أحسنكم قضاء".
واستلف عبد الرحمن بن عمر من رجل دراهم، ثم قضاه دراهم خيراً منها، فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن! هذه خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال ابن عمر: قد علمت، ولكن نفسي بذلك طيبة.
فلا يمدح الرجل على شرائه الشيء بأكثر من ثمنه، أو بيعه بأقل من ثمنه، وهو يجهل قيمته، وإنما يمدح على مثل هذه المعاملة متى كان يعلم قيمة ما باع أو اشترى. وإنما يتقبل الرجل ما زاد على حقه في المبايعة حيث يثق بأن الزيادة كانت على وجه المكارمة، فإن اشتبه عليه الحال، واحتمل أن تكون الزيادة وقعت على وجه الخطأ، أو الجهل بمقدار الحق، وجب عليه ردها إلى صاحبها، وإن هو لم يفعل، فقد وضع في بطنه أو في بيته جذوة من نار الحريق.
اشترى ابن عمر شيئاً، فوضع يده فوق المكيال، وحثا له عليه، فقال له ابن عمر: أرسل يدك، ولا تمسك على رأسه؛ فإن في ما يحمله المكيال.
وأذكر أن جرير بن عبد الله - وكان من أفاضل الصحابة - اشترى له غلامه فرسًا بثلاث مئة، فلما رأى جرير الفرس، ذهب إلى صاحبها، وقال له: إن فرسك خير من ثلاث مئة، وما زال يزيده في الثمن حتى أعطاه ثمان مئة.
(4/ 1/220)

أما الصنف الثالث من الناس، فهم الذين يستوفون في المبايعات حقوقهم، وترضى لهم نفوسهم أن يبخسوا حق غيرهم، فينالوا منه ما استطاعوا على وجه الغش والخداع، وهذا الضرب من المعاملة إنما توحي به قلوب كالحجارة أو أشد قسوة، بل قلوب لم يدخل فيها الإيمان الحافظ من أكل أموال الناس بالباطل.
ولا مرية في أن انسياق الرجل في مبايعاته مع الجشع، وارتكاب طرق الغش، يفسد عليه الأغراض الشريفة التي تقصد من التجارة: يفسد عليه غرض التيسير على قومه، وغرض مؤازرتهم على القوة التي بها سلامتهم وسيادتهم؛ فإن الشرِه والغاش في معاملاته إنما يريد بالقوم عسراً لا يسراً، ولا ينتظم للقوم قوة والقابضون على أصول حياتها شرهون مخادعون.
بل الشرَه والغش يفسد على الرجل غرض الاحتفاظ بكرامته؛ إذ لا كرامة لمن تتلوث نفسه بالشره، وتنغمس في رذيلة الغش والخداع.
ولفظاعة الجشع والغش في المعاملات، وإخلالهما بنظام الأمن، وتشويههما لوجه المدنية الفاضلة، عُنيت الشريعة الغراء بمكافحتها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى". وقال - عليه الصلاة والسلام -: "من غشّنا، فليس منا". وتحدث- عليه الصلاة والسلام- عن زمان يكثر فيه الشر، ويغلب عليه الفساد، وقال: "فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة".
يكون الغش بنقص كيل المبيع أو وزنه، وهو التطفيف المتوعَّد عليه في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ
(4/ 1/221)

النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1 - 6].
وفي قوله: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} [المطففين: 4] إيماء إلى أن عدم إيفاء الكيل والوزن في المبايعات؛ شأن من لا يصدق بأنه سيبعث، ويحاسب على ما قدمت يداه من أمثال هذه الخيانة الدنيئة.
وإن شئتم أن تزدادوا علماً بخطر الغش في الكيل والوزن، فاقرؤوا ما قصّه الله تعالى في دعوة شعيب - عليه السلام - لقومه، إذ قال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84]. فقد قرن شعيب - عليه السلام - النهي عن نقص الكيل والوزن بالنهي عن الشرك بالله، وقرن بين الجريمتين في الوعيد، فدل على أن الغش في الكيل والوزن بالغ في الفساد إلى حال قريبة من الحال الشرك برب العالمين.
ويلحق بالكيل والموزون: ما يباع بالذراع، فكل من نقص الكيل والوزن والذرع اعتداء على مال خفية، فعقوبة نقص الذرع هي عقوبة نقص الكيل والوزن، وخساسة ارتكاب هذا هي خساسة ارتكاب ذاك.
ويكون الغش بكتم العيب في المبيع أو الثمن، وقد علَّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لهذا الغش جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة، هو: زوال البركة من المال، فقد قال - عليه السلام - في المتبايعين: "فإن بَيّنا، وصدقا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما ".
ومن أسباب ذهاب البركة من المال، وتداعيه إلى نقص أو نفاد: أن الذي يخادع في معاملاته، يُعرف بهذا الخداع بين الناس، فينصرفون عنه
(4/ 1/222)

إلى معاملة غيره، فيفوته أرباح كثيرة كانت تنمّي ماله لو جرى في مبايعاته على نصح وأمانة.
قيل للزبير - رضي الله عنه -: بلغت من اليسار ما بلغت؟ فقال: "لم أرُدّ ربحاً، ولم أكتم عيباً".
ويكون الغش بخلط المبيع بشيء أدنى منه، وبيعه على أنه صاف غير مخلوط؛ كبيع الحلي على أنه ذهب، وهو مخلوط بنحاس أو حديد، أو بيع الطعام على أنه قمح، وهو مخلوط بعدس أو شعير.
ومن هذا القبيل: دفع المشتري في ثمن المبيع دراهم زائفة، وإيهام البائع أنها سليمة جيدة، وكان السلف يتعلمون علامات النقود الزائفة حتى لا يقبلوها على جهالة فيغبنوا، أو يسلموها إلى غيرهم في مبايعة، فيكونوا وسيلة إلى الإضرار به وهم لا يشعرون.
ويكون الغش بدعوى أن البضاعة من صنف أعلى، وهي من صنف دونه، أو بنسبتها إلى بلد أو معمل عرفت مصنوعاته بالجودة والإتقان، وليست منه، ولكثرة وقوع هذا النوع من الغش في المعاملات قالوا: "من اشترى الأشياء على وصف أهلها، غُبِن".
ويكون الغش بدعوى البائع أن هذه البضاعة لا توجد إلا عنده، أو أنه أُعطي بها عشرة أو مئة، وهو لم يعطَ بها هذا الثمن المسمّى، وتكبر الجريمة إذا أكد هذه الدعوى بيمين، فيستحق قسطًا كبيراً من وعيد قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]
(4/ 1/223)

ويضاهي هذا الضرب من الغش: أن يعرض التاجر سلعة، ويتفق مع آخر على أن يزيده في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، وإنما يفعل هذا؛ ليوهم غيره أنها سلعة مرغوب فيها، فيبذل فيها ثمناً فوق ثمنها، وهذا ما يسمّى في عرف الشارع بالنجش، وهو ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ولا تناجشوا".
يلحق الناس ضرر فادح من الغش في المبايعات، ويلحقهم ضرر مثله من أن يعمد متعاطي التجارة إلى الأطعمة والبضاح التي تكثر الحاجة إليها، فيحبسها عنده منتظرًا غلاءها، وذلك ما يسمى بالاحتكار، وقد كافح الإسلام هذا الشر بالزجر والوعيد البالغ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحتكر إلا خاطئ". وقال - عليه الصلاة والسلام -: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالجذام والإفلاس". وقال عمر بن الخطاب: "لا حُكْرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم أذهاب، إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا".
ولم يختلف الفقهاء في حرمة الاحتكار في أيام العسرة والضيق، ونصوا على أن حرمة الاحتكار لا تختص بالطعام، بل تجري في كل ما يحتاج إليه الناس.
قال مالك بن أنس - رضي الله عنه -: إن الطعام وغيره من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه في حرمة احتكارها سواء.
يتوسل التجار الجشعون إلى أكل أموال الناس بالغش والخداع، ويرفعون أسعار الحاجيات من أنفسهم ليصلوا إلى أرباح وافرة، وقد أذن الشارع الحكيم في مكافحة هذا الجشع، وإماطة أذاه عن الناس، وأفتى علماؤنا بتحديد أسعار
(4/ 1/224)

الحاجيات على وجه يراعى فيه مصالح البائعين والمشترين.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: "والحق التسعير، وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين".
وطريقة التسعير على ما وصفوا: أن يجمع الحاكم وجوه أهل السوق، ويحضر غيرهم من أهل الخبرة، ويتعرف كيف يشتري أهل السوق وكيف يبيعون، ثم يقرر للأشياء أثماناً يجعل فيها للباعة من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس.
وكان التسعير وإنفاذه في بلاد الأندلس يرجع إلى ولاية الحسبة، يقول الكاتبون في تاريخ الأندلس: يمشي المحتسب في الأسواق راكبًا، وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان؛ لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزّار أن يبيع بأكثر مما حدّه له المحتسب في الورقة، ولا يكاد تخفى خيانته، وإذا وقف لأحد على خيانة، اشتد في عقابه، وإن أكثر ذلك منه، ولم يتب، نفاه من البلد.
وقص علينا القاضي أبو بكر بن العربي: أن الخليفة ببغداد كان إذا رفع التجار أسعار الطعام، فتح المخازن، وأذن في بيع ما فيها بأقل مما يبيع التجار، ولا يزال على هذا الحال حتى تعود الأسعار إلى أصلها، أو إلى القدر المناسب، قال: وبهذه الطريقة يغلب المحتكرين والجالبين، ويدفع عن الناس ضرراً عظيماً.
وكان العلماء بحق يدركون خطر العبث بالأسعار، والغش في المبايعات، فلا يدخرون وسعاً في وعظ التجار، وتذكيرهم بتقوى علام الغيوب، وتربيتهم
(4/ 1/225)

على القناعة بما تيسر من الأرباح.
كان ابن عمر - رضي الله عنه - على البائع، فيقول له: اتق الله، وأوف الكيل.
وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يطوف سوق الكوفة، ويعظ التجار، ومما يقول في وعظه؛ "معاشر التجار! لا تردوا قليل الربح؛ فتحرموا كثيره".
وخلاصة حديثنا هذا: أن قانون العدل وكرم الأخلاق ينادي الإنسان؛ لأن يأخذ نفسه بالأمانة والسماحة في المبايعات، فإن هو لم يفعل، وارتكب طريقة الجشع والغش، فقد انتبذ في النذالة مكاناً بعيداً، وأقام بينه وبين الإنسانية حجاباً غليظًا.
فالشره والغش قذارة في النفوس، يجب على دعاة الإصلاح أن يغسلوها بالحكمة والموعظة، وعوجٌ في المجتمع يجب على من بيده الأمر أن يقومه بالعزائم الصادقة، والعقوبات العادلة النافذة.
(4/ 1/226)

التّصوف (1)
اختلفوا في أصل كلمة الصوفية، وذهبوا فيه مذاهب أصحُّها: أنها مأخوذة من الصوف؛ لأن الزهَّاد كانوا يعمدون إلى لبس الصوف؛ بعدًا وتجنباً للبس الفاخر من الثياب.
وهناك آراء ضعيفة:
منها: أن الصوفية نسبة إلى صُفَّة؛ لشبه الزهاد بأهل الصفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عابدين متفقهين، لا يفارقونه إلا لجهاد عدو. وهذا الوجه لا يوافق قاعدة النسب في اللغة، فإن القاعدة تقضي أن يقال في النسب إلى صفة: صُفِّيَّة، لا صوفية.
ومنها: أن الصوفية نسبة إلى آل صوفة؛ تشبيهاً لهؤلاء الزهاد بآل صوفة، وهم قوم كانوا يخدمون الكعبة في الجاهلية، ويتنسكون، ويبعد هذا الوجه: أن آل صوفة قد ذهبوا بذهاب عصر الجاهلية، وقد تسمَّى هؤلاء العباد والزهاد في الإسلام باسم الصوفية، وقبلوا هذا الاسم، ولا أحسبهم يرضون بنسبتهم - ولو على وجه التشبيه - إلى طائفة كانت في الجاهلية على غير هدى.
ومنها: أنها نسبة إلى الصوف على معنى: أنهم آثروا الانكسار، فكانوا
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الرابع والخامس من المجلد الحادي عشر، شوال وذو القعدة - 1357 ه.
(4/ 1/227)

كالصوفة المرمية. وهذا وجه سخيف لا يلتفت إليه.
ومنها: أن الصوفية نسبة إلى الصف؛ لأنهم في الصف الأول بين يدي الله تعالى. وقاعدة النسب لا تساعد على هذا الوجه، كما أنها لا تساعد على أن يكون مأخوذاً من الصفاءة لصفاء نفوسهم، وخلوص قلوبهم من شوائب الأهواء، وسيئات الأخلاق.
وهذا الاسم حدث بعد عهد السلف.
قال السهروردي في كتاب "عوارف المعارف": لم يعرف هذا الاسم إلى المئتين من الهجرة.
وذكر ابن تيمية جماعة من الزهاد منهم: الفضيل بن عياض المتوفى سنة 187 ه، وقال: في عصرهم حدث اسم التصوف.
وقال القشيري في "الرسالة": واشتهر هذا الاسم - يعني: التصوف - قبل المئتين من الهجرة.
وذكر حسن صديق في كتاب (أبجد العلوم): أن أول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي، وقد توفي أبو هاشم هذا سنة 150 ه.
والتصوف رياضة النفس، ومجاهدة الطبع، برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة ابتغاء السعادة وهذه الرياضة والمجاهدة تكون بالعكوف على العبادة والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة مال أو جاه.
* التصوف قبل الإسلام:
متى أريد من التصوف: الزهد في الدنيا، والانقطاع إلى العبادة، ومجاهدة النفس بكفّها عن الشهوات، صح أن يبحث عن هذا المعنى في الأمم التي
(4/ 1/228)

وجدت قبل الإسلام.
وإذا بحثنا عن هذا المعنى مع قطع النظر عن اختلاف أوضاع العبادات، أو اختلاف الغرض من تلك المجاهدة، رأينا أن لحكماء اليونان في طلب الحقائق طريقتين:
طريقة أرسطاطاليس وأتباعه، وهي طريقة البحث والقياس العقلي أو الاستقراء، وتسمى بالحكمة المشائية (1).
وطريقة أفلاطون وأتباعه، وهي طريقة المكاشفة، وانقداح الحقائق في النفس، وتسمى: حكمة الإشراق؛ لأنها تعتمد على إشراق العقل بالارتياض والتجرد عن الرذائل. فالإشراقيون من الحكماء الإلهيين يشبهون الصوفية في مسلكهم، إلا ما يخالفون فيه هدي الإسلام.
قال السهروردي في "حكمة الإِشراق": "والإشراقيون لا ينتظم أمرهم دون سوانح نورية، حتى إن وقع لهم شك، يزول عنهم بالنفس المنخلعة عن البدن".
وفي البوذية ما يشبه الرهبانية؛ فإن مؤسس هذه النحلة دهري، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر (جوتما (2))، ومن مبادئه: أن الشقاوة في الدنيا ناشئة عن الشهوات، فيجب إطفاء هذه الشهوات؛ لينجو الإنسان من الشقاوة. ويرى هؤلاء: أن هناك محرمات على الرهبان والراهبات خاصة، وهي التزين بالزهور، والتطيب بالروائح الذكية، وسماع الغناء، والتفرج على الرقص، والجلوس
__________
(1) سميت بالمشائية؛ لأن زعيم هذه الطريقة - وهو أرسطو - كان يعلم تلاميذه وهو يمشي معهم.
(2) توفي سنة 480 قبل المسيح.
(4/ 1/229)

على الأسرة العالية، واقتناء الذهب والفضة والجواهر، ويقولون: إن (جوتما) كان من أبناء الملوك، وزهد في الدنيا؛ لما رأى فيها من شقاوة الشيخوخة، والأمراض، والموت، فهجر أهله وولايته، ودخل في جبل الثلج يتقشف ويتفكر.
ووجد ما يشبه التصوف - أعني: الزهد والانقطاع إلى العبادة - في الفرس، نرى ذلك منذ عهد زرادشت الذي ظهر في أيام الملك (كيستاسف)، فإن كيستاسف نفسه على ما ورد في التاريخ سار إلى جبل كرمان وسجستان، وانقطع به للعبادة، ودراسة دينهم، وسلم أمر الملك إلى ابنه إسفندار (1).
وورد في تاريخ الفرس: أن أزدشير بن بابك من أعاظم ملوكهم، تبين أن الدنيا غرّارة ضرّارة قاتلة، ما حلا منها لامرئ جانب، إلا تمرّر منها عليه جانب، فزهد في الدنيا، وآثر التفرد عن المملكة، وتركها والتحق ببيوت النيران للعبادة والأنس بالوحدة (2).
وفي النصرانية رهبانية تشبه التصوف؛ من حيث قيامها على الزهد، والانقطاع إلى العبادة، قال الله تعالى في شأن النصارى: {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27]. ومن المعاني الظاهرة في الآية: أن قوماً من أتباع عيسى ابتدعوا رهبانية يبتغون بها رضوان الله، ولكنهم لم يرعوا هذه الرهبانية حق رعايتها؛ أي: لم يحافظوا عليها حق المحافظة.
__________
(1) "تاريخ ابن خلدون".
(2) "مروج الذهب" للمسعودي.
(4/ 1/230)

وجاء في بعض الأحاديث المتعلقة بفرق النصارى: "وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها" (1).
* التصوف بعد الإسلام:
عني الإسلام بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام، فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها باعتدال، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، بقدر ما يكون له من السلطان على شهواته، فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله.
روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87].
كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجدّون في العمل ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهد من لا يتناول منها إلاّ حلالاً طيباً، وزهد من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى. ومن هذه الطائفة: أبو ذرّ الغفاري، وسلمان الفارسي - رضي الله عنه -.
__________
(1) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"، والحاكم، وصححه.
(4/ 1/231)

أما أبو ذر، فكان يحض عمَّال عثمان - رضي الله عنه - حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: " {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]. وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان، فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذرّ بالقدوم إلى المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت؟. ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأذوا فريضة الزكاة على وجهها. فخرج أبو ذر إلى الربذة زاهداً ورعًا، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه البخاري: "ما كل أحد طعامًا قط خيراً من أن يأكل من عمل يده".
ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: "أما بعد: فقد كتبت إلي: أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلمْ أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك، وكتبت إلي: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله".
(4/ 1/232)

هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا كانت مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
وفي عهد التابعين أقبلت طائفة من فضلائهم يتحدثون في أحوال النفس من حيث صفاؤها وصلتها بالخالق - جل شأنه - , وزهدها في زخرف هذه الحياة، واشتدت عنايتهم بالحديث في هذه الآداب، وكانوا يأخذون بها أنفسهم، ويرشدون إليها غيرهم، ويلقبون في ذلك العهد: الزهاد، والوعاظ.
ومن أشهر هذه الطائفة: الحسن البصري، وكان صاحب حديث وفقه، وبيان وعلم بالقرآن، فصحبه طوائف من الناس شتى، فمنهم من صحبه ليأخذ عنه الحديث والأخبار، ومنهم من صحبه ليستفيد منه البلاغة والبيان وعلم القرآن، ومنهم من صحبه ليتلقى عنه الفقه والأحكام، وهو مع هذا يتكلم في محاسبة النفس، والمراقبة والإخلاص، والمحبة واليقين، والشغف بذكر الله، وكان يعقد للحديث في هذا السبيل مجلساً في منزله، لا يشهده إلا طائفة يتوسم فيها الكفاية لأن يفهموا، والقوة لأن يعلموا، وكان لا يتحدث في هذا المجلس إلا في هذا الباب من العلم.
قال أبو سعيد بن الأعرابي: لم يبلغنا أن أحداً ممن تكلم في هذه المذاهب (يعني: أحوال النفس)، ودعا إليها، وزاد في بيانها وترتيبها وصفات أهلها؛ مثل: الحسن البصري.
كان هؤلاء الفضلاء يصرفون هممهم إلى تزكية النفوس من نقائصها، وإسلام القلوب إلى ربها، يشهد بهذا كلمهم الطيب، ومواعظهم الحسنة.
ومن مواعظ الحسن البصري: "حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور. واردعوا هذه النفوس؛ فإنها طلعة تنزع إلى الشر عادة".
(4/ 1/233)

وعلى هذا الطراز يقول عامر بن قيس أحد زهاد التابعين: "لقد أحببت الله حباً سهل عليّ كل مصيبة، ورضَّاني بكل قضية، فما أبالي - مع حبي له - ما أصبحت عليه، وما أمسيت".
وأخذ بعض الناس في عهد التابعين بنحو نحو الغلو في الزهد. وكان الحسن البصري نفسه ممن يحارب هذا الغلو الذي لا يرتضيه الإسلام. ومما نقرؤه في تاريخ هؤلاء: أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص؛ لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!.
فزهدُ الحسن البصري وأمثاله من فضلاء التابعين لا يحيد عن منهج الشريعة يميناً ويساراً.
وتخرّج في مجلس الحسن البصري وغيره طبقة عالمة زاكية، منهم: مالك بن دينار، وحبيب العجمي، وعبد الواحد بن زيد. وبقي هؤلاء الذين يلقبون بالزهاد والوعاظ لا يمتازون عن جمهور الناس إلا بكثرة ما يعملون من صالح، وبشدة ما يحملون من خشية الله، والعزة به، والاعتماد عليه، وبانصراف هممهم عن التعلق بما في هذه الحياة من شهوات أو حطام.
وفي خلال القرن الثاني صار الزهاد والوعاظ يسمون بالصوفية حسبما تقدمت الإشارة إليه في صدر البحث.
أخذ الزهاد والوعاظ لقب الصوفية، وما برحت طريقتهم قائمة على قواعد الدين ورعاية آدابه، وممن استقاموا من رجال القرن الثاني: الفضيل ابن عياض، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن أدهم.
وظهر في عهد هؤلاء نفر كانوا يتشبَّهون بهم على جهالة، ويظهرون للناس بغير ما كانوا يُسرّون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
(4/ 1/234)

وَدَعِ الذين إذا أتوكَ تنسَّكوا ... وإذا خَلَوا فَهُم ذئابُ خفافُ
وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهباً ذا قواعد واصطلاحات.
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيراً منهم على طريق سلمان الفارسي، والحسن البصري؛ مثل: أبي القاسم الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، ويحيى بن معاذ الرازي، وذي النون المصري، وبشر الحافي، وسري السقطي وأبي يزيد البسطامي.
ونرى بجانبهم قوماً آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهمه بعضهم من أن التوكل نزع اليد من الأسباب جملة.
وأخذ بعض المنتمين إلى التصوف في ذلك العهد ينطقون بعبارات خارجة عن حدود الشريعة، كالكلمات التي هي ظاهرة في معنى الحلول والاتحاد، مثل ما قال الحلاج (1): "أنا الحق"، وقال: "ما في الجبِّة إلا الله"، ويعبرون عن مثل هذه الأقوال في اصطلاحهم بالشطحات.
ودخل في التصوف من الباطل في ذلك العهد ما يزعمه بعضهم من أن المسالك للطريق تسقط عنه أحكام الشريعة من أوامر ونواه. ومن عبارات هؤلاء: "الاشتغال بالأوراد عن المورود انقطاع عن الغاية". وأنشد أحد شعرائهم:
__________
(1) الحسين بن منصور الحلاج المقتول سنة 309.
(4/ 1/235)

يطالب بالأوراد من كان غافلاً ... فكيف بقلب كل أوقاته وِرْدُ
ومنهم من يقول: تسقط الأوامر والنواهي عمن شهد الحقيقة، ووصل إلى مقام الفناء فيها، ويقول قائل من هؤلاء: العارف لا ينكر منكراً؛ لاستبصاره بسر الله في القدر. ويقولون: العارف لا يستقبح قبيحة، ولا يستحسن حسنة. وقد سئل الجنيد - رحمه الله - عن هذه الطائفة، فقال: الذي يسرق ويزني، أحسنُ حالاً ممن يزعم هذا!.
قال الغزالي: لو زعم زاعم أن بينه ويين الله حالاً أسقطت عنه الصلاة، وأحلت له شرب الخمر، وأكل مال السلطان؛ كما زعمه بعض من ادعى التصوف، فلا شك في وجوب قتله، وإن كان في خلوده في النار نظر، وقتلُ مثله أفضلُ من قتل مئة كافر؛ لأن ضرره أكثر! (1)
وشعر يومئذ بعض المستقيمين من الصوفية بنحو هذا الانحراف وما يماثله من الانسلاخ عن عقائد الدين أو أحكامه العملية، فقاوموه بالإنكار، والتنبيه على أنه ضلالة وجهالة.
قال الجنيد: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
ويقول: الطريق كلها مسدوة على الخلق إلا المقتفين آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال سهل التستري: أصول مذهبنا ثلاثة:
أولاً: الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الأخلاق والأفعال
ثانياً: أكل الحلال.
ثالثاً: إخلاص النية في جميع الأعمال.
__________
(1) "شرح الشيخ عبد القادر بن شقرون للربع الثاني من الأربعين".
(4/ 1/236)

وقال أبو عثمان الحيري: أسلم الطرق من الاغترار: طريق السلف، ولزوم الشريعة.
وفي ذلك العهد ظهر القول بأن العلوم لا تنال إلا من طريق مجاهدة النفس، وقطع العلائق بينها وبين البدن، والإقبال على الله بالكلية علماً دائماً، وعملاً مستمرًا، حتى تكشف له الغيوب، ويرى الملائكة، ويطلع على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم، حتى ينتهي إلى مشاهدة الله - جل جلاله -.
ونسب أبو بكر بن العربي هذا القول إلى الحارث بن أسد المحاسبي، وإلى طائفة أتت بعده من الصوفية (1).
والحق أن المكلف لا يحتاج في إيمانه الصادق، ولا في إقامة الأعمال الصالحة إلى أن تنكشف له الغيوب، أو يطلع على العوالم الروحانية، فإن ما في عالم الشهادة، وما هدى إليه القرآن المجيد، كافيان في إشراق القلب بالإيمان الساطع، والسير على المنهج الموصل إلى السعادة في الدارين.
وكذلك استمر حال المنتمين إلى مذهب التصوف في القرن الرابع فما بعده، فمنهم المستقيمون على السنّة، ومنهم الظاهرون في ثوب الزهد، وهم يراؤون ويبتدعون.
ومما اتصل بالتصوف: مسألة الكرامات؛ فقد ذهب أهل السنّة - كما سبق الحديث عنها - إلى جوازها، بل إثباتها، ولكن الناس بالغوا، أو أكثروا من نسبتها إلى الشيوخ الصوفية، ولعل هذه المبالغة، والإكثار كانا سبب إثارة البحث عنها حوالي آخر القرن الرابع، فنرى أبا إسحاق الإسفراييني (2)
__________
(1) كتاب "العواصم من القواصم".
(2) توفي سنة 418.
(4/ 1/237)

يجعل للكرامة حداً، فيقول: غاية الكرامة: إجابة دعوة، أو شربة ماء في مفازة، أو كسرة في منقطعة.
ونرى أحد كبار الصوفية الأستاذ أبا القاسم القشيري (1) يقول: الكرامة لا تنتهي إلى وجود ولد من غير أبي، ولا إلى قلب جماد حيواناً.
ومن العلماء من يذكر سيرة الصحابة والسلف الصالح - رضي الله عنه -، فإذا تحدث الناس بكرامات لبعض الشيوخ لم يقع مثلها من أولئك الذين هم خير القرون، لم يقبلها لمجرد تناقل بعض الألسنة لها.
قيل لأبي حيان: ماذا تقول في الشيخ أبي مدين؟ قال: هو رجل دين، وما كان يطير في الهواء، ولا يصلي الصلوات الخمس في مكة كما يدعي فيه بعض الناس (2).
* تعاليمه:
قد عرفت أن التصوف في الأصل: سلوك طريقة الزهد، والانقطاع إلى العبادة، ومحاسبة النفس على الأفعال والتروك، وليس لهذه المجاهدة في عهد السلف تعاليم خاصة؛ لأنها لا تزيد على العمل بما يرشد إليه الكتاب والسنّة من أحكام، ويدعوان إليه من مكارم الأخلاق، وسنيّ الآداب.
ثم إن الصوفية أخذوا يتحدثون بما يعرض لهم في أثناء المجاهدة من أحوال وخواطر، وبما ينتقلون فيه من مقامات، وصاروا يعبرون عن تلك المعاني بالفاظ جرت مجرى المصطلحات العلمية.
__________
(1) المولود سنة 376.
(2) "نفح الطيب" ترجمة ابن حيان، الجزء الأول.
(4/ 1/238)

ومن هذه الناحية وجد بعض الجاهلين أو المضلّين منفذاً لأن يضيفوا إلى التصوف معاني باطلة، وشروحاً لتلك المصطلحات غير صالحة؛ كالكلمات الظاهرة في الحلول والاتحاد.
قال الحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في كتابه "الأجوبة المرضية في الأسئلة المكية": أما ابن عربي، فلا شك في اشتمال "الفصوص" المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذا "فتوحاته المكية"، ثم قال: "وينبغي عندي ألا يحكم على ابن العربي بشيء، فإني لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكن نحكم على هذا الكلام أنه كفر" (1).
وحصل مما يتحدث به الصوفية من إلهام وأحوال ومنازل، معانٍ ومصطلحات مضافة إلى آداب القوم؛ من نحو: الزهد، والورع، والشكر، والذكر، والتوكل، والتواضع، والعزة، وأصبح مجموع ذلك علماً مستقلاً، يسمى: "علم التصوف".
* صلة التصوف بالفلسفة:
الصوفية المستقيمون الذين لم يدرسوا الفلسفة إنما يتكلمون بما يقتبسونه من حكمة الشريعة، أو بما يجيئهم من طريق الإلهام والوجدان بعد عرضه على أصول الدين، وأما من درسوا الفلسفة، ثم تكلموا بلسان الصوفية، فقد يُدخلون في هذا العلم بعض الآراء الفلسفية؛ كمسألة وحدة الوجود؛ فإنها دخلت في التصوف من ناحية الفلسفة، وقد يُدخل هؤلاء بعض الآراء الفلسفية بحسن نية؛ إذ يبدو لهم أنها من المذاهب التي يتقبلها الدين،
__________
(1) نقله ابن ذكري في "شرحه للنصيحة".
(4/ 1/239)

ولا يأبى اتصالها بهدايته السماوية.
قال ابن تيمية في حديث له عن أبي حامد الغزالي: "وأما التي يسميها: علوم المكاشفة، ويرمز إليها في "الأحياء"، وغيرها، ففيها يستمد من كلام المتفلسفة، كما في "مشكاة الأنوار"، و"المضنون به على غير أهله"، وغير ذلك، وبسبب خلطه التصوف بالفلسفة، صار ينسب إلى التصوف من ليس موافقاً للمشايخ المقبولين الذين لهم في الأمة لسان صدق، بل يكون مبايناً لهم في أصول الإيمان؛ كالإيمان بالتوحيد، والرسالة، واليوم الآخر، ويجعلون هذه مذاهب الصوفية".
ودخول آراء غير إسلامية في التصوف دفع بعض المؤلفين في اعتقادات الفرق الإسلامية أن يعدوا الصوفية فرقة مستقلة؛ كما صنع الرازي في كتاب "اعتقادات فرق المسلمين والمشركين"؛ إذ قال: " اعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة، لم يذكر الصوفية، وذلك خطأ"، ثم ذكر فرق الصوفية حتى ذكر فرقة الحلولية منهم، وقال: "هم قوم ليس لهم من العلوم العقلية نصيب وافر، فيتوهمون أنه قد حصل لهم الحلول والاتحاد، فيدعون دعاوى عظيمة، وأول من أظهر هذه المقالة في الإسلام: الروافض؛ فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم.
أما التصوف الخالص، فإن السائرين فيه لا يخرجون عن مذهب السنّة قيد أنملة".
* أثر التصوف في الحباة الإسلامية:
قد أريناك أن التصوف في الأصل: زهد في الدنيا، ومحاسبة للنفس على كل ما تفعل أو تترك، وانقطاع إلى عبادة الله في إخلاص وعفاف وعزة،
(4/ 1/240)

واحتفاظ بحقوق العباد، وجهاد في سبيل الحق قدر المستطاع. وهو من هذا الوجه قد أتى بخير كثير، وأنبت رجالاً عرفوا بالتقوى والورع، والدعوة إلى الخير بمواعظهم أو أحوالهم، فكان لهم فضل كبير في هداية كعير من الغافلين، وتقويم كثير من المنحرفين، ولكن آراء وأعمالاً مبتدعة دخلت في التصوف على جهالة، أوسوء قصد، فكان لها في حياة المسلمين أثر سيئ؛ مثل: الغلو في الزهد، وترك الأخذ بالأسباب في طلب الرزق، ومثل: عبارات الحلول التي دسها فيه قوم ظهروا في ثوب التصوف، فأوقعت بعض الناس في فتنة.
وكان لإسراف بعض المتصوفة في الحديث عن المكاشفة والاطلاع على ما في العالم الروحاني، والتصرف الخفي في الكون، أثر في غلو بعض الناس في الاعتقاد بعلو منزلة من يعتقدون صلاحه، حتى ترى بعض العامة يمتنعون من أن يحلفوا بالرجل الصالح كذباً، ثم لا يبالون أن يحلفوا بالله، وهم يعلمون أنهم غير صادقين فيما يحلفون، والتوحيد الخالص: أن تكون خشيتك لله فوق كل خشية.
ومن أثر التصوف المنحرف عن السبيل: أنه أدخل في العبادات مقصداً يجعلها صوراً من غير روح، ذلك أن بعض الناس يتجردون للعبادة بقصد أن يصلوا بها إلى الاطلاع على عالم الأرواح، وغرائب العلوم، وأن تخرق لهم العادات، وتجري على أيديهم الكرامات.
يروى أن بعض الناس لما سمع حديث: "من أخلص لله أربعين صباحاً، ظهرت ينابيع الحكمة، من قلبه على لسانه"، تعرض للعبادة لينال الحكمة فلم يفتح له بابها، فبلغت القصة بعض أولي البصيرة، فقال: هذا أخلص
(4/ 1/241)

للحكمة، ولم يخلص لله. وقد عرفت أن العبادة بقصد إنكشاف الحقائق نزعة فلسفية، والعبادة الخالصة: ما يقصد بها امتثال أمر الله، والفوز بالسعادة في دار السلام. وما يزيد على هذا من خيرات شأنها أن تتبع الاستقامة وصفاء السريرة، فلا ينبغي الالتفات إليها عند أداء العبادة من فرائض أو نوافل.
وإليك جملة من أسماء أشهر من تدور أسماؤهم في كتب التصوف، سواء أكانوا ممن اتفق الناس على صلاحهم، أم ممن وقع الطعن فيهم، واخترنا أن نوردهم على حسب ترتيب وفياتهم. وإليك أسماءهم، مع التعرض لبعض النواحي من حياتهم، أو شيء من أقوالهم:
- أُويس القَرَني:
أويس بن عامر القرني: معدود من سادات التابعين، روى له مسلم أشياء من كلامه، وقد شهد صِفّين مع الإمام على، وقتل يومئذ.
- أبو مسلم الخراساني:
أبو مسلم عبد الله بن ثوب، وقيل: اسمه يعقوب بن عوف، يروي عن عمر بن الخطاب، ومعاذ. قال مالك بن دينار: أبو مسلم حكيم هذه الأمة. توفي سنة 62.
- الحسن البصري:
الحسن بن أبي الحسن يسار البصري: معدود من سادات التابعين، وهو الذي قال لابن هبيرة- عندما سألة عن الأمر يأتيه من يزيد، أفينفذوه، ويقلده ما تقلده من ذلك؟ -: "يا ابن هبيرة! خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله". ومن
(4/ 1/242)

كلامه: "ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبهَ بشك لا يقين فيه إلا الموت" توفي سنة 110 مئة وعشر.
- مالك بن دينار:
مالك بن دينار: روى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، يكتب المصاحف بالأجرة. توفي سنة 130.
- رابعة العدوية:
رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عتيك: توفيت سنة 135، ومن كلامها: "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم" (1).
- إبراهيم بن أدهم:
إبراهيم بن أدهم بن منصور: صحب سفيان الثوري، وجمع بين الزهد ورواية الحديث، ويروي عنه: الثوري، والأوزاعي، وكان لا يأكل إلا من عمل يده؛ كالحصاد، وحراسة البساتين. توفي سنة 161.
ومن كلامه: "لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور وقلة التعب، لجالدونا عليه بالسيوف". ومن دعائه: "اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك".
- داود الطائي:
داود بن نصير أبو سليمان الطائي الكوفي: درس الفقه، وكان يختلف إلى الإمام أبي حنيفة، ثم اختار العزلة، وتخلى للعبادة. توفي سنة 165.
__________
(1) ترجم لها ابن الجوزي في كتاب "صفوة الصفوة"، وابن خلكان في "تاريخه"، وقبرها بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى: الطور.
(4/ 1/243)

ومن كلامه: "صُمْ عن الدنيا، واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت؛ فإنهم أخف مؤونة، وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة".
- الفضيل بن عياض:
الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي، ولد بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع بها الحديث، ثم انتقل إلى مكة، وجاور بها إلى أن توفي سنة 187.
ومن كلامه: "ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك". وقال: "لو كانت في دعوة مستجابة، لم أجعلها إلا في إمام صالح؛ لأنه إذا صلح الامام، أمن العباد".
- معروف الكرخي:
معروف بن فيروز الكرخي: كان نصرانيًا، فأسلم على يد علي بن موسى الرضا - رضي الله عنه -، ولهذا عدّ من مواليه، وهو أستاذ السرّي السقطي. توفي سنة 200، أو 201.
- أبو سليمان الداراني:
عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني (1)، توفي سنة 205، ومن كلامه: "تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياماً، فلا أقبلها إلّا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنّة".
- بشر الحافي:
بِشْرُ بن الحارث بن عبد الرحمن المعروف بالحافي. قال الحريري:
__________
(1) نسبة إلى داريا: قرية من قرى دمشق بالغوطة.
(4/ 1/244)

ما أخرجت بغداد أتم عقلاً، ولا أحفظ للسان من بشر. روى بشر عن: مالك، والفضيل بن عياض، وتوفي سنة 227، ومن كلامه: "من طلب الدنيا، فليتهيأ للذل". وكان يقول لأصحاب الحديث: "أدّوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته؟ قال: اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث".
- المحاسبي:
الحارث بن أسد المحاسبي: روى عنه: الإمام الجنيد، وغيره، وله تصانيف في الرد على المعتزلة، والرافضة، وغيرهم. سئل عن العقل: ما هو؟ فقال: نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم. توفي سنة 243، ومن كلامه: "فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء".
- ذو النون المصري:
ثوبان بن إبراهيم، وقيل: الفيض بن إبراهيم المصري المعروف بذي النون: معدود فيمن روى "الموطأ" عن مالك بن أنس، وسعي به لدى المتوكل، فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه، وعظه، فَرَقّ لوعظه، وردّه مكرّماً، وعنه أخذ سهل بن عبد الله التستري. توفي سنة 245.
- سري السقطي:
سرّي بن المغلس السقطي: خال الإمام الجنيد، وأستاذه. توفي سنة 255، ومن كلامه: "المتصوف اسم لثلاث معان: هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى".
(4/ 1/245)

- يحيى بن معاذ:
أبو زكرياء يحمص بن معاذ الرازي: توفي بنيسابور سنة 258. ومن كلامه: "من خان الله في السر، هتكه في العلانية" وقال: "عمل كالسراب، وقلب من التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟! هيهات! أنت سكران بغير شراب. ما أكملك لو بادرت أملك! ما أجلّك لو بادرت أَجَلَك! ما أقواك لو خالفت هواك! ".
- أبو يزيد البسطامي:
طيفور بن عيسى البسطامي: توفي سنة 261، أو 264. ومن كلامه: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود والشريعة".
- أبو القاسم الجنيد:
هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد، أصله من نهاوند، مولده ومنشؤه العراق، تفقه على أبي ثور، وقيل: كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري، وصحب خاله السري السقطي، والحارث المحاسبي، وغيرهما. توفي سنة 297.
- الدقاق:
أبو بكر أحمد بن نصر الدقّاق، من أقران الجنيد، وكابر مشايخ مصر. ومن كلامه: "كل حقيقة لا تتبع الشريعة، فهي كفر" وأراد بالحقيقة: ما يسمّى: "المخاطر".
- أبو طالب المكي:
أبو طالب محمد بن عطية الحارثي: سكن مكة، فنسب إليها، وقدم
(4/ 1/246)

بغداد، فوعظ الناس، ونسبت إليه عبارات ينكرها الشرع، فبدَّعه الناس، وهجروه، وامتنع من الكلام، وهو صاحب كتاب "قوت القلوب ". توفي سنة 386.
- أبو القاسم القشيري:
أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري: تلقى العلوم عن أبي بكر بن فورك، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي علي الدقاق، وهو صاحب "الرسالة القشيرية في رجال الطريق". توفي سنة 465.
- ابن الفارض:
عمر بن علي بن المرشد الحموي الأصل، المصري المولد والدار، يقول الشعر الظاهر في الغزل، على أنه بنحو به نحو معان صوفية، وديوانه معروف، وقد أنكر عليه جماعة من علماء الشريعة هذا المسلك الذي لا يعرف في عهد السلف، وحكى المقريزي: أن الشيخ محصي الدين بعث إلى ابن الفارض يستأذنه في شرح التائية، فقال له: كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها. توفي سنة 632.
- محي الدين بن عربي:
قرأ القرآن على أبي بكر بن خلف بإشبيلية (من بلاد الأندلس)، وتلقى العلم، ومال إلى الأدب، وتولى الكتابة لبعض ولاة الأندلس، ثم رحل إلى المشرق حاجًا، فأدى الفريضة، ولم يعد إلى الأندلس، وأخذ الحديث عن شيوخ، منهم: أبو طاهر السلفي، وأبو الحسن بن نصر، وممن أجازه: ابن عساكر، وأبو الفرج بن الجوزي، ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، وصحب جماعة من الصوفية، وتوفي بدمشق
(4/ 1/247)

سنة 656، أو سنة 658.
وكان الشيخ على مذهب الظاهرية في العبادات، وقد اختلف الناس فيه، فمنهم من يشهد له بالمنزلة الكبرى في الصلاح والولاية، ومنهم من ينسبه إلى الإلحاد، ذلك أن بعض مؤلفاته - كما أشرنا قبل - تشتمل على عبارات إذا عرضت على أصول الشريعة، لم تلتق معها بوجه من وجوه الدلالات المعروفة في العربية، وقد سلك مريدوه بهذه العبارات مسلك التاويل، ولو على وجوه فيها غموض، ولم ير آخرون للشيخ عذراً في هذا المسلك، فحكموا عليه بما يجب أن يحكموا به على غيره ممن لم ينسب إلى صلاح، وقد سقنا إليك آنفاً رأي الإمام العراقي في هذا، وهو أنه لا يحكم على ابن العربي بشيء، ولكنه يضع يده على العبارات المنكرة في "الفصوص"، أو "الفتوحات"، ويقول: هذا كفر. وهؤلاء لا يؤولون المتشابه إلا إذا ورد في كلام الشارع.
- أحمد زروق:
أحمد بن أحمد بن محمد البرنسي الشهير بزروق: قرأ الفقه قراءة بحث وتحقيق، ودرس الحديث والتوحيد والتصوف، ومن شيوخه: الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ السنوسي، وله مؤلفات في التصوف، منها: كتاب "القواعد في التصوف"، وهو من رجال التصوف القائم على السنّة، الخالص من البدعة. توفي بتكرين من عمل طرابلس الغرب.
(4/ 1/248)

حكم تعدد الزوجات في الإسلام (1)
* حكمة شرع الزواج:
في الزنا مفاسد كبيرة؛ نحو: هتك العرض، وجعلِه مضغة في الأفواه، وإلباس المرأة خزيًا يحرمها من أن تقترن بذي همة سامية وخلق شريف، ووضع النطفة في موضع تنقلب فيه إلى ولد حقير النفس، تنبذه القلوب، وتزدريه العيون، وإثارة البغضاء بين الأفراد والأسر والعشائر، إلى ما يذكر بجانب هذا من أمراض فتّاكة بالأجسام، قرر الأطباء أنها تنبعث من ارتكاب هذه الفاحشة.
فلا جرم أن يعد علم الأخلاق كفّ النفس عن هذه الموبقة فضيلة، ويسميه: عفافًا وحصانة.
وإذا شرع الله النكاح، فلأنه يساعد على خلق العفاف؛ فإن الإنسان يدرك به الوطر الذي يقصد من الزنا، وهو قضاء الشهوة، مع خلوّه من تلك المفاسد الخلقية والاجتماعية والصحية، قال - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج".
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية "الهداية الإسلامية" بالقاهرة، والمنشورة في المجلد الثامن والجزء العاشر من مجلة "الهداية الإسلامية" لعام 1355 ه.
(4/ 1/249)

وإذا عرفت أن في الذرية الصالحة عوناً على مرافق الحياة، وتوفيراً لهناءة العيش، ولا ذرية إلا بالنكاح، رأيت كيف كان النكاح سبيلاً إلى الحياة الطيبة، والعيشة الراضية.
وإن كنت ممن يبحث في أسباب سيادة الأمم، وقوة سلطانها، عرفت أن لكثرة عدد الأمة مدخلًا في عزتها، وأخذها بوسائل الاستقلال والمنعة، وهل من سبيل إلى كثرة عدد الأمة غير الزواج؟
فالزواج وسيلة إلى أن تكون الأمة قوية الجانب، قادرة على أن تدفع عن نفسها شر الأعداء، وإذا أرانا التاريخ أو المشاهدة أن أمة قليلة العدد، قد استعبدت أمة أكثر منها عدداً، فلأن هذه الأمة قد أهملت كثرتها، ولم تعززها بقوتي العلم والسلاح.
ثم إن في الزواج عقد صلة بين أسرتك وأسرة كانت منقطعة عنك، وبهذه الصلة يصير كل من الأسرتين بمنزلة الأقارب في التعاطف والتناصر، فيكسب كل من أسرتي الرجل والمرأة قوة لا سبيل إليها غير الزواج.
وإذا لاحظت أن في النساء ضعفاً، وأن أعمالاً حيوية كثيرة لا يستطيعها إلا الرجال، رأيت المرأة في حاجة إلى أن تتصل برجل يكفيها مطالب الحياة، والاتصال الذي يحفظ عزتها وكرامتها، ويملأ قلب الرجل بمودتها، إنما هو الزواج.
* تعدد الزوجات:
قد عرفت أن في الزواج فوائد عظيمة؛ من نحو: الذرية الصالحة، وتكثير عدد الأمة، وربط الصلات بين الأسر، والقيام بشؤون من يتعسر عليهن القيام بتكاليف الحياة، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه المصالح تقتضي أن
(4/ 1/250)

يباح للرجل تعدد الزوجات بقدر ما يستطيع القيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف، وكان العرب لا يقفون في تعدد الزوجات عند حد معين، ودلّ التاريخ على أن الواحد منهم قد يجمع بين عشر نسوة، ولكن الإسلام راعى ما قد يأتي به تعدد الزوجات من مصالح، فأذن فيه، ثم راعى ما قد ينشأ عنه من ضرر، فوقف به عند حد الأربم من النسوة، فصار التزوج بأربم نسوة فما دونها مباحاً؛ نظراً إلى المصلحة الراجحة.
أجمع علماء الإسلام على أنه يباح للرجل أن يتزوج اثنتين، أو ثلًاثًا، أو أربعاً، ويحرم عليه أن يزيد على هذا العدد، فإن زاد عليه، فقد خرج من النكاح إلى سفاح، وشذّ بعض المبتدعين الذين لا يعتد بآرائهم، فأباحوا الزيادة على أربع، وارتكبوا في تأويل قوله تعالى: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، وجوهًا أقرب إلى الجهل، وأشبه بالعبث، وربّ تأويل للقرآن لا يزيد على إنكار القرآن، إلا أن أصحابه يسمونه: تأويلاً.
أما التحديد بأربع نسوة، فلأن المرأة الأولى جاءت على الأصل في إباحة النكاح، ثم أذن الشارع في تزوّج ثلاث بعد ذلك، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد اقتصر الشارع على الثلاث في مواطن كثيرة، فأجاز هجرة الأخ ثلاثة أيام، والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، والخيار في البيع ثلاثة أيام. ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثاً، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثاً، وجعل حد الضيافة ثلاثاً.
والخلاصة: أن الشارع الحكيم وزن نفس الرجل، وقاس ما تبلغه أخلاقه من كرم وعدل، فوجدها عند حد لا يكفي للقيام بحقوق الزوجات الكثيرات، فشرع حكماً راعى فيه مصلحة تعدد الزوجات، ومفسدة الإكثار منهنَّ، فجعل
(4/ 1/251)

أقصى ما يباح للرجل: أن يزيده على المرأة الواحدة ثلاث نسوة، والضرر الذي يحصل من هذا التعدد خفيف بالقياس إلى المصالح التي قد تدعو إليه.
وإذا كان للنكاح أغراض غير قضاء الشهوة، فمن الجهالة أن يقول قائل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان شهوانياً، ويستدل على ذلك بتعدد أزواجه إلى تسع.
ولتعدد زوجاته - عليه الصلاة والسلام - حكم سامية، غير ما نبّهنا عليه من أغراض النكاح العامة.
منها: نقل الأحكام الشرعية، ولاسيما أحكام ما لا يطَّلع عليه الرجال، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا، فقال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34].
ومنها: تشريف بعض الأقوام، أو زيادة تأليفهم بمصاهرته.
ومنها: الدلالة على أن باطن حاله كظاهره؛ فإن زوجات الرجل يطلعن على سريرة أمره، فمع كثرة نسائه - عليه الصلاة والسلام - لم يعرف له حالة في الخفاء، تخالف ما يراه الناس فيه؛ من الدعوة إلى الخير، والجد في الطاعة، والإخلاص في العبادة.
أباح الإسلام للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فما دونهن، وشرط لهذا الجمع العدل بينهن، قال تعالى: " {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، والمعنى: أنه لا يحل للإنسان التزوج بأكثر من واحدة إلا إذا وثق من نفسه بالعدل بينهن، والعدل: التسوية بينهن في المبيت، والنفقة، ولكل واحدة من الزوجين الحق في أن لا تسكن بالمنزل الذي تقيم فيه الأخرى.
أنكر تعدد الزوجات طائفة من غير المسلمين، زعموا: أنه يخالف
(4/ 1/252)

ما تقتضيه مصلحة الأسرة، وقاموا وقعدوا في التشنيع عليه.
وأنكرته طائفة من المنتمين إلى الإسلام اتصلوا بتلك الطائفة غير المسلمة، وتلقوا منها ما تقول بتقليد، فصادف منهم أذهاناً خالية، فلابسها، وجعلها تتعامى أن تقبل ما يقوله علماء الإسلام في حكمة التشريع.
وأصر هؤلاء على إنكار تعدد الزوجات، ثم رأوا القرآن صريحاً في إباحته، فحاولوا تأويله، وذهبوا في التأويل مذهباً ينادي ببطلانه الآيات والسنّة، وعمل الصحابة والتابعين.
قد عرفنا أن في الزواج فوائد عظيمة متعددة، قد يوجد في الزوجة الواحدة بعضها دون بعض؛ كأن تكون الزوجة عاقراً، أو يعرض لها مرض عضال يجعلها غير مساعدة على الصيانة، وقد يفقد معها كل ما يقصد من الزواج.
فإذا كانت الزوجة بهذا الحال، فبماذا تشير هذه الطائفة على الرجل الذي يرغب في أن يكون له ولد، ويقصد أن يتحصن بالزواج حتى لا يقع في جريمة السفاح!؟.
فإما أن يشيروا عليه بطلاق هذه الزوجة، واستبدال زوجهّ أخرى بها، فيقال لهم: قد رضيتم للزوجة الأولى بحال قد يكون أشد عليها من حال بقائها مع زوجة أخرى، وأسأتم للرجل الذي يقول: إني أحب أن أبقي زوجتي، وأقوم بحقوقها، وحملتموه على فراق قرينة قضت معه أياماً أو أشهراً أو سنين في ائتلاف، وذلك عمل لا يلائم خلق الوفاء.
وإما أن يشيروا عليه بأن يبقيها، ولا يتزوج أخرى، فيقال لهم: ما ذنب هذا الرجل في حرمانه من الفوائد التي شُرع له النكاح؛ كالذرية الصالحة، ثم
(4/ 1/253)

ما ذنبه في منعه من الزواج، وهو لا يستطيع العفاف إلا من طريقه؟
فإن أنكروا أن يكون له حق في النسل، قلنا لهم: الذرية الصالحة تعين الوالد على مشاق الحياة، وتكسبه عزة ما بقي، وتحصي ذكره بعد أن يموت، علاوة على ما فيها من تكثير عدد قومه، وكثرة عدد القوم من أسباب عزتهم، ووصولهم إلى أن يسوسوا أنفسهم بآرائهم، ويذودوا عن ساحتهم بأيديهم. وإن أظهروا الاستخفاف بفضيلة العفاف، قلنا لهم: إنما جلسنا لنناقشكم على قواعد علم الخصال الشريفة، فإن بسطتم أيديكم إلى تقويضها، فما نحن بباسطي أيدينا إلّا إلى إقامتها، وتدعيم أساسها.
والظاهر أن هؤلاء الذين يعيبون الإسلام بحكم تعدد الزوجات يشيرون على الرجل السليم البنية متى عرض لزوجته مانع من الاستمتاع بها أن يبقيها، ويؤثرون اتخاذه للخدينات، وإتيان الفاحشة على أن يعقد على امرأة أخرى، فيعيش مع الزوجين في طمأنينة، ويتصل بهما في شرف وفضيلة.
والدليل على أنهم يستهينون بارتكاب فاحشة الزنا، ولا يعبؤون بما يتبعها من المفاسد: فتحهم الطريق الموصلة إلى البغاء في غير مشقة، ووضعهم النظم المساعدة على إتيانه في غير حياء ولا خشية عقوبة.
وإذا نظرت في إحصاء عدد نفوس الأمم، وجدت أن عدد نساء كل أمة يزيد على عدد رجالها، هذا ما لا يختلف فيه العارفون بشؤون الأمم، وإنما تتفاوت نسبة زيادة النساء على الرجال بحسب اختلاف البلاد، وعلى قدر ما تصاب به الأمم من ثورات داخلية، أو حروب خارجية.
فلو لم يكن في تعدد الزوجات فسحة، لبقي كثير من النساء محرومات من أزواج يقومون عليهن، ويصونون ماء وجوههن، ويساعدونهن على
(4/ 1/254)

طهارة أذيا لهن.
فاجتماع زوجين أو ثلاث أو أربع في عصمة رجل يعرف حقوقهنّ، ويقدر على كفاية حاجتهنّ، ويطيع الله في العدل بينهنّ، خير لأولئك الزوجات وللمجتمع من أن يقصر على واحدة، ويبقى من سواها عرضة لبذل ماء الوجه، أو الانحطاط إلى ما يدنس العرض.
ثم إن من مقاصد النكاح النسل، وفي تعدد الزوجات كثرة الولد التي ينمو بها عدد الأمة، ونماء عدد الأمة قوة تدرك بها عزتها، وتصل بها إلى أن تدبر أمرها بنفسها، ومن الحزم أن يعمل القوم لتكثير عددهم، ويحتاطوا لما يعرض للأقوام من الحروب الطاحنة، والأمراض العامة الفاتكة.
فتعدد الزوجات يتبعه النسل في الغالب، فإذا كان في الزوجة عقم، أو أصيبت بمرض يعوقها عن الحمل، أو بلغت سناً ينقطع به استعدادها للولادة، وجد الرجل من الزوجة الأخرى منبتاً خصباً.
يقول هؤلاء: إن في تعدد الزوجات ضرراً على المرأة، وإخلالاً بهناءة عيشها؛ حيث يسيئها أن تشاركها في زوجها قرينة أخرى، وهذا الاستياء مقتضى الغيرة التي تشب في قلب المرأة على قدر تعلّقها بزوجها.
فنقول: مُسَلَّم أن المرأة تحب بطبعها أن تنفرد بالزوج، وتكره أن يشاركها فيه امرأة أخرى، فإذا تزوج الرجل بثانية، فقد أتى بما تكرهه زوجه طبعاً، ويبقى معنا أن نعمد إلى هذه الكراهة المحفوفة بحسن معاشرة الرجل، وعدم إجحافه بحق من حقوقها، ونضعها في كفة، ثم نأتي إلى المصالح التي قد تدعو إلى تعدد الزوجات، ونضعها في الكفة الأخرى، فلا شك أننا متى أجرينا هذه الموازنة، ونحن مجردون من كل عاطفة وتقليد، رأينا رأي العين
(4/ 1/255)

أن كفة المصالح التي تستدعي إباحة تعدد الزوجات راجحة، وكفة كراهة المرأة لأن يشاركها في الزوج امرأة أخرى خفيفة طائشة، والتشريع الحكيم يقوم على رعاية المصالح الراجحة، ويقطع النظر عما يخالطها ويحدث عقبها من ضرر خفيف.
هذا ما نقرره عند النظر في حال الزوج الأولى، أما من تجيء بعدها، فقد عرفت أن للرجل زوجاً غيرها، ورضيت بالمشاركة، فلا وجه للنظر في حال كراهتها.
والخلاصة: أنه ليس في تعدد الزوجات ضرر يصح أن يعتد به الشارع الحكيم، أما الزوج الأولى، فإن استياعبها من المشاركة في الزوج يسقط عند النظر في المصالح التي تستدعي فتح باب التعدد على شرط العدل والمعاشرة بالمعروف. وأما الزوج الثانية، فقد عرفتْ أن للرجل زوجًا غيرها، ورغبت في الزواج به من تلقاء نفسها.
على أن الإسلام لم يسد على المرأة باب الاقتران بزوج تنفرد بالعيش معه متى شاءت ذلك، فلو أخذت على الرجل عند عقد نكاحها أنه إن تزوج عليها، فأمرُها، أو أمرُ الداخلة عليها يزيدها، كان هذا الشرط نافذاً، ولها إنْ تزوج بعدها، أن تطلّق نفسها، أو تطلَّق الزوج الثانية؛ عملاً بهذا الشرط.
ويقول هؤلاء: إن تعدد الزوجات يعود على ذرية الرجل بضرر، وهو ما يكون بين الإخوة الذين لا تلدهم أم واحدة من التجافي والشقاق، فيكون الرجل قد سعى في أن يكون بين أولاده تقاطع، وفي نظام أسرته اختلال.
فنقول في دفع هذا: إن الإسلام قد يشرع حكماً لا تتحقق حكمته في الخارج إلا بمراعاة أحكام أخرى ترتبط به ارتباط الأسباب بمسبباتها، فالإسلام
(4/ 1/256)

شرع تعدد الزوجات، وشرع مع ذلك العدل بينهنّ، وشرع التسوية بين الأولاد، ونهى الأب عن أن يؤثر أحدهم بشيء يختص به دون سائر إخوته، وأمره بتربية الأولاد تربية صحيحة، فإذا جرى الزوج بين الأزواج وأولادهن على طريقة العدل، وعني بتربية الأولاد على اختلاف أمهاتهم التربية الصالحة، فمن البعيد أن ينشؤوا على تجافٍ يصل إلى شقاق، ولا يضر أن يكون عطف الفتى على أخيه من أمه أكثر من عطفه على أخيه الذي لم تلده أمه.
* إرشاد الطائفة المنتمية إلى الإسلام:
سرى إلى رهط من المسلمين روح من تلك الطائفة غير المسلمة، فصاروا ينظرون إلى حكم تعدد الزوجات بالعين التي تنظر بها تلك الطائفة المخالفة، وبدلاً من أن يعطي هؤلاء المسلمون الحكم حقه من النظر، ويقفوا وقفة الباحث عن حكمته، ويذهبوا بالفكر فيما يدعو إليه، وما يتصل به من مقتضيات، طووا عقيدتهم على إنكاره، وسارعوا إلى تلمس وجه يجعل القرآن مانعاً من تعدد الزوجات، فقالوا:
ورد في القرآن إباحة التزوج بأربع. ولكنها علقت على أمر أخبر القرآن نفسه بأنه غير مستطاع، وهو العدل، إذ قال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]. وما علقت إباحته على غير المستطاع، لا يعد مباحاً، بل يبقى في قبيل المحظورات.
ومعنى ما يقول هؤلاء: أن القرآن أراد المنع من تعدد الزوجات في كل حال، ولكنه لم يواجه به الناس في صراحة، ولم يخرجه في صيغة النهي الصريح، بل جعل الناس يفهمونه من تعليق الإباحة على ما لا يستطاع.
والحق أن القرآن الكريم أباح تعدد الزوجات، وقيد هذه الإباحة بشرط
(4/ 1/257)

العدل، والذي يدفع هذه الشبهة التي يلهج بها هؤلاء الرهط، ويصرفك عن أن تحدث نفسك بمحاكاتهم، هو: أن القرآن الحكيم يقول: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فأَذِنَ في تعدد المنكوحات، وأتى بالإذن في صيغة الأمر، ثم فصَّل في المأذون في نكاحهن، فجعلهم اثنتين وثلاثًا وأربعًا، وانتهى عند حد الأربع، فيؤخذ من الآية بمقتضى الأسلوب العربي: أنه يباح لكل أحد أن يتزوج ما زاد على واحدة، من اثنتين، أو ثلاث، أو أربع، ويبقى على ما زاد على الأربع في حكم المحظور، ويؤخذ من قصر الرجل على الواحدة عند خوفه من عدم العدل: أن الإذن في تزوج اثنتين أو ثلاث أو أربع مقيد بالعدل بينهن، والمراد من العدل: التسوية بينهن فيما يستطيعه؛ من نحو: النفقة، والمبيت، أما العدل الذي جعل متعذرًا في قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، فهو التسوية بين النساء في كل شيء، حتى الحب والإقبال والمؤانسة، فإن التسوية على هذا الوجه خارجة عن الاستطاعة، فقد تكون إحداهن أبرع جمالاً، وأعذب منطقاً، فتكون أعلق بالقلب، فينجذب إلى جانبها، فيقبل عليها، أو يؤانسها أكثر مما يفعل مع الأخرى، يقع منه ذلك وهو لا يقصد إلى اشارها بهذا الإقبال أو المؤانسة، وإنما هو أمر لا اختيار له فيه، وهو شدة حبها الناشئة عن نحو براعة جمالها، وعذوبة منطقها.
وانظر إلى قوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]، تجده صريحاً في العفو عن هذا الميل الخفيف الذي يتعذر على الرجل اجتنابه، فلو كان المراد من العدل الذي ذكره في هذه الآية: العدل الذي جعله شرطاً للتعدد، لكان المناسب في النظم أن يأمر بالاقتصار
(4/ 1/258)

على واحدة، أو ينهى عن تعدد الزوجات، ولم يقل: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129]؛ فإن النهي عن الميل كل الميل ظاهر في جواز الجمع بين امرأة وأخرى، مع عدم الميل عن إحداهما ميلاً يجعلها كالمعلقة، أي: لا هي زوجة تعاشر بالمعروف، ولا هي مطلقة يمكنها أن تبتغي زوجاً آخر يسكن إليها، وتعيش معه في راحة.
ومن تفقه في قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"، وجدهما ظاهرين في حرمة الجمع بين الأختين، وبين العمة وابنة أخيها، وبين الخالة وابنة أختها، وأدرك أن مناط التحريم: شدة القرابة، لا مجرد الجمع بين امرأتين.
وإذا رجعنا إلى الأحاديث الصريحة، وجدنا فيها ما يدل على إباحة تعدد الزوجات:
منها: ما ورد في "سنن الترمذي" من قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم وتحته عشر نسوة: "خذ منهن أربعاً، وفارق سائرهن".
ومنها: حديث فاطمة بنت أسماء: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعتُ من زوجي غيرَ الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (1)؛ فقد قالت المرأة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن في ضرّة، ولم ينكر أن تكون لها ضرة.
ومنها: أن علي بن أبي طالب أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل على السيدة
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/259)

فاطمة- رضي الله عنها - فقال - صلى الله عليه وسلم -: " وإني لست أحرّم حلالاً، ولا أحلّ حراماً، ولكن والله! لا تجتمع بنت رسول الله، وينت عدو الله في مكان واحد أبداً" (1)، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " وإني لست أحرم حلالاً" دليل على أن تعدد الزوجات مباح، وإنما كره لابنته أن تجتمع مع بنت أيى جهل في عصمة واحدة.
ومنها: أن أبا قلابة روى عن أنس: أنه قال: "من السنَّة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعًا، وقسَم، وإذا تزوج الثيب على البكر، أقام عندها ثلاثاً، ثم قسَم". قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). فقوله: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب ... إلخ" صريح في إباحة تعدد الزوجات، وأن من العدل القسم بينهن في المبيت.
أما عمل الصحابة والتابعين، فإن تزوُّج الواحد منهم بما فوق الواحدة أمر لا ينكره إلا من بلغ به العناد أن ينكر أنهم كانوا يصلون الظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاثاً.
في "صحيح البخاري": أن الحسن بن الحسين بن علي جمع بين ابنتي عم في ليلة واحدة.
وفيه: أن عبد الله بن جعفر جمع بين ابنة علي وامرأة علي، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة، ثم قال: لا بأس به.
وتوفي أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وتحته أسماء بنت عميس، وحبيبة بنت خارجة والدة أم كلثوم التي مات أبو بكر وهي حامل بها.
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) "صحيح الإمام البخاري".
(4/ 1/260)

وكان مصعب بن الزبير قد جمع بين السيدة سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة.
وهذه أمثلة معدودة سقناها على وجه التنبيه والتذكير، وإلا، فالأمر من قبيل ما يعرفه المسلمون بالضرصرة، وحكم ينص عليه القرآن الكريم والسنَّة الصحيحة، ويجري عليه عمل الصحابة والتابعين، لا ينبغي لمسلم أن ينكره، أو يترك نفسه تتردد في حكمته، ولا يجوز لذي قوة أن يمنع من تعدد الزوجات بإصدار قانون عام، فإن فعل، فهو حاكم بغير ما أنزل الله، ومن لا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.
(4/ 1/261)

الأخذ بالدَّيْن (1)
قد يكون للإنسان مال يتسلمه في وقت معلوم، وقد تسبق الحاجة الملحة وقت حصوله على هذا المال، ولا يجد طريقاً لسد هذه الحاجة إلّا الأخذ بالدَّيْنِ، وقد أذن الشارع الحكيم في الاستدانة لسد الحاجة، وجعل الإدانة من قبيل المعروف الذي يلقى صاحبه جزاء وشكوراً.

ف الأخذ بالدين قد يكون ضرورة من ضرورات الحياة، والإعطاء بالدين قد يكون باباً من أبواب الخير الذي يكسب به الإنسان حمداً وأجراً، ولكن هذا الضرب من المبايعة قد تلحقه مفاسد مادية، أو خلقية، أو اجتماعية، لهذا نظرت إليه شريعة الإسلام نظرة إصلاح، وأقامته على أسس محكمة، وحاطته بنظم تحفظ مصالحه، وتنقذ الناس من مفاسده.
وغرضنا من هذا الحديث: إلقاء نظرة على هذا الضرب من المبايعة، والتنبيه لما يعرض له من أضرارة لعل أمتنا الرشيدة تسير فيه على خطبة سليمة العاقبة.
للأخذ بالدين داعية صادقة هي: الحاجة التي لا تطاق، وهناك دواع أخرى ليس من الخير للإنسان أن يجاريها، ويضعف أمامها، فقد تطغى شهوات
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الخامس عشر، ذو القعدة 1361 ه.
(4/ 1/262)

الرجل، وتتطلع نفسه إلى ما يضيق عنه كسبه؛ من نحو: المطاعم، أو الملابس، أو أثاث المنزل، أو غير ذلك من متاع الحياة، ويحاول الوصول إلى هذه الملاذ أو الزينة، ولا يجد طريقاً غير الاستدانة، فيسلكها غافلاً عن سوء عاقبتها، وعلاج هذا: أن يروض الإنسان نفسه على القناعة، ويحملها على الصبر عن تلك الشهوات إلى أن يسعها الرزق الذي يأتيه من كسب طيب. قال بعض الحكماء:
إذا رمت أن تستقرض المال من أخٍ ... تعوّدت منه اليُسْرَ في زمنِ العسر
فَسَلْ نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغني وإن أبت فكل ... مَنوع بعدها واسع العذر
وقد يبدو للرجل أن يظهر بين قومه أو زائريه في مظهر اليسار والرفاهية، وينفق أكثر مما يتحمله كسبه اليومي أو الشهري، متخيلاً أن هذا الإنفاق يرفعه عندهم درجة، ويضع له في قلوبهم إكباراً، ومتى جرى الرجل وراء هذا المظهر المتكلف، وقع في عسرة وفاقة، وبعد أن كان في كفاف من العيش، صار إلى طبقة البائسين، ويضاهي هذا: أن يطمع الرجل في سيادة لا تدرك إلا بالمال؛ كما قال الطغرائي:
أريد بسطةَ كفٍ أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قبلي
ولكنه يكون قليل المال، ويرى أن قلة ماله تعوقه أن يبلغ تلك السيادة، فيندفع في طريق الاستدانة، ويخبط بها خبط عشواء، فلا يتقدم إلى السيادة خطوة، بل لا يلبث أن يضيع ما كان لديه قبل الاستدانة من فضل.
أخذتُ الدَّيْنَ أدفع عن تلادي ... وأخذُ الدين أهلكُ للتلاد
(4/ 1/263)

وقد يكون أهل منزل الرجل غافلين عن عاقبة الأخذ بالدين، وتتجه نفوسهم إلى مطالب؛ من نحو: الملابس، وأثاث البيت، يضيق عنها ما يكسبه في يومه أو شهره، ويعتذر لهم، فلا يقبلون له عذراً، فتتغلب عاطفته على حرّمه وإرادته، ويضعف أمام هذه المطالب، فيغمس يده في الدين يبتغي إرضاءهم، ولكن العاطفة الشريفة هي التي تريه أن إطلاق يده في الدين قد ينحدر به وبهم من طبقة اليسار أو الكفاف إلى ضيق في العيش، وربما أفضى ضيق العيش إلى سوء المعاشرة، وإذا ساءت المعاشرة، تباعدت القلوب، وإذا تباعدت القلوب، تباعدت الوجوه لا محالة.
وللمعاملة بالدين مضار:
منها: ما يعود على المعطي بالدين.
ومنها: ما يعود على الآخذ به.
أما المعطي بالدين، فقد يدفعه الجشع إلى تسليم ماله إلى الدائن غير باحث عن حاله من طهارة الذمة، أو المقدرة على قضاء الدين عند أجله، فتكون عاقبة ماله التلف والخسران.
ومن الناس من يحاول أكل أموال الناس بالباطل من طريق الاستدانة، ويتخذ جشع التاجر وسيلة إلى هذا الاختلاس، فيسوم السلعة بثمن فوق ثمنها كما صنع طريف بن منظور مع التاجر يحيى بن جابرة إذ فخم له في الربح حتى بلغ ما أحب، وقال:
أيطمع يحيى في الوفاء وقد عدا ... على مالنا في البيع عدوة فاجر
فلا يحسب الكوفيّ أن عقولنا ... هفت عن حساب مثبت في الدفاتر
ولكنني أغرقت في الربح وانثنى ... وليس له علم بصفقة خاسر
(4/ 1/264)

تدعو مكارم الأخلاق التاجرَ إلى أن يتسامح مع ذي الحاجة، ويعامله بالدين، ومن الحزم أن لا يعامل بالدين إلا من يثق بذمته أو ماله، ويأمن أن تكون عاقبته ضياع المال، أو حدوث عداوة أو خصام.
رغب الشارع في إسعاف ذوي الحاجات، ومعاملتهم بالدين، وعدّ هذه المعاملة من قبيل البر، وأرشد - مع هذا - أصحابَ الأموال أن يأخذوا بالحزم، ويقيموا المعاملة على شهادة، أو رهن؛ فإن الشهادة أو الرهان تقطع أسباب العداوة التي قد تنشأ عن الإنكار، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282]، وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283].
وأما الضرر العائد على الآخذ بالدين، فأوله: أن المستدين يضع في عنقه منَّة تجعل للدائن عليه فضلاً، وإن في المنن لثقلاً على النفوس التي تطمح إلى العزَّة في كل حال، قال بعض الحكماء: "الصبر على العسرة، أحبُّ إلي من احتمال المنن"، وقال حكيم آخر:
ما الذلّ إلا تحملُ المننِ ... فكن عزيزاً إن شئت أو فَهُنِ
ولا ينسى الآخذ بالدين أن صروف الزمان قد تأتي بما لم يخطر بالبال، فقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يقتضي تأخيره عن وقته المعلوم، فلا يحضر عند استحقاق الدين، فيقع في وعد كاذب، وذلك ما يحترس منه أهل الفضل ما استطاعوا الاحتراس، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في الصلاة ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! فقال: "إن الرجل إذا غرم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف".
(4/ 1/265)

وقد يطرأ على المال الذي اعتمد عليه في قضاء الدين ما يذهب به جملة، فتضيق عن هذا المدين المسالك، ويجره الدائن إلى مجلس القضاء، وهنالك تخيِّم الذلّة على وجهه في النهار، وتتوارد الهموم على قلبه بالليل. قال عياض بن عبد الله: "الدَّين راية الله في أرضه، فإذا أراد أن يُذلّ عبداً، جعلها طوقاً في عنقه".
أتكسب خمساً وتنفق ستاً ... ضللت لعمري سبيل الأديب
هو الدَّيْن إن جئته فترقَّبْ ... نهار الذليل وليلَ الكئيب
وطعمُ الهوان وإن لم أذقه ... أمرُّ من الموت قبل المشيب
ولا ينسى الآخذ بالدين أنه إذا لم يجد مالاً يقضي به الدين عند استحقاقه، فقد ينشأ بينه وبين الدائن مجافاة أو عداوة، فيكون الدين سبباً لذهاب ألفة تفوت بذهابها فوائد، أو لحدوث عداوة تجر وراءها مصائب، وكرامُ الناس يحرصون على أن لا يحدث بينهم وبين من يعرفون جفاء أو عداوة.
وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن من التجار من لا يبيع البضاعة بالدين إلا بربح زائد على الربح المعتاد في بيعها نقداً، فيكون دفع المدين لهذا الربح الزائد، وهو يستطيع تأخير الشراء إلى وقت اليسر، منافياً لقواعد الاقتصاد.
وليذكر من يريد الأخذ بالدين: أن الدين قد يحل أجله، ولا يستطيع قضاءه، فيباع عليه بعض ما يملك، أو كل ما يملك بثمن بخس، ولولا الدين، لأمكنه بيع عقاره أو عروضه بثمن لا غبن فيه.
وقد يأخذ الإنسان بالدين ممن يتعاطى الربا، حتى إذا حلّ أجلُ الدين، وعجز عن أدائه، مدّ له في الأجل على أن يضيف إلى الدين زيادة المرابين،
(4/ 1/266)

وكثيراً ما يزداد المدين بمضاعفة الربا عسراً على عسر، وإن كان يملك عقاراً أو عروضاً، خرج من ملكه بالثمن البخس، وكم من أسرة كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفر عميدها بأنعم الله، وتعاطى الأخذ بالدين، فجر نفسه وأسرته إلى أزمة، ثم إلى فقر! وتلك عقبى الساقط مع شهواته أينما سقطت.
يا غامساً يده في الدَّيْنِ إنك قدَّ ... غمستها في صديد خلته عسلا
والدَيْنُ للمال سم ناقع فإذا ... ما اندسّ في ثروةٍ أولى بها عجلا
والحق: أن لأموال الناس حرمة، فلا يسوغ لأحد أن يأخذها على وجه الدين إلا أن تدفعه إلى ذلك حاجة قاهرة، ويأنس من نفسه القدرة على أداء الدين عند استحقاقه، فالذي يقول:
له ألفٌ عليَّ ونصفُ ألفٍ ... ونصفُ الألفِ في صكِّ قديمٍ
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
لا يعد في المحسنين صنعاً إلا حيث يكون واثقاً من قدرته على قضاء هذا الدين عند حلول أجله، والذي يقول:
يعاتبني في الدِّيْنِ قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
هو أهل لأن يعاتب، إلا حيث يستدين وهو على ثقة من أنه سيؤدي هذه الديون لأربابها عند اقتضائها، وإذا كانت الاستدانة من الأمور التي لا يليق بالإنسان ارتكابها إلا في حالة عسرة لا يجد منها مخرجًا، فمن المستهجن أن يكون المدين قادراً على أداء الدين، ولا يبادر إلى أدائه، وذلك هو المُطْل الذي سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظلم، فقال: "مُطْل الغني ظلم".
(4/ 1/267)

وفي المماطلة مفاسد شتى؛ إذ هي مظهر من مظاهر إخلاف الوعد، وشاهد على أن هذا المدين لا يحيى الذلة التي يوقعه فيها الدين، ومن آثارها السيئة: أنها تحرم الرجل أن يعامله الناس بالدين عند الحاجة.
وقف أعرابي على باب قوم يسألهم، فحلفوا له ما عندهم شيء، فقال: استقرضوا لنا شيئاً، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئاً، فقال: ذلك لأنكم تأخذون ولا تقضون.
المدين الذي لم يرسخ قدمه في الفضل يماطل بالدين، وفي وسعه أن يؤديه، والمدين الذي أخذ حظه من الفضل كاملاً يذكر أن الدائن قد وثق بذمته، وأسعفه عند الحاجة، فيبادر إلى قضاء الدين ما استطاع، وقد تدعوه سماحة نفسه أن يقضي الدين بأحسن مما أخذ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن خياركم أحسنكم قضاء".
ذلك شيء من أدب المدين.
ومن أدب الدائن: أن يقول عند طلب الدين قولاً ليناً، ولا يهدم معروفه بالغليظ من القول، وإذا وجد المدينَ مَعسراً، مد له في الأجل ما استطاع، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] وإن وجد الدائن في نفسه فضلَ سماحة وغنى، فتنازل للمدين المعسر عن الدين، أو جانب منه، فذلك ما سماه الله خيراً، فقال: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280].
وإذا كان من سماحة نفس الدائن أن يأخذ عند اقتضاء الدين طريقة الرفق، ولا يهدم معروفه بالغليظ من القول، فإن سماحة نفس المدين أن يرعى الجميل الذي أسداه إليه الدائن، ويقابل بعض كلماته النابية بشيء
(4/ 1/268)

من سعة الصدر.
جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب ديناً له، وأغلظ في القول، فهمّ بعض الحاضرين من الصحابة بإيذائه، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام -: "دَعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالاً".
ولطهارة الضمير، وحسن النية عند تعاطي الدين أثر في تيسير أدائه، وقد أنبأ بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - صلوات الله عليه -، فقال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله"؛ وتأدية الله الدين: أن يوفق الدائن سليمَ القلب، وييسر له أسباب الرزق، ذلك أنه اتّقى الله بقلبه، وطهّره من قصد كل أموال الناس بغير حق، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3].
(4/ 1/269)

الفتاوى والأحكام
* وجوه صرف الزكاة (1):
فرضت الشريعة الإسلامية على ذوي الأموال مقادير معينة سمتها: الزكاة، وأرشد القرآن إلى مصرفها بقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60].
والتعبير ب "إنما" في لسان العرب يفيد الاختصاص، والمعنى: أن الصدقات - أي: الزكاة - للفقراء، وما عطفت عليهم، دون غيرهم.
نظر الإسلام إلى حاجات لو بقيت في الأمة، لاختل أمرها، ولما صفا لها ورد حياتها، ففرض الزكاة؛ لتصرف في سداد هذه الحاجات، وهو - وإن لم يفرض في أموال الأفراد ما يصرف للمصالح العامة غير هذه المقادير المسماة بالزكاة - لم يقطع النظر عما يعرض للأمة من غير هذه الحاجات، بل أمرها أمراً لا هوادة فيه بأن تنفق في كل مشروع لو أهملته، لكان وصمة في مجتمعها، أو عثرة في سبيل عزتها واستقلالها. وهذا ما يسميه أهل العلم بفرض الكفاية؛ وهو ما يتوجه الخطاب به إلى الأمة على أن يقوم به من فيه الكفاية.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس من المجلد الثاني.
(4/ 1/270)

ولاختصاص الزكاة بالأصناف المذكورة في الآية منع الأئمة من صرفها في مصالح لا تدخل في واحد من هذه الأصناف؛ كما قال مالك: "لا يعطى من الزكاة في كفن ميت، ولا بناء مسجد".
وإذا اختلفوا في صرفها في وجه من وجوه الخير، فلاختلاف أنظارهم في التحاقه بأحد الأصناف المقررة في الآية الكريمة. وأكثر ما جاء من ناحيته لاختلاف: الصنف السابع، أعني: قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60]؛ فإن اللفظ من حيث مدلوله في لسان العرب شامل لكل وجه من وجوه الخير، ولكن ذكره من بين سبعة وجوه من وجوه الخير يدل على أنه يراد به ناحية خاصة فهمها السلف منذ نزول الآية.
وأكثر أهل العلم على أن المراد من قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}: الغزاة، وما يحتاجون إليه في جهادهم من وسائل الدفاع، ومنهم من يجعله متناولاً لفريضة الحج، وهو ما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث قال: الحج من سبيل الله، وهو ما يراه الإمام محمد بن الحسن بن الحنفية.
وذكر الألوسي: أن بعضهم يفسره بطلبة العلم، ثم قال: "وتوسع بعضهم في تفسيره، فحمله على جميع القُرَب، وقالوا: يدخل فيه كل من سعى في طاعة الله، وسبل الخيرات".
ولا نظن هذا الذي يفسر {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} بطلبة العلم، أو بكل من سعى في طاعة يجيز صرف الزكاة لهؤلاء، ولو كانوا أغنياء، وإذا كانوا لا يستحقونها إلا في حال الحاجة، فقد دخلوا في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60]، فصرف جانب من الزكاة على ذوي الحاجة من طلاب العلم بالمدارس، أو من يلقي بهم المرض على مضاجع المستشفيات،
(4/ 1/271)

لا يختلف فيه اثنان.
فإذا كان الإنفاق علي بناء المدارس والمستشفيات من أموال يجود بها أهل الخير بداعي كرم النفس، والرغبة في عمل البر، فلا بأس بعد هذا في أن ينال من بهم خصاصة من الطلاب والمرضى جانب من الأموال التي تجمع باسم الزكاة.
وخلاصة القول: أن من يمنع صرف الزكاة في وجه من وجوه المصالح العامة لا يقصد إلى عدم المبالاة بذلك الوجه، وإنما ينظر في فتواه إلى أن آية الزكاة لا تتناوله، وما لا تتناوله الآية يبقى في المشروعات المفروضة على الأمة فرض كفاية.
والأمة التي تقدر حياة الاستقلال، وتأبى أن تكون في مؤخر الأمم، لا تتباطأ عن أن تبذل في المشروعات الصالحة غير ما يؤخذ منها باسم الزكاة. وليس غلبة الجهل عليها، وقلة شعورها بمقتضيات الحياة الاستقلالية بالعذر الذي يسيغ لنا تأويل {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} على كل مشروع نافع، بل الواجب تعليمها واجبات شريعتها، وإرشادها إلى وسائل الخلاص والقوة حتى تلين قناتها، وتبلغ من استقامة الأخلاق أن تلذّ الإنفاق في سبيل كل مشروع جليل.
* المرأة والقضاء (1):
سؤال: قرأت مقالاً في مساواة المرأة بالرجل في الميراث جاء فيه هذه الجملة: (حتى أجاز "الإسلام" لها "المرأة" أن تتولى القضاء)، فهل هذا الرأي صحيح في ذاته؟ ومن الذي قال به من علماء الإسلام؟ وهل له مستند
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الثاني.
(4/ 1/272)

من الكتاب والسنّة، مع ما في المرأة من عوائق طبيعية واجتماعية؟
جواب: ينسب القول بصحة ولايتها القضاء إلى محمد بن جرير الطبري، ونقل عن الإمام أبي حنيفة: أنها تقضي فيما يصح أن تشهد فيه، وقد حمله بعض أهل العلم على معنى: صحة حكمها في القضية الواحدة ونحوها على سبيل التحكيم أو الاستنابة.
قال أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23] من كتاب "الأحكام": ونقل عن محمد بن جرير الطبري: أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك لسبيل التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة".
ومن نظر إلى ما يقتضيه فصل القضايا من أن يكون القائم بأعبائه على جانب من الجزالة، وصرامة العزم، وأن يكون مقامه مهيبًا في النفوس، عرف أن المرأة لم تخلق لأن تتولى القضاء المطلق؛ إذ تغلب عليها رقة العاطفة، وهشاشة الطبع، وسرعة التأثر، وليس من شأن الرجال أن يهابوا مكانها الهيبة التي يكون لها الأثر في التحقيق أو التنفيذ.
* وسائل منع الحمل (1):
سؤال: هل يجوز استعمال وسائل لمنع الزوجة من الولادة؟ وإذا كان
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الخامس.
(4/ 1/273)

جائزاً، ففي أحوال خاصة، أو هو جائز على الإطلاق؟
جواب: رغب الشارع في النكاح، وأهم مقصد له من هذا الترغيب: تكثير النسل، وإبقاء النوع البشري، وإذا كان أهم ما يقصده الشارع من الزواج تكثير النسل، وعمارة الأرض، كان العمل لمنع الزوجة من الولادة على خلاف قصد الشارع، فهو إما مكروه، وإما حرام.
فالعزل - وهو أن يريق الرجل النطفة حال استمتاعه بزوجته، خارجَ موضع الاستمتاع - مكروه، فإن دعت إليه مصلحة؛ كأن يكون الزوجان في دار الحرب، صار مباحاً، ويقاس على العزل: استعمال دواء للمنع من الحمل، فهو مكروه، إلا أن تدعو إليه مصلحة؛ كأن يكون في الحمل ضرر على المرأة، أو على الولد من جهة الصحة، ويعرف هذا الضرر بتقرير عارف أمين، هذا ما يقوله كثير من الفقهاء، ووجه الكراهة ظاهر في نقص عدد الأمة وضعفها.
والواقع أن في استعمال الأدوية للمنع من الحمل مفسدةً ظاهرة لا ينبغي الاستهانة بها إلا حيث تدعو الضرورة إلى هذا المنع، ولو تتابع الناس على اتخاذ الوسائل إلى المنع من الولادة، لأدى الحال إلى انقطاع النسل أو قلته، فيتضاءل عدد الأمة، وتذهب قوتها أمام أعدائها، فيصير اتخاذ تلك الوسائل من الإلقاء بالنفوس والأوطان في تهلكة، وهذا مما ينظر إليه المحققون من المالكية حين نصوا على المنع من استعمال ما يبرد الرحم، ويفسد القوة التي يتأتى بها الحبل.
أما استخراج ما في الرحم بعد استقراره، فممنوع، ولا سيما بعد أن تنقلب النطفة إلى صورة إنسان، وهذا ما حققه الإمام الغزالي في "الإحياء"،
(4/ 1/274)

والقاضي أبو بكر بن العربي في "القبس"، فإذا نفخ فيه الروح، فإسقاطه قتل نفس بلا خلاف.
* حكم اختلاط الجنسين في معاهد التعليم (1):
ادعى بعض الناس في هذا العصر: أن الكتاب والسنة لا يمنعان من اختلاط الفتيان والفتيات في معاهد التعليم، والواقع: أن دلائل أحكام الشريعة وآدابها غير مقصورة على نصوص الكتاب والسنّة، بل للشريعة أصول وقواعد يدركها المجتهدون بالنظر في تلك النصوص، والغوص على مقاصدها، وعلل أحكامها، فيطبقون تلك الأصول والقواعد على الوقائع التي لم يرد فيها نص صريح. ويكون الحكم المستنبط من طريقها في وجوب العمل به بمنزلة الأحكام المصرح بها.
ومن هذه الأصول الشاهدة بكمال حكمة التشريع: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى فساد، وليس من شك في أن اختلاط الفتيان والفتيات في الدروس ذريعة إلى عواقب غير محمودة.
وقد دلت الروايات الصحيحة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للنساء في الحضور للصلاة بالمساجد، وكنَّ يصلين في آخر المسجد، وينصرفن قبل أن يقوم الرجال من أماكن الصلاة، في "صحيح البخاري" عن أم سلمة: "أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنّ إذا سلَّمن من المكتوبة، قمنَ، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله، قام الرجال". وفي الصحيح أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا". نرى - والله أعلم - أن
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد التاسع.
(4/ 1/275)

ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يدركهن أحد من الرجال.
فالرواية الصحيحة دلت على أن النساء كنَّ يصلين في مؤخر المسجد، وينصرفن عقب الصلاة إلى منازلهن، وأن الرجال لا يقومون من مواضع صلاتهم إلا بعد أن ينصرف النساء، وليس لأحد أن يقيس على حضور النساء بالمسجد للصلاة على الوجه الوارد في الصحيح، اختلاطَ الفتيان والفتيات في دروس العلم، ففي حضور الصلاة بالمسجد من دواعي غض البصر عن المحارم، وتعظيم أمر الله ما لا يوجد في حضور الدرس.
ونزيد على هذا: أن النساء ما كنّ يحضرن في مجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الرجال، على ما في تلك المجالس من وقار، وما في قلوب أولئك الرجال من تقوى، ونذكر من شواهد هذا: حديث أبي سعيد الخدري المروي في "صحيح البخاري:، وهو: "أن النساء قلن للنبي- صلى الله عليه وسلم -: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن، وأمرهن"، ولو كان النساء يختلطن بالرجال في مجلسه، لما قلن: "غلبنا عليك الرجال"، ولم يحدث بعد عهد النبوة إلى عصرنا هذا ما يدعو إلى اختلاط الفتيان والفتيات في معاهد التعليم، بل الذي حدث: هو أن الخطر الذي بني عليه الشارع المنع من هذا الاختلاط قد اتسعت دائرته إلى حد بعيد، وفائدة الفتيات العلمية غير موقوفة على هذا الاختلاط؛ إذ يمكن الاحتفاظ بها كاملة مع الفصل بينهن وبين الفتيان في معاهد التعليم.
* الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان (1):
سؤال: هل التشريع الإسلامي تراعى فيه ظروف الزمان والمكان، أم
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد السابع عشر.
(4/ 1/276)

يجب الوقوف فيه حتماً عند النصوص، وكل ما جاوزها يؤثم عليه، ولا يعتد به شرعاً؟ نرجو الجواب الآن، لشدة الحاجة إليه.
جواب: معروف في علم القضاء: أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً، وعلى هذا الأصل تقوم الشريعة الإسلامية، وبهذا يمكنها أن تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل، ذلك أن الإسلام دلّ على بعض الأحكام في أصول كلية؛ ليستنبط منها المجتهدون أحكام الوقائع على حسب مقتضيات أحوال الأزمنة والمواطن.
وقد أجمع علماء الإسلام على أن أحكام الشريعة قائمة على رعاية مصالح العباد، وأنه يرجع في تعرف المصالح إلى أنظار المجتهدين، ومن هنا قرروا أن أصول الشريعة ترجع إلى أربع قواعد: "الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"العادة محكمة"، و"الأعمال بمقاصدها".
وترجع إلى هذه القواعد العليا قواعد تجعل أحكام القضاة المجتهدين أحفظ للمصالح، وأشد مطابقة لمقتضيات العصر، ومن هذه القواعد: قاعدة: رعاية المصالح المرسلة، والمصلحة المرسلة: مصلحة يدركها العقل في حادثة، ولم يقم عليها دليل خاص من الكتاب والسنّة. ومنها: قاعدة: مراعاة العرف، وقاعدة: سد الذرائع، وهي المنع من أشياء شأنها أن تؤدي إلى أمور تشتمل على فساد، ويدلكم على أن الشريعة الإسلامية قائمة على رعاية المصالح: أن المجتهدين من أئمتها قد يحملون بعض النصوص المطلقة على أحوال خاصة إذا اقتضت قاعدة رعاية المصالح المرسلة فهمَ النص على أن المراد: العمل به في هذه الأحوال الخاصة.
وصفوة هذه الكلمة الموجزة: أن التشريع الإسلامي يوافق حال كل
(4/ 1/277)

عصر، ولو نظر إليه غير المسلمين بالعين التي ينظرون بها إلى القوانين الوضعية، وقارنوا بينه ويين تلك القوانين مقارنة رائدُها البحث عن الحقيقة، لرأوه رأي العين كيف يأخذ بالعدل من أطرافه، ويعطي كل ذي حق حقه.
ورجال جمعية الهداية الإسلامية، وفيهم أساتذة ممن درسوا الحقوق دراسة وافية، مستعدون لإقامة الحجة على أن التشريع الإسلامي أرقى تشريع تُصان به الحقوق، وتلقى به الإنسانية أمنها وسعادتها.
* إشاعات السوء وموقف الإسلام منها (1):
إشاعات السوء عن شؤون الأمة، وسير أعمالها، وأهداف إصلاحاتها، ومقاصد رجالها لا تقل ضرراً في كيان الأمة وسلامة الوطن عن التجسس للعدو على دخائلها، ومواطن قوتها وضعفها. فكل ذلك خدمة للعدو، وموالاة له. وقد خاطب الله المسلمين بقوله: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1].
بل إن موالاة العدو - في حال عدوانه -، وترويج ما ينفعه في مضرة الإسلام وأهله تخرج الموالين له عن تبعيتهم لأمتهم، وتلحقهم بأمة عدوهم. وفي ذلك يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].
* ترويج إشاعات السوء:
ومن أشد ما يوالي به المنافقون من يكيد للأمة من أعدائها: ترويج إشاعات السوء، والإصغاء إليهم، وقد ورد في ذلك قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ
__________
(1) مجلة "الأزهر" - الجزء الثاني من المجلد الخامس والعشرين.
(4/ 1/278)

{فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 - 61]
وكان مما كانوا يرجفون به: ما ذكره الله عنهم في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12].
ولهؤلاء المنافقين خلفاء في كل عصر من عصور الإسلام، وفي كل وطن من أوطانه، يخذلون الناس عن أئمتهم وولاة أمرهم، ويشيعون السوء عن برامجهم وخططهم، وهذا مرض في القلوب كما وصفه الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وعلى من يصاب بهذا المرض أن يعالج نفسه قبل أن يعالج بأحكام الله.
وفي هؤلاء أيضاً ورد قول الله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء: 83]؛ أي: أفشوه حيث لا يكون من المصلحة العامة إذاعته وإفشاؤه. وقد يكون ما يذيعونه كذباً ومضراً بالمصلحة، فيكون ذلك من الإثم المزدوج الذي طهر الله قلوب المؤمنين منه.
واللائق بالمسلمين إذا سمعوا قالة السوء أن يكونوا كما أراد الله للمسلمين في قوله -عزَّ وجلَّ-: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]. إلى أن قال سبحانه: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 15 - 16].
ولما عاد المسلمون من غزوة أحد، كان فيهم من اختلفوا في الحكم على المنافقين والمرجفين، فقال فريق للنبي- صلى الله عليه وسلم -: "اقتلهم"، وقال فريق: "لا تقتلهم"، فنزل في ذلك قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88]، وفي ذلك ورد الحديث النبوي: "إنها طيبة - أي: المدينة - تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الحديد"، وفي
(4/ 1/279)

رواية: "خبث الفضة".
وأول فتنة في الإسلام، وهي الجرأة على خليفة رسول الله وصهره سيدنا عثمان، كان منشؤها إشاعات السوء الكاذبة، وتضليل البسطاء وضعاف الأحلام، فجرّ ذلك على الأمة من الضرر ما لم تتوصل إلى مثله الدول المعادية بما لديها من جحافل وقوات حربية.
وفي الليلة الأخيرة قبل نشوب حرب الجمل توصّل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفريقين إلى التفاهم على ما يرضي الله -عَزَّ وَجَلَّ- من إقامة الحدود الشرعية على من يثبت عليه أن له يداً في مصرع أمير المؤمنين عثمان، وبات أبناء كل فريق في معسكر الفريق الآخر بأنعم ليلة وأسعدها، وأرضاها لله، فما كان من قَتَلَة عثمان ومن يتبعهم من قبائلهم، إلا أن أنشبوا القتال في الصباح الباكر، وأشاعوا في معسكر من المعسكرين بأن المعسكر الثاني هو المهاجم له، على خلاف ما اتفقوا عليه بالأمس، وبذلك كانت الإشاعات بين الطرفين أفتكَ بهما، وأضرَّ على الإِسلام من أسلحة البغاة الفاتكة.
أيها المسلمون! إن إشاعات السوء سلاح العدو، والذي يصغي إليها يمكِّن العدو من الفتك بالأمة والوطن، وتحسبونه هينًا، وهو عند الله عظيم، فاعملوا في ذلك بهداية الله -عَزَّ وَجَلَّ- وإرشاده حين يقول: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
وعلى ولاة الأمر أن يتصرفوا فيمن يثبت عليهم ذلك وفقاً لحكم الله تعالى حين يقول لنبيه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 - 61].
(4/ 1/280)

إن الأمة تجتاز اليوم مرحلة من أدق مراحلها في تاريخ نضالها العنيف، هي مرحلة تقرير المصير. وهذه المرحلة - بما لها من الخطر والأثر في مستقبل الأمة وحاضرها - تقتضي منا أن نتيقظ لكل ما يراد بنا، سواء من العدو الغاصب، أو من أعوانه. وأن نحذر دعاة الفتنة، والذين يعملون على إشاعتها بين طبقات الأمة. ولنعلم أن هؤلاء وأولئك يستهدفون غرضاً واحداً. ويعملون لغاية واحدة، هي تمزيق الشمل، وتشتيت الجمع، وتفريق الكلمة، وإشاعة الكراهية بين الحاكم والمحكوم، وإلقاء العداوة بين المؤتمين والمأموم. وهم بهذا يعملون للفتنة ومن أجلها. فإذا ما تحققت غايتهم، فإن الفتنة لا تصيبهم وحدهم، ولا تصيب طائفة دون أخرى، وإنما هي تصيب الأمة بأسرها. وقد حذرنا الله تعالى منهم ومن فتنتهم، فقال - جل شأنه -: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25]، واتقاء الفتنة يكون بدفعها وإدحاضها، وإنزال العقوبة الرادعة على كل من يثبت عليه أنه كان سبباً فيها، أو في عنصر من عناصرها.
ويرى علماء الشافعية أن تكون العقوبة هي (الإعدام) لكل من يثبت عليه أنه أحدث بين المسلمين فتنة.
وأما علماء المالكية، فإنهم يتركون الحد على هذه الجريمة لاجتهاد الإمام؛ أي: الحاكم، ومن هنا نرى أنه لا سبيل إلى الهوادة أو المهادنة في إقامة الحد على هذه الجريمة النكراء، جريمة إحداث الفتنة بين الصفوف مناصرة لعدو البلاد الأكبر، وهو المستعمر الغاصب.
فلنتق الله في أمتنا ووطننا، وتقوى الله تدفع كل شيء، وتحول دون أي مكروه، والله يوفقنا ويسدد خطانا إلى ما فيه النجاح والرشاد.
(4/ 1/281)

* هل للمرأة أن تباشر الوظائف العامة (1):
استهل فضيلته حديثه في هذا الموضوع الخطير بالسؤال عن الغاية التي تهدف إليها المرأة من وراء هذه الدعوى، وقال: هل تريد أن تهجر البيت؛ لتقضي وقتها بين الأندية والمجتمعات والمحافل السياسية في مناقشة القوانين، وفيما يجب أن يفرض من العقوبات، ويرسم من الحدود، وما إلى ذلك من مسائل التشريع والتقنين؟ إن كان هذا مقصدها، فهل لها أن ترشد أهل الصواب والمنطق والحق في أي عصر إسلامي كان هذا؟ وفي أي عهد من العهود التي ازدهرت فيها تعاليم الإسلام وانتشرت أحكامه ومذاهبه تولت المرأة شؤون الولاية العامة!؟
ثم استطرد فضيلته فقال: إن الشريعة الإسلامية تحرم اختلاط المرأة بالرجال. والدعوى بمنح المرأة حقاً سياسيًا إنما هي وسيلة من وسائل الاختلاط تريد المرأة في هذا العصر أن تتذرع بها لتكسو اختلاطها بالرجال ثوب المصلحة العامة، وهذا عمل لا تقره الشريعة الإسلامية، وليس جائزاً في أي مذهب من مذاهبها؛ لأن الشريعة قد فطنت إلى ما ينجم عن اختلاط المرأة بالرجل من مضار اجتماعية وخيمة، ومن شرور لو قلنا إنها محتملة الوقوع، لكان ذلك الاحتمال كافياً لمنعها ودرئها.
وإذا كانت المرأة تريد في سبيل تبرير دعوتها أن تلجأ إلى السباب، وإلى الغض من أقدار سلف العلماء، والطعن عليهم، والنيل من كرامتهم، وتحقير شأن من يريد أن يبصرها بالصواب والرأي السديد، فإنما تكون قد أقامت الدليل القاطع على أنها لا تصلح عضواً في معترك الحياة؛ لأن مثل
__________
(1) مجلة "الأزهر" - الجزء الخامس من المجلد الرابع والعشرين.
(4/ 1/282)

هذا الطريق لا يلجأ إليه إلا من ضعفت حجته، واختلطت عليه موازين الأشياء ومقاييس الأمور.
ولقد سبق أن أفتت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى شرعية بينت فيها بمختلف طرق التبيين، على مختلف الآراء الفقهية ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجبات، وفصلت لها نوع الولاية، وعرفتها أن الولاية العامة هي السلطة الملزمة في شأن من شؤون الجماعة؛ كولاية سن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام، والهيمنة على القائمين بذلك، وقالت: إن الشريعة الإسلامية قد قصرتها على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة، وزادت على ذلك في مقام التبيين: أنه لم يثبت أن شيئاً من هذه الولاية العامة قد أسند إلى المرأة، لا مستقلة، ولا مع غيرها من الرجال؛ وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيراً من الرجال، كأمهات المؤمنين، وساقت قصة سقيفة بني ساعدة في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ بويع أبو بكر البيعة العامة في المسجد، ولم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة، ولم تُدع لذلك.
وقد أفاضت لجنة الفتوى في بيان أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بما يجب أن تمنع منه المرأة من الوظائف العامة، ودعمته بالبراهين القطعية، والأسانيد التاريخية، والأدلة اليقينية. وكان المأمول أن تقف المرأة عند حدودها التي رسمتها لها الشريعة الإسلامية، في بلد إسلامي، ودولة إسلامية، وأن تعمل من جانبها على أن تسترشد بما يراه أهل الرأي من الفقهاء في أمرها، فتلزم بيتها في رعاية زوجها وكنفه، ولكنها عادت مرة ثانية إلى المناداة بوجوب منحها حقوقاً سياسية معينة، ومع أن الشريعة الإسلامية قد أفسحت
(4/ 1/283)

لها الطريق في كل ما يتعلق بمسائل الولاية الخاصة، وقد ساوتها بالرجل في هذا النوع من الولايات؛ إذ جعلت لها حق التصرف في أموالها بالبيع والهبة، والرهن والإجارة، وغير ذلك من مختلف ضروب التصرفات، وأجازت لها الوصاية على الصغار، والولاية على المال، والنظارة على الأوقاف، إلا أنها لم تقنع بما رسمته لها الشريعة الإسلامية، وأرادت أن تدفع نفسها بنفسها، وأن ترسم الطريق حسب أهوائها وغاياتها؛ لتتولى وظائف الدولة التي تدخل في نطاق الولاية العامة؛ كسن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام ... إلخ.
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت القوامة على النساء للرجال، وقد قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34]، وجعلت حق طلاق المرأة للرجل وحده، ومنعتها من السفر دون محرم، أو زوج، أو رفقة مأمونة، وجعلت لها حق حضانة الصغار دون الرجل، وأوجبت على الرجل حضور الجمعة والجماعة والجهاد، ولم توجب عليها شيئاً من ذلك، أقول: إذا كانت الشريعة الإسلامية قد رسمت لها حدودها، وبينت لها مهمتها، فما بالها تريد أن تخرج من أحكامها؛ لتزج بنفسها في انتخابات تدافع فيها وتدفع، وتختلط في ميدانها بالجماعات والأفراد من الرجال، وهي بطبيعة أنوثتها غير مأمونة ولا معصومة؟! وما بالها تريد أن تثير حولها الزوابع، وتخوض المعامع، في الوقت الذي كفتها فيه الشريعة مؤونة الكفاح، وجنبتها مواطن الزلل، ورسمت لها من الحدود ما يتكافأ وطبيعتها في ميدان العمل المنتج المفيد لها وللجماعة التي تعيش فيها؟!.
وأعتقد أنه من المستحسن أن أسوق بعض ما رأته لجنة الفتوى في
(4/ 1/284)

مقام التدليل الفقهي على منع المرأة من الاشتغال بوظائف الولايات العامة، فقد استندت إلى ما رواه البخاري في "صحيحه"، وأخرجه أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه"، والترمذي في "جامعه".
قال البخاري: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف عن الحسن البصري، عن أبي بكرة، قال: لقد نفعني الله بكلمتين أيام الجمل: لما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فارس ملّكت ابنة كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة".
وقد ذهبت اللجنة في استنتاج المراد من هذا الحديث، وفي استنباط دلالته العامة مذهب صدق، فقالت: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولّون المرأة أمرهم؛ لأن وظيفته - عليه الصلاة والسلام - بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسار، وإنما يقصد: نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم.
ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه؛ كما يفيده المعنى الذي من أجله كان هذا المنع.
وهذا هو ما فهمه أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجميع أئمة السلف، لم يستثنوا من ذلك امرأة، ولا قوماً، ولا شأناً من الشؤون العامة، فهم جميعاً
(4/ 1/285)

يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى، والقضاء، وقيادة الجيوش، وما إليها من سائر الولايات العامة.
هذا الحكم المستفاد من هذا الحديث - وهو منع المرأة من الولاية العامة- ليس حكماً تعبدياً يقصد مجرد امتثاله دون أن تعلم حكمته، وإنما هو من الأحكام المعللة بمعان واعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان: (الرجل والمرأة).
ذلك أن هذا الحكم لم ينط بشيء وراء (الأنوثة) التي جاءت كلمة (امرأة) في الحديث عنوانًا لها، وإذاً فالأنوثة وحدها هي العلة فيه.
وواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها الطبيعي عدم العلم والمعرفة، ولا عدم الذكاء والفطنة، حتى يكون شيء من ذلك هو العلة؛ لأن الواقع يدل على أن للمرأة علماً وقدرة على أن تعلم كالرجل، وعلى أن لها ذكاء وفطنة كالرجل، بل قد تفوق الرجل في العلم والذكاء والفهم. فلا بد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئاً وراء ذلك كله.
إن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة، وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة، وهي -مع هذا - تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر عليها في الأشهر والأعوام، من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية، وتوهن من عزيمتها في تكوين الرأي، والتمسك به، والقدرة على الكفاح والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها.
ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال، والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها.
(4/ 1/286)

فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمى بيئة نسوية إلى تغليب العاطفة على مقتضى العقل والحكمة.
وآيات من سورة الأحزاب تشير إلى ما كان من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتطلعهن إلى زينة الدنيا ومتعتها، ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما أفاء الله به عليه من الغنائم؛ حتى يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم، لكن القرآن قد ردهن إلى مقتضى العدل والحكمة، من ذلك: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29].
وآية أخرى من سورة التحريم تحدث عن غيرة بعض نسائه - عليه الصلاة والسلام -، وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة على العقل؛ مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد ردهن القرآن إلى العبادة: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].
هذه هي المرأة في أسمى البيئات النسوية، لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة، ولم تنهض قوتها المعنوية على مغالبة نوازع الغيرة، مع كمال إيمانها، ونشأتها في بيت النبوة والوحي، فكيف بامرأة غيرها لم تؤمن إيمانها، ولم تنشأ نشأتها، وليس لها ما تطمع به أن تبلغ شأوها أو تقارب منزلتها؟!
فالحق: أن المرأة بأنوثتها عرضة للانحراف عن مقتضى الحكمة والاعتدال في الحكم، وهذا ما عبر عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنقصان العقل، ورتب
(4/ 1/287)

عليه كما جاء في القرآن الكريم: أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل.
ومجمل القول في هذا كله: أن المرأة لا يجوز لها أن تباشر عملاً من أعمال الولاية العامة مطلقاً، ولا يجوز لها كذلك أن تغشى الأندية والمحافل والمجتمعات العامة، مهما كان السبب الذي يدفعها إلى ذلك؛ لأننا أمة إسلامية، والإسلام يلزمها هذه الحدود، ولا يجيز لها أن تتعداها.
(4/ 1/288)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(7)

«مُحَاضَرَاتٌ إسْلاميَّةٌ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(4/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(4/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" محاضرات إسلامية" لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - أثر عظيم يضم فرائد محاضرات قيمة، ألقاها من منابر الخطابة في العديد من الجمعيات الإسلامية، سواء في تونس، أو القاهرة. وهذه المحاضرات منها ما نشر في رسائل صغيرة مطبوعة - وقد نفدت -، ومنها ما نشر في المجلتين الإسلاميتين الكبيرتين، مجلة "نور الإسلام"، والتي تعرف اليوم باسم مجلة "الأزهر"، ومجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة.
وفاتحة هذه المحاضرات: "الحرية في الإسلام" من أمهات المحاضرات الإسلامية وأوائلها التي ألقاها الإمام الأكبر في مطلع حياته الدينية والسياسية، ألقاها بنادي "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" في تونس، وذلك مساء يوم السبت الواقع في 17 ربيع الثاني من عام 1324 ه. وكان يشغل آنذاك منصب قاضي مدينة "بنزرت"، وقد طبعت هذه المحاضرة عام 1327 ه برسالة خاصة، وأعيد طبعها مرتين فيما بعد.
تعتبر محاضرة: "الحرية في الإسلام" من الوثائق القومية والتاريخية التونسية الهامة، فقد ألقيت في عهد الحماية الفرنسية، وفي أوج غطرستها وشراستها، تلك الحماية الرهبية التي كانت تعتبر تونس قطعة أرض ملحقة
(4/ 2/3)

بفرنسا، وتكمم الأفواه عن النطق بالأحاديث المعتادة، فكيف الحال بصوت داوٍ يتحدث عن الحرية في آذان شعب مضطهد؟!.
تناقلت الأيدي المحاضرة من بيت إلى بيت، ومن معهد إلى معهد، يهمس بها المواطن التونسي إلى أخيه، فينتشر شعاعها في القلوب المؤمنة بحرية التراب التونسي. وقد حدثني سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي -حفظه الله- أن العم الإمام -رحمه الله- عندما ألقى هذه المحاضرة أحدثت أثراً عميقًا في المجتمع التونسي، ما زال يفعل فعله في الأوساط الشعبية كالنار في الهشيم، وكانت صوتًا من أصوات النضال التونسي السائر في الطريق إلى الحرية.
مثل تلك المواقف التي وقفها الإمام الأكبر -رحمه الله-، وما كان يبديه من آراء جريئة في المجلة التي كان يصدرها بتونس تحت اسم "السعادة العظمى"، وما يدعو إليه من أفكار إصلاحية حرة لا قبل للاستعمار الفرنسي بها، وما يثيره من حماسة تلامذته في المنتديات وحلقات العلم بالجامع الزيتوني الأعظم، كل ذلك جعله عرضة للملاحقة والتهديد والوعيد، فاكره على مغادرة الوطن الأم تونس إثر حكم بالإعدام صدر عن السلطات الفرنسية الحاكمة، فمضى في الآفاق الإسلامية داعياً إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، صوت حق وهدى.
والله نسأل السداد.
علي الرّضا الحسيني
(4/ 2/4)

الحرية في الإِسلام (1)
سنحت لي من بين الشواغل فرصة فانتهزتها، وأقبلت ببصري على سماء الإسلامية أقلبه في مطالعها يميناً ويساراً، وأطالع من دلائلها الصادقة
__________
(1) قدم الإمام محاضرته بالكلمة التالية:
أيها الفضلاء! إن لكل شيء سبباً، ولكل غرض باعثة، والذي أخذ بيدي إلى هذا المنتدى الأدبي، وبعث عزيمتي إلى تحرير ما سنلقي عليكم بيانه، أنّ صديقنا السيد خير الله رئيس هذه الجمعية "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" خيّل له ظنه الجميل: أني صاحب مكانة في انتخاب جواهر الأسمار، وتأليفها على وجه يكون أقرب إلى القبول وأدعى إلى التأثير، فخاطبني على أن أضع مسامرة تنطبق على الخطة التي رسمتها الجمعية لنفسها، وأقدمها هدية إلى مسامعكم الزكية بلسان عربي، وأسلوب حكيم.
تلقيت ذلك الخطاب بواسطة صحيفة من صديقي النحرير الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور رئيس هذه الحفلة الجامعة، أرسل بها إلى حيث طوحت بي طوائح القضاء المحتوم، فاستوقفت له خاطري وقفة المتردد، واستلفتُّ له نظري لفتة المتروي لما يرد على فكري من القضايا التي لم تبق لي مثقال ذرة من الوقت شاغرًا، والشواغل التي من شأنها إذا لبست فكرة، ذهبت بها في جانب يبعد عن ناحية هذا الغرض بمراحل واسعة، فمتى قلبته في هذا الميدان، أخشى أن تقيده حبسة أو يثنيه جماح، ولا سيما حين يلجّ به الغوص في بعض المواضيع التي يبعد شأوها، ويعلو مرتقاها. =
(4/ 2/5)

ظواهر وأسراراً، حتى استضاء لي من نجومها هدى، وتنفس لي من مشارقها صباح مبين، ثم قصدت إلى سيرة الخلفاء الراشدين، وقبضت من أثرها قبضة أضفت إليها قوادح أنظار هي في الحقيقة خادمة لها، ومساعدة على إبرازها في هيئة تشملها نظرة واحدة، وإليكم مساق حديثها:
لا يمتري أحد فيما تناجيه به حاسة وجدانه من الميل إلى هذه الحياة، والحرص على استطالة أمدها، ومن ها هنا اشتدت به الحاجة إلى السعي في مطالبها، والتعلق بأسبابها؛ من الغذاء والكساء والمسكن وما شاكلها، فيقتحم الإنسان المصاعب، ويعاني الشدائد في طلبها، ولا يثبطه عنها ما هو موضوع في طبيعته من الميل إلى الكسل والراحة.
وقد يجري على مخيلته اشتباه: هل الولوع بالحياة الدنيا يكون لذاتها وطبيعتها، أو للغايات التي يحرزها في مضمارها، والمآرب التي يتصيدها بحبالتها؟ فيدعوه هذا الالتباس إلى حركة فكرية، يستنتج من وراء تدافعها أن النفوس الناطقة إنما أولعت بحب هذه الحياة، وشغفت بلذة عيشها من
__________
= لبثت في هذا التردد أمداً غير بعيد، فإذا أمنية تنازعني في نفسي، ولطالما نظرت إليها بعين المشوق المستهام، إن هي إلا ابتغاء الدخول في صف فتية من إخواني الأدباء، كنت أسايرهم إذا أعنقوا في الآداب، وأشد كفي بعرا مرافقهم التي ألفتها قديمًا، ولبثت فيها من عمري سنين، فأكره شديداً أن أسل يدي من رابطتهم، وأحجم عن مجاراتهم ما اهتديت لذلك سبيلاً.
تحركت هذه الأمنية، وقويت داعيتها، فأرتني الأمر قريب المأخذ، سهل التناول، حتى تخيلته موضوعاً على طرف الثمام، فانقلب ذلك التردد من حينه حاديَ سمع ومطاوعة، وعند التفاهم مع الرئيس في موضوع المسامرة وقع الاختيار على مبحث: الحرية في الإسلام.
(4/ 2/6)

جهة اعتبارها مسرحاً للأماني، وموطنًا للمساعي التي تجتني من غايتها ثمراً لذيذاً، لا بالنظر لحقيقتها التي تشاركها فيها سائر الحيوانات، وهي الصفة التي تقتضي الحس والحركة.
ولا تظهر صحة هذا الاستنتاج جلياً إلا بمشاهدة آثار النفوس العالية، ووضعها على محك النظر والاعتبار؛ فإن مدافعتها في صيانة أعراضها، وحماية أموالها، أو القانون الكافل بحقوقها لا تقصر عن درجة الدفاع للفوز بحياتها، وما ذاك إلا لما ينطوي في عقيدتها من أن كل هذه الحقائق سلاح تجاهد به في سبيل ترقياتها المدنية، وسعادتها الخالصة.
وقد يجادل الرجل عن ناموس دينه وعرضه وماله بالتي هي أبلغ وأشدة نظراً إلى أن فناءه والتحاقه بالتراب أكمل حالاً من بقائه أعزلَ من الوسائل التي يدرك بها مقامًا محموداً، وشرفاً مؤثلاً، وكثيراً ما يستوحش من عصر شبابه إذا حبط سعيه سدى، وفاجأه الحرمان من اجتناء فائدة علق عليها أملاً حريصاً.
وربما آثر انصرام أجله إذا حاق به بلاءً زرَّر عليه الفضاء، أو اشتدت به أزمة يبيت من أجلها متوسدًا لذراع الهم والمتربة، وقد يلذ له كأس المنون إذا أرهقته علة فاقرة خدّرت إحساسه، واستحال لها الماء الفرات في ذوقه ملحًا أجاجًا، إنما استلذ مرارة حتفه مكان الأياس الذي ربط على قلبه، وكسر من جناحي رجائه دون البلوغ إلى الغاية، كما يسأم من حياته إذا دبّ في ساعده الفشل، وخالط عظامه الوهن عن القيام بواجباتها، ومن تأمل قول الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ
(4/ 2/7)

على مثل هذا الوجه لم يكن مخطئاً، فالرغبة في الحياة تضاهي كراهتها في رجوعها إلى أمر خارج عن حقيقتها، ولكنه يرد من ناحيتها، وينال بواسطتها.
وإذا علمت نفس طاب عنصرها، وشرف وجدانها: أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها الطبيعية، لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه، بل لا تستفيق جهدها، ويطمئن بها قرارها، إلا إذا بلغت مجداً شامخاً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء. قال امرؤ القيس:
ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
فقوله: ولم أطلب، جملة اعترض بها بين الفعل وفاعله، وفائدتها: تحقير شأن المعيشة، وتبرئة سعيه من أن يفضيَ الطلب إلى ما هو أدنى، فإنها مما يحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب: هو المجد المؤثل، ولا يدركه إلا العظماء من الناس.
وقد يسلب من الساعي اختياره، وينزع عزيمته عن العمل سلطة قاهرة، تسند هذه السلطة تارة إلى القدر المحتوم، والبحث عنها في هذا المقام لا يلتئم بالغرض الذي نرمي إليه، وتسند آونة إلى أفراد لم تصبغ أخلاقهم بتربية صحيحة، شأن الأمم المتوحشة، يستهوي بها حب الاستئثار بالمنافع، والنفيس من الفوائد، إلى أن ينسل أولو القوة منها نحو أموال الذين استضعفوا، ويصولوا عليها صيال الوحوش الضارية، ثم ينصرفوا بها إلى مساكنهم غير متحرّجين من أوزارها، كأنما انصرفوا بتراث آبائهم وأمهاتهم، أو خصّهم الله بما خلق
(4/ 2/8)

في الأرض جميعاً.
كانت الفوضى بين الأمة العربية سائدة، والأمن في بلادهم قبل الإسلام مختلًا، إذا استشاط أشدّاؤها غيظاً، ونفخت في صدورهم البغضاء والشحناء، لا يطفئونها إلا بدم مهراق، ولا يهاب الرجل منهم أن يقذف آخر بمسبَّه مسمومة السهام، أو يغمد سيفه - مثلاً - في عنق رجل عظيم، اعتدى على ناقة نزيل عنده، أو حليف له احتمى بجواره، الفرد يفرغ جهده في الفرد، والجماعة تضع كلاكلها على الجماعة، ويعدّون ذلك كله أثر نخوة أصابوا به المحزَّ من معنى الحرية. أرأيت كيف قال شاعرهم يفتخر بما يأخذه من حمية الجاهلية؟:
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالمٌ ... على القوم لم أنصر أخي حين يُظلم
أما قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فغير مراد منه المعنى الذي قصده الشاعر من الاعتصاب مطلقاً، حقاً أو باطلًا، ولقد كشف - عليه الصلاة والسلام - عن حقيقة مراده بنفسه، حين قالوا له: هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: "تأخذ فوق يده"، والمعنى: تحجزه، وتقيم صدره عن الظلم؛ لأنك إذا أبقيته مكباً على ظلمه واعتدائه، ولم تقبض على يده، أفضى به الأمر إلى أن يعاقب بمثل ما اعتدى، فإذا منعته من الظلم، وثنيت عِطفه عن البغي، فقد استنقذته من عقوبة القصاص، ولا جرم أن وقايته من العقويات نوع من النصر والإعانة. ثم إن هذه الجملة: "انصر أخاك ظالماً أو مظلومًا" أول من تكلم بها جندب بن العنبر، وأراد بها: ما اعتادوه من الحمية حمية الجاهلية، فأقرها - عليه الصلاة والسلام -، ولكن نقلها عن موردها الأول، وحملها على معنى يطابق بها الحكمة الصحيحة، ويحشرها
(4/ 2/9)

في زمرة الإرشادات الإسلامية.
وقد امتد بالعرب في الجاهلية حب الاستقلال الشخصي، والتجرد عن كل ما فيه ضغط وحجر، إلى إبايتهم وتعاصيهم عن الدخول تحت نظام ملكي يرد شكيمتهم، ويكبح من جماحهم، قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفاً ... أبينا أن نقرَّ الذلَّ فينا
ومن أجل ذلك كانوا لا يألفون الحواضر، ويفرُّون من الإقامة داخلها فرارَ الصحيح من المجذوم، ويوجسون في أنفسهم أنها ذريعة للمسكنة، وسبيل للرغم من أنف العزة والعظمة، وجرى على هذا أبو العلاء المعري حين قال:
الموقدون بنجدٍ نار بادية ... لا يحضرون وفَقْدُ العزِّ في الحضرِ
وقال ابن الرومي:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسَّلَمِ
والضال والسلم شجرتان بالبادية، وكنَّى بذلك عن إقامتهم بالبادية، وعدم نزولهم عنها إلى السكن بالحاضرة؛ لينتقل من هذا إلى العلم بأنهم لم ينسلخوا من ثوب عزهم، ويدخلوا تحت سيطرة الأحكام الملكية.
وما مثل العرب في حال عتوِّهم أزمنة الجاهلية إلا كمثل شجر أضغاث نشأ بمفازة مجهولة من الأرض، فاستغلظ، والتوى قويه على ضعيفه، يقطعه من أطرافه، ويقتل ما فيه من القوى النامية، ولولا الحكمة البالغة، والأسلوب اللطيف الذي ساسهم به الإسلام إلى شريعته، مع ما أودعه الله في طباعهم من سلامة الذوق ورقة الشعور، ما كادوا يدخلون في دينه أفواجاً، ويتقلَّدون
(4/ 2/10)

عقائده وتكاليفه برغبة حريصة، واختيار من تلقاء أنفسهم.
وأحياناً تستند تلك السلطة إلى هيئة حكومة، كما مرَّ في الأزمنة الغابرة على أقوام مثل الجرمان، وهم على حالة قبائل بدوية، وحكومة كل منهم في قبضة رئيس يدير شؤونهم كيف يريد، ويسخّرهم كما تسخَّر الأنعام إلى حيث تشاء أغراضه الذاتية، ولما امتدت ولاية الرومانيين على كثير من أوروبا، ضمت تحت جوانحها أولئك الطوائف، فازداد خناق الاستعباد في أعناقهم ضيقاً وارتباطاً، ومن أثر ذلك: أن الحكومة لم تساو بينهم وبين أبناء جنسها فيما تمنحهم من الحقوق والامتيازات، إلى أن عانقوا الديانة المسيحية بواسطة انتشارها بين الرومانيين.

فالأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها، أو حكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد، وهي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية.
* الحرية:
تنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي على معان فاضلة ترجع إلى معنى الخلوص، يقال: حرَّ يَحَرُّ، كظلَّ يظل، حَراراً - بالفتح - بمعنى: عتق، والاسم: الحرية، والحرّ: خلاف العبد، والخيار من كل شيء، والفرس العتيق، والفعل الحسن، والحر من الطين والرمل: الطيب، والحُرّة ضد الأمة، والحرة من السحاب: الكثيرة المطر، وتطلق على الكريمة من النساء، ووردت صفة للنفس في كثير من أشعارهم. قال سحيم عبد بني الحسحاس:
إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً ... أو أسودَ اللون إني أبيض الخُلُق
(4/ 2/11)

وجاء لمعنى استقلال الإرادة، وعدم الخضوع لسلطان الهوى:
وترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للغواني عبيدا
وعليه بني الصوفية اصطلاحهم في إطلاق اسم الحر على من خلع عن نفسه إمارة الشهوات، ومرق سلطتها بسيوف المخالفة كل ممزق. قال الإمام الجنيد فيما روي عنه: لو صحت الصلاة بغير القرآن، لصحت بقول الشاعر:
أتمنَّى على الزمان محالاً ... أن ترى مقلتاي طلعة حرِّ
وقد دارت هذه الكلمة، كلمة الحرية، على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين، ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون للبحث عن مكانها، وتمكين الراحة من مصافحتها، وقوفَ شحيح ضاع في الترب خاتمه.
ينصرف هذا اللقب الشريف في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ويشابه معنى العتق الذي هو فكُّ الرقبة من الاسترقاق، وهو أن تعيش الأمة عيشة راضية تحت ظل ثابت من الأمن وعلى قرار مكين من الاطمئنان، ومن لوازم ذلك: أن يعين لكل واحد من أفرادها حد لا يتجاوزه، وتقرر له حقوق لا تعوقه عن استيفائها يد غالبة؛ فإنّ في تعدي الإنسان الحدَّ الذي قضت عليه أصول الاجتماع بالوقوف عنده ضرباً من الإفراط، ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه؛ ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائل، والحرية وسط بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل، ومن كشف عن حقيقتها المفصلة ستار الإجمال، أشرف على أربع خصال مندمجة في ضمنها:
(4/ 2/12)

أحدها: معرفة الإنسان ما له وما عليه؛ فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية ونواميسها، لا يبرح في مضيق الحجر مقيدَ السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء بها خبرة، ويقتلها علماً؛ إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفساداً، ولا يخالط الضمائر من هذا أن الحرية مقصورة على علماء الأمة العارفين بواجباتها؛ إذ للأمييّن منها مخلص فسيح، وهو باب الاستفتاء والاسترشاد. قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
ثانيها: شرف نفس يزكي طويتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها، فلا ترمي بهمتها إلا في موضع تشير إليه العفة ببنانها.
ثالثها: إذعانٌ يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف، ويستنزله ريثما تحرر ذمته من المطالب التي توجه إليها باستحقاق.
رابعها: عزة جانب، وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة للباطل، ويدمغ بها في قوة من يسوم عنقه بسوء الضيم والاضطهاد:
ولا يقيم على ضيمٍ يراد به ... إلا الأذلّان عَيْرُ الحي والوَتِدُ
نستنتج من هذا البيان: أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية والتعليم، فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام، أن تسعى جهدها في تهذيب أخلاق الأمة، وتنوير عقولهم بالتعليمات الصحيحة قبل كل حساب، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
(4/ 2/13)

وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].
يخال بعض الناشئة أن الحرية حق يبيح لصاحبه أن يجهر بكل ما يقدح في فكره من الآراء، وينشر في مقاله كل ما يؤلفه من الهجاء والأوصاف الشائنة كما يفعل الشاعر الحطيئة، وهذا المعنى بضعة من الحرية، ولكن بعد سبكه وإفراغه في قالب أصل من الأصول التي سنتلوها عليكم في مبحث: الحرية في الأعراض.
وتطرّف فريق من الناس، ففسروا الحرية بأسوأ تفسير، وتأولوها على معنى: امتثال داعية الهوى بإطلاق وتنفيذ الإرادة، وإن مسَّ غيره بأذى، أو حجره عن حق ثابت لا يعترضه فيه نزاع، وترى كثيراً منهم لا يتصور لها معنى سوى حمل السلاح تحت لواء القوة، وإعماله في سبيل الاغتصاب.
ولا يصح في نظر أي عقل كان أن يعنون على أثر من آثار سوء الضمير ودناءة الطمع، باسم فضيلة يدرك بها المحكوم شأو الحاكم، ويترشح بها لمشاركته في اللقب كما شاركه في استقلال الإرادة، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20].
فتسمية بني إسرائيل جميعهم في ذلك العهد ملوكاً، انجرَّ لهم من الحرية التي نالوها بعد مغادرة أوطان الذلة، والتملص من سوء العذاب والاستعباد الذي سامهم به آل فرعون، ووضعوه في أعناقهم سلاسلاً وأغلالاً.
يقوم فسطاط الحرية على قاعدتين عظيمتين هما: المشورة، والمساواة. بالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها، ويطَّرد نفاذها، وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام سمكها وسوّاها.
(4/ 2/14)

* المشورة:
قضت سنة الله في خلقه أن سلطة شرع الأحكام، وتصريف الأوامر والزواجر لا تستقل وحدها بردع الخليقة، وقيادتهم إلى سابلة العدالة، فكثير من الناس من يجري مع أهوائه بغير عنان، ولا يدخل بأعماله الاختيارية تحت مراقبة العقل على الدوام، ألا ترى إلى جملة من أحكام الشريعة كيف بنيت على رعاية الوازع الطبيعي، وتغلبه على الوازع الشرعي؛ كردِّ شهادة العدو على عدوه، وعدم قبول شهادة الرجل لابنه أو لأبيه، وإقراره في حال مرضه لصديق ملاطف، أو وارث قريب؟. فلا بدَّ إذاّ من سلطة أخرى لتنفيذ تلك الأحكام المشروعة بالوسائل المؤثرة، وإن كره المبطلون، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالة القضاء لأبي موسى الأشعري: (وانفذ إذا تبين لك؛ فإنَه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له). وتسمّى هذه السلطة بالسلطة القضائية.
وكان زمامها في عهد نزول الوحي بيد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يتولى الحكومة على الجاني، ويباشر فصل النوازل بنفسه من غير أن يدور في حسبان مسلم مطالبته بإعادة النظر في القضية، أو استئنافها لدى غيره، وما كانوا يرون قضاءه إلا حكماً مسمطاً يتلقونه بأذن واعية، وصدر رحيب؛ لعلمهم يقينًا كعمود الصبح: أنه حكمُ الله الذي لا يقابَل بغير التسليم، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]
(4/ 2/15)

وإن تعجب، فلا عجيب لهذا؛ فإن الوازع الشرعي قد يتمكن من النفوس الفاضلة إلى أن يصير بمنزلة الطبيعي، أو أقوى داعياً، وسهَّل انقياد العرب، على ما كانوا عليه من الأنفة، وصعوبة المراس، وانصاعوا إلى قانون الشريعة مجملًا ومفصلًا من جهة أن الدين معدود من وجدانات القلوب، فالانقياد لأحكامه من قبيل الانقياد إلى ما يدعو إليه الوجدان، وليست الشراع الوضعية بهذه الدرجة؛ فإن الناس إنما يساقون إليها بسوط القهر والغلبة، ويحترمونها اتقاء للأدب والعقوبة، ولا يتلقونها بداعية من أنفسهم إلا إذا أدركوا منها وجه المصلحة على التفصيل.
وإنما ورد من فصل قضائه - صلى الله عليه وسلم - قدر يسير بالنسبة إلى مدة حياته؛ لما كانت عليه حالة المسلمين يومئذ من الاستقامة، والتئام العواطف القاضية بأن تكون معاملاتهم خالية من الدسائس، خالصة من المشاكل، وهكذا ما ساد الأدب، وانتشرت الفضيلة بين أمة، إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من عند أنفسهم، والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة والموعظة الحسنة، فيخفت ضجيج الضارعين، وصخب المبطلين، ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيساً.
وضم - صلى الله عليه وسلم - إلى السلطة القضائية فيما يخص الحق المدني سلطةَ التنفيذ فيما يختص بحقوق الأمم؛ كإشهار الحرب، وإبرام الصلح، وتلافي أمر الهجوم، ولم يكن - مع يقينه باستماتة أصحابه في طاعته، وتفاني مهجهم في محبته - لينفرد عنهم بتدابير هذه السلطة، بل يطرحها على بساط المحاورة، ويجاذبهم أطرافها على وجه الاستشارة؛ عملاً بقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]. وقد يترجح بعض الآراء بوحي سماوي؛ كما نزل قوله
(4/ 2/16)

تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] مؤيداً لرأي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في أسارى بدر.
أُذن له - صلى الله عليه وسلم - بالاستشارة، وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييبًا لنفوس أصحابه، وتقريرًا لسنَّة المشاورة للأمة من بعده. أخرج البيهقي في "الشعب" بسند حسن عن ابن عباس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها - أي: المشورة -، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم، لم يعدم رشدًا، ومن تركها، لم يعدم غَيّاً".
وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - من العلم بقوانين الشريعة، والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا يطاولها سماء، ومع هذا، لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة، وإذا نقل له أحدهم نصًا صريحاً ينطبق على الحادثة، قال: "الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا".
وعهد بأمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب بعد استشارة جماعة من المهاجرين والأنصار؛ مثل: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وأسيد ابن حضير، وسعيد بن زيد، وغيرهم، وإنما لم يبق الأمر شورى بينهم؛ كما صنع الخليفة الثاني، أو يتركه لآراء المسلمين عامة؛ كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ اعتماداً على ما تفرسه في عمر من الكفاءة والمقدرة، وحذراً من أن تتنازعها ذوو الأهلية، فتثور ثائرة الفتنة، ويرتخي حبل الأخوة في أيدي المسلمين.
ونحا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه العبادة شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، قال من خطبة أرسلها في هذا الغرض: "كذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوي الرأي منهم". ثم قال: "ومن قام بهذا الأمر، فإنه تبع لأولي رأيهم ما رأوا لهم، ورضوا به لهم". وهذا إيماء إلى الحكم
(4/ 2/17)

النيابي، ويدل له من كتاب الله: قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. وضع الإسلام أساسه، وبنى عليه الخلفاء سياستهم، ثم انتقض بناؤه في دولهُ بني مروان، ومذ شعرت الأمم الآخذة بمذاهب الحرية بأنه الضربة القاضية على السلطة الشخصية، طفقوا يهرعون إلى إقامة حكوماتهم على قاعدته المتينة.
وأخذ عمر بقاعدة الشورى في أمر الخلافة من بعده، ففوض أمرها إلى ستة من كبراء الصحابة ليختاروا رجلاً منهم، وقال لهم: ويحضركم عبد الله ابن عمر مشيراً، وليس له من الأمر شيء، وضمُّه عبد الله بن عمر إلى الستة، وتشريكه لهم في الرأي، وارد على ما ينبغي في مجالس الشورى من جعل نظامها مؤلفًا من العدد الفرد؛ ليمكنهم ترجيح جانب الأكثر عند الاختلاف، ويلوح إلى هذا بطرف خفي قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7]. فذكر العدد الفرد صراحة، والاقتصار عليه دون الزوج في ضمنه إشارة إلى ما ينبغي مراعاته في المجالس المؤلفة للمناجاة.
هذا هو الأصل في الشورى، وقد تؤلف من عدد زوج، ويعتبر أحد أفراد اللجنة بمنزلة رجلين اثنين، ويسمى رئيساً لها، فيرجح به الجانب الذي ينحاز إليه عند التساوي، والدليل على صحته شرعاً: قول عمر بن الخطاب لأبي طلحة الأنصاري: إن الله قد أعزّ الأنصار، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار، وكن مع هؤلاء حتى يختاروا رجلاً منهم. ثم قال له: وإن رضي ثلاثة رجلاً، وثلاثة رجلاً، فحكّموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بعبد الله، فكونوا مع
(4/ 2/18)

الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.
والمشورة سنة متبعة عند بعض الأمم من قديم الزمان، وردت في قصة بلقيس حين دعاها وقومها رسولُ الله سليمان - عليه السلام - أن لا يعلوا عليه، ويأتوه مسلمين، قال الله تعالى: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 32 - 34]. ووردت الشورى في قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، قال الله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف: 109 - 111]. وكأن قاعدة الشورى بين فرعون وملئه لم تطرد على أساس صحيح؛ بدليل ما سام به بني إسرائيل من العذاب المبين.
وقطع مجلس الشورى عند فرعون رأيه، وأبرم في النازلة حكمه؛ لأنه فوض إليهم ذلك بقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}؟ وليس له من الأمر شيء سوى تنفيذ أعمالهم، والعمل بما يشيرون؛ بخلاف مجلس الشورى عند ملكة سبأ، فلم يزيدوا على أن عرضوا عليها رأيهم بطريق التلويح حين قالوا: {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ}. يشيرون إلى اختيار الحرب، ثم أوكلوا الأمر إليها بقولهم: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}؛ لأنها لم تفوض إليهم الحكم في القضية، وإنما طلبت منهم أن يصرحوا بآرائهم، ويبوحوا بأفكارهم فقط، بدليل قولها: {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ}؛ أي: إلا بمحضركم، وقولها: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي}؛ أي: اذكروا ما تستصوبون فيه، ولأنها زيفت رأيهم، وأشعرتهم
(4/ 2/19)

بأنها ترى الصلح؛ مخافة أن يتخطى سليمان - عليه السلام - حدودهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم، فقالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34].
لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية، وأما المشاركة في الرأي وحدها، ولا سيما رأي من لا يطاع، فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد.
وأهم فوائد المشورة: تخليص الحق من احتمالات الآراء، وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى، وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى، قال بعضهم:
إذا عنَّ أمر فاستشر فيه صاحباً ... وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسها ... وتدرك ما قد حلّ في موضع الشهب
وقال غيره:
اقرن برأيك رأيَ غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على الاثنين
والمرء مرآة تريه وجهه ... ويرى قفاه بجمع مرآتين
وقال آخر:
الرأي كالليل مسودٌّ جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بمصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزددْ ضوء مصباح
ولا يدخل في وهم امرئ سمع قولهم: "إنما العاجز من لا يستبد": أن اقتداءه بسنة الشورى يشعر الناس بعجزه، وحاجته إليهم، فتسقط جلالته من أعينهم، ويفوته الفخر بالاستغناء عنهم، فان الناصح الأمين لا تجده
(4/ 2/20)

يجعل الفخار محوراً يدير عليه سياسته، فيلقي له بالاً، وإنما يبني أعماله على مصالح يجلبها، أو مفاسد يدرؤها، ومن كان يريد التمجيد والثناء، فنعته بعدم الانفراد بالرأي أفخر لذكره، وأشرف لسياسته من وصفه بصفة الاستبداد، قال تعالى في الثناء على الأنصار: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]؛ أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وروي أن هذا دأبهم من قبل الإِسلام، ولعله هذا هو الوجه في مخالفة أسلوب الوصف به لما قبله وما بعده؛ حيث أورد في جملة اسمية؛ للدلالة على الثبوت والاستمرار.
ومن فوائدها: استطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها.

* المساواة:
خلق الله الناس بحسب فطرتهم متماثلين، وكذلك ولدتهم أمهاتهم أحراراً متكافئين، ولكن دخولهم في ملاحم الحياة الاجتماعية ينزع عنهم لباس التماثل والتساوي، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات، وقد جمع هذه الأطوار الثلاثة قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. فقوله: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} رمز إلى فطرتهم الأولى، وقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} إيماء إلى نشأتهم الاجتماعية، وقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تلويح إلى طور التمايز والتفاضل، وإيذان منه تعالى بالوسيلة التي نبتغيها إلى مقام الكرامة عنده، وهي التقوى.
وقد روعي في الإسلامية فطرة الله التي فطر الناس عليها، فوضعت
(4/ 2/21)

تكاليفها على شكل التكافؤ، وأديرت سياستها على قطب المساواة، فلا فضل فيها لشريف على وضيع، ولا امتياز لملك على سوقيّ، والعقوبة الموضوعة على صعلوك الأمة هي المحمولة على سيدها بدون فارقة، فلو ادعى أبو بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب على أدنى الناس وأفسقهم درهماً واحداً، لم يقض له باستحقاقه إلا بشهادة عادلة، وهذا المعنى عام في جملة الشريعة وتفاصيلها، ولا يبعد استفادته من الآية التي كنا بصددها؛ فإن قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وضع جميع الامتيازات وطرحها عن محل العناية والاعتبار ما عدا التقوى، والتقوى نفسها لم يجعل الشارع لها أثراً في تغيير الحدود، أو الاختصاص بحظ زائد من الحقوق ضرورة، إن التقوى عبارة عن العمل طبق أحكام الشريعة بنية وإخلاص، فالشريعة سابقة على العمل، والعمل تابع لها، ولم يخرج عن هذا الأصل إلا بضعة أحكام خصّ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أفراداً من الصحابة بأعيانهم؛ كجعل شهادة خزيمة بشهادتين؛ فإنه أسرعَ دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه قد بايع الأعرابي، واستند في شهادته إلى البراهين الدالة على وجوب تصدبقه - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يخبر به، لا فرق بين ما يخبر به عن الله، وبين ما يخبر به عن غيره، فتفطنه لأخذ حكم هذه القضية من الأدلة العامة مزيةٌ استحق بها هذه الخصوصية.
ونظراً إلى قاعدة المساواة، قال علماء الأصول: خطاب الشارع لواحد - إن لم يدل الدليل على اختصاصه بالحكم - يعم جميع الأمة. ولكن تنازعوا في طريق العموم، قالت الحنابلة: يتناولها بنفس الصيغة، وقال غيرهم: يتناولها بالدليل المرشد إلى تساوي الأمة واشتراكها في الأحكام.
(4/ 2/22)

ومن أدله المساواة: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. أخذت هذه الآية بعضد المستضعفين من الناس، وأوقفتهم في مرتقى أولي القوة جنبًا لجنب؛ إذ المعروف في الإخوة: اتحادهم في النسب، وهو يقتضي عدم تفاضلهم وتمايزهم في الحقوق، فالآية - وإن دلت على التوادد والتراحم من جهة - لا تخلو من الدلالة على المساواة من جهة ثانية.
وسار أبو بكر الصديق بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسيرة القرآن، فلم تشغله مقاليد الخلافة في يده أن يقوم خطيبًا على ملأ من المسلمين بقول: "أيها الناس! قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق -إن شاء الله تعالى". ثم قال: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم". فعين بهاته الخطبة للحكومة الإسلامية مركزاً ثابتاً تدير عليه أمور سلطتها، وذلك قوله: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم". وفتح في وجوه الرعية فُرَجاً يرددون منها أنفاس الحرية مع أولي الأمر، وأمر بالإنكار والمعارضة عندما تنحرف تلك السلطة عن مركزها يمينًا أو شمالًا، وذلك قوله: "وإن أسأت، فقوموني"، وجعل بيدهم عقدة عزل الأمير وتركه غير مأسوف عليه، إن لم يقوّم اعوجاجه، ويرجع بسلطته إلى دائرتها المرسومة لها شرعاً، وذلك قوله: "فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم"، وقوله: "والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق" من دلائل المساواة.
وانظر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كيف يخاطب رعيته بقوله في بعض
(4/ 2/23)

خطبه: "إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم، أن أمشي معه إلى من أحبَّه منكم، فينظر فيما بيني وبينه"، وهذا نهاية ما يحتج به للمساواة؛ لما فيه من التصريح بأن كل واحد من الرعية محكوم من وجه، حاكم من وجه آخر، فلا يسوغ للحاكم أن يقضي لنفسه، كما لا يجوز له القضاء بشهادته لغيره، بل يرفع الخصومة إلى غيره من الحكام، وإن لم يكن معه حاكم، رفع ذلك إلى رجل من رعيته؛ كما فعل عمر وهو خليفة، حين قاضى رجلاً إلى أبيّ ابن كعب، وأبيّ بن كعب ليس بذي سلطان.
وكتب عمر في رسالته إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: "وآس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك، حتى لا ييئس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك"، ولم يقتصر على التعاليم القولية حتى عززها وشد نطاقها بمثلها من الأعمال المطابقة؛ كقصته مع جبلة بن الأيهم ملك غسان، وما شاكلها.

* الحرية في الأموال:
هي إطلاق التصرف لأصحابها يذهبون في اكتسابها، والتمتع بها على الطريق الوسط، دون أن تلم بها فاجعة اغتصاب، أو تتخطفها خائنة كيد واحتيال، فاقتضى هذا البيان إجراء البحث في أربعة مطالب: اكتساب الأموال - طريقها الوسط - التمتع بها - الاعتداء عليها:
- اكتسابها:
لما كان المال معونة على الدين، ومادة لنشأة الحياة الطبيعية، حتمت الإسلامية السعي خلف اكتسابه، وأذنت في الاسترزاق بكل عمل لا يتبع صاحبه بأذى، ولا يلحق بغيره ضرراً، قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي
(4/ 2/24)

الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20]، إلى غير ذلك من الآيات، وإنما لم يؤكد الطلب في هذا الموضع، ولا أُجري مجرى الواجبات، وكثيرٍ من المطالب في اقترانها بمؤكد الترغيب والترهيب؛ اكتفاء وحوالة على ما طبعت عليه نفوس البشر من الحرص في جمع الأموال، وقوة الرغبة في اكتسابها؛ لما فيها من الحظ العاجل، واللذة الحاضرة، بل غالب ما سيق في هذا الغرض جاء على صورة الإباحة ونفي الحرج؛ كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198].
فلا حرج في جمع الدنيا من الوجوه المباحة، ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل، وقد ذكر الله تعالى التجارة في معرض الحط من شأنها حيث شغلت عن طاعة في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11]. ولما رجعوا عن صنيعهم، وأخذوا بأدب الشريعة في إيثار الواجبات الدينية، وعدم الانقطاع عنها إلى الاشتغال بالتجارة ونحوها، ذكرها، ولم يهضم من حقها شيئاً، فقال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]. فأثبت لهؤلاء الكفيل أنهم تجار وباعة، ولكنهم لم يشتغلوا بضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية، أما ما يقوله بعضهم؛ من أنه نفي كونهم تجاراً وباعة، فخلاف ظاهر الآية، والسر في اختصاص الرجال بالذكر هنا: أن النساء لسن من أهل التجارات والجماعات، وما ينبغي لهن ذلك، كما أن تخصيص التجارة من بين سائر أسباب الملك؛ لكونها أغلب وقوعاً، وأوفق لذوي المروءات.
(4/ 2/25)

وعدّ المحققون في العلم الحرف والصناعات وما به قوام المعاش؛ كالبيع والشراء والحراثة، وسائر ما تمس الحاجة إليه، حتى الحجامة والكنس، من فروض الكفاية، يجب أن يقوم بكل صنف منها طائفة، وإلا، أثمت الأمة تمامًا، وبذلك فسّر حديث: "اختلاف أمتي رحمة" على فرض صحته، فالأمة لا تنهض من وهدة ضعفها إلى مستوى قوتها، إلا بتحمل كل طائفة منها حظاً عظيماً من وسائل حياتها، ولوازمها البدنية والعقلية، وسد كل خلة من الحاجات ما تزايدت.
وينقسم الناس في ذلك إلى أربع طبقات: الأولى: طائفة تدبر أمور الرعية، الثانية: طائفة تتميز بنشر المعارف، سواء في ذلك علم الحلال والحرام ووسائله؛ كعلوم العربية والحساب والهندسة، أو العلوم التي تعود بتحسين حال الثروة؛ كمعرفة الصنائع. الثالثة: طائفة تمسك بزمام التجارة أخذًا وعطاء. الرابعة: طائفة عظيمة تقبل على الاشتغال بالصنائع، ومن جملتها: الفلاحة التي هي أقدمها وأجداها نفعاً. بيد أن الشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه حال عمله مطوياً على سراج من التوكل والتفويض؛ فإن اعتماد القلب على قدرة الله وكرمه يستأصل جراثيم اليأس ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها.

- الطريق الوسط:
لم تغادر هذه الشريعة صغيرة ولا كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها، وعلقت عليها حكماً عادلاً، وتألفت أحكام هذه الوجوه في سلك المناسبة مرتبة على أبواب:
(4/ 2/26)

المملوكات إما أعيان، أو منافع، ويدور الكلام فيها على ثلاثة أنظار:
النظر الأول: يتعلق بها من جهة انتقالها، أما الأعيان، فانتقالها على خمسة أقسام:
أحدها: ما ينتقل من مالك إلى مالك بعوض، والعقد في ذلك إما أن يكون على عين بعين، فهو البيع، أو على عين بشيء في الذمة، فإن تماثل العوضان، فقرض، وإلا فسَلَم، أو على ذمة بذمة، فإن كانت إحدى الذمتين من غير المتعاملين، فحوالة، وإلا، فمقاصة.
الثاني: ما ينتقل من مالك إلى مالك بغير عوض، وهي الهبات والوصايا والمواريث.
الثالث: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بالعوض، وهي الكتابة.
الرابع: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بغير عوض، وهو العتق والتدبير.
الخامس: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك، وهو تملك المباح من الموات.
وأما المنافع، فالعقد فيها على ضربين: -منه ما هو بغير عوض، كالوقف، ومنه ما هو بعوض، وهذا إما أن يكون العوض معلوماً، فينظر في العمل المقصود، فإن كان معلوماً، فهي الإجارة، وإن كان العمل مجهولاً، فهي الجعالة، وإما أن يكون العوض مجهولاً، ولكنه في حكم المعلوم، فهو القراض والمساقاة والمزارعة.
النظر الثاني: يتعلق بالأموال من جهة وضع يد الغير عليها، وهو على نوعين:
أحدهما: ما يكون بالرضا والإذن من صاحبه، وهذا إن قصد التوثق
(4/ 2/27)

به في دين، فهو الرهن، وإن قصد الانتفاع به، ثم إعادته إلى ربه، فهي العارية، وإن قصد حفظه لربه، فهي الوديعة.
ثانيهما: ما كان بدون إذنه ورضاه، وهذا إن كان المالك مجهولاً، وكان المملوك معرضاً للضياع، فهو اللقطة، وإن علم صاحبه، وقصد التصرف فيه، والانتفاع به، فهو الغصب، ثم ينجر النظر إلى قيام ربها بمطالبتها، والعمل في إعادتها إليه، فينتظم في سلكها باب الاستحقاق.
النظر الثالث: أن المال الواحد قد يدخل في ملك متعدد، فإذا توجه النظر إلى حال دخوله في ذلك الملك المتعدد، وبقائه عليه، فهي الشركة، وإذا تعلق بتوحيد الملك، ورفع تعدده، فإما بانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وهي القسمة، أو بانفراد أحد الشريكين بالجملة، وهي الشفعة.
فإذا أنت تدبرت هذه الأبواب المدونة، ودققت النظر في أحكامها المفصلة؛ لتعلم أين مكانها من الإصلاح والنظام، ظفرت فيها بنظامات محكمة، وأصول عمرانية، لا تصل الناس إلى السعادة الاجتماعية، والمعاملة بشرف وفضيلة إلا من طريقتها الوسطى.

- التمتع بها:
كما أذن الإسلام في اكتساب الأموال، واستئمار أرباحها من وجوهها المعتدلة، أذن في الاستمتاع بها، وترويح الخاطر بنعيمها على شريطة الاقتصاد، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. وقال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ
(4/ 2/28)

{وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]. وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14]. وقال تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]. فذكرُ هذه الأشياء في معرض الامتنان والإذنِ في الانتفاع بها، دليلٌ واضح على دخولها في قسم المباحات، لا حرج في تناولها، ولا يعد الإعراض عنها طاعة يرجى ثوابها كما تقتضيه حقيقة الإباحة.
لما فتح أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - أنطاكية، عزم على الرحيل منها، وعدم الإقامة بعسكره فيها؛ مخافة أن يألفوا جودة هوائها، ويأنسوا بطيب نسيمها، فيخلدوا إلى الراحة والدعة، وأرسل بهذه النية إلى الخليفة عمر ابن الخطاب، فكان من جواب عمر: "أما قولك: إنك لم تقم بأنطاكية لطيب هوائها، فالله -عَزَّ وَجَلَّ- لم يحرم الطيبات على المتقين الذين يعملون الصالحات.
فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]. وكان يجب عليك أن تريح المسلمين من تعبهم، أو تدعهم يرغدون في مطعمهم ... إلخ".
وأما الآيات الواردة في سياق التزهيد، والحط من متاع الحياة الدنيا، فلا يقصد منها ترغيب الإنسان ليعيش مجانباً للزينة، ميتَ الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق، وإنما يقصد منها-فيما نفهمه- حكم أخرى؛ كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومن قصرت أيديهم عن تناولها؛ كي لا تضيق صدورهم على آثارها أسفاً، ومنها: تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشره والطمع؛ كيلا يخرجا بها عن قصد السبيل،
(4/ 2/29)

ويتطوحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.
فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس، يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويكبر بهممهم عن جعلها قبلة يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا، وقد بيّن لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذ الحياة، ولم يصح فؤاده عن اللهو بزخرفها، ماتت عواطفه، ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتهم السافلة.
وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة، والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه، أو في حال وجوده، فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس وتدريبها على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون كلفة، فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة، لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا مؤاخذة.
ولما كان السرف في صرف الأموال، وبسط الراحة بإنفاقها، يفضي إلى نفاذها، والتشوف إلى ما في أيدي الناس، أو يؤدي-في الأقل- إلى قلتها، وعيش صاحبها كاسفاً على ما فاته من السعة ورفاهية الحال، أمر الشارع بالاقتصاد في الاستمتاع بها، ولم يرسم لذلك حداً فاصلاً، بل أوكله إلى اجتهاد المكلف، وما يعلم من وسعه، فقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]. وقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]. وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. وقال: {إِنَّ
(4/ 2/30)

الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27].
ولما كان الشأن في الحرير، والنقدين - الذهب والفضة - غلاءُ الثمن؛ لنفاستها، وندرتها، منع من استعمالها على التعيين، وميّز النساء في حكمها على الرجال، فأباحها لهن لباساً؛ لاحتياجهن إلى الزينة والتحسين أكثر ما يحتاج الرجال، فالنهي عن استعمال الذهب والفضة ولبس الحرير مبني على رعاية حفظ المال عن التبذير والإنفاق لغير مصلحة، ويحسب كثير من الناس أنها لم تحرم إلا لقهر النفوس، وقطع أعناقها عن الفخر والتباهي، وليس بصحيح، وإلى هذه القاعدة - قاعدة الاقتصاد - ترجع أحكام الحجر على الصبي، ومن لا يحسن التصرف في ماله.
وحرمت الإسلامية من المطاعم ما كان رجساً يعافه الطبع، ويتقذره الذوق؛ كالميتة وما ألحق بها، أو موبقاً للبدن؛ كالسموم وما شاكلها، أو مؤثراً على العقل؛ كالمسكرات، ولا ينازع في قبيح مفسدتها إلا من غرق في سكرة من الجهل والغواية.
يقول أبناء الحانات في إطرائها: تغرس الشجاعة في النفوس، قلنا: في إرغام وجوههم، أما بعد مفارقتها صحواً، فإنكم تعودون إلى سجيتكم الأولى من الخور والجبن، وأما حال استيلائها على عقولكم، فلا حكمة ولا تدبير ولا شجاعة إلا بها.
قالوا: تسلي الهموم، قلنا: وتحل عقدة اللسان، فينثر ما في كنانات القلوب من أسرار تخشون إذاعتها، وتسلية الهموم تثقف العزائم عن مقاومة أسبابها الجالبة لها إن استطاع إليها حيلة، وإلا، فالعقل الصحيح أكبر مجلبة للسلوان، وأعز مدافع لها عند الهجوم.
(4/ 2/31)

قالوا: تبعث في الفؤاد سروراً، قلنا: تبعث في هيئة حركاتهم كياسة تسر الناظرين، أما ما زعمتموه من مسرتكم، فضرب من التوسع في الخيال؛ إذ السراء التي يتطلبها الخاطر، ويهنأ لها ارتياحاً: ما كانت ناشئة عن موجب يشمله الوجود.
ولا ننسى أن كثيراً من الشعراء قد طغى بهم الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديح الخمر صفات الجمال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال، فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون.
فالإسلام وإن عُني بتزكية الأرواح، وترقيتها في مراقي الفلاح، لم يبخس الحواس حقها، وقضى للأجسام لبانتها من الزينة واللذة بالقسطاس المستقيم.
روي أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتاً يمتدحه بها، فلما انتهى عند قوله:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيلُ
قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزاً في محراب، وبيدها سبحة، أعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز؟:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغلُه
وقد كان المتعبّدون من قبل يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، فنفاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونهى المسلمين عنها، فقال: "لا رهبانية في الإسلام". وتدبَّر إن شئت قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف 31]؛ فقد تبين بهذه الآية أن الزينة من علائق العبادة، غير منافية لها، وأن العبادة
(4/ 2/32)

لا تستدعي الإعراض عن اللذات الحسية المعتدلة.

- الاعتداء عليها:
من الطبائع المركبة في نفوس البشر: داعية حب الأموال، والحرص في مكتسبها واقتنائها، قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]. وقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 6 - 8].
هذا الباعث يقذفه الله في نفوس قوم، فيدعوهم إلى تسوية طرائق العمران، وتشييد أركانه، ويسلكه في قلوب آخرين، فيترامى بهم إلى بث الفساد على وجه البسيطة، وإثارة غبار التوحش في أرجائها، القوي بسطوته، والضعيف باحتياله ومكيدته، واعتبرْ في هذا برجل فاضت خزائنه ذهباً، وقد بلغ من الكبر عتياً، ولم يهب الله له في ورثته ولياً، وتجده قائماً على ساق الجد في العمل المستمر، يبني بكل ريع آية، ويشق الأرض بأدوات الفلاحة شقاً، ماذا حمله على ذلك الحرص الأكيد والأمل الواسع، وقد تقوس ظهره، وانكمش جلده؟! حب المال.
حب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجل الرأفة، ويجعل مكانها القسوة والفظاظة، حتى إذا أظلم الأفق، واسودّ جناح الليل، تأبط خنجراً، أو تقلد سيفاً، وذهب يخطو في بنيات الطريق خطاً خفافاً؛ ليأتي البيوت من ظهورها، ويمد بسبب إلى أمتعتها، فإذا دافعه صاحبها، أذاقه طعم المنون، وانصرف ثملاً بلذة الانتصار، ولهذا افتقرت داعية حب المال إلى وازع يسدد طيشها، ويكسر من كعوبها إلى أن تستقيم قناتها، والوازع ما ورد في مجمل الشريعة ومفصّلها من الأصول القابضة على أيدي الهداجين حول
(4/ 2/33)

اختلاسها، والعاملين على اغتصابها، أو التصرف فيها بغير ما يأذن صاحبها. قال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ظلم قيد شبر من أرض، طوّقه من سبع أرضين".
وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]. وقد تضمنت هذه الآية الإشارة إلى حكم الارتشاء، وقال في شأنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الراشي"، وهو دافع الرشوة، "والمرتشي"، وهو قابضها، "والرائش"، وهو المتوسط بينهما. الرشوة أخت السرقة، وابنة عم الاغتصاب، وإن شئت فقل: تزوج الاغتصاب بالسرقة، فتولدت بينهما الرشوة؛ لأنها عبارة عن أخذ مال معصوم خفية، ولكنه بسلطة على حين علم من صاحبه. وكان الذين اجترحوا سيئتها قصدوا بها معارضة قاعدة الزكاة في وضعها وحكمتها.
أما وضعها، فالزكاة مال أوجبه الله على الأغنياء؛ لتسد منه خلة الفقير والمسكين، والرشوة مال يدلي به الفقراء والأرامل والأيتام إلى الغني، ومن ولي الأحكام؛ لينصفهم في الجكومة، ولا يخذلهم في مجلس قضائه.
وأما حكمتها، فالزكاة شرعت لتطهر نفوس الأغنياء من رذيلة الشح، وتجعل بدلها الكرم والسماح، وتنزع الغل والحسد من قلوب الفقراء، وتنشر في مكانها المودة والرحمة لأهل اليسار، والرشوة تزيد الغني لهفة وحرصاً في جمع الأموال، وتفتح في صدره أبواباً من المطامع بقدر ما له سعة التصرف، وقوة النفوذ، ثم توقد له في قلب الراشي ضغينة وحقداً، وتطلق لسانه بخزيه وهوانه، وإن لم يكن بقضائه شقياً.
(4/ 2/34)

ولما كانت الرشوة عقبة كؤوداً في سبيل الحرية، أخذت الشريعة في تحريمها بالتي هي أحوط. فلا يسوغ للقاضي قبول الهدية إلا من خواص قرابته؛ كيلا تزل به مدرجتها إلى أكل الرشوة، أو يتخذ اسم الهدية غطاء للرشوة يسترها به عن أعين المراقبين لأحواله السرية، وردّ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الهدية، فقيل له: كان النبي - رضي الله عنه - يقبلها، فقال: كانت له هدية، ولنا رشوة؛ لأنه كان يتقرب إليه لنبوته، لا لولايته، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا.
ولم يكتف الشارع الحكيم في النهي عن اغتصاب الأموال واختلاسها بما قرع به الأسماع من الزواجر الكلية، فأردفها بتعليمات عمرانية في مواضيع غامضة تقصر عقول البشر عن إداركها بدون توقيف وتعليم؛ مثل: المعاملة بالربا، فقد يتوهم سلامتها من أكل المال باطلاً، وهي معدودة في قبيله، غير خارجة عن معناه.
يوافق الربا الاغتصاب في أن الزائد على رأس المال أُخذ بغير عوض يقابله، ولم تطب له نفس الدافع، ولا سمح به خاطره، ولكن الحاجة هنا ألجأت إلى إعطائه كما تلجئ سلطة الغاصب إلى تسليم المال في الغصب الصريح، وهو بهذا الاعتبار ذريعة لاستيلاء الموسرين على تراث أهل الخصاصة، وامتصاص أموالهم التي هي بمنزلة الدم لحياتهم شيئاً فشيئاً، ويقطع سبباً وثيقاً ترتبط به القلوب رحمة وإخاء، وهو السلف مثلاً بمثل، فضلاً عما يبذره في نفوس أهل الثروة من ألفة البطالة، والتقاعد عن الصنائع والمعاملات التجارية، ولم تتقدم الأمم المستحلة للربا في حياتها المدنية بارتكاب مطيته العشواء أخذاً وإعطاء، وإنما منبع ثروتها ورفاهية حالها عقد المبادلات التجارية، والإقبال على الفلاحة والصنائع واستنزاف المعادن، والمعاملة بالربا
(4/ 2/35)

عندهم أمر يسير، لا يكاد يظهر بالنسبة إلى مشروعاتهم الواسعة، وأعمالهم المتواصلة.
وأما العقوبات المتعلقة بالجناية على الأموال، فأربعة أنواع:
أحدها: عقوبة السارق، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. من تحقق في النظر إلى جناية السرقة، وجدها مفسدة يعسر تلافيها؛ إذ لا يمكن للناس أن يحرزوا أمتعتهم، ويصونوها عن التلف والضياع بأكثر من وضعها في دور قائمة جدرانها، موصدة أبوابها، مزرّرة أقفالها، ويتعذر على صاحب المتاع المواظبة على حراسة متاعه بنفسه صباحاً ومساء، ولا يتيسر لكل أحد أن يتخذ حراساً يكفونه شر أهل الخيانات، أو يجعل دون ماله سداً لا يستطيعون أن يظهروه، ولا يستطيعون به نقباً، والسارق يترصد أوقات الخلوة بالأمتعة، فيذهب إليها في حال تنكر واختفاء، ويخرق الدار، ويتسور جدارها، ويقلع الأبواب، أو يكسر أقفالها، ثم يملأ حقيبته منها، وينصرف آمناً مطمئناً من افتكاك ما أخذ منه، أو إقامة البينة عليه، بخلاف الغاصب أو المنتهب؛ فإنه يأخذ المال مجاهرة، فيمكن استرجاعه منه بالقوة، أو بالإشهاد عليه، ولهذا كانت السرقة أكثر وقوعاً، وأجلب للخلل في النظام، فاستحق صاحبها تشديد العقوبة عليه؛ لقطع جرثومة فسادها عن الناس. وأليقُ العقوبات به: قطع الجارحة التي يتوسل بها إلى الإذاية، ويباشر بها الجناية على الأموال المعصومة.
وهل أتاك حديث من ينظر ببصيرة عشواء، فأورد على ما قررته الشريعة من قطع يد السارق في ربم دينار، وجعل ديتها خمس مئة دينار إذا جنى عليها
(4/ 2/36)

غيره فقطعها، فقال:
يدٌ بخمس مئين عسجداً فديت ... ما بالها قطعت في ربع دينارِ
وقال بعضهم في جوابه:
حماية الدم أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فانظر حكمة الباري
وأجاب الإمام الشافعي فيما روي عنه:
هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وهاهنا ظلمت هانت على الباري
ثم إن قطع اليد في ربع دينار - مثلاً - فيه حكمة الزجر للسارق نفسه عن معاودة السرقة، وردع أمثاله عن الإقدام عليها، وفي هذا عصمة لأموال كثيرة، وسد لمنفذ تتفشى منه المفسدة بطريق العدوى، والله لا يحب المفسدين.
ثانيها: عقوبة من يحيف السبيل، ويشهر السلاح لأخذ المال باطلاً، وهو المحارب، قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]. شرع الله في عقاب المحارب أربعة أنواع أو كل أمرها إلى خيرة الإمام، فإما أن يقتل بدون صلب، وإما أن يصلب حياً، ثم يقتل ويراق دمه على الخشبة التي صلب فيها، أو تقطع يده ورجله من خلاف، أو ينفى من الأرض؛ أي: يبعث من بلده إلى بلد آخر، ويودع في السجن إلى أن ينتفي خبثه، وتظهر توبته، وليس معنى نفيه إبعاده إلى بلد آخر، مع تركه خالع العنان يمشي في مناكبها، ويجتني بها قطوف لذاتها، فإن هذا لا يمحق كيده، ولا يقطع ذيل فساده، فلا نأمن أن يسحبه مرة أخرى، ويلوث به بقاعاً كانت آمنة مطمئنة. وأضيف التغريب في هذه
(4/ 2/37)

العقوبة إلى السجن زيادة في الخزي والنكال؛ فإن من يبارح وطنه، ويغادر مسقط رأسه يجد في نفسه حرجاً، وفي خاطره ضجراً؛ لانقطاعه عن أهل تربى في حجورهم وليداً، وحنوا عليه بعواطفهم حقبة، ثم مفارقته لعشيرة شب على أخلاقهم وعوائدهم، واشتمل برداء عزهم من قبل أن يكبر عن الطوق، ومن ثم نبعت الغيرة على الوطن في صدور الطوائف، وأصبحوا يجلونه أعظم إجلال، فلو هاجر قومه الوطن الأول، وانتبذوا بدله مكاناً قصياً، لتحولت غيرته معهم، وخص بها المنزل الحديث كما يخصه بالتشوق والحنين، وعلى هذا المعنى يحمل حديث: "حب الوطن من الإيمان" على فرض ثبوته، فحب الوطن على هذا الوجه يدل على حسن العهد، ويدعو إلى التعاضد على البر والتقوى.
وقد يألف الإنسان بعض البقاع، فيجد في إحساسه ميلاً نحوها زائداً عما تقتضيه قيمتها في نفسها، ويأبى أن يستبدلها بالذي هو خير، ولكن هذا الميل، بعد أن نسلم أنه أثر طبيعي غير خيالي، فلا يعد من العواطف المعتبرة في نظر الشريعة، ومجاري عادات العقلاء حتى يستحق من أجلها صفة تمجيد. فمن تحيز عن أمته، وطفق يرمي في وجوههم بعبارات الازدراء، وينفث في كأس حياتهم سماً ناقعاً، لا نصفه بصفة الغيرة الوطنية، وإن شغف بحب ديارهم، وقبّلها جداراً بعد جدار.
ولا يراد بالتخيير هنا إلقاء العقوبة بيد الإمام يحد الجاني بأي نوع اتفق، أو تعلقت به مشيئته؛ كالتخيير في خصال الكفارة، وإنما المراد: فتح مجال الاجتهاد في هذه الأنواع من غير أن يخرج عن دائرتها، فيجب عليه النظر أولاً، وبذل الوسع فيما هو الكافي لحسم هذا الفساد من أصله، وبعد
(4/ 2/38)

تعديل الرأي وتنقيحه يتعين العمل بما هو أصلح في الردع، وأنفى لوباء الفتنة.
فمن المحاربين من لا يقاتل بنفسه، ولكن له دهاء ومهارة في المكر والتدبير؛ بحيث يستطيع حيلة أن يؤلف الجموع، ويثير غبار الفتنة، فهذا يجب قتله، فإن كان للمبالغة في إشهار العقوبة وإيقاعها بمكان تشخص فيه الأبصار تأثير نافع في ردع العابثين وإرهابهم، جمع بين صلبه وقتله.
ومنهم من لا رأي له ولا تدبير، وإنما يقطع السبيل بقوة بدنه، وشدة بطشه، فهذا يقطع من خلاف؛ ليكف شرّ يده التي يبطش بها، ورجله التي يفتن عليها.
وأما من يعلم حاله العفاف، وإنما صدر منه ذلك على وجه الفلتة، والمساعدة لغيره، مع توقع الندم منه، فهذا حكمه النفي، ولا يسوغ قتله ولا قطعه.
وإنما كانت عقوبة المحارب أشد من عقوبة السارق؛ لأن الحرب أعظم مفسدة، وأوسع خرقاً في النظام؛ لإفضائها إلى انتهاب الأموال، وسفك الدماء عند المدافعة عنها؛ إذ يسوغ لصاحب المال المدافعة عن ماله بما يملك من الاستطاعة، كثيراً كان المال أو يسيراً، وله أن يقاتل بعد الإنذار والموعظة إذا لم يجد للدفاع طريقاً سوى القتال.
وجعل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أنواع العقاب المقررة في الآية مرتبة على حسب حال اختلاف المحاربين بالنظر إلى ما صنعوه، فقال إذا قَتَلَ المحارب، ولم يأخذ مالاً، قُتل، وإن أخذ المال، وقتلَ، وجب قتله وصلبه، وإن أخذ المال، ولم يقتل، قطع من خلاف، والنفي والحبس فيمن لم يبلغ جرمه إلى
(4/ 2/39)

أن يستحق أكثر منهما.
ثالثها: عقوبة المتعدي بغير السرقة والحرابة؛ كالغاصب، وأمر تشخيصها وتحديدها موكول إلى ذكاء القاضي وعدالته، يجتهد فيها رأيه، ويقدّرها على حسب الجناية.
رابعها: عقوبة المتلف لمال غيره، وهي تغريمه المثل أو القيمة، والعقوبة بالمال في غير هذه الجناية وقع النزاع في حكمها بين علماء تونس في سنة 828 ه، فأفتوا بالمنع، وانفرد عنهم الشيخ البرزلي، فأفتى في ذلك بالجواز، وجعلها من قبيل المصالح المرسلة، وقال: إذا لم يمكن ردع الجناة إلا بالمال، ردعوا بالمال، وألّف في ذلك تأليفاً فيه نحو أربعة أوراق، وخالفه جميع من حضر في ذلك الوقت، وألزموه محالفة الإجماع.
وروي أن مروان بن عبد الحكم أخذ رجلاً راود امرأة على نفسها، وقبّلها، وكشفها، فسجنه ولم يطلقه إلا بعد أن فداه أبوه بألف، فأنكر الإمام مالك على مروان فعله؛ لأنه لا يرى القضاء بالعقوبة بالمال، وهذه مسألة عظيمة تستدعي بسطاً واستدلالاً لا يسعها هذا المقام.

* الحرية في الأعراض:
يريد كل امرئ أومضت فيه بارقة من العقل أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد، وحرماً مصوناً لا يرتع حوله اللامزون، وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقاً من ماله في حل عقال ألسنة لتكسوه من نسج آدابها حلة المديح، أو يسد به أفواهاً يخشى أن تصب عليه من مرائر أحدوثتها علقماً، قال بعضهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
(4/ 2/40)

وقد تتقوى هذه الداعية، فتبلغ به إلى أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، قال أبو الطيب المتنبي:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
ولا يتفاضل الناس في الشرف والمجادة، أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة، إلا بمقدار ما تجد بينهم من التفاوت في عقدة هذه الإرادة قوة وانحلالاً، فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا في مظاهر الإنسانية مطبوعاً على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء الإنسانية إلى أن يكون حيواناً مهملاً، وأعظم مثال يكشف لك عن فنائها، وسكون نبضها، رجل يأتي الفاحشة، ويعانق الرذيلة غير مستور عن أعين الشاهدين، ويرى أثرها بمثابة وسام افتخار في صدر رجل من مشاهير الأمة، فحال هذا الرجل مستثناة من عموم النصوص الواردة في حفظ عرض الإنسان في غيبته؛ إذ يعد اختياره لجلسته بقارعة الطريق، وهتكه لستر كرامته بنواجذه دليلاً واضحاً على عدم تحرجه ومبالاته بذلك، فينزل منزلة الإذن الصريح لغيره أن ينشر عوراته التي خرقها هو بنفسه علانية.
ونستفيد من هذا: أنه لا يحق للطاعن أن يتخطى المعائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]. وقوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]. وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهو من باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه، فإذا قبح من العاقل أكل لحوم
(4/ 2/41)

الناس، لم يحسن منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى، فالمذام التي تلتصق بالشخص خفية لا يسوغ لآخر تكشّف عليها أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع، إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها، كإبدائها على وجه النصيحة الخالصة لمن عزم على ربط العلاقة مع صاحبها بمصاهرة، أو معاملة مالية - مثلاً -، وكإنهائها إلى من له طاقة على إقلاعه عنها، وانتزاعها منه؛ مثل الأمير الأعلى، والمعلم المطاع.
وما يسلكه أهل الصحافة في أرباب الولايات من تتبع مناكرهم، وعرض مظالمهم على أنظار الحكومة لا يخرج عن هذا القبيل، ولكن على شريطة التجرد عن الأغراض الشخصية، والتحقق من صحة ذلك بإسناده إلى حجة قوية، مع اللطف في العبارة، وصنيعهم على هذا الشرط يد شاملة يطوقون بها جيد الأمة، ويدينون بها الحكومة العادلة.
ومثل هذا في الإباحة للضرورة: تمكين الخصوم من إثبات الجرحة في الشهودة فإن الحاكم لا يقضي بشهادة امرئ إلا إذا صحت عدالته، وقد يرمي أحد الخصمين الشاهد بريبة تقتضي بطلان شهادته عليه، ويستند في ذلك إلى بينة تصدق دعواه، فلا غنى للحاكم هنا عن فتح السبيل للقدح في عدالة الشاهد، وذكره بما يسوء عرضه في مجلس القضاء؛ كيلا تضيع الحقوق بشهادة السفهاء من الناس.
ولما تجاسر كثير من أهل الأهواء على اختلاق أحاديث يفترونها كذباً، ويسندونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليؤيدوا بها مزاعمهم، أو يقضوا بها حاجة في نفوسهم، قام العلماء بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة،
(4/ 2/42)

وأخذوا في نقد ما يروى من الأحاديث حتى يتميز الخبيث من الطيب، والصحيح من غير الصحيح، فاحتاجوا إلى التعرض لحالة الرواة، وإذا علموا من أحد سوءاً، بادروا إلى الجهر به، وتعيين اسمه؛ ليحذره الناس، ولا يتلقون روايته بالقبول، وهكذا الحكم في كل طائفة تحملت في عهدتهم أمراً يشترط فيه الثقة والأمانة؛ كالقضاء والفتوى، ولهذا لا نرى أهل الورع من العلماء يهملون في كتب التراجم ذكر من تصدروا للأحكام أو الفتوى، والتصريح بما يقع في سيرتهم، أو ينطوي في سريرتهم من الأحوال المانعة من الاقتداء بهم، والأخذ بمذاهبهم، وربما استطردوا بيانها في أثناء تحاريرهم العلمية.
ونضرب لك في صحة هذا مثلاً: يقول المالكية: لا حكم ولا إفتاء إلا بما جرى به العمل، ويقررون في شروطه: أن يكون الذي أجرى العمل أهلاً للاقتداء به قولاً وعملاً؛ إذ كثيراً ما هزلت المناصب حتى سامها كل مفلس من العلم، فقير من التقوى، ولولا ما تسطره أقلام الكرام الكاتبين، وتنطق به الثقات رواية، ما اهتدينا إلى معرفة من يجب الاقتداء بأحكامه وفتاويه، ومن يجب الإعراض عن الاقتداء به صفحاً.
الجناية على الأعراض غير منضبطة، بل تختلف آحادها اختلافاً كثيراً، فربَّ صفة ينعت بها رجل، فلا تحط من شأنه، وتعلق على آخر، فتنقلب سباباً، ومن أجل اختلافها في التأثير على حال المجني عليهم، لم تضع الإسلامية بإزائها عقوبة محدودة، وفوضت تعيينها وتقديرها إلى اجتهاد الحاكم، فإذا وقعت الواقعة، تلقاها بمزيد الضبط، ثم اجتهد في عقاب الجاني رأيه، ما عدا حد القذف بالزنا؛ فقد قررت له جزاء مفروضاً هو الجلد ثمانين سوطاً. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ
(4/ 2/43)

جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]. ووجب هذا الحد في القذف بالزنا، ولم يجب على من يرمي غيره بالكفر الذي هو أكبر جريمة وأعظم إثماً؛ لأن فاحشة الزنا يأتيها الشخص خفية، ويبالغ في سترها ما استطاع، فإذا رمى بها أحد إنساناً، يحتمل أن يكون صادقاً، ولا سبيل للعلم بكذبه، وأما إذا رماه بالشرك، فإن تلبسه بشعار الإسلام والناس ينظرون يكفي شاهداً على كذب من رماه، ثم إن العار الذي يلحق من قذف بالزنا أعلق من العار الذي ينجر إلى من رمي بالكفر وأبقى؛ فإن التوبة من الكفر - على صدق القاذف - تذهب رجسه شرعاً، وتغسل عاره عادة، ولا تبقى له في قلوب الناس حطة تنزل به رتبة أمثاله ممن ولدوا في الإسلام، بخلاف الزنا؛ فإن التوبة من ارتكاب فاحشته - طهرت صاحبها تطهيراً، ورفعت عنه المؤاخذة بها في الآخرة- يبقى لها أثر في النفوس ينقص بقدره عن منزلة أمثاله ممن ثبت لهم العفاف من أول نشأتهم، وانظر إلى المرأة ينسب إليها الزنا كيف يتجنب الأزواج نكاحها - وإن ظهرت توبتها - مراعاة للوصمة التي ألصقت بعرضها سالفاً، ويرغبون أن ينكحوا المشركة إذا أسلمت، رغبتهم في نكاح الناشئة في الإسلام.
وخفف الله عن الرجل القاذف لزوجته، وشرع له مخلصاً عن الحد باللعان؛ لاحتياجه إلى دفع ولد الزنا عنه، وقطع نسبه الفاسد منه، ولأن الغالب من حال الرجل مع امرأته أنه لا يقذفها إلا عن حقيقة، إلا أن شهادة الحال وحدها لا تكفي في صحة ما يدعيه عليها، فأضيف إليها ما يقويها من الأيمان. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ
(4/ 2/44)

إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 6 - 7]. ولما كان الشاهد بالزنا يلتبس أمره بالقاذف التباساً شديداً، فربما ينوي الرجل قذف آخر، فيرميه بالزنا في صورة الشهادة عليه، والذي هو شاهد حقيقة قد يدفعه المشهود عن نفسه، ويزعم أنه قاذف يستحق العقوبة، أقام الشارع فرقاً فاصلاً بينهما، فاشترط في صحة الشهادة على الزنا أربعة عدول، فإن القاذف يتميز عن الشاهد بوصفين: التهاون بأمر الدين، والغل الواغر في صدره بالنسبة للمقذوف، ومن البعيد اتفاق هذين الوصفين في جماعة من المسلمين عرفوا بالعدالة، فإذا لم يتم نصاب الشهادة، التحق الشاهد بالقاذف، وأجري الحد عليه.
وكثير من أحكام الشريعة ما هو مبني على مبدأ صيانة الأعراض؛ كرعاية الكفاءة في الأزواج؛ فإن اقتران المرأة بمن هو أدنى منها حسباً، وأخفض منها حالاً لا يخلو عن حطة في العادة يشملها عارها، ثم يمتد إلى وليها وذوي قرابتها، ويعرض بولدها لأن يلاقي من عشيرته مقتاً وهواناً. قال الشاعر العربي:
وإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
ويؤثر عدم الكفاءة في المعاشرة بين الزوجين شغباً واضطراباً بسبب فخار المرأة وتطاولها، وربما نزع من يد الزوج سلطته التي يحوط بها عفتها، ويصون بها كرامتها؛ لإباية النفوس طبيعة من الطاعة لمن هو دونها مدنية وآداباً.

* الحرية في الدماء:
ينظر العمرانيون إلى الأمة التي تجمعها رابطة، فيشاهدونها في صورة جسم واحد، وأفرادها هي أعضاؤه المتلاصقة، وليس سفك دم الفرد منهم
(4/ 2/45)

إلا كالفصد لعرق من عروقها، واستفراغ دمه الذي هو بضعة من حياتها، والقصاص من القاتل - وإن كان فصداً لعرق ثان من ذلك الجسم العظيم - إلا أنه بمبضع طبيب عارف يخشى أن يسري دمه الفاسد إلى غيره من الأعضاء، فيحدث فيها مرضاً عضالاً. قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]؛ لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء، ونهب الأعمار؛ موافقة لداعية الهوى، والضغائن الواغرة في الصدور، فيكون سبباً لحياة نفسين في هذه الناشئة، ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحياناً، فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت القبيلة ذات شوكة وحمية، لا ترضى إلا أن تقتل في مقابلة العبد حراً، والمرأة رجلاً، وربما قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس، فإذا كان القصاص مقصوراً على القاتل، فاز الباقون بالحرية في حياتهم، واطمأنوا بها.
والقصاص كما يقع عند الفتك بالأرواح، يجري في الجراحات، والجناية على الأطراف. قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]. وهذه الآية يشملنا حكمها، وإن نزلت تبياناً لما كتب على الأمة الإسرائيلية؛ لأن ما يقصه الله علينا من شرائع الأمم المتقدمة، ولم يرد في الشريعة الإسلامية ما يخالفه، أخذنا به أسوة، وكان العمل بموجبه ضربه لازب.
ولمكان العناية بحفظ الدماء بنيت أحكامها على أساس الاحتياط؛ حتى لا يجد الأشقياء ذريعة إلى إهدارها، ومن هذا اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان القصاص يقتضي المساواة، وقتل عمر
(4/ 2/46)

ابن الخطاب سبعة من أهل صنعاء، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم به، ويقتص ممن قتل في حال سكر، وإن لم يكن متعمداً؛ لئلا يتخذ السكر وسيلة إلى أنهار الدماء في سبيل الأغراض.
وشرع الإسلام الدية على القاتل تخفيفاً ورحمة، وأقامها مقام القصاص إذا رضي بها أولياء القتيل، وآثروها على الأخذ بالثأر؛ فقد تكون الدية أصلح لهم من القصاص، وأجدى نفعاً، وزيادة عما فيها من إبقاء نفس مسلمة تتناسل ذريتها في الإسلام.
هذا حكم القاتل عمداً، تؤخذ الدية من ماله، ويجلد مئة، ويسجن سنة كاملة؛ مزجرة له عن إتلاف النفس بغير حق، وأما إذا قتل خطأ، فتفرض على العاقلة من قرابته، وليست الدية في قتل الخطأ من قبيل العقوبة على الذنب حتى يشكل علينا وضعها على العاقلة؛ بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، ونحوه من النصوص الدالة على أن الإنسان لا يؤخذ بزلة غيره، ولكنها فرضت للأخذ بخاطر المصابين، وتخفيفاً لوقع المصيبة عليهم، وإن كانت لا تخلو من حكمة التضييق على الجاني؛ ليأخذ حذره، ولا يتساهل في إهدار الدماء المعصومة، وإيجابها في ذمة القاتل وحده، وهي مقدار جسيم من المال، يضرّ به كثيراً، إذ لا يؤمن أن يتكرر خطؤه، فتأتي على جميع ماله، وعدم قصده للجناية عذر يقتضي التخفيف عنه، والرفق به، فناسب إيجابها على من عادتهم القيام بنصرته عند الشدائد، وهم عاقلته، ففرضت في أموالهم على وجه المساعدة والصلة الواجبة بحق القرابة؛ كما وجبت النفقات على بعض الأقارب، وكما يجب فكاك الأسير من بلد العدو.
لا يحل دم امرئ إلا لأسباب تكون الفتنة فيها أشد من القتل؛ مثل:
(4/ 2/47)

الزنا من المحصن؛ فإن الزاني يبذر نطفته على وجه تجعل النسمة المخلقة منها مقطوعة عن النسب إلى الآباء، والنسب معدود من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد، فكان السِّفاح سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأولي قربى، يأخذون بساعده إذا زلت به نعله، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه، وفيه جناية عليه، وتعريض به لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له في الهيئة الاجتماعية اعتباراً، ثم إن الغيرة التي طبعت في الإنسان على محارمه، والحرج الذي يملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته، مظنة لوقوع المقاتلات، وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج وذوي القرابة من العار الفظيع، والفضيحة الكبرى، فاقتضى هذا الفساد الناقض لقاعدة العمران: أن يفرض له حد وجيع، هو الرجم إن كان ثيباً، وهذا من الحدود المتوارثة في الشرائع السماوية؛ كالقصاص، والقطع في السرقة، وأما إن كان بكراً، فيجلد مئة، قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2]. واكتفى بإيلام بدنه بالجلد، ولم يعاقب بالقتل؛ لأنه لم يتقدم له نكاح كالثيب عرف به طريق العفاف، وشاهد منه كيف يقع الاستغناء عن الفروج المحرمة، وهذا شيء من العذر فارق به الثيب، وأوجب له عصمة دمه.
* الحرية في الدين:
قرر الإسلام في معاملة الأمم التي يضمها تحت حمايته حقوقاً تضمن لهم الحرية في ديانتهم، والفسحة في إجراء أحكامها بينهم، وإقامة شعائرها بإرادة مستقلة، فلا سبيل لأولي الأمر على تعطيل شعيرة من شعائرهم،
(4/ 2/48)

ولا مدخل للسلطة القضائية في فصل نوازلهم الخاصة إلا أن يتراضوا عن المحاكمة أمامها، فتحكم بينهم على قانون العدل والتسوية، قال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]. وإبقاء المحكومين على شرائعهم وعوائدهم، منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية، وتذكروا إن شئتم قوله تعالى: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} [يوسف: 74 - 75]. فجزاء السرقة في دين يوسف - عليه السلام - هو مضاعفة الغرم على السارق كما روي الكلبي، وفي رواية: ويضرب، وجزاؤه في شريعة يعقوب- عليه السلام - أخذُ السارق، واسترقاقه سنة، وسؤال أصحاب يوسف - عليه السلام - إخوته عن جزاء من يوجد عنده الصواع ليعاقب به، وعدم إجراء حكم دين الملك عليه، مبني على رعاية معاملة المحكومين بشرائعهم.
الإسلام يحل للمسلم أن يتزوج المرأة من أهل الكتاب، مع استمرارها على دينها، والتمسك بعقائدها، ولا يسمح له بهضيمتها في أمر تستدين به، أو انتقاصها حقاً من حقوق الزوجية، بل تقاسم فيها امرأته المسلمة قسمة عادلة.
الإسلام يمنح المسلم أن يعطي لغير المسلم عهداً بتأمينه، ولا مساغ لأحد بعد ذلك في نقض ميثاقه، أو تبديل شرطه، بل يحتم السعي في تأكيده ورعايته، وفي الحديث الشريف: "إن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم".
تنظر إلى أبواب الشريعة، فتبصر في جملتها أحكاماً كثيرة مبنية على التسامح مع غير المحاربين، تطالع أبواب الهبة والوقف والوصية، فتستفيد
(4/ 2/49)

من أحكامها أن الإسلام لم يقتصر على إباحة معاملتهم بمعاوضة، بل أجاز للمسلم أن يهب جانباً من ماله، أو يوقفه، أو يوصي به لبعض أهل الذمة، ويجب تنفيذه، والقضاء بصحته، وأحل لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، وأن نطعمهم. قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]. وأمر بالإحسان إليهم، والرفق بضعفهم، وسد خلة فقرهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف والرحمة، واحتمال إذايتهم في الجوار، وعلى وجه الكرم والحلم، وحرّم الاعتداء عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم.
وحكى ابن حزم في "مراتب الإجماع": أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لهم.
فمن نظر في طبيعة الإسلام جيداً، تحقق صفاء سريرته من مقاصد تضرم في أحشاء أهله جمرة التعصب الباطل ضد ديانة أخرى؛ كما يزعم بعض من لم يسمعوا دعوته إلا من وراء حجاب.
وشدد الإسلام العقوية على من ارتد عن الدين بعد أن لبس هديه القويم، فأمر بدعوته إلى الإنابة والتوبة، فإن رجع، وإلا، ضرب بالسيف على عنقه، وإنما جبر المرتد على البقاء في الإسلام؛ حذراً من تفرق الوحدة، واختلال النظام، فلو خلي السبيل للذين ينبذون الدين جهرة، ونحن لا نعلم مقدار من يريد الله أن يضله، نخشى من انحلال الجامعة، وضعف الحامية، وأهل الردة - وإن أصبحوا كاليد الشلاء لا تعمل في الجامعة خيراً - لا يخلو بقاؤهم في شمل المسلمين، وهم في صورة أعضاء صحيحة، من إرهاب يلقيه كثرة
(4/ 2/50)

السواد في قلوب المحاربين، ثم إن لكل أمة سرائر من حيث الدولة لا ينبغي لها أن تطلع عليها غير أوليائها، ومن كان متلبساً بصفة الإسلام شأنه الخبرة بأحوال المسلمين، والمعرفة بدواخلهم، فإذا خلع ربقة الدين، وقد كان بطانة لأهله يلقون إليه سرائرهم، اتخذه المحاربون أكبر مساعد، وأطولَ يد يمدونها لنيل أغراضهم من المؤمنين، هذا تأثير أهل الردة على الإسلام من جهة الدولة والسياسة، وأما تأثيرهم عليه من جهة ديناً قيماً، فإن المرتد يحمله المقلّدون من المخالفين على معرفته بحال الدين، والخبرة بحقيقته تفصيلاً، فيتلقون منه كل ما ينسبه إليه من خرافات وضيعة، أو عقائد سخيفة، يختلقها عليه بقصد إطفاء نوره، وتنفير القلوب منه، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين، وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق.
وفي جعل عقوبة المرتد إباحة دمه زاجرٌ للأمم الأخرى عن الدخول في الدين مشايعة للدولة، ونفاقاً لأهله، وباعث لهم على التثبت في أمرهم، فلا يتقلدونه إلا على بصيرة وسلطان مبين؛ إذ الداخل في الدين مداجاة ومشايعة يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام وإقامة شعائره.
وأنت إذا جئت تبحث عن حال من ارتدوا بعد الإسلام، لا تجد سوى طائفتين: منهم من عانق الدين منافقاً، فإذا قضى وطره، أو انقطع أمله، انقلب على وجهه خاسراً، وبعضهم ربي في حجور المسلمين، ولكنه لم يدرس حقائق الدين، ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه ليكون من الموقنين، فمتى سنحت له شبهة من الباطل، تزلزت عقيدته، وأصبح في ريبه متردداً، وارجع بصرك إلى التاريخ كرتين، فإنك لا تعثر على خبر ارتداد مسلم نبت في بلد طيب نباتاً حسناً.
(4/ 2/51)

* الحرية في خطاب الأمراء:
لا يخفى على متشرع بصير أن الملك والدين أخوان يشد كل منهما بعضد الآخر، بل الدين رائد للملك، والملك تابع للدين، خادم له، وإن شئت فقل: هما كمثل إنسان، الدين عقله المدبر، والملك جسمه المسخر له، وذلك الإنسان هو ما نسميه الآن بالإسلام، فبمقدار ما ترتبط الإدارة السياسية بالإدارة الدينية، يكمل شبابه، وتجري روح الاستقامة في أعضائه، فتصدر أعماله قرينة الحكمة، سالمة من العيوب، ومتى انفكت أولاهما عن أخراهما، انحلت حياته، وتتاثرت أجزاؤه تناثرَ خرز مكورة على سطح محدب، فمن صعد نظره في عصر الخلفاء الراشدين، يجد السبب الذي ارتقى بالإسلام، وانسجم به في سبيل المدنية، هو ما انعقد بين الدين والخلافة من الاتحاد والوفاق. ومن ضرب بنظره فيما يشاء من الدول التي حمي فيها وطيس الاستبداد، يجد المحرك لتلك الريح السموم، والعثير المشوم، ما اعترض بين هاتين السلطتين من الاختلاف.
كان موضع العناية ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء، ومن حذا حذوهم، كعمر بن عبد العزيز، هو: خدمة الدين، الذي هو خادم للعدالة، التي هي خادمة لصلاح العالم. قال الشيخ قبادو التونسي:
وما الجاه إلا خادم الملك لائذاً ... وما الملك إلا خادم الشرع حزمُه
وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً ... وبالحق قام الكون وانزاح ظلمُه
ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل، أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف، وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وكقول عمر بن الخطاب: "أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف،
(4/ 2/52)

وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة". وكانوا يوسعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة، والتعريض بخطأ الاجتهاد، وإن كانت حادة اللهجة، قارصة العبارة.
عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد - رضي الله عنهما -، وكان أميراً على "قنسرين"، ولم يجد عمر بداً من الاعتذار عن ذلك بمحضر ملأ من المسلمين؛ حذراً مما عسى أن يقدح في بعض الظنون، فقام وخطب خطبة في شأن العطاء، وألقى في آخرها بالمعذرة، فقال: "وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد؛ فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، فنزعته منه، وأمّرت أبا عبيدة بن الجراح". فقام أبو عمر ابن حفص، وكان ابن عم لخالد، فقال: والله! ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى أن قال: وقطعت رحماً، وحسدت ابن العم. فقال عمر: "إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ابن عمك". ولم يزد على أن التمس لمناقشته وجهاً، وردّها ردّاً ليناً، وأخيراً قدم خالد بن الوليد إلى عمر، وحصحص الحق أنه نقي الراحة، بريء العهدة مما ظن به، وبذلك كتب عمر إلى الأمصار.
ثم خلف من بعد أولئك خلف، عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتهم العريضة، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء، بعيدَ ما بين المناكب، ولكنه لا يساعفهم على أغراضهم وتتبع خطواتهم ما دامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروباً من الخسف وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى،
(4/ 2/53)

وإذا سمعوا منادياً ينادي؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل، كلّموه بألسنة السيوف.
ولما أبق الملك من حضانة الدين، وخفقت عليه راية الاستبداد، خالط الأفئدة رعب وأوجال كأنما مزجت بطينتها، فبعد أن كان راعي الغنم يفد من البادية، وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين ب: يا أبا بكر، ويا عمر، ويا عثمان! ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش، وطلاقة لسان، وسكينة في الأعضاء، أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج، فينتفض فؤاده رعباً، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصته وجلاً، يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد.
ولا نجهل أن القرون السالفة تمخضت فولدت رجالاً تمتلئ أفئدتهم غيرة على الحق والعدالة، فصغرت في أعينهم أبهة الملك، وازدروا بما يكتنفها من أدوات الاستبداد، فجاهروا بالنصيحة المرّة، وخففوا من ويلات المنكر نصيباً وافراً؛ كالقاضي أبي الحسن منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة 355 ه، وكنت تعرضت إلى نبذة من سيرته في مجلة "السعادة" (1) عدد 17، ومثل القاضي أبي بكر الطرطوشي صاحب كتاب "الحوادث والبدع"، ولكن هؤلاء الرجال لم يبلغوا النصاب الكافي لإصلاح شأن أمة عظيمة، وما كانوا إلا أمثلة نادرة يضربها الله لدعاة الإصلاح لعلهم يتذكرون.

* آثار الاستبداد:
إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد، نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن
__________
(1) انظر كتاب: "السعادة العظمى" للإمام.
(4/ 2/54)

رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم، إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها، والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل.
قال صاحب لامية العرب:
ولكن نفساً حرة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحوَّلُ
فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة، يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم، وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة، فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة قهرها، وذلك جزاء الظالمين، ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة:
فمن في كفه منهم قناةٌ ... كمن في كفه منهم خضابُ
فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألفت منهم كتيبة، عجزوا عن سد ثغورها، وشلت أيديهم من قبل أن يشدوا بعضدها.
وإن أردت مثلاً يثب فؤادك، ويؤيد شهادة العيان، فاعتبر بما قصه الله تعالى عن قوم موسى - عليه السلام - لما أمرهم بالدخول للأرض المقدسة وملكها، كيف قعد بهم الخوف عن الطاعة والامتثال، وقالوا: إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فمتى جئت تسأل عن الأمر الذي طبع في قلوبهم الجبن، وتطوح بهم في العصيان والمنازعة إلى قولهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، وجدته خلق الانقياد المتمكن في نفوسهم، من يوم كانت الأقباط ماسكة بنواصيهم، وتذيقهم
(4/ 2/55)

من سوء الاستعباد عذاباً أليماً.
والأمة مفتقرة إلى الكاتب والشاعر والخطيب، والاستبداد يعقد ألسنتهم على ما في طيها من الفصاحة، وينفث فيها لكنة وعِيّاً، فتلحق لغتهم بأصوات الحيوانات، ولا يكادون يفقهون قولاً.
وإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت بأشعتها في كل واد، اتسعت آمالهم، وكبرت هممهم، وتربَّت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة، ومن لوازمها: اتساع دائرة المعارف بينهم، فتتفتق القرائح فهماً، وترتوي العقول علماً، وتأخذ الأنظار فسحة ترمي فيها إلى غايات بعيدة، فتصير دوائر الحكومة مشحونة برجال يعرفون وجوه مصالحها الحقيقية، ولا يتحرفون عن طرق سياستها العادلة.
والحرية تؤسس في النفوس مبادئ العزة والشهامة، فإذا نظمت الحكومة منهم جنداً، استماتوا تحت رايتها مدافعة، ولا يرون القتل سُبَّه إذا ما رآه الناكسو رؤوسهم تحت راية الاستبداد.
ثم إن الحرية تعلّم اللسان بياناً، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق الأدب الرفيع، وتتنور المجامع بفنون الفصاحة، وآيات البلاغة، هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك العواطف، ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتب، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة الدولة.
ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرة أفواهها بفن المديح والإطراء، وإنما ترشح به رشحاً، وتمسح به مسحاً لا يضطهد من
(4/ 2/56)

فضيلة الحرية فتيلاً، وما انفلت وكاؤها (1)، وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد.
ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى، لم يواجه الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: مالي وللشعراء؟ وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل. انتجعه جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها. وقال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقاً، وعندما استوفاها، واصله بشيء من حُرِّ ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزُّهُ ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
ومن مآثر الاستعباد: ما تتجشأ به اللها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة، وتدثر صغاراً، نحو: "مقبل أعتابكم"، "المتشرف بخدمتكم"، "عبد نعمتكم"، ولا أخال أحداً يصغي إلى قول أحد كبراء الشعراء:
وما أنا إلا عبد نعمتك التي ... نسبت إليها دون أهلي ومعشري
إلا ويمثل في مرآة فكره شخصاً ضئيلاً، يحمل في صدره قلباً يوشك أن ينوء بما فيه من الطمع والمسكنة.
ومن سوء عاقبة الخضوع في المقال: أن يوسم الرجل بلقب وضيع ينحته له الناس من بعض أقوال له أفرغ فيها كثبة من التذلل وبذل الهمة؛ كما سموا رجلاً باسم: "عائد الكلب"؛ لقوله:
__________
(1) الوكاء: ما يشد به رأس القربة - "المعجم المدرسي - لزين العابدين بن الحسين".
(4/ 2/57)

إني مرضت فلم يعدني واحدٌ ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
ولا نجهل أن بعض من سلك هذا المسلك من التملق والمديح اتخذه سلّماً؛ ليظفر بحق ثابت، ولكنه لا ينافي الغرض الذي نرمي إليه من أن الحقوق في دولة الحرية تؤخذ بصفة الاستحقاق، وفي دولة الاستبداد لا تطالب إلا بصفة الاستعطاف، ذلك الوزر الذي يحبط بفضل العزة التي نبهنا الله عليها، وأرشد من يريدها إلى أنها تطلب بالطاعة من الكَلِم الطيب، والعمل الصالح، فقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] (1).
__________
(1) عندما انتهت المسامرة قام الأستاذ الهمام صاحب التحريرات العالية، فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وألقى خطاباً فائقاً يقول فيه: "يا أيها الأستاذ النحرير! ويا أيها السادة!
يسرني أن أقف موقفي هذا؛ لأمثل على مرأى من السادة الحاضرين مقدار الابتهاج والسرور بمسامرتكم الفائقة، التي سمح بها هذا النادي أو السامر الشريف، فسمعنا منها فلسفة حقيقية لمبدأ عظيم من مبادئ شريعتنا، وشاهدنا مثالاً صحيحاً للفصاحة والبلاغة العربيتين، يحيى من الأمل بحياة اللغة العريية، متى ساعدتها عزيمتكم وعزيمة معضديكم من رجال النشأة العلمية المستنيرين ... إلخ".
(4/ 2/58)

علماء الإسلام في الأندلس (1)
أحدثكم عن أمة من أهل العلم عاشوا في السنين الخالية. ولا أقصد بحديثي عنهم الدعوة إلى أن نأخذ بكل مظهر من مظاهرهم، أو نقتدي على كل أثر من آثارهم؛ فإن لكل جيل شأناً، ولكل دولة لبوساً، وإنما هي نظرة نلقيها على سيرة أولئك العلماء من الناحية التي يتمثل فيها أدب الإسلام، وتتراءى فيها الهمة النبيلة، وهي ناحية لا تختلف باختلاف المواطن، ولا تتبدل ما تبدلت الأجيال.
وإذا كانت بلاد الأندلس قد أحيط بها، وتقلصت ظلال الإسلام من أقطارها، وكان على علمائها الذين شهدوا يوم كانت تتقلص نصيب من التبعة غير قليل، فنحن إنما نحدثكم عن العلماء الذين ظهروا أيام شباب الدولة الإسلامية، وكانوا العضد الأقوى في بسط سلطانها، وإقامة معالمها، أو نحدثكم عن أفراد من العلماء نشؤوا أيام هبوط تلك الدولة، وقضوا من واجب العلم والإرشاد ما استطاعوا، ولكنهم وجدوا في الآذان وقراً، وعلى الأبصار غشاوة: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا
__________
(1) محاضرة نشرت في رسالة صغيرة عام 1347 ه وقد ألقاها الإمام في نادي جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، باسم جمعية الهداية الإسلامية مساء الأربعاء 18 ذي الحجة 1346 ه.
(4/ 2/59)

الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].

* سبب نهضة العلوم الإسلامية بالأندلس:
تزهو العلوم بين الأمة، وتضرب أشعتها في طول البلاد وعرضها، متى هيأ الله لها من أمرها سببين اثنين، هما: صحة طرق التعليم، ثم ما تكون عليه الدولة من كياسة وشعور بقيمة العلم ورجاله المصلحين.
أما صحة طرق التعليم، فهي التي تنهض بطلاب العلم الأذكياء على أن يرسخوا في فهم أصول الشريعة، وتعرّف مقاصدها في وقت غير بعيد، فيتيسر لطالب هذه العلوم أن يبلغ فيها أشدَّه، وهو لا يزال في عنفوان شبابه، فيتصدى للتدريس أو التأليف أو الدعوة، وعزمه في قوة، وهمته في نشاط، وفؤاده في ذكاء.
وأما كياسة الدولة ويقظتها لما في علوم الإسلام من سنن الرقي وسعادة الحياة، فذلك ما يجعلها تعمل على نفاقها، وذلك ما يدعو إلى التنافس في طلبها، فلا يلبث الناس أن يروا لأهل العلم مواقف شريفة، وآثاراً فاخرة، وما هذه المواقف والآثار إلا عصمة للعقول من أن تضل، ووقاية للدولة من أن تستخف بالشرائع، فتمقتها الأمة وتشقى.
قد يخرج من بين التعاليم الملتوية، أو يظهر في عهد الدولة الجافية أفرادٌ يسمو بهم صفاء الفطرة أن يكون علمهم غزيراً متناسقاً، وتفكيرهم موزوناً مثمراً، ولكني أتحدث عن الثقافة الفائقة تسود بين طلاب العلم، فهذه لا تظفر بها المعاهد والمدارس الإسلامية إلا أن تستقيم طرق التعليم، ويكون أولو الأمر ممن يرجون لله وقاراً.
إذا اجتمع هذان الأمران: سداد نظام التعليم، وسلامة ضمير الدولة،
(4/ 2/60)

سعدت هذه المعاهد والمدارس، وأطلعت من أعلام الهداية وحماة الفضيلة خلقاً كثيراً.
وقد كان منهج التعليم في بلاد الأندلس جيداً، وكان رجال دولها - في أغلب أحوالهم - ينطوون على ضمائر سليمة، وسرائر مطمئنة بالإيمان.
نعني بجودة منهج التعليم: أنهم كانوا يسيرون في دراسة العلم على طريقة البحث في نفس العلم، والغوص على لبابه، ولم تأكل المختصرات المعلقة، والمناقشات اللفظية من مجهوداتهم وأوقاتهم ما هم في حاجة إلى إنفاقه في حقائق العلم، وإنَّ حقائق العلم لشيء كثير.
ولا يغيب عنا أنهم ابتلوا في أواخر حياتهم - كما ابتلي غيرهم - بشيء من هذه المختصرات، وأخذت المناقشات في ألفاظ المؤلفين تشغل طرفاً من أوقاتهم، ولكنها لم تشتد كما اشتدت في معاهدنا منذ زمن، وأوشكت أن تصير دون المباحث الأصلية في العلم حجاباً مستوراً.
وأما احتفاء أمراء الأندلس بعلوم الإسلام، فإن تاريخهم ينطق بأنهم كانوا يعملون لحياتها ونمائها، ويوجهون عنايتهم على الاستكثار من رجالها، ولهذه العناية مظاهر شتى:
من هذه المظاهر: رعايتهم لمقامات العلماء، ونظرهم إليها بعطف واحترام.
قال أبو عبد الله المقري في وصف الأندلس: "وإن ملوكها كانوا يتواضعون لعلمائها، ويرفعون أقدارهم".
وسنسوق إلى حضراتكم في بعض الفصول الآتية وقائع تشهد بأن أمراء الأندلس كانوا يجلون علماء الشريعة، ويحتملون منهم الأمر بالمعروف،
(4/ 2/61)

والنهي عن المنكر، ولو كان غليظاً خشناً؛ لأنهم يحسون منهم الإخلاص حين ينهون، وحين يأمرون، وشأن المخلص في قول الحق أن ترمقه القلوب بمهابة، وإن كانت مطبوعة على قسوة واستبداد.
ومن هذه المظاهر: حملهم أهل العلم على التأليف في علوم الدين، وتلقيهم للمؤلفات القيمة بما شأنه أن يبعث الهمم على الإتيان بأمثالها. وأذكر في هذا الباب: أن بعض علماء المالكية بالعراق شرع في تأليف سماه "الاستيعاب"، وقصد فيه إلى جمع أقوال الإمام مالك، لا يشركها بقول أحد من أصحابه، وكتب منه خمسة أجزاء، ثم أدركه الموت وهو لم يتمه بعد، ووقعت هذه الأجزاء إلى الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فأعجب بها، واقترح على أبي بكر القرشي، وأبي عمرو الإشبيلي أن يكملا هذا الكتاب، وفتح لهما دار كتبه للبحث والتنقيب، فأكملاه في مئة جزء، ولما قدماه إليه، ابتهج به سروراً، وقلدهما منصب الشورى في مجلس القضاء. على أن أول الأستاذين المؤلفين، وهو أبو بكر القرشي لم يزد عمره يوم وُلِّي هذا المنصب على ثلاثين سنة.
ومن هذه المظاهر: أن في الأمراء أنفسهم من كانوا يقبلون على درس علوم الشريعة درساً وافياً؛ كعبد الرحمن الأوسط، والحكم بن عبد الرحمن الناصر، ومجاهد العامري أحد ملوك الطوائف شرقي الأندلس. ومنهم من كانوا يعقدون مجالس يتحاور فيها أهل العلم بحضرتهم، وقد كان للمنصور ابن أبي عامر مجلس في كل أسبوع، يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته، ولا يدعه إلا حين يخرج مجاهداً في سبيل الله.
ومما نهض بالعلوم في الأندلس: إقبال أهل العلم على الرحلة إلى
(4/ 2/62)

الشرق، ويقيمون فيه الشهور والسنين، ثم يعودون إلى أوطانهم بما يتجدد من علم نافع، أو رأي راجح، أو استنباط بديع، وقلّما يمر الناظر على حياة عالم كبير من قدمائهم ولا يجد له رحلة. يرحل علماء الأندلس إلى الشرق، وريثما يملأ الرجل حقيبته من العلم، أو يبلغ في الاطلاع على البلاد ما استطاع، ينقلب إلى وطنه ليبث ما استفاد من علم، أو يحدّث بما شاهد من أحوال وآثار.
وكان هؤلاء الراحلون يؤثرون العود إلى أوطانهم على الإقامة بالشرق إلا قليلاً، أذكر منهم: ابن مالك، وأبا حيان، وأبا بكر الطرطوشي، وأبا القاسم الشاطبي الإمام في علم القراءات، فإن ابن مالك استوطن دمشق، والثلاثة بعده استوطنوا القاهرة إلى أن استلمتهم يد المنون.
وممن وردوا الشرق، فابتسم في وجوههم، ثم أبوا إلا أن يعودوا إلى وطنهم: القاسم بن محمد بن سيار، فقد لقي هذا الأستاذ في مصر حظوة بالغة، ومقاماً كريماً، وعزم-مع هذا- على الإياب إلى بلده بالأندلس، ولما قال له العلامة محمد بن عبد الحكم: أقم عندنا؛ فإنك تعتقد رياسة، ويحتاج الناس إليك، أجابه يقوله: "لابد من الوطن". قال القاسم بن سيار: "لابد من الوطن"، لأن مقاليد الأمور في وطنه بيد دولة وطنية، لا تنظر إلى من يعود إليها من الشرق بعين الريبة، فتعْجَلَ إلى نفيه من الأرض، أو تضرب عليه حصاراً من عيون الرقباء، وآذان المتجسسين.

* مكانة علماء الأندلس في العلوم الإسلامية:
كانت علوم الشريعة يوم فتحت الأندلس إنما هي القرآن يتلى، والحديث يروى، وبصائر عرفت روح الإسلام، واهتدت طرق الاستنباط، فكان من
(4/ 2/63)

الميسور لها أن تفصل لكل واقعة حكماً صالحاً.
وكانت الجيوش الفاتحة للأندلس تحمل في أجنحتها رجالاً تفقهوا بين أيدي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كحسين بن عبدالله الصنعاني، والمغيرة ابن أبي بردة العذري، ومحمد بن أوس الأنصاري، وزيد بن قاصد، وعبد الرحمن الغافقي. ومن المعروف في التاريخ أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من علماء التابعين ليفقّهوا أهل إفريقية في الدين، وأن من هؤلاء العلماء من دخلوا الأندلس لأول فتحها؛ مثل: بكر بن سوادة، وحيَّان بن أبي جبلة.
وورد الأندلس من غير هؤلاء رجال أوتوا العلم بالقرآن والسنة، فانبثت في تلك البلاد مبادئ الدين الحنيف، ولكن مدافعة الأعداء في الخارج، وثورات الزعماء الطامحين إلى الرياسة في الداخل، جعلت البلاد في حركات حربية عنيفة، وإنما ينهض العلم ويسير في انتظام، حيث يكون الناس في سلم وطمأنينة.
جاء صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وأقام في الأندلس دولة أموية مستوثقة العرا، فإذا طوائف من العلماء يفدون من الشرق ضيوفاً على الغرب، ورجال يرحلون من الغرب، ثم يعودون بعد أن يشربوا من منابع العلم بالكأس الرويَّة، فتدفق سيل العلم بالمدائن والقرى، وأصبحت الأندلس تضاهي العراق بعلومها، وتباهيه بعلمائها. وهذه بقية من مؤلفاتهم تخلصت إلينا من يد الإحراق والإغراق، نشهد فيها العلم الزاخر، والنظر الراجح، والأسلوب الحكيم.
ولا يسمح لي وقت هذه المحاضرة أن أبحث عن حالهم في العلوم
(4/ 2/64)

بتفصيل، فأكتفي بكلمات موجزة أدل بها على مكانتهم في التفسير والحديث والفقه والكلام، وأصلها بكلمة في موقع علوم الفلسفة من عنايتهم، وأدع الحديث عن تقدمهم في علوم اللغة وآدابها إلى ساعة أخرى.

* تفسير القرآن:
عني علماء الأندلس بتفسير الكتاب العزيز، وحظهم من الإجادة والتحقيق في هذا العلم كبير، فلعبد الرحمن بقي بن مَخْلد تفسير يقول ابن حزم في وصفه: هو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه: أنه لم يؤلف في الإسلام مثله، لا تفسير ابن جرير الطبري، ولا غيره.
ومن أثر علماء الأندلس في التفسير: أن بعض من دخلوا في الإسلام ث؛ ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام كانوا يطارحون الناس قصصاً وأخباراً هي من نوع ما يتحدث به أهل الكتاب قبل الإسلام، ومن أجل أن هذه القصص والأخبار لا تعلق بالشريعة في أصل ولا فرع، لم يبال بعض المفسرين أن يوردوها في تفاسيرهم دون أن يأخذوها بالنقد والتمحيص، ثم ظهر بعد هذا: الحافظ عبد الحق بن عطية الغرناطي، وألف تفسيراً أربى فيه على من تقدم، ومن مزاياه: أنه تحرى فيه من تلك الأخبار ما هو أقرب إلى الصحة، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن فرح القرطبي، وألف تفسيراً تحامى فيه القصص والتاريخ، وصرف همته إلى الأحكام، واستنباط الأدلة، بل نجده في بعض المواضع يأتي على شيء من تلك الأخبار، ويدفعها ببيان مخالفتها للمعقول أو المنقول.
وتصدى طائفة من علمائهم لتفسير أيات الأحكام خاصة؛ مثل: منذر ابن سعيد البلوطي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس. ومنهم من
(4/ 2/65)

يؤلف تفاسير متعددة، فلأبي بكر بن العربي كتاب "الأحكام"، و"قانون التأويل"، و"أنوار الفجر"، وهذا التفسير يبلغ ثمانين مجلداً.
فعلماء الأندلس في مقدمة من خلصوا التفسير من أخبار واهية، وروايات مصنوعة، وفي مقدمة من بسطوا القول في استخراج الأصول والأحكام من الآيات البينات، ومن يقلب نظره في مؤلفاتهم يشهد بأنهم في مقدمة من حاربوا الآراء الفاسدة في تأويل القرآن.

* علم الحديث:
نحن نعلم أن طائفة من علماء التابعين قد دخلوا الأندلس لأول الفتح، وأن طائفة أخرى تعد من حملة الشريعة هبطت الأندلس قبل أن تقوم الدولة الأموية، ولكنا نجد الكاتبين في التعريف بعلمائها يقولون في شأن صعصعة ابن سلام: إنه أول من دخل بالحديث بلاد الأندلس، وصعصعة هذا إنما ورد الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية. وكأنهم يريدون بما قالوا: أن صعصعة بن سلام أول من دخل بالحديث بلاد الأندلس بعد أن انتظم أمر الرواية، وصارت الأحاديث تضبط بالكتابة والتدوين.
وأصبحت الأندلس في خلال المئة الثالثة دار حديث برجلين من رجالها رحلا إلى الشرق، وعادا إليها بعلم غزير، وهما: بقي بن مخلد، ومحمد ابن وضاح.
قال أبو محمد بن حزم: وإذا سمينا بقي بن مخلد، لم نسابق به إلا محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وكان محمد بن وضاح يردّ كثيراً مما يروى على أنه حديث نبوي، ويقول: "ليس هذا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء"، ومثل هذا المقال إنما يصدر لذلك العهد من محدِّث واسع الاطلاع.
(4/ 2/66)

ومن محدثيها: ابن عبد البر صاحب كتاب "التمهيد" الذي قال فيه ابن حزم: لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه؟!.
ومن دلائل عنايتهم بالحديث: أن حوالي قرطبة لذلك العهد قرى كثيرة، وفي كل قرية منبر وفقيه مقلس، وكان لا يضع على رأسه القالس إلا من حفظ "الموطأ"، وقيل: من حفظ عشرة آلاف حديث، وأضاف إلى ذلك حفظ "المدونة"، هذا حال مفتي القرية! فماذا يكون حال العلماء في مجلس الشورى والقضاء بقرطبة ونحوها من المدن ذات الأرباض الفسيحة، والضواحي العامرة؟!.
وقيام علماء الأندلس على منبعي الشريعة: التفسير، والحديث، هو الذي بلغ بهم أن كانوا في طليعة من حاربوا البدع والمحدثات، فقد كتب فيها أبو بكر الطرطوشي، وأثخنها أبو بكر بن العربي في مؤلفاته، وقاتلها أبو إسحاق الشاطبي في كتابي "الموافقات" و"الاعتصام" قتالاً عنيفاً.

* علم الفقه:
ظهر في الشرق أعلام الاجتهاد والفتوى؛ أمثال الأئمة: أبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأخذ الناس يتلقون أقوالهم ومذاهبهم بالرواية والتدوين، وكان ممن اختص بالإمام الأوزاعي: صعصعة بن سلام، فقدم الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل، وبه انتشر مذهب الأوزاعي هناك، وأصبحت الفتوى تدور على هذا المذهب إلى أيام هشام بن عبد الرحمن.
في أيام هشام بن عبد الرحمن رحل فريق من أهل الأندلس إلى الشرق، وجلسوا إلى مالك بالمدينة، وأخذوا عنه، ثم عادوا بكتاب "الموطأ"، ووصفوا من فضل مالك وسعة علمه ما عظم به صيته، فانتشر مذهبه، وبقي العمل في
(4/ 2/67)

القضاء والفتوى عليه إلى أن أفلَتْ شمس الإسلام من تلكم الآفاق.
وذهب ابن حزم في سبب انتشار مذهب الإمام مالك بالأندلس إلى وجه آخر، فقال: إن يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة "الموطأ" عن مالك، كان مكيناً عند السلطان، مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى لم يلِ قضاء قط، ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائداً في جلالته عندهم، وداعياً إلى قبول رأيه لديهم.
والتاريخ والمشاهدة يدلان على أن المذهب ينتشر في الناحية حيث يختص أصحابه بمنصب القضاء ونحوه، وينتشر في الناحية حيث يكون كبار علمائها أو معظمهم ممن تفقهوا عليه، وصاروا من أشياعه. ولعل انتشار مذهب مالك بالأندلس يرجع على السببين كليهما.
يتفقه أهل الأندلس على مذهب مالك بن أنس، إلا أن كثيراً منهم يأنسون في أنفسهم الكفاية للاجتهاد أو الترجيح، فيأخذون بما يرونه الصواب، وإن خالف مذهب مالك وأصحابه جميعاً.
وممن أصبح مستقل النظر في الأحكام: القاسم بن محمد بن سيار الذي قال فيه محمد بن عبد الحكم: "لم يقدم علينا من الأندلس أعلم من القاسم ابن محمد". وقال في شأنه ابن حزم: "وإذا سمينا القاسم بن محمد، لم نباه به إلا القفال، ومحمد بن عقيل الفريابي".
كان القاسم بن محمد مستقل النظر، وكان إذا استفتاه الناس، أفتى بمذهب مالك، ولما خاطبه أحمد بن خالد في هذا، وقال له: أراك تفتي
(4/ 2/68)

الناس بما لا تعتقد، وهذا لا يحل لك. أجابه بقوله: "إنما يسألونني عن مذهب جرى في البلد، وهم يتقلدونه، فأفتيهم به، ولو سألوني عن مذهبي، لأخبرتهم به".
وممن كان لا يأخذ بمذهب مالك: منذر بن سعيد البلوطي؛ فإنه مال إلى مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى الأخذ بالظاهر، واطراح القياس، ولغزارة علمه، ورسوخ فضله، قلده عبد الرحمن الناصر القضاء بقرطبة، وأخذ عليه أن لا يقضي إلا بمشهور مذهب مالك، فكان إذا جلس للفصل بين الناس، قضى على مذهب مالك؛ عملاً بما شرط عليه الخليفة.
وكذلك كان أبو محمد بن حزم، فإنه مال إلى مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى الأخذ بالظاهر، والامتناع من القياس؛ بدعوى أن نصوص الشريعة تتناول كل حادثة إلى أن يأتي أمر الله، وصار لابن حزم هنالك شيعة، ومن مؤلفاته في أحكام الفقه كتاب "المحلى بالآثار" الذي قال في وصفه عز الدين بن عبد السلام: "لم يؤلف مثله في الإسلام".
وإنا لنجد الكاتبين في تاريخ الأندلس يقولون في وصف كثير من علمائها: "وكان يميل إلى النظر والحجة"، أو يقولون: "كان يميل في فقهه إلى النظر والأخذ بالحديث". أو يقولون: "له اختيارات في الفتوى والفقه خارجة عن المذهب". أو يقولون: "كانت له مذاهب أخذ بها في خاصة نفسه، وخالف فيها أهل قطره".
وهذا يدلنا على أن علماء الأندلس يتفقهون على مذهب مالك، ومنهم من يدرك مرتبة الاجتهاد أو الترجيح، فيرجع إلى الحجة والدليل.
هذا شأنهم في الفقه، أما شأنهم في أصول الفقه، فقد وصفهم أبو
(4/ 2/69)

عبد الله المقري بأن مرتبتهم في هذا العلم كانت متوسطة، وكتب ابن حزم رسالة سرد فيها مؤلفات الأندلسيين في علوم مختلفة، ولم يذكر لهم في علم الأصول ولو كتاباً واحداً، ووصل ابن سعيد هذه الرسالة بذيل أودعه مؤلفات زائدة على ما أورده ابن حزم، ولم يأت لهم بمؤلف في علم الأصول سوى "مختصر المستصفى" لابن الوليد بن رشد. وقد وقفنا لبعض علمائهم على أسماء مؤلفات في الأصول؛ ككتاب "المحصول في علم الأصول" لأبي بكر ابن العربي، وكتاب "أحكام الفصول في علم الأصول" لأبي الوليد الباجي، وكتاب "تقريب الوصول إلى علم الأصول" لابن جزي. وبين أيدينا اليوم كتابان من أجلّ ما تجود بهما الأنظار في هذا العلم، هما: كتاب "الأحكام" لأبي محمد بن حزم، وكتاب "الموافقات" لأبي إسحاق الشاطبي.

* علم الكلام:
كان أهل الأندلس على سنة السلف، حتى اتسع البحث في العقائد، وحدثت فيها مذاهب، فاقتدوا بأصول أبي الحسن الأشعري، وكانوا يدرسون بالطبيعة ما يؤلفه علماء الشرق؛ كأبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، ولم تكن مؤلفات علماء الأندلس في هذا العلم بمقدار مؤلفاتهم في التفسير والحديث والفقه، وقد اعتذر ابن حزم عن قلة تصرفهم في هذا العلم بأن بلاد الأندلس لم تختلف فيها النِّحَل، ولم تتجاذب فيها الخصوم أطراف الجدال والمناظرة، ثم قال: فهي على كل حال غير عريَّة من هذا العلم.
وجد في الأندلس طائفة كانت تذهب مذهب المعتزلة، وتنظر على أصولهم؛ مثل: خليل بن إسحاق، ويحيي بن السمينة، وموسى بن جدير،
(4/ 2/70)

وأخوه الوزير أحمد، وكان هذا داعية إلى الاعتزال لا يستتر بذلك، إلا أنهم كانوا فئة قليلة لم يبلغ من شأنهم أن يجعلوا قرطبة كبغداد تعقد فيها مجالس المناظرة بين علماء الكلام على اختلاف مذاهبهم وآرائهم.
ومن علماء الأندلس الذين بحثوا في الكلام بنظر مستقل: أبو محمد ابن حزم، وهذا كتابه "الفصل في الملل والنحل" ينحو فيه نحو المجتهد المطلق، فقد يخالف الإمام الأشعري وغيره من أهل السنة، ويرد تارة على المعتزلة، وينقض مرة آراء الفلاسفة.

* علماء الأندلس والفلسفة:
يتقبل الدين الحنيف علوم الأرض وعلوم السماء، على تباين أسمائها، واختلاف موضوعاتها، فكان علماء الأندلس ممن قدروا علوم الفلسفة، وأضافوها إلى ما عندهم من فقه أو حديث، وقد كان الأمير عبد الرحمن الأوسط يجمع بين علوم الشريعة والفلسفة، وهو أول من درس الفلسفة من أمراء الأندلس، وتظاهر بها. وكان أبو عبيدة بن أحمد - الذي يقولون: إنه أول من اشتهر بعلم الأوائل - صاحب فقه وحديث، وكان أبو الوليد بن هشام من حفاظ الحديث، ويصفه مؤرخو الأندلس بأنه كان أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء. وما كان أبو بكر بن الطفيل وأبو الوليد بن رشد إلا من رجال الدين، وكان كل منهما يعمل لبيان أن الفلسفة الصادقة لا تناقض الشريعة في حال.
وأما ما أصاب الفلسفة وبعض الفلاسفة من مقت أو أذى، فتبعته ترجع إلى استبداد بعض الأمراء، أو جهالة بعض السوقة، أو حماقة بعض المنتمين إلى الفلسفة؛ حيث يطيشون من بعض طرقها المظلمة إلى تخبط
(4/ 2/71)

في القول وزندقة، ويحاولون إغواء النفوس الزاكية، وإلقاءها في تهتك وتخاذل وشقاء.
الذين يستضيئون بحكمة الإسلام شأنهم أن يبحثوا ما تحتويه علوم الفلسفة، ويزنوه بقانون المنطق الصحيح، فيقرّوا ما قام الدليل على صدقه، ويطرحوا ما كان زعماً باطلاً، أو افتراضاً لا يتكئ على حجة، وفي علماء الأندلس من استضاؤوا بحكمة الإسلام، وخاضوا غمار الفلسفة على بصيرة، فكانوا المثل القيم يشهد بأن الفلسفة التي هي بنت الحجة، لا تتعاصى أن تجتمع مع مبادئ الإسلام في نفس واحدة.

* اعتزاز علماء الأندلس بمقاماتهم العلمية:
أخرجت معاهد العلم بالأندلس رجالاً كانوا يعتزون بمقاماتهم العلمية، فلا تستخفهم الحظوة عند رئيس أعلى، ولا تتعاظمهم الولايات، وإن كبر سلطانها، وملأت الأبهة ما بين جوانبها، ويتجلى هذا الخُلق العظيم في مظاهر كثيرة، وإليكم طائفة من أمثلتها:
من هذه المظاهر: أن فريقاً منهم تقلدوا منصب القضاء في قرطبة وغيرها، فاعتصموا فيه بحبل العدل، وأقاموا المساواة على وجهها، فلا فضل لصاحب الدولة على أدنى الناس منزلة وأقلَّهم ناصراً إلا بتقوى الله.
رفع رجل من كورة "جيان" على محمد بن بشير قاضي قرطبة قضية على الحكم بن هشام صاحب الأندلس، ولما استبان القاضي صحة البينة، حكم على الأمير، وآذنه بأنه إذا لم ينقد للحكم، ويذعن لإنفاذه، تخلى عن ولاية القضاء غير حريص عليها، فما وسع الأمير إلا أن يمد عنقه لقضاء محمد بن بشير مرغماً.
(4/ 2/72)

فسيرة ابن بشير في نحو هذه الواقعة دليل على خلق اعتزازه بالعلم، وأنه لم يتقبل الولاية إلا ليظهر حقاً، أو يصرع باطلاً.
ورفعت إلى محمد بن بشير هذا قضية كان أحد الخصمين فيها سعيد ابن عبد الرحمن الداخل عمّ الحكم، واستشهد سعيد بن عبد الرحمن في القضية بالحكم نفسه، وكان يحسب شهادة أمير البلاد ضربة لازب، وأنها لا تقع في مجلس القاضي إلا موقع الحجة القاطعة للنزاع، فلما نظر ابن بشير في الشهادة، قال لوكيل سعيد بن عبد الرحمن: "هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بشاهد عدل"، فبهت الوكيل دهشة، وأنهى سعيد الأمر إلى الحكم، وأخذ يغريه بالقاضي، ويحرضه على الإيقاع به، فقال له الحكم: القاضي رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست أعارضه فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبضة يد مثله، ولما خوطب ابن بشير في رد شهادة الحكم، قال: إنه لا بد في الشهادة من الأعذار، ومن الذي يجترئ على الطعن في شهادة أمير المؤمنين لو قبلتها، وإذا لم أعذر، كنت بخست المشهود عليه حقاً.
ولمنذر بن سعيد البلوطي في هذا الشأن وقائع يرفع بها العدل رأسه عزيزاً متعاظماً. ومن هذه الوقائع: أن الخليفة عبد الرحمن الناصر دعته الحاجة إلى شراء دار، ووقع اختياره على دار يملكها بعض الأيتام، فأرسل إليها مقوماً، وأرسل من يخاطب ولي الأيتام في بيعها، فذكر له الولي أن بيع الأصول موقوف على رأي القاضي ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر بن سعيد ليأذن ببيع الدار، فأجابه منذر بأن ليس للأيتام حاجة إلى بيع هذه الدار، فإن بذلت لهم من الثمن ما تستبين به الغبطة، أذنت الولي ببيعها منك، فسكت
(4/ 2/73)

الناصر حيناً، وخشي منذر أن تنبعث منه ثورة يهتضم بها حق الأيتام، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها، فكانت قيمة الأنقاض فوق ما قومت به للخليفة من قبل، فاتصل الخبر بالناصر، فسأل القاضي عما صنع، فقال له: نعم، وأخذت فيما صنعت بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]. فصبر الناصر وقال: نحن أول من ينقاد إلى الحق، فجازاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيراً.
إن سيرة أمثال محمد بن بشير، ومنذر بن سعيد تنبه الناس إلى أن علوم الإسلام ترفع همة الراسخ في فهمها، وتطبع في نفسه عزة وتقوى يجعلان القضاء في حرية فوق الحرية التي تسنها هذه القوانين الوضعية.
ومن مظاهر اعتزازهم بالعلم: أن كثيراً منهم كانوا يزهدون في المناصب، ولا يقيمون لها - وإن عظم سلطانها - وزناً.
فهذا أبو محمد بن حزم كان وزيراً لعبد الرحمن بن هشام الأموي، فرأى أن مقام العلم فوق كل مقام، فخلع طوق الوزارة من عنقه اختياراً، وأقبل على البحث والتأليف، فقدم عملاً صالحاً، وأبقى أثراً في العلم نافعاً.
وهذا زياد بن عبد الرحمن أحد أصحاب مالك الذين دخلوا بمذهبه بلاد الأندلس، أراده الأمير هشام بن عبد الرحمن على قضاء قرطبة بإلحاف، فأبى قبول هذا المنصب بتصميم، ومما اتخذه وسيلة للتخلص من الولاية: أن قال للوزراء الذين خاطبوه في شأنها، وأبلغوه عزم هشام على توليته إياها: أما إن أكرهتموني على القضاء، فاعلموا أنه إن أتاني مدعٍ في شيء بأيديكم، لا يكون إلا أن أخرجه منكم، ثم أجعلكم مدعين فيه حتى تقيموا عليه البينة. فلما سمعوا منه هذه العزيمة، تيقنوا أنه سيفعل ما يقول، فسعوا
(4/ 2/74)

لدى هشام في معافاته وصرفِ الولاية إلى غيره.

* نظر علماء الأندلس في أحوال الأمة، وغيرتهم على مصالحها:
نرى في علماء الأندلس من لا يقصرون أنظارهم على الوجهة العلمية البحتة، بل يمرون بها في كثير من الأوقات على أحوال الجماعة؛ ليعرفوا ما يطرأ عليها من خلل، وما تحتاج إليه من إصلاح.
ينبئنا التاريخ: أن كبار العلم في القرى المجاورة لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة في قرطبة، ويطالعونه بأحوال بلدهم.
وينبئنا التاريخ: بأن في علماء الأندلس طائفة لا يغضون أبصارهم عما يصنع ولاة الأمور، ثم لا يكتمون النصيحة إذا أبصروا عوجاً في السياسة، أو حيفاً في الحكومة، أو تبذيراً في الإنفاق.
عاد أبو الوليد الباجي من الشرق، فوجد ملوك الطوائف بالأندلس أحزاباً متفرقة، فأدرك سوء عاقبة هذا التفرق، ودفعته الغيرة أن قام يسعى بينهم بالصلح، ولكنه نفخ في عظام ناخرة، فكان كلما وفد على ملك منهم، لقيه بالتقريب والترحيب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستقل طلعته. فلم يبلغ أن يعقد بين أولئك الأحزاب وفاقاً.
ومواقف منذر بن سعيد البلوطي في وجه عبد الرحمن الناصر منكِراً عليه الإسرافَ في تشييد المباني، والغلو في زخرفتها، مبسوطة في كتب التاريخ، دائرة على ألسنة الأدباء.
والعلماء الذين ينفقون شيئاً من أوقاتهم في البحث عن أحوال الاجتماع، ومقتضيات السياسة، يتوقفون أكثر من غيرهم على أن يصوغوا فتاويهم على قدر المصالح المعتد بها في نظر الشريعة.
(4/ 2/75)

لما أراد سلطان المغرب الأقصى يوسف بن تاشفين إنقاذ الأندلس من مخالب أعدائها المتحفزين للوثوب عليها، استفتى أهل العلم في أخذ معونة من الأمة يستعين بها على دفاع أولئك المتحفزين، فأحجم بعض الفقهاء من غير أهل الأندلس أن يفتيه بجواز ذلك، ولكن قضاة الأندلس وفقهاءها، ومنهم أبو الوليد الباجي، كانوا يحسون العدو على مقربة من ديارهم، ويذوقون مرارة وضعه الضرائب على أمرائهم، وينظرون إلى عاقبة استيلائه على أوطانهم كأنهم يرونها رأي العين، فأفتوه بأخذ المعونة من الأمة زيادة على ما هو المفروض عليها من نحو مقادير الزكاة.
وفي علماء الأندلس رجال كانوا يعملون لحماية البلاد بأنفسهم، ولم يودعوا هذه الحياة إلا وهم مرابطون في الثغور، أو تحت ظلال السيوف.
كان محمد بن عبد الله الليثي قاضي قرطبة يخرج إلى الثغور، ويباشر إصلاح ما اختل منها، حتى وافاه الموت وهو في بعض الحصون المجاورة لطليطلة.
وكان القاضي سليمان بن موسى الكلاعي من أولي البسالة والإقدام، يشهد مواقع القتال بنفسه إلى أن توفي في إحدى الغزوات شهيداً في سبيل الله. ولكثر ما نجد في تراجم علماء الأندلس: أن زيداً استشهد في غزوة كذا، وعمراً مات منصرفاً من غزوة كذا، وبكراً توفي في ثغر كذا، إلى من لا يحصيهم القلم حساباً.
هذه صحيفة من تاريخ علماء الأندلس تلوناها كالتذكرة لشبابنا الناهضين، وعسى هذه المعاهد والمدارس الإسلامية أن تخرج لنا رجالاً يبهرون الناس علماً وجلالة، ويذودون عن الشريعة نفراً يتهافتون على إطفاء نورها، والسلام على العلماء المصلحين المجاهدين ورحمة الله.
(4/ 2/76)

السعادة عند بَعضِ عُلماء الإسلام (1)
إذا تناولت في صدر كلمتي بعض آراء فلسفية قديمة، فلأنبّه على صلة الفلسفة العربية بالفلسفة اليونانية، ولنرى فلاسفة العرب كيف أخذوا في شرح السعادة بالتي هي أقوم وأهدى.

* الآراء الفلسفية اليونانية:
من يقاسي شدائد الفاقة والبؤس، يرى السعادة في الغنى، ومن تتقلب به الأوجاع يميناً وشمالاً، أو يفقد أحد أعضائه، يرى السعادة في صحة البدن، وسلامة الأعضاء، والمستضعف الذي تسلب حقوقه علانية، ولا يستطيع خلاصها، يرى السعادة أن يكون للإنسان سلطان، أو جاه عند ذي سلطان، ومن أشرب في قلبه الفسوق والخلاعة، يرى السعادة أن تحف به الشهوات من كل جانب، فيطلق فيها عنانه كيف يشاء، ومن وجد منفعته الخاصة في يد المستبد الغاشم، رأى السعادة في أن يبقى سلطان ذلك المستبد ويقوى.
هذه خواطر عامية لا تبلغ أن تسمى مذاهب في السعادة أوآراء، وإنما نحدثكم في هذا المقام عن المذاهب التي يقررها أصحابها بعد النظر والبحث. وسواء بعد هذا أوصلوا إلى حقيقة، أم وقعوا في خطأ وضلال؟!.
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، في صفر سنة 1347 ه. وقد نشرت في رسالة صغيرة عام 1348 ه بالقاهرة.
(4/ 2/77)

والفرق بين الآراء العامية والآراء الفلسفية: أن الآراء العامية تنشأ عن إحساس خاص في أحوال خاصة، فالرجل الذي يبدو له أن السعادة في الغنى، أو في صحة البدن- مثلاً - إنما حدث له هذا الرأي من ألم الفقر، أو شدة المرض، ومن الجائز أن ينتقل إلى يسار أو صحة، فيتغير رأيه في السعادة، ويذهب في تصورها إلى شيء آخر أصبح يحس بشدة حاجته إليه؛ كصلاح حال الولد، أو الزوجة، أو الأصدقاء.
أما المذاهب الفلسفية، فإنما تتكئ على النظر والاستدلال، فالذي يقول: إن السعادة في اللذة الحسية، لو صدرت منه هذه المقالة وهو يرتع في الشهوات، ولم يذكر في الاستدلال عليها وجهاً يستوقف النظر، لقلنا: هذه المقالة وليدة الخلاعة، ولما صحّ لنا أن نضعها بجانب الآراء الفلسفية، ولكنها مقالة صدرت من طائفة أوردوا في الاستدلال عليها ما شأنه أن يعلق بكثير من النفوس البائسة، فكان من حقها أن تدخل في قبيل الفلسفة، ولو بوجه كاسف كئيب، وكان من حقنا أن نتعرض لها بالنقد، ونميطها عن الأذهان كما يماط الأذى عن الطريق.
ف (أويدوكس) الفيلسوف اليوناني يعزو إليه أرسطو في كتاب "الأخلاق" ارتياء أن اللذة هي الخير الأعلى، ويذهب في الاستدلال على هذا إلى أنه يرى جميع الكائنات ترغب في اللذة، وتسعى لها، سواء كانت هذه الكائنات عاقلة، أم غير عاقلة، وما كان محط الرغبة من جميع الكائنات يجب أن يكون هو الخير الأعلى.
فهذا الاستدلال من (أويدوكس) يكفي لأن يعدّ رأيه في اللذة مذهباً فلسفياً. ولنا بعد هذا أن ننقده، ونستبين ما يحمله من غلط وفساد.
(4/ 2/78)

تصدى (أرسطو) لنقض هذا المذهب في بحث اللذة من كتاب "الأخلاق"، ومن ذا يقبل أن تكون اللذة الحسية الخير الأعلى في هذه الحياة، إلا من يريد أن يفرق بين حياة الإنسان وحياة غيره من الحيوان؟ والفرق بين الحياتين قررته الشرائع، وآمنت به الفلسفة، وإذا كنا على يقين من أن الرغبة قد تتوجه إلى الأشياء التي لا يختلف العقلاء في أنها شر، كان من الخطأ أن نجعل توجهها إلى اللذة دليلاً على أنها الخير الأعلى في هذه الحياة.
ويقابل مذهب القائلين: إن السعادة في اللذة، مذهب فريق من اليونان أيضاً، يزدرون اللذة أيما ازدراء، ويرون السعادة كلها في قوى النفس التي هي: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة، وقالوا: إن هذه الفضائل كافية في تحقيق السعادة، ولا يحتاج معها إلى ما هو خارج عن النفس من نحو الصحة والثروة والرياسة، ومن أصحاب هذا المذهب: بقراط، وأفلاطون، وفيثاغورس، وسقراط، فالفضيلة والسعادة في رأي هؤلاء مترادفتان، توجد إحداهما أينما وجدت الأخرى.
وذهب آخرون في فهم السعادة إلى وجهة ثالثة، فلم يجعلوها اللذة، ولم يقصروها على الفضائل النفسية، بل نظروا إلى الإنسان مركباً من نفس وبدن، فقالوا: إن سعادة النفس لا تكون كاملة حتى تقترن بسعادة البدن؛ كالصحة وسلامة الأعضاء، وبالخيرات الخارجة عن البدن؛ كالثروة والرياسة.
وقد نحا (أرسطو) في كتاب "الأخلاق" هذا النحو، فصرح بأن السعادة هي الخير الأعلى، ولم يجعلها - مع هذا - مقصورة على كمال النفس، بل جعلها الفضائل النفسية الركن الأعلى للسعادة، وأضاف إليها أشياء أخرى جعلها من متمماتها؛ كصحة البدن، وسعة الرزق، والنفوذ السياسي، وشرف
(4/ 2/79)

المنبت، ووسامة المحيا، وحسن السمعة، وأطال حساب هذه المتممات حتى قال: "وربما لا يستطاع القول على إنسان: إنه سعيد، إذا كان له أولاد أو أصدقاء ذوو أخلاق سيئة، أو إذا فقد من كان له من أولاد أو أصدقاء".
وبعد هذه الآراء الثلاثة: رأي الارتيابيين الذين يجعلون السعادة في الخلو من الألم، ويقولون: من يبغي السعادة، يسعى إلى أن يكون هادئ البال، مرتاح الضمير، وهذه الراحة تتحقق- فيما يزعمون- حيث يقف الرجل بين اليقينيين والسفسطائيين، فلا يقطع في الأحكام بإثبات مثلما يفعل اليقينيون، ولا يقطع فيها بنفي مثلما يفعل السفسطائيون، فالذي لا يعتمد في حكمه على سلب أو إيجاب، هو البالغ منتهى السعادة.
لم يذهب أحد من فلاسفة العرب أو الإسلام - فيما أعلم - على أن السعادة في اللذة المحسوسة، وليس من المعقول أن يدرس القرآن دارس، ثم ينحط إلى هذا المذهب السخيف، بل يذهب فريق منهم؛ كفخر الدين الرازي إلى نفي أن يكون هناك لذة غير الحكمة، وقالوا: لا لذة إلا في المعارف، وما يسميه الناس لذة حسية؛ كالمأكل والمشرب إنما هو دفع ألم الجوع والعطش، وما يسمونه لذة خيالية؛ كالرياسة إنما هو دفع ألم القهر والغلبة.
ومن البديهي أن لا يكون في فلاسفة الإسلام من يذهب إلى أن السعادة في الخلو من الألم، على النحو الذي يصوره الارتيابيون، وإنما تدور آراؤهم في السعادة حول الفضائل النفسية وحدها، أو هذه الفضائل مضافة إليها الخيرات البدنية والخارجية، ونخص بالبحث في هذه الكلمة برأي أبي نصر الفارابي، ورأي أحمد بن مسكويه؛ فإنهما قد خاضا في هذا الموضوع
(4/ 2/80)

على طريقة واسعة.

* رأي أبي نصر الفارابي:
يذهب أبو نصر الفارابي إلى أن السعادة هي غاية ما يتشوقه كل إنسان، وأنها أكمل ما يؤثر ويسعى إليها من الخيرات، وذكر في تفصيل هذا: أن الخيرات التي يؤثرها الناس، ويتوجهون إليها برغباتهم ومساعيهم ثلاثة أنواع:
أولها: ما يؤثر لتنال به غاية أخرى؛ كالثروة؛ فإنه يرغب فيها ليتوسل بها إلى مآرب إما محمودة؛ كالإنفاق في وجوه البر، أو غير محمودة؛ كإغراق النفس في ملاذها وشهواتها الطاغية.
ثانيها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، وقد يقصد منه غاية أخرى، ومثال هذا: الرياسة؛ فإنها مرغوب فيها لذاتها "يا حبذا الإمارة ولو على الإجارة"، وقد يسعى إليها من يبتغيها وسيلة إلى غرض بعدها؛ كجمع مال جم، أو الانتقام من عدو.
وهذان النوعان ليسا من السعادة، ولا السعادة منهما.
ثالثها: ما شأنه أن يؤثر لذاته، ولا يقصد في وقت من الأوقات لتنال به غاية أخرى، وما هو إلا الخلق الجميل، وقوة الذهن، ثم قال: "وهذا هو أكمل الخيرات، وهذا ما يسمى سعادة".
فالخلق الجميل وقوة الذهن عند الفارابي هي المسميان بالسعادة، ولم يلتفت إلى ما زاد عليهما من الخيرات البدنية أو الخارجية، فيجعل له مدخلاً في السعادة؛ كما صنع أرسطو في كتاب "الأخلاق".
ويعتمد الفارابي في اختيار هذا المذهب إلى أن سعادة الإنسان يجب أن تكون في مزاياه التي تكسبه الجودة والكمال في أفعاله، والخلق الجميل
(4/ 2/81)

وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً.
فأبو نصر الفارابي يوافق أرسطو في أن الخير الأعلى هو السعادة، غير أن الفارابي يجعل الفضائل النفسية والسعادة شيئاً واحداً، فلا حرج عليه في أن يقصر الخير الأعلى على السعادة، وأما أرسطو، فإنه يذهب إلى أن الفضائل النفسية هي الركن الأعظم في تقويم حقيقة السعادة، ويجمعل من متمماتها: الخيرات البدنية والخارجية، وإذا كانت السعادة تتناول الثروة، وصحة البدن، والجمال، فليس من الصواب أن تكون الخير الأعلى؛ إذ مقتضاه: أن من بلغ في الحكمة والخلق الجميل غايتهما، فإنه أن يكون جميل الوجه، أو واسع الرزق، أو صحيح البدن، يعد محروماً من الخير الأعلى؛ لأنه لم يستوف وسائل السعادة، وهذا ما لا تقبله العقول التي قدرت الحكمة والفضيلة النفسية قدرهما:
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضرّه الجسم النحيل

* رأي ابن مسكويه:
يقول ابن مسكويه في مؤلف له في السعادة: إن الغايات التي يتوجه إليها الناس ترجع إلى قسمين:
أولهما: ما يشترك فيه الناس والحيوان؛ كالمأكل والمشرب ونحوهما مما يسميه الناس لذيذاً، وهذا مما يظنه أكثر الناس سعادة، وليس الأمر كما يظنون، فإن ما كان مشتركاً بيننا وبين البهائم ليس من شأنه أن يكون كمالاً لنا من حيث إن أنّا أناس، فلا يدخل في باب سعادتنا.
ثمانيهما: ما يختص به الإنسان، ولا يشاركه فيه غيره من الحيوان، وهو الأفعال الفاضلة، والخلق الجميل، وقوة الذهن، ولهذه الأمور الثلاثة
(4/ 2/82)

تتحقق السعادة.
هذا رأي ابن مسكويه في كتاب "السعادة"، وهو في أصله لا يختلف عن مذهب الفارابي في أن مصدر السعادة الفضائل النفسية، وإذا ذكر ابن مسكويه الأعمال الفاضلة، فهي مقصودة للفارابي وغيره ممن يجعلون السعادة في كمال النفس، وانظروا إلى قول الفارابي: "والخلق الجميل، وجودة التمييز هما اللذان يكسبان أفعالنا جودة وكمالاً".
والسعادة عند أبي نصر الفارابي وعند ابن مسكويه مما يدخل في استطاعة الإنسان، أما الأعمال الفاضلة، فإنها تصدر عن الخلق الجميل، وقوة الذهن، وأما الخلق الجميل، فيكتسب بمزاولة علم الأخلاق؛ فإنه يبين فيه الفضائل، والسبيل إلى اقتنائها، والرذائل، والسبيل إلى توقيها، وأما قوة الذهن وجودة التمييز، فتكتسب بدراسة علم المنطق، وهو صناعة إذا أتقنها الإنسان، جاد تمييزه، وعرف مراتب الإقناع وتقرير الآراء على ما ينبغي.
ويقرر ابن مسكويه أن للسعادة معنى خاصاً، وهو ما يختص به كل صاحب علم أو صناعة، فسعادة الطبيب في معرفة العلل ومعالجتها بالأدواء النافعة، وسعادة المحامي في تمييز الحقوق والدفاع عنها بحزم وأمانة، وسعادة الصحفي في تحريه الصدق فيما ينشر، وأخذه بالإخلاص فيما يكتب، وسعادة القاضي في فصل القضايا على وجه العدل والإنصاف، وسعادة العضو في مجلس النواب أن يسلك سبيل المصلحة العامة، قاطعاً النظر عن المنافع الشخصية أو الحزبية، وهكذا الشأن في كل صاحب علم أو صناعة، فإن سعادته على قدر إتقانه للعلم أو الصناعة، وإتيانه بالعمل على وجهه الصحيح.
ولابن مسكويه في كتاب "الأخلاق" رأي يميل به إلى مذهب أرسطو،
(4/ 2/83)

فإنه - بعد أن ذكر آراء الفلاسفة في السعادة - قصد إلى بيان ما يختاره في حقيقتها، فقال: "إن الإنسان ذو فضيلة روحية، وفضيلة جسمية، ومادام الإنسان إنساناً لا تتم له السعادة إلا بتحصيل الفضيلتين كلتيهما، ولا تحصل له الفضيلتان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية".
ويريد بالأشياء النافعة: أمثال الرياسة والثروة، وإلى نفع الثروة في الوصول إلى الحكمة يشير الطغرائي بقوله:
أريد بسطة مال أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قِبَلي
وإذا قصرنا الخير الأعلى على كمال النفس الذي يحتوي معرفة الله، والأعمال الفاضلة، فلا بأس في أن تكون السعادة في هذا الكمال، ثم في الخيرات التي هي بمنزلة الوسائل إلى ما هو الخير الأعلى، ولا بأس في أن يكون الناس في السعادة على مراتب متفاوتة، أو أن يكون الإنسان وافي الحظ في السعادة في حال، قليل الحظ منها في حال، فيستقيم لنا إذاً أن نقول: السعادة حالة الإنسان الموافقة لإرادته وآماله المنبعثة في حدود الفضيلة.
* * *
(4/ 2/84)

التصوف قي القديم والحديث (1)
كنا أساتذة العالم علماً وسياسة وأدباً، قلمنا يكتب فيطاع، وحسامنا ينتضى فيهاب، ورايتنا تخفق فيجري من تحتها عدل وسلام، أخذتنا بعد تلك اليقظة غفوة، وبعد تلك العظمة خمول، فلم ننتبه إلا والدهر يضربنا بسوط من عذاب الهون، ويبسط علينا أيدياً كالحجارة أو أشد قسوة.
لا نيأس من أن نعود كما ولدتنا أمهاتنا أحراراً، ولا نيأس من أن نبني كما بنى أسلافنا مجداً وسيادة، فليست هذه الغاية ببعيدة المنال، وما بيننا وبينها إلا أن نحسن العمل، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين.
نحن في وقعة نريد أن ننهض من كبوتها، نحن في تباطؤ نريد أن نتبدل به حزماً ونشاطاً، نحن في تقاطع نريد أن نضع مكانه اتحاداً، نحن في لهو نريد أن نستعيض به جِدّاً، نحن في بلاء نريد أن نخرج منه إلى سعادة، نحن في نار حامية نريد أن نطفئها، ونعيش في جنّة من الكرامة عالية.
فحقيق علينا أن نقلب أنظارنا في كل ناحية من نواحي حياتنا، وأن نتدبر في كل شأن من شؤوننا، حتى إذا رأينا خللاً، أصلحناه، أو رأينا عوجاً،
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية مكارم الأخلاق يوم الجمعة 28 شعبان عام 1347 ه، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الأول.
(4/ 2/85)

قوّمناه، لا نبتغي بذلك الإصلاح والتقويم إلا أن نكون خير أمة تمثل الشهامة والحكمة والكمال.
وعلى هذا القصد أتقدم إلى حضراتكم بكلمة أبحث فيها عن التصوف؛ فإن الطرق المنتمية إلى الصوفية باسطة أجنحتها في الشرق والغرب، وأملنا معقود بأن نرى رجالها يقتدون بسيرة الصدر الأول من الصحابة والتابعين، ذلك العهد الذي ظهر فيه الإسلام بحقائقه النقية، وأصوله المحكمة، والعهد الذي ظهرت به أمة الإسلام في أسنى مظهر من العزة والرحمة والسلطان الكريم.

* نشأة التصوف:
إن الإسلام دين ينظم شؤون هذه الحياة؛ كما يرشد إلى سبيل السعادة في تلك الحياة، وهو الدين الذي عني بتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية، ثم عطف على الأجسام، فخلّى سبيلها لأن تتمتع من نعيم هذه الحياة وزهرتها إلا أن تطغى، فبقدر ما يدرك الإنسان من صفاء النفس، وسلامة الضمير، وبقدر ما يكون له من السلطان على شهواته، فلا تتعدى حدود الاعتدال، يصعد في مراقي الفلاح، ويدنو من مقام الكرامة والوجاهة عند الله. يقول الفيلسوف الأندلسي أبو بكر بن الطفيل:
يا باكياً فرقة الأحباب عن شحطٍ ... هلاً بكيت فراقَ الروح للبدنِ
نور تردد في طين إلى أجل ... فانحاز علواً وخلّى الطين للكفنِ
يا شدّ ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنها هدنة كانت على دَخَنِ (1)
إن لم يكن في رضا الله اجتماعهما ... فيا لها صفقةً تمت على غبنِ
__________
(1) دَخَن: يقال: هدنة على دخن؛ أي: سكون لعلة، لا لصلح - "القاموس".
(4/ 2/86)

واجتماع الروح والبدن في رضا الله، هو ما يعمل له أولو الألباب من الناس، وقد رسم الإسلام للعمل في هذا السبيل خططاً، من انحرف عنها، أو تجاوز حدها، كان إلى الخسران أقرب منه إلى النجاح.
روي أن فريقاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمعوا، وقرروا فيما بينهم أن يسردوا (1) الصيام، ويعكفوا على العبادة، ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم، فنهاهم في خطبة جامعة، وأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87].
كان أصحاب رسول الله يجدُّون في العمل الصالح ما استطاعوا، ويزهدون في الدنيا زهْد من لا يتناول منها إلا حلالاً طيباً، وزهْدَ من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وزهْدَ من يعاف أن تكون يده السفلى، ويد غيره العليا، وهم في هذا السبيل يتسابقون ويتفاضلون، وقد اشتهر كثير منهم بالجد في العبادة، والبلوغ في الزهد مكانة فضلى، ومن هذه الطائفة: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
أما أبو ذر، فكان يعظ عمّال عثمان - رضي الله عنه - حينما يراهم يتسعون في المراكب والملابس، فيتلو عليهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]. وكان يملأ آذانهم تقريعاً، ويدعوهم، ويشتد في دعوته إلى أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم في سبيل الخير، وهذا أمر يطيقه الخاصة، ولا يحتمله كل إنسان، فأنهى معاوية أمره إلى عثمان، فكتب عثمان يأمر أبا ذر بالقدوم إلى
__________
(1) يسردوا: يتابعوا.
(4/ 2/87)

المدينة، فقدمها، واجتمع إليه الناس، فجعل يسلك بهم ما كان يسلك في الشام، فقال له عثمان: لو اعتزلت، ومعناه: أن من كان مثلك في هذه المكانة من الزهد، فحاله يقتضي أن ينفرد عن الناس، أو يخالطهم في رفق، ويخلي سبيلهم ما قضوا حقوق أموالهم، وأدوا فريضة الزكاة على وجهها، فخرج أبو ذر إلى الربذة (1) زاهداً ورعاً، وترك من ورائه قوماً يضاهونه، أو يقاربونه زهداً وورعاً.
وأما سلمان الفارسي، فكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه، تصدق به جميعاً، ولا يقتات إلا بما كسبت يده؛ تمسكاً بمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه البخاري: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده". ويدلكم على مكانته في الزهد والتقوى: كتابه الذي بعث به من العراق إلى أبي الدرداء، وهو يومئذ القاضي بدمشق، ومما يقول فيه: "أما بعد: فقد كتبت إلي أن الله رزقك مالاً وولداً، اعلم أن الخير ليس في المال والولد، وإنما الخير أن يكثر حلمك، وينفعك علمك. وكتبت إليّ: أنك نزلت في الأرض المقدسة، اعلم أن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله".
هكذا كانت سيرة الزهاد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا مواعظهم: أعمال مشروعة خالصة، وأقوال رشيدة واضحة.
ومما حدث في عهدهم: أن أناساً لم يدركوا زمن النبوة يسمع أحدهم الآية، فيخرُّ كأنه مغشي عليه، فكان الصحابة الأكرمون لا يرضون عمن هذا شأنه، ويقابلونه بتعجب وإنكار.
مرّ عبد الله بن عمر برجل ساقط، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قرئ عليه
__________
(1) الربذة: مكان قرب المدينة.
(4/ 2/88)

القرآن، يصيبه هذا، فقال: إنا لنخشى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وما نسقط.
وقال حصين بن عبد الرحمن: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله، تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت لها: هاهنا رجال إذا قرئ على أحدهم القرآن، غشي عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: جئت إلى أبي يوماً، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواماً ما رأيت خيراً منهم، يذكرون الله، فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله، فقعدت معهم. فقال لي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر يتلون القرآن، ولا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشعَ لله من أبي بكر وعمر؟ قال: فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.
رحم الله أصحاب رسوله الكريم، لم يعدوا في كمال معرفة الله، أو في كمال خشيته أن يسمع الرجل القرآن، فيقع مغشياً عليه، إنهم كانوا على بصائر مشرقة، وأحلام راجحة، يعرفون كيف يتقربون إلى الله زلفى، وكيف يتدبرون آياته بسكينة وحسن سمت، تمتلئ له أعين الناظرين مهابة وإجلالاً.
وفي عهد التابعين أقبلت طائفة من فضلائهم يتحدثون في أحوال النفس؛ من حيث صفاؤها، وصلتها بالخالق، وزهدها في زخرف هذه الحياة، واشتدت عنايتهم بالحديث في هذه الآداب، وكانوا يأخذون بها أنفسهم، ويرشدون إليها غيرهم، ويلقبون لذلك العهد: الزهاد، والوعاظ.
ومن أشهر هذه الطائفة: الحسن البصري، وكان صاحب حديث وفقه، وبيان وعلم بالقرآن، فصحبه طوائف من الناس شتى، فمنهم من صحبه ليأخذ
(4/ 2/89)

عنه الحديث والأخبار، ومنهم من صحبه ليستفيد منه البلاغة والبيان وعلم القرآن، ومنهم من صحبه ليتلقى عنه الفقه والأحكام، وهو-مع هذا- يتكلم في محاسبة النفس، والمراقبة، والأخلاق، والمحبة، واليقين، والاستهتار بذكر الله، وكان يعقد للحديث في هذا السبيل مجلساً في منزله، لا يشهده إلا طائفة يتوسم فيهم الكفاية لأن يفهموا، والقوة على أن يعملوا، وكان لا يتحدث في هذا المجلس إلا في هذا الباب من العلم.
قال أبو سعيد بن الأعرابى: لم يبلغنا أن أحداً ممن تكلم في هذه المذاهب (يعني: أحوال النفس)، ودعا إليها، وزاد في بيانها وترتيبها وصفات أهلها، مثل الحسن بن يسار البصري.
كان هؤلاء الفضلاء يصرفون هممهم إلى تزكية النفوس من نقائصها، وإسلام القلوب إلى ربها، يشهد بهذا كلمهم الطيب، ومواعظهم الحسنة.
ومن مواعظ الحسن البصري: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة الدثور، واردعوا هذه النفوس؛ فإنها طلعة تنزع إلى الشر عادة.
وعلى هذا الطراز يقول عامر بن قيس أحد زهاد التابعين: لقد أحببت الله حباً سهّل علي كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي له ما أصبحت عليه، وما أمسيت.
وأخذ بعض الناس في عهد التابعين ينحو نحو الغلو في الزهد، وكان الحسن البصري نفسه ممن يحارب هذا الغلو الذي لا يرتضيه الإسلام، ومما نقرؤه في تاريخ هؤلاء: أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص (1)؛ لأني
__________
(1) الخبيص: نوع من الحلواء معمول من التمر والسمن.
(4/ 2/90)

لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!.
فزهد الحسن البصري وأمثاله من فضلاء التابعين، لا يحيد عن منهج الشريعة يميناً ولا يساراً.
وتخرج في مجالس الحسن البصري وغيره طبقة عالمة زاكية، منهم: مالك بن دينار، وحبيب العجمي، وعبد الواحد بن زيد، وبقي هؤلاء الذين يلقبون الزهاد والوعاظ لا يمتازون عن جمهور الناس إلا بكثرة ما يعملون من صالح، وبشدة ما يحملون من خشية الله، والعزة به، والاعتماد عليه، وبانصراف هممهم عن التعلق بما في هذه الحياة من شهوات أو حطام.
وفي خلال النصف الأول من القرن الثاني صار الزهاد والوعاظ يسمّون بالصوفية، وأول من دعي بهذا الاسم: أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150 ه، وقد اختلف الناس في مأخذ هذا اللقب، فزعم بعضهم أنه مأخوذ من الصفّة؛ لشبه هؤلاء الزهاد بأهل الصفَّة، وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يقيمون بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عابدين متعففين، لا يفارقونه إلا لجهاد عدو، وهذا الوجه لا يوافق قاعدة النسب في اللغة؛ فإنها تقتضي أن يقال في النسب إلى صفّة: صُفّية، لا صوفية.
وذهب ابن الجوزي وآخرون إلى أن الصوفية نسبة إلى صوفة؛ تشبيهاً لهؤلاء الزهاد بآل صوفة، وهم قوم كانوأ يخدمون الكعبة في الجاهلية، ويتنسكون. والأقرب أنهم تسموا بالصوفية لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف؛ تجنباً للبس الفاخر من الثياب.
أخذ الزهاد والوعاظ لقب الصوفية، وما برحت طريقتهم قائمة على
(4/ 2/91)

قواعد الدين ورعاية آدابه، إلا نفراً كانوا يتشبهون بهم على جهالة، فيغرقون في الزهد، أو يَظهرون للناس بغير ما كانوا يسرون، وهم الذين يقول فيهم الإمام الشافعي:
ودع الذين إذا أتوك تنسكوا ... وإذا خلوا فهم ذئاب خفاف
وجعل الصوفية يتحدثون عما يرد عليهم من الخواطر، وما يجدونه من الأذواق، ويعبرون عن هذه الخواطر والأذواق بكلمات إما مألوفة، وإما غير مألوفة، حتى أصبح التصوف في القرن الثالث مذهباً ذا قواعد واصطلاحات، وزاد بما دخله من الاصطلاحات على المقدار الذي يستطيع أن يفهمه المفسّرون والمحدّثون من موارد الكتاب والسنة.

* ماذا حدث في التصوف بعد عهد الصحابة والتابعين:
يصف لنا التاريخ صوفية القرن الثالث، فنرى كثيراً منهم على مثال الحسن البصري، وسلمان الفارسي، منهم: أبو القاسم الجنيد الذي كان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. ونرى بجانبهم قوماً آخرين خلطوا التصوف بشيء من أصول الفلسفة الإشراقية، وكسوه لوناً من الزهد الفارسي، فأخذ هذا التصوف هيئة غير الهيئة التي عرف بها الزهاد والوعاظ في صدور الإسلام، وشاع يومئذ الغلو في الزهد، وراج ما توهموه في معنى التوكل من أنه نزع اليد من الأسباب جملة، ذلك التوهم الذي حاربه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأقواله وأفعاله، قبل أن يحاربه العلماء فيما حاربوا من آراء ساقطة، وأوهام قاتلة.
ومما حدث في مذهب الصوفية: الأناشيد التي يسمونها: الزهديات؛ كقول بعضهم:
يا غادياً في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا
(4/ 2/92)

وكم إلى كم لا تخاف موقفاً ... يستنطق الله به الجوارحا
يا عجباً منك وأنت مبصرٌ ... كيف تجنبت الطريق الواضحا
قال أبو حامد الخلفاني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله! هذه القصائد الرقائق التي في ذكر الجنة والنار، أي شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت: يقولون:
إذاما قال لي ربّي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
فقال: أعد، فأعدت عليه، فقام ودخل بيته، ورد الباب، فسمعت نحييه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
وليس في مثل هذه الأناشيد من بأس، فقد يكون فيها تذكرة لبعض النفوس الغافلة، وإنما تدخل في قبيل اللهو إذا كانت توضع في ألحان الغناء، حتى تكون اللذة في طيب أنغامها، لا فيما احتوته من حكمة أو موعظة.
أما السماع الذي تنكره على المتصوفة، فهي الأناشيد التي تحوي من وصف الغزل ما نسمعه في شعر عمر بن أبي ربيعة، أو تحوي من وصف الخمر مثل ما نسمعه في شعر أبي نواس، وحاشا لفضلاء الصوفية أن يكونوا قد شهدوا هذا النوع من السماع، وهم يحسبون أنهم في طاعة.
واتصل بالتصوف بعض بدع عملية؛ كالرقص في حال الذكر، وكاستعمال الآلات المطربة في المساجد.
(4/ 2/93)

قال أبو حامد الغزالي يصف المتصوفة في عصره: متصوفة أهل هذا الزمان - إلا من عصمه الله - اغتروا بالزي والمنطق والهيئة من السماع والرقص، ولم يتعبوا أنفسهم في المجاهدة والرياضة.
وقال القرطبي في "تفسيره" منكراً على أدعياء الصوفية: وما الإسلام إلا كتاب الله، وسنة رسول الله، وأما القضيب، فأول من اتخذه الزنادقة، يشغلون به المسلمين عن كتاب الله، فينبغي للسلطان أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ويعينهم على باطلهم.
وأمثال هؤلاء المتصوفة هم الذين أفتى الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني بتفسيقهم، وبطلان صلاة من يقتدي بهم.
وظهر من ناحية الصوفية تأويل بعض الآيات والأحاديث على وجوه توافق أذواقهم ومواجيدهم، وإذا كان الفضلاء منهم لم يبعدوا في هذا المسلك عما يحتمله اللفظ العربي، فقد تهافت عليه نفر لم يقفوا فيه عند حد، وارتكبوا من التأويل ما يتبرأ منه العقل واللغة، وتنكره الشريعة إنكاراً مغلظاً، ويكفي في عدم صحة هذا النوع من التفسير: أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين تفسير للقراَن بما يماثله أو يدانيه.
قال الإمام النسفي: النصوص تحمل على ظواهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد.
وقال ابن الصلاح: صنف السلمي حقائق التفسير، إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وإذا أساء قوم تأويل القرآن على جهالة، فلا ننسى أن طائفة من الزنادقة
(4/ 2/94)

اتخذوا هذا المسلك في التفسير ذريعة إلى قضاء بعض ما في نفوسهم؛ ليحرفوا كلم الله عن مواضعه، ومن المدبرين لهذه المكيدة: الطائفة التي يسمونها: الباطنية (1)، وأصل دعوتهم: "أن طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وذلك أنهم اجتمعوا، فتذاكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم، واستيلائهم على الممالك، لكنا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج الضعفاء منهم؛ فإن ذلك يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم" (2).
وقبل بعض أهل العلم المعاني التي يذكرها بعض الصوفية للآية أو الحديث، ولا تسعها اللغة، وهي في نفسها صحيحة، وحملها على أنها من باب الإشارة والاعتبار، لا على أنها تفسير يدل عليه اللفظ، بوجه من وجوه دلائله المقررة في علوم العربية، وهذا ما يقوله بعض من يتكلم في الآيات بلسان التصوف، ولهذا كانوا يلقبون أصحاب الإشارات.
وقد خالف هؤلاء القوم أبو بكر العربي في كتاب "العواصم من القواصم"، وأنكر أن تكون هذه المعاني مأخوذة من القرآن، ولو بطريق الإشارة؛ بحجة أن في أقوال الشريعة من الحكمة والموعظة ما لا يحتاج معه إلى مثل هذا الضرب من الإشارة والاعتبار.
وبلي التصوف في أثناء القرن الثالث بنفر اتخذوه مظهر آراء لا يقبلها الإسلام في حال، فكان من المنتسبين إليه من يذهب إلى القول بوحدة الوجود،
__________
(1) سمّوا بذلك لأنهم قالوا: إن للقرآن ظاهراً وباطناً، والمراد باطنه.
(2) المواقف وشرحها للسيد.
(4/ 2/95)

ويقول: ما ثمّ وجود قديم خالق، ووجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله.
وحدثت لذلك العهد مقالة الحلول؛ أي: إن الله يحل في بعض مخلوقاته. ومما جرى على هذا: قول أبي الحسين الحلاّج: "ما في الجبّة إلّا الله". ومن أجل هذه المقالة أفتى الفقهاء والصوفية المستقيمون بخروجه عن الإسلام، وقتل في خلافة المقتدر سنة 301 ه.
اتخذ الزنادقة أمثال هذه الآراء الزائغة ذريعة إلى أن يفسدوا على الناس أمر دينهم، ومن أثر هذه الغواية: قول بعضهم زاعماً أن الموحّد والمشرك في العبادة سواء:
وإن خرّ للأحجار في البيد عاكفٌ ... فلا تعد بالإنكار بالعصبيةِ
وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار من ألف حجتي
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقد نيتي
قال السعد التفتزاني: الحلول والاتحاد مستحيلان على الله، والمخالفون في هذا منهم نصارى، ومنهم منتمون إلى الإسلام، ثم قال: ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض لجة الوصول، فربما يحل الله تعالى فيه كالنار في الفحم، بحيث لا يتمايز به، ويتحد بحيث لا اثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول: هو أنا، وأنا هو، وحينئذ يرتفع الأمر والنهي.
ومن أهل العلم من يحسن الظن برجال ينعتون بالصلاح، ويؤثر عنهم مقالات تنطق أو تحوم حول الحلول والاتحاد، فيذهب بها مذهب التأويل، ويخرج بها إلى وجوه تخلصها من ورطة هذه العقيدة المنكرة، ولا أطيل
(4/ 2/96)

الحديث عن هذه الوجوه الغامضة، والمعاني غير المألوفة، فإنكم تجدونها مبسوطة في كتب التصوف، وبعض المؤلفات في علم الكلام.
وممن ذهب في مثل هذه المقالات مذهباً وسطاً: ولي الدين العراقي؛ حيث قال في كتابه "الأجوبة المرضية": "أما ابن العربي، فلا شك في اشتمال "الفصوص" المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك "فتوحاته المكية"، وينبغي عندي أن لا يحكم على ابن العربي في نفسه بشيء؛ فإني لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكنا نحكم على هذا الكلام بأنه كفر".
لبس الزنادقة لباس الزهاد والوعاظ، وحاربوا الإسلام من طريق التأويل، وحاربوه من طريق ما يسميه الصوفية: حالاً وذوقاً، وبالغوا في الاعتماد عليه حتى جعلوه من قبيل دلائل الشريعة، وهذا ما يرده ابن السبكي في قوله: "مسألة الإلهام ليس بحجة". بل طغى بهم العبث أن جعلوا دلالة الذوق فوق دلالة النصوص، وقالوا: إذا تعارض الأمر والذوق، قدمنا الذوق على الأمر، ومما يقوله بعض هؤلاء المضلّين:
يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني ... والوجد أصدق نهّاء وأمّارِ
فإن أُطعك وأعصي الوجد رحت عم ... عن اليقين إلى أوهام أخبار
وبنوا على هذا الزعم: أن الصوفي يتلقى أحكاماً سماوية من غير هذه الشريعة، وقالوا: إن الصوفية أباحت لهم أشياء هي محظورة على غيرهم، وتوسّلوا بهذا إلى أنْ أدخلوا في الإسلام صوراً من الباطل غير قليلة.
ويتصل بهذا الذي يصنعه الخاطئون قولهم: إن الولي إذا بلغ في القرب من الله منزلة عليا، سقطت عنه التكاليف جملة، وقالوا: إن التكليف خاص
(4/ 2/97)

بالعوام، ساقط عن الخواص، وتوكأ على هذه المقالة المبتدعة كئيرٌ من أولي الأهواء، يقعدون مقاعد الصوفية، ثم لا يبالون أن يضيعوا الصلاة، ويتبعوا الشهوات، على مرأى ومسمع من جماعات يعتقدون إخلاصهم، ومن الكلمات المصنوعة على هذا المنوال قول بعضهم وقد دعي إلى الصلاة:
يُطالب بالأوراد من كان غافلاً ... فكيف بقلب كل أوقاته وِرْدُ
وقيل لآخر من هذه الفئة: ألا تصلي؟ فقال: "وأنتم مع أورادكم، ونحن مع وارداتنا".
وليس بالبعيد أن هذه المقالات الخاطئة يعزوها إلى من عرف بالصلاح بعض أعدائه؛ ليحط من قدره، ويلوث سمعته، أو يضيفها إليه بعض أولي الضلال؛ ليتلقاها العامة بقبول وتقليد، وعلى أي حال كانت، لا تجد منا إلا أن نحذرها، ونغلق باب القبول دونها، ولكن أمر من اصطنعها إلى الجزاء العادل يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ومما حدث بعد عهد السلف ما يسمونه: تسليط الهمة.
قال أبو إسحاق الشاطبي: "تسليط الهمم على الأشياء حتى تنفعل، فذلك غير ثابت النقل، ولا تجد له أصلاً، بل أصل ذلك حال حِكَميّ، وتدبير فلسفي لا شرعي".
والذي يوافق عقيدة الإسلام: أن يقلب الرجل الصالح وجهه إلى السماء، فيدعو على من ظلم، فيستجيب الله دعاءه إن شاء.
* خلاصة البحث:
وخلاصة البحث: أن التصوف نشأ طاهراً نقياً، فلبسه قوم على جهالة، وابتغاه آخرون ليقضوا به مأرباً، أولئك يحدثون فيه بدعاً، وهؤلاء يدسون
(4/ 2/98)

فيه أقوالاً غاوية، وقد وقف العلماء تجاه هذا كله موقف من لا تأخذه في الله لومة لائم، فكانوا يضعون أقوال الصوفية وأعمالهم على محك النظر، ويزنونها بميزان الشريعة، فيتركون المستقيمين منهم في زهدهم وانقطاعهم إلى عبادة ربهم، ويضربون بما وجدوه من ضلالات أو بدع في وجوه مبتدعيها.
وإنما بقي التصوف ملوثاً بما تلوث به من بدع عملية وأخرى اعتقادية، مع مناهضة العلماء لهذه البدع، ومدافعتهم لها بالحجة، وكشفهم عما تحتها من سرائر، بقي كذلك؛ لأن أصحاب هذه البدع كانوا يبثون آراءهم بين أيدي السذج من الناس، والسذج والجهال من الناس ليسوا بقليل.
ومما استمدت منه هذه البدع بقاءها: أن بعض المنتمين إلى علوم الشريعة لا يستطيعون أن يفصلوا للوقائع والأقوال أحكاماً موزونة، فكانوا يقفون أمام بدع المتصوفة أو غلطاتهم موقف الحائر في أمرها، أو الجانح إلى مسالمة أهلها.

* الطرق الصوفية في الوقت الحاضر:
نحن نعرف أن في زعماء هذه الطرق رجال علم وفضل، ولا ننكر ما يقوم به هؤلاء الفضلاء من إرشاد وتعليم، ومعرفتنا لهؤلاء الرجال المستقيمين، لا تمنعنا من أن نلقي على الطرق الصوفية نظرة نبتغي بها أن نكون على بينة من شؤوننا الاجتماعية، وأن تكون هذه الشؤون في نظام وصفاء، ولا سيما شأن يلبس على أنه مظهر من مظاهر الدين الحنيف، فالمسألة خطرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة.
الحقيقة أنه لا يزال في بعض هذه الطرق بقية من المحدثات التي حشرت في الإسلام على جهالة، ولا يزال كثير من أصحابها يتناقلون عبارات مدسوسة
(4/ 2/99)

في التصوف على سوء نية، ولبعض هذه الطرق مظاهر تزدريها العيون، وتمجها الأذواق، وقد يحسبها من لا يعرف الإسلام أن لها صلة بالعبادات المشروعة في الإسلام، بل في رؤساء هذه الطرق من يتخذه الملاحدة دريئة يرمون من ورائها سهاماً مسمومة، لا غرض لها إلا أن تقع في مقاتل الدين الحنيف، وفي رؤساء الطرق من لا يزال يتقرب إلى الظالمين حتى يكون لسانهم الذي ينطق، وسمعهم الذي يسمع، ويصرهم الذي يرى.
فنحن نريد من علماء الطرق الصوفية أن ينظروا في هذه الطرق نظر من يعمل ابتغاء مرضاة الله، وينقدوا كل ما تحويه من تقاليد وآداب وأوراد، حتى إذا رأوا فيها ما لم يأذن به الله، طرحوه ناحية، وكان لهم في سيرة السلف من الصحابة والتابعين أسوة حسنة، فإذا لم ينقل عن السلف- مثلاً - أنهم احتفلوا في المساجد بالنفخ في المزامير، والنقر على الدفوف، أو أنهم ساروا في الشوارع يحملون الأعلام لغير جهاد، وإذا لم يرد عن السلف أنهم تحدثوا عن حضرة الخالق بعبارات موضوعة لعشق الحسان، ومعاقرة الخمور، علمنا أن هذا الصنيع كله إما لهو يشغل عن طاعة الله، أو باطل يصرف الوجه عن سبيل الله.
وإذا لم يرد في سيرة أحد من الصحابة أو التابعين أنه كان يسمي نفسه، أو يسميه غيره باسم يدل على أنه يتصرف في الكون تصرفاً غيبياً، كان الأحرى بالرئيس لأي طريق كان، أن لا يصف نفسه، ولا يسمح لأحد من أصحابه أن يصفه بما لم يوصف به صحابي جلس بين يدي أكمل الخليفة، وقضى حياته في عبادة خالصة، وسياسة عادلة، وجهاد في سبيل الله.
ندعو مشايخ الطرق الذين يؤثرون الحق على الخلق، أن يستضيئوا
(4/ 2/100)

بسيرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وننادي علماء الشريعة أن ينصحوا لكل من يفعل شيئاً على أنه من الدين، وما هو من الدين، وإذا طهر الله ناشئتنا من رجس الإلحاد، وحال بينهم وبين البدع الشائنة، والآراء الهازلة، فذلك اليوم الذي تكون لنا فيه أمة ذات خلق متين، ومظهر عظيم، والأمة التي تتدرع بالأخلاق المتينة، والمظاهر الحكيمة لا بد لها من أن تحيا في عزة وكرامة، ثم لا يجد الظالمون إلى السيطرة عليها من سبيل.
(4/ 2/101)

الدهاء في السياسة (1)
بدا لي أن تلقى في هذا الاحتفال كلمة، ولو على وجه الذكرى، وكان على المكتب أمامي أوراق مبعثرة، فمددت إليها يدي؛ لعلي أجد ما لا يكون في إلقائه على مسامعكم الزكية من بأس، فوقعت يدي على كلمة كنت جمعتها في حال اقتضى جمعها، ورأيتها الآن غير نابية عن هذا المقام، فتفضلوا بسماعها (2):
الدهاء: جودة الرأي التي تمكن السياسي من أن يدير نظاماً، أو يكشف عن وجه قضية بأسلوب لطيف. فغير الداهية ينبذ إلى الباطل على سواء، فتكون الحرب بينهما سجالاً، والداهية ينصب له المكيدة، فيقع كما يقع الأسد في الزبية العميقة، ومن لم يكن داهية، لا يمشي إلى الغرض إلا على
__________
(1) محاضرة ألقيت في نادي جمعية الهداية الإسلامية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية"- الجزء السادس من المجلد الخامس.
(2) افتتح الإمام محاضرته قائلاً:
أيها السادة! كان في الحسبان أن يقوم بمحاضرة هذه الليلة فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحيم ماسونتين مندوب جمعية التقدم الإسلامية الصينية، ووكيل مدرسة المعلمين الإسلامية في "بكين"-كما نشر في الصحف-، ولكن الأستاذ طرأ له عذر، فلم يتمكن من الحضور، وقد أرسل هذه الساعة معتذراً، ولم أستحسن أن ينعقد هذا الاحتفال العظيم، ثم يفترق على غير بحث علمي، أو تواصٍ بالحق.
(4/ 2/102)

خط مستقيم، فإذا اعترضته عقبة كؤود، وقف في حيرة، أو رجع على عقبه يائساً، والداهية يسير في خط منحن، أو منكسر، ولا يبالي بطول المسافة في جانب الثقة بإدراك الغاية المطلوبة.
يقوم الدهاء على فطرة الذكاء التي هي سرعة تصور المعاني الغامضة، وسهولة نفوذ الفكر إلى المقاصد الخفية، والإفراط فيه - الذي يعد عيباً في صاحب السياسة - إنما هو اختطاف صورة الأمر أو النتيجة من غير تثبيت في مأخذها، أو إحاطة بكنهها؛ إذ الشأن فيمن تضرب أشعة فكره في المعاني البعيدة أول ما يلتفت إليها لا يطيل البحث عن أسرارها، أو يستوفي النظر إلى آثارها.
فمن لم ينظر في الشؤون العامة بفكر ثاقب، ضاع من بين يديه كثير من المصالح، ووقع في شراك الخداع والمخاتلة، وكم من أمة قضى عليها بَلَهُ زعمائها أن تعيش في هاوية الذل، ونكدِ الحياة. وإنما استقام ظهر الخلافة لعهد عمر بن الخطاب؛ لأنه كان - مع سلامة ضميره، وصفاء سريرته - نافذ البصيرة في السياسة، بعيد النظر في عواقبها. قال المغيرة بن شعبة: كان عمر أفضل من أن يَخدع، وأعقل من أن يُخدع.
السياسة فنون شتى، والبراعة في كل فن تكون على حسب الأخذ بمبادئه، والدربة في مسالكه، فهذا خبير بسياسة الحرب، وبصيرته في السياسة المدنية عشواء، وآخر يدير القضايا، ويجري النظامات بين الأمة في أحكم نسق، فإذا خرجت به ليخوض في صلة أمة بأخرى، ضاقت عليه مسالك الرأي، وتلجلج لسانه في لُكنة، وربما جنح إلى السلم، والحربُ أشرف عاقبة، أو أذن بحرب، والصلحُ أقرب وسيلة إلى سعادة الأمة.
(4/ 2/103)

فلا بد للدهاء في فن سياسي من الوقوف على شيء من سننه، إما بتقلب الإنسان في الوقائع بنفسه، ومشاهدته لها عن رؤية عين، وهي التجارب الملوّح إليها بقول أبي تمام:
من لم يُقَد ويطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميسا
أو بتلقيها على طريق النقل؛ كدراسة فن التاريخ، أو الكتب المؤلفة في ذلك الفن من السياسة خاصة.
ولا يملك مزية الدهاء في السياسة، إلا من كان في استطاعته كتم تأثراته النفسية من غضب وسرور، ومودة وبغضاء، ولهذا يقول الأدباء: إنّ أحكم بيت قالته العرب:
ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرِّه يتأوه
فأناة الرئيس ورصانته هي المنبع الذي تسقى منه الأمة حرية الفكر، والسلَّم الذي تعرج منه إلى الأفق الأعلى من الأمن والسعادة.
تسمح الحكومات الحرة للكتّاب والخطباء أن يكشفوا عما في ضمائرهم، ويجهروا بآرائهم، وتسير معهم على مبدأ أن الناس أحرار في آرائهم وعواطفهم، فلا يسألون عنها، أو يؤاخذون بها متى كانت مباينة لمقاصد الرئيس، أو معارضة لمذهبه في السياسة، إلا إذا وضعوا أيديهم في إجرائها، واندفعوا إلى العمل على نفاذها.
تعد الحرية البالغة هذا الحد في حسنات بعض الحكومات الحاضرة، وقد أدار عليها أمراء الإسلام رحى سياستهم منذ ألف وثلاث مئة سنة، فهذا معاوية بن أبي سفيان يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني،
(4/ 2/104)

وتحت قدمي.
يتلقى الأمراء نقد سياستهم وآرائهم بصدر رحب، وكثير منهم من إذا أنس في الأمة تهيباً، كره أن ينقلب ذلك التهيب رهبة تجرُّهم إلى إيثار الخَلق على الحق، ويدعوهم إلى ما دعا إليه عمر بن الخطاب في قوله: "أيما رجل عتب علينا في خلق، فليؤذنِّي"؛ أي: فليعلمني. وكان المأمون يقول لأهل ناديه إذا جاروه في كلام: "هلا سألتموني لماذا؟ فإن العلم على المناظرة أثبت منه على المهابة".
يطلق الأمراء العادلون للآراء أعنتها لتعرض عليهم في أي صبغة شاءت، ويثقون في هذا التسامح بأن أمامها أفكاراً مستقلة، وعقولاً راجحة، فتقبل منها ما كان حقيقة ناصعة، وترد الزائف على عقبه خائباً.
يدور على الألسنة قول ابن خلدون في "مقدمة تاريخه": "إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك"، يلهج بهذه المقالة بعض الأعجمين رامزين إلى أن العرب لا يليق بهم أن يعيشوا كما يعيش الرجل الرشيد يتصرف في بيته، ويدير مصلحته بنفسه، وتبسط طائفة أخرى النكير على هذا الفيلسوف قائلة: كيف يصف الأمة التي شادت تلك الدولة الكبرى بالبعد عن مذاهب السياسة؟.
والذي ينظر في الفصل المعقود لهذه المقالة من "المقدمة" يجد ابن خلدون يتكلم على الأمة العربية الطبيعية، حيث ذكر أن العلة في بعدهم عن إجادة السياسة: اعتيادهم على البداوة، ونفورهم من سلطة القوانين، واحتياج رئيسهم إلى الإحسان إليهم، وعدم مراغمتهم، والسياسة تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهر. ثم صرح ابن خلدون في هذا الفصل نفسه، بأن هذه الأمة بعد ما طلع عليها الإسلام، وفتح أبصارها في مناهج السياسة العادلة،
(4/ 2/105)

سارت فيها باستقامة، فعظم ملكها، وقوي سلطانها.
ويوافق ما قاله ابن خلدون من أن العربي بعد مطلع الإسلام غير العربي في عصر الجاهلية: أن سعد بن أبي وقاص أرسل نفراً منهم المغيرة بن زرارة إلى (يزدجرد)، فدارت بينه وبينهم محاورة أفصح لهم في آخرها عن تعجبه من ظهورهم في هذا المظهر العظيم، بعد أن كانوا بمكانة من الجهل، فقال له المغيرة: إن ما وصف به العرب من الجهل هو حق، إلا أنه قد كان ذلك قبل الإسلام. وبعد أن انصرفوا قال لقائده رستم: "ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جواباً منهم".
ركبت مرة القطار من "برلين" إلى إحدى قراها القريبة منها، وكان في رفقتي أستاذان من المستشرقين، فأخذا يتحاوران باللسان الألماني، ولم أكن أفقه من هذا اللسان يومئذ شيئاً، ثم أقبل علىّ أحدهم، وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب لا يعرفون السياسة؟ فقلت له: إنما يصف ابن خلدون العرب في حال جاهليتهم، وقبل أن يهتدوا بهدي الإسلام، ويستنيروا بحكمته، فانقطع، وعاد إلى محاورة صاحبه.
ومن نظر إلى العربي في حال جاهليته، رآه مطبوعاً على خصلتين، يطوّح به الغلو فيهما إلى ما ليس وراءه غاية:
إحداهما: اندفاعه للانتقام ممن هضم له حقاً، أو مسّ جانبه بأذى، وحسن السياسة يقتضي التأني، والإغضاء عن كثير من الهفوات.
ثانيتهما: إطلاقه لأيدي شيعته وعشيرته، وغض الطرف عنهم إذا أخذهم الاعتزاز بجاهه، واضطهدوا حق ضعيف لا ينتمي إليه.
والسياسة تنافي الإفراط في معاضدة الأشياع والأحلاف، ولا تستقيم
(4/ 2/106)

مع الانتصار وهم مبطلون.
وقد قاومت الشريعة الإسلامية هاتين الطبيعتين، وجاهدت فيهما حق جهادها، حتى أعدت لسياسة العالم أساتذة مثل: عمر بن الخطاب الذي كان لا يراعي في إقامة الحق وكبحِ الباطل أشدَّ الناس به صلة، وأمسّهم به رحماً، ومثل معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه كان يُرمى بالمطاعن، ويرشق بسهام الإنكار، فيسرها في نفسه، ولا تبدو عليه سورة الغيظ الذي يتخبط كثيراً من المستبدين.
ومن دهاء عمر بن عبد العزيز: أنه كان يرى في كثير من الأمور مصالح للرعية، ولكن كان يسلك في إجرائها طريقة التمهل والتدريج؛ حذر أن يثقل عليهم عبؤها، فيطرحوها عن ظهورهم، ويقعوا في عاقبة سيئة. قال له ابنه عبد الملك: "مالك لا تنفذ الأمور؟ "، فقال: "لا تعجل يا بني؛ فإنني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه، وتكون فتنة".
فلا يخرج السياسي عن مجرى الاستقامة حيث يرى في سيرة الأمة عوجاً يتعذر عليه تقويمه بالقوة، فيحجم عن مكافحته، ولكن يبذل حكمته في علاج ذلك المبدأ السقيم، حتى يأخذ صحته، ولو بعد أمد طويل.
وقد بدأت السياسة في عهد معاوية لا تبالي أن تمر إلى الحق ولو على جسر من الباطل؛ كما قال زياد في بعض خطبه: قد علمنا أنا لا نصل إلى الحق إلا أن نخوض في الباطل خوضاً.
ويقول ابن خلدون: "إن العلماء من بين البشر أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها".
وذكر في توجيه هذه المقالة: أنهم معتادون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية، لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى
(4/ 2/107)

مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال، ويتبعها من الآثار.
وتحقيق هذا: أن العلم في نفسه لا يعوق صاحبه أن يدرك الغاية القصوى في السياسة، وإنما العلة التي تقعد بالعالم عن البراعة في تدبير الشؤون العامة إنما هي انكبابه وعكوفه على القواعد، وما يتفرع عنها من الأحكام، دون أن يضيف إليها الاطلاع على أحوال أهل العصر، ويفحص عما تقتضيه مصالحهم، وتستدعيه حاجتهم، ويغوص على الوقائع، فيتفقه في نشأتها، وما تصير إليه عاقبتها.
فما قاله ابن خلدون إنما ينطبق على حال العلماء الذين أنفقوا أوقاتهم في القضايا النظرية، ولم يضربوا بسهم في معرفة أسباب العمران، وطبائع الاجتماع، وهذه الحالة هي الغالبة على أمرهم في عصر ابن خلدون، وما تقدمه بزمن طويل، ولا سيما بعد أن وقفوا دون مرتبة الاجتهاد، وتهاونوا بالشطر الأهم من وظيفتهم، وهو الدعوة إلى الإصلاح أينما كانوا.
وأما الذين يقدرون وظيفتهم حق قدرها، ويقومون بما قلدهم الله من مراقبة سير الأمة، وإرشادها إلى وسائل الفلاح عن فكرة سليمة، وألمعية مهذبة، فإنهم يسبقون - بلا ريب - إلى الغاية السامية في السياسة القيمة، ولا يكون العلم عثرة تهوي بهم في البلَه والجهل بتدبير شؤون الاجتماع؛ كما يدّعي الذين يسمعون، أو يسردون مقالة ابن خلدون على غير تدبر وروية.
وكان الوزير التونسي خير الدين باشا يعقد مجالس من علماء جامع الزيتونة، ويلقي على وجه الشورى ما يهمه من المسائل العامة، فيتناوبونها بالبحث والنظر، حتى إذا نطق أحدهم برأي يصيب به المفصل من القضية، اهتز ذلك الوزير ارتياحاً، وضرب يمناه على يسراه قائلاً: لا تتقدم أمة إلا بعلمائها.
(4/ 2/108)

الزينة والرفاهية في الإسلام (1)
للناس أمام زينة الحياة وملاذها نزعات، فمنهم من يركض إليهما بغير عِنان، ويملأ يده منهما بغير ميزان، ومنهم من ينصرف عنهما جملة، وينفض منهما يده، ولو انساقتا إليه على وجه النعمة، والفريق الأول عقبة في سبيل الإسلام، والفريق الثاني تارك لجانب عظيم من شكر ذي الجلال والإكرام.
أما الإسلام، فقد وزن الزينة والملاذ بالقسطاس المستقيم، فوجد فيهما طيباً وخبيثاً، فأذن فيما كان طيباً، وزجر عما كان خبيثاً، وضع بينهما حدوداً، ونصب لكل منهما أعلاماً.
ولما كانت النفوس المسرفة في اتباع الشهوات أكثر من النفوس المبالغة في الانصراف عنها، تجد الشارع قد وجه عنايته للزجر عن الاستكثار منها، أكثرَ من توجيه عنايته إلى إنكار الغلوّ في التجرد منها، وتعمد الإمساك عنها.
وإذا نظرنا إلى الزينة والملاذ بنور الدين الحنيف، وجدناهما على ثلاثة أنواع:
أحدها: زينة ولذة يأتي من ناحيتها فساد كثير أو قليل، وهذا ما نهى
__________
(1) محاضرة الإمام في دار جمعية الهداية الإسلامية يوم الخميس 13 محرم من عام 1353 ه، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد السادس.
(4/ 2/109)

عنه الشارع على وجه التحريم والكراهة، ومن المحرّم: أكل الربا، وشرب الخمر، والاتصال بالأجنبيات من غير طريق مشروع، ولبس الرجال للذهب والحرير.
ومن المكروه: تناول ما فيه شبهة؛ كطعام مَن يغلب على ماله الحرام، ومن هذا القبيل: لبس الرجل ثوباً ذا لون يخالف المألوف في أثواب الرجال.
ثانيها: زينة أو لذة يكون في إتيانها مصلحة، وهذا ما استحبه الشارع، وندب إليه؛ كالزواج يبتغي به الولد الصالح، أو عصمة النفس من الوقوع في محظور، وكلبس الأثواب الجديدة النظيفة في المجامع اتقاء أن تزدريه العيون، وكاتخاذ الخيل في عداد ما يتخذ لدفع عدو هاجمٍ أو متحفز، أو للمحافظة على الأمن في البلاد.
ثالثها: زينة أو لذة لا تتصل بمفسدة، كما أنها لا تأتي بمصلحة؛ كاتخاذ الرجل الملابس والأطعمة الفاخرة من غير إسراف، وهذا ما أذن فيه الشارع، وفوّض فيه الأمر للشخص نفسه، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، فلا يلام على فعله، كما لا يمدح على تركه، إلا إذا قصد من تركه غاية محمودة؛ كأن يؤثر به ذا حاجة، أو ينفق ثمنه في وجه من وجوه الخير.
وقد يختلف الفقهاء في الأمر تلذه الأنفس، أو يكون مظهراً لزينة، فيلحقه بعضهم بالمكروه أو المحرّم، ويلحقه آخرون بالمأذون فيه، ومثال هذا: ما يذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو أعيادهم، فقد أباح طائفة من أهل العلم أكله؛ تمسكاً بعموم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5]. ومنعه آخرون استناداً إلى ما يذبحونه لكنائسهم أو أعيادهم مما يدخل في قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173].
(4/ 2/110)

ويدخل في هذا السلك: اتخاذ الأواني من جواهر نفيسة غيو الذهب والفضة، فقد أفتى بعض أهل العلم بحرمته، وأفتى آخرون بإباحته، وإنما اختلفوا؛ لاختلاف أنظارهم في فهم مقصد الشارع من النهي عن استعمال الآنية من الذهب أو الفضة، فمن فهم أن علّة هذا النهي الإسراف، أو التباهي، وجد العلة متحققة في كل جوهر يساوي الذهب والفضة، أو يفضلهما في نفاستهما وقيمتهما، فأفتى بحرمة استعماله، أما المجيزون، فذهبوا إلى أن علّة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة كون الذهب والفضة أثماناً للأشياء، واتخاذ أدوات المنزل منهما يفضي إلى قلتهما بأيدي الناس، وحبسهما عن التصرف الذي يتوقف عليه انتظام المعاملات، وهذه العلة لا توجد في غيرهما من الجواهر النفيسة، فلا حرج في اتخاذها زينة المنازل، واستعمالها فيما يستعمل من الأدوات.
نهى الشارع الحكيم عن الإفراط في تعاطي الزينات والملاذ، ووضع للخروج فيهما عن حدود العدل عقوبات محدودة، أو موكولة لاجتهاد القاضي، واتخذ لحماية النفوس من أن تتعبدها الشهوات وسائل بالغة.
ومن هذه الوسائل: فريضة الصيام؛ فإن حبس النفس عن بعض ما تلذه من نحو المطعومات شهراً كاملاً في السنة يكسبها قوة على ترك الملاذ متى شعرت بما ينتج عنها من عاقبة سيئة، وكذلك فرضت الزكاة لِحِكَم منها: تربية أصحاب الأموال على أدب العطف والرحمة، وأخذهم إلى إيثار الفضيلة على الشهوة، وما المفطر في نهار رمضان، أو مانع الزكاة إلا رجل يحمل بين جنبيه نفساً غارقة في حب الشهوات، لا تسمع منادياً، فأنّى لها أن تجيب واعظاً؟.
(4/ 2/111)

ومن يطلق يده بالإنفاق في الزينة وما تلذه نفسه، وكان يتجاوز بالإنفاق عادة أمثاله، يقلّ نصيبه من البذل في وجوه الخير، ذلك أن القلوب المبتلاة بحب الزينة واللذات الجسيمة، لا تقف فيها عند حد، وكلما أدركت منزلة، تشوقت إلى ما فوقها، قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام البخاري: "وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، وإن أخذه بغير حقه، كان الذي يأكل ولا يشبع".
وهذه القلوب المريضة تتسابق إلى الشهوات، وتتباهى بما تناله منها؛ كما تتباهى النفوس الزكية بما تحظى به من خير وكمال، قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام البخاري: "فو الله! ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا؛ كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم".
ومن تملكه حب الزينة والملاذ الجسمية، لم يبال أن يأتيها، ولو من طريق يحط من كرامته، ويذهب ببعض عزّته، فالحرص على زهرة الحياة يبسط يد القاضي لتناول الرشوة، ويجعل في أذنه وقراً، فلا يسمع صوت الحق، وهو ينذره المنقلب الذي ينقلب إليه آكلو أموال الناس بالباطل، والحاكمون بغير ما أنزل الله.
والحرص على زهرة الحياة قد يلجم العالم عن قول الحق، أو يطلق لسانه بغير الحق، يخاف أن ينقطع عن رفاهية أصبح يتقلب فيها، أو تفوته رفاهية بات يترقبها، قال ابن خزيمة: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد، فحدّث عن أبيه بحديث غلط في إسناده، فرددته عليه، فلما خرجت من عنده، قال لي فلان القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة،
(4/ 2/112)

فلم يقدر أحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديثاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه خطأ أو تحريف فلا أرده.
فلعل قلب ذلك القاضي كان متعلقاً بزخرف الحياة حتى أصبح يؤثره على قول الحق، أما ابن خزيمة، فليس لزخرف الحياة وأبهة الإمارة في جانب قول الحق عنده من قيمة.
وإذا كان الموسر الذي يسرف في الزيية والملاذ موضع الملامة، فأولى باللوم والموعظة ذلك الذي يتكلف للملابس النفيسة، أو المطاعم الفاخرة، ويأتيها من طريق الاقتراض؛ فإن الهم والذل اللذين يجرهما الدَّين يقلبان كل صفو إلى كدر، وكلَّ لذة إلى مرارة، وقد أصاب الرمية ذلك الشاعر يقول:
إذا رمتَ أن تستقرض المالَ من أخٍ ... تعوَّدتَ منه اليسر في زمن العُسرِ
فسلْ نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغنيَّ وإن أبتْ ... فكلُّ منوعٍ بعدها واسع العذر
وإنما رجل الدنيا وواحدها من تكون همته وإرادته فوق عواطفه وشهواته، فإذا نزعت نفسه إلى زينة أو لذة لا ينالها إلا أن يبذل شيئاً من كرامته، راضها بالحكمة، وأراها أن مثقال ذرَّة من الكرامة يرجح بالقناطير المقنطرة من زينة هذه الحياة وملاذها.

* الغلو في ترك الزينة والطيب من الرزق:
ومما جاء في كراهة المبالغة في الامتناع من الزينة والطيب من الرزق: قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
(4/ 2/113)

إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87].
ففي هاتين الآيتين نهي عن الإفراط في ترك الزينة والطيب من الرزق، لتركها زهداً في الدنيا، وفيهما بيان أن ذلك الترك في نفسه لا يقرب من الله قيد أنملة، فللمؤمن أن يأخذ من الزينة، ويتناول من الطيبات ما شاء، وقوله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] إما أن يكون نهياً عن تعدي حدود ما أحل لهم، أو نهياً عن الإسراف في الحلال، وفي الإسراف مفسدة أي مفسدة، قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة.
وكان أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - شديد الزهد، حريصاً على أن يسير الناس سيرة القانع بالكفاف من القوت، فأخذ ينكر عليهم وهو بالشام الاتساعَ في المراكب والملابس، ويدعوهم إلى صرف ما زاد عن حاجتهم إلى وجوه البر، فوقع بينه وبين معاوية - رضي الله عنه - كلام، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، وجعل يدعوهم بتلك الدعوة في شدة، فقال له عثمان - رضي الله عنه -: لو اعتزلت! قال أبو بكر بن العربي: "معناه - أي: قول عثمان -: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطاً، وللعزلة مثلها، ومن كان كأبي ذر، فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربدة زاهداً فاضلاً، وترك جلة فضلاء، وكلٌّ على خير وبركة وفضل".
وهذا الحسن البصري، وهو من أفضل التابعين، ينكر على من يعد من الورع ترك بعض الأطعمة اللذيذة، دُعي الحسن مرة، ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها ألوان من الدجاج المسمّن والفالوذج
(4/ 2/114)

وغير ذلك، فاعتزل فرقدٌ ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فريقد! أترى لُعابَ النحل بلُباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟!.
وقد أنكر أبو بكر بن العربي ما يفعله بعض المتصوفة من اتخاذه ثوباً يصنعه من رقاع مختلفة، وعدّه من البدع المكروهة في الإسلام.
ومما ورد في الحث على التجمل: حديث جابر - رضي الله عنه -، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى رجل عليه بُردان قد خلقا "بليا"، فقال: "أما له ثوبان غير هذين؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، له ثوبان في العيبة كسوته إياهما. قال: "فادعه فمره أن يلبسهما"، قال: فدعوته، فلبسهما.
وفي هذا الحديث شاهد على أن الدين يأمر الشخص بالتجمل في الملبس، وينهاه عن الخروج في أثواب تزدريها العيون، وهو يستطيع أن يخرج في أثواب نقية غير بالية، وقال عمر بن الخطاب: إذا أوسع الله عليكم، فأوسعوا على أنفسكم. وحمل هذا الأثر بعضُ أهل العلم على معنى: أن الرجل إذا أوسع الله عليه في ماله، فليوسع على نفسه في ملبسه، فيحمل نفسه على عادة مثله. وسئل مالك عن قول الله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، فقال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه.
وكان أهل الأندلس فيما حكاه صاحب "نفح الطيب": أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها.
(4/ 2/115)

فإن قال قائل: إن الصحابة - رضي الله عنه - كانوا لا يحتفلون بأمر الملبس والمطعم؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب كان وهو خليفة يأكل خبز الشعير، ويلبس الثوب المرقع، فمن حق الولاة والعلماء من بعدهم أن يسلكوا هذه السيرة، وينحوا في الزهد هذا النحو، فإذا خرجوا عنه، كانوا موضع اللوم والإنكار؟
قلنا: لا لوم ولا إنكار، فسماحة الدين تسع المسلم أن يتبسط في ملبسه ومأكله، ومسكنه ومركبه، من غير إسراف، والأمر في هذا يختلف باختلاف البيئات والأزمنة، يدلكم على هذا: أن عمر بن الخطاب قدم الشام، فوجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، والمراكب النفسية، والثياب الفاخرة، فسأله عن ذلك، فقال: إنا بأرض نحتاج فيها لمثل هذا، فقال: لا أقرك ولا أنهاك ... ومعناه: أن الأمر في هذا يرجع إليك، فإن كانت الحاجة تدعو إليه، فهو حسن، وإن لم تدع إليه حاجة، فهو إنفاق لأموال الأمة في غير حق، وعمر بن الخطاب الذي كان يأكل خبز الشعير بالملح كان يفرض لعامله نصف شاة كل يوم، قال شهاب الدين القرافي: يفعل عمر هذا؛ لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو سلكها غيره، لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج عمر إلى أن يضع غيره في مظهر آخر أدعى للاحترام، وأحفظ للنظام.

* هل يدخل الورع في ترك المباح؟
وقع في أوائل القرن السابع خلاف بين طائفة من العلماء في المباحات، هل يدخلها الورع؟ فقال الأستاذ الأبياني: ليس في تركها ورع؛ لأن الورع مندوب إليه، وهذه المباحات قد سوّى الله بين فعلها وتركها، والندب مع التسوية لا يستقيم.
(4/ 2/116)

وقال الأستاذ بهاء الدين الحموي: قد يكون في تركها ورع؛ فإن السلف كانوا يزهدون في كثير من المباحات، وساق في الاستشهاد على هذا الرأي قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20].
والحق أن ترك المباح في نفسه ليس من الورع في شيء، فمن ترك طعاماً لذيذاً، أو ثوباً نفيساً، وهو يستطيعه، قاصداً التقرب إلى الله تعالى بهذا الترك، فقد أخطأ طريق التقوى، أما إذا ترك نوعاً من الزينة أو اللذة لغرض محمود في لسان الشارع؛ كأن يتركه في بعض الأوقات حذراً أن تجر المداومة عليه أو الإكثار منه إلى اعتياده، وصعوية الصبر عليه عند فقده، فذلك مما يصح أن يدخل في باب الورع، وعلى مثل هذا يحمل ما يروى عن بعض السلف من تركهم الزينة أو بعض الملاذ وهم يقدرون عليها.
وأما الآية، فإنما وردت فيما يقال للكفار يوم القيامة، وأصلها: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: 20]؛ أي: ليس لكم حظ من الطيبات إلا ما أصبتموه في دنياكم، فلا شاهد في الآية على أنّ تناول المؤمن من الطيبات في الدنيا ينقص نصيبه منها في الآخرة، ولا أن تركه لجانب منها في هذه الحياة يستحق به المثوبة في تلك الحياة.

* قبول عطايا الأمراء الظالمين:
اختلف الفقهاء في الاستمتاع بالمال يأتي ممن يغلب على ماله الحرام، فاستحلّه قوم، وحرّمه آخرون، واستدل المجيزون بأن جماعة من أئمة السلف أدركوا أيام بعض الأمراء الظالمين، وقبلوا عطاياهم؛ كما قبل أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري عطايا يزيد بن عبد الملك، وقبل ابن عمر، وابن عباس عطايا الحجاج، وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمة، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد
(4/ 2/117)

ألف دينار في دفعة، وكان أسد بن الفرات يقبل عطايا السلطان، فسئل عن ذلك فقال: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي.
وكثير منهم كانوا يتورعون عن قبول عطايا الظالمين؛ كسعيد بن المسيب؛ فإنه كان يتجر في الزيت، ويقول: إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين.
والحق أن من يحس في نفسه الضعف، ويخشى أن ينحدر به قبولُ هبات الظالمين إلى التغاضي عن باطلهم، أو مجاراتهم في طغيانهم، فقبض يده عن قبولها، فقد أجاب داعي التقوى. قال أبو ذر للأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان نحلة، فإذا كان أثمان دينكم، فدعوه.
وقد حمل بعض أهل العلم ما فعله بعض الأئمة من قبولهم لجوائز أولئك الأمراء، على أنهم يأخذونها لينفقوها على أولي الحاجة، روي عن جابر بن زيد: أنه جاءه مال من السلطان، فتصدق به، وقال: رأيت أن آخذه منه، وأتصدقَ به أحبُّ إليّ من أن أدعه في أيديهم.
وروي أن ابن عمر كان يفرق ما يأخذه من الجوائز، حتى إنه استقرض مرة في المجلس الذي فرق فيه ستين ألفاً.
والخلاصة: أن الإسلام جرى بالنفوس في الاستمتاع بالزينة والملاذ في طريق وسط، فدلّ على أنه الدين الذي يهدي إلى السعادة في الأخرى، ويرضى لأوليائه أن يعيشوا عيشاً طيباً في الحياة الدنيا.
(4/ 2/118)

الصّداقة (1)

عاطفة سامية القدر، غزيرة الفائدة، تلك هي الصداقة، والشارع رغب في أن تكون المعاملة بين المسلمين معاملة الصديق للصديق، ألا ترونه كيف أمر المسلم بأن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه؟ بل استحب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم، وإن كان به حاجة، وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه.
هذا الأدب الإسلامي نبهني لأن أتحدث إليكم في هذه الليلة عن الصداقة:

* ما هي الصداقة؟
المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذَّة، وإما أن تكون للفضيلة، وقد يطلق على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة اسم الصداقة.

* صداقة المنفعة:
هي أن يحب الإنسان شخصاً لما يناله منه من منافع، وشأن هذه الصداقة أن تبقى معقودة بين الشخصين ما دامت المنافع جارية، فإن انقطعت المنافع، انقطعت هذه الصداقة.

* صداقة اللذة:
هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقاً، وشأن هذه
__________
(1) محاضرة الإمام ألقيت في نادي جمعية الهداية الإسلامية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزأين الأول والثاني من المجلد الثامن.
(4/ 2/119)

الصداقة أيضاً أن تنقطع عندما تنصرف النفس عن اللذة التي بعثتها.

* صداقة الفضيلة:
هي المحبة التي يكون باعثها اعتقاد كل من الشخصين أن صاحبه على جانب من كمال النفس، وهذه هي الصداقة التي يهمنا الحديث عنها في هذا المقام.

* الصداقة فضيلة:
ليست صداقة المنفعة، ولا صداقة اللذة بمعدودة في خصال الشرف، وإنما الذي يصح أن يعدّ خصلة شريفة: الصداقة التي يبعثها في نفسك مجرد اعتقاد أن صاحبها يتحلى بخلق كريم، وهذه الصداقة تشبه سائر الفضائل في رسوخها في النفس، وايتائها ثمراً طيباً في كل حين، وهي التي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاء، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله لإنقاذ صديقه من شدة، فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة، فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، ويجلس لأصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعدُ متواضعاً حليماً، والفضل في خروجه من رذيلتي الكبر وطيش الغضب عائد إلى الصداقة.
وإن شئت فقل: إن حب الشخص لك لفضيلتك علامة على كمال أصل خلقه؛ فإنك لا ترجو من شخص أن يحبك لفضيلتك إلا أن يكون صاحب فضيلة:
(4/ 2/120)

وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضلٍ وذا أدبِ

* الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء:
في اتخاذ صديق حميم لذةٌ روحية يدركها من يَسَّرَ الله له أن انعقدت بينه وبين رجل من ذوي الأخلاق النبيلة، والآداب العالية مودّةٌ، ولا منشأ لهذه اللذة الروحية إلا الشعور بما بينه وبين ذلك الرجل النبيل المهذب من صداقة.
وصديق الفضيلة هو الذي يجد في لقاء صديقه ارتياحاً وابتهاجاً، ويعد الوقت الذي يقضيه في الأنس به من أطيب الأوقات التي لا تسمح بها الأيام إلا قليلاً.
ثم إن الصداقة - وإن قامت على أساس الفضيلة، ولم يكن للمنفعة أثر في تكوين رابطتها-تستدعي بطبيعتها جلب المنفعة، أو دفع الضرر، فإنها تبعث الصديق على أن يدفع عن صديقه الأذى بما عنده من قوة، وتهزه لأن يسعده في الشدائد بما أوتي من جاه أو سطوة.
ولمثل هذا أوصى بعض الحكماء باتخاذ الأصدقاء، فقال: "أعجز الناس من فرّط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيعّ من ظفر به منهم". وقال الشاعر الحكيم:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنَّ إخوانَ الثقاتِ الذخائرُ

* الاستكثار من الأصدقاء:
متى حظي الإنسان بأصدقاء كثيرين، فقد ساقت له الأقدار خيراً كثيراً، ففي الصداقة: ابتهاج القلب عند لقاء الصديق، وفيها: لذة روحية، ولو في حال غيبة الصديق، وفيها: عون على تخفيف مصائب الحياة. وكذلك أوصى
(4/ 2/121)

بعض الحكماء ابنه، فقال: "يا بني! إذا دخلت المصر، فاستكثر من الصديق، أما العدو، فلا يهمنَّك".
وقال بعض الأدباء:
ولن تنفك تُحسد أو تعادى ... فأكثرْ ما استطعت من الصديقِ
ومبنى هذه النصيحة على أن شأن حساد الرجل وأعدائه: تدبير الوسائل للكيد له، وطَرْقُ كل باب يحتمل أن يكون من ورائه ما يشفي صدورهم، فإذا ساعده القدر على أن يكثر من الأصدقاء، فقد أكثر من الألسنة التي تدحض ما يُرمى به من المزاعم، والأيدي التي تساعده على السلامة من الأذى.

* علامة الصداقة الفاضلة:
ليس من علامة الصداقة الفاضلة أن يقوم لك الرجل مبتدراً، أو يلاقيك باسماً، أو يثني عليك في وجهك مسهباً ومكرراً، فذلك شيء يفعله كثير من الناس مع من يحملون له أشد العداوة والبغضاء، وأصبح كثير منهم يعدونه من الكياسة، ويخادعون به من إذا أسمعوه مدحاً، فكأنما سقوه خمراً، وربما استثقلوا من لم يسلك هذه الشعبة من النفاق، ونسبوه إلى جفاء الطبع، وقلة التدرب على الآداب الجارية في هذا العصر.
وقد ذكر الأدباء للصداقة الخالصة علامات:
منها: أن يدفع عنك وأنت غائب عنه، قال العتابي:
وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من صدَّقته المغائبُ
ومنها: أن تكون مودته في حال استغنائك عنه، واحتياجك إليه سواء، قال الأحنف بن قيس: "خير الإخوان من إن استغنيت عنه، لم يزدك في المودة، وإن احتجت إليه، لم ينقصك منها".
(4/ 2/122)

ومنها: أن ينهض لكشف الكربة عنك ما استطاع كشفها، لا يحمله على ذلك إلا الوفاء بعهد الصداقة، قال بعضهم في صديق له:
وكنتُ إذا الشدائد أرهقتني ... يقومُ لها وأقعدُ لا أقومُ
والألمعي يعرف الصداقة من نظرات العيون، ويحسها في أساليب الخطاب، ويلمحها من وراء أحرف الرسائل:
والنفسُ تدرك من عيني محدِّثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
ومن المثل العالية للصداقة المتينة: صداقة الوزير الوليد بن عبد الرحمن ابن غانم للوزير هاشم بن عبد العزيز. نقرأ في تاريخ الأندلس: أن الوزير هاشماً بعثه السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي على رأس جيش، فوقع هذا الوزير أسيراً في يد العدو، وجرى ذكره يوماً في مجلس السلطان محمد ابن عبد الرحمن، فاستقصره السلطان، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد بالرأي، فلم ينطق أحد من الحاضرين في الاعتذار عنه بكلمة، ما عدا صديقه الوليد، فإنه قال: "أصلح الله تعالى الأمير! إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلاً غير مدبر، ملبياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه، فإنه لا طريق للملامة عليه، وليس عليه ما حنته الحرب الغشوم. وأيضاً فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضا للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ".
وقع هذا الاعتذار من السلطان موقع الإعجاب، وشكر للوليد وفاءه
(4/ 2/123)

لهاشم، وترك تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه.
ووصل خبر هذا الاعتذار إلى هاشم، فكتب خطاب شكر للوليد، ومما يقول في هذا الخطاب: "الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذبَّ عنك في الغيب لا في المشهد، والوفيُّ من وفى لك إذا خانك زمان". ومما جاء في هذا الخطاب من الشعر:
أيا ذاكري بالغيب في محفل به ... تصامت جمعٌ عن جواب به نصري
أتتني والبيداء بيني وبينها ... رقى كلمات خلصتني من الأسر
لئن قرَّب الله اللقاء فإنني ... سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر
فكتب إليه الوليد جواباً يقول فيه:
"وصلني شكرك على أن قلت ما علمت، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما ذكرته من ذلك، والله تعالى شاهد على أني أتيت ذلك في مجالس غير المجلس المنقول إلى سيدي، إن خفيت عن المخلوق، فما تخفى عن الخالق، ما أردت بهما إلا أداء بعض ما أعتقده لك، وكم سهرتَ وأنا نائم، وقمتَ في حقي وأنا قاعد! والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً".

* الصداقة تقوم على التشابه:
لا تنعقد الصداقة الصافية بين شخصين إلا أن يكون بين روحيهما تقارب، وفي آدابهما تشابه، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
وما يلبث الإخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روحُ شكل إلى شكلِ
فإن وجدت صحبة بين بخيل وكريم، أو جبان وشجاع، أو غبي وذكي، أو مهتد ومبتدع، فاعلم أن الصحبة لم تبلغ أن تكون صداقة بالغة، قال الطائي:
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
(4/ 2/124)

أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان

* البعد من صداقة غير الفضلاء:
ينبغي للرجل أن يتخير لصداقته الفضلاء من الناس، فهؤلاء هم الذين تجد الصداقة فيهم قلوباً طيبة، فتنبت نباتاً حسناً، وتأتي بثمر لذيذ، قال عبيد الله بن عبدالله بن عتبة:
عزيزٌ إخائي لا ينال مودتي ... من القوم إلا مسلم كاملُ العقلِ
وقال آخر:
وبغضاء التقيِّ أقلُّ ضيراً ... وأسلم من مودة ذي الفسوق
وكثيراً ما يقاس الرجل بأصدقائه، فإن رآه الناس يصاحب الفسّاف والمبتدعين، سبق إلى ظنونهم أنه راض عن الابتداع، ولا يتحرج من الفسوق. وقد صرح أحد الشعراء بأنه ترك مودة رجل من أجل أنه يصاحب الأرذال من الناس، فقال:
يزهِّدني في ودِّك ابن مساحق ... مودتُك الأرذال دون ذوي الفضل

* الاحتراس من الصديق:
قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق؛ كما قال أحدهم:
أما العداة فقد أروك ظنونهم ... واقصد بسوء ظنونك الإخوانا
وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجهاً، هو: الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر، فقال:
احذرْ عدوك مرةً ... واحذرْ صديقك ألف مرهْ
فلربما انقلب الصديقُ ... فكان أعلمَ بالمضرَّهْ
(4/ 2/125)

والقول الفاصل في هذا: أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته، كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس من الأصدقاء، أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما، فلا موضع للاحتراس منه.
فإن اجتهدت أيها الألمعي رأيك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقةُ فضيلة، ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب، فلا يحملك هذا الخطأ في الاجتهاد على الاحتراس من كل صداقة، فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياساً في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها، ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعة خلق، وسماحة نفس.

* هل الصداقة اختيارية؟
إذا كانت الصداقة الشريفة ترجع إلى محبة الشخص لفضيلته، كانت غير اختيارية؛ لأنها ترتبط بسبب هو الفضيلة. وقد أشار بعض الأدباء إلى أنه لا منّة له في الصداقة حتى يستحق عليها الحمد، فكتب إلى صديق له: "إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام؛ لأن النفس يتبع بعضها بعضاً".
والواقع أن الاختيار يرجع إلى فتح الصدر لها، وربط القلب عليها، والسير في الأقوال والأفعال على مقتضى عاطفتها، فإذا حمدت الرجل على صداقته، فإنما تحمده على أن أقرَّها في صدره مغتبطاً بها، ثم جرى على ما تستدعيه من نحو المواصلة والمؤانسة.

* دعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة:
يزعم بعض الأدباء أن الصداقة الخالصة من كل شائبة مفقودة، ومن
(4/ 2/126)

هؤلاء من ينفيها من الدنيا بإطلاق، كما قال أبو الجوائز الحسن بن علي:
دع الناس طراً واصرف الودَّ عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامحُ
ولا تبغ من دهرٍ تظاهر رنقه (1) ... صفاء بنيه والطباع جوامحُ
وشيئان معدومان في الأرض: درهمٌ .... حلالٌ، وخلٌّ في الحقيقة ناصحُ
وقال آخر:
زمانٌ كلُّ حِبٍّ فيه خَبٌّ ... وطعم الخِلِّ خَلٌّ لو يذاقُ
له سوقٌ بضاعته نفاقٌ ... فنافقَ فالنفاقُ له نَفاقُ
ومنهم من يشكو أهل زمانه، ويخبر بأنه لم يجد من بينهم من يصطفيه للصداقة؛ كما قال بعضهم:
خبرت بني الأيام طرّاً فلم أجدْ ... صديقاً صدوقاً مسعداً في النوائبِ
وأصفيتهم مني الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالنوى والشوائبِ
وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقبِ
وكما قال الطغرائي:
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
والحق أن صاحب الفضيلة لا يعدم الصديق الفاضل، وتحمل هذه الأشعار وأمثالها على أن أصحابها قد نظموها في أحوال خاصة؛ كأن يروا من بعض من كانوا يعدونهم أصدقاء أموراً يكرهونها، أو يروا منهم سكوناً حيث يجب عليهم أن يتحركوا لإسعادهم.
__________
(1) رنقه: كدره.
(4/ 2/127)

* الصديق المخلص عزيز:
إن كان أصدقاء المنفعة كثيراً، فإن الذي يحبك لفضلك، وتحبه لفضله، حباً يبقى ما بقيت الفضيلة، عزيزُ المنال. قال يونس: اثنان ما في الأرض أقلُّ
منهما، ولا يزدادان إلا قلة: درهم يوضع في حق، وأخ يُسكن إليه في الله.
وهذا الصديق هو الذي حثك الشاعر على التمسك به، فقال:
وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فاشدد عليه وعش بذاك الواحدِ
وكلما قضى الإنسان مرحلة من عمره في الاعتبار والتجارب، ازداد علماً بأن أصدقاء الفضيلة لا تسمح بهم الأيام إلا قليلاً.
وإذا بدا لك أن أصدقاءك في وقت الشباب أكثرُ من أصدقائك وأنت شيخ، فإن الشباب مقبل على الحياة في شيء كبير من النشاط والارتياح، فيكون أسرع إلى اتخاذ الأصدقاء من الشيخ الذي ترك طول السنين في عظامه فتوراً، وأبقت الحوادث في صدره ضيقاً. وإن شئت فقل: إن الشباب لم يزل على الفطرة، فيقيم صداقته على الظاهر، ولا يبالغ في نقد الناس مبالغة الشيخ الذي يحمله طول التجارب على أن يتريث في اختيار الأصدقاء.
ويضاف إلى هذا: أن الشيخ لا يبلغ السن الذي يبلغه، حتى يأخذ الموت من أصدقائه فوجاً أو أفواجاً، وفقد الأصدقاء يترك في نفس الرجل وحشة، وربما وقع في ظنه، وجرى على لسانه استبعاد أن يجد بعد أولئك الأصدقاء من يماثلهم في إخلاص المودة والوفاء بالعهد.

* الإغماض عن عثرات الأصدقاء:
يرى الباحثون في طبائع البشر: أن ليس فيهم من يتخذ صديقاً، ويرجى منه أن يسير على ما يرضى صديقه في كل حال، ودلتهم التجارب على أن
(4/ 2/128)

الصديق - وان بلغت صداقته المنتهى - قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة، فلو أخذت تهجر من إخوانك كل من صدرت منه هفوة، لم تلبث أن تفقدهم جميعاً، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك.
عرَّف هذا المعنى الشاعر الذي يقول:
ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمّه ... على شعثٍ أَيُّ الرجال المهذَّبُ؟!
والذي يقول:
أغمّضُ للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
والذي يقول:
ومن يتتبع جاهداً كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ
وقد عبر عن هذا المعنى بشار بن برد إذ قال:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تُعاتِبُهْ
فعش واحداً أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرة ومجانبهْ
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذي ... ظمئت، وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهْ
واذا كان الصفح عن الزلات من أفضل خصال الحمد، فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.

* معاملة الأصدقاء بالمثل:
يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وأشار إلى هذا المذهب أبو القاسم الحريري في
(4/ 2/129)

"مقاماته" بمثل قوله: "بل نتوازن في المقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال".
والقول الفصل في هذا: أن ما يصدر من الصديق، إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو خطأ في اجتهاد الرأي، فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولا ينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.
أما إن كان عن زهد في الصحبة، وانصرافاً عن الصداقة، فلك أن تزهد في صحبته، وتقطع النظر عن صداقته، وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت:
وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي ... إذا صدَّ عني ذو المودة يقربُ
ولكنه إن دام دمت وإن يكنْ ... له مذهبٌ عني فلي فيه مذهبُ
ألا إن خير الودِّ ودٌّ تطوعت ... له النفسُ لا ودٌّ أتى وهو متعبُ
والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة، ويين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة، يرجع فيه الرجل إلى الدلائل التي لا يبقى معها ريب، والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به، فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بيّنةٌ واضحة.

* عتاب الأصدقاء:
لا يخلو الرجل، وهو معرَّض للغفلة والضرورة والخطأ في الرأي، أن يُخل بشيء من واجبات الصداقة، فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك، أقمت له من نفسك عذراً، وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه الصداقة.
فإن حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة، فهذا موضع العتاب، فالعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر، أو اعتراف بالتقصير، فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر،
(4/ 2/130)

وسماحة نفس. وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر:
أعاتبُ ذا المودة من صديق ... إذا ما سامني منه اغترابُ
إذا ذهب العتاب فلا ودادٌ ... ويبقى الودُّ ما بقي العتاب
ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدر سليم: أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق، ذهب كل ما في نفسه، ولم يجد للعتاب داعياً. قال أحد الأدباء:
أزور محمداً وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور
فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير
فإن أكثر صاحبك من الإجحاف بحق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف عذراً يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته، فذلك موضع قول الشاعر:
أقللْ عتابَ من استربت بودّه ... ليست تُنال مودةٌ بعتاب

* كتم السر عن الأصدقاء:
من المعروف أن الإنسان لا يكتم عن أصدقائه سراً يخشى من إفشائه ضرراً، وقد يجد الرجل في نفسه شيئاً متى شعر بأن صديقه قد كتم عنه بعض ما يعلم من الشؤون. وأشار إلى هذا بعضهم فقال:
والخِلُّ كالماء يُبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
ومن الأدباء من ذهب في النصح بكتم السر الذي يخشى من إذاعته ضرر إلى حد أن نصحَ بكتمه حتى عن الأصدقاء. ووجه هذا الرأي: إنما هو الخوف من أن يكون لصديقك صديق لا يكتم عنه حديثاً، وإذا انتقل السر إلى صديق
(4/ 2/131)

الصديق، لم يؤمن عليه أن يصبح خبراً مذاعاً، قال محمد بن عبشون:
إذا ما كتمت السر عمن أودُّهُ ... توهم أن الودَّ غير حقيقي
ولم أخفِ عنه السرِّ من ظِنَّةٍ به ... ولكنني أخشى صديقَ صديقي
والقول الفصل في هذا: أن الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدك لأن يكون هذا السر في صدره، لا يتجاوز إلى غيره، فإن كان صديقك على هذا المثال، فأطلعه على ما في نفسك، فإنما أنت وهو روح واحدة، ولكنها في بدنين. فإن كان مع صداقته الخالصة لا تأمن أن يجري على لسانه بعض ما أفضيت به إليه، فذلك موضع قول الشاعر:
ولكنني أخشى صديق صديقي
ومن الأذكياء من يحرص على كتم سر صديقه، فلا يفضي به إلى صديق له آخر، ولا سيما صديقاً ليس بينه وبين الذي أودع عنده السر صلة صداقة، قال مسكين الدارمي:
أُواخي رجالاً لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها

* أثر البعد في الصداقة:
شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر ما دام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور، فإن فرقت الأيام بين داريهما، وبدلتهما بالقرب بعداً، وبالأنس شوقاً، بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها. وذكر أرسطو أن الغَيبة الطويلة من شأنها أن تنسي الصداقة، وساق على هذا المثل الذي يقوله:
(4/ 2/132)

"كثيراً ما أودى بالصداقة سكوت طويل".
ونحن نرى أن صداقة الفضيلة متى بلغت منتهاها، لا تأخذ الغَيبة الطويلة شيئاً أكثر من مظاهرها.
وربما انعقدت الصداقة بين شخصين لم يتجاورا، ولم يلتقيا، وإنما عرف كل منهما فضل الآخر على بعد، ولم يكن بينهما اتصال إلا من طريق المراسلة:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارمٍ ... سمعت بها والأذنُ كالعين تَعشقُ
وكثيراً ما تأتي هذه الصداقة بثمار طيبة غزيرة، وإن كان مسلكها في الروح غير مسلك الصداقة الناشئة عن لقاء ومشاهدة.

* الصداقة صلة بين الشعوب:
لا غنى للشعوب أن ترتبط بصلات تجعلها كأمة واحدة، تسير إلى غاية واحدة، وهذه الرابطة تتحقق بالصداقات التي تستوثق بين علمائها وزعمائها الناصحين.
فالصداقة التي تنتظم بين طائفة من علماء الصين، وطائفة من علماء المغرب الأقصى - مثلاً - تجعل القطرين في اتحاد أدبي، وللاتحاد الأدبي غايات سامية لا يستهان بها.
واذا دلنا التاريخ أو المشاهدة على صداقة كانت بين علماء متباعدي الأقطار، ولم تعد على تلك الأقطار بفائدة، فإن هذا الزمن يدعونا إلى أن نعمل على تقوية روابط الصداقة بين علماء الشرق والغرب، ونوجه جانباً من هذه الصداقات إلى خدمة المصالح العامة، والتعاون على أسباب السعادة المشتركة في الحياة.
(4/ 2/133)

مضارُّ الإسراف (1)
تعظم الأمة، وترقى في سماء العزة والمنعة بخصال، من أكبرها أثراً: الاقتصاد في الإنفاق، والاقتصاد فضيلة بين رذيلتين، هما: البخل، والإسراف.
وتقديره يختلف باختلاف أحوال الأشخاص؛ من اليسار، وقلة ما في اليد، وضابطه: أن لا يتجاوز الإنسان في نحو مطعمه وملبسه ومسكنه وأثاث منزله سيرة من يماثلونه في مقدار ما يملك أو يكسب من المال، وهم يعيشون في مروءة وسلامة من هموم الدَّين.
ولما كان الاقتصاد يقوم على عدم الاسراف في الترف، اخترنا أن نجعل حديثنا في الإسراف وما يجرُّ إليه من عواقب وخيمة.
الإسراف يفضي إلى الفاقة، ذلك أن المسرف يطلق يده في الإنفاق إرضاء لشهواته حتى يفقده ما عنده، وينزل إلى طبقة المقلّين أو المعدمين، وكم من بيوت أسسها آباء مقتدرون، وعمَّروها بما يليق بها من المرافق والأمتعة، وأقاموا حولها وسائل للثروة؛ من نحو: المزارع أو المصانع أو المتاجر، ثم صارت إلى أبنائهم من بعدهم، وقد غلب عليهم حب الترف، فأطلقوا لشهواتهم العنان حتى أتلفوا وسائل الثروة، وتقوَّض بناء تلك البيوت،
__________
(1) محاضرة الأمام في دار الإذاعة المصرية بالقاهرة بدعوة من صزارة الشؤون الاجتماعية. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول والثاني من المجلد الرابع عشر.
(4/ 2/134)

والتحق أولئك الخلف بطبقة الذين لا يجدون ما ينفقون.
وإذا وقع الرجل في الفقر بعد اليسار، تجرّع مرارة الهوان المصحوب بحسرات، وكذلك الأمة تملك عزتها بقدر عمارة بيت مالها، قال أبو جعفر المنصور في وصيته للمهدي:
"فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً".
ومن ثم كان القاضي منذر بن سعيد البلوطي يواجه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالنهي عن الإسراف في المباني وزخرفتها، ويلقي بحضرته الخطب الزاجرة، حتى خاطبه يوماً بقوله:
يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهلُ
لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل
ثم قال: اللهم اشهد فقد بلّغت.
والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة، من نحو: الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير.
أما أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن، فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ من العيش يقوّي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرصُ على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن النفس والعرض والمال.
شأن المحفوف بالزينة وملاذ العيش أن تشتد كراهيته للموت، ولا يسابق إلى خوض غمار الحروب، لهذا ترى الرجل الذي يريد أن يجعل لشجاعة ممدوحه مزية زائدة، يحدثك أنه يندفع إلى الحروب غير مبال بما تركه وراءه من لذة وزينة، كما قال الحطيئة العبسي:
(4/ 2/135)

إذا همَّ بالأعداء لم يثن عزمَه ... كَعابٌ عليها لؤلؤ وشنوفُ
حَصانٌ لها في البيت زيٌّ وبهجة ... ومشيٌ كما تمشي القطاة قطوفُ
وإذا كان شأن المترفين الفرار من الموت، فحق الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلاً في وجوه البر والإصلاح.
وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور، فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا لا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة.
دعي العلامة محمد بن بشير إلى ولاية القضاء بقرطبة، فاستشار بعض أصحابه في قبول الولاية، فسأله صاحبه عن أشياء؛ ليعلم مقدار قوته في العدل، ومما قاله له: كيف حبك للأكل الطيب، واللباس اللين، والمركوب الفاره؟ قال: والله! لا أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به بدني، وحملت به رحلي، قال: اقبل الولاية، فلا بأس عليك.
وأما أن الإسراف في الترف يذهب بالأمانة، فلأن الغريق في الترف إنما همه الوصول إلى الزينة، أو لذة مطعم ونحوه، وكثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي يؤتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.
وأما أن الإسراف في الترف يمسك الأيدي عن فعل الخير، فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه، كان أعظم قصده من جمع المال: إنفاقه فيما يلذه من مأمول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش.
(4/ 2/136)

لذلك كان الغالب على المترفين المسرفين قبض أيديهم حيث يبسط غيرهم يده إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة من مجاملات الإخوان، ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئة أخرى، هي قطع صلة التعاطف والتواد بين كثير من أفراد الأمة.
وللإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة، والدعوة إلى الحق، ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم، يغلب عليه الحرص على هذا الحال، فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سبباً لفوات بعض النعيم؛ كسكوته عن كلمة حق بين يدي ذي جاه أو سلطان يكره أن يسمع صوت الحق، ومن ترك أن يواجه بكلمة حق ذا جاه أو سلطان يخشى أن يحول بينه وبين رفاهيته، سهل عليه أن يترك الدعوة إلى الحق جملة.
وللإسراف في الترف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي بها المقتصدون فيما يأكلون وما يشربون، وقد أورد ابن خلدون في "مقدمته" حديثاً عن الأمراض، ونبّه على أنها تكثر في أهل الحضر والأمصار؛ لخصب عيشهم، وكثرة مآكلهم، وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية، ثم نبه على أن تلك الأمراض تقل في أهل البادية؛ لقلة مأكولاتهم، وبساطة أغذيتهم.
وإذا كانت الصحة من متممات البطولة، كان حقاً على الأفراد والجماعات أن يأخذوا في مآكلهم ومشاربهم بحكمة الاقتصاد، فلا فضل للأمة في أن تضع على موائدها ألواناً من الأطعمة مختلفة، وإنما الفضل في أن يكون لها رجال سليمة أبدانهم، قوية عزائمهم، مضيئة بصائرهم.
والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم، ذلك أن النفس المحفوفة
(4/ 2/137)

بالرفاهية من كل جانب، يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذَّة العلوم طلباً يبلغ بها مرتبة العبقرية، ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرَك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة، لا يثبت أمام المكاره والشدائد.
هذا شأن الإسراف في الترف.
ولكن التاريخ قد حدثنا عن أفراد نشؤوا في بيوت توفرت فيها وسائل الرفاهية، ولم يكونوا بحال المترفين المستضعفين، بل نشؤوا وقد عظم في نفوسهم الطموح إلى معالي الأمور، فاحتقروا ما يسمى لذَّات حسيَّة، وإن كانت طوع أيمانهم وشمائلهم، وأقبلوا على العلم، أو على ضرب آخر من ضروب السيادة، فأدركوا فيه غاية قصوى؛ مثل: عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، فقد نشأ في بيت إمارة، وحينما تولى الخلافة، استطاع بما وهبه الله من الحكمة والروية أن لا يقيم للزينة والأطعمة الفاخرة وزناً، فعاش عيشة الكفاف، وخزائنُ الأرض طوع يمينه، وتوفي وقد أبقى سيرة غرًاء، وذكراً أطيب من ريح المسك. ومثل أبي محمد بن حزم الذي نشأ في بيت وزارة بالأندلس، وتولى هو نفسه الوزارة، ثم نفض يده، وانقطع للازدياد من العلم، حتى ارتقى إلى طبقة كبار العلماء بنظر مستقل، وقلم بارع.
ونحن إذا حذرنا من الإسراف في الترف، لا نريد من الناس أن يكونوا على سنة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذ، فقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وإنما نريد: الدعوة إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الحرص على الزينة واللذيذ من العيش، حتى لا تجعلها مظهر الفخار والمباهاة:
(4/ 2/138)

يفاخرنا بمأكول ولبس ... وذلك فخر ذي حظ هزيل
وقد سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم؛ أعني: طريق الاقتصاد، فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير، نهى عن الإسراف نهياً بالغاً، فقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، وألحق المسرفين بقبيل الشياطين، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الأسراء: 27]، وعدّهم في زمرة من يستحقون بغضه، فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، ونفي محبة الله للطائفة كناية عن بغضه إياهم.
وأثنى الله تعالى على المصطفين من عباده بفضيلة الاقتصاد، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].
ونظر الشارع الحكيم إلى أن الإسراف يذهب بسعادة الفرد والأسرة، فشرع إقامة أولياء على أموال من لم يبلغوا سن الرشد، أو من بلغوه وظهر عليهم السفه في تصرفاتهم؛ لينفق الأولياء عليهم باقتصاد، حتى يتبين رشدهم، قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6].
وإذا كان المسرف في إنفاق ماله ملوماً أو مذموماً، فإن الذي يقترض مال غيره لينفقه في الشهوات أحقُّ بالملام أوالمذمة، قال الشاعر الحكيم:
إذا رمت أن تستقرض المال من أخ ... تعودت منه اليسر في زمن العسر
فسل نفسك الإنفاق من كيس صبرها ... عليك وإنظارها إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر
(4/ 2/139)

وقد نظر بعض الحكماء إلى ما يجره الدين من الذلة والهموم، فكرهه حتى لمن تحدثه نفسه أن يقترض مالاً لينفقه في تثبيت سؤدده، فقال:
أخذتُ الدَّين أدفع عن تلادي ... وأخذُ الدين أهلكُ للتلاد
ولا حرج في الدين متى دعت إليه حاجة ملحة، وكان المقترض واثقاً بسماحة نفس المقرض، مع العزم على قضاء الدَّين عند حلول أجله.
يعيرني بالدين قومي وإنما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا
نحذر من عواقب الإسراف، وندعو إلى الاقتصاد، ولا فضيلة في الاقتصاد إلا بعد أن يؤدي الرجل حق المال؛ من نحو: النفقات الواجبة عليه لأقاريه، والزكوات المفروضة للفقراء والمساكين، وبعد أن يبسط يده بالإعانة على بعض المصالح العامة؛ كإنشاء مساجد، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجئ، أو إعداد وسائل الاحتفاظ بسيادة الأمة، والدفاع عن حقوقها.
وليس غنى إلا غنى زَيَّن الفتى ... عشية يعرى أو غداة ينيل
ورُمي محمد بن عمران بالبخل، فقال: "والله إني لا أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل".
ويقولون: "لا تصن كثيراً عن حق، ولا تنفق قليلاً في باطل".
وقيل لكريم بذل في وجوه البر مالاً كثيراً: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير.
لا يضر أولي اليسار أن يقتصدوا في أطعمتهم وملابسهم متى كانوا يبذلون أموالهم فيما تكمل به المروءة، وتدعو إليه حقوق المجتمع، بل يزيدهم ذلك الاقتصاد مكرمة على مكرمة.
قال قتيبة بن مسلم: أرسلني أبي إلى ضرار بن القعقاع، وقال لي: قل
(4/ 2/140)

له: في قومك دماء وجراح، وقد أحبوا أن تحضر المسجد فيمن يحضر؛ لتقوم بقسطك من الديات، قال: فأتيته وأبلغته، فقال: يا جارية! هاتِ الغداء، فجاءت بأرغفة خُشن، ففتتهن في نقيع من التمر، ثم صب عليهن زيتاً، فأكل، وقال: الحمد لله، حنطة الأهواز، وتمر الفرات، وزيت الشام. ثم انطلق إلى المسجد، فصلى ركعتين، واجتمع من قومه الطالبون للديات والمطلوبون، فأكثروا الكلام، فقال ضرار: إلى ما صار أمركم؟ قالوا: إلى كذا وكذا من الإبل، فقال: هي عليَّ كلها، ثم قام وانصرف إلى منزله.
فلو كان ضرار بن القعقاع من المسرفين في الترف، لما تبرع بجميع ما لزم القوم من الديات، ولم يزد على أن تحمل قسطاً ضئيلاً من نحو ما يتحمله المسرفون في الترف وهم كارهون.
نشكو إطلاق الأيدي بإنفاق المال في غير جدوى، ومن أمثلة هذا الإسراف الممقوت: مظاهر الأفراح والمآتم؛ فإنها تقام عندنا على غير حكمة وحسن تقدير، وتأكل من الأموال ما لا يجر إلى صاحبها حمداً، بل شأنه أن يسوق إليه ذماً أو إثماً.
وإذا كان الإسراف يوقع الأفراد والجماعات في مضار كثيرة، كان واجباً على أولياء الأمور ودعاة الإصلاح أن يتعاونوا على الجهاد في هذا السبيل، حتى يبتعد الناس عن الإسراف في مآكلهم ومشاريهم، وملابسهم ومراكبهم، ومساكنهم وأمتعة بيوتهم، ويتحروا في جميع ذلك الطريقة المثلى.
قال ابن الخطيب في مقالته السياسية: "رعيتك ودائع الله عندك"، ثم قال: "ورِضْهم على الإنفاق بقدر الحال".
(4/ 2/141)

تعاون العقل والعاطفة على الخير (1)
في النفس قوة النظر والفكر، وذلك ما نسميه بالعقل، وفي النفس قوة الميل إلى الشيء والرغبة فيه، وذلك ما نسميه بالعاطفة. فالعقل يدرك حسن الشيء أو قبحه، والعاطفة تجعل النفس محبة له راغبة فيه.
وإذا حدثنكم عن العقل، فإنما نريد: العقل السليم؛ فإن هذا هو العقل الذي يدرك في أغلب أحواله الخير أو الشر على ما هو عليه. ولا أسلم من عقل تربّى في أحضان الدين الحق، وتغذّى بلبان حكمته الغراء.
أما العاطفة، فقد تتجه إلى ما يألفه العقل، وتسير مع العقل جنباً لجنب، وهي العاطفة الشريفة المحمودة. وقد تتجه إلى ما ينكره العقل، ويكون العقل في وادٍ وهي في وادٍ، وهي العواطف التي نسميها: أهواء وشهوات جامحة.

* اختلاف العقل والعاطفة:
يدرك العقل الخير والشر، ولا سيما عقلاً يزنهما بقسطاس الشريعة العادلة، ولكن العاطفة قد تنصرف عن الخير، وتأخذ بزمام النفس إلى ما هو شر، فتعد مناوئة للعقل، خارجة عن سلطانه، وقد نبّه القرآن المجيد لهذا النزاع، وحذّر من الانحطاط مع العواطف، فقال تعالى: {وَعَسَى أَنْ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الثالث والرابع من المجلد الرابع عشر.
(4/ 2/142)

تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
فالنفوس قد تحب الشيء، وحقُّها أن تكرهه؛ لأنه شر، وقد تنفر منه، وحقُّها أن ترغب فيه؛ لأنه خير. وينبني على هذا التنبيه: أن الإنسان لا ينبذ الشيء لأول ما تنقبض منه العاطفة، ولا يمد إليه يده لأول ما يحس تعلق العاطفة به، بل يرسل فكره في طلب الاستدلال على أنه خير حتى يتعاطاه، أو أنه شر حتى يتحاماه.
يختلف العقل والعاطفة، وإذا تعلقت العاطفة بما أنكره العقل، كانت العاطفة هي الخاطئة، ومن جرى في عمله على إرضائها، فقد ازدرى العقل، وضلَّ سواء السبيل، وليس من الممكن أن يدرك العقل الناشئ في مهد العلم الصحيح شيئاً، ويذعن له، ثم تخالفه العاطفة، فتميل إلى غير ما أذعن له العقل، ويكون كل منهما على هدى، وقد زعمت طائفة من المناوئين للدين الحق أن قضايا الدين تتقلبها العواطف، وقضايا العلوم تتقبلها العقول، وأن العواطف قد تتقبل أشياء لا تسلمها العقول، ولم يكبر عليهم أن يقولوا: إن قبول العاطفة للقضية الدينية وإنكار العقل لها لا يتنافيان.
قالوا هذا حين قصدوا لصرف الناس عن وجهة الدين من طريق المداجاة والمخاتلة، فتسمعهم يقولون لمن أرادوا إغواءه: إن الدين لا يلزم أن يكون مطابقاً للعلم؛ لأن العلم يجيء من ناحية العقل، فنقبله على أنه ثمرة الفكر، وإن الدين نتقبله بقلوبنا وعواطفنا، ولا يضره عدم تسليم العقل.
وقد يأتي أولئك المخادعون إلى أشياء قررها الدين، وهي في زعمهم مخالفة للعلم، ويتظاهرون بأنهم يؤمنون بما جاء به الدين، فيقولون: هذا
(4/ 2/143)

قرره العلم، فنتقبله بعقولنا، وهذا قرره الدين، فنتقبله بعواطفنا.
ونحن نفهم أن الدين الحق قد يقرر شيئاً من الأحكام يقصر العقل عن فهم حكمتها؛ ككون صلاة المغرب ثلاث ركعات، أو يخبر بشيء يعجز العقل أن يقيم الدليل على إثباته؛ كبعض الأخبار الواردة في الجنة أو النار، ولكنا ننفي نفياً قاطعاً أن يقرر الدين شيئاً، فينكره العقل؛ أي: إن العقل يستطيع أن يقيم الدليل المقبول على انتفائه.
الحقيقة التي نصدع بها موقنين، ونخرج من مقام الدفاع عنها ظافرين، هي أن كل ما يقرره الدين لا تجرؤ العقول على إنكاره، إلا عقولاً لا ترجع في إنكارها إلى منطق صحيح.
والذين يريدون استهواء أفراد أو جماعات إلى مذهب زائغ، أوعمل فاسد، يتجنبون أن يأتوهم من ناحية العقل والمنطق؛ لعلمهم أن العقل والمنطق إنما يقفان بجانب الحق والفضيلة، فتجدونهم يلجؤون إلى أن يأتوهم من ناحية العواطف، حتى إذا وجدوها مستعدة لأن تنحدر في طريق غير طريق العقل، أخذوا يجاذبونها، ويغذونها بما يزيد في عوجها، حتى تخرج عن سلطان الحكمة، وهذا مايفعله الدعاة إلى غير هداية؛ من نحو: إعداد مستشفيات أو ملاجئ ينصبونها حبائل لاصطياد الغافلين من المسلمين.
وكذلك يفعل الملاحدة والإباحيون؛ إذ يتخذون في وسائل إغواء فتياننا وفتياتنا، وإبعادهم عن حظيرة الدين، فتح باب الشهوات في وجوههم؛ من نحو: استحسان التبرج، واختلاط الجنسين، حتى يبلغ بعضهم أن يقول في غير استحياء: إن الدين لا يمنع من اختلاط الفتيان بالفتيات.
وقد حذر بعض الحكماء من الطائفة التي تأتي الناس من ناحية أهوائهم،
(4/ 2/144)

فقال: أخوك من صدقك، وأتاك من ناحية عقلك، لا من ناحية هواك.
والظالمون المستبدون يعملون على هذه الشاكلة، حيث لا يجدون من ذوي العقول الراجحة أولياء، فيفتشون عمن ينقادون إلى عواطفهم- أي: أهوائهم - دون عقولهم، فيتخذون منهم أعواناً، ويشبعون أطماعهم بالأموال والمناصب وغيرها من الملاذّ المادية.
ولو رجعنا إلى التاريخ، لوجدنا أكثر أعوان الظالمين هم من ذوي النفوس التي تجري مع العواطف السافلة، ولا تقيم لنصائح العقول وزناً.
وقد جاء القرآن الكريم إلى عواطف شأنها أن تجمح بالإنسان إلى حيف، أو تصده عن القيام بواجبه، فحذر من الإفراط في مسايرتها؛ مثل: الأبوة والبنوة، والزوجية والصداقة، قال تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].
ونظر شارع الإسلام إلى عواطف يغلب عليها الخروج عن حد الاعتدال، وبنى الحكم على ما هو الغالب عليها من الإفراط والغلو، كما جعل الأبوة والبنوة والزوجية من وجوه الطعن في الشهادة، فلا تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الأب لابنه، وإن كانا معروفين بالعدالة، ذلك أن عاطفة الأبوة أو البنوة قد تطغى، فتقع بصاحبها في شهادة غير صادقة.
وقد يتنازع العقل والعاطفة إرادةَ الشخص إلى أن يتغلب سلطان أحدهما على سلطان آخر، وكثيراً ما تحذر الشريعة السمحة من الانقياد إلى العاطفة التي
(4/ 2/145)

تثور على سلطان العقل؛ كما قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2].
فالعقل يتجه إلى ما يوجهه إليه الدين من إنكار السفاح، واستحسان إقامة الحد على مرتكبه، ولكن عاطفة الشفقة قد تهز في القلب، فتجعله ينفر من إجراء العقوبة على الزاني، وهذا ما يحذر منه كتاب الله بقوله: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}.
والذين ينكرون بعض ما شرع الله من الحدود؛ كقطع يد السارق، وجلد القاذف، ورجم الزاني المحصن، لا يرجعون في إنكارهم إلى رويَّة ونظرات في المصالح والمفاسد صحيحة، وإنما أخذوا إلى ما يقولون بعاطفة عمياء، أو ذوق غير سليم.
تقوى العواطف وتضعف، والتغلب على العاطفة القوية دليل قوة البصيرة، وإيثار الفضيلة على الرذيلة، فمن يخرج للحرب - مثلاً -، وقد ترك وراءه رزقاً واسعاً، وأهلاً يعزّ عليه فراقهم، يفضُل من خرج إلى الحرب، ولم يترك من ورائه شيئاً يأسف عليه.
وأراد جرير أن يبالغ في مدح قوم بطموحهم إلى أقصى مراقي المجادة، فنبه على أن العواطف التي شأنها أن تصرفهم عن هذه الوجهة، لا تنال من عزائمهم شيئاً، حيث قال:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
ونبه آخر على أن عاطفة المحبة لا تشغله عن واجب الدفاع، فقال:
وترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للغواني عبيدا
وإذا كانت الشجاعة درجات، فإن هذه الدرجات ترتفع على قدر
(4/ 2/146)

ما يقاوم الإنسان من العواطف الشخصية، ويرمي بها وراء ظهره.
قال عبد الملك بن مروان لجلسائه: من أشجع الناس؟ فأكثروا من ذكر الأبطال، فقال لهم: أشجع الناس مصعب بن الزبير: جمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وأمة الحميد بنت عبد الله بن عباس، وولي العراقين، ثم زحف إلى الحرب، فبذلتُ له الأمان والمال والولاية، فأبى أن يقبل ذلك، واطّرح كل مشغوف به في ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه قَرْماً، يقاتل ما بقي سبعة نفر، حتى قتل كريماً.
وعلى هذا المنوال يجري كثير من خصال الحمد؛ كالكرم، والإنصاف، قال المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُعْدِم والإقدام قتّالُ
والمشقة التي تعرض لطالب السيادة هي التعب الذي يلاقيه في مخالفة ميول نفسه، من نحو حب الحياة، والحرص على الاستئثار بالمال، والتوسع في الاستمتاع به.
وشأن الإنسان حب الانتقام ممن ألحق به أذى، فإذا كان للأذى الذي لحقه وجه من الحق، وكان الذي ألحق به الأذى على جانب من الفضل، كان مدحه له بدل هجائه تقديماً لداعي العقل على العاطفة الجامحة، وذلك هو الإنصاف.
كان سعيد بن الجودي عاقب المقدام بن المعافى، وكان شاعراً، وشأن هذا العقاب أن يهيج في نفس المقدام بغض سعيد، وحب الانتقام منه بما يقدر عليه من الهجاء، ولكن المقدام رثى سعيداً بعد موته، فقيل له: أترثيه، وقد أصابك بالضرب؟! فقال: والله! إنه نفعني حتى بذنوبه، ولقد نهاني ذلك الأدب
(4/ 2/147)

عن مضار جمة كنت أقع فيها على رأسي، أفلا أرعى له ذلك؟ والله! ما ضربني إلا وأنا ظالم له، أفأبقى على ظلمي بعد موته؟!.

* توافق العقل والعاطفة:
يدرك العقل حسن الشيء وصلاحه، وتُسايره العاطفة. والأمر الذي يستحسنه العقل، وتتجه إليه العاطفة، تقبل عليه النفس بعزم صارم، وتعسى له بكل ما أوتيت من استطاعة، وذلك معنى تعاون العقل والعاطفة على الخير.
اتجاه العاطفة إلى ما يتجه إليه العقل، يجعل الأمر الصعب سهلاً، والغاية البعيدة قريبة، والطريق الوعر معبداً، لهذا نرى القرآن الكريم بعد أن يدعو الناس إلى ما فيه خيرهم، قد يأتي النفوس من ناحية العواطف؛ إذ يعقب الأمر بما شأنه أن يثير حماستها، وخذوا مثلاً لهذا: أمره بدفاع العدو في قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]، فشأن المسلم أن يتلقى أمر الله بالامتثال؛ لقيام الدليل القاطع على أنه لا يأمر إلا بخير، ولكن الأهواء قد تستولي على القلوب، وتعوقها على امتثال أمر القتال، فأخذ القرآن يهز العواطف حتى تتضافر هي والعقل على العزم والثبات في مواقف الدفاع؛ إذ قال تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8]، فذكّرهم فرض القتال بأنهم إذا تهاونوا بأمر الدفاع عن أوطانهم، بسط العدو عليهم سلطانه، واستبد فيهم لا يرعى لهم عهداً ولا ذمة، وليس من شك في أن التذكير بهذه العاقبة المشؤومة، يثير في نفوس الأمة رغبة شديدة في الاحتفاظ باستقلالها إن كانت مستقلة، أو في الأخذ بأسبابه إن كانت مستعبدة.
وإن شئتم أن تزدادوا خبرة بأثر العاطفة من الإقدام على العمل الصالح
(4/ 2/148)

بقوة، فانظروا إلى رجلين اتحدا في مقدار ما تلقياه من العلوم الدينية، وأحدهما متقد حماسة، مجدّ في الدعوة إلى سبيل الله، متفانٍ في الذود عن حياض الشريعة، والآخر منهما خِلْو من هذه الحماسة، فلا يؤلمه أن يرى حرمة الدين منتهَكة، وكلمته غير نافذة، ونفوس الناشئين عنه منصرفة، ذلك أن الأول متفقه في الدين، وتربّت له مع هذا التفقه عاطفة نحوه، أما الآخر، فتلّقى علوم الدين، وإنما صارت لمسائلة صور قائمة في ذهنه، دون أن تكون بجانبها عاطفة.
والعلماء الذين كانوا يواجهون ذوي السلطان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يبالون بما يلاقونه في سبيل الدعوة من الأذى؛ مثل: سعيد بن المسيب، وعز الدين بن عبد السلام، ومنذر بن سعيد البلوطي، إنما امتازوا عن غيرهم من أهل العلم بشدة العاطفة الدينية المتدفقة غيرةً وحماسة.
وقد تتعارض العاطفة الدينية والعاطفة الشخصية، والكيّس من يقدم العاطفة الدينية، ويرمي بالعاطفة الشخصية إلى وراء، وأسوق إلى حضراتكم مثلاً لهذا، هو: أن الخليفة هارون الرشيد كان جالساً بجانب القاضي أبي يوسف، فدخل يهودي رافعاً إلى القاضي دعوى على الخليفة، ومراعاةً للتسوية بين الخصمين في مجلس الحكم، قام أبو يوسف من مكانه، وأشار إلى اليهودي بأن يجلس به حتى يكون بجانب خصمه الذي هو الخليفة، وقضى لليهودي على الخليفة، ولكن أبا يوسف ذكر أن قلبه كان يميل إلى أن يكون الخليفة هو المحق، واليهودي مبطلاً، وكان يتألم من هذا الميل القلبي، ويستغفر الله منه.
فانظر كيف كان في نفس أبي يوسف عاطفة شخصية نحو هارون الرشيد جعلته يحب انتصاره على اليهودي، وكان في نفسه عاطفة دينية تدعوه إلى أن يصدر الحكم على نحو ما أمر به الدين من العدل، فأجاب -رحمه الله-
(4/ 2/149)

داعي العاطفة الدينية، فأصدر حكمه في القضية على ما أذن به الدين، وأعرض عن داعي العاطفة الشخصية جانباً.
وقد يتجاذب العاطفةَ الشخصية - كعاطفة الصداقة - ناحيتان، تقتضي إحداهما مسلكاً، وتقتضي الأخرى مسلكاً غيره، والكيّس يزن الناحيتين، ويقدم الناحية التي ينصح بها الدين، ويرتضيها العقل.
قال السلطان صلاح الدين الأيوبي يوماً للقاضي الفاضل: لنا مدة لم نر فيها العماد الكاتب، فلعله مريض، امض إليه، وتفقد أحواله. فلما دخل القاضي الفاضل دار العماد، وجد أشياء أنكرها في نفسه؛ مثل: آثار مجالس الخمر وآلات الطرب، فخاطبه منشداً:
ما ناصحتك خبايا الودِّ من رجل ... ما لم ينلك بمكروه من العذلِ
محبتي فيك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيء من الخللِ
فلما قام من عنده، أقلع العماد عما كان فيه، ولم يعد إليه.
فعاطفة المودة قد تدعو إلى الإغضاء عن معايب الصديق؛ لأن تنبيهه إلى العيب قد يؤلمه، وربما أحدث جفاء بين الصديقين، وقد تدعو إلى تنبيهه لبعض ما يأخذه عليه الناس متى أبصروه، وهذا ما يدعو إليه الدين، وتنادي به الفضيلة.
وكان ابن هبيرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة مَن غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره، ومن لا يتلمس خالص مودة أصدقائه إلا بالتأتي لموافقة شهواتهم.

* كيف تربى عاطفة الخير؟
عواطف الخير كثيرة، وتربى العاطفة الشريفة ببيان ما يترتب على العمل
(4/ 2/150)

من فوائد عامة أو خاصة، فقد يعتقد الإنسان بصلاح عمل من جهة ثقته بحكمة من يأمره به، أو لأنه اطلع على فائدة من فوائده، فيجد داعية على إجابة الأمر، ولكن هذه الداعية قد تبدو ضعيفة حيث لم يكن بجانبها عاطفة قوية تسهل عندها الصعاب، وتتضاءل أمامها العقبات.
وتقوى العاطفة نحو الشيء يقدر ما تعرف النفس من فضله وحسن عواقبه، فصدور الأمر بالشيء من الشارع الحكيم- مثلاً - هو كاف لقبول الإنسان له، واعتقاده بصلاحه، ولكنه ينهض للعمل بنشاط أوفى، وعزم أمضى، متى ازداد علماً بما يترتب عليه من الآثار الحميدة.
وتربى العاطفة الشريفة بالأساليب البارعة؛ من نحو: التشابيه والاستعارات وضرب الأمثال؛ حيث يُعرض الشيء المطلوب فعله في صورة شيء تألفه النفوس، وترغب فيه؛ فقد تدرك النفس حسن الشيء المطلوب فعله، ولكن عرضه في صورة ما ألفته واتجهت إليه من قبل، يجعلها تزداد ارتياحاً له، ورغبة فيه، ومن هنا كان الشعر مثيراً للعواطف، وصح أن يستعان به في توجيه النفوس إلى كثير من أعمال الخير.
وقد سلك القرآن الكريم في تربيته العواطف هذا المسلك البديع، وكان لضربه الأمثال أثر عظيم في تثبيت حكمه البالغة في النفوس، وتنمية العواطف الدافعة إلى عظائم الأمور.
وخلاصة البحث: أن أطيب الناس حياة، وأرفعهَم في المجد مقاماً، وأوفرَهم من خصال الحمد ثروة، ذلك الرجل الذي رزق عقلاً سليماً، وديناً قيماً، ورزق بجانب ذلك عواطف شريفة تتوجه حيثما توجه العقل، ولا تنساق إلا إلى ما يرتضيه الدين الحق.
(4/ 2/151)

حقوق الفقراء على الأغنياء في الإسلام (1)
نظّم الإسلام صلة المخلوق بالخالق - جل شأنه -، فأرشد إلى الإيمان الخالص، ودل على مظاهر العبادات الصحيحة، ولم يقتصر على هذه الصلة المقدسة، بل نظر إلى الناس وهم مدنيون بطبعهم، وعمد إلى ما يربطهم من صلات، فعدلها، وأخرجها لهم في أصفى لون، وأحسن وضع.
عرفنا كيف تكون الصلة بين الإنسان ومن تصله بهم قرابة أو زوجية أو تعاون على القيام بما تستدعيه الحياة المنزلية، فكان نظام الأسرة والمنزل محفوفاً بالطمأنينة والهناءة.
ثم عرفنا كيف تكون المعاملات القائمة على تبادل المنافع من نحو البيع والإجارة، فأرانا السبيل إلى أن نتعامل ونتفارق على وفاق وائتلاف. ثم نظر الإسلام نظرة بعيدة المدى إلى الفريق الذين يقعون في ضيق من العيش، ولا يستطيعون حيلة إلى ما يسد حاجتهم الحيوية، فأبت حكمته أن يظل هؤلاء البائسون بين ذوي اليسار يقاسون آلام الضراء، ويبيتون هم وأفلاذ أكبادهم في كرب من الجوع والبرد، فوضع بين فريقي البائسين والموسرين صلة أحكم ربطها، وحاطها بسياج من العدل.
__________
(1) محاضرة الإمام في دار الإذاعة المصرية بدعوة من وزارة الشؤون الاجتماعية. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس والسادس من المجلد الرابع عشر.
(4/ 2/152)

وموضوع حديثنا الليلة: هو النظر في هذه الصلة، وذكر مالها من حقوق، والتنبيه لما تأتي به رعايتها والاحتفاظ بحقوقها من ثمرات طيبة.
بنى الإسلام أحكامه وآدابه على أساس العزة والكرامة، فكره للرجل أن يخلد إلى البطالة، ويتعرض للصدقات، وهو قادر على أن يضع يده في عمل يكسب به قوته أو قوت من يعول، قال - صلوات الله عليه -: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه".
وقد مر بنا قول المتنبي في مدح محمد بن عبد الله الخصيبي قاضي أنطاكية:
أخلت مواهبك الأسواق من صنع ... أغنى يداك عن الأعمال والمهن
فنعده من الشعر المنحو به نحو الغلو في الإطراء، ولكنّا نود من المتنبي أن يجعل أثر المواهب قطع دابر الفقر، كما قال ابن المولى في يزيد بن حاتم:
لو كان مثلك آخَرٌ ... ما كان في الدنيا فقير
لا أن يجعل أثر المواهب استغناء الناس عن الأعمال والمهن؛ إذ لا يليق بإنسان أن يترك عملاً، أو يقاطع مهنة؛ اتكالاً على مواهب قاض أو وزير أو أمير.
وكره الإسلام لمن ابتلوا بقلة ذات اليد أن يسارعوا إلى الاستجداء ولهم في التجمل متسع، فانظروا كيف نبّه القرآن الكريم على فضل قوم ضاقت أيديهم عن الكسب، فلاذوا بالتعفف، وارتدوا بالتجمل، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273].
(4/ 2/153)

وبعد هذا التعفف في مفاخر الجماعة، قال جزء بن ضرار يصف قومه:
فقيرهم مبدي الغنى وغنيهم ... له ورق في السائلين رطيب
كافح الإسلام البطالة، ونصح لمن وقع في فاقة بأن يحتفظ بماء وجهه، ويترفع عن التكفف ما وجد للصبر على العسرة موضعاً، ثم أقبل على أولي اليسار يربي فيهم عاطفة الإحسان، ويقيمها على قواعد حكيمة رشيدة.
نراه قد عني بالإحسان إلى طوائف خاصة ممن يحتاجون إلى أن يعانوا على نوائب الزمان، فأمر بالإحسان إلى ذوي القربى، والآيات والأحاديث الواردة في فضل صلة الرحم، وماتأتي به من خيري الدنيا والآخرة، لا يسع المقام إيرادها، ويكفي شاهداً على ما نقول: أنه حثّ الرجل على أن يحسن إلى أقارب من كان صديقاً لأبيه، قال - صلوات الله عليه -: "إن من أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي".
وأمر بالإحسان إلى اليتامى، ذلك أنهم فقدوا أحضان من كان يرعاهم، ويكفيهم أمر عيشهم، وهم لضعفهم عاجزون عن أن يصلوا إلى قوتهم بأيديهم. وأمر الرجل بالإحسان إلى الجيران، ولو لم تربطهم به رابطة قرابة، قال - صلوات الله عليه -: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره".
وأمر بالإحسان إلى أبناء السبيل، ذلك أنهم يقدمون البلد، وهم يجهلون موارد الرزق منه، أولا تصل أيديهم إلى كسب القوت بسهوله، وقد جمع القرآن الكريم هذه الطوائف، وأمر بالإحسان إليها في آية واحدة، قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36].
حرض الإسلام على الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والجيران وأبناء
(4/ 2/154)

السبيل، وأقبل يدعو إلى بذل المعروف على وجه عام، ويهزّ عواطف الموسرين إلى البر بكل فقير هزاً رفيقاً، فنجده يعد على الصدقات بالوقاية من النار، ويعد عليها بنعيم الجنة، ويدفع ظن من يقع في نفسه أن الصدقات نقص في الأموال، فيعد المتصدقين بتعويض ما أنفقوه في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، فهذه الآية دلت على أن الصدقات من أسباب سعة الرزق، ومن أصدقُ من الله قيلاً؟ ونجد القرآن الكريم يثني على المصطفين من الناس، فيذكر في خصالهم الحميدة: رحمتهم بالفقراء، وصرفهم جانباً من أموالهم في إغاثتهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25] وأي مديح يسمو بصاحبه دون أن تذكر فيه خصلة السخاء وإغاثة الملهوفين؟!.
ولا ننسى أن من حكمة فرض الصيام أن يذوق الأغنياء مرارة الجوع الشديد، فيذكروا ما يقاسيه الفقراء من أمثال هذا الجوع المؤلم، فيدعوهم إلى أن يبسطوا إلى الفقراء أيديهم بالإحسان ما استطاعوا. كانت أم حاتم تكثر من الإحسان، وتقول: والله! لقد مسني الجوع ما آليت معه أن لا أمنع سائلاً شيئاً.
أراد الشارع أن لا يفوت أحداً من الناس فضل التصدق، فرَغَّب في الصدقة، واعتدَّ بالقليل أو الحقير مما يتصدق به، فقال- صلوات الله عليه -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن، فبكلمة طيبة"، وقال: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". وإذا ضم القليل إلى القليل، والحقير إلى الحقير، عادت القلة كثرة، والحقارة عظماً، ومن هنا يتيسر للإنسان أن يدخل في قبيل المحسنين، وإن لم يكن في سعة من الرزق،
(4/ 2/155)

قال الشاعر:
وليس الفتى المعطي على اليسر وحده ... ولكنه المعطي على اليسر والعسر
ومن عناية الشارع بإغاثة الملهوفين: أناّ نجده يحثُّ من ليس بيده مال على أن يعمل ليدرك فضل التصدق. قال- صلوات الله عليه -: "على كل مسلم صدقة"، قالوا: فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيديه، فينفع نفسه، ويتصدق".
عملُ الرجل بيده ليتصدق على الفقراء شاهدُ صدق على بلوغ النفس في الكرم ورقة العطف غاية سامية، ومن أصدق الشواهد على رسوخ النفس في الرأفة والسخاء: أن يؤثر الرجل مسكيناً ذا متربة بنحو مطعوم أو ملبوس، وإن كان هو في حاجة إليه، وإلى هذا الصنف من المحسنين يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
ولا تعجبوا للرجل يعمل بيده ليغيث الملهوفين، أو يؤثر بالشيء وهو في حاجة إليه، فإنه يجد في الإحسان والإيثار لذة تجعل ما أحسن أو آثر به في نظره شيئاً حقيراً.
ولم أر كالمعروف أما مذاقُه ... فحلوٌ وأما وجهه فجميلُ
يريد الشارع من المتصدق أن يكون سمح النفس، فأرشده إلى أن ينفق من طيب ما عنده، ولا يزدري الفقير، فيقصد إلى الرديء من نحو طعام أو ثياب، فيتصدق به، وهو قادر على أن يتصدق بما هو خير منه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].
حث الإسلام على الصدقات، وحاطها بآداب تجعلها لدى المتصدَّق
(4/ 2/156)

عليه سائغة هنيئة، ندب إلى أن تعطى الصدقات في خفاء، ذلك أن إعطاءها صاحب الحاجة في علن، يكسر خاطره، وقد يأبى قبولها، حيث يكون ممن يتجملون ويكرهون أن يطلع الناس على أنهم في فاقة، وأشار إلى هذا الأدب رسول الله- صلوات الله عليه - حين ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، فقال: "ورجل تصدق بصدقة وأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه".
وأذكر أني كنت قد عرفت جمعية خيرية في بعض المدن الكبرى تبحث عن الفقراء من طرق سرية، وتبعث إلى من تحققت فقرَهم بمبالغ من المال على طريق البريد، دون أن يعلموا الجهة التي أرسلتها إليهم.
ونبّه الشارع الحكيم على أن فضل الصدقات في أن يبذلها الإنسان إجابة لداعي الرحمة، ولا ينتظر ممن يبذلها لهم أن يقابلوها بجزاء أو شكر، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9].
ومن أجمل آداب الإحسان: أن يبذله الرجل بوجه طلق؛ فإن طلاقة الوجه تنبئ بأن الإحسان صادر عن نفس عريقة في الكرم، شاعرة بأن ما تتصدق به إنما هو رزق للفقير أجراه الله على طريقها. قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]. وقال بعض الكرام:
لم لا أحبُّ الضيفَ أو ... أرتاح من طرب إليه
والضيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه
وأصدق شاهد على سماحة الرجل ورقة عاطفته: أن يواصل بالإحسان، ولا يقطعه عن ذي الحاجة، ولو كان يمسه بأذى. وقد نبّه القرآن الكريم لهذا
(4/ 2/157)

الأدب العظيم، فقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22].
يشعر رقيق العاطفة بحاجة الفقير، فيصله بالإحسان دون أن يضطره إلى بذل ماء وجهه بالسؤال، قال معاوية لبعض جلسائه: ما الجود؟ قال: التبرع بالمال، والجود قبل السؤال. قال الأعشى:
وما ذاك إلا أن كفيك بالندى ... يجودان بالمعروف قبل سؤالكا
وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة:
مضى من كان يحمل كلَّ ثقلٍ ... ويسبق فضلُ نائله السؤالا
ومن أدب الإحسان: أن يتجنب الرجل المنّ بما أعطى، وإنما يعقب المنُّ عطاء لم يكن ناشئاً عن فضيلة، ولا عن عاطفة نبيلة، وقد جعل الشارع المنَّ ماحقاً للصدقة، فلا يقام لها وزن، ولا ترجى لها مثوبة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]. ولإخلال المن بمزية الكرم نرى الشعراء حين يمدحون شخصاً بسعة النوال ينبهون على أنه لا يتبع عطاءه بالمن، كما قال المتنبي في مدح كافور:
إلى الذي تهب الدولاتِ راحتُه ... ولا يمنُّ على آثار موهوب
لا يليق بالمحسن أن يمن على الفقير بما أعطى، ولا أن يتبع إحسانه بأذى، ولا يليق بمن تلقى الإحسان أن يقابله بالكفران، وكفرانُ النعمة قد يكون سبباً لقطعها، والذين يواصلون الإحسان - ولو مع مقابلته بالكفران - ليسوا بكثير.
والأصيل في الكرم يبادر إلى الإحسان ما استطاع، ومن لم ترسخ قدمه
(4/ 2/158)

في المكارم قد يصرف ذوي الحاجات بالوعد، وهو قادر على أن يسعفهم بحاجاتهم حال تعرضهم لمعروفه، ولعله يفعل هذا لينظر: أينجز الوعد، أم يخلفه؟ ومن هنا نرى الشعراء يمدحون كرام الناس بأنهم يجودون دون أن تسبق عطاياهم وعود، فلا يقال في حقهم: أنجزوا وعودهم، أم ماطلوا بها؟ قال المتنبي يمدح شجاع بن محمد:
وحالت عطايا كفه دون وعده ... فليس له إنجاز وعد ولا مطلُ
ولا يكلف الإنسان بأن يتداين ويتصدق، وفي كرام الناس من يلذ الإحسان، أو يقدر حسن عاقبة الإحسان، فيتحمل ثقل الدين ليغيث به ملهوفاً. وكان سعيد بن العاص يأتيه الرجل، فيسأله، فلا يكون له مال حال السؤال، فيقول للسائل: ما عندي شيء، ولكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتاباً، ولا يكون من سعيد إلا أن يقضي الدين الذي أذن بأن يكتب عليه.
أمر الشارع بإغاثة الفقراء على وجه عام دون أن يعين وقتاً للتصدق، أو مقداراً لما يتصدق به، بل وكل ذلك إلى استطاعة الرجل، وسماحة نفسه، وشعوره بحاجات البائسين، وجعل هذا مضماراً يتنافس فيه عشاق مكارم الأخلاق، ويتفاضلون فيه درجات.
وأمر الشارع بعد هذا بصدقات تؤدى في أوقات معلومة، كما شرع زكاة الفطر عند قضاء شهر رمضان، وأمر بصرف قسط من لحوم الأضاحي إلى الفقراء.
وفرض الشارع كفارات على بعض ما يرتكب من المخالفات، ونظر في تقرير هذه الكفارات إلى حاجة الفقراء، فجعل من أصنافها: إطعام المساكين، كما جعل من أصناف كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، وأصناف كفارة
(4/ 2/159)

الإفطار في رمضان عمداً إطعام ستين مسكيناً، وكذلك جعل إطعام المساكين للإخلال ببعض واجبات الحج.
علم الشارع وهو علّام الغيوب أن في الناس شحاً، وأن في الناس أهواء طاغية، فلم يكتف بما دعا إليه على وجه التذكير بمكارم الأخلاق من إغاثة الملهوفين، فآذن الأغنياء بأن في الأموال التي تحت أيديهم حقوقاً للفقراء يجب أن يسلموها لهم طائعين أو مكرهين، وقدّر هذه الحقوق بحكمة، وعين لها أوقاتاً، وتلك فريضة الزكاة.
فرضت الزكاة على الأغنياء، والغني في نظر الشارع من يملك عشرين ديناراً فما فوقها، كما فرضت الزكاة فيما يملكه الناس من الأنعام، أو تخرجه المزارع أو الأشجار من الحبوب والثمار. وأحكام الزكاة مفصلة في كتب الشريعة، وإنما نريد التنبيه لعظم فائدتها في إصلاح الأخلاق وحال الاجتماع، حتى استحقت أن تعد في أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين.
يقع الفقراء العاجزون عن اكتساب أقواتهم في كثير من البلايا:
تعتل أجسامهم لقلة الغذاء الكافي لحفظ صحتهم، وتغتم قلوبهم خوفاً على حياتهم أو حياة من يعز عليهم من أبنائهم وأزواجهم، وقد يحملون في أنفسهم عداء لذوي الأموال؛ إذ يسبق إلى أذهانهم أن الموسرين شاعرون بما هم فيه من البأساء والضراء، ولم يكترثوا بهم.
وحيث كان من مقاصد الإسلام تكوين أمة قوية الأجسام، مطمئنة القلب، متماسكة برباط الوداد والاتحاد، متمتعة بأمن شامل، بادر إلى علاج مرض البؤس والفاقة، ففرض الزكاة على وجه يجعل الفقراء العاجزين عن الكسب في كفاف.
(4/ 2/160)

فإذا قلنا: إن الشارع جعل شطراً من الزكاة يصرف إلى الفقراء والمساكين، وشطراً منها يصرف في الاستعداد للدفاع، فكأنما قلنا: إن الشارع قد فرض الزكاة لتكون وسيلة القوة المادية والقوة النفسية، وبالقوتين تبلغ الأمة أقصى ما تروم من العزة والمنعة.
ندب الإسلام إلى الصدقات، وفرض الزكاة فقدّرها أحسن تقدير، وأوجب على الناس أن يطعموا المسكين متى كان في مخمصة- ولو كانوا أدوا زكاة أموالهم-، وقد توعد على ترك هذا الواجب الإنساني الأليم، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 38 - 44].
يجازى بعذاب الحريق من منع المساكين حقوقهم من الزكاة، ومن أبصر مسكيناً في مجاعة فلم يغثه، وقد دل القرآن الكريم على أن قسطاً من هذه العقوبة يستحقه من لا يحضّ الموسرين على إطعام المساكين، يدل على هذا قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 30 - 34].
هذه كلمتنا في حقوق الفقراء على الأغنياء، ولو تعاونت الأمة والدولة على مكافحة البطالة، ثم عملوا بالتي هي أقوم على أن يؤدي الأغنياء هذه الحقوق، فتصل إلى أربابها على وجه منظم، لأصبحنا في مقدمة الأمم القوية في أخلاقها، المطمئنة في عيشها، وإذا ظفرت الأمة بقوة الأخلاق وطمأنينة العيش، فهناك تظهر طبقاتها متماسكة ما بين الثروة والكفاف، وهنالك تكون العزة والسعادة.
(4/ 2/161)

السمو الخلقي في الإسلام (1)
جاء الإسلام ليحرز به الناس في الدنيا مدنية فاضلة، ويغنموا به في الآخرة سعادة خالصة، وكان من مقتضيات هذا المقصد الأسمى أن تشتمل تعاليمه على نظم لصلة المخلوقين بالخالق- جل شأنه - وهي أحكام العبادات، ونظم لصلة الإنسان، بأخيه الإنسان، وهي أحكام المعاملات، ونريد من المعاملات: ما يشمل القضاء، وتدبير السياسة. وحيث كانت العبادات والمعاملات لا تجري على وجه صحيح منتظم، إلا أن تصدر عن آداب نفسية نبيلة راسخة، كان من حكمة الدعوة أن تعنى بتهذيب الأخلاق، ولا تكتفي بتقرير أحكام الأفعال التي هي مناط التكليف.
ويهذا أخذ النظر في الأخلاق والآداب النفسية من علوم الشريعة مكاناً واسعاً.
وإذا نظرنا إلى الأخلاق التي تساعد على القيام بالواجبات العملية، وجدناها ترجع إلى الحلم، والسخاء، والشجاعة، والحياء، وصدق اللهجة، والصبر، وعزة النفس، والتواضع، وكبر الهمة، والوفاء بالعهد، والزهد، والعدل، والأمانة.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السادس والثامن من المجلد السابع عشر.
(4/ 2/162)

وليس من غرضنا الليلة أن نتحدث عن هذه الخصال مثلما يتحدث عنها علماء النفس بتفصيل؛ إذ يتعرضون للبحث عن حقائقها، ويقسمونها إلى أصول وفروع، ويذكرون ما بين فروعها من مناسبات أو فروق، ويدلون على الآثار المترتبة عليها، ويصلون حديثهم بالبحث عن كيفية تربية النشء عليها، كان هذا التفصيل يستدعي تخصيص كل خصلة منها بمحاضرة على أقل تقدير.
والذي أستطيعه في هذا المقام إنما هو إلقاء نظرة على هذه الآداب، أقصر فيها القول على ناحية ارتباط الهداية الإسلامية بها، وتنبيهها على سمو مكانتها، وحثها الناس على التجمل بحليتها؛ حتى يزداد شبابنا علماً بأن الدين الحنيف قد أتى إلى الأخلاق، وهي الأساس الذي تقوم عليه سعادة الأمم، فهذبها، وأرشد إليها على طريقة أقرب إلى العقول، وأدعى إلى العمل عليها من الطرق التي سلكها الفلاسفة.
أما الحلم، الذي هو ضبط النفس عن أن يهيجها الغضب بسهولة وسرعة، فقد ذكره القرآن المجيد في صفات المؤمنين بحق، فقال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، فإن عقب هذه الطمأنينة ترك المؤاخذة على الإساءة، فذلك العفو المشار إليه بقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]. فطمأنينة النفس عند الإساءة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة، كمالٌ في نفسها، فإن انضم إليها ارتياح النفس لعدم المؤاخذة على الذنب، كان الكمال مضاعفاً.
ووجه ارتباط خلق العفو بما دعا إليه الإسلام، هو أن من مقاصد الدعوة تكوين أمة مؤتلفة القلوب، متعاونة على البر والتقوى، ولا يمكن تحقيق
(4/ 2/163)

هذا القصد إلا أن تنتفي أسباب التجافي والتقاطع، وحيث كانت الجماعات الكبيرة لا تخلو من أن يتعرض طائفة لطائفة بمكروه من قول أو فعل، كان من الآداب التي عنيت بها دعوة الإسلام: الإغضاء عن أمثال هذه الهفوات، وشمولها بالعفو.
وللحلم - بمعنى عدم إظهار الغضب - أثر عظيم في نجاح السياسة:
ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرِّه يتأوه
وقد عدّ الحلم - بمعنى الإغضاء عن بعض الزلات - في مقتضيات السياسة الرشيدة، قال الشاعر في وصف سياسة أميره:
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
وفي عهد ذوي الحلم والأناة من رجال الدولة يجد المصلحون مجال الدعوة أمامهم فسيحاً، فيعملون في طمأنينة وثقة من إدراك أسمى المقاصد، وأحمد العواقب.
وأما السخاء: فإن من مقاصد الشريعة سد حاجات الفقراء، وإعانتهم على القيام بتكاليف الحياة، ومن أجل هذا فرضت الزكاة، وندبت إلى الصدقات، وقررت بعد هذا على الرجل حقوقاً مالية؛ كالإنفاق على الزوجات والأبناء وبعض ذوي القربى، فلا جرم أن يعنى الإسلام بتطهير النفوس من رذيلة الشح، وتحليتها بفضيلة السخاء، حتى إذا ورد الأمر بالإنفاق في وجه من الوجوه، سارعت إلى امتثاله عن طيب خاطر، وجاءته كأنما تنحط من صَبَب.
ولا كون مخطئاً إذا قلت: إنّ من أسباب العاقبة السيئة التي سار إليها كثير من الشعوب الإسلامية؛ انقباض الأيدي عن البذل في سبيل الله.
(4/ 2/164)

لم يكتف الشرع الحكيم من المسلم أن ينفق من فضل ماله، بل مدحه بأعلى مراتب السخاء، وهو أن يؤثر غيره بالنوال وهو في حاجة إليه، فقال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
وأما الشجاعة، فنوعان: شجاعة حربية: وهي بذل النفس في سبيل الدين أو العرض أو المال. وشجاعة أدبية: وهي إقدام الرجل على إسماع ذي سلطان كلمة الحق؛ من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، من غير مبالاة بما يلحقه من أذى السلطان، وكلتا الشجاعتين شملها الإسلام بعناية كبيرة.
أما الشجاعة الحربية: فقد أمر الرجل الواحد من المسلمين بأن يقف في مشاهد القتال لرجلين اثنين من المخالفين المهاجمين، وجعل الفرار من الزحف كبيرة موجبة لغضب الله تعالى، وانما جزاؤها يوم القيامة الحرق بالنار. وأما الشجاعة الأدبية: فقد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ولا يختص هذا الواجب بعلماء الدين الرسميين، ولا بالعلماء المتميزين بزي خاص، بل هو فريضة في عنق كل مسلم، تُرك أمامه معروف، وهو يعلم أنه معروف، أو فُعل أمامه منكر، وهو يعلم أنه منكر.
وقد تكلم الفقهاء المحققون عن هذه الفريضة بما يشفي غليل الباحث، وأذكر هنا: أن الإمام ابن عرفة أفتى بأن خوف العزل من الوظيفة ليس بعذر يجيز ترك النهي عن المنكرات.
فكل مسلم مطالب بأن يكون جامعاً للفضيلتين: الشجاعة الحربية، والشجاعة الأدبية ما استطاع.
ومن عرف أن الأمة لا تقع تحت سلطان أجنبي غاشم إلا بفقدها للشجاعة الحربية، وأن الفسوق والبغي لا ينتشران بين بيوتها إلا بفقدها للشجاعة الأدبية،
(4/ 2/165)

أدرك سر عناية الشرع الحكيم بهاتين الفضيلتين.
وأما الحياء: وهو انفعال في النفس يمنع من ارتكاب ما لا يليق، فقد كانت عناية الدين به شديدة، حتى جعله - عليه الصلاة والسلام - شعار الإسلام، فقال كما ورد في الصحيح: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء"، وفضلُه في أن يكون معتدلاً، واعتدالُه في أن يمنع من ارتكاب ما لا يليق، ولا يتجاوز إلى الإحجام عما يكون بعيداً.
وقد نبّه - عليه الصلاة والسلام - إلى أن النفس التي تفقد هذا الخلق لا يؤمل منها أن تكون على رشد أو عفاف، فقال: "إذا لم تستح، فاصنع ما شئت".
ولعلكم شعرتم - كما شعرت -: أن كلمة الحرية على ألسنة أشخاص لا يدركون كنهها، ولا يضعونها موضعها، قد أنقصت جانباً من الحياء في نفوس بعض أبنائها، فنجد في شبابنا من لا يبالي أن يقول أو يفعل بحضرة والديه أو المتقدمين في السن من أقاربه أو غيرهم ما لا يقبله الذوق الأدبي، بزعم أنه من مقتضيات الحرية في هذا العصر.
والواقع أن الحياء حلية يزداد بها الشيخ وقاراً، والشاب كياسة، وإني لممن يرى للأب أن يفسح المجال لابنه في أن يتكلم بحضرته في شؤون دنيوية، أو مسائل علمية، حتى يتمرن تحت إشرافه على إبدائه الآراء الصائبة ومناقشتها، وله متى رآه قد حاد عن أدب الحياء بكلمة أو حركة أن ينبهه برفق، ويعظه بحكمة.
وأما صدق اللهجة، فله أثر كبير في شرف النفس، وانتظام الشؤون المدنية؛ فإن من جرب عليه الكذب يكون محتقراً بين الناس، مزدرى به
(4/ 2/166)

في مجالسهم، ولا يمكنه أن يدرك بينهم ولو أدنى مرتبة من مراتب السيادة، ثم أن ظهور هذا الخلق عليه يفسد عليه أمر المعاملات، ويجعل رواياته وشهاداته مطروحة إلى وراء.
فلا جرم أن يعنى الدين الذي جاء لإصلاح حال الأفراد والجماعات بفضيلة الصدق، ويحرّم الكذب تحريماً لا هوادة فيه، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل الكذب في الدرك الأسفل من الرذائل، ونبّه على أنه لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في نفس واحدة.
روى مالك في كتاب "الموطأ": أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: "لا".
وأما الصبر، فيراد به: طمأنينة النفس، والتزامها السكينة عند حصول مكروه؛ من نحو: ضياع مال، أو فقد عزيز، ويراد منه: الثبات في طلب الأمر المحمود، واحتمال المشاق التي تعترض في سبيله، ومنه: الصبر على الطاعات، ويراد منه: كف النفس عن اتباع الشهوات، وارتكاب المحظورات، ومنه: الصبر عن المعصية.
وكل هذه المعاني الثلاثة مبني على فضل وافر وعقل رصين؛ إذ لا يصبر عند مفاجأة المصيبة، أو عند السعي إلى غاية حميدة، أو عند طغيان الشهوات، إلا الراسخون في العلم بمصادر الأمور وعواقبها، ومن هنا كان الصبر بمعانيه الثلاثة في مقدمة الأخلاق التي شملها الإسلام برعايته.
ومن مزايا الصبر: أن يساعد الإنسان على الاقتصاد في معيشته، ويحميه من أن يقع في غمِّ الدين ومذلَّته.
وأما العزة، وهي أن يعرف الإنسان قدر نفسه، ولا يرضى لها أن تُمس
(4/ 2/167)

بإهانة، فإن من مقاصد الشريعة: أن تتمتع الأمة بحياة طيبة، ولا حياة طيبة مع احتمال الذلة، ومن مقاصدها: أن تكون للأمة دولة قوية السلطان، مهيبة الجانب، وخلقُ العزة هو الذي يمنعها من أن تخفض جناحها لمن يريد أن يسومها ضيماً، وخلقُ العزة يدعو الإنسان إلى تجنب كل ما قد يجره إلى مهانة، فقد ينبه الموظف لأن يقوم بالمهمة التي تناط به كراهة أن يسمع عتاباً جافياً من رئيسه المسؤول عنه، وخلق العزة يتجه بالإنسان القادر على العمل إلى أن يعمل ويصرفه عن التشوف إلى ما في أيدي الناس.
وأما التواضع، فهو أن يكون الإنسان عارفاً بقيمة نفسه في فضل أو علم، ويسير مع الناس سيرة نقية من الكبر والإعجاب بالنفس، وبمثل هذا تتأكد روابط الألفة بينه وبين الطبقات الكثيرة من الناس، والقرآن الكريم يسمي التواضع بخفض الجناح، قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)} [الشعراء: 215]، وقال في التواضع للوالدين: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24].
وإنما يتواضع الإنسان لمن يقدره قدره، ويعد خفض جناحه له من سماحة نفسه:
تواضعْ لمن إن تواضعت له ... يرى ذاك للفضل لا للبلَهْ
وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل لَهْ
وأشار أحد الشعراء إلى أن في الناس من يخطئ في فهم بعض ما يتحلى به أهل الفضل من التواضع؛ كما يخطئون في فهم بعض ما يتجملون به من العزة، فقال:
وفي الناس من عدَّ التواضع ذلَّة ... وعدّ اعتزاز النفس من جهله كبرا
(4/ 2/168)

وأما كبر الهمة، فهو الخلق الذي يطمح به الإنسان إلى أغراض بعيدة المرمى، فيكون اتجاهه دائماً إلى أشرف الأعمال، وأرفع المنازل، ولا يرضى صاحبه بأدنى الأعمال أو المراتب وهو قادر على ما فوقها:
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
وقال آخر:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
والإسلام يحث على هذا الخلق النبيل؛ فإن الفتوحات العظيمة، والمشروعات الجليلة، والعبقرية والعلوم إنما هي آثار الهمم الكبيرة، فابن حزم عندما ترك الوزارة حتى ينقطع للازدياد من العلم، إنما فعل ما فعل منساقاً بكبر همته.
وأما الوفاء بالعهد، فمن أعز الأخلاق التي رفع الإسلام شأنها، وشدّد الوعيد على الإخلال بها، فأوجبه على الأفراد لتهذيب نفوسهم، وإصلاح معاملاتهم، وأوجبه على رجال الدولة لتثق الدول بمعاهداتهم، ويستقيم أمر سياستهم، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91]، وقال تعالى: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4].
وقد نهى الدين المسلمَ أن يقول قولاً، ثم لا يعقبه بالنفاذ، وعدّ هذا من موجبات المقت عند الله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2].
ويدخل في الوفاء بالعهد: الوفاء بالوعد مع القدرة على الوفاء، وهذه الآية الكريمة شاهدة على وجوب الوفاء بالوعد؛ إذ أصبح الموعود به من الخير حقاً من حقوق الموعود، وإخلافه كأنه اعتداء عليه.
(4/ 2/169)

ويتصل بالوفاء أدب آخر يسمَّى: حسن العهد، وهو أن يرعى الإنسان حقوق الصداقة والعشرة، فيحافظ عليها، وإن حصلت بينه وبين صديقه فرقة، أو تغيرت حاله من يسر إلى عسر.
إنَّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في الموضع الخشنِ
وروي في الصحيح: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - دخلت عليه امرأة، فهشّ إليها، وأحسن السؤال عنها، ولما خرجت، قال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان".
وأما الزهد، فمعدود في آداب النفس التي استحبتها الشريعة، وأثنت على المتجملين بها، وهو استصغار شأن المال والملاذّ والزينة، وعدم تعلق القلب بها تعلقاً يتساهل معه الإنسان في أن يصل إليها ولو من طريق غير مشروعة، وهو بهذا المعنى يساعد على خلق العزة، وخلق السخاء، وخلق العفاف.
وقد أساء بعض الناس فهم الزهد الذي هو أدب رفيع، ووصفوا به الشخص الذي يترك العمل لكسب الرزق وهو قادر عليه، ويرضى أن يكون في زمرة الفقراء الذين يتناولون أقواتهم من أيدي الأغنياء.
وأما العدل، فهو خلق يدعو الإنسان إلى أن يعطي كل ذي حق حقه، وأكثر ما يظهر فضله في القضاء بين المتنازعين، وهو خلق لا يحكمه إلا من جمع فضائل شتى؛ من نحو: الشجاعة الأدبية، وعزة النفس، وقلة الحرص على المنافع المادية، وقد ورد الأمر بالعدل في آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - أصناف الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، وذكر في صدرهم: الإمام العادل.
(4/ 2/170)

وأما الأمانة، وهي الخلق الذي يرعى به الإنسان ما يؤتمن عليه من مال أو عمل، فقد حفتها الشريعة بعناية بالغة، وحرمت على الإنسان أن يتصرف فيما يوضع تحت يده على وجه الوديعة أو العارية أو الإجارة إلا بالمقدار الذي يسمح به مالكه، كما أمرته بحفظ ما يناط بعهدته من عمل، ويدخل في هذا: إتقان الصناعة، وحسن تدبير السياسة، والنصح في التعليم، فمن غش في صنع شيء لحريفه، ومن لم يحسن تدبير السياسة، فهو خائن لأمته، ومن لم يسر في التعليم على أقرب المناهج وأغزرها فائدة، فهو خائن لتلاميذه.
(4/ 2/171)

المعتزلة وأهل السنة (1)
* المعتزلة:
أصل هذا المذهب: أن واصل بن عطاء الغزال كان يحضر مجلس الحسن البصري في زمن فتنة الأزارقة، وكان الناس يخوضون في حكم أصحاب الذنوب من أهل القِبلة، فخرج واصل بمذهب هو: أن مرتكب الكبيرة ليس بمسلم ولا كافر، بل هو بمنزلة بين المنزلتين، وهو مخلد في النار، وانضم إليه عمرو بن عبيد، قال الناس: اعتزلا قول الأمة، فسمِّي أتباعهما من ذلك الحين: معتزلة (2).
وقيل إن الحسن قال: قد اعتزلنا واصل، فلذلك سمّي هو وأصحابه معتزلة (3).
ومقتضى عبارة "القاموس" أنهم سموا أنفسهم المعتزلة، قال: والمعتزلة من القدرية، زعموا أنهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم: أهل السنة، والخوارج.
__________
(1) محاضرة الإمام في نادي جمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الأجزاء الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن من المجلد الثامن عشر.
(2) "الفَرْق بين الفِرق".
(3) كتاب "المواقف".
(4/ 2/172)

وقال ابن تيمية: كانت الخوارج قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك، وخاض في ذلك القدرية بعد موت الحسن البصري، فقال عمرو بن عبيد وأصحابه: "لا هم مسلمون، ولا كفار"، بل لهم منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنه ليس معهم من الإيمان والإسلام شيء، ولكن لم يسموهم كفاراً، واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل: قتادة، وأيوب السختياني، وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل: إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة (1). ومقتضى هذا النقل: أن الاعتزال ولقب المعتزلة إنما ظهرا بعد وفاة الحسن البصري (2).
فالأصل الذي قام عليه الاعتزال هو القول بمنزلة بين المنزلتين.
ويجمع المعتزلة على اختلاف طوائفهم - على ما ذكره بعض المؤلفين في المقالات؛ كعبد القاهر البغدادي - خمسة أصول:
أولها: قولهم: إن الفاسق بمنزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر، وإنه مخلد في النار.
ثانيها: إنكار القدر، وقولهم: إن العبد يخلق أفعاله.
__________
(1) "رسالة الفرقان".
(2) ونقل عن ابن الحسن الطرائفي الشافعي أنه قال في كتاب "الرد على أهل الأهواء والبدع": عندما بايع الحسن بن علي - عليه السلام - معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن، ومعاوية، وجميع الناس، وكانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسمّوا بذلك معتزلة.
(4/ 2/173)

ثالثها: قولهم باستحالة رؤية الله بالأبصار.
رابعها: نفيهم عن الله تعالى صفاته الأزلية.
خامسها: قولهم: إن كلام الله حادث.
وتختص بعد هذا كل فرقة من فرقهم بآراء يخالفها فيها فرق أخرى منهم، وربما حكم بعضهم بتكفير بعض.
ومن المعروف أن إنكار القدر سبقهم به معبد بن خالد الجهني، وأن نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق سبقهم به جهم بن صفوان، والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله إنما يتكلمون في الوعد والوعيد، وإنكار القدر، وحدث فيهم نفي الصفات بعد ذلك العهد، وذكر أحمد بن حنبل في رده على الجهمية مذهب جهم في نفي الصفات، وقال: فاتبعه قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام (1).
وذكر المعتزلة أن مذهبهم قائم على أصول خمسة أشار إليها أبو الحسن الخياط من أصحابهم في كتاب "الانتصار"، فقال: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وأهل السنة يرونهم مخطئين في بعض ما بنوه على هذه الأصول، كما جعلوا من مقتضى توحيد الله نفي صفاته الأزلية، وإنكار رؤيته بالأبصار، وكما جعلوا من مقتضى عدله أنه لم يخلق أفعال العباد، إلى نحو هذا مما هو مفصل في كتب علم الكلام.
__________
(1) "مقالات الإسلاميين".
(4/ 2/174)

ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخالف فيه أحد من المسلمين، ولكن المعتزلة يقولون بوجوب الأمر والنهي بالسيف قولاً أشد من قول غيرهم، حتى إنهم قالوا: "إذا كنا جماعة، وكان الغالب عندنا أننا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا، فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد، وفي قولنا في القدر، وإلا قتلناهم (1).
وكان المعتزلة فريقين: فريق بالبصرة، وفريق ببغداد، فمن معتزلة البصرة: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وأبو علي الأسواري، وأبو يعقوب الشحام، وهشام الفوطي، وأبو بكر الأصم، ومعمر بن عباد، والجاحظ، وأبو علي الجبائي، وأبو الحسين محمد بن علي البصري.
ومن معتزلة بغداد: بشر بن المعتمر، أبو موسى المزدار (2)، وأحمد بن أبي دؤاد، وثمامة بن الأشرس، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وأوب جعفر الإسكافي، وأبو الحسين الخياط، وبشر المريسي (3).

* انتشار الاعتزال في صدر الدولة العباسية وأسبابه:
كان الأمويون يقاومون بعض من يظهر برأي في العقائد غيرِ معروف،
__________
(1) قد يقول بعض علماء الكلام عند حكاية الآراء: هذا مذهب البصريين أو البغداديين من المعتزلة.
(2) هذا لقبه، وهو من لقب الافتعال من الزيارة "السيد-شرح المواقف".
(3) نسبة إلى (درب المريس) ببغداد، والمريس عندهم هو الخبز الرقيق يمرس بالتمر والسمن، وكان بشر مقيماً في هذا الدرب، وتوفي ببغداد سنة 118 ه، وكان معدوداً من المرجئة.
(4/ 2/175)

وقد يقابلون هذه الآراء بعقوبة القتل؛ كما قتل عبد الملك بن مروان معبداً الجهني، وهو أول من ظهر بإنكار القدر، وبعث هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار كتاباً يأمره فيه بقتل جهم بن صفوان إن ظفر به (1)، وكذلك قتلُ خالد القسري للجعد بن درهم كان في عهد هشام، والاعتزال ظهر في عهد الدولة الأموية، ولكن الأمر الذي ظهر به واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ كنفي الإيمان عن صاحب الكبيرة، أو الطعن في بعض الصحابة، فقد قال مثله فرق من قبلهم، ولم يتعرض لهم الأمويون بأذى، إلا أن ينزعوا إلى الخروج على الخلافة.
وعندما جاءت الدولة العباسية، كان بعض المعتزلة مقرباً عند بعض الخلفاء؛ مثل: عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة؛ فإنه كان صديقاً لأبي جعفر المنصور قبل الخلافة. ولما ولي أبو جعفر الخلافة، قرّبه، ولكن عمرو بن عبيد كان آخذاً بمذهب الزهد، ومجاهرة الأمراء بإنكار الظلم، وإسداء النصيحة من غير أن ينزع إلى الخروج عليهم.
ثم إن البرامكة في عهد الرشيد كانوا يعقدون مجالس للمناظرة، واختاروا له طائفة من المعتزلة، منهم: أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار، والنظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن الأشرس (2).
واتصل المعتزلة بالخلفاء؛ كالمأمون، والمعتصم، والواثق، فكان من أسباب انتشار الاعتزال: اتصال رؤسائه برجال الدولة، وسمو مكانتهم عندهم،
__________
(1) وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قرأت هذا في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان، ولكن جهماً قتل بعد عهد هشام كما سلف.
(2) "القواصم والعواصم" لابن العربي.
(4/ 2/176)

وتمسك أولئك الخلفاء بمذهبهم، وأخبار هؤلاء الخلفاء الثلاثة في دعوة الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحان المعتصم والواثق لعلماء السنة بهذه المسألة معروفة عند كل طالب علم (1).
وهناك سبب آخر هو: أن رجالاً من هذه الفرقة درسوا الفلسفة، وألّفوا في الرد على الدهريين والملاحدة والثنوية على طريقة النقد الفلسفي، ومثل هذا العمل قد يحمل كثيراً من الناس على حسن الظن بهم، والثقة بآرائهم، ولم يقم بهذا العمل - أعني: الرد على المخالفين من طريق البحث الفلسفي - غيرُهم من الفرق، وإنما ظهر عندما نشأ الأشعري نشأتهم، وأخذ يرد مذاهبهم ومذاهب غيرهم من الفرق على طريقة الجدل المعروفة عندهم بعد التمسك بالدليل السمعي من كتاب أو سنة.
وكان للمعتزلة نشاط في الدعوة إلى مذهبهم، شأن أصحاب كل مذهب أو نحلة جديدة، خصوصاً صاحب مذهب يرى أنه ملكَ من قوة الجدل والبراعة في صناعة الكلام ما لم يملكه غيره، ويكفيك شاهداً على قوة اهتماهم بنشر مذهبهم: أنهم لم يكتفوا بالدعوة إليه على طريق الجدل، بل سعوا لدى الخلفاء ليحملوا الناس على آرائهم بالقوة.
ونرى في التارلخ: أن مذهب الوصيلة من المعتزلة ظهر بالمغرب الأقصى، وأن فريقاً منهم كانوا بنواحي "تاهرت" لايقلون عن ثلاثين، وقيل: أربعين ألف مقاتل، ودارت بينهم وبين عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي المتوفى
__________
(1) امتحان أحمد بن حنبل كان في أيام المعتصم، وامتحان البويطي صاحب الشافعي في أيام الواثق حتى مات في أقياده محبوساً ثابتاً صابراً.
(4/ 2/177)

سنة 190 حروب (1).

* أثر المعتزلة في الحياة العقلية:
كان علماء الشريعة يتفقهون في الكتاب والسنة، ويطلقون أنظارهم في تقرير أصول الدين، واستنباط الأحكام على قدر ما يسعه دائرة ألفاظها العربية، وإذا تراءى لهم أن تعارضاً حصل بين ظاهري نصين من الكتاب والسنة، نظروا في الوجوه التي يترجح بها أحد الظاهرين على الآخر، فأخذوا بالراجح، وأوّلو االمرجوح على وجه يزول به التعارض، وكانت هذه الدائرة من النظر كافية في رد المتشابه إلى المحكم، ومعرفة الحق من العقائد، وتمييز صحيح الاستنباط من سقيمه، وكافية في وصول الناظر إلى قرار من العلم لا تلابسه فيه شبهة، ولا يزحزحه عنه مجادل.
وكان كثير من العلماء الذين عرفوا أصول الدين حق اليقين، وأحكموا صناعة الاجتهاد في الأحكام لا يعنون بمناظرة أولي الآراء المبتدعة، بل لم يأذنوا في رد شبه المبطلين بالطرق التي لم ترد منها، قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه، وإلا، سكت.
وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول إذا جاءه أحد من الأهواء: أما أنا، فعلى بينة من ربي، وأما أنت، فشاكّ، فاذهب إلى شاكّ مثلك فخاصمه. وجاءه رجل من أهل المغرب، فقال: إن الأهواء كثرت ببلادنا، فجعلت على نفسي إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرني به، فوصف له مالك شرائع الإسلام،
__________
(1) انظر: "معجم البلدان" لياقوت في مادة "تاهرت"، وكتاب "الأزهار الرياضية" (ص 116) في أئمة وملوك الأباضية.
(4/ 2/178)

ثم قال: خذ بهذا، ولا تخاصم أحداً.
وهذه سيرة أكثر العلماء في الصدر الأول مع أصحاب الآراء الذين ينتمون إلى الإسلام، ويرجعون في الجدال إلى قرآن أو سنة، فلا يزيد هؤلاء العلماء على أن يذكروا لهم المحكم من قرآن أو سنة، ويدلوهم على الوجه الذي يحمل عليه المتشابه منهما.
وظهر بعد هذا آراء فاسدة، ومذاهب باطلة لأقوام لا ينتمون إلى الإسلام، وجاءت هذه اللآراء والمذاهب مقرونة بشُبه، ومعبراً عنها بألسنة تحاول ترويجها بما يشبه الأقيسة المنطقية، فاشتدت الحاجة إلى مكافحة هذه اللآراء، ودفع ما يقارنها من الشبه، وتزييف ما زعموا أنه أدلة عقلية.
وكان مع هذا أن طائفة من المعتزلة أقبلوا على دراسة الفلسفة، وخاضوا في مباحثها، وعرفوا الطرق التي يسلكها الفلاسفة في الاستدلال على آرائهم، وكان من أثر هذه الدراسة: أن قصدوا للرد على بعض الفرق الضالة؛ كالدهرية، والثنوية على طريقة البحث الفلسفي، وسلكوا هذه الطريقة في رد آراء تصدر من بعض أصحابهم، كما سلكوها في مناظرات تقع بينهم وبين من لا يرى رأيهم.
ظهر المعتزلة بآراء لم تكن معروفة من قبل، وعقدوا المناظرات في مسائل لم تكن موضع الجدل في عهد السلف، وفتحوا للبحث طرقًا بعيدة المدى، فكان لهذه الحركة أثر في انطلاق الفكر في مسالك النظر، وإحرازه قوة في الكشف عن وجوه الباطل، والرمي بالحجة في وجه كل مرتاب أو منكر للحق، وستعلم كيف استفاد الأشعري من الخوض في غمار الاعتزال، واستطاع بذلك الدفاع عن مذهب أهل السنة دفاعاً وقف به الاعتزال في حد.
(4/ 2/179)

* أهل السنة:
يطلق هذا الاسم، ويراد منه: الأشعرية، والماتريدية، وأهل الحديث، وتجتمع هذه الفرق في أصول من العقائد هي: أن العالم حادث، وأنه لا خالق سوى الله، وأن الله قديم متصف بالعلم والقدرة، وسائر صفات الجلال، لا شبيه له (1)، ولا يحل في شيء، وأنه خالق أفعال العباد، وأنه مريد لجميع الكائنات، ومرئي للمؤمنين في الآخرة بلا انطباع ولا شعاع، ولا يجب عليه شيء، إن أثاب، فبفضله، وإن عاقب، فبعدله، وله الزيادة والنقصان في مخلوقاته (2)، وأن المعاد الجسماني حق، والصراط والميزان حق، والشفاعة لأهل الكبائر حق، وخلود أهل الجنة في الجنة كخلود الكفار في النار حق (3)،
__________
(1) في ذاته ولا في صفاته، والمخالف في هذا طائفتان: طائفة شبهوا ذاته بذات غيره، ومن أصحاب هذا المذهب: هشام بن الحكم، ويقال: إنه أول من قال: إن الله جسم، ومقاتل بن سليمان، فقد كان ينشر التجسيم في خراسان، ومحمد بن كرام، فإنه باح بالتجسيم، وقال: إن الله جسم له حد ونهاية. والطائفة الثانية شبهت صفاته تعالى بصفات المخلوقين، كما زعمت الزرارية أتباع زرارة بن أعين الرافضي: أن جميع صفات الله حادثة، وأنها من جنس صفاتنا. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
(2) المخالف في هذا: النظام، يقول: إن الله لا يقدر أن يزيد في الآخرة أو ينقص من ثواب أو عقاب لأهل الجنة والنار، وتوهم أن غاية تنزيهه تعالى عن الشرور والقبائح لا تكون إلا بسلب قدرته عليها.
(3) وردت نصوص في خلود السعداء في الجنة، والأشقياء في النار خلودًا مع تأبيد، وهذه النصوص محكمة، وأما الاستثناء في قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْ