Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 003


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(4)

«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(3/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(3/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
كانت مشيئة الله تعالى في خلقه أن يُبعثَ محمدٌ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رسولاً إلى الناس كافة هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الحق بإذنه وسراجاً منيراً، ومبعوثاً لنشر مكارم الأخلاق، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهو المثل الأعلى في الشرف والحسب وكمال الخلق والسيرة القويمة، ولن تجد فضيلة إلا كانت من صفاته.
يقول الإمام محمد الخضر حسين: "طالعْ كتب التاريخ، عربية وغير عربية، وأمعن النظر في أحوال عظماء الرجال من مبدأ الخليقة إلى هذا اليوم، فإنك لا تستطيع أن تضع يدك على اسم رجل من أولئك العظماء، وتقص علينا سيرته ومزاياه وأعماله الجليلة حديثاً يضاهي أو يداني ما نحدثك به عن هذا الرسول العظيم ".
مقالات وبحوث ومحاضرات في السيرة النبوية الكريمة، كتبها أو ألقاها الإمام في مناسبات ذكرى المولد النبوي الشريف، أو الهجرة النبوية المباركة. جمعتها وأعددتها في هذا الكتاب تحت عنوان "محمد رسول الله وخاتم النبيين". وهي إحدى الرسائل التي تضمنها الكتاب.
ولن يحيط مجموع الكتاب بالسيرة النبوية الزاخرة التي تحتاج إلى
(3/ 1/3)

مجلدات، وإنما تناول جوانب من السيرة الشريفة في مقالات عن رفقه، وحكمته في السياسة، وسيرته في الخليقة، وصبره ومتانة عزمه، وبلاغته، وشجا عته، ورجاحة عقله، وحكمة رأيه، وآداب خطبه، وهجرته، وإبادته للاصنام، ودعوته، وقضائه على المزاعم الباطلة، وعظمته، وغيرها من البحوث العلمية الفائقة.
وعندما يكتب الإمام في السيرة النبوية، فإن الإخلاص رائده، والعلم القويم منهاجه.
إن كتابة الإمام في السيرة النبوية، والدفاع عنها، ورد سهام المغرضين، وتفنيد مزاعم المبطلين والزائغين عن الحق بالحجة والبرهان، دليل على إيمان راسخ في القلب، وعلم واسع في العقل، ويقين صادق عند صاحبه أوقف حياته المليئة بجلائل الأعمال لهذه الدعوة الخالدة.
أشرت في الهامش عند مطلع كل بحث إلى المصدر الذي نقلت عنه.
والله نسأل الهداية والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
علي الرّضا الحسيني
(3/ 1/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الإمام محمد الخضر حسين
الحمد لله الذي أمتعنا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة لجميع الأنام، وعلى آله النبلاء الكرام، وأصحابه الهداة الأعلام، وكل من دعا إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة إلى يوم القيام.
أمّا بعد:
فقد كَثُرَ ما وقع في أيدينا من صحف يضعها أولئك الذين سمّوا أنفسهم: "المبشرين"، ويتعرضون فيها لدين الإسلام بكلمات خبيثات، يبتغون بها إخراج أبنائنا وبناتنا من نور الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!.
ما أراه في تلك الصحف من زور وبهتان، ثم ما أذاعته الصحف السيّارة في العهد القريب من قصص محاولة تلك الطائفة لتنصير بعض الفتيان أو الفتيات، قد دعياني إلى تحرير رسالة في سيرة رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم -، ودلائل نبوته السنية. وغير خفيّ على من يقمّر هذا الرسول الأعظم قدره: أن ليس في طوق كاتب- ولو ألقت إليه البلاغة أعنَّتها - تقضي المعاني التي في هذه السيرة العظيمة، أو تساق في دلائل هذه النبوة المباركة، إنما القصد من تأليف هذه الرسالة: أن أصوغ من تلك السيرة النبوية، ودلائل النبوة المحمدية فصولاً وجيزة، ثم أعرضها عليك في صفحات يمكنك أن تأتي عليها في زمن قليل.
(3/ 1/5)

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأمتعه بنعمة العقل، وهي من أجل ما ينعم به الخالق الحكيم. أمتعه بنعمة العقل؛ ليهتدي به إلى الحياة الطيبة، وما الحياة الطيبة إلا أن تعرف النفوس مُنشئها ومصيرها حق اليقين. تعرف منشئها؛ لتقوم بما يستحقه من التعظيم والإجلال، وتعرف مصيرها؛ لتعدّ له ما تستطيع من صالح الأعمال. ولكن المشاهدات الصائبة، والتجارب الصادقة، والأخبار المتواترة، دلت على أن للعقول حدوداً لا تتعداها، ونظرات قد تنحرف عن قصد السبيل، فتخطئ مرماها، فاقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بالخليقة: أن يرشد العقول إلى حقائق لا تصل إليها بنفسها، ويريها قصد السبيل؛ حتى لا تزيغ نظراتها، فبعث الرسل - عليهم السلام - مؤيدين بالآيات البينات، داعين إلى سبيل الحق بابلغ الحِكَم وأحسن العظات.
وما زال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - يُبعثون إلى الأقوام الطاغية، فيحاجّونهم، ويعظونهم، ويبشرونهم وينذرون، يهتدي بهديهم أولو الألباب، ويكفر بهم من حقت عليه كلمة العذاب، حتى جاء الزمن الذي خصه الله تعالى بأن يكون مطلع هداية عامة، وشريعة خالدة، ذلك هو الزمن الذي بُعث فيه أفضل الخليقة سيدنا محمد العربي القرشي - صلى الله عليه وسلم -.
محمد الخضر حسين
1352 ه - 1933 م
(3/ 1/6)

أديان العرب قبل الإسلام (1)
قصَّ الله تعالى علينا في القرآن المجيد: أن العرب كانوا يتخبطون في ضلالة الشرك، ويتخذون من دون الله آلهة، فيبعث إليهم أنبياء ليهدوهم السبيل، ويدعوهم إلى العقائد السليمة، والأخلاق الكريمة.

* بعثة هود - عليه السلام -:
أقدم قوم من العرب قصَّ الله علينا أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل إليهم رسولاً: قوم عاد، وكانت منازلهم بالأحقاف، قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: ا 2]. والأحقاف: جمع حِقْفِ، وهو الرمل المستطيل فيه اعوجاج وانحناء. فالآية ظاهرة في أن منازلهم كانت ببلاد فيها رمال كثيرة. وذكر ابن قتيبة أنهم كانوا ثلاث عشرة قبيلة ينزلون الرمل: بالدوّ، والدّهناء، وعالج، ووَبَار، وعُمان، إلى حَضْرَ موت.
وهذا لا يخالف ما جاء في سورة الفجر من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" الأجزاءالتالية: الجزء التاسع من المجلد الحادي عشر، ربيع الأول سنة 1358 - أبريل 1939 - والجزء الثاني عشر من المجلد الحادي عشر، جمادى الثانية 1358 - يولية 1939 - والجزء الأول من المجلد الثاني عشر، رجب 1358. والجزء الثالث من المجلد الثاني عشر، رمضان 1358 ه.
(3/ 1/7)

فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ (1) ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7 - 8]؛ لصحة أن تُحمل العماد على عماد الأخبية. ثم إن نزولهم بالأحقاف لا يمنع من أن تكون لهم مبانِ ضخمة. والقرآن الكريم يشير إلى هذا فيما قصَّه الله تعالى علينا من مواعظ هود - عليه السلام - إذ قال: [أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 128 - 129] (2).
وكان هؤلاء القوم يعبدون آلهة غير الله، ولم يصرح القرآن الكريم بما كانوا يتوجهون إليه بالعبادة على وجه التعيين، ويروى أنهم كانوا يعبدون الأصنام (3). وجَمْعُ الآلهة في قوله: {بِتَارِكِي آلِهَتِنَا} [هود: 53]، وجَمْعُ الأسماء في قوله: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71] يدل على أن عاداً كانت تعبد آلهة متعددة.
ويقال: إن عاداً أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، والقرآن الكريم إنما يدل على أن بعثة هود كانت بعد بعثة نوح - عليه السلام -، قال تعالى فيما يقصه من قول هود لقومه: [واذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69]؛ أي: خلفاء من بعدهم؛ لتعتبروا بما كان من عاقبتهم، وتشكروا الله على ما أعطاكم من قوة، ووهبه لكم من نعمة.
__________
(1) هو إرم بن سام الذي هو أحد جدود عاد، فإرم بدل من عاد؛ لأن أولئك القوم
يطلق عليهم اسم جدهم عاد، واسم جدهم إرم.
(2) الريع: الجبل، أو المكان المرتفع، والآية: القصر، والمصانع: ما كان من نحو الحصون ومجاري المياه.
(3) قال المسعودي في "مروج الذهب": كانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود، وصداء، والهباء، وقال المسعودي أيضاً: إن عاداً كان يعبد القمر.
(3/ 1/8)

بعث الله هوداً - عليه السلام - إلى هؤلاء القوم، فدعاهم إلى نبذ عبادة غير الله، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65]. وذكر في وعده لهم على إجابة دعوته أن لهم قبل خير الآخرة خير الدنيا، فقال: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]. وهذا ما يناسب دعوة القوم الذين غرقت قلويهم في الحرص على الدنيا: أن يبشروا بأن الاستقامة على هدى الله أعظم وسائل السعادة في هذه الحياة.
وتوعَّدهم بعقوبة الدنيا والآخرة إذا هُم تمادَوا في غيِّهم، فقال: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26]. وقال: {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [هود: 57].
ولم يكن من قومه إلا أن كذَّبوه، وتنقَّصوه، وجحدوا ما جاء به من الآيات، وأصروا على ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة غير الله، فقالوا فيما قصه الله تعالى من إجابتهم لهود: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66]، وقالوا: {جِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70]، وقال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59].
ووقف هود - عليه السلام - موقف من لا يهاب أهل الباطل، ولا يبالي بهم، ولا بما هم فيه من قوة وطغيان، ولا بما طبعوا عليه من الحرص على إذاية الداعين إلى الحق، والمبادرة إلى البطش بهم، فقال: {نِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي
(3/ 1/9)

تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 54 - 56].
وكذلك يجب أن يكون دعاة الإصلاح في كل حين: يزدرون أهل الضلال، ويواجهونهم بكل ما ملكوا من حجةٍ وحكمة.
دعا هود - عليه السلام - قومه إلى الحق، ودلَّهم على سبيل الخير، فاستحبوا الكفر على الإيمان إلا قليلاً منهم، وكان عذابهم أن أرسل الله عليهم ريحاً شديدة الصوت: {(5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 6 - 7].
أباد الله أولئك الجاحدين، ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]. وقال {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72]، وقال: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} الأحقاف:] 25، وقال تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم: 50 - 51]. ونجى هوداً والذين آمنوا معه. قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [الأعراف: 72]. وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58].

* بعثة صالح - عليه السلام - لثمود:
بُعث صالح إلى قوم من العرب يقال لهم: "ثمود". وثمود: قبيلة من العرب العاربة كانوا يسكنون الحِجْر: بين الحجاز والشام. وفي "صحيح البخاري" عن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل الحِجْر في غزوة تبوك، أمرهم ألا يشربوا من بئرها، وألا يسقوا منها. وفي "صحيح البخاري" أيضاً:
(3/ 1/10)

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مر بالحِجْر، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم الله مثل ما أصابهم"، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل، وأسرع السير حتى أجاز الوادي.
وكان هؤلاء القوم يعبدون غير الله: يروى أنهم كانوا يعبدون الشمس، وفي "مروج الذهب"اللمسعودي، وغيره: أنهم كانوا يعبدون الأوثان. والقرآن الكريم لم يتعرض لما كانوا يعبدون على وجه التعيين، وإنما دلَّ على أنهم كانوا يعبدون غير الله، ومن أدلة هذا: قولهم فيما قصه الله عنهم: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 62].

* دعوة صالح لثمود:
دعا صالح - عليه السلام - قومه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73]، وذكرهم بما وهب الله لهم من النِعم، وحذرهم من إطاعة المفسدين، قال تعالى: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف: 74]. وقال: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [هود: 61]؛ أي: ابتدأ خلقكم منها، {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أي: جعلكم عمّارها، أو طلب منكم أن تعمروها، {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه} [هود: 61]: أقلعوا عما أنتم عليه؛ فإنه يقبل منكم، ويتجاوز عنكم، {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} [هود: 61] برحمته {مُجِيبٌ} [هود: 61] لسائليه. وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 150 - 152].
وكان من قومه أن أعرضوا عن الدعوة، وجحدوا بما جاء به من الآية
(3/ 1/11)

البيّنة، وقال فيما قصه الله عنهم: [ياصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود: 62]: كنا نرجو قبل هذه المقالة والدعوة أن يكون عقلك كاملاً، [أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62]. وردَّ عليهم صالح في رفق ولطف، فقال: {يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود: 63].

* آية نبوته:
دعا صالح - عليه السلام - قومه إلى الحق، فاقترحوا عليه أن يأتيهم بآية تدل على صدق دعوته، قال الله تعالى فيما يقصه عنهم: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 154]، فكان له في الناقة التي آتاه الله آية ظاهرة، قال تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]؛ أي: آية بيّنه، وقال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الأعراف: 73].
أما وجه المعجزة فيها، فلم يصرح به القرآن الكريم إلا ما جاء من قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} [القمر: 28]. وقوله تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155]. وروى أحمد، والحاكم عن جابر، قال: لما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحِجْر، قال: "لا تسألوا الآيات؛ فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لبنها يوماً، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله منْ تحت أديم السماء منهم" (1).
__________
(1) هذا الحديث قال فيه ابن كثير هو على شرط مسلم.
(3/ 1/12)

ودلَّ القرآن الكريم أن من قوم صالح من قبلوا دعوته، وآمنوا بما جاء به، يؤخذ هذا من قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 75].
واتفق رأي ثمود بعدُ على عقر الناقة، وكان صالح ينذرهم أن يتعرضوا لها: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] فعقروها, {وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 77]، فقال لهم صالح - عليه السلام - {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65]. ولما أمسوا، هموا بقتله كما أخبر الله تعالى في قوله: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 48 - 49]؛ أي: لنكبسنه في داره مع أهله ليلاً، ونقتله، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49].
ولما انتهت الأيام الثلاثة، جاءتهم صيحة من فوقهم، ورجفة شديدة من تحتهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين، قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس: 14] (1). وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17]. وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا
__________
(1) أطبق عليهم العذاب، كما يقال: دمدم عليه القبر؛ أي: أطبقه عليه، وقيل: الدمدمة: إهلاك في استئصال.
(3/ 1/13)

عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ (1) الْمُحْتَظِر} [القمر: 31]. وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78].

* بعثة إسماعيل - عليه السلام - للعرب:
بُعث إبراهيم - عليه السلام - في أرض بابل، ودعا قومه إلى الدين الحنيف، فلم يجيبوا دعوته، فهاجر، وورد الشام ومعه زوجته سارة (2). وأتى مصر، وحاول أحد الجبارين الاعتداء على سارة، وخلصها الله منه، وأخدمها "هاجر". ثم رجع الخليل - عليه السلام - إلى أرض المقدس، ووهبته سارة أمتها هاجرة رجاء أن يرزقه الله منها ولداً، فدخل عليها إبراهيم، فحملت منه، وولدت منه إسماعيل - عليه السلام -، وحصلت لسارة غيرة من هاجر، وطلبت من الخليل أن يغيِّب وجهها عنها، فذهب بها الخليل حتى وضعها حيث مكة اليوم.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس: ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، إلى أن كرمها الله بنبع زمزم.
ومر بها رفقة من جرهم، فنزلوا هنالك، وشب إسماعيل، وتعلم منهم العربية، فلما أدرك، زوجوه امرأة منهم.
__________
(1) كالهشيم اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء.
(2) قيل: ابنة ملك حران، فارقت دين قومها، فتزوجها إبراهيم - عليه السلام -، والمشهور أنها ابنة عمه (هاران)، وأما من زعم أنها ابنة أخيه "هاران"، وادعى أن نكاح بنت الأخ كان إذ ذاك جائزاً، فزعم باطل لا يستند إلى دليل، ولا ما يشبه الدليل.
(3/ 1/14)

وعاد إبراهيم - عليه السلام - إلى مكة، وبنى بها البيت الحرام، يعينه على ذلك ابنه إسماعيل - عليه السلام -, وبعث الله إسماعيل بشريعة إبراهيم إلى جرهم والعماليق. وذكر بعضهم أنه أرسل إلى جرهم والعماليق وقبائل من اليمن في زمن إبراهيم - عليه السلام - (1).
وإذا أرسل إسماعيل بشريعة إبراهيم؛ فإن إبراهيم كان يدعو إلى التوحيد الخالص، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب؛ كما يدعو سائر الأنبياء، ومن شريعته: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال الله تعالى في قصة إسماعيل: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55]. ومن شريعته: حج البيت: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]. ومنها: الاختتان، كما ورد في الصحيح.

* بعثة شعيب - عليه السلام - إلى مَدْيَن:
من العرب الذين كانوا يعبدون غير الله: مدين، وكانت منازلهم تجاور أرض معان بأطراف الشام، ومما عرفوا به من الفساد في الأرض: أنهم كانوا يبخسون المكيال والميزان؛ أي: يأخذون لأنفسهم بالزائد، ويدفعون لغيرهم بالناقص.
فبعث الله إليهم شعيباً - عليه السلام - داعياً إلى التوحيد والإصلاح، وبعثته كانت بعد بعثة إبراهيم - عليه السلام - يدل على هذا: قوله لقومه كما جاء في الآية: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89]، وقال تعالى في قصة إبراهيم: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26]. والقرآن الكريم يسمي من
__________
(1) "السيرة الحلبية".
(3/ 1/15)

أرسل إليهم شعيب بمدين تارة، وبأصحاب الأيكة (1) مرة أخرى، فقال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85]، وقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 176 - 177]. وقد اختلف أهل العلم في بيان هذا، فقال قوم: إن شعيباً أرسل إلى أمتين: مدين، وهم الذين عُذبوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة، وهم الذين أخذهم الله بعذاب يوم الظلة (2). وقال آخرون: إن شعيباً أرسل إلى أمة واحدة تسمى: مدين، وهم أنفسهم أصحاب الأيكة، وهذا هو المختار.
قال ابن كثير في "تاريخ": ومن المفسرين من قال: إن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، وقوله ضعيف، لم يوافقوا عليه، وإنما عمدتهم شيئان:
أحدهما: أن الله تعالى قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ. ولم يقل: أخوهم كما قال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85].
ثانيهما: أنه ذكر أنه عذب أصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وذكر في مدين أنه عذبهم بالرجفة والصيحة.
والجواب عن الأول: أنه تعالى لم يقل: أخاهم بعد ذكر الأيكة؛ لأن ذكره غير مناسب بعد وصفهم بعبادة الأيكة، ولما نسبهم إلى العبيد، ساغ ذكر الأخوة؛ كما قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] وقال:
__________
(1) سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا يسكنون أيكة؛ أي: غيضة تنبت ناعم الشجر، وقيل: الأيكة: اسم للبلد الذي كانوا يسكنونه. والأظهر ما قاله ابن كثير من أنهم كانوا يعبدون أيكة.
(2) يعزى هذا إلى السدي، وعكرمة.
(3/ 1/16)

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73].
والجواب عن الثاني: أنه جمع عليهم الثلاثة أنواع من العذاب: الصيحة، والرجفة، وعذاب الظلة (1).
دعا شعيب - عليه السلام - قومه إلى نبذ ما كانوا يعبدون من دون الله، والإقلأع عن الفساد، {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87]، وأتاهم بآية بينة على صدق رسالته، أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى فيما يقصه من قول شعيب: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 85]، والآية ما يجريه على الرسول من المعجزة. وسلك في دعايتهم كل طريق حكيم من التبشير؛ كقوله: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90].
أو الإنذار؛ كقوله: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89] (2).
وقوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84].
ولم ينتفع القوم بالآيات والمواعظ، فأصروا على كفرهم وفجورهم،
__________
(1) لم يبين القرآن الكريم حقيقة هذا العذاب، والذي يذكره الرواة: أن الله تعالى بعث عليهم ريحاً حارة شديدة، فأخذت بأنفاسهم، وبعث عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس، وهي الظلة، حتى إذا اجتمعوا تحتها، أسقطها الله عليهم ناراً، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم الصيحة من فوقهم.
(2) قوم لوط لم يكونوا ببعيد من قوم شعيب، لا في الزمان، ولا في المكان، ولا في الصفات والأفعال القبيحة.
(3/ 1/17)

وقالوا فيما قصه الله عنهم: {يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91].
ولما أيس شعيب من إيمانهم، استنصر الله تعالى في مجازاتهم بما يستحقون، فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]. فاستجاب الله له فيهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقاب، {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94].
ونجى الله شعيباً والذين معه، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 94].

* الشرك في بلاد العرب:
انتشر في بلاد العرب الدين الحنيف الذي تلقوه من إسماعيل - عليه السلام -، وما زالوا على ذلك حتى مرت عليهم أحقاب، وفعلت فيهم الأهواء فعلتها، ووجدت الآراء الباطلة في نفوسهم مواضع، فابتعدوا عن سبيل الرشد، وذهبوا في أودية الضلال فرقاً، حتى أصبحت الجزيرة كمعرض للملل الضالة، والآراء الفاسدة، فيجد الباحث في تاريخهم أصنافاً كثيرة من مظاهر الشرك كانت قائمة في الجزيرة؛ من نحو: عبادة الأصنام، والأنصاب (1)،
__________
(1) قال ابن الكلبي في كتاب "الأصنام": إن المصنوع من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان: صنم، وإذا كان من حجر، فهو وثن. وذهب آخرون إلى أن الصنم والوثن مترادفان. فقال: ما يعبدون من الحجر على غير صورة، فهو نصب، وما يكون تمثالاً، فهو صنم ووثن. وحكى صاحب "المصباح" قولاً بأن الأنصاب هي الأصنام، فقال: النصب: حجر نُصب وعبد من دون الله. قيل: هي الأصنام، وقيل: غيرها؛ فإن الأصنام مصورة، والأنصاب بخلافها.
(3/ 1/18)

والأشجار، والملائكة، والجن، والحيوان، ومن دين الصابئة وعبادة الكواكب، ومن المجوسية والبرهمية.

* عبادتهم الأصنام:
سبب ضلال العرب في عبادة الأصنام بعد تمسكهم بملة إبراهيم - عليه السلام -: أن أولاد إسماعيل لما ملؤوا مكة، وانتشروا في البلاد لطلب الرزق، كان الظاعن منهم يحمل معه حجراً من حجارة الحرم، وحيثما نزل، وضعه، وطاف به طوافه بالكعبة، ثم انجرَّ بهم ذلك إلى المبالغة في تعظيم تلك الأحجار، فعبدوها، وعادوا إلى ما كانت عليه الأمم الضالة من قبلهم.
ثم ظهر عَمرو بن لُحي الخزاعي أيام تغلبت خُزاعة على مكة، ونفت منها جرهم، وكان قد تولى سدانة البيت، فدعا إلى عبادة الأوثان. وسبب ضلال عمرو هذا فيما يروى: أنه دخل البلقاء من أرض الشام (1)، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، ويقولون: هذه أرباب نتخذها، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل من سألها يعطى، فرجع إلى مكة ومعه صنم منهم، فنصبه على الكعبة، ودعا القوم إلى عبادته، ففعلوا.
تفشت في العرب عبادة الأصنام، فأقاموا في جوف الكعبة تماثيل، وكان أعظمها في زعمهم: "هبل".
ووضعوا حول الكعبة نحو ستين وثلاث مئة صنم (على عدد أيام السنة)، ومن الأصنام التي وضعوها حول الكعبة: إساف، وكان على الصفا، ونائلة، وكانت على المروة. واتخذ أهل كل دار من مكة صنماً يعبدونه من
__________
(1) البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قبتها عمان.
(3/ 1/19)

التماثيل القائمة في الكعبة، والأنصاب الموضوعة حولها.
وللعرب أصنام في غير مكة يبالغون في تعظيمها، منها: "اللات" (1)، وهو صنم لثقيف، "ومناة" (2): صنم كان منصوباً على ساحل البحر بقديد (الجبل الذي بين مكة والمدينة)، وكانت العرب جميعاً تعظمه، وتذبح حوله، ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج، "وفلس" (3): صنم لطيء، و"نهم" (4): صنم لمزينة، و"ذو الخلصة": صنم لخثعم ودوس وبجيلة، و"الأقيصر": كان بمشارف الشام للخم وجذام، وغطفان، و"ذو الكفين": صنم لدوس، و "ذو الشرى": صنم لبني الحارث بن يشكر، و"رضا": صنم لربيعة، و"عميانس": صنم لخولان، و"سعير": صنم لعنزة.
ومن أصنامهم: "ود" كان في قبيلة كلب، و"سواع"، وكان في قبيلة هذيل، و"يغوث"، وكان في قبيلة مراد، و"يعوق"، وكان في قبيلة همدان، و "نسر"، وكان في حمير.
وقد ذكر القرآن المجيد هذه الأصنام الخمسة في قصة نوح - عليه السلام -، قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23].
روي عن ابن عباس: أن هذه الأصنام كانت لقوم نوح - عليه السلام -,
__________
(1) بالتاء المشددة، وقرأ بها ابن عباس وعكرمة وجماعة؛ تسمية للصنم بوصف الذي كان يلتُّ عنده السويق.
(2) "الأصنام " لابن الكلبي.
(3) ضبطه صاحب "القاموس" بكسر الفاء وسكون اللام.
(4) بضم النون وسكون الهاء.
(3/ 1/20)

ثم انتقلت إلى العرب من بعدهم.
ومن المحتمل القريب أن تكون أسماء هذه الأصنام بقيت تذكر إلى ما بعد نوح، ثم اتخذ العرب أصناماً، وسموها بهذه الأسماء.
ومن هذه الأصنام: ما كان يتخذ من الأحجار النفيسة؛ كهبل؛ فإنه كان - فيما يروى - من عقيق أحمر على صورة إنسان، ومنها: ما يتخذ من نحاس؛ كصنم خزاعة الذي أقاموه فوق الكعبة، ومنها: ما يتخذ من الحجارة؛ كمناة؛ فإنه كان صخرة مربعة، ونحو ذي الخلصة؛ فإنه كان مروة بيضاء، وعليها نقش في شكل تاج، ومنها: ما يتخذ من الخشب؛ كذي الكفين.

* مظاهر تعظيمهم للأصنام:
كان عبّاد الأصنام يزورون الأصنام، ويتمسحون بها، ويتقربون إليها بالذبائح، ويحلفون بها، ولا يتعرضون لمن التجأ إليها، وكانوا يرون أن سبّها يأتي بأمراض معضلة، ويؤلفون أسماء أبنائهم من أسمائها؛ تبركاً بها، كما قالوا: عبد العزّى، وزيد اللّات، وزيد مناة، وعبد يغوث، وعبد نهم، وعبد ود، وعبد غنم، وعبد المدان (1)، وعبد رضا، وعبد كلال (2)، وعبد مناف (3)، وعبد ياليل (4).
وكانت الحيَّض من النساء لا يدنون من الأصنام، ولا يتمسحن بها،
__________
(1) قال ابن دريد: المدان: اسم صنم، وفي "القاموس": المدان؛ كسحاب: صنم.
(2) هو ابن عبد ياليل أحد سادات الطائف، عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الدعوة، فلم يجبه.
(3) في "القاموس": ومناف: صنم.
(4) في "القاموس": يا ليل كهابيل: رجل، وصنم.
(3/ 1/21)

وإنما كانت الواحدة تقف ناحية منها (1).
وكانوا يسكبون لها خمراً أو زيتاً أو حليباً، ويجعلون أمامها طعاماً ليكله الطير، وكانوا يقصون عندها نواصي أولادهم، ويحلقون شعورهم، وكان العذارى يرقصن حولها مسبلات ذيولهن. وكانوا يَقسِمون لها من حرثهم وأنعامهم، قال تعالى: ({وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136].
وبيان هذه القسمة الضالة - على ما جاء في بعض الروايات -: أنهم كانوا يعينون شيئاً من حرث ونتاج لله تعالى، فيصرفونه إلى الضيف والمساكين، وأشياء منها لآلهتهم، فينفقون منها لسدنتهم، ويذبحون عندها، فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً، يزيد في نفسه خيراً، رجعوا فجعلوه لآلهتهم، وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم، تركوه؛ معتلين بأن الله تعالى غني.

* عبادتهم لبعض الأشجار:
كان العرب يعبدون بعض الأشجار، و"العزى": سمرة (2)، كان لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتاً، وأقاموا لها سدنة (3). وقيل: ثلاث سمرات، أو نخلات، وكانت قريش تخصها بالإعظام، وكانوا يعظمون ذات أنواط،
__________
(1) "الأصنام" لابن الكلبي.
(2) واحد السمر، وهو شجر الطلح.
(3) "معجم ياقوت".
(3/ 1/22)

وهي شجرة عظيمة في جوار مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة، فتعلق عليها أسلحتها، وتذبح عندها.

* عبادتهم بعض الحيوان:
من العرب من كانوا يعبدون بعض الحيوان؛ فقد جاء في قصة وفد طيء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إليهم، وقال: "إني خير لكم من العزى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله" (1).
وجاء في قصة عمرو بن حبيب الملقب بذي الكيود: أنه أغار على بني بكر، فأصاب سقباً (2) كانوا يعبدونه، فنحره وأكله، إلى هذا يشير الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في "عمود النسب " (3) بقوله:
وانسب (4) حبيبهم وذا الكيود ... آكل سقب بكر المعبود

* عبادتهم الكواكب:
كان بعض كنانة يعبدون القمر والدبران، وبنو لخم وجرهم كانوا يعبدون "المشتري"، وبعض بني طيء عبدوا "سهيلاً"، وبعضهم عبدوا "الثريا"، وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم"، وطائفة من تميم عبدوا "الدبران"، وبعض القبائل لخم وخزاعة عبدوا "الشعرى العبور".
__________
(1) "الروض الأنف" (ج 2 ص 342).
(2) السقب: ولد الناقة.
(3) توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية.
(4) الضمير يعود على بني فهر، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ألا كل من سمي حبيب ولو بدت ... مروءته يفدي حبيب بني فهر
(3/ 1/23)

* عبادتهم للملائكة:
من العرب من كانوا يعبدون الملائكة، ويزعمون أنهم بنات الله يشفعن لهم عنده (1) وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء: 40]. وورد في القرآن الكريم أن الله - سبحانه وتعالى- يسأل الملائكة يوم القيامة عن عبادة الإنس لهم، فيتبرؤون منهم ومن ولايتهم، جاء هذا في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41].
وسؤال الله تعالى للملائكة يدل على أن من الإنس من كانوا يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، وقول الملائكة: [بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ] ظاهر في نفي أن يكون من الإنس من يتوجه إليهم بالعبادة، وأن المشركين إنما كانوا يقصدون بعبادتهم الجن.
ومن وجوه تفسير الآية التي يكون بها جواب الملائكة موافقاً للسؤال: أن أولئك الإنس كانوا يتوجهون بالعبادة إلى الملائكة، ولكنهم كانوا يتخيلون للملائكة صوراً، وهذه الصور إنما تطابق حال الجن، فيصح أن يقال: إن هؤلاء الإنس إنما يعبدون أصحاب تلك الصور، وهم الجن.
ومن الوجوه التي تجعل الجواب موافقاً للسؤال: أن الملائكة جعلوا عبادة الإنس لهم عبادة للجن؛ لأن الجن - وهم الشياطين - وسوسوا لهم بهذه العبادة، فنسبة عبادة الإنس للجن من جهة أنهم وسوسوا بها.
__________
(1) "الملل والنحل" للشهرستاني، و"مروج الذهب" للمسعودي.
(3/ 1/24)

* عبادتهم الجنَّ:
من العرب من كانوا يعبدون الجن، قال أبو المنذر في كتاب "الأصنام": كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41]
وقال ابن عطية في تفسير هذه الآية: "يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عُبدت، في سورة الأنعام، وغيرها، ومن آيات الأنعام الظاهرة في هذا قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام: 100]، وجاء في سورة الجن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]؛ أي: زاد الرجال العائذون الجن رهقاً؛ أي: تكبراً، أو عتواً، ذلك أن الرجل منهم إذا أمسى في وادٍ قفر، وخاف على نفسه، نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي! أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك.
وجاء في هذا من الشعر قول بعضهم:
قد استعذنا بعظيم الوادي .... من شر ما فيه من الأعادي
فلم يجرنا من هزبر عاد
والاستدلال على أن في العرب من كانوا يعبدون الجن بآية: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 41]؛ غير ظاهرة فإن سؤال الله تعالى للملائكة عن عبادة الإنس لهم يشعر بأن هناك جماعة من الإنس يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، فيكون جواب الملائكة بأن هؤلاء إنما كانوا يعبدون الجن، غير مناسب السؤال إلا على أحد الوجوه التي أوردناها في بحث عبادتهم للملائكة.
(3/ 1/25)

وقد يلوح للناظر وجه في تاويل الآية يمكن أن تدل به على أن من الإنس من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الجن، وهو أن يقال: لما حضر المشركون من عباد الملائكة والجن والأصنام، وأراد الله تعالى إقامة الحجة على أن غيره لا يستحق أن يعبد، وجَّه الخطاب إلى أشرف من توجه المشركون إليه بالعبادة، وهم الملالكة، حتى إذا تبرؤوا، وتبين بإقرارهم أنهم غير أهل لأن يعبدوا، كان قصور غيرهم عن مرتبة العبادة أولى، وكان جواب الملائكة أن تبرؤوا من الإنس الذين كانوا يعبدونهم، فقالوا: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} [سبأ-41]. وبعد هذه البراءة انتقلوا إلى الإخبار بأن أولئك المشركين كانوا يعبدون الجن.
فاسم الإشارة في قوله: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40]، مشار به إلى جملة المشركين بالنظر إلى أن فريقاً من هذا المجموع كانوا يعبدون الملائكة، والضمير في قوله تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} [سبأ: 41] يعود إلى مجموع المشركين بالنظر إلى الفريق الذين كانوا يعبدون الجن، وكلمة {بَلْ} تستعمل في عطف الجمل لمجرد الانتقال من خبر إلى آخر، فهي هنا للانتقال من التبرؤ من الإنس إلى وصفهم بعبادة الجن، ولا غرابة في إطلاق اسم يتناول جماعة، ثم يخبر عنه بأمر صدر من بعضهم لأمر يقتضيه المقام، والأمر الذي اقتضى في السؤال تخصيص عبادتهم للملائكة بالذكر: هو ما أشرنا إليه من أن الملائكة أشرف معبوداتهم، والذي اقتضى في جواب الملائكة ذكر عبادتهم للجن: هو أنه كان شأن أكثر المشركين؛ فإن الذين كانوا يعبدون الأصنام يتعلقون مع ذلك باعتقاد أن من ورائها أرواحأ خفية تتصرف في شؤونهم، وكثرهم يسمون هذه الأرواح بالجن.
(3/ 1/26)

* عبادتهم للكواكب:
كان بنو لخم وجرهم يعبدون المشتري، وبعض كنانة عبدوا القمر والدبران، وبعض قبائل ربيعة عبدوا سهيلاً، وبعضهم عبدوا الثريا، وبعض قبائل ربيعة عبدوا المرزم، وطائفة من تميم عبدوا الدبران، وبعض قبائل لخم وخزاعة عبدوا الشعرى العبور.
قال ابن قتيبة: "كان قوم الجاهلية عبدوا الشعرى العبور، وفتنوا بها، وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أول من عبدها، وخالف قريشاً، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، قالوا: هذا ابن أبي كبشة (1)؛ أي: يشبهه".
ومن العرب من عبدوا الشمس، ومن أثر هذا تسميتهم لها بالإلهة، قال عتبة بن الحارث اليربوعي:
تروحنا من اللهباء (2) عصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
وذكر صاحب "تاج العروس": أن الشمس اسم لصنم قديم، وقال: قد سمت العرب: عبد شمس، وهو بطن من قريش، قيل: سموا بذلك الصنم، وأول من تسمى به: سبأ بن يشجب.
ومن أثر اعتقادهم بتأثيرها في الكون: ما هو جار في بعض البلاد إلى الآن من أن الغلام إذا سقطت له سن، أمسكها بين السبابة والإبهام، واستقبل بها الشمس، ورماها نحوها طالباً منها أن تعوضه سناً أحسن
__________
(1) وقيل: أبو كبشة كنية وهب بن عبد مناف جد النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة أمه.
(2) في "اللسان": اللعباء - بالعين-.
(3/ 1/27)

من السن الساقطة.
ومن أثر عبادتهم للكواكب: تسميتهم أبناءهم بأسماء مضافة إليها؛ نحو: عبد شمس، وعبد المشتري.

* البرهمية في العرب:
اشتهر دين البرهمية في سكان عمان (1)، والبرهمية منسوبة إلى برهم، وهو المعبود الأول أو الأكبر عند أصحاب هذا المذهب المنتشر في الهند، ويصفون هذا المعبود بأنه أصل كل الموجودات، واحد أزلي (2).
وبرهما في الهند هيكل يعبده البراهمة (3)، ويتوجهون إليه بالدعاء، وهم يعبدون مع ذلك الشمس؛ بدعوى أنها ينبوع النور والحرارة، فهي أول المعبودات في زعمهم، ويستدل بعضهم بهذا على أن البرهمية فرع للمجوسية قبل ظهور زرادشت.

* دين الصابئة في العرب:
من العرب من كانوا على دين الصابئة، ومذهب الصابئة يقوم على عبادة الملائكة، ذلك أنهم قالوا: إنا نحتاج في معرفة الله وأحكامه إلى متوسط روحاني، ولما لم يتيسر لهم مشاهدة الروحانيات، والتلقي منها، لجؤوا إلى الكواكب؛ بزعم أنها هياكل الروحانيات، وصاروا يعبدون الكواكب
__________
(1) "خلاصة تاريخ العرب" لسيديو.
(2) يريدون به: الطبيعة، ولهذا كانت لهم آلهة متعددة يمثل كل منها مظهراً من مظاهر الطبيعة.
(3) انظر: كتاب محمود بن سبكتكين الذي بعث به إلى ديوان الخلافة عند فتح الهند في ترجمة ابن سبكتكين من "تاريخ ابن خلكلان".
(3/ 1/28)

تقرباً إلى الروحانيات التي تقربهم - فيما يزعمون - إلى الباري - جل جلاله -، والكواكب التي كانوا يعبدونها: السبع السيارات، أو بعض الكواكب الثابتة، فصابئة الروم تعبد السيارات، وصابئة الهند تعبد الثوابت (1).
ثم إن جماعة منهم قالوا: إن الهيكل السماوية لا ترى في كل الأوقات؛ لأن لها طلوعاً وغروباً، وظهوراً بالليل واحتجاباً بالنهار، فلا يمكن التقرب بها في كل وقت، وبدا لهم أن يقيموا أشخاصاً مبصرة لهم في كل وقت يتوسلون بها إلى الهياكل، فاتخذوا أصناماً على مثال الهياكل، ونصبوا كل صنم في مقابلة هيكل.
وقد بعث الله تعالى إبراهيم - عليه السلام -, فحاجَّ الفريقين: عباد الكو اكب، وعباد الأصنام.
ومن أثر ديانة الصابئة في بلاد العرب: اعتقادهم بالأنواء (2)، وييان ذلك: أن للقمر ثماني وعشرين منزلة، وتسمى هذه المنازل بأسماء كواكب تظهر فيها، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع ما يقابلها، يكون مطر، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا، والنوء: الكوكب الطالع؛ لأنه إذا سقط الساقط بالمغرب، ناء الطالع؛ أي: نهض وطلع بالمشرق.
وقيل: النوء: اسم للكوكب الذي يغرب، وقد أشار الحديث الشريف إلى بطلان هذه العقيدة بقوله: "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته،
__________
(1) سميت ثوابت، وإن كانت متحركة؛ لأنها ثابتة الأبعاد، لا يقرب أحدها من الآخر، ولا يبعد عنه، ولا تتغير عن جهاتها.
(2) وقيل: النوء: اسم لسقوط النجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق.
(3/ 1/29)

فهو مؤمن بي، كافر بالكواكب".
ومما يروى عنهم في هذا الشأن: أنهم كانوا يكرهون نوء السماك، ويقولون: فيه داء الإبل، قال الشاعر:
ليت السماك ونوءه لم يخلقا ... ومشى الأفيرق في البلاد سليما

* المجوسية في العرب:
المجوسية قائمة على اعتقاد أن للعالم أصلين، هما: النور، والظلمة، وأهل هذه النحلة يعظمون النار بزعم أنها من أجناس الآلهة النورية. والمجوس فرق، وأشهر فرقهم: الزرادشتية: أصحاب زرادشت الذي ظهر في عهد كشتاسف، ودعا هذا الملك إلى دينه، فأجابه، وأصل عقيدة هؤلاء: أن النور والظلمة مبدأ العالم، وأن الله خلقهما وأبدعهما، وأن الخير والشر، والصلاح والفساد، حصلت من امتزاج النور بالظلمة، ولزرادشت كتاب يقولون: إنه صنفه، أو أنزل عليه، وهو "زندستا".
ومن أشهر فرقهم: "الثنوية"، وهم أصحاب القول بأن النور والظلمة اللذين هما مبدأ العالم في زعمهم أزليان قديمان.
ومنها: "المانوية" وهم أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في عهد شابور بن أزدشير، وقتله البهرام بن هرمز، وقتل الرؤساء من أصحابه (1).
__________
(1) في أيام ماني ظهر اسم الزندقة، ذلك أن الفرس حين أتاهم زرادشت بكتابه المعروف بالنسياه باللغة الأولى من الفارسية، وعمل له التفسير، وهو الزند، وعمل لهذا التفسير شرحاً هو البازند، فكان من عدل إلى التاويل الذي هو الزند، قالوا: هذا زندي، فأضافوه إلى التأويل؛ أي: إنه منحرف عن ظاهر التنزيل، فأخذ العرب هذا اللفظ من الفرس، وعربوه، فقالوا: "زنديق "، والزنادقة هم الثانوية، ثم ألحق بهم في=
(3/ 1/30)

ومنها: المزدكية، وهم أصحاب مزدك الذي ظهر أيام قبادو والد أنوشروان، ودعا قبادو إلى مذهبه، فأجابه، ولما تولى أنوشروان، اطلع على كذب مزدك هذا، فقتله. ومن مبادئ هذه النحلة: إباحة النساء والأموال، وجعلها شركة بين الناس.
وكانت المجوسية في نفر من تميم، منها: زرارة بن عدي، وابنه حاجب ابن زرارة، والأقرع بن حابس، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان.
وكانت المجوسية بالبحرين (1)، جاء في كتاب المنذر بن ساوى رئيس البحرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك"، فجاءه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: "من أقام على يهودية أو مجوسية، فعليه الجزية".
وكانت المجوسية في نفر من قريش. قال ابن قتيبة في كتاب "المعارف": "وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة" ومراده من الزندقة: المجوسية، والظاهر: أن العرب المجوس كانوا على مذهب الثانوية؛ لأن الثانوية هي المعروفة باسم الزندقة.
ومن أثر المجوسية في العرب: حلفهم بالنار، وتعاقدهم عليها؛ فقد ورد في عاداتهم: أنهم كانوا يوقدون ناراً عند التحالف.
__________
= هذا الاسم سائر من اعتقدوا قدم العالم، وأنكروا حدوثه.
(1) ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر، وهجر: بلد معروف بالبحرين، وأما هجر التي تنسب إليها القلال الهجرية، فهي قرية من قرى المدينة المنورة. "النهاية" لابن الأثير.
(3/ 1/31)

قال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين": وكانوا (أي: العرب) يتحالفون على النار، ويتعاقدون، ويأخذون العهد المؤكد، واليمين الغموس.
وقال في كتاب "الحيوان": "كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عند نار، فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض الحلف، ويخيس بالعهد".
وجاء في قصيدة الأعشى التي مدح بها المحلق ما يشير إلى أنهم كانوا يتحالفون على الرماد، وهو قوله:
رضيعَي لبانِ ثدي أُمِّ تقاسما ... بأسحمَ داجٍ عَوْضُ لا نتفرق (1)
وأورد صاحب "العقد الفريد" هذا البيت، وقال: قوله "تقاسما بأسحم داج" يقول: تحالفا على الرماد، وهذا شيء تفعله الفرس؛ لئلا يتفرقوا أبداً.
ومن أثر المجوسية في العرب: زعمهم أن ابن المجوسي إذا كان من أخته، وخط على النملة (2)، تبرأ وتنصلح، قال بعض شعرائهم:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كريم وأنا لا نخط على النمل
يريد: أنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات، وكانوا يكنُّون عن المجوسي
__________
(1) قبل هذا البيت بيتان هما:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّقُ
تُشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلّقُ
(2) هي بثيرة تخرج في الجسد بالتهاب واحتراق، ويرم مكانها يسيراً، ويدب إلى موضع آخر كالنملة، وتطلق على قروح في الجنب كالنمل. "القاموس".
(3/ 1/32)

بقولهم: فلان يخط على النمل.

* الدهرية في العرب:
قص الله تعالى علينا أن قوماً من كفار العرب يقولون: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24]، وهذه الآية تدل على أن هؤلاء القوم ينكرون البعث، ويسندون الإهلاك - أي: الإماتة - إلى الدهر.
واختلف الكاتبون في التفسير والتاريخ في أن هؤلاء القوم يقرون بالخالق، أو يجحدون به، فقال بعضهم: إن هؤلاء القوم يعترفون بوجود الله تعالى، فهم غير الدهرية الذين يسندون الحوادث إلى الدهر، ولا يقولون بوجوده تعالى، وجرى على هذا المسعودي في "مروج الذهب"، فقال: ومن العرب من أقر بالخالق، وكذب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم، وأخبر عن كفرهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24].
ومن المفسرين من حمل هذه الآية على قوم ينكرون وجود الخالق، وهذا ما سلكه القرطبي في "تفسيره"؛ إذ قال في تفسير هذه الآية: وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع، وينكر البعث، وجرى على هذا أبو البقاء في "كلياته"، فقال: والدهري - بالفتح - هو: الذي يقول: العالم موجود أزلاً وأبداً، لا صانع له، {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24].
ومن المفسرين من جعل الآية محتملة لأن تكون في قوم لا يعرفون الله، ولا يقرون به، وهم الدهرية، وأن تكون في قوم يقرون بالخالق، وينكرون البعث، وينسبون الآفات إلى الدهر؛ لجهلهم أنها مقدَّرة من الله. وجرى على
(3/ 1/33)

هذا أبو حيان في تفسيره "البحر".
وليس في الآية ما يدل على أن هؤلاء القوم يقرون بالإله، أو يجحدون به، فمن ذهب إلى أن موردها قوم لا يقرون بالإله، فلأن إضافة الحوادث إلى الدهر مقترنة بإنكار البعث، شأن الدهريين الذين ينكرون وجود الخالق - جل شأنه -.
ومن أثر اعتقادهم أن الحوادث من الدهر: كثرة شكواهم من الدهر، ويظهر هذا كثيراً في أشعارهم، قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب، حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه، وقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع هذا الأثر الناشئ عن أصل عقيدة فاسدة، فقال كما جاء في "صحيح البخاري": "لا يقولون أحدكم: يا خيبة الدهر! فإن الله هو الدهر".

* اليهودية في جزيرة العرب:
لليهودية في جزيرة العرب على ما يقوله بعض الكاتبين في تاريخها طوران:
أولهما: كان لبطون من اليهود نزلوا بلاد العرب، وانتهى هذا الطور في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح (1).
ثانيهما: ابتدأ في القرن الأول والثاني بعد ميلاد المسيح (2)؛ ذلك أن جموعاً كثيرة من اليهود هاجروا من فلسطين إلى البلاد العربية، ولهذه
__________
(1) انقرض اليهود من الجزيرة لذلك العهد، ولم يبق فيما يقال إلا بعض آثار منازلهم.
(2) انتهى هذا الطور بإجلاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لهم من الجزيرة.
(3/ 1/34)

الهجرة أسباب:
منها: نمو عدد اليهود في فلسطين حتى ضاقت بهم البلاد.
ومنها: أن الدولة الرومانية كانت قد استولت على فلسطين حوالي القرن الأول قبل ميلاد المسيح، وانهالت تضطهد اليهود، وتسومهم الخسف، فلجأ طوائف منهم إلى الهجرة، وقصدوا البلاد العربية؛ مما عرفوه من حياة البداوة العربية من الحرية، فقبلهم العرب، وعاملوهم بإحسان.
ومنها: أن بلاد العرب كثيرة الرمال، فيتعسر على الجيوش الرومانية وهي على شيء من النظام أن تقطعها، فنزل اليهود في شمال الحجاز بيثرب (المدينة المنورة)، وأرض خيبر (1)، ووادي القرى (2)، وتيماء (3)، واتخذوا الحصون والآطام (4) على رؤوس الجبال.
ومن دخل في اليهودية من العرب طوائف من بني كنانة، وبني كندة، وبني نمير، وكانت هذه القبائل مجاورة لمواطن اليهود: يثرب، وأم القرى، وتيماء.
__________
(1) على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، وخيبر بلسان اليهود: الحصن، وقيل: سميت باسم رجل من العماليق، فنزلها، وفتحت سنة 7 للهجرة، وقيل: سنة 8.
(2) واد بين المدينة والشام، وهو من أعمال المدينة، كثير القرى، فتحها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة 7. ثم صولحوا على الجزية بعد أن فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من خيبر.
(3) بلد بين الشام ووادي القرى، لما بلغهم فتح أم القرى، بعثوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصالحوه على الجزية، وأقاموا ببلادهم، وبقيت أرضهم بأيديهم.
(4) جمع أطم: وهو القصر، ويطلق على الحصن المبني بالحجارة، وعلى كل بيت مربع.
(3/ 1/35)

وظهرت اليهودية في بلاد اليمن منذ عهد بعيد، ودخل فيها بعض ملوك حمير، فقامت دولة متهودة (1)، إلى أن جاء الجيش، فقوضوا أركانها، ولكن بقيت طوائف من اليهود مفرقين في البلاد. وسبق كتاب المنذر أمير البحرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه يقول: "بأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمراً".
وقال الجاحظ: "وجاء الاسلام، وليست اليهودية بغالبة على قبيلة إلا ما كان من ناس من اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة، ومعظم اليهودية، إنما كان بيثرب، وحمير، وتيماء، ووادي القرى في ولد هارون، دون العرب" (2).
وفي أهل نجران الذين أجلاهم عمر بن الخطاب من الجزيرة يهود، ومما يقولونه في سبب ظهور اليهودية في اليمن: أن الدولة الرومانية بالشرق بعد أن انتهت من بسط سلطانها على الممالك المجاورة لجزيرة العرب، وجهوا أنظارهم على الاستيلاء على أطراف الجزيرة العربية، فأرسلوا وفوداً من الرهبان لنشر الديانة المسيحية بالجزيرة؛ تمهيداً لتنفيذ خطتهم السياسية الاستعمارية (3)، وتنبه ملوك حمير لهذه الغاية، فدخلوا في اليهودية، ودعوا
__________
(1) قال بعض المؤرخين من المستشرقين: إن دولة حمير اليهودية لم تظهر إلا في القرن الخامس بعد المسيح، واستشهد على هذا بقول الطبري: إن تبان أسعد ملك حمير وصاحب الدعوة اليهودية، كان في نهاية القرن الخامس.
(2) "رسالة في الرد على النصارى".
(3) هذه الحيلة يعمل بها الدول المسيحية اليوم، فيرسلون دعاة النصرانية إلى بلاد الإسلام؛ ليمهدوا لهم السبيل إلى احتلالها، أو ليعينوهم على تثبيت سلطانهم =
(3/ 1/36)

إليها؛ ليدافعوا بها النصرانية.

* أثر اليهودية في العرب:
روى جماعة من المحدثين؛ كأبي داود، والبيهقي، والحاكم عن ابن عباس: أنه قال: "كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب، كانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، وكانوا يقتدون بكثير من أفعالهم". ومن أثر اعتقادهم بفضل اليهود في العلم لذلك العهد: أنه كان من نساء الأوس والخزرج من إذا ولدت ولداً، تنذر إن عاش ولدها أن تهوده (1). ويروى أن يهود يثرب علَّموا العرب الكتابة العربية (2).
ويرى أثر اليهودية في شعر العرب؛ كما قال لبيد يصف رجلاً قد غلبه النعاس:
يلمس الأحلاس (3) في منزله ... بيديه فاليهودي المصل
ووجدت للعرب أشياء تقارب بأسمائها وصورها بعض ما عرف لليهود، فعدها بعض الكاتبين من تأثير اليهودية؛ مثل: "النسيء" الذي كان يقوم به
__________
= عليها، وليست البهائية والقاديانية إلا فرقتين غير إسلاميتين تعملان تحت اسم الإسلام؛ لتمكين بعض الدول المسيحية من احتلال البلاد الإسلامية، أو مساعدتهم على تثبيت قدم الاحتلال.
(1) "الر وض الأنف" للسهيلي.
(2) "فتوح الإسلام" للبلاذري.
(3) الأحلاس: جمع حلس، وهو الكساء الذي يكون على ظهر البعير تحت البرذعة. ويبسط في البيت تحت حر الثياب.
(3/ 1/37)

أفراد اتخذهم العرب رؤساء فيه (1)، وهو أنهم إذا فرغوا من الحج، اجتمعوا إلى هذا الرئيس، فحرم الأشهر الحرم: رجباً، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، فإذا احتاجوا إلى شن الغارة وطلب الثارات، أخر شهر المحرم إلى صفر، وإن احتاجوا إلى ذلك في صفر، أخروه، وحرموا ربيعاً الأول، وهذا ما نزل فيه قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]؛ لأنه تحريم ما أحل الله، {يُحِلُّونَهُ} [التوبة: 37]؛ أي: الشهر المؤخر {عَامًا} [التوبة: 37]، ويحرمون مكانه شهراً آخر، {وَيُحَرِّمُونَهُ} [التوبة: 37]؛ أي: يحافظون على حرمته {عَامًا لِيُوَاطِئُوا} [التوبة: 37]: ليوافقوا [عدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه} [التوبة: 37] من الأشهر الأربعة (2).
وقد قال بعض الإفرنج: إن النسيء الذي كان عند العرب في الجاهلية مأخوذ من اليهود، فإن الناسئ في اللغة العبرية معناه: الرئيس الديني، وكذلك كان الرئيس الديني عند اليهود يؤخر ويقدم الشهور، ويعين مواعيد الأعياد والصيام، ويبعث بذلك إلى طوائف اليهود المختلفة.
ونحن نستبعد أن يكون النسيء مأخوذاً عن اليهود ما دام لفظه مشتقاً من مادة عربية له تصرفات تدور حول معنى التأخير (3).
__________
(1) آخرهم عوف بن أمية.
(2) ويقع النسيء على وجه آخر، هو أنهم يؤخرون الحج عن وقته تحرياً منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوماً أو أكئر قليلاً، حتى يمر ثلاث وثلاثون سنة، فيعود الحج إلى وقته، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض". فكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته.
(3) يقال: نسأه ونسأه إلى آخره. وبعته بنسيئته؛ أي: بآخرة، واستنسأه: سأله أن =
(3/ 1/38)

ومما ظنه بعضهم من أثر اليهودية في العرب: كلمة "صوفة"، ذلك أن هذا اللفظ في العبرية معناه: الحادي، والعرب يطلقونه على قوم يندفعون بالناس من عرفة، ويؤمونهم في رمي الجمار، وكان آخرهم عند ظهور الإسلام كرب بن صفوان، والكتب العربية تذكر في تسميتهم صوفة وجوهاً، منها: ما ذكره صاحب "القاموس" من أنه اسم لأبيهم الغوث بن مرة، وقال أبو عبيدة: سموا بذلك؛ لأنهم بمنزلة الصوف: فيهم القصير والطويل، والأسود والأحمر، ليسوا من قبيلة واحدة. وقيل: لأن أم الغوث نذرت لئن عاش، لتعلقن برأسه صوفة، وتجعله خادماً للكعبة.
وزعم بعضهم: أن الختان أخذه العرب من اليهود، ونحن نرد هذا بأن الختان من سنة إبراهيم - عليه السلام - كما ورد في "صحيح البخاري": "اختتن إبراهيم - عليه السلام - وهو ابن ثمانين سنة".
وزعم أحد دعاة النصرانية (1): أن ما عرف عند العرب من أن إسماعيل - عليه السلام - أبو العرب إنما جاءهم من اليهود، قالوا لهم ذلك؛ ليتقربوا إليهم بدعوى أنهم أبناء إسماعيل، وأن اليهود أبناء إسحاق، وجد الجميع إبراهيم - عليه السلام -، وقد أخذ هذا الزعم صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي"، وأنكر أن يكون إبراهيم - عليه السلام - دخل بلاد العرب. ونحن نؤمن بما جاء في القرآن الكريم، والحديث الصحيح. وليس في يد ذلك الداعية النصراني، ولا صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي" رواية تقف في
__________
= يؤخر دَينه، ونسئت المرأة: تأخر حيضها.
(1) "ذيل مقال في الإسلام" لنصراني سمى نفسه: هاشماً العربي.
(3/ 1/39)

وجه ما ورد في القرآن أو الحديث (1).
ومن أسباب قلة انتشار اليهودية في العرب: أن "اليهودية هي خلاصة القانون التلمودي (2)، وهذا القانون الذي نشأ في بيئة معينة، وفي مدة معينة، والذي استمد مبادئه وتعاليمه من نصوص التوراة، قد أدخلت عليه تغييرات تلائم الأحوال الجديدة التي طرأت على اليهود، وقد نجم عن ذلك: أن الذين أرادوا أن يقبلوا جوهريات صحف التوراة، دون أن يخضعوا للناموس التلمودي، لم يؤذن لهم باعتناق اليهودية" (3). ثم قال: "وتأثر كثيرون من العرب بتعاليم اليهودية، وأخذوا يخضعون لبعض الأصول الجوهرية من التوراة، دون أن ينقادوا للبعض الآخر، فلم ترض منهم اليهودية ذلك، ولم تقربهم إلى الله، بل لم تفرق بينهم وبين بقية عبدة الأصنام؛ لأنهم لم يقبلوا التمسك بالسبت، ولم يخضعوا لبقية وصايا التوراة والتلمود".

* النصرانية في العرب:
كانت النصرانية في غسان، وبعض قضاعة، وأتت هؤلاء النصرانية من جهة الروم؛ فقد كانت منازلهم قريبة منها، وكانت في قبائل بالحيرة، يقال لها: العباد، منها: عدي بن حاتم، وكانت في بني تغلب، ومنازلهم بالعراق، ودخل في النصرانية بعض ملوك الحيرة. قيل: كان تنصرهم في
__________
(1) انظر: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" للإمام محمد الخضر حسين في الرد على الدكتور طه حسين.
(2) التلمود: تفسير المشناة، والمشناة تفسير التوراة. والمتمسكون بالتلمود يقال لهم: ربانيون. أما القراءون، فيتمسكون بالتوراة، ولا يأخذون بالتلمود. ويوجد منهم طائفة في الآستانة، وطائفة في مصر.
(3) "تاريخ اليهود في بلاد العرب" للدكتور إسرائيل ولفنسون.
(3/ 1/40)

عهد امرئ القيس الأول في أوائل القرن الرابع بعد المسيح. وقيل: إن أول من تنصر: النعمان بن المنذر على يد عدي بن زيد، وكان النعمان في أواخر القرن السادس بعد ميلاد المسيح.
وكان أهل نجران في بلاد اليمن نصارى، وهم: بنو الحارث بن كعب ابن مذحج، وجاءتهم النصرانية من جهة الحبشة، ومن جهة الروم؛ فقد ذكر بعض المؤرخين: أن ملوك الدولة الرومانية لما أرادوا ضم أطراف الجزيرة العربية إلى ممالكهم، أرسلوا وفود الرهبان إلى بلاد اليمن لبث الديانة المسيحية.
ومن المعروف في السيرة: أن وفد نجران قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا من نصارى العرب، وهم الذين نزلت فيهم آية المباهلة: قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]. وأبوا أن يباهلو ا، وصالحوا على الجزية، وعادوا إلى بلادهم.
قال الجاحظ: "إن العرب كانت النصرانية فيها فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم يغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون: العبادة فإنهم نصارى، وهم مغمورون مع نبذ يسير في بعض، ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام".
وزعم بعض المسيحيين (1): أن الأوس والخزرج كانوا نصارى، واستدل
__________
(1) لويزشيخو.
(3/ 1/41)

بقول حسان:
فرحت نصارى يثرب ويهودها ... مما توارى في الضريح الملحد
وهذا البيت لا يوجد في قصيدة حسان برواية ابن هشام في "السيرة"، ولا يوجد في "ديوانه" الذي كتب عليه البرقوقي تعليقاً (1).
ومن المعروف أن ورقة بن نوفل عم خديجة - رضي الله عنها - كان على دين النصرانية، وهو قرشي، وجاء في السيرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي في طريقه إلى الطائف عداساً النصراني، فآمن به (2). ووجود فرد أو أفراد معدودين في القبيلة على دين النصرانية لا يدل على انتشار هذا الدين بينهم.
وجاء في بعض الآثار: أن صورة عيسى ومريم - عليهما السلام - كانت في جملة صورة الأنبياء بالكعبة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم فتح مكة بمحو جميع الصور، إلا صورة عيسى وأمه (3)، واستدل بهذا بعض المسلمين على أن الديانة النصرانية كانت بمكة. ونحن نقول: إن إبقاء النيي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الصورة غير معقول، ولا يظهر له وجه، وفي "صحيح البخاري،: أن رسول الله " أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال: "قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قط"، فهذا الأثر الذي ورد في "تاريخ الأزرقي" باطل قطعاً؛ فإن بقاء الصورة في المسجد منكر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقر منكراً.
__________
(1) نسب هذا البيت لديوان حسان في طبعة ليدن.
(2) "زاد المعاد".
(3) "تاريخ مكة" للأزرقي.
(3/ 1/42)

ومن أثر النصرانية: ما ظهر في شعر؛ كقول امرئ القيس يصف كلاب الصيد وقد أدركت فرسه:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا (1) ... كما شبرق (2) الولدان ثوب المقدس (3)
يشير إلى ما كان ولدان النصارى يفعلونه بالراهب الذي يقدم من بيت المقدس؛ إذ يأخذون من مسحه (4)، وهو لابسه، خيوطاً للتبرك بها.
ومن هذا الباب قول امرئ القيس يصف بقر الوحش:
فآنست سرباً من بعيد مكانه ... رواهب عيد في ملاء مهدب (5)
يشير إلى ما كانت الراهبات يلبسنه في الأعياد من الملاء والأنسجة الطويلة الأذيال.
ومما ظهر منه عادة إيقادهم المشاعل في عيد الفصح قول أوس بن حجر:
عليه كمصباح العزيز يشبه ... بفصح ويحشوه الذبال المفتلا
وصف أوس في هذا البيت رمحه، وشبه سنانه بالمصباح يوقده رئيس النصارى في عيد الفصح (6).
__________
(1) عرق من الورك إلى الكعب.
(2) شبرق: مزق.
(3) من قدس الرجل؛ أي: أتى بيت المقدس.
(4) المسح: ثوب الراهب.
(5) الملاء - بالضم -: ثياب، واحدة ملاءة. والمهدَّب: ذو أهداب؛ أي: خمل.
(6) الفصح الكبير للنصارى يزعمون أن المسيح قام فيه بعد الصلب بثلاثة أيام =
(3/ 1/43)

وأشار حسان في قصيدة له في الجاهلية إلى ما كان يصنعه ولائد النصارى من نظم الأكلة في عيد الفصح بقوله:
قد دنا الفصح والولائد (1) ينظ .... نَ سراعاً أكلَّة (2) المرجان

* الموحدون من العرب:
في العرب أفراد كانوا قبل البعثة على عقيدة التوحيد:
منهم: زيد (3) بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، فقد اعتزل الأوثان، واجتنب أكل ما يذبح على الأنصاب. روى البخاري في "الجامع الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (4) قبل أن يُنْزَلَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ، فقدمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سفرة لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه (5).
ومنهم: أبو قيس صرمة بن أبي أنس صرمة بن مالك من بني النجار، كان ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، وهمَّ بالنصرانية،
__________
= {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157].
(1) جمع وليدة، وهي الصبية.
(2) جمع إكليل، وهو عصابة تزين بالجواهر.
(3) هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، وهو أبو سعيد بن زيد أحد المبشرين بالجنة.
(4) واد بظاهر مكة في طريق التنعيم.
(5) لم يرد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من هذه السفرة، وقال الخطابي: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل مما يذبحون على النصب للأصنام. ويأكل ما عدا ذلك، وإن لم يذكر اسم الله؛ لأن الشرع لم يكن نزل بعد.
(3/ 1/44)

ثم أمسك عنها، ودخل بيتاً له، فاتخذه مسجداً، وقال: أعبد رب إبراهيم، حتى قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاسلم، وحسن إسلامه (1)، أورد له ابن هشام أشعاراً في تعظيم الله تعالى، قالها في عهد الجاهلية.
ومنهم: قُس بن ساعدة الإيادي، نجد خبره في بعض كتب التاريخ والأدب. روى بعض المحدثين عن ابن عباس: أنه قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله محك - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي؟ "، فقالوا: كلنا يا رسول الله نعرفه، قال: "ما فعل؟ "، قالوا: هلك، قال: "ما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر، وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا، وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار تغور.
أقسم قس بالله قسماً حقاً، لئن كان في الأرض رضا، ليكونن بعده سخط. إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فاقاموا، أم تركوا فناموا؟ ". ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أفيكم من يروي شعره؟ "، فأنشده بعضهم:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
لا يرجع الماضي إلي ... ك ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
__________
(1) "سيرة ابن هشام"، و"مروج الذهب".
(3/ 1/45)

وروى هذا الحديث الطبراني، والبزار، وفي إسناده محمد بن الحجاج اللخمي، وهو ممن لا يوثق بخبره، بل يعده النقاد في جملة الكذابين. وروى هذا الخبر ابن سيد الناس في "سيرت" على وجه يخالف روايته السابقة؛ إذ جاء في روايته: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه"، فقال أبو بكر: يا رسول الله! فإني أحفظه، كنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ، فقال في خطبته: أيها الناس ... إلخ الخطبة، والأبيات. على أن في سند هذه الرواية من يتهم بوضع الأحاديث؛ كما قال ابن كثير. فخبر قس هذا ورد من طرق كلها ضعيفة، وقصارى ما يؤخذ منها: أن أصل القصة ثابت، وأن قساً كان على شيء من التوحيد.
ويذكر المؤرخون من الموحدين: خالد بن سنان العبسي، وقد وردت آثار تتضمن أنه كان نبياً، وأن ابنه أو ابنته جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "ذاك نبي ضيعه أهله". وهذه الروايات كلها ضعيفة، لم تقم على سند يعتد به، ومما يساعد على ردها: قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه سعيد بن جبير مرسلاً: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، وليس بيني وبينه نبي".
وأذكر بهذه المناسبة أن ببلاد الجزائر قبراً عليه بناء يقال: إنه قبر خالد ابن سنان، ويجتمع الناس لزيارته في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، وشهدت الاجتماع به في بعض السنين، ورأيت هنالك بدعاً تقام حول القبر، وعسى أن يكون أهل العلم قد قاوموها، وليس لهم من أثر على أن هذا قبر خالد بن سنان سوى ما شاع هناك من أن بعض الصالحين أخبر بذلك.
(3/ 1/46)

محمد رسول الله وخاتم النبيين (1)
* حال العرب قبل مبعثه - عليه الصلاة والسلام -:
كان العرب قبل البعثة المحمدية في ظلمات من العقائد الزائغة، والمزاعم الساقطة، والعادات المستهجنة، والأعمال المنكرة.
أما زيغ العقائد، فقد كانوا على ملل ونحل حائدة عن السبيل - منهم: الدهرية الذين لا يؤمنون بإله يدبر العالم، وينكرون البعث والحساب فما بعدهما. ومنهم "الثنوية": الذين يقولون بإلهية النور والظلمة، ومنهم: عبدة الأصنام، وعباد القمر، وعبّاد الشمس، وعبّاد الكواكب؛ كالثريا، والشعرى، والدبران، وعبّاد النار، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، ومنهم: الصابئة، الذين يعظمون الكواكب، ويعتقدون أن لها أثراً في الحوادث الكونية. وكانت اليهودية في قوم، والنصرانية في آخرين، وقد طرأ على هاتين الديانتين تحريف بعد بهما عن الصراط المستقيم.
وأما المزاعم الساقطة، فإنهم كانوا يتعلقون بخيالات وآراء مزرية؛
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية) - الجزآن السابع والثامن من المجلد الثاني والعشرين، رجب وشعبان 1369 - والأجزاء من التاسع إلى الثاني عشر من رمضان إلى ذي الحجة 1369. وطبعت في رسالة مستقلة لأول مرة سنة 1933 م، ثم أعيد طبعها مرات.
(3/ 1/47)

كالاستقسام بالأزلام، والتشاؤم بكثير من الأشياء، وتعليق عظام الموتى على من يريدون وقايتهم من تعرض الأرواح الخبيثة.
وأما العادات المستهجنة، والأعمال المنكرة، فكطوافهم بالبيت عراة، ودسهم البنات في التراب وهن أحياء، وتعاطي الميسر والخمور، وارتكاب الفاحشة، وسفك الدماء بغير حق.
ولكن كان لهم مع هذا الجهل والضلال مزايا ومفاخر لا يستهان بها؛ كالكرم، والشجاعة، وإباء الضيم، والوفاء بالعهد، والطموح إلى العزة. وإذا أضفت إلى هذا بلاغة القول، وحسن البيان، بدا لك جانب من حكمة اختيار الله تعالى لأن يكون العرب أول من ينهض لنصرة هذا الدين العام، وإبلاغه إلى غيرهم من الأمم.
وفي هذه البيئة البعيدة من العلم والرشد ولد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشب على أكمل خلق، وأقوم سبيل.

* نشأته - عليه الصلاة والسلام - وسيرته الطاهرة قبل البعثة:
سبق في مشيئة الله تعالى أن يكون رسوله إلى الناس كافة هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فتولاه منذ ولد برعايته، وجعل العصمة غدوته وروحته، فكانت صحيفة حياته منذ ولد إلى أن توفي متلألئة تلألؤ القمر الزاهر في سماء مصحية.
ولد - صلى الله عليه وسلم - في أشرف بيوت العرب نسباً، وأرفعها حسباً، وهو بيت هاشم ابن عبد مناف. وشبَّ على توحيد الله تعالى، والتحلي بمكارم الأخلاق؛ من نحو: العفاف، والأمانة، والصدق، وكبر الهمة، والصبر على الشدائد، والوفاء بالعهد. وقد وصفته خديجة- رضي الله عنها- حين رجع إليها يرجف
(3/ 1/48)

فؤاده مما فاجأه به ملك الوحي لأول مرة، فقالت له:
"كلا والله؛ ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث".
فقد ساقت في هذا الخطاب جملة من الخصال التي كان - صلى الله عليه وسلم - متحليا بها قبل البعثة، فنبهت على أنه كان يحسن إلى الأقارب وغير الأقارب، ويقوم بحق الضيف، ويعين على نوائب الحق، وهذه كلمة جامعة تتناول كل ما تكون به الإعانة على النوائب؛ من نحو: المال والبدن والجاه. وفي قولها: "تصدق الحديث" شاهد على أنه كان يتحرى الصدق في جميع أحواله، وأنه لم يكن ينطق حتى قبل النبوة إلا بما هو حق.
وانظروا في حديث هرقل ملك الروم، إذ كان يسال أبا سفيان عن حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو سفيان لم يزل على جاهليته؛ قال هرقل لأبي سفيان: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ "، فقال أبو سفيان: "لا". فدل هذا الجواب الصادر من أشد الناس عداوة للرسول - عليه الصلاة والسلام - وقت السؤال على أنه - صلى الله عليه وسلم - معروف عند قومه بصدق اللهجة. وقد أخذ هرقل من هذا الجواب شاهداً على صدقه في دعوى الوحي، وقال: "فقد أعرف أنه لم يكن ليذرَ الكذب على الناس ويكذب على الله" (1).
وما زال - صلى الله عليه وسلم - محفوفاً بالرعاية والعصمة، حتى رفعه الله تعالى إلى مقام الرسالة العظمى، ونزل عليه الروح الأمين بالقرآن الحكيم.
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(3/ 1/49)

* دلائل نبوته:
الكلام في دلائل نبوة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - خوض في بحر لا يصل فيه الكاتب إلى شاطئ، فليس في استطاعتي استيعابها، ولا الإلمام بمعظمها. وغاية ما يسعني في هذا المقام: أن أسوق منها طائفة إذا اتصلت بعقول سليمة، لم ياخذها ريب في أنه - عليه الصلاة والسلام - رسول رب العالمين.

لدلائل نبوته - عليه الصلاة والسلام - أصول، هي: القرآن الكريم، ثم بشارات الأنبياء والرسل به من قبل ظهوره، ثم سيرته التي لا تقاس بكمال بسيرة، ثم ما جرى في حضرته من المعجزات المحسوسة.
* القرآن الكريم:
نزل القرآن الكريم على النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل حقائق صادقة، ومعجزة باهرة.
أما الحقائق، فهي ما أرشد إليه من العقائد السليمة، والآداب النبيلة، والأحكام العادلة، والموعظة البالغة.
وأما المعجزة، فهي ارتفاعه في حكمة المعاني، وسمو المقاصد، وفصاحة الكلم، وجودة النظم، وروعة الأسلوب، إلى مرتبة يقف دونها فطاحل البلغاء بمراحل.
ومن المعروف أن معجزات الأنبياء تجيء مناسبة لحال أقوامهم، ففي زمن موسى - عليه السلام - كانت الغلبة للسحر، فكانت معجزته قلب العصا ثعباناً، وذلك ما يعجز عنه كل سحّار عليم، وفي زمن عيسى - عليه السلام - كان التنافس في الطب، فجاء بما لا يصل إليه الأطباء، وهو: إحياء الموتى. وفي زمن خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - كان التفاخر بالبلاغة وحسن البيان، فجاء بما أعجز كل خطيب مصقع، وشاعر مفلق، وهو القرآن الكريم.
(3/ 1/50)

والحقيقة أن دلالة القرآن على صدق من جاء به لا تقف في ناحية واحدة، بل القرآن يدل على صحة نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من وجوه مختلفة، فمن هذه الوجوه: بلوغه في حسن البيان منزلة يحسها البلغاء بعقولهم وأذواقهم، ولا تنالها ألسنتهم ولا أقلامهم.
يشهد لك ببلوغه مرتبة الإعجاز: ذوقك السليم، وبصيرتك النقية، ويؤيد هذه الشهادة: أن الله تعالى قد تحدى به العرب على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]،. وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]،. تحداهم بالقرآن، ونادى عليهم بالعجز عن أن يأتوا بسورة من مثله، ولم يستطع أحد منهم، وهم المجلون في حلبة البلاغة، أن يتصدى لمعارضته، ولو بمقدار سورة، بل جنحوا إلى مقابلته بالسخف من القول، ووصفه بأنه أساطير الأولين. ولما عرفوا أنه يمتلك ببلاغته النفوس، ويستولي بحكمته على القلوب، لم يكن منهم إلا أن حاولوا صرف الناس عن سماعه، وكانوا يقولون لأوليائهم: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
ومن مزايا القرآن: أنه لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب الفائق، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، وإذا وجه قريحته إلى فن آخر، أدركه الضعف، ولم يتجاوز فيه المنزلة المتوسطة أو السفلى.
وإذا حققت النظر في حال الخطباء والشعراء الذين يصبح كل واحد منهم علماً في الفصاحة والبلاغة يشار إليه بالبنان، لم تجد منزلتهم بعيدة من
(3/ 1/51)

منازل البارعين من غيرهم بعداً يبلغ بها حد الإعجاز؛ كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منثور الخطباء، ومنظوم الشعراء.
ومن وجوه دلالة القرآن على صدق النبوة المحمدية: أنه أخبر عن أمور من قَبيل الغيب، ووقعت كما أخبر. ومن المعروف في هذا القبيل قوله تعالى: {لم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 1 - 5].
وبيان هذا: أن حرباً كانت قد وقعت بين الفرس والروم، وكانت عاقبة الفوز للفرس، وكان قريش يتشيعون للفرس؛ لأنهم لا يدينون بكتاب، والمسلمون يودون انتصار الروم؛ لأنهم أهل كتاب، فنزلت الآية مخبرة أن الروم سيغلِبون الفرس في بضع سنين، والبضع في لغة العرب يستعمل في التسع فما دون. وقد وقع ما أخبر به القرآن، فعاد الروم والفرس إلى الحرب لسبع سنين من الحرب الأولى، وكان الظفر للروم. ويروى أن انتصار الروم على الفرس في هذه الحرب كان سبباً لإسلام كثير من الناس؛ لوقوعه كما أخبر القرآن.
ومن الآيات المنبئة عن أمر مستقبل: قوله تعالى خطاباً لنبيه الكريم: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]؛ فقد كان أعداؤه - صلى الله عليه وسلم - من المشركين وغيرهم حريصين على قتله، وكان - عليه الصلاة والسلام - يخرج لكل من يريد لقاءه، ويجلس مع كل من يبغي الجلوس معه، ولا تنس أن حوله منافقين يحملون له أشد البغضاء، ويتصلون به اتصال الأصحاب والأقرباء، ومع كثرة أعدائه، وتهالكهم على الكيد له، ومع ظهوره للناس في أي وقت شاؤوا، ومشيه
(3/ 1/52)

في الطريق والأسواق وحده، أو مع من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، لم تمتد إليه يد بسوء، ولم يمت إلا على فراشه، وذلك مصداق قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
ومن وجوه دلالة القرآن على صدق الرسول - عليه الصلاة والسلام -: ورود معانيه كلها على الوجوه المعقولة، وعدم مخالفتها للعلوم الصحيحة، وإنما كان محمد - صلى الله عليه وسلم - أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجتمع بذي علم أو فلسفة، فلو لم يكن القرآن من الله حقاً، لوجد في كثير من آياته ما تنكره العقول السليمة، ووجد في كثير من آياته ما يخالف الآراء المسلَّمة أو الراجحة، شأن ما يتكلم به غيره من البشر، وإن لم يكن أمياً. بل ظهر في كثير من آياته معان لم تنكشف لأهل العلم إلا منذ عهد قريب.
فانظر إلى قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36]؛ العلم الحديث أن في كل نبات ذكراً وأنثى.
ثم انظر إلى قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [لحجر: 22]؛ فقد ثبت في علم النبات أن الرياح تنقل اللقاح إلى عضو التأنيث من النبات.
واعتبر في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 3 - 4]، فالآية مسوقة للرد على من أنكر جمع العظام بعد بلاها وتفرقها، على معنى إنكار إعادة الشخص بعينه. ووجه تخصيص البنان بالذكر مطابق لما أثبته العلم من أن لبنان كل إنسان هيئة خاصة لا تماثلها هيئة بنان إنسان آخر من كل وجه.
ومن نظر إلى أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - نشا في أمية، ثم أمعن النظر في قوة أدلة
(3/ 1/53)

القرآن، وقيام حججه على قانون المنطق الصحيح، لم يترتب في أنه تنزيل من حكيم حميد، فانظر إلى قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]؛ فإنك ترى في الآية حجة قائمة على أن الله واحد، وأن الإلهية تقتضي الاستقلال بالتصرف في الكون، تغييراً وتبديلاً، وإيجاداً وإعداماً.
فجميع حجج القرآن واردة على قانون المنطق السليم.
قال بعض فلاسفة الإسلام: "لقد تاملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي غليلاً، ولا تبرئ عليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن".
ولتعدد نواحي دلالة القرآن على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تلاوته تجمع بين الدعوى والحجة. وكثير من الداخلين في الإسلام بإخلاص لم يشهدوا من آيات النبوة أكثر من أنهم سمعوا سورة، أو آيات من القرآن، فرأوا الدعوة مقرونة بالحجة، فعرفوا أنه كلام الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولامتلاء القرآن بآيات صدق الدعوة المحمدية أنكر الله تعالى على من يقترحون على رسوله الآيات البينات، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51].

* بشارات الأنبياء والرسل به قبل مجيئه:
إن رسولاً عظيماً كمحمد - صلى الله عليه وسلم - في عموم بعثه، وخلود دينه وشريعته - جدير بأن يعلم الله - سبحانه وتعالى- بمبعثه رسله وأنبياءه - عليهم السلام -, ويصفه لهم ببعض نعوته وعلاماته، ويعهد إليهم بأن يبشروا أقوامهم بظهوره،
(3/ 1/54)

ويوصوهم بقبول دعوته وحسن طاعته.
وكذلك جاء في القرآن الكريم: أن أهل الكتاب يجدون النبي - صلى الله عليه وسلم - في التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157]. فهذه الآية صريحة في أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مكتوب في التوراة والإنجيل. والمراد بكتابته فيهما: ذكر مبعثه ودعوته وشيء من نعوته، وهذا المعنى موجود في الكتابين يقيناً، فقد نزلت الآية على مسمع من علماء الأمتين: اليهودية والنصرانية، فمنهم من يؤمن به - عليه الصلاة والسلام-، ويخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، ومنهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين رسول بهذه النعوت والعلامات، ولكنه يكابر في أن المراد منه المصطفى- صلوات الله عليه-، ويقول: المقصود منه نبي آخر. وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بحيث لا تأخذ الناظر شبهة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته.
ومن هذه البشائر الباقية في التوراة والإنجيل إلى هذا العهد: ما جاء في سفر التثنية من التوراة: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به".
والنبي المماثل لموسى - عليه السلام - في الرسالة العظيمة والشريعة المستأنفة، هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإخوة بني إسرائيل هم العرب؛ لأنهم
(3/ 1/55)

يجتمعان في إبراهيم - عليه السلام -؛ ولو كان النبي الموعود من بني إسرائيل، لقال: من أنفسهم. وقوله: "وأجعل كلامي في فمه" يوافق حال النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمية وعدم تعاطي الكتابة.
هذه بشارة نذكرها على وجه المثل. وإن شئت الزيادة، فارجع إلى الكتب التي عنيت بجلب نصوص تلك البشائر، وبيان أنها لا تنطبق إلا على حال محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ككتاب "هداية الحيارى" لابن القيم، وكتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله الهندي.
ولشدة موقع هذه البشارات في الدلالة على صدق نبوته - عليه الصلاة والسلام - ذكرها القرآن الكريم في دلائل النبوة، قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197].
وإنما كان علم علماء بني إسرائيل من آيات صدقه؛ لأنهم يستندون في هذا العلم إلى ما في التوراة من نعوته وعلاماته، مع القطع بأن هذه النعوت والعلامات مطابقة لحاله - عليه الصلاة والسلام -.

* سيرته:
من نظر في سيرته - عليه الصلاة والسلام -, وجدها من أعظم الدلائل على أن بين جنبيه نفساً بالغة من الكمال ما لا يبلغه الإنسان الذي يطلب المعالي بنفسه، ولو بلغ من العبقرية ما بلغ، ولقن من الحكمة ما شاء أن يلقن.
وأوجز الحديث عنها في هذا الفصل فاقول:
طالعْ كتب التاريخ، عربية وغير عربية، وأمعن النظر في أحوال عظماء الرجال من مبدأ الخليقة إلى هذا اليوم، فإنك لا تستطيع أن تضع يدك على اسم رجل من أولئك العظماء، وتقص علينا سيرته ومزاياه، وأعماله الجليلة
(3/ 1/56)

حديثاً يضاهي أو يداني ما نحدثك به عن هذا الرسول العظيم.
سنحدثك عن خلقه وآدابه، ومثابرته على عبادة الله آناء الليل وأطراف النهار في فصل ياتيك بعد، وضم إلى هذا: أنه قضى نحو عشر سنين في مناهضة خصومه من مشركي قريش وغيرهم، ولم تشغله تلك المناهضة المستمرة وما تستدعيه من تدبير، ولا إقباله على العبادة بمجامع قلبه، أن يتلقى عنه الناس أحكام الوقائع في العبادات والمعاملات والجنايات.
وأضف إلى هذا: نظره في طرق سياسة الأقوام الداخلين تحت لوائه، وفي فصل ما ينشب بينهم من خصومات، وضع بجانب هذا: ما كان ينطق به من الحكم الرائعة، والمواعظ البالغة. واعتبر بعد هذا فيما وهبه الله تعالى من بيان يسترعي الأسماع، ويأخذ بالألباب، فإنك إن تدبرت هذا الذي أومأنا إليه، ورجعت في الوقوف على ما يفصله إلى الروايات الصحيحة، لم تتردد في أن تاييد الله تعالى هو الذي رفع صروح هذه السيرة، وجعلها حافلة بتلك المحامد والمفاخر التي تنقطع دونها كل سيرة.

* المعجزات المحسوسة:
جرت على يده - صلى الله عليه وسلم - خوارق عادات شهدها الناس الذين أدركوا عهد البعثة، ورويت لنا بأسانيد ثابتة تتصل بأمة كبيرة من الصحابة - رضي الله عنهم -، ويرويها عن الصحابة جماعة من أهل العلم والتقوى حتى تصل إلى أئمة أمثال: مالك ابن أنس، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم.
ومن هذه المعجزات ما يبلغ في روايته مبلغ التواتر، ومعظمها ورد بطريق خبر الآحاد، ومجموع أحاديثها يفيد العلم القاطع بأن هذا النوع من الآيات قد جرى على يده - عليه الصلاة والسلام -, ولم يعتن الصحابة أو
(3/ 1/57)

التابعون بروايتها الاعتناء الذي يرفع كل واحد منها إلى مرتبة التواتر المفيد للقطع؛ لعلمهم أن في القرآن الكريم، وحكمة الشريعة، والسيرة النبوية آياتٍ بينات، ودلائل تكفي الناظر، فلا يحتاج إلى غيرها من الآيات التي كانت قد وقعت وشهدها قوم آخرون.
ويدخل في هذا الباب: إخباره - عليه الصلاة والسلام - بأمور غيبية واقعة؛ كنعيه للنجاشي يوم موته، وقوله للصحابة: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة (1)، وإخباره عن أمور مستقبلة؛ كقوله لعدي بن حاتم: "إن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترحل من الحيرة (2) حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله"، وقوله له: "لئن طالت بك حياة، لمفتحن كنوز كسرى"، قال عدي: قلت: كسرى هرمز؟! قال: "كسرى هرمزدا، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى (3).
وهذا النوع من المعجزات قد ينفع في هداية الذين يؤخذون بالدلائل المحسوسة أكثر مما يؤخذون بالدلائل المعقولة. وقد يجري بمحضر المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، أو يجري حيث يكون في المعجرة دفع حاجة لا تدفع إلا بها؛ كتكثير المال القليل في بعض الغزوات ليكفي حاجات الجماعات الكثيرة.
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) بلد بجنب الكوفة.
(3) "صحيح الإمام البخاري".
(3/ 1/58)

* عموم بعثته - عليه الصلاة والسلام -:
كان العالم قبل البعثة المحمدية في ظلمات من الزيغ عن الحق، والجهل بطريق السعادة، يستوي في هذه الظلمات الأمة العربية وغير العربية. وقد قصصنا عليك من حال الأمة العربية ما قصصناه آنفاً. وأما الأمم غير العربية، فمنها من كانوا على المجوسية , كالفرس، والبربر، ومنها من كانوا على البراهمية، أو البوذية؛ كالهنود والصينيين، ومنها من كانوا على نصرانية خرجوا بها عن وجهها الصحيح؛ كالروم.
هذه حال معظم الأمم قبل البعثة، فهي إما مغموسة في الوثنية القذرة، أو منتمية إلى شريعة سماوية محرَّفة، ولا تبنى الأعمال الصالحة والمدنية الفاضلة إلا على أساس العقيدة القيمة:
وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصِّعاد (1)
وإذا نظرت إلى هذه الأمم من الوجهة الاجتماعية والخلقية، وجدتها في تمزق وفساد، حتى الأمتين اللتين كانتا على أثارة من العلم أو المدنية، وهما: الفرس، والروم.
فالأمم إذاً في حاجة شديدة إلى دعوة دينية صحيحة تنقذها مما هي فيه من شقاء، وتهديها الصراط السوي الذي يكفل لها السعادة في الآخرة والأولى، فكان من مقتضى الحكمة دعوة الناس- على اختلاف شعوبهم وقبائلهم- إلى الدخول في دين واحد، والسير على أصول شرع ثابتة، وذلك الدين هو الإسلام، وتلك الأصول هي أصول شريعته المحكمة، فكان من
__________
(1) الصعاد: الرماح كالأنابيب.
(3/ 1/59)

مزايا الرسالة المحمدية: أن جاءت لهداية أمم الأرض قاطبة.
ولعموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - دعا العرب، وبث فيهم هداة، ثم بعث رسلاً من أصحابه إلى ملوك من غير العرب، وكتب معهم كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر (ملك الروم)، وبعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى (ملك الفرس)، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي (1) (ملك الحبشة)، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس (ملك الإسكندرية).
ولعموم رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وعدم اختصاصها بقوم دون قوم، جاءت شريعته حافظة بنصوصها وأصولها لصالح كل الأوطان، متقاربة أو متباعدة. يعرف هذا حق اليقين من درس الشريعة، وألم بجانب من تاريخ القضاء والفتوى في الإسلام.

* دوام شريعته وختمه للنبوة:
عرفت أن الإسلام دين عام، لا تختص هدايته بأمة دون أمة. وهو - بعد هذا- دين خالد، لا يخلفه دين، ولا يطرأ على شريعته نسخ. ولخلود هذا الدين، وتوجه دعوته إلى الناس جيلاً بعد جيل، جعل الله فيها آيات صدق المبعوث به آية قائمة ما قامت السماوات والأرض، تعيها الأسماع، وتجول فيها الأنظار، وتستضيء بها الأبصار، وهي: القرآن الحكيم.
ولبقاء شريعته إلى يوم البعث كانت نصوصها وأصولها موافقة لما يقتضيه حال كل عصر. وكيف لا تكون كذلك، وهي قائمة على قواعد، منها:
__________
(1) الصحيح أن النجاشي الذي أرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية غير النجاشي الذي أسلم، وأخبر بوفاته الصحابة، وصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب.
(3/ 1/60)

"الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الأعمال بمقاصدها"؟.
وإذا كانت آية صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - باقية، ودينه قيماً، وشريعته كافلة لمصالح العصور ما تجددت، كان ختمه للنبوة على وفق الحكمة البالغة، قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبوة" (1).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي (2) "، إلى غير هذا من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر المفيد للقطع.
ومن قرأ التاريخ في الزمن البعيد أو القريب، ومرّ فيه على قصص الأشخاص الذين ادعوا النبوة من بعده - عليه الصلاة والسلام -، وجدهم أخف الناس عقولاً، وأسخفهم أقوالاً، وأبعدهم عن الفضل مكاناً، وسرعان ما تنكشف سرائرهم، ويظهر - حتى لغير النبهاء من الناس - زورهم، وتنتهي بالخيبة دعايتهم، ولا يبقى من آثارهم سوى نوادر يتفكه بها السّمار ترويحاً عن خواطرهم.

* خلقه - عليه الصلاة والسلام - وآدابه:
أدلك على أخلاقه العظيمة، وآدابه السنية بكلمة: هي أن كل خلق عظيم، أو أدب سني ورد في القرآن الحكيم، قد تحلى به الرسول الاكرم، وصار مثاله الأكمل الذي يتأسى به مريدو الفضيلة، وبغاة الأدب النبيل.
__________
(1) "صحيح الإمام مسلم ".
(2) الترمذي.
(3/ 1/61)

ولعلك تعلم - كما أعلم - أن الذكر الحكيم لم يغادر خلقاً كريماً، ولا أدباً سامياً، إلا نبه على مكانه، وحث على التجمل به. فإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى خلق مثل الصبر، أو الحلم، أو الجود، أو الشجاعة، أو العدل، أو الصدق، أو الحياء، أو الزهد، أو الوفاء بالعهد، فاقطع بأن هذا الخلق قد أخذ من نفس سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - المكانة التي لم يأخذها في نفس من سبقه من العظماء، ومن جاء بعده.
وإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى أدب جميل؛ مثل: استئذان الرجل عند دخول بيت مسكون غير بيته، أو جدال المخالفين بالتي هي أحسن، أو المشي على الأرض هوناً، أو غض الصوت ورفعه عند الخطاب بقدر الحاجة، فتيقن أن هذا الأدب داخل في آداب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي لم تكن تاخذه عنها غفلة.
لا أقول هذا مستنداً إلى مجرد أنه المبلِّغ للقرآن، وشان المبلغ للقرآن أن يكون متحلياً بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، بل أستند إلى هذا، وأستند إلى ما يصفه به القرآن من مثل قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. ثم أستند إلى كتب السنة الصحيحة؛ فإنك إذا جئتها، بهرت قلبك بما تقصه عليك من أخلاقه الكريمة، وآدابه الآخذة بالألباب.
فتراه - صلى الله عليه وسلم - يلقى الخطوب بعزم لا يهن، ويحتمل البلاء بصير لا يتزلزل. وحسبك شاهداً على هذا: ما كان يلاقيه قبل الهجرة من أذى المشركين، ثم ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من ذلك الأذى، ولا تلك الشدائد إلا أن تزيد عزمه صرامة، وصبره قوة.
وتراه - عليه الصلاة والسلام - متواضعاً في غير تصنع، فحاله مع
(3/ 1/62)

المستضعفين يوم كان يدعو الله وحيداً، وسفهاء الأحلام بمكة يسومونه الأذى، هو حاله بعد هجرته، وانتصاره على أعدائه، ودخول الناس في دين القيمة أفواجاً.
ومن المعروف في سيرته: أنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويعطي كل واحد من جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحداً كرم عليه منه، ولا يقطع عن أحد حديثه حتى يتجوزه (1)، فيقطعه بانتهاء أو قيام. وإذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف وجهه. وقال أنس بن مالك: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقاً، وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير! ما فعل النغير (2)؟ ".
وتراه - صلى الله عليه وسلم - زاهداً في متاع هذه الحياة، غير حافل بزينتها وملاذها. أقبلت عليه الدنيا، ولا سيما بعد فتح مكة، فلم يتحول عن سيرته في المأكل والملبس وأثاث المنزل مثقال ذرة، فهذه عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- تقول: "ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاثة ليال تباعاً حتى قبض (3) "، وقالت: "ما أكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر (4) "، وقالت: "كان فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - من أدم، حشوه ليف".
__________
(1) يخففه.
(2) تصغير نغر بضم النون وفتح المعجمة: اسم لنوع من الطير.
(3) "صحيح الإمام البخاري".
(4) "صحيح الإمام البخاري".
(3/ 1/63)

ويروي لنا الإمام البخاري في "جامعه الصحيح": أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على رمال (1) حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال في جنبه، متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف، ثم قال له عمر: "يا رسول الله! ادع الله لنا فليوسع على أمتك؛ فإن فارس والروم قد وسع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله"، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان متكئاً، فقال: "أو في هذا أنت يا بن الخطاب؟! إن أولئك قوم قد عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا".
وتراه يك - صلى الله عليه وسلم - رحيم القلب، محباً للرفق، طلق المحيا.
ومن المعروف في سيرته: أنه ما ضرب أحداً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
وممن روى لنا مثلاً من رحمته: مالك بن الحويرث، قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة (2) متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركناه وراءنا من أهلنا، فاخبرناه- وكان رفيقاً رحيماً -,فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي (3) ". فقوله: "وكان رفيقاً رحيماً" كلمة لا يقولها قائلها في مثل هذا المقام إلا بعد أن تقوم له شواهد على رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورحمته من غير هذه الواقعة.
ومن شواهد ملاقاته للناس ببشر وطلاقة محيا: ما نقرؤه في جامع
__________
(1) منسوج، والمراد: أن سريره كان منسوجاً بما ينسج به الحصير.
(2) جمع شباب.
(3) "صحيح البخاري".
(3/ 1/64)

الترمذي" من حديث عبدالله بن جزء، إذ قال: "ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وقال جرير بن عبدالله البجلي: "ما حجبني (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا ابتسم".
وكان - صلى الله عليه وسلم - مطبوعاً على خلق الحلم، والعفو مع القدرة على الانتقام. وفي" صحيح الإمام البخاري ": "وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله".
والحوادث التي شملها عفوه الكريم، ودلت على حلمه المنقطع المثيل، مبثوثة في كتب الحديث والسيرة.
وأسوق لك منها قصة رواها الإمام مسلم وغيره من كبار المحدثين، وهي: أنه هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان إلا أن أُخذوا في الأسر، ثم عفا عنهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القصة بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24].
ومن المعروف في السيرة: أنه كان يصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، قال أنس: "كنت أمشي (2) مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه بُرد نجراني، غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك،
__________
(1) ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته، وأستأذنت عليه.
(2) "صحيح الإمام البخاري".
(3/ 1/65)

ثم أمر له بعطاء".
وكانت يداه - صلى الله عليه وسلم - مبسوطتين بالبذل في وجوه الخير، ينفق ما يؤتيه الله من مال في إعلاء كلمة الله، ويؤثر به ذوي الحاجات من الفقراء وأبناء السبيل، قال ابن عباس - رضي الله عنه - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة" (1).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يجمع إلى الجود والسخاء: شجاعة، ورباطة جأش، قال علي- كزم الله وجهه-: "وانا كنا إذا حمي الباس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه (2).
وكذلك الداعي إلى الحق، ولا سيما المعهود إليه بابلاغه وتنفيذه: لابد من أن يكون شجاعاً رابط الجأش، على قدر شدة المدعوين، وصعوبة مراسهم، وعلى قدر عظم الحق ومخالمفته لمللهم وعاداتهم وأهوائهم، فإذا أودع الله تعالى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - وشجاعة وسكينة في مواضع الخطوب، فلا جرم أن يكون نصيبه من هذه المزية أعظم نصيب؛ إذ لا أشد من مراس الأمة التي ابتدأ بإنذارها، وهي الأمة العربية، وفي دعوة الإسلام قضاء على مللهم، وذم لمعبوداتهم، وإبطال كثير من عاداتهم، وصرف لهم عن أهوائهم.
وكان - صلى الله عليه وسلم - مطبوعاً على خلق الحياء الذي علمنا أنه من خلق الإسلام، بقوله: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء" (3).
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) النسائي، والإمام أحمد.
(3) "الموطأ".
(3/ 1/66)

ومن أثر هذا الخلق الكريم: أنه كان لا يواجه أحداً في وجهه بشيء يكره (1)، وإذا بلغه عن أحد شيء يستحق الزجر، لم يذكر اسمه، وإنما يورد الزجر في خطاب عام؛ كما قال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! ".
وكان - صلى الله عليه وسلم - مع تواضعه ورفقه ورحمته وحلمه وحيائه-، يملأ القلوب مهابة وإكباراً، فقد ورد في وصف مجلسه: أنه كان إذا تكلم، أطرق جلساؤه كانما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت، تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده، أنصتوا له حتى يفرغ حديثه.

* اجتهاده - عليه الصلاة والسلام - في عبادة ربه:
قد رأيت من الفصل السابق كيف كانت صلته - عليه الصلاة والسلام - بالخليقة، وعرفت أنها كانت عامرة بالرفق والرحمة والإحسان. ونريد أن نحدثك في هذا الفصل عن صلته بربه، وصرفه الجهد في حسن طاعته:
تحدثنا الروايات الصحيحة: أنه كان - صلى الله عليه وسلم - مسلِّماً وجهه إلى الله تعالى، مملوء القلب بخشيته، وموصول الهمة بعبادته، فكان - عليه الصلاة والسلام - يقوم بالدعوة، ويضيف إلى هذا العمل العظيم: التقرب إلى الله تعالى بالذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن.
وكان يتهجد بالليل على وفق قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].
روى الإمام البخاري في "جامعه الصحيح" عن المغيرة بن شعبة: أنه
__________
(1) أبو داود، والنسائي.
(3/ 1/67)

قال: "أن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقوم ليصلي حتى ترم (1) قدماه، فيقال له، فيقول: "أفلا كون عبداً شكوراً؟ ".
وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور: فيكثر فيه من تلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف. وما كان يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، وربما صام أياما متتابعة، حتى يقال: لا يفطر. وكان يواصل (2) الصوم في رمضان؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة. وكان ينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل، فيقول: "لست كهيئتكم: إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني"، والمراد من إطعام الله وسقيه: ما يغذيه به من المعارف، وما يفيضه على قلبه من لذة المناجاة. وورد في السيرة: أنه كان لا يجلس ولا يقوم إلا عن ذكر الله.
وكان روح عبادته الإخلاص، يصلي في حجرته نافلة كما يصلي في المسجد، ويذكر الله خاليا كما يذكره في جماعة، ويعمل له في السر كما يعمل في العلانية.
وقد اعترف كثير من علماء أوروبا في مؤلفاتهم ببلوغه - عليه الصلاة والسلام - أقصى درجة في الاستقامة وكمال الأخلاق، وعني كثير من الكتاب بنقل هذه الشهادات المملوءة بإكبارهم له - عليه الصلاة والسلام -، وشدة إعجابهم بما أفاضه على العالم من إصلاح.

* أثر دعوته في إصلاح العالم:
ظهرت دعوة الإسلام في الأمة العربية، فكان لدعوته أثر كبير في تقويم
__________
(1) تنتفخ.
(2) يصل الليل بالنهار في الصوم يومين أو أياماً.
(3/ 1/68)

عقائدها، وتهذيب أخلاقها، وتوثيق عرا وحدتها، وإصلاح حال اجتماعها، فأصبحت رشيدة بعد غواية، ومتحدة بعد تفرق، وعالمة بعد جهالة، وعاملة بعد بطالة، وعزيزة الجانب بعد أن كان الفرس والروم يسيطرون على بعض أطرافها.
رفعت دعوة الإسلام الأمة العربية من حضيض الشقاء إلى أوج السعادة في سنين معدودة، ثم ارتفع صوت هذه الدعوة المباركة حتى وصل إلى أقصى الغرب، ثم إلى أقصى الشرق، وكانت هذه الدعوة تجد أينما جاءت عقائد فاسدة، ومزاعم ملفقة، وعادات ممقوته، وأهواء طاغية، فتزيح كل هذه الأرجاس من طريقها، فإذا القرآن يتلى، والسنّة النبوية تروى، وأولئك الدعاة يقيمون من إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وخلقهم العظيم، مثلاً كاملة، فلا تلبث تلك الشعوب أن تعمل على طرق الهداية التي قرر أصولها القرآن، وفصلتها السنة النبوية، وسار عليها أولئك الدعاة المصلحون.
وإذا كان بعض تلك الشعوب؛ كالفرس والروم على شيء من علم أو مدنية، فإن حالتهم النفسية كانت في هبوط، وشؤونهم الاجتماعية كانت في اختلال، ودعوة الإسلام هي التي سمت بهم كما سمت بغيرهم من الشعوب إلى التوحيد الخالص. وطهرت نفوسهم من المزاعم الملقية في زراية، وجعلتهم يعبدون الله تعالى كما أمر، ويتقربون إليه بما يرضى.
ولو عمدنا إلى هذه الشعوب التي صارت إلى الاسلام، وأخذنا نقيس حياتها غير الإسلامية بحياتها الإسلامية، لوجدنا الفرق بين الحياتين كالفرق بين الظلمات والنور، أو الظل والحرور.
وإذا شئت أن تقف على شاهد لما استفاده العقل والعلم من دعوة
(3/ 1/69)

الإسلام، فانظر إليها كيف رفعت مقام العقل، وحثت على إعماله في النظر والبحث، والوثوق بما يدركه من نتائج، وما يجنيه من ثمرات، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185].
وانظر إلى الدعوة كيف تنوه بشأن العلم، وترشد إلى الاعتماد على آراء العلماء فيما تناله عقولهم، ويدخل في دائرة بحثهم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].
وعدّ علماؤنا فيما يجب أن تقوم به طائفة من الأمة كلَّ علم يتوسل به إلى معرفة حق، أو إقامة مصلحة؛ كالهندسة والحساب، والميقات والجغرافية.
نهض الإسلام بالعقول من وهدة الخمول، وأذن لها أن تبحث في كل علم، وتذهب في البحث كل مذهب، فوجدت الأمم من العرب وغير العرب في هذه السماحة ما أثار نشاطهم للبحث في كل ناحية من نواحي العلم، فلم يلبثوا أن جمعوا القرآن الكريم في مصحف، ودونوا الحديث النبوي بعد أن كان محفوظاً في الصدور، وكتبوا في تفسير القرآن، وشرح السنّة النبوية، وحققوا النظر في تقرير أصول الفقه، وحرروا وجوه استنباط الأحكام العملية، ووضعوا إزاءها العلوم العربية؛ من: النحو، والصرف، والبيان، وفقه اللغة. ودرسوا العلوم النظرية المعربة عن الكتب اليونانية وغيرها، فاصبحت بلاد الإسلام- ولاسيما عواصم الممالك؛ كبغداد، وقرطبة، ومصر، ودمشق، وتونس - موارد العلوم الإسلامية والأدبية والكونية.
ومن هذه الموراد استمدت الأمم الأوروبية معارفها وفنونها. وقد اعترف بهذا كثير من علماء أوروبا المنصفين، قال الأستاذ (بريفولت الإنجليزي) في
(3/ 1/70)

كتابه "تكوين الإنسانية" في القرن التاسع: "تعلم كثير من المسيحيين عند علماء الإسلام". وقال: "إن رئيس دير كلوتي تأسف على أن رأى أثناء إقامته في الأندلس الطلبة من فرنسا وألمانيا وإنكلتر يردون أفواجاً إلى المراكز العلمية العربية". وقال: "فالعلم هبة عظيمة الشأن جادت بها الحضارة العربية على العالم الحاضر".
ولم يكن فضل الإسلام على أوروبا من ناحية العلم فقط، بل كان له الفضل في نهضتها المدنية، قال الأستاذ (بريفولت) في الكتاب المذكور: "لم تكن إيطاليا مهداً لحياة أوروبا الجديدة، بل إسبانيا (الأندلس)؛ لأن أوروبا كانت بلغت أشد أعماق الجهل والفساد ظلمة، بينما العالم العربي: بغداد، والقا هرة، وقرطبة، وطليطلة، كانت مراكز الحضارة والنشاط العقلي، ومن ثم ظهرت الحياة الجديدة التي نمت في شكل ارتقاء إنساني جديد".
وخلاصة الفصل: أن دعوة خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - قد أتت العالم بضروب خطيرة من الإصلاح لم تأته بها دعوة سبقتها أو تأخرت عنها؛ فما يوجد في العالم من هداية صادقة، أو علوم نافعة، أو مدنية فاضلة، فإنما يرجع الفضل فيه لدعوة هذا الدين القويم.
فليرفع الفتى المسلم رأسه معتزاً بدين رفع الإنسانية من حضيض الجهل إلى أوج العلم، وهداها سبل السعادة الباقية، والمدنية المهذبة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
(3/ 1/71)

صبر محمد - عليه السّلام - ومتانة عزمه (1)
نحمدك اللهم على أن هديتنا صراطاً سويا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي أنزلت عليه قرآنا عربياً، ورفعته في سماء السيادة والعظمة مكاناً عَلِيّا، وعلى آله وصحبه وكل من دعا إلى سبيلك مخلصاً تقياً، أما من زاغ عن الهدى، أو اتخذ من المضلين عضداً، فإليك إيابه، وعليك حسابه.
أيها السادة!
نحتفل بذكرى مولد أكمل الخليقة، وانما نحتفل بمطلع الهداية التي أخرجت العالم من الظلمات إلى النور، وعلمت البشر من وجوه الحكمة مالم يكونوا يعلمون. وخير الاحتفال بذكرى مولد المصطفى: أن نلقي على حضراتكم كلمات نقتبسها من سيرته السنية، وخلقه العظيم، وقد اخترت أن أجعل تذكرة بسعة صبره، ومتانة عزمه؛ فإنهما من أسمى الخصال التي بلغ بها الغاية من الدعوة، وما كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلا إلى سعادةٍ وإصلاحٍ ونظام.
أوحى الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أوحى، فكان نور اليقين يسعى بين يديه، ويسيربه في سبيل الدعوة، فلا يسأم ولا ييئس، ولا يرهب سطوة غير سطوة
__________
(1) مجلة"الفتح" - العدد 113 من السنة الثالثة في 29 ربيع الأول 1347 ه 13 سبتمبر 1928 م القاهرة. محاضرة الإمام في ذكرى مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(3/ 1/72)

الخالق، ولا يخشى.
يتجلى صبر محمد - صلى الله عليه وسلم - في استقامته كما أمره الله، ومواصلته العبادة آناء الليل وأطراف النهار، فقد كان- صلوات الله عليه- يقوم الليل ناسكاً متهجداً. وكان هذا القيام في حقه أمراً مفترضاً عليه. يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 1 - 4]. وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]،. وفي حديث المغيرة المروي في "صحيح البخاري": "إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له، فيقول: أفلا كون عبداً شكوراً؟ ".
وسئلت أم المؤمنين عائشة عن عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطيق؟.
ولو لم يكن محمد - صلوات الله عليه - مخلصاً فيما يفعل، صادقاً فيما يبلغ، لما استطاع أن يملأ الليل والنهار بعبادات يأخذ بها نفسه في الحضر والسفر، ويقوم بها في العلانية كما في حجرته وأهلُ الحجرة نائمون.
وقد خطر على أذهان بعض الصحابة أنهم في حاجة إلى أن يُجهدوا أنفسهم في العمل الصالح أكثر مما يجهد رسول الله نفسه؛ بحجة أن الله اصطفاه برسالته، وخلع عليه من حلل رضوانه، فهو مغفور له، ومحمود المقام عند الله على أي حال، ذكروا هذا الخاطر في حضرة الرسول، فقابله بالغضب، وأرشدهم إلى أن العبادة والتقوى على قدر المعرفة بالله، وأنه أتقاهم لله، وأعلمهم به، وفي "صحيح البخاري": "كان إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك
(3/ 1/73)

وما تأخر، فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا".
ولو لم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - مخلصاً فيما يفعل، صادقاً فيما يبلغ، لكان شأنه أن يرتاح لخاطر كهذا، ويتكئ عليه في الإقلال من العبادة، فيخفف عن نفسه شيئاً من حملها الكبير.
يُعلِّم محمد - صلى الله عليه وسلم - بسيرته عظماء الرجال: أن القيام على العبادة الخالصة لا يبطئ بالرجل أن يكون فاتحاً مظفراً، أو سياسياً راشداً، أو طامحاً إلى همم تطلع وتغرب من تحتها كواكب الجوزاء، بل إن تقوى الله بحق هي أساس كل عزة وعظمة.
يتجلى صبر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشدة عزمه في احتمال ما تجري به صروف الأقدار من الشدائد والخطوب؛ فإنه كان يتلقاها بقلب لا يخضع للنوائب، وعزم تزول الراسيات ولا يزول، وأقرب مثل نسوقه على هذا الخلق الجليل: واقعة أحد التي قضى الله بأن يبلو فيها المسلمين، ويميز بها المنافقين من المؤمنين، فقد لقي فيها رسول الله بأساً شديداً، وكسرت فيها ربَاعيته، وجرحت وجنته وشفته، وجشت ركبته، حتى اضطر أن يؤدي الصلاة في ذلك اليوم جالساً، وقتل عمه حمزة بن عبد المطلب، ومُثل فيه أفظع تمثيل، ولكنه حذر - عليه الصلاة والسلام - أن يظن المشركون به وبأصحابه وهناً، وتدور نشوة الانتصار في رؤوسهم، فيهموا بالعودة إلى المدينة، ويطمعوا في استئصال من فيها من المسلمين، فقصد إلى أن يريهم قوة وعزماً، فبعث في الغد من ينادي في الناس بطلب العدو، ويؤذنهم أن لا يخرج معه إلا من شهد الوقعة بالأمس، فانتدب منهم سبعين رجلاً، فخرج بهم يقفو أثر القوم حتى بلغ القوم
(3/ 1/74)

مكاناً يقال له: "حمراء الأسد"، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فانصرفوا إلى ديارهم، وانقلب رسول الله والذين معه إلى المدينة وقد أمنوا ما كانوا يحذرون.
يُعلِّم محمد - صلى الله عليه وسلم - بسيرته المجاهدَ في سبيل الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل ولا يَهن في دفاعهم وتقويم عوجهم، ولا يهوله أن تقبل عليهم الأيام، فيشتد بأسهم، ويجلبوا بخيلهم ورجالهم، فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة، فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون.
يتجلى صبر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوة عزمه ساعة يعتدي عليه السفهاء من خصوم هدايته، فإنه كان - صلى الله عليه وسلم - يقابل أذاهم بالتجلد، والمضي في الدعوة كيف يشاء، ولشدَّما لقي من الأذى، فلم يحجم به يوماً عن أن يصدع بما أمره الله، ولم يحجم به يوماً عن أن يضرب بالدعوة في وجوه أولئك الجبابرة، وهذه السيرة تعلِّم الناهضين بالأمم إلى مراقي الفلاح كيف يؤثرون الحق على أنفسهم ومن في الأرض جميعاً.
ولا أدل على عظمة الرجل من أن يستبين سبيل الرشد، فيسلكها في سكينة وقرارة جأش، ثم لا يبالي عبث المستهزئين، وما يعترضه من أذى المبطلين.
يتجلى صبر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوة عزمه في إقدامه على همم لا تدرك إلا بمعاناة مصاعب واقتحام أخطار.
له همم لا منتهى لكبارها ... وهممته الصغرى أجلُّ من الدهر
بلغه - صلى الله عليه وسلم - أن الروم ومن يظاهرهم من قبائل العرب المتنصرة أخذوا يتأهبون للزحف عليه بالمدينة، فنادى بالنفير العام، وانبعث في سفر بعيد
(3/ 1/75)

الشقة إلى أن وطئ أرض الروم، فخالط قلوبهم رعب، وجنحوا للسلم، فجنح لها، ووادعهم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
يُعلّم محمد - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذه الغزوة رؤساء الشعوب أن لا يقعد بهم حب الراحة والنعيم العاجل، ويغيبوا عما وراء بلادهم حتى يطل عليهم العدو بخيله ورجله، ويصب عليهم من سيطرته عذاباً مهيناً.
يتجلى صبر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوة عزمه في أقوال يتبرأ من أن يصرفه عن الدعوة إلى الدين الحنيف صارف، وهو الذي يقول: "والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته".
بمثل هذا الكلم النوابغ يعلم محمد - صلى الله عليه وسلم - دعاة الإصلاح من بعده أن يكونوا من العزم الصامت بحيث يمضون في سبيلهم مضي الشهاب الثاقب، ولا يتردد بهم في هذا السبيل أن يصانعهم الذين لا يحبون الناصحين، ولو ملؤوا ما بين أيديهم لجيناً وعسجداً.
وإذا كان الرفق والأناة شعبة من شعب الصبر، فكان محمد - صلوات الله عليه - يقابل الإساءة بالرفق والأناة.
نقرأ في "صحيح البخاري": أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فهّم به أصحابه، فقال: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا".
ونقرأ في "صحيح البخاري": أن رهطاً من اليهود دخلوا عليه، وقالوا: " السام عليكم" محرفين كلمة "السلام" إلى "السام"، والسام: الموت، فلم يزد رسول الله على أن قال: "وعليكم"، ولما ردت عليهم أم المؤمنين عائشة بقولها: "وعليكم السام واللعنة"، قال لها: "مهلاً يا عائشة، إن الله يحب
(3/ 1/76)

الرفق بالأمر كله".
ونقرأ في "صحيح البخاري": أن عائشة بنت الصديق تصف رسول الله، فتقول: "والله! ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم له".
ونحن إذا تقصينا سيرته بحثاً وتنقيباً، وجدناها مصدقة لما وصفته به أم المؤمنين من الرفق والحلم، فما عاقب - عليه الصلاة والسلام - أحداً مسه بأذى، ولا اضطغن على أحد أغلظ له في القول، بل كان يلاقي الإساءة بالحسنى، والغلظة بالرفق، إلا أن يتعدى الشر، فيلقي في سبيل الدعوة حجراً، أو يحدث في نظام الأمة خللاً. فلمحمد - صلى الله عليه وسلم - يومئذ شأنه الذي يقول فيه: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
فهذه السيرة ترشد رئيس القوم إلى أن يوسع صدره لمن يناقشه ويجادله، ولو صاغ أقواله في غلظ وجفاء، فسيرة رسول الله هي التي علمت معاوية ابن أبي سفيان أن يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، فإن لم يكن من أحدكم سوى حكمة يقولها ليشتفي بها، فإني أجعل له ذلك دُبْرَ أذني، وتحت قدمي.
فمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي قرر الحرية في الأموال والأنفس والأعراض، قد قرر الحرية في نقد أعمال الرعاة المسؤولين، فحقيق على عشاق الحرية الفاضلة أن يحتفلوا بذكرى مولد النبي الذي جامل من أغلظ له في القول، وقال لأصحابه: "دعوه؛ فإن لصاحب الحقِّ مقالاً".
(3/ 1/77)

الهجرة النبوية (1)
تنفس الإسلام في بطاح مكة، فاعتنقه فريق من ذوي العقول السليمة، وما لبث عبّاد الأوثان أن قاموا يؤذونهم في أنفسهم، ويأبون لهم أن يقيموا شعائر دينهم، ولقد كان هؤلاء المسلمون على إيمان أجلى من القمر يتلألأ في سماء صاحية، فاحتملوا ذلك الأذى بصبر وأناة، وكانت مظاهر أولئك الطغاة حقيرة في أعينهم، منبوذة وراء ظهورهم.
وكذلك الإيمان تخالط بشاشته القلوب، فيخلق من الضعف عزماً، ومن الخمول نهوضا، ومن الجزع صبراً، ومن الياس أملاً، ومن الجبن شجاعة، ومن الذلة عزّاً.
فإذا رأيتم الرجل يتضاءل أمام المترفين صَغاراً، أو يحثو في آذان المضلين إطراء وملقاً، فاعلموا أنه في حاجة إلى الإيمان يطبعه على متانة وصدق ووقار.
يجهل الجاحدون على المؤمنين، ويمكرون بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - ما استطاعوا إلى المكر به سبيلاً، حتى إن قريشاً وبني كنانة اجتمعوا في خَيْف بني كنانة،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد الأول الصادر في شهر المحرم 1348 ه.
(3/ 1/78)

وتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرفعوا أيديهم عن جماعته. وهذا ما يشير إليه رسول الله في قوله عند فتح مكة: "غداً منزلنا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر".
قضى - عليه الصلاة والسلام - في سبيل الدعوة بمكة ثلاثة عشر حولاً وهو يلاقي نفوساً طاغية، وألسنة ساخرة، وربما لقي أيدياً باطشة، وكان هيناً على الله أن يصرف عنه الأذى جملة، ولكنها سنّة الابتلاء يؤخذ بها الرسول الاكرم؛ ليستبين للناس صبره، ويعظم عند الله أجره، وليتعلم دعاة الإصلاح بحق كيف يقتحمون الشدائد، ويستهينون بما يعترضهم من الأذى، صغيراً كان أم كبيراً.
وما كان محمد - صلوات الله عليه - خاملاً، فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته وبلاغة منطقه وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو يشاء، وما كان محمد - صلوات الله عليه - مقلاً حريصاً على بسطة العيش، فيبغي بهذه الدعوة ثراء؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يُصب في مسجده ركاماً لا يختلف عن عيشه، فيلاقي في سبيل الدعوة أذى كثيراً.
وكان من تدبير الله الحكيم أن قدم مكة قوم من الأوس والخزرج، فشرح الله صدورهم للإسلام، وبايعوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - على أن يكونوا أنصاره إلى الله؛ كما قال قائلهم:
نحن الذين بايعوامحمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فكفى الله رسولَه والمؤمنين بأس خصومهم الألداء، وهيأ لهم من أمر
(3/ 1/79)

الهجرة سبباً.
أحسّ زعماء قريش بهذه المبايعة ذات الأثر الخالد العظيم، وانتهى بهم الحال أن ائتمروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعتقلوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، وقد جاء نبأ هذه المؤامرة في قوله تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
أخرج كل ما في كنانته من رأي، وأجمعوا على أن يطلقوا سيوفهم تخوض في دمه الطاهر انتقاماً لأحجار ينحتونها بأيديهم، ويظلون لها من دون الله عابدين.
وأوحى الله إلى رسوله ما أوحى، فبارح مكة من حيث لا تراه أعينهم، وحل بالمدينةِ حلول القمر الزاهر في كبد السماء.
حل رسول الله بالمدينة حلول الغيث بالبلد الطيب، فإذا الحكمة تدني قطوفها، وإذا الخطب تأخذ المسامع بروعتها، وإذا صيحة الأذان تشق الجو حتى تبلغ غايتها.
وكذلك تكون عاقبة الحق حينما يشتد أعوان الباطل في إطفاء نوره، وقطع سبيله.
فإذا كان اليوم الذي خرج فيه رسول الله من مكة يوماً عابساً كثيباً، فإن اليوم الذي قدم فيه المدينة يوم مشرق الطلعة، باسم الثغر، واضح الجبين.

* لماذا جعلت الهجرة النبوية مبدأ التاريخ في الإسلام؟
شعر الناس في عهد الفاروق - رضي الله عنه - بالحاجة إلى تأريخ الرسائل وما يكتبون، فاستطلع عمر آراء ذوي الرأي منهم، فأشار بعضهم بأن يقام التاريخ على
(3/ 1/80)

عام البعثة؛ لأنه الحين الذي بزغ فيه كوكب الهداية والعلم. وأشار آخرون بأن يكون مبدأ التاريخ (1) عام الهجرة، فوقع اختيار عمر على هذا الرأي، وقال: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها".
اختار الفاروق أن يقام التاريخ على الهجرة الشريفة، وذكر في وجه هذا الاختيار: أنها فرقت بين الحق والباطل، وهذه كلمة تومئ إلى فضل الهجرة، وما كان لها من الأثر في ظهور الإسلام، وإقبال الناس عليه جهرة لا يخشون إلا رب العالمين. كان الحق بمكة مغموراً بشغب الباطل، وكان أهل الحق في بلاء من أهل الباطل شديد، والهجرة هي التي رفعت صوت الحق على صخب الباطل، وخلصت أهل الحق من ذلك البلاء الجائر، وأوردتهم حياة عزيزة ومقاماً كريماً.
وإذا كانت البعثة مبدأ الدعوة إلى الحق، فإن الهجرة مبدأ ظهوره، والعمل به في حالتي السر والعلانية، ولا يبلغ قول الحق غايته، ويأتي بفائدته كاملة إلا أن يصبح عملاً قائماً، وسيرة متبعة، انظروا إلى عمر بن الخطاب كيف يقول لأبي موسى الأشعري في رسالة القضاء: "وإذا تبين لك الحق، فانفذ؛ فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاذ له".
فالهجرة راشت جناح الإسلام، فذهب يحلِّق في الآفاق ليمحو آية الضلالة، ويجعل آية الهداية مبصرة، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى:
{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ
__________
(1) وهذا رأي علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه - فيما رواه الحاكم عن سعيد بن المسيب.
(3/ 1/81)

سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40].
فإنكم تجدون الآية الكريمة تذكر شيئاً من أمر الهجرة النبوية، وتعد في النعم الجليلة المترتبة عليها: جعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.
علت كلمة الله حقاً، وإنما علت على كاهل تلك الدولة التي قامت بين لابتي (1) المدينة، وبسطت سلطاناً لا تستطيع يد المخالفين أن تمسه من قريب ولا من بعيد.
ومن حسنات الهجرة: تلك الأحكام المدنية، والنظم القضائية، والأصول السياسية؛ فإنها كانت تنزل بالمدينة حيث أصبح المسلمون في كثرة، وصاروا من المنعة بحيث يأخذونها بقوة، ويقومون على إجرائها يوم تنزل والناس يشهدون، ولو كان آخر عهد الوحي يشبه أوله، لم يزد الإسلام على أن يكون دعوة إلى عقائد وأخلاق، وشيء من العبادات.
فالهجرة النبوية كانت مبدأ عظمة الإسلام، ومطلع حرية الأمة الإسلامية، فإذا أقمنا لذكرها هذه الحفلة السنية، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، واليوم الذي استقل فيه المسلمون بأمرهم، ونالوا به الحرية في عبادة ربهم، وسعادة الأمة أن تسلم من كيد خصومها، وتقيم واجبات دينها، ولا تُغلب على حق من حقوقها.
__________
(1) اللابة: الحَرّة، وهي أرض ذات حجارة نخرة سود - "القاموس".
(3/ 1/82)

رفقه وحكمته البالغة في السياسة (1)
كان أمراء الإسلام في الأندلس وغيرها من بلاد المغرب يقيمون بليلة الميلاد النبوي احتفالاً باهراً، ونجد في وصف احتفالاتهم: أن طائفة من العلماء الشعراء كانوا يلقون قصائد تحتوي جانباً من مكارم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويسلكون فيها آيات من آيات نبوته الصادقة.
ومن هؤلاء الشعراء البلغاء: الوزير لسان الدين بن الخطيب، والوزير أبو عبدالله بن زمرك، والفيلسوف ولي الدين بن خلدون.
ومن هذه القصائد: قصيدة لسان الدين بن الخطيب التي يقول في طالعها:
ما على القلب بعدكم من جُناح ... أن يُرى طائراً بغير جناح
ومنها قصيدة ابن زمرك التي يقول في طالعها:
تأملَ أطلال الهوى فتألما ... وسيما الجوى والسقم منها تعلما
ومنها قصيدة ابن خلدون التي يقول في طالعها:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الأول الصادر في ربيع الثاني سنة 1348. خطبة الإمام في جمعية الهداية الإسلامية يوم السبت 12 ربيع الأول سنة 1348 في ذكرى المولد النبوي.
(3/ 1/83)

أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عَبرتي ونحيبي
وأبينَ يوم البين وقفة ساعة .... لوداع مشغول الفؤاد كئيب
وما برح أهل العلم يشهدون هذا الصنيع باستحسان، وينظرون إليه بعين راضية؛ إذ لا يزيد على إسماع الحاضرين كلماً طيباً من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتذكيرهم بشيء من دلائل نبوته الساطعة.
فإذا احتفلنا في هذه الليلة بذكرى المولد النبوي، فإنما نأتي إلى سيرة الرسول الأكرم، ونقدم منها إلى هذه الحفلة مُثلاً عالية.
السيرة النبوية بعيدة ما بين البداية والنهاية، فلا نحيط بآثارها ذكراً، ولا نستطيع لمواقع العبرة منها جمعاً، وإنما أقتبس منها كلمة أدلُّ بها على ما كان للمصطفى - صلوات الله عليه - من الرفق بالمستضعفين من الرجال والنساء، وكلمة أخرى أدل بها على ما كان له من الحكمة البالغة في السياسة.

* رفقه بمن يسيئون إليه على جهالة:
العربي في جاهليته سريع الغضب، حريص على الانتقام ممن يمسه بأذى، وهذه إحدى الخصال التي جعلت العرب قبل أن يستضيئوا بحكمة الإسلام في معزل عن السياسة- كما يقول ابن خلدون-، أما رسول الله، فقد نشا مطبوعاً على فضيلة الحلم والإغضاء، إلا أن تنتهك حرمات الله. نقرأ في الصحيح: أنه لما قفل - عليه الصلاة والسلام - راجعاً من غزوة حنين، جاءه الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة، فخطفت رداءه، فوقف فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه (1) نعماً، لقسمته
__________
(1) العضاه: جمع العضاهة، وهي أعظم الشجر، أو كل ذات شوك."القاموس".
(3/ 1/84)

بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً، ولا كذاباً، ولا جباناً".
فهذا الأثر يدلنا على أنه - صلوات الله عليه - لم يكن ليقيم أعواناً يمنعون أمثال هؤلاء الأعراب من الوصول إليه، أو يفرقون جمعهم إذا أحاطوا به، وألحفوا في سؤاله، وتدلنا كلمة رسول الله على أنه لا يغضب غضب من تأخذه العزة بالإثم حين يتهافت عليه جماعة من الأعراب حتى يضطروه إلى شجرة تخطف رداءه.
ونقرأ في الصحيح: أن أنس بن مالك يقول: "كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذه شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت فيها حاشية الرداء، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء".
يبتسم لقوة أعرابي بسط يده إليه بجفاء، أما الطغاة أو البلغاء الذين يعثون في الأرض فساداً، فإنه يأخذ فيهم بسنة العزم، ويدع المجاملة والتبسم لهم في ناحية.
كان الرئيس العربي يسرف في مصانعة ذوي الزعامة والنفوذ في قومه، ولا يؤاخذهم بما يجرمون؛ مخافة أن يشقوا عصا طاعته، ويزلزلوا أركان رياسته، ثم لا يبالي أن يذيق الضعيف الذي لا يؤبه له عذابا مهيناً. ولكن محمداً - صلوات الله عليه - يضع الأقوياء والضعفاء عند تقاضي الحقوق مكاناً سواء.

* رفقه بالمرأة:
كان الرجال من قريش يعاشرون أزواجهم في شيء من الغلظة، حتى
(3/ 1/85)

إنهم لا يرون للزوجة حقاً في أن تراجع الرجل إذا خاطبها في غيظ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقلب هذه الغلظة إلى رفق، ويفسح للمرأة أن تعمل على إرادتها، وتتمتع بحريتها في دائرة الأدب والصيانة.
نقرأ في الصحيح: أن عمر بن الخطاب يقول: "كنا - معشر قريش - نغلب نساعنا، فلما قدمنا الأنصار، إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن بأدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي، فراجعتني، فانكرتُ أن تراجعني، قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم إلى الليل".
ضرب رسول الله عن عادة قريش جانباً، وكان يتلقى مراجعة الزوجة له بأناة، وهجرَها له اليوم كله باحتمال، يفعل ذلك رفقاً بها، وإرشاداً إلى الأوفق بسنة الاجتماع في معاشرتها، ولتعليم الناس فضيلة العطف على المرأة يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه، كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".
وإذا تقصينا أثر ما يقرره الإسلام للمرأة من حقوق، وما ألقاه عليها من احترام، ازددنا علماً بأنه الدين الذي يسير بحال الاجتماع البشري إلى أقصى ما يرام من السعادة.
فالنساء شطر البشر، وتأثيرهن على الشطر الآخر من حيث التربية الأولى لا يتنازع فيه اثنان، فالإحسان إليهن، ومسايرتهن فيما لا يخرجن به عن حدود الصيانة والعفاف مما يرفع هممهن، ويرقي آدابهن، فإذا نشأ الولد في حجورهن، خرج للناس رفيع الهمة، راقي الآداب.
(3/ 1/86)

ونحن إذا قسنا حال المرأة في الجاهلية بحالها بعد نزول الوحي، عرفنا أن ما بيّنه الرسول الأكرم من حقوقها مبدأ من المبادئ التي عني بها الإسلام، وأخرج بها العالم من همجية قاسية إلى مدنية راقية فاضلة.

* حكمته البالغة في السياسة:
لا يسعني المقام أن أطرق هذا الموضوع بشواهد كثيرة، وإنما أورد واقعة واحدة هي واقعة الحديبية؛ فإن في هذه الواقعة لآية على أن نظر محمد ابن عبد الله في السياسة لم يكن وليد أرض تهامة، إنما هو وليد تعاليم ينزل بها الروح الأمين من فوق سبع سماوات.
خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة في ألف وثلاث مئة مسلم من المسلمين، قاصداً زيارة البيت الحرام، لا يريد قتالاً، فبلغ المشركين بمكة خبره، فخرجوا ليصدوه عن الزيارة، فنزل بأقصى الحديبية، وسبقه المشركون، فنزلوا بأعداد مياهها (1)، ودارت الرسل بينه وبينهم، وانتهى الأمر على عقد صلح تمسكوا فيه بشروط لم يكن من رسول الله إلا أن قبلها. ومن أشد هذه الشروط على المسلمين: أن المشركين أبوا أن يخلُّوا بين النبي وبين البيت في ذلك العام، وإنما رضوا أن يأتيها في العام المقبل، وأخذوا عليه أن من جاءه من المشركين يرده عليهم، وهم إذا جاءهم أحد من المسلمين، لا يردونه عليه.
نرى في هذه الواقعة أن المسلمين امتعضوا من عقد هذا الصلح، ورأوا في شروطه ما يمس كرامتهم، ويخدش عزتهم، حتى بلغ بعمر بن الخطاب أن قال لرسول الله: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى": قال:
__________
(1) الأعداد: جمع عِدّ - بكسر العين -, وهو الماء الذي له مادة لا تنقطع.
(3/ 1/87)

فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟! قال له: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري"، فزاد عمر أن قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ "، قال عمر: لا، قال: "فإنك آتيه، ومطوِّف به".
رأى المسلمون أن في استطاعتهم حرب المشركين، وفي أملهم أن يكونوا هم الغالبين، ولا سيما بعد أن سمعوا الوعد الصادق بأنهم سيدخلون المسجد الحرام، ويطوفوا بالبيت العتيق، ولكن رسول الله رأى أن احتمال هذه الشروط التي تمسك بها المشركون أخف من أن يناجزهم الحرب وفيهم شيء من القوة، فلا يدخلها إلا بعد أن تراق دماء طاهرة، ودماء يجوز أن تطهر بالإيمان في السنة القابلة.
وقد دلت العاقبة على أن المسلمين كانوا ينظرون إلى قريب، وكان الرسول الله ينظر إلى أمد بعيدة إذ كان من عواقب هذا الصلح أن امتد الأمن بين مكة والمدينة، وجرى بين المسلمين والمشركين اتصال، وكثرة ملاقاة، فكان المسلمون يُسمعونهم القرآن، ويناظرونهم على الإسلام علانية، وكانوا قبل هذا الصلح لا يدعون إلى الإسلام بمكة إلا في خفاء، ودخل في الإسلام مدة الصلح كثير ممن كانوا مشركين، أو كن مشركات، فخسر المشركون من حيث أرادوا الفوز، ولم يجئ يوم الفتح الأكبر إلا وهم في ذلة، والمؤمنون في قوة، فدخل رسول الله مكة فاتحاً، وقد ألقوا إليه السلم، بل أقبلوا هم وزعماؤهم يدخلون في دين الله أفواجاً.
فإذا وقفنا عند ظاهر أمر رسول الله، نجد في سيرته ما هو سبب نجاحه في الدعوة، وظهوره على أعدائه.
(3/ 1/88)

أما نجاحه في الدعوة، فيرجع - بعد بلاغة القول وقوة الحجة - إلى كمال أخلاقه - عليه الصلاة والسلام -، وصدق عزيمته، قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159].
وأما ظهوره على أعدائه، فيرجع - بعد تأييد الله - إلى حكمة السياسة، والأخذ بسنة الحذر، وإعداد القوة, إذ لا تنجح الدعوة إلى الحق إلا بمتانة الأخلاق، وصدق العزم، ولا تظهر أمة على من يريد بها عسفاً وهواناً إلا بأن تحكم السياسة، وتُعِدَّ له ما استطاعت من قوة.
أيها السادة!
رغبت إليَّ القريحة أن تشارك حضرات السادة الشعراء في الحديث عن رسول الله بكلام موزون، فسمحت بهذه القطعة من القريض:
حييّ ذاك البدر بالزَّهْرِ النظيمْ ... واملأ الجَفْنَ بمرآهُ الوسيم (1)
__________
(1) القصيدة منشورة في آخر - هذا الكتاب مع القصائد النبوية.
(3/ 1/89)

نظرة في دلائل النبوة (1)
جرت حكمة الله على أن يبعث في الناس رسلاً يعلمونهم واجبات ألوهيته اعتقاداً وعملاً، ويهدونهم السبيل إلى الفلاح عاجلاً وآجلاً، وقضت حكمته أن تكون دعوة هؤلاء الرسل مقرونة باَيات تشهد بأنهم لم يقولوا على الله إلا حقاً، حتى تقوم الحجة على الجاحد، فإما إيماناً بعد، وإما عناداً.
والآيات القائمة على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله إلى الخليقة حقاً، تكاد تتجاوز حد ما يُستقصى، وقد تتبعها القاضي أبو بكر بن العربي عَدّاً، وأملى في تفسيره "أثوار الفجر" ألف معجزة، وهي- على كثرتها، واختلاف مظاهرها- ترجع إلى ثلاثة أصول: القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والمعجزات المحسوسة التي تنقل إلينا على طرق ثابتة.
ولا أقصد في هذا المقام إلى أن أتحدث عن هذه الأصول بتفصيل، بل آتي عليها بالقول الموجز، وأدع بسط القول فيها إلى كتب تأتي - إن شاء الله -. المحاضرة بعد الأخرى.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الثاني الصادر في رمضان 1348، والجزء الخامس من المجلد الثاني الصادر في شوال 1348. محاضرة للإمام في نادي جمعية الهداية الإسلامية في يوم الخميس 9 شعبان سنة 1348.
(3/ 1/90)

* القرآن الكريم:
نزل القرآن بلسان عربي مبين، وهو يحمل دعوة حكيمة، ومعجزة باهرة:
أما الدعوة الحكيمة، فهي ما أرشد إليه من عقائد سليمة، وآداب جليلة، وأحكام عادلة، ونظم عمرانية راقية، وذلك ما يدل عليه قوله تعالى: {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
وأما المعجزة، فهي ما يدركه أولو الألباب من بلوغه في حكمة المعاني، وسمو المقاصد، وفصاحة الكلم، وجودة النظم غايةً فوق ما تنتهي إليه طاقة البشر، وذلك ما يدل قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
وكثير من حكماء العرب وبلغائهم يسمعون القرآن، فيدخل الإيمان في قلوبهم من غير حاجة إلى أقيسة منطقية: شرطية أو جملية؛ ذلك أنهم يتلقون الدعوة وهي محفوظة بدلائل الصدق من كل ناحية، وليس بينهم وبين الاهتداء بهذه الدلائل سوى التنبه لوجه دلالتها.
ومن شواهد التاريخ على هذا قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ إذ قرئت عليه سورة "طه"، فانشرح صدره للإسلام، وقال: أين رسول الله؟ فقيل له: في دار أرقم بن أبي الأرقم، فقصد إليه فوراً، وسرعان ما نطق بالشهادة بين يديه.
وينبئكم أن القرآن الحجة الناطقة على صدق المبعوث به: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 82 - 83].
(3/ 1/91)

فالآية ظاهرة في أن هؤلاء القسيسين والرهبان لم يزيدوا على أن سمعوا قرآناً يتلى، فعرفوا فيه وجه الحق، فقالوا: {رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83].
وفي قوله تعالى: {وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51] ما هو صريح في أن القرآن آية كافية للدلالة على صدق الدعوة وصحة الرسالة.
وانظروا إلى قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ] [التوبة: 6].
فالآية منبهة لما نقول من أن تلاوة القرآن على الضالين تكفي في هدايتهم، وإقامة الحجة عليهم متى كانوا يتدبرون، ومجادلتهم- بعد إسماعهم القرآن- إنما هي لازاحة الشبهة التي تخالظ أوهامهم، أو تكشف عما يلفقونه من زور وبهتان.
والحقيقة أن دلالة القرآن على [صدق] محمد - صلى الله عليه وسلم - لا تنحصر في ناحية واحدة، بل هي ذات وجوه مختلفة، يجتليها كل من يتلوه بيقظة، أو يلقي إليه أذناً واعية.

* بلاغته:
ومن هذه الوجوه: بلوغه في فصاحة الألفاظ، وبلاغة المعاني، وجودة النظم منزلة تقف دونها فطاحل البلغاء.
ذلك أن البلاغة لعهد البعثة المحمدية قد وصلت إلى درجتها العليا، كان العرب يتنافسون في فنونها، ويطلقون الأعنة في مضمارها، حتى أتى محمد - صلوات الله عليه - بما عجز عن أن يأتي بمثله بلغاء العرب قاطبة.
(3/ 1/92)

ثم إنك تجد القرآن لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب البديع، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، ويضيق باعه في فنونه الأخرى، فلا يدرك فيها سوى المنزلة المتوسطة أو السفلى.
وإذا نظرت إلى الأفراد الذين يفوقون أقرانهم فصاحة وبلاغة، ويصبح كل واحد منهم علماً في عصره يشار إليه بالبنان، لم تجد منزلتهم بعيدة من منازل البارعين من غيرهم بعد أن يجعلها خارقة للعادة، كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منظوم الشعراء ومنثور الخطباء.
وإذا بدا لنا أن في الإسلاميين أو المحدثين من يفوق بلغاء العرب يوم البعثة، فالفضل في هذا عائد إلى القرآن؛ إذ كانوا يهتمون بنور بيانه، ويجتهدون في أن ينسجوا على منواله، وهم على ما سنه القرآن من طرق الإبدل، وأدناه من قطوف البيان، لَمْ يستطيعوا أن يأتوا بما يداينه، فضلاً عما يقف بجانبه.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب منطقاً، ونجد الفرق بين حديثه والقرآن الكريم جلياً واضحاً، ومن عقد بينهما مقايسه، رأى حق اليقين أن أولئك الذين يقولون: إن القرآن من تاليف محمد، قوم لم يذوقوا للبلاغة طعماً، أو لم يهتدوا للإنصاف سبيلاً.
ومن تلك الوجوه: ما احتواه من الأخبار عن أمور من قَبيل الغيب، وظهرت بعدُ كما أخبر. من شواهد هذا الوجه: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
فقد عاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محاط بأعدائه الذين يتمنون له الموت العاجل، ويحرصون أشد الحرص على أن لا يتاخر في الحياة ساعة من زمان،
(3/ 1/93)

وهم أصحاب جرأة واغتيال، ولم يكن - عليه الصلاة والسلام - ممن يجعل بينه وبين الناس حجاباً، ولا يهتم بأن يتخذ منهم حراساً، وكان يضع نفسه عندما يحمى وطيس الحرب بالمكانة الأولى، ومع ما لأعدائه من التلهف على قتله، والتهالك على الفتك به، ومع ماله من الانفراد عن أصحابه في كل حين من الأحيان، وظهوره لأعدائه كلما رغبوا في الاجتماع به، وتقدمه لمواقع الجهاد ليس بينه وبينهم حامية، لم يأته أجله إلا وهو على فراشه، وذلك مصداق قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
ومن شواهد هذا: قوله تعالى:
{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 1 - 4].
وقد وقع ما أخبر به القرآن، فعاد الروم بعد غلبهم إلى محاربة الفرس، وظهروا عليهم في السنة السابعة من الهجرة، ويروي أن خبر هذه الواقعة كان السبب في إسلام أناس من الجاحدين غير قليل.
ومن تلك الوجوه: قوة أدلته؛ فقد عرفنا أن محمداً - صلوات الله عليه - قد نبت في وادي جاهلية، ونشأ في أمية، ونجد مع هذا حجج القرآن العقلية القائمة نافذة، كقوله في الاستدلال على وجود الخالق: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35].
فإن المعنى: أوجدوا من غير موجد، أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟!. وكلا القضيتين غير صحيح، فوجب أن يكونوا صنع قادر حكيم.
وكقوله في الاستدلال على وحدته: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
(3/ 1/94)

وقوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].
ففي الآيتين برهان قائم على وجوب وحدة الإله، وأن الألوهية تقضي الاستقلال بالتصرف في السماوات والأرض تغييراً وتبديلاً، إيجاداً وإعداماً.
وكقوله يدفع شبهة منكري البعث، ويريهم أنه من قَبيل ما يدخل تحت سلطان قدرته: [قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78 - 79].
وهكذا نجده يأتي على شُبههم بما يزيحها، وينادي على غلطهم في إيرادها؛ كقوله تعالى في الرد على من ألحفوا في أن يكون الرسول مَلَكَاً: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] , يريد: أنهم لا يستطيعون الأخذ من المَلَك وهو في صورته الملكية، ولو بعثه إليهم في صورة بشر، لعادوا إلى هذا اللبس الذي يلبسون، وما كانوا مؤمنين.
فجميع حجج القرآن واردة على قانون المنطق الصحيح، ومن لم ينتفع بها، ويستقم على طريقتها، فلأنه استكبر عليها، أو لم يوقع النظر على وجه دلالتها.
قال الرازي: "وقد تأملت. الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأحسن الأدلة العقلية: الأدلة التي بينها القرآن، وأرشد إليها الرسول، فينبغي أن يعرف أن أجلَّ الأدلة العقلية وأكملها
(3/ 1/95)

وأفضلها مأخوذ عن الرسول".
ومن تلك الوجوه: غزارة حِكَمِهِ ونبوغها؛ بحيث جاءت آخذة بأسباب السعادة، آتية على الخصال التي تسمو بها الأفراد والجماعات إلى سماء السيادة، ومن أمثلة هذا قوله تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
فمن الطبائع الغالبة على البشر: التسرع إلى إذاية العدو بما أمكن. ومن مقاصد القرآن: تقويم الطباع التي تنزع إلى الأذى، وتبعث على التقاطع، فجاءت هذه الآية تامر الإنسان بأن يسللك في دفع خصمه الطريقة التي هي أجمل؛ رجاء أن يكون لهذه المجاملة أثر صالح، هو قلب العداوة ألفة وصداقة.
ومن أمثلة هذا الوجه: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
أمر بالتثبت فيما ينقله الفاسق؛ حذراً من أن يكون حديثاً مفترى، فيكون العمل عليه على الجهالة، وعاقبة عمل الجاهل ندامة وخسران، وكم من بلاء يلحق الأشخاص أو الجماعات من اندفاعهم إلى العمل على خبر الفاسق قبل أن يتبينوا!.
وانظروا إن شسّم إلى قوله تعالى: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]. فهذه الآية نصيحة للأمة بأن لا ينخدعوا لقول لين، ووعد مؤكد يبذله لهم العدو، فيركنوا إليه بقلوبهم، ولا يأخذوا منه حذرهم، فإذا هو يبسط عليهم
(3/ 1/96)

سلطاناً طاغياً، ويريهم أنه ألانَ لهم القول خادعاً، وقطع لهم العهد غادراً، وإن هذه النصيحة لمن أبلغ النصائح التي تقوم عليها حياة الأمة وعظمتها، ولو حفظها المسلمون في سويداء قلوبهم، وجعلوها بمرأى من أبصارهم، لاستقاموا على عزتهم، ولم يفقدوا شيئاً من حريتهم.
ويدخل من قبيل حِكَم القرآن ونصائحه: عنايته بمكارم الأخلاق، فهو مملوء بالحثِّ على نحو الصدق، والحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والعدل، والوفاء،. تلك الأخلاق التي تقوم عليها قواعد العمران، وتتأكد بها روابط التوادد والاتحاد، وبها تحرز الأمة قوة معنوية، وأخرى مادية، فلا يجد أعداؤها الطريق إلى أن يطؤوا موطئاً يغيظها.
عني القرآن بأصول الفضائل التي هي مطلع السعادة، ومن أجلّ هذه الفضائل: ما يسمونه: الشجاعة الأدبية، وهي خلق الصراحة والإقدام على قول الحق؛ فقد جاء القرآن بها على كمل وجه، وفرضها على الناس في أبلغ خطاب، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
فهذه الأية تأمر الرجل أن يؤثر الحق على الهوى، ولا يبالي عند إقامة الحق ما ينازعه من عاطفة القربى، وإن بلغت أشدها، وكانت عاطفته نحو والديه اللذين ربياه صغيراً.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].
فهذه الآية تذكر الذين يكتمون ما يعرفون من الحق، وتجعل جزاءهم اللعنة من الله، ومن يتأتى منه اللعنُ من الملائكة والمؤمنين، ومَنِ الذي يجهل
(3/ 1/97)

المفاسد التي تجري على يد عالم يشتري رضا المخلوق برضا الله، ويتبدل متاع هذه الحياة بما هو خير وأبقى؟!.
وكم نتلو في القرآن من أنباء دعاة الإصلاح ما شأنه أن يطبع النفوس على خصلة الجهر بالحق، والدعوة إلى الاصلاح، وإن وجدوا الناس على أهواء غالبة، ولقوا في سبيل الدعوة أذى كثيراً. ومن أوضح الآيات في هذا المعنى: قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71].
فالأمة التي تملك الشجاعة الحربية لا تصل إليها يد العدو بأذى، فإذا ضمَّت إلى ذلك الشجاعة الأدبية، استقامت شؤونها الداخلية، وأمنت من أن يفسد عليها رؤساؤها أمر سياستها، أو يضلوا السبيل، فيهيئوا لأبنائها مستقبلاً منكراً شقياً.
ومن تلك الوجوه: ما أتى فيه من كلمات العتاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أشياء فعلها، أو همَّ أن يفعلها، ووجه دلالتها على أن دعوته لله خالصة: ما نراه في طبائع الرجال، ولا سيما ذوي المكانة في قومهم؛ من أنهم يحرصون ما استطاعوا على أن تكون جميع آرائهم في نظر الناس سديدة، وجميع أعمالهم حكيمة ولو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - من أولئك الذين يدعون القرب من الله، والكرامة عنده رياء وخداعاً، وكان هذا القرآن من تأليفه- كما يزعم الجاحدون -, لوجد نفسه في غنى عن هذه الآيات التي تحمل وتدلُّ قراءها على أنه فعل خلاف ما هو الأولى.
لو كان القرآن من تأليف محمد - عليه الصلاة والسلام -, وكان محمد
(3/ 1/98)

من عظماء الرجال فقط، دون أن يكون مبعوثاً من الله هادياً ونذيراً، لما أودع في الكتاب آية: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 1 - 10].
وقد كان لمحمد - صلوات الله عليه - أن يعتذر لابن أم مكتوم حين انصرف عنه بوجهه بأنه كان يرجو هداية أولئك الغاوين الذين تصدى لدعوتهم، وكل أصحابه يتلقون هذا العذر بقبول، ولكن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن للنفوس الزاكية مزيداً وفضلاً على النفوس الطاغية، فليس لأحد أن يعبس في وجه نفس تطلب الخير، ملتفتاً عنها إلى نفس مضروبة في الغواية.

* السيرة النبوية:
سنَّة الله في الخليقة: أن من تظاهر بغير ما هو واقع، وادعى لنفسه ضرباً من ضروب الكمال زوراً ورياء، فلا بدَّ أن يفتضح أمره، ولو بعد أمد، ثم لا تكون عاقبته إلا خساراً وهواناً، والشأن في فضيحته ووخامة عاقبته أن تكونا على قدر ما يدعيه لنفسه من كمال واصطفاء، ولا كمال ولا عظمة للإنسان فوف مقام الرسالة والنبوة، فمن ادعى هذا المقام، فقد ادعى أقصى ما يمكن للبشر إدراكه، وادعى أنه أقرب الناس، أو من أقربهم إلى رب العالمين.
فلو أن محمداً - صلوات الله عليه - ادعى الرسالة بغير صدق، لاستبان لمن اتبعه من ذوي العقول الكبيرة شيء مما ينقض هذه الدعوى، وقد عاش نبي الله بعد دعوى الرسالة نحواً من ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة بالغة من الطول ما فيه كفاية لمن أراد أن ينظر في هذه الدعوى من كل ناحية، ويرقب
(3/ 1/99)

سيرة صاحبها؛ لعله يقف على أثر يدلّه على أنه يظهر غير ما يبطن، أو أنه يقول على الله ما لا يعلم. ومن شواهد أن سيرته - عليه الصلاة والسلام - كانت نقية من كل ما يخدش في دعوى الرسالة: أن أشد الناس إيماناً به، وأملأهم قلوباً بمحبته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً؛ كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
ليس في سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - ما يدخل الريب في صحة رسالته، فسيرته من أعظم الدلائل على أنه يحمل نفساً بالغة من العظمة ما لا يبلغه الإنسان الذي يطلب العلا من نفسه، ولو بلغ من العبقرية ما بلغ، ولقن من الحكمة ما شاء أن يلقن.
نرى في محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلاً نهض بأمة عظيمة في نحو عشرين سنة، كانت متفرقة متشاكسة، فأصبحت متحدة متآلفة. كانت الأمم تنظر إليها بعين الازدراء، فاصبحت معزَّزة الجانب، تفتح البلاد، وتضرب على هذه الأمم بسلطانها الكريم. كانت في ظلمات من الجهل، فأصبحت في نور من العلم دون أن يجلب إليها من بلاد أجنيية، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها يلقي إليها الحكمة بنفسه، ويزكيها بما يتحلى به، أو بما يدعوها إليه من خصال الشرف والحمد.
نرى في محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أقام بين هذه الأمة شريعة تقرر حقوق الأفراد والجماعات، وتشتمل بتفاصيلها وأصولها على كل ما تحتاج إليه في فصل القضايا من أحكام هي مظهر العدل والمساواة، ولم يعقد لهذه الشريعة لجنة تتألف من أشخاص درسوا قوانين بعض الأمم، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها، يملي عليها أحكام الوقائع، مدنية كانت أو جنائية، يمليها عليها في
(3/ 1/100)

الحضر والسفر، يمليها عليها في يوم السلم، أو في مواطن القتال.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يستخف بأشياع الباطل، ولا تأخذه الرهبة من كثرة عددهم، ووفر أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزاً عظيماً، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذراً من الموت، بل ترونه يقود الجند، ويدبر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يولّيهم ظهره، وإن تزلزل موقف جنده، وانصرفوا من حوله جميعاً.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصرف عنايته في تزكية الأمة، وتدبير شؤونها، والقيام بجهاد عدو هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليل قانتاً لله متهجداً، ثم يملأ جانباً من النهار في عبادة ربه متطوعاً.
نرى من محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلاً زاهداً في متاع هذه الحياة، ولو كان للشهوات عليه من سبيل، لذهبت به في ابتغاء العيش الناعم مذهبَ أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا، ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوعَ أيمانهم، خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيراً أو قليلاً.
أما تعدد زوجاته - عليه الصلاة والسلام -، فقد كان لمصالح جليلة، ومقاصد نبيلة، ندع تفصيل القول فيها إلى محاضرة أخرى.
وهل في ميسور ذلك البائس (1) الذي يجحد عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يدلنا على رجل ألَّف بين أمة متفرقة، ثم أفاض عليها حكمة بالغة، وأقام فيها
__________
(1) المقصود: علي عبد الرازق - انظر: الرد على مقالة (العظمة) في هذا الكتاب.
(3/ 1/101)

شريعة عادلة، وجعلها - وهي فئة قليلة - تظهر على الأمم الكثيرة، دون أن تكون أكثر منها مالاً، وأجود منها سلاحاً.
ثم إذا نظرنا إلى هذا المصلح الكبير، والمشرع الخطير، والمجاهد الظافر، نجده طلق اليد إذا بذل، واسع الحلم إذا أوذي، صادق اللهجة إذا حدّث، وبعبارات أوجز: نجده المثل الأعلى لكل خصلة تطمح إليها الهمم الكبيرة.
إن هذا إلاَّ محمد بن عبدالله الذي بعثه الله في الأميين رسولاً.
وقد دلَّ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على أن خلقه - عليه الصلاة والسلام - بالغ من الكمال غاية تنقطع دونها الآمال، فقال حين تشاغل بحرب أهل الردة، واستبطاته الأنصار: "أما كلفتموني أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالله! ما ذاك عندي، ولا عند أحد من الناس".

* المعجزات المحسوسة:
الإسلام دين عام يتوجه الخطاب به إلى كل قبيل، ولا يختص به جيل دون جيل، ومن أجل هذا جعل الله تعالى لصدق المبعوث به دلائل تدرك بالعقل، حتى يمكن للأجيال- على اختلاف أزمنتها- أن تهتدي بها، فيكون إيمانها عن بينة لا عن تقليد، وقد عرفنا أن هذه الدلائل ترجع إلى ما احتواه الكتاب العزيز من حكمة ويلاغة، ثم إلى أخلاق الرسول، وسيرته العملية المنقولة إلينا على طرق صحيحة.
وهناك نوع ثالث من أعلام النبوة شهده الناس الذين أدركوا عهد البعثة نسميه: المعجزات المحسوسة، وشأننا في هذا أن نضيفه إلى تلك الدلائل المعقولة متى كان سنده صحيحاً، ووسعته دائرة الإمكان.
(3/ 1/102)

ولهذا النوع من المعجرات أثر في زيادة الإيمان، وإن نقل إلينا على طرق الآحادة فإن أخبار الآحاد المستوفية لشروط الصحة يفيد كل واحد منها ظناً قوياً، والدلائل الظنية إذا تعددت، وأخذ بعضها برقاب بعض، أصبحت بجملتها كالخبر المتواتر، لا تقصر عن أن تضع في النفس اعتقاداً جازماً.
درسنا هذا النوع من المعجزات، فوجدناه يروى بأسانيد متينة إلى أمة كبيرة من أكابر الصحابة؛ كعبدالله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعدي بن حاتم، وعائشة أم المؤمنين، وعمران بن جصين، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وجماعة من غير هؤلاء، ويرويه عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعات من أهل العلم والتقوى، حتى يتصل بأمثال الإمام مالك بن أنس، والإمامين: البخاري، ومسلم.
ومن أمثلة هذا النوع: إخباره - صلى الله عليه وسلم - بغيوب واقعة؛ كنعيه للنجاشي يوم موته، وقوله للصحابة: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة"، أو إخباره بغيوب مستقبلة؛ كقوله لعدي بن حاتم: "لئن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف إلا الله، ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى،. قال عدي بن حاتم: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى.
ومن أمثلة هذا النوع: دعاؤه - صلى الله عليه وسلم -، واستجابة الله له في الحال؛ كواقعة استسقائه وهو قائم في خطبة الجمعة، والسماء مصحية، فما انتهى من الخطبة حتى أرسلت السماء مدراراً.
(3/ 1/103)

إلى غير هذا مما لا يسع المقام الحديث عنه بتفصيل؛ كوقائع تكثير الماء أو الطعام القليل، وآية انشقاق القمر التي لم تبلغ شُبَهُ منكريها أن تضعف الثقة بصحة روايتها ذاتِ الطرق المتينة المتعددة.
وهذا النوع من المعجرات قد يقصد به إقامة الحجة على الجاحدين الذين يؤخذون بالدلائل المحسوسة أكثرَ مما يؤخذون بالدلائل المعقولة، وقد يجري بمحضر المؤمنين؛ لتطئمن قلوبهم، ويزدادوا إيمانا على إيمانهم، ومنها ما يشهده الرسول وحده؛ ليرى من آيات الله ما لم يكن قد رأى؛ كواقعة الإسراء، وعلى هذا يدل قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
فمن تدبر القرآن الكريم، ودرس السيرة النبوية بعقل سليم، ونظر فيما يرويه أئمة الحديث من المعجرات نظرَ الراسخين في العلم، لم يكن منه إلا أن يكون مسلماً عقيدة قيَّمة، وعملاً صالحاً.
(3/ 1/104)

عظمة رسول لله - صلى الله عليه وسلم - وهدايته (1)
أيها السادة!
رأت جمعية الهداية الإسلامية أن تحتفل بذكرى مولد الرسول الأعظم محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا معنى لاحتفالها بهذه الذكرى إلا أن تلقي على حضرات المحتفلين كلمات تلتقط من بحر عظمته، أو تقتبس من سني هدايته. جعلت أنظر هذه العظمة؛ لأصف جانباً منها، وأبصر بتلك الهداية؛ لأقبض قبضة من أثرها، فأحجم الفكر روعة، ونكست الخطابة رأسها صاغرة.
وذكرت قول الوزير ابن الخطيب:
أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى عليك الواحد الخلاقُ؟!
فخطر لي أن أستضيء في حديثي عن عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهدايته بآيات من الكتاب العزيز، وسبق إلي في التلاوة قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فرأيت في الآية مرعى خصيباً، ومجالاً فسيحاً.
ننظر في سيرة الرسول الأكرم، فنرى ما يبهر الأبصار وضاءة، ويملأ
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الثاني الصادر في ربيع الآخر 1349. محاضرة للإمام في احتفال جمعية الهداية الإسلامية بذكرى مولد الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - مساء يوم الخميس 12 ربيع الأول 1349.
(3/ 1/105)

القلوب جلالة، فما شئتم من أخلاق عظيمة، وحكم غزيرة، وهمم خطيرة، وأعمال جليلة، فهو الرسول الذي بعثه الله تعالى لإبلاع شريعته المحكمة، وجعله المثل الأعلى لأقصى ما يبلغه البشر في مراقي الكمال والعظمة.
ومن أجل هذا عهد الله إلى الناس كافة أن يقتدوا بسنته، ويعملوا للسعادة على سيرته، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
تتناول الآية الكريمة كل ما يتحلى به - صلى الله عليه وسلم - من محاسن الشيم، أو يصدر منه على أنه شرع سماوي، إلا ما علم أنه مختص به؛ كالوصال الذي هو إلحاق الليل بالنهار في الصيام، أما ما يفعله على وجه العادة أو الجبلة، دون أن يظهر فيه معنى للتشريع؛ كالقيام والقعود في بعض الأمكنة أو الأزمنة، وكتركه كل بعض الأطعمة مع تصريحه بإباحتها، فذلك ما لا يتناوله طلب التاسي به، وإن كان عبدالله بن عمر لا يدع التأسي في مثل هذا ما أمكنه.
وقد يختلف أهل العلم في بعض ما يفعله - عليه الصلاة والسلام -، فيذهب قوم إلى أنه فعله على وجه التشريع، ويذهب آخرون إلى أنه وقع على سبيل العادة.
ومثال هذا: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل شعر رأسه إلى أذنيه، فقال بعض أهل العلم؛ كأبي بكر بن العربي: إنه من قبيل الهيئات المشروعة، فالحالق لشعر رأسه يعد تاركاً لما هو سنة، وقال كثير منهم: إنه من قبل العادات التي يأخذ فيها كل قوم بما يجري في وطنهم أو زمانهم.
ولو تفقهنا في هذه الآية الكريمة، لانكشف عنا ظلام البدع والمحدثات؛ ذلك أننا نتعرف سيرة رسول الله من طرق الروايات الصحيحة، ونتأسى بها في التقرب إلى الله، فلا نتعدى حدودها لإحداث ما لا يصح أن يكون
(3/ 1/106)

قربة في حال.
أما احتفالنا بذكرى مولده الشريف، فإنا لم نفعل غير ما فعله حسان ابن ثابث - رضي الله عنه - حين كان يجلس إليه الناس، ويُسمعهم مديح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شعر، ولم نفعل غير ما فعل علي بن أبي طالب، أو البراء بن عازب، أو أنس بن مالك - رضي الله عنه - حين يتحدثون عن محاسن رسول الله الخُلُقية في جماعة.
ليس في استطاعتي أن أفصل القول في السيرة النبوية التي أرشدت الآية إلى اقتفائها، وإنما أنبه على ناحيتين، ترينا إحداهما: كيف كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطيع الخالق بإخلاص، وترينا أخراهما: كيف كان يعامل الناس في نصح، ويسوسهم في حكمة ورفق.
نقلب الوجه في طريقته المثلى، فنجده قد أسلم وجهه للخالق، واستقام على طاعته آناء الليل وأطراف النهار، فكان يتهجد في حجرته كما يتهجد في المسجد، ويعبد الله خالياً كما يعبده في جماعة، ويبتغي رضوانه في السر كما يبتغيه في العلانية.
ونحن نعلم أن من أمهات المؤمنين من كان أبوها من أشد الناس إيماناً به، وإجلالاً لقدره؛ كعائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، ومنهن من كان أبوها من أشد الناس عداوة ومحاربة له؛ كأم حبيبة بنت أبي سفيان، فلو لم يكن يقوم الليل على الدوام كما فرض عليه القرآن، لعلم به المخلصون في صحبته، ودخلهم الريب في صحة دعوته، أو علم به خصومه الألداء فوجدوا في أيديهم ما يطعنون به في صدق نبوته.
نحول النظر إلى موققه تجاه الخالق حين تمسه الضراء، فنراه كالعلم
(3/ 1/107)

الشامخ تهب عليه عواصف اليلاء، فلا تلقى إلا قلباً صابراً، وقدماً ثابتاً، وحسبكم شاهداً على هذا: ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من هذه الشدائد إلا أن تؤكد عزمه، وتشد أزره، وتزيد داعية توكله على الله قوة، وكذلك ينبغي للمسلم أن يواجه البأساء في صبر ووقار، ويعمل على كشفها ما استطاع، ويضيف إلى هذا الدواء الناجع الاعتمادَ على من بيده ملكوت كل شيء، فقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
هذا شأنه - صلى الله عليه وسلم - في الخطوب، أما إذا أفاض الله عليه نعمة، فإنها تنزل بأرض طيبة المنبت، فلا تثمر إلا شكراً، ومن شكره للنعمة: أن لا يتعاظم بها، أو يلبس في معاملة الناس حالاً غير ما كان يلبسه قبلها. وقد كان حاله - صلى الله عليه وسلم - في الزهد والتواضع بعد فتح مكة وغيرها من البلاد كحاله يوم كان يدعو إلى الله وحيداً، وسفهاء الأحلام في مكة يسخرون منه ويضحكون.
نصوَّب النظر بعد هذا إلى سيرته في الخليقة، فنراهم أمامه أربع طوائف:
1 - طائفة المهتدين: وهؤلاء يلاقيهم في بشر وطلاقة محيا، ويخالطهم في تواضع يعلَّمهم به أدب المساواة بين الرئيس والمرؤوس، ويحمل لهم من الرحمة ما هو أرق من النسيم، وأجود من الغيث العميم.
أما البشاشة وطلاقة المحيا، فإنا نقرأ في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي: أنه قال: "ما حجبني (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم". فالذين يلقون ذوي النفوس الطاهرة في كلوح وانقباض بعلة المحافظة على الوقار، لم يهتدوا إلى السيرة الحميدة سبيلاً.
__________
(1) ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته ما استأذنت عليه.
(3/ 1/108)

وأما التواضع، فقد قال أنس بن مالك: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقاً، وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ ". فالذين يخرجون للناس في وجوه عليها غبرة الكبرياء إنما يلقون قلوباً نافرةً، وألسنةً ساخرةً، ولقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة لو شاؤوا أن يكونوا أجلاء محترمين.
وأما الرحمة، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، وحدثنا عن هذه الرحمة مالك بن الحويرث إذ قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شَبَبَة (1) متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسألَنا عمن تركنا وراءنا من أهلنا، فأخبرناه، وكان رقيقاً رحيماً، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومروهم، وصلُّوا كما رأيتمُوني أصلي".
2 - طائفة المنافقين: وهؤلاء كان - عليه الصلاة والسلام - يعاملهم بما يشبه معاملة المهتدين من الرفق بهم، والإحسان إليهم، ومقابلة إساءتهم بالعفو. نقرأ في السيرة: أن طائفة منهم هموا بقتله في طريق إيابه من غزوة تبوك، وخاب سعيهم بما أوحى الله إليه من أمرهم، فقال بعض المسلمين: ألا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟ فكان جوابه أن قال: "أكره إن يقول الناس: إن محمداً قد وضع يده في أصحابه".
3 - طائفة المخالفين المسالمين: وهؤلاء يلقاهم بالجميل، ويقسط إليهم، ولا يهضم لأحد منهم حقاً، يأخذ فيهم بأدب قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
__________
(1) جمع شاب.
(3/ 1/109)

يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]. ونقرأ في الصحيح: أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمرض الغلام، فعاده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعاه إلى الإسلام، فأجاب الدعوة، ومات مسلماً. وحسن معاملته - عليه الصلاة والسلام - للمخالفين الذين دخلوا معه في عهده، أو رضوا بأن يعيشوا تحت راية الإسلام، من أوضح الشواهد على سماحة الدين الحنيف، وبنائه على رعاية قاعدتي: الحرية، وتوطيد السلام، فراية الإسلام صالحة لأن تخفق على رؤوس أمم مختلفة في عقائدها، متفاوتة على مرافق حياتها.
4 - طائفة المخالفين المحاربين: وهؤلاء يخرج لهم - عليه الصلاة والسلام - في مظهر الحزم والاحتراس، ويدفعهم بالتي هي أحكم وأعدل، فيرفق بهم إن كان هنا موضع للرفق، ويأخذ فيهم بسنة العزم إن طغى بهم الشر، فلم يكن الرفق ليزيدهم إلا تمرداً.
فإذا أذن - صلوات الله عليه - بقتل كعب بن الأشرف، فلأن كعباً هذا كان شاعراأ، وكان يهجو رسول الله، ويحرض عليه كفار قريش، ويفعل بعد هذا شيئاً هو أشد على قلوب العرب من وقع السهام النافذة، وهو أنه كان يشبب بنساء المسلمين، وقد احتمل منه النبي - عليه الصلاة والسلام - هذا الأذى حيناً، ولما أبى كعب أن ينزع عن إثارة هذه الفتن، أذن لأحد الأنصار في قتله؛ ليميط عن سبيل الدعوة إلى الله حية تسعى، ويدفع عن أعراض المسلمين شعراً مقذعاً.
قال سخيفٌ معروف في العراق يتزلف لمذهب النصرانية: إن عيسى فدى العالم بنفسه، ومحمداً قاتل أعداءه حرصاً على حياته.
ومن ذا يجهل أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد أفاض على العامل حكمة وهداية
(3/ 1/110)

وإصلاحاً، وما الحسام الذي يأمر بانتضائه إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على صحته وسلامته، ومن تقصى السيرة النبوية، وجد فيها ما يصدق قول عائشة- رضي الله عنها-: "ما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله".
فمحمد - عليه الصلاة والسلام - لم يقاتل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون حرصاً على حياته، وإنما كان يقاتلهم حرصاً على حياة الفضيلة، وظهور الحق، وإقامة نظم المدنية المهذبة، ولكن الناشئين على اللهو واتباع الشهوات لا يفقهون.
(3/ 1/111)

شجاعته - عليه الصلاة والسلام - (1)
نحتفل بذكرى مولد المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وشأننا في مثل هذا الاحتفال أن نورد من سيرته الفاخرة ما فيه أسوة حسنة، أو آية على صدق بينته، وإن سيرة تبهر العيون سناء، وتطرق لها القلوب مهابة، لا يبلغ اللسان من وصفها إلا مقدار ما يبلغه واصف الشمس وهو لا يعرف منها سوى أنها كوكب ينسخ طلوعه سواد الليل.
وإذا استدعى هذا الاحتفال أن أصف شيئاً من سيرة صاحب الرسالة العظمى، فإني أخص كلمتي بخصلة خطيرة هي من أول ما يتوقف عليه النجاح في الدعوة، وهي شجاعته - عليه الصلاة والسلام -؛ فقد كان المثل الأعلى في رباطة الجأش، واستقبال الخطوب بجيين طلق، وعزم لا يلتوي.
ولاحت نجوم للثريا كأنها ... جبين رسول الله إذ شاهد الزحفا
كان - صلى الله عليه وسلم - يتقدم في الحرب حتى يكون موقفه أقرب موقف من العدو، وإذا اتقدت جمرة الحرب، واشتد لهبها، آوى إليه الناس، واحتموا بظله
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثالث الصادران في ربيع الثاني وجمادى الأولى 1350. محاضرة الإمام في الاحتفال بذكرى المولد الشريف الذي أقامته جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الاثنين في 12 ربيع الأول 1350.
(3/ 1/112)

الشريف، قال الإمام علي - رضي الله عنه -: إنا كنا إذا حمي البأس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال: ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أقربنا إلى العدو.
ومما قرأنا في غزوة أحد: أن أبا سفيان جمع جيشاً من قريش وأحلافهم، وأقبل بهم إلى حرب رسول الله في المدينة، فاستشار النبي - صلى الله عليه وسلم -أصحابه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن يتركهم حتى ينفذوا إلى المدينة، فيقاتلهم المسلمون في أفواه أزقتها، فبادر جماعة من أفاضل الصحابة، وطلبوا الخروج إلى العدو بإلحاح، فنهض - صلى الله عليه وسلم -، ودخل بيته، ولبس لامته. وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك الذين كانوا قد ألحوا عليه في الخروج، وقالوا له: إن أحببت أن تمكث في المدينة، فافعل، فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
هذه الكلمة لا تصدر إلا من قلب ملؤه الشحاعة، وفيها شاهد على أن اختياره للمقام بالمدينة حتى ينفذ إليهم العدو، لم يشبه خاطر التهيب من لقائهم، وإنما هو الرأي والمكيدة في الحرب.
"ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه ويين عدوه".
هذه الكلمة لا يقولها إلا من نهض ليقضي حياته في الجهاد، ووجد بين جنبيه شجاعة يصغر أمامها كل عظيم، وكذلك كان المصطفى- صلوات الله عليه-، يحتقر كل ما يسميه الناس خطراً، ويثبت في وجه كل ما تتزلزل له أقدام الأبطال رهباً، وهل يتوارى عن الموت، أو يقطب عند لقائه من يتيقن أن موته إنما هو انتقال من حياة مخلوطة بالمتاعب والمكاره، إلى حياة أصفى لذة، وأهنأ راحة، وأبقى نعيماً؟!.
(3/ 1/113)

بُلي المسلمون في تلك الغزوة حتى وَلَّوا المشركين كتافهم، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبت بمكانه حتى انكفأت عليه كتائب المشركين، وهو في نفر قليل من أصحابه، فهشموا البيضة على رأسه، وجرحوا وجهه الكريم، وكسروا ربَاعيته، ولدينا مشاهد صدق على أنه كان يعظ الناس حين خفوا إلى الهزيمة وعظاً بليغاً. قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)} [آل عمران: 153] , ولما تقطعت من حوله أسباب النصر الظاهرة، ولم يبق من سبب إلا سنة تأييد الله الخفية، أخذ حصيات، ورمى بها في وجوه المشركين، فأدبروا.
ومن أقرب الشواهد على أنه يأخذ بوسائل الحذر، ويلاقي الأخطار في سكينة ورباطة جأش: أنه كان يوم هاجر، وآوى إلى غار ثور احتراساً من أن يبصره عيون المشركين، رأى الشيخ الوقور أبا بكر الصديق وقد ساوره حزن، فثبت فؤاده، وقال له: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
والشأن في رئيس القوم الذي يأنس في عدوه قوة تفوق قوته أضعافاً مضاعفة: أن يقف موقف الدفاع؛ لأن الغلبة إلى الدفاع أقرب منها إلى الهجوم، وقلما حدثته نفسه أن يهاجم قوماً هم أكثر منه عدداً، وأوفى عُدداً، أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد بلغه أن الروم وقبائل من العرب يجمعون جموعهم ليزحفوا على المدينة، فنادى بالتهيؤ لغزو الروم، وجدَّ في السير حتى انتهى إلى تبوك، فقذف الله في قلوب أولئك القوم رعباً، فأتاه رؤساؤهم، وطلبوه إلى الصلح، وأعطوه الجزية، ولما أمن مكرهم، قفل إلى المدينة راجعاً.
أما إقدامه في الدعوة إلى الحق، وهو ما يسمونه: الشجاعة الأدبية، فأوضح ما يعبر عنه: أنه نشأ بين قوم غلاظ شداد، لا قانون يرهبهم، ولا محاكم
(3/ 1/114)

تزجرهم، فقام يطعن في دينهم، ويذم آلهتهم، ويسفه أحلامهم، ويعيب كثيراً من عاداتهم، وطالما آذوه فاحتمل الأذى، وتوعدوه فما وهن لوعيدهم، حتى كأن وعيدهم له حث وإغراء.
فحقيق على علماء الإسلام وزعمائه أن يقتدوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أدب الشجاعة التي هي الإقدام في حكمة؛ فقد جرت سنة الله على أن الحق لا يمحق الباطل، والإصلاح لا يدرأ الفساد، إلا أن يقيض الله لهما رجالاً يؤثرون الموت في جهاد على الحياة في غير جهاد.
(3/ 1/115)

منقذ العالم من الظلمات (1)
كان العالم يتخبظ في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة من الجهل، ظلمة من دناسة الأخلاق، ظلمة من منكر الأعمال، فبعث الله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس من هذه الظلمات إلى نور يسعى بين أيديهم في الحياة الأولى، ويهديهم السبيل إلى السعادة في الحياة الأخرى.
طلع محمد - صلوات الله عليه - بكلتاب ممتع بالحكمة، مقوم للأخلاق، مصلح للأعمال، منظم لشؤون الحياة، تدبرته فئة قليلة، واتخذته قائدها المطاع، فكانت خير أمة جاهدت في الله فانتصرت، وغَلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت المعارف ينابيع بعد نضوبها، واسألوا التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغر ما بصر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء.
هذه حقائق لم أنحُ فيها نحو المبالغة، فإن المصطفى- صلوات الله عليه - قد قضى على عبادة الأوثان، والغلو في الخضوع لغير الواحد القهار، وقضى على الإلحاد وإنكار الإله، فأصبح المؤمنون أمما بعد أن كانوا أفراداً،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد الرابع الصادر في ربيع الثاني 1351 ه. كلمة الأمام في احتفال جمعية الهداية الأسلامية بذكرى مولد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مساء يوم السبت 12 ربيع الأول 1351.
(3/ 1/116)

وأنتم تعلمون أن الغلو في تعظيم غير الله رجس من عمل الشيطان، وأن الإلحاد داعية الفسوق والطغيان، فلدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - الفضل الأكبر في رفع النفوس من حضيض الشرك إلى سماء التوحيد الخالص، ولها الفضل في تطهير النفوس من خبث الإلحاد الذي يشوه فطرتها، ويوفر أسباب شقوتها.
جاهد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الجهل، وشرّ الجهل عدمُ معرفة مبدع الكائنات بحق، وجاهد الأخلاق الرذيلة، فكرَّه للنفوس الجزع، والجبن، والبخل، والصَّغار، والكِبر، والقسوة، والأثرة. وعلمها الصبر، والشجا عة، والكرم والعزَّة، والتواضع، والرحمة، والإيثار.
علّمها الصبر، فهان عليها كل عسير، وعلمها الشجاعة، فحقر أمامها كل خطير، وعلمها الكرم، فجادت في سبيل الخير بكل نفيس، وعلمها العزة، فسمت إلى كل مقام مجيد، وعلمها التواضع، فتألفت كل قلب سليم، وعلمها الرحمة، والرحمةُ رباط التآزر والتعاون على تكاليف الحياة، وعلمها الإيثار، والإيثارُ أقصى ما يبلغه الإنسان من مراتب الكمال.
رفع المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أعلام العلم، وهدى إلى مكارم الأخلاق، ثم علَّم الإنسان كيف يعمل صالحاً، ويعيش آمناً، وهو الذي أوحي إليه بأصول تجعل المدنية محكمة البناء، وآدابٍ تكسوها رونقاً وبهاء.
فإذا احتفلنا بذكرى مولد الرسول الأكرم، فإنما نحتفل بذكرى منقذ العالم من ظلماته الثلاث، وستسمعون من حضرات الخطباء والشعراء شيئاً من تفاصيل هذا الذي لوَّحت إليه بكلمتي الموجزة، والسلام عليكم ورحمة الله.
(3/ 1/117)

آداب الدعوة وحكمة أساليبها (1)
الإسلام دين يدعو إلى أقوم محجَّة، ويرمي إلى أشرف غاية، وما دعوته إلا هداية الناس إلى سبيل الحق، وتنبيهم إلى مكان الفضيلة، وما غايته إلا أن يحيا الناس حياة طيبة، ويتمتعوا بمدنية فاضلة، ثم يفوزوا في الأخرى بسعادة خالدة.
وللحق نور باهر، وللفضيلة جمال ساحر، ولكن النفوس الناشئة في بيئات خاسرة، أو الغارقة في أهواء سافلة، يقف أمامها الحق، فتخاله باطلاً، وتتعرض لها الفضيلة، فتحسبها شيئاً منكراً، فلا يكفي في دعوة الحق أن يطرق الداعي بها المجالس، ويصدع بكلمة الحق والفضيلة من غير أن يشد أزرها بالحجة، ويتخير لها الأسلوب الذي يجعلها مالوفة للعقول، خفيفة الوقع على الأسماع.
وفي القرآن الكريم ما يدلكم على أن الدعوة الصادقة يثبت أصلها، وتمتد فروعها، وتؤتي ثمرها، إلا أن يقوم بناؤها على أساس الحجة، ويذهب بها الداعي كل مذهب حكيم، ويأخذ فيها بكل أدب جميل، اقرؤوا في شواهد
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن التاسع والعاشر من المجلد السادس الصادران في ربيع الأول وربيع الثاني 1353. محاضرة الإمام في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في دار جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الأحد 12 ربيع الأول سنة 1353.
(3/ 1/118)

هذا قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46].
وكذلك كانت دعوته - عليه الصلاة والسلام - إلى الإسلام، فإنها كانت محفوفة بما يقرّب العقول إلى قبولها، وتألف النفوس إلى سماعها، فكان - صلى الله عليه وسلم - يراعي في إبلاغها الطرق الكفيلة بنجاحها، فيورد لكل مقام مقالاً يناسبه، ويكسو كل معنى من المعاني ثوباً يليق به، ويخاطب كل طائفة على قدر عقولهم، ويلاقيهم بالسيرة التي هي أدعى إلى إقبالهم، وأسرع أثراً في صرفهم عن غوايتهم.
كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الحق، ويتلو الدعوة بالحجة، والقرآن الكريم لم يدَع أصلاً من أصول الدين إلا أقام عليه البرهان الساطع، وأزاح عنه كل شبهة، وكثيراً ما نقرأ في قصص الداخلين في الإسلام قديماً وحديثاً: أنهم دُعوا إلى الإسلام، وقرئ عليهم القرآن، فانقلبوا إلى إيمان لا تحوم عليه شبهة، ولا تزلزله عاصفة فتنة.
يدعم - صلى الله عليه وسلم - الدعوة بالحجة، ويدفع ما كان يعرض للناس من شُبه. قال المغيرة بن شُعبة:
بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرؤه: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28]، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، قال: "أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، والصالحين الذين كانوا قبلهم؟ ".
ومن طرق دعوة الإسلام: التذكير مما يصير إليه المتقون من عزّ وسلامة،
(3/ 1/119)

وما يلحق المجرمين من خزي ومهانة، ومن التذكير ما يرجع إلى البشارة بالخير في الدنيا، والحسنى في الآخرة، ومنه ما يرجع إلى الإنذار بسوء المنقلب في هذه الدار، أو عذاب الهون في تلك الدار، وللبشارة والأنذار أثر كبير في حث المؤمنين على الحسنات، وردعهم عن السيئات، وأثر البشارة والأنذار في غير المؤمن: أنهما يدعوانه إلى النظر في الدعوة، وإذا نظر بروية، أدرك أنها حق، فيفتح لها صدره، ويمد إليها عنقه مذعنا.
ومن مظاهر دعوته - صلى الله عليه وسلم -: إرسال الحكم البالغة، وكثرة ما في الكتاب العزيز والحديث الشريف من الحكم الرائعة تدل الناظر على أن دعوة الإسلام قول فصل، وما هي بالهزل، ولو كان في المقام سعة، لسقت إلى حضراتكم من تلك الحكم الغالية ما يبلغ عنان السماء، ولو كان في المقام سعة، لأوردت جانباً من الحكم التي يذكرها الناس لشاعر أو خطيب بالإعجاب، وبينت أن معنى تلك الحكمة يقتبس من كتاب الله، أو حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فانظروا مثلاً قول المعري:
فلا نزلت بأرضي أو بقومي ... سحائبُ ليس تنتظِمُ البلادا
تجدوا روح هذا المعنى في قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وكنت قرأت في بعض كتب الفلسفة: أن الصداقة لا تدوم إلا بين الناس الطيبين، فحضر في ذهني عند قراءة هذا البحث قوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].
ظهر الدين الحنيف، وامتدت ظلاله في الآفاق، بما كان معه من آيات بينات، وحِكم بالغات، أما السيف، فإنه يجرد لدفع عدو مهاجم، أو متحفز
(3/ 1/120)

للهجوم، وقد تُجرد السيوف من أغمادها؛ لتسير دعوة الحق تحت ظلالها آمنة مطمئنة، فدعوى أن الإسلام انتشر بالسيف يكذبها التاريخ الصحيح، ويطعن فيها أن الدين يكتفي من غير المسلمين بالجزية، ويرضى لهم أن يعيشوا وهم تحت رايته آمنين على أنفسهم وأعراضهم، متمتعين بأموالهم وشعائر دينهم.
وإذا تراءى لك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استعان في بث الدعوة بما كان يهبه لأشراف القبائل من المال، قلنا: إن الهدايا تذهب بالأحقاد، وتضع مكان التقاطع ائتلافاً، فغايتها أنها تجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، أما العقيدة، فإنما تتصل بالقلوب من ناحية الآيات البينات.
وكا - صلى الله عليه وسلم - يؤثر بعض حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال؛ للاحتفاظ ببقائهم على الهداية، يفعل ذلك حيث يظهر له أن إيمانهم لم يرسخ في قلوبهم رسوخ ما لا تزلزله الفتن، وإلى أمثال هؤلاء أشار - عليه الصلاة والسلام- بقوله: "إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه؛ خشية أن يكبه الله في النار".
ومن أدب دعوته - عليه الصلاة والسلام -: أخذُه فيها بالصبر والرفق والأناة، فكان يعرضها في لين من القول، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان، وإن أذى كثيراً كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم، فيلقاه بالصبر، ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئاً قليلاً. وكم من كلمة سيئة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفح، أو التبسم والإنعام.
وكان يأخذ في التأديب والزجر عما لا ينبغي مأخذاً لطيفاً، حتى إنه
(3/ 1/121)

لا يوجّه الإنكار إلى الرجل بعينه ما وجد في الموعظة العامة كفاية. قالت عائشة- رضي الله عنها-: صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً، فرخص فيه، فتنزَّه عنه قوم، فبلغه ذلك، فخطب، فحمد الله، ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله! إني لأعلمهم بالله، وأشدهم خشية له".
ومن حكمته في الدعوة: أنه لا يجعل الوعظ على الناس ركاماً، بل كان يتحرى بالموعظة وقت حاجاتهم إليها، أو وقت نشاطهم لسماعها، قال عبد الله بن مسعود: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يسلك في رسائله إلى الملوك والطوائف طريق الإيجاز، ويأكل بسط الدعوة وتفصيل الحجة ودفع الشبه إلى من يبعثهم بتلك الرسائل، وفيهم الكفاية لهذا الشأن، كتب إلى أهل نجران كتاباً أرسله مع عمرو بن العاص، وهو: "أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم، فالجزية، فقد آذنتكم بحرب، والسلام".
وقصَّ علينا أصحاب السيرة محاورة دينية جرت بينهم وبين عمرو بن العاص بعد أن قرأوا الكتاب.
ومن بديع أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في إجابته السائلين: أنه يأتي بالجواب في صورة قاعدة عامة، والسائل يكفيه أن يقال له في الجواب: نعم، أو لا.
كان رجل من محارب يؤذيه أيام كان يعرض نفسه على القبائل، ثم جاء ذلك الرجل في وفد محارب مسلماً، وذكَّر رسولَ - صلى الله عليه وسلم - بما كان يلقاه به من الأذى، وقال له: استغفر لي؟ فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "إن الإسلام يجبُّ ما قبله
(3/ 1/122)

من الكفر". ولو قال في الجواب: "غفر الله لك"، لبلغ السائل مرامه، ولكنه - عليه الصلاة والسلام - أورد الجواب في صورة يؤخذ منها غفران كل ذنب صدر من السائل قبل الإيمان، ويؤخذ منه أن هذه المغفرة العامة لا تختص به، بل تحصل لكل من ارتكب آثاماً في عهد الكفر، ثم دخل في حظيره الإسلام.
ومن أسلوبه في الدعوة: صوغ التشابيه البديعة، وضرب الأمثال الرائعة، وللتشبيه والتمثيل أثر كبير في جعل الحقائق الخفية واضحة، والمعاني الغربية مألوفة، ومن أبدع ما سمعناه في هذا الباب: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى".
ومن سياسته في الدعوة: أنه كان يخاطب كل قوم بما يفهمون، ويتحامى أن يخاطب أحداً بما لا يحتمله عقله، وأرشد إلى هذا الأدب بقوله: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ".
وربما فعل - صلى الله عليه وسلم - الشيء مسايرة لمن يبتغي فعله، وإنما يأخذ بهذا الأدب فيما يرجع إلى العادات، ولم يكن في فعله ضرر يستدعي تركه.
أراد أن يكتب إلى بعض الملوك رسائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، فقيل له: إنهم لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشُه: "محمد رسول الله".
وقد يترك الأمر الذي لا ضرر في تركه؛ اتقاء للفتنة؛ كما ترك هدم الكعبة وبقاءها على أساس إبراهيم اتقاء لفتنة قوم هم حديثو عهد بجاهلية، وقال لعائشة - رضي الله عنها -: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت
(3/ 1/123)

بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وبلغت به أساس إبراهيم".
وله - صلى الله عليه وسلم - في الحث على فعل الشيء، أو الزجر عنه طرق حكيمة:
منها: إعطاء الوسائل صورة ما تفضي إليه من المصالح أو المفاسد؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "الدال على الخير كفاعله" فقد أراك الدلالة على فعل الخير في صورة فعل الخير نفسه؛ إذ جعلهما بوسيلة التشبيه في منزلة واحدة، وذلك مما يقوي داعية الدلالة على الخير في نفسك، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن من كبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه؟ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه".
فانظر كيف أعطى سب الرجل لأبي الرجل صورة سب الرجل لوالديه، وفي ذلك من تكيد الزجر عن إطلاق اللسان بالسب ما لا تجده في النهي عن سب الناس بطريق غير هذا الطريق.
ومنها: إعادة الجملة ثلاثاً؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يؤمن جاره بوائقه".
وقال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة، وأوجب عليه النّار". قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: "وإن كان قضيباً من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك".
ومنها: أنه كان يقرن القول ببعض إشارات حسية تناسب المعنى، والإشارة بنحو اليد مضمومة إلى القول يزداد بها المعنى جلاء، ويأخذ بها في النفس صورة غير صورته المجردة عن الإشارة، ومثال هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه.
ومنها: افتتاحه الكلام بسؤال المخاطيين عن الشيء الذي يريد تعليمهم
(3/ 1/124)

إياه؛ لما في الاستفهام من تهيئة النفوس للإصغاء إلى ما يقوله من بعد، وتشويقها إليه، فيقع منها في قرار مكين.
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: بينما أنا رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال: "يا معاذ! ". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ قال: "هل تدري ما حق الله على عباده؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً".
ويشابه هذا أن يأتي بالكلام على وجه الغموض يستدعي طلب البيان، حتى إذا سألوه البيان، كشف الغموض، فيتقرر المعنى في نفوسهم بأشد مما لو أتى به من أول الأمر واضحاً بيناً، ومن هذا الباب: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". فقالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: "تأخذ فوق يده".
ومن حكمته في الدعوة: تصريحه، أو إيماؤه إلى علل كثيرة من الأحكام والآداب، وذلك مما يزيد القلوب إيماناً بصدقها، وينادي بأنها دعوة قائمة على رعاية المصالح، وقطع دابر الفساد.
سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أأستأذنُ على أمي؟ قال: "نعم"، فقال: إني معها في البيت، قال: "استأذن عليها"، فقال: إني خادمها، قال: "استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟! "، قال: لا، قال: "استأذن عليها"؛ فعلة أدب الاستئذان الخوف من أن يكون صاحب المنزل في حال يكره أن يراه عليها أحد من الناس، وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حالة هي من أشد ما يكره الإنسان أن يشهده عليها أحد، وهي حال تجرده من الثياب؛ ليقنع السائل بوجوب الاستئذان، ويقطعه عن أن يراجع في الأمر مرة أخرى.
(3/ 1/125)

رجاحة عقله - صلى الله عليه وسلم - وحكمة رأيه (1)
تقلبوا في أرقى البلاد علماً وحضارة، وابحثوا عن أسلم الأميين بها فطرة، وأذكاهم جَناناً، وأنفذهم بصيرة، وأطولهم تجارب، ثم اجلسوا إلى هذا الأمي ليالي وأياماً، تزنون أقواله بقسطاس الحكمة، وتعرضون آراءه على قانون المنطق الصحيح، ثم انظروا إلى ما سمعتموه من قول صائب، ورأي مقبول، وضعوه بجانب ما تسمعون من أقوال لاغية، وآراء زائفة، لاشك إنْ فعلتم ذلك عرفتم أن لنبوغ الأميين مجالاً ضيقاً، وحداً غير بعيد.
بل انظروا في نوابئ الرجال من أهل العلم، فإنكم تجدون الرجل منهم قد وهبه الله تعالى حظاً عظيماً من رجاحة العقل، وحكمة الرأي، ففاق أقرانه، وصار في عصره العلَم المشار إليه بالبنان، حتى إذا انقرض ذلك العصر، وأقبل على الناس عصر آخر، ظهر في هذا العصر نابغة يضاهي نابغة العصر السابق في تصرفه الفكري، وأتى بمثل ما أتى به من ثمر علمي.
أما محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان - مع هذه الأمية، والنشأة البعيدة من مواطن العلوم، ومجالس العلماء - ينظر إلى
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية"- الجزء التاسع من المجلد السابع الصادر في ربيع الأول 1354. محاضرة الإمام في احتفال جمعية الهداية الإسلامية بذكرى ميلاد المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1354.
(3/ 1/126)

الحقائق الغامضة، فيصيب كبدها، وينطق، فإذا الحكمة كاشفة النقاب، والبلاغة آخذه بالألباب.
وحرامٌ على العصور أن تخرج للناس رجلاً يدانيه في عظمته، أو يقاربه في صدق لهجته، وروعة حكمته، لا تفعل العصور ذلك وإن بلغت في الحضارة أشدها، وأشرقت فيها العلوم على اختلاف موضوعاتها، وتبيان غاياتها.
فكمال عقل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من النوع الذي يخص الله تعالى به بعض المصطفين من عباده؛ ليعدَّهم بذلك إلى أشرف مقام، هو مقام النبوة والرسالة.
وإذا كان ما ألقي على عاتق هذا الرسول العظيم هي الرسالة العامة الخالدة، فمن المعقول أن يهب الله تعالى له من فضل العقل وسمو الحكمة ما يناسب عموم رسالته، وبقاءها إلى قيام الساعة.
وليس ببعيد ما قاله بعض الفقهاء: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد في أحكام بعض الوقائع؛ أي: إنه يقتبسها من أصول الشريعة بروحه المطوي على علم بمقاصد التشريع؛ فإن الأحكام التي يستنبطها عقل خلقه الله تعالى في صفاء وقوة لائقين بمقام رسوله الكريم، جديرة بأن تدخل في سلك الأحكام الثابتة من طريق الوحي الصحيح.
فإن حدثناكم عن كمال عقل علَّامة نحرير، أو سياسي كبير، أو فاتح خطير، فإنما نحدثكم عن عقل أتى الزمان بمثله، وفي وسعه أن يأتي بأمثاله، وليس بينك وبين أن تدرك سبب كبر هذا العقل إلا أن تنظر إلى البيئة التي شبَّ فيها، والمعارف التي تلقنها.
(3/ 1/127)

وإذا فرضت أن عقلين من هذا النوع قد تماثلا بحسب الفطرة، كان عقل المتأخر أكبر من عقل المتقدم؛ لأن المتأخر يجد من ثمرات العقل السابق ما يساعد على التفكير وسرعة الإنتاج؟ كما انتفع أرسطو من آراء أفلاطون، فكان عقله أكثر إنتاجاً من عقل أفلاطون.
أما إذا حدثنكم عن كمال عقل محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلا نحدثكم عن عقل يرجع سبب عظمته إلى بيئة أو دراسة، إنما نحدثكم عن عقل أودعه تعالى في كمل خلقه؛ ليفهم به مقاصد الوحي، فيقوم ببيانها، ويدرك أمراض النفوس، فيصف أدواءها، ويتدبر أمور الجماعات، فيحسن سياستها.
اقرؤوا سيرته في تلك السنين المعدودة التي قضاها - عليه السلام - في المدينة المنورة، وانظروا ماذا كان يقوم عليه من جلائل الأعمال، ويدعو إليه من وجوه الأصلاح، ويبينه من حلال وحرام؟ يؤم الناس في الصلوات، ويقود الجيوش في الغزوات، ويفتي السائلين في العبادات والمعاملات والجنايات، ويجلس إلى الأفراد والجماعات: يذكر الغافلين، ويرشد الضالين، ويجادل المعاندين، ويبشر المتقين، ويفصِل بين المتخاصمين، وينظر في شؤون منزله، ويسوس آل بيته وخدمه في رفق وعدل.
ولا شك أن هذه الأعمال المختلفة النواحي كما رأيتم، لا يكفي في تدبيرها وإقامتها عقل من هذه العقول التي يحدثنا عنها التاريخ، ولو صدقت مبالغاته في إطرائها وإعلاء شأنها.
قال القاضي عياض في كتاب "الشفا":
"لا مرية أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمور بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله،
(3/ 1/128)

وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمترِ في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول بديهته".
فظهور هذا العقل الكبير في أمي لا يقرأ ولا يكتب، من أظهر الدلائل على أن هذا الأمي صادق في دعوى أنه رسول رب العالمين، فنحن إذا خطبنا في كمال عقل المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، إنما نصف آية تبعث في قلب الجاحد إيماناً، وتزيد قلب المؤمن اطمئناناً.
ولعلك تذكر قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، فيختلج في صدرك أن أمره باستشارة أصحابه يقتضي أن آراءهم قد تكون أصوب من رأيه.
والجواب: أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه في أمر الحروب ونحوها؛ ليقيم قاعدة الشورى بين الناس، وبالشورى تسعد الأمة، ويرتفع شأن الدولة. قال الحسن - رضي الله عنه -: "قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنَّ به من بعده".
وفي استشارته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه تطييب لنفوسهم، وزيادة تأليف لقلوبهم؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهة للاستبداد، ونفوراً من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيباً من الرأي.
وفي استشارته - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إشعار لهم بعلو مكانتهم عنده؛ إذ يدلهم على أنه يراهم مطلع الآراء السديدة، ومواطن الإخلاص، والإخلاصُ رأس كل فضيلة، وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يعرض عليهم - صلى الله عليه وسلم - الأمر يستطلع آراءهم فيه، وهو الغني عنهم بما يأتيه من وحي السماء، وبما رزقه الله تعالى
(3/ 1/129)

من سمو الفكر، وصفاء البصيرة.
وقد نطق القرآن المجيد بوقائع أشار إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جرى فيها على خلاف ما هو الأصلح والأولى.
منها: أخذه الفداء عن أسرى بدر، وذلك ما عاتبه الله عليه، فقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
والمفهوم من الآية: أن النبي الذي بُعث ليطهر الأرض من أرجاس الشرك والفسوق، فقام في وجهه أعداء ألداء، يبسطون إليه وإلى أنصاره أيديهم بالأذى، ويصدون الناس عما جاء به من الهدى، ويذهبون في الكيد له إلى أبعد مدى، ينبغي له أن يأخذ في معاملة هؤلاء الأعداء المحاربين بالشدة حتى يكسر شوكتهم، وتعظم مهابته في قلوبهم، والمالُ- وإن كان من وسائل القوة والغلبة - ليست له في جانب المصلحة التي أشارت إليها الآية الكريمة من قيمة.
ومنها: إذنهُ لبعض المنافقين حين استأذنوه في التخلف عن غزوة تبوك، وذلك ما عاتبه الله تعالى في قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]
والواقع أن خروج هؤلاء المنافقين للقتال ليس فيه مصلحة للدين، بل أشار القرآن إلى ما في خروجهم إلى الغزو من ضرر، فقال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: 47]
فلم يعاتب الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - من جهة أنه أذن في التخلف لقوم شأنهم أن يبلوا في الجهاد بلاء حسناً، بل العتاب من جهة أنه أذن لهم
(3/ 1/130)

في التخلف، ولم يؤخر الإذن فيه إلى أن يفتضح أمرهم، ويظهر على رؤوس الأشهاد كذبهم، وأنه لا عذر يستدعي تخلفهم، حتى إذا قعدوا عن الغزو، قعدوا متألمين من هذه الفضيحة، متخوفين من سوء عاقبتها.
واقعتان، أو ثلاث وقائع، أو أربع، أو خمس يسبق فيها رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خلاف الأولى، فيرشده علَّام الغيوب إلى ما هو الأولى، لا تقف في سبيل ما وصفناه، وأقمنا عليه الحجة من أن كبر عقل محمد - صلوات الله عليه - آية من آيات النبوة.
ولعلك تذكر أن طائفة من المشركين بلغت بهم الرقاعة أن وصفوا صاحب هذا العقل العظيم بالجنون؛ كما حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6]
ويقدح في خاطرك أن عقلاً تهبط منه الحكم البالغة، وتسطع منه الحجج الدامغة لا يصف صاحبه بالجنون إلا من فقد عقله، وصار يرمي بالألفاظ في غير معنى، فتقول: "كيف يحكي القرآن كلام من فقدوا عقولهم، وأطلقوا في الهذيان ألسنتهم؟ ".
والجواب: أن القوم يعلمون أنه ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، وإنما رموه بالجنون؛ تناهياً في العناد، وقصداً للإساءة بالقول، وحكى الله عنهم ذلك الزعم البين البطلان؛ ليرينا مبلغهم من العناد، وسقوطهم أمام الحجة، وتخبطهم في تطلب وجه يصرفون به الناس عن إجابة دعوته.
وأي تخبط بعد تخبط من يأتي إلى أرجح البشر عقلاً، وأسناهم خلقاً، وأحسنهم سمتاً، وأجلّهم وقاراً، فيقول عنه: إنه مجنون؟!.
وقد انحدرت من سماء ذلك العقل العظيم حكم أنفسُ من الدرر، وأنفع
(3/ 1/131)

من الغيث، وفي وسعي أن أسوق إليكم منها مثلاً، وأنبّه على ما ينطوي تحتها من المعاني السامية، ولكن ضيق الوقت يدعوني إلى أن أقف عند هذا الحد.
(3/ 1/132)

هجرة الصحابة إلى الحبشة وأثرها في ظهور الإسلام (1)
يجري اليوم في الصحف والأندية ذكر الحبشة أكثر مما كان، ويقول بعض الكاتبين: إن بيننا وبين الحبشة صلة الجوار والدين، وربما أشار بعضهم إلى هجرة الصحابة - رضي الله عنهم - إلى الحبشة، وما لا قاهم به النجاشي من سماحة وحسن جوار.
أما صلة الجوار: فلأن موقع بلاد الحبشة بمقربة منا، ويحدها من جهة الغرب: السودان المصري.
وأما الدين: فلأن عدد المسلمين من سكانها يقارب عدد النصارى، بل يذهب بعضهم إلى أن عدد المسلمين فيها يزيد على عدد غيرهم.
وأما هجرة الصحابة إلى النجاشي، فذلك موضوع محاضرتنا في هذه الليلة، فمحاضرتنا من قبيل المحاضرات التي نلقيها على وفق المناسبة، ونرجو أن يعود السامعون منها بفائدة.
* سبب الهجرة إلى أرض الحبشة:
بُعث محمد كل - صلى الله عليه وسلم - بهذه الدعوة التي تملأ القلوب نوراً، وتشرق بها
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد السابع الصادر في جمادى الأولى 1354. محاضرة الأمام في جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الخميس 8 جمادى الأولى سنة 1354.
(3/ 1/133)

العقول رشداً، فسابق إلى قبولها رجال حكماء، ونساء فاضلات، وصبيان لا زالوا على فطرة الله، وبقيت سائرة في شيء من الخفاء، وكفّار قريش لا يلقون لها بالاً، حتى أخذ - صلى الله عليه وسلم - يقرع بها الأسماع في المجامع، ويحذر من عبادة الأصنام، ويسفه أحلام من يعبدونها، فكان ذلك مثيراً لغيظ المشركين، وحافزاً لهم على مناوأة هذه الدعوة، والصدّ عن سبيلها، فوجدوا في أيديهم وسيلة هي أن يفتنوا المؤمنين، ويسومونهم سوء العذاب، حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك، وحتى يُرهبوا غيرهم ممن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القيِّمة.
أما المسلمون، فمنهم من كانت له قوة من نحو عشيرة أو حلفاء يكفون عنه كل يد تمتد إليه باذى، ومنهم المستضعفون، وهؤلاء هم الذين وصلت إليهم أيدي المشركين، وبلغوا من تعذيبهم كلَّ مبلغ، ومن هؤلاء من يناله العذاب من أقرب الناس إليه نسباً؛ كخالد بن سعيد بن العاص؛ فإنه لما أظهر إسلامه، ضربه أبوه بمقرعة حتى كسرها على رأسه، وحلف أن لا ينفق عليه، فانقطع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يقاسيه أصحابه من البلاء، وليس في استطاعته يومئذ حمايتهم، أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، وقال: "إن بها ملكاً لا يُظلم الناس عنده، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجاً".
ولعلك تنظر في الدول المجاورة للأمة العربية يؤمئذ، فلا تجد فيها من يصلح أن يكون موضع هجرة لأهل دين سماوي جديد كالإسلام، أما الفرس، فدينهم المجوسية، والإسلام يحارب المجوسية كما يحارب عبادة الأوثان في البلاد العربية، وأما الروم، فلم يكن لملكهم يومئذ من ضبط
(3/ 1/134)

أمور الرعية، وكف الأيدي العادية ما كان لملك الحبشة.

* الهجرة الأولى إلى الحبشة:
في شهر رجب من سنة خمس من البعثة، هاجر طائفة من المسلمين إلى الحبشة، ومن هذه الطائفة: عثمان بن عفان، وزوجه رقية بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، ثم التحق بهؤلاء المهاجرين جماعات من الرجال والنساء، واجتمعوا بأرض الحبشة آمنين على أنفسهم، منقطعين إلى عبادة ربهم.

* كيف سافر المهاجرون الأولون من مكة؟
خرج أولئك المسلمون متسللين في خفية، يقصدون الساحل، فوجدوا - بتوفيق الله- عند انتهائهم إلى مكان يقال له: "الشعيبة" (1) سفينتين تجاريتين (2)، فركبوهما وراية النجاة تخفق على رؤوسهم. وبلغ خبر سفرهم كفار قريش، فخرجوا في أثرهم حتى بلغوا الساحل، ولم يظفروا منهم بأحد.

* اغتباط المسلمين بهجرتهم:
أقام المسلمون المهاجرون بأرض الحبشة في حسن حال وراحة بال، ويدرك قيمة هذه النعمة من ابتلي بأيد قاسية، تبسطها حميَّة جاهلة، وأهواء غالبة، فجعل الله له من ذلك الاضطهاد مخرجاً.
وقد نظم بعض شعرائهم قصائد يصفون بها حال خلاصهم من قريش،
__________
(1) مرفأ للسفن من ساحل بحر الحجاز، وكان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. "معجم يا قوت".
(2) وروي: أنهم استأجروا سفينة بنصف دينار.
(3/ 1/135)

وما لاقوه من الأمن في هجرتهم، وأذكر من هذا قول عبدالله بن الحارث:
يا راكباً بلِّغَنْ عني مغلغلة (1) ... من كان يرجو بلاغ الله والدين
كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون
إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجي من الذل والمخزاة والهون
فلاتقيموا على ذلك الحياة وخز ... ي في الممات وعيب غيرمأمون
إنا اتَّبعنا رسول الله واطَّرحوا ... قول النبي وغالوا في الموازين

* خروج أبي بكر بقصد الهجرة إلى الحبشة:
انفتح باب الهجرة إلى الحبشة، فإذا خشي مسلم في مكة أن يناله مكروه، أزمع الهجرة إلى تلك البلاد، ومما نقرؤه في الصحيح: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خرج ليلحق من سبقه من المهاجرين إلى الحبشة حتى بلغ "بَرْك الغِماد"، فلقيه ابن الدَّغِنة (2)، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد الله، فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخْرَج، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع أبو بكر في جوار ابن الدغنة، ولم يلبث أن نبذ إليه جواره، واستبدل به جوار الله.
وأذكر بهذه المناسبة: أني عندما عزمت على الهجرة من تونس إلى
__________
(1) مغلغلة: رسالة محمولة من بلد إلى بلد- "القاموس".
(2) بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون، وقيل: بضم الدال والغين وتشديد النون، وهو سيد "القارة": قبيلة من بني الهون كانوا حلفاء لبني زهرة من قريش.
(3/ 1/136)

دمشق سنة 1331، وكتب إليَّ أحد الأساتذة في تونس خطاباً يشير عليّ فيه بترك السفر، وساق في الخطاب قصة ابن الدغنة هذه مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فقلت: قد أبعد الأستاذ القياس، وأقام الشاهد على غير أساس، وحالُ أبي بكر الصديق أرفعُ من أن يضرب مثلاً لحال أفراد إن غابوا، وجد الناس كثيراً من أمثالهم، أو ممن هم خير منهم.

* سعي قريش في رجوع أولئك المهاجرين:
لما بلغ قريشاً ما لاقاه المسلمون في مهاجرهم من الأمن والسكنية، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي في ردهم عليهم، فبعثوا إليه عمرو بن العاص، وعبدالله بن أبي ربيعة (1)، وزوَّدوهما بهدايا للنجاشي ومَن حوله من البطارقة، فسلما الهدايا، وقالا للنجاشي: أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم عليهم- وأيدهما في هذا الطلب بعض البطارقة-, فقال النجاشي: لا أسلِّمهم، ولا يُكاد قوم جاوروني حتى أسألهم عما يقول هذان في أمرهم.

* دعوة النجاشي الصحابة وسؤالهم:
دعا النجاشي الصحابة إلى مجلس حضره البطارقة، وسألهم عن حقيقة دينهم، فتولى جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - إجابته، فقال: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام،
__________
(1) أسلم بعد، وولاه - صلى الله عليه وسلم - الجند ومخاليفها، فلما حوصر عثمان - رضي الله عنه -، جاء لينصره، فوقع عن راحلته قرب مكة، فمات.
(3/ 1/137)

ونسيئ الجوار، ويأكل القويُ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحزَمنا ما حَرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك.
فلما انتهى جعفر من هذا الخطاب، قال له النجاشي: هل عندك مما جاء به من الله شيء؟ فقرأعليه جعفر صدراً من سورة {كهيعص} [مريم: 1]، فخشع النجاشي لتلاوة القرآن (1)، وقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجُ من مشكاة واحدة، ثم أقبل على عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وقال لهما: لا أسلِّمهم إليكما، ولا يُكادون.
وكذلك تكون عاقبة الحق متى وجد عقولاً تتلقاه في أوضح صورة، وألسنة تعرضه في أصدق عبارة.

* نصب عمرو لهم مكيدة عند النجاشي:
يبذل المبعوث في أمر جهده، وشملك للوصول إليه كل مسلك ممكن
__________
(1) ذكر السهيلي في "الروض الأنف" قصة تدل على أن النجاشي يعرف اللغة العربية.
(3/ 1/138)

متى بلغ في التعلق به مبلغ من بعثوه فيه، وأشرب ما أشربته قلوبهم من الحرص عليه، فليس من الحكمة أن يعهد في إلغاء البغاء إلى من لا يبغض فاحشة البغاء، ولا أن يبعث إلى مؤتمر المسكرات من يعاقر الصهباء، ولا أن يندب للتحدث عن شريعة الإسلام من يجحد كثيراً من حقائقها، ولا أن يتولى الدفاع عن حقوق الوطن من عرف بموالاة غاصبها، وقد كان عمرو بن العاص في ذلك الوقت يشعر بشعور كفار قريش، وينظر بمثل أعينهم، ويحمل في صدره من الحقد على أولئك المهاجرين ما تحمل صدورهم، فلا عجب أن يخيب سعيه من ناحية، فيدبِّر من نفسه كيف يبلغ الغرض من ناحية أخرى.
بعد أن صرف النجاشي عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، فكَّر عمرو في مكيدة تثير سخط النجاشي على أولئك المهاجرين، وهو أن جاء من الغد، وقال له:
أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فاسألهم عما يقولون فيه.
فأرسل إليهم النجاشي ليسمع ماذا يقولون، فدخلوا عليه، فقال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟
فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم -: هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النجاشي بيده، وأخذ عوداً ثم قال:
- والله! ما زاد عيسى على هذا، ولا هذا العود.
ثم إن النجاشي رد على عمرو بن العاص ومن معه هداياهما، فخرجا يتعثران في أذيال الخيبة، ورجعا إلى كفار قريش بخفي حنين.
(3/ 1/139)

* رجوع المهاجرين إلى مكة:
بلغ أولئك المهاجرين خبر غير صادق، هو أن قريشاً كفوا أذاهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين (1)، فسارعوا إلى الرجوع إلى مكة، وعندما دنوا منها، ولم يبن بينهم وبينها إلا ساعة من نهار، عرفوا أن الخبر مفترى، وأن قريشاً في أشد ما يكون من عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والكيد لأصحابه، ويظهر أن شدة شوقهم إلى وطنهم، وإلى صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولقاء من تركوهم خلفهم من إخوانهم، هي التي جعلتهم يتعلقون بذلك الخبر المفترى قبل أن يتثبتوا.
وعندما عرفوا أن أذى المشركين للمؤمنين ما زال بحاله، بل صار إلى ما هو أشد، انقلب فريق راجعين إلى الحبشة، ودخل آخرون مكة في خفاء، أو معتصمين بجوار (2)، وممن دخل مكة في الداخلين بجوار: أبو سلمة (3)، وزوجه أم سلمة، ولما اشتد به أذى قريش، وبلغه أن بعض الأنصار قد دخل في الإسلام، هاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم.
ولعلك تدرك الشدة التي وقع فيها من رجعوا على طريقهم ولم يدخلوا مكة؛ فإنهم جاؤوا على أمل أن يدخلوا مكة، ويلاقوا أولياءهم المتقين، ويقيموا في جوار بيت الله الحرام آمنين، فخاب أملهم فجاة، واضطروا بعد فوات هذا الأمل إلى معاناة أتعاب السفر عائدين إلى أرض غربة لا يدرون كم تكون مدة إقامتهم بها. ولكن الإيمان الصحيح يتبعه العزم الصادق،
__________
(1) وقيل: بلغهم أنهم أسلموا.
(2) كما دخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، ثم نبذ إليه جواره، وقال: أرضى بجوار الله.
(3) دخل بجوار أبي طالب بن عبد المطلب.
(3/ 1/140)

فتصغر أمامه الأخطار، وتصير المخاوف عنده برداً وسلاماً.

* الهجرة الثانية إلى الحبشة:
اشتد بلاء قريش على من قدموا من مهاجري الحبشة وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فأذن لهم رسول الله طفي الهجرة إلى الحبشة مرة أخرى، فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً، ومن النساء ثماني عشرة امرأة (1)، وممن هاجر في هذه المرة: عبيد الله بن جحش، وزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان.
ومن أهل السيرة من ذكر في رجال الهجرة الثانية: عثمان بن عفان - صلى الله عليه وسلم -، فيكون ممن هاجر إلى الحبشة في الأولى والثانية، وقدم فيمن قدم من أولئك المهاجرين على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قبل واقعة بدر، ويؤيده قول عثمان - رضي الله عنه -: "وهاجرت الهجرتين الأوليين" (2).

* هجرة الأشعريين إلى الحبشة:
خرج أبو موسى الأشعري من اليمن ومعه بضع وخمسون رجلاً قاصدين لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم، فألقتهم السفينة إلى النجاشي بالحبشة، فلاقوا جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، فأقاموا معهم إلى أن قدموا يوم خيبر على ما نقصه عليكم من بعد.

* رجوع فريق من مهاجري الحبشة إلى المدينة:
لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وبلغ خبره المهاجرين بأرض الحبشة،
__________
(1) وقيل: تسع عشرة امرأة.
(2) "صحيح الإمام البخاري".
(3/ 1/141)

رأى فريق منهم أن الإذن لهم في الهجرة إلى الحبشة كان للخلاص من أذى المشركين، وقد أصبح رسول الله والمؤمنون بهجرتهم إلى المدينة في مأمن من ذلك الأذى، ورأوا أن التحاقهم بجماعة المسلمين في المدينة خير من إقامتهم في بلاد الحبشة، فرجعوا قاصدين دار الهجرة المباركة (1).
وبقي فريق من أولئك المهاجرين على رأسهم جعفر بن أبي طالب، ينتظرون إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع.

* وفد الحبشة:
ورد في بعض كتب السيرة: أن وفدأمن نصارى الحبشة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة، فجلسوا إليه في الحرم، فدعاهم، وتلا عليهم القرآن، فخشعوا، ثم استجابوا له، وآمنوا به، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتبهم من أمره.
وجاء في بعض الروايات: أن طائفة من أصحاب النجاشي قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالمدينة، وشهدوا واقعة أحد.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس: أن آية: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} - إلى قوله- سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ] [القصص 52 - 55] نزلت في هذا الوفد، وهذا أصل قول مقاتل: سورة القصص مكية إلا قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ - إلى قوله - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي
__________
(1) قال ابن سعد: لما سمعوا مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً، ومن النساء ثمان نسوة، فمات منهم رجل بمكة وحبس بمكة، سبعة، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً.
(3/ 1/142)

الْجَاهِلِينَ] [القصص 52 - 55]؛ فإنها مدنية.

* إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي:
كان عمرو بن العاص في جانب المشركين، وبعد تفرق كلمتهم في واقعة الأحزاب، وانصرافهم عن المدينة، اختلى برجال كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، وعرض عليهم الالتحاق بالنجاشي، والإقامة عنده إلى أن تتبين عاقبة هذه الحروب القائمة بين المسلمين والمشركين، فسار عمرو ومن معه إلى النجاشي، وأقام في جواره.
ولما قدم عمرو بن أمية الضمري موفداً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأن جعفر ابن أبي طالب ومن معه من بقية المهاجرين، سعى عمرو بن العاص لدى النجاشي ليصل إلى قتل عمرو الضمري، فأبى النجاشي، ودعا عمراً إلى طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه، فلم يغادر عمرو مجلس النجاشي حتى سطع في قلبه نور الإيمان، وبايع النجاشي على الإسلام، وفيه يقول بعض المحدثين: أيُّ صحابي أسلم على يد تابعي؟.
ثم رحل عمرو قاصداً المدينة وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبايعه على الإسلام.

* تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة:
كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي، فمات عبيد الله هنالك بعد أن تنصَّر فيما يقال، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطبها، فزوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص بإذنها، وأصدقها النجاشي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع مئة دينار، وكان هذا الزواج - في أشهر الروايات - سنة سبع من الهجرة، وقيل: سنة ست.
(3/ 1/143)

* قدوم بقية المهاجرين من الحبشة:
أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب ومن معه من بقية المهاجرين، فحملهم النجاشي على سفينتين، وقدموا يوم فتح خيبر (1)، ولما قدم جعفر على النبي - صلى الله عليه وسلم -، تلقاه، وقبَّل ما بين عينيه (2)، ويروى أف قال: "ما أدري بايهما أسرّ، أبفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ "، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفلَّم المسلمين في أن يدخلوا هؤلاء المهاجرين في سهامهم من الغنيمة، ففعلوا.

* من ولد من المسلمين بأرض الحبشة؟
هاجر جماعة إلى الحبشة بأزواجهم، وولد لهم هنالك أبناء وبنات، ومن الأبناء: عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وهو أول من ولد بأرض الحبشة من المسلمين، ومنهم: عبدالله بن المطلب، وتوفي أبوه المطلب بأرض الحبشة، وكانوا يقولون: إن عبدالله هذا أول رجل ورث أباه في الإسلام.
ومن البنات: أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص، وكانت قد تعلمت لسان الحبشة، وكساها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما قدمت وهي صغيرة خميصة (3) لها أعلام، وجعل يمسح الأعلام، ويقول: "سناه سناه"؛ أي: حسن حسن، في لغة الحبشة.
__________
(1) الجمهور على أن فتح خيبر كان في السنة السابعة من الهجرة، وقال مالك، وبه جزم: إنها كانت في السنة السادسة.
(2) في بعض رجال هذا الحديث ضعيف، وحديث معانقة النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ثابت، وسنده مظلم، كما قال الذهبي في "ميزان الاعتدال".
(3) الخميصة: كساء أسود مربع له علمان.
(3/ 1/144)

* فضل المهاجرين إلى الحبشة:
كانت أسماء بنت عميس ممن قدموا يوم فتح خيبر، فدخلت على حفصة أم المؤمنين، فدخل عمر بن الخطاب، وقال: من هذه؟ قالوا له: أسماء، فقال لها عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت، وقالت: وايم الله! لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، قصَّت عليه قول عمر، فقال: "ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان".
وكان أبو موسى الأشعري وأصحابه يأتون إلى أسماء أرسالاً يسألونها عن هذا الحديث، وما من شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لمهاجري الحبشة فضل وأيُّ فضل، ذلك أنهم فارقوا وطنهم مكرهين، ونزلوا في أرض غير أرضهم، وأمة غير أمتهم، ونحن نعلم ما وقع لبعض الصحابة من الحنين إلى مكة بعد الهجرة إلى المدينة، فكان بلال - رضي الله عنه - وقد أصيب بالحمّى يرفع صوته يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل (1)
وهل أَرِدَنْ يوماً مياه مَجِنَّة (2) ... وهل يبدُوَنْ لي شامة وطفيل (3)
__________
(1) الإذخر والجليل: شجرتان طيبتان تنبتان بأودية مكة.
(2) موضع قريب من مكة.
(3) جبلان من جبال مكة.
(3/ 1/145)

فلما أُخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال: "اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدَّ".

* إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بوفاة النجاشي، وصلاته عليه:
في "صحيح البخاري" عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة" (1).
وعن جابر أيضاً: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى على النجاشي، فصففنا وراءه، فكنت في الصف الثاني أو الثالث (2).
وعن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم" (3).
وكانت وفاته سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة.
ففي هذه الأحاديث آية من آيات صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وهو إخباره بأمر غائب انكشف من بعد أنه كما أخبر، وفيها شاهد على أن النجاشي مات مسلمًا، ذلك لأنه وصفه بأنه رجل صالح، وصلَّى عليه صلاة الجنازة، وسمّاه أخًا للصحابة، وأمرهم بالدعاء له بالمغفرة.

* دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي إلى الإسلام:
مما لا نشك فيه: أن النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة - رضي الله عنهم - أسلم،
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2) "صحيح الإمام البخاري".
(3) "صحيح الامام البخاري".
(3/ 1/146)

ومات على الإسلام، والظاهر أن بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو الضمري في جملة من بعثهم إلى الملوك كان إلى النجاشي الذي تولى الملك بعد النجاشي الذي أخبر - صلى الله عليه وسلم - بوفاته، وصلى عليه، ففي "صحيح مسلم" عن أنس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -" (1).

* أثر الهجرة في ظهور الإسلام:
رأينا كيف كان المشركون يذيقون المستضعفين من المسلمين عذاباً أليماً، فكان من رحمة الله أن فتح في وجوههم طريق الهجرة إلى الحبشة، فكان هذا الفتح من أسباب ثبات أولئك المستضعفين على إسلامهم، وتمكنهم من عبادة ربهم، فوجد منهم الدين رجالاً طبعت نفوسهم على آدابه، ونشطت أعضاؤهم للقيام بواجباته، وعرفوا عن مشاهدة كيف يحمي الله أولياءه من أعدائه، ويجعل لهم مع العسر يسراً، ومن الضيق مخرجاً.
ثم إن وجود موطن لهجرة المؤمنين وخلاصهم من أذى المشركين، يسهل على من تنشرح صدورهم للإيمان ولا يطيقون العذاب، أن ينضموا إلى صفوف المؤمنين، ويصدعوا بإيمانهم ولو كره المشركون، ففي الناس من يعرف الحق، ولا يملك من قوة الصبر على الأذى ما يسهل عليه الشهادة به صراحة، والدخول في زمرة أهله علانية، وقد رأينا في محنة الناس بمسألة خلق القرآن علماء لا يرون رأي المعتزلة من أن القرآن مخلوق، ولم يجهروا بمخالفتهم؛ خوفاً من الضرب بالسياط، وعوتب بعضهم على عدم
__________
(1) بعث هؤلاء الرسل كان في غزوة تبوك، وهذه الغزوة كانت في رجب سنة تسع.
(3/ 1/147)

وقوفه موقف الإمام أحمد بن حنبل في الجهر بالحق، واحتمال الأذى في سبيله، فقال: قَوِيَ أحمد على السياط، وأنا لا أقوى على ذلك.
وكان أولئك المهاجرون؛ لاستقامتهم، وكمال آدابهم، وصدق لهجاتهم، يعرضون الإسلام في أقوم مثال، وأجمل صورة، وذلك مما يقرب قلوب الحبشة إلى الإسلام، ويدعوهم إلى النظر في صحته، وقد عرفتم كيف كانت هذه الهجرة سبباً في هداية ملكهم وأمة من قومه، وقد عرفتم أن صحابيًا فاتحًا عظيماً أسلم على يد النجاشي، وهو عمرو بن العاص - رضي الله عنه -.
ومما استفاده المسلمون من هذه الهجرة: أن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على ثقة من أن الحبشة أمة مسالمة لدعوة الإسلام، فلم يخشوا أن تشغلهم عن الجهاد في سبيل الدين الحق، وبسط ظلال العدل، كما كانوا يشعرون بعداء غيرها من الدول المجاورة للبلاد العربية؛ كدولتي الروم والفرس.
(3/ 1/148)

إبادته للأصنام - صلى الله عليه وسلم - (1)
كان العرب على ملة إبراهيم - عليه السلام -، ثم دخلهم الشرك، ومن المعروف في التاريخ أن أول من غيَّر دين إبراهيم، وزَّين للعرب عبادة الأصنام عمرو بن لحي بن عامر، وسبب ذلك -فيما يقال-: أنه دخل مدينة البلقاء من أرض الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، ويقولون: هذه أرباب نتخذها، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل من سألها يعطى. فطلب صنماً يدعونه: "هبل"، فسار به إلى مكة، ونصبه على الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه وعبادته، ففعلوا.
تفشت في العرب عبادة الأوثان، فأقاموا في جوف الكعبة تماثيل، وكان أعظمها عندهم الصنم المسمى بهبل، ووضعوا حول الكعبة نحو ستين وثلاث مئة نصب (على عدد أيام السنة)، واتخذ أهل كل دار من مكة صنماً يعبدونه في دارهم؛ زيادة على ما يعبدون من التماثيل القائمة في الكعبة، والأنصاب الموضوعة حولها.
وللعرب أصنام في غير مكة يبالغون في تعظيمها نحو: "اللات" (2)،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" الجزء التاسع من المجلد الثامن - ربيع الأول 1355 ه.
(2) صنم لثقيف.
(3/ 1/149)

و"العزَّي" (1)، و"مناة" (2)، و"فلس" (3)، و"نهم" (4)، و"ذي الخلصة" (5)، و"الأقيصر" (6)، و"ذي الكفين" (7)، و"ذي الشرى" (8)، و"رضا" (9)، و"عميانس" (10).
ومن أصنامهم: "ود"، وسواع"، و"يغوث"، و"يعوق"، و"نسر" (11).
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الأصنام في الحديث عن قوم نوح - عليه السلام -.
ويروى عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن هذه الأصنام كانت لقوم نوح، ثم انتقلت إلى العرب من بعدهم، ومن المحتمل أن تكون أسماء هذه الأصنام قد بقيت إلى ما بعد نوح، ثم اتخذ العرب أصناماً، وسمّوها بهذه الأسماء.
__________
(1) سمرة كانت لغطفان.
(2) كان منصوباً على ساحل البحر بقديد "بين مكة والمدينة"، وأشد تعظيماً له الأوس والخزرج.
(3) صنم لمزينة.
(4) بضم النون وسكون الهاء.
(5) صنم لدوس وخثعم وبجيلة.
(6) صنم لقضاعة ولخم وأهل الشام.
(7) كان لأوس أيضاً.
(8) صنم لدوس أيضاً.
(9) بيت صنم لربيعة.
(10) صنم لخولان.
(11) ود: في قبيلة كلب، وسواع: في قبيلة هذيل، ويغوث: في قبيلة مراد، ويعوق: في قبيلة همدان، ونسر: في قبيلة آل ذي الكلاع.
(3/ 1/150)

ومن هذه المعبودات ما يتخذونه من بعض الأحجار النفيسة؛ كهبل؛ فإنه كان من عقيق على صورة إنسان، ويقال: إن قريشاً أدركته مكسور اليد اليمنى، فجعلوا له يداً من ذهب.
ومنها ما يتخذ من نحاس، كصنم خزاعة الذي أقاموه فوق الكعبة، ومنها ما يتخذ من حجارة؛ كمناة؛ فإنه كان صخرة مربعة، ونحو ذي الخلصة؛ فإنه كان مروة بيضاء عليها نقش كهيئة التاج، ومنها من خشب؛ كذي الكفين.
وقد يعبدون شجرة قائمة كالعزّى، فإنها كانت سمرة، أو ثلاث سمرات.
انغمس العرب في عبادة الأوثان، وكانوا يملؤون قلوبهم بتعظيمها، يزورونها، ويطو فون بها، ويسجدون لها، ويتمسَّحون بها، ويتقربون إليها بالذبائح، ولا يتعرضون لمن التجأ إليها، وقد يلبسونها القلائد، ويعلقون عليها بيض النعام؛ كما كانوا يفعلون بذي الخلصة، قال كعب بن مالك - رضي الله عنه -:
وننسى اللات والعزّى ووَدّاً ... ونسلبها القلائدَ والشنوفا (1)
وكانوا يرون أن سبّها يأتي بأمراض معضلة، جاء ضمام بن ثعلبة رئيس قبيلة سعد بن بكر، فأسلم، وعاد إلى قومه داعياً إلى الإسلام، وأول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى، فقالوا له: مه يا ضمام، اتق البرص والجنون والجذام. قال: ويلكم! إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليكم كتاباً استنقذكم به.
__________
(1) جمع شنف، وهو القرط.
(3/ 1/151)

ويحلفون بأسمائها؛ كما قال عبد العزيز بن وديعة المزني:
إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج
ويؤلفون أسماء أبنائهم من أسمائها بقصد التبرك بها؛ نحو: عبد العزّى، وعبد يغوث، وعبد نهم، وعبد مناف، وزيد اللات، وزيد مناة.
وقد اشتد تعلق العرب بعبادة الأوثان، وكانوا يحبونها حب المؤمن لله.
ومن شواهد إغراقهم في حبها: أن أبا أحيحة بن العاص أدركه مرض الموت، فبكى، فقيل له: أمن الموت تبكي، وهو أمر لا بد منه؟ فقال: لا، ولكني أخاف أن لا تعبد العزّى بعدي.
وقد تنبه بعض العرب قبل الإسلام لما في عبادة الأصنام من باطل، وأدركوا أن عقيدة التوحيد حق لا ريب فيه؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، ولكنه لم يقم بدعوة تعيد - ولو طائفة من عباد الأصنام - إلى سيرة التوحيد، ذلك لأن عماية الشرك التي استحوذت على القلوب مرض مزمن لا يبرئ منه إلا حكمة يوحي بها رب العالمين إلى رسول أمين ذي خلق عظيم.
ظلت الأمة العربية تتخبط في هذه العماية، فخسرت الحياة الطيبة، وضلت سبل السعادة، حتى بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فجاهد في إخراجها من ظلمات الوثنية إلى عقيدة التوحيد الخالصة، فأصبحت أمة راجحة الأحلام، صافية البصائر، شديدة الثقة بالله، حقيقة بأن تحمل الهداية العامة، والإصلاح الإلهي إلى الشرق والغرب.
وقد جاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوثنية بوسائل كثيرة، أخذ يدعو إلى الاعتقاد بأن خالق الكون ومدبِّره هو الله الواحد القهار، ويقيم البراهين على أن عبادة الأوثان من انحطاط الفكر، وسفاهة الرأي. يقول هذا ويؤيده بالحجة، ويذكر
(3/ 1/152)

بما قصه القرآن من أنباء الأقوام الذين كانوا يعبدون الأوثان، وبما كان يعظهم به رسلهم - عليهم السلام -، وبما نزل بهم من عذاب.
وكان قريش لا يزيدون في مبدأ دعوته - عليه الصلاة والسلام - على أن يقابلوها بشيء من الاستهزاء والسخرية، حتى سمعوه يعيب أصنامهم، فثار غضبهم، وتحفزوا لمقاومة الدعوة، وانظر إلى أولئك النفر: أبي جهل، وأبي سفيان، والوليد بن المغيرة، ومن معهم إذ جاؤوا إلى أبي طالب، وقالوا له: "إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلَّل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه". ومشوا إليه مرة ثانية، وقالوا له: "إنا والله! لا نصبر على هذا؛ من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين".
كذلك كانت سيرته - صلى الله عليه وسلم - بمكة، يجاهد الوثنية بالدعوة والحجة، ولم يكن قد ملك من القوة ما يمكنه من تحطيم تلك الأصنام تحطيماً يقطع دابرها. ثم هاجر -صلوات الله عليه- إلى المدينة، ولم يكن بها أو من حولها -فيما نعلم- أصناماً ظاهرة تقصد بالعبادة، وكان غزوه - صلى الله عليه وسلم - إما لقريش في غير موضع أصنامهم؛ كغزوتي بدر وأحد، وإما لليهود؛ كغزوتي خيبر وبني قريظة، وليس لليهود أصنام، وإما لقبائل من العرب قد ينتهي غزوهم بالرجوع عنهم حيث يجدهم بحال من لا يخشى شره.
فلا عجب أن نرى جهاد رسول الله للأصنام بالكسر والتحطيم قد ظهر عند فتح مكة، وتواصل حيث قويت شوكة الإسلام، وصارت يده فوق تلك الأصنام التي هي مبعث الوثنية في الجزيرة العربية.
(3/ 1/153)

ولما فتح - صلى الله عليه وسلم - مكة المكرمة، أبى أن يدخل البيت وفيها تلك الأصنام القائمة، والصور المنقوشة على جدرانها، وأمر عمر بن الخطاب أن يخرج منها كل صنم، ويمحو كل صورة، فأخرجت الأصنام، ومحيت الصور، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - للبيت، وكبّر في نواحيه.
وفي إحدى روايات الصحيح: أنه رأى صورة إبراهيم، فدعا بماء، وجعل يمحوها، وتأويل هذه الرواية: أن هذه الصورة خفيت على من أمره بمحو الصور قبل دخوله.
ثم طاف رسول الله بالكعبة، وجعل يطعن بقضيب في يده تلك الأصنام الموضوعة حولها، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
وأمر بهبل، فكسر وهو واقف، وأمر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يصعد إلى صنم خزاعة، وكان منصوباً فوق الكعبة، فصعد، ورمى به، وكسره.
وجاء في بعض الكتب المؤلفة في تاريخ (1) مكة: أن صورة عيسى وأمه - عليهما السلام - بقيت في الكعبة إلى أن هدمت في عهد ابن الزبير، والعقل يقف دون قبول هذا الخبر، ولا يجد له مساغًا، وكيف يبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - صورة عيسى ومريم في الكعبة، وهو الذي ألح في محو صورة إبراهيم -عليه السلام -؟ ثم كيف يبقي هذه الصورة في بيت يستقبله المسلمون في اليوم خمس مرات، وهو الذي يشتد غضبه إذا رأى ستراً قائماً في بيته، وفيه صورة؟ وإذا نظرنا إلى أن عيسى ومريم -عليهما السلام - ممن بالغ بعض
__________
(1) "تاريخ الأزرقي"، و"تاريخ عمر بن شبه".
(3/ 1/154)

الطوائف في تعظيمها إلى حدّ العبادة، ظهر لنا أن بقاء صورتيهما في الكعبة بعيد من سيرة الرسول الذي قطع كل وسيلة إلى عبادة الأوثان.
ثم بعث - صلى الله عليه وسلم - إلى الأصنام القائمة في بلاد العرب من يكسرها، ويهدم بيوتها، فبعث خالد بن الوليد إلى هدم العزّى، فهدمها، وقال:
يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
وبعث المغيرة بن شعبة إلى اللات، فهدمها، وحرقها بالنار، فقال شداد ابن عارض الجشمي ينهى ثقيفاً عن العود إليها، والغضب لها:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... وكيف نصركم من ليس ينتصر
إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يضعن وليس بها من أهلها بشر
وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، فجعل يحثو النار في وجهه، ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حثوت النار في أحشائكا
وبعث علي بن أبي طالب لهدم فلس، وبعث سعيد بن عبيد الأشهلي لهدم مناة، وبعث عمرو بن العاص لهدم سواع، وبعث جرير بن عبد الله البجلي لهدم ذي الخلصة.
ومن الأصنام ما يتلفه أصحابه عندما يدخل الإيمان في قلوبهم، قدم جرير بن عبد الله البجلي المدينة، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حال من وراءه، فقال: قد أظهر الله الإسلام، وهدمت القبائل أصنامها التي كانت تعبد.
(3/ 1/155)

وقدم وفد خولان المدينة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما فعل صنم خولان الذي كانوا يعبدونه؟ "، قالوا: بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزاً وشيخاً كبيراً كانا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه، هدمناه - إن شاء الله تعالى -، ولما رجعوا إلى قومهم، بادروا إلى هدمه، وهذا الصنم هو الذي يسمى: عميانس.
تختلف العقول في التنبه لباطل الأصنام، والمبادرة إلى البراءة منها، فهذا سادن "نُهْم" بلغه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما فعل بالأصنام، فقام إلى ذلك الصنم، فكسره، وقال:
ذهبت إلى نهم لأذبح عنده ... عقيرة نسك كالذي كنت أفعل
فقلت لنفسي حين راجعت عقلها ... أهذا إله أبكم ليس يعقل
ولحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخل في الإسلام.
وذلك عمرو بن الجموح: كان قد اتخذ صنماً من خشب، فلما أسلم فتيان من قومه، أخذوا الصنم، وربطوا به كلبا ميتاً، وألقوه في بئر، فخرج عمرو يبحث عن معبوده، حتى وجده في البئر مقروناً بالكلب، فقال:
والله لو كنت إلهاً لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
وأسلم كما أسلم الفتيان.
وقد عرفتم كيف كسر إبراهيم - عليه السلام - أصنام قومه، وجعلها جذاذاً؛ ليدلهم على ضعفها، وعجزها عن دفع الأذى والمهانة عن نفسها، فزادهم ذلك طغيانًا، وأسرعوا إلى عقاب إبراهيم، وقالوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68].
(3/ 1/156)

وكذلك كان جهاده - صلى الله عليه وسلم - في هدم الأصنام، ومحو أثرها على الفور، ويأبى أن يبقي مظهراً من مظاهر الشرك بين قوم مسلمين، وهم قادرون على تحطيمه.
قدم عليه وفد ثقيف، وشرح الله صدورهم للإسلام، ولكن سألوه أن يدع لهم صنم اللات مقدار ثلاث سنين؛ مخافة أن يغضب لهدمه سفهاؤهم وبعض نسائهم، فأبى عليهم ذلك، وأرسل المغيرة بن شعبة لهدمه؛ كما ذكرنا آنفاً.
وقال راشد بن عبد الله السلمي يذكر ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه بالأصنام:
قالت هلمَّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى الإله عليك والإسلام
أو ما رأيت محمداً وقبيله ... بالفتح حين يكسر الأصنام
ورأيت نور الله أضحى ساطعاً ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
طهر محمد - صلى الله عليه وسلم - جزيرة العرب من عبادة الأوثان، وجرى أصحابه - صلى الله عليه وسلم - على هذه الطريقة في كل وطن نسجت فيه عناكب الشرك، فأبادوا الأصنام، وما يشبه الأصنام؛ كمعابد النار، وتفقهوا في الدين، فأخذوا في إبعاد الناس عن عقيدة الشرك بطريق الحزم، وسد الذرائع التي قد تفضي إليه، وشاهد هذا: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلغه أن قوماً يأتون الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فتوعدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت.
وإنما قطع عمر هذه الشجرة؛ خشية أن يصير الأمر إلى الجهلة، فيبالغوا في تعظيمها إلى حد الاعتقاد بأنها تنفع أو تضر، خصوصاً أن العهد بعبادة
(3/ 1/157)

الأشجار لا يزال قريباً.
وختام هذه الكلمة: أن الدعوة إلى التوحيد الخالص أساس كل إصلاح، فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجاهدوا في تقويم العقائدث فإن العقائد السليمة مصدر كل خير، والعقائد الزائغة منشا كل فساد.
وإذا كان في الأنابيب حيفٌ ... وقع الطيش في صدور الصِّعاد
* * *
(3/ 1/158)

حياة الدعوة الإِسلامية كجزيرة العرب (1)
* حكمة ظهورها في العرب:
الإِسلام دين عام، لا يختص بأمة دون أخرى، فهو في حاجة إلى دعاة يذهيون به إلى الأمم شرقاً وغرباً، والدعوة إلى الحق والإصلاح تنجح في سرعة، ويعظم أثرها في القلوب، بمقدار ما يكون للداعي من براعة في فنون البيان.
ومن المعروف أن العرب قبضوا على زمام البلاغة، وحسن التصرف في القول ما لم تيلغه أمة متن الأمم في عهدهم.
وهذه المزية التي عرفت للعرب تستدعي أن يكونوا أول من يظهر الدين العام في ديارهم، حتى يجد رجالاً تحقق قيهم أهم شرط متن شروط القيام بالدعوة الموجهة إلى أمم مختلفة، وطبقات متفاوتة، وهو فصاحة اللسان، وحكمة البيان.
ثم إن الإِسلام دين لا يقتصر على مجرد الدعوى والإرشاد، بل يقصد إلى أن تكون أوامره نافذة، وأحكامه بين الأمم جارية، وأن تزاح كل عقبة
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع الصادر في جمادى الأولى 1356 - يولية 1937.
(3/ 1/159)

تقف في سبيل دعوته، وإنفاذ أوامره، فمن مقاصده: إقامة دولة اسلامية تجري في سياستها على شريعته ونظمه.
وهذه المزية تستدعي أن يكون أول القائمين بالدعوة إليه، والجهاد في إنقاذ ما جاء من إصلاح، ذوي أخلاق عظيمة، من نحو: الشجاعة، والصبر على المشاق، وقلة التعلق بالترف وزخارف الحياة.
وإذانظرنا إلى الأمة العربية من الوجهة النفسية، نجدها امتازت بأخلاق سامية فاقت فيها غيرها من الأمم؛ فقد كان العرب في الشجاعة والاستهانة بالموت في أقصى ذروة.
تشهد بهذا أشعارهم في الفخر بالأقدام والبسالة، ثم تاريخهم المملوء بوقائع الحروب، وحديث الأبطال الذين يؤثرون الموت في عزّ على الحياة في هون، ويتصل بالشجاعة: ما كانوا عليه من إباء الضيم، وعزة النفس، ومن يأبى الضيم، ويحمل في نفسه عزة، يقف في الدفاع عما يراه حقاً أو إصلاحا موقف الطود الراسخ، لا يخضع له عنق، ولا يتزلزل له قدم.

* حياتها بمكة:
عندما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 1 - 3]، شمر عن ساق الجد في الدعوة، وأخذ يدعو إلى الحق، وأول من آمن به: خديجة - رضي الله عنها -؛ إذ علمت حين أخبرها بما تلقَّى من ملك الوحي: أن أعماله الصالحة، وخصاله الشريفة، لا يناسبها إلا كرامة الله تعالى، وإتمام النعمة عليه.
وفي أول المؤمنين به: علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وزيد ابن حارثة - رضي الله عنهم -، وأخذ الناس بعد هذا يدخلون في الدين واحداً بعد واحد،
(3/ 1/160)

وبقي - صلى الله عليه وسلم - نحو ثلاث سنين يدعو خُفية حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94]، فصار يدعو إلى الله في علانية، ونادى قريشاً بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، في عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فناصبوه العداوة، وأرادوا به وباتباعه الأذى، وكان لأبي طالب يد في حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - من المشركين، وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة، أو دخل في جوار ذي سطوة، هابوا جانبه، ومن لم يجد حامياً، أطلقوا أيديهم في أذيته، ولما اشتد النبلاء على المؤمنين، أذن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة.
وكان لإسلام عمر بن الخطاب أثر كبير في إظهار الدعوة؛ حيث صار المسلمون يصلّون في الحرم، وكانوا إذا أرادوا الصلاة، خرجوا إلى الشعاب حيث لا يراهم المشركون.
قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله تعالى بين كفار قريش، وأعظم طرق الدعوة أثرًا: تلاوة القرآن الحكيم؛ إذ نرى كثيراً من المسلمين أعلنوا إسلامهم عقب سماعهم للقرآن؛ كما أسلم عمر بن الخطاب عقب سماعه سورة منه، ويضاف إلى هذا: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحلى به من فصاحة المنطق، وبلاغة القول، واستقامة السيرة، وسماحهَ الأخلاق، وسمو الآداب، من نحو: الصبر، والرفق، وعدم مقابلة السيئة بمثلها.
وكان - صلى الله عليه وسلم - مجداً في الدعوة، حىَ إنه ذهب إلى الطائف من أجلها ماشياً، وكان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، ويدعوهم إلى الإِسلام، ويتلو عليهم القرآن، ويكلم كل شريف قوم (1).
__________
(1) ممن ذكرت أسماؤهم من القبائل التي دعاها في المواسم، وعرض عليهم نفسه: بنو عامر بن صعصعة، وفزارة، وغسان، ومرة، وبنو حنيفة، وسليم، وعبس, =
(3/ 1/161)

وكان أصحابه - صلى الله عليه وسلم - يؤازرونه في الدعوة، كما دعا أبو بكر الصديق عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، فدخلوا الإِسلام بدعوته، وكان علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق يخرجان معه عندما يخرج إلى دعوة القبائل في المواسم.
أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - داعياً إلى الحق بين كفار قريش ثلاث عشرة سنة، وسبب بطء ظهور الإِسلام بمكة بالنسبة إلى ظهوره بالمدينة: أن كفار قريش كانوا يقاومون الدعوة بأشد ما يملكون من القوة، ويصدون عن سبيلها بألسنتهم وأيديهم.
فمن مقاومتهم لها: أنهم كانوا يكثرون من التهكم والاستهزاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كقولهم له عندما يقرأ عليهم القرآن: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]. وقولهم عندما يرونه: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41]، وكان كبار المستهزئين نفراً من ذوي الوجاهة في قومهم؛ مثل: الأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وفي هؤلاء وأمثالهم نزل قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]. وكانوا يتعرضون له بالشتم والهجاء؛ كقولهم: إنه ساحر، أو مجنون، ويصفون القرآن بأنه أساطير الأولين.
ومن مقاومتهم له: أنهم كانوا يتبعون أثره، ويصدون عن قبول دعوته؛ كما كان أبو لهب يتتبعه عندما يقوم بدعوة القبائل في المواسم، ويقول لهم: إن هذا يدعوكم أن تخلعوا اللات والعرى من أعناقكم، إلى ما جاء به
__________
= وبنو النضر، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة. ولم يستجب له من هؤلاء أحد، ومنهم من كان يرد عليه أقبح رد.
(3/ 1/162)

من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه.
ومن مقاومتهم له: تعنتهم في اقتراح المعجزات. قال الله تعالى فيما قصه عنهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] (1).
ومما قاوموا به الدعوة: تعاقدهم علي بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف: أن لا يبايعوهم، ولا ينكحوهم، ولا يكلِّموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكتبوا بذلك صحيفة علَّقوها في سقف الكعبة، واستمروا على هذه المقاطعة نحو ثلاث سنين، حتى رجع بعضهم عن هذا التعاقد، فعادوا إلى نقضه (2).
ومن أشد ما قاوموا به الدعوة: بسط أيديهم إلى المستضعفين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسومونهم العذاب، مثل: عمار بن ياسر، وأُمه، وبلال بن رباح، بل وصلت أذيتهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوضعوا على ظهره سَلَى جزور (3) وهو يصلي عند البيت، حتى جاءت فاطمة - رضي الله عنها -، فطرحته عنه، وبلغ من أذية أهل الطائف له عندما ذهب إلى دعوتهم: أن
__________
(1) والرسول لا يأتي قومه إلا بما يظهره الله على يده حسبما تقتضيه الحكمة.
(2) بعد نقض الصحيفة ببضعة أشهر توفي أبو طالب. وتوفيت خديجة - رضي الله عنها - بعده في تلك السنة.
(3) السلى: جلدة فيها الولد من الناس والمواشي. الجزور: البعير - "القاموس".
(3/ 1/163)

أغروا به سفهاءهم يسبونه، ويرمونه بالحجارة.
وكانوا - مع هذا - يوردون على الرسالة شبهاً؛ كقولهم فيما قصه الله عنهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] (1)، وقولهم: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] (2).
وما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلاقي أذاهم بالصبر، ويدفع شبههم بالحجة، ويأتيهم بالآيات البينات، وينبههم إلى ما في القرآن من إعجاز، إلى أن أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعلاء كلمته، وإتمام نعمته على رسوله، فهيأ له أمر الهجرة إلى المدينة المنورة.

* حياتها بالمدينة:
لبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين، يدعو إلى الإسلام، ويخرج إلى القبائل في المواسم، حتى جاء الموسم الذي أراد الله تعالى أن يكون بدء عهد جديد للدعوة، فخرج -صلوات الله عليه- لدعوة القبائل، شأنه في كل موسم، فلقى ستة من الخزرج، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه، وقبلوا ما عرضه عليهم، وانصرفوا إلى قومهم، ودعوا إلى الإسلام، وفي العام القابل وافى منهم اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على الإسلام، وبعث معهم مصعب بن عمير، وعمرو بن أم مكتوم، يعلمانهم القرآن، ويفقهانهم في
__________
(1) رد الله عليهم هذه الشبهة بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20].
(2) رد الله عليهم هذه الشبهة بقوله تعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].
(3/ 1/164)

الدين، فأسلم على أيديهم خلق كثير.
ثم عاد مصعب بن عمير في الموسم بعد إلى مكة في جماعة من المسلمين مع حجاج قومهم أهل الشرك، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فلقيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -صلوات الله عليه- بالعقبة، وبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقوموا في الله لا تأخدهم لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم عليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة (1)، وتلك بيعة العقبة الثانية.
وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً، ثم لحق بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أول ما فعله من وسائل النهوض بالدعوة: أن بني المسجد الشريف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب بينه وبين اليهود كتاب موادعة، ونهى عن إقامة المسلم بين المشركين، وجعلت الهجرة من أرض الشرك إلى المدينة فريضة، فكثر عدد المسلمين، وأصبح للدعوة حماة يقومون على نشرها، ويدافعون كل خصم يقف في سبيلها، وناسب وقتئذ أن يأذن الله لهم بجهاد عدوهم، فنزل قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]. ثم نزل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].
استقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وقام بدعوة اليهود، فأسلم بعض أحبارهم؛ مثل: عبد الله بن سلام، وفريق من غير الأحبار؛ مثل: ثعلبة بن سعية، وأسيد
__________
(1) "زاد المعاد" (ج 2 ص 51).
(3/ 1/165)

ابن سعية؛ ولقي من غير هؤلاء الذين أسلموا أشد العداوة، والتقلب في التعنت والمكر، فاشتدوا في مجادلته، وهو يرد عليهم بالحجة، والقرآن المجيد يؤيده، كما قالوا له في بعض مجادلاتهم: ألست تزعم أنك تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ قال: "بلى، ولكنكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم"، قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق، فأنزل الله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68].
وكانوا يقترحون عليه بعض الآيات تعنتاً؛ كما اقترحوا عليه إنزال كتاب من السماء يقرؤونه، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153].
وكان بعض أحبارهم يوجهون إليه أسئلة بقصد الإعنات؛ كما سألوه عن الروح، فنزل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
واتخذوا في وسائل مقاومة الدعوة هجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كما صنع كعب ابن الأشرف؛ إذ كان يهجو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويشبب بنساء المسلمين، واتصلوا بكفار قريش وغيرهم يحرضونهم على قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم من يبذل في ذلك أموالاً؛ كأبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق؛ إذ كان يؤدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله - صلوات الله عليه وسلم -.
(3/ 1/166)

ولم يستطيعوا أن يكتموا عداوتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويكفّوا أذاهم عنه، فوقعوا في نقض العهد، والجهر بالسوء من القول، وموالاة المحاربين؛ كما يظهر ذلك بالنظر في أسباب واقعة بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير.
وكان للدعوة في المدينة أثر في فريق من اليهود (1) وغيرهم آمنوا بحق، وطائفة من اليهود، ومن الأوس والخزرج أسلموا بظاهرهم، وبقيت قلوبهم على الكفر، وهم المنافقون، وكان في اكتفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء المنافقين بالإِسلام الظاهر، مع معرفته لحال كثير منهم، حكم بالغة، منها: أن اتصالهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وسيلة لاطلاعهم على سيرته وسيرة أصحابه، ومشاهدتهم من آيات الرسالة ما لم يشهده غيرهم من المخالفين، فيكون ذلك من أسباب انتقالهم من النفاق إلى الإيمان، وكذلك يكون حال أبنائهم الذين ينشؤون مع المؤمنين، ويقومون بشعائر الإسلام، ويأخذون بآدابه.
ومن حكمة الداعي - صلوات الله عليه - في قبول صنف المنافقين، ومعاملتهم بمقتضى ظاهر حالهم: فتح الطريق لكل من يريد الإسلام، ولو أخرجهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين، أو عاقبهم على ما يعلم من سرهم، لأحجم بعض من تميل نفسه إلى الإسلام مخافة أن يشتبه حاله على المسلمين، ولوجد المخالفون سبيلاً إلى أن يرموا المسلمين بالقسوة، وعدم رعاية العهد،
__________
(1) قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو آمن بي عشرة من اليهود، لآمن بي اليهود" المراد من العشرة: رؤساؤهم؛ مثل: كعب بن الأشرف، ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن حنيف. وروى البيهقي: أن يهودياً سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ سورة يوسف، فجاء ومعه نفر من اليهود، فأسلموا.
(3/ 1/167)

وإن كانوا يعلمون حال أولئك المنافقين.

* انتشار الإسلام بالجزيرة:
ما زال الناس يدخلون في الإسلام فرادى، أو جماعات قليلة ممن يشهدون مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقوم لهم من محادثاته، أو سماع القرآن آيات على صدق نبوته، إلى أن فتحت مكة، ودانت له قريش، وأسلمت ثقيف، فانتشر الإسلام في بلاد العرب انتشارًا شاملًا سريعاً، فأقبلت وفود العرب تضرب إلى رسول الله - صلوات الله عليه - من كل ناحية، وذلك ما أشار إليه القرآن المجيد بقوله تعالى في سورة النصر: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 2].
أقبلت الوفود، فمنهم من يفدون وهم مسلمون؛ كوفد مراد، ووفد بني عبس، ووفد صداء، ووفد محارب، ووفد خولان، ووفد بني أسد، ووفد فزارة، ووفد نجيب، ووفد بني سعد، ووفد كندة، ومنهم من يدخلون في الإسلام عند ملاقاتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كوفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة، ووفد طي، ووفد بني زبيد، ووفد الأزد.
وكان لإسلام رؤساء هذه القبائل أثر كبير في إسلام من عداهم من العامة، ففي السيرة: أن ضمام بن ثعلبة قدم موفدًا من بني سعد بن بكر، فأسلم، وعاد إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، فما بقي في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امراة إلا مسلماً.
كان هؤلاء الوفود يدينون بالإسلام، ويعودون إلى قومهم، وهم من أشد الدعاة إليه.
ومن وسائل انتشار الدعوة: أولئك الرجال الذين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(3/ 1/168)

يبعثهم إلى القبائل للدعوة إلى الدين الحق؛ مثل: خالد بن الوليد، وممن أسلم على يده: بنو الحارث بن كعب، ومثل علي بن أبي طالب، وممن أسلم على يده: همدان. وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتباً مع رسل إلى ملوك العرب، فبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد الله ملكي عمان؛ وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي ملك اليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، والمهاجر بن أمية إلى الحارث بن عبد كلال ملك اليمن، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن شمر الغساني ملك تخوم الشام، وأسلم من هؤلاء في ذلك العهد ملك البحرين، وملك عمان.
انتشر الإسلام في الجزيرة، فلم ينتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن دخل عبدة الأوثان من العرب في الإسلام، وأقر اليهود والنصارى والمجوس حين رضوا بإعطاء الجزية.
انتشر الإسلام في الجزيرة، وظهر على الأديان كلها، ولكنه لم يكن قد دخل في قلوب كل من قالوا: إنَّا مسلمون، بل منهم من دخلوا في الإسلام لباعث غير الإيمان، فلما ذاع نبأ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنحاء الجزيرة العربية، رفع المضللون رؤوسهم، ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الإعراب، وأخذ الذين دخلوا في الإسلام بدائع غير الإيمان يعودون إلى جاهليتهم، وأصبح العرب ثلاث طوائف:
طائفة استمرت على إسلامها الخالص، وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على إسلامها كذلك، إلا أنها جحدت الزكاة على زعم أنها خاصة بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى عددًا.
وثالثة الطوائف خرجت عن الإسلام، وجاهرت بالردة، وهي قليلة
(3/ 1/169)

بالنسبة إلى جاحدي الزكاة.
وقد قام أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بقتال المرتدين وجاحدي فريضة الزكاة، فلم يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، وامتدت ظلال الأمن والهداية في اليمين والشمال.
(3/ 1/170)

قضاء البعثة المحمدية على المزاعم الباطلة (1)
بُعث الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - بالدعوة إلى الإصلاح الذي تصل به الأفراد والأمم إلى الحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة العظمى في الأخرى، ونواحي هذا الإصلاح ترجع إلى العقائد والأخلاق، والعبادات المقربة إلى الله - جلّ جلاله -، والمعاملات الجارية بين الناس.
وهناك ناحية أخرى هي: تنقية النفوس من المزاعم الباطلة، والتعلق بالعادات المستهجنة، قد اتجهت إليها دعوة الرسول الذي نحتفل بذكرى ميلاده في هذه الليلة المباركة، وهذه الناحية هي التي نقصد أن نلقي فيها كلمتنا الموجزة:
بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجد العرب في ظلمات من الجهالة، ومن هذه الظلمات: ظلمة التخيلات الزرية، والعادات الممقوتة، فأقبل ينبه على بطلان هذه التخيلات، وقبح ما ابتني عليها من العادات، حتى نبذها المسلمون بحق، وبمثل هذا كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وبسط الحديث عن هذه المزاعم والعادات يستدعي مقاماً أوسع من
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء العاشر من المجلد العاشر الصادر في ربيع الثاني 1357 - 1938. محاضرة الإمام في احتفال جمعية "الهداية الإسلامية" بذكرى المولد النبوي المجيد في مساء يوم الخميس الثاني عشر من ربيع الأول 1357.
(3/ 1/171)

هذا المقام، فنكتفي بأن نسوق إلى حضراتكم طائفة منها على سبيل التمثيل، وندع استيفاء البحث عنها إلى فرصة أخرى.
وإذا تحدثت في هذه الكلمة عن العرب، فلأنهم أول أمة تلقت هذه الدعوة الإصلاحية الشاملة، ووقعت منها موقع الدواء الناجع من العلل المزمنة.
ومن حديثي عن العرب، يعرف أثر دعوته -عليه الصلاة والسلام - في تخليص سائر البشر من التخيلات الضارة، والسمو بها إلى المنزلة العليا في البحث والتفكير؛ فإن الأمم غير العربية لم تكن في تعلقها بالأوهام وانحطاطها في العادات بأقل ولا أحقر من الأمة العربية قبل الإسلام، كما أنها كانت تضاهيها في بطلان عقائدها، واعوجاج سيرتها.
ولعلك لا تجد زعماً باطلاً في العرب إلا وجدته بنفسه، أو وجدت ما يضاهيه في غير العرب، وإذا حط الشرك والاعتقاد بإلهية المخلوق رحاله في قوم، فهنالك ترى البصائر في ظلمة، وهنالك يبيض التخيل ويفرخ، وهنالك تسمع وترى من الأباطيل والخرافات ما يدلك على أن أشخاصاً أو جماعات يعدون في الناس، وهم لا يشبهون الناس إلا بأن أصواتهم تشتمل على حروف متمايزة.
كان العرب يتشاءمون بكثير من الأشياء؛ نحو: الغراب، والبومة، أو مرور الطير من ناحية الشمال، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التشاؤم بإطلاق، فقال: "لا طيرة"، ونبه على أن وجوه الخير والشر إنما تعرف من طريق الشرع أو العقل. ومن سوء عواقب التشاؤم بهذه المخلوقات أنها قد تصد الرجل عن وجهة لو مضى فيها، لنال خيراً كثيراً أو قليلاً.
(3/ 1/172)

ومن المحزن أن ينهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن التشاؤم، ويزيحه من طريق العاملين المجدين، ويضع عقيدة التوكل على الخالق مكانه، ثم لا يلبث وباؤه الخبيث أن يعود، ويتفشى في نفوس كثير من جماعات المسلمين، فهذا يتشاءم بمن يعوده وهو مريض في يوم الأربعاء، وذاك يتشاءم بتناول سكتتين أو مقراض من يد صديق له، بل لا يزال كثير من الناس يتشاءمون بما كان الجاهلية يتشاءمون به من نحو: رؤية البوم والغراب. والبصائر المشرقة بنور الحكمة لا يحوم عليها التطير في حال.
وكان العرب في جاهليتهم يستقسمون بالأزلام؛ ذلك أنهم كانوا يتخذون ثلاثة أقداح يكتبون على واحد منها: (افعل)، وعلى الثاني: (لا تفعل)، ويتركون الثالث غُفلًا، فإذا أراد أحدهم أمرًا يهمه؛ من نحو سفر، أو نكاح، أو تجارة، أجال هذه الأقداح، فإن خرج له قدح الأمر، فعل، وإن خرج له قدح النهي، ترك، وإن خرج له القدح الغفل، أجال الأقداح مرة ثانية. ومن أثر هذا التخيل الفاسد: أن الرجل قد يترك العمل وفيه خير كثير، أو يقدم على عمل وفيه شر عظيم. وكان هذا التخيل مما تناولته الدعوة المحمدية، وجاء النهي عنه في القرآن المجيد، ووضعت السنة الغراء مكانه الاستخارة الشرعية والاستشارة.
وإبطال الشريعة للأزلام يجري حكمه في كل ما يتخذ وسيلة للاطلاع على عواقب الأمور من غير طرقه الشرعية أو العلمية؛ مثل: الاستخارة بالمصحف، أو السبحة، ونحوها، فكل هذا ما عدا الاستخارة الشرعية بدعة لا يجوز التعلق بها.
وكان للعرب غلو في الاعتقاد بتصرف الجن في نفع الناس وضرهم،
(3/ 1/173)

وتعرضهم في الفلوات لمن يمر بها، ومن هنا جاء اسم الغول والسعلاة، وذهب بهم هذا الغلو إلى مزاعم باطلة، وعادات منبوذة؛ كزعمهم في بعض الحيوان أنها نوع من الجن، أو من مراكب الجن، مثل: القنفذ، والأرنب، والظبي، والنعام، وزعموا أن الجن قالوا في أشعارهم:
وكل المطايا قد ركبن فلم نجد ... ألذ وأشهى من ركوب الأرانب
وللعرب في الجاهلية رقية يعالجون بها من اعتقدوا أن به مساً من الجن، تسمى: "النشرة"، وقد سئل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "هي من عمل الشيطان". وكذلك ترى القرآن والسنة يحاربان إسراف العرب في الاعتقاد بالجن، وينبهان على ما نشأ عن هذا الإسراف من المزاعم الباطلة؛ كما قال تعالى في نفي أن يكون الجن يعلمون الغيب: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]. وقال - صلى الله عليه وسلم - في إبطال ما يتخيلونه من الغول: "لا صفر، ولا غول".
ومما يؤسف له أشد الأسف: أن تعود الجماعات غير المهذبة إلى الاكثار من الحديث عن تصرفات الجن، ويتخذوا لمعالجتها أمثال ما كان في عهد الجاهلية؛ كهذا الصنيع الذي يسمونه: "الزّار".
وما كنا لنجد سلفنا الذين تهذبت نفوسهم ببعثة الرسول الأكرم - صلوات الله عليه - ما نجده في أزمنة متأخرة من المزاعم المتعلقة بالجن؛ كزعم اتخاذ زوجات منهم، أو رواية أحاديث نبوية عن بعضهم.
ومن مزاعمهم الفاسدة: أنهم كانوا إذا أجدبوا، وحبس عنهم المطر، عمدوا إلى نوعين من الشجر يقال لهما: السلع والعشر، فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النار، وأصعدوها في جبل وعر يستشفعون
(3/ 1/174)

بها، وإلى هذا يشير الشاعر بقوله:
أجاعل أنت بيقوراً مسلعة ... دريعة لك بين الله والمطر
وقد أبطلت الدعوة المحمدية هذه العادة المنكرة، ووضعت مكانها صلاة الاستسقاء التي هي عبادة لله خالصة.
ومن البلاء: أن ترى أقواماً من العامة في بعض البلاد يتخذون للاستسقاء وسائل تشبه ما يفعله الجاهلية؛ كالخروج ببعض الأناشيد وآلات الطرب، ونحو ذلك من البدع التي لم يضعها الشارع الحكيم وسائل للاستقاء.
ولنسق إلى حضراتكم مثلاً آخر من المزاعم التي حاربها الرسول - عليه الصلاة والسلام -، هو: اعتقادهم بنفع خرزات أو أحجار أو أعضاء بعض الحيوان، فكانوا يعلقونها على أنفسهم لأغراض مختلفة؛ مثل: اجتلاب المحبة، أو المنع من الحمل، أو السلو عن الحب، أو الحفظ من مس الجن. وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تعليق ما يماثل هذا من التمائم، فقال: "من يعلق تميمة، فلا أتم الله له"، وامتنع - عليه الصلاة والسلام - من مبايعة شخص كانت عليه تميمة، فأدخل الرجل يده فقطعها، فبايعه عند ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "من علق تميمة، فقد أشرك"، وقال: "من علق شيئاً، وكل إليه".
وهذه الأحاديث - وإن وردت في تمائم الجاهلية -، فإن السلف الصالح لم يعرفوا بتعليق التمائم، وإنما كانوا يستشفون بالقرآن الكريم على وجه الرقية كما ثبت في السنة.
وإذا نظرتم إلى هذه المزاعم والعادات التي أبطلتها الدعوة المحمدية، وجدتم بعضها أثراً من آثار عقيدة الشرك، وبعضها إنما هو أثر الجهل
(3/ 1/175)

وضعف الفكر.
فمن مزاعمهم التي هي وليدة الشرك: أخذ الغلام لسنه إذا سقطت، ورميها في وجه الشمس عندما تطلع، وقوله: يا شمس! أبدلينا سناً أحسن منها. وهذا أثر من آثار الاعتقاد بإلهية الشمس.
ومن المحزن أنا نرى هذه العادة الوثنية بعد أن طردها التوحيد، ونفاها من الأرض، ترجع وتنتشر بين الجماعات الجاهلة ككثير من مزاعم الجاهلية وعاداتهم.
ومن المزاعم الناشئة عن الجهل وضعف الفكر: أن الواحد منهم إذا أراد السفر، عقد خيطًا بشجرة على اعتقاد أنه متى أحدثت امرأته بعده أمرًا منكرًا، انحل ذلك الخيط. وفي هذا الزعم الساقط ضرر كبير على صلة الزوجية، وعلى عرض المرأة؛ فإن الخيوط التي تعقد في الأشجار، معرضة للحل أو الانحلال في كل وقت.
فالحق أن من وقف على هذه الأوهام والخرافات التي كان العرب وغير العرب منغمسين في أرجاسها، ازداد علماً بعظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفضل بعثته في إصلاح العقول، وتهيئة الأفكار للبحث في العلوم، والسير بها إلى غايات سامية.
(3/ 1/176)

البلاغة النبوية (1)
يقصد كل خطيب أو شاعر ناحية من نواحي كمال الرسول الأعظم - صلوات الله عليه -، فيصفها، ويذكِّر الناس بها؛ ليزدادوا إيمانًا بأنه - عليه الصلاة والسلام - قد بلغ الغاية التي لا تدرك إلا بعناية إلهية خاصة، وليتخذها طلاب السيادة في الدنيا، والسعادة في الآخرة، المثل الأعلى يتأسون به، ويسيرون في ضوئه.
ومن أعظم ما يبهر العقول من خصال كماله - صلى الله عليه وسلم -: خصلة فصاحته وبلاغته.
لا يدعو رسول الله إلا إلى حق، ولا ينطق إلا بحكمة، وأعطي مع هذه العصمة أسمى ما يمكن أن يصل إليه البشر من فصاحة وحسن بيان؛ فإن الحكمة التي تلقى في أسلوب بليغ، تنفذ إلى القلوب قبل أن تنفذ إليها الحكمة التي تلقى في عبارة غير بليغة، وإن الحق ليعتمد على الحجة، ولكن حسن البيان يسعد الحجة في جعل الحق أقرب إلى النفوس، وأنفذ في القلوب، وقد طلب موسى - عليه السلام - من الله تعالى أن يرسل معه
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر من المجلد الحادي عشر الصادر في ربيع الثاني سنة 1358 - مايو 1939. محاضرة الإمام في احتفال جمعية الهداية الإسلامية بذكرى المولد النبوي الشريف.
(3/ 1/177)

أخاه هارون؛ ليشد أزره بفصاحة لسانه، وحسن بيانه، فقال: وأرسل معي أخي هارون {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص: 34].
لفصاحة رسول الله وحسن بيانه بعد الفيض الإلهي أسباب، منها: أنه قرشي، وقريش أفصح العرب لساناً، وأبرعها بيانًا، وأنه نشأ في بني سعد؛ حيث استرضع فيهم، وبنو سعد من أرقى قبائل العرب فصاحة، وبذلك جمع الرسول الأكرم بين جزالة كلام البادية، ورونق كلام الحاضرة.
ولنزول القرآن الكريم عليه، وهو البالغ مرتبة الإعجاز، أثر كبير في سمو فصاحته، رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحابة في يوم دجن، فقال لمن كان في الحضرة: "كيف ترون بواسقها؟ " (1)، قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها! قال: "كيف ترون قواعدها؟ " (2)، قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها! قال: "كيف ترون رحاها؟ " (3)، قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: "كيف ترون جونها؟ " (4)، قالوا: ما أحسنه وأشد سواده! قال: "كيف ترون بريقها، أخفياً أو وميضاً، أم يشق شقًا؟ "، قالوا: بل يشق شقاً، فقال: "الحيا" (5). فقال رجل: يا رسول الله! ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أعرب منك، قال: "حق لي؛ فإنما أُنزل القرآن على بلسان عربي مبين".
ولسعة العلم بلهجات العرب دخل كبير في إحراز المرتبة العليا في
__________
(1) بواسقها: ما استطال من فروعها.
(2) ما اعترض من السحاب وسفل.
(3) رحاها: وسطها.
(4) الجون: الأسود.
(5) الحيا: المطر.
(3/ 1/178)

الفصاحة، وقد أطلع الله الرسول الأكمل على لهجات العرب، فكانت موضوعة أمامه يتناول منها ما يشاء، ومن الوارد في كتب الحديث والسيرة بروايات ثابتة متعددة: أنه كان يخاطب الوفود، ويراسل القبائل بلهجاتهم، حتى كان بعض الصحابة يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله (1). وقد جمع الرواة من هذا الباب شواهد كثيرة.
ومن ينظر فيما روي عنه من الخطب والرسائل والمحاورات والفتاوى، وما يلقيه في أثنائها من الحكم، وما يورده فيها من الأمثال والاستعارات، يرى في ذلك من وجوه البلاغة وحسن البيان ما لم يره، ولن يرأه قد تأتى لأحد البلغاء من غيره.
ووصف الجاحظ فصاحة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلاغته في فصل ممتع، ثم قال: "ولعل بعض من يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أنا تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره، كلا، والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء! لا يظن هذا إلا من ضل سعيه، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم".
والحق أن فصاحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروعة بيانه لا يدركها إلا من تردد بنظره على الحديث الشريف، ودخل في كل باب من أبوابه؛ إذ يرى الكلام الذي يصدر عفوًا دون أن يكون للتصنع فيه أثر، ويمر فيما يقرأ على جمل تهتز لروعتها القلوب، ومن لم يسعده الحال أن يطالع كتب الحديث، فلينظر في كتب غريب الحديث، فإنه يطلع في أقرب وقت على جانب عظيم من
__________
(1) "الشفاء" للقاضي عياض.
(3/ 1/179)

الألفاظ النبوية البالغة منتهى الفصاحة وحكمة الأسلوب.
وفي الناس من تسمو حكمته في بعض نواحي الحياة، وتقتصر في بعض، أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيلقي الحكمة في النواحي المختلفة من شؤون الحياة الفردية أو الاجتماعية، فترد في أعلى طبقة من سمو اللفظ وحسن التصوير، فهو الذي يتكلم في الحقوق مثلاً، فيقول: "ولا يجني على المرء إلا يده". ويتكلم في سياسة الحرب، فيقول: "الحرب خدعة". ويحذر من الخروج عن جماعة المسلمين فيقول: "من خالف الجماعة، فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه". ومن الظلم فيقول: "الظلم ظلمات يوم القيامة". ويشير إلى أن شأن المؤمن أن يكون نبيهاً حازماً، فيقول: "لا يلدغ المؤمن من جُحر مرتين".
لبلاغته - صلى الله عليه وسلم - مظاهر شتى، ومن أوضح مظاهرها: الأمثال التي يضربها لإخراج المعاني في صورة المحسوسات، أو إخراج المحسوسات الخفية في صورة المحسوسات الجلية.
انظروا إلى قوله في موقع بعثته من بعثات الأنبياء قبله: "إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي مثل رجل بني داراً، فأكملها وأحسنها إلا موضعَ لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا موضع تلك اللبنة". وإلى قوله في محو الصلوات للآثام: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم، يغتسل منه خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ ". وإلى قوله فيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الإخاء والتراحم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
(3/ 1/180)

وهكذا نرى في تشابيهه واستعاراته سهولة مأخذ، وبعداً عن التصنع، وإبداعاً في إعطاء المعنى صورة تجعله أوضح ما تكون، أو تزيد النفوس ترغيباً فيه، أو تنفيرًا منه، فانظروا إلى قوله يصف الشريعة الغراء: "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". وقوله يدل على شدة عزمه وثباته على الدعوة: "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته".
وفي الناس من إذا خطب في الجمهور، رأيته في درجة عالية من حسن البيان، فإن عرض له حديث مع بعض الأفراد، أو حديث في معان قريبة التناول، رأيته قد انحط إلى درجة دون الدرجة الأولى، أما حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الأفراد، أو في المعاني السهلة الفهم، فإنه لا ينزل عن مرتبة بلاغته العليا.
يقول - صلى الله عليه وسلم - في بعض خطبه: "من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
وهذا طرز فصاحته في المعاني التي تجري على الألسنة كثيراً؛ كقوله في الاستعداد للسفر: "إني على جناح سفر"، وقوله في معنى الموت على الفراش: "من مات حتف أنفه (1) في سبيل الله، فهو شهيد"، وهذه الكلمة من الكلمات التي لم تعرف في حديث قبل حديث رسول الله (2)، وقد عقد
__________
(1) أي: مات على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا حرق.
(2) البيت المعروف:
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طُلَّ منا حيث كان قتيل =
(3/ 1/181)

ابن دريد في كتاب "المجتبى" باباً للألفاظ التي سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تسمع من أحد قبله.
وبالنظر في أحاديثه - عليه الصلاة والسلام - تجده ينحو في كلامه وخطبه ومراسلاته نحو الإيجاز، فهو الغالب في أقواله، وربما خطب فأطنب.
قال أبو سعيد الخدري: خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر خطبة قال فيها: "ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون" قال: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف (1).
ومن متعمات الفصاحة: أن لا يعجل الرجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كأنها عقد جيد تنسيقه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلقي الكلام مفصلاً، قالت عائشة - رضي الله عنها -: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرد سردكم هذا، ولكن كان إذا تكلم بكلام، بيَّنه، فيحفظه من يجلس إليه.
وقالت أم معبد تصف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حلو المنطق؛ كأن منطقه خرزات نُظِمن.
سمت بلاغة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الذروة، ولكنها لم تبلغ حد الإعجاز الذي هو خاص بالقرآن المجيد، والفرق بين بلاغة الحديث وبلاغة القرآن لا يخفى على ذوي الفطر السليمة، لا سيما الذين دربوا فنون البلاغة،
__________
= وقد روي: "وما مات منا سيد حتف أنفه".
وإنما تصح هذه الرواية إذا قلنا: إن القصيدة لعبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي، وهو شاعر إسلامي، لا للسموأل الذي هو شاعر جاهلي.
(1) السعف: جمع سَعَفة - بفتحتين -، وهو غصون النخل.
(3/ 1/182)

وقلبوا أنظارهم في أساليبها المختلفة، وعرفوا كيف يضعون كل كلام بليغ في مرتبته.
وهذا التفاوت الواضح بين القرآن والحديث من أصدق الشواهد على أن القرآن الكريم كتاب نزل من السماء، لا أنه من صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يزعم من يجحدون بآيات الله.
وقد أجاز كثير من المحدثين رواية الحديث النبوي بالمعنى، ولو التزم جميع الرواة نقل الأحاديث باللفظ كما نطق بها - صلى الله عليه وسلم -، لعرفنا من فصاحته، وبراعة بيانه أكثر مما عرفنا.
وهذه الخصلة من خصال كماله - صلى الله عليه وسلم -، وهي الفصاحة، وحسن البيان، تدخل فيما يطلب الاقتداء به فيها؛ فإن دراسة علوم البلاغة، ومطالعة منشآت البلغاء، والتمرين على الخطابة والتحري، كل ذلك مما ينهض بالناشئين إلى أن يكونوا فصحاء بلغاء، حتى إذا تصدوا لبيان حق، أو دعوة إلى خير، استطاعوا أن يسترعوا الأسماع، ويأخذوا بالقلوب.
(3/ 1/183)

الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية (1)
أيها السادة!
نحتفل الليلة بذكرى قصة خطيرة، كان لها أثر عظيم في إصلاح العالم، وإخراجه من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، ومن الهمجية القاتمة إلى المدنية الزاهرة، وهذه القصة هي هجرة الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - من مكة المكرمة إلى طيبة الغراء.
بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين مشركي قريش، وقد ملئت صدورهم غواية، ولبسوا من تقليد آبائهم الضالين سرابيل غليظة خشنة، فقام يدعو إلى نبذ عبادة الأوثان، والعود إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي التوحيد الخالص، ويهديهم سبيل العمل الصالح. فقاموا في وجه هذه الدعوة الصادقة يصدون عن سبيلها، ويبالغون في إيذاء من يتقبلها، فكانت مناوأتهم لها، وبذل الجهد في صرف الناس عن قبولها، من أسباب قلة انتشار الإسلام وظهوره أيام مقامه - صلى الله عليه وسلم - بأرض مكة، والآذان التي تألف دعوة الحق لأول ما تطرقها، أو الفطر السليمة التي تعرف من لهجة صاحبها أنه محق، ليس بكثير.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد الثاني عشر الصادر في شهر صفر 1359 - مارس 1940.
(3/ 1/184)

وما زال المشركون يحاولون أن يطفئوا نور هذه الدعوة النبوية، ويبسطون ألسنتهم وأيديهم في إيذاء معتنقها، أو المتقبل لها، حتى وفق الله تعالى وفوداً من الأوس والخزرج لقبولها، ومبايعة النبي - عليه الصلاة والسلام - على أن يكونوا أنصاره إلى الله، وعند هذا أذن الله لنبيه الكريم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة.
لم يرض النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهاجر قبل أصحابه، ويدعهم يقاسون عذاب المشركين ألواناً، بل أمرهم بالهجرة قبله، فهاجروا فرادى وأرسالًا، ونبهت لهجرتهم المشركون لما ينويه النبي الأعظم من التحول إلى المدينة، وخافوا أن يعظم هنالك أمره، وتسري دعوته في القبائل، ويقضي على وثنيتهم، فائتمر المشركون به ذلك الائتمار المشار إليه بقوله تعالى:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، واستقر رأيهم على قتله، فما كان إلا أن تخلص - عليه الصلاة والسلام - من مكة مهاجراً، ودخل المدينة آمناً.
ويين خروجه من مكة، ودخوله المدينة، فروق واضحة: خرج - عليه الصلاة والسلام - من مكة في سواد الليل مختفياً، ودخل المدينة في بياض النهار متجلياً، وخرج من مكة وأهلها يحملون له العدواة والبغضاء، ودخل المدينة وقد استقبله المهاجرون والأنصار بقلوب ملئت سروراً بمقدمه، وابتهاجًا بلقائه، وخرج من مكة ومَنْ حوله يفكرون كيف يصلون إلى قتله، والقضاء على دعوته، ودخل المدينة ومَنْ حوله يتنافسون في الاحتفاء به، والقرب من مجلسه، وقد هيؤوا أنفسهم لفدائه بكل ما يعز عليهم.
أما فضل هذه الهجرة المباركة، فإنها آتت ثمراً طيباً، وأفاضت على
(3/ 1/185)

العالم خيرات تنفد الأيام ولا ينفد الحديث عنها.
فالهجرة هيأت للإسلام أن تكون له حكومة ذات سلطان غالب، وكلمة فوق كل كلمة.
والهجرة مكنت الحكومة الإسلامية أن تقضي بشرع الله الحكيم، ويالسلطان الغالب يقهر الأعداء، ويالشرع الحكيم يعيش الناس في أمن وسعادة، وكذلك كان شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة؛ فقد كان من القوة وتأييد الله تعالى له أن أصبحت الجزيرة العربية في بضع سنين طوع يمينه، وموضع نفاذ أمره، وأصبحت الأمة بما شرعه الله من أحكام المعاملات والجنايات، وبما أنار به النفوس من الحكم السامية، تتمتع بسياسة عادلة، وحياة زاهرة.
وإذا شئتم مثلاً واضحاً لما جاءت به الهجرة من الخير العظيم، فانظروا كيف خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة مهاجرًا، وكيف دخلها فاتحًا، فما ذلك الفتح المبين إلا وليد الهجرة التي نحتفل بذكراها هذه الليلة، وبفتح مكة انكسرت شوكة خصوم الإسلام في الجزيرة، وأقبل العرب على الدخول في الدين أفواجًا، حتى تألفت أمة مسلمة رفعت راية سيادة في أقصى الشرق، وأخرى في أقصى الغرب.
وانظروا إلى القرآن المجيد إذ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيه الكريم من النصر والتأييد، تجدوه ابتدأ بنصره وقت الهجرة، وعطف على ذلك ما اتصل بالهجرة من ظهوره على أعدائه، وبلوغ رسالته غايتها؛ من اعتلاء ذكر الحق، وانحطاط الباطل، فقال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
(3/ 1/186)

تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40].
وما أصدق نظرَ عمر بن الخطاب إذ جعل سنة الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام، وقال: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها".
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة النبوية المباركة، فإنما نحتفل بذكرى الأساس الذي قامت عليه عزّة الإسلام وسيادته، بل نحتفل بذكرى اليوم الذي خرج فيه كوكب الإصلاح من سراره، وألقى أشعته على العالم شرقاً وغرباً، والسلام عليكم ورحمة الله.
(3/ 1/187)

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (1)
هذه الآية الكريمة من جوامع الكلم التي تحمل تحت ألفاظها القليلة معاني جميلة غزيرة؛ فقد أرشدت إلى الاقتداء برسول الله - صلوات الله وسلامه عليه -، وأومات إلى أنه أقوم الخليفة منهجاً، وأشرفهم حالاً، وأطيبهم كلماً، وأفضلهم أعمالاً.
وإذا نظرنا إلى ما كان عليه من صفات الشرف وأفعال الحمد، وجدناها على قسمين: قسم لا يدخل في الأمر بالاقتداء به فيه، إما لكونه غير داخل في اختيار الإنسان، وإنما هو موهبة من الخالق -جلَّ شأنه-؛ كجمال طلعته، وشرف نسبه، ويراعة بيانه، وإما لكونه معدوداً في خصائصه؛ كجمعه بين تسع زوجات، وإما لكونه عائداً إلى أمر الجبلَّة أو العادة، ولم يظهر فيه معنى التشريع؛ نحو: جلوسه، أو وقوفه في بعض الأمكنة، وتناوله لبعض المطعومات، وامتناعه من تناول بعضها؛ كما امتنع من أكل الضب، وقال: "ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". ففعْله - عليه الصلاة والسلام - لما كان من هذا القبيل - وإن دل على الإباحة - لا يدخل فيما يطلب التأسي فيه، ولا يتناوله قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الثالث عشر. الصادر في رجب 1359 ه أغسطس 1940 م.
(3/ 1/188)

رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].فالمقصود في الآية: التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في الأحوال والأفعال الاختيارية غير الجبلية والعادية، وغير ما قام الدليل الواضح على أنه من خصائصه.
نتأسى به - عليه الصلاة والسلام - فيما كان يتقرب به إلى الخالق من العبادات، وهذا يقتضي البحث عن العبادات التي كان يؤديها تقرباً إلى الخالق تعالى؛ مثل: الصلوات، والصيام، والحج، والأذكار؛ حتى نتبين كيفيتها، وأوقاتها، ومبلغ اجتهاده في القيام بها، وبهذا يسلم الرجل من أن ينحدر في البدع، أو يضع العبادة في غير وقتها، أو يقع في حرج التنطع (1) في الدين.
فالبدع إنما دخلت في الدين على أيدي قوم لم يدرسوا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - دراسة تكسبهم تمييز فاسد العبادات من صحيحها.
ويتأسى به - صلوات الله وسلامه عليه - في احتماله لما كان يصيبه من صروف الأقدار، وتلقيه لها بصبر تتزلزل الجبال الرواسي ولا يتزلزل، وقد اقتدى به المستقيمون من المؤمنين في هذا الخلق العظيم، فيتلقون الخطوب من نحو: فَقْد المال، أو موت الولد بمتانة عزم، ورسوخ في الصبر، وقد عرفت أستاذاً في تونس يقال له: الشيخ محمد بن عيسى، توفي له ولده الوحيد البالغ سن العشرين، فتركه مسجًّى في المنزل، وجاء على عادته لإقراء درس في الأصول بين المغرب والعشاء (2)، وبعد أن أتم الدرس، قال للطلاب: إن أخاكم فلاناً قد توفي، وغداً صباحاً تشيع جنازته.
__________
(1) التشدد.
(2) في جامع الزيتونة.
(3/ 1/189)

ويتأسى به - عليه الصلاة والسلام - في احتماله لما كان يلاقيه في سبيل الدعوة إلى الحق من العناء والمكاره؛ كما لاقى من المشركين في مكة أذى كثيراً، ولم يفلَّ ذلك من عزمه فتيلًا. وانظر ماذا ناله في واقعة أحد؛ من شج وجهه، وكسر رباعيته، وجرح شفته السفلى، حتى صلّى الظهر من الجراح التي أصابته قاعداً، ومن الغد نادى بطلب العدو، وقال: "لا يخرج معنا إلا أحد حضر بالأمس". ودرسُ هذه الناحية من سيرته السنية، يرفع همم علماء الدين ودعاة الإصلاح عن التملق لأولي الأمر، ومجاراة أهوائهم الجامحة عن قصد السبيل؛ إذ يجعل رضا الله، وظهور الحق والفضيلة، هما الغاية التي يعملون لها في حياتهم، فلا ييالون سوء العذاب، أو العزل من المناصب الذي ينذرهم به المستبدون الظالمون.
غضب أحد أمراء تونس على أحد علمائها، فقال له: عزلتك من الإمامة والفتوى والتدريس، فقال له العالم: بقيت لي وظيفة لا تستطيع أن تعزلني منها أنت ولا غيرك، هي مكانتي العلمية، وهذه المكانة أعزّ لدي من كل وظيفة.
وظهر لرئيس محكمة أهلية في عهد وزارة (نوبار باشا) الأرمني كشفُ وجه امرأة من المخدَّرات، فامتنعت عن الإسفار؛ محتجة بعدم إباحته في الشريعة الغراء، واستفتى الشيخ محمد العباسي المهدي شيخ الأزهر والمفتي الأكبر لذلك العهد، فأفتى بعدم الجواز، وشدد في المسألة، فسعى (نوبار باشا) في عزل الشيخ المهدي قائلاً: إن الشيخ أصبح عقبة أمام القضاة معارضاً لأحكام القضاء، ولما فهم الشيخ المهدي أن مساعي (نوبار باشا) قد أصبح لها أثر، استقال من مشيخة الأزهر والفتوى في مجلس واحد
(3/ 1/190)

غير آسف عليهما (1).
ويتأسى به - عليه الصلاة والسلام - في صلته بالأفراد والجماعات، ومعاملته لهم؛ من نحو: الرفق بهم، والإحسان إليهم، ودعوتهم إلى الحق، وإرشادهم إلى وجوه الخير، وسبل السعادة، ومعاقبة الجناة على قدر جناياتهم، ودرس هذه الناحية من سيرته الطاهرة يفتح أمام الناظر الطريق التي يتوسل بها إلى امتلاك قلوب فضلاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وتباين مواطنهم، بل يفتح أمامه الطرق التي تعرف بها كيف يسوس النفوس الواقعة في أسر الشهوات، ويعيدها إلى سيرة الطهر والعفاف؛ إذ يجد الناظر في حكمة أساليب دعوته، وحسن معاملته حتى لخصوم دينه، معالم لا ينجح صاحب دعوة صادقة إلا أن يهتدي بها.
ويتأسى به - صلوات الله عليه - في احتماله الأذى من الناس، ومقابلته بالعفو، وهو قادر على مقابلته بالانتقام. ومن درس هذه الناحية في السيرة، عرف أن لحلمه وعفوه - عليه الصلاة والسلام - مواضع، ولأخذه بالحزم مواضع. وقد أشارت عائشة - رضي الله عنها - إلى ذلك بقولها:
"وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله -عزَّ وجلَّ-" وفي. رواية: "إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله -عَزَّ وَجَلَّ- ".
وصفوة المقال: أن هذه الآية أرشدت إلى التأسي بأفضل الخليقة - صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا يقتضي البحث عن سيرته، وفي البحث عن سيرته مرقاة إلى معرفة خصال الشرف الإنساني، وصالح الأعمال التي يعرج بها الإنسان إلى الحياة الطيبة في الأولى والآخرة.
__________
(1) كتاب "تراجم أعيان القرن الثالث" للمرحوم أحمد تيمور باشا (ص 75).
(3/ 1/191)

الهجرة مبدأ التأريخ العام في الإسلام (1)
كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتاباً يقول فيه: "إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ". فجمع عمر الناس يستطلع رأيهم فيما يكون به التأريخ" فقال بعضهم: أَرَّخ بالمبعث، وقال بعضهم: أرخ بالهجرة، فقال عمر: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرّخوا بها".
يقول عمر بن الخطاب: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل"، وهذا إشارة منه إلى المزية التي استحقت بها الهجرة أن تكون مبدأ التأريخ العام في الإسلام، فإن الدعوة إلى الإسلام كانت تلاقي في مكة معارضة، وعقبات توضع في سبيلها، وأخذت بعد الهجرة حريتها كاملة، ولم يستطع أحد أو جماعة الوقوف في طريقها، وكانت الدعوة بمكة تسير في طريق النجاح رويداً رويداً، وأخذت بعد الهجرة تنتشر بسرعة، فلم يمض عليها عشر سنين حتى عمت الجزيرة، وانضوى إلى الإسلام ملوكها ورؤساؤها وقبائلها فوجاً عقب فوج، وكان المشركون يبسطون ألسنتهم وأيديهم إلى المسلمين بالأذى، بالهجرة تخلصوا من ذلك الأذى، وأصبحوا في أمن ليس لذي قوة عليهم من سبيل.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن السابع والثامن من المجلد الرابع عشر الصادران في المحرم وصفر 1361 ه.
(3/ 1/192)

وكانت الدعوة في مكة تتدرَّع بالصبر واحتمال المكروه من أولئك الطغاة، أما بعد الهجرة، فقد رفعت الدعوة رأسها، وأذن للقائمين بها أن يجردوا الحسام في وجه كل من يناوئها ويروم إطفاء نورها.
فبالهجرة ظهر الإسلام في ثوب عزته الضافية، وتمكن من أن يفيض على العالم هداية ورحمة.
ومن مآخذ العبرة في قصة الهجرة: أن الداعي إلى الاصلاح متى أوتي حكمة بالغة، وإخلاصاً نقياً، وعزماً صارماً، هيأ الله لدعوته بيئة طيبة فتتقبلها، وزينها في قلوب قوم لم يلبثوا أن يسيروا بها في البلاد، ويطرقوا بها الآذان، فتسيغها الفطر السليمة، والعقول التي تقدر الحجج حق قدرها.
(3/ 1/193)

المعجزات الكونية (1)
نحتفل بذكرى مولد أفضل الخليفة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد جرت عادة المحتفلين بهذه الذكرى الطيبة أن يتحدثوا عن سيرته الزاهرة، أو دلائل صدق رسالته الشاملة الخالدة، أو عما أفاضته على العالم من هداية وإصلاح، ولو كان في وقت سعة، لأرسلنا القول في كل ناحية من هذه النواحي الثلاث، فنزداد يقينًا بأن سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - أكمل من كل سيرة، وأن دلائل نبوته أوفر من دلائل كل نبوة، وأن آثار دعوته أوسع مدى من آثار كل دعوة، فأكتفي بكلمة موجزة أخص بها ناحية من نواحي دلائل رسالته، وهي آيات نبوته الكونية، فأقول:
ترجع دلائل رسالة المصطفى - صلوات الله عليه - إلى أربعة وجوه: القرآن المجيد - وبشارة الرسل والأنبياء من قبله ببعثته - وسيرته البالغة في الكمال حداً تقف دونه سيرة كل عظيم - وخوارق عادات هي من جنس المعجزات على صدق الرسالة من وجوه كثيرة.
ومن هذه الوجوه: ما يوجد في بعض آياته؛ كإخباره عن أمور مستقبلة، ووقوعه على نحو ما أخبر به.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن العاشر والحادي عشر من المجلد الخامس عشر والصادران في ربيع الثاني وجمادى الأولى 1362 ه.
(3/ 1/194)

ومنها: ما يوجد في كل سورة، أو ما يكون بمقدار سورة، وهو بيانه البديع، وأسلوبه الرائع، ونظمه الحكيم.
وأما بشارات الأنبياء، فقد أخبرت التوراة والإنجيل بمجيء رسول عظيم، ووصفت هذا الرسول العظيم بصفات لا تنطبق إلا على حال محمد - صلوات الله عليه -، ونبه لهذا قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157].
وأما سيرته، فقد بلغت من الكمال حداً لا تبلغه سيرة من يطلب الكمال بنفسه، ولو فاق الناس عبقرية، وقضى في تلقي الحكمة العشرات من السنين، وإلى هذا يشير حسان - رضي الله عنه - بقوله:
لو لم تكن فيه آيات مبينةٌ ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
وأما دلائل نبوته من خوارق العادات، فقد ورد منها في الأحاديث الصحيحة وقائع كثيرة؛ كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكثير الطعام القليل، وإشباعه نحواً من سبعين أو ثمانين رجلاً. وانشقاق القمر حتى رآه المشركون بمكة رأي العين، وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه عندما اتخذه - عليه الصلاة والسلام - منبراً.
وقد ظهر في هذا العصر إنكار هذا النوع من دلائل النبوة، وممن سبق إلى إنكاره طائفة القاديانية اللاهورية؛ فإنا نرى زعيمهم محمد علي الذي ألَّف ترجمة القرآن إلى اللغة الإنكليزية، يأتي إلى كل معجزة يقصها الله تعالى في أنباء الرسل - عليهم السلام - ويعلق عليها بآخر الصحيفة متأولاً لها على وجه يخرجها عن أن تكون معجزة. ونحا بعض الكاتبين في مصر
(3/ 1/195)

هذا النحو من تأويل آيات المعجزات، وخف على آخرين أن يتكلموا في الدين بآراء لا تمت إلى أصوله الصحيحة بصلة، فأنكروا الأحاديث المتضمنة لبعض خوارق من عادات جرت على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن ينقدوها بقوانين علم الحديث، أو قوانين المنطق السليم.
ولمنكري المعجزات وخوارق العادات شبهتان:
إحداهما: أن الله تعالى وضع هذا الكون على سنن لا تتبدل، وربط أسبابه بمسبباته ربطاً لا يتغير، وربما استشهدوا على هذا بقوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62].
ويرد هذا: بأن الذي خلق الأسباب والمسببات، وعقد بينهما رابطة السببية والمسببية، هو الفعال لما يريد - سبحانه وتعالى - فله أن ينزع من بعض الأسباب وجه سببيتها؛ كأن ينزع من النار حرارتها التي كانت سبباً في الإحراق، وله أن يخلق سبباً آخر يخفى عن أعين الناس، ويظهر له مثل أثر السبب المعروف في العادة؛ كأن يخلق في العصا ما يكون سبباً لانقلابها ثعباناً، كما خلق في ماء الرجل ما يكون سبباً لتحول ذلك الماء حيواناً.
وإذا لم ير الفيلسوف سبباً تخلف عن سببه، أو لم ير سبباً لم يترتب عليه مسببه، فعدم رؤيته لذلك لا يدل على عدم إمكانه، فتخلف المسببات عن أسبابها الظاهرة، أو وجود المسببات مع فقدان أسبابها، هو في مرتبة الإمكان لا محالة، وإذا كان ممكناً في نفسه، وورد الخبر الصادق بوقوعه، أصبح الاعتقاد به ضربة لازب، ولم يكن لمنكره من الأدلة النظرية ولي ولا نصير.
وأما قوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}، فحق لا غبار عليه،
(3/ 1/196)

وسنن الله منها ما عرفه الناس، ومنها ما لم يعرفوه، وإذا وقعت واقعة غريبة عند تحدي النبي لقومه، فهي جارية على سنة، ولكنها سنة خفية لا يعلمها البشر، ولا يستطيعون أن يأتوا بمثلها، ومن هنا كانت هذه الواقعة الغريبة علامة على أن هذا الداعي مبلغ عن الله.
وأخرى الشبهتين: أن العلوم في هذا العهد قد كشفت عن أسرار أمور كانت تُظن من خوارق العادات، فلو بلغ العلم بصاحبه أن يأتي بأشياء هي من أمثال ما كان يعد خارقًا للعادة، لم يبق ذلك الذي صدر على وجه التحدي معجزة.
وتدفع هذه الشبهة: بأن من معجزات الرسل - عليهم السلام - ما لم يصل إليه العلم، ولن يصل؛ كإحياء الموتى وإبراء الأكمه، ونبع الماء الحقيقي من بين أصابم الإنسان، وإذا وجد من المعجزات التي جرت على أيدي الرسل ما يمكن الوصول إلى مثله من طريق الفن؛ كما يدعى من الإخبار عن بعض الأشياء الغائبة، وكما ظهر من قطع المسافة البعيدة في وقت قريب، فإن أمثال هذه الأشياء نجدها قد صدرت عن الرسول مضمومة إلى معجزة أخرى لا يصل إليها العلم. ثم إن الفرق بين ما وقع عند التحدي، وما وقع من طريق الفن: أن الأول وقع بإذن الله من غير أن يكون للرسول فيه عمل، أما الثاني، فإنما يقع بعد اتخاذ الوسائل الفنية.
هذا هو الفرق بين ما كان معجزة، وما كان أثر حركة فنية، فما يذكره الله تعالى في كتابه الحكيم من هذا النوع من المعجزات إنما هو أمر واقع بإذنه تعالى من غير أن يكون للرسول فيه أثر؛ كما قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12].
(3/ 1/197)

وأذكر أني كنت في الآستانة سنة 1231 نازلاً بدار المرحوم خالي الشيخ محمد المكي بن عزوز أستاذ علم الحديث بدار الفنون، فعاد من الدرس يوماً، وأخبرني أنه كان مع طائفة من المدرسين في غرفة ناظر المدرسة، فجرى ذكر هذه الآية الكريمة، فنسب بعض الحاضرين إلى سليمان - عليه السلام - العلم بفن الطيران، فقال له الناظر - وكان من الأتراك المؤمنين المستنيرين بهدى الله -: "تلك معجزة".
أما الذين أنكروا أن يكون للنبي- صلى الله عليه وسلم - معجزة غير القرآن، فشبهتهم قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]، وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50 - 51].
وليس في هاتين الآيتين ما يثير إشكالاً؛ فإن كفار قريش كانوا يقترحون على النبي - صلى الله عليه وسلم - آيات يصفونها، وإنما يقترحونها على وجه التعنت؛ مثل: الآيات التي حكاها الله عنهم في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93].
وذكر تعالى في جوابهم: أنه لا يرسل هذه الآيات التي اقترحوها تعنتاً؛ حيث علم أنهم سيلاقونها بالتكذيب، ودل على هذا: بأن قوماً يماثلونهم في طبائعهم النفسية قد أرسلت لهم آيات من جنس الآيات التي يقترحها
(3/ 1/198)

المشركون، وكانوا مطبوعين على التعنت، فتلقوها بالتكذيب، فقال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]. فهذه الآية تفهم على معنى أن الأولين قد كذبوا بآيات من جنس الآيات التي اقترحها هؤلاء الآخرون، فكان تكذيبهم كأنموذج لتكذيب أمثالهم المتعنتين من كفار قريش للآيات التي اقترحوها لو وقعت.
وأما الآية الثانية، فإن كفار قريش قالوا على وجه التعنت أيضاً: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [يونس: 20]. ولما كان المقصود من إنزال الآيات: توجيه النفوس إلى الإيمان بصدق الرسول من طريق الاستدلال، كان الأمر في اختيار الآيات يرجع إلى مشيئته تعالى؛ إذ هو العالم بما يوافق حكمة الدعوة، ويكفي في دلالة النفوس غير المتعنتة على أن دعوة الرسول حق، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} [العنكبوت: 50]. وقد أراهم آيات كافية في الدلالة على أن محمداً رسول حق، فلو كان قصدهم الوصول إلى الحق، لاكتفوا بها، ولما كان القرآن الحكيم أعظم هذه الآيات وأوضحها دلالة، وأبقاها نصب أعينهم، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51].
وخلاصة هذه الكلمة: أن من دلائل النبوة خوارقَ عادات جرت على يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اشتملت كتب السنة الصحيحة على نصيب منها، ولو سلمنا أن حديث كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر، فإن مجموعها قد بلغ هذا الحد بلا ريب.
(3/ 1/199)

من آداب خطب النبي - عليه الصلاة والسلام - (1)
للدعوة إلى الإصلاح طرق، ومن أقرب هذه الطرق نجاحاً، وأبلغها أثرًا: الخطابة، ولهذا شرعت في يوم الجمعة من كل أسبوع، وفي يومي عيد الفطر وعيد الأضحى من كل سنة، بل في كل وقت يقتضي الحال فيه تذكير الناس بحكمة، أو أمرهم بمعروف، أو نهيهم عن منكر، وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - ينهض للخطابة عند كل أمر هام، وكتبُ الحديث والسيرة عامرة بأنباء وقائع يقوم فيها خطيبًا، فيأمر أو ينهى، أو يزيح أوهاماً علقت ببعض الأذهان.
ولقد كانت خطبه - عليه الصلاة والسلام - مُثلاً عليا، يحق على كل داع إلى الإصلاح أن يقتدي بها، ويقتبس من آدابها، ويسوس النفوس بمثل أساليبها.
يحرص - عليه الصلاة والسلام - أن تطرق مواعظه آذان المستمعين متمايزة الحروف، مفصلة الكلمات، فكان يلقي الخطبة قائماً، رافعًا بها صوته، وإنما يخطب على مكان مرتفع، ولذلك اتخذ المنبر في مسجده بالمدينة.
ويحرص على أن تقع الموعظة في قرارات النفوس، فكان يلقي الخطبة
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزآن الحادي عشر والثاني عشر من المجلد السادس عشر. جمادى الأولى وجمادى الثانية 1363 ه.
(3/ 1/200)

بألفاظ مأنوسة، وتأليف محكم، ومعان بارزة في صور بارعة، فانظروا إلى قوله في بعض خطبه: "من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"، وهكذا ترون خطبه مصوغة بألفاظ مألوفة، ومعان قريبة المأخذ، وهي - مع سهولة ألفاظها، وقرب معانيها من أذهان الجمهور - قد حازت في مراقي البلاغة الأمد الأسمى.
وربما أعاد الجملة، فنطق في ثلاث مرات، يدل على أنها موضع اهتمام، ويخشى أن تمر على أذهان المستمعين دون أن تستقر في نفوسهم، كما قال في خطبة التشريق: "ألا لا تظالموا"، وكررها مرتين بعد الأولى.
ولم يكن - عليه الصلاة والسلام - يلتزم السجع في خطبه، وإنما يأخذ فيها بطريقة الترسل، إلا أن يجيء السجع عفوًا، وذلك أن السجع الملتزم لا يخلو من تكلف تفقد به صور المعاني جانبًا من الوضوح، وإن شئت مثلاً يشهد بأن خطبه لم تنسج على منوال السجع، فإليك قوله في إحدى خطبه: "فليأخذ العبد عن نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت".
وقد أولع أكثر الناس منذ عهد بعيد بتسجيع الخطب، إما لقصر باعهم في البيان، وإما لأنه الأسلوب الذي تلذّه الأذواق لتلك العهود، وقد تحولت الأذواق اليوم - فيما يظهر - إلى استحسان الكلام المرسل، وإيثاره على السجع؛ حيث يبرز المعاني في صور تصل إلى القلوب عندما تصل الكلم إلى الآذان. ولم يكن - عليه الصلاة والسلام - ليطيلَ الخطب، يخشى على الناس الملل، فلا ينتفعون بالموعظة انتفاعهم بها وهم يصغون إليها بإقبال ونشاط،
(3/ 1/201)

وكان يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من فقهه".
وكانت خطبه - مع قصرها - ممتعة بالحكمة والموعظة الحسنة، إذ تجيء حافلة بجوامع الكلم، والجمل التي تجري على الألسنة مجرى الأمثال إيجازاً وبلاغة.
وقد يطيل الخطبة في غير يوم الجمعة متى اقتضى الحال الإطالة، روى أبو سعيد الخدري: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب بعد العصر، ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف".
وكان يفتتح الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، ويصلهما بالتشهد، ويقول: "أما بعد" متنقلًا بها إلى حكمة أو موعظة، وقد يدع الخطبة العامة، ويتجه في أثنائها إلى إرشاد شخص بعينه متى خشي فوات الفرصة. جاء رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "صليت يا فلان؟ "، فقال: لا، فقال: "قم فاركع"، ثم عاد إلى الخطبة.
وقد يستعين - عليه الصلاة والسلام - في تثبيت المعنى بالإرشاد بيده إشاره مناسبة للمعنى كما قال في إحدى خطبه: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، وروي أنه كان يشير بأصبعه السبابة عند ذكر الله تعالى ودعائه.
فالإشارة باليد لا تنافي وقار الخطيب متى استعملت في أثناء الخطبة استعمالاً مناسباً للمعنى. ومما يجعل للخطبة أثرًا بليغًا في النفوس: أن يكون الخطيب مخلصًا في وعظه، حريصاً على أن يأتي بثمرات طيبة من المسارعة إلى الخير، والإقلاع عن الشر، وقد يظهر لهذا الإخلاص أمارات في وجه الخطيب أو صوته؛ كاشتداد الغضب عند الإنذار، وورد في الصحيح: أنه
(3/ 1/202)

- عليه الصلاة والسلام -: "كان إذا خطب، احمرت عيناه، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش بها.
والناس يعرفون الغضب المتصنَّع، والبكاء الذي لم تبعثه خشية، فينبغي للخطيب أن يترك نفسه على فطرتها، ولا يهزها إلى مظهر الخشوع والغضب هزًا؛ ليري الناس أنه حريص على إصلاحهم. ومن شواهد الرياء أن يأمرهم بالخير وينسى نفسه.
وكان - عليه الصلاة والسلام - ينظر إلى حال القوم يوم الخطبة، فيلقيها على مقتضى حالهم، فيأمر بمعروف أخلُّوا به، أو يحذر من مكروه اقتربوا منه، وجرى على هذا الخلفاء الراشدون، والخطباء المصلحون. وهذا منذر بن سعيد قاضي قرطبة رأى الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أسرف في تشييد المباني وزخرفتها؛ كما صنع في بناء "الزهراء"، فاتجه بخطبته إلى هذا الغرض، وأنكر فيها الإسراف في البناء والزخرفة، وإنفاق الأموال في غير مصلحة.
وشأن الخطب التي تلقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم: أن لا يتعرض الخطيب فيها إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو يتناولونها على غير وجهها، وكانت خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - جارية على هذا الشأن؛ بحيث يستوي في فهمها الطبقات المختلفة دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل. وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يراعون هذا الأدب الحكيم، فقد روى البخاري: أن عمر بن الخطاب أراد أن يخطب أيام الحج في أمر عرض له، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطيروا بها كل
(3/ 1/203)

مطار، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك، وينزلوها على وجهها".
وطالما حاد أكثر الناس بالخطب عن سيرتها في عهد النبوة، فبعد أن كان الخطيب يصور المعاني بفكره، ويكسوها ألفاظاً من عنده، ثم يلقيها مقبلاً على الناس ببصره؛ كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده، صار الخطيب يبحث عن خطبة صدرت عن قريحة غير قريحته، وكتبت بقلم غير قلمه، فيقف ممسكاً لها بيده، مقلباً فيها وجهه. ولا مرية أن الخطبة التي
تصدر من قلب الخطيب، مصوغة في عبارات من صنعه، هي أجدى نفعاً،
وأعظم في النفوس أثراً، من خطبة يستعيرها من غيره.
(3/ 1/204)

في الهجرة بركة (1)
هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الخيار من مكة إلى المدينة، فظهرت بركة هذه الهجرة من المهاجرين أنفسهم، وفي البلاد التي هاجروا إليها، وفي انتشار الدين الذي هاجروا من أجل التمكن من الدعوة إليه.
أما أثر بركة الهجرة في المهاجرين أنفسهم، فلأنهم بعد أن كانوا يلاقون في مكة أذى كثيراً، أصبحوا في أمن وسلامة، ثم إن الهجرة ألبستهم ثوب عزة بعد أن كانوا مستضعفين، ورفعت منازلهم عند الله درجات، وجعلت لهم لسان صدق في الآخرين، وقد سمّى الله تعالى الصحابة الذين فرّوا بدينهم إلى المدينة بالمهاجرين، وصار هذا اللقب أشرف لقب يدعون به بعد الإيمان.
وأما أثر بركة الهجرة في البلاد التي هاجروا إليها، فإن فضل مكة كان معروفاً عند العرب من قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجاءها الفضل من جهة أن الله اختارها لأن يقام فيها بيته المحرم، وأمر رسوله إبراهيم - عليه السلام - ببناء ذلك البيت، ودعوة الناس إلى حجّه، والتقرب إلى الله بالطّواف به، وقد ازداد هذا الفضل بميلاد النبي - صلوات الله عليه - ونشأته فيها، ثم نزول
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء السابع من المجلد السابع عشر الصادر في شهر المحرم 1364 ه.
(3/ 1/205)

القرآن في أرجائها.
وأما المدينة فلم تكن معروفة قبل الإِسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد، وإنما أحرزت فضلاً بهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المؤمنين بحق، وبهجرة الوحي معهم إلى ربوعها، حتى أكمل الله الدين وأتم عليهم النعمة.
وأما أثر بركة الهجرة في انتشار الإِسلام، وإعلاء كلمته، فلأن الإِسلام كان بمكة في شيء من الخمول، ولم يكن الجهاد قد شرع؛ إذ لم تتهيأ أسبابه، أما بعد الهجرة إلى المدينة، فقد نزلت آيات في القتال؛ كقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190].
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة الشريفة، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي ابتدأت فيه الهداية تسير سيرها الحثيث في الشرق والغرب، وذهبت فيه العزّة تمد ظلالها على كل جماعة تنادي بأرفع صوت: "حي على الصلاة، حي على الفلاح".
(3/ 1/206)

العظمة (1)
نود من صميم أفئدتنا أن نفرغ بأقلامنا ومحاضراتنا للعمل على رقي شعوبنا، وإصلاح شؤوننا، ونود من صميم أفئدتنا أن نقضي صباحنا ومساءنا في البحث عن وسائل خلاصنا من أذى السلطة الغربية عن أوطاننا، ولكن نفرًا جلسوا على رأس الفتنة وهي نائمة، وجلسوا يهمزونها بنزق وغرور، ولو صرفنا النظر عن ناحيتهم، وتركنا حبلهم على غاربهم، لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتاً وفرحاً، والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفاً.
فلا بد إذن من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو لعل الأمة تحذر عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم.
ننسى ولا ننسى كاتباً صنع في العظمة مقالاً لا أصفه في مقامي هذا إلا أنه خواطر لم تبلغ من أدب البحث سؤلها.
__________
(1) مجلة "الفتح" - العدد 68 من السنة الثانية 1346 ه - 1927 م. محاضرة الإمام في دار جمعية مكارم الأخلاق الإِسلامية بالقاهرة يوم 12 ربيع الأول 1346 تضمنت الرد على مقالة على عبد الرازق التي كان نشرها في جريدة "السياسة"، ونشرف المحاضرة في رسالة مستقلة.
(3/ 1/207)

تحدث الكاتب عن العظمة، وعبادة الناس لها، ورجع يناقش في أن يكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظمة، وتعلق في إنكار هذا بعلَّة أن محمداً - صلوات الله عليه - لم يكن ملكاً، ولا غنياً، ولا فيلسوفاً، ولا فاتحاً عظيماً، ولا مخترعاً أو مكتشفاً، ثم قال: من يبتغي عظمة محمد، فإنما هي كلمة واحدة جاء بها، وهي: "لا إله إلا الله".
ثم جعل يضع كلمة "لا إله إلا الله" ذات اليمين وذات الشمال، ويضعها على جانب البطلان مرة، وعلى جانب الصحة مرة أخرى، وقال: إن العلم والعقل سيقضيان في شأنها، فإما أن تكون باطلًا، وإما أن تكون حقاً، وأورد خلال هذا وعقبه كلمات مختلفاً ألوانها، وقد اخترنا أن نسوق إليكم قطعًا من هذا المقال، وننقدها بين أيديكم، لعلنا نزيح عن ذوي الفطر النقية سوء أثرها.
وحقيق علينا أن نفتح البحث بكلمة في مبنى العظمة حتى ندخل نقد المقال على بينة.
تضاف العظمة إلى الإنسان، فيرادفها: التجبر، والخُيلاء، وهذا المعنى لا يحوم على نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقيناً، ولا ينزل بساحته في حال، وقد يراد من العظمة: الجلال الذي هو أثر سمو القدر، وبلوغ المنزلة الكبرى في خصال الشرف، وهذا المعنى يتحقق في أكمل الخليقة، فقد كان جلاله يبهر العيون، ويذيب القلوب.
وقد يقصد من العظمة: عِظَم القدر، والتناهي في خصال السؤدد والكمال، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوسع الناس في هذه العظمة مجالاً، وأبعدهم فيها أمداً، وأرسخهم فيها قدماً.
(3/ 1/208)

فلا جناح على من ينفي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العظمة قاصداً معنى التجبر والأبهة، أما من ينفي عنه العظمة -يقصد الجلال، ويقصد بلوغه في الكمال الأمد الأقصى-، فقد تنكَّب عن الحقيقة جانباً.
ولنأخذ - بعد هذا - في عرض القطع الموعودة على أسماعكم، وانظروا ماذا ترون.
قال صاحب المقال: "اليوم يذكر الناس مولد محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يذكر الناس محمداً إلا اتجهوا في البحث عن عظمته، ودرجته بين العظماء".
يريد صاحب المقال من الناس "الذين يذكرون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فيبحثون عن عظمته" القوم المسلمين، فإنه وصل هذه الفقرة بالحديث عن إيمان الناس بالعظمة، وافتتانهم بها، وعبادتهم لها في صور من العبادات، يرمز بهذا إلى حال المسلمين في إيمانهم بعظمته - صلوات الله عليه -، ونظرهم إلى مقامه الكريم بعين التوقير والإجلال. والناس الذين يذكرون محمداً -صلوات الله عليه -، فيتجهون إلى البحث عن عظمته صنفان: مؤمنون برسالته، وغير مؤمنين.
فأما الذين أشربوا في قلبهم الإيمان بأنه رسول الله حقاً، فإنهم يرفعون مقامه الأسمى عن أن يعقدوا بينه وبين العظماء -في نظر كاتب المقال- مقارنة ومقايسة، والميزان الذي يحمل في إحدى كفتيه النبوة والرسالة، تبقى كفته الأخرى طائشة إلا أن تحمل فيه سيرة نبي أو رسول.
وإنما ينظر المؤمنون في سيرة محمد - صلوات الله عليه -؛ ليزدادوا إيماناً فوق إيمانهم، أو ليكون لهم فيها أسوة حسنة، أو ليلقوا الارتياح الذي تلقاه النفوس الزكية تجتلي شيئاً من مظاهر الكمال والعظمة.
(3/ 1/209)

وأما من لم يهتدوا بدلائل، فإنهم يتجهون للبحث عن عظمته ودرجته بين العظماء، ولا نشك في أن الذين يدخلون البحث عن طريقه الحر لا ينصرفون عنه إلا وقد شهدوا من سيرة المصطفى - صلوات الله عليه - عظمة فائقة.
قال الفيلسوف (تومس كارليل) في كتاب "الأبطال": "وظنّي أنه لو أتيح للعرب بدل محمد قيصرٌ من القياصرة بتاجه وصولجانه، لما كان مصيبًا من طاعاتهم مقدار ما ناله محمد في ثوبه المرقع بيده، فكذلك تكون العظمة، وكذلك تكون الأبطال".
فالصنفان من المؤمنين وغير المؤمنين يبحثان عن عظمة محمد -صلوات الله عليه-، غير أن المؤمنين يبحثون عن وجوه عظمته؛ ليزدادوا إيمانًا، أو ليظفروا بموضع قوة، أو ليسلكوا قلوبهم في لذة، وغير المؤمنين يبحثون عن وجوه عظمته؛ ليتعرفوا عظمته ودرجته بين العظماء.
قال صاحب المقال: "ذلك بأن الناس ما برحوا منذ القدم يؤمنون بعظمة العظماء، ويعبدون في صور من العبادات، شتى مظاهر العظمة التي تخيلوها".
يؤمن القوم المسلمون بعظمة محمد - صلوات الله عليه -، ولا يكادون يتعدون بإيمانهم مقامه الذي شهدت به آثاره، ورسمت الآيات البيّنات حدوده، فهم ما برحوا يتهجدون بكتاب الله، ويتلون فيما يتهجدون أمثال قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1].
قوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].
والسنة الصحيحة مملوءة بالأحاديث التي تعلم المسلمين أن لا يغلوا
(3/ 1/210)

في عظمته، وأن لا يبالغوا في تعظيمه ساحة ما يسمى عبادة، فهم يدرسون فيما صحت روايته مثالَ قوله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتحدث عن عثمان بن مظعون -: "أما هو، فقد جاءه اليقين، والله! إني لأرجو له الخير، وما أدري والله وأنا رسول الله ما يُفعل بي".
فالناس يتخيلون لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة غير العظمة التي يَسَّره الله لها، وخلع عليه رداءها، فذكر العظمة المتخيلة وعبادتها غير لائق بمقام الحديث عن عظمة رسول الله، واتجاه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر مولده الكريم.
وإن وجد في الناس من يكبو في غلو، أو تصدر عنه كلمات جامعة عن السبيل، فهذا لا يسيغ لكاتب المقال أن يطلق القول في الذين يؤمنون بأن لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة؛ فإن السواد الأعظم من المسلمين يشهدون بعظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النحو الذي سنلقي إليكم حديثه بعد قليل، وما كانوا يعبدونه في أي صورة من صور العبادات، ولعل الكاتب اشتهى أن يرمي المسلمين بشأن أهل ملة أخرى، فلم يتحرج من أن يذكر بحث الناس عن عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلصق به على وجه التعليل الحديث عن إيمانهم بالعظمة المتخيلة، وعبادتهم لمظاهرها في صور من العبادات.
ذكر صاحب المقال أن هذه العبادة المتخيلة على أشكال متباينة، وقال: "فلكلٍّ في فهمها مذهبه، وله ما يهديه إليه الخيال، فللحكم ونفاذ الكلمة عظمةٌ يؤمن بها الملوك والحكام، ويعبدها الأذلاء والطامعون، وللغنى عظمة يؤمن بها الأغنياء، ويعبدها أشياعهم وأتباعهم، وللعلماء عظمة، ولها أيضاً عبادها، وللجمال عظمة يؤمن بها الغواني، وتهوي الجباه لها سجداً، وللصّ
(3/ 1/211)

الفاتك عظمة تخشع لجلالتها قلوب الملتفين من حوله، وبقيت بعد ذلك عظمة يؤمن بها أهل النبوغ في كل فن، وفي كل صفة، ولكل منها عبادها".
من ينازع المسلمين في أن لمحمد - صلوات الله عليه - عظمة لا سبيل له في البحث إلا أن يستبين المعنى الذي يسميه المسلمون عظمة، ويقيم الدليل على أنه خارج عن حد العظمة الصادقة؟.
وهل استبان كاتب المقال المعنى الذي يسميه المسلمون عظمة عندما يُذكر محمد - صلوات الله عليه -، ثم أقام الدليل على أنه ليس بعظمة؟!
كاتب المقال سرد أمثلة يتخيلها بعض الناس عظمة؛ كجمال الغواني، واللصوصية، ولم يستبن معنى العظمة في نظر المسلمين حين يضيفونها إلى المصطفى - صلوات الله عليه -.
والحقيقة أن الناس الذين يذكرون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، إنما يتجهون إلى البحث عن العظمة التي هي فخامة القدر، وبلوغ المنزلة الباهرة في الشرف والكمال. فعدُّ كاتبِ المقال اللصوصية، وجمال الغواني في مظاهر العظمة، وهو يتحدث عن العظمة التي يتجه إليها الناس عندما يذكر المصطفى - صلوات الله عليه - تظاهرٌ بذوق غير مألوف، وغفلة أو تغافل عن معنى العظمة التي تتجه إليها أنظار الباحثين عن سيرة نبي عظيم كسيرة محمد - عليه الصلاة والسلام -.
قال صاحب المقال: "لعل أحداً لا يستطيع أن يحدد ذلك المعنى المبهم المضطرب الذي يسميه الناس عظمة، ولكنه -على ذلك- لم يزل منذ القدم فتنة الناس كلهم، يتخذونه غاية يعملون لها، ويحسبونه ميزانًا يزنون به بين الرجال".
إذا فسدت أذواق فريق من الناس، فضلُّوا عن حقيقة العظمة الصادقة
(3/ 1/212)

حتى أصبحوا يتخيلونها في الخصال الدّنيئة كاللصوصية، فإن الناس الذين يبحثون عن عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنما يذهبون إلى وجوه السيادة والكمال، والفرق بين ما يعدّ كمالًا وشرفًا في الإنسان، وبين ما لا يدخل في هذا القبيل، سهل المأخذ، وما هو من الباحث المنصف ببعيد.
توصف الأشياء بالفضل، فيقال: هذا السيف أفضل من ذلك السيف، وهذه اللؤلؤة أفضل من تلك، وهذا الإنسان أفضل من ذلك الإنسان، ووجوه الفضل بين هذه الأنواع الثلاثة مختلفة. والمعروف لدى أهل العلم أن الفضل في كل شيء زيادته فيما هو كمال فيه، وكل شيء يكمل بالوصف الذي يمتاز به، ويراد منه، فكمال السيف في صرامته، وكمال اللؤلؤة في إضاءتها وصفائها، وكمال الإنسان في علمه الصحيح، وعمله الحكيم، ومنطقه البليغ.
فالعظمة التي يسمو بها قدر الإنسان بين العقلاء، وتوجُّه الناس إلى البحث عنها عند ذكر محمد - صلوات الله عليه - هي العظمة القائمة على الحكمة، وفصل الخطاب.
وإذا التبس الحال على بعض الناس، فحسب شيئاً من الآراء الباطلة علماً صحيحاً، أو تخيل بعض الأعمال المكروهة عملاً مستقيماً. أو عدَّ بعض الهذيان قولًا بليغاً، فقد وضعت النظم المنطقية، وفتحت بعض المناظر لكشف مثل هذا الالتباس.
على أن من الخصال والأعمال ما لا يختلف أولو الأحلام في كماله وحكمته، ومن هنالك رأينا كثيراً ممن لم يهتدوا بنبوة محمد - صلوات الله عليه - يشهدون بعلو شأنه، ويذكرون عظمته بمنتهى الإعجاب.
جرى ذكر (لوثر) لدى الفيلسوف (فولتير)، فقال: "إنه لا يستحق أن
(3/ 1/213)

يكون صانع أحذية عند محمد".
وقال الفيلسوف (توماس كارليل) في كتاب "الأبطال": "أتبين في محمد عقلاً راجحاً عظيماً، وعيناً بصيرة، وفؤاداً صادقاً، ورجلاً قوياً عبقرياً".
قال صاحب المقال: "لولا أن الناس قد فتنوا بدين العظمة، وعبادة العظماء، لما ساغ إذا ذكرت رسل الله، ومحمد خاصة، أن يبحث باحث في أنهم من العظماء، فذلك بحث ليس له موضع في مقام التحدث عن رجال النبوة والرسالة، والدعوة الخالصة إلى الله".
لو أراد صاحب المقال أن يخوض البحث في سيرة أهل العلم، لشرح معنى العظمة، ثم أقبل على الناس يبين لهم كيف لم يتحقق هذا المعنى في رسل الله، أو في محمد خاصة، وقد عرفتموه بأنه لم يزد على أن ذكر أن هناك عظمة متخيلة، وساق عليها أمثلة بعضها يدخل في حد العظمة؛ كالعلم، وبعضها لا يتصل بأسباب العظمة؛ كاللصوصية، ثم قال: إن معنى العظمة مبهم مضطرب، ليس في استطاعة أحد أن يحده، ووثب من هنا إلى دعوى أنه لا يسوغ لباحث أن يبحث في أن رسل الله، ومحمدًا خاصة من العظماء، وزعم أن هذا البحث ليس له موضع في مقام التحدث عن رجال النبوة والرسالة والدعوة إلى الله.
لنتساءل عن العظمة التي يحاول كاتب المقال أن ينفيها عن رسل الله، وعن محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
لا يصح تأويل هذه العظمة بمعنى: التجبر والخيلاء؛ إذ لم يبحث باحث في أن محمداً - صلوات الله عليه - من العظماء، ويعني: العظماء الجبارين المتكبرين، فكاتب المقال ينفي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العظمة التي يتجه
(3/ 1/214)

إليها الناس حين يذكرون مولده الكريم، وما كان ليخفى عن كاتب المقال أن العظمة التي يتجه إليها الناس في ذلك الحين إنما هي البلوغ في خصال الكمال وعظم القدر مرتبة قصوى.
قال صاحب المقال: "وما أبعدَ رسلَ الله الداعين إليه، وما أبعدَ محمداً خاصة، من أن يبالوا بتلك العظمة التي يعبد الناس، ومن أن يبالوا أكانوا عند الناس في مقام العظماء، أم دون ذلك".
لا تبالي رسلُ الله - ومحمد خاصة - بالعظمة التي تُتخيل في نحو اللصوصية، أما العظمة التي تتمثل في خصلة من خصال الشرف؛ كالعلم والشجاعة، فعظمة داخلةٌ في هداية الرسل -عليهم السلام-، وقد سمعتم كاتب المقال يذكر في مظاهر العظمة: العلم، وهذا المظهر مما عني به الإِسلام جهد العناية، فلا يليق برجل فتح بصره في القرآن - ولو قليلاً- أن يزعم أن محمداً - صلوات الله عليه - لا يبالي بعظمة العلم، ففي التنزيل الحكيم: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ولتجدن محمداً - صلى الله عليه وسلم - عظيماً في علمه، وما علمه النافع إلا مظهر من مظاهر عظمته البالغ حد الإعجاز.
قال صاحب المقال: "ومحمد هو الذي أبى للناس إلا أن يكونوا سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وإلا أن يكونوا على قدم المساواة، فكلهم لآدم، وآدم خلق من تراب، وأبى أن يكون في الناس عظماء وغير عظماء، وسواء فيهم من تزدريه الأعين، ومن يروق مناظره، وسواء فيهم السوقة والملوك".
ما كان لكاتب المقال أن يجلس للفصل في العظمة قبل أن يولي وجهه
(3/ 1/215)

شطر العظمة، يقول: إن محمداً أبى للناس إلا أن يكونوا سواسية، وإلا أن يكونوا على قدم المساواة، وسواء فيهم السوقة والملوك، وهذا القول لا يتصل بالعظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر المصطفى -صلوات الله عليه- ولا يقوم دليل أو شبه دليل على أنه - عليه السلام - لا يبالي بالعظمة الداخلة في حدود الشرف والكمال، بل كان - صلوات الله عليه - يجل هذه العظمة، ويدعو إلى التنافس في مثل هذه العظمة، وإنما كان ليمقت العظمة التي هي الزهو والأبهة، وهي التي كان ينهى عنها، وينذر سوء عاقبتها.
فمن الافتراءات على الإِسلام: أن يقول قائل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأبى للناس أن يكون فيهم عظماء على معنى: أنه يكره أن تكون فيهم العظمة التي يمتاز بها بعض الرجال، ويسميهم الناس من أجلها عظماء، فصاحب المقال نفسه يذكر في مظاهر العظمة: العلم، والنبوغ في الفنون والصنائع، أفيصح بعد هذا أن يزعم أن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يأبى للناس أن يكون فيهم عظماء؛ أي: بالغون في العلم مراتب سامية، أو نابغون في بعض الفنون والصنائع؟!.
لا يزعم هذا إلا من يجهد فكره بحشر حجج يطمع في أن يغير حقيقة الإِسلام، ويعرضها في صورة خالية من كل حكمة وعظمة.
نعم، جاء الإِسلام ليجعل الناس على قدم المساواة، ويجعل الملوك والسوقة في مستوى واحد، ومعنى هذا، أن يتمتع الناس بالحرية في نفوسهم وأموالهم، وأعراضهم وسائر حقوقهم، وأن يكون السوقة والملوك في نظر السلطة القضائية أو التنفيذية على السواء، وليس من المعقول أن تحمل المساواة في الإِسلام على معنى عدم التمايز بالعظمة التي تدرك بنحو العلم
(3/ 1/216)

النافع، والعمل الجلل، والخلق الكريم. فالإِسلام ليس هو الدين الذي يرضى لمعتنقه أن يكون كعجوز في محرابها بيدها سبحة، بل هو الدين الذي يسير بأوليائه في سبيل العزة والسيادة والعظمة، وقد جرت سنة الله بأن يكون الناس في هذا السبيل على درجات متفاوتة.
يسوق كاتب المقال حديث: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" مستشهدًا به على أن محمداً - عليه الصلاة والسلام - يأبى أن يكون في الناس عظماء، والحديث إنما ورد في مقام النهي عن العظمة التي هي بمعنى الفخر والكبرياء، وذلك لم يرده كاتب المقال؛ لأنه يجعل مدار حديثه على العظمة التي يبحث عنها الناس عند ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام -، لقد عرفتم وجوه هذه العظمة، ومن تفقه في التقوى، عرف أنها الوسيلة الكبرى للعظمة الصادقة؛ فإنها بذل الإنسان جهده وسعيه في طرق الفلاح، ومن تقوى الرجل الذي رزق ألمعية متوقدة، وهمة سامية: أن يقتحم الأخطار، ويقذف بنفسه في معالي الأمور، فإذا هو في جلال وعظمة، وإن لم يجد الزهو والكبر إلى نفسه منفذاً.
قال صاحب المقال: "لم يكن محمد بن عبد الله يؤمن بتلك العظمة الأرضية التي يؤمن الناس بها، وهي ذل للنفوس العالية، وشرك بالله رب العالمين".
لا نفتأ نذكر أن كاتب المقال يتحدث عن العظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها عندما يذكر محمد - صلوات الله عليه -. والناس لا يتجهون عندما يذكر محمد إلا إلى العظمة القائمة على معالي الأمور، وعظمة هذا شأنها، عظمة يأذن بها الله، ويدعو إليها رسله، وسموها بعد هذا أرضية إن شئتم، أو سماوية،
(3/ 1/217)

وليست هذه العظمة ذلاً للنفوس العالية، ولا شركاً بالله رب العالمين، وإنما ذلك شأن العظمة بمعنى: الكبرياء أو الأبهة، وهذا المعنى لا يتجه الناس إلى البحث عنه عندما يذكر المصطفى - صلوات الله عليه -.
ولا ننسى أن كاتب المقال قد ذكر في مظاهر العظمة: العلم، والنبوغ في فن أو صناعة، ومن ذا يستطيع أن يقول أو يتصور أن العلم والنبوغ في الفن أو الصناعة ذلّ للنفوس العالية، وشرك بالله رب العالمين؟!
كلا، ليس العلم والنبوغ في فن أو صناعة ذلاً للنفوس العالية، وشركاً بالله رب العالمين. وهذا شأن كل عظمة تقوم على شرف وخير.
قال صاحب المقال: "من كان يريد من عبَّاد الملْك وعظمته أن يضع محمداً بين عظماء الملوك، فما كان محمد ملكاً، ولا رضي أن يكون ملكاً، فإن أصر العائدون من أشباه العلماء على أن يعدُّوه مع الملوك، فهل يستطيعون أن يعدوا مملكة محمد إلا تلك الجزيرة الصغيرة جزيرة العرب؟ وأين جزيرة العرب من ملك الأقاصرة والأكاسرة؟ وأين ملك تلك الجزيرة بين ملوك الإمبراطوريات العظمى الذين بسطوا أيديهم فوق مشارق الأرض ومغاربها، وبحورها وجزائرها؟! ".
الناس في واد، والكاتب في واد، يرى الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بعقائد وآداب وشريعة، وإن هذه العقائد والآداب والشريعة هي سبيل الله الذي قام - عليه الصلاة والسلام - يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
وكانت بعثته تتناول القيام على هذه الآداب والنظم الاجتماعية، وحمل الناس عليها بالقضاء والتنفيذ، قال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]. وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
(3/ 1/218)

فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
جاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - بآداب ونظم اجتماعية، وكان يسوس الناس بهذه الآداب والنظم، ومن يدبر شؤون أمة، ويجري عليها قانون شريعة، فهو ولي أمرها، وبيده مقاليد سياستها، وهذه حقيقة جلية جلاء الشمس في رونق الضحى، ولكن كاتب المقال يرغب في أن تكون الأذهان خالية من هذه الحقيقة، فما كان إلا أن جاء إلى كلمة عهدها الناس محفوفة بالأبهة والزينة، وهي كلمة (ملك)، وأخذ يدعي أن أشباه العلماء يعدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملكاً، ونحن لا نعلم في العلماء أو أشباه العلماء من قال: إنه كان ملكاً، أو أطلق عليه اسم ملك. بل كان الناس يتحامون بهذا الاسم خلفاءه الراشدين.
وإنما كانوا يذكرون تلك الحقيقة الثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، وهي أن محمداً - صلوات الله عليه - مبعوث بشريعته، وأنه كان يقوم على تنفيذ هذه الشريعة.
ذهب كاتب المقال ينفي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظمة الحكم؛ بعلة أنه لم يكن له سلطان إلا على تلك الجزيرة الصغيرة جزيرة العرب. يقول هذا، كأنه لا يدري أن العظمة التي يتجه الناس إلى البحث عنها في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إنما هي العظمة التي تطمح إليها همم الفضلاء، وتجلها قلوب الحكماء.
يعلم الناس أن محمداً - صلوات الله عليه - لم يقم ليشيد ملكاً، ولم
(3/ 1/219)

يخطر على باله أن ينافس الملوك في عظمتها الأرضية، ولكن بعثه الله بالدين القيم، والشريعة الوسطى، وجعله القائم على هذه الشريعة لعهد نزول الوحي، وبعد أن تناسق عقدها، وتكاملت نجوم هدايتها، التحق - عليه السلام - بالرفيق الأعلى، وقد أورث القوم المسلمين شريعة قيمة، وسياسة رشيدة، فكانت دولتهم ذات عظمة تتضاءل أمامها كل عظمة.
أراد الله تعالى أن تكون حياة رسوله الأكرم بمقدار ما تدرك الهداية غايتها، وتملك الأمة قوة تحمي الدعوة من خصومها، واتفق أن جمعت الهداية أمرها، وبلغت القوة الكافية نصابها، يوم أصبحت راية الإِسلام تخفق على ربوع تلك (الجزيرة العربية) يوم نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وإذا خطر على بال أحد أن يضع بين محمد - صلوات الله عليه -، وبين بعض الملوك مقايسة، فإنه يذهب إليها من طريق العدل والمساواة، وينظر فيها من ناحية إخلاص الرعية، وما تحمله لولي أمرها من حسن الطاعة، مع رعاية بيئة الأمة وطبائعها، وتقدير السبيل الذي سلكها والي الأمر حتى أصبحت مقاليد أمة من الناس في قبضته.
فليبحث كاتب المقال هل يجد في تاريخ العالم رجلاً قام في أمة كهذه الأمة العربية في صعوبة مراسها، واختلاف قبائلها، وكثرة زعمائها، قام وليس بيده سلاح يفوق سلاحها، ولا جند أعرف بفن الحرب من رجالها، ولا مال أوفر مما في أيدي زعمائها. فجاهدها، وأخذها من جميع أطرافها في بضع سنين، ثم سار بها في خطة عدل ومساواة تشبه خطة سيدنا محمد الذي يقول:
(3/ 1/220)

"وأيْم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". ثم هو بعد ذلك يملأ العيون جلالًا، وتلقي إليه القلوب بالمودة وحسن الطاعة. إلى مثل هذا ينظر الذين يعدون في وجود عظمة الرسول - عليه الصلاة والسلام - حكمه العادل، وسياسته الحكيمة، وهم أكيس من أن ينظروا إلى سعة المملكة، وكثرة الجنود.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يضع محمداً بين عظماء أهل المال والغنى، فما كان فيهم إلا فقيراً مقلاً".
إن الذين يتجهون إلى البحث عن عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لا يعدون المال في مظاهر العظمة. وليس المال إلا وسيلة، إما إلى خير، وإما إلى شر، ولو أوتي رجل سعة من المال، فركض به في شهواته، ولم ينفقه إلا في لذة أو زينة، لكان البائسُ الفقير الذي يزيد عليه بمثقال من علم أو فضل أقربَ منه إلى العظمة.
وإذا لم يكن المصطفى - صلوات الله عليه - في ثروة وأموال تحف به في كل وقت، فإن الحال التي تمر عليه، وهو في كفاف من العيش، لا تختلف عن حاله يوم تنساق إليه الأموال ركامًا، فهو في حالتي كفافه ويساره يمثل الصبر والسكينة، والزهد والسخاء.
فالذين يبحثون عن عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجدونها في حال كفافه بمقدار ما يجدونها في حال يساره، شبرًا بشبر، وذراعاً بذراع. ولا يخدش الفقر والإقلال في عظمة الرجل إذا نهضت به الحكمة والعزم والإخلاص، وأرغم أنوف الطغاة أو الأغنياء الذين يمشون في الأرض مرحاً.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يضعه بين القواد الفاتحين،
(3/ 1/221)

فإنما بلده مكة، وهي أكبر ما فتح محمد من البلاد".
يتجه أولو الأبصار إلى البحث عن عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يخطر لهم على بال أن يوازنوا بينه وبين الفاتحين في عدد ما فتحوا من المدن أو الممالك، وإذا عدوا فتح مكة من مواقفه الشريفة، ومظاهر عظمته السامية، فلأنه عاقبة جهاد وصبر وثبات، ولأنه الفتح الذي أخذ به الإِسلام مهيباً به، وقطعت به الدعوة إلى الحق شوطاً واسعاً. والذي يفتح مدينة، فيملؤها إيماناً بعد شرك، وعدلاً بعد جور، وإصلاحًا بعد فساد، تكون عظمته في قلوب سراة الناس وحكمائهم فوق عظمة من يفتح المشرق أو المغرب، وهو يحمل في نفسه غطرسة، وفي يده إرهاقاً.
قال صاحب المقال: "ومن كان يريد أن يعده من كبار الفلاسفة والمخترعين والمكتشفين، فقد كان محمد أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وما كان بمخترع ولا مكتشف".
الاختراع والاكتشاف مما يناله الناس بالذكاء والمثابرة على البحث، وإنما جاء محمد - صلوات الله عليه - بحكمة وقفت دونها أنظار الأذكياء، وتخبطت في البحث عنها عقول الفلاسفة، وهي هذه الحقائق والآداب والنظم التي هي قوام الحياة الراقية، وملاك السعادة الخالدة، هذه هي العلوم التي اختار الله لها محمداً، فألقاها على الناس دروساً زكية، وليس من زينتها سيرة غراء، ولا يضره بعد هذا العلم وهذه السيرة أن لا يخترع من الحديد غواصة، أو لا يستكشف أثراً كان تحت الأرض غائباً.
وإذا اعترف الناس للفيلسوف الكاشف عن شيء من غوامض الطبائع المادية بالعظمة، فإن عظمة من يكشف عن الحقائق العقلية والفضائل النفسية
(3/ 1/222)

والصلات الأدبية والقواعد العمرانية أسنى مطلعاً، وأجلى مظهراً.
وتمادى صاحب المقال يخوض في لهو، ويجادل بعنف، ثم عاد فقال: "من كان يبتغي عظمة محمد، فإنما هي كلمة واحدة جاء بها محمد، وفيها كل عظمة يلتمسها الباحثون: لا إله إلا الله".
عظمة المصطفى - صلوات الله عليه - في كلمة واحدة جاء بها، وهي لا إله إلا الله!!!.
إن صاحب المقال يحاول أن يريكم القمر الزاهر في شكل درهم، فدعوه يتحدث عن كرم الخليقة كيف يشاء، واتجهوا في البحث عن عظمة الرسول الأكرم إلى سيرته المشهودة في القرآن والأخبار الثابتة.
من يبتغي عظمة الرجل بحق، فليبحث عنها في ناحية عقله وعلمه، وخلقه وإخلاصه، وعزمه وعمله وحسن بيانه، ولقد كان محمد - صلوات الله عليه- راجح العقل، غزير العلم، عظيم الخلق، خالص الإرادة، صادق العزم، جليل العمل، رائع البيان.
أما رجحان عقله، فمن دلائله - بعد اختصاص الله له بالرسالة -: أنه نشأ بين قوم يعبدون الأصنام، يتنافسون في مظاهر الأبهة والخيلاء، ينحطون في شهواتهم إلى المنزلة السفلى، فلم يكن لهذه البيئة المظلمة من أثر في نفس محمد - صلى الله عليه وسلم - قليل أو كثير، فانتبذ بين هذه الظلمات المتراكمة مكاناً يخلو فيه بنفسه، ويقدح فيه زناد فكره، ويناجي فيه ربه، فإذا نور النبوة يتلألأ بين جنبيه، وحكمة الله تتدفق بين شفتيه.
وأما علمه، فهو ما يزكي النفوس، وينقي الأبصار، ويرفع الأمم إلى ذروة العز والشرف، حتى تحرز الحياة الطيبة في الأولى، والسعادة الباقية في
(3/ 1/223)

الأخرى. ومن يتدبر القرآن والأحاديث الثابتة حتى يتفقه فيما انطويا عليه من حقائق وحكم وآداب، يلف رأسه حياء من أن ينفي عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عظمة العلم تحت اسم الفلسفة، متكئًا على أنه كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. وقد خرج من بين يدي محمد - صلى الله عليه وسلم - رجال عظماء، ولم يتلقوا من العلم غير ما كانوا يتلقونه في مجلسه من حكمته، فكانوا منبع علم وأدب، وأدركوا في حصافة الرأي وقوة الحجة الأمد الأقصى.
وأما خلقه، فهذه السيرة المستفيضة في القرآن، وعلى ألسنة الرواة وأقلامهم تنطق وتلوح بأنه كان - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى في كل خلق كريم، وبَسْطُ القول في هذا الصدد لا يغني فيه سفر، فضلاً عن محاضرة.
وأما إخلاصه، فقد كان صافي السريرة، لا يبغي إلا هدياً، ولا ينوي إلا إصلاحاً، والإخلاص روح العظمة، وقطب مدارها. وأقرب شاهد على إخلاصه في دعوته: أنه لم يحد عن سبيل الزهد في هذه الحياة قيد أنملة. فعيشه يوم كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايته البلاد العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك.
وأما صدق عزيمته، فقد قام - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى العدل ودين الحق، ويلقى من الطغاة والطغام أذى كثيراً، فيضرب عنه صفحًا أو عفواً، ويمضي في سبيل الدعوة، لا يأخذه يأس، ولا يقعد به ملل، ولا يثنيه جزع، وقد ظهر دين الله، وعلت حكمته بهذا العزم الذي تخمد النار ولا يخمد، وينام المشرفي ولا ينام.
وأما عمله، فتهجد وصيام، وتشريع وقضاء، ووعظ وإرشاد، وسياسة وجهاد، وهل من سيرة تبتغى لعظمة يرضى عنها الله، ويسعد بها البشر،
(3/ 1/224)

غير هذه السيرة؟!.
وهل يستطيع كاتب المقال أن يدلنا على رجل كان ناسكا مخلصاً، ومشرعاً حكيماً، وقاضياً عادلاً، ومرشداً ناصحاً، وواعظاً بليغاً، وسياسياً أميناً، ومجاهداً مصلحاً، وفاتحاً ظافراً، وسيداً تذوب في محبته القلوب، غير المصطفى - عليه الصلاة والسلام -؟.
وأما حسن بيانه، فقد أحرز - عليه الصلاة والسلام - من خصلتي الفصاحة والبلاغة الغاية التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا إن شئتم إلى مخاطباته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم، تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى.
عظمة انتظمت من هذه المزايا العالية، فبلغت حد الاعجاز، وكل درة في عقد حياة محمد - عليه الصلاة والسلام - معجزة.
وأذكر بهذه المناسبة بيتين ينسبان إلى صاحبنا الأستاذ محمد حبيب العبيدي مفتي الموصل لهذا العهد، وهما:
سيد الرسل ومن بعثته ... كست الكون بهاء وفخارا
قم إلى النور الذي جئت به ... أفترضى أن يصير النور نارا؟!
وكان أحد فضلاء الشام قد اقترح عليَّ تشطيرهما، فكان التشطير:
"سيد الرسل ومن بعثته" ... سطعت فانقلب الليل نهارا
سُلبت أمتك العز وكم ... "كست الكون بهاء وفخارا"
"قم إلى النور الذي جئت به" ... والورى في غسق الجهل حيارى
(3/ 1/225)

تلق نار الغيِّ تسطو حوله ... "أفترضى أن يصير النور نارا"
هذه منتهى المحاضرة، وندع دفع ما وسوس كاتب المقال في حكمة التوحيد إلى فرصة أخرى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]
(3/ 1/226)

الهجرة وشخصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1)
وقع في يدي الجزء الصادر في 30 مارس سنة 1942 من مجلة "الرسالة"، فأخذت أقلب صفحاته، حتى أتيت على عنوان كلمة استوقف نظري، والعنوان هو: "التشريع الإِسلامي الدائم والمؤقت"، فقرأت ما كتب تحته، فإذا هو الجمل التالية:
"كتب صديقي الأستاذ الجليل الشيخ محمود شلتوت مقالاً في عدد "الرسالة" الممتاز تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وليس المهم في هذا المقال تقسيم شخصيات الرسول، فذلك أمر يعرفه كل العلماء، وإنما المهم والجديد في هذا المقال: ما جاء فيه من توزيع أحكام الشريعة الإِسلامية على تلك الشخصيات، ومن جعل التشريع الدائم والمؤقت تابعاً لهذه الاعتبارات، وهذا أمر جديد لم يظهر إلا في عصرنا، وإذا أمكن الاتفاق عليه بيننا، أمكن حل مشاكلنا التشريعية، وزالت أكبر عقبة في سبيل وضع تشريع إسلامي يفي بحاجات المسلمين في هذا العصر، ولا يمكن أحداً أن يوجه إليه أي طعن.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد الرابع عشر الصادر في جمادى الآخرة سنة 1361، والجزء الأول من المجلد الخامس عشر الصادر في رجب سنة 1361.
(3/ 1/227)

"وخلاصة ما يرمي إليه المقال (يعني: مقال الشيخ شلتوت): أن الذي يعد شرعاً دائمًا: هو ما يرجع إلى شخصيات الرسول من العقائد، وأصول الأخلاق، والعبادات، وما عدا ذلك مما يرجع إلى شخصية الإمام أو المفتي أو القاضي، فليس بشرع دائم، وإنما هو شرع مؤقت يمكن أن يتأثر بالاجتهاد، وأن يترك العمل به لسبب من الأسباب". والتوقيع "عالم".
قرأت هذه الكلمة، فدعتني بإلحاح إلى أن أطلع على مقال الأستاذ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء، ووكيل كلية الشريعة؛ لأتبين أمر هذا الذي يعزوه إليه كاتب تلك الكلمة، فأحضرت ذلك المقال المنشور تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وقرأته قراءة خالي الذهن مما قيل فيه، فما لبثت أن لاقتني جمل صيغت في قالب ذي وجهين، وأطلَّت عليَّ آراء قلت لما لمحتها: أما وجدت هذه الآراء وادياً غير هذا الوادي، أو عهداً غير هذا العهد؟ وأمسكت بالقلم ناقداً لها بعدل، مناقشاً لها بإنصاف.
وسأرسلك - بتوفيق الله تعالى - الطريقة التي اخترتها لنفسي في مناقشة ما يبدو لي أنه جدير بالمناقشة، فأنقل عبارات كاتب المقال بأعيانها؛ لأسير أنا والقارئ في النقد جنباً لجنب، ولا أظلم صاحب المقال، ولا أظلم الحق أو العلم.

* اتجاه الوحي بمكة:
ذكر كاتب المقال: "أن الوحي كان له اتجاهان: اتجاه قبل الهجرة، واتجاه بعدها، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يساير الوحي في هذين الاتجاهين، ويحتفظ بما يؤدي إلى الغاية منهما، وابتدأ بالحديث عن اتجاه الوحي في مكة، ثم
(3/ 1/228)

اتجاه النبي - عليه الصلاة والسلام - فيها، فقال:
كان الوحي يدور أولاً حول تحديد الدعوة، وبيان الغرض منها، ولفت الأنظار إلى أدلتها، وذكر ما ينفع فيها من قصص الأولين، وعبر الماضين، وتسلية الرسول، وتحري عوامل القوة الروحية في نفسه، وتعويده عدم الاكتراث بما يجابه به من الإيذاء والتكذيب والاضطهاد، وقد اتجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الناحية في تفكيره وأعماله وأقواله وسائر تصرفاته، يبلغ الدعوة، ويعالج الصبر على الإيذاء في سبيلها، ويحاول جمع القلوب حولها، ويرسم للناس دائرتها، ويركز أصولها في النفوس، ويعمل على إيجاد بيئة إسلامية صالحة لما يرد عليها فيما بعد من مبادئ التشريع".
تحدث الكاتب عن اتجاه الوحي بمكة، وذكر أنه كان يدور حول تحديد الدعوة، وحدثنا عن اتجاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر أنه كان يرسم دائرة الدعوة، ولم يفصح الكاتب هنا عن وجه تحديدها، أو رسم دائرتها، وستمر بنا جمل من مقاله تلوح إلى حدود وظيفة الرسول السماوية، وتجعلها في دائرة أضيق من دائرتها، وسنناقشها برفق، وندفع شبهتها بحجَّة.
قال الكاتب: "إن الوحي في مكة كان يدور حول تحديد الدعوة، وبيان الغرض منها، ولفت الأنظار إلى أدلتها". وهذه الجمل تخيل إلى القارئ أن الوحي في مكة وقف دون شرع الأحكام العملية، وأن مبادئ التشريع إنما تناولها الوحي بالمدينة، والواقع أن الوحي بمكة قد شرع أحكامًا ترجع إلى العبادات، وأخرى إلى العادات أو المعاملات: شرعت هنالك الصلوات الخمس، ونزل الوحي فيما يحل ويحرم من المطعومات، ووردت آيات وأحاديث في الأمر بأعمال صالحة؛ كسد حاجات الفقراء، وأخرى في النهي
(3/ 1/229)

عن أعمال خاسرة؛ كالظلم، وقتل النفس، والزنا، وما يشبه الزنا، والسرقة والنهب، ونقص الكيل والميزان، والإسراف في الإنفاق، والتصرف في مال اليتيم بغير حق.
وكانت المعاملات من نحو النكاح والعتق والبيع والإجارة والهبة تقع من العرب على وجوه، فإذا صحت الرواية بأن شيئاً منها وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو من غيره من الصحابة بمكة، وهو يعلم، عدَّ الوجه الذي وقعت عليه تقريراً من الشارع، وساغ لمن يبحث في تاريخ التشريع أن بدخله في حساب المشروعات المكية، ونرى علماء الشريعة يستشهدون بأحاديث مكية على طائفة من أحكام المعاملات، كما استشهدوا على صحة عقد نكاح غير البالغة بعقد النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنها - وهي بنت ست سنين، واستشهدوا على صحة عمل المسلم لغير المسلم على وجه الإجارة دون أن يتخذه خادماً في منزله الخاص، بصنع خباب الصحابي سيفاً للعاص بن وائل.
ونزل الوحي في مكة بأوامر ونواه تم تفصيل ما أمرت به أو نهت عنه في المدينة، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90]، وقولى تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] , وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
وقد تنزل آيات في نحو الوعيد أو الوعد أو الامتنان، متضمنة بطريق الاقتضاء أحكاماً شرعية يقصد إليها المجتهدون بالاستنباط، ويذكرونها في
(3/ 1/230)

مآخذ الأحكام، وقد اشتمل الوحي بمكة على طائفة من الأحكام الواردة على هذا الوجه من الدلالة؛ كما يستنبط عدم مؤاخذة الرجل بجريرة قريب من نحو والد أو ولد من قوله تعالى فيما نزل بمكة: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
ونبهت الآيات المكية على قواعد يرجع إليها المجتهدون في تقرير أحكام كثير من الوقائع، كقاعدة: سد الذرائع المنبه لها بقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وقاعدة: العفو عما يقال أو يفعل تحت إكراه، المنبَّه لها بقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، وقاعدة: الضرورات تبح المحظورات المنبَّه لها بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].
ولو تمسكنا بكل آية قال فيها طائفة من أهل العلم: إنها نزلت بمكة، وخالفهم فيها آخرون، لجمعنا أحكاماً كثيرة، وأصولاً غير ما ذكرنا.
والأئمة الذين يرون أن شرع من قبلنا -الذي يقصه علينا القرآن، أو الحديث الصحيح- شرع لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه، يجدون في قصص الأنبياء التي نزلت بمكة أحكاماً وأصولاً ترجع طائفة منها إلى المعاملات، وشؤون الاجتماع، وسياسة القضاء.
ويستبين من هذا: أن الوحي بمكة لم يمض عهده إلا وقد قطع شوطاً واسعاً فيما جاء له من التعبد والتشريع، فلا يحسن من المتحدث عن ذلك العهد أن يصرف النظر عما بناه الوحي فيه من أحكام وأصول، ولا ينبه له في حديثه عن سيرة الدعوة.
(3/ 1/231)

ذكر الكاتب أن للوحي اتجاهاً، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - اتجاهاً، وجعل من آثار اتجاه النبي - عليه الصلاة والسلام - العمل على إيجاد بيئة إسلامية صالحة لما يرد عليها بعد من مبادئ التشريع، والواقع أن للوحي في هذا العمل فضل الآمر به، وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قد قال: "لما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى"، وذكر كيف كانوا يأتون مجالس العرب (1).
وكان - عليه الصلاة والسلام - ينتظر بالهجرة من مكة إلى المدينة إذن الله فيها، ولم يقدم عليها حتى جاءه الوحي، وهذا ابن عباس كانه قد قال: "بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أُمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين (2) ". وهذه عائشة -رضي الله عنها- تقول: "تجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: "وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ " قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه، وقالت: "ولما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر في نحر الظهيرة متقنعاً، ودخل عليه، قال له: "فإني قد أُذن لي في الخروج (3) "، وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله أمره بالهجرة إلى المدينة، أو بسكناها إذ قال: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة" (4).
__________
(1) أخرجه الحاكم، وأبو نعيم، والبيهقيُّ في "الدلائل".
(2) "صحيح البخاري".
(3) "صحيح البخاري".
(4) "صحيح البخاري".
(3/ 1/232)

* اتجاه الوحي بالمدينة:
قال كاتب المقال: "لما تمت الهجرة، دخلت الدعوة في عهد جديد تكونت به للمسلمين وحدة اقتضت معاملات ونظماً اجتماعية تمتاز بها عن سائر الجماعات".
"وبعد ذلك الحين اتجه الوحي إلى جهة أخرى تسير مع مقتضيات الحالة الجديدة، وتلبي مطالب هذه الأمة الناشئة، واتجه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الاتجاه نفسه، فأضيف بذلك إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى، فكان إماماً للمسلمين، يسوسهم، ويرعى دولتهم، وينظم شؤونهم، وكان مفتياً يجيبهم عما يسألون، ويعلمهم ما يجهلون، وكان قاضياً يفصل في خصوماتهم، ويقضي بينهم معتمدًا على ما يظهر به الحق من البينات والأدلة".
ذكر الكاتب العهد الجديد الذي تكونت به للمسلمين وحدة معاملات، ونظم اجتماعية، ووصف الوحي بأنه اتجه إلى جهة تسير مع مقتضيات هذه الحالة الجديدة، ثم وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه اتجه هذا الاتجاه نفسه، وتخلص من هذا إلى أنه قد أضيف إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى هي: الإمامة والفتوى والقضاء، وإليك ما نفهمه من تلبية الجهة التي اتجه إليها الوحي لمطالب هذه الأمة الناشئة:
أراد الله تعالى أن يهدي الناس - أينما وجدوا ومتى وجدوا - طريق الحق والإصلاح، وأن تكون هدايتهم بطريق رسالة عامة، لباسها الحكمة، وزينتها البلاغة، ونصيرها الحجة، واصطفى لهذه الرسالة محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ يمده بالوحي الفينة بعد الفينة، إلى أن تكامل الدين، وانتظمت الشريعة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]، وكان من حكمة الوحي
(3/ 1/233)

أن يلقن الناس أحكام العبادات والمعاملات وشؤون الاجتماع رويداً رويداً؛ ليخف عليهم أمرها، ويسهل عليهم حفظها، فيصلحوا بها سير حياتهم، ويسوسوا بها غيرهم من الجماعات ما استطاعوا السبيل إلى إبلاغها وإنفاذها، وكان من حكمة الوحي: أن اتخذ من حالة الأمة الناشئة لذلك العهد أسباباً لورود الأحكام التي جاء بها؛ لتكون شريعة عامة خالدة، فإذا لبّى الوحي مطالب هذه الأمة الناشئة، فقد لبَّاها بتشريع ذي نصوص وأصول يقصد منها إصلاح حال كل أمة أينما وجدت، ومتى وجدت.
ثم إن الكاتب إذ ذكر اتجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقابلة اتجاه الوحي يريد: الاتجاه الذي يصدر عنه "بحق بشريته"، وقد انتقل من ذكره اتجاه النبي - عليه الصلاة والسلام - في المدينة بطريق حرف الترتيب والتعقيب إلى أنه أضيف له وظائف أخرى، ولا ندري: أيريد الكاتب أن هذه الوظائف أضيفت إليه من اتجاهه خاصة، أو يريد: أنها أضيفت إليه من اتجاهه واتجاه الوحي؟ فإنه يقول: "فأضيف بذلك إلى وظيفته في التبليغ وظائف أخرى"، فاسم الإشارة في قوله: "بذلك" ظاهر في عوده إلى اتجاه النبي - عليه الصلاة والسلام - وحده، ومحتمل لأن يعود إلى اتجاهه واتجاه الوحي بحمل ما يشار به إلى المفرد على أنه مشار به إلى اثنين، أما جعل هذه الوظائف صادرة من اتجاهه وحده، فغير معقول، والقرآن شاهد بأنه تولى الإمامة والقضاء بوحي؛ على ما نحدثك به من بعد، وليست الفتوى إلا تعريفًا للحكم الشرعي، فهي ظاهرة في معنى التبليغ المأمور به في مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67].
وإذا أراد الكاتب أن هذه الوظائف أضيفت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من اتجاهه
(3/ 1/234)

خاصة، فقد التقى من قريب بمن حاول أن يقصر مهمة الرسول السماوية على البلاإ دون التنفيذ، وقال: "إن عمله السماوي لا يتجاوز حدود البلاع المجرد من كل معاني السلطان" (1).
ومن الحق أن تكون هذه الوظائف الثلاث موصولة بالاتجاهين على معنى: أن الوحي اتجه إليها اتجاه تشريع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - اتجه إليها اتجاه الفاهم لنصوص الوحي ومقاصده، والمنفذ لها بحق.
قال كاتب المقال: "وقد صدرت عنه - صلى الله عليه وسلم - في جو هذه الحياة الجديدة أقوال وأفعال وتصرفات مختلفة، عني بها المسلمون عناية فائقة هي مضرب الأمثال في عناية الأمم بتاريخ عظمائها، وتتبع آثارهم، دوَّنوها، وشرحوها، وضبطوا ألفاظها، وألَّفوا المعاجم في شرح غريبها، واهتموا بتفهم أسرارها، وتبين أغراضها، حتى كان من آثار ذلك: أن نشأت علوم خاصة تعرف "بعلوم السنَّة"؛ من رواية ودراية، وتجريح وتعديل، وناسخ ومنسوخ، وغير ذلك".
يقول الكاتب: إن المسلمين عنوا بما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جو تلك الحياة الجديدة، والمعروف أن المسلمين عنوا بما صدر عنه في حياته قبل الهجرة وبعدها، وكتب السنّة عامرة بأقوال وأفعال صدرت منه - عليه الصلاة والسلام - بمكة قبل الهجرة، وهذه الأقوال والأفعال داخلة فيما دوَّنوه، وشرحوه، وضبطوا ألفاظه، واهتموا بتفهم أسراره، وتبين أغراضه، ولا يغيب عن أحد تتبعَ السيرة في مواردها الصحيحة: أن كثيراً من أقواله - عليه الصلاة والسلام -، وأفعاله بمكة كان لها أثر كبير في بناء عظمته، وتثبيت رسالته،
__________
(1) كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق. وللإمام كتاب الرد عليه "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم".
(3/ 1/235)

وتأسيس شريعته، فالواقع أن علوم السنة ناشئة عن تدوين ما صدر في حياته بمكة والمدينة.
قال كاتب المقال: "يهم الناظر في التشريع الإِسلامي أن يعرف هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يروى عنه من هذه الأقوال وتلك الأفعال والتصرفات مصدرًا عن الوحي، ناطقًا بلسانه، أو كان له - إلى جانب الوحي - فيها تفكير ونظر واجتهاد؟ ذلك ما نريد معالجته في هذا البحث".
قد عالج علماء الإِسلام هذه الناحية من السيرة، وأسهبوا فيها القول حتى بلغوا الغاية، ورأيناهم قد قسموا أقواله وأفعاله إلى ما كان صادراً عنه من حيث إنه رسول يوحى إليه، وما كان صادراً عنه من ناحية أنه بشر يفكر ويجتهد، وسنتناول هذه المسألة فيما بعد بتفصيل حتى تستبين وجهة نظر العلماء فيها، ويتضح الفرق بين معالجتهم لها، ومعالجة كاتب المقال.
قال كاتب المقال: "يرى بعض العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلِّغ عن الله فقط، تنحصر مهمته في تبليغ الوحي، وما يتصل به من بيان على الوجه الذي ضمنه الله بقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18، 19].
ويرون أن صفة الرسالة فيه غلبت على صفة البشرية، وأنه -عليه الصلاة والسلام - تمحض في استعداده لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة، معتمدين في ذلك على ما فهموا من قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، بعد قوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3] ".
لا ندري مَن هؤلاء العلماء الذين يرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلّغ عن الله فقط، وأنه تمحض في استعداده لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة؛ فإن علماء الإِسلام مجمعون على أن من أقواله وأفعاله ما لم يصدر عن وحي، وسنقيم على هذا
(3/ 1/236)

شواهد من بعد.
وهذا الذي نسبه كاتب المقال إلى بعض العلماء، قد نسبه الدكتور زكي مبارك إلى المسلمين، فقال في مقال نشر في مجلة "الرسالة" (1): "إن المسلمين يجعلونه رسولاً في جميع الأحوال، فهو لا يتقدم ولا يتأخر إلا بوحي من الله، ولا يأخذ ولا يدع إلا بإشارة من جبريل، ومعنى ذلك: أن شخصية محمد في جميع نواحيها شخصية نبوية لا إنسانية".
قال كاتب المقال: "رأوا هذا، ورتبوا عليه أن كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شريعة من الله رب العالمين، لها صفة الدوام والبقاء إلى يوم الدين، والناس مخاطبون بها في كل زمان ومكان، لا يجوز لهم أن يحيدوا عنها، قيد شعرة، ومن حاد عنها أو سوغ لنفسه أن يتصرف فيها، فذلك خارج على شريعة الله، مخالف عن أمر الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين".
من المحتمل أن توجد طائفة من العلماء يقولون: إن كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شريعة من الله رب العالمين، وليس من المحتمل أن توجد طائفة من العلماء يجعلون كل ما أثر عنه - عليه الصلاة والسلام - من قبيل ما لا يجوز للناس أن يحيدوا عنه قيد شعرة، ويحكمون على من حاد عنه بأنه خارج عن شريعة الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين.
أفلا يعلم هؤلاء العلماء أن في الشريعة واجبات ومندوبات ومباحات، وأن المندوبات والمباحات لا يصح أن يقال فيمن تركها: إنه خارج على شريعة الله، غير جدير بأن يكون من المؤمنين؟!
__________
(1) جزء المحرم سنة 1358.
(3/ 1/237)

قال كاتب المقال: "يقولون ذلك، ويتشدودن فيه، ولا يفرقون بين أقواله وأفعاله، وأحكامه وأقضيته وسائر تصرفاته في العبادات والمدنيات، والجنايات والطب والسياسة والحروب والعادات، والزي واللباس، وآداب الطعام والشراب، والجلوس والسير في الطريق، وما يكون من الأحوال الشخصية والمسائل الجنسية، وغير ذلك، فكل هذا وحي من الله، بعضه ظاهر، وبعضه باطن، وكله شرع محكم، ودين متبع، لا يجوز الخروج عليه، والتصرف فيه".
من ذا يعقل أن طائفة من العلماء يقولون: إن جميع أقواله - صلى الله عليه وسلم - وحي من الله، وشريعة محكمة، وهم يجدون أمامهم - متى كانوا من العلماء - أحاديث يخبر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء شاهدها بعينه، أو سمعها بأذنه، أو أحسها بوجدانه؛ كالحب والبغض، والسرور والحزن، والعطش والجوع، وأحاديث يوجهها الأشخاص في صيغة استفهام، وأحاديث يقول فيها: أظن كذا، إلى غير ذلك مما لا يقول عالم أو غير عالم: إنه لا يصدر إلا عن وحي.
وأما أفعاله - عليه الصلاة والسلام -، فإنا نجد علماء الأصول يفرقون بين ما كان جبلَّة، أو عادة، وبين ما كان فيه معنى القربة، ويقولون: ما كان جبلَّة، فهو غير داخل فيما يطالب الناس بالاقتداء به، ومنهم من يذكر هذا، ولا يحكي فيه خلافاً؛ كما فعل إمام الحرمين في "البرهان" إذ قال: "والأفعال الجبلية؛ كالسكون والحركة، والقيام والقعود، وما ضاهاها من تغاير أطوار الناس، فإذا ظهر ذلك، فلا استمساك بهذا الفن من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، قال هذا، ولم يحك فيه خلافاً، مع عنايته بذكر ما يقع في مسائل الأصول من اختلاف،
(3/ 1/238)

ومنهم من يذكر هذا النوع من أفعاله، وينفي أن يكون فيه نزل؛ كما فعل الآمدي، والأسنوي، ومنهم من ينفي أن يكون فيه خلاف؛ كما فعل عبد العزيز البخاري شارح "أصول البزدوي"، ومنهم من يحكي الاتفاق عليه كما فعل صاحب "مسلم الثبوت".
وحكى بعض الأصوليين أن فيما ظهر فيه أمر العادة قولاً بأنه مندوب إليه، وهو قول شاذ، ولشذوذه أهمله كثير من الأصوليين، فلم يذكروه في كتبهم، وروي عن ابن عمر: أنه كان يحاكي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا النوع من العاديات، كما كان يتحرى مواطن وقوفه ومشيه، ويتحرى منازله وطرق سيره في الحج، ولهذه المحاكاة وجه آخر غير الندب، وهو التبرك بالتشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو فيما يفعله على أنه عادة.
والراسخون في علم الشريعة يفرقون في أفعاله - عليه الصلاة والسلام - بين ما كان من قبيل الشرعيات، وما كان من قبل الجبلَّةِ أو العادات، ويبنون على هذه التفرقة: المطالبة بالاقتداء، وعدم المطالبة به، وقد تختلف أنظارهم في بعض أفعاله - صلى الله عليه وسلم -، فيراها بعضهم من قبيل الشرعيات، فتكون موضع القدوة، ويراها آخرون من الجبلَّات أو العادات، فلا تدخل في قبيل ما يقتدى به، وكثيراً ما يجري هذا الاختلاف في أفعال تقترن بعبادات؛ كضجعته - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة الفجر، وركوبه في الوقوف بعرفه، وجلسة الاستراحة بين السجدة والقيام لركعة ثانية أو رابعة. وقد تختلف أنظارهم في فعل من أفعاله لا يتصل بعبادة؛ كإرساله - عليه الصلاة والسلام - شعر رأسه إلى أذنيه، إذ ذهب طائفة إلى أن هذا الفعل من السنَّة، وذهب آخرون إلى أنه من قبيل العادة، وهو الراجح فيما نرى.
(3/ 1/239)

وإذا كان العلماء قد فرقوا بين ما يفعله على أنه شرع، وما يفعله على أنه جبلَّة وعادة، فإن التفرقة في أقواله بين ما يصدر على أنه عادة، وما يصدر على أنه شرع، أيسر وأقرب إلى الفهم، والاشتباه فيها أقل من الاشتباه في الأفعال؛ فإن في الأقوال التصريح بحرمة الشيء أو الإذن فيه، وفيها صيغتا الأمر والنهي، وفيها مدح الأفعال أو ذمها، وفيها الوعد بالثواب على الفعل، والوعيد بالعقاب على الترك، وقد يجيء القول في صيغة الخبر، وهو مقترن بلفظ أو حال يصرفه إلى الطلب أو النهي، وهذه طرق معروفة في التشريع، وإنما يجري الخلاف في وجه الطلب: هل هو الإيجاب، أو الندب؟ أو في وجه النهي: هل هو الحرمة، أو الكراهة؟
فإن قال الكاتب: أنكر على هذه الطائفة أن تعمد إلى الأقوال التي تحتمل أن تكون عن اجتهاد، فيجعلوها كلها من قبيل الوحي، قلنا له: المعروف في كتب الأصول: أن طائفة ينكرون أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبداً بالاجتهاد، ويذهبون إلى أنه لا يقول إلا عن وحي، ويستدلون لهذا المذهب بآية: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، وإيراد الأصوليين كلمة التعبد في طرح المسألة، ظاهر في أن موضع الخلاف هو الاختلاف العائد إلى الأحكام الشرعية دون الأمور الدنيوية، وقد صرح بذلك الإمام الغزالي في كتاب "المستصفى" عند ذى الخلاف في اجتهاده - عليه الصلاة والسلام - وسوقه لأدلة القائلين باجتهاده التي من جملتها: واقعة نزوله دون المياه في غزوة بدر، فقال: "أما المنزل، فذلك اجتهاد في مصالح الدنيا، وذلك جائز بلا خلاف، إنما الخلاف في أمور الدين".
وتحدث كاتب المقال عن هذه الطائفة التي تقول: إن كل أفعاله وأقواله
(3/ 1/240)

وسائر تصرفاته وحي، ونسب إليها أنها تقول: "كل هذا وحي من الله، بعضه ظاهر، وبعضه باطن". وتقسيم الوحي إلى ظاهر وباطن اصطلاح معروف عند بعض الأصوليين الذين يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد، ويفسرون الوحي الظاهر بما ينزل به المَلَك بلفظه، أو ما يقذفه المَلَك في القلب، وهو المشار إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن روح القدس نفث في روعي"، أو ما يبدو للقلب بإلهام من الله تعالى؛ ويفسرون الوحي الباطن بما ينال باتجهاد الرأي بالتأمل في الأحكام المنصوصة؛ وإنما جعل اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحيًا باطنًا؛ لأن إقراره عليه يدل على أن الأحكام الصادرة عنه حق لا مرية فيه؛ كالأحكام الثابتة بطريق من طريق الوحي المشار إليها آنفاً، ومن هؤلاء من يجعل الوحي الباطن: الإلهام والاجتهاد.
فتقسيم الوحي إلى ظاهر وباطن صادر ممن يقولون باجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والكاتب ينسبه إلى الطائفة التي تقول: إن كل أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي من الله. قال كاتب المقال: "وقد تجد قوماً منهم يستثنون من ذلك بعض الأشياء التي لا تتصل بالنواحي التشريعية؛ كرأيه - صلى الله عليه وسلم - في تأبير النخل، أو في اختيار مكان ينزلون فيه للحرب، أو نحو ذلك، ولكنهم حين يتحدثون عن هذا الاستثناء يحتاطون في الأمر تمام الاحتياط، فيضيقون دائرته، ولا يتسعون فيه".
الذين يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم إلا عن وحي يجعلون موضوع كلامهم الأحكام الشرعية، ولا ينكرون أن يتكلم - عليه الصلاة والسلام - بما يراه من أمور الدنيا أو أمور الحرب؛ كما نرى هذا في مؤلفات ابن حزم، فهم يستثنون الأشياء التي لا تتصل بالنواحي التشريعية، وقد اختار الكاتب
(3/ 1/241)

أن يأتي لاجتهاد النبي - عليه الصلاة والسلام - في غير الشرعيات بمثالين، هما: تأبير النخل، واختيار مكان للنزول في الحرب، والمثالان يساقان على أنه - عليه الصلاة والسلام - قد يعرض لاجتهاده في غير الشرعيات خطأ، ولكن هذا الخطأ لا يستمر، بل ينقطع بتنبيهه له - عليه الصلاة والسلام -، أو بتنبهه له من نفسه.
أما واقعة تأبير النخل: فحديثها: أنه - عليه الصلاة والسلام - مر على قوم بالمدينة يلقحون (1) نخلًا، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ "، فقالوا: يلقحون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أظن يغني ذلك شيئاً"، فأُخبروا بذلك، فتركوه، فخرجت شِيصًا (2)، فذُكر ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك، فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به". وفي رواية أنه قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
فالحديث لم يأت فيه أنه نهاهم عن التأبير، وإنما قال: "ما أظن يغني ذلك شيئاً"، وفي رواية: "لعلكم لو لم تفعلوا، كان خيراً". والتعبير بالظن، أو بحرف الترجي المفيد للظن، صريح في أنه لم يكن بصدد تقرير حكم شرعي، وإنما هو إبداء رأي في أمر دنيوي، وعدم موافقة ظنه لما يعرفه أهل فن الفلاحة، لا يمس مقام نبوته الرفيع بشيء؛ إذ ليس من شرط صحة النبوة أو كمالها أن يكون صاحبها عارفًا بالشؤون الدنيوية البحتة، مصيبَ الظن في كل ما يتكلم فيه على وجه الظن.
وأما واقعة اختياره مكاناً للنزول في الحرب، فسيأتي بحثها حيث
__________
(1) يجعلون الذكر في الأنثى، فتلقح.
(2) الشيص: تمر لم يتم نضجه؛ لسوء تأبيره.
(3/ 1/242)

أوردها الكاتب شاهداً على أنه - عليه الصلاة والسلام - نزل على اجتهاد غيره.
يقول الكاتب: "ولكنهم حين يتحدثون عن هذا الاستثناء يحتاطون في الأمر تمام الاحتياط، فيضيقون دائرته، ولا يتوسعون فيه".
قد رأيت أن هؤلاء القوم ينكرون اجتهاده - عليه الصلاة والسلام - في الأحكام الشرعية، ويقولون: إنه قد يتكلم في أمور الدنيا وأمور الحرب عن رأي، لا عن وحي، ولا ندري ماذا يريد الكاتب منهم إذا أنكر عليهم الاحتياط في أمر هذا الاستثناء، ووصفهم بأنهم ضيقوا دائرته، ولم يتوسعوا فيه؟
قال كاتب المقال: "لقد جاءت الشريعة الإِسلامية بالاجتهاد، وأمر الله عباده أولي الأبصار بأن يعتبروا، وينظروا ويتدبروا كتابه، وقد كان الاجتهاد سنة الأنبياء والمرسلين من قبل، والقرآن يحدثنا بذلك عنهم؛ كما في شأن يحيى إذ آتاه الحكم صبيًا. وكما في قصة داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وقد ذكر الله جملة من أنبيائه ورسله، وأثبت لهم جميعاً هذا المعنى بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89]. ثم قال لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - في الآيات نفسها: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
لما أراد الكاتب أن يتحدث عن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكر طائفة وصفها بأنها تقول: إن أفعاله - عليه الصلاة والسلام - وأقواله وسائر تصرفاته وحي، وأطلق لقلمه العنان حتى أظهرها للناس أنها متغالية إلى حد بعيد، ثم ذكر أن قوماً من العلماء يستثنون من ذلك بعض الأشياء التي لا تتصل بالنواحي التشريعية، ثم أخذ في هذه الجمل يتحدث عن اجتهاد النبي حديث من يحاول
(3/ 1/243)

أن يكون له فيه رأي، ولم يذكر الكاتب مذهباً مشهوراً في الأصول هو أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قد يجتهد في الأحكام الشرعية، بَلْهَ أمورَ الدنيا وأمور الحرب.
ونحن لا نطالب الكاتب في مسألة أن يحكي كل قول جرى فيها، ولا نطالبه في كل رأي أراد إفادته للناس أن ينسبه إلى من سبقه به، ولكنا نؤاخذه بأن يأتي إلى مسألة ذات أقوال، ويعمد إلى القول الذي يراه ضعيفًا، فيخصه بالذكر، ويصب عليه عبارات تزيده ضعفا على ضعفه، ويدع أن يذكر بجانبه القول الذي يرى له وجهًا من الرجحان، ثم يقبل على الناس، ويقرر لهم القول الراجح كأنه ابتكره، أو يقرر لهم رأيًا ابتدعه، على أمل أن يكون لتشويهه الرأي الذي عرضه أولاً أثر في تلقي رأيه بالقبول.
أما اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإما أن يكون في مصالح الدنيا، وهذا ما لا نزاع فيه، وإما أن يكون في تقرير حكم شرعي، وهذا ما اختلفت فيه أنظار الأصوليين والفقهاء، فمنعته طائفة، منهم: ابن حزم، وأجازته طائفة، بل قالت بوقوعه، وهو المشهور بين أهل العلم، وتوقفت فيه طائفة، منهم: الإمام الغزالي؛ إذ تشابهت عليهم الأدلة، ولم تسفر مناظرة المانعين والمجيزين - فيما تراءى لهم - عن قول حاسم.
ونحن لا نمانع من أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اجتهد في تقرير بعض الأمور الشرعية، وإنما ننازع في أشياء كثيرة يوردها القائلون باجتهاده في أحكام الشريعة مورد الأدلة، ونراها غير جديرة بأن تساق لتثبيت هذا الأصل العظيم.
ذكر الكاتب: أن الشريعة الإِسلامية جاءت بالاجتهاد، وأن الاجتهاد كان سنة الأنبياء والمرسلين، ذكر هذا، وجعل من مقتضاه أن يكون النبي
(3/ 1/244)

- عليه الصلاة والسلام - ممن يجتهدون.
أما أن الشريعة جاءت بالاجتهاد، فهذا مالا شبهة فيه، ولكنه شرع لحاجة الناس إليه حيث ينقطع الوحي، أو حيث يكونون على بعد من مهبطه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في غنى عن الاجتهاد بما يوحي به الله إليه.
وأما اجتهاد الأنبياء والمرسلين، فهو موضع اختلاف المختلفين، فمن يمنع اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحكام الشرعية ينكر أن يكون غيره من الأنبياء قد اجتهدوا في ذلك، وعلى هذا التعميم درج ابن حزم في كتاب "الأحكام"؛ إذ جعل موضوع البحث: هل الأنبياء يجتهدون في أحكام الشريعة، أو لا يجتهدون؟.
وأما الآيات التي أوردها الكاتب مستدلاً بها على أن الأنبياء كانوا يجتهدون، فليس فيها ما ينبئ عن الاجتهاد الذي هو موضع الخلاف، فآية: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]، وآية: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89]، ليس فيهما سوى أن الله آتى أولئك الأنبياء الحكم، والحكم يراد منه: الحكمة، أو فصل الأمر على وجه الحق، وليس في أحد المعنيين ما يقتضي الاجتهاد في تقرير أمر من أمور الدين.
وآية: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79] يسهل فهمها على أن داود - عليه السلام - حكم في القضية على نحو ما سمع، وجرى في حكمه على ما يقتضيه ظاهر حال الشهود، وهو مأمور بأن يحكم على هذا الوجه، أما سليمان، فقد أطلعه الله تعالى على ما خفي على داود من باطن أمر القضية حتى عرف صاحب الحق، فداود قضى على نحو ما أمره الله به، وسليمان قضى على نحو ما أطلعه الله عليه، فكل منهما آتاه الله حكماً
(3/ 1/245)

وعلماً، ومن أهل العلم من يذهب في تأويل هذه القضية إلى أن داود - عليه السلام - أصاب الحكم، وسليمان - عليه السلام - أشار بالصلح، والصلح بين المتخاصمين متى رضيا به كان أرجح من تطبيق الحكم المقرر للقضية.
قال كاتب المقال: "فالنبي إذاً مأمور بالسير على سنة الأنبياء والمرسلين من قبله، مأمور بان يقتدي بهديهم، وهذا أمر تقضي به طبيعة الأشياء؛ لأنه لا يعقل أن يرسل الله رسولاً في وقت نبغت فيه الإنسانية، واشتد ساعد الفكر البشري، ثم يحرمه النظر والتفكير الذي أباحه لإخوانه الأنبياء في طفولة الدهر وشباب الزمان، وأباحه - أيضاً - لمتبعيه الذين يدعوهم إلى دينه، ويامرهم بالعمل بشريعته، كيف يسوغ لأحد أن يقول بحرمان النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاجتهاد، وهو مرتبة علمية من أسمى مراتب الفطنة البشرية، والبصيرة الإنسانية؟ أيمنحها الله لذوي العقول وأرباب البصائر، ثم يحرمها على الإنسان الكامل؟ ".
هدى الأنبياء الذي أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء به ظاهر في معنى ما يكون حقاً وكمالاً مما لا تختلف فيه الشرائع , كأصول الدين، وما يرجع إلى الأخلاق الكاملة، والآداب الرفيعة، من نحو: الصبر والشكر، والحلم والزهد والعزم، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والتضرع إلى الله في كل حال.
والاجتهاد في الدين خير من جهة أنه وسيلة لتقرير أحكام شرعية، وكمال من جهة أنه دليل قوة العقل والفهم، ومن قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجتهد في الأحكام الشرعية، إنما يقصدون: أنه في غنى عن هذه الوسيلة بما يسره الله له من الوحي، وإذا نفوا عنه الاجتهاد في الأحكام لا يعنون أنه ليس له قوة التفكير
(3/ 1/246)

الكافي لاستنباط الأحكام، بل قصدهم: أن الأصل في الشرائع أن تكون بطريق الوحي، فيحمل الحكم الذي يصدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه ورد من هذا الطريق حتى يقوم الدليل على أنه صدر عن اجتهاد، وليس في التمسك بهذا الأصل حرمان له من مرتبة علمية من أسمى مراتب الفطنة البشرية والبصيرة الإنسانية، ولا تفضيل لمن أذن لهم في الاجتهاد عليه بهذه المرتبة.
والفطنة البشرية والبصيرة الإنسانية يظهران في نواح كثيرة من نواحي التفكير غير الاجتهاد في أخذ الأحكام الشرعية من طريق القياس، وقد ظهرت رجاحة عقله - عليه الصلاة والسلام - وذكاء لبه في أساليب دعوته، وسمو حكمته، وحسن تصرفه في سياسة الناس على اختلاف طبقاتهم، وتكاثر مذاهبهم، وتباين مشاربهم، وتفاوت مداركهم، وفي معرفة المنافقين في لحن أقوالهم: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]. ولهجةُ خصوم الحق بين أهل الحق لا يكشف أسرارها، ويتنبه لمراميها إلا ذو بصيرة نافذة.
قال كاتب المقال: "كأني بهؤلاء يرون رسالة الرسول أمراً يتعارض مع بشريته، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع رسالته، وقبل رسالته، بشرًا اكتملت فيه جميع معاني البشرية الفاضلة، ولم يشأ الله أن يرسله حتى بلغ أربعين عاماً؛ لتنضج بشريته، وتكمل رجولته، فلا تطغى عليها الرسالة، ولا تسلبها خصائصها، وقد عني القرآن الكريم بأن يؤكد هذا المعنى في كثير من آياته: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93]، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110].
لم يقل المنكرون لاجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه لا يجتهد, لأن الاجتهاد شأن البشر، بل قالوا: إنه في غنى عنه بالوحي، فلو اقتنع هؤلاء بأن الحاجة داعية
(3/ 1/247)

إلى أن يجتهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يجدوا في صدورهم حرجاً من أن يقولوا باجتهاده، فرميهم بأنهم يرون رسالة الرسول أمراً يتعارض مع بشريته، لا يصيب غرضاً، ولا يجدي في تحقيق هذا البحث العلمي كثيراً ولا قليلاً.
يقول الكاتب: "وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع رسالته، وقبل رسالته بشراً"، وكذلك يقول الدكتور زكى مبارك في مقاله المشار إليه آنفاً: "كان محمد إنساناً قبل أن يكون نبياً"، تواردت خواطر الشيخ الكاتب، والدكتور على حشر هذا المعنى في الكلام عن تفكير النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقوم - كما رأيت - لم يقولوا قولًا يمس بشريته الفاضلة بشيء.
يقول كاتب المقال: "ولم يشأ الله أن يرسله حتى بلغ أربعين عاماً؛ لتنضج بشريته، وتكمل رجولته، فلا تطغى عليها الرسالة، ولا تسلبها خصائصها".
ونحن يمكننا أن نفهم أن من حكمة إرساله - عليه الصلاة والسلام - في سن الأربعين أن تطول مدة مشاهدة قومه لأحواله قبل الرسالة، حتى إذا عرف بينهم بالصدق والأمانة ونقاء السيرة، كان نظرهم في آيات رسالته أيسر، وقبولهم لدعوته أقرب، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16].
ويمكننا أن نفهم أن من حكمة تأخير إرساله إلى بلوغه هذه السن: كمال استعداده لأداء الرسالة عامة، ففي الأربعين تكون النفوس قد أخذت كمالها الخلقي من أطرافه، وبلغت في قوة إدراك الحقائق غاية قصوى.
نستطيع أن نفهم هذا وذاك، ولا نستطيع أن نفهم كيف تطغى الرسالة على البشرية، وتسلبها خصائصها، فهل تطغى الرسالة على البشرية، وتسلبها
(3/ 1/248)

الفطنة والألمعية، أو تطغى الرسالة على البشرية، وتسلبها الاستعداد للتخلق بالأخلاق الفاضلة، أو تطغى الرسالة على البشرية وتسلبها العزم والقدرة على القيام بجلائل الأعمال؟!. فهل لحضرة الكاتب أن يقيم لنا شاهداً على أن هذا الطغيان والسلب من طبيعة الرسالة؟!
فنحن نذهب إلى أن سن الأربعين تساعد الرسالة على تأدية مهمتها، وكاتب المقال يذهب إلى أن سن الأربعين تكف طغيان الرسالة على البشرية، وتجعل خصائص البشرية في أمن من هذا الطغيان.
قال كاتب المقال: "ومن زعم أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غلبت على بشريته، وقضت على لوازمها السامية، فقد تلاقى في رأيه من قريب أو من بعيد بالذين يقولون: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94].
النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر رسول، وللبشرية الراقية لوازم، وللرسالة لوازم، والمعروف أن لوازم البشرية الراقية لا يقع بينها وبين لوازم الرسالة تعارض، فإذا قيل: هذا الوصف من لوازم الرسالة، لم يكن منافياً للبشرية الراقية قطعاً، وإذا قيل: هو من لوازم البشرية الراقية، لم يكن منافياً للرسالة البتة؛ فإذا رأى طائفة أن هذه الصفة، أو أن هذا الحال لم يوجد في الرسول، نظرنا في هذا الأمر الذي نفوه عن الرسول، فإن كان من مقتضيات البشرية الراقية في كل حال، قلنا لهم: قد زعمتم أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طغت على بشريته الراقية، وقفت على لوازمها، وإن كان هذا الذي أبوا أن يثبتوه للرسول لا تقتضيه البشرية الراقية في حال، بل يرجع الأمر فيه إلى اقتضاء المصالح، كان مجال النظر هو أن المصلحة تقتضي أن يكون هذا شأناً من شؤون الرسول، أو لا تقتضي.
(3/ 1/249)

والاجتهاد في أحكام الشريعة من هذا القبيل؛ إذ لم يكن من مقتضيات البشرية الراقية في كل حال، وإنما هو تفكير خاص تتوسل به أنظار الفقهاء إلى استخراج الأحكام الشرعية عند الحاجة، وليس للرسول من حاجة إليه؛ حيث يتيسر له الوصول إلى الحكم الشرعي من طريق أسمى منه، وهو الوحي، فشتان بين من يقولون: إن الرسول غني بالوحي عن الاجتهاد في تقرير الأحكام الشرعية، وبين أولئك الذين {قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94].
قال كاتب المقال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر، وفي أسمى مراتب البشرية، وقد اكتسب شخصية الفقيه المجتهد، كما منح شخصية الرسول المبلغ عن الله، وهو أول الفقهاء، كما أنه خاتم الأنبياء، فلينظر إذن فيما ورد منه - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأساس الذي يجمع بين الرسول والفقيه".
النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسمى مراتب البشرية عقلاً وفطنة، وخلقاً واستقامة، وهذا السمو لا يستلزم أن يكون مجتهداً في أحكام الشريعة؛ فإن الوحي هو الذي شأنه أن يأذن في هذا الاجتهاد، وقد أذن فيه لعلماء الأمة حيث تقوم الحاجة إلى ذلك، ويبقى البحث في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن له في الاجتهاد، أو لم يؤذن، فمن يقول: لم يؤذن له فيه، لا يبني قوله على دعوى أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يستوف وسائل الاجتهاد, من نحو الفهم والعلم، بل يقول: لم يؤذن له فيه؛ لفقدان شرط راعاه الوحي هو: أن تدعو إليه الحاجة، فما كان لمناظر المنكِر أن لاجتهاد الأنبياء في أمور الدين، أن يتحدث في مناظرتهم عن البشرية الراقية، ومراتبها العالية، ولوازمها السامية.
قال كاتب المقال: "اقتضت حكمة الله أن يسوس عباده، ويحقق مصالحهم بنوعين من التشريع: نوع يتولاه بنفسه، وينص فيه على ما يريد،
(3/ 1/250)

ويرسل به الوحي إلى نبيه، ونوع آخر يسكت عنه، فلا ينص عليه غيرَ نسيان ولا إهمال، ولكنه رحمة بعباده يكله إلى أصحاب الرأي والنظر؛ لاختلاف المصلحة فيه باختلاف الظروف والأحوال".
ساس الله عباده بنوعين من التشريع: نوع دلت عليه نصوص الكتاب والسنّة بأحد طرق الدلالات الصحيحة المقررة في الأصول، ونوع آخر لم يظهر في النصوص ما يدل عليه، وهذا ما وكله الله إلى أصحاب الرأي والنظر بعد أن رسم له خططاً، ووضع له أصولاً تتراءى للناظرين في كثير من موارد النصوص، فأصحاب الرأي والنظر الذين وكل الله لهم أن يجتهدوا، هم الذين يستطيعون أن يصوغوا الأحكام في صور يتحرون بها ما أراده الشارع من إصلاح شؤون الأفراد والجماعات.
ذكر الكاتب النوع الأول، وهو ما نص عليه الشارع، وأرسل به الوحي، وجعل مقابله ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال، ومعنى هذا: أن الاجتهاد إنما يجري فيما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال.
والواقع أن الاجتهاد قد يجري في هذا النوع , كالاجتهاد في حكم واقعة تندرج تحت قاعدة رعاية العرف، أو قاعدة ارتكاب أخف الضررين، أو قاعدة سد الذرائع؛ فإن العرف قد يتغير، وربَّ شيء يخف ضرره في وقت، ويشتد ضرره في وقت، ومن الأشياء ما يكون ذريعة إلى فساد في وقت، ولا يكون ذريعة إلى فساد في وقت.
وقد يجري الاجتهاد فيما لا تتغير فيه المصلحة؛ كقياس واقعة غير منصوص على حكمها على واقعة نص على حكمها، فحيث كان القياس ينبني
(3/ 1/251)

على اتحاد الواقعيتين في علة الحكم، كان حكم الواقعة المقيسة تابعاً لحكم الواقعة المقيس عليها، في دوامه بدوام العلة.
قال كاتب المقال: "وقد قام محمد النبي بحق رسالته، فبلغ النوع الأول كما أمره بتبليغه، وقام محمد الفقيه الأول بحق بشريته، فرسم طريقة الاجتهاد، وعني بالتطبيق العملي عليها، وبأن يعبرها لمن يجيء من بعده من الخلفاء والقضاة والأئمة".
ليست البشرية هي التي أملت على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد في أحكام شريعة إلهية، وليست البشرية هي التي أرته كيف يرسم طريقة الاجتهاد في هذه الأحكام المقدسة، وأحكامٌ ينبني على قبولها ورفضها المصيرُ إلى الجنة أو النار، لا تُترك للبشرية تتصرف فيها كما ترى، بل الاجتهاد الفقهي هو وليد الرسالة، فالرسالة هي التي أعدت وسائله العلمية، ومنها عرف النبي - عليه الصلاة والسلام - كيف يرسم طريقته العملية.
قال كاتب المقال: (اجتهد، وقاس، وحكم، وأفتى بالحاجة وتقدير المصلحة، وساس الأمة بما أراده الله، كما هو الشأن في المجتهدين والحكام).
الذين يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يجتهد في أحكام الشريعة، يفرقون بين اجتهاده، واجتهاد غيره من المجتهدين والحكام؛ بأن غيره يجتهد في تفهم النصوص، ودفع ما. يقع بين الأدلة من التعارض، ويجتهد في قياس بعض الحوادث على أمثالها المنصوص على أحكامها، أما اجتهاد النبي - عليه الصلاة والسلام -، فإنما هو قياس بعض الحوادث على نظائرها، ذلك أن النصوص قد وكِل إليه بيانها، فلا تخفى عليه منها خافية، وتعارضُ الأدلة
(3/ 1/252)

إنما يقع في أذهان قد يفوتها فهمُ النصوص حق فهمها، أو يفوتها أن تضع كل دليل موضعه، أو تهتدي إلى معرفة الناسخ من المنسوخ، وذلك ما يصان عنه اجتهاد مَن جعله الله مهبط وحيه، ومطلع شريعته.
ويفارق اجتهاده اجتهاد غيره من المجتهدين والحكام: أن اجتهاد غيره محتمل للخطأ، فلمجتهد آخر أن يعيد النظر فيه، ويعمل على ما أداه إليه اجتهاده، أما اجتهاده - عليه الصلاة والسلام -, فهو بمنزلة الوحي يجب الوقوف عنده، والإيمان بأنه حكم مَن لا معقب لحكمه.
وهذا ما لا يختلف فيه المسلمون، وإذا قال الفقهاء: لا تجوز مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم أو نائبه، وهم يعنون الإمام أو نائبه البالغَ رتبة الاجتهاد بحق، فإنهم لم يقولوه على معنى أن اجتهاده عين الصواب، وإنما قالوه لمعنى آخر، هو انتظام أمر السياسة، وإبقاء الأمن في قرار، ولو ظهر لأهل العلم أن في اجتهاده خطأ، لكان لهم أن يحاوروه، ويرشدوه إلى ما هو الصواب؛ لعله يأخذ به في إصلاح ما صدر منه، أو يأخذ به فيما يفصل فيه من بعد، فلا نجوز مخالفة اجتهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حال؛ لأن اجتهاده عين الحق، ولا نجوز مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم؛ حفظاً لنظام السياسة، واتقاء للفتنة.
قال الإمام الغزالي في "المستصفى": "قام الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده - عليه الصلاة والسلام -؛ كما دلّ على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دلّ على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم".
قال كاتب المقال: "اجتهد في الحروب، وفي الأمور الدنيوية، واجتهد في الأحكام الشرعية".
الاجتهاد لغة: استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه، حيث
(3/ 1/253)

يرجى وجوده فيه، أو حيث يوقن بوجوده فيه (1).
وتجري كلمة الاجتهاد على ألسنة الأصوليين، ويقولون: هذا اجتهاد في أمر الحرب، وهذا اجتهاد في أمر دنيوي، وهذا اجتهاد في حكم شرعي.
أما الاجتهاد في الحروب، فيراد منه: النظر في نحو منازل الجيوش، أو الطريق التي يسار منها إلى العدو، أو القبيلة التي يبتدأ بقتالها، إلى نحو هذا من التصرفات التي يدرك خيرها وشرها المتدربون على قيادة الجيوش.
وأما الاجتهاد في الأمور الدنيوية، فيتعلق بأفعال أذن فيها الشارع على وجه الإباحة، وفوض أمرها إلى الإنسان؛ ليأخذ فيها بما ترجح عنده من صلاحها أو فسادها, كفنون الزراعة والصناعة والتجارة، إلى نحو هذا من الأمور التي تعرف مصالحها ومفاسدها بالمشاهدات والتجارب.
وأما الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهو بذل الوسع في تحصيل حكم حادثة تعرض؛ من نحو: الوجوب، أو الحرمة، أو الإباحة، أو الصحة، أو البطلان، والرجوع في تحصيل أحد هذه الأحكام إلى أصول الشريعة، وتحري مقاصدها في الإصلاح.
وقد يطلق الاجتهاد على إعمال النظر في تعرف ما ينطبق عليه الحكم الشرير، وهذا ما يسميه الأصوليون: "تحقيق المناط"، ومثاله: أن الشارع قضى بأن على المدعى البينة، وعلى المدعى عليه اليمين، وقد تطرح بين يدي القاضي قضية يشتبه فيها الأمر، فلا يدري لأول ما تطرح: من المدعى، ومن المدعى عليه؛ إذ قد يكون المطلوب هو المدعى، والطالب هو المدعى
__________
(1) "الأحكام" لابن حزم.
(3/ 1/254)

عليه، فيُعمل القاضي فكره في حالهما حتى يدرك أن هذا مدَّعٍ، وهذا مدعى عليه، وإن شئت إيضاح هذا، فالبالغ سنَّ الرشد يرفع شكوى إلى القاضي بأن الوصي لم يدفع إليه ماله، فالوصي هنا هو الذي يدعي أنه دفع المال، فيطالَب بالبينة، والبالغ سن الرشد مدعى عليه بأنه تسلَّم ماله، فهو المطالَب باليمين.
واجتهاده - عليه الصلاة والسلام - في أمور الحرب، وأمور الدنيا- با لمعنى الذي بيناه، وسقنا له الأمثال - ليس موضع النزاع بين أهل العلم.
وأما اجتهاده في الأحكام الشرعية، فذلك موضع اختلاف الأنظار، وهو الذي يشتد فيه النضال، وتقوم فيه الأدلة وتقعد، ومنشأ هذا الخلاف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل عند تقرير حكم شرعي: هذا قلته عن وحي، وهذا قلته عن اجتهاد. وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم - عندما يروون أحاديث الأحكام لا يقولون: هذا صدر عن وحي، وهذا صدر عن اجتهاد، وإنما وردت آيات فيها عتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن بعض تصرفاته، وأحاديث فيها أحكام يقرنها - عليه الصلاة والسلام - بضروب من الأقيسة، وأحاديث قد يتبادر إلى بعض الأذهان أنه انتقل فيها من حكم إلى آخر دون أن يكون بين الحكمين مهلة، وأحاديث قال فيها: "إنما قلته عن ظن"، وأذن للناس في عدم العمل بها من بعد.
فمن ألقى نظره على ناحية من ظواهر هذه الآيات والأحاديث، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يجتهد في الأحكام الشرعية، ومن رأى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غنى عن الاجتهاد بما يلقيه الله عليه من الوحي قال: إنه لا يجتهد، وأخذ يفسر تلك الآيات والأحاديث على وجوه تخرجها عن أن تكون اجتهاداً في أحكام دينية.
(3/ 1/255)

وقد صب كاتب المقال همته في الحديث عن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأشار إلى جملة من الأحاديث والآيات التي يتشبث بها من يذهبون إلى أنه كان يجتهد، ونحن ننقل عبارات الكاتب، وننظر في وجوه الاستدلال بما استدل به، ونقرر ما ينبذه المنطق مما يتقبله.
ابتدأ كاتب المقال بثلاثة أحاديث اشتملت على أحكام مقرونة بضرب من التمثيل، فقال:
(فأفتى المرأة التي سألته عن حجِّها لأبيها بقوله: "أرأيتِ لو كان على أبيك دَين، فقضيته، أما كان يقبل منك؟ "، وأفتى السائل عن قُبلة الصائم بقوله: "أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته، أكان يضرك؟ "، وأفتى السائل عمن لامسَ امرأته أيكتب له أجر وهو يقضي شهوته؟ فقال: "أرأيت لو وضعها في حرام، أيكتب عليه وزر؟ ").
الذي يأتي بهذ 5 الأحاديث مستشهدا يها على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد، يريد: أنه أجاب السائل، وذكر مع الحكم القياس الذي هو أحد الأدلة الشرعية، وهذا شأن المجتهد.
ومن يقولون: إن الأحكام الشرعية لا تصدر إلا عن وحي، يذهبون في فهم هذه الأحاديث إلى أن ما ورد فيها من التمثيل إنما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - لتقريب الحكم وتثبيته في النفوس، وتقريب الحكم وتثبيته بهذا الطريق معروف في نصوص الشريعة؛ كلما جاء في قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]، وكما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن رؤية الله يوم القيامة: "هل تضامون في رؤية الشمس صحواً في الظهيرة ليس دونها سحاب؟)، قالوا: لا، فقال: "هل تضامون
(3/ 1/256)

في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب؟ "، قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" (1). وسألته - عليه الصلاة والسلام - امرأة، فقالت: إن لي ضرة، فهل عليَّ جُناح إن تشبَّعْت من زوجي غيرَ الذي يعطيني؟ فقال: "المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور".
فمن كمال الدعوة وحسن أسلوبها أن تقرَّب فيها الأحكام من النفوس، ويزاح فيها ما يحوم بالقلوب من الشبه، وتمثيلُ المعقول بالمحسوس، والمجهول بالمعلوم كثيراً ما يسلك لهذا الغرض النبيل، وأنظروا إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل: كيف يحشر الكافر على وجهه؟: "أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه، قادراً على أن يمشيه في الآخرة على وجهه؟ ".
ثم أشار كاتب المقال إلى أربعة أحاديث مستشهداً بها على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل فيها على اجتهاد غيره، فقال: "ونزل على اجتهاد غيره، فاستثنى الإذخر (2) في تحريم شجر مكة حين استثناه العباس، ودعا للمقصرين كما دعا للمحلقين، وأذن في غسل القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر الأهلية بعد أن أمر بكسرها، ونزل المنزل الذي أشار عليه أصحابه بأن ينزل فيه".
نزولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على اجتهاد غيره: أن يجتهد في حكم واقعة، ويقرر حكمها، ثم يجتهد غيره فيها، فيرى - عليه الصلاة والسلام - أن اجتهاده خطأ، وأن اجتهاد غيره هو المصيب، ونحن نحدثك عن هذه الأحاديث التي أومأ إليها الكاتب، ونخرج منها على أن ليس في شيء منها ما ينبئ أنه نزل على
__________
(1) البخاري ومسلم.
(2) الإذخر - بكسر همزة الألف -: الحشيش الأخضر، وحشيش طيب الرائحة - "القاموس".
(3/ 1/257)

اجتهاد غيره في تقرير حكم شرعي.
أما حديث "إلا الإذخر"، فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في شأن البلد الحرام -أعني: مكة-: "لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه"، فقال العباس: إلا الإدخر, فإنه لقَيْنهم وبيوتهم، قال: "إلا الإذخر".
وليس من المعقول أن يكون العباس قد فهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتهد، فرأى تحريم شجر البلد الأمين على سبيل العموم الشامل للإذخر، وقرر حكماً على خلاف ما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال مفصحًا عن اجتهاده: "إلا الإذخر"، ويكون النبي - صلوات الله عليه - قد ظهر له بعدُ أن اجتهاد العباس هو الصواب، فنزل عليه.
والموافق لحال الصحابة، وإجلالهم لمقام الرسالة: أن يكون العباس قاصدًا بقوله: "إلا الإذخر" تذكيرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه الحاجة إلى الإذخر؛ لعله - عليه الصلاة والسلام - يستثنيه من ذلك العموم على وجه الرخصة، ويسمى مثل هذا التذكير بالتلقين، وتلقين المخاطب الأدنى يأتي لعرضه على المتكلم الأعلى رغبته، أو حاجةَ قومه إلى إعطاء شيء حكم المعطوف عليه إن كان التلقين بالعطف، أو إلى استثناء شيء من حكم المستثنى منه إن كان التلقين بالاستثناء، وقد قرر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف، وبالاستثناء، وساقوا هذا الحديث شاهداً على التلقين بالاستثناء.
فتلقين ابن عباس له - عليه الصلاة والسلام - بطريق الاستثناء إنما هو تذكير بوجه الحاجة، راجياً أن تكون هذه الحاجة مقتضية للرخصة، وعرضُ الصحابة أمثالَ هذه الحاجات على النبي - صلى الله عليه وسلم - مبني على أصل عرفوه في أصول
(3/ 1/258)

الشريعة، وهو "المشقة تجلب التيسير"، فهم يرجون أن تكون الواقعة ذات الحاجة التي عرضوها على وجه التلقين مما يصح أن تندرج تحت هذا الأصل.
ولا يصح أن يعد عرض الحاجات على الشارع رجاء التخفيف اجتهاداً في تقرير حكم شرعي، حتى إذا جاء حكم الشارع على وفق الحاجة، قيل: إن الشارع نزل على اجتهاد من عرض الحاجة عليه، وهذا موسى - عليه السلام - أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء بأن الله فرض على الأمة خمسين صلاة، فقال له: "فارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك"، وما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب من الله التخفيف إلى أن صارت خمساً.
وقول العباس: "إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم" كقول موسى -عليه السلام -: "فإن أمتك لا تطيق ذلك"، فلنفهم قصة العباس على الوجه الذي فهمنا عليه قصة موسى - عليه السلام -.
وإذا كان العباس قد قال: "إلا الإذخر" على وجه التلقين بالحاجة، ورجاء الرخصة، فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد: "إلا الإذخر" تخصيص للعام في قوله: "ولا يختلى خلاه "، وهو محتمل لأن يكون عن وحي خاص، وليس من شرط الوحي أن يأتي بعد أن تمضي على الطلب مدة، ومحتمل لأن يكون عن اجتهاد بعد أن عرض عليه العباس وجه الحاجة إلى الإذخر. وورود الوحي باستثناء بعض أفراد العام عندما يعرض سبب للاستثناء، له نظير، ففي "صحيح البخاري" قال زيد بن ثابت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أملى عليه: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون"، فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، قال: يا رسول الله! والله! لو أستطيع الجهاد معك، لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95].
(3/ 1/259)

وفي "صحيح البخاري": أنه لما نزل قوله تعالى: {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] الآية، قال مشركو أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: 70] الآية.
وأما حديث دعائه للمقصرين، فهو أن الإحلال من الحج يكون بتقصير الشعر، وبالتحليق، ولكن التحليق أفضل، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين؛ تنبيهًا على أن التحليق أفضل، فقال: "اللهم اغفر للمحفقين"، فقالوا: وللمقصرين، فقال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: وللمقصرين، فقال: "وللمقصرين".
وليس في الحديث سوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا للمحلقين بالمغفرة أو الرحمة كما ورد في بعض الروايات، فقيل له: وللمقصرين على وجه التذكير بهم؛ ليطلب لهم المغفرة أو الرحمة كما طلب للمحلقين، فأعاد الدعاء للمحلقين مرتين، ثم قال: "وللمقصرين"، وليس في الحديث ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يقتصر في الدعاء على المحلقين، ويترك المقصرين؛ لأنه لم يرهم يستحقون طلب المغفرة حتى اجتهد هؤلاء الذين قالوا له: "وللمقصرين"، فرأوهم يستحقون طلب المغفرة، فنزل على اجتهادهم، فقال: "وللمقصرين"، فقولهم: "وللمقصرين" لا يتجاوز أن يكون تلقينا بطريق حرف العطف يراد به طلب الدعاء لهم، كما أن قول إبراهيم - عليه السلام -: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] بعد قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] البقرة: 124، لا يتجاوز أن يراد به: دعاء الله بأن يجعل من ذريته أئمة الناس، وكما أنك لا تسمي قوله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، نقضاً لاجتهاد إبراهيم - عليه السلام -, فلا تسمي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وللمقصرين" نزولاً على اجتهاد أولئك القوم.
(3/ 1/260)

ويدلكم على أن الصحابة إذا استعملوا حرف التلقين بعد نطق النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم شرعي، فإنما يريدون طلب الرخصة: أنهم يستعملونه بعد نطقه بوعد، إنما يريدون تذكيره بما حرفه التلقين راجين أن يخبرهم بأن له حظًا من ذلك الوعد.
روى أبو سعيد: أن النساء قلن للنبي- صلى الله عليه وسلم -: اجعل لنا يوماً، فوعظهن، فقال: "أيّما امراة مات لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار". قالت امرأة: واثنان، قال: "واثنان"، وليس لأحد أن يدعي أن المرأة اجتهدت، وقررت أن الاثنين من الولد يكونان حجاباً من النار، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - على اجتهادها، فقال: "واثنان "، وإنما هي المرأة رغبت في أن يكون هذا الوعيد شاملًا لمن مات له والدان، فكان من رحمة الله أن أجاب رغبتها على لسان نبيه، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "واثنان".
وأما أحاديث القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر الأهلية، فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة خيبر: "أكفئوا القدور، واكسروها"، فقالوا: يا رسول الله! أو نغسلها؟ فقال: "أو ذاك"، فكان حكم الشارع في القدور هو الكسر، ولما أشار القوم بقولهم، أو نغسلها، إلى أنهم في حاجة إلى تلك القدور، وهذه الحاجة بلغت أن اقتضت الرخصة في الاكتفاء بغسلها، أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أو ذاك".
فقول القوم: "أو نغسلها" تذكير منهم بالحاجة إلى تلك القدور, رجاء أن يرخص لهم في غسلها بدل كسرها، وعلى فرض أن يكون كل من الحكمين: حكم العزيمة، وحكم الرخصة، صادراً عن اجتهاد، فإن الصيغة التي صدرت من القوم لا تتجاوز أن تكون تذكيراً بوجه الحاجة، وطلباً للرخصة، والنبي - صلى الله عليه وسلم -
(3/ 1/261)

هو الذي وقع منه الاجتهاد في تفصيل الحكم أولاً وآخراً.
وللشارع في الأمر بالكسر على وجه العزيمة، ثم الترخيص في الغسل، حِكَم يبدو لنا منها: أن الرخصة مظهر من مظاهر الرحمة، والعزيمة تبقي في النفوس ذكرى اهتمام الشارع باجتناب تلك اللحوم التي أصبحت رجساً، وذلك ما يدعو إلى شدة الابتعاد منها، والمبالغة في غسل ما طبخت فيه من القدور.
وهاهنا حكمة عامة في كل رخضة جاءت عزيمة، هي: تأسيس قاعدة عظيمة من أصول التشريع هي: أن المشقة تجلب التيسير، فإن الفقهاء إنما انتزعوها وقرروها من أمثال هذا الحديث.
ويدلكم على أن الشارع يراعي حاجات القوم في دائرة الحكمة: أنه قد ينهى القوم عن الشيء، فيعرضون عليه حاجتهم إلى استعمال ما نهى عنه في بعض الأحوال، فيريهم أن ليس هذا موضع الرخصة، ويردهم إلى الحظر بإطلاق، ومن أمثلة هذا: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام "، فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: "لا، هو حرام".
وأما حديث نزوله المنزل الذي أشار عليه أصحابه بأن ينزل فيه، فهو ما يروى من أنه - عليه الصلاة والسلام - لما نزل في غزوة بدر بأدنى مياه بدر، قال له الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلك الله، ليس لنا أن نتقدمه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "لا، بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: ليس بمنزل، انهض بالناس حتى نأتي أدنى منزل من القوم.
هذه القصة حكاها ابن إسحاق في "السيرة" على هذا الوجه، وحكاها
(3/ 1/262)

ابن القيم في "زاد المعاد" على وجه آخر: هو أنه - عليه الصلاة والسلام - سار حتى نزل عشاء أدنى مياه بدر، فقال: "أشيروا علي في المنزل"، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله! أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيت أن نسير إلى قُلُب قد عرفناها، فهي كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها، ونسبق القوم إليها، ونغوِّر ما سواها من المياه.
وروى ابن سعد: أن الوحي نزل على وفق ما أشار به الحباب.
فلنصرف النظر عن البحث في سند هذه القصة التي قال ابن إسحاق في سندها: فحدثت عن رجال من بني سلمة: أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر ابن الجموح قال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل منزلًا أنزلكه الله ... إلخ الرواية" ولنصرف النظر عن الوجه الذي أوردها عليه ابن القيم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أشيروا علي في المنزل"، ولنصرف النظر عن رواية ابن سعد من أن نزول النبي - عليه الصلاة والسلام - بأدنى منازل القوم كان اتباعًا للوحي، ولنأخذ بالوجه الذي أوردها عليه ابن إسحاق من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن نزل بأدنى مياه بدر أشار عليه الحباب بأن النزول بأدنى منازل القوم هو الذي تقتضيه سياسة الحرب، ولكنا نقول: ليس في هذا الوجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل على اجتهاد غيره في تقرير حكم شرعي، وإنما هو أمر اختيار منازل الجيش، وقد أريناك قبل أن هذا من أمور الحرب التي ترجع إلى رئيس الجيش، ومن يشق بآرائهم من أعوانه في الحرب.

* نزول الوحي بخلاف اجتهاده:
قال كاتب المقال: "وكان يجتهد، ثم ينزل الوحي بخلاف اجتهاده، وقد يسكت عنه، فلا يعرض له بتصويب ولا تخطئه".
(3/ 1/263)

يقف القراء أمام هذه العبارة متسائلين؛ لماذا قال الكاتب: "وقد يسكت عنه، فلا يعرض له بتصويب ولا تخطئه" فدل على أن الوحي يسكت عنه في بعض الأوقات، ولم يدل على حال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند هذا السكوت: أهو الإصابة في الاجتهاد أو الخطأ؟.
فإن قال الكاتب: أردت أن الوحي يسكت عنه في حال الإصابة، قلنا: حال الإصابة ليست في حاجة إلى أن يقال: إن الوحي يسكت عنها، ثم ما الذي دعا عضو جماعة كبار العلماء، وهو يتكلم باللغة العربية أن يعبر عن سكوت الوحي حال إصابة الاجتهاد بقوله: "وقد يسكت عنه الوحي، فلا يتعرض له بتصويب ولا تخطئة؟ ".
وإن قال: أردت أن الوحي قد يسكت عنه في حال الخطأ، قلنا: غير معقول أن يخطئ الرسول - عليه الصلاة والسلام - , ويسكت عنه الوحي، وكيف يسكت عنه، وقد أمر باتباعه؟!.
والذين يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يجتهد في الأحكام الشرعية فريقان: فريق يقولون: يجتهد، ولا يخطئ، ولا يكون اجتهاده إلا مصيباً لكبد الحقيقة، وفريق يقولون: يجتهد، وقد يخطئ ولكنه لايقَر على الخطأ، بل ينبهه الله لذلك، ولم يقل أحد: إنه يجتهد، وقد يخطئ، ويسكت عنه الوحي، بل عدم إقراره على الخطأ - لو صدر منه - مجمَع عليه.
قال الشهاب الخفاجي في "شرح الشفا" بعد أن حكى مذهب القائلين: إنه قد يخطئ، ولكنه لايقر: "وعدم الإقرار بالاجماع لوجوب اتباعه المقتضي لعصمته".
وتعرض ابن حجر لمذهب القائلين باجتهاده، واختلاف هؤلاء في أنه
(3/ 1/264)

يجوز عليه الخطأ، أو لا يجوز، ثم قال: "وقد اتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده، لم يقر على الخطأ".
ثم أشار كاتب المقال إلى ثلاث آيات يستشهد بها على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد، ثم ينزل الوحي بخلاف اجتهاده، فقال: "عاتبه الله على الإذن للمنافقين، وعلى أخذ الفداء من أسرى بدر، وعلى إعراضه عن الأعمى، فكان ذلك إيذانًا من الله بتخطئته في اجتهاده".
ونحن نحدثك عن هذه الآيات التي أشار إليها الكاتب، والوقائع التي نزلت الآيات في شأنها ليتضح لك أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يجتهد في تقرير حكم شرعي، وجاء الوحي بخلاف اجتهاده، وإنما هي أفعال فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - يظن أنها الأَولى، فجاء الوحي ببيان أنها خلاف الأولى، وفي هذه الوقائع والآيات حكمة أطلعنا الله على شيء منها هو: أن العصمة لله وحده، وأن الأنبياء - عليهم السلام - معصومون من المعاصي كبائرها وصغائرها، وأنهم بالغون في الكمال النفسي والعملي أقصى غاية، ولكنه قد يقع منهم ما شأنه أن يبعد النفوس مما وقعت فيه بعض الطوائف من اعتقاد إلهيتهم، وأنهم مظهر من مظاهر الإله الحق، وما صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوقائع الثلاث يصح حمله على هذا الوجه من الحكمة، وهو وجه - فيما أحسب - جدير بالقبول، والمجتهد يقرر أصولاً يرجع في تقرير كل أصل منها إلى ماَخذ من الأدلة السمعية؛ نحو: القياس، وسد الذرائع، ومراعاة العرف، ومراعاة المصالح المرسلة، ويستنبط الأحكام من الأصول، وتسمى هذه الأحكام بالفروع، ويطبق الحكم على الحادثة الجزئية حين تعرض.
وقد يقع للمجتهد الخطأ في تقرير أصل، أو استنباط حكم، أو تطبيق
(3/ 1/265)

حكم على واقعة، والخطأ في تطبيق الحكم على واقعة جزئية أهون وأخف من الخطأ في استنباط حكم أو تقرير أصل، ونبني على هذا: أن الوقائع التي نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اجتهد فيها وأخطأ، ليس في واحد منها خطأ في تقرير أصل، ولا استنباط حكم عام، إنما هي واقعة تعرض، فيطبق عليها حكم غير الحكم الذي هو أولى بها.
أما واقعة إذنه للمنافقين في التخلف، فهو أنه - عليه الصلاة والسلام - أُعطي الخيار في أن يأذن لمن شاء في التخلف، قال تعالى: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62]، ومعنى هذا الخيار: أن يأذن لمن يبدي عذراً صحيحاً، أو يبدو له أن ليس في التحاقه بالجيش مصلحة، ومن هذا القبيل إذنه للمنافقين في التخلف؛ أخذًا بالظاهر من أعذارهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن خروجهم في جيش المسلمين مفسدة، قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47]، فالله لم يعاتبه على نفس الإذن للمنافقين، وإنما عاتبه على أنه أذن لهم في التخلف عندما اعتذروا، والأَولى تأخير الإذن لهم ريثما يتبين من كان له عذر حقيقي ممن كان اعتذاره غير صادق، ففي ظهور كذبهم في الاعتذار افتضاح أمرهم، وقطع لهم عن أن يتحدثوا فيما بينهم، أو يناجوا شياطينهم بأنهم استطاعوا أن يخادعوا الرسول -عليه الصلاة والسلام-, ويرضوه ببهرج أقوالهم، وقد أومأ إلى موضع العتاب: قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَم الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43].
وأما واقعة بدر، فمحمولة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخيراً في الأسرى بين الفداء والقتل، فطرح مسكله أسرى بدر على بساط الشورى؛ ليتبين له
(3/ 1/266)

من آراء أصحابه ما هو الأقرب إلى مصلحة هذه الحرب: أهو الفداء، أم القتل؟ فرأى بعضهم القتل، وأبدى لرأيه وجهًا، ورأى بعضهم الفداء، وأبدى لرأيه وجهًا، وبدا للنبي- صلى الله عليه وسلم - أن الفداء أرجح، فأقره، وأخذ به، ونزل عقب هذا قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستشر أصحابه في تقرير حكم شرعي، وإنما يكون استشارهم في تقرير حكم شرعي لو استطلع آراءهم في حكم أسرى الحرب، وهو إنما استشارهم في أسرى هذه الواقعة؛ ليستخلص من بين آرائهم ما هو الأرجح من الأمرين اللذين خيره الله فيهما، وتعيين أحد أمور جائزة له - صلى الله عليه وسلم - لا يعد استنباطاً لحكم شرعي مجهول.
فالآية الكريمة وردت للتنبيه على أن الأَولى هو القتل، والعتاب فيها لم يوجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ كما ورد في آية: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُم} [التوبة: 43]، بل ورد في أسلوب خطاب الجمع، فقال تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}، وأساليب المخاطبات العربية تسيغ أن تكون هذه الكلمة موجهة إلى طائفة ممن أشاروا بالفداء، وقد خطر في نفوسهم أن ينالهم شيء منه ينتفعون به في شؤونهم الخاصة، وليس من المعقول أن يكون هذا الخاطر قد وقع في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو في نفس مثل أبي بكر - رضي الله عنه -، فالنبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أبو بكر إذا رأى أن الفداء أصلح إنما يريد من ذلك الاستعانة به في أمور الدين، ومن البعيد أن يسمى صاحب هذه الإرادة مريداً للدنيا.
وقوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68]، لا يدل على أن أخذهم الفداء مخالفة تستحق العذاب
(3/ 1/267)

العظيم، ذلك أن استحقاق العذاب لا يتحقق إلا عند توافر أسبابه، وانتفاء موانعه، وقد دلّ قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] على أن أسبابه لم تتحقق؛ إذ يفسر الكتاب السابق بأنه تعالى لا يعاقب على أمر إلا بعد أن يتقدمه نهي، والقوم لم يتلقوا قبل هذه الواقعة نهيًا، وقصارى ما تدل عليه الآية: أن أخذ الفداء في هذه الواقعة بالغ في مخالفة ما هو الأولى إلى درجة ما لم يمنع من العقوبة عليه إلا عدم تقدم النهي عنه.
وأما واقعة عتابه على إعراضه عن الأعمى، فهي المشار إليها بقوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1 - 2].
والآية الكريمة تضمنت عتابه - عليه الصلاة والسلام - على إعراضه عن ابن أم مكتوم، ولم تدل قط على أنه أخطا في تقرير حكم شرعي؛ إذ الحكم الشرعي في مثل هذا مقرر من قبل، وهو أن لقاء الناس بطلاقة وجه، والإقبال على من يسائل، موكولان له - عليه الصلاة والسلام -, يأخذ بهما حسب ما تقتضيه الحال، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخاطب وجهاء مشركي قريش، وهو يرجو أن يجيبوا دعوته، وبينما هو مجد في دعوته، أخذ ابن أم مكتوم يجاذبه الحديث، ويسائله التعليم، فكان من رسول ال - صلى الله عليه وسلم - أن أعرض عنه، وكره منه أن يقطع مواصلته الدعوة لأولئك المشركين، حتى بدا أثر الكراهة في وجهه، فعتابه - عليه الصلاة والسلام - كان على أمر فعله ابتغاء الخير، وحرصا على انتشار الدعوة، ولكن الله تعالى أراد أن يريه أن إقباله على نفس مستقيمة على الطريقة، حريصةٍ على أن تتفقه في دين الله، خيرٌ من إقباله على تلك النفوس الطافحة بالشرك، المصرة على باطلها، وأراد الله أن يذكره بهذا العتاب: أن واجبه دعوة أهل الكفر إلى الإِسلام، وليس عليه أن يدخلوا فيه،
(3/ 1/268)

حتى لا يبلغ في دعوتهم أن يشتغل بها عن مجاملة ضعفاء المسلمين، وحفظ قلوبهم من أن تعبث بها أصابع الشيطان.
ومن حكمة هذه الآية: الدلالة على أن الخطأ في الاجتهاد معفو عنه.

* رجوعه عن اجتهاد باجتهاد:
قال كاتب المقال: (ورجع هو عن اجتهاد باجتهاد بمجرد النظر والتجربة، فقال: "هممت أن أنهى عن الغِيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئاً"، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي").
أورد الكاتب حديثين مستشهداً بهما على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجع عن اجتهاد باجتهاد.
أما حديث الغيلة، فقد ورد في الصحيح على نحو ما ذكره الكاتب، غير أنه فسر الغيلة بإرضاع المرأة ولدها وهي حامل، وهو تفسير ابن السِّكيت، أما الإمام مالك، فقد فسرها بوطء المرأة وهي مرضع، وتابع مالكًا على هذا التفسير الأصمعيُّ وغيره من أهل اللغة، ومالك أدرى بتفسير الحديث من ابن السكيت، ولا سيما تفسيراً وافقه عليه علماء اللغة، ويؤيده ما جاء في الصحيح: أن رجلاً قال للنبي- صلى الله عليه وسلم -: إني أعزل عن امرأتي، فقال: "لم تفعل ذلك؟ "، فقال: إني أشفق على ولدها، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "لو كان ذلك ضارًا، ضر فارس والروم (1) ". ومما يزيدنا ثقة بضعف حمل الغيلة في هذا الحديث على إرضاع المرأة وهي حامل: أن الأطباء ما زالوا يقولون:
__________
(1) "صحيح مسلم".
(3/ 1/269)

إن لبن المرأة يتغير أيام الحمل تغيراً يؤثر في صحة الرضيع، أما وطء المرأة وهي مرضع، فقد سألنا عنه بعض الأطباء في هذا العصر، فكانوا يجيبون بأنهم لا يعرفون لضرره وجهًا، وحملُ كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معنى لا شبهة فيه، أرجحُ من حمله على معنى تحوم عليه شبهة.
عرضت واقعة الغيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينزل فيها وحي خاص، ولكن أمامه قواعد شرعية، منها: قاعدة: "الضرر يزال"، والشأن في تقرير حكم هذه الواقعة الرجوع إلى ما يقوله أهل التجارب من نحو الأطباء؛ لأن الضرر في مثلها لا يدرك بقوة الفكر ووفور العقل، وكان شائعًا عند العرب أن في الغيلة ضررا على الرضيع، ولهذا جرت عادة المستطيعين منهم أن يتخذوا لأولادهم مراضع، وسبق إلى ظن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ما شاع عند العرب من ضرر الغيلة قد يكون واقعاً، وبدا له أن ينهى عنها, إشفاقًا على الرضعاء، ثم نظر - عليه الصلاة والسلام - إلى أمتين من غير العرب، وهما الفرس والروم يصنعون الغيلة، ولا تضر أولادهم؛ إذ لو ظهر منها ضرر، لتنبه له أطباؤهم، وعرفه أهل التجارب منهم، وشاع أمره فيما بينهم، وهذا ما عدل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عن النهي عنها إلى العود بها إلى أصل الإباحة، وقد دلّ - عليه الصلاة والسلام - على أنه لم يتكلم في الغيلة عن وحي، وإنما تكلم فيها على رعاية المضار والمصالح التي يؤخذ فيها بأقوال أهل التجارب؛ إذ قال: "ثم ذكرت أو نظرت أن فارس والروم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئاً".
وقد أريناك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل شيئاً يظنه الأَولى، ثم يتبين له أنه خلاف الأَولى، وقد يقول قولًا يبنيه على ظن، ثم يتبين له أن الواقع على خلاف ما ظنه، ووقوع أشياء معدودة من هذا النوع لا تمس الرسالة بشيء، فإنها - على
(3/ 1/270)

قلتها - معروفة عند علماء الشريعة، ولا يبنون عليها شيئاً أكثر من أنها تزيد الناس تذكرة ببشرية الرسول، وتحميهم من أن يتجاوزوا به مقام الرسالة إلى مقام الربوبية.
وإذا استدل بها بعضهم على أنه يجتهد في تقرير الأحكام، فقد أريناك أن القائلين باجتهاده مجمعون على أن اجتهاده هو والوحي على سواء.
وأما حديث: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت"، فأصله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بحج، أو بحج وعمرة، وساق الهدي، وأصحابه أحرموا كذلك، ولم يسوقوا هدايا، فلما قدموا مكة، وطافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه الصلاة والسلام - الصحابة أن يحلوا من إحرامهم بعمل العمرة، وقال لهم: أقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية، فأهلّوا بالحج، ولكنه - عليه الصلاة والسلام - بقي محرمًا، وقال لهم: "فلولا أني سقت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله".
وشق على الصحابة أن يحلوا وهو محرم، وترددوا في الإحلال، فقال - عليه الصلاة والسلام - تطييبًا لخواطرهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي".
أورد كاتب المقال هذا الحديث شاهداً على أنه - عليه الصلاة والسلام - يرجع عن اجتهاده باجتهاد، ولم يبين ما هو الاجتهاد الذي رجع عنه، وليس في الحديث ما يدعو إلى فهمه على هذا المعنى، ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخيراً بين أن يسوق الهدي، وأن لا يسوق، فسوقه الهدي كان من قبيل الأخذ بأحد أمرين جائزين، واختيار أحد أمرين جائزين لا يعد اجتهاداً في تقرير حكم شرعي، فقد يفعله من لم يبلغ رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولهذا نرى المنكرين
(3/ 1/271)

لاجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحكام الشرعية كابن حزم يسلمون أنه - عليه الصلاة والسلام - قد يختار أحد وجهين أجازهما الشارع، ويقولون: لا مانع من أن يختار غير الأولى منهما، ولكنه لا يقر على ذلك.
فإذا كان سوقه للهدي من قبيل اختيار العمل بأحد الجائزين، فإذا عرض حال يستدعي اختيار الجائز الآخر، وهو عدم سوق الهدي، كان له أن يختاره، ولا يعد هذا الاختيار اجتهاداً في تقرير حكم شرعي، فعدم سوقه الهدي حيث ينبني عليه موافقة أصحابه، وانشراح صدورهم لفعل ما يأمرهم به من الإحلال، يصح اختياره بدل سوق الهدي، فمعنى "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي": لو كان هذا الوقت الذي ظهر فيه تحرج أصحابه من اختلاف حالهم عن حاله هو الوقت الذي كان قد أحرم فيه، لاختار عدم سوق الهدي.

* قضاؤه - عليه الصلاة والسلام -:
ما زال كاتب المقال يتحدث عما قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - بحق بشريته، حتى قال: "وكان يحكم في الحوادث الجزئية التي ترفع إليه، ويعتمد في حكمه على البينات، وحجج الخصوم، ويقول: لعل أحدكم ألحن بحجته، فإنما أنا بشر".
جعل الكاتب قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مما قام به بحق بشريته، ونحن نعلم أن الله أمره بأن يحكم في الحوادث التي ترفع إليه، وأمره ان يحكم بين الناس بما أنزله عليه، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]، ولكونه - عليه الصلاة والسلام - يحكم بما أنزله الله وأراه الله، كان عدم الرضا بحكمه خروجاً عن شرع الله، ونكثاً لليد من عروة
(3/ 1/272)

الإِسلام، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فقضاءُ رسول الله - صلوات الله عليه - شطر من المهمة التي أرسل من أجلها، وهو طريق من طرق إبلاغه شريعة الله - جل شأنه -.
قال الكاتب: ويقول: "لعل أحدكم ألحن بحجته، فإنما أنا بشر"، وأصل هذا الحديث كما جاء في الصحيح (1): "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلى، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذن منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من نار".
ولإيضاح معنى الحديث نقول: إن الله تعالى أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - لتكون سيرته المثل الأكمل في كل ناحية من نواحي الحياة الفردية أو الاجتماعية أو السياسية، ومما يدخل في ناحية السياسة: القضاء، وقد أمده الله في هذه الناحية- زيادة على ما فطر عليه من رصانة العقل وثقوب الفكر- بالأحكام والآداب التي تجعل قضاءه عادلًا، وموضع قدوة الحكام الراشدين من بعده.
ومما أمده الله به: أن جعل قضاءه على نحو ما يسمعه من الخصمين، وما يقيمونه من البينات، وما يلفظون به من أيمان، ولم يأخذ في صحة حكمه أن يكون الإقرار أو البينات أو الأيمان صادقة مطابقة للواقع؛ فإن بناء كل حكم على ما كان مطابقاً للواقع- وإن تيسر للنبي- صلى الله عليه وسلم - لا يتيسر لحكام ليس بينهم وبين الخالق - جل شأنه - صلة الوحي، وذلك معنى قوله -عليه
__________
(1) "الموطأ" و"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم".
(3/ 1/273)

الصلاة والسلام -: "فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع".
والقضاء - على ما يقتضيه الإقرار أو البينات أو الأيمان - حكم مطابق لما أمر الله أن يحكم به، فلو كان الإقرار في باطن الأمر كاذباً، أو البينات مزورة، أو الأيمان حانثة، كان حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - مصيباً ما دامت وسائل القضاء من الإقرار ونحوه قد استوفت شروطها المعتد بها في نظر الشارع.
وإنما يظهر خطأ الاجتهاد في تقرير حكم شرعي لم يوح إليه به، أو إجراء حكم على غير الوجه الذي وضعه الشارع الحكيم، وهذا ما اختلف العلماء في وقوعه، وأجمعوا على أنه متى وقع لا يقر عليه.
قال كاتب المقال: "وكان يكل الجهاد إلى أمرائه وقضاته دون أن يقيدهم بالرجوع إليه".
كان الكاتب يتحدث عن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويأخذ في حديثه كل مأخذ، ولا ندري ما موقع هذه الجملة التي تتعلّق بحال أصحابه عند غيبتهم وبعدهم عن موطن الوحي! حشرها هاهنا، ثم عاد إلى ما كان بصدده من اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى انتهى إلى الغاية التي وضع من أجلها المقال.
يكل الجهاد إلى أمرائه وقضاته دون أن يقيدهم بالرجوع إليه؛ لأنه يكله إلى رجال تفقهوا في الدين بما سمعوا من القرآن الحكيم، وتلقوه من السنَّة المطهرة، وكانوا من مقاصد الشريعة على بصيرة، فهو على ثقة من أن أولئك الرجال سيسيرون في إمارتهم وقضائهم ونورُ علمهم وإيمانهم يسعى بين أيديهم، فإذا عرض لهم أمر لم يكن لديهم فيه كتاب أو سنة، تصرفوا فيه على
(3/ 1/274)

مقتضى اجتهادهم، وكثيراً ما كانوا يخبرون النبي - صلى الله عليه وسلم - بما اجتهدوا، فإما أن يراهم مصيبين، فيقرهم، وإما أن يراهم قد أخطؤوا، فينبههم إلى وجه خطئهم، ومن شواهد هذا: قصة خالد بن الوليد إذ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني جذيمة، وجعل فريق منهم يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يفهم خالد أنهم يريدون الإِسلام، وتعجل فأذن في قتلهم، وخالفه قوم فلم يقتلوا من كان تحت أيديهم من الأسرى، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكروا له ذلك، فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد - مرتين" (1).
ويدلنا على أنهم كانوا إذا أشكل عليهم أمر، وكان في إمكانهم تأخير الفصل فيه إلى استرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعلوا: قصة الصحابة الذي رقوا بسورة الفاتحة سيد حي من أحياء العرب، فشفي، فأتاهم أهل الحي بقطيع من الشاء جُعلًا على الرقية، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما عادوا، سألوه، فأذن لهم في أخذها (2).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يزود الأمراء أو الوفود بوصايا فقهية، ويوجه إليهم بكتب تشتمل على أحكام شرعية؛ كالكتاب الذي أرسله إلى أمراء اليمن، وهو كتاب يشتمل على أحكام في الزكاة والديات والطلاق والعتاق، وغير ذلك (3).
قال كاتب المقال: "وكان يسارع أحياناً إلى الجواب عما يسأل عنه من غير أن ينتظر الوحي، وأحيانا ينتظر أمر الله، ويقول: لم ينزل علي فيه شيء؛ كما في حادثه المرأة التي جادلت زوجها، وكما في حادثة الرجل الذي قذف
__________
(1) "صحيح البخاري".
(2) "صحيح البخاري".
(3) رواه الحاكم في "صحيحه"، والنسائيُّ، وأبو داود.
(3/ 1/275)

زوجته، فقد نزل القرآن بتشريع كفارة الظهار، وشهادات اللعان.
جاء الكاتب بهذا التقسيم وهو يتحدث عن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريد: أن ما أجاب عنه بسرعة يكون صادراً عن اجتهاد، والصواب أن فتاوى النبي - صلى الله عليه وسلم - تروى لنا دون أن ينقل عنه أو عن الصحابي الراوي للفتوى أنها صدرت عن اجتهاد، أو عن وحي، وقد ثبت بالدليل القاطع أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوحى إليه، ولم يقم دليل قاطع على أنه كان يجتهد في تقرير الأحكام الشرعية من نحو الإيجاب والتحليل والتحريم، وشاهد هذا: أن الوحي مجمع عليه، لا ينكره إلا جاحد بآيات الله، وأما اجتهاده - عليه الصلاة والسلام - في تقرير حكم شرعي على النحو الذي وصفنا، فموضع اختلاف بين كبار أهل العلم، وثبت بالبحث أن الأحكام التي وقع في أذهان بعض العلماء أنها صدرت عن اجتهاد ليست بكثير، فإذا أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم -عليه الصلاة السلام - سائلًا عن حكم شرعي، حُمل على أنه كان عن وحي، حتى يقوم الدليل على أنه كان عن اجتهاد.
وسرعة الجواب ليست بدليل على أن الفتوى صادرة عن اجتهاد، فقد يسأل - عليه الصلاة والسلام - عن أمر كان قد أبلغه من قبل؛ كما نزلت الصلوات الخمس بمكة مبينة، ثم سأل سائل بالمدينة عن أوقاتها وأوائلها وأواخرها، فأجابه عن ذلك بطريق عملي.
وقد يستند في إفتائه إلى النصوص العامة؛ كما سئل عن قتل شخص يتشبه بالنساء، فقال: "إني نهيت عن قتل المصلين"، والاستدلال بالعام على بعض الحوادث من قبيل تطبيق النصوص الشرعية، وليس من الاجتهاد في شيء. ثم إن للوحي طرقاً، منها: أن يقذف الملَك في روعه ما أراد الله إيحاءه إليه، ولا يستطيع الكاتب أن يقدر المدة التي ينزل فيها الوحي، ويبين لنا كيف
(3/ 1/276)

تكون أطول من مدة النظر في تحصيل حكم شرعي بطريق الاجتهاد، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": "ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع، فقد وَهِم".
وكيف تدل سرعة الجواب على أن الفتوى صادرة عن اجتهاد، ونحن نجده - عليه الصلاة والسلام - يجيب عقب السؤال في كثير من المسائل التي شأنها أن تكون عن وحي؛ كالمسائل المتعلقة بأحوال يوم القيامة، أو المقام في الدار الآخرة، وهذه جزئيات لا يجد المجتهدون طريقاً من الطرق التي يألفها الناس موصلاً إليها.
قال كاتب المقال: "ولعل الأمر فيما ينزل به الوحي، وفيما لا ينزل، وفيما يجتهد فيه الرسول، وفيما لا يجتهد، راجع إلى الفصل بين الشؤون التي تتعلّق بأساس الدعوة، أو بالجانب الخلقي، أو بالعبادة، وبين ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأزمنة والأشخاص".
ذكر الكاتب فيما سلف أن هناك أموراً ينزل فيها الوحي، وأمورا يجتهد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقصد في هذه الجمل أن يضع ضابطًا للأمور التي ينزل فيها الوحي، ولا يجتهد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأمور التي يجتهد فيها، ولا ينزل فيها الوحي، فادعى أن ما ينزل فيه الوحي، ولا يجتهد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: الشؤون المتعلقة بأساس الدعوة، أو بالجانب الخلقي، أو بالعبادة، وما يجتهد فيه الرسول - صلوات الله عليه - ولا ينزل فيه الوحي: ما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأزمنة والأشخاص.
أما أن الوحي لا ينزل إلا في أساس الدعوة، والجانب الخلقي، والعبادات، فقد قال الكاتب في صدر مقاله: "فلما تمت الهجرة، دخلت الدعوة في عهد
(3/ 1/277)

جديد تكونت به للمسلمين وحدة اقتضت معاملات ونظماً اجتماعية تمتاز بها عن سائر الجماعات، ومنذ ذلك الحين اتجه الوحي إلى جهة أخرى تسير مع مقتضيات الحالة الجديدة، وتلبي مطالب هذه الأمة الناشئة"، وكنا فهمنا من تلك العبارة: أن الكاتب معترف بأن الوحي ينزل في غير أساس الدعوة، والجانب الخلقي والعبادات.
أفلا تشعر أيها القارئ بأن ما قاله هنا ينافر ما قاله في صدر المقال، ولا يلتئم به؟ فالأمر إما أن يكون في المقال عبارات لا يأخذ بعضها برقاب بعض، وإما أن يكون فيه رجوع عن رأي برأي.
أشار الكاتب هنا إلى أن الوحي لا ينزل فيما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال، ووضْعه لهذا القسم في مقابلة أساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادات، ظاهر في أنه أراد منه: المعاملات، وشؤون الاجتماع، ولا ندري ماذا يصنع الكاتب في آيات كثيرة نزلت في المعاملات والجنايات؛ كالرهن، وتحريم الربا، وجلد الزاني والقاذف، وقطع يد السارق، وثبوت الحق بشهادة رجلين، أو رجل وامراتين، ويضاف إلى هذا أحاديث كثيرة وردت في المعاملات وشؤون الاجتماع، وليس في الرواية, "ولا ما يحيط بها ما يدل على أنها صادرة عن اجتهاد.
وأشار الكاتب هنا أيضاً إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجتهد إلا فيما تختلف فيه المصلحة باختلاف الظروف والأحوال، ولا يجتهد فيما يرجع إلى أساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادات، وقد نسي الكاتب أنه أورد أحاديث في العبادات مستشهدًا بها على اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ مثل: إفتاء المرأة في الحج لأبيها، وإفتائه السائل عن قُبلة الصائم، وإفتائه السائل عن أجر من باشر امرأته.
(3/ 1/278)

خص كاتب المقال في الجمل السابقة اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - بما تختلف فيه المصلحة باختلاف الأحوال، وخص الوحي بالشؤون المتعلقة بأساس الدعوة والجانب الخلقي والعبادة، ثم قال:
"وقد حدد الفقهاء مواضع الاجتهاد، ومواضع النص".
إيراد الكاتب لهذه الجملة عقب ذكره لما ينزل به الوحي وما لا ينزل، وما يجتهد فيه النبي -صلوات الله عليه -، وما لا يجتهد، ظاهر في أنه يريد من النص: الوحي، ومعنى هذا: أن الفقهاء حددوا مواضع الوحي، ومواضع الاجتهاد.
وهل حدد الفقهاء مواضع الوحي؟
ليس من المعقول أن يحدد الفقهاء وهم يبحثون عن الأحكام الشرعية مواضع الوحي، فهم لا يختلفون في أن الوحي يرد في العقائد، والجانب الخلقي، والعبادات، وفي كل ناحية من نواحي الحياة.
وهل حدد الفقهاء مواضع الاجتهاد؟
لا نعرف للاجتهاد في الأحكام الشرعية مواضع محددة سوى ما يذكره علماء الأصول في كتاب القياس من نحو قولهم: إن القياس لا يجري في الأسباب والحدود والكفارات والرخص، على اختلاف بينهم فيما كان من هذا القبيل.
وكيفما كان تحديدهم لمواضع الاجتهاد، فإنه لا يجدي الكاتب في هذا المقام نفعاً؛ لأن الذي يهمه أن تكون مواضع الوحي محدودة حتى يمكنه متى وجد حديثاً شرعياً أن يقول: هذا صادر عن اجتهاد؛ لأنه خارج عن المواضع المحدودة للوحي.
(3/ 1/279)

* شخصياته الأربع:
قال كاتب المقال: "نستطيع بعد هذا أن نستخلص للنبي - صلى الله عليه وسلم - شخصيات متعددة: شخصية الرسول، وشخصية الإمام العام، وشخصية المفتي، وشخصية القاضي".
قال شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق"، وكتاب "الأحكام" في الفرق بين الفتاوى والأحكام: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتصرف بالتبليغ، وبالفتوى، وبالقضاء، وبالإمامة، وفرق بين الأربعة في التعريف، فقال: الرسالة: أن يوصل إلى الناس ما أمره الله تعالى بإبلاغه، والفتوى: إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تعالى، فهو كالمترجم عن الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والقضاء: إلزام من قبله - صلى الله عليه وسلم - بحسب ما نتج من الأسباب والحجاج، والإمامة: ولاية أمر السياسة العامة في الناس، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد.
وحقق العلامة ابن الشاط في "حواشيه على الفروق" هذا التقسيم، فقال: إن المتصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه، وإما أن يكون تصرفه بتنفيذه، فان تصرف فيه بتعريفه، فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى، وتصرفه هو الرسالة، وإلا، فهو المفتي، وتصرفه هو الفتوى، وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه، فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفصل وقضاء، فهو القاضي، وتصرفه هو القضاء، وإن لم يكن بفصل وقضاء، فهو الإمام، وتصرفه الإمامة.
وسترى فيما يأتي الفرق بين قصد الكاتب ووجهته من ذكر هذا التقسيم، وقصد هؤلاء العلماء ووجهتهم.
(3/ 1/280)

* رسالته:
قال كاتب المقال: "فهو بشخصية الرسول مبلغ عن الله، لا يخرج فيما أوحى إليه عن حدود ما أمر به، أو نهى عنه، والمسلمون مكلفون به كما تلقوه عنه في عمومه أو خصوصه، وفي دوامه أو توقيته، وهذا يغلب فيما هو من العقائد وأصول الأخلاق والعبادات، ولا يعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقيهاً، وإنما هو أعلى شأناً، وأجل مكانة من الفقيه".
ذهب الكاتب في الجمل السابقة إلى أن ما ينزل به الوحي، ولا يجتهد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - راجع إلى الشؤون التي تتعلّق بأساس الدعوة، أو الجانب الخلقي، أو العبادة، وعاد هنا فجعل ما ينزل به الوحى يغلب فيما هو من العقائد، وأصول الأخلاق، والعبادات، فهل يعد مثل هذا تخاذلاً في الإنشاء، أو هو رجوع عن رأي برأي؟
يقول كاتب المقال: إنه - عليه الصلاة والسلام - بشخصيته مبلغاً أعلى شأنًا، وأجل مكانة من الفقيه، ونحن نرى اجتهاده - عليه الصلاة والسلام - في استنباط حكم شرعي متى وقع، فإنما هو مستمد من نصوص الوحي أو أصوله، فهو - عليه الصلاة والسلام - لم ينزل عند اجتهاده عن مرتبة التبليغ، ومن هنا نقول كما قال أهل العلم من قبلنا: إن أوامره تتبع على الوجه الذي وردت فيه من وجوب أو ندب، لا فرق بين ما يكون صادراً عن وحي، وما يكون صادراً عن اجتهاد.

* إمامته:
قال صاحب المقال: "وهو بشخصيته الإمام الأعظم رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم، يعمل على تركيز أمته، وطبعها بطابع تتميز به عن سائر
(3/ 1/281)

الأمم. ويلحق بذلك كل ما ورد عنه مما يتعلق باللباس والأزياء، والتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وما إلى ذلك مما لا يمس ناحية من العقيدة، ولا يعقل فيه معنى التعبد، وإنما هو في الشؤون الاجتماعية البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال، وينزع إليها الزعماء والقادة في القديم والحديث، والأمر فيها راجع إلى ما تراه الأمم، وتقدر فيه قوميتها ومصلحتها وسيادتها".
إمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - تقررت بالوحي، فالوحي هو الذي أنشاها، واستمر يمدها بأوامر ونواه حتى قامت على قدم راسخ، وأصبحت المثل الأكمل الذي أقامه الله للأئمة من بعده، وأمرهم بأن يكونوا على آثاره مقتدين.
وكان الوحي ينزل في كثير من التصرفات العائدة إلى الإمامة؛ كإعداد القوة، وإعلان الحرب، والدعوة إلى الخروج إليها، والإذن في التخلف عنها، وأخذ البيعة على المناصرة فيها، والأخذ فيها بالحذر والحزم، والزجر عن الفرار من مواقعها، ومعاملة الأسرى، وإعطاء الأمان للمحاربين، وتقرير السلم، وعقد المعاهدات، وقسمة الغنائم، وضرب الجزية، وعقاب الذين يقطعون السبيل وشمعون في الأرض فساداً، والأخذ بالشورى.
فإمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - وليدة الوحي، وهي - وإن كانت تصرفاً "في الشؤون الاجتماعية التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال"- قد رسم لها الشارع محجة غير الطرق التي تمشي فيها أمم لا دينية، فيعترضها من الأشواك والعثرات ما يعوقها عن إدارك الغاية المنشودة من الأمن وسعادة الحياة.
فإمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافة عن الله فيما اختاره لسياسة الأمم، ومن هنا كان جزاء الذين يخرجون عليها عذاب الهون في الدار الآخرة، ولولا أنهم خرجوا
(3/ 1/282)

على سياسة رسم الوحي دائرتها، وفرض على الناس طاعتها، ما كان جزاء من يخالفها إلا جزاء من يخالف سلطانًا تقوم سياسته على آراء لا تتصل بالوحي في أصل ولا فرع، وهو عقوبة السلطان، أما عقوبة الله، فإنما يستحقها من كان لله عليه حجة، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُول} [الإسراء: 15].
وسمَّى كاتب المقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الجمل: رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم؛ ليقرر في نفس القارئ أن ما يصدر عنه بصفة الإمامة لا علاقة له بالرسالة، وإنما هو بمنزلة ما يصدر عن غيره من الزعماء والقادة في القديم والحديث.
وقال كاتب المقال في هذه الجمل: "يعمل على تركيز أمته، وطبعها بطابع تتميز به عن سائر الأمم"، وهذا كلام صحيح متى فهمنا أن أمته كل من دخلوا في دينه من العرب والعجم، وأن ما يقوله لتركيزها وطبعها بطابع تتميز به عن غيرها من الأمم، لا يختص بخطابه قوم دون قوم، ولا عنصر دون عنصر، ذلك أن ما يقوله في هذا الصدد إما أن يكون عن وحي، وإما أن يكون عن اجتهاد يتصل بالوحي.
وقال الكاتب في هذه الجمل: "ويلحق بذلك كل ما ورد عنه مما يتعلق باللباس والأزياء والتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين".
ترك الشارع أمر اللباس إلى العادات، ولكن التشريع دخل في اللباس من بعض الجهات؛ كان يكون طاهرًا نظيفاً ساترًا لما يجب أو يحسن ستره، ولا أظن أحداً يستطيع أن يقول: إن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والذهب إنما هو من قبيل ما يصدر عنه بصفته رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم، فقد
(3/ 1/283)

قال - عليه الصلاة والسلام -: "حُرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي"، ولا شبهة في أن الذي حرم لباسهما هو الله تعالى، وقال: "ومن لبس الحرير، في الدنيا، فلن يلبسه في الآخرة"، وإن لم يكن مثل هذا الحديث وحياً، فمن أين علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من لبس الحرير في الدنيا لا يلبسه في الآخرة؟
يقول كاتب المقال في هذه الجمل: "إن كل ما ورد عنه مما يتعلق بالتشبه بقوم، ومخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين، صادر عنه - صلى الله عليه وسلم - بصفته رئيس المسلمين، وزعيم قوميتهم".
ونقول: وردت أحاديث في النهي عن التشبه بالمخالفين، ويلغت هذه الأحاديث أن تقررت بها قاعدة يرجع إليها الفقهاء في بعض ما يتجدد من الحوادت العائدة إلى هذا القبيل.
وكل أحد يتفقه في هذه الأحاديث، ويبحث عن أسرارها، يرى رأي الحق: أن شريعة الإِسلام تكره للمسلمين أن يتشبهوا بغيرهم من أهل الملل والمذاهب الأخرى، ولا يرتاب في أن النهي عن هذا التشبه داخل في دائرة أحكامها.
والأحاديث الواردة في كراهة التشبه بالمخالفين نوعان:
أولهما: أحاديث وردت في النهي عن أشياء تشتمل على وجوه من الفساد، ويقول فيها - عليه الصلاة والسلام -: هذا من فعل المشركين، أو اليهود - مثلاً -, أو يقول فيها: وخالفوا اليهود أو المجوس. فالمقتضي الأول للنهي عنها: هو ما في الفعل من مفسدة، والإخبار بأنها من أفعال أهل ملة باطلة يراد منه: زيادة التنفير منه، وتكيد كراهة الشارع له، ومثال هذا: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى
(3/ 1/284)

الجاهلية"، فالنياحة والندبة عند المصيبة هي المعبر عنها بدعوى الجاهلية. والنياحة والندبة ينهى عنها ولو لم تكن من شأن الجاهلية، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضافها إلى الجاهلية؛ لزيادة التنفير منها, حيث إن المتقين يتحامون أن يتشبهوا بالضالين والمبتدعين، وقد ورد هذا النوع في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
ثانيهما: أحاديث وردت في النهي عن التشبه بالمشركين، أو غيرهم من أهل الملل الباطلة في أشياء لا يظهر فيها وجه مفسدة، ولا وجه مصلحة، فيكون المقتضي للنهي هو مجرد التشبه، ويساق مثلاً لهذا حديث: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إذا أَتبع جنازة، لم يقعد حتى توضع في اللحد، فتعرض له حبر (1)، فقال: هكذا نصنع يا محمد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "خالفوهم (2) ".
ومن حقق النظر فيما يترتب على نفس التشبه بالمخالفين من آثار، ودخل إلى هذا التحقيق من باب دراسة علم النفس، أدرك وهو على بصيرة أن النهي عنه يقوم على مراعاة مفاسد هي من نوع المفاسد التي تشتد عناية الشارع بإزالتها، ومن ذا الذي يرى شخصا يترك زياً من أزياء إخوانه المسلمين، ويتزيا بزي يهودي أو نصراني، ولا يتبادر إلى ذهنه أنه ضعيف الإيمان, أو منحل العقيدة؟!
يقول كاتب المقال في هذه الجمل: "وما إلى ذلك مما لا يمس ناحية العقيدة، ولا يعقل فيه معنى التعبد، وإنما هو في الشؤون الاجتماعية البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور ... إلخ".
__________
(1) من أحبار اليهود.
(2) "صحيح البخاري".
(3/ 1/285)

إذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث يتضمن أمراً أو نهياً، حُمل أمره أو نهيه على أنه شريعة، سواء أكان الأمر أو النهي فيما يعقل فيه معنى التعبد، أم كان في الشؤون الاجتماعية، فإذا ورد حديث يتضمن النهي عن لباس أو زي، أو يتضمن النهي عن التشبه بقوم في زي أو عادة، إلى غير هذا من الشؤون الاجتماعية، عد هذا الأمر أو النهي في الأحكام الشرعية، ولا نبحث عن مصدر هذا الحكم: أهو الوحي، أم الاجتهاد؟.
وتصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الإمامة لا يخرج عن أنه تصرف يرتبط بالشريعة، فإنه تصرف في شؤون أذن له الشارع في التصرف فيها على حسب المصلحة، فتصرفه مستند إلى إذن من الشارع، ومقيد بالمصلحة الملائمة لمقاصد الشارع في الإصلاح، وهو بعد هذا تحت رعاية منزل الوحي، فإن جاء التصرف على الوجه الأولى، أقره، وإن جاء على غير الوجه الأولى، نبهه لما هو الأولى. أما تصرفات الزعماء والقادة في الشؤون الاجتماعية، فإنما تستند إلى آراء بشرية بحتة، وكثيراً ما تخطئ في تقدير المصلحة، ويبقى خطؤها بلاء على الناس إلى أمد بعيد، فما كان لنا أن نسمي إمامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زعامة، ونلحقها بقبيل زعامات لا تستضيء بحكمة الله، ولا تبالي في سياستها أن تقع فيما لا يوافق هداه.

* تصرفه بالفتوى:
قال كاتب المقال: "وهو بشخصية المفتي إما مجيب بلسان الوحي، فليس له اجتهاد في ذلك إلا في تطبيق النصوص على جزئيات الحوادث، وإما فقيه يجتهد ويقدر ويلاحظ أحوال السائلين، فيجيبهم بما يراه، كما يفعل سائر المجتهدين، وبالطرق التي يأتيها الناس في استنباط المجهولات، وقد علم له
(3/ 1/286)

من هذا النوع كثير".
سبق لكاتب المقال أن قال في حديثه عن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -: وكان يسارع أحياناً إلى الجواب عما يسأل عنه، وأحياناً ينتظر الوحي.
وكان قصده هنالك: أن الفتاوى التي تصدر عن سرعة هي من قبيل الاجتهاد، فيكون مراده من تقسيم الفتاوى هنا إلى: ما يجيب عنه بلسان الوحي، وما يجيب عنه باجتهاد: أن ما يجيب عنه بلسان الوحي: ما كان ينتظر فيه الوحي، وما يجيب عنه باجتهاد: ما يجيب عنه بسرعة، وقد نبهنا فيما سبق لعدم دلالة السرعة في الجواب على أن الفتوى كانت عن اجتهاد.
وقد علم له - عليه الصلاة والسلام - من نوع الفتاوى في الأحكام الشرعية كثيرة، ولكنا لا نستطيع أن نضع أيدينا على فتوى في حكم شرعي، ونقول ونحن على حجة: هذه فتوى أجاب فيها بما يراه كما يفعل سائر المجتهدين.

* تصرفه بالقضاء:
قال كاتب المقال: "وهو بشخصية القاضي حكم بين المتخاصمين، يسمع دعاواهم، ويتعرف الحق بما يسمع من شهادة الشهود، وما يرى من وجوه التثبت، ويقدر ظروف القضية وأحوال المتقاضين؛ كما يفعل سائر القضاء، وأحكامه في هذه الدائرة لا عموم لها في الأشخاص ولا في الأحوال، كما يقول علماء الأصول، فليس لها صفة التشريع العام".
يتوجه النظر في القضاء إلى ناحيتين:
أولاهما: الوسائل التي تتقدم الحكم؛ من نحو: البينات، والأيمان، وتزكية الشهود، والطعن في البينات، وضرب الآجال والأعذار، وبعث الحكمين.
(3/ 1/287)

ثانيتهما: الأحكام التي يرجع إليها القاضي في الفصل بين المتخاصمين؛ كاستحقاق الشريك للشفعة، والأم للحضانة، ووجوب نفقة الرجل على أبيه، وبطلان بيع ما فيه غرر، ونكاح الشغار، وصحة البيع بمعاطاة، والنكاح على أن يكون الصداق منافع.
أما وسائل الحكم، فمنها ما قرره القرآن الكريم؛ كقبول شهادة عدلين، أو رجل وامرأتين، وعدم قبول الشهادة على الزنا متى كان الشهود أدنى من أربعة، ومنها ما قررته السنة؛ كمطالبة المدعي بالبينة، والمدعى عليه باليمين متى أنكر، وقبول شهادة عدل مع اليمين.
وما ثبت بالقرآن أو السنة من أمثال هذه المقدمات التي ينبني عليها القضاء يعد شرعاً دائماً لا يسوغ لأحد من القضاة إهماله إلا إذا فقد الوصف الذي راعاه الشارع عند تقرير الحكم.
وأما الأحكام التي يأخذ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضائه، فإما مقررة بالقرآن الكريم؛ كجملة من أحكام النكاح والطلاق، والنفقات والوصية والمواريث، أو أحكام الجنايات؛ كحد السارق والقاذف والزاني والقاتل، وأحكام المعاملات؛ كالرهن وإنظار المعسر ورد الربا، وإما مقرر بالسَّنة، وأمثلة هذه الأحكام غير المنصوص عليها في القرآن مبثوثة في كتب السنة.
فالأحكام التي يفصل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الخصوم، لا بد أن تكون متلقاة من الشارع، إما على طريق النص بوجه خاص أو عام، وإما على طريق الاجتهاد المستمد من الوحي.
فإذا قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نازلة، فالحكم الذي يفصل به القضية شريعة دائمة، إلا أن يكون مربوطاً بسبب أو صفة، فإذا زال السبب، أو فقلت الصفة،
(3/ 1/288)

صح للمجتهد أن يرجع بالواقعة المتجددة إلى نصوص أو أصول أخرى، ويقرر لها حكماً يلائم مقاصد الشارع في الإصلاح.
فالقاضي يسمع الدعاوى، ويسمع شهادة الشهود، ويتثبت في الدعاوى والشهادات، ويقدر ظروف القضية وأحوال المتقاضين، وله عمل آخر بعد هذا هو تطبيق الحكم الذي قرره الشارع لأمثال هذه القضية، فإذا رفعت إليه قضية ادعى فيها أحد على آخر أنه باع له ثمراً قبل بدو صلاحه، أو باع له ما ليس عنده، سمع القاضي الدعوى، وسمع شهادة الشهود بأنه باع له ثمراً لم يبد صلاحه، أو باع له شيئاً لا يملكه، وتثبت في الدعوى والشهادة، فكان كل منهما مستوفيا لما يشترطه القضاء، ونظر إلى ظروف القضية، وأحوال المتقاضين ما شاء أن ينظر، ولكن هذا كله لا يكفيه في إصدار حكم عادل إلا بعد أن يرجع إلى حكم الشريعة في مثل هذا البيع من صحة أو بطلان، ولا يكون قاضياً عادلاً في نظر الإِسلام إلا أن يجري في فصل القضية على هذا الحكم.
أما المسألة الأصولية التي أشار إليها الكاتب مستشهداً بها على أن أحكامه - عليه الصلاة والسلام - في دائرة القضاء غير عامة، فقد سيقت على وجه غير الوجه الذي ينبغي أن تساق عليه.
ذلك أن الأصوليين لا يختلفون في أن أحكامه - عليه الصلاة والسلام - ولو كانت على أشخاص معينين، هي عامة؛ أي: يجب اتباعها في كل قضية تشابه القضية التي قضى فيها - عليه الصلاة والسلام -, وإنما الخلاف في طريق عمومها، فقال بعضهم: هي عامة بالصيغة التي صدرت منه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا القول معدود في الأقوال الضعيفة بينهم. وقال آخرون: هي عامة بمعناها لا بصيغتها؛ أي: إن حكمه - صلوات الله عليه - في قضية يكون شرعاً متبعاً في كل قضية
(3/ 1/289)

من صنف القضية التي حكم فيها، فلو رفع إليه شريك قضية طالباً الشفعة، فقضى له بها، علمنا أن كل شريك مستحق للشفعة، فمن لم يحكم من القضاة للشريك بالشفعة، كان حاكمًا بغير شريعة الإِسلام، فهؤلاء ينكرون أن يكون الحكم عاماً بالصيغة، ويقولون: إن قضايا الأعيان لا عموم لها في الأشخاص، ولكنهم يتمسكون بأن الحكم عام من جهة ارتباطه بسبب أو وصف، فمتى وجد الوصف أو السبب في أي شخص، أو في أي وقت، لزم الحكم لا محالة.
وهذا الذي قرره الراسخون في علم الشريعة يجري في الفتاوى والأقضية على سواء، وإن شئت أن نعرض عليك نصوصاً لبعض هؤلاء المحققين صاغوها في هذا البحث، فإليك بعض نصوصهم:
قال إمام الحرمين في كتاب "البرهان": "إذا خصَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحداً من أمته بخطاب، فهذا مما عده الأصوليون من مسائل الخلاف"، وبعد أن حكى الخلاف قال: "والقول هذا عندي مردود إلى كلام وجيز، فإن وقع النظر في مقتضى اللفظ، فلا شك أنه للتخصيص، وإن وقع فيما استمر الشرع عليه، فلا شك أن خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مختصاً بآحاد الأمة، فإن الكافة يلزمون في مقتضاه ما يلتزمه المخاطب، وكذلك القول فيما خص به أهل عصره، وكون الناس شَرْعا في الشرع، استبانة ذلك من عهد الصحابة ومن بعدهم، لا شك فيه، وكون مقتضى اللفظ مختصًا بالمخاطب من جهة اللسان لا شك فيه، فلا معنى لعد هذه المسألة من المختلفات، والشقان جميعاً متفق عليهما".
فانظر كيف جعل الحكم الشرعي الذي يتضمنه خطابه - صلى الله عليه وسلم - لواحد حكماً عاماً باتفاق.
(3/ 1/290)

وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى: أنه لا يختص بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة". وأخذ في الاستدلال على عموم الشريعة حتى قال: "الثالث: إجماع العلماء المتقدمين على ذلك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك صَيَّروا أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة للجميع في أمثالها، وحاولوا فيما وقع من الأحكام على قضايا معينة، وليس لها صيغ عامة، أن تجري على العموم، إما بالقياس، أو بالرد إلى الصيغة، أو تجري على العموم المعنوي، أو غير ذلك من المحاولات؛ بحيث لا يكون الحكم على الخصوص في النازلة الأولى مختصًا بها، وقد قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37]، فقرر الحكم في مخصوص، ليكون عاماً في الناس، وتقرير حجة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد؛ لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة".
فحمل الأحكام في الأحاديث الواردة في قضايا معينة على العموم هو الحق لا شبهة فيه، وهو العقيدة المعروفة عند أهل العلم، حتى من ينكرون القياس منهم، ويبالغون في إنكاره من أهل الظاهر، وهذا ابن حزم، وهو من أشد خصوم القائلين بالقياس، يقول بعموم الحكم في قضايا الأعيان، وإليك بعض ما يقول في كتاب "الأحكام":
"فإن اعترضوا (أي: أصحاب القياس) بأحاديث وردت في أناس بأعيانهم، فليس ذلك مما ظنوا، ولكن جميع تلك الأحاديث فيها أحكام وأصول توجب الأخذ بذلك الحكم في أنواع تلك الأحوال اتباعاً للفظ الحكم
(3/ 1/291)

المعلق على المعنى المحكوم فيه".
ثم قال: "وقد بينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ليحكم على أهل عصره فقط، لكن على كل من يأتي إلى يوم القيامة".
ثم قال: "كل خطاب منه - صلى الله عليه وسلم - لواحد فيما يفتيه فيه، ويعلمه إياه، هو خطاب لجميع الأمة إلى يوم القيامة، وتعليم منه - عليه الصلاة والسلام - لكل من يأتي إلى انقضاء الدنيا".
ثم قال: "ومما يبين قولنا قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة في الأضحية بعنَاق جذعة: "تجزئك، ولا تجزئ أحداً بعدك"، فبين - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الحكم خصوصي لأبي بردة، ولو كان فتياه لواحد لا يكون فتيا في نوع تلك الحال، لما احتاج - عليه الصلاة والسلام - إلى بيان تخصيصه، ومثله قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].
ولا فرق في عموم أحكامه - عليه الصلاة والسلام - بين أن يقول الراوي: قضى لفلان على فلان بكذا، وأن يأتي بصيغة عموم نحو: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يقتل الوالد بولده (1) "، و"قضى أن الحامل إذا قتلت عمداً، لم تقتل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها"، و"قضى باليمين مع الشاهد".
هذا ما يقرره علماء الإِسلام في قضايا الأعيان من أنها عامة بحكمها، وأدلتهم في هذا قاطعة، ومما يعززها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة، إلا قولي لمئة امرأة"، وهذا من الأحاديث التي ألزم
__________
(1) الترمذي.
(3/ 1/292)

الدارقطني الشيخين بإخراجها؛ لثبوته على شرطهما.
وإذا قالوا: إن الحكم في الواقعة جزئي لا يتعدى إلى أمثالها من الوقائع، فللمجتهد أن ينظر في واقعة صدر فيها حكم مجتهد من قبل، فإنما يريدون: حكم من قد يخطئون، ولا ينبهون من قبل الشارع لخطئهم، أما إذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واقعة، فليس لمجتهد بعده أن يعيد النظر في أمثالها إلا من جهة التحقق من الأسباب والشروط التي وقع عليها قضاؤه، وهذا أمر جرى عليه علماء الإِسلام باتفاق، ودليله واضح لا تحوم عليه شبهة، قال ابن حزم في كتاب "الأحكام": "اتفق العلماء على أن القرآن، وما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قاله، أو فعله، أو أقره وقد علمه- مواضع لوجود أحكام النوازل".

* ماذا يترتب على الشخصيات الأربع؟
قال كاتب المقال: "هذه شخصيات أربع صارت إليه - صلى الله عليه وسلم - وأثراً من آثار تلك الهجرة الميمونة، وإنا لنلمح هذه الشخصيات في جميع ما أثر عنه، ودوِّن في الكتب، ومنه ما تظهر الشخصية التي صدر عنها دون أن يخالف فيه أحد، ومنه ما تخفى شخصيته خفاء تتفاوت الأنظار، وتختلف الآراء في تقديره".
ذكرنا سابقاً أن بعض الأصوليين نبهوا لهذه الجهات الأربع في تصرفه - عليه الصلاة والسلام - ونذكر هنا: أنهم أشاروا إلى أن من تصرفاته -عليه الصلاة والسلام - ما اتفق العلماء على الجهة التي يرجع إليها من الإمامة أو الفتوى أو القضاء، ومنه ما اختلفت فيه الآراء والأنظار.
قال الشهاب القرافي: "إن تصرفه - عليه الصلاة والسلام - ينقسم أربعة أقسام:
قسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالإمامة؛ كالإقطاع، وإقامة الحدود،
(3/ 1/293)

وإرسال الجيوش، ونحوها.
وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالقضاء؛ كإلزام أداء الدين، وتسليم الودائع، وفسخ الأنكحة، ونحو ذلك.
وقسم اتفق العلماء على أنه تصرف بالفتيا, كإبلاغ الصلاة وإقامتها، وإقامة المناسك، ونحوها.
وقسم وقع منه - عليه الصلاة والسلام - متردداً بين هذه الأقسام، فاختلف العلماء فيه على أنحاء".
وذكر لهذا القسم المختلف فيه أمثلة، منها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "من أحيا أرضًا ميتة، فهي له"، وقوله: "من قتل قتيلاً، فله سلبه".
فقول الكاتب: ومنه ما تظهر الشخصية التي صدر عنها ... إلخ يشابه هذا التقسيم الذي نقلناه عن القرافي، غير أن القرافي يجعل الفتوى والتبليغ - من جهة ما يترتب عليهما من الآثار - متساويين، ولهذا نراه عندما جعل الأقسام أربعة، اكتفى بذكر الفتوى عن التبليغ، وقد قال في أثناء بحث هذا التقسيم: "وأما تصرفه - عليه الصلاة والسلام - بالفتوى أو الرسالة والتبليغ، فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين".
قال كاتب المقال: "ولو أننا تتبعنا المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، ولم نخلط بعضه ببعض، ورتبنا على كل منها آثاره، وأعطيناه حقه، لسهل على المسلمين أن يتفاهموا فيما شجر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر والزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريع خاص أو مؤقت لهم أن
(3/ 1/294)

يتصرفوا فيه بما تقضي به المصلحة، وبما توحي به الظروف والأحوال".
يريد الكاتب أن يضع في ذهن القارئ أن علماء الإِسلام لم يتتبعوا المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعطوه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، وخلطوا بعضه ببعض، فنقول له: قد قلت في صدر مقالك تذكر عناية المسلمين بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتصرفاته: "دونوها، وشرحوها، وضبطوا ألفاظها، وألفوا المعاجم في شرح غريبها، واهتموا بتفهم أسرارها، وتبين أغراضها، حتى كان من آثار ذلك أن نشأت علوم خاصة تعرف بعلوم السنة".
وكيف يشرحون أقواله وأفعاله وتصرفاته، ويهتمون بتفهم أسرارها وتبين أغراضها، وهم لم يعطوها نظرة فاحصة يتميز بين تلك الشخصيات، ويخلطون بعضها ببعض؟
ينسب الكاتب إلى المسلمين أنهم لم يتتبعوا المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعطوه نظرة فاحصة ... إلخ ما قال، وكذلك قال الدكتور زكي مبارك في مقاله المشار إليه فيما سلف: "إن شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تدرس حق الدراسة إلى اليوم في البيئات الإِسلامية؛ لأن المسلمين يجعلونه رسولاً في جميع الأحوال".
والحق أن علماء السلف قد تتبعوا المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأعطوه نظرة فاحصة، وميزوا ما كان صادراً عن تبليغ، وما كان صادراً عن فتوى، وما كان صادراً عن قضاء، وما كان صادراً عن الإمامة، ورتبوا على كل منها آثاره، غير أن آثار الإفتاء هي آثار التبليغ، فما كان صادراً عن إفتاء أو تبليغ، فهو شريعة دائمة، وينفذ على النحو الذي ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
(3/ 1/295)

سواء أكان الإفتاء عن وحي، أم عن اجتهاد.
وما كان صادراً عن صفة الإمامة يصير الحق فيه إلى الإمام؛ أي: إن الله تعالى قد جعل ذلك إلى الإمام؛ ليجري فيه على ما تراءى له من المصلحة، فليس لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام؛ كإحياء الموات، وحوز القاتل سلبَ القتيل في الحرب على مذهب من يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تصرف في ذلك بصفة الإمامة.
وما تصرف فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، فإنما هو تنفيذ لحكم شرعي على وجه الإلزام، وقالوا: ليس لأحد أن يقدم على مثل ما حكم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بحكم حاكم، ومعنى هذا: أنه لا يجوز لأحد يدعي حقاً على شخص أن يقدم على أخذ حقه من ذلك الشخص بقوة، وإن سبق أن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بمثل ذلك الحق لمثله، يقولون هذا وهم لا يريدون أن حق المدعي لا يثبت شرعاً إلا باجتهاد يتجدد من القاضي في الواقعة التي هي من نوع ما حكم فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ينحون نحواً آخر هو: أن إطلاق أيدي مدعي الحقوق ينتزعونها من أيدي المستولين عليها، يفضي إلى فتنة واختلال أمر، ويفتح للبغاة باب انتزاع الأموال من أيدي أربابها بدعوى أنها حقوق لهم. وما أدق عبارة ابن الشاط التي سقناها إليك من قبل؛ إذ جعل القضاء والإمامة من قبيل تنفيذ الحكم الشرعي، والفتوى من قبيل تعريف الحكم الشرعي.
يقول الكاتب: "لو أعطينا المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، لما رمى أحد سواه بالكفر والزندقة".
يرى الكاتب أن عدم إعطاء المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرة تتمايز بها
(3/ 1/296)

هذه الشخصيات، هو السبب في رمي الأشخاص بالكفر والزندقة، والواقع أن الرمي بالكفر والزندقة قد ينشأ عن الضعف في العلم، وقد ينشأ عن هوى وضغن في النفس، وقد يقضي به الرسوخ في العلم، وقوة البصر بالحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فالرمي بالكفر والزندقة قد يكون ظلماً، وقد يكون حقاً، وقد نظر العلماء فيما يسميه الكاتب: "شخصيات الرسول"، وميزوا ما كان صادراً عن كل شخصية منها، وما زال الناس يرمون الأشخاص بالكفر والزندقة، مرة بالحق، ومرة بالباطل، وإذا أراد الكاتب من إلقاء نظرة على المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمييزاً لتلك الشخصيات غير تمييز أهل العلم، وترتيب آثار غير الآثار التي رتبوها عليها، فما يدرينا أن باب الرمي بالكفر والزندقة سيغلق، أو سيفتح بجانبه باب آخر أو أبواب؟.
وقال كاتب المقال في هذه الجمل: "لو ميزنا ما كان صادراً عن كل شخصية، لعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريع خاص أو مؤقت لهم أن يتصرفوا فيه بما تقضي به المصلحة".
لعلك أيها القارئ الكريم تذكر أن الكاتب قال في حديثه عما يصدر عنه - عليه الصلاة والسلام - بشخصية الرسول: "والمسلمون مكلفون به كما تلقوه عنه في عمومه أو خصوصه، وفي دوامه أو توقيته"، ولكنه هنا رتب معرفة ما هو شرع دائم عام، وما هو تشريع خاص أو مؤقت على تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية! وظاهر من كلامه هنا أنه يريد بالشرع الدائم: ما كان صادراً عن وحي، ولهذا قال: لا سبيل إلى مخالفته، أو الخروج عنه، ويريد بما هو تشريع خاص أو مؤقت: ما كان صادراً عن الإمامة أو الفتوى أو القضاء؛ لأن
(3/ 1/297)

التصرف بالشخصيات الثلاثة في رأيه من قبيل الاجتهاد الذي قام به بحق بشريته، وهو على ما قاله قد يجتهد، ويسكت عنه الوحي فلا يتعرض له بتصويب، ولا تخطئة، فلغيره من الناس أن يتصرفوا فيما اجتهد فيه بما تقضي به المصلحة، وبما توحي به الظروف والأحوال.
والصواب ما حررناه فيما سلف من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر بشيء، أو نهى عن شيء، أو قال: هذا حلال، أو هذا حرام، سواء كان هذا القول صادراً على وجه التبليغ أو الفتوى أو القضاء، فهو شرع دائم عام ما دامت أسباب الحكم قائمة، وشروطه متوفرة، فإن فقد السبب أو الشرط الذي ربط به الحكم، صار مناط الحكم واقعة أخرى، فيصبح للمجتهد الراسخ في أصول الشريعة، المتفقه في مقاصدها أن يستنبط للواقعة حكماً يناسبها، وقد حدثناك عن الإمامة، وأريناك وجه ارتباطها بالشريعة، وأن التصرف بها تنفيذ للسياسة التي رسم الوحي حدودها، وأقام قواعدها.
ورأى كاتب المقال في هذه الجمل أن إعطاء المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، يسهل على المسلمين أن يتفاهموا فيما شجر بينهم من خلاف، ثم قال:
"لو فعلنا ذلك، لما أبقينا على أسباب هذا الخلاف والتناكر بين أفراد الأمة وطوائفها، ولرجعنا إلى كلمة سواء في العبادات والمعاملات، والآداب والنظم الاجتماعية، وسائر شؤون الحياة، ولانتفع الناس بشرع الله ودينه، ولكنّا كما يريد خير أمة أخرجت للناس".
ادعى الكاتب أن التمييز بين الشخصيات الأربع يقضي على أسباب
(3/ 1/298)

الخلاف والتناكر بين أفراد الأمة وطوائفها، ويرجع بها إلى كلمة سواء في العبادات وسائر شؤون الحياة، ونحن نقول: قد فعل أهل العلم ذلك، ونظروا في المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وميزوا على ضوء العلم الراسخ ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، ورتبوا على كل شخصية أثرها، ولم يقضوا بما فعلوا على أسباب الخلاف والتناكر، ولم يرجعوا إلى كلمة سواء في العبادات والمعاملات، ذلك أن أسباب الخلاف في الأصول والفروع لا تنحصر في عدم تمييز نواحي تصرفه - عليه الصلاة والسلام -، وقد بحث الفقهاء عن أسباب الخلاف، وكشفوا عنها الغطاء، فذكروا أشياء غير عدم تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية من تلك الشخصيات؛ كالاشتراك الواقع في الألفاظ، واختلاف الرواية, ودعوى النسخ، وتعدد الصفات المحتملة لأن تكون علة مناسبة للحكم.
ولو ذكر لنا الكاتب في صراحة وتفصيل وجوه تمييز ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات، لعلنا نرى الرمي بالكفر والزندقة: كيف شمر أذياله، ولاذ بالفرار، ونرى الناس على تفاوت أنظارهم، واختلاف مذاهبهم يتصافحون، ويُجمعون في كل مسألة تعرض لهم على قول واحد.
ولكن الذي فعله الكاتب هو أنه أقبل يخوض في اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إنه اجتهد بحق بشريته، وأخذ يقول: إنه يرجع إلى اجتهاد غيره، وإنه يرجع عن اجتهاد باجتهاد، وإن الوحي يأتي بخلاف اجتهاده، وقد يسكت فلا يعرض له بتخطئة ولا تصويب، وإنه يحكم بين الناس، وقال: "إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم، ... إلخ".
جمع هذه الأشياء، وضم بعضها إلى بعض؛ ليؤكد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
(3/ 1/299)

يخطئ في الاجتهاد، ولم يقل للناس عندما تحدث عن خطأ اجتهاده: إنه لا يقر على الخطأ.
وبعد أن وضع في أذهان قراء مقاله أن النبي - عليه الصلاة والسلام - يخطئ في الاجتهاد، تخلص إلى أن له أربع شخصيات: الرسالة، والفتوى، والإمامة، والقضاء، وذكر أن إمامته من قبيل رياسة المسلمين، وزعامة قوميتهم، فهو يعمل من ناحية هذه الشخصية لطبع المسلمين بطابع يمتازون به على غيرهم من الأمم كما يفعل سائر الزعماء والقواد، ورأيتم كيف حاول أن يفتح في هذه الناحية بابًا لإخراج جانب كبير من أحكام الشريعة، وذكر أن القضاء وما يجيب عنه بسرعة من الفتاوى إنما هو عن اجتهاد.
ثم إن الكاتب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشخصية الرسول المبلغ عن الله، وقال هنالك: إن المسلمين مكلفون بما بلغه كما تلقوه عنه في عمومه وخصومه، وفي دوامه وتوقيته، ثم ذكره بشخصية الإمام، وشخصية المفتي، وشخصية القاضي، ولم يقل كما قال في شخصية التبليغ: والمسلمون مكلفون بما صدر عنه في حال الإمامة أو الفتوى أو القضاء، بل دلّ على أن هذه الوظائف جاءت من ناحية اجتهاده الذي قام به بحق بشريته، وقد رأيتموه كيف قال عند حديثه عن اجتهاده - عليه الصلاة والسلام -: "كما هو الشأن في المجتهدين والحكام"، وقال عند حديثه عن إمامته: "إنما هو في الشؤون البحتة التي تعرفها الأمم في كل العصور والأجيال، وينزع إليها الزعماء والقادة في القديم والحديث". وقال عند حديثه عن إفتائه - عليه الصلاة والسلام -: "كما يفعل سائر المجتهدين، وبالطرق التي يألفها الناس في استنباط المجهولات"، وقال عند حديثه عن قضائه - عليه الصلاة والسلام -: "كما يفعل سائر القضاة".
(3/ 1/300)

فالمسلمون إذاً غير مكلفين بما أفتى به، أو قضى به كما تلقوه عنه، ومن هنا قال صديقه العالم في الكلمة التي صدرنا بها هذا البحث: "وخلاصة ما يرمي إليه المقال (يعني مقال الشيخ محمود شلتوت): أن الذي يعد شرعاً دائمًا هو ما يرجع إلى شخصيات الرسول من العقائد وأصول الأخلاق والعبادات، وما عدا ذلك مما يرجع إلى شخصيات الإمام، أو المفتي، أو القاضي، فليس بشرع دائم، وإنما هو شرع مؤقت يمكن أن يتأثر بالاجتهاد، وأن يترك العمل به لسبب من الأسباب".
أحكام الوقائع الواردة في الكتاب والسنة دائمة ما دامت الواقعة على الوصف الذي تعلق به الحكم، أما ما لم يدل عليه لفظ قرآن أو حديث، فذلك موضع الاجتهاد، والرجوع إلى ما تقتضيه أصول الشريعة والقواعد المستمدة من نصوصها.
ولم يأت صديق الشيخ شلتوت ولو بشبهة على هذا الغرض الذي كان أصْرح فيه من غيره، وهو أن الشرع الدائم ما يرجع إلى العقائد والأخلاق والعبادات، وما عدا ذلك، فإنما هو شرع مؤقت يمكن ترك العمل به لسبب من الأسباب.
وما رأي صديق الشيخ في آيات القرآن المجيد التي نزلت في إقامة الحدود، وأحكام المعاملات؟ أهي من قبيل الشرع الدائم، أو من قبيل الشرع المؤقت؟ فإن قال: هي من قبيل الشرع الدائم، قلنا: لماذا لا تكون أحكام المعاملات التي تجيء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرعاً دائماً، وقد قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؟ فإن قال: لأنه يجتهد، قلنا: قد أقمنا الدليل على أنه لا يقرر حكماً شرعياً عن اجتهاد خطأ،
(3/ 1/301)

ويقر على هذا الخطأ. وإن قال: إن تلك الآيات من قبيل الشرع المؤقت، قلنا له: لم يقل منزل القرآن، وهو علام الغيوب، أو من وكل إليه بيان القرآن، وهو الرسول الأمين: إنها أحكام مؤقتة، وعموم الشريعة وخلودها يقتضي أنها دائمة، وعلى ذلك انعقد إجماع المسلمين بعد أن فحصوا عن أسرارها، واستبانوا حكمتها.
وقد اعترف صديق الشيخ في مقاله بأن تقسيم التشريع إلى دائم ومؤقت "أمر جديد لم يظهر إلا في عصرنا"، وإذا صرفنا النظر عن الأهواء الطائشة، والأذواق السقيمة، والنفوس المتسرعة إلى التقليد في غير رشد، لم يعترضنا في التشريع الإِسلامي مشاكل، ولم تقم أمامنا عقبة كبيرة ولا صغيرة في سبيل العمل لسد حاجات المسلمين في هذا العصر، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
(3/ 1/302)

ملاحظات على مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - (1)
نشر الأستاذ علي عبد الرازق في جريدة "الأخبار" يوم المولد الشريف مقالاً عنوانه: مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، واطلعت على هذا المقال، ولا حظت فيه أشياء
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الثامن من السنة الثامنة الصادرة في ربيع الثاني 1374 - ديسمبر 1954.
(2) كتب علي عبد الرازق رداً على هذه الملاحظات في مجلة "لواء الإِسلام" العدد العاشر من السنة الثامنة. وقد اطلع الإمام محمد الخضر حسين على الرد، فأعقبه بالكلمة التالية: "كتب الأستاذ علي عبد الرازق مقالاً عنوانه: مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونشره في جريدة "الأخبار" يوم المولد، وهو الذي يتذكر فيه المسلمون عظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسيرته المنقطعة النظير، بانياً على ما قاله في كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، وزاد عليه الحديث في معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكتبنا على المقال ملاحظات كنا نحسب أن الأستاذ يدفع الملاحظات التي أوردناها بنصوص شرعية، أو أصول علمية، فيكفينا الله عاقبة الخلاف، أو يقر ما ذكرناه في الملاحظات، والرجوع إلى الحق فضيلة، أو يسكت، فيكون كل منا أبدى رأيه، والناس ينظرون ماذا يروون. ولكنه كتب مقالاً أظهر به أنه رد الملاحظات التي أوردناها في "لواء الإِسلام"، وخرج فيه إلى أشياء غير علمية، وليس من شأننا أن نخوض فيها مع الخائضين، فيضيع الحق بيننا، والقراء المنتبهون يعرفون الواقع، والتاريخ الصحيح من ورائهم شهيد بذلك". =
(3/ 1/303)

أردت أن أنبه القارئ عليها لتتم الفائدة المقصودة من المقال، واخترت أن أنقل العبارة التي أبدي عليها الملاحظة بنصها, ليشاركنا القارئ في النظر فيها، ونكون للأستاذ صاحب المقال من المنصفين.
قال الأستاذ في صدر مقاله: "قد يلاحظ بعض الباحثين أن ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - قد تم على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة بين جميع البشر، فلم يقترن ميلاده بالمعجزات الصادعة التي اقترن بها ميلاد عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى - عليهم السلام -".
أراد الأستاذ من بعض الملاحظين: نفسَه؛ فإنه حكم في هذه الدعوى الخطيرة في أسلوب جديد, ليقبل الناس على سماعها، وإن لم يعقبها بدليل معقول.
حُفّ - صلى الله عليه وسلم - في مولده إلى بعثته بألطاف إلهية، وهذا المظهر المشمول بالعناية كافِ في سماع دعوى الرسالة. على أن المحئثين رووا أحاديث منها ما هو صحيح فيما وقع قبل الرسالة من إرهاصات، وإذا لم تتواتر، فلعدم الحاجة الملحة إلى روايتها بالتواتر. فالمدار على أن يكون دليل صدق الرسالة قاطعا، وهو المعجزة المقارنة للدعوى.
__________
= وإن الإطلاع على رد علي عبد الرازق، وما تضمنه من كلمات خارجة عن نطاق البحث العلمي، ورد الشيخ الخضر - رضوان الله عليه - يعطي صورة رائعة للأخلاق النبوية التي يتحلى بها الإمام الشيخ الخضر، ويوضح الفرق الشاسع بين أهل العلم والمعرفة والاتزان، وبين غيرهم. علماً أن هذا البحث للإمام نشر في كتاب (دراسات في الشريعة الإِسلامية) الذي تضمن جميع مقالات الإمام في مجلة "لواء الإِسلام".
(3/ 1/304)

قال الأستاذ: "هنالك روايات آحاد تروى عن إرهاصات صحبت مولد محمد - عليه السلام -, وسواء أصحّت هذه الروايات كلها، أو بعضها، أو لم يصح شيء منها، فإنها لم تبلغ من قوة السند، ولا من قوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى".
المدققون في فهم عبارات المؤلفين يرون أن الأستاذ تكلم على الأحاديث التي رويت في إرهاصات مولد محمد - عليه السلام -، وذكر لها ثلاثة احتمالات: إما أن تصح كلها، أو يصح بعضها، أو لم يصح منها شيء، وربط هذه الاحتمالات الثلاثة بأنها لم تبلغ في قوة السند وقوة الإعجاز ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى، مع أنه على الاحتمال الثالث، وهو أنه لم يصح منها شيء، لا يقال: إنها لم تبلغ في قوة السند ما بلغته الروايات عن مولد عيسى وموسى.
قال الأستاذ: "وإذا نحن جاوزنا فترة الميلاد إلى ما بعدها من أطوار حياة محمد كلها، وجدنا أن حياته كانت أيضاً في هذه الأطوار تسير على وفق السنن الطبيعية التي بني الله عليها هذا الكون، وأجرى عليها نظام الحياة البشرية، فلم تقترن بالمعجزات الصادعة التي اقترنت بها حياة عدد من إخوانه السابقين من الرسل، ولا سيما موسى وعيسى" ..
ثم ذكر الأستاذ ما قصه القرآن الكريم من معجزات موسى وعيسى -عليهما السلام -، وقال: "لم يجيء محمد أصحابه بمثل تلك المعجزات الصادعة التي تدهش العقول، وترج القلوب، وتزعج النفوس".
ذكر القرآن معجزة انشقاق القمر في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1 - 2].
(3/ 1/305)

فالتعبير بالفعل الماضي في قوله تعالى: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، وتعقيبه بقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2]، دليل على أن المراد: ما روي في الصحيح من انشقاق القمر عندما سأل المشركون النبي - صلى الله عليه وسلم - آية على صدقه في دعوى الرسالة.
وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء.
وقال السبكي: انشقاق القمر متواتر لا يجوز إنكاره ..
وذكر القرآن معجزة الإسراء المشار إليها بقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
ومعجزة المعراج الثابتة في الصحيح المشار إليها بقوله تعالى: {كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 11 - 12]، وقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17 - 18].
وفي الصحيح معجزات وقعت بمحضر الصحابة؛ كتكثير الماء القليل، حتى قال النووي: "وتكثير الماء بلغ مرتبة التواتر"، وتكثير الطعام، وغير ذلك، وعبّر عنها الإمام البخاري بعلامات النبوة، وعبر غيره بآيات النبوة.
والمعجزات تثبت بصحة السند، وصلاح القدرة الإلهية لها، ولا يكفي في نفيها استبعاد الذهن لها, إذ هي خارقة للعادة، فلا بد أن يستبعدها الذهن أول بدء، فإذا تأمل في صحة سندها، وصلاح القدرة لها، اعترف بها.
قال الأستاذ: "وقد طالبه قومه، وألحوا عليه في الطلب بأن يأتيهم بمثل ما جاء به الرسل من قبله من تلك المعجزات، فكان - عليه السلام - يدفعهم
(3/ 1/306)

بالحجة البسيطة الواضحة التي لا تكد العقل، ولا تخفي على أي ناظر". ثم أورد الأستاذ ثلاث آيات: الأولى قوله تعالى: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} [العنكبوت: 50]. وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]. والآية الثالثة قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109].
وقد اطلع على هذه الآيات، وتلاها حقَّ تلاوتها المحدثون الذين رووا أحاديث المعجزات؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن, والأئمة؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعيُّ، وأحمد بن حنبل، ورأوها لا تنافي إجراء المعجزات على يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقصارى ما تدل عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يملك المعجزات، وأن الله هو الذي يجريها على أيدي الرسل -عليهم السلام - عندما يرى إجراءها مناسبًا لعظمته، وعلم أن الحال يقتضي إجراءها، لا بمجرد اقتراح المشتركين؛ فإن منهم من يقترح المعجزات، وفيه جفاء طبيعة، وعدم استعداد للإيمان بها، قال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2]. ودل بالآية: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} على أنهم يقسمون، ولا يراعون للأيمان عهداً، قال تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109].
وقال الأستاذ: "هكذا كان في مولده وفي حياته مستقيماً على قواعد البشرية، منسجماً مع أنظمة الطبيعة، خاضعاً لسنن الكون".
كان محمد - صلى الله عليه وسلم - في ميلاده وحياته كلها كما قال الأستاذ، وهذا لا ينافي أن الله يصونه بألطافه، ويكرمه بالمعجزات؛ ليعلم أنه رسول من الله، فيبطل
(3/ 1/307)

انحراف الناس عن البشرية إلى جانب البهيمية، وانسجامهم مع دواير الطبيعة غير الفطرية، وخضوعهم لمن لا يتعظ بسنن الله الكونية.
قال الأستاذ: "فالصلاة كتاب على المؤمنين موقوت، ولكن ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا".
الآية أصلها: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101].
فذكر الأستاذ السبب الثاني للقصر من الصلاة، وهو خوف فتنة الذين كفروا، وتركَ السبب الأول لقصرها، وهو الضرب في الأرض؛ أعني: السفر إلى بلد آخر.
قال الأستاذ: "والصيام مكتوب على المسلمين، ولكن على الذين يطيقونه فدية طعام مساكين".
لا أعلم أحداً من المسلمين يقول: إن يطيقونه بمعنى: يستطيعونه، وتبقى عنده الآية باقية على حكمها. وأكثر العلماء على أن الآية منسوخة بالآية بعدها؛ أعني: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
كما روى الإمام البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ومن لا يقول بنسخ الآية يفسر يطيقونه على وجه يلتئم بما هو مقرر في الشريعة من أن صيام رمضان فرض على كل مسلم ومسلمة، إلا من استثنتهم الشريعة ناظرة إلى المشقة التي تلحقهم بالصيام.
ذكر الأستاذ هنا الصلاة والصيام والحج، ولم يذكر الزكاة؛ لأنه لا يراها من الدين، فقال في كتابه "الإِسلام وأصول الحكم"، وهو يتحدث عن الزكاة والجزية والغنائم: "ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات
(3/ 1/308)

الحكومة على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلاً فحسب".
والزكاة وردت في القرآن غالباً مع الصلاة، والفقهاء يجعلون للزكاة بابا مستقلاً، ويذكرون الجزية والغنائم في باب الجهاد.
وعلماء الإِسلام المنبثون في الشرق الغرب من عهد النبوة إلى عصرنا هذا المجتهدون يستندون في تقرير الأحكام العملية إلى الكتاب، أو السنّة، أو الأصول المستمدة منهما، والتابعون لمذهب إمام يعرفون أن إمامهم يستند في الأحكام العملية إلى الأصول الثلاثة. فالمجتهدون وتابعوهم يعلمون أن الأحكام تستند إلى الشريعة نصاً، أو استنباطاً، والمرجع في أمور الدين إلى علمائه الذين يدرسونه بحق، ويخلصون لله في دراسته. وليذكر لنا الأستاذ واحداً من العلماء قال: إن الخلافة والقضاء ونحوهما ليست من الدين في شيء.
واقتصر الأستاذ في ذكر مطالب الشريعة على الصلاة والصيام والحج، ولم يذكر أحكام المعاملات؛ لأنه أخرج الأحكام العملية من نظر الوحي، فقال في كتابه "الإِسلام وأصول الحكم": "والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها، ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، نرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة".
وقد كتبنا في رد هذا الرأي وما قبله في كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم".
(3/ 1/309)

واستدل الأستاذ بالآيات القرآنية، ولم يذكر أن القرآن معجزة؛ لأنه بسبيل نفي المعجزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أجمع المسلمون على أنه معجز للخلق كافة، وقد صرح القرآن نفسه بأنه معجز، فقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]. وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].
وتحدث الأستاذ من المنهج الجديد، وقال: "بطلت الحاجة إلى المعجزات، وقام مقامها حكم العقل، وسلطان العلم والنظر، وبذلك تمت الآية الكبرى لمحمد بن عبد الله".
إن الإِسلام انتشر، وقبلته الطبائع البشرية الشافعية، وهم يطالعون في كتب الأئمة المحدثين والفقهاء والمتكلمين معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأحكام التي جاء بها، فلا تزيدهم إلا إيماناً واطمئناناً. وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، قد يراد بالآيات: الزلازل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف؛ لأنه يذكر بحوادث الساعة، وقد يراد بالآيات: المعجزات؛ لأنه ينشأ عن مشاهدتها إنذار بأن عذاب الله في الآخرة لمن لم يذعن بها.
(3/ 1/310)

تحية المقام النبوي ومناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1)
" من قصيدة ألقاها أمام المقام النبوي سنة 1331 ه"
أُحَيِّيكَ والآماقُ تُرْسِلُ مَدْمَعا ... كأَنّيَ أَخدو بالسَّلامِ مُوَدِّعا (2)
وما أَذمُعُ البُشْرى تَلوحُ بِوَجْنَةٍ ... سِوى ثَغْرِ صَبًّ بالوِصالِ تَمتَّعا
وَقَفْتُ بِمَغنًى كانَ يا أشْرَفَ الوَرى ... لِطَلْعَتِكَ الحُسْنى مَصيفًا ومَرْبَعا (3)
فَذا مَوْقِفٌ لا مَسْتُ فيهِ بأَخْمُصي ... أَجَلَّ مِنَ الدُّرِّ النَّضيدِ وأرْفَعا (4)
وذلِكَ مَرْقًى كُنْتَ تَصْدَعُ فَوْقَهُ ... بِما حازَ في أقْصى البَلاغَةِ مَوْقِعا
وذاكَ مُصَلًّى طالَما قُمْتَ قانِتًا ... بِهِ، وَيقومُ الصَّحْبُ خَلْفَكَ خُشَّعا (5)
وذي حُجْرةٌ كانَ الأمينُ يَؤُمُّها ... بِوَحْيٍ فَكانَتْ للشَّريعَةِ مَنْبَعا
__________
(1) ديوان الإمام محمد الخضر حسين "خواطر الحياة".
(2) الآماق: جمع المأق: مجرى الدمع من العين.
(3) المغنى: المنزل. المصيف: المكان يقيمون فيه صيفاً. المربع: الموضع يُقام فيه فصل الربيع.
(4) الأخمص: القدم، أو ما لا يصيب الأرض من باطن القدم.
(5) القانت: القائم بالطاعة، الدائم عليها، والمصلي.
(3/ 1/311)

وَأرْوَعُ ما شَق الْفُؤادَ بِحَسْرَةٍ ... وَهاجَ بهِ الأشْجانَ حَتى تَقطَّعا
تَخاذُلُ حالِ المُسْلِمينَ وما أتى ... مِنَ الخَظْبِ في أرْجائهِمْ وَتَجمَّعا
وما شأْنُنا إلَّا كَعِقْدٍ تَناثَرَتْ ... جَواهِرُهُ في سَطْحِ أحدَبَ أَنْزَعا (1)
فَهذا يُحاذي في قَضاياهُ نزعةً ... تَخُطُّ وَراءَ الحَقِّ للنّاسِ مَرْتَعا (2)
وهذا يَصوغُ الْقَوْلَ في قالَبٍ يُرى ... بِجانِبِهِ قَوْلُ الشَّريعَةِ أوْسَعا
وذاكَ يُنادي بالضَّلالَةِ ما سِحاً ... بِصَبْغَةِ دينٍ كَيْ يَغُرَّ وَيخْدَعا
ونِمْنا على الآذانِ نَوْمَةَ جاهِلِ ... بِما يَضَعُ المُسْتَيْقِظونَ لِنُصْرَعا
ولَمْ نستَفِقْ للْقَومِ حتّى تَحَفَّزوا ... وأوْجَسَ كُلٌّ بَيْنَ جَنْبَيْهِ مَطْمَعا
ولَمْ نستَفِقْ للْقَومِ إذْ كُلٌّ انتضى ... لِيَظْفَرَ باسْتِعْبادِنا السَّيْفَ مَقْرَعا
ولَمْ نستَفِقْ للقارِعاتِ وقَدْ دَنَتْ ... إلى مُهْجَةِ الإسْلامِ حتَّى تَصَدَّعا
وفي النّاسِ مَنْ حاكَ الأياسُ بصدرهِ ... فَجرَّدَ أفْراسَ الجِهادِ وأقْلَعا
ونَدْبٌ دَرى صَرْفَ اللَّيالي وأنَّها ... تُزَلُ بأعْلامِ وتُونِسُ بَلْقَعا (3)
فَقامَ عَلى جِدٍّ يُهيبُ بِقَوْمِهِ ... لِيَرْفَأ فَتْقاً أوْ يُشيِّدَ مَصْنَعا (4)
__________
(1) الأنزع: الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته، والمقصود: الأملس.
(2) النزعة: نزع إلى الشيء: ذهب إليه، يقال: له نزعة إلى كذا. المرتع: الموضع الذي يتنعم فيه.
(3) الندب: السريع إلى الفضائل. تونس: أي: تؤنس، يقال: أنس به: ألفه، وسكن قلبه به. البلقع: الأرض القفر التي لا شيء فيها.
(4) رفأ: أصلح.
(3/ 1/312)

يَقولُ أناسٌ إنَّما الدّينُ عَثْرَة ... بِسابِلَةِ العُمْرانِ تَهْوي بِمَنْ سَعى (1)
رمَى بِهِمُ التَّقْليدُ في إثْرِ مُلْحِدٍ ... ولم يكْشِفوا عن مِيسَم الحَقِّ بُرْقُعا (2)
تجَلَّيْتَ في شَعْب جَرى في عُروقِهِ ... دَمُ الكِبْرِ وارْتادَ الغَوايَةَ إمَّعا (3)
تَجَلَيْتَ والبَغْضاءُ تَشْوي صُدورَهُمْ ... بِنارٍ فَأصْلَتْها قُلوباً وأضْلُعا
فَلَقَّنْتَهُمْ كَيْفَ الطُّموحُ إلى العُلا ... إلى أنْ عَلَوا فَوْقَ السِّماكيْنِ مَطْلَعا (4)
عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ ما انْسَجَمَ الحَيا ... وحَيّا صَباحٌ بالضِّياءِ وَوَدَّعا
* * *
__________
(1) السابلة: الطريق المسلوكة.
(2) الميسم: أثر الجمال، يقال: امرأة ذات مِيْسَم؛ أي: ذات حسن وجمال. البرقع: ما تستر به المرأة وجهها.
(3) الإفع والإمَّعَة: الرجل يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء.
(4) السماكان: كوكبان نيران يقال لأحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل.
(3/ 1/313)

ذكرى المولد (1)
" قيلت في احتفال جمعية الهداية الإِسلامية بذكرى المولد النبوي سنة 1359 ه "
أَمِنْ خَفَقانِ أفْئِدَةٍ رِقاقِ ... تألَّقَتِ المَدامعُ في المَآقي (2)
إذا أهْدَتْ يَدُ الإقْبالِ بُشْرى ... تَلَقَّتْها الضمائِرُ باخْتفاقِ (3)
كما اهْتَزَّتْ غُصون لاعَبَتْها ... جَنوبٌ باعْتِناقٍ وانْطِلاقِ (4)
وأرْشَفَها الرَّبيعُ نَدى فَطابَتْ ... رُباها لاصطِباحٍ واغْتِباقِ (5)
لِلَيْلَتِنا الفَخارُ إذا اللَّيالي ... تَباهَتْ بالمَحاسِنِ والمَراقي (6)
أشارَتْ بالمَغيبِ عَلى ذُكاءٍ ... وجاءَتْ بالكَواكِبِ في اتِّساقِ (7)
__________
(1) ديوان الإمام محمد الخضر حسين "خواطر الحياة".
(2) تألقت: لمعت. المآقي: جمع ماق: مجرى الدمع من العين.
(3) الضمائر: القلوب والبواطن. اختفاق: خفقان.
(4) الجنوب: الريح المقابلة للشمال.
(5) الاصطباح: شرب الصبوح. الاغتباق: شرب الغبوق.
(6) المراقي: جمع المرقى، والمرقاة: الدرجة.
(7) ذكاء: الشمس.
(3/ 1/314)

ومَدَّتْ في السَّماءِ البدْرَ كَفَّاً ... تُديرُ الأُنْسَ بالكَأْس الدِّهاقِ (1)
ولَوْ أرْخَتْ ذُؤابَتَها لَقُلْنا ... خُذوا هذا السَّوادَ إلى الحِداقِ (2)
ذَكَرنْا إذْ تَقَلَّدَتِ المَعالي ... حُسامًا قَدْ تَهَيّأَ لامِتشاقِ (3)
ذَكَرْنا كَيْفَ لاحَ جَبينُ طه ... وَهَبَّ الفَجْرُ يُؤذِنُ بِانْبِثاقِ
كأَنَّ الفَجْرَ والميلادَ جاءا ... لإجْلاءِ الظَّلامِ على اتِّفاقِ
ألا مَنْ مُبْلِغٌ قَمَرًا تَوارى ... وَساطِعُ نورِهِ في النّاسِ باقِ
سَلامًا كالصَّبا مَرَّتْ بِرَوْضِ ... وَلاقَتْها الكَمائِمُ بانْفِتاقِ (4)
أرومُ مَديحَهُ وإخالُ أَنِّي ... سَأَحظى مِنْهُ بالسَّيْلِ الدُّفاقِ (5)
فَيَبْهَرُني عُلاهُ كأَنَّ فِكْري ... تَوَثَّبَ وَهُوَ مَشْدودُ الوَثاقِ
تَملَّى نورَهُ صَحْبٌ فأغْنَوْا ... غَناءَ النَّجْمِ في الظُّلَمِ الصِّفاقِ (6)
نُفوسٌ أَخْصَبَتْ هدْيًا وَأدنَتْ ... إلى الدُّنْيا جَنًى عَذْبَ المذاقِ
تَحَلَّتْ بالَمكارِمِ وَهِيَ أَغْلى ... مِنْ الحُلْي المُخَبَّأِ في الحِقاقِ (7)
__________
(1) الكأس الدهاق: الممتلئة.
(2) الذؤابة: الضفيرة من الشعر. الحداق: جمع حدقة: سواد العين الأعظم.
(3) الامتشاق: امتشق السيف: استله؛ أي: أخرجه من غمده.
(4) الصّبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.
(5) السيل الدفاق: الذي يملأ جنبي الوادي.
(6) الظُّلم: جمع ظلمة: ذهاب النور. الصفاق: جمع الصفيقة: الكثيفة.
(7) الحقاق: جمع الحق: الوعاء.
(3/ 1/315)

وتُؤْثِرُ غَيْرَها بالزَّادِ زُهْداً ... وتَقْنَعُ في المَعيشَةِ بِالرّماقِ
ولا تَرْضى إذا خُطِبَتْ خِصالُ الْ ... عُلا إلا بِغالِيَةِ الصَّداقِ
سَراةٌ أخكَموا الإصلاحَ عِلْماً ... وَهَبُّوا لِلْجِهادِ على وِفاقِ (1)
دَعَوْا والحجَّةُ الغَرَّاءُ تَهْدي ... إلى سُبُل الحَقائِقِ مَنْ تُلاقي
وناصَبَهُمْ خُصومُ الحَقّ حَرْباً ... فَلاذوا بالمُثَقَّفَةِ الرِّقاقِ (2)
وَهَلْ يُجْدِي الأصمَّ بَيانُ قُسٍّ ... وَهَل يَشْفي أَخا الأَمْواتِ راقِ (3)
فَكَمْ شَرَعُوا الأَسِنَّةَ في كِفاحٍ ... وَكَمْ مَلَؤُوا الأعِنَّةَ في سِباقِ (4)
وإنْ قاموا قُنوتاً لَمْ يُقاسُوا ... بِغَيْرِ مَلائِكِ السَّبع الطِّباقِ
هُمُ الأعْلامُ إنْ طَمَحَتْ نُفوسٌ ... إلى عَلْياءَ واسِعَةِ النِّطاقِ
ولا أدري أقَوْمِيَ في سُباتٍ ... فاَرْجو صَحْوَهُمْ أمْ في سِياقِ (5)
فأَشْياعُ الضَّلالِ اليَوْمَ صالوا ... بِألْسِنَةٍ وأقْلامٍ حِماقِ (6)
__________
(1) السراة: سادة القوم ورؤساؤهم، جمع السريّ.
(2) المثقفة: الرماح.
(3) قس: (... - نحو 23 ق. ه) قس بن ساعدة من بني إياد، أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، يقال: إنه أول عربي خطب متوكئاً على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه: "أما بعد".
(4) الأعنة: جمع عنان: سير اللجام الذي تُمْسَك به الدابة.
(5) السبات: النوم. السياق: نزع الروح.
(6) الأشياع: الأتباع والأنصار. حماق: جمع أحمق.
(3/ 1/316)

وَهُمْ ما بَيْنَ إلْحادٍ وَقاحٍ ... وإلْحادٍ تَقَنَّعَ بالنِّفاقِ (1)
وإنْ شَؤُمَ النُّعاقُ فَما أزاغُوا ... بِهِ الْفَتَياتِ أشْاَمُ مِنْ نُعاقِ (2)
فَمِنْ قِصَصِ تُعاطي قارئيها ... شَرابا ديفَ بالسُّمِّ الزُّعاقِ (3)
ومِنْ صُوَرٍ تُثيرُ هَوَى وتحْدو ... نُفوساً كالبُدورِ إلى مُحاقِ (4)
أما لِشَبابِ أحْمَدَ أنْ يَذودوا ... خُطوباً كالمَطاعِنِ في التَّراقي (5)
وَيرْموا لِلسِّيادَةِ عَنْ قِسِيِّ ... مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى رِشاقِ (6)
كَفَى ما قَدْ خَسِرْنا مِنْ شَبابِ ... رَأَوْا سُوقَ الخلاعَةِ في نَفاقِ (7)
فَغادَوْها، وكيف ترى فَراشاً ... تهافَتَ في لَظى النّارِ الحِراقِ (8)
وما لِلنَّفْسِ إنْ رَكِبَتْ هَواها ... وحَطَّتْ فى المجانِة من خَلاقِ (9)
هي الشَّكوى يُردّدُها لِسانٌ ... وما بينَ الجوانِحِ في احْتِراقِ
__________
(1) الوقاح: ذو الوقاحة للذكر والأنثى.
(2) النعاق: صياح الغراب. أزاغوا الشيء: أمالوه.
(3) ديف: خُلط. الزّعاق: المر الغليظ.
(4) المحاق: آخر الشهر القمري، أو ثلاث ليال من آخره.
(5) التراقي: جمع الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، أو أعلى الصدر.
(6) القسي: جمع القوس.
(7) نفاق: يقال: نفقت السلعة: أي: كثر طلبها.
(8) فغادوها: باكروها. نار حراق: لا تبقي شيئاً.
(9) المجانة: الهزل. الخلاق: النصيب الوافر من الخير.
(3/ 1/317)

ذكرى المولد النبوي (1)
" قيلت في الاحتفال بالمولد النبوي سنة 1348 ه "
حَيِّ ذاكَ الْبَدْرَ بالزَّهْرِ النَّظيمِ ... وامْلإِ الجَفْنَ بِمَرْآهُ الوَسيمِ
إنَّهُ يَحْكي مُحَّيا المصْطَفَى ... إذْ بَدا بَيْنَ المُصَلَّى والحَطيمِ (2)
إنْ تَكُنْ يا بَدْر تَزْهو بِسَناً ... يُرْشِدُ السّاريَ في اللَّيْلِ الْبَهيمِ (3)
فَسَنا أحْمَدَ يَهْدي أُمماً ... وُيريها سَنَنَ العِزِّ المُقيمِ
عُجْ بِرَوْضٍ باكَرَ الطَّلُّ بِهِ ... دَوْحَ وَردٍ هَزَّهُ كَفُ النَّسيمِ (4)
تَلْقَ في الرَّوْضِ شَذاً يُشْبِهُ ما ... لِنَبِيِّ اللهِ مِنْ خُلْقِ كَريمِ
إنْ تَكُنْ يا رَوْضُ يَزْهوكَ جَنًى ... هُوَ زَهْوُ الْعَيْنِ أوْ عِطْرُ الشَّميمِ
فَلِطَهَ كَلِمٌ يَسْلو بِهِا ... عاشِقُ الحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ نَعيمِ
__________
(1) ديوان الإمام محمد الخضر حسين "خواطر الحياة".
(2) الحطيم: جدار حِجْر الكعبة.
(3) الساري: الذي يسير عامة الليل. البهيم: الأسود.
(4) عجْ: يقال عاج بالمكان: أقام به.
(3/ 1/318)

إنْ تَرَ العَضْبَ بِيُمْنى بَطَلٍ ... هَزَّهُ بَيْنَ قَتيلٍ وَكَليمٍ (1)
فاذْكُرِ العَزْمَ الَّذي لاقى بِهِ ... خاتَمُ الرُّسْلِ أَذى كُلِّ زَنيمِ (2)
غَيْرَ أنَّ العَضْبَ يَقْضي مُرْغماً ... في الوَغى حاجَةَ جَبَّارٍ نَهيمٍ (3)
يا خَصيماً لِهُدى أحْمَدَ ما ... لِخَصيمِ الحَقَّ مِنْ قَلْبٍ سَليمِ
دُونَكَ التَّاريخُ لا تُبْقي مدىً ... في حَديث إنْ تَشَأْ أوْ في قَديمِ
هَلْ رَأى النَّاسُ كِتاباً عَجَباً ... مِثْلَ ما يُتْلى مِنَ الذِّكْرِ الحَكيمِ؟
ويحَ قَوْمٍ سَحَرَتْ أعْيُنَهُمْ ... هذه الدُّنيا بِمَرْعاها الوَخِيمِ (4)
غَرِقوا في لَهْوِها واتَّخَذوا ... مِنْ مُوالاةِ الهوى أشْقى نَديمِ
نكًروا القُرآنَ بالذَّوْقِ الَّذي ... يُؤْثِرُ الذَّرَّ على الدُّرِّ اليَتيمِ (5)
دَعَوُا الإلْحادَ إصلاحاً وَهَلْ ... يَعْرِفُ الإصْلاحَ ذُو ذَوْقٍ سَقيمِ
ورَسولُ اللهِ هادٍ للعُلا ... مُنْذِرٌ عاقِبَةَ الفِعْلِ الذَّميم
مَثَلٌ أعْلى لِنَفْسٍ جَمَعَتْ ... سَطْوَةَ العادِلِ في أُنْسِ الحَليمِ
عِزَّةٌ قَعْساءُ في أسْنى تُقًى ... هِمَّةٌ شَمَّاء في قَلْبٍ رَحيمِ (6)
__________
(1) العضب: السيف القاطع. الكليم: الجريح.
(2) الزنيم: الدعي اللئيم.
(3) النهيم: ذو النهم: وهو إفراط الشهوة في الطعام.
(4) ويح: كلمة ترحم وتوجع، وقيل: هي بمعنى: ويل. الوخيم: غير موافق.
(5) الذر: صغار النمل.
(6) عزة قعساء: أي: ثابتة منيعة.
(3/ 1/319)

هُوَ إذْ يُرْهِفُ حَداً لِلَّذي ... عاثَ أوْ يأذَنُ في حَرْبِ الخَصيمِ (1)
لم يُرِدْ إلَّا سَلاماً سائِدًا ... واعْتزِازاً لِذَوي الدِّينِ القَويمِ
إنْ تَكُنْ تَعْجَبُ فاعْجَبْ لِيَدٍ ... لَبسَتْ قُفَّازَ أفَّاكٍ أثيمٍ (2)
كتَبَتْ تَزْعُمُ مِنْ شَقْوَتها ... أنَّهُ لَمْ يَكُ بالشَخْصِ العَظيمِ
عَلِّموها أئهُ أعْظَمُ مَن ... سارَ في النّاسِ على هذا الأديمِ (3)
صاحبَ الرَّوْضَةِ في طَيْبَةَ نَمْ ... آمِناً طُغْيانَ ذا الخَطْبِ الجَسيمِ (4)
إنَّ في الشَّرْقِ رِجالاً نهَضوا ... يَقْرَعُونَ الخَطْبَ بالعَزْمِ الصَّميمِ
لا يُبالونَ إذا ما جاهَدوا ... غَضَبَ الغاشِمِ أوْ كَيْدَ اللَّئيمِ
قَدَّسَ اللهُ ثَرى قَبْرِكَ ما ... نَفَحَ القُرآنُ بِالْهَدْيِ العَميمِ
وأقامَ العِلْمُ آياتٍ عَلى ... أنَّهُ تَنْزيلُ خلَّاقٍ حَكيمِ
__________
(1) عاث في الشيء: أفسده. الخصيم: المخاصم.
(2) اليد: يريد بذلك ما كتبه علي عبد الرازق في جريدة "السياسة" بالقاهرة يوم 12 ربيع الأول 1346 ه. وقد رد عليه صاحب الديوان بمحاضرة تحت عنوان: "العظمة". انظر الرد في هذا الكتاب.
(3) الأديم: الأرض.
(4) طيبة: اسم المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -.
(3/ 1/320)

مشاهداتي في الحجاز (1)
ألِمَجدٍ لا يَنالُ الْقاطِنينْ ... وَدَّعَ الصّحْبَ وحَيَّا الظَّاعِنينْ (2)
شامَ في وِجْهَتِهِ يُمْناً وَلَوْ ... زَجَرَ الطَّيْرَ لَمَرَّتْ باليَمينْ (3)
لا تَلوما في النَّوى مَنْ هاجَهُ ... لِلنَّوى لا عِجُ شَوْقٍ في الْكَنينْ (4)
شاقَهُ الْبَيْتُ وَقَبْرُ المصْطَفى ... ورُبوعُ الخُلَفاء الرَّاشِدينْ (5)
سارَ شَوْطًا وَهْوَ لا يَدْري أفي ... حُلُمٍ أمْ فى زمانٍ لا يخونْ
ذَكَرَ "الخِضْرَ" و"موسى" إذْ أتى ... مَجْمَعَ الْبحْرَيْنِ مُرْتادَ السَّفين (6)
__________
(1) ديوان الإمام محمد الخضر حسين "خواطر الحياة".
(2) الظاعن: السائر.
(3) شام البرق: نظر إليه أين يقصد، وأين يمطر. اليمن: البركة. زجر الطير: تفاءل به، يقال: فلان يزجر الطير: أي: يعافها، وهي أن يرمي الطائر بحصاة، أو أن يصيح به، فإن ولاه في طيرانه ميامنة، تفاءل به، وإن ولاه مياسرة، تطير منه. والشاعر يقول: لو زجر الطير، فهو لم يزجرها, لأن ذلك ضرب من الطيرة المنهي عنه.
(4) النوى: البعد. الكنين: المستور، ويراد به: القلب والضمير.
(5) شاقه الحب: شوقه إليه. البيت: الكعبة المشرفة بيت الله الحرام.
(6) الخضر: صاحب النبي موسى - عليه =
(3/ 1/321)

رَكِبَ "الطائِفَ" يَطْوي الْبحْرَ في ... جَذَلٍ والبَخرُ كالشَّيْخِ الرَّزينْ (1)
وإذا هَبَّتْ جَنوبٌ طَرَدَتْ ... ما يُلاقيهِ النَّدامى مِنْ شُجونْ (2)
هُمْ سُكارى ما احْتَسَتْ آذانُهُمْ ... حِكْمَةَ الْقُرآنِ في نظقِ رَصينْ
وَدَنَوْا مِنْ "رابِعٍ" فاسْتَبَقوا ... يَذْكُرونَ اللهَ جَهْراً محْرِمينْ (3)
في بَياضٍ ناصِع تحْسَبُهُمْ ... بادِئَ الرَّأْي زُهوراً في الْغُصونْ
رَسَتِ الطَّائِفُ في "جُدَّةَ" لا ... بَرِحت "جُدَّةُ" في حِصْنٍ حَصينْ (4)
رَحَلوا في جُنْحِ لَيْلٍ وَأتوْا ... مَكَّةَ الْغَرَّاءَ مِنْ نحْوِ الحَجونْ (5)
في رضا اللهِ خُطاً خاضوا بِها ... في حَصًى يَغْبِطُهُ الدُّرُّ المَصونْ
دَخَلوا بَيْتاً حَراماً يَسْتَوي ... فيهِ ذو التاجِ ومُغْبَرُّ الجَبينْ
شاهَدوا الكَعْبَةَ وَهْنًا فَجَرَتْ ... عَبَراتُ الْبِشْرِ مِنْ بَعْضِ الجُفونْ (6)
__________
= السلام -. مجمع البحرين: ملتقى بحري فارس والروم.
(1) الطائف: اسم الباخرة التي ركبها الإمام من السويس إلى جدة.
(2) الجنوب: ريح تقابل الشمال، ومنه: "إذا جاءت الجنوب، جاء معها خير وتلقيح".
(3) رابغ: بلدة على البحر الأحمر في الطريق بين جدة والمدينة المنورة، يحرم منها الحجاج القادمون من الشام ومصر والمغرب. المحرم: أحرم الحاج أو المعتمر: دخل في عمل حرم عليه به ما كان حلالاً.
(4) جدة: مدينة على البحر الأحمر، وهي ميناء مكة المكرمة، وباب الحجاج إليها بحراً، وقد أسسها سيدنا عثمان بن عفان، وفيها قبر ينسب إلى حواء أم البشر.
(5) الحجون: جبل بأعلى مكة المكرمة، عليه مدافن أهلها.
(6) الوهن: نحو نصف الليل، أو بعد ساعة منه.
(3/ 1/322)

مُقْلَةُ الدُّنْيا فَإنْ أبْصَرْتَها ... في سَوادٍ فَعُيونُ الْغِيدِ جُونْ (1)
لَثَموا مِنْ رُكْنِها الأيَمنِ ما ... لَثَمَنْهُ شَفَتا طَهَ الأمينْ (2)
هِيَ بَيْتُ اللهِ إنْ طافوا بِها ... وَهُمُ أضْيافُ رَبِّ الْعالمَينْ
وَرَدوا "زَمْزَمَ" يَشْفونَ بها ... ظَمَأَ الأكْبادِ حينًا بَعْدَ حينْ (3)
لَوْ شَفى "عَمْرُو بْنُ كُلْثوم" بِها ... غُلَّهُ عافَ خُمورَ الأَنْدَرِينْ (4)
صَعِدوا "المَرْوَةَ" مِنْ بعْدِ "الصَّفا" ... وَسَعَوْا للهِ سَبْعاً راجِلينْ (5)
وَقَفوا في "عَرَفاتٍ" مَوْقفاً ... يَطْرَحُ الآثامَ مِنْ ماضي السِّنينْ (6)
إنَّ دَهْراً طافَ ساقيهِ بِما ... تَشْتَهي أنْفُسُهُمْ غَيْرُ ضَنينْ
__________
(1) مقلة الدنيا: الكعبة المشرفة وهي مجللة بالسواد، شبهها الإمام بعين الدنيا.
الجون: جمع الجوْن: السود.
(2) الركن الأيمن: الركن اليماني من أركان الكعبة، وهو إلى جهة المغرب.
(3) زمزم: هي البئر المعروفة داخل الحرم المكي، قيل: سميت بها لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزمزام، وقيل: هو اسم علم لها.
(4) عمرو بن كلثوم: (... - نحو 40 ق ه) شاعر جاهلي، ولد في شمال جزيرة العرب، ومات في الجزيرة الفراتية. وكان عزيز النفس فاتكاً شجاعاً.
(5) الصفا والمروة: يمتد المسعى بين الصفا والمروة إلى الجهتين الشرقية والغربية من المسجد الحرام، وكل منهما عبارة عن سطح مرتفع يصعد إليه بمدرجات قليلة العدد، وبه الميلان الأخضران. قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158].
(6) عرفات: مكان اجتماع الحجيج، ويبعد عن مكة المكرمة نحو خمسة وعشرين ميلاً.
(3/ 1/323)

هَبَطوا "جَمْعًا" وَقدْ سادَ الدُجى ... وَحَدَوْا مِنْها المَطايا مُصْبحينْ (1)
هَلْ دَرَى المَشْعَرُ إذْ عاجُوا بِهِ ... أنَّهُمْ جُنْدُ إمامِ المُرْسَلينْ (2)
نزلوا "خَيْفَ مِنًى" حَيْثُ رَمَوْا ... بالحَصى سَبْعاً عَلى وَجْهِ اللَّعينْ (3)
وَأتوْا "أُمَّ الْقُرى" فاطَّوَفُوا ... ثُمَ عادوا "لمنًى" في الْعائِدينْ (4)
رَكَعوا في مَسْجِدِ الخَيْفِ وَهَلْ ... أحْرَزوا فيهِ ثَوابَ الخاشِعينْ (5)
وَقَضَوْا حَق "مِنىً" وارْتَحَلوا ... بَعْدَ أنْ أذنَ بالعَصْر أَذينْ (6)
سَلْ "ثَبِيراً" ما لَهُ ظَل بها ... مُلْقِيَ الرَّحْلِ وقْد بانَ القَطينْ (7)
أفلا يَحْمِلُ ما نحْمِلهُ ... لِرُبى طَيْبَةَ مِنْ شَوْقٍ مَكينْ
دع "ثَبيراً" قاسِيَ الْقَلْبِ فَهَلْ ... تَلْفَحُ الأشْواقُ صَخْراً فَيَلينْ
هّذِهِ مَكَّةُ ما للِشَّمْسِ في ... صُفْرَةٍ تَحْكي بِها وَجْهَ الحَزينْ
__________
(1) جمع: هي المزدلفة: وسمي جمعاً؛ لاجتماع الناس فيه. الدجى: الظلمة.
(2) المشعر: المشعر الحرام، قال الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وقيل: إن المزدلفة كلها المشعر الحرام. ومعنى المشعر: معلم للعبادة.
(3) خيف مني: سفح الجبل فيها. اللعين: إبليس.
(4) أم القرى: من أسماء مكة المكرمة.
(5) مسجد الخيف: مسجد في مني، وفي الحديث الشريف: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، منهم موسى"، وبه المحراب والمنبر الذي خطب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(6) الأذين: المؤذن.
(7) ثبير: جبل بمكة المكرمة، سمي كذلك باسم رجل من هذيل مات فيه، فعرف به، وكان فيه سوق في الجاهلية كسوق عكاظ. القطين: القاطن.
(3/ 1/324)

أتُرينا والنَّوى قَدْ أزِفَت ... كَيْفَ تصْفَرُّ وُجوهُ النَّازحينْ
بَلدَةٌ عُظْمى وَفي آثارِها ... أنْفَعُ الذكرى لِقَوْمٍ يَعْقِلونْ
شَبَّ في بَطْحائِها خَيْرُ الوَرى ... وشَبا في أُفْقِها أسْمَحُ دينْ (1)
إنْ عَزَمْنا النَّأيَ عَنْها فالضَّرو ... راتُ قَدْ تُنْئي خَديناً عَنْ خَدينْ (2)
سائِقَ السَّيَّارَةِ انْهَضْ نَغْتَنِمْ ... فُرْصَةً نَرْقُبُها منْذُ سِنينْ
خُضْ بها الْبِيدَ إلى سَلْع فَلي ... حاجَةٌ في أرْضِ سَلْع وشُؤونْ (3)
بَيْنَ لَيْلٍ مِثْلِ أحْداقِ المَها ... ونَهارٍ مِثْلِ نَوْرِ الياسَمينْ (4)
أحْمَدُ الإدلاج والتَّأوِيبَ إذ ... أرَياني خيْرَ ما تَهْوى الْعُيونْ (5)
أمْتَعا طَرْفي بِمَرْأى رَوْضَةٍ ... أوْدَعوا تُرْبَتَها خَيْرَ دَفينْ
رَوْضَةٌ يصْبو إلَيْها كُلُّ مَنْ ... عَرَفَ الحَقَّ وبالحَقَّ يَدينْ
شادَها الهادي عَلى أُسِّ التُّقى ... وَتَلا القُرآنَ فيها جِبْرَئينْ (6)
__________
(1) بطحاء مكة: ما بين جبليها المسميين بالأخشبين، وهما: أبو قبيس، والأحمر، وذلك صميم مكة، ومن كان يسكن البطحاء هم المحض واللباب من قريش، وكان دونهم من يسكن الظواهر من مكة. شبا: أضاء. أسمح دين: الإِسلام.
(2) الخدين: الصاحب والصديق.
(3) سَلْع: جبل في ظاهر المدينة.
(4) المها: جمع المهاة: البقرة الوحشية.
(5) الإدلاج: السير أول الليل، وربما استعمل للسير آخر الليل. التأويب: السير جميع النهار.
(6) جبرئين: جبريل - عليه السلام -.
(3/ 1/325)

حَرَمٌ كَمْ سُقِيَتْ حَصْباؤُهُ ... في دُجى اللَّيْلِ دُموعَ القانِتينْ (1)
فاسْأَلوا المِحْرابَ عَنْ بَدْرِ الهُدى ... إذْ هَوى يَسْجُدُ في ماءٍ وَطين (2)
مَعْهَدُ الحكْمَةِ لا يَنْبُتُ في ... دَوْحِهِ إلَّا الدَّعاةُ المُصْلِحونْ
مِدْرَسٌ لِلْحَرْبِ لَمْ يَرْمِ الْعِدا ... قَطُّ إلَّا بالكُماةِ الْفاتِحينْ (3)
ثُكْنَةٌ لِلْجُنْدِ والقَضْبِ إذا ... لَم يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الحَرْبِ الزَّبونْ (4)
حُجُرات مُلِئَتْ طُهْراً أَما ... عَمَّرَتْها أُمَّهاتُ المُؤْمِنينْ
لُقِّنَتْ فيها حُقوقٌ أنْقَذَتْ ... رَبَّةَ المَنْزلِ مِنْ أَسْرٍ يَشينْ
هأنَذا في مُقامٍ مُؤْنِسٍ ... كَسَنا الْبَدْرِ مَهيبٍ كالعَرينْ (5)
__________
(1) الحرم: الحرم النبوي الشريف، ومعنى الحرم: ما لا يحل انتهاكه. الحصباء: الحصى، والواحد حصبة. القانت: القائم بالطاعة والدائم عليها، والمصلي.
(2) يسجد في ماء وطين: في هذا البيت يلمح الإمام لما ورد في "صحيح البخاري" عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال: اعتكفنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشر الأوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا وقال: " ... إني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليرجع"، فرجعنا وما في السماء قزعة (قطعة من سحاب) فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته - صلى الله عليه وسلم -.
(3) المدرس: الموضع الذي يدرس فيه. الكمأة جمع الكمي: الشجاع.
(4) القضب: ما قطعت من الأغصان للسهام والقسي، ويقصد بها: السلاح والعتاد الحربي. حرب زبون: يدفع بعضها بعضاً من الكثرة.
(5) مهيب: يخافه الناس. العرين: مأوى الأسد.
(3/ 1/326)

فَسَلامًا في حُضورٍ بَعْدَما ... كادَ يُزْجيهِ على البُعْدِ حَنينْ
جِئْتَ يا مُخْتارُ والْعالَمُ في ... لَيْلِ جَهْلٍ وضَلالٍ ومُجونْ (1)
فَمَحَوْتَ الهزْلَ بالجِدِّ كما ... ذُدْتَ لَيْلَ الْغَيِّ عَنْ صُبْحِ الْيقينْ
وَأَقَمْتَ الْعِلْمَ صَرْحاً شامخاً ... وصَرَعْتَ الجَهْلَ طَعْناً في الودينْ (2)
سُسْتَ أقْوامًا فَساسُوا أَمماً ... بِيَدِ الإنْصافِ في حَزْمٍ وَلِينْ
وقَضَوْا فيها بِشَرع قَيِّمٍ ... فأرَوْها كَيْفَ يَقْضي الْعادِلونْ
"خاتَمَ الرُّسْلِ" ألم يَأتِكَ ما ... حَلَّ بالأُمَّةِ مِنْ خَطْب مُهينْ
وَيْلَها مِنْ مُرْهقٍ في عَلَنٍ ... وَخَؤونٍ في ثِيابِ النَّاصِحينْ (3)
لَيْتَ قَوْمًا وَرِثوا هدْيَكَ لَمْ ... يُغْمِضوا عَنْ مُوبِقاتِ المْترَفينْ (4)
لَيْتَ قَوْماً وَرِثوا الرَّايَةَ قَدْ ... فَطِنوا لِلدَّاءِ والدَّاءُ كَمينْ (5)
دِينُكَ الوَضَّاءُ ثارَتْ حَوْلَهُ ... غُبْرَةٌ من شُبُهاتِ المُبْطِلينْ (6)
مِنْ يَدٍ تَرْميهِ في رَأْدِ الضُّحَى ... وَيدٍ تَرْميهِ مِنْ خَلْفِ الدُّجونْ (7)
__________
(1) المجون: الهزل، يقال: مجن الرجل مجوناً: كان لا يبالي قولاً وفعلاً.
(2) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه.
(3) المرهق: الحاكم الظالم الجائر الذي يحمل الأمة ما لا تطيق. الخؤون: الخائن.
(4) الموبقات: المعاصي.
(5) الكمين: الداخل في الأمر لا يفطن له.
(6) الغبرة: الغبار.
(7) رأد الضحى: وقت ارتفاع الشمس وانبساط الضوء في الخمس الأول، وذلك شباب =
(3/ 1/327)

ولَهُمْ في كُل وادٍ قَلَمٌ ... ولِسانٌ لاصطِيادِ الْغافِلينْ
كَمْ أزاغوا عَنْ عَفافٍ وهُدًى ... مِنْ بَناتٍ طاهِراتٍ وَبَنينْ
لَمْ يَرُعْنا يا أبا القاسِمِ مِنْ ... جَوْلَةِ الغيِّ دَوِىٌّ وَطَنينْ (1)
إنَّ في الشَّرْقِ شَباباً أيْقَنوا ... أنَّكَ الدَّاعي إلى الحَقِّ المُبينْ
إنَّ أَسْنى المَجْدِ في شَعْبٍ إذا ... سامَهُ الخَصْمُ أَذًى لا يَسْتَكينْ
وَقَفوا يَرْمونَ أعْداءَ الهُدى ... بِنبالٍ قَوْسُها الْعِلْمُ المَتينْ
يَعْشَقونَ الْبَذْلَ في الخَيْرِ إذا ... عَشِقَ المالَ طَغامٌ مُوسِرونْ (2)
يُؤثِرونَ المَوْتَ في عِزٍّ عَلى ... أنْ يَعيشوا تَحْتَ إرْهاقٍ وهُونْ (3)
وإلى الحَضْرَةِ ما حمِّلتُهُ ... مِنْ تَحِيَّاتِ شَبابٍ ناهِضينْ
أيُّ وِرْدٍ لَم يُكدِّرْ صَفْوَهُ ... صَدَرٌ ما الدهْرُ إلَّا مِنْجَنونْ (4)
أزمعَ الركبُ رحيلاً لم يكنْ ... منه بُدُّ والضَّرورات فُنونْ
فَوَقَفْنا لِوَداعٍ، والأسى ... يَلْذَعُ الآماقَ بالدَّمْعِ السَّخينْ (5)
__________
= النهار. الدجون: جمع الدجن: إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء، ويقصد بذلك: الظلمات.
(1) أبو القاسم: النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2) الطعام: أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء.
(3) الهون: الخزي.
(4) الورد: الإشراف على الماء، والماء الذي يورد. الصَّدَر: الرجوع عن الماء. المنجنون: الدولاب الذي يستقى عليها، وهي مؤنثة.
(5) السخين: الحار.
(3/ 1/328)

أفَلا نأسى عَلى عَهْدٍ أتى ... وَتَوَلّى وَهْوَ مَقْطوعُ القَرينْ (1)
نَضِرٌ كالرَّوْضِ حَلَّاهُ النَّدى ... بِجُمانِ صِيغَ مِنْ ماءٍ مَعينْ (2)
يا حمى وَدَّعْتُهُ والشَّمْسُ قَدْ ... وَدَّعَتْ والْتَحَقَتْ بالرَّاحِلينْ
هَلْ لنا عَوْدٌ كَعَودِ الشَّمْسِ مِنْ ... قَبْلِ أنْ يَصْرِفَنا عَنْكَ المَنونْ (3)
وسَلاماً كُلَّما رَتَّلْتُه ... قالَتِ الدُّنْيا وَمَنْ فيها: أَمينْ (4)
__________
(1) القرين: المقارن.
(2) الجمان: اللؤلؤ، الواحد جمانة. المعين: الجاري.
(3) المنون: الموت.
(4) أمين: اسم فعل معناه: استجب.
(3/ 1/329)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(5)

«تَرْاجِمُ الرِّجَالِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(3/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(3/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" في هذا الأثر الذي سميناه: "تراجم الرجال" ضممنا ما كتبه الإمام الأكبر العلامة محمد الخضر حسين من مقالات عن أعلام الإسلام، ونشر في مجلتي "الهداية الإسلامية"، و"نور الإسلام"، أو ما ألقاه من محاضرات في النوادي الإسلامية.
والهدف من هذه التراجم: أن تكون قدوة للحاكم والمواطن المسلم، ومناراً وهدياً لكل من ينشد حياة ملؤها العزة والسعادة.
وقد رتبنا الأبحاث في هذا الكتاب وفق التسلسل التاريخي، واعتمدنا في ذلك تواريخ الولادة، دون النظر إلى تاريخ نشر المقال، أو إلقاء المحاضرة.
ولابد من التنويه أن ثمة تراجم قيمة للمؤلف نشرت في كتاب "تونس وجامع الزيتونة"، وهي تراجم الأعلام التونسيين، لم نثبتها في هذا الكتاب.
وندعو الله - جل جلاله - أن يكون لنا عونًا وسندًا في هذا العمل الذي نقوم به لإحياء التراث الإسلامي للعم.
ونشكر سيدي الوالد الشيخ زين العابدين التونسي - رحمه الله - على فضله بالتوجيه السديد، والرأي القيم".
علي الرّضا الحسيني
(3/ 2/3)

نظرةٌ في ناحيةٍ من خلافة عثمان (1)
أريد أن أضع بين أيديكم صحيفة من صحف التاريخ الإسلامي، صحيفة تحكي جانبًا من حديث خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وكنت أود أن أعرض على حضراتكم صحيفة تصعدون فيها أنظاركم، وتصوبونها، فلا ترون إلا ما يقرّ أعينكم، ويبهج نفوسكم، ولكن ألسنة لاغيه، وأقلامًا طائشة، خاضت في الحديث عن خلافة عثمان، فشوهت وجه كثير من الحقائق، ووضعت بجانبها كثيراً من الأباطيل، وزعمت أنها تتحدث عنها بعقل وأمانة.
اخترت أن أحضركم بهذه الصحيفة على ما فيها من حديث قد يثير في نفوسكم حزناً وأسفاً، ولعلكم تجدون في تمحيص بعض الحقائق، ودفع كثير من شبه الباطل ارتياحاً يخفف شيئا من الحزن والأسف على هذه الذكرى المؤلمة.
ولا أريد الحديث عن خلافة عثمان منذ بويع إلى أن لقي ربه شهيداً، وإنما أذكركم بكلمة من فضله وشواهد استقامة على الطريقة، وعلوّ منزلته عند الخالق العظيم ورسوله الكريم.
__________
(1) محاضرة الإمام بدار جمعية "الهداية الإسلامية" بالقاهرة في يوم الجمعة 18 من ذي القعدة سنة 1358، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" الجزأين السادس والسابع من المجلد الثاني عشر.
(3/ 2/4)

* نسب عثمان وحاله في الجاهلية:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، فنسبه يلتقي بنسب النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة، أمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، فجدّته للأم عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكان عثمان يتعاطى التجارة في البز (الثياب أو متاع البيوت) وكان ذا ثروة وسخاء، محبباً في قريش، ومعروفاً عندهم بالصدق والأمانة.
* دخوله في الإسلام:
كان إسلام عثمان بدعوة من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، دعاه هو والزبير ابن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فتقبلوا دعوته، وأسلموا.
وكانت منزلة عثمان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سامية، فاختاره صهرًا، وزوجه ابنته السيدة رقية، ولما توفيت، زوجه أختها السيدة أم كلثوم، ولذا سمي: ذا النورين، وتوفيت أم كلثوم في السنة التاسعة من الهجرة، ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أنّ لنا ثالثة، لزوجناك".
* فضله في الإسلام:
هاجر عثمان في سبيل الله الهجرتين: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة، وكان أحد العشرة المبشرين بالجنة، روى أبو موسى الأشعري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل حائطًا، قال: وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره بالجنة"، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن، فقال: "ائذن له وبشره الجنة"، فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، ثم قال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان.
(3/ 2/5)

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من جهز جيش العسرة، فله الجنة"، فجهزه عثمان، ولما قدم المهاجرون المدينة، استنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها: "رومة"، وكان يبيع القربة منها بمد من الطعام، فاشتراها عثمان، وجعلها للفقير والغني وابن السبيل.
* ولايته الخلافة:
لما طعن المجوسي أبو لؤلؤة الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قالوا له: أوص يا أمير المؤمنين: استخلف، فقال: ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو عنهم راض، وهم: عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
وعهد لهؤلاء الستة أن يجتمعوا بعد موته ليتشاوروا في مبايعة واحد منهم، ولما اجتمعوا، فوضوا في الآخر إلى عبد الرحمن بن العوف أن يعين للخلافة واحدًا منهم، فدار عبد الرحمن ثلاث ليال على الصحابة، ومن وافى المدينة من أشراف الناس، وكان لا يخلو برجل منهم إلا أشار عليه بإمارة عثمان، فبايع عبد الرحمن عثمان، وتوارد الناس بعدُ على مبايعته، ومنهم: علي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه -.
* أول خطبة خطبها:
بيّن عثمان منهج سياسته في أول خطبة خطبها، ومما قال في هذه الخطبة: "أما بعد: فإني حُمِّلت، وقد قبلت، ألا وإني متّبع، ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليّ بعد كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً: اتباع من كان قبلي ممن اجتمعتم عليه وسننتم، وسنّ سنّة أهل الخير فيما لم تسنّوا على ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم".
(3/ 2/6)

* فتوحاته:
فتحت في عهد عثمان أرمينيا، والقوقاز، وكان ابتداء فتحهما في عهد عمر بن الخطاب، وفتحت بلاد المغرب؛ إذ أمر عثمان عبد الله بن أبي سرح بالمسير إليها، وتم في عهد عثمان فتح بلاد الفرس، وفتحت قبرص، وذكر (سيديو) أن معاوية فتح في ذلك العهد كريد، وجزيرة رودس "سنة 29".
* كيف نشأت الفتنة؟
قضى عثمان - رضي الله عنه - معظم أيام خلافته والناس مجمعون على حبه، والاغتباط بإمارته؛ لشدة رأفته، وواسع حلمه، ولين جانبه، ولأن أيدي الناس امتلأت في عهده من المغانم، وصاروا يتمتعون بالعيش الطيب كثر مما كانوا يتمتعون.
كان بعد هذا أن دخل في الإسلام نفر غير مخلصين في إسلامهم، وإنما يريدون الكيد له، وتفريق كلمة أهله، ومن هؤلاء: عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وهو من يهود حمير، نزل بالبصرة على حكيم بن جبلة العبدي، وابتدأ يبثّ في السر: أن علياً أحق في الخلافة، ويدعو إلى نزع الخلافة من عثمان، فتعلق بدعوته نفر، وبلغ أمره عبد الله بن عامر عامل البصرة، فطرده، وجاء الكوفة، فأُخرج منها، ثم جاء الشام، فأُخرج منها كذلك، فأتى مصر، واتصل به نفر من أوشاب الناس، منهم: كنانة بن بشر، وخالد بن ملجم، وأخذ يردد عليهم أن علياً وصيُّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وبعث من هؤلاء دعاة في البلاد التي كان قد طرد منها، واتفق أن كان لعثمان عمّال من ذوي قرابته، وهناك أناس قد يلاقون من هؤلاء العمال ما لا يوافق أهواءهم، فيطعنون فيهم، ويتخذون
(3/ 2/7)

من قرابتهم لعثمان وسيلة إلى الطعن في عثمان، فوجد فريق يوافقون أصحاب تلك الدعاية السرية في الطعن في عثمان نفسه، وإن كان فريقان يختلفان في الباعث على هذا الطعن، فاصحاب تلك الدعاية السرية يريدون تفريق كلمة المسلمين، أو إفساد دينهم، والفريق الثاني إنما يريد نقل الخلافة من عثمان إلى غيره؛ كراهة لبعض عماله، أو رجاء أن يجد في خلافة غيره ولاية أو غنيمة.
وتكوّن من الفريقين جمع يتمضمضون بالطعن في عمال عثمان، ويتعدون بالطعن إلى عثمان نفسه، ينسبون إليه أشياءَ زوراً، ويذكرون بعض أعماله على غير وجهها الصحيح، وكان عثمان يقابل زعماء هذه الدعاية باللين، ولا يزيد على أن يدفعهم بالحجة.
كان جماعة من أهل الكوفة قد أظهروا العداء لعثمان، فأبلغ سعيد بن العاص عثمانَ خبرهم، فكتب إليه بإرسالهم إلى معاوية، وكتب إلى معاوية: أن نفراً خلقوا للفتنة، فقم عليهم، وانههم، وإن آنست منهم رشدًا، فاقبل، وإن أعيوك، فارددهم إليّ.
فانزلهم معاوية، وأجرى عليهم من الرزق ما كان لهم بالعراق، ولكن معاوية بعد محادثتهم، استصغر عقولهم، واحتقر شأنهم، وكتب إلى عثمان يقول له: إنه قدم عليّ أقوام ليس لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجّة، وإنما همهم الفتنة، وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلا مع غيرهم، فانه سعيداً عنهم، فإنهم ليسوا كثر من شغب ونكير.
ومما جعل عمال عثمان يوسعون صدصرهم لهؤلاء الطاعنين، ولا يبادرون
(3/ 2/8)

إلى عقوبتهم الزاجر: أنهم كانوا يتظاهرون في طعنهم بحال من يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقيام دعوة منظمة، لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً، تختلق المعايب، وتلصقها بعثمان وعماله، قد تأخذ بأذهان بعض الغافلين عن سريرة أولئك الدعاة، ويتخيلون أن الدعوة لإصلاح أمر الدولة، فيشارك هؤلاء الغافلون ذينك الفريقين في هذه الدعاية، أو يقفون في الأقل موقف الحيادة،
فلا غرابة أن تنقل كلمات في نقد سياسة عثمان عن أناس لا يريدون إفساد حال المسلمين، ولا يبتغون إدراك منفعة خاصة قد فاتتهم، وإنما يقولونها عن تأثر بتلك الدعاية المنظمة الدائبة.
وربما ذكر المؤرخون أشخاصاً معدودين من الصحابة مثل: عمّار بن ياسر، وعمرو بن العاص، ويقولون: إنهم كانوا يؤلبون على عثمان، ومتى صحّ أصل الرواية، فمن المحتمل أن يكون الذي صدر منهم لا يزيد على إبداء آراء يخالفون بها رأي عثمان في بعض تصرفات الدولة، أو تولية رجال يرونهم غير ذي كفاية لما تقلدوا من الأعمال، فجاء بعض ذوي الأهواء إلى هذا النقد الذي لا تخلو منه دولة، وإن بلغت من الرشد والعدل غايتهما، وسمّاه تأليباً.
وقد بلغ الحال بدعاة الفتنة أن يزوّروا رسائل على أنها صدرت من عائشة، وعلي، وطلحة، والزبير في الدعوة إلى خلع عثمان، وبلغ أمر هذه الرسائل إلى هؤلاء الصحابة الأجلاَّء، وتبرؤوا منها، وأنكروا أن تكون صدرت منهم. وبمثل هذه الرسائل المزوّرة كانوا يخضعون الغافلين الذين لا يتثبتون فيما ينقل إليهم من الأنباء.
(3/ 2/9)

والظاهر أن من أسباب سريان هذه الدعاية الخبيثة: كثرة من دخلوا في الإسلام ممن لم تستنر بصائرهم بهداية الدين الحنيف حق الاستنارة، ولم يقدروا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق أقدارهم، يضاف إلى هذا: ما كان عليه عثمان من النبل والحلم والحياء.
ثم ما كان يجري عليه عماله من عدم مقابلة الطاعنين فيهم أو في عثمان بالشدة الزاجرة، إما استخفافًا بأمرهم، وإما احتمالًا لهذا المطاعن، ولاسيما مطاعن يتظاهر أصحابها بأنهم يتظلمون، أو يريدون إقامة معروف، أو إزالة منكر.
ومن تتبع سيرة الخلفاء الراشدين، أو من جاء بعدهم من الخلفاء العاقلين، وجدهم لا يعاقبون الناس على نقد سياساتهم، وإن ظهر النقد في أقوال جافية، وهذا معاوية يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، فإن لم يكن من أحدهم إلا كلمة يشتفي بها، جعلت له ذلك دبر أذني.
* كيف دبر خلع عثمان أو قتله؟
مما لا نرتاب فيه: أن ليس للصحابة، ولا لأفاضل التابعين سعي في خلع عثمان، ولا دخل في قتله، وإنما المؤتمرون على ذلك هم دعاة الفتنة، واستعانوا بمن تلون بدعايتهم، ونعوّل في هذا على أقوال المحدثين والمحققين من المؤرخين.
قال الحافظ أبو بكر العربي في كتاب "القواصم والعواصم": وقد سمّوا من قام على عثمان، فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل بينهم وبينها، وقال: إن أحداً من الصحابة لم يشنع عليه، وقد انتدب المردة الجهلة أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغباً مؤلباً، وبما جرى عليه
(3/ 2/10)

راضياً، واخترعوا كتبًا فيها فصاحة وأمثال، وادعوا أن عثمان كتب بها إلى علي، وذلك كله مصنوع؛ ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين، والخلفاء الراشدين.
اجتمع بعض رؤوس الفتنة بالكوفة، وأخذوا يزيدون نارها حطباً، فكتب سعيد بن العاص يشكوهم إلى عثمان، فأمره بارسالهم إلى عبد الرحمن ابن خالد عامل حمص، فوبّخهم خالد، وتوعدهم، فهابوا سطوته، وأظهروا التوبة، وأرسل بهم إلى عثمان متظاهرين بالتوبة، فخيرهم عثمان بالبلاد التي يريدون استيطانها، فاختاروا التفرق، وذهب كل إلى البلد الذي اختاره، ولما سار كل إلى ما اختار، عادوا إلى إيقاد الفتنة وتأليب الجماعة، وتكاتبوا من أمصارهم في القدوم على المدينة، حتى جمعوا أمرهم، وعزموا على خلع عثمان أو قتله، وتوجهوا نحو المدينة، متظاهرين بقصد الحج، وكان على أهل البصرة حكيم بن جبلة، وعلى أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي، فدخلوا المدينة في نحو أريعة آلاف شخص، فاطلع عليهم عثمان من حائط داره، ووعظهم، وذكرهم، فاستشاطوا، ولم تنجع فيهم الموعظة، وأراد الصحابة أن يدفعوهم عنه، فأوعز إليهم عثمان أن لا يقاتل أحد بسببه أبدًا، وثبت أن عبد الرحمن بن الزبير قال لعثمان: إن معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منها، فأذنْ لنا، فقال: أذى الله رجلاً أراق لي دمًا. وقال سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا، لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا. وجاءه زيد بن ثابت، فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا. وروي: أن عبد الله بن عامر قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال لي: اعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة
(3/ 2/11)

إلا كف يده وسلاحه.
ويحدثنا القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة"، فيقول: ولقد قتل عثمان، وطالبوه أربعة آلاف، وفي المدينة أربعون ألفاً، كلهم لا يريد قتله، ويريد نصره، ولكنه دفعَ الكلَّ، واستسلم للأمر بالعهد الذي كان عنده، ولم يرض أن يراق بسببه دم، ورضي أن يكون عند الله المظلوم، ولا يكون عند الله الظالم.
ولما ضرب أولئك البغاة على عثمان الحصار، كان معه وعلى بابه جماعة من الصحابة وأبناء الصحابة يحرسونه، منهم: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبدالله بن عمر، والحسن، والحسين، وعبدالله بن الزبير، ومحمد ابن طلحة، وعبدالله بن عامر، وربما وقعت بينهم وبين الثائرين مدافعة، حتى أصيب الحسن وغيره بجراح.
ثم إن هؤلاء الثائرين اقتحموا دار عثمان يريدون قتله.
ويذكر المؤرخون في أسماء من باشروا قتله: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن أبي بكر لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد سنة حجة الوداع، وهي السنة التي انتقل عقبها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، فكان أيام فتنة عثمان لم يزل في أوائل عهد الشباب. على أن بعض الروايات تقول: إن محمد بن أبي بكر بعد أن دخل على عثمان كلّمه ووعظه، فرجع، ثم دخل سفهاء القوم، فسفكوا دمه الطاهر، وكتاب الله بين يديه، وصعدت روحه الطاهرة إلى مقام كريم.
* رد ما ينسب إلى عثمان من الأحداث:
يذكر المؤرخون أشياء كان الناقمون على عثمان قد اتخذوها أسباباً
(3/ 2/12)

لثورتهم عليه، ومن هذه الأشياء ما هو مفترى على عثمان قطعاً، ومنها ما لو صحّ، لم يكن موضع إنكار، وإنما هو من قبيل ما يرجع إلى اجتهاد الإمام، ويقع مثله من الخلفاء الراشدين، ومنها ما يعد في حسناته وصالح أعماله.
وها نحن هؤلاء نعرض على حضراتكم ما قصه المؤرخون وبعض المحدثين من الأمور التي طعن بها الطاعنون في عثمان، وجعلوها أسباب قيامهم عليه:
قالوا: ولَّى عمالاً من ذوي قرابته، وزعموا أنهم ليسوا أهلاً للولاية.
وذكروا: معاوية بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، ومروان بن الحكم.
ويدفع هذا بأن تعيين الولاة يرجع إلى اجتهاد الإمام، وتقوى عثمان، وإخلاصه في سياسة الرعية يجعلنا على ثقة من أنه ولَّى بعض ذوي قرابته بعد أن عرف كفايتهم للأعمال، والمعيب أن يولي قريباً لا يكون كافياً للعمل، أو يؤثره في الولاية، وهو على علم بن غيره أكفى منه، ثم إن معاوية ولّاه الشام عمر بن الخطاب، ولم يزد عثمان على أن أقرّه على الولاية، وكذلك الوليد بن عقبة كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الجزيرة، وكان من عثمان أن ولّاه الكوفة، فقدمها وسار في الناس خمس سنين سيرة حسنة، حتى اتهمه جماعة بشرب الخمر، فاستقدمه عثمان، وأقام عليه الحد، وولّى مكانه سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص نشأ يتيماً في حجر عثمان، ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها عند معاوية، فذكره عمر بن الخطاب يوماً، واستقدمه إلى المدينة، وأكرمه، وكان شريف النفس، سخي اليد، فصيح
(3/ 2/13)

اللسان، لا يختلف اثنان في كفايته للعمل.
وأما عبد الله بن عامر بن كريز، فكان ابن خال عثمان، وأمه أمها أم حكيم ابنة عبد المطلب، عمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعبد الله بن عامر هذا نشأ في الإسلام نشأة طيبة، وكان معدودًا من نجباء قريش وكرمائهم، ولّاه عثمان عاملاً بالبصرة عند اختلاف أهلها على أبي موسى الأشعري، وكان سن عبد الله بن عامر يومئذ خمساً وعشرين سنة، فقاد الجيوش، وفتح خراسان وسجستان وكرمان، وما زال يطارد كسرى يزدجرد حتى قتل كسرى، وانقرضت على يده الدولة الساسانية، وكان لكرمه وحسن خلقه يحبه الناس.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان عثمان استعمله على الحرب في مصر، وأبقى عمرو بن العاص على الخراج، ثم وقع خلاف بينهما، فاستقدم عثمان عمرو بن العاص، وصارت إمارتا الخراج والحرب إلى عبد الله بن سعد.
وذكر ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" سبباً لعزل عمرو بن العاص، هو أن الإسكندرية انتقضت سنة 25 ه فافتتحها عمرو بن العاص، وعاملهم معاملة الناقضين للعهد، ولم يصح عند عثمان نقضهم، فعزله، وولى عبد الله ابن سرح، فاعتزل عمرو إلى ناحية بفلسطين، وكان يزور المدينة أحياناً.
ويدلكم على أن ولاية عبد الله بن سعد لم تقع موقع الإنكار من الصحابة: أن عثمان أمره بفتح أفريقية، فسار إليها في جيش مؤلف من كثير من الصحابة وأبناء الصحابة، منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، والحسن، والحسين، وعبد الله ابن عمرو بن العاص.
(3/ 2/14)

وقالوا: عبد الله بن سعد هذا كان قد أسلم، ثم ارتد وعاد إلى مكة، فنقول: عاد إلى الإسلام، وظهر إخلاصه، والتوبة تجبّ ما قبلها.
قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": ولّى عثمان عبد الله بن أبي سرح؛ لحسن سيرته، وحميد طريقته، ولهذا فتح الفتوح في بحر المغرب وبره، وغزا معه جماعة من الصحابة وأبناء الصحابة، وأطاعوه، ورضوا عنه.
وأما مروان بن الحكم: فكان له عندما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمان سنين، وتولى الكتابة لعثمان، وروى الحديث عن عثمان وعلي، والواقع أن مروان قد كثر الطعن فيه، ونرى بعض المحدثين يصفه بما يخفف هذا الطعن، فأبو بكر بن العربي يقول: "فمروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين".
وقالوا: رد الحكم إلى المدينة، وقد نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - منها إلى الطائف.
ويدفع هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذن قبل وفاته لعثمان في رده، ولما أبلغ عثمان هذا الإذن أبا بكر وعمر، قالا له: إن كان معك شهيد، رددناه، ولما ولي عثمان الخلافة، عمل على مقتضى علمه بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أذن في رده، وللحاكم أن يعمل على ما يعلم في غير القضاء بين الخصوم.
وقالوا: كان عمر يضرب بالدرة، وهو يضرب بالسوط، وضرب عمار ابن ياسر، وابن مسعود، ومنعه عطاءه، وضرب أبا ذر، ونفاه إلى الربذة.
وسلك بعض أهل العلم في دفع هذا الإنكار طريقة أن للحاكم أن يؤدب بعض الرعايا بما يراه صلاحاً، ولكن حفاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون أشد الإنكار، قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العواصم": أما
(3/ 2/15)

ضربه لعمار، وابن مسعود، ومنعه لعطاء بن مسعود، فزور وإفك، وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها؛ لأنها مبنية على باطل، ولا يبنى حق على باطل، ولا يذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له.
وأما قصة أبي ذر، فهو أن أبا ذر كان زاهداً، وكان يعظ عمال عثمان في الزهد، ويتلو عليهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34]، وربما أغلظ لهم القول، فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستدعاه إلى المدينة، فاجتمع عليه الناس، فكره ذلك، فقال له عثمان: لو اعتزلت! فخرج إلى الربذة زاهداً فاضلاً، ونزل وراء أجله فضلاء.
وقالوا: صعد منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد انحط عنها أبو بكر وعمر.
ويدفع هذا بأن هذه الرواية غير صحيحة، قال أبو بكر بن العربي في "العواصم": ما سمعت هذا ممن فيه تقية، وإنما هي إشاعة منكر، ليروي ويذكر، ليتغير بها قلب من يتغير.
وقالوا: لما طُعن عمر - رضي الله عنه -، قتل عبد الله بن عمر الهرمزان بتهمة أن له يداً في قتل عمر، فلم يُقم عثمان على عبد الله بن عمر حدَّ القصاص.
ويدفع بن هذه الواقعة جرت بمرأى من الصحابة وهو متوفرون، فكيف تقع في أول عهد عثمان ويسكتون عنها؟ وإذا أردنا أن نرجع إلى قول المؤرخين، فقد قالوا: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر، وظهرت تحت ثيابه، وقالوا: أعطى الخنجر لأبي لؤلؤة، وحرضه على عمر
(3/ 2/16)

حتى قتله. وكان قتل عبد الله له قبل أن يتولى عثمان، ولعل عثمان كان لا يرى على عبد الله حقاً؛ لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله. ويروى: أن عمرو بن العاص لما أختلف الصحابة في الاقتصاص من عبد الله بن عمر، قال لعثمان: إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك، قال لعثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها دية، وأحتملتها في مالي، وانتهى الخلاف.
وقالوا: ابتدع في جمع المصحف، وحرق المصاحف.
ويدفع هذا الطعن بأن الله تعالى وعد بحفظ القرآن، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9]، فكان هذا الحفظ على يد عثمان، فإن عثمان- كما يقول ابن حزم- جمع القرآن في مصحف تحفظ به القراءات المسموعة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أحرق المصاحف التي تشتمل على شيء يتوهمه واهم، أو يدسه زنديق.
وقالوا: خالف سنة القصر في الصلاة، فصلى بالناس في منى أربم ركعات، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلونها ركعتين.
وجواب هذأ: أن تلك السنة كثر فيها الأعراب، فخشي أن يسبق إلى أذهانهم أن الصلاة أربم، فقصد إلى تعليمهم أنها أربم. وروى البيهقي: أن عثمان نفسه خطب في منى، فقال: إن القصر سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، ولكنه حدث طَغام، فخفت أن يستنوا، ولعل الذي نبه إلى هذا ما روي من أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام
أول ركعتين.
قال ابن العربي في "العواصم": وأما ترك عثمان للقصر، فاجتهاد؛ إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا في منازلهم، فرأى أن السنة ربما
(3/ 2/17)

أدت إلى إسقاط الفرض، فتركها خوف الذريعة.
ومما أنكره الثائرون على عثمان: حمايته لأرض كانت للناس عامة، فخصها بإبل الصدقة، واجهوه بهذا الإنكار، فقرؤوا عليه الاية: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59]، وقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك، أم على الله تفتري؟ فقال: هذه الآية نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى، فقد حمى الأئمة قبلي لإبل مصدقة، فلما زادت إبل الصدقة، زدت في الحمى.
وثبت في "صحيح البخاري": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع، وأن عمر ابن الخطاب حمى السرف، والربذة.
وزعموا أنهم لاقوا راكباً خارج المدينة يحمل كتاباً من عثمان إلى عامله بمصر عبد الله بن سعد يأمره فيه بقتل محمد بن أبي بكر، ومن معه من رؤوس هذه الفتنة بعد أن وعظهم وأظهروا التوبة.
ويدفع هذا بأنهم ادعوا هذا، وأنكر عثمان أن يكون قد كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، صالا، فيميني أني ما كتبت، ولا أمرت، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه، فقالوا: تسلم إلينا مروان، فقال: لا أفعل، ولو سلمه، لكان ظالماً، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان (1).
وساق الإمام البخاري في "جامعه" قصة تحتوي شيئاً مما يتلمسه الذين يتنقصون عثمان - رضي الله عنه -، قال: جاء رجل من أهل مصر، وحج البيت، فرأى قوماً
__________
(1) "العواصم" لابن العربي.
(3/ 2/18)

جلوساً، فقال: من هؤلاء القوم؟ قال: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر! إني سائلك عن شيء، فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: أتعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله كبر!
قال ابن عمر: تعال أبيّنْ لك: أما فراره يوم أحد، فاشهد أن الله عفا عنه، وغفر له. وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت مريضة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمَه".
وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان، لبعثه مكانه، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده اليسرى، فقال: "هذه لعثمان".
وملخص هذه المحاضرة: أن عثمان - رضي الله عنه - لم يأت حدثاً منكراً، ولم يرتكب ظلماً ولا إثماً، وأن الصحابة جميعاً بريئون من دمه، وإنما حاول خلعه، أو خان الله في سفك دمه، نفر ليسوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من القوم الذين يريدون الإصلاخ.
ولعل محاضرتنا هذه تنبه شبابنا النابتين نباتاً حسناً على أن يتثبتوا فيما يقصه المؤرخون عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا سيما الذين صاحبوه أعواماً، ووردت الأخبار الصحيحة أنه توفي وهو عنهم راض.
(3/ 2/19)

موسى بن نُصَير (1)

هذه صفحة من حياة قائد عظيم كانت له اليد البيضاء في إنشاء دولة إسلامية رفعت لواء الإسلام في غري أوريا، ومدت فيه ظلال العدل، وبسطت أنوار العلم، والمدنية الباهرة، ذلك هو أبو عبد الرحمن موسى بن نصير فاتح الأندلس.
يقول بعض المؤرخين: إن موسى بن نصير من قبيلة لخم، أو من قبيلة بكر بن وائل، وهو عربي صريح؛ وأشهر ما قيل فيه أنه كان مولى لعبد العزيز ابن مروان.
نشأ موسى بن نصير في وادي القرى بالحجاز، وخدم بني مروان بدمشق، وتنبه شأنه فقلدوه أعمالاً في ممالكهم.
ويروى: أن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان لما ابتنى بها الوليد كانت ترفع عنده مكانه موسى بن نصير حتى بلغ ما سنحدثك عنه بتلخيص وإيجاز:
كان موسى بن نصير من التابعين، وولد في خلافة عمر بن الخطاب سنة 19 ه، وأخذ عن بعض الصحابة؛ كتميم الداري، وكان والده نُصير
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع والثامن من المجلد العشرين.
(3/ 2/20)

على حرس معاوية بن أبي سفيان، وله عنده مكانة، ولكنه امتنع من أن يدخل معه في حرب علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -.
عهد الوليد بن عبد الملك إلى موسى بن نصير بولاية بلاد المغرب سنة 88 أو 89، فنزل القيروان، وخرج غازياً يقص أثر البربر لا يدافعه أحد حتى بلغ "طنجة"، ودان له سائر البربر بالطاعة، فاستعمل على طنجة وأعمالها طارق بن زياد، وقفل راجعاً إلى القيروان.
ولما استتب له الأمر بالمغرب، استأذن الخليفة في غزو الأندلس، فأذن له، وبعث إلى طارق، فامره بغزوها، فعبر طارق البحر، ونزل بالجبل الذي سمي من بعد: "جبل طارق"، وانساب إلى أرض الأندلس بجيش مؤلف من اثني عشر ألف مقاتل، ففتح جانباً عظيماً من البلاد، وأبلغ موسى ما لاقاه، فلم يرتح موسى لإفراد طارق بفضل هذا الفتح الباهر، فحفزته الغيرة إلى أن تكون القيادة العملية بيده، فكتب إلى طارق يأمره بأن لا يتجاوز المكان الذي يصل إليه الكتاب فيه؛ حتى يلحق به، ولكن طارقاً استشار قواد الجيش، فأشاروا بمواصلة الغزو خشية أن يجد جماعات المنهزمين من الأعداء فرصة التجمع والاتحاد ثم الكر على المسلمين، فأخذ طارق برأيهم، ومضى في سبيله، ثم قدم موسى في جيش ضخم سنة 93، واشتد في توبيخ طارق إذ خالف ما أمره به من وقف الجهاد، بل قال بعض المؤرخين: إنه عزله عن قيادة الجيش، واعتقله مع وضوح عذره، ثم اصطلح القائدان، وأقبلا على الجهاد، وأمعنا في الفتح، وكان النصر حليفهما في كل واقعة، فلم يعارضهما أحد إلا بطلب صلح.
ولما نجح موسى في غزو الأندلس، طمحت همته إلى مواصلة الغزو
(3/ 2/21)

حتى يتوغل في أحشاء أوروبا، وينفذ منها إلى القسطنطينية "الآستانة" حتى يصل إلى الشام.
وانتهى خبر هذا إلى الخليفة، فرأى أن ما همّ به موسى غرر بالمسلمين، فبعث ينكر عليه هذا الاتجاه، ويستدعيه وطارقًا إلى دار الخلافة، فأقام موسى ابنه عبد العزيز حكماً بالأندلس، ودخل الشرق سنة 95 يصحبه طارق، فوصلا إلى الشام. وها هنا يذكر المؤرخون: أن الوليد طرأ عليه مرض ثقيل، ولما علم سليمان بن عبد الملك وليُّ عهده بقرب وصول موسى، أراد تأخير الاحتفال بقدوم فاتح الأندلس إلى أول خلافته حتى يكون له فخر هذا الفتح، فكتب إلى موسى يأمره بن يؤخر قدومه إلى دمشق أياماً، ووافاه الكتاب وهو في طبرية فلسطين، فلم يعمل به، ودخل دمشق في حياة الوليد.
ولما مات الوليد، نكبه سليمان؛ لمخالفته أمره بالمسارعة في دخول دمشق.
ويذكر بعض المؤرخين: أن موسى بن نصير قدم على سليمان حين استخلف، وإنما نكبه؛ لأن طارقاً سبق بالشكاية منه إلى سليمان، ورماه بجولان يده في بعض الغنائم، فوجد سليمان ضغينًا عليه، واستقبله بالتأنيب، وعزله عن جميع أعماله. وها هنا روايات في وصف نكبته لا تخلو من مبالغة فيما يظهر، ومن بين هذه الروايات: رواية قد ياخذ منها أن سليمان لم يتجاوز توبيخه وعزله عن جميع الأعمال، فقد جاء في "تاريخ ابن خلكان" ما يأتي: "ولما وصل موسى إلى الشام، ومات الوليد بن عبد الملك، وقام من بعده سليمان، وحج في سنة 97 للهجرة، حج معه موسى بن نصير، ومات في الطريق بوادي القرى، وقيل: بمر الظهران، على اختلاف فيه".
(3/ 2/22)

ثبَّت موسى بن نصير دعائم الإسلام في بلاد المغرب، وكان يقصد من فتوحه نشر الدعوة الإسلامية، لا بسط سلطان الدولة وحده؛ إذ ورد في أعماله الماجدة: أنه كان يخصص رجالًا من العرب متفقهين في الدين لتعليم البربر القرآن وفرائض الصلاة، كما فعل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - من قبله.
وكان موسى بن نصير معروفاً بالحزم واليقظة والدهاء، وقد شهد له بهذا عظيم من عظماء الدولة الأموية، وهو يزيد بن المهلب، يروى في سيرة موسى بن نصير: أنه لما تنكر له سليمان بن عبد الملك، لاذ بيزيد بن المهلب لمكانته من سليمان، وطلب منه أن يكلمه في شأنه، فقال له يزيد: لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس، وأعرفهم بمكايد الحروب، ومداراة الدنيا، فكيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار؟ فقال له موسى: يا ابن الكرام! ليس هذا وقت تعديد. أما سمعت: "إذا جاء الحين، غطى على العين"؟
كان موسى بن نصير ثاقب الفكر في وجوه السياسة الدولية والحربية، ويكفي شاهداً على هذا: أنه ولي أمر ما وراء مصر إلى البحر المحيط، فأحكم تدبير شؤونه، وأخضع قبائل البربر، وفتح معظم بلاد الأندلس، ولم يهزم له جيش قط.
وكان - رحمه الله - فصيحاً بليغاً. قال صاحب "نفح الطيب": "أما معارفه الأدبية، فقد جاءت عنه بلاغة في النثر والنظم تدخله مع نزارتها في أصحاب دار الكلام".
وكان عامر القلب بإجلال الخالق- جل شأنه -, ما وقع قحط شديد
(3/ 2/23)

بالمغرب، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، وخطبهم، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين الوليد؟ فقال: هذا مقام لا يذكر فيه غير الله!.
حفظ التاريخ لموسى بن نصير مقابلته لِما قام به طارق من الفتح بشيء من الجفاء، ولكن ما حفظه له من الهمم الشامخة، والأعمال الفاخرة، يغطي على تلك الهفوة، ولا سيما هفوة جاءت في طريق طموحه إلى وضع لبنات جديدة في بناء مجده الأثيل.
وإذا كان سليمان بن عبد الملك قابل هذا القائد العظيم بجفاء واضطهاد، فإن قلوب الأمة - على اختلاف طبقاتها - قد امتلأت بإكباره، والبطل الهمام من يرتاح لرضا الأمة أكثر من إقبال الدولة.
(3/ 2/24)

علي زين العابدين (1)
* نسبه:
هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، وأمه سلامة بنت يزدجر آخر ملوك الفرس، ذلك أن سبي فارس لما أتي به إلى المدينة في خلافة عمر - رضي الله عنه -، وكان في هذا السبي ثلاث بنات ليزدجرد، صارت إحداهن إلى عبد اللُّه بن عمر، وهي أم ابنه سالم، وصارت الثانية إلى محمد ابن أبي بكر الصديق، وهي أم ولده القاسم أحد الفقهاء السبعة، وصارت ثالثتهن إلى الحسين بن علي، وهي أم ولده علي زين العابدين - رضي الله عنه - (2).
* مولده:
ولد زين العابدين سنة ثمان أو سبع وثلاثين بالكوفة، فكانت ولادته قبل وفاة علي - كرم الله وجهه - بنحو ثلاث سنين.
__________
(1) محاضرة الإمام ألقاها في قبة الغوري بالقاهرة بدعوة من إدارة شركة سيارات (أوتوبيس) الدقهلية والشرقية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية". الجزء الرابع من المجلد الخامس عشر.
(2) الزمخشري في كتاب "ربيع الأبرار"، وغيره، وقال ابن قتيبة في كتاب "المعارف": إن أم علي زين العابدين سندية، يقال لها: سلامة، ويقال لها: غزالة.
(3/ 2/25)

* روايته للحديث:
روى علي زين العابدين الحديث عن أبيه الحسين، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وصفية بنت حمي، وأم سلمة، وغير هؤلاء، وروى عنه طاوس بن كيسان، وهو من أقرانه، والزهري، وغيره، وقال أبو بكر بن شيبة: أصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب.
* فقهه:
قال الزهري: ما رأيت أحداً أفقه من علي بن الحسين، ولكنه كان قليل الحديث.
* تقواه وورعه:
قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أورع من علي بن الحسين، وقال مالك ابن أنس: لقد أحرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يقول: لبيك، قالها، فأغمي عليه حتى سقط من أعلى ناقته. وروي أنه قال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقول: لا لبيك. وقال مالك: إنه كان يصلي في كل يوم وليلة مئات الركعات إلى أن مات.
وسمي زين العابدين؛ لكثرة عبادته، ولم يكن هذا اللقب من الألقاب التي يعطيها الآباء والأمهات لأبنائهم عند ولادتهم، فيسمونه زين العابدين، فيعيش وهو تارك الصلاة، أو ناصر الدين، وهو كبر معول لتقويض أركانه.
* سخاؤه وكرمه:
قال علي بن الحسين: إني لأستحي الله أن أرى الأخ من إخواني، فأسأل الله له الجنة، وأبخل عليه بالدنيا. ويروى: أنه قاسم الله ماله مرتين.
(3/ 2/26)

* إخفاؤه الصدقات:
قال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل.
وقال جرير بن المغيرة: كان علي بن الحسين يُبخَّل "ينسب إلى البخل"، فلما مات، وجدوه يعول مئة أهل بيت بالمدينة، وكان - رضي الله عنه - يحمل جراب الخبز على ظهره، فيتصدق به، ويقول: إن صدقة الليل تطفئ غضب الرب.
* تعففه وزهده:
روى نافع عن علي بن الحسين: أنه قال: ما أكلت بقرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً قط. وقال جويرة بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درهمًا قط؛ أي: أنه لا يتوسل إلى التحصيل على مال بقرابته إلى النبي - عليه الصلاة والسلام -.
* بره بأمه:
قيل لعلي بن الحسين: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما تسبق إليه عينها، فأكون قد عققتها. وكثير من الناس غافلون عن حقوق الأمهات، وناسون لما كابدته أمهاتهم في حملهم ووضعهم وتربيتهم من المشاق.
* إجلاله للشيخين:
قال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقوامًا، كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فأشار بيده إلى قبريهما، وقال: منزلتهما منه الساعة؛ أي: إن منزلتهما في حياته من القرب
(3/ 2/27)

هي منزلتهما منه الآن، وكذلك كان الأئمة من آل البيت يجلون الشيخين، ويقدرونهما قدرهما.
* تواضعه:
قال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقواماً دوناً، فقال: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني.
* كراهته في المبالغة في الثناء عليه:
جاء قوم عليَّ بن الحسين، فأثنوا عليه، فقال: ما أكذبكم وأجرأكم على الله! نحن من صالحي قومنا، وحسبنا أن نكون من صالحي قومنا. وقد شاع بين الناس اليوم الغلو في مديح ذوي الوجاهة أو المال، حتى إن من لم يمدح، أو وقف في مدحه عند الحقيقة، عدّوه جافياً، وغير عارف بآداب مجالسة من يسمونهم: الكبراء من الناس.
* حلمه:
استطال رجل على زين العابدين، فأغضى عنه، فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له زين العابدين: وعنك أغضي.
وتكلم فيه رجل افترى عليه، فقال له: إن كنتُ كما قلتَ، فأستغفر الله، وإن لم أكن كما قلتَ، فالله يغفر لك.
* نجدته:
عندما قام أهل المدينة على يزيد بن معاوية، وأخرجوا من كان في المدينة من بني أمية، وكان من بينهم مروان بن الحكم، طلب مروان من بعض رجال المدينة أن يضموا إليه أهله وثقله، ففعل، ووجههم زين العابدين إلى الطائف، ومعهم ابناه: عبد الله، ومحمد.
(3/ 2/28)

* فضله:
قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين.
وقال مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل علي بن الحسين.
وقال علي بن هاشم: ما رأيت هاشمياً أفضل منه.
* حكمه ومواعظه:
قال زين العابدين لابنه وهو يعظه: يا بني! اصبر على النائبة، ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى شيء ضرره أعظم من منفعته له.
وقال: الناس من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن التثبت، ومصروف بسوء العادة عن تفضيل التعلم.
وقال: إن لله عباداً عبدوه رهبة، فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة، فتلك عبادة التجار، وآخرين عبدوه شكراً، فتلك عبادة الأحرار.
* شعره:
يروى أن أخاه الحسن - رضي الله عنه - عاتبه في امرأته، فقال:
لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل كل مالي ... وليس للائمي عندي عتاب
ونسب إليه الجاحظ ما يأتي:
الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار
والله من هذا وهذا جاري
* وفاته - رضي الله عنه -:
توفي علي زين العابدين بالمدينة المنورة سنة اثنتين، أو أربع وتسعين،
(3/ 2/29)

ودفن بالبقيع في قبر عمه الحسن بن علي في القبة التي بها قبر العباس - رضي الله عنه -، وأولاد علي زين العابدين: عبد الله، ومحمد، وزيد، وليس للحسين عقب إلا من ولده علي زين العابدين.
هذه صحيفة من سيرة رجل من عظماء آل البيت نعرضها على حضراتكم، وفي سيرة العظماء عبرة وأسوة لأولي الألباب.
(3/ 2/30)

محمد الباقر وزيد (1)
اقترحت عليَّ لجنة المحاضرات لشركة السيارات الشرقية والدقهلية في هذه السنة إلقاء كلمة في موضوع يتصل بسيدنا الحسين، فبدا لي أن أجعلها في الحديث عن حفيديه: محمد، وزيد ابني اعلي زين العابدين بن الحسين، وفي سيرة العظماء عبرة لمن يريد أن يكون عظيماً في علمه، أو في شرفه وسمو هممه، أو في المسارعة إلى عمل الخير ما استطاع.
* محمد الباقر:
هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فنسبه من جهتي أبيه وأمه يتصل بعلي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء بنتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولد محمد في المدينة المنورة في صفر سنة ست أو سبع وخمسين، وتلقى الحديث وعلوم الدين عن أبيه علي زين العابدين، وجديه الحسن والحسين، وعم أبيه محمد بن الحنفية، وروى الحديث عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس، وسعيد بن المسيب.
وهو معدود في صفوة المحدثين الصادقين فيما يروون، قال ابن سعد:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزآن الأول والثاني من المجلد السادس عشر.
(3/ 2/31)

كان محمد ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: محمد تابعي ثقة.
وكان محمد الباقر معدوداً من كبار الفقهاء، قال صاحب "الإرشاد": لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والسنن، وعلم القرآن، والسير، وفنون الأدب ما ظهر عن أبي جعفر الباقر.
وذكره الإمام النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين.
وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علماً عند الباقر.
ولقب بالباقر من قولهم: بقر العلم: أوسعه، قال صاحب "القاموس": والباقر محمد بن علي بن الحسين - رضي الله عنه -؛ لتبحره في العلم.
وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجبل
وقال مالك بن أعين الجهني يمدحه:
إذا طلبت الناس علم القرآ ... ن كانت قريش عليه عيالا
وتلقى عن الباقر الحديث جماعة من كبار أئمة الحديث، مثل: الإمام الزهري، والإمام الأوزاعي، وربيعة، وابن جريج، وعمر بن دينار.
وللباقر بعد منزلة الفقه والعلم منزلة فائقة في الفضل والاجتهاد في العبادة، والدعوة إلى الله. قال محمد بن المنكدر: ما رأيت أحداً يفضل علي ابن الحسين، حتى رأيت ابنه محمداً؛ أردت أن أعظه، فوعظني.
وللباقر مواعظ بالغة، وحكم رائعة، ومن هذه المواعظ والحكم قوله لابنه: "إياك والكسل والضجرة فإنهما مفتاح كل خبيثة، فإنك إذا كسلت، لم تؤد حقاً، وإن ضجرت، لم تصبر على حق". وقوله: "أشد الإيمان ثلاثة:
(3/ 2/32)

ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال".
وقوله: "ما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من جمقله بقدره، أو أكثر منه". وقوله: "ليس الأخ أخًا يرعاك غنياً، ويتركك فقيراً". وقوله: "الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل، أوطناه".
ومن حكم الباقر: "اعوف المودة في قلب أخيك مما له في قلبك".
وإلى معنى هذه الحكمة يشير قول الشاعر:
سلوا عن مودات الرجال قلوبكم ... فتلك شهود لم تكن تقبل الرشا
ولا تسألوا عنها العيون فربما ... أقرت بشيء لم يكن داخل الحشا
وكان محمد الباقر يحترم الشيخين أبا بكر وعمر، ويعترف بإمامتهما.
قال سالم أبو حفصة: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال لي: يا سالم! تولهما، وأبرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى.
وروى عنه أنه قال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما.
وروى عنه أنه قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر، فقد جهل السنة.
وتوفى الباقر سنة 113 - رحمه الله - بالحميمة، وهي قرية بصقع الشام في طريق المدينة، ونقل إلى المدينة، ودفنه بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه زين العابدين، وعم أبيه الحسن بن علي.
ومحمد الباقر هو الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر الذين هم موضع عقيدة الشيعة الإمامية، وبهذا سمو: الاثني عشرية، وهؤلاء الأئمة هم علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن العسكري،
(3/ 2/33)

وهذا الإمام الأخير في مذهب الشيعة هو المهدي المنتظر.
وهناك طائفة من الشيعة يقال لهم: الباقرية يقولون: الإمامة انتقلت من علي بن أبي طالب وأولاده إلى محمد الباقر، وانتهت الإمامة عنده، وإنه لم يمت، ولكنه غائب، وهو المهدي المنتظر.
وأهل السنة يعتقدون في هؤلاء الأئمة العلم والتقوى، ولكنهم لا يعتقدون كما يعتقد بعض الفرق أنهم معصومون عن جميع الذنوب وسائر النقائص، إلى ما يتبع هذا من الآراء.
* زيد بن علي:
نسب زيد بن علي من جهة أبيه هو نسب أخيه محمد الباقر، وأما نسبه من جهة الأم، فإن زيدًا أمه كانت أم ولد؛ أي: أمة، ولم يقصر به ذلك عن أن يكون في أعلى مرتبة من الفضل، قال له هشام بن عبد الملك: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة؟! فقال: يا أمير المؤمنين! إن لك جوابًا إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنك، قال: لا، بل أجب، قال: إن الأمهات لا يقنعون بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيًا، وجعله للعرب أبًا، وأخرج من صلبه خير البشر محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فتقول لي كذا، وأنا ابن فاطمة، وابن علي!.
ولد زيد بالمدينة سنة 75، فيكون أصغر سناً من أخيه الباقر بنحو تسع عشرة سنة، وهنالك نشأ، وكانت المدينة لذلك العهد زاخرة بعلوم الشريعة، وفي ذلك العهد ظهر كثير من أعاظم الفقهاء، مثل: سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر،
(3/ 2/34)

والقاسم بن محمد، وخارجة، وكان هؤلاء الفقهاء من العلماء الواقفين على أسرار الشريعة، لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولم يؤثر عن أحد منهم أن أفتى في شرع الله بما يوافق هوى السياسة؛ رهبة من سطوتها، أو طمعًا في الوجاهة لدى أربابها، فيكون زيد بن علي قد شب في بيئة علمية تغمرها الآداب الرفيعة، وتنبت فيها الأعمال الصالحة نباتًا حسنًا.
وكان زيد من كبار المحدثين، فقد روى عن أبيه زين العابدين، وأخيه محمد الباقر، وعن عروة بن الزبير، وعبد الله بن رافع، وغيرهم من أجلة التابعين.
وهو معدود في مرتبة المحدثين الصادقين فيما يروون، وقد روى عنه جماعة من أئمة الحديث، مثل: الزهري، وشعبة، والأعمش، وابن أبي الزناد.
وكان زيد فقيهاً مجتهداً، ولقيه الإمام أبو حنيفة، وأخذ عنه، وأثنى عليه. وكان زيد يقول الشعر، ومن شعره الأبيات التي أرسلها إلى هشام بن عبد الملك بعد ذلك المجلس الذي قال له فيه: أتترصد للخلافة، وأنت ابن أمة؟! وهي:
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
فالله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا
وكان زيد - مع رسوخه في علوم الشريعة - تسمو به همته إلى تولي الخلافة؛ إذ كان ينكر على هشام سوء سياسته، ويراها شراً من سياسة يزيد، ويروى أنه - أي: زيداً - دخل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم حار، فرأى سعد
(3/ 2/35)

ابن إبراهيم في جماعة من القرشيين، فحادثهم في سياسة هشام، حتى قال لهم: "وأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام، فما لكم! "، ولما انصرف، قال سعد لأصحابه: مدة حياة هذا قصيرة.
وشعر هشام من زيد هذا الطموح، مضافاً إلى عبقرية زيد، واستجماعه لخصال الفضل، وكان زيد بالكوفة، فأرسل هشام إلى عامله على الكوفة، وهو يوسف بن عمر النقعي، يأمره بن يوجه زيداً إلى الحجاز، فغادر زيد الكوفة إلى الحجاز، ولما بلغ "العزيب" لحقته الشيعة، وأخبروه أن الناس مجمعة عليه، ولم يزالوا يلحفون عليه حتى رجع، وأقام بالكوفة سنة يبايعه الناس على الخلافة خفية، وبايعه جماعة من أعلام الفقهاء، مثل: منصور بن المغنمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن شبرمة، وغيرهم، ويقال: إن أبا حنيفة - رضي الله عنه - أرسل إليه ثلاثين ألف درهم، وحث الناس على مناصرته.
وظهر زيد معلناً أمره في محرم سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئة، ونشبت الحرب بينه وبين يوسف بن عمر عامل هشام على الكوفة، ولم تدم الحرب أكثر من ثلاثة أيام، وأدرك الفشل أتباع زيد، فتفرقوا عنه، وكانت العاقبة أن أصاب زيداً سهم في جبهته، فحمله أصحابه، ومات من هذه الإصابة كريماً شهيداً - تغمده الله برحمته -، وكان يتمثل يوم قتل بقول القائل:
أذل الحياة وعز الممات ... وكلاً أراه طعاماً وبيلا
فإن كان لا بد من واحد ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا
وصُلب زيد بعد موته حيناً، وإليه يشير أبو الحسن محمد بن عمران الأنباري بقوله من القصيدة التي رثى بها الوزير ابن بقية، وقد صلب هذا
(3/ 2/36)

الوزير أيضاً بعد قتله:
ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات
وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العدات
ولم أرقبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات
* احترام زيد للشيخين أبي بكر وعمر:
لما أخذ الناس يبايعون زيداً بالخلافة، جاءته طائفة يطلبون منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فقال: لا، بل أتبرأ ممن تبرأ منهما، فقالوا: إذاً نرفضك، فسموا: رافضة، وسميت شيعته: زيدية.
فزيد بن علي هو الذي ينيسب إليه من فرق الشيعة فرقة الزيدية، ومذهبهم قائم على صحة إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، واحترامهما، ولكنهم يقولون: إن علي بن أبي طالب أفضل منهما، وأحق بالخلافة، وزعيم الزيدية اليوم هو الإمام يحيى ملك اليمن.
ونحن نوافق الزيدية في الاعتقاد بفضل زيد وعلمه وجلالة قدره، ولكننا نعتقد أن أبا بكر وعمر قد توليا الخلافة بحق، كما أن الإمام علي بن أبي طالب قد تولاها بعد عثمان بحق.
* مقارنة بين الاخوان:
كان كل من حفيدي الحسين عظيماً في علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه، ولكن محمداً كان يميل إلى السلم، ويصبر نفسه على السكون في ظروف يرى فيها بعض ما يكره، وقد ذكروا في سيرته: أنه كان يعرض عن الجدل والخصومات، فمعظم فضله في الانقطاع للعلم، والتزود من الأعمال الصالحة، أما زيد، فكان - مع علمه وتقواه - يخاطر بنفسه، ويأخذ
(3/ 2/37)

بالصراحة في أقواله، ولا يتباطأ عن مناهضة من يراهم على فساد، وقد رأيتم كيف كان يخاطب هشام بن عبد الملك بالكلمات اللاذعة، وكيف كان يطمح إلى أن يكون له سلطان يبتغيه وسيلة إلى إصلاح حال الأمة، وإعادة ما ضاع على أيدي بعض أمراء بني أمية من العدل.
فنحن لا نلوم الباقر على عدم تعرضه لأمر السياسة، فقد يكون الباقر قد عرف أنه لا يصل بمناهضتها إلى عاقبة راضية، ولا ننكر على زيد مخاطرته في سبيل الإصلاح إذا أخذ بالعزيمة، وإذا قال بعض الناس: ليس المخاطر بمحمود وإن سلم، وجد من يقول له: ليس المخاطر في سبيل الإصلاح بمذموم وإن لم يسلم.
(3/ 2/38)

نظرةٌ في حياة عمر بن عبد العزيز (1)
إن من الأسباب التي جعلت كثيراً من شبابنا يسرفون في إكبار رجال أوربا، ولا يرفعون رؤوسهم فخراً بعظماء الشرق: أنهم لم يدرسوا تاريخ عظمائنا بعناية وروية وإنصاف.
وذلك ما دعا رجال جمعية الهداية الإسلامية إلى أن توجه همتها إلى إلقاء محاضرات في إحياء ذكر رجال نبغوا في العلم، أو برعوا في السياسة، أو كانوا مُثلاً كاملة في الأخلاق والآداب.
ومن الرجال الذين لا يسمح بهم الدهر إلا قليلاً: عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، ومحاضرتنا الليلة في مقتبسات من سيرته الغراء.
* تمهيد:
التحق الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - بالرفيق الأعلى وقد بلّغ للناس شريعة سمحة، وأقام للدولة الإسلامية أساساً محكماً، فقام بالأمر بعده الخلفاء الراشدون، فساروا على أثره في الزهد، والعدل في السياسة، وإيثار الحق على الخلق، صاعلاء كلمة الله بكل ما لديهم من قوة، ثم ولي
__________
(1) محاضرة الإمام في دار جمعية "الهداية الإسلامية"، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد السابع.
(3/ 2/39)

بعدهم رجال فقدت معهم الخلافة شيئاً مما كانت تعهده في أولئك الخلفاء الراشدين من الزهد في الدنيا، والاستقامة على ما أمر الله في كل حال، وشعر الناس بفرق جليّ بين عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة التي أخذت بعض أساليب الملك المكروهة، وما زالت هذه الأساليب الخاطئة تتزايد حتى كادت تذهب بمعظم ما أرشد إليه الإسلام من عدل وحرية ومساواة.
وربما وقع في بعض الأوهام أن القسوة وأبهة الملك اللتين ظهر بهما بعض الخلفاء، أو بعض وزرائهم، أو عمالهم أمر يقتضيه حال الناس، وما طرأ على أخلاقهم من فساد، ويسوقون على هذا أنه قيل للحجاج: لم لا تكون كعمر بن الخطاب؟ فقال: تبذَّروا، أتعمّرْ لكم؛ "أي: كونوا كأبي ذر الغفاري، كن لكم كعمر بن الخطاب".
وقد أظهر الله في خلال ذلك العهد - الذي صارت فيه الخلافة إلى ملك عضوض - فتى دل بسيرته الماجدة الفاخرة على أن في استطاعة كل أمير نير البصيرة، طيب السريرة أن يقيم الشريعة، ويبسط ظلال العدل، ويرفع راية العلم، ويعمر السبل بالأمن، ويجعل الناس في نعيم من العيش، وإن وجد الأهواء في تشعب، والقلوب في تفرق، والأخلاق في فساد، وذلك الفتى هو عمر بن عبد العزيز.
* نسب عمر بن عبد العزيز:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وفي عبد مناف يلتقي نسبه بنسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجدُّه مروان بن الحكم هو الذي جلس على عرش الخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد ابن معاوية سنة 64، وتوفي سنة 65 بعد أن عهد بالخلافة إلى ابنه عبد الملك.
(3/ 2/40)

ووالد عمر، وهو عبد العزلز بن مروان، كان مروان قد استعمله على مصر سنة 65، وبقي في ولايتها إلى أن توفي سنة 85.
وأما أمه، فهي أم عاصم ينت عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
* نشأته:
ولد عمر بن عبد العزيز سنة 61 هجرية بالمدينة المنورة (1)، وشبَّ في نعيم ورفاهية من العيش، فقد كان أبوه عبد العزيز أميراً على مصر، وعمه عبد الملك تخفق راية خلافته في الشرق والغرب.
حفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم الدين من أفاضل الصحابة، مثل: عبادة بن الصامت، وعم أمه عبد الله بن عمر، ثم عن أفاضل التابعين؛ مثل: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وروى عن عبيد الله هذا أكثر مما روى عن غيره من أهل العلم، ومن شعر عبيد الله يخاطب عمر ابن عبد العزيز:
أينْ لي، فكن مثلي أو ابتغ صاحباً ... كمثلك إني مبتغ صاحباً مثلي
عزيرٌ إخائي، لاينال مودتي ... من القوم إلا مسلم كامل العقل
وما يلبث الإخوان أن يتفوقوا ... إذا لم يؤلف زوج شكل إلى شكل
وضم إلى علوم الدين علوم اللغة العربية وآدابها، قال - رضي الله عنه -: لقد رأيتني وأنا بالمدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، إلى العربية، فالشعر، فأصبت منه حاجتي.
وكان لاتصاله بخاله (أي: عم أمه) عبد الله بن عمر أثر في استقامته،
__________
(1) وقيل: ولد بمصر، وسترى أن والده إنما تولى إمارة مصر سنة 65.
(3/ 2/41)

فقد كان يأتي والدته أم عاصم، ويقول لها: يا أمّة! أنا أحب أن أكون مثل خالي، يريد: عبد الله بن عمر، فتقول له على وجه الاستبعاد: أنت تكون مثل خالك؟!
ولما تولى أبوه عبد العزيز إمارة مصر، كتب إلى زوجته أم عاصم أن تقدم عليه بولدها عمر، فاستأذنت عمها عبد الله بن عمر في الخروج إلى مصر، فقال لها: يا بنية أخي! هو زوجك، فالحقي به، ولما أزمعت السفر، قال لها: اتركي هذا الغلام (يعني: عمر بن عبد العزيز) عندنا؛ فإنه أشبهكم بنا، فامتثلت أمره، وأبقته عنده، وحين وصلت إلى مصر، سألها عبد العزيز عن ابنه عمر، فأخبرته بأنها خلفته بالمدينة إجابة لرغبة خاله عبد الله بن عمر، فسر عبد العزيز بما فعلت، وكتب بذلك إلى أخيه عبد الملك، فأمر عبد الملك بأن يجري لعمر بالمدينة ألف دينار في كل شهر. طلب عمر - رضي الله عنه - العلم حتى بلغ رتبة الاجتهاد، قال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة.
* ولايته إمارة المدينة المنورة:
تولى عمر - رضي الله عنه - إمارة المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك سنة 87، فسار في ولايته بعدل ويقظة، ومن الطرق التي استعان بها على سياسته الرشيدة: أنه دعا عشرة من أفاضل علماء المدينة، وقال لهم: دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، إن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظُلامة، فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني، فدعوا له، وافترقوا.
يدعو عمر بن عبد العزيز العلماء أن يكونوا أنصاره على الحق، وأن
(3/ 2/42)

يدلوه على الظالمين من عماله، وهذا من شواهد نصحه فيما تولاه من الإمارة، وكذلك يكون حال من يتقلد الولاية ليعمل صالحًا، أما من يتقلدها للمباهاة، واتباع الشهوات، وطول الباع في اضطهاد الضعفاء، فلا يرتاح له بال إلا أن يضع على أفواه دعاة الإصلاح كمائم، أو ينفيهم من الأرض.
* ولايته الخلافة:
تولى الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك، ومبايعة الناس له عند وفاة سليمان سنة 99، وكان يقول للرجل: بايعني بلا عهد ولا ميثاق، تطيعني ما أطعت الله، فإن عصيت الله، فلا طاعة لي عليك، فيبايعه على ذلك.
* تخليه عن أبهة الملك:
لما ولي الخلافة، قام الناس بين يديه، فنهاهم عن ذلك، وقال: يا معشر الناس! إن تقوموا نقم، وإن نقعدوا تقعد، فإنما يقوم الناس لرب العالمين. وأذن للمظلومين أن يدخلوا عليه بغير إذن، وقال: ألا إنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معول كل مظلوم.
ولما فرغ من دفن سليمان بن عبد الفلك، قدّموا إليه مراكب الخلافة: اليراذين، والخيل، والبغال، فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة. فقال: دابتي أوفقُ لي، فركب بغلته، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، مالي ولك! إنما أنا رجل من المسلمين.
* عدم حرصه على الخلافة:
كان عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حين توفي سليمان غائباً، وحين علم بوفاته، أخذ البيعة لنفسه، وبلغه بعد ذلك مبايعة الناس لعمر بن عبد العزيز بعهد سليمان، فقدم دمشق، واعتذر لعمر بأنه لم يبلغه أن الخليفة
(3/ 2/43)

عهد إلى أحد، فقال له عمر: "والله! لو بويعتَ بالأمر ما نازعتك". وعدم الحرص على الولاية يعين الرجل على السير فيها باستقامة دون أن يخشى سخط شخص أو رهط من الناس، وإن بلغوا منتهى الوجاهة، أو عرفوا من وسائل الكيد ما لم يعرفه أحد من قبل.
* عدم اكتراثه بمديح الشعراء:
لما تولى الخلافة، حضر الشعراء ببابه؛ ظناً منهم أنه من أولئك الذي تأخذهم النشوة إذا مُدحوا، فيعطوا المادحين من بيت مال المسلمين بغير حساب، فمكثوا أشهراً لا يأذن لأحد منهم بالدخول، ثم أذن لجرير، فأنشد بين يديه قصيدته التي يقول فيها:
زرت الخليفة من أرض على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
فقال له عمر: لا أرى لك في شيء من بيت مال المسلمين حقاً، فقال جرير: لقد فرض الله لي فيه حقاً، قال: ويحك! ما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فدعا بعشرين ديناراً فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، ولو فضل أكثر من هذا، لأعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، فخرج جرير وهو يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزُّهُ ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
كان - رحمه الله - عامر القلب بالتقوى، واثقاً من أنه سيسير في طريق العدل ما استطاع، ومن كان هذا شأنه، لم يقم للشعراء وأمثالهم وزناً يبلغ به أن يجازيهم عن المديح، أو يتقي هجاءهم بشيء من أموال المسلمين. وكان يرق للشاعر، ويعطيه متى علم أنه في حاجة وبؤس، دخل عليه نُصَيب
(3/ 2/44)

الشاعر، وقال له: يا أمير المؤمنين! كبرت سني، ودق عظمي، وبليت ببنيّات نفضتُ عليهن من لوني، فكسدن عليّ، فرقّ له، ووصله بعطاء.
* مبادرته برد المظالم:
ما يفعله رجال الحكومات قد يكون على وجه الاجتهاد للمصلحة؛ كالأحكام التي يصدرها القضاة في القضايا الشخصية، فهذه لا يصح لمن أتى بعدهم أن ينقضها، ولو ظهر له أنهم كانوا مخطئين في اجتهادهم، إلا أن يجيء الحكم مخالفاً لصريح الكتاب أو السنة أو القواعد القطعية، فإنه ينقض في كل حال.
أما ما يفعلونه استبداداً وعدواناً، فهذا ما يجب على من أتى بعدهم أن ينظر في شأنه، ويرده عليهم بكل قوة، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه بعد أن دفن سليمان بن عبد الملك، ذهب يطلب مقيلًا ليستريح من تعب السهر قليلاً، فقال له ابنه عبد الملك: أتقيل ولا ترد المظالم؟ فقال: أي بني! سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم، فقال له ابنه: من لك أن تعيش إلى الظهر؟! فخرج ولم يَقِل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة، فليرفعها.
ثم كتب إلى عماله يأمرهم برد المظالم إلى أصحابها من غير تباطؤ في ردّها، أو يراجعه في شأنها.
* إجراؤه لقاعدة المساواة:
كان الخلفاء قبله يؤثرون بني أمية بكثرة العطاء، ولما تولى عمر، سوّاهم في العطاء بغيرهم، فبعثوا إليه رجلاً ليكلمه في شأنهم، فدخل عليه، وخاطبه في ذلك، فأجابه عمر بجواب دله فيه على أن بني أمية وسائر المسلمين في
(3/ 2/45)

نظره سواء، فخرج الرجل إليهم، وقال: يا معشر بني أمية! عمدتم إلى صاحبكم (يعني: عبد العزيز بن مروان)، فزوجتموه بنت ابن عمر (يعني: عاصماً)، فجاءتكم بعمر بن الخطاب ملفوفاً في ثيابه، فلا تلوموا إلا أنفسكم.
ويدلكم على رسوخه في فهم ما جاء به الإسلام من المساواة: أن رجلاً دخل على سليمان بن عبد الملك، وشتمه في مجلسه، وكان عمر بن عبد العزيز في المجلس، فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه يا أبا حفص؟ فقال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك.
* عدم قبوله للهدية بعد الولاية:
لما كان بعض الولاة يتناولون الرشوة باسم الهدية، صرح هذا الخليفة بأن الهدية للوالي رشوة لا محالة؛ حتى يطهر دولته من نجاسة الارتشاء، ويقطع أسبابها.
ورد في سيرته: أنه اشتهى مرة تفاحاً، فقال: لو كان لنا شيء من التفاح؛ فإنه طيب الريح، طيب الطعم، فقام رجل من أقاربه، فأهدى إليه تفاحًا، فرده عليه، فقيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل الهدية؛ فقال: إن الهدية كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - هدية، وهي لنا رشوة.
وإنما كانت الهدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - هدية؛ لأنه معصوم من الجور، فلا يعقل أن يكون لها أثر في تصرفاته العامة، أو فيما يفصل فيه من الأحكام.
* عدم توليته لمن كان عاملاً لظالم غشوم:
لا يخلو من تولى عملاً لظالم غشوم أن يجري على يده شيء قليل أو كثير من الظلم، ومن اعتاد على الظلم، لا يصلح للعمل في دولة العدل،
(3/ 2/46)

ولذلك كان عمر - رضي الله عنه - لا يستعمل من كان عاملاً لنحو الحجاج، استعمل مرة عاملاً، فبلغه أنه عمل للحجاج، فعزله، فأتاه يعتذر إليه، وقال: لم أعمل للحجاج إلا قليلاً، فقال له: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم.
* عنايته بنشر العلم:
بصر عمر بمكان علوم الدين من إصلاح الأخلاق، وتطهير السرائر، وتنظيم الاجتماع، بل بصر بمكانها من الفلاح في الدنيا، والسعادة في الأخرى، فعني بنشرها بين أهل الحضر والبدو، فإنا نقرأ في سيرته: أنه أرسل عشرة من فضلاء التابعين؛ ليعلموا البربر بالمغرب القرآن، ويفقهوهم في أمور الدين.
ونقرأ في تاريخه: أنه بعث يزيد بن أبي مالك، والحارث بن محمد إلى البادية؛ ليعلما الناس السنّة، وأجرى عليهما رزقًا كافيًا، فقبل يزيد الرزق، ولم يقبل الحارث، وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرًا، فبلغ ذلك عمر، فقال: ما نعلم بما صنع يزيد بأسًا، وأكثر اللهُ فينا من أمثال الحارث.
وفي كتاب له إلى أمراء الجند:
"ومُرْ أهل العلم والفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله من ذلك، وليتحدثوا به في مساجدهم".
وفي كتاب له إلى والي حمص:
انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كل رجل منهم مئة دينار، يستعينون بها على ما هم عليه من بيت المسلمين، حين يأتيك كتابي هذا، وإن خير الخير أعجله. والسلام.
وكذلك يجب على كل حكومة إسلامية أن تعنى بعلوم الدين، وتعطيها
(3/ 2/47)

حقها من التعليم، والآباء الذين يستطيعون الوسيلة إلى أن يكون أبناؤهم على تربية دينية صادقة، ولم يفعلوا، إنما يحاربون الله في أرضه، ويكثرون سواد الأرصل الخبيثة، والزائغون عن الحق أشد ضرراً من ذوات السموم القاتلة؛ ذلك لأنهم يفسدون القلوب، وذوات السموم تفسد الأجسام، وفساد القلوب أسوأ عاقبة من فساد الأجسام.
* عدله في الرعية:
الأمير العادل هو الذي يستوي في نظره القوي والضعيف، والقريب والبعيد، ولا يستقيم أمر أمة حتى يكون القابض على زمامه فعّالاً لما يراه الحق، ولا يكون لأولي القربى أثر في نفسه إلا أن يهيئ لهم عزماً صارماً يكف بأسهم، ويعلمهم كيف يحترمون حقوق غيرهم، وكذلك كان عمر ابن عبد العزيز.
وكان - رضي الله عنه - كثيراً ما يركب، فيلقى الركبان، ويسألهم عن أخبار ما وراءهم من البلاد، خرج يوماً هو ومولاه مزاحم، فلقيهما راكب من أهل المدينة، وسألاه عن حال الناس بها، فقال: "إني تركت المدينة والظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور، والغني موفور، والعائل مجبور"، فسر عمر بذلك، وقال: "والله! لأن تكون البلدان كلها على هذه الصفة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس".
بسط ظلال العدل، وأصبح الناس في كثير من النواحي على حال يسر، حتى لا يوجد من بينهم من يقبل الصدقة، قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر ابن عبد العزيز على صدقات إفريقية، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها مني، وقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس،
(3/ 2/48)

فاشتريت بها رقاباً، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسملمين.
* احترامه للعلماء المستقيمين:
لو فكرت في حال الولاة الذين يسمتخفون بمقامات أهل العلم، لرأيتهم بين ثلاثة رجال: رجل جاهل، والجاهل لا يعوف فضل العلم حتى يجل أهل العلم.
ورجل صغير النفس، عظيم في عينه المنصب، وأخذه التعاظم بالإثم؛ فتخيل أنه سيد من في الأرض، وأن مقامه أرفع من كل مقام.
ورجل قصير النظر، يحسب أن إجلاله لأحد من مرؤوسيه - وإن كان عزير العلم، رفيع القدر - يذهب بجانب من مهابته.
وكان عمر بن عبد العزيز غزير العلم، كبير الهمة، بعيد النظر، فلا جرم أن يقدر العلماء المستقيمين قدرهم، ويعينهم على الاحتفاظ؛ بكرامتهم حتى يكون لتعليمهم وإرشادهم ثمر رطب، ولا تحيا أمة أو ترقى في سماء المجد إلا أن يكون فيها علماء مخلصون محترمون.
أرسل عمر بن عبد العزيز أيام ولايته على المدينة إلى سعيد بن المسيب رسولًا يسأله عن مسألة، وكان سعيد لا يأتي أميراً ولا خليفة، فاخطأ الرسول، فقال له: الأمير يدعوك، فقام سعيد بن المسيب طاعة لولي الأمر، فلما دخل على عمر، قال له عمر: عزمت عليك يا أبا محمد إلا رجعت إلى مجلسك حتى يسألك رسولنا عن حاجتنا، فإنا لم نرسله يدعوك، وإنما أرسلناه يسألك، فأخطأ.
* قبوله للوعظ والنصيحة:
نجد في كتب الأدب والتاريخ مواعظ كثيرة، وخطباً تشتمل على نصائح
(3/ 2/49)

ألقيت بين يديه، فتلقاها بارتياح وقبول، بل كان - رضي الله عنه - يدعو أهل العلم والصلاح إلى وعظه وإرشاده إلى ما فيه خير، وتحذيره مما لا خير فيه، ويكفي شاهداً لهذا: أنه قال لمزاحم مولاه: يا مزاحم! إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيناً على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعالاً لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه.
* امتلاؤه بخشية الله وتقواه:
عدل لا يشوبه حيف، وحزم لا تحوم عليه غفلة، خصلتان لا يجتمعان لولي الأمر إلا أن يكون قلبه عامرًا بخشية الله وإجلاله، ذلك أن التقوى تنير سبيل العدل، ومن لم يجعل الله له هذا النور، لا يلبث أن تخرج به الأهواء إلى ظلمات الجور، والتقوى تجعل ولي الأمر في يقظة، فلا يدعو الحال إلى مصلحة إلا أقامها، ولا ظهرت مفسدة إلا اقتلعها، وقطع أسبابها، وما تيسر لعمر بن عبد العزيز أن يسير في سياسة الأمة تلك السيرة القيمة إلا لأنه يخاف مقام ربه، ويذكر في كل حال أنه سيسأل عن كل ما قدمت يداه، قالت فاطمة بنت عبد الملك زوجته: "والله! ما رأيت أخوفَ لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه، فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف، حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم".
وكثيراً ما كان يخطب، فتنهال عبراته، فيتلقاها بطرف ردائه.
* شرط الصحبة عنده:
في الرؤساء من لا يرضى عن جليسه إلا أن يتزلف له بمدح مبالَغ فيه، أو ينحدر مع أهوائه أينما انحدرت. أما الرئيس العادل، فأحبُّ جلسائه إليه من يدله على مواطن الإصلاح، ويعينه على عمل الخير، أرشدنا إلى هذا
(3/ 2/50)

عمر بن عبد العزيز إذ قال لجلسائه:
"من صحبني منكم، فليصحبني على خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عونأ، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحداً، ويؤدي الأمانة التي حملها مني ومن الناس، فإذا كان كذلك، فحيّهل به، صالا، فهو خارج من صحبتي، والدخول عليّ".
* حزمه:
الوقت نفيس، ومن لا يقدر قيمته، فقد يصرف جانباً منه في لهو، أو عمل لا يأتي بثمرة. والرجل الحازم من يحرص على أن لا يذهب شيء من وقته في غير جدوى، ويحرص على أن يقوم بكل عمل في وقته اللائق به، وتأخير بعض الأعمال عن وقتها إيثارًا للراحة، يوقعك في عناء؛ حيث يكون لكل وقت من أوقاتك الآتية عمل يختص به، ولا يسمع ذلك الوقت غيره.
ومن حزم عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: أنه كان لا يؤخر عمل يومه إلى غده. قال له بعض إخوانه: يا أمير المؤمنين! لو ركبت فتروحت، قال: فمن يجزي عني عمل هذا اليوم؟ قالوا: تجزيه من الغد، قال: قد فَدَحني (شق عليَّ) عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع عليَّ عمل يومين؟!.
* تمسكه بالسنَّة، وكراهته للبدعة:
كان - رضي الله عنه - يتحرى السنّة، ويعمل لإحيائها، ويكره البدعة، ويعمل لإماتتها، ويدلكم على شهرة اقتدائه بالنبي - صلى الله عليه وسلم -: أن أنس بن مالك قدم من العراق إلى المدينة يوم كان عمر أميرها، فكانت تعجبه صلاة عمر، وقال: ما صليت خلف إمام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبهَ صلاةً بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
(3/ 2/51)

إمامكم هذا.
ومن شواهد حرصه على إقامة السنن، وقتل البدع: قوله: "لو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنّة ينعشها الله على يدي، ببضعة من لحمي، حتى يأتي ذلك على آخر نفسي، كان في الله يسيراً".
وقال في خطبة خطبها على المنبر يوم الجمعة: "لولا أن أنعش سنَّة، أو أعمل بحق، ما أحببت أن أعيش فُواقًا (1) ".
* إنكاره الثشاؤم:
معروف أن الإسلام أبطل فيما أبطل من مزاعم العرب التشاؤم بنحو النجوم والطيور وغير ذلك، غير أن النفوس الضعيفة لا تئبت أمام خواطر السوء، وإنما يثبت أمامها، بل يسلم من خطراتها من كان إيمانه بأنه كفلق الصبح، وثقته به مالئة قلبه من أسفله إلى أعلاه، ومن هؤلاء المتوكلين على الله في كل ما يفعلون أو يقولون: عمر بن عبد العزيز، خرج عمر في بعض أسفاره من المدينة ومعه مولاه مزاحم، فنظر مزاحم، فإذا القمر في الدبران، قال: فكرهت أن أقول ذلك له، فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر إلى القمر، وقال له: كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران! يا مزاحم! إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار.
* زهده:
إن سيرة نقية من كل مغمز كسيرة عمر بن عبد العزيز لا تنتظم إلا لمن
__________
(1) الفُواق - بالضم -: ما بين الحلبتين من الوقت.
(3/ 2/52)

يؤثر الحياة الباقية على الحياة الدنيا، ولم يترك حب العمل الصالح لحب الزينة والملاذ في نفسه موضعاً، يكفي شاهداً على زهده في حطام الدنيا: أنه لم يخلف يوم مات سوى سبعة عشر ديناراً، كفّن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع ليقبر فيه بدينارين، وقسم الباقي على ورثته.
وقال له مَسلمة بن عبد الملك عند مرض الموت: قد تركت ولدك عيلة لا شيء لهم، فقال: والله! ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، ثم قال: بَنيَّ أحد رجلين: إما رجل يتقي الله؛ فسيجعل الله له مخرجًا، وإما رجل مكبّ على المعاصي، فإني لم كن أقويه على معصية الله.
ولم يكن - رضي الله عنه - ممن يضع الطعام على مائدته ألواناً، دخل غلام له على مولاته فاطمة بنت عبد الملك، فغدَّته عدساً، فقال الغلام: كل يوم عدس! قالت: يابني! هذا طعام مولاك أمير المؤمنين:
وما هي إلا جوعة قد سددتها ... فكل طعام بين جنبيَّ واحد
وقومت ثيابه وهو خليفة باثني عشر درهماً، وكانت حلته قبل ذلك بألف درهم.
* إيثاره الاجتماع بأهل الفضل على العزلة:
قال ميمون بن مهران: وكنت في سمر عمر بن عبد العزيز ذات ليلة، فقلت له: يا أمير المؤمنين! ما بقاؤك على ما أرى؟! أنت بالنهار مشغول في حوائج الناس، وبالليل أنت معنا ها هنا، ثم الله أعلم بما تخلو به. فقال: إليك عني يا ميمون؛ فإني وجدت لقاء الرجال تلقيحًا لألبابهم.
* بعد نظره في السياسة:
يجمع عمر - رضي الله عنه - إلى الخلق العظيم استقامةً، وإلى الاستقامة حكمة،
(3/ 2/53)

وحسنَ نظر في السياسة، قال له ابنه عبد الملك يوماً: ما الذي يمنعك أن تمضي الذي تريده؟ فو الذي نفسي بيده! ما أبالي أن لو غَلَت بي وبك القدور في الحق، فقال: يا بني! إني لو باهت الناس بما تقول، لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها، لم أجد بدًا من السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف. يا بني! إني أروض الناس رياضة الصعبة، فإن بطأ بي عمر، أرجو أن ينفذ الله مشيئتي، وإن تعدُ عليَّ منيتي، فقد علم الله الذي أريده.
* وفاته - رحمه الله -:
توفي عمر بدير سمعان من أرض المعرة سنة 101 وله أربعون سنة، وكانت خلافته سنتين وستة أشهر وأياماً، كخلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما -.
وقال الحسن البصري لما جاءه نعيه: مات خير الناس.
أيها السادة!
هذه محادثة أخذنا فيها بطرف من سيرة رجل من أعاظم رجال الإسلام، عسى أن تكون موضع قدوة لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وأراد أن يكون له لسان صدق في الآخرين، والسلام عليكم ورحمة الله.
(3/ 2/54)

نظرةٌ في حياة الإمام مالك بن أنس (1)
أكمل الله الدين بما أودع في الكتاب والسنّة من أصول وأحكام، وفتح للراسخين في العلم باب الاجتهاد؛ لينتزعوا أحكام الوقائع من أصولها، ويقيسوا الأمور بأشباهها، فانتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى وفي أصحابه - رضي الله عنهم - رجال درسوا الشريعة، ووقفوا على أسرارها، وعرفوا مقاصدها في الإصلاح؛ كالخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم مما لا يسع ذكرهم هذا المقام.
حفظ هؤلاء الأعلام الشريعة من جهة الرواية، فبلَّغوها كما سمعوها، ونصحوا لها من جهة الدراية، فكانوا يتحرّون الحق إذا اجتهدوا، وكان مجلس كل واحد منهم كمدرسة يتلقى فيها الناس القرآن والحديث، ويتعلمون كيف يفصلون للحوادث أحكامًا، ويضعون للسياسة نظمًا، وينقضي عهد الصحابة حتى عمرت بلاد الإسلام برجال رفعوا لواء العلم، وكانوا المثل الكاملة للاستقامة، والألسنة الصادقة لبيان الحقائق، والعقول الراجحة لتدبير وسائل السعادة؛ كالقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبي
__________
(1) محاضرة الإمام بدار جمعية "الهداية الإسلامية" في 11 صفر 1353. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثامن من المجلد السادس.
(3/ 2/55)

بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسليمان بن يسار، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وعطاء بن أبي رياح، والحسن البصري، وشريح بن الحارث القاضي، وعمر بن عبد العزيز.
وفي هذا العصر الزاهر، وفي البلدة الطافحة بعلوم الشريعة أصولاً وفروعاً، وهي المدينة المنورة، ولد مالك بن أنس الذي صار إمام دار الهجرة من بعد.
* نسب مالك:
يتصل نسبه بذي أصبح أحد ملوك اليمن، فهو مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر بن غَيمان بن خُثَيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح.
ومالكٌ جدُّ مالك من كبار التابعين، يروي عن عمر، وطلحة، وعائشة، وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان - رضي الله عنه - ليلاً إلى قبره، وأنس - الذي هو أبو مالك - يروي عن أبيه مالك بن أبي عامر، فهو من أهل الرواية والحديث.
* مولد مالك ونشأته:
ولد مالك في ربيع الأول سنة ثلاث أو أربع وتسعين من الهجرة، ونشأ بين أبوين صالحين، أما أبوه، فقد عرفتم أنه كان من أهل الحديث، وأما أمه، فيدل على صلاحها: أنه لما بلغ سن التعليم، عمّمته، وقالت له: اذهب فاكتب (تعني: الحديث)، وكانت تقول له: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه، ويدل على عناية والده أنس بالقيام على حسن ترييته وتعليمه: ما حكاه مالك نفسه، فقال: كان لي أخ في سن أبي شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة، فأصاب أخي، وأخطأت، فقال لي: ألهتك الحَمام عن طلب
(3/ 2/56)

العلم، فغضبت، وانقطعت إلى أبي هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره.
وكان مالك شديد الحرص في طلب العلم، تتعرف هذا من انقطاعه لابن هرمز ثمان سنين، وقال: كنت أجعل في كمي قمطراً أناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ (يعني: ابن هرمز)، فقولوا: مشغول، وقال: كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل.
* قوة حافظته:
مما ساعد الإمام مالكاً على بلوغه الذروة في العلم: قوة حافظته؛ فقد روي عنه: أنه قال: ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته، وقال: كنت آتى ابن المسيب، وعر وة، والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً (وعدّ جماعة)، فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثاً إلى المئة، ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا.
* ذكاؤه وقوة نظره:
جمع مالك إلى قوة الحفظ سعةَ نظر، وغوصاً على حكمة التشريع، ويدلكم على حسن تفقهه فيما يحفظ: أنه كان يحمل النصوص على وجوه تطابق المعروف من قصد الشارع في التعبد أو الإصلاخ، ويأخذ في كثير من الفتاوى بقاعدة رعاية المصالح، وقاعدة سد ذرائع الفساد، وقد كان في عصره من يحفظ حفظه للأحاديث والآثار، وإنما ارتفع ذكر مالك في الأقطار، ورحل إليه طلاب العلم من كل ناحية؛ لجودة نظره في الكتاب والسنة، وكثرة ما يفصله من الأحكام المندرجة تحت الأصول، أو الملوح إليها بالعلل المنصوصة أو المعقولة، وذلك ما لا يحسنه إلا قوي النظر، نافذ البصيرة إلى اللباب، قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث، لضللت، فقيل
(3/ 2/57)

له: كيف ذلك؟ فقال: أكثرت من الحديث، فحيرني، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان: خذ هذا، ودع هذا.
* تحرِّيه في رواية الحديث:
من رجال الحديث من يأخذ عن الثقات والضعفاء، ومنهم من لا يروي إلا عن الثقات، ومن هذا القبيل: مالك بن أنس، قال ابن عيينة، كان مالك لا يحدث إلا عن ثقات الناس، وذكر مالك مرة حديثاً، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: إنا لم نجالس السفهاء، وكان مالك يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند هذه الأساطين، (وأشار إلى المسجد)، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال، لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وقال ابن عيينة: ما رأيت أحداً أجودَ أخذاً للعلم من مالك، وما كان أشدَّ انتقاءه للرجال والعلماء!.
* صدقه وإتقانه للرواية:
بلغ مالك في الصدق والضبط في الرواية أقصى ما يبلغ الرواة، وروايته بشهادة كثير من الأئمة أصح رواية، قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال أبو داود: أصح حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم ما يرويه مالك عن الزهري عن سالم بن عمر عن أبيه، ثم ما يرويه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وقال ابن مهدي: ما أُقدم على مالك في صحة الحديث أحداً.
وقال ابن مهدي أيضاً: ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث
(3/ 2/58)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مالك.
* غزارة علمه:
حدثناك عن قوة حافظته، وثقوب ذهنه، وحرصه في طلب العلم، ومن جمع هذه الثلاث خصال، ولقي كبار العلماء، فسرعان ما يكون علماً شامخًا، وبحرًا زاخرًا، وقد دل ثناء كبار العلماء على مالك أنه كان إماماً في العلم، بالغاً فيه أسنى منزلة.
قال سفيان بن عيينة لما بلغته وفاة مالك: ما ترك على الأرض مثله.
وكان الأوزاعي يقول عندما يذكر مالكاً: هو عالم المدينة، وعالم العلماء، ومفتي الحرمين.
وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه أخذت العلم، وما من أحد أمنّ عليّ من مالك، وجعلت مالكًا حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب، وقال ابن معين: كان مالك من حجيج الله على خلقه، وقال بشر الحافي: إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك.
ولا نمضي من هذا الفصل حتى نذكر لك حديثاً يرويه الثقات، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك أن يضرب الناس- أكباد الإبل في طلب العلم (1)، فلا يجدون أعلم (2) من عالم المدينة"، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، والحاكم في "المستدرك" وصححه. وقد حمل هذا الحديث بعض السلف عن مالك بن أنس. قال سفيان بن عيينة: ترى أن المراد
__________
(1) في رواية: يلتمسون العلم.
(2) في رواية: أفقه.
(3/ 2/59)

من الحديث مالك بن أنس؛ لأنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة، ويؤيده: أن طلاب العلم لم يضربوا أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاريها، ويرحلوا إلى عالم بالمدينة رحلتهم إلى مالك بن أنس.
* تعظيمه لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
كان مالك إذا أراد أن يحدث، توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحدث به إلا متمكناً على طهارة.
وكان يكره أن يحدث على الطريق، أو قائماً، أو مستعجلاً، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال ابن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلدغته عقرب مرات، ومالك يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من المجلس، وتفرق الناس، قلت: يا أبا عبد الله! لقد رأيت اليوم منك عجبًا، فقال: نعم، إنما صبرت إجلالًا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومر مالك على ابن أبي حازم وهو يحدِّث، فتعداه، فقيل له، فقال: لم أجد موضعًا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا قائم.
* كراهته للابتداع في الدين:
كان مالك يتحرى السنن، ويحث على اتباعها، ويتجنب الباع، ويحذر من ارتكابها، وكان كثيراً ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنَةً ... وشر الأمور المحدَثات البدائعُ
وسئل مرة عن الداء العضال، فقال: الحدث في الدين. ولقد صدق مالك في تسمية البدعة الداء العضال، فقلما تتفشى البدعة
(3/ 2/60)

في قوم، ويشفون منها، فإن كان هناك برء منها، فبتلقي النشء قبحها وسوء عاقبتها قبل أن يشبوا عليها، وصرفِهم عنها قبل أن تتلوث فطرهم بأقذارها.
* الرواة عن مالك:
بلغ مالك في الفقه والحفظ والتفقه في الدين أقصى ما يمكن أن يبلغه راسخ في العلم، واشتهر بالصدق، واتقان الرواية، فكان فيهما العلمَ الشامخ، والقمر الزاهر، فلا جرم أن يقبل عليه طالبو العلم من كل مكان، وأن يروي عنه أقرانه وشيوخه دون أن يجدوا في صدورهم حرجاً من الرواية عمن هو في طبقتهم، أو من كان يتلقى العلم في مجالسهم.
قال جعفر الفريابي: لا أعلم أحداً روى عن الأئمة والجِلّة ممن مات قبله بدهر طويل إلا مالكًا، وقد روى عنه من أقرانه: سفيان الثوري، والليث ابن سعد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وروى عنه: الإمام أبو حنيفة، وصاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
وروى عنه من شيوخه: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأيوب السختياني، وربيعة بن عبد الرحمن، ونافع بن أبي نعيم القارئ.
وكان مالك من أكثر رجال الحديث رواة، وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي كتاباً في الرواة عن مالك أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وألّف القاضي عياض كتاباً في ذلك، فذكر نحو ألف اسم وثلاث مئة اسم.
* كرم أخلاقه وسمو آدابه:
كان مالك على خلق كريم، وأدب نبيل، وقد شهد له بذلك أفاضل الرجال من أهل العلم.
قال ابن وهب: الذي تعلمت من أدب مالك أفضل من علمه، كان
(3/ 2/61)

يحيى بن يحيى بن بكير أقام عند مالك بعد أن فرغ من سماع الحديث عنه، وقال: إنما أقمت مستفيداً لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين.
وكان ربيعة إذا جاء مالك يقول: قد جاء العاقل.
وقال زياد بن يونس: كان - والله - مالك أعظم الخلق مروءة، وكثرهم سمتاً، ورأيته كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظاً للسانه.
وقال ابن المبارك: كان مالك أشد الناس مداراة للناس، وترك ما لا يعنيه.
وكان مالك يحافظ على فضيلة الإنصاف، ويقول: ليس في الناس أقل من الإنصاف، فأردت المداومة عليه، وكان- على اعتزازه بمقامه العلمي - شديد التواضع. قال له ابن القاسم: ما أعلم أحداً أعلم بأحكام البيوع من أهل مصر، فقال له: وبم ذلك؟ قال: بك، قال مالك: فأنا لا أعرف البيوع، فكيف يعرفونها بي؟!.
ويدلكم على رسوخه في الإنصاف والتواضع، دايثار الحق على حب الانفراد بالإمامة: أن أبا جعفر المنصور قال له: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها (يعني: الموطأ) فننسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدوها إلى غيرها، ويدَعوا ما سوى ذلك من هذا العلم. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم، وإنَّ ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم.
(3/ 2/62)

* وعظه للملوك:
لم يكن مالك بالذي يهاب الخلفاء هيبة تمنعه من الجهر بنصيحتهم، أو بالذي يحمله الطمع على تملقهم.
دخل يوماً على الرشيد، فحثه على مصالح المسلمين، وقال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان في فضله وقَدَمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور حتى يخرج الدخان من تحت لحيته، وقد رضي الناس منكم بدون هذا.
ولأنه يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجالس الأمراء لم يبال الدخول عليهم، وروي أنه قيل له: إنك تدخل على السلطان، وهم يظلمون ويجورون! فقال: يرحمك الله، فأين يكون الكلام بالحق؟.
وناظره الخليفة أبو جعفر المنصور في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورفع صوته؛ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا ترفع صوتك في هذا المسجد؛ فإن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أدب قوماً فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]، ومدح أقواماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات: 3].
* اعتزازه بمقامه العلمي في مجالسهم:
كان مالك متواضعاً، ولكنه يقدر مكانته العلمية، ويصون كرامتها، ويحوطها بالعزة من كل جانب.
قدم الخليفة المهديُّ المدينة، فاقبل الناس عليه مسلِّمين، فلما أخذوا مجالسهم، جاء مالك، فقالوا: اليوم يجلس مالك آخر الناس، فلما دنا، ونظر ازدحام الناس، وقف، وقال: يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟
(3/ 2/63)

فناداه المهدي: عندي يا أبا عبد الله، فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى، وأجلسه بجنبه.
وإذا كان يقبل عطايا الملوك، فلأنه يستعين بها في سبيل بث العلم، دون أن يكون لها أثر في تملقهم، أو الإغضاء عن أهوائهم.
لما حجَّ هارون الرشيد، وقدم المدينة، بعث إلى مالك بكيس فيه خمس مئة دينار، ورحل إلى مكة لقضاء نسكه، ولما عاد إلى المدينة، بعث إلى مالك يطلب منه الانتقال معه إلى بغداد، فقال مالك للرسول: قل له: إن الكيس بخاتمه، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، وقال له الرشيد: تأتينا حتى نتعلم عليك، ونسمع منك، فقال له: العلم يُؤتى ولا يأتي، قال: نأتي، وتمنع الناس حتى ننصرف، قال: إذا منع العلم من العامة، لم ينفع الله به الخاصة ولا العامة، فذهب الرشيد إلى منزل مالك، وتعلم منه، وسمع عليه، وكان القارئ له معن بن عيسى القزاز.
وسئل عيسى بن عمر المدني: أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم.
ودخل مرة على هارون الرشيد، وبين يديه شطرنج منصوب، وهو ينظر فيه، فوقف مالك ولم يجلس، وقال: أحق هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! فرفع هارون رقعته، وقال: لا ينصب بين يدي بعدُ.
وقال: والله! ما دخلت على أحد منهم - يعني: السلطان - إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق.
(3/ 2/64)

روي أنه كان جالساً مع أبي جعفر، فعطس أبو جعفر، فشمته مالك، فلما خرج، أنكر عليه الحاجب ذلك، وتهدده إن عاد لتشميته، فلما كان بعد ذلك، جلس عنده، فعطس أبو جعفر، فنظر مالك إلى الحاجب، ثم قال للمنصور: أي حكم تريد يا أمير المؤمنين، أحكم الله، أم حكم الشيطان؟ قال: لا، بل حكم الله، قال: "يرحمك الله".
* محنته:
من المعروف في تاريخ مالك بن أنس أنه ضُرب بالسياط (1)، واختلف المؤرخون في الخليفة الذي ضرب في عهده، هل هو المنصور، أو هارون الرشيد؟ والمشهور أنه ضرب في عهد المنصور، والضارب له جعفر بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن العباس في ولايته الأولى بالمدينة المنورة.
أما سبب ضربه، فأكثر الرواة على أنه سعى به إلى جعفر، وقيل له: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء؛ فإنه يأخذ بحديث قيس بن ثابت بن الأحنف في طلاق المُكْرَه أنه لا يجوز، ويضيفون إلى هذا: أنه ذكر لجعفر أنه - أي: الإمام - أفتى عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي بن بيعة أبي جعفر لا تلزم؛ لأنها على الإكراه (2).
ولما حج المنصور، أراد إرضاء مالك، فأرسل إليه جعفرَ بن سليمان ليقتص منه، فقال مالك: أعوذ بالله، والله! ما ارتفع منها سوط عن جسمي
__________
(1) ضرب سنة 146 ست وأربعين ومئة. وقال ابن الجوزي في "شذور العقود" في حوادث سنة 147: وفيها ضرب مالك.
(2) وخالف هؤلاء الرواة ابن بكير، وقال: ما ضرب مالك إلا في تقديمه عثمان على علي، فسعى به الطالبيون حتى ضرب.
(3/ 2/65)

إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت؛ لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجعفر هذا فاطمي من جهة أمه؛ فإن أمه هي أم الحسن بنت جعفر بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
وقال الدراوردي سمعت مالكاً حين ضربه جعفر يقول: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعملون.
وازداد قدر مالك بعد هذه المحنة رفعة، وعظَّمه الناس أكثر مما كانوا يعظونه.
* اختياره العزلة في آخر حياته:
كان مالك يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، واحتمل الناس له ذلك حتى مات، وروي أنه خوطب في ذلك، فقال: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره، وروي أنه عندما حضرته الوفاة، سئل عن تخلفه عن المسجد، فقال: سلس بول، فكرهت أن آتي مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غير طهارة، وكرهت أن أذكر علّتي فأشكو.
* نعته:
كان مالك طويلاً، جسيماً، عظيم الهامة، أعينَ، شديد البياض إلى شقرة، حسن الصورة، أشم، عظيم اللحية تبلغ صدره، ذات سعة وطول. وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه، ولا يحفيه، ويرى حلقه من المُثْلَة، وكان يترك له سَبَلتين (1) طويلتين، ويحتج بأن عمر - رضي الله عنه - كان يفتل شاربه
__________
(1) السبلة: ما على طرف الثياب.
(3/ 2/66)

إذا أهمه أمر. والمشهور عنه أنه لا يغير شيبه بالخضاب.
وقال مصعب الزبيري: كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولاً في جودة بدن.
* مؤلفاته:
من أشهر مؤلفات مالك: "الموطأ" (1)، وهو كتاب توخى فيه القويّ من الأحاديث المرفوعة والمرسلة، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومن بعدهم، وممن شهد ببلوغه في الصحة الغاية القصوى: الإمام الشافعي بقوله: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "الموطأ" هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع؛ كمسلم، والترمذي.
ومن مؤلفاته: رسالة رد فيها على القدرية، وكتاب في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، ورسالة في الأقضية، كتب بها إلى بعض القضاة في عشرة أجزاء، ورسالة إلى أبي غسان محمد بن المطرف، وكتاب في التفسير لغريب القرآن، ونسب إليه كتاب يسمى: كتاب السير في رواية ابن القاسم عنه، ورسالته إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة، أما رسالته المشهورة إلى هارون الرشيد، فقد أنكرها طائفة من أصحابه، حتى إن أصبغ بن الفرج حلف على أنها ليست من وضع مالك.
__________
(1) قيل: سمي: "موطأ" لأنه شيء قد صنفه ووطأه للناس، وقيل: لأن مالكاً عرضه على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فواطؤوه عليه، فسماه: "الموطأ".
(3/ 2/67)

* مقتبسات من حكمه ووصاياه:
لمالكٍ حِكَم بالغة، ووصايا نافعة، شأن من درس القرآن والسنة بعقل راجح، وسريرة طا هرة؛.
قال مالك: من صدق في حديثه، متع بعقله، ولم يصبه ما يصيب الناس من الهم والخوف.
وقال: طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس.
وقال: تعلموا الحلم قبل العلم.
وقال: العلم نور يجعله الله حيث يشاء ليس بكثرة الرواية.
وقال: نعم الرجل فلان، إلا أنه كان يتكلم كلام شهر في يوم.
وقال مطرف: قال لي مالك: ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: أما الصديق، فيثني، وأما العدو، فيقع، فقال: ما زال الناس هكذا: لهم صديق وعدو، ولكن نعوذ بالثه من تتابع الألسنة.
ودلت الروايات على أن أصحابه كانوا إذا أرادوا وداعه، طلبوا منه أن يزوّدهم بنصائح ينتفعون بها في مستقبل حياتهم، قال يحيى بن يحيى الأندلسي: لما ودعت مالكًا، سألته أن يوصيني، فقال: عليك بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله.
وقال الحارث بن أسد من أهل قفصة بإفريقية: دخلت على مالك أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني، فقال له: اتق الله، وانظر عمن تنقل. وقال لابن القاسم: اتق الله، وانشر ما سمعت. وقال لي: اتق الله، وعليك بتلاوة القرآن.
قال الحارث: لم يرني أهلاً للعلم، فكان يستفتي ولا يفتي، ويقول:
(3/ 2/68)

لم يرني مالك أهلاً للعلم.
وقال أسد بن الفرات: كنت أنا وصاحباً يلزم مالكاً، فلما أردنا الخروج إلى العراق، أتينا مودّعين، فقلنا له: أوصنا، فالتفت إلى صاحبي، فقال له: أوصيك بالقرآن خيراً، والتفت إليَّ وقال: أوصيك بهذه الأمة خيراً.
وقال خالد بن خداش: ودعت مالكًا، فقلت: أوصني، قال: تقوى الله، وطلب الحديث من أهله.
* وفاته:
مرض مالك نحو اثنين وعشرين يوماً، وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، وكان آخر كلامه أن تشهَّد، وقال: لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وصلى عليه أمير المدينة وقتئذ عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، وشيع جنازته ماشياً، وكان أحد من حملوا نعشه، وقبره معروف اليوم في البقيع، أفاض الله عليه رحمة ونوراً.
قضى هذا الإمام الجليل - رحمه الله تعالى - نحو ستين سنة في التفقه في الدين والإفتاء والاجتهاد في طاعة الله، ورجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، وهذه صفحة من حياته نعرضها على حضراتكم، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب، والسلام عليكم ورحمة الله.
(3/ 2/69)

صقر قريش وكيف تأسست الدولة الأموية بالأندلس (1)
الحديث عن عبد الرحمن الداخل مؤسسِ الدولة الأموية في الأندلس، يستدعي كلمة موجزة في الحالة السياسية بتلك البلاد؛ لنعلم كيف تهيأت الأسباب لتبوئه عرش إمارتها.
عين الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير عاملاً لإفريقية، وكانت عاصمة إفريقية يومئذ القيروان، فسار موسى بن نصير من القيروان، فوطَّد الأمن ببلاد المغرب، واستعمل على "طنجة" وما والاها تابعه طارق بن زياد، ثم قفل راجعاً إلى القيروان.
وبعد عودته كتب إلى طارق ياذنه في المسير إلى فتح الأندلس، فجهز طارق جيشًا يقال: عدته اثنا عشر ألفاً، واجتاز البحر إلى إسبانيا، ونزل بمكان يعرف الآن بجبل طارق، وبعد أن تجاوز البحر، أحرق السفن، وقال في خطبة
خطبها:
"أيها المجاهدون! لقد آن الأوان، فالعدو أمامنا، والبحر خلفنا، ولم يبق إلا الموت، فاختاروا إحدى الموتتين"، فاختار المسلمون الجهاد، فاختار لهم الله النصر، وفتحوا بلاداً كثيرة في مدة قليلة.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد الثامن.
(3/ 2/70)

ولما بلغ خبر انتصاره موسى بن نصير، كتب إليه أن قف بالمكان الذي انتهيت إليه في الفتح، حتى أقدم إليك، وسرعان ما وصل موسى إلى الأندلس، وامتد في الفتح حتى توغل في البلاد.
ولما بلغ خبر هذا الفتح الوليدَ بن عبد الملك، أرسل يستدعي موسى ابن نصير، وطارق بن زباد، فنظم موسى الحكومة بالأندلس، وجعل على رأسها ابنه عبد العزيز، وسار بمغانم كثيرة، وركب هو وتابعه طارق البحر إلى دار الخلافة بدمشق.
ولما قارب دمشق، أرسل إليه سليمان أخو الوليد بن الوليد في علة سيموت بها قريبًا، فتمهل حتى يكون دخولك في أيامي، لينسب الفتح إليَّ، فأبى موسى أن يتمهل، وقدم دار الخلافة في أيام مرض الوليد.
ولما مات الوليد، انتقم من موسى بن نصير، وجرده من كل شيء، حتى مات موسى في حالة فقر وبؤس، ويقال: إن سليمان هذا لا يعرف له شدة غير ما فعله بموسى بن نصير.
ثم إن عبد العزيز بن موسى بن نصير قتل سنة 98، وتولى إمارة الأندلس أيوب بن حبيب اللخمي ابن أخت موسى بن نصير، وتولاها بعده الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ثم السمح بن مالك، وكان من المصلحين، ثم عبد الرحمن الغافقي، ثم عنبسة بن سحيم الكلبي، ثم عاد إليها عبد الرحمن الغافقي، وكان عادلاً حليماً، وهو الذي دخل بلاد فرنسا، ورفع لواء الإسلام فوق أسوار "ليون" ثم عبد الملك بن قطن الفهري، وكان ظالماً جائراً، فعزل، ثم عقبة بن الحجاج السلوي، وكان خير مثال للعدل والتقوى، ثم ثعلبة بن سلامة.
(3/ 2/71)

ووقع في عهد ثعلبة بن سلامة هذا تنافسٌ بين اليمنيين والمضريين، فانحاز ثعلبة إلى اليمنيين، فهاج عليه المضريون، وجاء أمر الخليفة بتعيين أبي الخطار حسام الكلبي، وهو من اليمنيين، فاستقرت نار الفتنة بين القبيلتين، وانهزم اليمنيون، وقتل أبو الخطار، وتولى الأمر ثوابة بن سلامة، وتوفي، فتولى بعده يوسف بن عبد الرحمن الفهري، فسكنت الأمور، وتراضى الفريقان، وبقي في الأمارة نحو عشر سنين، وقامت في هذه السنين ثورات في نواحي من البلاد متعددة، فأخمد يوسف نارها.
لندع الأندلس وهي تحت إمارة يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ونرجع إلى الشرق؛ لنعلم كيف خرج عبد الرحمن بن معاوية قاصداً المغرب حتى قبض على زمام الأندلس.
معروف أن آخر خلفاء بني أمية في الشرق مروان بن محمد، ففي عهده ظهرت دعوة أبي مسلم إلى العباسيين، وسقطت الدولة الأموية، وقامت مكانها الدولة العباسية.
ومن سيرة السفاح، وتابعه عليها المنصور: الفتكُ بالأموميين، ومطاردتهم، وممن خاف من سطوة هذه الدولة: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، فاختفى متنقلًا من بلد إلى آخر قاصداً المغرب حتى وصل إلى "مليلة" (1)، ونزل عند شيخ من البربر حيناً، حتى لحق به مولى أبيه (بدر) بأموال أنفذتها إليه أخته من ذهب وجواهر، وكان عبد الرحمن قد جعل مطمح أمله أفريقيا، ثم رأى أمرها عسراً، فوجه نظره إلى الأندلس، وبعث إليها بدراً مولاه ليمهد له السبيل، ويقرب إليه البغية. فاجتمع بموالي المروانيين وأشياعهم،
__________
(1) مدينة بالمغرب على ساحل البحر.
(3/ 2/72)

فبثوا لعبد الرحمن الدعوة، وصادف ما كان بين اليمنية والمضرية من نهل وتقاطع، فأجمعت اليمنية على أمر بيعته، ورجع بدر بالخبر إلى عبد الرحمن، فعبر عبد الرحمن البحر سنة 138، ونزل بساحة المنكبّ (1)، فأقبل الناس على مبايعته، وما زال ينتقل في البلاد حتى انتظم له جيش عظيم، فزحف إلى "قرطبة"، ولاقاه يوسف الفهري بظاهرها.
ودارت بينهما رحى الحرب، فانهزم يوسف، ودخل عبد الرحمن القصر، وخرجت إلى عبد الرحمن زوج يوسف وابنتاه، فقلن له: يا ابن عمنا! أحسن كما أحسن الله إليك.
فقال: أفعل، ودعا بصاحب الصلاة، وكان صاحب الصلاة مولى ليوسف الفهري، وأمره بضم النساء إليه.
وخرج عبد الرحمن في ذلك اليوم، فصلى بالناس صلاة الجمعة، ووعدهم في خطبته خيراً.
ولما انهزم يوسف الفهري، توجه إلى غرناطة، واستولى عليها، فخرج عبد الرحمن في أثره، وحاصره حتى نزل على أمانه، وجاء به إلى قرطبة، وحجز عنه ولديه: عبد الرحمن، ومحمداً، وأبقاهما عنده كِرهانٍ حتى لا ينقض العهد.
ثم إن يوسف الفهري غمر، فخرج هارباً من قرطبة حتى أتى؛ "طليطلة" ليعيد الكرة على عبد الرحمن، فاغتاله أحد أصحابه.
وكان من عبد الرحمن أن عاد إلى قرطبة، واشتد في عقوبة ولدي يوسف
__________
(1) بلد على ساحل جزيرة الأندلس.
(3/ 2/73)

الفهري، فقتل عبد الرحمن، وحكم على أخيه محمد بالسجن الدائم.
ثم إن محمداً - وكان يكنى: أبا الأسود - اتخذ حيلة تخلص بها من السجن، ولحق بطليطلة، ودعا إلى نفسه، واستمال الناس، ووقعت بينه وبين عبد الرحمن واقعة انتصر فيها عبد الرحمن، وانهزم جيش أبي الأسود، وفر أبو الأسود إلى ناحية بغرب الأندلس، وتوفي هناك.
وقام بعد أبي الأسود أخوه قاسم بن يوسف، فخرج إليه عبد الرحمن، فلما دنا منه، سلم إليه نفسه في غير أمان، فتقبله، وأحسن إليه.
وفي سنة 146 تجهز العلاء بن مغيث اليحصبي عامل أفريقية لغزو الأندلس، فعبر البحر، ونزل بجيشه في "باجة" داعياً إلى أبي جعفر المنصور. فخرج عبد الرحمن لقتاله، وتلاقيا بظاهر "إشبيلية"، فانهزم جيش ابن مغيث، وقتل ابن مغيث مع كثير من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برؤوسهم إلى القيروان، فألقيت في أسواقها سراً.
وتفرغ عبد الرحمن بعد هذا لغزو بلاد الإفرنج، وتم له النصر على جميع أعدائه.
وتوفي عبد الرحمن على فراشه في قرطبة 173، فكانت ولايته اثنتين وثلاثين سنة، ودفن بجانب من المسجد الجامع الذي بناه.
ومن آثاره: بناؤه المسجد الجامع بقرطبة، ولكنه مات قبل إتمامه، ودوّن الدواوين، وزيّن قرطبة بالمباني الضخمة، والحدائق الغناء، وأدار أسوارها.
وكان يقعد للعامة، وينظر أمورهم بنفسه، ومن عاداته: أن يتناول معه الطعام كل من أدركه من أصحابه وقت الطعام، وكل من وافق ذلك
(3/ 2/74)

من طلاب الحوائج.
وكان مديد القامة، نحيف الجسم، وقال ابن الأثير في نعته: "كان فصيحاً لسناً، شاعراً عالماً حليماً حازماً، ولا يكل الأمور إلى غيره، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر، سخياً جواداً، وكان يقاس بالمنصور في حزمه وشدته وضبط المملكة".
ومن بديع شعره قوله متشوقاً إلى وطنه:
أيها الراكب الميمِّم أرضي ... أقر مني بعض السلام لبعض
إن جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض
قدَّر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الدهر بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي
وقال في هذا الغرض:
تناءت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيه غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
وفي أيامه دخل الأندلس عالمان جليلان كانا قد رحلا من الأندلس إلى الشرق بعد دخوله:
أحدهما: الغازي بن قيس، دخل الأندلس بموطأ مالك بن أنس، وبقراءة نافع بن أبي نعيم، فكان عبد الرحمن يكرمه، ويواليه بالصلة في منزله.
ثانيهما: أبو موسى الهواري، جاء الأندلس، وكان قد جمع العلوم
(3/ 2/75)

العربية إلى علوم الدين.
وفي أيامه نشأ شاعر الأندلس أبو المخشيّ، ومما جرى لهذا الشاعر: أن مدح سليمان بن عبد الرحمن بشعر، ووقع في وهم بعض الناس أنه عرض بأخيه هشام، فتعصب لهشام أحد مريديه، واعتدى على الشاعر، فأتلف بصره، فقصد الشاعر عبد الرحمن، وأنشد بين يديه أبياتاً يقول فيها:
خضعت أم بناتي للعدا ... أن قضى الله قضاء فمضى
ورأت أعمى ضريراً إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا
فاستكانت ثم قالت قولة ... وهي حرّى بلغت مني المدى
ففؤادي قرح من قولها ... ما من الأدواء داء كالعمى
فأعطاه عبد الرحمن ألفي دينار، وضاعف له الدية.
وكان نقش خاتمه: "بالله يثق عبد الرحمن، ويه يعتصم".
وقد كنت نظمت خلاصة ما تضمنته هذه القصة في موشح تحت عنوان: (صقر قريش)، وإليك هذا الموشح:
خلِّ نفسى الحر تصلى النُّوَبا ... لا تبالي
ليست الأخطار إلا سببا ... للمعالي
* * *
يا مكبّاً بين ظبي أدعجا ... ومهاة
إنما الهمة في حجر الحجا ... كالنبات
أفلا تذبل إذ تقضي الدجى ... في سُبات
فإذا بتَّ تجاري الكوكبا ... في مجالِ
(3/ 2/76)

كنت كالضرغام يمشي الهيدبى (1) ... للنزالِ
* * *
ما لهذي السمهريات فخار ... في الحرابْ
غير عزم هزّه حامي الذمار ... بالتهاب
أترى الرامح (2) ذا قلب يغار ... فيُهاب
جرَّ في الآفاق رمحاً سلهبا (3) ... باختيالِ
وهو كالأعزل لا يلقى الظُّبا ... والعوالي
* * *
رُبَّ كِنٍّ لا نسميه عرينا ... في البيان
والذي يحميه لا يلوي جبينا ... عن طعان
يحطم الطاغي لا يبقى مهينا ... في هوان
وهزبر الغاب يعدو خببا ... في الدِّغال
عضَّه الجوع فمدَّ المخلبا ... لاغتيال
* * *
عاشق العلياء خض في لجج ... من رماح
وترشف من عصير المهج ... لا جُناح
__________
(1) الهيدبى: ضرب من مشى الخيل فيه جد.
(2) الرامح والأعزل: نجمان يسمى أحدهما: السماك الأعزل.
(3) السلهب: الطويل.
(3/ 2/77)

يضحك الملك بثغر بهج ... كالصَّباح
إن نكى الخصم فماجوا هرباً ... كالثعالي (1)
وابتغاء السلم من باني الزُّبى ... كالمحال
* * *
خاطر اليأس لدى باغي العلا ... غير سائغْ
إن توخى عبقريٌّ أملا ... فهو بالغ
وحياة الصقر (2) سارت مثلا ... للنوابغ
إذ بدا في "دير حنا" وشبا (3) ... كالهلال
وليالي الشام في عهد الصبا ... كاللآلي
* * *
ذاق في الخامس من صدر سنيه ... مضضا
والردى سيف بكفٍّ لا تتيه (4) ... ينتضى
أرهف الحدَّ وأودى بأبيه ... حَرَضا (5)
__________
(1) جمع ثعالة، وهي أنثى الثعلب.
(2) الصقر: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك.
(3) شبا؛ أي؛ نما وترعرع. يقال: شبا الشجر: طال والتف نعمة.
(4) لا تتيه: لا تتحير ولا تضل.
(5) أرهف الحد: فاعل أرهف ضمير الروي في البيت قبله. وحرضا: نزل به الهلاك، أو بلغ منه الحزن والهم. وهو حال من "أبيه".
(3/ 2/78)

هل زوت زهرته حتى هبا (1) ... في كلال
إن في نفس تسامت حسبا ... خيرُ وال
* * *
أبصر الجدُّ به روحَ الهمام ... باديا (2)
كالشذا ينبئ عن زهر الكِمام ... هاديا
وتريك الشمس في قوس الغمام ... ماهيا
حفه عطفاً كما تسري الصَّبا ... باعتلالِ
ويدٌ ظلَّت تحابي الأنجبا ... لم تغالِ
* * *
ضرب الخطبُ على الملك الأثيل ... محدقا (3)
كم دها السفاح من حُرّ نبيل ... مرهقا (4)
وجرى المنصور في هذا السبيل ... مُوبقا
ذهبت عصبته أيدي سبا ... في نكالِ
وتداعى عرشه منتحبا ... للزوالِ
* * *
__________
(1) هبا: هلك ومات.
(2) الجد: هشام بن عبد الملك عاشر خلفاء بني أمية، وقد ترعرع عبد الرحمن في صولته، وتولى في ظل حزمه ونعمته.
(3) الملك الأثيل: الدولة الأموية.
(4) هو أبو عبد الله السفاح أول خلفاء الدولة العباسية.
(3/ 2/79)

حدق الصقر برأي لا عجل ... لا حَسير
وانبرى يطوي الفلا يطوي الأمل ... في الضمير
ككَميّ فرَّ من وقع الأمل ... ليُغير
عَمِيتْ عنه عيونُ الرُّقبا ... والموالي
راح كالشمس تؤمُّ المغربا ... بارتحال
* * *
جمرةُ الأضغان في ذاك الوطن ... لافحه (1)
كم قلوب بتباريح الإِحَنْ ... طافحه
فرصة ظلت على وجه الزمن ... سانحه
إنما الفرصة تدني الأربا ... بارتجالِ
والفتى يرقبها محتسبا ... لليالي
* * *
نفض البرْدَين من نقع السفر ... في "مليله" (2)
ماله جند سوى الرأي الأغر ... والفضيلة
بثَّ لُسناً نفثت نفث السحر ... في الخميلة
دعوة حل لها الشعبُ الحُبا ... باحتفالِ
__________
(1) تلك كانت حال الأندلس لما هبط عبد الرحمن الداخل بلاد المغرب، وهو لا يحمل غير حجاه وعزيمته.
(2) مليلة: مدينة بالمغرب قريبة؛ من سبتة على ساحل البحر - انظر: "معجم البلدان".
(3/ 2/80)

يرتجي عزاً وعدلاً ذهبا ... في ضلالِ
* * *
آب (بدرٌ) بفؤاد يتألق ... كالجمانِ (1)
إذ رمى عن قوس داهٍ وتفوَّق ... في الرهان
ورأى غصن الأماني كيف أوْرَق ... في تداني
آن للصمصام أن ينتصبا ... للصقالِ
ولغالي الدم أن ينسكبا ... بابتذالِ
* * *
نهض الصقر ولا صيد سوى ... تاج مُلكِ
يتهادى بعد شجو ونوى ... بين أَيْكِ
يسبك السيرة في نهج سُوى ... خيرَ سبك
عبر البحر يشق الحببا (2) ... في جلالِ
أقبل الأبعد يتلو الأقربا ... ويوالي
* * *
زج بالجند حواليْ "قرطبه" ... في اتّساق
__________
(1) بدر: مولى عبد الرحمن الداخل، وهو نصيره الوحيد في رحلته من الشام إلى المغرب.
(2) الحبب: معظم الماء وطرائقه.
(3/ 2/81)

وغدا يوسف مما كربه ... في خناق (1)
هو صبٌّ كيف يلوي الرقبه ... للفراق
هاله الخطب غداة اقتربا ... للقتال
لاذ بالرأي فأكدى وكبا ... في خبال
* * *
خال ما نمَّق كيداً يرشقه ... كسهام
لا يبيع المجد شهم يعشقه ... بالحطام
لا تُسليّه فتاة ترمقه ... بابتسام
فأراه الصقر برقاً خلبا ... في المقالِ
وأراه الأحوذيَّ القلبَّا ... بالفعالِ
* * *
هجم الداخل في وجه الزعيم ... كائدا
فطوى ما خلفه طيَّ الظليم ... شاردا
واقتفى آثاره الجيش النظيم ... صائدا
رام "غرناطة" يبغي مركبا ... للنضالِ
أمل أبرق حينا وخبا ... كالذُّبالِ
* * *
__________
(1) يوسف: هو ابن عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وكان ولي الأمر بالأندلس عند دخول عبد الرحمن.
(3/ 2/82)

أغمد السيف ومد العنقا ... للسلامْ (1)
فأراه الصقر عزماً ذلقا ... لا ينامْ
أحرز ابنَيْهِ ليأبى الرهقا ... في الذِّمام (2)
كان في الناس زعيماً فاحتبى باعتزال
لم يطق - كالطفل - صبراً إذ نبا ... عن فصال
* * *
تبَّ ليل شدَّ فيه المئزرا ... لانتقام (3)
وامتطى رأيا عقيماً أغبرا ... كالجَهَام
ليته ما انسلَّ ليلاً وانبرى ... في احتدام (4)
في مغاني آل هود وثبا ... للصيالِ
هزَّ جِذعَ الأمن ألقى الطُّنبا ... في اختلالِ
__________
(1) لما حاصر عبد الرحمن مدينة غرناطة، وهي آخر ما التجأ إليه يوسف الفهري، اضطر يوسف إلى الصلح، فصالحه على شروط، منها: وضع ابنيه عند عبد الرحمن رهن إخلاصه الدائم.
(2) أحرز ابنيه: أي: أخذ عبد الرحمن ابني يوسف رهينتين ليضمن وفاء أبيهما بعهد الصلح، والرهق من معانيه: الظلم والكذب، يريد: الغدر ونقض الميثاق.
(3) لم تطل ليوسف حياة الراحة، فنقض العهد سنة 141 بعشرين ألفاً من البربر، فالتحق بطليطلة، إلا أن عبد الرحمن قام له حتى جيء إليه برأسه.
(4) انسلّ: انطلق في الخفاء. والاحتدام: اشتداد الغيظ. يقال: احتدم صدره غيظاً، وتحدم؛ أي: تغيظ.
(3/ 2/83)

أرهق ابنيه جفاء وهفا ... للرياسهْ
ما تحامى أن يكون هدفا ... للسياسهْ
ركبت من قتل هذا سرفا ... في الشراسهْ
وطوت هذا ليبقى حقبا ... في اعتقالِ
سلْ به إذ فرَّ ماذا ارتكبا ... من محالِ
* * *
قذفت نار الوغى في (ماردَهْ) ... بالشرار (1)
أشرع الصقر قناة سائده ... بانتصار
أطلق الفهريُّ رِجلًا جاهده ... في الفرار
لحق الموت به واعجباً ... للنصالِ
تنهض الحتفَ إذا ما نشبا ... في عقالِ
* * *
بلغ الصقر من العزِّ أشدَّه ... واستوى
لبس الحزم لمن صاعر خدَّه ... والتوى
هو لولا بأسه يحرس بَنْدَه ... لانطوى
سار بالأمة شوطاً عجبا ... في اعتدالِ
لا يُرى أسرى بها أو أوَّبا ... في ملالِ
* * *
__________
(1) ماردة: كورة واسعة من نواحي الأندلس من أعمال قرطبة.
(3/ 2/84)

بعث العرفان من مرقدهِ ... في رُواء
وعلت عنق الهدى في عهدهِ ... كاللولاءِ
ردَّتِ الشركَ مواضي جِدِّهِ ... في انزواء
نفثت في (شرلمانَ) الرَّهبا ... كالسعالي (1)
هابها (المنصور) يخشى الغلبا ... في السجالِ
* * *
لقي العمرانَ مقصوص الجناح ... خاملا
راشه فانساب في تلك البطاح ... جائلا
يضبط الشكوى كخصر في وشاح ... عادلا
يمتطي المنبر يُلقى خُطبا ... ذات بالِ
يقدمُ الناسَ إماماً مجتبى ... بابتهالِ
* * *
رحم الله الفتى أنضى العتاقْ ... في العلا (2)
وغدا إن عُدَّ فرسانُ السباقْ ... أوّلا
شرب الحكمة بالكأس الدِّهاقْ ... عَللا
عزمه كالفجر يفري الغيهبا ... في تعالي
فهو جنديٌّ سياسيٌّ ربا ... في كمالِ
__________
(1) السعالي: جمع السعلاة، وهي الخبيثة من الجن.
(2) العتاق: جمع عتيق، وهر الفرس الكريم. وأنضى العتاق؛ أهزلها بالسير.
(3/ 2/85)

أبو داود وكتابه "السُّنن" (1)
من أئمة الحديث وأعلامه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني (2) المعروف بأبي داود.
ولد أبو داود سنة 202 اثنتين ومئتين، وأقبل على علوم الحديث حتى صار من أكابر حفاظه، والراسخين في العلم بمراتب الأحاديث وعللها، وما يستنبط منها من الأحكام والآداب.
رحل لطلب العلم، وتجوّل في البلاد، فكتب عن علماء العراق والحجاز والشام ومصر والجزيرة وخراسان. وفي سنة 275 التمس منه أبو أحمد الموفق أخو الخليفة بعد فتنة الزنج أن يقيم بالبصرة؛ ليعمرها بما أوتي من العلم، فأقام بها إلى أن توفي في منتصف شوال سنة 275.
كان أبو داود إماماً في الحديث، بالغًا فيه الذروة، قال الحافظ موسى ابن إبراهيم: خلق أبو فيداود الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة. وقال الحاكم أبو عبد الله: أبو داود إمام أهل الحديث بلا مدافعة.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السادس من المجلد السادس.
(2) وهي سجستان المعروفة في خراسان، وما ذكره بعضهم من أنه من قرية بالبصرة يقال لها: سجستان، لم يذكره أحد من الحفاظ.
(3/ 2/86)

ولم يكن أبو داود محدثاً فحسب، بل كان محدثاً فقيهاً، وقد عده الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء" من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً، وعلماً، وحفظاً، ونسكاً، وورعاً، وإتقاناً.
وكان أبو داود يشبه الإمام أحمد بن حنبل في هديه وسمته، وروى عنه أحمد بن حنبل فَرْدَ حديث، فكان أبو داود يفخر بذلك، وكان أبو داود يقول: خير الكلام ما دخل الأذن من غير إذن.
ومما يشهد بحلالة قدره في علم الحديث: كتاب "السنن" الذي هو أحد الصحاح الستة، وهو يشتمل على أربعة آلاف وثمان مئة حديث، انتخبها من خمس مئة ألف حديث كتبها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يورد في هذا الكتاب إلا الصحيح، أو ما يقارب الصحيح، وقال في رسالة بعث بها إلى أهل مكة: "وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء".
قصد الإمام البخاري في "جامعه" تخريج الأحاديث الصحيحة المتصلة، وإفادة ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام أو الآداب، أو التفسير أو السيرة، وقصد الإمام مسلم في "جامعه" تدوين الأحاديث الصحيحة من غير تعرض لوجوه الاستنباط. وقصد أبو داود جمع الأحاديث التي استند إليها الفقهاء، وجعلوها مآخذ للأحكام، فجمع في "سننه" الصحيح، والحسن، وإذا أورد هذا حديثاً ضعيفاً، صرح بضعفه.
فكتاب "السنن" لأبي داود جمع أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن تنظيم، ولما أتم تأليفه، عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه، ولما اطلع عليه إبراهيم الحربي، قال: "ألِين لأبي
(3/ 2/87)

داود الحديث، كما ألين لداود الحديد".
وقال النووي في قطعة كتبها من شرحه على هذه السنن: ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتناء بسنن أبي داود، وبمعرفته التامة؛ فإن معظم أحاديثه يحتج بها، مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه.
وقال ابن الأعرابي: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب - يعني: سنن أبي داود -، لم يحتج معها إلى شيء من العلم.
وقال أبو سليمان الخطابي في مقدمة شرحه (1) لهذه السنن: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدماً سبقه إليه، ولا متأخراً لحقه فيه.
__________
(1) يسمى: "معالم السنن"، وقد شرع في طبعه بحلب، وانتهى طبع جزأين منه: الأول والثاني.
(3/ 2/88)

صفحة من حياة أبي الحسن الأشعري ّ (1)
التحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى وقد أورث الناس ديناً ساطع الحجج، محكم الآيات، فساروا في ضوئه أمة واحدة، لا يختلفون في شيء يرجع إلى العقائد حتى آخر خلافة عثمان - رضي الله عنه -، حيث حميت تلك المناقشات السياسية، واتخذها مرضى القلوب أمثال عبد الله بن سبأ ذريعة إلى فتنة يكيدون بها الإسلام، ففتحوا بابها بقتل الخليفة، ونشأت خلافة علي - كرم الله وجهه -، وغبار الفتنة ثائر، فتولدت تحت مثاره آراء سياسية، ثم جعلت تلك الآراء تتحول إلى مذاهب دينية، ودبّ في النفوس مرض الاختلاف، ومن هذا الاختلاف ما يرجع إلى أصول العقائد، فيحل عروة الإيمان، ومنه ما يرجع إلى فروعها، فلا يزيد على أن يسمى: انحرافاً عن الصواب.
كثرت الفرق، وتعددت الألقاب، فوهن حبل الاتحاد الإسلامي، ولولا هذا التفرق، لبلغ الإسلام من القوة فوق ما بلغ، وارتقى في السيادة ذروة فوق التي ارتقى.
ومن هذه الفرق: فرقة يغلون في التشيع للإمام علي - كرم الله وجهه -.
ومن أبعدهم في هذا الغلو: نزعة السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء الخامس من المجلد الثالث.
(3/ 2/89)

ادعى لعلي - عليه السلام - وصف الإلهية، فنفاه علي إلى المدائن، ويقال: إنه كان يهودياً، فتظاهر بالإسلام ليكيد له بمثل هذه الدعوى.
ويقابل هذه الفرقة: فرقة يدينون بكراهة علي - صلى الله عليه وسلم -، وهم الخوارج (1)، ونشأ هذا المذهب من جماعة كانوا مع علي في حرب صفّين، ثم خرجوا عليه عقب قضية التحكيم.
ومن هذه الفرق: فرقة يبالغون في إثبات الوعد، حتى قال بعضهم: لا يضر مع الإيمان معصية، وهم المرجئة.
أما الإرجاء الذي ينسب إلى بعض فضلاء التابعين؛ كالحسن بن محمد بن الحنفية (2)، فمعناه: عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين من العلويين والأمويين بكونها مخطئة أو مصيبة، صارجاء أمرهما؛ أي: تأخيره وتفويضه إلى الله تعالى، وهو بهذا المعنى لا يمس جانب الإيمان، ولا يعد صاحبه عند أهل السنّة موضعاً للعيب.
ومن هذه الفرق: فرقة يبالغون في إثبات القدرة للإنسان، وينكرون إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم القدرية، وأول من تكلم بهذا: معبد بن عبد الله الجهني الذي خرج مع ابن الأشعث، ووقع في يد الحجاج، فقتله سنة 80.
ومن هذه الفرق: فرقة لا يثبتون للعبد قدرة. على الفعل، لا مؤثرة، ولا كاسبة، وهم الجبرية، وأول من ظهر بهذا المذهب: جهم بن صفوان
__________
(1) الصفرية، والأزارقة، والنجدية، والعجاردة.
(2) توفي سنة 99، أو 100، وعبارته في الكتاب الذي يقال إنه وضعه في الإرجاء: "ونوالي أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم نشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله".
(3/ 2/90)

الذي خرج مع الحارث بن سريح على بني أمية في أواخر دولتهم، ووقع في قبضتهم بعد انهزام الحارث، وقُتل سنة 128، أو 131.
ومن هذه الفرق: فرقة يشبِّهون الله - وهو واجب الوجود - ببعض مخلوقاته، وهم المشبهة، وممن تعزى إليه هذه البدعة: الجعد بن درهم مؤدبُ مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
ومن غلاة المشبهة: الكرامية أتباع محمد بن كرام (1) وهو شيخ نشأ في سجستان، ثم دخل نيسابور، وباح بالتجسيم، فحبسه عبد الله بن طاهر، ثم أطلقه، فتخلص إلى القدس الشريف، وهناك توفى سنة 256.
ومن هذه الفرق: فرقة يؤولون القرآن والسنّة على غير ما يراد منهما؛ مكرًا بالدين، وصرفًا للناس عن هدايته، وهم الباطنية. وائتمار مَن أصلهم المجوسية بالكيد للإسلام وقع- على ما يقصه أبو بكر بن العربي (2) - في عهد البرامكة، ولكن تأويل الظواهر على وجوه تعطل أحكام الشريعة، وتذهب ببهاء حكمتها، ظهر فيما بعد؛ ومن زعماء هذه النحلة: حمدان قرمط المتوفى سنة 264، ومنه أخذ الباطنية لقب (القرامطة).
ومن أذناب هذه الفرقة اليوم: الطائفة المسماة بالبابية أو البهائية، وكانت قبل هذا تعمل في خفاء، فسرى وباؤها في نفوس كثير من المسلمين الغافلين، حتى أخذ بعض زعماء الغرور، فجاهروا بشيء مما يسرون، فانكشفت للناس سريرتها، وافتضح أمرها، فلا تقوم لدعايتها بعد هذا - إن شاء الله - قائمة.
ومن هذه الفرق: فرقة المعتزلة، ومن رؤوسها: أبو حذيفة واصل بن
__________
(1) ضبط بفتح الكاف وتشديد الراء، وضبطه آخرون بكسر الكاف وتخفيف الراء.
(2) كتاب "القواصم والعواصم".
(3/ 2/91)

عطاء الغزال، وصاحبه عمرو بن عبيد، وكانا يجالسان الحسن البصري المتوفى سنة 116، ثم اعتزلاه في نفر كانوا على رأيهما، وظهر بعد هؤلاء طبقة أخرى، من زعمائها: إبراهيم بن سيار النظام المتوفى سنة 221، ومحمد بن الهذيل العلاف المتوفى سنة 235، وأحمد بن أبي داود المتوفى سنة 240، وبشر المريسي المتوفى سنة 218، ثم عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 250، وظهر بعد هؤلاء طبقة من رجالها: أبو علي محمد الجبائي المتوفى سنة 303، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري، وأبو القاسم عبد الله الكعصي المتوفى سنة 317، وإليه تنسب الفرقة الكعبية، وأبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتوفى سنة 321، وإليه تنسب الفرقة البهشمية، فالكعبي وأبو هاشم كانا معاصرين لأبي الحسن الأشعري.
وظهر مذهب الاعتزال لذلك العهد؛ إذ كان لكثير من زعمائه البراعة في البيان، والوجاهة عند رجال الدولة، فعمرو بن عبيد كان رفيع المنزلة عند المنصور، وكان المجلس الذي يعقده البرامكة لأصحاب المقالات ينتظم من أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن أشرس، وجعفر بن بشر، وكلهم من زعماء الاعتزال. وأحمد بن أبي دؤاد كان وجيهاً لدى المأمون، وتولى قاضي القضاة في خلافة المعتصم، وهو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل، وحاول إلزامه القول بخلق القرآن الكريم، وكذلك كان أبو دؤاد في عهد الواثق؛ ولما تقلد المتوكل الخلافة، أصيب ابن أبي دؤاد بفالج، فخلفه في القضاء ابنه محمد بن أحمد، ثم صرفه المتوكل عن القضاء، وولى مكانه يحيى بن أكثم، وكان يقتدي بمذهب أهل السنة.
ومن أسباب ظهور الاعتزال: أن بعض زعمائه كانوا يتصدون للرد
(3/ 2/92)

على الخارجين عن الملة من نحو الملاحدة والطبعيين، كما ردّ واصل الغزالي على المانوية، ورد أبو هاشم بن أبي علي الجبائي على القائلين بالطباع، ورد أبو الحسين بن أبي عمر الخياط على ابن الراوندي في كتاب "الانتصار"، وكانوا يدرسون الفلسفة، ويتناولون آراء رجالها بالنقض، فلأبي هاشم هذا كتاب "النقض على أرسطاليس في الكون والفساد".
ومما نقرؤه في ترجمة النظام: أن جعفر بن يحيى البرامكي ذكر أرسطاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال جعفر: كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه! فقال النظام: أيهما أحب إليك: أن أقرأه من أوله إلى آخره، أم من آخره إلى أوله؟ ثم أخذ يذكره شيئاً فشيئًا، وينقض عليه، فتعجب جعفر منه.
ودراسة المعتزلة للفلسفة أفادت في ردهم على بعض الفلاسفة والملاحدة، ولكن انحرفت ببعض آرائهم عن قصد السبيل، فتعسفوا في تأويل نصوص من الكتاب والسنّة؛ ظنًا منهم أن الفلسفة تتعاصى عن قبول ما تدل عليه هذه النصوص، ولم يكن المعتزلة في المسائل التي تعزى إليهم على رأي واحد، بل كانوا يختلفون في بعض الآراء، وقد ينتصب بعضهم لتفنيد آراء بعض، كما ألّف جعفر بن حرب في الرد على أبي الهذيل العلاف كتاباً سماه: "توبيخ أبي الهذيل"، وبالغ في الرد عليه حتى أشار إلى تكفيره.
وزاد مذهب الاعتزال في القرن الثاني والثالث رواجاً أن أهل السنّة كانوا لا يعنون بمجادلتهم على طريقة نظرية يرخي فيها الخصم لخصمه العنان، ثم يدفع شبهه شبهة بعد أخرى، وينقض أدلته دليلاً بعد دليل، وكان الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، حكى عنه الغزالي
(3/ 2/93)

في كتاب "المنقذ": أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض، فقال أحمد: نعم، ولكن حكيتَ شبهتهم أولًا، ثم أجبتَ عنها، فلا يؤمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر إلى الجواب، ولا يفهم كنهه. قال الغزالي: وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية.
كان أهل السنَّة من ناحية التفقه في الدين وتقرير أصول الأحكام يبسطون القول إلى أبعد غاية، أما موقفهم أمام الفرق التي تتكلم في العقائد، وما يتصل بها، فيشبه موقف من يستخف بقوة خصومه، فلا يعد لهم ما استطاع من قوة، أو لا يعمل في دفاعهم ما لديه من سلاخ، حتى يجوسوا خلال أرضه، وينقصوها من أطرافها.
سادت في القرن الثالث الآراء المخالفة لمذهب السلف، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري، فأحسن التعبير عن مذهب أهل السنّة، وانقلب علم الكلام إلى هيئة غير هيئته التي خلعها عليه المعتزلة والمرجئة والمشبهة والقدرية، والذي يستطيع أن يجاهد، فيقلب أمماً كثيرة من وجهة إلى أخرى، جدير بأن يعدّ في أعاظم الرجال، فإذا عرضنا عليك صحيفة من حياة أبي الحسن الأشعري، فإنما نعرض عليك شيئاً من سيرة رجل كان له في إصلاح النفوس وتقويم العقول جهاد أي جهاد.
* نسب أبي الحسن الأشعري ومولده:
هو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛
(3/ 2/94)

والأشعري نسبة إلى أشعر أبي قبيلة باليمن، فنسبه عربي صريح، ومولده بالبصرة سنة 260 ستين ومئتين.
* نشأته العلمية:
نشأ الأشعري بالبصرة، وهي يومئذ زاهية بالعلوم الدينية والعربية وفن الكلام، فأخذ السنّة عن الحافظ زكريا بن يحيى الساجي، وأبي خليفة الجمحي، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب المقري، وعبد الرحمن بن خلف الضبي، وقد أكثر في تفسيره من الرواية عن هؤلاء، ثم رحل إلى بغداد، وأخذ عمن لقيه فيها من علماء الحديث.
ودرس علم الكلام على مذهب المعتزلة، فكان يتلقى على طائفة من كبارهم؛ مثل: أبي علي الجبائي، والشحام، والعطوي، وكان متقدمًا في هذا العلم على أقرانه، وسنحدثك قريباً عن براءته من مذهب المعتزلة، ورجوعه إلى مذهب أهل السنة.
وإذا لم يُذكر الأشعري في طبقات المحدثين، فلأنّ همته لم تكن مصروفة إلى الإكثار من الرواية، وإنما كان يبذل جهده في تعرف آراء الفرق، والغوص على الحجج التي تنقض شبههم، وتدمغ باطلهم، فلا بأس عليه مما وصفه به بعض الحنابلة من أن خبرته بمقالات أهل الكلام أوسع من خبرته بمذاهب أهل الحديث، وكثير ممن عاصروه، أو تلقوا عنه، قد شهدوا له بغزارة العلم، وحسن التصرف فيما يعلم، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: كنت في جنب الشيخ أبي الحسن الباهلي كقطرة في جنب البحر، وسمعت الباهليّ يقول: كنت في جنب الأشعري كقطرة في جنب البحر.
وهذه الشهادة - وإن كانت صادرة عن تواضع من أبي الحسن الباهلي -
(3/ 2/95)

لا تخلو من إيماء إلى عظم منزلة أبي الحسن الأشعري في العلم.
* مذهبه في أصول الدين:
كان أبو الحسن الأشعري في مبدأ أمره على مذهب الاعتزال، ولزم أبا علي الجبائي سنين كثيرة، ثم اهتدى إلى أن الحق في جانب أهل السنّة، وأراد أن يكون رجوعه عن الاعتزال علانية، فأتى المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقي كرسياً، ونادى بأعلى صوته قائلاً: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فانا أعزفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا تراه الأبصار (يعني: في الدار الآخرة)، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة.
والواقع أنه لم يات بمذهب جديد، وإنما صار إلى مذهب السلف، وما كان عليه الأئمة الراشدون، فقام بتاييده، والنضال عنه، وانما ينسب إليه المتمسكون بمذهب أهل السنّة؛ لأنه زاد المذهب حججًا، وألف فيه كتبًا كثيرة، وقد صرح في كتاب "الاستبانة" بأنه على طرَيقة السلف، فقال: "وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله، وسنّة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون"، وعوده إلى مذهب أهل السنّة بعد الاعتزال شاهد - كما قال القاضي عياض في "المدارك" - على ثبات قدمه، وصحة يقينه في التزام السنّة؛ إذ لم يلزمها لأنه نشأ عليها، ولا اعتقدها تقليداً.
* مذهبه في الأحكام العملية:
تنازع بعض أصحاب المذهب أبا الحسن الأشعري، كلٌّ ينسبه إلى
(3/ 2/96)

مذهبه، ذكره ابن السبكي في "طبقات الشافعية"، وقال؛ (قد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكي المذهب، وليس بصحيح، وإنما كان شافعياً، تفقه على أبي إسحاق المروزي (1)، نص على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في "طبقات المتكلمين"، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني "في شرح الرسالة").
وذكره القاضي عياض في كتاب "المدارك" على أنه من فقهاء المالكية، وقال: ذكر محمد بن موسى بن عمران: أن الأشعري كان مالكياً: وقال: ذكر لي بعض الشافعية: أنه كان شافعيًا حتى لقيت الشيخ الفاضل رافعًا الحمال الشافعي، فذكر لي عن شيوخه: أن أبا الحسن كان مالكياً، وكان مذهب مالك - رحمه الله تعالى - في وقته شائعا في العراق، أيام إسماعيل (2) ابن إسحاق. والذي يظهر: أن أبا الحسن الأشعري لم يؤلف كتاباً في الأحكام يستفاد منه أنه مستقل النظر في الأحكام، أو أنه مقتد بأحد الأئمة.
* قوته على المناظرة:
تمرن الأشعري على المناظرات منذ كان على مذهب الاعتزال، حتى إن أستاذه أبا علي الجبائي كان إذا حضرت مناظرة، قال له: نُبْ عني، وكان الجبائي صاحب قلم، ولم يكن قويًا على المناظرة في المجلس.
وكان - رحمه الله تعالى - يقصد إلى مواطن المعتزلة ليناظرهم، فقيل
__________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي، إمام في فقه الشافعية جليل، رحل إلى مصر في أواخر عمره، وتوفي بها سنة 340، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي.
(2) هو القاضي إسماعيل أحد أعلام المالكية المتوفى سنة 282.
(3/ 2/97)

له: كيف تخالط أهل البدع، وتقصدهم بنفسك، وقد أمرت بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة، منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إليّ، فإذا كانوا هم لا ينزلون إليّ، ولا أسير أنا إليهم، فكيف يظهر الحق، ويعلمون أن لأهل السنّة ناصراً بالحجة؟!.
وكان لا يبتدئ مناظرته بالسؤال، بل يقف موقف المجيب المدافع، حضر الأستاذ أبو عبد الله بن خفيف مناظرة بين الأشعري وبعض مخالفيه، فقضى العجب من علمه وفصاحته، وقال له: لم لا تسأل أنت ابتداء؟ فقال الأشعري: أنا لا أكلم هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله، رددنا عليهم بحكم ما فرض الله - سبحانه وتعالى - علينا من الرد على مخالفي الحق.
وجرت مناظرات بين أبي الحسن الأشعري والجبائي، منها: مناظرة في قول الجبائي كسائر معتزلة البصرة: إنه يجب على الله تعالى مراعاة الأصلح؛ بمعنى: الأنفع للعبد، فسأل الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة عاش أحدهم في الطاعة، وأحدهم في الكفر والمعصية، والآخر مات صغيرًا. فقال له الجبائي: يثاب الأول، ويعاقب الثاني، ولا يعاقب الثالث ولا يثاب. فقال الأشعري: إن قال الثالث: يا رب! هل عمرتني، فأصلح، فأدخل الجنة كما دخلها أخي المؤمن؟! فأجاب الجبائي بأن الرب يقول: كنت أعلم أنك لو عشت، لفسقت، فدخلت النار. ئم قال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب! لمَ لم تمتني صغيراً حتى لا أعصي، فلا أدخل النار كما أمتَّ الثالث؟! فانقطع الجبائي.
فمعتزلة البصرة هم الذين يرون وجواب مراعاة الأصلح بمعنى الأنفع
(3/ 2/98)

للعبد، أما معتزلة بغداد، فيذهبون في تفسير الأصلح الذي يجب على الله مراعاته إلى معنى: الأوفق في الحكمة والتدبير، وليس هذا المذهب بموضع المناظرة السالفة؛ لأن الحكمة لا تتبع جلب المنفعة، أو درء المفسدة الشخصية، وإنما تقوم على ما يقتضيه حسن النظام العام للخليقة.
* أخلاقه وتقواه:
كان في أبي الحسن دعابة، وكان له مع هذه الدعابة غيرة على الحق حامية، وتلك الغيرة هي التي تدفعه إلى مقارعة مخالفيه، غيرَ مبال بما كان لهم من جاه أو رياسة، قال أحد أصحابه: "إنه كان حضر معه مجلسًا في جماعة من المبتدعة، فقام فيه لله مقاماً حسناً، وكسر حجتهم، فلما خرج، قلت له: جازاك الله خيراً، قال: وما ذاك؟ قلت: لمقامك هذا لله تعالى ونصر دينه، فقال: يا أخي! إنا ابتلينا بأمراء سوء أظهروا بدع المخالفين، ونصرها، فوجب علينا القيام لله، والذبِّ عن دينه حسب الطاقة، فمسألة من معرفة ربك، وما تطيعه به، وتتقرب به إليه، أجدى عليك من هذا".
وهذه القصة تدلك على أنه كان يؤثر الحق على رضا الأمراء، وأنه كان من التواضع بحال من يذكر أن الازدياد من معرفة الله والإقبال على فعل الطاعات يفضل ما كان يشتغل به من مقارعة الابتداع على طريقة علم الكلام.
وفي أبي الحسن خصلة يعز في أهل العلم وجودها، وهي الرجوع عن الرأي عندما يستبين الحق، وشاهد هذا: أنه نفض يده من مذهب الاعتزال علانية عندما استبان أن الحق في جانب أهل السنّة؛ وكان قد صنف في أيام اعتزاله كتاباً كبيراً نصر فيه مذهب المعتزلة، ولما صار إلى مذهب أهل السنّة ألف كتاباً في نقض ذلك الكتاب الذي نصر فيه مذهب الاعتزال؛ وقد يقول
(3/ 2/99)

في بعض مؤلفاته: ألفنا كتاباً في مسألة كذا، ورجعنا عنه، ونقضناه، فمن وقع إليه، فلا يعولن عليه.
وكان - رحمه الله - متجملاً بالحياء والورع؛ قال أحمد بن علي الفقيه: خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنتين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي، فلم أجد أورع منه، ولا أغض طرفاً، ولم أر أحداً أكثر حياء منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة. وكان ينفق من غلة ضيعة جده بلال ابن أبي بردة.
* خصومه:
خصوم الرجل على قدر عظم شأنه، فكلما ارتفع الرجل درجة، أو ظهرت له مزية، تألم لها من أحسوا أنفسهم العجز عن أن يبلغوا شأوه، فليس من العجيب أن يكون لمثل الأشعري خصوم يناوئونه، ويعزون إليه من المقالات ما لم ينطق به لسانه، ولم يخطر على قلبه، وليس من المعقول أن يقف الأشعري لطوائف مختلفة المذاهب والآراء، وقفة من لا يعرف ذلك الذي يسميه الناس رهبة أو إحجاماً، ويرجو مع هذا أن يمضي في سلامة من أن يتحدثوا عنه في غير أمانة.
ألصق به خصومه أقوالاً لم تسمع منه مناظرة، ولا توجد له في كتاب، كما عزوا إليه: أنه قال: إن المعجز هو كلام الله تعالى الذي لم يزل غير مخلوق، ولا نزل إلينا: ولا سمعناه قط، وقد ساق الأستاذ ركن الدين أبو عبد الله محمد الجويني في كتاب "عقيدة الإمام المطلبي" أشياء من هذه الأراجيف، وقال: "وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه، وتاملت نصوصه في هذه المسائل، فوجدتها كلها على خلاف ما نسب إليه". ثم قال: "ولا عجب
(3/ 2/100)

أن اعترضوا عليه واخترصوا؛ فإنه - رحمه الله تعالى - فاضحُ القدرية وعامة المبتدعة، وكاشفُ عوراتهم، ولا خير فيمن لا يعرف حاسدة".
وتحدث القاضي عياض في كتاب "المدارك" عمن يناوئون الأشعري، فنسب طائفة منهم إلى الغلو في ترك التأويل حتى وقعوا في التشبيه، ثم قال: "وأكثر من شنع عليه بالأندلس: ابن حزم؛ فإنه ملأ كتابه عليه وعلى أئمة أصحابه كذبًا وتشانيع باطلة، وذلك في كتابه المسمى: بالنصائح والفضائح".
ولأبي العباس أحمد بن محمد بن عبد المنعم القرطبي رسالة ردَّ بها على شخص تورط في هجو الأشعري، تسمى: "ازجر المفتري على أبي الحسن الأشعري"، قال في طالعها:
أسير الهوى ضلت خطاك عن القصد ... فها أنت لا تهدى لخير ولا تهدي
سللت حساماً من لسانك كاذباً ... على عالم الإسلام والعلم الفرد
تمرست في أعراض بيت مقدس ... رمى الله منك الثغر بالحجر الصلد
ومما قال في وصف الأشعري:
وسلَّ حساماً من بيان فهومه ... فرد سيوف الغي مغلولة الحد
وأبدى علوماً ميزت فضل فضله ... كتمييز ذي البردين والغرس الورد
(3/ 2/101)

فجاءت مجيء الصبح والصبح واضح ... وسارت مسير الشمس والشمس في السعد
سللن سيوف الحق في موطن الهدى ... فغادرن صدعى الملحدين بلا لحد
وأيدن دين الله في أفق العلا ... بلا منصل عضب ولا فرس نهَد
وأمضين حكم النقل والعقل فاحتوى ... كلام إمام الحق مجداً على مجد
* أنصاره:
قلنا فيما سلف: إن الأشعري لم يبتدع مذهباً جديداً، وإنما هو مقرر لمذهب السلف المبني على الوقوف عند نصوص الكتاب والسنّة، وترك تأويلها حيث لم يعارضها قاطع من معقول أو محسوس، فمزية الأشعري أنه بسط البحث والمناضلة عنها بالحجج النظرية؛ أي: على طريقة علم الكلام، وهي الطريقة التي مكَّنته من الظهور على من يدرسون أو يدَّعون الفلسفة، ويتعلقون في الجدال عن مذاهبهم بشيء من آرائها، ولأخذه بظاهر الكتاب والسنّة، وتصديه لمدافعة كل فرقة شاذة أو ضالة بمثل سلاحها، فكان لمؤلفاته الوقع الحسن في نفوس أكثر أهل العلم من أتباع الأئمة.
قال القاضي عياض في كتاب "المدارك": "فلما كثرت تآليفه، وانتفع بقوله، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السنّة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذَّبِّ عن السنّة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة".
(3/ 2/102)

وقد ينساق أبو الحسن الأشعري في مجادلة الخصوم إلى آراء لا تمس أصول العقائد، ولا ترجع إلى صريح القرآن أو السنّة، وأكثرُ ما يخالفه فيه بعض علماء السنّة الذين يجلونه؛ كإمام الحرمين وغيره من الراسخين في العلم، عائد إلى هذا القبيل.
أنكر بعض أهل العلم على الإمام الرازي مناقشته للأشعري في بعض مؤلفاته فقال ابن السبكي: والإمام الرازي لا ينكر عظمة الأشعري، كيف وهو على طريقته يمشي، وبقوله يأخذ؟! ولكن لم تبرح الأئمة يعترض متأخرها على متقدمها، ولا يشينه ذلك، بل يزينه.
ومن معاصري الأشعري: محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي المتوفى سنة 333، وهو من أئمة أهل الحق، وبينه وبين الأشعري خلاف في مسائل يعذر كل منهما صاحبه في الاجتهاد فيها، ولا يراه حائداً بها عن مذهب أهل السنّة.
* مؤلفاته:
لأبي الحسن مؤلفات كثيرة، حتى قيل: إنها تزيد على مئتي مصنف، من هذه المؤلفات كتاب "الفصول" في الرد على الخارجين على الملّة من الملحدين والفلاسفة والطبيعيين، والدهريين، وأهل التشبيه والقائلين بقدم الدهر، على اختلاف مقالاتهم وأنواع مذاهبهم، ثم رد على البراهمة، واليهود والنصارى والمجوس، وهو كتاب كبير يشتمل على اثني عشر كتاباً.
ومنه كتاب "الموجز"، وهو يشتمل على اثني عشر كتاباً على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة والداخلين فيها، وآخره كتاب الإمامة.
(3/ 2/103)

ومنها تفسيره المسمى بالمختزن، قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم": وانتدب الأضعري إلى كتاب الله، فشرحه في خمس مئة مجلد، وسماه بالمختزن، ومنه أخذ الناس كتبهم، ومنه أخذ عبد الجبار الهمداني كتابه في تفسير القرآن الذي يسمى بالمحيط في مئة سفر، ثم ذكر ابن العربي: أن الصاحب بن عباد بذل عشرة آلاف دينار لخازن الكتب في بغداد، فألقى النار في الخزانة، فاحترقت الكتب، واحترق من بينها "المختزن"، ولم تكن منه إلا نسخة واحدة، فنفدت من أيدي الناس. وكان الصاحب بن عباد على مذهب المعتزلة، ولأبيه عباد بن عباس كتاب في أحكام القرآن ينصر فيه مذهب الاعتزال.
وليس بين أيدينا من مؤلفات أبي الحسن غير كتاب "الإبانة"، وهو كتاب قرر فيه عقيدة السلف، ورد على ما يخالفها من آراء اعتزالية، ومنه يقف القارئ على طريقة الشيخ في الرد على مخالفيه، ويعرف كيف كان يجمع في الاستدلال بين السمع والعقل.
* وفاته:
توفي أبو الحسن - رحمه الله تعالى -، في بغداد سنة أربع وعشرين وثلاث مئة.
قال أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي: لما قرب أجل أبي الحسن الأضعري، دعاني، فأتيته، فقال: اشهد على أني لا أكفّر أحداً من أهل هذه القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات. ومات في حجر أبي علي هذا، وكانوا يصفونه عند النداء لجنازته بناصر الدين، ودفن في تربة بين الكرخ وباب البصرة.
(3/ 2/104)

قال أبو الحسن القابسي: لقد مات الأشعري يوم مات وأهل السنّة باكون عليه، وأهل البدع مستريحون منه. أفاض الله على قبره رحمة ونوراً.
(3/ 2/105)

القاضي أبو الحسن الجرجاني (1)
نعرض على حضرات القراء صفحة من حياة شخص غزير العلم، رائع الأدب، صافي الذوق، كامل الخلق، هو القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، من أعيان القرن الرابع.
نشأ أبو الحسن في "جرجان"، وتقلب في البلاد للقاء كبار العلماء والأخذ عنهم، فدخل "نيسابور"، وطاف العراق والشام وغيرها، وأحرز في العلوم والآداب منزلة يشار إليها بالبنان. قال مؤرخوه: "لم يزل أبو الحسن يتقدم حتى ذكر في الدنيا"، ووصفه صاحب "يتيمة الدهر" فقال: "هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم".
ويعد أن بلغ الذروة في العلم والآداب، عرج على حضرة الصاحب بن عباد، فعرف قدره، وتمسك بصحبته، وكاد من شدة اختصاصه به لا يستطيع مفارقته، فكان لا يفارقه كما قال الصاحب في بعض رسائله: "مقيماً، وظاعناً، ومسافراً، وقاطناً". وتأخذ هذا من كتاب بعث به الصاحب إلى حسام الدولة العباسي تاشي الحاجب يوصيه فيه بمساعدة القاضي في كل ما يحتاج إليه عندما استأذنه في زيارة "جرجان"، فقد فقال: "فإن رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عنده تجهد القاضي أبي الحسن فيما يعجل رده، فإني
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد العشرين.
(3/ 2/106)

ما غاب كالمضل الناشد، واذا عاد كالغانم الواجد، فعل إن شاء الله".
وكان الصاحب يتلقاه في "جرجان" بإقبال وإكرام أكثر مما يتلقاه به في غيرها من البلاد، قال القاضي: وقد استعفيته يوماً من فرط تحفيه بي، وتواضعه لي، فأنشدني:
أكرم أخاك بأرض مولده ... وأمده من فعلك الحسن
فالعز مطلوب وملتمس ... وأعزّه ما قيل في الوطن
ثم قال له: قد فرغت من هذا المعنى في قصيدتك العينية، فقلت: لعل مولانا يريد قولي:
وشيدت مجدي بين قومي فلم أقل ... ألا ليت قومي يعلمون صنيعي
فقال: ما أردت غيره.
وتولى قضاء "جرجان" على يد الصاحب، ثم تولى قاضي القضاة بالري، واستمر على ذلك إلى أن توفي، وكان حسن السيرة في قضائه.
ويصفه المؤرخون، فنرى فيما يصفونه به خصالاً تعد أصولاً في مكارم الأخلاق؛ كصدق اللهجة، وعزة النفس، وشرف الهمة، ومن شواهد هذا: أبياته المنقطعة النظير في تصوير الاعتزاز بالعلم وسمو الهمة، وهي:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل أهل الأرض أرضاه منعما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سُلَّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
(3/ 2/107)

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
وقد لهج بهذا المعنى في شعره، وقال من أبيات:
فإن لم يكن عندالزمان سوى الذي ... أضيق به ذرعاً فعندي له الصبر
وقال توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وللقاضي ديوان شعر، وقد يعرج في شعره على الصاحب بن عباد، أو غيره من أقرانه الذين كانوا يمنحونه الوداد، وينظرون إليه بعين الإجلال، فكان يخاطبهم بلسان الشعر كالمجازاة على ما يلاقي من إسعادهم، وصدق مودتهم له، وقد رأيتم كيف كان الصاحب بن عباد يطلق لقلمه أن يثني عليه بأبلغ الثناء، ويسمي صلة الود بينهما إخاء، ولا يأبى أن يثني عليه في شعره.
قال القاضي: انصرفت يوماً من دار الصاحب قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر العيد، ومعه رقعة بخطه فيها هذان البيتان:
يا أيها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقَهْ
أهديت عطراً مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدي له أخلاقَهْ
ونظر القاضي إلى ما يفضي إليه اقتراض المال وصرفه في شهوات النفس من سوء العواقب، فحاول معالجة هذا المرض بحكمة بالغة، فقال:
إذا رمت أن تستقرض المال منفقاً ... على شهوات النفس في زمن العصر
فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها ... عليك وإنظاراً إلى ساعة اليسر
فإن أسعفت كنت الغني وان أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر
ولم يكن القاضي بارعاً في صناعة الشعر فحسب، بل كان مبدعاً في النثر أيضاً، كما وصفه صاحب "يتيمة الدهر"، فقال: يجمع خط ابن مقلة،
(3/ 2/108)

إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري.
وجمع القاضي الجرجاني إلى غزارة العلم ذوقاً سليماً، ونقداً للشعر عادلًا، وبسلامة الذوق والعدل في النقد استطاع أن يخرج كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" في صنع حكيم، ووضع بديع، وكان الصاحب بن عباد ألف رسالة في إظهار مساوئ المتنبي، ولم تمنع القاضي الجرجاني صداقته للصاحب أن يؤلف كتاب "الوساطة"، ويسلك فيه مسلك الإنصاف، فيرد كثيراً مما عده الصاحب وغيره من سقطات المتنبي.
ومن قرأ كتاب "الوساطة"، وذكر أن الشيخ عبد القاهر الجرجاني أخذ من القاضي الجرجاني، واغترف من بحره، وكان يفتخر بالانتماء إليه، تنبه لناحية من النواحي التي استمد منها عبد القادر براعته في كتابي "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة".
وإذا كان في المنتمين إلى قبيل العلماء من إذا أدرك شهادة أو منصباً أو وجاهة، قلَّ إقباله على العلم، وأصبح يأنس بلقاء الناس، وشمعى إليه ما استطاع، ولا يبالي أن يقضي الساعة أو الساعتين في محادثات تمضي مع الوقت دون أن يكون لهما أثر في نماء علم، أو إتقان عمل، فإن القاضي الجرجاني من الطبقة التي تلذ العلم، وتأنس بالكتاب، وترى في ذلك غنيمة الحياة، فاقرأ إن شئت قوله:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العل ... م فلا أبتغي سواه أنيسا
ولا يضر أمثال القاضي الجرجاني أن يقلل من لقاء الناس، ويؤثر أن يكون للييت والكتاب جليساً، ما دام يحمل في يمينه قلماً يبث به في القراطيس
(3/ 2/109)

ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فقد حرر بذلك القلم البارع مؤلفات غير كتاب " الوساطة"، منها: "تفسير القرآن المجيد"، وكتاب "تهذيب التاريخ".
عاش القاضي الجرجاني في عزة ووجاهة واستقامة، وتوفي سنة 366 ه، وهو قاضي القضاة بالري، وحمل تابوته إلى "جرجان"، ودفن بها، جازاه الله عن إعزازه للعلم خير الجزاء.
(3/ 2/110)

حجَّة الإسلام الغزاليّ (1)
هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي.
ولد في "طوس" سنة 445، وتلقى العلم في بداية أمره على الأستاذ أحمد بن محمد الراذكاني، ورحل إلى "جرجان"، فأخذ عن الأستاذ أبي نصر الإسماعيلي، وعاد إلى "طوس"، فمكث بها نحو ثلاث سنين، وسافر إلى "نيسابور"، فاختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن أبي محمد الجويني، وصرف همته في طلب العلم، فظهر نبوغه في أقرب وقت، وصار من الأعلام المشار إليهم بالبنان في حياة أستاذه إمام الحرمين، ولم يزل ملازمًا له إلى أن توفي سنة 478.
وخرج أبو حامد من نيسابور إلى "العسكر" حيث يقيم الوزير نظام الملك، فعرف الوزير قدره، وأقبل عليه باحتفاء، وصار فيمن يحضر مجالس الوزير من أفاضل العلماء، وظهر علمه، وعلا ذكره، فولاه التدريس بمدرسته النظامية ببغداد سنة 484، فانتقل إلى بغداد، وأقبل على التدريس، فامتلأت قلوب أهل العراق بالإعجاب به، وسمت عندهم مكانته، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ولم يكن منه إلا أن نبذ الدنيا وراء ظهره، ولاذ بالزهد سنة 488، فرحل من بغداد إلى الحجاز، فأدى فريضة الحج، وتوجه إلى
__________
(1) مقدمة كتاب "إحياء علوم الدين".
(3/ 2/111)

الشام، فأقام بدمشق مدة، وانتقل منها إلى بيت المقدس، وبقي في تلك الديار نحو عشر سنين ألف فيها كتبًا قيمة، منها: كتاب "إحياء علوم الدين".
ثم قصد مصر، فأقام بالإسكندرية حيناً يقصد - فيما يقال - الركوبَ في البحر إلى بلاد المغرب للاجتماع بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ولما بلغته وفاته، عدل عن السفر، ورجع إلى بغداد، وألقى بها دروسًا، ثم انتقل إلى خراسان، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية في "نيسابور"، وعاد بعدُ إلى بلده "طوس"، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة لطلاب العلم، وكان يقضي أوقاته في تلاوة القرآن، ومجالسة أهل التقوى، والجلوس للتدريس، إلى أن توفي سنة 505 خمس وخمس مئة، ودفن بظاهر الطابران (إحدى بلدتي طوس).
ولم يسلم الغزالي في حياته مما يبتلى به أكثر الراسخين في العلم من مناوأة جاهل لا يقدر الرسوخ في العلم قدره، وسعاية زائغ عن الرشد يحرق فؤادَه دعوةٌ إلى الحق خالصة القصد، قوية الحجة، مثل دعوة الغزالي. وقد أشار الحافظ ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري" إلى ما كان الغزالي يقاسيه من مناوأة الخصوم، والسعي به إلى الملوك، وأن الله حفظه وصانه عن أن تنوشه أيدي النكبات، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات.
وقد أطنب الكاتبون في الثناء على أبي حامد، وبسطوا الحديث عن حياته العلمية، وكتفي هنا بثناء أبي بكر بن العربي عليه في كتاب "قانون التأويل" إذ يقول: "ورد علينا- أي: في بغداد - ذانشمند - يعني: الغزالي -، فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا
(3/ 2/112)

ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن "الخبر على الغائب فوق المشاهدة" ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:
إذاما مدحت امرأً غائباً ... فلا تغلُ في مدحه واقصد
فإنك إن تغلُ، تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمته ... لفضل المغيب على المشهد
وذكر في كتاب "القواسم والعواصم" بعد الحديث عن مسألة كشف الغيوب، فقال: "فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدرسة السلام في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربع مئة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين إلى ذلك الوقت نحواً من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذ كل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في ترتيب الرحلة، فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه "الأحياء لعلوم الدين"، فسألت سؤال المسترشد في عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني مجاوبة الفاهم لطريق التسديد للمريد؛ لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمة، فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها؛ بالسكون معهم، والصحبة لهم" إلخ.
للغزالي مؤلفات كثيرة، ومن أنفس ما خطته يده كتاب "الإحياء"، وقد ألف الغزالي هذا الكتاب بعد أن درس الفلسفة، واستقصى ما عند أهلها، ويعد
(3/ 2/113)

أن أقبل بهمة على طريق الصوفية، فطالع كتبهم؛ مثل: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المنثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وظهر عنده أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، ثم واظب على العزلة والخلوة.
فلا عجب أن يبلغ كتاب "الإحياء" في الغوص على أسرار الشريعة، والبحث عن دقائق علم الأخلاق وأحوال النفس، غاية بعيدة، فكتاب "الإحياء" من صنع عقل نشأ في قوة، ورسخ في علوم الشريعة، وخاض في العلوم العقلية، فوقف على كبيرها وصغيرها، وفرق بين سليمها ومعيبها، وخلص بعد هذا من كدور الهوى، وظلمات الحرص على عرض الدنيا.
وقد كان الناقدون لكتاب "الإحياء" يعيبونه بما احتواه من بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وربما اعتذروا عن مؤلفه بأنه لم يكن طويل الباع في علم الحديث، بل نقلوا عنه أنه كان يقول عن نفسه: "أنا مزجي البضاعة في علم الحديث".
وقد قام بإصلاح هذا النقص الحافظ العراقي، زين الدين عبد الرحيم، فألف في تخريج أحاديثه كتاباً في مجلدين، ثم اختصره في مجلد سماه "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار".
وإذا وجد العلماء في كتاب "الإحياء" مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل، وكفى كتاب "الإحياء" فضلاً وسموَّ منزلة أن تكون درر فوائده فوق ما يتناوله العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به من كتاب غيره، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
(3/ 2/114)

أبو بكر بن العربي (1)
أخرجت معاهد العلم في بلاد الشرق رجالاً خدموا الإسلام بصدق روايتهم، واستقلال أنظارهم، وشجاعتهم في الدعوة إلى الحق، وصبرهم على ما يلاقون في سبيل ذلك من الأذى، ورزقوا بعد هذا خلقاً سامياً، وازدراء لكل ما لا يدنيهم من مجادة في الدنيا، أو سعادة في الأخرى. وفي مقدمة هذه الطبقة- فيما أرى- القاضي أبو بكر بن العربي، وهو محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن أحمد بن العربي الإشبيلي الأندلسي.
* مولده ونشأته:
ولد صاحب الترجمة بإشبيلية سنة 468، وكان والده عبد الله بن محمد من العلماء الذين أحرزوا في دولة بني عباد حظوة وصدارة، فنشأ أبو بكر في بيئة علم وفضل، وفي بيت يتصل بسياسة الدولة، وذلك مما يهيئ صاحب الفطرة السليمة كأبي بكر بن العربي لأن ينبغ في العلم، ويسبق إلى ذروة المجد.
بلغ أبو بكر سنّ التعلم، فأخذ عن أبيه عبد الله، وخاله أبي القاسم الحسن الهوزني، وأبي عبد الله السرقسطي، وقرأ القراءات، وأخذ حظاً عظيماً من علوم
__________
(1) محاضرة الإمام في دار جمعية "الهداية الإسلامية" مساء يوم الخميس 22 رجب 1355. ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد التاسع.
(3/ 2/115)

العربية وآدابها، ونقل عنه أنه قال: لم أرحل من الأندلس حتى أحكمت كتاب سيبويه.
* رحلته إلى الشرق:
لما انقرضت دولة بني عباد بإشبيلية، رحل به أبوه إلى الشرق وسنّه يومئذ 17 سنة، ودخل بلاداً كانت مشرقة بنور العلم، فأخذ عن أجلَّة علمائها، مثل "بجاية"، و"المهدية" بإفريقية، ثم الاسكندرية ومصر والشام والعراق والحجاز، وقفل راجعاً إلى وطنه، فلما وصل إلى الإسكندرية، توفي بها أبوه، وعاد إلى وطنه، والناس في أشد الحاجة إليه، وقضى في رحلته ثماني سنين في إحدى الروايات، وعشراً في بعضها.
قال القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد: لما رحلت إلى قرطبة، قرأت على الحافظ أبي بكر، ولزمته، فسمعني ذات يوم أذكر الانصراف إلى وطني بالمرية، فقال لي: ما هذا القلق؟! أقم حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام كما كان لي.
* لقاؤه في رحلته أبا حامد الغزالي:
قال ابن العربي في "قانون التأويل": ورد علينا ذانشمند - يعني: أبا حامد الغزالي-، فنزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلًا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة، ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:
(3/ 2/116)

إذا مدحت امرأ غائباً ... فلا تغل في مدحه واقصد
فإنك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمْته ... لفضل المغيب على المشهد
ولم يمنع أبا بكر إجلالُه للغزالي أن يناقشه في كثير من المسائل، كما أنكر عليه قوله في كتاب "الإحياء": "ما في الإمكان أبدع مما كان (1) "، وقال: "ونحن وإن كنا قطرة في بحره، فلا نرد عليه إلا بقوله، فسبحان من كمل شيخنا بفواضل الخلائق، ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق".
* رجوعه إلى الأندلس:
عاد أبو بكر إلى الأندلس والنفوس إليه متطلعة، فوجدوه في العلم بحرًا زاخرًا، وفي الأدب قمراً زاهراً، فلقي منهم إقبالاً، وشملته منهم حظوة، ولسعة علمه، وقوة حفظه لما كان يرويه من الأحاديث والآثار، وقع في وهم بعض من لم يبلغ هذه الدرجة أن أبا بكر قد يروي ما لم يسمع، فقال:
يا أهل حمص (2) ومن بها أوصيكم ... بالبر والتقوى وصية مشفق
فخذوا عن العربي أسمار الدجى ... وخذوا الرواية عن إمام مشفق
إن الفتى ذرب اللسان مهذب ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يخلق
* شدة ارتياحه لرحلته:
ذكر أبو بكر مسألة استياك الصائم بعد العصر، وأورد الخلاف الذي
__________
(1) يعني: أن خَلق هذا العالم لا يمكن أن يكون أحسن من هذه الصفات. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن هذه الجملة مدسوسة على أبي حامد، ومن القريب تأويل نفي إمكان الإبداعية من جهة تعلق حكمة الله بخلق العالم على هذا النظام.
(2) هي إشبيلية.
(3/ 2/117)

جرى فيها بين المالكية والشافعية، وما استفاده من بعض علماء بغداد في وجهة نظر المالكية، وقال: لو لم أستفد في رحلتي إلا هذه المسألة، لكفاني.
* اتصاله بالسلطان:
لازم أبو عبد الله بن المجاهد مجلس أبي بكر نحواً من ثلاثة أشهر، ثم تخلف عنه، فسئل عن سبب تخلفه، فقال: كان - يعني: أبا بكر - يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب للسلطان، والواقع أن اتصال العالم المتين في علمه وتقواه بالسلطان لا يأتي إلا بخير، فهنالك تكون النصيحة التي تكف شراً عظيماً، أو تثمر خيراً عاماً.
* ولايته قضاء إشبيلية:
تقلد منصب قاضي القضاة بإشبيلية، فأقام ميزان العدل، وضبط الأمور بيد الحزم، والتزم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يخاف لومة لائم، وربما صدرت عنه أحكام صارمة، كما روي أنه عاقب زمّاراً بثقب شدقه.
قال القاضي عياض يتحدث عن ابن العيي: "واستقضي ببلده، فنفع الله به أهلها؛ لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، وتؤثر عنه في قضائه أحكام غريبة".
* محنته:
كان قد ألزم الناس بإحضار جلود ضحاياهم لإصلاح جانب من سور إشبيلية قد تهدم، ولم يكن هناك مال، فأحضروها وهم مكرهون، وبلغ من غيظ العامة أن أضمروا له شراً، وهجموا على منزله، ونهبوا أمواله وكتبه، ولولا أنه فرّ من ظهر البيت، لآذوه في نفسه.
والعبرة في هذه القصة: أن علماء الإسلام كانوا يوجهون أنظارهم
(3/ 2/118)

إلى المصالح العامة، ولاسيما وسائل حماية البلاد من أن تمتد إليها يد عدوّ لا يرعى فيها عهداً، ولا تأخذه بها رأفة، وكم من عالم قد قرأنا في تاريخ حياته أنه مات شهيداً في سبيل الدفاع عن دينه ووطنه!.
وتومئ هذه الواقعة إلى أن الناس هم الناس، قد يبخلون بالأمر الحقير عن الأمور الهامة الجليلة، ويبلغ بهم البخل أن يبغضوا الداعي إلى الإصلاح، ويعملوا جهدهم في إيذائه ما استطاعوا.
* إقباله على نشر العلم:
صرف صاحب الترجمة من القضاء، وانتقل إلى قرطبة، وأقبل على نشر العلم غيرآسف على القضاء، وكان يقول: "إن القاضي إذا ولي القضاء عامين، نسي أكثر مما كان يحفظ، فينبغي له أن يعزل، وأن يتدارك نفسه".
وكنت وليت في تونس قضاء "بنزرت" وملحقاتها، فأحسست أن هذه الولاية ستقف بي في العلم عند حد، وصغرت في عيني، فاستقلت منها بعد أن قمت بواجبها نحو سنة وأربعة أشهر، ورجعت إلى الحاضرة، وأقبلت على التدريس بجامع الزيتونة.
وكان صاحب الترجمة منقطعاً للبحث والمطالعة، حتى إنه كان يضع الكتب عن يمين الفراش وشماره، ولا يطفئ المصباح، وإذا غلبه النوم، نام، ومهما استيقظ، مد يده إلى كتاب (1).
وممن أخذ عن ابن العربي، وسمع منه: القاضي عياض، والإمام السهيلي صاحب "الروض الأنف".
__________
(1) حكى عنه هذا بعض أهل العلم الذين صحبوه أيام كان بقرطبة.
(3/ 2/119)

* رسوخه في الأدب:
قد عرفنا أن أبا بكر قد درس علم الأدب قبل رحلته، وقرأنا من رحلته: أنه قرأ الأدب على التبريزي، ثم إن من ينظر في الجمل البليغة التي تجيء في مؤلفاته، يدرك أنها صادرة من أديب جال في منظوم البلغاء ومنثورهم جولة واسعة، وله شعر جيد، ولا ينتظر ممن يقضي الوقت في بحث العلوم ودراستها أن يأتي من الشعر بمثل ما يأتي به أبو تمام وابن الرومي.
* انتفاعه بالأدب في بعض الشدائد:
ذكر ابن العربي في كتاب "قانون التأويل" ركوبه البحر في رحلته من إفريقية، وحكى أن البحر عظم عليهم، وتلاطمت بهم أمواجه، فوقعوا في هول كبير، ولكن الله سلم، فخرجوا منه خروج الميت من القبر، وانتهوا بعد شدة إلى بيوت بني كعب بن سليم، ووقف ابن العربي على باب أميرهم، فوجده يدير أعواد الشاه (الشطرنج)، فدنا منه، وأشار على الأمير بتحريك قطعة، فعارضه صاحبه؛ فأشار عليه بتحريك قطعة أخرى، فهزم الأمير صاحبه (1)، وأضاف إلى هذا أحاديث من الأدب الرائق، فعظم في عين الأمير، فأقبل يتعجب منه، ويسأله عن سنه، ويستكشف حاله، فأخبره بما لاقوه من هول البحر، فاستدعى أباه، وبالغ في إكرامهم؛ قال أبو بكر: فانظر إلى هذا العلم - يعني: التلهي بالشطرنج - الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب، كيف أنقذا من العطب.
* رأيه في طريقة التعليم:
يرى أبو بكر تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم، ثم ينتقل
__________
(1) قال أبو بكر: كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة.
(3/ 2/120)

منه إلى درس الحساب، ثم ينتقل منه إلى درس القرآن، ثم ينظر في أصول الدين، ثم في أصول الفقه، ثم الجدل، ثم الحديث وعلومه.
ومن رأيه: أن لا يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلاً لذلك بجودة الفهم والنشاط، وأنكر على علماء بلده الذي يأخذون الصبي في أول أمره بكتاب الله، حيث إنه يقرأ ما لا يفهم.
قال ابن خلدون: وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه، ثم قال: ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثار للتبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن؛ لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ، وانحل من ريقة القهر، فربما عصفت به رياح الشبيبة، فألقته بساحل البطالة.
ولو أعطي جانب من أوقات الطفل إلى تعلم القرآن، وجانب منها إلى أخذ مبادئ من علم الحساب، وعلوم اللغة، ومختارات من الشعر، لكان خيراً.
* مؤلفاته:
المصنفون كثير، أما الذين يكتبون على بينة مما يكتبون، فيتقنون الرواية إذا رووا، ويراعون قانون أدب البحث إذا استنبطوا، فليسوا بكثير، ومن أهل هذه الطبقة أبو بكر بن العربي، فإنك لا تفتح كتاباً من مؤلفاته إلا وجدت علماً غزيراً، ونقداً عادلاً، وفكراً يتصرف في حرية، وعبارات على إيجازها تجعل ما أشكل من المسائل صبحاً بيناً، ومن مؤلفاته كتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "القبس"، وكتاب "ترتيب المسالك" (كلاهما شرح
(3/ 2/121)

لموطأ مالك) و"عارضة الأحوذي في شرح متن الترمذي"، و"قانون التأويل" (1)، و"أنوار الفجر" (كلاهما تفسير للقرآن المجيد)، وكتاب "النيرين في الصحيحين"، وكتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف"، إلى غير هذا من الكتب القيمة.
ولأبي بكر هذا فضل في انصرافي عن دراسة علوم الدين دراسة تقليد ومتابعة، شأن من لا يزيد في التفقه على قراءة مثل "مختصر خليل" وشروحه وحواشيه، ذلك أني اتصلت بمكتبة خالي وأستاذي المرحوم الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز، واستعرت منها كتاب "العارضة"، وكتاب "القبس"، وجزءاً من "ترتيب المسالك" (2) ثم اتصلت بمكتبة صديقي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام المالكي بتونس لهذا العهد، واستعرت منها كتاب "الأحكام"، وكتاب "العواصم من القواصم"، فأعجبت بطريقة المؤلف في التأليف، ووجدتها الطريقة التي تنهض بالفكر حتى يكون مثمراً؛ بل الطريقة التي تحبب إلى ذي الفطرة السليمة دراسة العلوم الدينية، والواقع أن هذه الكتب كانت أول ما أخذني إلى النظر في علوم الشريعة بتلهف، بعد أن كنت قد انقطعت إلى علوم اللغة العربية وآدابها.
* أخلاقه:
يجمع أبو بكر إلى غزارة العلم: "أدب الأخلاق، وحسن المعاشرة، ولين الكتف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود" (3).
__________
(1) يوجد منه جزء في دار الكتب المصرية.
(2) وطالعت الجزء الثاني منه في إحدى مكاتب الجزائر.
(3) "نفح الطيب".
(3/ 2/122)

* وفاته:
بعد أن استولى الموحدون على مدينة إشبيلية فيما استولوا عليه من بلاد الأندلس، توجه أبو بكر بن العربي مع جماعة من أهل بلده إلى المغرب الأقصى، فأدركته المنية هناك، ودفن بفاس خارج باب المحروق، وقبره معروف، قال المقرري في "أزهار الرياض": وقد زرته مراراً. أفاض الله على قبره رحمة ونوراً.
(3/ 2/123)

أحمد تيمور باشا (1)
أقف موقف التأبين لعظيم من أولئك العظماء الذين لا يسمح بهم الزمان إلا في أوقات نادرة، ليكونوا مُثلاً عالية لكمال الإنسان، حتى إذا قدر النبهاء من الناس أقدارهم، وأخذوا ينحون في بناء الشرف نحوهم، ورحلوا إلى دار السلام عند ربهم وغادروا القلوب تحترق أسفًا، والأكباد تتقطع تلهفاً.
لا أستطيع أن أرسم في هذا المقام صورة تمثل أو تكاد تمثل كمال الفقيد من كل ناحية، وإنما هي كلمة أصف بها جانباً من خصاله الحميدة، عسى أن يكون في إلقائها تذكرة لطلاب الفضيلة من أبنائنا الناهضين.
في سنة 1340 زرتُ المكتبة الزكية وهي في جناح من دار الكتب المصرية، فلقيت هنالك صاحب السعادة أحمد تيمور باشا، فجرى بيننا تعارف، وسرعان ما انقلب التعارف وداً، وما برح الود ينمو حتى أخصب، وصار الصداقة التي يرتاب في وجودها بعض المتأدبين، ويزعم أنها ثالثة الغول والعنقاء، فإذا تحدثت عن شيء من كمال الفقيد، فإنما أتحدث عما كنت أشهده المرة بعد الأخرى، وأقرؤه في سريرته سافراً لا أجد دون قراءته ساتراً.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد الثاني.
(3/ 2/124)

* حياته الخلقية:
تلاقي العلامة الكبير أحمد تيمور باشا، فتشهد طلاقة محيا، وابتسامة تملأ ناظريك أنساً، فإذا مد يده إلى مصافحتك، انحنى قليلاً ليخالف عادة المترفين الذين يرفعون رؤوسهم في شيء من التعاظم والخيلاء.
وفي الناس من تجلس إليه ساعة من ليل أو نهار، فلا يلبث أن ينطلق في حديثه إلى شيء من الافتخار بما عنده، أما تيمور باشا، فحرام أن تسمع منه كلمة تومئ إلى فخر، ولو من طريق بعيد.
عرف الفقيد بالتواضع، وهو الخلق الذي كان يجذب إليه قلوب أهل الفضل لأول ما تقع عليه أبصارهم، وأقول الساعة: إنه كان يتواضع في ألمعية وحكمة، وربما خفض جناح التواضع لذي فطرة سليمة لا يقيم له أولو النعمة وزنًا، أكثر مما يخفضه لذي جاه نافذ أو مقام نبيه، وله مع هذا التواضع مقامات يمثل فيها شمم العلماء، وعزة المؤمنين.
يزدري الفقيد مظاهر الأبهة التي تهوي إليها أفئدة كثير ممن هم عن طريق الحمد غافلون، وإذا أصبح يؤثر العزلة إلا قليلاً، فإنه ما برح يخوض غمار الاجتماع بما يقدمه من نتائج عرفانه وجلائل إحسانه.
يأخذ الفقيد بسنّة الوصل والقطع في الله، ويسير على هذه السنّة بعزم لا يهن، وقدم لا يتزلزل، وأسوق على هذا: أنه كان قد اشترك في صحيفة من صحف الأقطار البعيدة عن مصر، فجاءته يوماً تحمل مدحاً له وثناء، لكنها سمَّت في مقام آخر الخروج على الإسلام إصلاحاً، والخارجين عليه مصلحين، فما كان منه إلا أن أعادها قاطعاً الاشتراك فيها، وقال: لا حاجة له في مدح صحيفة تطعن في الشريعة الغراء.
(3/ 2/125)

عرف الفقيد بالتؤدة والرصانة، ومن أجلى ما يتمثل فيه هذا الخلق العظيم: أنه كان يحتفظ بالآداب القومية، ويأبى أن يستبد بها آداباً غير شرقية، فما كان ليضع في تاريخ الرسائل إلا الشهر العربي، والسنة الهجرية، ولو كانت الرسائل موجهة إلى شركة أجنبية.
وهذا مثال صغير ينبئكم عما وراءه من الاعتزاز بالقومية، وهل يحتقر الرجل قوميته بأكثر من أن يولع بتقليد قوم آخرين، ويحاكيهم فيما لا مدخل له في علو شأنهم وقوة سلطانهم؟.
ومن الأخلاق الضائعة في الشرق، إلا بين طبقة خاصة من الناس: خصلة القيام على الوعد، وصيانته من الإخلاف، وكان الفقيد يرعى هذه الخصلة حق رعايتها، فإذا قطع وعدًا في أمر جليل أو حقير، وجد في نفسه مذكرًا فطرياً حتى يكون الوعد ناجزاً، ولطول ما صحبناه على هذا الخلق الحازم لم نرتب فيما إذا عين وقتاً للّقاء أن يكون عند الوقت حاضراً.
يرعى الفقيد عهد إخوانه، ويبذل ما استطاع في قضاء ما يهمهم، ولا أنسى أن أمراً اقتضى سفري إلى الإسكندرية، وأشفق - رحمه الله - من أن لا أهتدي طريق الوصول إليه، فأزمع السفر، ولا داعي له إلى هذا السفر إلا عاطفة المودة، وأمتعني بمرافقته ذهاباً وإياباً.
يزن تيمور باشا الرجال كما يزنهم غيره ليعلم أيهم أرجح في الفضل وزنًا، ولكنه لا يضع في جانب ما يفضل به قدر الرجل شيئاً غير العلم وسلامة العقيدة ومكارم الأخلاق، هذا قانون الفضل في رأي الفقيد، واحترامه القلبي والعملي للأشخاص، وإلقاؤه إليهم بالمودة لا يخرج عن حدود هذا القانون.
(3/ 2/126)

ينفق الفقيد في وجوه البر بأريحية وبسط راحة، وإذا لم يظهر من إحسانه إلا ما يهبه لبعض الجمعيات الخيرية أو الأدبية، فإن المتواري منها؛ كالذي يسعف به ذوي الحاجات من الأسر والأفراد شيء كثير، ومن شواهد إخلاصه فيما ينفق: أنه كان يهب لبعض الجمعيات الإصلاحية في المرة الواحدة نحو الخمسين ديناراً، أو المئة دينار، وإذا جاءه من تسلم منه المبلغ بإيصال من الجمعية، أبى أن يقبله، وقال له: مزقه إن شئت، ولا وجه لكتابته، فضلاً عن الاحتفاظ به.
في الفقيد صبر جميل، وما هو على الحياة بحريص، كنت أزوره وهو على فراش مرَض خطير، فإذا تجاوزت باب الغرفة مقبلاً، هبّ على وجهه ابتسام يعقبه تحية، فمحادثته خالية من شكوى المرض، أو الضجر من مصابه.
يرتاح الفقيد للطرف الأدبية، ويوردها في المجلس حسب اقتضاء المقام، ولكنني لم أره يداعب في محادثته قريباً أو صديقاً، فضلاً عمن يلاقونه في أوقات نادرة، ونظره الصائب في هذه الحياة، ورسوخ طبيعة الجد في نفسه قد جعلاه لا يألف إلا حديثاً في علم أو أدب، أو شأن من شؤون الاجتماع، وهما اللذان جعلاه لا يشغل شيئاً من وقته في لهو، ولم أر قط في منزله نرداً، أو شطرنجاً، أو نحوهما من الملاهي التي تأكل عمر المغرم بها أكل النار للهشيم.
يتحدث الفقيد في صوت منخفض هادئ، وهو يملك أن يداري، فيبسط وجهاً رحباً، ولساناً بالتحية أو الحديث رطباً، وليس في استطاعته أن يداهن، فيقول للمسيء: أحسنت، أو للمخطئ: أصبت، وإذا منعه حياؤه
(3/ 2/127)

الرقيق من أن يصارح جليسه بالتخطئة في علم أو رأي، فإنه يسلك في تنبيهه على الخطأ طريقة رفيقة بعيدة عن هيئة المعارضة، وليس من شأنها أن تجزَّ إلى مناقشة.
* حياته العلمية:
إذا كان نبوغ الرجل في العلم على قدر صفاء قريحته، وحرصه على أن يعلم ما لم يعلم، فحظ الفقيد من هاتين المزيتين عظيم.
كان - رحمه الله - وضيء الفكر، ذا رغبة متناهية في أن يزداد كل يوم علماً، وقد هيأ الله له أن أنشا تلك المكتبة الحافلة بالكتب القيمة، فلا جرم أن كان العلامة الذي يقف دون شأوه كثير من فرسان البراعة والتحرير.
يطلب فريقٌ العلمَ لليسار، والفقيد محفوف باليسار من قبل أن يطلب العلم.
ويطلبه فريق للمنصب، والفقيد تصافحه المناصب، فيسل يده من مصافحتها.
ويطلبه آخرون للمباهاة، وما بين الفقيد والمباهاة مثل ما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصاع.
إذن لم يطلب تيمور باشا العلم إلا لفضيلته، ومن طلب العلم لفضيلته يريد أن لا يدع ثمرة من ثمره إلا قطفها، ولا زهرة من أزهاره إلا تنسمها.
كنت أزوره وهو على فراش مرض أشار عليه الأطباء فيه بإلتزام السكون، وإراحة الفكر من كل عمل، فأرى بجانب قوارير الأدوية كتبا كثيرة، ويقول لي: إني لا أستطيع الانقطاع عن المطالعة، ولكن نظراً لإشارة الطبيب أقتصر
(3/ 2/128)

على مطالعة الكتب التي لا تستدعي إجهاد فكر؛ ككتب الأدب والتاريخ.
لا يقنع الفقيد في بحث الموضوعات العلمية حتى يبلغ الأمد الأقصى، فيمعن في البحث، ويتقصى أثر الموضوع من الكتب التي شأنها التعرض له حتى يلم به من كل ناحية، وهذه مقالات الآثار النبوية التي حررها في "مجلة الهداية الإسلامية"، وهي آخر موضوع خاض فيه قلمه الأمين، لم يكتف فيها بما استمده من كتب الحديث والسيرة والتاريخ والأدب، فكان يبعث برسائل إلى سورية وفلسطين وتونس وغيرها من البلاد، ويسأل عما يوجد هنالك مما يدَّعى أنه آثار نبوية، وكان ينقد ما يورده في هذا القصد، ويضعه في الدرجة التي يستحقها بحكم آداب البحث.
يتلقى الفقيد نقد آرائه بأناة وطمانينة شأن من يخدم العلم بإخلاص، ولا يهمه إلا أن تظهر الحقائق سافرة كما هي، وليس من سمائه ولا أرضه الحرص على أن يعتقد فيه الناس العصمة من الخطأ، وإنما هو دأب المرائي في العلم، ينزعج من نقد آرائه، فيثور للدفاع عنها، وإن استيقنت نفسه أنها الباطل، مكشراً عن أنيابه تحت وضح البرهان.
عرف الفقيد بسعة الاطلاع، ودقة البحث، فكان كالوادي الخصب ينتجعه الباحثون في الشرق والغرب، فيجدون عنده ما يكشف الحيرة، ويجعل النفس في قرار من العلم.
وله بعد أجوبة المسترشدين مقالات علمية كان ينشرها بالصحف: "المؤيد" و"الهلال"، و"المقتطف"، و"المقتبس" ومجلة "الزهراء"، و"الفتح"، ومجلة "المجمع العلمي"، ومجلة "الهداية الإسلامية".
أما مؤلفاته، فهي "ذيل طبقات الأطباء"، و"تاريخ رجال القرن الثالث
(3/ 2/129)

عشر والرابع عشر"، و"نظرة تاريخية في انتشار المذاهب الأربعة"، و"تاريخ الطائفة اليزيدية"، و"تاريخ العلم العثماني"، و"نقد القسم التاريخي لدائرة معارف فريد وجدي بك"، و"لُعب العرب"، و"التصوير عند العرب"، و"تراجم المهندسين من العرب"، و"معجم اللغة العامية"، والقصد من هذا التأليف: الرد على من يدعون إلى إقامة العامية مقام العربية الفصحى بدعوى أنه يوجد في العامية من الكلمات ما ليس له في اللغة الفصحى من رديف، و"معجم الفوائد"، وهو كتاب يشتمل على مسائل قيمة من علوم شتى، و"البرقيات"، وهو كتاب يحتوي على الكلمات التي يدل كل مفرد منها على معان متعددة، و"حياة أبي العلاء المعري وعقيدته"، و"مفتاح الخزانة".
يغار الفقيد على اللغة العربية، ويحرص على أن تكون نقية من الألفاظ الأجنبية، وكان من أجل هذا يتحامى أن يضع- ولو في رسائله المعتادة- كلمة غير عربية فصيحة، فكان يعبر عن التليفون - مثلاً - بالهاتف، كتب لي من الإسكندرية في الصيف الماضي: "رقم الهاتف (757) البلد"، بل يعبر عن الجنيه بالدينار، كتب لي من هنالك: "سرني إقامة حفلة لمرور سنة على مجلة "الهداية الإسلامية"، وأتبرع لهذه الحفلة بعشرة دنانير"، وكان يعجبه أن يكتب كاتب الجمعية أو اللجنة في التواضع: (كاتم السر) بدل كلمة (السكرتير).
للفقيد - رحمه الله - عناية بالآثار العلمية، فاجتمع في مكتبته من المؤلفات والأوراق المشتملة على خطوط العلماء ما لا أحسبه يوجد في مكتبة شرقية غيرها، وأذكر بهذه المناسبة: أني كنت أنهيت "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" بقلم ذي مداد أحمر (كوبية)، ونظمت أبياتاً على لسان
(3/ 2/130)

القلم (1) وكتبتها بنفس القلم، وأهديته مع الأبيات إلى المكتبة التيمورية، فتلقاها الفقيد بارتياح، ووضعها في معرض الآثار العلمية، وقبل وفاته بيوم زار نادي الجمعية، ومعه الصحيفة المكتوب بها الأبيات، وقد تطاير أكثر حروفها، وأبدى رغبته في أن تعاد بمداد ثابت.
درس الفقيد الشريعة الإسلامية على النحو الذي يجعل لها في النفوس مكانة، فأخذ احترامها بمجامع قلبه، وكانت غيرته عليها بالغة، وهذا ما كان يهز أريحيته لمساعدة الجمعيات والصحف التي يقصد بها تقويم المنحرفين عن الدين الحنيف، وما قبل أن يكون عضواً في مجلس إدارة جمعية الهداية الإسلامية إلا ليساعدها برأيه وجاهه، كما كان يساعدها بعلمه ونواله.
هذه كلمة تصف شيئاً من كمال المرحوم أحمد تيمور باشا، ألقيها بقلب ملؤه الأسف لفراقه، والإعجاب بسيرته، ونرجو الله تعالى أن لا يبقي النهضة الإصلاحية كطائر هيض جناحه، أو بطل ضاع سلاحه، وأن يمتع الفقيد بواسع رحمته وحمده، ويجعل نجليه الماجدين قرة أعين أهل الفضل من بعده، والسلام عليكم ورحمة الله.
__________
(1) هذه هي:
سفكت دمي في الطرس أنمل كاتب ... وطوتني المبراة إلا ما ترى
ناضلت عن حق يحاول ذو هوى ... تصويره للناس شيئاً منكرا
لا تضربوا وجه الثرى ببقية ... مني كما ترمى النواة وتزدرى
فخزانة الأستاذ تيمور ازدهت ... بحلى من العرفان تبهر منظرا
فأنا الشهيد وتلك جنات الهدى ... لا أبتغي بسوى ذراها مظهرا
(3/ 2/131)