Advertisement

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين 001



الكتاب: موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين
المؤلف: الإمام محمد الخضر حسين (المتوفى: 1377 ه)
جمعها وضبطها: المحامي علي الرضا الحسيني
الناشر: دار النوادر، سوريا
الطبعة: الأولى، 1431 ه - 2010 م
عدد الأجزاء: 15
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

جَمَعَهَا وضَبَطها ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(مقدمة/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(مقدمة/2)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
لِلإمَامِ مُحَمّدْ الخَضْرِ حُسَيْنٌ
(مقدمة/3)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(مقدمة/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تصْدير الموْسوعة
الحمد لله تعالى على ما هدى، والصلاةُ والسلام على نبينا محمد نور الحقِّ والهدى، وعلى آله وصحبه ومن اقتدى:
يحدثنا لسانُ التاريخ الإسلامي المعاصر - وهو صادقٌ أمين فيما يتحدّث به -: أنّ الإمامَ محمد الخَضِر حسين عَلَمٌ من أعلام الإسلام، عمل فأجاد وأفاد، وجاهد فانتصر، وغرس فحصد، وأنتج فيضاً زاخراً مباركاً من العلوم التي ضَمَّتها هذه الموسوعة، والتي أطلقنا عليها اسم: (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وعالم بلاد المغرب) - رحمه الله تعالى -.
ولا يستقيم القول عن رجلٍ: إنه من عظماء الإسلام، ما لم تكن بين أيدينا حجةٌ تبرر هذا القول، وبرهانٌ تدعمُهُ الوقائعُ، وإلا، فإنه كالناطقِ عن هوى، والخائض في الغَيِّ.
وقد نَهَجَتِ الموسوعاتُ العلميةُ الكُبرى أن تذكر في مطالعها لمحاتٍ - موجزةً أو مطوّلة - عن المؤلِّف، والمؤلَّف، والمحتوى، وهو منهاج حسن.
ومن هذا المنطلق، وخدمة للمكتبة الإسلامية، والسعي المخلص لإثرائها بالكتب القيِّمة للإمام محمد الخضر حسين التي تُطبع لأول مرة في موسوعة منسّقة، مرتبة، أنيقة، حوت أعمالَه الكاملة التي وصل إليها التحقيقُ
(مقدمة/5)

والبحث حتى اليوم.
يَسُرُّ (دار النوادر)، وتبتهجُ بهذا الإنجاز العلمي الذي طالما تطلع إليه المغربُ الإسلامي مع المشرق الإسلامي، وبعد طول انتظارٍ وترقُّب وإلحاحٍ من المؤسسات الفكرية والعلمية، سواء الدينية منها والأدبية، ومن قِبَلِ الأفراد والجماعات الذين يهتمون بعظماء أممهم، ويفاخرون ويباهون في الحديث عنهم بنواديهم ومجالسهم ومعاهدهم وجامعاتهم، ووسائل إعلامهم.
هذه الموسوعة التي يجد فيها الباحث والدارس والمحقق والكاتب وطالبُ المعرفة والقارئ طِلْبَته ومُبتغاه في كل علم من العلوم التي أتاها الإمام من أبوابها الواسعة، فهو حَوْضٌ يُسقى من عذب فراته، ويصدر عنه الوارد مُرتوياً من مَعينه الخالص.
وإذا رغبنا - في هذه المقدمة - أن نَعرض ترجمة لحياته، وجدنا أنفسنا أمام (بحرٍ لا ساحلَ له (1))، ولا ندري من أين نغوص؟ وكيف نلتقط الدرر، ولاحتاجَ الأمرُ إلى كتابة الأسفار.
كيف نقدمه، وماذا ندوِّن من صفاته، ونسطِّر من أعماله، ونقدِّم جواهر كتبه وآثاره؟.
ونتساءل: هل تفي هذه المقدمة في تصوير المشهد الذي نَنْشُد تِبيانه في مطلع هذه الموسوعة؟ كلا.
إنه طراز نادر من العلماء المجاهدين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله
__________
(1) كما جاء على لسان فضيلة الشيخ عبد المجيد اللّبان، رئيس اللجنة عندما تقدم الإمام لنيل عضوية (هيئة كبار العلماء) بكتابه "القياس في اللغة العربية".
(مقدمة/6)

عليه، وإنه من عظماء الإسلام، كلما كتبتَ عنهم، وخُضْتَ في سيرتهم، وعرضتَ مآثرهم وآثارهم، وأسعدتَ البصائر والعقول والقلوب ببحوثهم وآرائهم ودراستهم، قال لك القلم: هل من مزيد؟
إن أطلقتَ عليه صفةَ: الإمام المفسر، الإمام المحدّث، الإمام الزيتوني، الإمام القاضي، الإمام المجاهد، الإمام الخطيب، الإمام المحاضر، الإمام المصلح، الإمام اللغوي، الإمام الرحالة، الإمام الأديب، الإمام الشاعر، الإمام الناقض والناقد، وإمام مشيخة الأزهر، وجدت كل وصف من هذه الأوصاف العلمية ملازماً له حقاً وصدقاً، وقد أنصفتَ فيما وصفت، لا سيما بعد أن تطالع كافة آثاره العلمية.
لا نكتب هذا من باب الإنشاء والمبالغة في البلاغة والبيان، وتزيين المقدمة بكلمات تثير كوامن الإنسان، إنما ندع القارئ وجهاً لوجه أمام هذه المواهب المتعددة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - فيه؛ ليستخلص منها المنزلة التي وصل إليها هذا الإمام.
أجمع معاصروه وتلامذته ودارسوه من بعده على تقواه وصلاحه، وغزارة علمه ومعارفه، ومكارم أخلاقه، وطهارة سريرته، وأنه أوقف حياته بليلها ونهارها لخدمة الإسلام، ويدلنا على هذا الأمر: إنتاجه الغزير، وعطاؤه الوفير، وسيرته العطرة، وهذه التآليف المتعددة في اختصاصها وفنونها، وصدقها وأمانتها.
صرفَ اهتمامه إلى علوم الشريعة واللغة والأدب، فاعتنى بالتفسير والحديث والفتاوى والأحكام، وتحدث عن أبطال الإسلام، وترجم لهم، وفي المقدمة: سيرةُ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وسيرة السلف الصالح - رضي الله عنهم -.
(مقدمة/7)

اتخذ القرآنَ الكريم إماماً، والسنة النبوية قدوة، وفي هذا السبيل كانت رحلة حياته المباركة. اتخذ من الآية الكريمة: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16]، سبيلَه وطريقَه المستقيم طوالَ عمره.
وجد في الكتاب المبين دُستوراً حكيماً عادلاً للناس كافة، إذا اتبعوه، سلموا في الدنيا والآخرة، وإن تركوه، خسروا الحياتين.
ووجد في النور المحمديِّ الذي سرى ضياؤه في الشرق والغرب، وأنقذ العالم من ظلمات الشرك والجهالة والفوضى إلى نور الإيمان والعلم والنظام، المثلَ الأعلى للهدى والهداية، والرشد والإرشاد.
ترى الإمام محمد الخضر حسين وضع نُصْبَ عينيه هاتين النعمتين العظيمتين، اللتين منَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- بهما على عباده: - القرآن الكريم، وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وعلى هديهما توكَّل على الله -عَزَّ وَجَلَّ- في رحلة الإيمان، بدءاً من مدينة "نفطة" مكان ولادته، وانتهاء إلى "القاهرة"، وإمامته مشيخة الأزهر، ومن بَعْدُ انتقالُه إلى الرفيق الأعلى.
كان توجهه إلى المؤمن في عبادته، وهداية للضال في عقيدته، والإرشاد للعامل في عمله، والراعي في بيته، والموسَّع عليه فيما أنعم الله به عليه، والقاضي على مِنَصَّة قضائه، والحاكم في مَنْصِبه ومسؤوليته، وزعماء الأمة أن يخلصوا في الأمانة التي حملوها.
ولئن نهجت الأقلامُ في المقدمات أن تذكر نسب ولقب وكنية المترجَم،
(مقدمة/8)

ومولده ونشأته، ودراسته وشيوخه، ومؤلفاته وتلاميذه، ومكانته العلمية، وآراء العلماء فيه، ثم وفاته، فالأجدرُ بنا أن نضع لمحاتٍ سريعةً في سيرة الإمام، مع الإشارة إلى البحوث القيمة التي وردت في الكتب الموجودة في خاتمة هذه الموسوعة، والتي أعطت صورة عن الإمام وسيرته وتراثه.
(مقدمة/9)

ترجمَة الإمام محمّد الخضْر حسين
* الإمام - مولده ونشأته:
في واحة النخيل "نفطة" في الجنوب التونسي، وفي هذه المدينة الوادعة، الهادئة، الرائعة، والتي عرفت من قديم عصرها ب "الكوفة الصغرى"؛ لما احتوته من علماء وأدباء وشعراء، وحتى يوم الناس هذا.
ولد الإمام محمد الخضر حسين (يوم 26 رجب 1293 ه - 21 جويلية تموز 1873 م) في عائلة علم وأدب، وشهرة وورع.
والدُه الشيخُ الحسين بن علي بن عمر (1)، المعروف والمشهود له بالتقى والصلاح والزهد.
ووالدتهُ السيدة حليمةُ السعدية بنتُ الشيخ مصطفى بن عزوز (2).
وخاله العلامة الأجلُّ محمد المكي بن عزوز (3).
وكلُّ من هذه الأسماء شُهُب ساطعة في سماء العلم والمعرفة، تتناقلها
__________
(1) انظر كتاب: "زاوية علي بن عمر" لعلي الرضا الحسيني.
(2) انظر كتاب: "زاوية مصطفى بن عزوز"، وكتاب: "أعلام زاوية مصطفى بن عزوز" لعلي الرضا الحسيني.
(3) انظر كتاب: "محمد المكي بن عزوز - حياته وآثار" لعلي الرضا الحسيني.
(مقدمة/11)

الألسن في تونس والجزائر خاصة بالثناء والإكبار والاحترام.
في هذه الدوحة الطاهرة نشأ وترعرع، وتلقى علومه في سنواته الأولى عن والدته السيدة حليمة التي عُرفت بعلمها وتقواها.
وحفظ القرآن من صغره على يد شيخه عبد الحفيظ اللموشي، كما كان لخاله العلامة محمد المكي بن عزوز الفضلُ في تعليمه وتثقيفه، والعنايةِ به عناية خاصة.
يقول الإمام في مقدمة ديوانه "خواطر الحياة": "نشأت في بلدة من بلاد الجريد يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحاتٌ تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم مَنْ يقول الشعر، فتذوقتُ طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثامنةَ عشرةَ نظمَ الشعر".

* الإمام في مدينة تونس:
في سن الثالثةَ عشرةَ من عمره انتقلت عائلته من "نفطة" إلى مدينة "تونس" في أواخر سنة (1306 ه - 1886 م). وانضم إلى (جامع الزيتونة) (1) طالباً للعلم، وهذا هو السبب في انتقال الأسرة إلى العاصمة.
ويُعَدُّ (جامع الزيتونة) في تونس مثل (الجامع الأزهر) في القاهرة، و (جامع القرويين) في المغرب؛ من جهة تهيئة الطالب دينياً وعلمياً وخلقياً إلى أعلى منزلة ومرتبة يصل إليها.
ومن شيوخه في الجامع الأعظم (جامع الزيتونة): خاله الشيخ محمد
__________
(1) وفق ما جاء في (دفتر شهادات التلامذة) أنه اتصل بصاحبه في أوائل شهر رجب سنة 1307 ه.
(مقدمة/12)

المكي بن عزوز، ومحمد البشير الفورتي، ومحمد الشريف، ومحمد صالح الشريف، وأحمد بو خريص، ومحمد العزيز الوزير، وإسماعيل الصفايحي، وعلي الشنوفي، ومصطفى بن خليل، ومصطفى رضوان، وحسين بن حمد، ومحمد جعيط، ومحمد النجار، وأحمد بن مراد، وعمر بن الشيخ، وسالم بو حاجب، وغيرهم.
وحصل على شهادة التطويع (1) يوم الأحد 14 من صفر الخير عام 1316 ه.
أما الشيوخ الذين كان لهم الأثر الأكبر في حياته - كما يقول الإمام بنفسه - فهم: خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، وسالم بوحاجب، وعمر ابن الشيخ، وقد نوَّه في كثير من مقالاته إلى هذا الأثر والفضل.

* الإمام في دمشق:
هاجرت أسرة الإمام محمد الخضر حسين إلى دمشق سنة (1329 ه - 1911 م)، والتحق بها في (4 شعبان 1330 ه - 18 جويلية تموز 1912 م)، ودامت رحلته (2) مدة أربعة أشهر، وستة أيام، وعاد إلى تونس في 24 نوفمبر تشرين الثاني 1912 م، وأقام فيها مدة زاول خلالها نشاطه الثقافي، ولم تطب له الإقامة مجدداً؛ لظروف عديدة، فقرر الانتقال نهائياً إلى دمشق في شهر ديسمبر كانون الأول 1912 م، وكانت سنّه تُناهز الأربعين، وتكونت شخصيته من حيثُ العلمُ والمعرفة، وسبقته شهرته إلى دمشق، فاستُقبل بها بالتكريم والتقدير.
__________
(1) وهي الشهادة التي تمكن حاملها من التطوع لإلقاء الدروس في جامع الزيتونة، كما تؤهله للقيام بوظائف علمية ودينية.
(2) دوّن هذه الرحلة، وسماها: "خلاصة الرحلة الشرقية" انظر كتاب: "الرحلات".
(مقدمة/13)

امتدت إقامته في دمشق من سنة 1912 إلى 1920 م، وتمثلت هذه الفترة في حياة الإمام بكرة الترحال والتنقل في العالم العربي وبعض البلدان الأوربية.
كما نجده شعلة متوقدة من النشاط والإقبال على تحقيق رسالته التي اختطها لنفسه في خدمة الإسلام، والعمل في ميادينه الشتى التي يرتاح لها ضميره، وتطمئن بها سريرته، ويرضي بها ربه ودينه.
ومن خلال إقامته في دمشق تبرز لنا ثلاث ومضات:
أ - نشاطه العلمي الغزير، ومكانته الرفيعة لدى أهل العلم.
ب - سجنه في معتقل جمال باشا.
ج - جهاده في ألمانيا.

* الإمام ونشاطه العلمي في دمشق:
يتجسد نشاطه العلمي بالعلاقات الوثيقة مع كبار العلماء والأدباء والمفكرين، ومنهم: محمد كرد علي، ومحمد بهجة البيطار، وخليل مردم بك، وخير الدين الزركلي، وغيرهم، وعضويته في (المجمع العلمي العربي)، والتدريس في (المدرسة السلطانية)، ومحاضراته ودروسه الدينية في المسجد الأموي، والنوادي الأدبية.
يقول الإمام في رسالة له من دمشق إلى الشيخ محمد صادق النيفر بتونس: "أما سيرتنا بدمشق، فلم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهو أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم، وبالجملة: فقد لقيتُ منهم أخلاقاً حسنة، وآداباً مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا، ومعجبون بمسلكنا في التعليم" (1).
__________
(1) كتاب "من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين، رسائل الخضر".
(مقدمة/14)

ومن الدلائل الباهرة التي تدل على مكانة الإمام في قلوب رجال الفكر والأدب بدمشق: أنه عندما اعتزم على الارتحال من دمشق إلى القاهرة، كتب له شاعر الشام الكبير خليل مردم بك ووزير خارجية سورية، ورئيس المجمع العلمي العربي كتاباً رقيقاً قال فيه: "سيدي! إن خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي إلى الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، فقد صحبتُ الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسانَ العامل الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط النفسَ على ظَفَرها بهذا الكنز الثمين، حتى فاجأني خبرُ رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: (بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل) " (1).

* الإمام في معتقل جمال باشا:
اعتُقلَ الإمام مدة ستة أشهر وأربعةَ عشرَ يوماً في شهر رمضان سنة (1334 ه - 15 أوت آب 1916 م)، وحتى الرابع من شهر ربيع الثاني 1335 ه، ووجهت إليه تهمة الإخلال بأمن الدولة العثمانية؛ لحضوره اجتماعاً خاض فيه المجتمِعون بسياسة الدولة، واستفتى فيه أحدُ المحامين الإمامَ عن نكث العهد من طاعتها، والخروج عليها، ودعا بعضُ الحضور إلى تأسيس جمعية للعمل على الانفصال عن الدولة العثمانية.
وبرغْمِ أن الإمام من دعاة الوحدة الإسلامية، ولا يرتضي مثلَ هذه الدعوات، إلا أن السلطة اعتبرت عدمَ إبلاغها عن الاجتماع تهمة، وأحالته إلى المجلس العرفي العسكري الذي حكم بالبراءة من حيث النتيجة، وقدم الاعتذار للإمام.
وكان من رفاقه في المعتقَل: الرئيس شكري القوتلي، وفارس الخوري،
__________
(1) ديوان "خواطر الحياة" للإمام.
(مقدمة/15)

وسعدي ملاَّ رئيس وزراء لبنان، وتم الاعتقال في (خان مردم بك)، وهو معتقَل رجال السياسة.
ومن أجمل شعره في المعتقل:
غَلَّ ذا الحَبْسُ يَدِي عن قَلَمٍ ... كانَ لا يَصْحُو عَنِ الطِّرْسِ فَناما
هَلْ يَذُودُ الغُمْضَ عن مُقْلَتِه ... أوْ يُلاقِي بعدَه المْوتَ الزُّؤاما
أنا لولا هِمَّةٌ تَحْدُو إلى ... خِدْمَةِ الإسلامِ آثَرْتُ الحِماما
ومن جميل شعره، ورقَّته في محاورة جرت بين الإمام والأستاذ سعدي الملا عن البداوة والحضارة:
جَرَى سَمَرٌ يومَ اعْتُقِلْنا بِفُنْدقٍ ... ضُحانا بهِ ليل، وسامِرُنا رَمْسُ
وقالَ رفيقي في شَقا الحَبْسِ: إِنَّ فِي الْ ... حَضَارَةِ أُنْساً لا يُقَاسُ به أُنْسُ
فقلتُ لهُ: فَضْلُ البَداوَةِ راجِحٌ ... وحَسْبُكَ أَنَّ البَدْوَ لَيْسَ بِهِ حَبْسُ

* الإمام في ألمانيا:
رحل إلى ألمانيا في مهمة للاجتماع بالأسرى المغاربة الذين زَجَّت بهم فرنسا في خطوط القتال الأولى، ووقعوا في الأسر ضمن معسكرات؛ ليحرضهم على القتال ضد فرنسا، ويرغبهم في الانخراط والتطوع في جيش يعدُّ لمحاربة فرنسا.
لبث في ألمانيا على مرحلتين: تسعة أشهر في عام 1917 م، وسبعة أشهر في عام 1918 م مع عدد من المجاهدين.
وخلال إقامته في ألمانيا تعلم اللغة الألمانية، ودرس علوم الكيمياء والطبيعة على البروفسور (هاردر) أحدِ المستشرقين الألمان.
في ذاك الأتون المشتعل ناضل الإمام، وجاهد من أجل المغرب،
(مقدمة/16)

فأصدرت السلطة الفرنسية حكماً عليه بالإعدام غيابياً بتهمة تحريض المغاربة على الثورة، والانقلاب على المستعمر الفرنسي، وحجزت أملاكه في تونس - على قلتها -.
كتب "مشاهد برلين" (1) مذكراته عن تلك الحقبة، وهي مختصرة، ولم يعثر المحقق علي الرضا الحسيني على المذكرات الكاملة.

* الإمام في القاهرة:
المرحلة الثالثة في رحلة الإمام محمد الخضر حسين، وهي مرحلة الاستقرار من عام 1920 - 1958 م، وهذه المرحلة أطلق عليها العلامة محمد الفاضل بن عاشور "مرحلة المجد الثقافي والشهرة العلمية".
ارتقى فيها الإمام إلى أعلى مراتب العلمية:
- بدأها في عمله في التصحيح بدار الكتب المصرية.
- تشكيل الجمعيات الإسلامية والوطنية: جمعية الشبان المسلمين - جمعية الهداية الإسلامية - جمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية - جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية، وألقى المحاضرات القيمة فيها.
- تأسيس وإصدار وتحرير المجلات: "نور الإسلام" - "الهداية الإسلامية" - "لواء الإسلام".
- تصدِّيه وردوده المتعددة، ولا سيما على طه حسين، وعلي عبد الرازق، وغيرهما، وقد أكسبته الشهرة الواسعة.
- نشاطه اللغوي في (مجمع اللغة العربية).
- تدريسه في كليات (الجامع الأزهر).
__________
(1) كتاب "الرحلات" للإمام.
(مقدمة/17)

- عضويته في هيئة كبار العلماء.
- إمامته لمشيخة الأزهر.

* الإمام المفسِّر:
حفظ الإمام محمد الخضر حسين القرآن الكريم لفظاً ومعنى منذ صغره، وكان له القدوة في علمه وتعليمه، وكثيراً ما كان يلقي دروس التفسير ارتجالاً في رحلاته وجولاته، وفي مذكراته؛ لمجرد أن يُطلب منه تفسير آية، أو معنى كلمة، ونلمس في آثاره العلمية: استشهادَه بكتاب الله تعالى، وذكر الآيات القرآنية الكريمة التي تناسب المقام والمقال.
قام بتفسير القسم الأكبر من سورة البقرة، من الآية الأولى، وحتى الآية 195، إضافة إلى سورة الفاتحة، ونشر هذا القسم من التفسير في مجلة "لواء الإسلام"، بدءاً من العدد الأول الصادر في رمضان المبارك سنة 1366 ه. وتحت وطأة الشيخوخة لم يتمكن من الاستمرار في التفسير.
وفسَّر آيات كريمة من السور القرآنية في دروس دينية يلقيها في المساجد الكبرى.
يقول الإمام: "فمن واجب الكاتب في التفسير: أن يتجه إلى تمحيص الروايات، ولا يُعَوِّل إلا على ما صحَّت روايتُه، وأن يكون عارفاً بعلوم اللغة العربية، وفنون بلاغتها" (1).
وبهذا القول كان منهجه في التفسير: يمحِّص الروايات، ولا يعتمد إلا على الروايات الصحيحة، وهو- كما نعلم - من كبار علماء اللغة العربية، والعارف بفنونها، وعلى هذا المنهج مشى في كتابه "أسرار التنزيل".
__________
(1) كتاب "بلاغة القرآن" بحث: "رأي في تفسير القرآن".
(مقدمة/18)

* الإمام وعلوم القرآن:
وجَّه الإمام محمد الخضر حسين بالغَ اهتمامه وعنايته إلى القرآن الكريم، كتابِ الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
وإلى جانب ما عمله من تفسير بعض الآيات القرآنية الكريمة في كتابه "أسرار التنزيل"، فقد تصدى وردَّ على كل مَنْ حاول تحريف آياته، أو راح يهذي في تأويلها، أو يُلْحد بها.
كما تناول بلاغة القرآن وإعجازه وفصاحته في مقالاته، وأبدى رأيه في تفسير القرآن، ونقل معانيه إلى اللغات الأجنبية، أو ترجمته إلى اللغات الأخرى، وجاء كتابه "بلاغة القرآن" حجة على ضلوعه في علوم القرآن.

* الإمام والسيرة النبوية:
نعمتان عظيمتان مَّن الله تعالى بهما على عباده: القرآن الكريم، وبعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة هادياً ومبشراً ونذيراً.
والإمام محمد الخضر حسين الذي أتقن علم التفسير وعلوم القرآن، قال: "طالعْ كتبَ التاريخ، عربيةً وغيرَ عربية، وأمعنِ النظرَ في أحوال عظماء الرجال، من مبدأ الخليقة إلى هذا اليوم، فإنك لا تستطيع أن تضع يدك على اسم رجل من أولئك العظماء، وتقصَّ علينا سيرته ومزاياه وأعماله الجليلة، حديثاً يضاهي أو يداني ما نحدثك به عن هذا الرسول العظيم".
لم يكتب الإمام السيرة النبوية شاملة، وإنما تناول منها بحوثاً كان يلقيها في محاضرات بالمناسبات الدينية، أو مقالات في المجلات ...
له رسالة بحجم صغير بعنوان: "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، تحدث فيها عن سيرته - صلى الله عليه وسلم - بشكل كامل وموجز، وله بحوثه في نواحٍ معينة
(مقدمة/19)

من سيرته - صلى الله عليه وسلم -، كما له ردود يفند بها مزاعمَ الضالين والمبطِلين الذين تحدثوا عن السيرة النبوية عن غواية وإفساد وزَيْغ في العقيدة.
وفي كتابه "محمد رسول الله وخاتم النبيين" ما يعطى بياناً عن الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم -.

* الإمام اللغوي:
من العلوم التي حرص الإمام محمد الخضر حسين على توجيه العناية الفائقة لها: علوم اللغة العربية وآدابها.
ولما كانت اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، وجدناه قد بدأ حياته العلمية بإتقانها ودراستها، وتفوق في ميدانها تفوقاً لا حدَّ له، ورافقه هذا الإبداع بها والتميز حتى آخر حياته الجليلة.
ومن أوائل بحوثه في تونس: محاضرته "حياة اللغة العربية" (1)، وقد تناول فيها دلالة الألفاظ، وتأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية، وأطوار اللغة، وفصاحة مفرداتها، واتساعها، وارتقاءها، وقال في مقدمتها: "فالغرض إنما هو البحث عن حال اللغة في حدِّ نفسِها من جهة أطوارها، ومحكم وضعها، واتساع نطاقها، وارتقائها مع المدنية، وما يشاكل ذلك".
وبعد هجرته إلى دمشق، وقع تعيين الإمام عضواً عاملاً في (المجمع العلمي العربي) الذي عقد جلسته الأولى في 30 جويلية تموز 1919 م، واستمر في عضوية المجمع حتى انتقاله إلى القاهرة، وبقي عضواً مراسِلاً فيه.
وفي القاهرة صدر مرسوم بتعيين الإمام عضواً عاملاً في (16 جمادى
__________
(1) محاضرة ألقاها سنة 1327 ه في جمهور غفير من الأدباء وأساتيذ اللغة العربية في (الجمعية الصادقية) كبرى الجمعيات الأدبية في تونس، عندما كان مدرساً بجامع الزيتونة - انظر كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها".
(مقدمة/20)

الثانية 1352 ه - 6 تشرين الأول 1933 م). عند أول التأسيس لمجمع فؤاد الأول للغة العربية (مجمع اللغة العربية)، وشارك في لجانه: الآداب والفنون - المعجم الوسيط - الأعلام الجغرافية - دراسة معجم المستشرق (فيشر) المتعلق بالألفاظ القرآنية ... وبحوثه اللغوية منشورة في مجلة المجمع من مقالات ومحاضرات وتعليقات، وشارك في عدة مؤتمرات لغوية.
ومن أهم عطائه اللغوي: كتابه "القياس في اللغة العربية" الذي نال به عضوية هيئة كبار العلماء بالقاهرة:
وضُمَّت لغوياتُه في كتابين: "دراسات في العربية وتاريخها"، و"دراسات في العربية".
أنشد قصائدَ مطولةً وعديدة حول مكانة اللغة العربية وآدابها، والدعوة إلى العناية بها، واعتماد الفصحى.
وبقي عضواً بارزاً من أعضاء المجمع العاملين بجد وإخلاص حتى تاريخ وفاته.

* الإمام المصلح:
للإمام محمد الخضر حسين كتابان هامان حول الإصلاح: "الدعوة إلى الإصلاح"، و"رسائل الإصلاح".
حمل عب الدعوة إلى الإصلاح منذ مطلع حياته، واستمر في هذا السبيل القويم حتى آخر العمر المبارك ...
وقد بين: الحاجةَ إلى الدعوة، والدعوة في نظر الإسلام، والمبادرة إلى الدعوة، والتعاضد على الدعوة، ومن الذي يقوم بالدعوة، والإخلاص في الدعوة، وطرق الدعوة، وآداب الدعوة، وسياسة الدعوة، والإذن في السكوت عن الدعوة، وعلل إهمال الدعوة، وآثار السكوت عن الدعوة،
(مقدمة/21)

وما يدعى إلى إصلاحه.
هذه العناوين التي اتخذها سبيلاً له في إصلاح الأمة، ودعوتها إلى التواصي بالحق، وسلوك طريق الهداية والرشاد، والبعد عن زيغ العقيدة، ومحاربة أهل الضلال، ومجابهة دعوة الإلحاد والزندقة، ودفع بطلان من يحاول أن يدس في الإسلام الفتنة، وشموق المجتمع بعيداً عن دينه تحت أسماء لا تغني عن الحق شيئاً.

* الإمام المحاضر:
في كل ملتقى يكون فيه الإمام محمد الخضر حسين يتشوق الحاضرون للاستماع إلى محاضرة، وما إن يدخل مسجداً، أو معهداً علمياً، أو نادياً أدبياً، إلا ويلح عليه الحاضرون بطلب كلمة يلقيها على مسامعهم، ويستفيدون بها، ويستمتعون.
وللإمام عشراتُ المحاضرات ألقاها في مناسبات عدة، ولعل أهمها: محاضرة "الحرية في الإسلام" التي ألقاها في (جمعية قدماء تلامذة الصادقية) بتونس مساء يوم السبت في 17 ربيع الثاني من عام 1324 ه.
تعد هذه المحاضرة من الوثائق القومية الهامة، فقد ألقيت في ظل حماية رهيبة، ومستعمر غاشم مرعب وسفاح، وقد تناقلت الألسنُ والأيدي هذه المحاضرة، وانتشر أثرها في قلوب التونسيين المؤمنين بحرية وطنهم؛ لأنهم لم يعتادوا أن يسمعوا صوتاً يتحدث عن الحرية في آذان شعب مضطَهَد.
وكان خطابه على المنابر، أو في مجالس العلم باللغة الفصحى، واللهجة المؤثرة تطرب لها الأسماع، وتطمئن لها القلوب، وكتاب "محاضرات إسلامية" أنموذج.
(مقدمة/22)

* الإمام القاضي:
تولى الإمام محمد الخضر حسين القضاء في مدينة "بنزرت" من المدن التونسية الكبرى، كما تولى الخطابة والتدريس في جامعها الكبير؛ واستمر قاضياً نزيهاً عادلاً مدة سنة وسبعة أشهر، بدءاً من شهر ربيع الثاني 1323 ه، ويبدو أنه شعر في قرارة نفسه بضيقٍ من هذا المنصب الحكومي الذي لا يتلاءم مع طبيعته، والذي رأى فيه منزلةً دون همته الكبرى، والهدفِ الذي يعمل له في خدمة الإسلام، وسرعان ما استقال ليعود إلى ميدانه العلمي الحر في رحاب جامع الزيتونة، دون أن تكبله الحكومة بهذا القيد، والذي يظهر أنها سعت إليه للتضييق عليه في نشاطه، وقد بدأت تراقبه، وتتبع خطواته.
أقام العلامة محمد الطاهر بن عاشور مأدبةً للإمام بمناسبة توليته القضاء، وألقى خطاباً "على مأدبة وداع الشيخ النحرير محمد الخضر بن الحسين إذ تعين قاضياً ببنزرت في يوم السبت مساء 15 ربيع الثاني 1323 بمنزلي بالمرسى وبحضور طائفة من الأعيان ومن رجال القلم والعلم" (1).
وأنهى الشيخ ابنُ عاشور خطابه بأبيات يقول فيها:
قَسَماً بِإِحْساسِ المودَّةِ بيننا ... أكَّدْتُ في ملأٍ منَ الأحبابِ (2)
لَسُرُورُ ساعاتٍ تُذَكِّرُ أُنْسَكُم ... في النَّفْسِ أَحْلَى مِنْ نَوَالِ طِلابِ
والآنَ قُدِّرَ أَنْ يَشُطَّ مَزارُنا ... حَتَّى يُعَوَّضَ جَمْعُنا بِكتابِ
ولتلكَ في قلبِ الصَّديقِ حزازةٌ ... ما هيَّ دونَ نوافذ النّشّابِ
__________
(1) من كتاب: "كتابات حول الإمام محمد الخضر حسين" (ص 23).
(2) هذا في ظاهره قسم بغير الله، لكن ليس المراد به هنا القسم، إنما التأكيد، كما هي عادة الشعراء.
(مقدمة/23)

لكنَّ للعدلِ المُضَيَّعِ دَعْوَةً ... تَقْضي علينا بامْتِثالِ جوابِ
فاهنأْ بهذا الارتقاءِ وَكُنْ بهِ ... مِثْلَ الفَضيلةِ مَظْهَرَ الإِعْجَابِ
وكانت بين الإمامين صداقة ارتقت إلى الأخوة، وضربت بها الأمثال في الوفاء.
ويقول له الإمام الطاهر بن عاشور في نهاية الخطاب: "وإليك أيها الصديق تحية طيبة، تصحبونها معكم؛ لتذكركم وداداً لا يفنى وإن طال الزمان، وتفارقت الأبدان".
ونظراً لما شاهده من خلال عمله بالقضاء، فإن قلمه لم يبخل بمقالات رائعة عنه، ونقرأ له: "القضاء العادل في الإسلام" (1)، و"القضاء العادل" (2)، و"مكانة القضاء" (3)، و"صفات القاضي في الإسلام" (4)، و"السياسة القضائية" (5).

* الإمام الناقض والناقد:
تصدى الإمام محمد الخضر حسين بجرأةِ العالم المتمكّن الذي لا يخشى إلا الله تعالى، ولا يخشى في الحق لومةَ لائم، أو جور سلطان، إلى من رأى في أقلامهم زيغاً عن الهدى، وضلالاً بعيداً، وفي أفكارهم عوجاً عن الرشد.
واستل قلمه البليغ في الرد على:
- طه حسين في كتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، و"حقيقة ضمير
__________
(1) من كتاب: "رسائل الإصلاح".
(2) من كتاب: "الهداية الإسلامية".
(3) من كتاب: "الهداية الإسلامية".
(4) من كتاب: "الهداية الإسلامية".
(5) من كتاب: "الإرث الفكري للإمام محمد الخضر حسين".
(مقدمة/24)

الغائب في القرآن" (1).
- علي عبد الرازق في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وعلى مقالاته "العظمة" (2)، و"ملاحظات على مقال مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -" (3).
- الشيخ محمود شلتوت في مقاله: "الهجرة وشخصيات الرسول" (4).
- محمد خلف الله في مقاله: "الفن القصصي في القرآن" (5).
- محمد أبو زيد الدمنهوري على كتابه "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن"، وعنوان رد الإمام: "كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد" (6).
- الطاهر حداد في كتابه: "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وعنوان رد الإمام: "كتاب يُلحد في آيات الله" (7).
- عبد المتعال الصعيدي "تحريف آيات الحدود عن مواضعها" (8).
- أحمد أمين "نقد اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة" (9).
- فريد أبو حديد "ملاحظات على البحث المقدم عن موقف اللغة العامية
__________
(1) كتاب: "بلاغة القرآن".
(2) كتاب: "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
(3) كتاب: "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
(4) كتاب: "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
(5) كتاب: "بلاغة القرآن".
(6) كتاب: "بلاغة القرآن".
(7) كتاب: "بلاغة القرآن".
(8) كتاب: "بلاغة القرآن".
(9) كتاب: "دراسات في اللغة".
(مقدمة/25)

من اللغة العربية الفصحى" (1).
- اللجنة المؤلفة من طه حسين، وأحمد أمين، وعلي الجارم، ومحمد أبي بكر إبراهيم "حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها".
- إبراهيم مصطفى "موضوع علم النحو" (2).
- وله ردود أخرى على: رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي وغيرهما مبثوثة في مجلة "الهداية الإسلامية" تدل على موسوعية الإمام في كل علم وفن.

* الإمام الشاعر:
إذا تصفحنا ديوان الإمام محمد الخضر حسين "خواطر الحياة"، نجد أنفسنا أمام شاعر انصرف في شعره إلى: الإسلاميات، والإخوانيات، والوطنيات، والوجدانيات، والاجتماعيات، والوصف، والرثاء.
عفَّ عن الغزليات؛ لأنها ليست من طبيعته وأخلاقه.
ويمكن أن نطلق عليه: الإمام الشاعر، أو الشاعر الإمام، صحيح أن شعره هو أقرب إلى الشعر التقليدي من الشعر المعاصر اليوم، فهذا مرده إلى حكمته وزهده وورعه.
وديوانه يحتاج إلى تمحيص ودراسة، وبحث عميق، والاستفادة منه في بعض القضايا الوطنية والاجتماعية والتاريخية.

* الإمام الرحَّالة:
اعتنى الإمام محمد الخضر حسين بالرحَلات العلمية، وكتب حولها
__________
(1) كتاب: "دراسات في اللغة".
(2) كتاب: "دراسات في العربية وتاريخها".
(مقدمة/26)

المقالاتِ الرائعةَ تعريفاً بها، وترغيباً للنهوض إليها، ودعوةً لأهل العلم ورجال الفكر للتنقل والارتحال في أقطار العالم الإسلامي؛ لما فيها من التعارف والتآلف بين المسلمين، والاطلاع على أحوالهم، وتبادل الرأي.
ومن هذه المقالات: "أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية" (1)، و"النهضة للرحلة" (2)، و"الرحلة والتعارف في الإسلام" (3).
لم يكتف بالحديث عنها خطابة أو كتابة، بل بادر للقيام بها، وسعى إلى تحقيقها بنفسه، ولا سيما في مطلع حياته المباركة.
ومن أهم رحلاته التي دوَّنها في مذكراته، ونشرها في تآليفه:
- "الرحلة الجزائرية" (4) الثانية عام 1322 ه - 1904 م.
- "خلاصة الرحلة الشرقية" (5) إلى بلدان المشرق العربي عام 1330 ه - 1912 م. وزار خلالها: مالطة، والإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد، وحيفا، ويافا، ودمشق، وبيروت، وإستنبول.
- "حديث عن رحلتي إلى دمشق" (6) سنة 1356 ه - 1937 م.
- "رحلتي إلى سورية ولبنان" (7) سنة 1363 ه.
__________
(1) كتاب: "الرحلات".
(2) كتاب: "الرحلات".
(3) كتاب: "الرحلات".
(4) كتاب: "هدى ونور".
(5) كتاب: "الرحلات".
(6) كتاب: "الرحلات".
(7) كتاب: "الرحلات".
(مقدمة/27)

- "مشاهد برلين" (1) سنة 1918 م.
بالإضافة إلى الرحلات والتنقلات إلى ليبيا وطرابلس عام 1317 ه - 1889 م، والرحلة الأولى إلى الجزائر عام 1321 ه - 1903 م.
ورحلته إلى الحجاز (2) لأداء فريضة الحج، وزياراته إلى ألبانيا وبعض بلاد البلقان، وتكراره لهذه الأسفار خدمةً للإسلام، وهي رحلات لم تُنشر تفاصيلها في منشورات الإمام، أو أن المحقق الأستاذ علي الرضا الحسيني لم يعثر عليها، وإن كان قد أبدى حرصَه على تتبعها، والتنقيب عنها فيما سلف من مجلات أدبية عربية وأجنبية - إن شاء الله تعالى -.
ونستطلع في رحلاته العلمية أنه يتناولها من وجهة نظر الإسلام في الرحلة، ومثبطاتها، وعلاج تلك المثبطات، وفوائد الرحلة، وأثرها في حياة الراحل، وماذا يستفيد قوم الرجل من رحلته؟ وماذا تستفيد البلد ممن يرحلون إليها؟ وأثر الرحلة في تنمية العلوم، وثراء الأدب، وتعارف الشعوب، وآداب الرحلة، ... إلخ.
وعندما نستعرض إحدى رحلاته "الرحلة الشرقية" أنموذجاً، نجدها في مجملها: مسامرات علمية، إلقاء دروس في التفسير، الاجتماع بأهل العلم والفضل والفكر على مختلف آرائهم، وزيارة المساجد والمعالم الدينية والأثرية التي ترتبط بالتاريخ الإسلامي، زيارة المكتبات العلمية العامة والخاصة، والاطلاع على موجوداتها من المطبوعات والمخطوطات النفيسة، زيارة دور
__________
(1) كتاب: "الرحلات".
(2) له قصيدة (مشاهداتي في الحجاز)، ومطلعها:
ألمجدٍ لا ينالُ القاطنينْ ... وَدَّعَ الصَّحْبَ وَحَيّا الظّاعِنينْ
(مقدمة/28)

العلم من جامعات ومدارس ومؤسسات، الاجتماع بعلماء الأمة وشيوخها، والمذكرات النافعة معهم.
ونلمس في رحلاته: الحرصَ على أن تكون دروسه في التفسير والحديث والآداب الهدف السامي منها، وإلا - كما يراها - لا خير فيها إن لم تكن في هذا السبيل القيم.
إن كثرة الأسفار والارتحال المستمر والدائم التي يجني من ورائها أهدافَه في الدعوة إلى سبيل الله تعالى، وخدمة الإسلام، بكل ما أكسبه الله تعالى من قوة وجرأة وقدرة على التحمل والصبر على المشاق، إلا أنه - في بعض الأحوال - يعبر عن هذا الترحال في شعره من ديوانه "خواطر الحياة".
وتحت عنوان: (حادي سفينتنا) أبيات قالها عند مغادرته تونس سنة 1330 ه، وقد أخذ الحنين إلى الوطن يزداد:
حادِي سفينَتِنا اطْرَحْ مِنْ حُمولَتِها ... زادَ الوقودِ فَما في طَرْحِهِ خَطَرُ (1)
وَخُذْ إذا خَمَدَتْ أنفاسُ مِرْجَلها .... مِنْ لَوْعَةِ البَيْنِ مِقْباساً فتَسْتَعِرُ (2)
وقال عند سفره من دمشق تحت عنوان: (كأني دينار):
كأَنِّيَ دينارٌ وَجِلَّقُ راحَةٌ ... تُنافِسُ في الإِنْفاقِ راحةَ حاتمِ (3)
__________
(1) حادي: الحادي: الذي يسوق الإبل، ويقصد به هنا: قبطان السفينة.
زاد الوقود: ما توقد به مراجل السفينة.
(2) البين: الفرقة.
مقباساً: العود ونحوه تقبس؛ أي: توقد به النار.
(3) جلق: دمشق. حاتم: حاتم الطائي، عربي، يضرب به المثل بجوده.
(مقدمة/29)

فَكَمْ سَمَحَتْ بِي للرَّحيلِ ولَيْتني ... ضَرَبْتُ بها الأوْتادَ ضَرْبَة لازِمِ (1)
وبعد عودته من برلين إلى دمشق سنة 1334 ه قال (أحمد الظعن):
أَطْوِي المراحِلَ مِنْ (بْرلينَ) في أَمَل ... لَمْ يَجْنِ زَهَرَتَهُ كَفُّ الّذِي قَطَنا (2)
فَأَحْمَدُ الظَّعْنَ إِنَّ الظَّعْنَ أَظْفَرَني ... بِأَنْمُلٍ تَخْدِمُ الإِسْلامَ والوَطَنا (3)
ومما قاله عندما دخل به القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة 1330 ه:
لَجَّ القِطارُ بِنا والنّارُ تَسْحَبُهُ ... ما بَيْنَ رائِقِ أَشْجارٍ وأَنْهارِ
ومِنْ عَجائبِ ما تَدْريه في سَفَرٍ ... قَوْمٌ يُقادُونَ لِلْجَنّاتِ بالنَّارِ
وتحت عنوان: (أرى سفري) يقول:
أَرَى سَفَري شِعْراً ولكنْ بيوتَهُ ... مُفَصَّلَةٌ في غَيْرِ بَحْرٍ وفي بَحْرِ
ومَقْطَعُ عُودِي مِنْ بَدائعِهِ أَلا ... تَرى عَجُزاً قَدْ رَدَّ فيه على صَدْرِي
وللإمام قصائد أخرى يبث فيها الشوق إلى الأهل، ويشكو البعد عن الوطن.

* الإمام ومجلاته الأربع:
أصدر الإمام محمد الخضر حسين مجلتين: "السعادة العظمى"، و"الهداية الإسلامية". وترأس تحرير مجلتين: نور الإسلام "الأزهر" اليوم - و"لواء الإسلام".
__________
(1) اللازم: الثابت.
(2) المراحل: جمع المرحلة: المسافة التي يقطعها المسافر في اليوم.
(3) الظعن: السير. الأنمل: جمع الأنملة: رأس الإصبع.
(مقدمة/30)

- أصدر مجلة "السعادة العظمى" في تونس في (شهر محرم سنة 1322 ه , شهر أفريل نيسان سنة 1904 م)، وهي أول مجلة عربية ظهرت في تونس نصف شهرية، وصدر منها 21 عدداً فقط وانقطعت عن الصدور في (شهر ذي القعدة سنة 1322 ه - شهر جانفي كانون الثاني 1903 م).
وهي مجلة إسلامية علمية أدبية.
- وأصدر مجلة "الهداية الإسلامية" في القاهرة عن (جمعية الهداية الإسلامية) التي يرأسها، وصدر العدد الأول في جمادى الثانية 1347 ه , وعلى مدى ثلاثة وعشرين مجلداً.
- وترأس مجلة "نور الإسلام" مجلة الأزهر، وصدر العدد الأول في (شهر محرم 1349 ه - شهر حزيران 1930 م)، واستمر في تحريرها حتى عام 1935 م.
- ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وصدر العدد الأول في (أول رمضان 1366 ه - 19 يوليو 1947 م)، وحتى عام 1952 م، وانقطع عنها لارتقائه مشيخة الأزهر.
كما ساهم في الكتابة في العديد من الصحف والمجلات في العالمين العربي والإسلامي.

* الإمام وعضويته في هيئة كبار العلماء:
من شروط العضوية في (هيئة كبار العلماء): أن يتقدم العضو ببحث فريد ومميز، وأن يكون بلغ مرتبة علمية رفيعة تؤهله لإشغال هذا المنصب.
فقدم كتابه "القياس في اللغة العربية" سنة 1950 م، وتشكلت لجنة الامتحان - من قساة الممتحنين كما يقال - برئاسة الشيخ عبد المجيد اللبان.
(مقدمة/31)

وأجاب عن كل سؤال يطرح عليه من أحد أعضاء اللجنة، فيجيب عنه، ويستفيض بالشرح؛ لدرجة يجعل السائلَ في حيرة من أمره أمام هذا المسؤول.
وأبدى الإمام محمد الخضر حسين من الرسوخ والتمكن ما أصاب اللجنةَ الفاحصة بالدهشة والإكبار والتعظيم له، وكأنه بحر يهدر بغزارة وفيض، حتى إن الشيخ اللبان صاح بإعجاب أمام كافة الحضور: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ".
ونص القرار الذي أعطي للإمام بقبول عضويته: إن اللجنة امتحنت الشيخ محمد الخضر، فوجدته بحراً لا ساحل له.
وصدر الأمر الملكي برقم 22 بتاريخ 29 أبريل 1951 م بتعيينه عضواً في جماعة كبار العلماء.
وهذه العضوية هي السبيل إلى اختياره شيخاً للأزهر.

* الإمام في مشيخة الأزهر:
يذكر الإمام محمد الخضر حسين في مذكراته ما أخبرته أمه السيدة حليمة السعدية بنت الشيخ مصطفى بن عزوز: أنه في صغره كانت ترفع وليدَها بين يديها، وتربِّتُ عليه، وتداعبه وهي تنشد:
إنْ شاءَ الله يا أَخْضَرْ ... تِكْبَرْ وتْرُوحْ الأَزْهَرْ
واستجاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- دعاء الأم التقية الصالحة، وإذا بوليدها ينتقل من تونس إلى دمشق، ويجوب البلدان والأمصار إلى إسطنبول وبرلين، وإلى القاهرة؛ ليصبح إماماً وشيخاً للأزهر.
وهذا دليل على صلاحه وتقواه، فأثابه الله في الدنيا، وعنده ثواب الآخرة.
ارتقى مشيخة الأزهر في (2 المحرم سنة 1372 ه - 22 سبتمبر أيلول سنة 1952 م)، واستقال في (2 جمادى الأولى سنة 1373 ه - 8 جانفي
(مقدمة/32)

كانون الثاني 1954 م).
وله في مشيخة الأزهر مواقف جليلة:
- منذ تقلد المنصب وهو يحتفظ في جيبه باستقالة محررة، ونسخة منها يحتفظ بها مديرُ مكتبه، وقال له: إذا أحسستَ بضعفي في موقف من المواقف، فقدم استقالتي نيابةً عني.
- وفي مشيخة الأزهر كان يقول: "إن كانت جنّة، فقد دخلتُها، وإن كانت ناراً، فقد خرجتُ منها".
- بعد اختياره شيخاً للأزهر، زاره اللواء محمد نجيب للتهنئة، وبعد مدة زاره السيد حسن الشافعي عضوُ قيادة الثورة، وأخبره أن اللواء نجيب يستدعيه للتشاور في بعض المسائل: فغضب الإمام - وقلّما يغضب - وأخرج ورقة من دُرْج مكتبه، وكتب عليها استقالته، وقال للسيد الشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم".
- وقوله: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسَلِّمها حين أُسَلِّمها، موفورةً كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقلَّ من أن لا يحصل له نقص".
- وقوله: "يكفيني كوب لبن، وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العَفاء".

* وفاة الإمام:
انتقل الإمام محمد الخضر حسين إلى الرفيق الأعلى - وعيونُ الناس دامعة، وقلوبهم حزينة - بعد ظهر يوم الأحد في (13 رجب 1377 ه - 2 شباط 1958 م). ودفن - بناء على وصيته - إلى جانب رفيقه العلامة أحمد
(مقدمة/33)

تيمور باشا، في مقبرة آل تيمور الخاصة، جانب مسجد الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في القاهرة.
إن (دار النوادر) يسعدها أن تقدم "موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وعالم بلاد المغرب"؛ لتأخذ مكانها الرفيع واللائق في المكتبة الإسلامية.
والحمد لله في البدء والختام.
رحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه وأرضاه.
حَرَّرُه
نور الدين طالب
دمشق الفيحاء
30/ ربيع الأول/ 1431 ه
(مقدمة/34)

ترجمة الجَامعَ والمحقق لأعمال الإمام
هو الأستاذ المحامي علي الرضا بن زين العابدين الحسيني، ابنُ أخ الإمام محمد الخضر حسين.
ولد في مدينة "دمشق" في (19 رجب 1351 ه -17 نوفمبر تشرين الثاني 1932 م).
نشأ في رعاية وعناية والده الفقيه اللغوي زينِ العابدين بنِ الحسين التونسي (1)، وفي بيت يلتقي فيه علماء الشريعة واللغة والأدب، ويُتلى فيه الذكر الحكيم، وتُعقد فيه دروس الوعظ والإرشاد.
أخذ بداية علومه صغيراً في أحد الكتاتيب القرآنية - كُتّاب الشيخ سليم اللبني - رحمه الله تعالى -، ودراسته الابتدائية في مدرسة (خالد بن الوليد) في حي الميدان، والقريبة من مكان سكنى العائلة، وتابعَ دراسته الثانوية في ثانوية (التجهيز الثانية) المعروفة اليوم باسم: (أسعد عبد الله) في حي الحلبوني بدمشق.
تخرج في كلية الحقوق بجامعة دمشق في 3 شعبان 1384 ه - 7 كانون
__________
(1) اشتهر الشيخ زين العابدين بلقب (التونسي) نسبة إلى ولادته في تونس.
انظر كتاب: "سيدي الوالد زين العابدين بن الحسين التونسي" للأستاذ علي الرضا الحسيني.
(مقدمة/35)

الأول 1964 م ... وأدى الخدمة العسكرية في (كلية ضباط الاحتياط) في مدينة حلب، وتخرج ضابطاً في سلاح المدرعات في 15/ 3/ 1958 م.
عمل في مهنة المحاماة منذ (رجب 1385 ه - 26 أكتوبر تشرين الثاني 1965 م). وطلب إحالته على التقاعد في 3/ 1/ 2002 م؛ ليتفرغ للبحث والعمل الثقافي.
اهتم بتراث عمه الإمام محمد الخضر حسين منذ عام (1381 ه / 1961 م)، وطبع له أول رسالة "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، وكانت هذه الرسالة المباركة البابَ الذي دخل منه إلى آثار الإمام منتقلاً باحثاً، ومنقِّباً في دمشق والقاهرة، وتونس والجزائر والمغرب، وإستنبول وبرلين والمدينة المنورة - على ساكنها أطيبُ الصلاة والسلام -. كما زار العديد من الدول العربية والأجنبية دون راحة أو تقاعس حتى أحاط بها - إن شاء الله تعالى - في (36) كتاباً.
شارك في مؤتمرات علمية وحقوقية في عدد من البلدان العربية، وألقى المحاضرات في مناسبات مختلفة، ولا سيما (ملتقى الإمام محمد الخضر حسين) في مدينة "بِسِكْرَة" بالجزائر كانون الأول ديسمبر 2007 م، و (ندوة الإمام محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي) في مدينة "نفطة" بتونس في كانون الثاني جانفي 2009 م.
نظم الشعر في الخامسةَ عشرةَ من عمره بتشجيعٍ من والده الذي كان يحثُّه على إلقاء الشعر بالمناسبات التي يجتمع فيه العلماء في دار والده في حي الميدان.
وأصدر من الدواوين: قلب شاعر - تونسيات - بثينة - زين - ورد وأشواك - نغمة العندليب - ربيع شاعر - ابتهال ودعاء - خواطر من القلب -
(مقدمة/36)

حديقة الشعر- خماسيات الحسيني - وكتب أخرى،
وعمل على إعداد وطبع مؤلفات والده زين العابدين بن الحسين، وعمِّه اللغوي محمد المكي بن الحسين، وخال والده العلامة محمد المكي بن عزوز.
كما أصدر: أعلام الهداية الإسلامية - أعلام المهاجرين التونسيين - روائع مجلة الهداية الإسلامية، وغيرها.
وسّمه الرئيسُ زينُ العابدين بنُ علي رئيسُ الجمهورية التونسية بوسام الجمهورية لخدمة التراث في حفل عام ب (قصر قرطاج) بتاريخ 7 أوت آب 1996 م.
متأهل، وله أربعة أبناء: ثلاثة ذكور، وبنت واحدة.
(مقدمة/37)

مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ

للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين

(1)

«أسَرارُ التَّنزِيْل - تَفسِيرُ آيَاتٍ قُرآنِيَّة كَرِيْمَةٍ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة 1293 ه والمتوفى بالقاهرة سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى -

اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني

دَارُ النَّوادِرِ
(1/1)

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1431 ه - 2010 م

ردمك: 6 - 49 - 418 - 9933 - 978: ISBN

دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: 34306 - هاتف: 2227001 - فاكس: 2227011 (0096311)
لبنان - بيروت - ص. ب: 14/ 5180 - هاتف: 652528 - فاكس: 652529 (009611)
الكويت - حولي - ص. ب: 32046 - هاتف: 22630223 - فاكس: 22630227 (00965)
أسَّسَهَا سَنَة: 2006 م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
(1/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة
ما إن ارتقى فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - المرتبة العلمية الرفيعة التي انتهى إليها في قمة مجده العلمي، وفي أواخر حياته المليئة بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وما إن أضحى بحراً لا ساحل له في مختلف العلوم الإسلامية واللغوية، باشر في وضع تفسير محكم لكتاب الله العزيز، ينبع من صفاء علمه وعرفانه، وهدايته وتقواه.
وبقلمه البليغ بدأ - رحمه الله - نشر التفسير الذي وضعه في مجلة "لواء الإسلام" التي كانت تصدر بالقاهرة، وكان رئيساً لتحريرها، بدءاً من العدد الأول الصادر بتاريخ الأول من شهر رمضان المبارك لعام 1366 ه الموافق التاسع عشر من شهر يوليو تموز 1947. واستمر في هذا العمل الجليل، حتى أثقلته السنون، وقد قارب عمره الطاهر على الثمانين عاماً، وتحت وطأة الشيخوخة، توقف عن متابعة هذا الجهد الرائع، والإنتاج الفكري العظيم، وكانت آخر الصفحات من التفسير هي تلك التي نشرها في العدد الثاني عشر من السنة الرابعة لمجلة "لواء الإسلام"، والصادر في شهر شعبان لعام 1370 ه الموافق شهر مايو أيار لعام 1951 م.
قام المؤلف بتفسير القسم الأكبر من سورة البقرة حتى الآية 195،
(1/3)

بالإضافة إلى سورة الفاتحة، وبتفسير آيات قرآنية كريمة من سور مختلفة، وهي: آية من سورة آل عمران - آيات من سورة الحج - آيات الصيام - ثلاث آيات من سورة الأنفال - أربع آيات من سورة يونس - خمس آيات من سورة ص.
وقد ضممنا في هذا الكتاب تفسير آيات سورة البقرة من 1 - 195، والمنشور في أعداد مجلة "لواء الإسلام"، ودروس التفسير التي ألقاها في بعض النوادي والجمعيات الإسلامية، ونشرت في مجلة "الهداية الإسلامية" التي كان يصدرها المؤلف في القاهرة.
والله نسأل السداد والتوفيق في خدمة رسالة الإسلام.
على الرّضا الحسيني
(1/4)

تَفْسِيْرُ سُوْرَةِ الفَاتِحَةِ
(1/5)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 1 - 7].
قد اشتملت هذه السورة بوجه إجمالي على مقاصد الدين؛ من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد. ولهذه المزية سميت: أم القرآن، وافتتح بها الكتاب المجيد، وأمر الناس بقراءتها في كل صلاة، وهي مقولة على ألسنة العباد لتعليمهم كيف يناجون البارئ تعالى، ويحمدونه، ويتضرعون إليه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها أول ما نزل من القرآن، وروي هذا عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -.
وجمهور أهل العلم على أن أول ما نزل سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1].
{بِسْمِ اللَّهِ}:
الاسم: اللفظ الذي يدل على ذات أو معنى. (والله): علم على ذات الخالق تعالى، والباء في (باسم): متعلقة بفعل مقدر، والمعنى: أبتدئ القراءة متبركاً باسم الله، لا كما يفعل المشركون من البداية بأسماء آلهتهم متبركين بها، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى. وإنما حذف الفعل العامل
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الأولى.
(1/7)

في (باسم الله)؛ ليكون المبدوء به في اللفظ اسم الله دون شيء آخر.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}:
هما صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بارادة الإحسان، وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.
وليست الصفتان - أعني: الرحمن الرحيم - بمعنى واحد، بل روعي في كل منهما معنى لم يُراع في الآخر، فالرحمن بمعنى: عظيم الرحمة؛ لأن فَعْلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدوام؛ كغضبان، وسكران، والرحيم بمعنى: دائم الرحمة؛ لأن صيغة فَعيل تستعمل في الصفات الدائمة؛ ككريم، وظريف، فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمها (1).
وذهب ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دالٌّ على أن الرحمة صفته، والرحيم دالٌّ على أنه يرحم خلقه، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات الأفعال (2).
{الْحَمْدُ لِلَّهِ}:
الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار؛ من
__________
(1) "كشف المعاني" تفسير ابن جماعة.
(2) "بدائع الفوائد".
(1/8)

نعمة، أو غيرها.
والجملة مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى؛ نحو قولهم: الكرم في العرب. وإنما كان الحمد مقصوراً في الحقيقة على الله؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل بالحمد إنما هو صادر من الله، وهذا يقتضي أن يكون الحمد لله وحده. فالقصد من جملة الحمد: إنشاء الثناء عليه تعالى بمضمونها الذي يتلخص في أن الله مستحق لجميع المحامد.
{رَبِّ الْعَالَمِينَ}:
الرب: المالك، والسيد المربي، ولا يطلق على غير الله إلا مقيداً؛ نحو: ربّ الدار. والعالمين: جمع عالَم، والعالم: الخلق من ذوي العلم، وهم الإنس والملائكة والجن. وقيل: إن العالم اسم لكل مخلوق من العقلاء وغيرهم. وجمع في الآية بالياء والنون، وهما علامة جمع المذكر العاقل؛ لأنه أريد منه: ذوو العلم خاصة.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}:
وجه إعادة هذين الوصفين - وقد سبق تفسيرهما -: أن وصفه تعالى برب العالمين؛ أي: مالكهم، أو سيدهم، يثير في النفوس شيئاً من الرهبة، فقرن بوصف الرحمة؛ ليجعل بجانب الرهبة منه رغبة إليه، وفي ذلك استدعاء إلى الإقبال على طاعته، مع رجاء فضله وإحسانه.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}:
المالك: وصف من المِلك - بكسر الميم -. والدين: الجزاء؛ أي: إنه تعالى يتصرف في أمور يوم الدين تصرفَ المالك فيما يملك، قال تعالى: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]، وقرئ:
(1/9)

{مَلِكِ يوم الدين} من الملك - بضم الميم -، ومعناه: المدبر لأمور يوم الدين، كما قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16].
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}:
العبادة: الطاعة البالغة للنهاية في الخضوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة ما تحقق فيها أمران: الإخلاص، وموافقتها للوضع الذي رسمه الشارع. وقدّم المعبود على العبادة، فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}؛ لإفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. والمعنى: نخصك بالعبادة، ولا نتجه بها إلى غيرك. وقال: {نَعْبُدُ} بنون الجماعة، ولم يقل: أعبد؛ ليدل على أنه يعبده في جماعة المؤمنين، ويشعر بأن المؤمنين المخلصين يكونون في اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم في الحديث عن شؤونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم.
{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}:
الاستعانة: طلب المعونة، ومعنى الجملة: نخصك بطلب الإعانة، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى غيرك. ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل الطلب كل ما يتجه إليه الإنسان من الأعمال الصالحة.
وجاء طلب الاستعانة بعد قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}؛ ليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذي ييسر لهم أداءها.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}:
الهداية: الإرشاد، والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله، والنبي، والقرآن، وقد يراد منه: الإيصال إلى ما فيه خير، وهي بهذا المعنى لا تضاف إلا إلى الله - جلّ شأنه -. والصراط في أصل
(1/10)

اللغة: الطريق السهل المستوي، ومعناه في الآية: ما يدعو إليه الأنبياء - عليهم السلام - من العقائد والشرائع والآداب، ومن هدي إليها، فقد ظفر بأسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}:
الإنعام: إيصال الخير إلى الأحياء العقلاء، والمراد في الآية: الإنعام الديني، فالمنعَم عليهم: من عرفوا الحق فتمسكوا به، والخير فعملوا به. وقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ} بدل من {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، ولم يقل: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم" مستغنياً عن ذكر الصراط المستقيم؛ ليدل على أن صراط هؤلاء المنعَم عليهم هو الصراط المستقيم. وقال {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ولم يقل: صراط الأنبياء أو الصالحين؛ ليدل على أن الدين نعمة عظيمة. ويكفي في الدلالة على عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}:
بدل من {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أسند إلى الله، فسروه بمعنى: إرادة الانتقام، أو بمعنى: الانتقام نفسه. والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها، وإنما نعرف أثرها، وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم. وأتى في وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله تعالى، فقال: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وفي وصف الغضب باسم المفعول، فقال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، وفي ذلك تعليم لأدب جميل، هو أن الإنسان يجمل به أن يسند أفعال الإحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإحسان والعقاب
(1/11)

صادراً منه. ومن شواهد هذا قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10].
{وَلَا الضَّالِّينَ}:
الضالين: جمع ضالّ، وهو من لا يهتدي طريقاً يصل منه إلى المطلوب، فيمشي في غير طريقه، ويتخبط في عماية.
وحرف (لا) في قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ} جاء لتأكيد معنى النفي المستفاد من كلمة: غير. والمعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
وورد في حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى (1).
ومن لم يروا الحديث بالغاً في الصحة الدرجة التي توجب الوقوف عنده، فسروا المغضوب عليهم بمن فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، وقالوا في تفسير الضالين: هم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالات، لا يهتدون إلى الحق. ومن هؤلاء من ذهب في تفسيره إلى أن المغضوب عليهم كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة، وهم الفساق، وأن الضالين كلّ من أخطأ في اعتقاد، وهم فاسدو العقيدة.
وقدَّم المغضوب عليهم على الضالين؛ لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعَم عليهم، فكان جديراً بأن يوضع في مقابلته قبل: الضالين.
__________
(1) رواه أحمد في"مسنده", وابن حبان في "صحيحه".
(1/12)

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُوْرَةِ البَقَرَةِ
(1/13)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 1 - 5].
{الم}:
افتتحت سور من القرآن الكريم بأحرف مقطعة، وقد ذهب المفسرون فيها مذهبين: مذهب من يعدها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، ومذهب من يتناولها بالتفسير؛ كسائر الآيات التي هي مجال لأنظار الراسخين في العلم، وجمهور أهل هذا المذهب يعدونها اسماً للسورة، ويزاد على هذا: أنها اسم فيه إشعار بأن القرآن الذي تحداهم الله به هو من جنس الكلام المركب من هذه الأحرف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في البلاغة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم دونها بمراحل فسيحة، وتصدير السورة بمثل هذه الأحرف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إذ يطرق أسماعهم لأول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم، وذلك
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الأولى.
(1/15)

مما يلفت أنظارهم؛ ليتبينوا ماذا يراد منها، فيستمعوا حكماً وحججاً قد تكون أسباب هدايتهم.
{ذَلِكَ الْكِتَابُ}:
الكتاب: المكتوب. والمراد: القرآن المجيد، فإنه كان يكتب حين نزوله في الألواح ونحوها. وأتى به معرَّفاً، ولم يقل: ذلك كتاب؛ تنبيهاً لكماله في المعنى الذي تتفاضل فيه الكتب، وهو الهداية والحكمة، كما تقول: زيدٌ الرجلُ؛ أي: الكامل في الرجولة. وأشير إلى الكتاب باسم الإشارة المقرون بالكاف الدالة على بعد المشار إليه؛ تنزيلاً لعلو مرتبته، وبعدها في الكمال منزلةَ البعد المحسوس.
{لَا رَيْبَ فِيهِ}:
الريب: الشك. والقرآن لروعة حكمته، وسطوع حجته، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحياً سماوياً، ومطلع هداية وإصلاح. فالآية تنفي الريب في القرآن عمّن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية، ومن ارتاب في القرآن، فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية، أو بصيرة نافذة.
{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}:
الهدى في الأصل: مصدر هدى يهدي، واستعمل هنا بمعنى: هادٍ، مبالغة في الوصف بالهداية. والعرب يستعملون المصدر في معنى اسم الفاعل، مبالغةً في وصف الشيء بما صدر منه من الأفعال، أو قام به من الصفات. والمتقون: جمع مُتَّقٍ؛ أي: متصف بالتقوى. والتقوى درجات، أدناها: اجتناب الشرك، وأعلاها: اجتناب ما نهى الله عنه، والقيام بما أمر به، حسب الاستطاعة. وأشار إلى هذا من قال: "التقوى أن لا يراك حيث نهاك،
(1/16)

ولا يفقدك حيث أمرك".
ومعنى كون القرآن هدى للمتقين: أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17].
ويصح أن يكون المعنى: هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية، كما لو قلت: هديت مهتدياً، أو كتبت مكتوباً، على معنى: أني هديت شخصاً صار مهتدياً بهذه الهداية، وكتبت خطاباً صار مكتوباً بهذه الكتابة، وهو أسلوب عربي صحيح، كما ورد في حديث: "من قتل قتيلاً، فله سَلَبُه" (1).
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}:
الغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيراً ما يستعمل بمعنى: الغائب، وهذا المعنى هو الظاهر من الآية، ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل؛ كذات الله تعالى، وصفاته، وملائكته، واليوم الآخر.
والإيمان بالغيب: التصديق به على وجه الجزم، والتصديق الجازم لا يحصل إلا عن دليل، وقيام الآيات على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقاً به عن دليل، فلا يحتاج في الإيمان بالملائكة والكتب التي نزلت قبل القرآن، والرسل الذين بعثوا من قبل، واليوم الآخر، إلى دليل زائد على الآيات التي قامت على صدق الرسول - عليه الصلاة والسلام -. أما الإيمان بالله، فإنما يحصل من الأدلة العقلية، ذلك لأن صدق الرسول في دعوى الرسالة لا يثبت إلا بعد الإيمان بالإله الحق.
__________
(1) استعمال اسم الفاعل في مثل هذا التركيب حقيقة لا مجاز.
(1/17)

{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}:
الصلاة في اللغة: الدعاء، واستعملها الشارع في العبادة ذات الركوع والسجود؛ لاشتمالها على الدعاء. وإنما تقام الصلاة بأدائها في أوقاتها المقدرة لها، وتعديل أركانها، وإيقاعها مستوفية لواجباتها، وآدابها. والصلاة المقامة بحق هي التي يصحبها الإخلاص، واستحضار جلال الله في الركوع والسجود، وهي التي تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس وعفافها، وسلامة الناس من إيذائها؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}:
رزقُ الله الناس: إعطاؤه لهم ما ينتفعون به من المطعومات والملبوسات ونحوها من مرافق الحياة. والإنفاق من الرزق: إنفاذ جانب منه في وجه من الوجوه الحيوية، وقد جاء في الآية مطلقاً، ووروده في مقام مدح المتقين يدل على أنه إنفاق في وجوه الخير. وقال: {يُنْفِقُونَ}، ولم يقل: أنفقوا؛ ليفيد أن الأنفاق يتجدد منهم المرة بعد الأخرى، والعرب تعبر بالمضارع ليفيد أن الفعل يحدث ويتجدد مرة بعد أخرى، والإنفاق في الآية مطلق، فيبقى على إطلاقه شاملاً للواجب والمتطوَّع به.
وإيراد (من) في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} إشارة إلى أن إنفاق بعض المال مع تجدد الإنفاق يكفي لدخول صاحبه في زمرة المهتدين المفلحين.
وعني القرآن الكريم بمدح المنفقين، والحث على الإنفاق؛ إذ كان من أعظم الوسائل إلى رقي الأمم وسلامتها من كوارث شتى؛ مثل: الفقر، والجهل، والأمراض المتفشية، فببذل المال تسد حاجات الفقراء، وتشاد
(1/18)

معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ الصحة، إلى ما يشاكل هذا من جلائل الأعمال.
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}:
هذا الوصف للمتقين بالإيمان بالقرآن وغيره من الكتب السماوية، بعد وصفهم بالإيمان بالغيب. والإيمان بما أنزل على الرسول إيمان برسالته، وموجب للعمل بما تضمنته شريعته، وإيجاب العمل بما تضمنه الكتاب المنزل على خاتم النبيين - صلوات الله عليه -، باق على إطلاقه. أما الكتب الأخرى، فيكفي الإيمان بأنها كانت وحياً وهداية، أما العمل، فإنما يتمسك فيه بما تضمنه القرآن المجيد، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].
ويصح أن يراد من الآية: من آمنوا بالكتب المنزلة قبل الإسلام، ثم لما جاء القرآن، وعرفوا أنه الحق، آمنوا به كذلك، والجمع بين الإيمانين على هذا النحو مزية أشار إلى فضلها الحديث الصحيح الوارد فيمن له أجران، ومن بينهم: "رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -".
{وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}:
الآخرة تجيء وصفاً للدار الباقية، كما قال تعالى: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ} [الأنعام: 32]، ثم كثر استعمالها بدون ذكر الموصوف، حتى صارت اسماً يفهم منه الدار الباقية خاصة؛ كما قال تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4]، وقال هنا: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} و {يُوقِنُونَ}: من الإيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بحيث لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم به شبهة.
(1/19)

وإيراد الضمير {هُمْ} قبل قوله: {يُوقِنُونَ} تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة، أو غير بالغ مرتبة اليقين.
وللإيمان باليوم الآخر أثر عظيم في اجتناب الشر، والاستكثار من الخير، ففي وصف المتقين به تنبيه على الوجه الذي أحرزوا به الغاية من تقوى الله في السر والعلانية.
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}:
هذا كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين في المنزلة العليا من الكمال الإنساني، فقد وصفهم بأنهم على هدى عظيم، وإنما يتفاوت الناس في الكمال على قدر تفاوتهم في الهداية. ويدل على عظيم هذا الهدى: إيراده نكرة، فهو في معنى: هدى عظيم، على ما هو المعروف في علم البلاغة من أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم. ويضاف إلى هذا وصفه تعالى للهدى بأنه منه، فقال: {مِنْ رَبِّهِمْ}، فدل على أنه ضرب من الهدى عظيم؛ حيث إن الله تعالى هو الذي وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه.
وقال: {عَلَى هُدًى}؛ ليفيد أنهم ظاهرون بالهدى ظهور من تمسكوا به، وتمكنوا منه تمكن من استعلى الشيء، وصار في قرار راسخ منه.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}:
هذه الجملة بيان لما يظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال من سعادة الدنيا والآخرة، والمفلحون: مأخوذ من الفلاح، وهو الفوز بالبغية. وبغية المتقين في الدنيا: أن تكون أوقاتهم مصروفة في الأعمال الصالحة ما استطاعوا، وتكون نفوسهم راضية بما قسم الله لها من رزق، وبغيتهم في الآخرة: السلامة من فزع يوم البعث، والفوز بنعيمي الروح والبدن في
(1/20)

دار الخلود.
وتعريف الخبر {الْمُفْلِحُونَ} مع إيراد ضمير الفصل {هُمُ} يفيد أن الفلاخ مقصور على أولئك المتقين، فمن لم يؤمن بالغيب، أو أضاع الصلاة، أو قبض يده عن أداء حق المال، فاته الفلاح، فلا يحيا الحياة الطيبة في الدنيا، ولا يستحق السلامة من الفزع في الأخرى.
(1/21)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 6 - 10].
اشتملت الآيات السالفة على وصف حال المتقين، وبيان ما ينالون من هدى وفلاح، والشأن أن تتشوف النفوس عند سماع تلك الآيات إلى وصف أضدادهم، وبيان مصيرهم، وهم فريقان: الفريق المجاهر بكفره، والفريق الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فأشار إلى الفريق الأول، فقال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}:
الكفر في أصل اللغة: الستر والإخفاء، ثم شاع في جحود النعمة، كأن المنعَم عليه قد غطى النعمة بجحودها، ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يجيء به الرسول نصاً صريحاً، ويصير معلوماً من الدين بالضرورة.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الأولى.
(1/22)

وسمى من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه: كافراً؛ لأنه صار بجحوده ذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطي له.
وسواء: اسم مصدر بمعنى: مستوٍ. والإنذار: الإعلام بالأمر مع التخويف في مدة تسع التحفظَ من المخوف.
ومعنى الجملة: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارُك وعدم إنذارك. ويفهم من هذا: أنهم لا ينتفعون بالإنذار في الاهتداء إلى الإيمان، فقوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} جملة مفسرة لمعنى الجملة قبلها، وهو استواء إنذارهم وعدم إنذارهم. والمعنى: أن هذه الطائفة لا يحصل منها إيمان البتة. وحرف (لا) إذا دخل على الفعل المضارع؛ نحو: {لَا يُؤْمِنُونَ}، أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل أبداً حتى تقوم قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدود. وليس المراد من الذين كفروا: كل من اتصف بالكفر؛ فإن كثيراً من الكافرين ينتفعون بالإنذار فيؤمنون، وإنما المراد منه: طائفة اعتلت قلوبهم، وانطمست بصائرهم، فأعرضوا عن الحق، والنظرِ في أدلته بعد إبلاغهم الدعوة، أو جحدوا الحق بعد إقامة الحجة عليهم.
والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذا الصنف من الكفار: تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم، وفي هذا تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفاً على قوم دعاهم إلى سبيل من الحق، وبذل جهده في دعم دعوته بالحجة، فنأوا بجانبهم، وانحطوا في أهوائهم.
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}:
هذا بيان للمانع لهم من الاهتداء للإيمان فيما يستقبل، كما أنهم لم
(1/23)

يهتدوا له فيما سلف. والختم: الوسم بطابع ونحوه؛ كضرب الخاتم على الكتب والأبواب. والقلب: المضغة الواقعة بالجانب الأيسر من الصدر، ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم. والسمع: مصدر سمع، ويطلق على القوة التي يقع بها السمع. ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء، استعير لإحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما.
وورد السمع في الآية مفرداً، مع إضافته إلى جماعة، وهو أسلوب عربي سائغ، وبلاغة اللغة تسع استعمال المفرد في معنى الجمع عند أمن اللبس، تفنناً في العبارة، وأخذاً بطريقة الإيجاز، فإن السمع أقل حروفاً من الأسماع. قال سيبويه: وحد لفظ السمع، إلا أنه ذكر ما قبله وما بعده بلفظ الجمع، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً.
{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}:
الأبصار: جمع بصر، وهو في الأصل: الإدراك بالعين، ويطلق على القوة التي يقع بها الإبصار، وعلى العين نفسها، وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار في الآية، وهو الأنسب لأن تجعل عليه غشاوة؛ أي: غطاء. ومفاد الآية: أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدي لأن تنظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات نظر اعتبار، كأنما جعلت عليها غشاوة.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}:
هذا بيان لما يستحقونه من الجزاء على إغراقهم في الكفر، واستحبابهم للمعاصي، والعذاب: الألم الفادح، ووصف بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيراً هيناً.
(1/24)

وبعد أن ذكر قصة الفريق الثاني من الناس، وهم الكافرون بألسنتهم وقلوبهم، عطف عليها قصة الفريق الثالث، وهم الذين يبطنون الكفر في قلوبهم، ويظهرون الإيمان بأفواههم؛ أعني: المنافقين، فقال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}:
الناس: اسم لجماعة الإنس. واليوم الآخر: هو الوقت الذي يبتدئ بالبعث، ولا ينقطع أبداً، وقد يراد منه: اليوم الذي يبتدئ بالبعث، وينتهي باستقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
واقتصر هؤلاء المنافقون في إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ ليموهوا على المؤمنين بادعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه؛ فإن من يؤمن بالله واليوم الآخر إجابة لدعوة الرسول، شأنه أن يكون مؤمناً برسل الله وملائكته وكتبه.
وقولى تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} رد لما ادعوه من الإيمان، ونفي له على أبلغ وجه؛ إذ جاء النفي مؤكداً بالباء في قوله: {بِمُؤْمِنِينَ}. إن الجملة نفث عنهم الإيمان بإطلاق، فافادت أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، لا من الإيمان بالله واليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا}:
هذا بيان للغرض الذي دعاهم إلى أن يقولوا: آمنا بالله وباليوم الآخر وهم كاذبون. والخداع في أصل اللغة: الإخفاء والإبهام، ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير، أو التخلص منه. ويخادعون بمعنى يخدعون، وكثيراً ما يجيء فاعَلَ بمعنى فعل، نحو: عافاه الله، وعاقبت المجرم.
(1/25)

والله لا يخفى عليه صنيع المنافقين حتى يصح أنهم يخادعون الله على الحقيقة، وإنما سمى إظهارَهم الإيمان وإبطانهم الكفر خداعاً لله؛ لأن صورته صورة خداع. وأما خداعهم للمؤمنين، فبإظهارهم لهم أنهم إخوانهم في الإيمان يبتغون إرضاءهم، وهم يضمرون لهم العداوة، ويتربصون بهم الدوائر، أو بمجالستهم حتى يطلعوا على أسرارهم، فينقلوها إلى أعدائهم.
{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}:
الأنفس: جمع نفس بمعنى: ذات الشيء وحقيقته؛ أي: إنهم لم يخادعوا الله؛ لعلمه بما يسرون، ولم يخدعوا المؤمنين؛ لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين.
وإنما يخدعون أنفسهم؛ أي: ذواتهم؛ لأن ضرر المخادعة عائد عليهم، ووبالها لاحقٌ بهم.
{وَمَا يَشْعُرُونَ}:
الشعور: العلم الحاصل بالحواس، ومنه: مشاعر الإنسان؛ أي: حواسه، والمعنى: ما يعلمون أنهم في الواقع إنما يخدعون أنفسهم، مع أن لحاق ضرر المخادعة بهم واضح وضوح ما لا يخفى إلا على فاقد الحس، ويستعمل الشعور بمعنى: إدراك الشيء من جهة تدق، وهو الفطنة، ومنه أُخذ الشاعر؛ لإدراكه دقائق المعاني، فإن حمل الشعور في الآية على هذا المعنى، كان قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} في معنى: لا يدركون أنهم في الحقيقة يخادعون أنفسهم دون من سواهم؛ لأن ظلام الغي ضرب في قلوبهم، وجعلهم أغبياء لا يفطنون لمعاني دقيقة لو فطنوا لها، لرجعوا عن خداعهم، وأقلعوا عن نفاقهم.
(1/26)

{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}:
هذا بيان لعلة خداعهم، والمرض: العلة في البدن، ونقيضُه الصحةُ، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء، فيخل بكمال نفسه؛ كسوء العقيدة، والحسد، والبغضاء، والرعب، وعلى مثل هذا يحمل المرض في قلوب المنافقين.
{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}:
هذا إخبار بمعنى أن الله ضاعف حسدهم بزيادته النعم على رسوله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو كثر خوفهم ورعبهم بما يجدده لهما من مظاهر القوة والنصر.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}:
العذاب: الألم الفادح، والأليم: المؤلم، وقد جاء فَعيل بمعنى مُفْعِل؛ نحو: الوجيع، والسميع، والنذير، والبديع، بمعنى: الموجع والمسمع والمنذر والمبدع.
والكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وكذب المنافقين في قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. وجعلت الآية العذاب الأليم مرتباً على كذبهم، مع أن القوم كفرة، والكفر أكبر معصية من الكذب، لتشير إلى قبح الكذب، وتنفر منه بأبلع وجه؛ حيث خصته بالذكر، ويفهم أن هذا العذاب جزاء على الكفر أيضاً من سياق الكلام. أو يقال: إن جزاء الكفر دل عليه قوله تعالى في قصة الكافرين المجاهرين: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ إذ المنافقون يشاركونهم في الكفر الذي استحقوا به ذلك العذاب، ويساوونهم فيه، وهذه الآية جاءت لتدل على جزاء ما امتازوا به عن الكافرين
(1/27)

المجاهرين، وهو الكذب في دعوى الإيمان، فللمنافقين عذابان: عذاب عظيم على كفرهم، وعذاب أليم على كذبهم الذي يرتكبونه المرة بعد الأخرى خداعاً لله والمؤمنين. والدليل من الآية على أن كذبهم كان يتجدد حيناً بعد حين صيغة: {كَانُوا يَكْذِبُونَ}. وقرئ: (يُكَذّبونَ) من التكذيب؛ أي: يكذبون الرسول فيما يدعو إليه.
(1/28)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 11 - 16].
وصفت هذه الآيات المنافقين بثلاث قبائح، مضافة إلى ما وصفتهم به الآيات السابقة من الكذب والخداع، وهي: الفساد، والسفه، والاستهزاء بالمؤمنين، فقال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}:
والفساد: خروج الشيء عن كونه منتفَعاً به، وفسر هذا بالكفر، والعمل بالمعصية، ومن كفر بالله وعصاه، فقد أفسد في الأرض، وإنما تصلح الأرض بالتوحيد والطاعة. ومن أكبر معاصي هذا الصنف من المنافقين: ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وجحد
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الأولى.
(1/29)

الإسلام، وإلقاء الشبه في سبيل الدعوة، ومن أكبر معاصيهم: مظاهرةُ المشركين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، والظاهر أن القائلين لهم: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} هم بعض المؤمنين الذين اطلعوا على شيء من سوء أعمالهم. وكان جوابهم أن {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، والإصلاح: فعل ما فيه صلاح، والصلاح: الصواب في الأمر: ودلّوا بكلمة: {إِنَّمَا} على أنهم لا يفعلون إلا ما فيه صلاح، فلا يقع منهم الإفساد البتة.
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}:
هذا تكذيب لهم في دعوى أنهم مصلحون، ووصف لهم بالإفساد على أبلغ وجه؛ فقد افتتحت الجملة بكلمة: {أَلَا}، وهي إنما تستعمل لتنبيه المخاطب، وإحضار ذهنه لما يرد بعدها من الحديث حتى لا يلقى إليه وهو غير متهيئ لسماعه، ووصل {أَلَا} بإنَّ الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، وأورد الخبر بعدهما مؤكداً بوجه من أقوى وجوه التوكيد، وهو تعريف المسند {الْمُفْسِدُونَ}، وتوسط ضمير الفصل {هُمُ} بينه وبين المسند إليه، إذ قال: إنهم هم المفسدون، ولم يقل: إنهم مفسدون، ثم وصفهم بالجهل الفاحش، فنفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد، ومن أفظع الجهل أن يكون الرجل مفسداً، ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئي لكل ذي حس؛ فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبئ باختلال آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحاً، والشر خيراً.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}:
السفهاء: جمع سفيه، مأخوذ من السَّفَه الذي هو في الأصل بمعنى: الخفة، وقيل لضعيف الرأي وسخيف العقل: سفيه؛ لأنه خفيف لا رزانة
(1/30)

له، وبهذا المعنى يفسر {السُّفَهَاءُ} في الآية. والمراد من {النَّاسُ}: المؤمنون بالرسول، الصادقون في إيمانهم. والقائل لهم: {آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}: الرسول، أو بعض المؤمنين.
ثم إن بعض هؤلاء المنافقين يقول لبعضهم: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ يريدون: أتباع الرسول بحق. وروي أنهم كانوا يقولون: أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان، وسفيه بني فلان؟ فأوحى الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الذي يقولون.
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}:
هذا ردٌّ منه تعالى، وقلبٌ لصفة السفه عليهم؛ ذلك أنهم أعرضوا عن النظر في الدليل، وباعوا آخرتهم بدنياهم، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل.
وقد تضمن هذا الرد تسفيههم وتكذيبهم في دعوى سفه الصادقين في إيمانهم؛ فإن قوله تعالى: {إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} يفيد أن السفه مقصور عليهم، فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين بحق. وإنما قال في الآية السابقة: {لَا يَشْعُرُونَ} , وقال في هذه الآية: {لَا يَعْلَمُونَ}؛ لأن الآية السابقة وصفتهم بالإفساد، وهو من المحسوسات التي تدرك بأدنى نظر، فيناسبه نفي الشعور الذي هو الإدراك بالمشاعر؛ أي: الحواس، أما هذه الآية، فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأي، والجهل بالأمور، وهذا لا يدركه الشخص في نفسه إلا بعد نظر وإمعان فكر، فيناسبه نفي العلم.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}:
لقيه: إذا استقبله قريباً منه. ومعنى {آمَنَّا}: أخلصنا الإيمان بقلوبنا؛ لأن الإقرار باللسان معلوم منهم. و {خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ}: انفردوا بهم،
(1/31)

وشياطينهم: زعماؤهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم وصدهم عن سبيل الحق. والمعية في قولهم: {إِنَّا مَعَكُمْ} يراد منها: موافقتهم في دينهم. وأكدوا ما خاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد إذ قالوا: {إِنَّا مَعَكُمْ}؛ ليزيلوا ما قد يجري في خواطرهم من أنهم فارقوا دينهم، وانقلبوا إلى دين الإسلام بقلوبهم، ولم يؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين إذ قالوا لهم: {آمَنَّا}، ولم يقولوا: إنا آمنا؛ ليوهموهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم حتى يحتاجوا إلى تأكيد.
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}:
هذا وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذ يقولون: كيف تدعون أنكم معنا، وأنتم توافقون المؤمنين في عقيدتهم، وتشاركونهم في مظاهر دينهم؟ فقالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}.
والاستهزاء: الاستخفاف والسخرية. والمعنى: أننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم؛ استخفافاً بهم وسخرية، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وجد.
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}:
ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الاستهزاء هو التحقير على وجه شأنُه أن يتعجب منه، وهذا المعنى غير مستحيل على الله، فيصبح إسناده إليه تعالى على وجه الحقيقة. ورأى أكثر أهل العلم أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس؛ كأن يظهر المستهزئ استحسان الشيء، وهو في الواقع غير حسن، أو يقر المستهزأ به على أمر، وهو غير صواب، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل المسند إليه تعالى على معنى يليق بجلاله، فيحمل على ما يلزم
(1/32)

الاستهزاء من الاحتقار والإهانة، أو على ما يترتب عليه من الجزاء، والمعنى: يجازيهم على هزئهم بالعذاب.
وتسمية جزاء الذنب باسم الذنب معروفة في الكلام العربي، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40].
وقال: {يَسْتَهْزِئُ}؛ ليفيد بصيغة الفعل المضارع أن استهزاءه بهم - أي: احتقارهم، أو مجازاتهم على استهزائهم - يتجدد، ويقع المرة بعد الأخرى.
{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}:
المدّ: الزيادة. والطغيان: الغلو في الكفر، والإسراف في العتو. والعَمَه: الضلال والعمى عن الرشد، أو أن يركب الإنسان رأسه، فلا يبصر الحق حقاً، والباطل باطلاً. ومدّ الله في طغيانهم: زيادته فيه بتمكينهم من المعاصي، أو بإملائه لهم؛ أي: إطالته لهم ما هم فيه من نعمة ورغد عيش، أو بإمهاله لهم. والمعنى: يمكنهم من المعاصي، أو يملي لهم، أو يمهلهم، حالَ كونهم يعمون عن رشدهم، أو يركبون رؤوسهم فلا يبصرون.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}:
المشار إليهم هم المنافقون الموصوفون في الآيات السابقة بالكذب، والمخادعة، والفساد في الأرض، ورمي المؤمنين بالسفاهة، واستهزائهم بهم. ومعروف في علم البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات، يلاحظ فيه تلك الصفات، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها في أذهان المخاطبين، فتكون تلك الصفات - وهي هنا: الكذب، والمخادعة، وما عطف عليها - كأنها ذكرت في هذه الآية؛ ليعرف بها علة الحكم الوارد
(1/33)

بعد اسم الإشارة، وهو في هذه الآية: اشتراء الضلالة بالهدى. ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها، واستبدالها به، وهذا لا يقتضي أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، بل يكفي فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى؛ لقيام أدلته الواضحة، بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل.
{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}:
اختير في الآية السابقة التعبير بالاشتراء؛ للدلالة على اختيارهم الضلالة على الهدى، وزادت هذه الآية في تصوير الشراء أنه كان على وجه التجارة، والتجارة: التصرف في رأس المال ابتغاء الربح، والربح: استفادة مالٍ زائد على رأس المال، والمعنى: أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة بالهدى على ربح، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد يفوت صاحبها الربح، ولا يقع في خسارة؛ بأن يبقى رأس ماله محفوظاً, فإن التجارة المقصودة من الآية التي هي استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران، فإذا نفى عنها الربح، فذلك معنى أنها تجارة خاسرة.
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}:
جاءت هذه الجملة عقب الحديث عن استبدال المنافقين الضلالة بالهدى، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق. ويصح أن يراعى في هذه الجملة إخراج ذلك الاستبدال في صورة المبايعة التجارية، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة؛ حيث باعوا الهدى الذي هو مطلع النجاح والسعادة، بالضلالة التي هي مهواة الخيبة والشقاء.
(1/34)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 17 - 20].
بعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين في الآيات السابقة، ضرب لهم مثلين، أشار إلى الأول منهما بقوله تعالى:
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}:
المثل في أصل الكلام: الشبيه والمثيل، ثم أطلق على القول السائر الذي شبه مضربه بمورده، ثم استعمل في الحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية. وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفي، وتقريب المعقول من المحسوس، وعرض الغائب في صورة الشاهد، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقعَ في القلوب، وأثبتَ في النفوس. واستوقد النار: أوقدها. وأضاءت
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الأولى.
(1/35)

ما حوله: جعلت ما حوله مضيئاً، أو أشرقت فيما حوله. وذهب الله بنورهم: أذهبه؛ أي: سلبه منهم، وإسناد {ذَهَبَ} إلى الله مشعر بان أحداً لا يستطيع أن يرده إليهم، فما يمسكه الله لا مرسل له. وقال: {بِنُورِهِمْ}، ولم يقل: بنارهم؛ لأن إيقاد النار يكون للإضاءة، وللإحراق، والمقصود من إيقاد النار الواردة في المثل إنما هو الإضاءة. وقال: {بِنُورِهِمْ}، ولم يقل: بنوره، مع أن مرجع الضمير هو {الَّذِي اسْتَوْقَدَ}، وهو بحسب الظاهر مفرد، إما لأن {الَّذِي} قد يطلق بمعنى الذين، وله شواهد من كلام العرب، ومن القرآن نفسه؛ كما قال تعالى: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69]، أو لأن {الَّذِي} أريد منه جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه، فصار في معنى جماعة من المستوقدين، وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله: {بِنُورِهِمْ}.
{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}:
الظلمات: جمع ظلمة، وهي عدم النور وانطماسُه. وإيرادها بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض. وأكد هذا بقوله تعالى: {لَا يُبْصِرُونَ}؛ أي: إن الظلمات بالغةٌ في الشدة، حتى إن أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم كما لا يتأتى لمن طمس على أعينهم أن يبصروا.
ولتطبيق هذا المثل على حال المنافقين وجهان: وجه على مذهب من يرى من السلف أن المثل ضرب في قوم دخلوا في الإسلام عند وصول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ثم صاروا بعد الإيمان إلى كفر ونفاق، ووجه على مذهب من يرى من السلف أيضاً أن المثل ضُرب في قوم إنما دخلوا الإسلام من أول أمرهم نفاقاً.
(1/36)

فيقال على الوجه الأول: إن قصة هؤلاء الذين اكتسبوا بإيمانهم نوراً، ثم أبطلوا ذلك الإيمان بنفاقهم، ووقعوا في حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا ناراً، ولما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم ذلك الضوء، فراحوا في ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلاً.
ويقال على الوجه الثاني، وهو أن المثل مضروب في قوم لم يسبق لهم إيمان، وإنما دخلوا في الإسلام نفاقاً: إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام نفاقاً، قد ظفروا بحقن دمائهم، وبغنائم الجهاد، وسائر أحكام المسلمين، فتمتعوا بذلك في الدنيا قليلاً، ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة؛ كقصة من استوقدوا ناراً لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلاً، ثم طفئت، وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة.
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}:
هذا خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين؛ أي: هم صم بكم عمي. ووُصف المنافقون بهذه الصفات؛ لأنهم - وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر - لا يسمعون خيراً، ولا يتكلمون بما ينفعهم، ولا يبصرون مسلكاً من مسالك الهداية، فقد صرف الله عنهم عنايته، ووكلهم إلى أنفسهم. ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل: صم وبكم وعمي، مع أنه يصح أن يقال: هو كاتب وشاعر وفقيه؛ لما عرف من استعمالات البلغاء أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها؛ حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة.
{فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}:
أي: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة
(1/37)

بعد أن اشتروها.
وأشار إلى المثل الثاني بقوله تعالى:
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ}:
والصيّب: المطر، ويطلق على السحاب. والسماء: هذه المظلة المزينة بالكواكب، وكل ما علاك من سقف ونحوه. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب. والبرق: الذي يلمع من السحاب. وفي الجملة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير: أو كمثل ذوي صيّب ... إلخ. والمعنى: أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً، أو قصة ذوي صيّب.
{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ}:
{الصَّوَاعِقِ}: جمع صاعقة. والصاعقة: قصفة؛ أي: صوت هائل من رعد شديد، تنقض معه نار لا تمر بشيء إلا دمرته. و (من) في قوله تعالى: {مِنَ الصَّوَاعِقِ} للتعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدّهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضي بصوتها الهائل إلى موت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ}. يقال: صعقته الصاعقة: إذا أهلكته بشدة صوتها، أو بالإحراق.
والمعنى: يسدون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها. والمعروف أن الذي يجعل في الأذن عند الفزع من الصوت الرائع رؤوس الأصابع، وهي الأنامل، ولكنه قيل: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ} مسايرة للمألوف في اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشيء إلى ذلك الشيء، حيث يكون المراد جلياً واضحاً، وهو معدود من سعة التصرف في اللغة.
(1/38)

{وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}:
هذه جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيّب. وإحاطته تعالى بالكافرين على معنى: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ به، فهو قادر على النكال بهم متى شاء، وكيف شاء. وقال: {مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}، ولم يقل محيط بهم، مع تقدم معاد الضمير، وهم أصحاب الصيّب؛ إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم.
{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}:
{يَكَادُ}: من الأفعال التي تدخل على اسم يسند إليه فعل بعده؛ نحو: {الْبَرْقُ يَخْطَفُ}، فتدل على أن المسند إليه - وهو البرق - قد قارب أن يقع منه الفعل، وهو خطف الأبصار. والخطف: الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة في العين يدرك بها الألوان والأشكال. والمعنى: أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارهم.
{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}:
هذا وصف لما يصنعه أهل الصيّب في حالتي ظهور البرق واختفائه. وأضاء: لمع. وأظلم: ذهب ضوءه. وقاموا: وقفوا وثبتوا في مكانهم؛ أي: إنهم إذا صادفوا من البرق وميضاً، انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي لمعانه، وقفوا في مكانهم.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}:
{شَاءَ}: أراد؛ أي: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم، لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرق فأعماهم. أو يقال: إن قصف الرعد ولمع البرق المذكورَين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوي
(1/39)

الصيّب وأبصارهم لو شاء الله ذلك، فيكون معنى قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ} إشعاراً بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما يكون بإذنه تعالى.
وورود السمع في الآية مفرداً، مع أنه مضاف إلى جماعة، سائغ في نظم الكلام العربي؛ فإن اللفظ الذي يكون في الأصل مصدراً، ثم ينقل إلى غير المصدر، ويراد منه أفراد متعددة، قد يختار عند استعماله مراعاة أصله، فيؤتى به مفرداً؛ اعتماداً على القرينة الدالة على التعدد دلالة واضحة.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
الشيء في أصل اللغة: كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه. ويحمل في هذه الآية على الممكن خاصة، موجوداً كان أو معدوماً؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل. والقدير: الفعال لما يريد. وهذه الآية بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الآية السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيّب وأبصارهم متى شاء.
وتطبيق هذا المثل على حال المنافقين: هو أن أصحاب الصيّب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، وفتح أعينهم في البرق اللامع، فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعاً من قصف الرعد، وخوفاً من صواعق تجلجل فوق رؤوسهم، فتدعهم حصيداً خامدين. وكذلك حال هؤلاء المنافقين؛ فإنهم - لضعف بصائرهم وعقولهم - تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده، وتهديده، وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم، ويصرفون عنه أسماعهم، يخشون أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق الرائعة.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيراً
(1/40)

من الفرق المبتدعة إذا سمعوا شيئاً من الآيات أو الأحاديث المنافية لبدعتهم، أعرضوا عنها، وقالوا: سدوا عنا هذا الباب، واقرؤوا شيئاً غير هذا. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد، وتليت عليهم نصوصه المبطلة لشركهم، اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم، لفعلوا.
(1/41)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 21 - 25].
افتتحت سورة البقرة بذكر القرآن المجيد، ووصفه بأنه كتاب لا يتطرق إليه الريب في حال، واتصل بهذا آيات في تقسيم الناس إلى مؤمنين به، وكافرين مجاهرين، وكافرين منافقين، فكان من المناسب إلى هذا التقسيم توجيههم إلى الأمر الذي خلقوا من أجله، وهو عبادته تعالى دون ما سواه، فقال جلّ شأنه:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}:
العبادة: الخضوع البالغ الغاية، والربّ: المالِك، أو المربّي. وفي
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الأولى.
(1/42)

ذكره تعالى باسم الرب، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية لداعية إقبالهم على عبادته؛ فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكاً أو مربياً له، وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام، لم يلبث أن يخصه بأقصى ما يستطيع من خضوع وتعظيم.
{الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}:
الخلق: الإخراج من العدم إلى الوجود. والمعنى: أوجدكم بعد أن كنتم في عدم، كما أوجد الذين تقدموكم. وقدّم وصفه بخلق المخاطبين، مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم؛ لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}:
لعلَّ: حرف موضوع ليدل على الترجي، وهو توقع حصول الشيء عندما يحصل سببه، وتنتفي موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هي التقوى، وسببه هي العبادة؛ إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى، وهي الفوز بالهدى والفلاح. والترجي قد يكون من جهة المتكلم، وهو الشائع. وقد تستعمل (لعل) في الكلام على أن يكون الترجي مصروفاً للمخاطب، فيكون المترجي هو المخاطب لا المتكلم. وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية؛ لاستحالة حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة؛ لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه، مع رجحان الوقوع. والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، وهم البالغون الغاية في الهدى والفلاح.
(1/43)

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}:
الفراش: ما يفترشه الإنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. ومعنى جعل الأرض فراشاً: خلقها موطأة كالفراش؛ بحيث يتيسر الاستقرار عليها، والتقلب في مناكبها، والانتفاع بما أودع الله فيها من خيرات. وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافي كونها مكوّرة؛ لأن الكرة إذا عظمت جداً، كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع به.
{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}:
يقال لسقف البيت: بناء؛ أي: جعل السماء كالسقف للأرض؛ لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32]. ونبه للاعتبار بخلق الأرض قبل التنبيه للاعتبار بخلق السماء؛ لأن الأرض أقرب من المخاطبين، وانتفاعهم بها أظهر وأكثرُ من انتفاعهم بالسماء.
قال الجاحظ: "إذا تأملت هذا العالم، وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كمالكِ البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحيوان مصرفة لمصالحه. فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية".
{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}:
{السَّمَاءِ}: السحاب. والثمر: ما ينتجه الشجر. والرزق: ما يصلح لأن ينتفع به. والباء في قوله: {بِهِ} للسببية؛ أي: إنه جعل الماء سبباً في
(1/44)

خروج الثمرة، وهو القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب. وأورد {مَاءً} و {رِزْقًا} في صيغة التنكير التي تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ لغة؛ لأن من الماء ما لم ينزل من السماء، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات، فمعنى الآية: أنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون رزقاً لكم.
{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}:
الأنداد: جمع نِدّ، والندّ: المماثل، وإنما يقال على المماثل المخالف المناوئ.
ولما ترك المشركون عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة، وزعموا أنها تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد بهم من خير، شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أنداداً، الذي هو مصب النهي في الآية.
{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
أي: لا تعبدوا أوثانكم عبادة من يعتقد أنها أنداد لله، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها أنداداً له تعالى. أو المعنى: وأنتم من أهل العلم والنظر، فلو تأملتم أدنى تأمل، لاضطررتم إلى الإيمان بالإله الواحد المتعالي عن مشابهة المخلوقات حقَّ الإيمان. وفي هذه الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله؛ لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحاً، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ الإنكار.
بعد أن نبه للدليل القائم على وجود الخالق، وإبطال عقيدة الشرك، أورد الدليل القائم على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن آمن بالله، وبنبوة محمد
(1/45)

- عليه الصلاة والسلام -، فقد فاز بلب الإيمان، وأخذه من أطرافه، فقال تعالى:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}:
الريب: الشك. والعبد: يطلق بمعنى الرقيق؛ أي: خلاف الحر، ويطلق على الإنسان، ولو كان حراً؛ باعتبار معنى عام هو عبوديته لله، وعلى هذا الوجه أطلق في الآية مراداً منه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي إضافته إلى الله تعالى: {عَبْدِنَا} تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به. وفي ذكره - صلوات الله عليه - باسم العبودية تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغلوا في تعظيمه إلى أن يدّعوا إلهيته كما غلت بعض الفرق في تعظيم أنبيائهم أو زعمائهم، فادعوا إلهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات.
والضمير في قوله: {مِنْ مِثْلِهِ} عائد على (ما نزلنا)، وهو القرآن. والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب، وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة. وفي القرآن وجوه أخرى من الإعجاز؛ كالإخبار عن غيوب ماضية، أو غيوب مستقبلية، وكاشتماله على معان علمية دقيقة لا عهد للأميين بها.
{وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}:
ادعوا: نادوا. شهداءكم: آلهتكم، جمع شهيد، وهو القائم بالشهادة. فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. ودون: بمعنى غير. والمعنى: نادوا الذين اتخذتموهم أولياء من غير الله؛ ليعينوكم
(1/46)

على المعارضة، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثل القرآن بلاغة وحكمة بيان. وأمرهم بدعوة الأصنام، وهي جماد، وتسميتها شهداء، مع إضافتها لهم، وهي لا تعقل، ولا تنطق، واردان على الطريقة المعروفة بين البلغاء، المسماة في عرفهم: طريقة التهكم، وهي أسلوب لطيف يثير في نفوس المخاطبين من الألم ما قد يكون سبباً لتنبههم لجهلهم وانصرافهم عن ضلالهم.
{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
الصدق: مطابقة الكلام للواقع. وجواب الشرط {إِنْ كُنْتُمْ} محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة، حتى صار ذكره في نظم الكلام، مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى: إن كنتم صادقين في زعم أنكم تقدرون على معارضة القرآن، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا آلهتكم ليعينوكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}:
فإن لم تفعلوا: أي: تعارضوا القرآن، وتبيَّن لكم أن أحداً لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين، وهو النار التي وقودها الناس والحجارة.
الوقود: ما يلقى في النار لإضرامها؛ كالحطب ونحوه. والحجارة: الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]. واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم.
والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار
(1/47)

غيرهما، بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن: أن الجن والشياطين يدخلونها. وقوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} جملة معترضة بين الشرط {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} والجزاء {فَاتَّقُوا النَّارَ}، جاءت لتأكيد عجزهم عن معارضته؛ فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيداً لنفيها في الحال. وفي هذه الجملة معجزة من نوع الإخبار بالغيب؛ إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}:
{أُعِدَّتْ}: هيئت للكافرين الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها - وإن كانت معدة للفاسقين أيضاً -؛ لأنه يريد بذلك ناراً مخصوصة لا يدخلها غيرهم، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145].
ولما ذكر الكفار، وما يصيرون إليه من عذاب الحريق، عطف على ذلك ذكر المؤمنين، وما يفوزون به من نعيم في حياتهم الباقية؛ كما هي سنّة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، فقال تعالى:
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}:
البشارة: الخبر السار. والجنّات: جمع جنة، وهي البستان الذي سترت أشجاره أرضه، ثم صار اسماً شرعياً لدار النعيم في الآخرة. والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء. وأسند إليه الجري في الآية، والذي يجري في الحقيقة إنما هو الماء؛ أخذاً بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل
إلى مكانه؛ توسعاً في أساليب البيان. وقوله: {مِنْ تَحْتِهَا} وارد على طريق
(1/48)

الإيجاز بحذف كلمة: أشجار؛ اعتماداً على تبادرها إلى الذهن. والمعنى: تجري من تحت أشجارها الأنهار.
{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}:
معنى هذا: أن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة، وجدوها مثل الذي رزقوه فيها من قبلُ في بلوغه الغايةَ من حسن المنظر، ولذة الطعم. وفي هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها، ولذة طعمها؛ بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى، فجميع ثمارها تلذه العين، ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم.
{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}:
أتوا به: جِيئوا به. والمتشابه: مأخوذ من التشابه، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر مع التساوي في وجه الشبه. وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها في معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهةً لا يفضل فيها ثمر على آخر، بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت في مناظره حسناً، وفي طعومه لذة.
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}:
الأزواج: جمع زوج، وهي المرأة يختص بها الرجل، ومعنى كون الأزواج مطهرة: أنهن منزهات عن كل ما يَشينُهن من العيوب في أبدانهن أو خلقهن.
{وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}:
{فِيهَا}: أي: في الجنات. وخالدون: باقون على الدوام، من الخلود،
(1/49)

وهو البقاء الدائم. وإنما يتم النعيم باطمئنان صاحبه على أنه دائم؛ ذلك أن النعيم متى كان محتمل الزوال، يبقى صاحبه منغصاً؛ إذ يذكر أنه سيفقده في مستقبل الأيام.
(1/50)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 26 - 29].
لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين في حال المنافقين، أعني: قوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]، وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19]، أنكر المنافقون ذلك، وقالوا: إن الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
وروي في سبب نزول هذه الآيات أثر آخر، هو أن هذه الآيات نزلت
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الأولى.
(1/51)

رداً على اليهود؛ حيث أنكروا أن يضرب الله الأمثال بالمحقَّرات؛ كالذباب، والعنكبوت.
ومناسبة هذه الآيات لما قبلها على مقتضى هذا الأثر: هي أن الله تعالى بعد أن نفى الريب عن القرآن بقوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، ونبه للدليل على إعجازه بقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23]، أشار إلى دفع شبهة أوردها الكفار قدحاً في كونه وحياً من الله، وهي أن القرآن ذكر فيه الذباب والنمل والعنكبوت، ولا يليق بكلام الله أن تذكر فيه هذه المحقرات.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}:
يستحيي: من الاستحياء بمعنى: الحياء، وهو في أصل اللغة: انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم، وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، وليس المراد في هذه الآية نفيه عن الله، وإنما أريد نفيُ ما يترتب عليه؛ أعني: ترك الفعل.
والمعنى: أن الله لا يترك أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها. وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف في الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحاً.
والمثل في اللغة: الشبيه. وهو في عرف القرآن: الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع كالمثلين السابقين، أو وصف غريب؛ نحو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج: 73].
وضرب المثل: إيراده. وعبّر عن إيراده بالضرب؛ لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع، و (ما) في قوله: {مَثَلًا مَا}، هي ما الإبهامية
(1/52)

تجيء بعد النكرة، فتزيدها شيوعاً وعموماً؛ كقولك: أعطني كتاباً ما، تريد أي كتاب كان.
والبعوضة: واحد البعوض، وهو طائر. وقوله: {فَمَا فَوْقَهَا} بمعنى: أكبر منها في الحجم؛ كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار.
بيَّن في هذه الآية أنه يضرب الأمثال بالمحقرات من نحو البعوض فما فوقها، وأردف ذلك ببيان موقف الناس أمام هذه الأمثال، فذكر أنهم فريقان: مؤمنون، وكافرون، وأشار إلى وقعها في نفوس المؤمنين، فقال تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}:
أمّا: حرف تُصدّر به الجملة للتأكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت تأكيد ذلك، وإفادة أن ذهابه واقع لا محالة، قلت: أمّا زيد، فذاهب. والضمير في قوله: {أَنَّهُ} يعود على المثل، أو على ضربه المفهوم من قوله: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا}. والحق: خلاف الباطل: وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. ووجه كون المثل أو ضربه حقاً: أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها. وقال: {أَنَّهُ الْحَقُّ} معرفاً بأل، ولم يقل: إنه حق؛ للمبالغة في حقيقة المثل، ومن المعروف في علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفاً بأل؛ للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال.
وأشار إلى ما يتلقى به الكافرون هذه الأمثال عندما تتلى عليهم، فقال تعالى:
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا}:
{مَاذَا}: ما الذي. والإرادة في أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل، وإذا
(1/53)

أسندت إلى الله تعالى، دلت على صفة له تتعلق بالممكنات، فيترجح بها أحد وجهي المقدور، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع. وقوله: {مَثَلًا} واقع موقع التمييز لاسم الإشارة (هذا)؛ كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول: ماذا أردت بهذا جواباً؟.
وكلام هؤلاء الكافرين لفظة استفهام عما أراد الله من الأمثال، ومعناه: استحقار لهذه الأمثال، وإنكار لأن يكون الله قد ضربها للناس.
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا}:
دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقاً، مما يزداد به المؤمنون رشداً على رشدهم، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطاً في ظلمات جهلهم، وأفادتا: أن كلاًّ من فريقي المؤمنين به، والمنكرين له ليسوا بقليل، والمهتدون في أنفسهم كثير، وإذا وصفوا بالقلة، فبالقياس إلى أهل الضلال. والمثل إنما يراد من ضربه التذكر والهداية؛ كما قال تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25]. وقد يسمعه الزائغون عن سبيل الحق، ولا يتدبرونه بروية، فيزدادون به غواية وبعداً من مواطن الخير والتقوى.
{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}:
الفاسقون: جمع فاسق؛ من الفسق، وهو في أصل اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة من قشرها؛ أي: خرجت منه. وشرعاً: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروج من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم مادون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص في العُرف من بعد بارتكاب الكبيرة، ولم يُسمع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة، فهو بهذا
(1/54)

المعنى من الألفاظ الإسلامية.
وقصْرُ الإضلال بالمثل على الفاسقين إيذانٌ بأن الفسق هو الذي أعدّهم لأن يضلوا به؛ حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه. وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟!.
{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}:
النقض: إفساد ما أبرمته من حبل أو بناء. وعهد الله: وصيته إلى خلقه، وأمرهم بما أمرهم به، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه، وشاع استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم للعهد حبلاً؛ لما في العهد من ثبات الصلة بين المتعاهدين.
والميثاق: التوثقة، وهي التقوية والتثبيت. والمعنى: الذين يبطلون عهد الله؛ أي: شرعه؛ بترك العمل به بعد أن ثبّته وقوّاه بما أنزل من الآيات البينات.
{وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}:
وصف أولئك الفاسقين بنقض عهد الله، ثم وصفهم في هذه الجملة بقطع ما أمر الله بوصله. وهذا الوصف يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى؛ كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة.
{وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}:
يقع الفساد في الأرض بعبادة غير الله، والدعاية إلى الكفر به، وإخافة السبل، وقطع الطريق، إلى غير ذلك من الأفعال التي تنزع إليها الطبائع المرذولة، والشهوات الطاغية. وقوله: {فِي الْأَرْضِ} إشارة إلى أن فسادهم
(1/55)

يتعدى إلى غيرهم، ولا يقف عند حدهم.
وصف الذين ينكرون الأمثال في القرآن، ويستحقرونها، بالفسق، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، والفساد في الأرض، ووصل هذا ببيان عاقبة أمرهم، فقال:
{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}:
{الْخَاسِرُونَ}: جمع خاسر، مأخوذ من الخسر والخسران، وهو النقص. ومن نقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد في الأرض، فقد نقص نفسَه حظَّها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزي في الدنيا، والعذاب في الأخرى.
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ}:
بعد أن عدد مساوئ أولئك الكافرين، وبيّن ما يصيرون إليه من الخسران في حياتهم العاجلة والآجلة، وجّه إليهم الإنكار والتوبيخ على الوجه المعروف في علم البلاغة باسم: "الالتفات"؛ حيث نقل الحديث عنهم من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب، فقال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} ... إلخ.
قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} استفهام لا يراد منه استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما يراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام، وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص: كيف تؤذي أباك وقد رباك؟! لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه، وتوبخه عليها.
وقوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} جارٍ مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشئ عن جهل، وعدم تأمل في أدلة الإيمان القائمة نصب أعينهم.
(1/56)

والأموات: جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء بمعنى الخلق. والمعنى: كيف تكفرون بالله، وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم؟! ويصح أن يفسر الأموات بفاقدي الحياة، والإحياء بنفخ الروح فيهم، والمعنى: كنتم أمواتاً يوم استقراركم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، فنفخ فيكم الأرواح، وأصبحتم في طور إحساس وحركة وتفكير وبيان.
وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة، أورد جملاً لاستيفاء الأطوار التي ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد في دار نعيم أو عذاب، فقال تعالى:
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}:
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}: بقبض أرواحكم عند انقضاءآجالكم، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}: ببعثكم بعد الموت، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم في المحشر، ويتولى حسابكم والحكم في أمركم، {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19].
أما الإماتة، فيشاهدونها بأعينهم، وأما البعث، فقد نبّه على ما يدل على صحته، وينفي استبعاده أو استحالته، فإنه لما قدر تعالى على إحيائهم أولاً، وجب أن يقدر على إحيائهم ثانياً، فإن بدء الخلق ليس بأهونَ عليه من إعادته.
وفي قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ترهيب لمن ينزع إلى الشر، ويرتكب المعاصي من غير مبالاة، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير، ويقوم على الطاعات.
(1/57)

يقولون: إن الأدلة الكونية التي أوردها القرآن ليتوصل بها الإنسان إلى الإيمان بالخالق - جل شأنه - ترجع إلى نوعين: دليل الإبداع؛ كاختراع الحياة في الجماد، ودليل العناية؛ أعني: عنايته تعالى بالإنسان. ويظهر هذا بالنظر إلى منافع ما في الأرض؛ فإنه يجدها على وفق ما يقتضيه وجود الإنسان، وتنتظم به شؤون حياته. وفي هذا المعنى ورد قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}:
أي: إنه خلق جميع ما في الأرض، من نحو الحيوان والنبات، والمعادن والجبال من أجلكم، فهو المنعم بها عليكم لتنتفعوا بها في دنياكم، وتتقووا بها على طاعته. وفي الآية شاهد على أن الأشياء التي فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها.
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}:
{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: أقبل وعمد إليها بإرادته، وتسويتها: تعديل خلقها وتقويمه. والسماء لم يُرَد منها فرد من أفراد السموات، وإنما أريد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث في قوله: {فَسَوَّاهُنَّ}. وكذلك يقول علماء العربية: إن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له؛ أي: المعنى الذي تشترك فيه أفراده، صار في معنى الجمع؛ لأن الجنس يتحقق في أفراد متعددة. وهذا الوجه في الاستعمال من أفصح الأساليب العربية التي تعتمد على رعاية المعاني دون التقيد بظواهر الألفاظ.
{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}:
هذه الجملة مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات والأرض وما فيهما
(1/58)

على هذه الصورة الحكيمة؛ فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات، وموافقة جميعها للمنافع المقصود منها، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها.
ولإحاطته بكل شيء علماً وضع كل جزء في موضعه اللائق به.
(1/59)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 30 - 33].
بعد أن امتنّ الله تعالى على البشر في الآيات السابقة بنعمة خلقه لهم ما في الأرض جميعاً، ذكَّرهم في هذه الآيات بنعمة أخرى هي نعمة خلقه آدم، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم، فقال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}:
إذْ: بمعنى وقت، واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دلّ عليه المقام. والمعنى: اذكر يا محمد وقتَ أن قال ربك للملائكة ... إلخ. وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحاً به في آيات أخرى، كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69].
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الأولى.
(1/60)

والملائكة: جمع ملاك بمعنى مَلَك، وهم نوع من الخليقة ذوو أجسام لطيفة يستطيعون أن يتشكلوا بأشكال مختلفة.
والخليفة: من يخلف غيره في أمر. وآدم كان قد خلف الله في الحكم بالعدل، وقام بالخلافة أبناؤه من بعده، كما قال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26]. وخطاب الله للملائكة بأنه سيجعل خليفة في الأرض، لم يصدر على وجه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة، وما أجيبوا به من بعد.
{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}:
السفك: الصب. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق. والحمد: الثناء.
ومعنى {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: ننزهك في حالة كوننا حامدين لك على توفيقك إيانا للتسبيح، والتقديس لله: تمجيده، ووصفه بما يليق من العلو، فيكون التسبيح: نفي ما لا يليق، والتقديس: إثبات ما يليق. وقد جاء تقديم التسبيح على التقديس، على المعروف من تقديم التخلية على التحلية. وقيل: التسبيح بالطاعات والعبادات، والتقديس بالاعتقادات والمعارف.
والملائكة لا يعلمون الغيب، فلا بد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد في الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التي يُطْلع الله بها على غيبه بعض المصطفين من خلقه.
وقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} ... إلخ، إنما صدر منهم على
(1/61)

وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر منها الإفساد في الأرض وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله في كل ما يفعل لا ينافي تعجبهم من بعض أفعاله؛ لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل شيء، وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله، لا يعد منكراً له في حال.
{قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}:
قلنا: إن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} لم يكن صادراً عن إنكار، وإنما هو استكشاف عن الحكمة. ولما كانت مكانتهم من طاعة الله، ويقينهم بأن أفعاله تعالى لا تصدر إلا عن حكمة يقتضيان أن يتلقوا ما أعلمهم الله به من جعل خليفة في الأرض بتسليم تام، ويتمهلوا إلى أن يطلعهم الله على الحكمة من خلق آدم بوجه من وجوه العلم، كانت مبادرتهم لسؤاله تعالى عن الحكمة غير واقعة الموقع اللائق بكمال أدب العارفين به، المقربين من حضرته، واقتضى هذا أن يجيبهم بجواب يذكرهم فيه بالأمر الذي شأنه أن يقف بهم في حدود الأدب اللائق بمقام الإلهية، وهو أنه تعالى عالم بما لا يحيط به علمُ أحد من خلقه، فله أن يفعل ما يشاء، ويأمر يما يشاء، وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه - حين يأمرهم بشيء، أو يعلمهم بأنه سيفعل شيئاً - عن حكمة ما أمر به، أو ما سيفعله، بل شأنهم أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها، فقد ظفروا بأمنيتهم، وإن وقفت عقولهم دونها؛ ففي تسليمهم لقدر الله، وامتثالهم لأوامره الكفاية في القيام بحق التكليف، والفوز برضا الله الذي هو الغاية من الإيمان به، والإقبالِ على طاعته.
(1/62)

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} بعد أن أجاب الله تعالى الملائكة عن سؤالهم بجواب نبه فيه على الأدب اللائق بمن يخاطبه الله من عباده بأنه سيقضي أمراً، تفضل بإبداء جانب من حكمة خلق آدم، وجعلهِ خليفة في الأرض، وهو أنه سيزوده من العلم بما يكفي لأن تكون مصلحة خلقه، وإقامته خليفة، أرجحَ وأعظم من المفسدة التي تنشأ عن ذلك، فقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}.
والأسماء: جمع اسم، والاسم: ما يكون علامة على الشيء. وتأكيد الأسماء بلفظ: {كُلَّهَا} ظاهر في أنه علّمه أسماء كل ما خلق من المحدثات. ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ومنافعها؛ فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق.
وعرضُ الشيء: إظهاره. والضمير في قوله: {عَرَضَهُمْ} عائد على المسميات، وهي مفهومة من قوله: {الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}؛ إذ الأسماء لا بد لها من مسميات، فإذا جرى حديث عن الأسماء، حضر في ذهن السامع ما هو لازم لها؛ أعني: المسميات. ومدار عود الضمائر في اللغة على أن يكون معادها مذكوراً في نظم الكلام، أو مفهوماً من سياق الحديث. ودلّ على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء، فقال: {عَرَضَهُمْ} ولم يقل: عرضها؛ لأن في جملة هذه المسميات أنواعاً من العقلاء: الملائكة، والإنس، والجن، ومن الأساليب المعروفة بين فصحاء العرب تغليبُ الكامل على الناقص، فإذا اشتركا في نحو الجمع أو التثنية، أتي بالجمع أو التثنية على ما يطابق حال الكامل منهما.
(1/63)

والأمر في قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} لم يكن من قبيل الأوامر التي يقصد بها التكليف؛ أي: طلب الإتيان بالمأمور به، وإنما هو وارد على وجه التبكيت؛ أعني: إفحام المخاطب بالحجة.
وقوله تعالى: {صَادِقِينَ} من الصدق بمعنى: الصواب، كما أن الكذب قد يطلق ويراد منه الخطأ. والمعنى: أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم مصيبين فيما خطر على أنفسكم من أنكم أفضل أو أعلم ممن سأجعله خليفة في الأرض.
{قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}:
هذه الجملة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر في ذهن السامع للجملة السابقة؛ إذ الشأن أن يقال عند سماع قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}: ماذا كان من الملائكة؟ هل أنبؤوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟ فقال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} ... إلخ الآية
وسبحان: اسم مصدر بمعنى: التسبيح؛ أي: التنزيه، وهو منصوب بفعل مضمر لايكاد يستعمل معه.
ولو قال الملائكة: لا علم لنا بأسماء هذه المسميات، لكان جوابهم على قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلغ وجه، فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئاً غير ما يعلمهم الله.
ودخل في ضمن هذا النفي العام: الاعترافُ بالقصور عن معرفة الأسماء المسؤول عنها.
(1/64)

{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}:
{الْعَلِيمُ}: الكثير العلم. والحكيم: ذو الحكمة. والحكمة تستعمل بمعنى: العلم، وتستعمل بمعنى: إتقان الفعل. وحمل الحكيم على هذا المعنى أولى من حمله على معنى العالم، حتى يفيد معنى زائداً على ما أفاده قوله: {الْعَلِيمُ}
وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة؛ ليكون وصفه بالعلم متصلاً بنفيهم العلم عن أنفسهم في قولهم: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}
ولما اعترف الملائكة بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه، ونفوا عن أنفسهم العلم بأبلغ عبارة، وجه الله الخطاب إلى آدم-عليه السلام- يأمره بأن يخبر الملائكة بالأسماء التي سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال تعالى:
{قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}:
أذن الله لآدم أن يعلم الملائكة بالأسماء التي فاتتهم معرفتها؛ ليظهر لهم فضل آدم، ويزدادوا اطمئناناً إلى أن إسناد الخلافة إليه تدبير قائم على حكمة بالغة.
وعلمُ الغيب يختص به واجب الوجود - جلّ شأنه -؛ لأنه هو الذي يعلم المغيبات بذاته، وأما العلم بشيء من المغيبات الحاصل من تعليم الله، فلا يقال لصاحبه: إنه يعلم الغيب.
وقوله تعالى: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... إلخ الآية: استحضار لمعنى قوله تعالى قبل هذا: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، وإعادة
(1/65)

له على وجه من التفصيل، أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما يضمرونه في أنفسهم، وفي قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} ... إلخ: تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى؛ حيث بادروا إلى السؤال عن الحكمة، وكان الأولى بهم أن يأخذوا بالأدب المناسب لمقام الإلهية، فيدعوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من وجوه العلم.
أظهر الله فضل آدم - عليه السلام - من جهة العلم أولاً، ومن جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له؛ فإن إمداد الله له بالعلم من طريق تعليمه إياه يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية. ثم إن العلم الذي يحصل من طريق النظر والفكر قد يعتريه خلل، ويحوم عليه خطأ، فيقع صاحبه في الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح؛ بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله؛ فإنه علم مطابق للواقع لا محالة، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح. وصاحب هذا العلم هو الذي يصلح للخلافة في الأرض، ومن هنا كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة في الأرض.
* * *
(1/66)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 34 - 37].
دلت الآيات السابقة على أن الله تعالى خص آدم - عليه السلام - بالخلافة، كما خصه بعلم غزير وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت هذه الآيات كرامة أخرى أكرمه الله بها، وهي أمره للملائكة بالسجود له، فقال تعالى:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}:
هذا معطوف على قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ...} [البقرة: 30]، والسجود في اللغة: الخضوع، والتذلل. وفي عرف الشارع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة، والسجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة؛ أي: إن الله تعالى أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهراً
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة الأولى.
(1/67)

للخضوع والتواضع له، غير وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك.
ومن حملوا السجود في الآية على معنى وضع الجبهة على الأرض، ادّعوا أن سجوده كان لله، وأن آدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون. وهو تأويل يبعده أن المقام مقام إظهار فضل آدم عليهم، وإظهار فضله لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود.
{فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}:
أفادت الفاء في قوله: {فَسَجَدُوا}: أنهم سارعوا في الامتثال، ولم يتثبطوا فيه. وإبليس: اسم للشيطان أعجمي، وهو كائن حي. وقد أخطأ وجهَ الحق من حمله على معنى: داعي الشر الذي يخطر في النفوس. وليس من المعقول أن تحمل عليه الآيات، وهي صريحة في أنه كان يقول، ويقال له، ويرى الناس، ولا يرونه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].
واستئناء إبليس من الملائكة ظاهر في أنه كان من قبيلهم؛ إذ الأصل في المستثنى أن يكون داخلاً تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. والإباء: الامتناع مع الاختيار والتمكن من الفعل. والاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس. و (كان) في قوله: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} بمعنى صار.
ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصياناً؛ إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} على أنه امتنع من السجود أنفة وتعاظماً، وأردف هذا التعاظم باعتراضه على الله تعالى في تفضيل
(1/68)

آدم، فصار بذلك في فريق الكافرين، فقال تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.
{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}:
هذه الجملة معطوفه على قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ}. وقوله: {اسْكُنْ} أمر من السكنى؛ بمعنى: اتخاذ المسكن. وزوجه: حواء. والجنة: دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة، على ما يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وهذا هو المعروف عند كثير من أهل العلم. ومن المحتمل أن تكون هذه الجنة بستاناً بمكان مرتفع من الأرض، وإلى هذا الوجه من التفسير ذهبت طائفة من أهل العلم، ووقف آخرون دون ترجيح أحد التفسيرين؛ لقوة ما يورده كل من الفريقين شاهداً على ما ذهب إليه.
والمخاطب بالأمر بسكنى الجنة: آدم، وحواء، ولكنه وجّه في صيغة الخطاب إلى آدم، وعطفت عليه زوجه؛ لأنه المقصود بالأمر، وزوجه تبع له.
{وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}:
الضمير في قوله: {مِنْهَا} عائد إلى الجنة، ويراد بالأكل من الجنة: الأكل من مطاعمها وثمارها.
والرغد: الهنيء أو الواسع، يقال رغد عيش القوم: إذا كانوا في رزق واسع.
و {حَيْثُ}: ظرف مكان. ومعنى الجملة: وكلا من مطاعم الجنة وثمارها كلاً هنيئاً أو واسعاً في أي مكان من الجنة أردتم الأكل فيه. وأذن لهم في التمتع بالأكل من الجنة في أي مكان شاؤوا حتى لا يكون لهم عذر في الأكل من الشجرة التي نهوا عن القرب منها.
(1/69)

{وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}
القرب: الدنو. ولم يذكر القرآن نوع هذه الشجرة، على عادته من عدم التعرض لذكر ما لم يدعو المقصود من سوق القصة إلى بيانه. والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهي بالقرب منها؛ إذ قال: {وَلَا تَقْرَبَا}؛ لقصد المبالغة في النهي عن الأكل؛ إذ في النهي عن القرب من الشيء قطعُ لوسيلة التلبس به؛ كما قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، فنهى عن القرب من الزنا؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه، وهي القرب منه. وأكد النهي بأن جعل عدم اجتنباب الأكل من الشجرة ظلماً، وقال: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}، وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، وكان الأكل منها سبباً في إخراجهما مما كانا فيه من عيشة هنيئة واسعة.
{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}:
أزل: من الزلل، وهو عثور القدم وزلقها، ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة، كما استعمل في خطأ الرأي مجازاً. والضمير في قوله: {عَنْهَا} عائد إلى الشجرة.
ومعنى أزلهما عن الشجرة: أوقعهما في الزلة بسببها. ومن المحتمل أن يكون معنى (أزلهما): أذهبهما؛ كما يقال: زل من الشهر كذا؛ أي: ذهب وسقط. والمعنى: أبعدهما، وحولهما عن الجنة.
{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}:
ما كانا فيه: الجنة ونعيمها. والتعبير عن الجنة أو النعيم بقوله: (ما كانا فيه) أبلغُ في الدلالة على فخامة الخيرات التي كانا يتقلبان فيها مما لو قيل: من النعيم، أو الجنة؛ فإن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن
(1/70)

يعبر عنه بلفظ مبهم؛ نحو: (ما كانا فيه)؛ لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.
ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان، من قَبيل نسبة الفعل إلى ما كان سبباً فيه، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذي ترتب عليه إخراجهما من الجنة، إنما وقع بوسوسة الشيطان لهما.
{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}:
الخطاب لآدم وحواء وإبليس. وقوله: {اهْبِطُوا} من الهبوط، وهو النزول والانتقال من مكان إلى آخر. وقوله: {عَدُوٌّ} وصف من العداوة، وهي التناكر والتنافر بالقلوب. وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أُمر بالسجود له وأبى، وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإغواء.
وفي قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تنبيه لعداوة الشيطان لآدم وذريته حتى يحذروا من أن تصغي قلوبهم لوسوسته حين يزين لهم بها أعمالاً منكرة، أو يقبح لهم بها أعمالاً صالحة.
{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}:
المستقر: موضع الاستقرار، أو بمعنى الاستقرار، نحو: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 12] أي: الاستقرار. والمتاع: ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوه. والحين: الوقت، والمراد: وقت الموت، أو يوم القيامة.
ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره في الأرض، وتمتعه بنعيمها سينتهي بوقت لا يدري متى يدركه، فشأنه أن ينتفع بخيراتها، ويتمتع بطيب
(1/71)

العيش فيها، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملاذ هذه الحياة ومظاهر زينتها.
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}:
التلقِّي في الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل في معنى أخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان؛ أي: أخذتها منه، وقبلتها. والكلمات: جمع كلمة، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى، ومعنى الجملة: استقبل آدم من ربه كلمات بالأخذ والقبول والعمل بها. وأظهر ما قيل في تعبين هذه الكلمات ما أشار إليه تعالى في سورة الأعراف بقوله: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
{فَتَابَ عَلَيْهِ}:
التوبة في أصل اللغة: الرجوع، وإذا عُدِّيت بعن كان معناها: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى؛ كما جاءت في هذه الآية، كان معناها: قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد؛ أي: يقبل توبته.
{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
هذه الجملة واردة مورد التعليل لقوله {فَتَابَ عَلَيْهِ}. والتواب: وصف له تعالى؛ من تاب؛ أي: قبل التوبة، وجاء في صيغة فَعَّال؛ ليدل على كثرة قبوله تعالى للتوبة من عباده، ويدل عن أنه يقبل توبة العبد، وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه، ثم يعود إليه بعد التوبة، ثم يتوب بعد العودة إليه توبة نصوحاً.
(1/72)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38 - 39].
أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنّة؛ إذ قال تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، وأعاد خبر الأمر بالهبوط في هذه الآيات، فقال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} ... إلخ.
وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط أولاً؛ ليعلق عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدواً، ثم قصة ثانياً؛ ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل المخاطبين وانقسامهم إلى مهتدين وضالين.
صرحت الآيات بأن الله تعالى نهى آدم عن الأكل من الشجرة، ولكن الشيطان وسوس له حتى أكل منها، ثم إن الله لقنه كلمات قالها مستغفراً، فتاب الله عليه، ثم أمره بعد قبول توبته بالهبوط من الجنة. وقد يتبادر إلى
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الأولى.
(1/73)

الذهن أن آدم ارتكب ما نُهي عنه ارتكابَ من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، وهو من الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من أن يخالفوا أمر الله.
وجواب هذا: أن آدم تعمد الأكل من الشجرة ناسياً النهي عن الأكل منها، وفعلُ المنهيِّ عنه على وجه النسيان لا يُعد في قبيل المعاصي التي يرتكبها الشخص وهو على ذكر من أنه يرتكب حراماً، وهذه هي التي يستحق صاحبها عقاباً أخروياً، وهي التي عصم الله منها أنبياءه. وإذا عاتب الله بعض المصطفين من عباده على ما صدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم بالنهي يدعوهم إلى أن يقع النهي من نفوسهم موقع الاهتمام؛ بحيث يستفظعون مخالفته استفظاعاً يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع في بلائها. فالذي وقع من آدم - عليه السلام - هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم في استحضار النهي، وجعلِه نصبَ عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهي عنه غير متعمد للمخالفة. قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115].
{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}:
الفاء في قوله: {فَإِمَّا} لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله: {اهْبِطُوا}. و (إما) هي (إن) الشرطية دخلت عليها (ما) لإفادة التوكيد. والهدى من الله: الدلالة على ما هو حق وخير، بلسان رسول، أو آيات كتاب. ومن يتوسع في تفسير الهدى من الله، فيحمله على معنى الدلالة الشرعية أو العقلية، يبني تفسيره على أن الإيمان بالله لا يشترط في التكليف به مجيء رسول، أو إنزال
(1/74)

كتاب، فهو واجب على الناس؛ لما ركب الله فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من وجوه الاستدلال.
دل على أن الهدى صادر منه بقوله: {مِنِّي هُدًى}، ثم أضافه إلى نفسه بقوله: {هُدًى}، فنبه لتعظيم أمر الهدى، وأنه أحق بأن يتبع ويتخذ سبيلاً لطمأنينة النفس في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى.
والخوف: الفزع، وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله. والحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه، أو فقد محبوب. ومعنى (لا خوف عليهم): أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع. كما أن قوله: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ينفي عنهم الاغتمام لفوات مطلوب، أو فقد محبوب. و (على) في قوله {عَلَيْهِمْ} تنبئ بمعنى الإحاطة والشمول؛ فإنها تستعمل مجازاً فيما يغلب على الإنسان، ويحيط به؛ نحو: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}؛ فإن غرض الداعين أن تشمل السلامة المخاطبين، وتحيط بهم من جميع جوانبهم. فمعنى (لا خوف عليهم): نفي ملابسة الخوف لهم ملابسة الإحاطة والاستيلاء كما هو شأن الخوف من أهوال يوم القيامة.
وليس ببعيد أن يكون معنى {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: أنهم بلغوا باستقامة السيرة وفضل التقوى حيث لا يخاف عليهم أحد أن يصيبهم في يوم الجزاء مكروه.
ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره: أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم، ولا في آخرتهم، ولكن قوله فيما يقابله من جزاء الكافرين: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يرجح أن يكون المراد: نفي الخوف والحزن عنهم في الدار الآخرة. ثم إن
(1/75)

الذين يتقون الله حق تقاته قد يأخذهم شيء من الحزن في الدنيا، وأوضح شاهد على هذا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عند احتضار ابنه إبراهيم- عليه السلام -: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما برضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وقول يعقوب - عليه السلام - فيما قصة الله في القرآن: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ} [يوسف: 86]،
ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعيم الخالد في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}:
هذا معطوف على قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}، وارداً مورد المقابل له في تفصيل من يأتيهم الهدى من الله، ومقتضى وقوعه مقابلاً له أن يقال: والذين لم يتبعوا هداي أولئك ... إلخ، ولكنه عدل عن ذلك إلى قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}؛ لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير المكلفين من نحو الصبيان وفاقدي العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} جيء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار، والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم.
والآيات: جمع آية، وهي في الأصل: العلامة، وتستعمل في الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله تعالى وتوحيده، من نحو: بداح مصنوعاته، ومظاهر عنايته بالإنسان.
(1/76)

فالآيات هنا: الكتب المنزّلة، ومن يذهب إلى أن وجود الإيمان بالله لا يتوقف على دعوة رسول، يضيف إلى الكتب المنزّلة في تفسير (آياتنا): الدلائل الكونية الكافية في ربط القلوب بعقيدة التوحيد.
وأضاف تعالى الآيات إلى نفسه، فقال: (آياتنا)؛ ليكون قبح التكذيب بها أظهر. وأتى بنون العظمة، فقال: {بِآيَاتِنَا} دون أن يقول: بآياتي؛ لبعث المهابة في نفوس السامعين، وذلك أدعى إلى تلقي الوعيد باهتمام.
{وَأَصْحَابُ}: جمع صحب، مأخوذ من الصحبة، وهي الاقتران والملازمة. ودل بقوله: {خَالِدُونَ} على أن صحبتهم للنار دائمة، وليست من الصحبة التي تستمر مدة، ثم تنقطع، {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48].
انتهت قصة آدم عند هذه الآية. ويجدر بنا أن ننبه لرأي أبداه بعض من كتب في التفسير منذ عهد قريب، وهو أن هذه القصة واردة على وجه التمثيل، لا أنها إخبار عن حقائق واقعة، وبسط القول في تقرير كونها تمثيلاً بما لا يسع المقام حكايته.
والحقيقة أن القصة سيقت على وجه ظاهر في أنها واقعة، وتأويل آيات القصص على أنها من قبيل التمثيل لا يلجأ إليه إلا أن يكون حملها على المعنى الظاهر متعذراً، ولم يقم دليل شرعي أو عقلي يقتضي العدول في تفسير هذه القصة عن الظاهر من سياقها حتى يسهل صرف ألفاظها عن حقائقها، وتقبل دعوى أنها خارجة مخرج التمثيل.
والقصة - مع كونها حقيقة واقعة - تنطوي على حكم شائقة، وعبر لامعة، يجدها المتدبر لكتاب الله قريبة المنال، عزيزة المثال؛ كأن يفهم منها: أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من
(1/77)

العلم، ويفهم منها: أن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة، وأن روح الشر الخبيثة إذا طغت في نفس، ذهبت البراهين عندها ضائعة، ولا يوجهها إلى الخير وعد، ولا يردعها عن الشر وعيد.
ويستفيد منها الرئيس الأعلى كيف يفسح المجال لمرؤوسيه المخلصين يجادلونه في أمر يريد قضاءه، ولا يزيد على أن يبين لهم وجهة نظرة في رفق، وإذا تجاوزوا حد الأدب اللائق به، راعى في عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب، وتلقي أوامره بحسن الطاعة.
ويستفيد منها المتقلب في نعمة يغبط عليها: أن مخالفة ما أمر الله قد تكون سبباً لزوال النعمة، وذلك ما يدعوه إلى تحصينها بالتزام الطاعة في كل حال.
* * *
(1/78)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 40 - 43].
تضمنت الآيات السابقة التذكيرَ بالنعم التي أنعم الله بها على البشر، ومن بينها: خلق آدم- عليه السلام -، وإظهار فضله على الملائكة بما أوتي من علم، ودل بقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [البقرة: 38] ... إلخ على أن البشر فريقان: مهتدون، وكافرون. واتجه التنزيل عقب هذا إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم بنو إسرائيل، فقال تعالى:
{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}:
{إِسْرَائِيلَ}: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -. وفي إضافة المخاطبين إلى يعقوب - عليه السلام - بقوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} تشريف لهم بذكر نسبهم إلى أصل طيب؛ ليكون خطابهم بذلك داعية لذوي الفطر
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني عشر من السنة الأولى.
(1/79)

السليمة منهم إلى الإقبال على سماع ما يرد بعد النداء من التذكير بالنعمة.
والذكر يكون بالقلب، ومعنى {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}: تنبهوا لها، ولا تغفلوا عنها حتى تقوموا بواجب شكرها. ويكون الذكر باللسان، فيراد من الأمر بذكر النعمة: الأمر بالتحدث بها، والتحدث بنعمة الله مدعاة للتعبد بالشكر عليها.
والنعمة: المنعَم به، وتجمع على نِعَم، وقد وردت في القرآن بمعنى النعم، لا تحتمل غير هذا المعنى؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، فلفظ العد والإحصاء يعين أنه أريد بها: النعم الكثيرة. والنعمة في هذه الآية التي نحن بصددها يترجح حملها على معنى النعم؛ إذ لم يقم دليل من الآية على أنه أريد بها نعمة معهودة. ثم إن مقام الدعوة إلى الإيمان يقتضي توجيههم إلى أن يذكروا نعم الله عليهم فيما سلف، ولله عليهم نعم كثيرة عظيمة. واستعمال المفرد في معنى الجمع؛ اعتماداً على ما ينساق إليه الذهن بقرينة قائمة في نظم الآية، أو بقرينة يلمحها الناظر في مقام الخطاب، أسلوب معدود من أبلغ أساليب البيان.
{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}:
العهد: ما من شأنه أن يراعى؛ كاليمين، والأمان، والوصية، والأمر، والضمان.
وعهد الله: أوامره ونواهيه، والوفاء به: اتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
ويندرج فيه: ما أخذه على بني إسرائيل في التوراة من اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث، والإيمان به وبما جاء به من هداية وشريعة. وعهدهم الذي ضمن لهم الوفاء به في قوله: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: ما وعد به المؤمنين بحق؛ من طيب
(1/80)

الحياة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى.
{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}:
الرهب: الخوف. ومعنى خوف الله وارد على معنى الخوف من مقته وسخطه وعقوبته. وتقديم الضمير (إياي) على الفعل (ارْهَبُونِ) إذ قال: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} يفيد العناية والاهتمام بأن يرهب جانبه. والمعنى: لتكن قلوبكم عامرة بخشيتي؛ فإن امتلاء القلوب بخشية الله أعونُ لها على طاعته فيما يأمر به، وينهى عنه، ونقاءها من رهبة غيره دليل سمو الهمة، ورسوخ الإيمان، واستنارة البصيرة.
وبعد أن دعا بني إسرائيل إلى ذكر النعم التي أنعم بها عليهم. وأمرهم بأن يوفوا بعهده ضامناً لهم الوفاء بعهدهم، ونبههم لأن يخافوا مقامه تنبهاً مشعراً بعزة سلطانه، وسعة قدرته، عطف على ذلك أمرهم بما هو المقصد الأهم من الخطاب، وهو الإيمان بالقرآن، فقال تعالى:
{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}:
المعنى: آمنوا بالكتاب المنزّل على محمد، وهو القرآن؛ فإنه مصدق لما بين أيديكم من التوراة؛ باشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها؛ من التوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ويدخل في تصديق القرآن للتوراة: إعلامه بما جاء فيها من الإشارة إلى بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومطابقة ما وصفته به مطابقة جلية.
وإشعار بني إسرائيل بأن القرآن مصدق لما معهم من الكتاب، يحرك هممهم - إن كانوا يعقلون - للإقبال عليه متدبرين آياته، حتى يشهدوا حكمته، وتستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإصلاح اللذين تقوم عليهما الطمأنينة
(1/81)

في الدنيا، والسعادة في الأخرى.
{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}:
الضمير في قوله: {بِهِ} عائد إلى القرآن المشار إليه في قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ}، والأولية هنا بالنسبة إلى غير المخاطبين من أهل الكتاب، فلا يرد عليه أن المشركين من قريش كانوا أول من كفر به. والموصوف بقوله: {كَافِرٍ} مقدر بمعنى: فريق. والمعنى: لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن، فيتبع خطواتكم أناس، وبهذا تصيرون أئمة للكفر، وتكون ضلالتكم أقبح الضلالات أثراً، وعقوبتكم أشد العقوبات هولاً.
{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}:
الاشتراء: وارد بمعنى: الاستبدال. والآيات: الدلائل الناطقة بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى رأسها الآية التي جمعت بين الدعوة والحجة، وهو القرآن المجيد. والثمن القليل: حظوظ الدنيا من نحو الرياسة والمال. والذي يستبدل به الثمن القليل: هو الإيمان بالآيات، وحذفت كلمة الإيمان في نظم الآية على عادة القرآن من الاكتفاء بالقرائن القائمة بوضوح دلالتها مقام الصريح من الألفاظ. ونزل تمكينه من الإيمان بالآيات منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإيمان كان في حوزتهم، وتجردوا منه مستبدلين به شيئاً آخر، فمعنى اشترائهم تلك الحظوظ بالإيمان بالآيات: تركهم الإيمان بالآيات، وأخذهم بدله حظوظاً دنيوية هي حقيرة بالنسبة إلى ما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا، وخيرات حسان في الأخرى.
{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}:
الاتقاء: الحذر. واتقى الله: حذر عقابه. والحذر من عقاب الله يستدعي
(1/82)

تلقي أوامره ونواهيه بحسن الطاعة. وبهذا صح تفسير تقوى الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وتقديم الضمير (إياي) على الفعل (اتقون) يفيد العناية والاهتمام بأن يتقى عقابه.
ومن امتلأ قلبه بالخوف من الله، ودأب على الحذر من عقابه، برأه الله من أن يأتي جوراً، أو يعمل سوءاً، حذراً من أن يناله مخلوق بمكروه.
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}
نهى بني إسرائيل فيما سلف عن أن يكونوا كفاراً ضالين، ونهاهم في هذه الآية عن أن يعملوا لإضلال غيرهم.
ولدعاة الضلالة في إغواء الناس طريقتان: طريقة لبس الحق بالباطل، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}، وطريقة جحد الحق وإخفائه، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}.
ولبس الحق الباطل: خلطه به. وقد كانت تلك الطائفة تتصرف في بعض نصوص كتابهم بالتأويل الباطل اتباعاً للهوى. وهذا خلط للنص الذي هو حق بالباطل الذي هو التأويل الفاسد، وكان فيهم منافقون يجمعون بين الحق والباطل، فيقولون الحق بألسنتهم، ويبطنون الكفر في أنفسهم، وكان فيهم من يلقي حول الحق الظاهر شبهاً؛ ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد.
أما كتم الحق: فجحوده وإنكاره. ومن هذا الباب: حذف بعض النصوص التي تنطق بما لا يوافق أهواءهم.
{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
يعدّ في كبائر المعاصي: خلط الحق بالباطل، أو جحود الحق. ويكون
(1/83)

وقعه أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم، متى صدر من عالم يميز الباطل من الحق. ففي قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بيان لحال المخاطبين بالنهي، من أنهم كانوا يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق لا بجهالة، بل كانوا يفعلون ذلك وهم على علم بأنهم خلطوا الحق بالباطل، أو أخفوا حقاً بجحوده، وعدمِ بيانه للناس.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}:
بعد أن أمرهم بأصل الدين الذي هو الإيمان، أمرهم بركنين من أركانه العملية، أولهما: أعظم العبادات البدنية، وهي الصلاة، وثانيهما: أعظم العبادات المالية، وهي الزكاة. وإقامة الصلاة: أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها المفصلة في كتب السنّة، والزكاة وردت في القرآن كالصلاة مجملة، وترك تفصيل القول في أحكامها إلى السنّة، والزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وكلا المعنيين متحقق في الزكاة الشرعية، أما النماء، فبإخراج القسط المسمى زكاة يبارك الله في البقية من المال، فينمو، ويسلم من الآفات التي كثيراً ما تصيب أموال البخلاء بإيتائها، وأما التطهير، فلأن الزكاة تطهر المال من أن تكون فيه مظلمة.
أمر بني إسرائيل بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه الذي شرعه الإسلام، ثم عاد إلى فريضة الصلاة مؤكداً الأمر بها؛ لعظم أهميتها، فقال تعالى:
{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}:
الركوع في أصل اللغة: الخضوع والانقياد. ويطلق في عرف الشارع على الركن المعروف في الصلاة، وهو خفض المصلي رأسه حتى تبلغ راحتاه
(1/84)

ركبتيه. وقد كنى به عن الصلاة، وهو الظاهر من سياق الآية. والسر في هذه الكناية: أن الأمر موجه إلى اليهود، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه يقول: صلوا الصلاة ذات الركوع، وهي الصلاة التي شرعها الإسلام. وأشار بقوله: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} إلى فضل أداء الصلاة في جماعة.
* * *
(1/85)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 44 - 48].
تضمنت الآيات السابقة تذكيرَ بني إسرائيل بالنعم التي أنعم الله بها عليهم من قبل، ثم دعوتهم إلى الإيمان بالقرآن، والعمل بما شرع من صلاة وزكاة، وجاءت هذه الآيات مفتتحة بتوبيخهم وتقريعهم على أمر لا يصدر عن عقل، ولا يليق بذي علم، وهو حثهم الناس على الخير، وهم لا يفعلون ما يأمرون به، فقال تعالى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}:
الأمر: طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. والنسيان: غيبة الشيء عن القلب بعد حصول العلم به، وهو في الآية بمعنى: ترك العمل، على طريقة استعمال اللفظ فيما يكون لازماً لمعناه
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الثانية.
(1/86)

الأصلي؛ فإن من نسي شيئاً، ترك العمل به لا محالة، وهذا من الأساليب التي اتسع بها مجال البيان، وجعلت البلغاء يخرجون المعنى الواحد في عبارات متنوعة، والداعي إلى حمل النسيان على معنى الترك: أن الناسي حقيقة غير مؤاخذ على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوييخ الشديد الوارد في الآية.
ومن الواضح أن التوبيخ في الواقع متوجه إلى نسيانهم أنفسهم؛ أي: تركهم العمل بما يأمرون به، لا إلى أمر الناس بالبر؛ فإن الأمر بالخير في نفسه فعل محمود، ولو صدر ممن لا يفعل الخير؛ إذ ليس من شرط وجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر عاملاً به، وإنما عمله بما يأمر يجعل وعظه قريباً من القلوب، جديراً بأن يتلقى بالقبول.
{وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}:
التلاوة: القراءة. والكتاب: التوراة. وكون المخاطبين يقرؤون التوراة، يزيد تركهم العمل بما يأمرون به قبحاً، ويستدعي أن يكون توبيخهم على هذا الترك أغلظَ من توبيخ من ترك العمل الصالح وهو لم يقرأ كتاباً سماوياً، ذلك أن قراءته الكتاب لا تبقي له وجه الاعتذار بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين عن أمر الله عندما ينكر الناس فسوقهم.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}:
يطلق العقل على قوة في النفس تستعد بها لقبول العلم، ويطلق على إدراك الأشياء بتلك القوة. فمعنى {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: أليس لكم إدراك يزجركم عن ارتكاب ما لا يليق من الأفعال؟! ومن ألطف أساليب الخطاب: أن يكون للموجَّه إليه النصيحة صفةٌ شأنها أن تنساق به إلى خير، ولكنه يفعل
(1/87)

فعلاً لا يناسب تلك الصفة، فيقع صدوره منه موقع الاستغراب، فيذكر له مسدي النصيحة تلك الصفة في معرض الاستفهام، وهو إنما يريد تذكيره بأن ذلك العقل ليس من شأنه أن يلتقي مع تلك الصفة في نفس واحدة، كما قال تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. فالمخاطبون يعقلون؛ أي: يدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يجروا على مقتضى ما لديهم من عقل؛ حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، وينصرفون عنه بأنفسهم، فكأنه يقول لهم: إن ما أتيتم به فعل لا يلتئم بصفة العقل، يوحي إلى الناظر أن ليس لكم إدراك يمنعكم من ارتكاب ما لا يختلف في قبحه اثنان.
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}:
أمر الله بني إسرائيل فيما سلف من الآيات بالإيمان، وإقامة الشرائع، ومخالفة الأهواء الداعية إلى كتم الحق وخلطِه بالباطل، ولما كان فيما أمرهم به مشاقّ لا يحتملها كل أحد بسهولة، أرشدهم في هذه الآية إلى ما يقوي عزائمهم، ويخفف عنهم أعباء تلك التكاليف، فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}.
الاستعانة: طلب المعونة. والصبر: حبس النفس على ما تكره، وكفّها عن أهوائها، فيقال: صبر على الطاعة؛ أي: حبس نفسه عليها متحملاً ما يلاقيه في أدائها من مشاق، وصبر عن المعصية؛ أي: كفّ نفسه عما تنزع إليه من شهوات جامحة.
ووجْهُ كون الصبر معيناً على تلقي الأوامر بحسن الطاعة، هو أنه يتربى بالنظر في عواقب الأمور. ومن رسخت قدمه في هذا الشأن، وأصبح يقيس
(1/88)

الأعمال بعواقبها، وما يترتب عليها من آثار يحمدها، تضاءلت أمامه المصاعب، ولم يقف به عن العمل ما يلاقيه في سبيله من مشقة.
وكانت الصلاة معينة على النهوض بالأعمال الجليلة، من جهة أنها عبادة يقوم بها العبد في كل يوم خمس مرات، يناجي فيها ربه، ويقرأ فيها من القرآن ما فيه حكمة وموعظة حسنة، فتزكو نفسه، وتصفو سريرته، ويستمر هذا الحال في غير أوقات الصلاة، حتى إذا حضر وقت عمل واجب غير الصلاة، وجد في نفسه إقبالاً عليه، واستهانة بكل ما يلاقيه في سبيل الله من مكاره وآلام.
{وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}:
كبيرة: صعبة شاقة، يقال: كبر الشيء: إذا شق وثقل؛ كما قال تعالى: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13].
و {الْخَاشِعِينَ}: من الخشوع، وهو في الأصل: اللين والسهولة، ومعناه في الآية: الخضوع والاستكانة لله - جل شأنه - وضده الاستكبار. والمعنى: أن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين الذين أسلموا وجوههم لله. والصلاة من حيث إنها قيام وركوع وسجود وجلوس ليس فيها صعوبة، والصعوبة من جهة أن الصلاة بحق ما يدخلها المصلي بقلب حاضر، فيؤديها مبتغياً رضا الله، تالياً القرآن بتدبر، ناطقاً بالدعوات والأذكار التي تشتمل عليها عن قصد إلى كل معنى، دون أن تجري على لسانه، وهو في غفلة عن معانيها التي هي روح العبادة. ويضاف إلى هذا في معنى صعوبة الصلاة: أنها فريضة شرعت لأن يقيمها العبد في كل يوم خمس مرات مدى الحياة، وإنما كانت سهلة على الخاشعين؛ لإيقانهم أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا، والسعادة
(1/89)

في الآخرة، ولأنهم يجدون عند أدائها ارتياحاً واطمئناناً يجعل نفوسهم ناشطة للقيام بها كلما حل وقتها.
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}:
يرد الظن في أكثر الكلام بمعنى: الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقْوى حتى يقرب من مرتبة القطع. وملاقاة الخاشعين لربهم يصح أن تفهم على معنى قربهم من يوم القيامة قرباً معنوياً، وجزائه لهم على ما فعلوا من خير، وإنما كان اعتقاد الخاشعين لملاقاة جزاء الله لهم بالحسنى ظناً، لا يقيناً؛ لأنه من الممكن أن يحكم الخاشعون على سيرتهم في بعض الأوقات الحاضرة بالاستقامة، ولا تخالطهم شبهة في أنها السيرة التي وعد الله بمجازاتها يوم القيامة الجزاء الأوفى، ولكن خواتم الحياة لا يعلمها كيف تكون غير علاّم الغيوب. ويفسر رجوعهم إليه تعالى على هذا الوجه بمصيرهم إلى دار السلام، وحلولهم بجواره؛ حيث لا يكون لأحد عليهم سلطان ولا منة كما كانوا في حياتهم الدنيا.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن الظن في الآية بمعنى: العلم، وساقوا على ذلك شواهد عربية، وقالوا: معنى ملاقاة الله: الحشر إليه بعد الموت، والرجوع إليه، وملاقاة الجزاء ثواباً أو عقاباً، وكل من الحشر وملاقاة الجزاء بعده داخل في قبيل العلم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8].
{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}:
سيقت هذه الجملة المتضمنة أمر بني إسرائيل بذكر نعمته تعالى في آيات ألممنا بتفسيرها قريباً، وأعيدت هنا تأكيداً لتذكير المخاطبين بنعم الله
(1/90)

التي حقها أن تتلقى بخالص الشكر، ومن سنّة القرآن إعادة الجمل التي تشتمل على أمر يستوجب مزيد العناية، وهذا شأن ذكر النعم؛ فإنه مدعاة إلى تواردها على الذاكر لها، وناهض بالنفوس الكريمة إلى شكرها، والجد في طاعة مرسلها، وهو مع هذا موصول برضا الخالق الذي هو أسمى غاية تتجه إليها الهمم، وتسعى لإحرازها ليلها ونهارها. ويشعر تكرار هذه الجملة أن في بني إسرائيل غفلة عن تقدير النعم، شأن من لا يبالي كفرانها.
{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}:
قال تعالى في حق أمة الإسلام: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وبنو إسرائيل إنما فضلهم الله على العالمين أيام كانوا يقيمون التوراة، ويكثر فيهم الأنبياء، وقد يذكر الله القوم بنعمة كان أسداها إلى أسلافهم؛ كالتفضيل على العالمين، ثم يذكر لهؤلاء القوم مساوئ تنزل بهم إلى الحضيض.
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}:
اتقوا: احذروا. وتجزي: تقضي، من جزى بمعنى: قضى. والمعنى: احذروا يوماً لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئاً من الحقوق. ومعنى اتقاء اليوم، وهو يوم القيامة: الحذر مما يجري فيه من فزع وعذاب، والحذر منه: بالسير على صراط الله المستقيم حسب الاستطاعة، فكأنه يقول: واستضيئوا بنور الإيمان، وأطيعوا الله فيما يأمر به أو ينهى عنه، وبهذه السيرة تسلموا من هول يوم القيامة وعذابه المهين.
{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}:
الضمير في قوله: {مِنْهَا} يعود على {نَفْسٍ} في قوله: {عَنْ نَفْسٍ}، وهي النفس المأخوذة في ذلك اليوم للحساب، المسؤولة عما ارتكبت من
(1/91)

وزر، فهذه النفس إذا جاءت بشفاعة شفيع، لم تقبل منها. والشفاعة: أن يكون لأحد وجاهة عند أحد، فيسأله أن يعفو عن جناية صدرت من آخر، أو يصفح عن واجب أهمل القيام به، أو يستوهب منه له شيئاً.
والآية نفت أن تقبل يوم القيامة شفاعة من أحد نفياً مطلقاً، ووردت آيات تنفي قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الله فى ذلك؛ كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، فصح أن تحمل الآية المطلقة - وهي التي نحن بصدد تفسيرها - على أنها واردة في شأن النفوس الكافرة، وتفهم الآيات الأخرى على صحة قبول الشفاعة للمؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين.
وقد وردت أحاديث صحيحة في أن النبي - صلى الله عليه وسلم -ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن قوم، ورفع الدرجات لآخرين.
{وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}:
العدل: الفدية. وسميت عدلاً؛ لأنها تعطى على أنها معادلة للمفدي بها.
والمعنى: لا يؤخذ من أحد بدل من كفره بالغاً البدلُ ما بلغ؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91].
{وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}:
جاء الضمير في قوله: {وَلَا هُمْ} ضمير جمع، وهو عائد على نفس في قوله: {عَنْ نَفْسٍ}، والنفس مفردة، ذلك أن النفس هنا في معنى: نفوس،
(1/92)

وإيضاح هذا أن نفساً نكرة واقعة بعد نفي، أعني: (لا) في قوله: {لَا تَجْزِي}، والنكرة إذا وقعت بعد نفي تشمل كل فرد من أفرادها، فيكون نفس في قوله: {عَنْ نَفْسٍ} متناولة لكل فرد من أفراد النفوس، وبهذا كانت في معنى الجمع، وصح أن يعود عليها الضمير الموضوع ليدل على أفراد متعددة، وقد جرى القرآن على هذا الاستعمال المعروف في علم البيان؛ كما قال تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47].
ومعنى قوله: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله، أو لا يجدون من ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.
وقد أتى القرآن الكريم إلى ما يحتمل أن يكون وسيلة إلى النجاة يوم القيامة، فنفاه نفياً باتأة حتى يعلم الجاحد بآيات الله، الفاسقُ عن أمره أن ليس هناك وسيلة ترجى للخلاص من عذاب، والفوز بنعيم، غير الإيمان وحسن الطاعة، ذلك أن المأخوذ بحق إما أن يجد من ينوب عنه في أداء الحق، فقال تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}، وإما أن يجد وجيهاً عند المطالِب له بالحق، فيسأل له العفو، فقال تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، وإما أن يقدم إلى المطالِب بالحق بدلاً من هذا الحق على نحو ما عرف في الدنيا باسم الفداء، فقال تعالى: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}، وإما أن يجد ذا قوة يعينه ويمنعه ممن يريد عقابه، فقال تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}.
* * *
(1/93)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 49 - 53].
ذكَّرَ الله تعالى فيما سلف بني إسرائيل بنعمه إجمالاً، فقال: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}، وأتبع ذلك ببيان بعض النعم على وجه التفصيل؛ ليكون التذكير بالنعمة أبلغ، والحجة عليهم إذا لم يشكروها أوضح، وصدّر هذه النعم المفصلة بتفضيلهم على العالمين، فقال تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
ولما كان تفضيلهم على العالمين قد يأخذهم بغرور، ويوقع في أوهامهم أنهم ليسوا في حاجة من بعده إلى صالح الأعمال، أرشدهم إلى أن التقوى هي سبب السلامة والفوز، فقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} ... إلخ الآية. ثم أورد عقب نعمة التفضيل نعماً أخرى عظيمة
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الثانية.
(1/94)

الشأن، وهي ما أشار إليه في هذه الآيات، فقال تعالى:
{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}:
إذ: بمعنى: وقت، فهي مفعول به لفعل ملاحظ في نظم الكلام، وهو: "اذكروا".
والتنجية: التخليص والإنقاذ. والآل: الأهل والأتباع. وفرعون: اسم لملك مصر، كما يقال لملك الروم: قيصر، وملك الفرس: كسرى، وملك اليمن: تُبّع. ويسومونكم: من السَّوم بمعنى: التكليف. وسوء العذاب: أشقه وأصعبه.
والمعنى: اذكروا وقت أن نجيناكم من آل فرعون إذ يكلفونكم أشق العذاب وأصعبه، والمراد من تذكيرهم بالوقت بما وقع من تنجيتهم من آل فرعون.
{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}:
هاتان الجملتان واردتان مورد البيان للجملة السابقة، فهما مبينتان لما أريد من سوء العذاب الذي كان فرعون وقومه يأخذون به بني إسرائيل. و {يُذَبِّحُونَ} من التذبيح الدال على كثرة الذبح الذي هو إزهاق الروح بإصابة الحلق. والأبناء: الأطفال الذكور. والاستحياء: الاستبقاء. والنساء: اسم جمع واحده امرأة، وأطلق على البنات؛ لأنهن يصرن نساء، وأطلق عليهن الاسم الذي يصرن إليه؛ لأن انتفاع آل فرعون باستخدامهن إنما يعظم عندما يصرن نساء. والمعنى: أن آل فرعون يقتلون ذكرانكم، ويستبقون إناثكم أحياء. وفي استبقاء الإناث عذاب من جهة إبقائهن خدماً، وإذاقتهن حسرة ذبح إخوتهن من الذكور. وكان فرعون يذبح أطفال بني إسرائيل مخافة
(1/95)

أن ينشأ فيهم من يناوئ سلطانه، ويعمل لتقويض أركان عرشه، وقد وقع ما تخوف منه؛ إذ نهض موسى- عليه السلام - ببني إسرائيل، وسار بهم في طريق النجاة، فسقط عرشه، ومات غريقاً، ونُجي ببدنه ليكون لمن خلفه آية.
{وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}:
البلاء في الأصل: الاختبار والامتحان، ويكون في الخير والشر. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]. وقال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]. فالله يبتلي الناس بالسراء ليشكروا، ويبتليهم بالضراء ليصبروا، أو ليقلعوا عما يتعرضون له من سخطه وأليم عقابه. والمتبادر من نظم الآية أن المشار إليه بقوله: {وَفِي ذَلِكُمْ} هو سوء العذاب الذي كان فرعون يسومهم إياه. ونسبة البلاء إلى الله إذ قال: {مِنْ رَبِّكُمْ} من جهة أنه سلط عليهم آل فرعون. ووصف البلاء بالعظم، فقال: {عَظِيمٌ}؛ لأن تذبيح الأبناء واستحياء البنات من أعظم البلاء الذي ينزل بالأمة على أيدي أعدائها.
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ}:
الفَرْق: الفصل بين الشيئين، يقال: فرق كذا؛ أي: فصل بعضه عن بعض.
و {الْبَحْرَ}: الماء الكثير مجتمعاً بمكان، ملحاً كان أم عذباً. والواقعة تقتضي أنه بحر يصل مصر بالأرض المقدسة. وقال المفسرون: هو بحر القلزم "البحر الأحمر".
وقد انفلق البحر عند انتقال موسى - عليه السلام - ببني إسرائيل إلى
(1/96)

الأرض المقدسة، فمروا في طريق يبس، والأمن محيط بهم من كل جانب حتى بلغوا شاطئ النجاة. ومعنى {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر}: فصلنا بعضه عن بعض من أجلكم؛ أي: من أجل مروركم فيه، وهذا معنى قولهم: إن الباء في قوله: {بِكُمُ} للسببية.
وإذا نظرنا إلى ما جاء في آية أخرى من أن موسى - عليه السلام - ضرب البحر بعصاه فانفلق، ثم إن القوم بعد انفلاق البحر بعصا موسى توسطوه بسيرهم بين جنبيه، ومن توسط شيئاً، صح أن يقال: إنه فرق بعضه عن بعض، فيقال: إن القوم فرقوا البحر، على معنى: أنهم فصلوا بعضه عن بعض بسيرهم في وسطه، ونسب الله فرق البحر بهذا المعنى إلى نفسه، فقال: {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر}؛ ليدل على أن القوم فرقوا البحر وقطعوه وعبروه، وهو معهم برعايته وعونه، فيؤول معنى {فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} إلى معنى قوله تعالى:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعراف: 138].
{فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}:
في الآية جملة ملاحظة في النظم استغني عن ذكرها بدلالة المعنى عليها، وتقديرها مع الملفوظ به: وإذ فرقنا بكم البحر، وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم. وذكر الله تعالى في هذه الآية إغراق آل فرعون دون فرعون، وذكر في آية أخرى إغراقه، فقال تعالى: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103].
{وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}:
النظر: الإبصار. والمعنى: أغرقنا آل فرعون وأنتم تبصرون إهلاك عدوكم بالإغراق، وتشاهدونه بأعينكم، وهذا أدعى لليقين بهلاكه، وأبلغ
(1/97)

في الشماتة به.
والعقيدة السليمة تقضي بأن تفهم واقعة انفلاق البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية، لا أنها حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر؛ كما يزعم بعض من لا يبالي أن يظهر برأي يدفعه صريح القرآن الكريم.
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}:
هذا معطوف على الآيات السابقة، فهو على معنى: واذكروا إذ واعدنا. والموعود به: التوراة. والأربعون ليلة ميقات: لقضاء الوعد؛ أي: إن إعطاءه التوراة يكون عند تمام أربعين ليلة. فالأصل: واعدنا موسى أن نؤتيه التوراة عند انقضاء أربعين ليلة. والأسلوب العربي يسيغ- متى كان المراد مفهوماً للمخاطبين-الاقتصار على ذكر زمان الموعود به، أو مكانه، فيقولون مثلاً: وعدته يوم الخميس؛ أي: الزيارة، أو الحضور يوم الخميس، أو وعدته بطن الوادي، أو شاطئه؛ أي: الملاقاة به. ويدل على أن الموعود به التوراة: قوله تعالى في سورة الأعراف: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142]، ثم قال تعالى: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 144 - 145].
وقال: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}، ولم يقل: أربعين يوماً؛ لأن أول الشهر العربي ليلة طلوع الهلال، ولهذا نجد العرب يؤرخون بالليالي، فيقولون: وقع كذا لخمس ليال - مثلاً - خلت من الشهر.
{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}:
{الْعِجْلَ}: ولد البقرة. والمراد: ما صنعه السامري على صورة العجل.
(1/98)

ومعنى اتخاذهم العجل: جعلهم له إلهاً يعبدونه. والضمير في قوله: {مِنْ بَعْدِهِ} يعود إلى موسى - عليه السلام - بملاحظة مضاف يدل عليه سياق الكلام. والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعد ذهاب موسى إلى الطور، وأنتم ظالمون لأنفسكم بعبادة غير الله.
وكذلك كل من ارتكب شركاً أو إثماً فهو ظالم لنفسه؛ لأنه يلقي بها في شقاء وخسران، بدل أن يسمو بها إلى مقام كريم.
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}:
العفو: محو الذنوب، وعدم المؤاخذة بها. واسم الإشارة {ذَلِكَ} يعود على اتخاذ العجل المفهوم من قوله: {اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ}. والشكر: الحديث بنعمة المنعم، والثناء عليه. وحرف (لعل) في هذه الآية ظاهر في معنى التعليل، والمعنى: عفونا عنكم إذ تبتم بعد الارتداد عن دينكم؛ لتكونوا من الشاكرين على نعمة العفو.
ومن شكر للمنعم نعمة من حيث إنها نعمة صادرة منه، كان شأنه أن يشكره على كل نعمة يُسديها إليه. فالعفو عن موبقة عبادتهم العجل بعد التوبة منها، شأنه أن يكون داعياً لشكرهم عليه، وباعثاً على قيامهم بواجب الشكر عند كل نعمة.
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}:
{آتَيْنَا}: أعطينا. والكتاب: التوراة. والفرقان: الشرائع والأحكام؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. ويصح أن يراد من الفرقان: الآيات والمعجزات التي أجراها الله على يديه للدلالة على صدق رسالته، وسميت فرقاناً، لأنها تفرق بين دعوى الرسالة حقاً، ودعواها
(1/99)

زوراً. والمعنى: واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة، والشرائع والأحكام، والآيات والمعجزات؛ لتهتدوا بها إلى سبيل الفلاح في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى.
* * *
(1/100)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 54 - 57].
تضمنت الآيات السابقة تذكير بني إسرائيل بنعم أنعم الله بها عليهم، وانجرّ الحديث عنها إلى ذكر جريمة من أكبر جرائمهم، وهي اتخاذهم العجل إلهاً يعبدونه من دون الله؛ إذ قال تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}، وأردف ذكر تلك الجريمة الكبرى بذكر نعمة هي من أعز نعمة تعالى، وهي العفو عنها إذ ندموا ولاذوا بالتوبة، فقال تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ووصل هذا بنعمة هي مطلع الهداية، والطريق المبلغ للسعادة، وهي إنزال التوراة على موسى - عليه السلام -، فقال تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الرابع من السنة الثانية.
(1/101)

الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
ثم عاد الحديث في نظم الآيات التي بين أيدينا إلى تذكير بني إسرائيل بتلك الموبقة، موبقة الردة، ويما أضافوا إليها من مساوئ أخرى، فقال تعالى:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ}:
هذا معطوف على ما قبله مع ملاحظة فعل مقدر في نظم الكلام، هو: اذكروا.
والمعنى: واذكروا إذ قال موسى لقومه ... إلخ. ومعنى {ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ}: أضررتم بها إذ حرمتموها بعبادة العجل الثوابَ الذي تناله بالإقامة على عهد موسى - عليه السلام -. وصدَّر موسى خطابه لقومه بقوله: {يَاقَوْمِ}؛ ليذكرهم بأنه منهم، والشأن أن الرجل لا يريد بقومه إلا خيراً. ففي هذا النداء مظهر من مظاهر التلطف، يريد به جلب دواعيهم إلى الإصغاء إليه، وتلقي أوامره بحسن الطاعة.
{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}:
التوبة: الندم على ملابسة الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه. وذلك معنى الرجوع عن المعصية إذ يقولون: تاب إلى الله؛ أي: رجع عن معصيته. والبارئ: الموجد للأشياء على ما تقتضيه الحكمة. فكأنه يقول لهم: ارجعوا بالتوية إلى من خلقكم في أحسن تقويم، فهو المستحق للعبادة، وأما العجل، فإنما يعبده من يُشبْهه في الغباوة. ومن أمثال العرب: "أبلد من ثور".
{فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}:
أمر موسى قومه بقتل أنفسهم بعد أمرهم بالتوبة، فيفيد نَظْمُ الآية أن
(1/102)

توبتهم لا تتم ولا تقبل إلا بقتل أنفسهم، وظاهر الآية: أنه أمرهم بقتل أنفسهم؛ أي: إزهاق أرواحهم، وهذا صادق بقتل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61]؛ أي: فليسلم بعضكم على بعض، وقال تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]؛ أي: لا يلمز بعضكم بعضاً. وإنما أمرهم موسى بقتل أنفسهم على وجه التبليغ عن الله، إذ مثلُ هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحي. ولم يزل هذا المعنى في ضمن التوراة التي يتدارسها اليهود إلى اليوم. ومما جاء فيها: "دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه بنو لاوي، فأمرهم بأن يأخذوا السيوف، ويقتل بعضهم بعضاً، ففعلوا". ومما نراه قريباً في فهم القصة من الآية أن يكون بنو إسرائيل الذين عبدوا العجل، ثم ندموا على ما فعلوا، قد أمروا بقتل أنفسهم على أن يكون ذلك القتل متمماً لتوبتهم، وأسلموا أنفسهم للقتل، وقتل منهم طائفة أحرزوا فضل الشهادة، ثم إن الله تعالى رفع عنهم القتل كما ورد في بعض الروايات، وعفا عمن بقوا أحياء، وذلك معنى قوله تعالى:
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}:
اسم الإشارة {ذَلِكُمْ} عائد إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم. وقال: {عِنْدَ بَارِئِكُمْ} وقد تقدم ذكره قريباً {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}، والمعروف في مثل هذا الموضع أن يكتفى بالضمير فيقال: عنده، ولكن قوانين البيان البارع تأذن في العدول عن الضمير إلى تكرير الاسم الظاهر متى أعطى الاسم الظاهر فائدة لا يعطيها الضمير، وهي أنه قال: {عِنْدَ بَارِئِكُمْ}؛ ليؤكد في نفوس المخاطبين ذلك المعنى الذي ينبئ به الاسم الظاهر، وهو أنه أوجدهم
(1/103)

من العدم، وصوّرهم فأحسن صورهم، فهو القادر على أن يفيض عليهم الخيرات الجزيلة، متى أسلموا له وجوههم، وآثروا إرضاء أهوائهم. والمعنى: أن قتل أنفسكم امتثالاً لما أمرتم به هو خير لكم من الإقامة على المعصية؛ فإن الموت آت لا محالة، وليس في تحمل القتل إلا تقديم ما لا بدّ منه.
{فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
هذا خطاب من البارئ تعالى موجّه إلى بني إسرائيل بعد أن انتهت محاورة موسى لهم بقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}. وقد جاء هذا الخطاب على طريقة القرآن من الإيجاز؛ إذ حذفت منه جملة دل عليها معنى المنطوق به في النظم؛ أعني: قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بعد قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}. والمعنى مع مراعاة الجملة المقدرة: فامتثلتم ما أمرتم به، فقبل البارئ توبتكم. والتوَّاب: قابل التوبة من عباده على كثرة ما يصدر منهم من الذنوب، وعلى عظم ما يرتكبون من الآثام. والرحيم: دائم الرحمة، أو واسعها؛ بحيث يشمل عباده بإحسانه ولطفه وتوفيقه على حسب ما تقضي به الحكمة.
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}:
هذه محاورة من بني إسرائيل لموسى - عليه السلام - تتضمن طلبهم أن يروا الله معاينة. نادوا موسى باسمه، فقالوا: يا موسى! وورد دعاؤهم له باسمه عند محاورته في آيات متعددة، ومن أدب أصحاب نبينا-عليه الصلاة والسلام-: أنهم كانوا يدعونه بلقب الرسالة، فيقولون: يا رسول الله! والإيمان: التصديق.
والرؤية: الإبصار. وجهرة: علانية ومعاينة. وكاد المفسرون يتواردون
(1/104)

على أن أصحاب هذه المحاورة كانوا مؤمنين بموسى- عليه الصلاة والسلام -، فيحمل قولهم: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} على معنى: لانصدقك تصديقاً مطمئناً في النفس لا تحوم عليه شبهة، ولا يدنو منه ريب، وهو الإيمان الذي يدخل القلوب من طريق المعجزة الباهرة.
{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}:
{الصَّاعِقَةُ}: الموت، وما يكون سبباً للموت، من نحو: الصيحة، والنار تنزل من السماء. وبهذا المعنى نفسّر الصاعقة في الآية. وقال تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}، فأفاد أن العقوية نزلت عليهم وهم يشاهدونها، وفي مشاهدتها رعب وفزع يأخذ قلوبهم قبل أن يأخذ العذاب المهلك أجسامهم.
وقد يخطر على البال أن هذه الآية تصلح لأن تكون دليلاً على عدم صحة رؤية الله بالعين الباصرة يوم القيامة؛ فإن الذين طلبوها سلط الله عليهم الصاعقة؛ كما سلط على عَبَدَه العجلِ القتل. ويُدفع هذا الخاطر بأن موسى - عليه السلام - قد علم أن رؤية الله ممكنة، فطلبها؛ كما جاء في سورة الأعراف: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، وأعلمه الله أن رؤيته في الدنيا بالأبصار لا تقع، وصار هذا أصلاً معروفاً عنده وعند قومه، ولكن بني إسرائيل سألوا الرؤية بالأبصار بعد علمهم بذلك تعنتاً، أو لشك خالجهم، فأخذهم الله بالصاعقة وهم ينظرون؛ عقوبةً لهم على ما سألوا. وورد في الكتاب المجيد آيات تدل على أنه تعالى يُرى يوم القيامة؛ كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]. وورد أيضاً من الآيات ما يدل بظاهره على نفيها، ولكن الآيات المثبتة تأيدت بأحاديث صحيحة، فوجب المصير إليها، وفهمُ الآيات الأخرى على وجه يوافق الآيات
(1/105)

المؤيَّدة بالأحاديث الصحيحة الصريحة.
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ}:
البعث في أصل اللغة: تحريك الشيء عن سكون، ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبركها، ويستعمل بمعنى الإيقاظ كما ورد في قصة أهل الكهف: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} [الكهف: 11 - 12]. وبمعنى الإحياء، وهو المراد في هذه الآية، بدليل قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ}. وأبْعدَ في التأويل من ذهب في تفسير بعث هؤلاء القوم إلى كثرة نسلهم بدعوى "أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، وظُن أن سينقرضوا، بارك الله في نسلهم". ولا داعي - فيما نرى - إلى العدول عن ظاهر الآية ما دامت الإماتة والإحياء بيد الله، وقد أخبر أنه أحيا هؤلاء القوم بعد إماتتهم، ولا يوجد في معنى هذا الخبر ما يُخل بوجه من وجوه الحكمة.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}:
حرف (لعلّ) هنا: ظاهر في معنى التعليل. والمعنى: أحييناكم بعد موتكم. لكي تشكروا الله على نعمه التي من جملتها رذُكم إلى الحياة بعد الموت، وكان إحياؤهم بعد هذا الموت نعمة تستوجب الشكر؛ من جهة أنهم يتمكنون به من الإيمان والعمل الصالح، وبذلك يدخلون في زمرة المفلحين.
وهؤلاء القوم - وإن قبضت أرواحهم، وأصبحوا في عدد الموتى - قد صحّ تكليفهم بعد إحيائهم في الدنيا؛ لأن موتتهم كانت بمنزلة النوم أو الإغماء، فلم يشاهدوا فيها شيئاً من أحوال الآخرة؛ بخلاف الذين يبعثون من قبورهم يوم الحساب، لا يصح تكليفهم بعد بعثهم بإيمان ولا عمل
(1/106)

صالح؛ لأنهم رأوا رأي العين من أحوال الآخرة ما يجعل إيمانهم أو عملهم الصالح اضطرارياً، والتكليف إنما تتم حكمته وتظهر مزيته في أن يتجه الإنسان إلى ما كلف به، وهو على شيء من الاختيار.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ}:
نعمُ الله على بني إسرائيل أخروية، ومنها: ما ذكَّرهم به في الآية السابقة بقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}، ودنيوية، ومنها: ما ذكرهم به في هذه الآية. والغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحابة البيضاء. والمعنى: جعلنا الغمام يُظلكم في النهار لمِقيكم حر الشمس، وكان هذا كما روى النسائي وغيره عن ابن عباس في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26].
{وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}:
إنزال الشيء: تحويله من أعلى إلى أسفل، وهذا المعنى متحقق في المن والسلوى. ويستعمل بمعنى الإيجاد؛ كما قال تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6].
وقد اختلفت عبارات المفسرين في وصف المن، وأشهرها: أنه شيء يسقط على الشجر سقوط الثلج، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وتواردت عبارتهم على أن السلوى من نوع الطيور. والذي يؤخذ من ذكره بجانب المن أنه من أطيب الطيور طعماً.
{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}:
الأمر {كُلُوا}: للإذن؛ نحو: "فاصطادوا". والطيبات: جمع
(1/107)

طيب، وهو الحلال، أو اللذيذ المشتهى. ورزقناكم: جعلناه رزقاً لكم. ورزقُ الإنسان: نصيبه الذي يخصه دون غيره، وإن شئت فقل: هو ما يسوقه الله إليه لينتفع به. ويظهر الالتئام بين هذه الجملة وما قبلها بملاحظة فعل القول، والتقدير: وقلنا: كلوا من طيبات ما رزقناكم. وحذف القول- عندما ينساق إليه الذهن بقرينة واضحة - شائع في كلام العرب، كما قال فيه بعض علماء اللغة: حدّث عن البحر ولا حرج.
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}:
لما قص الله تعالى مساوئ من أفعال بني إسرائيل؛ نحو: اتخاذ العجل إلهاً، وسؤالهم رؤية الله بأبصارهم، ووصل ذلك بذكر النعم الدنيوية والأخروية التي كان يسبغها عليهم، استدعى ذلك أن يبعد عن الأذهان ما قد يخطر بها من أن تُسمى تلك القبائح التي كانت تصدر منهم ظلماً لله، فقال تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}؛ إذ لا يصل إليه تعالى نقص مما يرتكبون من الجرائم ولا ضرر، وإنما يرجع وبال ذلك إلى أنفسهم، والإخبار عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة: {كَانُوا}، والفعل المضارع: {يَظْلِمُونَ} يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم؛ فإنك لا تقول في ذم زيد: "كان زيد يسيء إلى الناس"، إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة بعد الأخرى.
* * *
(1/108)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 58 - 60].
هذه الآية معطوفة على الآيات الواردة فيما تقدم لتذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وقد نبهت لنعمة من أجلّ هذه النعم، وهي تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها راحة وهناءة. والقرية: المدينة، وتطلق على البلدة الصغيرة. ولم يتعرض القرآن لتعيين هذه القرية. وذهب جمهور المفسرين إلى أنها بيت المقدس. والظاهر أن الأمر بدخول القرية، كالأوامر السابقة واللاحقة، كان بوحي إلى موسى - عليه السلام -.
{فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا}:
الأمر بالأكل للإباحة. وقوله: {حَيْثُ شِئْتُمْ} تتمة للنعمة بالتوسعة
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الثانية.
(1/109)

عليهم؛ إذ أذن لهم في أن يتمتعوا بثمراث القرية وأطعمتها في أي مكان شاؤوا، والرغد: الواسع الهنيء. وهو مشعر بكثرة محصولات القرية، وعدم غلاء أسعارها.
{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}:
الباب: مدخل القرية. و {سُجَّدًا}: جمع ساجد؛ من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض. ويستقيم هذا التفسير بجعل قوله: {سُجَّدًا} من قبيل الحال المسماة: "الحال المقدرة"، وهي التي تقع بعد وقوع العامل، لا معه، والعامل في الآية: الدخول. والسجود إنما يتيسر بعد انتهاء الدخول. وهذا الضرب من الحال وارد في الكلام البليغ؛ كما قال تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]. فإن الحلق والتقصير إنما يكون بعد الدخول، ومعنى الآية: ادخلوا باب القرية ناوين السجود شكراً لله على ما أنعم به عليكم؛ من إخراجكم من التيه، والمُقام ببلدة تعيشون فيها عيشة ناعمة.
{وَقُولُوا حِطَّةٌ}:
الحطّة: من حط بمعنى: وضع، وقد وردت هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}، والمعروف أن القول لا يحكى به إلا الجمل، ولا يحكى به المفردات، إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة؛ نحو: شعر، وخطبة، وهذا ما دعا المفسرين إلى فهم الآية على وجه يجري به القول على أصله من حكاية الجمل. ومن أقرب ما تفسر به الجملة أن يكون {حِطَّةٌ} مصدراً مراداً منه طلبُ حط الذنوب. وقد يجيء المصدر المراد منه الطلب مرفوعاً؛ نحو: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54]، ويحمل من جهة
(1/110)

صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة؛ أي: أن تحط عنا ذنوينا. والاقتصار في لفظ الجملة على الخبر وحده عند قيام قرينة تدل على المبتدأ، من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان.
{نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}:
الغَفْر في أصل اللغة: الستر. وغفر الله الذنب: غطى عليه، وعفا عنه. والخطايا: جمع خطيئة، وهي الذنب، مأخوذة من خطئ؛ أي: ارتكب ذنباً، فهو خاطئ، ومن علماء اللغة من خصّ خطئ بارتكاب الذنب على عمد، بخلاف أخطأ، فإنه يستعمل بمعنى الوقوع في غير صواب مع القصد إلى الصواب، وهو المراد في قوله - عليه الصلاة والسلام -: "من اجتهد وأخطأ، فله أجر".
{وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}:
المحسن لغةً: فاعلُ الحسن، ويراد منه في لسان الشارع: من أحكم عقيدة التوحيد، وأجاد سياسة نفسه، وأقبل على القيام بالواجبات، وكفى الناس شره.
وزيادة الله للمحسنين: بأن يزيدهم على ما يستحقون من الثواب تفضلاً منه؛ كما قال تعالى في آية أخرى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 30].
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}:
التبديل: التغيير، وهو إزالة الشيء عما كان عليه؛ بإعطائه صورة غير الصورة التي كان عليها، أو تنحيته وجعل شيء آخر مكانه. والفعل "بدّل" يقتضي بدلاً ومبدلاً منه؛ {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70].
(1/111)

فالحسنات بدل، والسيئات مبدل منه. واقتضى مقام الإيجاز في الآية أن يقتصر فيها على ذكر البدل، وهو القول الذي لم يُقل لهم، ويحذف المبدل منه، وهو القول الذي قيل لهم. ومعنى الآية بعد ملاحظة المبدل منه المقدر: فبدل الذي ظلموا بالقول الذي أمرهم الله به قولاً آخر أتوا به على وجه العناد أو الاستهزاء.
والآية تدل بظاهرها على انقسامهم إلى ظالمين وغير ظالمين، وأن الذين بدلوا هم فريق الظالمين منهم.
ومأخذ العبرة من الآية: أن من أمره الله بان يقول قولاً، فترك القول الذي أمر به، وأتى بقول آخر مكانه، يدخل في قبيل الظالمين، ويتعرض بنفسه لأن يصيبه عذاب أليم. ومِثْلُ القول في مجرى القياس الصحيح: الفعلُ، فمن أمره الله بأن يفعل شيئاً، فترك الفعل الذي أمر به، ووضع مكانه فعلاً لم يأذن به الله، عُدّ ظالماً، واستحق العذاب الذي وعد الله بأن يصبه على رؤوس الظالمين. وكلا المغيرّين لما أمر الله به من قول أو فعل ضالّ مستحق لأن يكون مصيره سوء العذاب؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته كما ورد في "صحيح مسلم": "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وفي رواية النسائي: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار".
{فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}:
الرجز: العذاب. ولم يبين القرآن نوع هذا الرجز؛ إذ لم يدْع الحال إلى بيانه. والفسوق في أصل اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن القشر: إذا خرجت منه. وفي لسان الشارع: الخروج عن طريق الحق بكفر أو
(1/112)

معصية، ومقتضى ما تقدم؛ أعني قوله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا}: أن يكون المقام للإضمار، فيقال: فأنزلنا عليهم. ولكن أعيد الاسم الظاهر المتقدم، فقال: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}؛ تاكيداً لوصفهم بأقبح الأفعال، وهو الظلم، وإشعاراً بأن السبب فيما نزل عليهم من العذاب هو ظلمهم؛ أخذاً بالقاعدة المعروفة في البيان، وهي أن تعليق الحكم الوارد في الكلام على اسم الموصول يؤذن بأن سبب هذا الحكم هو الوصف الذي اشتقت منه الصلة، فتعليق الحكم الذي هو إنزال العذاب على اسم الموصول، وهو: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} يشعر بأن السبب في إنزال العذاب هو الوصف الذي اشتقت منه الصلة {ظَلَمُوا}؛ أعني: الظلم.
أشعر قوله: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بأن سبب إنزال العذاب عليهم هو ظلمهم، وأكد هذا الإشعار بصريح من القول، فقال: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.ومن الجليّ أن الباء في قوله: {بِمَا كَانُوا} للسببية، والمعنى: فأنزلنا على أولئك الظالمين عذاباً انصبَّ عليهم من جهة السماء عقوبةً لهم على ما كانوا يأتونه من الفسوق المرة بعد الأخرى.
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ}:
هذا تذكير لبني إسرائيل بنعمة من عظيم نعمه، هي أنهم وقتما كانوا في التيه أدركهم عطش شديد، فأغاثهم الله بمياه غزيرة من حيث لم يحتسبوا، واستسقى في اللغة: طلب السقيا. والاستسقاء يكون عند عدم الماء، أو حبس المطر، وهو في الشريعة على ما ورد في السنة، إما بالدعاء في خشوع واستكانة، وإما بالخروج بالناس إلى المصلى، والصلاة بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة.
(1/113)

{فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ}:
من أين جاءت هذه العصا إلى موسى - عليه السلام -؟ وكيف كانت صفتها؟
يحكي في ذلك المفسرون أقوالاً مختلفة، كما أن الآثار اختلفت في مصدر هذا الحجر الذي ضرب بها، وفي وصفه، ويكفي في فهم معنى الآية، واستفادة أن ما تضمنته من واقعة انفجار الماء إنما كان على وجه المعجزة، أن تعلم أن العصا كانت لموسى {بِعَصَاكَ}، وأن الحجر الذي ضرب بها كان من الصخر الذي ليس من شأنه الانفجار بماء.
{فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا}:
انفجرت: انشقت. والعين: منبع الماء، يقال: انفجرت العين: إذا انشقت، وانصبّ ماؤها بشدة. والضمير في قوله: {مِنْهُ} عائد إلى الحجر. وبين هذه الجملة والجملة قبلها جملة محذوفة من النظم، لوضوح دلالة المعنى عليها. والتقدير: فضرب، فانفجرت. وكانت العيون اثنتي عشرة عيناً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر.
{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}:
في هذه الجملة تنبيه لحكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عيناً. وعلم: عرف.
وكل أناس: أي: كل سبط. والمشرب: مكان الشرب، والجهة التي يجري منها الماء، وهي العين. والمعنى: قد عرف كل سبط العين التي صارت له، فلا يتعداها إلى غيرها، وخص كل سبط بمشرب معروف له؛ منعاً لما
(1/114)

عساه أن يثور بينهم من التنازع والشحناء.
{كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ}:
هذه الجملة خطاب من الله لبني إسرائيل في الإذن لهم بأن يتمتعوا بما مَنَّ الله به عليهم من مأكول طيب، ومشروب هنيء. ويرتبط معنى الجملة بما قبلها بملاحظة فعل من القول دل على مكانه المعنى بوضوح. والتقدير: وقلنا: كلوا وا شربوا.
والرزق: المرزوق من الطعام والشراب. وفي إضافته إلى الله تعالى: {رِزْقِ اللَّهِ} تعظيم للمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل لهم من غير تعب ولا مشقة.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}:
تعثوا: من عثى يعثي عثياً؛ أي: أفسد. ويقال: عثا يعثو عثواً، فمعنى لا تعثوا: لا تفسدوا. والأرض: هذه المعمورة المقابلة للسماء. ومن أفسد في بيت أو بلد أو قطر، صحّ أن يقال له: لا تفسد في الأرض، وصحّ أن يقال وقتئذ: وقع اليوم فساد في الأرض. والفساد إذا وقع من الناس إنما يقع في الأرض. وفي التصريح بذلك مبالغة في تقبيح الفساد؛ حيث إنه يقع على وجه البسيطة، وقد خلقها مالكها لينتفع بها الناس، وليعملوا عليها صالحاً.
وقوله: {مُفْسِدِينَ} حال مؤكدة، والتأكيد يرجع إلى النهي عن العثي، ووجه فصاحة هذا الأسلوب: أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الخبر أو الأمر أو النهي قارّاً في نفس السامع، واقعاً موقعاً لا يحوم به لبس، ومن مظاهر هذه العناية: التوكيد، وللتوكيد في العربية طرق مألوفة، منها:
(1/115)

إتباع الفعل بالمصدر، نحو قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، ومنها: اشتقاق وصف من الفعل وإيراده في صورة الحال؛ نحو: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79]، أو من فعل موافق له في المعنى، نحو: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10]. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، فقوله: {مُفْسِدِينَ} يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيداً من أن يغفل عنه أو ينسى.
* * *
(1/116)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 61 - 62].
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}:
هذا تذكيو لهم باجابة رغبة من رغباتهم بعد إشعارهم بأنها رغبة ناشئة عن ذوف لا يقدر النعمة قدرها.
والصبر: حبس النفس على الشيء، بمعنى: لزومه، ومنه: الصبر على الطاعات، أو حبسها عنه بمعنى: كفها، ومنه: الصبر عن المعاصي.
والطعام: ما رُزقوا في التيه من المن والسلوى. ووصفوه بالوحدة، مع أن المن والسلوى نوعان؛ لأنهم أرادوا من الوحدة عدم التبدل
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الثانية.
(1/117)

والاختلاف؛ فإنهما كانا على نهج واحد من الطيب واللذة، ولو التزم الرجل أطعمة لا يوضع غيرها على مائدته، صح أن يقال: إن فلاناً لا يأكل إلا طعاماً واحداً، يراد بالواحد: ما لا يتبدل، ولا يختلف.
{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ}:
الدعاء: الرغبة إلى الله، وسألوا موسى أن يدعو لهم؛ لأن دعاء الأنبياء-عليهم السلام- أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين؛ حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وإجلاله، يلاقي من الإجابة ما لا يلاقيه فيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، ولا ترعى جلال الله حق رعايته.
{يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}:
إخراج النبات: إظهاره بإيجاده، والمنبت له في الحقيقة هو الخالق - جلّ شأنه -. وإسناده إلى الأرض في قوله: {تُنْبِتُ الْأَرْضُ} أخذاً بعادة إسناده إلى الأرض على وجه المجاز. وإسناد الفعل إلى المكان الذي يقع فيه أسلوب عربي فصيح، والحقيقة في قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7].
والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام. والمراد: ما يأكله الناس من نحو النعناع والكراث وشبهه.
والفُوم: الحنطة، قال الزجاج: لا خلاف عند أهل اللسان أن الفوم: الحنطة. وقال الكسائي: هي: الثوم، والعدس والبصل معروفان.
والظاهر من حال القوم: أن نفوسهم كرهت المنّ والسلوى، ورغبت في أن يكون البقل وما عُطف عليه بدلاً منهما. لا أن يرزقاه زيادة عليهما،
(1/118)

وبهذا يظهر معنى قوله تعالى:
{قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}:
القائل إما الله تعالى على لسان موسى - عليه السلام -، وإما موسى نفسه.
والاستفهام لإنكاره عليهم سوء اختيارهم، وإيثارهم الأدنى على ما هو خير، وهو المن والسلوى، والاستبدال: الاعتياض. وفعل الاستبدال يتعدى إلى المأخوذ المرغوب فيه بنفسه، وإلى المتروك بالباء، والمرغوب فيه هنا: ما هو أدنى، وهو البقل وما عُطف عليه، والمتروك: ما هو خير، وهو المن السلوى.
{اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}:
الهبوط: النزول. تقول: هبط الوادي: إذا نزل به، وهبط منه: إذا خرج.
ومصر: يطلق على البلد العظيم، ويحتمل أن يراد منه هذا البلد المسمّى مصر.
حكى أشهب عن مالك أنه قال: هي مصر قريتك، والمعنى: انتقلوا من التيه إلى مصر، فإنكم تجدون بها ما طلبتموه من البقل والحنطة وأشباهها.
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}:
{الذِّلَّةُ}: الهوان. والمسكنة: الخضوع. وضربُ الذلة والمسكنة عليهم كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبّة بمن ضربت عليه؛ كما قال زياد الأعجم في عبد الله بن الحشرج:
(1/119)

إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ}:
باؤوا: رجعوا. وغضبُ الله: صفة من صفاته نعرف من آثارها الإهانة والانتقام. والمعنى: حقّ عليهم غضب الله، ومن حق عليه غضب الله، ألحق به العقوبة في الوقت اللائق بها.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}:
هذا بيان لوجه إيقاعهم في الذلة والمسكنة، ونزولِ غضب الله عليهم. واسم الإشارة {ذَلِكَ} إشارة إلى هذين الأمرين العظيمين المشار إليهما في الآية السابقة.
وكثيراً ما يشار باسم الإشارة المفرد إلى أشياء ذكرت قبله؛ نظراً إلى أنها صارت حاضرة في ذهن المخاطب بصورة تسمى بالمذكور سابقاً.
والآيات: جمع آية. والآية تستعمل بمعنى: المعجزة، وبمعنى: النص المنزل على الرسول. ومن كفر بمعجزات الرسول، لم يؤمن بالنصوص المنزلة عليه، ومن هنا صح تفسير {بِآيَاتِ اللَّهِ} بالمعجزات، وبالنصوص الموحى بها.
وكان هؤلاء القوم من بني إسرائيل؛ لاغراقهم في الكفر والفساد، يقتلون النبيين حيث يأمرونهم بمعروف، أو ينهونهم عن منكر. وقال: {بِغَيْرِ الْحَقِّ}، وقتلُ الأنبياء لا يكون بحق البتة؛ لزيادة التشنيع بقبح عدوانهم، ويشبه هؤلاء الطغاة الأمراء الذين ينحطون في أهوائهم، وتأخذهم العزة بالإثم، حيث يُسدي لهم العالم الأمين النصيحة في أمر يخرجون به عن
(1/120)

حدود الشريعة الغراء، فيضمرون له البغضاء، ويتأهبون لأن يلحقوا به الأذى ما استطاعوا.
{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}:
العصيان: الخروج عن طاعة الله. والاعتداء: مجاوزة حدوده تعالى. واسم الإشارة {ذَلِكَ} مشار به إلى الكفر، وقتلِ الأنبياء في الجملة السابقة. والباء للسببية. والمعنى: أن تمردهم في عصيان الله، وتجاوزهم حدوده المرة بعد الأخرى، زادهم عماية حتى استحبوا الكفر، ومردوا عليه، وامتدّت أيديهم إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}:
لما أورد في الآيات السابقة وعيد اليهود على الكفر وارتكاب أفظع المعاصي بضرب الذلة والمسكنة عليهم، وحلول غضب الله بهم، أردف في هذه الآية ذلك الوعيدَ بالوعد على الإيمان الصادق والعمل الصالح؛ أخذاً بسنّة القرآن في وصل الإرهاب بالترغيب، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ... إلخ الآية. فذكر أربعة فرق من الناس، وأشار إلى الفريق الأول بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا}، وهم المؤمنون بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -. وابتدأ بالمؤمنين المسلمين في ذكر من لا يفلحون إلا بالإيمان والعمل الصالح؛ إشعاراً بأن الإسلام قائم على أن الفوز عند الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بهذه الوسيلة.
{وَالَّذِينَ هَادُوا}:
{هَادُوا}: دخلوا اليهودية، وهي الديانة التي جاء بها موسى - عليه السلام -، نُسبت إلى يهود معرّب يهوذا - بالذال -، وهو أكبر أبناء يعقوب،
(1/121)

كما يروى، وإن لم يكن جميعهم من أبنائه، وأشار إلى الفريق الثالث بقوله:
{وَالنَّصَارَى}:
هم قوم عيسى - عليه السلام -، جمع نصران، ويقال: نصراني، وهو الأكثر في الاستعمال، ووجه هذا الاسم أنهم كانوا أنصاراً له. وقيل: هو مأخوذ من الناصرة، وهي القرية التي كان نزلها عيسى - عليه السلام -.
{وَالصَّابِئِينَ}:
جمع صابئ. وكان الصابئة ينسبون دينهم إلى نوح - عليه السلام -، ثم صاروا إلى الشرك، وبقيت منهم باقية على التوحيد. والمشركون منهم قالوا: إنا نحتاج في معرفة الله وأحكامه إلى متوسط روحاني، ولما لم يتيسر لهم مشاهدة الروحانيات "الملائكة"، والتلقي عنهم، فزعوا إلى الكواكب بزعم أنها هياكل للروحانيات، وصاروا يعبدون هذه الكواكب. ثم إن جماعة منهم قالوا: إن الهياكل لا تُرى في كل الأوقات؛ لأن لها طلوعاً وغروباً، فبدا لهم أن يتخذوا أصناماً على مثال الهياكل، ونصبوا كل صنم في مقابلة هيكل. وقد بعث الله إبراهيم- عليه السلام - فحاجّ الفريقين.
وذكر الصابئة في هذا المقام، وهم من أبعد الأمم ضلالاً؛ لينبه على أن الإيمان الصحيح والعمل الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح، وإن سبق له أن بلغ في الكفر والفجور أقصى غاية.
{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا}:
من لم تبلغهم دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهها، وكانوا ينتمون إلى دين صحيح في أصله، متى كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعملون الأعمال
(1/122)

الصالحة على وجه ما أرشدهم إليه الدين الذي ينتمون إيه، فلهم أجور على إيمانهم، وعلى ما عملوا من خير. وأما الذين بلغتهم دعوة الدين الحنيف، ولم يقبلوها، فلا ينفعهم إلا أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر، ومن بعث بالشريعة العامة الخالدة، ولا ينالون من أجر الآخرة إلا على ما يعملون من صالح، والعمل الصالح في عرف الشرع الإسلامي: ما يبتغى به وجه الله، ويكون موافقاً للوضع الذي اعتد به الشارع في العبادات والمعاملات، والحكم والقضاء.
والإيمان المشار إليه في قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ} يُفهم بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على نحو ما قرره الدين الحق، وُيفهم بالنسبة إلى المؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا} على أنه مراعى فيه معنى الثبات والاستدامة، وبذلك ينتظم عطف: {وَعَمِلَ صَالِحًا} على قوله: {آمَنَ}، مع مشاركتهم لتلك الفرق فيما يترتب عليهما من الفوز بالأجر، وعدم الخوف والحزن في الآخرة.
{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}:
الأجر: الجزاء على العمل، وسمىّ الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجراً على وجه التفضل منه، وقال: {عِنْدَ رَبِّهِمْ}؛ ليدل على عظم الجزاء من وجهين: أحدهما: أن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيماً، وثانيهما: أن المجازي لهم ربهم الذي عرفوه بصفة الحنان والكرم، والحنّانُ الكريم لا يعطي إلا ما يقرّ العين، ويفوق الوصف. والخوف: الفزع. والمعنى: لا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون، ولا يفوتهم نعيم فيحزنون كما يحزن المقصّرون.
(1/123)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 63 - 69].
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ}:
الميثاق: العهد. والمراد من العهد: الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، على وفق ما جاء في التوراة. وهو تذكير لبني إسرائيل بنعمة من أمثال النعم الواردة في الآيات السابقة؛ لأن أخذ ميثاقهم؛ ليعملوا بما في التوراة من المصالح العائدة إليهم.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الثانية.
(1/124)

{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور}:
الرفع: الإعلاء. والطور: الجبل الذي ناجى الله به موسى - عليه السلام -.
{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}:
هذه الجملة محكية بقول محذوف دل عليه المعنى. والتقدير: وقلنا: خذوا ... إلخ. وما آتاهم: الكتاب؛ أعني: التوراة. والقوة: الجد والعزم والاجتهاد.
وأخذ الميثاق كان قبل رفع الجبل فوقهم، على ما جاء في ترتيب النظم. ورفع الجبل لإشهادهم آية من آيات الله تقوي إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بما في الكتاب المنزل بجد وعزم واجتهاد.
{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}:
ذكرُ ما في الكتاب: بمدارسته، وتدبر أمره ونهيه، والمحافظة على العمل به. و (لعل) في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إما للتعليل، والمعنى: اتعظوا بما في الكتاب، لتتقوا الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وإما للترجي، والترجي مصروف إلى المخاطبين، والمعنى: اذكروا ما في الكتاب وأنتم ترجون أن تكونوا من فريق المتقين.
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}:
{تَوَلَّيْتُمْ}: أعرضتم، والمشار إليه بقوله: {ذَلِكَ}: أخْذُ الميثاق، وقبول ما أوتوه من الكتاب. والمعنى: أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه، أو عن الكتاب الذي أوتيتموه بعد أن قبلتموه.
(1/125)

{فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}:
{فَضْلُ اللَّهِ}: توفيقهم للتوبة. ورحمته: عفوه عن زلاتهم. والخسران: الهلاك. والمعنى: لولا أن الله وفقكم للتوبة، وعفا عن زلاتكم، لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ}:
{عَلِمْتُمُ}: عرفتم. والسبت: اسم لليوم المعروف من الأسبوع. وهذه إشارة إلى قصة هي أن الله تعالى حرّم على بني إسرائيل صيد الحيتان يوم السبت، وابتلاهم الله بأن كانت الحيتان تجيئهم يوم السبت دون سائر الأيام، فاتخذوا الحيلة لصيدها يوم السبت؛ كحفر حفير يقع فيه السمك، ويبقى فيه بعد جزر البحر، ثم صاروا يصيدونها يوم السبت علانية.
{فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}:
القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف. والخسء: الصغار والذلة. وقوله: {كُونُوا} ليس بأمر على الحقيقة؛ لأن صيرورتهم قردة ليست في استطاعتهم، وإنما المراد منه: بسرعة الكون قردة، أو على وصف القردة. وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا قردة على الحقيقة.
وأكثرهم على أن من مُسخوا انقرضوا، ولم يعقبوا نسلاً. وقال مجاهد: لم تمسخ صورهم، ولكن مسخت قلويهم، فلا تقبل وعظاً، ولا تعي زجراً، فهو مثل ضربه الله لهم.
{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}:
الضمير في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا} عائد إلى كينونتهم قردة المفهومة من قولى: {كُونُوا قِرَدَةً}. والنكال: العبرة؛ لأنها تنكل المعتبر بها؛ أي: تمنعه
(1/126)

من أن يرتكب مثل ما أصاب غيره من سوء العاقبة.
و {يَدَيْهَا}: تثنية يد، وهي العضو المعروف.
ويقال: الشيء بين يدي فلان؛ أي: حاضر، وعلى مشهد منه. {خَلْفَهَا}: بعدها.
والمعنى: جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها، وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها، وإنما تلقَّى خبرها من طريق موثوق به. وخص المتقين بإضافة الموعظة إليهم؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير، قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]. وقال تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45].
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}:
هذا بيان لضرب من مساوئ بني إسرائيل في تعنتهم وعدم مسارعتهم لا متثال الأوامر، وجفائهم في مخاطبة موسى - عليه السلام - والظاهر: أن أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم في أمر قاتل النفس على ما يرد في الآية من بعد، ولما لم يظهر لهم من ذبح البقرة مناسبة لسؤالهم عن القاتل، قالوا: أتتخذنا هزواً؟.
وابتدأ القرآن القصة بالأمر بذبح البقرة، ولم يقل مثلاً: وإذ تنازعتم في القتيل، أمرناكم بذبح بقرة ... إلخ؛ لتقبل النفوس على تعرف ماذا يراد من ذبح البقرة، وتتشوق إلى ما يرد من الخبر المتصل به، وهو أمر القتل، فيقع منها موقع الأخبار المتلقاة بعد التشوق إليها، ويأخذ منها مأخذاً وثيقاً.
{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}:
الهزؤ: السخرية. ويلتئم المعنى بتقدير مضاف، والمعنى: أتتخذنا
(1/127)

موضع هزؤ؟ أو يحمل المصدر على معنى اسم المفعول، والمعنى: أتجعلنا مهزوءاً بنا؟ وكلا الوجهين معروف في الفصاحة العربية. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الاستفهام صادر عن سوء اعتقاد بنبيهم وتكذيبهم له، ومن المحتمل أن يكون صادراً عن جفاء وغلظ في الطبع، كما فعل الأعرابي الذي جبذ النبي - صلى الله عليه وسلم -بردائه حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، وقال له: احمل لي على بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك، كما رواه الشيخان، وفي رواية البيهقي: "فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مالِ أبيك".
{قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}:
لما كان قولهم: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} يدل على اعتقادهم أن موسى أخبر عن الله بما لم يأمر به، أجابهم موسى بقوله: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. وأعوذ: من العوذ، وهو الالتجاء. والإخبار عن الله بما لم يأمر به من أسفل دركات الجهل.
والمعنى: ألتجئ إلى الله من أن كون في زمرة الجاهلين. ونبهت الآية على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير، ومن الجهل ما يلقي صاحبه في أسوأ العواقب، ويقذف به في عذاب الحريق. ومن هنا منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها في مقام المزح والهزل، وقالوا: إنما أنزل القرآن ليتلى بتدبر وخشوع، وقصد إلى المحافظة على العمل به.
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}:
هذا سؤال عن حال البقرة وصفتها؛ إذ وقع في نفوسهم أن البقرة التي يكون لها أثر في معرفة قاتل القتيل لا بد أن تكون على صفة خارجة عما
(1/128)

عليه سائر البقر.
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}:
الفارض: المسنّة؛ لأنها فرضت؛ أي: قطعت سنّها، وبلغت آخرها. والبكر: الفتية، وقيل: هي التي لم تلد من الصغر. والعوان: متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطناً أو بطنين. وقوله: {ذَلِكَ} مشار به إلى ما ذكر من الوصفين السابقين: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ}، فرعاية لكونهما في معنى: ما ذكر، صح أن يجيء اسم الإشارة مفرداً، ورعاية لكون المشار إليه وصفين في الواقع، صح أن تضاف إليه كلمة {بَيْنَ}، وقاعدتها أنها لا تضاف إلا إلى متعدد.
{فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}:
الأقرب إلى الذهن أن يكون هذا خطاباً من موسى - عليه السلام - ينصحهم به أن يتركوا إمعانهم في الأسئلة، ويسارعوا إلى طاعة الله بقدر ما يفهم من خطاب الأمر الموجه إليهم.
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}:
بعد أن وصف لهم البقرة من جهة سنها، سألوا عن لونها. والفقوع: شدة الصفرة: يقال: أصفر فاقع؛ أي: شديد الصفرة، كما يقال: أحمر قانٍ؛ أي: شديد الحمرة. والسرور: لذة في القلب عند حصول نفع، أو توقعه، أو رؤية أمر معجب.
وقال: {النَّاظِرِينَ} بصيغة الجمع؛ ليدل على كمال حسن منظرها؛ بحيث إنها تسر كل من ينظر إليها.
(1/129)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 70 - 74].
{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}:
أعادوا السؤال عن حال البقرة بعد أن عرفوا سنها ولونها؛ ليزدادوا بياناً لوصفها.
{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}:
أي: إن البقر الموصوف بكونه عواناً، ويالصفرة الفاقعة، كثير، فاشتبه علينا، فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الثانية.
(1/130)

{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}:
هذا إخبار بأمل أنهم سيهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها، وفي تعليق اهتدائهم بمشيئة الله دليل على إنابتهم وندمهم على ترك سرعة الامتثال للأمر. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}:
الذلول: من الذل - بضم الذال وكسرها -، وهو ضد الصعوبة، يقال: بقرة ذلول؛ أي: ريّضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها بالحرث والزراعة. والحرث: شق الأرض ليبذر فيها الحَبّ. والمقصود: نفي الذل وإثارة الأرض عن البقرة، فهي ليست بذلول تستعمل لإثارة الأرض بالحرث، كما أنها لم تستعمل لسقي الحرث.
{مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا}:
المسلَّمة: من السلامة؛ أي: مخلَّصة ومبرأة من العيوب. والشِّيَة: اللمعة المخالفة لبقية لون الشيء، فهي سليمة من كل عيب، وليس فيها لون يخالف لونها الذي هو الصفرة الفاقعة.
{قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}:
{الْآنَ}: ظرف بمعنى الزمان الحاضر. والحق: الحقيقة. والمعنى: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة؛ حيث استوفيتَ وصفها من جهة السن واللون، وكونها من السوائم لا العوامل، فلم يبق اشتباه في أمرها.
{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}:
من إيجاز القرآن أن حذف من صدر هذه الجملة جملتين مفهومتين من نظم الكلام. والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة، وحصّلوها، وذبحوها.
(1/131)

{وَمَا كَادُوا}: ما قاربوا، {يَفْعَلُونَ}: يذبحون. والمعنى: لم يقربوا من ذبح البقرة المأمور بها في أول الأمر؛ إذ تعسر عليهم تحصيلها، وصار بعيداً من أن تناله أيديهم، ثم اهتدوا إليها بعد ذلك التعسر، فذبحوها.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}:
النفس: الشخص. وادارأتم: أصله تدارأتم، ثم أدغمت التاء بعد إسكانها في الدال، وأتى بهمزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فصار ادّارأتم.
ومعنى ادارأتم: تدافعتم؛ أي: اختلفتم وتنازعتم؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً؛ أي: يدفعه.
والنفس: الروح، وترد بمعنى: الشخص، ويؤتى بالضمير العائد إليها مؤنثاً، ولهذا قال: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}.
وهذه الآية خطاب لبني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، جرى على الأسلوب المعروف في مخاطبات الأقوام؛ إذ ينسب إلى الأخلاف ما فعل أسلافهم؛ اعتماداً على القرينة القائمة على أن الفعل صادر من الأسلاف. ويستعمل هذا الأسلوب عند القصد إلى ذم المخاطبين، والتنبيه على أنهم ليسوا من أسلافهم في الانحراف عن سبيل الرشد ببعيد.
وهذه الواقعة، واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها، جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن وردت في الذكر بعده، وقد نبهنا على أن تقديم الأمر بذبح البقرة في الذكر مجرداً عن الإشعار بواقعة أمر القتل؛ لتتشوف نفس السامع إلى ماذا يقصد من ذبحها، فيقع عند ذكره موقع ما تهتم به، شأن ما تتلقاه عند استشرافها إليه.
(1/132)

{وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}:
{مُخْرِجٌ}: مُظهِر. وما كانوا يكتمون: هو أمر القتيل والقاتل. والجملة معترضة بين قوله: {فَادَّارَأْتُمْ}، وقوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ}، والجملة المعترضة بين ما أنهما الاتصال تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسناً. وفائدة هذه الجملة: إشعار المخاطبين- قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله لإظهار أمر القتل- بأن الحقيقة ستنجلي لا محالة.
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}:
ضرب الشيء بالشيء: إيقاعه عليه. والضمير في قوله: {اضْرِبُوهُ} يعود على النفس، وتذكيره مراعى فيه معناها الذي هو الشخص أو القتيل. والقرآن لم يعين البعض الذي يضرب به، فأي قطعة ضربوه بها، فقد فعلوا ما أمروا به.
{كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى}:
في الآية إيجاز؛ إذ حُذف ما بين هذه الجملة والجملة التي قبلها جملتان دل عليهما سياق الكلام دلالة واضحة. والتقدير: فضربوه ببعض البقرة، فأحياه الله.
والدليل على هذا المقدر: قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} بعد قوله: {اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}. والكاف في قوله: {كَذَلِكَ} للتشبيه. واسم الإشارة مشار به إلى المشبه به، وهو إحياء ذلك القتيل الدال عليه الجملة المقدرة: "فأحياه الله"؛ أي: مثل إحياء ذلك القتيل بعد موته يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة.
(1/133)

والآية ظاهرة في أن الذي ضرب ببعض البقرة صار حياً بعد أن زهقت روحه.
وقد تعاطى تفسير الآية شيخان معاصران، أحدهما كتب في التفسير، والآخر كتب في قصص الأنبياء، وقد ذهبا مذهب التعسف في التأويل.
أما الكاتب في التفسير، فقد جعل آيات: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} من تتمة القصة المبتدأة بالأمر بذبح البقرة كما يقول أهل العلم من السلف، ولكنه يرى أن ذبح البقرة وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في أمر القتل، لتعرُّف الجاني.
وقال: "فمن غسل يده، وفعل ما رسم لذلك في الشريعة - أي: شريعتهم- برئ من الدم، ومن لم يفعل، تثبت عليه الجناية". ومعنى إحياء الموتى-على تفسيره-: حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس التي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، فالإحياء هنا معناه: الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين". والمؤلف في قصص الأنبياء قد جعل آيات: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قصة مستقلة عن قصة ذبح البقرة المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}، وزعم أن قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} بمعنى: اضربوا المتهم ببعض النفس، وهي القتيل، فإذا كان قاتلاً، ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أنه القاتل دون سواه، أو هو على اتصال به. وجرى في تأويل قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} على ما جرى
(1/134)

عليه سلفه في التفسير.
وكل من هذين الرأيين مخالف لما ورد عن السلف، وبعيد عن أسلوب القرآن وبلاغته، ولو كان المراد من قوله: {يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} معنى الآيتين، لقال مثلاً: كذلك يحيي الله الناس، أو قال: ولكم في هذا الحكم حياة.
{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}:
الآيات: الدلائل. والمعنى: يجعلكم مبصرين الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء؛ من إحياء ذلك القتيل وغيره؛ لكي تستعملوا عقولكم في تعرف سبيل الرشد؛ فإن من لا يستعمل عقله متحرياً هذا السبيل، فهو كمن لا عقل له.
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}:
{قَسَتْ}: من القسوة، وهي الصلابة. ونقيضها: الرقة. ووصف القلوب بالصلابة والغلظ يراد منه نبُوها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ، وخلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله، واسم الإشارة {ذَلِكَ} مشار به إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع المعجزات الواردة في الآيات السابقة.
{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}:
الحجارة: جمع حجر، وهو الصخرة. وحرف (أو) للتنويع؛ فإن قلوبهم متفاوتة في القسوة، منها ما هو قاس كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة منها.
والمعنى: فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أشد من الحجارة، فصاغ القرآن هذا المعنى في صورة موجزة، فقال: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. وقال: {أَشَدُّ قَسْوَةً}، ولم يأت بأفعل التفضيل، فيقل: أقسى؛
(1/135)

لأن أشد قسوة أوضح دلالة على فرط القسوة من قولك: أقسى.
{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَار}:
هذا بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء. وتحمل الأنهار على معنى الماء الجاري، والعرب يطلقون اسم المحل؛ كالنهر على الحالِّ فيه؛ كالماء. والقرينة على هذا الإطلاق قائمة؛ لأن التفجر إنما يكون للماء، والمعنى: أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير. وهذا إشارة إلى العين الجارية.
{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}:
التشقق: التصدع بطول أو عرض. والمعنى: أن من الحجارة ما يتشقق إشفاقاً، فينبع منه الماء. وهذا إشارة إلى العين النابعة.
{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}:
الهبوط: التردّي؛ أي: النزول من أعلى إلى أسفل. والخشية: الخوف.
والمراد: ما يلزم الخشية؛ من الطواعية والانقياد؛ لأن من خشي الله، أطاعه، وانقاد لما يريده منه. ووجهُ فضل الحجارة على قلوب أولئك: أنها أنفع من تلك القلوب القاسية، فتتفجر منها الأنهار، وتتشقق فيخرج منها الماء، وأنها لا تمتنع عما يريد الله منها؛ بخلاف قلوب هؤلاء؛ فإنها لا تنقاد، ولا تفعل ما تؤمر به.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}:
هذا تهديد لهم بأن الله ليس بغافل عن أعمالهم، بل سيحصيها عليهم،
(1/136)

ويحاسبهم عليها. والغفلة: السهو، وهي مستحيلة على الله، ولكنها وقعت هنا في سياق النفي، ونفي الشيء عنه تعالى لا يستلزم إمكانه؛ كما قال تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255].
* * *
(1/137)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 75 - 79].
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}:
هذا خطاب للمؤمنين، وهو معطوف على قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الذي هو خطاب لليهود، والبلاغة تسمح بعطف خطاب موجّه لطائفة على خطاب موجه لطائفة أخرى؛ كقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} [يوسف: 29].
والطمع: تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقاً قوياً. و {يُؤْمِنُوا لَكُمْ} بمعنى: يصدقون مستجيبين لدعوتكم. والاستفهام في قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ}
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الثانية.
(1/138)

جارٍ مجرى الإنكار عليهم، حيث طمعوا في استجابة أولئك اليهود لدعوة الإيمان، وحالهم ما ذكر في قوله تعالى بعدُ: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. . .}.
{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}:
الفريق المشار إليه في الآية: هم الأحبار الذين حرفوا التوراة. وكلام الله: التوراة. وتحريف كلام الله يصدق بتأويله تأويلاً فاسداً، وروي هذا الوجه في تفسير الآية عن ابن عباس. ويصدق بمعنى: تغييره بوضع كلام آخر مكانه، وهو الوجه الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، وقد وقع من أولئك الأحبار التحريف بالتأويل وبالتغيير، كما فعلوا ذلك في نعته - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد روى البخاري أن من صفاته فيها: أنه أبيض رَبْعة، فغيّروه: أسمر طويل.
وقد بسط جماعة من المحققين القول في إثبات تحريف التوراة على معنى: إسقاط بعض النصوص، ووضع كلام آخر بدلها؛ كابن حزم، وابن تميمة، وغيرهما، والتحريف بمعنى التأويل الباطل قد ارتكبه طوائف من الجهلة أو الملاحدة في القرآن الكريم. وأما التحريف بمعنى: إسقاط الآية، ووضع كلام بدلها، فقد حفظ الله منه كتابه العزيز {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ومن الأسباب التي هيأها الله لحفظه، ما قام به عثمان -رضي الله عنه- من جمع الناس على مصحف، وإحراق كل مصحف وقع فيه تحريف على وجه الخطأ، أو سوء القصد.
وإنما كان قيام فريق من اليهود بتحريف الكتاب سبباً لليأس من إيمان الطائفة المشار إليها بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}، ذلك لأن هذه الطائفة قد سبق أن تلقت دينها من قوم يحرفون الكتاب، وهم إنما يلقنونهم
(1/139)

ما حرّفوه، والمقلدون يتلقون ذلك عنهم بطاعة عمياء، ولا يلتفتون إلى الحق، ولا يتجهون إلى النظر في الأدلة الموصلة إليه، فالميئوس من إيمانهم طائفة معينة علم الله أنها شبّت على عماية التقليد، ولا يرجى منها الإقلاع عن الكفر، والرجوع إلى الدين الحق.
ومعنى قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: أنهم يحرفون كلام الله من بعد ما فهموه، مع علمهم بما يستحقه محرِّفه من الخزي والعذاب الأليم.
وقولى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ينبئ بأن من يرتكب المعصية وهو يعلم أنها معصية يستحق عليها من التوبيخ والذم أشد مما يستحقه مرتكبها وهو من الجاهلين.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}:
هذه الجملة بيان لنوع من مساوئ اليهود وقبائحهم الموجبة لليأس من إيمانهم، الكاشفة عما كانوا يضمرونه من النفاق. والذين آمنوا هم جماعة المؤمنين من الصحابة - رضي الله عنهم -، فإذا لقيهم هذا الفريق من اليهود، قالوا لهم: صدقنا بأن محمداً نبي بحق.
{وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}:
{خَلَا بَعْضُهُمْ}: صاروا إلى خلوة، وهو الموضع الذي ليس فيه غيرهم. والمعنى: انفرد بعضهم ببعض، وهم الذين لم ينافقوا، والذين نافقوا.
{قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}:
التحديث: الإخبار عن حادث. والفتح: القصص، والمعنى: قال اليهود
(1/140)

غير المنافقين لليهود المنافقين مُعاتبين لهم: أتحدثون المؤمنين بما قصه الله عليكم في كتابكم؛ من أن محمداً نبي حق، وأنه صادق في رسالته؟! ويصح فهمُ الفتح بمعنى القضاء، والمعنى: أتحدثونهم بما قضاه الله فيكم، ومن قضائه فيهم: أخذُه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد، ويستجيبوا لدعوته.
{لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}:
المحاجَّة: الاحتجاج، وهو القصد للغلبة، ويرجع إلى معنى إقامة الحجة، والمعنى: أتحدثون المؤمنين بما فتح الله عليكم؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند اجتماعهم بكم في الآخرة؛ كما قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31]. ويصح - فيما نرى- أن يفهم قولهم: {عِنْدَ رَبِّكُمْ} على معنى: أمام ريكم، ويكون كناية عن صحة محاجة المؤمنين لهم؛ فإن الحجة الصحيحة تكون مقبولة عند الله، ويقيمها الإنسان مشهِداً الله عليها، ولا سيما محاجة تقوم على الاستشهاد بنصوص موحى بها من الله، وهذا بخلاف المحاجة الباطلة؛ فإنها تكون بعيدة من الله، ولا يستقيم لصاحبها أن يقول: حاججتك عند الله.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}:
هذه الجملة معطوفة على قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} وقد أتوا بها تأكيداً لإنكارهم على إخوانهم المنافقين تحديثَهم للمؤمنين بما فتح الله عليهم.
والمعنى: أليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟!.
(1/141)

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}:
هذا توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا إخوانهم على تحديث المؤمنين بما فتح الله عليهم؛ فإن اعتقادهم بأن الله يعلم سرهم وعلانيتهم شأنه أن يمنعهم من أن ينهوا إخوانهم في السر عن تحديث المؤمنين بما في التوراة؛ فإنهم إنما يحدثونهم بحقائق أوجب الله عليهم أن يذيعوها بين الناس.
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}:
الضمير في قوله: (منهم) يعود على اليهود المذكورين فيما سبق. والأميون: جمع أميّ، وهو الذي لا يحسن الكتابة، وسمّي أميّاً نسبة إلى الأم؛ أي: إنه باق على ما ولدته أمه من عدم معرفة الكتابة، أو نسبة إلى الأمَّة بمعنى: الخلقة؛ أي: إنه باق على خلقته، ولم يزد عليها تعلم الكتابة. والكتاب: التوراة. والأماني: جمع أمنية، وهي ما يقرأ. والمعنى: أن هذا الفريق من اليهود لا يعلمون من الكتاب إلا ما يقرؤونه قراءة عارية عن التدبر في معانيه. ويصح أن يكون المراد من الأمنية: ما يقدره الإنسان في نفسه، ويرغب في حصوله. وقد كان هؤلاء اليهود لا يعلمون الكتاب، وإنما كانت لهم أماني هي أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، من غير أن يأخذوا أنفسهم بواجبات دينهم.
{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}:
الظن: ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر، دون أن تبلغ ذلك مرتبة القطع. وهو لا يكفي في معرفة أصول الدين مما يرجع إلى الإيمان، وإنما الواجب فيها أن تكون قائمة على الأدلة القاطعة، ومثلها
(1/142)

أصول الفقه التي تبنى عليها الأحكام العملية، وأما أحكام الوقائع الجزئية، فإن الراسخين في العلم يكتفون في تقريرها بما يصلون إليه من الظنون القوية. ومن أهل العلم من فسر الظن في الآية بمعنى: الشك، وهو التردد بين أمرين من غير أن يترجح أحدهما على الآخر، فيكون المعنى: أن هؤلاء اليهود ليسوا على علم من أمور الدين، وإنما هم في شك منها، وإن الشك لا يغني من الحق شيئاً.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}:
الويل: الفضيحة والخزي، وقيل: الويل: الهلاك، وهو وارد مورد الدعاء.
و {الْكِتَابَ}: ما يكتبونه من أشياء اختلقوها ووضعوها بدلاً مما في التوراة. وقال: {بِأَيْدِيهِمْ}؛ ليؤكد أن الكتابة باشروها بأنفسهم، ويدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، وأَمْرُ الشخص آخر بكتابة الكتاب، يسيغ نسبة الكتاب إلى ذلك الشخص على وجه المجاز.
{ثُمَّ يَقُولُونَ} لأتباعهم الأميين: {هَذَا}؛ أي: ما كتبوه بأيديهم {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}؛ أي: من نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى- عليه السلام -، وإنما يقولون ذلك {لِيَشْتَرُوا بِهِ}؛ أي: المكتوب المحرف {ثَمَنًا قَلِيلًا}. والثمن: عرض الدنيا، وكل عرض يؤخذ في مقابلة وضع الحق مكان الباطل فهو قليل.
{فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}:
هذا وعيد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرَّف؛ أي: خزي وهلاك لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب.
(1/143)

{وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}:
الكسب: اجتلاب النفع أو الضرر، وهو المراد من الآية. وهذا وعيد على أخذهم الأموال من الأتباع المقلدين لهم بغير حق. والآية تدل على تحريم أخذ المال بالباطل؛ كالرشوة، وإن أخذها برضا المعطي.
* * *
(1/144)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 80 - 83].
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}:
الضمير في قوله تعالى: {وَقَالُوا} عائد إلى الذين يكتبون الكتاب المشار إليهم في الآية السابقة بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. والمس: الإصابة. ووصف الأيام بقولهم: {مَعْدُودَةً} كناية عن قلتها، يقال: شيء معدود؛ أي: قليل، وشيء غير معدود؛ أي: كثير. وروي عن اليهود - فيما يزعمون -: أنهم سيعذبون سبعة أيام، أو أربعين يوماً، ثم ينقطع عنهم العذاب. والمعنى: وقال أولئك الذين يكتبون الكتاب بأيديهم من اليهود: لن تصيبنا النار إلا أياماً قلائل.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة الثانية.
(1/145)

وبهذا يجمعون إلى تبديل كتاب الله، وأخذِهم به المال الحرام، وافترائهم بأن هذا الذي كتبوه من عند الله، جريمةً أخرى هي الإخبار على وجه الكذب البحت بأنهم لا يقيمون في النار إلا أياماً معدودة.
{قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ}:
أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه الكريم بأن يرد على اليهود دعواهم الكاذبة؛ إذ زعموا أنهم لا يعذبون إلا أياماً قليلة، فقال تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ} والاستفهام في قوله: {أَتَّخَذْتُمْ} للإنكار. والعهد: الوعد. وإخلافه: عدم الإيفاء بالشيء الموعود به. والمعنى: قل يا محمد منكراً على اليهود ورادّاً عليهم تلك الدعوى المزعومة: أتقدَّمَ لكم من الله وعدٌ بذلك حتى يكون الإيفاء بهذا الوعد متحققاً؟ فإن إخلاف الوعد يجعل الوعد كذباً، والله تعالى منزه عن أن يقول ما ليس بحق.
والإنكار متوجه إلى زعمهم أن النار لا تمسهم أكثر من أيام معدودة.
{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا}، وكأنه يقول: أيُّ الأمرين واقع: اتخاذكم عند الله عهداً، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ والواقع هو أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، لا أنهم اتخذوا عند الله عهداً، وإنما أخرج الكلام مخرج التردد فيما هو الواقع؛ لما في أسلوب الاستفهام من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون؛ فإنهم لا يستطيعون أن يزعموا أن الله وعدهم بما أخبروا به من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، وليس في أيديهم نص من كتابهم يستندون إليه في هذا الإخبار الذي جاؤوا به في صورة الجزم.
(1/146)

{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}:
هذا إبطال لقول اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}. و {بَلَى} حرف جواب؛ كنعم، إلا أنها تجيء لإثبات فعل ورد قبلها منفياً، وهو في الآية قول اليهود: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، فهي لإثبات أن النار تمسهم أكثر من أيام معدودة. وقال: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}، فكان إبطالاً لقولهم على وجه يشملهم وسائر من يعمل عملهم ويكفر كفرهم. والكسب: جلب النفع، ويستعمل في جلب الضرر؛ كما ورد في هذه الآية. والسيئة: الذنب صغيراً أو كبيراً، وحيث كانت أفعال اليهود المحكية عنهم اَنفاً من قبيل الكبائر، صح حمل السيئة هنا على الفاحشة الموجبة للنار. والإحاطة: الاستيلاء، والأخذ بالشيء من جميع جهاته.
والخطيئة: السيئة، وإنما تحيط بصاحبها إذا أخذت القلب، فحرم من الإيمان، وأخذت اللسان، فحرم من الإقرار به. فالآية تدل على أن الخطيئة الموجبة للخلود هي المحيطة بصاحبها، وهذه الإحاطة إنما تتحقق بالكفر، وصحبة الشيء للشيء تدل في أصل اللغة على بقائه معه قليلاً أو كثيراً، وقد جرى العرف باستعمالها في معنى الملازمة، فإضافة الأصحاب إلى النار تنبئ بملازمتهم لها.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}:
لما ذكر الله تعالى أهل الفسوق والكفر، وما أعد لهم من العقاب الشديد الخالد، أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان والتقوى، وما تفضل به عليهم
(1/147)

من الخلود في دار النعيم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}، وهذا يتناول المؤمنين من أمة الإسلام، ومن كانوا على إيمان صحيح بما جاءتهم به رسلهم قبل البعثة المحمدية. والمعنى: أن من جمعوا بين الإيمان الصادق، والأعمال الصالحة، هم أصحاب الجنة الحقيقون بالخلود فيها. وهذا الوعد لا يتوجه إلى الذين آمنوا بقلويهم، وأقروا بألسنتهم، ولم يحافظوا على امتثال ما أمروا به، أو اجتناب ما نهوا عنه، فمصير هؤلاء إلى الجنة، وخلودهم فيها بعد جزائهم على ما ارتكبوا من عصيان، أو بعد عفو الله عنهم، يؤخذ من نصوص وأدلة أخرى، والنصوص التي قامت على أبدية الجنة أكثر من النصوص التي تدل على أبدية النار، ولم يخالف في أبدية الجنة عالم بحق. والمعروف بين علماء الإسلام: أن الخلود في النار متأبد، وأنها كدار النعيم لا يلحقها فناء. وقد تحدث عن هذه المسألة ابن تيمية، وبسط ابن القيم الحديث عنها في كتابه "حادي الأرواح".
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}:
وردت هذه الآية مناسبة للآيات السابقة في توبيخ بني إسرائيل على مساوئ ارتكبوها، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا}. والميثاق: العهد، وعهد الله: ما يوصي به في بعض كتبه، أو على لسان رسول من رسله، فميثاق بني إسرائيل: ما أخذ عليهم في التوراة، أو على لسان موسى وغيره من أنبيائهم - عليهم السلام -، والمأخوذ عليهم: ما ذكر مفصلاً في الآية من قوله: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} إلى قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ}.
{لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}:
عبادة الله: الإيمان به وبرسله، والعمل بما أنزل في كتبه. وقال:
(1/148)

{لَا تَعْبُدُونَ} في صورة الخبر المنفي، والمراد: النهي عن عبادة غير الله. والمعنى: لا تعبدوا غير الله. وإيراد الخبر في مقام يقصد منه الأمر أو النهي يفيد تأكيد الأمر أو النهي.
وتقررت هذه الطريقة من المبالغة والتأكيد على أن المتكلم يلاحظ أن هذا الأمر أو النهي حقيق بأن يُتلقى بحسن الطاعة، فكأن وقوع المأمور به، أو المنهي عنه متحقق الوقوع، وينزل المتحقق الوقوع في منزلة الواقع، ويصير المقام مقام الإخبار بأن المأمور فاعل للمأمور به، أو مجتنب للمنهي عنه في الحال.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}:
الوالدان: الأب والأم. والإحسان: مصدر في معنى أَحْسَنوا. والإحسان في الأصل: فعل الحسن. وإحسانك إلى غيرك، وبه: أن تنفعه بما هو حسن.
والإحسان بالوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، والقيام بما أوجبه الله لهما من الحقوق.
{وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}:
هذا معطوف على قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ}.والقربى: مصدر بمعنى: القرابة، فذو القربي: من تكون بينك وبينه صلة قرابة من جهة الأب أو الأم. والإحسان بهم: القيام بما يحتاجون إليه بقدر الطاقة.
{وَالْيَتَامَى}: جمع يتيم، وهو من فقد أباه.
{وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مسكين، وهو مرادف للفقير على معنى: من لا شيء له، أوله شيء طفيف من العيش لايكفي حاجته.
(1/149)

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}:
هذا من جملة ميثاق بني إسرائيل المفتتح بقوله: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}.
والحسن: ضد القبح، فهو مصدر بمعنى: حَسَن؛ أي: ذي حسن، وقع موقع الصفة لمصدر محذوف. والمعنى: قولوا قولاً حسناً. وفي وصف القول بالمصدر الذي هو الحُسْن مكان الوصف الذي هو ذو حُسن مبالغةٌ في حسنه على ما هو معروف في فنون البيان. والأعمال الصالحة إما أن ترجع إلى حسن طاعة العبد لربه، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ}، وإما أن ترجع إلى حسن معاملة العبد لغيره من الناس، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} إلى قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}. ثم إن حقوق الناس في حسن المعاملة متفاوتة، فأحقهم بالإحسان: الوالدان؛ لما لهما من فضل الولادة والعطف والتربية، ثم أولو القربى؛ رعاية لحق القرابة، ثم اليتامى؛ لقصور أيديهم وضعفها عن الكسب، ثم المساكين؛ لسد حاجاتهم، والفوز بثواب الرحمة بهم، وسائر الناس ممن ليسوا في حاجة إلى الإحسان إليهم بالفعل، يكفي في البر بهم أن يلاقيهم الإنسان بالطيب من القول، ويجيبهم بما يجب أن يجاب به. وهذا النوع من الإحسان سهل على النفوس؛ بحيث يستطيع الإنسان - متى قدر فضل التودد لخيار الناس قدره - أن يجري عليه في كل حال.
بنيَّ إن البِرّ شيء هَيِّن ... وجه طليقٌ ولسانٌ لَيِّن
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}:
هذا خطاب لبني إسرائيل معطوف على ما قبله. والصلاة التي أمروا بإقامتها، والزكاة التي أمروا بإيتائها، هما الصلاة والزكاة المشروعتان في
(1/150)

ديانتهم، ولعظم شأن هاتين العبادتين: البدنية والمالية، ذُكرتا على وجه خاص بعد الأمر بعبادة الله؛ اهتماماً بهما، وتوكيداً لأمرهما.
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}:
تولى عن الشيء: رفضه، وانصرف عنه. والتوبيخ في الآية موجه إلى اليهود الذين كانوا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، واليهود الذين تولوا عن الميثاق من قبل، على طريقة تغليب الحاضرين على الغائبين؛ حيث أورد التوبيخ في صورة الخطاب، والفعل المنكر، وهو التولي، صادر من الحاضرين والغائبين. والقليل في قوله تعالى: {إِلَّا قَلِيلًا} هم من آمن قديماً من أسلافهم، أو حديثاً؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه. والإعراض: التولي، فقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} حال مؤكدة لمعنى الفعل الذي هو {تَوَلَّيْتُمْ}؛ إذ للتأكيد في لسان العرب طرق، منها: أن يعاد إسناد معنى الفعل إلى الفاعل في صورة الحال. والمعنى: ثم رفضتم أنتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، إلا فريقاً منكم ليسوا بكثير استمروا على رعايته والعمل بموجبه.
* * *
(1/151)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 84 - 86].
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}:
هذا معطوف على ما تقدم من الآيات الواردة في نقض اليهود للمواثيق والعهود. وما تقدم من قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ... إلخ يتضمن أوامر، والميثاق المشار إليه في هذه الآية يتضمن نواهي {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}. وقدم توبيخهم على عدم امتثال الأوامر على توبيخهم على عدم اجتناب المنهي عنها؛ لأن الأوامر هي الأصل في التكاليف الشرعية؛ حيث إنها تتضمن
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الثانية.
(1/152)

أفعالاً؛ بخلاف النواهي؛ فإنها تتضمن تروكاً، ومشقة الأفعال أشدُّ- في الغالب - من مشقة التروك.
والميثاق: العهد. وسبق لنا: أن عهد الله: ما أوصى به في كتابه، أو على لسان رسله.
والميثاق أخذ من أسلاف المخاطبين. فالمعنى: أخذنا ميثاق أسلافهم الذين كانوا في عهد موسى - عليه السلام -.
والسفك: الصبّ. والدماء: جمع دم، وهو معروف. والنهي عن سفك الدماء في معنى النهي عن القتل، ومعنى {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}: لا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، كما قال - عليه الصلاة والسلام - فيما روي في الصحيح: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".
{وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}:
الديار: جمع دار، وهي المسكن. والمعنى: لا يخرج بعضكم بعضاً من مساكنهم. ويدخل في معنى الإخراج من الديار: أن يتصدى الرجل لإيذاء جاره حتى يلجئه إلى الخروج من داره؛ تخلصاً من شره. وقال: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}، فجعل إجلاءهم غيرَهم من مساكنهم إجلاء لأنفسهم، فنبه بذلك على أن الأمة المتواصلة بالدين أو النسب بالغةٌ من الوحدة بحيث يعد قتل الرجل لغيره إنما هو قتل لنفسه، وإخراجه من منزله إنما هو إخراج لنفسه.
{ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}:
أقررتم: اعترفتم. وتشهدون: من الشهادة، وهي الإخبار عن علم. والخطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو وارد مورد التوبيخ
(1/153)

لهم على عدم العمل بالتوراة، مع إقرارهم بصحة أحكامها. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} واقع موقع الحال المؤكدة لقوله: {أَقْرَرْتُمْ}؛ كما يقال: فلان مقر على نفسه بكذا، شاهداً عليها. ويصح أن يكون قوله: {أَقْرَرْتُمْ} إخباراً عن اعتراف سلفهم بالميثاق، وقد عرفنا أنه قد يجيء ما يصدر من السلف في صورة خطاب للخلف. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} إخبار عما وقع من اليهود الحاضرين في عهد نزول القرآن الكريم. والمعنى: اعترفتم؛ أي: اعترف أسلافكم بالميثاق، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم وقبولهم له. فيكون الإقرار في قوله: {أَقْرَرْتُمْ} صادراً من سلفهم، والشهادة مسندة إلى اليهود الحاضرين عند نزول الآية.
{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}:
هذا تقريع لهم على عصيانهم بارتكاب ما نُهوا عنه. وقد وردت هذه الجملة على أسلوب قول العرب: "ها أنت ذا قائماً". فالضمير {أَنْتُمْ} مبتدأ، واسم الإشارة {هَؤُلَاءِ} خبر عنه، وجملة: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} حال، وهي من قبيل الأحوال التي لا تحصل الفائدة من الإخبار إلا بذكرها. والمعنى: ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم، وبعد شهادتكم على أنفسكم بذلك، صرتم في حال غير الحال التي كنتم عليها، فنقضتم العهد، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل والإخراج من الديار.
{تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}:
لما كان قتل بعضهم لبعض، وإجلاؤهم من ديارهم يحتاج إلى قوة وغلبة، بَيَّن تعالى أنهم يفعلون ذلك متعاونين عليه وهم آثمون ظالمون.
(1/154)

والتظاهر: التعاون.
والإئم: الذي يستحق صاحبه الذَّم عليه والملام، أو: ما تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب. والعدوان: تجاوز الحد في الظلم.
{وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ}:
الأسارى: واحده أسير بمعنى: مأسور، وهو المأخوذ على سبيل القهر والغلبة.
وفداء الأسارى: فكاكهم بإعطاء شيء عنهم. والمعنى: أنتم مع قتل بعضكم بعضاً، وإخراج بعضكم بعضاً من ديارهم، إذا وجدتم الذين أخرجتموهم من ديارهم أسرى في أيدي غيركم من الأعداء، تسعون لفكهم، وتبذلون عوضاً لإطلاقهم. وبيان هذا المعنى: أن حروباً كانت تنشب بين الأوس والخزرج قبيل الإسلام، وكان فريق من يهود المدينة حلفاء للخزرج، وفريق حلفاء للأوس، وكان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، وقد يقتل اليهودُ من فريقٍ يهوداً من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأمتعة، وإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أولئك الذين أخرجوهم من ديارهم.
{وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}:
من أساليب البيان عندما يراد إعطاء الخبر جانباً من العناية والتأكيد: أن يصدر المتكلم الجملة بضمير المفرد الغائب "هو"، ثم يأتي بعده بالخبر، ويكون هذا الخبر هو معنى ذلك الضمير الذي وقع صدراً في الجملة، ويسمونه: ضمير الشأن. والضمير في قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ} هذا القبيل.
(1/155)

و {مُحَرَّمٌ} من حرَّم بمعنى: منع. والمحرّم شرعاً: ما يعاقب على فعله، ويثاب بالقصد إلى تركه امتثالاً لنهي الشارع عنه. والمعنى: أنكم تخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وإذا صار هؤلاء الفريق في الأسر، فاديتموهم، وإخراجهم من ديارهم محرم عليكم، فلمَ لم تتبعوا حكمة التوراة في النهي عن إخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟.
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}. والاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى بالإيمان ببعض، والكفر ببعض. والكتاب: التوراة. وبعض الكتاب الذي آمنوا به: هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى في أيدي عدوهم، وبعضه الذي كفروا به: هو ما حرم عليهم من القتل والإخراج من الديار.
والمعنى: كيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟! فالإنكار-كما عرفت- غير متوجه إلى الإيمان ببعض الكتاب، وإنما الذي أنكر عليهم هو جمعهم بين الكفر والإيمان؛ إذ كفروا ببعض الأحكام، وآمنوا ببعضها، وإنما سمي عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفراً؛ لأن من عصى أمر الله بحكم عملي، معتقداً أن الحكمة والصلاح فيما فعله؛ بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب، فقد خرج بهذه الحالة النفسية من سبيل المؤمنين.
وفي الآية دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع، ويكفر ببعضه، يدخل في حساب الكافرين؛ لأن الإيمان
(1/156)

لا يتجزأ.
{فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}:
الجزاء: المكافأة على الشيء، ويستعمل في الخير والشر؛ أي: يكون ثواباً وعقاباً. واسم الإشارة {ذَلِكَ} مشار به إلى القتل والإخراج من الديار اللذين نقضوا بهما عهد الله بغياً وكفراً. والخزي: الهوان والمقت والعقوبة. وهذا وعيد من الله تعالى لأولئك اليهود الذين نقضوا عهده بالعقاب العاجل في الدنيا، وهذه سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها، ولا تربط شؤونها الاجتماعية بأحكام شريعتها وآدابها. ومن أشد أنواع الخزي: أن يسلط عليها عدوها، فيرهقها بغياً وعدواناً، ويسومها سوء العذاب ليلاً ونهاراً.
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}:
أخبر في هذه الجملة أن الخزي الذي يصيبهم في الدنيا لا يكفر عنهم ذنوبهم، بل هم صائرون في الآخرة إلى عذاب أشد منه. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}: زمان يمتد من البعث إلى أن يفصل الله بين العباد، ويستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. و {يُرَدُّونَ}: يصيرون. ومن الوجوه التي صار بها عذاب الآخرة أشد: أنه عذاب خالد؛ بخلاف الخزي في الحياة الدنيا.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}:
هذا خطاب لليهود على وجه الالتفاف؛ أي: الانتقال من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب؛ إذ قال: {تَعْمَلُونَ}، وقد قال تعالى فيما سبق: {يُرَدُّونَ}. والغفلة: السهو. والمعنى: أنه تعالى لا يأخذه سهو عن أعمالكم حتى يترك مجازاتكم عليها. فالمراد من نفي الغفلة: ما يتسبب عنها من ترك مجازاتهم.
(1/157)

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}:
اسم الإشارة {أُولَئِكَ} مشار به إلى من سبق توبيخهم من اليهود في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} ... إلخ الآية. ومعنى اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة: إيثار متاعها؛ من نحو الرياسة والمال، على نعيم الآخرة، فكأنهم جعلوا حظوظهم من نعيم الآخرة ثمناً لما تمتعوا به في الحياة الدنيا.
و {يُخَفَّفُ} من التخفيف، وهو التسهيل والتهوين، ونصر الشخص لغيره: دفعه عنه ما يراد به من مكروه. ومعنى الآية: أن اليهود الذين تقدم ذكرهم قد آثروا متاع الحياة الدنيا، ورضوا بها عوضاً من نعيم الآخرة، فلا يقطع عنهم العذاب، ولا يقلّل، ثم لا يجدون أحداً يدفع عنهم بقوته أو بشفاعته ما وقعوا فيه من أشد العذاب.
* * *
(1/158)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
وَ {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 87 - 90].
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ}:
هذا تذكير لبني إسرائيل بضرب من النعم التي أمدهم الله بها، ثم قابلوها بالكفر والإجرام.
و {آتَيْنَا}: أعطينا. و {الْكِتَابَ}: التوراة. {وَقَفَّيْنَا}: أردفنا، وأتبعنا. وأصله من القفا، يقال: قَفَّاه: إذا تبعه، وقفاه بكذا: إذا أتبعه إياه.
والرسل: جمع رسول بمعنى: مرسَل، وقد أرسل الله رسلاً بعد موسى
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني عشر من السنة الثانية.
(1/159)

- عليه السلام -، منهم: يوشع، وداود، وسليمان، وعزير، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى.
{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ}:
{الْبَيِّنَاتِ}: الآيات الواضحة الدالة على نبوته، فتشمل كل معجزة أوتيها عيسى- عليه السلام -؛ كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار ببعض المغيَّبات. وخص عيسى بالذكر؛ لكونه صاحب كتاب هو الإنجيل، ولأن شرعه نسخ بعض الأحكام من شريعة موسى - عليه السلام -. وفي إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أباً من البشر، وقد مشى خلفهم في هذا الزعم الباطل طائفةٌ من أشياع غلام أحمد القادياني مدعي النبوة كذباً، ويسمون أنفسهم: الأحمدية.
{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}:
أيدناه: قوّيناه، مأخوذ من الأَيْد، وهو القوة. والروح في الأصل: ما تحصل به الحياة. والقدس: الطهر والبركة. وذهب كثير من المفسرين إلى إن المراد بروح القدس: جبريل- عليه السلام -، وإطلاق هذا الاسم على جبريل ظاهر في مثل قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل: 102]، ويصح تفسير روح القدس بالوحي الذي يمد الله به رسله؛ إذ هو شبيه بالروح الذي تحصل به الحياة؛ ذلك أن الأمم تحيا به حياة صالحة، وبغير الدين الحق لا يستقيم لها سير، ولا تنظم لها شؤون.
{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ}:
هذه الآية واردة مورد التوبيخ لليهود الذين صدرت منهم هذه الأفعال الفظيعة؛ من تكذيب الرسل، وقتلهم فريقاً منهم. وتهوى: من هوي: إذا
(1/160)

أحب، والهوى يكون في الحق، ويكون في الباطل، وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: {بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ}.
و {اسْتَكْبَرْتُمْ}: تكبرتم، والتكبر ينشأ عن الإعجاب بالنفس الذي هو أثر الجهل بها.
{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {اسْتَكْبَرْتُمْ}، والمعنى: أنه كلما جاءكم رسول، استكبرتم عن إجابة دعوته؛ ازدراء له، فبادرتم فريقاً من الرسل بالتكذيب فقط؛ حيث لا تقدرون على قتلهم، وأقبلتم على فريق منهم بالقتل؛ حيث تقدرون على قتلهم، وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم؛ لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر.
وعبّر في جانب القتل بالفعل المضارع، فقال: {تَقْتُلُونَ}، ولم يقل: قتلتم كما قال: {كَذَّبْتُمْ}؛ لأن الفعل المضارع- كما هو المألوف في أساليب البلاغة- يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيماً، ووجهه: أن المتكلم يعمد لذلك الفعل القبيح؛ كقتل الأنبياء، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع في الحال، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم.
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}:
هذا حديث عن اليهود الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو حكاية ما كانوا يقولون على سبيل الاعتذار عن عدم إيمانهم به. والغلف: جمع أغلف، ووصف القلوب بها على معنى: أن عليها أغشية تمنع ما جئت به
(1/161)

أن ينفذ فيها؛ كقولهم في آية أخرى: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [فصلت: 5]. ويرجع هذا إلى معنى: أنها لا تفقه شيئاً مما تقوله. وقصدوا بهذا إقناطه - عليه الصلاة والسلام - من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد.
{لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}:
هذا تكذيب لهم فيما زعموه من أن قلوبهم مستورة بأغطية تمنعها من الفهم.
والمعنى: أن قلوبهم ليست غلفاً بحيث لا تخلص إليها دعوة الحق، بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله أبعدهم من رحمته، وأعمى أبصارهم؛ من أجل كفرهم بالأنبياء، وانصرافهم عن العمل بالكتاب الذي أنزل إليهم من قبل، فقيامُ حجة الله عليهم من جهة أنه خلقهم على الفطرة، والتمكن من الإيمان، غير مقسورين على الكفر، ثم إنهم استحبّوا الكفر على الإيمان.
{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}:
الفاء في قوله: {فَقَلِيلًا} للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها، و (ما) في قوله: {فَقَلِيلًا مَا} لتأكيد معنى القلة. والمعنى: أن الله لعنهم، وكان هذا اللعن سبباً لقلة إيمانهم، فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان به، وقد وصفهم الله تعالى فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض.
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}:
هذا تنبيه لنوع آخر من ضلالات اليهود الذين كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1/162)

والكتاب: القرآن، ووصفه بكونه من عند الله إيماء إلى أن ما يوحي به الخالق- جل شأنه - جدير بأن يُتلقى بالقبول وحسن الطاعة. و {لِمَا مَعَهُمْ}؛ أي: مع اليهود: التوراة. ومعنى كون القرآن مصدقاً لما معهم من التوراة: أنه موافق لها فيها يختص ببعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ونعته.
{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}:
{يَسْتَفْتِحُونَ}: يستنصرون؛ من الاستفتاح، وهو طلب الفتح؛ أي: النصرة.
و {الَّذِينَ كَفَرُوا}: المشركون. وقد كان اليهود يستنصرون على أعدائهم من المشركين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته، فيقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي نجد نعته في التوراة. ولإيراد ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل من النصوص الواردة في بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته، مقامٌ غير هذا المقام.
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}:
{مَا عَرَفُوا}: نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو القرآن المشار إليه فيما سبق بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. ومعرفتهم للنبوة أو القرآن - أي: صدقهما- حصلت بنظرهم في علامات النبي الموعود به في التوراة وصفاته، ومعرفتهم لتحققها في النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -.
وإيضاح هذا: أن انطباق العلامات والصفات الواردة في التوراة على النبي- صلوات الله عليه -، مع ما انضم إليه من آيات صدقه الأخرى، يجعل اليهود على معرفة لا يخالجها ريب بأن نبوته صادقة، وكتابه وحي سماوي، ولكن فوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون خاتم النبيين منهم، ملأ قلوبهم غيظاً وحسداً، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى
(1/163)

تغلَّب عليها، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر هو الإذعان بالقلب، والإقرار باللسان.
{فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}:
اللعنة: الإبعاد والطرد، فلعنة الله على الكافرين: إبعادهم وطردهم من مواقع رحمته وخيراته الباقية. وجعلت لعنتهم صادرة من الله؛ لإظهار شدتها، والإيمان إلى أنها لعنة لا مرد لها، {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52]. وقال: {عَلَى الْكَافِرِينَ}، ولم يقل: عليهم؛ ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم.
{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}:
بئس: فعل يستعمل للذم، كما يستعمل (نعم) للمدح، وكل من الفعلين يستدعي ذكر اسمين مرفوعين، أولهما الفاعل، والثاني يسمونه: المخصوص بالذم، أو المدح، و (ما) في قوله: {بِئْسَمَا} بمعنى الذي، وهي الفاعل. و {اشْتَرَوْا} يحمل - كما قال الجمهور - على معنى: باعوا؛ فإن أولئك اليهود لما أمكنهم الله من الإيمان الذي يفضي بهم إلى السعادة الباقية، ومن الكفر الذي يؤدي بهم إلى شقاء دائم، صار اختيارهم للكفر على الإيمان بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته، فكانهم أعطوا أنفسهم التي كان في إمكانهم الانتفاع بإيمانها، وأخذوا الكفر عوضاً منها. فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة، والكفر بمنزلة ثمنها المقبوض.
وقوله: {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} في معنى: كفرهم بما أنزل الله، وهو المخصوص بالذم المشار إليه بفعل (بئس). و (ما أنزل الله): القرآن، ودين الإسلام. والمعنى: بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم، وهو كفرهم
(1/164)

بما أنزل الله؛ من كتابه الحكيم، ودينه القويم.
ويصح أن يفسر الاشتراء بمعناه الكثير في الاستعمال، فتكون أنفسهم - في زعمهم - مشتراة لا مبيعة؛ ذلك أن اليهود يظهرون التمسك باليهودية، وأنهم لو صدقوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، واتبعوه، لوقعوا في عقاب الله، ويدَّعون في ظاهر حالهم أن تكذيبهم له يخلِّصهم من العقاب، فكأنهم يقولون: اشترينا أنفسنا؛ أي: خلصناها من العقاب بتكذيب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -. وهذا لا ينافي أنهم عرفوا في أنفسهم صدق نبوته.
{بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}:
البغي: الحسد والظلم. وقال بعض علماء اللغة: البغي أصله الحسد، ثم سُمي الظلم بغياً؛ لأن الحاسد يظلم المحسود بابتغائه إزالة النعمة عنه. وجاء في الآية منصوباً على أنه علة لقوله: {يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. والفضل: الوحي.
والمحسود هو النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد حسدوه على النبوة لما لم يكن من بني إسرائيل، وكان من العرب من ولد إسماعيل. ولم يذكره في الآية على وجه التعيين؛ لعلمه من مساق النظم، وللتنبيه على أن الحسد في ذاته منكر مذموم كيفما كان حال المحسود. وقال: {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}؛ ليكون أظهر دلالة على أن في الحسد معنى عدم الرضا بما يختاره الله لبعض عباده من خير.
{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}:
باؤوا: رجعوا، ولما كان كفر اليهود يتعدد؛ كما كفروا بعيسى - عليه السلام - وكفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان كفرهم باقياً مستمراً، حق عليهم
(1/165)

غضب الله، وأن يكون الغضب بالنظر لتعدد أسبابه مترادفاً متكاثراً، وذلك معنى قوله تعالى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}. ولصح أن يكون معنى قوله: {عَلَى غَضَبٍ} تأكيدَ وقوعهم تحت غضب الله، دون أن يراد منه ترادف الغضب وتكاثره.
{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}:
الكافرون: اليهود المتحدَّث عنهم في الآيات السابقة، وهم الذين عرفوا نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكفروا بها، وباؤوا بغضب على غضب. وعبر عنهم بالاسم الظاهر، فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ} دون الضمير، فيقول: ولهم؛ تنبيهاً على الوصف الذي لحقهم العذاب المهين من أجله، وهو الكفر. ويصح حمل قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} على أنه وعيد لكل كافر بما يجب الإيمان به، فيتناول أولئك اليهود في جملة من يتناولهم من سائر الكافرين. والمهين: المُذِل. والمهين في الحقيقة هو الله - جلَّ شأنه -، وإنما أسندت الإهانة إلى العذاب، فقال: {عَذَابٌ مُهِينٌ}؛ لأن الإهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان: إسناد الأفعال إلى أسبابها، ومن دواعيه: كون الفاعل الحقيقي معلوماً، والإيجاز هو اللائق بالمقام.
* * *
(1/166)

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 91 - 95].
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}:
هذا إخبار عن اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومعنى {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}: القرآن. ولم يذكر المنزل عليه؛ كأن يقول: على محمد؛ للعلم به، أو للتنبيه على أن وجوب الإيمان بالكتاب يكفي فيه العلم بأنه منزل من عند الله، وإذا حصل الإيمان بأن القرآن منزل من عند الله، استتبع ذلك استحضار أنه أنزل على محمد - عليه الصلاة والسلام -.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الثالثة.
(1/167)

ومعنى (ما أنزل علينا): التوراة، وما جاء مقرراً لأحكامها على لسان موسى ومن جاء بعده من أنبيائهم. ومعنى إنزالها عليهم: تكليفهم بما اشتملت عليه من أحكام وآداب. ومعنى الآية: أن هؤلاء اليهود إذا عرض عليهم الإيمان بالقرآن، أجابوا بأنهم يؤمنون بالتوراة، وأرادوا أن إيمانهم بها يغنيهم عن الإيمان بما سواها. ووجه ذمهم على هذا الجواب: أنهم مأمورون بأن يؤمنوا بكل كتاب أنزله الله، فأجابوا بأنهم آمنوا ببعض ما أنزل الله، وهو ما أُنزل عليهم، فلم يكن إيمانهم مطابقاً لما أمر به الله، ومن كفر ببعض ما يجب الإيمان به، ولو آمن ببعضه، كان معدوداً في صميم الكافرين لا محالة.
{وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}:
هذه جملة استؤنف بها الإخبار بصريح القول عن كفرهم بالقرآن، و (وراء) بمعنى: سوى، أو بعد، والضمير في قوله: {وَرَاءَهُ} عائد على: (ما أنزل علينا) المكنى به عن التوراة. والمراد بما سوى التوراة أو بعدها: القرآن الكريم.
{وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ}:
الضمير (هو) عائد على القرآن المكنّى عنه بقوله: (ما وراءه). والحق: المطابق للواقع. ويوصف به القرآن، أو الدين؛ لاشتماله على الأحكام المطابقة للواقع. {مُصَدِّقًا}: مؤيداً، و (ما معهم)؛ أي: ما مع اليهود، وهي التوراة. ومعنى كون القرآن مؤيداً للتوراة: أنه يدل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبهذا كان مؤيداً للتوراة فيما اشتملت عليه من البشارة برسول ذكرت له نعوتاً لا تنطبق إلا على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإلا، كان كاذباً في ادعائه الايمان بالتوراة.
(1/168)

{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}:
هذا أمر من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بتوبيخ اليهود، وإبطال زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، والفاء في قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} واقعة في جواب شرط محذوف دل عليه ما جاء بعده من قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. والمعنى: إن كنتم مصدقين بالتوراة، فلأي شيء تقتلون أنبياء الله، والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء؛ فإنها تدل على أن المعجزة دليل الصدق، ومن كان صادقاً في دعوى النبوة، فقتله كفر.
ويرجع معنى الآية إلى نفي فعل الشرط، وهو كونهم مؤمنين؛ إذ لا وجه لقتلهم الأنبياء إلا عدم إيمانهم بالتوراة. وهذا كما تريد أن تنفي عن رجل العقل؛ لفعله ما ليس شأنه أن يصدر من عاقل، فتقول له: إن كنت عاقلاً، فلم فعلت كذا؟ أي: أنت لست بعاقل.
وقتل الأنبياء وقع من أسلافهم، ويصح توبيخ الخلف بما فعله سلفهم متى كان الخلف يمشي في عماية السلف، ويرضى بما صنعوه من عصيان، وقد حاول اليهود المخاطَبون بقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} اغتيالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذهب كيدهم في ضلال. وكان الظاهر أن يقول: "فلم قتلتم الأنبياء من قبل؟ "؛ لأن القتل وقع وانقضى، ولكن قال: {تَقْتُلُونَ}؛ ليدل على أن قتلهم الأنبياء يتجدد، ويقع منهم المرة بعد الأخرى، فهو شأن من الشؤون التي كانت عادة جارية بينهم.
وأضاف الأنبياء إلى الله، فقال: {أَنْبِيَاءَ اللَّهِ}؛ للدلالة على شرفهم العظيم، ولزيادة التنبيه لفظاعة عصيان اليهود؛ إذ يقابلون بالقتل من لا ينبغي لهم إلا أن يقابلوهم بالطاعة والتعظيم.
(1/169)

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ}:
البينات: الآيات الواضحة الدالة على صدق نبوته؛ كانقلاب العصا ثعباناً، وفلق البحر، وانفجار العيون من الحجر.
{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}:
وردت هذه الجملة فيما تقدم من قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}، وأسلفنا في تفسيرها: أن السامري بعد أن ذهب موسى - عليه السلام - إلى الطور لمناجاة الله، صنع لليهود من حليهم عجلاً اتخذوه معبوداً من دون الله. والضمير في قوله: {مِنْ بَعْدِهِ} عائد على موسى؛ أي: من بعد مجيئه للمناجاة. والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه اللائق به.
فمعنى {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}: وأنتم واضعون للعبادة في غير موضعها، أو: وأنتم قوم عادتكم وضع الأشياء في غير مواضعها.
وفي تكرير قصة عبادتهم للعجل تنبيه على أنها بالغة الغايةَ القصوى من الفظاعة. ومن المعروف في بلاغة العرب أنهم إذا أرادوا التنبيه لتقبيح شيء، أو تعظيمه، كرروا الحديث عنه.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}:
تقدمت هذه الجمل، وإنما أعيدت هنا؛ لرد دعوة اليهود أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم. والمعنى: إنكم تدعون الإيمان بما أنزل عليكم، وقد أعرضتم عما أمرتم به من قبول التوراة، ولم تتلقوا أحكامها بالطاعة حتى أُلجئتم إلى
(1/170)

قبولها بأن رفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}؛ أي: بجد وحزم.
{وَاسْمَعُوا}:
ليس معنى السمع هنا إدراك القول فقط، بل المراد: سماع ما أمروا به في التوراة سمع تدبر وطاعة والتزام، فهو مؤكد ومقرر لقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}.
{قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}:
هذا جواب منهم لقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا}. والمعنى: سمعنا قولك: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا}، وعصينا أمرك. فيكون جوابهم هذا مبالغة منهم في التعنت والعصيان. هذا ما يقوله جمهور المفسرين؛ أخذاً بالظاهر من معنى {قَالُوا}. وذهب بعضهم إلى أنهم قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} بلسان الحال، لا أنهم نطقوا بذلك، وإنما هو عبارة عن عدم قبولهم لما أمروا به، وقد يعبر بالقول مسنداً إلى الشيء حيث يفهم من حاله معنى كما يفهم من اللفظ الصريح؛ كما قال تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11].
{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}. والإشراب: السقي، وهو إيصال مائع إلى الجوف من طريق الفم، واستعمل على وجه التجوز في خلط لون بلون؛ كأن أحد اللونين سقى الآخر، فقالوا: بياض مشرَب بحمرة، وقالوا: أشرب قلبه حبّ كذا: إذا خالط حبه قلبه:
إذا ما القلبُ أُشرب حبَّ شيءٍ ... فلا تأمل له الدهرَ انصرافا
(1/171)

ففي جملة: (أشربوا في قلوبهم العجل) مضاف محذوف؛ لدلالة المعنى عليه، وهو لفظ "حب". والتقدير: حب العجل. والمعنى: أن حب العجل خالطهم حتى خلص إلى قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن. وحذفُ لفظ الحب من نظم الكلام يُشعر بشدة تعلق قلوبهم بالعجل حتى كأنهم أشربوا ذاتَ العجل.
ودل قوله: {بِكُفْرِهِمْ} على أن حبهم البالغ للعجل ناشئ عن كفر سابق، فهو كفر على كفر.
{قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}:
لما زعم اليهود أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم من التوراة، وكانوا مع هذا الزعم يفعلون أفاعيل تناقض الإيمان بها، أمر الله تعالى رسوله - عليه الصلاة والسلام - بتبكيتهم، وذم ما يرتكبونه من أفعال هي الكفر بعينه، فقال تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. أضاف الإيمان إليهم، فقال: {إِيمَانُكُمْ}، ولم يقل الإيمان؛ لكونه إيماناً مزعوماً لهم، لا أنه إيمان صحيح. ولما كان الإيمان بكتاب يقتضي العمل بما اشتمل عليه من هداية وأحكام، صحّ أن يعبّر عن ذلك اقتضاء بالأمر، فقال: {يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ}؛ كما أطلق النهي على اقتضاء الصلاة لاجتناب الفحشاء والمنكر، فقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].
وقال: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}؛ تشكيكاً في إيمانهم بالتوراة، وهي في معنى نفي إيمانهم بها، فتكون التوراة بريئة من أن تأمر بشيء يبغضه الله، وتحق كلمة الذم على ما ارتكبوه من عصيان إنما أمرتهم به أهواؤهم. والمعنى:
(1/172)

قل يا محمد لهؤلاء اليهود: بئس الشيء الذي يدعوكم إليه إيمانكم قتلُ الأنبياء، والعصيانُ، وعبادةُ العجل، إن كنتم مصدقين كما زعمتم بالتوراة، والواقع أن التوراة لا تسيغ شيئاً مما أتيتم به، فما أنتم بمؤمنين.
{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
زعم اليهود أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً؛ كما حكى الله عنهم ذلك في قوله: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} [البقرة: 111] فأمر الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يرد عليهم هذا الزعم الباطل، فقال: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ ... إلخ}.
و {الدَّارُ الْآخِرَةُ}: الجنة كما قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83]. و {عِنْدَ اللَّهِ} بمعنى: في حكم الله؛ كما تقول: زيد عندي أفضل من عمرو؛ أي: في حكمي. و {خَالِصَةً}: مختصة. والتمني يستعمل في المعنى القائم بالقلب، ويستعمل في اللفظ الدال على ذلك المعنى؛ كأن يقول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا. وبهذا يفسر قوله تعالى: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ}؛ لأن المعنى القائم بالقلب لا يطلع عليه أحد، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب. ومعنى الآية: قل يا محمد لليهود: إن كانت الجنة مختصة بكم، وليس لأحد سواكم فيها حق، فتمنوا الموت بألسنتكم.
{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}:
هذا من قبيل الإخبار بالغيب، وهو أن أولئك اليهود لا يتمنون الموت، ولو بألسنتهم. ودلَّت الآية على أن عدم تمنيهم الموت معلَّل بما قدمت أيديهم؛
(1/173)

من نحو: تكذيب الأنبياء، وقتلهم، وقولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} [الأعراف: 138]، إلى غير ذلك من كبائر المعاصي التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم. وهذا التمني الذي طلب منهم، ونفُي عنهم، لم يقع منهم؛ إذ لو وقع، لنقل، وتوفرت دواعي المخالفين للإسلام على نقله. ويكفي في تحقق هذه المعجزة: أن لا يقع تمني الموت من اليهود الذين تُحدوا بها في عهد النبوة، وهم الذين كانوا يناوئون النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجحدون نبوته عناداً، فلا يقدح فيها أن ينطق يهودي بعد ذلك العهد بتمني الموت، وهو حريص على الحياة. وقد يخطر على بالك: أنه ورد في الحديث الصحيح النهي عن تمني الموت، فكيف يأمر به اليهود؟ وجواب هذا: أن الحديث نهى عن تمني الموت عند الشدائد؛ لأن ذلك جزع، وعدم رضا بما قسم الله.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}:
هذه الجملة واردة مورد التهديد والوعيد. ومعنى الظالمين: اليهود الذين تقدم ذكرهم، أو يراد به: كل من صدر منه ظلم، ويتناول بعمومه أولئك اليهود؛ فقد ظلموا بتعديهم ما حدّ الله، وادعوا اختصاصهم بالجنة، وانفرادهم بها دون الناس. وقال: {عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}، مع أن علمه تعالى يتعلق بالظالمين وغيرهم، فكان التهديد والوعيد أظهر وأقوى مما لو قال: عليم بهم، أو عليم بالعباد.
* * *
(1/174)

بِسْمِ اللهِ الرَحَمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 96 - 100].
{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}:
ادّعى اليهود - فيما قص الله تعالى عنهم آنفاً -: أن الدار الآخرة خالصة لهم، ولما كان شأن الصادق في دعوى: أنه إذا مات، صار إلى الجنة، لا يكره الموت، أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يطلب منهم على وجه التحدي النطق بتمني الموت إن كانوا صادقين، فلم يفعلوا، ولما كان في الناس من لا يتمنى الموت، ولا يشتد حرصه على الحياة، أخبر في هذه الآية أن أولئك اليهود في غاية الحرص على الحياة، فقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}، فالضمير (هم) في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} عائد على اليهود الذين أخبر
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الثالثة.
(1/175)

عنهم بأنهم لن يتمنوا الموت أبداً.
والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. و (تجد) من وجد بمعنى: علم، كما ورد في قوله تعالى: {وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102]. و {أَحْرَصَ} من الحرص، وهو شدة الطلب. والتنكير في قوله: {عَلَى حَيَاةٍ} يُشعر بأنهم يحرصون على مطلق حياة، ويفهم حرصهم على الحياة الطويلة بالأَولى. وشدة الحرص على الحياة في نفسها، ملقيةٌ في الجبن، واحتمال الضيم، ولا تقع أمة تحت سيطرة عدوها، وتظل أعناقها خاضعة له إلا من شدة حرصها على أن تحيا، ولو كما يحيا الأنعام.
{وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}:
لما كان قوله تعالى: {أَحْرَصَ النَّاسِ} في معنى: أحرص من جميع الناس، صح أن يراعى المعنى، ويكون قوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} معطوفاً عليه، والمعنى: ولتجدن - يا محمد - أولئك اليهود أحرص من جميع الناس، وأحرص من الذين أشركوا على حياة. والذين أشركوا: أي: جعلوا لله شريكاً، أو شركاء في خلقه، ولا يؤمنون بالبعث، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، وهؤلاء داخلون في عموم الناس من قوله: {أَحْرَصَ النَّاسِ}. وإنما ذكروا بوجه خاص؛ مبالغة في توبيخ اليهود على شدة حرصهم على الحياة، حيث إن أولئك المشركين لا يؤمنون بحياة أخرى بعد هذه الحياة، فلا يستبعد حرصهم على طول البقاء في الدنيا، فإذا زاد حرص من له كتاب على حرصهم، وهو معترف بالدار الآخرة، كان جديراً بأعظم التوبيخ.
{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}:
هذه جملة مستأنفة لبيان غلوهم في الحرص على الحياة. و {يَوَدُّ}
(1/176)

من المودة، وهي المحبة. و {لَوْ} بمعنى أن المصدرية. و {يُعَمَّر}: من التعمير، وهو إطالة العمر، يقال: عمره الله؛ أي: أطال عمره. و {أَلْفَ سَنَةٍ}: كناية عن طول المدة التي يود أن يعيشها. والمعنى: يتمنى الواحد منهم أن يعيش السنين الكثيرة، ولو تجاوزت الحد الذي يبلغه الإنسان في العادة، ذلك أن التمني يقع على الجائز، والمستحيل وقوعه عادة.
{وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}:
الضمير {هُوَ} عائد على {أَحَدُهُمْ}. و {بِمُزَحْزِحِهِ} من الزحزحة، وهي التبعيد والتنحية. والمعنى: ما أحد منهم يُبعده وينحِّيه تعميره من العذاب.
{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}:
هذه الجملة تهديد ووعيد لأولئك اليهود الذين ورد في الآيات السابقة ذكر مساويهم، وتبين أنهم كاذبون في دعوى أنهم أهل الجنة المختصون بنعيمها.
و {بَصِيرٌ} من البصر، وهو إدراك المرئيات، وقد يراد به: العلم، يقال: إن لفلان بصراً بهذا الأمر؛ أي: معرفة، وعلى هذا الوجه تفسر الآية. والمعنى: أن الله عالم بأعمالهم، محيط بما يسرون منها وما يعلنون، فهو مجازيهم عنها كما يشاء.
{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}:
سبب نزول هذه الآية - كما جاءت به الروايات، وأجمع عليه أهل التفسير -: أن اليهود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: إن جبريل عدونا، قالوا هذا عندما سمعوا أن جبريل هو الذي ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوحي، وأرادوا من هذا: أنهم لا يؤمنون بوحي يجيء به عدوهم. وهذا نوع من منكرات أقوالهم.
(1/177)

ولا يستبعد أن يصدر منهم هذا القول؛ فقد قالوا بعد مشاهدتهم لمعجزات موسى - عليه السلام - القاطعة: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]. ويكفي في تصدي القرآن لإنكار قولهم: "إن جبريل عدونا" أن يقوله طائفة منهم على وجه العناد عندما يُدْعَون إلى إجابة الدعوة، ولا يلزم أن تكون عداوة جبريل عقيدة معروفة بين طوائف اليهود.
وجبريل: اسم أعجمي، وقد تصرفت فيه العرب على عاداتها في تغيير الأسماء الأعجمية، فاختلفت اللغات في النطق به، وأفصحها: جبريل؛ كقنديل، وهي لغة أهل الحجاز.
والضمير في قوله: {فَإِنَّهُ} عائد على جبريل، وفي قوله: {نَزَّلَهُ} عائد على القرآن المفهوم من سياق النظم. والاكتفاء في الدلالة على مرجع الضمير بما يفهم من سياق الكلام معهود في البلاغة العربية، وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وجعل محل تنزيل القرآن القلب، فقال: {نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}؛ لأن السبب في تمكنه - صلى الله عليه وسلم - من تلاوة القرآن، وإبلاغه للناس ثباتُه في قلبه.
{بِإِذْنِ اللَّهِ}:
إذن الله: أمره. والمعنى: قل يا محمد: من كان عدواً لجبريل، فلا وجه لعدوانه؛ لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه، وإنما نزل بأمر الله الذي تجب طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى في آية أخرى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ} [مريم: 64].
{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}:
{مُصَدِّقًا}: مؤيداً، وهو حال تتصل بالضمير العائد على القرآن في
(1/178)

قوله {نَزَّلَهُ}، وما بين يدي القرآن: ما نزل قبله من الكتب السماوية، وأعظمها: التوراة. وتأييد القرآن لها: موافقته لها في الدلالة على التوحيد وأصول الدين.
{وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}:
هذا معطوف على قوله: {مُصَدِّقًا}، وقد تضمن وصف القرآن بأنه هدى وبشرى؛ أي: هادٍ إلى سبيل السعادة والفلاح، ومبشرٌ للمؤمنين بالجنة، وقال: {وَهُدًى وَبُشْرَى}؛ مبالغة في وصفه بالهداية والبشرى؛ كأنه - لعظم هدايته وبشراه - صار نفس الهداية والبشرى، وهذا ما يلاحظه البلغاء عند وصفهم للشيء، أو إخبارهم عنه بالمصدر بدل اسم الفاعل؛ نحو: زيد عدلٌ، بدل قولك: زيد عادل.
وقال: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}؛ لأن الهدى إنما ينتفع به المؤمنون، والبشرى، وهي الخبر الدال على خير عظيم، لا يحصل إلا لهم.
{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}:
عداوة العبد لله في كفره به، ومخالفته لأوامره عناداً، وعداوته للملائكة في إنكار فضلهم، ووصفهم بما ينافي عصمتَهم ورفعةَ منزلهم عند الله، وعداوته للرسل تكذيبُه لهم، وقصده لإلحاق الأذى بهم ما استطاع. وإفراد جبريل وميكائيل بالذكر، مع اندراجهما تحت عموم (ملائكته) استدعاه تصريحُ اليهود بعداوة جبريل، وتعظيم ميكائيل في حديث سبب نزول قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ}، وفي إفرادهما بالذكر تقرير لفضل ميكائيل، وزيادة رد عليهم في عداوة جبريل. وعداوة الله للعبد: في غضبه
(1/179)

عليه، ومجازاته له على كفره، وعدم الاستمساك بعُرا طاعته.
وقال: {عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}، ولم يقل: عدو له، أو لهم؛ ليدل على أن عداوة كل واحد ممن اشتملت الآية على ذكرهم كفر. والمعنى: أن من عادى الله، أو ملَكاً من ملائكته، أو رسولاً من رسله، فقد كفر، وباء بعداوة الله له، ومن باء بعداوة الله، فجزاؤه الخزي وعذاب الحريق.
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}:
تستعمل الآية بمعنى: المعجزة، وتطلق على جماعة حروف وكلمات من القرآن.
وقوله: {أَنْزَلْنَا} يجعل {آيَاتٍ} ظاهرة في هذا المعنى، فآيات القرآن بَيِّنات؛ أي: واضحة الدلالة على معانيها، فمن تعسف في تأويلها، وأتى بما لا تألفه العقول الراجحة، فقد خرج بها عن أن تكون آيات بينات.
{وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ}:
الفاسق: من الفسوق، وهو الخروج من شيء إلى آخر، ويستعمل في الكفر والمعصية؛ لأنه خروج من فطرة الله التي هي حق وصلاح إلى ما هو باطل وفساد. والفسق إن كان بالمعصية، فهو أعظمها، وإن كان بالكفر، فهو أعظم الكفر. ومعنى الجملة: ما يكفر بهذه الآيات البينات إلا الماردون على الكفر؛ ذلك أنها واضحة الدلالة بوجوه إعجازها على أنها تنزيل من رب العالمين، فمن تدبرها، أفضت به إلى الإيمان الصحيح لا محالة.
{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}:
أفادت هذه الآية: أن من عادة اليهود نقض العهود. والاستفهام في قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا} للإنكارة بمعنى: ما كان ينبغي. {عَاهَدُوا عَهْدًا}:
(1/180)

أعطوا عهداً. و (نبذ) من النبذ، وهو طرحك الشيء غيرَ معتدّ به، ونبذُ العهد: نقضه، وترك العمل به. والفريق: الجماعة، قليلة أو كثيرة. و (كلما) في قوله تعالى: (كلما عاهدوا) تدل على أن نبذ العهود يتكرر منهم المرة بعد الأخرى، كما قال ابن جريج فيما نقل عنه في تفسير هذه الآية: "لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه؛ يعاهدون اليوم، وينقضون غداً". وكم عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يفوا بما عاهدوا؛ كما فعل بنو قريظة والنضير!. قال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56]. وإنما قال: {فَرِيقٌ مِنْهُمْ}؛ لأن من بني إسرائيل من لم ينبذ العهد؛ كعبدالله بن سلام.
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}:
{بَلْ} حرف يستعمل للانتقال من خبر إلى خبر، وهي هنا للانتقال من الإخبار عن فريق من اليهود بأنهم ينقضون العهد كلما عاهدوا، إلى الإخبار عن أكثر اليهود بأنهم لا يؤمنون. والمعنى: أن فريقاً من اليهود ينقضون كل عهد يعاهدونه، بل أكثر اليهود لا يدخل الإيمان في قلوبهم. فيشمل لفظ {أَكْثَرُهُمْ} ذلك الفريق الذي ينبذ العهد، وغيرَهم ممن لم ينبذوا العهد، فكل منهما محكوم عليهم بأنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن من اليهود عندما يدعون إلى الدين الحق إلا قليل.
* * *
(1/181)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101 - 103].
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ}:
أخبر تعالى في الآية السابقة بأن عادة اليهود عدم الوفاء بالعهود؛ إذ قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}. وفي ذلك تسلية لرسوله - عليه الصلاة والسلام -؛ حيث سلكوا معه الطريقة في عدم الأخذ بما انطوى عليه كتاب الله من التبشير به، وإلزامهم إتباعه، وهذا مورد قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ... إلخ}. فالضمير (هم) في قوله:
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الثالثة.
(1/182)

{جَاءَهُمْ} عائد على اليهود. والرسول: محمد - صلى الله عليه وسلم -. ووصف الرسول بأنه آتٍ من عند الله؛ تعظيماً له، ومبالغة في إنكار عدم إيمانهم به. و (ما معهم) يراد منه: التوراة. وتصديق الرسول لها من جهة أن ما جاء به موافق لها في أصول الدين، أو لأنه جاء على الوصف الذي ينطبق على وصف الرسول المبشَّر به في التوراة.
{نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}:
النبذ: الطرح والإلقاء. و {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}: اليهود، والكتاب الذي أوتوه: التوراة. وكتاب الله: التوراة. ونبذهم لها؛ لأنهم كانوا يتمسكون بها، وهي تدل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصفته، وتوجب عليهم الإيمان به، فجحدوا، وأصروا على إنكار نبوته. وقوله: {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} مثل يضرب للإعراض عن الشيء جملة، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره؛ أي: تولى عنه معرضاً؛ لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إليه، والإعراض عن بعض كتاب الله عناداً، إعراضٌ عن الكتاب كله.
{كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}:
أي: كأن ذلك الفريق الذين أعرضوا عن كتاب الله لا يعلمون أنه كتاب الله، أو أنه صدق وحق، والواقع أنهم يعلمون ذلك، وإنما نبذوه مكابرة وعناداً.
وشبههم بمن لا يعلمون؛ لأن العالِم الذي لا يسير في الحياة على مقتضى علمه يضاهي الجاهل في الخوض في الباطل، والانغماس في الآثام.
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}:
{وَاتَّبَعُوا}: من الاتباع، وهو الاقتداء. والضمير (واو الجماعة) يعود
(1/183)

على اليهود الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. {تَتْلُو} من التلاوة بمعنى: الاتباع أو القراءة. و {الشَّيَاطِينُ} جمع شيطان، وهو كائن حي خلق من نار، كما قال تعالى حكاية عنه: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. ويطلق على الممتلئ شراً ومكراً من الأنس. وورد بهذا المعنى في قوله تعالى يصف حال المنافقين: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وفي قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]. ومن هنا استطاع بعض المفسرين أن يحمل الشياطين في الآية التي نحن بصدد تفسيرها على الأشرار من الناس. وسليمان: هو النبي سليمان، ويرتقي نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -. وما تتلوه الشياطين: هو السحر. وتلاوته على ملك سليمان: أي: اتباعه في عهد ملك سليمان، ومعلوم أن ملك سليمان كان شريعة ونبوة.
{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}:
نزه الله بهذه الجملة سليمان - عليه السلام - عن عمل السحر الذي يتعاطاه أولئك الشياطين، وينسبونه إليه، ودلت الجملة على أن ذلك السحر ضرب من ضروب الكفر؛ إذ قال تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}، ودلت على أنه من اختلاق أولئك الشياطين، فقال تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}.
{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}:
الضمير في قوله: {يُعَلِّمُونَ} عائد على الشياطين، أو على اليهود، ويكون الكلام عن الشياطين انتهى عند قوله: {كَفَرُوا}، وتكون جملة: {يُعَلِّمُونَ} بياناً لوجه اتباعهم للشيطان المخبر عنه بقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا ...}.
(1/184)

والسحر في أصل اللغة: الصَّرف، وشاع استعماله في كل عمل يخفى سببه، ويصور الشيء بخلاف صورته، ويقلبه عن جنسه في الظاهر لا في الحقيقة، وورد السحر في القرآن والحديث، فاتفق علماء الإسلام على أن هناك شيئاً يسمى سحراً، واختلفوا في تصويره، فذهب كثير من أهل العلم إلى أن للسحر آثاراً حقيقة، وقالوا: هو مزاولة النفوس الخبيثة لأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة، وقالوا: هو خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن السحر لا يبلغ أن يغير الحقائق في نفسها، وإنما هو تخجل وتمويه؛ كما قال تعالى في سحرة فرعون: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، فأخبر أن ما ظنوه سعياً منها لم يكن سعياً، وإنما كان تخييلاً، وقال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116]؛ أي: موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، وقال هؤلاء: "لا يفعل الإنسان في غيره فعلاً من غير مماسة ولا ملامسة.
وإذا كان السحر لا يتجاوز التخييل والتمويه، استبان الفرق بينه وبين المعجزة جلياً، فالمعجزات على حقائقها، وباطنها كظاهرها، ولو اجتهد الخلق كلهم على مقابلتها بالمثل، لما استطاعوا أن يأتوا بمثلها، وأما السحر، فإنما هو ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، ومن شاء أن يتعلم ذلك، بلغ فيه مبلغ غيره.
وقد يلوح للناظر أن السحر الذي خاضوا في الحديث عنه نوعان:
أحدهما: قلب حقيقة الشيء إلى حقيقة شيء آخر على وجه خرق العادة
(1/185)

في الواقع؛ كقلب جماد إلى حيوان، أو حيوان إلى جماد، وهذا النوع لم يقع لنا دليل، ولا ظاهر في الشريعة على وقوعه، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر فرقاً واضحاً تقتضي عدم صحة وقوعه، فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعباناً، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش، ولا أن يجعل الماء ينبع من بين الأصابع، فتروى منه العطاش، وأعني: أنه لا يجري على يده من خوارق العادات مثل ما يجري على أيدي الأنبياء للإعجاز.
والنوع الآخر: وهو أن يزاول بعض النفوس الخبيثة أفعالاً يكون لها أثر في شخص آخر من غير اتصال ولا مماسة، فجائز الوقوع، ولا يبلغ في الاستبعاد مبلغ النوع الأول.
{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}:
هذا معطوف على {السِّحْرَ} في قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} و {الْمَلَكَيْنِ}: تثنية ملَك - بفتح اللام - والملك كائن نعلم من حقيقته أنه ذو حياة ونطق عقلي، ومن مميزاته: أنه لا يعصي الله فيما يأمره به؛ أي: إنه مفطور على الطاعة يأتيها من غير تكلف. و (بابل): بلدة قديمة بالعراق ينسب إليها السحر والخمر.
و {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} اسمان للملكين. والذي أنزل عليهما: وصف السحر، وماهيته، وكيفية الاحتيال به؛ ليعرَّفاه الناس فيجتنبوه، ولكن الشياطين عرفوه، فعمِلوا به.
والمؤمنون عرفوه، واستفادوا من الاطلاع عليه، فتجنبوه. واختصت بابل بالإنزال؛ لأنها كانت كثر البلاد عملاً بالسحر. ومما يروى في أصل
(1/186)

سحر بابل: أنه كان مبنياً على تعظيم الكواكب، وتسميتها آلهة، والاعتراف بأنها تقدر على ضر الشخص ونفعه، وكانت للسحر وقتئذ رُقى تشتمل على شرك بالله، يتقربون بها إلى الكواكب، ويموهون بها على العامة.
{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}:
الضمير في قوله: {يُعَلِّمَانِ} عائد إلى هاروت وماروت. والفتنة: المحنة والاختبار لتمييز المطيع من العاصي. ومعنى (لا تكفر): لا تعمل بما تتعلمه من السحر الذي هو من قبيل الكفر، وتعتقد صحته. ومعنى الآية: أن الملكين لا يعلِّمان أحداً من الناس السحر حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا: إن هذا الذي نصفه لك إنما الغرض منه تمييز السحر من المعجزة، فحذار أن تستعمله فيما نهيت عنه، فتكون من الكافرين.
والحكمة من تعليم الملكين الناس السحر: أن السحرة كثروا في ذلك العهد، واخترعوا فنوناً غريبة من السحر، وربما زعموا أنهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين؛ ليعلما الناس وجوه السحر حتى يتمكنوا من الفرق بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدعون النبوة كذباً إنما هم سحرة لا أنبياء.
{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}:
الضمير في قوله: (يتعلمون) عائد على {أَحَدٍ}، وعاد عليه ضمير الجمع (واو جماعة)، وهو في اللفظ مفرد؛ لأنه وارد في سياق النفي، ومن المعروف أن الاسم النكرة إذا ورد بعد النفي كان في معنى أفراد كثيرة، فيصح أن يعبر عنه بضمير الجمع.
وذكر في هذه الجملة صنفاً خاصاً من السحر، وهو ما يتجه فيه الساحر إلى الزوجين، ويكون من أثره إزالة الألفة بينهما، وإحداث بغضاء تصير بهما
(1/187)

إلى أن يتفرقا. وتخصيص هذا الصنف من السحر بالذكر من قبيل التنبيه على صورة تظهر فيها مفسدة السحر بأشد ما يكون.
{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}:
نسب في الجملة السابقة إلى السحر الضرر إذ قال: {مَا يَضُرُّهُمْ}، ودفع بهذه الجملة توهم أن يكون السحر مضراً بذاته؛ بحيث لا يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر، وبين أن الضرر من السحر إنما يحصل بإذنه تعالى. والضمير (هم) عائد على السحرة الذين علمهم الشياطين السحر. و (ضارين) من الضرر، وهو ما يحصل به ألم في الجسم أو النفس. وإذنُ الله في هذه الآية: تخليته بين المسحور وضرر السحر؛ أي: إن شاء الله، حصل الضرر، وإن شاء، منعه، فلا يلحق المسحور منه أذى، وهذا ظاهر في أن لما كانوا يتعلمونه من السحر ضرراً، إلا أن يشاء الله وقاية المسحور منه.
{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}:
الضمير في قوله: {عَلِمُوا} عائد على أولئك اليهود الذين نبذوا كتاب الله، واستبدلوا به السحر. والخلاق: النصيب، والمعنى: ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله، المؤثرون عليه اتباع السحر: أن من استبدل السحر بكتاب الله، ليس له حظ من الجنة؛ إذ لم يكن له إيمان ولا عمل صالح يجازى به، ويثاب عليه.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}:
{شَرَوْا} باعوا، وبيع الأنفس يعني به بيع حظوظها من نعيم الجنة.
(1/188)

والمعنى: ولبئس شيء باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلمُ ما يضر من السحر، والعملُ به، ولو كانوا من أهل العلم، أو لو كانوا يعلمون مذمومية الشراء المذكور، لامتنعوا عن ذلك. وأثبت لهم في الجملة السابقة العلم بأن من أقبل على السحر بدل كتاب الله ليس له في الجنة من نصيب، وهو يتضمن علمهم بقبح السحر، وأنه عمل مذموم؛ لأن الشراء المذكور لما كان موجباً للحرمان في الآخرة، كان مذموماً غاية الذم، ثم نفى عنهم في هذه الجملة علمهم بذلك؛ إذ قال: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أن العالِم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}:
هذه الجملة من قبيل تعقيب الوعيد بالوعد. والمثوبة: الثواب والأجر. والمعنى: ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر ويعلمونه آمنوا بالرسول المشار إليه بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ}، أو بالقرآن والتوراة، واتقوا الله بامتثال ما أمر به، واجتنابِ ما نهى عنه، لأثيبوا، وثواب الله خير لهم من السحر، ولو كانوا من أولي العلم، لعلموا ذلك، واستبدلوا بالسحر ما هو خير منه.
* * *
(1/189)

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 104 - 108].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}:
هذا نداء من الله - جل شأنه - للمؤمنين الذين يشهدون مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد صدرت به الآية؛ لأهمية الأدب الذي وردت الآية داعية إلى الأخذ به، فإن نداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة.
{لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}:
{رَاعِنَا}: من المراعاة، وهي المراقبة والانتظار والإمهال، وقد
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الرابع من السنة الثالثة.
(1/190)

كره الله أن يخاطب نبيه - عليه الصلاة والسلام - بهذه الكلمة، وإنما كرهها إذ لحقها وجه من المفسدة، هو أن المسلمين كانوا يقولون: يا رسول الله راعنا؛ أي: راقبنا وأمهلنا حتى نتمكن من حفظ ما تلقيه لنا، فسمعتهم اليهود، فصاروا يقولون: يا أبا القاسم! راعنا، يوهمون أنهم يريدون طلب المراعاة، وهم يريدون معنى اسم الفاعل من الرعونة التي هي الحمق، فنهى الله تعالى المسلمين عن استعمال هذه الكلمة في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يتخذها اليهود وسيلة إلى إذاية النبي بالسب والتنقيص.
{وَقُولُوا انْظُرْنَا}:
نهى المسلمين عن أن يقولوا في خطاب النبي - عليه الصلاة والسلام -: راعنا، وأمرهم بأن يقولون مكانها: {انْظُرْنَا}، وهي من نظر بمعنى: انتظر، تقول: نظرت الرجل أنظره: إذا انتظرته وارتقبته، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]. وفي الآية تنبيه لأدب جميل هو أن الإنسان يتجنب في مخاطباته الألفاظ التي توهم جفاء أو تنقيصاً في مقام يقتضي إظهار مودة أو تعظيم.
{وَاسْمَعُوا}:
أمر للمسلمين بحسن الاستماع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بأن يقبلوا عليه بقلوبهم حتى يحفظوا ما يلقيه عليهم، ولا يفوتهم منه شيء.
{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}:
الكافرون: اليهود الذين اتخذوا كلمة: {رَاعِنَا} وسيلة إلى إذايته - عليه الصلاة والسلام -. والأليم: الموجع.
(1/191)

{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ}:
{يَوَدُّ}: من الود، وهو محبة الشيء مع تمنيه. أهل الكتاب: اليهود والنصارى. والمشركون: عبدة الأوثان. والمعنى: لا يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزِّل الله عليكم شيئاً من الخير؛ بغضاً فيكم، وحسداً لكم، وأعظم خير ينزله الله على المسلمين، ويشتد حسد أهل الكتاب لهم عليه هو القرآن الكريم؛ لما فيه من حكمة رائعة، وحجة بالغة، وبلاغة باهرة.
{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}:
أفادت الجملة السابقة أن الكافرين لا يودون إنزال الخير على المؤمنين، وجاءت هذه الجملة لبيان أن لله التصرف المطلق في إنزال الخير على عباده، رضي من رضي، وكره من كره، فقال تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ} ... إلخ.
الاختصاص بالشيء: الانفراد به، تقول: اختص فلان بكذا؛ أي: انفرد به، ويستعمل متعدياً إلى المفعول به، فتقول: اختصصت فلاناً بكذا؛ أي: أفردته به، وجعلته مقصوراً عليه، وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص في الآية. والرحمة تشمل النبوة والقرآن والنصر، وذلك كله مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين. وقال تعالى: {مَنْ يَشَاءُ}؛ ليعلم الناس أن اختصاصه بعض عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها، وما لأحد عليه من حق.
{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}:
الفضل: الخير، وكل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده تعالى، يتفضل به عليهم، وذلك هو الفضل العظيم.
(1/192)

{نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}:
وجه انتظام هذه الآية بما قبلها: أن نسخ الآية بخير منها من قبيل الفضل العظيم، فكأنها جاءت لتدل على أن الله لا يترك أولياءه المؤمنين من أن ينزل عليهم خيراً يود الكافرون أن لا ينزل عليهم.
والنسخ في اللغة: الإبطال والإزالة، يقال: نسخت الشمسُ الظل؛ أي: أزالته.
وفي عرف الشرع: بيان انتهاء مدة الحكم بخطاب لولا هذا الخطاب، لاستمر الحكم على مشروعيته بمقتضى النص الذي تقرر به أولاً. والآية: طائفة من القرآن.
{أَوْ نُنْسِهَا} - بضم النون وكسر السين - من أنسى الشيء؛ أي: جعله منسياً، فمعنى نسخ الآية في قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: رفع حكمها مع بقائها في نظم القرآن. ومعنى إنسائها في قوله: {نُنْسِهَا}: رفع الآية من نظم القرآن جملة.
وسمي رفع الآية من النظم جملة إنساء؛ لأن شأن ما لا يبقى في النظم أن ينساه الناس؛ لقلة جريانه على الألسنة بالتلاوة والاحتجاج به.
ويصح إبقاء الإنساء على حقيقته، وهي إذهاب الآية من القلوب، وإزالتها من الحافظة بعد أن يقضي الله بنسخها. ذلك أن إنساء الناس آية لم تنسخ إضاعة لشيء من القرآن، والله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ومما يدل على نسخ الآية المنساة؛ أي: انتهاء مدة التكليف بها: قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، فيكون قوله تعالى: {أَوْ نُنْسِهَا}
(1/193)

معبراً عن حال تعرض في بعض ما سيرفع من القرآن جملة، وهي أن ينساه الناس؛ لذهابه من قلوبهم قبل أن يعرفوا نسخه، ووجه ذكر هذا الحال بوجه خاص: أن ما ينسى لعدم حضوره في القلوب لا تعرف الآيات التي تقوم مقامه، فربما يقع في الوهم أنه ذهب من غير أن ينزل من الآيات ما يغني غناءه.
وقرئ (ننسَأْها) - بالهمز -، من النسء، وهو التأخير. وعلى هذه القراءة يحمل النسخ في قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} على النوعين السابقين: نسخ الآية حكماً فقط، ونسخها حكماً وتلاوة. ومعنى ننسأها: نؤخر إنزالها إلى وقت ثان، فلا ننزلها، وننزل ما يقوم مقامها في القيام بالمصلحة. ويصح أن يفهم على أن الله تعالى إذا نسخ آية، أتى بالآية الناسخة، وهي خير من المنسوخة، أو مثلها، وإذا أخر آية، وهي الناسخة؛ أي: أبقاها إلى أن يأتي وقتها المناسب، أنزل الآية التي يراد نسخها من بعد، وهي عند إنزالها خير من الناسخة، أو مثلها.
والخيرية في قوله: (خير منها)، والمماثلة في قوله: {أَوْ مِثْلِهَا} ترجع إلى ثواب العمل بها؛ فقد يكون ثواب العمل بالناسخة أوفر من ثواب العمل بالمنسوخة قبل نسخها، ويكون مماثلاً له، وإن كان كل واحدة من الآيتين: الناسخة والمنسوخة - بالنظر إلى الوقت المقدر للعمل بها - أَقْوَمَ على المصلحة من الأخرى.
ولم يزل علماء السلف منذ عهد الصحابة - رضي الله عنهم - يذهبون إلى أن نسخ بعض الأحكام ثابت في الشريعة، إلى أن ظهر أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المتوفى سنة 322، فأنكر وقوع النسخ في شريعتنا، وحمل النسخ الوارد في الآية على معنى نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين.
(1/194)

قال أبو بكر الجصاص المتوفى سنة 370 في كتاب "الأحكام": "وزعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه أنه لا نسخ في شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإن المراد منه نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين؛ كالسبت، والصلاة إلى المشرق". ثم قال: فارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة، وفي أحكامها أموراً خرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو موجه بمعناه إلى أمته المسلمين. و (القدير) في صفات الله: المتمكن من أن يفعل ما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة. ووجه اتصال هذه الجملة بحديث النسخ: أن النسخ إنما يكون بعد خلق أسباب يصير بها الشيء في وقتٍ مصلحةً، وفي وقت آخر مفسدة، ولا يخلق هذه الأسباب على الوجه المهيئ للنسخ، ويقرر الحكم الفاصل ملزماً به الناس، رضوا أم كرهوا، إلا القادر على كل شيء.
وذهب بعض الكاتبين في التفسير منذ عهد قريب إلى أن المراد من {آيَةٍ} وفي قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: المعجزة، لا آية الأحكام. وهذا الرأي مستقيم من جهة اللغة، ويساعده ما اتصل بالآية من قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ولكن السلف منذ عهد الصحابة - رضي الله عنهم - تضافروا على تفسيرها بآية الأحكام، ولم ينقل عنهم - فيما علمنا - خلافٌ في ذلك.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
هذه الجملة واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من
(1/195)

كمال قدرته تعالى وشمولها لكل شيء؛ إذ معناها: أنه تعالى يملك كل ما هو كائن.
وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، أو ليدل بالسموات على المخلوقات العلوية، ويالأرض على المخلوقات السفلية، فهو الذي يتصرف في جميع الكائنات، يفعل ما يشاء في ذواتها وأحوالها، وإنما يملك هذا التصرف المطلق من وسعت قدرته كل شيء.
{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}:
وليّ الإنسان: من يتولى أموره، ويُجريها على حسب مصالحه. ونصيره: من يعينه ويقويه على من يناوئه. فمعنى هذه الجملة: ما لكم من غير الله من يتولى أموركم ويدبرها بحق، ولا من يعينكم على أعدائكم حتى تخلصوا من شرورهم، وتكونوا أنتم الأعزاء وهم الأذلاء، ومن كان الله وليه ونصيره، علم يقيناً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له في دنياه وآخرته.
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}:
دلت آية النسخ على أنه تعالى يختار للمسلمين ما هو الخير والأصلح لهم في التشريع، وهذا يستدعي تفويض أمر هدايتهم إلى تدبيره، فيكتفون بما أقامه على صحة الدعوة من آيات بينات، ويتقبلون ما يشرعه لهم ملتزمين الوقوف عنده، وجاءت للتنبيه لهذا آية: {أَمْ تُرِيدُونَ} ... إلخ.
أم: بمعنى: بل، وهي تفيد انتقال من جملة إلى جملة، مع بقاء الجملة الأولى؛ أعني: قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} بحالها من إفادة التقرير، وتقدر بعد أم همزة الاستفهام للإنكار، والخطاب للمسلمين. وإخراج الكلام في صورة خطاب الجماعة يشعر بأن الخطاب في الآية السابقة: {أَلَمْ تَعْلَمْ} موجه في
(1/196)

المعنى إلى جماعة المؤمنين. والمعنى: لا ينبغي لكم أن تقصدوا إلى سؤال رسولكم مسائل لا تلائم الإيمان الحق كما فعل قوم موسى إذ ألقوا عليه - بعد ظهور المعجزات، ووضوح الدلائل على رسالته - مسائل تدل على عدم رسوخ الإيمان في قلوبهم؛ كقولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وقولهم: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55].
وفي آية: {أَمْ تُرِيدُونَ} ومبالغة في الوصاية بالحذر من الوقوع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من الاقتراحات التي لا تصدر عن قوم يوقنون؛ إذ جعل محط الإنكار إرادتهم للسؤال، وفي النهي عن إرادة الشيء نهي عن فعله بأبلغ عبارة.
وقوله: {مِنْ قَبْلُ} تأكيد لما فهم من الفعل الماضي {سُئِلَ}؛ فإنه يدل على أن سؤالهم كان في زمن مضى.
{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}:
تبديل الكفر بالإيمان: أخذه بدل الإيمان. و {سَوَاءَ السَّبِيلِ}: وسطه.
والسائر في وسط الطريق هو الذي يكون بمأمن من أن يتيه عن الغاية المنشودة.
ومفاد هذه الآية: أن من يقترح على الرسول ما يقترح بعد ظهور الآيات البينات، والدلائل الساطعات؛ مثلما كان بنو إسرائيل يقترحونه على موسى، فقد اختار الكفر على الإيمان، وخرج عن الصراط السوي الذي هو الدين القيم، ومن المعروف أن عقبى الكافرين النار.
* * *
(1/197)

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 109 - 112].
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا}:
هذا بيان لنوع من الشر الذي يضمره اليهود للمسلمين، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق. وودّ: تمنى. والكتاب: التوراة. والكثير من أهل الكتاب: بعض أحبار اليهود. و {يَرُدُّونَكُمْ} من رد بمعنى: صَيَّرَ، والردُّ إلى الكفر معناه: نقلهم من الإيمان إلى الكفر، فهو يستلزم أن يكونوا مؤمنين. وإنما صرح بذلك، فقال: {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ}؛ لإظهار مزيد التشنيع عليهم فيما تمنوه؛ حيث تمنوا أن يكون مكان الإيمان كفر، وللتنبيه
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الثالثة.
(1/198)

على أن ما تمنوه بعيد الوقوع؛ فإن الإيمان الراسخ يمنع صاحبه من الانتقال منه إلى كفر.
{حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ}:
هذا علة لما تضمنته الجملة السابقة من تمنيهم رد المسلمين كفاراً. والحسد: قلق النفس من رؤية نعمة يصيبها إنسان، وينشأ عن هذا القلق تمني زوال تلك النعمة، وتمني زوال النعمة عن الغير مذموم بكل لسان، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد؛ فإن تمني زوالها كراهة للجور والفساد لا يدخل في قبيل الحسد المذموم، فإن لم تتمنَّ زوال النعمة عن شخص، وإنما تمنيت لنفسك مثلها، فهي الغبطة والمنافسة، وهي محمود؛ لأنها قد تنتهي بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة، لظل في غفلة عنها.
والحسد قد يهجم على الإنسان، ولا يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود، والقصد إلى إزالة النعمة عنه.
وعلَّل تمنيهم للمسلمين الكفر بعد الإيمان بالحسد؛ لينفي ما قد يخطر بالبال من أن تمنيهم ذلك جاء من جهة تدينهم وميلهم إلى الحق، ولو بحسب زعمهم. ومعنى كون الحسد من عند أنفسهم: أنه راسخ في طبائعهم، فلا يطمع في صرفه عن قلوبهم في حكمة أو موعظة.
ودل قوله: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} على أنهم يوقنون في أنفسهم بصحة دين الإسلام؛ إذ الإنسان لا يحسد آخر على دين إلا أن يعرف في نفسه صحته، وأنه سبيل النجاة والفلاح.
(1/199)

{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}:
معنى هذا: أن ودادتهم لكفركم بداعي الحسد وقعت بعد أن تبين لهم الحق، وهو صدق دعوة الإسلام؛ بما عرفوه من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما عاينوه في التوراة من النعوت المطابقة لما هو عليه، فكفْر هؤلاء كان على سبيل العناد، والجمود على الباطل، لا عن جهالة بصدق النبوة المحمدية. ويؤخذ من هذا: أن المراد بقوله: {كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}: اليهود الذين لهم علم بما في التوراة، واطلاع على سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك شأن أحبارهم.
{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}:
بعد أن حذّر المسلمين من مكر يكنه كثير من أهل الكتاب في أنفسهم، وهو تمنيهم تصيير المسلمين كفاراً، أمر المسلمين بموادعتهم، والصفح عنهم إلى حين، فقال تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ...} إلخ.
والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب. والصفح: ترك التأنيب عنه، مأخوذ من الإعراض بصفحة العنق. والأمر في قوله تعالى: {بِأَمْرِهِ}: الإذن للمسلمين بالقتال عندما يكون لهم قوة يتمكنون بها من جهاد عدوهم. ومعنى الجملة: قابلوا أولئك اليهود بوجه العفو؛ بأن لا تتعرضوا لمجازاتهم على ما يظهر من آثار ذلك التمني والحسد في قول أو فعل، وأظهِروا أنكم لم تطلعوا على شيء من مكرهم حتى يأذن الله لكم بقتالهم، ودفعِ شرهم بقوة السلاح. وسمى ترك عقوبة المسلمين للكافرين عفواً، مع ضعف المسلمين، وما كان للكفار وقتئذ من شوكة، والعفو إنما يكون عند القدرة؛ للتنبيه على أن أصحاب الحق الذين هم تحت رعاية الله وتأييده
(1/200)

في حكم الأقوياء. فترك هؤلاء المحقين للقيام في وجوه أولئك المبطلين اتقاء لضرر أكبر، يصح أن يسمى عفواً.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
تضمنت الجملة السابقة وعداً من الله للمؤمنين بالقوة والنصر، وكانوا وقتئذ في حال قلة وضعف بالنسبة إلى كثرة عدوهم وقوته. فاقتضت هذه الحال تأكيد ذلك الوعد، فجاءت هذه الجملة لتأكيده؛ إذ بينت لهم أن كل شيء داخل تحت سلطان قدرته تعالى، وقد وعدهم بالتأييد على عدوهم، وإذا كان تعالى قادراً على إنجاز ما يعدهم به، وقع الموعود به في الوقت المسمى له لا محالة.
وذكر اسم الجلالة في الجملة السابقة يقتضي أن يؤتى في هذه الجملة بالضمير، فيقال: إنه على كل شيء قدير، ولكن إعادة ذكر اسم الجلالة في الجملة يجعلها مستقلة، بخلاف ما لو أتى بالضمير، فإنه يشعر بتبعيتها للجملة الأولى. واستقلال الجملة يدل على شدة عناية المتكلم بالمعنى الذي تتضمنه.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}:
أمرهم في الآية السابقة بالعفو والصفح عن أعدائهم، لحكمة تجعل العفو والصفح خيراً من العقوبة والتأنيب، وأمرهم في هذه الآية بالمواظبة على عمودي الإسلام، وهما: العبادة البدنية التي تؤكد صلة القرب من الله، وهي الصلاة، والعبادة المالية التي تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين، وهي الزكاة.
(1/201)

{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}
أمر في الجملة السابقة بالصلاة والزكاة على وجه خاص؛ لعظم شأنهما، وجاءت هذه الجملة مرغبة في فعل الخير على وجه عام، فتندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما من الأعمال الصالحة فرضاً أو تطوعاً. وقال: {لِأَنْفُسِكُمْ}؛ تنبيهاً على أن ما يقدمونه من خير إنما هو لمصلحة أنفسهم. والذي يجدونه عند الله هو ثواب ما يقدمونه من العمل الصالح. وقال: {عِنْدَ اللَّهِ}؛ إشارة إلى عظم الثواب بعظمة من تدخر عنده أعمال الخير، ويتولى الجزاء عنها.
{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}:
دلت الجملة السابقة على أن كل خير يفعلونه يجدون ثوابه عند الله، وجاءت هذه الجملة لتأكيد ذلك الوعد، فقد دلت على أن الله لا يخفى عليه عمل عامل، قليلاً كان أو كثيراً، وإذا كان عالماً محيطاً بكل عمل يصدر من الإنسان، كانت الأعمال محفوظة عنده تعالى، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاءه يوم الدين.
وإعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجملة، مع تقدم ذكره في قوله: {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} يجعل الجملة مستقلة، وقد سبق آنفاً أن استقلال الجملة يدل على شدة الاهتمام بالمعنى الذي تضمنته، ومن فوائد إظهار اسم الجلالة في مقام يجوز فيه الإضمار: أن تكون الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة؛ بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر بالضمير، فإن إلقاءها عند المناسبة يستدير أن تذكر الجملة السابقة معها؛ حتى يعرف المراد من الضمير.
(1/202)

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}:
هذا بيان لنوع آخر من أباطيل أهل الكتاب. والضمير في قوله: (قالوا) عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى. والهود: اليهود، وقدمهم في الذكر على النصارى؛ لتقدمهم في الزمان، وأصل اللفظ المساوي لمعنى الآية: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولكن الآية عدلت في أداء هذا المعنى عن طريق المساواة، وسلكت طريق الإيجاز، فأصدرت القولين في جملة واحدة، وعطفت أحد الفريقين على الآخر بأو، فجات الجملة في الأسلوب التي وردت به الآية ثقة بفهم السامع، وأنه لعلمه بتضليل كل واحد من الفريقين صاحبه لا يذهب في فهم الآية إلى أن كل واحد منهم يقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، بل المقصود المعنى الذي أوردناه في أسلوب المساواة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 135]؛ أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}:
الأماني: جمع أمنية، وهي ما يُتمنى. واسم الإشارة مشار به إلى ما تضمنه قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} ... إلخ، وهو يتضمن أماني متعددة: أمنية اليهود أن لا يدخل الجنة إلا اليهود، وأمنية النصارى أن لا يدخل الجنة إلا النصارى، وأمنية كل من الفريقين حرمان غيرهم كالمسلمين من الجنة، ولهذا جاء خبر اسم الإشارة جمعاً، فقال تعالى: {أَمَانِيُّهُمْ}.
(1/203)

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
لما ادعى كل من الفريقين اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتهم، جاءت هذه الجملة لمطالبتهم بالدليل على صحة دعواهم. و {هَاتُوا}: أحضروا. والبرهان: الدليل على صحة الدعوى. ولما كانت دعواهم الاختصاص بدخول الجنة شأنها أن تثبت بوحي من الله، لا لمجرد التمني، وكتبهم خالية مما يدل على صحتها، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}؛ أي: أحضروا الدليل من كتبكم على أنكم مختصون بدخول الجنة إن كنتم صادقين فيما تدعون.
والآية وردت خطاباً للمدعي بالباطل، ومطالبة له بذكر الدليل على ما ادعى؛ تبكيتاً وتعجيزاً. ويؤخذ من الآية: بطلان التقليد في أمور الدين، وهو قبول قول الغير مجرداً من الدليل، فلا ينبغي للإنسان أن يقرر رأياً في الدين إلا أن يسنده إلى دليل، كما أنه لا يقبل من غيره قولاً إلا أن يكون مؤيداً بدليل. أما عدم صحة التقليد في أصول الدين - أي: فيما يرجع إلى حقيقة الإيمان - فالأمر فيه جلي واضح.
ولا نريد من هذا أنه يجب على كل مكلف التعمق في الطرق المدونة في علم الكلام، بل يكتفى في إيمان الشخص بأي دليل ينشرح به صدره للإسلام، وتحصل له به الطمأنينة؛ كأن يستمد إيمانه بالله من التنبه لحكمة الله في إتقان المخلوقات، أو في رعاية اللطف والرفق بالإنسان، ويستمد إيمانه بصدق الرسول من الاستماع إلى القرآن الكريم، أو من سيرته التي لم يظهر بمثلها أو بما يقرب منها بشر غير رسول. والقصد أن لا يكون إسلامه لمجرد أنه نشأ في بيئة إسلامية، أو ولد من أب وأم مسلمين.
(1/204)

وأما التقليد في الفروع؛ أي: في الأحكام العملية، فالناس بالنظر إلى القدرة على تمييز الصواب من الخطأ درجات، فمن له قدرة على فهم الأدلة، ومعرفة الراجح من الأحكام، لا يجوز له أن يتلقى الحكم من غيره إلا مقروناً بدليل، وإن كان قاصراً عن هذه الدرجة، أخذ بما يفتيه به العالم المشهود له بالرسوخ في علم الشريعة، والمعروف بالمحافظة على لباس التقوى ما استطاع.
{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}:
هذا جواب عن قولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} ... إلخ. و {بَلَى} حرف يصدر به الجواب لإثبات ما نفي في الجملة السابقة، والجملة السابقة نفت أن يدخل غير اليهود والنصارى الجنة، فتكون كلمة {بَلَى} لإثبات دخول غيرهم فيها، وهم المشار إليهم بقوله: {مَنْ أَسْلَمَ}.
و {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}: اتجه إليه، وأخلص نفسه له، و {وَهُوَ مُحْسِنٌ}: من الإحسان، وهو الإتيان بالعمل على وجه حسن. وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسان بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه". والأجر: الثواب، وسمي الثواب أجراً؛ إيذاناً بقوة ارتباطه بالعمل، فمن المعروف أن الأجر لا ينال بدون العمل، وذكر الرب في هذا المقام يقوي رجاء العبد نيل الثواب الموعود به في الآية؛ فإن الرب - وهو الناظر في مصلحة العبد، المدبر لشؤونه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله الصالحة إلا أحصاها، وأعد لها الجزاء الأوفى.
ولما كانت كثرة الثواب على الأعمال الصالحة لا تتم بها النعمة إلا إذا أمن الإنسان من أن يلحقه مكروه، أو يفوته مطلوب، قال تعالى:
(1/205)

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}:
لا يخافون أن يصيبهم مكروه، ولا يحزنون لفوات مرغوب فيه.
والمعنى: أنه لا يعتريهم ما يوجب الخوف أو الحزن، بل هم في أمن وسلامة من كل ما يكدر صفو ذلك النعيم المقيم. وأعيدت الضمائر على كلمة (من) في قوله: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} مفردة؛ مراعاة للفظها؛ فإنها في صورة المفرد، ثم أعيدت عليها ضمائر الجمع في قوله: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}؛ مراعاة لمعناها؛ لأنه لم يرد منها شخص واحد، وإنما أريد منها كل شخص يتحقق فيه إسلام الوجه إلى الله.
والجمع بين مراعاة لفظ (من) ومعناها في كلام واحد معروف في الأساليب العربية البليغة نثراً وشعراً.
* * *
(1/206)

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 113 - 115].
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ}:
تضمنت الآية السابقة تزكيةَ كل فريق من اليهود والنصارى نفسَه، وتضليلَه لغيره على وجه عام، وجاءت هذه الآية لبيان تضليل كل فريق منهما الآخر بوجه خاص، فقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} ... إلخ. والشيء: الموجود، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وقد ينفى مبالغة في عدم الاعتداد به. واليهود كفرت بعيسى - عليه السلام -، وما زالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت، وسيأتي بعد، فهم يعتقدون أن النصارى
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الثالثة.
(1/207)

باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقي من التدين.
والنصارى تكفر اليهود؛ لعدم إيمانهم بالمسيح، وقد جاء لإتمام شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق منهما يطعن في دين الآخر، وينفي عنه أن يكون له أصل من الحق.
{وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}:
{يَتْلُونَ}: يقرؤون. واليهود يقرؤون التوراة، والنصارى يقرؤون الإنجيل.
والمعنى: قالوا ذلك في حال كونهم من أهل العلم والكتاب.
{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}:
{كَذَلِكَ} في الأصل كاف التشبيه متصلة باسم الإشارة إلى البعيد، وكثيراً ما تستعمل في تشبيه شيء تقدم ذكره، وقد تُجرد من معنى التشبيه، وتُستعمل لمجرد تثبيت الخبر المتقدم عليها، أو المتأخر عنها، كما وردت في هذه الآية؛ فإن تشبيه قول الذين لا يعلمون بقول اليهود والنصارى قد حصل بقوله تعالى: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ}، ولفظ (كذلك) إنما وقع موقع تثبيت الخبر، أعني قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}؛ كما وردت لهذا المعنى في قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118]. والذين لا يعلمون: الذين لا يتلون الكتاب من مشركي العرب وغيرهم؛ فإنهم يقولون في المسلمين: ليسوا على شيء؛ أي: إنهم على ديانة باطلة.
والهدف الذي ترمي إليه الآية هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينبغي أن يثير شبهة على عدم صحتها؛ حيث يسبق إلى أذهان
(1/208)

الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعلهم أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها، فكأن القرآن يقول: إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغي أن تكون شبهة على أنهم أنكروا دين الإسلام لعلمهم بأنه ليس بحق، ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شيء حقيقي من التدين، فسبيلهم في إنكار دين الإسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه على جهالة به.
{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}:
الضمير في قوله: {بَيْنَهُمْ} عائد على اليهود والنصارى. والاختلاف: تقابل رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه. ولم تصرح الآية بماذا يحكم الله بينهم، ومن مظاهر حكم الله يوم القيامة: إثابة من كان على حق، وعقاب من كان على باطل. ويفهم هنا على معنى أنه عيَّن لكل من الفريقين عقاباً على قدر ما ارتكب من الباطل.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}:
اختلف المفسرون فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فمنهم من قال: وردت في شأن الرومانيين الذين غزوا بني إسرائيل، وخربوا بيت المقدس، ومنهم من ذهب إلى أنها نزلت في كفار قريش لما منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية، وكيفما كان سبب النزول، فالآية تشمل بذمها ووعيدها كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها.
{وَمَنْ}: استفهام يراد منه النفي، والمعنى: لا أظلم. و (المساجد) جمع مسجد، وهو المكان الخاص للعبادة، مأخوذة من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض خضوعاً لله وتعظيماً. وذكر اسم الله كناية عما
(1/209)

يؤدى فيها من العبادات؛ إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه تعالى. والسعي في الأصل: المشي بسرعة، ويستعمل في معنى الطلب والعمل. والخراب: ضد العمارة، وهو التهدم، ويستعار لمعنى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له.
ومعنى الآية: لا أحد أظلم ممن حالَ بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله، وعمل لخرابها بالهدم؛ كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة؛ كما فعل كفار قريش، فهو مفرِط في الظلم، بالغ فيه أقصى غاية.
ولا يتوهم متوهم أن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} [السجدة: 22] تناقضاً، إذ ليس في الآيات الثلاث سوى نفي أن يكون ظالم أظلم {مِمَّنْ مَنَعَ}، أو {مِمَّنِ افْتَرَى}، أو {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: 57]. فمفاد الآيات: لا أحد أشد ظلماً من هؤلاء الطوائف الثلاث. وهذا صادق عند تساويهم في الإفراط في الظلم، وبلوغهم فيه إلى ما ليس وراءه ظلم.
{أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ}:
{مَا كَانَ لَهُمْ}: ما ينبغي لهم. والمعنى: ما ينبغي لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله، ويسعون في خرابها أن يدخلوها إلا بخشية من الله، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان الكفر والعصيان، فسعوا في طمس مظاهر الهداية وانقطاع ذكر الله عنها، وهو السراج الذي يجعل الأرض مشرقة بنور ربها.
(1/210)

{لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}:
الخزي في الدنيا: الهوان والذلة، والعذاب العظيم في الآخرة: العذاب الخالد في النار، ولا أشقى ممن يعيش في هوان وذلة، وإذا مات، فمصيره إلى عذاب أليم لا يموت فيه ولا يحيا.
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}:
{الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}: مكان شروق الشمس ومكان غروبها، ويراد منهما: جميع الأرض. واللام في قوله: (لله) تفيد معنى الملك. والمعنى: أن جميع الأرض ملك لله وحده. والتولية: الصرف من جهة إلى أخرى. و (ثم): اسم إشارة للمكان.
والوجه: الجهة، فوجه الله: الجهة التي ارتضاها، وأمر بالتوجه إليها، وهي القبلة. والمعنى: ففي أي مكان من الأرض ولَّيتم وجوهَكم الجهةَ التي أمركم الله بالتوجه إليها، فهناك جهةُ الله التي تبرأ ذممكم باستقبالها. ومعنى هذا: الإذن بإقامة الصلاة في أي مكان من الأرض دون أن تختص بها المساجد، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"، وكأن الآية تومئ إلى أن سعي أولئك في منع المساجد من ذكره تعالى وتخريبها لا يمنع من أداء العبادة له تعالى، فلله المشرق والمغرب وما بينهما، فأينما حل الإنسان، وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها، فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها.
{إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}:
أصل الوسع: تباعد الأطراف والحدود، وهذا المعنى محال في ذاته
(1/211)

تعالى، ولما ورد الواسع في أسمائه تعالى الحسنى، ذهب المفسرون في فهمه إلى أن الوسع عائد إلى صفة من صفاته؛ كالرحمة، على معنى: التوسعة على العباد، والتيسير عليهم في أمر الدين، وكالملك على معنى: أنه محيط بالأشياء ملكاً، فلا يقع شيء إلا في ملكه.
ولهذا المعنى مناسبة ظاهرة لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.
{عَلِيمٌ} لايخفى عليه فعل فاعل أينما كان، وكيفما كان.
* * *
(1/212)

بِسْمِ اللهِ الرَّحِمْنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 116 - 120].
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ}.
و {اتَّخَذَ} من الاتخاذ، وهو الصنع والجعل والعمل. والولد معروف، ويطلق على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. والذين قالوا اتخذ الله ولداً هم اليهود والنصارى والمشركون، فقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: عُزير ابن الله، وعن النصارى أنهم قالوا: المسيح ابن الله، وعن المشركين أنهم
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السابع من السنة الثالثة.
(1/213)

قالوا: الملائكة بنات الله، فيصح أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَقَالُواْ} عائداً على الفرق الثلاث، أو على بعضهم. وقد عرفنا من قبل أن القرآن يجري على الأسلوب المعروف في المخاطبات؛ حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم , فلما قال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] يكفي في صحة معنى الآية أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم.
{سُبْحَانَهُ}:
سبحان: مصدر لسَبّح بمعنى: نَزَّه، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريحُ به معه، والأصل: أُسبّحه سبحاناً، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ضمير المنزه. والمعنى: تنزيه الله تعالى عن السوء، وتبعيده عنه؛ أي: الحكم بنزاهته وبعده عن السوء. والتنزيه يتناول التنزيه بالقلب، وهو اعتقاد أن الله بريء من كل ما لا يليق بكماله، وباللسان؛ كقول: سبحان الله، والأول هو الأصل، والثاني ثمرة له؛ لأن الإنسان إذا اعتقد شيئاً، ظهر من قلبه على لسانه.
{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
هذا إضراب عن مقالاتهم التي نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد، وأخذ في الاستدلال على بطلانها. اللام في قوله: {لَهُ} للاختصاص الكامل، وهو الملك الحقيقي. و {مَا} اسم موصول يراد منه الكائنات: ما يعقل منها، وما لا يعقل، ومن جملة هذه الكائنات: من ادعوا أنه ولد الله، والمعنى: أن قولهم: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} زعمٌ باطل؛ فإن جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض مملوك لله، يوجد ما يشاء، ويتصرف فيه كيف يشاء، فلا حاجة له تعالى إلى اتخاذ الولد؛ إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد، أو يرغب فيه؛ ليعتز
(1/214)

به، أو ليحيى ذكره، أو ليستعين به على القيام بأعباء الحياة، والله تعالى منزه عن أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفاً كالإنسان. ثم إن الحكمة من التوالد: بقاء النوع محفوظاً بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه، أما الخالق تعالى، فهو الواحد في ذاته وصفاته، الباقي على الدوام، كما قال - جل شأنه -: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 26 - 27].
{كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}:
{قَانِتُونَ}: من القنوت، وهو الطاعة والخضوع. والمعنى: كل ما في السماوات والأرض مطيعون له خاضعون، لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه. وهذا حكم شامل لمن يعقل ومن لا يعقل. وجمع الخبر بالواو والنون التي هي حقيقة فيما يعقل، فقال: {قَانِتُونَ} تغليباً للعقلاء على غير العقلاء؛ إذ معنى القنوت - وهو الطاعة والخضوع للمشيئة والقدرة - يتحقق في العقلاء، وغيرهم، إلا أن للعقلاء طاعة وخضوعاً فوق طاعة غيرهم وخضوعه، ذلك أنهم يطيعون الله، ويخضعون له عن شعور منهم واختيار.
والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان، وهو إخراج القول على وجه يختص بحسب الوضع اللغوي بطائفة من الناس أو غيرهم، ولكن الحكم يكون شاملاً لهذه الطائفة وغيرها، ويكتفى في الدلالة على شمول الحكم بقرينة؛ كلفظ: (ما) في قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وإنما يعبر بالوجه الخاص؛ كجمع قانت بالواو والنون الخاص بالعقلاء لمعنى هو: أن إسناد القنوت الذي هو الطاعة والخضوع ظاهر في العقلاء بأكمل مما يظهر في غيرهم.
(1/215)

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
لما ذكر أنه مالك لجميع ما في السماوات والأرض، وأن كل من فيها خاضع لسلطان مشيئته وقدرته، ذكر نفس السماوات والأرض، ودل على أنهما من آثار صنعه الحكيم. والبديع: المبدع، من أبدع. والإبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق. وخص السماوات والأرض بالإبدل؛ لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات.
{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}:
{قَضَى}: أراد، والفعلان {كُنْ فَيَكُونُ} من الكون بمعنى: الحدوث. ومن المحتمل القريب أن تكون الجملة واردة على وجه التمثيل؛ أي: تمثيل حصول مراده تعالى دفعة بلا مهلة بحصول ما يؤمر به المطيع الذي يسرع إلى الامتثال عقيب سماع الأمر. والمعنى: إذا أراد الله شيئاً، حصل من غير امتناع ولا مهلة؛ كما يحصل ما يؤمر به المطيع الخاضع من غير إباء أو توقف لحظة بعد سماع الأمر.
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} غير أن آية: {وَقَالُوا} قدح في التوحيد، واَية: {وَقَالَ الَّذِينَ} قدح في النبوة. و {الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: جهلة المشركين. و {لَوْلَا} هنا بمعنى: هلَّا المفيدة للتحضيض، وهو الحض على الفعل الذي يذكر بعدها وطلبه. والمعنى: هلا يكلمنا الله إما بالذات، وإما بإنزال الوحي إلينا، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك. وقالوا هذا على وجه العناد والجحود لأن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقاً.
(1/216)

{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}:
سبق لنا أن (كذلك) تستعمل لتئبيت أمر متقدم عليها، أو متأخر عنها. و {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}: الأمم المكذبة لرسلهم من أسلافهم وغيرهم. والتماثل المشار إليه بقوله: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يصح أن يكون في اقترل ما لا يليق سؤاله، ولا يلزم أن يكون في نفس قولهم: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ}. وقد سأل من قبلهم ما لا يليق سؤاله؛ كما قال بنو إسرائيل: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وقالوا {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112].
{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}:
الضمير في قوله: {قُلُوبُهُمْ} عائد إلى الذين لا يعلمون، والذين من قبلهم، وتشابه قلوبهم في العمى والعناد، وفي هذا تسلية له - صلى الله عليه وسلم -؛ بأنه كما لقي من أولئك الذين لا يعلمون جحوداً وعناداً، قد لقي الرسل قبله من أقوامهم مثل هذا الجحود والعناد.
{قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}:
لما ذكر تعالى أن اقتراح ما تقدم من تكليم الله، أو إتيان آية إنما هو صادر من قوم لا يعلمون، أخبر في هذه الجملة بانه قد أقام على صدق رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - آيات بينات يفقهها قوم يوقنون، وهم من شأنهم الإخلاص في طلب الحق أينما كان، فيتجهون إليه من طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء، ونفوس مبرأة من التقليد، وعقول لا تتعثر في الشبهات، فإذا وصلوا إلى حقيقة، تقبلوها بارتياح واذعان، أما من غلبت عليهم الأهواء، واستحوذ عليهم العناد، فلا يرجى منهم أن يفتحوا أعينهم في الآيات، وينتفعوا بها، وإن كانت أوضح من الشمس المشرقة، كما قال تعالى في شأنهم:
(1/217)

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14 - 15].
والآيات البينات التي أقامها الله تعالى على صدق البعثة المحمدية لا يحيط بها استقصاء، يجدها الناظر بشيء من التدبر في السيرة الطاهرة، ويملأ منها يديه عندما يتلو القرآن المجيد حق تلاوته، ولا سيما تلاوة يراعي معها البيئة التي نشأ بها ذلك الرسول الأعظم، ويضاف إلى هذا الحكم التي تتدفق من فيض أحاديثه الواردة في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وإصلاح شؤون الأفراد والجماعات في أي موطن، أو في أي عصر يعيشون.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ}:
لما ذكر في الجملة السابقة أنه تعالى بين الآيات لقوم يوقنون، أردفها بهذه الجملة؛ لبيان من بينت الآيات على يديه، فقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ}. والحق: من حق الشيء؛ أي: وجب وثبت، ويطلق الحق على الحكم الصادق، وهو المطابق للواقع، ويسمى الدين الصحيح حقاً؛ لاشتماله على الأحكام الصادقة. وعلى هذا الوجه يحمل الحق في هذه الآية.
{بَشِيرًا وَنَذِيرًا}:
البشير: المبشِّر وهو المخبِر بالأمر الصدق السار للمخبر به الذي لم يسبق له علم به. والنذير: المنذر، وهو المخبر بالأمر المخوف؛ ليحذر منه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مبشر بالثواب لمن آمن واتقى، ومنذر بالعقاب لمن كفر وعصى. وفي وصفه بالتبشير والإنذار تأكيد لما أعلم به في صدر الجملة من أنه مرسل بالحق.
(1/218)

{وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}:
{الْجَحِيمِ}: المتأجّج من النار. وأصحابها: الملازمون لها، وفي تسميتهم أصحاب الجحيم دون أن يقول: الكافرين، أو المكذبين إيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم، فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر، والتعنت إلى الإيمان والإذعان. وفي هذه الجملة - مع قوله في الجملة السابقة: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} - تسلية له - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون. والمعنى: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن عليك أن تبشر وتنذر، وليس عليك أن توجد الهداية في قلوبهم، فأنت غير مسؤول - بعد ما بلغت- عن عدم اهتدائهم، بل الله يهدي من يشاء.
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}:
الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسماً لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه؛ ليتوصلوا به إلى السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس بشرع حق من الأديان المحرفة أو الباطلة، كما قال يوسف - عليه السلام - فيما قصة الله عنه: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37]. وأفردت الملة، فقال تعالى: {مِلَّتَهُمْ} مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة؛ لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة ملة واحدة، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به. ونفي القرآن الكريم رضا الفريقين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه المبالغة؛ إذ علقه على أمر يستحيل صدوره عنه، وهو اتباعه لملتهم، فلا يرجى حينئذ رضاهم عنه، وإيمانهم به.
(1/219)

{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}:
{هُدَى اللَّهِ}: دينه {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، والهدى بمعنى: الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة. وإيراد {الْهُدَى} معرفاً بأل مع اقترانه بضمير الفصل {هُوَ} يفيد قصر الهداية على دين الله، وينفي أن يكون في دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يطمع اليهود أو النصارى في أن يتبع ملتهم؟!.
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}:
اللام في قوله: {وَلَئِنِ} تُشعر بأن في الجملة قَسَماً مقدراً روعي في صدرها؛ ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء اليهود والنصارى لا يجد من الله ولياً ولا نصيراً. وأهواؤهم: آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة عن شهوات في أنفسهم.
و {الْعِلْمِ}: الدين، وسمي علماً؛ لأنه يعلم بالأدلة القاطعة. وقال: {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}؛ ليدل على أن الوعيد على ارتكاب أمر لا يأتي إلا بعد إقامة الحجة على أن الأمر كفر أو معصية. ووليُّ الشخص: من يتولى أموره، ويصرفها على ما تقتضيه مصلحته. ونصيره: من يعينه على من يناوئه ويبسط إليه يده بسوء.
(1/220)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 121 - 124].
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}:
بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل الكتاب، جاءت هذه الآية لبيان حال المؤمنين منهم. والذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى. و {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: يقرؤونه قراءة حقة، وإنما تكون قراءته حقة إذا كانت مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه، وضبطُ لفظه يقتضي عدمَ تحريف ما لا يوافق أهواءهم؛ كالجمل الواردة في نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتدبر معانيه يستدعي اتباعَه، والعمل به. وجملة: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} حال من الضمير (هم)، وهذه الحال من قبيل الأحوال التي تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه، وهي ما يسميه علماء
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الثالثة.
(1/221)

العربية: حالاً مقدرة؛ أي: مقدراً وقوعُها بعد وقوع عاملها.
{أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}:
هذا خبر عن قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}، ولو لم يذكر اسم الإشارة "ذلك"، واقتصر على قوله: {يُؤْمِنُونَ بِهِ}، لحصلت فائدة إثبات الإيمان للذين أوتوا الكتاب، وتلوه تلاوة حقة، ولكنْ في ذكر اسم الإشارة، ووضعه في صدر الجملة المخبر بها زيادةُ تأكيد لإثبات إيمانهم؛ كما هو المعروف في فنون البلاغة. وفي هذه الجملة تعريض بأولئك المعاندين، فكأن الآية تقول: الذين آتيناهم الكتاب، وكان من حالهم أن تلوه حق تلاوته، يؤمنون به إيماناً لا يرتاب فيه، دون المعاندين المحرفين لكلمه عن مواضعه.
{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}:
الكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه، وإنكار بعض ما جاء فيه، وأثبت للكافرين الخسران في جملة توسط فيها ضمير الفصل {هُمُ} بين المبتدأ والخبر، وجاء الخبر معرفاً بال {الْخَاسِرُونَ}، فأفادت الجملة أن الكافرين بالكتاب يختصون بالخسران، ولا يتعداهم إلى غيرهم ممن أخلصوا الإيمان به، فالكافرون هم الخاسرون في الدنيا؛ حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين بحق: صدور منشرحة، ونفوس مطمئنة، وتأييد من الله يجعلهم منصورين على من يناوئهم، وكذلك الإيمان الراسخ يفرغ على القلوب صبراً يخف به وقع الخطوب، ويذود عنها حرجاً لا يفارق صدر الكافر، ولو ملك رياسة قاهرة، وأموالاً وافرة، وإذا نهض صاحبه لكفاح عدو، كان نصر الله منه قريباً. والكافرون هم الخاسرون في الآخرة؛ إذ يفوتهم ما أعده الله للمؤمنين من نعيم دائم، ومقام كريم، ويخلدون بعد هذا الحرمان في عذاب مهين.
(1/222)

{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}:
كرر بهذه الآية نداء بني إسرائيل ودعوتهم إلى ذكر ما أسبغ عليهم من النعم الدال على عِظَمها إسنادُ الإنعام بها إليه تعالى في قوله: {الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}، وأهمية الشيء تقتضي تكرار الأمر به؛ إبلاغاً في الحجة، وتأكيداً للتذكرة. وأيّ شيء أعظم أثراً في سعادة الإنسان من أن يكون على ذكر من نعم الله عليه؟ إذ ذِكْرُ نعم الله يملأ القلب بإجلاله، ويدعو إلى شكرها بحسن الطاعة، وشكرها يستدعي المزيد منها، ويكسب صاحبه الظفر برضا من بيده مقاليدها، ومَن ظفر برضا وليّ النعم، فقد جمع الخير من أطرافه.
وتفضيلُ بني إسرائيل على العالمين - في العهد الذي كانوا يتمسكون فيه بالتوراة السالمة من التحريف- مندرجٌ في جملة النعم التي أنعم الله بها عليهم، وأفرد بالذكر في قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}؛ لأنه من خير ما يناله الإنسان في حياته، والنفوس الزاكية لا تبتهج بشيء أكثر من ابتهاجها حين تستيقن أن الله جعلها بمكانة تفضل بها سائر النفوس.
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}:
تضمنت هذه الآية معنى الآية السابقة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}، وأعيد هذا المعنى تأكيداً له، وتثبيتاً له في القلوب، ذلك أنه معنى متى غلب استحضاره على قلب من يتدبر العواقب، يكف يده عن كل شر، ويصير مصدراً لكل خير. ولا ريب أن من تيقن أنه سيشهد يوماً ذا أهوال لا ينفع الإنسانَ فيه إلا إيمانُه
(1/223)

وصالحُ عمله، وهو يوم الجزاء، اتجه به الحذر من سوء العاقبة إلى التمسك بأسباب السلامة والفوز في ذلك اليوم. ومعنى اتقاء يوم الجزاء: اتقاء ما يلاقيه الناس فيه من أهوال، واتقاؤها بأداء الواجبات، واجتناب المحظورات.
وردت هذه الآية، وهي تنفي بظاهر عمومها أن يقبل يوم القيامة شفاعة من أحد لآخر، وورد في الآيات ما يدل على نفي الشفاعة إلا أن يأذن بها الله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وما يدل على أن لا شفاعة إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، فيفهم قوله تعالى في الآية السابقة: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، وقوله في هذه الآية: {وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} على نفي الشفاعة التي لا يأذن بها الله، والشفاعة لمن لا يرتضي الله أن يشفع له؛ كالشفاعة للكافرين؛ كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].
وقد وردت أحاديث صحيحة تثبت شفاعته - عليه الصلاة والسلام - يوم القيامة، وليست شفاعته إلا أنه يدعو الله، فيستجيب له؛ كما قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وفي قبول شفاعته على هذا الوجه إظهار لكرامته ورفعة منزلته عند ربه.
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}:
بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد، ويأتون منكرات الأقوال والأعمال، وختم الحديث عنهم بإنذار بالغ، وتذكير بيوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئاً، وصل حديثهم بقصة إبراهيم - عليه السلام -، فقال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ}. . . إلخ.
(1/224)

ووجه إيراد هذه القصة عقب ما قصه عن بني إسرائيل والمشركين: أن كلاًّ من الفريقين ينتمي إلى إبراهيم، ويقر بفضله، وقد ورد فيما حكاه الله عنه ما يقتضي قبولهم لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخولهم في دينه القويم.
والابتلاء في أصله: الاختبار والامتحان، وهو بهذا المعنى محال على علام الغيوب، فالمراد منه هنا: التكليف حتى يُحسِن القيام بما كلف به، فيكون ما يناله من الجزاء كأنه جاءه على سبيل الاستحقاق. وقال: {رَبُّهُ}؛ ليشعر التالي أو السامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به تربيةً له، وتقوية لعزمه حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور.
والكلمات: جمع كلمة، وهي في الأصل: اللفظ المفرد، وتطلق بمعنى الكلام، كما تطلق على نفس المعاني التي تفهم من الألفاظ؛ نحو: الحكم، والإذن، والأمر والنهي، فالكلمات في الآية يصح أن تفسر بالأوامر التي كلف الله بها إبراهيم - عليه السلام -، وأتى بها على أتم وجه. والقرآن أجملَ في ذكر الكلمات، ولم يَرد في تعيينها حديث يجب الوقوف عنده، ولكن تسمية التكليف بها ابتلاء، وذكر إتمام إبراهيم لها على وجه الثناء، ينبئ بأنها من الأعمال التي لا ينهض بها إلا ذو عزم يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة.
{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}:
هذه الجملة مستأنفة لبيان ما مَنَّ الله به على إبراهيم - عليه السلام - من الكرامة، ورفعة المقام، بعد أن ذكر أنه عامله معاملة المختبر له؛ إذ كلفه بأمور شاقة، فقام بها أحسن قيام. و {جَاعِلُكَ} من جعل بمعنى: صَيَّرَ. والإمام: القدوة الذي يؤتم به في أقواله وأفعاله. وإمامةُ إبراهيم: النبوة؛
(1/225)

فقد كان نبياً يقتدي به الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]. وإذا أريد من إمامته: أن يقتدى به في العقائد والشرائع، كان المراد من الناس: قومه الذين أوجب الله عليهم أن يتبعوه في جميع ما أوحى الله به إليه.
{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}:
هذه الجملة واقعة موقع الجواب عما شأنه أن يخطر في نفس السامع من السؤال عما كان من إبراهيم - عليه السلام - عند ما تلقى البشارة بالإمامة العظمى، وهي الرسالة، كان من إبراهيم أن طلب الإمامة لبعض ذريته أيضاً، فقال: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}.
والذرية: الأولاد، وهذا القول - وهو من كلام إبراهيم - معطوف بالواو على الضمير في قوله: {جَاعِلُكَ}، وهو من كلام الله تعالى، دايراد المتكلم قولاً يعطفه على قول متكلم آخر، يسمى في العربية: عطف التلقين. وتقدير مقول إبراهيم: وجاعل من ذريتي إماماً. وقصده من هذا العطف: الطلب، ولكنه عدل عن أن يقول: اجعل من ذريتي إماماً إلى قوله: وجاعل من ذريتي؛ لأنه قصد أن يورد كلامه مورد تتمة كلام الله تعالى، فيستحق أن يقع كما وقع المعطوف عليه، أعني: قوله تعالى: {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.
{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}:
وردت هذه الجملة جواباً عن قول إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، فالعهد هنا بمعنى الإمامة المشار إليها في قوله تعالى: {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}. وفي الجملة
(1/226)

إيجاز بديم؛ إذ المراد منها: إجابة طلب إبراهيم من الإنعام على بعض ذريته بالإمامة؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] , ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا أهلاً لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، وتشير إلى أن غير الظالمين منهم قد تنالهم النبوة، وقد نالت من ذريته إسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف، وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل. والظلم الذي لا يستحق صاحبه النبوة: ما كان كفراً، أو مخالفة يأتيها وهو شاعر بأنه ارتكب إثماً.
* * *
(1/227)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 125 - 128].
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}:
هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ}. وجعلنا: صيَّرنا.
والبيت: الكعبة، إذ غلب استعمال البيت فيها حتى صار اسماً لها.
والمثابة: الموضع الذي يثاب؛ أي: يُرجع إليه، من ثاب يثوب: إذا رجع. ومعنى كون البيت الحرام مثابة للناس: أنهم يقبلون عليه من كل جانب، ويترددون إليه في كل عام، فلا يعدم قاصداً من الناس.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الثالثة.
(1/228)

{وَأَمْنًا}:
الأمن: السلامة من الخوف، وأمن المكان: اطمئنان أهله به، وعدم خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه، فالبيت مأمن؛ أي: موضع أمن. وأخبر تعالى بأنه جعله أمناً؛ ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن، حتى صار كأنه نفس الأمن. وكذلك صار البيت الحرام محفوفاً بالأمن من كل ناحية، فقد كان الناس في الجاهلية يقتتلون، ويغير بعضهم على بعض حوله، وأهلُه آمنون، ومن دخله كان آمناً من التشفي والانتقام؛ لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وتفضيله على غيره من بقاع الأرض. وقد أقر الإسلام هذه الحرمة على وجه لا يضيِّع حقاً، ولا يعطّل حدّاً.
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}:
الاتخاذ: الجعل، تقول: اتخذت فلاناً صديقاً؛ أي: جعلته صديقاً. ومقام إبراهيم: الحَجَر الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار. ومعنى اتخاذ مصلى مثه: القصد إلى الصلاة عنده، ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "طاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين". ومن السلف من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام. وكان الحَجَر الذي يسمى مقام إبراهيم ملصَقاً بالبيت، وإنما حوله عمر بن الخطاب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى موضعه المعروف الآن بمقام إبراهيم.
{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}:
{وَعَهِدْنَا}: أمرنا أو أوحينا. {أَن} بمعنى: أي، مفسرة للمأمور به، أو الموحى به المشار إليه بقوله: {وَعَهِدْنَا}. و {بَيْتِيَ}: البيت الحرام،
(1/229)

وأضافه تعالى إلى نفسه تشريفاً له، ولأنه أمر ببنائه وحجه وتطهيره. ومعنى تطهيره: صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذاء والأرجاس والأوثان، وكل ما كان مظنة للشرك. وتطهير البيت -بمعنى: صيانته من تلك الخبائث- صادق بما إذا لم تكن موجودة به وقت الأمر بالتطهير، ويكون المعنى: أبقياه على طهارته، وكما قال الله تعالى في وصف نساء الجنة: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25]، وقد خلقهن طاهرات.
{لِلطَّائِفِينَ}:
جمع طائف، من طاف يطوف طوفاً وطوافاً: إذا دار حول الشيء، ومعناه: المتقوبون إلى الله بالطواف حول الكعبة.
{وَالْعَاكِفِينَ}:
جمع عاكف، من عكف على الشيء عكوفاً: إذا أقام عليه ملازماً له، ومعناه: المقيمون في الحرم بقصد العبادة، ويدخل في العبادة: مدارسة العلوم الدينية، وما يساعد على فهمها.
{وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}:
الركع: جمع راكع. والسجود: جمع ساجد. والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها. فمعنى الركع السجود: المصلون. فالآية جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: الطائفين وإن لم يكونوا مقيمين؛ كمن يأتون لحج وعمرة، ثم ينصرفون، والعاكفين الذين يقيمون في الحرم بقصد الإكثار من العبادة في المسجد الحرام، والمصلين الذين يتقربون إلى الله بالصلوات فرائض أو نوافل. ويلوح من الآية أن للإقامة بالحرم فضلاً زائداً على فضل الطواف والصلاة.
(1/230)

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}:
المشار إليه بقوله: {هَذَا}: مكة المكرمة. والبلد: كل قطعة من الأرض عامرة أو غامرة. و {آمِنًا}: ذا أمن؛ أي: مكاناً فيه أمن، وهو أمن أهله. وليس المراد أن البلد نفسه أمن؛ لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد، وإنما يلحقان أهل البلد، وبيان اللغة يسع إجراء أوصاف أهل البلد على البلد في نظم الكلام.
{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}:
{وَارْزُقْ}: من رزقه يرزقه: إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره. والثمرات: جمع ثمرة، وهي ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. طلب إبراهيم - عليه السلام - من الله أن يجعل مكة بلداً آمناً، وأن يرزق أهلها من الثمرات ما يسد حاجاتهم؛ لأن البلد إذا امتدت فيه ظلال الأمن، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على طاعة الله، وتفرغوا لذلك بقلوب مطمئنة.
{مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}:
دعا إبراهيم - عليه السلام - لأهل مكة بأن يُرزقوا من الثمرات، وأهل مكة؛ أي: المقيمون بها قد يكون من بينهم كافرون، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه، فاتبع قوله: {أَهْلَهُ} بقوله: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} على وجه البدل؛ فصار المعنى: وارزق المؤمنين من أهله؛ على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل، وهو هنا: {مَنْ آمَنَ} هو المقصود بطلب الرزق، واقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في التعبير عن المؤمن، لأن الإيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإيمان بكتب الله ورسله وملائكته.
(1/231)

{قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}:
الضمير في {قَالَ} عائد إلى الله. و (من) فى قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} منصوب بفعل مقدر دل عليه {فَأُمَتِّعُهُ}، والمعنى: قال الله: وأرزق من كفر. وإيراد المتكلم قولاً من عنده معطوفاً على قول متكلم آخر، مألوف عربية، ويحسن موقعه حيث يقضي المقام إيجازاً في القول، ولولا هذا العطف، لكان المعنى متطلباً لأن يقال: قال الله: أرزقُ من آمن ومن كفر.
وقد أرشدت الآية إلى أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن، وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فلإمتاع الكافر بالرزق حِكَم، منها: استدراجه المشار إليه بقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]، ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة في الرزق، وحرم منها الكافرين، لكان هذا التخصيص سائقاً للكافرين إلى الإيمان على وجه يشبه الإلجاء، وقد قضت حكمته تعالى أن الإيمان [يكون] اختيارياً حتى ينساق إليه الإنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام، ولا يبصر بها آخرون.
{فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}:
أمتعه: من التمتيع، وهو إعطاء ما ينتفع به. و {قَلِيلًا}: وصف لمصدر محذوف في النظم، والمعنى: أمتعه تمتيعاً قليلاً، ووصف التمتع في الدنيا بالقلة؛ لأنه صائر إلى نفاذ وانقطاع. و {أَضْطَرُّهُ}: أسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الانفكاك منه، وهو عذاب النار.
{وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}:
بئس: فعل يستعمل لذم المرفوع بعدها، وهو ما يسميه النحاة:
(1/232)

المخصوص بالذم. ووردت هنا لذم النار المقدرة في الجملة. والمعنى: بئس المصيرُ النارُ؛ أي: إنها مصير سيئ؛ كما قال الله تعالى في آية أخرى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66].
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}:
هذا معطوف على قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}. والقواعد: جمع قاعدة، وهى الأساس، ورفعها: بالبناء عليها. والبيت: الكعبة. والتقبل: القبول، وقبول الله للعمل: أن يرضاه، أو يثيب عليه، وتصدير الدعاء بندائه تعالى باسم الرب المضاف إلى ضميرها، مظهر من مظاهر خضوعهما له، واجلالهما لمقامه، والخضوع له تعالى وإجلال مقامه من أسنى الآداب التي تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة، ورفعهما لقواعد البيت فيما مضى؛ أي: قبل نزول الآية يقتضي أن يقال: وإذ رفع إبراهيم، ولكنه قال: {يَرْفَعُ} بصيغة المضارع الذي هو موضوع للفعل الواقع في الحال، أو الفعل الذي سيقع في المستقبل، ولذلك وجه معروف في محاسن البيان، هو أن يستعمل المتكلم الفعل المضارع في عمل مضى؛ حيث يكون ذلك العمل من الأهمية بمكان، فأهمية العمل تضعه في نظر المتكلم موضع العمل المشاهد له، فيخرجه حالَ التكلم في صورة الفعل الحاضر في الواقع؛ إذ يعبر عنه بالصيغة الموضوعة للدلالة على الأفعال الواقعة في الحال. ومعنى الجملة: واذكر يا محمد ذلك الأمر الغريب، وهو رفع الرسولين العظيمين إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت، وهما يقولان بخضوع لي وإجلال: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}. ومن فوائد ذكر هذه القصة: أن يُقبل الناس على الاقتداء بهذين الرسولين الكريمين في القيام بالطاعات الشاقة، وهم يضرعون إلى الله - جلّ شأنه - ,
(1/233)

ويرجون منه قبولها.
{إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}:
طلب الرسولان العظيمان قبول ما تقربا به إليه تعالى من بناء البيت الحرام، ووصلا دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى يؤكدان بذكرهما أن رجاءهما لاستجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول، فقالا: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، ومن كان سميعاً للدعاء، عليماً بنيات الداعين وضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء المخلصين في طاعته غير بعيد.
{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}:
{مُسْلِمَيْنِ}: من الإسلام، وهو الخضوع والإذعان، وقد كانا خاضعين لله، مذعنين في كل حال، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك. والإسلام الذي هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد، وتحرِّي ما رسمه الشارع في العبادات والمعاملات، والإخلاص في أداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}:
من ذرية إبراهيم وإسماعيل: العرب، ومن ذرية إبراهيم: بنو إسرائيل، فالدعاء شامل للفريقين؛ إذ ظهر من أولئك الذرية أقوام أسلموا وجهم لله من بين أمم عاشت في عماية، أما من العرب، فالأمر واضح، وأما من بني إسرائيل، فقد بعث فيهم أنبياء ورسل، ونشأ من بينهم هداة عادلون، قال الله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]. وصلاح الذرية مرغوب فيه طبعاً، والدعاء لهم بالصلاح مرغَّب فيه شرعاً،
(1/234)

وذلك ما فعل الخليل إبراهيم - عليه السلام -.
{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}:
أرنا: علِّمنا. والمناسك: جمع منسك، وهي العبادة والطاعة، ثم سميت أعمال الحج كلها مناسك؛ مثل: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار.
{وَتُبْ عَلَيْنَا}:
تسند التوبة إلى العبد، فيقال: تاب فلان إلى الله، ومعناها: الندم على ما لابس من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن لم يستطع، وتستند إلى الله، فيقال: تاب الله على فلان، ومعناها: توفيقه إلى التوبة، أو قبولها منه. فمعنى {وَتُبْ عَلَيْنَا}: وفقنا للتوبة، أو تقبلْها منا.
والتوبة تكون من المعاصي كبائر أو صغائر، وتكون من ترك ما هو الأولى، أو من تقصير يؤدي إليه خطأ في الاجتهاد، وعلى أحد هذين الوجهين تحمل التوبة التي يسأل الأنبياء والمرسلون قبولها، أو التوفيق إليها.
{إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
{التَّوَّابُ}: كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول توبتهم يقتضي عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من خطيئات، ثم هم بعد خلاصهم من عقوبة الخطيئة، أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان. وإبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- طلبا قبول توبتهما صراحة إذ قالا: {وَتُبْ عَلَيْنَا}، ولوَّحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم؛ إذ الرحمة صفة من أثرها الإحسان، فكأنهما قالا: تب علينا وارحمنا.
(1/235)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 129 - 134].
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ}:
دعا إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - كما ورد في الآيات السابقة - بدعوات، منها: أن يجعل الله من ذريتهما أمة مسلمة، ووصلا تلك الدعوات بما جاء في هذه الآية من طلب ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، وهو أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم. فالضمير في قوله: {مِنْهُمْ} يعود إلى الذرية، أو الأمة المسلمة في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً}.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة الثالثة.
(1/236)

والرسول: من أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه. وقال بعض الكاتبين في العهد الأخير: "قد يعرَّف النبي بإنسان فُطر على الحق علماً وعملاً؛ أي: بحيث لا يعلم إلا حقاً، ولا يعمل إلا حقاً، على مقتضى الحكمة، وذلك يكون بالفطرة؛ أي: لا يحتاج فيه إلى الفكر والنظر، ولكن التعليم الإلهي، فإن فطر أيضاً على دعوة بني نوعه إلى ما جبل عليه، فهو رسول أيضاً، وإلا، فهو نبي فقط، وليس برسول"، ويستقيم هذا التعريف على وجه الحقيقة إذا قُصد منه إضافة مزية إلى الرسول زائدة على مزية الوحي إليه بالشرع والتبليغ، وهي فطرته على معرفة الحق، والعمل والدعوة إليه، على معنى: أنه ارتفع عن مستوى سائر البشر بفطرة بلغت من الصفاء أن تتلقى من الحقائق ما لا يتلقون، وتحكم من العمل بالحق والدعوة إليه ما لا يطيقون.
وسألا أن تكون بعثة الرسول في ذريتهما؛ ليكون أمر الإيمان قريباً منهم، فإن من يعرفون مولد الرسول ومنشأه، ويدرون كيف كانت سيرته قبل دعوى الرسالة جاريةً على الصدق والأمانة، يكونون في أول من يؤمن به، إلا من يصاب بحسد أو عناد. وتلقِّي قومه الذين عُرفوا بحكمة الرأي لدعوته بالقبول والطاعة، ينبه من كان بعيداً من أرضه للنظر في شأن رسالته، فلا يلبث أن ينتفع بما يعرض عليه من حجته الساطعة، وحكمته البالغة.
وسؤالهما لأن يبعث الله في ذريتهما رسولاً منهم لا يقتضي أن تكون بعثة هذا الرسول خاصة بهم، فدعوتهما استجيبت بأن بعث الله فيهم رسولاً منهم، وكانت رسالته عامة شاملة لهم ولغيرهم من الناس، وهو رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد قامت الأدلة القاطعة على عموم رسالته؛ كما يجدها الباحث مفصلة في علم الكلام.
(1/237)

{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}:
تلاوة الشيء: قراءته. والآيات: دلائل توحيد الله وتنزيهه والنبوة والبعث.
و {الْكِتَابَ}: القرآن، وتعليمه: بيان معانيه وحقائقه. ويصح أن تحمل الآيات على آيات القرآن، فهو يتلو عليهم آيات القرآن؛ ليحفظوها بألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا بتلاوتها، وليعرفوا من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجهاً مشرقاً من وجوه إعجازها. ويعلمهم القرآن؛ أي: يبين لهم معانيه؛ ليعرفوا ما أقامه من دلائل التوحيد، وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب.
{وَالْحِكْمَةَ}:
الحكمة: العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به، ووضعها بجانب الكتاب يدعو إلى حملها على معنى السنة التي تنتظم أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وبالسنة يعرفون كما يعرفون من الكتاب أصلح الأعمال وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، وتتفتح لهم طرق التفقه في أسرار الدين ومقاصده.
{وَيُزَكِّيهِمْ}:
يزكيهم: من التزكية، وهي في الأصل التنمية، يقال: زكَّى الله مالك؛ أي: نماه، ثم استعملت في معنى جعل الإنسان يزيد في الخير والفضل. فمعنى يزكيهم في الآية: يجعلهم أزكياء؛ أي: زائدين في الخير والفضل. وإنما تتحقق التزكية بهذا المعنى إذا طهرت بواطنهم من أرجاس الشرك والإرادات السيئة، وطهرت جوارحهم من قاذورات المآثم. ومن هنا دلت
(1/238)

التزكية على معنى: التطهير من كل ما لا يليق التلبس به باطناً أو ظاهراً.
والآيات ظاهرة في أن الدعاء من قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} إلى قوله: {وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا} صادر من إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -، ولم يجئ رسول تنطبق عليه الصفات الواردة في الدعاء إلا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فتعين أن يكون هو الرسول الذي طلبا إرساله في ذريتهما.
وقد استوفت الآيات الواردة في صفات الرسول منابع الدين أصولاً وفروعاً، فكل رأي في الدين لا يستند إلى ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتلوه من الآيات، ويعلمه من الكتاب والسنة، أو من الأصول المستمدة منهما على وجه معقول، فهو ردٌّ على صاحبه.
{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}:
{الْعَزِيزُ}: القادر الذي لا يُغلَب على أمر. و {الْحَكِيمُ}: العالم الذي يدبر الأمور على وفق المصلحة، ومن كان قادراً على كل ما أراد، عالماً بوجوه المصالح، كانت استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن إخلاص وابتهال.
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}:
يقال: رغب في كذا: إذا أراده، واتجهت نفسه إليه، ورغب عنه: إذا كرهه، وانصرفت نفسه عنه. والملة في الأصل: الطريقة، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل بها إلى دار السلام والكرامة عند الله. {سَفِهَ نَفْسَهُ}: استخفها وامتهنها. والجملة واردة مورد التوبيخ للكافرين الذين أحدثوا الشرك المخالف لما دعا إليه إبراهيم - عليه السلام - من التوحيد. والمعنى: لا يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله
(1/239)

إلا من امتهن نفسه، ولم يبال أن يُدْبر بها عن طريق السعادة إلى طريق الخيبة والشقاء.
{وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}:
{اصْطَفَيْنَاهُ}: اخترناه للرسالة، وعرَّفناه الملة التي هي أقوم طريق موصل إلى دار السلام. و {الصَّالِحِينَ}: من الصلاح، وهو الاستقامة طى الطريقة المثلى. وهذا بيان لخطأ من يرغب عن ملة إبراهيم، حيث أعرض عن اتِّباع من جمع الله له الكرامة في الدنيا إلى الكرامة في الآخرة، فكأنه يقول: من اصطفاه الله في الدنيا بالرسالة، وكان مشهوداً له في الآخرة بالاستقامة، حقيق بأن تُتبع ملته، ويقتدى بهديه.
ويراد من ذكر الشهادة له بالصلاح في الآخرة: ما تقضيه هذه الشهادة من رفعة المقام وسعة الإكرام.
{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}:
هذا بيان لكمال استقامة إبراهيم التي رفعته عند الله المنزلة العليا، وجعلت ملته حقيقة بأن يرغب فيها، ذلك أن الله أمره بطاعته، وإسلام وجهه إليه في كل حال، فبادر إلى الامتثال، وقال:
{أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}:
وكان مقتضى قوله: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ} أن يجري الكلام على طريقة التكلم، فيقال: "إذ قلنا له"، ولكنه وقع العدول عن هذا الطريق إلى إسناد القول إلى الاسم الظاهر مضافاً إلى ضمير إبراهيم، فقال: {قَالَ لَهُ رَبُّهُ}؛ لإظهار مزيد اللطف به، والعناية بتربيته، كما أن إبراهيم قال: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، ولم يقل: أسلمت لك؛ ليذْكر الله بما يدل على عظم شأنه، ويشير
(1/240)

إلى أن من كان رباً للعالمين لا يليق بأحد من العالمين إلا أن يتلقى أمره بالخضوع وحسن الطاعة. والظاهر أن الآية تخبر عن أمر واقع بعد النبوة؛ كما قال الله تعالى لنبينا - صلوات الله عليه -: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ} [هود: 112].
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}:
دل ما سبق على أن إبراهيم كامل في الصلاح إذ قال: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ودلت هذه الآية على أنه يجمع إلى كمال نفسه العملَ لتكميل غيره إذ قال: {وَوَصَّى بِهَا}، والتوصية: إرشاد الغير إلى ما فيه صلاح وقربة، سواء كان في حالة الاحتضار، أم في حالة غيرها، والضمير في قولها: {بِهَا} يعود إلى {مِلَّةِ} في قوله: {عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}، والمعنى: وصى إبراهيم بنيه بملته؛ أي: باتباعها.
{وَيَعْقُوبُ}:
مرفوع على أنه مبتدأ، وخبره مقدر في نظم الكلام، لفهمه من الجملة السابقة، والمعنى: ويعقوب كذلك؛ أي: أوصى بنيه بملة إبراهيم.
{يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}:
هذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب في وصيتهما لأبنائهما، والمعنى: قال كل منهما لأبنائه {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى}. . . إلخ. واصطفى لكم الدين: استخلصه لكم، وهداكم للأخذ به، وهو دين الخضوع لله وحده، والتقرب إليه بأخلص الطاعات.
{فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}:
تفيد هذه الجملة بحسب وضعها الأصلي: النهي عن الموت في حال
(1/241)

غير حال الإسلام، وليس الموت في استطاعة الإنسان حتى يُنهى عنه، أو يؤمر به، وإنما النهي في المعنى متوجه إلى أن يكون المخاطبون في حال لو جاءهم الموت وهم متلبسون به، لوقعوا في خسران مبين، فنهيهم عن الموت في حال غير حال الإسلام يراد منه: الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الوفاة، والمعنى: اثبتوا على الإسلام واستقيموا على محجته البيضاء حتى يدرككم الموت وأنتم في حال كونكم مسلمين. وكما ينهى عن الموت في حالة، والمراد: النهي عن التلبس بتلك الحالة، يؤمر بالموت في حالة، والمراد: الحث على التلبس بتلك الحالة؛ كما يقال: مت وأنت شهيد، والمراد: الحث على الاستشهاد في سبيل الله. ومن هذا القبيل قول المتنبي:
عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنود
{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}:
بعد توبيخ المخالفين لملة إبراهيم بقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}، وبيان أن هذه الملة هي التي كان إبراهيم أوصى بنيه كما أوصى بها يعقوب بنيه، جاءت هذه الآية للإنكار على أهل الكتاب افتراءهم على يعقوب، وزعمهم أنه كان على ما هم عليه من التدين، وبينت كيفية وصيته لبنيه، فقال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ}، فكلمة {أَمْ} مستعملة للانتقال من جملة إلى أخرى، وللاستفهام الإنكاري الذي هو في معنى النفي، فهي مفيدة لمعنى (بل) والهمزة معاً، فكانه قيل: بل كنتم شهداء؟ والشهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر، والمعنى: ما كنتم حاضرين وقت أن احتُضر
(1/242)

يعقوب؛ أي: أشرف على الموت، وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم، فكيف تدَّعون ما ادَّعيتم عليه رجماً بالغيب؟!.
ووجّه يعقوب الوصية لبنيه في صورة سؤال؛ ليدل على شدة اهتمامه بأمر هدايتهم، ويستدعي بسؤاله جواباً منهم يعبر عن رسوخ إيمانهم، وعقدِهم النيةَ على أن يخصوا الإله الحق بعبادتهم.
{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}:
هذه الجملة بيان لما أجابوا به يعقوب - عليه السلام -، وهو جواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم، وهي ملة لا تثليث فيها، ولا تشبيه بمخلوق. وإسماعيل عم يعقوب، وذكروه في جملة آبائه على وجه التجوز بإطلاق الأب على العم، وهو من المجازات المعهودة في فصيح الكلام، وقدموا إسماعيل في الذكر على إسحاق؛ لأنه أسنُّ منه.
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ}:
الإشارة إلى إبراهيم - عليه السلام - وأبنائه. و {خَلَتْ}: مضت وانقرضت، والأمة: الجماعة يجمعهم أمر من نحو الدين والموطن واللغة.
{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ}:
الكسب: التحصيل والعمل لإصابة ما فيه نفع. وفي الجملة لفظ محذوف يقتضيه المعنى، والتقدير: لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم. والذي ترمي إليه الآية: تحذير المخاطبين من أن يتركوا طاعة الله، أو يتباطؤوا في سبيلها اتكالاً على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين. وقد جاء في الحديث الصحيح: "من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه".
(1/243)

{وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}:
لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعلمون في الدنيا؛ أي: لا يقال لكم على وجه العتاب: لم عملوا كذا وكذا؟! فالآية واردة لتقرير سنة عامة هي أن لكل نفس وحدها ثواب ما عملت من خير، وهي التي تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء.
(1/244)

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (1)
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [لبقرة: 135 - 137].
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}:
الضمير في قوله: {وَقَالُوا} عائد إلى أهل الكتاب. و {تَهْتَدُوا}: تصيبوا طريق الحق. وقد قصت علينا هذه الجملة دعوة كل من الفريقين إلى دينه، وزعْمَه أنه الحق دون غيره، وليس المعنى أن الفريقين كليهما قالوا على وجه التخيير: كونوا هوداً تهتدوا، والنصارى قالوا مثل ذلك: كونوا نصارى تهتدوا، وساعد على إفادة هذا المعنى باللفظ الموجز الذي نطقت به الآية ما هو معروف من أن كل فريق منهما يعد ديانة الفريق الآخر باطلة.
{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}:
الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. والحنيف في الأصل: المائل، ويستعمل بمعنى:
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الثالثة.
(1/245)

العادل عن دين إلى دين، ووصف به إبراهيم - عليه السلام -؛ لعدوله عن الأديان الباطلة المعروفة في عهده إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه، وصارت الكلمة - وإن كانت في الأصل بمعنى: المائل - إنما يراد منها: المائل عن الأديان المعوجة إلى الدين القيِّم. وذهب بعض القدماء الذين تناولوا هذه الآية بالتفسير إلى أن حنيفاً من الحنَف، وهو الاستقامة، فصح -على كلا المذهبين- أن يفسر الحنيف بالمستقيم. والمعنى: قل يا محمد: بل نتبع ملة إبراهيم في حالة حنيفيته؛ أي: استقامته على الدين. وهذا يشير إلى أن اليهودية والنصرانية غير مستقيمتين.
وقد تضمن قوله: {بَلْ نَتَّبِعُ} إبطال ما ادعاه كل من الفريقين من أن الداخل في دينه على هدى من الله، ذلك أن حرف (بل) يأتي في صدر الجملة لإبطال ما تضمنته الجملة السابقة، فهي في الآية لإبطال دعوى أن اتِّباع اليهودية والنصرانية اهتداء. ثم إن الآية وصفت ملة إبراهيم بالاستقامة، فدلت على أنها أولى بالاتباع؛ إذ الملة المستقيمة أولى بالاتباع من الملل المعوجة.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}:
أثبت لإبراهيم الاستقامة على الدين الحق، ونفى عنه في هذه الآية أن يكون مشركاً؛ أي: إنه لم يكن يعبد وثناً، ولا كوكباً، ولا شيئاً غير الله، وفي هذا تعريض بكفار العرب؛ إذ كانوا يدينون بأشياء من دين إبراهيم، ويخلطونها بعبادة الأوثان، وتعريض بأهل الكتاب؛ إذ كانوا يدَّعون اتّباع إبراهيم، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، وفي اليهود من كان يقول: عزير ابن الله.
(1/246)

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}:
الخطاب للمسلمين، والإيمان بالله: أن يصدق الإنسان بما اختص به تعالى من صفات الكمال على وجه الجزم واليقين، تصديقاً ملاكه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وإنما يقوم التصديق على وجه الجزم واليقين متى استند إلى دليل تطمئن به النفس؛ من نحو: النظر في أسرار الكون، وحكمة المخلوقات، والانتباه لما يلاقيه الإنسان في حياته من ألطاف.
{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}:
يعني: القرآن الكريم. وصح نسبة الإنزال إلى المسلمين؛ لأنهم مخاطَبون بما فيه من أمر ونهي وعظات وغيرها.
{وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ}:
ما أنزل إلى إبراهيم: الصحف المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18 - 19]. ونسب إنزالها إلى الأنبياء الثلاثة، ثم الأسباط بعد نسبته إلى إبراهيم - عليه السلام -؛ لأنهم يتعبدون بما فيها من الأحكام، ومأمورون بالدعوة إليه. والأسباط: جمع سِبْط، وهو الحافد، وهم حَفَدَة يعقوب؛ أي: ذريات أبنائه، وكانوا اثني عشر سبطاً كما قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160] , والمراد: الإيمان بما أنزل الله من الوحي على الأنبياء منهم.
{وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى}:
{أُوتِيَ}: أعطي، وما أعطي موسى: التوراة، وما أعطي عيسى: الإنجيل، وعطف عيسى على موسى دون أن يكرر الفعل، فيقول: وما أوتي عيسى؛
(1/247)

لأن عيسى جاء مصدقاً لما في التوراة، وإنما نسخ منها أحكاماً يسيرة، كما قال تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، فكأن ما أوتيه النبيان شيء واحد.
{وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ}:
بعد أن ذكر ما أنزل على أنبياء بأعيانهم، ذكر ما أنزل على غيرهم من الأنبياء على وجه عام، وذكر ما أوتي موسى وعيسى بوجه خاص؛ لأن الكلام في الآية مع اليهود والنصارى، وموسى متبوع لليهود، وعيسى متبوع للنصارى، وقدم الإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالنبي وما أنزل إليه متوقف على الإيمان بالله، وقدم ما أنزل إلينا، وهذا يستلزم الإيمان به على وجهي الإجمال والتفصيل، أما ما أنزل على الأنبياء من قبل؛ كالتوراة والإنجيل، فيكفي الإيمان به على وجه الإجمال، بل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -كما جاء في "الجامع الصحيح" للإمام البخاري-: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم"، والمراد بما لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم: ما يكون محتملاً للصدق والكذب. فمن الجائز أن يكون في نفس الأمر صدقاً، فنقع بتكذيبه في حرج، أو يكون كذباً، ولا ينبغي لنا أن نتلقى الكذب، ونضعه بمكان الصدق.
{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ}:
التفرقة: جعل شيء مفارقاً لآخر. و {أَحَدٌ} يستعمل بمعنى واحد، كما جاء في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]. ويطلق على ما يصلح أن يخاطب، واحداً كان أو مثنى أو مجموعاً، وإذا أضيف إليه كلمة (بين)، كان المراد به: جمعاً من الجنس الذي يدل عليه الكلام. وإنما
(1/248)

كان المراد به جمعاً؛ لأن (بين) لا تدخل إلا على متعدد، والجنس الذي يدل عليه الكلام في الآية هو جنس النبيين، فالمراد به: جماعة منهم. والمعنى: لا نفرق بين جماعة من النبيين، فنؤمن ببعضهم، ونكفر ببعض؛ كما فعل اليهود إذ كفروا بعيسى ومحمد، وكما فعل النصارى إذ كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، بل نؤمن بهم جميعاً. والإيمان بما أنزل إلى الرسول يستلزم الإيمان بهم جميعاً.
{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}:
الإسلام: الخضوع بالطاعة والانقياد للأمر والنهي. والضمير في قوله: {لَهُ} عائد إلى الله تعالى. والجملة مندرجة تحت قوله تعالى: {قَالُوا}. والمعنى: قولوا: آمنا بالله، وقولوا: نحن له مسلمون. فتكون الآية مبتدأة بالإيمان الذي هو التصديق بالقلب، ومنتهية بالإسلام الذي هو انقياد الجوارح بالعمل الصالح.
{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا}:
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن قول المؤمنين: {آمَنَّا بِاللَّهِ}. . . إلخ شأنه أن يكون سبباً لإيمان أهل الكتاب الإيمان الصحيح؛ لأنه الحق الذي لا شبهة فيه، وإن تخلف إيمانهم مع وجود ما يدعو إليه، فلقصر نظرهم، وشدة عنادهم.
والمثل يستعمل بمعنى: نفس الشيء وحقيقته؛ من قولهم: مثل الرجل يمثل: إذا قام وانتصب، وبالانتصاب تتحقق صورته، وتبدو ظاهرة.
وقد صرح بعض المحققين بأن المثل في الأصل: عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع استعماله فيما يشابهه، فمعنى الآية: فإن آمنوا بنفس ما آمنتم به.
(1/249)

{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}:
{تَوَلَّوْا}: أعرضوا، والشقاق: المخالفة والعداوة، والمعنى: وإن أعرضوا عن الإيمان الذي تدعوهم إليه، فإنما هم في مشاقة لك وللمؤمنين، ومن يشاقق الرسول والمؤمنين، فقد شاق الله، وما له في الهداية من نصيب. وقال: {هُمْ فِي شِقَاقٍ} مبالغة في وصفهم بالشقاق؛ حيث جعله مستولياً عليهم استيلاء الظرف على ما يوضع فيه.
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}:
أفادت الجملة السابقة أن إعراض أولئك اليهود والنصارى عن دعوة الحق يقضي بأنهم في مشاقة وعداوة للنبي - عليه الصلاة والسلام -، وشأن العدو المشاق للأنبياء أن يبذل جهده في إيذائهم، والصد عن سبيلهم. وجاءت هذه الجملة بوعد الله لرسوله بأنه سيعصمه من أولئك المشاقين، فلا تصل إليه أيديهم بأذى.
ويكفي: من الكفاية بمعنى: الوقاية، وفي الآية إيجاز ظاهر؛ إذ الكفاية إنما تتعلق بالأفعال لا بالذات، فالأصل: يكفيك الله شرهم؛ أي: يقيك منه. ويصح أن تحمل على معنى: الإغناء، فيكون المعنى: فسيغنيك الله عن مقاومتهم. وتصدير الفعل بالسين دون سوف إذ قال: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب من زمن نزول الآية، وقد أوفى الله بعهده، فأظهره عليهم، ومنعه منهم؛ بتفريق كلمتهم، وقتل من لا بد من قتله، وإجلاء من يكفي في السلامة من شره الإجلاء.
{وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}:
هذه الجملة واردة مورد التقرير والتأكيد لما تضمنته الجملة السابقة
(1/250)

من ضمان الله تعالى لرسوله الأكرم العصمةَ من أعدائه؛ إذ إيراد وصفَي السميع العليم عقب خطابه - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} يحضر في الذهن معنى أن الله يسمع أقوالك، ويعلم نيتك وما تقصده بجهادك من إعلاء كلمة الحق، ومَنْ كان هذا شأنه، فما وعدك به من النصر على من يعادونك واقع لا محالة. ويصح أن يفهم من إيراد هذين الوصفين: أنه تعالى السميع لما يقول أعداؤكم، العليم بما يبيتونه لكم من مكر، فلا يتركهم دون أن يكف عنكم بأسهم، ويقطع دابرهم.
(1/251)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 138 - 140].
{صِبْغَةَ اللَّهِ}:
الصبغة في أصل اللغة: الحالة التي يقع عليها الصبغ، وهو تلوين الشيء كالثوب بلون، وأطلقت في الآية بمعنى: الإيمان بما ذكر مفصلاً في الآية من قبل؛ لأن الإيمان يتدخل في القلوب تدخل الصبغ في المصبوغ، ويظهر أثره على المؤمن كما يظهر أثر الصبغ على ما يصبغ، ويقال: تصبَّغ فلان في الدين: إذا أحسن دينه.
وهذا متصل بقوله تعالى فيما سبق: {آمَنَّا بِهِ}. و {صِبْغَةَ اللَّهِ} هكذا بالنصب على أنه وارد مورد المصدر المؤكد لقولهم: {آمَنَّا}؛ فإنه في معنى: صبغنا الله بالإيمان، وكأنهم قالوا: صَبَغَنا الله بالإيمان صبغته. وإيراد المصدر {صِبْغَةَ اللَّهِ} تأكيداً لفعل يوافقه في المعنى، ويخالفه في
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني عشر من السنة الثالثة.
(1/252)

اللفظ؛ مثل: {آمَنَّا بِاللَّهِ} معهود في الكلام البليغ.
{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}:
هذه الجملة واردة في صورة الاستفهام الذي يراد منه النفي، والمعنى: لا أحد أحسنُ من الله صبغة؛ أي: ديناً. وهذا التركيب يدل -بحسب أصل وضع اللغة- على نفي أن يوجد دين أفضل من دين الله، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع، ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوباً يفهم منه - بمعونة مقام المدح - نفيُ مساواة دين لدين الله في الحسن، كما يفهم منه نفي أن يكون هناك دين أحسن منه. وأفضلية دين الله: من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق، والأخلاق الكريمة، والآداب السمحة، والعبادات الصحيحة، والسياسة الرشيدة، والمعاملات القائمة على رعاية المصالح.
{وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}:
{عَابِدُونَ}: من العبادة، وهي العمل الذي يتقرب به إلى الله تعالى، وإنما يكون العمل عبادة وطاعة يستحق صاحبها ثواب الله إذا صحبه إخلاص، ووقع على الوجه الذي رسمه الشارع الحكيم.
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ}:
الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. والمحاجة: المجادلة. ومجادلتهم في الله بمعنى: المجادلة في دينه، ذلك أنهم يدَّعون أن دين الله الحق هو اليهودية، ويزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، فالدين إنما يلتمس منهم، وحق النبوة أن تكون فيهم.
{وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}:
الرب: الخالق المنعِم. والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب: أتجادلوننا
(1/253)

في دين الله بدعوى أنكم أولى به من المسلمين، والحال أنه خالقنا المنعِم علينا، وخالقكم المنعِم عليكم، فنحن وأنتم في العبودية له سواء، وهو أعلم حيث يوحي بدينه الحق، فلا وجه لدعوى اختصاصكم به.
{وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}:
لكل فريق منا أعمال يختص بما يترتب عليها من ثواب أو عقاب، فكما أنا نتساوى في العبودية له تعالى، نتساوى في استحقاق الجزاء على الأعمال الصادرة منا.
{وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ}:
{مُخْلِصُونَ}: من الإخلاص، وهو أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. وقد وردت في تعريفه عبارات نبُه بها على بعض علاماته، فقالوا: هو أن يعمل الإنسان في الباطن كما يعمل في الظاهر، وقالوا: هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته، وقالوا: لا يبلغ الإنسان حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمد على عمل. ولم يصف المسلمون أعمالهم بالحسن، ولا أعمال المخاطبين بالسوء؛ تجنباً لنفور المخاطبين من سماع خطابهم، بل أوردوا كلامهم مورد قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، كما أنهم لم يقولوا: ونحن مخلصون، وأنتم غير مخلصين، بل اقتصروا على نسبة الإخلاص لأنفسهم، وفي ذلك تعريض لطيف بأن المخاطبين غير مخلصين لله؛ فإن إخبار الإنسان باشتراكه مع جماعة في أمر أو أمور، وإفراد نفسه بعد ذلك بأمر، يومئ إلى أن هذا الأمر الذي أثبته لنفسه خاصة معدوم في أولئك الجماعة. فمعنى الجملة: ونحن مخلصون في أعمالنا لله وحده، ولم نخلطها بشيء من الشرك كما فعل غيرنا.
(1/254)

{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى}:
لما أنكر على أهل الكتاب محاجَّتهم في الله بغير حق، بقي من مباهتاتهم دعوى أن أسلافهم من الأنبياء كانوا على دينهم، فتكون دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة، فأبطلها سبحانه بقوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ}. . . إلخ. فحرف {أَمْ} في الآية واقع في مقابلة الهمزة في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا}، والمراد: إنكار محاجتهم في الله، وإنكار قولهم: إن إبراهيم وما عطف عليه من الأنبياء كانوا هوداً أو نصارى، فكأن الآية تقول: قل لهم: لا تحاجونا في الله، وتدَّعوا أننا لسنا على الدين الحق، ولا تقولوا: إن الأنبياء كانوا على دينكم، فكل ذلك زعم باطل، وقول مفترى.
{قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}:
هذا وارد مورد إبكاتهم، ومعناه: أن مازعمتموه هو على خلاف ما يعلمه الله، فأنتم تقولون: إن الأنبياء السابقين كانوا على يهوديتكم أو نصرانيتكم، والله يقول: ما كان أولئك الأنبياء على دين اليهودية أو النصرانية، فهل أنتم أعلم بديانتهم، أم الله؟ ولا يمكنهم أن يقولوا: نحن أعلم، وإن قالوا: الله أعلم، قلنا لهم: قد أخبر في القرآن الذي قامت الأدلة القاطعة على أنه تنزيل منه بأن إبراهيم لم يكن يهودياً، ولا نصرانياً؛ أي: إنه بريء من الديانتين.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}:
عند أهل الكتاب شهادة من الله هي أن إبراهيم - عليه السلام - كان على دين الحنيفية بريئاً من اليهودية والنصرانية، وقد بلغتهم هذه الشهادة
(1/255)

من طريق القرآن، وهو المعجز الذي لا تحوم حول صدقه ريبة، فيصح أن تكون هذه الآية منكرة على أهل الكتاب عدم إقرارهم بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً على حسب ما أخبر به القرآن.
وعند أهل الكتاب شهادة من الله هي ما اشتملت عليه التوراة والإنجيل من البشارة برسول تنطبق صفاته على حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد عرفوا ذلك، ولم يقروا به، والامتناع من الإقرار بالشيء مع قيام الحجة على ثبوته كتم للشهادة، فيصح أن تكون الآية منكرة عليهم كتم ما يجدونه في التوراة والإنجيل من صفات الرسول المبشر ببعثته، حيث كانت مطابقة لحال النبي - صلى الله عليه وسلم - مطابقة تامة واضحة.
ولما نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] الآية. فمن أهل الكتاب من آمن به، وأخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، ومنهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين، ولكنه يكابر، ويقول: المقصود نبي لم يأت بعد.
وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي اْلتوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم في القديم والحديث، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بحيث لا يأخذ الناظر الطالب للحق ريبة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته. ومن هذه البشائر: ما جاء في سفر التثنية من التوراة: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به". والنبي المماثل لموسى -عليه السلام- في الرسالة والشريعة المستأنفة هو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإخوة بني
(1/256)

إسرائيل هم العرب؛ لأنهما يجتمعان في إبراهيم - عليه السلام -. وقوله: "وأجعل كلامي في فمه" يوافق حال النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمية وعدمِ تعاطي الكتابة.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}:
الغفلة: السهو والنسيان، وإذا نُفيت عن الله، فقيل: إن الله ليس بغافل عن كذا، فإنما يراد منها: إحصاؤه للشيء، وإحاطته به علماً، فالجملة تهديد ووعيد لأهل الكتاب، والمعنى: أن الله لا يترك أمرهم سُدى، بل هو مُحصٍ لأعمالهم، ومحيط بها علماً، وإذا كانت الأعمال معاصي وآثاماً، استحقوا العقوبة بها، ومن كبر المعاصي والآثام أن يكتم الإنسان شهادة عنده من الله.
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}:
الأمة المشار إليها في الآية: إبراهيم وآله. ووردت هذه الآية في آيات تقدم تفسيرها آنفاً، وأعيدت هنا بعينها؛ مبالغة في التحذير من الافتخار بالآباء، والاتكال على صلاحهم، والمقتضي لهذه المبالغة: أن النفوس مطبوعة على هذا الافتخار والاتكال.
ولتكرار التحذير من الشيء أثر كبير في تطهير النفوس منه، وصرفها عنه، وكأن الآية تقول لأهل الكتاب في تأكيد: إن أمامكم ديناً دعيتم إلى اتباعه، واقترنت دعوته بالحجة، فانظروا في دلائل صحته وسمو حكمته، ولا تردوه بمجرد دعوى أن الأنبياء السابقين كانوا على ما أنتم عليه الآن؛ فإن دعواكم هذه لا تنفعكم، ولو في حال تسليمها لكم؛ إذ لا يمتنع اختلاف الشرائع باختلاف المصالح، وعلى حسب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة.
(1/257)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 142 - 144].
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}:
ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من بعد الهجرة إلى المدينة كانوا يستقبلون في صلواتهم بيت المقدس، واستمروا على ذلك بضعة عشر شهراً؛ وكان النبي - صلوات الله عليه - يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم - عليه السلام - , فنزل قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}. . . إلخ الآية. والسفهاء: جمع سفيه، وهو خفيف العقل، ومن لا يميز ما له وما عليه. وولاهم: صرفهم. والقبلة: المكان يتوجه إليه للصلاة، والمراد: بيت المقدس. والاستفهام
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الرابعة.
(1/258)

في قوله: {مَا وَلَّاهُمْ} للإنكار. والمعنى: أن الجاحدين لنبوتك من اليهود والمنافقين سيقولون على وجه الإنكار -إذا حولتم وجوهكم عن استقبال بيت المقدس في الصلاة-: أيُّ شيء صرفهم عن استقبال القبلة التي كانوا عليها؟ وهذه الآية تدل على أنه سيقع حادث في أمر القبلة، وأن السفهاء سيتخذونه وسيلة إلى الطعن في حكمة التشريع. وسمى أولئك الجاحدين سفهاء؛ للتنبيه على أن إنكارهم لتغيير القبلة إنما هو وليد الجهل وخفة العقل.
{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}:
هذا تعليم من الله تعالى لنبيه الكريم الجواب عن إنكار أهل الكفر والنفاق لتحويل القبلة. والمراد من المشرق والمغرب: جميع الأرض. {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: شرع قويم. والمعنى: قل يا محمد إذا قالوا ذلك: إن جميع الأمكنة مملوكة لله، وهي بالنسبة إليه متساوية، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة، فلحكمة اقتضت الأمر، وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره، وهو الذي يهدي من يشاء من خلقه، فيوفقه إلى طريق مستقيم؛ إذ يستقبل القبلة التي أمره بالتوجه إليها. وقال هنا: {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} هكذا منكَّراً؛ لأن المراد منه: أمر جزئي من أمور الشريعة هو استقبال البيت الحرام. وقال في سورة الفاتحة: {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} معرفاً بأل؛ لأن المراد: الشريعة كلها، فكان من المناسب تعريفه بأل المفيدة للكمال.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}:
الوسط في الأصل: ما بين طرفين أو أطراف، ويستعمل بمعنى: العدل والخير، ويوصف به المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث؛ وهو في الآية بمعنى:
(1/259)

خيار عدول، وقيل للخيار: وسط؛ لسلامة الوسط مما يسارع إلى الأطراف من الخلل والفساد؛ وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الانحراف إلى غير طريق. والمعنى: ومثلما جعل قبلتكم وسطاً؛ لأنها البيت الحرام الذي هو بناء الخليل إبراهيم - عليه السلام - جعلكم أمة وسطاً بين الأمم؛ ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم. ويصح أن يكون لفظ: {وَكَذَلِكَ} للتنبيه على الخبر المهم الذي ذكر بعده، وهو جعل المخاطبين وسطاً؛ أي: عدولاً، وما ترتب عليه من شهادتهم على الناس يوم القيامة.
{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}:
هذا بيان لوجه جعلِهم خياراً عدولاً، وهو استشهادهم، وقبول شهادتهم على الخلائق يوم القيامة. وشهداء: جمع شهيد، وصفٌ من الشهادة، وهي إخبار الإنسان بما شاهده، أو شهده؛ اْي: حضره، وتستعمل في الإخبار بما علم - ولو من غير طريق المشاهدة -. وتكون الشهادة في الدنيا بين الناس على أعمالهم ومعاملاتهم، وفي الآخرة بين الرسل وأممهم، كما قال تعالى: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69].
وتحمل شهادة الأمة في الآية على شهادنهم على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة على وجهها؛ ومستند هذه الشهادة: ما قصه علينا القرآن الكريم من أنبائهم. وشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام - على أمته: إخباره بتصديقهم له، وتلقيهم دعوته بالطاعة. والحكمة في شهادة الأمة المسلمة على الأمم يوم القيامة: إظهار فضل الأمة التي استنارت بالحجة، واطمأنت للمعجزة، فاَمنت بجميع الأنبياء - عليهم السلام - , ولم تفرق بين أحد منهم.
(1/260)

وإيراد شهادة الأمة المسلمة على الناس مورد العلة لجعلهم وسطاً لا ينفي أن يكون هناك حكمة أو حكم أخرى تترتب على جعلهم أمة خياراَّ عَدولاً. وينتزع من الآية حكم ظاهر هو أن الشهادة لا تقبل إلا من العدول. والعدل: من يجتنب الكبائر من المعاصي جملة، ويتقي صغائرها في أغلب أحواله، ولا يأتي ما يقدح في مروءته.
وقال الفقهاء؛ حرصاً على عدم إضاعة الحقوق: ولو اتفق أن كان أهل البلد كلهم فساقاً، لأقمنا للشهادة عليهم أقلَّهم فسقاً.
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}:
الجعل هنا بمعنى: الشرع؛ والمراد من القبلة: بيت المقدس، فيكون في الآية دليل على أن الاتجاه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله؛ كما ورد صريحاً في بعض الروايات، وهذه الآية جاءت لبيان حكمة الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس قبل أن تجيء الآية الناسخة لها. والحكمة: ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: {لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، والانقلاب: الارتداد. والعقب: مؤخر القدم. ومعنى الانقلاب على العقب: الارتداد عن الإسلام. والمعنى: ما شرعنا التوجه إلى بيت المقدس إلا لنعلم من يتبع الرسول، ويأتمر بأوامره في كل حال، متميزاً ممن لم يدخل الإيمان في صميم قلبه، وإنما دخل في الدين، ووقف منه على حرف؛ بحيث يرتد عنه بأدنى شبهة؛ والله عالم بكل شيء، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهداً في العيان؛ إذ تعلَّق العلم بالشيء واقعاً في العيان هو الذي تقوم عليه الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب.
(1/261)

{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}:
(إن): هي (إنَّ) المشددة، خففت وألغيت عن العمل، وأتى بها لمجرد التأكيد.
والضمير في {كَانَتْ} عائد إلى القبلة، وكبيرة: ثقيلة شاقة. وإنما أخبر عن القبلة بأنها ثقيلة شاقة على بعض النفوس؛ لأنها اسم لبيت المقدس الواجب استقباله في الصلاة، فوجوب الاستقبال صار شطراً من معنى القبلة؛ وهذا الشطر هو الذي جعلها شاقة على بعض النفوس. والمعنى: وإن القبلة -التي شرعناها لتمييز من يتبع الرسول ممن يعصي أمره- لا يسهل الاستسلام لشرعها إلا على الذين جعل الله في قلويهم نوراً من الهدى؛ فإنهم يتجهون إليها بخضوع، ولا يجدون في صدورهم حرجاً من استقبالها.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}:
سبب نزول هذه الجملة: ما روي في الصحيح عن البراء بن عازب: أنه قال: "مات على القبلة -أي: بيت المقدس- قبل أن تحول رجالٌ، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. ومن هنا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد من الإيمان: الصلاة، وأطلق الإيمان على الصلاة؛ لأنه لازم لها؛ إذ لا صلاة بحق إلا مع الإيمان. ويصح أن يكون في الجملة مع هذا وعد للمخاطبين الذين ثبتوا على الإيمان عند فتنة القبلة بأن الله لا يضيع إيمانهم. ومعنى عدم إضاعة الصلاة أو الإيمان: أن الله يجازيهم على ذلك الجزاء الأوفى.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}:
الرؤوف: من الرأفة، وهي صفة تقتضي دفع المكروه، وإزالةَ الضرر.
(1/262)

والرحيم: من الرحمة، وهي صفة تقتضي الإنعام. وقدم رؤوف على رحيم؛ لأن دفع الضرر يقدم على الإنعام عندما تقتضيهما حال الشخص. وهذه الجملة واقعة موقع الاستدلال على أنه نقلهم من شرع إلى شرع أصلح، وعلى أنه لا يضيع صلاتهم، أو إيمانهم، فيتركه بغير ثواب؛ فإن الرؤوف الرحيم لا ينقل الناس من شرع إلا إلى ما هو أصلح، ولا يضيع أجر من آمن منهم وأحسن عملاً.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}:
دل قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}. . . إلخ، على أنه سيقع تغيير للقبلة، وجاءت هذه الآية: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ} خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ووعداً له بأن القبلة التي سيؤمر بالتوجه إليها هي الجهة التي يحرص على أن ينزل الوحي بجعلها القبلة؛ وكان - صلى الله عليه وسلم - عندما أحب تحويل القبلة إلى الكعبة يُقبل بوجهه الكريم على السماء التي هي مصدر الوحي منتظراً نزول الوحي بذلك. ومعنى توليته قبلة يرضاها: تمكينه من استقبالها بشرع ذلك على وجه الإيجاب.
وتحويل القبلة إلى الكعبة شُرع على مقتضى الحكمة، ورغبتُه - عليه الصلاة والسلام - فيه كانت موافقة للحكمة المقتضية للتحويل، وتقلب وجهه في السماء انتظاراً لشرع الحكم يدل على أنه قد يشعر بحكمة التشريع قبل نزول الوحي به.
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}:
وعد الله تعالى نبيه - صلوات الله عليه - بتوليته قبلة يرضاها، وعقب ذلك الوعد بالإنجاز، فقال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ}. والشطر: يطلق بمعنى:
(1/263)

نصف الشيء والجزء منه، ويطلق بمعنى: الجهة والنحو، وهذا ما يفهم من قوله: {شَطْرَ الْمَسْجِدِ}، والمسجد الحرام: يطلق على المصلى العام، فيتناول الكعبة وما أحيط بها من نحو الحِجْر ومقام إبراهيم، ويطلق على الكعبة نفسها؛ وهذا ما يفهم من الآية؛ إذ القبلة إنما هي البيت الحرام.
{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}:
وجه الخطاب باستقبال الكعبة إلى نبيه الكريم، إذ قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ}، والمعروف أن الأصل فيما يخاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحكام هو خطاب للأمة قاطبة، وجاءت هذه الجملة: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} مؤكدة لذلك، ودافعة احتمال أن يكون استقبال الكعبة من خواصه. والمشاهد للكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها، والغائب عنها يكفيه استقبال جهتها، ويجتهد في تعرف الجهة ما استطاع.
(1/264)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 144 - 149].
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}:
الذين أوتوا الكتاب: علماء اليهود والنصارى. والضمير في قوله: {أَنَّهُ} عائد إلى تحويل القبلة إلى الكعبة. و {الْحَقُّ}: الحكم الثابت بإيجاب الله له. والتالون للكتاب من اليهود والنصارى يعلمون أن التحويل إلى الكعبة حق من جهة أنه دعا إليه من قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول الله حقاً.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني من السنة الرابعة.
(1/265)

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}:
هذه الجملة واقعة موقع الوعيد لأولئك الذين يعلمون الحق ويجحدونه؛ إذ معنى أن الله لا يغفل عن العمل: إحاطته به علماً. وعلمه تعالى لما يصدر عنهم من الباطل قولاً أو عملاً، يقتضي جزاءهم عنه الجزاء اللائق به.
{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}:
هذه الآية إراحة له - صلى الله عليه وسلم - من التطلع إلى اهتداء أولئك الذين يعرفون الحق من اليهود والنصارى ولا يتبعونه. واللام في قوله: {وَلَئِنْ} تشير إلى قسم مقدر في نظم الكلام لتاكيده، والمعنى: لا تنتظر يا محمد من أولئك اليهود أو النصارى أن يتبعوا قبلتك التي هي الكعبة، ولو جئتهم بكل آية تدل على أن التوجه إليها هو الحق من ربهم؛ لأن إعراضهم لم يكن عن شبهة، فتزول إذا حضرت الحجة، بل هو إعراض عن عناد، وما أضيعَ البرهانَ عند المعاند! والعناد يقع لغلبة هوى في النفس؛ من حب دنيا، أوجاه، أو نحو ذلك.
{وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}:
هذه الجملة إخبار بأنه - عليه الصلاة والسلام - لا يتبع قبلة اليهود ولا النصارى، وردت لتقرير حقية القبلة التي هي الكعبة، وتأكيدها بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يعدل عنها إلى غيرها؛ وفي هذا الإخبار قطعٌ لأطماع ما يتمناه بعض أهل الكتاب من أن يعود إلى قبلتهم. وأفرد القبلة، فقال: {قِبْلَتَهُمْ}، مع أن لكل من اليهود والنصارى قبلة خاصة؛ لاتحاد القبلتين في البطلان؛ بالتحويل إلى الكعبة، واتحادهما في الباطل جعلهما بمنزلة قبلة واحدة، والبلاغة العربية تسمح بالتعبير عن المثنى بمفرده إذا لوحظ اتحاد مفرديه
(1/266)

في وصف، كما تسمح بالتعبير عنه بصيغة الجمع إذا أضيف إلى مثنى مثله؛ كما قال تعالى:
{وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}:
ما أولئك اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا أولئك النصارى بتابعين قبلة اليهود، يأبون ذلك تقليداً لآبائهم، لا لدليل يستندون إليه بعد المقارنة بين القبلتين؛ فهم متفقون على عدم اتباع القبلة التي هي حق، ومشتركون في أن قبلة كل منهم ليست بحق، فاثبتوا على قبلتكم، ودعوهم وشأنهم، ولا تقيموا لمشاغبتهم وزناً.
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}:
لما ثبت أن التحويل إلى الكعبة هو الحق، صار المتوجه إلى غيرها إنما هو متبع للهوى، قال تعالى محذراً للأمة من التوجه إلى بيت المقدس متابعة لأهل الكتاب تحذيراً في صورة الخطاب للإمام الأعظم - صلوات الله عليه -: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ}، والأهواء: جمع هوى، وهو الرأي الباطل.
والعلم الذي جاءه على طريق الوحي هو أن أهل الكتاب مقيمون على باطل، وعلى عناد الحق، ووصفُ المتبع لأهوائهم بأنه من قبيل الظالمين، وعيدٌ بالجزاء الذي يليق بمن ظلموا أنفسهم أو غيرهم بارتكاب ما ليس بحق. فالآية وعيد وتحذير للأمة من اتباع آراء أهل الكتاب المنبعثة عن هوى، وأخرجت الوعيد والتحذير في صورة الخطاب للرسول الأكرم، الذي لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب؛ تأكيداً للوعيد والتحذير؛ فكأنه يقول: لو اتبع أهواءهم أفضلُ الخليقة وأعلاهم منزلة عندي، لجازيته
(1/267)

مجازاة الظالمين، وأحرى بهذه المجازاة من كانوا دونه في الفضل وعلو المنزلة إذا اتبعوا أهواء المبطلين. ومفاد الآية: أن هذا الوعيد منوط باتباع أهوائهم غير منظور فيه إلى حال المتبع له. وفي قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} شاهد على أن اتباع الرجل للهوى، وهو على علم منه، أفظعُ من اتباعه له وهو على جهالة، وأن مخالفته للحق وهو عالم به أدعى إلى عتابه أو عقابه وهو جاهل به. وقال فيمن يتبع أهواء المخالفين: {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. وهو أبلغ من أن يقال: إنك ظالم؛ ذلك أن الإنسان إذا تصور فئة من الناس يضعون الأشياء في غير مواضعها بمخالفة أمر الله، أو بالاعتداء على الأعراض والأموال والأنفس، حصلت في نفسه صورة مستبشعة، ووجد فيها كراهية لأن يقال له: أنت من هذه الفئة، أشد من كراهيته لأن يقال له: أنت ظالم.
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}:
الذين أوتوا التوراة والإنجيل يعرفون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعنى معرفتهم له: علمهم بصدق رسالته الحاصل من دلائل نبوته، وموافقة نعوته لنعوت الرسول المبشر به في كتبهم، فهم يعرفون محمداً بصفته رسولاً من عند الله، لا يأخذهم شك في ذلك؛ كما لا يأخذهم شك في معرفة أبنائهم؛ لكثرة ملابستهم لهم، ولمعرفتهم أنه رسول حق يعرفون أن تحويل القبلة إلى الكعبة شرع من الله، لا يأخذهم في ذلك ريب.
{وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}:
يكتمون الحق: يخفونه ولا يعلنونه، فمن أنكر الحق، وجحد به، فهو كاتم له، ومن سكت عنه في الوقت الذي يقتضي بيانه، فهو كاتم له، غير
(1/268)

أنه أدنى درجة ممن ينكره بلسانه، ويصد عن سبيله. وقال: (يكتمون)، و {يَعْلَمُونَ} هكذا بالفعل المضارع، فدل على أنهم متمادون في العلم به، وعلى كتمانه؛ لما عرف سابقاً من أن التعبير عن المعنى بالفعل المضارع يدل على تجدده وتتابعه المرة بعد الأخرى.
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}:
جملة مستأنفة لتقرير حقِّية ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشرائع بكونه من الله. والرب: المالك المنعم، وقال: {مِنْ رَبِّكَ}؛ ليشعره بأن هذا الحق من قبيل الخير الذي ينعم به عليه. ولم يعطف الجملة على ما قبلها، فيقول: "والحق من ربك"؛ لما عرف من فنون البيان أن قوة عناية المتكلم بمعنى الجملة من دواعي إلقائها على المخاطب مستقلة غير تابعة لما قبلها بحرف العطف.
{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}:
الممترين: من الامتراء، وهو الشك والتردد. والشك فيما أوحى الله به من حق، غيرُ متوقع منه - عليه الصلاة والسلام -؛ فالنهي موجه إلى الأمة في صورة الخطاب له؛ إذ في الأمة حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروِّج به أهل الكتاب شُبهاً تعلق بأذهان من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم.
{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}:
الوجهة: الناحية، والمراد: القبلة، وموليها: متجهٌ إليها بتولية وجهه إياها.
والاستباق: أشد السرعة؛ لأن الذي يسابق غيره إلى غاية يبذل جهده
(1/269)

في أن يسبقه إليها. فالأمر بالاستباق أمر بأقصى ما يمكن من السرعة. والخيرات: جمع خيرة، وهي الفاضلة من الشيء. والمراد: الأعمال التي اختارها الله للعباد ورضيها. والمعنى: لكل فريق قبلة يتجهون إليها، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي من جملتها التوجه إلى الكعبة للصلاة.
{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
هذا وعد لمن يطيع أمر الله، ويستبق الخيرات، ووعيد لمن يخالف أمره، وينصرف عن عمل الخير؛ كالذين يكتمون الحق وهم يعلمون، أو يولون وجوههم غير المسجد الحرام؛ فالله يأتي بالفريقين المطيعين والمخالفين يوم البعث من أي مكان أدركهم فيه الموت؛ ليجازي كل فريق على حسب طاعته أو مخالفته، ولا يعجزه ذلك، لأنه قادر على كل شيء.
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}:
شرع القرآن الكريم تحويل القبلة إلى الكعبة، وكرر الأمر بتولية الوجوه إليها في الصلاة، وكرر الوعيد على عدم اتباعها، وأتى في ذلك بوجوه من التأكيد تدل على عناية بالغة بشأنها؛ والمقتضي لهذه العناية، مع أن التوجه إلى القبلة فرع من فروع الدين، لا ركن من أركانه: هو أن التحويل جاء على خلاف رغبة اليهود؛ إذ كانوا يحرصون على أن يستمر المسلمون على التوجه إلى قبلتهم بيت المقدس، فاتخذوا من تحويل القبلة شبهة يقدحون بها في صحة النبوة؛ ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه منافٍ للحكمة، فلا يقع في الشرائع الإلهية، وانتشر تهويشهم، وكان له فيما يروى أثر في بعض النفوس الضعيفة، وبهذا أخذت مسألة القبلة شأناً
(1/270)

غير شأن بقية الأحكام الفرعية. ثم إن للقبلة بين الأمم شأناً عظيماً؛ إذ أصبح شعار كل ملة قبلتها، ولا يفارق الإنسان قبلة دينه إلا إذا فارق الدينَ نفسه، فلا جرم أن يُعنى القرآن بأمر القبلة هذه العناية من تكرار الأمر، والوعيد، ودفع الشبه، وتأكيد أنها الحق من الله، حتى يرد شغب أهل الكتاب، وينهض بضعفاء الإيمان إلى منزلة الراسخين في العلم.
(1/271)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 150 - 154].
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}:
قال تعالى عند شرع تحويل القبلة إلى الكعبة: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}. ثم قال مخاطباَّ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحده: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}، فدل على أن توجُّهه للكعبة كتوجه الأمة لا يختص ببقعة دون بقعة، ولا بزمان دون زمان، ولا بحضر دون سفر؛ ثم أعاد الأمر مخاطباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأمة على وجه النعميم في جميع الأمكنة والأحوال، فقال تعالى:
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثالث من السنة الرابعة.
(1/272)

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}، ولم يعد الأمر على هذا الوجه لمجرد التأكيد، بل أعيد ليرتب عليه التنبيه على علة التشريع بقوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}.
{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}:
الناس: اليهود والمشركون. والحجة تطلق في أصل اللغة على كلام يقصد به غلبة الغير، سواء أكان دليلاً صحيحاً، أم باطلاً، كما قال تعالى: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الشورى: 16]، فالشبهة قد يطلق عليها في مجاري الاستعمال لفظ الحجة؛ وتحويل القبلة إلى الكعبة يبطل مما يجادل به اليهود في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم: يخالفنا في ديننا، ويتبع قبلتنا؛ ويبطل مما يجادل به المشركون قولهم: إن محمداً لما ترك التوجه إلى الكعبة، ترك دين إبراهيم.
{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}:
{الَّذِينَ ظَلَمُوا}: هم المعاندون من فريقي اليهود والمشركين؛ فلاستيلاء الأهواء على قلوبهم لا يرجعون في تمييز الرشد من الضلال إلى الأدلة، ولا يرجى من الشبه التي تعلق بأذهانهم، أو تجري على ألسنتهم أن تذهب عند حضور الحجة الساطعة على بطلانها.
{فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}:
الخشية: الخوف؛ والمعنى: فلا تخافوا أولئك المعاندين، ولا تقيموا لما يشاغبون به في أمر القبلة وغيره وزناً؛ فإني أكفيكم بأسهم، وأرد عنكم كيدهم، وخافوني فيما آمركم به من الطاعات، وحافظوا على التوجه في صلواتكم إلى البيت الحرام.
(1/273)

{وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}، فهو حكمة ثانية لتولية الوجوه شطر المسجد الحرام. والمعنى: فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام؛ قطعاً لمحاجة اليهود والمشركين، ولأجعل نعمتي عليكم في تشريع ما هو الأصلح والأفضل تامة.
{وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}:
قد تقوم (لعلَّ) في القرآن مقام التعليل، فتكون هذه الجملة منبهة لحكمة ثالثة في تحويل القبلة إلى الكعبة، وهي اهتداء المخاطبين بالسير في صراط مستقيم. وقد جعل في الآيات السابقة التوجه إلى القبلة المأمور بها صراطاً مستقيماً إذ قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}:
المعنى: حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام؛ لأتم عليكم النعمة، ولتكونوا من المهتدين، كما أرسلت فيكم رسولاً منكم إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129]. . . الآية. وفي إرسال الرسول فيهم، وهو منهم، نعمة تستوجب شكراً زائداً على شكر أصل إرساله بالهدى ودين الحق؛ إذ إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة، وسيرته النقية، وهممه السنية؛ وهذه المعرفة شأنها أن تسرع بأولي البصائر والفِطَر السليمة إلى اتباعه لأول معجزة تظهر على يده.
{يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا}:
الآيات: دلائل التوحيد والنبوة والبعث، وتلاوتها: التذكير بها. ويصح
(1/274)

أن يراد من الآيات؛ آيات القرآن، وتلاوتها: قراءتها؛ فإن العارف بأساليب حسن البيان يدرك من مجرد تلاوة القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التي كان بها معجزة ساطعة.
{وَيُزَكِّيكُمْ}:
يطهركم من الشرك والأخلاق الذميمة، واذا أشرقت النفوس بالتوحيد، وتحلت بالأخلاق الكريمة، قويت على تلقي ما يرد عليها من الحقائق السامية.
{وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}:
{الْكِتَابَ}: القرآن، وتعليمه: بيان ما قد يخفى من معانيه، فهو غير التلاوة؛ كما قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. وقد أبعد في التأويل من حمل الكتاب على الكتابة، إذ لم يكن من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تعليم الكتابة، وإنما كان يأمر بتعليمها وتعلمها. والحكمة: ما يصدر عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأقوال والأفعال التي جعل الله للناس فيها أسوة حسنة.
{وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}:
ومما لم يكونوا يعلمونه، وعلَّمهم إياه النبي - صلى الله عليه وسلم -: وجوه استنباط الأحكام من النصوص، أو الأصول المستمدة منها، وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملاً قبل انتهاء عهد النبوة. ومما تلقوه عن الرسول الأكرم: العقائد السليمة، والعبادات الخالصة، والأخلاق القويمة، والآداب السَّنية، والأحكام العادلة، والسياسة الرشيدة.
وقد كان العرب في جاهليتهم لا يُحكمون سياسة الجماعات، وبعد أن تلا عليهم الرسول الأكرم آيات الله، وعلمهم الكتاب والحكمة، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، خرج منهم رجال صاروا مثلاً عالية في سياسة الأمم
(1/275)

المختلفة البيئات والنزعات.
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}:
ذكر الشيء: التلفظ باسمه، ويطلق بمعنى: إحضاره في الذهن، وهو ضد النسيان، ولا يكفي الإنسانَ في ذكر الله أن يُجري اسماً من أسمائه على لسانه، إلا أن يستحضر عظمته وجلاله، واستحضارُ العظمة والجلال هو الذي يبعث على استفراغ الوسع في الأعمال المأمور بها؛ من نحو: التسبيح، والتحميد، والتفكر في حكمة المخلوقات، وصرف الجوارح فيما يأذن به الخالق - جل شأنه - ويرضاه.
وذكرُ الله للعبد يفهم على معنى: كفايته من يريد به سوءاً، ثم الإنعام عليه بالعزة في الدنيا، والسعادة في الأخرى. فالذكر في قوله: {أَذْكُرْكُمْ} مستعمل فيما يترتب على الذكر من المجازاة بما هو أوفى وأبقى.
{وَاشْكُرُوا لِي}:
الشكر: عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن، يقال: شكره، وشكر له؛ كما يقال: نصحه، ونصح له. وشكر العبد لله يطلق بمعنى: ذكر إحسانه الذي هو النعمة، ومن ذَكر أن ما يصل إليه من الخير هو من نعم الله عليه، واعترف بذلك من صميم قلبه، وحضر في نفسه جلال المنعم، لم يلبث أن يصرف ما أنعم الله به عليه من العقل والجوارح فيما يرضيه، ومن هنا صح حمل الشكر على معنى: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من العقل والجوارح فيما يأذن به من الطاعات. فالشكر المأمور في الآية: {وَاشْكُرُوا لِي} هو الشكر الذي يكون من مظاهره حسن الطاعة فيما يأمر به، أو ينهى عنه. وقدّم الأمر بالذكر على الأمر بالشكر؛ لأن الذكر يتعلق بالذات
(1/276)

وعظمتها، فهو أولى بالتقديم على النعم الصادرة عنها.
{وَلَا تَكْفُرُونِ}:
الكفر: الجحود، يستعمل بمعنى: عدم الإيمان، فيتعدى بالباء، فيقال: كفر بالله، ويستعمل بمعنى: عدم الشكر، فيتعدى بنفسه، فيقال: كفر بالنعمة؛ أي: جحدها، وكفر المنعم؛ أي: جحد نعمته، ولم يقابلها بالشكر. وهذه الجملة: {وَلَا تَكْفُرُونِ} تأكيد لقوله: {وَاشْكُرُوا لِي}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}:
لما كان الإيمان بحق يستدعي القيام بمصاعب، واحتمال مكاره؛ كالدعوة إلى الحق، والجهاد، وبذل المال في سبيل الخير، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، دل القرآن الحكيم على ما يعين على القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، فقال تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، فيستعين الإنسان بالصبر والصلاة على فعل الطاعات، وترك المعاصي، وعلى احتمال المصائب التي تجري بها الأقدار. والصلاة التي يستعان بها على القيام بالطاعات، ومخالفة الأهواء، والاطمئنان عند مفاجأة المصائب، هي الصلاة التي يستحضر فيها المصلي جلال الله، ويتدبر فيما يجري على لسانه من قرآن وذكر. وإن شئت فقل: هي الصلاة التي يلين فيها قلبه خشوعاً. والمفهوم من مقاصد الشريعة: أن الإنسان لا يثاب من صلاته على الأجزاء التي قضاها وقلبه مشغول بأمور دنيوية صرفة.
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}:
إن الله مع جميع خلقه بعلمه وقدرته، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، ومع بعض خلقه؛ باعزازهم ونصرهم، ووقايته لهم من بأس
(1/277)

أعدائهم، ومعيَّةُ الله للصابرين من هذا القبيل، فالله ناصر للصابرين، وكافيهم شر من يبسطون إليهم ألسنتهم أو أيديهم بالأذى. والجملة بيان لحكمة الاستعانة بالصبر، وهو الفوز والنصر. وقال تعالى: {مَعَ الصَّابِرِينَ}، ولم يقل: (مع المصلين)؛ لأن الصلاة كما أمر الله لا تقوم إلا بالصبر؛ فالمصلون بحق داخلون في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}:
المعروف أن الموت: مفارقة الروح للجسد، فيسلب الجسد الحياة، ويعدم الحس والحركة الإرادية. وهذا المعنى حاصل فيما يرى لمن قتل في سبيل الله، كما يرى لمن مات على فراشه. والآية تنبه على أن في الشهداء مزية تفصلهم عن الموتى المعروفين لدى الناس، وهي أنهم في حياة سارة، ونعيم لذيذ عند ربهم؛ وهذه الحياة الممتازة ترفعهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم: أموات، وإن كان المعنى اللغوي للموت حاصلاَّ لَهم؛ ولهذا يصح أن يقال: مات فلان شهيداً. وقد يكره الشارع إطلاق اسم على شيء، وإن كان إطلاقه عليه موافقاً للغة؛ حيث يكون إطلاقه مشعراً بشيء من الاستهانة بشأنه، ويحب أن يسمى باسم أدلَّ على فضله من ذلك الاسم.
والمعروف أن أرواح السعداء من غير الشهداء في حياة ونعيم بعد الموت، ولكن للشهداء حياة أرقى تمتاز عن حياة غيرهم من السعداء، نؤمن بها كما ذكرها الله تعالى، ولا ندرك حقيقتها؛ إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحي؛ كما قال تعالى: {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}؛ أي: لا تحسون، ولا تدركون حالهم بالمشاعر؛ لأنها من شؤون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا الوحي.
(1/278)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 155 - 160].
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}:
تضمنت الجملة السابقة طلب الاستعانة بالصبر على احتمال المكاره، وتلقِّيها بسكينة؛ أعني: قوله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، ووردت هذه الجملة: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} منبهةً على مواطن لا يمر فيها الإنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرا الصبر.
(لنبلونكم) من البلو والبلاء، وهو الامتحان والاختبار. و {الْخَوْفِ}: غَمٌّ يلحق النفس لتوقّع مكروه، ومن أشدِّ ما تضطرب له النفوس من الخوف
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الرابع من السنة الرابعة.
(1/279)

توقُّعها لأن يقع تحت يد عدو لا همّ له إلا أن يرميها بأصلب عود في كنانته. والجوع: الحاجة إلى الغذاء، والمجاعة العامة تغشى الناس من القحط وعدم كفاية ما تنبته الأرض لسد حاجاتهم. وقد يصيب الجوع طائفة منهم لأسباب خاصة؛ كهجرتهم من أوطانهم؛ ليمحصهم الله بالابتلاء، ويمتاز المهاجر إلى دنيا يصيبها من المهاجر إلى الله ورسوله. والأموال: جمع مال، وهو ما يملك، وجرى للعرب عرف باستعماله في النَّعَم خاصة، ومن هنا حمل بعض المفسرين النقصَ من الأموال بهلاك المواشي، والنقصُ من الأنفسِ بِذهاب من عز عليهم بالقتل والموت. والثمرات: جمع ثمرة، وهي حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه. وقال تعالى: {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ}، فأتى بلفظ (شيء) منكراً؛ ليفيد قلة ما يصيبهم به من هذه المكاره، وأنه يبتليهم منها بقدر ما يمتاز به غير الصابرين من الصابرين.
ومعنى الآية: ولنصيبنكم بشيء من الخوف. . . إلخ؛ لنرتب على الصبر والثبات على الطاعة الثواب، ونرتب على الجزع وعدم التسليم لأمري العقاب.
ومجرد الحزن عند نزول المصيبة معفو عنه، وإنما يؤاخَذ الإنسان على جزع يفضي به إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من البأساء أو الضراء، أو إلى فعل ما حرمه الشارع؛ من نحو: النياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود.
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}:
بعد أن ذكر الله تعالى مواطن تضطرب منها النفوس، وتخرج أو تكاد تخرج فيها عن سبيل الرشد، أردف ذلك بذكر عاقبة الصبر الحسنى، وجزائه
(1/280)

الأسنى، فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. . . الآية. وهذه البشارة موجهة إلى الذين يتقون المصيبة بسكينة وتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله تعالى: {إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا}، فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة، ويصرح بهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما ورد في الصحيح: "الصبر عند الصدمة الأولى". ومعنى {إِنَّا لِلَّهِ}: إنا لِلّه ملكاً وعبودية، والمالك يتصرف في ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء. ومن ربط نفسه بعقيدة أنه مِلْك وعبدٌ لرب حكيم رحيم، وجدها متهيئة للصبر عند كل مصيبة تفاجئه. ومعنى {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}: إنا صائرون إليه يوم القيامة، فيجازينا على ما دعانا إليه من الصبر والتسليم إلى قضائه عند نزول المصائب التي ليس في استطاعتنا دفعها.
{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}:
الصلوات: جمع صلاة. وصلاة الله على عباده: إقباله عليهم بالعطف، وجمعت؛ مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخير في الدنيا والآخرة، وعطف عليها الرحمة، فقال: {وَرَحْمَةٌ}؛ ليدل على أن بعد ذلك الإقبال إنعاماً واسعاً، وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر، وهو إفرادها؛ لأنها تستعمل في القليل من معناها وكثيره، والمقام في الآية يذهب بذهن السامع إلى كثرة الإنعام المترتب على الصبر الجميل.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}:
فهم الذين اهتدوا لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها حتى صدر منهم ما لم يأذن به الله.
{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ}:
الصفا في أصل اللغة: الحجر الأملس. والمروة: الحجر الأبيض
(1/281)

الليِّن. وجعلا علمين على موضعين بمقربة من البيت الحرام. والشعائر: أعمال الحج، وكل ما جعل علماً لطاعة الله من العبادات، واحدها شعيرة. ومعنى كون الصفا والمروة من شعائر الله: أنهما من المواضع التي يقام فيهما أمر من أمور دين الله، وهو السعي بينهما.
{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}:
الحج لغة: القصد، أو القصد إلى معظم. وشرعاً: القصد إلى البيت الحرام، في زمان خاص، بأعمال مخصوصة، والاعتمار كالعمرة لغة: الزيادة، وشرعاً: زيارة البيت الحرام بأعمال مخصوصة، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة. والحج فريضة معلومة من الدين بالضرورة، أما العمرة، فذهب فريق من الأئمة إلى أنها واجبة، ولم يقع في يد آخرين؛ كالإمام مالك دليل كافٍ للقول بوجوبها، فقالوا: إنها سنة مؤكدة. والجناح: الإثم والحرج. و {يَطَّوَّفَ} أصله يتطوف، فابدلت التاء طاء، وأدغمت في الطاء بعدها، فصار يَطَّوَّف، والتطوف بالشيء كالطواف به: الإلمام به، والمشي حوله. وقد فسرته السنة بالنسبة إلى الكعبة بالدوران بها سبعة أشواط، وبالنسبة إلى الصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك.
وقد اختلفت أنظار الأئمة من أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة، فرأى فريق أنه من أركان الحج؛ كالإحرام، والطواف، والوقوف بعرفة، وذهب فريق إلى أنه ليس بركن، وإنما هو واجب يجبر عند تركه عمداً أو سهواً بالدم. وقال بعضهم: هو مستحب. والمسألة مبسوطة في كتب الأحكام.
(1/282)

وقد يخطر على بالك أن قوله تعالى: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} يدل على أن التطوف بالصفا والمروة مطلوب للشارع، ومعدود من الطاعات التي أقل درجاتها الندب، وقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} يقتضي رفع الإثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإثم عن الشيء يأتي في مقام الدلالة على إباحته، فما هو الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة: لا إثم على من يفعلها؟ ويرفع هذا الاستشكال بالوقوف على سبب نزول الآية، وهو أن الأنصار كانوا في الجاهلية يُهِلّون "يُحرِمون" لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة من أجل صنمين، وهما: أساف، ونائلة، كانا عليهما، فلما جاء الإسلام، تحرجوا من الطواف بينهما. في "صحيح البخاري" عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك - رضي الله عنه -: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} , فاستبان بهذا أن الآية وردت لدفع التحرج الذي كان يتردد في صدور الأنصار من التطوف بالصفا والمروة.
{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}:
{تَطَوَّعَ}: من التطوع، وهو فعل الطاعة، فريضة كانت أو نافلة. و {خَيْرًا}: أصله بخير؛ لأن تطوع إنما يتعدى بالباء، ولا يتعدى بنفسه، ثم حذفت الباء في نظم الكلام؛ نحو: أمرتك الخيرَ، والأصل: أمرتك بالخير، وذلك معنى قول علماء العربية: كذا منصوب بنزع الخافض. و {شَاكِرٌ}: من الشكر، وشكر الله لعباده: جزاؤهم على ما يعملونه من الصالحات ابتغاء مرضاته الجزاء الأوفى. والمعنى: ومن أتى بالحج أو العمرة طاعة لله، فاز
(1/283)

بالثواب الجزيل، والنعيم المقيم،؛ لأن من صفاته تعالى مجازاة من يحسنون العمل، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده من الأعمال، فلا يضيع عنده أجر المحسنين.
ويصح حملُ التطوع في الآية على معنى: الإتيان بما زاد على الواجب. ومعنى الآية على هذا الوجه: ومن أتى بالحج أو العمرة مرة أخرى، فزاد على الواجب، فإن الله شاكر عليم.
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}:
الكتم والكتمان: إخفاء الشيء قصداً مع تحقق المقتضى لإظهاره. وكتم ما أنزل الله يشمل إخفاء نصوصه، وعدم ذكرها للناس، وإزالة النص ووضع شيء آخر مكانه، وتحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جرياً مع الأهواء.
و {الْبَيِّنَاتِ}: الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح، وهي ما نزل على الأنبياء من طريق الوحي. والهدى معناه: العلم النافع، فهو أعم من البينات؛ إذ يشمل المعاني المستمدة من الآيات البينات على طريق الاستنباط، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة. والكتاب: لا يعنى به كتاب معين، بل يراد منه جنس الكتب، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على الرسل - عليهم السلام -. واللعن من الله للعصاة: إبعادهم من رحمته، وهو من اللاعنين؛ كالملائكة وغيرهم: الدعاء عليهم بالإبعاد من الرحمة.
ودل قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} على أن معصيتهم بالكتمان متناهية في الفظاعة؛ إذ عمدوا إلى ما أنزل إليه من هدى، وجعله
(1/284)

بَيِّناً عند الناس في كتاب يتلى، وأقدموا على كتمانه، وإنما يفعل هذا من بلغ الغاية في سفاهة الرأي.
والآية نزلت في أهل الكتاب؛ إذ كانوا يكتمون بعض نصوص كتبهم؛ كما كتموا النصوص التي تتضمن البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ رأوها مطابقة لنعوته وسيرته، ولكن وعيدها يتناول كل من يكتم بينة أنزلها الله أو هدى. ومن شواهد هذا العموم: قول أبي هريرة كما ورد في "صحيح البخاري": "لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثت حديثاً"، ثم يتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} إلى قوله: {الرَّحِيمُ}.
ولكتمان المنتمين إلى علوم الدين ما أنزل الله من هدى بالسكوت أو التحريف أو التأويل الباطل عللٌ بسطنا الحديث عنها في رسالة "الدعوة إلى الإصلاح" (1).
ومدار هذه العلل على عدم الرسوخ في الإيمان، وايثار رضا المخلوق على رضا الخالق - جل شأنه -.
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
{تَابُوا}: ندموا على ما صدر عنهم من كتمان ما أنزل الله، وعزموا على عدم العود إليه، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان ما استطاعوا الإصلاح، وبينوا للناس حقيقة ما كتموه، فأولئك يقبل الله توبتهم، ويشملهم برحمته؛ فإنه تواب رحيم.
__________
(1) انظر كتاب الإمام: "الدعوة إلى الإصلاح".
(1/285)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 161 - 164].
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ}:
تضمنت الآيتان السابقتان لعنَ الكاتمين لما أنزل الله، واستثناءَ التائبين منهم، وذكر في هذه الآية: المصرين على الكتمان، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وقد عرفت أن الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} نزلت في أهل الكتاب الذين يكتمون بعض نصوص كتبهم التي من جملتها النصوصُ المشتملة على البشارة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فصح التعبير عن أصحاب ذلك الكتمان بالذين كفروا؛ ليحضرهم في الأذهان بأشنع وصف نعياً به عليهم، وهو الكفر، وليتناول وعيدُ الآية كل كافر، ولو بغير معصية الكتمان.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الخامس من السنة الرابعة.
(1/286)

{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}:
سبق أن اللعن من الله للعاصي أو الكافر: إبعادهُ من رحمته، ومن المخلوق؛ كالملائكة والناس للكفار والعصاة: الدعاء عليهم بالإبعاد من رحمة الله؛ كأن يقال: لعنهم الله، أو عليهم لعنةُ الله، ولا حرج في اللعن بالوصف العام؛ كان يقال: لعن الله الكافرين، أو الفاسقين، أو الظالمين، ومن المحظور لعنُ الأشخاص بأعيانهم؛ كأن يقال: لعن الله فلاناً، أو على فلان لعنة الله، إلا من ثبت موتهم على الكفر؛ لاحتمال أن يتوب أولئك الأشخاص من كفرهم أو فسقهم، فيستحقوا القرب من رحمة الله، لا الإبعادَ منها، وقد يطلق اللعن بمعنى: السبِّ؛ أي: ذكر المعايب.
وما يروى من أن بعض الصحابة كان يُلعن في عهد بعض الأمويين على المنابر، إنما يريدون من اللعن - إن صحت الرواية - ذكر أشياء ينسبونها إليه على أنها معايب له. والمراد من الناس: من يستقبحون الكفر، وهم المؤمنون، وكل مؤمن يلعن الذين ماتوا وهم كفار بلسانه أو بقلبه.
{خَالِدِينَ فِيهَا}:
الخلود: البقاء إلى غير نهاية، ويستعمل بمعنى: البقاء مدة طويلة، وإذا وصف به عذاب الكافر، فإنما يراد المعنى الأول. والظاهر: أن الضمير في قوله: {فِيهَا} عائد إلى اللعنة؛ لأنها المذكورة في الجملة، والخلود في اللعنة يقتضي الخلود في النار. ومن هنا جعل بعض المفسرين الضمير عائداً إلى النار المفهومة من معنى الجملة.
{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}:
دل قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} على كثرة مدة العذاب، ودلت هذه الجملة
(1/287)

على شدة وقعه، والمعنى: أن المقدار الذي استحقوه من العذاب لا يتفاوت بحسب الأوقات شدة وخفة؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 74 - 75]. والزيادة في قوله تعالى: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 30] محمولة على معنى: استمرار العذاب، فهي إشارة إلى الخلود فيه، لا إلى الزيادة في شدته.
{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}:
الإنظار: الإمهال والتأخير، والمعنى: لا يمهلون عن العذاب كما يمهلون في الدنيا، بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة.
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}:
هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا}. والإله: المعبود، ومعناه في الآية: المعبود بحق؛ بدليل الإخبار عنه بأنه واحد، والمعنى: وإلهكم الذي يستحق العبادة، فمن عبد شيئاً دونه، أو عبد شيئاً معه، فعبادته باطلة، والعبادة الصحيحة ما يتجه بها إلى المعبود بحق، ومن العبادات: الدعاء، فالصحيح منه ما يُقبِل به الإنسان على الإله الواحد موقناً بأن لا نافع ولا ضار سواه، وهذا لا ينافي أن ينتفع الإنسان بشفاعة بعض المقربين عنده تعالى حيث يأذن الله له بذلك.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}:
أثبتت الجملة السابقة له تعالى الوحدانية، وإثباتُ الوحدانية يقتضي نفي الشريك في الإلهية، وجاءت هذه الجملة: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} مقررة لما تضمنته الجملة السابقة، فنفت عن الله الشريك صراحة، وأثبتت له مع ذلك
(1/288)

الإلهية، فمعنى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: أن الله إله، وليس شيء مما سواه بإله.
{الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}:
لما كان ذكرُ الإلهية والفردانية يُحضر في ذهن السامع معنى القهر، وسعة القدرة، وعزة السلطان، وذلك مما يجعل القلب في هيبة وخشية، ناسب أن يورد عقبه ما يدل على أنه - مع العظمة والسلطان - مصدرُ الإحسان، ومُولي النعم، فقال: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، وهذه سنة القرآن في الترويح على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية؛ حتى لا تقع من طغيان الرهبة عليها في قُنوط.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ}:
لما تضمنت الآية السابقة إثباتَ وجوده تعالى، ونفي الإلهية عما سواه، جاءت هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها منبهة لبعض الأدلة على وجوده تعالى، وقد اشتملت على آيات يخرج الناظر من التفكير فيها إلى بطلان ما يفعله طوائف من البشر من عبادة بعض المخلوقات؛ كالكواكب، والنار، والحيوان، والأحجار، بزعم أنهها آلهة، أو شركاء الله في إلهيته، وأول هذه الآيات: السموات، فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ}. والسموات: جمع سماء، والسماء: كل ما علا كالسقف.
والمراد في الآية: الأجرام المقابلة للأرض، وهي سبع كما ورد ذلك صريحاً في قوله تعالى: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [الطلاق: 12]. ذكرها القرآن هنا في جملة المصنوعات التي يجد فيها الناظر آيات عظيمة على وجود الله ووحدانيته، ونبه في آيات أخرى على بعض وجوه الاعتبار فيها؛ من نحو: تزيينها بمصابيح، ورفعها بغير عمد.
(1/289)

{الْأَرْضِ}:
هذه الآية الثانية من الآيات الموصلة إلى معرفة الله، وقد نبه تعالى على بعض وجوه الاعتبار بها في آيات أخرى؛ كتفجير أنهارها، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها، وبتفاضل كلها، وكوضعها بحال يتيسر معه للإنسان أن يتقلب في أرجائها، ويمشي في مناكبها، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما كان.
وجاءت الأرض مفردة، وهي لا تجيء في القرآن إلا كذلك؛ لأن المشاهدة لا تقع إلا على أرض واحدة، ولا تقع على أثر أرض غيرها. ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذي يتبادر من ظاهر قوله تعالى: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] على أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض.
{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}:
الاختلاف: التعاقب؛ أي: إن كلاً من الليل والنهار يأتي خلفاً من الآخر.
والنهار للعمل وابتغاء الرزق، والليل للسكون والراحة والانفراد للعبادة لمن وفقه الله إلى أن يقضي جانباً منه في مناجاة الملك الكريم. ومن المحتمل القريب أن يكون المراد: اختلافهما في أنفسهما بالزيادة؛ والنقصان. ومأخذ العبرة من هذا الاختلاف: أن مُدد الليل والنهار تختلف، فلكل ليل أو نهار من السنة مدة يستوفيها بمقتضى نظام مطرد، وجَريُ الزيادة والنقص في الليالي والأيام على نظام لا ينخرم دليلٌ على أن هذا الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم. وإذا كان لهذا الاطراد أسباب عرفت بعدُ، فإن الذي خلق
(1/290)

الأسباب، وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازماً، إنما هو الإله الواحد القهار.
{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}:
الفلك: ما عظم من السفن، ويستعمل للواحد والجمع، والظاهر: أن الوارد في الآية جمع؛ بدليل قوله: {الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ}، ولو كانت للمفرد، لقال: الذي يجري؛ كما قال في الآية الأخرى: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الشعراء: 119].
ووجه الاستدلال بالفلك على وجود الله، وإن كانت من تركيب الناس: أن الذي خلق الآلات التي كانت بها سفناً، وسخر لها البحر مع قوة سلطانه إذا هاج وعظم هوله، فتجري فيه مقبلة ومدبرة تشق الأمواج المتلاطمة شقاً إلى أن تصل إلى ساحل السلامة، وهي موقَرة بما ينفع الناس من نحو الأطعمة أو الأمتعة أو الحيوان، لا يكون إلا مقتدراً حكيماً.
{وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}:
المراد من السماء: جهة العلو. وإحياء الأرض: اهتزازها ونموها، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات وزهور وثمار. وموتها: خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة عليها.
{وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}:
هذا معطوف على قوله: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ}، فما أنزله الله من السماء من ماء ينشأ عنه أمران: إحياء الأرض بالنبات، وبث الدواب فيها. والبثّ: تفرقة آحاد متكثرة في جهات مختلفة. والدابة: اسم من الدبيب، وهو المشي رويداً، فكل ما يمشي فوق الأرض، فهو بحسب الوضع اللغوي دابة،
(1/291)

وقد يجري عرف خاص باستعماله في نوع خاص من الحيوان؛ كذوات الأربع.
والمراد في الآية: المعنى العام، وهو مطلق حيوان. وحرف (من) في قوله: {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} بيان لجنس الشيء المبثوث المفهوم من قوله: {وَبَثَّ فِيهَا}. ويكفي في (من) المبينة للجنس أن يكون المبهم الذي تبين جنسه مقدراً في نظم الكلام، مشاراً إلى مكانه بقرينة. والمعنى: وبث في الأرض شيئاً هو أنواع الدواب كلها.
ووجه الاستدلال بالدواب على وجوده تعالى: هو اختلاف أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها، ومدد حملها، وكيفية تناسلها، ووجوه الانتفاع بها، ومن أراد التوسع في هذا الضرب من الاستدلال، فليتجول في حديقة من حدائق الحيوان الكبرى معتبراً، لا لمجرد التلهي والترويح على النفس.
{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}:
{الرِّيَاحِ}: جمع ريح، وهي نسيم الهواء. تصريفها: تقليبها في الجهات، ونقلها من حال إلى حال. فتهب صَباً؛ أي من مطلع الشمس، ودبوراً أي من جهة الغرب، وشمالاً وجنوباً، وتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً.
{وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}:
{الْمُسَخَّرِ}: من التسخير، وهو التذليل والتسيير. والسحاب يتألف من بخار يتصاعد من الأرض، ويتراكم في الهواء، فيسوقه الله موقراً بالمياه العذبة حتى يرسلها في البلاد التي يريد إحياءها. وقد كشف القرآن الكريم
(1/292)

عن هذا المعنى في قوله تعالى: {للَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [الروم: 48].
{لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}:
{يَعْقِلُونَ}: يتدبرون ويتفكرون فيما هو مودَع في الكائنات العلوية والسفلية من أسرار ونظم يمر عليها أشباه الأنعام وفي أبصارهم غشاوة، ويبصر بها أولو الفطر السليمة والأفكار الثاقبة، فيقتنون منها درراً غالية.
ومعرفتنا لأسباب بعض المصنوعات الكونية البديعة لا يقف بنا حد هذه الأسباب، ويقطع النظر عن أن يعد تلك المصنوعات في جملة الآيات الدالة على الإله الواحد، بل ارتباطها بأسباب يشهد بأنها قائمة على نظام ليس من المعقول أن يحدث بنفسه، فنزداد يقيناً بأنها من صنع إله قادر حكيم.
ويصل الناظر في هذه الآيات إلى معرفة وجود الله وتعاليه عن أن يكون له شريك كما يزعم طوائف المشركين. وقد أورد القرآن للوحدانية برهاناً صريحاً خاصاً في مثل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
(1/293)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 165 - 169].
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا}:
بعد أن ذكر الله جانباً من الآيات الدالة على وجوده الحق ووحدانيته، وصف في هذه الآية حال المشركين، فقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ}. والأنداد: جمع نِدّ، وهو المماثل. والمعنى: أن من الناس من لا يعقل تلك الآيات، وتبلغ بهم الجهالة أن يخضعوا لبعض المخلوقات خضوعَهم لله بزعم أنها أمثال له. ويجري معنى الآية على كل طائفة يسندون إلى مخلوق أمراً انفرد به -عز شأنه-؛ من نحو: التحليل والتحريم، وإيصال النفع من
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد السادس من السنة الرابعة.
(1/294)

طريق غيبي، وإلحاق الضرر بمن يشاء.
{يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}:
الحب: ميل القلب إلى الشيء. والضمير (هم) عائد إلى قوله: {أَنْدَادًا}، ووروده في صيغة ضمير العقلاء ظاهر في أن المراد من الأنداد في الآية: من بلغ الجهال في تعظيمهم حد العبادة، أو كانوا يطيعونهم في أمر التحليل والتحريم الإطاعةَ الواجبة لله؛ كما حكى الله عنهم ذلك بقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67].
وإذا كان الحب ميل القلب إلى الشيء، فإن من دواعي هذا الميل: كمال ذلك الشيء، فيصح إبقاء الحب في قوله: {كَحُبِّ اللَّهِ} على حقيقته؛ إذ لا كمال يداني كمال ذي الجلال والإكرام. فالمؤمن يحب الله؛ أي: يميل قلبه إليه لكماله، ويشتد ميله إليه وتعلقه كلما ازداد علماً ببديع حكمته، وبالغ حجته، وسعة رحمته، وعدالة أحكامه، وعزة سلطانه. ومن مقتضيات هذا الحب: إجلاله تعالى وعبادته.
فدل قوله: {كَحُبِّ اللَّهِ} على أن حب المشركين لمن اتخذوهم أنداداً لله، هو الحب الذي يحمل على التعظيم البالغ والعبادة.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}:
حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد؛ من جهة أن الحب الذي يدخل في القلوب من ناحية الاعتقاد بالكمال يعظم كلما عظم كمال من يحب، وقد عرفت أن كمال الله فوق كل كمال. ثم إن المحبة تشتد على قدر قوة الإيمان بكمال المحب، واعتقاد المؤمنين بكمال الله وليد أدلة يقينية، والكمال الثابت بيقين يستميل القلوب بأشد مما يستميلها الكمال
(1/295)

الذي تصوره الأوهام، أو يُتلقى من طريق التقليد. والتصريح بالأشدية في قوله: {أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أبلغ من أن يقال: أحبُّ لله؛ كما قال تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، مع صحة أن يقال: أو أقسى.
{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}:
هذا إخبار بسوء عاقبة الذين يتخذون من دون الله أنداداً المتقدم ذكرهم، وكان بمقتضى تقدم ذكرهم أن يقال: ولو يرون إذ يرون. ولكن وضع الموصول وصلته {الَّذِينَ ظَلَمُوا} موضع الضمير؛ ليحضر في ذهن السامع أنهم صاروا باتخاذهم الأنداد من الظالمين، وليشعر بأن سبب رؤيتهم العذاب الشديد هو ذلك الظلم العظيم. و (لو) في قوله: {وَلَوْ يَرَى} لمجرد تعليق فعل على آخر في المستقبل؛ نحو: لو يقوم زيد غداً، لاكرمته؛ أي: إن يقم أكرمه. والقوة: القدرة. وجواب (لو) محذوف من نظم الآية، فيقدر على حسب ما يقتضيه المقام. والمعنى مع ملاحظة الجواب المقدر: ولو يرى أولئك المشركون حين يعاينون العذاب المعد لهم يوم القيامة أن القدرة كلها لله وحده، وأن عذابه الذي يصيب به المتخبطين في ظلمات الشرك شديد، لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة.
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}:
هذا تابع على وجه البدل قوله تعالى: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ}. وتبرأ: من التبرؤ، وهو التخلص والتنصُّل. و {الَّذِينَ اتُّبِعُوا}: أئمة الكفر الذين يحرمون ويحللون عن غير أمر الله. و {الَّذِينَ اتَّبَعُوا}: أشياعهم الذين يتلقون
(1/296)

جميع أقوالهم بالتقليد والطاعة. والضمير في قوله: (رأوا) عائد إلى الفريقين: التابعين، والمتبوعين، و {وَتَقَطَّعَتْ}: انقضت واضمحلت. و {الْأَسْبَابُ}: جمع سبب، ويستعمل في الحبل، وكل ما يتوصل به إلى حصول مقصد، وتفهم في الآية على ما يكون بين الرؤساء والأذناب في الدنيا من روابط يتواصلون بها؛ نحو: الاتفاق في الدين والنسب والمحبة.
والباء في قوله: {بِهِمُ} باء الملابسة، وهي التي يكون بين مجرورها وفاعل الفعل وجه من الملابسة؛ أي: الاتصال، ويعبر عنها علماء العربية بباء الحال؛ لأنها تقع مع مجرورها في الإعراب موقع الحال، نحو: تفرقت الطريق بالقوم. ووجه الملابسة بين القوم والطريق: سيرهم فيها. ونحو كبا بزيدٍ الفرسُ. ووجه الملابسة بين زيد والفرس: ركوبه إياه. وكذلك تقطعت بهم الأسباب: وجه الملابسة بين أولئك المشركين وتلك الأسباب: انعقادها بينهم في الدنيا، وطمعهم في نفعها لهم في الآخرة. والمعنى: إذ تنصَّل الرؤساء من المرؤوسين وقت أن عاينوا العذاب، وتقطعت الروابط بهم؛ أي: في حال ملابستها لهم.
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا}:
{لَوْ} للتمني. والكرة: الرجعة. والمعنى: ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا، فنتبرأ من هؤلاء الذين اتخذناهم أئمة، وأضلونا السبيل كما تبرؤوا منا في هذا اليوم العصيب!.
{كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}:
كلمة {كَذَلِكَ} قد يصدَّر بها الخبر لتُشعر بأهمية المعنى الذي تضمنه.
(1/297)

و {أَعْمَالَهُمْ}: المعاصي التي ارتكبوها، وفي مقدمتها: اتباعهم لقادة مضلين.
والحسرات: جمع حسرة، وهي أشد الندم على ما وقع من مكروه، أو مافات وقته من مرغوب فيه دون أن يقع. والمعنى: أن أعمالهم التي كانوا يحسبون أنهم أحسنوا بها صنعاً، وأنهم سيلاقون جزاءها في الآخرة السلامة والفوز، سيريهم الله إياها حسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم.
{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}:
وصفت الجمل السابقة ما يقع بين التابعين والمتبوعين من تقاطع، وما يتجرعونه عند معاينة العذاب من حسرات. وجاءت هذه الجملة لبيان عاقبة أمرهم، وهو الخلود في النارة إذ لا معنى لنفي خروجهم من النار وتأكيده بإيراده في جملة اسمية، {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} سوى دوام استقرارهم فيها؛ كما قال تعالى في آية أخرى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}:
الخطاب عام لجميع المكلفين من البشر. والآية واردة في تفنيد آراء من يحرِّمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها. فقوله: {كُلُوا} صيغة اْمر واردة في معنى الإباحة. والحلال: ما أذن الله في تناوله، فيخرج منه ما قام الدليل على حرمته لمفسدة في ذاته؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، أو لوصف عارض؛ كالمغصوب، أو المسروق، فحرمته لتعلق حق الغير به. والطيِّب: ما تقبل عليه النفوس الطاهرة، وتنبسط
(1/298)

لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر، ولا موقع في تهلكة، فالقذر ينفر منه الطبع، والموقع في ضرر ينبذه العقل.
فيحمل قوله تعالى: {طَيِّبًا} على أنه مقرر ومؤكد لمعنى يستفاد من قوله. {حَلَالًا}، وهو طهارة المطعوم، وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه في ضرر.
والمعنى: يباح لكم أن كلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات حالَ كون ما تأكلون منه حلالاً طيباً.
وليس من الورع، ولا الزهد المرضي عنه شرعاً تركُ بعض المباحات؛ فإن الله سوّى فيها بين الفعل والترك. ومن يجعل تركها من الورع، والورع مندوب، كأنه يقول: إن الترك راجح على الفعل. وكان الحسن البصري، وهو من أجل التابعين، يقوِّم عِوَجَ من يعدُّون في الزهد المحمود الامتناعَ من تناول بعض المباحات؛ كالأطعمة الفاخرة. دخل عليه أحد زهاد البصرة، فقال له الحسن: أتحب الخبيص "طعام لذيذ"؟ قال: لا أحبه، ولا أحب من يحبه، فأقبل الحسن على جلسائه، وقال لهم: أترونه مجنوناً؟!.
فلا ورع في ترك المباح من حيث إن فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطُّع في الدين، وإنما الورع في ترك الإكثار من تناول مباحات؛ حذراً من أن يفضي الإكثار منها إلى بطر النفس، أو يدفعه سلطان التعود عليها إلى اكتساب المال، ولو من طريق فيه شبهة.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}:
الخطوات: جمع خطوة، وهي في الأصل: ما بين القدمين عند المشي. وتستعمل على وجه المجاز في الآثار. فالمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان،
(1/299)

وهي وساوسه التي يقذفها في صدور الناس؛ لينقلهم بها من طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى أخرى.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}:
هذا تعليل للنهي عن اتباعه. و {مُبِينٌ}: من أبان بمعنى: بان وظهر، والمعنى: أنه عدو لكم ظاهر بحيث لا تخفى عليكم عداوته. أو من أبان بمعنى: أظهرَ، والمعنى: أنه مُظهِر للعداوة.
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ}:
هذه جملة واردة مورد البيان لمظهر من مظاهر عداوته. والسوء في الأصل: مصدر ساءه يسوعه؛ أي: أحزنه. ويطلق على المعصية، سواء كانت قولأ، أو فعلاً، أو اعتقاداً؛ لأنها تسوء صاحبها؛ أي: تحزنه في الحال أو المآل. والفحشاء: أقبح أنواع المعاصي، وأعظمها مساءة. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن السوء: ما لا حَدَّ فيه، والفحشاء: ما فيه حَدّ.
والأمر في الأصل: الطلب بالقول، واستعمل في تزيين الشيطان المعصية؛ لأن تزيينها في معنى: الدعوة إلى ارتكابها.
{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}:
القول على الله بغير علم: أن يقول: حرم الله هذا، أو أحل هذا، من غير استناد إلى دليل يفيد العلم، فيدخل فيما يأمر به الشيطان: أن يحرم الرجل الشيء، أو يحلله متعمداً الكذب على الله، وأن يحرم أو يحلل بجهالة؛ حيث لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد.
وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكاماً من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم،
(1/300)

ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون إفتاؤه في مثل هذه الوقائع من قبيل القول على الله بغير علم.
ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني أصل انعقد عليه الإجماع، وأصبح مقطوعاً به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه، أو حق من يتابعه، هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلاً على الله ما لا يعلم.
(1/301)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 170 - 176].
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}:
نهى الله تعالى فيما سبق عن اتباع خطوات الشيطان، ودل في هذه الآية على حال من أحوال المتبعين لخطواته، وهي تقليدهم لأسلافهم الجهلة، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. . . الآية. فالضمير في قوله: {لَهُمُ}
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - العدد السابع من السنة الرابعة.
(1/302)

يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}. والقائل لهم ذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمسلمون. و {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}: القرآن، وشرائع الإسلام. و {أَلْفَيْنَا}: وجدنا، والمعنى: وإذا دعي أولئك الكفار إلى اتباع القرآن الذي هو منزل من عند الله، أعرضوا عنه، وقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا.
{أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}:
هذا رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد في الدين على مجرد تقليد الآباء.
وهمزة الاستفهام في قوله: {أَوَلَوْ كَانَ} واقعة موقع الإنكار. والمعنى: أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، والحال أن آباءهم لا يعرفون شيئاً من أمور الدين، ولا يسيرون فيها على هدى؟!.
وفي الآية إنكار للتقليد في أمور الدين، وحثٌّ على التمسك فيها بعرا الأدلة؛ أما العقائد، فلا تستقر في النفوس إلا إذا انبنت على دلائل نظرية مفصلة، أو مطوية في الصدور؛ بحيث لا تزلزلها الشبه، ولو ألقيت في زخرف من القول؛ وأما الأحكام العملية، فيجب على المكلف الأخذ فيها بغاية ما يستطيع من اجتهاد عند فقد النص، أو ترجيح عند اختلاف أهل العلم، أو متابعة من ثبت رسوخه في فهم الشريعة، وصدق لهجته عند الإفتاء. وفي ميسور الباحث أن يصل إلى معرفة من هو أهل للمتابعة من طريق ما ينقل من فتاوى الفقيه، وما يتحدث به ثقات الناس، أو يكتبونه عن سعة علمه، وصفاء بصيرته، واستقامة سيرته.
{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً}:
المثل: الشأن والصفة. و {يَنْعِقُ}: يصيح، ويستعمل في صيحة الحق
(1/303)

وغيرها، فيقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن. والدعاء في الآية، كما هو الظاهر مما حكاه الطبري عن السدي: الصياح بالبهائم لتأتي، والنداء: الصياح بها لتذهب.
وقيل: الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، فيكون الصوت في النداء أرفعَ منه في الدعاء. والآية تمثل حال الكفار ومن يدعوهم إلى التوحيد بحال البهائم والراعي الذي ينعق بها، وذكر في جانب المثل المشبه المدعوين إلى التوحيد فقط، وهم الكفار، فقال: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا}. . . إلخ، ولم يذكر الداعي إلى التوحيد، وإنما دل عليه ما يقابله في المثل المشبه به؛ أعني: قوله: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ}. والمعنى بعد ملاحظة ما اقتضى الإيجاز حذفه: وشأن الذين كفروا والداعي لهم إلى الإيمان حين يدعوهم، فيعرضون عن دعوته، وينصرفون عن تفهمها؛ كشأن البهائم والراعي حين يصيح بها لتقبل أو تدبر، فلا تسمع إلا صوتاً أو ألفاظاً لا تعقل لها معنى.
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}:
صمٌّ عن استماع دعوة الحق، بكمٌ عن إجابة الداعي إليها، عميٌ عن آيات صدقها، فهم بمنزلة من فقدوا عقولهم؛ إذ فقدوا أهم طرق الإدراك؛ أعني: السمع والبصر، وأهم وسيلة للثقافة، وهي استطلاع الحقائق من طريق المحاورة.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}:
الطيبات من الأطعمة: المستلذات، ويصح حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، وهو ما ينتفع به، ومنه اسم "الرزاق"، وهو خاص به تعالى، لا يجوز إطلاقه على غيره؛
(1/304)

بخلاف الرازق؛ فإنه يصح إطلاقه على الإنسان الذي يكون سبباً في وصول رزق إلى غيره.
{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}:
تضمنت الجملة السابقة من الآية تذكير المؤمنين بنعمة عظيمة هي خلقه تعالى الطيبات من الرزق، وايصالها إليهم، ثم إذنه لهم في التمتع بها، وأمرهم في هذه الجملة بأن يصلوا نعمه بالشكر، فقال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}، وشكر الله: الاعتراف بنعمته على وجه التعظيم، وهذا يستدعي امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
والعبادة: الخضوع والطاعة، ودل قوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} على أن شكره تعالى لا يتحقق إلا مع التوحيد الخالص. فالمعنى: واشكروا لله إن كنتم تخصونه بالعبادة.
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}:
أذن تعالى في التمتع بالطيبات، وأردف ذلك بتحريم الخبيثات، وهي: الميتة، وما عطف عليها. والميتة: ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية، حرم كلها؛ لفساد الجسم بذبول أجزائه وتعفنها. والدم المحرم: ما يسيل من الحيوان الحي، كثيراً كان أم قليلاً. ويحرم من دم الحيوان حلال الأكل بعد تذكيته ما كان جارياً، وذلك معنى قوله تعالى في الآية الأخرى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]. وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه الذي يقصد بالأكل. ووجه تحريمه: قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله. وأُهِلَّ: من الإهلال، وهو رفع الصوت، يقال: أهل المحرِم: إذا رفع صوته بالتلبية. والإهلال بالذبيحة لغير الله:
(1/305)

أن يذكر غير اسم الله عليها عند ذبحها؛ كما يفعل المشركون؛ إذ يذكرون على ذبائحهم أسماء ما يعبدونهم من دون الله.
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}:
{اضْطُرَّ}: أُلجئ؛ أي: ألجأته إلى الأكل من تلك المحرمات ضرورة، وهي الخوف من تلف النفس، ولا ينتظر الجائع إلى أن يشرف على الموت. والباغي: من البغي.
والعادي: من العدوان. والبغي والعدوان يستعملان بمعنى الظلم وتجاوز الحد، ولما وردا في الآية معطوفاً أحدهما على الآخر، اقتضى حسن البيان الذي عرف به القرآن الكريم أن يحمل كل منهما على معنى خاص يناسب أصل وضعه، وصح أن يقال: الباغي في أصل اللغة: الطالب لخير أو شر، وقد يخص بطالب الشر الساعي في فساد. وعلى هذا المعنى يحمل الباغي في الآية، فيتناول المسافر لارتكاب معصية؛ نحو: قطع طريق، أو قتل نفس. حتى يعزم التوبة. والعادي: من عدا؛ أي: تجاوز حد ما يجوز إلى ما لا يجوز، فيحمل على معنى المجاوز حد الضرورة؛ بأن يزيد في الأكل من تلك المحرمات على قدر سد الجوع إلى الشبع. والمعنى: فمن ألجأته ضرورة إلى كل شيء من تلك المحرمات، وهو غير ساع في فساد، ولا متجاوز سد الجوع، فلا إثم عليه فيما أكل منها.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}:
{غَفُورٌ}: من المغفرة، وهي صيانة العبد عما استحقه من العقاب. ويرد بعد ذكر التوية، وهذا واضح، ويرد بعد الترخيص؛ كما ورد هنا بعد الإذن للمضطر في الأكل من الميتة، وكما قال تعالى في آية التيمم: {فَامْسَحُوا
(1/306)

بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]. ووجهه: أن من يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، شأنه أن يشرع ما فيه يسر، لا ما فيه عسر.
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}:
لما كانت دعوة الحق إنما تصل إلى الناس بعد الأنبياء - عليهم السلام - على ألسنة العلماء، عُنِي القرآن الكريم بإصلاح سيرة هذه الطائفة، وإخراجهم في أحسن تقويم، واشتدت عنايته بخصلة إذا رسخوا فيها، وحافظوا عليها، كانت مطلع كل خير، وهي أن يكونوا أمناء على ما تحملوه من هداية، ويضربوا بالدعوة إليها في وجوه الطغاة، لا يخافون لومة لائم، ولا سطوة غاشم، فمن الحكمة أن ينذر القرآن المرة بعد الأخرى سوء عاقبة كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، ويصل التذكرة بوعيد ترتعد له القلوب رهبة.
وهذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} إخبار على وجه التوبيخ والوعيد لمن يكتم شيئاً مما أنزل الله، فيخفيه عند السؤال عنه، أو عند الحاجة إليه، أو يزيله، ويضع شيئاً آخر مكانه، أو يتأوله على ما يوافق بعض الأهواء، يفعل ذلك لدنيا يصيبها، وهي الثمن الذي اشتراه؛ أي: استبدله بكتمان ما أنزل الله، ووصف هذا الثمن بالقلة؛ لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزل الله فهو قليل.
{أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ}:
في هذه الجملة تمثيل حالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل المفضي بهم إلى النار، بحالة من جمل نفس النار، ووجه الشبه بين الحالتين: أنه يترتب على كل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء، وشدة الألم، ما يترتب على أكل نفس النار، غير أن العذاب الحاصل من
(1/307)

كل النار يقع عندما تمتلى منها بطونهم، والعذابَ الحاصل من كل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه، وهو الإحراق بالنار.
وذكر من وجوه انتفاعهم بذلك الثمن الحقير: الأكلَ في بطونهم؛ ليشعر بدناءة هممهم، وسقوطها إلى حد أن يزهدوا في إبلاغ ما أنزل الله، ويبيعوه بملء بطونهم.
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}:
بما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم؛ كما يكلم المؤمنين بحق. ويصح أن يكون نفي تكليم الله لهم كناية عن غضبه عليهم؛ فإن من اشتد غضبه على مسيء، أعرض عنه، وأبى أن يتوجه إليه، ولو بقليل من الكلام.
{وَلَا يُزَكِّيهِمْ}:
يُزَكيهم: من التزكية، وهي التطهير، وتستعمل بمعنى: الثناء، ومنه: زكَّى الرجل نفسَه: إذا وصفها، وأثنى عليها، وزكَّى الشهودَ: إذا عدَّلهم، ووصفَهم بأنهم أزكياء. فالذين يكتمون ما أنزل الله محرومون من فضل عظيم إنما يفوز به الذين يعطون الدعوة إلى هدى الله حقها، وهو تزكية الله لهم؛ أي: ثناؤه عليهم.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}:
بعد أن أخبر تعالى بأن أولئك الكاتمين إنما يأكلون في بطونهم ناراً، ودل على حقارتهم، وحرمانهم من تكليمه، وتزكيته لهم، أردف ذلك ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذي يصيبهم.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}:
المشار إليهم بقوله تعالى: {أُولَئِكَ}: مَن تقدم حديثهم ووعيدهم،
(1/308)

وهم الكاتمون لما أنزل الله. واشتروا: استبدلوا، ومعنى استبدلوا الكفر بالإيمان، والعذاب بالمغفرة: أنهم عدلوا عن طريق العلم، وهو الرجوع إلى الحجة، فأخذوا الكفر بدل الإيمان، وعدلوا عن طريق الجنة، وهو الاستقامة على صالح الأعمال التي من جملتها: إبلاغُ ما أنزل الله، فأخذوا العذاب بدل المغفرة.
{فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}:
ظاهر الجملة التعجبُ من صبر أولئك الكفار على النار، والتعجب: انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه، وهذا المعنى غير جائز في حق الخالق الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا أوردت جملة من كلامه تعالى في الأسلوب الذي يستعمله العرب للتعجب، حملت على أن المعنى الذي استعمل فيه صيغة التعجب، وهو في هذه الآية: صبر أولئك الكفار على النار، قد حل محل ما يُتعجب منه، وهذا معنى قول أهل العلم: إن فعل التعجب في كلام الله يراد منه التعجيب؛ أي: جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل، وهو في الآية: صبرهم على النار. والمعنى: تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكفار، وارتكابهم ما يلقي بهم في النار، لا يبالون ما ارتكبوا، شأن الواثق من أنه يصبر على عذابهم المقيم.
ويجري على هذا الوجه من التعجب: أن تقول لمن يجاهر السلطان المستبد بالعداوة، ويفعل ما يهيج غضبه: ما أصبرَك على السجن! لا تريد التعجب من صبره على السجن، وإنما تريد تلقينه أن التعرض لما يهيج غضب السلطان المستبد لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على السجن، والقصد من هذا التعجب: تحذيره من التمادي على مجاهرة ذلك المستبد بالعداوة.
(1/309)

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}:
أخبر تعالى فيما سبق: أن لأولئك الكفار عذاباً أليماً. وذِكرُه لهم بوصف الكتمان لما أنزل الله يُشعر بأن علة استحقاقهم للعذاب الأليم هو ذلك الكتمان، وجاءت هذه الآية مقررة لهذه العلة بأصرح عبارة، فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ}. . . {ذَلِكَ}: مشار به إلى عذاب الكاتمين، والباء في قوله: {بِأَنَّ اللَّهَ} دالة على أن ما بعده سبب لما قبلها. و {الْكِتَابَ}: التوراة، والباء في قوله: {بِالْحَقِّ} للمصاحبة.
والمعنى: ذلك العذاب الأليم واقع عليهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة ببيان الحق الذي من جملته: البشارة بخاتم النبيين محمد، فكفروا ببعضه، وتناولوه بالتحريف والتأويل، إيثاراً لمطامع دنيوية على هدى الله الذي هو أساس كل سعادة.
{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}:
{اخْتَلَفُوا}: خالف بعضهم بعضاً. و {الْكِتَابِ}: التوراة، أو التوراة والإنجيل؛ إذ يصح أن يراد: جنسُ الكتاب، والمقام يصرفه إلى هذين الكتابين. واختلافهم في الكتاب: قول بعضهم: كله، أو شيء منه باطل، وتناوُل بعضِهم له بتحريف كلمِه عن مواضعه، أو تأويله على غير ما يُراد منه. والشقاق: الخلاف؛ كان كل واحد من المختلفين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر. وإذا وصف الخلاف بالبعد، فُهم منه أنه بعيد من الحق، يقال: قال فلان قولاً بعيداً؛ أي: بعيداً من الصواب.
(1/310)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}:
{الْبِرَّ}: الخير، وكل عمل مَرْضِيّ. وتولية الوجوه قِبل الشيء: التوجُّه إليه.
{الْمَشْرِقِ}: قبلة النصارى في صلاتهم. والمغرب: مشار به إلى قبلة اليهود، وهي بيت المقدس.
والخطاب في الآية موجَّه إلى أهل الكتاب، ذلك أن الله تعالى ذكر قبل هذا: أنهم في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم: أمر القبلة؛ إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحول إلى استقبال الكعبة، وادعى كل من الفريقين، اليهود والنصارى: أن البر مقصور على قبلته، فرد الله
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثامن من السنة الرابعة.
(1/311)

عليهم بأن نفى البر عن قبلتهم، ثم قال بياناً لما هو البر:
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}:
{مَنْ آمَنَ}: وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله: {الْبِرَّ}، والخبر في المعنى لفظ مضاف إلى من آمن، مقدر لفهمه من سياق الجملة. والمعنى مع ملاحظة المقدر: ولكن البر بِرُّ من آمن بالله. وهذا الضرب من الإيجاز معهود في كلام البلغاء؛ إذ تجدهم يقولون: السخاء حاتم، والشعر زهير؛ أي: إن السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير.
والإيمان بالله: التصديق بما لا تتم معرفته إلا به، وهي الصفات الواجبة له تعالى؛ من نحو: الوحدانية، والقدم، والبقاء، والقدرة، والعلم، والغنى المطلق. ومن اعتقد أن الله حَلَّ في غيره، أو اتحدَ به، فقد عمي عن سبيل النجاة، واستبدل بالإيمان جحوداً.
والإيمان باليوم الآخر: التصديق بالبعث، وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان. ومما دلت عليه نصوص الشريعة الغراء دلالة لا تحوم بها شبهة: أن للأجسام نصيباً من ذلك النعيم أو العذاب، ولا يختص به الأرواح؛ كما يزعم بعض من لا يريد، أو لا يستطيع أن يأتي الحقائق من أبوابها، وقد كان المشركون ينكرون بعث الأجسام، ويزعمون استحالته، ويوردون في ذلك الشُّبه؛ كما قالوا فيما قصه القرآن الكريم: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]. ورد الله عليهم بدليل نظري ينفي استحالة وقوعه، وهو قوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79].
وحيث جاز وقوعه، وقام الدليل السمعي من طريق الوحي المقطوع
(1/312)

بصدقه على أنه واقع، دخل التصديق به في حقيقة الإيمان. ومن أنكر جزءاً مما يتقوم به الإيمان، صح أن ينفى عنه الإيمان، ولا يوضع في حساب المؤمنين. والجاحدون باليوم الآخر لا يبالون أن يرتكبوا القبائح، ويبسطوا أيديهم في البغي، إلا حيث يخشون أن تراهم أعين الناس. وتنالهم عقوبة من ذي سلطان.
{وَالْمَلَائِكَةِ}: أجسام لطيفة نورانية قادرون على التشكل في صور مختلفة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإيمان: أن الله وسطهم في إبلاغ الوحي للأنبياء -عليهم السلام-، وذكر ذلك في الكتاب، وتحدث الأنبياء عنهم بما لا يدع في النفس شبهة في أن الملَك مخلوق ذو حياة ونطق عقلي. فمن لم يؤمن بهذا النوع من المخلوقات على الوجه الذي وصفه الكتاب العزيز، فقد أنكر الوحي، وحُرم من إيمان يبنى عليه سيرة يصل بها إلى أمن وسعادة.
{وَالْكِتَابِ}: القرآن. والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله. والإيمان بالنبيين: التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله لتلقي هدايته وكتبه، وإبلاغها للناس في صدق وأمانة. والنبيون الذين يجب الإيمان بهم: كل من ثبتت نبوته بقرآن، أو حديث صحيح. والدليل القاطع على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين يجعل المدعين للنبوة بعده مضلين، والمصدقين لمزاعمهم ضالين.
{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}:
هذا معطوف على قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}. {وَآتَى}: أعطى.
(1/313)

والضمير في قوله: {حُبِّهِ} عائد إلى المال. والأموال منها ما شأنه أن يُحب، وهو الطيب، ومنها ما لا يُرغب فيه، وهو الخبيث؛ أي: الرديء. وإيتاء المال الذي يدل على صدق إيمان صاحبه، ويرتقي به إلى منازل الأبرار، إنما هو بذل ما كان محبوباً له، وهو نفائس الأموال والطيبات من الرزق؛ كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. والقربى: القرابة؛ أي: قرابة المعطي للمال. والمعنى: وأعطى المال -على محبته له- ذوي قرابته، فهم من بين المحتاجين أولى بالمعروف؛ لأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم، وهذا سر تقديمهم في الآية على من ذكر بعدهم من بقية الأصناف المستحقين للعطف والإحسان.
{وَالْيَتَامَى}: جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت، ولم يبلغ الحلم، وهم أولى بالمعروف بعد ذوي القربى، متى كانوا محتاجين؛ لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجاتهم.
{وَالْمَسَاكِينَ}: جمع مسكين، وهو من لا شيء له من المال، أو له شيء لا يكفي حاجاته.
{وَابْنَ السَّبِيلِ}: هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمي ابن السبيل؛ أي: الطريق؛ لأنه يظهر للناس من جانبها.
ويعطى المسافر الغني في بلده من الصدقات إذا لم يمكنه الاستقراض، فإن أمكنه الاستقراض، خرج عن أن يكون أهلاً لقبول الصدقات. وفي هذا تنبيه على أن المسلمين -وإن اختلفت أوطانهم- ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على مرافق الحياة كأسرة واحدة.
(1/314)

{وَالسَّائِلِينَ}: جمع سائل: وهو الطالب للمعروف. ويحملون على أنهم سألوا بدافع الحاجة حتى يعرف أنهم سألوا وهم في يسار أو كفاف.
{الرِّقَابِ}: جمع رقبة، وهي في الأصل: العنق، وتطلق على البدن كله، كما تطلق العين على الجاسوس، فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء. ولفظ {فِي} بعد حرف العطف ينبئ بأن هناك لفظاً مقدراً مضافاً إلى الرقاب هو المقصود بإيتاء المال. والمعنى مع ملاحظة اللفظ المقدر: وأعطي المال في تخليص الأسرى من أيدي العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم.
{وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}:
ذكر في خصال البر: مواساةَ الخلق إذ قال: {وَآتَى الْمَالَ}، فدل على أنه لا بر إلا لمن يكون رحيم القلب، سريم العطف على ذوي الحاجات ما استطاع، وعطف على ذلك خصلة أخرى ترجع إلى التزامه القيامَ بما يأمره الله به من حسن الطاعة، فقال تعالى: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}. وإقامة الصلاة: أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وآدابها. والزكاة يراد بها: الزكاة المفروضة على الوجه المفصل في السنة. وما تقدم من إيتاء ذوي القربى، وما عطف عليهم يراد منه: نوافل الصدقات. وإيتاء الزكاة: وضعها في أيدي مستحقيها من الفقراء والمسكين، أو تسليمها لمن يصرفها في مواضعها المنصوص عليها في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ. . .} [التوبه: 60].
وفي الأموال حقوق لذوي الحاجات غير الزكاة. ومما لا يجري فيه خلاف بين أهل العلم: أن الحاجة إذا بلغت بطائفة من الأمة حد الضرورة، وجب على ذوي اليسار سدها، ولو مما زاد على قدر الزكاة.
(1/315)

{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}:
هذا معطوف على {مَنْ آمَنَ}. {وَالْمُوفُونَ}: من الإيفاء، وهو الإنجاز. والعهد: الميثاق والذمة، فيشمل ما يقع بينهم وبين الناس من عقود، وما يلتزمون لله من نذور؛ كما قال في آية أخرى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7]، ويدخل في هذه الخصلة: الوفاء بالوعد؛ فإنه معدود في أسمى مكارم الأخلاق. ويقضي بإنجاز الوعد إذا علق بسبب؛ كأن يقول لشخص: تزوج، وأدفع لك المهر، فعقد الموعود على امرأة اعتماداً على هذا الوعد. وقال تعالى: {إِذَا عَاهَدُوا}، فأشار إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت حصول العهد.
{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}:
{الْبَأْسَاءِ}: الفقر. {وَالضَّرَّاءِ}: السقم والوجع. والبأس: القتال. {وَالصَّابِرِينَ} معطوف في المعنى على {مَنْ آمَنَ}؛ كقوله: {وَالْمُوفُونَ}، ولكنه جاء منصوباً جرياً على الأسلوب المعروف بين البلغاء، وهو أن المتكلم إذا أراد التنبيه على فضل زائد في المعطوف على مرفوع، غَيَّرَ وجه الإعراب، وأتى به منصوباً على تقدير فعل يدل عليه مقام المدح، وجرى علماء العربية على أن يبينوه بنحو: أمدح، أو أخصّ.
ولا ريب في أن خصلة الصبر على الشدائد، وحين القتال في سبيل الله، جديرة بأن ينبه لمزيد فضلها؛ إذ هي أصل لكثير من المكارم؛ كالعفاف عما في أيدي الناس، والتسليم للقضاء الذي لا مرد له، والإقدام الذي يحمى به الدين، وتسلم به النفوس والأموال والأعراض. وجاءت كلمة (حين) في قوله: {وَحِينَ الْبَأْسِ} مشيرة إلى أن مزية الصبر في القتال إنما تظهر حين تدور رحى الحرب، وتأخذ الأسلحة في قطف الرؤوس من الأعناق، وسلب
(1/316)

الأرواح من الأجساد.
وقد يكون في الإنسان شيء من قوة الجأش، ويحشر نفسه في زمرة الأبطال، ويزحف في مقدمة الزاحفين، حتى إذا التقى الجمعان، وكشرت المنايا تحت سحاب النقع، أخذ الفزع من الموت بمجامع قلبه، وذهبت نفسه شَعاعاً، ولاذ بالفرار، أو استسلم للعدو، وفاته أن يكون من الصابرين حين البأس. وجاءت أنواع الصبر في الآية على وجه الترقي من الشديد إلى الأشد، فالصبر على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}:
المشار إليهم: من تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر. واسم الإشارة (ذلك) أحضرهم في أذهان المخاطبين، وهم متصفون بتلك الخصال العظيمة. وجاء الإخبار عنهم بأنهم الصادقون المتقون مبشراً لهم بأنهم بلغوا بإحراز تلك الخصال الغاية التي يطمح إليها أرباب البصائر النيرة، والنفوس الطاهرة، وهي مقام الصدق والتقوى، والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف به الأفعال الواقعة على ما ينبغي أن تكون عليه؛ كما قالوا: صدقوهم القتال، وقالوا: فلان صادق الحملة. ومن حازوا خصال البر صادقون في القيام بما أوصى الله به من أعمال الخير. والمتقون: من الاتقاء، وهو الحذَر، واذا أطلق المتقي في كلام الشارع، فهو الحذِرُ من عقاب الله؛ بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره. وعقبى الصادقين المتقين الفوز بطمأنينة النفس في العاجلة، والنعيم الدائم في الآخرة. ففي هذه الجملة من الآية ثناء على أولئك الأبرار، وإيحاء إلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان.
(1/317)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178 - 179].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}:
أفادت الآية السابقة أن البر هو الإيمان بالله، والإخلاص في طاعته الذي يظهر في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومواساة ذوي الحاجات، والوفاء بالعهود، والصبر على البلاء، والاستهانة بالموت في مواقع الجهاد إعلاء لكلمة الحق، وأتبع ذلك بشرع بعض الأحكام العملية الجليلة، وابتدأ منها بما يرجع إلى حفظ الدماء؛ لأخذه منزلة ذات شأن في إصلاح العالم، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ}.
{كُتِبَ}: من الكتابة، وهي في الأصل: الخط بما يدل على معنى، ويستعمل بمعنى: الفرض، والإيجاب، فمعنى كتب عليكم: فرض عليكم، والقصاص: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح، والقتلى: جمع قتيل، والقصاص
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد التاسع من السنة الرابعة.
(1/318)

فيهم: قتل القاتل عقوبة له على القتل، مع مراعاة المساواة التي تتقرر بتقدير الشارع الحكيم. وإنما يفرض القصاص عند القتل الواقع على وجه العمد والعدوان، وحيث يطالب به أولياء القتيل.
وصدرت الآية بخطاب: {الَّذِينَ آمَنُوا} تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص، فكأنه يقول: إن معكم من الإيمان ما يمنعكم من التهاون بإقامة هذا الواجب؛ فإن المؤمن الصادق يحرص على أن يسد الأبواب في وجه كل فتنة تحل عرا الألفة والمودة بين الأفراد والجماعات، وتلقي بحبل الأمن في اضطراب واختلال.
والقرآن الكريم يوجه الخطاب في عقوبات الجنايات كالقصاص إلى الأمة على أن يقيمها الرئيس الأعلى، أو من ينوب عنه. وتوجيه الخطاب إلى الأمة يُشعرها بأن عليها جانباً من التبعة إذا أهمل أولو الأمر هذه العقوبات، أو لم يقيموها على حق، ويشعرهم بأنهم مطالبون بعمل ما يساعد الحكام على وضع العقوبات في حدود العدل؛ كتسليم الجاني، وأداء الشهادة عليه في صراحة وأمانة.
{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى}:
هذا بيان لمعنى المساواة في القتل المشار إليها بلفظ القصاص، فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة، ومفادها: أن يقتل بالمقتول قاتلُه دون ما سواه؛ لأن أخذ غير الجاني ليس بقصاص، بل هو اعتداء ثان، وإنما يرتفع الفساد بالقصاص، لا بالقتل ظلماً. وفي الآية إبطال ما كان جارياً في الجاهلية؛ حيث إن القبيلة القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة شخصاً، لا ترضى إلا أن تقتل معه أشخاصاً من شيعته، وإذا قتلت منها عبداً، لا ترضى إلا أن
(1/319)

تقتل به حراً، وإذا قتلت منها أنثى، لا ترضى إلا أن تقتل بها رجلاً. وبتحرِّي قصد الشارع من القصاص يستبين أن الجماعة التي تشترك في قتل الواحد حقيقةٌ بأن تؤخذ به قصاصاً؛ حتى لا يتوسل إلى قتل أفراد كثيرة بأيدي جماعة تجمع أمرها، وتخوض بسلاحها مشتركة في سفك دماء معصومة واحداً بعد آخر.
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}:
وردت هذه الجملة حديثاً عن إسقاط ولي المقتول القصاصَ عن القاتل، وإعطاء القاتل لولي المقتول الديةَ بدلَ القصاص، فقال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} عفي: من العفو، وهو الإسقاط، ومن عفي له: هو القاتل، و {أَخِيهِ}: ولي المقتول، و {شَيْءٌ}: القصاص، وهو مفعول به ناب عن فعل عفي، وهذا الوجه من الإعراب هو الموافق لما عرف به القرآن الكريم من حسن البيان، ومعنى هذه الجملة المصوغة في طريق الإيجاز: أن ولي المقتول أسقط القصاص راضياً بأخذ الدية، وفي هذا الحال يكون شأن ولي المقتول طلب الدية، وشأن القاتل أداؤها، فجاء قوله تعالى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} وصيةً لولي المقتول بأن يتبع القاتل عند طلب الدية بالمعروف؛ أي: يرفق في الطلب، وينتظره في حال عسرة إلى ميسرة، وجاء قوله: {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} وصيةً منه تعالى للقاتل بأن يؤدي الدية بإحسان؛ أي: لا يمطل بها، ولا يبخس منها.
ويصح حمل العفو على معنى العطاء، وهو معنى معروف في كتب اللغة، وجرى عليه بعض كبار العلماء في تفسير الآية، والمعنى: فمن أعطِي، وهو ولي المقتول، من أخيه، وهو القاتل، شيئاً، وهو الدية، فعلى ولي المقتول
(1/320)

اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان. وسمي القاتل أخاً لولي المقتول؛ تذكيراً بالأخوة البشرية والدينية حتى يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان.
{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}:
المشار إليه: الحكم المفهوم من تيسير أمر القصاص بشرع الدية، فشرعها من آثار رحمته تعالى، وعدم إرادته الحرج فيما شرع من الدين، ففي الدية تخفيف على القاتل، ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إذا طالبوا به، وذلك عدل، وشرع الدية إذا أسقطوا القصاص عن القاتل، وذلك رحمة.
{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}:
المشار إليه: قبول الدية، والاعتداء: قتل القاتل، والمعنى: فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية، فله عذاب شديد الألم في الآخرة.
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}:
لما كان القصاص أشد عقوبة يؤخذ بها الجناة، عني القرآن ببيان حكمته توطيناً للنفوس على الانقياد إليه، وتقوية لعزم أولي الأمر على إقامته، فقال تعالى مبيناً حكمة شرعه: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}.
في القصاص حياة من وجهين:
أولهما: أن الشخص إذا هم بقتل شخص، وعلم أنه إذا قتله اقتص منه، امتنع من قتله، فيكون القصاص سبباً للردع عن قتل أنفس كثيرة.
ثانيهما: أن القبائل القوية إذا قتلت منها القبيلة الضعيفة أحداً، لا تكتفي بقتل القاتل حتى تلحق به آخرين من عشيرته، والقصاص لا يتجاوز القاتل
(1/321)

إلى غيره، فيكون سبباً لحماية نفوس كثيرة من غائلة الإسراف في الانتقام؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].
ونقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص من قبل، وأبلغ كلمة عبروا بها عن هذا المعنى قولهم: "القتل أنفى للقتل"، ولكن لورود الحكمة في القرآن فضل من ناحية حسن البيان الذي يسارع بها إلى أقصى القلوب، ويجعلها مثلاً سائراً يجري على الألسنة، ويتقلب في الأندية؛ حتى يعظم أثرها في حياة المؤمنين، وإذا شئت أن تزداد خبرة بفضل بلاغة القرآن، وسمو مرتبته في حسن البيان على مرتبة ما نطق به بلغاء البشر، فانظر إلى هذه الجملة: {فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، وإلى قولهم: "القتل أنفى للقتل"، وأقم بينهما وزناً بالقسط، فإنك تجد من نفحات الإعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق. ومن فضل بيان الآية: أنها جعلت سبب الحياة القصاص، وهو القتل عقوبة على وجه التماثل، أما العبارة العربية، فقد جعلت سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلماً، فيكون سبباً للفناء لا للحياة.
وتصحيح هذه العبارة أن يقال: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً. والآية جاءت خالية من التكرار اللفظي، فعبرت عن القتل الذي هو سبب الحياة بالقصاص، والعبارة العربية كرر فيها لفظ القتل، فمسها بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية.
ومن الفروق الدقيقة بينهما: أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة التي تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية جعلت القتل سبباً لنفي القتل
(1/322)

الذي تترتب عليه الحياة.
{يَاأُولِي الْأَلْبَابِ}:
{الْأَلْبَابِ}: جمع لُبّ، وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام، أو العقل الذكي، وهو ما لا يبطئ في استبانة الحقائق، واستخراج لطائف المعاني من مكامنها.
وخص النداء بأولي الألباب، مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين يتدبرون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة، ويقدرون حِكَم التشريع قدرَها. وفي هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص، وأثره النافع في تثبيت دعائم الأمن، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة. ولا يزال الناس يشاهدون في كل عصر ما يثيره القتل في صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها، لتمادت بهم في تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}:
ترد (لعل) في كلام الله مورد التعليل، وهي هنا تعليل لمعنى فهم من قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}. وإيضاح هذا: أن بيان حكمة القصاص ينساق منه الذهن إلى معنى شأنه أن يذكر في مجاري الاستعمال، ولكن طريقة القرآن في الإيجاز جرت على حذف ما تغني القرائن الواضحة عن ذكره، ولا يزيد التصريح به في نظم الكلام حسناً، وهذا المعنى الذي يقع في الذهن، وشأنه أن يذكر بعد بيان الحكمة، وقبل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يعبر عنه بلفظ: فكتبناه عليكم، أو شرعناه لكم، والمعنى: ولكم في القصاص حياة، فكتبناه عليكم؛ لتتقوا القتل حذراً من القصاص.
(1/323)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 180 - 182].
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ}: استفاض في عرف الشارع بمعنى: وجب عليكم. وحضور الموت يقع عند معاينة الإنسان للموت، ولعجزه في هذا الوقت عن الإيصاء، فسر بحضور أسبابه، وظهور أماراته؛ من نحو: العلل المخوفة، والهرم البالغ. والخير؛ المال، ومقام الأمر بالوصية فيه يشعر بأن المراد: المال الكثير، وبهذا فسر الجمهور الخير في الآية. ولم يرد نص من الشارع في تقدير ما يسمى: مالاً كئيراً، وإنما وردت آثار عن بعض الصحابة والتابعين في تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر إلى ما يسمى في العرف مالاً كثيراً؛ كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: من ألف درهم إلى ثمان مئة درهم. وقال إبراهيم
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد العاشر من السنة الرابعة.
(1/324)

النخعي: من ألف درهم إلى خمس مئة درهم. وتسمية المال الموصى فيه خيراً يشعر بأن الوصية إنما تكون من المال الحلال، وأما المال الحرام، فيجب إعادته إلى أربابه، ومن أوصى فيه، فقد ارتكب إثماً، وحقت عليه عقوبة المعتدين.
والوصية اسم من أوصى يوصي، فهي بمعنى الإيصاء، وقد تستعمل بمعنى الموصى به. ومعنى الجملة: إذا حضر أحدكم الموت، وقد ترك مالاً كثيراً، وجب عليه الإيصاء بجانب منه لوالديه: أبيه وأمه، وأقاربه. وبدأ بالوالدين؛ لعظم حقهما.
وجاءت الجملة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} غير معطوفة على ما قبلها بالواو؛ تنبيهاً على أهمية ما تضمنته من حكم الإيصاء؛ إذ لم تجعل تابعة لما قبلها بحرف العطف.
{بِالْمَعْرُوفِ}:
هذا يتعلق بالوصية. والمعروف: العدل الذي يتعارفه الناس، وهو في الوصية: أن لا يتجاوز بها ثلث المال، وأن لا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء، أو يوصي للقريب ويترك الأقرب. ومن حكمة الإرشاد إلى الإيصاء إلى الأقربين، وإيثارهم بهذا الإحسان على غيرهم: أن العرب في الجاهلية كانوا يوصون للأبعد طلباً للفخر، ويتركون الأقرب، وهو أشد منه فقراً ومسكنة.
{حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}:
الحق: الواجب. والمتقون: المؤمنون، أو الذين اتخذوا التقوى سيرة لهم.
(1/325)

وعدل عن الخطاب، فلم يقل: عليكم، ووضع للمتقين موضع ضمير الخطاب؛ تأكيداً للأمر بالوصية؛ إذ يشعر أن القيام بالوصية، والمحافظة عليها من شعائر المتقين، فمن أهملها، فقد رضي لنفسه الحرمان من الدخول في صفوفهم، وفاته أن يحشر يوم القيامة في وفدهم.
وردت هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين، والمعروف عند الأمة منذ عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدان لهما نصيب مفروض في المواريث، ومقتضاه: عدم صحة الوصية لهما؟.
ويزيح هذا الإشكال من طريق التفسير: أن فريقاً من أهل العلم -وهم جمهور المفسرين- ذهبوا إلى أن آية الوصية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه النسخ: أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية. فقامت مقامها في الوصية للوارث، ودل على هذا المعنى صراحة: الحديث الشريف، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث". وهذا الحديث -وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذي يصح نسخه للقرآن بنفسه- قد امتاز عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا في العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا قوة الحديث المتواتر في الرواية، واعتمدوا عليه في بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء في الميراث مقام آية: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} في الوصية للوارث.
وروى البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع".
(1/326)

ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث: "لا وصية لوارث"؛ لاستفاضته بين الأمة، وتلقيهم له بالقبول، فقرروا العمل به، وأبطلوا الوصية لوارث، ولكنهم ذهبوا -مع هذا- إلى أن آية الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة، وتأولوها على وجوه، منها: أن المراد من قوله: {لِلْوَالِدَيْنِ}: الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإرث؛ كالكفر، والاسترقاق، وقد كانوا حديثي عهد بالإسلام، يسلم الرجل، ولا يسلم أبواه، وقد أوصى الله بالإحسان إليهما.
{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}:
{بَدَّلَهُ}: غيره، وتغيير الإيصاء: بالزيادة في الموصى به، أو النقص منه، أو تغيير صفته، أو كتمان الوصية من أصلها. ومن يتوقع منهم تبديل الوصية: هم الأوصياء والشهود. وسمعه: علمه وتحققه. والضمير المنصوب في قوله: {بَدَّلَهُ} عائد على الإيصاء المفهوم من الوصية، وهو الإيصاء الواقع على الوجه المشروع، ولهذا جاء مذكراً.
وإيضاح هذا: أن من الأصول التي قررها الباحثون في مزايا اللغة العربية وأسرار بلاغتها: أن اعتناء العرب بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، ويرون أن الألفاظ إنما هي وسيلة إلى تحصيل المعنى، فلا مانع عندهم من أن يخرجوا على القانون المطرد ما دام المعنى المراد مستفاداً على الوجه الاكمل، ويصير هذا الوجه المخالف لما هو الظاهر داخلاً في أساليب البلغاء منهم.
والقرآن يجري في مثل هذا على ما يجري عليه البلغاء، فهم يراعون ما تقتضيه الألفاظ في أكثر كلامهم، وقد يراعون ما يقتضيه المعنى؛ كأن
(1/327)

يكون للمعنى غير الحقيقي التأنيث اسمان: اسم مقرون بهاء التأنيث؛ كالوصية، واسم مجرد منها؛ كالإيصاء، فيذكرون المعنى باسمه المؤنث، ويعيدون عليه الضمير باعتبار اللفظ المذكر، وكل من الوجهين عربي فصيح.
{فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}:
الإثم: الذنب، وجمعه آثام. والأَثام؛ كسحاب: جزاؤه، يقولون: كانوا يفزعون من الآثام أشد ما يفزعون من الأثام. أي: إنهم يفزعون من الذنوب أشد مما يفزعون من عقوباتها. والضمير في قوله: {إِثْمُهُ} يعود على الإيصاء المبدل، أو على التبديل المفهوم من قوله: {بَدَّلَهُ}. ومقتضى تقدم ذكر من يبدلون الإيصاء: أن يعبر بالضمير، فيقال: فإنما إثمه عليهم، ولكنه وضع الموصول {الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} موضع الضمير؛ ليؤكد أن علة وقوع الإثم عليهم هو ذلك التبديل.
{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}:
هذه الجملة وعيد للمبدل للوصية. والمعنى: إن الله سميع للوصية، عليم بما يقع فيها من تبديل وتحريف.
{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}:
{خَافَ}: من الخوف، وهو في الأصل: حالة تعتري النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله، ووقوع ذلك الشر قد يكون مظنوناً، وهو الأكثر، وقد يكون معلوماً، فاستعمل الخوف في الظن، والعلم بالمحذور، ثم اتسع فيه، واستعمل في مطلق الظن والعلم. فمعنى {خَافَ} في الآية: علم، أو ظن ظناً غالباً. والجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ. والإثم: العدول عنه على وجه التعمد. والآية واردة في الوصي يرى أن الموصي حاد
(1/328)

في وصيته عن وجه المعروف، فأذن له أن يصلح ما ظهر له فيها من خطأ أو حيف. والضمير في قوله: {بَيْنَهُمْ} عائد إلى الموصى لهم. والإصلاح بينهم: بإجرائهم على الوجه المعروف في الوصية. والمعنى: أن الوصي إذا رأى في الوصية انحرافاً عن الحق خطأ أو عمداً، وأصلح بين الموصى لهم بردِّهم إلى الوجه المشروع، فليس عليه من إثم. وهذه الجملة بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}، فكأنه يقول: إن ذلك الوعيد الوارد في التبديل إنما هو لمن غير حقاً بباطل، وأما من غير الوصية بالإصلاح، فليس عليه من إثم؛ لأنه غير الباطل بحق.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}:
تضمنت الجملة السابقة رفع الإثم عمن بدل الوصية باجرائها على الوجه المعروف، وجاءت هذه الجملة المشتملة على وصفه تعالى بأنه واسع المغفرة والرحمة مؤكدة لرفع الإثم عمن يقصد بعمله الإصلاح، ومقررة لاستحقاقه الإحسان منه تعالى؛ فإن من يغفر الذنوب، ويرحم المذنبين، تكون مغفرنه ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإصلاح، ولو اعتمد على ظن غالب، أو أخطأ وجه الصواب منه.
(1/329)

تَفْسِيرُ آيَاتِ الصَّوْمِ
(1/331)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 183 - 185].
تضمنت الآيات السابقة إيجاب القصاص، ثم إيجاب الوصية، وجاءت هذه الآيات عقبها بإيجاب عبادة هي من أعظم أركان الإسلام، وهي الصيام، فقال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}:
وردت هذه الآيات في صيغة الخطاب مفتتحة بالنداء، ووصف المخاطبين بأكمل خصلة تقوم عليها السعادة في الدارين، وهي الإيمان؛
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الأول من السنة الثانية.
(1/333)

ليقبل الناس على ما يلقى إليهم من أمر هذه العبادة، ويضعوه موضع العناية بقدر ما يقتضيه إيمانهم وتقديرهم الشرف الذي اكتسبوه من خطاب رب العالمين.
قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فارع لها سمعك؛ فإنها لأمر تؤمر به، أو نهي تُنهى عنه.
والصيام في أصل اللغة كالصوم: الإمساك عن الفعل؛ من نحو: الأكل، والمشي، والكلام، وخصه بعض المفسرين بالإمساك عما تنازع إليه النفس.
وحقيقته شرعاً: الإمساك بنية عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى مغرب الشمس.
ومعنى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}: فرض عليكم. وقد دل القرآن على بعض أحكامه، ودلت السنة على سائرها.
{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}:
معنى الجملة: أن الصيام كتب على من قبلنا من الأنبياء وأممهم، والتشبيه في قوله: {كَمَا كُتِبَ} يرجع إلى الوجوب؛ أي: إن الله فرض عليكم الصيام مثلما فرضه على من تقدمكم من الأمم.
وحكمة التذكير بأن الصيام قد فرض على الأمم السابقة: تخفيف وقعه على النفوس؛ حيث إن الصائم يكف نفسه عن كثير من الشهوات التي اعتاد التمتع بها، فإذا قيل له: إن هذه العبادة قد فرضت على أمم من قبلنا، وأفهم السياق أنهم لم يهملوها، خف عليه أمرها، وأقبل على أدائها بنفس مطمئنة.
(1/334)

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}:
هذه الجملة واقعة موقع التعليل لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}.
والمعنى: فرض عليكم الصيام؛ لتدخلوا في زمرة أهل التقوى، ذلك أن الصيام يكف النفوس عن كثير مما تنزع إليه النفس من خواطر السوء، ويربي فيها ملكة الصبر، ومغالبة طغيان الشهوات، ويروضها إلى عمل الخير مقبلة عليه راغبة فيه، وبهذه السيرة يبلغ العاملون أسمى منازل البر والتقوى.
{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}:
وصف الأيام المفروض صيامها بكونها معدودات، يكنى بذلك عن قلتها؛ ليخفف أمر صيامها متتابعات على المكلف، فيقبل عليه محتملاً مشقته التي لا تزيد على مشاق اعتاد الناس احتمالها للحصول على مآرب من متاع هذه الحياة وزينتها.
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}:
العدة: من العد بمعنى: معدود. ولم تقدر الآية المرض الذي يؤذن لصاحبه بالفطر، ولكن المحققين في فهم مقاصد الشريعة حملوه على المرض الذي يلحق صاحبه بالصوم مشقة فوق ما يجده وهو سليم البنية؛ كمن يخشى تزيُّد المرض، أو تأخر برئه.
وظاهر الآية أيضاً: أن كل ما ينطلق عليه اسم سفر، يبيح الفطر. والذين ينظرون عند تقرير الأحكام إلى حكمة التشريع يرون أن الفطر إنما أبيح للمسافر نظراً إلى ما يلحقه من المشقة. ولما كانت لا توجد في كل مسافة يتنقل بها الشخص من موضع إقامته إلى مكان آخر، كان مناط الرخصة هو السفر
(1/335)

الذي شأنه أن توجد فيه مشقة. وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره طائفة من الأئمة بمسير ثلاثة أيام، وقدره آخرون بمسير يومٍ السيرَ الوسط، فمن أخذ في سفر يقدر بمسير يوم على الدواب السيرَ المعتاد، يباح له الفطر، وإن قطع تلك المسافة في زمن أقل من يوم؛ كراكب سيارة أو طائرة. ومعنى الآية: فمن كان منكم مريضاً، أو مسافراً، فأفطر، فالواجب عليه متى برئ من مرضه، أو انقطع سفره، صيام أيام بعدد ما أفطر فيه من أيام رمضان.
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية نزلت عند ابتداء فرض الصيام على وجه الرخصة، فكان الناس مخيَّرِين بين الصيام والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ورويت آثار صحيحة عن السلف في هذا المعنى.
ولعل وجه القول بنسخ هذه الآية: هو أن الشارع لم يرد إرغام العباد على الصوم وهم يستكبرون مشقته، ويستصعبون القيام به، فخيرهم بينه وبين الفدية، ولما استبان لهم أن مشقته على المؤمن بحق غير فادحة، وتتابعوا على الصيام مؤثرين له على الفدية، نسخ التخيير الذي تضمنته الآية، وبقيت الآية تتلى ليعرف منها أن الشريعة تأخذ في تشريعها مأخذ الحكمة، وتسلك مسلك التدريج في تقرير الأحكام التي يحتاج المكلف في احتمال مشقتها إلى عزيمة نافذة.
وأنكر آخرون من أهل العلم أن تكون الآية منسوخة، وقالوا: الإطاقة في قوله تعالى: {يُطِيقُونَهُ} بمعنى: القدرة على الصيام بتكلف شديد، وحملوا قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} على أصحاء يستطيعون الصوم،
(1/336)

ولكنهم يلاقون فيه مشقة شديدة، وهم الشيوخ والعجائز. وأضاف بعض الأئمة. إلى هؤلاء: الحامل، والمرضع إذا خافتا أن يلحق ولديهما ضرر من الصيام. وقد بينت الآية الفدية بطعام مسكين. ويكفي في تحقيق طعام المسكين المقدار الذي يشبعه في اليوم الواحد.
{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}:
التطوُّع: فعل الشيء على وجه التبرع. والمعنى: فمن تطوع فاعلاً خيراً بأن زاد على القدر المقرر للفدية، فأعطى لمسكين واحد ما يكفيه الجوع أكثر من يوم، أو أطعم مسكينين فأكثر، فما تطوع به معدود عند الله في أعمال الخير التي يجازى صاحبها الجزاء الأوفى.
{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}:
هذا خطاب لمطيقي الصيام من الذين خُيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية، ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجحُ من الفوائد التي تحصل بالفدية. ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}، فيكون المراد منها: فرض عليكم الصيام. . . إلخ، ثم قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}؛ أي: إن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيراً عظيماً.
{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
هذا أسلوب معروف في بلاغة اللغة العربية، يقصد منه: التحريض على فعل ما هو خير؛ كما ورد في هذه الآية، أو الزجر عما فيه شر؛ كما قال تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]، فقوله تعالى:
(1/337)

{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بمعنى: إن كنتم من أهل العلم. والمعنى: وصومكم خير لكم، فصوموا إن كنتم من أهل العلم؛ لأن شأن أهل العلم المبادرةُ إلى الفعل متى عرفوا وجه الخير منه.
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}:
هذا بيان للأيام المعدودات المفروض على الناس صيامها، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان: ابتداء نزوله فيه، فقد أنزل في ليلة القدر، وكانت وفتئذ في رمضان، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3 - 4]. وفي قوله: {أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} تنبيه لمزية في هذا الشهر اقتضت تخصيصه بأن يكون مظهراً لركن من أهم أركان الإسلام، وهو الصيام، تلك المزية هي: جعله مبدأ لإنزال الكتاب الذي استضاء الناس بما فيه من هدى وبينات من الهدى والفرقان. ومعنى كون القرآن هدى للناس: أنه يرشدهم إلى سبيل الحق، ويدعوهم إلى مراقي الفلاح في الدنيا، ومعارج السعادة في الأخرى.
وقوله: (بينات) وصف لآيات المقدَّرة في نظم الآية. {وَالْفُرْقَانِ}: ما يفرق بين الحق والباطل؛ أي: يفصل بينهما. والمعنى: أن القرآن أنزل هدى وآيات بينات؛ أي: واضحات، من جملة ما أنزل الله به كتبه، وبعث به أنبياءه من الهدى والفرقان.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}:
أمر بصيام شهر رمضان بعد أن وصف الشهر بكونه مطلع هداية القرآن؛
(1/338)

ليجد الأمر بالصوم من نفوس السامعين إقبالاً زائداً وعناية. وشهد: من الشهود بمعنى: الحضور، فمعنى شهد الشهر: حضر فيه؛ أي: كان مقيماً وقت دخوله.
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}:
أعيد في هذه الجملة ذكر الرخصة للمريض والمسافر؛ تأكيداً لمشروعيتها، وتنبيهأ على أنها صادرة عن عناية من شارعها، حتى لا يقع في نفوس المتقين أدنى حرج من الأخذ بها.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}:
هذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفطر، وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
ومن مثل هاتين الآيتين تقررت في الشريعة قاعدة من القواعد التي تشهد بسماحتها، وهي: المشقة تجلب التيسير.
وارادة الله في التشريع تنبئ بعدم إرادته للعسر، فقوله تعالى: {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} تصريح بما فهم من الجملة قبلها لتوكيد معناها، وتقوية يقين المكلفين بأنهم لا يلاقون فيما شرع الله عسراً في حال.
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}:
روعي في هذا التعليل قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، والمعنى: أوجب عليكم إذا أفطرتم لمرض أو سفر عدة أيام أخر؛ لتكملوا عدة الأيام المفروض عليكم صيامها، فلا يفوتكم الأجر العظيم الذي يعده الله لصائمي الشهر كله.
(1/339)

{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}:
تكبير الله: تعظيمه. وهذا التعليل مراعى فيه الإذن للمريض والمسافر في الفطر على وجه الرخصة، ثم بيان كيفية قضائهما للأيام التي أفطرا فيها، والمعنى: أرشدكم إلى التخلص من مشقة الصيام في حال مرض أو سفر، وإلى كيفية القضاء، فجمع لكم على التيسير والحصول على أجر الصيام كاملاً؛ لتعظموه على هذه الهداية.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}:
هذه الجملة واردة مورد التعليل للترخيص والتيسير بالإذن في الفطر والقضاء من بعد. والشكر في الأصل: تصور النعمة وإظهارها. ويطلق بمعنى: الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله: أن يثني عليه بذكر النعمة التي أنعم بها عليه.
ومعنى الجملة: يسر لكم أمر الصوم، فرخص لكم في الفطر عند توقع مشقة زائدة على العادة، وجعل القضاء عندما ينقطع المرض أو السفر محصلاً للثواب الذي وعد به الصائمون، الذين لم يعرض لهم عذر يبيح لهم الفطر، شرع ذلك؛ لتتلقوه بالشكر الذي هو معدود في أفضل ما تتقربون به إليه.
(1/340)

تَفْسِير آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ
(1/341)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 186 - 188].
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}:
ظاهر نظم الجملة أنهم سألوا عن الله، والسؤال لا يكون عن الذوات، وإنما يكون عن شأن من شؤونها، ولكن الجواب -أعني: قوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} - يدل على أنهم سألوا عنه تعالى من جهة القرب والبعد، ويؤيده الأثر المروي عن أُبَيٍّ، وهو أن المسلمين قالوا: يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه "ندعوه سراً"، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي. . .}.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الحادي عشر من السنة الرابعة.
(1/343)

ولم يصدر الجواب بقُل، أو فقل؛ كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى، نحو: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه: 105]، بل تولى جوابهم بنفسه؛ إشعاراً بفرط قربه منهم، وحضوره مع كل سائل؛ بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات.
{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}:
يجيب الله دعوة الداعي إذا صدرت عن إيمان وخشوع قلب، وورد تقييد إجابة الدعاء بالمشيئة في قوله تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: 41]، وورد في الصحيح ما يدل على أن المؤمن إذا دعا بما فيه خير، لم يخب عند الله دعاؤه، ولكن لا يلزم أن يعطيه نفس ما طلبه.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يدعو الله -عَزَّ وَجَلَّ- بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل إليه دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".
{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}:
وعد الله العباد في الجملة السابقة بأنه يجيب دعاءهم إذا دعوه، وأمرهم في هذه الجملة بإجابة ما يدعوهم الله إليه من الطاعات. والاستجابة: الإجابة. والرشد: حسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا، وكأنه تعالى يقول: إني أجيب دعاءكم، وأنا ربكم الغني عنكم، فاستجيبوا أنتم لدعوتي، واذا استجبتم لها، فإنما تستجيبون ما فيه رشدكم الذي هو وسيلة سعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة، وأمرهم بالإيمان بعد الأمر بالاستجابة؛ لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة.
(1/344)

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}:
رويت آثار في أن الناس كانوا عندما فرض صوم شهر رمضان إذا أفطروا يأكلون ويشربون، ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا، امتنعوا، واتفق أن باشر بعضهم امرأته بعد أن نام، وشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ. . . إلخ} و. وليلة الصيام: الليلة التي يصبح منها الإنسان صائماً. والرفث: الفحش من القول، ويكنى به عن مباشرة النساء، وهو المراد من الآية.
{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}:
هذه الجملة واردة مورد المقتضى لإباحة مباشرة النساء ليلة الصيام، ذلك أن كلاً من الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له، وقد كانت العرب تسمي المرأة: لباساً، وهذا حال يقوى معه الداعي إلى المباشرة، فمن رِفقه تعالى أن أحلها لهم ليلة الصيام.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}:
هذا مظهر من مظاهر رفق الله بمن كانوا يباشرون أزواجهم قبل أن يحل الله لهم ذلك. و {تَخْتَانُونَ}: تظلمون وتنقصون، والمعنى: كنتم تظلمون أنفسكم، وتنقصون نصيبها من الخير بمباشرة أزواجكم قبل أن يحلها الله لكم، فقبل توبتكم، وعفا عنكم؛ أي: محا أثر ما فعلتموه بغير إذنه.
{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}:
هذا مرتب على قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ}. و (الآن): ظرف
(1/345)

لما يقع في الزمن الحاضر وما يقرب منه. و {بَاشِرُوهُنَّ}: من المباشرة، وأصلها: اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها عن الجماع كالملامسة، والأمر للإباحة.
{وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}:
ابتغوا: اطلبوا. و {مَا كَتَبَ اللَّهُ}: ما قضى به وقسمه، وأقرب ما يفسر به: الولد.
وهذا مشعر بأن النكاح شرع ليُبْتغى به النسل؛ حتى يتحقق ما يريده الله من بقاء النوع الإنساني. وإذا أضيف إلى النسل قضاء الشهوة، فلأن قضاءها قد يُبتغى للتعفّف عن الحرام، فيصح أن يدخل في معنى: {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}.
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}:
{الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره، و {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل. وجاء في الروايات الصحيحة: أن قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} تأخر نزوله عن الجمل السابقة له، في "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد، قال: "أُنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}، ولم ينزل: "من الفجر"، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار".
وورد في الصحيح عن عدي بن حاتم، قال: لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت
(1/346)

أنظر في الليل إليهما، فلا يتبين لي، فعمدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار"، ونزل قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ}.
ولما جعلت الآية طلوع الفجر غاية لإباحة المفطرات التي من جملتها المباشرة، دلت على أن الإنسان إذا مضى عليه وقت من النهار وهو جنب، كان صومه صحيحاً.
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}:
الأمر بإتمام الصيام إلى الليل ينبئ بأن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، وأن الليل ليس بوقت الصيام، فمن واصل الإمساك عن المفطرات في الليل، فلا ثواب له على هذا الإمساك؛ لأنه لم يقع في الوقت الذي رسمه الشارع لعبادة الصوم، بل يعدُّ هذا المواصل فاعلاً لمحظور، فلا بد للصائم من تناول شيء من المفطرات بعد الغروب، ولو شيئاً قليلاً من الماء. وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الوصال -وهو أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطراً في الليل الفاصل بينهما-، فقيل: يا رسول الله! إنك تواصل، فقال: "إني لست مثلكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني".
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}:
الاعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم. وفي عرف الشارع: لبث الرجل في المسجد مدة يقصرها على العبادة، ولا يخرج منه إلا لما تدعو إليه حاجة الإنسان مما يوجب إعادة الطهارة. ومن شروطه: الصوم، أو من سننه.
ولما أطلق في الجملة السابقة الإذن في مباشرة النساء ليلة الصيام،
(1/347)

كان ذلك الإطلاق مظنة لأن يراد منه إباحة المباشرة للصائم في جميع الأحوال والأماكن، فخُصَّ من سائر الأحوال: الاعتكافُ، ومن الأماكن: المساجد، فقال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}:
المشار إليه: الأحكام المقررة فيما سبق؛ من إيجاب وتحريم. والحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين المتقابلين؛ ليمنع من دخول أحدهما في الآخر. وسميت الأحكام حدوداً؛ لأنها تحجز بين الحق والباطل. والآيهَ واردة مورد النهي عن مخالفة تلك الأحكام. ومعنى: لا تقربوها: لا تأتوها بالمخالفة. ودل على النهي عن مخالفتها بالنهي عن قربها؛ مبالغة في التحذير من مخالفتها؛ لأن النهي عن القرب من الشيء نهي عن إتيانه نفسه بالأحرى. والآية تنبه بقولها: {فَلَا تَقْرَبُوهَا}؛ لاجتناب ما فيه شبهة، وترشد إلى ترك الأشياء التي تفضي في غالب أمرها إلى الوقوع في حرام.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}:
المعنى: مثل ذلك البيان الذي بَيَّن الله به الحدود المنهيَّ عن قربها بالمخالفة، يبين آياته؛ أي: أدلته للناس وحججه؛ لكي يتقوا حدوده فيما أمر به، أو نهى عنه، أو أباحه.
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}:
لا تأكلوا: لا تأخذوا. والمعنى: لا يأخذ بعضكم مال بعض، ويستولي عليه بغير حق. وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأكل أهم وسائل الحياة، وفيه تصرف الأموال غالباً. وهذه الآية أصل من الأصول التي يقوم عليه إصلاح المعاملات، وقد دلت على حرمة أكل أموال الناس بالباطل على وجه الإجمال،
(1/348)

وفصلت نصوص أخرى وأدلة وجوهَ أكل الأموال بالباطل؛ مثل: الغصب، والسرقة، والقمار، والربا، إلى ما هو مفصل في كتب الأحكام من المعاملات التي لا تختلف أنظار المجتهدين الراسخين في تحريمها.
{وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
{وَتُدْلُوا}: معطوف على: {وَلَا تَأْكُلُوا}، والإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر، ويستعمل في معنى الدفع والإلقاء. وعلى هذا المعنى يفهم قوله تعالى في الآية: {وَتُدْلُوا بِهَا}.
و {الْحُكَّامِ}: جمع حاكم، وهو الذي يفصل بين الخصمين.
والفريق: القطعة المعزولة من جملة الشيء. والإثم: الفعل الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب. ومعنى الإدلاء بالأموال إلى الحكام: إلقاء أمرها، أي: حكومتها وخصومتها إلى القضاة؛ لتأخذوا من طريق الحكم قطعة من أموال غيركم -أعني: خصومكم- بما يوجب إثماً؛ كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، أو تأخذوها متلبسين بالإثم في حال كونكم تعلمون أنكم على باطل. وإتيان الباطل مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به. وحُكْم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يُحل في الواقع حراماً، ولا يُحرم حلالاً.
ومن المحتمل القريب أن يفهم من نظم الآية: تحريم إعطاء مال للحاكم على وجه الرشوة. والمعنى: ولا تدلوا بأموالكم -أي: بعضها- إلى الحكام؛ لتتوصلوا بأحكامكم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق.
(1/349)

ولا غرابة في أن يعنى القرآن الكريم في سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة؛ فإنها المعول الذي يهدم صرح العدل من أساسه، وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها، ولا يبقى للجالسين على كراسيها كرامة. وللرشوة شَبَه بالسرقة؛ لأنها تؤخذ من يد مالكها خفية. وشبه بالغصب؛ لأنها تؤخذ منه تحت سلطان القضاء.
(1/350)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 189 - 193].
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ}:
بيّن تعالى في الآيات السابقة أحكاماً عملية، منها: صيام شهر رمضان، وهو -أي: الصيام- يتضمن النهي عن كل الطعام في أيام ذلك الشهر، ولو كان المأكول حلالاً، ومن راض نفسه عن الامتناع من أكل الحلال في نحو ثلاثين يوماً نهاراً من السنة، صار مستعداً لأن يمتثل النهي عن أكل الحرام في جميع حياته، فكان المقام بعد ذكر شرع الصيام مناسباً للنهي عن كل المال بغير حق في جميع أيام الحياة، فقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}.
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الثاني عشر من السنة الرابعة.
(1/351)

ثم إن حديث الصيام اتصل بشرط رؤية الهلال، وهذا ما يحرك في النفوس خاطر السؤال عن الأهلة، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ}.
{الْأَهِلَّةِ}: جمع هلال، وهو الكوكب الذي يطلع في أوائل كل شهر، ويسمى: هلالاً ثلاث ليال، أو سبع ليال؛ حيث يغلب ضوءه على ظلام الليل، ثم يسمى: قمراً إلى أن يعود من الشهر الثاني. ودلت الجملة على أن طائفة من الناس سألوا عن حال من أحوال الأهلة، وورد في بعض الروايات أن السائلين هم اليهود، وأنهم سألوا عن الحكمة من خلقها، وهذا ما يطابقه الجواب عن سؤالهم حيث وقع ببيان الحكمة فقال تعالى:
{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}:
المواقيت: جمع ميقات، وهو وقت يقدر لعمل من الأعمال، فالأهلة معالم يوقِّت بها الناس صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وعِدد نسائهم، ومُدد حملهن، ومدة الرضاع، وغير ذلك من آجالهم في تصرفاتهم المالية. وخص الحج بالذكر، مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى؛ كالصوم والزكاة، إيماء إلى أن الحج مقصور على الميقات الذي عينه الله تعالى له، وأنه لا يجوز نقله إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل؛ إذ كانوا ينقلون ما شاؤوا من الأشهر الحرم الأربعة -التي من جملتها ذو الحجة- إلى شهر آخر غير حرام، وهو النسيء المشار إليه بقوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].
وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهُرِها، دون الشمس وأشهُرِها؛ لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة والعامة أينما كانوا؛ بخلاف الأشهر الشمسية، فإن معرفتها تنبني
(1/352)

على النظر في حركات الفلك، وهي لا تتيسر إلا للعارفين بدقائق علم الهيئة.
وورد في سبب نزول الآية رواية أخرى ضعيفة تتضمن أن بعض الصحابة سألوا عن سبب تزايد الهلال في أول الشهر، وتناقصه في آخره، فأجيبوا ببيان حكمة خلقها: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، ومقتضى هذه الرواية وورود الجواب ببيان حكمة خلق الأهلة، لا ببيان المسؤول عنه، وهو سبب اختلافها بالتزايد والتناقص: أن تكون الآية من قبيل ما يسميه علماء البلاغة: "الأسلوب الحكيم"، فكأن المسؤول يقول للسائل: كان الأولى بك أن تسأل عن هذا الحال الذي أجبتك به، وهو في الآية حكمة خلق الأهلة، لا عن الحال الذي سألت عنه، وهو سبب تزايدها في أول الشهر، وتناقصها في آخره.
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}:
لما ذكر في الآية السابقة أن الأهلة مواقيت للحج، صح أن يوصل ذلك بإنكار عادة جرى عليها الأنصار في حجهم، فقال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}، هذه العادة، كما روي في سبب نزول الآية: أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية، لم يدخل بيتاً من بابه، بل كان يدخل من نقب في ظهره، أو يتخذ سلماً يصعد فيه، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من إتيان المنازل من أبوابها.
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى}:
تقدم أن البر اسم لخصال من الخير فُصلت في قوله تعالى {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ} [البقرة: 177] الآية. ولما كان معنى التقوى حاملاً لتلك الخصال السنية، اكتفى بذكرها هنا في بيان معنى
(1/353)

البر، فقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى}، فالبر نفس التقوى. وأخبر عنه بمن يوصف بالتقوى، فقال: {مَنِ اتَّقَى}، وقد تقدم أنه أسلوب معروف في كلام البلغاء؛ إذ يحذفون المضاف -الذي هو الخبر في المعنى- متى قام عليه دليل، وهو هنا الوصف الذي يحمله قوله: {مَنِ اتَّقَى}، والمعنى: ولكن البر تقوى من اتقى.
{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}:
تضمنت الجملة السابقة أن إتيان البيوت من ظهورها ليس من البر، وبقي محتملاً لأن يكون من المباح الذي لا حرج فيه، فقال تعالى آمراً بالكف عنه، ومرشداً إلى أنه ليس بجائز: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}. والأمر بإتيان البيوت من أبوابها يقتضي أن إتيانها من ظهورها باسم الدين غير مأذون فيه، وكل ما يفعل باسم الدين، وليس له في الدين من شاهد، فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}:
هذا أمر بالتقوى التي تتضمن القيام بجميع الواجبات، واجتناب البدع والمنكرات، فالمعنى: افعلوا ما أمركم الله به، واجتنبوا ما نهاكم عنه؛ لتكونوا من المفلحين، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة.
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}:
أمر بالتقوى، ثم عطف على ذلك الأمر بعمل من أجلِّ مظاهرها، وأعزِّ ما تبذل النفوس في التقرب به إليه تعالى، وهو الجهاد، فقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وهذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة. والمقاتلة
(1/354)

كالقتال: محاولة الرجل قتلَ من يحاول قتله. وسبيل الله: دينه. والمقاتلة في سبيل الله: الجهاد لإعلاء كلمته؛ حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء، لا يسومهم أعداؤه ضيماً، وأحراراً في الدعوة إليه، وإقامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب.
{وَلَا تَعْتَدُوا}:
الاعتداء: مجاوزة الحد فيما أمر الله به، أو نهى عنه. والمعنى: وقاتلوا لإعلاء كلمة الله من يناصبكم القتال من المخالفين، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم؛ كنسائهم، وصبيانهم، ورهبانهم، وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم، ويلحق بهؤلاء: المريض، والمقعد، والأعمى، والمجنون. وقد وردت بالنهي عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية، ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم، فهؤلاء يتجنب قتلهم، إلا من قامت الشواهد على أن له أثراً من رأي أو عمل في الحرب يؤازر به المحاربين لينتصروا على المجاهدين.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}:
هذا كالتعليل للنهي عن مجاوزة ما حده الله في قتال المخالفين. ومحبة الله لعباده: صفة من صفاته تعالى، من أثرها: الرعاية، والإنعام. وإذا نفى الله محبته لطائفة، فهو كناية عن بغضه لهم، واستحقاقهم لعقوبته.
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}:
الضمير في قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ} عائد إلى قوله: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}، و {ثَقِفْتُمُوهُمْ}: أدركتموهم، وظفرتم بهم. والمعنى: واقتلوا الذين ينا صبونكم القتال في أي مكان لقيتموهم فيه من حِلّ أو حَرَم.
(1/355)

{وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}:
حيث: ظرف مكان. والمكان الذي أخرجوهم منه: مكة؛ فإن المشركين من قريش اشتدوا في أذية المسلمين حتى ألجؤوهم إلى الخروج منها بالهجرة إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة ثانياً. والمعنى: أخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها.
{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}:
الفتنة: الابتلاء والامتحان والعذاب، والصرف عن الشيء، وكثر استعمالها في التضليل والصد عن الدين، ثم على الكفر. وهي في هذه الجملة ظاهرة في معنى ما عرف به المشركون من الصد عن الدين، وإيذاء من يتقبله. والمعنى: لا تبالوا قتلهم حيث أدركتموهم؛ فإن فتنتهم للمؤمنين أشد ضرراً من قتلكم لهم.
{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}:
أذن الله للمؤمنين في قتل الذين يناجزونهم القتال؛ دفعاً لشرهم أينما وجدوا. وجاءت هذه الجملة لاستئناء المسجد الحرام من المواطن التي يجدونهم فيها؛ مراعاة لحرمته، ما لم يفاتحوا المؤمنين فيه بالقتال، فإن فاتحوهم بالقتال فيه، كان دفع شرهم بالقتل أرجح من الكف عنهم، وذلك ما يدل عليه في صراحة قوله تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}. والمعنى: فإن بدؤوكم بالقتال عند المسجد الحرام، فلا حرج عليكم في قتلهم عنده؛ فإن المنتهك لحرمة المسجد إنما هو البادئ بالقتال فيه، لا المدافع له.
{كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}:
اسم الإشارة (ذلك) عائد إلى قتل المقاتلين أينما وجدوا. والجزاء:
(1/356)

ما يقع في مقابلة إحسان أو إساءة، فيطلق على ما يثاب به المحسن، وعلى ما يعاقب به المسيء، وهو معنى الجزاء هنا. وفي هذا تنبيه على أن قتل المقاتلين غير خاص بمن فاتحوا المؤمنين بالقتال من كفار قريش، بل هو جزاء لكل من يفعل فعلهم من المخالفين.
{فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}:
مساق حديث هذه الآية: الكافرون المقاتلون للمسلمين، فيكون معنى هذه الجملة المتفرعة عن حديثهم: فإن انتهوا عن الشرك، ومقاتلتكم، فكفوا عنهم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإن الله غفور رحيم. وكل من تاب من كفر أو معصية، فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه.
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}:
الضمير (هم) عائد على الذين يقاتلوننا. والفتنة: المحنة والعذاب والاضطهاد. والمعنى: قاتلوا أولئك المحاربين حتى تكسروا شوكتهم، ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق، بصدهم عن دينهم، ومنعهم من الدعوة إليه، وإخراجهم من ديارهم، أو التغلب على حق من حقوقهم. والآية تحذر المؤمنين من أن يستسلموا لمن يحاربونهم، ويقعدوا عن قتالهم كراهة للموت، أو جهلاً بسوء المنقلب الذي ينقلب إليه الواقعون تحت سلطان أعدائهم المستبدين.
{وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}:
الدين في اللغة: العادة والطاعة، ثم استعمل فيما يتعبَّد به الله، صحيحاً كان أم باطلاً. والدين الصحيح: ما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء؛ ليتوصلوا به إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل. ومعنى كون الدين لله: أن
(1/357)

يكون الدين الظاهر هو دين الله. وقد تم هذا بقتال المسلمين للمشركين، فلم يلتحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى حتى كان الدين الظاهر في جزيرة العرب ما كان طاعة وعبادة لئه.
{فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}:
العدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة، كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وهو بهذا المعنى لا يجوز ارتكابه مع أحد، ولو كان ظالماً، ولكن الآية قالت: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}، فظاهرها إباحة الاعتداء على الظالمين.
وتزاح هذه الشبهة من طريق فهم الآية أنها جرت على ما يجري في كلام البلغاء من تسمية جزاء الظلم والاعتداء: ظلماً واعتداء؛ لاتحادهما، أو تشابههما في الصورة.
ومما ورد من أقوالهم في هذا المعنى قولهم: "ظلمني فلان، فظلمته". وقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، فالاعتداء في قوله: {فَاعْتَدُوا} يراد منه: جزاء الاعتداء، فالعدوان في الآية يراد منه القتل حيث يرتكب جزاء للمقاتلين. والمعنى: فإن انتهوا عن قتالكم، فقد انتفى عنهم وصف الظلم، فكفوا عن قتلهم، فإن قتلتموهم بعد انتهائهم عن مقاتلتكم، فقد ارتكبتم معهم ما لا يرتكب إلا جزاء للظالمين.
(1/358)

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ
(1/359)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}:
ذكر الله تعالى في صدر هذه السورة فِرَقَ من بلغتهم دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم: المؤمنون المخلصون، المشار إليهم بقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 2 - 3]، والكافرون المجاهرون بالكفر، المشار إليهم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، والمنافقون، وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، المشار إليهم بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8].
وبعد أن وصف الله تعالى هذه الفرق، ودل على عاقبة كل فريق منهم،
__________
(1) ملخص درس من دروس التفسير التي كان يلقيها الإمام في دار جمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة. وقد نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" -الجزء الثاني عشر من المجلد الثالث عشر.
(1/361)

أقبل عليهم مخاطباً لهم بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فخطاب الأمر بالعبادة متوجه إلى الفرق الثلاث، أما الكافرون والمنافقون، فعلى معنى أمرهم بأداء العبادة، والمنافقون -وإن أدوا بعض العبادات- فإنهم يؤدونها خالية من شرط صحتها الذي هو قصد امتثال أمر الله تعالى، وأما المؤمنون، فأمرهم بالعبادة على معنى طلب ازديادهم منها، ومداومتهم عليها.
والخطاب يتناول الموجودين في هذه الفرق وقت نزول الآية، ومن سيوجد منهم إلى قيام الساعة، وخطاب الشارع -على هذا الوجه من العموم- معلوم من الدين بالضرورة.
ويصح جعل الخطاب في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} موجهاً إلى الكافرين خاصة، ويؤيده أن قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}، وقولى تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} إنما يليق بالمنكرين، ولكن إيراد الخطاب شاملاً لأقوام، ثم الانتقال بعد إلى خطاب فريق منهم، أسلوب مألوف في أساليب بلاغة اللغة العربية.
والعبادة الصحيحة ما تحقق فيها شرطان: قصد امتثال أمر الله تعالى، وموافقتها للهيئة المأخوذة عن الشارع، فالعبادة التي لا يقصد بها امتثال أمر الله، أو تفعل على وجه مبتدع، عبادة مردودة على وجه صاحبها.
وأورد الأمر بالعبادة في صيغة الخطاب المقرون بالنداء؛ اهتماماً بأمر العبادة، وتفخيماً لشأنها؛ ذلك أن صيغة الخطاب المصدر بالنداء، يهز داعية المخاطبين إلى استماع الكلام أكثر مما يهزها صيغة الغيبة، أو صيغة الخطاب من غير نداء.
(1/362)

والعبادة جديرة بالاهتمام وتفخيم الشأن؛ إذ للعبادة خلق الجن والإنس، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وفي قوله تعالى: {رَبَّكُمُ} تقوية لداعية امتثال الأمر، وتنبيه على أظهر شيء يدعوهم إلى أن يتوجهوا إليه بالعبادة، ويخصوه بها، وهو نعمة الربوبية. {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}:
أمر الله تعال بعبادته، وأتبع الأمر بما يدل على وجوده، وهو خَلق المخاطَبين، وخلق من قبلهم، والخلق: إيجاد الجواهر، وهو بهذا المعنى لا يوصف به إلا الله تعالى، ولا يصح إطلاقه على غيره بحال، ويقال بمعنى: التقدير والتسوية، وهذا المعنى يجوز نسبته إلى غير الله تعالى؛ كما وصف عيسى - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة: 110].
وقدم وصفه بخلق المخاطبين على وصفه بخلق من قبلهم، وكان مقتضى الترتيب الزمني أن يقال: "الذين من قبلكم، وخلقكم" ذلك أن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهرُ من علمه بأحوال غيره.
وللقرآن المجيد في الاستدلال على وجود الخالق تعالى طريقان: طريق الاختراع، وهو الاستدلال بما أبدعه - جل شأنه - من المخلوقات؛ مثل: إيجاد الحياة في الجماد، وطريق العناية بالإنسان، ويرجع هذا الطريق إلى موافقة وجود المخلوقات لوجود الإنسان؛ أي: إن خلقها كان لمنفعته؛ كما قال تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29].
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}:
ترد (لعل) في كلام العرب لرجاء المتكلم، وهو ارتقابه الشيء المحبوب،
(1/363)

أو إشفاقه؛ وهو ارتقابه الأمر المكروه، وكلا المعنيين مستحيل في حق علام الغيوب؛ فإن كلاً من الرجاء والإشفاق يكون عند تردد الشيء بين الوقوع وعدم الوقوع، إلا أن وقوعه هو الراجح في رأي المتكلم، ومن هنا قال بعض المفسرين: إن (لعل) في كلام الله تعالى لتحقيق ما يجيء بعدها، وهذا المعنى لا يجري في قوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]؛ فإن فرعون لم يتذكر، ولم يخش من دعوة موسى - عليه السلام - , والأقرب أن يقال: إن الترجي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها مصروف إلى المخاطبين؛ كآية: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ}، والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا أتقياء، والتقوى: بلوغ أقصى درجات العبادة.
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}:
الفراش في الأصل: مصدر فرش؛ أي: بسط، واستعمل هنا بمعنى اسم المفعول؛ أي: المفروش. والمعنى: بسط لكم الأرض، وذللها لكم حتى صارت صالحة للاستقرار عليها، والتقلب في مناكبها، والتصرف فيها بنحو الزراعة التي هي أصل المعاش. وهذا من قبيل الاستدلال بطريق العناية؛ فقد دل على أنه خلق الأرض على حال توافق مصلحة الإنسان، يشير إلى هذا قوله: {جَعَلَ لَكُمُ}.
وكون الأرض فراشاً؛ أي: مبسوطة، لا ينافي كونها على شكل كرة؛ لأن الكرة التي يعظم حجمها، تكون كل قطعة منها كالسطح، يتيسر الاستقرار عليه، والارتفاق به.
{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}:
البناء في الأصل: مصدر بنى، ويستعمل بمعنى: المبني؛ كما ورد
(1/364)

في هذه الآية، والمعنى: جعل السماء مبنية كالقبة المضروبة فوقكم، وفي هذا تنبيه لما يرونه عند النظر إلى السماء من بديع الكواكب السيارة والثابتة، ثم ينتقلون منها إلى ما يتصل بهذه الأجرام من منافع أنوارها، والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، وفوائد اختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك. وهذا وجه إلحاقها بطريق الاستدلال بالعناية.
وقدَّم الأرض على السماء؛ لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء، ولأن الإنسان بحال الأرض أعرف منه بحال السماء؛ لأن أول ما يحتاج إليه بعد الخلق المستقرُّ، وهو الأرض.
{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}:
يصح حمل السماء في الآية على معنى: السحاب؛ فقد قال علماء اللغة: كل ما علاك فهو سماء، فليست الآية منافية لما عرف من أن المطر يتولد من السحاب على الوجه المشار إليه بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: 43].
{فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}:
{الثَّمَرَاتِ}: جمع ثمرة، وهي ما يتطعم من أحمال الشجر والنجم، وهو ما لا ساق له من النبات، والباء في قوله: {بِهِ} للسببية. و {مِنَ} في قوله: {مِنَ الثَّمَرَاتِ} للتبعيض، والمعنى: فأخرج بالماء بعض الثمرات رزقاً لكم.
وقد أودع الله سبحانه في الماء خاصية كان بها سبباً لتغذية النبات ونموه، ومتى شاء -جل شأنه- نزَعْ هذه الخاصية من الماء، انتفت عنه سببية التغذية والتنمية.
(1/365)

وهذا أيضاً من قبيل الاستدلال بالعناية؛ إذ دل على أنه أنزل من السماء ماء؛ ليخرج به ثمرات تكون رزقاً للإنسان.
{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
الأنداد: جمع ند، والند: المماثل المكافئ، وفسر في الآية بمعنى: الشريك، فكل من عظَّم مخلوقاً التعظيمَ الذي لا يليق إلا بالله تعالى، فقد اتخذ ذلك المخلوق نِدّاً لله، وتتناول الآية مشركي العرب؛ لعبادتهم الأصنام، والصابئين؛ لعبادتهم الكواكب، والمجوس؛ لعبادتهم النار، والنصارى؛ لتعظيمهم المسيح - عليه السلام - تعظيماً لا يحق إلا لله.
وممن يجعلون لله أنداداً: أولئك الفرق الضالة الذين يعتقدون إلهية زعمائهم؛ كطائفة البهائية الذين يعتقدون إلهية زعيم مذهبهم.
ومن واجب دعاة الإصلاح: أن يراقبوا أحوال من يزورون قبور الصالحين، حتى إذا أحسوا من زائرٍ المبالغةَ في تعظيم صاحب القبر؛ كالانحناء أمامه في هيئة الراكع أو الساجد، نبهوه برفق، وأنقذوه من الوقوع في اعتقاد أن الولي يملك لنفسه أو لغيره نفعاً أو ضراً، وأعادوه إلى ما يوافق التوحيد الخالص؛ من أن النفع والضر من طريق غيبي إنما هو بيد الله الذي بيده ملكوت كل شيء.
والواو في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} للحال، والمعنى: فلا تجعلوا لله شركاء في حال أنكم من أهل العلم، ونسب العلم إلى أولئك المشركين؛ لأنهم كانوا يعرفون جانباً من دقائق أمور الدنيا، وغوامض أحوالها.
وفطنة العرب ودهاؤهم مما تشهد به أشعارهم وخطبهم وبعض محاوراتهم.
(1/366)

ويصح أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون أنه لا ند له؛ فإن من المشركين مَنْ كانوا يعتقدون بوجود الإله الحق، ويعبدون مع ذلك الأصنام بزعم أنها تقربهم إليه زلفى، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 9].
وعلى كلا الوجهين يكون قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تأكيداً للتوبيخ على اتخاذ الأنداد لله؛ فإن من يأتي الباطل، ومعه من العلم ما شأنه أن يمنعه من إتيانه، أو يأتي الباطل وهو يعلم بطلانه، يكون أسخف عقلاً، وأحط منزلة ممن يأتيه وهو معدود فيمن شأنهم الجهل بدقائق الأمور، أو الجهل بأن ما أتاه باطل، ومن هنا كانت زلة العالم أقبح من زلة الجاهل، وتناول الألسنة له بالإنكار على مخالفة أمر الله أشدّ من إنكارها على من يخالف أمر الله، وشأنه الجهل بالمخالفة، أو بالعواقب التي يصير إليها المخالفون عن أمر الله.
(1/367)

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ
(1/369)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 119 - 120].
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لما أودع في قلبه من الرحمة- شديدَ الحرص على قبول الناس لدعوته، دايمانهم بالحق الذي بعث به، حتى إذا لقي من المدعوين قلوباً نافرة، وأسماعاً غير واعية، ضاق صدره، واشتد حزنه، فكان فيما ينزل عليه من القرآن المجيد آيات لتسليته، والترويح عن نفسه، ومن هذه الآيات: آيات يذكره الله فيها بأنه هو رسول، وما على الرسول إلا البلاغ؛ أي: إنه غير مسؤول عن الناس إذا لم يؤمنوا برسالته، وشأن ذلك الحزن البالغ أن يعتري من كلف بأمر، فلم يقض ما أمر به، وعلى هذا الوجه من التذكير ورد قوله تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}:
(الحق) في الأصل: الحكم الصادق: ويطلق على الدين؛ لاشتماله على الأحكام الصادقة، فيفسر الحق في هذه الآية بالدين الذي هو الإسلام.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الأول من المجلد الحادي عشر.
(1/371)

و {بَشِيرًا}: من البشارة، وهي الخبر السار الصادق الذي لا علم للمخبر به من قبل. و {وَنَذِيرًا}: من النذارة، وهي الإعلام بالشيء، والتحذير منه، والمعنى: إنا أرسلناك بالدين الحق؛ لتبشر من أطاع بالنعيم المقيم، وتنذر من عصى بالعذاب المهين.
وقدم وصف التبشير على وصف الإنذار؛ لأن التبشير أقرب إلى طبيعة الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججاً قاطعة، شأنها أن تأخذ بالقلوب، فلا تحتاج إلى الإنذار، وإنما تحتاج إلى التبشير؛ لزيادة اطمئنانها، وإذا لم يُجب أقوام دعوته، فقد جاؤوا على خلاف ما تقتضيه حال الدعوة المحمدية من الإنذار؛ ذلك أن مع الرسول - صلوات الله عليه - حججاً، وأخذت من النفوس المأخذ الذي يناسب قوة دلائلها، أما الإنذار، فإنما يحتاج إليه في حال يقف فيه دون الدعوة جهل غليظ، أو عناد شديد.
ثم إن التبشير أقرب إلى القصد من الرسالة؛ لأنه يتعلق بما هو رحمة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أرسل رحمة للعالمين، وأما الإنذار، فيتعلق بما هو عذاب، والعذاب غير مقصود من الرسالة، إنما يقع جزاء لمن استكبر عنها، ولم تبلغ منه قصدها.
واقتصار الآية على وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبشارة والنذارة لا ينفي أن يكون من مقاصد رسالته التي يسأل عنها أحكام المعاملات والجنايات التي قررتها شريعته الغراء؛ لأن شدة حزنه على أولئك الطوائف المصرين على كفرهم، هو حال من يعتقد أنه مسؤول عن عدم إيمانهم، فاقتضى هذا الحال أن يذكر بأن واجبه إنما هو القيام بالوسائل الموصلة إلى الإيمان، والباعثة على
(1/372)

العمل الصالح من بيان الحق والبشارة والنذارة، أما نفس إيمان المدعوين، أوطاعتهم، فغير داخل في واجبات رسالته.
وقوله تعالى: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}: قرئ (تسأل) بصيغة المبني للمجهول، وحرف (لا) للنفي، والمعنى: أنك لست مسؤولاً عمن بلغتهم الرسالة، وأقمت عليهم الحجة إذا لم يؤمنوا، وقرئ بصيغة المبني للفاعل، وحرف (لا) للنهي، وفي الآيات على هذه القراءة تهويل لعقوبة الكافرين، والنهي عن السؤال عن شخص أو أشخاص، أسلوب معروف في كلام العرب يشيرون به إلى أن حال المنهي عن السؤال عنه بالغة في الفظاعة حيث لا يستطيع السامع أن يسمع حديثها، أو لا يستطيع المخبر أن يجريه على لسانه.
و {الْجَحِيمِ}: النار إذا شب وقودها، وقال: {أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}، ولم يقل: الكافرين؛ ليدل على جزاء كفرهم، وهو عذاب الجحيم يتقلبون فيه المرة بعد المرة على ما يقتضيه معنى الصحبة.
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}:
كان - صلى الله عليه وسلم - يلاطف طوائف من اليهود والنصارى؛ حرصاً على دخولهم في الإسلام، فأخبره الله، وهو علام الغيوب: أنهم مصرون على كفرهم، ولا يرجى منهم الرضا عنه في حال، وجاء الإخبار عن إصرارهم في أقوى وجه من وجوه المبالغة؛ إذ سد كل طريق من طرق رضاهم عن النبىِ - صلى الله عليه وسلم -، إلا طريقاً واحداً هو اتباعه لملتهم، وهذا الطريق نفسه يستحيل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم منه، فالآية أفادت أنهم مصرون على الكفر إصراراً لا يرجى لهم الرجوع عنه، حتى لا يجهد النبي - صلوات الله عليه - نفسه في دعوتهم، أو
(1/373)

يقضي وقتاً في ملاطفتهم.
وإذا كانت الآية واردة في فريق من اليهود والنصارى أصروا على كفرهم عناداً، ولم تفد الحجة والملاطفة في دعوتهم، لم يرد على الآية أن فريقاً من اليهود والنصارى قد دخلوا في الإسلام، ورضوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن يتبع ملتهم، ومن الخطأ أن يقوم رجل بدعوة طوائف من اليهود أو النصارى إلى الدين الحنيف، فيقول له قائل يريد تثبيطه عن الدعوة: إنما تجد نفسك في عبث، ويتلو عليه هذه الآية.
وتقديم اليهود على النصارى في هذه الآية؛ لتقدم اليهودية على النصرانية في الظهور، ولأن اليهود كانوا أشد عداوة للمؤمنين، وأبعد قلوباً من الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحرص على إيذائه وإيذاء من آمن برسالته.
وأضاف الملة إلى اليهود والنصارى مفردة، مع أن لكل فريق ملة؛ تنزيلاً للملتين منزلة واحدة؛ لاشتراكهما في الوجه الذي نهى الله عن اتباعهما من أجله، وهو الاشتمال على ما لا يسمى هداية، ولا يدني المتعلق به إلى سعادة.
وهذا الذي أخبر به القرآن الكريم عن اليهود والنصارى، إما أنهم كانوا يضمرونه في نفوسهم، وإما أنهم كانوا يقولونه بألسنتهم، وعلى أي حال كان، يستدعي جواباً، وقد أرشد الله نبيه الكريم إلى الجواب بقوله:
{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}:
هدى الله: هو الإسلام، وقد دلت الآية على أن الإسلام هدى، وأن غيره من الملل ليس بهدى، دلت على هذين المعنيين بإيراد المسند الذي هو كلمة {الْهُدَى} معرفة، ثم بوضع ضمير الفصل بينه وبين المسند إليه الذي
(1/374)

هو {هُدَى اللَّهِ}؛ فإن هذا الأسلوب يفيد قصر المسند الذي هو {الْهُدَى} على المسند إليه الذي فسرناه بالإسلام. والمعنى: أن الهدى مختص بالإسلام، لا يتعداه إلى غيره من الملل.
أما أن الإسلام هدى، فإنه يدعو إلى الخير دعوة حكيمة جامعة؛ كما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]؛ أي: تبياناً لكل ما تكمل به النفوس البشرية، وتصل به إلى سعادتها في الدنيا والآخرة، وأما أن غيره من الملل ليس بهدى، فلما دخلها من التحريف، وما أضيف إليها من الاراء الصادرة عن الهوى.
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}:
الأهواء: جمع هوى، وهو في الأصل: ميل النفس إلى ما تلذه من خير وشر، ومن استعماله في الخير قول عائشة -رضي الله عنها- للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"؛ أي: رضاك، وكثرة استعمال الهوى في ميل النفس المذموم، ويدخل في هذا القبيل: كل هوى ينشأ عنه رأي أو قول لا يوافق العلم الصحيح، وأهواء أهل الكتاب التي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتباعها: آراؤهم، وأقوالهم الصادرة عن الهوى، والعلم الذي يمنع من اتباع أهواء المخالفين: ما أخذ من طريق الوحي مباشرة، أو أخذ من طريق النظر في الأدلة التي نصبها الشارع للعقول.
وقوله: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} نفي لأن يكون الله ولياً له أو ناصراً على تقدير أن يتبع هذه الأهواء، وولاية الله للرسول أو غيره من المؤمنين: رعايته له، وتوفيقه إياه لما فيه الخير، ونصره إياه: تأييد جانبه،
(1/375)

وكف أيدي المعتدين عنه؛ حتى يفوز بالسلامة منهم، والظهور عليهم.
واستعملت (إن) للشرط في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ}؛ لأنها تستعمل ك (لو) لفرض وقوع فعل الشرط، ولو مع القطع بعدم وقوعه، وكذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهواء اليهود والنصارى غير محتمل الوقوع، وإنما ذكر على وجه الفرض، وبني عليه ذلك الوعيد البالغ؛ ليزداد - عليه الصلاة والسلام - في الاحتراس من آرائهم قوة؛ كما قال تعالى في آية أخرى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49].
وفي توجيه الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إشعاراً بأنه -وهو صاحب تلك المكانة العليا، والأعمال الصالحة التي تملأ ليله ونهاره- لو اتبع أهواء اليهود والنصارى، لفقد الولاية والنصر من الله، فغيره من الناس أحرى بأن يجازى بالحرمان من تلك النعمتين العظيمتين إذا تعلق بآراء المخالفين دون ما قضى به الله، ومن فاتته ولاية الله وتأييده، عاش في الدنيا مضطرب القلب، منكود الحياة، واذا قضى نحبه، فإلى هون وعذاب.
ويفهم من الآية بعد هذا أن من عمل على مقتضى العلم المستند إلى هداية الله، ونبذ آراء المخالفين التي لا توافق هذا العلم، فإنه يظفر بولايه الله الضافية، ونصره العزيز، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4].
(1/376)

تَفْسِيْرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
(1/377)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 52 - 55].
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ}:
الضمير في قوله: {مِنْهُمُ} هو عائد إلى بني إسرائيل المشار إليهم في الآية السابقة بقوله: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 49]. والإحساس في الأصل: الإدراك بإحدى الحواس الخمس، واستعمل هنا في العلم على وجه المجاز؛ إذ العلم لازم للإدراك بإحدى الحواس.
والذي أحسه عيسى - عليه السلام - بعد دعوتهم: إصرارهم على الكفر، وعتوهم فيه، ومن المظاهر التي علم منها هذا الإصرار والعتو: إيذاؤهم له بنحو الاستهزاء.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الثامن عشر.
(1/379)

{قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ}:
والخطاب في قوله: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} موجه إلى من آمنوا به، والمراد من الاستفهام: الطلب، والأنصار: جمع نصير، ونظيره: أشراف جمع شريف، وقوله: {إِلَى اللَّهِ} واقع موقع الحال من قوله: {أَنْصَارِي}، والمعنى: من ينصرونني منهين نصرتهم إلى الله، ومعنى إنهاء نصرتهم إلى الله: قيامهم بها يريدون وجه الله دون قصد غاية أخرى، فنصرة عيسى - عليه السلام - من جهة أنه رسول، ونصرة رسول الله نصرة لله؛ أي: تأييد لدينه، فهي من الأعمال الصالحة المقدمة إلى الله، ومن هنا كان قول الحواريين: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أحسن وقعاً من أن يقولوا: نحن أنصارك.
ونصرتهم لعيسى - عليه السلام -: بحمايته من أولئك الكافرين، ودفع أذاهم عنه، أو بدعوتهم إلى الدين الذي جاء به، وتأييده بالحجة، ولا تحمل على الجهاد؛ إذ لم يثبت أن عيسى - عليه السلام - قد أمر به.
{آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}:
وقوله: {آمَنَّا بِاللَّهِ} واقع موقع التعليل لقولهم: نحن أنصار الله؛ إذ لا دافع إلى نصرة دين الله غير الإيمان به إيماناً صادقاً، ثم قالوا: {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، فأكدوا إسلامهم إذ جعلوه مما يصح أن يشهد به الرسول، وهو لا يشهد بإسلام إلا أن يكون على علمٍ من صدقِ صاحبه وإخلاصه
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ}:
ثم انتقلوا من خطاب عيسى - عليه السلام - إلى مناجاة الله تعالى، فقالوا: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ}، وهذا عرض لحالهم على الله
(1/380)

تعالى، فقولهم: {آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} إخبار عما انطوت عليه نفوسهم من الإيمان الصادق، وقولهم: {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} تصريح يقتضيه الإيمان الصحيح من امتثال المأمورات، واجتناب المحظورات؛ إذ لا يتم اتباع الرسول إلا بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، وإن لم يوجد له ماخذ من الكتاب الذي أنزل عليه، والله يعلم إيمانهم وصالح أعمالهم، وإنما قصدوا تقديم وسيلة إلى استجابة دعائهم بقولهم:
{فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}:
والشاهدون: الذين يشهدون بالتوحيد، وما لا يتم الإيمان إلا به، أو الأنبياء - عليهم السلام -؛ فإنهم شهداء أممهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41].
وبعد أن قص حال المؤمنين بعيسى - عليه السلام - , عاد إلى الحديث عن أولئك الكافرين، وأشار إلى ما كانوا يأتمرون به من قتله، مقروناً بوعيد بالغ، فقال تعالى:
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}:
والمكر: إيصال المكروه إلى الشخص على وجه يخفى، فيصح إسناده إلى الله تعالى من غير حاجة إلى دعوى المشاكلة، وقد أسند إليه تعالى ابتداء في قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99].
وفي إسناد المكر بهم إلى الله إيذان بأن المكر الواقع بهم أعظم من المكر الذي بيتوه لعيسى - عليه السلام -، وجاء هذا المعنى مصرحاً به في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، وكان مكر الله خيراً من مكرهم؛ لأنه نافذ
(1/381)

لا محالة، ولا يقع إلا حيث يقتضيه العدل.
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}:
و (إذ) في قوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى} ظرف يتعلق بقوله: {وَمَكَرَ اللَّهُ}.
والتوفي في أصل اللغة: أخذ الشيء وتسلمه، تقول: توفيت ديني من فلان؛ أي: قبضته منه، ثم استعمل في الموت على وجه المجاز؛ لأن من أماته الله، فقد توفاه، فيكون هذا الاستعمال من قبيل إطلاق اسم اللازم على الملزوم.
فإذا ورد التوفي في كلام عربي، حُمل على الأخذ والتسلم حتى تقوم قرينة على أن المراد منه: الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد.
وورد التوفي في آيات يتعين صرفه فيها إلى معنى الأخذ والقبض، ولا يصح حمله على الموت؛ كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42]، فمعنى التوفي هنا: الأخذ والقبض، ولا يصح تفسيره بالموت؛ لأنه جعل من الأنفس المتوفاة ما لم تمت، فقال: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ}، وقال: {وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}، وكما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60]، فجعل التوفي هنا مقابلاً للبعث في النهار، ولم يجعله مقابلاً للموت.
ويدلكم على أن التوفي إنما يستعمل في الموت على وجه المجاز المصحوب بقرينة: أن القرآن لا يأتي به في مقابلة الحياة، وإنما يقابل
(1/382)

الحياة بلفظ الإماتة؛ كما قال تعالى: {يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الجاثية: 26]، وقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الأنعام: 95].
ونبني على هذا صحة تفسير {مُتَوَفِّيكَ} بمعنى: آخذك وقابضك؛ فإنه تفسير تتقبله اللغة، وله نظائر في آيات الذكر الحكيم، وانظر في قول عيسى - عليه السلام - فيما قصه الله عنه في آية أخرى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117]؛ حيث قابل التوفي بحال كونه فيهم، ولم يقابله بالحياة؛ كأن يقول: ما دمت حياً، وهذا ظاهر في أنه لم يرد من التوفي: الإماتة.
هذا ما نختاره في فهم قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}، وحملت طائفة التوفي على معنى: الإماتة، مع إيمانهم بأن عيسى - عليه السلام - رفع إلى السماء، وأنه سيموت من بعد، وأبدوا لتقديم قوله: {مُتَوَفِّيكَ} على قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وجهاً غير بعيد، هو أن اليهود قرروا قتله، فاقتضى الحال المبادرة إلى بشارته بأن أيديهم لا تصل إليه بالقتل، وأنه يموت على فراشه الموت المعتاد.
{وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}:
هذا ظاهر في رفعه بجسده، ومستبعد جداً أن يراد منه: رفع مكانته؛ لأن الخطاب لعيسى - عليه السلام - وهو روح وجسد، فيحمل على أنه قد تعلق بهما حتى يقوم دليل على أنه تعلق بواحد منهما فقط.
ومما يبعد تفسير الرفع برفع مكانته: أنه قال تعالى في آية أخرى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157 - 158]، وهذا رد على اليهود، وتكذيب لهم في دعوى أنهم قتلوه، ولا يكون رداً عليهم وتكذيباً إلا إذا
(1/383)

كان الرفع لجسده، إذ لا يحسن أن يرد على من قالوا: قتلنا المسيح بأن الله رفع درجته، وإنما يكون قوله: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} رداً على ما قاله اليهود لو قالوا: إن عيسى قلاه ربه، وأبعده، أو حط مكانته.
ويؤيد فهم الآية على معنى رفعه بجسده: أن النصارى يعتقدون أن عيسى - عليه السلام - رفع بجسده، فلو لم يكن عيسى قد رفع بجسده، لما جاءت الآية على هذا الوجه الذي يوافق معتقدهم، بل يؤتى بعبارة أخرى تبطل هذا الاعتقاد؛ كما أبطل زعمهم أنه قتل وصلب، أو يأتي بعبارة لا تجاري على الأقل مذهبهم.
{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}:
تطهيره - عليه السلام - منهم بإبعاده عنهم، وهذا في نفسه محتمل لأن يطهره منهم بالهجرة من أوطانهم، ولأن يطهره برفعه إليه من أرضهم، والهجرة من أوطانهم لم يشر إليها القرآن كما أشار إلى هجرة إبراهيم وموسى ونبينا محمد -صلوات الله عليهم-، ولم تثبت بها رواية، أما رفعه، فقد دل عليه قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157]، وقوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، فيكون قوله: وَمُطَهِرُكَ تأكيداً لقوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، ومشيراً إلى أن من كفروا به نجس، لا ينبغي للطيب الذي يئس من هدايتهم أن يبقى متصلاً بهم، وفال: {مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ولم يقل: {مِنْهُمْ} إيماء إلى علة نجاستهم التي هي الكفر.
{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}:
هذه بشارة ثالثة لعيسى - عليه السلام -، هي أن المتبعين له يكونون أعلى ممن كفروا به، وكان المتبعون له قبل الإسلام النصارى الذين آمنوا
(1/384)

به إيماناً صحيحاً، والمتبعون له بعد الإسلام هم المسلمون؛ لأنهم اتبعوه في أصول الدين، واتبعوا النبي الذي بشر به، ودعا إلى الاقتداء به.
ولا شك أن المؤمنين بعيسى - عليه السلام - إيماناً صادقاً يعلون الكافرين بالحجة والقلب عند المجادلة في الحق، ويعلونهم بالسلطان متى أخذوا بوسائل القوة كما يقتضيه معنى الاتباع، فلو أن قوماً يصدقون برسالة عيسى - عليه السلام -، ولكنهم اتبعوا الشهوات، ولم يعدوا للكافرين به ما استطاعوا من قوة، لما تناولهم هذا الوعد الصادق، ولما كان علو الكافرين عليهم بالسلطان -لو وقع- موضع اشتباه، ومثار استشكال في تحقق ما وعدت به الآية.
{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}:
ثم وجه الخطاب إلى عيسى - عليه السلام - ومن اتبعوه، ومن كفروا به، فقال: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ}؛ أي: مصيركم {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمور الدين، وإذا رفع المهتدين إلى جنات النعيم، وأحاط الغاوين بعذاب مهين، فقد حكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.
(1/385)

تَفْسِيرُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
(1/387)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
وردت الآيات السابقة لهذه الآية في حال من انهزموا يوم التقى المؤمنون والمشركون في يوم أحد، وتضمنت تلك الآيات الكريمة استحقاقهم للملامة والتعنيف؛ حيث تولوا منهزمين، وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجاه العدو، ولو جرى معهم رسول الله - صلوات الله عليه -، على ما يستحقون، لقابلهم بالعتاب والتوبيخ، ولكنه لاقاهم في رفق، ولم يواجههم باللوم، وذلك معنى قوله تعالى:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}:
فالفاء في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ} للترتيب؛ لأنهم فروا من مواطن الجهاد، واستحقوا اللوم والتأنيب، فقابلهم - عليه الصلاة والسلام - باللين، و (ما) في قوله تعالى: {فَبِمَا} مزيدة للتأكيد؛ أي: تأكيد الاختصاص الذي دل عليه تقديم الجار والمجرور؛ أعني قوله: (بما رحمة) على الفعل؛ أعني: قوله:
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الثالث من المجلد الحادي عشر.
(1/389)

{لِنْتَ}، والمعنى: ما لنت لهم إلا برحمة من الله، ونظيره قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ} [المائدة: 13]؛ أي: ما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم.
والرحمة يوصف بها الإنسان، فتكون بمعنى العطف والحنو، وهذا المعنى الذي هو رقة القلب لا يصح أن تفسر به الرحمة الواردة وصفاً للباري -جل جلاله- , بل نقول: إن رحمة الله صفة ثابتة له تعالى، لا نعلم حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو إيصال الخير، كما أننا لا نعلم حقيقة علمه تعالى، وإنما نعرف أنه صفة تحيط بالأشياء على ما هي عليه.
دلت الآية على أن لينه - عليه الصلاة والسلام - لمن خالفوا أمره، وتولوا عن موقع القتال، إنما كان برحمة من الله. فالله حقيق بحمد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ وفقه لفضيلة الرفق بأولئك المؤمنين، وحقيق بحمد أولئك المؤمنين؛ إذ كان لين رسول الله إنما هو أثر من أثر رحمة الله.
{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ}:
الفظاظة: الخشونة. وغلظ القلب: قسوته. والانفضاض: الانصراف، والمعنى: لو كنت خشناً في قولك أو فعلك، قاسي القلب، لانصرفوا من مجلسك، ولما استضاؤوا بنور هديك، والفعل الواقع بعد (لو) الشرطية في حكم المنفي، فقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} ينفي عنه - عليه الصلاة والسلام - الفظاظة التي تظهر في قول أو فعل، وقوله: {غَلِيظَ الْقَلْبِ} ينفي عنه سبب الفظاظة الذي هو جفاء الطبع، وبهذا يثبت له - عليه الصلاة والسلام - لين الجانب، وسماحة الخلق، وكأن الآية تقول: هو لين في قوله وفعله، وإن لينه هذا لم يصدر عن أمر عارض من نحو رغبة أو رهبة، بل كان عن طبيعة كريمة في النفس.
(1/390)

وليعتبر في هذه الآية من يتولى أمراً يستدعي أن يكون بجانبه أصحاب يظاهرونه عليه، حتى يعلم يقيناً أن قوة الذكاء وغزارة العلم وسعة الحياة وعظم الثروة، لا تكسبه أنصاراً مخلصين، ولا تجمع عليه من فضلاء الناس من يثق بصحبتهم إلا أن يكون صاحب خلق كريم من اللين والصفح والاحتمال.
وطبيعة اللين وسماحة الخلق، لا تنافي مزية الحزم، والأخذ بالتي هي أشد عندما يقتضي الحال ذلك:
إذا قيل رفقاً قال للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وتمييز موضع اللين من موضع الشدة يرجع إلى ذكاء الإنسان، وإدراكه لطبائع الأشخاص الذين ينالونه بمكروه.
{فَاعْفُ عَنْهُمْ}:
العفو: عدم المؤاخذة على الإساءة مع القدرة على المؤاخذة عليها، والحلم: ضبط النفس في هيجان الغضب، وإذا قيل: إن العفو والحلم متقاربا المعنى، فلأن عدم المؤاخذة على الإساءة المسمى عفواً إنما يعد في مكارم الأخلاق متى صار طبيعة للنفس، وإذا صار طبيعة لها، سهل ضبطها عن هيجان الغضب، وكذلك ضبط النفس عن هيجان الغضب يعد في مكارم الأخلاق بالنظر لما يتبعه من عدم المؤاخذة على الإساءة، فأمر الرجل بأحد الوصفين: العفو والحلم، أو مدحه به، يغني في نظر علماء الأخلاق عن أمره أو مدحه بالآخر.
والعفو الخالص: أن لا يؤاخذ الرجل بالإساءة، ولا يبقى له في نفسه أثر من غيظ، حتى يكون حاله في معاملة المسيء، وحبه له الخير، كحاله
(1/391)

لو لم يسئ إليه.
أُمر - عليه الصلاة والسلام - بالعفو، وإنما يعفو فيما يختص به من الحقوق؛ كأن يؤذيه شخص في مال، أو يسيء إليه بكلمة جافية لا تبلغ حد الكفر، وأما الإساءة فيما هو حق الله؛ كترك الصلاة أو الصيام، أو شرب الخمر، فلا يملك عنه إلا الله، قالت عائشة -رضي الله عنها- فيما روي في الصحيح: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتصراً من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله".
وكان - صلى الله عليه وسلم - المثال الأكمل في هذا الخلق العظيم، وشواهد هذا ثابتة في كتب السيرة والحديث.
{وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}:
اطلب لهم من الله المغفرة للذنوب المتعلقة بحقوقه تعالى، وأما الجنايات المتعلقة بحقوق العباد؛ من نحو: الجناية على مال شخص، أو بدنه، أو تناوله بغيبة، أو لمز، فأمر العفو عنها قد جعله الله في أيدي المجني عليهم، ووكله إلى رضاهم.
فعفوه - عليه الصلاة والسلام - عمن يسيء إليه، ودعاؤه لمن يقع في مخالفة أمر الله بالمغفرة، أوضحُ شاهد على أنه كان يحمل لأصحابه العطف الخالص، والشفقة التامة، وإذا رأينا في سيرته أنه كان يقيم الحدود، ويعاقب المعتدين على حق من حقوق الله، أو حقوق العباد، من غير لين، فلحفظ الدين، أو لإقامة العدل، أو لتقرير الأمن.
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}:
المشاورة في الأمر: المراجعة فيه لاستطلاع الرأي الصالح؛ أي:
(1/392)

راجعهم في الأمر لترى رأيهم فيه. والمراد من الأمر: ما يعرض من أمور الدنيا؛ من نحو: تدبير الحروب، وأما أمور الدين، فقد أغناه الله عن الشورى فيها بما ينزل عليه من الوحي، أو بالاجتهاد الذي ينظر فيه بنور الله إن قلنا: إنه كان - عليه الصلاة والسلام - يجتهد في بعض الأحكام العملية.
وهذه الآية قررت أصلاً عظيماً من أصول السياسة الرشيدة، وهو: أن لا يستبد ولي الأمر في تصريف الأمور دون أن يأخذ رأي أولي العلم، وقد قررت هذا الأصل بأبلغ وجه؛ إذ وجهت الأمر فيه إلى أكبر الناس عقلاً، وأعرفهم بطرق المصالح، وأقلهم حاجة إلى الاستعانة برأي غيره، وهو أكمل الخليقة - صلوات الله عليه -، فليس لأحد بعد هذا أن يتخيل أنه في غنى عن المشاورة بما أوتي من كمال العقل وسداد الرأي.
وفي الشورى: استبانة الرأي الحق من بين آراء متعددة، وفيها: تطييب خواطر من يهمهم أن يدبر الأمر على بصيرة، وفيها: تأليف قلوبهم؛ بما في مراجعة ولي الأمر لهم من التنبيه على رفعة أقدارهم في نظره.
وقد يتوهم الرجل: أن الاستشارة تنبئ عن الاحتياج إلى رأي غيره، فهي من علامات اعتقاده بضعف رأيه، والحقيقة أن الإنسان -وإن بلغ عقله الغاية- لا يستغني عن الاستعانة في مشكلات الأمور بآراء الرجال؛ إذ العقول قد تكون نافذة في ناحية من الأمر، واقفة عند الظاهر في ناحية أخرى منه، ولعلك لا تجد عقلاَّ فَي الناس ينفذ في كل ناحية وجهته إليها، ومن أدرك هذه الحقيقة، عرف يقيناً أن احتياج الإنسان إلى الاستشارة من مقتضيات الفطرة البشرية، ومن يجري على مقتضى الفطرة البشرية التي ليس في طاقته الخروج عنها إلا بعصمة من الله، لا يحق لأحد أن ينسبه إلى نقص. وإن
(1/393)

قلنا على وجه الفرض: إن احتياج الرجل إلى رأي غيره في بعض الأمور نقص، فإنا إذا وضعنا هذا النقص في كفة، ووضعنا الفوائد التي تحصل من الاستشارة في كفة، رجحت هذه الفوائد، وغطت على ذلك النقص، حتى كأنه ذهب، ولم يبق له عين ولا أثر.
{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}:
العزم على الشيء: عقد الضمير على فعله، والتوكل على الله: الاعتماد عليه، والثقة به، والآية ظاهرة في أن التوكل يكون عند تعاطي الأسباب، فقد أمرت بالتوكل عند العزم على العمل، فهنالك عزم وعمل يقارنهما التوكل، وفي هذا رد على من يتوهم أن التوكل نفض اليد من الأسباب جملة، ومن أثر هذا التوهم: أن وجد في الأمة أشخاص يرضون بأن يكونوا عالة على الناس، وهم قادرون على أن يقوموا بمطالب حياتهم، ويعيشوا في عزة وكرامة.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}:
المحبة من الإنسان: ميل الطبع إلى الشيء، وهذا المعنى ممتنع في حق البارئ -جل جلاله- , فإذا أضيفت المحبة إليه تعالى، فهي صفة ثابتة له تعالى لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف من آثارها: إيصال الخير إلى المحبوب، وحفظه في الدنيا، وإعلاء منزلته في الدار الباقية.
(1/394)

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الأَنْفَالِ
(1/395)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 24 - 26].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}:
وصف المخاطبين بالإيمان، وأورد الخطاب في صيغة النداء، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؛ ليقوي داعيتهم إلى امتثال ما أمرهم به بعد، فإنَّ وصفهم بالإيمان إيذان بأن فيهم ما يبعث على حسن الطاعة، وهو الإيمان الذين يستدعي إجلال الأمر، وخوف مقامه، أو رجاء أنعامه، وصيغة النداء تجعلهم كأنهم في حضرة رب العالمين، وهو يسمعهم شهادته لهم بالإيمان، ويدلهم على ما فيه حياة العزة والكرامة.
وقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا} أمر من الاستجابة، وهي الإجابة والامتثال، وطاعة الرسول هي طاعة الله؛ كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
__________
(1) مجلهَ "الهداية الإسلامية" - الجزء الثاني من المجلد الحادي عشر.
(1/397)

اللَّهَ} [النساء: 80]، ولكنه أمر بها بعد الأمر بطاعة الله؛ للدلالة على وجوب طاعة الرسول فيما جاء به مما ليس في القرآن المجيد، وأكد هذا الأمر بإعادة حرف الجر مع حرف العطف، فقال: {وَلِلرَّسُولِ}، مع صحة أن يقال: "والرسول".
والأمر بالاستجابة لله وللرسول يقتضي أن يقال: (إذا دعواكم) مسنداً إلى ضمير الاثنين، وإنما أفرد الضمير، فقال: {إِذَا دَعَاكُمْ}؛ تنبيهاً على أن دعوة الرسول هي دعوة الله، فإسناد الدعوة إلى الرسول يغني عن إسنادها إلى الله، وإنما قلنا: إن الضمير في قوله: {دَعَاكُمْ} عائد إلى الرسول؛ لأن الرسول هو المباشر للدعوة، ولأنه أقرب مذكور في نظم الآية.
وهذه الآية إحدى الشواهد الناطقة بأن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد طرق التشريع، وأنه كالكتاب في العمل بما يتضمنه من الأوامر والنواهي. وقد ضل قوم السبيل، فزعموا أن التشريع مقصور على القرآن الكريم، واطرحوا الأحاديث، وأملت عليهم الزندقة حديث: "ما أتاكم عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله، لم أقله". قال يحيى بن معين: هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عارض بعض أهل العلم هذا الحديث المصنوع بيد الزندقة، فقالوا: نحن عرضنا هذا الحديث على كتاب الله، فوجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ إذ وجدنا كتاب الله يأمر بطاعة الرسول، ويحذر من المخالفة عن أمره في كل حال.
وقوله تعالى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} يتعلق بقوله: {دَعَاكُمْ}، والمعنى: أجيبوا الله والرسول إذا دعاكم الرسول لما يحييكم الحياة الطيبة في دنياكم وآخرتكم، وهي الطاعات، ولا ريب أن امتثال أوامر الدين واجتناب نواهيه،
(1/398)

يورثان الحياة الطيبة في الأولى والآخرة، ومما يحيى المؤمنين الحياة الطيبة: جهاد العدو المحارب، ذلك أن العدو إذا استولى على الأمة، قبض على زمام أمرها بيد غاشمة، وأقام بينها وبين القوة والعزة حواجز، فلا تعيش إلا في ضعف وذلة ونكد من العيش، وقتال العدو يدفع عنها هذه الكارثة، ويمكنها من أن تفوز بسلامة أعراضها وأموالها، وتتمتع بالحرية في إدارة شؤونها، وابتغاء وسائل رفعتها، وإقامة شعائر دينها، والتقاضي إلى أحكام شريعتها، وذلك عين الحياة الطيبة في الدنيا، ووسيلة الحياة الطيبة في الأخرى.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}:
يحول: يحجز، والمعنى: أن الله يحول بين المرء ومقاصده؛ أي: إنه قد يفعل ذلك، وقال: {بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} مكان بين المرء ومقاصده؛ لأن القدرة على الحيلولة بين المرء وقلبه تستلزم القدرة على الحيلولة بين المرء وكل مقصد يحضر قلبه، ويعقد عليه عزمه، وكذلك نرى المرء قد يريد خيراً أو شراً، ثم ينصرف عنه، نراه قد أراد خيراً، فيغضب، ويدفعه الغضب إلى أن يريد شراً، ونراه قد عزم على شر، فيرى حجة، أو يسمع موعظة، فيعود إلى إرادة الخير.
فالآية تشعر المخاطبين بأنهم لا يملكون تنفيذ ما عزموا عليه إلا أن يأذن به الله، فإذا استجابوا لله وللرسول، فليس من حقهم أن ينسبوا الطاعة إلى أنفسهم كأنهم استقلوا بها من بدايتها إلى نهايتها، بل واجبهم أن يذكروا عند القيام بالطاعة فضل الله عليهم؛ إذ وفقهم لها، ولم يحل بينهم وبينها. أمرهم أن يعلموا أنه يملك قلوبهم التي هي مواطن إرادتهم، ثم أمرهم أن يعلموا أن مصيرهم إليه، فقال تعالى:
(1/399)

{وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}:
أي: تبعثون، وفي هذا إعلام بأن أمرهم في كلتا الحياتين بيده، فلا يعملون في الدنيا عملاً إلا بإذنه، ولا يجزيهم على أعمالهم في الآخرة إلا هو.
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}:
الفتنة في أصل وضعها: الامتحان والاختبار، ووردت بمعنى: الكفر، والضلال، والمعصية، والعذاب، ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بالمعصية. وإصابتها للظالمين وغيرهم، بمعنى: إصابة أثرها لهم، وهو ما تجره في الدنيا من شقاء وعذاب.
والفتنة التي يعم وبالها مرتكبيها وغيرهم: ما كان من نحو إقرار المنكر، وتفرق الكلمة وإهمال التعليم الديني والقعود عن دفاع العدو، فإن شؤم عاقبة هذه المعاصي لا يخص الذين ظلموا، وهم المقرّون للمنكر، والعاملون لا نفصام عرا الاتحاد، والمهملون للتربية الدينية، والقاعدون عن الجهاد تكاسلاً، بل يتعداهم إلى غيرهم من نحو الأطفال والمستضعفين من الرجال والنساء، وهذه المعاصي تُسقط الأمم من عليائها، بل هي الطعنات النافذة في مقاتلها، فإقرار المنكر سبب كثرة الفسوق وانتشاره في البلاد، وانتشارُ الفسوق يفسد الأخلاق، ويذهب بالرجولة والغيرة على الكرامة، وإذا فسدت أخلاق القوم، وذهبت الرجولة من نفوسهم، انحدروا في خزي ودمار.
وتفرق الكلمة سبب التخاذل، وعدم التعاون على فعل الخير ودفع السوء، وذلك ما يلقي بالأمة في بؤس وهوان، وترك تربية النشء تربية دينية يأتي بعواقب مشؤومة، وأي عاقبة أشأم من أن يتولى أمور الأمة ملاحدة
(1/400)

يسوسونها على ما توحيه إليهم أهواؤهم، ويعطلون ما استطاعوا أحكام شريعتها، والقعودُ عن الدفاع سبب وقوع الأمة بأجمعها تحت سلطان عدو يذيقها من عذاب الهون ما تؤثر من أجله الموت على الحياة.
ويصح أن تفسر الفتنة في الآية بما تأتي به تلك المعاصي من وبال؛ كولاية الفجار التي يأتي بها إهمال التربية الدينية، وكقهر العدو للأمة الذي يأتي به ترك إعداد القوة، أو القعود عن الدفاع، واتقاءُ الفتنة على هذا الوجه يحصل باتقاء أسبابها.
ولا يشكل علينا عموم الفتنة، وإصابتها للظالمين وغيرهم بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]؛ فإن مورد هاتين الآيتين عقاب الآخرة، ويلحق به عقوبات الجنايات في الدنيا، فهذان العقابان لا يتجاوزان المسيء إلى البريء، وأما الآية التي نحن بصدد تفسيرها {وَاتَّقُوا فِتْنَةً}، فموردها البلاء الدنيوي الذي جرت سنة الله بحلوله عقب تلك المعاصي ذات الآثار المشؤومة. روى البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم".
أمر باتقاء الفتن التي يمتد لهبها إلى الأبرياء، وكد التحذير منها بوعيد شديد، فقال تعالى:
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}:
ففي قوله: {شَدِيدُ الْعِقَابِ} إيذان بأن واضع يده في مثال هذه الفتن يجازيه الله عليها بالعقاب الشديد في الآخرة، وإن أدركه شؤم عاقبتها في الدنيا. قال تعالى:
(1/401)

{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ}:
الخطاب للمهاجرين، وقد كانوا بأرض مكة في قلة، وكفار قريش يستضعفونهم؛ أي: يجدونهم ضعافاً، فيصيبونهم بالأذى. والتخطف: الأخذ بسرعة، وفيه إيماء إلى شدة ضعفهم، وسهولة أخذهم؛ حيث أخبر أنهم يخافون أن يأخذهم الناس بسرعة، وإنما يؤخذ بسرعة من لم يكن له شيء من القوة يدافع به، ولو إلى حين، والمعنى: اذكروا وقت قلتكم وهوانكم على الناس، وخوفكم من اختطافهم لكم، والتذكير بوقت مضاف إلى شؤون إنما هو تذكير بتلك الشؤون نفسها.
وبعد أن ذكرهم بما كانوا فيه من قلة العدد، واستضعاف كفار قريش لهم، وخوفهم من تخطف الناس لهم، ذكرهم بنعمة إنقاذهم من ذلك الاستضعاف، وتأييدهم بالنصر على عدوهم، فقال تعالى:
{فَآوَاكُمْ}:
أي: جعل لكم مأوى تتحصنون فيه من عدوكم، وهي المدينة المنورة.
{وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ}:
أي: قوى شوكتكم، وهيأ لكم وسائل النصر؛ من نحو: مظاهرة الأوس والخزرج، وإمدادكم بالملائكة في يوم بدر، وإلقاء الرعب في قلوب محاربيكم. وذكر في الآية النعمة التي أنقذهم بها من الاستضعاف والخوف، وهي: الإيواء، والتأييد بالنصر، ولم يذكر ما يقابل قوله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ}؛ كأن يقال: "فكثر عددكم"؛ لأن تأييدهم بالنصر يشير إلى تكثير عددهم بمن انضم إليهم من الأنصار، أو لأن قلة العدد ليست مكروهة لذاتها، وإنما تكون
(1/402)

مكروهة من أجل ما يسام به ذوو العدد القليل من الاستضعاف، وما يساور قلوبهم من الخوف.
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
ولما كان الشأن فيمن قلَّ عددهم، وابتلوا باستضعاف عدوهم لهم، ولم يكونوا في أمن على حياتهم، أن يكونوا في عسر من العيش، ذكر تعالى في جملة ما أنعم به على المهاجرين: أنه رزقهم من الطيبات، وإن لم يذكر قبل أنهم كانوا في ضيق من العيش، فقال تعالى:
{وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}:
وكذلك كان المسلمون بعد الهجرة في عيش أوسع مما كانوا فيه قبل الهجرة، فقد انفتحت أمامهم طرق الاكتساب من نحو التجارة، وأحل الله لهم التمتع بمغانم الجهاد.
لننظر في حال أولئك الرجال الذين كانوا قليلاً مستضعفين، غير آمنين على حياتهم، فآواهم الله، وأيدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات، لعلنا نقف على سنة من سنن الله في ما يكون فيه القوم من ضعف وخوف، وبؤس وهوان على الناس، وإمتاعهم بالقوة والأمن وطيب العيش، والانتصار على العدو.
نرى أولئك الرجال يؤمنون بالله إيماناً صادقاً، ويصبرون للبلاء يصيبهم في سبيل الحق، ولو اشتدت مرارته، وطال أمده، ويأبون أن يلقوا إلى الضالين أو الفاسقين بالمودة، ويحملون في صدورهم الرحمة والسخاء، وكانوا ينظرون إلى عدوهم بعين الحذر، ويأخذون بأسباب النجاة ما استطاعوا، إلى نحو هذا من الخصال التي هداهم إليها الكتاب الحكيم.
فنقتبس من هذا أن سنة الله في القوم الذين يحتفظون بهذه الخصال أن
(1/403)

يجعلهم في أمن ومنعة وعزة، وعيشة راضية، ولا عجب أن نرى المسلمين اليوم في كثرة، وهم فيما نرى ونسمع من استضعاف، فقد أضاعوا جانباً عظيماً من الخصال التي تقوم عليها سنة الله في تخليص القوم من عدو يضع يده فوق أيديهم.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}:
كلمة (لعل) تُحمل في هذه الآية وأمثالها على معنى التعليل؛ أي: أسبغ عليكم تلك النعم لتشكروا، ومن مظاهر الشكر: استجابتهم لله والرسول إذا دعاهم، واتقاؤهم الفتن التي تصيب المجرم والبريء.
(1/404)

تَفْسِيرُ أَرْبَعِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ يُونسَ
(1/405)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس: 62 - 65].
افتتحت الآية بحرف {أَلَا}؛ لتنبيه السامع، وإحضار ذهنه؛ حتى يجيئه الكلام بعدها، وهو متهيئ لتلقيه، فيقع في نفسه أمكنَ وقع. والأولياء جمع وليّ، والوليُّ وصفٌ مأخوذ من الوَلْي، وهو القرب، وإطلاقه على المؤمن الصادق؛ لأنه قريب من الله قرباً روحانياً، وهو القرب الذي ينال بطهارة القلب، وخلوص النية، واستقامة الأعمال.
{لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}:
الخوف: غمٌّ يلحق النفس لتوقع مكروه. والمراد من نفي الخوف: نفي ما يوجب الخوف؛ أي: إن أولياء الله يكونون في نجاة وسلامة من المكاره، ومن خاف على وليّ من الوقوع في مكروه، فخوفه آتٍ من غير طريق، وواقع في غير موضع.
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الخامس من المجلد الحادي عشر.
(1/407)

وإذا حصل لبعض المتقين خوف من عقاب الله، فإنما هو الخوف من أن يقعوا فيما يسلبهم الولاية، وما عدا هذا، فهو خشوع القلب أمام جلال الله وعظمته.
وقد يبدو لك أن الآية نفت الخوف على أولياء الله، ومن أولياء الله من تلحقه المكاره في الدنيا، فقد يصاب في بدنه أو ماله، وقد يناله بعض المجرمين بأذى؛ من نحو: السب، أو السجن، أو الضرب، أو القتل.
وجواب هذا: أن الآية نفت الخوف على أولياء الله من مكاره يوم القيامة، تلك المكاره التي تنتفض قلوب الموقنين عند توقعها فزعاً، وأما مكاره الدنيا، فإنهم يسألون الله تعالى أن يكفيهم شرها، وإذا مسهم شيء منها، تلقوه بصبر جميل، ومتى نظروا إلى ما يترتب على صبرهم عليها من رضا الخالق، خف أمرها، وحمدوا عاقبتها.
فأولياء الله لا تلحقهم مكاره الآخرة لإطلاق، وقد تلحقهم في الدنيا مكاره يعقبها ما هو خير منها، ومن لا يناله مكروه إلا أن يعقب ذلك المكروه خير أكبر منه، صح أن ينظر إلى ذلك المكروه الذي يصيبه بعين الاستصغار. ويقال: إن أولياء الله هم تحت رعاية الله في كل حال، فلا يدركهم في الدنيا ما يوجب الخوف عليهم.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}:
الحزن: غمٌّ يلحق النفس من فوات نافع، أو حصول ضار. والمراد من نفي الحزن ما يوجب الحزن؛ أي: إن أولياء الله لا يمسهم ضرر، ولا يفوتهم خير، فلا يدركهم حزن في الحياة الآخرة البتَّة، وأما في الدنيا، فقد يلحقهم ما يثير شيئاً من الحزن؛ كحزن يثيره الإحساس بشدة وجع، أو تثيره عاطفة رحمة أو محبة؛ كأن يرى ولده يعالج سكرات الموت، أو يرى أخاً أو صديقاً
(1/408)

قد أزمع على رحلة طويلة، وحزنه في كل حال يصاحبه الرضا بقضاء الله، والحزن المصاحب للرضا بالقضاء في الدنيا يكسب صاحبه خيراً، ويعود عليه بأجر، فلا يراد نفيه عن أولياء الله.
فأولياء الله لا يغتمون لفوات نافع، أو حصول ضرر في الآخرة بإطلاق، وإذا ضاقت صدورهم في الدنيا للوقوع في أذى، أو عدم الظفر ببغية، فإنما هو حزن تثيره طبيعة من نحو المحبة، والشفقة، ولا يلبث أو يزول.
{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}:
هذه جملة مستأنفة لبيان المزية التي رفعتهم إلى منزلة الولاية، وهي جمعهم بين الإيمان وحسن الطاعة؛ فإن الاتقاء يصدق بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والجملة واقعة موقع جواب يتشوف إليه السامع عندما يسمع أن أولياء الله في نجاة من كل مكروه، فكأنه قيل: من هم الأولياء؟ وبماذا أدركوا ذلك الفضل العظيم؟ فقيل: هم الذين آمنوا، وكانوا يتقون.
وذكر الإيمان الذي هو التصديق بصيغة الماضي؛ لأنه يقع عقب الحجة دفعة، ثم يستقر في النفس، وذكر الاتقاء بصيغة المضارع؛ لأن فعل المأمور به، وترك المنهي عنه يتجدد، ويقع مرة بعد أخرى.
بعد أن أخبر تعالى بسلامة أوليائه من المكاره التي توجب الخوف أو الحزن،، أشار إلى ما ينالونه بعد هذه السلامة من خير وكرامة، فقال تعالى:
{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}:
و {الْبُشْرَى}: الخبر السار، والمعنى: أنهم يبشرون في الدنيا وفي الآخرة بما يسرهم، ولم يذكر المبشر به؛ لتعم البشارة كل ما يوعدون به من فضل ونعيم، أما البشرى في الدنيا، فقد رويت أحاديث تنبئ بأنها الرؤيا الصالحة
(1/409)

يراها المؤمن، أو تُرى له، ومن لم يروا أن هذه الأحاديث بالغة مبلغ الصحة ذهبوا في تفسيرها مذاهب، أظهرها: أن البشرى في الدنيا: ما جاء في الكتاب أو السنَّة من وعد الله المتقين بالفضل، ورفعة المنزلة؛ مثل قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47] , وقوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ} [التوبة: 21]. والرؤيا الصالحة من قبيل الإلهام الصادق، فهي داخلة في البشارة في الدنيا.
وأما البشرى في الآخرة، فنحو تلقي الملائكة بالسلام، وإخبارهم إياهم بما أعد الله لهم في دار الكرامة، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103].
وتطلق البشرى على ما يبشر به الإنسان من خير، ويصح حمل الآية على هذا الوجه، والمعنى: أن لأولياء الله خيرات في الدنيا والآخرة يستبشرون بها، أما خيرات الآخرة، فكل ما تشتهيه الأنفس، وتلذه الأعين، ومن خيرات الدنيا التي تعد من عواقب الإيمان والتقوى: النصر على الأعداء؛ ذلك أن من الواجبات التي لا تتحقق التقوى إلا بها: الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن الحق بما يستطاع من يد أو لسان، ومن قام بهذا الواجب، كف الله عنه أيدي أعدائه، وأظهره عليهم، ولو كانوا أكثر منه مالاً، أو أوسع جاهاً، أو أنفذ كلمة. هذا ما يشاهد من سنة الله في الأفراد، وذلك ما يدعو المؤمن أن يمضي في سبيل دعوته إلى الحق، ولا يثبطه عنها أن يكون لخصم الحق سطوة؛ فإنهم إن استطاعوا أن يلحقوا به أذى، قد يجعل الله في ذلك الأذى خيراً كثيراً.
(1/410)

وكذلك الجماعة تستضيء بنور الإيمان، وتسير على الصراط السويّ؛ فإن أيسر شيء عليها أن تنجو من سيادة عدو لا يرحمها، بل تملأ عينه بمهابتها، وتظهر عليه متى تصدى لمناوأتها.
{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}:
كلمات الله: أقواله، ومن جملتها: مواعيده، فتتناول الآية ما وعد به المؤمنين الصادقين من خير في الدنيا أو الآخرة، ويدخل في هذا: الرؤيا الصالحة؛ فإنها من قبيل الوعد، وعدم تبديلها في تحقق ما تدل عليه من حصول خير لمن رؤيت له.
{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}:
{الْفَوْزُ}: النجاة والظفر بالخير، والمشار إليه: ما ذكر قبل من أن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأي فوز أعظم من أن يظفر الإنسان بسعادة الدارين؟!.
{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ}:
هذا تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما كان المشركون يؤذونه به من أقوال جافية، ولم يبين في هذه الآية ماذا قالوا، لعله مما قصه الله عنهم قبل هذه الآيات بقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [يونس: 38]، أو أطلق القول ليتناول كل ما يتفوهون به في حقه من المقالات الخاطئة. وموضع العبرة من هذا: أن يقف الداعي إلى الحق موقف العزم والثبات، فلا يقيم لما يقوله الذامون أو المتهكمون به وزناً، ويضرب به وراء أذنه، ونرى ضعيف الإيمان بما يدعو إليه هو الذي يحزن لأقوال المبطلين حزناً يثبطه عن الدعوة، أو يصرفه عنها، متكئاً على أن ما يلاقيه من الأذى عذر يبيح له أن يسكت مع الساكتين.
(1/411)

{إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}:
هذا استئناف واقع موقع التعليل لنهيه - عليه الصلاة والسلام - عن الحزن، والعزة: الغلبة والقهر، فكأنه قيل: لا تحزن لما يقوله المشركون، فإن الغلبة والقهر في ملكة الله وحده، ولا يملك سواه شيئاً منها، وإذا كانت العزة لله وحده، فإنه سيعصمك منهم، وينصرك عليهم.
وموضع العبرة من هذا: أن سنة الله قد جرت بأن يجعل العزة في جانب الذين آمنوا وكانوا يتقون، فإذا ابتلي المؤمنون المتقون بعدو ينالهم بأذى، وتلقوا ذلك الأذى بصبر، وجاهدوا في دفاعه عن أنفسهم بكل وسيلة ممكنة، فإن عاقبتهم الخلاص من تلك اليد الباغية، ولا يلبثون أن يدركوا عزتهم، وتكون يدهم فوق يد عدوهم.
{هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}:
لا يغرب عن سمعه ما يقولونه في حقك من سوء، ولا يغيب عن علمه ما يتعرضون لك من أذى، فهو الذي يجازيهم بما يقولون، وما يفعلون.
(1/412)

تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحَجِّ
(1/413)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 27 - 28].
تضمنت الآية الكريمة السابقة نهي إبراهيم - عليه السلام - عن الشرك، وأمره بتطهير البيت للطائفين والعاكفين، والركع السجود، وجاءت هذه الآية عطفاً على ما تقدم في أمره بدعوة الناس إلى الحج، فقال تعالى:
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}:
الخطاب لإبراهيم - عليه السلام -. والتأذين: الإعلام. والمعنى: أعلم الناس بأن الله أمر بالحج. هذا ما يدل عليه لفظ الآية. أما كيفية هذا الإعلام، فمن أهل العلم من ذهب إلى أنه دعا الناس إلى الحج في جملة ما دعا إليه من شرائع الدين؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، وذهب آخرون -تعلقاً ببعض الآثار- إلى أنه "صعد جبل أبي قبيس، فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج، فحجوا، فلم تبق نفس إلا أبلغها الله نداء إبراهيم، فمن لبى حينئذ، حج، ومن سكت، لم يكن له فيه نصيب".
__________
(1) مجلة "لواء الإسلام" - العدد الرابع من السنة الأولى.
(1/415)

وهذا الأثر من قبيل الإخبار بغيب: فنقول كما قال الحافظ أبو بكر ابن العربي في كتاب "أحكام القرآن": "وربنا على ذلك مقتدر، فإن صح به الأثر، استمر عقيدة واستقر، وإلا، فالتفسير الأول يكفي في بيان معنى الآية" - يعني: تفسير التأذين بالحج بالإعلام به في جملة الشرائع-.
{يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}:
قال: {يَأْتُوكَ}، وإنما يأتون البيت الذي بناه، وهي الكعبة؛ أخذاً بطريقة الإيجاز من حذف بعض الألفاظ المفهومة من مساق الكلام. والمعنى: يأتوا بيتك؛ أي: البيت الذي توليت بناءه بأمر من الله. والرجال: جمع راجل، وهو الماشي على قدميه. والضامر من الإبل والخيل: ما انضم جنباه هزالاً من طول السير، ويطلق على المذكر والمؤنث.
ولفظ {كُلِّ} في قوله: {كُلِّ ضَامِرٍ} مستعملة في معنى التكثير؛ أي: يأتوك مشاة، وركوباً على ضُمَّر كثيرة، والعرب قد يستعملون كلمة (كل) للدلالة على كثرة ما تضاف إليه.
والآية ذكرت أغلب الأحوال التي يأتي عليها الحجّاج إلى البيت الحرام، وهي أن يجيئوا مشاة، أو ركوباً على الإبل والخيل، وهذا لا ينافي أن يجيء عهد يكثر فيه السير إلى مكة على السيارات أو الطائرات.
واستدل بعض الفقهاء على أن المشي على الأقدام أفضل من الركوب بتقديم الرجال في الآية على راكبي الضمَّر. ويروى عن ابن عباس أنه قال: ما ندمت على شيء فاتني في شيبتي إلا أني لم أحج راجلاً. ويروى: أن الحسن بن علي حج ماشياً من المدينة إلى مكة، وإن النجائب لتقاد معه.
(1/416)

وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الركوب أفضل، واستندوا في هذه الأفضلية إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجّ راكباً.
{يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}:
الفج: الطريق، والعميق: البعيد، والجملة وصف لكل ضامر. وجاء الضمير العائد على {كُلِّ} ضمير الجمع المؤنث إذ قيل: {يَأْتِينَ}؛ مراعاة للمعنى؛ لأن كل ضامر في معنى جماعة، أو جماعات من الضمر، ومراعاة لفظ (كل) يقتضي إفراد الضمير بأن يقال: كل ضامر يأتي من كل فج عميق، وكل من الطريقتين: مراعاة المعنى، ومراعاة اللفظ، يرد في الكلام البليغ، وتعدد الطرق في أداء المعنى الواحد من سماحة اللغة، واتساع مجالها أمام أرباب الفصاحة والبلاغة.
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}:
هذا تلبية للغرض المقصود من إتيانه البيت الحرام رجالاً وركباناً، فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا} يتعلق بقوله: {يَأْتُوكَ}، ويشهد: من الشهود بمعنى: الحضور، والمنافع: جمع منفعة، وهي ما يحصل للإنسان من خير. ودل على أن هذه المنافع عائدة إلى الحجاج خاصة بقوله: {لَهُمْ}، والمعنى: يأتوك ليحضروا؛: يدركوا منافع مختصة بهم. ووردت المنافع في الآية مطلقة، فتشمل المنافع الدينية والدنيوية.
أما الدينية، فمغفرة الله ورحمته ورضوانه التي يظفر الحاج بها عند أداء مناسك الحج؛ من نحو: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ولا يريد بذلك إلا إجابة دعوة الحق.
وأما المنافع الدنيوية، فالتجارة، والقصد إليها - بعد القصد إلى أداء
(1/417)

فريضة الحج - لا يخل بالإخلاص الكافي لاستحقاق المثوبة من الله. وضابط ذلك: أن يعزم على أداء فرض الحج، ويشعر في نفسه أن التجارة إنما جاءت عرضاً؛ بحيث لو عرض له مانع من تعاطي التجارة، لم ينثن عزمه عن الحج، أو يصبه وهن، واستمر على قصد الحج، والإقبال عليه بصدر منشرح وقلب سليم.
وللحج فوائد كثيرة العدد، عظيمة الخطر، من أهمها: التعارف، ثم التوادد، ثم الاتحاد، ثم التعاون على إقامة المصالح العامة، ودفع الأخطار الفادحة. ولو اتجهت أنظار الشعوب الإسلامية إلى هذه الغاية الخطيرة بعناية، وعملوا لها بحكمة وحزم، لوجدوا كبر مساعد على أن تتوافق اَراؤهم، وتتقارب مشاريهم، وتتماثل مراميهم، فيستعيدوا سيادتهم، ويعيشوا في عزة وطمأنينة.
{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}:
ذكر اسم الله: حمده وتقديسه. والأيام المعلومات: أيام العشر عند جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس، والحسن البصري، وبه قال أبو حنيفة.
وذهب جماعة، منهم: مالك بن أنس وأصحابه إلى أن الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده. والبهيمة: كل ذات أريع في البر أو البحر. والأنعام: جمع نَعَم، وهي: البقر والإبل والمعز والضأن. والمعنى: ويقدسوا الله ويحمدوه شكراً على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
وذهب بعض أهل التفسير إلى أن ذكر الله في الآية كناية عن النحر
(1/418)

والذبح؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر الله إذا ذبحوا أو نحروا. وفي التعبير بذكر اسم الله عن الذبح والنحر تلبية على أن الذبح أو النحر لا يكون قرباناً إلا إذا ذكر عليه اسم الله. فالمعنى على هذا الوجه من التفسير: ليشهدوا منافع لهم، ويذبحوا أو ينحروا ما رزقوا من بهيمة الأنعام ذاكرين الله عليهما.
{فَكُلُوا مِنْهَا}:
هذا إذن لأصحاب الهدايا والأضاحي في الأكل منها، والأمر محمول على الندب؛ لما في كلهم منها من المخالفة لأهل الجاهلية؛ إذ كانوا لا يأكلون من هداياهم، ولما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم في الأكل أخذاً بفضيلة التواضع.
وإنما يندب الأكل من الهدي الذي يتطوع به الإنسان من نفسه، أما الهدي الواجب؛ كنذر المساكين، وما يجبر به نقص يقع في بعض واجبات الحج، فلا يجوز الأكل منه؛ قياساً على سائر الكفارات. والمسألة مبينة في كتب الأحكام.
وإذا جاز لصاحب الهدي أن يأكل منه، جاز له أن يطعم منه بعض الأغنياء منى شاء.
{وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}:
{الْبَائِسَ}: من أصابه بؤس؛ أي: شدة. والفقير: الذي لا شيء له، أو الذي له بُلغة من العيش، كقوت اليوم ونحوه، والجمع بين وصفي البؤس والفقر للتذكير بأنه في شدة؛ أي: ضر، وبأنه في حاجة إلى الإطعام.
والآية أذنت لصاحب الهدي في الأكل منها، وأمرته بأن يطعم منها البائس والفقير، فيبقى انتفاعه منها بالبيع على حكم المنع؛ نظراً إلى أنه
(1/419)

إنما قصد بها القربة إلى الله، وهذا بالنسبة لصاحب الهدي، ويجوز لمن يتصدق عليه بجلدها أن ينتفع به من طريق البيع، كما تفعل جمعيات الإسعاف. وقد كان القاضي أبو بكر بن العربي عندما تهدم سور إشبيلية جبر الناس على تسليم لجود ضحاياهم؛ ليستعان بأثمانها على إصلاح السور.
(1/420)

تَفْسِيْرُ خَمْسِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ ص
(1/421)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 21 - 25].
مناسبة هذه الآيات لما سبقها من الآيات: أن الآيات السابقة وردت في شأن داود - عليه السلام -، وآخرها قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20].
ومن فصل الخطاب: الفرق بين الحق والباطل، والحكم بين الخصوم بالعدل، وذلك ما تضمنته هذه الآيات التي نريد تفسيرها.
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ}:
النبأ: الخبر، والخصم: المخاصم، ويطلق على الواحد والاثنين
__________
(1) مجلة "الهداية الإسلامية" - الجزء الرابع من المجلد الحادي عشر.
(1/423)

والجمع؛ مثل: طير، وضيف. وقوله تعالى بعد: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} ينبئ أن المراد من الخصم هنا: اثنان، فيكون إيراد ضمير الجمع في قوله تعالى: {تَسَوَّرُوا}، و {دَخَلُوا}، و {مِنْهُمْ} من باب إجراء المثنى مجرى الجمع، وهو معروف في الكلام العربي الفصيح. والاستفهام في قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ} ليس بالاستفهام الذي يستدعي جواباً، وإنما هو أسلوب عربي يراد منه التشويق إلى القصة؛ لما تضمنته من الموعظة الحسنة، والآداب السامية.
{إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}:
التسور: صعود السور، وهو الحائط المرتفع، والمحراب: الغرفة، والمعنى: أتوا من أعلى سور الغرفة، ويطلق المحراب على صدر البيت، ومنه: محراب المسجد.
و {إِذْ}: بدل اشتمال من {الْخَصْمِ}، والمعنى: هل أتاك نبأ الخصم نباُ وقتِ تسورهم للمحراب.
{إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ}:
{إِذْ} هنا يدل من {إِذْ} في الجملة السابقة، والفزع: انقباض يعتري الإنسان من رؤية شيء مخيف، وفزع منهم؛ لظنه أنهم يريدون اغتياله، وهو منفرد للعبادة.
والأنبياء - عليهم السلام - وإن كانوا في أعلى درجات الشجاعة، قد يأخذهم الخوف من أشياء شأنها أن تأتي بعواقب مكروهة، وفضلُهم في أن خوفهم لا يكون له أثر فيما ينبغي أن يكونوا عليه أمام الأشياء المخيفة؛ من نحو: الصبر والثبات، والدفع بالتي هي أحسن.
(1/424)

قال هشام لمسلمة: يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ قال: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي. قال هشام: هذه البسالة!.
ولما رأى الخصمان منه أثر الفزع، افتتحا خطابهما بما يزيل عنه الفزع، وذلك قوله تعالى:
{قَالُوا لَا تَخَفْ}:
وظاهر الآية: أن هذا القول صادر من الخصمين؛ إذ جاء مسنداً إلى ضمير الجماعة، ولعله صدر من المدعي، ولما كان المدعى عليه موافقاً على ذلك، نسب إليهما، ونسبة الفعل إلى جماعة يكون الفعل قد صدر من بعضهم، والآخرون راضون به، كثير في الكلام العربي.
{خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ}:
البغي: الظلم، وخصمان: خبر لمبتدأ محذوف هو ضمير المتكلم، التقدير: نحن خصمان ظلم بعضنا بعضاً، وما جرى في الآية من التعبير بضمير المتكلم في قوله: {بَعْضُنَا} أحد أسلوبين في العربية، ثانيهما: أن يعبر في مثل هذا المقام بضمير الغائب. فيقال: نحن خصمان بغى بعضهما على بعض؛ كما تقول: نحن رجال نكرم الجار، أو يكرمون الجار.
وفي قولى: {بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إشعار بأن قضيتهما وقع فيها بغي لا محالة، وذلك مما يقيم لهما العذر في المسارعة إلى رفعها إليه، ولو بتسور المحراب، ومن دواعي المسارعة إلى رفع القضية: خشية ما قد يعرض من نحو غَيبة الشاهد، أو المدعى عليه.
(1/425)

{فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ}:
الحق: ما يريه الله الرسول من طريق الوحي، أو من طريق النظر بنور الله، إذا قلنا: إن من الأحكام ما يقرره الرسول من طريق الاجتهاد، أو ما يريه الذين أوتوا العلم على طريق الاجتهاد الصحيح، وما عدا هذا، فهو الباطل، والحكم به كفر إن كان على اعتقاد أنه أصلح وأحكم مما قررته الشريعة، وظلم وفسوق إن كان جرياً مع الهوى، وإيثاراً لمتاع الحياة الدنيا على رضا الله.
{وَلَا تُشْطِطْ}:
الشطط في الأصل: البعد، ومعناه هنا: الجور؛ لما في الجور من البعد عن حدود العدل، وحذَّره من الجور بقوله: {وَلَا تُشْطِطْ} بعد أن طلب منه الحكم بالحق؛ ليحضر في ذهنه صورة الجور، فيذكر ما يترتب عليه من شرور؛ كما أحضر في ذهنه صورة الحق؛ ليذكر ما يترتب على إقامته من خيرات.
وفي الآية دليل على أن للخصوم أن يذكّروا القاضي بفضل العدل، ولو على وجه الأمر به، ويحذروه من الجور، ولو على وجه النهي عنه، وقد نص الفقهاء على أن قول بعض الخصوم للقاضي: اتق الله، لا يعد جفاء يستحق عليه التأديب.
{وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}:
الهداية: إراءة الطريق، وسواء الشيء: وسطه، والصراط: الطريق الواضح، والمعنى: أرشدنا إلى وسط طريق الحق، وهو قصد السبيل، والماشي في وسط الطريق أبعدُ عن الانحراف عنه من الماشي في طرفه.
وفي هذه الجملة تأكيد لما دل عليه قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ}
(1/426)

من أنهما رفعا قضيتهما إليه بقصد الوصول إلى الحق، لا كما يفعل كثير من المخاصمين إذ يقصدون من رفع القضايا أكل مال بالباطل، أو إعنات الخصم، وقهره في مجلس القضاء.
{إِنَّ هَذَا أَخِي}:
الأخوة تكون في النسب والدين والصحبة، والآية محتملة لكل واحدة منها، وفي ذكر خصمه بوصف الأخوة زيادة تشنيع عليه بالظلم؛ فإن الأخوة شأنها المنع من الظلم، فلا يعمد الأخ إلى ظلم أخيه إلا أن يكون ظلمه بالغاً.
{لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا}:
النعجة: الأنثى من الضان، و {أَكْفِلْنِيهَا}: اجعلني أكفلها، أو أجعلها كفلي؛ أي: نصيبي، والمعنى: مَلِّكنيها.
{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}:
عزني: غلبني، والغلبة في الخطاب تظهر عندما يكون الصادر منه الخطاب ذا سلطان يخشاه المخاطب، ولولا هذا السلطان، لكان في إمكان صاحب النعجة الواحدة ألا يجيب سؤاله، ولا يحتاج إلى أن يشكوه إلى داود - عليه السلام -.
قال ابن العربي: كان ببلدنا أمير يقال له: سيري بن أبي بكر، فكلمته أن يسأل لي رجلاً حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب لها؟! فقلت: أما إذا كان "أي: السلطان" عدلاً، فلا.
ووجه ما قاله ابن العربي: أن السلطان العادل يستطيع الناس أن يردوا طلبه لبعض الحاجات، ولا يخشون بأسه، والرئيس الجائر هو الذي يطلب
(1/427)

الحاجة من أحد مرؤوسيه، فلا يسعه إلا أن يجيب طلبه؛ خشية من أن يحرمه من حق، أو يجور عليه في قضية.
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}:
عدى السؤال ب (إلى) فقال: {إِلَى نِعَاجِهِ}؛ لتضمينه معنى فعل آخر هو الضم، والمعنى: ظلمك بسؤال نعجتك ضاماً لها إلى نعاجه، وأكد الجواب بالقسم الدال عليه اللام في قوله: {لَقَدْ}؛ اهتماماً بما تضمنه من الحكم على المدعى عليه بالظلم، أو أكده؛ لأن الخطاب -وإن كان موجهاً في الظاهر إلى المدعي، وهو يعلم أنه مظلوم- قد روعي فيه حال من هو المقصود بالخطاب، وهو المدعى عليه، وحاله يقتضي تأكيد الحكم عليه بالظلم؛ لأن سؤاله -وهو ذو قوة- لنعجة أخيه؛ ليضمها إلى نعاجه، شأن من ينكر أن يكون هذا ظلماً.
والظاهر أن المدعى عليه قد أقر بما قاله المدعي، ولم يذكر في الآية هذا الإقرار؛ إذ لم يكن فيه من عبرة يراد التنبيه لها في هذا المقام.
{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}:
الخلطاء: جمع خليط، وهو الصاحب، والمعنى: أن كثيراً من الأصحاب يعتدي بعضهم على بعض، وهذا تسلية للمظلوم بأن ما جرى عليه قد جرى ويجري على كثير من الناس.
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}:
(ما) في قوله: {مَا هُمْ} وردت لتأكيد القلة المفهوم من قوله: {وَقَلِيلٌ}؛ أي: هم قليل جداً، وفي الآية زجر للمدعى عليه عن البغي؛ إذ أشارت إلى أن بغيه قد حرمه أن يكون في قبيل المؤمنين الصالحين.
(1/428)

{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ}:
الفتنة: الابتلاء؛ أي: ظن عندما تسور الخصمان المحراب أنهما يريدان اغتياله، وأن الله قد أراد ابتلاءه بذلك، ثم تبين له بعدُ: أن هذا الظن غير مصيب، وأنه وقع في ظن الأَولى لمثله ألا يقع فيه، فبادر إلى طلب المغفرة من ذلك الظن، ولم يكتف داود - عليه السلام - بالاستغفار كما يفعل كثير ممن يدركون أنهم وقعوا في سيئة، ولا يصرون على الإقلاع عنها في المستقبل، بل رجع إلى الله رجوعاً حقاً، وقدم بين يدي توبته عملاً صالحاً، ذلك ما دل عليه قوله تعالى:
{وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}
خرّ: وقع وانحط، والركوع: الانحناء، والمعروف أن (خر) تستعمل للسجود، يقال: خر ساجداً، فيصح حمل الركوع على معنى السجود، ومن المحتمل القريب فهم الآية على معنى أنه ركع وسجد، فأشير إلى السجود بلفظ: خر، ودل على الركوع بقوله: {رَاكِعًا}، والمعنى: أنه سجد، والحال أنه قد ركع.
قال الحسن بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَخَرَّ رَاكِعًا} هل يقال للراكع: خر؟ قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: فخر؛ أي: سجد بعد أن كان راكعاً.
والإنابة: الرجوع إلى الله بالتوبة، والتوبة: الندم على إتيان السيئة، والإقلاع عنها، والعزم على عدم العود إليها.
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ}:
المشار إليه بقوله: {ذَلِكَ} هو الظن المفهوم من قوله تعالى: {وَظَنَّ
(1/429)

دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}، وقد عرفت أن هذا الظن ليس بذنب، أو ليس فيه فعل محظور، ولا ترك واجب، وإنما هو مقام النبوة والرسالة يستدعي الأخذ بالأكمل في كل حال، فإذا لم يأخذ الرسول بالأكمل، رأى نفسه بمنزلة من لم يأخذ بالواجب من سائر المكلفين، واستغفر لما أتى من غير الأكمل، وصح أن يسمى عدم مقابلته بالعتاب: مغفرة وعفواً.
{وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}:
الزلفى: القربة والمنزلة، والمآب: المرجع، وجاءت الزلفى بمكانها مقدمة على حسن المآب؛ لأن القربة والمنزلة عند الله أفضل وأهم من المآب الذي يراد به: المرجع في دار النعيم.
قص الله تعالى عن داود - عليه السلام - أنه استغفر، فغفر له، وأنه خر راكعاً متقرباً إليه، فكان له عنده الزلفى، وأنه أناب إليه؛ أي: رجع تائباً، فكان له عنده حسن المآب.
هذا ما يصح أن تفسر به هذه القصة متى نظر إلى الآيات مجردة عن النظر إلى الآثار، أما الآثار المعزوة إلى بعض السلف في تفسيرها، فمنها ما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، فيجب طرحه، وعدم الالتفات إليه، ومنها ما هو محتمل غير بعيد. وأقرب تأويل يستند إلى الآثار: أنه كان في عهد داود - عليه السلام - رجل له امرأة حسنة، فطلب منه داود أن يتنازل له عنها بطلاق ليتزوجها، فساق الله إليه ذينك الخصمين، وهما إما رجلان من البشر، أو ملكان في صورة رجلين؛ ليأخذ من قصتهما عبرة، وينتبه إلى أن سؤال الرجل أن يتنازل عن زوجته قد جرى خلاف ما يقتضيه الزهد المناسب لمقام النبوة، وليس هذا الطلب بمحظور في شرع، وقد يخفف أمره أن
(1/430)

داود - عليه السلام - إنما سأل الرجل التنازل عن زوجته بعد أن فهم أنه لم يكن شديد التعلق بها، وقد يكون مثل هذا الطلب مما يسيغه العرف في ذلك العهد.
وملخص القول: أن داود - عليه السلام - لم يأت على حسب هذا الوجه من التفسير سيئة قطعاً، ولم يزد على أن التفت إلى أمر دنيوي، وطلبه من طريق غيرُه أولى منه.
(1/431)