Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 002


مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(2)

«بَلاغَةُ القُرْآنِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(2/ 1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(2/ 1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
القرآن الكريم كتاب الله العظيم، والمعجزة الخالدة إلى يوم الدين، والنور المبين، أنزله -جلّ جلاله- على خاتم النبيين؛ ليكون هادياً ومرشداً للأمة الإسلامية، يرتقي بها إلى مراقي الفلاح، ويفتح لها باب السعادة في الدارين. كتاب يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين، أنزله الله- سبحانه وتعالى- على نبيه الكريم؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وفيه بيان كل شيء، وقد فصلت آياته تفصيلاً، وأحاط بكل شيء علماً، فهو لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 77 - 78].
وبحوث الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- في القرآن الكريم - هي عمل كاتب صادق، خاض في كل ميادين العلم، وصال فيها وجال، وفي بحوثه القرآنية -شأنه في كل ميدان ومقام-, كان المحقّقَ المدققَ، والبليغ المحلّق، في كل مقال له آية، وكل بحث يغوص فيه راية، وأية راية؟!
وله في كتاب الله العزيز فرائد قيمة، فيها من العلم الغزير بقدر ما فيها من حسن البيان، وفصاحة الكلم. أنار بها العقول التي حاول الزيغ أن ينقلها إلى تهلكة، وأزاح عن سبيل الإسلام ظلماتٍ بعضُها فوق بعض. فجاء الحق بقلمه بيّناً، وزهق الباطل من قلمه زهقاً، إن الباطل كان زهوقاً.
(2/ 1/3)

وبأسلوبه البليغ حين يكتب في "بلاغة القرآن"، وبعلمه الصادق وقلبه المؤمن إذ يتحدث عن "نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية"، وبتقواه وورعه حين يهدي إلى "رأي في تفسير القرآن"، وبفضل الموجه العليم حين يحاضر طلابه في الأزهر حول "المحكم والمتشابه في القرآن الكريم"، إلى آخر تلك البحوث النورانية.
وإذا ما واصلت السير معه في درب الهدى إلى النقد، نجده الإمام الذي لا يخشى في الحق أحداً، ولايسكت عن رأي جاهل أو مضلّ يدس على الإسلام، بل سرعان ما يجرد قلمه المؤمن؛ ليحطم به أفكار أعداء الحق، ويدلي بالحجة بعد الحجة، والبينة إثر البينة، فيفحم الحائدين عن جادة الصواب، ويردهم على أعقابهم خاسئين خاسرين.
جمعت تلك البحوث والردود ومقالات النقد في كتاب خصصت به ما كتبه الإمام عن القرآن العظيم، والدفاع عن آياته ومعانيه، وجعلت لها عنوانا: "بلاغة القرآن"، وهو البحث الأول في الكتاب.
رحم الله الإمام محمد الخضر حسين الذي كان مثالاً عزّ مثيلُه في الكفاح والجهاد والدفاع عن الحق دون خوف أو سأم.
وأذكر بيتاً من الشعر للعم الإمام يردده، وهو قائله:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن واد أعيش به وحدي
ذكرت في الهامش عند مطلع كل بحث: المصدرَ الذي نقلت عنه.
والله نسأل الهداية والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
علي الرّضا الحسيني
(2/ 1/4)

بلاغة القرآن (1)
لدعوة الإسلام براهين ناطقة بأنها دعوةُ حقٍّ، ولسانُ صدقٍ، وأقوى هذه البراهين دلالةً، وأملؤها للقلوب يقيناً: ذلك الكتابُ الذي نزل به الروح الأمين على خاتَم النبيّين. ولو لم تقترن الدعوة الإسلامية إلا به، لكان كافياً في إقامة الحجّة على أنها الرسالة الشاملة الخالدة.
وللبحث في إعجاز القرآن نوَاحٍ كثيرة، اتجه إليها المفسرون وعلماءُ البيان بتفصيل، فكشفوا الغطاء عن كثير من أسرارها، ووضعوا أيديهم على جانب عظيم من حقائقها، والناحية التي سنحدِّثك عنها في هذا المقال هي: ناحية بلاغته، وحسن بيانه.
بلاغةُ القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمه محكماً، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.
أما فصاحة ألفاظه، فبأن يسهلَ جريانها على اللسان، ويخفَّ وقعها على السمع، ويألفها الذوق غيرَ نابٍ عنها، وهي مع ذلك جاريةٌ على ما ينطق به العرب، أو يجري على قياس لغتهم.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء التاسع من المجلد العشرين الصادر في شهر ربيع الأول 1367 ه.
(2/ 1/5)

وأما إحكام نظمه، فبأن تقع كل كلمة منه موقعها اللائق بها؛ بحيث تكون كلماته متناسبة، يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا يمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول: ليت هذه الكلمة تقدمت عن تلك الكلمة، أو تأخرت عنها.
وأما انتظام دلالته، فبأن يطرق اللفظُ سمعك، فيخطر معناه في قلبك، وحصولُ المعنى في القلب بسرعة، أو بعدَ مهلة يرجع إلى حال السامع من الذكاء، أو بطء الفهم، وحال المعنى من جهة ظهوره، وقرب مأخذه، أو دقته وغرابته.
ويتحقق انتظام دلالة الكلام بإخراج المعاني في طرق تُريكَها في أقوم صورة، وأعلقها بالنفس؛ كالتشابيه، وضرب الأمثال، والاستعارات، والكنايات المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريباً من فهم السامعين.
وأما كون الدلالة على المعنى وافية، فبأن يؤدي اللفظ صورَ المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتها للمخاطبين على وجه أكمل؛ بحيث تكون العبارة بمفرداتها وأسلوبها كالمرآة الصافية، تعرض عليك ما أودعت من المعاني، لايفوت ذهنك منها شيء. ونريد من المعاني التي يؤديها الكلام غير منقوصة: ما يشمل المعاني التي يراعيها البليغ زائدة على المعنى الأصلي الذي يقصد كل متكلم إلى إفادته، وهي المعاني التي يبحث عنها في علم البيان، وتسمى: "مستتبعات التراكيب"، وكثيراً ما ننبه لهما فيما نكتب من التفسير.
هذه الوجوه التي يرجع إليها حسنُ البيان يتنافس فيها البلغاء من الكتاب والشعراء ويتفاضلون فيها، درجات، فترى كلاماً في أدنى درجة، وآخر فيما
(2/ 1/6)

هي أرفع منها، ولا تزال تصعِّد نظرك في هذه الدرجات المتفاوتة إلى أن تصل إلى كلام يبهرك بفصاحة مفرداته، ومتانة تأليفه، وانتظام دلالته، وبهجة معانيه المالئة ما بين جوانبه.
فإذا أردنا أن نتحدث عن بلاغة القرآن، أتينا إلى البحث عنها من هذه الوجوه التي وضعناها بين يديك، فننظر في ألفاظه من جهة فصاحتها، وفي نظمه من جهة أخذ كل كلمة الموضعَ اللائق بها، وفي دلالتها من جهة تصوير المعاني، وإيصالها إلى الأذهان من غير تعسف، ولا التواء، ثم في جمله من جهة ما تحمل من المعاني التي يستدعي المقام مراعاتها.
أما فصاحة مفرداته، فلا تمرُّ بك كلمة منه إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.
وأما متانة نظمه، فقد بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكنك -وأنت العارف بقوانين البيان، الناظرُ في منشآت البلغاء لإمعان- أن تشير إلى جملة من جمله، وتقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو تشير إلى كلمة من كلمها، وتقول: لو استبدل بها كلمة أخرى، لكانت الجملة أشدَّ انسجاماً، وأصفى ديباجة.
يصل الكلمة بما يلائمها، ويعطف الجملة على ما يناسبها، ويضع الجملة معترضة بين الكلمتين المتلائمتين، أو الجملتين المتناسبتين، فترى الكلمتين أو الجملتين مع الجملة المعترضة بينهما كالبناء المحكم المتلائم الأجزاء، فلا يكاد الفكر يشعر بأنه انقطع بالجملة المعترضة عن الكلمة الأولى، أو الجملة، ثم عاد إلى كلمة أو جملة مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً.
وأما انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان، فإنك
(2/ 1/7)

ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستعارات الطريفة، والمجازات اللطيفة، والكنايات المنقطعة النظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقربَ إلى حسن البيان من القول الصريح.
وقد يخطر على بالك أن في القرآن آياتٍ مشكلة، أو متشابهة، والحق الذي لا مرية فيه: أن لا إشكالَ في القرآن عند من يتدبره برويَّة، ويأتي إلى التفقه فيه، وقد تزود بقوانين لغة العرب، واستضاء بمعرفة فنون بيانها.
وليس في القرآن متشابه على معنى أن في الآيات ما لا يظهر تأويله للناس؛ بحيث يتلُونه، أو يستمعون إليه، ولا يعودون بفائدة علمية أو أدبية.
وأما استيفاؤه للمعاني التي يستدعي الحال الإفصاحَ عنها، أو الإيماء إليها، فإنك تنظر في الآية، وتتدبر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدك مملوءة من الفوائد التي تقع إليها؛ من حيث تقرر شريعة، أو تقيم حجّة، أو تلقي موعظة، أو ترسل حكمة، إلى نحو هذا مما تستبين به سبيل الرشد، وتنتظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دنياها وآخرتها.
بلغ القرآن الطرف الأعلى من حسن البيان، على الرغم من أشياء اجتمعت له، ولو عرضت لكلام مخلوق، لنزلت به عن المكانة العالية إلى ما هو أدنى.
ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذ لبَّكَ بالمنشآت الرائقة، حتى إذا طال به مجال القول، وقطع فيه أشواطاً واسعة، رأيت في جمله أو أبياته تفاوتاً في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفاً، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.
ولكن القرآن الكريم على طول أمده، وكثرة سوره، نزل متناسباً في
(2/ 1/8)

حسن بيانه؛ كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] , ثم قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وترى البليغ من البشر يخوض في فنون من الكلام متعددةٍ، فإذا هو يرتفع في فن، وينحط في آخر.
ولكن القرآن الكريم يتصرف في فنون كثيرة؛ مثل: الوعظ، وإقامة الحجج، وشَرْع الأحكام، والوصف، والوعد والوعيد، والقصص، والإنذار، وغير ذلك من الوجوه التي تتصل بالهداية العامة، فلا تتفاوت فيها ألفاظه الرشيقة، وأساليبه البديعة.
والمعروف أن القرآن أتى بحقائق أَسَّس بها شريعة واسعة النطاق، وليس من شأن هذه المعاني أن تظهر فيها براعة البلغاء كما تظهر فيما ألفوه من نحو: المديح، والرثاء، والتهمئة، والغزل، ووصف المشاهد، إلى غير ذلك مما يطلقون لأفكارهم فيه العِنان، فتذهب مع الخيال كل مذهب، وترتكب من المبالغات ما استطاعت أن ترتكب، والقرآن الكريم يعبر عن تلك المعاني التي تستدعي صدق اللهجة، وصوغ الأقوال على أقدار تلك الحقائق، فترى الفصاحة ضاربة أطنابها، والبلاغة مرسلة أشعتها.
في بلغاء البشر من تحس من شعره أو خطبته أو رسالته أنه لم يكن يتصنع فيما يقوله، ذلك أنك تجد في كلامه: الجيد، والوسط، والرديء، وفيهم من تحس فيما يقوله التصنع، وهذا هو الذي يغلب على كلامه المنظوم أو المنثور الجودةُ في تصوير المعنى، والتعبير عنه بكلام موزون، أو غير موزون.
ولكن القرآن الكريم بالغٌ الغايةَ من حسن البيان، فلا يجد فيه الراسخ في نقد المنشآت البليغة ما ينزل عن الدرجة العليا، بل يحس روح البلاغة
(2/ 1/9)

التي لا يحوم عليها شيء من التصنع سارية في آياته وسوره، سواء في ذلك تصويره للمعاني، أو نظم الألفاظ الناطقة بها.
ومن مظاهر بلاغة القرآن: أنه يورد القصة في أوفى درجة من حسن البيان، ثم يعيدها في سُورَةِ أخرى على حسب ما يقتضيه مقام الوعظ، حتى إذا عقدت موازنة بين حكايتها هنا، وحكايتها هناك، وجدتهما في مرتبة واحدة من البلاغة، لا تنزل إحداهما عن الأخرى بحال.
أما البليغ من البشر، فقد يسوق إليك القصة في عبارات أنيقة، ثم يريد أن يعيدها مرة أخرى، فإذا هي في درجة من البراعة منحطة عن درجتها الأولى.
(2/ 1/10)

نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية (1)
" يتحدث الناس عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وتأتينا الرسمائل في السؤال عن حكم هذا النقل، وذلك ما دعاني أن أنظر في هذا الموضوع الخطير، وأعرض ما وصلت إليه من نتيجة، وأرجو أن أكون ممن استقام في البحث حتى اهتدى إلى الحقيقة".
* هل في المستطاع ترجمة القرآن إلى لغة غير عربية؟
للقرآن -ككل كلام عربي بليغ- معانٍ أصلية، وهي ما يستوي في فهمه كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة، وعرف وجوهَ إعرابها؛ من فاعلية، ومفعولية، وحالية، وإضافية، وما يشاكل ذلك من الأحوال المبحوث عنها في علم النحو. فالمعنى الأصلي في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] يفهمه كل من له إلمام باللغة العربية، سواء عليه أكان خبيراً بطرق البلاغَة، أم فاقدَ الإحساس الذي يتذوق به طعمها، فكل عارف بمدلولات ألفاظ هذه الآية، ووجوه إعرابها، يعقل منها أن قَتْل الذي يَقتل نفساً بغير حق، يحمي من القتل فيما بعد، ويكون سبباً لحياة كثير من الناس؛ لما في القصاص من الزجر البالغ والإرهاب.
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - الجزء الثاني من المجلد الثاني الصادر في شهر صفر 1350 ه.
(2/ 1/11)

وللقرآن معانٍ ثانوية، ويسميها علماء البلاغة ب: مستتبعات التراكيب، وهي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام، وتتسابق في مجالها فرسان البلاغة من الخطباء والشعراء، فقد يتحد الخطيبان أو الشاعران فيما يريدان إفادته من المعاني الأصلية، ويتفاضلان فيما يتبع هذه المعاني من لطائفَ ومعانٍ ثانوية.
والمعنى الأصلي قد يوافق فيها بعضَ الآيات منثورٌ أو منظوم من كلام العرب، ولا تمس هذه الموافقة إعجاز القرآن؛ فإن إعجازه ببديع نظمه، وروعة بيانه، وبما حفَّ به من المعاني الزائدة على أصل المراد، وبحكمة معنى كل آية؛ بحيث لا يجد أولو الأبصار في آياته تخاذلاً، ولا في كلماته لاغية، وبما يضاف إلى هذا من إخباره عن غيوب وقعت كما وصفها.
وإذا كان للقرآن معانٍ أصلية، وأخرى تابعة، وهي مظهر بلاغته، وملاك إعجازه، فإن ترجمته بالنظر إلى المعاني الثانوية غيرُ ميسورة، إلا أن توجد لغة توافق اللغة العربية في دلالة ألفاظها على هذه المعاني المسماة عند علماء البيان: خواص التراكيب، وذلك ما لا يسهل على أحد ادعاؤه، وممن نبَّه على هذا في القديم: أبو القاسم الزمخشري في "كشافة" إذ قال: "إن في كلام العرب -خصوصاً القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
وليس في هذا إنكار أن يكون في اللغات الأخرى بلاغة، ويكفي في تعذر ترجمة ما يحمله اللفظ العربي من دقائق المعاني، أن هذه المعاني، أو بعضها، مما لا يشير إليه اللفظ المرادف له من اللغة الأجنبية، إلا أن تصاغ له جملة مستقلة، وأضرب المثل لهذا بأن تقديم المفعول على الفعل يدل
(2/ 1/12)

في اللغة العربية على الاهتمام بشأنه، وربما كانت اللغة الأخرى لا تدل بالتقديم على هذا المعنى، فيحتاج المترجم في الدلالة على معنى الاهتمام الذي يشير إليه اللفظ العربي بالتقديم إلى عبارة أخرى بعد العبارة التي ينقل بها أصل المعنى، وإذا كان التنكير يدلّ في اللغة العربية على التعظيم أو التحقير، ولم يعتد أهل اللغة الأجنبية أن يدلّوا به على هذا المعنى، فإن المترجم يقتصر في ترجمة الاسم النكرة على مدلوله اللغوي، ويفوته معنى التعظيم أو التحقير الذي يعدُّ من مقاصد المتكلم العربي، ويدخل فيما يورث الجملة العربية رفعة، وإذا زاد المترجم كلمة ترادف معنى عظيم أو حقير، ذهب رونق البلاغة الذي هو حلية اللفظ العربي؛ لأن لأخذ هذا المعنى من التنكير وقعاً في نفس السامع غيرَ الوقع الذي يكون له عندما ينطق المتكلم بلفظه الصريح.
وعلى فرض أنه يوجد لسان أجنبي يستقل بأداء ما في كلام العرب من لطائف المعاني، فلا يثق أحد بأنه وصل إلى كل ما في الآية من المعاني التي يرتفع بها شأن الكلام، حتى يصح له ادعاء أنه عبّر باللغة الأجنبية عن كل ما أريد من الآية، وأن نقله لها إلى تلك اللغة ترجمة طبق الأصل.
والذي يمكن نقله إلى لغة أخرى إنما هو معانيه الأصلية؛ حيث لا تقصر اللغات الأجنبية عن تأديتها.
قال أبو إسحق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني: النظر إلى معانية الأصلية- ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن، وبيان معانيه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزاً باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجَّة في
(2/ 1/13)

صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
وإذا كان نقل المعاني الأصلية قد يقع صحيحاً، وكان في مستطاع من يجيد لغة أجنبية أن ينقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغة التي أجاد معرفتها، لم يبق سوى النظر في تفصيل حكم هذا النقل، وبيان حال المنع منه، أو الإذن فيه.
ويرجع النظر في هذا البحث إلى مقامين:
المقام الأول: قراءة ترجمة القرآن في الصلاة.
والمقام الثاني: نقل معاني القرآن ليطلع عليها أهل ذلك اللسان لعلهم يهتدون.
المقام الأول:
نجد في المسائل التي هي موضع خلاف بين الأئمة: القراءة في الصلاة بألفاظ غير عربية يعبر بها عن طائفة من معاني القرآن الكريم.
يروى عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه كان يرى جواز القراءة في الصلاة باللغة الفارسية، وبنى بعض أصحابه على هذا القول جوازها بالتركية والهندية، وغيرها من الألسنة، وظاهر هذه الرواية: جواز القراءة بالفارسية ونحوها، ولو كان المصلّي قادراً على النطق بالعربية، ومبنى هذا على أن القرآن اسم للمعاني التي تدل عليها الألفاظ العربية، والمعاني لا تختلف باختلاف ما يتعاقب عليها من الألفاظ واللغات.
أما صاحباه الإمامان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فجعلا القراءة في الصلاة باللسان الأعجمي من قَبيل ما تدعو إليه الضرورة، فأجازاها للعاجز عن العربية، دون القادر على القراءة بها، وهذا ما تجري به الفتوى
(2/ 1/14)

في مذهب الحنفية.
قال في "معراج الدراية": "إنما جوّزنا القراءة بترجمة القرآن للعاجز إذا لم يخل بالمعنى؛ لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك مطلقاً، إذ التكليف بحسب الوسع".
وما روي عن الإمام أبي حنيفة من جواز القراءة في الصلاة بترجمة القرآن قد صح رجوعه عنه، حكى هذا الرجوع عبد العزيز في "شرح البزدوي"، قال صاحب "البحر المحيط": "والذين لم يطلعوا على الرجوع من أصحابه قالوا: أراد به عند الضرورة، والعجز عن القرآن، فإن لم يكن كذلك، امتنع، وحكم بزندقة فاعله". وليس الإلحاد ممن قدر أن يقرأ في الصلاة بالعربية، فعدل عنها إلى الأعجمية ببعيد.
أما المالكية والشافعية والحنابلة، فقد منعوا القراءة بترجمة القرآن في الصلاة، سواء أكان المصلي قادراً على العربية، أم عاجزاً، ناظرين إلى أن ترجمة القرآن ليست قرآناً، إذ القرآن هو هذا النظم المعجز الذي وصفه الله تعالى بكونه عربياً، وبالترجمة يزول الإعجاز.
قال القاضي أبو بكر بن العربي -وهو من فقهاء المالكية- في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]: قال علماؤنا: هذا يبطل قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: إن ترجمة القرآن بإبدال اللغة العربية منه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} نفى أن يكون للعجمة إليه طريق، فكيف يصرف إلى ما نفى الله عنه؟ ثم قال: "إن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قلب إلى
(2/ 1/15)

غير هذا، لما كان قرآناً ولا بياناً، ولا اقتضى إعجازاً".
وقال الحافظ ابن حجر-وهو من فقهاء الشافعية- في "فتح الباري": "إن كان القارئ قادراً على تلاوته باللسان العربي، فلا يجوز له العدول عنه، ولا تجزئ صلاته (أي: بقراءة ترجمته)، وإن كان عاجزاً"، ثم ذكر أن الشارع قد جعل للعاجز عن القراءة بالعربية بدلاً، وهو الذكر.
وقال الشيخ ابن تيمية -وهو من فقهاء الحنابلة- في الرسالة الملقبة ب: "السبعينية": "وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى؛ كبيان لفظ القرآن، فهذا غير ممكن أصلاً، ولهذا كان أئمة الدين: على أنه لا يجوز أن يقرأ بغير العربية، لامع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها؛ لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزَّل".
وخلاصة البحث: أن الخلاف في القراءة في الصلاة بغير العربية يرجع إلى مذهبين:
أولهما: أن ذلك محظور، والصلاة بهذه القراءة غير صحيحة، وهو مذهب الجمهور من أئمة الدين.
وثانيهما: جواز القراءة بالأعجمية عند العجز عن النطق بالعربية، وهو مذهب الإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ولا يعد بجانب هذين المذهبين ما يعزى للإمام أبي حنيفة من صحة القراءة بالفارسية، ولو للقادر على العربية؛ لما عرفت من صحة رجوع الإمام عنه، والقول الذي يرجع عنه الإمام لا يعد قولاً في المذهب، وإذا نظرنا إلى أن من الفقهاء الحنفية من حمل ما روي عن الإمام أبي حنيفة على حال العجز عن العربية، لم يبق في المذهب الحنفي سوى قول واحد، وهو تقييد الجواز بحال
(2/ 1/16)

العجز عن النطق بالعربية.
المقام الثاني: في نقله للاطلاع على حكمته:
في النقل وجوه من الفساد تقتضي المنع منه، وفي النقل مصلحة تستدعي الإذن فيه، وها نحن أولاً نذكر لك وجوه الفساد، ونكشف عن وجه المصلحة، ونعرض عليك آراء أهل العلم، ونرجو أن يكون نقل ما يمكن نقله من المعاني الأصلية على وجه التفسير غير محظور.
* وجوه الفساد في ترجمته:
الترجمة نوعان:
أحدهما: أن يعمد المترجم إلى كل كلمة عربية، ويضع بدلها ما يرادفها من اللسان غير العربي، ثم يسوق الجملة مراعياً ترتيبها على قدر ما تسمح به قواعد ذلك اللسان، وهذا ما يسمى: ترجمة حرفية.
ثانيهما: أن يلم بمعنى الجملة العربية، ثم يصوغه في جملة من اللغة الأخرى، سواء أساوت ألفاظُ الترجمة ألفاظَ الأصل، أو اختلفتا إيجازاً وإطناباً، وهذا ما يسمى: ترجمة معنوية.
والخلل الذي تشترك فيه الترجمتان -الحرفية والمعنوية-: أن يكون اللفظ ذا معنيين، أو معان تحتملها الآية، فيضطر المترجم إلى أن يضع بدله من اللغة الأجنبية اللفظ الموضوع لما يختاره من المعنيين، أو المعاني؛ حيث لا يجد لفظاً يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة.
ومثال هذا: ما صنع (ماكس هينج) مترجم القرآن للِّسان الألماني، فإنه ترجم الإبِلَ في قوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] باللفظ الموضوع في الألماني للسحاب، وهو أحد المعاني التي حملت عليها الآية،
(2/ 1/17)

والجمهور يفسرون الإبل بالحيوان المعروف، وهو المتبادر، ولا داعي إلى صرف اللفظ عنه إلى ذلك المعنى المجازي، وهو السحاب.
ومن الخلل الذي يدخل الترجمة الحرفية: أن يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي، فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي.
وهذا ما صنع (مارماديوك بكتهول) مترجم القرآن إلى اللسان الإنكليزي في كثير من الآيات، وقد وقع من هذه الناحية في أخطاء لا تحصى، تجدونه -مثلاً- يترجم قوله تعالى: {فَيَدْمَغُهُ} من آية: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18] بمعناها الأصلي، وهو: (فيشج رأسه)، ويترجم قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] بمدلولها الأصلي، وهو جمع اليد إلى العنق، وإطلاقها، والقارئ الإنكليزي لم يعتد أن يفهم من مثل شج الرأس معنى الغلب، ولا من جمع اليد إلى العنق وإطلاقها معنى البخل والإسراف.
ومن هذا القبيل: أن يطلق لفظاً عاماً، ويريد به خاصاً؛ كما أطلق الواقعة على يوم القيامة في قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الواقعة: 1]، فيأتي المترجم بما يرادف الواقعة دون ما يرادف يوم القيامة، وكذلك فَعل المترجم الألماني، إلا أنه كتب في أسفل الصحيفة منبهاً على أن المراد: يوم القيامة.
ومن هذا الباب: أن يستعمل القرآن الكلمة، ومعناها لا يظهر إلا بملاحظة متعلق محذوف، ويكون هذا المتعلق قريب المأخذ في النظم العربي، دون لغة الترجمة؛ كقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 - 11]؛ فإن ترجمتها من غير ذكر متعلق السابقين الواردة
(2/ 1/18)

أولاً، وهو: (في الدنيا)، ومتعلق السابقين الواردة ثانياً، وهو: (في الآخرة) لا تأتي للقارئ الألماني بفائدة.
وفي القرآن بعد هذا كلمات كثيرة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من يقف دون تفسيرها، فيؤمن بأن لها معاني صحيحة، ويدع تعيين هذه المعاني إلى علم الله وحده، ومنهم من يأخذها بالتأويل، ويذكر لها معاني معقولة، ويذهب هذا الفريق في التأويل مذاهب يحتاج ترجيح أحدها على غيره إلى ذوق في لغة العرب سليم، ونظر في فهم أصول الدين مستقيم، وهذا ما يسمونه: آيات الصفات في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
وقد تعرض الإمام الغزالي في كتاب "إلجام العوام للأخبار الموهمة للتشبيه"، وقرر الإمساك عن التصرف في ألفاظها بتفسيرها بلغة غير عربية، وقال: "لا يجوز النطق إلا باللفظ الوارد، لأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسية تطابقها، لكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة العرب باستعارتها، ومنها ما يكون مشتركاً في العربية، ولا يكون مشتركاً في الفارسية".
ولما يعرض في ترجمة القرآن من الصعوبة، أجاز بعضهم ترجمة الآيات المحكمة والقريبة المعنى بمقدار الضرورة إليهما من التوحيد وأركان العبادات، وقال: لا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربي (1).
* الداعي إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية:
كان المسلمون -فيما سلف- يقتحمون للسيادة كلَّ وعر، ويركبون
__________
(1) نسبه الزركشي في "البحر المحيط" إلى بعض الأئمة المتأخرين من المغاربة.
(2/ 1/19)

لإظهار دين الله كل خطر، ويلبسون من برود البطولة والعدل وكرم الأخلاق ما يملأ عيون مخالفيهم مهابة وإكباراً، وكانت اللغة العربية تجر رداءها أينما رفعوا رايتهم، وتنتشر في كل واد وطئته أقدامهم، فلم يشعروا في دعواتهم إلى الإسلام بالحاجة إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وربما كان عدم نقلها إلى غير العربية، وهم في تلك العزة والسلطان، من أسباب إقبال غير العرب على معرفة لسان العرب، حتى صارت أوطان أعجمية إلى النطق بالعربية.
ذلك الأمر الذي جعل اللغة العربية تتقلب في البلاد، والقرآن يُدرس باللسان الذي نزل به في كل واد، قد سكنت منذ حين ريحه، وتقطعت أسبابه، غشيت المسلمين فتن، وناموا عن واجب الدعوة إلى سبيل ربهم، فخسروا مظاهر عزِّهم، وفقدوا الوسائل التي كانت تسعد اللغة العربية، فتنطلق بها ألسنة المخالفين، ويدخلون منها إلى الاطلاع على ما في القرآن من بلاغة وحكمة.
أصبحنا أمام أمر واقع، هو: عدم استطاعتنا لنشر اللغة العربية في غير بلاد إسلامية يرأسها مسلم طاهر السريرة، وإبلاغ دعوة الإسلام إلى الشعوب غير الإسلامية فريضة لا تسقط إلا حين يسقط غيرها من الفرائض، فلا بد لنا من ابتغاء الوسيلة إلى القيام بهذه الفريضة، وليس في يدنا اليوم وسيلة إلاَّ نقل معاني القرآن إلى ألسنة من نريد دعوتهم إلى شريعته الغراء.
ومما يدعو اليوم إلى نقل معانيه إلى بعض اللغات الأجنبية على وجه التفسير: أن كئيراً من الأوربيين -ومنهم قُسس- قد ترجموا القرآن إلى لغاتهم تراجم مملوءة بالخطأ، وإنما يُكفى شر هذا الفساد بإراءة أصحاب تلك
(2/ 1/20)

اللغات معاني القرآن على وجهها الصحيح.
هذا ما يأخذ النظر إلى مذهب الإذن في نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وقد صرح بجواز هذا النقل طائفة من كبار أهل العلم.
قال ابن بطَّال: "إن الوحي كله -متلوّاً وغير متلوٍّ- إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس كافة، عرباً وعجماً وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم".
وقال الحافظ ابن حجر: دافمن دخل الإسلام، أو أراد الدخول فيه، فقُرِى عليه القرآن، فلم يفهمه، فلا بأس أن يعرَّب له؛ لتعريف أحكامه، أو لتقوم عليه الحجة، فيدخل فيه" (1).
وقال ابن تيمية في "الرسالة السبعينية": "ولكن يجوز ترجمته كما يجوز تفسيره، وإن لم تجز قراءته بألفاظ التفسير، وهي إليه أقرب من ألفاظ الترجمة بلغات أخرى".
وبعض من منعوا ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية صرحوا بما يقتضي جواز تفسيره بها.
قال القفّال من كبار علماء الشافعية: عندي أنه لا يقدر أحد على أن يأتي بالقرآن بالفارسية، قيل له: فإذاً لا يقدر أحد أن يفسر القرآن، قال: ليس كذلك؛ لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله، ويعجز عن بعضه، أما إذا أراد أن يقرأها بالفارسية، فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله.
__________
(1) "الفتح"، باب: ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية.
(2/ 1/21)

* نتيجة البحث:
إذا كانت ترجمة القرآن إبدالَ اللفظ العربي بلفظ من لغة أجنبية يقوم مقامه في الدلالة على ما يفهم منه عربية، فإنا نرى كثيراً من الآيات لا يمكن ترجمتها على هذا الوجه ترجمةً صحيحةً، فترجمة القرآن من فاتحته إلى منتهاه غير متيسرة، ولو بالنظر إلى المعاني الأصلية؛ فإن الآيات المحتملة لوجوه متعددة لا يمكن نقلها إلى لغة أخرى إلا على وجه واحد، وهذا ليس بترجمة، وإنما يصح أن يسمى: تفسيراً، إذاً يجوز نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية على أنها تفسير، لا على أنها ترجمة مطابقة للأصل.
ولا بد في نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية من إشعار القارئين بأن هذا النقل تفسير لا ترجمة، ومن طرق التنبيه: جمل تكتب في حواشي الصحائف يبين بها أنَّ هذا أحد وجوه، أو أرجح وجوه تحتملها الآية، ومما يُدفع بمثل هذا البيان: توهُّمُ من يقرأ تراجم الأوربيين أن في القرآن اختلافاً؛ فإن المترجم الألماني -مثلاً- قد ترجم {الْإِبِلِ} في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] بالسحاب، والمترجم الإنكليزي ترجمها بمعنى الحيوان المعروف، فالأورويي الذي يقرأ الترجمتين يتوهم أن هذا الاختلاف في أصل نسُخ القرآن، ولا يخطر له أن هذا الاختلاف نشأ من جهة أن كلاً من المترجمين نقل معنىً من معنيين يحتملهما لفظ الآية.
وإذا كانت الترجمة بمعناها الحقيقي -ولو للمعاني الأصلية- لا تتيسر في جميع آيات القرآن، وإنما المتيسر الترجمة على معنى التفسير، كانت الترجمة المعنوية أقرب إلى الصحة من الترجمة الحرفية، متى أفاد بها المترجم
(2/ 1/22)

معنى الآية في أسلوب من أساليب اللغة الأجنبية لا زيادة فيه ولا نقصان.
فلو قامت جمعية ذات نيات صالحة، وعقول راجحة، وتولت نقل معاني القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية، وهي على بينة من مقاصده، وعلى رسوخ في معرفة تلك اللغات، وتحامت الوجوه التي دخل منها الخلل في التراجم السائرة اليوم في أوروبا، لفتحت لدعوة الحق سبيلاً كانت مقفلة، ونشرت الحنيفية السمحة في بلاد طافحة بالغواية قاتمة.
(2/ 1/23)

رأي في تفسير القرآن (1)
أنزل الله القرآن هادياً إلى سبيل السعادتين الأولى والآخرة، مؤيداً هدايته بالحجج التي لا تدع في النفوس شبهة، وفي هذا الكتاب آيات تبدو معانيها للنّاسِ عند تلاوتها، ومنه آيات لا تبدو معانيها إلا لرسول، أو راسخ في العلم، فقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقال - عليه الصلاة والسلام - داعياً لابن عباس - رضي الله عنه -: "اللهم فقَههُ في الدين، وعلِّمه التأويل"، وفي رواية: "علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
وورد في الصحيح أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير بعض الآيات، ورويت آثار عن الصحابة في التفسير كذلك، وتعاطى التفسير من التابعين طوائف؛ كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعطاء بن رباح.
وظهر بعد هؤلاء طبقة الذين ألفوا في التفسير كتباً تجمع أقوال الصحابة والتابعين؛ كسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجّاج، وإسحاق بن راهويه.
وكتب في التفسير بعد هؤلاء جماعة منهم: ابن جرير الطبري في الشرق، وبقي بن مخلد في الأندلس، ودخل في زمرة المفسرين جماعة من علماء
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الأولى الصادر في شهر المحرم 1366 ه - تشرين الثاني، نوفمبر 1947 م.
(2/ 1/24)

اللغة؛ كالفرّاء، وأبي عبيدة، والزجّاج.
وصار التفسير إلى صنفين: تفسير يستند إلى الآثار المنقولة عن السلف، ويسمى: التفسير بالمأثور، وتفسير يستند إلى فهم علماء اللغة والبلاغة، ويسمى: التفسير بالرأي، وفي كل من الطريقتين علم غزير يقدره المنصف البصير، ولكنهما لم يخلوا من مآخذ يجب على الناظر في التفسير الاحتراس منها.
أما التفسير بالمأثور، فقد دخله الخلل من جهة روايات لم يصح إسنادها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى من نسبت إليه من الصحابة.
وكان ابن جرير الطبري ينقد الروايات، فإذا ظهر له أن الرواية غير موثوق بها، تركها، وأبدى رأيه الخاص.
ودخل في التفسير بالمأثور أشياء يأسرها نفر من الإسرائيليين؛ مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فربما ينقل هؤلاء القوم من الإسرائيليات ما له اتصال بتفسير بعض الآيات من قصص القرآن، ويتلقاها بعض المفسرين دون أن يعنوا بتمحيصها، والتثبت في صحة روايتها، وممن تيقظ لهذا: أبو محمد بن عطية من علماء الأندلس، فلخّص تلك التفاسير، وتحرّى ما هو أقرب إلى الصحة، وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، فأسقط من تفسير ابن عطية القصص والتاريخ، وأثبت بدلها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة.
وممن أنكر الأخذ بالإسرائيليات: أبو بكر بن العربي في تفسيره "قانون التأويل" (1).
__________
(1) يوجد منه قسم كبير بدار الكتب المصرية.
(2/ 1/25)

وأما التفسير بالرأي، فقد يدخله الخلل من جهة مخالفته لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الآية برواية صحيحة، أو من جهة عدم موافقته لما تقتضيه قواعد اللغة أو بلاغتها؛ ذهولاً عنها، أو لقلة الخبرة بها.
قال مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله تعالى إلا جعلته نكالاً.
وعلى مثل هذا تحمل الآثار الواردة في ذم تفسير القرآن بالرأي، فمن واجب الكاتب في التفسير أن يتجه إلى تمحيص الروايات، ولا يعول إلا على ما صحت روايته، وأن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها، وبهذا يسلم من أن يخوض فيما ابتدعه قوم من النوع الذي يسمونه: التفسير الباطني.
والتفسير المنسوب إلى الباطن صنفان:
صنف اخترعه طائفة من الزنادقة؛ ليعطلوا أحكام الشريعة، أو ليقلبوا حكمة القرآن إلى معان سخيفة، وهذا باطل ببداهة العقل.
وصنف ينسب إلى المتصوفة، ويطلق عليه بعضهم: الكلام في القرآن من باب الإشارة، وقد تحدث عن هذا الصنف بعض أهل العلم، وأنكروا أن يكون من قبيل التفسير.
قال الواحدي: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير، فقد كفر.
وقال ابن الصلاح: لا يريدون التفسير، ولو أرادوا أن ما يقولونه تفسير للقرآن، لكانوا من الباطنية، وإنما ذلك تنظير منهم لما ورد؛ أي: هي معان يجدونها في نفوسهم عند التلاوة.
(2/ 1/26)

فالفرق بين تفسير الباطنية، وبين تفسير أصحاب الإشارة؛ أن الباطنية يفسرون الآيات بتلك المعاني المنبوذة على أنها هي المقصود من القرآن، أما أصحاب الإشارة فيسلِّمون أن المراد من القرآن هي المعاني التي يذكرها أهل العلم بالتفسير، غير أنهم يذكرون عند تفسير الآية معاني تخطر في أذهانهم عند التلاوة، وإن لم تدل عليها الآية بطريق من طرق الدلالات المعروفة في الاستعمال العربي.
ومع هذا الفرق الواضح بين صنفي التفسير بالباطن، فان الاقتصار في تفسير ألفاظ القرآن على ما يقتضيه استعمالها العربي، يكفي لتقويم العقول، وتزكية النفوس، وإرشادها إلى وجوه الإصلاح الذي تُدرك به السعادة في الآخرة والأولى.
وإذا كان الباطنية يخرجون بألفاظ القرآن عن مقتضى أوضاعها ومجازاتها المألوفة، فهناك طائفة أخرى تحمل ألفاظه على حقائقها اللغوية. وقد يكون حملها على المجاز أو التمثيل هو الذي تقضي به البلاغة، ويستدعيه المقام الذي سيقت فيه الآية، ومن هذا كان من شرائط المفسر للقرآن: أن يكون ملماً بفنون البيان، ذا ألمعية مهذبة تسعده على أن يعرف المواضع التي تفهم فيها الألفاظ على حقائقها، والمواضع التي يليق ببلاغة القرآن أن تفهم فيها على المجاز، أو التمثيل.
وحدث في هذا العصر آراء في التفسير يذيعها نفر لا يرقبون في القرآن حكمة ولا بلاغة؛ كمن ينكر المعجزات الكونية بإطلاق، فيؤول آيات المعجزات على وجوه تجعلها من الحوادث العادية، وإن كان تأويلها لا يجري على استعمال الألفاظ المعروف في اللغة، ولا تحتمله أساليب بلاغتها.
(2/ 1/27)

هذه هي الطريقة الموصلة إلى التفسير الحق -فيما نرى-.
وننظر بعد هذا في الأهداف التي يتجه إليها المفسر، فنقول: أنزل القرآن لمقصدين ساميين:
أولهما: هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة.
ثانيهما: دلالته على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ادعاه من الرسالة التي هي مطلع تلك الهداية العامة، فكان أعظم معجزة وأخلدها على وجه الأرض.
فمن أراد تفسير القرآن، فليتجه إلى وجوه الهداية التي أرشد إليها؛ من نحو: العقائد، والعبادات، والأخلاق، والآداب، وأحكام المعاملات، ويتجه مع هذا إلى الوجوه التي كان بها معجزة خالدة.
وقد تفاوتت آراء المفسرين في البحث عن وجوه هدايته، ووجوه إعجازه على قدر تفاوتهم في العلم والفهم.
وتجاوز قوم حدود هذين الهدفين، وأطلقوا لأقلامهم العنان، فاستطردوا في التفسير مباحث لا يتوقف عليها فهم القرآن من حيث إنه هداية، أو مباحث لا يحتاج إليها في تقرير وجه من وجوه إعجازه، وإنما هي مسائل ترجع إلى علوم أخرى مستقلة بنفسها.
كنت يوماً في مجلس حافل، فقال أحد حاضريه: إن القرآن نزل للوعظ والإرشاد، ولا يضره أن يوجد فيه ما يكون مخالفاً لقضايا بعض العلوم القطعية.
فقلت: نحن نعلم أن القرآن الكريم لم ينزل لبيان الحقائق العلمية التي يبحث عنها في مثل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنه إذا عرَّج في طريق هدايته على شيء مما يبحث عنه أرباب هاتيك العلوم، عرفنا حق
(2/ 1/28)

اليقين أنه لا يقول إلا حقاً، ولا أرى هذا الرأي الذي أبديتَه إلا أنك فرضته فرضاً؛ إذ لا تستطيع أن تأتينا بمثال يرينا كيف قرر القرآن شيئاً يخالف ما ثبت في العلوم اليقينية.
وهنا انقطعت المحاورة العلمية بيني وبينه من ناحية المباحثة العلمية.
وقد يورد بعض من لا يفرق بين الظنيات والعلميات، ومن لا يمعن النظر في فهم البليغ من الكلام، أشياءَ يزعم أنها علميات جاء القرآن على خلافها، فمن واجب المفسر أن يتصدى لإزاحة هذه الشُّبَه، ويبين بالطريق المنطقي أن ما أورد على القرآن لا يدخل في العلميات، أو يذهب في تفسير الآية على وجه يلائم بلاغة القرآن، ولا يخالف ما قرره العلم، وأقام الدليل على أنه قطعي لا يلابسه ريب.
(2/ 1/29)

أمثال القرآن الكريم (1)
ضرب الله الأمثالَ في كتابه العزيز، دلَّ على هذا الكتابُ نفسُه، فقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]، وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27].
ودلَّ على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الترمذي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: "إنّ الله أنزل القرآن آمراً وزاجراً، وسنَّة خالية، ومثلاً مضروباً".
وتتبع ابن القيم أمثال القرآن التي تضمنت تشبيه الشيء بنظيره، والتسوية بينهما في الحكم، فبلغت بضعة وأربعين مثلاً.
وجرى على طريقة القرآن في ضرب الأمثال أحاديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى روي عن عبد الله بن عمر: أنه قال: "حفظتُ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ألفَ مثل"، وهذا الأثر قد نبه نقَّاد الحديث على عدم صحته، لكن روايته تُشعر بأن الأمثال الواردة في السنة ليست بقليل.
وقد عقد للأمثال النبوية أبو عيسى الترمذي في "جامعه" باباً أورد فيه
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد السادس عشر الصادر في شهر رمضان 1362 ه.
(2/ 1/30)

أربعين حديثاً.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "لم أر من أهل الحديث من صنَفَ فأفرد للأمثال باباً غير أبي عيسى، ولله درُّه، لقد فتح باباً، وبنى قصراً أو داراً، ولكنه اختط خطاً صغيراً، فنحن نقنع به، ونشكره عليه".
فللأمثال أثر بليغ في تلقي الدعوة بالقبول، لذلك أحرزت بين الأساليب التي يتحراها القرآن في هدايته منزلةً سامية.
ولما دعاني حضرات الفضلاء جماعةُ المحاضرات بكلية اللغة العربية إلى إلقاء محاضرة بالكلية، آثرت أن يكون موضوع المحاضرة: أمثالَ القرآن الكريم. فلا جرمَ أن نوجه النظر إلى البحث عن معنى المثل، ثم إلى البحث عن فوائد ضرب الأمثال، فتحقيق معنى المثل، وبيان الحكمة من ضربه، هما الغرضان اللذان نرمي إليهما في هذه المحاضرة.
* المثل في اللغة:
يستعمل المثل في أصل اللغة بمعنى التشبيه والمِثْل، ثم قالوا للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثلاً.
والمثل بهذا المعنى هو الذي ألّفَ فيه علماء اللغة كتب الأمثال، كأبي عبيدة، وابن حبيب، وابن قتيبة، وابن الأنباري، وأبي هلال، والميداني.
ولما كان العرب لا يضربون الأمثال إلا بقول فيه حُسن وغرابة، نقلوا لفظ المثل إلى معنى ثالث هو: الشأن الغريب، والقصة العجيبة، وبهذا المعنى فسر لفظ المثل في كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15].
ونبّه الزمخشري لهذه المعاني الثلاثة، ودلَّ على أنها وردت في اللغة
(2/ 1/31)

على هذا الترتيب، فقال في "كشافه": "والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل والنظير، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلاً للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه، ثم قال: وقد استعير المثل للحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة".
وكذلك يقول السعد التفتازاني في "الشرح المطول": "ولكون المثل مما فيه غرابة، استعير لفظه للحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن غريب، ونوع غرابة؛ كقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15]؛ أي: فيما قصصنا عليكم من العجائب قصة الجنة العجيبة".
وحدث بعد هذا أن ذهب علماء البيان في تعريف المثل إلى معنى رابع، إذ قالوا في بحث المجاز المركب: إن المجاز المركب الذي تكون علاقته المشابهة متى فشا استعماله، سُمِّي: مثلاً، وإلا سُمِّي: مجازاً مرسلاً، وقالوا: فما لم يكن استعارة، أو لم يفشُ استعماله، فليس بمثل عندهم، فالمثل إذاً هو: المجاز الذي تكون علاقته المشابهة، ويفشو استعماله.
وإنما قلنا: إن ما ذهب إليه البيانيون معنى رابع للمثل، وليس هو المعنى الذي يريده المؤلفون في أمثال العرب، ذلك أن المؤلفين في الأمثال لا يقصرون المثل على ما يكون استعماله من قَبيل الاستعارة؛ نحو قولك للمتردد في فعل أمر: "مالي أراك تقدِّم رِجلاً، وتؤخر أخرى؟ "، وقولك لمن ترك شيئاً عند سنوح الفرصة لإدراكه، ثم قام يسعى إليه بعد فوات الفرصة: "الصيفَ ضَيَّعْتِ اللبنَ". بل يطلقون المثل على كلام شائع؛ لحسنه، أو لاشتماله على حكمة بالغة، فيتناول كلاماً يكون استعماله في مضربه على
(2/ 1/32)

وجه الاستعارة، وما يكون استعماله على وجه الحقيقة؛ نحو: "السعيدُ من اتَّعظَ بغيرِه"، وما يكون استعماله على وجه التشبيه الصريح؛ نحو قولك: "يخاف شرَّه، ويشتهي قربَه"؛ كالخمر يشتهي شربها، ويخشى صداعها.
فتلخص لنا مما سبق: أن للمثل معنى في أصل اللغة هو: الشبيه والمثل، ومعنى هو: القول السائر، ومعنى هو: الوصف الغريب، أو القصة الغريبة، ومعنى هو: المجاز المركب الذي تكون علاقته المشابهة، ويفشو استعماله.
* المثل في القرآن:
فإذا رجعنا بعد هذا إلى تعرف أمثال القرآن المشار إليها بمثل قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]؛ لنعلم ما المراد من المثل الذي يضربه الله للناس، فهل يراد منه: الشبيه والنظير؟ أو يراد منه: القول السائر الذي يشبه مضربه بمورده، أو يراد منه الحال، أو القصة الغريبة، أو يراد: المجاز المركب المستعمل على وجه الاستعارة؟
لنا في تحقيق معنى المثل في القرآن نظران:
ننظر أولاً في كلام من تصدوا في علوم القرآن إلى أمثاله، فكتبوا فيها مصنفاً مستقلاً كما فعل أبو الحسن الماوردي، أو عقدوا لها باباً خاصاً كما فعل الشيخ السيوطي في كتاب "الإتقان"، وفعل الشيخ ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين".
ثم ننظر ثانياً في بعض معاني الآيات التي استعمل فيها القرآن كلمة المثل؛ لعلنا نعرف بها ماذا يراد من المثل في استعمال القرآن.
النظر الأول في كلام من بحثوا في أمثال القرآن:
لم يقع بأيدينا تأليف الماوردي في أمثال القرآن، ولكن السيوطي نقل
(2/ 1/33)

عنه: أنه قال: "من أعظم علوم القرآن علمُ أمثاله، والناس في غفلة عنه؛ لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام، والناقة بلا زمام".
وهذه العبارة تدل على أنه يريد من أمثال القرآن الآيات المشتملة على تمثيل حال أمر بحال أمر آخر، سواء أورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة، أم بطريق التشبيه الصريح، وهذا المعنى هو الذي نفهمه من قول السيوطي: "الغرض من المثل: تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد".
ولكن الشيخ السيوطي قسَّم الأمثال إلى أمثال صريحة، وأمثال كامنة، وأتى للأمثال الصريحة بأمثلة من الآيات المشتملة على تشبيه حال شيء بحال شيءآخر؛ كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17].
ثم أخذ في الحديث عن الأمثال الكامنة، ناقلاً لها عن الماوردي، فقال: "وأما الكامنة، فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب ابن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسن بن الفضل، فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: "خير الأمور أوساطها"؟ قال: نعم، وأورد آيات تتضمن معنى المثل، منها: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].
قال: قلت: فهل تجد في كتاب الله: من جهلَ شيئاً، عاداه؟ قال: نعم، في موضعين: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39]، {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11].
(2/ 1/34)

وجرى على هذا النحو حتى قال له: فهل تجد فيه: لا تلد الحية إلا حيَّةً؟ قال: قال تعالى: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]
وأجد فيما مرّ عليَّ من هذا النوع: أنه ذُكر الظلم في مجلس ابن عباس، فقال كعب: إني لا أجد في كتاب منزل "أن الظلم يخرب الديار"، فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن؛ قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 52].
وقال شخص لآخر: أين تجد في القرآن: "الجار قبل الدار"؟ قال: أجده في قوله تعالى: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11].
وبمقتضى هذا يصح لنا أن نقول: من أمثال القرآن الكامنة: "خير الأمور أوساطها"، ومن أمثاله الكامنة: "من جهل شيئاً عاداه"، ومن أمثاله الكامنة: "لا تلد الحية إلا حيّة".
إذاً يعد من أمثال القرآن في نظر السيوطي والماوردي: أقوال لا تشتمل على استعارة أو تشبيه، إذ لا يقول أحد: إن في قولهم: "خير الأمور أوساطها"، أو قولهم: "من جهل شيئاً عاداه"، أو قولهم: "الجار قبل الدار" استعارة أو تشبيهاً.
فأمثال القرآن لا يستقيم حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو الشبيه والنظير، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند من ألَّفوا في الأمثال، إذ ليست أمثال القرآن أقوالاً استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند علماء البيان، إذ المثل عندهم ما استعمل على وجه الاستعارة، وفشا استعماله، ومن أمثال القرآن ما ليس باستعارة، ثم هي أمثال من وقت نزولها، فلم يتحقق فيها إذ ذاك
(2/ 1/35)

فشو الاستعمال.
وننظر إلى ما سلكه ابن القيم في تقدير أمثال القرآن، فتجده يقول: فيها -أي: أمثال القرآن- تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر، وساق لبيان هذا نحو عشرين مثلاً من القرآن الكريم، وعندما نتأمل في هذه الأمثال، نجد كثرها وارداً على طريقة التشبيه الصريح؛ كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [يونس: 24].
ومنه ما يجيء على طريقة التشبيه الذي يسميه بعض علماء البلاغة: التشبيه الضمني، أو التشبيه المكنّى عنه؛ كقوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]، إذ ليس فيه تشبيه صريح، وإنما هو تشبيه ضمني؛ نحو:
فإن تَفُقِ الأنامَ وأنتَ مِنْهُمْ ... فإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغَزالِ
ونجد من بينها ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة؛ كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].
فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} قد سماه الله: مثلاً، وليس فيه استعارة، ولا تشبيه.
النظر الثاني في استعمال القرآن لكلمة "مَثَل":
يستعمل القرآن كلمة "مثل" في تشبيه حال قوم بحال آخرين؛ كقوله
(2/ 1/36)

تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]، أو تشبيه حال شيء بحال شيء آخر؛ كقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور: 35] إلى آخر الآية.
وقد يستعمل القرآن كلمة مثل في وصف، أو قصة تقع في نفس المخاطب موقع الغرابة، دون أن يكون فيه تشبيه أو استعارة؛ كقوله تعالى: {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الحج: 73] الآية على ما بيّنا آنفاً.
فضرب المثل في القرآن قد يستعمل في تمثيل حالة غريبة بأخرى مثلها، وقد يستعمل في ذكر حالة غريبة تُقْصَدُ لنفسها، ولا يراد تمثيلها بنظيرة لها، ومن هنا ترى المفسرين قد يختلفون في تفسير آياتٍ سمّاها الله: مثلاً، فمنهم من يفسرها على قصد جعلها مثلاً لشيءٍ آخر، ومنهم من يفسرها على أنها قصة غريبة في نفسها، فيمكننا أن نقول: أمثال القرآن: ما يضربه الله للناس من أقوال تتضمن ما فيه غرابة؛ من تشبيه، أو استعارة، أو قصة، ويدخل في هذا كل ما سماه القرآن قبل ذلك أو بعده: مثلاً، بل ويعد في أمثال القرآن كل ما اشتمل على تمثيل حال شيء بحال آخر؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 39 - 40].
(2/ 1/37)

* الآيات الجارية مجرى الأمثال:
فإن سأل سائل عن الآيات التي تجري على ألسنة الناس كما تجري الأمثال؛ كقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]؛ إذ يستعملونها في المتاركة، قلنا: هذا الضرب من الآيات يسميه علماء البيان: ما خرج مخرج المثل، أو جرى مجرى الأمثال، فقد قالوا في بحث التذييل من باب الإطناب: إن التذييل ضربان: ضرب لم يخرج مخرج المثل، وهو ما لم يستقل لإفادة المراد، وضرب خرج مخرج المثل؛ بأن تكون الجملة الثانية حكماً كلياً منفصلاً عما قبله، جارياً مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال؛ نحو قوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
وقد أخبرنا السيوطي بأن جعفر بن شمس الخلافة عقد في كتاب "الآداب" باباً في ألفاظ من القرآن تجري مجرى المثل؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 58]، وقوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [المائدة: 100]، وقوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91]، وقوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
وقد أدخل علماء البديع أمثال هذه الآيات في النوع الذي يسمونه: إرسال المثل، وهو: أن يأتي المتكلم بما يجري مجرى المثل من حكمة أو غيرها فيما يحسن التمثل به، ولا ندع هذا الضرب من الآيات حتى ننبه على حكم استعمال الآيات استعمال الأمثال، فقد رآه بعض أهل العلم خروجاً عن أدب القرآن.
(2/ 1/38)

قال الرازي في تفسير قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]: "جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه، ثمّ يعمل بموجبه".
* فوائد ضرب المثل:
يُضرب المثل لتقرير حال الممثَّل في النفس؛ حيث يكون الممثَّل به أوضح من الممثَّل، أو يكون للنفس سابقةُ أُلْفَةٍ وائتناس به؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق رياء؛ حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب، فقال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264]، فقد مثَّل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه مطر غزير، فيذهب بما عليه من تراب، فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنها تذهب هباء، ولا يجد لها ثواباً، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون.
ويضرب المثل للترغيب في الممثَّل؛ حيث يكون الممثّل به مما تستحسنه النفوس، وترغب فيه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المنفق في سبيل الله؛ حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير، فقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
ويضرب المثل للتنفير؛ حيث يكون الممثَّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه؛ كما ضرب الله مثلاً لحال المغتاب، فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]،
(2/ 1/39)

وليس من شك في نفور الطباع من أكل لحم الأخ وهو ميت، فينبغي أن يكون نفوره من الغيبة بمقدار هذا النفور.
ويضرب المثل لمدح الممثَّل؛ حيث يكون في الممثَّل به صفات تستحسنها النفوس، وتمدح من يحرز مثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال الصحابة - رضي الله عنهم -، فقال تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].
فالزرع يُخرج شطأه، وهو ما تفرع في شاطئيه -أي: جوانبه-، ثم يقوى، ويستغلظ -أي: يصير بعد الدقة غليظاً-، وكذلك حال الصحابة؛ فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلاً، ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب إعجاباً بعظمتهم.
ويضرب المثل للذم؛ حيث يكون للمثَّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمّون مَنْ رضي لنفسه بمثلها؛ كما ضرب الله مثلاً لحال من آتاه الله كتابه، فنكث يده من العمل به، وانحط في أهوائه، فقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 175، 176]، فقد مثَّلت الآية حال العالِم المنحط في أهوائه بحال الكلب الذي هو أخبث الحيوان، وأخسها نفساً, ذلك أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه.
ويضرب المثل في مقام الاحتجاج؛ حيث يلزم من تسليم الممثَّل به،
(2/ 1/40)

وإدراك أن الممثّل مطابق له، الرجوعُ إلى الاعتقاد بالحق؛ كما ضرب الله مثلاً للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تُعبد، فقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ} [النحل: 75].
إذ دلَّ بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثَّل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودل على كمال قدرته؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام من اتسع رزقه، وكان ينفق منه كيف يشاء، ومن له مُسكة من العقل لا يتولى العاجزَ بالعبادة، ويدع عبادة القادر على كل شيء.
ومن بديع أسلوب القرآن في ضرب المثل: أن يسوق الجمل مستعملاً لها في معانيها الحقيقية، قاصداً بها غرضاً خاصاً؛ كالاحتجاج على بعض العقائد، وبعد أن يفيد بها هذا الغرض يعود إلى جعلها مثلاً يرمي إلى غرض من الأغراض التي تضرب لها الأمثال، فانظروا إن شئتم إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 16، 17].
فقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ... إلى قوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ} ظاهر في معنى تقرير حجة على كمال قدرته تعالى، وبعد أن أقام به حجة على المشركين، جعل هذا القول نفسَه مثلاً يستبين به الحق والباطل، فقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}، وهذا من الإيجاز الذي بلغ به القرآن أعلى
(2/ 1/41)

طبقات البلاغة.
إذا ضرب الله مثلاً، فهل يجوز أن يراد من ذلك المثل: المعنى الذي سيق من أجله؛ نحو: التقرير، أو التحسين، أو التقبيح، ولا يلزم أن تكون صورة الممثّل به واقعة في نفس الأمر؟!
ذهب فريق إلى جواز ذلك، فترون الزمخشري - وهو ينكر أن يصرع الشيطان الإنسان - يقول في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]: "تخبُّطُ الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، فورد على ما كانوا يعتقدون".
أو يقال: إن الله لا يضرب المثل إلا بما يقع، حتى إذا ضرب المثل بشيء، أمكننا الاستدلال بالتمثيل على وقوع ذلك الشيء، وهذا ما يقوله جمهور أهل السنَّة، ونحن نستبعد أن يمثل الله تعالى بأمر يزعمه النّاس زعماً باطلاً؛ فإن التمثيل به دون تنبيه على بطلانه لا يلائم ما عرف في هداية القرآن، ومن هنا قرر المحققون من الأصوليين قاعدة هي: أن ما يقصه القرآن من قول يتضمن رأياً، ولا يقرنه بتنبيه على بطلانه، أو يكون قد نبَّه عليه من قبل، فإنه يعد حقاً لا محالة.
فالقرآن لا يمثّل بشيء يزعمه العرب زعماً باطلاً، ولكنه قد يمثّل بشيء لا يدخل في قبيل المزاعم الباطلة، وإنما هو شيء يصفه بصفات مفهومة الحقائق، ممكنة الوقوع، وإن لم تقع عليها أعين النّاس مجتمعة، فالله تعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261]، فقد ذكر طائفة من الباحثين
(2/ 1/42)

أن هذا من قبيل التمثيل موجود، وأن البرّة "الحبة من البر" قد تبلغ في الأرض القوية المغلة أن تنبت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبة، وعلى فرض أن لا يرى النّاس حبّة بلغت في الإنبات هذا المبلغ، لم يكن في تمثيل القرآن بها من بأس.
وقد يضرب القرآن المثل بأمر موجود على حال حُسن أو قُبح، والناس يعتقدونه على ما هو عليه من حسن أو قبح، وإن لم يروه بأبصارهم، ولكنه يحضر في أذهانهم بصورة جميلة، أو صورة قبيحة، فيكون التمثيل به تمثيلاً بأمر موجود، وصورته الحاضرة في الأذهان مطابقة للواقع من حيث حسنها أو قبحها، ومثل هذا قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 64، 65]، فالشيطان شخص حي، ولكن المخاطبين لم يروه بأبصارهم، وجاء التمثيل في هذه الآية على ما اعتقدوه اعتقاداً مطابقاً من قبح صورته، وعلى هذا النحو يجري التمثُّل بالمَلَكِ في قوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]، فإن التمثيل جار على ما تصوروه من حسنه، وهذا التصور صادق لا محالة.
وإن تعجب، فاقضِ العجبَ ممن يعمد إلى قصة في القرآن، قصها الله تعالى؛ لما فيها من عبرة وحكمة، ويجرؤ على أن يقول: "إن هذه القصة وردت على طريقة التمثيل"! يقول هذا، وليس بيده شاهدٌ من الآية نفسها، ولا دليلٌ سمعيُّ من غيرها، ولا أن العقل السليم ينكر أن تكون واقعة؛ كما قال بعضهم هذا القول في قصة الملائكة، وسجودهم لآدم - عليه السلام -.
ولو فتح هذا الباب من التأويل الجامح، لاتخذه ضعفاء الإيمان وسيلة إلى جحود كثير من الحقائق؛ حيث يحملون آياتها على أنها تمثيل، ويخترعون
(2/ 1/43)

لها من الممثلات ما تشاء أهواؤهم.
وإذا كان القرآن إنما نزل بلسان عربي مبين، فإن العرب لا يذهبون بالكلام مذهب التمثيل إلا أن يحفوه بقرينة كافية في الدلالة على أنه تمثيل.
(2/ 1/44)

المحكم والمتشابه في القرآن الكريم (1)
لكل من المحكم والمتشابه معنى في أصل اللغة، ومعنى في عرف الشرع.
أما المحكم لغة: فإن مادة "حكم" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه: حَكَمَةُ اللجام: للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح، ومنه: حُكْمُ الحاكم؛ لأنه منْع للظالم من وضع يده على حق غيره، ومنه: الحكيم؛ لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها، وارتكاب ما لا يليق.
ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكاماً: إذا أخذت على يده، قال جرير:
أَبَني حَنيفةَ أَحْكِموا سُفَهاءَكُمْ ... إِنّي أخافُ عليكُمُ أَنْ أَغْضَبا
ومنه: الإحكام بمعنى: الإتقان؛ لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم؛ أي: متين، لا وهنَ فيه، ولا خلل.
وأما المتشابه: فمعناه في أصل اللغة: أن يكون أحد الشيئين مشابهاً
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الحادي عشر، والجزء الثاني عشر من المجلد الثامن عشر، الصادران في الجمادين 1365 ه , وهي محاضرة ألقاها الإمام لطلاب السنة الثالثة (تخصص المادة) بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر.
(2/ 1/45)

للآخر، ولما كان من شأن المتشابهين تعذرُ التمييز بينهما، أطلق هذا الاسم على كل ما لا يهتدي الإنسان إلى حقيقة المراد منه، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، ومما جاء فيه التشابه بمعنى تعذر التمييز: قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70]؛ ومما جرى على هذا الوجه قولهم: اشتبه علىَّ الأمر.
وأما معنى المحكم والمتشابه في عرف الشريعة: فقد اختلفت فيه آراء أهل العلم مذاهب، ولا نطيل البحث بإيراد الأقوال الضعيفة ومناقشتها، وإنما نعمد إلى قولين مشهورين بين أهل العلم، وننظر في أدلتهما، فنعلم أيهما أوفق لحكمة الشريعة، وأقرب إلى فهم قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وأول القولين: أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وهذا مذهب من يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون العلم به إلى الله تعالى، وبهذا سُمّوا: "مُفَوِّضَة"، وينسب هذا المذهب إلى جمهور السلف.
والمفوضة يتفقون على صرف الألفاظ في المتشابه عن معانيها المعروفة عند العرب، وهم بعد هذا فريقان:
فريق لا يتعرضون إلى المعنى المراد، ولو بوجه مجمل.
وفريق قد يعينون نوع المجاز؛ كأن يحملوا الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، والوجه في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] على أنه صفة من صفات الله، ولكنهم
(2/ 1/46)

يفوضون معنى هذه الصفة إلى الله تعالى، وهذا ما ينسب إلى الأشعري، وأكثرِ السلف.
وثاني القولين المشهورين: أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما كان خفيّ الدلالة، وهؤلاء يؤولون المتشابه على ما ترتضيه أفهامهم من المعاني، فيخرج من الخفاء إلى وضوح، ولهذا سُمّوا: "مُؤَوِّلَة"، والتأويل إما بحمل الألفاظ على الحذف، أو المجاز المفرد، وإما بحملها على طريقة التمثيل.
واختلاف الجمهور في معنى المتشابه بهذين القولين اقتضاه اختلافهم في معنى قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].
فالمفوضة يقولون: إن قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مبتدأ، وجملة {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} خبر عنه، ومفاد هذا الوجه من الإعراب: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه من الآيات.
والمؤولة يقولون: إن قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} معطوف على اسم الجلالة عطف المفرد على المفرد، وقوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} استئناف مبين لحال الراسخين في العلم، ومقتضى هذا الوجه من الإعراب: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ويقولون مع التأويل له: آمنا به، كلٌّ من المحكم والمتشابه من عند ربنا.
ولننظر في هذين المذهبين من جهة دلالة الآية أولاً، ثم من جهة الأدلة الخارجة عن الآية ثانياً.
أما من جهة ما تدل عليه الآية، فقد قال أصحاب مذهب التفويض:
(2/ 1/47)

الظاهر أن قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] وقع معادلاً لحال الزائغين المشار إليه بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7]، ويكون معنى الآية: وأما الراسخون في العلم، فيقولون آمنا به، ولم يأت في الآية - على هذا الوجه الظاهر في المعادلة - مبالغة في رفع شأن الراسخين في العلم؛ حيث لم يسلك بهم مسلك المعادلة اللفظية لأولئك الزائغين.
وأجاب المؤولة: بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكوراً في النظم، بل قد يكون محذوفاً؛ اكتفاء بما يدل عليه من القرائن اللفظية أو الحالية، فيصح أن يقال: إن المعادل لقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ} محذوف، وتقديره: وأما الذين في قلوبهم هدًى وطمأنينة، فلا يتبعون ما تشابه منه ليفتنوا به الناس، ويؤولوه على حسب أهوائهم.
وقال المفوضة أيضاً: إن قوله تعالى: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] ينبئ أن الراسخين لا يعلمون تأويله؛ إذ لو كانوا ممن يعلم تأويله، لم يكن لهذا القول فائد؛ إذ لا غرابة في الإيمان بما ظهر معناه، وإنما تكون له فائدة حيث يكون إخباراً عن إيمانهم بالمتشابه مع عدم فهمهم للمراد منه.
ويجاب عن هذا: بأن قولهم: {آمَنَّا بِهِ} إيحاء إلى أن إيمانهم به هو الذي دعاهم إلى أن يسلكوا في تأويله الطريقة اللائقة به، وفي ذلك تعريض بأن من اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة، وتأولوه على ما يوافق أهواءهم ليسوا بمؤمنين (1).
وقال المؤولة: إن وصف أهل العلم في الآية بالرسوخ يقتضي أن يكون
__________
(1) والفرق بين التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، والتأويل الذي يبتغيه الزائغون: أن الأول يقوم على الدليل، والثاني يقوم على الهوى ابتغاء الفتنة.
(2/ 1/48)

الحكم المسند إليهم مما يحصل بطريق الرسوخ في العلم، فيكون الحكم المثبت لهم هو العلم بالمتشابه، لا مجرد قولهم: آمنا به؛ فإن هذا القول لا يمتاز به الراسخون في العلم، بل يستوي فيه الراسخون في العلم وغيرُ الراسخين.
قال ابن عطية: "تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع؟ وما الرسوخ في العلم إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة".
وأجاب أنصار مذهب المفوضة: بأن فائدة وصفهم بالرسوخ في العلم: المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه على الله تعالى؛ لأنه إذا قيل: إن الراسخين في العلم لا يعلمونه، وذلك مفاد قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]، كان عدم علم غيرهم بتأويله مفهوماً بالأولى.
وأما الاستدلال بأمور خارجة عن مدلول الآية، فيرجع إلى ثلاثة وجوه: القراءات، والآثار، وحكمة التشريع.
أما القراءات، فقد استدل المفوضة بما رواه الحاكم في "مستدركه": أن ابن عباس كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلاّ الله، ويقول الرّاسخون في العلم: آمنّا به)، وهذه القراءة تدل على أن الواو في قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] للاستئناف، لا لعطف الراسخين على اسم الجلالة.
ويجيب المؤولة: بأن هذه الرواية لا تثبت بها القراءة، وإن أنزلناها منزلة خبر الآحاد، فهي لا تزيد على إفادة أن ابن عباس يرى أن المتشابه مما استأثر الله بعلمه، وقد اختلفت الرواية في هذا عن ابن عباس، ومما حكي
(2/ 1/49)

عنه: أنه قال بعد تلاوة الآية: "أنا ممن يعلم تأويله".
وتمسك أنصار مذهب المفوضة بقراءة الوقف على اسم الجلالة، ثم استئناف القراءة بقوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]، والوقف على اسم الجلالة شاهد بأن العلم بالمتشابه مما استأثر الله به، وليس لمخلوق عليه من سبيل.
وحمل بعض أنصار مذهب التأويل قراءة الوقف على أن المراد من المتشابه: ألفاظ استعملت في معان ليس للبشر قابلية لفهمها بالكنه، ويراد إفهامها لهم بوجه مجمل؛ كالنصوص الواردة في بعض أحوال يوم القيامة.
وأما الاستدلال من جهة الآثار، فقد روي أن صَبيغ بن عسيل جاء من البصرة إلى المدينة في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأخذ يسأل الناس عن متشابه القرآن، وعن أشياء، فأحضره عمر، وضربه ضرباً موجعاً، ثم أرجعه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ولو كان المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم، ولا أرسخ في علم الشريعة من الصحابة، لترك صبيغٌ لمن يجيبه عن تأويل ما يسأل عنه من المتشابه.
وقد يجاب عن هذا: بأن صبيغاً لم يكن يسأل عن المتشابه استرشاداً، بل كان يورد المتشابهات تعنتاً، فإنما عاقبه عمر لسوء قصده، ومنعَ الناس من مخالطته حذراً من أن يفتن بأسئلته قلوب العامة.
وأما الاستدلال من جهة حكمة التشريع، فقد قال أصحاب طريقة التأويل: يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.
(2/ 1/50)

وأجاب المفوضة: بأن ورود مثل هذا الخطاب يكفي في حكمته ابتلاء العبد بتلقي كلمات من الشارع لا يعلم المراد منها؛ ليظهر فضله في الإيمان بها، وتفويض أمرها إلى الله، مقراً بالعجز عن الوصول إلى المراد منها.
ويختلف المفوضة في ضبط أنول المتشابه، فابن حزم - وهو من أصحاب هذا المذهب - يخص المتشابه بالحروف، والأقسام الواردة في أوائل السور، فقال في كتاب "الأحكام": "والمتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله، وعن طلبه، وأُمرنا بالإيمان به جملة، وليس هو في القرآن إلا للأقسام التي في السور؛ كقوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1 - 2]، وقوله: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1 - 2]، والحروف المقطعة في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن، فهو محكم.
والمعروف بين أهل العلم: أن السلف يعدون في المتشابه ألفاظاً واردة في الآيات والأحاديث تدل بمقتضى استعمالها العربي على صفات أو أفعال يستحيل إضافتها إليه تعالى؛ نحو قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
ومن المفوضة: أبو إسحاق الشاطبي، غير أنه قسَّم المتشابه إلى حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي: ما اشتبه معناه؛ لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، وقال: "فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة، وجد فيها ما يبين معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جداً، وبالمعنى الإضافي كثير".
(2/ 1/51)

وليس من شك في أن هناك آيات كثيرة وأحاديث قد يعدُّها بعضهم من قبيل المتشابه، وينبغي إخراجها من دائرة الاختلاف؛ حيث إنه يمكن فهمها على وجه صحيح لا كلفة فيه، ونضرب المثل لهذا آياتٍ أو أحاديث تشتمل على ألفاظ عرف في كلام العرب استعمالها في معان على وجه الكناية أو المجاز، وصح حملها على هذه المعاني المعروفة في الاستعمال؛ كقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]؛ فإن حمل الآية على معنى الجود واضح لا شبهة فيه.
ويخرج عن موضع الاختلاف آيات الأحكام؛ إذ ليس لأحد أن يقول في آية أو حديث يرجع إلى التشريع: إن هذا من قبيل ما استأثر الله بعلمه.
ونختار بعد هذا: أن في القرآن آيات متشابهات؛ أي: غير واضحة الدلالة، فإما أن تصل إليها أفهام الراسخين في العلم بعد النظر، وإما أن تصل إليها أفهام بعض منهم دون بعض، وفهمها إما أن يكون على وجه مفصل، وإما أن يكون على وجه مجمَل تحصل به فائدة للمخاطب، وإن لم يصل إلى كنه المراد منه؛ كالآيات والأحاديث الواردة في بعض أحوال يوم القيامة، أما أن يخاطب الله عباده بكلام يستأثر بعلمه، ولا يفهم منه أحد ماذا أريد منه، ولو بطريق الإجمال، فذلك ما نراه بعيداً، ولم تقم أدلة تلجئنا إلى اعتقاد وجوده.
لا يظهر للمتشابه على مذهب المفوضة فائدة سوى ابتلاء العبد بتلاوة كلمات تعلو عن فهمه، ولكنه يتيقن أنها حق، ويفوض أمرها إلى الله، مقراً بالعجز عن الوصول إلى معناها، وذلك دليل قوة الإيمان.
وأما على مذهب المؤولة، فله فوائد متعددة:
(2/ 1/52)

منها: أن وجود المتشابه في الشريعة يجعل في الوصول إلى المراد صعوبة ومشقة، وذلك موجب لزيادة الثواب عند الله.
ومنها: أن وجود المتشابه يدعو الإنسان إلى الرجوع إلى الأدلة النظرية، فيصل إلى الحقائق من طرق الاستدلال، ويتخلص من أسر التقليد.
ومنها: أن البحث عن المراد من المتشابه يعلم الإنسان طريق التأويل، ووجوه ترجيح بعض هذه الطرق على بعض.
قال الطيبي مشيراً إلى هذا الوجه: "إنما كان المتشابه في القرآن؛ لأنه باعث على تعلم علم الاستدلال؛ ذلك أن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة الاستدلال؛ فتتوجه الرغبات إليه".
ويذكرون في فوائد ورود المتشابه: أن القرآن دعوة للخواص والعوام، وطبائعُ العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق؛ كإثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، وقد يسبق إلى ذهنه أن هذا عدم ونفي، فيقع في التعطيل، فكان من الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ يتبادر إلى أذهانهم منها ما يتخيلونه، وذلك هو المتشابه، ويوضع بجانب هذا ما هو حق صريح يدل على أن المراد غير ما سبق إلى أذهانهم، وهذا الوجه من حكمة ورود المتشابه ظاهر فيما كان من قبيل الصفات ونحوها.
(2/ 1/53)

اليمين في القرآن والحديث (1)
اليمين: ربط النفس بالامتناع عن شيء، أو الإقدام عليه، بمعنىً معظَّمٍ عند الحالف حقيقة، أو اعتقاداً، وسمّي الحلْف يميناً، لأن العرب كان أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف.
والأحرف التي ترد في اليمين معروفة، وهي: الواو، والباء، والتاء، والهاء.
وقد وردت الواو في القرآن؛ كقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]، والتاء في قوله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57]، والباء لم ترد إلا مع فعل القسم؛ كقوله تعالى: {أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 53]، وأما الهاء، فلم ترد في القرآن الكريم أصلاً، وإنما وردت في كلام العرب؛ كقولهم: هاللهِ لأفعلنَّ كذا.
ومن الصيغ المذكورة للقسم المفيدة للتوكيد والتحقيق قولُ القائل: لا أقسم بكذا؛ كقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1]، وقولى تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1]، وهذا من الأساليب البليغة في التوكيد والتحقيق؛
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة التاسعة الصادرة في جمادى الأولى 1375 ه - ديسمبر 1955 م.
(2/ 1/54)

للدلالة على أن المخبر عنه واضح بينٌ لا يحتاج إلى قسم.
وورد في القرآن قسم بعمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72]، والقسم بالعمر قد ورد في الشعر الجاهلي؛ كما قاله طَرَفَة:
لَعَمْرُكَ إِنَّ الموتَ ما أَخْطَأَ الفَتى ... لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ
وورد في القرآن الحَلْف ببعض المخلوقات؛ تنبيهاً للناس على عظم شأن المقسَم به، أو لبيان فضله؛ كقوله تعالى: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطو: 1 - 6]، أو- للحث على العمل الصالح فيه؛ كقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 1 - 3].
ويحذف القسم بالقرآن حيناً، ويبقى جواب القسم، وهو المقسوم عليه؛ لقرينة تدل على القسم، وهي اللام؛ كقوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186]، فاللام دليل على أن هناك قسماً محذوفاً، والحذف لقرينة تدل على المعنى معهود في العربية.
وقد يحذف جواب القسم، وهو المقسم عليه، ويبقى القسم؛ كما قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]، فالمقام في وصف القرآن أنه حق، وتقدير الجواب: إنه حق، فالدليل على جواب القسم، وهو المقسم عليه، وصفُ القرآن بذي الذِّكر؛ فإن الذكر لا يكون إلا حقاً؛ كما حذف جواب لمَّا في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89]، فتقدير جواب لمّا:
(2/ 1/55)

كذّبوا، واستهانوا، أو نحوه.
وكان العرب يحلفون بما يعتقدون عظمته، فيحلفون بمعبوداتهم وآبائهم، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بغير الله، فقال: "من حلف، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" إشارة إلى كفره، وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً، فليحلف بالله، أو ليصمت".
واليمين ثلاثة أقسام:
1 - يمين غموس: وهي يمين على شيء مضى بأنه وقع، على حين أن الحالف يعلم أنه لم يقع، أو يحلف أنه لم يقع، وهو يعلم أنه وقع. وسميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ولا كفارة فيها، وإنما فيها التوبة والاستغفار.
2 - ويمين عقد: وهي الحلف على شيء مستقبل بأنه يقع أو لا يقع، وهذه هي التي تجب فيها الكفارة عند الحنث.
والكفارة: العمل الذي من شأنه أن يكفِّر الخطيئة؛ أي: يسترها، وهي المبينة في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
3 - ويمين لغو: وهي المشار إليها بقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225]، وهي الحلف على شيء ظن الحالف أنه كما اعتقد، فيظهر الشيء على خلاف ظنه، وحكمها أنها لا كفارة فيها، ولا إثم.
وقد اختلف الفقهاء في تفسير لغو اليمين التي ذكرت في قوله تعالى في سورة المائدة: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا
(2/ 1/56)

عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].
والشافعي يرى أن اليمين اللغو: هي ما لا يقصد به الحالف يميناً؛ مثل: لا والله لتأكلن معي، وعنده أن الحلف على ما ظنه الحالفُ واقعاً، ولم يقع، من الغموس التي تجب فيها الكفارة، وتغفر بها.
أما الحنفية والمالكية، فيرون أنها لغو لا كفارة فيها، ولا يلزم بسببها شيء.
واليمين يراعى فيها العرف، ويقدم على الوضع اللغوي، فمن حلف ألاّ يأكل لحماً، فأكل سمكاً، فإنه لا يحنث عند الحنفية؛ لأنه لا يطلق على السمك في العادة اسمُ اللحم، وإن سمي به في اللغة.
ويحكى: أن ابن أبي ليلى أرسل جماعة يسألون أبا حنيفة عن حكم من حلف ألاّ يأكل لحماً، وأكل سمكاً، فقال أبو حنيفة: لا يحنث، فقالوا له: يقول الله تعالى: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر: 12]، فقال لهم: ما تقولون فيمن حلف ألا يجلس على بساط، وجلس على الأرض؟ فقالوا: لا يحنث، فقال لهم: ما قولكم في قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19]!؟ فسكتوا.
واليمين تلزم إذا لم يستثن صاحبُها؛ بأن يقول: إن شاء الله. وسمي هذا الشرط استثناء، لأنه في معنى: إلا أن يشاء الله. وإنما ينفع الاستثناء إذا قصده الحالف قبل انتهاء جملة الحلف، ولو بحرف، لأنه إذا لم ينطق بذلك الحرف، لا يكون حالفاً؛ لأن يمينه لا تتم حتى ينطق بذلك الحرف.
ويحكى أن أحد فقهاء المالكية كان ببغداد يتلقى العلم، فلما انتهى من التلقي، وأراد أن يرجع إلى بلده، ذهب إلى المكاري، فوجد معه مكارياً
(2/ 1/57)

آخر، فقال المكاري لزميله: إني حضرت اليوم في درس الشيخ فلان قولَ ابن عباس: إن الاستثناء في الحلف -ولو بعد سنة- جائز، وأرى ذلك خطأ؛ فإن الله تعالى يقول: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، ولو كان الاستثناء جائزاً، لقال له: استثن في يمينك. فقال الفقيه: بلد يكون المكاري فيه بهذه الدرجة من العلم لا أخرج منه!
ويمكن أن يجاب عما روي عن ابن عباس: بأن الاستثناء خاص بالتشريع الإسلامي، ولم يكن معروفاً في شريعة أيوب.
ويعتبر في اليمين: قصدُ الحالف إن حلف من تلقاء نفسه، أما إن طلب منه أحد الحلفَ على أمر، فحلفه، يكون على قصد محلِّفه، فإذا قصد الحالف غير ما يريده المحلِّف، فلا نظر لقصده، واليمين منعقدة.
أما تغليظ اليمين في الدعوى - والتغليظ هو: تخويف الحالف من عاقبة حلفه بجعله في بعض الأماكن المقدسة مثلاً -، فلم يرد فيه إلا ما رواه جابر بن عبد الله من قوله - عليه السلام -: "من حلف على منبري آثماً، تبوأ مقعده من النار".
ومن الفقهاء من قاس على منبر الحرم النبوي غيرَه من منابر المساجد، وهذا القياس قريب.
ومنهم من قصر التغليظ في الحلف على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأبي حنيفة، ورأى القياس عليه غير وجيه، واقتصر على تحليف المدعى عليه بين يدي القاضي فقط.
وكنت أرى القاضي المالكي في تونس يرسل مع المطلوب لليمين أحد أعوانه إلى جامع الزيتونة، ويحلف بالموضع الذي فيه نسخة من
(2/ 1/58)

المصحف الشريف.
ومن حلف بالقرآن، فقد انعقدت يمينه الشرعية؛ لأنه حلف بكلام الله؛ فقد نص الفقهاء على أن الحلف بذات الله، أو صفة من صفاته يمينٌ شرعية منعقدة.
ومن العامة من يحلف بالله كذباً، ويحلف بالولي.
وسمعت بأذني رجلاً عامياً يقول لآخر: والله! ما فعلت كذلك، فقال: لا أصدقك، ولو حلفت بحق الولي فلان. فينبغي تعليم العوام: أن الله أعظم من كل عظيم.
وقد سمعت بعض المنتمين للعلم يعتذر لمثل هذا العامي بعذر مثل الذنب، فيقول: إن الله حليم يغفر لمن حلف به كاذباً، والولي يبادر إلى الانتقام ممن يحلف به كاذباً.
وقد أمر الشارع من حَلَف أن يترك فعل خير؛ كصلة رحم، بأن يفعله، فقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]، ونبَّه في الصحيح على من حلف على شيء، ورأى غيره خيراً منه أن يكفِّر عن يمينه، ويفعل ما هو خير؛ قال - صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح: "من حلف على يمين، ورأى خيراً منها، فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير".
وأخيراً: نوجه أنظار الناس إلى أن الله كره لعباده كثرة الحلف، ونهاهم عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224].
ومن النّاس من يتخذ كثرة الحلف وسيلة لخداع غيره، وحمله على
(2/ 1/59)

تصديقه، وقد ذمَّ الله ذلك، ومقت أصحابه، ونهى النبيَّ والمؤمنين عن تصديق أيمانهم، فقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10].
فليحذر المسلمون كل فعل وقول يشكك في عهدهم وصدقهم؛ حتى تكون كلمتهم موضع ثقة، ولا تكون بهم حاجة إلى ترديد الأيمان؛ فإنَّ تعوُّد الحلف مظنة الكذب، وسبيل العصيان.
(2/ 1/60)

الرقية والاقتباس والاستخارة والقرآن (1)
أُنزل القرآن دعوة إلى الحق، وهداية إلى مصالح الدنيا والآخرة؛ ليُخرج الناس من ظلمات الحيرة إلى صبح اليقين، فشُرعت تلاوته للتعبد والتدبر في آياته، وأخْذ الأحكام، وتحقيق مسائل من مفردات العربية وأساليبها، ويتبع ذلك تلاوتُه للاستشفاء من عوارضَ جسمية، وهي: الرقية بالقرآن كتلاوته، فيَشْفي الله من رقية القرآن، كما يهدي بتلاوته من يشاء من عباده.
روي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: "كنا في مسير لنا على حيٍّ من أحياء العرب، فجاءتنا جارية، وقالت: إن سيد الحي سليم (لديغ)، فهل فيكم راقٍ؟ فقام معها أبو سعيد، ورقاه بالفاتحة، فشفي، فأمر لهم بثلاثين شاة، فلم يتصرفوا فيها حتى أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه، فأقرهم على ذلك". فالنبي الكريم أذن في اتخاذ القرآن وسيلة لدفع شرورٍ ومكاره دنيوية.
وأما كتابة بعضه في ورقة، واتخاذه حرزاً يُتقى به من شرور الدنيا، فلم أره في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا سيرة السلف الصالح.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة التاسعة الصادر في ربيع الأول 1375 ه - نوفمبر تشرين الثاني 1955 م.
(2/ 1/61)

ورأيت في تراجم بعض الشيوخ: أن شخصاً جاءه، وقال له: قد وجدت حرزاً بخطك ملقًى في مزبلة، فعزم الشيخ على أن لا يكتب حرزاً بعد ذلك.
ولا يتلى شيء من القرآن بقصد الوصول إلى دنيا يصيبها.
وحكي عن بعض العلماء من أهل القيروان: أنه كان في حالة بؤس، فقيل له: اقرأ سُورَةِ الواقعة، فإن قرأتها كل يوم، تجلب الرزق. فقال: لولا أن أهجر سُورَةِ من القرآن، لم أتلها في المستقبل ما دمت حياً، إذ كان بعض الناس يقصد بقراءتها جلب الرزق.
وقد تكون قراءة القرآن للتعبد والتدبر مؤدية إلى تيسير ما عسر، من حيث إنها طاعة خالصة لله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3].
والاقتباس: وهو تضمين النثر أو الشعر بعضَ القرآن لا على أنه منه، فلا يقال: قال الله تعالى، بل يذكر كأنه من المتكلم، وقد رآه بعض الفقهاء ماسًّا بقداسة القرآن، فهو محرَّم عنده بإطلاق.
والتحقيق: أنه في الدعاء أو الموعظة والحديث الذي يراد به تعليم الحكمة جائز. واستعماله في المزاح والكلام الذي لا يكون معه القلب خاشعاً لله لا يجوز.
واقتبس النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض القرآن في مقام الدعوة إلى الحق، وقال في حديث له مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما في الصحيح: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54].
وقد استعمل العلماء الاقتباس في خطبهم وغيرها مما يراد به الجد؛
(2/ 1/62)

كقول البيضاوي في خطبة "تفسيره": (الحَمْدُ لله الّذي نَزَّلَ الفُرْقانَ على عَبْدِه لِيَكونَ للعَالمين نَذيراً)، وقوله: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، وقوله: (مَنْ ألقى السَّمْعَ وهو شَهِيد)، واستعمله القاضي عياض في خطبة كتاب "الشفاء"؛ كقوله: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: 72]. وقوله: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]. واستعمله محمد بن جزي في خطبة كتابه "القوانين"، فقال: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. واستعمل الشهاب الخفاجي في خطبة "شرح الشفاء" آية شطراً من تسجيع، ولم يقل: قال الله تعالى، فقال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
ومن باب الاقتباس: أن يجيء الإنسان إلى الجملة من القرآن المنسوبة إلى الله، فينسبها إلى نفسه؛ كقول بعض الولاة لبعض المساجين: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
وقول آخر في عُمّالِهِ: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 25، 26]. وذلك تشبُّهٌ بالإله، ومعصية كبيرة.
والتحريف اليسير جائز في الاقتباس دون القرآن، قال أحد أساتذتنا: واعتمدت على أن التحريف جائز في الاقتباس، فقلت في مرثية:
... ونَمارِقُ مَصْفوفَةٌ وزَرابِيُّ.
ومن الشعراء من تجرأ واقتبس بعض القرآن والأحاديث النبوية في شعر غزلي أو هزلي، فالإيمان يقضي بتجنب ذلك، فهو إعراض عن الحق إلى ضلال مبين.
(2/ 1/63)

وفي القرآن آيات فيها حكمة وبلاغة يضعها الناس في كلامهم موضعَ الأمثال، وتسمَّى: أمثال القرآن؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقوله أيضاً: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، وقوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14]، وقوله تعالى: {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84]، وقد نص المفسرون وغيرهم على أنها تستعمل في مقام الوعظ، وتعلم الحكمَة، ولا تستعمل في المزح والكلام الخالي من الحكمة؛ كقول بعضهم: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] في مقام المتاركة.
وقصة المرأة التي يزعم أنها تتكلم بالقرآن قد ذكرت في كتب لا يعول عليها في هذا الشأن، وعلى فرض وقوعها، فاستعمال امرأة لبعض القرآن في أمور عادية تخصها لا يقره عالم من العلماء.
ومن الناس من يأخذ الفأل من القرآن، فإن وجد آية تأمر بفعل شيء، فعل؛ كأن يسافر، أو يتزوج، وإن وجد آية تنهى عن فعل شيء، ترك الفعل، ويفهم أنه نهي عنه.
حكى بعض المؤرخين أن بعض العلماء أراد السفر في البحر، ففتح المصحف، وقابله قوله تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان: 24]، فترك السفر، وغرق المركب في البحر براكبيه، وهذا مصادفة، ولم يرد القرآن لأخذ الفأل منه، بل نزل شفاء لما في الصدور.
وحكوا عن يزيد بن معاوية: أنه فتح المصحف، فقابله قوله تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]، وقال كلاماً خارجاً
(2/ 1/64)

عن الدين، وهذا موضوع من أصله عن يزيد لا ينبغي ذكره على أنه واقع.
ومنهم من يستخير بالقرآن على وجه آخر، وهو أن يفتح المصحف، ويضع المفتاح بنصف المصحف، ويربطه ربطاً محكماً، ويضع جانباً من عروته على إصبعه، وجانباً على إصبع جانبه، فإن دار عن يمينه، استدل به على الإذن في الفعل، وإن دار على اليسار، استدل به على المنع من الفعل؛ والقرآن إنما نزل هداية.
وقد شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستخارة بصلاة ركعتين، وقراءة سورتين: الكافرون، وقل هو الله أحد، ويقول عقب الركعتين: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، وأرضني به".
وفي الصحيح: "أن جابر بن عبد الله قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة في القرآن".
وإذا استخار المؤمن الله تعالى في فعل أمر، انشرح صدره لفعل الأمر إن كان فيه خير، فإن لم يكن فيه خير، انصرف قلبه عن فعله.
ومن الناس من لا يستغني بالاستخارة الشرعية، فيضيف إليها استخارة منامية يقول فيها: إن كان الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي، فأرني خضرة أو بياضاً، أو ماء جارياً، وإن كان شراً لديني ومعاشي، فأرني سواداً أو دخاناً.
(2/ 1/65)

وينبغي الاستغناء بالاستخارة الشرعية عن غيرها من جميع الاستخارات التي هي مبتدعة غير مطردة.
وأذكر بهذه المناسبة استخارة السبحة، فإنها بدعة، لا يعوَّل عليها في شيء، خير أو شر، ولا يرتكبها إلا من لعبت به نفسه، ولا يجنح لها إلا من يجهل الاستخارة الشرعية الوحيدة. فيجب على أبنائنا أن يدَعوها، ويطهروا سيرتهم من عملها.
(2/ 1/66)

إعجاز القرآن وبلاغته (1)
جاءت آيات من القرآن بأنباء عن الأمم السابقة؛ كقصة آدم، وقوم نوح، وقوم هود، وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى - عليهم السلام -، وكثير منها لا يعرفه العرب، فحكاها القرآن حكاية من حضرها وشاهدها، ولم نجد في التاريخ ما يخالفها.
وقول بعضهم: إن قصة آدم تمثيل، وغير واقعة كلامٌ لا يستند إلى شيء معقول، فضلاً عن تاريخ صحيح.
وقوله تعالى في قصة مريم: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]؛ حيث جعلها أختَ هارون قد أجاب عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: بأنهم كانوا يُسَمّون بأسماء أنبيائهم، وليس المراد هارون أخا موسى.
ومن أنباء القرآن ما يكون مستقبلاً , ووقع كما أخبر به؛ كقوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 1 - 4]؛ فقد غَلبت الروم في بضع سنين كما أخبر به القرآن في قوله: {سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ}
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الحادية عشرة الصادر في ربيع الثاني 1377 ه - نوفمبر تشرين الثاني 1957 م.
(2/ 1/67)

وقد نزل القرآن في آخر غزوة من غزوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال للمخلَّفين: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الفتح: 16]، ولم يدعُهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها نزلت في آخر غزوة من غزواته، ودعاهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى قتال أهل الردّة ذوي بأس شديد.
ولا يدخل في الإخبار بالمغيبات ما توهمه بعضهم من أن مصر تفتح للعثمانيين في عهد السلطان سليم سنة كذا؛ أخذاً من قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]؛ إذ أن حروف (ولَقَدْ) توافق حروف (سليم) في حساب الجمل، والذكر يوافق حسابها تلك السنة، فيكون المعنى: سليم، كتبنا في الزبور من بعد تلك السنة أن الأرض -أي: مصر- يرثها عبادي الصالحون، وهم العثمانيون.
فلا يؤخذ من القرآن إلا ما نزل للهداية، وما حصل من فتح سليم لمصر في السنة المذكورة كان مجرد مصادفة.
والقرآن وصل بالبلاغة - وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال - إلى أعلى مما وصل إليه بلغاء العرب، فتحدّاهم بقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] , وقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13].
وأذكر بهذه المناسبة أني زرت الشيخ محمد بن يحيى الشنقيطي في الحجرة التي نزل بها من زاوية الشيخ إبراهيم الرياحي في تونس سنة 1315 ه , فوجدته يتلو من حفظه الأبيات التي وجهها السائل للشيخ السبكي، ويقول فيها:
أسيدَنا قاضي القضاة ومَن إذا ... بدا وجهُه استحيا له القَمَرانِ
(2/ 1/68)

رأيتُ كتابَ الله أكبرَ معجزٍ ... لأفضلِ من يهدى به الثقلانِ
ولكنني أبصرتُ في الكهف آيةً (1) ... بها الفكرُ عن طولِ الزمانِ عياني
وما هي إلا استطعما أهلَها فقد ... أرى اسْتَطْعَماهُمْ مثله ببيان
فما السرُّ للقرّاء في وضع ظاهرٍ ... مكان ضميرٍ؟ إنَّ ذاكَ لِشانِ
وذكر في الجواب: أن (أهلها) جمع مضاف يفيد العموم، فيدل على أنه استطعم جميع أهل القرية؛ بخلاف ما لو أتى به ضميراً، فإنه يحتمل أن يكون الاستطعام لمن أتاهم، وهم سكان أول القرية.
وقد جاء في القرآن ما نطق بمعناه العرب، فقالوا: (القتلُ أَنفى للقتل)، وقال القرآن: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179].
وقال العرب:
كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامتُه ... يوماً على آلَةٍ حَدباءَ محمولُ
ولقول القرآن: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]؛ فما نطق به القرآن أوجز وأبلغ.
وحكاية القرآن لأقوال الناس؛ كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 90 - 93] إنما هي حكاية لمعنى ما قالوه، لا لفظه، فلا يكون منهم معجزاً كإعجاز القرآن.
__________
(1) يقصد بها سورة الكهف - الآية 77.
(2/ 1/69)

وأذكر بهذه المناسبة أنه أقيمت مأدبة للشيخ محمد عبده عندما زار تونس، وكان من الحاضرين الشيخ سالم بو حاجب، فحكى حكاية اقتضى الحال أن يعيدها الشيخ محمد عبده للحاضرين، فقال له الشيخ: قد أعدتها بأحسن مما قلته أنا. والشيخ محمد عبده لم يزد في الحكاية معنى لم يقله الشيخ، وإنما حكاها بألفاظ أفصحَ من عبارة الشيخ بو حاجب، وأبلغَ.
وتذاكرت مع الشيخ عارف المنير أحدِ علماء الشام في علوم القرآن، فأخبرني بأن بعضهم قال له: ما وجه معجزة القرآن؟ فأجابه الشيخ عارف بقوله: بلاغته، فقال له المعترض: بلوغ الكلام الدرجة العليا من بلاغة اللغة لا يدل على أنه معجزة، كما أن (هوميروس) ألَّف في تاريخ اليونان قصيدة قالوا: هي أبلغ ما قيل في لغة اليونان، ولم يستطع أحد أن يقول مثلها في البلاغة، ولم يكن بذلك رسولاً.
فقلت للشيخ عارف: الفرق بين بلاغة (هوميروس) وبلاغة من يليه فرق قريب، أما الفرق بين بلاغة القرآن، وأبلغِ متكلم باللغة العربية، ففرق بعيد، فيصح أن يكون معجزة للرسول، وإن أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بليغة في ذاتها، ولكنْ هناك فرق بينها وبين القرآن. وقد تحدى الرسول العرب بالقراَن، فعجزوا عن الإتيان بمثله.
ومن بلاغة القرآن: قولُه تعالى حكاية عن عيسى - عليه السلام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، فالمراد: وإن تغفر لهم، فإنك أنت القوي الغالب الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة، ولا يصح الوقف إلا على قوله: {الْحَكِيمُ}، وليس مراده الاستشفاعَ لهم حتى يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم - كما توهمه بعضهم، وجعل الوقف على
(2/ 1/70)

قوله: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ}، وجعل قوله: {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] مستأنفاً.
وهذا الوجه من وجوه الإعجاز لا يدركه إلا من عرف بلاغة اللغة العربية.
ومن إعجاز القرآن: اشتماله على حِكَم ومعان صحيحة، وعدم وجود اختلاف بينها مع كثرتها، وهذا الوجه من الإعجاز يدركه حتى من لا يعرف بلاغة اللغة العربية.
وقد دخلت إلى مسجد (بايزيد) بالآستانة في رمضان، فوجدت عالماً تركياً يدرس "شرح السعد على التلخيص" في بلاغة اللغة العربية، فكان يقرأ النص العربي، ويشرح لهم المعنى باللغة التركية، فيفهمون المعنى وحكمته.
وقد سألني بعض من له دراية بعلوم الفلسفة، فقال: إن الحكماء يقولون: إن الصداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء، فهل يوجد هذا المعنى في القرآن؟ فقلت له: يقول الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، فهذا يدل على أن الفضلاء يستمرون على صداقتهم، ولو مع الأهوال العظيمة.
وإن القرآن وحده دعوة وحجة، ويشير إلى هذا قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]؛ حيث جعل سماعه للقرآن حجة كافية في الدعوة.
وعلماء جامع الزيتونة لا يقرؤون تفسير القرآن إلا إذا قرؤوا علوم المعقول والمنقول، حتى يدركوا بلاغة القرآن.
وأذكر أنه طلب مني بعض الطلبة أن أقرأ لهم "تفسير البيضاوي" في جامع (حمودة باشا)، فأجبت رغبتهم، وقرأت منه دروساً، فأرسل إليَّ
(2/ 1/71)

القاضي المالكي يدعوني إلى المحكمة، فذهبت إليه، فقال لي: بلغني أنك تدرس التفسير، فقلت: نعم، فقال لي: على من قرأته؟ فقلت: على شيخنا عمر بن الشيخ، وشيخنا محمد النجار، فقال لي: هؤلاء ما قرؤوا التفسير إلا بعد أن صاروا شيوخاً كباراً. فبلغ الأمر إلى الوزير الكبير الشيخ محمد العزيز بوعتور، فقال: يترك المسجد الذي تكلم معه عنه القاضي المالكي؛ عملاً بقاعدة عدم النزاع مع الكبراء، ويدرّس في مسجد آخر، فقرأت التفسير في مسجد (أبي القاسم الجلّيزي).
(2/ 1/72)

ترجمة القرآن (1)
لكل كلام عربي بليغ معانٍ أصلية تحصل من مجرد نسبة الفعل إلى الفاعل، أو الخبر إلى المبتدأ، وهي ما يقع عليه فهم كل سامع عرف ما وضعت له ألفاظ الجملة، وكان خبيراً بما تدل عليه وجوه إعرابها؛ من نحو: الفاعلية، والمفعولية، والحالية، والإضافة، وللكلام بعد هذه المعاني الأصلية معانٍ ثانوية، وهي ما يبحث عنها في علوم البلاغة، ويسميها علماء البلاغة: مستتبعات التراكيب.
وبهذه المعاني يرتفع شأن الكلام، وفي مجالها يتسابق فرسان البراعة من الخطباء والكتاب والشعراء، فقد يتفق المتكلمان بمنظوم أو منثور في إفادة المعنى الأصلي، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يلابسه من معان زائدة على المعنى الذي اشتركا في إفادته.
وللقرآن المجيد معان أصلية، هي ما تفيد الآيات المفصلة من الأوامر والنواهي، والحِكَم والأحكام والقصص، وما ترسمه من أوضاع العبادات، وتقيمه من حجج على عقيدة التوحيد، وما تحثُّ عليه من أخلاق وآداب، وتبشر به من ثواب، وتنذر به من عقاب، إلى ما يشاكل هذا من المعاني الزائدة
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الرابعة الصادر في ربيع الثاني 1370 ه - يناير كانون الثاني 1951 م.
(2/ 1/73)

إلى تهذيب النفس وإصلاح الاجتماع.
نزل القرآن لإفادة هذه المعاني التي تقرر بها حقائق الدين القويم، وأوردها في آيات يلابسها من لطائف المعاني وروعة النظم ما يساعد على وقوعها في النفوس المستعدة لإدراك الحقائق موقعَ الإجلال والإعجاب. ولهذه اللطائف من المعاني والروعة الخاصة بنظمه العربي أثر عظيم في تكوين حقيقة قرآنيته، وبها تمَّ شطر من المهمة التي نزل لتحقيقها، وهو الإعجاز، فهو الكتاب الوحيد الذي ينطق بالدعوة، والحجةِ على صدقها في كلام واحد.
فالباحث في صحة ترجمة القرآن ينظر إلى ناحيتين: المعاني الثانوية التي تمَّ بها الإعجاز، والمعاني الأصلية التي تحصل من مجرد إسناد فعل إلى فاعل، أو خبر إلى مبتدأ.
* المعاني الثانوية:
ليس بالمستطاع أن تُنقل إلى لغة أجنبية المعاني الأصلية، وهي محفوفة بالمعاني التي هي مظهر بلاغة القرآن، والناهضة بقسط عظيم من بينات إعجازه.
وممن نبَّه على هذا في القديم: أبو القاسم الزمخشري في "كشافه" إذ قال: "إن في كلام العرب -خصوصاً القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
ولا يسهل على أحد ادعاءُ أن في اللغات المعروفة اليوم، ما يسع نقل معاني القرآن الأصلية، مع ما يلابسها من أسرار المعاني التي يسميها البلغاء: خواص التراكيب.
(2/ 1/74)

* المعاني الأصلية:
يمكن نقل المعاني الأصلية إلى لغة أجنبية؛ حيث لا تقصر اللغة الأجنبية عن تأديتها.
قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته": "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني: النظر إلى معانيه الأصلية- ممكنٌ، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيانُ معانيه لمن ليس له فهم على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزاً باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجَّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
وإذا كان نقل المعاني الأصلية قد يقع صحيحاً، وكان في مستطاع من يجيد لغة أجنبية أن ينقل هذه المعاني من اللغة العربية إلى اللغة التي أجاد معرفتها، لم يبق سوى النظر في تفصيل حكم هذا النقل، وبيان حال المنع منه، أو الإذن فيه.
في القرآن آيات واضحة المعنى، لو نقل معناها الأصلي إلى لغة أجنبية، لتساوى كلام المفسر المحقق العربي، والناقلِ له إلى اللغة الأجنبية في أداء ذلك المعنى الأصلي؛ كآية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وهي الآية التي صدَّر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطابه إلى قيصر وكسرى في الدعوة إلى الإسلام، وهما لا يعرفان العربية، وإنما يتلقيان معناها من طريق الترجمة كبقية ما اشتمل عليه خطاب الدعوة.
فنقلُ المعنى الأصلي لآية أوآيات من هذا القبيل جائز، وهذا ما يريده
(2/ 1/75)

أبو إسحاق الشاطبي فيما حكينا عنه آنفاً، ويصح أن يتفق أهل الإسلام على جوازه.
أما ترجمة المعاني الأصلية للقرآن كله، أو لجزء كبير منه متتالي الآيات، فيلحقها من الخلل ما يوجب الحذر منه.
يقع في الذهن أن لترجمة القرآن المجيد فائدة هي نشر دعوة الإسلام بين الشعوب التي لا تفهم الكلام العربي، ويضاف إلى هذا: أن كثيراً من الأوربيين قد صنفوا ما سمَّوه: ترجمة القرآن، واشتملت هذه التراجم على أخطاء فاحشة صدرت منهم على جهالة، أو على عمد، ولا يكفي شرَّ هذا الفساد إلا أن ننقل معاني القرآن إلى تلك اللغات على وجه صحيح.
ويتراءى إزاء هذا وجوهٌ من الفساد تعترض في سبيل ترجمته، حرفية كانت أو معنوية.
ومن هذه الوجوه: أن يكون اللفظ ذا معنيين، أو معانيَ تحتملها الآية، فيضطر المترجم إلى أن يضع بدله من اللغة الأجنبية اللفظ الموضوع لما يختاره من المعنيين أو المعاني؛ حيث لا يجد لفظاً يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة.
واشتمالُ القرآن على آيات كثيرة تحتمل وجوهاً من التأويل -ولاسيما الآيات المتشابهة؛ كآيات الصفات- يجعل من يحاول ترجمته مضطراً إلى أن يأخذ في الترجمة بالوجه الذي يراه راجحاً، فتخرج التراجم -إذا تعددت- مختلفةً اختلافاً متباعداً، وذلك الاختلاف يفتح باباً لتوهم المطلعين عليها -من غير العارفين بالعربية- أنه قد وقع في نُسَخ القرآن اختلاف كما وقع في غيره من الكتب السماوية.
(2/ 1/76)

ئم إننا لا نأمن من إخراج شيء يقال له: ترجمة القرآن أن تحل هذه التراجم في أذهان العامَّة من غير العرب محل القرآن نفسِه، ويكتفون بها عن قراءة القرآن في الصلاة، وتلاوتِه على وجه التعبد، ولا يدرون أنهم يتعبدون بغير ما أنزل الله.
ونستخلص من هذا البحث: أن القرآن يراعي في حقيقته المعاني الأصلية مضموماً إليها المعاني الثانوية التي هي وجوه بلاغته.
وترجمة المعاني الأصلية وحدها، وتسميتها: ترجمة للقرآن، يوهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها، ونقلها إلى اللغة الأجنبية، كما يقال في ترجمة غيره: ترجمة طبق الأصل، وهذا هو الفرق بين التفسير والترجمة، فالمفسر يتكلم بلهجة المبيِّن لمعنى الكلام على حسب فهمه، فكأنه يقول للناس: هذا ما أفهمه من الآية، والمترجم يتكلم بلهجة من أحاط بمعنى الكلام، وصبَّه في ألفاظ لغة أخرى.
فكأنه يقول: معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية، وشأن المفسر أن يقول: يعني كذا، وشأن المترجم أن يقول: قال كذا. ولهذا الفرق منع كثير من أهل العلم رواية الحديث بالمعنى؛ لأنها في الحقيقة من قبيل الترجمة، ولم يختلفوا في جواز شرح الحديث؛ لأنه من قبيل التفسير.
والعمل الذي يصان به القرآن الكريم من تحريف، أو وهمٍ يتسرب إليه من طريق الترجمة، ويقضي هو دعوته العامة الخالدة، ويمكّن من لا يعرف العربية من الاطلاع على جانب عظيم من المعاني المودَعة في ألفاظه المنزلة من عند الله: أن يتولى طائفة من الراسخين في الإيمان وفهمِ القرآن تأليفَ تفسير باللسان العربي، لا يزيدون فيه على ما يفهم على وجه التحقيق من
(2/ 1/77)

الآية، مع ملاحظة ما اقتضى الإيجاز حذفه، ثم يتولى طائفةٌ ترجمةَ هذا التفسير بأمانة وبراعة، وتظهر هذه الترجمة بعنوان: "ترجمة تفسير القرآن"، وينبه على أن التفسير ألَّفته لجنة، وترجمته تحت إشراف رئاسة دينية حازمة، ومن المعهود أن التفسير لا يخلو من كلمة تنبئ أنه تفسير لا ترجمة.
(2/ 1/78)

حقيقة ضمير الغائب في القرآن (1)
* تمهيد:
من الواضح أن الألفاظ المفردة إنما وضعت لأن يُضَم بعضُها إلى بعض، فتفيد المخاطب معنىً كان يجهله قبل أن تركَّب وتُلقى عليه.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - العدد الثاني من المجلد الأول الصادر في شهر رجب 1347 ه.
قدم الإمام بحث "حقيقة ضمير الغائب في القرآن" بالكلمات التالية:
رحل الدكتور طه حسين مندوباً إلى مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة (أكسفورد)، وألقى هنالك محاضرة عنوانها: "ضمير الغائب واستعماله اسم إشارة في القرآن"، وقد نشرت مجلة "الرابطة الشرقية" ملخص هذه المحاضرة، فإذا هي طائشة الوثبات، كثيرة العثرات، فرأينا من حق العلم علينا أن ننشر في هذه المجلة ما تراءى لنا فيها من أغلاط، وللقراء الأذكياء القول الفصل، وما خفي الحق عن باحث يتقصّى أثره بذكاء وتؤدة.
وقد اعتمدنا في هذا النقد على أن التلخيص مكتوب بإملاء من صاحب المحاضرة، وأخذنا في هذا بأمارات، منها: أنه قد يعبّر بضمير المتكلم في مقام لو كان الملخِّص غيره، لعبّر فيه بضمير الغائب، اقرأ قوله: "وقد تقصى صاحب البحث هذه الآيات التي لم تتم فيها المطابقة، فرأى أن ضمير الصلة أتى مفرداً في القرآن دائماً إلا مرتين، وهما قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42]، وقوله: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ =
(2/ 1/79)

ففي الكلام معان هي ما يقصد إيصالها إلى أذهان المخاطبين، وفيه ألفاظ هي بمنزلة الجسور تعبر عليها المعاني من نفوس الناطقين إلى نفوس السامعين، وإذا كانت الألفاظ بمنزلة الوسائل، كانت في الدرجة الثانية بالنظر إلى المعاني التي هي المقصود من نظم الكلام.
صرف البلغاء هممهم إلى المعاني، وأبدعوا في تصويرها، وأعني من المعاني: تلك الصور التي تبقى قائمة في نفوس السامعين بعد سماع خطبة أو قصيدة، ثم نظروا إلى الألفاظ، فإذا هي عند تركيبها كالأجسام تجول فيها الأرواح، أو البرود تتجلى فيها الأجسام، فأحسّوا أن الروح الزاكية يجمل
__________
= مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82]، فأما ما عدا الصلة، فلم تتحقق فيه المطابقة نحو مئة مرة، غير أنا نجد أحياناً الضمير كما رأينا ... إلخ".
فلا يستقيم لملخص غير صاحب المحاضرة أن يعبر بالاسم الظاهر، فيقول: "وقد تقصى صاحب المحاضرة"، ويعبر بضمير الغيبة في قوله: "فرأى"، ثم يعبر بعد هذا بضمير المتكلم فيقول: "غير أنا نجد أحياناً الضمير كما رأينا"! ولا تأويل لهذا سوى أن الذي أملى التلخيص هو صاحب المحاضرة نفسه، ولكنه تصنَّع في إسناده إلى غيره، ولم يلبث أن أدركته الغفلة عما تصنع له من إسناد التلخيص إلى كاتب آخر، فوردت عليه ضمائر المتكلم منساقة بنفسها، فلم يكن منه إلا نطق بها.
ويضاف إلى هذا أنه يسمي نفسه في التلخيص: الباحث، أو صاحب المحاضرة؛ شأن المتواضع، ولو كان الملخص غيره، لعلم أن المحاضر لا يرضى منه إلا بلقب: الدكتور، أو الأستاذ.
ولم نعن ببيان أنَّ ملخِّص المحاضرة هو صاحب المحاضرة إلا لنرفع عن قلمنا الحرج إذا قلنا عند حكاية جملة أو جمل من هذا التلخيص: قال المحاضر، أو صاحب المحاضرة.
(2/ 1/80)

بها أن تكون في جسم نقي اللون، متناسب الأعضاء، وأن الجسم الناضر يزيده حسناً على حسنه أن يظهر في ملبس بهي المنظر، رقيق الحاشية، كذلك المعاني تخطر على فكر البليغ، فيقتضي حالها أن تلقى في لفظ جيد السبك، محكم النظم، آخذٍ بالغرض من جميع نواحيه.
ومن أجل ذلك وجَّه بلغاء العرب جانباً عظيماً من عنايتهم إلى تخيُّر الألفاظ، وإحكام نسجها بمقدار ما تؤدي صور المعاني، وتضعها في نفس السامع الموضع اللائق بها من الإعجاب أو القبول.
وليس من شرط جودة الكلام أن يكون لكل جزء من صورة معناه التركيبي لفظٌ مفرد يختص بالدلالة عليه، بل مدار حسن البيان على أن تصير صور المعاني في نفس المخاطب بحالها التي كانت عليها في نفس المتحدث بها، وسواء بعد هذا أكانت الألفاظ مفصَّلة على قدر المعاني في الكثرة والقلَّة، أم كانت المعاني فوق ما تدل عليه الألفاظ بحسب أوضاعها اللغوية.
ولاعتماد حسن البيان على نقل صور المعاني إلى نفوس المخاطبين كما هي، لم يبال العرب أن يكتفوا في الدلالة على بعض المعاني بمساق الكلام، وما تقتضيه طبيعة المعنى، إلى نحو هذا من القرائن التي لا يضبطها حساب، بل يعدون في أصول بلاغتهم أن يطرحوا كثيراً من الألفاظ متى وثقوا بأن في نظم الكلام أو الأحوال الخارجة عنه ما ينبِّه السامع إلى مدلولاتها.
ومن ثمَّ نشأ فنُّ الإيجاز بوجه عام، وكان للحذف في كلامهم مجالٌ ذهب فيه علماء النحو والبيان كل مذهب، وتقلبوا في كل شعبة من شعابه، ففي أساليب البلغاء الإيجاز، وفي كلامهم الاعتماد في تصوير المعاني على ثقافة السامع، وما يغني غَناء الألفاظ من أحوال، ولو كانت خارجة عن مقتضيات
(2/ 1/81)

الكلِم وهيئة تأليفها.
فاطراح كثير من الألفاظ -مع القصد إلى إفادة مدلولاتها اللغوية- لا يمس بفصاحة الكلام، ولا يقدح في بلاغته، ما دام الكلام منسوجاً على المنوال الذي ينسج عليها الفصحاء، وما دامت المعاني التي يراد نقشها في نفس المخاطب سالمة من أن تصل إلى النفس مختلة الهيئة، أو مبتورة بعض الأجزاء.
والمنوال الذي يحرِز به الكلام وصفَ الفصاحة، إنما يؤخذ فيه بما يرد عن فصحاء اللغة، فما ورد في منظومهم أو منثورهم، كان النسج عليه سائغاً مقبولاً، وما لم يعرِّجوا عليه في أقوالهم، كان خارجاً عن فصاحتهم، متعدياً حدود بلاغتهم، ولا يُرجَع في الحكم على الأسلوب بالصحة أو الفساد إلى الذوق، حتى يُجعل للذوق مدخلٌ في تقرير القواعد النحوية، وشاهدنا في هذا: أن اللغات تختلف في هذا الباب اختلافاً كثيراً.
فالعرب -مثلاً- لا يفصلون بين أداة التعريف والمعرَّف في حال، والألمان يوردون بين أداة التعريف والمعرَّف جملاً كثيرة، أفيصح للناشئ على لغة العرب أن يعد هذا الفصل في لغة الألمان خروجاً عن حد الفصاحة، ويدْعوهم -باسم التجديد- إلى أن يَدَعوه، ويَصلوا أداة التعريف بالمعرَّف لزاماً؟!.
وتتفق اللغتان العربية والألمانية في تعريف الاسم الذي يراد منه الجنس، وكثيراً ما يحذفونها في الألمانية حيث لا يصلح حذفها في العربية، فيقول العربي مثلاً: أحبُّ الشجر، وكذلك يتكلم الألماني بما يرادف هذا في لغته، إلا أنه قد يسقط في هذا المقام أداة التعريف، فيكون تعريب كلامه حرفياً:
(2/ 1/82)

"أحبُّ شجراً"، وذلك ما لا يقوله العربي حين يقصد إلى أنه يحب جنس الشجر، أفيصح لمن شبَّ على لغة العرب أن يثور على لغة الألمان، ويرميها بالخلل في مثل هذا الاستعمال الذي ألفه فصحاؤهم، وأصبح معنى الجنس مفهوماً منه كما يفهم من استعمال الشجر مقروناً بأداة التعريف؟!.
هذا الاختلاف هو الذي يحتم علينا أن نرجع في تقرير قوانين اللغة من الوجهة النحوية إلى ما يجري عليه فصحاؤها، وحقيق علينا أن نتلقى كل ما جروا عليه في منظومهم ومنثورهم بالتسليم والقبول، ولا يضرّ شيئاً من أساليبهم أن ذوقاً لم يتقلَّب فيما تقلَّبت فيه أذواقهم، أو لبس صبغة لغة أخرى، أن يتنكر له ويطيش في القول إلى أن يرميه بالبعد عن مواقع الفصاحة.
وإذا كان مقياس الفصاحة عند أهل اللغة إنما يعتمد على استعمال الفصحاء، فكل ما يجيء في القرآن مما يرجع إلى قانون تأليف الألفاظ، ووضعِ كل مفرد موضعه اللائق به، لا نتردد في أنه استعمال عربي فصيح، ولا نرتاب في أنه وارد على وَفْق ما ينطق به فصحاء العرب من غير تجافٍ عنه، ولا تحرج منه، وحجتنا في هذا: أن آيات كثيرة تصف القرآن بأنه عربي؛ أي: أنزل بلغة العرب لفظاً وأسلوباً، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]، وقال تعالى: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]، ولو جرى شيء من القرآن على ما يخالف قوانين اللغة، لما صح أن يقال فيه: إنه نزل بلسان عربي مبين، ولوجد خصوم الإسلام من فصحاء العرب الطريقَ إلى أن يطعنوا في الآيات النازلة على غير القوانين المركوزة في طبائعهم، ويرموها
(2/ 1/83)

بعدم الفصاحة، وشيء من هذا لم يقصه القرآن، ولا حملته إلينا رواية، وقد قصَّ علينا القرآن، وحملت إلينا الروايات كثيراً من مطاعنهم، والشبه التي كانت تلابس عقولهم.
فتسليمُ أن ليس في القرآن ما هو خارج عن قانون اللسان العربي ضربةُ لازِب، فإن تخيَّل أحد في جملة من القرآن أنها حائدة عن مناهج الفصاحة، فليس له إلا أن يوجه طعنه فيما لم يرتضه منها إلى أصل اللسان العربي، وينفي عن هذا الاستعمال إن شاء وصف الفصاحة، فيكون للكاتبين في تقويمه بيان غير هذا البيان.
وإذا أبدع القرآن فأعجز، فليس معنى هذا أنه خرج عن قوانين كلام العرب النحوية، وإنما هو الإبداع في تأليف المعاني وصوغ الكلم في الأساليب الحكيمة، وهي -مع هذا- لا تخرج عن رعاية تلك القوانين.
(2/ 1/84)

النقد
* القاعدة النحوية في ضمائر الغائب:
قال صاحب المحاضرة: "القاعدة النحوية: أن ضمير الغائب يجب أن يعود إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة، وأن يطابق هذا المذكور في التذكير والتأنيث، وفي الإفراد والتثنية والجمع، هذه القاعدة شاملة لا يقبل النحويون فيها استثناء، فإن عرض ما يوهم تأخر المرجع عن الضمير، تأوَّلوا، وتكلفوا لإثبات أن هذا التأخير اللفظي لا يستلزم تأخر الرتبة، وهم - على كل حال - لا يقبلون استثناء في قاعدة المطابقة بين الضمير ومرجعه".
لم يوجد في القواعد النحوية منذ نشأت إلى يوم انعقد مؤتمر المستشرقين قاعدة تقول: إن ضمير الغائب يجب أن يعود إلى مذكور لفظاً ورتبة، وإنما قال النحاة - كما قال ابن مالك في "التسهيل" -: الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب.
ويعللون هذا الأصل بأن ضمير المتكلم والمخاطب تفسرهما المشاهدة، وضمير الغائب عارٍ عن هذا الوجه من التفسير، فكان الأصل تقديم معاده؛ ليعلم المراد بالضمير قبل ذكره، وأجمعوا بعد هذا على أن العمل على هذا الأصل غير واجب، وسوَّغوا أن يكون الضمير عائداً إلى متأخر في اللفظ متى كانت مرتبته في نظم الكلام متقدمة، فلم يقع بينهم اختلاف في صحة
(2/ 1/85)

المثل السائر: "في بيته يؤتى الحكم"، وما يضاهيه في احتوائه ضميراً يعود على متأخر في اللفظ، متقدّم في الرتبة؛ كما قال تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67].
وقال أرطاة بن سهية:
تمنَّتْ وتِلكُم من سفاهة رأيها ... لأهجوَها لما هجتني مُحارِبُ
ف "الحكم" في المثَل، و"موسى" في الآية، و"محارب" في البيت قد وردت مفسرة لضمائر ذكرت قبلها، ولم يجد النحاة فيها أو في أمثالها ما يخالف قاعدة مطردة حتى يحتاجوا فيها إلى تكلف وتأويل، بل النحاة أنفسُهم قرروا قاعدة صحة عود الضمير على ما كان متأخراً في اللفظ، وأصلُ رتبته في نظم الكلام التقديم، وشواهد هذه القاعدة في القرآن وكلام العرب بالغة من الكثرة ما يمنع أن يحوم حولها خلاف، والذي جرى فيه الخلاف بينهم إنما هو الإتيان بالضمير مفسراً باسم يتأخر عنه لفظاً ورتبة، نحو: "زان علمُهُ محمداً"، فالجمهور يذهبون إلى فساد مثل هذا التركيب، ويذهب الأخفش، وابن جني، وابن مالك إلى صحته، ومن شواهدهم على هذا قول حسان:
ولو أن مجداً أخلدَ الدهر واحداً ... من الناس أبقى مجدُه الدهرَ مُطْعِما
فالحقيقة أن النحاة لا يوجبون عودَ الضمير على متقدم في اللفظ والرتبة، بل يجيزون عودَه على متأخر في اللفظ، وهو متقدم في الرتبة، كما يجيزون عوده على متقدمه في اللفظ، ورتبتُه التأخير؛ نحو قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124]. فمن الخطأ المكشوف قول المحاضر: "القاعدة النحوية أن ضمير الغائب يجب أن يعود إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة".
(2/ 1/86)

وقول المحاضر: "هذه القاعدة شاملة لا يقبل النحويون فيها استثناء" حكمٌ لا يطابق الواقع؛ فقد عرفت أن المحاضر حرَّف القاعدة النحوية، ولم يأت بها على وجهها الصحيح، وما كان منهم إلا أن قالوا: "يمتنع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة"، والفرق واضح بين هذه العبارة، وبين أن يقال: يوجبون عود الضمير على مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة.
ثم إن قاعدتهم الصحيحة - وهي أوسع نطاقاً من القاعدة المصنوعة في مؤتمر المستشرقين - يقبلون فيها الاستثناء، وقد استثنوا بالفعل أبواباً من الكلام نطق فيها العرب بضمائر ترجع إلى متأخر عنها لفظاً ورتبة، ولكثرة ما ورد من شواهدها أدخلها النحاة في "مقاييس اللغة"، ولم يمنعوا أحداً من أن يصوغ الكلام على طرائقها، وهذه الأبواب المستثناة يعرفها طلاب علوم العربية من قبل أن ينتقلوا إلى كتبها العالية، وإليها يشير ابن مالك في كتاب "التسهيل" بقوله: "ويتقدم غير مَنْوِيّ التأخير إن جرَّ برُبَّ، أو رفع بنِعْمَ، أو شبهها، أو بأول المتنازعين، أو أبدل منه المفسر، أو جعل خبره، أو كان المسمى ضمير الشأن عند البصريين، أو ضميرَ المجهول عند الكوفيين".
فالنحاة يستثنون من القاعدة القائلة: "يمتنع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة" هذه الأبوابَ التي سردها ابن مالك، وهي مبسوطة في كتب النحو بشواهدها العربية وأمثلتها.
وما زعمه المحاضر من أنهم لا يقبلون استثناء في قاعدة المطابقة بين الضمير ومرجعه على كل حال، لا يستقيم مع إجازتهم إعادة الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في باب "رُبَّ"، وتصريحهم بأنه يلتزم في هذا الضمير الإفراد والتذكير، وإن كان مفسره جمعاً أو مؤنثاً، ومن شواهدهم على هذا
(2/ 1/87)

قول الشاعر:
رُبَّهُ فتيةً دعوت إلى ما ... يورثُ المجد دائباً فأجابوا
* زَعْمُ المحاضر أن في القرآن ضمائر خارجة عن القاعدة النحوية:
قال المحاضر: "ولكن هذه القاعدة بجزأيها إن اطردت في الشعر والنثر، فهي لا تطرد في القرآن الكريم، ذلك أن في القرآن الكريم ضمائر لا تعود إلى مذكور يتقدمها لفظاً ورتبة، وفيه ضمائر يظهر أنها تعود إلى مذكور، ولكنها لا تطابقه تذكيراً وتأنيثاً، أو إفراداً وتثنية وجمعاً".
قد أريناكم كيف أورد المحاضر القاعدة بعبارة غير صادقة، وفصلنا لكم القول في أنهم لم يوجبوا عود الضمير على متقدم لفظاً ورتبة، ولم يقولوا سوى أن الأصل في مرجع الضمير أن يكون متقدماً في نظم الجملة، وسوَّغوا بإجماع للمتكلم أن يخالف هذا الأصل، ويأتي بالضمير راجعاً إلى متأخر في اللفظ، متقدم في الرتبة متى شاء، ومنهم من أباح له أن يأتي به راجعاً إلى متأخر في اللفظ والرتبة على نحو ما مثلنا، ورأى أن الشواهد التي ظفر بها من كلام العرب كافية لأن تجعله باباً مفتوحاً في وجه كل من يأخذ لسانه بالعربية الفصحى.
وإذا استبان لكم أن القاعدة التي وضعها المحاضر في مؤتمر المستشرقين، وعزاها إلى علماء العربية لم يقلها أحد منهم، فلا ضرر في أن تطَّرد، أو لا تطَّرد، ونعترف للمحاضر بأنها لم تطَّرد، ولن تطَّرد في شعر ولا نثر، كما أنها لا تطَّرد في القرآن الكريم.
أما القاعدة الصادقة، وهي القائلة بامتناع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، فهي - بعد رعاية ما استثني منها - مطردةٌ في القرآن الكريم حكماً مُسمَّطاً.
(2/ 1/88)

* حصر هذه الضمائر في تسعة أنواع:
النوع الأول، والثاني، والثالث:
تحدَّث المحاضر عن الضمائر التي يزعم أنها خارجة عن القاعدة النحوية، وحصرها في أنواع تسعة، فقال:
"الأول: الضمائر التي يراد بها الذين تعودوا حوار النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومجادلته، واستفتاءه في مكة والمدينة من المسلمين وغير المسلمين.
الثاني: الضمائر التي يراد بها القرآن.
الثالث: الضمائر التي يراد بها النبي نفسه" , ثم قال: "ويمكن التمثيل لهذه الأنواع الثلاثة بقوله تعالى فى سُورَةِ هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [هود: 13]، فالواو راجعة إلى المشركين من أهل مكة، وهم لم يُذكروا، وفاعل افترى راجع إلى النبي، وهو لم يُذكر، ومفعوله راجع إلى القرآن، وهو لم يُذكر. ومن النوع الأول: كلُّ الآيات والجمل التي تبتدئ بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ} [البقرة: 220]، ومن الثاني قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، ومن النوع الثالث قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1].
وضع المحاضر تلك القاعدة الهازلة، وعزاها إلى النحويين، ثم بنى عليها دعوى أن ضمائر الغيبة في القرآن ترد على خلاف القاعدة النحوية، وأخذ يسوق على هذه الدعوى من الآيات ما يخيل به إلى السامع أنها خارجة عن قانون علماء العربية، وإذا كنا على علم من الفرق بين وجوب عود الضمير على مذكور تقدم لفظاً ورتبة، وهو القاعدة التي يعزوها المحاضر إلى علماء النحو، وبين قولنا: "يمتنع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، إلا ما استُثني"، وهو القاعدة النحوية الصحيحة، عرفنا أن هذه الآيات إنما هي خارجة عن
(2/ 1/89)

القاعدة المصنوعة في مؤتمر المستشرقين؛ حيث لم تعد فيها الضمائر على مذكور تقدم لفظاً ورتبة، وهي غير مخالفة للقاعدة الصحيحة؛ إذ لم يجئ فيها ضمير عائد على متأخر لفظاً ورتبة، وقصارى ما يقال فيها: إنها راجعة إلى ما استغني عن ذكره بما يدل عليه من قرائن في نفس اللفظ، أو أحوالٍ أخرى تحفُّ بمقام الخطاب، وهذا الوجه من استعمال ضمائر الغيبة قد قرره النحاة والبيانيون، ولم يروه منافياً لقاعدة من قواعدهم في حال.
فهذا ابن مالك يقول في كتاب "التسهيل": "الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرح به بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حساً أو علماً، أو بذكر ما هو له جزءٌ، أو كلٌّ، أو نظير، أو مصاحب بوجه ما".
وهذا ابن الحاجب يقول في "الكافية": "والمضمر ما وضع لمتكلم أو مخاطب أو غائب تقدم ذكره لفظاً أو معنى أو حكماً".
وهذا السكاكي يقول في كتاب "المفتاح" عند البحث عن الداعي إلى أن يكون المسند إليه ضمير غيبة: "أو كان المسند إليه في ذهن السامع".
وقال العلامة السيد في "شرحه" مبيناً حضور المسند إليه في ذهن السامع: "وحضوره فيه إما لكونه مذكوراً لفظاً، أو معنىً، إما لكونه في حكم المذكور لقرائن الأحوال، لفظيةًّ كانت أو معنوية".
وقال سعد الدين التفتزاني في "الشرح المطول": "وقد يكون وضع المضمر موضع المظهر لاشتهاره ووضوح أمره؛ كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} [القدر: 1]؛ أي: القرآن، أو لأنه بلغ من عظم شأنه إلى أن صار متعقل الأذهان؛ نحو: هو الحي الباقي، أو لادعاء أن الذهن لا يلتفت إلى
(2/ 1/90)

غيره؛ كقوله في المطلع:
زارت عليها للظلام رُواق
وقد ساق النحاة من الآيات ومنظوم العرب ومنثورهم شواهد على أن ضمير الغيبة يصحُّ عوده على ما لم يتقدمه في اللفظ، وإنما حضر في ذهن السامع بقرائن الأحوال، لفظية كانت أو معنوية.
ومن هذه الشواهد: قول الشاعر:
وما أَدري إذا يمَّمْتُ أَمراً ... أريدُ الخيرَ أيُّهُما يَليني
فالشاعر لم يذكر إلا الخير، وأتى بضمير المثنى راجعاً إليه، وإلى الشر الذي يصاحبه في الخطور على الذهن غالباً.
ومنها: قول الشاعر:
وكل أناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهم ... ونحنُ خَلَعْنا قيدَه فهو ساربُ
فمرجع الضمير في قوله: "قيده" لم يتقدم في اللفظ، وإنما علم من سياق الجملة قبله، والمراد: قيد فحلنا.
ومنها: قول الشاعر:
فإنك والتابين عروة بعد ما ... دعاك وأيدينا إليه شوارعُ
فكالرجل الحادي وقد تلع الضحى ... وطَيْرُ المنايا فوقهنَّ أواقعُ
فالضمير في قوله: "فوقهن" يعود إلى الإبل المنبِّه عليها لفظُ: "الحادي"؛ فإن الحادي يستدعي إبلاً محدودة، فأغنى ذلك عن ذكرها.
ومنها: قول أبي كبير الهذلي:
ولقد سريتُ على الظلام بمغشمٍ ... جَلْدٍ من الفتيان غير مثقَّلِ
(2/ 1/91)

ممن حَمَلْنَ به وهنَّ عواقدٌ ... حَبْلَ النطاقِ فشبَّ غيرَ مهبَّلِ
فالضمير في قوله: "حملن" عائد إلى النساء، ولم يجر لهنَّ ذكر، ولكن المراد مفهوم من لفظ: "حمل"، وما وقع فيه من سياق الكلام.
ومنها: قول لبيد:
حتى إذا ألقت يداً في كافرٍ ... وأجَنَّ عوراتِ الثغورِ ظلامُها
فإنه أراد: حتى إذا ألقت الشمس يداً في الليل إذ غربت، ولم يجر للشمس ذكرٌ في شعره.
ومنها: قول العباس بن عبد المطلب:
مِنْ قَبْلِها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورقُ
فإنه يريد: من قبل الأرض؛ أي: قبل وجودك فيها، ولم يجر ذكرٌ للأرض في كلامه.
النوع الرابع:
قال المحاضر: "الرابع: الضمائر التي تعود إلى الأفعال، وذلك حين يأمر الله بأمر أو ينهى عن شيء، ثم يريد بعد ذلك تحسين ما أمر به، أو تقبيح ما نهى عنه، أو تأكيد الأمر والنهي، ومثال ذلك قوله تعالى في سُورَةِ البقرة: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [البقرة: 149]، وقوله تعالى في سُورَةِ المائدة: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8]، وقوله تعالى في سُورَةِ الأنفال بعد أن بين أحكام الموالاة بين المسلمين والكافرين: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، والنحويون يرجعون هذه الضمائر عادة إلى
مصدر متصيد - كما يقولون - من الكلام السابق".
(2/ 1/92)

يريد المحاضر أن يضع في أذهان المستمعين إليه أن الضمائر في هذه الآيات واردة على خلاف القاعدة النحوية، وهي إنما تخالف المقالة التي زوَّرها عليهم في مؤتمر المستشرقين، وقد استبان لكم أن تلك المقالة لا يعرفها النحاة، والضمائر في هذه الآيات جاءت مطابقة لاستعمال عربي صحيح، وهو ما قرره النحاة من أن مرجع الضمير قد يكون جزءاً من مدلول كلمة تقدمته، وساقوا على هذه القاعدة شواهد من كلام العرب، وأخرى من القرآن الكريم.
ومن هذه الشواهد: قولهم: "من كذب، كان شرًّا له"، ففي "كان" الضمير يعود إلى الكذب الذي هو جزء من مدلول كذب.
ومنها: قول الشاعر:
إذا زُجِرَ السفيهُ جرى إليه ... وخالف والسفيهُ إلى خلافِ
فالضمير في "جرى" عائد إلى السَّفَه المفهوم من لفظ: السفيه.
ومنها: قول القطامي:
همُ الملوك وأبناءُ الملوكِ لهم ... والآخِذونَ به والسّاقَةُ الأُوَلُ
فالضمير في قوله "به" عائد إلى الملك المستغنى عنه بذكر ما يحضره في ذهن السامع، وهو لفظ الملوك.
وعلى هذا النحو من الخطاب جاء قول الشاعر:
ومَنْ يكُ بادياً ويَكُنْ أخاه ... أنا الضحَّاكُ ينتسج الشمالا
فإن الضمير في قوله: "أخاه" عائد إلى البدو الذي هو ضد الحَضَر، وهو لم يذكر في النظم، إنما دل عليه قوله "بادياً".
(2/ 1/93)

ومن الآيات التي أوردوها مستشهدين بها على صحة هذا الاستعمال: قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، وقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180]، فالضمير في قوله: {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} راجع إلى البخل المستغنى عن ذكره بقوله تعالى: {يَبْخَلُونَ}.
فالنحاة يقررون صحة استعمال الضمير راجعاً إلى المصدر الذي يدل عليه فعل، أو وصف متقدم، ويسوقون الآيات والأبيات شواهدَ على ما يقرونه، لا أنهم قرروا وجوب عود الضمير على مذكور يتقدم لفظاً ورتبة، ولما اعترضتهم هذه الآيات وما يجري مجراها من الشعر، أخذوا يتأولون ويتصيدون.
النوع الخامس:
قال المحاضر: "الخامس: الضمائر المبهمة، وهذه الضمائر قسمان:
أحدهما: يعود إلى متقدم، ولكنه لا يطابقه؛ كقوله تعالى في سورة النساء: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4]، فالهاء في {مِنْهُ} ظاهرة في الرجوع إلى الصدقات، ولكنها لا تطابق الصدقات في الجنس، ولا في العدد، ولهذا قال الزمخشري في "الكشاف": إن هذه الهاء بمعنى اسم الإشارة؛ كأنه قال: فإن طبن لكم عن شيء من ذلك نفساً.
القسم الثاني: ضمائر لا ترجع إلى متقدم، ولكن يفسرها متأخر لفظاً ورتبة؛ كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الأنعام: 29].
ذكرنا في التمهيد: أن بلغاء العرب لا يجمدون على رعاية الألفاظ، بل يوجهون عنايتهم الكبرى إلى نقش صور المعاني في أذهان المخاطبين،
(2/ 1/94)

فتراهم ينسجون الكلام على رعاية ما سبق من الألفاظ في أغلب أحوالهم، وقد يذهبون فيه إلى ما يطابق المعنى، غيرَ مبالين بالألفاظ حيث لا يتوقف حسنُ صياغة المعنى على التزام رعايتها، فإذا دلوا على المعنى بلفظ، لم يجدوا حرجاً في أن يتحدثوا عنه كأنه ذكر بلفظ آخر مألوف الاستعمال عند تأدية هذا المعنى الذي صيغ من أجله الخطاب. وهذا مذهب من مذاهب البيان فسيح، بسطه ابن جنّي في كتاب "الخصائص" تحت عنوان: (فصل في الحمل على المعنى)، وقال: قد ورد في القرآن وفصيح الكلام منثوراً ومنظوماً. وقال بعد هذا: والحمل على المعنى في هذه اللغة واسع جداً، ومن صوره: تصويرُ الجماعة في صورة الواحد، ومن شواهد هذا التصوير قول العرب: "هو أحسن الفتيان وأجمله"، أفردوا الضمير مع أن مرجعه فيما يظهر جماعةٌ؛ لأن هذا الموضع يكثر فيه استعمال الواحد، ومن شواهده: قول ذي الرمة:
وميَّةُ أحسنُ الثَقلين وجهاً ... وسالفةً وأحسنُه قَذالا
فترك رعاية اللفظ المنطوق به، وبنى كلامه على لفظ آخر مما يؤلف في هذا المكان، فأفرد الضمير كأنه قال: أحسن مخلوق.
وفي الحديث النبوي: "خيرُ نساء ركبنَ الإبلَ خيارُ نساءِ قريشِ، أحناهُ على ولد في صِغَره، وأرعاه على زوجٍ في ذاتِ يده"، فقد أتى بالضمير في قوله: "أحناه، وأرعاه" مفرداً؛ ذهاباً إلى المعنى؛ فإن قوله: "خير نساء" في معنى خير مَن وُجد، أو خُلق.
قال ابن الأثير: ومنه قولهم: "أحسن الناس خلقاً, وأحسنه وجهاً"، وهو كثير من أفصح الكلام.
(2/ 1/95)

ومن هنا نعلم - بوجه مجمل -: أن القرآن إذا استعمل لفظ الجمع للدلالة على معنى، وأتى في حديثه عن هذا المعنى بالضمير مفرداً، فإنما سلك منهجاً يألفه فصحاء العرب، ولا يجدون في نفوسهم حرجاً من أن يلفظوا به، ولا في آذانهم نفوراً من أن يستمعوا إليه.
وعلى هذا تأويل قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4]، فإن المعنى الذي أريد بالصدُقات، قابل لأن يستعمل له لفظ غير جمع، وهو الصداق، أو ما أصدق، فيكون الضمير في قوله: "منه" عائداً على معنى الصدقات باعتبار اسم آخر شأنه أن يستعمل للدلالة عليه، حتى كأنه قيل: وآتوا النساء صدُقاتهن، أو ما أصدقتموهن.
ولا يغيب عنّا أن مراعاة الألفاظ المعبر بها عن المعنى أولاً، ثم الإتيان بضمائر الغيبة على وفقها، هو الذي يجري عليه العرب في أكثر مخاطباتهم، وهو الذي يتتابعون عليه الواحد بعد الآخر، وذلك ما أخذ علماء العربية أن يجعلوا مطابقة الضمير لمرجعه قاعدة متبعة، ونعلم - مع هذا -: أن استعمال ضمير الغيبة منظوراً فيه إلى المعنى، كأنه عبَّر عنه بلفظ آخر يطابقه الضمير، هو مسلك عربي فصيح، وإن لم يبلغ مبلغ الوجه الأول في شيوعه بينهم، ودورانِه على ألسنة عامتهم، وقلةِ ظهور هذا الاستعمال في خطب البلغاء وقصائدهم، ثم قلةُ استباق ألسنة الجمهور إليه في مخاطباتهم لا يخدش في فصاحته، بل لا ينزل به عن مكانة الوجه الشائع، وإنما هو وجه ينتحيه الفصحاء في مقامات لا يجدون في انتحائه ما يخلّ بصورة المعنى، ولا يبطئ بذهن المخاطب عن أن يدرك المراد كما يدركه عندما يؤتى بالضمير مطابقاً للفظ المنطوق به في نظم الكلام، وهو جدير بأن لا يكثر في مخاطبات العامة، وأن
(2/ 1/96)

لا تسبق إليه ألسنتهم؛ لأنه لا يأخذ مأخذه في كل مقام، ولا يجري معه الذهن إلى الغرض أينما وقع، بل يحتاج إلى قوة من البلاغة يلاحظ فيه كيف يكون إرجاع الضمير إلى المعنى باعتبار اسم غير مذكور، وإرجاعه إليه باعتبار اللفظ المذكور على سواء.
وسنبحث الوجه الذي حكاه المحاضر عن الزمخشري في صحيفة آتية، ونعرض عليك في تأويل هذه الآية وجهاً آخر نراه قريباً، ولا تراه - إن شاء الله - بعيداً.
وأما آية: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [المؤمنون: 37] التي أوردها المحاضر مثلاً لما ورد في القرآن من الضمائر المفسرة بمتأخر عنها لفظاً ورتبة، فأسلوبها عربي شائع مألوف، وقد قدمنا لك أن النحاة عندنا يقررون قاعدة امتناع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة يستثنون منها أبواباً، ومن هذه الأبواب ما صيغت فيه هذه الآية، وهو أن يؤتى بالضمير أولاً، ثم يخبر عنه بما يفسره، ويحتجون على هذا بأقوال العرب، وبهذه الآية نفسها، ومن شواهدهم عليه: "هي النفس تحمل ما حملت"، وقولهم: "هي العرب تقول ما شاءت".
النوع السادس:
قال المحاضر: "السادس: الضمائر التي تقع في آيات التشريع؛ كقوله تعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229]، فالألف في: {يَخَافَا} راجعة إلى الزوجين اللذين لم يُذكرا، وأوضحُ مثال لهذا النوع آيةُ المواريث في سورة النساء، فالضمائر التي تعود فيها إلى غير
(2/ 1/97)

المذكور كثيرة".
الضمير في قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} يعود إلى الزوجين المستغنى عن ذكرهما بحضورهما في أذهان المخاطبين من الحديث عن الطلاق المعبر عنه بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، والبقاء على الزواج المعبر عنه بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، والصداق المذكور في قوله: {مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ}، بل من الخطاب في قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229].
وقد بسطنا لك البحث في أن إعادة الضمير على ما يُستغنى عن ذكره بما يسبقه من القول قاعدة عربية قائمة بنفسها، ولا تصطدم مع أي قاعدة، ما عدا القاعدة التي صنعها المحاضر في مؤتمر المستشرقين، وأضافها إلى النحاة وهم لا يعلمون.
وعلى نحو آية: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وردت الضمائر في آية المواريث، ولا شيء منها إلا وهو راجع إلى ما استُغنى عن ذكره بما ينبه على مكانه، ويلوَّح إليه.
النوع السابع:
قال المحاضر: "السابع: الضمائر التي يفهم مرجعها من النص؛ كقوله تعالى في سورة النحل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61]، فالهاء راجعة إلى الأرض التي لم تذكر، وقوله تعالى لإبليس: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34]، فالهاء راجعة إلى الجنة التي لم تذكر".
يريد المحاضر أن يلقي في آذان المستمعين إليه: أن هذه واردة على خلاف تلك القاعدة التي ألصقها بالنحاة، وصوَّرها بقوله: يجب عودُ الضمير
(2/ 1/98)

على مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة، والحقيقة أن النحاة قرروا قاعدة تجري عليها هذه الآيات بسهولة ورفق، وهي صحة عود الضمير الغائب على ما يحضر في ذهن المخاطب من مساق الكلام، وقد ذكر هذه القاعدة ابن مالك وغيره، وسقنا إليك من شواهدها ما لا يسعك إلا أن تتلقاه باصغاء وقبول.
النوع الثامن:
قال المحاضر: "الثامن: الضمائر التي تعود إلى "من" دون أن تطابقها جنساً أو عدداً، والنحويون يقولون: إن الضمير يرجع إلى "من" باعتبار لفظها، فيفرد ويذكر، وباعتبار معناها، فيطابق هذا المعنى جنساً وعدداً، ولكن رجوع الضمائر إلى الألفاظ مرة، وإلى المعاني مرة أخرى، لا معنى له، فأنت لا تقول: حمزة أقبلت؛ مراعاة لتأنيث اللفظ، وإنما تقول: حمزة أقبل؛ مراعاة لتذكير المعنى، ولو جاز إرجاع الضمائر إلى الألفاظ مرة، وإلى المعاني مرة أخرى، لأصبحت اللغة والنحو ضرباً من اللعب".
الألفاظ التي تستعمل للدلالة على العقلاء ثلاثة أنواع:
أحدها: لفظ يراد به شخص معين؛ كالأعلام، والضمير الذي يكنَّى به عن فرد معين لا يكون إلا كمرجعه مفرداً.
ثانيها: لفظ يرد في صيغة جمع التكسير، أو أحد جمعي السلامة، والضمير العائد إلى معاني هذه الجموع شأنه أن يكون كمرجعه جمعاً مطابقاً، ويلحق بهذا القسم نحو: الذين، واللاتي.
ثالثها: ألفاظ تقال على المفرد مرة، وعلى الجمع مرة أخرى؛ نحو: "مَنْ" الموصولة، ولفظ "منْ" إن أريد به شخص واحد معين، فالضمير الراجع إليه لا يكون إلا مفرداً، أما إذا لم يرد منه شخص واحد، بل أريد منه جماعة،
(2/ 1/99)

فهذا ما نطق العرب بالضمير الراجع إليه مفرداً تارة، وجمعاً مرة أخرى، وهذا شأنهم معها فيما إذا أريد منها جنس من يتحقق فيه معنى صلتها.
ومن شواهد عود الضمير عليها مفرداً، وقد أريد منها جماعة: قول بعض شعراء الحماسة:
وإني لمِمَّنْ يَبْسُطُ الكَفَّ بالنّدى ... إذا شَنَجت كفُّ البَخيل وساعدُه
ف"مَن" هنا مستعملة في جمع، وأعيد عليها الضمير مفرداً.
ومن شواهد عود الضمير عليها جمعاً: قول قبيصة بن النصراني أحد شعراء الحماسة:
أُحدِّث من لاقيتُ يوماً بلاءه ... وهم يحسبون أنني غيرُ صادقِ
فالضمائر العائدة على "مَنْ" المستعملة في جمع تُفرد في حال، وتُجمع في أخرى، وهذا أمر واقع في كلام العرب، غيرُ مختص بضمائر الغيبة في القرآن، بل الواقع أن هذا الحكم لا يختص ب "من" الموصولة، ولكنه يتعداها إلى أسماء كثيرة يستعملها العرب لتدل على أفراد متعددة، ويعيدون عليها الضمير إن شاؤوا جمعاً، وإن شاؤوا مفرداً، ومثال هذا لفظ "الجمع" نفسه؛ فإنهم يتحدثون عنه حديثهم عن الجموع مرة، كما قال أحد شعراء الحماسة:
وجَمْعُ بني قرّان فاعرض عليهمُ ... فإنْ يقبلوا هاتا التي نحن نؤبسُ
ويجرونه مجرى المفرد أخرى كما قال آخر منهم:
قد صبَّحتْ معنٌ بجمع ذي لَجَبْ ... قيساً وعِبْدَانَهُمُ بالْمُنْتَهَبْ
وجد في اللغة هذا النوع من الكلم الذي يطلق على أفراد متعددة،
(2/ 1/100)

وللمتكلم الخيار في أن يذهب فيه مذهب الحديث عن المفرد، أو مذهب الحديث عن الجماعة، ولم يبق للنحاة من عمل سوى أن يفرقوا بين الحالين، فقالوا في حال إعادة الضمير عليه جمعاً: إنه محمول على المعنى، وفي حال إعادته عليه مفرداً: هو محمول على اللفظ.
ونحن نفهم من هذا: أن المتكلم ينظر أحياناً إلى معنى "مَنْ" التي يراد بها جماعة، فيجده ذا أفراد متعددة، فيعيد عليها ضمير الجمع، وينظر أحياناً إلى لفظ "مَن"، فيجده خالياً من علامة الجمع المقتضية لأن يكون الضمير العائد إليها جمعاً، فيفرد الضمير؛ رعاية للفظها، ولا يعنون بهذا أن الضمير؛ يعود إلى اللفظ من حيث هو حروف، فإن الضمائر إنما يكنّى بها عما يتحدث عنه، وهو المعاني، بل هو عائد إليه من حيث دلالته على المعنى المراد منه، وإنما اعتبروا اللفظ في حال إفراد الضمير، مع أن الضمائر لا تعود على الألفاظ من حيث إنها حروف؛ نظراً إلى أن اللفظ بخلوِّه من علامة الجمع ساعد على أن يجيء الضمير مفرداً، وإذا وقفنا عند هذا الحد، قلنا: إن العرب يحافظون على المطابقة بين الضمير ومرجعه، والنحاة يشترطون هذه المطابقة كما حافظ عليها العرب، غير أن هذه المطابقة إما أن يراعى فيها المعنى الذي يكنى عنه بالضمير، وإما أن يراعى فيها حال اللفظ الذي عبر به عن المعنى أولاً.
ومما نراه قريباً أن يقول باحث: إن المتكلم حين يفرد الضمير العائد إلى الألفاظ المستعملة في الجمع إنما ينظر إلى المعنى في صورة تقبل هذا الضمير، وهو أن يلاحظ الأفراد المتعددة من حيث اجتماعُها وانضمامُ بعضها إلى بعض، حتى كأنها وهي في سلك المعنى الجامع بينها شيء واحد،
(2/ 1/101)

وإنما تستقيم هذه الملاحظة مع الألفاظ الخالية من علامات الجمع، إذ هذه العلامات تمنع من أن تلاحظ هذه الأفراد في صورة شيء واحد.
ومجمل القول: أن الألفاظ التي يراد منها جماعة؛ ك "مَن"، وجَمْع، وفريق، لا يجد العرب حرجاً في أن يعيدوا عليها ضمائر الجمع؛ نظراً إلى ما دلَّت عليه من الأفراد المتعددة، أو يعيدوا عليها الضمائر مفردة؛ نظراً إلى أن اللفظ لا يتجافى عن هذه الضمائر، وقابل لأن يلاحظ معه مجموع الأفراد في هيئة ما تقع عليه نظرة واحدة، ومراعاةُ اللفظ والمعنى في تركيب واحد كما يجيء في بعض الأبيات طريقةٌ عربية مألوفة، ومن شواهدها:
لستُ ممَّنْ يَكِعُّ أو يستكينو ... ن إذا كافحته خيلُ الأعادي
فقد أعاد الضمير على "من" في قوله: "يكع" مفرداً، وأعاده عليها ضميرَ جمع في قوله: "يستكينون".
* الضمير العائد على "الذي":
قال المحاضر: "وأكثر من هذا أن عدم المطابقة ليس مقصوراً على "مَنْ"، بل يتجاوزها إلى "الذي"، مع أن "الذي" مفرد قطعاً، فلا يصح أن يرجع الضمير إلى لفظه مرة، وإلى معناه مرة أخرى، فمن ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33]، وقوله تعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا} [البقرة: 264].
قد يراد من نحو "الذي" شخص معين، وهو في هذا الحال لا يعود عليه الضمير إلا مفرداً، وقد يراد منه الجنس؛ ليتناول الحكمُ به كلَّ فرد يتحقق فيه
(2/ 1/102)

معنى الصلة، وهذا ما يذهب العرب في الحديث عنه إلى إفراد الضمير مرة، وجمعه مرة أخرى، وإذا أتوا بضمير الجمع، فلأن "الذي" يتناول بوساطة دلالته على الجنس أفراداً متعددة، فتحصل المطابقة بين الضمير ومرجعه من جهة المعنى، فالإخبار عن "الذي" بما يشار به إلى الجمع في آية: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ} [الزمر: 33]، وعود ضمير الجمع على "الذي" في آية: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} [البقرة: 264] إنما هو قائم على رعاية أن "الذي" مستعمل في جنس من يتحقق فيه معنى الصلة، والجنس ذو أفراد لا تحصى.
* الضمير العائد على المعرف بأل الجنسية:
قال المحاضر: "بل لا يقتصر عدم المطابقة على"من"، و"الذي"، وإنما يتجاوزهما إلى أسماء مظهرة، منها العام، ومنها الخاص.
فمن الأول: قوله تعالى في سورة الأحقاف: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [الأحقاف: 16].
ومن الثاني: قوله تعالى في سورة طه: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 24 - 28] ".
أما الآية الأولى، فإن الإنسان مراد منه الجنس، والجنس يتناول أفراداً كثيرة، فصحَّ من هذا الوجه أن يشار إليه بما يشار به إلى الجمع، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} [الأحقاف: 17] إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [الأحقاف: 18]، وقد أشار صاحب "الكشاف" إلى وجه الإخبار ب "أولئك" عن قوله: {وَالَّذِي قَالَ}، فقال: المراد بالذي قال: الجنسُ القائلُ ذلك، ولذلك وقع الخبر مجموعاً.
(2/ 1/103)

وأما آية: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} [طه: 27]، فمرجع الضمير فرعونُ وملؤه الذين شأنهم أن يحضروا في علم السامع متى ذُكر فرعون، إذ رئيس القوم كفرعون لا تقع صورته في الذهن غالباً إلا مصحوبة بما يحف به من رجال، وقد بسطنا لك القول في أن الإتيان بضمير الغيبة لا يتوقف على أن يكون مرجعه مذكوراً لفظاً، بل يكفي فيه أن يحضر في ذهن السامع، ولو من غير طريق الألفاظ الموضوعة للدلالة عليه.
* رأي المحاضر في الضمائر غير المطابقة:
قال المحاضر: "فعدم المطابقة إذن ليس من خصائص الضمير، ولا هو من خصائص الأسماء الموصولة، وإنما هو أسلوب من أساليب القرآن، إذا أمكن ضبطه وتحديده، فقد أمكن حل مسألة الضمائر غير المطابقة، أو التي لا مرجع لها، ويتلخص هذا الأسلوب في أن القرآن يستعمل أحياناً أسماء عامة أو خاصة، وهو يريد أن هذه الأسماء تدل على أصحابها أولاً، وتمثل جماعات أخرى ثانياً؛ أي: أن هؤلاء الأشخاص ممتازون، لهم من المكانة في حياتهم الاجتماعية ما يجعلهم عنواناً لقومهم".
قال المحاضر هذا، وأراد تطبيقه على الآية الأولى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} [الأحقاف: 15]؛ بناء على أنها نزلت في أبي بكر الصديق، وعلى الآية الثانية: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} [طه: 27] زاعماً أن فرعون يمثل المصريين!.
قد أريناك أن ليس في القرآن ضمير لا يطابق مرجعه، وأن مرجع الضمير قد يكون مذكوراً، وقد يستغنى عن ذكره بما يدل عليه من قرينة لفظية، أو غير لفظية، والآية من هذا القبيل، ولا يشترط في مطابقة ضمير الجمع لمرجعه المذكور قبله أن يكون لفظه جمعاً، بل يكفي فيه أن يكون مدلوله الجنس،
(2/ 1/104)

وهو يتناول أفراداً كثيرة، والآية الأولى واردة على هذا السبيل، ونزولها في أبي بكر الصديق لا يمنع من إرادة جنس الإنسان المتصف بالمعنى المحكي عنه، فيتناول أبا بكر، وسائرَ من يتحقق فيه ذلك المعنى.
* عدم اكتفائه بهذا الرأي في دفع مشكلة عدم المطابقة:
قال المحاضر: "هذا الحل واضح في نفسه، وهو مفهوم من النحو المنطقي الصرف، ولكنه لا يزيل المشكلة؛ لأن مسألة المطابقة بين الضمير وبين مرجعه المذكور لا تزال قائمة".
ليس في الآيات إشكال ما دام العرب ينطقون بالضمير من غير أن يذكر مرجعه في نظم الكلام، وما دام علماء العربية يصرحون بجواز هذا الاستعمال، ويسوقون عليه الشواهد الكثيرة، وليس في الآيات إشكال ما دام العرب يجرون الكلمات التي تدل على معانٍ عامة، ولم يكن في لفظها علامة جمع مجرى ما يجيء في صيغة جمع تكسير، أو جمع سلامة، فيعيدون عليها ما شاؤوا من ضمائر الجمع، أو ضمائر الإفراد، وما دام علماء العربية يذهبون في هذا الاستعمال إلى أنه عربي مبين، ولا يرونه ناقضاً لشيء من قواعدهم، وآفةُ المحاضر في هذا كله إنما جاءت من ناحية تلك القاعدة التي اصطنعها بلسانه، ورماها على النحاة، وكتبُهم تنادي ببراءتهم منها.
* زَعْمه أن القرآن يستعمل ضمير الغيبة اسم إشارة:
قال المحاضر: "إنه يرى أن القرآن نفسه يحل هذه المشكلة حلاً لا شك فيه، ذلك أن هذه الآيات التي لم تتحقق فيها المطابقة، والتي تبلغ نحو المئة، قد ورد فيها اسم الإشارة سبعاً وأربعين مرة، وورد فيها الضمير ثلاثاً وأربعين مرة. وإذن، فالقرآن يستعمل في هذه الآيات الضميرَ واسم
(2/ 1/105)

الإشارة على السواء، وإذن، فالضمير في هذه الآيات بمعنى اسم الإشارة. ونحن نعلم أن اسم الإشارة لا يلزم أن يرجع إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة، وإنما يجب أن يرجع إلى المشار إليه، وإن لم يطابقه عدداً وجنساً، سواء ذكر هذا المشار، أو لم يذكر".
وقال: "إنه يرى أن هذه القاعدة يجب أن تطبق على كل الضمائر التي لا مرجع لها، أو التي لا تطابق مرجعها؛ بحيث تؤخذ هذه الضمائر على أنها أسماء إشارات".
لا مشكلة فيطلب حلها؛ ذلك لأن الآيات التي أوردها المحاضر استوفت مراجعها، وتحققت فيها المطابقة على الوجه الكافي في نظر البلغاء، ودعوى أن الضمائر في هذه الآيات مستعملة بمعنى اسم الإشارة، من الخواطر التي لا داعي إليها، وإنما يحتاج إليها من يتوهم أن القاعدة النحوية توجب أن يكون مرجع الضمير مذكوراً يتقدم في اللفظ والرتبة، ويتوهم أن المطابقة بين ضمائر الجمع ومراجعها لا تتحقق إلا أن يكون المرجع من صيغ الجموع، وشيءٌ من هذا لم يلتزمه العرب، ولم يجعله واضعو اللغة حكماً مسمطاً.
يقول المحاضر: "ونحن نعلم أن اسم الإشارة لا يلزم أن يرجع إلى مذكور يتقدمه لفظاً ورتبة".
وهذا القول من نوع ما يُرمى به على غير روية، والحقيقة أن اسم الإشارة قد يشار به إلى محسوس حاضر، وهذا يستغني بالإشارة الحسية عن أن يتقدمه في الكلام ما يشار إليه، أما إذا أشير به إلى أمر معقول، أو شخص غائب عن حضرة الخطاب، فهذا حكمه حكم ضمير الغائب في احتياجه
(2/ 1/106)

إلى مرجع يفسره.
قال الرضي في "شرح الكافية": واسم الإشارة لما كان موضوعاً، للمشار إليه إشارة حسية، فاستعماله فيما لا يدرك بالإشارة الحسية؛ كالشخص البعيد، والمعاني مجاز، وذلك يجعل الإشارة العقلية كالحسية، واسم الإشارة حينئذٍ يحتاج إلى مذكور قبله، فيكون كضمير راجع إلى متقدم. وقد نقل العلامة السيد كلام الرضي هذا في "حواشي الشرح المطول" حكماً مسلماً.
وهذا أمر معقول بالبداهة لو كان المحاضر ممن رزقوا التؤدة في البحث، فلو قال قائل: لقيت بالأمس ذلك، مشيراً إلى شخص غير حاضر، ولم يجر في الكلام ما يدل عليه، لما أتى بشيء من الفائدة، ولما عده السامعون إلا هاذياً.
وأكثر الآيات التي أوردها المحاضر إنما كُنِّي بضمائرها عن معان معقولة؛ كآية: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، أو أشخاص غائبين عن حضرة الخطاب؛ كآية: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27، 28]، فلا مفر للمحاضر إذاً من أن يبتغي لهذه الضمائر مشاراً إليه قد تقدم ذكره، إلا أن يدعي أن هذا النوع الجديد من أسماء الإشارة لا يدخل تحت سلطان قاعدة قديمة، وما هذا الادعاء من صاحب هذه المحاضرة ببعيد.
وإذا قال المحاضر: أكتفي في اسم الإشارة بما يدل على المشار إليه، ولو من غير صريح الكلام.
قلنا: قد اكتفى علماء العربية في مرجع الضمير بمثل هذه الدلالة، فيكون الخلاف بينك وبينهم في أنهم يسمون الواو في نحو قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} [الأعراف: 187]: ضميراً، وأنت تسميه: اسم إشارة،
(2/ 1/107)

وتكون رحلتك إلى مؤتمر المستشرقين لم تثمر سوى أنك جئت إلى نوع من الضمير، وقلت: إني وضعت له اسماً جديداً لم يسمه به علماء اللغة العربية في القديم.
قال المحاضر:، "فالضمير إذن في هذه الأنواع الثمانية مستعمل على أنه اسم إشارة. وقد أحس القدماء أنفسهم هذا، فقاله الزمخشري في "الكشاف" - كما قدمنا -، ورووا أن رُؤبة لما سُئل عن الضمير في قوله:
كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أجاب: "أردت: كأن ذاك".
ذكر صاحب "الكشاف" لإفراد الضمير في آية: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ} [النساء: 4] وجهين:
أحدهما: ما أوردناه فيما سلف من أن يكون الضمير راجعاً إلى الصداق الذي يجده السامع في ذهنه عند ذكر الصدُقات؛ لأنه في معنى: وآتوا كل واحدة من النساء صداقها.
وثانيهما: أن يكون الضمير "جارياً مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل عن شيء من ذلك"، ومعنى هذا - فيما يظهر - أن الضمير في قوله: "منه"، وهو مفرد، كنَّى به عن الصدُقات، وهو جمع، أجراه له مجرى اسم الإشارة المفرد؛ فإنه قد يشار به إلى الاثنين؛ نحو قوله تعالى: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]، وقد يشار به إلى الجمع؛ كقوله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38]. فالذي يؤخذ من عبارة الزمخشري: أن ضمير المفرد كني به عن جمع؛ إلحاقاً له باسم الإشارة في أنه قد يشار به إلى جمع، فالإجراء يرجع إلى هذا الوجه، وهو استعمال المفرد
(2/ 1/108)

للجمع، وهو مستقيم، ولو مع بقاء الضمير بحالة كناية عن شيء تقدَّمه.
فصاحب "الكشاف" لا يريد من قوله: أجري مجرى الإشارة: أنه نقل عن معناه الذي هو مجرد الكناية عن شيء يفسره إلى معنى اسم الإشارة، وإنما يريد: أن هذا الضمير أعطي حكم اسم الإشارة الذي هو استعماله للجميع، وإعطاء الكلمة حكم الأخرى لا يتوقف على أن توافقها في المعنى، بل يكفي فيه أن يكون بين الكلمتين مشابهة في بعض الوجوه، والمشابهة بين الضمير واسم الإشارة في: الإبهام، واحتياج كل منهما في استعماله إلى ما يوضح المراد منه.
ويدلك على أن الزمخشري إنما يريد بإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة إعطاءَه حكمَه فقط، ولا يقصد إلى أن يكون الضمير بمعنى اسم الإشارة، أو اسم إشارة: أنه بعد أن استشكل الإشارة بالمفرد المذكور في قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] إلى مؤنثين، وهما بِكر وفارِض، وذهب إلى دفع الاستشكال إلى أن المشار إليه في تأويل (ما ذكر)، أو (ما تقدم)، قال: وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا.
ورؤبة لا يقصد بقوله: "أردت كأن ذاك": أنه استعمل الضمير اسم إشارة، وإنما يقصد: أنه أعاد ضمير المفرد على الخطوط؛ إجراء له مجرى اسم الإشارة في استعماله لمتعدد، وغير خفي أن اسم الإشارة في هذا الموضع لا يختلف عن الضمير إلا بحكم عدم المطابقة، فقوله: "أردت كأن ذاك" لا يدل على أنه نقل الضمير إلى معنى اسم الإشارة، وإنما هو تنبيه على اللفظ الذي نقل حكمه إلى الضمير، وهذا اللفظ - من حيث إنه يشير إلى ما تقدم ذكره - لا يتميز عن الضمير الذي يكنّى به عن متقدم، فصحَّ أن يوضع موضع
(2/ 1/109)

الضمير عند بيان القصد إلى إجرائه مجراه في استعماله لما هو متعدد. وسيقوم لك على هذا من قول السعد شاهد مبين.
ثم إن ما يذكر به اسم الإشارة المفرد من عدم المطابقة أمر ظاهري، والتحقيق أن العرب قد وضعوا "ذاك"، أو "ذلك"؛ ليشار به إلى المفرد، و"ذان" - مثلاً - للمثنى، و"أولئك" لما كان جمعاً، فإذا وجدنا اسم الإشارة المفرد نحو "ذلك" مشاراً به إلى متعدد، فإنما هو لضرب من التصرف في تصوير المعنى، ذلك بأن تلاحظ المتعدد في صورة الشيء الذي يدلون عليه بكلمة مفردة.
فأنت إذا أتيت في صدر كلامك بمثنى، أو جمع، فقد جعلت مدلوله الذي هو الفردان أو الأفراد مذكوراً في الحضرة، فيأخذ بهذا الذكر عنواناً آخر هو "ما ذكر"، فيصح لمن يخاطب الأذكياء أن يلاحظه كأنه مصرح به في نظم الكلام، ويشير إليه باسم الإشارة المفرد: "ذاك"، أو "ذلك".
وقد أحس صاحب "الكشاف" نفسه بالحاجة إلى التأويل في اسم الإشارة المفرد حين يشار به إلى اثنين، فقال في تفسير قوله تعالى: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68].
فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟
قلت: جاز ذلك على تأويل "ما ذكر"، و"ما تقدم"؛ للاختصار في الكلام.
فالزمخشري يرى أن اسم المفرد إذا استعمل في مثنى أو جمع، فعلى ضرب من التأويل، فإذا جعل ضمير"منه" العائد على "الصدُقات" في الآية الكريمة جارياً مجرى اسم الإشارة، فلأن اسم الإشارة اشتهر باستعماله للمثنى
(2/ 1/110)

والمجموع على ذلك الضرب من التأويل أكثر مما اشتهر به الضمير.
وكذلك يقول السعد التفتازاني: يكنّى باسم الإشارة الموضوع للواحد عن أشياء كثيرة باعتبار كونها في تأويل "ما ذكر"، و"ما تقدم". وقد يقع مثل هذا في الضمير، إلا أنه في اسم الإشارة أكثر وأشهر، ولهذا قال رؤبة: "أردت: كأَن ذاك" (1).
وإذا كان اسم الإشارة المفرد إنما يستعمل للمثنى، أو للمجموع على ضرب من التصرف، فلنذهب بالضمير المفرد إلى ذلك الضرب من التصرف من غير وساطة اسم الإشارة، فنقول: إن الضمير في قوله تعالى: "منه" عائد إلى الصدُقات باعتبار العنوان الذي أخذته من ذكرها في صدر الجملة، وهو "ما ذكر".
النوع التاسع:
قال المحاضر: "النوع التاسع من هذه الضمائر: ضمير الشأن؛ كقوله تعالى في سورة الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 1]، فالهاء في "أنه" لا ترجع إلى شيء، وهي لا تشير إلى شيء أيضاً".
ثم قال: "إن ضمير الشأن هذا قد فقد معناه، وأصبح أداة لفظية يراد بها تقوية الجملة في القصص، أو في الوعد والوعيد، لا أكثر ولا أقل، وهذا الضمير شائع على هذا النحو في قديم الأدب وحديثه، لا يدل إلا على تقوية الجمل، وصبغها بشيء من الجلال".
ألقى المحاضر في صدر محاضرته تلك القاعدة المصنوعة، وقال:
__________
(1) حاشية الشمني على المغني.
(2/ 1/111)

إنها لا تنطبق على القرآن؛ لأن فيه ضمائر لا تعود إلى مذكور يتقدمها لفظاً ورتبة، وفيه ضمائر تعود إلى مذكور، ولكنها لا تطابقه، وقال: إنه حصر الضمائر في أنول تسعة. فالذي يقرأ المحاضرة من أولها حتى يصل إلى قوله: النوع التاسع من هذه الضمائر: ضمير الشأن، يسبق إليه بطبيعة البحث أن المحاضر يرى أن ضمير الشأن من الضمائر الواردة في القرآن على خلاف القاعدة النحوية التي لا تقبل استثناء. والواقع: أن تلك القاعدة المزعومة ليس لها في العربية أصل ولا فرع، أما ما يقوله الجمهور حقاً، وهو: أنه يمتنع عود الضمير على متقدم لفظاً ورتبة، فقد وصلوه بالاستثناء - كما أسلفنا -، ومن جملة هذه المستثنيات: ضمير الشأن. ويقولون: إذا قصد المتكلم إلى أن يستعظم السامع حديثه قبل الأخذ فيه، افتتحه بالضمير المسمّى: ضمير الشأن، ونصّوا على التزام إفراده وتذكيره، إلا إذا وليه اسم مؤنث، أو فعل موصول بعلامة مؤنث؛ كقوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
ولم يكن هذا الضمير مختصاً بالقرآن، ولا بالقصص والوعد والوعيد، بل هو شائع في كلام البلغاء، يبنون عليه أقوالهم حيث يقتضي الحال عرضَها في لفظ مجمل قبل إلقائها على وجه من التفصيل.
يقول المحاضر: إن هذا الضمير لا يرجع إلى شيء، ولا يشير إلى شيء، وهو إن حاول بهذا أن يجعله كحروف الصلة، فمدفوع بأنه في صورة ضمير الغائب المذكر أو المؤنث، وشأن ما يجيء في هذه الصورة أن يكنى به عن شيء، وليس فيما ذهب إليه علماء العربية من أنه كناية عن الخبر الذي يأتي بعده من بأس.
(2/ 1/112)

* زَعْمُهُ أن النحو محتاج إلى وضع جديد:
قال المحاضر: "فلا بد إذن من وضع النحو وضعاً جديداً، ولكنا نلاحظ أن النحو ليس سيئ الوضع فحسب، ولكنه قاصر عن الإحاطة باللغة العربية نفسِها، قواعدُه غير متقنة، منها ما يضيق فيسرف في الضيق، ومنها ما يتسع فيسرف في السعة".
قد أدلينا إليك بالحجج المعقولة والشواهد المأخوذة من أفواه العرب: أن ضمائر الغيبة في القرآن لم تجئ إلا على ما يجري عليه البلغاء في مخاطباتهم، ولم تجئ إلا على ما تجد له عند علماء العربية أصلاً ثابتاً، وليس في هذه الأصول ما ينبو عنه العقل، أو يتجافى عنه الذوق، واستبان لك: أن المحاضر وضع لمحاضرته أساساً خرباً، فكان كل ما بناه عليه متداعياً إلى السقوط، متخاذلاً.
فلا بد إذن من الاعتراف بأن علماء العربية خدموا اللغة، فاستنبطوا القواعد، وسردوا الشواهد، وذهبوا في البحث والاستدلال مذاهب بعيدة عن هذا اللغو الذي أجهد فيه المحاضر نفسه، واقتحم به لجج البحار؛ ليملأ به آذان أولئك المستشرقين.
وحقيق بمن يتصور أن النحاة قالوا بوجوب عود الضمير على متقدم لفظاً ورتبة أن يقول: إن النحو قاصر عن الإحاطة باللغة العربية، وحقيق به أن يقول في قواعده: إنها غير متقنة، ولكنهم لم يقولوا هذا الذي نثره المحاضر في مؤتمر المستشرقين. فالذين يُقبلون على الكتب العالية لعلماء العربية؛ ككتاب "التسهيل" لابن مالك، و"شرح أبي إسحاق الشاطبي للخلاصة"، و"شرح ابن يعيش للمفصل"، ويطالعونها بذكاء وتثبت وإنصاف، لا ينصرفون
(2/ 1/113)

عنها إلا بإكبار وإعجاب، ولا أنكر أن في كثير من الكتب النحوية شيئاً من الأقوال الواهية، والمذاهب الضيقة؛ فإن هذا شأنُ كل علم، معقولاً كان أو مسموعاً، والذي أعنيه: أن هذه الكتب تحتوي القواعد التي يجري عليها الفصحاء من العرب، فمن الميسور للباحث بإخلاص أن يقف عليها، ويميز منها تلك الآراء الضعيفة، والمذاهب الحرجة، ويخرجها في أسلوب حكيم.
يوجد في لغة الألمان مُثُلٌ لما جاء في لغة العرب؛ من الإتيان بضمير لا يرجع إلى مذكور في نظم الجملة، فتجدهم يقولون: هي تمطر، أو تبرق، أو ترعد، أو: هو برد، ولا يزيدون على ضمير الغائب والفعل، فمن مبلغُهم نظريةَ هذا المحاضر؛ لعلهم يغيرون نحوَهم، ويسمون هذا الضمير: اسم إشارة؛ حتى لا يقذفهم المحاضر كما قذفَ علماءَ الأزهر بأنهم قوم لا يقبلون آراء المجددين؟!.
* زَعْمه أن النحو لا يكفي لتفسير القرآن:
قال المحاضر: "إن علم النحو العربي لا يكفي لتفسير القرآن الكريم وتخريجه من الوجهة النحوية الصرفة"، قال هذا، ثم اقترح: "أن يوضع للقرآن نحو خاص كما هو الشأن في الأبيات البيانية في اللغات الأوربية على اختلافها"، وقال: إن هذا النحو الخاص نافع قيّم من جهتين:
الأولى: أن يزيل ما يعلق بنفوس بعض المستشرقين من الشك حين يقرؤون القرآن مستنيرين بالنحو القديم، فيرون بينه وبين هذا النحو ضُروباً من الخلاف، فيعجلون ويقضون بأن في القرآن خطأ نحوياً، والواقع أن القرآن لم يخطئ، وإنما قَصَّر النحويون حين وضعوا قواعد النحو، فلم
(2/ 1/114)

يستوعبوا القرآن والشعر، ولم يستقصوهما.
الثانية: أن هذا النحو الخاص سيكون أساساً صالحاً لنحو آخر جديد للغة العربية كلِّها يعتمد على بحث أدقَّ وأشدَّ استقصاء من بحث المتقدمين".
يقول المحاضر: إن النحو لا يكفي لتفسير القرآن الكريم، ولهذا القول نصيبٌ من الصحة لو صدق عليهم ظن المحاضر في تلك القاعدة التي عرفتم ما هي، وكيف حملها إلى مؤتمر المستشرقين على غير أمانة، فإن كان يقصد إلى شيء آخر غير ضمائر الغيبة، فليأتنا به، ويُرنا كيف تقصر القواعد النحوية عن تأويله، أما اقتراحه بأن يوضع للقرآن نحو خاص، فرأي لا يخطر على بال أحد إلا أن تكون له حاجة يحاول الوصول إليها على هذه الوسيلة.
القرآن نزل بلسان عربي مبين، والقواعد النحوية قائمة على الاستشهاد به، وبما يصدر عن البلغاء من منظوم ومنثور، ولا نجد لعلماء العربية قاعدة قرروها شاملة من غير استثناء، وفي القرآن ما ورد على خلافها، وعلى فرض أن نجد في القرآن تركيباً لم نستطع إرجاعه إلى شيء من قواعدهم، فإننا نحكم بأن ذلك الضرب من الاستعمال مطابق لاستعمال العرب، وقد غفل عنه واضعو القواعد، ولا يسوغ لنا في حال أن نذهب إلى أن هذا الاستعمال من خصائص القرآن، ونعمل على أن نضع له نحواً خاصاً، ذلك ما لا يرضى عنه القائمون على أصول اللغة العربية حتى يحملوا في صدورهم قلباً كقلب هذا المحاضر، ويضعوا نصب أعينهم الغاية التي وضعها نصب عينيه.
يزعم المحاضر أن هذا النحو الخاص يزيل ما يعلق بنفوس بعض المستشرقين من الشك حين يرون ما بين القرآن وما بين النحو ضروباً من
(2/ 1/115)

الاختلاف، ونحن نعلم أن المستشرقين الذين بلغوا أن يقرؤوا القرآن ليستنيروا بالنحو القديم، وهم من التمهل في الحكم وتقصي البحث من كتب متعددة لا يعلق بنفوسهم شك، ولا يرون أن بين القرآن والنحو القديم ضروباً من الاختلاف. أما من يتصور القواعد مقلوبة رأسها على عقبها، فلا حق له في أن يضع، أو يوضع له نحو غير النحو الذي بناه علماء العربية، فأحكموا بناءه.
يزعم المحاضر أن هذا النحو سيكون أساساً صالحاً لنحو آخر يعتمد على بحث أدق من بحث المتقدمين، ولكن المثال الذي قدمه في هذه المحاضرة لا يصلح شاهداً على أن في إمكان من هم إلى العقلية الغربية أقرب منهم إلى العقلية الشرقية أن يضعوا للغة الفصحى نحواً يداني نحو المتقدمين، فضلاً عن أن يكون أدق وأشد استقصاء منه، ولا يفرح المحاضر أن طائفة من الغائبين عن علوم اللغة، قد ضربوا أيمانهم على شمائلهم استحساناً منهم لما يقول، فإن الذين يسارعون إلى تقليد كل من ينعق باسم الجديد - وإن كان مبطلاً - غيرُ قليل.
(2/ 1/116)

القرآن لا يقول إلا حقا ً (1)
كنت سمعت من نفر غير مثقفين بعلوم الشريعة رأياً في القرآن يخرج به عن كونه تنزيلاً من حكيم حميد.
قال بعض هذا النفر: إن القرآن يأتي بالقصة لكونها جارية عند العرب، وهي غير مطابقة للواقع، إنما يريد بها الموعظة والاعتبار.
وكتب آخر قائلاً - زيادة على ما تقدم -: إنما يكسوها ثوب الفن القصصي.
وقال آخر منهم: إن القرآن يشتمل على قضايا مخالفة للعلم القطعي ...
ولم نسمع منهم شاهداً منطقياً، وإنما يذكرون قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، فيقولون: إن القرآن دلَّ على أن عيسى وجد من غير أب، والعلم يخالف ذلك، فيدل على أن الابن لا يوجد بغير أب.
ويذكرون قوله تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]؛ حيث إن هارون أخو موسى، فكيف يكون أخاً لمريم أمِّ عيسى- عليه السلام - وبين الرسولين زمان بعيد؟.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - العددان الحادي عشر والثاني عشر من المجلد الثالث والعشرين، الصادران في ذي القعدة وذي الحجة 1373 ه.
(2/ 1/117)

والجواب عن الآية الأولى: أن عيسى- عليه السلام - قد وجد من غير أب كما يدل عليه القرآن، ولا يستطيع العلم أن يقيم دليلاً منطقياً على أن الولد لا يوجد من غير أب، ما عدا أن العادة جرت بأن الولد لا يكون إلا من أب؛ ولله أن يخالف العادة بالمعجزة التي تجري في وجود رسول أو على يد رسول. والدليل القاطع قائم على أن الشرع من عند الله، فما يقوله يكون ولا بد صادقاً، وقد دل على أن عيسى - عليه السلام - ولد من غير أب، فنؤمن به، ولا نكون مخالفين للعقل السليم في الإيمان بذلك.
والجواب عن الآية الثانية، أعني: قوله تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]: أن هارون هذا أخ صالح لمريم - عليها السلام - سمي باسم هارون الرسول، والقرآن حكى ما صدر منهم، وليس من شأنه أن يقول: إن هارون غير هارون الذي هو أخو موسى - عليه السلام -. ومن ذا الذي يعتقد أن هارون أخو مريم أمِّ عيسى هو هارونُ موسى؟! والقرآن تحدث عن التوراة والإنجيل، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - طولَ الزمان الذي بينهما، فكيف يراد في القرآن من هارون أخي مريم هارونُ أخو موسى؟.
والقول: إن القرآن لا يُحكى فيه إلا ما كان واقعاً، قرره أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" بعد أن تتبع القرآن بنظر وبحث، فقال: "كل حكاية في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - ردٌّ لها، أولاً، فإن وقع ردٌّ لها، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه.
ثم قال: إن القرآن سمي: فرقاناً، وبرهاناً، وبياناً، وتبياناً لكل شيء،
(2/ 1/118)

وهو حجة الله على خلقه على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبِّه عليه".
ومن ظن أن في القرآن قصة باطلة، أو قضية تخالف العلم الصحيح، فقد وقع فيما يستلزمه هذا الظن لزوماً بيناً لا خفاء فيه من أن القرآن كلام ليس من عند الله، فإن الله قادر على أن يصور الموعظة والاعتبار في قصص واقعة، وقضايا موافقة للعلم الصادق، ومما جاءت به الشريعة لإبطال ما يعتقده العرب من المزاعم الباطلة.
وإذا كنا نعدُّ مَن يسوق في كلامه قصة غيرَ واقعة بأسلوب يوهم أنها واقعة عاجزاً أو جاهلاً، كما نعدُّ من يأتي بكلامه بجملة ينكرها العلم عاجزاً أو جاهلاً، فكيف نعتقد أن الخالق - جل جلاله - يسوق في كلامه ما ليس بحق، ولا ينبّه له؟!
وإذا كان بعض السياسيين يريد أن يجلب قلوب الناس إلى غرض محمود بقصة يعرف أنها غير واقعة، أو كلام يعرف أنه لا يطابق العلم الصحيح -؛ فربما كان حُسن القصد غطى على عيب الكذب، وهذا لا يقرر في حق الباري -جل شأنه-؛ إذ هو قادر على أن يؤلف قلوب الناس بغير حكاية ما ليس بحق، والكذب مستحيل في حق الأنبياء - عليهم السلام -، فكيف يكون من الله- جلَّ وعلا -؟.
كتبنا هذه؛ ليتنبه المعتزون بدينهم لمغالطات الحائدين عن السبيل؛ حتى لا يكونوا عن هداية الله معرضين.
(2/ 1/119)

الفن القصصي في القرآن (1)
قدَّم أحد طلاب الجامعة المصرية رسالة موضوعها: "الفن القصصي في القرآن"؛ لينال بها لقب: "دكتور"، وقد تناولت الصحف الحديث عن هذه الرسالة، ودارت مناقشات حادة، هذا يعدّها من قبيل الإلحاد في آيات الله، وذاك يقف بجانبها، ويناضل عنها مناضلة الراضي عن آرائها، ووقف بعض الشبان بين هؤلاء يتعرفون وجه الحق فيما يتناظر فيه الفريقان؛ وكنّا ننتظر أن تقع الرسالة في أيدينا؛ لنلقي عليها نظرة فاحصة، حتى اطلعنا في "مجلة الرسالة" على نص التقرير الذي بعث به إلى عميد كلية الآداب أحدُ أعضاء اللجنة التي ألّفت لفحص الرسالة، وهو الأستاذ أحمد أمين، ثم اطلعنا في "جريدة أخبار اليوم" على مقال لأستاذ من أعضاء هذه اللجنة أيضاً يعلن فيه: أنه راض عما تضمنته الرسالة، وأنه هو الواضع للمنهج الذي تقدم عليه كاتب الرسالة لدرس القرآن، ثم اطلعنا في "مجلة الرسالة" على مقال لكاتب الرسالة ساق فيه نصوصاً لبعض المفسرين والأصوليين،
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامة" - الجزءان السابع والثامن من المجلد العشرين الصادران في محرم وصفر عام 1367 ه - والجزءان الأول والثاني من المجلد الحادي والعشرين الصادران في رجب وشعبان عام 1367 ه. وهو نقد كتاب "الفن القصصي في القرآن" للدكتور محمد أحمد خلف الله.
(2/ 1/120)

وأخرى للشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد رضا؛ بدعوى أن هذه النصوص تشد عضده، وتجعل ما كتبه حقيقة معترفاً بها من قبل.
ولما تجمع لديَّ تقرير الأستاذ أحمد أمين، وما كتبه الأستاذ الراضي عما كتب في الرسالة، بل الموجّه لصاحبها إلى ما وضع، ثم ما نشره كاتب الرسالة نفسُه من بعد، رأيت أن أكتب كلمة على حسب ما اطلعت عليه في الصحف، وفيما اطلعت عليه الكفاية.
صدَّر الأستاذ أحمد أمين تقريره بالعبارة الآتية:
"وقد وجدتها رسالة ليست عادية، بل هي رسالة خطيرة، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ، والواقع أن محمداً فنان بهذا المعنى".
ثم قال: "وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها، وإني أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة توضح مرامي كاتِب هذه الرسالة، وكيفية بنائها".
ثم أورد الأستاذ أحمد أمين أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به في هذه العبارة المجملة.
جاء في التقرير ما يأتي:
"يرى - يعني: كاتب الرسالة - أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويراً فنياً؛ بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد؛ مثل: أن البشرى بالغلام كانت لإبراهيم، أو لامرأته، بل تكون القصة مخلوقة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116] ... إلخ، ص 14 وما بعدها".
(2/ 1/121)

ما يرد في القرآن على وجه الإخبار لا يكون إلا موافقاً للواقع، هذا ما يقتضيه الإيمان بأنه تنزيل من عليم حكيم، ولو أجزنا أن يكون فيه أقوال غير مطابقة للواقع، لكان معنى ذلك: أن من أقواله ما يكون كذباً، وليس الكذب سوى عدم مطابقة الكلام للواقع. وإذا كان الفضلاء من الناس يتبرؤون من أن يقولوا زوراً، ويعدّونه في أقبح الرذائل المزرية بالإنسانية، فما كان لنا أن نلصقه بكلام ذي العزة والجلال، ناظرين إلى مقام الربوبية كما ننظر إلى شاعر أو كاتب قد يعجز عن أن يظهر براعته الفنية في الحوادث الواقعة تاريخياً.
يصف كاتب الرسالة الكتابَ الحكيم بالتناقض في رواية الخبر الواحد، مستدلاً بذلك على أنه لا يلتزم الصدق التاريخي، ويقول: "بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد؛ مثل: أن البشرى بالغلام لإبراهيم، أو لامرأته".
التناقض في الأخبار: أن يختلف الخبران بالإيجاب والسلب، مع اتحادهما فيما عدا ذلك، ويلزم من صدق أحدهما كذبُ الآخر؛ كأن تقول: بشرت زيداً بقدوم ابنه، ثم تقول: لم أبشر زيداً بقدوم ابنه، ومثل هذا الضرب من الكلام لم يقع في الآية الكريمة، وإنما ورد: أن الله بشَّر عن طريق الملائكة إبراهيم - عليه السلام - بغلام؛ كما قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] , {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112]، وفي آية أخرى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وورد في آية أخرى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]. ومن المعقول أن يبشر الملائكة إبراهيم - عليه السلام -, ثم يبشروا امرأته
(2/ 1/122)

بغلام هو إسحاق، فيذكر في آية: أنهم بشروا به إبراهيم، ويذكر في آية أخرى: أنهم بشروا به امرأته، ومن ذا الذي يتوهم أن في مثل هاتين البشارتين شيئاً من التناقض، أو ما يشبه التناقض؟!
يزعم كاتب الرسالة أن القرآن يختلق بعضَ القصص، فقال: "بل تكون القصة مخلوقة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ} [المائدة: 116] ... إلخ"
ولا ندري ما هو الدليل الذي ينهض أمام هذه الآية، ويدل على أن القصة المشار إليها مخلوقة غير واقعة، والأدلة في مثل هذا إما نصوص تاريخية ثابتة الرواية، وإما أن يُشعر المتكلمُ مخاطبه بأنه يريد تصويراً فنياً، وإما أن يبدو للمخاطب من طبيعة الحادثة ما يجعلها مستحيلة الوقوع، ولم يرد نص تاريخي ينفي ما اشتملت عليه القصة من خطاب الله تعالى لعيسى وجواب عيسى- عليه السلام -، ولم يقل الله تعالى - لا صراحة ولا تلويحاً -: إن هذه القصة مخلوقة غير واقعة، وإنما أريدُ تصوير حادثة تصويراً فنياً، وليس في القصة معنى يحكم العقل المنطقي باستحالته.
وقال كاتب الرسالة - على ما جاء في التقرير -: "إن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي ليست تاريخية، ولا واقعة، وإنما هي تصوير نفسي عن أحداث مضت، أو أغرقت في القدم، سواء كان ذلك الواقع متفقاً مع الحق والواقع، أم مخالفاً له. ص 28".
نتحدث مع صاحب الرسالة في هذا الموضوع الديني بصفته مسلماً، فنقول: قد قام الدليل القاطع على أن القرآن كلام الله، وأن رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد بلّغ ما أُنزل إليه من ربه، فكل ما جاء في القرآن من خبر فهو صادق، وإنما الصدق مطابقةُ الكلام للواقع، ونستند في الجزم بصدق أخبار القرآن
(2/ 1/123)

إلى الدليل القائم على صدق الرسول في دعوى الرسالة، والدليل القائم على أن القرآن وحي من الله -جل شأنه- ولو كان القائل: "إن النبي- عليه الصلاة والسلام - إنما يصور واقعاً، في نفسه، سواء كان ذلك الواقع متفقاً مع الحق والواقع، أم مخالفاً" لا ينتمي إلى الإسلام، لقلنا: نحن معنا أدلة لا تحوم حولها شبهة على أن القرآن لا يقول إلا حقاً، فإن أبيت أن تصغي إليها بأذن واعية، فاعمد إلى قصة من قصص القرآن، وأقم على أنها مخالفة للحق دليلاً يقره المنطق، ويتقبله العقل.
يقول كاتب الرسالة: "إن المشركين كانوا يوجهون إلى النبي أسئلة، وإن الإجابة عنها ليست تاريخية، ولا واقعة".
ونحن لا ندري من أين عرف كاتب الرسالة أن إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أسئلة المشركين لم تكن تاريخية، ولا واقعة! فقد يهمل التاريخ أحداثاً، فلا يدل عليها صراحة، ولا رمزاً، ولكنه لا يستطيع أن يأتي إلى أحداث أخبر عنها القرآن على وجه خاص، ويحكم عليها بأنها غير واقعة، حكماً يدخل إليه من باب الروية والإنصاف.
قال كاتب الرسالة: "والقرآن يقرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن، قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئاً. ص 29، والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد. ص 30".
لم يقرر القرآن أن الجنّ لا يعلمون شيئاً وإن قال في قصة وفاة سليمان - عليه السلام -: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14].
فالآية إنما نفت عن الجن علم الغيب، وهو ما يحصل للعالِم ذاته،
(2/ 1/124)

ومن هنا كان مختصاً بالخالق -جل شأنه- قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، فدلت الآية على أن علم الغيب خاص به تعالى، وأما غيره، فلا يعلم الأشياء الغائبة عنه بذاته، وإنما يعلم منها ما يعلمه الله؛ كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26، 27]. ومن هنا نفهم كيف ينفي النبي - عليه الصلاة والسلام - عن نفسه علم الغيب، مع أن الله قد أظهره على أشياء كثيرة كانت غائبة عنه، فقال: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فنفي علم الغيب عن الجن لا ينافي أنهم يعلمون بعض الأشياء بطريق من طرق العلم الخفية.
فكاتب الرسالة مخطئ في فهمه أن بين الآية التي تثبت للجن العلم ببعض الشيء، والآية التي تنفي منهم علم الغيب، تناقضاً.
قال كاتب الرسالة: "الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة، وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة، وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة، ودانوا بما تدين به من رأي، وعبدوا ما يعبد من إله. ص 27".
أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، وممن حكى الإجماع على هذا: الإمامُ عضد الدين في كتاب "المواقف"، والقاضي عياض في كتاب "الشفاء".
ولكن كاتب الرسالة يقول: إنهم قلدوا الأهل والعشيرة في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة، وعبدوا ما يعبد من إله.
وإنما يقول هذا، ويخرج عن إجماع المسلمين من استطاع أن يملأ
(2/ 1/125)

يده من روايات تاريخية صحيحة، أو استطاع أن يقيم دليلاً نظرياً يسعه المنطق السليم، وليس بيد الكاتب نقل مقبول، ولا دليلٌ معقول، وإنما هي دعوى عارية من كل شاهد، فلندعْ بسطَ الحديث عنها حتى نعرف الشبهة التي دفعت الكاتب إليها؛ حتى عبَّر عنها بجمل يؤكد بعضها بعضاً، وأسرف في تسويتهم بالمشركين إلى أن قال لك: "وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل"!.
قال كاتب الرسالة: "تصوير أخلاق الأمم - كبني إسرائيل - ليس بضروري أن يكون واقعاً، بل يصح أن يكون تصويراً فنياً يلاحظ الواقع النفسي أكثر من صدق القضايا ... إلخ. ص 75".
القرآن وحي سماوي، فإذا وصف أخلاق أمم؛ كبني إسرائيل، دلَّ بالضرورة على أن وصفهم بتلك الأخلاق واقعي، ومن ادَّعى أن القرآن غير صادق فيما وصف، فليأت بآية وصفت بعض الأمم بأخلاق، ودلت الرواية أو الدراية على أن هذا الوصف غير مطابق للواقع.
قال كاتب الرسالة: "القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاصّ لحوادث وقعت من بطل لا وجود له، أو لبطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً، أو وقعت ولكنها نُظمت على أساس فني، إذ قدم بعضها، أو حذف بعضها، وأضيف إلى الباقي بعض آخر، أو بولغ في تصويرها إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقية إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية، وهذا قصدنا في هذا البحث من الدراسة القرآنية. ص 81".
هذا الذي يقوله الكاتب إنما ينطبق على القصص التي يقصد من تصنيفها
(2/ 1/126)

إظهار البراعة في صناعة الإنشاء، أو في إجالة الخيال، أو بعض الارتياح والمتعة في نفوس القارئين؛ مثل: مقامات بديع الزمان، أو مقامات الحريري، أو القصص التي تنشر اليوم في بعض الصحف السائرة، أما قصص القرآن، فهي من كلام رب العزّة، أوحى به إلى الرسول الأكرم؛ ليكون مأخذ عبرة، أو موضع قدوة، أو مجلاة حكمة، وإيمانُ الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال، ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافاً خاصة، ثم لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق، أو تخرج من جد إلى هزل، وتضع بجانب الحق باطلاً.
قال كاتب الرسالة: "أخطأ الأقدمون في عد القصص تأريخاً. ص 83".
لم يخطئ المتقدمون ولا المتأخرون في عد القصص تأريخاً، بل هم على بينة من أمرهم إذ يعدون القرآن أصحَّ مصدر لما يقص من شؤون الأمم الغابرة، والأمم التي كانت تعيش وقت نزوله؛ ذلك أن الدليل القائم على أن القرآن وحي إلهي هو الدليل الذي يشهد بأن قصصه تاريخ حق لازم للإيمان بأنه وحي سماوي، ومن يزعم أنه يوجد هذا الإيمان بدون ذلك الاعتقاد، فهو كمن يزعم أن الشمس طالعة، والنهار غير موجود.
قال كاتب الرسالة: "منهجه - أي: القرآن - هو معالجة القصة من حيث هو أدب، ويعني بذلك خلق الصور والابتكار والاختراع (ص 84) ولذلك لا مانع من اختلاف تصور الشخصية الواحدة في القرآن. ص 85".
لم يعالج القرآن القصة من حيث هي أدب، وإنما يوردها من حيث إنه مطلع حكمه، ومأخذ عبرة، وحيث كان لبلاغة القول - بعد حكمة المعنى
(2/ 1/127)

وقوة الحجة - أثر زائد في توجيه النفوس إلى الصراط السوي، أنزل الله القرآن كله في أفصح الألفاظ، وأبدع الأساليب، حتى بلغ بحسن بيانه أنه كان المعجزة الخالدة.
وأشار الأستاذ أحمد أمين في تقريره إلى أن كاتب الرسالة يسمّي القصة في القرآن: أسطورة، فقال عازياً إلى تلك الرسالة: "وجود القصة الأسطورية في القرآن. ص 89"، ثم اطلعنا على مقال لكاتب الرسالة نشره في "مجلة الرسالة" يقول فيه: "وأرجو أن لا يزعجنا هذا اللفظ (أسطورة)، ونقع في أخطاء وقع فيها غيرنا حين ظن أن معنى الأسطورة: الكذب والمين، أو الخرافات والأوهام، فذلك ما لم يقصد إليه القرآن الكريم، وقال: "ليست الأسطورة في حس القرآن الكريم إلا ما سطره الأقدمون من أخبارهم وأقاصيصهم، بذلك تنطق آياته، وإلى ذلك فطن المفسرون" ثم نقل عن الطبري تفسيره للأسطورة بما: "سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم". ونقل عن "الكشاف" أنه فسرها: "بما سطره المتقدمون من نحو الحديث عن رستم، واسفنديار".
ثم نقل عن "المنار" للشيخ رشيد رضا: أنه فسر الأساطير في قوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25]: بقصص الأولين وأحاديثهم التي سطرت في الكتب على علاتها، وما هي بوحي من الله".
من المفسرين من يفسر الأسطورة بما سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم، وهذا لا ينافي ما قاله آخرون من أنها الأباطيل والخرافات، قال صاحب "الكشاف" عند تفسير قوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: "فيجعلون كلام الله وأصدق الحديث خرافاتٍ وأكاذيبَ، وهو الغاية من التكذيب". قال الألوسي في تفسير {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} من هذه الآية: "أي: أحاديثهم
(2/ 1/128)

المسطورة التي لا يعوَّل عليها". ونقل عن قتادة: أنه قال في تفسيرها: "كذبهم وأباطيلهم".
وإذا رجعنا إلى كتب اللغة نجد صاحب "المصباح" يقول: "والأساطير: الأباطيل". وصاحب "لسان العرب" يقول: "الأساطير: الأباطيل"، ويقول أيضاً كما قال صاحب "القاموس": "والأساطير: أحاديثُ لا نظام لها"، وفي "اللسان" أيضاً: "يقال: سطّر فلان علينا: إذا أتى بأحاديث تشبه الباطل".
وهذه النصوص وحدها كافية لأن تمنع كاتب الرسالة من أن يسمي القصة في القرآن: أسطورة.
قال كاتب الرسالة: "ولعل قصة موسى في الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة (89)، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ".
وضع الكاتب أمامه قصص القرآن، وأخذ يُصدر فيها أحكاماً تمليها عليه محاكاته لقوم يجحدون، فعمد إلى قصة موسى في سورة الكهف، ونفى عنها أن تكون قد اعتمدت على أصل من واقع الحياة، ووصفها بأنها ابتدعت على غير أساس من التاريخ، مظهراً عدم الجزم بذلك، إذ صدَّر حكمه بحرف: "لعل"، فقال: "لعل قصة موسى ... إلخ".
والذي يتصدى لأن يحكم على قصة نبي في القرآن بأنها لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، شأنه أن يعرف تاريخ ذلك النبي من طريق غير القرآن، ويملأ يده من روايات بالغة في الصحة درجة تكسبه الجزم بأن ما حكاه القرآن غير واقع، فله أن يقول حينئذٍ: إن هذه القصة مبتدعة على غير أساس من التاريخ، فهل دخل الكاتب إلى هذا الحكم المصدَّر ب "لعل" من طريق هو أرجح دلالة على الواقع من نصوص القرآن المجيد؟!
(2/ 1/129)

قال كاتب الرسالة: "والقرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب، وأبطال أهل الكتاب، ونشره نشراً يدعم غرضه (ص 93)؛ كقصة ذي القرنين".
إذا قص القرآن حوادث كان حديثها يدور بين العرب، أو أهل الكتاب، فإنما يقصها لقصد يعود على دعوته الشاملة بتأكيد، وهو - بعد هذا - لا يقص من تلك الحوادث إلا الواقع، وليس من المعقول أن يجاري القرآن العرب أو أهل الكتاب فيما يتسامرون به في مجالسهم، فيعرض منها ما ليس بواقع، وهو تنزيل من علّام الغيوب.
أما قصة ذي القرنين، فقد ذكر القرآن أن الكفار وجهوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤالاً عن ذي القرنين، فقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 83]، ولا يخطر على بال أحد فَهمَ مساق القصة، وعرفَ ما يقصده أولئك المتعنتون من أسئلتهم، أن يكون قصدهم من هذا السؤال أن تصور لهم قصة ذي القرنين في صورة فنية، وإن كانت غير مطابقة للواقع التاريخي، فيكون غرضهم إذاً اختبار حال المسؤول من جهة حسن البيان، وذلك ما لا يحتمله لفظ الآية، ولا يساعد عليه مساقها.
نزل الوحي بالجواب عن هذا السؤال، قال تعالى: {قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} [الكهف: 83، 84] ... إلخ القصة، وقد اختلف الكاتبون في: من هو ذو القرنين الذي تحدث عنه القرآن في هذه القصة؟ وأخذوا يتحدثون عن الإسكندر الرومي، والإسكندر اليوناني، وغيره. ونحن نطرح كل حديث عن شخص لا ينطبق عليه ما وصف به القرآن ذا القرنين، ونقطع ببطلان أن يكون ذلك الشخص هو المسمَّى في هذه القصة: ذا القرنين، ونقول: إن القصة الواردة في القرآن موافقة للواقع التاريخي
(2/ 1/130)

ما دام المؤرخون لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً مقبولاً على أنه لم يوجد في العصور الخالية شخص صدرت منه الأعمال التي نسبت في القصة إلى ذي القرنين، وإذا لم يذكر القرآن العصر الذي ظهر فيه ذو القرنين، ولا البلد الذي نشأ فيه، ولا الشعب الذي ينتسب إليه، كان من المتعذر على المؤرخ أن ينكر صدق قصته إنكاراً يقيم له العارفون بآداب البحث وزناً.
قال كاتب الرسالة: "عناصر القصة هي العناصر الفنية والأدبية التي اتخذ منها الفنَّان مادته التركيبية، والتي أعمل فيها خياله، وسلط عليها عقله، ونالها بالتغيير والتبديل، حتى أصبحت وكأنها مادة جديدة بما بث فيها من روحه، وكذلك القصص في القرآن، والبحث عن المصادر في القصص القرآني على هذا الأساس".
عرَّف الكاتب - قبل هذا - القصةَ بأنها: العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص لحوادث وقعت من بطلٍ لا وجود له، أو بطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً ... إلخ ما نقلناه من كلامه - فيما سلف - وعرّف عناصر القصة هنا بأنها: العناصر الفنية والأدبية ... إلخ.
وما قاله الكاتب في تعريف القصة يصح أن يقال في قصة يؤلفها فنان يريد من تأليفها إظهار براعته البيانية، ولا يبالي في تخيله أن تكون الحوادث التي أَعملَ فيها خياله، وسلَّط عليها عقله، وقعت من بطل لا وجود له، أو من بطل له وجود، ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً. ولا يليق بباحث مطمئن إلى أن القرآن وحي سماوي أن يقول بعد أن عرّف القصة وعناصرها بما عرفهما به: "وكذلك القصص في القرآن".
ويقول كاتب الرسالة: "والبحث عن المصادر في القصص القرآني على
(2/ 1/131)

هذا الأساس". أشار الكاتب إلى أن للقرآن مصادر، وهذا ما يقوله المخالفون الذين يقولون: إن القرآن من تأليف محمد، ويزعمون أن هناك مصادر استمد منها النبي محمد ما جاء به من شريعة الإسلام، ومن مصنفاتهم كتاب يسمونه: "مصادر الإسلام". والمسلمون على يقين من أن للقرآن مصدراً واحداً هو الله الذي يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
قال كاتب الرسالة: "يجب أن لا يزعجنا؛ لأنه الواقع العلمي في حياة كل الفنون والآداب (118)، وطبق هذا المبدأ تطبيقاً واسعاً".
لا يزعجنا أن يسوق بعض الكاتبين قصص القرآن الكريم مَساقَ القصص التي يُعمل فيها الفنان خياله، ويسلط عليها عقله، مادام الدليل الذي قام على أن القرآن كلام الله لا يزال قائماً نصب أعيننا؛ ذلك أن القرآن دعوة مقرونة بحجة تشهد للدعوة بأنها صادرة من حضرة ذي الجلال، لا أنها من صنع بشر فنان، قد يغطي بزخرف قوله ما تنطوي عليه عباراته من معانٍ لا تطابق الواقع التاريخي.
قال كاتب الرسالة: "وما تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمّد بالتاريخ، بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على الصدق العقلي، وإنما يتتج عمله، ويبرز صوره بما ملك من الموهبة الفنية، والقدرة على الابتكار والاختراع، والتغيير والتبديل. ص 136".
ادعى المستشرقون أن في القرآن قَصصاً غيرَ موافق للواقع التاريخي، وكذلك زعم كاتب الرسالة: أن القصص في القرآن لوحظ فيه التصوير الفني دون الواقع التاريخي، والصدق العقلي، فكاتب الرسالة يوافق المستشرقين
(2/ 1/132)

في أن بين قصص القرآن ما لا يوافق الواقع التاريخي، غير أن المستشرقين يعللون هذه المخالفة بعدم معرفة محمد للتاريخ، وكاتب الرسالة يعللها بأنه - عليه الصلاة والسلام - يسوق القصة غير معنيٍّ بالواقع التاريخي، ولا حريصٍ على صدقها العقلي، وإنما كانت وجهته التصوير الفني، والابتكار والاختراع، والتغيير والتبديل!.
وانظر ماذا ترى في قوله: "ليس سببه جهل محمد بالتاريخ، بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي"، فهل كاتب الرسالة أطلق اسم الفنان على محمد - صلوات الله عليه - فيكون قد حاكى المستشرقين في زعمهم: أن القرآن من صنع النبي محمد، أو أطلقه - بصفته مسلماً - على منزِلّ القرآن، ووصفه بأنه لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الصدق العقلي؟
وفي كلا الأمرين زهد في الاحتفاظ بالعقيدة السليمة!.
والمسلم الحق من يؤمن بأن القرآن مُنَزّل من عند الله، لا من صنع محمد- عليه الصلاة والسلام -, وينزه القرآن عن ذلك التصوير الفني الذي لا يعنى فيه بالواقع التاريخي، وليس قصص القرآن إلا الحقائق التاريخية تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة، والأساليب الرائعة.
قال كاتب الرسالة: "تتدرج القصص في القرآن كما يتدرج أدب كل أديب، فالأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة، فيبغون الاستمتاع واللذة بالمحاولات الأولى التي تقوم على التقليد والمحاكاة، ثم يكون التخلف شيئاً فشيئاً، والدخول في ميدان التجارب الخاصة، ومظاهر ذلك: النسخ، والتدرج بالتشريع 169 إلخ".
جعل الكاتب القصص القرآني يتدرج كما يتدرج أدب كل أديب، وقال:
(2/ 1/133)

إن الأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم. والواقع أن القرآن لم ينزل ليجاري الأدباء في أدبهم، ويذهب في المبالغات مذهبَهم، ويستخف بحرمة بعض الحقائق استخفافَهم، وإنما نزل القرآن ليهدي الأدباء وغيرَ الأدباء إلى ما يلائم الفِطَر السليمة من عقائدَ وآدابٍ وأعمال، فوجهته الدعوةُ إلى الإصلاح الشامل، وليست هذه الدعوة الإصلاحية وليدةَ الدخول في ميدان التجارب الخاصة، ولا النسخ والتدرُّج بالتشريع من مظاهر الدخول في تجارب، بل الدعوة هدايةٌ من خالق التجارب والمجربين، والنسخ والتدرج بالتشريع من مظاهر علمه القديم، كما هو مفصَّل في أصول الشريعة.
(2/ 1/134)

تحريف آيات الحدود عن مواضعها (1)
اطلعت على مقال نشره بعض الكاتبين في العدد السادس من "جريدة السياسة الأسبوعية" تحت عنوان: "التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي"، فرأيت الكاتب قد أبدى رأياً هو: أن الأمر في آية حد السرقة، وآية حد الزنا، يحمل على الإباحة، لا على الوجوب.
وقد مهد الكاتب لهذا الرأي بكلام في الاجتهاد يشير إلى أن ما سيقوله في آيات الحدود من قبيل الاجتهاد المعروف بين علماء الإسلام. ونحن لا نريد التعرض لذلك التمهيد، فننظر في مرتبة الاجتهاد، وفي صفات من يقبل منه دعوى أنه بلغ تلك المرتبة، بل نقصر البحث على ذلك الرأي؛ حتى يستبين القارئ: أنه رأي لم يصدر عن اجتهاد، ولا تثبُّتٍ في فهم كلام الشارع الحكيم.
ذكر الكاتب في صدر مقاله: أن مقالاً كان قد نشر في "السياسة الأسبوعية" حوى أفكاراً أثارت في نفسه من الرأي ما كان يريد أن يرجئه إلى حين؛ لأن النفوس لم تتهيأ بعدُ لفتح باب الاجتهاد، ثم قال: "ولكني
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء السابع من المجلد التاسع الصادر في محرم سنة 1356 ه- مارس آذار 1937 م. في الرد على مقال عبد المتعال الصعيدي المنشور في صحيفة "السياسة الأسبوعية" العدد السادس، 20 فبراير شباط 1937 م - القاهرة.
(2/ 1/135)

ساُقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين، وسأجتهد ما أمكنني في ألا أدع لأحد مجالاً في ذلك التشنيع الذي يقف عقبة في سبيل كل جديد".
ثم تحدث الكاتب عن الحدود، مدعياً أن الأمر الذي سيثيره قد يصل فيه إلى إعادة النظر في النصوص التي وردت فيها لبحثها من جديد، وقال: "سأقتصر الآن على ذكر ما ورد في تلك الحدود من النصوص القرآنية، وذلك قوله تعالى في حد السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38، 39]، وقوله تعالى في حد الزنا: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، وقال: "فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة، وهو قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا}، والأمرِ الوارد في حد الزنا، وهو قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا} فنجعل كلاًّ منهما للإباحة، لا للوجوب، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، فلا يكون القطعُ في السرقة حداً مفروضاً لا يجوز العدولُ عنه في جميع حالات السرقة، بل يكون القطع في السرقة هو أقصى عقوبة فيها، ويجوز العدول عنه في بعض الحالات إلى عقوبة أخرى رادعة، ويكون شأنه في ذلك شأنَ كل المباحات التي تخضع لتصرفات ولي الأمر، وتقبل التأثر بكل زمان ومكان، وهكذا الأمر في حد الزنا، سواء أكان رجماً، أم جلداً؟ ".
(2/ 1/136)

هذا ما يقوله الكاتب، وقد سمَّاه في صدر المقال: رأياً، وقال: إنه كان يريد إرجاءه إلى حين؛ لأن النفوس لم تتهيأ لفتح باب الاجتهاد، وأن الناس يسرعون إلى التشنيع والطعن في الدين. وقال: "فلا يجد من يرى شيئاً من ذلك إلا أن يكتمه، أو يظهره بين أخصائه ممن يأمن شرهم، ولا يخاف كيدهم "، وقال: "ولكني سأقدم على ما كنت أريد إخفاءه من ذلك إلى حين".
فنحن إذا نقدْنا هذا الذي يقوله الكاتب، فإنما ننقد رأياً كان يخفيه إلى حين، وإن كساه - في آخر المقال - ثوبَ المسائل التي يطرحها خالي الذهن؛ ليعرف وجه الحق مما تحرره أقلام الكاتبين.
من مقاصد الشريعة الغرّاء: حماية الأنفس، والأموال، والأعراض، والأنساب، فعمدت إلى ما يكون الاعتداء به على هذه الحقوق أكثر أو أشد ضرراً، فشرّعت له عقوبة معينة، وفوَّضت ما عدا ذلك إلى ولي الأمر ليجتهد فيه رأيه. فأشدُّ ما يُعتدى به على الأنفس القتلُ، فجعلت عقوبته القصاص، وأغلبُ ما يُعتدى به على الأموال السرقةُ، فجعلت عقوبته قطعَ اليد، وأغلبُ ما يتعدى به على عرض المرأة قذفُها بالزنا، فجعلت عقوبة القاذف أن يجلد ثمانين سوطاً، وأشد ما يُهتك به عرضها، ويجر العار إلى أسرتها، ويدخل الريبة في نسب أبنائها، ويجعلها منبت ذرية يعيشون بين الناس في مهانة وازدراء، فاحشةُ الزنا، فجعلت عقوبة الزاني البكر مئة سوط، والمحصن الرجم. وعقوبة الجلد ثابتة بنص القرآن، وأما الرجم، فثابت بالسنَّة.
وليس مقامنا هذا مقامَ بسط ما يترتب على هذه الجنايات من الفتن، والإخلال بالأمن، ولا بسط ما في إقامة هذه الحدود من حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وإنما وجهة نظرنا نصوص آيات حد السرقة، وحد الزنا؛ لننبه على
(2/ 1/137)

أن هذه الآيات غير قابلة لذلك التأويل الذي لا يملك أحد تغييره، ولا يصح لمن بيده إنفاذه أن يعدل عنه إلى عقوبة يضعها من نفسه.
ومن ينظر في آيات حد السرقة، وحد الزنا مجرداً من كل هوى، لم يفهم منها سوى أن من يرتكب السرقة، عقوبتُه قطع اليد، ومن يرتكب فاحشة الزنا، عقوبتُه الجلد، وأن الأمر في قوله: {فَاقْطَعُوا} [المائدة: 38]، وقوله: {فَاجْلِدُوا} [النور: 2] واردٌ في الوجوب القاطع، فإن بناء الأمر بالقطع في آية حد السرقة على قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38]، وبناء الأمر بالجلد في آية حد الزنا على قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] يصرفه عن احتمال الإباحة إلى الوجوب، ذلك أن تعليق الحكم على شخص موصوف بوصف يؤذن بأن المقتضي للحكم هو ذلك الوصف الذي قام بالشخص، وإذا كان الوصف جناية؛ مثل: السرقة، والزنا، ووضع لها حكماً في صيغة، ولم يذكر حكماً غيره، لا يصح أن يقال: إن هذا الأمر محتمل للإباحة؛ كما احتملها الأمر في قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] الآية.
ثم إن اتصال آية السرقة بقوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] صريحٌ في الدلالة على أن الأمر بالقطع للوجوب؛ لأنه واقع في الآية موقع المنبِّه على إن من تحقق فيه وصف السرقة، فهو مستحق لهذه العقوبة (عقوبة القطع)، وإذا قضى الشارع في جناية بعقوبة، وصرح أنها جزاء الجناية؛ أي: إنها على قدر جنايته، لم يكن للأمر بهذه العقوية وجه غير الوجوب، وفي وصفه الحد بأنه "نكال من الله" إيذانٌ بأن من وقف في سبيل إنفاذه، فقد حارب الله، ومن رأى أن غيره من العقوبات أحفظ للمصلحة، فقد زعم أن علمه فوق علم الله.
(2/ 1/138)

وكذلك اتصال آية حد الزنا بقوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2] يمنع من حمل الأمر فيها على الإباحة؛ فقد عرف الشارع أن في الناس من تثور في نفسه العاطفة العمياء، ولا ينظر إلى المصالح بعقل سليم، فيرى أن في جلد الزاني إفراطاً في العقوبة، فحذر من الانقياد إلى تلك العاطفة الجاهلة بقوله تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ}، ثم نبه على أن مقتضى الإيمان: تنفيذ أحكام الله في غير هوادة، فقال: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2].
وإذا نظرت بعد هذا إلى قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، رأيته كيف أمر بأن يُقام هذا الحد بمرأى طائفة من المؤمنين؛ ليكون في إعلانه وإذاعته الزجرُ البالغ، وفي الأمر بإعلان العقوبة قصداً للمبالغة في الزجر ما يؤكد أن الأمر بالجلد وارد على سبيل الوجوب؛ لأن الشارع يكره إشاعة ما يصدر عن الأشخاص من آثام، فما أمر بإعلان الحد الذي يستدعي إشاعة ما وقع من الفاحشة إلا حيث أصبح الحد أمراً حتماً، وكان إعلانه من متممات ما يقصد بالحد من الزجر.
وقد مشى كاتب المقال في غير طريق؛ إذ جعل الحدود من المباحات التي تخضع لتصرف ولي الأمر، فقد عرفت أنها ليست من المباحات، بل هي من الواجب المعين. والدليل على أنها من الواجب الذي لا يقوم غيره مقامه متى تحقق معنى الجناية: أن القرآن أفردها بالذكر، وقرن الأمر بأبلغ وجوه التوكيد، وطريقته المعروفة في التخيير أن يذكر الأنواع المخير بينها؛ كقوله تعالى في كفارة اليمين: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ
(2/ 1/139)

أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، وقوله في عقوبة البغاة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33].
ويدلكم على أن الحدود من قَبيل الواجب المعين: سنَّةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القولية، والعملية.
أما القولية: فإنّا نراه حين يذكر الجناية يذكر بجانبها الحد الشرعي، كما قال في السرقة: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يد"، وقوله: "وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
وأما السنَّة العملية: فإنه لم يعاقب من شرعت في حقهم الحدود إلا بهذه الحدود.
وليصرف صاحب المقال نظره عما يزعمه غير المؤمنين؛ من أن هذه الحدود عقوبات لا تلائم حال المدنية، ويذكر لنا مثلاً من مصالح الزمان والمكان التي تقتضي أن تكون عقوبة مرتكب جريمة السرقة، أو فاحشة الزنا، غيرَ ما ورد في الشرع، ويقول لنا: ما هي العقوبة المبتدعة التي تفعل في حفظ الأموال والأعراض ما يفعله القطع أو الجلد؟
بقيت آيات الحدود منذ عهد النبوة محفوظة من عبث المؤوّلين، لا يختلف العلماء في أن الأوامر فيها للوجوب، وأن من أضاعها، وهو قادر على إقامتها، فهو فاسق أو جاحد، إلى أن ظهرت فئة خاسرة؛ مثل: زعيم طائفة القاديانية محمد علي؛ إذ حاول أن يفتح في حصن تلك الأوامر ثلمة، فقال - وتابعه في رأيه أبو زيد الدمنهوري - إن السارق: من اعتاد السرقة، والزاني:
(2/ 1/140)

من اعتاد الزنا، وهو تأويل خرج به عن قانون اللغة العربية، بعد أن خرج به عن سنَّة النبي القولية والعملية.
وجاء بعده كاتب المقال، فهجم على آيات الحدود بمعول ذلك التأويل الذي تنكره اللغة والسنَّة وحكمة التشريع، ولو جرى الناس على مثله من تفسير الكتاب المجيد، لكَفَوْا خصومَ الإسلام جانباً من العمل لهدم أركانه، وطمسِ معالمه. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
(2/ 1/141)

كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد (1)
علم الله أن في البشر عقولاً لا تدرك وجوه الخير، وأن في وجوه الخير ما لا تصل إليه العقول بنفسها، وعلم أن فيمن يعقلون بعض هذه الوجوه أولي أهواء نزَّاعة إلى الشر، فأنزل كتاباً يدعو إلى توحيد الخالق، ويهدي إلى مكارم الأخلاق، ويسنُّ للقضاء والسياسة العامة أحكاماً عادلة، وينبه على بعض سننه في الخليقة لندرك بالغ حكمته، ويذكرنا بأيام أمم قد خلت من قبلنا لنتعظ بها، ونحذر سوء منقلبها، ويقصُّ علينا من أنباء رسله ما يصف لنا صبرهم على ما أوذوا، وتأييده لهم بما يقطع عذر المنكرين لرسالتهم، ويخبر عن بعض الحقائق الغائبة عن أبصارنا، لنزداد علماً بسعة خلقه، وكمالِ قدرته، ونفقه أن ما لدينا من وسائل العلم لا نكسب به من العلم إلا قليلاً.
وقد شاء الله تعالى أن ينزل هذا الكتاب على سيدنا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وقضت حكمته أن ينزله بلسان عربي مبين، بلسان أمة اختصت لذلك العهد بمزايا تهيئها لأن تتقبل دعوته، وتفقه مقاصده، وتشيد بجانبه دولة تقيم لمن
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" العدد الثاني من المجلد الثاني الصادر في صفر 1350 ه - وهو نقد كتاب "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" تأليف محمد أبو زيد الدمنهوري - طبعة مصطفى الحلبي عام 1349 ه.
(2/ 1/142)

تقلدوه عزة، وتمد على رؤوس دعاته حماية يتقلبون في ظلالها، ويبلغون الأمة هداية الله تحت رايتها.
أنزل الله كتابه الكريم، وعهد ببيانه إلى رسوله العظيم - صلى الله عليه وسلم -، فتلقى عنه أصحابه ذلك الكتاب، وبيانَ ما كان يخفى عليهم من آياته، فما انتقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى حتى تركها شريعة غرَّاء، ليلُها كنهارها، وما انقرض عهد أصحابه - رضي الله عنهم - حتى ورثها عنهم التابعون، وأدَّوها إلى الذين جاؤوا من بعدهم بأمانة وتقوى، وما زال القرآن يدرس، والراسخون في العلم لا يختلفون في فهم آياته، إلا آياتٍ لا يمس الخلاف فيها أصلاً من أصول الدين، وليس فيما يعتد به من هذا الخلاف ما يخرج فيه الفهم عن أساليب اللغة العربية، ومقتضى وضعِ ألفاظها، حتى ظهر أشخاص قلَّ في علم اللغة نصيبُهم، أو خفَّ في علم الشريعة وزنُهم، فتناولوا القرآن بعقول لا تراعي في فهمه قوانين البلاغة، ولا تدخل إلى تفسيره من باب السنَّة الصحيحة، فأدخلوا في تفسير القرآن آراء سخيفة، ومزاعم منبوذة، ووَجدت هذه الآراء وهذه المزاعم عند بعض العامة وأشباه العامة متقبَّلاً.
وشرٌّ من هؤلاء طائفة الباطنية، الذين هم رهط من المجوس، ائتمروا على أن يكيدوا الإسلام بتأويل القرآن على وجوه غير صحيحة؛ ليصرفوا الناس عن محجته البيضاء، ويأخذوهم إلى ما شاؤوا من نِحَل خاسرة وأهواء، ولولا رجال يدرسون الدين ببصائر تنفذ إلى لبابه، ويرزقون إيماناً يسوقهم إلى دفاع الخبائث عن حياضه، لكان لأولئك المضلين جولةٌ أوسعُ مما جالوا، واستدراج للنفوس أكثر مما استدرجوا.
وعلى الرغم مما في كتب العلماء المصلحين من حق واضح، وحجة
(2/ 1/143)

دامغة، لم ينقطع شر هذا الرهط الذين يمكرون بكتاب الله، ويحرفون كلمه عن مواضعه؛ ليقضوا مآرب، ويشفوا صدور قوم لا يؤمنون.
وها هي تلك الفرقة البهائية قامت منذ عهد غير بعيد تتبع خطا الباطنية: تجهد نفسَها إجهادهم، وتهذي في تأويل كتاب الله هذيانهم. وقد تسنَّى لها أن تستهوي بعض النفوس الغافلة أيام كان دعاتها يراؤون الناس، ويضعون على ألسنتهم مسحة من الدين الحنيف، أما اليوم، فقد غرَّهم الغرور، فأعلنوا نحلتهم، وجعلوا الناس على بينة من باطن أمرهم، فما لهم بعد هذه العلانية إلا أن يُنقض بناؤهم، ويحذر المسلمون أينما كانوا حبائل دعاتهم.
ويضاهي البهائيةَ وأسلافَهم الباطنيةَ في العمل لتقويض أصول الإسلام على طريقة التأويل نفر يضعون على رؤوسهم بياضاً، ويحملون في صدورهم سواداً، لم يرسموا لأنفسهم نحلة دينية، وإنما هي الغواية لعبت بعقولهم، وإكبارُ خصوم الدين ران على قلوبهم، فانطلقوا إلى القرآن الكريم يؤولونه على ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات في نفوس ساداتهم، يفعلون هذا ولا يرقبون في اللغة العربية ذمة، ولا يرعون لسنَّة أفضل الخليقة حُرمة، وتراهم ينبذون ما يقرره أئمة العربية، أو أئمة الدين نبذاً لا يتكئ على دليل، ويطلقون ألسنتهم في هؤلاء الأئمة الذين خدموا الدين والعلم والأدب، وإنما يعرف فضلَهم العالم الناقدُ النبيل.
ومن هؤلاء النفر شخص سولت له نفسه أن يخوض في آيات الله كالذين خاضوا فيها على عماية، فكتب جملاً قصيرة قذف فيها شيئاً من وساوسه، وسماها: تفسيراً، بل تناهى في الافتتان بها، فسماها: "الهداية والعرفان".
والذي يقرأ هذه الجمل لا يرتاب في أن صاحبها جامد على المحسوسات،
(2/ 1/144)

جاحد لكثير مما أخبر به القرآن، منكرٌ لأحكام قررها القرآن والسنَّة، وأجمع عليها الصحابة وأئمة الإسلام من بعدهم جيلاً بعد جيل، ولكنه يريد أن يدل على إنكاره بما يرتكبه في الآيات من سوء التأويل.
ونضع بين أيدي القراء أمثلة من هذا الكتاب؛ ليعلموا أن رئاسة الأزهر الشريف قد قضت بسعيها في حجزه وإتلافه واجباً، هو حماية العامة من أن يقرؤوا إلحاداً في آيات الله غير مقرون بما يكشف القناع عن وجهه الفظيع، وضلاله البعيد.
* تأويله لآيات المعجزات:
ينكر ذلك المؤول المعجزات صراحة، فقد قال في صفحة (306): "وإن آيتهم - أي: الرسل - على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم، وصلاح رسالتهم، وأنهم لا يأتون بغير المعقول، ولا بما يبدل سنته ونظامه في الكون"، وقال في ص (161): "وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته، غير ما في سيرته ورسالته".
وقد جرى هذا المؤول وراء طائفة البهائية؛ فإنهم ينكرون للرسل - عليهم الصلاة والسلام - معجزات، صرَّح بإنكارها داعيتُهم المسمى: أبا الفضل، فقد ذكر المعجزات في كتابه المسمى ب: "الدرر"، وقال: وكثير من أهل الفضل وفرسان مضمار العلم اعتقدوا أن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم.
ثم أخذ يؤول بعض ما ورد في تلك المعجزات من قرآن وحديث
(2/ 1/145)

على نحو الوجهة التي ضلَّ فيها هذا المؤول من بعده.
لم ينقل عن أحد ممن يؤمن بالرسل - صلوات الله عليهم - إنكارُ المعجزات التي هي خوارق عادات يغير الله بها بعض سننه الظاهرة؛ لتكون حجة على صدق من يبعثه داعياً إلى سبيله، وإنما ينكرها طائفة ممن أنكروا بعثة الرسل إذ قالوا: إن الرسالة تتوقف على المعجزة، والمعجزة خرق للعادة، وخرق العادة محال. ودعوى استحالة خرق العادة قد أثخنتها الأدلة طعناً، فلا يقيم لها النظر الصحيح وزناً، وكم من عقول ضلت سبيل الرشد، وآفتها عدم التفرقة بين ما لا يكون عادة، وما يقتضي العقل بأن لا يكون، فيغلطون في تصور ما يستبعد العقل وقوعه استناداً للعادة، ويخالونه من قبيل ما لا يمكن وقوعه، واستبعاد العقل لشيء لم تجر العادة بوقوعه لا يقف أمام نصوص شريعة قامت الآيات البينات على أنها تنزيل من رب العالمين، وليس ما يقصه القرآن من معجزات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلا تغييراً لبعض السنن الكونية الظاهرة، وتغيير هذه السنن لا يقتضي بمنعه عقل يقدر الخالق قدرها، ويسلم أن هذه السنن من صنعها.
وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] نص في أن الله تعالى أرسل مع الرسل المتقدمين آياتٍ غيرَ سيرتهم وصلاح رسالتهم، وقد مرَّ المؤول على هذه الآية، ولم يمسها بتحريف.
وإذا كانت معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي خوارق عادات قد شهدها الصحابة، وعرفها السلف، لا تأخذهم في صدق أحاديثها ريبة، ونقلت إلى مَن بعدهم على طرق تكتنفها الصحة من كل جانب، وكانت بمجموعها بالغةً
(2/ 1/146)

حدَّ التواتر الموجب للعلم، استبان لنا أن المراد من الآيات التي منع من إرسالها: تكذيبُ الأولين آياتٍ خاصة هي ما اقترحته قريش؛ من نحو: إحياء الموتى، على ما ذكره المحدّثون والمفسِّرون في سبب نزول الآية، والمعنى: ما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن أمثالهم من المطبوع على قلوبهم؛ كعاد، وثمود قد كذبوا بها، فتوغُّل المقترحين في الضلال إلى حد مَن لا يُرجى منه الانتفاع بالآيات يجعل إرسالَ الآيات التي اقترحوها بعد إراءتهم آيات تثبت الرسالة، وتقوم عليهم حجة، خالياً من الفائدة، وعدم إرسال هذه الآيات المقترحة لا يقتضي أن لا يظهر على يده - صلى الله عليه وسلم - آية من غيرها لم تقترح عليه، أو اقترحها عليه غيرُ من نزلت فيهم آية: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ} [الإسراء: 59]، فهذه الآية - بملاحظة أنها نزلت في آيات خاصة اقترحها عليه قوم بأعيانهم - لا تدل أن الله لا يرسل أي آية من غيرها.
ينكر ذلك المؤول المعجزات، فأخذ يتقصى الآياتِ الواردةَ في شأنها، وينحو بها نحواً يخرجها عن أن يكون فيما تدل عليه خارق للعادة، ولا يندى جبينهُ حياءً أن يتعسف في التأويل، فيأتي به بعيداً من مواقع حسن البيان، خارجاً عن المعقول من دلالة الألفاظ.
فانظر ماذا صنع في قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117]، فقد ذهب بالعصا إلى معنى الحجَّة، وقال: "يصور لنا كيف كشفت حجته تزييف حجتهم حتى سلموا له وآمنوا به".
وقال في قوله تعالى: {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}، وقوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ
(2/ 1/147)

فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [القصص: 32]: "تفهم من تمثيل هذه الرواية أن الله أعد موسى، وهيَّأة للدعوة، وأراه كَيف يتغلب على خصمهِ بالبرهان والحجة".
وقال عند قوله تعالى: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 107، 108]: "انظر كيف يكون التمثيل في قوة الحجة والبرهان".
وقد اتبع المؤول في هذه مهذار البهائية المسمى: أبا الفضل؛ فقد ذكر في (ص 51) من كتابه المسمى: "الدرر البهية": أن أهل الفضل - فيما يزعم - فسروا العصا بأمر الله وحكمه، وقال: إن موسى - عليه السلام - بهذه العصا غلب على فرعون وجنوده، ومحا حبائل عتوه وجحوده، وذكر في (صفحة 53) من ذلك الكتاب: أن اليد البيضاء عبَّر بها عن الرسالة.
في القرآن مجاز واستعارة وكناية، ولكنه يسلك هذه الطرق على الوجه الذي يأتيه البلغاء من العرب، وشأن البلغاء أن لا يخرجوا عن الحقيقة إلى أحد هذه الطرق إلا أن يكون سهل المأخذ، واضحَ المقصد، أما ما يبدو على وجهه تكلف، أو يكون في دلالته التواء، فمعدود في معيب الكلام، وداخل فيما يذهب بمزية الفصاحة، وتأويلُ الآيات - على ما قاله المؤول وسلفه البهائي - يجعلها من قبيل المجاز الذي ينبو عنه الذوق؛ لتعسفه، ويبعد منه الفهم؛ لخلوه من القرينة المشيرة إلى أنه مستعمل في غير ما وُضع له، فالمؤول ومعلمُه البهائي لم يقدروا الله حقَّ قدره؛ إذ صرفوا كلامه عما يدل على سعة قدرته، وخرجوا به عن حدود البلاغة، وهو مثلها الأعلى، والمختص بذروتها القصوى.
(2/ 1/148)

وانظر ماذا صنع في قوله تعالى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: 49]؛ فقد حرف قوله: {أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} عن حقيقته، وقال: يفيدكَ التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، وتردَّدَ هنا في معنى إبراء الأبرص، فقال: فهل عيسى يبرئ هذا بمعنى: أنه يكمل التكوين الجسماني بالأعمال الطيبة، أم بمعنى أنه يكمل التكوين الروحي بالهداية الدينية؟ ".
ويدلك على أنه يذهب في تأويل الآية إلى غير مذهب المسلمين قوله عند قوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص: 32]: واعلم أن قصة موسى في العصا واليد كقصة عيسى في إحياء الموتى، وشفاء المريض، كلاهما يتشابه في معناه على الناس.
وقد مشى في هذا خلفَ ذلك البابي المسمَّى: أبا الفضل؛ إذ تصدى في كتابه المسمى: "الدرر البهية" لبيان معنى هذه المعجزة، فقال في (صفحة 53) يتحدث عن حال بني إسرائيل: "حتى انتهت دورتهم، وانقضت مدتهم، وماتت قلوبهم، وبرصت بالذل جباههم وجنوبهم، فرجعوا من أسر الفراعنة إلى أسر القياصرة، وعن عبادة المصريين إلى عبادة الرومانيين، حينئذ طلعت شمس الحقيقة عن أفق بلاد الجليل، وارتفعت نغمات الإنجيل، فأحيا الله تعالى بأنفاس عيسى - عليه السلام - بعضاً من تلك النفوس الميتة، وبرأ بيده المباركة جملة من الجباه المبروصة".
زخرف من القول، وتحت هذا الزخرف جحودٌ لمعجزات الرسل - عليهم السلام -، وصرفٌ لآيات الله عن معانيها المفرغة في لفظها العربي المبين، والتي عرفها المسلمون منذ نزل بها الروح الأمين متضافرين عليها
(2/ 1/149)

جيلاً بعد جيل.
يقول الله تعالى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49]، والمعنى الذي يعقل من الآية: أني أصور لكم من الطين شيئاً على هيئة الطير، فأنفخ فيه، فيكون طيراً حياً بأمر الله، وأبرئ الأعمى، والذي به وَضَحٌ، وأعيد الحياة إلى جسم من فقد الحياة، أفعلُ كلَّ ذلك بأمر الله.
وأما نحو إخراج الناس من ثقل الجهل إلى خفة العلم، وإبراء الجباه المصابة ببرص الذل، فلا يصح حمل الآية عليها؛ إذ القرآن بريء من أمثال هذه الاستعارات البالغة في التكلف والتعقيد غاية تذهب عندها الفصاحة وحسن البيان.
وإذا قرأت في بعض كتب التفسير ما يسمونه: الإشارات، ووجدت في الحديث عن هذه الآيات ما يقارب أو يماثل كلام المؤولِ، أو البهائيِّ، فاعلم أن أصحاب الإشارات غيرُ من يسمونهم الباطنية، فالباطنية يصرفون الآية عن معناها المنقول أو المعقول إلى ما يوافق بغيتهم؛ بدعوى: أن هذا هو مراد الله دون ما سواه، وأما أصحاب الإشارات، فإنهم - كما قال أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم" -: "جاءوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها، لكنهم زعموا أن وراءها معانيَ غامضة خفية وقعت الإشارةُ إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفِكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر".
فأصحاب الإشارات لا ينفون - كما ينفي الباطنية وأذنابهم - المعنى
(2/ 1/150)

الذي يدل عليه اللفظ العربي من نحو: الأحكام، والقصص، والمعجزات، وإنما يقولون: إنهم يستفيدون من وراء تلك المعاني، وعلى طريق الاعتبار معانيَ فيها موعظة وذكرى.
وعلى ما بين مذهبهم ومذهب الباطنية من فرق واضح، نرى في أهل العلم من نازعهم في إلصاق تلك المعاني بألفاظ القرآن، وقال: إن ما جاء في صريح القرآن والسنَّة من مواعظ وحكم يغني عن ارتكاب هذه الطرق البعيدة، التي هي - في الأصل - نزعةُ قوم شأنهُم الصدُّ عن هدى الله، وتعطيلُ أحكام شريعته الغراء.
وأنكر ذلك المؤولُ أن يكون عيسى - عليه السلام - قد تكلم في المهد، فسام قولَه تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46] سوءَ التأويل، فقال: "في دور المهد، وهو دور الصبا، علامةٌ على الجرأة، وقوةِ الاستعداد في الصغر"، يريد: أنه يكلمهم في سن اعتيد فيها الكلام.
جاء في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري ما يدل على أن عيسى - عليه السلام - تكلم قبل أوان الكلام، تجد هذا في حديث: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"، وذكر في أولهم عيسى - عليه السلام -.
وروى ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنه -: أنه قال في تفسير المهد: "مضجع الصبي في رضاعه".
والمهد في الأصل: مصدر مَهَدَ؛ أي: بسط ووطَّأ، وهو كما في "لسان العرب": اسم لموضع الصبي الذي يُهيأ له ويوطأ لينام فيه، فكان على المؤول إذ فسره بدور التمهيد للحياة أن يقيم على هذا شاهداً من كلام العرب، ويبدي الوجه الذي دعاه إلى الإعراض عن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا،
(2/ 1/151)

كان هذا التأويل علامة على جرأته، واستعداده لأن يخوض في آيات الله بغير علم، وعلى غير أصل.
أنكر أن يكون عيسى - عليه السلام - قد تكلم في المهد، وتأول آية: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [آل عمران: 46] على ما سمعت، وبمثل هذا التأويل تناول قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29]، فقال: "أي: كان ذاك النهار ولداً صغيراً، فكيف يأمرنا وينهانا ونحن كبار القوم، فهذا ابن حرام".
ولما رأى أن ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} [مريم: 27] يدفعه عن هذا العبث، صرفه عن وجهه، فقال: "تحمله على ما يحمل عليه المسافر، ومنه تفهم أنه كان في سياحة طويلة".
لم يكف المؤولَ أن يخرج فيما يكتب عن قوانين اللغة، فطاش إلى أن يقول في التاريخ ما لا يعرفه التاريخ، فمن أين اطلع على أن مريم - عليها السلام - كانت في سياحة طويلة؟! كان على المؤول أن يثبت هذه السياحة الطويلة من التاريخ، أو من القرآن، ثم يقول: "ومنها تعلم أنها كانت تحمله على ما يحمل عليه المسافر"، ولكنه قلبَ الكلام، فأتى إلى قوله تعالى: {تَحْمِلُهُ} الذي هو ظاهر في أنها تحمله بنفسها، وحرَّفه إلى معنى: تحمله على مركوب، وأذن لك في أن تأخذ منه أنها كانت في سياحة طويلة!.
ومقتضى إنكاره لمعجزات الرسل: أن لا يسلم أن عيسى - عليه السلام - خُلق من غير أب.
وقد كتب عندما وصل إلى آيات هذه المعجزات بلسان يدل على إنكارها في غير صراحة، فقال في تأويل قوله تعالى: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي
(2/ 1/152)

غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم: 20]: "استنكرت لما طرأ على فكرها أن الولد يأتيها من غير السبب الَمعروف".
وقال: "في قوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم: 23] اختصار في التعبير لا يعوق دور الحمل الطبيعي".
وقال عند قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]: "فيه ملحوظة ظريفة هي: أن موسى لم يذكر له أب، ولكن قومه لم ينكروا أباه، أو يقولوا فيه كما قالت النصارى في المسيح: ابن الله؛ بناء على أن المسيح نسب إلى أمه، ولم يذكر له أب".
فإذا نظرت إلى قوله: "لما طرأ على فكرها أن الولد يأتيها من غير السبب المعروف"، ثم إلى قوله في حديثه عن موسى - عليه السلام - "بناء على أن المسيح نسب إلى أمه، ولم يذكر له أب" إذا لاحظت هذا، وهو صادر ممن ينكر المعجزات، عرفت أنه لا يعترف - كما لا يعترف اليهود - بأن عيسى- عليه السلام - خلق من غير أب.
وحرَّف قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، فقال: "اضرب بعصاك البحر: اطرقه، واذهب إليه"، وقال: "هذا بيان لحالة البحر يصوره لك بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة".
قال هذا، ولم يتحدث عن الفاء في قوله تعالى: {فَانْفَلَقَ}، وظاهر تأويله أن يكون المعنى: فذهب إلى البحر، فانفلق، فيكون الانفلاق قد وقع عقب الذهاب إلى البحر، والمؤولُ يقول: "يصور لك البحر بأنه مناطق بينها طرق ناشفة يابسة".
(2/ 1/153)

ثم إن قوله تعالى: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] ظاهرٌ في تصوير حال البحر عند انفلاقه؛ ليريك كيف ينجي رسله على طرق يفتحها من أجلهم، فتقف الأهوال حولهم، لا يمسكها أن تطغى عليهم إلا قدرتُه التي يدخل تحت سلطانها كل ما يدخل في حيز الإمكان.
ومما هو ظاهر في هذا المعنى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 77 - 79]، فالمعقول من هذه الآية: أن الطريق الذي سلكه موسى - عليه السلام - إنما تنحى عنه الماء حالَ مروره به، وأن فرعون اقتفى أثره عندما رأى الطريق الذي يسير فيه موسى وقومه يبساً، ولما انحدر فرعون وقومه في هذا الطريق، عاد الماء إلى حاله، وغشيهم من اليم ما غشيهم، فكانوا من المغرقين.
وأما قول المؤول: إن فرعون أضل الطريق اليبس الذي اهتدى إليه موسى، فمن الأشياء التي يفرضها، ويحمل عليها الآيات إنكاراً للمعجزة.
وحرَّف قوله تعالى: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]، فقال: "بعرشها: بملكها، يريد أن يضع خطط الحرب، ونظام الدخول في البلد، فطلب الخريطة التي فيها مملكه سبأ؛ ليهاجمها، ويريها أنه جادٌّ غيرُ هازل".
يقول الله تعالى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}، ويقول هذا المؤول: "يأتيني بخريطة مملكتها"، وإذا كان طلب خريطة مملكتها لوضع خطط الحرب، فما وجه عرض هذه الخريطة عليها بعد أن جاءت مسلمة؟ وما حكمة سؤالها عن مطابقة هذه الخريطة؟!
(2/ 1/154)

عبثٌ يهذي به حول كتاب الله، فلا تقوى تحجمه عنه، ولا حكمة يفرق بها الجد والمزح، فترفعه عن أن يقول ما يضحك الناس منه.
وحرَّف قوله تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]، فتأولها على وجه ينكر به أن يكون إبراهيم - عليه السلام - أُلقي في النار، وخرج منها سالماً، فقال: معناه: نجَّاه من الوقوع فيها. وذكر أن نجاته كانت بالهجرة؛ أي: من وطن قومه إلى ناحية فلسطين.
وظاهر الآية أنه أُلقي في النار، وقد سلب الله منها حرارتها، فإن حمل على معنى إيجاد حائل بين النار وجسم إبراهيم، فهو تأويل غير بعيد، أما صرفُ الآية إلى معنى عدم الوقوع في النار، فتأويل لا داعي إليه، ولا مسوغ له إلا ضيقُ الذهن عن تصور بشر يُلقى في النار، ولا تحرقه النار، وإذا لم يقل القرآن: "فألقوه، فقلنا: يا نار كوني برداً"، فلسبك الآية في إيجاز يلائم حد الإعجاز، فالجملة التي تدل على إلقائهم له في النار بالوضع والمطابقة حذفت من النظم استغناءً عنها بذكر ما يستلزمها، ولا يستقر معناه في ذهن السامع إلا بتقديرها، وهو قوله تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}.
وحرَّف قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، فقال: "الإسراء: يستعمل في هجرة الأنبياء، والمسجد الحرام: الذي له حرمة، والأقصى: الأبعد: مسجد المدينة".
وقصد المؤول إنكار واقعة الإسراء، فحمل الآية على هجرته - عليه الصلاة السلام - من مكة إلى المدينة.
(2/ 1/155)

أجمع أهل العلم: أن أوائل هذه السورة نزل بمكة؛ أي: قبل الهجرة، ولو كان هذا المؤول ممن يفقه فائدة معرفة ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة في تفسير كتاب الله تعالى، لما تجاسر على تفسير الآية بواقعة الهجرة، وقد روى واقعة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس جمعٌ عظيم من الصحابة - رضي الله عنهم -، منهم: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومالك ابن صعصعة، وجاءت هذه الروايات في الكتب الصحيحة؛ مثل: "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، "والجامع الصحيح" للإمام مسلم، فلو كان هذا المؤول ممن درس كتب السنَّة، وكان ممن يستضيء في تفسير كتاب الله تعالى بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما رمى بنفسه في حفرة لا يسمع صيحته فيها إلا فارغُ الذهن من مبادئ الدين، أو مزلزَلُ العقيدة ما لقي ضِلِّيلاً، إلا مال به عن السبيل.
* دعوته إلى الفسوق عن أحكام الشريعة:
يريد المؤول أن يفتح لذوي الأهواء باب الخروج عن الدين، وتعطيل أحكام الشريعة، فزعم أن المصلحة قد تكون في غير ما أمر الله به، فحرَّف قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقال: "يفيدك أن المخالفة المحذورة هي التي تكون للإعراض عن أمره، وأما التي تكون للرأي والمصلحة، فلا مانع فيها بل هي من حكمة الشورى".
المؤول يجيز تقرير رأي مخالف لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أمر الله تعالى، ويرى في هذا الرأي المخالف مصلحة تجعله أهلاً لأن يعمل عليه بدلاً من أمر الله، يقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
(2/ 1/156)

الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ومصداق هذه الآية: من يحكم بغير ما أنزل الله، معتقداً أن المصلحة فيما حكم به، ويتناول من يفتي برأي، معتقداً أنه أحفظ للمصلحة مما أنزل الله، فمن يأذن للناس في تقرير رأي مخالف لأمر الله، فإنما يقودهم إلى حفرة من النار هي إنكار أن يكون الله تعالى أحكم الحاكمين. فإن زعم المؤول أنه قصد ما كان يراجعه فيه بعض أصحابه - رضي الله عنهم - من نحو بعض الآراء الحربية، قلنا له: إنك أطلقت في تأويلك، ولم تقصره على هذا النوع من أوامره - عليه الصلاة والسلام - ثم إن مخالفة الأمر عدمُ العمل به، وإبداءُ بعض الصحابة لآرائهم في شيء من تدابير الحروب لا يسمى: مخالفةً للأمر، بل كانوا يعرضون عليه الرأي، فتارة لا يراه صالحاً، فيرده، ولو عملوا على مقتضى رأيهم، لحق عليهم وعيدُ الآية، وتارة يرى فيه المصلحة، فيأمر بالعمل به، والعملُ على هذا النحو من قَبيل اتباع أمره، فأين المخالفة؟!.
* إنكاره للجن:
يجيء هذا المؤول إلى الآيات التي ذُكر فيها الجن، ويحمل الجن على غير المعنى الذي عرفه الصحابة ومَن بعدهم من أئمة الدين وعامة المسلمين، وأكتفي بأن أسوق ما قاله في آية هي من أظهر ما يدل على أن الجن خلق غير الإنس، وهي قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1]؛ فإنه بعد أن أحال القارئ على آيات من سور متعددة، قال: "بعد هذا تفهم أنه يطلق الجن والجنة على الزعماء المستكبرين من السادة المتبوعين، ويعبر عن الإنس بسائر الناس المقلدين والتابعين المستضعفين"، ويفسر الجن في بعض الآيات بقواد الجيش.
(2/ 1/157)

لم ينقل عن أحد من المسلمين - على اختلاف فرقهم - إنكارُ الجن، وإنما ينكرهم طائفة من غير المسلمين.
قال ابن حزم من كتاب "الفصل": "لما أخبرت الرسل الذين شهد الله -عَزَّ وَجَلَّ- بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع، بنصِّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- على وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلمُ بخلقهم ووجودهم".
وقال: "وأجمع المسلمون على ذلك (وجود الجن)، نعم، والنصارى والمجوس والصابئون، وأكثر اليهود، حاشا السامرة فقط، فمن أنكر الجن، أو تأول فيهم تأويلاً يخرجهم عن هذا الظاهر كافرٌ ومشرك".
وإنما ينكر الجن من جمد عقلُه في دائرة من المحسوسات لا يتخطاها أنملة، ونحن نعلم أن العقل وحده لا يصل إلى العلم بوجودهم، كما أنه لا يستطيع إقامةَ الدليل على نفيهم، بل إذا سئل عنهم، وهو صحيح النظر، مجردٌ من كل تقليد، أقر بإمكان وجودهم؛ إذ ليس من شرط كل موجود أن يدرك بإحدى الحواس الخمس، فقدرة الله تعالى تسع خلقاً ينشأ من عنصر لطيف، فلا يقع عليه النظر، وإذا أقرَّت العقول إمكانَ شيء، وأخبر الدين القائم على البرهان بوجوده، تلقينا خبره بالقبول، ولم نفرق بينه وبين ما أدركناه بالمشاهدة، أو ثبت بالأدلة العقلية مباشرة.
* إنكاره للشياطين:
ينكر المؤولُ الجنَّ، وينكر أن يكون هناك مخلوق غير الإنسان يقال له: شيطان. تجد هذا الإنكار عندما يرد لفظ إبليس أو الشيطان في آية، فيأبى أن يبقيه على المعنى المعروف في الكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين، فانظر إلى أصرح آية في هذا المعنى، وهي قوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
(2/ 1/158)

أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] كيف تأول لفظَ إبليس فيها، فقال: "إبليس اسمٌ لكل مستكبر على الحق، ويتبعه لفظ الشيطان، والجان، وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره". وكذلك تأول قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص: 36، 37]، فقال: "والشياطين يطلقون على الصناع الماهرين، والأشقياء المجرمين"، ولما وجد قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] نصاً في أن الشيطان مخلوق يصل أثر فتنته إلى نفس الإنسان دون أن يأخذه بإحدى حواسه، ذهب في تأويل الآية مذهب من يتظاهر بتفسير القرآن، وهو يدس في تفسيره جحوداً، فقال: "من حيث لا ترونهم فيها شياطين، فيخدعونكم بأنهم من الأولياء الناصحين".
وإذا حمل بعض المفسرين لفظ الشياطين في بعض الآيات على أشرار من الإنس؛ كما قالت طائفة في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] المراد: شياطين الإنس، فما كان هؤلاء لينكروا ذلك الصنف من الجن المخلوق من نار السموم، وإنما هو تأويل بدا لهم أن اللفظ يحتمله قريباً أو بعيداً، ولا يستطيعون أن يذهبوا إلى مثل هذا التأويل دي قولى تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] , فمن حمل مثل هذه الآية على فريق من الإنس، فهو ممن لا يؤمن إلا بما يلمس، أو يرى، ولم يجعل اللهُ للعقول المتحجرة على تفسير كتابه سبيلاً.
* تأويله للملائكة:
يتخبط المؤول عندما تجيئه آية فيها اسم الملائكة، فمرةً يفسره برسل
(2/ 1/159)

النظام والسنن في الكون؛ كما قال عند قوله تعالى: {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248]: "إشارة إلى أنه يأتيهم بسنن الله ونظامه؛ أي: بتغلبهم على العدو، وبقوة الحرب ونظامه، والملائكة كما قلنا في (ص 24) رسل النظام والسنن في الكون".
وقال عند قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]: "الملائكة: رسل النظام وعالم السنن، وسجودُهم للإنسان معناه: أن الكون مسخر له".
ومرة يجعل الآية التي ذكر فيها الملائكة من قبيل التمثيل؛ كما قال في قوله تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]: "يمثل لك السرعة في إجراء سننه في الكون وتنفيذ أوامره في العالم".
وفسر جبريل وميكائيل في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] بأنهما قسمان من الملائكة، وقال: "الأول رسول الوحي والإلهام، والثاني رسول السنن والنظام".
وقال عِندَ تأويل الملائكة من قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 177]: "وهذا تابع للإيمان بالله، فمن يؤمنُ بالله يؤمنُ بخلقه ونظامه. والملائكة رسل هذا الخلق والنظام".
فتحريفه الآية بادعاء التمثيل مرة، وذكره لسنن الكون ونظمه مرة أخرى، وجعله جبريل وميكائيل قسمين من الملائكة، دون الاعتراف بأنهما فردان منهم، يدل على أنه يريد من الملائكة معنى غيرَ المعنى المعروف في صريح الكتاب والسنَّة، ونصوص الشريعة في دلالتها على وجود الجن والملائكة
(2/ 1/160)

متساوية، وهما من جهة إمكان وجودهما في منزلة واحدة.
* إنكاره لأحكام معلومة من الدين بالضرورة:
أطلق المؤول قلمه في الإنكار حتى ألحدَ في آيات الحدود والأحكامِ المعلومة من الدين بالضرورة، فانظر إلى ما صنع في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] إذ قال: "يعطي معنى: التعوُّد؛ أي: إن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم، ويظهر لك من هذا المعنى أن من يسرق مرة أو مرتين، ولا يستمر في السرقة، ولم يتعود اللصوصية، لا يعاقَبُ بقطع يده".
وكذلك حرّف قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فقال: "يطلق هذا الوصف على المرأة والرجل إذا كانا معروفين بالزنا، وكان من عادتهما وخلقهما، فهما بذلك يستحقان الجلد"، وهذا الذي قاله في اسم الفاعل من أنه يدل على التكرار والتعود من بهتانه الذي لا يقف عند حد! فاسم الفاعل؛ نحو: السارق، أو الزاني إنما يدل على ذات قامت بها السرقةُ أو الزنا، ولا دلالة له على تجدد قيام الوصف بالذات، ولا على تعودها عليه، هذا ما يقوله علماء العربية في القديم والحديث.
قال ابن مالك في كتاب "التسهيل" معرّفاً اسم الفاعل: "اسم الفاعل: هو الصفة الدالة على فاعل، جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها، لمعناه، أو معنى الماضي".
فقوله: لمعناه، أو معنى الماضي، تنبيهٌ على أنه لا يدل على أزيدَ مما يدل عليه الفعل، وهذا وجه الفرق بينه وبين صيغ المبالغة؛ كفعَّال، ومفعال، وفَعول؛ فإن هذه الصيغ تدل على معنى زائد على حدوث الصفة لمن قامت
(2/ 1/161)

به، وهو قوتها فيه، أو كثرةُ صدورها منه.
والكوفيون يمنعون عمل صيغ المبالغة في نحو المفعول، ويعللون هذا المنع بعدم مجاراتها للفعل المضارع في وزنه، وبمخالفتها له في معناه؛ لأنها تزيد عليه بالمبالغة، ومقتضى هذا: أن اسم الفاعل عمل في نحو المفعول؛ لأنه لا يخالف المضارع في معناه، فعلماء العربية من كوفيين وبصريين مجمِعون على أن اسم الفاعل لا يدل على أكثر مما يدل عليه الفعل، وإذا كان علماء العربية الذين قضوا أعمارهم الطويلة في تقصِّي اللغة، والتفقه في كلام العرب قد تظاهروا على أن اسم الفاعل لا يدل على مقدار من الوصف أكثرَ مما يدل عليه أصل المضارع والماضي، أفيستطيع المؤول أن ينقض بناءهم بكلمة لا تمتُّ إلى البحث بسبب، وإنما هي وليدة الهوى، والانهماك في مخالفة أهل العلم؟!.
وعمد إلى الآيات الصريحة في ملك اليمين، وحَرَّفها بالتأويل تحريفاً لا يختلف عن صريح الإنكار، إلا أن عليه مسحةً من النفاق، فانظر كيف حرَّف قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، وحمل الفتيات على: الخادمات، فقال: "فيه عناية بالخادمات، وتسهيلٌ لمن يريدون الزواج ولا يستطيعون النفقات على ذوات البيوتات". وقال عند قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]: "خادميكم، وخادماتكم".
وقد ارتكب في الآيات الواردة في هذا الشأن من التأويل ما لا يخطر على بالِ أصلبِ الباطنية جبهةٌ، فانظر إليه ماذا يقول في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ
(2/ 1/162)

يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، يقول: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ}: كتاب الله، وما كتب الله، وما كتب من الزواج والنسل. {فَكَاتِبُوهُمْ}: عاونوهم على أداء الكتاب".
ولو قلت له: إن الذين فسروا الآية بأن يكاتب الرجلُ رقيقَه على مال، حتى إذا أدى ما كتب عليه، صار حراً، قد أقاموا الشاهد على هذا من كتب السنَّة واللغة، فهل لك شاهد على ما تأولت عليه الآية، وما قلت في تأويلها من أن المكاتبة: المعاونة على أداء الكتاب، لما كان جوابه إلا أن هذا المعنى قد نفث في صدره، وهو لا يرجع في تفسير كتاب الله إلى السنَّة، ولا إلى قانون اللغة. ولا مرد لهذا الجواب إلا أن تتلو عليه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وتقرأ عليه قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193 - 195].
ومن مقتضى إنكاره لأصل ملك اليمين: إنكارُه لأن يتمتع الرجل بما ملكت يمينه من الإماء، وكذلك تجده يحرف الآيات الواردة في هذا الشأن؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6]، فقال المؤول: "أو ما ملكت أيمانهم من الخدم؛ فإن لهم ما ليس لغيرهم، فقد يكونُ في الإنسان فروج؛ أي: نقائص وعيوب يسيئه أن يراها النّاس فيه، ولكن لا يسيئه أن يراها خدمه".
إذا كان في بعض تأويله ما ينادي بانحرافه عن الهدى إلى مكان بعيد، ففي بعضه ما ينادي بأن الرجل ليس له فكر يتحامى به فضيحةَ العَبَث، ويحبسه عن أن يقول ما يضحك منه المحزون، فالمؤول يصرف الآية عن أن تكون
(2/ 1/163)

للحث على الطهر والعفاف إلى الأمر بستر العيوب والنقائص عن الناس، إلا عن الأزواج والخدم، ولم يكتف بهذا التأويل السخيف، فقال عقبه: "ومن البلاغة في التعبير أن لفظ (أو) أفاد التنوع بين ما يباح للأزواج، وما يباح لملك اليمين؛ إذ يوجد من العيوب ما لا ينبغي كشفه على الخدم". ولا ندري كيف يفهم من (أو) العاطفة ل {مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} على قوله: {أَزْوَاجِهِمْ} [المؤمنون: 6] التنويع بين ما يباح للأزواج، وما يباح لملك اليمين، وهذا الذي يباح للصنفين - فيما زعم - لم يذكر في نظم الآية؟
والإسلام جاء، فوجد عادة الرق جارية بين المتحاربين، فهذّبها، وترك الأخذ بها لاجتهاد الإمام، ولكنه أوصى بالإحسان إلى الرقيق، والرفق به، وندب إلى تحرير الرقاب، وجعله كفارة لبعض ما يرتكبه الإنسان من عمل سيئ؛ كالظهار، والفطر في رمضان، والحنث في اليمين، وقتل النفس خطأ، وجعل في يد الحاكم عتق الأرقاء الذي يلحقهم ممن هم تحت أيديهم ضرر فادح، وتفويضُ أمر الاسترقاق إلى الإمام يجعل له الحق في العدول عنه كما هو مفصل في كتب الأحكام.
وأنكر إباحة تعدد الزوجات الذي جرى عليه السلف من الصحابة
فمَن بعدهم، وجعل آية: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] خاصةً باليتامى، فقال: " {مِنَ النِّسَاءِ}: نساء اليتامى الذين فيهم الكلام؛ لأن الزواج منهن يمنع الحرج في أموالهن"، ثم قال: "ولتعلم أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية بذلك الشرط السابق"؛ يعني: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى}، واللاحق؛ يعني: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} [النساء: 3].
(2/ 1/164)

ومن البيِّن تجافي هذا المعنى الذي ذكره المؤول عن نظم الآية، ومن أظهر الوجوه التي يستقيم معها النظم، ولا تمس إجماعَ المسلمين من الصحابة فمَن بعدهم بشيء: أن يكون المعنى: وإن خفتم أن تهضموا شيئاً من حقوق اليتامى؛ لضعفهن، وتحرجتم منها، فدعوا التزوج بهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء غيرهن مثنى وثلاث ورباع.
* زعْمُه أن المسلمين يروون الأحاديث النبوية عن اليهود:
لا يبالي المؤول أن يتكلم في غير أمانة، ويقول ما لا يطابق الواقع، ومن أمثلة هذا: أنه تعرض عند تأويل قوله تعالى: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47] لما ورد في سحر بعض اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "من الغريب - مع هذا الدليل المبين -: أن المسلمين ينقلون في كتبهم: أن النبي سُحر؛ بناء على حديث رواه اليهود، كما ينقل النصارى أن المسيح صُلب؛ بناء على رواية اليهود أيضاً".
من يقرأ هذه الجملة يفهم منها: أن حديث سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - تلقاه المسلمون عن اليهود، والحقيقة أن الحديث مروي بأسانيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه، وفي هذا الحديث: أنه علم بهذا السحر من طريق الوحي، ومن رواته من الصحابة - رضي الله عنهم -: عائشة، وابن عباس، وزيد بن أرقم، ثم رواه عن هؤلاء جماعة من الثقات حتى بلغ الأئمة: البخاري، ومسلماً، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم، ولا صلة لحديث السحر بيهودي سوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوحي إليه بما فعل اليهودي لَبيدُ بن الأعصم من السحر.
وأنكر بعض الناس هذا الحديث في القديم، وأخذهم الريب فيه من ناحيتين:
(2/ 1/165)

إحداهما: قوله تعالى: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء: 47]، فهذا مما قصه الله تعالى عن كفار قريش من سياق الإنكار عليهم، ومقتضاه: نفي أن يكون قد سحر، والقرآن مقدم على الحديث.
ثانيتهما: أن تأثره بالسحر - عليه الصلاة والسلام - يقدح في الثقة بما يبلِّغه عن الله تعالى من أمر ونهي.
والذين لا يسارعون إلى تكذيب الأحاديث المروية بأسانيد صحيحة ما وجدوا لدفع ما يرد عليها من الشبه طريقاً، يقولون: إن قريشاً أرادوا من قولهم: {مَسْحُورًا} معنى اختلال العقل، فيكون مرادفاً لقولهم: {مَجْنُونٌ}، أو أرادوا: أنه مسحور سحراً من أثره هذا الدين الذي يدعو إليه، وهذا موضع الإنكار عليهم بإجماع، ويقولون: إن السحر إنما تسلط على جسده وجوارحه الظاهرة، ولم يمس شيئاً من عقله وقلبه، ويدل لهذا: حديثُ ابن عباس - رضي الله عنه - في رواية ابن سعد: "مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأُخذ عن النساء والطعام والشراب".
وليس من غرضنا الآن البحث عن حقيقة السحر (1)، ولا بسط القول في حديث سحره - عليه الصلاة والسلام -, وإنما أردنا أن نريك كيف يحاول المؤول أن يقذف المسلمين بتهمة تَلقّي أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اليهود.
وانظر إلى قوله: "إن المسلمين ينقلون في كتبهم"؛ فإنها كلمة لا أحسبها صدرت منه إلا في حال نسيانه أنه استعار ثوبَ الإسلام؛ ليتمكن من سحر أبناء المسلمين، وصدهم عن السبيل.
__________
(1) انظر كتاب: "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" للإمام محمد الخضر حسين - باب: في حديث السحر.
(2/ 1/166)

هذه أمثلة من كتاب حشوُه الجحود والهذيان، نسوقها في هذه الرسالة؛ ليزداد المسلمون علماً بأن مؤلفه مهزول الفكر، منحرفٌ عن الرشد، {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].
(2/ 1/167)

كتاب يلحد في آيات الله (1)
قرر الإسلام للمرأة حقوقاً رفعت شأنها، وجعلتها عضواً عاملاً في دائرة الصيانة، وعلى وجه يحفظ بينها وبين زوجها وأقاربها المودةَ الصادقة، والعاطفةَ الفياضة بكل خير، وما زالت المرأة المسلمة تعيش مع الرجل القائم على آداب الإسلام مغتبطة هانئة، شأنها النظر في تربية الولد، وتدبير المنزل، وشأن الرجل معاشرتها بالمعروف، والقيامُ بحاجاتها، ومسايرة رغباتها ما دامت محفوفة بسياج الطهر والحياء. وما زال المصلحون يدعون إلى رعاية حقوقها المنبَّه عليها بقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] , حتى ظهر نفر تخيَّلوا أن الرقي كله في مظهر المرأة الأوربية، فقاموا ينادون لأن تتبع المرأة المسلمةُ الأوربيةَ شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.
نقول هذا بمناسبة الحديث عن كتاب ظهر في تونس منسوباً إلى بعض من لبست نفوسهم من التجافي عن الدين ما لبسته نفوس هؤلاء الذين يزعمون أنهم أنصار المرأة. ويقولون - والجهل ضارب في أدمغتهم -: إن الإسلام ظلم المرأة، ويذكرون: تعددَ الزوجات، وجَعْلَ الطلاقِ في يد الرجل،
__________
(1) مجلة "نور الإسلام" - العدد الثامن من المجلد الأول الصادر في شهر شعبان 1349 ه. وهو نقد كتابا "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" تأليف الطاهر حداد.
(2/ 1/168)

وجَعْلَ نصيبها من الإرث نصفَ نصيب الرجل، ونحوَ هذه الأحكام مما قرره الإسلام، وعرفت العقول السليمة حكمتها، وموافقتها لما تقتضيه الحياة الراقية.
باطلٌ من القول لغط به نفر من غير المسلمين في الشرق، فوقع في آذان أحداث في تونس، ولم يجد لديهم من متانة العقيدة، وقوةِ البصيرة ما يدفع عنهم خبثه، فأساغوه، وردَّدوا صوته محاكاة لأولئك النفر، والمحاكاةُ في الباطل أدلُّ على قصر النظر من ابتكاره، ولكن المستعدين للتقليد فيما تشقى به الأمة لا يفقهون.
ظهر هذا الكاتب منسوباً لأحد من يحملون شهادة (التطوع) (1) بجامع الزيتونة، وقد سلك صاحبه طريقة مخادعة الغافلين من المسلمين بتأويل نصوص الشريعة، وتحريف كلمها عن مواضعه، ولم يتعظ هذا الكاتب بمن ذهب في الكيد للدين هذا المذهب، فخاب سعيه، ولم يزد على أن كشف للناس سريرة مغبرّة كانوا يظنونها نقية، بل أحيا شُعوراً دينياً كان في بعض النفوس خاملاً؛ إذ دلَّ المسلمين على أن من وراء هذه الأقلام ضمائر لا ترجو لله وقاراً، وأيدياً تعمل لتقويض بناء الشريعة ليلاً ونهاراً.
ظهر هذا الكتاب، فقابلته الأمة التونسية بالإنكار، وقامت الصحف هنالك بواجبها، فنقدته من الوجهتين: الدينية، والاجتماعية، وكتب بعض العلماء مقالات في بيان ما فيه من جهالة وغواية، وألَّفت النظارةُ العلمية
__________
(1) شهادة يأخذها الطالب بعد أن يقضي في الطلب نحو سبع سنين. ولعلها تساوي الشهادة الأهلية في الأزهر الشريف، وسميت (تطوعاً)؛ لأنها تخول صاحبها أن يدرّس في الجامع متطوعاً.
(2/ 1/169)

بجامع الزيتونة لجنة من العلماء الذين درسوا أصول الشريعة على بصيرة، وعُرفوا باستنارةِ الفكر، وتمييزِ الجديد النافعِ مما هو جديد آثمٌ، فدرست اللجنة الكتاب، ووضعت تقريراً فيما احتواه من منكرات وضلالات.
لقي الكتاب ما يستحق من التفنيد، وسعي النظارة العلمية لتجريد صاحبه من الشهادة التي يحملها، ولكنه لم يعدم أن يجد أفراداً يموّهون باطله، ويروِّجون زائفة، فأقاموا لصاحبه حفلة تكريم، وعجلوا إلى بث دعاية له في مصر، ولفقوا مقالات حملوا فيها على العلماء وأرباب الصحف الذين نقدوا الكتاب بعقل، وفضحوا ما فيه من تضليل، ثم بعثوا بتلك المقالات إلى صحف لا ترعى للحقائق ذمة، فنشرتها لهم، ولم يكن لها من الأثر سوى ارتياح غيرِ المسلمين لأن يُرمى الدينُ الحنيف بيد منتسب إلى معهد أُسس ليكون حصناً للدين مانعاً.
وفي هذه المقالات اغتباط أولئك النفر بأن بعض الفرنسيين كانوا في جانب صاحب الكتاب، يدافعون عنه، وينقدون سلوك الصحافة التونسية في الرد عليه، ولم لا يكون الفرنسيون في جانبه، وهو يضرب الإسلام في الصميم، ويأتي لهدمه من باب لا يستطيع الفرنسيون أن يأتوه وهم فرنسيون؟؟!.
وفي هذه المقالات رمي للمستنيرين؛ كالمحامين، والأطباء في تونس بأنهم خذلوا صاحب الكتاب لغايات شخصية، ونحن نرى في مصر محامين وأطباء يؤمنون بالقرآن أبلغ الإيمان، ويرون أن ما منحه الإسلام للمرأة من الحقوق هو عين الصواب، وما عداه جهل بعواقب الأمور، ولم لا يكون المحامون والأطباء في تونس قد جمعوا إلى علم الحقوق والطب هداية وتوفيقاً؟
وزعم كاتب تلك المقالات أن النظارة العلمية عقدت لجنة من بعض
(2/ 1/170)

أعضائها، ومن بعض المدرسين، وقرروا - فيما بلغهم - أن المدرك التشريعي الذي يراه مؤلف الكتاب لا ينافي الإسلام، إلا أن المؤلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
وقد اطلعنا في الصحف التونسية على ما يخالف هذا الزعم.
قالت جريدة "الزهرة" الغرَّاء: "بلغنا أن اللجنة التي ألفتها النظارة العلمية للنظر في كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قد أتمت أعمالها، وأنهت تقريراً في ذلك للوزارة الكبرى، وكان جميع أعضاء اللجنة على وفاق تام مجتمعين على أن الكتاب المذكور يحوي في عدة نواح منه أوجهاً كثيرة من الضلال والتضليل، وبهذه الصفة يعتبر مروقاً من الدين، وخروجاً على إجماع الأئمة من علماء الإسلام، ومحاربة لحضرة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - ".
ونقلت جريدة "الوزير" الغرَّاء محادثات في شأن الكتاب جرت بين رئيس تحريرها، وفضيلة شيخ الإسلام (1) بتونس الشيخ "أحمد بيرم"، وبعض أعضاء اللجنة، ومما قاله شيخ الإسلام في حق الكتاب أنه: "يخالف الشريعة الإسلامية في كثير من المواقف؛ كمسألة تعدد الزوجات، ومسألة الميراث، ومسألة الحجاب".
وقال رئيس الإفتاء المالكي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: إنه "يشتمل على مخالفات كثيرة لأحكام الشريعة الإسلامية تعد ضلالات، وقد بتت اللجنة رأيها الذي يحوم حول هذا".
وقال المفتي المالكي الشيخ أبو الحسن النجار: "إنه يخالف النصوص الشرعية، لا في فروعها فقط، بل في أصولها، وما علم من الدين بالضرورة".
__________
(1) هو لقب رئيس الإفتاء الحنفي.
(2/ 1/171)

وقال المفتي المالكي الشيخ عبد العزيز جعيط: "وفي رأيي الخاص: أن كثيراً مما تضمنه الكتاب يوجب المروق من الدين".
هذه آراء شيخ الإسلام بتونس، وبعض أعضاء اللجنة المكلفة بفحص الكتاب، وهي صريحة في أنهم يرون أن في محتوياته ما هو ضلالة ومروق من الدين، وليس من المعقول أن يقول عالم مسلم في الحكم على مثل ذلك الكتاب: إن المدرك التشريعي الذي يراه مؤلفه لا ينافي الإسلام، فقد وصلت إلينا نسخة من هذا الكتاب، فقرأناه، فإذا هو يعتسف طرقاً ملتوية، ويرمي بأقوال منكرة، ويتشبث بآراء منبوذة، ولو قصر صاحبه البحث على تعليم المرأة، وتربيتها، وإنكار ما يفعله بعض الرجال من الاستخفاف بحقوقها، والمبالغة في حجابها، لقلنا: كتاب يدعو إلى ناحية من نواحي حياتنا الاجتماعية، وكان حظه منا شكراً وتقريظاً, ولو ذهب صاحبه في البحث مذهب من لا يعرف الشريعة، فقرر آراءه الخاصة دون أن يتعرض للقرآن الكريم، لقلنا: نسي تعاليم الإسلام، وكانت خطة العلماء معه أن يذكروه بأن آراءه في واد، والدين في واد، وكان له الخيار بعد هذه التذكرة أن يتشبث بهذه الآراء المنحدرة من عقول داجية، أو يرجع إلى شريعة نزل بها الروحُ الأمين على خاتم النبيين؛ لتكون هداية للعالمين.
ولكن هذا الكاتب لم يتحر فيما كتب الطريقة الصالحة، ولم يتق الله في شريعته الغراء، فأقبل على القرآن يحرِّف آياته عن مواضعها، ويضاهي الذين يخادعون الله في تأويلها.
ولا حاجة بنا إلى تتبع خطيئات الكتاب بعد أن تصدى طائفة من علماء تونس ونبهائها إلى نقضه، وبيان ما يحمله من أباطيل.
(2/ 1/172)

وحسبنا أن نسوق إلى القراء أمثلة يعرفون بها كيف قام ذلك الكاتب يردد صوت هؤلاء المخالفين الذين يحاربون الإسلام في غير استحياء.
قال ذلك الكاتب: "يجب أن نعتبر الفرق الكبير بين ما أتى به الإسلام وجاء من أجله، وبين ما وجده من الأحوال العارضة للبشرية، والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله، دون أن تكون غرضاً من أغراضه"، وجعل الكاتب في القسم الأول: عقيدة التوحيد، ومكارم الأخلاق، وجعل في القسم الثاني: تعدد الزوجات، ونحوه، وقال عن هذا القسم: "لا يمكن اعتباره حتى كجزء من الإسلام".
جاء الإسلام لبيان العقائد الصحيحة، ومكارم الأخلاق، وجاء لتقرير أحكام العبادات والمعاملات، فالجميع جاء من أجله الإسلام، وإن اختلفت مراتب الأحكام شدة ورفقاً، وما يترتب عليها من المصالح قوة وضعفاً، وزعمُ أن الإسلام جاء من أجل العقائد والأخلاق، وأن في أحكام المعاملات ما لم يأت الدين من أجله، ولا يعد كجزء منه، إنكارٌ لجانب عظيم من الشريعة، وطرح أحكام المعاملات، وإباحة الحكم فيها بغير ما أنزل الله؛ باعتقاد أنه أحفظ للمصلحة، انسلاخٌ من الدين بلا شبهة، وتعدد الزوجات من قَبيل ما أنزل الله حكم إباحته.
قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، فمن قضى بالمنع قضاء عاماً معتقداً أن المصلحة في هذا المنع، فقد قضى بغير ما أنزل الله، وأصبح مصداق قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
اختلق الكاتب هذا الرأي ليبني عليه طرحَ كل حكم في الإسلام لا يوافق
(2/ 1/173)

ذوقَه أو هواه؛ بزعم أن الإسلام لم يجئ من أجله، وأنه لا يعد كجزء منه، وإن جاء به نص صريح في الكتاب أو السنة المتواترة، وهذا رأي لا يرتاح إليه إلا من يسره كثرةُ سواد المنسلخين من الدين؛ إذ لا مِعْول يفعل في هدم الشريعة فعلَه لو أنه وجد في الناس غفلة وجهالة.
وقال الكاتب: "إن الإسلام لم يقرر نزول ميراث المرأة عن الرجل كأصل من أصوله التي لا تتخطاها".
هذا مما بناه الكاتب على زعمه: أن من أحكام الإسلام ما لم يجئ الإسلام من أجله، يقول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] إلى قوله تعالى: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 12 - 14].
فالله تعالى يوصي بأن تُعطى الأنثى نصفَ ما يُعطى الذكر، ويجعل هذه الوصية حداً من حدوده، ويتوعد على تعديها بالنار والعذاب المهين، وذلك الكاتب يريد من المسلمين أن يهملوا وصية ربهم، ويتعدوا حدوده، ويجعلوا ميراث الأنثى مساوياً لميراث الذكر، على الرغم من الحكم الواضحة فيما أوصى الله به من إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال الكاتب: "لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرجل عن المرأة في مواضع صريحة، وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توافر أسبابها بتطور الزمن، ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة
(2/ 1/174)

التامة، وروح الحق الأعلى".
الإسلام يرمي إلى العدالة التامة، وقد قرر أصلاً هو أن تكون المرأة في عفاف، فمن العدالة التامة أن ينهى عن اختلاطها بالرجل إلا أن يكون محرماً، وقرر على الرجل القيام بحاجاتها وحاجات ما يرزقان من ولد، فمن العدالة التامة أن يكون حظ الرجل من الميراث أكثر من حظها، وهل في الأزمنة طور يقتضي بطبيعته سقوطَ العفاف من حساب الفضيلة؟ وهل في الأزمنة طور يقتضي بطبيعته وضعَ نفقة الرجل وولده على عاتق المرأة؟ يكون هذا الطور عندما يخلق الرجل والمرأة خلقاً آخر. وذلك ما لا يقصد الكاتب الحديث عنه.
ومن جرأة الكاتب قوله: "ليس لي أن أقول: تعدد الزوجات في الإسلام؛ لأني لم أر للإسلام أثراً فيه، وإنما هي سيئة من سيئات الجاهلية الأولى".
يقول الله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، ويجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النكاح بين اثنين أو ثلاث أو أربع، والرسول - عليه الصلاة والسلام - يشهد ذاك، ويقرهم عليه، واستمر العمل على تعدد الزوجات جارياً في الأمة جيلا بعد جيل، حتى أتى هذا الكاتب، فرأى أن ينفيه من الإسلام، على الرغم من أنه منصوص في كتاب الله، والعمل به جارٍ منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولا يظن بمسلم الجهل بأن تعدد الزوجات مما أباحه الإسلام، ولكن الكاتب أراد تقبيحه، وهو ممن يزعم أنه يتكلم بلسان الشريعة، فقدم جحوده لأن يكون من الإسلام؛ حتى يتيسر له أن يصفه بأنه سيئة من سيئات الجاهلية.
(2/ 1/175)

يجيء الكاتب إلى الحديث الصحيح، ويحاول رده بزعم أنه تُكلم في سنده، وليس لهذا الزعم وجه سوى أن الحديث لا يوافق الرأي الذي أحبَّ تقليده؛ كما قال: "وروى بعض أهل الحديث: أنه - عليه السلام - قال ما معناه: "النساء ناقصات عقل ودين"، ورغماً مما قيل في سند هذا الحديث إلى النبي، فإنه - على فرض صحته - لا يدرى أكان يحدثنا به عن أصل تكوين المرأة في جوهرها - ولا دليل على ذلك من لفظ الحديث -، أو هو يعبر عن حالتها في تلك العصور، يعتذر عن بعض هفواتها لسائليه أو سامعيه".
كلامه هذا يدل على أنه متهجم على الشريعة بهوّى أكَمَّهُ، وأنه لا يتكلم في الدين بعد البحث ولو قليلاً، والحديث الذي أشار إليه الكاتب مروي في "صحيحي البخاري ومسلم"، ولفظه في البخاري: "ما رأيتُ من ناقصاتِ عقل ودين أذهبَ للبِّ الرجلِ منكنَّ، قلن: وما نقصانُ ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك نقصانُ عقلها. أليسَ إذا حاضت، لم تصلِّ، ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك نقصان دينها".
فالحديث في الصحيح، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أراد منه، والوجه الذي ذكره في نقصان دين المرأة يرجع إلى أمر لازم لها من جهة الأنوثة، وهو الحيض، فإن كان للعصور طور ينقطع فيه الحيض عند النساء جملة حتى يؤدين الصلاة والصيام في أوقاتهما المحدودة، لم يكنَّ حينئذ ناقصات دين.
والوجه الذي ذكره عليه - الصلاة والسلام - في نقصان عقلها - أعني: عدم مساواة شهادتها لشهادة الرجل - مبني على ما يغلب على النساء من
(2/ 1/176)

النسيان، والأحكام العامة تبنى على الغالب.
ولعل الكاتب ينكر أن النسيان يعرض للنساء أكثر من الرجال، وإن دل عليه قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]، فننبئه أن بعض علماء أوروبا قرروا أن في ذاكرة المرأة ضعفاً، وأنها لا تستحضر الماضي كما يستحضره الرجل.
فهذا الدكتور (أوتو فينجر) الطبيب الفيلسوف النمساوي شهد في كتابه المسمى: "الجنس والأخلاق" (1) في (صحيفة 94 - 116) بأن المرأة ضعيفة الذاكرة، فقال: "إن التذكر هو التغلب على ما مضى من الزمن، واستحضاره في الذهن، ولا يمكن للمرأة - لأسباب عضوية ونفسية - السيطرةُ على هذه الموهبة؛ لأن حياتها متقطعة، لا تذكر منها إلا اليسير؛ بخلاف الرجل؛ فإنه يمكنه تتبع سلسة حياته حلقة فحلقة، ولا يغيب عنه جوهرها في أي وقت من الأوقات". بل قرر في هذا الكتاب ضعفَ قوتها العاقلة، فقال في (صحيفة 76 - 84): "لا يمكن للمرأة التفرقة بين الشعور والتفكير - أي: بين حياتها الوجدانية والعقلية -، ولكن الرجل يمكنه فصلهما عن بعضهما فصلاً تاماً". وقال في (ص 85 - 93): "إن النبوغ إحدى ميزات الرجل، ولا يمكن أن تصل إليه المرأة مهما بلغت موهبتها".
ومن جرأة الكاتب على مقام الرسالة الأعظم قوله: "إن تعدد أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس تشريعاً لأمته كترغيب لها فيه، وإنما كان ذلك قبل التحديد،
__________
(1) ظهر هذا الكتاب في اللسان الألماني في مايو سنة 1903 م، وأعيد طبعه 27 مرة، ونقل إلى نحو عشر لغات من اللغات الأوربية.
(2/ 1/177)

والنبي إنسان كالبشر، غيرُ سالم من تأثير عوارض البشرية عليه فيما لم ينزل به وحي سماوي".
معنى هذا: أن تعدد زوجاته - عليه الصلاة والسلام - لا يستند إلى وحي، وأن هذا من قبيل ما لا يليق فعله؛ إذ جعله من سيئات الجاهلية.
أما أن تعدد زوجاته لم يكن بوحي، وأنه - عليه الصلاة والسلام - مدفوع إليه بعوارض بشرية، فزعمٌ باطل؛ فإن الله تعالى يقول في حق زينب - رضي الله عنها-: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37]، وقد تزوجها - عليه الصلاة والسلام -، وفي عصمته عائشة، وسودة، وحفصة - رضي الله عنهن -.
وورد في آيات كثيرة ذكر أمهات المؤمنين على وجه يدل على أن الله راضٍ عن هذا التعدد، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} [الأحزاب: 50]، وقال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب: 32] , وإذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الشيء عن اجتهاد، فيجيء على خلاف الأولى، فيأتي الوحي منبهاً لما هو أولى، فمسألة تعدد زوجاته ليست من هذا القبيل في شيء؛ فقد نزل الوحي صريحاً في إباحته، ورضا الله عنه.
ولتعدد زوجاته - عليه الصلاة والسلام - حكم دينية اجتماعية تسمو عن عقول هؤلاء الذين لا يفهمون للزول حاجة غير قضاء الشهوة، ومن الحكم: تلقي أحكام الشريعة، وإبلاغها للناس؛ كما قال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب: 34].
(2/ 1/178)

وسنعود إلى هذا البحث في مقال آخر - إن شاء الله - (1).
ودعا الكاتب إلى السفور مفتوناً بحال المرأة الأوربية، وزيَّن لقراء كتابه أن يجمعوا بين نسائهم وفتيانهم وأصدقائهم للمحادثة، ولم يكتف بقول بعض أهل العلم: إن الزينة الظاهرة المأذون في إبدائها بقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] هي الوجه والكفان، فقال: "إن ما ظهر من الزينة وقع في القرآن مبهماً؛ اعتباراً منه لأعراف الناس في ذلك بتطور الزمان". والناظرون في الشريعة بإخلاص يرون أن القرآن إذا نهى عن إبداء الزينة، فإنما يريد: قطعَ وسائل الفجور، فليس لأحد أن يجعل هذا من قبيل ما يراعى فيه العرف، حتى إذا جرى عرف قوم بكشف المرأة لصدرها أو ساقيها، قضى فيه بالإباحة - على زعم أن القرآن أبهم ما أباح إبداءه من الزينة؛ ليؤخذ فيه بأعراف الناس -، والرجوع في مثل هذا إلى العرف يفتح طرقاً من الشر إنما جاء القرآن ليسدها.
ونحن ممن يدعو إلى تعليم البنات وتهذيبهن، وإكرام الزوجات ورعاية حقوقهن، والرفق بالنساء لضعفهن، ولكننا ننكر هذا الذي يدعو إليه الكاتب من الإغضاء عنهن إلى حد الاختلاط برجال ليسوا بمحارم لهن، فإن ذلك مما نهت عنه الشريعة، وأرتنا المشاهدُ رأيَ العين أنه أقربُ الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكدِ العيش، وهو إلى ابتذال المرأة أقربُ منه إلى كرامتها، وإلى عنائها أقربُ منه إلى راحة بالها، فالكاتب يعبث بحقوق المرأة المسلمة من وراء العبث بأحكام الشريعة، ويعمل لأن يفسد عليها دنياها قبل أن
__________
(1) انظر كتاب: "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، بحث: تعدد الزوجات في الإسلام - للإمام محمد الخضر حسين.
(2/ 1/179)

يفسد عليها آخرتها.
وقرأنا للكاتب بعد هذا جملاً كثيرة يطعن بها في علماء الإسلام، ويقذفهم فيها بأنهم لم يفهموا مقاصد الشريعة، ذلك لأنهم لم يمنعوا تعدد الزوجات، ولم ينزعوا حق الطلاق من يد الرجل، ولم يجعلوا ميراث الأنثى مساوياً لميراث الذكر، ولم يأذنوا للناس في أن يضعوا حبل الفتاة على غاربها تجتمع مع من تشاء، إلى نحو هذا من الشهوات التي لو طاشت إليها آراؤهم، لانطفأت حكمة الله، واندرست معالم الهداية، فلا قرآن يُتلى، ولا سنَّة تُروى، وعلى الدين الحقِّ يومئذ السلامُ.
وكان من رأينا صرف القلم عن ذكر هذا الكتاب؛ اكتفاء بما تناولته به أقلام أهل العلم في تونس من الرد المحكم، ولكن الدعاية التي قام بها شركاء صاحب الكتاب في مصر دعتنا إلى أن نذكره، ونُري القراء مثلاً من باطله؛ ليحذروا فتنة، ويعلموا أن في الشرق نفوساً تقضي باسم الشريعة مآرب قوم يبتغون فساد ما بقي فينا من عقيدة سليمة، وأدب نُغبط عليه، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
(2/ 1/180)

قصة أيوب - عليه السلام - ونقض آراء حديثة في تفسيرها
الردُّ الأوَّل (1)
" اطلعت في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة على مقال تعرَّض فيه كاتبه لمفسري القرآن الكريم، وبالغ في نسبتهم إلى التقصير في التفسير، وساق ما فسَّروا به قصة أيوب - عليه السلام - مثالاً لذلك التقصير، وأورد وجوهاً زعم أنها تُبطل ما أجمعوا عليه من التفسير، ثم ذكر تأويلاً للقصة، مدعياً أنه هو الصواب، ووعد بأنه سينسج على هذا المنوال في بيان تقصير المفسرين.
وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، وأخرى لا تتقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز؛ حتى يكونوا على بينة من أمرها".
* القصة:
قال الله تعالى في سورة الأنبياء: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84].
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء العاشر، والجزء الثاني عشر من المجلد السابع لعام 1354 ه، والأجزاء الثاني والثالث والرابع من المجلد الثامن لعام 1354 ه.
(2/ 1/181)

وقال الله تعالى في سورة ص: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 41 - 44].
وهذه الآيات هي التي تصدَّى كاتب المقال لتأويلها.
* صفوة آراء العلماء في تفسيرها:
حمل المفسرون الضرَّ في آية الأنبياء على المرض، والضرُّ يستعمل في المرض على وجه الحقيقة، ولم يرد في وصف هذا الضر الذي مسَّ أيوب - عليه السلام - آية، أو حديث صحيح، فيحمل على مرض لا يكسب الجسمَ قبحاً، ولا يُحدث في نفس من يشاهده نفُوراً، كما أنه لم يرد في مقدار مدته آية، أو حديث صحيح، فتحتمل أن يكون أياماً، أو أشهراً، أو سنين، غير أن المرض الذي يمدح الله رسولاً من رسله على الصبر عليه شأنه أن يكون في ألمه شدة.
أما قوله تعالى في سورة ص: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]:
فقد حمل كثير من المفسرين النصب والعذاب على معنى الضر الوارد في آية الأنبياء، وسنشرح وجهة نظر هؤلاء فيما بعد، وحملها آخرون على تعب القلب وألمه مما يوسوس به الشيطان من تعظيم أمر المرض؛ ليوقعه في الجزع، أو يوسوس به إلى بعض قومه من أن الله لا يبتلي الأنبياء بمثل ما ابتلاه به من الضر، ثم سأل أيوبُ الله تعالى أن يكفيه شر هذه الوسوسة، كما سأله كشفَ الضر عنه من أصله.
وقد توسع بعض المفسرين في هذه القصة، فساق فيها روايات لا يوجد
(2/ 1/182)

من بينها رواية صحيحة ثابتة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره المسمَّى: "قانون التأويل": ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبر الله عنه في كتابه في الآيتين: (آية الأنبياء، وآية ص)، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "بينما أيوب يغتسل، إذ خرَّ عليه رِجْلٌ من جراد من ذهب".
{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]:
الركض بالرجل: تحريكها، والمغتسل: الماء يغتسل به، والشراب معروف، ومعنى الآية على ما يقتضيه وضع مفرداتها اللغوية: أن الله تعالى أمر أيوب - عليه السلام - بتحريك رجله، وقولُه بعد الأمر بتحريك الرجل: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} يشعر بأن هذا المغتسل البارد والشراب، وجد بتحريك الرجل، وورود هذه الآية عقب إخبار الله بدعاء أيوب أن يعافيه من المرض، أو يكفَّ أذى الشيطان عنه، يدلُّ على أن لهذا الركض صلة بحال استجابة دعائه. وكذلك يقول المفسرون: ركض برجله؛ أي: حرّكها دافعاً بها الأرض، فنبع بالركض ماء أُمر بالاغتسال به، والشرب منه، فكان ذلك الدواء القاطع لما ألمَّ به من المرض، وفي السلامة من المرض انقطاعُ وسوسة الشيطان.
فإن قال قائل: أي فائدة لركض أيوبَ برجله، والله قادر على أن يفجر الماء من غير ركض بالرجل؟.
قلنا: إن الله قادر على أن يفجر اثنتي عشرة عيناً لبني إسرائيل من غير أن يقول لموسى - عليه السلام -: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} [الأعراف: 160]، وقادر على أن يفلق له البحر من غير أن يقول له: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاك
(2/ 1/183)

الْبَحْرَ} [الشعراء: 63]، وقادر على أن يردَّ الكفار على أعقابهم يوم حُنين من غير أن يَرمي النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصى في وجوههم، ولكن الله تعالى إذا أراد إظهار معجزة لنبيّ من أنبيائه، أمره بفعلٍ يكون كسبب في الظاهر يرتبط به ذلك الأثر العظيم، وبهذا الفعل الذي يصدر من النبي، فيظهر عقبه الخارقُ، تزداد النفوس علماً بأن هذا الخارقُ إنما أظهره الله من أجله.
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]:
يصح أن يكون معنى هبة الأهل: جمعهم عليه بعد تشتت، ومعنى هبة مثلهم: تناسل أهله بعد معافاته إلى أن بلغ عددُ الفروع مقدارَ أصولهم، وإنما يمنُّ الله تعالى على رسول من رسله بجمع أهله عليه متى كان أهله يؤمنون به، ويؤيدون دعوته.
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]:
هذا حكايةُ قولٍ أوحى الله به إلى أيوب - عليه السلام -، وإذا قطعنا النظر عما أورده المفسرون من الروايات، واحتفظنا بحمل الألفاظ على معانيها الحقيقية مع مراعاة طريقة القرآن في الإيجاز، قلنا: إن أيوب - عليه السلام - صدر منه يمين على أن يضرب بعض من له أن يؤدبه بالضرب أسواطاً معدودة، لسبب لم يسمه القرآن المجيد، ولما كان المعروف في موجب هذا اليمين أن يكون الضرب بالأسواط مفرقة، أرشده الله إلى طريق أخفَّ من ذلك الطريق المعروف، وهو الضرب بضغث يجمع من الأعواد مقدارَ الأسواط المذكورة في اليمين.
ولعلك تعلم أن القرآن يكتفي من القصة بذكر موضع العبرة، ولم ينزل ليكون كتاب تاريخ حتى تنتظر منه أن يذكر: منِ المحلوف على ضربه؟
(2/ 1/184)

وما سبب الحلف؟ وما عدد الأسواط؟.
وموضع العبرة من هذه الآية: هو أن أيوب - عليه السلام - رأى بعض أهله قد فعل، أو قال ما يستحق عليه العقوبة، فحلف وهو غاضب لله على أن يعاقبه على ذلك بأسواط معدودة، فأراه الله وجهاً يجمع بين رعاية حرمة اليمين، ورفع جانب من شدة العقوبة، فذلك من أثر الغضب لله، وهذا التخفيف من أَثر رحمة الله بالمتقين من عباده.
هذا صفوة ما يقوله أهل العلم في تفسير قصة أيوب - عليه السلام -, وقد خالفهم في أصل تفسيرها كاتبُ ذلك المقال، وسنريك في آخر مقالنا هذا أن لرأيه صلة برأي محمد علي زعيم طائفة القاديانية الخارجة عن سبيل المؤمنين.
* المفسرون والإسرائيليات:
قال صاحب المقال: "إنهم - أي: المفسرين - كثيراً ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند أصلاً، فضلاً عن أن يطمع في تصحيح ذلك السند".
في المفسرين من ينقل الإسرائيليات من غير تمحيص، وفي محققيهم من يأبى الرجوع إلى الإسرائيليات، وينقدها على مقتضى قوانين الشرع والعقل، وكذلك فعل القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره "قانون التأويل"؛ فإنه قال عند تفسير هذه القصة: "وإذا لم يصح عنه - أي: أيوب - قرآنٌ ولا سنَّة إلا ما ذكرنا، فمن الذي يوصل للسامع خبره؟ وعلى أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات موضوعة عند العقلاء لعدم الناقل، فأغمضْ عن مسطورها بصرَك، وضُمَّ عن كتبها يديك، واصمم عن سماعها أُذنيك؛ فإنها لا تزيد فكرك إلا خبالاً".
(2/ 1/185)

ثم أخذ ينقد ما يوجد في المفاسير من أخبار أيوب - عليه السلام -، فيقول في بعضها: هذا باطل، وفي بعضها: هذا بعيد، وفي بعض آخر: هذا ممكن، ولكنه يفتقر إلى نقل، وهكذا تجده يضع كل خبر في مكانه اللائق به.
وقد أخذ القرطبي في تفسيره بجانب من كلام القاضي أبي بكر بن العربي، ونقدِه لأخبار هذه القصة.
* كيف يحكي كاتب المقال أقوال المفسرين؟
حكى كاتب المقال أقوال المفسرين في آيات القصة الواردة في سورة ص، وربما اقتصر في النقل على القول الذي يراه أبعدَ من المعقول، ويهمل ذكر أقوال هي أقربُ إلى ظاهر الآية، ولعله يريد بذلك التمهيدَ لأن يقع تفسيرُه الذي أتى به من بعدُ موقعَ القبول.
قال صاحب المقال: "نرى المفسرين قد فسروا النُّصب والعذاب في الآية بداء أصاب أيوبَ، قد فعل به الأفاعيل، وبَرَّحَ بجسمه أيَّ تبريح، حتى نفر الناسُ منه، وحتى عجز عن الحركة، فلا ينتقل من مكان إلى مكان إلا أن يحمله حامل، ثم يقولون: وقيل: المراد بالنصب والعذاب: ما كان يوسوس إليه به الشيطان في مرضه من البلاء، وإغرائه بالجزع".
من المفسرين من ذهب إلى أن المراد من النصب والعذاب في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]: هو المراد من الضر في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83]، وهو المرض، ويكون إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان من قَبيل إسناد الفعل إلى سببه؛ أدباً مع الفاعل الحقيقي، وهو الله تعالى، ولكن الوجه الذي كان به الشيطان سبباً لما ابتلي به أيوب من المرض لم يتعرض له القرآن الكريم؛ جرياً على طريقة الإيجاز والاقتصار
(2/ 1/186)

في القصص على ما يقصد التنبيه له من مواضع العبرة.
وقد ساق بعض المفسرين في تفصيل هذا السبب روايات لا يوجد من بينها رواية ثابتة في الصحيح.
ويكفي تالي القرآن أن يفهم - على هذا الوجه من التفسير -: أن ما أصاب أيوب - عليه السلام - من وسومة الشيطان هو من النوع الذي يجر إلى معصية كبيرة أو صغيرة، وألهم أيوب - عليه السلام - ذلك؛ ليأخذ في الحذر من وساوس الشيطان بالتي هي أبلغ، وقصه الله في القرآن؛ ليتعلم منه غير أيوب: أن النفوس الطاهرة قد يردها خاطر تحسبه خيراً، ويكون تركه أولى من فعله، فينبغي لها أن لا تسكن إلى خاطر حتى تستبين أنه قبس من نور الله.
هذه وجهة نظر من يجعل النصب والعذاب الوارد في سورة ص هو الضر الوارد في سورة الأنبياء.
أما الذين يفسرون النصب والعذاب بما يوسوس به الشيطان؛ من تعظيم أمر المرض، والإغراء بالجزع، فإنهم يبقون الضر في سورة الأنبياء على معنى المرض، وسلكوا هذا الطريق من التفسير حيث لم يظهر لهم وجه في نسبة المرض إلى الشيطان، ورأوا أقرب ما يكون من وسوسة الشيطان للمريض: هو إثارة جزعه من المرض؛ ليضعف صلته بمقام الإلهية، ويحرمه أجر الصبر على المصيبة.
فالفريقان متفقان على أن أيوب - عليه السلام - ابتلي بمرض سمَّاه لشدته: ضراً، ودعا الله أن يكشفه عنه، غير أن من المفسرين من يصف مرض أيوب - عليه السلام - على نحو ما جاء في التوراة، ومما جاء فيها: "ولبس لحمي الدود"، والمحققون من أهل العلم ينفون هذا، ويقولون: إن مرض
(2/ 1/187)

أيوب لم يكن من قَبيل الأمراض المنفِّرة.
قال الألوسي في تفسير آية ص: "ولعلك تختار القول بحفظهم - أي: الأنبياء - مما تعافه النفوس، ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة مطلقاً، وحينئذ فلا بد من القول بأن ما ابتلي به أيوب - عليه السلام - لم يصل إلى حد الاستقذار والنفرة؛ كما يشعر به ما روي عن قتادة، ونقله القصاص في كتبهم".
وكذلك يقول بعض علماء الكلام؛ كالباجوري في "حواشي الجوهرة": ما كان بأيوب من البلاء كان بين الجلد والعظم، فلم يكن منفراً، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهي باطلة.
قال صاحب المقال: "ويفسرون الركض بالرجل: بأن أيوب أُمر من ربه بوساطة جبريل أن يضرب برجله في الأرض، فضرب بها كما أمر، فنبعت عينان أُمر أن يشرب من إحداهما، وأن يغتسل من الأخرى".
هذا ما يقوله بعض المفسرين، ويقتصر طائفة من محققيهم على ما يفهم من ظاهر القرآن؛ من أن المشار إليه واحد، هو المغتسل، وهو الشراب.
قال القاضي البيضاوي: "فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل، وقيل: نبعت عينان".
وقال الألوسي: "ظاهر الآية اتحاد المخبَرِ عنه بمغتسل وشراب".
قال صاحب المقال: "ويفسرون قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]: بأن الله أحيا له أولاده الذين كان قد أماتهم، وولد له مثلهم".
لم يذهب إلى هذا الرأي جميع المفسرين، بل ذهب طائفة من محققيهم إلى أن هبة أهله: جمعُهم عليه بعد تفرق.
قال القاضي البيضاوي في تفسير الآية: "بأن جمعناهم عليه بعد تفرق".
(2/ 1/188)

وفي تفسير الألوسي: "وقيل - وإليه أميل -: وهبه من كان حياً منهم".
ذكر صاحب المقال تفسيرهم لقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ} [ص: 44]، وقال: "ثم يزيدون على ذلك أن هذه رخصة باقية إلى اليوم؛ بشرط أن يصيب كلُّ أعواد الحزمة جسمَ المضروب".
هذا مذهب بعض الفقهاء؛ بناء على أن قول القائل: والله! لأضربنَّ فلاناً عشرة أسواط - مثلاً - يتناول صورة الضرب بها مجموعة متى أصاب كلُّ عود منها جسمَ المحلوف على ضربه، فتكون صورة الضرب بالأعواد مجموعة على ذلك الشرط، من موجب صيغة اليمين عند الإطلاق.
وذهب آخرون إلى أن موجب صيغة هذه اليمين عند الإطلاق: هو الضرب بالأسواط مفرقة، ويرى أن ما جاء في الآية شرع خاص بأيوب - عليه السلام -، ومقتضى هذا المذهب: أن من صدرت منه يمين على نحو اليمين التي صدرت من أيوب - عليه السلام -, فإما أن يفعل ما حلف عليه، وهو الضرب بالأسواط مفرقة، وإما أن يكفّر عن يمينه.
* رد الوجوه التي رام كاتب المقال أن يبطل بها قول المفسرين:
ساق صاحب المقال ما يقوله المفسرون في تفسير القصة، ثم قال: "ولم يدروا أنه قد فاتهم أولاً: أن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه - صلى الله عليه وسلم - إنما هو: الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله؛ {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].
قد يقص الله تعالى من أنباء الرسل - عليهم السلام -, ولا يذكرهم بما يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله من أذى، وإنما يذكرهم ليدل على ما كان
(2/ 1/189)

لهم من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة عنده سامية، أو ما أجراه على أيديهم من آيات، أو شرعه في عهدهم من أحكام.
ولا ندري كيف أورد كاتب المقال آية: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ} [هود: 120]، وليس فيها شاهد على أن المقصود من قصص الرسل - عليهم السلام - إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، فإن تثبيت فؤاده - صلى الله عليه وسلم - زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، فالتثبيت بهذا المعنى يأتي من الاعتبار بأنباء الرسل - عليهم السلام -، ولو لم تكن من قبيل الحديث عما أصابهم في سبيل الله.
قال صاحب المقال: "وماذا عسى أن يكون من العبرة في أن يقص الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: أنه اصطفى أيوب لرسالته، ثم أمرضه، فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة، وما تتطلبه الدعوة من قول وعمل لا ينهض بها إلا سليم معافى"؟.
إن فيما قصه الله تعالى من شأن أيوب - عليه السلام - لعبرةً لأولى الألباب، رسولٌ من أكرم الرسل، وأعلاهم عند الله منزلة، يكون في نعمة؛ من صحة الجسم، وانتظام الشمل، فيصاب بالمرض، وانقطاع أهله عنه، يتلقى هذا المصاب بالصبر الجميل، حتى إنه لم يصرح بالدعاء، بل سلك به طريق التعريض؛ إذ ذكر في مناجاته: أنه في ضر، وأن رحمة الله أوسعُ من كل رحمة.
وإذا ذكَّر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشدة ما أصاب أيوب - عليه السلام - من البلاء، وبقوة ما كان يتلقاه من الصبر، قَوِيَ يقينه - صلى الله عليه وسلم - بأن شدة البلاء في الدنيا قد تنزل حيث يكون رضا الله عظيماً، والمقام عنده رفيعاً، وخفَّ عليه ما كان
(2/ 1/190)

يناله من المكاره، وازداد صبره على احتمال الأذى قوة على قوة.
قال صاحب المقال: "وفاتهم ثانياً: أن هذا يتنافى مع حكمة الله السامية، وإلا، فكيف يصطفيه لرسالته، ثم ينزل به ما يحول بينه وبين النهوض بأعباء تلك المهمة، وتلك المهمة - كما علمت - تتطلب صحة وعافية، وقوة وسلامة؟ ".
يبتلي الله بعض رسله بمرض غير منفر، ثم يعافيه من ذلك المرض الشديد؛ ليظهر فضل صبره للناس، ويتبينوا أن الأمراض الشديدة قد تعرض للرسل - عليهم السلام -، ولا يخدش ذلك في نبوتهم، بل يزدادون به من الله قرباً.
ولقد جعل الله لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، وليس بواجب على الله لا عقلاً ولا شرعاً أن يكون رسوله في صحة، وتمكُّنٍ من الدعوة من يوم بعثته إلى يوم وفاته، فإذا بعث أيوب - عليه السلام -، فدعا قومه، وبلغ الجهد في دعوتهم، ثم أصابه الله بمرض لحكمة بالغة، ثم عافاه فعاد إلى الدعوة، لم يكن هذا منافياً لاصطفائه للرسالة، ولا هو بالأمر الذي يتنافى مع الحكمة.
قال صاحب المقال: "وفاتهم ثالثاً: أنهم بذلك خرجوا بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، وجعلوه بدعاً من الرسل؛ إذ المعلوم ضرورة: أن مصاب الأنبياء والرسل، وبلاءهم الذي يألمون له، ويضرعون فيه إلى ربهم إنما هو إعراض قومهم عن دعوتهم، وعدم الاستجابة لهم، وصد الشيطان للناس عن سبيل الله؛ كما أنه من المعلوم: أن كل نبي لابد أن يصاب بتلك المصيبة؛ بشهادة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا
(2/ 1/191)

إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] ".
لم يخرج المفسرون بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، ولم يجعلوه بدعاً من الرسل، وإنما فهموا الآية على ما تدل عليه ألفاظها العربية، وحملوها على معنى فيه حكمة وعبرة، وهم يعرفون أن الأنبياء - عليهم السلام - يصابون بإعراض قومهم عن دعوتهم، وأن لكل نبي عدواً من المجرمين، ولا يلزم من هذا حملُ كل آية وردت في قصة رسول على معنى إصابته بإعراض القوم، وصد الشيطان عن سبيله متى كانت صريحة، أو ظاهرة في غير هذا المعنى.
وقال صاحب المقال: "وفاتهم رابعاً: أنهم بهذا التأويل قد خرجوا بالآيات عن سنن القصص التي جاء بها القرآن؛ فإنه لم يقص علينا - فيما حدثنا به عن أنبياء الله ورسله - إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة للعظة والعبرة، وماذا في قَصِّه علينا مرضَ أيوب من عبرة، وهو لا يحدثنا إلا بما فيه أبلغُ العبر؟ وماذا فيه من خطير الشأن، وهو لا يحدثنا إلا بحوادث ذاتِ شأن خطير؟ ".
لم يخرج المفسرون بالآيات عن سننِ القصص التي جاء بها القرآن: وسننُ القصص في القرآن: أن يحدثنا عن الرسل - عليهم السلام - بما فيه حكمة أو موعظة، ولا فرق بين أن تكون هذه الحكمة أو الموعظة مرتبطة بسير الدعوة، أم راجعة إلى ناحية أخرى من نواحي الهداية، أو السعادة أو الكرامة، كما حدثنا عن يوسف - عليه السلام -: أنه أُلقي في الجب، وبيع بثمن بخس، واستعصم حيث تهيج عاصفة الشهوة، وأوتي الملك، وحدثنا عن إبراهيم - عليه السلام -: أنه أمر في المنام بذبح ابنه، فلما تلَّه للجبين،
(2/ 1/192)

فداه الله بذبح عظيم، وحدثنا عن يعقوب - عليه السلام -: أنه ابتلي بفقد يوسف، وحزن عليه حزناً طويلاً، وكان عاقبة تسليمه الأمر إلى الله أن التقى به في أطيب حال، وأعز مقام. فلمَ لا يحدثنا عن أيوب - عليه السلام - بأنه ابتلي بمرض شديد، وانقطاع عن الأهل، فما كان منه إلا الصبر والرضا، وكان عاقبة صبره الجميل عافية ضافية، وانتظامَ الشمل بعد تقطع.
ويدرك عظمَ بلاء المرض من تقلب في الأوجاع ليالي وأياماً، ويعرف شدة مصيبة الانقطاع عن الأهل من تمزق شمله بعد اجتماع، وابتعد عمن يعز عليه بعد معاشرة وإيناس.
قال صاحب المقال: "وفاتهم خامساً: أن حديث حلف أيوب، والرخصة له بالخلوص منه على ذلك الوجه أشبهُ شيء بالعبث الذي لا يليق بالمخلوق، فضلاً عن الخالق العلي الحكيم؛ إذ المعقول: أن العبد إنما يحتال للخلوص من الرب، فكيف يحتال الرب للخلوص من نفسه؟ فهو تعالى المحلوفُ به، وهو تعالى الدالُّ على الحيلة فيما يزعمون".
تخيل كاتب المقال أن تفسير أهل العلم لقول الله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] يجعل الآية من قبيل دلالة الله تعالى لأيوب على حيلة للتخلص من موجب اليمين، والواقع أنهم لا يفهمونها على هذا المعنى، وإنما يفهمونها على أنها شرع حكم من الله روعي فيه جانب الرحمة بمن حلف أيوب - عليه السلام - على ضربه، فهو حكم صدر على وجه الفتوى لأيوب خاصة، أو له ولقومه عامة، وعلى كل حال، فهو شرع معناه: أن الضرب بضغث يشتمل على مئة عود - مثلاً - يحقق عند الله تعالى غرض الحالف على الضرب بمئة سوط، وهو بهذا الوجه لا يدخل في نوع الحيل
(2/ 1/193)

كما تخيَّل كاتب المقال.
قال صاحب المقال: "وإذا كان الله قد أراد أن يعفي أيوب من يمينه، فماذا يمنعه أن يعفيه بدون تلك الحيلة، وهي منه، ومن أجله؟ ".
يقول أهل العلم: إن الكفارة لم تكن مشروعة في عهد أيوب - عليه السلام -، بل لم تكن مشروعة في صدر الإسلام، وإنما شُرعت بعدُ؛ بدليل قول عائشة - رضي الله عنها -: "لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين". فالحالف في عهد أيوب - عليه السلام - ليس له إلا فعل المحلوف عليه، فأراد الله إرشاد أيوب إلى وجه أخفّ من الوجه المعروف لبرِّ يمينه، ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله تعالى قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟.
قال كاتب المقال: "وفاتهم سادساً: أن دلالة أيوب على هذه الحيلة، وشرعَها له تقريرٌ لمبدأ المراوغة والمحاولة، وهي آفة اجتماعية، وداء خلقي يتنزه الله تعالى أن يكون ذلك من تشريعه للناس؛ إذ لا يصلح معها أيُّ عمل، سواء ما ارتبط منه بالخالق، أو ارتبط بالمخلوق؛ لأنه لا يبقى منه غير صورته، ثم يمضي خالياً من السر الذي لأجله يستتبع العمل آثاره ونتائجه".
قلنا لكم: إن أيوب حلف أن يضرب بعض أهله أسواطاً معدودة، والمعروف: الضربُ بها مفرقة، فشرع الله له طريقة أخفَّ هي الضربُ بها مجموعة، وجعلها مجزئة في برِّ يمين أيوب، أو أيمان قومه عامة، وليس في هذا شيء من تعليم مبدأ المراوغة والمحاولة، وفي الضرب بالأعواد مجموعةً إيلامٌ، غيرَ أنه دون إيلام الضرب بها مفرقة، فلم يكن الضرب
(2/ 1/194)

بالضغث خالياً مما يستتبعه من الآثار والنتائج.
قال صاحب المقال: "وفاتهم سابعاً: أن ذلك ينزل الآية عن مستوى البلاغة الذي هو في متناول البشر، فضلاً عن الإعجاز الذي يجب أن يكون للقرآن الكريم؛ فإنه ليس أضعف أسلوباً وأوهن تركيباً من كلام يتوقف معناه على ما لا يفيد سابقُه ولا لاحقُه، بل لا بد من معونة أخرى يحدثك بها غير صاحب هذا الكلام، وهم قد جعلوا معنى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص: 44] متوقفاً على خبر أن أيوب كان قد حلف ليضربن امرأته مئة سوط".
قلنا: إن القرآن ليس بكتاب تاريخ، وإنما هو كتاب إرشاد، ومأخذ عبر، فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع عبرة، ويسلك في سوقها ضرباً من الإيجاز يعد في أساليب بلاغته المتناهية، فلما جاء في قصة أيوب - عليه السلام -: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] تبادرَ إلى الأذهان أن أيوب - كان لسبب ما - حلف أن يضرب شخصاً - ممن يباح له ضربُه تأديباً - أسواطاً معدودة، فأوحى الله إليه أن يضربه بهذه الأسواط مجموعة؛ رحمة بالمحلوف على ضربه، ولا يتوقف هذا المعنى الذي هو موضع العبرة على معرفة سبب الحلف، أو الشخص المحلوف على ضربه، أو عدد الأسواط، وما يذكره بعض المفسرين في تفصيل ذلك إنما هو توسع منهم في التفسير؛ أخذاً من روايات وصلت إليهم، يفعلون ذلك مع اعتقاد أن أخذ العبرة من الآية لا يتوقف على شيء من ذلك.
* رأي كاتب المقال في تفسير الآية، ورد هذا الرأي:
تأوَّل كاتب المقال قوله تعالى: {مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة والداعين؛ فإن ذلك من عمل
(2/ 1/195)

الشيطان، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحياناً حد الإهلاك للنفس إلا لبطء في سير الدعوة إلى الله تعالى، انظر إلى قوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]، وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ".
لا يتم لكاتب المقال هذا الوجه من الرد على المفسرين إلا أن يصح أن الأنبياء - عليهم السلام - لا يشكون إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة؛ كما ادعاه ذلك الكاتب، وهذه الدعوى غير صحيحة، فقد شكا يعقوب - عليه السلام -، وحزن لفقد يوسف - عليه السلام -، فقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، وقال الله تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف: 84].
أما الآيتان اللتان ساقهما على ما يقول، فغاية ما يثبت بهما: أن الأنبياء يحزنون لإعراض الناس عن دعوتهم، وذلك ما يعرفه المفسرون، ولا يقتضي أن الأنبياء لا يشكون ولا يحزنون إلا من هذا الإعراض.
قال كاتب المقال: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]، فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها، والمضاء بالقوة، وبغير تردُّد ولا توانٍ إلى الغاية".
ما جاء في سورة الأنبياء يدل على أن أيوب - عليه السلام - يقصد من مناجاته الدعاء لكشف البلاء؛ فإن الله تعالى بعد أن حكى قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ
(2/ 1/196)

الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84]. وعلى نسقه يقال: إن قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] قائم مقام آية {فَاسْتَجَبْنَا} في آية الأنبياء، وإنما يكون في معنى الإخبار بالاستجابة إذا دلَّ على حال يخرج بها أيوب من عهد البلاء إلى عهد السلامة، وهذا الحال متحقق فيما جرى عليه المفسرون من أنه أُمر بالركض، فانفجر الماء، وكان في اغتساله وشربه منه عافية وسلامة.
ويؤيد أن قوله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} واقع موقع الإخبار باستجابة الدعاء عطفُ قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43] عليه، كما عطف: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء: 84] على قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] في سورة الأنبياء.
وإن سلمنا أن قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] من قبيل الشكوى، فليس من لوازم شكوى الرسول إلى الله من إعراض قومه عن دعوته أن يكون واهنَ العزيمة، ضعيفَ الثقة، عديمَ القوة في السير إلى الغاية، والشكوى إلى الله تعالى من الضر تكون مع الصبر؛ كما أن الشكوى إليه من إعراض القوم تكون مع قوة العزم، وقد شكا نوح - عليه السلام - من عدم قبول قومه للدعوة إذ قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} [نوح: 5، 6] الآيات، ولم يأت بعد هذه الشكوى ما يشير إلى وهن عزيمته، وضعف قوته، فنسبةُ رسولٍ من رسل الله إلى وهن العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، ليس بالأمر الهين، فلا بدَّ له من نقل ثابت صريح، ولا يكفي في إثباته مجردُ شكواه إلى الله تعالى من عدم قبول القوم لدعوته، وقولُ الله تعالى في الثناء على أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ
(2/ 1/197)

الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] يبعد هذا الذي نسبه إليه كاتب المقال.
قال صاحب المقال مفسراً قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]: "ولما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته إليها، وضعف ثقته بها، صَدَأً يغشى الأرواح، ومرضاً يتعب النفوس، ويضايق الصدور، كان عقد العزيمة واستكمال الثقة غسلاً للروح من صدئها، وشفاء للنفس من مرضها، ونقعاً لغلَّة الصدر، لذلك قال الله لرسوله أيوب: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ".
فرض كاتب المقال أن أيوب - عليه السلام - كان متردداً في إدراك الغاية من الدعوة، واهنَ العزيمة إليها، ضعيفَ الثقة بها، حتى صار هذا الحال صدأ غَشَّى روحه، ومرضاً أتعب نفسه، وضايق صدره، فرض الكاتب هذا؛ ليجعل المراد من المغتسل البارد والشراب: عقد العزيمة، واستكمال الثقة.
ونحن نعلم أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وليس من شأنه أن ينحو نحو هذه الكنايات والاستعارات المتكلفة: يعبر عن تقوية العزم بالركض بالرجل، ثم يجعل الركض مغتسلاً بارداً وشراباً، دون أن ياتي بكلمة واحدة تنبه لما قصده من هذه الكناية أو الاستعارة.
حمل كاتب المقال قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42] على معنى: عقد العزم، وجعل اسم الإشارة في قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} راجعاً إلى الركض بالرجل، وقال: "والآية - كما ترى - ليس فيها مرجع لاسم الإشارة إلا الركض المفهوم من قوله: {ارْكُضْ} المكنى به عن توثيق العزم، والأخذ بالحزم؛ كما هو مقتضى النظم الكريم المجاري لقواعد اللغة التي تأبى أن يكون لاسم الإشارة مرجع غير هذا من الماء والعين كما يقتضيه تفسير المفسرين؛ إذ ليس في النظم ما يدل عليه بأي وجه من وجوه الدلالة".
(2/ 1/198)

رد كاتب المقال قولَ المفسرين: إن المشار إليه هو الماء؛ بأن هذا يقتضي أن لا يكون لاسم الإشارة مرجع غير الماء، وليس في النظم ما يدل عليه، وذلك شيء تأباه قواعد اللغة.
أما نحن، فنعلم أن المشار إليه هو الماء المعبّر عنه بقوله: {مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، وليس هذا الموضع من المواضع التي يحتاج فيها اسم الإشارة إلى مرجع يتقدم ذكره.
ذلك أن اسم الإشارة قد يستعمل مشاراً به إلى محسوس مشاهَد للمتكلم والمخاطب، وهذا وجه استعماله الحقيقي، فتقول لمخاطبك مشيراً إلى كتاب حاضر بين أيديكما: هذا كتاب قيم، وتقول له مشيراً إلى ماء جار: هذا ماء عذب.
وقد يستعمل اسم الإشارة مشاراً به إلى أمر معقول، أو غائب، واستعماله في كل من هذين المعنيين مجاز، وفي هذين الموضعين يحتاج اسم الإشارة إلى مرجع يذكر فعله؛ كأن تتحدث عن غائب الحضرة، وتقول: ذلك كتاب مفيد، أو تتحدث عن أمر معقول؛ كالحلم، والكرم، وتقول: هذا خلق شريف.
ومن البيِّنِ أن اسم الإشارة في الآية مستعمل في أمر يراه المتكلم والمخاطب، وهو الماء، فلا يحتاج إلى مرجع يتقدمه كما ظن صاحب المقال.
قال كاتب المقال في تأويل قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]: "أي: هدينا أهله، فآمنوا به، واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله، فليس المراد بالهبة هنا: هبة الخَلْق والإيجاد، بل
(2/ 1/199)

هبة الهداية والإرشاد؛ بدليل تعبيره بالأهل دون الذرية والولدان؛ كما في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53]؛ إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله بهم، لا أن يولد لهم".
قد عرفت - فيما كتبناه آنفاً -: أن طائفة من المفسرين يقولون: المراد من هبة الأهل في هذه الآية، ومن إيتائهم في سورة الأنبياء: جمعُهم عليه بعد تفرق، لا إيجادهم بعد عدم، ولا إحياؤهم بعد موت، وصاحبُ المقال يفسر هبة الأهل: بهدايتهم له، فلننظر أيّ التفسيرين أقرب مأخذاً من الآية.
الهبة: إعطاء الشيء بلا عوض، وهذا المعنى يتحقق في جانب الله تعالى بجمعه أهلَ الرجل عليه بعد تفرقهم، كما يتحقق في إيجاد أهلٍ لمن لم يكن له أهلٌ، فحملُ الهبة على الجمع بعد التفرق حملٌ للفظ على معنى قريب من الذهن، أما الهداية، فمعنى زائد على ما يفهم من لفظ الهبة، وإنما يصرف اللفظ عن المعنى المتبادر متى وجد المقتضى لهذا الصرف، ولا مقتضى لصرف الهبة عن الجمع بعد التفرق إلى معنى الهداية فيما نعلم.
أما قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} , فإن الهبة هنا على معنى: جعله مؤازراً له في الدعوة، وفُهم هذا المعنى من دليل آخر، وهو قول موسى - عليه السلام -: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} [طه: 29 - 31]، ومن قوله تعالى في الآية نفسها: {نَبِيًّا}؛ فإن هبة النَّبيِّ إلى أخيه النبي ظاهرة في معنى التآزر على الدعوة إلى الحق.
يقول كاتب المقال: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله بهم، لا أن يولد لهم".
إذا كان القصد من قصة أيوب - عليه السلام - الاعتبارُ بصبره على ما أصابه
(2/ 1/200)

من البلاء، ثم التذكيرُ بأن عاقبة الصبر فَرَجٌ بعد شدة، وسَعَة بعد ضيق، وسلامة بعد مرض، فأي بُعد في أن يقص الله على خاتم أنبيائه والذين آمنوا معه أن أيوب - عليه السلام - ابتلي بشدة من المرض، ووحشة من ابتعاد الأهل، فتلقى المصيبتين بسكينة، وأقام عليهما في صبر جميل، فكان عاقبة صبره وسكونه تحت سلطان القضاء أَنْ بدَّله بالمرض صحة، وبتفرق شمل أهله جمعاً.
وإن كلاً من الشفاء بعد السقم، وملاقاة الأهل بعد التفرقة، لنعمةٌ كبيرة يقدرها من قاسى الأمراض حيناً من الدهر، وتجرع مرارة الابتعاد عمن يعز عليه من الأهل.
ثم إن في الخلاص من المرض، والتمتع بالصحة قوةً على النهوض بأعباء رسالته، كما أن لخروج الداعي، وهو محفوف بأمة نبيلة من عشيرته الأقربين أثراً كبيراً في نجاح دعوته.
يهتم الأنبياء - عليهم السلام - لأن يهدي الله بهم، ونتيقن أن معظم اهتمامهم موجه إلى هذه الغاية، ولكنهم يقدرون نعماً أخرى فلا يفوتها أن تأخذ حظاً من اهتمامهم؛ فقد أثنى إبراهيم - عليه السلام - على الله تعالى بما يهب له من نعمة الشفاء بعد المرض، فقال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما حضرت ابنَه إبراهيمَ - عليه السلام - الوفاةُ: "وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (1)، ومن يحزن لفراق ولد أو أهل، فشأنه أن يهتم لوجودهم، ويعد هبتهم له نعمة يجب أن تقابل بالشكر.
__________
(1) "صحيح البخاري".
(2/ 1/201)

ذكر كاتب المقال: أن الخطة التي رسمها الله لجميع أنبيائه: اللين والرفق في الدعوة، وخرج من هذا إلى تفسير قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، فقال: "أي: لا ترفع في وجوه قومك رمحاً ولا عصًا، ولا تُعلظ لهم في القول، ولا تخاشنهم في الطلب، بل لَوِّح في وجوههم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلطة والجفوة".
هكذا يقول صاحب المقال، ويقول زعيم طائفة القاديانية الضالة عن السبيل محمد علي في تعليقه على ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الانجليزية: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا}: القرينة تدل على أن المقصود من ذلك أعداؤه، والمراد من أخذ الضغث والضرب بها: معاملتهم باللين والرفق.
أما أبو زيد الدمنهوري صاحبُ ذلك التفسير المنبوذ (1)، فقال في تأويل الآية: إن أيوب كان في سفر مسه منه تعب ومشقة، وكان محتاجاً إلى الماء، وقوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} يفيد أنه كان في حاجة إلى عمل يعيش به.
والضغث: هو المجموعة من خليط من الحطب أو الحشيش أو غيره، يعني: خذ بيدك شيئاً من هذا ليكون بضاعة".
وقد أخذ أبو زيد صدر تأويله هذا من زعيم القاديانية؛ فإنه قال في ذلك التعليق: إن التعب والعذاب اللذين أدركا أيوب أتيا - فيما يظهر - من رحلته في صحراء حصل له فيها عطش شديد.
ولنعد إلى البحث في آراء صاحب المقال، فنقول: إنه سلك بتأويل هذه القصة مسلك من لا يرعى لحسن البيان حقاً، ولا للذوق العربي عهداً، فيحمل آيات من القرآن الحكيم متتابعات على كنايات واستعارات لا تدخل
__________
(1) راجع بحثه: "كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد" في هذا الكتاب.
(2/ 1/202)

إلى الآذان إلا كرهاً: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42] مراد منه: توثيق العزم، {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] مراد منه: ذلك الركض، {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} [ص: 43]: هديناهم له، {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] معناه: لوّح إليهم بالرياحين والأزهار.
والحق أن القرآن لا يأتي هذا التعقيد، ولا ينحو في بيانه هذا النحو، ولا تجد في آياته سلسلة كنايات واستعارات تبقى معانيها الأصلية محجوبة عن البلغاء كمعاني هذه الآيات في رأي كاتب ذلك المقال.
(2/ 1/203)

قصة أيوب - عليه السلام -

الرد الثاني (1)
كان أحد أهل العلم قد قام بحركة نقد غير معتدل، وجَّهه نحو المفسرين، ووقع في يدي المقال الثاني من مظاهر هذه الحركة، فلقيتني فيه آراء ناشزة، ووجدت صاحبه ينادي في آخره بأنه سيتمادى في هذا الشأن، فرأيت أن أنبه طلاب العلم لما في هذه الآراء من نشوز، ورجوت أن يتنبه صاحب المقال للانحراف الذي أخذ قلمه في بعض الجمل، فيسلك مسلك الاعتدال فيما يكتبه بعدُ في تقصير المفسرين.
اطِّلع صاحب المقال على ما كتبته، ونشُر في مجلتي "الفتح"، و"الهداية الإسلامية"، فكتب يحاول الرد عليَّ في مقال نشره في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة، فقرأت هذا المقال، فألفيته قد أعاد ذكر تلك الآراء، وأضاف إليها أخوات، فرأيتني مضطراً لأن أعلق على هذا المقال أيضاً جملاً تُنبه لما بينه وبين المنطق الصحيح من مجافاة.
افتتح صاحب المقال رده بكلمات عبر بها عن إخلاصه فيما كتب، ثم قال:
"ولا أدل على أني كنت كتبت ما كتبت مخلصاً: أن مقالي لم أحاول
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني عشر من المجلد السابع الصادر في جمادى الثانية 1354 ه.
(2/ 1/204)

فيه إلا غاية واحدة، هي المحافظة على قدس الأنبياء، والإعلاء من شأن الأنبياء بمقدار ما يوجب لهم الإسلام".
لا يدل نقد الآراء على أن الناقد يتهم صاحبها بعدم الإخلاص، وإخلاصُ صاحب الرأي لا يمنع من نقد الرأي نفسِه إذا لم يكن واضحَ الدليل، وفيما قاله المحققون من المفسرين في تفسير قصة أيوب - عليه السلام - محافظة على قدس الأنبياء - عليهم السلام -، والإعلاء من شأنهم بمقدار ما يوجب الإسلام.
حكى صاحب المقال في رده قولي: "وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، ولا تقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز حتى يكونوا على بينة من أمرها"، ثم قال: "أما غيرة الكاتب - يعنيني - على الطلاب، فكان من حقها أن تكون في حمايتهم من الوقوع في خرافات قد تصادم القطعيَّ من الدين، أو تزلزل أصلاً من أصوله، أو تشوه جمالَ الإسلام، أما حمايتُهم من خطأ في قانون منطقي أو بلاغي، فذلك أمر يسيرٌ ما دام لا يُفضي بهم إلى باطل من الدين".
حق طلاب العلم علينا أن نحميهم من الوقوع في خرافات تصادم المعلوم من الدين، أصلاً كان أم فرعاً، وحقهم علينا أن نحميهم من آراء نخشى أن تفضي بهم إلى الغفلة عن شيء من حقائقه، وإن صدرت عن إخلاص، وحملُ آياتٍ من الكتاب الحكيم على معانٍ تجعلها بمعزل عن البلاغة لم يكن بالأمر اليسير الذي تصرف عنه الأنظار، وكم من باطل لهج به النّاس، وهو لم ينحدر إلا من تأويل القرآن على خلاف مالا تقتضيه
(2/ 1/205)

قوانين البلاغة العربية!.
قال صاحب المقال في رده: "فيجب أن تدعهم - أي: طلاب العلم - في هذا لتفكيرهم وتقديرهم، ولهم بعدُ ما تسيغه عقولهم في حدود ما جعله الإسلام للأنبياء من تعظيم وتكريم".
لا أدري من أوجب علىَّ أن أدع آراء يُفسر بها القرآن، وهي - فيما أرى - خارجةٌ عن قانون المنطق أو البلاغة، وأكتفي في ذلك بتفكير طلاب العلم وتقديرهم، وكلٌّ من الشرع والعقل لا يوجب شيئاً من ذلك، أما الشرع، فالآيات الواردة في الإرشاد إلى الحق كثيرة جلية. وأما العقل، فإن السكوت عما يخالف المنطق والبلاغة يفضي إلى اختلال نظم العلم، ولو قبل النّاس هذا الذي أشار به صاحب المقال عليَّ، واتخذوه قاعدة يسيرون عليها في حياتهم العلمية، لامتلأت الدنيا بصيحات الباطل، وشغلت هذه الصيحات من الآذان مواضع أكثر مما تشغله اليوم.
قال صاحب المقال في رده: "فما دعا الأستاذَ أن يكتب تلك العبارة، وهي لا تكتب إلا حين يكون في المقال خطر ديني شارفَ أن يلتهم الطلاب، وليس في المسلمين غيور سواه".
لم نصف آراء صاحب المقال إلا بأن فيها نشوزاً، ونشوزُها تجافيها عن قانون العلم، وإذا عنينا بجانب طلاب العلم، فلأن في الطلاب من يفتح أذنه لكل رأي يقال فيه: إنه جديد، ولا يزهد فيه إلا حين يرى أن غيره أثبتُ أصلاً، وأقوى بينةً، فتلك العبارة تقال والطلاب في حصن منيع من كل خطر ديني، ويكتبها الكاتب ولو كان في المسلمين آلاف من أهل الغيرة سواه.
ولا نكتم صاحب المقال أن نزعته في التفسير، والنماذج التي قدمها،
(2/ 1/206)

ووعد بأنه سيذهب ويجيء في أمثالها، يشعران بخطر ديني إن أطلق له العنان، يقلبْ كثيراً من الحقائق، وإن كان صاحب تلك النزعة وأولئك النماذج مخلصاً.
قال صاحب المقال في رده: "ومن ذا الذي أحلَّ الكاتب هذه المنزلةَ حتى يكون هو من دون رجال العلم حاملَ لواء الطلاب؟ اللهم إنها شنشنة أعرفها من أخذم، وقد عرفها اليوم من الكاتب وأمثاله كثير من النّاس".
تنبيه طلاب العلم لنشوز بعض الآراء منزلةٌ يحلُّها كلُّ من يرى أن بيده حجةً، وليس في هذا التنبيه معنى حمل لوائهم، وإنما هي الصلة التي تكون بين الآباء والأبناء، وهذه الصلة وحدها تدعونا إلى أن نعرض عليهم ما ينشر في الصحف من الآراء المتصلة بالدين، ونحدثهم عنها بصراحة. وأما قول صاحب المقال: "اللهم إنها شنشنة ... إلخ"، فذلك ما ندعه لتفكير القراء وتقديرهم.
كان صاحب المقال قد ذكر في حديثه عن المفسرين: "أنهم كثيراً ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند صحيح أصلاً".
فعلقنا على هذا: أن في المحققين من المفسرين من لا يعِّولون على الروايات الإسرائيليات، ويردُّونها في غير هوادة، وسقنا كلام أبي بكر بن العربي في "قانون التأويل" شاهداً على ذلك، فقال صاحب المقال في رده: "نقول للكاتب: هذا ما نحمد الله عليه إذ وافقَنا في أن بعض المفسرين جاؤوا في قصة أيوب بروايات غير صحيحة؛ فإنا لم نأخذ على المفسرين أكثر من هذا".
لم يكن تعليقنا على عبارته الأولى واقعاً في غير موضع؛ فإنه كان
(2/ 1/207)

يتحدث عن المفسرين من غير استثناء، فدفعنا بذلك التعليق ما يسبق إلى بعض الأذهان من أن جميع المفسرين يستندون في التفسير إلى الإسرائيليات، ولو لم ينازع المفسرين إلا في روايات غير صحيحة، لما تحرك قلم للرد عليه.
قال صاحب المقال: "ووافقنا الكاتب كذلك في أن المفسرين قد استندوا في تفسير القصة إلى إسرائيليات لم تصح، ولا يمكن تصحيحها".
الذي كتبته: أن أصل المعنى الذي اتفق عليه المفسرون في تفسير قصة أيوب - عليه السلام - لا يستند إلى إسرائيليات، والروايات الإسرائيليات التي يذكرها بعض المفسرين لا يتوقف عليها هذا المعنى الأصلي، وهذا أبو بكر ابن العربي الذي قال في الإسرائيليات ما قال، لا يخالف المفسرين في أصل تفسير القصة في أن أيوب - عليه السلام - ابتلي بمرض، وأنه أُمر بضرب رجله، فنبع ماء أُمر بالاغتسال والشرب منه، وأنه أمر بالضرب بضغث، فبرَّت يمينه بذلك.
ذكر صاحب المقال أني وافقته في أن المفسرين استندوا في تفسير القصة إلى إسرائيليات، وقال: "وإذا تم هذا، فنحن نسائل الكاتب: هل الآية قطعية في هذا المعنى الذي فسرها به المفسرون؟ أو الكاتب يوافقني على أن الآية ليست قطعية في هذا المعنى، بل تحتمل معنى آخر؟ ".
أصل البحث: أن صاحب المقال يدَّعي أن ما قاله المفسرون لا يُفهم من الآية، وأنه يستحيل أن يكون مقصوداً من الآية؛ لأنه جعل بعضه من نسبة العبث إلى الله تعالى، وجعل بعضه يفضي إلى أن الله تعالى يحتال لنفسه بنفسه، إلى آخر الوجوه التي حام بها حول ما قاله المفسرون.
(2/ 1/208)

فصاحب المقال يقول: إن ما قاله المفسرون باطل قطعاً، وإن آراءه هي المرادة من الآية، وكنا عندما رددنا عليه دعواه هذه، ذكرنا أن ما قاله المفسرون صحيح، مع صرف النظر عن كل رواية إسرائيلية، وأن ما أوّل به هو الآية مخالف لظاهر القرآن، وغير مراعًى فيه حسن البيان الذي يتم به وجه إعجاز القرآن.
فيكفي في صحة المعنى الذي يقوله المفسرون: أن لا يخالفه ظاهرُ القرآن، ولا يقوم دليل صادق على بطلانه.
قال صاحب المقال في رده: "وإذا كان الأمر كذلك - أي: لم يكن ما فسر به المفسرون قطعياً -، فللناظر في الآية أن يفسرها بمعنى غير هذا المعنى ما دام قد وجدت لديه مرجحات".
لم ننكر على الكاتب مجرد مخالفته للمفسرين، ولم نقل له: كيف تترك ما قاله المفسرون، وتأتي بآراء تخالفه؟ فإنا نقدر حرية النظر، ونقدر ما تأتي به من ثمر في العلم، وإنما موضع البحث في: أن ما قاله المفسرون هل هو معنى صحيح، أو غير صحيح؟ وأن آراء صاحب المقال هل هي معقولة، أو غير معقولة؟.
عاد صاحب المقال فحكى في رده ما سقناه من أن في محققي المفسرين من يأبى الرجوع إلى الإسرائيليات؛ كابن العربي، ثم قال: "ونقول للكاتب: إنه على هذا يكون فاتني أن أستثني أبا بكر مما أخذته على المفسرين، وقد يكون في عبارتي ما يصح أن يُعفي ابنَ العربي من هذا الحكم؛ فإني قلت: كثيراً ما يكتفون، ولم أقل: هم دائماً يكتفون".
كان لصاحب المقال مخرج في أن يقول: أردت من المفسرين ما عدا
(2/ 1/209)

أبا بكر بن العربي، أو أن أداة التعريف في قوله: "أن المفسرين كثيراً" للجنس، لا للاستغراق، وأما أنه قال: "كثيراً"، ولم يقل: "دائماً"، فذلك ما لا يفيده شيئاً؛ لأن الكثرة هنا أو الدوام مما يرجع إلى جهة القضية، والمعنى: أن المفسرين يكتفون في كثير من الأوقات بذكر الإسرائيليات، لا دائماً، وكثرة وقوع المحمول الذي هو الاكتفاء دون دوامه، لا أثر لها في نقص أفراد معنى الموضوع الذي هو كلمة "المفسرين"، فدوام النسبة لا يجعل القضية كلية، كما أن عدم دوامها لا يجعلها جزئية.
حكى صاحب المقال في رده ما نقلناه عن ابن العربي من إنكار الاستناد إلى الإسرائيليات، ثم قال: "ونقول للكاتب: إذا كان هذا ما قاله ابن العربي فيما قاله المفسرون في تفسير قصة أيوب، فما له لم يوجه الرد الذي كتبه إلى ابن العربي بدل أن يوجهه إليَّ، وأنا لم أقل أكثر من هذا؟ ".
لا أدري ماذا أرد على ابن العربي، وهو لم يزد على أن أنكر التعلق بالإسرائيليات، وهذا الإنكار حق، ولكن صاحب المقال يخيِّل إلى القراء: أني أخالف في إنكار التعلق بالإسرائيليات، وموضع الرد على صاحب المقال شيء آخر قاله هو، ولم يقله ابن العربي، وهو تلك الوجوه التي أثارها حول المعنى الذي اتفق عليه المفسرون، وتلك الآراء التي ساقها على أنها تفسير للقصة.
ثم قال صاحب المقال في رده: "اللهم إنك تعلم ما في نفسي، وتعلم ما في نفس هذا الكاتب، فإني أَكِلُ أَمْرَ جزائه إليك، فأنت العليم بذات الصدور".
دعوةٌ صالحة نرجو من الله قبولها، ونسأل الله تعالى أن يهدي صاحبَ
(2/ 1/210)

المقال إلى الطريقة المرضية في تفسير كتابه المجيد.
ثم قال صاحب المقال في رده: "يا هذا الكاتب! إذا كان ما جاء في قصة أيوب بعضُه باطل، وبعضه بعيد، وبعضه يفتقر إلى نقل، فماذا بقي بعد هذا؟ ".
بقي بعد هذا ظاهرُ القرآن؛ فإنه موافق للمعنى الذي عرف منذ عهد الصحابة والتابعين، ولم يخالف فيه، حتى العلماء الذين ينكرون الإسناد إلى الإسرائيليات أشدَّ النكير.
ثم قال صاحب المقال في رده: "وهل يكون من فهم في الآية معنى غير هذا المعنى الذي لم يستند إلا إلى إسرائيليات لم تصح، يكون قد خالف قوانين المنطق، وقال قولاً لم تتقبله بلاغة القرآن؟ أو يكون ذلك منك زعماً دفعتك إليه أغراض وغايات؟ ".
خالف صاحب المقال قوانين المنطق والبلاغة في الوجوه التي ادعى أنها تبطل أصل ما قاله المفسرون، وخالفهما في حمل آيات القصة على معان تجعل القرآن في ناحية، وحسنَ البيان في ناحية أخرى، وليس هناك أغراض وغايات إلا أن الله تعالى يقول: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} [العصر: 3].
ذكرنا في مقالنا السابق: أن صاحب المقال ربما اقتصر في حكاية أقوال المفسرين على أقوال يراها أبعدَ من المعقول، ويهمل أقوالاً هي أقربُ إلى ظاهر الآية، ونبهنا على ما أردنا من ذلك، فقام في رده يدافع عن ذلك الصنيع.
من ذلك: أنه كان قد نقل أن "المفسرين قد فسروا النصب والعذاب في الآية بداء أصاب أيوب قد فعل به الأفاعيل، وبرح بجسمه أيَّ تبريح،
(2/ 1/211)

حتى نفر الناس منه، وحتى عجز عن الحركة، فلا ينتقل من مكان إلى مكان إلا أن يحمله حامل".
فنبهنا إلى أن حق صاحب المقال أن ينقل ما قاله بعض المحققين من أن مرض أيوب - عليه السلام - لم يكن من الأمراض المنفرة المستقذرة، وما زاد صاحب المقال في دفاع هذا على أن قال: "إن البعض الذي اقتصر على كونه مرضاً فحسب، لا يمكنه أن ينكر أن أيوب قد شكا منه كما حدثنا القرآن، فلا بد أن يكون مرضاً غير عادي، حتى يضج منه نبي من الأنبياء".
هو مرض غير عادي، ولكنه غير منفر، وفَرقٌ بين أن يكون المرض شديداً في نفسه، وبين أن يكون منفراً، فالأول يصيب به الله تعالى الأنبياء - عليهم السلام - لمضاعفة أجرهم؛ كما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه؛ فإنه كان يوعَك وعكاً شديداً، حتى قالت عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت أحداً أشدَّ عليه الوجعُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال - عليه الصلاة والسلام -: "إني أُوعَك كما يوعَك رجلانِ منكم"، وأما المرض المنفر، فذلك ما نعتقد أن الله تعالى لا يصيب به أنبياءه - عليهم السلام -.
وكان صاحب المقال قد حكى في مقاله عن المفسرين: أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]: الآية أن أيوب أُمر من ربه بوساطة جبريل أن يضرب برجله الأرض، فضرب بها كما أمر، فنبع عينان ... إلخ.
فنبهنا على أن صاحب المقال أهمل ذكر قول المحققين من المفسرين، وهو: أن الذي نبع عين واحدة، فقال صاحب المقال في رده: "وهل كون النابع عيناً أو عينين مما له أيُّ مدخل - عن قرب أو عن بعد - في أن يكون
(2/ 1/212)

تمهيداً لقبول ما قلته عن تفسير الآية؟! ".
من البين أن القول الذي أهمله هو ظاهر القرآن؛ إذ المشار إليه في الآية واحد، فلماذا ترك صاحب المقال هذا القول الذي هو ظاهر القرآن، ونقل القول الآخر الذي لا يُقبل إلا إذا ثبتت به رواية؟!.
كان صاحب المقال قد حكى عن المفسرين: أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]: إن الله أحيا له أولاده الذين كان قد أماتهم، وولد له مثلهم، فنبهنا على أن من المفسرين من ذهب إلى أن هبة الأهل في الآية بمعنى: جمعهم بعد تفرق، وفهمُ هذا من الآية أقربُ من حملها على معنى إحيائهم بعد إماتتهم، فقال صاحب المقال في رده: "إذا كنت قد تركت من أقوالهم هذا القول، فإني لم أكن في تركه إلا ضد نفسي؛ لأن هذا المعنى إن لم يكن هو ما قلته في تفسير الآية، فهو قريب منه، أو هو مصحح لما فهمته في الآية؛ لأني قد فهمت في هبة الأهل هدايةَ الله لهم بدعوة أيوب، وإنذاره إياهم، وهم إذا استجابوا لدعوة أيوب، فقد اجتمعوا عليه بعد تفرق".
إذا كان يرى أن ما فهمه من الآية هو الصواب، أفلا يكون من الإنصاف للمفسرين أن ينقل عنهم ما كان قريباً من هذا الصواب، أو مصححاً له، ولا يقتصر في حكاية آرائهم على ما كان بعيداً من هذا الصواب، أو مناقضاً له؟.
كان صاحب المقال قدِ حكى ما قاله المفسرون في قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، وقال: "ثم يزيدون على ذلك: أن هذه رخصة باقية إلى اليوم؛ بشرط أن يصيب كل أعواد الحزمة جسم المضروب".
(2/ 1/213)

ولما كان صاحب المقال يحكي أقوال المفسرين حكايةَ مَن ينكرها، ويحاول تقويضها، وحكى عنهم بإطلاق: أن الرخصة باقية إلى اليوم، نبهنا أن هناك قولاً آخر، وهو أن الآية شَرْعٌ خاص بأيوب - عليه السلام -، وأشرنا إلى أن كلاً من القولين مبني على وجه من النظر؛ لنهيئ القارئ لرفض ما سيقوله صاحب المقال في رد المعنى الذي قاله المفسرون، ولكن صاحب المقال أبى إلا أن يكتب، فقال: "وأقول لهذا الكاتب: ما هذا العبث؟ (كذا)، وهل أنا حين كنت أكتب كنت بصدد تلك المذاهب، حتى إذا اقتصرت على نقاء مذهب من مذاهبهم، ترد عليَّ بأن هناك مذهباً آخر للفقهاء؟ ".
غفل صاحب المقال عن أنه نسب القول الذي ذكره للمفسرين، لا للفقهاء؛ فإنه قال: "ويزيدون"؛ يعني: المفسرين، ولينظر ما هو السبب في ذكر هذا القول، ونسبته إليهم دون غيره؛ فإنه لا يريد إفادة القراء بذكر ما ذكره قطعاً؛ لأنه قول مبني على تفسير باطل في نظره، والمبني على الباطل باطل، ولا نستطيع أن نقول: لم يكن يعلم حالَ الكتابة إلا القولَ الذي ذكره؛ فإن قوله: "حتى إذا اقتصرت على نقل مذهب من مذاهبهم" يشعر بأنه كان مطلعاً على هذه المذاهب.
ثم قال صاحب المقال: "اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، لو أنه الإخلاص يدفع الكاتب، لما وجدت في كتابته ما هو أبعد شيء عن الموضوع، ولما حاد به الغرض عن الجادة".
نترك التعليق على هذا لتفكير القراء وتقديرهم.
وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي اتفق عليه المفسرون وجوهاً ظهر له أنها تبطل ذلك المعنى قطعاً، فنقدنا تلك الوجوه وجهاً فوجهاً،
(2/ 1/214)

فذهبت من بين أيدينا هباء، فقام صاحب المقال يحاول في رده أن يعيد تلك الوجوه بعد ذهابها.
كان صاحب المقال قد قال: "ولم يدروا - أي: المفسرين -: أنه قد فاتهم أولاً: أن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله، {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120].
ولا يخفى على من درس مبادئ اللغة العربية: أن عبارته تفيد حصر القصد من قصص الرسل - عليهم السلام - في الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة، فقلنا له في ردنا: إن الله تعالى قد قص على خاتم أنبيائه - صلى الله عليه وسلم - من أنباء الرسل - عليهم السلام - ما لا يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله من أذى، وقلنا: إن الله تعالى يذكِّر رسوله - صلوات الله عليه - بما كان للرسل - عليهم السلام - من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، أوآية بيّنة، أو حكم عملي، وقلنا: إن الآية التي سقتها لا تشهد بأن قصص الأنبياء لا يقصد منها إلا الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله؛ فإن تثبيت الفؤاد زيادة يقينه، وهذا قد يأتي من ناحية غير ناحية أنباء ما أصابهم في سبيل الله من أذى.
كتب صاحب المقال يحاول رد هذا، فقال: "إن ذكر الرسول بخلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، هذا لا يحدث به القرآن عن نبي من الأنبياء إلا في طريق الحديث عن دعوتهم، وما كان منهم مع قومهم"، ثم تحدث بحديث في شكل قاعدة هو: أن القرآن إن حدَّث عن
(2/ 1/215)

نبي من الأنبياء بخلق أو عمل أو حكمة أو منزلة، دون أن يذكر من أمر دعوته شيئاً، فُهم أن ذلك الخلق لا يتصل إلا بأمر دعوته.
هل يكفي صاحبَ المقال في التخلص من الآيات الواردة في خلق عظيم، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية أن يكون لذلك الخلق أو الحكمة المنزلة صلةٌ بالدعوة؟ وأنّى له ذلك وهو يقول على وجه الحصر: "إن المقصود من القصص إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة"، وليس كل ما يتصل بالدعوة فيه اعتبار بما أصاب في سبيلها!.
ثم إننا نرى القرآن قد يصف بعض الرسل بخصال لا صلة لها بالدعوة، ولا بما يلاقيه الرسول في سبيلها؛ كما قال الله تعالى في حق يحيى - عليه السلام -: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 14] , وبرُّ الوالدين عمل صالح يقوم به الرسول وغيرُ الرسول من النّاس الطيبين، وواجب على من تكون له دعوة، ومن لم تكن له دعوة.
وحاول أن يجيب عن الآيات الواردة في المعجزات والأحكام، فلم يزد كذلك على أن قال: "إنها تتصل بأمر الدعوة"، ولو قال: إني ذهلت في استعمال صيغة الحصر إذ قلت: "إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله"، أو نسيت أن صيغة "إنما هو" تفيد الحصر، لقلنا: كلنا يذهل، وكلنا ينسى، ولكنه قال ذلك، وزاد عليه قوله: " فليس للكاتب حق أن يذكر مثل هذا إلا أن يكون ممن يريد المغالطة؛ ليشوه آراء قد لا يحب لأشخاص أصحابها أن يكون لهم رأي جميل"، وعذره في هذا المزيد: أنه حريص على أن يكون رأيه في التفسير نافذاً.
(2/ 1/216)

قال صاحب المقال في رده: "وهو حين يحدث عن أمر أيوب، إنما يحدث الرسول الكريم؛ ليثبت فؤاده، وماذا في أمر المرض والصبر عليه من تثبت فؤاد الرسول، ذلك الفؤاد الذي لا يتزلزل إذا تزلزلت الجبال، فهو الذي يقول: "والله! يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما فعلت حتى يُظهره الله، أو أهلك دونه"؛ إذ مقتضى هذا أن فؤاد الرسول إنما يهتز أو يخف ثباته لأخطر الشؤون وأكبرها بما لا يعزّي فيه حديث عن مرض".
إن كان صاحب المقال يجري في بحثه على أن معنى آية: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ} [هود: 120]: أن كل ما نقصه عليك من أنباء الرسل هو ما نثبت به فؤادك حين يهتز لأمر خطير، أو تدركه خفة، فمن أنباء الرسل - عليهم السلام - ما لو نظرت إليه وحده، وجدت له حكمة غير تثبيت الفؤاد حالَ اهتزازه لأمر خطير؛ كالآيات المسوقة للثناء عليهم ببعض الأعمال الصالحة؛ نحو: صدق الوعد، وبر الوالدين، والآيات المشتملة على بعض أحكام شرعية.
ونحن نرى ما يراه أهل العلم من أن المراد من تثبيت الفؤاد: يقينه واطمئنانه، واليقين والاطمئنان يزدادان بكل نبأ يقصه الله تعالى من أنباء الرسل على اختلاف أنواعها، وتباين مقاصدها، وكلما ازدادت النفس من عند الله علماً، ازداد يقين صاحبها ضياء، فازداد فؤاده ثباتاً وسكينة.
قال صاحب المقال: "وإنه ليعد نابياً عن مكان التأسي من يجيء لقائد من القواد قد كان في عَدد وعُدد، فاندحر جيشه، وأسر القائد، واحتُلت العاصمة، وثُل العرش، وديس التاج، فيقول لذلك القائد المأسور: لا تحزن؛ فإن بستان فلان قد اجتاحته آفة، أو فلان قد مات له اليوم ولد".
(2/ 1/217)

أتى صاحب المقال إلى قائد اندحر جيشه، ووقع في يد العدو أسيراً، واحتلت العاصمة، وثل العرش وديس تاج الجالس عليه، وجعل ذلك مثلَ حال رسول - صلى الله عليه وسلم - كما أتى إلى رجل اجتاحت بعضُ الآفات بستانه، أو مات له ولد، وجعل حاله بمنزلة قصة أيوب - عليه السلام - بحسب المعنى الذي يقوله المفسرون، وقد وجد هذا المثل في ذوق صاحب المقال مساغاً، فعززه بآخر، وقال في الصفحة بعد: "يكون مثل القرآن في قَصِّ شأنِ أيوب على الرسول، مع أن معنى الآية ما يقوله المفسرون، كمثل من يقول لملك أنزل عن عرشه، واندحر جيشه، واحتلت عاصمته: تعزّ؛ فإن فلاناً قد مات ولده، أو إن فلاناً قد خسر في تجارته.
ينبغي لضارب الأمثال أن يأتي بالمثل مطابقاً لحال من يسوق من أجله المثل، وحالُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيدة من هذين المثلين بُعدَ النور من الظلام، ومن العجب أن يضرب حال القائد المأسور مثلاً لحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقول: "بالله عليك أيها الكاتب! لا تصغِّر من شأن الأنبياء، ولا تحقر من جلالة القرآن".
ولا أدري كيف صغرَّتُ من شأن الأنبياء - عليهم السلام -، أو حقَّرتُ من جلال القرآن، وأنا لم أزد على أن قلت: إن المعنى الذي تتابَعَ عليه المفسرون من عهد الصحابة والتابعين، معنى يشهد له ظاهر القرآن.
وهل يريد صاحب المقال أن كل من رأى أن أيوب - عليه السلام - أُصيب بمرض، فصبر، فعافاه الله، يكون مصغراً من شأن الأنبياء، محقراً لجلال القرآن؟!.
وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي يقوله المفسرون: أن
(2/ 1/218)

القصة تكون خالية من العبرة، وقال: "وماذا عسى أن يكون من العبرة في أن يقص الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: أنه اصطفى أيوب لرسالته، ثم أمرضه، فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة، وما تتطلبه الدعوة من قول وعمل؟ ".
فنبهنا على أن في ذلك عبرةً أيَّ عبرة، هي: أن رسولاً من كرم الرسل يكون في نعمة من صحة الجسم، وانتظام الشمل، فيصاب بالمرض، والانقطاع عن الأهل، ويتلقى هذا المصاب بالصبر الجميل، حتى إنه لم يصرح بالدعاء إلا تعريضاً إذْ قال: ربِّ! {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، ثم إن هذا النبأ يقوي يقينه - صلى الله عليه وسلم - بأن شدة البلاء قد تنزل حيث يكون رضاء الله عظيماً، والمقام عنده رفيعاً.
فقام صاحب المقال يفتش عن شيء يعلقه في رده على هذا الذي قلناه، فجاء برأي يدعو إلى التعجب، كما يدعو إليه نفيه العبرة من القصة على الوجه الذي ذكره المفسرون، ذلك أنه صدَّر تعليقه بإنكار أن يكون قاصداً تهوينَ المصيبة على المعنى المذكور في التفسير حتى قال: "ولو كان الكاتب يريد إحقاقَ حق، لما انزلق عن الموضوع إلى الكتابة في شيء لم يكن من غايتي حين كتبت، ثم قال: "ولتكن المصيبة على هذا الوجه من أعظم المصائب، ولكنها لم تكن بعد ذلك كله مما يمتاز به الرسل. فكم من أناس لم يكونوا رسلاً، وكانوا صالحين، وكانوا في مثل ما كان فيه أيوب من نعمة، ثم أصيبوا بمثل ما أُصيب أيوب - على ما زعمه المفسرون - ثم لم يكن منهم إلا الصبر الجميل! ".
وقد عرف القراء أن صاحب المقال أنكر أن يكون في القصة على تفسير ما أصاب أيوب - عليه السلام - من المرض عبرةٌ، فذكرنا أن في ذلك عبرة،
(2/ 1/219)

وتركنا الرد عليه في قوله: "فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة" إلى الكلام في دفع شبهته الثانية؛ لأنها واردة بهذا المعنى نفسه.
وأي حرج على الكاتب إذا وصف مرض أيوب - عليه السلام - بالشدة، وهو يقرر موضع العبرة التي نفاها صاحب المقال، ما دام الكاتب لم يقل له: إنك قد جعلت في هذا المقام أمر المرض هيناً، وهو عظيم؟.
ثم ما هو الدليل على أن الله تعالى لا يذكر الرسل - عليهم السلام - إلا بما كان من مميزاتهم، ونحن نرى أن الله تعالى يمدحهم بأخلاق سنية، أو أعمال زكية، يشاركهم فيها غيرهم من الصالحين، ولكن سناء أخلاقهم فوق كل سناء، وفضل أعمالهم فوق كل فضل، فقد مدح الله تعالى إسماعيل - عليه السلام - بأنه صادق الوعد، ومدح يحيى - عليه السلام - بأنه برٌّ بوالديه، وفي الصالحين صدقُ الوعد، وفيهم البرُّ بالوالدين، فلماذا لا يذكر الله تعالى أيوب - عليه السلام - بالصبر على بلاء المرض، والانقطاع عن الأهل، وإن كان في الصالحين من يصبر على مثل ذلك، ولا يظهر أن لصدق الوعد وبر الوالدين صلةً بالدعوة أشدَّ من صلة الصبر على البلاء المبين؟.
قال صاحب المقال في رده: "وأي مناسبة بعد هذا بين ما كان فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شدائد تتصل بالدعوة، وبين أن يكون أيوب قد أصيب بمرض، فصبر عليه، وبين الأمرين من الفرق ما بين الليل والنهار، وما بين الثلج والنار؟ ".
شأن ما يقصه الله تعالى من أنباء الرسل - عليهم السلام - أن يثبت فؤاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: يزيد يقينه قوة؛ فإن دلائل الحق تضع في النفس قرارة اليقين، وكلما كثرت، ازداد بها اليقين قوة، وقصة أيوب - عليه السلام -
(2/ 1/220)

التي هي وحي صادق تدل على أن الله تعالى يبتلي بعض أوليائه بأشد البلاء، حتى إذا وجد منه قلباً ساكناً، ونفساً راضية مطمئنة، كشف عنه البلاء، وكانت عاقبة ذلك الصبر أن يزيد الله منزلته رفعة، ويثني عليه ثناء يرفع به ذكره؛ كما قال تعالى في أيوب - عليه السلام -: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44].
فلهذه القصة مناسبة بما كان يلاقيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بلاء يأتي من ناحية الخلق، أو بلاء ينزل من السماء، وهي من القصص التي يكون لها أثر في تثبيت الفؤاد، وجعله الفؤاد الذي ينزل به البلاء، فيجده في درع من السكينة والثبات.
سبق أن صاحب المقال قد اعترف في رده بأن أنباء المعجزات والأحكام الشرعية مما يتصل بأمر الدعوة، وفي قصة أيوب - عليه السلام - مع المعنى الذي يقوله المفسرون معجزة: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، وحكم شرعي: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] زيادة عما فيها من أدب جميل: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، وخلق عظيم: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
قال صاحب المقال في رده: "ما كان رسول الله بحاجة إلى أن يقوى يقينه بأن الثواب على قدر المصيبة، وأن رفعة المقام لا تمنع من عظيم البلاء حتى يقص عليه شأن أيوب ليزيده يقيناً بهذا".
لم أقل إن قصة أيوب - عليه السلام - تقوي يقينه - صلى الله عليه وسلم - بأن الثواب على قدر المصيبة، ولم أعرج في مقالي السابق على هذا المعنى، وإنما قلت: يقوي بها يقين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن شدة البلاء قد تنزل حيث يكون رضا الله
(2/ 1/221)

عظيماً، والمقام عنده رفيعاً، ومن أثر ذلك أن يخف عليه ما كان يلقاه من المكاره، وذلك معنى لا لبس فيه.
ثم ذكر صاحب المقال مخاصمة عشيرته له - صلى الله عليه وسلم -، وشدةَ عنادهم له، وإمعانهم في إيذائه، وقال: "أسائل الكاتب: أيُّ المعنيين أدخلُ تحت قوانين المنطق، وأيُّ المعنيين أكثرُ تقبلاً لبلاغة القرآن أأن يقال للرسول في تلك الحال: اصبر على ما أنت فيه؛ فإن أيوب قد مرض وصبر، أم أن يقال له: اصبر؛ فإن أيوب قد صابر في الدعوة، وجاهد قومه، ومع ذلك قد صرفهم الشيطان بوسوسة لا تستند إلا إلى الإغواء والإضلال، فصبر على ذلك صبراً جميلاً؟ ".
وردت أنباء كثيرة من قصص الرسل - عليهم السلام - في المصابرة على الدعوة، واحتمال الأذى في سبيلها، ولا يلزم شرعاً ولا عقلاً أن يكون جميع أنباء الرسل المسوقة في القرآن من هذا الباب، فإذا ورد نبأ في معنى غير الصبر على الأذى في سبيل الدعوة، وكان في هذا المعنى حكمة وعبرة، أخذ فيه بالظاهر، ولم يسغ إخراج الآية عن ظاهرها إلى معانٍ لا يصل إليها الذهن، إلا أن يقال له: إن هاهنا كنايات، واستعارات، فامش عليها إلى تلك المعاني، وإن لم توافق هذه الكناياتُ والاستعارات ما عهد في القرآن الحكيم من حسن بيان.
هذا ما رأينا تعليقه على ما كتبه صاحب المقال في رده من آراء، ومن الله تعالى الهداية والتوفيق.
(2/ 1/222)

قصة أيوب - عليه السلام -

الرد الثالث (1)
كان صاحب المقال الذي حكم بتخطئة جميع المفسرين في تفسير قصة أيوب - عليه السلام - قد أورد وجوهاً على زعم أنها تُبطل ما قاله المفسرون، فعلقنا على تلك الوجوه ما يدفعها وجهاً بعد وجه، فقام يعيد ذكرها في مجلة تصدر بالقاهرة، ويحكي ما دفعناها به، ثم يحاول الدفاع عنها.
وقد تعرض للدفاع عن الوجه الأول مثها في آخر مقاله الثاني، فناقشنا دفاعه في مقالنا المنشور في الجزء الثاني عشر من المجلد السابع من "مجلة الهداية"، واستبان أنه وجه ليس له في توهين ما يقوله المفسرون من أثر، ثم كتب مقالاً ثالثاً يدافع به عن بقية الوجوه، ويبدي آراء لم يكن أبداها من قبل، فرأينا أن ننقد هذا المقال الثالث، ونكشف عما اشتمل عليه من دفاع لا يجدي، وآراء لا ترتبط بأصول.
حاول صاحب المقال أن يرد ما قاله المفسرون من أن أيوب - عليه السلام - ابتلي بمرض شديد، فصبر عليه، فقال في مقاله الأول: "وفات المفسرين ثانياً: أن هذا يتنافى مع حكمة الله السامية، وإلا، فكيف يصطنعه لرسالته، ثم ينزل به ما يحول بينه وبين النهوض بأعباء تلك المهمة، وتلك
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثامن الصادر في شهر شعبان 1354 ه.
(2/ 1/223)

المهمة - كما علمت - تتطلب صحة وعافية وقوة وسلامة؟!.
فرددنا هذا في مقالنا الأول، وقلنا: "إن الله يبتلي بعض رسله بمرض غير منفر، ثم يعافيه من ذلك المرض الشديد؛ ليظهر فضل صبره للناس، ويتبينوا أن الأمراض الشديدة قد تعرض للرسل - عليهم السلام -, ولا يخدش ذلك في نبوتهم، بل يزدادون من الله قرباً".
وقلنا: "وقد جعل الله لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، وليس بواجب على الله لا عقلاً ولا شرعاً أن يكون رسوله في صحة وتمكن من الدعوة من يوم بعثه إلى يوم وفاته، فإذا بعث الله أيوب، فدعا قومه، وبلغ الجهد في دعوتهم، ثم أصابه بمرض، ثم عافاه فعاد إلى الدعوة، لم يكن هذا منافياً لاصطفائه للرسالة، ولا هو بالأمر الذي يتنافى مع الحكمة".
حكى صاحب المقال ذلك الوجه، وما دفعناه به، وحاول رد ما دفعناه به، فقال: "ليس مثل هذا من المواطن التي يتبين بها فضل الصبر الذي يبلغ من العِظَم أن ينوه به الله، وهو ذو الجلال في كتابه، وهو القرآن المجيد عن أيوب، وهو رسول كريم، فإن مثل ذلك إن لم يكن من الشؤون الهينة في جانب رسول كريم، فهو من الهين في جانب الكتاب العزيز، وإن لم يكن هيناً بالقياس إلى الكتاب، فهو جِدُّ هين بالقياس إلى ذي العظمة والجلال".
قصة المرض الشديد، وملاقاته بالصبر الجميل ليست من الشؤون الهينة في جانب رسول كريم، ولا في جانب الكتاب العزيز، بل هي من الشؤون التي يعظ الله فيها المصطَفَين من عباده، ويذكرهم بها في كتابه، فمن الجلي أن الصبر فضيلة، وأنه يتفاوت في الفضل، بحسب شدة المصيبة، وطول مدة نزولها، وبحسب الغاية التي يحتمل من أجلها المكروه، فلِمن صبر على فقد
(2/ 1/224)

ولد يعزُّ عليه مزيةٌ فوق مزية من صبر على فقد مال، ولمن صبر على مرض يطيش معه المنام ليالي كثيرة، فضلٌ على من صبر على مرض يأرق له ليلة أو ليلتين، ولمن صبر على نصب يناله في سبيل الدعوة إلى الإصلاح فضلٌ على من صبر على نصب يلقاه في ابتغاء متاع هذه الحياة.
فالمرض المُمِضُّ من أشد المصائب، والصبر عليه من أسنى الفضائل، فمن حكمة القرآن أن لا يهمل التذكير بالصبر على هذا النوع من المصائب، وما قصة أيوب - عليه السلام - إلا تذكير بالصبر على مصيبة قد تتزلزل عندها القلوب جزعاً، وقد تشكو منها الألسنة، فلا ترعى في شكواها أدباً.
ثم قال صاحب المقال في رده: "فالمفهوم ألا يحدِّث ذو الجلال والكبرياء في كتاب له مجيد إلى أفضل رسله العظام إلا إذا كان الحديث عن شأن خطير".
يذكّر ذو الجلال والكبرياء في كتابه المجيد أفضلَ رسله العظام بحال أيوب - عليه السلام -, وقد وقع في بلاء من أشد ما يصيب الناسَ في هذه الحياة، وهو المرض البالغ، والانقطاع عن الأهل، فلاقاه بصبر وسكينة.
فالمرض الشديد يبعث في الجسم ألماً، وفي العين أرقاً، وفي المضجع قلقاً، وفي النفس غماً، وناهيك ببلاء قد يتمنى صاحبه الموت العاجل ليخلص من أوجاعه، فما ينبغي لأحد أن يستخف ببلاء المرض، ويعدَّ التذكيرَ بحال من لاقاه بسكينة ورباطة جأش لا يليق بمقام الرسول، أو القرآن، أو مقام ذي العظمة والجلال.
قال صاحب المقال في رده: "أما المرض، فهو يسير يحتمله عاديُّ الناس، فضلاً عن الرسل الذين هم رجال من البشر ممتازون".
(2/ 1/225)

ليست الأمراض من الأمور التي يحتملها عادي الناس، بل الأمراض الممِضَّة لا يحتملها إلا أقوى الناس عزماً، وأثبتُهم في التذكير بالعواقب قَدَماً، ثم إن احتمالها على معنى سكون القلب لها، وامتلائه بالرضا عن قضاء الله بها، وإن طال أمدها، درجةٌ لا يبلغها إلا الأنبياء والصالحون الذين استضاؤوا بحكمتهم، واقتدوا بسيرتهم.
قال صاحب المقال في رده: "فالأمر بين إحدى اثنتين، إما أن يكون مرضاً عادياً، فلا يكون الصبر عليه صبراً يظهر به فضل، ولا يصح أن يتحدث عنه القرآن، وإما أن يكون مرضاً غير عادي بلغ إلى حد أن فرق عليه أهله وقومه كما تزعمون، وذلك ما يتنافى مع الحكمة، فمن يدعو إذا تفرق عنه أهله وقومه؟ ".
ما أصاب أيوبَ - عليه السلام - مرض شديد غيرُ منفر، ومثله مثل المرض الذي أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "إني أُوعَك كما يُوعَك رجلانِ منكم" (1).
القرآن ذكر أن الله وهب له أهله؛ أي: جمعهم عليه، ولم يذكر سبب انقطاعهم عنه، فندع الخوض فيه إلى أن يثبت بنقل صحيح.
قال صاحب المقال في رده: "ثم إن مثل هذا المرض يتخذ منه قومه عليه حجَّةً، ويحيطه بالشبه، فلهم أن يقولوا إذ ذاك: إنه مجنون يهذي من شدة المرض، فارجموه، أو أهملوه، ولقد رمى الأنبياءَ أقوامُهم بالجنون، مع أنهم كانوا في صحة وقوة، فكيف إذا كان أيوب على ما تزعمه الإسرائيليات؟ ".
لم نقل: إن أيوب - عليه السلام - بُعث وهو مبتلىً بهذا المرض، أو
__________
(1) "صحيح الإمام البخاري".
(2/ 1/226)

إنه ابتلي به يوم بُعث، وبأي دليل ينفي صاحب المقال أن يكون هذا النبي الكريم بُعث إلى قومه، ودعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو يتمتع بالصحة زماناً كافياً، ثم ابتلاه الله بهذا المرض لحكمة بالغة، ثم كساه ثوب العافية، فعاد إلى الدعوة العامة بقوة؟.
وماذا يكون لو قال قائل: إن أيوب كان يدعو كل من يتصل به، ثم إن المدعوين إلى الحق متى كانوا على شيء من العقل والاستعداد للرشد، يفرقون بين المرض الذي يحتمل أن يكون كلامُ صاحبه من قَبيل الهذيان، والمرض الذي لا يرتابون في أن صاحبه يتكلم في يقظة ذهن، وحضور فكر، فليس من البعيد أن ينتفع أناس بدعوة النبي لهم، ولو في حال مرضه، دون أن تعترضهم شبهة.
أما المعاندون، فقد كفانا صاحب المقال أمرهم؛ حيث ذكر أنهم يرمون بالجنون مَن كان في صحة وقوة.
قال صاحب المقال في رده: "أما أن يتبين الناس أن الأمراض قد تعرض للرسل والأنبياء، فذلك لا يتوقف على أن يكون المرض بالغاً حَدَّ أن يتحدث عنه القرآن لأعظم الرسل والأنبياء".
في تبين الناسِ أن الأمراض الشديدة تعرض للرسل - عليهم السلام - إزاحةٌ لشبهة كثيراً ما تسبق إلى الظنون، هي: أن شدة بلاء الإنسان علامة هوانه عند الله، وهذه الحكمة مضمومة إلى غيرها؛ من نحو: ظهور فضل أيوب - عليه السلام - في صبره العظيم، تجعل القصة من نوع القصص التي ينزل بها القرآن على أعظم الرسل والأنبياء.
قال صاحب المقال في رده: "أما أن الله قد جعل لكل رسول مقداراً
(2/ 1/227)

من الوقت يصرفه في الدعوة، وأنه ليس بواجب على الله أن يكون الرسول من بعثه إلى وفاته داعياً، فإني أقول لهذا الكاتب: إن ذلك غير صحيح؛ فإن القرآن لم يحدثنا بمثل ذلك عن رسول من الرسل، ولو كانت الدعوة على ما يتصورها الكاتب كمعركة تنتهي بالغلبة أو الصلح، أو سفر ينتهي بالإياب، لما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو فيها إلى الله ".
لم أقل، ولم يقل المفسرون: إن أيوب - عليه السلام - قام بالدعوة حيناً، ثم تركها وقعد في بيته، أو أقبل على شأن آخر، حتى يكون مثلُ الدعوة مثلَ معركة تنتهي بالغلبة أو الصلح، أو مثل سفر ينتهي بالإياب. وعبارتي تمنع صاحب المقال من أن يتخيل أني أتصور الدعوة كمعركة أو سفر، ولست - بحمد الله - ممن يريد ضرب الأمثال، فلا يوفَّق في ضربها، والصورةُ الصحيحة لقصة أيوب - عليه السلام -: أن قوماً في جهالة وفوضى، أرسل الله إليهم رسولاً يدعوهم إلى العقائد السليمة، والأعمال الصالحة، فدعاهم ما شاء أن يدعوهم، ولا مانع عقلاً ولا شرعاً بعد هذا أن يبتليه الله بمرض، ثم يعود إلى الدعوة العامة مرة أخرى.
وإذا وسعت الحكمة وجود فترات بين الرسل - عليهم السلام -، فلم لا تسع وجود فترة قصيرة في أيام دعوة الرسول الواحد، ولا سيما فترة ظهرت لها حكمة سامية، وكانت موطن عبرة رائعة؟
ثم قال صاحب المقال: "وإني أتحدى الكاتب بأن يذكر لي رسولاً واحداً حدد الله له مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، ثم يستريح بعد ذلك".
أما أن الله تعالى قد جعل لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، فذلك أمر ثابت لا يحتمل الجدل بحال؛ فإن أيام بعثات الرسل
(2/ 1/228)

تختلف مقاديرها كما تختلف مقادير أعمارهم، فنوح - عليه السلام - بقي في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بقي في الدعوة نحواً من ثلاث وعشرين سنة.
وأما قوله: "ثم يستريح بعد ذلك"، فكلام لم أقله، وقوانين المنطق تأبى زيادة أمثال هذه الكلمات التي لا تفهم من منطوق الكلام، ولا فحواه، ولا هي من مقتضياته، بل في كلامي ما يصرح بصحة أن ينقطع عن الدعوة العامة لمرض، ثم يعود إليها، فأين معنى الاستراحة بعد ذلك؟
حكى صاحب المقال في رده ما قلته من صحة أن يكون أيوب قد مرض، ثم عاد إلى الدعوة، وقال: "إن طبيعة الدعوة والإرشاد تقتضي الاستمرار والاطراد، وإن العقل يقضي بفساد هذه الصورة - يعني: الانقطاع عن الدعوة بمرض -"، وقال في الاستدلال على هذا الفساد المزعوم: "إن انتكاس المرض أشد من بدايته، وكذلك انتكاس الشعوب في المبادئ والتقاليد، ومن التفت إلى ميقات موسى، وأنه لم يغب عن قومه إلا لتلقي التوراة، ومع هذا، ومع استخلافه فيهم أخاه هارون، فقد انتقضوا عليه، وتركوا عبادة الله إلى عبادة العجل، ومن التفت إلى ما كان بعد موت رسول الله، مع أنه لم يمت إلا بعد أن أكمل الدين، وتمت السنَّة، ومع هذا، فقد ارتد كثير من القبائل إثر موته، وكثير منهم حاول منع الزكاة، من التفت إلى هذا، علم أن الدعوة ليس لها مدى تنتهي إليه، بل لا بد لها من تعهد مستمر، وتذكير مطرد".
قلنا: إن أيوب - عليه السلام - قام بالدعوة، ثم ابتلي بالمرض، ولم نقف على نصوص نعرف منها أن من قومه من اهتدى بدعوته قبل مرضه، فإذا فرضنا أنه لم يهتد به فريق منهم، فلا يقال: إن مرضه يفضي إلى انتكاسهم في
(2/ 1/229)

المبادئ والتقاليد، وإذا فرضنا أن من قومه من قبلوا دعوته، ونبذوا مبادئهم وتقاليدهم القديمة قبل مرضه، فإن مرض الرسول كغيبته وموته لا يقتضي بطبيعته انتكاس القوم ورجوعهم إلى الغي بعد الرشد.
وإذا انتكس طوائف من أقوام الرسل عند غيبة الرسول، أو بعد موته، فلأن الإيمان الصحيح لم ينفذ في قلوبهم، ولم يبلغ مبلغ اليقين من نفوسهم، والإيمان الراسخ يحفظ على الإنسان رشده، بل يوجِد منه هادياً يقوم مقام الرسول في مرضه، أو غيبته، أو بعد موته، وهل يستطيع صاحب المقال أن يثبت أن الفريق الذين اهتدوا بدعوة أيوب - عليه السلام - قبل مرضه من صنف القوم الذين ينتكسون؟ أليس من الجائز أن يكونوا من طبقة المؤمنين الذين لا يغير مرض الرسول أو موته شيئاً من رشدهم؟
كان صاحب المقال أورد على المعنى الذي ذهب إليه المفسرون وجهاً ثالثاً، فقال: "إنهم خرجوا بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، وجعلوه بِدْعاً من الرسل؛ إذ المعلوم ضرورة: أن مصاب الأنبياء والرسل الذي يألمون له، ويضرعون فيه إلى ربهم، إنما هو إعراض قومهم عن دعوتهم، وصد الشيطان للناس عن سبيل الله"، وقال: "من المعلوم: أن كل نبي لا بد أن يصاب بتلك المصيبة؛ بشهادة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52] ... إلخ الآية".
فدفعنا هذا: بأن المفسرين حملوا الآية على ما تدل عليه ألفاظها العربية، وحملوها على معنى فيه حكمة وعبرة، وأن اعتراض الشيطان لدعوة كل نبي لا يستدعي حمل كل آية وردت في قصة رسول على معنى هذا الاعتراض.
حكى صاحب المقال في رده هذا الذي قلناه، وحاول دفعه، فقال:
(2/ 1/230)

"إن الآية إن لم تكن ظاهرة فيما أقول - لأنه لا يرد عليه من الإشكال ما يرد على المعنى الذي ارتضاه المفسرون من نسبة إنزال المرض بأيوب إلى الشيطان بنصب وعذاب، ولقد حاولوا دفع الإشكال بما لا ينفعهم ولا يجدي-, فالآية ليست صريحة، ولا ظاهرة في تلك الإسرائيليات المشكلة والخادشة لقدس الأنبياء، فلتكن الآية على الأقل محتملة لما تزعمه الإسرائيليات، ولما فسرت به الآية".
المفسرون يقولون: إن الضر في قوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] مرادٌ منه: المرض، وهو موافق لما جاء في "لسان العرب" من استعمال الضر في المرض والهزال بوجه خاص، وقالوا: رجل ضرير؛ أي: مريض مهزول.
ثم إن المس في قوله: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} متعلقٌ بذات أيوب، كما أن الباء في قوله: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] متصلةٌ بذات أيوب أيضاً، وأيوبُ جسم وروح، وإذا كان للضر معنى شائع عند العرب يتألم منه الجسم والروح، وهو المرض، حملت عليه الآية حتى يقوم الدليل على إرادة غيره. ويوافق ظاهرَ القرآن في المعنى الحديثُ المتفق على صحته، فقد جاء في إحدى رواياته: "لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جراداً من ذهب" (1). والمعافاة ظاهرة في الشفاء من المرض.
وأعاد صاحب المقال ما قاله مراراً من أن حمل الآية على المرض يجعلها خالية من العبرة والحكمة، ويجعل أيوب بدعاً من الرسل، وقال: "إذ يكون القرآن قد حدَّث عن أيوب حديثاً لم يحدثه عن أحد من الأنبياء،
__________
(1) كتاب "المستدرك" للحاكم.
(2/ 1/231)

وهو حديث المرض، أما سائر الأنبياء، فقد حدَّث عن دعوتهم إلى الله".
لو كان في هذا الذي يقوله شيء من الحق، لجاء آخرُ وأنكر أن يكون يوسف - عليه السلام - أُلقي في الجب، ودخل السجن؛ لأنه حديث لم يحدثه الله عن أحد من الأنبياء، وهكذا يقال في قصة إبراهيم بذبح ابنه، ثم فدائه، بل في كل نبأ يقصه الله عن رسول، ولم يقصه عن غيره من الرسل.
كان صاحب المقال ذكر في الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين: أن المفسرين قد خرجوا عن سنن القصص في القرآن، وقال: "فإنه لم يقص علينا عن الرسل إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة للعظة والعبرة، وماذا في قصه علينا مرض أيوب من عبرة؟ ".
فقلنا في رده: سنن القصص في القرآن: أن يحدثنا عن الرسل - عليهم السلام - بما فيه حكمة وموعظة، ولا فرق بين أن تكون هذه الحكمة أو الموعظة مرتبطة بسير الدعوة، أو راجعة إلى ناحية أخرى من نواحي الهداية، أو السعادة أو الكرامة، وذكرنا حديثه عن يوسف - عليه السلام - حين ألقي في الجب، وعن إبراهيم - عليه السلام - حين أُمر بذبح ابنه، وعن يعقوب - عليه السلام - حين ابتلي بفقد يوسف.
فقام صاحب المقال يحاول في رده دفع هذا الذي قلنا، فقال: "قد ذكر هذا الكاتب ثلاثة من الرسل كدليل على أن القرآن قد يقص علينا من شؤون الرسل ما لا يتصل بالدعوة، ويريد أنه بذلك لا تكون الآيات خارجة عن سنن القصص في القرآن، ولكن الكاتب في هذا إما مغالط، وإما أنه ألهاه الغرض عن الفرق بين أيوب، وبين من ذكره من الأنبياء، ولو ألقى عن نفسه الهوى،
(2/ 1/232)

لعلم أن القصص الذي جاء به القرآن عن يوسف قصص مفصل طويل قد استغرق من طفولته إلى كهولته، وقد انتظم حوادث خطيرة، وشؤوناً مختلفة، وأموراً ذات خطر، ما بين دليل على فضل، أو أمارة على مجد، مما يصح أن يمتاز به الأنبياء عن غيرهم من النّاس، وأين هذا من مرض أيوب الذي هو - على ما يزعمون - قد شكاه لربه تصريحاً أو تلويحاً، وهو عرض عادي يحتمله كثير من عاديي الناس؟ ".
يتذكر القراء أن صاحب المقال قال في الوجه الأول: "إن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] "، فرددنا عليه: بأن الله تعالى قد قص من حال الرسل ما لا يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة، بل قد يذكرهم؛ ليدل على ما كان لهم من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة ... إلخ.
ثم ذكر صاحب المقال في الوجه الرابع: "أن الله لم يقص علينا من الرسل إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويتصل بسير الدعوة"، فقلنا له: قد قص علينا القرآن أن يوسف ألقي في الجب، وبيع بثمن بخس، واستعصم حيث تهيج عاصفة الشهوة، وأن إبراهيم - عليه السلام - أمر في المنام بذبح ابنه؛ فلما تله للجبين، فداه الله بذبح عظيم، وأن يعقوب - عليه السلام - ابتلي بفقد يوسف، وحزن عليه حزناً طويلاً. فأخذ صاحب المقال يدفع ما أوردناه من قصة يوسف - عليه السلام - بهذا الحديث الذي سقناه لكم.
وما حديثه هذا إلا رجوعٌ ثانٍ عن رأيه، فإنه كان يرى أن المقصود من
(2/ 1/233)

قصص الرسل هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله؛ ليبني عليه أن المرض لم يكن مما يصيب في سبيل الله، فلا يقصه الله تعالى عن أيوب - عليه السلام -، ثمَّ رجع إلى أن قصص الرسل تأتي بما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة، ولما ذكرنا له شؤوناً قصها القرآن عن يوسف - عليه السلام -، وهي لا تتصل بأمر الرسالة، رجع فقال: إن ما جاء عن يوسف مفصل طويل استغرق من طفولته إلى كهولته. ومعنى هذا: أن القرآن قد يقص عن حال الرسل ما لا يتصل بأمر الرسالة، ولا يقصد به الاعتبار بما أصاب في سبيل الله، متى كانت القصة مفصلة طويلة.
وهذا مردود بأن ما ذكر في القرآن، وهو لا يتصل بالرسالة، ولا بأمر الدعوة، إن كان خالياً من العبرة، فالقرآن لا يأتي من القصص إلا بما فيه عبرة، وإن كان مشتملاً على عبرة، فالعبرة التي تستدعي ذكر الشيء المفصل الطويل، تصلح أن تكون داعية لذكر أمثاله في القصة الموجزة.
ثمَّ نقول لصاحب المقال: لا يفيدك أن تكون الحوادث التي اشتملت عليها قصة يوسف عظيمة، ولا أن شؤونها مختلفة، وأن أمورها ذات خطر، وإنما يفيدك أن تبيّن كيف كانت تتصل بأمر الرسالة، وتربط بسير الدعوة، أما أنها تدل على فضل، فصبر أيوب - عليه السلام - بالمعنى الذي يقوله المفسرون يدلّ على فضل.
وأما قوله: "مما يصح أن يمتاز به الأنبياء عن غيرهم"، فالمعروف أن الأنبياء - عليهم السلام - يمتازون بالوحي والمعجزات، وبأن أخلاقهم أكمل، وأعمالهم في الإخلاص أبلغ، ومقاماتهم عند الله أرفع، ولم يقل أحد: إن الأنبياء يمتازون بنحو: الإلقاء في الجب، والبيع بالثمن البخس، والامتناع
(2/ 1/234)

من فعل الفاحشة، والاجتماع بالأبوين والإخوة بعد غيبة طويلة.
والواقع أن هذه الأشياء من القصة قد ذكرت لتؤخذ منها حكمة وعبرة، ولا اتصال لها بالرسالة إلا من جهة أنها وقعت لرسول عظيم.
ثمَّ قال صاحب المقال في رده: "على أن القرآن لم يقتصر في الحديث عن يوسف على تلك الحوادث ذات البال، بل حدثنا - إلى ذلك - عن دعوته لقومه، وذكر آيات: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34]، وقوله: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ} [يوسف: 39] ".
وهذا تعديل آخر لرأيه، ومعناه: أن القرآن قد يقص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بأمر الرسالة إذا تحدث عن دعوتهم، ولو في موضع آخر.
ونناقش هذا أيضًا بأن ما يقصه القرآن - مما لا يتصل بأمر الرسالة - إنما يقصه لعبرة، ومتى وجدت العبرة في حال من أحوال رسول كريم، جاز أن يقصها القرآن، ولو لم يقص عن ذلك الرسول شيئًا يتصل بأمر رسالته أو دعوته.
وكذلك عمد صاحب المقال إلى ما أوردناه من ذكر الله تعالى لابتلاء يعقوب - عليه السلام - بفقد ابنه يوسف وحزنه عليه حزنًا طويلًا، وحاول التخلص من هذا بأن: (القرآن لم يفرد يعقوب بالحديث عنه بأنه ابتلي بفقد ابنه، فحزن عليه، وإنما جاء ذلك في طريق الحديث عن يوسف - عليه السلام -".
وهذا رجوع آخر عن رأيه، ومعناه: أن الله تعالى قد قص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بأمر دعوتهم أو رسالتهم إذا تحدث عنهم عن طريق الحديث عن رسول آخر.
(2/ 1/235)

وبمثل هذا حاول دفع ما أوردناه من ابتلاء إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه، فقال: "ذلك شأن ذكر على سبيل الاستطراد، ولم يكن هو كل ما حدثنا بها القرآن عن إبراهيم، ولم يذكر القرآن قصة الذبح مستقلة، بل جاءت كتتميم عقب حديث عن أمر دعوته إلى قومه".
والحق أن مدار قصص القرآن على العبرة والحكمة، ولا فرق بين ما يورده مستقلًا، وما يورده عقب حديث عن أمر الدعوة، أو في طريق الحديث عن رسول آخر؛ كما أنَّه لا فرق بين ما يتصل بالدعوة، وما يتصل بغيرها من أسباب المجد أو السعادة.
ثم ذهب صاحب المقال في قصة الذبيح مذهباً آخر، وهو عدم التسوية بين من أمر بذبح ابنه، فسارع في امتثال الأمر مسلماً بقلبه، وبين من مرض، فراح يدعو ربه؛ كما قال - تصريحاً أو تلويحاً -, وقال: "إن ذبح الابن لمما لا يتحمله إلا الأنبياء".
موضوع البحث: هل القرآن يقص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بالرسالة والدعوة؟ أما أن هذا الحال أشد، وأن هذا الحال أخف، فخارج عن موضع البحث.
ثم إن قتل الولد إن نظرنا إليه في نفسه، لم نجده مختصاً بالأنبياء،
فإنا نجد كثيراً من الآباء قد تلابسهم شهوات، فتتغلب على عواطفهم، فيقتلون أولادهم، وإن نظرنا إليه من جهة فعله عن أمر الله، لم نستطع أن نقول: هذا لا يحتمله إلا نبي، فإنه يرجع إلى قوة الإيمان, وإسلامِ القلب إلى الله، ولا نشك في أن عمر بن الخطّاب، أو أبا بكر الصديق، أو غيرهما من صادقي الإيمان لو أتاه أمر من الله بذبح ابنه، لفعل ما أمر به على وجه يُعد به عند الله
(2/ 1/236)

ممتثلاً مخلصاً، ولا يصح أن يكون الإيمان الصحيح وتقوى القلوب أضعفَ أثراً من تلك الشهوات التي تدفع إلى قتل بعض الأبناء بغير حق.
وليعتبر صاحب المقال بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66]؛ فقد أثبت في هذه الآية أن من المسلمين من لو أمر بقتل نفسه، لفعل، والذي يقتل نفسه امتثالاً لأمر الله يحتمل أن يقتل ابنه امتثالاً لمثل هذا الأمر.
ولكن الفرق بين الرسول وغير الرسول - في قتل الابن امتثالاً لأمر الله - يرجع إلى حال القلب، وهو أن يكون رضا الرسول بالابتلاء أقوى، وغلبة إجلاله له على عاطفة الأبوة أظهر.
(2/ 1/237)

قصة أيوب - عليه السلام -

الرد الرابع (1)
كان صاحب المقال قد أورد على المفسرين: أن حديث حلف أيوب، والرخصة له بالخلوص منه على ذلك الوجه أشبهُ شيء بالعبث الذي لا يليق بالمخلوق، فضلًا عن الخالق، وقال: "إذ المعقول: أن العبد إنما يحتال للخلوص من الربّ، فكيف يحتال الربُّ للخلوص من نفسه، فهو تعالى المحلوفُ به، وهو تعالى الدالُّ على الحيلة - فيما يزعمون -".
وقلنا في الرد عليه: إن المفسرين لا يفهمون الآية على معنى الدلالة على الحيلة، وإنما يفهمونها على أنها شرعُ حكمٍ من الله، روعي فيه جانبُ الرحمة بمن حلف أيوبُ - عليه السلام - على ضربه، فهو حكم صدر على وجه الفتوى لأيوب خاصة، أو له ولقومه، وعلى كل حال، فهو شرع معناه: أن الضرب بضغث يشتمل على مئة عود - مثلاً - يحقق عند الله تعالى غرض الحالف على الضرب بمئة سوط.
أرأيتم ماذا قال صاحب المقال في محاولة الرد على هذا؟
قال: "يتحرج هذا الكاتب من أن أقول: دلَّ الله أيوبَ على الحيلة، ولكن لا يتحرج من أن يقول: شرع الله الحيلة، مع أن هذا أبشعُ وأفظع،
__________
(1) مجلة الهداية الإِسلامية - الجزء الثالث من المجلد الثامن الصادر في شهر رمضان 1354 ه.
(2/ 1/238)

وإنا إذا قدمنا الله عن أول المعنيين، كان أولى أن نقدسه عن الثاني؛ فإن شرع الحيل تعليم للمراوغة، وقضاء على الأعمال أن تكون صوراً خالية من "رواحها".
لو نظر صاحب المقال في المعنى الذي يقوله المفسرون من جهة أنه المعنى الذي اتفق عليه علماء الإِسلام من مفسرين ومحدثين وفقهاء، لخفف شيئًا من هذه النزعة، وتناول بحثه في شيء من الهوادة، شأنَ الباحثين الذين يعرفون أن رمي أولئك العلماء قاطبةً بأنهم نسبوا إلى الله ما لا يليق به، ليس بالأمر الهين الذي تكفي فيه حركة لسان، أو جرة قلم.
ولو ألقى صاحب المقال نظرة على كتب السنَّة، لوجد فيها شيئاً يدعوه إلى التثبت فيما يكتب، يجد فيها أحاديث مسندة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحة في أن الضعيف الذي لا ترجى له صحة، ويثبت عنه الزنا، ويخشى من جلده مئة جلدة الهلاك، أن يُضرب بعُثكول فيه مئة شِمراخ ضربةً واحدة، ولم يطعن في هذه الأحاديث أحد بأنها نسَبت إلى الله، أو إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا يليق به.
وهذا الحكم الذي تضمنته هذه الأحاديث قد قرره جمع عظيم من أئمة الدين؛ كالحنفية، والشافعية، والحنابلة، واتخذوه مذهباً.
ولا أورد هذا على معنى أنه حجة قاطعة عن البحث، وإنما أريد: أن أمرًا اتفق عليه المفسرون على اختلاف مذاهبهم، ووردت بمثله أحاديث قالوا في بعضها: إن رجاله رجال الصحيح، وقرره جمع عظيم من أئمة الدين في مذاهبهم، لا ينبغي لذي علم أن يهاجمه من غير أن يُعِدَّ له قوة.
والحق أن لله تعالى أن يشرع من الأحكام ما يرى الحكمة في شرعه، وله أن يغير حكماً أشدَّ إلى ما هو أخفُّ إن قضت الحكمة التخفيف، وليس
(2/ 1/239)

في تفسير الآية بالمعنى الذي يقوله المفسرون تعليمٌ للمراوغة، وإنما هو شرعُ حكمٍ أخفَّ من الضرب مئة سوط مفرقة، وليس في هذا التشريع قضاء على الأعمال أن تكون صوراً خالية من أرواحها؛ فإن في الضرب بالضغث إيلاماً، إذ المراد: الضرب به على الطريقة المعروفة في إقامة الحدود.
قال صاحب المقال في رده: "وإنا نسائل الكاتب، ونشتد في سؤاله: هل ما حلف عليه أيوب كان مما يتعذر أو يتعسر تنفيذه، أو لم يكن كذلك؟ فإن كان الأوّل، كان معنى هذا أن أيوب قد غلبه غضبه، فكان منه ما لا يكون إلا من شرار الناس دون خيارهم، وكيف ينزل أيوب وهو نبي إلى هذا الدرك، فيحلف على أمر يتعذر أو يتعسر عليه تنفيذه، ويحتاج في الخلوص منه إلى شرع حيلة، وإن كان الثاني، كان هينَ! التنفيذ يسيراً".
إن أيوب - عليه السلام - حلف على أمر يستطيع تنفيذه، ولكن في تنفيذه شيء من الشدة على المحلوف على ضربه، فاقتضت رحمة الله بالمحلوف على ضربه أن يخفف عنه العقاب، ومن الجائز أن يكون هذا المحلوف على ضربه بحال من ضعف البدن استحق بها هذا التخفيف على نحو ما ورد في تخفيف الحد على الضعيف الذي لا يرجى صحته.
ثم إن أيوب - عليه السلام - إنما ابتغى بحلفه على ما حلف رضا الله، ولا يمنع هذا من أن يرتاح لتخفيف حكم العقاب على بعض المؤمنين به، ويعده رحمة به، كما كان رحمة للمحلوف على ضربه، والأنبياء - عليهم السلام - يستقيمون على أمر الله، وينفذون أحكامه دون أن تأخذهم في دين الله رأفة، ويرتاحون لتخفيف الأحكام على أممهم، بل يطلبون لهم من الله تعالى التخفيف، ومن شواهد هذا: حديثُ الصلوات ليلة الإسراء، وطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيفها
(2/ 1/240)

إلى أن صارت الخمسون خمساً.
قال صاحب المقال: "أما أنها حيلة، فليس للكاتب مناص من القول بذلك؛ إذ الحيلة ليست شيئًا غير معالجة الوصول إلى غاية من غير طريقها المقدر لها، حين يتعذر أو يتعسر سلوك هذا الطريق إليها، وما دام أيوب - عليه السلام - كان قد حلف على غير هذه الصورة، فحصول تلك الصورة للخلوص من يمينه يجعلها حيلة لا محالة".
بعد أن يشرع الله تعالى الضرب بالضغث، ويجعله كافياً عن الضرب مئة سوط مفرقة، يصير الضرب على نحو المشار إليه من قَبيل العمل الذي يوصل إلى غاية من طريقها المقدر لها.
وكان صاحب المقال قد قال في ذلك المقال: "وإذا كان الله قد أراد أن يُعفي أيوب من يمينه، فماذا يمنعه أن يُعفيه بدون تلك الحيلة، وهي منه ومن أجله؟ ".
فقلنا تعليقاً على هذا: "إن الكفارة عن اليمين إنما شُرعت في الإِسلام، فالحالف في عهد أيوب ليس له إلا فعلُ المحلوف عليه، فأرشد الله أيوبَ إلى وجه أخف. ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟ ".
فكان من صاحب المقال أن قال في رده: "فلم لم يشرع الكفارة في هذا الوقت، وقد اقتضتها الأحوال والحوادث، بدلَ أن يشرع هذه الصورة التي إن لم يسلم الكاتب أنها حيلة، فهي على الأقل على صورة الحيلة؟ "، ثم قال: "أمَّا تلك الصورة التي يزعمها المفسرون، فهي أشبه شيء بالعبث،
(2/ 1/241)

لا يتحقق معه حكمة، ولا يليق بالله تشريعها".
ليست تلك الصورة من قبيل الحيلة، ونحن لا نعرف، ولا صاحب المقال يعرف: أن الأحوال والحوادث لذلك العهد قد اقتضت شرع الكفارة، أما أن حالة من حلف أيوب - عليه السلام - على ضربه تقتضي رحمة، فهذه الرحمة ترجع إلى تقدير علام الغيوب، فإذا شرع ما يخفف عنه أمر الضرب، فذلك تقدير حكيم.
وتعلق صاحب المقال بعد هذا بأمر صغير هو: أنه وقف عند قولي: "فأرشد الله أيوب إلى وجه أخف"، وقال: "ولا يفوتني أن ألفت الكاتب هنا إلى أنه قد رجع من أن هذا كان تشريعاً إلى كونه إرشاداً، وتلك هي عبارتي أو في معناها".
ومن الواضح الجلي أن قولي: "فأرشد" بعد أن صرح قبل ذلك وبعده بأن ما كان من الله إنما هو تشريع، يفهم منه القارئ لأول نظرة: أن المراد: الإرشاد على وجه التشريع، فأين هذا من قوله: إنه دلالة على الحيلة، وتعليم للمراوغة؟.
ثم قال صاحب المقال: "على أنه إذا كان ما حلف عليه أيوب قد بلغ حدّ المشقة، فقد صار من باب: الضرورات، والضروراتُ تبيح المحظورات، ويجب أن يكون هذا التشريع غير خاص بالإِسلام؛ فإن عدالة الله ورحمته أزليتان، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإعفاء أيوب يكون على هذا الوجه غير تلك الصورة التي يجب أن يتنزه عن تشريعها رب العالمين".
قد يكون ما حلف أيوب - عليه السلام - ممكن التنفيذ، وليس هناك ضرورة من نوع الضرورات التي تبيح المحظورات، وإنما هناك حال اقتضى
(2/ 1/242)

تخفيفَ الحكم، وما يقتضي تخفيف حكم العقاب غيرُ ما يقتضي الإعفاء منه جملة.
ثم قال صاحب المقال في رده: "ولقد أتى الكاتب هنا بعبارة مجملة ملفوفة لا يفهم القارئ منها مراده، وهي قوله: "ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟ ".
ثم كتب نحو صفحة تحدث فيها عن تخفيف بعض الواجبات، ولم يأت ولو بشبهة في رد هذا الذي قلته، فلنزد ما قلته بياناً، ثم نعرض عليك ماذا قال صاحب المقال في هذا المقام:
أما البيان، فذلك أن الله تعالى قد يخفف بعض الواجبات، فيسقط بعضها كما خفف عمن نذر التصدق بجميع ماله، فجعل الثلث مجزئاً عن الجميع، وقد يخفف بعض الواجبات، فيقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها, كما أقام التيمم مقام الوضوء، وكما أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح كبش مقام ذبح ابنه، وجعل ابن عباس قصة الذبيح موضع قياس، فأفتى فيمن نذر ذبح ابنه بذبح شاة، فشَرعْ الضرب بالضغث مكان الضرب بالسوط مئة مفرقة من قَبيل تخفيف الواجب بإقامة ما يشبهه من بعض الوجوه مقامه.
وأما حديث صاحب المقال، فإنه قسم تخفيف بعض الواجبات إلى نسخ، وإلى استثناء في أحوال مخصوصة، وخرج من هذا التقسيم: بأن الضرب بالضغث مكانَ الأسواط المفرقة لا يصح أن يكون من هذا القبيل، فقال: "ويجب أن يلتفت إلى أن إسقاط بعض الواجب نسخاً لا يكون إلا بعد تطور
(2/ 1/243)

في الأمة يقضي بتغيير صورة المشروع".
ذهب قوم من أهل العلم إلى أن الضرب بالضغث مكانَ الضرب بالسوط مفرقة، كان شريعة لأيوب - عليه السلام - ولقومه عامة، وليس لأحد أن ينازع هؤلاء بدعوى أن هذا نسخ، والنسخ لا يكون إلا بعد تطور الأمة؛ إذ حالة تلك الأمة غير معروفة لنا.
ثم إننا نعلم أن أحكاماً قد تغيرت في عهد نزول الوحي، ونعلم أنها لم تتغير إلا لحكمة، فمدار النسخ على تحقيق الحكمة، وإذا ثبت النسخ بنص أو إجماع، أو بمعرفة أن هذا الحكم متأخر عن هذا الحكم، ولم يمكن الجمع بين دليليهما، فقد تقرر النسخ عند أهل العلم، وليس لأحد أن يطالبهم بعد هذا بإثبات أن الأمة تطورت تطوراً يقتضي هذا التشريع.
فإذا وردت آية من القرآن الكريم، ورآها بعض النظار من قبيل الناسخ لحكم سابق؛ فللرد عليه طرق معقولة؛ كأن ينازع في إفادة النص تغيير الحكم على وجه القطع، أو في تأخره عن الحكم المدعى نسخه، أو في عدم صحة الجمع بين دليلي الحكمين.
وذهب قوم آخرون إلى أن حكم الضرب بالضغث رخصة لأيوب -عليه السلام - خاصة، ورجحوا مذهبهم بأن قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44]، يشير إلى وجه الترخيص، فيكون الترخيص مقصوراً على من وجد منه الصبر، وهو أيوب - عليه السلام -.
قال صاحب المقال في رده: "وأن الإسقاط استثناء إنما يكون لطوارئ تجعل الواجب شاقاً، وتكون تلك الطوارئ ليس للمكلف دخل في صورتها؛ لأنه إنما يستحق رحمة الله، فيخفف عنه الواجب؛ لأنه لا دخل له فيما صعب
(2/ 1/244)

به ذلك الواجب، أو يكون له تدخل بمباح؛ كالسفر في قصر الصلاة، على أن السفر قد يكون لطوارئ لا مدخل للمكلف فيها، بل تكون وليدة القدر البحت".
أخذ كاتب المقال في شروط الإسقاط: أن لا يكون للمكلف دخل في سببه الذي هو صعوبة القيام بالواجب، إلا أن يكون التدخل مباحًا, كالسفر في قصر الصلاة، وبنى على هذا: أن أيوب - عليه السلام - يكون بمقتضى قول المفسرين- قد تدخل في صعوبة الواجب تدخلًا غير مباح، فلا يستحق الرحمة بتخفيف الواجب عنه، فقال: "أما ما تزعمه الإسرائيليات - يعني: ما اتفق عليه المفسرون -، فمقتضاه أن أيوب - عليه السلام - هو الذي أراد أن يحمل نفسه هذه المشقة التي احتاجت إلى تلك الحيلة، واحتاجت إلى ذلك العبث الذي لا يعقل كونه تشريعاً عاماً، فإن كان التخفيف ليس عامًا، بل هو خاص بذلك الحادث، فقد قلنا: ما ضرورة هذا اللعب حينئذ؟ ".
نظر صاحب المقال فيما يقوله المفسرون نظرة مستعجلة، وكان من أثر هذا الاستعجال: أن صنع له مقتضيات لم تكن بينها وبينه صلة.
يقول المفسرون: إن أيوب - عليه السلام - حلف على أن يؤدب شخصاً قال أو فعل ما يستحق عليه التأديب، وما كان غضبه عند الحلف إلا لله، والنبي لا يؤدِّب إلا بحق، وليس في الحلف على الوعيد من إثم، فلم يتدخل أيوب - عليه السلام - في سبب الواجب الشاق من طريق محرم، فهو حقيق بالرحمة، وأهلٌ لأن يخفف عنه ما فيه مشقة.
وليس فيما شرعه الله من كفاية الضرب بالضغث من حيلة، ولا عبث،
(2/ 1/245)

ولا لعب، وإنما هو حكم من الأحكام التي ينزلها على رسوله حاملة شيئاً من التخفيف عنه وحده، أو عنه وعن أمته عامة، وليس بمستنكر أن يختص الله نبيًا من أنبيائه ببعض الأحكام، وليس بمستنكر أن يخفف الله عن الأمة بعض الواجبات الشاقة، وإن لم يظهر لنا أن مشقة الواجب ازدادت على ما كانت عليه شدة.
كان صاحب المقال ادعى: أن المعنى الذي يذكره المفسرون ينزل بالآية عن مستوى البلاغة الذي هو في متناول البشر، فضلًا عن الإعجاز الذي يجب أن يكون للقرآن الكريم، وعلل هذا بأنهم ذكروا قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص: 44]، معنى يتوقف على ما لا يفيده سابقه، ولاحقه؛ لأنهم جعلوا: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} متوقفا على خبر أن أيوب كان قد حلف ليضربن امرأته مئة سوط.
وقلنا في رد هذا: إن القرآن كتاب إرشاد، ومأخذ عبر، فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع العبرة، وشملك في سوقها طريق الإيجاز، وقوله في هذه القصة: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، يتبادر منه إلى الأذهان أن أيوب - عليه السلام - حلف أن يضرب شخصاً أسواطاً، فأوحى الله إليه أن يضرب بهذه الأسواط مجموعة، ولا يتوقف موضع العبرة في هذا على معرفة سبب الحلف، أو الشخص المحلوف عليه، أو عدد الأسواط.
كان من صاحب المقال أن قال في رده: "ولكن الله قد قص علينا من شؤون الأنبياء قصصاً مفصلاً مطولاً، وإن شئت أوضح شاهد على ذلك، فدونك سورة يوسف التي استغرقت شؤونه من طفولته إلى كهولته".
من الرسل - عليهم السلام - من لم يقص الله من أنبائهم شيئاً، ومنهم
(2/ 1/246)

من قص من أنبائهم، وما يقصه من أنباء هؤلاء يتفاوت قلة وكثرة، فقد يأتي من سيرة رسول على شؤون قليلة، ويأتي من سيرة آخر على شؤون أكثر من ذلك، وفي كُلٍّ حكمة ومأخذُ عبرة.
وقصة يوسف - عليه السلام - ذُكرت فيها شؤون من طفولته، وشؤون كهولته؛ لما في هذه الشؤون من عبر ذات أثر في الوعظ والإرشاد، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن قصة يوسف قد استغرقت شؤون طفولته، وشؤون كهولته، وإن ذكر فيها من شؤونه أكثر مما ذكر في القرآن من شؤون غيره.
فالتفصيل في قصة يوسف - عليه السلام - إنما هو بالنسبة لما ذكر من شؤون غيره، ولو نظر صاحب المقال إلى أسلوب سوق القصة، وقاسه بأسلوب مؤرخ يعلم حالَ يوسف من نشأته إلى يوم وفاته، لظهر له كيف سلك القرآن - حتى في قصة يوسف - طريقةَ الإيجاز.
وأزيد على هذا: أني لم أقل: إن القرآن يسلك في القصص مسلك الإيجاز دائمًا، وإنما قلت: "فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع عبرة، ويسلك في سوقها مسلك الإيجاز"، ومن القريب إلى اللهم حمل "قد" في قولي: "فقد يسوق من القصص" على التكثير، أو التقليل، فتكون عبارتي في معنى: أن القرآن يسوق في بعض الأوقات، أو أكثر الأوقات من القصص أشياء هي موضع العبرة، ويسلك في سوقها طريق الإيجاز، ومقتضى أدب البحث وقوانين المنطق الفطري أو اليوناني أن يقال في الرد علي: إن القرآن لم يسلك فيما يقص عليك مسلك الإيجاز قط، لا أن القرآن قد سلك في بعض القصص مسلك التفصيل أو التطويل.
ثم قال: "وليقل لنا هذا الكاتب بعد هذا: ما معنى إذن أن القرآن ليس
(2/ 1/247)

كتاب تاريخ، وإنما هو كتاب إرشاد؟ وليقل لنا: بماذا يسمّى ما قصه علينا القرآن من تاريخ الأنبياء؛ وهل التاريخ إلا إرشاد مبين وعبرة بالغة؟ ".
إذا قلنا: إن القرآن ليس بكتاب تاريخ، فلأنه أنزل ليعظ الناس، ويعلمهم الحكمة، وإذا أخبر ببعض شؤون من مضوا من الرسل وغيرهم، فلِما فيها من حكمة أو عبرة. أما المؤرخ، فإنَّه يقصد لتدوين أخبار الأفراد أو الدول أو الأمم، ولا يبالي أن يسوق من الأخبار ما لو عصرته لم تجد فيه شيئاً من العبرة أو الحكمة.
ثم قال صاحب المقال في رده: "ويقول هذا الكاتب: قد يسوق القرآن من القصة شيئاً هو موضع عبرة، وإنا نسائله، ونلُحف في سؤاله: ما هي تلك العبرة في أن حلف أيوب أن يضرب أحدًا من الناس ضربًا قد شق عليه تنفيذه، فاحتاج إلى تلك الحيلة للخلوص منه، أفي مثل هذه دلالة على صبر، أو على شجاعة، أو على أي فضيلة من الفضائل؟ إن مثل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدلّ على خلق لا يليق بخواص الناس، فضلًا عن الأنبياء؛ إذ الاندفاع بأذى غير محتمل، شر، وشر منه الحلف على ذلك الوعيد".
إذا صدر من شخص قول أو فعل، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يستحق جزاء على هذا القول أو الفعل، وقدر الجزاء بأسواط معدودة، ثم شرع الله حكماً فيه تخفيف هذا الجزاء، كان في هذا التخفيف رحمة بذلك الشخص، ورحمة بالنبي؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -- وإن كان يرى أن ما حلف عليه من العقاب حق، وأن تنفيذه عدل - قد يتمنى لو أن ذلك الشخص لم يأت ما استحق عليه هذه العقوبة، فإذا خفف الحكم ممن بيده الأمر، ارتاح له، وسرَّه أن كان هو، أو هو وأتباعه مظهراً لتلك الرحمة الأزلية.
(2/ 1/248)

فلا حرج على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلف متوعداً على تأديب من يستحق الأدب، بل يعد حلفه أثراً من أثر الغضب لله، وله في تنفيذه المثوبة. ولا حرج عليه في ارتياحه لأن يخفف الله عنه أو عن أتباعه حكماً فيه شيء من المشقة، فإذا دلت الآية على أشياء، فإنها تدل على فضيلة الغضب لله، وعلى جواز الوعيد بالعقوبة البدنية على فعل أو قول لم يراع فيه حق الله، وعلى إباحة الحلف على هذا الوعيد، وعلى أن للحلف بالله حرمةً توجب على الحالف فعلَ ما حلف عليه، فلا يتركه، ولا يفعله على غير وجهه المعروف إلا أن يأذن به الله، وتدل بعد هذا على الخلق العظيم، أو العمل الصالح يجعل الشخص بمقربة من رحمة الله، ويكون سبباً لتخفيف بعض الأحكام، كما أن المعاصي قد تكون سبباً لشدة بعض الأحكام: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] الآية.
قال صاحب المقال في رده: "أما تبادر هذا المعنى الذي يذكره المفسرون، فإنما كان من وقوفهم أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، حتى أصبح هذا المعنى متوارثاً يأخذه اللاحق عن السابق، ولولا تلك الإسرائيليات، ما استطعت أن تفهم هذا من الآية".
الضغث: الحزمة من الأعواد، والحنث: الخلف في اليمين، فقوله: {وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، يدلّ على أن أيوب - عليه السلام - صدر منه يمين، وقوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ} [ص: 44]، يدل على أن الحلف كان على الضرب أسواطًا بقصد أن تكون مفرقة، وأن الله تعالى أراد تخفيف هذا العقاب، فجعل الضرب بالأعواد المجموعة مجزئاً.
ثم إن هذا المعنى هو الذي يرويه المفسرون والمحدثون عن بعض
(2/ 1/249)

الصحابة، ولم يرووا - فيما نعلم - عن أحد منهم معنى غير هذا المعنى، ودعوى أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفضلاء التابعين وقفوا في تفسير الآية أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، لا نراها إلا دعوى ناشئة عن نظرة عجلى.
قال صاحب المقال في رده: "وإذا صحَّ أنه يفهم من الآية، فأي مناسبة بينها وبين الآيات قبلها؟ وما معنى قوله حينئذ بعد هذا: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44]، وليس في ذلك دليل على صبر؟ ".
ذكر الله تعالى من قصة أيوب - عليه السلام -: أنه نادى ربه لاجئاً إليه مما مسه به الشيطان من النصب والعذاب: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، فاستجاب الله نداءه، وأراد كشفَ التفسير عنه على طريق معجزة، فأمره بضرب الأرض برجله، فنبعت عين بماء بارد، فأذن له في الاغتسال والشرب منه، فعوفي: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، ثم أنعم عليه بعد المعافاة بنعمة أخرى هي جمعهم عليه بعد إنقطاعهم عنه: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43]، ثم عطف على هذا نعمة أخرى هي: أَنْ خفف عنه حكم يمين تتعلّق ببعض أتباعه: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]،
فتضمنت الآيات: أن الله تعالى أنعم على أيوب - عليه السلام - بثلاث نعم، هي: معافاته من المرض، وجمع أهله حوله، وتخفيف حكم اليمين عنه، وعد هذا من النعم؛ لأنه كان يود أن المحلوف على تأديبه لم يأت الأمر الذي أوجب هذا الأدب، وبعث على هذه اليمين.
ثم ختمت القصة بالإيماء إلى أنه حقيق بأن يكون مظهراً للعناية، ومصباً
(2/ 1/250)

للنعم، فقال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44]، والصبر والرجوع إلى الله تعالى في كل حال من أجل الوسائل التي تدني الإنسان من عناية الله ورحمته، فينقله من مقام الصبر على الضراء إلى مقام الشكر على السرّاء.
قال صاحب المقال: "أما إذا جرينا على ما فسرتُ أنا به الآيات، فإنك تجد الآيات كلها ترجع إلى أصل واحد، ويربطها نسب واحد، وكلها تصور موضوعًا واحدًا"، ثم أعاد ذكر ما فسر به الآيات، حتى تفسيره لقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]؛ من حملها على معنى "لَوِّحْ إليهم بالأزهار والرياحين"، وجعلها كناية عن اللين في الدعوة؛ ثم قال: "وبذلك نجد موقعًا جدَّ مناسب لقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}؛ فإنَّه ليس أمضَّ على النفوس، ولا أغمض فيها من أن تدعو قوماً على حق مؤيد بالبرهان، ثم هم يعرضون ويستهزئون، ثم ترى نفسك بعد ذلك وأنت محتوم عليك ملاينتهم ومحاسنتهم".
قد أريناك وجه ارتباط قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} بالآيات قبله على الوجه الذي يقرره المفسرون، وهو جارّ على أن هذه الآية واقعة مما قبلها موقع السبب من المسبب، فيرجع نظم الآيات إلى معنى: أنعمنا عليه بالمعافاة، وجمع الشمل، وتخفيف حكم تلك اليمين؛ بما كان يتحلّى به من فضيلتي: الصبر، والإنابة إلى الله في كل شأن.
أما صاحب المقال، فإنَّه زعم في مقاله أن أيوب - عليه السلام - كان في وهن عزيمة، وضعف ثقة، وعدم قوة في السير إلى الغاية، فأمر أن يكون ذا عزم، وقيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]؛ أي: اعقد عزمك، ثم فسر قوله
(2/ 1/251)

تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، بمعنى: جادلهم بالرفق، ولما وصل إلى قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}، ووجد هذا الثناء البليغ ينقض قوله: إن أيوب كان في وهن من العزم، وضعف في الثقة، جعل الصبر راجعاً إلى احتماله الإعراض والاستهزاء، ومقابلتها بالتلويح بالأزهار والرياحين بعد أن أمر بذلك.
ومقتضى هذا التأويل: أن الصبر في قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} حصل بعد أن ظهر منه وهن العزم، وضعف الثقة، ولكن المفسرين يذهبون في وجه الربط إلى أن أيوب - عليه السلام - كان مفطوراً على الصبر من أول أمره، فلم يهن عزمه، ولم تضعف ثقته، ولم تعدم قوته على السير إلى الغاية، ومن كان على هذه الصفة، فهو أهل لهذا الثناء البليغ: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44]، وأحقُ من رجل اصطفاه الله للرسالة، فظهر منه - كما يزعم صاحب المقال - وهنُ العزم، وضعف الثقة، وعدم القوة على السير إلى الغاية!.
(2/ 1/252)

قصة أيوب - عليه السلام -

الرد الخامس (1)
كان صاحب المقال - بعد أن انتهى في مقاله من إيراد تلك الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين في قصة أيوب عليه السلام - قد أبدى رأيه في تفسيرها، وناقشنا رأيه، حتى استبان أنه من قبيل الخواطر التي لا تستند إلى أصول.
كان قد أوَّلَ قولَه تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحياناً حدَّ الإهلاك للنفس إلاّ لبطءٍ في سير الدعوة إلى الله"، وقال: "انظر إلى قوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]، وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ".
فقلنا في الردِّ عليه: لا يتم لكاتب المقال هذا الوجهُ من الرد على المفسرين، إلا إذا صحَّ أن الأنبياء لا يشكون إلا من إعراض قومهم - كما زعم -، وهذا الزعم غير صحيح، فقد شكا يعقوب - عليه السلام -, وحزن لفقد يوسف
__________
(1) مجلة "الهداية الإِسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الثامن الصادر في شهر شوال 1354 ه.
(2/ 1/253)

- عليه السلام -، فقال: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] وقال تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف: 84].
ونبَّهنا على أن الآيتين اللتين ساقهما في الاستشهاد إنما يثبتان أن الأنبياء يحزنون لإعراض الناس عن دعوتهم، والمقام مقام استدلال على أنهم لا يشكون، ولا يحزنون إلا من إعراض قومهم.
فكان من كاتب المقال أن قال في رده: "أنا لا أنفي أن الأنبياء يحزنون لغير إعراض قومهم عن دعوتهم، ولكني أقول: إنهم لا يحزنون لشيء حزنَهم لصدِّ الشيطان من يدعونهم عن سبيل الله".
ولعل القارئ الكريم يرجع إلى عبارته، فيجده يقول: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم"، وهذه عبارة تقصر شكوى الأنبياء على إعراض أممهم، فيحق لنا أن ندفعها بمثل قول يعقوب - عليه السلام -: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].
وقال في رده: "ثم أقول بناء على هذا: إن القرآن لا يعني بالحديث عن حزن الأنبياء إلا حزناً يتصل بالدعوة وسيرِها في أممهم، وقد قلت قبل هذا: إن القرآن لم يفرد يعقوب بالحديث عنه، وإنما جاء هذا الحديث الذي ذكره الكاتب في طريق قصص يوسف - عليه السلام -".
كاتب المقال يقول: "ما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض قومهم"، فقلنا: إن يعقوب شكا من فقد يوسف - عليهما السلام - كما أخبر القرآن، والمنطق يقضي عليه بأن يسلم أن الأنبياء يشكون من بلاء غير إعراض قومهم، أو ينازع في أن يعقوب شكا إلى الله شيئاً غير الإعراض، أما قوله: "إن القرآن إنَّما حكى شكوى يعقوب من فقد يوسف في طريق قصة يوسف"،
(2/ 1/254)

فلا يصلح أن يكون دفاعاً عن قوله: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة".
وكان صاحب المقال قد قال في مقاله: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]، فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة، وتأكيدها، واستثمار الثقة وإكمالها، والمضاء بالقوة بغير تردد ولا توان إلى الغاية".
فكتبت مبيناً أن قول أيوب - عليه السلام -: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، من قبيل الدعاء, لأنه قام مقام قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83]، وعلى نسقه يقال: إن قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، قائم مقام آية {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84]، في سورة الأنبياء؛ وإنما يكون في معنى الإخبار بالاستجابة إذا دلَّ على حال يخرج بها أيوب من البلاء إلى السلامة، وهذا محقق فيما جرى عليه المفسرون في تفسير آية: {ارْكُضْ}.
كتبت هذا، وصرحت بأن أيوب - عليه السلام - يقصد من مناجاته الدعاء بكشف البلاء, لأدل على أن خطاب أيوب في سورة ص من قبيل الدعاء على طريقة التعريض، وأن ما قاله المفسرون موافق لجعل الآية من قبيل الدعاء الذي لا يدلّ على شيء أكثر من الضراعة إلى الله عند الوقوع في شدة.
وكان من صاحب المقال أن خرج عن هذا القصد، وأخذ يذكر أن ما جرى عليه هو في التفسير أيضًا يجعل قول الله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} دلالة على
(2/ 1/255)

الخروج من ألم استبطاء النصر، فهي بمثابة بشارة بنجاح دعوته متى أكد العزيمة، واستتم الثقة، فيكون قوله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]، قد وقع موقع الاستجابة.
وهذا الذي كتبه لا يليق رداً على ما كتباه؛ لأن موضوع البحث هو أن الوجه الذي فسر به الآية لا ينتظم معناه إلا أن يجعل الآية من قبل الشكاية الدالة على وهن في العزيمة، وضعف في الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، وكان ردنا على هذا: أن خطاب أيوب من قبيل الدعاء الخالص، وهذا المعنى موافق لما قاله المفسرون، أما وهن العزيمة، وما عُطف عليه، فشيء زائد على ما يقتضيه حال الدعاء.
ثم قلت في الرد: "وإن سلمنا أن قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، من قبيل الشكوى، فليس من لوازم شكوى الرسول إلى الله من إعراض قومه عن دعوته أن يكون واهن العزيمة، ضعيف الثقة، عادمَ القوة في السير إلى الغاية، والشكوى إلى الله تعالى من التفسير تكون مع الصبر، كما أن الشكوى إلى الله من إعراض القوم تكون مع قوة العزم".
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لم أقل: إن هذه الشكوى وهن في العزيمة، ولكن قلت: تشعر بوهن في العزيمة، وما أظن الكاتب يجهل الفرق بين العبارتين، ولما كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، كان الجواب الطبيعي من الله مؤدبِ الأنبياء هو أن يقول له: اعقد العزيمة، وأكدها، وذلك ما يغسل عنك ألماً أنت فيه من بطء دعوتك وإعراض قومك".
لم أحك عنه إنه قال: إن شكاية أيوب وهن في العزيمة، بل حكيت عنه أنه قال: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف في
(2/ 1/256)

الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42] ".
ومن يتحدث عن كلام وقع خطاباً لعلَّام الغيوب، ويقول فيه: إنه يشعر بوهن في العزيمة، وضعف في الثقة، فقال له علَّام الغيوب: اعقد عزمك، فلا بد من أن يريد: أن هذا كان إشعاراً للمخاطب، وهو الله، فيكون قد أثبت لصاحبه الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة، فإذا قلنا: إن صاحب المقال قد نسب إلى أيوب - عليه السلام - وهنَ العزيمة، وما عُطف عليه، فلأنه جعل مناجاته لله مشعرةً بذلك، وجعل قول الله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} مترتباً على ذلك الإشعار.
ثم قال صاحب المقال في رده: "على أنه قد جاء في القرآن ما يدلّ صراحة على أن الأنبياء كثيراً ما يستبطئون نصر الله"، وأورد آية: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214]، وقال: "إذ لا مانع من أن أيوب حين اشتد عليه أمر قومه، وإعراضهم عنه، يستبطئ سير الدعوة، ويستبطئ نصر الله، وما في ذلك من مساس بقدس الأنبياء, فإن حرصهم قد يدفعهم إلى الاستباق من الله بالنجاح".
قد يستبطئ الرسول نصر الله، ويقول: متى نصر الله؟ ولا يدخل ذلك على أنه واهن العزيمة، وضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية، فإذا فرض صاحب المقال أن أيوب - عليه السلام - استبطأ سير الدعوة، أو استبطأ نصر الله، فليس له أن يفرض شيئاً آخر بعده، وهو وهن العزيمة وما عُطف عليه، وهذا هو موضع بحثنا معه إذ قلنا: "فنسبة رسول من رسل الله إلى وهن العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، ليست بالأمر الهين،
(2/ 1/257)

فلا بدَّ له من نقل ثابت صريح، ولا يكفي فيه مجرد شكواه إلى الله تعالى من عدم قبول القوم دعوته".
ثم قال: "لا، بل قد جاء في القرآن ما يدلّ على أكثر من ذلك، جاء فيه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110]، فانظر كيف نسبت الآية إلى الرسل يأساً من النصر ونجاحِ الدعوة، وقد يفهم الجاهلون في ذلك مساساً بقدس الأنبياء، ولكنهم في ذلك جد مخطئين؛ فإن استبطاء الأنبياء للنصر حيناً، ويأسهم حيناً آخر، ليس من سر سوى شديد رغبتهم، وبالغ حرصهم على نجاح دعوتهم، وإيمانِ قومهم، لا جرم يستبطئون النصر، ولا جرم ييئسون".
قد يجتهد الرسول، فيحدد مدة يظن أن النصر لا يتأخر عنها، حتى إذا طال الزمن، وانقضت المدة المحدودة للنصر بحسب ظنه، ولم ير النصر، استشعر اليأس من أن ينصر في الدنيا، وظنَّ أن نفسه قد كذبته فيما كانت تحدثه به عن النصر، فإذا نصرُ الله يأتيه فجأة، فينجي الله من يشاء، ولا يُرد بأسُه عن القوم المجرمين، وإذا استشعر الرسول هذا اليأس، فلأنه ليس بواجب على الله - في نظر العقل - أن ينزل العذاب في الدنيا على من لم يؤمنوا برسله، كما أنه ليس من لوازم الرسالة أن يهتدي بها طوائف كثيرة من الناس، ففي الحديث الصحيح: "يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط".
والرسول مع استشعاره لليأس يستمر على القيام بواجب الرسالة حتى يأتي أمر الله، فلا يصح الاستشهاد باستشعار الرسل لليأس من النصر، أو من إيمان قومهم في بعض الأحيان، على أن أيوب - عليه السلام - كان واهنَ
(2/ 1/258)

العزم، ضعيف الثقة، عادم القوة في السير إلى الغاية.
ثم قال في رده: "وأخيراً: فاسألوا هذا الكاتب عن تلك الآيات: هل تكفي نقلاً ثابتاً، أم يحتاج معها إلى دليل آخر؟ ".
الآية الأولى دلت على أن الرسول قد يستبطئ النصر فيقول: متى نصر الله؟ واستبطاء النصر شيء، ووهن العزم وعدم القوة في السير إلى الغاية شيء آخر.
والآية الثانية دلت على أن الرسول قد تطول أيام دعوته، ولا يظهر على قومه، فيستشعر اليأس من الانتصار عليهم في الدنيا، فيأتيه النصر فجأة، واستشعار اليأس من هذا الانتصار لا يدلّ على الوهن في العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية.
وإن سلَّمنا أن الله قد يبعث رسولًا يجمع إلى الوهن في العزيمة، والضعف في الثقة عدمَ القوة في السير إلى الغاية، فإني محتاج إلى دليل يثبت أن أيوب - عليه السلام - قد اجتمعت فيه هذه الأشياء، حتى يصح لي أن أنسبها إليه وأنا مطمئن القلب، بريء من أن كون قد نسبتها إليه بغير حق. والنبيُّ يؤثر أن يصاب في جسمه على أن يصاب في عزمه وثباته في الدعوة إلى الغاية.
وكان صاحب المقال أوَّلَ قولَه تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، على أن اسم الإشارة راجع إلى الركض بالرجل، فقال: "ولما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته، وضعف ثقته بها، صَدَأً يغشى الأرواح، ومرضاً يتعب النفوس، ويضايق الصدور، وكان استكمال العزيمة، واستتمام الثقة غسلاً للأرواح من صدئها، ونقعاً للغلة، قال: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ".
فقلنا في التعليق على هذا: "فرض كاتب المقال أن أيوب كان متردداً
(2/ 1/259)

في إدراك الغاية، واهنَ العزيمة حتى صار هذا الحال يغشى روحه، فرض الكاتب هذا, ليجعل المراد من المغتسل البارد والشراب: عقد العزيمة، واستكمال الثقة".
فقال في دفاعه: "إنه بعد ما تلوتُ عليك من آيات القرآن ما عُزِي إلى الرسل؛ من استبطاء النجاح في دعوتهم، لم يكن ذلك فرضًا، بل هو أمر واقع، بل الواقع أكثرُ من هذا، فقد نسب إلى الرسل اليأس من النصر في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} [يوسف: 110]، ... إلخ ".
استبطاء النصر، أو استشعار اليأس منه، أمر يقع للرسل - عليهم السلام -، أما وهن العزم، وعدم القوة في السير إلى الغاية، فقد نسبهما صاحب المقال إلى أيوب - عليه السلام - فرضاً؛ فإنه على تسليم أن يكون المراد من قوله تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]،: الشكاية من إعراض قومه، فإن مجرد هذه الشكوى لا يكفي دليلاً على أنه وقع في وهن من العزم، وفقد القوة في السير إلى الغاية، وقد شكا نوح - عليه السلام - من إعراض قومه عن في دعوته، فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} [نوح: 5، 6]، ولا يصح لأحد يقف على هذه الآيات أن يقول: إن نوحاً - عليه السلام - كان واهن العزم، ضعيف الثقة، فاقد القوة في السير إلى الغاية.
وقال صاحب المقال في رده: "ونحن نعلم - كما يعلم هذا الكاتب -: أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، ونوقن أن القرآن نزل - مع هذا - مملوءاً بالكنايات والاستعارات، أما أن ما بينته من الكناية فيه تكلف، فسرُّ التكلف في نظر هذا الكاتب تأثر نفسه بالإسرائيليات، وتلك نتيجة طبيعية للتقليد،
(2/ 1/260)

ولم يبق بين يدي الكاتب من شبهة إلا أن يقول: إنا وجدنا آباءنا كذلك يقولون".
في القرآن استعارات بديعية، وكنايات لطيفة؛ كقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]، وقولى تعالى: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35]، وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8]، وقوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وقوله تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4].
فإذا قلت: إن ما ذكره صاحب المقال في تفسير: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، فيه تكلف، فسزُ ذلك أني وجدته غيرَ ملائم لما عرف به القرآن من حسن البيان، وبعيداً من طريقة القرآن في إيراد الإستعارات والكنايات؛ إذ يأتي بها على وجه تتسابق به المعاني إلى الأذهان تسابقَها عندما يعبر بألفاظها الحقيقية.
وكان صاحب المقال قد ذكر من وجوه رده على المفسرين: أن تفسيرهم "يقضي بأن مرجع اسم الإشارة إلى الماء، وهذا يقتضي ألا يكون لاسم الإشارة مرجع، وليس في النظم ما يدل عليه، وذلك شيء تأباه اللغة".
فقلنا في دفع هذا: إن اسم الإشارة يستعمل مشاراً به إلى أمر معقول، أو غائب، وهذا الاستعمال هو الذي يحتاج فيه إلى مرجع، ويستعمل مشاراً به إلى محسوس مشاهَد للمتكلم والمخاطب، وهذا الاستعمال لا يحتاج فيه
(2/ 1/261)

اسم الإشارة إلى مرجع، ومن البين أن اسم الإشارة في الآية مستعمل في أمر يراه المتكلم والمخاطب، وهو الماء.
كتبنا هذا، وفي ظننا أن صاحب المقال إنما كتب ذلك الوجه من الرد غافلًا عن تفصيل الحكم في مرجع اسم الإشارة، وأنه سيمسك عن الخوض في هذا البحث، ولكنه كلف قلمه أن يكتب شيئاً يسميه: رداً على ما كتبناه، فقال:
"وإنا نقول لهذا الكاتب أولًا: إن القرآن إنما يحكي الجملة التي أوحى الله بها إلى أيوب، وأيوب - طبعاً - لم يركض برجله إلا بعد أن تلقَّى هذه الجملة، وساعةَ تلقيها لم يكن الماء موجوداً حتى يكون مشاهداً للمتكلم والمخاطب، فتكون الإشارة حينئذ إلى غائب مما يحتاج إلى مرجع في الكلام".
يقول المفسرون: إن قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، حكاية لما قيل لأيوب بعد امتثاله للأمر، ونبعِ الماء، أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام؛ كأنه قيل: "فركض برجله، فنبعت عين، فقلنا له: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} (1)، فاستبان من هذا أن المفسرين يصرحون بأن الإشارة في قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ} وقعت بعد الركض بالرجل، ونبع الماء، ولم يبق إلا أن صاحب المقال لم ينصف المفسرين، إذ قام يحمل عليهم حملته، ولا يكلف نفسه النظر في عباراتهم بشيء من التدبر.
ثم قال: "ونقول ثانياً: إن مشاهدة المتكلم والمخاطب للمشار إليه إنما
__________
(1) "تفسير الألوسي".
(2/ 1/262)

تغني عن مرجع بالنسبة إلى المتكلم والمخاطب، أما إذا أريد إفهام الكلام لغير المتكلم والمخاطب، فلا بدَّ من مرجع يمكن للسامع معه أن يفهم ما يسمعه، وإلا، لصحَّ أن تقول لشخص: أنا اليوم قابلت فلاناً، وقلت له: هذا ملك أخي، دون أن يسبق ذكر المشار إليه، ودون أن يكون في الكلام ما يدل عليه، مع أن هذا كلام لا يمكن لمن تحدثه به أن يفهمه".
لو ذكر لك طبيب اسم شخص، وقال لك: شكا إليَّ مرضاً نزل به، فقلت له: هذا دهن، وهذا شراب، لفهمت ماذا أراد، ورأيت اسم الإشارة كيف يستغني عن مرجع يتقدم عليه.
ولو حدثك إنسان عن شخص، وقال لك: شكا إليَّ شدة البرد، فقلت له: هذا رداء وإزار، وهذا فراش وغطاء، لرأيته في غنى عن أن يذكر لاسم الإشارة مرجعاً غير ما أشار إليه من بعد.
وقوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، بعد حكايته قول أيوب - عليه السلام -: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83]، وقوله: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، وبعد قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]، ظاهرٌ في أن المشار إليه هو الماء النابع من الأرض.
وكان صاحب المقال قد قال في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]: "أي: هدينا له أهله، فاَمنوا به، واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله". وقال: "فليس المراد بالهبة هنا هبة الخلق والإيجاد، بل هبة الهداية والإرشادة بدليل تعبيره بالأهل دون الذرية والولد كما في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53]؛ إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
(2/ 1/263)

فقلنا له: إن طائفة من المفسرين يقولون: إن المراد من هبة الأهل في هذه الآية، ومن إيتائهم في آية الأنبياء: جمعُهم عليه بعد تفرق، لا إيجادهم بعد عدم، ولا إحياؤهم بعد موت، وهذا المعنى أقرب إلى الفهم من معنى: هدينا له، وقلنا: إن الهبة: إعطاء الشيء من غير عوض، وهذا المعنى يتحقق في جانب الله بجمع أهل الرجل عليه بعد تفرقهم، فحمل الهبة على الجمع حمل للفظ على معنى قريب من الذهن، أما الهداية، فمعنى زائد على ما يفهم من لفظ الهبة، وإنما يصرف اللفظ عن المعنى المتبادر متى وجد المقتضى لهذا الصرف.
فقال صاحب المقال في رده: "أنا لا أدري لم كان المعنى الحقيقي للفظ الهبة إنما يتحقق في جانب الله بجمعه أهلَ الرجل بعد تفرقهم، ولا يتحقق بهداية أهل الرجل به بعد ضلالهم".
قال الله تعالى في سورة الأنبياء: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء: 84]، وقال في سورة ص: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]، وفي الآيتين أمران يصرفان الهبة والإيتاء عن معنى: أنه وجد له أهلًا بعد أن لم يكن له أهل:
أولهما: مجيء لفظ الأهل مضافاً إلى ضمير أيوب - عليه السلام -؛ فإنه ظاهر في أن الهبة تعلقت بهم، وهم أهل.
ثانيهما: قوله تعالى: {وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]؛ فإنه إذا كان هؤلاء المثل من قبيل الأهل، لا ينتظم المعنى على أن تكون الهبة أو الإيتاء بمعنى: الخلق والإيجاد, إذ يصير المعنى: خلقنا له أهله، وأهلاً مثلهم، فلا يظهر له وجه من الفائدة مقبول، وإذا لم يصح حمل الهبة أو الإيتاء على الخلق والإيجاد،
(2/ 1/264)

كان المعنى المتبادر من نسبة الهبة أو الإيتاء إلى الله: جمعهم عليه بعد تفرق؛ فإن إعطاء شيء لشخص إيصالُه إليه، والإيصال يتحقق في جمعهم عليه بعد التفرق، أما معنى هدايتهم بعد كفرهم، فأمر خارج عن معنى الإيتاء والهبة، فلا يحملان عليه إلا بدليل.
ثم إن حمل الهبة والإيتاء على معنى الهداية يستدعي أن يحمل قوله: {وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [ص: 43]، على طائفة من غير أهله، والمماثلة ظاهرة في العدد، وإذا كانت الآية مسوقة مساق الامتنان، فإن الامتنان يظهر في كثرة من شملتهم هذه الهداية، وإذا قيل في معنى الآية: آمن به أهله، ومثلهم معهم، لم يكن المعنى ملائمًا للسياق؛ فإن إيمان أهل الرجل ومثلهم معهم لا يدل في العادة على كثرة المؤمنين به، ولا يظهر أن يكون المراد بيان عدد من آمنوا بأيوب؛ فإن عدد أهله غير معروف، حتى إذا قيل: وآمن مثلهم معهم، عرف مقدار من آمنوا به.
أما ما يقوله المفسرون، فإنه يوافق ما سيقت له الآية من الامتنان؛ فإن انقطاع الرجل عن أهله بلاءً، وجمع أهله عليه نعمة، كيفما كان عددهم، ومتى قيل: وآتيناه مثلهم معهم، كان وجه المنة أظهر، فالتأم معنى الآية مع السياق.
وقال صاحب المقال: "إن المعنى الذي فسرتُ به الآية أقربُ إلى المعنى الحقيقي مما فسر به المفسرون، إذ هداية الله للناس أكبرُ ما يهتم له الأنبياء، ففي الهداية يتحقق معنى الإعطاء، أما جمع الأهل فهو:
أولاً: هَيّنٌ على الأنبياء ما دام لم يكن جمعاً للهداية.
وثانياً: ليس فيه جديد يوهب، إن أهل الرجل هم أهله، إن تفرقوا عنه، أو اجتمعوا عليه".
(2/ 1/265)

قد أريناك أن معنى الجمع بعد التفرق في لفظ الهبة أظهر من معنى الهداية، ومتى كان هناك معنى يتبادر من اللفظ، ويتحقق به معنى الهداية، كان أحقَّ بأن تحمل عليه الآية، وعدّ الجمع بعد التفرق في سياق النعم يقتضي أن يكون الله قد جمعهم عليه وهم مهتدون بهديه، وأهل الرجل في حال تفرقهم عنه أهله، ولكن انقطاع الصلة بينه وبينهم يجعلهم بمنزلة العدم، فجمعُهم عليه بعد انقطاع الصلة كإيجادهم بعد أن لم يكونوا.
وكان قد قال في مقاله: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم".
قال هذا لينفي أن يكون جمعُ الأهل بعد التفرق مما يهتم له النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يستحق في زعمه أن يذكر في جملة النعم التي أنعم الله بها عليه: فقلنا في الرد عليه: يهتم الأنبياء لأن يهدي الله بهم، ولكنهم يقدرون نعماً أخرى، فلا يفوتهم أن تأخذ حظاً من اهتمامهم، فقد أثنى إبراهيم - عليه السلام - على الله بما وهبه من نعمة الشفاء، فقال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موت ابنه: "إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وهذا يدل على أنهم يهتمون لأشياء غير هداية قومهم.
فقال في الردّ على هذا: "وإذا كان الكاتب معترفاً بأن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، فلنسجل عليه هذا، ثم نعرفه أنا نعتقد أن الأنبياء بشر، يألمون لما يألم له الناس، ويحزنون لما له يحزنون، لكن القرآن لا يحدثنا عنهم إلا بأهم ما يهتمون له".
ولعل كاتب المقال نسي أنه قال: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله لهم، لا أن يولد لهم"، فهو يحصر كل ما يهتم له الأنبياء في الهداية
(2/ 1/266)

لهم، فكان من مقتضى المنطق أن نورد عليه أشياء ظهر فيها اهتمام الأنبياء، وليست من قبيل هداية القوم، ولو قال: إن أهم ما يهتم له الأنبياء أن يهدي الله بهم، لسلكنا في الرد عليه وجهة أخرى هي: أن كون الهداية أهم في نظر النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يمنع من أن يذكر الله تعالى أمرًا كان مظهراً من مظاهر الإنعام الذي يرتاح له النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان دون نعمة الهداية به.
كان صاحب المقال قد قال في تفسير قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]: "أي: لا ترفع في وجوه قومك رمحاً ولا عصاً، ولا تُغلظ لهم في القول، ولا تخاشنهم في الطلب، بل لوّح لهم في وجوهم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلظة".
فكتبنا في التعليق عليه: "هكذا يقول صاحب المقال، ويقول زعيم القاديانية الضالَّة عن السبيل محمَّد علي في تعليقه على ترجمته للقرآن الكريم إلى الإِنجليزية: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا}: القرينة تدل على أن المقصود من ذلك أعداؤه، والمراد من أخذ الضغث والضرب بها معاملتهم باللين والرفق".
ونقلنا بعدُ: أن أبا زيد الدمنهوري صاحب التفسير المنبوذ قد أوَّل: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} بمعنى: أخذه بيده شيئاً من مجموعة من خليط من الحطب أو الحشيش، أو غيره؛ لتكون بضاعة يكتسب بها العيش، ونبهنا على أن قول أبي زيد في تفسير: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص: 42]،: أن أيوب كان في سفر مسه منه تعب ومشقة، وكان محتاجاً إلى الماء، هو ما فسر به الآية زعيمُ تلك الطائفة الخارجة عن سبيل المؤمنين.
وكان من صاحب المقال أن كتب في رده فقال: "قل لي بربك: ماذا يفيد الكاتب من أن يعلق على ما أولت به الآية بسوق ما قاله زعيم القاديانية،
(2/ 1/267)

وسوق ما قاله أبو زيد الدمنهوري؟ ".
القاديانية وليدة الباطنية، ومن مبادئ هذه الفرقة إنكارُ المعجزات الكونية، وقد التزم زعيمهم أن يأتي إلى كل آية ظاهرة في معجزة كونية، ويخرجها عن ظاهرها بكلام يجعلها أمراً عادياً، وجرى في أثره أبو زيد صاحب التفسير المنبوذ، فلا يمر بآية فيها معجزة إلا حزَفها عن معناها كما يحرفها زعيم القاديانية.
وقد وجدت في تفسير صاحب المقال لهذه القصة رأياً أول من قاله زعيم تلك الطائفة، ويكفي داعياً إلى التنبيه على ذلك حق التاريخ, فإن نشأة الآراء وأسباب نشأتها من الأغراض التي يبحث عنها العالم، ويراها من وسائل التحقيق في العلم.
ثم إني نبهت لذلك على أمل أن يتروى صاحب المقال في النزعة التي أخذ ينزع إليها في تفسير كتاب الله، ومن قال لشخص: إن رأيك غير صواب، وقد سبقك إليه فلان الضال، قد يريد حثَّه على إعادة النظر في رأيه؛ عساه أن ينكشف له من وجوه فساده ما خفي عليه من قبل؛ فإن شأن الطوائف الضالَّة عن السبيل أن يبنوا اَراءهم على أهواء طائشة، أو أصول فاسدة.
وأما سوقُ ما قاله أبو زيد الدمنهوري، فلأن أبا زيد ركب في تفسير القصة كما ركب زعيم القاديانية رأسه، وذكر الشيء لمناسبة يسميه أهل العلم: استطراداً.
وقال صاحب المقال: "أعرف فريقاً من الناس - منهم هذا الكاتب - اعتادوا ألا يفاجئوا العامة بحق يخالف خرافاتهم وأوهامهم، ويرون أن هذا سبيل إلى تزعُم العامة، وأن في ذلك منافعَ لهم ومصالح، كما اعتادوا أن
(2/ 1/268)

يستَعْدوا العامة على أنصار الحق".
حاربت، وأحارب الخرافاتِ والأوهام، ولتزعُّم العامة سيرة غيرُ السيرة التي أغدو عليها وأروح، ولو كنت أحرص على هذا التزعم، لآثرت السلامة من ألسنة بعض الخلق، على الحق، ولست ممن يرى استعداء العامة على أهل البدع والضلالات والأهواء، فضلًا عن استعدائهم على أنصار الحق، وأرى أن خير ما يستعدى على هؤلاء الحجَّة، والمجادلة على طريق آداب البحث، ذلك أن الحجة والمجادلة على قانون المنطق هي التي تقتل آراءهم، وتستأصلها من منابتها.
وقال في رده: "ولقد كان هذا الفريق في كل عصر قَذى في عين الإِسلام، وشوكة في ظهره". شتم رجلٌ عمرَ بنَ ذر، فلم يرد عليه، وقال له: "إني أَمَتُّ مشاتمةَ الرجال صغيراً، فلن أحييها كبيراً".
قال صاحب المقال في رده: "واسألوا هذا الكاتب: ماذا دعاه أن يكتب ما كتب؟ هل جئت بشيء يخالف أصلًا من أصول الدين، أو فرعاً من فروعه؟ وكل ما جئته أني خالفت تلك الإسرائيليات التي يكاد يراها الكاتب ديناً تجب الثورة على من يخالفه".
الرد على طريقة البحث العلمي لم يسبق لأحد أن سماه: ثورة، ويكفي داعيا إلى مناقشة الكاتب: تخطئته للمفسرين بإبداء خواطر لا تتصل بأصول معقولة، ثم أخذه في تفسير القرآن على نحو لا يلتقي مع بلاغة القرآن، وحسنِ بيانه.
وحكى صاحب المقال ما قلته في الرد عليه من أن مسلكه في تأويل القصة مسلك من لا يراعي لحسن البيان حقاً، ولا للذوق العربي عهداً؛ إذ
(2/ 1/269)

حمل آيات من القرآن الكريم متتابعات على كنايات واستعارات لا تدخل الآذان إلا كرهاً، وقال في الرد على هذا: "هكذا يقول هذا الكاتب، وإنها لدعاوى يلفظها الكاتب دون أن يكون عليها دليل، أو شبه دليل".
المفسرون يحملون آية: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42]، علي معانيها الحقيقية، ويحملون آية: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، كذلك على معانيها المعروفة في اللغة، أما صاحب المقال، فإنه عمد إلى هذه الآيات، وخرج بها على باب من الاستعارة والكناية غير معروف في أساليب ذلك الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين.
ويكفي في التنبيه على بطلان هذا التفسير: أن نحكي عبارات صاحبه مجردة من كل تعليق، فإنك لا تجد أحدًا يتلو القرآن الحكيم، أو يستمع إلى من يتلوه، حتى يعرف روعة بيانه، ويأنس بحسن استعاراته وكناياته، يتقبل هذا الذي يقوله صاحب المقال في هذه الآيات، ومن الذي يجد في ذوقه أو ذهنه استعداداً لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}. قوِّ عزمك، واستتم ثقتك؛ فإن استكمال العزم واستتمام الثقة يغسل الأرواح من التردد في الغاية، ووهن العزيمة، وضعف الثقة، وينقع غلتها؟! أو لقبول أن يكون معنى قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ}: لا تغلظ لقومك في القول، بل لوّح لهم في وجوههم بالأزهار والرياحين؟!.
وإذا كان صاحب المقال يحسب أن كل استعارة وكناية أبلغُ من الحقيقة، فقد ظن ما لم يخطر للبلغاء على بال.
فالحق أن القرآن المجيد لا يأتي الاستعارة أو الكناية إلا أن تكون واضحة
(2/ 1/270)

المنهج، قريبة المأخذ، وبمثل هذا الوجه اشتد عضدنا في الرد على طائفة الباطنية؛ إذ حرَّفوا الآيات عن مواضعها، وصرفوها إلى استعارات وكنايات ينكرها الذوق السليم، ولا تحتملها قوانين البيان.
ثم قال كاتب المقال في رده: "وإنَّما اندفع هذا الكاتب إليها - أي: إلى تلك الدعاوى -؛ لتأثره بإسرائيليات نشأ عليها، فغدت عقيدةً عنده لا يستند فيها إلا إلى التقليد، وقديماً رمى الناس الأنبياء بالسحر والجنون، وغير ذلك، مع وضوح حجتهم، وسطوع برهانهم، ولكنه التقليد أعماهم حتى قالوا: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74]، ".
يريد من الدعاوى: ما بينته من حمله للآيات على استعارات وكنايات بعيدة لا داعي إليها، ولا قرينة تساعد عليها، وقد أكثر من ذكر أني أكتب متأثرًا بالإسرائيليات، أو كتب عن تقليد، وهذا حديث لا يعود على البحث بجدوى؛ فإنا نكتب لذوي الفطر السليمة، والأفكار النبيهة، وهؤلاء يميزون الشبهة من الحجَّة، ويفرقون بين المعقولات والخيالات، ولا يتجافون عن رأي لمجرد أنه رأي قديم، أو يطيشون إلى آخر لمجرد أنه رأي جديد، فلا يضر الباحثَ أن يقال عنه إنه متأثر بالإسرائيليات، وهو غير متأثر بها، أو يقال عنه: إنه مقلد، وهو يسوق بحثه على طرق منطقية.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(2/ 1/271)

نزل القرآن على سبعة أحرف (1)
ورد هذا الحديث من رواية نحو عشرين من الصحابة، وعدَّه أبو عبيد في الأحاديث المتواترة.
ولم يرد نص أو أثر في المراد من السبعة الأحرف (2).
والحرف يطلق بمعنى: الكلمة، وواحد حروف التهجيّ، والمعنى، والوجه، واللغة، وطرف الشيء.
ومن هنا اتسع الخلاف بين المتكلمين في معنى الحديث.
فذهبت طائفة إلى أنه حديث مشكل لا يدرى معناه، وهذا ما ذهب إليه أبو جعفر بن سعدان النحوي، واختاره السيوطي في "حاشيته على سنن النسائيُّ"، وقال: والمختار عندي: أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه من الأحاديث الميسورة البيان، وهؤلاء اختلفوا اختلافًا كثيراً.
__________
(1) محاضرة ألقاها الإمام محمد الخضر حسين لطلبة التخصص في التفسير والحديث بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر - وجدتها مخطوطة في أوراق الإمام المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة. ونشرتها سابقاً في كتاب "المستدرك الأول من تراث الإمام محمد الخضر حسين".
(2) "العواصم والقواصم" لأبي بكر بن العربي.
(2/ 1/272)

ونحن نذكر أشهر أقوالهم، ونقرر ما هو الراجح من جهة الدليل:
أولها: أن المراد من السبعة الأحرف: أصناف من الكلام، وهي: النهي، والأمر، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال، واستدل هؤلاء بحديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان الكتاب الأول ينزل على سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحِلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه" (1).
وردّ هذا الرأي بأن حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" يدل على أن الأوجه السبعة المذكورة قد تجتمع في كلمة، والأحرف- بمعنى الأصناف المذكورة في حديث ابن مسعود - لا تجتمع في كلمة واحدة، ثم إن حديث عمر بن الخطّاب، وهشام بن حكيم يدل على أن اختلاف الأحرف يرجع إلى اللفظ دون المعنى، فإنهما لم يختلفا في تفسيره، وإنما اختلفا في قراءة حروفه.
وإذا لم يصح أن يكون حديث ابن مسعود مفسِّراً لحديث: "نزل القرآن على سبعة أحرف"، فمن المحتمل أن يكون قوله: "زاجر، وآمر، وحلال ... إلخ " كلام مستأنف. ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، أو يحمل على أنه تفسير للأبواب في قوله: "على سبعة أبواب"، لا للأحرف
__________
(1) رواه أبو سلمة عبد الرحمن عن ابن مسعود، وأبو سلمة هذا لم يلق ابن مسعود، فهو منقطع. وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهريّ عن أبي سلمة، مرسلاً، وقال: هذا مرسل جيد.
(2/ 1/273)

من قوله: "على سبعة أحرف".
ثانيها: المراد من الأحرف: الأوجه، وهي وجوه تأدية المعنى الواحد بألفاظ مترادفة، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر أهل العلم، ونبَّه على أن المراد: تأدية المعنى بألفاظ مختلفة، ولو كانت من لغة واحدة؛ نحو: هلمَّ وتعالَ وأقْبِلْ.
ثالثها: المراد من الأحرف: الوجوه التي يراد بها التغاير، وهذا ما ذهب إليه ابن قتيبة، وفصّل هذا الوجوه السبعة فقال:
1 - ما تتغير حركته، ولا يزول معناه ولا صورته؛ مثل: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ} [البقرة: 282]، - بالفتح، والرفع -.
2 - ما يتغير بالفعل مثل: (باعدْ) بلفظ الطلب، و (باعدَ) بلفظ الماضي.
3 - ما يتغير باللفظ مثل: (ننشزها)، و (ننشرها).
4 - ما يتغير بإبدال حرف قريب المخرج مثل: (طلح منضود)، و (طلع منضود).
5 - ما يتغير بالتقديم والتأخير مثل: (وجاءت سكرة الموت بالحق)، و (سكرة الحق بالموت).
6 - ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل: (والذكر والأنثى)، (وما خلق الذكر والأنثى).
7 - ما يتغير بإبدال كلمة بأخرى مثل: (كالعهن المنفوش)، و (كالصوف المنفوش).
ونوقش هذا الرأي بأن الحديث ورد وأكثرهم يومئذ لا يكتب، ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف ومخارجها، فمن البعيد جعل ما يختلف
(2/ 1/274)

بالحركات مع اتحاد صورة الكتابة حرفاً.
ونرى من البعيد أيضاً أن يقصد الحديث إلى أن يعد ما يختلف فيه اللفظان بحروف متقاربة حرفاً، وما يختلف فيه اللفظان بحروف متباعدة حرفاً، بل الظاهر أن ما يختلف بالحروف حروفاً متقاربة أو متباعدة يعدّ حرفاً واحداً.
ولا يتمشى هذا القول مع من يرى أن السبعة الأحرف باقية في المصحف.
ونحن نستبعد أن يلاحظ في الحديث إلى أن يعد ما يختلف فيه اللفظان بحروف منقوطة، أو تغير بحروف متقاربة أو متباعدة حرفاً من الأحرف السبعة في الحديث يعدُّ اختلاف الألفاظ بنقط بعض حروفها، أو بحروف متقاربة أو متباعدة حرفاً مستقلاً.
رابعها: إن الأحرف السبعة ترجع إلى كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومدّ وقصر، وتخفيف وتليين وتحقيق؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسَّر الله عليهم؛ ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته، ويسهل على لسانه.
خامسها: أن المراد من الأحرف: اللغات، وإلى هذا ذهب أبو عبيد، والزهريّ، وصححه البيهقي في "شعب الإيمان"؛ أي: أن القرآن نزل على سبع لغات من لغات العرب. والمراد: أن اللغات السبع مفرَّقة في القرآن، لا أن كل كلمة تقرأ سبع لغات.
وإذا اعتمدنا تغير الأحرف باللغات، فإنما نعني: أن الله تعالى أنزل القرآن على هذه اللغات حتى يتيسر لكل عربي أن يقرأه على وفق لغته، لا أنه أباح للعرب أن يقرأ كل القرآن بلغته، ولو لم يسمع القراءة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويدل على أن هذه الأحرف متلقاة من النبي - صلى الله عليه وسلم -: حديث عمر، وهشام؛
(2/ 1/275)

إذ قال كل منهما: "أقرأني النبي - صلى الله عليه وسلم -".
قالوا: وقد ثبت عن بعض الصحابة: أنه كان يقرأ بالمترادف، ولو لم يكن مسموحاً له، وساقوا على هذا: أن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنكر على ابن مسعود قراءته: (عتّى حين) بدل (حتّى حين)، وكتب له: أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل.
وإذا صح هذا الأثر، حُمل قول عمر على معنى: أن الله أنزل القرآن أولاً بلسان قريش، ثم سهله على الناس، فجوّز لهم أن يقرؤوه على لغتهم. فينبغي إقراؤه وتعليمه على اللغة التي نزل بها أولاً.
(2/ 1/276)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(3)

«دِرَاسَات في الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(2/ 2/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(2/ 2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
" دراسات في الشريعة الإِسلامية"
هذا الكتاب الذي أصدرناه ضمن المجموعة القيمة لمؤلفات الإمام الأكبر العلامة المرحوم محمَّد الخضر حسين - رضوان الله عليه - هو مجموعة المقالات التي خطتها يراعته الصادقة في مجلة "لواء الإِسلام"، والذي كان رئيساً لتحريرها منذ أن صدر العدد الأوّل منها في الأول من شهر رمضان لعام 1366 ه الموافق 19 يوليو (تموز (1947 م بالقاهرة، ومما نقتطفه من مقال للأستاذ أحمد حمزة صاحب امتياز المجلة، نشره في العدد الثاني عشر من السنة الحادية عشرة قوله: "ومنذ أن اتجهنا إلى إنشاء مجلة لواء الإِسلام، نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علمًا يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين، فأرسى قواعد التحرير فيها، وتعهدها بتوجيهه، وقلمه وقلبه المنير، ونيته وإخلاصه - رضي الله عنه -، فسارت قدماً إلى الإمام، تحمل رسالتها، وتتجه إلى غايتها، ومن ورائها الخضر ... ،
ولم ينقطع عن رئاسة التحرير إلا عندما شغل بمنصب شيخ الأزهر، وفي هذا المنصب أعاد إليه كرامته، وأكد عزته، ولا يزال الأزهريون يذكرون له مواقف الشمم والإباء.
فرضي الله عنه في الصديقين والصالحين والأبرار المجاهدين ... ".
(2/ 2/3)

أما تفسير القرآن الكريم الذي قدمه العم الإمام في مجلة "لواء الإِسلام"، فقد أفردناه في كتاب مستقل تحت عنوان "أسرار التنزيل"، والله نسأل السداد.
علي الرّضا الحسيني
(2/ 2/4)

الله موجود (1)
لما فتح المسلمون البلاد شرقاً وغرباً في أقصر وقت؛ ليس الدين وسماحته، ووقع اختلاط المسلمين بالأجانب لأخذ ما امتاز به الأجانب من العلوم، أخذ بعض من اعتقد الإِسلام ديناً يتحول عن عقيدته؛ لأنه لم يدرس شريعة الإِسلام، أو لم يدرسها حقَّ دراستها بحيث يستطيع أن يرد شبه الأجانب بسهولة، أو بنظر دقيق، فحاكاهم، وصار حرباً على الدين، كما جاهر بعض أفراد منهم بعداء الإِسلام، وزعم حسناته سيئات، وجرأهم على هذا الزعم والتمويه براعتهم في الأشياء الكونية.
ونحن نفرق بين ما يدعو إليه الدين من الاعتقاد الصحيح والعمل المستقيم، وما تأتي به التجربة من العلوم التي قال فيها - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فالدين جاء لما تضل فيه العقول من العقائد الصحيحة, والأعمال الاجتماعية التي لا تدرك استقامتها إلا بالوحي، ومن أمعن النظر، رأى الفرق واضح بين ما أرشد إليه الدين، وما تركه لتجربة المخلوقين، فلم يعرفوا
الكهرباء والإذاعة وصنع القنبلة الذرية ونحوها؛ لأنها متروكة للتجربة الحسية.
وبلغ بعض المنحرفين عن السبيل أن أنكروا أمراً ظاهر الدليل، وهو
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الثاني عشر من السنة العاشرة.
(2/ 2/5)

وجود واجب الوجود. ولظهور دليله، قال بعض الأئمة: إن الإنسان يعذب عذاب الخالدين؛ لتركه الاعتقاد بواجب الوجود، ولو لم يرد من الله -عز شأنه- رسول، وراعى غيرهم ظاهر الآية وعمومها، وهو قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
فقال هذا الفريق: لا لِعذب الله أحداً عذاب الخالدين إلا إذا بلغته دعوة رسول على وجهها.
والدليل المنبه لوجود واجب الوجود هو إمكان الأشياء وحدوثها، أو بحدوثها, كما هو مقرر في علم الكلام.
ونذكر الاستدلال بحدوث الممكنات على وجه الاختصار، فنقول: إن وجود الحوادث بديهي؛ كالحيوان والنبات، فهذه الحوادث لم توجد بنفسها قطعًا، فلا بد لها من موجد، فإن كان الموجد لها واجب الوجود، فقد تم المراد، وارتفع النزاع، وإن كان الموجد لها حادثاً، فيلزم الدور والتسلسل.
"والدور: هو أن يكون الشيء الذي وجد بالحادث هو الذي أوجد الحادث، وهذا مستحيل، والتسلسل يقتضي وجود حوادث لا أول لها، وهو مستحيل أيضاً".
وهذه الطريقة في الاستدلال أبين وأقصر من غيرها، وإن كانت طريقة الاستدلال بالممكن صحيحة وقطعية أيضاً.
ولما كانت الأعراض لا توجد إلا بوجود الأجسام، كان الدليل على حدوث الأجسام متضمنا دليل حدوث الأعراض.
والقرآن الكريم أكثر من الاستدلال على وجود الخالق بحدوث الأعراض؛
(2/ 2/6)

لأنه أقرب الطرق وأظهرها لإفهام الخلق؛ فإن القرآن نزل ليفهمه كل الناس من الخاصة والعامة.
قال الرازي: إن الاستدلال بحدوث الأعراض يتضمن التذكير بالنعم.
وقد سلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق طريقين:
أولهما: كمال القدرة.
وثانيهما: تمام النعمة واللطف بالخلق؛ كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
فهذه الآية جمعت بين الاستدلال بكمال القدرة، وإتمام النعمة، ومثلها الآيات الدالة على كمال القدرة، والآيات الواردة في إتمام النعمة.
وانظر إلى قول موسى - عليه السلام - فيما قصه القرآن عنه: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50].
أي: أعطى كل شيء صورته الخاصة، وشكله المعين المطابقين للحكمة والمصلحة.
واستدل أبو حنيفة - رضي الله عنه - على بعض الدهرية، وهم الذين عناهم القرآن بقوله:
{مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24]
فقال: لو أن رجلًا يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة بالأثقال، قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها، ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا، قال: سبحان الله! إذا لم يجز في
(2/ 2/7)

العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مُجرِ، فكيف يجوز نظام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافز؟ فأسلموا.
واستدل الشافعي - رضي الله عنه - بحدوث الأعراض أيضاً على وجود الله، فقال: ورقة الفرصاد (التوت) تأكلها دودة القز، فيخرج منها الإبريسم (الحرير)، وتأكلها النحل، فيخرج منها العسل، وتأكلها الشاة، فيخرج منها البعر، وتأكلها الظباء، فينعقد في نوافحها المسك، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك، مع أن الورقة واحدة؟
واستدل أحمد بن حنبل على وجود الإله بحدوث الأعراض أيضاً، فقال: قلعة حصينة ملساء، لا فرجة فيها، ظاهرها كالفضة المذابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران فخرج من القلعة حيوان سميع بصير. من فعل هذا؟ وعنى بالقلعة: البيضة، والحيوان: الفرخ الذي خرج منها.
وزعم بعض البسطاء: أن الجواهر وأعراضها حدثت بطبيعتها، وليس هناك موجد غيرها، يقولون هذا، وهم يعترفون بأن الطبيعة لا تعقل كثيراً ولا قليلًا، فكيف يجوز أن تنظم الطبيعة الكون هذا التنظيم البديع؟
فالقول بأن الطبيعة هي التي أحدثت هذا النظام قول مرفوض بالبداهة، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
والمعجزات التي تجري على أيدي الرسل -عليهم الصلاة والسلام - هي من فعل الله، وقد زادت الإيمان باللهِ قبل الإيمان بالرسل- عليهم الصلاة والسلام ولهذا ترى من فلاسفة الإِسلام إيماناً قوياً صحيحاً.
قال أبو بكر بن الطفيل: فيلسوف الأندلس يصف الروح والبدن:
(2/ 2/8)

نورٌ تردَّد في طينٍ إلى أجلٍ ... فانحاز علواً وخلّى الطين للكفنِ
يا شد ما افترقا من بعد ما اجتمعا ... أظنُّها هدنة كانت على دَخَنِ
إن لم يكن في رضا الله اجتماعُها ... فيا لها صفقة تمتْ على غبنِ
وأدلة القرآن قطعية الدلالة، فيها مقنع وكفاية لكل ذي عقل مفكِّر، فانظر إلى قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35].
تجد الدليل القوي على وجود الخالق -جل وعزّ-.
(2/ 2/9)

الأحكام العادلَة (1)
شرع الإِسلام لسياسة الشعوب أحكاماً تجري على سبيل العدل، وسار الخلفاء الراشدون على تنفيذها بحق، وتلقوا الثناء عليها من كل ناحية.
وقام بعض الملوك الذين لم يدرسوا الدين كما يجب يتقبلون فتاوى الأئمة المجتهدين فيها؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم النخعي، ويتقبلون آراء العلماء الراسخين؛ كالإمام سحنون، وابن عبد البر، ومنذر بن سعيد، وأبي بكر بن العربي، وأمثالهم، وكثير من هؤلاء الأئمة بنوا الحكم بالإفتاء والتأليف المسند إلى الأدلة التي تواترت على المصلحة، والفرق بين هذا وبين القانون هو الإحاطة بالمصلحة، وإنما ينازع في الأخذ بأحكام الشريعة من ينظر في مقتضيات العصر بعين فاترة، أو يجعل نظرته كمرآة لمعرفة الحق والباطل.
وإذا كانت الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنّة لا تخرج عن الحقيقة، ويقف الإنسان أمامها راكعاً أو ساجدًا، والنظر السليم أفادنا بهذا.
والدليل على ذلك: أنه إذا ذكر لك الإنسان قانوناً وضعياً، ورأيته موافقاً
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد العاشر من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/10)

للنظر الصحيح، فإنه إما أن يكون وافق القانوني الفطري، أو يكون ما قرره من أحكام مستمداً من المسائل المقررة في مذاهب الأئمة المجتهدين.
والفرنسيون لما استولوا على الجزائر ترجموا "مختصر الشيخ خليل" المؤلف في الفقه المالكي إلى لغتهم. فمن الجائز أن ما قرر في القانون من المسائل التي وضعوها في قانونهم الوضعي أخذ من هذا الفقه.
والمصلحة قد يفهم من النص الخاص اعتبارها, كمصلحة تعدد الزوجات المفهوم من قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3].
وقد يفهم إلغاؤها من النص؛ كمنفعة الربا التي اعتبر الشارع إلغاءها نظراً للمضار الحاصلة منه.
وقد يعتد الشارع بالمصلحة، وإن لم يتقدم منه نص خاص على اعتبارها، ولكنه يفوض إلى المجتهد إذا أدرك المصلحة تعليق الحكم عليها، وتسمى: المصلحة المرسلة؛ أي: مطلقة عن التقييد بدليل خاص على اعتبارها أو إلغائها، ويتركها للمجتهد؛ مراعاة للقواعد التي أخذت من الكتاب والسنّة.
إن المصلحة إذا لم يخصها الشارع بنص على اعتبارها أو إلغائها ترجع إلى المجتهد، ولا يقبل النظر فيها إلا منه؛ لأنه هو الذي يعرف ما نص عليه الشارع، وما يناسب المصلحة التي يعتبرها الشارع أو يلغيها، ونظره هنا له اعتباره الشرعي؛ لاستناده إلى قاعدة مأخوذة من الكتاب والسنّة، وهي: مراعاة المصلحة المرسلة.
ومثل ذلك: اشتراط المالكية الخلطة بين المدعي والمدعى عليه في مطالبة المدعى عليه باليمين، وبذلك قيدوا النص العام، وهو الأثر القائل: من أنكر فعليه اليمين، وذلك فراراً من تطاول أدنياء الناس على كبرائهم،
(2/ 2/11)

وسوقهم إلى القضاء للغض من كرامتهم.
وقد منع الشارع من تزوّج المسلمة بالنصراني، أو اليهودي؛ لأن النكاح ينبني على حسن معاشرة الزوجين، ولأن للإسلام كرامة تزول عندما تتزوج يهودياً أو نصرانياً لا يؤمن بدينها. والقانون يحيى ذلك، وكأنه لا يحرص على تزوج المرأة بمن لا يزيل كرامتها.
والشارع يورث المرأة نصف ما يرثه الرجال، والقانون يورثها بقدر ما يرث الرجال، مع عدم اعتباره أن إنفاق الرجل عليها وعلى أولادها وعلى المسكن والمطعم والمشرب واجب عليه، لا عليها، وإن كانت ذات مال.
وكنت زرت شيخ الإِسلام بتونس، فوجدت في المجلس شيخنا أبا حاجب، وقريبه السيد محمد أبا حاجب، فقال قريبه: ها هنا مسألة اختلفت فيها الشريعة والقانون، وهي: أن يبيع إنسان حيواناً، أو ثوباً لا يملكه، فإن ثبت ببينة أن المبيع ملك لآخر غير الذي باعه، فالشريعة تقول: يعطي الحيوان أو الثوب لصاحبه، والمشتري يرجع على البائع بالثمن. والقانون يقول: إن الثوب أو الحيوان يبقى بيد المشتري، والمالك هو الذي يرجع على البائع بالثمن. فافترق المجلس على أن حكم الشريعة أرجح مصلحة.
فالشارع يرى أن صاحب الشيء: الحيوان، أو الثوب يعطى حقه عاجلاً، والمكلف بتتبع البائع إنما هو المشتري منه بعقد باطل، وما قاله القانون ترويج للاعتداء على أموال الناس بغير حق. ومن أدرك الحقيقة، ووقف عندها، عده رقيق الدين متعصباً لما يعتقد.
ويعجبني بعض الوزراء إذ أصدر قانوناً يوافق الشريعة بخلاف القانون الذي قبله، فقال له بعض الوجهاء يمازحه: إن بعض الناس يعدون ما فعلته
(2/ 2/12)

من الرجعية، فقال: إن كان هذا رجعية، فأنا أول الرجعيين. فتركها كلمة دالة على استقامة عقيدته وكمال خلقه.
وألفت جماعة كبار العلماء لجنة للمقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية، فعاتبني بعض الناس على تأليف هذه اللجنة، وقال: إن المستعمر يفهم أنا عزمنا على العمل بالشريعة في المحاكم كلها، فقلت: إن المقارنة بين الشريعة كالمقارنة بين القوانين تفعله الدول كلها.
وحدثني من أثق بروايته: أن ملك تونس ظهر على وجهه سرور عندما أُخبر بوفاة الشيخ إبراهيم الرياحي المفتي بتونس؛ لأن الشيخ كان يعترض بشدة على ما يفعلونه نفاقاً لأهوائهم.
ونختم هذا المقال بما أخبرنا به صديقنا الأستاذ محمد عبد السلام القباني من أن أحد الإيرانيين كتب: أن القانون الروماني إنما ظهر في أوربا بالحالة التي عليها الآن بعد ظهور الإِسلام.
وقرر الأستاذ في مقالات نشرف في بعض الصحف العربية أن طائفة من الفرنسيين رحلوا إلى الأندلس، ونقلوا الفقه الإِسلامي إلى اللغة الفرنسية، وأدخلوا بعض الأحكام في القانون الروماني، وأظهروه في أوربا، فمن قال: إن الفقه الإِسلامي أخذ من القانون الروماني، أنكر هذه الحقيقة.
وتلقت مقالات الأستاذ بعض الصحف الفرنسية بالاستحسان، وقالت: إن هذه الحقيقة مجهولة عند أوربا الآن. وكأن من طبع ما يسمى "المدونة الرومانية" اتباعاً لما ظهر في أوربا لم يطلع على هذه المقالات.
(2/ 2/13)

كيف تستنبط القواعد من الكتاب والسُّنة؟ (1)
يستنبط المجتهد الحكم من نص الشارع مباشرة، أو يستنبطه بطريق القياس، فإذا قال الشارع: أمر كذا واجب أو ممنوع، وذكر علّة الوجوب أو المنع، أو أشار إليها بحسب فهم المجتهد، فالمجتهد يحكم في غير ما ذكره الشارع متى وجد فيه العلة المذكورة، أو المنبَّه عليها بحكم الأمر المنصوص، وذلك هو القياس، وهو: مساواة الفرع الذي ألحقه المجتهد للأصل الذي ذكره الشارع، وعلق عليه الحكم، وهو من قواعد الشرع حيث دلت موارد متعددة على التعبد به.
ومن ألَّف في القواعد، لم يذكر منها القياس؛ لأنه من الأصول الأساسية الموصلة لاستنباط القواعد.
وهذه الأصول، هي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس.
والذي يضرب به المثل في جودة القياس: أبو حنيفة - رضي الله عنه -.
ومن وقف بالشريعة عند الحد المنصوص عليه، فقد سار في طريق غير مناسب لشريعة نزلت لتكون الشريعة العامة الخالدة.
والقاعدة: بيان يأخذه المجتهد من موارد كثيرة من الشريعة، ولهذا كانت - أي: القاعدة - قطعية عند المجتهد، وأسوق مثلاً لهذا: قاعدة
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد السابع من السنة العاشرة.
(2/ 2/14)

ارتكاب أخف الضررين، فإنها مأخوذة من مثل قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، فعيب السفينة بالخرق أخفّ ضرراً على أصحابها من انتزاعها كلّها من أيديهم على وجه الغصب.
ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - حين قام الصحابة ليمنعوا العربي الذي يبول في المسجد: "دَعُوه لا تُزْرِمُوه"، أي: لا تقطعوا عليه ما هو فيه، فيحدث له ضرر. إن لبول الأعرابي في المسجد ضرراً خفيفاً يمكن إزالته بالماء، وفي حمله على قطع البول ضرر كبير؛ لما قد يصيبه من مرض، فاحتمل أخف الضررين.
ومن ذلك احتمال كيد المنافقين وأذاهم في عهد النبوة، ففيه ضرر بالمسلمين، ولكنه أخف من الضرر الناشئ عن قتلهم، وهو ما أشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد الله بن أبيّ حين قال ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دعه؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه"، فقالة السوء هذه أكبر ضرراً من كيدهم.
ومن القواعد قولهم: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذه قاعدة أخذها الفقهاء من سيرة الشريعة المطهرة، فكانت تقدم إزالة المفاسد على جلب المصالح، وأسوق مثلًا لهذا: الربا، والقمار، والخمر، فقد يكون فيها منفعة، ولكن المفاسد التي تنشأ عنها أعظم، فحرمت لإزالة مفاسدها تحريماً مغلظاً، وألغيت المنفعة التي تحصل منها.
ويتصل بهذه القاعدة (1) ترجمة القرآن الكريم، ففيها، مفاسد كثيرة،
__________
(1) القاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(2/ 2/15)

وفيها منفعة طفيفة، وهي اطلاع الأجانب على شيء من أحكام القرآن وحكمته، فترجمته محرمة؛ تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح؛ لأن الترجمة تؤدي إلى الإخلال ببلاغة القرآن ومعانيه.
ويتصل بهذه القاعدة أيضاً: قتل رسول الأعداء، فقد تكون فيه مصلحة للمسلمين؛ كأن يكون حسن التدبير لقومه، أو بالغاً في الشجاعة، وفي قتله مفاسد، وهي ترك إرسال المحاربين من يمهد لهم الصلح، أو يسعى في عقد اتفاق بتسليمهم، فحرم قتله؛ درءاً لهذه المفاسد.
ومن أمثلة هذه القاعدة: قول أبي جعفر المنصور للإمام مالك: سأحمل الناس على العمل بما في"الموطأ" من أحكام، فقال له الإمام مالك: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا في البلاد، وأفتى كلٌّ بما رآه، فلا يجوز تكليف الناس العمل بما في "الموطأ"، فقول أبي جعفر المنصور يحمل الناس على الموطأ من باب مراعاة المصلحة، ومعارضة الإمام مالك في ذلك من باب تقديم درء المفاسد على جلب المصلحة، وهو تعطيل ما رواه الصحابة وأفتوا به مما ليس في "الموطأ".
ويقدّم درء المفاسد على جلب المصالح إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة، أو كانت مساوية للمصلحة، فإن كانت المفسدة أقل من المصلحة، وعظمت المصلحة إلى أن غطت على المفسدة، قدم جلب المصلحة على درء المفسدة؛ كالطائرات؛ فإنها لا تخلو من أخطار؛ كالسقوط في بعض الأحيان، وموت الراكبين فيها، ولكن المصالح التي تترتب على ركوبها عظيمة، فيقدم جلب المصالح هنا على درء المفاسد؛ لأن المصالح أعظم كثيراً من المفاسد.
(2/ 2/16)

وقد حصر القاضي الحسين الشافعي، مذهبَ الشافعية في أربعة قواعد:
الأولى: اليقين لا يرفع بالشك.
والثانية: الضرر يزال.
والثالثة: المشقة تجلب التيسير.
والرابعة: العادة محكمة.
والقواعد الأربع قد تشتمل على قواعد أصغر منها، فقاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، تشتمل على قاعدة الاستصحاب، الذي هو: إعطاء الحاضر حكم الماضي حتى يقوم الدليل على تغير الحكم، ويدخل فيها: أن اللفظ يحمل على عمومه أو إطلاقه حتى يقوم الدليل على تخصيصه أو تقييده.
والقاعدة الثانية، وهي: الضرر يزال، تشتمل على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وعلى قاعدة: ارتكاب أخف الضررين، وعلى مثل: رد المغصوب، وضمان المتلفات، وحرمة تضييق الطريق العام للمسلمين.
والقاعدة الثالثة، وهي: المشقة تجلب التيسير، تشتمل على المعاملات؛ من بيع، وإجارة، وقرض، وسَلَم، وإقالة، وشُفعة، وقسمة، وصلح، وشركة، ونحو ذلك.
القاعدة الرابعة، وهي: العادة محكمة، ويرجع في هذه القاعدة إلى حمل اللفظ على ما يجري به العرف في الأيمان والأوقاف والوصايا. ويعمل بها بعض الفقهاء في جهاز الزوجة، فيقضي به لها، وإن كان في بيت الزوج وحوزته.
وذكر بعض الفقهاء قاعدة خامسة، وهي: الأعمال بمقاصدها، وأدخل فيها قاعدة سد الذرائع؛ لأن المنع من الأمر الذي ظاهره الصحة سببه أنه
(2/ 2/17)

قصد به الفساد.
وممن ألّف في القواعد من- الشافعية -أيضاً: العز بن عبد السلام، ومن- الحنفية-: أبو طاهر الدبوسي، وابن نجيم، ومن - الحنابلة -: ابن رجب، ومن - المالكية -: القرافي، والمقري، وأبو إسحاق الشاطبي.
والقاعدة التي يأخذها المجتهد من آيات وأحاديث كثيرة، قد يجيء حديث آحاد صحيح مخالف لها في ظاهره، فيعمل بالحديث فيما نص عليه، ويعمل بالقاعدة في بقية الجزئيات؛ كحديث العَرِيّة، وهي نخيلات يهبها صاحب البستان لمحتاج، ثم يشتريها منه بمقدار رطبها تمراً يابساً، فالقاعدة تقتضي المنع من بيع رطب بيابس، فنستعمل الحديث في إجازة العريّة كما ورد، ونترك القاعدة على حالها فيما عدا ذلك، وقد يفرق بين الحديث والقاعدة؛ بأن الحديث خاص بمن أعطى نخلات على وجه المعروف، والقاعدة مراد بها غيره.
وكان خالنا وأستاذنا الشيخ المكي بن عزوز قد سافر إلى الآستانة، وتولى دراسة الحديث بدار الفنون، وأذيع عنه في تونس بأنه صار يقول بفتح باب الاجتهاد، ولما لقيته بالآستانة، ذكر بعض الحاضرين له هذه المسألة، فقال: إني مالكي في المسائل الاجتهادية، أما إذا ورد حديث صحيح، فأعمل به، ولو خالف المذهب، وكلام الأستاذ يوافق قول ابن قيم الجوزية: إن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يصح عنه - عليه السلام - حديث آخر ينسخه، فالفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان.
وقال أبو بكر بن عربي عند قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
(2/ 2/18)

خَيْرًا} [النور: 33]،: إن الآية والحديث إذا جاءا على خلاف الأصل، فكل منهما أصل بنفسه يرجع إليه بذاته، ويجري على حكمه.
ومن الفقهاء الباحثين من يقول: إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بنوع يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع المساواة لغيره، لكن ذلك الوصف الذي يختص بذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر.
وهذا كله يجري في الحديث المخالف في الظاهر للقاعدة المشتملة على جزئيات من نوع جزئياته؛ كحديث العارية؛ فإنه يقتضي جواز بيع رطبها باليابس، والقاعدة تقتضي منع بيع الرطب باليابس. أما استخراج الحكم من القاعدة، فالفقيه ينظر في الواقعة إذا لم يرد فيها نص خاص بالشارع، ويجمعها من أطرافها، وينظر إلى مقتضى الزمان والموطن الذي وقعت فيهما، وما جرت به عادة القوم مما لا يخالف نصاً من شارع، ثم يأتي على قاعدة تلائم الواقعة بجميع خصائصها، ويطبقها عليها.
ولا يكاد الفقهاء يختلفون في القواعد؛ لأنها قطعية، وقد يختلفون في تطبيقها؛ لأن التطبيق ظني، كما اتفقوا على قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفوا في الرحى يضعها الرجل في عرصة داره، فيؤذي جاره بصوتها، فأطلق بعضهم منعها، وقيد بعضهم المنع بما إن كان صوتها شديداً، فإن كان ضعيفاً جاز وضعها. وقد اتفقت كلمتهم في قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفت في مقدار الضرر الذي تجب إزالته، وهذا اختلاف في تطبيق القاعدة.
ويزيد هذا وضوحاً بأنه وقعت بيني وبين أحد الأساتذة من العراق محاورة في موضوع: أن مشقة الحركة عند الوصول إلى السنّ البالغة تسقط
(2/ 2/19)

عن الإنسان وجوب العمل في سبيل الدفاع عن الدين. فقلت: نحن متفقون على الأصل، وهو أن للسن البالغة حكماً نافذاً لا يمكن معارضته، ولكن العمل في سبيل الدين معقود بالإمكان، وباب الإمكان لا يزال مفتوحاً، فالاتفاق على تحقيق الأصل لا يوجب الاتفاق على كل جزئي من جزئياته.
وكان أستاذ أساتذتنا في بلاد الجريد بتونس الشيخ المدني بن عزوز إذا سئل عن حكم واقعة، ووجد في كتب الفقه ما يطابق الحكم، أفتى به، وإذا لم يجد لذلك نصاً، استنبط له حكمًا من القواعد المقررة في المذهب، وكذلك كان شيخنا الشيخ محمد النجار (بتونس) إن وجد للمسالة نصاً من الفقهاء، أفتى به، وإن لم يجد نصاً، أجرى عليها القواعد التي تلائمها.
وذكر القواعد عند ذكر الحكم ينفع المقلد أيضاً، فالمسألة المنتظمة في سلك وثيق مع غيرها، ترسخ في نفسه كثر من المسائل المجردة عن القواعد، وكنت أقرأ الأحكام الفقهية في كتب مجردة من القواعد، ولما اطلعت على الأحكام مصحوبة بقواعدها، صرت أتمتع بها أكثر من قبل، وأحفظها في ذهني أكثر من الأحكام المجردة، فإذا عرف المكلف من الفقيه الفائق علمًا وعدالة: أن دعوى النسخ في الآية والحديث لا تقبل إلا بدليل، حصلت له فائدة، وإذا عرف: أن الحكم في المسألة مبني على قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك)، وذكر له أشياء تشملها القاعدة، ازداد رسوخا في الحكم، واتسعت دائرة فهمه أكثر من قبل.
فمن يدرس أحكام الشريعة بقواعدها يزداد رسوخاً في فهمها، ويراها رأي البصير كيف كانت أحكم شرع وضع للناس.
(2/ 2/20)

الحديث الصّحيح حجة في الدين (1)
بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الحق بقول لا يحوم به ريب، ولا يدنو منه قصور، لحمته حكمة، وسداه فصاحة، وتلقاه أصحابه - رضي الله عنه - على بصيرة وفطرة سليمة وقوة حافظة، وعرفوا مقاصده، وبلغوه كما صدر عنه، ونطق به، فكان قوله متممًا لما دعا إليه القرآن الكريم، حتى نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
بلّغ الصحابة القرآن وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - بصدق وأمانة من يبلّغها بصدق وأمانة كذلك، ولم يأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابة الحديث خشية أن يختلط بالقرآن، واعتمد على ما عرف عن العرب من قوة الحافظة والضبط، وعلى صدق أصحابه وأمانتهم، وإنما أذن بالكتابة في أشياء لا تلتبس بالقرآن. ووصل إلينا من الكتب التي قيل: إنها أول ما ألف في الحديث كتاب "الموطأ" للإمام مالك، ولم يكن مالك بعيداً من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن ما يسمونه ثنائيات الموطأ هي الأحاديث التي بلغت مالكاً بسند فيه راويان فقط بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجاء بعده عهد المحدّثين الذين ألّفوا في الصحيح؛ كالبخاري، ومسلم. وما يسمونه: ثلاثيات البخاري هي الأحاديث التي بلغت البخاري بسند ثلاثة رواة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الثاني عشر من السنة الثامنة.
(2/ 2/21)

والحديث الصحيح: هو الذي يرويه عدل ضابط عن عدل ضابط، وهكذا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم على أن الحديث الصحيح حجة في الدين، ووقائع احتجاجهم بالحديث النبوي كثيرة لا يسع هذا المقال ذكرها.
وأنكر الاحتجاج بالحديث في الدين بعضُ من ينتمون إلى الإِسلام (1)، وحصر الاحتجاج في القرآن الكريم، وتأول آياته على ما يشتهي، وقد وجد في رواية الحديث بعضُ الزنادقة ثلمة يدخلون منها إلى وضع أحاديث تخالف الشريعة، وتزري بها، ووجد الجاهلون الكذابون طريقاً إلى أن ينسبوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله، فوضع العلماء منذ ذلك العهد علمين:
علم رواية الحديث، وهو يبحث فيه عن كيفية اتصال الحديث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حيث أحوال الرواة، وعدالتهم، وكيفية السند اتصالاً وانقطاعاً.
وعلم دراية الحديث، وهو علم يبحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مع مراعاة ضوابط العربية، وقواعد الشريعة، ومطابقة أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد نبّه المؤلفون في هذين العلمين لفريق اشتهر بوضع الحديث، وصرحوا بأن تجريح الرواة، والطعن فيهم ليس من الغيبة المحرمة؛ مراعاة للمصلحة التي تنجم من تجريحهم والطعن فيهم، وممن ألف في ذلك: البخاري، والنسائيُّ، والذهبي، وذكروا من علامات الوضع ما يتعلق بالمتن؛ كأن يكون مخالفاً للواقع، أو إلى ما عهد في الشريعة، أو ما عرف به النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) انظر كتاب: "الإِسلام دين عام خالد".
(2/ 2/22)

من الحكمة وسمو القول. وبمثل هذا التحقيق تبين الحديث الصحيح من الحديث الضعيف والموضوع.
وإنما يحتج في الأحكام العملية بالحديث الصحيح؛ لأنه يفيد العلم؛ أي: الظن القوي، وهو يجب العمل به في الأحكام العملية؛ بخلاف العقائد؛ فإنه يعتمد فيها على الأدلة العقلية المنطقية، وعلى الحديث المتواتر من الأدله السمعية. وكذلك أصول الأحكام، فإنه يتيسر للمجتهدين القطع فيها حيث يأخذونها من موارد متعددة من القرآن والحديث، فهي بمنزلة المتواتر.
وقد روي عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي: "أنهم كانوا إذا روي لهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث، يقضون به، ولا يتجاوزونه".
وقال كل واحد من الأئمة الأربعة: "إذا صح الحديث، فهو مذهبي".
وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "إن الآية عندنا، أو الحديث إذا جاء على خلاف الأصل، فهو أصل، بنفسه، ويجري على حكمه".
والإمام الشافعي قد كتب في الاحتجاج بالسنّة ما تيسر له، وقال: "لا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قُبِلَ خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك".
وقال ابن القيم من الحنابلة: "إن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، فإن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه".
والحديث الصحيح قد يجيء بياناً لمجمل في القرآن الكريم، أو يزيد حكماً على ما فهم من ظاهر القرآن، وكلٌّ داخل في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ
(2/ 2/23)

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
وقوله تعالى:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
ولا يكون الحديث الصحيح مخالفاً للقرآن إلا إذا كان مبطلاً لنص من نصوصه. فمن المحتمل القريب أن يوحى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم زائد على ما في القرآن، أو أن يفهم من القرآن بطريق القواعد التي أسسها القرآن؛ كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
وذكر أحد أساتذة هذا العصر: أن العلماء خدموا الحديث من جهة السند أجلّ خدمة، ثم قال: "وأما من جهة المتن، وتبيين ما هو زمني، وما هو تشريع عام، وتبيين ما هو ديني، وما هو سياسي، فهذا لم يلتفت إليه".
والواقع المشاهد الذي نعقد عليه الضمير: أن المحدّثين والمجتهدين قد خدموا متن الحديث، ودخلوا في غضونه، وكشفوا أسراره؛ كما فعلوا في السند.
فعلماء الحديث والفقه من عهد الصحابة فما بعد لم يقصِّروا في فهم المتن، وبذلوا كل عناية في فهمه، فنظروا في الجنايات، وجعلوا إقامة الحدود من حق الحاكم العام، والحدود ترفع الضرر في كل زمان ومكان، وما عداها يسمّى: تعزيراً، وزجراً، وفوضوا أمره للحاكم أيضاً، وتقديره بما يقتضيه الحال، واستنبطوا من القرآن والحديث قواعد عامة تصلح أن تطبق على كل جيل، وهذا الاستنباط متوقف على نظر دقيق في المتن على نحو ما في القياس.
(2/ 2/24)

ومن هذه القواعد المستنبطة من القرآن والحديث: الضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يرفع بالشك، والعادة محكمة، والأعمال بمقاصدها، وارتكاب أخف الضررين، والضرورات تبيح المحظورات، والاستصحاب، والاستحسان الذي هو قياس خفي في مقابلة قياس جلي.
ثم إن شرّاح الأحاديث عندما يبحثون في متنها يتعرضون لما يفيده المتن من الإباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، أو التحريم، ويتعرضون فيما يفيده الأمر من الإرشاد والإصلاح أو التشريع، ويذكرون أن فعله - عليه الصلاة والسلام - عادي، أو شرعي، وربما اختلف الفقهاء في ذلك حسب اختلاف الأدلة. وقد يتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحكم مطلقاً؛ مراعاة للغالب، أو لقاعدة سبقت، فيقيده المجتهد بالقاعدة المقتضية لمراعاة المصلحة؛ كما قيد الإمام مالك حديث: "اليمين على من أنكر" بإثبات الخلطة بين المتداعيين؛ إذ الغالب أن من يدعي على أحد من الناس شأنه أن يتصل به اتصالاً يقرِّب دعواه.
وقد قرر علماء الأصول: أن تصرُّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون بالتبليغ، والفتوى، والقضاء، والإمامة، وكل منها شرعي، غير أن الشريعة وكلت للإمام أن يجتهد في تصريف الأمور التي كان يتصرف فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحسب المصلحة؛ كتقسيم الغنائم والإقطاع. وقد يختلف الفقهاء في الواقعة الواحدة هل تصرف فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الإمامة أو تصرف فيها بصفته مشرّعاً عامّاً؟؛ كإحياء موات الأرض، وإعطاء سلب القتيل للقاتل.
ومن الأدلة على عنايتهم بمتن الحديث: بحثهم في أحاديث تخالف - بحسب الظاهر- الواقع، أو ما عهد في الشرع، فبعضهم يحملها على الوضع
(2/ 2/25)

من غير نظر إلى سندها، وبعضهم يؤولها على وجوه يدخل بها في الصحيح متناً وسنداً.
ويدل على بذلهم العناية في النظر إلى المتن: بحثهم عن العلة التي روعيت في الحكم الملفوظ به؛ ليفصلوا القياس على قدر العلة المبحوث عنها.
ومن تصرف في متن الحديث هذا التصرف لا يقال فيه: إنه لم يلتفت إلى النظر في متن الحديث.
وسنبحث من بعد - إن شاء الله - في القواعد التي كانت بها أحكام القرآن والحديث كفيلة بمصالح كل زمان ومكان.
(2/ 2/26)

الشهادة وأثرها فى الحقوق (1)
الشهادة لغة: الحضور؛ كما في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
ومعناه: فمن حضر منكم الشهر، أي: لم يكن مسافراً، فليصمه.
والعلم؛ كما في قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]؛ أي: علم الله والملائكة وأولوا العلم أنه لا إله إلا هو.
وشرعاً: بيان يستند إلى علم، أو غالب ظن بلفظ، أو ما يقوم مقامه، كخط كاتب، أو إشارة أخرس، عن ثبوت حق أو سقوطه، وهي مأخوذة من الشهود بمعنى الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، أو من العلم؛ لأن الشاهد يعلم ما لا يعلم غيره.
وتتحد الشهادة ورواية الأخبار الشرعية في شرط: الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والعمل على شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجرح والقتل ليس في الحقيقة باعتماد على شهادة، وإنما هو من قبيل الاعتماد على بينة وقرينة تدل على الحق.
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الخامس من السنة العاشرة.
(2/ 2/27)

وأما الحرية، فمن الأئمة من خص شرطها بالشهادة، ومنهم من لم يشترطها في الشهادة، فأجاز شهادة غير الحر.
وقد روى البخاري في "صحيحه" من الآثار والسنة ما يدل على جواز شهادة غير الحر؛ كروايته للأخبار النبوية.
ويفترقان بالتعدد، فالشاهد لا بد أن يكون متعدداً، وراوي الخبر الشرعي يقبل وإن كان واحداً.
وإنما اشترط التعدد في الشهادة دون الأخبار الشرعية؛ لأنها تقع على أمر خاص بشهادة الرجل بأن لزيد ديناراً على عمرو، فهي بيان لا يتعدى زيدًا إلى غيره، فاحتمال أن يكون بين الشاهد الواحد وبين عمرو عداوة حملته على الشهادة عليه، وبالتعدد يضعف، أو يزول الاحتمال؛ بخلاف الأخبار الشرعية؛ كما روى الراوي في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" من التعلق بالمكلفين عامة، فلا يظهر الاحتمال الذي جاز أن يكون في الشهادة.
فالشارع احتاط للحقوق، وتجنب شهادة الزور ما أمكن تجنبها، فلشهادة من يوثق بشهادته فائدة عظيمة في إقامة الحقوق؛ فقد خلق الله الإنسان مدنياً بالطبع، والمدنية تقتضي الاجتماع والتعامل، وفي الناس من يبتغي منفعته بالحق أو بالباطل، والشاهد الذي يوثق بشهادته هو الذي يبين صاحب الحق من صاحب الباطل، فشارع الشهادة المعتد بها بين الناس شارع حكيم.
والإِسلام أخذ في صفات الشاهد أن يكون عدلاً، والعدالة: ألا تصدر من الإنسان كبيرة، وإذا وقعت منه صغيرة، لا يصر عليها.
ونص الفقهاء على أنه إذا عمّت في الناس معصية يعاقب صاحبها العقاب
(2/ 2/28)

الذي وعد به عليها، ولكنها لا تقدح في الشهادة؛ حفظاً للحقوق.
وعندما كنت قاضياً (1) أتتني من المجلس الأعلى في تونس مراسلة أذن بها المجلس في التجريح في شهود وثيقة، فاذنت بتجريح الشهود، فجرح بعض العدول أحدهم بتأخير الصلاة عن وقتها، وتأخير الصلاة عن وقتها يعد من الكبائر، فلقيت أستاذنا الشيخ محمد النجار، وكان عضواً في المجلس الأعلى، فقال لي: ماذا فعلت في الوثيقة الفلانية؟ فأخبرته بالتجريح، فقال لي: لا تقبل التجريح بتأخير الصلاة عن وقتها؛ لأنه من قبيل الغيبة، وإن كانت عقوبتها عند الله عقوبة سائر الكبائر.
وزاد بعض الفقهاء في تعريف العدالة: ألا يخرج الشاهد عن المروءة، وهي حسن السمت، وعدم مخالطته لأرذال الناس، وكثرة المجنون، وفعل ما يستقبح في العادة، وإن كان بحسب الأصل مباحاً, ككشف الرأس يستقبح قديماً في الشرق، ولا يستقبح في الغرب، وكركوب ملك أو وزير على حمار يشق به شوارع البلد، فهذا مستقبح عادة، فيقدح في الشهادة.
ورفعت إلى ابن بشير قاضي قرطبة قضية استشهد فيها أحد المتداعيين بالخليفة عبد الرحمن الناصر، فقال له ابن بشير: ائتني بشاهد عدل! فسأله الخليفة عن السبب في عدم قبول شهادته، فقال له: لو طلب مني الخصم التجريح فيك، لا بد أن أمكنه من ذلك.
واتفقوا على أن معلوم الفسق لا تجوز شهادته، غير أن من الأئمة من يحمل المسلم على العدالة حتى يقوم الدليل على تجريحه، ومنهم من يشترط في الشهادة تعديلَ المسلم، روى الإمام مالك في "الموطأ": "أن رجلاً جاء
__________
(1) تولى الإمام القضاء في مدينة "بنزرت" بالجمهورية التونسية عام 1906 م.
(2/ 2/29)

إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من العراق، وقال: شهادة الزور قد ظهرت بأرضنا، فقال له عمر: أو قد كان ذلك؛ قال: نعم، فقال عمر: والله! لا يؤسر أحد في الإِسلام بغير العدول".
وكان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، يقبلون شهادة المسلم بغير تعديل.
وفي خلافة عمر بن الخطاب ظهرت شهادة الزور، فلا تقبل شهادة المسلم إلا بتعديل.
وشاهد الزور: هو الذي يشهد بما لا يعلم، ولو طابق الواقع، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].
وقال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
وسئل - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح عن الكبائر، فقال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور"، وفي رواية في الصحيح أيضاً، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك باللهِ، وعقوق الوالدين"، ثم جلس وكان متكئاً فقال: "ألا وقول الزور". قال: وما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت؛ أي: شفقة عليه، وكراهية لما يزعجه.
وبلغني وأنا بتونس أن بعض الشهود يتلقى العقد في يوم، ويسجله في دفتره بتاريخ يوم أو يومين بعده، فأنكرت ذلك، وحضرت لعقد زواج يوم الخميس أو يوم الجمعة، ولما اطلعت على الدفتر الذي سجل به العدول العقد، وجدته سجل بتاريخ يوم أو يومين بعده، يفعلون ذلك وهم يعتقدون
(2/ 2/30)

أنه لا ضرر في تأخير عقده، فقلت لأحد شهود العقد: هذه شهادة غير صحيحة، فهي غير مطابقة للواقع، وقد يكون أحد المتعاقدين قد مات قبل التاريخ, أو غاب غيبة بعيدة، فيحصل الضرر لأحد المتعاقدين، أو كاتب العقد.
ومن حفظ الشارع للحقوق: أنه أجاز للإنسان أن يعتمد في شهادته على غالب الظن؛ كحصر الورثة: وعدم نفقة الزوج على زوجته.
ولو اشترط في ذلك العلم القاطع، لضاعت حقوق الورثة وحقوق الزوجة.
ومن حفظه للحقوق: إجازته لشهادة الاسترعاء، وتسمى: شهادة الاستحفاظ، وهي أن يخاف الإنسان ضياع حق؛ كأن يتسلط عليه ظالم قوي، ويريد أن يغتصب منه منزله، فيشهد العدول على أنه وهبه لفلان، ويشهد عدولاً آخرين سرّاً بأنه إنما فعل ذلك خوفاً من الظالم، وإذا زال الخوف من الغاصب، رجع إليه منزله.
وقد اختلف الفقهاء في شهادة الاستغفال، وتسمى: شهادة الاختفاء، وهي أن يكون الشهود في موضع لا يراهم به المطلوب منه الإقرار بالحق، فيعترف بالحق وهو لا يعلم أن الشهود يسجلون عليه هذا الإقرار. فأجازها بعض الفقهاء, حفظاً للحقوق، ومنعها بعضهم؛ لما فيه من التحيل والمخادعة.
وروي عن مالك: أن الحرص على تحمل الشهادة قادح في الشهادة. وإذا اختفى ليشهد، فهو حرص عليها.
وزرت بعض الأصحاب، وجلسنا مدة نتحدث، وفي انتهاء المجلس أخبرني صاحبنا بأنه فتح الآلة التي تملي عليه ما دار بالمجلس. ولعل هذه الآلة تقوم مقام شهادة الاحتفاظ إن كانت تحكي نطق المقر يعترف بالحق كما هو.
(2/ 2/31)

وإجازة بعض القضاة لتحليف الشهود وتفريقهم؛ ليؤدي كل منهم شهادته على حدة، قائمة على أنه ظهرت لهم من المصالح التي أمر الشارع المجتهد بمراعاتها.
وحكي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما.
وحكي أن ابن بشير قاضي قرطبة حفف شهود تركة.
ومن القضاة من يعول على العدالة، ولا يفرق بين شهود القضية.
وحكى الإمام الشافعي: أن أمَةً شهدت مع امرأة عند قاض، فأراد أن يفرق بينهما، فقالت له: لا تفرق بينناة فإن الله تعالى يقول: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282].
وبهذه الآية يستدل من منع من تفريق القاضي للشهود.
وقد يوجد في باب الشهادة قبول شهادة غير العدل؛ كأهل قرية كلهم غير عدول، فإنا نقيم في الشهادة عليهم أقلهم فسقاً حفظاً للحقوق، وصيانة للدماء، وهذا لا ينافي شرط العدالة في الشاهد, فإن المراد هو الشاهد الذي لا تدعو إليه ضرورة خارجة عن العقد.
وتتفاوت العدالة في الشهود بحسب قيامهم بالواجبات، وتجنبهم المعاصي.
(2/ 2/32)

الذّرائع: سدُّها وفتحها (1)
الذريعة: الوسيلة، يقال: جعلت ذريعتي لفلان فلاناً؛ أي: وسيلتي إليه.
والسد: المنع، يقال: سد عليه الطريق؛ أي: منعه من الدخول فيه.
وهذا أصل قول الفقهاء في قاعدة سد الذرائع: منع ما يجوز؛ لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز.
فقد منع الشارع ما يجوز في نفسه؛ خشية أن يتوصل به إلى محرّم. وما يمنعه الشارع من الأفعال قسمان:
قسم يشتمل بنفسه على المفسدة؛ كالقتل بغير حق، والزنا، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر.
وقسم لا يشتمل على المفسدة بنفسه، وإنما هو مقدور للمكلف، وأصله الجواز، ولكنه يفضي إلى ما فيه المفسدة، وهذا هو الذي يسمى: ذريعة، ويسمى منعه: سداً.
والذرائع على ثلاثة أقسام:
قسم اعتبره الشارع، ومنع منه حيث كان يفضي كثيراً إلى ما فيه المفسدة؛
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الثالث من السنة التاسعة.
(2/ 2/33)

كسب آلهة المشركين في وجوههم؛ فإنه يؤدي إلى ما فيه المفسدة، وهو سب الإله الحق، وإن كان سب آلهة المشركين في نفسه ليس فيه مفسدة، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
وكضرب النساء بأرجلهن وفيها الخلاخل؛ ليسمع وسواسَ الحلي من يريد الاتصال بهن، قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31].
فضرب الأرجل بالخلاخل في نفسه ليس فيه مفسدة، ولكنه ذريعة إلى ما فيه مفسدة، وهو اتصال الأجنبي بالمرأة.
وقسم ألغاه الشارع؛ لقلة ما يفضي إليه من مفسدة بالنسبة إلى كثرة ما ينتج عنه من المصلحة؛ كزرع العنب، فقد يفضي إلى اتخاذ الخمر من عصيره، فلم يمنعه الشارع؛ نظراً للمصلحة التي تنجم عنه كثيراً، وهو أكله من جملة الثمرات، واكتفى الشارع بالنهي عن الخمر نفسه.
والقسم الثالث من الذرائع: يتردد بين المصلحة والمفسدة، ولم يبين له الشارع حكماً بدليل خاص، كما بيَّن القسمين السابقين، وهذا القسم هو الذي بحث فيه المجتهدون، واتجهت أنظار الكثير منهم إلى منعه، واختلفوا في بعض الفروع؛ كالصور المعروفة في بيوع الآجال، التي منها: أن يبيع شخص لآخر سلعة بمئة إلى أجل، ثم يشتريها منه نقداً بخمسين، فقد نص كثير من الأئمة على منعها؛ لأن البائع خرج من يده خمسون جنيهاً، وأخذ عند حلول الأجل مئة، والسلعة قد جعلت ذريعة للربا، وجعل هؤلاء الأئمة علة المنع من العقد كثرة قصد الناس منه الوصول إلى الربا، وجعلوا المنع
(2/ 2/34)

حكماً مطرداً، من غير نظر إلى من يقصد الربا ومن لا يقصده؛ لأن علة الحكم يكفي فيها أن تكون مظنونة، ولا يشترط فيها أن تكون محققة.
وذكر القائلون بسد الذرائع في معرض الأدلة: آية: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وآية {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} [النور: 31].
وحديث: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا ثمنها"؛ فإن الشحوم حرمت عليهم تحريماً ذاتياً، فتوسلوا ببيعها إلى الانتفاع بثمنها كما ينتفعون بالشحوم، وبذلك توصلوا إلى إبطال تحريمها.
وذرائع الفساد التي في الآيتين والحديث مجمَع على سدها، ولكن المجتهد يعدها في جملة ما استقرأه من موارد الشريعة، فإن لا يقرر قاعدة إلا إذا استقرأ معناها من نصوص متعددة تدل بجملتها على أن قصد الشارع سد ذرائع الفساد، فإذا حصل له الجزم من تتبع النصوص الكثيرة بالمعنى الذي استقرأه فيها، صاغه حينئذٍ قاعدة، فإذا جرت واقعة فيها ذرائع فساد حكم بالمنع مستنداً إلى القاعدة، حيث لم يرد في الواقعة دليل خاص على سدها، والقاعدة تنزل من كلام الشارع منزلة اللفظ العام، فتطبق على الوقائع التي تدخل تحتها من غير توقف في حكمها على دليل خاص.
فإذا ذكر المجتهد الآية والحديث، فإنما يذكر بعض ما استند إليه في تقرير القاعدة.
وقد ساق ابن القيم أدلة كثيرة على سد الذرائع من الكتاب والسنّة وعمل السلف، وذكر في هذا الصدد مخالفة الإمام الشافعي للقول بسد الذرائع، فقال الحفيد بن رشد في "بداية المجتهد": وقال الشافعي: وحمل المسلمين
(2/ 2/35)

على التهم لا يجوز.
وقال ابن رشد: والشافعي لا يعتبر التهمة، وإنما يراعي مما يحل ويحرم من البيوع ما اشترط البائعان، وذكراه بألسنتهما، وظهرا من فعلتهما.
وقد تعرض ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" للإمام الشافعي، فقال: "ومن عرف سيرة الشافعي، وفضله ومكانته في الإِسلام، علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وكان رحمه الله- يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، وفرق بين أن يعتبر القصد في العقد، ويجريه على ظاهره، وبين أن يسوغ عقدًا قد علم بناءه على المكر والمخادعة، وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره، ولو قيل للشافعي: إن المتعاقدين تواطآ على ألف بألف ومئتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السلعة محللاً للربا، لم يجوِّز ذلك، وأنكره غاية الإنكار، وقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يحكي عنه الإفتاء بالحيل".
ومقتضى تحرير مذهب الشافعي: أن الشافعي لو علم أن المتعاقدين قصدا الوصول إلى الربا، لوافق غيره في تحريم الصور التي يحرمها غيره مطلقًا، سواء علم قصد المتعاقدين إلى الربا، أم لم يعلم.
والذين يذهبون إلى إباحة الذرائع يقولون: إنما نسمي ما يتوصل به إلى ممنوع: وجوه المخارج من المضائق، ولا نسميها: الحيل التي تنفر الناس من اسمها.
وليس في الشريعة مضائق حتى يحتاج إلى الخروج منها، فإن أرادوا بالمضائق ما نهى عنه الشارع نهيَ تحريم، أو أمرَ به أمر إيجاب، فالتكاليف
(2/ 2/36)

التي تتضمن تحريماً أو إيجاباً كلها مضائق إذاً، والله تعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وكيف لا يسلم القائلون بإباحة الذرائع، وأنهم ناقضوا قصد الشارع، فكان الشارع- في زعمهم- قال لهم: توصلوا بهذا الوجه الجائز إلى ما حرمته، وتوصلوا بهذا الوجه الجائز إلى إسقاط ما أوجبته، واستدلوا على مذهبهم بأدلة تصدى ابن تيمية وابن القيم إلى إبطالها.
والتحقيق الذي نراه، ونقر عليه العقيدة: أن الذريعة التي يقصد بها التوصل إلى محرم، كالربا، أو يقصد بها التوصل إلى إسقاط واجب؛ كالزكاة، يجب سدها.
وكما تمنع الذرائع المفضية إلى فساد، تفتح الذرائع المقدور عليها الموصلة إلى واجب؛ كالسعي لصلاة الجمعة، والرحلة إلى الحج لمن كان خارج الحرم، قال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ} [الجمعة: 9].
وقال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].
ويقال هذا في السلاح الذي يقاتل به الأعداء، فالأمر بإعداد السلاح أمر ليس بواجب لا لذاته، بل لتحقيق واجب هو القتال.
وكذلك الرحلة لطلب العلم مأمور بها؛ لأنها ذريعة إلى طلب العلم اللازم للفرد أو الأمة، قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122].
فالفقيه إذا استقرأ هذه النصوص ونحوها، وقرر فتح ذرائع الواجبات،
(2/ 2/37)

فإذا عرضت عليه واقعة يتوقف فيها قيام المكلف بواجب على أمر مقدور له، طبق على الواقعة قاعدة فتح ذرائع الواجبات، وقضى عليه بفعل ذلك الذي توقف عليه القيام بالواجب.
(2/ 2/38)

مراعاة العرف (1)
العرف - وأريد منه: العادة - هو: ما غلب على الناس من قول وفعل وترك.
والشريعة جاءت بإبطال العرف الفاسد.
فمما أبطلت من عرف فاسد: قول الجاهلية للمتزوج: بالرفاء والبنين.
ووجه فساده: أنه مبني على احتقار البنات وكراهتهن، فأبدلت به الشريعة - كما ورد في الصحيح - قوله - صلى الله عليه وسلم - للمتزوج: "بارك الله لكم وفيكم وعليكم".
وروى بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم، قال له: وكنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإِسلام، علّمنا نبينا، وقال: "قولوا: بارك الله لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم".
ومما أبطلته من عرف فاسد: بيوعهم الفاسدة التي نبه عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر شرّاح الأحاديث وجه فسادها، وهو الغرر والجهالة، وتعاطيهم الربا والميسر، وأكلهم ما ذبح على النصّب، (وهي الأصنام).
ومما جروا عليه في عرفهم الفعلي، وألغاه الشارع: جعلهم في الإبل:
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الأول من السنة التاسعة.
(2/ 2/39)

بحيرة، وسائبة، ووصيلة، وحاماً.
والبحيرة كما في الصحيح: الناقة التي يُمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس.
والسائبة: التي يسيّبونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء.
والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج لها بأنثى، ثم تثنّي بعدها بأنثى، ويسمونها الوصيلة؛ لأن إحداهما وصلت الأخرى، وليس بينهما ذكر.
والحام: هو فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا انقضى ضرابه، قالوا: قد حمى ظهره، وتركوه لآلهتهم، وأعفوه من الحمل.
وأما ما جرت عادتهم بتركه، وأمر الشارع بفعله؛ لما فيه من المصلحة، فمثل: تركهم القتال ونحوه في الأشهر الحرم، فأحلّه الشرع للمصلحة.
والعرف ثلاثة أقسام:
قسم نهى عنه الشارع، كما ذكرنا في عادات الجاهلية من الربا ونحوه.
وقسم أقره الشارع؛ كأصل الحج، وإذنه في إضافة أبناء السبيل، والصناعة والتجارة والزراعة، وكعدم التعرض لرسول محارب جاء من جانب المحاربين، فالعرف جاء بأن رسول المتحاربين لا يتعرض له أحد بأذى.
وقسم لم يلغه الشارع كما ألغى القسم الأول، ولم يعتبره بدليل خاص كما اعتبر القسم الثاني.
وهذا القسم هو الذي بحث فيه الأئمة المجتهدون، فهل يعتبر في أحكام الشريعة حيث لم يلغه الشارع، أو يلغى منها ولا يعتبر حيث لم يعتبره الشارع بدليل خاص؟.
(2/ 2/40)

وذهب أكثر الأئمة من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى اعتباره، وبناء الأحكام الشريعة عليه.
والإمام الشافعي لا يعتبر من العرف إلا ما أرشد الشارع إلى اعتباره؛ كالإنفاق على المرأة بما يقتضيه العرف؛ كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند زوج أبي سفيان: "خذي لك ولولدك بالمعروف".
وسمّى بعض الفقهاء العرف دليلاً شرعياً، والدليل الشرعي هو نصُّ الشارع على حكم، وليس العرف نصّاً للشارع، ولكن سمّاه بعض الفقهاء: دليلاً؛ نظراً إلى جريانه بالمصلحة، وجريانه بالمصلحة دليل على إذن الشارع فيه.
وقد يستدل بعض الفقهاء على مراعاة العرف في الأحكام بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]، ويضعف هذا الاستدلال: أن العرف في الآية محتمل للعرف بمعنى: الإحسان.
ويستدل عليه بعض الفقهاء بحديث: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن"، وهذا ليس بحديث، وإنما هو قول ينسب إلى ابن مسعود.
ويصح حمل المسلمين في هذا الأثر على جميع المسلمين، فيكون المراد به: الإجماع، لا مراعاة العرف.
والمعلوم من الأصول: أن قاعدة مراعاة العرف لا تؤخذ من آية واحدة، أو حديث؛ فإنها كسائر القواعد يتحراها المجتهد في موارد متعددة من الشريعة.
والأئمة الذين يقولون بمراعاة العرف، وإن لم يدل عليه دليل خاص، يقولون: إنهم تتبعوا الشريعة، فوجدوها تعتبر العرف إذا لم تكن به مفسدة،
(2/ 2/41)

وتتبعوا فتاوى الصحابة - رضي الله عنه -، فوجدوهم يراعون العرف كذلك، فأخذوا من هذا دليلاً عامًا على اعتبار العرف إذا لم يشتمل على مفسدة.
وينقسم العرف الذي ذهب الأئمة إلى مراعاته:
إلى عرف قولي؛ ككنايات الطلاق؛ فإنه يعتبر ما جرى به العرف منها، وتصدر الفتوى بمقتضاه.
وعرف فعلي؛ كانتفاع المستأجر بمصعد وضعه المالك في المنزل، ولم يكن منصوصاً عليه في العقد، فجريان العرف به كافٍ في ثبوت حق المستأجر.
وعرف يجري بترك الشيء، فيأذن الشارع بما جرى العرف بتركه؛ كتسامح الناس مع من لقط ثمراً ساقطاً من غصن خارج عن البستان، فعرفهم في التسامح دليل على رضاهم بذلك، وقد أقره الشارع.
وإلغاء الشارع للعرف، بمعنى: أن ما جرى به العرف نفسه يكون مناطاً للحكم؛ كالربا، والبيوع الفاسدة، والطواف بالبيت من غير ستر، ودخول البيوت من ظهورها, فإنه جرى بها عرف الجاهلية، وهي نفسها مناط التحريم.
كما قد يكون إلغاء الشارع للعرف بمعنى: أن ينص على أن ما جرى به لا يكون وسيلة إلى حكم شرعي؛ كتبني ولد الغير, فإنه عادة جارية عند العرب، ويأخذ المتبنَى عندهم حكمَ الابن الحقيقي، والشارع نص على أن ما جرى به العرف من التبني لا يكون وسيلة لإجراء أحكام الابن الحقيقي عليه، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37].
وكذلك العرف الذي لم يلغه الشارع، ولم يعتبره بدليل خاص، وإنما
(2/ 2/42)

اعتبره المجتهد بالدليل العام، قد يكون نفسه مناطاً للحكم؛ كالاستقاء من بئر مملوكة عُرف بالعادة أن صاحبها لا يستأذن في الاستقاء منها.
وقد يكون وسيلة إلى حكم شرعي؛ كما إذا تنازع الزوجان بعد الدخول في الصداق؛ فقد جرى العرف بدفع الصداق قبل الدخول، فكان العرف وسيلة الحكم الشرعي الذي هو: القول للزوج.
وإذا نظرنا إلى الوقاع التي قال الأئمة: إنها من قبيل اعتبار العرف، وجدنا العرف إما أن يقيد المطلق، أو يخصص العام، وكذلك قال الفقهاء: إن العرف المعتبر هو الذي يخصص العام، ويقيد المطلق، وأما عرف يبطل الواجب، أو يبيح الحرام، فلا يقول به واحد من أهل الإِسلام.
ومثال العرف الذي يخصص العام: قول الإمام مالك: إن الزوجة الحسيبة شريفة القدر جرى العرف بأن لا ترضع ولدها بنفسها، بل يأتي الزوج لها بمرضع.
وهذا عرف يخصص العام في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233].
ومن المعروف في الشريعة: أن الوكيل له أن يتصرف في الأمر الذي وكّل عليه بمصلحة الموكل، فإذا قال أحد للوكيل: اشتر لي ثوباً، وكان قاضياً، فاشترى له ثوباً لم يعتد القضاة لبسه، كان تصرفه مردوداً عليه. فالعرف يقيد المطلق، أعني قوله: اشتر لي ثوباً.
وقد أخطأ سبيل الحق من جعل العرف وحده دليل إذن الشارع، فقال: إن كشف ما بين السرة والمنبت جائز؛ لأن العمال يتعاملون بذلك، فليس هناك حاجة ولا ضرورة تدعو إلى كشف ما بين السرة والمنبت، فيجب على
(2/ 2/43)

كل مسلم أن ينهاهم عن هذا العرف الفاسد.
وربما يخطر للقارئ أن تقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه يبطل بعض النص.
والجواب: أن الشرع جاء لإبطال العرف الفاسد، والإذن في العرف الخالي من المفسدة، أو المشتمل على مصلحة، وتقييد المطلق، وتخصيص العام إنما أخرجا أفراد العرف التي لا توجد فيها العلة الداعية إلى اعتبار العرف، فلا يكون ذلك مبطلاً لبعض النص؛ لأن النص إنما أراد الأفراد المشتملة على علة اعتبار العرف دون غيرها، وإذا حكمنا بتقييد المطلق من النص، أو تخصيص العام منه، فإنما قيدنا المطلق، وخصصنا العام بقاعدة مستمدة من الشرع، وهي إقرار العرف إذا كان خالياً من المفسدة.
والكتاب، والسنّة، والأصول القطعية المستمدة منهما، شريعة واحدة يبين بعضها بعضاً.
فما جرت به العادة في عهد النبوة يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالكتاب أو السنّة، وما علم جريانه في عهد الصحابة، ولم يذكر له مخالف، يكون حكمه من اعتبار أو إلغاء ثابتاً بالإجماع، وعادة دخول الحمام جارية على هذا الوجه، فإن كانت في عهد النبوة، فالرخصة فيها ثابتة بالنص الشرعي، وإن كانت في عهد الصحابة، فالترخيص فيها ثابت بدليل الإجماع.
والرخصة في الحمّام جاءت من جهة أن مقدار ما يستعمل من الماء، وهو من قبيل البيع مجهول، وأن بقاء الشخص في مبنى الحمام من قبيل الإجارة، والمدةُ مجهولة.
وإنما يكون الحمام رخصة شرعية إذا روعي فيه ستر ما يجب ستره.
(2/ 2/44)

قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب "الموافقات": "وما ذكر من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في التحقيق باختلاف من أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي، وإنما معنى الاختلاف: أن العوائد إذا اختلفت، رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها".
وقال القرافي في قواعده: "إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، فينتقل الفقيه بانتقالها".
وقد ينص المجتهد المقتدى به على رواية واقعة راعى فيها العرف الذي هو جارٍ في وقته، ويكون العرف قد تغير، فيتبع فقيه آخر نصه الذي انبنى على عرف تغير، ولهذا قال القرافي: "واتباع نص الرواية - رواية المجتهد - في بعض النوازل من الجهل العظيم".
وضربوا مثلاً بالصداق إذا جرى العرف بدفعه قبل الدخول، وتنازع الزوجان، فالقول للزوج؛ لأن معه أصلاً شاهداً، وهو العرف، وإن لم يجر به عرف، فالقول للزوجة؛ لأن معها أصلًا، إذ الأصل عدم الدفع.
ومما يوردون مثالاً للعرف الذي يختلف باختلاف المواطن: تحديد ساعات العمل من اليوم للعمال؛ فإنه يراعى فيه العرف، وإن لم ينص عليه في عقد العمل.
ومن ذلك أيضاً: كشف الرأس لذي المروءة في المجالس العامة؛ فإنه مألوف عند أهل الأندلس، ولا يقدح في شهادتهم، ولكنه عند أهل المروءة في الشرق يقدح في شهادتهم، وإن كان في الأصل مباحاً.
وقد يجري العرف بعقد فاسد، فهل يكون وسيلة لحكم شرعي؟ فاختلف أصحاب مالك، بعضهم يرى أن العرف العام إذا جرى بعقد فاسد،
(2/ 2/45)

فهو مثل جريانه بعقد صحيح، فالقول لمن يكون بجانبه العرف، ولو كان فاسداً؛ لأن المعنى الذي كان سبب اعتبار العرف الصحيح موجود في العرف الفاسد، فيكون شاهداً على صدق مدعيه.
وذهب فريق إلى أن العرف الفاسد غير معتبر شرعاً، فلا يجوز أن يعتبر وسيلة لحكم شرعي.
وقال المالكية: إن الغيبة، وإن كانت من الكبائر التي يعاقب عليها شرعاً، لا تقدح في الشهادة؛ لأنها لما غلبت على الناس، فالشرع يأذن بإلغائها خشية ضياع الحقوق.
وأذكر بهذا: أني كنت قاضياً في "بنزرت" وملحقاتها في تونس، فجاءتني رسالة من المحكمة الشرعية العليا بتونس بأن أقبل التجريح في شهود وثيقة، فُجِّرح بعضهم بأنه يؤخر الصلاة عن وقتها، فالتقيت بأستاذنا الشيخ محمد النجار العضو بالمحكمة العليا، فقال لي: إن تأخير الصلاة عن وقتها كالغيبة لا يجرَّح به الشهود؛ لأنه صار غالباً في الناس.
والشريعة السمحة لم تترك طريقاً للخير إلا فتحته، ولم تدع طريقاً للفساد إلا أغلقته، والعرف يعتبر إن قام على أساس وثيق، ويلغى إن جرى بالناس في غير طريق.
(2/ 2/46)

حكمة الإِسلام في العزائم والرُّخص (1)
خلق الله الإنسان وبين جنبيه نفس تتقلب يميناً تارة، ويساراً تارة أخرى، إذ يريد أن يعرف حاله كيف يكون إذا فارقت روحه جسده.
وقد أرسل الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل عليه شريعة عزائمها حزم، ورخصها رفق، فاستقرت النفس على حال، واطمأنت إلى عقيدة.
وللتشريع أحكام شرعت ابتداء، يتوجه الخطاب فيها لجميع المكلفين؛ كالوضوء، والصلاة، والصيام، ويسمّى هذا النوع: فرض عين؛ لأنه فرض على كل شخص بعينه.
وأحكام يتوجه فيها الخطاب إلى الأمة على أن يقوم به طائفة من القادرين عليه؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بشؤون الجنائز، وهذا النوع يسمّى: فرض الكفاية؛ فإن قيام طائفة به يكون كافياً.
وأحكام يتوجه الخطاب فيها إلى قوم من المكلفين، كل واحد بعينه؛ كالأحكام الخاصة بالنساء؛ كإرضاع الولد، والفطر في أيام الحيض والنفاس في رمضان، أو الأحكام الخاصة بالرجال؛ كدفع المهر للزوجة، والإنفاق عليها، وتحريم لبس الذهب والحرير، وهذه الأنلا الثلاثة تسمى: عزائم.
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الرابع من السنة التاسعة.
(2/ 2/47)

والعزم في اللغة: قطع الأمر.
والعزيمة إذا نسخها نص، فالناسخ هو العزيمة، وإن كان أقل مشقة من العزيمة المنسوخة؛ كوقوف العشرين من المسلمين في وجه المئتين من العدو، وهو الأصل؛ فإنه نسخ بالنص، أعني قوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].
والرخص: جمع رخصة، وهي السهولة واللين، ويخاطب بها من يشق عليه الشدة التي تقع في العزائم؛ كالتيمم لمن يشق عليه الوضوء، أو الصلاة من جلوس لمن يشق عليه الصلاة قائماً.
وأصل الرخصة في حكم الشرع: الإباحة، ولا تبلغ بصفتها رخصة أن تكون مستحباً أو واجباً، فإن تجاوزت الرخصة أصلها، وبلغ الداعي إليها حد الإشراف على الموت؛ كأكل لحم الميتة للمضطر إليه، فتصبح الرخصة عندئذ عزيمة؛ لأن تركها يؤدي إلى قتل النفس، وهو محرّم بالإجماع.
والعزيمة قد تكون فيها مشقة عادية يحتملها الإنسان راضياً محتسباً أن الله يحفظه من الهوان والخزي في الدنيا، ويجزيه بالحسنى في الآخرة.
والعزيمة قد تسقط إذا ترتبت على فعل خطأ في حق الله؛ كمن باشر أجنبية يظنها امرأته، فتسقط عنه العزيمة، وهي حدّ الزنا بسبب هذا الخطأ؛ لأن الحدود من حقوق الله.
ولا تسقط العزيمة في حق المخلوق، ولو كان الفعل خطأ؛ كوجوب الدية على القاتل خطأ، أو ضمان المال الذي أتلفه.
وقد تسقط العزيمة بالنسيان كمن أفطر يوماً في رمضان يظنه من شعبان.
(2/ 2/48)

وحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" يروى عن أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي أنه غير صحيح.
وقال الإمام النووي: هو حديث حسن. وعلى فرض صحته، فيراد منه الخطأ في حق من حقوق الله.
وتسقط العزيمة عمن أكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106].
والظاهر من الآية الكريمة (في سورة البقرة): أن الله علم من المؤمنين القائلين في دعائهم: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]،: أنهم قصدوا حقوق الله في مثل عقوبة القتل الخطأ، والأكل في رمضان نسياناً، وأما ما يتعلق به حق المخلوق، فهو باق لايسقط.
وتسقط عزيمة الطلاق والبيع بالإكراه، كما تسقط عزيمة الكفر بالإكراه.
ولا تسقط العزيمة عمن أكره على قتل شخص، أو غصب ماله؛ لأن الله سبحانه وتعالى- يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
والجهل بالحكم ليس بعذر تنتهك معه العزيمة؛ فإن مخالفة المكلف لحكم الشارع بسبب الجهل تعد إنتهاكاً لا يقبل فيه عذر بسبب جهالته.
وقد تخفف العزيمة بتغيير صورتها؛ كصلاة الخوف، فالأصل فيها أن يقسم القائد العام المجاهدين طائفتين: طائفة تقف أمام العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم تذهب الطائفة التي صلى بهم ركعة إلى مقابلة العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الثانية.
(2/ 2/49)

وقد تخفف العزيمة بجمع التقديم؛ كجمع صلاة العصر مع صلاة الظهر، وصلاة العشاء مع صلاة المغرب، وجمع التأخير؛ كتأخير صلاة الظهر إلى وقت صلاة العصر، وتأخير صلاة المغرب إلى صلاة العشاء.
وقد تطلق الرخصة في الشرع على معنى غير المعنى الذي ذكرناه في مقابلة العزيمة، وهذا المعنى هو: رفع التكاليف الغليظة، والأعمال الشاقة التي شرعها الله للأمم السابقة المشار إليها بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286].
مثال ذلك: نهيهم عن اصطياد السمك يوم السبت، وابتلاؤهم بمجيئه في هذا اليوم، وعدم مجيئه في الأيام الأخرى.
ولم يقع في الشريعة الإِسلامية مثل هذا التكليف الذي وقع في الشرائع السابقة؛ فإن الأمم السابقة كلفت بهذه المشاق عقاباً لها على عتوها وبغيها، كما قال تعالى بعد ذكر تلك التكاليف: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146].
وفي الآية الأخرى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].
أما شريعة الإِسلام، فشريعة عامة في مختلف المواطن والعصور، فمن المناسب ألا يكون فيها حرج، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
وقد تطلق الرخصة على أمور تناولتها قاعدة المنع، ولكن وجد في تلك الأمور وجه يقتضي إباحتها واستثناءها من قاعدة المنع، مثال ذلك: أن يعطي صاحب بستان ثمر نخلة أو نخلات شخصاً مجاناً، فإذا أراد صاحب البستان أن يشتري هذا الثمر بتمر يابس، فقاعدة منع بيع الرطب بالتمر خَرصًا (تقديري تحرّم على صاحب البستان شراءه بتمر ممن أعطاه، لكن استثني هذا من
(2/ 2/50)

التحريم، والوجه في استثنائه من القاعدة تضرُّر صاحب البستان من دخول صاحب الثمر في بستانه، وهو وجه يدعو إلى إباحة شرائها.
والفرق بين هذا المعنى للرخصة، والمعنى الذي ذكر مقابلا للعزيمة: أن سبب الإباحة في الوجه الأوّل متحقق في كل فرد من الأفراد المستثناة من الأصل، أما الوجه الثاني، فلا يلزم أن يكون سبب الإباحة متحققاً في جميع الأفراد، فينبني عليه جواز شراء صاحب البستان للعارية، وإن لم يتحقق تضرره فعلاً بدخول صاحب العارية في بستانه.
وإن مشقة التكاليف لا تبلغ كثيراً من مشقات الدنيا، ولاسيما إذا نظر إلى ما في التكاليف من الخير الدنيوي والثواب الأخروي.
وإننا نرى من غلبت عليه الأهواء، لا يطمئن إلى حكمة ما جاء به الشرع من الأحكام، إلا إذا ذكر له ضرر خاص يلحقه من مخالفة الشرع، حكي أن أحد الحكام طلب من عالم من العلماء فتوى تخالف الشرع، فأبى أن يفتي بذلك، وقال: هذا مخالف للإسلام، فألح عليه الحاكم، وأشار إلى عقوبته إذا لم يفْته، فقال الشيخ: أنا أستطيع أن أفتيك بما تريد، ولكن في بلاد الإِسلام الأخرى علماء للشريعة سيقولون: إن الحاكم ولّى الفتوى من يجهل الشريعة الإِسلامية.
فقال الحاكم: أنا لا أحب أن يقول الناس هذا، وانصرف عنه.
(2/ 2/51)

موقف الإسلام من الرؤيا وتأويلها (1)
جعل الله حال الإنسان في الحياة يقظة أو نوماً، فيكون في اليقظة تحت سلطان العقل، فيدرك الحقائق با لأدلة المنطقية، والروايات الثابتة، ويكون في حال النوم تحت تصرف الخيال أو الإلهام.
وقد خاض العلماء في حقيقة الرؤيا، ويكفينا أن نقول: هي اعتقادات في قلب النائم بانتظام أو غير انتظام.
والشريعة تعرضت لأقسام المرئي والحلم، فالمرئي تارة يكون صوراً خيالية تتقلب في اختلاف وتناقض وتسلسل في غير ملاءمة، وهذه تسمى: أضغاث أحلام، وتارة تكون منتظمة تنبه على حسن ما وقع أو قبحه، أو تنبه على حسن ما سيقع في المستقبل أو قبحه، وهو الأكثر في المرائي.
ويدخل في المتخيل ما تتحدث به النفس في اليقظة، فترى في النوم ما يتعلق به.
ويدخل فيه تهاويل الشيطان وتخاويفه، وعلامته: أن يعرض على أدلة الشريعة، فتنهى عنه إن أمر الشيطان لإتيانه، أو تأمر به إن نهى عن إتيانه، وهذا الضرب لا يعرف بالعقل إلا من جهة الدليل القاطع الذي قام على صدق الشرع
__________
(1) مجلة "لواء الإِسلام" - العدد الأول من السنة الثامنة.
(2/ 2/52)

فيما يقوله، والعقل لا يستطيع أن ينفيه بالأدلة المنطقية.
ومرائي الأنبياء إلهام من الله بلا شك، ولهذا تثبت بها الأحكام الشرعية، كما قصَّ الله تعالى عن إبراهيم - عليه السلام -: أنه قال لابنه الذبيح: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].
فقول الذبيح: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} دليل على أن إبراهيم أمر في المنام بذبح ابنه، وأراد تنفيذه، وهو من أشد ما شرع من الأحكام، وقوله: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} لا يقصد به تخييره، وإنما يقصد به ظهور عقله وثباته وحسن طاعته لله بقوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}
والإِسلام، كان جعل الرؤيا الصالحة جزءاً من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لم يجعلها مستنداً لأحكام الشريعة.
فغير الأنبياء لا يثبت برؤياهم حكم شرعي، فقد يخطئ في الضبط والتأويل.
وهذا أبو بكر الصديق، على صفاء سريرته، واستنارة بصيرته، قد أخطأ في التأويل، حتى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً" (1).
__________
(1) الحديث رواه البخاري، ونصه: أن ابن عباس - رضي الله عنه -كان يحدث: أن رجلاً أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر، والمقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر، فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر، فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر، فانقطع، ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اعبر". قال: أما الظلة، فالإِسلام، وأما =
(2/ 2/53)

وسئل الإمام مالك - رضي الله عنه -: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال أبالنبوة يُلعب؟!
وإنما يستأنس بها في البشارة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، وفي رواية: "يراها المسلم، وترى له".
وتكون للإنذار، وهي المشتملة على ما يتألم منه، ولو عرض على الدلائل الشرعية، لكرهته، وأمرت باجتنابه؛ كمصاحبة الفاسق، والاقتران بامرأة غير صالحة.
وتكون لاطمئنان النفس عما يقع في المستقبل من المصائب؛ كما ورد في الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت في رؤياي أني هززت سيفاً، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحُد، وهززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين".
وتجيء الرؤيا لحكمة الانتصار على الأعداء كما قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43].
وإيضاح هذا أن الله جعل أول محارب للمسلمين كفار قريش، وقريش
__________
= الذي ينطف من العسل والسمن، فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض، فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له، فيعلو به.
فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطات؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً". قال: فوالله! لتحدثني بالذي أخطات، قال: "لا تقسم".
- معنى ظلة: سحابة. تنطف: تقطر. يتكففون: يأخذون بكفهم. السبب: الحبل.
(2/ 2/54)

ممن اشتهر بالنخوة والبسالة في الحرب، والذي فهمناه من سنة الله أن ينصر أولياءه على أعدائهم بالطرق المعروفة في القتال، حتى يظهر للملأ أن أولياءه انتصروا بالشجاعة والاستخفاف بالموت في سبيل الدعوة إلى الحق، ومن المعروف أن تتغلب الفئة القليلة على الفئة الكثيرة إذا كانت الفئة القليلة أوفى شجاعة، وأقوى صبراً على الشدائد، والفئة القليلة تغلب الكثيرة على حسب ضعف الفئة الكثيرة، فقد يقتضي حال المئة من الفئة الكثيرة أن يغلبها أربعون أو ثلاثون من الفئة القليلة، كما قال الشاعر:
وإن ابن باديس لأكبر حازم ... ولكن لعمري ما لديه رجال
ثلاثة آلاف لنا غلبت له ... ثلاثين ألفاً إن ذا لمحال
ومن عرف قريشاً، وحرصهم على أن يكونوا هم الغالبين، فلا بد أن يبذلوا شجاعتهم وكل ما يملكون من صبر في قتال المسلمين، وغير معقول عادة أن يغلب المئة منهم الأربعون أو الخمسون من فئة أخرى تكون ظالمة مثلهم.
ولما كان المؤمنون يحاربون قريشاً الذين عرفوا بالنخوة والإقدام في الحروب، والحرص على أن يكونوا الغالبين لمن دعاهم إلى دين غير دينهم، فشأنهم أن لا تتغلب عليهم الفئة القليلة إلا أن يؤيدهم الله بروح من عنده، فأراهم في النوم جيش العدو قليلًا حتى ينشطوا للقائه، ولا تتفرق آراؤهم، فقال تعالى: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [الأنفال: 43]،
وأراهم جيش العدو مثليهم عند اللقاء؛ ليحرصوا على قتاله، ولا يعودوا إلى الهزيمة بعد لقائه، ويبذلوا ما استطاعوا من الشجاعة في غلبه، وما هو إلا أن الله جعل أنظارهم تخطئ في تقدير جيش العدو، وجعل أنظار العدو تخطئ
(2/ 2/55)

في تقدير جيش المؤمنين؛ لينتصر أولياء الله على أعدائه، فالخطأ في التقدير واقع في الأنظار، وقد شاءه الله، كما يقع الخطأ في تقدير أشياء أخرى.
وإضافة تخطئه الأنظار إلى الله؛ لأنه أتى بفائدة عظيمة هي: اتحادهم عند العزم على القتال، واستمرارهم عليه عند الالتحام.
فالرؤيا قد تكون صريحة؛ كقول إبراهيم - عليه السلام -: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102].
أو قريياً من الصريح؛ كما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - صورة عائشة - رضي الله عنها - في سَرَقَة (قطعة) من حرير، وقال: (أُريتك في المنام مرتين إذا رجل يحملك في سرقة، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله، يُمضِمه".
وقد تكون - وهي أكثر- محتاجة إلى تأويل، كرؤيا العزيز، وقوله للملأ: {أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43].
وقولهم: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف: 44].
وقد تصدق الرؤيا من كافر؛ كرؤيا العزيز، ورؤيا صاحبي السجن التي أوّلها يوسف - عليه السلام -، ووقعت كما أولها. وصدق هذه الرؤيا كان لمصلحة هي خروج يوسف - عليه السلام - من السجن، وتوليه إدارة شؤون المال التي كان فيها صلاح بيت المال ونظامه.
وتصدق الرؤيا عاجلاً كما يقع في كثير من المرائي، وقد تصدق آجلاً؛ كرؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - المشار إليها بقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27].
(2/ 2/56)

فإنها وقعت في السنة المقبلة من الرؤيا، وكرؤيا يوسف - عليه السلام - المشار إليها بقوله تعالى: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
وقد تاأولها يوسف عندما خرَّ له أبواه سجّداً، فقال: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: 100].
وكان ذلك بعد رؤيته بسنين.
وقد نهى الإسلام عن الكذب في المنام، وعدَّه النبي من أكذب الكذب، فقال كما جاء في الصحيح: "من أفرى الفرى أن يُرِي عينيه ما لم تر"، وفي الصحيح أيضأ: "من تحلَّم بحلم لم يره، كلّف أن يعقد بين شعرتين، ولن يفعل".
والرؤيا الصادقة إن كانت واضحة، أو أوِّلت تأويلاً صادقا، من قبيل معرفة بعض ما في الغيب، ولم يجعل الإسلام الاطلاع على الغيب طريقاً من طرق إثبات الأحكام، ومن هذا قال النبي: "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع"، وقال الأصوليون: الإلهام ليس بحجة.
وجاء في الصحيح: أن الإنسان قد يرى في النوم ما يكدره، وذكر آداباً إذا قام بها، لا يضره بشيء؛ كالاستعاذة من الشيطان الرجيم، وأن لا يقصها على أحد.
فالرؤيا الصادقة وتأويلها قد اعترفت بها الأديان السماوية، بل قال بها غير المتدينين أيضاً، وأتى الإسلام فأقرها، ووكل أمرها إلى عارف بتأويلها إن كان في حاجة تأويل.
(2/ 2/57)

وبعض المؤمنين بها يسرفون في حكاية ما يرونه في النوم، سواء كان منتظماً، أو غير منتظم؛ كما يسرف بعض الناس فيعبر كل ما يحكى له من المرائي على ما يسر الرائي؛ مخافة أن يصفه بالجهل.
ويقابل هذا من ينكر الرؤيا جملة، ويعدها من أضغاث الأحلام، فلا ينبغي الالتفات إليها؛ فكلا الرجلين مسرف في اعتقاده، والمحق من يقول بأصل الرؤيا.
ويبقى الاعتقاد بصدق الرائي وتأويل ما يراه عائداً إلى الثقة وحسن الظن.
(2/ 2/58)

الكبيرة والصغيرة (1)
يكون الإنسان مؤمناً كاملاً بصحة الاعتقاد بالله، واجتناب الكبائر والصغائر، فإن اعتقد ما لا يليق اعتقاده بالله، كان غير مؤمن، وإن فعل ما نهى عنه الدين، أو ترك ما أمر به، كان عاصياً، فغير المؤمن بالله من يجحد بواجب الوجود، أو صفة من صفاته العليّة؛ كالوحدانية، والقدم، والقدرة، والعلم، أو أنكر الملائكة، أو شيئاً من كتبه، أو أحد رسله، أو البعث، أو جحد ما وقع عليه الإجماع وعلم من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، وأن الشريعة جاءت بأحكام المعاملات كما جاءت بأحكام العبادات.
والمعاصي التي لا تبلغ مرتبة الكفر منها كبائر وصغائر، وتأدب بعض العلماء فلم يذكر في المعاصي صغائر؛ إجلالاً لمن يعصى بها، وإلا، فهم متفقون على أن المعاصي منها كبائر، ومنها صغائر، والدليل على انقسامها إلى كبائر وصغائر هو الكتاب والسنّة، والقواعد المأخوذة منهما.
أما الكتاب، فقدقال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
وأما الحديث، فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في "صحيح مسلم"، وغيره، عن أكبر الكبائر، فقال - عليه السلام -: "أن تجعل الله نداً وهو خلقك"، ثم
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/59)

قال: ثم أيّ؟، قال: "أن تزاني حليلة جارك".
وفي حديث آخر: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل له: ما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا". وليس في الحديث حصر للكبائر في سبع، وإنما فيه ذكر سبع منها.
وحديث ابن عباس في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين، فقال: "إنهما ليعذّبان، وما يعذَّبان في كبير"، وفي رواية: "وإنه لكبير، أما أحدهما، فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة" .. أما النميمة وهي نقل كلام الغير للإضرار به، فكبيرة، وأما عدم الاستتار من البول، فكبيرة؛ للمواظبة عليه، والصغيرة تأخذ حكم الكبيرة بالمواظبة.
وألحق العلماء بما ذكر في الكتاب والحديث من الكبائر ما كانت مفسدته عظيمة؛ كمفسدة الكبائر المنصوص عليها، وألحقوا بالصغائر ما تكون مفسدته قليلة، وتقدير المفسدة يرجع إلى المجتهد في الشريعة؛ لأنه هو الذي يعرف مقدار المفسدة التي جعلها الشارع مقياساً للحكم على الكبيرة والصغيرة.
وذكر الفقهاء الكبائر والصغائر في حقيقة الشهادة، قالوا: يقدح في الشهادة ارتكاب الشاهد لكبيرة، أو إصراره على صغيرة، وفسروا الإصرار على الصغيرة بأن تتكرر منه، ولا يظهر التوبة منها، ولا الندم عليها، وارتكابه للذنوب الصغيرة مع الإصرار عليها دليل على استخفافه بالشهادة.
وذهب أهل السنّة إلى أن فاعل الكبيرة يعذب عذاباً شديداً، ولا يخلد في النار كما يخلد المشركون، ويؤيد ما ذهبوا إليه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا
(2/ 2/60)

يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
وذهب الخوارج، وهم الذين خرجوا على عليّ - كرم الله وجهه - إلى أن مرتكب الكبيرة خالد في النار، والمعتزلة يرون أنه في منزلة بين المؤمنين والكافرين، وأنه يخلد في العذاب، وقد استدل الفريقان بقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93].
ولا يرى أهل السنّة في هذه الآية دليلاً؛ لأن المقصود بها من قتل وهو كافر مؤمناً، أو أن المراد بالخلود طول الإقامة من غير تأبيد، ويلحق بالكفر معاصي إذا ارتكبت كانت كفراً؛ كتكفير الصحابة جملة؛ لأنه يقتضي إبطال الشريعة كلها، فهم رواتها، وعنهم أخذت؛ بخلاف من سب بعضهم؛ فإنه لا يخرج من دائرة الإيمان، وإنما يعتبر مرتكباً لكبيرة، فقد ورد في حديث البخاري: "من عادى لي ولياً، فقد آذنته بحرب"، وهو يشمل من سب الصحابة، لاسيما من شهد له رسول الله منهم بأعظم الإيمان، وأكمل الأعمال؛ كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين -.
وألف أحد العلماء في تونس رسالة فيمن يقف في صفوف الأجانب، ويقاتل المسلمين، وأثبت أنه كافر.
وقال أبو الحسن الأشعري: من بنى لطائفة كافرة محلاً يكفرون فيه بالله، فهو كافر.
ولا أظن عالماً بقواعد الشريعة يخالف في كفر من يطلع الأجانب على عورات المسلمين، ليغلبوهم على أمرهم، ويستولوا على أوطانهم.
ومن المعاصي ما اختلف فيه الأئمة؛ كترك الصلاة، فقد عدّه الإمام
(2/ 2/61)

أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - كفراً، وعدّه الجمهور كبيرة.
ولا يعد عاصياً من عرف منه الدخول تحت سلطان الشريعة، وإنما خالف الجمهور بدليل شرعي من شأن العلماء أن يستدلوا به، فإذا خالف بغير دليل شرعي، فابتدع رأياً لا يقول به الشرع، فتلك ضلالة.
وورد على أحد أصدقائنا من العلماء سؤال، وأظنه من غير المسلمين، يطلب فيه معرفة الحكم في تأخير صلاة الجمعة إلى يوم الأحد، هل يعد تصرفاً مخالفاً للدين، أو لا؟ فذاكرني في الجواب، فقلت: تحويل صلاة من يومها إلى يوم آخر خروج عن الدين؛ لأنه من قبيل تغيير ما أجمع عليه العلماء، وعُلم من الدين بالضرورة، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9].
ومعلوم من أصول الفقه: أن الشارع ذكر لكل صلاة وقتاً معيناً، وبيّن له بداية ونهاية، فذلك الوقت سبب لوجوب الصلاة وصحتها، فمن أداها في غير وقتها، لم تصح منه، ولكن الشارع إن أمر بقضائها، فقد وجد دليل على صحة قضائها بعد فوات وقتها، والجمعة عين لها الشارع وقتاً معيناً، فمن أداها في غير ذلك الوقت، فقد أداها في وقت لم ياأذن به الله، فلا تصح له صلاة الجمعة.
وسألني أحد علماء الجزائر سنة 1943 م، وهو في طريقه إلى الحجاز عن قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير: 29]؛ فإن الآية تدل على ما يشاؤه الإنسان ويفعله من معاص قد شاءه الله، فكيف يتفق هذا ومسؤولية الإنسان عن أفعاله؟
فقلت حينذاك: إن المراد من المشيئة المسندة إلى العبد في الآية هي
(2/ 2/62)

المشيئة المستلزمة للفعل؛ أي: التي يتبعها الفعل، فما يشاؤه العبد ويفعله، سواء كان من معصية أو طاعة، لا يقع إلا أن يشاء الله وقوعه، ويراد من مشيئة الله في الآية: المشيئة الكونية التي هي قائمة على الحكمة العامة في نظام الكون، ولا يراد من المشيئة المسندة إلى العبد المشيئة المطلقة، فقد يشاء العبد شيئاً، ويعدل عن فعله، فذلك الفعل الذي شاءه العبد ولم يفعله لم يشأ الله فعله، ومؤاخذة العبد على فعل المعاصي من جهة إرادتها وكسبها فقط، ومذهب أهل السنّة: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
والأتقياء الفضلاء يتركون المعاصي كبائر وصغائر إذعاناً لله تعالى، لا خوفاً من عقابه فقط، بحيث لو أمنوا من عقابها، لم يعصوا الله، وهذا معنى الأثر الوارد من قولهم: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله، لم يعصه.
وقد قضيت في عاصمة الجزائر مدة طويلة في إحدى الليالي مع أحد علماء الجزائر، وهو الشيخ الحفناوي بن عروس، وهو صاحب تأليف: "تعريف الخلف برجال السلف" في أسلوب هذا الأثر الذي رواه السعد التفتازاني في شرحه المطول عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد رأيت بعض المحدثين ذكر أنه بحث عن هذا الأثر بحثاً شديداً، فلم يقف له على ما دلّ على أنه مرفوع أو موقوف.
وفي "الحلية" لأبي نعيم من طريق عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن سالماً لشديد الحب لله، لو لم يحب الله، ما عصاه".
فعلى المؤمنين أن يتبعوا حدود الله، ويلتزموا ما بيّنه الرسول الكريم، وأن يجنبوا أنفسهم الكبائر، ولا يستهينوا بمقارفة الصغائر؛ فإن الإصرار يجعلها كبائر.
(2/ 2/63)

الذّوق، وفي أيّ حال يُعتدُّ به؟ (1)
يذكر الذوق في كتب اللغة بمعنى حقيقي أو مجازي، ويذكر فيما يتحدث فيه الناس في معنى الجمال، ويذكر في علم البلاغة بمعنى، ويذكر في كتب التصوف بمعنى، ويستعمله بعض المعاصرين في مقابلة الأحكام الشرعية.
ونحن نتحدث عن الذوق بحسب المعاني التي تراد منه حتى يتبين ما يعتدُّ به من الذوق، وما لا يعتد به.
الذوق في اللغة، وهو الأصل: إدراك طعم الشيء؛ كمن يدرك الحلو فيرتاح له، أو يدرك المرّ كالصبر فينفر منه.
وقد أشار الناس إلى أن الإنسان يتناول ما يرتاح له ذوقاً، قال شاعرهم:
أما الطعام فكلْ لنفسك ما اشتهت ... والبَسْ لها ما يشتهيه الناس
فالإنسان يتناول من ألوان الطعام والمشروب ما طاب له، ما لم يكن مضراً بالعقل؛ كالخمر، أو البدن؛ كالميتة، أو العقيدة؛ كما أُهِلَّ به لغير الله، أو نازعاً منه صفة العدالة؛ كمن يضع يده في طعام آخر بغير رضاه.
ويستعمل الذوق في اللغة مجازاً فيما يرتاح له الإنسان؛ كالنوم، والرحمة، فيقال: ما ذقت اليوم نوماً، وأذاقه الله رحمة. ويستعمل فيما يستلزم النفور
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الثامنة.
(2/ 2/64)

منه؛ كالبأس والعذاب.
والذواق: ما يتناول من طعام، وما يروى من حكمة.
وقال بعض علماء البلاغة في الأثر الوارد عن الصحابة - رضي الله عنهم -: كانوا لا يفترقون إلا عن ذواق: الذواق: ما يتناول من طعام. ويكنّى به عما يذكرون من حكمة على وجه النصيحة والموعظة.
والذوق فيما يتحدث فيه الناس في إيثار السمرة على البياض، أو البياض على السمرة، أو السمن على نحافة الجسم، وتفضيل العيون السود على العيون الزرق.
واختلاف الناس في إيثار أمر من هذا يرجع إلى اختلاف الذوق، وليس لأحد دليل عقلي يستطيع به تفضيل لون على آخر. واختلاف الناس في مأكلهم وملابسهم وتنظيم بيوتهم يرجع إلى اختلاف أذواقهم.
والذوق عند علماء البلاغة: هو قوة في الطبع يدرك بها الرفيع من الكلام والمنبوذ منه، ولا يرجع الحكم فيه إلى قواعد مقررة، بل إلى استحسان الطبع للكلام أو استهجانه، سواء كان في التئام حروف الكلمات، أو التئام بعض الكلمات مع بعض، أو وقوعها الموقع اللائق بها. ويتبع هذا أن يكون الاستحسان أو الاستهجان في التشابيه والمجازات والاستعارات والكنايات.
وقد ضرب صاحب "دلائل الإعجاز" أمثلة لذلك، فمما خفي استهجانها عند بعض الباحثين في البلاغة، وظهر لهم استحسانها، وليست في الواقع بمستحسنة: قول المتنبي:
عجباً له مسك العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها
والذوق السليم ينكر قوله: ما حفظها الأشياء؛ لأن الإضافة تدل على
(2/ 2/65)

أن لها حفظاً، ومراد الشاعر: أن ليس من عادتها الحفظ أصلاً، فالمناسب أن يقول: ما حفظ الأشياء.
ومما ظهر استهجانه، وليس بمستهجن: قول ابن الرومي:
وجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسيف مُغمد
قال الصاحب بن عباد: كان الأستاذ - يعني: ابن العميد - يختار من شعر ابن الرومي، وينقط عليه، وسلم إليّ القصيدة التي أولها: "راعت طلاعى جمرة تتوقد"، فتأملتها، فوجدته ترك خير بيت فيها، وهو قوله: "وجهل كجهل السيف"، وقلت: لم ترك الأستاذ البيت؟ فاعتذر بعذر كان شراً من تركه، فقال: تركته لأنه أعاد السيف أربع مرات. وقال الصاحب: لو قال: وجهل كجهل السيف وهو منتضى، أو كجهل السيف وهو منتضى، أو كحلم السيف وهو مغمد، فسد المعنى؛ يعني: من جهة البلاغة.
وقد أنكروا على أبي تمام قوله:
كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا
حيث أسند لبس الصوف إلى الزمان، وذلك ينفر منه الطبع؛ كإنكارهم الاستعارة المكروهة في قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبّ قد استعذبت ماء بكائي
حيث أضاف الماء إلى الملام، وعادتهم إضافته لما يستحسن؛ كماء الحسن، وماء البشاشة، وماء الحياء، ويكنى عن العزة بماء الوجه.
وقال المتنبي:
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا
(2/ 2/66)

حتى قال بعضهم: ما زالت الأذواق تستهجن ماء الملام حتى عززها أبو الطيب بحلواء البنين.
وقد أراد أبو تمام أن يجعل استعارة ماء الملام كجناح الذل في الآية؛ إذ حكي أن بعض المستهجنين استعارة ماء الملام أرسل له قارورة، وقال له: أرسل لي شيئاً من ماء الملام.
فقال أبو تمام: أرسل لي ريشة من جناح الذل، أرسل إليك شيئاً من ماء الملام!.
والفرق بين ماء الملام وجناح الذل في حسن السبك وانتقاء وجه الاستعارة لا يخفى على ذوق سليم يدرك الحسن من المستهجن.
وبعض من يشهد له بالذوق السليم قد يغفل، فلا يبصر وجه الاستهجان في الاستعارة وغيرها، ويبصر به غيره، كما غفل أبو تمام عن استهجان ماء الملام، والمتنبي عن حلواء البنين، وإلا فمن يقول كأبي تمام:
من لم يُسَسْ ويطير في خيشومه ... وهج الخميس فلن يقود خميسا
ومن يقول كالمتنبي:
فلو أن المقام به علوٌّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتامُ
شأنهما أن يتنبها لما في استعارة ماء الملام وحلواء البنين من الاستهجان.
واختلاف الشعراء والكتاب في أساليبهم يرجع إلى اختلافهم في الذوق.
وربما يبدو للذوق العاجل في نظر القرآن أن لو ذكر القرآن لفظاً آخر غير الذي ذكره، لكان أحكم نظاماً، وأوفى بلاغة؛ كما إذا نظر الذوق على عجل قوله تعالى حكاية عن عيسى - عليه السلام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
(2/ 2/67)

ويبدو له أن المناسب لقوله تعالى: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ} [المائدة: 118] اسم الغفور، بدل العزيز، ولكن لفظ العزيز أنسب عند التأمل بقوله: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ}، والمعنى: إن تعذبهم، فإنهم عبادك ليس لأحد سلطان لأن يمنعك من عذابهم، وإن تغفر لهم، فلا سبيل لأحد أن يصدك عن المغفرة لهم، فإنك أنت العزيز؛ أي: الغالب على كل شيء، الحكيم الذي يضع كل شيء الموضع اللائق به.
ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكان معرضاً بالشفاعة لهم، وهو يريد أن يفوض الأمر إلى الله ليفعل ما يشاء، وهو العالم بما يقتضيه حالهم من التعذيب والمغفرة لهم.
وتجرأ بعض القارئين فقرأ: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، وعوقب معاقبة من يتعمد تبديل ألفاظ القرآن بما يوافق ذوقه الخاص.
وقواعد النحو لا يعتبر فيها الذوق الخاص؛ كما لو أراد بعض الأذواق أن يؤنث العدد للمؤنث، ويذكره للمذكر، وأن يصرف الممنوع من الصرف، فإن فعل ذلك، فقد جاء بلغة أخرى غير العربية الفصحى؛ لأنه يعتبر في قواعدها ما روي عن العرب، سواء وافق الذوق الخاص، أو لم يوافقه، ولاسيما لغة نزل بها القرآن، وألّفت بها في شتى كتب العلوم كتب قيمة.
والذوق عند الصوفية، ويعبرون عنه بالوجد: عرفان يقذفه الحق في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.
وشرط أصحابه أن يوافق قرآناً وسنّة.
قال سهل بن عبد الله التستري، وهو من أساطين الطائفة: كل وجد
(2/ 2/68)

لا يشهد له الكتاب والسنّة فهو باطل.
وقال أبو سليمان الداراني، وهو من أكابرهم أيضاً: إني لتمرُّ بي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين من الكتاب والسنّة.
فإذا فعل بعض من ينتمي للصوفية شيئاً، وقال: إنه عرفان من حق، ولم يشهد له كتاب أو سنّة، أو سيرة السلف الصالح، تركناه جانباً.
ومن هنا قال العلماء: المتشابه لا يكون إلا في كلام الشارع ليقضى فيه بالمحكم لحكمة يعلمها الشارع، وأما المخلوق، فيحكم على كلامه بما يقتضيه لفظه الصريح العربي؛ حتى لا يدعي المخلوق يلحد في كلامه أنه من قبيل المتشابه.
والذوق عند بعض أهل العصر: إدراك ما يليق في العمل أو المعاملات، فيقولون: فلان صاحب ذوق: إذا كان يحسن ما يعمل، أو يحسن معاملة غيره.
وقد يخطئ في الذوق بعض أهل العصر، فيستعمله في القوانين والأعمال الشرعية، وهو طبيعة تتربى بمحاكاة بعض الأجانب، وتغلو به المحاكاة إلى قوانينهم ومعاملاتهم؛ كالربا، ولا يزيد إن ذكرت له حداً من حدود الشريعة أن يقول: هذا مناف للذوق.
وإنما يحسن أن نحاكيهم فيما سبقونا إليه من الأشياء المادية؛ كالهاتف، والبرق، والأسلحة، والطائرات، والغواصات، والإذاعة، وأما الأمور العقلية المعنوية، فقد دلت المشاهدة على أنهم ونحن فيها سواء.
وإنما يعتد في القوانين بالمصالح العامة، ولا يعتد بالذوق الخاص، ولا بالذوق الذي تربى من عادة بنيت على غير مصلحة.
(2/ 2/69)

والخلاصة: أن الذوق في اللغة، وفيما يتحدث به الناس في اللون أو الشكل أو البراعة في القول يعتد به، وأما في قواعد النحو، فالمعتمد به ما ورد عن العرب، أو اقتضاه القياس على كلامهم. ولا عبرة بالذوق في أحكام الشرع، فيعتد فيها بما ورد عن الشارع، وما اقتضته المصالح العامة.
(2/ 2/70)

النَّذر (1)
حُكْم الشارع: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف؛ بأن يقتضي منه فعل شيء، وهو الواجب، والمندوب، أو يقتضي منه ترك شيء، وهو المحرم، والمكروه، أو يخيره بين فعل الشيء وتركه، وهو المباح.

ثم إن الواجب قسمان: وهما: ما يوجبه الله على الإنسان ابتداء؛ كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وما يوجبه الإنسان على نفسه ويلتزمه من غير أن يوجبه الله عليه أولاً، وهو النذر.
وإيضاح الفرق بين الواجب المتأصل، والواجب بالنذر في نظر الشريعة: أن أحكامها مبنية على رعاية المصالح والمفاسد، فإن كانت المصلحة في النظام الاجتماعي عظيمة، فهو الواجب المتأصل، وإن كانت مصلحته قليلة، فهو المستحب، فإن كانت مصلحته لا تحصل إلا بالنذر، وهي كمال الأدب مع الخالق، فإن النذر وعد من الإنسان لربّه بشيء، وكمال الأدب مع الخالق أن ينجز الإنسان ما يعده به، فمصلحة النذر هي كمال الأدب مع الخالق، بخلاف مصلحة الواجب المتاصل؛ فإنه يقتضيها النظام الاجتماعي؛ كإيجاب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/71)

وكان النذر مشروعاً في الأمم السابقة، قال الله تعالى قاصّاً عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35].
وقولها: {مُحَرَّرًا} معناه: أنه يزهد في الدنيا، ويقوم على عمل الآخرة، ويكون في خدمة الكنيسة. وقال تعالى في قصة مريم - عليها السلام -: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26].
وكان عدم الكلام في شريعتهم داخلاً في الصوم، وذكر القرآن أن أتباع عيسى - عليه السلام - ألزموا أنفسهم واجبات لم يقضها الله عليهم، فتركوا الدنيا وشهواتها؛ كالتزوج بالنساء، ونحوه، ولكنهم لم يراعوها حق رعايتها؛ أي: لم يحافظوا عليها حق محافظتها، فذمّهم الله بذلك، ومعلوم أن الذم موجّه إلى من لم يراع ما التزموه بأنفسهم حق رعايته. ومن بقاياهم أرباب الصوامع الآن.
وكنت حضرت في احتفال ببرلين ألقى فيه أحد المنتمين إلى الإسلام خطبة قال فيها: "إن إبراهيم - عليه السلام - قد نذر ذبح ابنه على عادة الأمم المتوحشة، ففداه الله بذبح عظيم".
ونبهت بعض من يتصل بالمحاضر إلى الآية التي صرحت بأنه رأى في المنام أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء وحي، وهذه الرؤيا ابتلاء من الله لإبراهيم - عليه السلام -, فلما كاد أن يفعل ما أمر به، وظهر صدقه، فداه الله بذبح عظيم، ولولا أن الكلمة التي قالها المحاضر قيلت في احتفال رسمي، ونشرت في الصحف الألمانية، لما كتبتها.
(2/ 2/72)

وقد أقرت الشريعة الإسلامية النذر، وجعلته مما يطالب الوفاء به، فأخبر الله تعالى بأنه يعلم النفقات والنذور، فقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270].
ومدح الموفين بالنذر، فقال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7].
وقال تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29].
وقال - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الصحيح في وصف الذين يخرجون عن الدين: "وينذرون ولا يوفون".
فالشارع جعل الوفاء بالنذر هو الطاعة. وقد قال بعض الفقهاء: إنه خلاف الأولى، ففعلُ الإنسان المستحب بغير نذر؛ لأن الله أمر به على وجه الاستحباب، أولى من فعله بمقتضى النذر.
وقال بعض الفقهاء: "نكره النذر، وننهى عنه، ولكن من نذر شيئاً من طاعة الله، لزمه الوفاء به فرضاً".
وجاء في الحديث الصحيح: أن النذر لا يقدم شيئاً، ولا يؤخره، وإنما يستخرج فيه من البخيل.
والحديث تحذير من التهاون بعد إيجاب الوفاء به.
والفرق بين النذر والدعاء، مع أن كلاً منهما لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، أن الدعاء عبادة؛ بحيث يلام الإنسان على تركه؛ بخلاف النذر؛ فإنه في ذاته ليس بعبادة، فلو قضى الإنسان حياته كلها ولم ينذر فيها فلا يلام على ذلك، وإنما يلام إذا نذر، ولم يوف بالنذر، فإن شفاه الله من مرض مثلاً، فالأولى أن يصلي أو يصوم شكراً لله على نعمته من غير نذر.
(2/ 2/73)

والنذر إنما يتعلق بالمستحب، ومصلحة المستحب في ذاته تقتضي الاستحباب، فإذا أضيف إليها مصلحة النذر، وهي كمال الأدب مع الله تعالى، صارت عظيمة، فجاء الوجوب من هذه الجهة، ووجب الوفاء به.
والشارع لم يأمر بالنذر، ولا مدح الناذرين، وإنما أمر بالوفاء بالنذر، ومدح الموفين به.
وتعليق النذر على أمر يفعله الله في المستقبل مكروه، فإن وقع، يجب الوفاء به؛ كان يقول الإنسان: إن شفاني الله من المرض، أو شفى ابني، فعلي صلاة كذا، أو صوم كذا.
ووجه كراهته: أنه وقف العبادة على فعل في المستقبل، والعبادة يفعلها الإنسان في الوقت الذي يتيسر فيه الفعل.
ولا ينعقد النذر المتعلق بالحرام؛ كأن يقول: لله عليّ شرب كأس خمر، قال - عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح: "من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه"، كما لا يتعلق النذر بترك الحلال: كأن يقول: لله عليّ ألا أشرب اللبن، فلا يلزمه الوفاء به.
ومن الفقهاء من قال: عليه كفارة يمين في المسألتين.
ومن النذر المكروه ما يسميه الفقهاء بنذر اللجاج، وهو أن يريد الإنسان التنفل بصلاة أو صيام أو صدقة، ويخاف التهاون به، فينذره؛ ليلزم نفسه به. ووجه كراهته: أنه لم يرد من المنذور به أن الله أمر به خاصة، بل دخل في نية النذر أن يجعله وسيلة لعدم التهاون.
وإذا نذر الإنسان نذراً، ومات قبل الوفاء به، فلوارثه أن يقضيه عنه.
وفي الصحيح: أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نذر كان
(2/ 2/74)

على أمه، وماتت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها.
ومن لا يرى من الفقهاء النيابة في الأعمال البدنية؛ كمالك بن أنس، يحمل النذر في الحديث على أنه متعلق بمال؛ كالصدقة، ونحوها.
ومن المحدثات التي لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في عهد السلف: النذر للأولياء. والأقرب لقصد الناذر أن يوزع النذر على الفقراء المقيمين حول الولي.
ويجب أن يعلم الناذر الصيغة الصحيحة للنذر.
ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في مال شخص إلا إذا انطبقت عليه شروطه؛ كمن يقف من ماله ما يختص بطائفة القراء مثلاً، فينبغي لمن لم يكن من القراء أن يترك الانتفاع به.
وأذكر بهذه المناسبة: أن أبا بكر العربي استأذن في الدخول على الإمام الغزالي، فأذن له بالدخول، فوجد بين يديه خبزاً وخلاً، ولكنه لم يدعه إلى الأكل.
قال ابن العربي: فتذاكرت مع بعض الأساتذة في هذا الشأن، ومن الوجوه التي عرضت لي أن قلت: إنه طعام خاص بالصوفية، ولم يرني الغزالي من أهل هذا الشأن.
والهدف من هذا المقال: أن النذر غير مطالب به من الشارع في نفسه، فإذا نذر الإنسان مستحباً، وجب عليه الوفاء به.
(2/ 2/75)

المتُعَة (1)

المتعة: اسم مصدر من التمتيع.
وتطلق في الشريعة على متعة الطلاق، وهي: إعطاء المرأة عند طلاقها ما تنتفع به من مال ونحوه، قال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236].
وتطلق أيضاً على متعة الإحرام بالعمرة في أشهر الحج مع أداء الحج في تلك السنة، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196].
واستعمل القرآن الاستمتاع في الانتفاع بملابسة الزوجة في النكاح الدائم، فقال تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24].
وتسمية الصَّدُقات بالأجور؛ لأن الصداق يعطيه الرجل ليتمكن من الانتفاع بملابسة الزوجة.
وورد في الشريعة متعة النكاح.
ومتعة النكاح - وهي النكاح إلى أَجَل معين - هي موضع البحث في هذا المقال:
يتلخص من الأحاديث الصحيحة التي رواها مالك في "الموطأ"، والبخاري ومسلم في "صحيحيهما": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم نكاح المتعة يوم
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة الثامنة.
(2/ 2/76)

خيبر، وأباحه وحرمه يوم الفتح بمكة، وقال: "هو حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة"، وهذا دليل صريح على تأبيد التحريم.
وأما من صرّح بأنه كان يستمتع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر حتى نهى عنه عمر، فمحمول على أنه لم يبلغه حديث النهي حتى نهى عنها عمر.
فعمر بن الخطاب إنما أظهر تحريم المتعة الذي روي في الحديث.
وقد وقع إجماع الصحابة على ذلك.
والتحقيق: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رخص في متعة النساء للضرورة القصوى، فلو أنه لم يبح المتعة في ذلك الحين، لتعطل السير في سبيل الدعوة.
والنسخ واقع في بعض أحكام الشريعة حيث زالت العلة الباعثة على الحكم المسمى، وليس هذا موضع الأدلة على جواز النسخ ووقوعه، وإنما ننكر القول بالنسخ لمجرد شبهة التنافي بين الدليلين.
وروى المحدثون عن ابن عباس - صلى الله عليه وسلم - إباحتها، ثم الرجوع إلى تحريمها.
ومن العلماء من يرى أن النكاح المؤقت يعدّ من المتعة؛ كما قال ابن شاس في كتاب "الجواهر": "ولا يجوز تأقيت النكاح، وهو المتعة".
ومنهم من يرى الفرق بينهما، فنكاح المتعة باطل، وهو لا يراعى فيه من شروط النكاح إلا الاستبراء؛ أي: لا يراعى فيه الشهود، والنكاح المؤقت يكون بشهود، ولكنه محدود بوقت.
وروي عن الإمام زفر من الحنفية: أنه قال: إن النكاح المؤقت صحيح، وشرط التوقيت باطل. وذلك معنى قولهم: إن نكاح المتعة باطل باتفاق، والنكاح المؤقت باطل عند الأكثر.
(2/ 2/77)

وقول زفر بصحة النكاح، لا يوافق رضا أحد الزوجين؛ لأن كلاً منهما دخل على التأجيل.
ونسب أحد الفقهاء الحنفية إلى الإمام مالك: أنه أجاز نكاح المتعة، وردَّ هذه النسبة تقي الدين بن دقيق العيد، وقال: إن هذه النسبة خطأ؛ فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببها، فقالوا: لو علق على وقت لابد من مجيئه، وقع الطلاق الآن؛ لأنه موقت للحل، فيكون في معنى نكاح المتعة.
ويؤيد ما قاله ابن دقيق العيد، من أن المالكية لا يقولون بإباحة المتعة: قولهم: من تزوج امرأة على أن يأتيها نهاراً، ولا يأتيها ليلاً، يفسخ العقد؛ لأنه يشبه نكاح المتعة.
وقد روى مالك الحديث الوارد في تحريم المتعة، وقال أبو الوليد الباجي في "المنتقى": "وسئل مالك عمن تزوج امرأة، وهو يضمر في نفسه أن يسر بها، ويستمتع بها مدة، ثم يفارقها، فقال مالك: ذلك جائز، وليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس.
وعلل بعض أصحابه ما أفتى به مالك من جواز النكلاح مع أنه ليس من الخلق الجميل، ولا أخلاق الناس: أن العقد وقع على وجهه، ولم يشترط فيه شيء، ونكاح المتعة ما شرطت فيه الفرقة عند انقضاء المدة، فقد يتزوج الرجل المرأة على نية غير الإمساك، فيسره أمرها، فيمسكها، وقد يتزوجها بقصد إمساكها، فيرى منها ضد الموافقة، فيفارقها".
وما أفتى به مالك من الجواز في هذه المسألة قال به غيره من الأئمة، إلا الإمام الأوزاعي، فإنه حرم هذا العقد، وعدَّه من قبيل المتعة. والحادثة
(2/ 2/78)

تخالف نكاح المتعة التي حرمها الحديث الصحيح، وهي النكاح لأجل معين يصرح به كل واحد من المتعاقدين.
فالواقعة المسؤول عنها مالك هي موضع اجتهاد من الأئمة.
وفي بعض كتب الفقه والتفسير نسبة إباحة نكاح المتعة إلى الشيعة.
وفي كتاب "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" لأحمد بن يحيى بن المرتضى من علماء الشيعة الزيدية: القول بتحريم نكاح المتعة؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من النهي عنها، وتحريمها.
ونسب إلى الشيعة الإمامية إباحتها، فالشيعة الذين يذهبون إلى جواز المتعة هم الشيعة الإمامية.
ويذكر المؤرخون القصة الآتية، وهي: أن محمد بن منصور، قال: كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكِّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً، فقولا، وإلا، فاسكتا إلى أن أدخل.
قال: فدخلنا عليه وهو يستاك، ويقول وهو مغتاط - يعرِّض بعمر - رضي الله عنه -: متعتان كانتا على عهد رسول الله عنه، وأنا أنهى عنهما! من أنت - يريد عمر - رضي الله عنه - حتى تنهى عما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟!.
فاومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور، وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول، نكلمه نحن!! فأمسكنا.
فجاء يحيى بن أكثم، فجلس وجلسنا، وقال المأمون ليحيى: مالي أراك متغيراً؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام! فقال: وما حدث فيه؟.
(2/ 2/79)

قال: النداء بتحليل الزنا!! قال: الزنا!! قال: نعم، المتعة زنا. قال: ومن أين ما قلت؟ قال: من كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- ومن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1].
وتلا إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5 - 7].
يا أمير المؤمنين! زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: أهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا.
قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي بالنهي عن المتعة، وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها.
فالتفت إلينا المأمون، وقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك - رضي الله عنه -.
فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة!.
وجرى في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن حماد ذكر يحيى ابن أكثم، فرفع شأنه، وقال: كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله، وذكر هذا اليوم.
ونحن نقرأ تاريخ علماء أجلة كالقاضيين في قرطبة: منذر بن سعيد البلوطي، وابن بشير، وقاضي الآستانة شمس الدين محمد الفناري، فنراهم كيف يقابلون الخلفاء بمثل ما قابل يحيى بن أكثم الخليفة المأمون، ولا يجدون
(2/ 2/80)

منهم إلا إقلاعاً عن الهوى، ورجوعاً إلى الحق كما رجع الخليفة المأمون.
فنكاح المتعة، وإن شابه النكاحَ الدائم في الوصول إلى حظ النفس من التمتع بملابسة المرأة، فإن النكاح الدائم تنسجم به الحياة الاجتماعية، ويمتاز عن نكاح المتعة بالسكون والمودة، والرحمة وحسن المعاشرة، وبه ينتظم المنزل في اطمئنان، ويتكون به النسل الصالح الذي يتربى تحت رعاية والده ووالدته، ويسلم من العار الذي يلحقه من نسبته إلى أم رضيت بنكاح المتعة.
ويستفيد الرجل بالنكاح الدائم الاتصال بأهل بيت يعدّهم ويعدّونه بمنزلة الأقارب، ويستعين بهم، ويستعينون به على مرافق الحياة.
هذا شأن النكاح الدائم في الطبقة المهذبة، وإنما تستقيم الحياة الاجتماعية إذا كان جمهور الأمة مهذبين.
وقد أصبح نكاح المتعة بعد تحريمها زناً، فيعاقب مرتكبه أشد العقوبة، ولا يحد حد الزنا؛ مراعاة لمن قال بإباحتها قبل انعقاد الإجماع على تحريمها.
ومن المحقق أن الإجماع الذي يعد منكره غير مسلم، هو الإجماع الذي لا يقع فيه خلاف، ويكون معلوماً عند المسلمين ضرورة؛ كالصلوات الخمس، وأوقاتها.
(2/ 2/81)

استحضار الأرواح (1)
سأل سائل عن استحضار أرواح الموتى بأنفسها، هل هو واقع، أو شعوذة ممن يدعي إحضارها؟.
فقلت: كانت دعوى استحضار أرواح الموتى تذكر، ولا نعطي لها بالاً؛ لأن في اعتقادنا أن كل مسلم يعتقد أنها شعوذة، لا أكثر ولا أقل؛ لأنها من المسائل التي لا تصدق فيها التجارب، ولا تتحقق فيها الأدلة المنطقية.
ولما كنت بألمانيا، سمعت أيضاً أن أناساً من أوروبا وأمريكا يدّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها.
واجتمعت بقسيس في بلد (لنداو) من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك.
وجئت إلى مصر، ووجدت هذه المسألة دائرة في المجالس، فبعض الناس يصدق بها، وبعضهم يتوقف فيها، وأكثرهم ينكرون ذلك.
فقلت: حيث ظهرت المسألة في أوروبا وأمريكا ننظر أقوال كبار علمائهم
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الثامنة.
(2/ 2/82)

أولاً، ثم نقرر ما يقوم عليه الدليل من الشرع الحنيف، ولا يهمنا كثيراً أو قليلاً اتفاقهم على استحضار الأرواح، واختلافهم في ذلك، وإنما نريد أن نعلم: ما رأيهم في هذا الادعاء؟
وجدنا الدكتور يعقوب صروف ينكر استحضار أرواح الموتى، ونقل في مجلة "المقتطف" عن مجلات أوروبا وأمريكا إنكار كثير من علمائهم الذين حضروا جلسة استحضار الأرواح، وصرحوا بأنها شعوذة وخداع.
قال: ويدل على هذا: أن أشهر الذين كانوا يدَّعون مناجاة الأرواح اعترفوا آخراً أنهم كانوا يستعملون الحيل والخداع للناس، والأرواح التي يزعم مستحضروها أنها أرواح الموتى لا تفعل إلا أسخف الأعمال وأحقرها، فلا تكتشف سراً في كشفه فائدة لأحد، ولا تنبئ بأمر من الأنباء به نفع ما.
وصدق الدكتور صروف، فقد دلت المشاهدات الطويلة على أنه ليس في زعم استحضار الأرواح من فائدة دنيوية أو أخروية، سوى تسلية النفوس الفارغة من الأعمال؛ بإراءتها الباطل في ثوب الحق كبقية المظاهر السحرية.
ثم قال: وإن الذين يصدقون بمناجاة الأرواح، ويمارسون ذلك، تضعف قواهم العصبية رويداً رويداً، وينتهي أمرهم إلى الجنون، وهذا أمر معلوم يدل على أن أعصابهم كانت ضعيفة من أصلها، أو مائلة إلى الضعف، ومن كانت أعصابه كذلك، لا يركن إلى أحكامه وتصوراته.
وتعرض إلى العلماء الذين يصدقون بهذه الشعوذة، وقال: إن العلماء المنجرين أشد انخداعاً من غيرهم، حتى قال أحد المشعوذين: إن العالم الذي يجلس حيث نجلس، ويلتفت حيث نقول له أين يلتفت، هو الرجل الذي تجوز عليه حيل الشعوذة، ويرى ويصدق ما لا يراه ولا يصدقه تلامذة المدارس.
(2/ 2/83)

وقد جرب بعض المحاكم بإنجلترا استحضار الأرواح في قضية قتل، فلم تحصل منه نتيجة، ولم يروها من الطرق المثيرة للشبهة حتى يعتبر في تقرير الجنايات.
وممن أنكر استحضار الأرواح الشاعر أحمد شوقي، وقال فيما صنع من الشعر:
لا تسمعن لعصبة الأرواح ما ... قالوا بباطل علمهم وكذابِهِ
الروح للرحمن جلَّ جلاله ... هي من ضنائن علمه وغيابِهِ
غُلبوا على أعصابهم فتوهموا ... أوهام مغلوب على أعصابِهِ
وطالعت "دائرة المعارف" للأستاذ فريد وجدي، فوجدته أثبت صحة استحضار الأرواح؛ استدلالاً بما وقع فيه بعض علماء أوروبا من تصديق مدعي استحضارها.
ولا شأن له إلا أن نقل عنهم ما يقولون. وتابعه بعض الشيوخ هنا، وأسرع إلى متابعته حيث وجد فيه شاهداً على الماديين، والماديون يسهل الرد عليهم بغير استحضار الأرواح.
وقال الشيخ المراغي في تقريظ كتاب الدكتور هيكل:
"من الفوائد التي أتى بها الابتكار الحديث: استحضار الأرواح".
والأستاذ المراغي أخذ أقوال من شهدوا بأن المسألة صدق، ولم يوجه نظره إلى بحث المسألة باعتناء.
وقام أحد الكاتبين في مصر، فترجم كتاباً لأحد الأوروبيين في تصديق ما قاله بعض مدعي استحضار الأرواح، وزاد عليه الكاتب في مقدمته ذكر بعض من ادعى أنهم حضروا لديه في حجرة استحضار الأرواح، منهم: عباس
(2/ 2/84)

البهائي، فقال: "قد تجسدت روح الزعيم الديني الفارسي عبد البهاء غير مرة، وكان يسلم علي بالعربية أولاً، ثم تكلم بالإنجليزية تكلم العالم المطلع (1) ".
ولسنا بصدد الكلام على اعتقاد الكاتب الذي ذكر زعيم البهائية بما شاء.
وذكر ممن استحضر أرواحهم في جلسة واحدة جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وويصا واصف، وطنطاوي جوهري، ومصطفى كامل.
ونقل الكاتب نحو الصحيفة والنصف من رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، ومضمونها: أن الروح غير البدن، وأن كلاً منهما مستقل ... وهذا النقل لا يفيده؛ فإن تغاير البدن والروح هو الذي ذهب إليه المحققون من علماء الإسلام.
ونحن لا نتكلم على تغاير البدن والروح، وإنما نتكلم على استحضار الروح بعد الموت.
وذكر الكاتب مستدلاً على استحضار الأرواح بما كتبه الشيخ المراغي في تقريظ كتاب الدكتور هيكل، وبينّا وجه تقصيره في بحث المسألة.
كما ذكر الكاتب شعر شوقي في تكذيب من يزعم استحضار الأرواح، وادعى أن روح شوقي اتصلت به في عالم الروح، ورجعت عما سبق لها
__________
(1) البهائية: طائفة ضالة، تنسب إلى بهاء الله، لقب يدعى به ميرزا حسين علي الزعيم الثاني للمذهب الذي تتولاه هذه الطائفة، وتسمى هذه الطائفة أيضاً: البابية نسبة إلى "الباب"، وهو لقب ميرزا علي الذي ابتدع هذه النحلة، وكانت عقوبته أن أعدمته الحكومة الإيرانية صلباً في تبريز سنة 1265 ه إثر فتن وحروب ثارت بين أشياعه وبين المسلمين سفكت فيها الدماء.- انظر كتاب: "القاديانية والبهائية" للإمام.
(2/ 2/85)

من الإنكار عليه.
وقال الكاتب: "لا ينكر استحضار الأرواح إلا البله من المتدينين والملاحدة".
قال هذا، ولم يقم دليلاً على استحضار الأرواح يقنع الأذكياء من المتدينين.
ونحن لا نؤمن باستحضار أرواح الموتى؛ لوجوه غير الوجوه التي نقلناها من مقال الدكتور صروف.
منها: أن الشريعة الحكيمة نصت على أن من مات ذهبت روحه إلى عالم الآخرة، ولا يعلم ما يقع في عالم الآخرة إلا الله، أو من ارتضى من رسول، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27].
وإذا علم غير الرسول من الغيب، فبإلهام من الله في المنام، أو بصفاء البصيرة، وكلاهما يعطي ظناً قوياً، لا في قوة ما يطلع الله عليه من ارتضى من رسول، والله أعلم وأحكم من أن يطلع على غيبه شخصاً يعدُّ حجرة يتسلى فيها الناس بالحديث مع الموتى.
ومنها: أن الكتاب نص على أن الناس منهم سعيد وغير سعيد، وقد جعل الله لروح كل واحد منهم حالاً خاصة، ومدعي استحضار أرواح الموتى يزعم أنه جمع بين أرواح مختلفة الأحوال، دون أن يفرق بين من يعرف بالعقيدة السليمة، ومن يعرف بالجحود.
ومنها: أن الدين الحنيف صرح بأن الجان والشياطين أحياء كائنون، قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6].
(2/ 2/86)

وقال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].
وقد قامت الدلائل الواضحة من الشريعة على أن الجان والشياطين يتصورون بصورة الآدميين صوتاً وشكلاً.
فعلى فرض أن يسمع مستحضر الأرواح صوت الميت، أو يرى شبحه، هل يستطيع أن يقيم لنا الدليل على أنه سمع صوت الميت، أو رأى شبحه، لا صوت الروح العابثة مثلت صوته أو شبحه، وأخبرت ببعض ما تعرفه من أحواله؟! فإن لم يستطع ذلك، فلنتمسك بالحقائق التي قام عليها الدليل من الشريعة الإسلامية.
(2/ 2/87)

حكم الإسلام فيمن بلغته الدعوة (1)
سأل فريق من المثقفين عمن يؤمن بالله، ويعمل صالحاً، ولا يؤمن بالإسلام، هل ينجو من العذاب الخالد، وإن بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ربما دعاهم إلى هذا السؤال قوله تعالى في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
وجواب ذلك: أنه انعقد إجماع علماء الإسلام على أن من بلغته الدعوة بلوغاً كافياً، ولم يؤمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ينجو من العذاب الخالد.
ومستند الإجماع فيما أجمعوا عليه: أن الله أرسل الرسل - عليهم السلام - بالمعجزات الواضحة، فمن لم يؤمن برسول، فقد جحد تصديق الله لرسوله في دعوة الرسالة، ومن جحد تصديق الله لرسوله، فكيف يكون مؤمناً بالله؟! فلهذا حكم الله على من لا يؤمن بالمعجزات البينات بأن لا يكون مؤمناً به حقيقة.
ومن هؤلاء الرسل الذين حكم الله على من لا يؤمن برسول الله منهم بالعذاب الخالد: محمد - عليه الصلاة والسلام -.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الثامنة.
(2/ 2/88)

فقد أعطاه الله من المعجزات الواضحة ما خضعت له الفطر السليمة، والعقول المتمرنة على الأصول المنطقية، وأهمها الكتاب العزيز. فمن لم يؤمن به، لم يؤمن بالله الإيمان المعتد به؛ لأنه كذّب المعجزات التي أظهرها الله تأييداً لدعوته، ولأن من كذّب الرسول لا يؤمن بالهدى الذي أرسل ليبلغه إلى الأمة، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
فجعلهم في الآية غير مؤمنين إذا وجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى به عليهم ..
وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} [الفتح: 13].
فجعل عدم الإيمان بالرسول قاضياً عليهم بالكفر، ولا يتحقق الإيمان بالله إلا بتحقق الإيمان بالرسول، ولا يتحقق الإيمان بالرسول إلا بتحقق الإيمان بالكتاب الذي أرسل به، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} البقرة: 89].
ومن لم يؤمن بالقرآن، فقد جحد ما قام الدليل القاطع على أنه من عند الله، فيكون غير مؤمن بالله إيماناً صحيحاً، قال الله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
ولا يكون متبعاً للنور الذي أنزل معه إلا إذا اعتقد أن الحكمة فيما يأمر به، أو ينهى عنه.
فالإيمان بالرسول والكتاب الذي أرسل به أساس متين للإيمان بالله.
(2/ 2/89)

ومن لا يؤمن بالله، فلا يسمى عمله صالحاً، وإنما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
والآيات دالة على أن الإيمان بالله لا يكون مقبولاً إذا تبعها الإيمان بالرسول والكتاب الذي أنزل معه هدايةً للمتقين.
وأما الآية - أعني قوله تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
فالقرآن قد يورد الكلام مطلقاً، ويعتمد على تقييده في آية أخرى، فقيد المتفقهون الآية المطلقة بالآية الأخرى.
ولا يطلق القرآن، والمعنى قاض بالشرط، ما لم يكن الشرط مأخوذاً من قاعدة معروفة، أو لفظ صريح. والآيات الكثيرة تدل على أن من لا يؤمن بشريعة الإسلام، وقد بلغته دعوة الرسول - صلوات الله عليه -، فليس بمؤمن.
والمراد من {وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} في الآية: الذين انقرضوا، ولم تبلغهم دعوة الرسول الذي أرسل بالكتاب الحكيم.
فإذا بُينت الآية بهذا الوجه، كنا فهمنا القرآن على وجه يتفق مع الآيات الأخرى، وينسجم مع الإجماع الذي مشى عليه علماء الإسلام.
ويؤيد هذا الوجه من التفسير: ما ذكره السيوطي في أسباب نزول الآية؛ من أن سلمان الفارسي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أصحابه الذين كان معهم، فنزلت الآية.
(2/ 2/90)

العَدْوى والطِّيَرَة (1)
جاءت الشريعة الإسلامية لتهذيب النفوس، وتطهيرها من المزاعم الباطلة، وطبعها على الاعتقاد بأن لا يقع تصرف في الكون إلا بإذن الله.

ومن المزاعم الباطلة التي تجول في النفس: الاعتقاد ب العدوى والطيرة.
فالعدوى: اسم مصدر من الإعداء، يقال: أعداه الداء إعداء وعدوى، وهو: أن يصيبه مثلُ ما بصاحب الداء.
ومن الأمراض ما يصيب الصحيح؛ لقربه من المريض، ومخالطته؛ كالطاعون، والجذام، والجرب، فيعتقد أناس أن العدوى سرت من المريض إلى الصحيح بذاتها، فقال - عليه الصلاة والسلام - كما ورد في الحديث الصحيح: "لا عدوى، ولا طيرة".
فبيّن أن مرض الصحيح بقدر الله.
وقد يحصل للصحيح مرض مثل الذي حصل للمريض الذي قاربه وخالطه، فحدوث المرض بقدر الله، ولم يحدث لذات العدوى، وإنما جعل الله القرب والمخالطة سبباً ظاهراً للمرض، لا سبباً مستلزماً للمسبب، كما قال - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي قال له مستشكلاً لحديث "لا عدوى": يا رسول الله!
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من المجلد العاشر.
(2/ 2/91)

الإبل تكون في الرمال كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب، فتجرب؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ومن أعدى الأول؟ "، وهذا من أبين الحجج، ومعناه: أن الذي أصاب الأول هو قدر الله، وهو الذي أصاب الثاني أو الثالث بالمرض.
والدليل على أن القرب من المريض ومخالطته سبب ظاهري لا يستلزم مسببه: أن كثيراً من الناس يقربون من المريض، ويخالطونه، ولا يصيبهم مرضه.
ومما يتعلق بهذا المعنى: الحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يورد ممرض على مصح"، ويرتبط به أيضاً قوله في الحديث الصحيح: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"؛ فإنها يعارضان بحسب الظاهر حديث: "لا عدوى".
وتندفع هذه المعارضة الظاهرية بأن الشارع يفسح المجال للمكلف بأن يراعي الأسباب الظاهرة، ويتجنبها؛ شفقة عليه من أن يقع في قلبه ما ينهى عنه الشارع، ويحتاج في دفعه إلى مجاهدة نفسه.
وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث الصحاح التي ينفي بعضها العدوى، ويحث بعضها على الاحتياط، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث الصحيحة، فهو أولى من ترجيح بعضها على بعض.
ومن مرت به الحياة في تصرفاتها على الإيمان الذي يقبل الزيادة، وعلى الإيمان المؤيد باليقين، أدرك أن الشريعة أعطت لكل من الفريقين حكماً يناسبه، ويليق بحالته، فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام مراعاة الأسباب الظاهرة.
ولما كان أكثر الناس وعامتهم يغلّبون الأسباب الظاهرة، ويربطون بين
(2/ 2/92)

المخالطة والإصابة بالمرض، جاء نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دخول أرض وقع بها الطاعون، أو الخروج منها فراراً من القدر، مراعياً حال العامة، والغالب من الناس.
وأطلق عمر - رضي الله عنه - على عدم دخوله بالجيش أرضَ الطاعون: فراراً من قدر الله؛ إذ قال لأبي عبيدة: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، لشبهه بالفرار الشرعي، وليس هو فراراً شرعياً؛ لأن الذي فرّ منه أمر خاف على الجيش منه، فلم يهجم عليه، والذي فر إليه أمر لا يخاف على الجند منه.
والذي يخرج من الأرض الموبوءة فراراً من الوباء، فارٌّ من أمر هجم على أرضه، وخاف منه على نفسه، فيظهر فيه معنى عدم الاستسلام للقدر.
ويفهم من الحديث: أن الخروج من أرض الوباء منهي عنه إذا أراد الفرار من الطاعون، وأما إذا خرج لحاجة تخصه، فلا ينهى عن الخروج.
وفي سنة 1319 ه زرت قفصة (مدينة بالجريد) (1)، وقضيت مدة في مطالعة تأليف "انتهاز الفرصة في محادثة عالم قفصة"، وهو تأليف لابن مرزوق، أورد فيه الأسئلة التي وجهها إليه الشيخ محمد بن يحيى عالم قفصة، وأجوبتها، فرأيت به ندم عمر بن الخطاب على رجوعه من الطاعون إلى المدينة.
والجواب عن ذلك: أن عمر بن الخطاب لم يندم على عدم الدخول بالجيش إلى الأرض التي بها الطاعون، وإنما ندم على سرعة رجوعه بالجيش إلى المدينة، وعدم انتظاره ارتفاع الطاعون، وقد ارتفع عقب رجوعه.
وأما الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن الياء -: فهي التطير؛
__________
(1) مدينة بالقطر التونسي.
(2/ 2/93)

أي: التشاؤم، وأصلها: أن العرب في الجاهلية يعتمدون الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر ما، ورأى الطير طائراً على جهة اليمين، تيمَّن به، وذهب لأمره، وإذا طار على جهة اليسار، تشاءم به، ورجع، وكانوا يسمون ما طار إلى جهة اليمين بالسانح، وما طار إلى جهة اليسار بالبارح، وربما هيج أحدهم الطير ليرى طيرانه على جهة اليمين أو اليسار، فيعتمدها، فجاء الشرع بنفي ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا عدوى ولا طيرة".
وورد في الحديث الصحيح: "أن الشؤم في ثلاث: في الدار، والمرأة، والفرس".
واتفق العلماء على أن ليس في المرأة معنى يسمى شؤماً إذا تزوجها الرجل يلحقه ضرر، ولا في الدار إذا سكنها، ولا في الفرس إذا ملكها، وحملوا الشؤم على معنى خارج عن الزوجة والدار والفرس، فقالوا: شؤم المرأة: سوء أخلاقها، وبذاءة لسانها، وشؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها، وشؤم الفرس: جماحها، وحرنها.
وإلى ذلك أشار البخاري في "صحيحه".
وفي بعض الروايات الصحيحة عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث يتحدث عن أقوال الجاهلية، ولم يحضر الراوي صدر الحديث، وهو: "يقول الجاهلية ... "، وإنما حضر عندما قال الرسول: "الشؤم في ثلاث".
وقد بقي التطير في كثير من المسلمين.
ويذكر في هذا المقام على ابن الرومي الشاعر؛ فقد كان كثير التطير، وكان أصحابه يعبثون به ويرسلون إليه من يتطير باسمه، فلا يخرج من بيته
(2/ 2/94)

طوال يومه.
والبلغاء يكرهون افتتاح القصيدة بما يتطير به، فأنكروا على ابن مقاتل قوله في مطلع قصيدته في مدح الداعي إلى الحق:
موعد أحبابك بالفرقة غد
فقال له الممدوح: بل موعد أحبابك، ولك المثل السيئ!
وأنكروا عليه افتتاحه لقصيدة أخرى، إذ يقول:
لا تقل بشرى ولكن بشريانِ ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فتطير منه الداعي، وقالوا: إنه عاقبه على ذلك، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من إثابته عليها، وهذا من غطرسة الأمراء، فكان يكفيه ألا يثيبه على القصيدة.
وقد أصلحت هذا المطلع، ونفيت عنه تخيبه؛ حيث قلت في تهنئة بعض أصحابنا بزفافه في ليلة المولد الشريف:
قل بشريان: فغرة الميلاد ... وزفاف يمن حُفّ بالإسعاد
وأنكروا طالع قصيدة إسحاق بن ابراهيم الموصلي إذ يهنئ المعتصم ببناء قصر، ويقول:
يادار غيَّرك البِلى ومحاكِ ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟!
فتطير المعتصم بهذا المطلع، وأمر بهدم القصر من فوره.
فالشريعة تنهى الإنسان أن يعتقد أن العدوى تسري من المريض إلى الصحيح بذاتها، وتنهاه أن يتطير بشيء من الحوادث، وتأمره أن يعلم أن ما وقع في الكون إنما هو بإذن الله وقدره، وينبغي للشاعر أن يتجنب في مطلع قصيدة ما يكرهه السامع، ويتطير منه.
(2/ 2/95)

الزّكاة وأثرها في نهوض الأمّةِ (1)
الزكاة لغة: النماء، يقال: زكا الزرع، أو المال: إذا كثر، ونما.
وشرعاً: إخراج جزء مقدر من المال، ودفعه إلى المصارف المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
ومناسبة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي: أن الجزء القدر الذي يخرج من المال يحصل به النماء والبركة لأصل المال، قال الله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].
أي يضاعف ثوابها.
ومن حكمتها: شكر نعمة المال، كما أن من حكمة الصلاة شكر نعمة البدن.
وقد أمر بها القرآن الكريم مجملة، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].
وورد الحديث الصحيح مفصلاً لزكاة الذهب والفضة، والقمح والشعير
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة العاشرة.
(2/ 2/96)

والتمر، والإبل والبقر والغنم، ماعزاً أو ضأناً.
ومن أدلة وجوبها قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5].
فمضمون الآية أنه: لا يخلّى سبيل أحد إلا إذا تاب من الشرك، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة.
وظاهر آية مريم: أن عيسى - عليه السلام - أُمر بالزكاة، قال تعالى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31].
فقرن العبادة المالية بالعبادة البدنية كما قرنتا في خطاب المسلمين، أعني قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].
وما أديت زكاته من المال يجوز لصاحبه أن يتصرف فيه بالادخار والإنفاق بطريق من الطرق التي تقتضيها المصلحة.
ووجوب إخراج ما زاد على الحاجة ينسب إلى أبي ذر الغفاري، ويقولون: إنه يستدل عليه بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 - 35].
وهذا الخبر غير ثابت عن أبي ذر، فقد روى البخاري في "صحيحه" عن زيد بن وهب: أنه قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر - رضي الله عنه -، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية، فقال معاوية: إنها نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه خلاف
(2/ 2/97)

في ذلك، وكتب إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا علي حبشياً، لسمعت وأطعت.
والآية ظاهرة فيما ذهب إليه أبو ذر الغفاري من أنها عامة في المسلمين وأهل الكتاب، فأبو ذر كان يعرف أن ادخار ما أديت زكاته لا يدخل في وعيد آية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34].
إنما كان يدعو إلى الزهد في الدنيا، ويشتد في دعوته، ويحث الناس على إخراج ما زاد على حاجتهم، والزهد البالغ إنما يسلكه الخواص من الناس، ويطالب به عامتهم بدعوة لينة.
قال أبو بكر بن العربي في هذه الواقعة: "وإنما كان الصحابة قد يختلفون، وربما أغلظ بعضهم لبعض قولاً، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأرسل إليه عثمان؛ ليكون مجاوراً له في الأماكن الطيبة ... إلخ".
وفي ترتيب الأعضاء المذكورة في قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] نكتة لطيفة؛ لأن قصد الذي يكنز المال إمّا نيل وجاهة واسعة، أو كل طعام طيب، أو لبس ثوب ناعم، فجاء كيّ الجباه مناسباً للراغب في الوجاهة، وكيّ الجنوب ملائماً للقاصد أكلاً، وكي الظهور موافقاً للباغي ثوباً يطرحه على ظهره وجسمه.
وذكر القرآن الكريم في آية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} [التوبة: 60] مصارف الزكاة، ومن بين المستحقين: المؤلفة قلوبهم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي من الزكاة
(2/ 2/98)

صنفاً أسلم على ضعف؛ كعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس ابن مرداس؛ تأليفاً لهم، ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاء عيينة والأقرع يطلبان قسطهما من الزكاة، فقال لهما عمر بن الخطاب: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفعها تأليفاً لكما، فأما اليوم، فقد أعز الله تعالى الإسلام، وأغنى عنكما، فإن ثبتّا على الإسلام، وإلا بيننا وبينكم السيف!.
وقول عمر مبني على أن علة إعطائهم نصرة الإسلام، فإذا زالت العلة باستغناء الإسلام عنهم، سقط الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة، ولو رجعت العلة، وهو انتصار الإسلام بأمثالهم، لعاد الحكم، وهو إعطاؤهم الزكاة.
وذكرت الآية في جملة المصارف: سبيل الله، والمراد: منه الجهاد باتفاق العلماء، فيصرف قسط من الزكاة على الفقراء المجاهدين، والسلاح، والمصانع، وبناء القناطر، وما يستعمل في وسائل الدفاع والجهاد في سبيل الله.
وتجب الزكاة في الفواكه والخضراوات، قال الإمام أبو حنيفة: تجب الزكاة فيما عدا الحطب والحشيش، مستدلاً بعموم الحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء والعيون العُشر، وما سقي بالنضح - أي السانية - نصفُ العشر".
قال أبو بكر بن العربي: ومذهب أبي حنيفة أقوى دليلاً، وأحوط للمساكين، وأولاها بشكر النعمة.
ومما استدلوا به: قوله تعالى: {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
والحق هو الزكاة.
(2/ 2/99)

وذكر في الآية: الرمان وهو من الفواكه.
والمجتهد الذي يراعي قصد الشارع يرى أن الحلي الذي يتخذ للزينة واللباس لا تجب فيه الزكاة؛ لأن المقصود الزينة واللباس، والزكاة تجب فيما قصد به المعاملة من الذهب والفضة.
والذين يقفون عند نص الشارع يرون وجوب الزكاة فيه مطلقاً؛ لأنه ذهب أو فضة كما ورد في الحديث.
والأوراق النقدية المستعملة مكان الذهب والفضة تجب فيها الزكاة كما تجب في النقدين، فإذا اعتبرت من العروض، سقطت حقوق الفقراء، وما عطف عليهم، فيضيع ركن من أركان الإسلام.
وسئلتُ في بلاد الجزائر عما يأخذه الحاكم الظالم من المال، هل يعدّ من الزكاة أم لا؟ فأجبت بما رأيت لبعض الفقهاء من التفصيل، وهو أنه: إن أخذ المال باسم الزكاة، يحسب من الزكاة، وإن أخذه باسم الضريبة، أو الغصب، لا يحسب منها، ويجب على صاحب المال إخراج الزكاة.
والزكاة متعلقة بالمال، فأينما وجد المال والنصاب، تجب الزكاة، فتجب في مال العاقل البالغ، والمجنون، والصبي.
والخطاب بالزكاة في مال الصبي والمجنون ومن يماثلهما من ناقصي الأهلية، أو فاقديها، يوجه إلى الوليّ، وقد ثبت عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت تخرج الزكاة من أموال أيتام كانوا في حجرها.
ولا يجوز نقل الزكاة عن موضعها؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - لمعاذ بن جبل: "فأعلمهم - أي: أهل اليمن - أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ على فقرائهم"، ومعناه: أن يأخذ من أغنياء كل بلد ما يرد
(2/ 2/100)

على فقرائهم، فإن لم يوجد في موضع الزكاة فقير، نقلت إلى غيره، وإن كان في غيره من هو أشد حاجة إلى الزكاة، نقل بعضها إلى هذا الفريق، مع رعاية الأقرب بلداً فالأقرب.
وقال الشافعي: لا يعطى من الزكاة القادرُ على الكسب.
ويرى كثير من الأئمة إعطاءها للفقير، ولو كان قادراً على الكسب؛ لعموم الآية والحديث.
ومذهب الشافعي أدعى وأحث على العمل للفقير من مذهب الجمهور، فالفقير القادر على الكسب إذا علم أنه يعطى من الزكاة، ترك العمل.
ومن امتنع من دفع الزكاة، أُخذت منه قهراً، فإن قاتل دونها، قوتل.
ولما امتنع جماعة من دفع الزكاة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وتأولوا قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103].
فزعموا أن دفع الزكاة إنما يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو الذي خوطب بالآية، قال أبو بكر الصديق: لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، وقاتلَهم.
فالذين قاتلهم أبو بكر صنفان: صنف منع الزكاة وهو مُظهر للإسلام، وصنف ارتد علناً بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأصل فيما يخاطب به - صلى الله عليه وسلم - أن يكون خطاباً للأمة، فيقوم به من يتولى أمورهم، ما لم يقم دليل واضح على أنه من خصائصه.
وظاهر من مثل قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 42 - 44]: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن لا تقبل منهم إلا إذا اعتقدوا، وأقروا بشروط صحتها، وهو الإسلام.
(2/ 2/101)

والزكاة ليست منحة من الغني للفقير، بل هي حق واجب الأداء، وركن من الإسلام يجب النهوض به، ودفعه لمستحقه؛ ليستطيع الفقير أن يعيش عيشة طيبة، وفي ذلك تقوية للأمة، وتثبيت لأركانها.
(2/ 2/102)

الغيبة وأثرها في النّفوسِ (1)
أمر الإسلام بحفظ عرض الإنسان كحفظ ماله ونفسه ونسبه، ومن حفظ عرض الإنسان: تحريم اغتيابه.
والغيية: ذكر المرء بما يكره من خَلقٍ أو أخلاقٍ، أو ملبس أو مركب، أو ما شابه ذلك حين غيبته.
وقد نهى عنها الإسلام بوجه خاص، فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12].
فنفَّر منها القرآن الكريم على أبلغ وجه، وأقوى أسلوب؛ إذ جعل المحبة متجهة إلى ما لا يمكن أن تتجه إليه النفس، ولا يميل إليه الطبع، وهو أكل لحم الميت، وزاد الصورة شناعة وبشاعة: أن جعل الميت إنساناً، وأخاً لمن يأكله، ولا يقارف هذا إلا حيوان متوحش لا يخضع لتشريع، ولا عهد له بتهذيب.
وجعلُ المأكول لحم ميت دقيق في معناه؛ لأنه يلفت إلى جبن المغتاب؛ إذ يتخذ من غياب أخيه وسيلة إلى ثلم عرضه، وتجريح سمعته، وهو غافل لا يدري ما أصابه، فيدفع عن نفسه، ويحامي عن عرضه.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة العاشرة.
(2/ 2/103)

ومن المغتابين من يعتذر من قبيح صنعه بأنه إنما ذكر الرجل بما فيه، وذلك عذر لا ينجيه، كما بيّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أتدرون ما الغيبة؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهتّه"؛ أي: افتريت عليه.
فالمغتاب لا يخلو من الإثم الكبير، والذنب العظيم؛ لأنه لا يبرح بين الإيذاء والافتراء.
وقد حكى القرطبي وغيره الإجماع على أن الغيبة كبيرة.
والعجب أن الغزالي يراها أصبحت من الصغائر؛ لشيوعها، وعموم البلوى بها، حتى لا يبرأ منها إلا من عصم الله، وقليل ما هم.
وللرد عليه نقول: إن شيوع الذنب لا يمكن أن يجعله صغيراً، وإلا هانت الآثام، وتبدلت الأحكام، ولا يستقيم استصغار شأن الغيبة مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في تقبيحها وتغليظ ذنبها.
فالغيبة كبيرة ولا شك، وقد فصل بعض العلماء أمرها تفصيلاً حسناً، فقال: قد يكون منها ما هو صغير بطبعه؛ كعيب الدابة، والثوب، ومنها ما هو من كبر الكبائر؛ كغيبة الناس بألفاظ الفسق والفجور ونحوها مما يؤذي وينقص.
وتجوز الغيبة في الأحوال الآتية:
1 - التجريح والتعديل: وهو تناول رواة الأحاديث والأخبار بنقد أحوالهم، وبيان أخلاقهم؛ حتى يمكن تمييز قولهم، وقبول أخبار الثقات
(2/ 2/104)

منهم. والمحدِّثون قد عُنوا بتاريخ الرواة، وتفصيل كل ما يتصل بهم من جهة الشريعة، ومن جهة المروءة.
وكان أحمد بن حنبل يقول: هاهنا رجل كأن الله خلقه لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين، وهو يحيى بن معين.
وقد وضعوا في ذلك كتباً تميز الثقة من الضعيف والكذاب، ومن أشهرها: "ميزان الاعتدال" للذهبي، وفيه يذكر كل من تناوله نقد من الرواة بتعديل أو تجريح.
وقد امتد النقد إلى علماء اللغة والأدب، فكتب أبو منصور الأزهري في مقدمة "التهذيب" تجريحاً لفريق من علماء اللغة، منهم: أبو بكر بن دريد، والجاحظ، وذكر فيهما من الأخلاق ما يردّ رواية ما ينفردان به، وكان ابن تيمية يردّ قول الأصفهاني صاحب "الأغاني"؛ لأنه يصرح بفسق نفسه، ويذكر في ذلك أموراً هائلة.
2 - الشهادة: فيباح للخصم أن يجرح من يشهد عليه، بقصد إقرار الحق والوصول إلى العدل. ومن حرص الشارع على تمكين الحق: أن القاضي لا يحكم بعلمه في قضية ما، ولا يعتمد على علمه إلا في التعديل والتجريح.
3 - التظلم: وذلك إذا تظلم أحد من حيف أصابه، جاز له أن يتكلم فيمن ظلمه وجار عليه، ويقدح في نزاهته في حدود موضوع ظلامته.
ويشهد لهذا قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148].
4 - النصيحة: فيباح للمسلم عند نصيحة أخيه المسلم أن يبصِّره بحال من يريد أن يعامله أو يصاهره وهو جاهل بأمره، ولا جناح عليه في ذكر ما يعرفه
(2/ 2/105)

فيه من العيوب التي تمنع من معاملته، وذلك يدخل فيما يجب على المسلم من النصيحة لله ولرسوله ولجماعة لمسلمين.
5 - المتجاهر بالفسق: فلا غيبة في ذكره بما أعلن من فسقه؛ لأن إظهاره لأوزاره دليل على عدم مبالاته بتجريح الناس لعرضه.
6 - الاستعانة على مقاومة المنكر بمن يقدر على تغييره: فمن رأى منكراً، وجب عليه أن يشكوه، ويبين حال مرتكبيه لمن يستطيع تغييره، وذلك استجابة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان".
وإباحة الغيبة في الأحوال السابقة مردها ضرورة شرعية، أو وسيلة حتمية لتحقيق رواية، أو تعديل شهادة، أو دفع ظلم، أو منع ضرر.
والغيبة من الأوزار الفاشية التي عم بلاؤها، وقلّ من الناس من وقاه الله منها، ولا يقتصر التعرض لها على عامة الناس، بل كثيراً ما يقع في إثمها أولى الناس بالنهي عنها من العلماء وأصحاب المعرفة.
وكان بعض شيوخنا يزيد على تخطئة المؤلفين عبارات تدل على عدم احترامهم، وتعد من الغيبة.
ومن المؤرخين من ينسب إلى بعض السلف غير متحر في الرواية قولاً أو عملاً يحط من شأنه، يعد غيبة، كما فعل من تكلم في طلحة، والزبير، وعائشة - رضي الله عنهم -؛ فقد ذكر أنهم خرجوا لقتال علي - كرّم الله وجهه -, والواقع أنهم خرجوا لمطالبة عليّ للأخذ بدم عثمان - رضي الله عنه -، ولم يخرجوا لقتال.
ومن أجل ذلك نرى في تراجم السابقين من رجال الدين الورعين تصريح بعضهم بقوله: "ليس عليّ مظلمة لأحد".
(2/ 2/106)

وهذه العبارة تحمل في ثناياها براءته من الغيبة، وبُعدَه عن الوقوع في أعراض المسلمين.
وقد كان السلف الصالح - رضوان الله عليهم - قدوةً كريمة في تنزيه ألسنتهم ومجالسهم عن دنس الغيبة، ومن خير المأثور في ذلك: قول الحسن البصري في الرد على من يسألونه عن الخلاف بين الصحابة زمن عثمان وعلي: "تلك دماء طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر منها ألسنتنا؟! ".
وما زال في علماء المسلمين على تتابع من يقتدي بهذه السنّة، فقد رأيت العالم الجليل الشيخ بدر الدين الحسني يأخذ نفسه وجلساءه بتحرج شديد من أي كلمة فيها مساس بأحد من الناس، حتى في مذاكرة العلم ومسالك المؤلفين.
وكان أستاذنا الشيخ عمر بن الشيخ يقتصر في الدرس على بيان خطأ المؤلفين، ويبين الحق في المسألة.
فما أجدر هذا النهج بالاتباع! وما أحوج المغتابين بالإقلاع عن هذه الرذيلة التي يحسبونها هينة، وهي عند الله عظيمة! وما أولاهم بالإسراع إلى التوية النصوح التي تمحو عنهم وزرها، وتكفهم عن الخوض في سير الناس وأعراضهم! ومما ينبغي أن يحفزهم إلى التوبة، ويشعرهم بما عليهم من تبعة: أن من الفقهاء من يشترط لقبول التوبة: أن يعفو من أصابته الغيبة، وفي ذلك حرج للمغتابين.
* * *
(2/ 2/107)

حقوق الزّوجيّة (1)
قرر الشارع للزوجين حقوقاً تحصل بها الغاية من النكاح، وهي: تنمية النسل، وحسن المعاشرة، ودوامها، والتعاون على مرافق الحياة، وجاءت هذه الحقوق بعبارة عامة في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].
ومعنى الآية: أن للنساء حقوقاً على الرجال مثل ما للرجال على النساء من حقوق، والمماثلة بين حقوقهما في الوجوب، لا في جنس الحق؛ إذ يجب على أحد الزوجين من جنس الحق ما لا يجب على الآخر، والدرجة ثبتت للرجل من جهة رعايته للمرأة بالولاية، والإنفاق عليها.
وقد ذكرت هذه الحقوق مفصلة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والقواعد المأخوذة منهما، وليس في وسع هذا المقام ذكر هذه الحقوق مفصلة، ولكنا نذكر منها ما يسعه المقال، ويقتضيه الحال.
فمن حقوق المرأة: المهر، وهو المال الذي تطلبه الزوجة من الزوج، ويتفقان عليه، ولا يجوز للزوج أن ينقص منه شيئاً.
وقد جعل الشرع لأقلّه حداً، وهو ربع دينار، ولم يحدد أكثرها، وقصة
__________
(1) مجلة "لواء الاسلام" - العدد الرابع من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/108)

عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أراد أن يمنع من التغالي في المهور، والعجوز التي اعترضت عليه بقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، ورجوع عمر إلى قولها مشهورة.
ومن حقوق الزوجة: إنفاق الزوج عليها معاشاً وملبساً ومسكناً، ويزداد حسن المعاشرة بمداواتها إذا مرضت، واحتاجت إلى ذلك، فيعطي أجر الطبيب، وثمن الدواء.
ومن الواجب على الزوج: أن يعين لها خادماً إن اعتادت ذلك في بيت أبيها.
ومن حقوق الزوجة: مراجعة الزوج فيما تراه قد حاد فيه على الصواب، ومن الرجال من لا يقبل من زوجته أن تراجعه، ولو بالحق، وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب قال: صخبت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر علي أن أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه.
ومن حقوق الزوجة: أن تذهب إلى المسجد لتؤدي العبادة مع الجماعة؛ فقد كان النساء يصلين في آخر المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعدن إلى بيوتهن.
ومن حقوق الزوجة: أن تأخذ من مال زوجها - من غير إذنه - حاجتها وحاجة أولادها إن كان مقتراً.
ودليله قصة هند بنت عتبة؛ فقد سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل يحل لها أن تأخذ من مال أبي سفيان من غير علمه ما تنفقه على نفسها وعلى أولادها؛ لأنه رجل شحيح؟ فأجاز ذلك لها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وليس من حقها أن تلي وظيفة عامة؛ كالقضاء ونحوه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة".
(2/ 2/109)

وما نقل عن أبي حنيفة من إجازته ولايتها القضاء فيما تقبل شهادتها فيه، قد حمله الحافظ أبو بكر بن العربي على أنها تحكم في جزئية تنتدب لها؛ لخبرة خاصة بها، وليس المقصود أن تولّى وظيفة القضاء.
ومن حقوق الزوجة: ألا يدخل عليها الزوج من سفر إلا بعد أن تسمع بقدومه.
وورد في هذا حديثان صحيحان:
أحدهما: يقتضي أنه لا يدخل عليها فجاة؛ لئلا يعد ذلك تخوناً لها.
قال جابر بن عبدالله: إنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يطرق الرجل أهله ليلاً مخافة أن يتخونهن، أو يلتمس عثرتهن".
وثانيهما: عن جابر أيضاً، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال عند رجوعه من غزوة: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً؛ لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة".
وهذا الحديث يقتضي عدم مفاجأتها بالقدوم؛ لئلا يجدها غير مرضية، فيحصل التنافر. هذا إذا أمكنه أن تعلم قدومه قبل الدخول عليها.
ومن حقوق الزوجة: أن تتصرف في مالها كما تشاء، وليس للزوج حق في. التصرف فيه قليلاً أو كثيراً إلا بإذنها.
ومن حقوق الزوجة على الزوج - إذا أضرّ بها ضرراً بيناً -: أن تطلّق نفسها منه، ولا تتوقف على طلاقه؛ كان يضربها ضربا مبرحاً؛ فإنه تزوجها لأن يعاشرها بالمعروف، وضربها ضرباً مبرحاً يخل بمعاشرتها بالمعروف.
أما حقوق الزوج: فمن حقه: أن تكون عصمة الزوجة بيده، فيمسكها بالمعروف، أو يسرحها بإحسان. وقد أمره الشارع بمعاشرتها بالمعروف، فقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
(2/ 2/110)

وقال - عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح: "واستوصوا بالنساء خيراً".
وأمر الشارع بالصبر عليها إذا كرهها، فقال تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]
والخير الكثير هو: الولد الصالح، أو تغير الكراهة إلى ألفة ومحبة.
وسمعت شيخنا أبا حاجب يقول: قد أكد الله المودة والرحمة بين الزوجين بنسبتهما إلى جعله - سبحانه وتعالى - في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
فالرابطة بين الزوج وزوجته أقوى من الرابطة التي تكون طبيعية؛ كالبنوة، يقول الشاعر:
أحبُّ الصبي النذلَ من أجل أُمِّه ... وأكرهه من أجلها وهو كَيِّسُ
ومن حقوق الرجل: أن ينظر إلى وجه المخطوبة وكفيها قبل العقد، حتى يطمئن إلى صحتها وقبول ذاتها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أذن بالنظر إلى ذلك، ولم يأذن في جَسِّ بدنها، أو الخلوة بها.
ومن حقوق الزوج: نقل الزوجة إلى البلد الذي يريد أن يسكنه، واشترط عليها ذلك؛ بشرط أن يثبت قبل الانتقال أنه محسن لها، وأن تكون الطريق مأمونة، وأن يكون بالبلد الذي ينتقل إليه قضاء عادل.
ومن حق الزوج: أن يبتغي الثقافة في زوجته؛ لأن الثقافة تعينها على تدبير المنزل، وتربية الولد تربية صحيحة، وللمرأة أن تتعلم ما تشاء من العلوم بالطريقة التي تلائم كمالها، ومما صدر من الخواطر: أن الرجل والمرأة كالبيت من الشعر، ولا يحسن في البيت من الشعر أن يكون شطره محكماً، والشطر
(2/ 2/111)

الآخر متخاذلاً.
ونجد في التاريخ الإسلامي منذ عهد الصحابة - رضي الله عنهم - فما بعده مسلمات فاضلات، شاركن الرجال فيما يبرعون فيه من حديث وفقه وعلوم وآداب، يعرف هذا من اطلع على تراجمهن، أو اطلع على تراجم الرجال الذين أخذوا عنهن.
ومن هؤلاء النساء اللاتي برعن بعلوم الدين زوجةُ أحد القضاة بالأندلس، فقد حكي أنها فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل، فكان القاضي في مجلس قضائه تنزل له النوازل، فيقوم إليها، فتشير عليه بالحكم، وهما اللذان عناهما الشاعر بقوله:
فياليته لم يكن قاضياً ... وياليتها كانت القاضيا
ومن حقوق الزوج: إجابة الزوجة له في الأمر الذي يكون له حق واضح، وتدعوه إليه الحاجة، فإن لم تجب لذلك، هجرها في المضجع، فإن لم تجب، ضربها ضرباً خفيفاً. قال تعالى. {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34].
وإذا ذكر في دعوة وجه استحقاقه للإجابة، ولم تجب، فله هجرها. ويكفيه في هجرها التفاته عنها، فإن لم تجب بعد الهجر، دار الأمر بين طلاقها، أو ضربها الضرب الخفيف. فالضرب الخفيف من قبيل ارتكاب أخف الضررين.
فالشارع نهى عن الطلاق، ولاسيما إذا كان بين الزوجين أُلف. وابن عباس - رضي الله عنهما - يمثل الضرب الخفيف بعود السواك. ولم يرد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب إحدى زوجاته قط.
(2/ 2/112)

وقصارى ما فعل: أنه يهجرهن حيث وقع منهن مثل ما نزل فيه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1].
وبعد أن أعطى الشارع لكل من الزوجين حقوقه، فإن ادعى أحدهما أن الآخر لم يف بحقوقه، خاطب الحكام بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] النساء: 35].
ومعناه: أن ابعثوا رجلاً من أهل الدين والمعرفة من أهل الزوج، ورجلاً من أهل الزوجة كذلك، وينظران في شأنهما. وتسمية القرآن لهما بالحكمين دليل على أنه ينفذ ما يريانه في الزوجين كما يراه الحاكم.
فالشارع قرر لكل من الزوجين المسلمين حقوقاً، إن رضي بها، ورعاها كل منهما لصاحبه، عاشا في اطمئنان وارتياح عيشة راضية.
(2/ 2/113)

صلاة الجماعة وأثرها في اتّحاد الأمّة (1)
شرعت الصلاة لعقد الصلة بين الخالق تعالى والمخلوق، وهذا المعنى ظاهر من القراءة والركوع والسجود والتشهد، وما تشتمل عليه هذه الأعمال من الذكر والدعاء.
وروعي في صلاة الجماعة وبناء المساجد مصلحة اجتماعية، وهي اطلاع أهل الحي وأهل القرية على أحوال بعضهم، فيتعاونون على ما يسد حاجتهم ولرفع شأنهم.
ولعظم فائدتها وتأكيد الأحاديث الواردة في شأنها، ذهب بعض الأئمة إلى أنها فرض عين على كل مكلف لا عذر له في تركها.
وقال علماء آخرون: هي فرض كفاية لابد أن يقوم بها طائفة من المصلين.
وقرر الشارع لصلاة الجماعة أحكاماً تدل على عنايته بها، وأن له قصداً زائداً على عقد الصلة بين العبد وربه، فأمر ببناء المساجد، وجعلها بيوتاً يؤمها المصلون على اختلاف طبقاتهم من أعلى البشر إلى أدناهم، ويأوي إليها الغرباء الذين لا يجدون أمكنة يأوون إليها، قال - صلى الله عليه وسلم - كما روى في الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة".
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الرابع من السنة العاشرة.
(2/ 2/114)

وشرع الأذان، وهو دعوة إلى الصلاة بكلام مشتمل على عقيدة الإيمان، وهو سنّة، وإذا تركه أهل بلد، قوتلوا عليه، وقد تصبح السنّة بالنسبة للجماعة فرض كفاية حيث تكون شعاراً ظاهراً للإسلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأذان أفضل من الإمامة، وأدلته مبسوطة في كتب الفروع.
ومما يدل على رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنه لو صلى أحد منفرداً، ودخل على جماعة يصلون، يستحب له أن يعيد الصلاة معهم.
روى مالك في "الموطأ": أن محجناً - رضي الله عنه - كان في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأُذّن للصلاة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ أولست برجل مسلم؟ "، فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جئت، فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت".
ويذكر المؤرخون في تراجم العلماء النبلاء: أنهم يواظبون على صلاة الجماعة، ومواظبتهم على صلاة الجماعة في المسجد تدل على أنه لا يغيب عن أذهانهم ما ينتج عنها من خير المعاش والمعاد.
ويدل على عناية الشارع بصلاة الجماعة: أنه أذن لولي الأمر أن يعطي المواظب على إمامة صلاة الجماعة في المسجد جانباً من بيت المال.
قال الشهاب القرافي في كتاب "الفروق": "الفرق بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارات: أن كلاً من الأرزاق والإجارات بذل مال بإزاء المنافع من الغير، إلا أن باب الأرزاق أدخلُ في باب الإحسان، وأبعدُ عن باب المعاوضة، وباب الإيجارات أبعد في باب المشاحّة، وأدخل في باب المماكسة، وجعل
(2/ 2/115)

ما يتناوله الامام على الإمامة، والقاضي على القضاء، والمدرس على التدريس من ولي الأمر أرزاقاً لا إجارة".
وقال: "وكثير من الفقهاء يغلط في هذه المسألة، ويعتقدون أنها من قبيل الإجارة، فيتورع بعضهم عن تناول الرزق عن الإمامة بناء على القول بجواز الإجارة على الإمامة في الصلاة، وليس الأمر كما ظن، بل الأرزاق مجمَع على جوازها؛ لأنها إحسان ومعروف وإعانة.
والقول بأن الإمامة من قبيل الإجارة - وهي مع ذلك جائزة - مبني على أنها إجارة على ملازمة المكان المعلوم، في الوقت المعلوم، لا على الصلاة نفسها؛ فإنها واجبة على الشخص، وله أجرها من الله، فلا يجوز له أخذ أجرة من الناس عليها".
وروي: أن أحد علماء الجزائر جاء إلى تونس في عهد ابن عرفة، ووجد بعض أئمتها يتناولون جانباً من المال على الإمامة، فامتنع من الصلاة وراءهم باعتقاد أن ما يتناوله الإمام من قبيل الإجارة التي لا وجه لها.
ومما يدل على شدة رغبة الشارع في صلاة الجماعة: أنها تفضل صلاة الفرد بدرجات كبيرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة".
ومما يعبر عن فرض صلاة الجماعة بالقول البالغ: همه - صلى الله عليه وسلم - بتحريق بيوت من يتخلفون عن بعض الصلوات، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالفه إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم".
ومما يدل على أن الشارع يريد تأليف الناس إلى صلاة الجماعة: أمره
(2/ 2/116)

للإمام بأن يخفف في صلاته، قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "إذا صلى أحدكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطل ما شاء" ويريد التخفيف في القراءة والركوع والسجود وغير ذلك.
وكنت في مجلس الشيخ محمد بن (1) يحيى عالم شنقيط بتونس، فقال الشيخ ما قاله - صلى الله عليه وسلم - من تخفيف الإمام في الصلاة، فقال له بعض الحاضرين: إن الشيخ أحمد التيجاني كان يطيل الصلاة بالمصلين، فقال له الشيخ: أنا أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت تقول: فعل رجل، ثم قال الشيخ: لعل المصلين جميعاً طلبوا منه الإطالة في الصلاة.
ومما يدل على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ: أن الشارع أذن للمأمومين أن يصلوا قياماً وراء الإمام الذي يصلي جالساً لعذر.
وروى الوليد بن مسلمة عن مالك: أن المأمومين يصلون وراء الإمام العاجز قياماً، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي.
ويدل على أن صلاة الجماعة مطلوبة للشارع: إمامة الصبي الذي بلغ حد التمييز.
ومن الأئمة من يجيز إمامته في الفرض والنفل، ومنهم من يجيز إمامته في النفل دون الفرض.
ووجهه: ما ذهب إليه الفريق الأول: أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام
__________
(1) ومن مصنفات الشيخ الشنقيطي "شرح على صحيح البخاري"، ومؤلف خاص في "الفروع التي أخذت من الكتاب والسنّة خاصة".
(2/ 2/117)

والمأموم في الفرض أو النفل كما يقول الشافعي، ووجه الفريق الثاني الذي يفرق بين النفل والفرض: أن صلاته نفل، فلا يصح أن يقتدي به من تجب عليه الصلاة.
وكنت أحد أعضاء لجنة ألفها أحد وزراء الأوقاف السابقين بمصر في البحث في أسباب تحبيب المساجد إلى الشبان حتى تمكنهم المحافظة على صلاة الجماعة، وكان مما قررته اللجنة من الأسباب: أن تلقى محاضرات في المساجد تصبو النفوس إلى سماعها، ولكن اللجنة انحلت بتغيير الوزارة قبل أن تتم علمها.
ومن الترغيب في صلاة الجماعة، وتيسير فضلها: أن من أدرك ركعة مع الإمام، فقد أدرك فضل الصلاة معه، وإلى هذا المعنى ذهب بعض الفقهاء في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة".
ويصح أن يكون الحديث متعلقاً بالوقت، ومعناه: من دخل في الصلاة، فصلى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركاً لجميعها، وتكون كلها أداء.
ويدل على أن الشارع أراد أن تكون صلاة الجماعة عنوان النظام الذي يجب أن تكون عليه الجماعة مع رئيسهم: أمره بتسوية الصفوف، قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "لتسَؤُونَّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
وتسوية الصفوف: سد الخلل الواقع فيها، واعتدال القائمين بها على سمت واحد.
واختلاف الوجوه: كناية عن اختلاف القلوب بالعداوة والبغضاء؛ فإن العداوة والبغضاء محلها القلوب، ولكن يظهر أثرها في الوجوه.
ويؤيد هذا المعنى حديث أبي داود وغيره: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم".
(2/ 2/118)

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أقيموا صفوفكم، وتَراصُّوا". وقال: "تسوية الصفوف من حسن الصلاة".
ويدل على عنايته باتباع الإمام: أنه نهى المأموم عن مسابقة الإمام في ركوع أو سجود، فقال - عليه الصلاة والسلام - في الصحيح: "أما يخشى أحدكم، أو: ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار! "، وهذا تحذير منه - صلى الله عليه وسلم - من مسابقة الإمام في سجود أو ركوع، فالحديث يفيد: أن السابق للإمام في أفعال الصلاة يتعرض لأن يكون رأسه رأس حمار، ولا يلزم من التعرض لشيء وقوعه، فإذا فعل المكلف ما يمكن أن يكون سبباً لقلب رأسه رأس حمار، ولم يقع ذلك، فقد عطل الفعل عن السببية لحكمة يعلمها الله.
وقال أبو بكر بن العربي في "القبس": "ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يعلم أنه لا يسلِّم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال".
وجعل بعض القضاة السبب في عدم قبول شهادة السلطان: تركه لصلاة الجماعة.
وحكي في "الشقائق النعمانية": أن السلطان أبا يزيد شهد عند شمس الدين محمد الفناري قاضي الآستانة في قضية، فردّ شهادته، فسأله عن سبب ردها، فقال له: إنك لا تصلي مع الجماعة، فبنى السلطان أمام قصره جامعاً، يسمى الآن: جامع أبا يزيد، وعين لنفسه موضعاً فيه، فلم تفته الجماعة بعد ذلك.
ولم يرد لإمامة الفاسق بالجوارح؛ أي: معلوم الفسق، حديث؛ خاص
(2/ 2/119)

يعتمد في تقرير الأحكام، وإنما وردت أحاديث عامة في الإمامة، فمن الأئمة من أخذ بالأحاديث العامة، فقال بصحة الصلاة وراء الفاسق مع الكراهة، ومن الأئمة من لم يجوِّز الصلاة وراءه، إلا إذا خشي إثارة فتنة. واستند هؤلاء إلى أن الإمامة وظيفة شريفة كالشهادة، فلا يوضع فيها إلا عدل، أو مستور الحال.
وألقيت في بلاد الجزائر درس تفسير تعرضت فيه لقراءة المأموم وراء الإمام، وذكرت مذهب من يقول: إذا صلى المأموم في مكان لا يسمع قراءة الإمام، فليقرأ وحده - وهو مذهب أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فاستحسن الشيوخ الحاضرون هذا المذهب، واقتضت المناسبة ذكر الآية:
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. والإنصات للقراءة ورد في الآية مقروناً بالاستماع، وإذا كان الاستماع غير متيسر، فلا يجب الإنصات، بل يقرأ الماموم ما شاء؛ خشية أن يشتغل بالتفكر في أمور خارجة عن الصلاة.
ويدل على أن الشارع يريد تنظيم الجماعة في المسجد على وجه مألوف للجميع: نهيه عن وجود رائحة كريهة؛ كرائحة الثوم بالقرب من المسجد، قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "من أكل من هذه الشجرة - يعني: الثوم -، فلا يقربن مسجدنا"، ومن رواية في الصحيح أيضاً: "من كل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليصلّ في بيته"، وروى مسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وجد ريحها في المسجد، أمر لإخراج من وجدت فيه إلى البقيع.
وقد وصف الكتاب الحكيم عمّار المساجد بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، فقال تعالى:
(2/ 2/120)

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18].
وعمارة المسجد: إصلاحه بالترميم، وتنظيفه، وتنويره، وإدامة العبادة والذكر فيه، وتدريس العلم النافع به.
وإن القائم بالإمامة قائم بعمل حيوي عظيم، وهو حفظ الصلة بين الخالق والمخلوق، وعمل اجتماعي واسع، وهو تعارف أهل الحي أو القرية وتعاونهم على مصالح الحياة، وإنما تتفاوت الأمم بحسب تفاوتهم في هذه الصلة والعمل الاجتماعي الكبير. ويدرك هذا النفع من يعلم عين اليقين أن الأمة المقطوعة الصلة عن الله وشريعته لا تساوي في النظر الثابت على الحقائق جناح بعوضة.
فإذا كان المال الذي يتناول من بيت مال المسلمين يقدر بحاجة الناس إلى عمل الشخص الذي تناوله، فمن حق الإمام الراتب أن يكون واسع الرزق، ناعم البال، وكان الخلفاء لعظم فائدة الإمامة يتولونها بأنفسهم، فيؤمون الناس في صلاتهم، ويعظونهم في خطبهم، وذلك مما يدعوهم إلى معرفة حال الأمة، وما تحتاج إليه من إرشاد.
(2/ 2/121)

الدعوة القائمة على حق ّ (1)
ما رأى الإسلام مصلحة إلا أمر بها، وما رأى مفسدة إلا نهى عنها، فإن كانت المصلحة عظيمة، أمر بها على وجه الوجوب، وإن كانت ضئيلة، أمر بها على وجه الاستحباب، وإن كانت المفسدة عظيمة، نهى عنها على وجه الحرمة، وإن كانت قليلة، نهى عنها على وجه الكراهة. هذا ما تقرر عند من أسلموا بحق.
وقد أنكر الإسلام وحاربه طائفتان: طائفة الباطنية، وطائفة الملاحدة.
والباطنية: من يظهرون الإسلام، ويخفون الكفر، ويؤولون الآيات والأحاديث بغير ما قصد منها، يصرفونها عن وجه المصلحة الوارد تقريرها، والمفسدة التي حذر منها، وأريد إزالتها.
ومن الباطنية: طائفة البهائية، وطائفة القاديانية. ولما صار لهم أتباع ممن كانوا مسلمين، ووجدوا دولة تحميهم وتعطيهم أجوراً ومكافأة عما أحدثوه في الإسلام من التفرقة، صرحوا بإنكار حقائق الإسلام.
والملاحدة: ينكرون حقائق الإسلام من أصلها. وكثرتهم وقلتهم بحسب ما يلقون من الرد عليهم، وإنكار ما يعتبر إنكاره.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/122)

وأما سبب باطنية هؤلاء، وإلحاد هؤلاء، فملاكه الجهل بحقائق الدين، وتقليد غير المسلمين في بعض عقائدهم، أو تقليد ما يرمون به الإسلام من الأوهام الناشئة عن سوء العقيدة.
كنت في بعض اجتماعات حافلة، فقال بعضهم: إن القرآن مشتمل على آيات منافية للقضايا العلمية القطعية، ووقفت أرد عليه، وقلت: إن القرآن كغيره من الكتب السماوية التي لم تحرف، لم يأت ليعلم الناس القضايا العلمية، فقد ترك ذلك للعقول؛ لأنها تدركها بصعوبة أو سهولة، ولكنه إذا أتى على قضية علمية، لا يأتي إلا بما يكون مطابقاً للواقع.
فقال المعترض: إن الغزالي يقول ذلك، ولم يسمّ الكتاب الذي نسب إليه قول الغزالي.
فقلت: يستحيل أن يقول الغزالي ذلك، فلو قاله، لكفّره العلماء جميعاً حيث نسب إلى الله قولاً غير مطابق للواقع.
وقد ظهر هذا الرأي في هذا العصر، وأخذه الملاحدة عندما بحثوا عن رأي يوافق إلحادهم، ويسترهم عند من يظن أنه موافق للإيمان.
وقد أخذ هذا الرأي أفراد مقلدين من صرّح به من أهل هذا العصر، ولعلهم لم يتنبهوا إلى أنه مخالف للإيمان الصحيح.
وكان بعض المعتزلة ينكرون المعجزات المخالفة لما وصل إليه العلم في وقتهم؛ كما أنكر بعضهم الإسراء بالجسد الذي صرح به القرآن في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1].
وقالوا: إن قطع الجسد للمسافة التي بين المسجد الحرام والمسجد
(2/ 2/123)

الأقصى لا يمكن في ليلة أو بعض ليلة.
ودفع العلماء هذا الاستشكال بشعاع الشمس الذي يخرج منها، ويقطع الكثير من الأميال في وقت قريب، ولكن العلم بالطائرات دل على أن الجسم يقطع المسافة الطويلة في وقت قريب.
قلت للأستاذ محمد المكي (1) في الآستانة - وكان مدرس علم الحديث في دار الفنون -: هل استمعت لمعروف الرصافي؟ - وكان مدرس علم آداب اللغة العربية في دار الفنون أيضاً-، فقال: ما اجتمعت به، فجاء يوماً، وقال: اليوم كنت جالساً عند المدير - وهو تركي -، فدخل إنسان، وقال المدير: هذا معروف الرصافي، فجاءت المناسبة إلى قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبا: 12].
وقال معروف الرصافي: إن سليمان كان يعرف علم الطائرات، فقال المدير تلك معجزة سليمان. قالها مرتين.
ويؤخذ من هذا أن العلم قد يأتي بما تكون صورته كصورة المعجزة. والفرق بينهما: أن المعجزة من فعل الله الذي لا دخل للمخلوق في شأنها، وما يصل إليه العلم إنما حصل بالتجارب التي عرفها العلماء، واستطاعوا أن يعملوا مثلها.
على أن ما وقع من سليمان - عليه السلام - لم يصل إليه العلم، فإن بساط سليمان كان يسير به الريح، كما قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} [ص: 36].
__________
(1) العلامة محمد المكي بن عزوز، وهو خال الإمام.
(2/ 2/124)

والعلم لم يصل إلى أن يسخر الريح، فيكون البساط غدوه شهر، ورواحه شهر، ولم يصل إلى نقل الجسم في أقرب وقت إلى مسافة بعيدة من غير استعمال الأدوات المعروفة في علم الطائرات.
ومن المعجزات ما لم يصل إليه العلم، ولن يصل إليه العلم؛ كمعجزة القرآن لمحمد - عليه الصلاة والسلام -، وإحياء الموتى لعيسى - عليه السلام -.
كنت مصححاً في القسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وطلب مني بعض من تعرفت به استعارة خطاب من الشيخ جمال الدين الأفغاني إلى (رينان)، فاستعرت له الخطاب، وكان باللغة الألمانية، فأعطاه لمن يعرف اللسان الألماني، فترجمه له، فأتاه مترجم وأنا معه في منزله، وقال له: وجدت الشيخ جمال الدين يقول لرينان: إن الإسلام لا يطابق العلم والمدنية، فقلت: لعل المترجم أخطأ في الترجمة، فأعطيت الكتاب لمن يعرف الألمانية جيداً، فقال مثل ما قال المترجم. ويبقى لمن يعتذر للشيخ جمال الدين أنه كتب الخطاب بالعربية أو الفرنسية، والخطأ نشأ من الترجمة. على أن القرآن والحديث النبوي الصحيح بين أيدينا، وليس فيهما ما يخالف المدنية الفاضلة.
وكنت في برلين آخذ دروساً في الطبيعة والكيمياء عن المستشرق (الدكتور هردل)، فأخبرني الدكتور بأن أحد الألمان قرأ القرآن، وأسلم، وقال الدكتور: إن الإسلام حقيقة تكلم في التوحيد بما لم يتكلم به دين آخر، وأخبرني من أثق به من الهنود: أن الدكتور إقبال رجع من إنجلترا، فأخذ يتلو القرآن بتدبر، وقال: لو علمت أن القرآن فيه هذه الفلسفة، ما سافرت من أجلها إلى لندن.
وروي: أن أبا الوليد الباجي عالم الأندلس أتى إلى الشرق، ودرس
(2/ 2/125)

العلوم، ولما رجع إلى الأندلس، قال له بعض أبناء الملوك: هل قرأت كتاب الأخلاق لأرسطو؟
فقال له أبو الوليد: أقرأت كتاب الأخلاق الذي أنزل على محمد؟ يريد: القرآن المجيد.
ومن الناس من تجاوزوا في القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم، وجميع ما نظر فيه الناظرون. وهذا - كما قال أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" - لا يصح، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وعلومه، وما أودع الله فيه من حكمة، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء خارج عن أحكام التكليف، وأحكام الآخرة. وأيدوا قولهم بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [لأنعام: 38].
وقوله تعالى:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].
والجواب عن ذلك: أن المراد بالشيء: ما تعلق بحال التكليف. وما نقل عن بعض الصحابة وغيرهم مما هو خارج عن حال التكليف لم يثبت عنهم بحال.
(2/ 2/126)

فَساحَة الصَّدْر ونزاهةُ اللسان عن المكروه (1)
خلق الله الإنسان، وجعل له لساناً يبين به الحقيقة، ويتوسل به إلى ما تقتضيه الحياة من المرافق. فمن استعمله للحكمة، أو القول النافع، فقد أقر بالنعمة، ووضع الشيء في الموضع الذي خلق من أجله. ومن كمال الإنسان: ألا ينطق إلا بالحكمة، أو القول المفيد له، أو لسامعه. والشريعة أمرت بإلانة الكلام حتى للأعداء، فقال تعالى:
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع الكلمة النابية، أو يبلغه أن قوماً منافقين تكلموا بسوء، ونسبوا إلى مقام النبوة ما لا يليق به، فيقول بعض الصحابة: دعنا نقتلهم، فيقول: دعوهم لئلا يقول كفار قريش: إن محمداً يقتل أصحابه.
وقال أنس بن مالك: خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال أُفٍّ، ولا: لم صنعتَ، أو هَلاَّ صنعت.
وحكي عن الأحنف الذي يضرب به المثل في سعة الصدر، والإغضاء عن النابية التي يقذف بها: أن رجلاً أخذ في إساءته حتى وصل إلى حيّه،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/127)

فوقف الأحنف وقال للرجل: قل ما شئت أن تقوله قبل أن يسمعك أهل الحيّ فيؤذوك.
وكان الأستاذ بدر الدين الحسني عالم الشام، لم يسمع منه أحد كلمة مكروهة، ولا يسمح لأحد كبير أو صغير أن يذكر أحداً في مجلسه بسوء.
ويحكى أن الوزير بتونس الشيخ محمد العزيز أبو عتور لا يُسمِع أحداً خادماً أو غيره قولاً مكروها.
وروي: أنه نبّه على سائق سيارته بأن لا يسرع في السير بها، فاسرع السائق، فاشار إليه أن يتمهل، فأسرع مرة أخرى، فقال له: قف بالعربة، ونزل وفرش منديلاً له على الأرض، وجلس عليه، وقال للسائق: اذهب إلى تونس، واقض الحاجة التي أسرعت من أجلها، وارجع تجدني هنا.
ووقع بيني وبين العلماء نزاع في مسألة، فلم يقتصر على ما يراه صحة لرأيه، بل زاد على ذلك كلاماً لا يتعلق بالبحث، فأجبته بذكر الحقيقة والتاريخ، وقلت له: ما زاد على ذلك، فغير أهل العلم أقدر عليه من أهل العلم.
ويعجبني ذهاب بعض الفقهاء إلى أن حرية رأي المجتهد في أحكام الدين إنما تقتصر على ذكر الدليل الذي يدل على تأييد رأيه، دون أن يصف رأي المخالف بضلال، أو خروج عن الشريعة كما يفعل أهل الأهواء.
وابن حزم عالم فاضل، غير أنه نقص من قدره أنه أطلق لسانه في الأئمة، ولم يقتصر على بيان رأيه والحجة عليه، أو بيان بطلان ما ذهب إليه غيره من الأئمة.
وقد نسب بعض المتعصبين من فقهاء المالكية إلى الإمام مالك طعناً في مذهب الإمام أبي حنيفة، ولكن أبا الوليد الباجي قال في كتاب "المنتقى":
(2/ 2/128)

"إن هذا موضوع على الإمام؛ لأن ما عرف به مالك من العقل والعلم والفضل يرد ذلك".
وقد قال مالك: "أدركت بالمدينة قوماً لم يكن فيهم عيوب، فبحثوا عن عيوب الناس، فبحث الناس عن عيوبهم. وأدركت قوماً لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم".
ويدل على عظيم تقديره لمذهب غيره: إباؤه حمل الناس جميعاً على العمل بما في كتابه "الموطأ" حين عرض عليه الخليفة ذلك، وقال له: إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في البلاد، وعند كل منهم علم.
وقد روى عنه "موطأه" محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وذلك قاطع على ما كان يسود بينهم من فساحة صدر، ونزاهة علم.
وألَّف أحد علماء الأندلس رسالة في فضائل مالك، وذكر فيها:
إنما أباحت الشريعة ذكر إنسان بما يكره في مواضع، منها: أن يذكر اعتداءه عند من يرجو أن يجيره منه، أو أن يصفه عند الشهادة عليه بما يفعله من ظلم، أو عند استشارة من يريد معاملته بتجارة أو مصاهرة، أو بذكر الفاسق بما جاهر به من ذنوب قصداً إلى زجره.
والحرية الفاضلة، والعدالة المحمودة، لا يسمح بها إلا واسع الصدر لا يحول بين امرئ وحقه، كما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال لرجل: لا أحبك، فقال الرجل: أيحملك عدم الحب لي على منعي من حق ثبت لي؟ فقال عمر: لا، فقال الرجل: إنما يأسف على حب الرجال النساء.
وما سجن عمر بن عبد العزيز يزيدَ بن المهلب إلا بعد ما اطلع على كتاب أرسله إلى سليمان بن عبد الملك يقول فيه: أرسلت لك الهدايا والأموال
(2/ 2/129)

على قطارات، أولها عندك، وآخرها عندي، فتبين بذلك أنه يأخذ أموال الناس بغير حق.
ومن عدالة عمر بن عبد العزيز: أنه كان ينكر على سليمان بن عبد الملك الخليفة قتله الرجل لمجرد شتمه له، ويقول له: ليس لك إلا أن تشتمه كما شتمك.
وقد كنت - بعد أن نلت درجة العالمية من جامعة الزيتونة - أنشأت مجلة (1) علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر عليَّ بعض الشيوخ، وظن أنها تفتح باب الاجتهاد؛ لأني قلت في أول عدد منها: "ودعوى أن باب الاجتهاد مغلق لا تُسمع إلا مع دليل يبطل الدليل الذي انفتح به أولاً"، وشجعني على إنشائها شيخنا أبو حاجب، وقال لي في باب الشفاء من جامع الزيتونة: أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل: "ما أتى أحد بمثل ما جئت به، إلا عودي". وكان ممن شجعني عليها كذلك الوزير محمد أبو عتور، وشكا إليه بعض الشيوخ مما نشر في المجلة فيما يتعلق بالخطابة، فأجابه الوزير، وكان من العلماء الأجلة، ورأيت له نسخة من "المفتاح" للسكاكي كتبها بخط يده الجميل: إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع، ولا القانون.
ومن قلد إماماً من المجتهدين، لا ينبغي له أن يغض من قدر غيره.
وإن كان ولا بد من انتصاره لمذهبه، فيكون بتقوية حجته، وليكن ذلك بحسن أدب مع الأئمة؛ فإنهم على هدى من ربهم.
وقد ضل بعض الناس، فحمله التعصب لمذهبه على التصريح بما
__________
(1) انظر كتاب الإمام: "السعادة العظمى"، وهو يضم مقالات الإمام في مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها بتونس عام 1322 ه 1904 م.
(2/ 2/130)

لا يجوز في حق العلماء الذين هم نجوم الملة.
ومن العادات الجارية في الشرق والغرب: أن يتخذ صاحب المنزل خادماً يساعده في شؤون المنزل. ومن المحافظة على آداب الإسلام أن لا يدعو الخادم بلقب يجرح عاطفته، وليكن الخادم بمنزلة الابن أو الأخ في مطعمه وملبسه. وإن كلفه بعمل يشق، أعانه عليه.
ولقد خالجني الأسف لما سمعت صاحب المنزل يقول للخادم: هل صحا سيدك محمد من النوم؟ ويريد صاحب المنزل بمحمد: (ابنه) الذي لا يتجاوز الثالثة أو الرابعة من عمره. ولا خير في أمة يكون شطرها فاقداً عزة النفس وسمو الهمة.
(2/ 2/131)

مكافحة المظالم موجبة للسّلام (1)
المظالم: جمع مظلمة - بكسر اللام وفتحها-، وهي مأخوذة من الظلم بمعنى: وضع الشيء في غير موضعه. والمعاصي كلها من قبيل وضع الشيء في غير موضعه، ولهذا تسمى: ظلماً. والشرك بالله ظلم فوق كل ظلم.
والمراد في هذا المقال بالمظلمة: اعتداء شخص على آخر في نفسه؛ بالضرب أو الجرح أو القتل، أو ماله؛ بالغصب أو السرقة أو النهب، أو عرضه؛ بالشتم أو القذف، حاضراً أو غائباً.
والمظلمة تدرك مفسدتها الظاهرة بالعقل الفطري، وإنما تتفاوت العقول في وجه مكافحتها.
وهؤلاء المشركون من قريش، حيث كثر فيهم الزعماء، وشاهدوا من التغالب ما لم يرجعهم عنه سلطان، عقدوا حلفا على رد المظالم، وإنصاف المظلوم في دار عبد الله بن جدعان، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم قبل النبوة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "قد شاهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دعيت إلى مثله في الإسلام، لأجبت"، وسمي: حلف الفضول كما قال ابن الأثير في "النهاية"؛ تشبيهاً له بحلف كان قديماً في مكة أيام جُرهم في التناصف والأخذ للضعيف من القوي، قام به رجال، كلهم يسمى: الفضل.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة العاشرة.
(2/ 2/132)

وقال صاحب "القاموس": سمي حلف الفضول؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلاً يظلمه أحداً إلا أخذوه له منه.
وقد انشرح - صلى الله عليه وسلم - لهذا الحلف، وكان قبل النبوة يعمل كل ما فيه خير، فلما جاء الإسلام جعل مكافحة المظالم من مقاصده. وأكده بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه أحمد في "مسنده"، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وكان العرب يقولون: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وذكر - صلى الله عليه وسلم - هذه الجملة بعينها، فقالوا: ننصره إذا كان مظلوماً، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟ فبين لهم كيف تكون النصرة مطابقة للحكمة، وقال: "تحجزه عن الظلم بأن تأخذ على يده، فإن ذلك نصره".
وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرون المظالم بأنفسهم، فلما تجاهر الناس بالمظالم، كان أول من أفرد لها يوماً عبد الملك بن مروان، يقصده فيه المتظلم.
وجلس عمر بن عبد العزيز بعد دفن سليمان بن عبد الملك، ونادى مناديه: ألا من كانت له مظلمة، فليرتجعها، وجعل لا يدع شيئاً مما كان في يد سليمان بن عبد الملك أو أهل بيته إلا ردها مظلمة، وقيل له: يخاف عليك من ردها العواقب. فقال: كل يوم أتقيه دون يوم القيامة فلا وقيته!.
ثم خلفاء بني العباس. وأول من جلس لها المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون، إلى أيام المهتدي المتوفى سنة مئتين وخمس وخمسين من الهجرة. ثم ردّوها إلى القضاة. ثم أفردوا لها والياً يندب للنظر فيها في جميع الأيام.
(2/ 2/133)

ثم تنوسيت هذه الوظيفة. وصار أمر التصرف فيها إلى الحاكم الأعلى.
والذي تصدر عنه المظالم رجل قوي ببدنه، أو عصابته، أو ماله، أو جاهه، فيعتدي على الضعيف، فيفتك بجسمه، أو ينغمس في عرضه، أو يتناول ماله بغير حق، ويخرج بما يفعله عن الإنسانية.
قال محمد بن كعب في كتاب له يصف الإنسان الكامل: "وإذا غضب، لم يخرجه غضبه عن الحق، إذا قدر لم يتناول ما ليس بحق له".
وللحكام العادلين قصص كثيرة في مكافحة الظالمين، وأذكر منها: أن رجلاً من العامة دخل على مجلس المنصور بن أبي عامر، وقال له: إن لي مظلمة عند الوصيف الذي على رأسك، وقد دعوته إلى الحاكم، فلم يأت، فقال المنصور للوصيف الذي على رأسه: انزل صاغراً، وساو خصمك! وذكر العامي قضيته، فقال المنصور لصاحب الشرطة الخاص بمجلسه: خذ هذا الوصيف إلى صاحب المظالم ينفذ عليه حكمه بما يوجبه الحق من سجن وغيره. وأبعدَ الوصيفَ عن الخدمة.
ويؤخذ من هذه القصة التي قصها صاحب "نفح الطيب" أنه كان في الأندلس وظيفة صاحب المظالم.
وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر تقريباً لم أر أحداً يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم؛ إذ جمع الحرية الفاضلة في قوله تعالى:
{تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
والطغاة من الناس من تقل مظالمهم في أيام الحكام العادلين، يخشون
(2/ 2/134)

صولتهم من جهة، ويحاكونهم في آدابهم من جهة أخرى، ولأن الحاكمين العادلين قد يسدون بحسن تدبيرهم كثيراً من الحاجات الداعية إلى ارتكاب ظلم، فالعدل يجعل الأمة في سلام داخلي؛ حيث يبث الألفة والأخوة بين الأفراد، كما يجعلها في سلام خارجي؛ حيث ينهض بها إلى أن تدافع عن كيانها وحقوقها بما تملك من قوة.
وقد تصدر المظالم من المتولي شؤون القوم، وتكون نفسه زكية، فيعرف كلمة الحق إذا ذكرت له.
وأذكر بهذا: أن الخليفة عبد الرحمن الناصر احتاج إلى شراء دار، فذكرت له دار الأيتام في حجر القاضي منذر بن سعيد البلوطي، فندب من يقوِّم الدار. ثم خاطب القاضي ببيعها منه. فقال القاضي: الدار لم يصبها وهن، ولا الأيتام في حاجة إلى النفقة، فإن أعطاهم أمير المؤمنين الثمن الذي تثبت به الغبطة، أمرت وصيهم بالبيع، وإلا فلا. فأظهر الخليفة الزهد في الدار. وخشي القاضي أن تصدر من الخليفة عزمة يلحق الأيتام منها ضرر، فأمر بنقض بناء الدار، وباع أنقاضها بأكثر مما قومت به للخليفة. فسأله الخليفة عن سبب نقض الدار، فذكر له قول الله تعالى:
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79].
فقال الناصر: نحن أولى من ينقاد إلى الحق.
ويدلكم على أن كلمة الحق من العلماء الناهضين يريدون بها وجه الله، لا تنتج إلا خيراً: أن صاحب تونس كان يكرم العلماء، ويقربهم من مجلسه. فقال لهم ذات ليلة: نحن ملوك الآن، أحسن من الملوك السابقين،
(2/ 2/135)

فقال له الشيخ حمودة الريكلي: في أي شيء أنتم أحسن؟ فقال: إن الملوك السابقين كانوا يقتلون العلماء، ونحن نكرمهم ونقربهم من مجالسنا. فقال له الشيخ: الأمر ظاهر، فإن الملوك السابقين كانوا يفعلون المنكر، ويعترض عليهم العلماء، فيقتلونهم، ونحن نسكت لكم عما تفعلونه، فلماذا تقتلوننا؟؟ فغضب الأمير، ودخل إلى داره. ثم أرسل إلى العلماء بأن يذهبوا إلى منازلهم، ويبقى الشيخ حمودة، فذهبوا معتقدين أن الأمير سيعاقب الشيخ بأشد عقوبة. ثم خرج الأمير بعد مدة، وقال للشيخ حمودة: جزاك الله خيراً فيما قلته، وأعطاه في الصباح عربته الخاصة، ونزل بها إلى تونس.
ومن ذكر القصة من المؤرخين قال: في هذه القصة ذكر حسن للشيخ والأمير.
والحكام العادلون يتلقون الموعظة من العلماء الناصحين بالقبول.
دخل أبو بكر الطرطوشي الأندلسي على أمير الجيش، ومن جملة ما وعظه به قوله: وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم.
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز يعظه، ومن جملة ما قاله في كتابه: "إن استطعت أن تأتي يوم القيامة لا يتبعك أحد بمظلمة، فافعل".
وقد جرت العادة أن ينجو الإنسان من الظلم إذا استند إلى وجيه يهابه الناس، ونذكر بهذا قول أبي الوليد الباجي: لولا السلطان، لنقلني الذر (1) من الظل إلى الشمس. وهذا سبب ظاهر قد يفيد في الدنيا، ويكون سبباً شرعياً إذا كان القلب مع هذا الاستناد متعلقاً بالله.
__________
(1) الذر: صغار النمل.
(2/ 2/136)

والمظلمة لا تغفر إلا أن يعفو صاحبها عنها في الدنيا أو الآخرة، وإذا طلب الظالم من المظلوم تحليله من المظلمة، يكفي في التحليل أن يقول المظلوم: قد عفوت عنك، ولا يلزم الظالم تعيين المظلمة؛ لأن تعيينها قد يبقي القطيعة، أو يزيدها.
والقصد صفاء السريرة، وعقد رابطة الألفة والأخوة بين الظالم والمظلوم من جديد.
وأذن الشارع للمظلوم أن يكافح الظالم، وخير من المكافحة أن يعفو عنه إذا لم يعتقد الظالم أن العفو نشأ عن ضعف، فيزيد في طغيانه. فإن زاد المظلوم على ما اعتدي به عليه، دخل في دائرة الظالمين. وإن عفا عن الظالم، فقد دخل في زمرة المحسنين.
أما من يسمونهم بالمعمرين فلهم في المظالم قصص تملأ أسفاراً، فلا أدري ما أذكر منها وما أدع، وخاطبتني المحكمة الفرنسية سنة 1925 م بإشارة من شيخ المدينة أن أكون عضواً في المحكمة لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت عن هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري. والله ولي كل رشاد وسداد.
(2/ 2/137)

ما يلاقيه العلماء من المكاره (1)
شأن علماء الشريعة أن يكونوا حُفَّاظاً على خزائن الدين، لا يبالون بما يلاقونه في حفظها من الأذى؛ كالسجن، وضرب السياط، والقتل، والإخراج من البلد الذي استقر أمره فيه، والعزل من الوظيفة. ولكن منهم من يتوهم الأذى من قوي لا يهتم بأمر الشريعة، فلا يبالي أن يؤثر رضا المخلوق على رضا الخالق، ويقبض يده على حفظها، بل من هذه الطائفة فريق ينكر حقائق الشريعة، ويتأول القرآن والحديث النبوي على ما يشتهي. وقد وجد أعداء الإسلام من هؤلاء مساعدين على إنشاء جمعيات لتفريق كلمة المسلمين؛ كالبهائية، والقاديانية، وغيرهما. ولكن القرآن الكريم وسيرة العلماء الذين خدموا الدين بإخلاص قد أبقيا على الإسلام رونقه، ولم يستطع أولئك الغربان أن يدخلوا فيه فساداً يعسر علاجه، وإن كثر عددهم، وإن الحق المبين في جانب الفريق الذي قام على حفظ خزائن الشريعة.
فسعيد بن جبير لما ظفر به الحجاج، قتله؛ لأنه بايع ابن الأشعث، ودارت بين الحجاج وسعيد مناظرات عند قتله تدل على أن سعيداً يخشى الله، ولا يهاب الموت.
وسعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة ضربه أمير المدينة أسواطاً بإذن
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة التاسعة.
(2/ 2/138)

عبد الملك بن مروان حين لم يبايعه، وعرضت على ابن المسيّب وجوه تقيه الضرب بالسياط لو فعلها، ولكنه امتنع، ورأى راحة نفسه في التمسك بما يراه حقاً.
والإمام أبو حنيفة طُلب لولاية القضاء في بغداد والكوفة، فامتنع ورعاً وزهداً، فضُرب أسواطاً، ولم يقبل القضاء.
والإمام مالك أفتى بعدم لزوم يمين المكره، والمبايعة تتضمن يميناً، ولما أمره الأمير بالرجوع، أبى، فضربه أسواطاً، وازداد رفعة بين الناس.
ودخل سفيان الثوري على الخليفة المهدي، ووعظه بعظات بالغة، فقال المهدي: اكتبوا عهداً بولاية القضاء في الكوفة لسفيان الثوري، فكتبوه وأخذه، ولما خرج، رمى العهد في نهر الفرات، واختفى، ولم يروا له أثراً حتى تولى قضاء الكوفة شريك النخعي.
وعلماء الشريعة قد يتورعون عن ولاية القضاء؛ لأن القضاء معرفة الأحكام، وتطبيقها على الوقائع الخاصة، وقد يقع الخطأ في التطبيق، بخلاف الفتوى؛ فإنها الإخبار عن الأحكام الشرعية، وأما تطبيقها على الوقائع الخاصة، فيحتاج إلى فهم آخر، ومن أجل ذلك امتنع الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي من ولاية القضاء، وفر إلى زغوان، وولي بعد ذلك الفتوى، فقبلها.
وانظر سيرة أحمد بن حنبل إذ امتنع من القول بخلق القرآن، فسجن، وضرب بالأسواط، وهو مصرّ على القول بأن القرآن قديم.
وكذلك البويطي صاحب الإمام الشافعي، حمُل من مصر إلى بغداد، وأُمر بأن يقول: القرآن مخلوق، فأبى، وسلك طريق أحمد بن حنبل، فضرب وسجن، ومات في السجن
(2/ 2/139)

وسجن عالم تلمسان الشيخ ابن مرزوق؛ لأن سلطان تلمسان خطب ابنة أمير تونس، فامتنعت البنت واختفت، فاتهم ابن مرزوق أنه عالم بالمكان الذي اختفت فيه.
وسجن ابن خلدون في عهد أبي عنان بفاس، وعلّل لسان الدين بن الخطيب ذلك السجن ببعده عن حسن التاني، واعتزازه بفهمه، وجودة إدراكه.
وسجن إبراهيم أبو علاّق، حيث خاطب أمير تونس، وكان وزيره خازن دار حاضراً، بقوله:
باشر بنفسك أمر الملك سيدنا ... فإن توكيل بعض الناس تمهيل
ففهم الوزير أنه المقصود بهذا البيت، وسجنه مدة طويلة، ثم أطلقه. والسجن محنة وبلاء للإنسان.
وروى لنا أستاذنا أبو حاجب: أن وزيراً قال للملك: لا أرى السجن تعذيباً لأحد؛ فإن الإنسان يجلس في مكان، ويأتيه أكله وشربه إلى أن يخرج من السجن، فقال الملك للسجّان: هيئ مكاناً لفلان، وأعطه ما يطلبه، وقال للوزير: هناك مكان في الحبس تقيم فيه، وانظر: أفي الحبس تعذيب أم لا؟ فقال: نعم، فجلس في الحبس بعض يوم، وصادف أن اجتمع برجل لا يفهم ما يقال له، فقال للسجّان: قل للأمير: قد عرفت في هذا اليوم مقدار عذاب السجن، فأمر بإطلاقه.
وعذاب الحبس من جهتين: من جهة أنه يصاحب الإنسان فيه من لا يلائم ثقافته وأخلاقه وذوقه، ومن جهة أنه يبعد الإنسان عن الحرية؛ حيث يمنعه من التقلب في الأماكن التي يريدها.
وأذكر بهذه المناسبة أني قلت حين دخلت إلى المحجر الصحي بلبنان،
(2/ 2/140)

وهي بلدة المريجات:
بين المريجات ما تحلو مناظره ... للعين لكنّ نفسي سامها ضجرُ
والنفس تضجر من دار المقام على ... رغم وإن كان من سمّارها القمرُ
وقد يؤذى العالم بالنفي من البلد الذي نشأ فيه، أو استقر به حاله؛ كما نفي ابن حزم من قرطبة إلى قرية خارجها، ونفي القاضي الحفيد ابن رشد إلى مراكش، وأحرقت كتبهما، وحب البلد الذي نشأ فيه الإنسان واستقر به أمر طبيعي، كما قال ابن خميس حين بعد عن تلمسان متشوقاً إليها:
تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ
وقال ابن الرومي:
وحببّ أوطان الرجال إليهمو ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
وقد يعاقب العالم بالعزل من وظيفته، بناء على أن العزة والرفعة بين الناس إنما نالها بالوظيفة.
وحكى لنا أستاذنا أبو حاجب: أن عالماً من العلماء أنكر على الأمير بعض المظالم، فقال له: قد عزلتك من الفتوى والإمامة والتدريس بالمسجد الفلاني!
فقال له العالم: عندي وظيفة أخرى، لا تستطيع أن تعزلني منها، وهي مقامي العلمي، لا تستطيع أنت ولا غيرك أن يعزلني منه، وهو الذي يهمني.
وقد يهدد العالم إذا لم يُفْتِ بما طُلب منه، ولا يتخلص من التهديد إلا أن يذكر للفتوى ضرراً يعود على المستفتي، وأذكر لهذا مثالاً: أن بعض
(2/ 2/141)

الأمراء أمر المفتي بأن يفتي على وجه يخالف الشرع، فامتنع المفتي من الإفتاء، فهدده الأمير بوعيد شديد، فقال له المفتي: إن بلاد الإسلام عامرة بعلماء الشريعة، فيقولون: إن الأمير فلاناً ولّى في مصر مفتياً جاهلاً بشريعة الإسلام! ولما علم الأمير أن في تهديده ضرراً خاصاً يتعلق به، عدل عن الاستفتاء.
وقد يخرج العالم من البلد إذا عرف أن البلد سيقع في يد من لا يرعى للإسلام حرمة، ولا يؤمن به، كما خرج أبو عبد الله بن الأزرق من غرناطة إلى تلمسان؛ حيث استطال على غرناطة عدوّ لها، والعلامات تدل على أنه سيأخذها لا محالة.
وقد يضيق على العالم أمر العيش، فينتقل إلى بلد يكون العيش فيه أوسع، كما ذكر المؤرخون: أن القاضي عبد الوهاب بن نصر خرج من بغداد لضيق عيشه فيها، ونزل في مصر، فلقي من أهلها احتفاء، وتولى القضاء بها إلى أن توفي، ودفن بالقرافة.
وقد يتنكر أمير البلد للعالم، فيترك العالم البلد الذي تنكر أميره إلى بلد آخر لا تمتد إليه سطوته؛ كما وقع لابن خلدون حين تنكر له أمير تونس، فرحل إلى مصر، وعاش بها إلى أن توفي، ودفن بمقابر الصوفية، المسماة الآن: باب النصر.
وقد يصدر من ولي الأمر شيء مخالف للدين، ويتعذر على العالم كفّه، فيغادر العالم بلده إلى بلد آخر؛ كما وقع لعز الدين بن عبد السلام حين أعطى الأمير مدينة صفد للإفرنج، فغضب العز، وترك الدعاء له في خطبته، ورحل إلى مصر، وتولى القضاء بها، وارتفع شأنه، وبقي بها إلى
(2/ 2/142)

أن توفي عزيزاً مكرماً.
والعلماء يقيسون رقي الاجتماع بالموافقة للدين، والتمسك بأحكامه، ومن ذلك أن عالماً مغربياً مرّ بمصر في طريقه إلى الحج، فلما رجع إلى بلده، سئل عن مصر، فقال: من لم ير مصر، لم ير عز الإسلام.
(2/ 2/143)

ما يلاقيه العلماء من سماحة أهل العلم (1)
شأن العالِم أن يقدُر العالِم قدره، ويرعى ما يستحقه من حفاوة وإجلال؛ لأنه عرف قيمة العلم، وقيمة من يبذل العناية في تحصيله، ولولا العلم، لعاش الناس في حياتهم بعيدين عن الرشد، قريبين من الضلال كما كانوا في جاهليتهم.
وقد جرى على هذا الشأن أئمة علماء الشريعة، فالتقى الإمامان أبو حنيفة، ومالك، وشهد كل منهما لصاحبه بالفطنة والعلم والفهم، وما نسبه بعضهم إلى مالك من أنه قال في أبي حنيفة: إنه أضلَّ الناسَ بالرأي، فقد كذّب ذلك أصحابُ مالك، وممن كذّبه: أبو الوليد الباجي في كتاب "المنتقى". فابو حنيفة روى عن مالك بعض الأحاديث كما هو ثابت في "مسند أبي حنيفة" - رضي الله عنه -، وروى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة "الموطأ" عن مالك، وعبد الله بن المبارك من أصحاب أبي حنيفة، وكان مالك يجلّه، وأبو حنيفة في علمه وزهده وتقواه لا يقول مالك فيه هذا القول.
وسمع الإمام سفيان الثوري بقدوم الإمام الأوزاعي للحج، فخرج لتلقيه في ظاهر مكة إكراما له.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني عشر من المجلد التاسع.
(2/ 2/144)

وبعث الإمام الليث برسالة إلى الإمام مالك معترضاً بعض الأصول التي رآها مالك منزعاً للشريعة، وأجابه مالك برسالة ذكر فيها وجه ما ذهب إليه، وسنده، وقد تجلى في الرسالتين احترام كل منهما لصاحبه، ورعاية أدب البحث والنقد، فلم يخرجا عن موضوع بحثهما، ولا مسَّ أحد منهما كرامة الآخر.
وهاك نموذجاً من رسالة الليث للإمام مالك - رضي الله عنه - يناقشه في مسائل اختلف فيها أهل المدينة وغيرهم من أهل الأمصار، فاستفتح الرسالة بقوله:
"سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرّني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه".
ثم انتقل إلى سرد المسائل التي فيها الخلاف في أسلوب يتحلى بالوقار والإجلال حتى ختم الرسالة بقوله:
"وأنا أحبّ توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار.
فهذه منزلتك عندي، ورأي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك، وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت، أو لأحد يوصَلُ لك، فإني أسرّ بذلك. والسلام عليكم ورحمة الله".
وصحب الإمام الشافعي الإمام مالكاً مدة، وأخذ عنه "الموطأ"، وكثيراً من الفقه، ومخالفته لآراء مالك في الشريعة لا تقدح في أقواله المشتملة على
(2/ 2/145)

إجلال مالك وتعظيمه؛ كقوله: فما أحد أمنّ عليّ من مالك، وجعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله - سبحانه وتعالى -. وأثنى الإمام مالك على الإمام الشافعي بالحفظ والفهم.
والتقى مالك وأبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة على بساط الكرامة والإنصاف. ومما أخذه أبو يوسف عن مالك: أن زكاة الفطر خمسة أرطال وثلث رطل بغدادي، بعد أن كان يقول: إنها ثمانية أرطال، لمّا أراه مالكٌ الصيّعانَ التي توارثها أهل المدينة من أسلافهم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكان بين يحيى بن معين وأحمد بن حنبل صحبة وألفة واشتراك في الاشتغال بعلم الحديث، وروى أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين بعض الأحاديث، وكان من أقرانه، ولم يجد أحمد بن حنبل - مع عظم شأنه - غضاضة في أن يروي عن يحيى بن معين، وهو من أقرانه.
ووصف جماعة من أكابر العلماء الإمام الغزالي، وأطلقوا أعنة القول في الثناء عليه، منهم: الحافظ أبو بكر بن العربي، وقال بعضهم لما التقى بالغزالي: من اجتمع بالغزالي، وجده فوق ما يتخيل من العلم والفهم.
وقد دخل عالم تلمسان (ابن مرزوق) جامع الزيتونة، فوجد الشيخ ابن عرفة يدرّس قوله تعالى:
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} [الزخرف: 36].
ويستعرض وجوه القراءة والإعراب في الآية، فعرض لوجه غامض منها، وسأل طلبته عنه، فلم يجيبوا، وأجاب ابن مرزوق، قال - أي ابن مرزوق -: وكنت قريب عهد بحفظ كتاب "التسهيل"، فبينت الوجه وشاهده من كلام العرب، فقال ابن عرفة: لعلك ابن مرزوق! وأكرمه واستضافه.
(2/ 2/146)

ومدح ابن مرزوق ابن عرفة بأن عادته الإنصاف في المذاكرة.
ودخل عالم توزر (1) الشيخ إبراهيم أبو علاق جامع الزيتونة، فوجد أستاذنا سالماً أبا حاجب في أحد الدروس، فباحثه الشيخ أبو علاق حتى أبرمه، وهو لا يعرفه، فدعا ملاحظ المسجد لإخراجه، فخرج الشيخ أبو علاق، وابتدأ قصيدة قال في مطلعها:
تقاصرت مذ أبدى التطاول سالم ... وسالمت والقاصي المكان يسالم
فلما سمع الأستاذ القصيدة، وعرف أنه من العلماء الأدباء، ذهب إليه، واعتذر له، وأكرمه، واستمرت الصحبة بينهما.
والكاتبون في تراجم العلماء يقولون عند تزكية كثير من العلماء: "إن فلاناً لم يقل في أحد سوءاً"، وهذا كثير في "الشقائق النعمانية". ومن لم يقل في أحد سوءاً، كسب حمد الناس ومحبتهم، سواء أكان من العلماء، أم من غيرهم.
ومن خلق العلماء الراسخين تقريبُ إخوانهم من الحاكم الذي يختصهم بمودته؛ كما صنع أبو بكر محمد بن الطفيل إذ قرب القاضي الحفيد ابن رشد وغيره من العلماء المحققين من الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، وكما فعل الحافظ ابن حجر إذ نوّه بشأن الأستاذ محمد بن يحيى الأندلسي عند الأشرف، فأقبل عليه، وولاه قضاء المالكية بالقاهرة.
فتلك الأمثال تبين ما كان عليه العلماء من السلف الكريم من التآخي والمحبة والإيثار، وتلك طبيعة العلم إذا تمكن من الروح، ولم يكن نظرياً
__________
(1) مدينة تونس.
(2/ 2/147)

صرفاً؛ فإنه يطبع الأخلاق والأعمال على الإحسان والمجاملة والمروءة، ولذلك زكى الله - سبحانه وتعالى - العلماء أكرم تزكية، وأثنى عليهم أجمل الثناء بقوله - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
ومن خشية الله: محبة العلم وأهله؛ كما جاء في ترجمة ابن الحاجب، فقالوا: إنه كان محباً للعلم وأهله، وكذلك كان شأن العلماء من قديم الزمان، فمما يؤثر عن أرسطو قوله: "الصّداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء". والآية الكريمة تقرر ما هو أجمل من هذا وأجل إذ تقول:
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الزخرف: 67].
فبينت أن الأهوال لا تؤثر على الصداقة عند العلماء الأتقياء.
وأمنيتنا في تحرير هذا المقال أن يستمر العلماء على الألفة والتوادد؛ حتى يمكنهم القيام بأمر الدعوة إلى الدين الحق على كمل وجه، ويحافظون على أدب البحث مادام المخالف طالباً للحق بقلب سليم، أو مادام ذو الرأي لم يخرج عن دائرة الإسلام المعروفة بين المسلمين.
(2/ 2/148)

ما يلاقيه العلماء من سماحه الأمراء (1)
جاء الكتاب الحكيم والحديث النبوي بحكم بالغة، وعقائد ثابتة، وأحكام عادلة، ودلائل قاطعة، وقد نظر فيها العلماء اليقظون بإمعان وفكر ثاقب، واستنبطوا منها على طريق الدلالة العربية ما يلائم الزمان والمكان، وأدرك الأمراء الموفقون حكمة الكتاب والحديث، وما استنبطه العلماء منهما بعقول مستنيرة، وقلوب سليمة، فأكرموا العلماء، ولاقوهم بسماحة وصدر واسع، واتفق العلماء والأمراء على إجراء الإصلاح بين طوائف المسلمين، ومن أقام في جوارهم.
وما زال نور الكتاب الكريم يتجلى لكل ذي عقل كبير، ونفس مستبصرة تنشد الحق أينما كان.
وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام لمعاشرته عالماً مسلماً، وصله بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله، وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالما مثله قط. وبمثل هذا العالم المستنير اهتدى الناس، واقتدى الحكام والأمراء في مختلف الأعصار، واحتفوا بهم، وبالغوا في إكرامهم.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة التاسعة.
(2/ 2/149)

ومن ذلك: ما رواه المؤرخون في إكرام الخليفة عبد الرحمن الناصر لأبي علي القالي عند وفوده عليه بالأندلس، فقد أمر الخليفة ابنه الحاكم بالخروج إلى ظاهر قرطبة، ومعه وفد من خواصه؛ لتلقيه تكرمةً له، وكما أوفد ابن الأحمر سلطانُ غرناطة وفداً من حاشيته للقاء ابن خلدون حفاوة به.
ومن هذين الخبرين يظهر حرص الأمراء على إكرام العلماء قبل لقائهم لمجرد سماعهم بمنزلتهم في العلم.
وكان الأمراء إذا سافروا، صحبوا العلماء؛ ليتولوا تبيين الأحكام إذا سئل عنها الأمير.
ومن هؤلاء: هارون الرشيد؛ فقد صحب عبد الله بن المبارك في سفر، فلما نزلوا في بعض المنازل، التفث الناس حول ابن المبارك، وقالت جارية لهارون الرشيد: من هذا الذي أحاط الناس به؟ فقال لها: هذا عبد الله بن المبارك عالم خراسان. قالت: هذا واللهِ المُلْك، لا مُلكُ هارون الذي لا يساق الناس إليه إلا بالشُّرط والأعوان.
وروي أيضاً: أن أرخان سلطان تركيا عندما أزمع سفراً، زار شيخ العلماء، وطلب منه أن يرسل معه أحد الشيوخ الذين حوله؛ لأن الناس يسألون السلطان عن الأحكام، وهو لا يعرفها، فيجيبهم الشيخ.
وكان العلماء موضع ثقة الأمراء، وائتمانهم على الأسرار وعظائم الأمور، فكانوا يوفدونهم في السفارة إلى الملوك والأمراء؛ لعلمهم بأحوال الاجتماع، وما ينبغي لهذه المهام من حكمة وحسن تات للأمور، فأوفد ملك غرناطة ابن خلدون إلى ملك إسبانيا، وأوفد ابن الأحمر لسان الدين بن الخطيب إلى أمير مراكش، ويذكرون: أنه أنشد بين يدي الأمير قصيدة أعجبته، فاستجاب
(2/ 2/150)

لما أوفد فيه قبل أن يجلس ابن الخطيب، فقيل: لم يظفر أحد بجواب رسالته قبل جلوسه غير ابن الخطيب.
ومن الأمراء من كانوا يحتملون من العلماء شدة موعظتهم وغيرتهم على الدين، وغضبهم للحق: خطب منذر بن سعيد البلوطي عالم قرطبة خطبة الجمعة بحضرة الخليفة الناصر، فعاب من يسرف في البناء وتشييد القصور، وإنفاق أموال المسلمين في زخرفة البناء، حتى تلا قوله تعالى في قوم عاد:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 128 - 129].
فغضب الناصر، واستاء من تعريض الخطيب به، وشكا ذلك لابنه الحكم، الذي أشار عليه بعزله، فقال الناصر: أمثل المنذر في علمه وتقواه نعزله طاعة لنفس أمارة بالسوء؟! وأبى ذلك.
ويروى: أن ابن بشير قاضي قرطبة تقدم إليه أحد الخصوم، واستشهد بالخليفة الناصر، فقال له القاضي: ائتني بشاهد عدل، وسمع بذلك الخليفة، فسال ابن بشير: لماذا لم تقبل شهادتي؟ فقال ابن بشير: لو طلب مني المدعى عليه الإذن له في تجريحك، لوجب أن آذن له!. فأضاف ابن بشير إلى نزاهته: حسنَ بصره بالسياسة والقضاء.
ويذكر الرواة للشيخ عز الدين بن عبد السلام موقفاً جليلاً في الشام حين أعطى الصالح إسماعيل الملقب بأبي الجيش مدينة صفد للصليبيين، فغضب الشيخ لذلك غضباً شديداً، وترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فساء ذلك العمل الملكَ وأحفظه عليه، وخرج العزّ مهاجراً إلى مصر حيث تلقاه
(2/ 2/151)

الملك الصالح أيوب ملك مصر بالتكرمة والإعزاز، وولاه قضاء مصر، والخطابة في جامع عمرو.
ومن شواهد رعاية الأمراء للعلماء المعرضين عن مظاهر السلطان: ما كان ليحيى بن يحيى من المنزلة الرفيعة عند أمراء الأندلس، حين كان يمتنع عن ولاية القضاء، ويشير بشيوخ آخرين، فتقبل إشارته، وتنفذ مشورته.
وكان الخلفاء يتقبلون أحكام الشريعة من العلماء برضاً وإذعان، فقد حدّثوا: أن أبا يوسف كان جالساً مع الرشيد، فدخل عليهما يهودي يشتكي من الرشيد، فأعمل أبو يوسف سياسته في التسوية بين الخصمين، فنهض من مكانه بجانب الرشيد، وأمر اليهودي بأن يجلس فيه، وجلس هو أمامهما، وتبين عند نظر الدعوى أن الحق لليهودي، فقضى له، وأنفذ الرشيد حكمه عليه.
وكان الأمراء يولون العلماء القيادة العامة إذا أرسلوا جيشاً للحرب؛ تكريما لهم، فهم على ثقة من إخلاصهم، وحماستهم لحماية الدين، كما كان يحيى بن أكثم في بغداد، ومنذر بن سعيد البلوطي في قرطبة.
وكان الأستاذ أسد بن الفرات تلميذ مالك بن أنس القائد العام للجيش الذي فتح صقلية، وكان يتقدم الجيش مقاتلاً بنفسه حتى قتل شهيداً.
وبعض الأمراء يعجب بالعالم، فيريد أن يحمل الناس على أقواله، فيأبى العالم ذلك؛ إبقاء لحرية القول؛ كما روي عن هارون الرشيد حين التقى بالإمام مالك في المدينة، واطلع على كتاب "الموطا"، أراد أن يحمل الناس على العمل به، فأبى مالك، وأشار إلى أن أقوال المجتهدين في كل مكان حرة، لا يعطلها أولو القوة عن العمل بها ما دامت مستندة إلى اجتهاد بنص شرعي،
(2/ 2/152)

أو قاعدة يعتدّ بها.
وصفوة القول: أن الأمراء يعظمون علماء الشريعة، ويقدرونهم حق قدرهم؛ لأنهم يقومون بأجل العلوم، وأفسحها مجالاً، وهي علوم الشريعة التي نزلت من السماء.
فالعلماء المخلصون، والأمراء العادلون هم قواعد الشعب الإسلامي، فإذا اختلفا في جوانب الثقافة، فينبغي للأمراء أن يراعوا حقائق الشريعة وآدابها، وينبغي للعلماء أن يتحروا ما راعته الشريعة في نصوصها وقواعدها من مصالح المسلمين، فبذلك يلتقي العلماء والأمراء على رعاية حقائق الشريعة، ومصالح الجماعة الزمنية، فتنهض الأمة على قدميها، ولا يجد الناقد المنصف موضعاً للنقد، ولو حرص كل الحرص على أن يجد سبيلاً للمؤاخذة والتجريح.
(2/ 2/153)

المال المباح في الإسلام (1)
حرم الإسلام أشياء؛ لمفسدتها في ذاتها، فلا يجوز للإنسان بيعها، ولا شراؤها، ولا امتلاكها؛ كالدم، والميتة، والخنزير، والخمر، وحرّم أشياء بالنص الصريح؛ حيث لم يحصل للإنسان سبب ملكها؛ كالمعصوب، والمسروق، والرشوة، والميسر، والربا.
واتفق العلماء على أن الإنسان إذا عرف الشيء المحرم بعينه؛ كالمغصوب، والمسروق، والرشوة، لا يجوز له قبوله، ولا التصرف فيه لنفسه، فإذا عرف صاحبه، رده إليه، وإذا لم يعرف صاحبه، تصدق به على الفقراء، أو صرف في المصلحة العامة بالعدل.
ومن الناس من يكون في ماله حرام وحلال، سواء كان الحرام أقل أو كثر، ولم يعرف الحرام بعينه؛ كأموال السلاطين والأمراء، فأكثر علماء السلف على قبول جوائزهم، وأكل طعامهم.
وقد ألّف الحافظ ابن عبد البر في ذلك رسالة؛ حيث عاب عليه أهل بلده "شاطبة" أكل طعام السلطان.
وقد أجاز قبولَ جوائزهم، وأكل طعامهم جماعةٌ من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة العاشرة.
(2/ 2/154)

كزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان، والشعي، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن شهاب الزهري، والحسن البصري، وغيرهم من علماء الكوفة والبصرة.
وكان سعيد بن المسيّب وابن سيرين يمتنعان عن قبول جوائز السلاطين، وأكل طعامهم، فلا يقبلان جائزة من سلطان، ولا يأكلان لهم طعاماً؛ نظراً إلى أن في أموالهم كثيراً مما هو محرّم.
فالحاكم الأعلى من خليفة وغيره، لا يجوز له أن يتناول من بيت مال المسلمين إلا ما تدعو إليه حاجته، وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وعمر ابن عبد العزيز، إذ طبقوا أوامر الإسلام على سيرتهم، مع الورع والخوف من الحساب.
وروي: أن أسد بن الفرات كان يقبل جوائز الولاة، ويقول: هذا بعض حقنا، والله حسيبهم في الباقي.
وكان بعض العلماء المتورعين دخلوا على ملك، فقدّم لهم طعاماً، فاعتذر بعضهم بالصوم، واعتذر آخرون بالصوم أيضاً، ولكنهم أخذوا شيئاً من طعام الملك، وأعطوه للفقراء، واقتصر بعضهم على ما يمسك الرمق، إذ كان جائعاً، ويباح له ذلك بإجماع.
وسأل ملك الأندلس يحيى بن يحيى الليثي عما يلزمه كفارة عن فطر رمضان بمباشرة جارية له، فأفتاه يحيى بصيام شهرين، واعترض عليه العلماء، حيث لم يفته بالتخيير بين الصيام والإطعام وتحرير رقبة، فقال: لو أفتيته بذلك، لاختار غير الصيام.
ومن العلماء من تأوّل فتوى يحيى الليثي بالصيام فقط على أن مال
(2/ 2/155)

السلطان أكثره حرام لا تصح منه الكفارة، وتحريرُ الرقبة.
والخلاصة: أنه يجوز قبول جوائز الملوك والأمراء؛ كما دلّ عليه عمل السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وذلك أيام الخلفاء الراشدين الذين لم يأخذوا مالاً إلا بحقه.
ومن لم يقبل جوائز السلاطين، فكان ذلك حين اختلطت أموالهم بالمحرّم، وأصبحوا يتصرفون في أموال المسلمين تصرفهم في خاصة أموالهم.
وهنا نذكر أمثالاً توضح بعض الشبه التي يدخل منها الحرام في الأموال لتجتنب؛ استبراء للعرض، وورعاً في الدين؛ فإن الورع يترك ما فيه شبهة، ولو كان ظنه بإباحته أقوى من حرمته؛ حرصاً وتحوطاً.
فمن تلك الأمثال:
1 - أنه لو أوصى رجل صانعاً أن يصنع له شيئاً وصفه له، فأتى به الصانع على الوجه المطلوب، فقال أبو حنيفة: إن هذه الصورة لم يقع فيها إيجاب ولا قبول، فلا يعد وصف الشيء، ولا مطابقة الصنع للوصف بيعاً يبيح إلزام الواصف بدفع الثمن للصانع، وقال غيره من أصحابه: يعد ذلك بيعاً يلزم بدفع الثمن، وبهذا القول الأخير أخذت المجلة العثمانية؛ لحرصها على تلمس المصلحة العملية، ولو ضعف القول به في مذهب الحنفية الذي كانت تلتزمه.
2 - وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرّم من الحيوان:
(2/ 2/156)

{وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة: 3].
وهو منطبق على ما يفعلون.
3 - ومن الأمثلة الظاهرة الحرمة؛ لشدة ما فيها من الغرر؛ حتى لا يعلم أحد المتعاقدين ربحه من خسره، ما شاع من عقود التأمين، ومن صورها: أن يتعاقد شخص وشركة على حياته أو عقاره أو سلعته، ملتزماً أن يؤدي للشركة مبلغاً معيناً في مدة معينة على أقساط، فإذا مات قبل نهاية المدة، أو هدم العقار، أو هلكت السلعة، وجب على الشركة أن تؤدي إليه أو لورثته المبلغ المتعاقد عليه، ولو لم يدفع منه إلا قسطاً واحداً، وحينئذ يأخذ مالاً بغير وجه شرعي، وأمثال هذه العقود محرمة؛ لأنها مبنية على المخاطرة والغرر الذي من أجلها حُرِّم الميسر، وأظهر في الغرر والمخاطرة والتحريم: ورق (اليانصيب)، فهو ميسر وقمار محرم شرعاً.
4 - ومن محدثات الحرام: ما شاع بين الناس من أداء بعض الأموال لترك منزل منخفض الإيجار بحكم القانون، وهو المعروف (بخلو الرجل)؛ فإن المال المدفوع في هذا السبيل، سواء كان للمستأجر القديم، أو لصاحب المنزل، هو من قبيل كل أموال الناس بالباطل؛ إذ يحصل عليه آخذه دون مقابل أو استحقاق، وبغير وجه شرعي.
5 - وننبه هنا مزيد تنبيه بعض التجار الذين يغتنمون الفرص لاحتكار السلع ورفع الأسعار؛ لينتفعوا بإرهاق المسلمين، ونحذرهم مما في ذلك من شديد الحرمة والإثم الكبير.
ما أحرى المسلمين أن ينزهوا أنفسهم وأموالهم ومطاعمهم ومعايشهم عن الحرام، ويتقوا مواطن الشبهات، فمن اتقاها، فقد استبرأ لدينه وعرضه،
(2/ 2/157)

ومن واقع شيئاً منها، كان كالراتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، والنصيحة الخالصة لعلمائهم: أن يتثبتوا غاية التثبت قبل الإقدام على الفتيا؛ فإنها مسؤولية كبيرة، ولاسيما إذا كان مناطها الحلال والحرام، والحكم في تصرفات الناس، ولا بأس على من جانبه الصواب في الفتيا؛ لسهو، أو تعجل، أن يرجع إلى الحق، فهو به أحرى، والله ورسوله به أولى، وله أسوة حسنة في أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، حين أراد أن يحدد المهور بدراهم معدودة، ويحرم ما زاد على ذلك، فلما نادته العجوز بكتاب الله في قوله تعالى:
{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20].
سارع إلى الرجوع عن رأيه إلى هدي ربه، فما أحوجنا إلى إحياء هذه السنن، واتباع هذا الهدي الكريم، ومن أجل تعرض الفرد للزلل في الرأي، جعل الإجماع حجة في الشريعة؛ لأن الحكم يمر على أفراد كثيرين، فيتمحص الرأي، ويتبين الحق، ويقطع الحكم، ويرشد المسلمون.
(2/ 2/158)

الطلاق في الإسلام (1)
خلق الله الرجل في حاجة إلى المرأة، وخلق المرأة في حاجة إلى الرجل، يحتاج كل منهما إلى الآخر من جهة النسل، والعفاف، والتعاون على مرافق الحياة، وجعل الرابط بنيهما القِران، وأودع العصمة في يد الزوج؛ لأن التجارب دلت على أنه أحفظ للعصمة من المرأة، وأوجب عليه صداقها ونفقتها وكسوتها وسكناها، والقيام بشأن النسل الذي ينشأ في حجرها؛ لأن الرجل بطبيعة خلقه أقدر على العمل من الزوجة، وأباح له حل العصمة عندما يوجد ما يقتضيه من الأسباب، وحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" محمول على الطلاق الذي يقع لغير سبب شرعي.
وأسباب الطلاق المعتبرة متعددة:
منها: أن يريد الزّوج النسل للمصالح التي يطلب النسل من أجلها، وتكون زوجته مصابة بمرض أو عقم، ولا ترضى بالبقاء مع زوجة أخرى.
ومنها: أن يكون في طبعها شراسة؛ بحيث لا يطيب العيش بينها وبين زوجها، والنكاح مبني على حسن المعاشرة بين الزوجين.
حدثنا أستاذنا الشيخ سالم أبو حاجب: أنه لما سافر إلى إيطاليا، سأله
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة التاسعة.
(2/ 2/159)

أحد المستشرقين الطليان قائلاً: لماذا أباح الإسلام للمسلم أن يتزوج يهودية أو مسيحية، وحرّم على المسلمة أن تتزوج يهودياً أو مسيحياً؛ فهذا تعصب من الإسلام.
فقال له: ليس هذا تعصباً في الدين، بل روعيت فيه حكمة اجتماعية، هي: أن الزواج يكون ليعيش الزوجان في اطمئنان وحسن معاشرة، والمسلم مؤمن بأن موسى وعيسى رسولان، ومن أجل هذا لا تصدر منه كلمة تسيء إلى المرأة في عقيدتها؛ بخلاف اليهودي أو المسيحي؛ فإنه يرى دين المرأة المسلمة باطلاً، ولا يؤمن برسول الإسلام الذي تعتقد المرأة صدقه، فتصدر منه كلمات تكدر عيشها، ولا يحصل المقصود من النكاح، وهو حسن المعاشرة.
وهذا الذي قاله الشيخ قريب مما يلاحظ شرعاً من أن الشارع لا يريد أن يكون لغير المسلم سلطان على المسلم أو المسلمة في أي حال.
وقد أشار العلامة أبو البركات بن الحاج إلى بعض الحكم في إباحة الطلاق في وثيقة طلاق كتبها بنفسه عندما طلق عائشة بنت الوزير محمد بن إبراهيم الكناني، ونص الوثيقة:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على محمد وآل محمد، يقول عبد الله الراجي رحمته محمد المدعو بأبي البركات ابن الحاج، اختار الله ولطف به:
إن الله - جلت قدرته - كما أنشأ خلقه على طبائع مختلفة، وغرائز شتى، فمنهم السخي والبخيل، وفيهم الشجاع والجبان، والغبي والفطن، والكيس والعاجز، والمسامح والمناقش، والمتكبر والمتواضع، إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق، كانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد
(2/ 2/160)

أمرين: إما بالاشتراك في الصفات، أو في بعضها، وإما بصبر أحدهم على صاحبه، مع عدم الاشتراك.
ولما علم الله أن بني آدم على هذا الوضع، شرع لهم الطلاق؛ ليستريح إليه مَن عيلَ صبرُه على صاحبه؛ توسعة عليهم، وإحساناً منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق عبد الله محمد - المذكور - زوجه الحرة العربية المصونة عائشة بنت الشيخ الوزير الحسيب النزيه الأصيل الصالح الطاهر المقدس المرحوم أبي عبد الله محمد المغيلي، طلقة واحدة ملكت بها أمر نفسها، عارفاً قدره، ونطق بذلك إراحة لها من عشرته، طالباً من الله أن يغني كلاً من سعته، وشهد على نفسه في صحته وجواز أمره يوم الثلاثاء أول يوم من شهر ربيع الثاني عام إحدى وخمسين وسبع مائة".
وقد قال كاتب الوثيقة حقاً. فإذا اتجهت رغبات أحد الزوجين إلى شيء، ووقف الآخر دون تنفيذها، حصل سوء المعاشرة، واختل أمر الوفاق بينهما، وقد يطلع أحد الزوجين في سيرة الآخر على ما يقتضي الفراق بينهما، ولا يحسن بهما أن يطلع عليه غيرهما، فيقع الفراق.
وإنا لنعلم أن في الناس من يطلّق لغير سبب معتدِّ به شرعاً؛ جهالةً، أو استهانة، ولا يردعه عن ذلك إلا التعليم الصحيح، والتربية الإسلامية، ونحن نتكلم على ما قرره الإسلام، واتبعه الخاضعون لأمره ونهيه.
والذين ينكرون الطلاق في الإسلام يوجهون إنكارهم للزوج، ويظنون أنه يطلق بدافع من هواه، مع أن الطلاق كثيراً ما يقع لتحقيق رغبة الزوجة متى انصرفت نفسها عن الزوج. ولذلك شرع الإسلام الخلع، وهو أن تعطي الزوجة مالاً للزوج في مقابل طلاقها.
(2/ 2/161)

وروي في الصحيح: أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: يا رسول الله! إن ثابت بن قيس لا أعتب عليه خُلقاً ولا ديناً، ولكني أكره الكفر في الإسلام - تعني: عدم القيام بحقوق الزوج -، ففهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نفسها انصرفت عن ثابت، ولا يستقيم لهما الزواج بعد هذا، فقال لها على وجه الإرشاد والإصلاح: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، قال - صلى الله عليه وسلم - لثابت: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة".
وقد عقد الفقهاء للخلع باباً أوردوا فيه كل ما يتعلق به من فروع.
وكان الرجل في الجاهلية يحلف بما يحلف به ألا يباشر زوجته، ويتركها كالمعلقة السنة أو السنتين؛ إضراراً بها، فجاء الإسلام، وحدد الحلف على اجتناب الزوجة بألا يزيد على أربعة أشهر، فإما أن يفيء؛ أي يعود الزوج في أثنائها إلى ملابسة الزوجة، فإن عاد في أثنائها، لم يلزمه طلاق، وإنما تلزمه كفارة اليمين فقط، وإما ألا يعود حتى تنقضي مدة أربعة أشهر، فيلزمه القاضي الفيئةَ، أو الطلاق.
ويرى بعض الفقهاء وقوع الطلاق بمجرد انتهاء المدة، وليس المقام مقام سرد الأدلة وترجيح بعضها على بعض، ولكن ظاهر الآية، وهو قوله تعالى:
{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227].
في جانب الرأي الأول.
وروي في الصحيح عن أنس بن مالك: أنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه، وأقام في مشربة (غرفة) له تسعة وعشرين يوماً، ثم نزل، فقالوا
(2/ 2/162)

له: يا رسول الله! آليتَ شهراً، فقال: "الشهر تسعة وعشرون".
وإيلاء كإيلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جائز باتفاق.
ومن عرَّف من الفقهاء الإيلاء بأنه الحلف على ألا يقرب زوجته أربعة أشهر فصاعداً، لم يُدخل فيه إيلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم يكن بهذه الصفة، إنما آلى من نسائه شهراً فقط؛ تأديباً لهن على ما صدر منهن في حقه - عليه السلام -، فهذا إيلاء لم يتكلم عنه الفقهاء؛ لأنه غير داخل في الإيلاء الذي عرفوه.
وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، حرمت عليه، وجاء الإسلام فأعطى هذه الكلمة حكماً غير الطلاق، وهو اعتبارها إثماً يجب الكفارة عنه بتحرير رقبة أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكيناً، ولا تحسب طلاقاً.
جاء في الصحيح: أن أوس بن الصامت غضب على زوجته يوماً، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وندم، واستاءت هي، وحزنت لأولاد لها صغار، فقالت: إن تركتهم له، ضاعوا، وإن أخذتهم، جاعوا، واشتكت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى:
{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: 2].
وذكر بعد ذلك الكفارة التي بيناها.
وقد عقد الفقهاء للظهار باباً مستقلاً، وأوردوا فيه ما يتعلق بالظهار من فروع.
والطلاق تحرمه الديانة المسيحية تحريماً باتاً، إلا إذا ثبتت الخيانة
(2/ 2/163)

الزوجية، فتفرق بين الزوجين تفريقاً جسدياً من غير طلاق، بمعنى: أنه لا يجوز لأحد منهما عقد زواج جديد. وهذا الحكم مأخوذ من "إنجيل متى" (5: 33)، ولكن لما قامت في أوربا النظم اللادينية، وانفصلت الدولة عن الكنيسة في التشريع، واعتبرت الزواج عقداً مدنياً لا يراعى فيه أي اعتبار ديني، أبيح الطلاق بحكم من القاضي؛ بناء على قضية يقيمها طلاب الطلاق من الزوجين.
وقد وضع القانون لهذا النوع من القضايا شروطاً عسيرة التنفيذ، تطيل زمن التقاضي، حتى يبلغ أحياناً بضع سنين، فإذا ثبت بعد هذا كله ضرورة الطلاق؛ للخيانة الزوجية، أو العقم، أو الضرر الشديد، حكم القاضي بالطلاق.
ولشدة هذه الشروط، وعسر التوصل إلى الطلاق، فشا بين الأوربيين أن يتفق الزوجان المتنازعان على الفراق، وسلوك كل منهما المسلك الذي يرتضيه من غير تقاضٍ، ولا إثبات طلاق، وفي هذا من الفساد ما نعيذ المسلمين من التعرض لأمثاله لو أخذوا بتقييد الطلاق.
وإن التقييد - مهما يسرت سبله - سيعرض الأسر لفضح الأسرار، وكشف الخطايا، والدين الإسلامي حريص على صيانة الحرم والأعراض. ولو اكتفى بأي بينة، لعاد الأمر إلى أسوأ مما يشتكى منه اليوم من كثرة حوادث الطلاق، فستلصق التهم بالأبرياء، وتقذف المحصنات الغافلات بما يندي له جبين الفضيلة، ويزعزع أركان الأخلاق.
ومن ذا الذي يقدم على زواج امرأة وقفت بين يدي القاضي، وقضى عليها بأنها سيئة العشرة، أو عقيم، بل ما هو أشنع من ذلك من الدعاوى؟!.
إن الأمر سيزداد تعقيداً ببقاء حوادث الطلاق كما هي، وإيجاد فريق
(2/ 2/164)

منبوذ من النساء يتضاعف عددهن كل عام، وهن المطلقات عن طريق القضاء.
فليعتبر بهذا من يريدون أن يقلدوا غير المسلمين حتى في الأمور التي ظهر فسادها، ونطقت الحكمة بتجنبها.
(2/ 2/165)

تعدد الزوجات في الإسلام (1)
كان العرب يعدّدون الزوجات قبل الإسلام إلى عشر نسوة فأكثر، ويسمون المرأة التي تكون مع أخرى في عصمة: (الضَّرَّة)، فيقولون: امرأة مُضِرٌّ؛ أي: ذات ضرائر، ورجل مُضِرٌّ؛ أي: زوج ضرائر.
ولما سافر أستاذنا أبو حاجب إلى إيطاليا، دخل المكتبة العربية بها، وتناول كتاباً به أمثال عربية من جملتها العبارة الآتية: كان العرب إذا خطبهم لاعب الشطرنج، منعوه، وقالوا: إنه - أي: الشطرنج - ضرّة ثانية.
وقال الشيخ المرتضى في "شرحه القاموس المحيط": وكره في الإسلام أن يقال: لها ضرة، بل يقال: جارة، وكذلك جاء في الحديث. وكره الإسلام هذه التسمية؛ مراعاةً لمعناها الأصلي، وهو أن كلاً منهما تسعى في مضرة الأخرى.
ولما جاء الإسلام، أباح للرجل أن يتزوج اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، إن أمِنَ من الجور بينهن، وإلا، وجب عليه أن يقتصر على واحدة، كما قال تعالى:
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الثامنة.
(2/ 2/166)

وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3].
أي: فلكل من يريد الجمع أن يتزوج من النساء باثنتين أو ثلاث أو أربم، سواء اتفق الأزواج في عدد زوجاتهن، أم اختلفوا، مع الشرط المذكور، وهو العدل بينهن.
وانعقد إجماع المسلمين من أهل السنّة، والظاهرية، والزيدية، والإباضية، والإمامية على إباحة ما صرّح به القرآن من الاثنتين والثلاث والأربع، فلم يقل أحد من المسلمين إنه لا يجوز التزوج بأربع أو ثلاث أو اثنتين.
وقرن الله بين العدل في اليتامى، والعدل في النساء؛ إشارة إلى أنهما مسألتان مهمتان في الحياة الاجتماعية، لا تصلح الحياة بالجور على اليتامى؛ كما أنها لا تصلح بالجور على الزوجات في عصمة واحدة، ففي كليهما يستطيع الرجل إذا خُفَي ونفسه أن يتصرف في مال بغير حق، فإن كان ولياً ليتيم، تصرف في ماله بسلطان الولاية، وإن كان زوجاً، تصرف في مال الزوجة بسلطان الزوجية.
وحاول بعض أهل العصر، بل زعم أن الإسلام لا يبيح تعدد الزوجات، فإنه شرط للتعدد العدل، ثم قال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، فنفى استطاعة الإنسان العدل الذي هو شرط للتعدد، فتبطل إباحة التعدد لبطلان شرطه.
ولو لم يرد في إباحة التعدد سوى هاتين الآيتين اللتين أوردهما المعاصر، لبيَّنَّا له المراد من العدل فيهما، وحسبنا ذلك، ولكن إباحة التعدد وردت في غير هاتين الآيتين من القرآن أيضاً، والحديث، وعمل السلف الصالح.
فقد قال الله تعالى عند ذكر المحرمات من النساء: {وَأَنْ تَجْمَعُوا
(2/ 2/167)

بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23].
فلو كان الجمع بين الزوجتين في عصمة واحدة ممنوعاً في الشريعة، لاكتفى به عن تحريم الجمع بين الأختين.
والعدل في الآية الأولى، أعني: قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] المراد منه: العدل في الإنفاق والكسوة والمبيت، والعدل في الآية الثانية، أعني: قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] يراد منه: العدل في محبة القلب، وما يتبعها من آثار لا يستطيع الإنسان أن يحترس منهاة كالنشاط لملابسة زوجة دون أخرى، بدليل قوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129].
وأما الحديث الصحيح، فقد نهى - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وهو في الدلالة على إباحة التعدد كقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]. فلو كان التعدد غير مباح، لاكتفى بمنع التعدد عن تحريم التزوج بالمرأة على عمتها أو خالتها.
ومنه ما روي في الصحيح: أن الرجل إذا تزوج بكراً، أقام عندها سبعاً، ثم قسم، وإذا تزوج ثيباً، أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم.
وروى أبو داود، والنسائي، والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث القَسْم بين الزوجات، والوعيد على الجور فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل".
وورد في الصحيح: أن الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعددون الزوجات، من ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخى بين سعد بن الربيع الأنصاري،
(2/ 2/168)

وعبد الرحمن بن عوف، فعرض سعد على عبد الرحمن أهله وماله، وقال له: انظر أيّ زوجتيّ شئت حتى أنزل لك عنها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على السوق.
وورد في الصحيح أيضاً: أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يتزوج بنت أبي جهل على فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - فأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بين بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله في عصمة.
فاستئذان علي - كرم الله وجهه - دليل على أن تعدد الزوجات مباح في الإسلام، وإنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - منصبٌّ على الجمع بين بنت رسول الله، وبنت عدو الله في عصمة.
وإلى مثل هذا يشير العارفون بمقام النبوة حين يقولون: لا يجوز للإنسان أن يأتي عملاً يتأذى منه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، وإن كان ذلك العمل في الأصل مباحاً.
وأما أعمال السلف الصالح، فقد روي في الصحيح: أن عبد الله بن جعفر جمع بين بنت علي - رضي الله عنه - وزوجة أبيها بعد وفاته.
وروي في الصحيح: أن الحسن بن الحسن بن علي جمع بين بنتي عم له في ليلة واحدة، وهما بنت عمر، وبنت محمد ابني علي.
والشواهد من هذا كثيرة لا يمكن إحصاؤها.
وخالف بعض من لا يعتد بخلافه، فاباح الزيادة على أربع، وزعم أن معنى مثنى ثلاث ورباع إباحة مجموع هذه الأعداد، وهو تسع. وهذا مردود بالنص؛ لأن المفهوم من الآية لا يفيد إباحة هذا الجمع، ولو كان ذلك مقصوداً، لقال: تسعاً، وكان ذلك أخصر وأبلغ، وعلى هذا النص انعقد الإجماع.
(2/ 2/169)

وتعدد أمهات المؤمنين، وبلوغهن إلى تسع زوجات هو خصوصية للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد بسط العلماء القول في حكمه السامية، وهي لكثرتها يستدعي التعرض لها مقالاً مستقلاً يتبع فيه بعضها بعضاً.
وقد عرف في أصول الشريعة: أن الشيء قد يكون فيه نفع، وتكون فيه مفسدة أعظم من النفع، فينهى عنه؛ كالخمر والقمار، قال تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219].
فنهى عنهما حيث غلب الإثم على النفع.
وقد يكون فيه ضرر، ونفعه أكبر من ضرره، فيأذن فيه؛ كالحرب فيها ضرر، وهو موت فريق من رجال الأمة، ولكن العزة والكرامة التي تنالها الأمة بعد الحرب أكبر من ضررها بدرجة قصوى، فأذن فيها.
ومن هذا الباب تعدد الزوجات، فيه ضرر على إحدى الزوجات بمشاركة الأخرى لها في الزوج، وفيه مصالح للزوج والأمة إذا روعي شرطه، وهو العدل بينهن.
فالإسلام أباح تعدد الزوجات على وجه الرخصة للرجل بدول طبعية واجتماعية، فقد تصاب الزوجة بمرض يمنع الزوج من ملابستها، أو تكون مصابة بعقم يمنع من النسل، وهو القصد الذي رمى إليه الشارع بالزول، ولتوثيق صلة الزوج بأسرة أخرى تظاهره وتعينه.
ثم إن الرجال على فرض مساواتهم للنساء في العدد، فإنهم يتعرضون لأخطار لا يتعرض لها النساء؛ من حرب، ونحوها، فينشأ عن ذلك أن يكون نساء خاليات من رجال يقومون عليهن، ويحفظون حرمهن، ويدفعون عنهن
(2/ 2/170)

قالة السوء. والمشاهدة تدل على زيادة النساء على الرجال.
وإذا وقع ظلم ممن عد عدّد الزوجات، فلعدم الثقافة الإسلامية، أو التهاون بها، فإذا كافح وليّ الأمر هذه الجهالة، أو التهاون بأحكام الدين، فأرى الناس حقائق دينهم وآدابه بالمعلمين الراشدين، والوعاظ المخلصين، صار تعدد الزوجات على قدر ما تدعو إليه المصلحة الظاهرة، ولا يقع لمجرد حظ النفس والانحطاط في أهوائها.
فالتعليم السليم، والعظات البالغة توجد عند الرجال من الأخلاق ما لا توجده المحاكم السائدة.
والعيوب التي يذكرها من يدعي ضرر التعدد إنما هي نتيجة الجهل بالتشريع، أو التهاون به، ولا شك أنها تزول بالتهذيب والموعظة، كما كان ذلك من العصور الزاهرة بالدين.
فالمنصفون من الناس - ولو من غير المسلمين - يعترفون أن الإذن في تعدد الزوجات مع مراعاة العدل بينهن ضروري في الأمة إذا أرادت أن تعيش في عفاف وعزة بكثرة نسلها، وصيانة أعراضها، وهذا ما توخاه الإسلام في إباحة تعدد الزوجات مع رعاية شروطه.
(2/ 2/171)

النظافة في الإسلام (1)
لما كان الإسلام ديناً عاماً لا يختص بقوم دون قوم، وديناً خالداً لا يختص بجيل دون آخر، أتى بكل ما فيه إصلاح الدارين: الأولى، والآخرة.
ومما فيه إصلاح الدارين: النظافة، قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "إن الله طيب يحب الطيب، ونظيف يحب النظافة، فنظفوا أفناءكم، ولا تشبهوا باليهود".
ونظافة الله كناية عن تنزهه عن سمات الحادث، وتعاليه عن كل نقص، وحبه النظافة في غيره كناية عن خلوص إيمانه، ونفي الشرك، ومجانبة الأهواء، ومنها: نظافة الجسم والملبس عن الحرام والشبه.
وفرض في اليوم والليلة خمس صلوات، وأوجب لها الوضوء، وهو أن تكون الأعضاء الظاهرة؛ كالوجه، واليدين، والرجلين مغسولة بالماء، مع مسح الرأس، واستحب المضمضة والاستنشاق، وأوجب إزالة ما كان نجساً، ونص على النجس؛ كالبول، والمني، ونحوهما، وما يجب منه الوضوء؛ كالبول، والنوم؛ كما هو مقرر في كتب الأحكام.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/172)

وأوجب الوضوء لغير الصلوات الخمس ونوافلها؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيد، وسجود التلاوة، والخسوف والكسوف.
وأذن للإنسان بأن يعيد الوضوء، وإن علم أنه متوضع. وشرع الوضوء لمجرد النوم، ففي الصحيح عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع".
وفي الحديث الصحيح عن مزايا الوضوء: أن الأمة يدعون يوم القيامة: الغرّ المحجلين من أثر الوضوء. والغرّ جمع أغر، وهو في الأصل: الفرس الذي في جبهته بياض. والمحجلين: جمع محجل، وهو في الأصل: الفرس الذي في ثلاث قوائم منه بياض، والمراد: معنى النور والكمال.
والحديث يشعر بأن المعاصي التي يكون مصدرها أعضاء الوضوء تمحى. وأشار بعضهم إلى هذا المعنى بقوله:
يارب أعضاء الوضوء عتقتها ... من عبدك الجاني وأنت الواقي
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى ... فامنن على الفاني بعتق الباقي
وقد أشار الشاعر إلى حكم فقهي، وهو: أن من كان له مملوك أعتق جزأه، فإن الإعتاق يسري إلى جميع الأجزاء، فيعتق عليه بكمال.
وفرض الشارع على المسلم - ذكراً أو أنثى - الغسلَ لجميع البدن، إذا خرج منه الماء في اليقظة، أو النوم. فإذا كانت امرأة، وجب عليها الغسل إن طهرت من الحيض والنفاس، وعلل الغسل في هذه الأحوال بأنها تجعل الإنسان في شيء من الكسل، وغسلُ جميع البدن بالماء يعيد له النشاط الذي كان عنده.
وسن الغسل في كل يوم جمعة؛ ليأتي المسجد وهو نظيف من كل
(2/ 2/173)

مكروه، وقد مدح أبو العلاء المعري في لزوميته الشريعة الإسلامية، وقال في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -:
وحثَّ على تطهير جسم وملبس ... وعاقب من قذف النساء الغوافل
وقد أمر الشارع باجتناب أشياء، ونهى عن الانتفاع بها؛ لقذارتها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وأمر بإزالة أشياء شأنها أن يتصل بها ما يتقزز منه؛ كقص الأظفار، وقص الشارب؛ بأن يحفي منه ما طال عن الشفة بحيث لا يتقزز منه الآكل أو الجالس معه.
وأمر بالسواك، وأن يكون متخذاً من عود الأراك ونحوه. فقال - عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عندكل صلاة".
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن استعمال الإناء الذي ولغ فيه كلب إلا بعد غسله مرات، وعلله بعض الفقهاء بنجاسة الكلب.
وعلله الجد ابن رشد في "مقدمته" بتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الأناء مريضاً بداء الكلب، فيخاف من ذلك السم، وأيده الحفيد صاحب "البداية".
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح - عن الشرب من فم السقاء؛ لأنه قد يخالط الماء من ريق الشارب ما يتقزز منه غيره.
ونهى - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح - القائمَ من النوم أن يُدخل يده في إناء الوضوء حتى يفرغ عليه الماء مرتين أو ثلاثاً.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التنفس في الإناء، والنفخ فيه، فقد يتغير الماء بما يتناوله فمه، ويتصل بالمعدة من مكروه.
(2/ 2/174)

وتمضمض النبي - صلى الله عليه وسلم - بالماء بعد أن شرب اللبن، وقال "إن له دسماً"، ويؤخذ من الحديث: أن من تناول ما له دسمٌ يتمضمض بعده.
ولما كانت رائحة فم الصائم تتغير بالصيام، فيتقزز منها صاحبها، أو من تصل إليه الرائحة، قال - عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح مادحاً لها من جهة أنها أثر عبادة، فقال: "لخلوفُ فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك". وكون الخلوف أطيبَ عند الله من ريح المسك كناية عن قبوله للصيام، ورضاه به.
فالإسلام اعتنى بالنظافة، وأعطاها من العناية ما تستحق.
قال صاحب "نفح الطيب": وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون، وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة في حالة تنبو العين عنها.
وأذكر بهذه المناسبة: أن الشاعر الصفاقسي المسمى: الغراب ترك عباءة له عند أحد أصحابه بتونس ليغسلها، ويرسلها له، فتأخر إرسالها، فأرسل له خطاباً يقول فيه: إذا فقد الماء من بلدكم والصابون، وهاد إليكم من بلدنا الجمالون، جاءك الماء مع الذين هادوا والصابون. واقتبس قوله: الذين هادوا والصابون من الآية:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} [الماندة: 69].
ومن عناية الإسلام بالنظافة: وجود الحمامات في بلاد الإسلام كلها؛ كقرطبة، وقد قيل: إن فيها سبع مائة، أو تسع مائة حمام.
وإن ما قلت هو الحمامات العامة، وهو ما يسميه صاحب "نفح الطيب"
(2/ 2/175)

المبرزة للناس، فإنها في مصر قليلة بالنظر لكثرة سكانها، وإنما قلت: الحمامات العامة لكثرة؛ حماماتها الخاصة، إذ قلما تجد بيتاً أو شقة خالية من حمام.
فلا يعتبر من الزهد في الإسلام لبس ثوب غير نظيف، ولا لبس مرقعة لا يراد بترقيعها استدامة الانتفاع بها.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: ما حكي عن عمر بن الخطاب من أنه كان يرقع ثيابه، إنما يفعله لاستدامة الانتفاع به، وذلك شعار الصالحين، حتى اتخذه المتصوفة شعاراً، فجعلته في الجديد، وليس بسنّة، وهو بدعة عظيمة. وإنما المقصود من الرقع: هو الانتفاع بالثوب.
(2/ 2/176)

العلوم في دائرة الإيمان (1)
الإيمان: معرفة الله بصفاته العلية، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويلزم من الإيمان: الإقرار بشريعة الله، وهي العلم بصحة الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنّة، والأصول المستنبطة منهما بالاجتهاد المُعْتَدِّ به، فمن أذعن لهذه الأحكام، واعتقد أنه مكلف باتباعها من الله -عَزَّ وَجَلَّ-، يُعَدُّ محافظاً على مركز دائرة الإيمان، ومن لم يؤمن بها، فقد أفسد مركز الدائرة، وأيّ دائرة يصح وضعها بغير مركز ثابت؟؟!!.
وعلم الأخلاق من صلب الدعوة، فالقرآن المجيد، والحديث النبوي عامران بمدح مكارمها، والدعوة إليها، وسيأتي الحديث عنها بسعة في مقال مستقل - إن شاء الله -.
والعلم بالأحكام، ومكارم الأخلاق، على الوجه الذي أمر به الشارع، موقوف على معرفة كيف كان العرب يستعملون اللفظ في المعاني التي يهمهم اطلاع المخاطب عليها؟.
والطريق إلى معرفة كيف يستعمل العرب الألفاظ في المعاني، هو: علم اللغة والنحو والصرف، وقد قام بها فريق يوثق بعلمهم وروايتهم،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة العاشرة.
(2/ 2/177)

فكانت هذه العلوم موصلة إلى الأحكام التي يتوقف الإيمان على الإذعان لها، وذو البصيرة يعرف من الشواهد التي تساق على المسألة المُصِيبَ من اللغويين والنحاة.
ولما كانت الشريعة عامة خالدة، جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعجزات شاهدها من حضر في عهد النبوة.
وأعظم هذه المعجزات باقٍ ميسَّر إدراكه لمن جاء بعده - صلى الله عليه وسلم -، وهو القرآن الكريم.
ومن هنا اعتنى العلماء بالبحث عن وجه إعجازه، ووضعوا علوم البلاغة التي هي: البيان، والبديع، والمعاني. فالبلاغة علومٌ اقتضى وضعها كمال الإيمان، ولما وليت التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية بالآستانة، قدموا لي ورقة لأكتب فيها شخصيتي، وما أميل إليه من العلوم أكثر من غيره، وجهة تخصصي العلمي، فكتبت أني مختص بعلوم البلاغة، وأصول الفقه الإسلامي، وكان بجانبي أحد علماء "شنقيط"، فقال لي: لِمَ زدت وصف (الإسلامي)؟ فلم يسعني إلا أن قلت له: كتبتها لزيادة الإيضاح؛ وقد سمعت من يسمي القوانين الوضعية: فقها، فيضعون بالطبيعة للقوانين الوضعية أصولاً، فتكون كلمة (الإسلامي) للاحتراز من غيره.
ولما كانت معرفة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تزيد في الإيمان قوة، ألّف فيها بعض العلماء كتباً خاصة؛ كما فعل القاضي عياض في كتاب "الشفاء"، وغيره، فكان علم السيرة من العلوم التي يزداد بها الإيمان كمالاً.
ولما كان علم التاريخ مما يزيد الإيمان طمانينة، والأخلاق حسناً، وأشار إليه القرآن الكريم بقوله: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5]، صار
(2/ 2/178)

من العلوم الداخلة في الإيمان، والمطلوب ممارستها.
وإنما يريد الشرع من المؤرخ أن يكتب ما شاهده بنفسه، أو تواتر عن غيره تواتراً صحيحاً، أو أخبره به الثقة الأمين، فلا يُدْخِلُ الكاتب في التاريخ ما يخبر به من ثبت أنه له اتجاهاً غير رشيد يريد ترويجه بين الناس.
وفي كتب التاريخ كذب كثير، سببه عدم تحري المؤرخ في الواقعة، أو يكون له اتجاه غير رشيد، فلنبحث عن نفسية كاتب التاريخ ونزعته قبل أن نقرأ ما يرويه من الوقائع، فقد قال بعض من يدّعي معرفة التاريخ قولاً يحط من كرامة بعض الأئمة، ولولا الثقات الكثيرون الذين اتصلوا بهؤلاء الأئمة، وشهدوا بأنهم يتقون الله، ويخافونه في السر والعلانية، لارتاب الناس في سيرتهم، ولم يأخذوا الشريعة المطهرة من أفواههم.
والطب يكفي شاهداً على أنه من العلوم الداخلة في دائرة الإيمان: فتوى الفقهاء بالاعتماد على إشارة الطبيب بضرر استعمال الماء في الطهارة، والعدول إلى التيمم، وضرر الصوم في رمضان، وإباحة الفطر في نهاره. وإنما يُنكر على الطبيب إن اعتقد أن الدواء هو الذي شفى المريض من المرض بذاته، لا أن الله جعل الدواء من سُنن الشفاء الكونية، ولو شاء، لعطله عن التأثير.
والكيمياء والطبيعة من علم سنن الله في الكون، فمن اعتقد أن الذي ربط سبباً بمسبب قادرٌ على أن يفصل بينهما بتعطيل السبب، وإيجاد سبب آخر؛ كمعجزات الأنبياء - عليهم السلام -، فهو متبع لسبيل المؤمنين.
ولما نزلت الشريعة لإصلاح النظام الاجتماعي حتى يستطيع الإنسان أن يعبد الله وهو مستنير القلب، مشروح الصدر، أذن له في تعلم ما تقتضيه
(2/ 2/179)

الحكمة، ويستقيم به النظام؛ كعلم الرياضة؛ من حساب وهندسة وجبر، وعلم الجغرافيا، وعلم الفلك؛ وقد قال بعض الأئمة: يجب على القاضي مراعاة الهندسة. وحكى قضية أخطأ فيها قاض جاهل بعلم الهندسة، وأصاب فيها قاض عارف بأصولها.
وقد شاع علم أصول الهندسة بين المسلمين، حتى أدخل بعض اصطلاحاتها أحد الشعراء في منظومته، فقال:
كأن فؤادي مركز لهم وهم ... محيط وأهوائي إليه خطوط
وعلم الجغرافيا غير خارج عن دائرة الإيمان؛ إذ فيه فوائد كثيرة.
وأخبرنا أستاذنا الشيخ سالم أبو حاجب: أنه لما سافر إلى الآستانة، سأله أحد قواد الجيش عن حكم تعلم الجغرافيا في الإسلام، فقال له الشيخ: واجب أن يتعلمه طائفة من المسلمين، فقال له القائد: إنه قيل لي: إنه يحرم دراسته، فقال له الشيخ: أنت كبير جماعة من الجيش، لو جاءك الإذن من الحاكم الأعلى أن تذهب بالجيش إلى بلد كذا لتقاتل أهلها، فإذا لم تكن عارفاً بالمسافة التي بينك وبين البلد، ولم تكن عارفاً بما يوجد في طريقك مما يحتاج إليه الجيش، ولم تكن عارفاً بحالة البلد الذي أمرت بمقاتلة أهله، لا يمكنك أن تعد للجيش العدة التي تجب له، وتلقي به في تهلكة؛ وهذا مثال يعطيك أن الإسلام يأذن بكل علم فيه مصلحة.
وسمعت أستاذنا الشيخ إسماعيل الصفائحي القاضي ينكر على من منع من تعلم الجغرافيا، ويقول: إن عمر بن الخطاب قال في وصيته لبعض قواد الجيش: "كونوا أعلم بأرض العدو منهم".
وتحدث أحد كبار الرجال عن بلد في قارة أوربا، ونسبها في الكتابة
(2/ 2/180)

إلى قارة أفريقية، فتندَّرَ به أناس شأنهم أن يتندروا بكل من يخطئ في العلم خطأ فاحشاً.
وعلم الفلك داخل في دائرة الإيمان، حتى قال بعض الأئمة: يعتمد ما يقوله الفلكي في ثبوت شهر الصوم، وفي مسائل دلت التجارب على صدقه فيها؛ كالخسوف، والكسوف.
وإنما ينكر الإسلام ما يقوله المنجمون عن توهم من غير دليل ثابت؛ كالذي أشار إليه أبو تمام في قصيدته:
وخوّفوا الناس من دَهْياءَ مُظْلِمَةٍ ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذَّنَبِ
بعد أن قال:
والعلمُ في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشُّهُبِ
والمنطق الذي دونت قواعده مستقلة به في تأليف، أو ذكرت معه الآراء الفلسفية، ورُدَّ على الزائف منها بأدلة كافية، غير خارج عن دائرة الإيمان.
وقد أصاب محمد بن عبد الكريم العقيلي في رده على من يقول بتحريم المنطق، إذا قال من أبيات:
وما المنطق المعنيّ إلا عبارة ... عن الحق أو تحقيقه عند جهله
أريني - هداك الله - منه قضية ... على غير هذا ننفها عن محله
والذكي المتنبه إن كتب أو خطب، يدرك الحد والقياس القائمين على صواب من نفسه، ولكن قراءة المنطق تفيد قليل الذكاء، وتسرع بالذكي إلى إدراك الصواب من الحد والقياس. وما المنطق إلا نتيجة تفكير أذكياء.
وعلم الحقوق: إن درسه إنسان ليزداد علماً بحكمة الشريعة، فقد
(2/ 2/181)

درس ما يزيده إيماناً، وإن درسه ليكثر سواد أهله، ويجاريهم في علومهم، فإلى الله إيابه، وعليه حسابه.
والعلم لا يزيد الإنسان رفعة، ولا يعطيه فضلاً، إلا إذا صاحَبه عمل محمود.
والتفكير والمشقة التي تحصل من مزاولة العلم لا تعد من وسائل الفضل عند الله إذا لم يصحبها قصد حسن.
وقد أصاب علماء البلاغة إذ قرروا في علمهم: أن العالم الذي لا يعمل بمقتضى علمه هو والجاهل سواء.
فيحسن إلقاء الخبر إليه، وإن علمه خالياً من التوكيد، كما يلقى إلى الجاهل، واستدلوا بقوله تعالى:
{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102].
فأثبت في صدر الآية لهم العلم بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}
ونفاه عنهم بقوله:
{لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
وخلاصة المقال: أن الإسلام يأذن في كل علم يزيد في الإيمان، أو يفيد في النظام الذي قصدت الشريعة إلى إقامته، وأن العلم لا يعد شرفاً بنفسه، وإنما يعد شرفاً إذا صحبه عمل صالح، أو اتجاه مستقيم.
(2/ 2/182)

الرفق بالضعفاء (1)
من أدب الإنسان وسمو أخلاقه: أن يرفق بالناس في أقواله وأفعاله. وبالرفق يمتاز عن بقية الأجسام الحية، ولما دعت عائشة - رضي الله عنها - على اليهودي الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: السام عليكم - والسام: الموت -، قال لها النبي - عليه الصلاة والسلام -: "مهلاً يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في كل شيء".
وأذكر في هذا النسق قوله تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
فقد دلت الآية على أن الدفع بالحسنى شأنه أن يجعل العدو كأنه ولي حميم. فما بالك بمن ليس في قلبه عداوة، أو في قلبه شيء من الود؛ فإن الحسنى تجعله موالياً، أو أصفى ولاء، وأعظمَ مودة. وبهذا الخلق العظيم فتح المسلمون تلك الممالك الطويلة العريضة في أقرب وقت.
ومن الرفق الذي يحبه الله: اللين في القول، وحسن المعاملة، ويتأكد الرفق إما بالضعفاء في أنفسهم، وهم من ليس لهم مال ولا عصبية ولا جاه. أو بالضعفاء بالنسبة لمن يتولى أمورهم، وتكون كلمته نافذة في تصرفهم؛
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة العاشرة.
(2/ 2/183)

كالمرؤوس بالنسبة إلى الرئيس. أما الصرامة، فمقتضياتها في الأمم المثقفة قليلة، وقلتها بحسب تفاوت الأمم في الثقافة، واستعمالها في موضعها مشعر بأن الرفق بالضعيف صادر من مكارم الأخلاق، لا من ضعف في الطبيعة.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المساكين؛ فيخاطبون بلطيف القول، ويعاملون بالتي هي أحسن، من غير مَنّ ولا استكثار.
قال تعالى:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8].
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحثّ على إخفاء الصدقة؛ كما ذكر في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وأخبرت وأنا في (ألمانيا): أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين المعونة من غير أن يعلموا من أين جاءتهم.
وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة؛ فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأيتام؛ فقد كان شأن آبائهم أن يقوموا بمآربهم، ولما فقدوهم، فقدوا الحنان الذي كان يسعى بحاجتهم، فأمر الله بالمحافظة على أموالهم إن كان لهم مال، قال تعالى:
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2].
وأمر بمخاطبتهم بالرفق، فقال تعالى:
(2/ 2/184)

{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)} [الضحى: 9].
وإطعامهم عند الحاجة، فقال تعالى:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا} [الإنسان: 8].
ووعد كافل اليتيم بالدرجة العالية في الجنة، فقال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بأصبعيه المسبّحة والوسطى.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الأسير، فإذا أخذ من المعركة، كان في إلانة القول له، ومعاملته في المطعم والملبس كأمثاله من الوطنيين.
وحكى لي الثقة بأن الدكتور (أنصاري الهندي) قال له: لقيت إنجليزياً في لندن أخذه أسيراً لجيش العثماني في واقعة - الدردنيل -، فأخذ يمدح الأتراك بحسن معاملتهم للأسرى، فقلت له: هي أخلاق الإسلام، لا أخلاق الأتراك وحدهم.
وأهديت له كتاباً فيه حقائق إسلامية، فلقيته بعد أيام مسلماً، وقال لي: النور الذي نبحث عنه الآن لقيته، وجد في جزيرة العرب منذ مئات من السنين.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المرؤوس بالنسبة إلى الرئيس الذي يأمره وينهاه، فيخاطبه بلين من القول، ويعامله بالحسنى؛ فيجد من طاعته ما لا يجده إن عامله بغطرسة وجفاء.
وأخبرني أستاذنا القاضي الشيخ (إسماعيل الصفائحي): أن صاحب تونس ولّى شخصاً رئاسة جماعة، فلم يجد منهم من الطاعة ما كان يظنه، فاشتكى إلى الأمير منهم، فقال له الأمير: أنا أعطي نصف الوظيفة فقط، ونصفها الآخر تعطيه أنت لنفسك؛ وهو معاملة المرؤوسين بما يستدعي
(2/ 2/185)

ائتلافهم وطاعتهم.
وذكر المؤرخون عن بعض كبار الرؤساء: أنهم يحسنون القول والعمل مع كل من واجههم. فانظر إلى ما كتب في ترجمة الوزير أبي بكر بن عبد العزيز الأندلسي؛ فقد قالوا: إنه كان يبتسم في مواضع القطوب، ويظهر الرضا في مواضع الغضب، ويجتهد ألا يخرج عنه أحد غير راض، وإن لم يستطع الفعل، عوض عنه القول.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: أهل البيت بالنسبة إلى رب البيت، فيخاطبهم باللين من القول، ويؤنسهم بما لا يخل بهيبته.
وانظر إلى ما قصه الله تعالى من موعظة لقمان - عليه السلام - لابنه - وكلها نصح وحنان -، منها قوله:
{يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 17 - 18].
وفي الحديث الصحيح: أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يراجعنه في الكلام، ويتقبل منهن ذلك؛ وكان رجال قريش لا يتقبلون مراجعة الكلام من نسائهم.
وفي الصحيح أيضاً: أن أنس بن مالك قال: "خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ ".
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: الغرباء، الذين يسمّون في عرف الشارع بأبناء السبيل، فإنهم لا يعرفون العادات الجارية في الناس، ولا يعرف الناس عنهم سوى أخلاقهم أو ثقافتهم، فإن راقتهم، قدروها قدرها، وإن لم ترقهم، ابتعدوا عنهم بقدر ما عرفوه من حالهم.
(2/ 2/186)

وروي: أن (أبا عبد الله المقري) كان في مجلس السلطان (أبا عنان)، فدخل نقيب الأشراف، فقام له السلطان ومن معه، ولم يقم له أبو عبد الله المقري، فاشتكى النقيب إلى السلطان، فقال السلطان: هذا وارد علينا، فنتركه على حاله حتى ينصرف.
وأذكر بهذه المناسبة: أني زرت السيد (عبد العزيز محمد) وزير الأوقاف سابقاً في منزله، فلقيت السيد (عزيز عزت) الذي كان سفيراً في "لندن"، وتولى مناصب كبيرة في القاهرة، فقال له السيد عبد العزيز: هذا (محمد الخضر حسين) وهو تونسي، فقال السيد عزيز عزت: الأجانب هم الذين اخترعوا: هذا تونسي، وهذا مصري، وهذا شامي، وربطوا ذلك بالوظائف؛ فالمسلم أينما حل، فذلك وطنه، وقد يكسر هذا القيد في بعض البلاد الإسلامية؛ كمصر، وسورية.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المدينون المعسرون بالنسبة إلى دائنيهم، فيطالبون بالمعروف؛ وينتظرون إلى زمن الميسرة، أو يتجاوز عنهم إن كان في الدائنين فضل.
وفي الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أُتيت بمعسر، فتجاوز عنه؛ لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه".
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: طلاب العلم بالنسبة لأستاذهم، فيقابلهم بوجه طليق، وقول لين، ويشجعهم على البحث في المسائل.
وكان شيخنا سالم أبو حاجب يحب من الطلبة البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، وبدعو للطالب بالفتح.
(2/ 2/187)

كنت يوماً في درسه الجامع البخاري، وقرر الشيخ الفرق بين صبر على كذا، وصبر عن كذا، فقال: صبرت على كذا؛ أي لازمته؛ فيقال: صبر على الطاعة. وصبرت عن كذا؛ أي: تركته؛ فيقال: صبرت عن المعصية؛ أي تركتها؛ فقلت له: قد ترك الشاعر هذا الفرق إذ قال:
والصبر يحمد في الأماكن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
فمقتضى هذا الفرق أن يقول: إلا عنك فإنه مذموم، فاغرورقت عيناه، وظهر على وجهه ابتهاج، ودعا لي بخير، ولم يسعه إلا أن يقول: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فالشاعر استعمل "على" موضع "عن"؛ كما قال الآخر:
إذا رَضِيتْ عليَّ بنو قشير ... لعمرُ الله يعجبني رضاها
فإن رضي يتعدى بحسب الأصل ب: "عن"؛ كما قال تعالى:
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119].
والمطالبة بالرفق وحب البحث تجري مع كل مدرس أينما كان، ويرفق بالمتعلمين، ويشجعهم على البحث، ويتوقع أن يصيروا رؤساء في بعض الأيام المقبلة، ويسوس الضعفاء بالرفق، والطغاة بالعزم.
ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المشتري بالنسبة إلى التاجر، فالمشتري مضطر إلى شراء المتاع الذي يحتاج إليه، والتاجر يتحكم في ثمن المبيع، فالرفق بالمشتري يدعوه إلى أن يذكر الثمن الذي فيه ربح عادل، ولما فسدت أخلاق كثير من التجار، وصاروا يرغبون في الربح الكثير، وقع التسعير فيما يحتاج إليه، وإنما يكون التسعير شرعياً إذا كان الثمن عادلاً، لا يضام فيه التاجر، ولا المشتري.
(2/ 2/188)

ومن الضعفاء الذين يتأكد الرفق بهم: المرضى، فيحسن من الطبيب - بعد أن يفحص المريض بجد، ويتحرى الدواء الناجع - أن يخفف عن المصاب بالقول اللين، ويخاطبه خطاب من يرجو له الشفاء، والطبيب الماهر يسره شفاء المرضى على يديه أكثر مما يدخره المترفون في خزائنهم.
حكي: أن الطبيب أبا علي بن جزلة كان يحمل لمن يعرفهم الأشربة والأدوية بغير عوض، ويتفقد الفقراء، ويحسن إليهم.
وأخلاق الأطباء في بلاد الإسلام كريمة، والأمل تأليف رسالة خاصة في أخلاق الأطباء، وحسن خدمتهم للإنسانية. ونحن نعلم يقيناً أن عادات الناس تختلف في نفسها، ولكن الأخلاق الكريمة لا تختلف في نفسها باختلاف المواطن والعصور.
فالضعيف محتاج إلى من يشد أزره بالرفق، والشارع يرغب في أن تكون درجات الضعفاء قريبة من درجات ذوي القوة، وإنما يقربون من ذوي القوة بالرفق والتراحم، وإنفاذُ رغبة الشارع أعلى هدف يرمي إليه الإنسان في هذه الحياة.
والرفق بالضعفاء يدعو الحاكم إلى أن يفكر في الطريق الموصلة له إلى حقهم.
والرفق في القضاء هو الذي حمل بكار بن قتيبة قاضي مصر على وعظ المدعى عليه إذا وجبت عليه يمين، ويتلو عليه قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 77].
(2/ 2/189)

الأدباء العلماء (1)
من الناس من يجيد الشعر، ولا يقصد للمباحث العلمية، وهم: الشعراء؛ كأبي تمام، والبحتري، وبشار، وابن هانئ، وغيرهم. وفيهم من يجيد الشعر، ويحرر المباحث العلمية، وهم الأدباء العلماء. وهؤلاء الأدباء العلماء هم الذين نشير إليهم في هذا المقال، فمنهم الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، ومرتبته في العلم والفتوى معروفة، وقد ذكروا في تاريخه: أنه كان يقول الشعر الجيد، وأورد له ابن خلكان في تاريخه شعراً يدل على أنه من الشعراء المجيدين.
وممن يجيد الشعر: القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، وقد جاء إلى مصر ومرّ بالمعرة فالتقى بأبي العلاء المعري، وقال أبو العلاء في حقه:
المالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضِّلِّيل إن شعرا
يريد بالملك الضليل: امرؤ القيس.
ومنهم: منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، فقد كان يقول الشعر الجيد،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الحادية عشرة.
(2/ 2/190)

ويحقق النظر فيما يصدر عن غيره من الشعر.
حكي: أنه أتى إلى مجلس أبي جعفر النحاس في مسجد بمصر، فوجده يشرح شعر قيس بن الملوّح (مجنون ليلى)، ومن جملته أبيات قال فيها:
قد اسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها
فقال له منذر: وماذا باتا يفعلان؟ فقال له أبو جعفر: وماذا تقول أنت يا أندلسي؟ فقال له: بانت وبان قرينها، فسكت أبو جعفر.
ومن الأدباء العلماء: يحيى بن يحيى الليثي: كان يقول الشعر المجيد، ويفهم لطائفه؛ فقد حكى في تاريخه: أنه سمع أبياتاً من الشعر، فاستلطفها، وكتبها على ظاهر كفه. قال حاكي القصة: فرأيته يكبر في الصلاة على جنازة، والأبيات على ظاهر كفه.
ومن أدباء العلماء: أبو الوليد الباجي، فقد أخذ علم الشريعة والفلسفة من الشرق، وكان يقول الشعر الجيد.
ومن شعره:
إذا كنت أعلم علم اليقين ... بأن حياتي جميعاً كساعةْ
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأصرفها في صلاح وطاعةْ
ومن أدباء العلماء: القاضي أحمد بن محمد الأرّجاني؛ فإنه كان عالماً كبيراً، وشاعراً مطبوعاً، ولذلك قال:
أنا أفقه الشعراء غير مدافع ... في العصر لا بل أشعر الفقهاء
ومن شعره: قوله في التحريض على الشورى:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر ... فالحق لا يخفى على الاثنين
(2/ 2/191)

والمرء مرآة تريه وجهه ... ويرى قفاه بجمع مرآتين
ومن أدباء العلماء: ابن دقيق العيد، فكان دقيق النظر في لطائف الشعر، وكان معجباً بقصيدة ابن خميس المغربي، يضعها في مجلسه، ويكثر مطالعتها. وكان شيخ شيوخنا المفتي الشيخ إبراهيم الرياحي من أدباء العلماء، يقصد في الفتوى، ويقول الشعر الجيد، أرسله ملك تونس إلى سلطان المغرب، فأنشد بين يدي السلطان قصيدة يقول في مطلعها:
إن عزّ من قبر النبي مزارُ ... فلنا بزورة نجله استبشار
وهنأه بقصيدة أخرى ضمّن فيها غنيمة وقعت للسلطان من البحر في اليوم الذي بلغ فيه السلطان تفسير قوله تعالى:
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنفال: 41] الآية، ومطلعها:
دلائل فضل الله فينا تُتَرْجِمُ ... وإن غفلت عنا طوائف نوّم
ومن أدباء العلماء: القاضي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، جدُّ صديقنا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، كان عالماً محققاً، وشاعراً عظيماً، ومن شعره قوله وهو يتكلم على الناقة عندما قصد الأمير الصادق من أمراء تونس:
ولاح لها من كاذب الفجر ما يبدو
فقلت لها: مهلاً وبالصادق ابشري
فقالت: أجل إن الأمير هو القصدُ
وممن لقيت من الأدباء العلماء: شيخنا الشيخ سالم أبو حاجب، فكان يقول الشعر، مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب. سافر مع
(2/ 2/192)

الوزير خير الدين التونسي إلى الآستانة، وخاطب السلطان بقصيدة، فأمر السلطان بإعطائه وساماً، وقال له المكلف بإعطاء الأوسمة: هذا وسام براتب، فأبى قبوله، وقال: إن من العيب عندنا أن يحمل العالم وساماً، فلما عاد إلى تونس، قال له ملك تونس: لو قبلتَ الوسام، لغضبت عليك؛ لأني كنت عرضت عليك مثل ذلك، فأبيتَ.
ومن أدباء العلماء: الشيخ المكي بن عزوز، فكان عالماً جليلاً، وأديباً كاملاً.
ومن شعره: قوله في أستاذه حين ختم كتاب "المواقف" دراسة:
إذا عمر بن الشيخ وافى لدرسه رس ... تعال التقط درّاً بملء جفان
وقال فيه لما تولى الفتوى:
بك جامع الزيتونة السامي غدا ... في العدّ لا يرضى بغير الخنصر
يريد: أن إصبع الخنصر أول الأصابع في العدّ والحساب.
ومن أدباء العلماء: الشيخ عبد الرحمن قراعة المفتي بمصر، فقد كان عالماً كبيراً، وأديباً بليغاً.
بعد ما قدمنا من الأمثلة لاجتماع العلم والأدب لطائفة من العلماء، يتبين أن الأدب معدود بين العلوم المطلوبة، والصفات المكملة للعالم، وقديماً كان في الناس من غالى في مدح الشعر، فقال:
ولولا خلال سنّها الشعر ما درى ... بغاةُ العلا من أين تؤتى المكارم
والأدب له أسلوبان: الشعر، والنثر الفني، فكل منهما يستعمل في الهزل والجد، غير أن الهزل على الشعر أغلب، وربما وجد في الشعر من
(2/ 2/193)

التذلل والتصاغر ما لا يوجد في النثر الفني؛ كقول بعضهم:
وما أنا إلا عبد نعمتك التي ... نسبت إليها دون أهلي ومعشري
ولهذا ذم الشعر من قال:
ولولا الشعر بالعلماء يُزري ... لكنت اليوم أشعرَ من لَبيد
والبيت ينسب للشافعي.
والحق أنه ليس من طبيعة الشعر أن يزري بالعلماء، ولا أن يكون قبيحاً، وإنما الشاعر هو الذي يهزل، أو يجد، وهو الذي يقبح، ويقول ما يزري أحياناً، ولذلك قال الشاعر:
وأحسن الشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا
والأدباء العلماء خدموا الإسلام خدمة لا يستهان بها، وكان بيانهم مترجماً عن تعاليم الإسلام وأحكامه، يقول أبو العلاء المعري في وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
وحثَّ على تطهير جسم وملبَسٍ ... وعاقب عن قذف النساء الغوافلِ
وحرّم خمراً خلت ألباب شربها ... من الطيش ألباب النعام الجوافلِ
فصلى عليه الله ما ذرّ شارق ... وما فت مسكاً ذكره في المحافل
وقد كان الشعر من جنود الله التي تقاتل في سبيله، وبث دعوته؛ كالذي فعله حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وغيرهما من شعراء الرسول في نصرة الإسلام.
وقد كان أدب العلماء الأدباء يمتاز بصفات تناسب سمعتهم وجدهم، فكان خالصاً للحكمة، والدعوة للفضائل والحق.
(2/ 2/194)

ومن خير الأدباء العلماء: القاضي عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصوصه"، وحسبك في وصفه والكشف عن أدبه أبياته التي يقول فيها:
يقولون لي: فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
يقولون: هذامورد، قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظِّما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تَجَهَّما
ومما يذكر في هذا المقام: فلسفة الشعراء، وفلسفة الحكماء، فالشاعر المتفلسف: هو الذي يغوص في المعاني اللطيفة، والتخيلات البديعة، وفلسفة الحكماء: هي نظريات عقلية ينتجها البحث العلمي. ولذلك لا تعد خطرات الشعراء من علوم الفلسفة. فلا يقال: فلسفة ابن هانئ، ولا فلسفة المتنبي؛ كما يقال: فلسفة أرسطو وأفلاطون.
وخير ما أختم به بيتان لمفتي الموصل الشيخ حبيب الله، وهو من أدباء العلماء، وقد اقترح على بعض أدباء الشام تشطيرهما، وهي مع التشطير:
(سيد الرسل ومن بعثتُه) ... سطعت فانقلب الليل نهارا
سُلبت أمتك العزَّ وكم ... (كست الكونَ بهاء وفخارا)
(قم إلى النور الذي جئت به) ... والورى في غسق الجهل حيارى
تلق نار الغيّ تسطو حوله ... (أفترضى أن يكون النور نارا؟)
(2/ 2/195)

زينة الإنسان حسن السَّمت (1)
خلق الله الإنسان، وجعله خليفة له في الأرض، وأودع فيه العقل والفهم؛ ليدل الناس على معرفته، ويبين لهم الأحكام التي يوحي بها إليهم، ويجريها عليهم إذا اختلفوا، وأرسل الأنبياء - عليهم السلام - مُثلاً علية، وأكملُهم - صلى الله عليه وسلم -، فكان الإمام الأعظم الذي يقتدى بأقواله وأفعاله التي منها: حسن السمت (2).
وحسن سمت الإنسان: ألا ينحط في الهزل والمجون، وألا يرتكب ما يستهجنه الناس من أمثاله؛ كالأكل في الطريق العام، مع التزامه فعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه.
وتركه لما يستهجنه الناس في عاداتهم يجعله الفقهاء مروءة، وقد زادوا في تعريف الشهادة - كما سبق لنا بيانه في بعض المقالات -: مراعاة الشاهد للمروءة، وفسروها بأن لا يفعل الإنسان ما يُستهجن في العادة، وهو المراد بقولهم في القاعدة المعروفة: "العادة محكَّمةَ"، والفرق بين ما يستهجنه الناس، وبين ما ينهى عنه الشارع من أول الأمر على وجه الكراهة أو الحرمة: أن ما ينهى عنه الشارع تكون المفسدة كبيرة أو صغيرة في نفس الفعل، أما
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة العاشرة.
(2) السمت: الطريقة، وهيئة أهل الخير.
(2/ 2/196)

الذي يعد اجتنابه من المروءة، فيكون النهي عنه من جهة استقباح الناس له فقط، ولهذا يقول الفقهاء: إنه يختلف باختلاف المواطن والأزمان؛ مثل: كشف الرأس؛ فإنه كان يخالف المروءة في الشرق، ولا يخالفها في بلاد الغرب.
ومن حسن سمت الرجل: أن يلبس ملابس أمثاله في البلد الذي استوطنه، ولم نر في التاريخ أن قاضياً يخالف لبس القضاة إلا ابن بشير؛ فقد كان قاضياً في قرطبة، ولا يلبس لبس القضاة. ومن يحافظ على لبس وطنه، أو اللبس الذي نشأ فيه مما لا يستهجنه الناس، نتركه وشأنه؛ فإن الإنسان يصعب عليه أن يغير الملبس الذي نشأ فيه.
وقد حكى المؤرخون: أن أبا العباس الميكالي طلب منه أن يتقلد ديوان الرسائل، فاشترط أن يبقى بلبسه المعتاد له، فأخبر السلطان بذلك، فرضي بشرطه، فكان يجلس بالديوان متعمماً متطلساً، ويؤتى له بالرسائل، فيقضي فيها بما يقتضيه العلم.
ولا يخرج عن حسن السمت المزح القليل الصادق؛ فإن فيه ترويحاً للنفس، وأنساً للجليس، وكان - صلى الله عليه وسلم - وهو الإمام الأعظم - يمزح نادراً، ولا يقول إلا حقاً.
وروى المؤرخون: أن منذر بن سعيد البلوطي - مع ما أحيط به من الوقار - كان يمزح قليلاً.
وحكى المؤرخون أيضاً عن القاضي شريح بن الحارث، وكان قد استقضاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على الكوفة: أنه كان يمزح حتى في مجلس القضاء مع الخصوم.
(2/ 2/197)

وقد يقول المؤرخون بعد أن يصفوا العالم بالزهد والصلاح: وكان رقيق الطبع في النادرة، فلا يردها إذا أمكنته.
وبقدر محافظة الإنسان على حسن السمت تكون مهابته في قلوب الناس.
ومن حسن السمت: ألا يفر المرء من صف القتال خوفاً من الموت؛ فإن الفار من صف القتال يعد من قبيل الجبناء الذين يحبون الحياة على أي حال، ويؤثرونها على الموت في سبيل الدعوة إلى الحق، وعوتب أحد الكبار عن فراره من وجه العدو، فاعتذر بأنه فرّ من الأسر وما يلحقه فيه من الإهانة، ولو علم أنه يموت في صف القتال، لما فر، وهذه الدعوى ربما تقبل من شجاع معروف لا يهاب الموت.
وقال بعض اليهود للمسلمين يعاتبونهم على الجولة التي وقعت لهم في غزوة أحد: إنكم فررتم يوم أحد، فقال له المسلم: ولكن رسول الله لم يفر.
وواقعة أحد لله فيها حكمة، وقد ذكرها الكتاب المجيد، وفصلتها السيرة أحسن تفصيل.
والعامة والخاصة من الناس يرون أن العالم الذي خالف الشريعة قد اختل سمته، ومن رضي منهم أن يموت في السجن، ولا يخالف الشريعة بما يطلب منه، فقد حافظ على حسن سمته الذي أمره الله بالمحافظة عليه.
ويرى الذين ضربوا أو سجنوا؛ كمالك بن أنس، وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهما -: أن السجن أو الضرب لا يمس حسن السمت، ويرى أناس: أنه إهانة لهم؛ إذ هو يخالف هيبتهم التي يحملها الناس لهم.
ويرى سائر الناس: أن تحمل الأذى، والصبر على المكاره يزيد في
(2/ 2/198)

حسن سمتهم.
وقال المؤرخون: لم يزل مالك بعد ذلك الضرب في علو ورفعة؛ كأنما كانت تلك السياط حلياً حُلّي به. وكذلك أحمد بن حنبل كان ما وقع له من الضرب والسجن في التاريخ ذكراً مجيداً، وكانت هيبته عند الناس فوق ما يقتضيه علمه وروايته.
روي أن عالمين دخلا على ملك جالس على بساط من حرير، أما أحدهما، فأخذ يطوي البساط من جهته حتى وصل إلى الملك، وأما الآخر، فقد داس على البساط، وفرش رداء عندما وصل إلى الملك، وجلس عليه، وقد رأوا أن جلوسهما على بساط من حرير يخل بسمتهما، وينافي كرامتهما عند الله، وعند الملك وحاشيته.
وكان أستاذنا الشيخ محمد المكي بن عزوز (1) يدرس لنا في جامع القصر بتونس شرح ابن هشام لقصيدة كعب بن زهير في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن جملتها أبيات غزلية، وكان الشيخ يشرح الأبيات الغزلية، فدخل جماعة من العامة، وجلسوا بالحلقة، فخشي الشيخ أن ينكروا عليه شرح الأبيات الغزلية، فانتقل في الحال إلى حديث زاهر - رضي الله عنه - ودخول النبي - صلى الله عليه وسلم - السوق، وزاهر يبيع شيئاً أمامه، والقصيدة بأبياتها الغزلية مقطوعة السند عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن ألغى أحكام الشريعة، وأتى عوضها بقانون وضعي، فقد خرج بالقضاة عن سمتهم المهيب.
وقد يخرج الإنسان على حسن السمت بالقول؛ كمن ينطق الفحشاء،
__________
(1) خال الإمام.
(2/ 2/199)

ويذكر العورات بأسمائها.
قال أنس كما في الصحيح: "ولم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً"، ومعناه: لم يكن رسول الله ينطق بالفحشاء، ولا متكلفاً النطق به؛ أي: لم يكن الفحش خلقاً له، ولا مكتسباً.
وللأدباء في الكناية والمجاز مندوحة من الخروج على حسن السمت بالقول إذا اضطروا إلى ذلك، ووردت في القرآن الكريم ألفاظ كانت في عهد نزوله مجازات، ثم صار الناس بحسب العرف يستعملونها في المعنى المجازي، وهذا لا ينافي أن القرآن الكريم لا يستعمل هذه الألفاظ إلا على وجه المجاز.
(2/ 2/200)

المنافقون في عهد النبوة والملاحدة بعده (1)
لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وصار للمؤمنين قوة من المهاجرين والأنصار، ظهرت طائفة المنافقين.
والنفاق: إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر، فصار المنتمون إلى الإسلام طائفتين: طائفة مؤمنة، وطائفة منافقة، ويزداد عدد المنافقين بحسب رسوخ قدم الإسلام في المدينة، حتى إن واقعة بدر التي كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة لم يحضرها منافق غير عبد الله بن أبي ابن سلول.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف بعض المنافقين، ولا يعرف بعضاً؛ كما قال تعالى:
{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101].
ثم نزل قوله تعالى:
{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30].
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف أن المتكلم منافق من لحن قوله؛ أي: فحواه.
والفحوى: ما يفهم من لفظ الإنسان من غير تصريح به.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل المنافقين في جماعة المسلمين، ولا يقتلهم، مع علمه بأنهم غير مسلمين؛ اتقاء أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه،
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة التاسعة.
(2/ 2/201)

حتى إن الله نهاه - عليه الصلاة والسلام - أن يصلي عليهم إذا ماتوا، ولا يزور قبورهم، ولم يأمره بقتلهم، فقال تعالى:
{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84].
ونتج عن قبوله لهم: أن ذا الفطرة الغريبة من الحق؛ لكثرة اطلاعه على سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، عرف أن الإسلام دعوة إلى الحق، فيدخل فيه حقيقة.
ونتج عن قبوله لهم: أنه خرج من أصلابهم من أخلصوا في إسلامهم، وكان لهم مزايا في نصرة الإسلام كثيرة، ولأنهم كثروا سواد المسلمين في نظر المشركين.
وقال تعالى:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73].
فمجاهدة الكافر المحارب بالحجة والسيف، ومجاهدة المنافق بالحجة والموعظة الحسنة.
وذكر - عليه الصلاة والسلام - علامات النفاق بقوله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ائتمن خان"، وزاد في "صحيح مسلم": "وإذا خاصم فجر"، فالمنافق إذا حدث، لا يبالي أن يكذب، وإذا عاهد، لا يبالي أن يغدر، وإذا ائتمن، لا ييالي أن يخون، وإذا خاصم، لا يبالي أن يفجر.
وذكر الله المنافقين في كتابه الكريم، ووصفهم بأنهم يكذبون، والكذب هو الباب الذي يدخلون به في أرض النفاق، قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8].
(2/ 2/202)

وأشار تعالى إلى بعض المنافقين بالكذب، فقال:
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].
ويزيد المنافقين على معصية الكذب: معصية الحلف على ما يقولونه كذباً، قال الله تعالى:
{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107].
ووصفهم بأنهم إذا عاهدوا، نكثوا عهدهم، فقال تعالى:
{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 75 - 76].
ووصفهم بأنهم يخونون من ائتمنهم، فقال تعالى:
{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74].
وقد نزلت هذه الآية في طائفة من المنافقين تحدثوا عند رجوعهم من تبوك باغتيال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما يصلون إلى العقبة، فأُخبر النبي بذلك، فتحفَّظ منهم.
ومن خيانتهم إذا ائتمنوا: أن جماعة من المنافقين جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وطلبوا منه الإذن في السكنى خارج المدينة، فأعطاهم إبلاً وراعياً، فقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم، بعث من أدركهم، وافتكَّ منهم الإبل، وفعل معهم ما فعلوه مع الراعي.
ومن فجورهم في الخصام: أن منافقاً ويهودياً تخاصما، فطلب اليهودي رفع القضية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطلب المنافق رفعها إلى كعب بن الأشرف، ورفعت إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام -، فحكم فيها العدل، فلم
(2/ 2/203)

يرتض المنافق حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل الله تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].
ووصف الله