Advertisement

جمهرة مقالات محمود شاكر 002


جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر

جمعها وقرأها وقدم لها
الدكتور عادل سليمان جمال

[المجلد الثاني]
(2/)

الناسخون الماسخون
كانت صناعة النَّسْخ في العصور الإسلامية الأولى يُعهد بها إلى رجال من أهل العلم والأدب يسمَّون "الورَّاقين"، وكان يشترط فيهم التضلُّع بالعلم الذي ينقلون كتبه وينشرونها، كما يشترط في الراوية أن يكون من أهل البصَر بالشعر. ولذلك كان لكل عالم "ورّاقٌ" كما كان لكل شاعر "راوية". فلما جاءت عصور الانحطاط طمع بهذه الصناعة غير أهلها ففسدت الكتب وكثر خطأها.
ومن هذا القبيل الأغلاط الواقعة في نسخة كتاب (التيجان في ملوكِ حمْير) لابن هشام. فقد شكا العلّامة الشيخ عبد العزيز الراجكوتى الميمنى (في الزهراء 3: 300) من كثرة تصحيفها. ولما أراد أن ينقل منها لقراء الزهراء أشعار الرُبَيْع ابن ضُبَع استطاع بمراجعة كثير من الكتب أن يصحح بعض تلك الأخطاء وبقى بعضها. وقد اقترحتُ على صديقي السيد محمود شاكر أن يبحث عن شعر الربيع في كتب الأدب واللغة ليصحح ما بقى من الأغلاط، فلما أعياه الأمر (1) بعد سهر طويل بعث إليَّ ببطاقة هذا نصها:
سيدى محب الدين (2)،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
__________
(*) الزهراء، الجزء الرابع، سنة 1346 ه/ 1927، ص: 245.
(1) لا يعني محب الدين -رحمه الله- أن الأستاذ شاكر لم يجد شعر الرُّبيع عامة، وإنما شعرا معينا أعيى الميمنى -رحمه الله- إقامته. فالأستاذ أجلّ من أن يجهل الرُّبَيْع وشعره. وللربيع ترجمة في المعمرون: 8 - 9، سمط اللآلى 2: 802 - 803، أمالى المرتضى 1: 253 - 256، الإصابة 2: 219، التيجان 118 - 123، الخزانة 3: 308 - 309.
(2) محب الدين بن أبي الفتح محمد عبد القادر صالح الخطيب، ولد بدمشق وتعلم بالآستانة. حضر إلى القاهرة 1909 وعمل في جريدة المؤيد، ثم قصد العراق فاعتقله الإنجليز سبعة أشهر، ثم ذهب إلى مكة المكرمة عند إعلان الثورة العربية 1916 فحكم عليه الأتراك بالإعدام غيابيا. ثم استقر في مصر سنة 1920 وعمل محررا في الأهرام، وأنشأ مجلتي الزهراء والفتح، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، ونشر كتبا كثيرة من تأليفه. توفي 1969.
(2/605)

فلو أنَّ (ذا القَرْنيْن) طَالَتْ حياتُهُ ... وأبْصر ما قد جمَّعَ ابنُ هِشامِ
وأبْصَر أقوال الرُّبَيع وشعرَهُ ... سَوَادًا مُجَنًّا في دُجى وظلَام
لَحَيَّرَهُ ما حَبَّر (ابنَ مُحَمَّدٍ) ... فباتَ على شَوْكٍ ضجيعَ سَقام
وهَلْ سَقمٌ إلا (مَصادِرُ) لم تُنِلْ ... مُرادًا ولم تُطْلبْ بأيّ مرَام
ففي الهند أعْيَتُه، فهلُ أنا قادرٌ؟ ... فلستُ إذا ما لم أُصِبْ بِمُلام
وآخرُ عَجزِ المرءِ بَعْدُ تَنَصُّلٌ ... وآخرُ ما أهدى إليك سَلامي
(2/606)

إكمال ثلاثة خروم من كتاب التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه
طلب إليّ منشئ هذه المجلة أن أجرّد من (اللآلي شرح أمالى القالى) أوهامَ أبي عليٍّ التي سقطت من نسخة (التنبيه) المطوعة أخيرًا مع (الأمالى) في مطبعة دار الكتب العربيّة ففعلت ذلك، وقد اتبعتُ في الإشارة إلى مكان التنبيه ما اتبعتْه دار الكتب في ذلك.
إن السقط الذي نبّه إليه الأب أنطون صالحانى اليسوعى في مقدمته كان في مكانٍ واحد وذلك في الوجه 67 من الأصل المخطوط أي في 129 من التنبيه المطبوع. وقد انتبه رجال دار الكتب إلى مكان آخر وذلك في الوجه 127 من التنبيه، وانتبهنا نحن إلى نقص ثالث وذلك في الوجه 130 بين التنبيه الواقع في الوجه 310 والواقع في 326
- 1 -
فأما الذي انتبه اليه رجال دار الكتب فتكملته:
قال أبو النجم:
طار عن المهر نَسيلٌ يَنْسُلُهْ ... عن مُفْرَعِ الكتفين حُلْوٌ عَطلُهْ (1)
أي عنقه. يقال فرد حسنُ العَطَل أي العنق ولا أعلم هذين الشطرين في رجز رؤبة.
- 2 -
وهذا ما سقط من (التنبية) ونبه إليه الأب صالحانى: قال وأنشد أبو على (ص 268 س 16):
__________
(*) مجلة الزهراء، السنة 1346 ه، 1928 م، ص: 362 - 367. وكل الشروح الواردة في الهوامش للأستاذ شاكر. وما راجعته ذكرته مقرونا باسمى.
(1) في رواية اللسان "حر عطله".
(2/607)

أبرَّ على الخصوم، فليس خَصْمٌ ... ولا خَصْمان يغلبُه جدالا
ولبَّس بين أقوام، فكلٌّ ... أعدّ له الشَّغازِب والمِحَالا
(ع) هما لذى الرمة يمدح بلالا. وصلتهما:
وكلهم ألدّ أخو كِظاظٍ ... أعدّ لكل حال الناس حالا
أبرّ على الخصوم .. إلخ
قضيت بمدّة (1) فأصبت منه ... فُصوصَ الحق فانفصل انفصالا (2)
وحُقَّ لمَنْ أبو موسى أبوه ... يوفّقه الذي نَصَب الجبالا
هكذا صواب إنشاده واتصال أبياته. وقوله "ولبّس" إنما هو ولبْسٍ وهو معطوف على قوله:
ومُعْتَمِدٍ جعلتَ له ربيعًا ... وطاغيةٍ جعلتَ له نَكالا
أي رجل اعتمدك لِخَلَّة كنت له حيًا بمنزلة الربيع
(ص 275 س 16) وأنشد أبو على:
فَخْرَ البَغِيّ بحِدْجِ ربَّ ... تِها إذا ما الناس شلُّوا
(ع) إنما هو "إذا الناس استقلوا" يريد استقلالهم وارتحالهم للنُجْعة، فأما الشَّل والطرد فإنما يكون عند الفزع والخوف، ولات حين إعجاب ولا فخر.
قال الراجز:
عاينَ حيًّا كالحِرَاجِ نَعَمُهْ ... يكون أَقْصَى شَلِّه مُحْرَنْجمُهْ
يقول إذا شلّ الناس وطردوا نَعَمَهُمْ ناجين هاربين يكون أقصى شلّ هذا بروكه في مواضعه لعزة أصحابه ومنعتهم. وهو لدحْسوس بنت لقيظ -وقد تقدمت من
__________
(1) ويروى قضيت بِمِرّة أي بأحكام.
(2) فصوص الحق مفاصله.
(2/608)

هذا الشعر أبيات- تقوله للنعمان بن فَهْوس (1) لما فرّ يوم جبلة.
وقبل البيت:
إنَّكَ مِنَ تَيْمٍ فَدَعْ ... غَطَفانَ إنْ سارُوا وحَلُّوا
لا مِنكَ عِزُّهُم ولا ... إيَّاكَ إنْ هَلَكُوا وذَلُّوا (2)
فَخْرَ البَغِىِّ بحِدْج رَبَّ ... تِها إذا الناسُ استقلُّوا
هكذا رواه أبو عبيدة: تقول فخرك بعزّ غطفان ومآثرهم كفخر هذه الأمة بحدج ربتها إذا استقل الناس، تريد أنك لست منهم وليسوا منك.
(ص 279 س 23) قال أبو على: "قال أبو زيد: قلت لأعرابية [بالعيون] (3):
ما لك لا تصيرين إلى الرفقة؟ قالت: إني أخزَى أن أمشى في الرفاق! "
(ع) قال أبو زيد في نوادره "قلت لأعرابية (4) بنت مائة سنة: ما لك لا تصيرين إلى الرفقة؟ (5) فقالت: (6) أخزَى أن أمشى في الرفاق! " وبهذه الزيادة تكمل فائدة الحديث.
(ص 282 س 16) قال أبو على: "الحِسْىُ: صلابة تمسك الماء وعليها رمل فلا تَنْشِفه (7) الشمس" هكذا روى عن أبي على "تنشِفه" بكسر الشين. والمعروف عن أبي زيد وغيره نَشِفَت الأرضُ الماءَ تنشَفُه بكسر الشين في الماضي وفتحها في المستقبل.
(ص 283 س 3) وقال أبو علي: "وفد رجُل من بنى ضِنّة على عبد الملك ابن مروان" وذكر الخبر. قال: وفي العرب ضِنتّان: ضِنّة بن سعد هُذيم، وضنة
__________
(1) في الأصول بالفاء، والتصحيح من النقائص 2: 656 (عادل جمال)
(2) في النقائض: عدُّهم .. أباك، وأراها أوفق (عادل جمال).
(3) لم تذكر الكلمة في الشرح وقد ذكرت في الأصل ونوادر أبي زيد.
(4) الذي في النوادر بزيادة "بالعيون".
(5) في النوادر "ما لك لا تأتين أهل الرفقة؟ ".
(6) في النوادر "إني".
(7) راجع المطبوعة الجزء الثاني ص 282 فقد شكلت "تنشفه" بضم التاء وفتح النون وتشديد الشين المكسورة، وهو خطأ في الضبط على ما يبين من كلام البكرى.
(2/609)

ابن عبد الله بن نمير (ع) هو ضنة بن سعد بن هُذيم بن زيد بن ليث بن سُود بن أسْلُم (1) بن الحاف بن قضاعة. وفي العرب ثلاثة ضنّات غير الذي ذكر وهي: ضِنّة بن الحَلّاف بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وضنة بن العاصى بن عامر ابن مازن بن الأزْد، وضنة بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل.
(ص 290 س 3) وذكر أبو علي خبر النفر من طئ مع سواد بن قارب الخبر بطوله وتفسيره وفيه "لقد خبأت دِمّة، في رمّة، تحت مَشِيط (2) لمةً".
(ع) اختلفت الرواية عن أبي على في هذه اللفظة فرواه بعضهم (دِمّة في رمّة) بالدال في الأول ورواه آخرون "رمّة في رمّة" بالراء بلفظ واحد فيهما، وفي تفسير أبي على: الدِمّة: القملة. فهذا يصحح رواية من رواه بالدال. قال اللغويون: الدِمّة: القملة، وقيل النملة الصغيرة، ومن ذلك الدميم والدمامة. وأما الرمة بالراء فلا أعلم أحدًا قال إنها القملة، وإنما الرمة في بعض اللغات الأرَضة، وقال أبو حاتم: الرمة النملة التي لها جناحان.
(ص 291 س 22) وأنشد أبو على:
"ما إن رأيْنا مَلِكًا أغارا ... أكثرَ منه قِرَةً وقارا"
(ع) هما للأغلب العِجلي وبعدهما:
"وفارسًا يستلب الهجارا"
وهذا الذي نقل أبو على في القرة هو قول أبي عبيدة وقال: الوقير والقرة: الغنم، والقارُ: الإبل. وقال غيره في قول العجلى "القرة من الأثقال" يجعله من الوِقْر. يقول: ما إن رأيت ملكًا أكبر جيشًا منه وأكئر أثقالًا. قال: وأي مدخل للغنم في جيوش الملوك. وأنشد في ذلك للعجاج:
__________
(1) كل من في العرب "أسلم" بفتح الألف واللام إلا هذا فإنه بفتح الألف وضم اللام.
(2) ضبط في المطبوعة "مشيط" على التصغير، وهو خطأ وصوابه على زنة كبير كما ورد في اللآلى أيضًا.
(2/610)

"لما رأتْ حليلَ عينَيَّهْ ... ولِمَّتى كأنها حَلِيّهْ
قالت: أراه قرَةٌ عَلَيَّهْ"
أي ثقلا
(ص 296 س 18) وأنشد أبو عليّ للأعشى:
"تروح على آل المهلَّب جَفْنةٌ ... كجابِيَة الشَّيخ العراقي تَفْهَقُ"
قال: وكان أبو محرز خلف يروى "كجابية السَّيْح العراقيّ، ويقول: الشيخ تصحيف.
(ع) قد تقدم القول في هذا البيت ووصلناه وذكرنا المذهبين في كلا الروايتين، وليس هو كما أنشده أبو على وإنما هو:
"نَفَى الذمَّ عن آلِ المحلّق جفنَةٌ ... كجابِية الشَّيخ العراقيّ تَفْهَقُ"
- 3 -
(وهذا ما نحسبه ساقطًا من آخر الكتاب)
(ص 316 س 10) وفيها (أي قصيدة قيس بن ذريح):
"يظل نهارُ الوالهين نهارَه ... وتَهْدِنُه في النائمين المضاجعُ
سواىَ، فَلَيْلى من نهارى، وإنما ... تُقَسَّمُ بينَ الهالكين المصارعُ"
ورواهما غير أبي على:
"نهارى نهار الوالهين صبابَةً ... ولَيْلِىَ تَنْبو فيه عني المَضاجِعُ
وقد كنتُ قبل اليوم خِلْوًا وإنما ... تُقَسَّمُ بين الهالكين المصارع"
وهذه الرواية أحسن وأجود اتساقَ لفظٍ ومعنى، لأَن البيت الأول في رواية أبي على مضمن واللفظ مستكره ومتكلف.
(ص 321 س 9) وأنشد أبو عليّ:
أَيُغْسَلُ رأسى أو تَطيبُ مَشاربي ... ووجهُكَ مَعْفورٌ وأنَت سَلِيبُ
(2/611)

سيبكيكَ مَن أمسى يُناجيكَ طرفُه ... وليس لمَنْ وارى الترابُ نسيبُ
وأنى لأستحيى أخي وهو ميِّتٌ ... كما كنتُ أستحييه وهو قريبُ
(ع) أنشد ابن أبي الطاهر هذه الأبيات لبنت على بن الربيع الحارثى ترثى أباها، والبيت إنما هو:
وأنى لأستحي أبي وهو ميتٌ ... كما كنت أستحييه وهو قريبُ
لا "أخي" كما أنشده أبو علي، وبعده:
إذا ما دعا الداعى عليًّا وجَدتُنى ... أُراعُ كما راع العَجُولَ مُهيبُ
وكم مِن سَمِىّ ليس مِثل سَمِيّه ... وإن كان يُدْعَى باسْمِه فيُجِيبُ
(ص 324 س 1) وأنشد أبو علي قصيدة أولها:
يا عين بكّى لمسعود بن شدّادِ ... بكاءَ ذي عَبَراتٍ شَجْوُه بادِى
وقال: إنها تنسب إلى عمرو بن مالك وإلى أبي الطمَحان وإلى رفاعة بنت شداد ترثى أخاها مسعود بن شداد.
(ع) هو عمرو بن مالك بن يثربى النخعى ثم الكعبى جاهلي، وأبو الطمَحان قد تقدم ذكره ونسبه وهو مخضرم.
وقد خلّط أبو علي في هذا الشعر كل التخليط فأدخل فيه بضعة عشر بيتًا من شعر أنشده ابن الأعرابي في نوادره لجَبَلَة بن الحارث يرثى مسعودًا العدوى لم ينسب منها أحد بيتًا واحدًا إلى الشعراء الذين ذكرهم أبو علي. وأول شعر جبلة ابن الحارث:
"يا مَنْ رأى عارِضًا قد بت أرقُبه ... يَسْرِى على الحَرَّة السَّوداء والوادي"
الخمسة الأبيات على الاتصال كما أنشده أبو علي ثم الباقية تسعة مفترقة من تضاعيف الشعر قبل هذا.
(2/612)

من خط البغدادي *
اطلعت على الكلمة التي نشرها العلامة السيد محمد راغب الطباخ وذكر فيها ما كتبه البغدادي بخطّه، واطلعتُ على ما كتب عن مخطوطات البغدادي في الخزانة، الطبعة الحديثة التي صدرت من المطبعة السلفية، فذكرنى ذلك بكتابين كتبهما البغدادي بخطّه وهما موجودان الآن في دار الكتب المصرية:
الأول سفر السعادة للسخاوى في اللغة.
والثاني فُرْحَة الأديب لأبي محمد الأعرابي الأسود الغُنْدُجانى في نقد السيرافي في شرحه على كتاب سيبويه.
وهما في مجلد واحد (تحت الرقم 78 مجاميع م) بدار الكتب وقد ذكر البغداديّ الكتابين في مقدمته. ذكر الأول في ص 34: س 14 وذكر الثاني في ص 31 س 4.
__________
(*) مجلة الزهراء، السنة الخامسة، 1347 ه / 1928 م.
(2/613)

مقاليد الكتب
أدب الجاحظ
تأليف حسن السندوبي -طبع بالمطبعة الرحمانية- صفحاته 247
نال الجاحظ من عناية الكتاب في هذا العهد ما لم ينلْهُ أديب أو عالم آخر من علماءِ العرب وأدبائهم. ولا غرو فقد ميل أن الفيلسوف ثابت بن قرّة الصابئ الحرّانى قال "ما أحسدُ الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفسٍ أولهم عمر بن الخطاب والثاني الحسن بن الحسن البصري (وهو من شيوخ المعتزلة) والثالث أبو عثمان الجاحظ". وقال ابن العميد: كُتُب الجاحظ تعلم العقل أولًا والأدب ثانيًا"، وقال كذلك "ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس أما الفقه. . . وأما الكلام. . . وأما البلاغة والفصاحة واللسن والعارضة فعلى أبي عثمان الجاحظ". وقال ياقوت -بعد ما ذكر أن ابن الأخشيد أقام بعرفات ينادى: يرحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبى لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان- "وحسبك بها فضيلة لأبي عثمان أن يكون مثل ابن الأخشيد، وهو هو في معرفة علوم الحكمة وهو رأس عظيم من رؤوس المعتزلة يستهام بكتب الجاحظ حتى ينادى عليها بعرفات والبيت حرام. . ." وقال أبو القاسم الإسكافي "استظهارى على البلاغة بثلاثة: القرآن وكلام الجاحظ، وشعر البحترى". وجعل ابن دريد "كتب الجاحظ من متنزهات القلوب" لما ذكرت أمامهُ متنزهات الدنيا أو متنزهات العيون كما دعاها.
وقد اطلعنا في خلال الشهرين الماضيين على كتابين من الكتب الحديثة في الجاحظ الأول كتاب شفيق جبرى -وقد ذكرناه في مقتطف أكتوبر الماضي- والثاني الكتاب الذي بين أيدينا الآن. وعلمنا أن خليل مردم بك وضع كتابًا في الجاحظ كذلك ولكننا لم نره.
وعندنا بعد مطالعة كتابي السندوبي وجبرى أن الأول عنى بإيراد سيرة
__________
(*) المقتطف، المجلد 81، نوفمبر 1932، ص 491 - 493
(2/614)

الجاحظ وآرائهِ فأنت تخرج منهُ بصورة واضحة (انظر الصورة) لشكلِه وتعليمهِ ورزقي وبسطة جاههِ ومقامهِ الأدبي ورأيه في المعتزلة والكتب التي صنفها والمؤلفات التي نسبت إليه. وعنى الثاني عناية بدرس أدب الجاحظ وطريقتهِ في البحث والتحقيق والنقد وتحليل شعوره الدينى ونواحي أدبهِ من الضحك إلى التهكم إلى الصنعة إلى الفن وغير ذلك. فإذا استعملنا التعبير الغربي قلنا أن الأول تاريخ خارجى للجاحظ والثاني تاريخ داخلي. وكل منهما مكمّل للآخر.
* * *

وقد حقق المؤلف مولد الجاحظ فرأى أن يعتمد النص الذي جاءَ به الجاحظ قال (صفحة 20) نقله إلينا ياقوت في معجمهِ فقد روى أنهُ قال: أنا أسنُّ من أبي نواس بسنة ولدت في أول سنة 150 ه (767 م) ووُلِد في آخرها" وليس بعد هذا -في رأي المؤلف- نصٌّ يعتدُّ بهِ.
ثم أظهرنا في الفصل الثالث على صورة من أساليب التعليم في ذلك العصر قال:
"فقد كان الرجل يبعث بولده إلى كتاب الحي فيتعلم فيهِ مبادئ القراءة والكتابة، ويشدو شيئًا من قواعد النحو والصرف، ويتناول طرفًا من أصول الحساب، ثم يستظهر كتاب الله الكريم استظهارًا تامًّا مجوّدًا مرتلًا، وهو في خلال ذلك يتردد مع أترابه على القاص فيسمع منهُ أحداث الفتوح، وأنباء المعارك، وأخبار الأبطال، ومقاتل الفرسان، ومفاخرات الشجعان، وسير الغزاة والفاتحين، ممزوجًا ذلك بالمواعظ والعبر وإيراد أحوال الصالحين وأطوار الزهاد والنساك والمتقين. وبعد أن يأخذ من كل طرف من هذه المعلومات نصيبهُ الكافي يولى وجهه شطر حلقات الدرس بالمساجد العامة، والمعاهد الجامعة، والمدارس الخاصة فيقوم من حلقة الفقيه إلى حلقة المحدِّث، ومن مجلس اللغوى إلى سارية النسَّابة، ومن حضرة الأخبارى إلى دارة المتكلِّم، ومن معهد المنطقى إلى مجمع الفلسفي، ومن محفل الأديب إلى قاعة المهندس، ومن بين يدي المفسِّر إلى حظيرة الأصولى، ومن غرفة الراوية إلى بيت الشاعر، ومن ديوان
(2/615)

الكاتب إلى صاحب النجوم، ومن الأسطرلابي إلى الجغرافي، ومن مشهد الموسيقار إلى مقعد المغني، ومن عند المزمار إلى دكانة الوتار. الصبيان والبنات في ذلك سواء، وإن كانت الغالبية في الصبيان دون أخواتهم. حتى السجون، فقد كان لأهلها حظ من التعليم وكان لهم معلمون يدخلون إليهم في أوقات معينة".
* * *

وقد تلقى الجاحظ علومهُ على شيوخ البصرة والكوفة وممن أخذ عنهم علومهُ الأصمعيُّ وأبو زيد الأنصارى وأبو الحسن الأخفش وممن تلقَّى عليه العلم المبرد صاحب الكامل.
ويقال إنهُ كان وهو في دور الطلب يعانى الاتجار في الخبز والسمك بسيْحان (نهر بالبصرة) وسواءٌ صحّ هذا الخبر أم لم يصحّ فقد درج الجاحظ في بحبوبة من اليسر والرخاء واتسعت موارد رزقه. . . فلا عجب أن يعلو على أمثاله فضلًا وفهمًا، وأن يقدم للغة العربية هذه المصنفات التي وضعها في كل ضربٍ من ضروب العلم وفنٍّ من فنون الآداب على كثرتها وجليل شأنها. فإن العطايا واللُّهى (1) تفتح اللَّها، على شريطة الاستعداد الفطرى والكفاية الظاهرة (ملخصًا من الفصل الرابع) وقد أشار مصطفى صادق الرافعي إلى ذلك في مقالته عن شوقى في هذا الجزء).
* * *

ومما عرض لهُ المؤلف ولم يدعمهُ بإسناد قولهُ إن الجاحظ أتى مصر قال (صفحة 71) ووقعتُ في كتاب الحيوان على أنهُ وفد مصر وأقام بها زمنًا وأجرى بها اختبارات فيما عثر عليهِ من حيوانها". وحبذا الحال لو أشار إلى الفقرة التي نُصَّ فيها على ذلك أو يُحَصَّل ذلك من معناها. ولكنهُ كان شديد الحذر لما ذكر أن الجاحظ كان يلمُّ بالفارسية -قال أجل ليس هناك نصٌّ صريح يملأُ يد الباحث
__________
(1) العطايا واللُّهَى بمعنى.
(2/616)

في هذا الشأن ولكن هناك من العبارات والألفاظ ما يدفع إلى استنباط هذا الرأي. . . وقال كذلك بعد ما ذكر شاهدًا على قولهِ. . . فمسألة عرفان الجاحظ باللغة الفارسية تستنبط بالقوة من خلال سطور كتبهِ ولا تؤخذ بالنصّ.
وترى أنهُ كان شديد القسوة لما بيَّن أن كتاب "التاج" ليس من مؤلفات الجاحظ (145 - 152) فبعد ما أورد نص تقدمة صدَّر بها الجاحظ كتابًا لهُ ونص تقدمة "التاج" وهما موجهتان إلى رجل واحد قال: "فأيُّ امرئ لهُ مسكة من عقل أو أثارة من الذوق أو بقية من أدب أو لبابة من فضل، يستطيع أن يقول أن كاتب ذلك التقدمة هو كاتب هذه؟ ". ولعل بلاغة العبارة ساقتهُ في تيار وقعها فانساق.
وفي الكتاب فصل مسهب أُحْصِيَت فيه كل مؤلفات الجاحظ والمؤلفات التي نسبت إليه وفَصْلان بسط فيهما مذهب المعتزلة ورأى الجاحظ فيهِ، وفصول أخرى تحتوى على نوادره ومختارات من نثرهِ وشعرهِ.
وفي حواشى الصفحات ترجمات موجزة للأعلام الذين ورد ذكرهم في المتن.
* * *

نقول وياليت المؤلف توسع في بعض الفصول توسعًا ينقع الغلة كالفصلين اللذين أفردهما لمعارف الجاحظ وإحاطتهِ وتحقيقهِ للعلم فإنهما شديدا الإيجاز، ولكنهُ قد يفعل ذلك لدى نشره كتاب "الحيوان" وكتاب "البيان والتبيين".
(2/617)

الصاحب بن عباد
ورثة هذا اللسان العربي هم الآن أقل خَلَفٍ شوقًا إلى نشر التاريخ المطويّ لمن سلف من آبائهم، وأبعدهم عن معاناة المشقة في استقصاء أخبار من غبر من علمائهم وأئمتهم وهداتهم ومن فتح ومن قاد ومن حكم ومن استوزر من أسلافهم، فلذلك نكرِوا التاريخ العربي إذ لم يعرفوه، وركَّتْ أساليبهم إذ كان الأدب العربي على جانبى التاريخ العربي وفي طريقهِ ومن بين يديه ومن خلفه. ولا عَجب فقد كانت البلاغة لعهدهم هي ميزان الرجال، ومقياس العقل، وقسطاس الحكمة. وما عق هذا الخلف أبوّة من غبر من أسلافهِ إلّا لأسباب أخذت عليه طريقهُ، ولو أن جلها ليس مما يبرر هذا العقوق أو يُعذر منه.
ولقد انْتُدِب لمداواة هذا العقوق رجالٌ من الأدباء والشعراء فبذلوا ولم يضنوا، وأخرجوا في رجال الأدب والتاريخ كاتبًا تعرّف الناسَ بهم وبأدبهم وأخلاقهم وفضائلهم وما سوَّغوا من الحكمة. وما رزقوا من الفضل. فمن ذلك ما كتب الأديب الجليل "خليل مردم بك" عن "الجاحظ" و"ابن المقفع" و"ابن العميد" و"الصاحب بن عباد". والثلاثة الأولى من كتبه قد نشرت من أشهر وتداولها الناس. ونشر حديثًا كتابه عن "الصاحب بن عباد" فاستوفى ترجمته ما استطاع، وجمع شتات ما وصل إلينا من أخباره، ثم أبدى في ذلك من صواب الرأي والدقة والتوثق قبل الحكم ما يشهد بأمانته وعدله. وفي الكتاب من رسائل "الصاحب" ومن شعره ما لم ينشر مستقلًّا بعد.
وأسلوب كتابه هذا، هو الأسلوب الجيد في عرض التراجم التي يقصد من كتابتها تعريف الناشئين بمن مضى من أسلافهم، حتى لا يقفوا منهم موقف الجهل إذا ما عرض ذكرهم في حديث أو كتاب. على أنهُ لا يمكن أن يقال إن هذا الكتاب هو أوسع ما يكتب عن الصاحب، فإن أكثر ما كتب هو وما ألَّف، أو ما كتب عنه أو قيل فيه، قد استبد به الضياع. ولا يبعد أن يطلعنا القدر يومًا
__________
(*) المقتطف، المجلد: 81، نوفمبر 1932، ص: 493 - 494
(2/618)

ما على أثر من آثار الصاحب أو آثار من عرض لذكره والكلام عنه يبدل الحكم عليه أو ينقص منه أو يزيد فيه.
وأهم أبواب كتاب "الصاحب بن عباد" هو القول في "أسلوبه وخصائصه" من ص 129 - 157 قد وفق المؤلف في الكلام عن الأسلوب ولم يستوف خصائص الأسلوب حقها حتى تستطيع بعد أن تقرأه أن تعرف ما يميز أسلوب "الصاحب" من أسلوب أستاذه "ابن العميد" على أن للمؤلف عذرًا بينًا في هذا فإن آثار "الصاحب" و"ابن العميد" قد ضاعت ولم يبق إلّا أقلها مما لا يعين على التحديد والحصر والإبانة عن مواضع التمييز. والكلام على خصائص أساليب الكتاب من أمثال الصاحب وابن العميد هو أهم ما يكتب عنهم وأجداه على العربية وطلابها إلَّا أنه فيما نرى أشقها وأبعدها مطلبًا، ولن يوفق إليه إلّا من استكمل العُدَّة وتهيأ له الطبع الرقيق والبصر النافذ وواتته الأسباب بظهور جزء من الكتب الضائعة والمغمورة وأعانه العلم المستفيض بأخبار الكتَّاب وأخبار عصورهم ومن سبقهم ممن أخذوا عنه أو نهلوا منه.
وأما بعد، فإن كتاب خليل مردم بك عن الصاحب هو من أحسن ما يعرِّف الناس بلسان من الألسنة البليغة ووزير من الوزراء النابهين في القرن الرابع للهجرة.
(2/619)

أبو نواس
تأليف الأستاذ "عمر فروخ" أستاذ الأدب العربي في كلية المقاصد الإسلامية ببيروت
رأت "مكتبة الكشاف" وصاحبها الأخ "مصطفى فتح الله" ببيروت أن تصدر سلسلة متتابعة من كتب في الأدب العربي، وبدأ لها الأستاذ الأديب "عمر فروخ" بالقول في "أبي نواس: الحسن بن هانئ" شاعر الخمر والمجون. ويقول المؤلف: "هذه دراسة شبه مفصلة في شعر أبي نواس، تتناول ترجمته، ثم البيئة التي نشأ فيها، والعناصر التي ساعدت على توجيه شعره إلى مستقره، ثم نقد لأبواب شعره. . . .".
ونقول: قد تعجل المؤلف الأديب في دراستهِ شعر أبي نواس، وكان يجدر بهِ أن يقف طويلًا قبل أن يتقدم، ليأخذ عدته وأداته وما يصلح من أمره. أو ما تراه كتب عن موت أبي نواس والمرض الذي مات به أكثر من صفحة وكتب عن (فلسفة أبي نواس ومذهبه في الحياة) أربعة أسطر لم يزد فيها على أن جعل فلسفة الرجل فلسفة حيوان مستكلب قَطِم (1) تتَسَعَّر شهوته. ولقد طوى المؤلف القول في ترجمة هذا الشاعر العظيم ليظهر لنا نواحي شاعريته ومآتى هذه الشاعرية، وآفاق نبوغهِ ومطلع هذا النبوغ، فكان حقيقًا -ولم يفعل- بأن يكشف لنا عن العصر الذي كان فيه أبو نواس، ذلك العصر الذهبي في تاريخ العرب حين كان الرشيد "هارون" يقول للسحابة المُخْلِفَة "أمطرى حيث شئت" (2)، وحين كان الرجل من الناس يتنقل من مجلس الوقار يدرس فيهِ الكتاب الكريم، إلى مجلس الأدب والظرف ينشد فيهِ الشعر، ومن مجلس الحكمة والطب تدرس فيهِ الفلسفة بأنواعها، إلى مجلس أبي العِبَر وأمثاله يؤتى فيهِ بالكلام الملفق من رطانة العجم
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، فبراير 1933، ص: 240 - 241
(1) القَطِم: الذي يتشهي النِّكاح هنا.
(2) تتمة القول: "فسوف يأتيني عطاؤك".
(2/620)

وحماقات المغفلين، ومن دار الجد والجدل في علوم الأوائل والأخذ والرد في مذاهب القوم من المعتزلة وأهل الرأي وأهل السنة وغيرهم، إلى دار الخلاعة والمجون وشرب الخمر وأنواع الشرور الإنسانية. وحين كانت بغداد تموج بالقادمين إليها من كل فج، فيهم الفارسى والهندى والشامى والمصري والأندلسى والترك والديلم والقيان الجميلات، والإماء المستطرفات اللبقات، والمغنيات والأديبات، وحين كانت الفتنة والوقار والهدى والضلال، وبغداد تغلي كغَلْي المرجل، وأبو نواس الشاعر الماجن اللسن الخبيث في مثل هذا الموج يروح ويغدو.
هذا هو مَحَكّ كل مؤلف يكتب عن أهل ذلك العصر على الطريقة المستحدثة في الأدب العربي. وفي هذا يتبين القارئ كيف درس الأديب وكيف فهم وكيف تأثر بشعر الشاعر واهتز له وأقبل عليهِ وأعجب به واستوضح نبوغه فشهد له وفضله واستخرج محاسن شعره ثم كتب عنه. وبغير هذا يكون كل كتاب قد استوعب ترجمة الرجل منهم على طريقة التأليف الأولى أجدى وأقوم.
على أن الأستاذ الأديب "عمر" قد ألم بحياة أبي نواس إلمامًا لا بأس به فيهِ الفائدة للناشئة، ينبه كل غافل منهم إلى الأديب العربي وما فيهِ من درر القول وكرائم الشعر ويدعوهم إلى وصل ماضيهم بالحاضر الذي يعملون على تشييده وبنائهِ. وقد رد الأستاذ القول الذي لج فيهِ بعض المحدثين بأن أمثال أبي نواس من الشعراء أهل المجون والخلاعة والتهتك يمثلون العصر العباسى عصر الرشيد الذي كان يموج بأئمة الدين كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة وكبار الفقراء من أعلام الصوفية أصحاب النسك والورع.
أما لغة الكتاب وأسلوب المؤلف ففيهما ضعف نرجو أن تبرأ منهُ بقية مؤلفاته إن شاء الله، وفي الكتاب سهو كثير ونخص بالذكر والتنبيه قوله "إن أبا الفرج صاحب الأغاني افتتح الجزء السادس عشر من كتابه "بأخبار أبي نواس وجنان خاصة" والصواب أنهُ الجزء الثامن عشر. وأيضا، فقد ذهب المؤلف إلى القول بضياع ترجمة أبي نواس من كتاب الأغانى كما ذهب إلى ذلك ابن منظور
(2/621)

الأنصاري صاحب "لسان العرب" في كتابه "أخبار أبي نواس". وأرجح الرأي عندنا أن قول أبي الفرج في مفتتح الجزء الثامن عشر من الأغانى "أخبار أبي نواس وجنان خاصة، إذ كانت أخباره قد أفردت خاصة" إنما عني به "جمع ديوان أبي نواس" الذي ذكروه في مؤلفات أبي الفرج.
(2/622)

ضحى الإسلام
تأليف "أحمد أمين" الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية - أخرجته لجنة الترجمة والتأليف والنشر بمصر
من أجلّ الكتب العربية التي أخرجت للناس في هذا العام كتاب "ضحى الإسلام"، وصل بهِ صاحبه الأستاذ "أحمد أمين" ما كان بدأ في كتابه "فجر الإسلام"، وبه نقع المؤلّف غُلّة شقىَ بها أدباءُ هذا العصر زمنًا طويلّا، ويخيَّلُ إليَّ أن الأستاذ "أحمد أمين" رجل قد أوتى من الصبر والجَلَد والمثابرة وقوة العزم ونشاط الفكرة نصيبًا وافيًا سابق به المجتهدينَ من أهل عصره حتى سبقهم وأربى عليهم. وعامة الناس لا يعرفون ماذا يلقى الباحث في التاريخ العربي والأدب العربيّ من عناءٍ وعنتٍ يبلغان منهُ الجُهْد. فالباحث إن لم يؤتَ مثل ما أوتى هذا الرجل انقلب إلى نفسه بأخسّ النصيبين وأوكس الحاجتين. ذلك بأن التاريخ العربيّ خاصة قد انفرد دون ما دوّن من تواريخ الأمم الخالية بالنقص في ناحيتين: أولاهما، انطمار آثار جاهلية الجزيرة العربية في اليمن والعراق والحجاز والشام وخُفُوتُ أخبارها وقلّةُ ما دُوِّن منها على تشتتهِ في كتب الأدب وكتب التاريخ، والأخرى، اعتماد المؤرخ العربي على الرواية فلم يعنَ بالتعليق عليها وتوضيح ما غمض من أسرارها. ونعتقد أنهم كانوا يستطيعون ذلك لو تعمدوه، وقد تبيَّن هذا لنا مما نراه لهم من القول في ترجيح رواية على رواية إذا التبس الأمر. وثالثة لا ذنب للتاريخ ولا للمؤرخ فيها، تلك هي ضياع أكثر الكتب العربية التي ألفت في عصر الرشيد والمأمون أو عصر تدوين العلم. وابتلينا نحن من بعد ذلك ببليتين: أولاهما أنْ لم يُنْتَدَبْ أحد من أهل هذه اللغة إلى التنقيب عن آثار هذه الأمة العربية التي طويت في أرضها بين يَمِنها وشامها وحجازها وعراقها ومصرها ومغربها وما سوى ذلك، والأخرى، أن لم يخفَّ أحدٌ إلى دراسة كتب العرب ولمّ شتاتها واستخراج ما خفي من أساليب العرب وأحوالها وعاداتها في الاجتماع
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مارس 1933، ص: 360 - 365
(2/623)

والأدب واللغة حتى جاءَ في هذا العصر أصحاب الألسنة الأعجمية من دول أوربا بأقوالهم في تاريخنا وأدبنا وديننا بالكلام الجيد تارة، والفهم الملتوى والتعليل الفاسد تارة أخرى.
فأنت حين ترى "أحمد أمين" يبتدر صادقًا إلى هذا التاريخ فيتقلّب فيما بقي من دارسات طلوله وفيما وصلنا من كتبه ما شاءَ الله أن يتقلّب ثم يخرج فيقصُّ عليك من أخباره وقد نَفَضَ عنها غبار القرون وأحداثها، وما إن ترى من أهل هذه اللغة إلا نائمًا أو متيقظًا كنائم أو صاحب مكيدة مخدوعًا عن رأيه وقلبه، وإلّا أعجمي اللسان والقلب يلتوى فهمه ولا يستقيم غرضهُ يتعرّض لتاريخ هذه الأمة فيصيب ويخطئُ، ويظهر فضلا ويدس مكيدة. . . أنت حين ترى هذا وترى ما في دراسة التاريخ العربي والأدب من عناءٍ وعنتٍ لا يتأتى لك بعدُ إلا أن تحْمَدَهُ وتشكر له ما أسدى إلى أمته من جميل. هذا وقد وضع المؤلف كتابهُ في أربعة أبواب في كل باب فصول، وفي الجزء الذي بين أيدينا الباب الأول منهُ: في الحياة الاجتماعية في العصر العباسيّ من (سنة 132 - 232 ه) واجتزأ منها بما له أثر قوىٌّ في العلم والفنّ. والباب الثاني: في الثقافات المختلفة دينية وغير دينية. وأرصد باب "الحركات العلمية" وباب "المذاهب الدينية" ليجعلهما من نصيب الجزء الثاني الذي وعد بتقديمه إلى القراء قبل أن يفرغوا من قراءَة هذا الجزء. فوفاءً بحقّ هذا الكتاب الجيد نبذل جهدنا في الكلام عنهُ والتعرض لما فيهِ موجزين إن شاءَ الله وبالله التوفيق.
تحرير القول في الأحوال الاجتماعية والعلم والفنّ وأثر أحدها في الآخر من أعسر ما يتعرض له الكتَّاب فإن الجليل من أحدها له من التأثير مثل الذي لحقيره، وإن من صغير أحوال المجتمع لما يزيد في العلم والفن أو ينقص منهما، وإن من حقير العلم والفن لمَا يزيد في أحوال المجتمع أو ينقص منها إذ تترافد هذه الثلاثة. حتى إذا ما أردت أن تعرف أيها الذي أثّر تأثيرًا قويًّا أو ضعيفًا وأيها الذي تأثّر التوى عليك المسلك ووقعت في الحيرة واضطربت اضطراب من ضلّ بهِ دليلُهُ. فمن أجل ذلك ما ينكُصُ كثير من المؤلفين عن تناول هذا إلا في الندرة. وغاية ما
(2/624)

يمكن المؤلف فيعمل ليتلافي هذا النقص وخاصة في التاريخ العربي أن يتسقّط أخبار الحياة الاجتماعية من قصيدة لشاعر أو كلمة لخطيب أو وصف أو قصة فيؤلف بينها ثم يمنحها من خياله وفكره ما يتمم به النقص الذي وقع فيها ويضع عليها من زينتها ما يظنُّ أنها كانت تتجمل بهِ ثم يعرضها لك بعد عرضًا خلابًا رائعًا حتى لتحسَّ وأنت تقرأ ما كتب أنك قد انتقلت من عصرك الذي أنت فيهِ إلى عصرِ مثل هذا العصر العباسيّ الذي تناوله "ضحى الإسلام"، وأنك تعيش في جوّ من الحياة العباسية فيها سحرها وجمالها ولها روعتها وجلالها ويترقى إليك المؤلف خلال ذلك بما يحقق من علاقة هذا الاجتماع بالعلم والفن وأين أثر كلِّ في صاحبه غير تاركك فتنسى أنك تعيش في ديار الدولة العباسية. فإذا أراد أن يحقق القول في موضوع بعينه كالرقيق مثلًا أفرد له خاصة ما يخرج فيهِ رأيه بأدلته وبراهينه وحججه وما ينتهي إليه من أخباره زَيْفها وصحيحها.
ونحن نعتقد أن المؤلف قد قصّر في هذا الباب على جلالة ما كتب فيهِ. وإن القيد الذي وضعهُ من الاجتزاء بما لهُ أثر قويٌّ. . . في العلم والفن من الحياة الاجتماعية قد أضاع بهجة هذا الباب. وقد كان يستطيع أن يحتفظ بشرطهِ هذا مع شيء من التوسع في صفة بعض بلاد الدولة العباسية وأهمها بغداد حتى يحس القارئ وكأنهُ ارتحل فوافى بغداد يرى من أطرافها الأسوار والقباب العالية على أبوابها، بينها الأبراج عليها حراسها وحجابها في أزيائهم وملابسهم، والتماثيل على رؤوسها تلوح وتلمع. حتى إذا دخل بغداد رأى القصور بين البساتين والأنهار فإذا دخلها رأى الدهاليز والممرات والمخترقات والصحون فيها الصور الفاتنة على أعمدة الرخام، والمجالس فيها الفرش الجميلة والأبسطة المطرزة بالألوان الغريبة، والشعْرَ المنقوش على أطرافها وأوساطها. ورأى صور الفيلة والخيل والجمال والسباع والطير على ستور الديباج المذهبة. ورأى الخليفة في أبهته وجلاله ومن يحيط بهِ من حاشيته من أجناس الأمم في اللباس العجيب. ورأي العلماء والشعراء والحجاب تروح وتغدو، ورأى زيّ القضاء وزي الشرطة وزيّ الكتابِ وزيّ الوزراء وزي الأعراب من الشعراء وهم ينشدون مديحه في صوت البدويّ الجافي
(2/625)

مع حلاوة المخرج وحسن الأداء. ورأي شعراء الحضر يمدحون بالشعر فيه الغزل وفيه الحكمة وفيه السياسة والتحريض والدعوة إلى التوفيق أو التنبيه إلى الدسيسة. ورأي الجدَلَ في مجلس الخلافة بين العلماء من فقهاء ونحويين ولغويين، ورأي أولياء العهد في ملاعبهم ومجالس علمهم، والندماء في لباس الشراب والمغنين في الأقبية الخراسانية بأيديهم المزاهر والأعواد ومن كل آلات الطرب، بينهم القيان الجميلات والإماء الأديبات، والشراب يدور بهِ الولدان والفتيات بزينتهنّ وحسنهنّ. فإذا خرج إلى البساتين رأي الأفراس المطهمة عليها الذهب والفضة في أيدي الشاكريين (السوَّاس) عليهم البزَّة الجميلة ثم رأى حيرَ الوحش (حديقة الحيوان) تخرج الوحوش منها تقرب الناس وتأكل من أيديهم، والفيلة المزينة بالديباج والوشى مع أصحابها من فيالة السند، والسباع بأيدى السباعين في رؤوسها وأعناقها السلاسل والأغلال، ورأي البرك من الماء فيها مجالس للخليفة بألوانها وصورها وجمالها وأخرى من الرَّصاص القلعيّ تتوهج في شعاع الشمس كالفضة المجلوة والنخيل من حولها ملبَّسًا بالشبه المذهب وأشجار الأترجّ عليها الزينة تنفح عطرها وشذاها. والأشجار المصنوعة من الذهب عليها عصافير الفضة تحركها الريح فيخيل إليك من حسنها أنها أشجار حية. وتخرج إلى أسواق بغداد يفوح طيبها ومسكها ومندلها وبخورها وصندلها ويتلألأ الذهب والفضة في نواحيها وأرجائها والنساء والقيان والمغنيات والشباب والشيوخ والفقر والغني وأهل التصوف ومن كل أمة وجنس من رومها وعربها وفُرسها وسودانها وحبشها وظرف أهل بغداد وأحاديث مُجانها وخُلعائها وتنادر ظرفائها، والأعرابي في صوفهِ والحضري في خزهِ وحريرهِ، والنعال السبتية بأصواتها وألوانها ويسمع من وراء الجدران ألحان الجوارى وهن يتغنينَ في بيوتهن ويضربنَ بالدف والعود والمزهر والناي، وليل بغداد والسمر والغناء والموسيقى والمساجد والأذان وأصوات التكبير ودويُّ قرَّاء القرآن في جوانبها ومواعظ الوعاظ وبكاء الناس من هول يوم القيامة وأهل الحديث والمعتزلة والفقهاء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. . . إلى غير ذلك مما يطول ذكره ولا يفرغُ منهُ. والذي ذكرنا هو من أحوال الإجتماع
(2/626)

في بلاد الدولة العباسية وقد أثّرت في العلم والفن وأثر فيها العلم والفنُّ فلو أن المؤلف عرضهُ عرضًا خلابًا فاتنًا لما ترك من بعده مقالًا لقائلٍ.
ومثل هذا العرض لابدّ فيه من تضافر أمرين. الأول: كثرة المادة التي يريد أن ينبني عليها المؤلف كتابه، وتهيئتها قبل البدء، ومعرفة المواضع التي يجب أن يكون فيها التحقيق العلمي وما هو بسبيله من إثبات أثر الاجتماع في العلم والفن أو أثرهما فيه بحيث لا يفسد جفاءُ التحقيق جمال الوضع وحسن الوصف. والثاني: قلمٌ سيالٌ عنيفٌ متزن يمده خيال واسع محيط وفكر متوقد لا يخبو كالشعلة من النار كلما احتطب لها ازدادت توهجًا واشتعالًا حتى ترسل الكلمات في تيار جارف من القوة والرهبة ليحطم بذلك ما بين القارئ وبين العصر الذي يدرسه من أسوار وحوائل. وقد تهيأ الأمر الأول للأستاذ "أحمد أمين" كما دلنا على ذلك كتابه، أما الآخر فكأني به شيخ محنك قد حطمتهُ السن يضع الكلمة بعدها الكلمة في هدوء ووقار. لأنهُ لا يخرجها إلّا بعد أن يزنها في الميزان المهيأ من تجاربه وما لقى من أحداث دهره فمن أجل ذلك ما تجده كثير الاستعانة بما ليس للقارئ بهِ حاجة كقوله في المواضع الكثيرة "في عصرنا الذي نؤرخه" فكأنهُ يخشى أن يكون قارئه قد نسى أنهُ يقول ما يقول عن العصر العباسيّ.
وبعدُ فهذا أهم ما نقوله عن الكتاب من جهة وضعه وعرضه وبقيت أشياء قد عرضت لنا حين القراءة على ضيق الوقت والتباسنا بالعجلة وهذا حين نحقق ما عرض لنا من ذلك.
1 - نقل المؤلف من رسائل الجاحظ في ص 11 قوله "من ذلك: أن أهل البصرة أشهى النساء عندهم الهندياتُ وبناتُ الهندياتِ، والأغوارُ. واليمن أشهى النساءِ عندهم الحبشياتُ وبناتُ الحبشياتِ" ووضع نقطة الفصل بعد "الأغوار" ممَّا يدلُ على أنها معطوفة على "الهندياتُ وبنات الهندياتِ" وعلقَ على الأغوار بقوله "الغُورَة بالضم: بلدةٌ عند باب هراة، وبلا هاء، ناحية بالعجم. "والصواب" والأغوارَ واليمنَ أشهى النساء عندهم. . . إلخ، يعني أهلَ تهامةَ والحجاز واليمن "قال الأزهري: الغَوْرُ: تهامة وما يلى اليمن. وقال الباهليّ: كل
(2/627)

ما انحدرَ سَيلُه مُغرّبًا عن تهامَة فهو غورٌ" وأهلُ الأغوار واليمنِ أشهى النساء عندهم الحبشيَّاثُ لكثرة ورودهنّ عليهم لقرب الحبشة منهم. وقد ورد في الخبَرِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أحد أصحابه في تفضيلهنَّ على غيرهن أنّ "هُنّ أنقى أرحَامًا" أو كما قيل.
2 - ذكر المؤلف في معرض الكلام عن خطأ الأعراب وكذبهم في اللغة ص 300 "أكاذيب الأعراب" وعنى بها ما يختلقونهُ في اللغة وذكر أن أبا العباس المبرّد عقد بابًا في كتابه الكامل سمَّاهُ "أكاذيب الأعراب" والصوابُ أن البابَ الذي عقدهُ أبو العباس في الكامل هو "تكاذيبُ الأعراب" ج 1 ص 356 وعنى به ما يتزيَّدُون فيه من الكلامِ وما يختلقونهُ من الأوهام كالذي قال أبو عبيدة في قول الراجز:
"أهدَّموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشى الدأَلى حوالكا"
هذا يقوله الضب للحِسْل (وهو ولد الضبّ حين يخرج من بيضته) أيامَ كانت الأشياءُ تتكلَّم. .! وكالذي نقله صاحب "ضحى الإسلام" في ص 37 عن كتاب الكامل نفسه من قوله "تكاذبَ أعرابيّان. . . الخ".
3 - قال المؤلف في ص 301 "وألف ابن خالويه كتابًا سمّاهُ "ليس في كلام العرب" بيَّن فيه ألفاظًا تستعمل ولم يصحَّ سماعُها من العرب. وليس الأمر كذلك فالكتابُ لكان أيدينا وقد طبع سنة 1327 ه بمطبعة السعادة. ذكر فيه ابن خالويه ما شذّ عن القاعدة من كلام العرب وابتدأ كل فقرةٍ بقوله "ليس في كلام العرب" وبها سمى الكتاب. وذلك كقوله مثلًا في ص 5 "ليس في كلام العرب، أفْعَل فهو فاعل إلّا أعشبت الأرض فهي عاشب، وأورس الرمثُ فهو وارس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأبقلت الأرض فهي باقل، وأغضى الرجل فهو غاضٍ، وأمحل البلدُ فهو ماحل". ولدار الكتب في فهرستها خطأ أكبر من هذا فقد وصفوا هذا الكتاب بقولهم "هو كتابٌ في الكلماتِ التي دخلت على العربية من الفارسية وغيرها وليست منها". . . .! ! وليس في الكتاب كلمة فارسية ولا (ملطية).
(2/628)

4 - في ص 395 تحريف في آيةٍ من كتاب الله وقعت هكذا: ألم تر إلى الإبل كيف خلقت. والآية من سورة الغاشية {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}.
5 - قال المؤلف في ص 83 "وقد كانت المملكة البيزنظية تحرّمُ على من ليس نصرانيًّا أن يتملك رقيقًا نصرانيًّا، ولكن المسلمين أباحوا. . .! ! لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرقاء ولو كانوا مسلمين". ولا ندرى كيف كان ذلك وكيف يكون؟ وأي دليل وقع للمؤلف على هذا القول؟ والله تعالى يقول في سورة المائدة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وكيف يبيح المسلمون ذلك، ومن الذي أباحَهُ؟ ؟
6 - من أهم ما ترك المؤلف مِمَّا له أكبر الأثر في العلم والفن والاجتماع أيضًا كَثْرةُ الورق في بغدادِ حين أتوا به من الصين وغيرها وكانت له تجارة واسعة جدًّا في العصر العباسي، فقد انتشر الورَّاقون في بغداد وكثرت عندهم الكتب وكثر النُسّاخُ والكتّاب وسهل على الناس أن يقرأوا الكتب بالكراءِ من دكاكين الوراقين. ولقد أحدث ذلك من النهضة في العلوم والفنون أكثر مما أحدث الرقيق وغيرهم في بلاد الدولة العباسية. ولعلّ المؤلف أخره إلى حين القول في الحركات العلمية "فهو به أشبه" أو كما يقول. هذا، والكتاب لا يزال بموضع العناية فإن اتسع الوقت لنا في تحقيق ما رأينا فيه عدنا إليه والله المستعان؟
(2/629)

الشريف الكتانى
جائتنا هذه الرسالة البليغة في وصف الشريف الكتانى الذي زار مصر في طريقه إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج من حيث هو عالم من أكبر علماء الفقه الإسلامى وأديب واسع الاطلاع عميق الفهم جمع خزانة من أنفس المخطوطات العربية وأثمنها في داره بفاس. فنشرناها شاكرين
هما رجلان ألان الله لهما من صخرتى أوّلَ ما رأيتهما: السيد الجليل "محمد نصيف" كبير جُدّة وعماد الحجاز والأملُ الممتدُّ في جزيرة العرب، وهذا السيّد المباركُ محقّق العلم الإسلاميّ وعمدة التاريخ العربيّ "محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكتانيّ الإدريسيّ" واحد فاس، وكبير مراكش، والعلمُ الشامخُ بين أعلام الأمّة الإسلامية في هذا العصر ما بينَ الصينِ إلى رباط الفتح من المغرب الأقصى.
وما عَسَاىَ أقولُ في رَجُل. . . كلما أمسكتُ القَلم لأكتبَ عنه تهيَّبْتُهُ من غير خوفٍ كما يتهيَّبُ المؤمنُ قَالةَ الحقِّ تحيكُ في قلبه، خشيةَ أن يجورُ فيها لسانُه، أو أن يعدل بها سامعها عن وجهٍ قصد إليه. وأنا حين أكتبُ هذه الكلمة -بعد أن لازمت الرجل أيامهُ ولياليه في القاهرة، وأخذت عنهُ، وقبست من نوره وعلمهِ وخُلُقِه الغضّ، واستنشيت ريَّا شمائله- أجدني كالذي انتقل بروحه من عالم كثيفٍ فيهِ من ثِقَل المادة ما يهيض جناح الطائر، إلى عالم من الرُّوحانية المصفَّاةِ التي ألقت أوزار المادة إلى مَثَارها ومعدنها من الأرض، وحلَّقت في جوّ السماء بين نسمات النفْحة الإلهية وفتنة الجمال العلوي. . . الجمال الذي ينتظم الكون كله بأفلاكه وكواكبه ودقة تدبيره وحكمة أمره.
رجلٌ منضَّر الوجه كالوردة الزاهية فيها سرُّ الجمال الإلهيّ الذي لا يذبُل، مشرق الجبين كنور الفجر الصادق الذي لا يتكذَّب، وضّاح الثنايا كالأُقحوانة (1)
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، إبريل 1933، ص: 483 - 486
(1) الأقحوانة: نَبْت له نَوْر، حواليه ورق أبيض.
(2/630)

المبتسمة في ربيعها من الطلّ والندى، صافي العينين كالماء النمير في مجرى من البلور، كثّ اللحية محفوف الشارب أهدب الأشفار أبلج الحاجبين في شعرهما وَطَفٌ (1)، ضخم الهامة سابق الهيبة بادى الحنان، في جسمهِ بسطة تذكرك بما تقرأ في صفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. هذا هو السيد الشريف "الكتانى" عالم الشريعة الإسلامية وهذه صفتهُ أول ما تكتحل عيناك بطلعته.
هو في الثامنة والأربعين من عمره، ولكن تطالعك هذه السنوات القلائل من عينيه بالكَبْرة الملطفه بشباب القلب، المخففة بحياة النفس العزيزة المتألمة المثخنة بالجراح من أحداث الدهر وعواديه. ينظر إليك حينًا نظرة العالم المتمكن الأمين المتثبت الذي شغله العلم عن الحياة المادية الغليظة، فتحملك نظرته هذه من مجلس بسيط وديع إلى بحر من العلم يفتنك هدوءه كما يروعك وعلى اصطخابه إذا ازدحمت فيه أسباب الحركة العلمية. وينظر إليك حينًا وهو يستمع هادئًا نظرة المشفق الحريص الذي يودُّ أن يراك مصيبًا لم تخطئ. وأنت لا تزال في مجلسه بين أنواع من النظرات لها معانيها، ولهذه المعاني أسبابها، ولهذه الأسباب بواعثها، ولهذه البواعث محركاتها، وهذه المحركات خفايا من وراء النفس، منقمعة مكتومة لا تنفذ إليها إلّا نظرات أروع وقّاد قد ابتلى دقائق النفس الإنسانية بالممارسة والذهن المتوقد الذي يرى من آيات الله آيات من البلاغة الإلهية التي تمس الروح مسة تيار كهربائى ترعَش به أعصاب الإنسانية وتنتفض.
أنت من مجلسه في مجلس الحافظ لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والفقيه الذي قلب آيات الفقه الإسلامي بالبصر والبصيرة، والمؤرخ الذي انفتق له السور (2) عن تاريخ العرب والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، والألمعي ذي الدهاء الذي ركَّبت الأحداث في نفسه آلة إحساس دقيقة تحس بالبعيد إحساسها بالقريب ولا تكاد تخطئ إلا بمقدار ما في النفس الإنسانية من أسباب الخطأ الذي لا تنفيه إلّا
__________
(1) الوَطَفُ: كثرة شعر الحاجبين.
(2) يريد الأستاذ بذلك -فيما أظن- أن الحائط الذي أقامه الزمن قد انشق أمام بصيرة الرجل، فأزال ما تراكم عليه من غبار الأمد، فبدا تاريخا مشرقا واضحا.
(2/631)

العصمة التي لم يقضِ الله لأحد من الناس أن يبلغها. وهو وراء ذلك أحد المتصوفة الذين عرفوا حقيقة التصوف لا أوهامه التي ملأ بها الدخلاء ساحة التصوف، وأحد الذين يَزِنون العلم الحديث وما نشأ عنه من أحوال الاجتماع بميزان يفرق بين الخير والشر والحق والباطل، فهو يطلع عليهِ اطلاع المتبصر الذي لا يرضى لنفسه أن يكون من الغوغاء أتباع كل نظرية هوجاء لا قرار لها على حال.
ولهذا الرجل إحساس علميٌّ عجيب، فهو لا يكادُ يسمعُ بأديب أو فقيه أو عالم أو فيلسوف إلَّا حنَّ إليهِ وقلقَ إلى رؤيتهِ، ورغب في التحدث إليه وسبر غوره، فلا تصرفهُ شواغله وهو في دار الغربة عن أن يقدم أهل العلم -أيًّا كانوا- بالزيارة بل تراه يبدؤهم بها. ويرحل من بلد إلى بلد لأن فيهِ عالمًا جليلًا قد قرأ آثاره أو سمع بهِ. وأنت فظُنَّ كيف تقدّرُ رجلًا من أقصى المغرب بفاس، لا يذكر أمامهُ اسم عالم أو غيره في مصر أو الشام أو الجزيرة العربية أو العراق أو الهند أو الأفغان أو الترك إلّا عرفهُ وقصَّ لك من أخباره وعدّدَ لك من كتبه. ومن هؤلاء الناشيء والمغمور الذي لا يعرفهُ أهل بلده على حين أنهُ منهم بمنزلة البنان من راحته. بل. . . يسمع اسم الرجل يراهُ أمامه فيطمئنُ قليلًا ثمّ يسأله من أي بلدة هو فما يجيبُ حتى يسأله عن علماءِ هذه البلدة من مات منهم ومن حيّ وعن كتبهم كيف كان مصيرها، ثم يعدّدُ لهُ بعضَ ما أَلَّفُوا. . . ويذكر له روايته عنهم إن كان رَوَى عنهم شيئًا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غير ذلك.
فمن أجل هذا الإحساس العلميّ المركّب فيهِ أتيح له أن يجمع مكتبة في داره بفاس تُعَدُّ من أغنى المكاتب الخاصة وأنفسِها في العالم العربي كلّهِ، فيها من النفائس والنوادر والغرائب ما لا يوجد في غيرها. وهو لا يكاد يسمع بكتابٍ نادرٍ حتى يسارع إلى استنساخهِ أو تصويره بالفوتوغراف. وها هو قد نزل مصر فجمع من شوارد المخطوطات ونوادرها أشياء كانت بين سمع دور كتبنا وبصرها ثم غفلت عنها. ويجلس هذا الرجل في نُزُله فيأتيهِ الوراقون بالمخطوطات حديثها وعتيقها فما يفتح أحدها حتى يعرف ما الكتابُ ومن صاحبهُ ويفرح بالكتاب النادر فرح الذي ضنَّ عليهِ الزمن طويلا ثم جاد. وبالله أشهد صادقًا لكأنى أرى الكتاب
(2/632)

بين يديهِ يكاد يحنُّ إليهِ حنين القلب الممزق المفطور إلى سبب من أسباب سلوته وراحته، ولكأني أراهُ يمسك الكتاب براحته كما يمسك أحدنا الشيء فيهِ من آثار قلبهِ وحبهِ وآماله ورغباتهِ ما فِيه، ويلقي عليهِ نظرةً عاطفة تكاد تحييهِ من عطفها وحنانها وحدَبها وأشواقها.
هذا هو الرجل العالم المتيم بالكتب، الذي يطّلع جاهدًا على آثار الناس وما ينشرون في الكتب والصحف والمجلات ويعي أسماءَهم ويسأل عنهم ويرغب في رؤيتهم ويرحل إليهم بادئًا بالزيارة. وفي هذا الرجل رجل آخر قد جعلت من عينيَّ جاسوسًا مقتدرًا نفاذًا يتتبع نظراته وحركاته وما يبدو على وجههِ وجبينهِ من آيات التغيُّر والتبدل حتى عرفتهُ أو كدت.
حدثتا عنهُ فقالتا: هذا رجل في عِظَم هامتهِ واتساع جبينهِ والتماع عينيهِ دليل على قوة مستحكمة شديدة. وهذه القوة -مع ما فيها من شدة- هادئة وادعة مسالمة، تتريث مفكرةً، فلا تظهر ولا تستعلن إلَّا ساعة الجد حين تعلم أن قد دنا أوانها، وأن موضع الفصل قد استبان، وأنها لن تخطئ. وهو رجل في أسالة خدّه ورقّة نظرته شاهد على طيب الخُلق، ودماثة الكنف، وحسن العشرة، وكمال الحنان والعطف، وهو رجل في تفاجّ (1) ثناياه وانطباق شفتيهِ وطول صمته -إذا لم يدعَ إلى كلام- وعمق نظراته في هذا الصمت برهان على الصبر في كل ملمة ومع كل أحد. قالتا: ثم هو رجل حلْوُ النفسِ صادق مخلص أمين على ما يؤتمن عليه رضيُّ الشمائل في كل حين. . . أما تراه يبتسم ابتسامةً رقيقةً لا تكاد تخلص إلا عن قلوب الأطفال المبرَّئين أو الكرام الصالحين فإذا ضحك اهتزَّ جميعه لأن ضحكته تصدر عن قلبه الطيع الكريم الذي يتحكم في كل عضو من أعضائه. وهو بعد رجل كتوم يحمل الآلام بين جنبيه وهي تمزق قلبه وتفتك فيه. ينظرُ النظْرة المترامية في مفاوز الماضي البعيد فيرجع بالذكرى الأليمة، وعلى نظراته معنى البكاء الذي لا يجد في الدمع ترجمانًا أو معينًا. وهذه وحدها نظرة
__________
(1) التفاج: التباعد، وهو في الثنايا مدح.
(2/633)

لو ألقيت على جبل أصم لا يألم لوجد لها مسَّا كمسّ الرحمة في القلب الرقيق. ويخيل اليك وهو يغضُّ من طرفه ويرخى جفنيه أن الصبر والجلد والرجولة الصادقة أرادت بذلك أن تخفي عنك نظرات هي أحاديث أيام، أشفق على نفسك أن تسمعها أو تلمُّ بها.
وتراهُ حين يتكلم حتى في العلم يفيض حنانًا ورقة وكرمًا ووفاءً ثم يشتدُّ بعد تمهل حتى يأخذ عليك نفسك هيبة ووقارًا من ورعه وتقاهُ، ثم تتعرَّف فيه إذا خالطته ذهنًا قد اجتمعت له أسباب الإحاطة بأحوال الناس في كل أمة وجيل ثم يدق يكاد يغمض عليك إذا لم تلق إليه بسمعك وبصرك وقلبك جاهدًا متفهمًا. وإن تعجب فعجب لهذا الرجل الذي اتسع أفقه حتى ألّف ما أناف على مائتى كتاب فيها موضوعات عجيبة لم يسبق إليه بمثل تحقيقه ودقته على الأسلوب الذي يفهمه عن أهله ومن عرف مذاهب القوم في كتبهم ومؤلفاتهم.
كلمة مقتضبة في رجل بحر كريم الأصل والمنصب سليل جدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفوة من هذه الأمة العربية التي تدفقت في الأرض تدفق السيل من رؤوس الجبال فأنبتت في كل أرض نباتًا حسنًا زكا مغرسهُ وطاب ثمرهُ. كلمةٌ نصلُ بها أرحامًا تقطعت أو كادت في زمن توالت علينا أحداثه واستمرَّتْ علينا عواديه وتركنا لُطماءَ.
يأشَرُ الفارغُ الخليُّ، ويأسى ... مُتْرَعُ الصَّدْرِ منْ جوَى ملآنُهْ
(2/634)

نابغة بني شيبان
إن العربية لتُزْهى بما تخرجه دار الكتب من المطبوعات كما تزهى الحسناء بجمال وحيدها بعد أن استفتحت الله على عقمها فجاءها بأسباب راحتها وفزعها في وجهٍ معًا. فنحن بنا لدار الكتب مثل الذي بالحسناء لوحيدها من الحب والعطف والرعاية لأنها واحدة جادت لنا بها أيام كزَّة بخيلة. وبنا أيضًا مثل الذي بها من الخوف والفزع أن يستفزَّها الحدَبُ إلى الغرور، وإن يستخفها التغاضى إلى الإهمال والتعالى وترك الواجب الذي لا يستحلُّ خلافهُ. وقوة ما استقر في قلوبنا من الحدب عليها والتوجه إليها وما يعتلج في صدورنا من الخوف والفزع تدفع بنا إلى العناية بما تنشره، ومؤاخذتها على الكبائر والصغائر تنزيهًا لها وتبرئةً. وهذا "ديوان نابغة بنى شيبان" -آخر ما طلعت علينا به- نقول فيه كلمة تنفعها إن شاء الله.
(تحقيق نسب النابغة ودينه) نقلت دار الكتب في تصدير هذا الديوان كلمة أبي الفرج الأصبهاني في أغانيه "ج 6 ص 146 مطبوعة الساسي" التي يقول فيها أن النابغة من شعراء الدولة الأموية "وكان فيما أرى نصرانيًّا لأني وجدتهُ في شعرِه يحلف بالإنجيل وبالرهبان وبالأيمان التي يحلف بها النصارى" اه. ولم تعلق دار الكتب على هذا بكلمة، فكأن الديوان لم يطبع فيها، ولم يهتم بشرحه القائمون بأعمال التصحيح فيها. ذلك، لأن هذا الديوان الذي بين أيدينا ليس فيهِ قَسَمٌ واحد بإنجيل أو رهبان أو يمين من الأيمان التي يحلف بها النصارى، بل فيهِ ما يدل على أن صاحبه مسلم عريق لم يضرب إلى نصرانية ولا يهودية، كما سنبين بعد.
وتقول دار الكتب في التعليق على نسب النابغة إنها نقلته من الأغاني "بعد تصويب الأسماء الخاصة (كذا) بنسبه" ومعنى ذلك أنها رجعت إلى ترجمة أبيه "مخارق" ثم جده "سليم" إلى آخر ذلك فصححت التحريف الذي كان واقعًا
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، إبريل 1933، ص: 496 - 498
(2/635)

في نسبه. وهذا النابغة هو عبد الله بن مخارق بن سليم. . . الشيباني" من بنى ذهل بن شيبان ولد ربيعة بن نزار. فلو كانت قد رجعت إلى ترجمة أبيه -كما يفهم من كلامها- لعلمت أن "مخارق بن سليم. . . الشيبانى" صحابي ترجم له شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى في كتابه "التهذيب" ج 10 ص 67 وفي "الإصابة" ج 6 ص 68 وابن الأثير في "أسد الغابة" ج 4 ص 335 وأفرد له إمامنا الجليل أحمد بن حنبل مسندًا في كتابه "المسند" ج 5 ص 294 - 295 وروى من حديثه النسائى في سننه ج 7 ص 113. قال ابن حجر في التهذيب "مخارق بن سليم الشيبانى أبو قابوس، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. . . وروى عنهُ ابناهُ قابوس و"عبد الله". وقد ترجم أصحاب كتب التراجم -التي بين أيدينا- لابن (1) قابوس لأن اسمه ورد في بعض الكتب الصحاح الستة، ولم يترجموا لعبد الله لأن اسمه لم يرد في أحدها ولعلهم لم يعنوا بروايته لانصرافه إلى قول الشعر ومدح الخلفاء فقلت روايته للحديث وقام بها أخوه قابوس. وما نظن إلا أن أبا الفرج قد وهم في قوله بنصرانيته -ولأبي الفرج أوهامٌ مثل هذه كثيرة- ولعل الذاكرة طوحت بهِ إلى نصرانية نابغة بنى الديان الحارثى من أرض نجران. وإلا فكيف يكون نصرانيًّا مَن يقول "الديوان ص 17".
ويزْجُرُنى الإسلامُ والشيبُ والتُّقى، ... وفي الشيبِ والإسلامِ للمرءِ زاجرُ"
وهذا نصٌّ لا نحتاج معهُ إلى الاستشهاد، بكثير مما ورد في شعره من خُلُق الإسلام وأيمانه وتجانفه عن الشرك والخبائث كبيرها وصغيرها.
(شرح الديوان) علقت دار الكتب على غريب هذا الديوان ونشكُرُ لها عنايتها بذلك، ولكنْ ما كان أشد أسفنا حين رأينا هذا الشرح محشوًّا بالأغلاط الواضحة التي نودُّ أن ننزّهها عنها فمن أمثال ذلك قولهم ص 3 في شرح الكلمة
__________
(1) كذا في الأصول، والصواب: لابنه.
(2/636)

تَعرُقُ: "تَعْرُق: تأكلُ ما على اللحم من عَظْمٍ وتأخذه "كله" ولا ندري كيفَ يكون هذا اللحمُ المكسُوّ بالعظامِ وكيف يؤكل. وقالت في شرح قوله.
"وما الناسُ في الأعمال إلَّا كبالغٍ ... يُبَنّى ومُنْبَتُّ النياط حسيرُ"
"فمُستَلَبٌ منهُ رياشٌ، ومكتسٍ، ... وعارٍ، ومِنْهُمْ مُتْرِبٌ وفقير"
المتربُ: القليل المال. فيكون معنى البيت الأخير أن الناس منهم مكتسٍ وعارٍ وفقير، لأن قليل المال هو الفقير لا شك. ونصُّ اللُّغَةِ "تَرِبَ تَربًا ومَتْرَبة: حَسِر وافتقر فلزق بالتراب، وأَتْرَب: اسْتغنى وكثُرَ ماله فصار كالتُّرَاب -كثرةً- هذا هو الأعرف وقيل -وهذه لفظة التضعيف عندهم- قَلَّ ماله. والمُتْرِب الغنِيُّ إمّا على السَّلْب وإمَّا أن ماله مثل التُّرَابِ". فالمعنى (منهم غني وفقير).
وقالت في شرح قوله يصف شعور النساء:
"وفروع كالمَثَانى ... زانها حسنُ جَمِيرِ"
الجمير: الطيبُ. ونحن لا نعرف للبيت معنًى بهذا الشرح. وكلمةُ اللغة أن الجمير: هو الشّعُر ما جُمّر منهُ وجمرت المرأةُ شعرها جمعته وعقدته في قفاها ولم ترسله، والجمائر الضفائر واحدتها جَميرة. والجميرُ من الزينة ولا شكَّ عند النساء.
ونكتفي بهذه الأمثلة من الخطأ وقلة العناية والإهمال والاستهانة بأمر القراءِ والأدباءِ.
الشعر العربي: وقبل أن أفرغَ من كلمتى هذه أُبدى تألمى من أحد الكتَّاب المشهورين في زرايته على دار الكتب بطبعها الكتب القديمة من مثل "ديوان جران العود" و"نابغة بنى شيبان". ونقول لهذا الكاتب الفاضل أنهُ ما حَمَلهُ على الزراية بالشعر العربيّ إلا تباطؤه عن الجد في فهم أساليب لغته التي يكتب بها، وأنهُ إذا وجد ثقلًا على نفسه الرقيقة في قراءَة شعر العرب المتقدمين فليس ذلك من ذنب الشاعر ولكن من ذنبه هو وذنب الذين وضعوا برنامج تدريس العربية في مدارسنا المصرية. ونرغب إليهِ إذا كان هذا رأيهُ هو أن يكتمهُ عن الناس لئلا
(2/637)

يصدهم عن الاهتمام بآثار أجدادهم التي لا يبنى الأدب العربيُّ الحديث إلّا على أساسها. ونقول أن الذي يفهمُ الشعرَ ويفهم أنهُ هو صورة النفس إنْ صافية فصافٍ وإن غليظةً فغليظٌ لا يقول بمثل هذه المقالة أبدًا، فمما لا شك فيهِ أن النفوس من آدم إلى اليوم هي النفوس البشرية التي لا تتغير أبدًا، وأن الأدب في كل العصور هو صورة هذه النفوس على اختلافها. وليس أدب اليوم هو الأدب الذي لا يُرْغَبُ في غيره حتى يكون ما سبق مما نعدهُ أدبًا وشعرًا كلامًا من مَنْطِقٍ لا نفهمهُ ولا نرغب فيهِ. ونعدُ بأنْ نظهر في هذه المجلّة روائعَ من الشعر القديم الذي انطلقت ألسنة هؤلاء الكتاب المشهورين بانتقاصه والنيل منهُ والله الموفق.
(2/638)

مقاليد الكتب
1 - كتاب "حافظ وشوقي"
تأليف الدكتور "طه حسين" مطبعة الاعتماد سنة 1933
الدكتور طه حسين رجل غير مجهولٍ حتى نعنّي أنفسنا ونعنّي القراءَ معنا بالقول في آثاره الأدبية الكثيرة والتي استفاضت في هذه المدة الأخيرة أكثر من ذي قبل. وكتابهُ هذا فيهِ آراءٌ لهُ كثيرة مشهورة لأنهُ مجموعة مقالات نشرت قديمًا وحديثًا أحبّ الدكتور طه أن يذيعها بين الناس في كتاب يسهل تناوُلهُ إذ كانت مشتّتةً في الجرائد والمجلات التي نشرت فيها. وليس هذا الكتاب كما يُفهم من عنوانِه -كتابًا في حافظ وشوقى ليس فيه غيرهما. لا. . . بل كما سمّيت مختارات أبي تمام بالحماسة لأن الباب الأول من أبوابها الكثيرة هو باب الحماسة فكذلك سمى الدكتور كتابه هذا باسم "حافظ وشوقي" بالمقالات الأخيرة فيهِ عن حافظ وشوقي، ولأنهُ صدر بعد الحدَثِ الذي اشتغل بهِ العالَم العربيُّ بموت هذين العَلَمين في الأدب. ومقالات الدكتور طه التي في هذا الكتاب لا تحتاجُ إلى كلامنا فإنما هي مقالاتُه التي أحبهُ كثيرون من أجل آرائه فيها وتحامل عليهِ آخرون من أجل هذه الآراء. فليس من الرأي أن نتناول هذا الكتاب في باب المكتبة لأن ما فيهِ من الآراء يحتاجُ في نقده إلى إطالة وتوسُّع تضيقُ بهما هذه الصفحات القلائل.
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مايو 1933، ص: 627
(2/639)

2 - كتاب الرثاء
في شعر أبي تمام، والبحتري، والمتنبي -تأليف أديبة فارس- مطبعة الاعتدال بدمشق الشام
هذا الكتاب -رسالة اجتازت مؤلفتها امتحان شهادة الآداب العليا بالجامعة السورية سنة 1932. وقد أجادت الآنسة الأديبة "أديبة فارس" فهم الشعر الذي تعرضت لهُ فاختارت من شعر أبي تمام قصيدته في رثاء ولده التي أولها:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنَّا إلى الله راجعونا
ومن شعر أبي عبادة البحترى قصيدة في رثاء خليله جعفر المتوكل الخليفة العباسى المقتول وأولها:
محلٌّ على القاطُولِ أخلَقَ داثِرُهْ ... وعادت صُروف الدهر جيشًا تُغاورهْ
ومن شعر أبي الطيب المتنبى رثاءَه لجدتهِ الذي أوله:
ألا لا أُرى الأحداث مدحًا ولا ذَمًّا ... فما بطشها جهلًا ولا كفُّها حلما
وقد وضعت المؤلفة الموفقة القصائد تامة في أول رسالتها مع ترجمة مختصرة لكل شاعر من هؤلاء الثلاثة ثم اتبعت ذلك بكلامها وفهمها وبحثها في الرثاء ما هو وقد أجادت. ثم أخذت كل قصيدة بمفردها فنظرت فيها وفي بلاغة الرثاء فيها نظرًا جيدًا وتكلمت على أبيات كلٍّ منها وموضع الإحساس في أبياتها وعارضت بين الشعراء الثلاثة معارضة صادقة. والذي يفرحنا من هذه الرسالة أن مؤلفتها امرأة، ثم امرأة متعلمة، ثم أديبة، ثم ناقدة. وقلَّ أن تجدَ في النساء الأديبات اللواتى يفرغنَ للأدب ولذاتِه وهمِّه أيضًا. وللآنسة أديبة فارس، أسوة بجدَّتها سُكيْنة بنت الحسين -رضي الله عنها- التي استخذَى لنقدها وبصرها بالأدب فحول الشعراء من الأولين كعمر بن أبي ربيعة ونُصَيْب الأسود وجميل العذرى وكثيّر عزَّة الخزاعي وغيرهم من شياطين الشعر. وللآنسة "أديبة" فكرٌ جيد في فهم الألفاظ
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مايو 1933، ص: 627 - 628
(2/640)

العربية ومواقعها من الكلام وأين هي من معانيهِ المقصودة التي توافقها. وهذا أول أثر نراه لها فنسألها أن لا يستغرَّها ثناؤنا على كتابها هذا أن تطلب الاستزادة لتصحيح الرأي وتقويم الفكر واللسان والقلم. فإن هذه اللغة الدقيقة العجيبة التي اختارها الله من لغات الناس لكتابهِ المُحكَمِ صعبةٌ شرود لا يصبر على معارفها ومجاهلها إلاَّ من أُوتىَ جَلَدًا لا يستضعف، ورزق من دقة الإحساس نصيبًا وافرًا لا ينفد. وهذه الكتب العربية التي انقطعت بيننا وبينها الأسباب فاستعجمت على كثير منا تحتاج إلى اجتهادٍ وجدٍّ حتى يعرف طالبها أسلوبها وما تنطوى عليهِ من معاني الجمال والفن كما يقولون الآن. ولنا أكبر الأمل في هذه الأديبة الناشئة أن تكون من اللواتى يذكرهن تاريخ العربية من النساء بأجمل الذكر.
* * *

3 - كتاب الخط الكوفي *
تأليف الأستاذ يوسف أحمد مدرس الخط الكوفي بمدرسة تحسين الخطوط الملكية بالقاهرة
لقد أتى على الخط الكوفي القديم زمنٌ والناس لا يعرفون منهُ إلا اسمهُ، ويرونهُ في المساجد ولا يحسن أحدهم أن يعرف ألفهُ من يائِه. ومن المِخزيات أن لا تعرف الأمة آثار آبائها وأسلافها، فانظر أي شيء هو حين لا تعرف الخط الذي بهِ تعرف ما هي آثار آبائها وأسلافها. وكان من فضل بعض الناس علينا أن نشروا آثار أسلافنا، وكان من فضل الأستاذ يوسف أحمد على العربية ثم علينا أن رمى بنفسهِ في ظلمة الآثار البالية حتى استنارت بعلمهِ في معرفة أصول الكتابة الكوفية القديمة وتولى قراءة ما بقي لدينا من آثار آبائنا العرب. وها هو قد أخرج للناس الكتاب الصغير الجِرْم العظيم الفائدة جعلهُ موجزًا وذكر فيهِ رأي مؤرخي العرب في أصل الكتابة العربية ثم اشتقاقها من المخطوط سابقتها وما حدث من التغير والتبدل والتدرُّج في الخط الكوفي وما تلاهُ من أنواع الخطوط العربية وأردف ذلك بأمثلة
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مايو 1933، ص: 628
(2/641)

وصورٍ كثيرة للخط الكوفي. ونأمل أن يخرج المؤلف كتابًا مفصلًا في هذا وما ذلك على مثله بعزيز.
* * *

4 - صلاح الدين وشوقي *
تأليف، محمد إسعاف التشاشيبى، مطبعة بيت المقدس بالقدس سنة 1932
الكلمة الأولى فيهِ عن شوقي رحمه الله وقد قيلت في تأبينه ببيت المقدس والأخرى عن صلاح الدين فخر الإمارة الإسلامية والحكم الإسلامي ورجل العدل والأمانة وقيلت في مدينة حيفا من فلسطين يوم 25 ربيع الثاني سنة 1351 وذلك في ذكرى موقعة حطّين في الحرب الصليبية. والكلام يتوجه فيهما -كما قال صاحب الكلمة- إلى نصارى الغرب الذين يسومون الشرق سوء المعاملة لا إلى مواطنينا من أهل الكتاب من نصارى العرب. وفي الكلمتين المذكورتين روح إسعاف النشاشيبي بعروبتها وإخلاصها للعرب والشرق، واللغة العربية الصحيحة التي توفر على دراستها فأجادها وصار من بلغائها وخطبائها.
* * *

5 - كتاب الشخصية *
تأليف السيدة "للي ألن" ترجمة الآنسة "دلال صفدي" مطبعة العرفان بصيدا سنة 1932
يعنون بكلمة "الشخصية" ما كانت تعني العرب قديمًا بكلمة "السؤدد" و"السيادة" وذلك أن يكون في خلق الرجل من المروءَة وبعد الهمة والتواضع والإخلاص والورع عن دنيات الأمور والحلْم والتغابي لا عن غباء والصمت لا عن عِيّ ما يسود بهِ في بيتهِ ثم عشيرته الأقربين ثم الذين يلونهم حتى يكون سيدًا مطاعًا في أمة أو أمم أو عقلًا محترمًا في جيل أو أجيال. وكانوا قديمًا يطلبون الأخلاق التي هي طريق السؤدد لأنها من المروءَة، وقد ألفوا قديمًا كتبًا كثيرة في ذلك.
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مايو 1933، ص: 628 - 629
(2/642)

واليوم تهتم أمم الأعاجم من أوربا وأميركا بالبحث عن أصول تكوين الشخصيهّ وكيف يتيسر للرجل من الناس أن يكوّن لنفسهِ شخصية وقد ألفوا في هذا كتبًا كثيرة خلتْ من مثلها العربية في هذا العصر. ولم أقف إلاَّ على كتابين بالعربية في موضوع الشخصية وثالثهم هذا الكتاب الذي ألفتهُ امرأة وترجمتهُ امرأة. وعلى صغر هذا الكتاب فإن لهُ فائدة كبيرة. وقد ترك في نفسي أثرًا قويًّا لا أقول لأنهُ جيد جدًّا ولكن لأنهُ أثار في نفسي الرغبة في الاستزادة من هذا البحث. ولولا ضيق المقام وأن أبواب نقد الكتب في مجلاتنا لا تحتمل الإطالة والتوسع لاتّسع لي مجال القول قى تفصيل الرأي في معنى الشخصية حديثًا ومعنى السؤدد قديمًا والفرق بين الطريقين وأيّ السبيلين أهدى وأقوم ولاستطعنا أن نبين الرأي في تأثير المدنية الأوربية الطاغية في العلوم والآداب والأخلاق. . . إلى آخر ما يقال في هذا الشأن.
ونقول في هذا الكتاب أن ترجمتُه لا بأس بعربيتها من آنسة، ونودُّ أن نرى لها آثارًا قوية خيرًا من هذا الأثر وبخاصة في مثل هذا الموضوع "الشخصية" الذي يرجع أكثره إلى المرأة فإنها هي مربية العالم من المهْدِ إلى اللحْدِ وهي المدرسة التي يتخرج عليها عظماءُ الرجال وقد قيل لأُم معاوية بن أبي سفيان حين رزقت بولدها معاوية "ليسودنَّ قومه" ققالت: "ثكلْتُهُ إن لم يسدْ إلَّا قومه" فما هدأت فتنة دم عثمان - رضي الله عنه - حتى وضع معاوية يده سيدًا مطاعًا على أعظم أمة في ذلك العصر. . . وذلك بفضل أُمِّه وما أخذتهُ بهِ من أدب حتى ضرب بهِ المثل في المروءَة والحلم.
* * *

6 - كتاب أمير الشعراء شوقي *
جمع وترتيب "محمد خورشيد" أستاذ الأدب العربي بمدرسة النجاح بنابلس مطبعة بيت المقدس
كان شوقي وقد (ملأ الدنيا وشَغَل الناس) كما قالوا في المتنبى، فلما ذُهب
__________
(*) المقتطف، المجلد 82، مايو 1933، ص: 630
(2/643)

بهِ وانطفأ السراج وأظلم البيت، امتلأت الدنيا بهِ مرة أخرى وقد خلت من شخصهِ وشغل الناس بذكره فاضطربوا وخاضوا بالقول فيهِ ونُشِر ما قيل فيهِ في جرائد العربية ومجلاتها في أنحاء العالم وصارت شتاتًا لا يجمعهُ الحصر قام كثير من الناس يجمع شتات ما قيل في شوقى، فأول ما وصل إلينا من ذلك هذا الكتاب وقد جَمَعَ فيهِ جامعه ما اختار ممّا نشِرَ عن شوقي ونسبَ ما اختارهُ إلى الجرائد والمجلات التي اختاره منها فكانت همة مشكورة لهُ وقدَّمهُ بمقدمة جيدة في شوقي وحياتهِ.
(2/644)

مقاليد الكتب
حاضر العالم الإسلامي
تأليف "لوثروب ستودارد الأميركي" ترجمة الأستاد "عجاج نويهض" وعليه حواشي أمير البيان شكيب أرسلان. مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة 1352
أوكس الأمم اليوم حظًّا في التعارف والتآلف، الأمة الإسلامية التي ألَّف الله بين قلوبها وألسنتها بالقرآن حين أنزله على رسوله وأيده ونصره، وجمع للمؤمنين من بعده أطراف الأرض تجبى إليهم ثمراتها وأرزاقها، وجعلهم أئمة يهدون إلى الحق وبه يحكمون. وأنت إذا نظرت إلى العالم الإسلامي اليوم ورجعت إلى تاريخ هذا العالم فيما تصرَّم من أيامه لوجدت تَخَلُّفًا عظيمًا بيننا وبين أولئك السلف الذين هداهم الله إلى أسباب السعادة فاستمسكوا بها واعتصموا بحبلها فجمعهم الله على قلب رجل واحد. فكان الرجل في أقصى الصين تمتد أخوّته إلى أخيه المسلم فيما تَطَوَّح عنه من بلاد المغرب الأقصى، فكان الصينيّ المسلم ينزل أي أمة من الأمم التي تدين بالإسلام فلا يجد الجنسية تفصل بينه وبين العربي أو المصري أو الشامى أو المغربي بل كانوا جميعًا إخوانًا في الله وكانت الدولة في أي أمة من أمم الإسلام تتلقى هؤلاء الناس وتقوم عليهم وتفسح لهم كما تفسح للذين تربوْا في ظلها ونشأوا في أرضها، فكان المسلم من أهل الشام يتولى في بلاد مثل المغرب التدريس والوزارة وكثيرًا من مرافق الدولة أو يقوم عليها. ولا يفرق بينه وبينهم هذه الفتنة السوداء التي ظهرت حديثًا -فتنة الجنسيات. وكانت أخبار كلّ أمة من الأمم الإسلامية معروفة عند جاراتها وغير جاراتها فيما تقاذف من الأرض، هذا مع بطء المواصلات في ذلك العصر، وقلة أسباب الاتصال والتعارف، إذا قيست بما في هذا العصر من بريد وطباعة وطائرات وبرقيات سلكية ولاسلكية وغير ذلك من أسباب الاتصال التي جعلت العالم كله كأنه أمة واحدة. أما اليوم فإن الكثير من شباب العالم الإسلامي لا يكاد يعرف عن أقرب جاراته إليه إلَّا نتفا من الأخبار لا تفي بفائدة، ولا يجتمع من مجموعها
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، أكتوبر 1933، ص 359
(2/645)

ما يمكن أن يسمى علمًا أو معرفة، وليس ذلك من شيء إلّا هذه النزعات الفردية التي مزقت العالم الإسلامي، وهذه الجنسيات البغيضة التي قضت على الحياة السعيدة بين أمم الشرق الإسلامي. وإنك لترى كثيرًا من شباب الشرق يعرف أخبار فرنسا وانجلترا وألمانيا وأميركا وغيرها من بلاد لا يربطُه بها دم ولا لغة ولا دين، فإذا ذكرت الأمم التي تربطُه بها الدم وتجذبُه إليها اللغة ويميل بهِ إليها الدين والعقيدة وَقَف مِنْ ذكرها موقف الغريب الذي أخذته الدهشة وأذهلتهُ الحيرة. والسبب في هذا التدابر العجيب -بعد الاتصال والإخاء- هو ما أشرنا إليهِ من ظهور فتنة الجنسيات، ثم انصراف الشباب منا عن تتبع أخبار الأمم الشرقية عامة والإسلامية خاصة، ثم قلة عناية الصحف بأخبار هذه الأمم، ثم هذا الكسل الذي اعترى أهل الشرق فصرفهم عن التزاور والتعارف، هذا مع أن الرحلة هي أهم أسباب المحبة بين الناس وأحسن طرق المعرفة وأجل الأعمال خطرًا في بسط النفس والفكر والامتداد بهما إلى طلب السعادة والخير والمنفعة التي تعمُّ ولا تقف عند الحدود الضيقة التي نصبتها الشهوات المدنية.
* * *

ظهر كتاب "حاضر العالم الإسلامي" للمرة الأولى سنة 1343 من الهجرة، وكان الشباب يغلى في دمى غليان المرجل، وكنت أحب أن أتسقط أخبار الأمم الإسلامية ما استطعت، وكنت أؤمل آمالًا كثيرة يُمِدُّها خيالى وتزينها أحلامى، وكان يقوم على تهذيب نفسي وتشذيب آمالى وأحلامى رجل أحب أن أعترف بفضله عليَّ، وهو الأستاذ "محب الدين الخطيب" الذي طبع كتاب "حاضر العالم الإسلامي" بمطبعتهِ للمرة الأولى. فكان هذا الأستاذ الجليل أول من هدانى إلى قراءة هذا الكتاب، وما عليهِ من تعليقات شيخ الكتَّاب الأمير شكيب أرسلان، واستفدت من تعليقاته عليهِ أكثر مما استفدت من كلّ كتاب قرأتُه إلى هذا اليوم، فلما ظهرت هذه المطبوعة الثانية ورجعت إلى قراءتِه مرة أخرى انفسح لي مجال الفكر فيهِ أكثر من ذي قبل وكأنى ما قرأت منه حرفًا قبل هذه المرة وذلك لأن الأمير شكيب استوفى أبوابه وحشد لها علمًا كثيرًا لا يقوم بهِ غيره، ولا غرو، فإن هذا الرجل قد سلخ من عمره خمسين عامًا أو تزيد في تتبع
(2/646)

الحركات السياسية والدينية والعلمية والأدبية والتجارية التي نشأت وترعرعت في العالم الإسلامي وبثَّ فيها قلمه روحًا عظيمة تركت آثارًا في كل بلد إسلامي. وهذا الكتاب الذي بين يدي هو -فيما أعتقد- أجل ما عمل الأمير وما ترك من أثر، ولا نزال في حاجة إلى قراءته وتدبره والرجوع إليه إذ هو الكتاب الوحيد في العربية الذي يجمع بين دفتيه أخبار العالم الإسلامي وما ألمَّ به وعمل السياسة في إرهاقه وتحطيمه وتمزيقه. وليس أحوج إلى قراءة هذا الكتاب من شباب العالم الإسلامي الذين انصرفوا عن دراسة شؤون الدول الإسلامية والشرقية، ولم توافهم الصحف بأخبار وافية صحيحة عن هذا العالم. وأنا في كلمتى هذه لا أميز بين مسلم ومسيحي، فإن الإسلام قد أظلَّ النصرانية واليهودية في الشرق بظله الرطب زمنًا طويلًا وكانوا جميعًا في أمنٍ وعزّة لا يلحقهم حيف ولا تمسهم الذلة وكان أمن الإسلام أمنهم وعزّه عزّهم، ولم يكن هناك استعمار يجعل الأقليات في بلاد الإسلام زناد بندقيته التي يرمي بها الجامعة العربية الإسلامية. إن التاريخ لا ينسى أن الجيوش الإسلامية التي قاتلت الصليبيين من أهل الغرب كانت تجمع تحت لوائها المقاتلة من النصارى واليهود وغيرهم، وأن التاريخ لا يستطيع أن يذكرنا بشكوى كانت لنصارى الشرق من المسلمين وأحكامهم، ألا وإنَّ موقف الأقلية المسيحية في سوريا لخير مثل مضروب لذلك العهد المضئ بالعدل والمساواة والحق.
ليس للعالم الإسلامي معلمة (دائرة معارف) يوثق بها في هذا العصر إلَّا هذا الكتاب. ولم نأخذ على هذه المطبوعة شيئًا من النقص إلَّا أشياء قليلة، فالمطبوعة الأولى من الكتاب كان التخالف فيها بين حروف الأصل المترجم وتعليقات الأمير بيّنًا. أما في هذه المطبوعة فالأصل والتعليقات كلها من حرف واحد. وأيضًا، كان في المطبوعة الأولى فهرس دقيق للأعلام والمواضيع خلت منهُ هذه المطبوعة. وكان صواب الرأي أن يكون الفهرس في هذه أوفى منه في الأولى وأوسع، على أن هذا لا يقلل من قدر هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه شرقي يريد أن يشعر يومًا بالعزة والكرامة والعلو في ظلال الحرية والاستقلال.
(2/647)

ذكرى الشاعرين
جمعها ورتبها "أحمد عبيد" صاحب المكتبة العربية بدمشق - مطبعة الترقي بدمشق سنة 1352
كان في عصور الحكومة العربية التي أقامها الإسلام في الشرق وأظلَّ بها ما ترامى بين مشرق الشمس ومغربها من أمم ألَّف بين قلوبها وألسنتها وثقافتها وعلمها، قومٌ قد اتخذوا الورق والكتب تجارة درَّت عليهم رزقًا مباركًا، وسمى الناس هؤلاء القوم "الورَّاقين". فكانت دكاكين هؤلاءِ الورَّاقين مجامع تضمُّ صفوةً من العلماء والشعراء والمحدثين والفقهاء والنساخين والأدباء لا يزالون يردون عليها ويصدرون منها ما بين طرفي النهار في طلب الكتب أو بيعها أو نسخها. وكانت مجالس هؤلاءِ المثقفين في هذه الدكاكين لا تخلو من مناظرة أو مطارحةٍ أو جدلٍ، أو ذكر خبر، أو رواية حديث، أو إظهار حكمة. فنشأ من بين هؤلاءِ الورَّاقين رجال من أهل العلم ألّفوا وقعدوا للدرس وقالوا الجيد وبذُّوا كثيرًا من أهل العلوم التي فرّغوا قلوبهم لها مع تجارتهم. والأديب "أحمد عبيد" هو خلف من أولئك السلف الذين جمعوا إلى التجارة بالكتب علم ما في هذه الكتب، وله آثار جيدة وشعر طيب ولا يزال يطالعنا كل عام أو عامين بكتاب مما ألَّف أو جمع أو اختار.
وآخر كتبه "ذكرى الشاعرين" حافظ وشوقي، جمع فيه أكثر ما كتب الأدباءُ في مصر والشام والعراق والمغرب عن هذين الشاعرين قبل وفاتهما وبعدها. وجمع أكثر المراثي التي قيلت فيهما، وأضاف إلى بابي الكتاب مختارًا من شعر حافظ وشوقى أكثره لم ينشر. وفي هذا الكتاب ترى كيف اهتزَّ العالم العربي لموت هذين العلمين، وكيف أفاض الكتاب والشعراءُ في ذكر آثارهما ومناقبهما وكيف أنطقت الفجيعة كل صامت وأوهت كل بليغ. ولا يشك أحد في أنه لم يُكِنَّ الوفاءَ للشاعرين في جمع ما كتب عنهما وحسب، بل الوفاءُ في تتبع ما أحدثا في الشعر العربي من جديد، وأقاما من بنيان كان قد تهدَّم في عصور اللكنة والنبطية المريضة التي كانت لسان الشعراء في القرون الأربعة قبلهم، غير أن
(2/648)

هذا العالم العربيَّ قد ابتلى بالتقصير في تاريخ دولهِ وآدابهِ، وبالنكول عن الأغراض السامية التي كان آباؤُهم يتبادرون إليها تبادر الجياد الكريمة في حلبة السباق. ومع هذا فشكرنا للأخ "عبيد" -الذي جمع ما كتب عن هذين الفحلين العظيمين- لا يقدَّرُ إذا قيس بأسفنا لهذا الصمت الذي أعقب وفاتهما. وعمل الأخ "عبيد" قد جعلنا نشعر بأن الأمة العربية التي مزَّق الاستعمار أوصالها بدسيسة العصبيات من فرعونية وآشورية وبربرية وفينيقية قد بقي فيها ذلك الوفاءُ الذي امتازت بهِ على تطاول العصور، وأملنا أن يكون عمله هذا فاتحة لدراسة هذين الشاعرين دراسةً وافية يقوم بها من يجد في نفسه القدرة على تتبع بيانهما وسحرهما وفنهما وإظهار ما كان لهما من الفضل على البيان والفكر والفنّ.

ماضي الحجاز وحاضره
الجزء الأول: تأليف "حسين بن محمد نصيف" بجدة الحجاز مطبعة خضير
كان غيري أحقُّ بالكتابة عن هذا الكتاب، فإن للأخ "حسين" ووالده عندي نعمًا مشكورة ما بقيت. وأنَّ الصداقة التي بيني وبينه لتجعل بعض أخطائِهِ في نفسي بمنزلة من الصواب. وكان كتابهُ هذا تامًّا أيام أن كنت في الحجاز وقد عرضهُ عليَّ وحال بيني وبين تمام قراءَتِهِ أو التثبت عند النظر فيهِ حوائل جمَّة. وهذا الجزء من الكتاب وثيقة تاريخية عظيمة القدر في تاريخ الحجاز من ولاية الحسين بن على بن محمد بن عون الرفيق في شوال سنة 1326 إلى دخول عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل السعود (ملك الحجاز ونجد) جدة في صباح الخميس 8 جمادى الآخرة سنة 1344، ويزيد قدر هذا الكتاب حين يصل إلى تاريخ المعركة التي كانت قائمة بين الأسدين العربيين، والتي انتهت بانهزام الحسين وخروجهِ من بلاده إلى حيث عاجلته منيته -رحمه الله- وعفى عنهُ. ولولا هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم لكان من الصعب على أحد من أهل البلاد العربية النائية أن يصل إلى أخبار صحيحة عن الحرب الحجازية الأخيرة، أو أن يصل بين تاريخ الحجاز قبل عهد الحسين وتاريخه بعد حكم ابن سعود. وقد اتّبع
(2/649)

صاحب الكتاب طريقة جمع الوثائق التاريخية كلها. إلَّا قليلًا مما لم تصل إليهِ اليد أو ما طوتهُ الضرورة. ولعل الطبعة الثانية لهذا الكتاب ستكون إن شاء الله أوفى وأتمّ وأوسعَ، فإن نقص القليل من وثائق التاريخ يلدُ خطأً كثيرًا في التاريخ، وبخاصة قى تاريخ الحجاز الذي لم نجد أحدًا من أهله دوّن عن عصوره القريبة شيئًا يعتمد عليهِ أو يرجع إليهِ مع أنهُ مناط آمال كثير من دعاة الجامعة العربية، وموئل من موائل الحرية، ومشعر من مشاعر الله التي تضم أشتات الأمم وأخياف الناس فتؤلف بين أبدانهم كما ألَّف الله بين قلوبهم بالإيمان.
ونحن نقدّر جمع الوثائق التاريخية تقديرًا أكبر من غيره مما يكتب في التاريخ، وذلك لأن تصرُّف المعاصرين لعهد من العهود يوجّه التاريخ إلى وجوه ملتوية إذ يكون العامل المؤثر فيها هو الهوى والعصبية والميل إلى فئة من الفئات، وهذا عمل غير صالح يضع الخلف قى مضطرب واسع لا يستطيعون فيه تحقيق التاريخ على وجه الصواب. ولذلك كان التاريخ العربي القديم على كثرة الرواية فيه واضطرابها أحفل التواريخ بالمادة التي تهدى إلى الحقيقة في تاريخ عصر من عصوره. وليس يعتمد التاريخ على فصاحة المؤرخ وبلاغتهِ وحسن أدائهِ، بل العمدة فيه المادة التي يحشدها المؤرخ في بيانِه عن عصر يؤرخُه، ثم قدرة هذا المؤرخ على حسن الأداء، ودقة الوضع التي يؤلف بها بين الروايات بعد تصحيح ما صحّ منها وتزييف ما زُيف. و"ماضي الحجاز وحاضره" سيكون مادة عظيمة للمؤرخ الذي ينزع الهمة يومًا ما لتاريخ الجزيرة العربية في عصر النزاع بين الحسين وابن سعود، ذلك العصر الذي كان فاصلًا بين شكلين من الحياة والفكر، لا يزال الناس في شكٍّ من ترجيح أحدهما على الآخر.

الوحي المحمدي
تأليف الأستاذ الجليل السيد محمد رشيد صاحب المنار - مطبعة المنار سنة 1352
من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة العقل، وأجل ما ينعم بهِ على هذا العقل بساطة التفكير والرجوع فيه إلى الحرية والإنصاف والاعتدال
(2/650)

والسماحة، وأسوأ ما يعترى هذا العقل من الأدواءِ التي تزيد في شقاء الإنسان، هذا التعقيد الذي يسمونهُ فلسفةً تدليسًا على العقل نفسه. والحقيقة التي يجب على كل إنسان أن يعتقدها في نفسه وقلبه أن التفكير البسيط الواضح الهادئ الجرئ المتثبّت هو أعلى درجات الفلسفة وأشرف منازل الحكمة. وكانت حكمة الأولين وفلسفتهم تعتمد في مجموعها على هذه البساطة، وذلك لصفاء القلوب وتفرُّغها لطب الحقيقة من ناحية، ثم قلة العلوم وانضمامها من ناحية أخرى. فلما اتسع العالم في الحضارة ونهض العلم واستبحر حتى وصل إلى الحالة التي نراها اليوم، اتسعت الشهوات وغلبت على القلوب وشغلتها عن طلب الحقيقة والتفرُّغ لها والتوت بها في مسالك الضلال والغيّ، وصعب على عامة الناس الإحاطة بالعلوم كلها. ثم لما ظهرت أشباه المعجزات في العلم الحديث استكبر الإنسان وأخطأ الرأي في نسبة هذه العجائب إلى قدرة العقل وحده دون توفيق الله ومشيئته، فزاغ كثير من الناس وضلوا واستفتحوا أبوابًا عن الزندقة والجحود والشبهات قلَّ أن يجدى في أغلاقها جدال أو خصومة.
وإذا نظرت إلى الأرض وجدت الاضطراب والتقلقل والحيرة مقرونة بالتهتك والفجور والبغي ووجدت سيلًا من الفتن يزأر ويخور في كل مكان، ووجدت الناس من ههنا وههنا يجرون ويدبّون ويتلفّتون كأن ليس منهم إلَّا لصٌّ أو مسلوب أو مجنون. ونعوذ بالله، فإنَّ هذا بلاءٌ عظيم لا يدرى معهُ كيف المخرج ولا أين المفرُّ. ألا وإن الأيدي موضوعة على مفاتيح العلوم، وكلما أدير مفتاح في بابهِ ثم فتح الباب وبدت العجائب لعيون الناس جدَّدت هذه العجائب فينا رغبات وشهوات تمنع القلوب من الاطمئنان والاستقرار. وكيف يطمئنُّ امرؤٌ لا يزال قلبهُ معلقًا في مدرجة الرياح الهوج ولا يزال تتناوحهُ تلك الرياح بالقوة الطاغية التي تعصف بالعالم فما تفتأ تدوى القنابل والرصاص والرعود والبروق في كل زاوية من هذه الأرض التي يقولون عنها متمدنة حرة. إن العالم ليغلي بشروره وحسناتِه على كثرة الشرور وقلة الحسنات، أفينكر هذا حيٌّ على ظهر الأرض في أيامنا هذه؟ أينكر أحد أننا على حافة ميدان قد حشدت له الأمم والعقول من كل مكان؟
(2/651)

أو ينكر أحد أن هذا الميدان لا يحدَّ بحدود سياسية أو حربية؟ ألا وإن القتال قد وقع في كل مكان حتى البيوت التي هي موضع الأمن في عرف الإنسانية، أو ينكر أحد أن العلم الحديث على جلالة قدره وعظم ما آتى من النعم لم يستطع أن يؤتى قلبًا واحدًا نعمة الراحة والاطمئنان؟
أخذت الأرض زخرفها وازَّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فلم يبق بعد الآن إلاَّ أن يعرف الإنسان أنهُ -مع قدرته على الأرض وتصريف قواها واستخراج كنوزها- غير قادر على أن يستجلب لقلبهِ ساعة من الأمن يرضى فيها عن نفسه وترضى نفسُه عنهُ. ألا وإن أهل الأرض جميعًا في هذه الحيرة لينظرون إلى الغيب نظرة اليائس الذي كان لهُ أمل ثم قطع به، ولماذا قطع بهذا الأمل؟ ذلك لأن الناس حكّموا في قلوبهم كل شهوة من شهوات المال والنساء والغلبة والفوز ولم يضبطوها بشيءٍ من ضوابط الحياة، فأصبحت الحياة كلها عدوان وتقاتل وتنابذ وشهوة. وليس للحق وحدوده بين الناس قدر تقف كل هذه الشهوات دونه، ثم ها نحن نفقد الإمام الذي يقود العالم إلى الخير والسعادة والراحة، ولا يستطاع أن يكون في كل عصر إمام يقود الناس، فكان العقل أن يكون كل امرئ على نفسه إمامًا يهديها إلى الخيرات، وليس يوجد هذا في امرئٍ إلا أن يكون عنده كتاب يهديهِ، يستجيب لأمره، ويقف مع نواهيه، ويمشي مع أوامره، ويكون هذا الكتاب هو الحق المبين الذي ميّز للإنسانية خيرها وشرها وصرَّفها على قدر من الحكمة والصواب يؤول بها إلى المحبة والرضا والحرية والسعادة والاطمئنان.
وهنا يختلف الناس بين الكتاب الوضعى الذي لا يعرف أول الرأي فيه من آخره، وذلك هو كتاب العقول الإنسانية بفلسفتها وحكمتها وضعفها واختلافها، وبين الكتاب الذي يقول عنه من يؤمن به أنه وَحْى من رب العالمين يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وليس يقع هذا الخلاف إلا من غموض أمر هذا الوحي إلى بشر من الناس تلقى إليه من ربه كلمات يبلغها للناس حتى يكونوا مؤمنين. ولا يفضُّ هذا الخلاف بين الناس إلَّا أن يستقرَّ في القلوب صدق الوحي وصدق وقوعه لمن اختير من بين البشر ليكون نبيًّا أو رسولًا يهدى
(2/652)

إلى الحق ويدعو إلى صراط مستقيم، ولمثل هذا قام الأستاذ الجليل الشيخ محمد رشيد رضا فأخرج للناس كتابه هذا الذي بين أيدينا عن الوحي، وعن الوحي الذي نزل على "محمد" رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ليثبت أن الوحي صدق لا يُشَكُّ فيه وأن القرآن حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأحبُّ أن ألقى القَلَم من يدي لأن الاسترسال في نقد هذا الكتاب وإظهار حسناته وتعقب بعض كلماته التي سبق بها قلم المؤلف تغري بالإفاضة حتى يبلغ ما نكتب عنهُ مثل الكتاب الذي أمامنا، وأنه لَمِنَ الخير لكل من يطلب الحقيقة أن يدرس الوحي في هذا الكتاب فلعله يجد الحق فيقنع به ويتعلق بآياتِهِ.
(2/653)

مقاليد الكتب
1 - ملوك المسلمين المعاصرون ودولهم
تأليف أمين محمد سعيد
مطبعة عيسى البابي الحلبى وشركاه بالقاهرة سنة 1352
"ملوك المسلمين". . . .! ! لا أكاد أسمع هذه الكلمة حتى تتطوح بي الذكر إلى الأيام السوالف من عصور المجد والقوة والحضارة والعلم والأدب، وانتقل بين درجات التاريخ حتى أصل إلى عهد السعادة والرحمة والأخوة والعدل بين الناس، يوم كان المسلمون أمة واحدة تسير بها كلمة الحق في كل وجه -ظافرة ظاهرة- إلى سبيل الهدى والرشاد، ثم أرتد على عقبى إلى ما آله إليه الأمر من فرقة في الجماعة وانقسام في الرأي واختلاف في الحق حتى وضعت فينا وحوش الاستعمار أنيابها ومخالبها ممزقة ما بقي من جسم قد أكلته العلة وذهب بهِ الداء ونخر في عظمه السوس، حتى لم يبق من أعضاء هذا الجسم ما يقول هاأنذا سليم فانظرونى. . . دع هذا، وعد إلى ما نحن فيه.
يغطى المسلمون الآن رقعة رحبةً من الأرض بعيدة الأطراف مقسمة في أمم كثيرة ولكل شعب مسلم من هذه الأمم ملكٌ أو إمام أو سلطان أو والٍ تعود إليه أمورها، ومما يؤسف له أن أكثر هذه الشعوب يجهل بعضها بعضًا على أن الأصل الذي وضع عليه دينها هو التعارف والمودة والأخوة والنصرة والتعاون، أجل، إن بين ملوك هذه الشعوب وولاتها من المعاهدات والصلات ما تثبته الوثائق إلَّا أن هذا لا ينفي أن جهل هذه الشعوب بأحوال جاراتها كائن لا سبيل إلى المراء فيه، فمن من شباب هذه الأمم يلم بأخبار ما ترامى من بلاد الإسلام أو ما دنا ويتبع ما يقع فيها من الأحداث العظيمة ويكون على بينة من أمرها حافظًا لأخبارها متصلًا بثقافتها في أدبها وعلمها شاعرًا بشعورها في آلامها وأحزانها. إن الحوادث تثبت لنا كل يوم أن الأمم الإسلامية متدابرة متقاطعة إلَّا قليلًا منهم. فمن
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، نوفمبر 1933، ص: 484 - 485
(2/654)

الإحسان إلى أنفسنا وأوطاننا وتاريخنا ومجدنا أن يقوم بعض أهل الخبرة والمعرفة بتقريب ما تباعد بين هذه الأمم بنشر الكتب التي تضع أمام قارئها صورة من هذه الأمم جميعها ليلم قارئو كل أمة بما عليه أحوالها وما هي فيه. وبالأمس القريب ظهر كتاب "حاضر العالم الإسلامي" (1) للأمير شكيب أرسلان، فقام بفرض من أعظم الفروض، واليوم يظهر هذا الكتاب فيتمم كتاب الأمير في ناحية من نواحيه. ونحن نشكر للمؤلف ما تفضل بهِ على قراء الأمم الإسلامية، وما بذل من جهد في الترجمة لملوك هذه الأمم في هذا العصر وما عانى في جمع المعاهدات والوثائق التي تربط بعضها ببعض والتي تربطها بملوك الأعاجم من دول أوربا وغيرها. وقد سلك المؤلف مسلكًا حسنًا في ترجمة هؤلاء الملوك فهو يقدم لكل أمة بلمحة موجزة في موقعها الجغرافي وحكمها السياسي وتعداد سكانها على اختلاف أجناسهم ومللهم ثم يبدأ في ترجمة الملك من الملوك أو الأمير من الأمراء فيذكر مولده ونشأته وعهده وتاريخ السياسة فيه ونظام حكمه وما عقد من المعاهدات ذاكرًا نصوصها، وكان في عمله هذا سابقًا مشكورًا.
هذا، ولا مندوحة لي من أن أنظر في الكتاب نظرة العربي الذي لا يحب أن يخدع نفسه وقومه، ألا وإن خداع النفس من أباطيل الحياة وأدوائها التي تنهك البدن وتذهب بالشباب والقوة والحذر. قسم المؤلف كتابه إلى قسمين أولهما "الدول الإسلامية المستقلة" وذكر مصر والعراق وبلاد العرب واليمن وتركيا وإيران وأفغانستان، والثاني: "الدول الإسلامية المحمية" وذكر سوريا وشرق الأردن وحيدر آباد وأسبانيا والمغرب الأقصى وتونس ولحج وحضرموت ومسقط والكويت والبحرين. وأنا لا أدري لماذا يخدع المرءُ نفسهُ فيعمد إلى بلاد يأكل الاستعمار مالها وأبناءَها ويقتل أنفسها ويريق دماءها ويفتك فيها بما ملكت يداه من أساليب السياسة فيعدها في جريدة البلاد المستقلة وهي لا تبلغ أن تكون دولة قد رفعت على منازلها أعلام "الحماية" إن البلاد التي وقعت فريسة للحماية
__________
(1) هذا الكتاب من تأليف لو ثروب ستودارد، ترجمه إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض، وعليه حواشي شكيب أرسلان. وقد عرضه الأستاذ شاكر -رحمه الله- ص 645 - 647.
(2/655)

تشعر دائمًا أنها فريسة فتسعى إلى الخلاص جهدها وتوجه كل قوة فيها إلى ذلك فإذا خشى الاستعمار تمام يقظتها واستفحال قوتها خدعها عن نفسها بالاستقلال المقيد بقيود ثقيلة من الذهب فيشغلها بقيودها الذهبية عن آمالها وأمانيها. ثم نأتى نحن فنخدع أنفسنا بأن نعدها مستقلة. . . اللهم إن هذه الأمم مخدوعة من ناحيتين من ناحية العدوّ ومن ناحية أنفسها. أو كان المؤلف يعدم حيلة للخلاص من هذا؟ أكان يضيرهُ شيئًا أن يترك الكتاب على نظامه هذا غير مقسم ذاكرًا تلك الحقيقة بأي أسلوب شاءَ، وإن كنا نؤثر التصريح، ولا نرى غيره رأيًا.
(2/656)

2 - ابن عبد ربه وعقده
تأليف: جبرائيل سليمان جبور
أحد مدرسي الأدب العربي بجامعة بيروت الأميريكية المطبعة الكاثوليكية ببيروت سنة 1933
كان شيخنا سيد بن على المرصفي -رحمه الله- يستجيد كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه ويعده في أجل كتب الأدب العربي، ولا أدري كيف مضى بي الزمن ولم أسأله عن هذا الكتاب سؤال الطالب الذي يريد أن يوقفه شيخه على عيون الكتب، ويدله على أسرارها، إلّا أني سمعته مرة -وقد ذكر هذا الكتاب- يشكو من كثرة الخطأ والتحريف والخلط الذي وقع فيه من النساخ. ورحلت عن مصر إلى الحجاز في أول سنة 1347 وعقدت النية على قراءَة هذا الكتاب لتصحيحه وضبطهِ ولم أوفَّق إلَّا لقراءته للمرة الثانية دون أن أصححه أو أضبطه ولكننى كنت أجد المشقة في قراءته لكثرة الخطأ الواقع في نصوصه، وأظن أن كل من قرأ هذا الكتاب وجد منه مثل الذي وجدت.
فلما ظهر هذا الكتاب "ابن عبد ربه وعقده" عدت إلى قراءة ما تيسر منهُ لأكون على بينة مما يكتب المؤلف فوجدت فيهِ كثيرًا من الخطأ مما فاتنى في القراءة السابقة فتمنيت كما تمنى الأستاذ في كتابه هذا أن تقوم جماعة من الأدباء بجمع أصول هذا الكتاب ومقابلة بعضها ببعض لتصحيح العقد الذي يوضع بين أيدى الأدباء بعد طبعه طبعًا متقنًا جيّد التصحيح.
وابن عبد ربه لم يعرف إلَّا بعقده هذا حتى أصبح هذا الكتاب مما لا يستغنى عنهُ أديب عربيٌّ لإيجازه وحسن ترتيبه وجمال اختياره، ومع هذا فإنك لا تجد لابن عبد ربه ترجمة في كتاب من الكتب التي بين أيدينا قد استوفت حياة هذا الرجل حتى ابتدر الأستاذ "جبور" وأخذ يجمع تراجم ابن عبد ربه من كتب التراجم ما طبع منها وما لم يطبع، وطفق يتسقط أخباره في سطور من الكتب
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، نوفمبر 1933، ص: 485 - 487
(2/657)

حتى اجتمعت لديه مادة عظيمة، ثم أرسل فيها رسلًا من ذكائه حتى ضمَّ أشتاتها وألّف بينها على أسلوب جيد في ترجمة أمثال ابن عبد ربه فقسّم كتابه إلى خمسة أقسام:
الأول: في المصادر التي أخذ منها، والثاني: في ترجمه حياته، والثالث: وهو أكبرها: في الكلام عن العقد، والرابع: في نثره، والخامس: في شعره. ويدور هذا الكتاب على التعريف بالعقْدِ أكثر مما يدور على ترجمة ابن عبد ربه فقد نقل فيه طائفة من العقد في أكثر أبوابه مما يعرف القاريء به ويصوره له. وقد بثّ في خلالها آراءً جيدةً، وأخرى مما يعترى كلّ مؤلف من التطوح أو الخطإ، وكان العهد بيني وبين رئيس التحرير أنْ استوفي هذا الكتاب نقدًا وتمحيصًا إلَّا أنى رأيت بعد ذلك أن أنقض هذا العهد لما فيهِ عن المشقة وما يستنفد من الجهد وما يتطاول بالكتابة. هذا ولأنّ الكتاب في مجموعه جيد متقن، ولعل مؤلفهُ سوف يستدرك فيهِ بعدُ ما فاته الآن فقد قال في مقدمته أنهُ لم يستقص "البحث في درس ابن عبد ربه كما يريد أو كما يجب أن يكون" وقال "وكل ما في درسي هذا أنهُ محاولة، أن لم أكن قد وفقت في كل نتائجها، فإني أرجو أن أكون قد وفقت في الطريق أو المنهج الذي سلكته فيها". وليس ما وقع فيهِ الأستاذ مما يشق على مثله أن يتداركه إذا تبين لهُ وجه الصواب وأهم ما يلزمنا أن ننبه إليه هو حشده الشواهد التي لا خطر لها فيما يستشهد لهُ مثال ذلك أنهُ حين تكلم عن تشيع ابن عبد ربه لآل البيت رضوان الله عليهم قال ص 61
ولم تكن هذه النزعة (يعني التشيع) عند ابن عبد ربه من القوة أو الشدة بحيث تظهر لأول وهلة في عقده، إذ قد تقرأ الفصول الطوال من العقد دون أن تشعر بها -إلى أن قال- غير أنا إذا قرأنا العقد وأنعمنا النظر في هذه المواقف التي يذكر فيها عليًّا وأولاده وآله نرى أثر هذه النزعة عنده -وندر أن يذكر عليًّا دون أن يلحق الاسم "يرضى الله عنهُ". وهذا استدلال ضعيف، فما من مسلم يذكر عليًّا أو غير عليٍّ من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلّا قال "- رضي الله عنه -" إلا طائفة قليلة ممن خرجوا على إجماع الأمة الإسلامية في تقديم الصحابة وخاصة النفر الأربعة
(2/658)

من ولاة الحق وهم الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم. وبما أن ابن عبد ربه ليس من هذه الطائفة فلا وجه للاستدلال على تشيعه بهذه الحجة الواهية. ونرجو أن يرجع الأستاذ إلى حُجَجه التي أوردها في هذا الباب فإن أكثرها مما لا يصحُّ أن يتخذه مثله حجة على تشيع ابن عبد ربه. والحق في الفصل الذي عقده لتشيع ابن عبد ربه وسماه في آخره "التشيع الحسن" أن ابن عبد ربه كان كسائر المسلمين الذين يحبون رسولهم - صلى الله عليه وسلم - ومن تبع سبيل الحق من أهل بيته ويوقرون الخلفاء الأربعة الراشدين ويبجلونهم ويحبونهم ويترضون عنهم.
بقي بعد هذا أن نسأل الأستاذ ألا يحمل في نفسه علينا إذا قلنا -مع تقديرنا لكتابه هذا- إنه تعجل فلم يعن باختيار الألفاظ والتركيب الفصيح العبارة، ولا نحب أن نوقفه على شيءٍ منها فما نظن أن صواب الرأي فيها بعيد عنه "ومن زينة الحسناء لباسها".
(2/659)

3 - رحلة إلى بلاد المجد المفقود
تأليف مصطفى فروخ والصور بريشته مطبعة الكشاف ببيروت سنة 1352
الأندلس. . . كلمة واحدة توقظ في دم كل عربي تاريخًا من المجد والجمال والعلم والأدب وتوقد فيه نيرانًا من الألم والغيظ والغضب والحسرة، كلمة واحدة تراها ضاحكة في التاريخ، كلمة واحدة تراها حاملة راية النصر والدماء تسيل على جوانبها وتحت أقدامها، كلمة واحدة تحمل أسباب الحياة إلى العالم فتحمل فيه ألوانًا من العذاب والظلم والفتك والاعتداء، كلمة واحدة مرَّت على التاريخ كما يمرّ الحلم اللذيذ الفرح المحفوف بالجمال والشباب وروائع الخيال ثم توقظ التاريخ من حلمه تلك الجلافة البربرية الضارية التي أتت بها دواوين التحقيق في أبشع الصور وأقبح المطالع وأفظع الوجوه. . . لك الله أيتها الأرض العزيزة التي ضمت درر التاج العربي ونفائس الإرث الإسلامي وروائع الجمال الإنساني، لك الله يا أرض الأمجاد من بنى مروان.
هكذا تدول الدول ويتحطم المجد ويخبو الشعاع لتقوم في كل قلب دولة من الذكرى ويُبنى في كل فؤاد بنيان من الحسرة وتشتعل في كل مهجة نار من الألم، ويرحل الراحلون ليقفوا على بقايا الأطلال ودارسات الرسوم ليبعثوا في القلوب الذكرى ويجددوا في الأفئدة بنيان الحسرة ويورثوا المهج نيران الألم.
أجلت قراءة "الرحلة إلى بلاد المجد المفقود" ظنًّا مني بأنها كالكتب التي تصدر عن الرحلات في ضعفها وفتورها وجمودها وقلة روائها وذهاب مائها، فلما قرأتها عدت على نفسي بالملامة أن لم أكن بادرت إلى قراءتها من أول يوم، فقد اجتمع للأستاذ "فروخ" في هذا الكتاب من دقة الوصف وبراعة البكاء على أطلال المجد العربي وصحة النظر الاجتماعي والإحاطة بكثير من تاريخ البلاد التي رحل إليها -الأندلس- ولطافة الملاحظة، ما عدمته كثير من الرحلات التي قرأناها
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، نوفمبر 1933، ص: 487 - 488
(2/660)

وكانت أشبه بجريدة الإحصاء أو سجلّ الوفيات والمواليد. ولولا ما يشوب بعض جملها من ضعف التركيب لكانت من أغلى الدرر في كتب الرحلات التي يراد بها إيقاظ الإحساس النبيل في نفوس أصحاب المجد الغابر وإرهاف الشعور السامي في قلوب طُلّاب المجد ومجدّدي حضارة العرب من أبناء هذه الأمة العربية.
بقى أن نلوم الأستاذ "فروخ" على استهانته بتأريخ ما يذكره من الحوادث بالتاريخ العربي الهجرى ذلك لأننا إذا تابعنا أصحاب الفتنة على ما يفتنوننا به من زخرف القول في الاقتصار على التاريخ الميلادى في تاريخنا لاختلط على شبابنا التاريخ، وما ظنك بألف وثلاثمائة سنة كتبت كل كتب التاريخ العربي فيها بالتاريخ الهجرى، أيسهل أن نقلب التاريخ الهجرى في الكتب العربية إلى تاريخ ميلادى؟ على شبابنا أن يعود سمعه وبصره وذاكرته على التاريخ العربي ولا يضعه بمنزلة أدنى مما تنزل الذكر الجميلة من قلبه، وعلى شبابنا أن يحترم رمزًا للمجد العربي يكاد يكون هو الباقى في حياتنا من الحياة العربية. هذا ولو أن الأستاذ فروخ اتخذ تاريخه التاريخ الميلادى لكان ذلك هيّنًا، ولكنه خلط في الكلمة الواحدة بين التاريخ الميلادى والتاريخ الهجريّ وفي ذلك من وضع العثرات في طريق القارئ ما فيه. أما ما في الكتاب من الخطأ التاريخى الذي تنبه له بعض الكُتَّاب فذلك ما نرجو الأستاذ أن يبرّئ كتابه منه في الطبعات التالية.
ثم لعلَّ الأستاذ "فروخ" سيواصل رحلاته إلى أطلال المجد العربي ويخرج لنا الدرر التي طغى عليها تراب النسيان، وستر جمالها كيد الكائدين وعنتُ المعنتين فالأمم العربية الآن تحتاج إلى من يذكّرها بمجد أسلافها وعزّ آبائها وحضارة أجدادها لتجد في نفسها مضض الحسرة وفي الحسرة الألم وفي الألم الشعور وفي الشعور الحياة والطموح والشوق إلى الفوز والغلبة.
(2/661)

4 - تنبيهات اليازجي على محيط البستاني جمعها وحل رموزها
" الدكتور سليم شمعون" و"جبران النحاس" مطبعة صلاح الدين باسكندرية سنة 1933
كان الشيخ إبراهيم اليازجي علمًا من أعلام الأدب العربي، ولا تزال آثاره وكتبه من أدق الكتب وأحسنها ترتيبًا وتحقيقًا، ويظهر من كثير من كتبه أنهُ كان من أكابر أذكياء عصره وبلغائهم ومحققيهم في اللغة والأدب حتى أصبح في مقدمة الذين أحيوا الأدب العربي وجددوا روائعه وأمدوه بأسباب النهضة والحياة. وقد كان جيد الاستدراك على أخطاء معاصريه حتى عدّ من ثقات نقّاد اللغة. إلا أن أكثر ما استدركه على كتب اللغة التي ألفت في العصر الأخير لم يظهر منها إلا القليل، ولعل ذلك يرجع إلى أنهُ لم يقيده بالكتابة كما بين الأستاذ "جبران نحاس" في مقدمة هذا الكتاب قال "ولكنهُ كان أثناء مطالعته إذا استوقف نظره لفظٌ أشار إليهِ بنقطة على الهامش وهو في الغالب يرسم خطًّا تحت ذلك اللفظ، وربما عنّ له شيءٌ مما فات المصنف (يعني البستانى صاحب محيط المحيط) فاستدركه، ولكنهُ لم يتكلف مثل هذا الاستدراك إلَّا في ما ندر".
وكنا نودّ أن نقول رأينا في "محيط المحيط" الذي جمعت تنبيهات اليازجيّ عليهِ في هذا الكتاب، إلا أن هذا المجال يضيق عما نتكلف له، وفي تنبيهات اليازجي كفاية للمطلع والمراجع. عمد الأستاذ جبران النحاس والدكتور شمعون في كتابهما إلى الإشارات التي وضعها اليازجى على نسخة من "محيط المحيط" فحاولا أن يتبصَّرا موضع النقد أو الاستدراك الذي أراده اليازجي وقد وُفقا إلى كثير من الصواب لولا الإطالة فيما لا تجدى الإطالة فيهِ وتشتت البحث في بعض المواضع، ولعلهما سيستدركان ذلك في بقية الأجزاء التي ستصدر تتمة لهذا الجزء -وقد استوفيا فيهِ حرف الألف وحسب. ونرجو أن يصحبهما التوفيق في عمل يجدان في كل خطوة منهُ عقبات يزلُّ لها الجلدُ القوي.
__________
(*) المقتطف، المجلد 83, نوفمبر 1933، ص: 488 - 489
(2/662)

مقاليد الكتب
1 - أنتم الشعراء
تأليف أمين الريحانى -مكتبة الكشاف ومطبعتها- ببيروت سنة 1933
يقول الشاعر المجيد بشارة الخورى:
الهوَى والشبابُ والأملُ المن ... شود توحي فتبعث الشّعْرَ حيَّا
والهوَى والشبابُ والأملُ المن ... شودُ ضاعتْ جميعُها من يديَّا
يشرَبُ الكأس ذُو الحجا ويبقَى ... لِغَدٍ في قَرارة الكأسِ شيَّا
لم يَكُنْ لي غدٌ فأفرغتُ كأسى ... ثَم حطَّمْتها على شَفَتيَّا
أيها الخافقُ المعذَّبُ يا قلْ ... بى نزحتَ الدُّموعَ من مقلَتيَّا
أفحتمٌ عليَّ إرسال دَمعى ... كلما لاح بارقٌ في مُحيَّا
يا حبيبى لأجْل عينيك ما ألْ ... قى وما أوَّلَ الوشاةُ عليَّا
أأنا العاشق الوحيدُ لتُلقَى ... تبعاتُ الهوَى على كَتفيَّا
فتكون هذه الأبيات الرقيقة سببًا في إثارة الريحانى على الشعراءِ المعاصرين الذين يحبسون شعرهم على البكاءِ والنحيب والحسرة والألم وإظهار الضعف عن تحمل الهوى. ويكثر الجدلُ بين الأدباءِ عن هذا الشعر الباكى الضعيف ويتقسمون الرأي بين راض ومستنكر. ويسخر الريحانىّ في كتابه هذا من الشعر الذي يحبسهُ أهله على الضعف والتخنث والبكاء والتقليد ويهيب بالشعراء إلى القوة والفتوة والرجولة والتجديد.
ونحن من قبلنا لا نحبُّ أن نجادل فيما لا يلدُ الجدل فيه إلَّا العناد والكبرياءَ والتعصب للرأي أو للهوى ولا نبالي أن يقول الناس أصبنا أو أخطأنا إلا أن يكون ميزان الصواب والخطأ العدل والحق والإخلاص والقسط الذي لا يرجح بالناقص ولا يَشيل (1) بالوافي.
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، ديسمبر 1933 , ص: 613 - 614
(1) شال الميزان: ارتفعت إحدى كَفَّتيه.
(2/663)

الشعراء الخُلَّص الذين لا يطلبون بشعرهم شهرة ولا صيتًا ولا دعوى مستطيلة هم ناسٌ من البشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم إلَّا أنهم من الأمم بمنزلة مقياس الحرارة (الترمومتر) الذي يؤثر فيهِ تقلُّب الجوّ تأثيرًا ظاهرًا بيّنًا يثبته العدد فلا موضع فيه للجدل إلَّا أن يكون هذا المقياس في ذاتِه مختلًّا فاسدًا لا يدلّ على حقيقة الجوّ الذي يحيط به وبذلك يصبح مقياسًا لنفسه لا للناس. والحقيقة لا تعرَف إلَّا من المقياس الصحيح الذي لا خللَ فيه فالناس جميعًا مفتقرون إليه، أما المقياس الفاسد فلا يرجى له خير إلَّا أن يحطَّم أو يهمل وما بأحدٍ إليه حاجة. وهذا مثل الشعراءِ في كل أمة من الأمم.
ونحن من قبلنا أيضًا لا نستنكر على شاعر أن يرقّ حتى يضعف ويبكى ويئن ويتوجع من آلام الهوى وتباريح الصبابة ما كان ذلك الشاعر صادقًا لا يتباكى، محبًّا لا يتصنع لأن الشاعر -كما سلف- رجل من الناس ربما كان له من أسباب الهوى ما يدنفه ويبكيه، وهذه الأسباب تكون له جوًّا يحيط بهِ خاصةً فهو يتأثر به على كل حال. إلَّا أن هذا الشاعر نفسه رجل من أُمَّة يكون لها من أسباب القوة والسيطرة والعزة ما يكون لها، أو رجل من أمة بها من الضعف والفتور والذلّ والاستعباد والمهانة ما تضرب به الضربات الشداد بمعاول الظلم والجَبرية والعدوان والشر الاستعمارى القبيح الدنئ. فلابدَّ للشاعر من هذه الأمة أن يكون لسان الأمة الذي يتكلم بأوجاعها وآلامها وأن يكون من جهة أخرى قائدًا من القوَّاد يقف في قلب الجموع المسكينة خطيبًا تنفذ كلماته إلى القلوب لتحركها وتنعشها وترمى فيها بالحياة والشباب والنشاط وبذل النفس وغلبة الرأي على الشهواتِ والأهواء. وأن لا يكل ساعة عن الجهاد والدعوة إلى الطريق السوىّ. فإذا خلا الشاعر قليلًا قليلًا إلى نفسه وغلبتهُ الحياة الفردية والأهواءُ الخاصة فليقل ما شاءَ بمقدار لا يُلين منهُ ولا يضعف من قوى جنده، وليستجم لنفسه بما يجعله أقدر على الجهاد حين يعود إلى الميدان بين المتألمين والمحطَّمين والباكين مما يصيبهم من وحوش الاستعمار والعدوان التي توسعهم نهشًا وتمزيقًا وافتراسًا.
هذه سبيل الشعر لأمتنا العربية في أمرنا هذا من أيامنا هذه. أما أن يأخذ أحدنا
(2/664)

شعر الشاعر العربي فلا يجد فيه إلَّا الضعف والتخنث والبكاء والذلة والضراعة والحبَّ المريض فذلك أمر لا تقبله النفوس العزيزة التي تستشعر العزة والنخوة والمروءة، وأما الفتنة التي فتن بها الناس من قولهم الشعر العالمي والشعر الإنساني والشعر. . . اللهم إني أعوذ بك من سوء المنقلب. . . فهذا الكلام لا معنى لهُ في حياة الأمم الضعيفة المظلومة التي لا قائد لها ولا إمام .. أيغنّى العصفور الضعيف للثعبان الفاتك ليسحره بألحانه وتغريده. ألا إن لحم العصفور أشهي إلى الثعبان من لحنهِ. . . وما في ذلك إلا سوءُ التقدير وأفن الرأي (1) وقلة الحيلة.
إن الأرض العربية تطالب شعراءَها وأدباءها وكتَّابها وأصحاب الرأي فيها أن يتخذوا ألفاظهم في شعرهم وأدبهم وكتابتهم وآرائهم من النار والحديد والبراكين والدوىّ والرُّعود المجلجلة فعسى أن يهبَّ هؤلاء النوَّام من سباتهم وأن يرجعوا عن غفلتهم ويعلموا أن الأمر جدٌّ وأن الحياة صراعٌ وأن عدة هذا الصراع هو الإيمان والصبر وبذل النفس وكبح الشهوات واطِّراح الجبن والخور. فإذا خرجنا من الميدان بالنصر والظفر فلنطلب نفع الإنسانية في كل بقعة من بقاع الأرض ولنمحُ آثار المظالم والعدوان والفجور والبغى ولنغن ما وسعتنا الألحان وما واتتنا الأغاريد.
وسنعود قريبًا إلى التوسع في هذا القول حين نبتدئ -بعون الله- كلامنا عن الشعر الوطنى في هذه المجلة يوم نجد من شعرائنا إقبالًا على إرسال شعرهم الوطنى كما أمَّلنا ذلك في النشرة التي كتبناها في أول مقتطف نوفمبر الماضي والله المستعان.
__________
(1) أَفَنُ الرأي: فساده وَضَعْفه.
(2/665)

2 - تاريخ مصر الإسلامية
تأليف إلياس الأيوبي - مطبعة الرغائب بالقاهرة سنة 1352
ظهر هذا الكتاب، وكثر الحديث عنهُ فثارت الهمة لقراءته والنظر فيه وبخاصة لأنّهُ تاريخ أغمض العصور التي مرّت بمصر وذلك لضياع أكثر الكتب المؤلفة في هذا التاريخ الواقع ما بين سنة 20 من الهجرة إلى سنة 254 منها. وأخالف ما درجتُ عليه في الكتابة وأقول إني أخذت هذا الكتاب فقرأته أحسبهُ شيئًا فإذا هو ليس بشيء، وأقول هذه الكلمة وأنا أحمل أوزارها وأثقالها وما يشاءُ القارئ من أوزار وأثقال. فأنا -يا سيدي القارئ- لم أقرأ هذا الكتاب إلَّا وقد عقدت النية على أنهُ تاريخ مصر من أيام الفتح العربي إلى أول عهد الدولة الطولونية لا على أنه أوهام في تاريخ مصر من الفتح العربي إلى عهد الدولة الطولونية. وقبل أن نبدأ ينبغي لنا أن نعرف ما هو التاريخ وكيف يكتب.
يعتمد مؤرخ كل أمة من الأمم على دعامتين، فإِحدى الدعامتين هي دعامة الرواية والأخرى دعامة العقل. والرواية هي مادة التاريخ الذي لا يمكن أن يسمى تاريخًا إلا باجتماعها وحشدها. والعقل هو المصنع الذي تنقى فيهِ هذه المادة وتجلى ويؤلَّف بين المتقارب ويفرَّق بين المتباين من أجزائها وعناصرها. فإذا اعتمد المؤرخ على الرواية دون العقل كان ما يكتبهُ تاريخًا إلا أنّهُ تاريخ أعرج، فإذا اعتمد على العقل دون الرواية لم يكن ما يكتبهُ تاريخًا، فإن اعتمد على العقل وقليل من الرواية كان ما يكتبهُ نوعًا من الكلام لا يسمى تاريخًا بل يسمى أوهامًا في التاريخ. ولا يخرج التاريخ الصحيح إلَّا من مصانع العقل القوي المشرق الذي اجتمعت له المادة التاريخية المحشودة المصححة. ولا أظن أن مؤرخًا مهما بلغ من قوة العقل وإشراقه يستطيع أن يولِّدَ لك من بعض الروايات المنسوبة إلى التاريخ تاريخ أمة قد ملأت الأرض علمًا وحضارة وأدبًا. هذا. . . فإذا اعتمد المؤرخ على الهوى دون العقل مع قلة الرواية وضعفها وتهالكها فكيف يكون تاريخه؟ إذا
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، ديسمبر 1933، ص: 615 - 618
(2/666)

أردت أن تعرف ذلك فاقرأ هذا الكتاب المسمى "تاريخ مصر الإسلامية" وتأويل ذلك.
تقول مقدّمة الكتاب "وكنت كلما أتصور تمكُّني (كذا) من إنجاز فكرتي، وأتخيل عملي أمامي تامًّا: فأرانى أصبحت أول مؤرخ مصري جدير بهذا الاسم (كذا) وأراني قد أنشأت، حقيقة، في أحضان قومى روحًا مصريةً بحتةً -لا عربية ولا تركية، ولا مسيحية ولا يهودية ولا إسلامية- روحًا مصرية متشبعة بالمبادئ القومية العصرية، ومثقفة بالثقافة العصرية الحقة التي تستمد منها الحضارة العصرية قوتها وجمالها. . . إلخ" وذكر كلامًا رمى فيهِ مؤرخى العرب جميعًا بالجهل والتدليس وغلبة الهوى حين كتبوا سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال:
". . . جعلوا فيما كتبوه من سير للنبيّ الغلبة للخرافة على الحقيقة، مقلدين في ذلك المتقدمين من مؤلفي المصريين والكلدانيين واليونان والرومان (تأمل) الذين رووا حوادث تأسيس الدولة المصرية والكلدانية واليونانية والرومانية. . . إلخ" وأستعتب القارئ في نقل هذه الجملة أيضًا: "وإني إذا كنت -على عكس ذلك- رأيت نفسي مضطرًا أحيانا إلى حرق ما قد قدستُهُ زمنًا طويلًا فيما مضى، فذلك لأنى إنما رميت بكتابي إلى إحياء الشعور القومى المصري البحت في نفوس قرائى، كما قدمت. . . لا لأنى أرغب في جرح شعور أحد أو إحساس أحد أو فكر أحد". ولعله قد سقط من الأصل "بل أريد أن أجرح شعور التاريخ وإحساس التاريخ وفكر التاريخ".
لا يدري القارئ ماذا أقاسى من الألم المبرح في نقد هذا الكتاب وما ذلك إلَّا لأنى إذا كتبت عنهُ فإنما أكتب عن مؤلفه وقد أصبح من مادة التاريخ فآنف أن أنازل من لا يدافع عن نفسه، ولأن الكتاب في أكثره إفسادٌ للتاريخ وتدليس عليه ولأن مواضع النقد فيه كثيرة لا أدري ماذا آخذ منها أو أدع في هذه الورقات. ولكني أستعين الله على ما ألاقى من الألم في الكتابة عن هذا المؤلَّف.
لم يعتمد كاتبنا في تاريخه إلَّا على كتب قلائل ليست شيئا في المكتبة العربية الزاخرة بكتب التاريخ، وهي كتاب المقريزي وابن إياس وابن وصيف شاه وتاريخ
(2/667)

التمدن الإسلامي لزيدان والكندى وابن الشحنة في روضة المناظر وقليل غير ذلك من كتب الأدب. هذا فلو نظرت إلى كتاب (فتح العرب لمصر) الذي ألّفه الأعجميّ الدكتور (بتلَرْ) الإنكليزي لوجدته يعتمد في تاريخ حِقْبَة من الزمن لا تبلغ خمس سنوات على عشرين ومائة كتاب في التاريخ ثلثها من كتب التاريخ العربي والبقية من كتب الأمم في التاريخ. فلو أن (بتلر) أراد أن يكتب تاريخ مصر الإسلامية من سنة 20 لسنة 254 لاعتمد على أضعاف هذا من كتب التاريخ. وذلك لأن التاريخ لا يكون شيئًا إلا إذا حشدت له المادة العظيمة ونظرت فيها بالنظر الصائب، وربَّ كلمة شاردة في ذيل ورقة تفتحُ للمؤرخ بابًا من الفهم يجعل الغامض واضحًا بيّنًا والمتباعد قريبًا دانيًا وتصل بين حافتى هوَّة في التاريخ فتمكن المؤرخ من اجتيازها.
هذا أمر المادة التاريخية نفسها، فلننظر ماذا فعل المؤرخ بالمادة التاريخية القليلة التي اجتمعت له حين ألف كتابه. عَمِدَ المؤلف إلى هذه المادة القليلة التي لا يستقيم بها تاريخ فقرأها وأراد أن يتفهمها فأخطأ في كثير وأصاب في قليل وقرَّ ذلك في نفسه، ثم أوّل بعض هذه المادة تأويلا لا يقبله عقل ولا تاريخ حتى يستطيع -كما يقول- "أن ينشيء -حقيقة- في أحضان قومه روحا مصرية بحتة -لا عربية ولا تركية، لا يهودية ولا مسيحية ولا إسلامية-"، فلذلك سَخِرَ بالعرب وساق الرواية العربية القوية في أسلوب من السَّخَر بالعرب والإزراء عليهم والغض منهم ومن أفذاذ رجال الفتح. وأنت إذا قرأت الفصل الذي سماه "كيف فتح العرب مصر" لم تجد فيه حقيقة غير هذه حين يذكر "عبادة بن الصامت" - رضي الله عنه - حين بعثه عمرو على رأس النفر العشرة إلى المقوقس فتقدم عبادة وكان عبادة أسود ضخما من الرجال فهابه المقوقس لسواده "وقال: نحُّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمنى، فقالوا جميعًا، إنهُ أفضلنا رأيًا وعلمًا وخيرنا والمقدَّم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه". فيقول المؤلف تعقيبًا على هذا.
"ولسنا ندري من أين أتى عبادة بن الصامت العلم! ! ". . . ونحن والله
(2/668)

لا ندري أيضا، ولا نعلم إلّا ممن شهد المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان له من الرأي ما أجلَّه به قومه، بلى وأنه رجل من أفذاذ الأمة التي أشرقت بنورها على الأرض فأخرجت الناس من الظلمات إلى النور. ولسنا ندري لماذا ينكر صاحبنا العلم على عبادة، وهم لم يقولوا أنه أعلم العالمين بل قالوا هو أفضلنا رأيًا وعلمًا وهم أدري بأنفسهم منا بها. وقد كانوا رحمهم الله يقدّرون أنفسهم قدرها فيقدّم الرجل الشريف العبدَ الحبشى العالِمَ على نفسه وأهله، وما كان فيهم من يتصدر ليقول عن نفسه أنهُ أكبر عالِم أو أتقى رجل أو أفضل مخلوق أو أوّل مؤرخ لمصر جدير بهذا الاسم. وقد أطلت ليعلم القارئ كيف يطمس الهوى على قلوب الناس إذا حرفوا العلم أو التاريخ بأعنته، والهوى -كما قال ابن عباس - رضي الله عنه - - إله معبود. . . والكتاب كله على هذا النمط من الإزراء على العرب والعبث بالإسلام، وما يريد المؤلف من كل هذا إلَّا إنشاء روح مصرية لا عربية ولا إسلامية كما يزعم، لا تقرير الحقيقة التي يجب على كلِّ إنسان أن يطلبها أنَّى كانت، والمؤلف نفسه في حيرة من العرب والإسلام وتغلغل كل منهما في مصر فتراه أحيانًا يدور حول نفسه يريد المخرج ولا مخرج حتى أنهُ لم يستطع أن يمحو ذكر الإسلام -والعرب- فيما سمّى بهِ كتابه فألقى عليه هذا العنوان الذي يتبرأ مما تحته. . . . "تاريخ مصر الإسلامية".
ولنفتح في الكتاب أي صفحة يكون من نصيبها التمزيق، بسم الله، فهذه ص 180 يقول المؤلف في رأسها أن ابن عباس روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "إنَّما ضلَّ من كان قبلكم بالكتابة"، وأطال الكلام بعد ذلك على هذا الحديث الذي لا نشك في وضعه حتى قال "وأهملوا -يعني العرب- تدوين كل ما جادت به قرائحهم في بابي الشعر والخطابة ذاتها لتفضيلهم الحفظ على التدوين، بل أهملوا تدوين العلم الإنساني البحت عينه -على قلته- (كذا وتأمل) وقضوا قرنهم الأول وبعض الثاني (كذا قال المؤلف) وهم يتناقلونه بالتلقين، ولم يدوّنوا القرآن نفسه بعد أن أحجم أبو بكر مدة عن ذلك قائلا "كيف أفعل أمرا لم يفعله رسول الله، ولم يعهد إلينا فيه عهدًا". . . إلَّا لما خافوا أن تذهب الحروب والفتوحات بحفَّاظه فيضيع" انتهى.
(2/669)

ولا ندري هل يعلم المؤلف أن من الصحابة ناسًا يسمون "كتَّاب الوحي" كانوا يكتبون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يوحى من القرآن لرسول قد فادى أسري يوم بدر، فكان شرط مَن لا مال عندهُ أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة. قالوا فيومئذٍ تعلَّم الكتابة زيد بن ثابت كاتب الوحي وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر عبد الله بن سعيد بن العاص أن يعلّم الناس الكتابة بالمدينة، وأنهُ قد ورد في الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر أن الشَفَّاء أم سليمان بن أبي حثمة علمت حفصة (وهي زوجه) الكتابة وقال لها "علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة". وإن القرآن كان مكتوبًا جميعهُ على عهد الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كتبه له كتّاب الوحي وكتبه لنفسه من كان يحسن يكتب من الصحابة وهم كثير، وإن قول أبي بكر "أفعل أمرًا لم يفعله رسول الله" إنما هو عن جمعه بين دفتين أعني في كتاب أو مجلة كما يقولون وليس ذلك لأن أبا بكر كان يعاف الكتابة والتدوين. وتأويل ذلك أن أبا بكر لما عافت نفسه ما قال بهِ من جمع القرآن دعا زيد بن ثابت وقال له (نرويه من حديث زيد بن ثابت) "إن هذا -يعني عمر- قد دعانى إلى أمر فأبيت عليهِ وأنت كاتب الوحي فإن تكن معهُ اتَّبَعْتكما وأن توافقنى لا أفعل. فاقتصَّ أبو بكر قول عمر وعمر ساكت، فنفرتُ من ذلك وقلت يفعل ما لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ فذهبنا ننظر فقلنا لا شيء والله ما علينا في ذلك شيء. قال زيد فأمر أبو بكر فكتبته من قطع الآدم وكسر الأكتاف والعُسُب". وهل يعلم المؤلف أن هناك مصاحف تنسب إلى أصحابها من الصحابة كابن مسعود ومصحف أُبي ومصحف زيد كانت مكتوبة على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعرضها أصحابها العرضة الأخيرة عليه قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى - صلى الله عليه وسلم -.
هذه صفحة لم نعمد إليها من الكتاب وها أنت تراها كيف مزّقت شرَّ ممزّق وذريت قطعها في الهواء. وهذه المجلة لا تتسع في هذا الباب لأكثر من هذا ولكن ليكن القارئ على يقين من أن كلَّ ورقةٍ من هذا الكتاب هي هذه الورقة الممزّقة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(2/670)

3 - آلاء الرحمن في تفسير القرآن
تأليف محمد جواد البلاغى النجفي الجزء الأول -مطبعة العرفان بصيدا- سنة 1352
كان القرآن الكريم ولا يزال مادة البلاغة العربية بل مادة العقل العربي بل مادة الحياة الإنسانية العالية بآدابها وعلمها وفقهها وأحكامها ودولتها. نزل بهِ الوحي على محمد - صلى الله عليه وسلم - فجمع الأمة بعد شتاتها وافتراقها على كلمة واحدةٍ في قلب رجل واحدٍ أينما سارت سجدت لها العروش ودانت لها الملوك وخضعت لها الرقاب واستقبلتها القلوب وانقادت لها النفوس وعلا بها الحقُّ وأضاء بها الوجود حتى إذا تمت لها المعجزة في إخضاع العالم للحق وإخراجه من ظلمات الباطل إلى نهار الحق بدأت طبيعة الحياة تفعل فعلها وتفتن فتنتها فمدَّت الشبهات أعناقها، وظهر الخلاف بين الناس إلا أن الشبهات كانت لأول عهدها خفية قليلة وكان الخلاف ضعيفًا متقاربًا ثم بدأ الجدل واللجاج والعناد الإنساني البغيض حتى استحكمت الشبهة وكثر الخلاف واتسع ما بين أصحاب الرأيين وتعصب هذا وتنطع ذاك فخرجت الفِرَق المتعادية والنِّحل المتخاصمة وبقى كل فريق يطلب النصر لرأيه لا للحق وبذلك اضطرب الحبل وفسدت الأمور واستحلَّ القتال وضعفت الدولة. وهذه صورة يتكرر ظهورها في التاريخ. ومن يتتبع أحوال الفِرَق وأسباب نشأتها وأطوار نموّها وضعفها يعلم أن الخلاف أو الشبهة التي يُبْنَى عليها المذهب ليست إلَّا كبوة عقلٍ واحدٍ في رجل من أصحاب الرأي انساق في آثارها وجرَّ وراءَه أمة من الناس تعصبوا، فأكبُّوا معهُ. ولا بأس أن ننقل هنا كلمة للجاحظ عن إبراهيم النظام رأس الفرقة المشهورة من المعتزلة بالنظامية. قال في كتابه الحيوان ج 2 ص 83 "وكان إبراهيم مأمون اللسان قليل الزلل والزيغ في كاب الصدق والكذب. . . وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه وجودة قياسهِ على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه، كان أمره على الخلاص، ولكنه كان
__________
(*) المقتطف، المجلد 83، ديسمبر 1933، ص: 618 - 620
(2/671)

يظنُ الظنَّ ثم يقيس عليه، وينسى أن بدء أمره ظنًّا، فإذا أتقن ذلك وأيقن جزم عليه وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه، ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت" اه. وهذه صفة رؤوس الفرق جميعًا في كل ملةٍ وفي كل علم.
قدمنا هذه الكلمة بين يدي هذا الكتاب، لأن مؤلفه من علماء الإمامية، وهم فرقة من أهل الإسلام افترقت فيما بعد إلى فرق كثيرة وأصل عقيدتها إمامة عليّ - رضي الله عنه - وبقاؤها في عقبه، وللكلام على الإمامية وتفصيل مذهبها ذيول طويلة ليس هذا موضع ذكرها والذي يهمنا أن هذه الفرقة كان لها في الإسلام شأن عظيم وألّف في الردّ على مذاهب أهلها من الكتب شيء كثير. وقد قرأنا عنها مذاهب عجيبة لا يقرها عقل. ولم يصل إلى أيدينا من كتبهم إلَّا ما قرأناه من النصوص المنقولة عن كتبهم في الرد عليهم فسرّنى كثيرًا أن أرى بين يدىَّ تفسيرًا لعالم من علماء هذه الفرقة، وإن أجد هذا التفسير قد قرّب مسافة الخلف بين ما قرأتهُ عن الإمامية وبين عقيدتى وعقيدة أكثر المسلمين. وهنا لا نجد بدًّا من الإشارة إلى أن أهل الفرق والمذاهب لا يزالون في غفلةٍ عن الحياة. فهم يتقسمون أمرهم بينهم والعدوّ من ورائهم وأمامهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم يعد العدَّة ويتوثب للفريسة الغافلة ولا مخرج للعرب بعد اليوم إلّا أن يرجعوا إلى حكم الله إذ يقول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. ولابدَّ أيضًا من أن يرجعوا إلى كتابهم وسنة رسولهم مخلصين لا يؤولون ولا يحرفون الكلم من بعد مواضعه وأن يتركوا وراءهم ظهريًّا أقوال رؤوس الفرق وأئمتها فإنهم أصل البلاءِ ومادة الشر، ولا حياة لأمة على الأمر الذي لا يحوى الخلاف فيه إلَّا الفرقة والخصومة والشنآن (1) والعداوة المتوارثة ونسأل الله أن يجعل آخر أمر المسلمين والناس جميعًا كأوله ألفةً وارتباطا وصفاءً وعملًا خالصًا لله لا للشهوات والأهواء.
__________
(1) الشنآن: البُغْض.
(2/672)

مقاليد الكتب
1 - ابن خلدون: حياته وتراثه الفكرى
(تأليف محمد عبد الله عنان -مطبعة دار الكتب العربية- سنة 1352 وسنة 1933)
نشأ ابن خلدون في بيت من بيوت المجد قد نزح من الأندلس الجميل إلى تونس الفيحاء، ونما في بيت من العلم والرياسة، والشرف والسياسة، وصبغ بصبغة الجيل الذي عاش فيه، فلما استوى على سوقه وجد ما بين يديهِ من دول الأندلس والمغرب كالنساء الضرائر، لا تفتر واحدة عن الكيد لصواحباتها. وكان صدر هذا الشاب (ابن خلدون) يغلى بأمانيهِ وأوهامِهِ ومطامعهِ، فرأى فيه أهلهُ ومن يحيط بهم من أهل الشرف والرياسة، وهو في سن العشرين، بارقة من النبوغ والعبقرية والسيادة، وتداول الناس أمره حتى سمع بهِ أبو محمد بن تافراكين فاستدعاه لكتابة (العلامة) (1) عن السلطان أبي إسحاق فكان ذلك أول اتصاله بالحياة السياسية في دول المغرب والأندلس، والتي خاض (ابن خلدون) فيما بعد غمرتها وتلظى بها وأصلى فيها أو شبَّ نيرانها، وكان لها في تاريخ حياته أثر بيّن، حبيبٌ حينا وبغيض أحيانًا. ومكث ابن خلدون في عمله هذا حتى نزعت به همته إلى الرحلة من تونس سنة 753 إلى (قَفْصَة) ثم إلى (بسكرة) فنزل ضيفًا على صاحبها (يوسف بن مزنى) ومن هناك قصد الرحلة إلى (أبي عنان) بتلمسان ولكنهُ لم يمض في طريقه حتى لقيه (ابن أبي عمرو) صاحب (بجاية) فصرفه عن أبي عنان وحمله معهُ مكرّما إلى (بجاية) فكان فيها حديث الناس حتى بلغ ذكره (أبا عنانٍ) وكان لهُ مجلس من العلماء فرأى أن يستدعي (ابن خلدون) لما بلغه عنه فحمله على خير محمل سنة 755 وأتمَّ بهِ مجلس العلماء واختصه بالكتابة
__________
(*) المقتطف، المجلد 84، يناير 1934، ص: 109 - 111
(1) ذكر (العَلَامَةَ) الأستاذ عنان في كتابه ولم يفسّرها. وكان الأَوْلَى تفسيرها، لأنها شيء قد دَرَس، قلّما يفهم أحد ما يُعنى بها. والعَلامَةُ عندهم في ذلك العصر هي "الحمد لله والشكر لله" تُكتب في كتاب السلطان أو مرسومه بالقلم الغليظ بين البسملة وما بعدها من الكلام (شاكر).
(2/673)

والتوقيع بين يديه. وكان أصحاب (أبي عنان) من أكثر أهل البلاد حسدًا وغيرة، فكادوا لهُ كيدًا عظيمًا لما رأوا من حظوتِه عن السلطان، فلم يجد صاحبنا بدًّا من التقحم في غمرات الدسائس والمكايد، ولعلها وافقت هوى من نفسه، فبرع في الدس والكيد والتلوُّن وإثارة الفِتن حتى اضطرمت في عهده البلاد نارًا من الفتنة كان هو مثيرها حينا ومطفئها أحيانًا. واستمر أمره على ذلك فيما تقلب فيه من أمر الدول المغربية والأندلسية. وليس سبيلنا هنا أن نترجم لابن خلدون ولكنَّا قدَّمنا هذه الكلمة لما كان للدسائس من الخطر في حياة هذا الرجل، وقد استقصى ذلك الأستاذ عنان في كتابه بإيجاز وعرضه على القارئ عرضًا جميلًا. كان هذا الرجل ذكيًّا قادرًا بليغًا دقيق العبارة جيد الإفصاح عن ضمير نفسه، مشرق الفهم رحب الإدراك، يقع لهُ الأمر من الأمور فيفصّله ويبيّنه ويوضحهُ ويجمع إليه القرائن ويجيد القياسَ بين شيءٍ وشيءٍ مما يحدثُ لهُ أو لغيره من الناس فوضَعَ من ذلك في ذهنهِ شيئًا كثيرًا، هو الذي اجتمع لهُ حين ألّف مقدمته المشهورة في الشرق والغرب، فأخرج فيها من الحقائق، والنظريات والأسس في حياة الدولة ما لم يجمعهُ كتاب عربيٌّ قبلهُ. وما ذلك إلا لأنهُ كان -كما أسلفنا- (بليغًا، دقيق العبارة، جيّد الإفصاح عن ضميره نفسهِ).
وأكثر الناس على أن ابن خلدون هو أولُ من اهتدى -من العرب- إلى هذه الحقائق العظيمة التي أثبتها في مقدمته، فهذا صحيح من ناحية، هي أنهُ أول من دوَّنها جميعها بين دفّتى كتاب، ولكنّي لا أشكُّ أن أهل السياسة والرياسة في الدول العربية في الشرق والغرب كانوا يجيدون ما أجاد ابن خلدون من هذا العلْم، وكانوا يعرفون ذلك حقَّ المعرفة، وهناك أدلة كثيرة على ذلك ليس هذا موضعُ إيضاحها وتفصيلها. وأنا لا أظنُّ أن رجلًا مثل (لسان الدين بن الخطيب) الوزير الأندلسيُّ البارع في السياسة والأدب كان يجهل من هذا ما علمهُ ابن خلدون، بل أرجح الظن عندي أن (لسان الدين) كان على شرف من هذا العلم يكاد يفوق به صديقه ابن خلدون إلا أن ما تهيأ لابن خلدون -من البلاغة التي لا صنعة فيها ومن دقة العبارة ومن جودة القياس، ومن براعة الإفصاح عمَّا يترجرج في نفسه وضميره- لم يتهيأ للسان الدين بن الخطيب فقد كان هذا شاعرًا كاتبًا
(2/674)

بليغًا على أسلوب غير هذا الذي كان لابن خلدون، ولم يكن لسان الدين بأقل من ابن خلدون في إشراق الفهم ورحب الإدراك، ولكنه كان أقلَّ منهُ في القياس بين النظائر التي كانت تحدث لهُ وهو وزير الدولة أو التي كانت تجدُّ في الجوّ السياسي المتلبّد بغيوم من الدسائس والفتن والأهوال الرائحة الغادية على الدولة وأهلها.
نقل الأستاذ عنان، قول جمبلوفتش "لقد أردنا أن ندلل على أنه قبل أوجست كونت، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منهُ أول اجتماعىّ أوربىّ، جاءَ مسلم تقىٍّ فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة وما كتبه هو ما نسميه اليوم علم الاجتماع". واستوقفتنى هذه الكلمات زمنا طويلًا ترامى فيه الفكر، واستيقظ في القلب ذلك الإحساس بالظلم والغبن والتجاهل الذي لقيه الفكر العربي في هذه الأزمان وما قبلها.
إن القرآن نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحيًا لا شكَّ فيهِ، بآيات بيناتٍ فيها حاجة الإنسان المدني العامل الظافر بالسعادتين في الدنيا والآخرة، وكان هذا القرآن مادّة العلم العربي على القرون ومنهُ استقى ابن خلدون وغير ابن خلدون من علماء هذه الأمة الإسلامية ومنه خرج التشريع العظيم الذي ملأ الأرض عدلًا وكان منهُ ما نسميه علمُ الفقه. ففي هذا العلم تجد علم الاجتماع مفرَّقًا في مسائله وأحكامه، ومن رجع إلى كتب الأئمة (المتقدمين خاصة) وجدَ من أُسُس علم الاجتماع ما لا يدعُ شكا في نفس أحد من أن ابن خلدون إنما استخرج أسسه (وأسس غيره مما أتى به في مقدمته) من هذا المورد الذي لا ينفد. ولابدّ من أن نقول إن القرآن أتى بأسس هذه العلوم مختصرة غير مفصلة وإن الرسول في حديثه بين بعضها وترك بعضًا للفكر الإنساني لئلَّا يضيقَ وينحصرَ ويخمد إذا أتاهُ بالتفاصيل كلّها. هذا وليس من المعقول أن يوحيَ الله إلى رسولٍ من رُسله بكل شؤون الحياة مفصلة ولئن فعل، فمن ذا الذي يحفظها، كما حفظ القرآن والحديث؟ !
من العلوم الإسلامية علم مجهول لا تجد فيه إلا كتبًا قلائل مما نجا من عبث
(2/675)

الأيام وجهل علماء المتأخرين بقدره وخطره، ذلك هو علم (القواعد) ألف فيه كثير من الأئمة، وخير ما ألّف فيه كتاب القواعد (للعزّ بن عبد السلام) وكتاب (ابن رجب). ففي هذا العلم تجد من روائع الفكر العربي في علوم الاجتماع والحياة ما يبهرك ويفتنك، وأرجو أن أوفّق قريبًا إلى كتابة كلمات عن هذا في هذه المجلة.
هذا وحقُّ كتاب الأستاذ عنان أكثر من هذه الكلمة، لأنهُ بذل فيه من الجهد في المراجعة والتثبت والنظر ما عهد فيه، ولولا أن أحدنا إذا أمسك قلمه للكتابة انفتحت له الأبواب من كل ناحية، وتطلب كل باب منها مقالة أو أكئر لتركنا النفس على غُلوائها، وعرضنا للقارئ تفصيلا لما أوجز الأستاذ عنان، ووقفنا عند كل ما يثير في النفس أفكارها وآراءَها وخيالها وآلامها من الظلم والغبن والتجاهل التي نزلت بالفكر العربي.
(2/676)

2 - قلب جزيرة العرب
تأليف "فؤاد حمزة" المطبعة السلفية ومكتبتها سنة 1352 - 1933
قام كثير من الأعاجم الأوربيين، وجاسوا خلال الجزيرة العربية، ودرسوا -على قدر ما وفقوا إليهِ- أمر هذه البلاد، وألّفوا في ذلك كتبًا كثيرة تشهد لهم بالفضل والبراعة والسبق إلى ما تأخر عنهُ أبناءُ هذه البلاد وأحبَّاؤها من أحفادها الذين رحل أجدادهم منها إلى بقية البلاد التي تنطق بالعربية الآن كمصر والشام والمغرب وغيرها. وقد وضع بعض العرب كتبًا عن الجزيرة العربية إلَّا أنها لا تفي بحاجة الأمم العربية المتباعدة، ولا تكشف لهم عن سرّ هذه الجزيرة، ولا تقوم صلة بينهم وبينها.
وقد أثار هذا الأستاذ فؤاد حمزة لتأليف كتابهِ (قلب جزيرة العرب) على أتمّ ما رأى من طريقة لتعريف أبناءِ العربية ببلاد العربية، والأستاذ فؤاد أقرب من ننتظر منهُ الإجادة في غرض كهذا لأنهُ عربيٌّ يخلص لهذه البلاد، ثم لأنهُ قد سلخ أعوامًا طوالًا في قلب الجزيرة (بلاد نجد) وفي الحجاز الذي فاء إلى حُكم ابن سعود النجدى، ثم هو قد تقلَّب على رمالها كما تقلب في سياستها وأمور دولتها. فإذا كتب في حال هذه الجزيرة في أيامنا هذه كان أقرب إلى الإجادة ممن يدخلها سائحًا يخرج منها كاتبًا أو مؤلفًا.
وقد بدأ كتابه بذكر طبيعة الأرض العربية، وتكوينها الجيولوجى وما في هذه البلاد من أنهار وبحيرات وغير ذلك من سهولها وجبالها وجوّها وأمطارها وسيولها الكثيرة. وهذا بابٌ واسع جدًّا كان على المؤلف أن يستوفيه لولا ما في ذلك من المشقة والتعنت، والحاجة التي لا تتمُّ من الآلات الحديثة التي يصعب نقلها واستعمالها، وبخاصة إذا كان الذي يقوم بذلك فرد برأسهِ لا أعوان له ولا أنصار. وقد كان من الفرض على الأمم العربية أن تتعاون على ذلك، إلا أن المآرب السياسية قد عاقت ذلك وأخَّرته إلى أجل نسأل الله أن لا يجعله بعيدًا. ثم أتبع
__________
(*) المقتطف، المجلد 84، يناير 1934، ص: 111 - 112
(2/677)

هذا بالكلام على الحالة الاجتماعية في الجزيرة، وهذا كسابقه مما لابدَّ لهُ من التوسع حتى يقع في مجلدات ولكن المؤلف أوجزه على خير ما يكون الإيجاز وعرض فيه للقارئ أهم ما يفكر فيه أو يخطر على باله وأجاد في ذلك إجادة الخبير الذي شاهدَ وسمعَ وفهمَ كل ما شاهدَ وما سمع بعين عربية وأذن عربية وقلب عربيّ، ونقول ذلك لأن كثيرًا ممن كتبَ من الأعاجم إنما رأى بعين أعجمية وسمع بأذن أعجمية وتلقف ذلك بقلب أعجمى حتى كثر الخطأُ في كلامهم، ثم لأن السياسة كان لها يد ورجل أيضًا فيما كتبوا ودوّنوا من شؤون هذه البلاد الاجتماعية والسياسية.
ويلى هذين البابين، باب قد استكمل بهِ المؤلف نقصًا كبيرًا في فرع من علوم العرب ألا وهو "الأنساب". فإن علم الأنساب (أنساب القبائل وغيرها) كان من أهم ما امتازت بهِ الأمة العربية، وقد ألف المتقدمون في ذلك الكتب المطوّلة، واستقصوا فيها أنساب العرب قبيلة قبيلة وبطنًا بطنًا وفخذًا فخذًا ولم يتركوا صغيرًا ولا كبيرًا في هذا الباب إلا ذكروه، ففي هذا الباب حشد المؤلف ما في الجزيرة الآن من القبائل وفروعها على قدر ما أتيح لهُ، وتوثق لذلك من أهل البلاد وعلماء الأنساب فيها وردَّ ما استطاع من هذه القبائل إلى أصولها من القبائل العربية الأولى، وبذلك وصل بين هوَّتين في تاريخ النسب العربيّ، وكان أسبق من أخرج للناس هذه الأنساب التي أهملها مؤرخو هذا العصر. فلما انتهى المؤلف من التعريف بالقبائل التي تسكن البادية العربية الآن أوجز تاريخ الحكم الذي مرَّ بهذه الجزيرة حتى انتهى إلى الدولة القائمة الآن - دولة عبد العزيز بن السعود وآله.
هذه ترجمة ما في الكتاب من العلم، وبقى علينا أن نقول الكلمة في قدر هذا الكتاب وغيره من الكتب التي من بابته. فالأُمم العربية الآن تمزقها السياسة الاستعمارية التي تتولى كبرها وتحمل أوزارها أمم الأعاجم من الأوربيين. وقد بلغوا مبلغًا عظيمًا في التمزيق والتفريق بالدسائس حينًا وبالتعليم الفاسد حينا، وبالنكبة القاصمة التي تدفَّق علينا سيلها وسماها الناس الجنسيات وتهافتوا عليها كما يتهافت الفراش على حتفه من النار. ولابدَّ للأمم العربية فيما بين الصين إلى
(2/678)

أقاصى الغرب أن تعلم أن الجنسيات فتنة لا يراد بها إلا الشرَّ للعرب أولًا وللشرق الغنى ثانيًا، أن تعلم أن حياتها في النصرة والتعاون والتآزر، وأن تعلم أن لا حياة لواحدةٍ منها ما دامت الأخرى لا تزال على (المشنقة) الاستعمارية، وأن تعلم أن لا سبيل إلى الحرية إلَّا بالعلم الإنسانيّ الذي يتلقفهُ قلبٌ عربيٌّ ليبقى عربيًّا لا ليتحوَّل من عربيتهِ إلى أرجوحة بين العربية والأعجمية. وما من سبيل إلى ذلك إلَّا بإيقاظ الإحساس العربيّ في كل قلب، وعقد الآمال على المادة العربية والمجد العربي، وما من سبيل إلى إيقاظ هذا الإحساس إلا بالتعارف والتكاشف، وسبيل التعارف الآن هي هذه الكتب التي تكشف للعرب عن خفايا بلادهم وتصل ما تقطَّع من أواصرهم بالمعرفة وفي المعرفة المحبة، وفي المحبة التآلف، وفي التآلف التناصر، وفي التناصر الحرية والاستقلال.
وهذه الجزيرة العربية -على ما فيها من الضعف- هي مادة هذا التناصر، وهي مهوى قلوب الأمم العربية والإسلامية وهي معقدُ الآمال، وهي حصنُ العرب وإليها تحشد القوى الأعجمية وتدبر الدسائس، وفيها تلقى الفتن، وتوقد نيرانُ العداوة بين أهليها. . . لأن الأعاجم الأوربيين يعلمون من ذلك ما يتجاهله أبناء العربية أو ما يتورطون في تجاهله وإنكاره. فعمل الأمم الناطقة بالعربية على التعارف والتكاشف هو عملها إلى الحرية والمجد والظفر بالأماني والآمال.
(2/679)

الينبوع
نظم الدكتور أحمد زكي أبي شادى
في أواسط القرن الرابع بدأ الشعر العربي ينزل درجات، وكان في سقوطه يتحسن بأثواب من جمال اللفظ يوارى بها سوآته ويستر عُرَرَه، وكان الشعراء يتعملون في استخراج أنواع من البديع والاستعارة والمجاز والإشارة واستوفوا بذلك غاية بعيدة في تركيب الألفاظ وترتيب الكلام. وبقى الشعر يسفل بعد ذلك حتى نجحت في القرن الماضي طائفة من الشعراء ردَّت إليهِ شبابه، وأعادت عليهِ جدته. إلَّا أن هذا الشعر لم يكن بالذي يرضى هذا الجيل الحاضر من الأدباء، فخرج عليه جماعة ممن تثقفوا بآداب الأعاجم من دول أوربا فبدأت هذه الجماعة تبتدع لنفسها طريقة في الشعر وذلك بإجادة المعاني وتحسينها وتحقيقها والتوسع في النظر إلى أوائلها وأواخرها وتابعها ومتبوعها وعلاقاتها بالنفس وآثارها في القلب إلى غير ذلك من الأغراض. ثم ترى بعضهم قد أهمل اللفظ واستجادته واختياره، ولم يلقوا بالًا إلى الصيغ العربية التي لا يفهم الكلام إلَّا بها، ولا ينعقد المعنى إلَّا عليها. وأغلب الظن أنهم يظنون أن هذه العبارة التي ينشئونها تؤدي المعنى الذي أرادوه، فيلقون بها دون روية أو تثبت، فإذا جاء القارئ ليفهم الكلام على عربيته لم يخرج بشيء ولا يجدى عليه إلَّا أن يتوهم مراد الشاعر توهمًا. غير أن الحقيقة التي لا ينكرها أحد أن كثيرًا من هؤلاء الشعراء قد انطوت أشعارهم على كثير من جليل المعاني ولكنهم أفسدوها بضعفهم في البيان وقلة عنايتهم بالأساليب العربية الجميلة التي يطابقون بها لين المعنى الذي أرادوه والصور التي تنشئها هذه الأساليب في ذهن القارئ البصير. ونحن لا نرى للشعر معنى إلّا بهذه المطابقة بين المعنى المراد والأسلوب المتخذ أداة للتعبير عنه، وإلَّا فإن المعاني الشعرية لا تزال قائمة في أنفس الشعراء من أول عهد الإنسانية إلى هذا اليوم، ولا يتقدم شاعر على شاعر إذا تساويا في المعاني، إلَّا بالبصيرة البيانية النافذة التي تقع بهِ على الألفاظ والأساليب التي تطابق المعاني القائمة في نفسهِ.
__________
(*) المقتطف، المجلد 84، مارس 1934، ص: 380 - 381
(2/680)

هذه كلمة موجزة أردنا أن نقدم بها لذكر ديوان صديقنا (الدكتور أحمد زكي أبي شادى) الذي سماه (الينبوع). ورأيي في شعر أبي شادى أنه جيد المعاني، فربما أراد هذا الشاعر معنى جليلًا ولكنهُ لا يأخذ نفسهُ بالمطابقة بين المعنى الذي أراده والأسلوب الذي يعرضه فيه، وهو يعلم ذلك في شعره فيحتج له ويدافع عنه. ولعلّ الرافعي أراد ذلك حين قال في كلمة سمعتها منهُ أن أبا شادى (مبتدع طريقة). وذلك أن أبا شادى قد صار في شعره على وحي الخاطر (كما يقولون) دون التنقيح والتصفية والاختيار وجعل هذا مذهبًا من المذاهب التي يسلكها الشعراء. وأنا لا أفتات على الرافعي في مراده من هذا الوصف. ولكن ذكرتهُ كما سمعته فإن أخطأت في تأويلي فذلك مِن قبَلى لا مِن قِبَله.
هذا وقد قرأت ديوان أبي شادى الجديد فوجدت فيه نفسه بنشاطها، وقلبه بشبابهِ، عقله بتوثبهِ، وعلمه بتنوعهِ، فهو أكثر شعرائنا استخراجًا للمعاني ولأغراض المعاني. وأنت إذا أخذت أحد دواوينه أعجبك من شأنه هذا التنوع في الأغراض التي يرمى إليها بشعره، وهو في هذا كثير المعاني الجيدة، وقد تقع له الألفاظ العالية والتراكيب القوية مما يدلنا على أنه لو توفَّر على الأخذ بأساليب لغته لأخرج لنا في الأدب العربي أدبًا باقيًا قويًّا ناضرًا جميل الظاهر والباطن.
ويجدر بنا هنا أن ننقل كلمة للجرجانى في الوساطة فهو يقول عن نظم الشعر ونقده "وملاك الأمر في هذا الباب خاصة، ترك التكلف، ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه، والعنف بهِ، ولست أعني بهذا كل طَبع، بل المهذب الذي قد صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة. وأُلْهِم الفصلُ بين الردئ والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح". فهذه الكلمة نسوقها إلى الشعراء، فإن الشعر إذا كان متكلفًا في استجادة اللفظ واختيار المعاني لم يكن شيئًا، وخير الشعر هو المرسل على سجيةٍ، الآتي مِن طَبْع، ولكن شرط الطبع والسجية هو هذا الذي قاله الجرجانى في كلمتهِ، ولو اجتمع هذا لشعرائنا لكان لنا من شعرهم فنٌّ تستروح له القلوب وترف عليه الأرواح.
(2/681)

النثر الفني في القرن الرابع
تأليف الدكتور زكي مبارك: جزآن.
مطبعة دار الكتب المصرية سنة 1352 يطلب من المكتبة التجارية
مما ابتُلى بهِ النُقَّاد في هذا العصر كثرةُ الكتب وضيق الوقت فما أظن أن ناقدًا ينصف نفسه وقرّاءَ كلامهِ يدّعى أنهُ حين يضع بين يديه كتابًا كالنثر الفني الذي نتكلم عنه بعدُ، ويأخذ في قراءَته وتتبُّعه يستطيع أن يكتب عنهُ كلمة وافية في ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين، ثم هو بعد ذلك لا يستطيع أن يجعل كل ما يريد أن يقوله في صفحات ثلاث من مجلة كهذه المجلة، فربما كانت كلمة واحدة مما عرض في الكتاب تستنفد في نقدها أو نقضها كلمات تضيق بها عشر صفحات. هذا ما تردد في نفسي حين حملت القلم لأكتب عن كتاب النثر الفني في القرن الرابع.
ولا يعنيني في هذه الكلمة أن أقول إن في الكتاب كيت وكيت من الأبواب والفصول فإن المطابع قد سهلت على كل أحد أن يطلع على ما شاء من الكتب مبتذلها وعزيزها، وإنما يعنينى أن أقول كلمة عن أهم ما عرض في هذا الكتاب من الآراء التي ينبغي للقارئ أن يمحصها قبل أن يأخذ بها أو يعتقد في نفسه أمرها أو صحتها.
فمن أوَّل ذلك قول المؤلف في ص 33 من الجزء الأول "هل كان للعرب نثر فني في عصور الجاهلية، وهل كانوا يفصحون عن أغراضهم بغير الشعر والخطب والأمثال؟
"لقد اتفق مؤرخو اللغة العربية وآدابها كما اتفق مؤرخو الإسلام على أن العرب لم يكن لهم وجود أدبى ولا سياسي قبل عصر النبوة، وأن الإسلام هو الذي أحياهم بعد موت ونبههم بعد خمول. وهذا الاتفاق يرجع إلى أصلين: فهو
__________
(*) المقتطف، المجلد 84، إبريل 1934، ص: 511 - 514
(2/682)

عند مؤرخى الإسلام والمسلمين تأييد لنزعة دينية يراد بها إثبات أن الإسلام هو الذي خلق العرب خلقًا وأنشأهم إنشاءً، فنقلهم من الظلمات إلى النور، ومن العدم إلى الوجود. وهو عند مؤرخى اللغة العربية، وآدابها يرجع إلى الشك في كثير من النصوص الأدبية التي أُثرت عن العرب قبل الإسلام من خطب وسجع وأمثال".
ولا أريد في هذه الكلمة أن أعترض على صاحب الكتاب في وصفه النثر بقوله (الفني) ولا أن أطالبه بحكمة هذا الوصف وإن كنت قد جهدت أن أجد لها معنى يقوم عذرًا لهُ في وضعها فأعيانى الطلب. والواقع أني قرأت الكتاب فلم أعثر فيهِ على حدٍّ أو تعريف لما سمَّاه النثر الفني، وكلما أردت أن أجمع له حدًّا أو تعريفًا من معنى كلامهِ وجدت في غيره من معاني كلامه ما يتفارط عنده ما جمعت لهُ من الرأي. وكان صواب التأليف غير ذلك، لأنهُ جعل هذه الكلمة (النثر الفني) موضع الجدَل بينه وبين خصومه في الرأي من المستشرقين ومن تابعهم في هذا الشرق العربي. وما يقوم الجدل عليه ويقصد القول فيه، لا يصح أن يكون موضع شك أو غموض أو إبهام أو اضطراب.
يقول صاحب الكتاب "هل كان للعرب نثر فني؟ " ونحن نجيب عن هذا السؤال بما نضمنه ما نوافقه فيه وما نخالفهُ عليهِ. فقد كان العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلَّا قليلًا من أهل المدن كمكة والمدينة (يثرب قديمًا) وأطراف اليمن ومشارف الشام ونواحي الحيرة، وهؤلاء الكتاب لم يكن لهم تأثير بيّن في الأمة العربية لأن جماعة العرب لم تكن لذلك العهد (قبل الإسلام) تعرف الكتابة والخط ولا كان من همهم ذلك، ولو افترضنا أن هذا العدد القليل الذي وصف بالكتابة كان يكتب وعنينا أنهُ كان يؤلف، بقى الأمر على ما هو عليهِ إذ كانوا -على ذلك- يؤلفون لمن لا يقرأ ولا يكتب. ومع هذا فقد كان العرب يتخذون الكتابة في بعض الأغراض كالعهود والرسائل العظيمة الخطر كالذي يروون مما كتبه لقيط بن يعمر الإيادىّ إلى قومه إِياد بالحيرة يحذرهم كسرى (سابور ذا الأكتاف) وكان قد أجمع على غزو إيادٍ فأرسل لهم لقيط -وكان كاتبًا بديوان كسرى- قصيدتهُ المشهورة التي يقول فيها:
(2/683)

يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غُيُرًا ... على نسائكم كسرى وما جمَعا
قوموا قيامًا على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأَمْنَ مَن فزعا
ويقول في آخرها:
هذا كتابى إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيهُ منكم ومن سمعا
وقد ورد في ذكر العهود المكتوبة شعر جاهلى كثير منه قول الحارث بن حِلّزة اليشكرى في الحرب التي كانت بين بكر وتغلب.
واذكروا حلف ذي المَجاز وما قُ ... دِّم فيه العهود والكفلاءُ
حَذَرَ الجور والتعدى وهل ينقُ ... ضُ ما في المَهارق الأهواءُ
ويعني بالمهارق كتب العهود والمواثيق التي كانت بين بكر وتغلب أيام الهدنة والصلح.
فنحن لا نستطيع أن ننكر أن العرب كانوا يكتبون ويتراسلون في بعض الأحايين، ولكننا نستطيع أن ننكر أنهم كانوا يصنفون الكتب ويؤلفون الرسائل في الأغراض الكثيرة. ويجب على المفكر في هذا الأمر أن يعلم أن كلام العرب في محاوراتهم ومجالسهم وخطهم كان هو الكلام المتخذ في الرسائل والعهود وغير ذلك إذ أن هذه اللغة العربية التي بين أيدينا والتي نزل بها القرآن والتي كان يتكلم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضي الله عنهم كانت إلى القرن الثاني والثالث من الهجرة تؤخذ من أفواه العرب البداة. فلا يعقل بعد ذلك أن يكون في الجزيرة العربية كُتاب قد تفرغوا للكتابة حتى نسأل هل كان هناك (نثر فني) أو لم يكن فإن هذا السؤال يقتضي أن يكون في الجزيرة فئة قد تجردت للكتابة فعلت على غيرها من عامة الناس في الأسلوب البيانى. هذا والرسول نفسهُ - صلى الله عليه وسلم - كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وكان يعد أفصح العرب، وكان من أصحابهِ من يجيد الكتابة كعُمَر وعلىّ وزيد وعثمان رضي الله عنهم ومن يتدبر هذا يجد أن النثر على المعنى المعروف عندنا لم يكن مما تتطلبهُ العرب وتتفرغ له وتتفوق فيه وإنما كان كلامهم كله مرسلًا على سجية واحدة إلَّا الشعر فإن الذي ميزه هو الوزن والقافية.
(2/684)

أما قول صاحب الكتاب أن مؤرخى الإسلام اتفقوا على أن العرب لم يكن لهم وجود سياسي أو أدبى قبل النبوة فهذا قول مرسل لا حد له، وهو كلام لم يقل بهِ أحد من العلماء وإنما كانوا يعنون بما يصفون بهِ العرب من الجهل والضلال ما يتصل بأمر الدين والتوحيد وإلَّا فإنهم قد استشهدوا في تفسير القرآن نفسه بنوع من كلام العرب وهو الشعر. أما المسألة السياسية والكتلة الدولية فإنهم يعنون بذلك أن لم تكن أمة متآزرة ذات حكم واحد وسيادة متصلة من أعلى الجزيرة إلى أسفلها بل كانت قبائل متنازعة يأكل بعضها بعضا حتى جاء أمر الله ونزل القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون مبشرًا ونذيرًا وهاديًا إلى الله بأمره وسراجًا منيرًا فألّف بين قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا وقاتلوا في سبيل الله حتى فتحوا الأرض واستولوا على ملك كسرى وقيصر. وليس في هذا موضع للجدال. . . ولا اتفاق -كما يقول صاحب الكتاب- يرجع إلى أن مؤرخى الإسلام يقولون ذلك تأييدًا لنزعة دينية يراد بها إثبات أن الإسلام هو الذي خلق العرب خلفا وأنشأهم إنشاءً فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن العدم إلى الوجود. . . هذا على أن القرآن قد أخرج العرب حقيقة من الظلمات إلى النور.
ثم إن المؤلف أراد بعد ذلك أن يجعل القرآن أثرًا جاهليًّا "فإنه -نسأل الله المغفرة- من صور العصر الجاهلى، إذ جاء بلغته وتصوراته وتقاليده وتعابيره" ص 38 فلو كان ذلك كذلك فما فعل القرآن بالعرب حتى أخرجهم من الظلمات إلى النور وكيف يجئ ما هو من عند الله مطابقًا لتصورات العرب وتقاليدهم على ما فيها من الطبيعة البشرية الضعيفة الهالكة الجاهلة. وهذا القرآن الذي يعدهُ صاحب الكتاب أثرًا جاهليًّا هو الكتاب نفسه الذي أعجز عرب الجاهلية جميعًا وتحداهم وطالبهم وسخر منهم ووضع من آلهتهم وحقرها وأثار أحقادهم وأضغانهم. ولو كان هذا القرآن قريبًا من كلامهم أو شبيهًا بهِ لما عجز بعض بلغائهم عن الإتيان بمثل سورة من سورهِ كما طالبهم بذلك وتحداهم. ونحن لا ننكر أن كل ما في القرآن من لفظ إنما هو من ألفاظ العرب كما أن أكثر ألفاظ كتّابنا الآن بل كتّاب القرن الرابع الذي يتكلم عنه صاحبهُ إنما هي ألفاظ عربية،
(2/685)

ونحن لا نعدُّ أسلوبنا أو أسلوب القرن الرابع في النثر مقاربًا أو شبيهًا بالنثر الجاهلى فكذلك القرآن من النثر الجاهلى بهذه المنزلة، فألفاظ القرآن هي الألفاظ العربية ولكن نظمه وسياقه وبلاغته ومواقع كلماته المعجزة لا صلة بينها وبين أي كلام من كلام البشر في جاهلية أو إسلام.
ولماذا يعدُّ صاحب الكتاب هذا القرآن من النثر الجاهلى، ويتخذه دليلًا على وجود النثر في الجاهلية مع أن الحديث النبوي وكلام الصحابة المرويّ بالأسانيد الصحيحة الثابتة هو أقرب في الأدلة وفيهِ بغية صاحب الكتاب. فأنت إذا قرأت السيرة وجدت كثيرًا من كتب الرسول إلى القبائل والأمم ووُلاة جيوشهِ ووجدْت أكثر من ذلك في كلام أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وغيرهم من أهل الجاهلية الذي أسلموا واتبعوا الرسول النبيّ الأميّ - صلى الله عليه وسلم -.
القرآن كتاب الله، فإذا أردنا أن نبحث عن الأدلة عن النثرِ الجاهليّ فهو في كلام الصحابة والرسول نفسه.
هذا ونحن نعتذر إلى القراءِ عن تقصيرنا في الكتابة عن كتاب النثر الفنيّ فإنّ لهذا موضعًا آخر إن شاءَ الله.
(2/686)

مقاليد الكتب
1 - ديوان عبد المطلب
قامت بطبعه ونشره مطبعة الاعتماد سنة 1934 وقف على طبعه الأستاذ محمد الهوارى وشرحه وصححه الأستاذان (إبراهيم الأبياري) و (عبد الحفيظ شلبي)
كان عبد المطلب -رحمه الله-على كثرة ما يعاودهُ من الأمراض- فتيًّا تسمع لحديثه رنّات مجلجلات كأنما يتكلم وحده في بيداءَ تتداعى أصداؤها، وكانت الكلمات العربية الخالصة تتحدّر من لسانِه ومن بين شفتيهِ وعليها ميسم العرب الخُلَّص إلَّا في قليل من الحروف، وذلك القليل هو حرف (الضاد) فإني كنت أسمعهُ ينطقه على لهجتنا (أعني أهل مصر) كأنهُ دالٍ مفخمة (1)، وكان الرجل في إحساسه بوداد أصدقائه كأنما خلقت أعصابه كلها من المادة التي يُخْلَق منها القلب الرقيق الوفيُّ، ولذلك كان أهون الناس عداوة على الرغم مما ترى من شدتهِ وجفائهِ في الخصومة، ولذلك أيضا كان أحسن الناس تقديرًا لمعاصريه من الأدباء لا يداخله في ذلك حسدٌ. هذا الإحساس الرقيق وحده كان هو موضع الشعر في عبد المطلب، فإذا صعب على أصحابنا من الأدباء أن يعدُّوا شعر عبد المطلب كله من عالى الشعر في هذا العصر، فليس منهم من يستطيع أن ينسى أن رجلًا من الرجال اسمهُ عبد المطلب رحمة الله عليه كان كما خلق إنسانية من الشعر لا إنسانًا من الشعراء.
وأنا حين أقرأ شعر عبد المطلب لا أشك ساعة في أمرين. أما أحدهما: فكون هذا الشعر ليس من النمط العالى الذي تقوم بهِ البلاغة العربية في هذا العصر وإن كان هو من حيث العربية وعلومها من جيد الكلام وجزلِه ورصينهِ ومحكمهِ.
__________
(*) المقتطف، المجلد 85، يوليو 1934، ص: 114 - 115
(1) أما النطق العربي الصحيح (للضاد) فهو قريب الشبه بالظاء مع اختلاف المخارج فإن مخرج الضاد من أول حافة وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسر وهذا الحرف يستطيل في النطق به حتى يتصل بمخرج اللام وهو الحرف الوحيد الذي يسمى (المستطيل) لما فيه من القوة بالجهر والإطباق والاستعلاء. (شاكر).
(2/687)

فإن اتساع الفكرة في هذا الزمن ثم بساطتها ثم خفاءِ موضع الفلسفة العالية فيها، ثم تغلغل النظرة الفلسفية إلى أعماق الحقيقة الحية في الكون هو رأس ما يمتاز بهِ كبار الأفذاذ والبلغاءِ في عصرنا هذا. وهو النوع الذي لم تعرفهُ العربية إلَّا في القليل من شعرائها، وفي القليل من شعر هؤلاء الشعراء. وليس في العربية من هذا النوع إلا معجزتان: إحداهما القرآن، والأخرى ما صحَّ من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ففيهما وحدهما تبلغ الفكرة في نفسها، ثم بتعبيرها وألفاظها، ثمَّ بشمول معانيها لجميع الحقائق الواشجة بها، ثم بسريانها من ألفاظها وكلماتها مسرى الرَّوْح العطر في جوّ السَّحَر، ثم فوق ذلك كله البساطة واللين والتقارب والتعاطف بين هذه المعاني كلها -نقول يبلغ هذا كلهُ مبلغا يكون منه ما هو كنسيم الجنة في طيبه ونعمته، ويكون منه ما هو كحزّ المواسى في علائق القلوب، ويكون منهُ ما هو كالنار تستعر وتتلذع، ويكون منهُ ما ينتظم البنيان الإنساني البليغ المتفهم فيهزُّه هزّ الزلزلة أعصاب الأرض وبهذا كان القرآن معجزًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبمثله كان حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو ذروة البلاغة البشرية التي تتقطع دونها أعناق الرجال ..
* * *

أما الأمر الآخر الذي لا أشك فيه حين أقرأ شعر عبد المطلب، فهو هذه الحياة التي تترقرق في شعره وإن كان هذا الشعر نفسهُ على النمط الذي يسمونه (التقليدي)، فهو يصف الإبل ويتغزل لافتتاح القصيدة ثم يتخلص من غزلِه إلى المدح أو أي غرض كان من أغراض الشعر إلى غير ذلك من الملامح التي يحفظها هذا الشعر الحديث لشعر آبائنا رحمهم الله في عصورهم الماضية. فالعجب أن يكون عبد المطلب وهو الرجل العربي الذي احتفظ بعربيته في القرن العشرين يحاكى شعر أجدادنا وأجداده ولا يخرج الشعر من فكره فاترًا ميتًا بل يخرج وهو يتحرك وينبض وكأنهُ شعر عصره الذي كان يمكن أن يقال فيه هذا هو العجب. وهو عندي الدليل الوحيد على ما كان في نفس عبد المطلب رحمة الله عليه من أسباب الشعر ومادته الحية.
(2/688)

فكانت مقدرة هذا الرجل الشاعر في نقله صورة من القرون الماضية وحياتها إلى القرن العشرين. . . نقل هذه الصورة ولم يدعها كما أتته بل أرسل فيها من شاعريته، ما أحياهما ونفخ فيها الروح حتى لا يشك المرءُ في أنها لا تزال حية بين يديه مع اختلاف الأزمان عليها وتطاول العصور بها. ومن هنا كان يسمى نفسه بالشاعر البدويّ لأنهُ هو الذي استطاع في شعره أن يعطينا صورة حية من إنسانية قد مضت ونفذَ بها الأجل في ثوب من العربية الفصيحة التي لا عجمة فيها ولا فساد.
* * *

هو هذا الشاعر البدوي كما بدا لنا قبل أن نقرأ ديوانهُ مجموعًا وبعد أن قرأنا ديوانهُ مطبوعًا فمن شاءَ أن يختار لدراسة الشعر القديم أستاذًا يهديه فليرجع إلى ديوان عبد المطلب فسَيَسْهُل عليهِ بعد ذلك أن يحسَ بجمال الشعر البدويّ حين يقرؤه لامرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية ومن جاءَ على آثارها. وليعذرنا القارئ إذا بدا له أنّا لم نختر لعبد المطلب ما نثبته في هذه الكلمة، فإن باب الكتب في هذا الشهر لا يحتمل أكثر مما كتبنا، وليرجع إلى الديوان نفسه وليقس على ما قلناهُ فسيجد ذلك صوابًا - إن شاءَ الله.
(2/689)

2 - مرشد المتعلم
تأليف السير (جون آدمز) أستاذ التربية بجامعة لندن سابقًا -وترجمة الأستاذ (محمد أحمد الغمراوى) خريج المعلمين العليا وجامعة لندن والمدرس بكلية الطب- من مطبوعات لجنة التأليف والترجمة والنشر بدار الكتب المصرية سنة 1934
الأستاذ الغمراويُّ كما عرفتهُ من سنين رجل موفق فيما يتعمده من الأمور، مرَتَّبُ الحديث كأنما يحدثك عن كتاب، واسع الفكرة بسيطها حتى ليخيل إليك أحيانا يتكلَّمُ بكلام يتداولهُ الناس لا عمل للفكر الدقيق فيهِ، ولكنك إذا راجعت نفسك فيما تسمع رأيت التوفيق معانًا بالترتيب، مقدَّرًا بالفكرة، محفوفًا بالبساطة والحرية والجمال. وإذا أردت أن تتبيَّن ما وصفنا لك فاقرأ كتابًا يؤلفهُ رجلٌ يدرّس الكيمياء ويريق عليها من شبابه، في باب يتباعدُ ما بينهُ وبين الكيمياء وهو الأدب. اقرأ كتابهُ الذي ألّفهُ في رد الرأي الذي أذاعهُ الدكتور طه حسين عن الشعر الجاهلي فسترى كيف (يحلل) هذا الكيميائى كتاب الدكتور طه ويصنف لك في (تحليله) أنواع الجراثيم الفكرية التي وقعت فيهِ، ويقيدها لك بسلاسل من العلم، ويضع لك الدواءَ الذي يذهب بها ويميتها ونحن لا نقول هذه الكلمة لننتصر برجل على رجل، بل نقولها لأن الحقيقة تفرض علينا أن نقول ذلك وأن ندعو -ما تعرَّضت الفرصة- إلى قراءَة هذا الكتاب الذي لا غنى لأحد من الأدباء عنهُ لأنهُ هو الكتاب الذي أدخل في الأدب دقة التحليل الكيميائى ومزج بين الفكرة العلمية المتلبّثة المتَثَبّتَة وبين الفكرة الأدبية الخيالية الجامحة وأخرج منهما (مزيجًا) شافيًا لما انتشر عندنا من الأمراض الأدبية الكثيرة.
قلنا إن الغمراوى رجلٌ موفق فمما رأينا من توفيقه اختياره كتاب (مرشد المتعلم) للترجمة فإن المتعلمين في مصر وغيرها من بلاد العربية بل الذين يعدُّون أنفسهم من شيوخ المثقفين وكبار النابغين! ! هم أحوجُ الناس في الإرشادِ إلى مثل هذا الكتاب. ولعلّ كثيرًا من الذين يسمعون قولنا هذا أو يقرأونه يكبر عليهم أن
__________
(*) المقتطف، المجلد 85، يوليو 1934، ص: 116 - 117
(2/690)

يكون ذلك كذلك. ولكن هذه هي الحقيقة لا تحجبها عنا إلَّا كبرياء النفس المتعالية. لقد كان القدماء من آبائنا رضوان الله عليهم يتخذون من شيوخهم أمثلة يسترشدون بها، وكانوا أقدر منا على ذلك لشدة تعلق الطالب منهم بشيخه من العلماء فهو يتشبه به ما استطاع، يسأله عن أشياء من صغائر العلم وأدب طلبه، يستحي أحد طلبتنا الآن أن يسأل عنها أباه أو أخاه أو أستاذه. ثم أن العلماء من المتقدمين كانوا يعمدون إلى طريقة بارعة في التدريس وهي التي يسمونها (التوقيف) ومعناها أن يدلَّ الشيخ ولده أو مريدهُ من الطلبة على أصول الشيء الذي يتلقاه عنه ويبسطها له ويدربه عليها، ثم يتركه يقيس عليها ثم يصحح له قياسه إن أخطأ. ولا يذهبنَّ بأحد أن هذا يشبه ما يسمونه الآن (بالتطبيق) فإن الفرق بينهما بيّن وليس هنا موضع تفصيل ذلك.
فهذا التوقيف الذي كان يقال في الأيام الماضية، لا يقيد بالكتاب قد جاء في كتاب السير جون آدمز طرف بارع منه حاوٍ لأكثر ما يحتاج إليه المتعلم صغيرًا وكبيرًا أو كما يقولون (من المهد إلى اللحد)، فهذا هو الباب الأول من التوفيق في ترجمة هذا الكتاب.
ثم يلى ذلك الباب الثاني من التوفيق وهو في طريقة الترجمة، فإن المترجم حين تعرض لها لم ينسَ ما ينساه جمهرة المترجمين في هذا العصر، وهو مقدار التخالف بين الأمة التي ألف لها ثم فيها الكتاب وبين الأمة التي يترجم لها وفي بلادها هذا الكتاب بعينه. وهذا أمر حتم على كل من يتصدّر للترجمة، فربّ مضرة استجلبها المترجم على قارئ كتابه بنسيان مقدار هذا التخالف بين الأمتين. ولكن الغمراوى أمسك المفتاح بيده وأداره في الكتاب كله فتسنت له وللقراء من بعده مغاليق الرأي، وكانت الفائدة أجل وأعظم وأوفي. وسيرى قارئ الكتاب حين يتمشى في صفحاته المثمرة كيف وفق الغمراوى كل التوفيق حين ترجم هذا الكتاب.
أما التوفيق الثالث فهو أسلوب المترجم في كتابه وهذا أمر يفرغ من الاقتناع به كل من يقابل صفحات من الأصل الإنكليزي بأخواتها من الترجمة.
(2/691)

أما خير ما وفق إليهِ المترجم فهو الفصل الأخير وهو الملحق بالفصل السابع من أصل المؤلف وفيه ذكر كتب المراجع في العربية. وذلك أن الفصل السابع عند مؤلف الكتاب كان في كتب المراجع الإنجليزية فاستدرك الغمراوى ما يفوت غيره واستوفى بابًا هو أول ما رأيته مما كتب عن المراجع التي يحتاج إليها طالب العلم العربي. لم يترك مؤلف هذا الفصل بابًا من أبواب العلم العربي المتداول بين الناس إلَّا ذكر لك فيه طرفًا من الكتب الأولى التي لا يستغنى عنها متعلم أو متخصص في علم بعينه. ونحن لو ذهبنا نستقصى توفيق هذا الرجل في ترجمة كتابه أولا ثم في الفصل الملحق، وذكرنا من الحوادث والأخبار التي تذكرناها حين قرأنا في فصوله، مما يدل على حاجة كبار المثقفين منا إلى الاسترشاد به لأدخلنا الضيم على صفحات نقد الكتب من هذه المجلة. فقصارى ما نعمل هنا أن نحمل شكر الأمة العربية إلى هذا المترجم البارع ثم نسأل الله أن يزيده فيما هو بسبيله توفيقًا وهدى، وأن يهدي قراءنا وأدباءنا إلى الاستفادة من (كتاب مرشد المتعلم) فإن فيه -إن شاء الله- رى النفس، وهدى العقل، واطمئنان القلب إلى طريقة محكمة في التحصيل والتفكير.
(2/692)

3 - مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام
تأليف الأستاذ محمد بن عبد الله عنان. طبعة ثانية بدار الكتب المصرية سنة 1352 - سنة 1934
ظهر هذا الكتاب من عدة سنوات فلقى من الانتشار وأُلقى عليهِ من المحبة ما لا تبلغه كثير من الكتب العربية التي تطبع في بلادنا. وسبب ذلك على الأرجح ما لهذا الغرض بعينه من الشوق في قلوب الناس من أهل الشرق. فطغيان الحياة الأوربية التي تنقل إلينا على ظهور البواخر كل يوم وعلى ظهور الآدميين وعقولهم وشهواتهم بما فيها من الفساد والضعف والانحلال، وبما فيها من العلم والقوة والنبوغ أيضًا، .. هو من أهم ما يحفز أكثر المثقفين المفكرين إلى درس المواقف التي كانت سبب التحاجز بين أمم الغرب والأمة العربية المسلمة، تلك المواقف التي جعلت للتاريخ الإسلامي صورة ينساها أبناء الإسلام، ويحقق النظر فيها علماء الأمم المسيحية ليأخذوا منها العبرة الباقية على مدى العصور واضحة جليلة مفصحة مبينة.
المواقف الحاسمة التي وقفت من سيل المسلمين بدينهم ومرَّنت الأمم المسيحية على خُلُق المسلمين وآدابهم وعاداتهم وشيء من دينهم، كانت ولا تزال مادة للتاريخ الحي الذي يجب على كل شرقي أن يوجد العناية بهِ في نفسه إن كان لا يجدها، وذلك لما فيها من مفاخر السلف العاملين، وفي هذه المفاخر أصول للقدوة والاتباع فيها إنقاذ الحياة الشرقية من الفوضى والجهل، واستخلاصها من براثن الاستعمار الذي لا يدع للقويّ قوة يفزع إليها، ولا للضعيف عدة يستنصر بها.
ولعلَّ أول مَن اعتنى مِن كتّاب العصر الحديث بهذا هو الأستاذ محمد عبد الله عنان فقد كتب كتابه هذا باذلًا أقصى الجهد في تحقيق ما هو بسبيله من التاريخ على قدر ما يكون في طاقته مخلصًا في ذلك كل الإخلاص. ولهذا
__________
(*) المقتطف، المجلد 85، يوليو 1934، ص: 117 - 118
(2/693)

الإخلاص يغتفر له من يقرأ كتابه بعض الزلات. ولهذا نفسه كان هو أول من رجع على فصول كتابه بالتعقيب فنقّح منها وزاد فيها ما صحَّ له من العلم. وهذا وحده فخر عظيم للأستاذ يجعله دائمًا في طليعة من يريد العلم للعلم، لا للشهرة والاسم.
ولا نزيد قراءنا تعريفًا بالكتاب وكاتبه، فالكتاب قد أخذ قسطًا وافرًا من الشهرة في الأمم الشرقية والعربية، والكاتب له في قلوب الشرقيين مكانة ومودة. ويبقى علينا أن ننبه إلى شيء جديد وهو أن هذا الكتاب يكاد يختلف اختلافًا كبيرًا عن الطبعة الأولى منه، لما فيه من الفصول التي أضيفت له، وما دخله من التغيير والتنقيح حتى أصبح كتابًا مستقلًا يضارع الطبعة الأولى منه. فلا غنى لمن يملك الطبعة الأولى عن اقتناء الطبعة الثانية، ونرجو أن يوفق الأستاذ في طبعته الثالثة إلى إضافة فصول جديدة وإدخال تنقيح جديد في أبواب كتابه، فما من كلمة يكتبها أحدنا اليوم وإلَّا ويصبح وقد بدا له فيها. وهذا هو السر في تجدد العلم. وهو سرُّ العقول النابغة التي لا تفتر ولا تمل.
(2/694)

" ملوك الطوائف، ونظرات في تاريخ الإسلام"
تأليف دوزي (المستشرق) وترجمة الأستاذ كامل كيلانى. نشرته مكتبة عيسى الحلبي وشركاه سنة 1353 و 1934
دوزي مستشرق معدود في الطبقة الأولى من الأعاجم الذين صرفوا قلوبهم إلى دراسة العربية وما فيها من الكتب. و"بعد" فقد كتبنا في مقتطف مارس سنة 1933 أن الأمة العربية ابتليت ببليتين: أولاهما، أنهُ لم ينتدب أحد من أهل هذه اللغة إلى التنقيب عن آثار الأمة العربية التي طويت في أرضها بين يمنها وشامها وحجازها وعراقها ومصرها ومغربها وما سوى ذلك، والأخرى: أنهُ لم يخفَّ أحد إلى دراسة كتب العرب ولمِّ شتاتها واستخراج ما خفي من أساليب العرب وأحوالها وعاداتها في الاجتماع والأدب واللغة حتى جاءنا في هذا العصر أصحاب الألسنة الأعجمية من دول أوربا بأقوالهم في تاريخنا وأدبنا وديننا بالكلام الجيد تارةً والفهم الملتوي والتعليل الفاسد تارةً أخرى.
فهذا الكتاب الذي ترجمهُ الأستاذ كامل كيلانى وتنَصَّل من الإثم فيه بقوله "إذا كان العلامة فخر الدين الرازي يقول في مقدمته لشرح "الإشارات" لابن سينا: "إن التقرير غير الردّ، والتفسير غير النقد" فما أجدرنا أن نقول "والترجمة غير النقد". نقول هذا الكتاب قِسْمان: الأول ما كتبهُ دوزى عن ملوك الطوائف والآخر فصول من كلام دوزى في تاريخ الإسلام. والأول أهونهما خطرًا وأقلهما خطأً والآخر ما هو إلا تركيب فاسد قد اجتمع لهذا المستشرق من (استخراج) فاسد من كتب التاريخ الإسلامي وغيرها وترقى فيها بالخديعة الكتابية إلى تأليف كلام يشبه التحقيق العلمي وما هو منه في شيء. وهذه عادة هذه الفئة من المستشرقين الذين يتعرضون لتاريخ الإسلام ورجاله، لا يتورعون عن عرض آرائهم في أسواق الكتب ثم لا يبالون إلا بالنسج الذي نسجوه غير ناظرين إلى الحقيقة العلمية.
ولقذ قرأت هذا الكتاب ووقفت على ما فيه من مواضع الخطإِ وأحصيت عليه
__________
(*) المقتطف، المجلد 85، أكتوبر 1934، ص: 252 - 254
(2/695)

الآراء التي ترفق في عرضها وأخذ يلوكها مرة ثم مرة مجمجمًا غير مصرّح، وكنت على عزيمة تبيانها للقارئ ولكني رأيت أن ذلك مما يستنفد معنا في هذا الباب من المجلة صفحات كثيرة، ثم وجدت أن الأستاذ "محمد أمين هلال" قد سبقني وكتب في جريدة البلاغ مقالات دقيقة اطلعت على الرابعة والخامسة منها، وقد وقف فيها عند ما وقفت عليهِ ودافع كلام هذا المستشرق بالحجة الصحيحة، وأوثر أن أنقل إلى القارئ هنا جزءًا من كلمة الأستاذ "محمد أمين هلال" التي نشرت في بلاغ (الثلاثاء 2 جمادى الآخرة سنة 1353 - 11 سبتمبر سنة 1934) لما فيها من الفائدة.
"يظهر أن اتهام رجال العرب الفاتحين -خصوصًا في الدولة الأموية- بالوثنية والحنين إلى عهودها كان صدًى لما كان يشيعه أعداء الإسلام من أنهُ دين وثني وأن المسلمين جماعة من الوثنيين تغلبوا على الأرض المقدسة ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص ولقد رأينا هذه الأقوال الكاذبة ينشرها دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة إبان الحروب الصليبية، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصُّوا على قومهم أن أعداءَهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة ومجاملة.
"ونحن إذا تخيرنا من بين خلفاء الأمويين -الذين يتهمهم العلّامة دوزى ببغض الإسلام- أبغضَ هؤلاء الخلفاء وأبعدَهم عن قلوب المسلمين وهو يزيد بن معاوية مثلًا نجده كان يعمل للإسلام ويأمر قواده بذلك فقد حدثنا التاريخ أن عقبة ابن نافع عامل يزيد لما فتح بلاد البربر وسار إلى السوس الأقصى حتى وصل إلى بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) قال "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك" وأنه لما سار إلى (تهوذا) ورآه الروم في قلة طمعوا فيهِ فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلى الإسلام ثم تكاثروا عليه وقتلوه.
"ورأينا قتيبة بن مسلم عامل الحجاج بن يوسف "المشهور بغطرسته وقسوته" يخطب في الناس ويقول لهم: إن الله قد أحلكم هذا المحل ليعز دينه ويذب بكم عن الحرمات ويزيد لكم المال استفاضة والعدو قمعًا، ووَعَدَ نبيه - صلى الله عليه وسلم - النصر بحديث صادق وكتاب ناطق فقال {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} ووعد المجاهدين
(2/696)

في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده فقال {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} * ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنهُ حي يرزق فقال {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} * فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمض ألم وإياى والهوينا!
"وقتيبة هذا هو الذي تلقاه ملك الصَّغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب ودعاه إلى بلاده وكذلك فعل ملك كفتان وأنصف له مِن مَلِك أَخْرُون وشُومان (1) وكتب إليهِ الحجاج يقول: إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلتَ فكن في أخرياتهم وساقتهم، حتى فتح بلادًا واسعة نشر فيها الإسلام فأخرجت العظماء من كتّاب المسلمين وفقهائهم ومحدّثهم وعلمائهم.
"وهذا أشرس بن عبد الله السلمي عامل هشام بن عبد الملك على خراسان أرسل لأول عهده إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس هناك إلى الإسلام وحين كتب إليه أمير سمرقند إنهم لم يسلموا إلَّا تعوذًا من الجزية. قال له مَن اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. وقد روى عن يوسف بن عمر عامل هشام على العراق أنهُ مع إسرافه في العقوبة كان طويل الصلاة ملازمًا للمسجد ضابطا لحشمه وأهله. وكان يصلى الصبح ولا يكلم أحدًا حتى يصلي الضحى. ولقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كان سيرته بلغتهم فأسلموا وتسموا بأسماء العرب.
__________
(1) كفتان، أَخْرون، شُومان، بلاد بالصغانيان وبالقرب منها وراء نهر جيحون. ولم أجد من ضبط الموقع الأول، أي: كفتان، وذكرها الطبري جميعا في غزو قتيبة خرسان في حوادث سنة 86، ج 6، ص 425 (طبعة دار المعارف).
(2/697)

"وهذا قل من كثر من موقف خلفاء الأمويين وعمالهم إزاء الإسلام وعملهم على نشره والترويج له في غير عنف ولا شطط، أفبعد هذا يقول عنهم قائل "إن تلك الأقلية العربية التي اضطرت إلى الإسلام اضطرارًا وأكرهت على الدخول في هذا الدين إكراهًا، عرفت كيف تثأر لنفسها حين سنحت لها فرصة الانتقام فتقاضت ثمن ذلك الفوز مضاعفًا وشفت غلة صدورها المكتومة" اه.
هذا وكنا نراه لزامًا على مترجم الكتاب الأستاذ كيلاني أن يتعرض لهذه المواضع ولا يتنصل منها، نعم نحن نقول معه أن الترجمة غير النقد، ولكن ذلك صحيح حين يترجم للعلماء دون غيرهم، أما حين يظن في كتاب مترجم أنهُ مما يقع في أيدي الناشئين، فلا. . . إن أبناءَنا في المدارس المصرية من ثانوية وعالية لا يعرفون عن مثل عمرو بن العاص إلَّا أنهُ فتح مصر، وعن عمر بن عبد العزيز أنهُ كان خليفة وعن فلان وفلان مثل هذا أو أقل، فكيف نترك مثل هذه الآراء الفاسدة غذاءَ ألباب الذين يريدون من أبنائنا أن يقرأوا كتابًا سهلًا دانى الثمرة. وهم لا يعلمون من التاريخ دقائقه ولا من الإسلام إلَّا كلمات حفظوها لا تبلغ بهم درجة من العلم فيهِ. والمترجم الذي يقول في مقدمة كتابة للقراء إني قد آثرت نقل هذه الفصول من دوزى "لتبيان وجهة تفكير عالم أوربى كبير، وهي -وإن خالفت آراءَنا أحيانا في بعض مناحيها- جديرة أن تقرأ بعناية فائقة" الذي يقول هذا يجب عليهِ أن ينقد المغالطات والمفاسد بعناية فائقة كذلك في زمن قد اجتمعت فيهِ على التاريخ الإسلاميِّ عناصر الفساد والإفساد من كل ناحية. بل في زمن نحن نتهيأ فيهِ لإعادة المجد الضائع والحق المغتصب بفقه ما كان عليهِ أسلافنا فقهًا صحيحًا لا يميل إلى الخرافة ولا يشطُّ مع التقليد والتورط والفساد. أقول هذا وأنا أشكر المترجم على ما أضافهُ إلى قليل علمنا عن آراء هذه الفئة المستشرقة التي نفعت العربية نفعًا كبيرًا بحفظ كتبها ونشرها حين أضاعتها أبناؤها وعموا وصمُّوا ثم عموا وصموا، ولولا رحمة الله بمن نشأ فينا وأحيا بعض مجد العربية لغمرتنا الموجة الطاغية التي وقانا الله بعض شرّها.
(2/698)

الإسلام والحضارة العربية
تأليف الأستاذ كرد على. لجنة التأليف والترجمة والنشر. مطبعة دار الكتب المصرية سنة 1934 الجزء الأول
اللهم إني أسألك السّداد. . . وبعد فلو ذهبت استقصى للقارئ ما نما بنفسي وأنا أقرأ فصول هذا الكتاب لخرجت بهِ من حدّ عرْض فكرة الكتاب إلى بسط فكرتى عن الإسلام وحضارتهِ والعرب وثقافتهم التي اختبأت في دمائهم وعقولهم وألسنتهم من أقدم عصور التاريخ ثم تنفست بالإسلام كما يتنفّس الفجر ضوءًا وحياةً وهمة وشبابًا وأنا هنا أجمع بين الأمرين على ما يحفُّ بذلك من عنتٍ ومشقة.
والمؤلف الجليل الأستاذ كرد على يقصُّ على القارئ في مقدمته قصص كتابه فيقول "لما قرر المجمع العلمي العربي "يعني بدمشق" انتدابى إلى تمثيله في مؤتمر المشرقيات الذي عقد في مدينة ليدن من بلاد القاع في صيف 1931 رغَّب إليّ أعضاؤه المفكرون أن أُلْقِى فيه جملة أعرض فيها لما لا يزال يسري على أسلات أقلام (1) بعض مؤلفي الغرب، ولاسيما علماء المشرقيات، من أمور نابية عن حد التحقيق والنصفة، كلّما ذكروا الإسلام وأهله والعرب ومَدَنيتهم". ثم يقول.
"وسبيل هذا الموجز الآن، تصحيح هفوات من أساؤا وما برحوا يسيئون للعرب ودينهم ورسولهم ومدنيتهم، وذكر ما أثرته الحضارة العربية في أمم الغرب والشرق، وما مني بهِ الإسلام، لما غيَّر أهلُه ما بأنفسهم، من خصماء غير رحماء، نالوا من روحه وجسمه، فالتاثت أحواله، وتنكرت معالمه، والإلماع إلى ما قام بهِ المسلمون بعد طول الهجعة، يلوبون (2) على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليهِ أشواطًا، حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية".
__________
(*) المقتطف، المجلد 86، يناير 1935، ص: 109 - 111
(1) أَسَلات الأقلام: أطرافها.
(2) لاب (كقال): استدار حول الماء وهو عطشان للوصول إليه، واستعمله هنا على سبيل الاستعارة.
(2/699)

في هذا الكفاية لمن يريد أن يكون رجلًا عربيًّا من نسل ذلك الشعب العجيب الذي بدّد جيوش الأمم الطاغية في أول أمر الإسلام، وأنشأ على أنقاضها اجتماعًا إسلاميًّا عربيًّا كلهُ محبةٌ وعطفٌ وعدلٌ. وفي هذا الكفاية وفوق الكفاية للذين يتولون أمر التعليم في الأمم العربية ليهبّوا من غفلتهم، وينظروا إلى ما يحاط بهِ مجدهم من كيدٍ وقتالٍ.
إن العار أن يقضي الشاب من أول نشأته إلى آخر خروجه من دراسته -أعوامًا طوالًا يدرس في أثنائها تاريخ نابليون وأمته، وفلانًا وفلانًا من أفذاذ الأمم الغربية، وهو لا يعرف من ماضي أمته العربية إلَّا نتفًا تذهب مع الأيام. هذا الماضي الذي يصوره الذين يتعرضون للتاريخ من مستشرقين يقولون غير ما يعلمون أو يقولون فيما لا يعلمون، أو عربٍ قد فسدت قلوبهم على تاريخهم فهم يستقيدون لآراء عن تاريخهم كلها بهتانٌ وتدليس. هذا الماضي الذي يصورون في صورة مسخٍ تاريخى هائل قد خرج على الدنيا كما يخرج الوباء ثم انقشع عنها فأعقبها صحة وعافية أو كما يقولون! !
إلَّا أن الضلالات التي أحاطت بالتاريخ العربي والإسلامي لهي من أسوإ الضلالات وأشدها وأعصاها على العلاج. فإذا لم يتنبه العرب والمسلمون إلى تاريخهم تنبه المريد إلى ما يريد انماثوا في الأمم ذات الهمم كما ينماث الملح في الماء وأضحوْا بددًا لا يجتمع لهم شمل ولا يؤول آخرهم إلى مجد أول يلوذ به أو يستعصم.
هذا وقد استوقفني من كلام الأستاذ كرد على الذي رويته آنفًا قوله يذكر ". . . ما قام به المسلمون بعد طول الهجعة يلوبون على استعادة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليه أشواطًا حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية"! !
إني لأقرأ هذه الكلمات فتتمثل لعيني (خريطة) العالم العربي الإسلامي من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب ومن مشرق الشمس إلى مغربها، وأعرض قول الأستاذ على أمةٍ أمةٍ من بلادنا فلا أجد قوله يرتاح إلى واحدة منهنَّ. هذه هي السلاسل وهذه هي القيود، وهذه بعض الأمم تمرح في طول من سلاسل الحديد
(2/700)

طرفها بيد المستعمر فيخيل إلى الناظر أن ما بهذه الأمم من المرح والنشاط هو انحلال من السلسلة وما هو به إن هو إلَّا بعض الغفلة التي نحن فيها إلى الأذقان مقحمون. إن الأشواط التي قطعتها هذه الأمم فيما يسمى حضارة أو ثقافة هي غير الأشواط التي يجب أن نقطعها إلى الحضارة والثقافة، وإن السبيل التي مضينا فيها غير السبيل التي فرض علينا سلوكها إن أردنا أن نبلغ غاية يقال لها "لم يبق أمامنا غير مراحل".
أين الأمة الإسلامية العربية التي يريدها الأستاذ على ما فهمنا من فحوى كلامه. . .؟ أين الرجل العربي المسلم الذي يرتفع في الجو كما ترتفع الطائرة التي تحمل أسباب الموت ودلائل الحياة ثم ينقضُ كما تنقضُّ القذيفة من عليائها فلا تذر من شيء إلا أتت عليه فجعلتهُ هشيمًا تذروه الرياح.
إن أمامنا مراحل أولها مهد الطفل العربي الرضيع. وآخرها هذا القبر فاغرًا فاه يلتقم ما تمضغه الحياة من الأبدان العربية ذات السيادة والحضارة والإخلاص والعدل.
فانظر إلى هذا المهد الذي لا يخرج منهُ إلَّا الضعيف والمهزول والأعزل الذي لا سلاح لهُ في الحياة، وهذا الذي ينام على هدَّاتِ الجبال وقصف الرعود وخواطف البروق، وهذا الذي يمشي حيران ليس لهُ هادٍ ولا دليل، وهذا العود الخرِع الجميل الذي يتثنى ويتبرج "تبرُّج الأنثى تصدَّت للذَّكَر" (1) كما يقول ابن الرومى.
ثم انظر إلى هذه المدرسة التي لا يخرج منها إلَّا الأدعياءُ وأشباهُ الأدعياء ممن استودعوا جماجمهم عقولًا غير عقولهم، وأذهانًا غير أذهانهم، وصاروا أتباعَ كل ناعق.
ثم انظر إلى هؤلاءِ وقد ساروا في سبيل الحياة والعمل كما يسيرُ ذوو العاهات
__________
(1) هذا صدر البيت، وتمامه:
تَبَرَّجَتْ بَعْدَ حَياءٍ وخَفَرْ ... تَبَرجَ الأُنْثَى تَصَدَّتْ للذَّكَرْ
(2/701)

فمنهم الأعرج والأكتع ومقطوع الساقين، والأعمى الذي لا يهتدى والفيلسوف الذي لا يعقل. . .! ؟ .
ثم انظر وانظر. . . هل ترى إلّا أقوالًا ملفقة لبست ملابس الفلسفة والعلم والأدب، وتكلمت بها أفواهٌ تتعاقل على الناس وليس لها من ورائها عقل مستوٍ قد قرّر معنى المجد أو الحرية أو الإخلاص أو المعنى الذي يتبع الإنسان أينما سار أو حلّ، ذلك المعنى العظيمُ الذي لا يغفلُ عنهُ إلّا من لا حياة فيه ألا وهو الموت.
إني لأبكي. . . وآسى. . . و. . . إلخ حين أذكرُ هذا، واعلمُ أني أتكلم بمثل هذا عن أمةٍ أنا منها وهي مني، وإني ليحزننى أن لا أجدَ مندوحة عن القول، ثم لا أجدُ معدًى عن استقصاء التصريح في هذا القول. فإن الدنيا كلها تسيرُ وتعدُّ من أسباب القوة والجبروت ونحن لا نجد لدينا من أسباب ذلك إلّا ألسنة. . .! ! وما تنفع الألسنة في زمن ألسنته غير هذه التي خلقها الله وسوّاها من لحمٍ ودَمٍ.
إذا أردنا أن نكتب هذه الكلمة التي كتبها الأستاذ فنقول "قد قطعنا أشواطًا ونحن إلى الغاية ولم تبق إلّا مراحل" فإن أمامنا أهوالًا وأهوالًا لابدّ من ملاقاتها والتمرس بها تمرُّس المصارع المفتول الساعدين بالأسد الهصور الجائع الذي يريدان يملأَ معدتهُ ليتضلع من طعامهِ ويبسط إهابهُ العضل في ضحى الشمس تمامًا لمتاعهِ ولذتهِ.
البيتُ العربيُّ الإسلاميُّ الذي يخرج رجلًا يقفُ في مهبّ الريح يملأُ رئتيهِ من الهواءِ النقي استعدادًا لطلب العيش الذي هو المجد.
والمدرسة العربية الإسلامية التي تخرج رجلًا كالأسطول المدرع بالعلم والفلسفة والخُلُق والقوة البدنية والمكتسبة والتي هي الحرية.
والاجتماع العربي الإسلامي الذي يفرضُ على كل رجل أن يعمل ثم يعمل في غير وهن ولا ضعف باذلًا روحهُ الفردة في غير شح ولا بخل لتنالَ الأرواحُ جميعها الحياة المتوَّجة بالمجد والمحفوفة بالحرية والتي هي السيادة.
إن لكل أمة تطلب مجدها وحريتها وسيادتها أسلوبًا متبعًا وسبيلًا مقررة
(2/702)

لا عوَجَ فيها ولا أمْت (1)، فلنطلب لأنفسنا أسلوبًا وسبيلًا ولننشيء بيوتنا ومدارسنا واجتماعنا نشأة أُخرى غير هذه التي نحن عليها من التقليد المريض الذي ذهب بشبابنا واستهلك مادة الحياة فينا.
هذا التاريخ الذي يصححهُ الأستاذ كرد على في كتابه هو أولُ ما يجبُ على البيت والمدرسة والصحافة والاجتماع أن تصححهُ في أذهان الأطفال والشبان والمثقفين من الرجال والنساء. وهذا الأسلوب الاجتماعي الذي نعيش فيه يجب أن يغير من أوله إلى آخره حتى يصبح رجولةً عارفةً متثبته لا تهزل ولا تغفل. وهذا الموج الزاحف علينا من أقطار الأرض بالفتن والبدع لابد من تقديم الحيطة له في العقول والأبدان. وإلّا فنحن إلى هلاك لا إلى غاية لم يبق منها إلّا مراحل.
إني لأرى في هذا الكتاب الذي بين يدي أنواعًا من الفكر وألوانًا من القول كلها يؤدى إلى مثل الذي نقول به ونعمل له، وهو دليل نافع لكل من يريد أن يقف على حقيقة ما يحيط بأمته من الكيد والطمع. . . ولا أرى لعربي فضلًا عن متعلم فضلًا عن مثقف وفضلًا عن رجل يطلب المجد والحرية مندوحة عن الاستفادة منهُ مع التاريخ الذي يرِدُ شرعته من أصوله وكتبه.
إن أمامنا المراحل كلها إلى غاية المجد فلنبدأ بتكوين ما يؤدى إليها وإن في حقائق ما يحيط بنا لحافزًا إلى العمل والإخلاص والنهوض والمبادرة إلى ما ليس منهُ بُدٌّ. وإن في التاريخ العربي لعبرة وإن فيه لأمثالًا من المجد والعدل، وإن فيه لصورًا من الحرية يجب أن يتمثلها كل عربي -مادام حيًّا- بين عينيه أنى سار وحيثما نزل وفي هذا الكتاب أطرافٌ من كل ذلك. فلعل الله يحدث لنا من بعد هذا ذكرًا في العالمين.
__________
(1) العوج والأمت بمعنى.
(2/703)

وَحْيُ القلم
لمصطفى صادق الرافعي: جزءان: 808 صفحة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1355 - سنة 1936

الرافعي كاتب حبيب إلى القلب، تتنازعهُ إليه أسباب كثيرةٌ من أخوة في الله، ومن صداقة في الحب، ومن مذهب متفق في الروح، ومن نية معروفة في الفن، ومن إعجاب قائم في البيان ومن هنا ومن ثمّ لا أدري من أين تبدأ ولا أين تنتهي. فأنا حين أريد القول في صداقتهِ أو في إيمانهِ أو في حبه أو في بيانه أو في فنهِ أجدنى كالمهموم إذا ابتدأ لهُ همٌّ تداعت إليه الهموم من كل جانب، فأضع القلم وأرفعهُ وأديره وأتلوى بهِ لأن المعاني تتلوى بي في سبيل مَضَلَّة، فأرانى أتحاشى القول خشية الغلوَ أو خوف التقصير. وقد تكلفت شططًا وحملت نفسي على ما لا تطيق وأنا أكتب عن "وحي القلم"، لئلا أغلو في الرافعيّ فيقال: معجب غلا بهِ إعجابهُ، أو أقصر فيهِ فيقال: صديق شقيت به أصحابه.
كانت سنة 1341 - سنة 1923 - فقرأت للرافعيّ كتابهُ "المساكين" فنازعتنى نفسي إلى مراسلتِه لأصل ما بيني وبينه، فكتب إليَّ كتابًا رقيقًا كنور الفجر، ثم مضت الأيام ولقيت رجلًا كهلًا قد اشتعل الشيب في رأسه، خفيفا قد أخذت منهُ الأيام، صامتًا قد أسكتهُ الفكر، ثم قيل هذا الرافعي. فيوم ذاك عرفتهُ، فإذا هذا الكهل شباب مشتعل يتوهج، وإذا هذا الخفيف قوة مستصعبة مستمرة لا تلين، وإذا هذا الصامت لسانٌ عربيٌّ مبين. ثم هو بعدُ صديق أنت من صداقته في مثل الروضة تفيء إلى ظلها، وتستنشى شذاها، وتصاحبها وتصاحبك فتمسح عن قلبك الحزن بالرضى والفرح، ما لا تمسح صداقة الناس ممن ترى وتعرف.
وهنا سر الرافعي كلهُ، سره في فكره، وسره في علمهِ، وسره في بيانهِ، وسره في فنهِ وذاك هو سر المؤمن إذا ارتفعت عن قلبهِ الحجب، وسقطت عن عينهِ الغشاوة، وارتفع بهِ الإيمان عن أشياء الأرض إلى أسرار السماء، فلا تجد
__________
(*) المقتطف، المجلد 90، فبراير 1937، ص: 251 - 253
(2/704)

الدنيا منهُ ما يحده أو يطغيهِ أو يلفتهُ، فهو بصيرة تنفذ، وقوة تعمل، وإخلاص يجلو، وجمال يحب. وهذا هو سر الأسلوب الذي انفرد بهِ الرافعي.
والرافعي كاتب قد استولى على الأمد في مادة الكتابة، فاللغة عنده مادة للتعبير لا مادة للحفظ والاستعمال، فهو قد قرأها قراءة البصير ليرى الفروق الخفية بين اللفظ ومرادفهِ وليعلم حق اللفظ من العبارة، وحق العبارة من الألفاظ، فيظن بعض من لا قدرة لهُ أن الرافعي يريد الإغراب على الناس في كلامهِ، واستجلاب الغريب من اللغة للتفاصح، وما بهِ ذلك، وإنما هي المعاني. . . المعاني عند الرافعي هي التي لها حق اختيار الألفاظ من لغتهِ. وهو لا يأخذ ألفاظهُ من المعاجم وإنما يأخذها من سليقته التي صقلتها المعاجم. وقد أكثر الناس من نقد الرافعي زمنًا ووضعوا عليه من أوهامهم غشاءً آذاهم ولم ينفعهم، وحجتهم في ذلك هذه اللغة التي أحيا الرافعي مواتها ببيانهِ. وما اللغة؟ أهي الألفاظ قائمة بالمعاني التي وضعتها لها المعاجم ووقفت عندها؟ إن هذه ليست بشيء، وما هي إلا أداة كالسيف. فالسيف على جودته لا يعمل إلا أضعف العمل، فإذا أخذتهُ أنت وجعلت تتدرب بهِ وتمرن ساعدك عليهِ، وعرفت كيف تجيد الضريبة وتصيب المقطع، كان لهُ أقوى العمل، لأن السر في ساعد منتضيهِ وبصره وحيلتهِ لا في حدِّه وعارضَيْه.
واللغة لا تقوم بغير فكرة، والرافعي قد استولى على أصولها، بقوة الإدراك وشموله وتراميه، وبالقدرة على الإبانة عنها باللفظ المتصل الماضي الذي لا ينقطع دونها، وبسمو الخيال وتراحبه واستطالته. فالرافعي يدمن على الفكرة الواحدة إدمان الفيلسوف الصابر الثابت بين إدارتها وتطبيقها وبسطها وردها إلى أصول مقررة في الحياة، ثم لا يزال يجمع بينها وبين قرائنها، ويحدد فرق ما بين القرينين ما ظهر من ذلك وما استتر، ثم يصحح النظر في الأصل الذي يردُّ إليهِ أفكاره تصحيح الحكيم المقرر حتى لا يقع بينها التدابر والاختلاط والفساد. ولا يزال على ذلك يقيد ويطلق ويأخذ ويدع بقانون طبيعي في نفسه، فلا يترك الفكرة إلَّا وقد ولدت لهُ صغارًا من الأفكار فيها من الجمال والسحر والقوة الكامنة
(2/705)

ما للطفل الصغير الوديع الجميل، وإذا الفكرة الأولى التي أدمن عليها أمٌّ فيها هيبة الأُمومة العاملة المخلصة وحنانها وروعتها ووقارها.
وهناك أسرار الفن في بيان الرافعي فمنها إدراك الجمال السامي غير المبتذل، فهو يدرك الجمال في الجميل لأنه يعرف أسرار جمالهِ، ويدرك الجمال في القبيح لأنهُ يعرف أسرار قبحهِ. فالجمال عندهُ في السر والجوهر وأصل البناء لا في العرض، وكذلك الخير والشر، والفضيلة والرذيلة وما إلى ذلك، هي كلها عند الرافعي موضوع للأسرار فهو لا يقف عليها وقفة المتشبّث بل يهزها من أصولها ليخرج أسرارها، فإذا فعل كتب صفة الشيء الحي بكلام حي فيهِ قوة المقاومة والقدرة على البقاء، وكل الأسباب التي تضمن لهُ الحياة الفنية والبيانية.
ثم لا يقف الرافعي عند ذلك بل لكل هذا مكان آخر يصل إليهِ فيصهره ويذيبهُ ثم يرده في صورة فذة، ذلك هو الإحساس القوي المشبوب. فهو يأخذ الفكرة بلغتها وعقلها وسرها من إحساسهِ هو لا من إحساس الناس، حتى إذا آمن بها إيمانًا لا مطعن فيهِ استعان بإيمانه القوي على إنشائها إنشاءً مبتدعًا خاصًّا موسومًا بسمة صاحبهِ، تلك السمة التي تسمى "أسلوب الرافعي".
كلُّ ذلك بعض العمل البيانيّ الذي يتدفق من لسان هذا الرجل. وإن لهُ خاصّة عجيبة إذا تكلم في الاجتماع العربيّ الإسلاميّ في هذا العصر ما بين خُلُق وعلم وعمل ودين، هي هذه الروعة المستعلنة المنصبَّة على معانيها كنور الشمس. وسر هذه أنهُ يحسُّ ويفكّر وينقد ويبيّنُ بقوة ثلاثة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي، ويحسُّ بإحساسها، ويدرك أفكارها، ويعرف أسرار فضائلها ورذائلها، وأسباب قوتها وضعفها، وقد أحاط بكثير من أصول القانون الطبيعيّ الذي يجمعُ ويفرّق ويضبط وينشر، ويزيد وينقص في هذه الأمة الرابضة في قلب الشرق.
أما الرافعيّ المحب فهو رجلٌ وحدهُ سام عن الإسفاف، مشرق كالنجم، صاف كأنهُ مرآة مجلوَّة، ثم فرحٌ كأنهُ أملٌ يتحقق، باك كأنهُ عضوٌ يُقْطع، متألم كأنهُ محارب باسلٌ ينهزم، ثم لا يزال على ذلك -الرجلَ الجلْد القويَّ الذي
(2/706)

لا ينكسر ولا يتحطم، ولا تتدنَّى بهِ القوة الغالبة، قوّة اللذّة الإنسانية القَرِمة (1) المتشهّية. لذلك يخلو حبُّ الرافعيّ من الفجور الفني، وإنما يصف الرافعي المحبُّ فجور الرجل والمرأة ليسمو بالرجل الفاجر ويخرجهُ من سلطان لذتِه، ويصف فجور المرأة ليهديها ويطهرها وينزهها وينصفها من ظلم الرجل الفاجر. ولهُ على ذلك قدرة قَلّ أن ينالها كاتب ممن نعرف.
وأما الرافعي ربيبُ الشّعب، فهو الواصف البليغ الذي يستطيع أن يجمع آلام أمة مظلومة في ألفاظٍ تتألم، ويؤلف آلام المساكين في كلمات تبكى، ويحصر سخط المستعبدين من الفقراءِ في حروفٍ تبكى وتتألم وتتسخط وتتشفى وتبغض وتسخر من هذا الاجتماع الذي استعبدهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. فهو في هذه "ترجمان القلوب المتحطمة".
وأما الرافعي الساخر، فهو الكلمة القصيرة التي تبلغ ما لا تبلغهُ الثورات المسلحة. . . وأما الرافعي فهو الرافعي الذي لا تعرفه حتى تقرأه وتصبر على ملازمتهِ، وتعطيه من نفسك لتأخذ من بيانهِ ومن فنّهِ ومن بلاغته ومن فكره ومن حكمته. فهو كاتب حكيم قوي فلا يجدر بك أن تأخذ كلامه على النظرة الطائرة كما تقرأ مقالة في صحيفة يومية لتستفيد، بل اقرأه لتحس وتنفذ إليهِ وتهتز معهُ ثم تستفيد.
اقرأ "وحي القلم" تجد الرجل الذي حدّثناك به، وتجد البيان الغضَّ القوي المتدفق الذي يثير في نفسك التاريخ اللغوى المكتوب في دمك بالوراثة، وفي قلبك بالحب, وفي إحساسك بالأهوال النفسية التي تمر بك. فإن بيان الرافعي إذا تدبرتهُ وتدبرتهُ أيقظ فيك البيان لأنه بيان حر غير مقلد، وأوحي إليك بالفكرة المستحكمة والعبارة المجوّدة لأنه بيان سام غير مقيد، ثم يلهمك القدرة على التفكير، والإبانة لأنه "وحيُ القلم".
__________
(1) القَرَم: التشهي للذائذ، وأصله في اللحم والنساء.
(2/707)

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (1)
هذا بابٌ من أصول اللغة لم يَرْمِ إليه أوائلنا -رضي الله عنهم- إلَّا إشارة مبهمة ولمحة خافية أو نبذًا مهضومًا، فهم لم يجردوا لهُ أنظارهم، ولم يحتفلوا لتقصيهِ وتتبعه واستظهار طرائفه، وهم حين أشاروا أو ألمحوا أو نبذوا، لم يلموا إلَّا بأطرافه وحدوده، فلم يغمضوا في قلبه وسره ومعدنه ليستنبطوا منهُ أسراره المستكنة تحت ألفاظ العربية. ومعاني هذا الباب مما يقتضي القارئ فضل تدبر وصبر وتقليب وتثبت حتى ينفذ إلى حقيقته، ويستولى على ما يتعسر من أصولهِ، فإذا فعل فقد أدرك منهُ طرفًا صالحًا يستعين به على التوسع في معرفة حده وغرضِه ونتائجهِ، ويعيننا في تحقيق ما نرمى إليهِ من تفسير ألفاظ العربية بدلالة الحروف على معان أصلية ثابتة في طبيعة أصحاب السليقة العربية الأولى الذين تلقينا عنهم بيان هذا اللسان العربي المبين.
وأنا أريد بقولي "معاني أصوات الحروف"، ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف -لا الحرف نفسهُ- من المعاني النفسية التي يمكن أن تنبض بها موجة اندفاعه من مخرجه من الحلق أو اللهاة أو الحنك أو الشفتين أو الخياشيم، وما يتصل بكل هذه من مقومات نعت الحرف المنطوق. وليست المعاني النفسية -أو العواطف أو الإحساس- هي كل ما يستطيع أن يحتمله صوت الحرف، بل هو يستطيع أن يحتمل أيضا صورًا عقلية معبرة عن الطبيعة وما فيها من المادة، وما يتصل بذلك من أحداثها أو حركاتها أو أصواتها أو أضوائها أو غير ذلك مما لا يمكن استقصاؤه إلَّا بعد طول الممارسة لوحي الطبيعة في فطرة الإنسان، وبعد مدارسة اللغة ومفرداتها على أصل دقيق من هذا الباب، والاحتفال في كل ذلك للتدبر والاستقصاء ومداورة اللسان على مخارج الحروف مع حسن التفطن
__________
(*) المقتطف، المجلد 96، مارس 1940، ص: 320 - 325
(2/708)

للمعاني الأولية التي يمكن اعتمادها أصلًا لمعنى الصوت في حرف حرفٍ من حروف اللسان العربي.
وأنا لا أدعي لنفسي درَك هذا الذي قدَّرت من "علم معاني أصوات الحروف"، ولا أنى وصلت بالفكر فيه إلى حيث أُريد، ولا أنى قد حشدت لهُ جهدي كلهُ حتى أصل إلى استقصاء المعاني التي تضمرها أصوات الحروف. كلَّا بل هذا جهد كنت بذلته قديمًا والنفس ساكنة قارَّة هادئة، إذ كانت مَخِيلةً لطول النظر وحسن الإصغاء لهواجس العاطفة وألحان الطبيعة، وقد حاولت أن أقيد كل خاطرة بقيد لا تتفلت من جوامعه، ولكن الأيام انتزعتني ورمت بي إلى حومة تتسعر وتضطرب وتطغى بضجيجها على فترة النفس واجتماعها على الهَدْأَة والهوينا والسُّكون، فكذلك ذهب أكثر ما تلقفته من المعاني نهبًا ضائعًا بين النسيان والغفلة وقلة المبالاة وطول الإهمال. فلما رغب إليّ أخي الأستاذ "فؤاد صروف" أن أعود إلى الذي تركت من ذلك، أقبلت على فكر قديم لم تبق عندي غير أطلالهِ وظلالهِ، فأتممت منهُ ما نقص على قدر ما بلغ بي الشوق إلى إنقاذ هذه الخواطر من الضياع والبوار. فأنا أكتب هذا الباب الآن ليكون قيدًا لمعانيهِ يحبسها حتى تبقى في مواطنها لا تضيع ولا تشرد، ورجاء أن يقع عليهِ من يحسن أن يتصرف فيهِ بقوة ونشاط وتجويد، أو من هو أمثل مني بمدارسة اللغة والوقوف على أسرارها، والتهدى إلى مسالكها وغوامضها، والاستنباط لينبوع هذا العلم بالبصيرة النافذة التي لا تخطئ مظنة الفائدة، ولا تضل عن جوهر المعاني المطموسة في ظواهر الحروف.
وينبغي لنا أن نقدم بين يدي الكلام فصولًا من القول تكون بها الفائدة، ويسهل معها تقريب هذا الباب إلى من يحتمله، ونحن نقصد فيهِ إلى السهولة والوضوح، فإن ممن يقرأه، ويرجى لهُ أن يصل إلى حقائقهِ، من لا يستطيع أن يقف على الأصول التي يرتد إليها نسب هذا الكلام، من كتب القراءات وكتب اللغة، وأصول كتب النحو والبلاغة وغيرها مما يتصل بسبب إلى أصل العربية والكشف عن مدارجها.
(2/709)

فينبغي إذن أن نفرق أولًا بين الصوت والحرف. فالصوت نَفَسٌ مقذوفٌ من الجوف إلى الحلق إلى الفَم يخرج مدفوعًا مستطيلًا متصلًا حتى يعرض له في طريق استطالته أو اندفاعه ما يثنيِه أو يقفُه أو يردده أو ينكسهُ، وإنما يعرضُ له ذلك في الحلق أو الفم أو الشفتين أو الثنايا والأضراس مع اللسان، أو في الخيشوم أو في أعلى الحنَك، على اختلاف في مواقع النَّفس من كلّ هذه الأعضاء. فحيث يعرضُ للنَّفَس المقذوف من الجوف ما يقفهُ أو يقطعهُ عن الامتداد والاستطالة والاندفاع، فيسمَّى هذا المكان "مقطعًا" وإذن فلكل مقطع يقطع النفَس عن استطالته جَرْسٌ يتميز من جرَّاء اختلاف نوع الصوت حيث ينقطع. فانثناء النَّفَس على المقطع أو وقوفه أو تردُّدهُ أو ارتداده أو انتكاسه يحدث من الجرس ما نسميه "الحرف".
ولسنا نستطيع أن نعرف مقاطع الحروف وما تحمله من الجرس على براءَته إلَّا أن تأتي بالحرف ساكنًا لا متحركًا وذلك لأن الحركة نفسها حرف من الحروف، فإن الفتحة "ألف" مختلسة، والضمة "واو" مختلسة والكسرة "ياء" مختلسة (1)، وكأنها حرف ساكن يمد حرفًا متحركا ولا يبرأ مقطع الصوت "أي الحرف" من شائبة الاختلاط بمقطع صوت غيره إلَّا حين يكون ساكنًا لا تحفزه الحركة عن مستقرّ انقطاعه، ولا تميل بهِ إلى الحرف الذي هي بعضهُ وجزءٌ منهُ مع اختلاس الصوت وسرقتهِ وكبحه عن الوصول إلى مستقرّ انقطاعه هو أيضًا.
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الحرف الساكن لا يوصَل إلى النطق بهِ مفردًا مجردًا من حركة تلحقهُ أو حركة تحفزه، لم تجد بدًّا من أن تستبدل الحركة التي تعين على النطق بوسيلة أخرى تؤدى إلى تمكينك من قطع الصوت حيث لا يختلط بمقطع حرف غيره من الحركات الثلاث. وليس يوصَل إلى تحقيق ذلك الصدى
__________
(1) كان المتقدمون من أصحاب النحو قبل أن تقرر مصطلحاته، يسمون الفتحة "الألف الصغيرة" والكسرة "الياء الصغيرة"، والضمة "الواو الصغيرة"، وذلك لأنك إذا أشبعت الفتحة في قولك مثلًا "سعد" وكسرت العين لاجتناب التقاء الساكنين صارت "ساعد"، وكذلك باقى الحروف. فهذا أسلوب جيد من النظر في حقيقة الحركات. (شاكر).
(2/710)

الصوتي للحرف مع تجريده إلَّا أن تدخل على تَأَهُّبِك لدفع الصوت همزة مكسورة قبله، فتقول مثلا في الشين والقاف والجيم والفاء والزاى، "إشْ"، "إقْ" "إجْ" "إفْ" "إزْ" إلى آخر الحروف. وإدخال الهمزة هو التحقيق والصواب وذلك لأن صوتها يبدأ من الجوف ثمَّ يعتمد على أسفل الحلق وأقصاه ثمَّ يحفز ما يشاءُ بعد ذلك من الأصوات، وكذلك لا يختلط بأيّ الأصوات التي تريدها وتحتال لها لأنهُ أول أصوات الحروف. ثم الهمزة المكسورة أحق بالإثبات هنا من المفتوحة والمضمومة. والعلة في ذلك أن "الفتحة" إن هي إلَّا ألف مختلسة تجد عندها الصوت بريئًا من الضغط والحصر لانفتاح الفم والحلق، "والضمة" واو مختلسة يضم معها معظم الشفتين على شدة الضغط والحصر، وكلا هذين إذا مارسته ودارسته -وجدته يدخل المؤونة عليك في اعتبار صدى الحروف عند منقطع الصوت. أما "الكسرة" وهي الياءُ المختلسة المسروقة من أصلها فإنما يقع ما فيها من الضغط والحصر على مجرى الأصوات كلها، وذلك أنك ترى الأضراس تكاد تنطبق على جنبتى اللسان فتحصره بينها ويجرى الصوت معها ممتدًّا مستطيلًا في الفم كله على يسر، فكذلك يسهل أن ترمى بها أول الحرف لتحفزه إلى أي مقاطع الصوت شئت، فهي إذن لذلك أولى أن تكون حافزَ النّفَس لأحداث الصدى الذي يتميز بهِ كل حرف من حروف النطق.
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن مقاطع الصوت متنازعة بين الحلق إلى الشفتين والخيشوم على تدرج واطراد في منقطع الصوت ومكان اصطدامه أو انفلاته أو تفشّيه، رأيت أن ثمة ترتيبًا لابدَّ منهُ للأصوات على مقتضى تدرُّج انقطاعها في أي مكان من آلة النطق التي هي اللسان وما يحيط بهِ. ونحن نجتهد أن نأخذ ذلك عن التجربة التي نحدثها بأنفسنا، وما وصل إلينا من تحرير المتقدمين من أصحاب العربية لبيان مقاطع الحروف وصور منطقها.
فالحروف أو الأصوات حيث تنطق تتميز على هذا الترتيب في اطرادها:
الهمزة (1)، الألف (2)، الهاء (3)، العين (4)، الحاء (5)، الغين (6)، الخاء (7)، القاف (8) الكاف (9)، الجيم (10)، الشين (11)، الياءُ (12)
(2/711)

الضاد (13)، اللام (14)، النون (15)، والراء (16)، الطاء (17)، الدال (18)، التاء (19)، الصاد (20)، السين (21)، الزاى (22)، الظاء (23)، الذال (24)، الثاء (25)، والفاء (26)، الباء (27)، الميم (28)، الواو (29).
فهذه هي حروف العربية التسعة والعشرون على التصاعد من الحلق إلى منقطع الشفتين غير ناظرين إلى ما يدخل بعضها من المد والإخفاء والتفخيم والإمالة وغير ذلك من الأعراض التي تلحق الصوت من قِبَل انقطاعه واصطدامه. واعلم أنك إذا أردتَ أن تسير في ذلك على طريقة مستقيمة فلابد لك من أن تأتي بهذه الحروف ساكنة قبلها همزةٌ مكسورةٌ للعلة التي ذكرناها آنفًا، ثم كرّر ذلك، وتصور صوت الحرف وردده وتمثل قوته أو ضعفه أو لينه أو استرخاءَه أو تفشيه أو انحرافه أو استطالته، حتى يتأَتَّى لك أن تعرف بالمدارسة موقع انقطاع صوتهُ الذي يحدث عنهُ الصَّدَى المتردد الذي يتميز بهِ الحرف مما يلابسهُ أو يدانيه أو يقع على بعض موقعه.
وقد تقصَّى شيوخنا من أئمة اللغة مخارج الحروف، ولابدَّ لنا هنا من ذكر هذه المخارج لحاجتنا إليها فيما نستقبل من كلامنا عن معاني أصوات هذه الحروف، وسنثبتها على الترتيب الذي رأيت قبل للحروف العربية نفسها.
"المخرج الأول" من أسفل الحلق وأقصاه مع إطلاق الهواء، وفيه: الهمزة (1)، والألف (2)، والهاء (3).
"المخرج الثاني" من وسط الحلق مع إطلاق الهواء وفيه: العين (4)، والحاء (5).
"المخرج الثالث" من أدنى الحلق إلى أن يرتطم الهواء المقذوف بأول الحنك الأعلى وفيه: الغين (6)، والخاء (7).
"المخرج الرابع" من طرف اللهاة وأقصى اللسان مما يلي الحلق مرتطمًا بالحنك الأعلى بعد ذلك وفيه: القاف (8).
"المخرج الخامس" من طرف اللهاة وأقصى اللسان مرتطمًا بمقدم الفم من الحنك الأعلى وفيه: الكاف (9).
(2/712)

"المخرج السادس" من وسط اللسان مع تفشى الهواء وضغطه إلى وسط الحنك الأعلى وفيه: الجيم (10) والشين (11)، والياء (12).
"المخرج السابع" من أول حافة اللسان من الجانب الأيسر وحصر الهواء إلى الأضراس التي تلى هذا الجانب وفيه: الضاد (13).
"المخرج الثامن" من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه ودفع الهواء عن جانبيه محصورًا في الحنك الأعلى مما فوق الضاحك والناب والرباعية والثنية وفيه: اللام (14).
"المخرج التاسع" من طرف اللسان بينه وبين فويق الثنايا العليا وانبعاث الهواء إلى الخياشيم وفيه: النون (15).
"المخرج العاشر" من طرف اللسان بينه وبين فويق الثنايا العليا مع تحرف اللسان وإطلاق الهواء وحصره وترديده في تجويف اللسان وفيه: الراء (16).
"المخرج الحادى عشر" من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مع ارتطام الهواء بالغار الأعلى من الحنك محصورًا مع الإلانة وفيه: الطاء (17)، والدال (18)، والتاء (19).
"المخرج الثاني عشر" من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا مع تحرف اللسان وإطلاق الهواء وحصره وترديده والتصفير به في تجويف اللسان إلى الثنايا السفلى وفيه: الصاد (20)، والسين (21)، والزاى (22).
"المخرج الثالث عشر" من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مع إطلاق الهواء في فروج الأسنان إلى اللثة ونبذ أسلة اللسان إلى خارج الثنايا وفيه: الظاء (23)، والذال (24)، والثاء (25).
"المخرج الرابع عشر" من باطن الشفة السفلى مع قذف الهواء إلى الشفة العليا من بين الثنايا العليا وفيه: الفاء (26).
"المخرج الخامس عشر" من الشفتين بعد قذف الهواء من الجوف وانطباق الشفتين عليه قبل ندوره وخروجه، أو خروجه مع استدارة الشفتين وانطباق أكثرهما وفيه: الباء (27)، والميم (28)، والواو (29).
(2/713)

فهذه خمسة عشر مخرجًا لحروف العربية على الترتيب والتوالى والاطراد قد وصفناها، ولم نلم بكل الفروق بين الأحرف المشتركة المخارج، وهناك مخرجان آخران لا بأس من ذكرهما هنا، وإن كان الرأي عندنا فيهما غير ما ذهب إليه كثير من أئمة العربية، وبهما تتم المخارج سبعة عشر مخرجًا.
"المخرج السادس عشر" وهو ملحق بالمخرج الأول والمخرج السادس والمخرج الخامس عشر، هو من الجوف إلى أقصى الحلق حيث ينقطع المخرج حتى يتصل بالهواء خارج الفم وفيه: الألف، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها. وأنا لا أجعله مخرجًا لعلل كثيرة ليس هذا مكان بيانها.
"المخرج السابع عشر" وهو ملحق بالمخرج التاسع والخامس عشر حيث يستدير الهواء المنبعث في الخياشيم يتردد في دورته فيها وفيه: "النون والميم الخفيتين الساكنتين في الإخفاء والإدغام بالغنة.
فهذان المخرجان، كما ترى، هما أعراضٌ قد لحقت أصوات الحروف، ولم تنشأ منهما حروفٌ منصوبةٌ على اللسان كسائر حروف المعجم التي اعتمدناها في لساننا العربي. ولو أقمنا نعت المخارج على الأعراض التي تلحق أصوات الحروف لكثر عندنا ما يمكن أن يعدَّ من المخارج. ألا ترى أن الحروف التي زعمناها من مخرج واحد إنما كانت كذلك لتقاربها مع تمام اختلافها، وإلا لما جاز في العقل أن يشترك في المخرج الواحد أكثر من حرف واحد ألبتَّة. وسيكون لهذه الأعراض التي تلحق أصوات الحروف بيانٌ تقتضيه فيما يأتي بعد من كلامنا.
ولابد هنا أيضًا من حصر هذا التقسيم الذي مضى في دائرة أضيق من هذه، فهم يسمون حروف المخارج الثلاثة الأولى "الحروف (1) الحلقية" وهي سبعة أحرف.
والرابع والخامس "للحروف (2) اللَّهَوِية" نسبة إلى اللهاة، وهي الهناة المعلقة بين الحلق والفم، وهما حرفان.
(2/714)

والسادس "للحروف (3) الشجرية" نسبة إلى الشجَر وهو مفرجُ الفم لانفتاحه وهي ثلاثة أحرف.
والسابع، وهو مخرج (4) الضاد لم يسمَّ لنا، وبعضهم يعدها من الحروف الشجرية، وهو ليس بشيء.
والثامن والتاسع والعاشر "للحروف (5) الذلَقية" نسبة إلى الذلق وهو طرف اللسان وعليهِ اعتمادها، وهي ثلاثة أحرف.
والحادى عشر "للحروف (6) النِطْعية" نسبة إلى نطع الغار الأعلى وهو سقف الحَنَك وهي ثلاثة أحرف.
الثاني عشر "للحروف (7) الأسلية" نسبة إلى أسلة اللسان وهي مُستَدَقُّه حيث تصفرُ عليهِ الحروف، وتسمى أيضًا حروف الصفير"، لذلك، وهي ثلاثة أحرف.
والثالث عشر "للحروف (8) اللَّثوية" نسبهّ إلى اللثة حيث يكون تقطع الحرف وهي ثلاثة أحرف.
والرابع عشر والخامس عشر "للحروف (9) الشفوية" لأنها تخرج من الشفتين وهناك يكون مقطع الصوت، وهي أربعة أحرف.
وتنقسم هذه الحروف بالنظر إلى مقطع الصوت والنفس إلى أقسام كثيرة: فمن ذلك قسمتها إلى "مجهورة" "ومهموسة"، فالمجهورة هي التي أشبعت الاعتماد في مواضعها، ومُنع النفسُ أن يجرى حتى ينقضى الاعتماد ويجرى الصوت، والمهموسة ما ضعف الاعتماد في مواضعها حتى جرى معهُ النفس، وهي عشرة أحرف: الهاء (1) والحاء (2) والخاء (3) والكاف (4)، والشين (5) والصاد (6) والتاء (7) والسين (8)، والثاء (9)، والفاء (10)، وسائر حروف المعجم بعد ذلك مجهورة كالذي وصفناها.
وقسمة أخرى إلى الشدة والرخاوة وما بينهما، فالشدة أن يمنع الحرف الصوت أن يجري فيهِ فلا تستطيع أن تمده معهُ، والحروف الشديدة ثمانية وهي: "الهمزة (1)، والقاف (2)، والكاف (3)، والجيم (4)، والطاء (5)، والدال (6)،
(2/715)

والتاء (7)، والباء (8). فإذا أردت أن تمد صوتكَ مع القاف من قولك "الحقّ" لم تستطع ذلك. والرخاوةُ أن يجرى الصوتُ الحرفَ كما ترى في قولك "القَسُّ" فالصوت يجرى مع السين كما تشاءُ، وبين هذين [بين الرخوة والشديدة] حروف ثمانية وهي: الألفُ، والعينُ، والياءُ، واللامُ، والنونُ، والراءُ، والميمُ، والواو. فهذه يجرى الصوت معها على تعسف أو مسامحة قليلة، وسائر حروف العربية -بعد ما سميناه من الحروف- هو رخوٌ.
وقسمة أخرى إلى الإطباق والانفتاح، فالحروف المطبقة هي التي ترفعُ معها ظهر لسانك إلى خيار الحنك الأعلى مُطبقًا بهِ على الهواء، وهي أربعة أحرف، الضادُ، والطاء، والصاد، والظاءُ، وسائر الحروف منفتحٌ ولولا هذا الإطباق لخرجت الضادُ من العربية، ولانقلبت الطاءُ دالًا، والصادُ سينًا، والظاءُ ذالًا.
وقسمةٌ إلى الاستعلاء والانخفاض. والاستعلاء أن يَعلُوَ الصوت فيرتطم بالحنك الأعلى، فالحروف المُستعلية سبعة: الخاءُ، والغينُ، والقافُ، والضادُ، والصادُ، والطاءُ، والظاءُ، وسائر الحروف منخفضة: وأنت ترى أن مع الاستعلاء الحروف الأربعة المطبقة التي عددناها قبل.
أما القسمة الأخيرة للحروف فهي استنفاذُ الصاد والسين والزاى وجعلها حروفًا للصَّفير كما ذكرنا ذلك قبلا، وباقى الحروف العربية لا تصفرُ.
فهذا نهاية ما يجب أن نقدمه بين يدي الكلام عن "معاني أصوات الحروف"، ونحن نرجو أن نكون قد بلغنا بعض الغاية في تقريب صوت الحروف لمن يريد أن يحقق معنا. حين نشرع في الكلمة الآتية في دراسة معاني الأصوات المقترنة بالحروف أو التي تجرى معها في النَّفَس أو المقاطع.
(2/716)

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (2)
فرغنا في الكلمة السالفة من تقرير مخارج الحروف العربية ومدارجها وصفة مواقعها من الحلق واللسان وغار الحنك الأعلى والثنايا والأضراس واللثة والخياشيم وسائر الفم وما يحيط به، وأبنَّا عن مبلغ تباعدها وتقاربها وما يأتلف منها في المخارج وما لا يأتلف، ورتبناها على مجرى ذلك بالتحرى والضبط والإتقان، ثمَّ قسمناها لك على وجوه الاشتراك في صدى الصوت وما يلحقها من الإطباق والانفتاح، والاستعلاء والانخفاض، وما يلابسها من الرخاوة والشدة، وجعلنا ذلك كله مقدمة للقول في "علم معاني أصوات الحروف"، ونحن "إن شاء الله" نذكر لك بعض ما عرض لنا من الرأي في هذا العلم.
ونحن نريد أن نأخذ معاني هذه الأصوات التي تدل على حروف العربية من جهة طبيعة الإنسان حين يريد العبارة عن شيء في نفسهِ أحسَّ بهِ أو عزم عليه، محاكيًا أو مقلدًا أو منبهًا أو مصوِّرًا أو مقرّبًا للمعنى الذي يريده بالجرس الصوتى المفرَد الذي يتبادر إليهِ فيحاوله ويعالجُه ويتهجم عليه. ويحسن أن نبدأ أول ذلك على ترتيب القسمة التي عرضناها في الكلمة السالفة متتبعين مدارج الأصوات من أقصى الحلق، مؤلفين بين الأصوات المشتركة الصدى، المتقاربة المقاطع والمخارج.
وأول ذلك ما يسمونه "الحروف الحلقية"، وهي حروف المخارج الثلاثة الأولى، وهي سبعة على الترتيب: -
الهمزة "1" والألف "2"، والهاء "3" -والعين "4"، والحاء "5"- والغين "6"، والخاء "7".
__________
(*) المقتطف، المجلد 96، إبريل 1940، ص: 405 - 412
(2/717)

فأنت إذا أردت أن تعرف معاني هذه الحروف فارجع إلى الفقرة الأولى من العبارة، وما تحملك عليهِ إرادة التعبير من التفريج عن نفسك بالمنطق أو التصويت الذي هو قوةٌ كامنةٌ في الإنسان لابدَّ لها من العمل والمطاوعة حين تجد الحافز الذي يدفعها إلى تقرير طريقها في العمل لا يُلائمها تغيير عنيف في النظم، فهنالك فارق في العادات والأخلاق والمدنية والتعليم والدين.
وأول ذلك أن تنظر إلى الحاجة التي تدفع إلى التعبير، ولعل من أوائل الحاجات التي يُدفع الإنسانُ للتعبير عنها النداءُ والتعجُّب والتأوُّه والأنينُ والإشارةُ والتنبيهُ، وغير ذلك مما تدعو إليهِ معاناة الحياة الفطرية الأولى التي بدأ الإنسان بها عمله على الأرض. فإذا استوعبت أمثال هذه الضرورات وجعلت تأخذُ نفسك بتدبرها في فطرة الإنسان رأيت أن النداءَ مثلًا يعتمد على أصوات الحلق المقذوفة من الجوف مطلقة في الهواء لتبلغ بالصوت أقصى ما يطيقه تدافعُ الهواء الذي يجعله. وكذلك الإشارة والتنبيه يتطلبان من المشير والمنبه إرسال الصوت خارجًا من الحلق إلى حيث يلاقى الهواء المقابل لفم الإنسان. ثم إذا أنت أردت كل حرفٍ بما يتجلى من صداه المقرون به -على المعاني الأولى- استطعت أن تقرّر لصدى الحروف معاني من النفس أو من المحاكاة أو من التمثيل للحركة أو الصوت المسموع أو غير ذلك.
ونحن إنما نتكلم عن العربية، لأنها في اعتقادنا -بعد الذي مارسناه من معانيها- أدقُّ اللغات احتفاظًا بالمعاني الفطرية للحروف، بل هي أكثر اللغات احتفاظًا بحركة الإنسان الأوَّل في الإشارة إلى المعاني، وذلك حين يريد أن يقرن الصوت بحركة دالّة على معنى من الإشارة يُفهم بهِ المتكلمُ المخاطبَ ما يريد أن ينبههُ إليه أو أن يحمله على فهمه. فنحن نختصر لك طريق الكلام عن الحروف المجردة وحدها بإدماج ذلك في تركيب الحروف بعضها مع بعض، غير مخلّين بالبيان عن المعاني التي يتحملها الحرف الواحد من حروف هذا اللسان. ولا يهولنَّك ما سنقدم عليه، ولا يذهبنَّ بك أنا لا نستطيع أن نجرىَ اللغة كلها على هذا الأصل، كلا، بل نحنُ نستطيعُ ذلك، ونستطيع أن نحاول معرفة
(2/718)

الأطوار الاجتماعية والعقلية والخلقية واللسانية والمدنية التي مرَّت بالشعب العربي. وهو شعبٌ كما تَعْلم لا يزال محصورًا بين الحدود التي ضربتها عليه الصحراءُ، ولا يزال حيًا على نَمَطٍ من العيش لم يدخله كثير من التبديل، وإن كان قد اختلف بما اندفق إليه من نتاج الحضارات الأخرى التي اختلطت ببعض أمواجه ثمَّ ارتدَّت إليه.
فخذ معني الآن: -الهَمزة والهاء والألفَ. وهي الحروف الحلقية المطلقة التي تُصَوّت حيث تلاقى الهواء ولا يقف في سبيلها، وما ترتطِمُ بهِ من الثنايا أو الأضراس أو الشفة، ولا يعمل معها اللسانُ عملًا في تكوين صداها أو جرسها. واعلم أننا لن نفرق كثيرًا في هذا الذي أردناه بين الهمزة والألف، وأننا سوف نجعل عملهما في العبارة واحدًا، هذا على أن الألف في أصل معناها تخالفُ الهمزةَ من وجوه كثيرة. وليس هذا موضع بيان الفروق بينهما، وأحق بذلك ما نريده إن شاء الله من الكلام عن الواو والياء والألف.
فهل تنكر أن الرجل إذا خاف أو فزع أو رغب أن ينادى أو أن يشير -وهو ناقص الآلة اللغوية- فأول ما يبدأ بهِ أن يقذف الصوت مغسولًا من الحلق بأقصى ما يستطيع، كلا. وإذن فالهمزة الممدودة هي الصَّدى الصوتى الذي يراد بهِ التنبيه والإشارة والنداءُ. وكذلك هو في العربية. فالهمزة في العربية لا تزال تحتفظ بجميع هذه المعاني وما يتشعب منها تقول: "أمحمد" تريد "يا محمد" وإنما تفشى الحرف "يا" في النداء بعد، لأنهُ تسهيلٌ لمجرى الهمزة وتليين لها، ثمَّ انقلب بعدُ حرفًا من الحروف "الشجرية" التي في مفرج الفم كالجيم والشين لأسباب أتت بعد خروج اللغة من الطور الأول، وإلا فإن الأصل الذي لا أشك فيهِ أن الياء أقرب إلى الحروف الحلقية منها إلى الحروف الشجرية، فانطق "آء"، "وياء" تجد صدق ذلك (1).
ثمَّ انظر، فالهمزة حرف للاستفهام كقولك: أأنت؟ ، وهي حرف للتعجب
__________
(1) أما العلة في أن الياء صارت بعد حرفًا من الحروف الشجرية، فسنعرض له كتابنا عن سر العربية إن شاء الله. (شاكر). أقول: انظر ص 725، هامش: 1.
(2/719)

من طريق الاستفهام. وقد احتفظت بها العربية في وجوه كثيرة أخرى كالتفضيل والتعجب (1) كقولك ما أحسنهُ! ، وهو أكرم من فلان، فإثبات الهمزة والإتيان بها في هذه الأبواب مأخوذ من الأصل الذي أقيم عليهِ معنى الحرف من فطرة الإنسان: فكأنهم أرادوا -بالبدء بها- إظهار المعنى الذي يتحمله صدى الصوت من الاستفهام والتعجب، والتفضيل فرعٌ من تعجبك من الشيء واستكبارك له. وكذلك احتفظت العربية بهذا الحرف في أكثر حروف الاستفهام كقولهم "أين" "أنّى" وما يدانيها كقولهم "أم" كذلك فيما يقارب ذلك من المعاني كما في قولهم "أو".
ويشترك مع الهمزة حرفٌ آخر هو قريب منها، وهو "الهاء"، ففي لغات بعض العرب يقولون في الاستفهام في "أزيد؟ " "هزيد؟ ". وكذلك وقعت هي في "هَلْ؟ " و"هلّا! " وإن كان أكثر موردها على التنبيه والدلالة والإشارة، كما وقعت "في هذا" و"هؤلاء" و"هي"، و"هو" وهذان الحرفان الأخيران، وإن عدَّهما النّحاة من الضمائر وأجروا عليهما أحكامًا، إلَّا أنهما في أصلٍ معناهما للإشارة بغير شك. ولمثل ذلك قال المفسرون في قوله تعالى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}. . . . "الضميرُ في منهُ" جارٍ مجرى اسم الإِشارة كأنهُ قيل "عن شيء من ذلك" (2).
وكذلك جرت العربُ على سُنّة إبدال الهمزة هاء والهاء همزة لتقاربهما في الدلالة كما يقولون في "أراق، وهراق" و"لأنك، ولَهنَّك" وغير ذلك مما لا نريد استقصاءَهُ الآن.
__________
(1) ومن باب ذلك الهمزة في أوائل أوزان جموع التكسير أيضًا في مذهبنا. (شاكر).
(2) اعلم أننا لا نريد بذكر هذا المثال إلا أن نضرب المثل بأن "الهاء" هي الفطرة للإشارة، ثم استقرت الضمائر بعد ذلك وجرى حكمها في النحو العربي مجرى غير الذي جرى عليه حكم الإشارة، ونحن لا نخلط هنا بين ما هو النحو الآن، وما نتوهمه من المعاني للصدى الصوتى المقارن للحرف. (شاكر)
(2/720)

وأنت إذا أخذت الضمائر أول ما تأخذ وجدتَ الإشارة فيها ظاهرة، فما قولهم "أنا" إلَّا إبانةٌ عن الصوت "أَن" (1) المدغم في الخياشيم مقترنًا بإشارة المتكلم إلى نفسه بيده، ثم تركوا الإشارة وعمدوا لفتح النون -أقاموا ذلك مقام الإشارة، فلما أراد أن يعبر عن المخاطب قرن "أن" بحركة يده في صدر مخاطبه. ثم استغنوا عن ذلك بتمثيل صوت اليد وهو يقرع الصَّدرَ في رفق بأخف الحروف النطعية التي يرتطم فيها الصوت بالحنك الأعلى محصورًا باللسان فقال: "أنت" (2).
فإذا قرَّ في نفسك هذا المذهب فأدرْ عليهِ سائر حروف الحَلْق مما لم نذْكره، وتبين فروق مواقعها وتدبر ذلك كل التدبُّر، تجد المذهب حسنًا سهلًا طيعًا لا يتخالف عليك إلَّا قليلًا. ونحنُ نأخذُ الآن في بيان بعض ذلك من جمهور بعض الكلام العربيّ المؤلَف من ثلاثة حروفٍ أحدُها مُضعَّف، ليكون ذلك المذهب أقرب إليك. فإن لكلّ حرفٍ معنى، فإذا نحنُ أخذنا في الثلاثيّ غير المضعف اقتضانا ذلك أن نعرضَ لمعنى حروف ثلاثة، والمؤونة علينا في تقريب ذلك إليك، والكلفة عليك في تعاطى ما نناولك -هي في ذوات الثلاث أشد منها في ذوات الحرفين.
وهذه الحروف الحلقية لم تجتمع في العربية على التضعيف إلا قليلًا لقرب مخارجها كما تعلم فقالوا "أحّ" و"أه" و"أخّ" ولم يقولوا "أع" ولا "أغ"، ولا "أأ" لأن هذه ثقيلة لا تأتلفُ. وهذه الثلاثة إنما تدل على إشارة وبيان فالصوت فيها يتحمل معنى التنبيه. ألا ترى أن قائل "أح" و"أخ" إنما يريد التألم والتوجع وإبداء ذلك والدلالة عليه، ولكنهُ مع الحاء يريد التنفيس عن نفسه لما يعانى من شدة الألم والوجع. وكما يكون من صوت المغيظ المحنق والمغموم
__________
(1) اجعل نطق هذه الكلمة صوتًا مبهمًا في الخياشيم غير مبين قى نطق "النون" ويكون الفم مغلقًا مطبقًا، واللسان ساكنًا لاصقًا أسلته بالثنايا العليا من الداخل. (شاكر)
(2) اقرع صدرك بيدك، ومثل صوت التاء بلسانك مع التخفيف تجد الصوت مقاربًا. والدلالة بينة، وهذا أحد معاني التاء. (شاكر)
(2/721)

المفكر فقالوا "الأحيحُ: الغيظُ والضِّغْنُ" وإنما هو في الحقيقة صوتُ الممتلئ غيظًا حين يتفرج بهذا الصوت الذي يصدره من جوفه.
ثم انظر. . .، فإنهم لما أرادوا هذا المعنى نفسه من التأوه والغيظِ والغمُّ اتخذوا "أخّ" والخاء حرف حلقى جافّ غليظٌ يكون معهُ الاستعلاء والترفع والاستبشاع والاشمئزاز، فقول أصحاب اللغة "أخّ": كلمة توجع وتأؤه وغيظ - قول ناقص لا يفضى إلى المعنى الحقيقي، وهو أن المتوجع يبين عن اشمئزازه وشموخه وتقذُّره، ولذلك ما ورد في اللغة أن "الأخ": القذَر، يقول الراجز يذكر سنه وعجزه وضعفه:
وانثنت الرجْلُ فصارت فخا ... وصار وَصل الغانيات أخَّا
أي قذرًا لا يقربهُن، أو لا يَقْرَبنه.
وكذلك ترى أنهم لما راموا التعبير في الأول أقاموا له "الحاء" للبُحَّة التي فيها، وهي لينٌ ونعومة، وهي قابلة للدوران مع الهمزة في التكرار، لأن الذي ينطقها يريد معها أن يكررها ويتلوَّى معها، ويعكس لها أضلاعه لما يقاسيه من الألم أو الغيظ، والخاء لجفوته وانقطاعه في غار الحنك واستعلائه لا يطيع على مثل ذلك، بل أكثر عبارته المقترنة بهِ هي في الوجه والشفتين، والألف ترفع من بعضها وتخفض من بعض.
ولكنهم لما أرادوا العبارة عن التوجع مع اللين والضَّعْف والفَتْرة التي تلحق المتأسف المكسور النفس بغير إضمار للحقد والغيظ كما في "أحَّ، وأخَّ" قالوا "أَهْ" و"أَهَّ" و"آهٌ". وهذا إشارة إلى تعب النفس. واجتماع هذين الحرفين السائلين المطلقين المغسولين الضعيفين هو تمثيل لحركة التوجّع من إرسال النفس بريئًا مع انهزام خصر المتوجع وانثناء صدره واستسلامه للضعف واسترخاء أعضائه وتكسر أجفانه على عينيه.
وقالوا أيضًا من ذلك ما يكون في الجيش من الأصوات للنداء والإيقاظ والتنبيه والتوجع والإشارة وتداخل الأصوات بعضها في بعض وزجر الإبل وما إلى ذلك "آءَ"، يقول الشاعر:
(2/722)

إن تَلْق عمرًا فقد لاقيتَ مُدَّرعًا ... وليسَ من همهِ إبْلٌ ولا شاءُ
في جَحفَل لَجِبٍ صَواهلُهُ (1) ... بالليل تُسمَعُ في حافاتهِ: آءٌ
وقد أفرد أصحاب اللغة هذه المعاني التي ذكرناها، فقالوا: "آء" حكاية لصوت زجر الإبل، وليس كذلك، وهذا البيت يدل على خلافه كالذي قدمنا في بيان معناه: فأنت ترى أن هذا الحرف "الهمزة" يحمل معهُ أين كان معنى الصوت المغسول الأوَّل، وهو الإشارة والتنبيه وما إلى ذلك من استفهام وتعجب وما يتفرع منها.
وأما العين والحاء والغين والخاء. فهذه الحروف الأربعة الحلقية لا تصلح للاستفهام والتعجب وما إليهِ لأنها في الحقيقة أحرفٌ غير خالصة بين الحلْق والهواء الذي يلاقيها خارج الفم ولما في جميعها -إلَّا الحاء- من التكلف والضغطِ والتعسُّر في المخرج وارتطامها قبل الهواء ببعض أجزاء الفم عند مقطعها المبين عن صداها. انطق: "إعْ، إغْ، إخْ". والحاء، وإن كانت أسهل وأخفَّ وأسلم، فهي مع ذلك مقرونةٌ بحشرجةٍ طفيفةٍ رقيقة غير مُثْقلة مع كفِّ النَّفَس المقذوف عن الانطلاق إلى نهاية تصادُمه بالهواء خارج الفم، وإنما تصلح للدلالة على نوع الصوت المراد تمثيله، أو تصوير الصوت مقرونًا بالحركة التي تكون معهُ أو تلحقهُ من جرَّاءِ ألم يدعو إلى هذه الحركة، كما قالوا مَثَلًا في الرجل إذا ذَرَعهُ القئُ -فمدَّ ذراعيه على الأرض وأقبَلَها وَجْهه ونَغَضَ إليها رأسه وتمايل على الأرض ليقئَ: "هَاعَ"، فهذه بلا شكّ حكايةُ صوت القئ أوَّلَ ما يكون بالهاء، ثم ما يكون من تضرب الطعام المائع في الحلق كصوت العينِ، ثم انطباق الحنجرةِ وتصويتها في هذا الانطباق بصدّى كصدى العين.
هذا ونحن لا نستطيع أن نستوفي لك في هذه الكلمة كل الذي نريده من المعاني، فهو كما ترى بابٌ واسع متداخل يفضى قولٌ منهُ إلى قول، وهو مما
__________
(1) قف عند قوله "صواهله" ثم انزع إلى الابتداء بعد سكتة فاقرأ "بالليل. . . .". هذا صواب إنشاد الشعر ونرجو أن نوفق قريبًا إلى كتابة كلمة للمقتطف للبيان عن طريقة قراءة الشعر. (شاكر)
(2/723)

لا يمكن حصره في مثل هذه الكلماتِ، فإنَّ لكُلّ جمهور من حروف العربية مجرى ودربًا تتفرع منه شعبه، ولا يمكن استيعاب ذلك إلا بالإطالة والدُّربة والتمثيل، وذلك مما يقتضي انبساط النفس وقلّة الثّقل وخُفُوف (1) العمل. ثم نحنُ لا نكتب هذا إلَّا عَفْو الخاطر أو شبه ذلك، فإذا أردنا أن ندخل الجدّ من هذا الباب -ونحن ما نحنُ- انبتَّ الجهد بنا دون ذلك. فاقبل بعض العُذْر وتغمد بعض الزلل. وكذلك نستطيع أن نبين لك بعض الإبانة عن الأصوات وحكايتها وأسمائها التي جعلتها اللغة لها في أعمال الإنسان والحيوان والجماد، وكيف تدور فيها هذه الحروف الحلقية دورانًا طبيعيًا دالًا صريحًا متدرجًا على بيان نوع الحكاية أو التمثيل. . .، فكأنك به.
__________
(1) الخفوف: السُّرْعَة.
(2/724)

علم معاني أصوات الحروف سر من أسرار العربية نرجو أن نصل إلى حقيقته في السليقة العربية (3)
أفضنا في الكلمة السالفة -في ذكر الحروف الحلقية، وبدأنا بالهمزة ونظرنا بعض النظر في معناها ما هو؟ وحسنٌ أن نعود إلى استقصاء القول في هذه الهمزة وسائر الحروف الحلقية، واستخراج أكثر معانيها من الفطرة. ثم كيف هو دورانُها في الكلام العربي، ثم كيف تنزلُ عن بعض معانيها من تركيب الكلمة لدلالة أخرى تفضي إلى معنى يكون شارعًا من الأصل أو مستمدًّا منهُ أو عارضًا فيهِ، أو ليكون اعتراضها مسقطًا لبعض المعنى في حرفٍ آخر ليعادَل بهِ إلى القصد في إرادة معنى بعينِه ينشأ من اشتراك هذه الحروف الدالة في تركيب الكلمة. ويقتضينا هذا المذهب أن نسبقَ إلى عرض بعض معاني سائر الحروف العربية في مدارج القول، إذ كان الاشتراك بين هذه الحروف في الكلمة مدعاةً للبيان عن معانيها. وإذ كان ذلك كذلك، فستجد كلامنا عن هذه الحروف الحلقية مختلطًا بغيره من بيان معاني حروف أُخر من حروف اللسان العربي. وإنما أردنا ذلك اختصارًا وتخفيفًا. فلو ذهبنا ننشيء لكل حرف مقالًا لغلبنا الجهد، ولكان على القارئ أن يبقى مغموسًا في فكره في هذا الباب أشهرًا بعدد حروف العربية. ونحن إنما نجعل كلامنا هذا كالتذكرة لنا وللقراءِ في هذا العلم، ولأن ننتظر -حتى يأذن الله فيتيح لنا من الفراغ والهمة والجدة والتوفيق ما هو بعض نِعَمِه علينا وآلائهِ- أَوْلَى وأخلقُ، ولأن يكون ذلك مخبوءًا لنا حتى نضع كتابنا في "سر العربية" (1) -أحبُّ إلينا وأَجود للبيان، فإن بيان الرأي- في سعةٍ من كتاب
__________
(*) المقتطف، المجلد 97، يونيو 1940، ص: 57 - 63
(1) لم يُتَح للأستاذ شاكر أن يضع مثل هذا الكتاب، وليته فَعَلٌ، فقد فاتنا بذلك خير كثير.
(2/725)

يؤلَّف لغرضٍ يشملهُ- أحرى بالاستفاضة فيه من مجلة تحدّ الرأي بحدود من الورق!
ولقد علمتَ أن ضرورة الحياة الفطرية الأولى هي التي نزعت بالحرف الحلقيّ المغسولِ -المسمى في عبارة المتكلمين "بالهمزة"- أن يكونَ هو أقربَ الحروف إلى النداءِ، والتعجب، والاستفهام، والإشارة، والتنبيه، والأمر، والتحذير، وذلك لأن هذه المعاني كلها ليست إلَّا أقربَ الحوافِز التي تحفِزُ الإنسان الفطريَّ إلى إرادة التعبير، لفرط حاجته إلى كل منها بضرورة الطبع، لما يلاقيه مما يَصدِمُهُ ويتذَمَّرُ عليه من تصاريف الحياة وتخاليف الأحوال التي تُقبِلُ عليهِ فتدفعُهُ إلى نداء مَنْ يستعينه من أبٍ أو ولدٍ أو أخٍ أو زوجةٍ، أو تحمله على الاستغاثة، بالإشارة، أو الإغاثة بالتنبيه والتحذير. ثم لما يتجددُ عليهِ مما يستخرج عجَبَه أو ما ينصبُّ عليهِ مما يستغلقُ ويستبهمُ، فيجيله إلى طلب الاستفهام أو الاستنكار. ولعلك لستَ تشكُّ في أن ذلك هو أولُ ما يبدأ الحيُّ على الأرض وما يتنازعهُ من الضرورة، كما لا تشكُّ في أن أوّل مطاوع لهُ من الصوت هو ما يصوّتُ من الجوف والحلق، دون ما يكون تصويتهُ من قِبَل اللسان والفم والشفة مما هو لا يُطيع إلَّا بالمداورة والهز والتمرين والدُّربه على حركة بعينها مرة بعد مرة. وفي أصوات سائر الحيوان -خلاف الإنسان- دليل ذلك والبرهان عليه وعلى صحة مذهبنا إليه، فإن أصوات جميع الحيوان إنما هي أصوات حلقية تتردد، إلا ما كان من مثل صوت الغراب والقط والجُندب والبازى والقَطا وما إلى ذلك مما انفردَ من الحيوان والطير بحرفٍ يتردد، في مدارج نفسهِ أو منقط صوته. ثم لا يكون ذلك إلَّا حرفًا واحدًا مقاربًا، أو بعض حرفين متجانسين يتليَّن شدتهما ألفٌ أو همزةٌ مختلسة تكون بينهما فاصلةٌ.
ولما كان من أول ضرورة الحياة الفطرية أيضًا أن يلاقىَ الإنسان من الهول ما يفزعه ويخيفه وما يتعرض لهُ من الجرح والكدم في صراع غيره من الإنسان والحيوان، وما يجد بعد ذلك من الألم والشدة، ثم ما يحمله عليهِ الأَلم الممضُّ من التأوه والأنين والغيظ والحنق، ثم ما هو من دواعى الفطرة الإنسانية القائمة على الغرائز الاجتماعية كالذي يجده إذا توحّد وانفرد من الحنين والحيرة والوجد -لمَّا
(2/726)

كان كل ذلك وما إليه مما يتصل به، كان أيضًا من ضرورة الحافز الذي يستوفزهُ ويرتفع به إلى إرادة التعبير، أن ينحو به إلى أول ما يطاوع من الأصوات ويتلين ويخف ولا يحتاج إلى المداورة والتمرين.
فإذا تدبرت ذلك وأَوعبت نظرك إليهِ وفيهِ، وتلمست كل الصلات والأسباب التي تمتد بهِ إلى سائر المعاني التي تنظر إلى هذا الأصل أو تتخايل عنهُ -عرفت أنهُ لابدَّ من اشتمال كل هذه المعاني على الدلالة الفطرية التي تدلُّ بها طبيعة الإنسان على أغراضهِ الأولية القديمة. فكُلُّ ما يرجعُ أصلُ معناه أو بعض فحواه إلى هذه الدلالة، فالواجب لذلك إذن أن يشتمل على حرفِ الحلق الأوَّل وهو "الهمزة"، أو على الحرف الثاني الذي يقاربه ويشابهه ولا يختلف عنه إلَّا بضغطهٍ هوائية رفيقة هينة في جوار الحنجرة وهو "الهاء". فإذا تصرفت قليلًا على مثل هذا الأصل ترقَّيت إلى "العينِ"، "فالحاء"، "فالغين"، "فالخاء"، مقدّمًا "الحاء" على جميع هذه الأربعة الأخيرة لخفتها وسهولتها وسلامتها واقترانها بالحشرجة الحُلوة اللطيفة الرقيقة المُنْسربة في تصويتها كأهدإ انسراب وأحنّهِ وألينهِ.
فإذا صحَّ لكَ، ما نذهبُ إليه، استخرجتَ من ذلك ضرورة أن تكون جميعُ الألفاظ العربية -التي ندعى لها هذه الحكمة الشريفة: في إمساسِ الحرف والكلمة شبهًا من معاني الفطرة ودواعيها- مبينة كل الإبانة عن هذا الرأي الذي نجرى إليهِ، باشتمالها على أحد هذه الحروف الحلقية. ويقتضي ذلك أن تكون كل أدوات الاستفهام والنداء والإشارة والتنبيه والفزع والتحذير، وسائر الألفاظ ذوات المعاني المقاربة لذلك -مشتملةً على أحد هذه الأحرف ثم يكونُ منهُ أيضًا أن جميع أسماء الأصوات الدالة على صوت الإنسان والحيوان والطير والحشرات قد جمَعتْ طرفًا صالحًا منها، حين تكون هذه الأسماء -أو الأفعال- دالةٌ على حكايةِ صوتٍ حلقي يكون لهذه الخلائق. وإذن فواجبنا -بعد الذي قلناه وعرضناهُ- أن نقدّم الدليل من ألفاظِ العربية على صحة ذلك، وأنه طريقةٌ ممهدةٌ على لسان هؤلاء الناس من العرب، وأنهُ إذا كانَ ما نقول بهِ، فاللغة العربية هي حقا -على ما ادعيناه في الكلمة السالفة- أدق اللغات، وأكثرها احتفاظًا
(2/727)

بالمعاني الفطرية للحروف، وبالحركات التي لجأ إليها الإنسان الأول فقرنها بالحروف للدلالة على معنى ليس يقومُ الحرفُ على بيانِه كلهِ إذا أفردَ وحده للتعبير عنهُ.
ولقد رمينا إليك -في الكلمة السالفة- طرفًا من القول في حروف الاستفهام والنداء والتعجُّب والإشارة وما يجرى إليها من معنى الضمائر، ثم في الكلمات الثلاثية المضعَّفة التي اجتمع عليها في التضعيف حرفان حلقيان وهي"أحّ" و"أهّ" و"أخ"، ثم كشفنا عن معانيها بعض الكشف. فالآن نستقِلُّ بك إلى حروف الحَلْق المشتركة مع حروفٍ أخر من حروف اللسان. ولن نستوعَب كلَّ ذلك، فإنهُ يقتضينا -إن فعلنا- شرح اللغة كلها على مذهبنا، وهذا إن اجتمع في كتاب فجمعهُ في مقالٍ يتعذَّر مرَّة ويثقُلُ على قارئه أخرى.
فلو أخذت الهمزة وبدأت بها في قولهم: "أبَّ"، "أتَّ"، "أثَّ"، "أجَّ"، "أدَّ" "أذ" "أرَّ"، "أزَّ"، "أسَّ"، "أصَّ"، "أضَّ"، "أطَّ"، "أظَّ" "أفَّ"، "أكَّ"، "ألَّ"، "أمَّ" "أنَّ"، "أيَّ". وقد أمضينا القول على "أحَّ"، "أخَّ"، "أهَّ"، "أنَّ"، "أع"، "أغ"، "أأ" مما تجافوا عنهُ وتركوهُ وأهملوهُ لعلل ذكرنا بعضها، كما أسقطوا أيضًا "أقَّ"، وذلك لأن هذه "القاف" -كما علمت من أوَّل مقال لنا- هي الحرفُ الذي يلي مخرجهُ مخرج الحروف الحلقية، فهو الحرف الثامن بعد الحروف السبعة الحلقية المبدوء بها في ترتيبنا. فإذ كانت الهمزة أشدَّ الحروف مطالبةً بالانطلاق وحافزها أقوى حوافز الحروف الحلقية فاتباعها بالحرف الذي يدانى اللَّهاة وأقصى اللسان ويرتطم بالحنك الأعلى ويتردد فيهِ جاسيًا غليظًا متعسرًا (1)، يكون مثقلًا على النطق، ثقيلًا في السَّمْع. وأيضًا فإن القاف -هي في ترتيب الحروف الشديدة التي وصفناها لك- تلى الهمزة، وهي أول هذه الحروف الموصوفة بالشدة ثم
__________
(1) فالهمزة تريد الانطلاق والمضى حتى تلاقى الهواء، والقاف تريد أن تقطع عليها ذلك لتستوفي حقها من المخرج ومنقطع الصوت الذي تتمثل فيه بترددها عليه، وارتداد اللسان بها وبهوائها المحصور في مخرجها ارتدادًا يعوق انطلاق صاحبتها التي تحفزها من ورائها. (شاكر)
(2/728)

الاستعلاء أيضًا. فهم لم يريدوا أن يجعلوها مفردَة في كلامهم لذلك، وقالوا "حق" و"عق" لما تعرف من صفة العين والحاء على ما يتوجه إليك من فحوى بعض كلامنا آنفا.
فنحن سنأخذ هذه الكلمات المبدوءة بالهمزة على ترتيب مُتّصل، وذلك بأن نفصّلها لك على مخارج الحروف التي تليها، فأول ذلك:
"أكَّ" فأصل هذه المادة عندنا من صوت احتكاك الأجسام اللينة بعضها ببعض لأن الكاف تمثل في النطق صوت شيئين لينين بَينَ بَينَ يزحمُ أحدهما الآخر زَحمًا شديدًا. والأكَّة في اللغة الزحمة والضّيقُ، وأكَّهُ زاحَمَهُ. وهذا المعنى للكاف ثابثٌ في قولك "حَكَّ" و"عكَّ" و"هَكَّ" الشيء سحقهُ، وهذه كلها حروف حلقية تتبعها الكاف، فإذا أنت أخذت في مثل "بَكَّ" أي زَحَم، و"تكَّ" الشيء اللين الرطب وطأه فشدخه و"دكَّ"، و"زكَّ" في مشيه قارب خطوه وحَرك جسده واحتَكَّ بها ثوبهُ، و"سَكَّ" و"شكَّ" و"صَكَّ". . . رأيتَ كل هذه تَحملُ كافُها لها معنى الاحتكاك أو تصويره أو مقاربة صوته (1) ولكنهُ في "أكَّ" و"حَكَّ" أبينُ المعنيين، لأنَّ الهمزة والحاء حرفان أصليان دالان على الأصوات الأولى التي هي أقربُ من سواها إلى حكاية هذا الصوت (2).
ثم إليك "أشَّ"، "أجَّ" والشين تحمل بطبيعتها صوتَها المتفشّى المستطيلَ المتلينَ الذي يُهمس بهِ، ويضعف لها الاعتماد في مخرجها حتى يجرى معها النفَس بين الحَنَك الأعلى واللسان مع انفتاح الشفتين مع الإمالة الخفيفة. ويلقى هذا الصوت الأذن فيمثل صَوت الحركة الخفيفة التي تكون كأنها من احتكاك
__________
(1) اعلم أن لكل حرف معنى، وأن اشتراك الحروف ذوات المعاني في الكلمة الواحدة يسقط بعضها معاني بعض، ومصطفى من المعنى الأصلى ما يتمثل به في الحروف المجتمعة معنى آخر يجتاز عليهما أو يستمد منهما، وعلى ذلك فعليك أن تنظر إلى هذه الأحرف على الأصل الذي نحاول بيانه لك. (شاكر).
(2) إذا رجعت إلى اللغة في معاجمها الدقيقة الواسعة، وجدت تقارب المعاني بين هذه الكلمات ظاهرًا حتى في المجاز، ولولا أن ذلك يستوعب أكثر مما نكتب هنا لأحطنا به. ولكنك إذا أردته على طريقتنا لم يباعدك ولم تخطئه. (شاكر).
(2/729)

الثوب القشيب، أو صوت وقوع الرش الخفيف من المطر، أو صوت خفيف الورق الأثيث على أشجاره إذا فيَّأهُ النَسيم المُتروّح، ويمثل أيضًا صوت الضاحك إذا انقذف نَفَسهُ بضحكةٍ خفيفة لا تبلغ القهقهة، مع انفراج الشفتين واستعلاء الشفة العُليا. وتجد أكثر هذه المعاني دائرة في "أشَّ"، "هشَّ"، و"حشَّ"، و"خشَّ" و"بشَّ"، و"نَشَّت" القدر تنش، وهو صوت غليانها، و"رشَّ" الأرض بالماءِ. و"كشَّت الحية" والمرأة أيضًا! ! كشيشًا وهو صوت جلدهما إذا حكت بعضهُ ببعض. ولذلك كُلهِ قيل في "أشَّ" أن الأش والأَشاش الطلاقة والبشاشة لما يتبع الارتياحَ والنشاطَ والخفة والضحك من الحركة التي تُسمِع هذا الصوت، وأشَّ غنمهُ كهشها، وأشَّت الشحمة إذا نشت وقطرت فسمع لها مثل هذا الصوت.
وأما "أجّ"، فمن قبل أن الجيم أجسى وأقسى وأغلظ صوتًا من الشين، واللسان بها أشد ضغطًا للهواء في غار الحَنَكِ الأ على، وصوتها جافٍ على السمع ظامئٌ لا ماء فيه ولا قطر له ولا همس يأتي من قبله -لذلك دخلت مع الشين في بعض معانيها، ولكنها خرجت من بعضها الآخر بما أَخرجها من الميزة التي مازتها عنها في مستقبل السمع. وبعد، فإن "أجَّ" هذه وما يليها من "هَجّ"، "حَجّ" و"عَجَّ" بالدعاء، و"ثجَّ" المطرُ يثجُّ سالَ فسمع صوت سيلانِه، و"هَجَّ"، و"لَجَّ" -الجيم في جميعها دالةٌ على حكاية صوت وصفناه بما وصفناه فأُخِذ منهُ "أجَّت" النار و"هجَّت" إذا اتقدت فتعالت فاستعرت فاستطارت فسمع صوت تلهُّبها الذي تمثلهُ الجيم، كما يظهر لك إذا تدبَّرتهُ وداورتهُ على المعنى الفطري للحرف (1).
وأما "أيّ" وهو اليائى الذي عددناه مع الشين والجيم في مخرج الحروف
__________
(1) أرجو القارئ أن يعذرني في اختصار القول، فإني وأنا أكتب هذا أكاد لا أمسك النفس عن الاستفاضة، لأنى أكتب وأنا أحضّ النفس على التأمل، فتنثال على المعاني فلا أدري ما آخذ منها وما أدع، وقد ذكرت في الكلمة الأولى أن هذا بحث قديم أستثيره وأهيجه، فربما غلبني ما أجد منه على الضبط. والقارئ في هدأته يستطيع -إذا تأمل- أن يصل إلى مثل الذي يريده منا إن شاء الله.
(2/730)

الشجرية فليس هذا مكان الإفاضة في ذكره، لما تعلم مما أشرنا إليه آنفًا في بعض كلامنا من أنَنا نرى في الألف والواو والياء رأيًا نخالف بهِ ما ذهب إليهِ أئمتنا رضوان الله عليهم. وأن في سرّ تطوره من حرفٍ حلقى إلى حرفٍ شجريّ موضعًا للنظر، ومجالًا يجول إليهِ الرأي. فندعه إلى موضعه الذي يتنزل عليهِ في أوانه إن شاء الله.
وإذا درجتَ إلى "ألَّ"، رأيت اللاَّم، وهي عندنا من الحروف ذوات المعاني المتشابكة، وذلك أن اللسان معها يعمل أعمال حروف كثيرة. ولقد علمت أن مخرجها -فيما أسلفنا- هو من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه حيث يندفع إليها الهواء المقذوف من الجوف، فيحصُرُ اللسان هذا الهواء حَصرًا بين الشدّة والرخاوة في الحنكِ الأعلى مما فوقَ الضاحك والنابِ والرباعية والثنية، وعند ذلك يرتكسُ هذا الهواء المحصور في جوف الفم من كِلا جانبيه، ثمَّ إن بعض هذا الهواء يجول في ميدان كأنهُ يروم المخرج من الخياشيم وهو مخرج النون. فلذلك ترى هذه اللاَّم إذا وقفت عليها في مثل "هَلْ" و"قُلْ"، قذفت من المنخرين نفسًا خفيفًا همسًا، تنتفش معهُ الخِنَّابتان (1) قليلًا قليلًا، وكذلك تجدُها كأنْ قد أُشْربتْ من غنة النون في أكثر المنطق. وهذه الملامح الكثيرة التي اختلستها اللام من الحروف التي تليها كالنون والراء والميم، ومن الحروف التي سبقتها كالجيم والشين والضاد، هي التي راحبت من معانيها وكثَّرتها وغمَّضتها على من يروم فقهها وضبطها، وهي أيضًا التي جعلتها أكثر الحروف دورانًا في كلام العرب للطفها وضعفها ورقّتها حيث كانت -ولا تكون هذه الرقّة التي فيها إلَّا مشوبةً ببعض القوَّة والشدَّة، فهي إذن أعدل الحروف وأحسنها استواءً فلا تعتاص على باغيها. ولذلك أيضًا تجدها لا تدخلها العيوبُ التي تدخل سائر
__________
(1) هما حرفا المنخرين -الثقبين- عن يمين وشمال من عرض الأنف، وهما وحشيا الأنف. (شاكر)
(2/731)

الحروف كالراء التي تليها، وهي تدخلها اللّثغة في لسان الألثغ فلا يستقيم لهُ معها المخرج، وإنما ينحاز الألثغ -إذا غلبته لثغتهُ من الراء إلى اللام، فاعرف هذا وتدبره وانعم نظرك له وفيهِ (1).
فالقول في "ألَّ"، "هلَّ" يفترق من القول في اللّام التي تلى سائر حروف الحلق مثل "حلَّ" "وعل" ولذلك نقصر القول على "ألَّ" و"هلَّ"، فالألف والهاء هما عمدة باب الحروف الحلقية كما أمضينا آنفًا. واللام في هذا الموضع تمثيل للإلحاح والتردد والانتشار، ومعاناة للتحفز الذي يأتي بالصوت في اندفاعهِ. ألا ترى أن صوت اللام -إذا حققتهُ- شبيهٌ بالجرس الذي تسمعهُ من اصطدام شيء لين بعض اللين بشيء من مثله فيفزع سمعك إليه فتصغى له. وعلى ذلك فمعني "ألَّ" -ابتداءً يتضمن الإشارة إلى حركة مقرونة بصوت بين بين، فلا هو جاسٍ ظامئٌ ولا هو رطب ممتلئٌ بمائه. وكذلك هو في اللغة: ألّ الفرس إذا أسرع فاهتزَّ فسمع من الرمل صوت حافره إذا وقع عليها متتابعًا مترددًا، وكذلك ألّ البرق، وألَّت المرأة رفعت صوتها بالدعاء أو غيره. والأليل من ذلك هو الأنين والحنين عند الجزع، وهو خرير الماء على التربة، وهو صوت الحَصَى إذا وقع على الرمل. والقول في "هَلَّ" قريب منهُ فقالوا: هَلَّ السَّحاب وانْهَلَّ بالمطر، وذلك إذا قطر فوقع ماؤه فسمع صوت هذا الماء حين يصطدم الثرى والرمل بحباتِه في شدة انصبابِه، وتردد هذا الصوت مرة بعد مرة، ومنهُ "أهلَّ" إذا رفع صوته بالدعاء فردَّده.
فإذا صرتَ بعد هذا إلى الحرف الذي يلي اللام وهو النون في "أنّ"، حيث ينبعث الهواء المقذوف إلى الخياشيم، فيحار فيها ويتردد ويجولُ ويُسمَع لجولانه في الأنف صدًى ناعمًا تتبعه غُنة مُدَوّيةٌ باحتكاك الهواء بجدار الأنف -رأيتَ المعنى يتسلسل من اللَّام إلى النون مختلفًا في الدلالة اختلافًا بينًا مرة ومقاربًا مرة أخرى. ثم هو من أجل ذلك حرفٌ دَمِثٌ طيع مترفِّه ناعمٌ حُلو النَّغم لطيفُ الترديدِ، يسيلُ مع الهواءِ لينًا ونعومةً ورقة، لا تدركه الجفوةُ التي تعرض لسائر الحروف مع التحريك إذا حُرّك، فهو لطيفٌ مطاوع ذو نَغَم إذا حُرك أو سُكن.
__________
(1) لا نريد أن نفيض في ذكر اللام وشرح معانيها، فإنها تأخذ من كل معنى بسبب. ولو أردنا ذلك لخرجت وحدها في أوراق صالحة لأن تفرد لها مقالة برأسها. (شاكر).
(2/732)

فهو إذن أقرب الحروف للبيان عن المعاني الشافعية التي لا تتحامل أصواتها إلى المادة وصوتها، ولذلك يدور أكثر ما يدور في الألفاظ ذوات المعاني النفسية الصافيةُ التي تذوب فيها آلام النفس وأحزانها وأحلامها وأفكارها التي لا تتكلم إلَّا لمحًا وإشارة وتلويحًا. فكذلك هو في معناه إذا قلت: "أنّ" أنينًا، و"حنَّ" حنينًا وحنانًا، و"هَنَّ" هنينًا، وهو كالحنين والأنين، وكذلك "خنَّ" خنينًا، وهو الانتحاب والبكاءُ الذي يتردد حتى يصير في الصوت غُنة من جولان البكاء في الخياشيم. وذلك كلهُ من أجل الحزن الذي لا يعبر عنهُ إلَّا بالصوت المبهم المطاوع لحركة الجسد إذا حُرك من نوازى الأحزان الداعية إلى هزّ الأعصاب وبالرجفة التي تلحقها من تنزِّيه فيها. ولكن انظر إلى "خنَّ" وتدبَّر فعل "الخاء" في توجيه المعنى إلى الشموخ والاستعلاء ورفع الصوت بالبكاء، وخشونة الصوت التي تكون في هذا الضرب من البكاء أو الضحك المشوب بالترفع والاشمئزاز، وإلى التعذُّر والمعالجة التي تجدها في البدء بالخاء. ومن أجل هذا يتباين الأنينُ والحنينُ من "الخنين" تباينًا صحيحًا في الدلالة على هذا الأنين المشوب بالصوت الذي وصفناه لك.
ونحن نقف بالقول عند هذا الحدّ الذي حدَّه الفرق الصوتى أيضًا بين النون والراء التي تليها في المخرج، ولعلك قد رضيت عن هذا الضرب من النظر، ولعلك تحمل نفسك على معاناته وتكلفه، ولعلك تجد لهُ من الطرافة والحسن واللذة، وما يجعلك تمضي في إتمام ما أسقطناه من كلامنا. فإذا فعلت عرفت لطف هذه اللغة، وملابستها للطبع والطبيعة والفطرة، وأن أصحاب هذا اللسان كانوا أرقَّ الناسِ إحساسًا، وألطفهم فهمًا، وأحسنهم تهديًا إلى المعاني، وأثقفهم لسحر الطبيعة وأنغامها ولغتها التي تجرى في أرواح الشعراء بالمعاني والأحلام.
واعلم أننا إنما أخذنا لك من أبواب الكلام في هذه الكلمات، وما يُعدُّ من أصول المادة اللغوية التي يكون الحرف دالًّا عليها، وتركنا ما هو مجاز واستعارة في مذهبنا، وإن كان أصحاب علم اللغة يعدُّونه من أصل المادة أيضًا. وإذا جاء أوان شرح المجاز من المعنى الأصلي إلى المعنى الذي انتقل إليه اللفظ بعدُ،
(2/733)

عرفت أن هذه اللغة شريفة جليلة دقيقة التركيب، مع ما تتبين في قسماتها من النبل والاستواء والاستقامة على مذهب لا يتخالف ولا يتناقض ولا يختل والله المستعان.
(2/734)

عبقرية عمر
تأليف: الأستاذ عباس محمود العقاد المكتبة التجارية الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة في سنة 1361 ه، 1942 م عدد الصفحات 460
"وكتابى هذا ليس بسيرة لعمر، ولا بتاريخ لعصره، على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث والأنباء ولكنهُ وصفٌ له، ودراسةٌ لأطواره ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم الحياة. فلا قيمة للحادث التاريخى جلَّ أو دقَّ إلَّا من حيث أفاد في هذه الدراسة، ولا يمنعني صغر الحادث أن أقدّمهُ بالاهتمام والتنويه على أضخم الحوادث، إن كان أوفى تعريفًا بعمر وأصدق دلالة عليه.
"وعمر بعدُ رجل المناسبة الحاضرة في العصر الذي نحن فيه، لأنهُ العصر الذي شاعت فيهِ عبادة القوة الطاغية وزعم الهاتفون بدينها أن "البأس" و"الحق" نقيضان. فإذا فهمنا عظيمًا واحدًا كعمر بن الخطّاب، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه لأننا سنفهم رجلًا كان غايةً في "البأس"، وغاية في "العدل"، وغاية في "الرحمة". وفي هذا الفهم ترياق من داء العصر يشفي بهِ من ليس ميؤوس الشفاء".
هكذا قدَّم العقاد بين يدي كتابهِ وهو أتم قول في البيان عن مبنى كتابه وعن منحاه وعن غرضه الذي رمى إليهِ في كل فصل من فصوله. فأنت تقدم فيه بعينيك ورأيك وعقلك على رجل قد استوى واستَحْصد. لا تجد ذكر أولية ولا ميلادٍ ولا نشأة، ولا من كان أبوه ولا من كانت أمه، وإنما هو "عمر بن الخطاب" وحدهُ الذي تلقاه. ثم تجول فيه فلا ترى تاريخًا ولا موقعة ولا فتوحًا ولا أعمالًا ولا حوادث، وإنما ترى "رجل" التاريخ والموقعة والفتح والعمل والحادثة قد
__________
(*) المقتطف، المجلد 101، ديسمبر 1942، ص: 534 - 538
(2/735)

امتثل لعينيك قوَّة وفكرًا وعقلًا وتدبيرًا وجنانًا، وهو الرجل. . . هو عمر بن الخطاب.
وعمر -ككل رجل في التاريخ- قد ترك للناس أعماله وخرج منها لتكون شاهدةً عليه، أحسن أو أساءَ، وليس أحد بأكبر من أن يسئ. وقد وقع في تاريخ عمر بعض ما يمكن أن يترجَّح الرأي فيه إلى جانب الإساءَة، وإذا كان ذلك، فإن عمل الكاتب -إذا أراد أن يؤدى الأمانة التي استحفظ عليها- أن لا يدع شاردةً من الحوادث إلَّا اعتبرها ووزنها واستخرج منها ما يقيم له وجه الرأي، فإن من ظلم الظالمين أن تحكم بالإساءَة، على رجل قد أكثر من الإحسان حتى عُرف به. وليس يستقيم وجه الرأي في مثل هذا إلا بعد تمحيص يخرج بك إلى القدرة على معرفة النية التي انطوى عليها صاحب العمل فيما عمل. ولست تصل إلى معرفة النية في العمل حتى تتمثل الرجل بجميع خصائصه ومناقبه، وأطواره ومثالبه، ثم لا تزال توازن بين ما يجتمع لك حتى تعرف الحدود التي يقف عندها في كل أمر من أموره أو عزيمة من عزائمه، وحتى يتبيّن مقدار الطاقة في كلّ قوةٍ من قُواه، وكيف تسيلُ، وإلى أين تتَّجِه، ولم تنحرف إلى غير ما يظنُّ بها.
فإذا عرفتَ ذلك وأطقته، فأنتَ -بَعدُ- على الطريق. . . وإذا الشيءُ يفسِّرُ الشئَ وقد ظُن أنهُ يعارضهُ، وإذا الحادث يحقق الحادث وقد خيِّل أنهُ يناقضه. وبذلك يخرجُ الكاتب من جملة "الكتاب المنصفين! ! " -كما قال العقاد- الذين تعوّدوا "أن يحبذوا وينقدوا، وأن يقرنوا بين الثناء والملام. . . فإن لم يفعلوا ذلك فهم إذن مظنة المغالاة والإعجاب والتحيز".
ويكفي العقاد فخرًا أنه حطَّم بهذا الكتاب تلك الهياكل البشعة الموبوءة التي يتعبَّد أهلها بكلمات مريضة كالإنصاف والتحقيق العلمي، ثم يرمون من سواهم بالإغراق والمبالغة والمغالاة والتعصُّب إلى آخر ما يملكون من كَلِمٍ. ولم يكن تحطيمه لها إلَّا بقوةٍ من العقل والمنطق والاستقصاءِ والمراجعة، حتى يخيل إليك إنه لم يدَعْ شيئًا يمكن أن يؤتى به في الحجة والدليل إلَّا أتى به بينًا كأحسن البيانِ لمن شَرَح بالعلم صدرًا ولم يعاند فيهِ عنادَ من لا يعقل. ولذلك لم يحجم عن أن
(2/736)

يقول لهم حين قال لنفسهِ في أول كتابه: "إن كنتِ قد أفدتِ شيئًا من مصاحبة عمر في سيرته وأخباره، فلا يحرجنّك أن تزكى عملًا لهُ كلما رأيتهِ أهلًا لتزكية. وإن زعم زاعمٌ أنها المغالاة، وأنه فرط الإعجاب"، "فالحق أنني ما عرضت لمسألةٍ من مسائله التي لغِط بها الناقدون إلَّا وجدتهُ على حجة ناهضة فيها، ولو أخطأه الصواب".
وهذا الذي فعله هو على التحقيق طريق العالم المتثبت الذي لا يخاف ولا يتردّد، ولا يحاول أن يستجلب لنفسه المحاسن التي تقوم على دعوى اللسان، إذ يقول لهُ: هذا رجلٌ منصف! هذا رجل محقّق! هذا رجل واسع الذهن! هذا رجل يرى وجوه الرأي من جميع نواحيها! فإنما هذه كلها تعاويذ المرضى وتمائم الجهَّال.
لم يدع العقاد شيئًا من مقومات شخصية عمر إلا عقد عليه فصلًا أو بعض فصل، ومن هذه المقوّمات يتمثل عمر بجميع خصائصه وأخلاقه وما تدلُّ عليه أعماله من أول جاهليته إلى مقتله وهو أمير المؤمنين.
وما شك أحد في القوة النفسية التي كانت تتدفّق بهذا الرجل كأنها سيل جارفٌ، وكانت تسم أعماله وأخلاقه بسمة فذّة بين أعمال الرجالِ وأخلاقهم، وكانت على عهد رسول الله -وهو من هو- مميزة لعمر عن جميع أصحابه - صلى الله عليه وسلم -. ولقد كانت هذه القوة التي لا يخطئها مؤرّخٌ يكتب عن عمر، سببًا في أخطاءٍ كثيرةٍ في فهم تاريخ الدولة الإِسلامية بل كانت سببًا حَمَل بعضَهم على أن يضعوا في الدعوة الإِسلامية أوهامًا مضلّة لمن لم يقف على حقيقة هذه الدعوة، ولا على حقيقة صاحبها، ولا على حقيقة عمر من بين أصحابه - صلى الله عليه وسلم -. وكأن العقاد وقد تنبه لهذا من أول كتابه فهو يثبت لك القوة النفسية في عمر ويدلك على أنها مع اندفاعها وتدفقها لم تجعل صاحبها من أصحاب المطامع الطاغية التي تدفعهم إلى اقتحام الحقّ إلى باطلهم إن كان لابدّ لهم من ذلك. ولم يأت بها كلمةً تقال لتدفع شبهةً، بل عاد إليها في الفصل الذي عقده عن "صفات عمر" من ص 41 إلى ص 111، ثم في الفصل الذي يليه عن "مفتاح شخصيته" من
(2/737)

ص 111 - 141 فأبان عن تعادُل القوى النفسية في عمر بحيث لا تطغى صفةٌ من صفاته على الأخرى فتتحيَّنها أو تأكل بعض حقها في العمل. فالعدل والرحمة والغيرة والفطنة والإيمان، هذه كلها في عمر تتعاون تعاون الأسلحة الحربية في الغرض الذي ترمى إليه، وأَصل ذلك كله مجتمع في الخلق الغريزى الذي طبع عليه عمر، وهو طبيعة الجنديّ الحازم الصارم الذي لا يلتف إلى وراءَ إذا عرف أنَّه لابد منتصر على العقبات التي تخيّل له لتضعف من حدَّتهِ. وقد جعل العقاد "طبيعة الجندي" هي مفتاح شخصية عمر، ولقد وفق في ذلك أحسن التوفيق، إذ هي التي انتظمت جميع خلائقه فرمت بها إلى أغراضها، وحمتها أن يطغى بعضها على بعضٍ.
بل إن الحدود التي حدّ بها طبائع عمر، وبيانه عن طاقة كل قوة من قواه، وتحديده لعملها في عمله، قد أعانهُ كل العون في تصحيح الروايات المختلطة التي تروى عن عدل عمر أو رحمتهِ أو قسوته أو لينهِ، فاستطاع مثلًا (من ص 49 - 58) أن ينفي من قصة عبد الرحمن بن عمر وأبى مسروعة حين شربا الخمر بمصر فحدَّهما عمرو بن العاص، وأعاد عمر الحدّ على ابنه حين حُمل إليهِ بالمدينة -استطاع أن ينفي كل المبالغات التي دخلت على الرواية، واستخرج منها الرواية الصحيحة التي تطابقُ الحقّ والعدل في غير زيادة أو نقصان.
وبذلك أيضًا استطاع أن يعرّف برحمة عمر تعريفًا لا يدع شكًّا لأحد في أن عمر كان يرحم بفطرة مستقيمة لا تظلم ولا تقبل الظُّلم فهو يرحم الصغير والكبير، والمسلم والذميّ من أهل الكتاب سواءٌ، فهو لا يرحمُ المسلم لأنه من أهل دينه، ثم تذهبُ الرحمة من قلبه لامرئٍ ليس من أهل هذا الدين، بل هما لديهِ سواءٌ فيما استوجَبَا بهِ الرحمة.
وليست تقتصر فائدة هذا البيان عن قُوَى عمر على الكشف عن خصائص أخلاقه وطبائعه، بل أعانت أيضًا على بيان أعماله كلها في تأسيس الدولة الإِسلامية، التي قاد جيوشها ووسع ممتلكاتها، وأرسل إليها عمالها ليحكموا البلاد، ويعلموا الناس دينهم الذي اتبعوه.
(2/738)

فهذه القوة التي لا تقف أبدًا بل تندفع إلي الإمام في كل وقت كما تكاد تعرفها في عُمَر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هي نفسها القوة المكيثة المتريثة التي كان عمر يوصى بها قواده وعماله. ففي عمر قوة الاندفاع وقوة الضبط معًا لا تفقد إِحداهما حيث يجب أن تكون. "إن البأس الذي رُزِقته نفس عمر لحظٌّ عظيم، ولكنه لو كان في يَدَيْ غيرِها لقد يكون نصيبها أَوْفى من نصيبه وهو في يديها. فلم يشحذه عمر قط لغرض يخصه دون غيره" وكذلك "يقوي الرجل فلا يخافه الضعيف بل يخافه من يخاف الضعفاء" كما قال العقاد في فصل من كتابه.
ومن قديم والناس يخوضون في موقف عمر من سيف الله خالد بن الوليد حين عزله، ثم أتى جماعة من المحدثين -عربهم ومستشرقيهم- فاستوحلوا فيه إلى الأذقان، فانبرى العقاد لأقوالهم ففندها بالحجة التي لا يقف لها شيء، ولم يجعلها كذلك إلَّا هذه الحدود التي استطاع أن يميز بها أخلاق عمر وطبائعه، فإنهُ استخدم كل ما استبان لهُ من شخصية عمر بعد التحليل المقنع، وسرد القصة كلها بما يرتضيه العدل والمنطق والتاريخُ، وإذا شئت أن تتثبت من ذلك فاقرأ من ص 338 - 364 فلعلهُ خير ما كتب إلى اليوم عن هذه المسألة التي ضلَّ فيها من ضلّ.
إن كل فصل من هذا الكتاب يستوقف الناظر فيه، فلا أدري ما آخذ منهُ وما أدع ولقد جاهد العقاد فأبلى بلاءً حسنًا. . . إنما كان يقاتل تاريخًا مختلطًا مبعثرًا قد أهملهُ أهلهُ، وآراء باغية قد رمى بها قوم عزتهم عن أنفسهم قوة أيامهم وعلوّ سلطانهم، وتكاذيب قد تجمل بها المستضعفون من الكتَّاب. ولقد دل بهذا الكتاب على أن التاريخ العربي والإِسلامي إذا استوى لهُ كاتب قد قرر المذهب على أصول صحيحة، استطاع أن ينفي عنهُ زغلهُ (1) وأن يبعثهُ بعثًا جديدًا بعد تراكم الأتربة التي قبرتهُ أجيالًا طوالًا.
__________
(1) الزَّغل: لا أعرف لهذا الحرف معنى يستقيم في موضعه من السياق هنا. والزغل: مَجّ الشراب أو صبّه، ورمْيُ البعير بِبَوله، ورضع الفصيل أمه على كره منها، وغير ذلك. ولابد أن الأستاذ شاكر قد وقف على معنى مخالف لما في كتب اللغة أخلت به.
(2/739)

ليس من الهين أن تكتب التاريخ الإسلامي على نمط جديد، فإن عدّة الكاتب لهذا الأمر تتنازعها قوى مختلفة يجب أن تتوفر للكاتب، ولعلها قد توفرت في العقّاد، فهو أديب يتلقّف معاني الكلام وينفذ إلى ما وراءَها، وهو مفكر لا يدعُ للفكر منهجًا إلَّا ولج إليهِ، وهو واسع المعرفة فهو يعرف المجهول من المعلوم بأدق فكر وأحسن نفاذٍ، وبذلك استطاع أن يكتب للتاريخ الإسلامي فصلًا خالدًا في شخصية خالدة هي الفاروق "عمر بن الخطاب".
(2/740)

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة
- 1 -
" ذو الرُمّة: لقبٌ غَلَب عليه، واسمهُ "غَيلان بن عقبة بن مسعود" من بني عدي بن عبد مناة. وأمه "ظبية بنت عبيد أو بنت مصعب" من بني أسد. وإخوته لأبيه وأمه: "مسعود" و"هشام" و"جرفاس"، وكلهم شعراء. وكان هشام من عقلاء الرجال. وخاله أبو جنة الأسدي "حكيم بن عبيد أو بن مصعب"، وكان شاعرًا. وابن عمّهِ "أوْفى بن دلهم العدوى"، وهو أحد من يروى عنهم الحديث، وكان رجلًا صالحًا. وصاحبته ميّ بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى. وجدها قيس بن عاصم هو الذي قال فيهِ رسول الله: هذا سيد أهلِ الوبَر. ثمَّ شبَّب ذو الرمة بخرقاء العامرية ليكيد بها مَية -وذلك قبيل وفاتهِ بقليل- ثم نزع إلى صاحبته حتى مات".
قبس يتوقّد في عيني هذا الغلام البدويّ النحيف، وقد أخذت أمه بيده تريد ذلك الشيخ سيد بني عديّ بن عبد مناة "الحُصينَ بن عبدة بن نعيم العدوى" وجاءَت المسجد والناس على صلاتهم، حتى إذا ما انفتلوا عن موقفهم، وانفضُّوا عن إمامهم أقبلت عليهِ: يا أبا الخليل إن ابني هذا يروع بالليل كأنما يفزِّعهُ شيطان، وإني لأخاف عليه، فاكتب لي معاذة أعقلها على عنقه. قال الشيخ: إيتينى بِرَق أكتب لك فيه. قالت: فإن لم يكن، فهل يستقيم في غير رقّ أن يكتب له؟ قال: فجيئينى بجلدٍ. فانطلقت الأم الوالهة حتى أتتهُ بقطعة جلدٍ غليظ، فكتب الشيخ لهُ معاذة فيه، فعلقتها في عنقه مشدودة على يساره في حبل أسود.
فمكث الغلام بها ما شاءَ الله أن يمكث، حتى قال شعرًا. وإن أمهُ لتمشي بهِ إلى بعض حوائجها، فلما كانت ببعض الطريق، مرَّت بالشيخ سيد بني عديّ بن
__________
(*) المقتطف، المجلد 102، فبراير 1943، ص: 126 - 130
(2/741)

عبد مناة، وهو جالس في ملأ من أصحابه ومواليه. دنت وسلّمت وقالت: يا أبا الخليل: هذا غلامك غيلان قد شبَّ وقال (1)، ألا تسمع قوله وشعره؟ قال: بلى! يا أم مسعودٍ! فتقدّم الغلام فأنشدهم، فإذا أبلغ قائل، وأنطق متكلم، وأحسن صوتٍ في أحبّ إنشادٍ، كأنما يرتل مزامير داود. قال الشيخ لقد أنجبتِ يا أمّ مسعود! أحسن ذو الرمة وأنهُ لشاعرٌ! فمن يومئذٍ ذهب بلقبه "ذي الرمة"، لذلك الحبل الأسود البالي الذي كان في عنقه، والذي كانت فيه المعاذة. (والرمة قطعة من حبلٍ بالية).
ولم يلبث أن خرج الغلام "ذو الرمة"، هو وأخوه مسعود وابن عمه (أوْفى)، في بغاءِ إبلٍ ضلّت لهم، حتى إذا أجهدهم العطش، وردوا ماءً. وإذا حِواءٌ (2) عظيم. فقال مسعود لأخيه الغلام: إيت الحِوَاء فاستسق لنا. فانطلق، فإذا عجوزٌ جالسةٌ فاستسقاها. فالتفتت وراءَها وقالت: يا مَي! اسق الغلام! . . . ودخل ذو الرُّمة على مي وهي تخيطُ ثوبًا لها، وهي تتغنَّى بأرخم صوتٍ.
يا من رَأى برقًا يَمُرُّ حينا؟ ... زمْزَمَ رعْدًا وانْتَحى يمينا
كأنّ في حافاته حنينًا ... أو صوتَ خيل ضُمَّر يَرْدِينا (3)
فقطعت غناءَها وقامت إليهِ تصبُّ في قربته من الماءِ. وعلى الفتاة بُرْدٌ فارسيٌّ لا جَيب ولا كُمّ يسمونهُ "النوذر". فلما مالت على القربة تصبُّ، رأى ذو الرُّمَّة، فلها بالنظر إليها. . . غلامٌ متوقدٌ ينظر من عيني باز، إلى فتاة أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة في عين المقرور مسنونة الوجه، أسيلة الخد، شماءُ الأنف، حُسَّانة الجيد، هيفاءُ أملود (4)، واردة الشعر، عليها وَسْم جمال، تنظر عن عيني غزال، فجعل يستطعم حديثها، حتى انطلقت تحدثهُ ويحدِّثها، والماءُ يذهب يمينًا وشمالًا. رقّت الفتاة للغلام حين نمَّ صوتهُ على هواه. فقالت له: يا ذا الرمة! لقد كلّفك أهلك السفر، على ما أرى من صغرك وحداثة سنك! ! وتفطن لهما العجوز، وتقبل عليهما، وتقول: يا بنَّي! ألهتك ميّ عما بعثك أهلك له! أما
__________
(1) أي قال الشعر.
(2) الحواء: مجتمع بيوت الناس.
(3) يردى: يسرع.
(4) الأملود: اللينة القَدّ.
(2/742)

ترى الماءَ يذهب يمينًا وشمالًا؟ فلم يخش أن يقول لها يا أماه! أما والله ليَطولنَّ هيامى بها! ! . . . ثم يملأ قربتهُ وينصرف، ويأتي أخاه وابن عمه. ولم يطل بهِ الأمر حتى أخذه من هواه ما قرب وما بعد، فيلف رأسهُ، وينتبذ دونهما ناحية، حتى دنا رحيلهم فارتحلوا، وميّ أحلام ليله ونهاره.
وشبّ الغلام في وَهج الحبّ. . . في سعير الحرمان، فإذا هو شابٌّ آدم، رقيق البشرة، مدوَّر الوجه، أكحل حلو العينين، برَّاق الثنايا، حسن المضحك، أقنى الأنف، أنزع الرأس، حسن الشعرة جعدها، خفيف العارضين. . . بدويّ جميل المنظر، لوَّحه (1) البيد والأسفارُ، وإذا هو يفترُّ عن شاعر عاشق مُلْهم لُجِّيّ الصبابة، لا يشكو الحبَّ أحد أحسن من شكواهُ، مع عفةٍ وعقل رصين. وإذا هو يتعشق الأطلال في البوادي والقفار، فيقف عليها متأملًا قد نفذت بهِ أشواقه إلى سرِّ الرمالِ، فلا ينعتُ الفلوات، وسرابها، وأسفارها، وسَفْرها (2)، وما فيها من شيء. . . شاعرٌ، أبرعَ من نعته. ويتسامع الناس بهذا "الغلام من بني عدى" الذي يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات، حتى يحسده فحول الشعراءِ كجرير والفرزدق، فيؤخروا ذكره لما يرون من حداثة سنه، وأنهُ لا يحسن من الشعر ما يحسنون. . . هذا المدحَ، وهذا الهجاءَ، وهذا الفخر! !
ولكن الفتى البدويّ العاشق يندفع إلى الحَضَر فيكثر أن يأتي الكوفة والبصرة يدَعُ رجز أهل البادية، ويأخذ في القصيد. ويلم بأهل الحضر فإِذا هو عندهم من أظرف الناس وأرقهم: بدويٌّ عاشق، عفيف الطرف، عذب المنطق. إذا نازع أحدًا الكلامَ لم يسأم حديثه، وإذا تكلّم أبلغ الناس، يضع لسانهُ حيث شاء، لم يكن أحد من القوم أحلى كلامًا، ولا أجلي منطقًا، ولا أحسن جوابًا منهُ، حتى كانوا يرون أن كلامه أكبر من شعره.
ولم يزل الفتى يتردد بين ديار ميّ في بلاد بني مِنْقَر، وبين دياره في بلاد بني عديّ، وبين الكوفة والبصرة. فتجلو أرض الحضر وحديث أهلها بعض ما في
__________
(1) لوّحه: غيّر لونه وأضمره.
(2) السفر: جماعة المسافرين، مثل راكب ورَكْب.
(2/743)

نفسه من جفاء البادية. حتى إذا لجَّ به هواه عاد إلى بلاد مى ينظر الديار بعينين ظامئتين، فإِذا خفَّ ما به انقلب إلى أهله، يحادث بينهم قلبه. ولا يزال يردد ذكر مي حتى عرف بها وعرفت بهِ، ولم يكن ما بهِ إلَّا هوى فتى لفتاة هو عليها -إن شاء- قادر. فقنع بذكرها وحبها زمنًا، وجعلت عناصر المأساة تتجمع من هنا ومن هناك ومن ثمة. وذو الرمة في أسفاره يتطرح (1) لكان البوادي والحضر، يستزير طيف ميّ على البعد، قد عمى عن فجاءات الغيَر!
لم تلبث مى أن تزوجت أحد رجال قومها: "عاصمًا المِنْقَرِى". نسيت الغلام الذي عجبت منه ومن أخيه مسعود، يوم.
"رأتْ غلامَى سَفَرٍ بعيد ... يَدَّرِعان الليل ذا السدود"
"مثل ادّراع اليَلْمَقِ (2) الجديد"
نسيت ميّ عينيه تنظران في عينيها، وهي تصبّ له الماء في قربته، فيشغلها الحديث ويشغله، فيذهب الماء يمينًا وشمالًا. نسيتْ ذلك الهيام الذي انبعث في صوت الغلام يدعو هواها إلى هواه. لم تأبه لذلك القلب الغض الذي تنسَّمها فاستراح، ثم فارقها ليتعبّد لها ولطيفها في الليل والنهار. . . مات صدى كلماته وهو يقول لأمها: "أما والله ليطولنَّ هيامى بها"، فلم تجد لها في نفسها رجعًا. ويعرف ذو الرمة خبر زواج ميّ، فيجن جنونًا.
يومئذٍ ينبثق ينبوع الشعر في قلب هذا البدوى العاشق المحروم. الأمل، اليأس، اللوعة، الدمع، الصبوة، الأحلام، وساوس القلب، ديارها، زوجها، أخوها، الغدر، الذكريات، النظرة الأولى. . . كل هذه أخذت تتدفق في خطرات قلبه تحت الضربة الأولى من ضربات الغيرة المغيظة، المحنقة، الحاقدة. ميُّ. . . ميُّ. . . ميُّ. . .، هكذا يتردد صدى الضربات الملحة التي لا تفتر ولا تنقطع. . . ميُّ. . . ميُّ. . . ميُّ. . .، صدى يتردد في أذنيه من عن يمينه وشماله، قد ملأَ عليهِ أرضه وسماءه.
__________
(1) يتطرح: يذهب ويجئ على ما بُعْد ما بينهما.
(2) اليلمق: القباء الفارسى، وهي مُعَرّبة.
(2/744)

ميُّ. . . ميُّ. . . وتضرمت الروح باللَّهب القدسى، وانبعثت في عيني "ذي الرمة" تلك الشغلة الخالدة التي لا يطفئها شيءٌ، وأكلت النار التي لا تخبو كل غشاءٍ كان يحول بينة وبين ميّ. وإذا الفتى اللاهي جليد "قد حلّمته العشائر" (1). ويخرج من بلواه. . . من غيرته. . . من أحقاده، قد نصب وجهه لهجير الحياة، فإذا قسماته تتوهج بالعزم، والصبر، والمغالبة، وفي عينيه تلك النظرة النافذة المتأملة الساكنة، ثابتةً لا تنهزم.
لقد كان أحب فتاة هو عليها -إن شاء- قادرٌ، وهو اليوم يحب امرأة قد ضمها خدْر بعلها، فلا سبيل لهُ عليها. أحبَّ الفتى فتاته، ولكنه اليوم رجل يحب أنثى قد تصدّى وجودها لوجوده. ذهب الفتى وذهبت الفتاة، وبقى الرجل والمرأة.
أيُّ سرّ عجيب يمس الفتاة اللاهية المتقلبة فإِذا هي تستحيل إلى وجودٍ كامل. . . إلى قلب يسع الدنيا. . . إلى حب ثابت حافل؟ أي سرّ هذا الذي يحيل عاشقها الفتى إلى قوةٍ زاخرة منشئة مبدعة متجلية، لا تقف ولا تتردَّدُ. أي سر فيها يمنح العين دقة ونفاذًا؟ أي سر ينفث في البصيرة وعيًا مستوعبًا لا يضيق؟ بل أي سر هذا الذي يرد إلى العبد حريته ليزداد في حريته تعبدًا للرّق؟
وينظر ذو الرمة فيرى الأُسَى (2) قد سبقته بين يديه. فما من شاعر من العشاق إلَّا قد ابتلىَ بمثل ما ابتلى به: امرأة ذات بعل لا سبيل لهُ عليها. أهي إذن "المرأة" وحدها لا الفتاة؟ أهي وحدها التي تحقق لهُ معني وجوده؟ فليذهب ليخالس الطرف إلى مى زوج "عاصم المِنْقَرى". ويركب ناقته "صَيدَح"، حتى إذا انتهي إلى ديارها لمح "ميًّا" مع الصبح تستقبل النهار.
وتجلو بفَزع من أراك كأنه ... من العنبر الهندى والمسك يُصبَحُ (3)
__________
(1) من بيت لذى الرمة، وتمامه:
أفي الدار تبكى أن تفرق أهلُها ... وأنتَ امرؤٌ قد حَلمتْكَ العشائِرُ
حلمتك: وَصَفُوك بأنك حليم.
(2) الأُسَى: جمع أُسْوَة.
(3) الأراك: شجر تتخذ منه المساويك. يُصبح: يُشقَى العنبر الهندى والمِسك في الصباح
(2/745)

ذُرى أَقْحُوانٍ راحهُ الليل وارتقى ... إليه الندى، من رامة، المتروّحُ (1)
هجانَ الثنايا مُغْرِبًا لو تبسمت ... لأخرس عنه، كاد بالقول يفصح (2)
هي البرءُ والأسقام، والهمُّ، والمنى، ... وموت الهوى، لولا التنائى المبرح
ويعود "ذو الرمة" إلى ديار أهله، إلى أخيه مسعود، إلى الذي جعل يركب معه الفلوات، يطيعه تارة حين يستوقفه على ديار مى، ويعصيه تارة أخرى ويلومه. ولم يزل ذاك أمره، يهيم في ديار مى أكثر من عشرين سنة، ومى لا تزداد في عينيه إلَّا ملاحة، ويتفجر شعره من قلبه، يشكو ما يلقاه من حبها، وما يقاسيه من البيد في الحنين إليها والوجد بها. ولا يلقى صاحبته إلَّا والحيُّ خُلوف، لم يبقَ في الديار إلَّا النساءُ، فيشكو لها ويتوجع، فتمسح عنهُ بعض عذابه. ويتردّد شعره بين البادية والحضر فلا يزال يعجب الناس ويحسده الشعراءُ.
ويلجُّ الشوقُ بذى الرمة يومًا، فيركب ناقته في ليلة ظلماءَ يريد أن يضيف (3) "عاصمًا المنقرى" زوج ميّ، وهو يطمع في أن لا يعرفه فيدخله بيته، فيقريه، فيرى ميًّا، ويتزوّد من وجهها، ويكلمها. فلما نزل به فطن له عاصم وعرفهُ، فلم يدخله. وأخرج إليهِ قراه وتركه بالعراءِ، فلمحته مية تحت الليل فعرفته. وجعل ذو الرمة يتململ، فلما كان في جوف الليل تغنى غناء الركبان ببعض شعره:
أراجعة يا ميّ أيامنا التي ... "بذى الرمث" أم لا؟ ما لهن رجوعُ!
ولو لم يَشُقنى الظاعنون لشاقنى ... حمام تغنَّى في الديار وقوعُ
__________
(1) ذُرى الأقحوان: أعاليه، وهي جمع أُقحوانة، وهي نبتة طيبة، تشبّه بها ثغور النساء.
(2) هِجان: بيض، وكذلك مُغْرِب، أو هو الشديد البياض.
(3) يضيف: ينزل به ضيفا.
(2/746)

تجاوبنَ فاستبكينَ من كان ذا هوى، ... نوائح ما تجرى لهن دموعُ!
دعاني الهوى من نحو ميّ، وشاقنى ... هوَى من هواها: تالد ونزيعُ (1)
إذا قلت عن طول التنائى قد ارعوى، ... أبي مُنْثَنٍ منه علىَ رجيعُ
فغضب عاصمٌ، وقام إلى امرأته وقال: قومى فصيحي به وسبيه، وقولي: أي أيام كانت لي معك "بذى الرمث"؟ فأبت ميّ وقالت لزوجها: يا سبحان الله! ضيف! ! والشاعر يقول! فانتضى عاصم سيفه وقال لها: لأضربنك به حتى آتي عليك أو تقولي! ففزعت وصاحت بذى الرمة وسبته كما أمرها زوجها. هذا صوت مى! ! ذهل ذو الرمة، فلما استقر في سمعه كلامها، نهض على راحلته فركبها. وانصرف عنها وعن ديارها مغضبًا يريد أن يصرف قلبه عنها إلى غيرها. وعاد إلى ديار قومهِ مغيظًا يتمزَّق، وأبى على نفسه ذكر مى. . . وهيهات.
وجاء قَدَرُه، فخرج في سفر في بعض أصحابه، فلما كان بفَلْج -في طريق الحاج من البصرة إلى مكة- إذا جوارٍ خارجات من بيت يردنَ آخر، وفيهنَّ جارية طويلة، حسنة، حلوة، شهلاء، بها فَوَهٌ (2)، فنظر إليها فوقعت في عينه وفي قلبهِ المغيظ المحنق، وذكر ميًّا فأراد هذه يكيدها بها إذا تناقل الناس ما بينه وبينها، وما يقول فيها. فأخذ إداوَته (3) فخرَّقها، ودنا من هذه الجارية يبتغى حديثها فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرّقت إداوتى فأصلحيها. فنظرت إلى عينيه وقالت له تهزأ به: والله إني ما أحسن أعمل، وإني لخرقاءُ! (والخرقاء التي لا تعمل بيدها شيئًا لكرامتها على أهلها)، فسماها يومئذٍ خرقاء. وانطلق يشبب
__________
(1) التالد: القديم. والنزيع: الذي ينزعه من مكانه إلى منَ أحب، يعني أن هواه أبدا متجدد.
(2) الشهلاء: التي يخالط سواد عينها حُمرة أو زرقة، وهو ذَمٌ عندهم. الفَوَهُ: سعة الفم، وأيضًا خروج الأسنان من الشفتين وطولها.
(3) الإداوة: وعاء يحفظ فيه الماء مثل المَزادَة.
(2/747)

بها ويذكرها في بعض شعره، يريد أن يغيظ بذلك ميّا، فرمى إليها أول ما رمى ببيت تداولته الرُّواة:
تمام الحجّ أن تقف المطايا ... على خرقاءَ واضعة اللثام
فجعلها منسكًا من مناسك الحج، لا يتم إلا به! ! ولكنه كان لا يطيق أن يدع ذكر مى فلم يقل في خرقاء إلا قصيدة أو قصيدتين، ورجع إلى ميّ.
ثارت نفس ذي الرمة ثورتها على مى، وقلق، فاضطرب في البلاد حتى أبعد، فذهب إلى أصبهان، فلم يطق أن يقيم بها فعاد إلى دياره. . . صبيّ مروَّع يتفزَّع بالليل، وغلامٌ عاشق يتزوّد بعينيه من ميّ نظرة بعد نظرة، وبين جنبيه نفس ملتاعة يحرقها الوجد في وقدة البيد تحت الشمس السافرة، ثم شابٌّ تأكل الغيرة قلبه، يثور بالليل والنهار فزعًا إلى مى، إلى المرأة التي لا سبيل لهُ عليها إلا بالوساوس والأوهام. إلى أين ومن أين؟ من البادية ... إلى الحضر ... إلى البادية ... من الديار ... إلى الأطلال، ومى تناديه في سرَ روحه فيهوى إليها كأنه شهاب تقاذفهُ الفضاء. فلم يلبث ذلك الشاب القصير، النحيف، الخفيف العارضين، أن استحال شيخًا شَخْتًا (1) دقيق العظام، قد براهُ الحب والضنى ولما يشرف على الأربعين. حتى إن أمهُ لتقول، وقد تحلق الناس عليه واجتمعوا. فأنكر -من لم يعرفهُ- دمامته، : أيها القوم اسمعوا إلى شعره، ولا تنظروا إلى وجهه! !
فلم يلبث ذو الرمة على ذلك أن اشتكى "النُّوطة" -وهي زيادة تحدث في النحر كأنها غدَّة، تَمور بين الجلد واللحم إذا حركتها- فوجع بها دهرًا حتى قال:
أَلِفْتُ كلابَ الحَى حتى عَرَفْنَنِي ... ومُدَّت نساج العنكبوت على رَحلى
فلما تماثل عزم على أن يخرج إلى الشام، إلى هشام بن عبد الملك، فقال
__________
(1) الشخْت: الدقيق الضامِر.
(2/748)

لأخيهِ مسعود: يا مسعود! قد أجدنى تماثلت، وخفّت الأشياء عندنا، واحتجنا إلى زيارة بني مروان، فهل لك بنا فيهم؟ فقال نعم! فأرسلهُ إلى إبلهِ يأتيهِ منها بلبن يتزوّده، وواعده مكانًا. وركب ذو الرمة ناقته فقمصت به، وكانت قد أعفيت من الركوب، فانفجرت النوطة التي كانت به. فلما بلغ موعد أخيهِ جهد فقال: أردنا شيئًا وأراد الله شيئًا. وإن العلة التي كانت بي قد انفجرت. مكث أيامًا حتى ثقل، وكان معه من أخواله الحجاج الأسدى فسأله: يا غيلان! كيف تجدك! فقال: أجدنى والله يا أبا المثنى اليومَ في الموت لا غداة أقول:
كأني غداة الزُّرق يا مى مُدنفٌ ... يَكِيد بِنَفْسٍ قد أحمّ حِمامُها (1)
فلما احتضر كان آخر ما قاله:
يا ربِّ قد أشرفتْ نفسي، وقد علمتْ ... علمًا يقينًا لقد أحصيتَ آثارى
يا مُخْرِجَ الروح من جسمى إذا احتضرت، ... وفارج الكرب، زَحزِحْني عن النارِ
فمن مبلغ ميًا منية هذا القلب الذي شب في حبها حتى هَرِم قبل حين هَرَم؟ ؟
__________
(1) يكيد بنفسه: يجود بها عند الموت.
(2/749)

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة
- 2 -
" هذا والله ملهمٌ! وما علمُ بدويِّ بدقائق الفطة وذخائر العقل المعدة لذوى الألباب؟ لله بلادُ هذا الغلام! ما أحسن قولهُ، وما أجود وصفه! ".
الكميت بن زيد الأسدى الشاعر
غلامٌ يتيمٌ عبقريُّ الطبعة، مشتعل العقل، ثائر العاطفة، نابض الأعصاب، لطيف الحس ذكى القلب، وَرِعُ النفس، جيَّاش الخيال: يرى أو يسمع، أو يتوهَّم، فيهتز كيانه من أعماقهِ هزة خاطفة، كأنهُ قوسٌ موتَّرة يُنْبضُها مشبوح (1) الذراعين شديد النزع. بعث اليتْم في دمهِ حرارة التحفُّز، وسعَّر في روحه ضِرام الحياة الملتهمة، وسلبهُ سكينة القلب الغرير الناشيء، فهو أبدًا جافلٌ متفزّع، كأنما يعارضهُ -حيثما توجه- شبحٌ يتخيل لهُ في صورٍ تروَعهُ وتَهُولهُ.
ويقوم على تثقيف هذا الغلام اليتيم وتهذيبه، رجلٌ من عقلاءِ الرجال، وشاعرٌ مُقل من شعراءِ بني عدى بن عبد مناة، ثم هو أخوه الأكبر: "هشام بن عقبة". يشفق هشام على يتيمه "غيلان"، فيحوطهُ بقلب متودّدٍ، ويعطفُ عليهِ بنفس صادقة، فتشتد قوى الودّ بين الغلام اليتيمٍ وأخيهِ الذي يربِّبُهُ، وبذلك يكسب "الطفل" من عقل "الرجل" وذكائهِ وصدقهِ، عقلًا وذكاءً وصدقًا، حتى تنشقّ طفولته عن رجولة مبكرةٍ. ولا يزال الغلام ينشأ في سر البادية العربية الخالدة التي لا تكادُ تتغيَر، وفي جوّ الشعر العربي من أقدم عصوره إلى أيام شبابه [في أواخر القرن الأوّل من الهجرة من سنة 77 - 97]، وبين إخوة وأخوالٍ من شعراءِ البادية، وبين رواةٍ قد حفظوا شعر قومهم وغير قومهم. لا يزال الغلام ينمو على
__________
(*) المقتطف، المجلد 102، مارس 1943، ص: 245 - 251
(1) مشبوح: عريض، يعني بُعْد ما بين الذراعين، وهذا أدعى إلى قوة النزع، وهو جذب وتر القوس لإطلاق السهم.
(2/750)

الأيام في ذلك كلهِ، حتى يمشي، في بادية قومهِ "بني عديّ"، بروح ثائرة متمرَدة عليه، تكافح طُغْيان البادية لتظفر بأسرارها المكتّمة. ينظر، وفي عينيه تلك اللمحة الحديد النافذة التي لا تدَعْ شيئًا إلَّا تغلغلت فيهِ أو أحاطت بهِ، لينالَ الخيالُ غذاءَه مما يرى. يُصغِى، وفي أذنيةِ تلك الحاسة الدقيقة التي لا تذرُ نغمة الّا اختطفتها، ليأخذ الشعور الرقيق حظهُ مما يسمع.
ويُومض في قلب الغلام ذلك الضوءُ المتلاحق المتدارك الذي يضئُ لعينيه دنيا جديدة ثم يخبو، ليعود فيبحث عنها في الظلام ليجدها مرة أخرى. هنا، ثم ها هنا، ثم هناك! ! ! أين ضلت عنهُ؟ كيف ذهبت؟ لماذا اختفت؟ ما الذي رأَى؟ ويهتز الفتى لليقظة، يريد أن يجدها، ولابدَّ لهُ من أن يجدها. وفي سر البادية العربية الخالدة، وفي جو الشعر العربيَ الخالد، يدبُّ الفتى اليتيم الصغير بين إخوةٍ وأخوال من الشعراءِ، ورواة للشعر يتناشدونه في أسمارهم تحت هدأةِ الليل التي تموج فيها النفس الإنسانية مَوجَها. يصغى الفتى ويحفظ، ويخفق قلبه بين جنبيه على نغم حُلوٍ حبيب تتردَد أصداؤه في أرجاء روحهِ، حين ينقلب إلى مضجعهِ. ولا تزال ترنُّ في أذنيهِ تلك الأصداءُ مع الفجر إذا تنفَّس.
ولم تزل البادية في عصر هذا الفتى تردّد أنغامها إيقاعًا عجبًا على ألفاظ اللغة، في شعر امرئ القيس فعل الجاهلية، ولبيد، وطرفة، وعنترة، والأعشى، والنابغة. ولكنَّ الفتى يتسمع إلى ذلك الحنين الخفيّ في نغم امرئ القيس وطرفة ابن العبد. ما هذه القوة المتدفقة من تحت الألفاظ، تعطيها الحياةَ فتحيى، لتغالب الدهور المفنيةَ المبيدةَ للحياة؟ وما هذه الصورة الممثلة التي تحبّب البادية إلى قلبه حبًا لا ييأس ولا يفتُر؟ كيف استطاع هؤلاءِ أن ينفذوا في الغامض الملتبس ليبعثوه في كلماتهم بيَنًا سهلًا يكاد يمشي ويتحرَّك؟ ! ثمَّ تَلْقَفُ مسامعه تلك الأنغام الجديدة التي تقذفها حواضر الحجاز والشام إلى بوادي نجدٍ: عمر بن أبي ربيعة، العرجيّ، الأحوص، عبيد الله بن قيس الرُّقيات! ! هذا الترفُ الجميل الذي يعبث بالحب ويعبث الحب بهِ. نساءٌ ينفثنَ على ألسنة هؤلاءِ سحر الغزل وفتنة الأحاديث. ويناظر الفتى -الذي صهرته البادية، ثمَّ صاغَتهُ، ثمَّ نفخت فيهِ
(2/751)

-بين هؤلاء، وبين امرئ القيس وطرفة ومن إليهما من فتيان الجاهلية وفُتّاكهم وأصحاب اللهو منهم. ولكن شعر المعاصرين يقبل على قلبه وعقله بغضارته ولينه وترفه، ثم ينفذ فيهما بسطوته، سطوةِ الجديد المتحكم. يتمنى الفتى أن يرقَّ رقة هؤلاء الغزلين، إن في روحه سرًا يتحرك، إنهُ يريد أن يقول. وتتبع عين "الفنّان البدويّ" أَوانِسَ البادية، كما تبعت عيون الشعراء المعاصرين أوانس الحاضرة في الشام والحجاز، ولكنهُ لا يستطيع أن يقول كالذي قالوا. إن قلبه لا يزال مغلقًا على قَدَره الذي سيحين وقد قارب. وتجيش أمواج الشعر في صدره لتكون إرهاصًا للقدر المُجْلِب عليهِ من بعيد أو قريب. فيعالج بداوته التي حكمته وأنشأتهُ، بتقليد الرقة التي يستشعرها من فنّ الشعراءِ الفتيان المعاصرين، وينظر إلى ابن أبي ربيعة الذي فتن نساءَ عصره، يريد أن يكون كمثلة ترفًا وغزَلًا وحديثًا، وهيهات! إنهُ سرُّ البادية العربية، وابن أبي ربيعة سرُّ الحاضرة العربية، لكنهُ سيقول على نهجه غير متلبث، إلى أن تنتفض روحه انتفاضتها: شاعرةً مبينة متحدثة على سجيتها. فماذا يقول؟ :
أطاوع من يدعو إلى رَيق الصِّبا ... وأترك من يَقْلَى الصبا لا أُؤامرُهْ
وسِرب كأمثال المَها، قد رأيته ... "بوَهْبينَ": حورُ الطرف بيضٌ محاجرُهْ
إذا ما الفتى يومًا رآهن، لم يزلْ ... من الوجد كالماشى بداء يُخامِرُهْ
يُرين أخا الشوق ابتسامًا كأنهُ ... سنا البرق في عُرْف له جاد ماطِرُهْ (1)
فجئتُ وقد أيقنتُ أن تستقيد لي ... وقد طار قلبي من عدوّ أحاذِرُهْ
__________
(1) عرف السحاب: أعلاه الذي يتدلى منه كعرف الفرس متهدلا.
(2/752)

فقال: بأهلى! لا تَخَف! إن أهلنا ... هجُوعٌ، وإن الماءَ قد نام سامِرُة
فأين البادية، وأين ابن البادية في هذا الشعر؟ لقد ضاع ابن البادية ولم يبق له من بداوته إلَّا قوله: "وإن الماءَ قد نام سامره"، فإِن أهل الحواضر لا يقولون ذلك، وإنما هذا كلام الذين ينتجعون الغيث في البوادي، وينزلون على الماءِ في الفيافي الظامئة. وأما أهل الحضر فيقولون: "إن الحيّ قد نام"، وينسون الماءَ لقلة افتقادهم إياه في الحاضرة، أو يقولون كما قال عمر بن أبي ربيعة:
فما رِمْتُها حتى دخلت فجاءَة ... عليها، وقلبي عند ذاك يروَّعُ (1)
فقلن حذارَ العين لما رأيننى ... لها: إن هذا الأمر أمر سيشْنُعُ
فلما تجلى الروع عنهنَ قلنَ لي: ... هلَّم! فما عنها لك اليوم مَدْفع!
فَظَلْت بمرأى شائقٍ وبمسمع ... ألا حبذا مرأى هناك ومَسْمَعُ! !
إن فنان البادية يقلد هؤلاءِ الحضريين، فهو يطاوع أصحاب اللهو والبطالة، لا يبالى بمن يلومه وينهاه. وهو يملأ عينيه من جمال الفتيات، يغازلهن ويحادثهن ليعود إلى دارهِ مترنحًا يتهالك من صبابته بهنَّ. ثمَّ يتفتَّى فيدَّعى أنهُ انفرد بواحدة من بينهن قد تيقَّن -أو خيل لنفسه أنهُ يتيقن- أنها أمكنته من نفسها، وأنها لابد منقادة له، فواعدها فجاءَها لميعادها على رِقْبة من أهلها خائفًا فزعًا، فتحدثهُ صاحبته بما يسكن روعه. تفدّيه بأهلها حين يقبل عليها، ثم تميل عليه فتقول: لا تخف! ثم تبتسم له وتُخافت صوتها لتعلمه أن "أهلها هجوع، وأن الماءَ قد نام سامره". فهذا شعر غُفْل لم يوسم بسِمَة امرأة بعينها قد فرغت لها نفسه، وإنما هنَّ النساء: غانيات مطمعات بالحب لاهيات. وهو يتهالك في شعره تهالك "الماشى بداءٍ يخامره". ثم يعود بخيلاء شبابه فيحدث نفسه أن الفتاة خاضعة له، ثم يحاول أن يتمثل الفزع ليزعم أن الفتاة قالت له وقالت! ! هذا شعر الغزلين من أهل الحضر، لا شعر الفتى الذي كان -إذ ذاك- يتهيأ في داخله ليستوى على ذروة الشعر العربيّ الفنيّ، حتى يخرّ له شعر العشاق والفنانين من
__________
(1) رام مكانه يريمه: تركه وغادره.
(2/753)

أهل الجاهلية كامرئ القيس، ويسجُد بين يديه شعر المعاصرين كجرير والفرزدق والأخطل! إنهُ إلى اليوم فتى حائرٌ يقلد، لم يستول على طريقته.
ولم يلبث الفتى أن انتبه من غفلة على صوت جديد ونغم فنيّ ساحر: ذلك النغم البدوى الذي يترجم عن حب صاحبه للبادية، وعن عشقه للإبل، فهو ينعتها نعتًا لم تسمع أذن عربيّ مثله، فحل من شعراء الإِسلام المعاصرين، "عُبَيد بن حصين" الذي لقبوه "الراعى"، و "راعى الإبل"، لشدة شغفه بالإِبل وجودة لغته لها. ويهوِى "غيلان" إليه، ويلازم شعره يرويهِ ويتتبعه، ثم يصاحب هذا "الراعى النُميرى" حتى يكون راويته ويجعله إمامه. ولكن الفتى لم يخلق للإِبل ونعتها فيقصر قلبه عليها. إنهُ سرّ البادية، ولن تكون الإبل وحدها هي كلَّ همه من البادية، ولكن هكذا قدر لهُ، فيصحب الراعى ويحبه ويسلك معهُ المسالك، ليأخذ عنهُ دقة العبارة عن غامض النعوت والأوصاف، وليزداد تأملًا فيما يرى من أسرار البادية، كتأمل "الراعى" في الإبل التي استخرج غاية أوصافها. ولكن. . . إن بين جنبى هذا الفتى قلبًا يرتعد. قلبٌ محروم ظامئٌ يبحث عن رِيّهِ. هؤلاءِ النساء! أهو يبحث عنهنَ ليلهو بهن كما يلهو عمر بن أبي ربيعة وأشياعه، أم يبحث بينهنَ عن سرّ ضائع يريد أن يجده؟ أيقول كما قال أوّلا وهو يقلد ابن أبي ربيعة؟ . . . كلّا بل يقول:
وبيضًا تهادَى بالعشي كأنها ... غمام الثُّريَّا الرائحُ المُتَهَلِّلُ (1)
خِدالا قذفنَ السورَ منهنَّ والبُرَى ... على ناعم البَرْديّ بل هنَّ أخدلُ (2)
قصار الخطى يمشينَ هَونًا، كأنهُ .... دبيبِ القطا، بل هنَّ في الوعَثْ أَوْحَلُ (3)
نواعمَ رَخْصاتٍ كأن حديثها ... جَنَى النحل في ماء الصفا مُتَشمَّل
رقاقَ الحواشي، مُنفذِاتٌ صدورُها ... وأعجازُها، عما بهِ اللهو، خُذَّل
أولئك لا يُوفينَ شيئًا وعدنهُ ... وعنهنَّ لا يصحو الغويّ المعذَّل
__________
(1) الرائح: مطر العشى. المتهلل: السحاب الماطر.
(2) خدال: ممتلئات. السور: جمع سِوار. البرى: الخلاخيل. وعنى بالبردي: سواعدهن وسوقهن لنعومتها.
(3) الوعث الرمل اللين. أوحل: أكثر وقوعا في الوَحْل.
(2/754)

هذا هو ينقلب إلى بداوتهِ! إلى رقّة البادية العنيفة في رقّتها. أجل هنَّ النساءُ أيضًا، ولكنهُ لا يَتَضنَّى ولا يتهالك، بل يصف وهو جليدٌ، يقول هنَّ بيضٌ تتهادى، ثم يصرخ صرخة الظامئِ إليهنَّ يريد أن يروى منهنَّ ما استطاع، فهنَّ الغمام في آخر اليوم يتهلل بالمطر. هكذا رآهنَّ جملة أول ما رأي، ثم تستقرُّ أشواقهُ فيتأمل تلك الأبدان الفاتنة، فإذا الساعدُ ريَّان ممتلئٌ، وإذا الساق تامةٌ مستويةٌ لا عَضِلةٌ ولا مضطربة، كأنها ساق البردى في نعومتهِ ولينهِ بل هنَّ أخدل وأشد امتلاءً واستواءً. ثمَّ يراهنَ تتبعهنَّ نفسهُ، فيفارق سَورة المشتاق إلى هدأة المتأمّل، فيرى خطوهنَّ كأنهنَ قَطا يدبُّ على الرمل، بل هنَّ في مشيتهنَ في الرمل اللين السهل أحلى مشيةً. كأنما يخشينَ أن ينهال الرمل من تحتهنَ. ثم
يدنو إليهنَّ فيسمع اللحن الحلو الفاتن الذي يروى من ظمئهِ، إنهُ في نفس أحسن بردًا من شهدٍ مذابٍ في أخصر ماءٍ وأبرده وأنقاه، ثم يسكن ظمأه إليهنَّ شيئًا فشيئًا، فيرى كلماتهن تنفذ في سر قلبه، فإِذا أراد منهنَّ، ما كان يجد في كلام ابن أبي ربيعة وأمثاله من الفتيان اللاهين بالحب، وجد من حديثهنَّ، بعد الإطماع، ما يخذله وينهاه. فتضطرب نفسه من أعماقها باليأس منهن بعد الأمل، فيقول:
أولئك لا يوفينَ شيئًا وعدنهُ ... وعنهنَّ لا يصحو الغوى المعذّل
فهذا هو البدويُّ الفنان قد عاد مرة أخرى إلى البادية وأنكر لَهْو الحضر ورقته. ثمَّ ينطلق بعد ذلك -وقد كسب من "الراعى النميرى" دقة التأمل- يصف هذه الأرض التي نمشى عليها فيقول:
فما أمُّ أولاد ثكولٌ؟ وإنما ... تبوءُ بما في بطنها حين تَثْكَلُ
يسائل: ما هي أمُّ أولادٍ، ومع ذلك فهي لا تزال تفقدهم، فإذا فقدتهم امتلأَت بطنها بهم كما تمتلئ الحامل، فيثقلها هذا الحمل الجديد، يعني من يموت من الناس.
أَسَرَّتْ جنينًا في حشّا غيرَ خارج ... فلا هو منتوج ولا هو مُعْجَلُ
وهذا الذي يموت، فتُخْفِيه في حشاها، ويعود بدفنه جنينًا، لا هو يخرج إلى
(2/755)

الدنيا مرة أخرى مولودًا لوقته، ولا هي تلقيه سِقْطا مُعجَلًا قبل ميعاد مولده، بل هو أبدًا جنين مستقرٌ لن يرى نور الدنيا ثانيةً.
تموتُ وتحيا حائل من بناتها ... ومنهن أخرى عاقرٌ، وهي تحملُ
ومن بناتها أرضون حوامل، وحملها هذه القرى، تكون عامرة تارة وخرابًا تارة أخرى، فالقرى تحيا إذا كانت عامرة، وتموت إذا صارت خَرابًا. ومن بناتها أرضٌ هي البيداء، وهي عاقر لا تحمل قرى، ولكنها تحمل الناس من البداة الذين يسكنونها وينتجعون مراتعها:
تراها أمامَ الركبِ في كل منزلٍ ... ولو طالَ إيجافٌ بها وترحُّلُ
وهي بساط بعيدٌ مترام لا يتناهي، فهو أبدًا أمام السَّفْر. كلما ساروا وأوغلوا، لم يستقبلوا إلَّا أرضًا ولا شيء إلَّا الأرض، فهي:
تُقَطعُ أعناقَ الركابِ، ولا ترى ... على السير إلَّا صِلْدِمًا ما تَزَيَّلُ
إذ كل من أراد قطعها شَقِى في طَيها حتى تكاد أعناق ركابه تنقطع، وهي هي لا تنتهي حتى يخيل إليك أنك لم ترحل فيها عن مكانك، فكأَنك ركبت من هذه الأرض راحلة شاقة صلبة لا تفارق مكانها:
ولو جُعلَ الكُور العِلافي فوقها ... وراكبُهُ أعيتْ به ما تَحَلْحَلُ
فلو وضع الرحل فوق هذه الراحلة، أي الأرض، ثم علاه الراكب، لأبت ولم تتحرك من مكانها. ومع ذلك فإِن راكبها لو أراد أن تتحَرك به فإِنهُ:
يرى الموت إن قامت، وإن بَرَكت بهِ ... يرى موتَهُ عن ظهرها حين ينزلُ
فإِن الأرض إذا همت براكبها وارتفعت عن مكانها فذلك نذيرٌ بفناء الكون وقيام القيامة؟ وإن ثبتت به لا تتحرك فإِنه يرى ويستيقن أن ساعة موته قد دنت لينزل عن ظهرها. وهذه هي الأرض المفنية المحيية التي وصفها. فلما قارن بينها وبين الراحلة التي تُركب لتقطع عليها مسافة الرحلة، أتى بالدليل على ذلك وهو: أنها:
تُرَى ولها ظَهْرٌ، وبطنٌ، وذِروَةٌ ... وتشرب من بَردِ الشراب وتأكلُ
(2/756)

فالبطن جوفها الذي يغيب فيهِ كل شيء وكل حي إذا فارق الحياة الظاهرة، وظهرها جلدتها من الثرى والرمال، وذروتها وسنامها هذه الجبال، وإنها -أيضًا- لتشرب ماءَ الأمطار إذا نزلت عليها، وتأكل كل ما يلج في بطنها من شيء.
فهذه الأبيات في صفة الأرض، وهذا الخيال الذي توهمها، هو خيال الفتى المتأمل الذي بدأ يقف على مكامن الأسرار، لينفذ إليها، ويكشف عنها ببصيرة الشاعر الفنان المصور. وفيها سُخْرِية الضمير من الحياة التي لا معنى لها إلَّا الإجهاد الذي لا ينتهي، وفيها قوة "ابن البادية" الذي يستطيع أن يلم شعث الأَشياء المتفرقة ليستفيد من النظر إليها، ثم يلقيها ساخرًا مستخفّا لا يبالى. فما أمُّ أولادٍ ثكول. . . إلَّا مطية لها "ظهرٌ، وبطنٌ، وذروةٌ، وتشرب من برد الشراب وتأكل"، فمصيرها مصير كل مطية، هو الموت، هو إقبال الفناء بالهدم والتدمير، فمن وثق بالبقاءِ عليها وهي فانية فقد جهل وضلّ.
ثمَّ لا يزال الفتى، في أشواقه وتأملهِ، يقطع البيداء في الرحلة بين الديار والقبائل، في صحراء فاتنة ساحرة، ومَوْماةٍ مَخُوفة مَهُولة:
ومَهْمَه دَوِّيَّة مِثْكالِ ... تَقَمّسَت أعلامها في الآلِ
كأنما اعتَمَّت ذُرَى الجبال ... بالقزِّ والإِبْريسَمِ الهلهالِ
في كل لمّاعٍ بعيد الجالِ ... تسمعُ في تيهائه الأفلال
عن اليمينِ وعن الشمال ... فَنَّينِ من هماهم الأَغوالِ (1)
ويرى بقر الوحش، والثيران، والظباء، والنعام، والقطا، والجندب، والحرابى، والغراب، والذئب، فيرى ويسمع وينصت ويتأمل، وتستجيش نفسُهُ إليها صورًا من خياله القوي العنيف، فتترك الباديةُ وَسْمَها عليهِ، ذلك الوسم الذي لا يفارق من وَسَمَتْه بهِ. ولكنهُ على ذلك حائر لم يجد دنياه التي رآها أول ما أومض في قلبه ذلك الضوءُ المتدارك الذي لم يلبث أن خَفت. إنهُ يبحث عنها في
__________
(1) المهمه: الفلاة. الدوية: تسمع لها دويًا لخلائها. وتقمست: تغوص ثم ترتفع. والآل: السراب والأعلام: الجبال. واللماع: السراب اللامع. بعيد الجال: بعيد الجوانب لا شاطئ له. والتيهاء: التي يتاه فيها. والأفلال: التي لا يصيبها المطر. والأغوال جمع غول. (شاكر)
(2/757)

كل وجه. ويطول بحثه وفكره، وتتهيأ نفسهُ مستعدةً للتلفي أعظم أستعدادٍ، إنها نفس دقيقة حساسة لا تتبلّد.
وجاءَ القدر، فيخرج الفتى هو وأخوه "مسعود" وابن عمّه "أوفى"، في بِغاء إبل ضلت لهم، ويدخل على "مى" وهي تتغنّى (1). ذلك الصوت الذي يتحدر من سمعه إلى قلبه فيرسل فيهِ قشعريرة الإفاقة من إغماءِ طويل كان فيه هذا القلب. إن ألحانها قد أضاءَت فيه نبراسًا من النغم لن تزيده أعاصير الحياة إلَّا ائتلافًا وضياءً. ذلك الحديث بينها وبينهُ -وهي تصب له الماءَ في قربته- سيزيد على مرّ الأيام جدَّة في حقيقة روحهِ. أيُّ تعبير في الحياة كلها عن الفن والجمال هو أروع من هذا المنطق الرخيم، تفترُّ عنهُ ثناياها كما يفترُّ الفجر عن صباحهِ؟ أيّ فتنة في هذه الدنيا هي أنبل من حرّ هذا الوجه الأسيل المخروط المسنون الذي صقَلتهُ أسحارُ البادية وآصالها؟ أيُّ لذة في هذا الوجود هي أمتع من هذا الجِيدِ المتمرّد على جسد أهيف أملود يتحدَّى كل قوة في كل جمال؟ أيُّ متاع في هذا العالم هو أغنى من هذا الشَّعَر الجَثل الأثِيتِ المتموج على متنها، ينادى كل عاطفة لتضل في دياجيه الساحرة؟ أيُّ دنيا هي أعمق أسرارًا من هاتين العينين الصافيتين تسبح في صفائهما الروح إلى الغاية التي تُرَى ولا تُدرَك؟ ؟
وينصرف الفتى من لقائها، وفي سمعه نغماتها، وفي عينيه صورتها، وفي قلبه هواها، وفي روحه لذة خالدة تزداد على الأيام عِتْقًا ونفاذًا. فلئن أشقاه الحرمان بالرحيل، فلشدّ ما أسعده أن وجدها. فهو بين اللذة والألم يتردد، ولكنه في شَجوٍ يطربهُ كما يحزنة، ينال بأثريه في قلبه فرحةَ وجودها. لقد تزوّد منها نظرة وابتسامة وحديثًا. أنسته النساء وما فيهنَّ، وصرفته إلى طيف يُلم بهِ في مضجعهِ، ويعارضه في طريقه. يناديه إذا خَلا، فيأتيه جواب دعائه من أعماقه. . . صوتها، ألحانها، عيناها، كل شيء رآه منها أو سمعهُ يستجيب لهُ. ولكن القدر يعدُّه ليتلقى من "ميّ" ما هو أعظم من الفرح بحبها ووجدانها، فيتركه ينطوى
__________
(1) انظر مقتطف فبراير 1943 ص 125 - 130 (شاكر. وانظر الجزء الثاني من المقالات ص: 742
(2/758)

عليها، ويتسلى بها في خلوتِه فرحًا أن يزورها من عامهِ في ديار أهلها كما زارها من قبل. فيرجع إلى ديار بني مِنْقَر، لعامه هذا، فيجد القوم قد ارتحلوا عن منازلهم "بالوحيد"، فيقف على ديارها يسائل نفسه عن ميّ وأهلها، وكذلك يعرف الفتى منذ اليوم ما معني الوقوف على الديار، وما لذة مساءلة الأطلال، يعرفها تجزبة في قلبه، لا معرفة من شعر من سبقهُ. فإذا عاد إلى دياره -مؤملًا أن يعود إلى "ميّ"، فرحًا بما عرف من لذة الوقوف على أطلالها- قال:
"هل تعرفُ المنزلَ "بالوحيدِ" ... قَفْرًا محاهُ أبدُ الأبيدِ؟ "
"والدهرُ يُبلى جدَّة الجديدِ! ! ... . . . ."
فإِذا أتمَّ تساؤله، وعرف لذة ما كان فيهِ من موقفه هناك، أجاب نفسه فقال:
"نعم! فأنتَ اليومَ كالمعمود ... من الهوى أو شَبَهُ المورودِ"
يجيب نفسهُ مختالًا: نعم، ثم يصرف القول كأنهُ يخاطب آخر غيره فيقول له متعجبًا نعم: لقد عرفت، فأنت في يومك هذا كالمريض الذي هَدَّه المرض فهو يُسنَد من جوانبه ليستوى، أو مثل المحموم الذي وردتهُ حُمَّى نافِض (1)، فتلك الحمى هي ما وجدتَ في روحك من قشعريرة الشوق والذكرى. ثم يصرخ يناديها:
"يا ميُّ! ذاتُ المبسمِ البَرُودِ ... بعد الرقادِ، والحشا المخضودِ"
"والمقلتينِ وبياضِ الجيدِ"
ولكنهُ يعود فيذكر حديثها إذ قالت له -وهي تصب الماء في قربتهِ- تلومه على ارتكاب السفر، وهو صغير حديث السن، فيقول: يا ميُّ!
"أهلكتِنا باللومِ والتفنيد"
أهلكتنا! عجيب هذا الفتى البدوى كيف يرقّ ويقسو، ولكنه يعود فيعتذر لنفسهِ عن ملامتها وتفنيدها. مسكين! إنهُ يخاف عليها حتى في خلوتهِ وشعره، فيقول: هذا عذرها، إنها
"رأت شُحوبى، ورأت تخديدى ... من مُجْحِفاتِ زمني مِريد"
__________
(1) يقال: أخذته حمى نافِضٍ (على الإضافة) وحمى نافِضٌ (على الوصف).
(2/759)

"نقّحنَ جسمى عن نُضار العود ... بعد اهتزاز الغُصُن الأملود"
ثم يعود فيقول: كيف أعتذر لها؟ إنها رأت هواى لها فصدَّت عني، فيقول لها:
"لا! بل قطعتِ الوصل بالصدودِ"
ألم يكن ذلك كذلك؟ وإلا فلمَ:
"قد عجبتْ أختُ بَني لبيد ... وهربتْ مني ومن مسعود"
وإذن فهو الصدود والإِعراض بعد الوصل. أجل! إنها أيضًا تخاف أن يكون بيني وبينها هوَى غالبٌ، وبيّنة ذلك أنهُ لا يمكن أن يكون سرُّ صدودها أنها:
"رأت غلامي سفرٍ بعيد ... يدَّرعان الليل ذا السدود"
"مثل ادِّراع اليَلْمَقِ الجديد"
كما تدعى، فإن هذا الأمرُ لا يوجب دهشةً ولومًا وتفنيدًا، وإذن فهو الصدود، هو الصدود يا ميُّ! ! ويبيت يمنى النفس بغدٍ يراها فيه، فهو يتهيّأ لها، ويزوّر الأحاديث في نفسه للقائها، ويومئذٍ تجد صدُودها وإعراضها قد انقلب شوقًا وصبابة وإقبالًا على فتاها! هكذا كان يقول ويقدِّر، والقدرُ من وراءِ الحجُب يقول: على رِسْلك أيها المغرور! !
(2/760)

شاعر الحب والفلوات ذو الرُّمَّة
- 3 -
" ذو الرّمة يخبر فيُحسن الخبرَ، ثم يردُّ على نفسه الحجّة من صاحبه فيحسن الرد، ثم يعتذرُ فيحسنُ التخلّص، مع إنصاف وعفاف في الحكم" أبو عبيدة
تتحدَّث الباديةُ بأسرارها حديثَ اللَّوعة الخالدة في ضميرها، فتحنُّ الرياح وتئنُّ من أرجائها، ويقفُ "غيلان" يصغى إليها حتى تجاوبها نفسه فتناجيها بأشواقِها إلى "مى"، هذه اللوعة المتنهّدة في سر حياتهِ، فيحنُّ مع الريح حنينها ويئنُّ أنينها، ولكن ميعةَ الصِّبا، وغرَّة الشباب، وبراءَة الروح من عذاب الحب، تأبى عليه كلها أن يحزن مع هذه الرياح الباكية حزنًا كحزنها يستهلك النفس في طغيانهِ وعتوه. فَرِحٌ غافل: قد وجد دنيا كان يقلقُ إليها، ينشقُّ عن أسى لاهٍ: إذْ تعذَّرت عليه دنياهُ وهو يتصبب إليها.
يقف "غيلان" وإن دمه ليتوهَّج متدفّقًا في مدافِعِهِ، وإن آمالهُ لتستقبلهُ من كل وَجْهٍ تومض إليهِ إيماضةَ البرق في حواشي السحابة السوداءِ، وإن خياله ليمثل لهُ ميًّا وأيامها جنةً ناعمة تتفيَّأ النفس من ظلالها متاعًا لا تنقضى لذتُه. وتجيشُ غوارب الشباب بين جنبيه متلاطمة يتكفَّأ بعضها على بعض، فتنبعث قوته بتيارها مريدة مصممةً راغبةً، لا تنثني عن هذا الهدف الذي نشأ أمامها ففتنها ودلّهها. فهو يريد "ميًّا"، ويريد من أجلها كل شيء. سيسمو إلى "مى" بنفسه وحياته وشعره، وسيمنحها النفس والشعر والحياة غير ضنين. سيذهب المذاهب فيها، سيطوى البيد كالطف في ضمير الليالي، وسيجتابُ الحضر كالشعاع في مسرح الشمس، وسيأتيها بثمار الحياة ناضجة تغرى وتنادى، فتستجيب لها "ميُّ" من أعماق روحها مشتاقة منقادة. سيقذف بنفسهِ في كل سبيل، لتردّد البيداءُ
__________
(*) المقتطف، المجلد 103، يونيو 1943، ص: 41 - 47
(2/761)

والحضر صدى خطواته نغمًا حلوًا ينساب فيأخذ كل سمع ويستميل إلى شجوه كل جنانٍ. سيجعل اسمها لحنًا بدويًّا عنيفًا رقيقًا بعيد القرار متجاوب الإيقاع، ينبسط في جوّ الشعر العربي فيلين القلوب القاسية، ويذيب الكباد المتحجرة، ويحيى بالشوق من أهلكتهُ الصبابة وأحرقهُ الوجد وذرّاه (1) الهيام، وتلتفّ حولهُ عشرون عامًا مضت عليهِ من يوم وُلد كأنها أغلالٌ وسلاسل، فهو يجاهدُ أن يفضَّها عنهُ ليحرر لميّ كل حياتهِ وكل همهِ وكل أمانيهِ، فإذا فعل فقد رجَّعت البادية اسمه واسمها، وثارت ميٌّ إلى الصوت تستشرف، لترى هذا القلب العاشق المتيَّم الذي استكنَّ في صورة رجل بدويّ لا تمسك الطرف على محياهُ فتنة ساحرة أو جمال بارع، ويومئذٍ لا تأبى عليهِ مىٌّ إباءَها، بل تعرف ذلك الفتى الذي وهب لها من عينيه وقلبه عَلاقة الأبد.
هكذا كانت تقول له نفسُه، وهكذا جعلت خطرات الهوى تندفع بهِ في تأمُّله، وتمر الأيام بهِ وهو يلحُّ على نفسه إلحاح الحائر المحروم يتعجَّل ميقات ما يتشهَّى أن يكون ولكنه لا يجد من حيلتهِ إلا أن يفيض إلى ديار ميّ يطوف بها، يختلس النظرة إليها وهي على باب خبائها تستقبل الشمس بسُنَّة وجه تتلألأ عليها أشعة الشرق، فتكسوها غلالة من بهاءٍ يتلهَّبُ، حتى تضطرم في قلبهِ نار الوجد عليها. أو يلمحها وهي تنعطف بجيد غزال تريد خباءَها فتنعطف في إثرها دواعى هواه. فكانت هذه الخطراتُ مما تزيده شوقًا وغرامًا وصبابة، ثم يعود قد طوى النفس على ظمإ يائس، لم يروَ إلا ليستأنف شدّة والتياحًا (2). هكذا كان يتقلب غيلان في أيامه ولياليه. أما ميّ فكانت لا تحس شيئًا، ولا تجد لغيلان في نفسها صدًى أو ذكرًا. إنهُ شيءٌ كان ثم مضى، لم تلتفت إليه الفتاة التفاتة الحريص المدّكر.
ويحوم "غيلان" يومًا حول ديار "مي" بأسافل "الدهنا"، وإذا هي تغسل ثيابًا لها ولأنها في بيتٍ رثٍّ من الشعر، فيهِ خروق يرى الناظر منها ما وراءَها.
__________
(1) ذرَّاه: أضعفه وبدَّد قواه، وأصله للريح تدفع التراب فتنثره وتبدّده.
(2) الالتياح: شدة العطش.
(2/762)

ويلمحها متجرّدة متكشفة ليس بينها وبين عينيه إلّا الهوى ومهالكهُ. لقد ارتدّت هذه اللمحة إلى قلبه حريقًا يتسعر حتى أتلفت كل ماضيه، أنهُ رجلٌ ليس له ذكرى إلّا ذكرى واحدة سوف تعرض لهُ مع كل مشرقٍ ومغيبٍ، فلا يذكر من مواضى أيامه إلّا ما رأى في يومه هذا. . . فتنة وغرامًا وتعذيبًا لا تنتهي غوائلهُ. يمضي على وجهه كالهارب من لذْع ما يجد، ولكنهُ لا يلبث أن يعود لينظر النظرة الأخرى، فلا يجدها إلَّا قد لبست ثيابها وجلست إلى أمها تحدثها على باب الخباءِ. ويذهب ويجئُ في تحرُّقه، فتسوّل لهُ نفسهُ أن يقبل على مىٍّ وأمها ليسمع حديثها من قريب، فيدَّعى لهما أنهُ أضلَّ بعيره فهو ينشده، فما يروعه إلّا أن تدعوه العجوز فيدنو ويجلس إليهما، وجعلتا تناقلانه الحديث سرْدًا واحدًا لا تسألانهِ ولا تستخبرانه عن شيء من أمره. أغفلتهُ الفتاة وجهلتهُ أمها، كأنْ لم ترياه من قبل. أهكذا تقتحمُ "غيلانَ" عيونُ الناس فلا تأبه له ولا تبالى بهِ؟ فيتربَّد وجههُ، وتختلج شفتاه، وينطلق مسلمًا مودّعًا ثائرًا كأنما نهشتهُ في مجلسهِ حيةٌ أو أطارتهُ جِنَّةٌ عن حلمِه، وينصرفُ أشد ما كان يأسًا ووجدًا وهيامًا. تعجبُ مى لما ترى مما غفلت العجوز عنهُ. إنه ينظر إليها بعينين ترى في شعاعهما لهبًا، وفي وقعهما لذعًا، وفي تتابعهما معمعة تتكلم كلامها ولا تبينُ. وتلتفت ميّ إلى عجوزها وتقول: أمَّاه! تالله أنه للفتى العدوىُّ الذي دخل علينا حِواءنا عام أول يستسقى! ! إنه لهو ذو الرُّمة قد ثاب إلينا! وكأني يا أماه قد قرأت في عينيه أنهُ اطلع عليّ آنفًا فرآنى متجردة من حيث لا أرى ولا أشعر! ! اذهبي يا أماه فقصِّى أثره من حيث لا يراك ..
وتعجل أمها وراءه وقد ذكرته وعرفته، وتعود إليها تقول: أرأيت يا ميّ؟ إنه والله لهو ذو الرمة! لقد أخذته عيني من قريب وهو لا يرانى، ولقد رأيته يتردد آنفًا أكئر من ثلاثين طرفة، كل ذلك يدنو فيطلع إليك ثم يرجع على عقبيه، ثم يعود. وإني لأخاف عليك بعد اليوم يا بنيَّتى، فقد وقعتِ في لسان شاعر فيما أرى، وما أنسى ما حييتُ ما قال لي فيك: أما والله ليطولنَّ هيامى بها! اللهمَّ إنا لا نسألك ردَّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه!
(2/763)

ويعود ذو الرُّمة إلى دياره غضبانَ أسِفًا، ولكنهُ قد عزم وصمم. فستكون له مى عرفتهُ أو أنكرتهُ، وسيهدى إليها بشعر يضئ لعينيها طريق قلبها رضيتهُ أو كرهتهُ، وسيقذف على ألسنة الرواة، من شعره الذي يذكرها فيهِ حتى تتلقف الآذان اسمها فتطلع إليها وإلى أخباره وأخبارها، فلا يلبث من فوره أن ينشد الناس في الأندية ذلك الرجز الذي ذكرناه آنفًا: "هل تعرف المنزل بالوحيد؟ "، ثم يُرْدِف إليها ذلك الرجز الآخر الذي يقول في أولهِ:
"قِفا نُحَيِّى العرصاتِ الهُمَّدا ... والنؤْىَ، والرميمَ، والمُسْتَوْقَدا" (1)
والسفعَ -في آياتهنَّ- الخُلَّدا" (2)
والذي جعل يتكذب فيهِ بما لم يكن وما لم يرَ من مىّ ومن صواحبات لها، فيقول يذكرها ويذكرهنَّ، وأن الديار ورسومها قد هاجت كمده:
"أَوْلَى -لمَن هاجت له- أن يَكْمَدا ... أَوْلَى، وإن كانتْ خلاءً بعَّدا" (3)
"وقد أرى والعيش غير أنكدا ... ميًّا بها، والخَفِراتِ الخُرَّدا" (4)
"غرَّ الثنايا يستبينَ الأَمْردَا ... والأَشْمَطَ الرأس وإن تجلَّدَا" (5)
"قواتلَ الشَّرْقَ قتيلًا مُقْصَدا ... إذا مشينَ مِشْيَةً تَأَوُّدا" (6)
هزَّ القَنا لانَ وما تَخَضَّدَا ... يركضنَ رَيْطَ اليَمَنِ المُعَضَّدا" (7)
وسالت أودية بني عدي بهذا الشاعر الذي نبغ بينهم، وتناقلوا ما أنشدهم، وتساءل القوم: ما "ميّ" هذه التي يذكرها؟ وكل امرئ يخشى أن تصيبه معرَّة هذا اللسان العاشق حين يتولج إلى حرمه بالصبابة والوجد. وأقبل على "غيلان"
__________
(1) النؤى: حَفْر يكون حول الخباء يمنع الماء. الرميم: الرماد.
(2) السفع: الأثافي، تضرب إلى السواد فيهن حمرة.
(3) بعدا: كذا بالأصول، وبعيد لا تجمع على بُعَّد. ورواية الديوان وسائر المصادر: يُيَّدا: أي نائية.
(4) الخرّد: الحَيِّيات.
(5) الأمرد: الذي لم تنبت له لحية بعدُ. الأشمط: الذي خالط سواد شعره بياض.
(6) الشرق هنا: البكاء، وأجود روايات البيت: السَّرْق، أي استراق النظر.
(7) تخضد: تثنَّى. الريْط: جمع ريطة، وهي الملاءة. المعضد: ضَرْب من الوشى.
(2/764)

إخوته يستخبرون خبره، ويسألونهُ عن ميّ من تكون؟ وجعلتْ نفس "غيلانَ" تعتاص على الناسِ، فردَّ السائل بخَيْبته، وائتمن عليها أخاه مسعودًا فهو أحق الناس بالأمانة: إذ كان عونًا لهُ في سفره، وصديقًا قد اقتربَ ما بينهُ وبينه، ولم تَعُد للسنِّ قدرةٌ على التفريق بينهما في المودَّة النامية المتوثّقة.
ولم ينشب هذا الشعر وما سواه أن تدفَّقَ إلى ديار بني مِنْقر من كل وجه ومكانٍ، وعرفَت العجوز وعرفت ميٌّ أنهُ يريدُها، وأن الأمر قد استَعْصى، وأن الحزمَ أن يُبتَّ الرأيُ تبل أن تذهبَ ساعته ورأتِ العجوز أن تقطع هذا اللسان المتقحّم باليأس، فإذا ملكه اليأس غلبهُ العيّ والحصر، وانتهى أمرهُ -كما ينتهي أمر كثير سواه من نوابت الشعراء- إلى لجاجة ثم فترة ثم سكون. فدسَّت العجوز إلى فتى من بني مِنْقر يقال له "عاصم" دسيسًا يرغبهُ في ميٍّ، ويُسَنِّى له من أمرها ما قد يتعسَّر عليه، ويكفل له رضاها أن تكون له زوجًا. فسعى "عاصم" إلى العجوز سعى الملهوف، وجعل يماسحها ويعرّض لها بخطبة ابنتها حتى صرّح، فرضيتهُ لابنتها، ليكون عاصمًا لها من لسان هذا المتجريء الباغي إليها الفضيحة والعار. واستشيرت ميّ في أمرها فقبلت، وتم الرأي على أن يبنى بها حين يشاءُ، فسارع عاصم وقضي الأمر.
أما ذو الرّمة فقد رجع إلى دياره، ثم أوفض منها إلى البصرة نافرًا عجلًا يريد أن يقضى فيها عامهِ هذا حتى يصيب من الذكر بين أئمة العلماءِ وفحول الشعراء، ما يردُّ عليهِ راحةً قد استلبتها هذه الفتاة الطاغية التي أحبها ذاكرًا مردّدًا راغبًا، فكان جزاؤه منها أن اقتحمته وأسقطتهُ، ولم تعرف له حقًّا يذكر أو هوًى يكون منها على بال. ونزل هذا البدويّ مدينةَ الحضر، فجعل يتلفت ههنا وههنا، فلا يجد إلفًا يألفه إلّا شذّاذ القبائل الذين نزلوا "البصرة"، وخلطوا أنفسهم بالتجار وأوشاب أهل الأسواق، وجعل يتسكع معهم حائرًا بين حوانيت البقالين وأشباههم، قد فترت همته عما كان خرج له من بلاده.
وكانت البصرة تموج بالناس من نواحيها، واجتمع فيها من العلماء والشعراء
(2/765)

ما لم يجتمع في مثلها من قديم أيام العرب، فقامت فيها سوق من أعظم أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، تضَارع سوق عكاظ منتدى الشعراء من أهل الجاهلية، وهي "المرْبدُ": مِربد البصرة، حيث يجتمع العلماء والكتاب والشعراء يكتبون وينشدون ويتفاخرون ويتهاجون. وأقبل ذو الرُّمة -هذا البدويّ الراجز- يسمع إلى الرجز والشعر الحديث. فلما سمع من رَجز العجاج ورجز ولده رؤبة علم أنهُ إذا ألحَّ على الرجز لم يقع من هذين الفحلين موقعًا، ورأى أنهُ إذا بقي عليه يقوله، عرَّه ما يقول، فعزم أن يصرف نفسه عنه ويعوّل على الشعر وحده. وكان ما يسمعهُ من الشعر في هذه السوق العظيمة قد هاج في نفسه الرغبة في المنافسة، إذ كان الشعر أسهل مأتًى، وأوسع مجالًا، وأدنى إلى القدرة على الإجادة، وأولى أن يكون تصريفُ القول فيه أحسن وأنبل، وأن الرجز لا يطيق ما يطيقه الشعر من المعاني. وكانت نفسه إذ ذاك تتحرك مغاضبةً إلى ميّ، وترقُّ لها، وتريد متنفسًا تَبُثُّ فيهِ لوعتها وأشواقها، والرجز لا يستوى على إرادتها، وقلَّ في العشاق من الشعراء من رَجَزَ بحبه. وكذلك بدأت نفسه تستقبل الشعر وحده، وتدع الرجز لهؤلاءٍ البداة الغلاظ الأكباد يقولون في أغراضه ما يقولون.
ولا يكاد يشك في أن الشهور التي يقضيها ذو الرمة بمدينة العلم والشعر والحضارة، قد جعلت تهزُّ نفسه هزًّا عنيفًا متتابعًا لا هوادة فيه، وأن شدَّة ما لقى من الغربة في هذه البيئة الجديدة التي لا عَهْد له بمثلها، قد أحدثت له فترةً وانكسارًا، وكادت تذهب به في الخمول مذاهبها. ولكن العاطفة المحنقة التي تجيش بين جنبيهِ كانت توجه هذه النفس إلى الغاية التي أعدت لها. وكذلك بقي ذو الرمة حائرًا لا يدرى كيف يتوجه بالرأي والعزيمة، فهو يدخل حوانيت البقالين يبقى فيها يسمع من لغو أهل الحضر ما يسمع، ثم ينصرف إلى المساجد وقد تحلَّق الناس على علمائهم يسمع من هؤلاء وهؤلاءِ، ويتلقف الكلمة بعد الكلمة مما يدرك من جدَ لهم وأحاديثهم. ثم يفكر في ذلك ما شاءَ الله، لم يأخذ نفسه بالدّربة على شيءٍ مما يتعلمون أو يتناقلون. وكان أكبر ما شغل عليهِ خواطره قول
(2/766)

هؤلاءِ المتكلمين في القضاءِ والقدر، وما يتنازعون فيه من الشر الذي يقع في هذا العالم، أهو مُرادٌ من الله تعالى أم غير مرادٍ؟ ويعجبهُ أن يذهب إلى أن الشرّ ليس مرادًا لله تعالى، وأن إرادته لا تتعلق إلّا بالخير، وأن الناس وما سواهم هم الذين تتعلق بالشر إرادتهم. فكان له في هذه المجالس شغل عما يتردد بين جنبيه من وساوس مى وبلبالها، وأخذت تهدأ على الأيام حدّة ما يجد من ذكرها، ويذهب عنهُ عناءُ ما يلقي من خيالها. وكان كل ذلك يرقق من قسوة البادية التي نشأ فيها، ويلين من جفائها وغلطتها، ويمهد لسماحة أهل الحضر ورقتهم وظرفهم ومباذلهم طريقًا في نفسه، يهديها إلى السمت النبيل المتواضع الذي درب عليهِ الناس ممن يعاشرهم في هذه المدينة.
وأنس به أهل الحاضرة -"البصرة"-، فكان لبلاغة منطقه، وحسن تَهَدِّيه إلى غاية القول، وصدق عبارته عما في نفسه، وقوة بيانه البدوي عن المعاني التي يبتذلها أهل الحضر بإهمالهم، وسرعة بديهته فيما يعرض له، وقدرتهُ على تخيل الأشياء بذلك الفكر البدوي المحض، وإرساله في الكلام شعاعًا من الفطرة السليمة التي لم تفسد على الترف والعبث والمخالطة، كل ذلك جعل أهل البصرة -من عرفه منهم- يحبه ويستدنيه ويتحفَّى له، حتى صار يدعى إلى أعراسهم وأفراحهم وملاهيهم، ليسمعوا من حلو حديثه البدوي صفةَ هذه الأشياء التي لا عهد لأحد من أهل البادية بها. فكان ذلك سببًا في أن يقال عنه -بعد أن طار اسمه في الآفاق: - هذا الشاعر البدوي! ! تالله لقد كنا نراه بالبصرة طفيليًّا يتدَّسس الى العرساتِ! !
وشغله المربد عن شعراء البادية الذين كان يألفهم ويروى شعرهم، وجعل يسمع مناقضات جرير والفرزدق والأخطل، ويحفظ ما يرد على المربد من شعراء الحجاز، ولكنه لا يجد عند أحد من هؤلاء ما وجد عند "الراعى النميرى": مِن نَفَس رابٍ كأنما يقذفهُ مرجل أوقدت عليهِ نار لا يخبو لها سعير. فهذا القلق الذي استولى على رأيه في الشعر، وهذا السأم الذي استبدَّ بعزمه في الحياة، وهذه اللوعة التي اعتسفت قلبه في الحب، كل أولئك كان يُعِدُّ هذا اللسان الشاعر
(2/767)

إعدادًا جديدًا لتنطق البادية العاشقة على عَذَباته (1) أجمل بيان وأعنفه، وأروع نجوى وأحلاها، وأدق نعت وأشكله. فكانت أيامه بالبصرة تدريبًا لابد منهُ لهذه النفس البدوية المفطورة على جانب من الخشونة والجفاء.
ومضى العام عليهِ بالبصرة، فاجتوى ريح الحاضرة من طول ما أقام بها، فآثر أن يعود إلى ديار قومه بالبادية ليتنسَّم تلك الرُّوَيحة الحبيبة إلى القلب البدوي، وليستروح نسمات ميّ إن أطاق أن يكفكف من كبرياء نفس ثائرة متمردة عنيفة في أصل جبلّتها. والبادية هي البادية قلَّ أن تتغير لها صورة أو يجدّ لها جديد، فنزل على إلْفٍ قديم حبيب، تتلقاه أمهُ رفيقة به على عاداتها، ويسائله إخوتهُ ولِداتُه عن أمر الحاضرة كيف وجدها، وما لقى فيها، وما الذي أحبَّ منها وكره، وكيف ترك ابن عمه "أوفي"، وقد زعموه تحضَّر وأخذ من علم الحاضرة، يسمع في مساجدها عن شيوخ الحديث حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فينبئهم بأخباره، وأنَّ أوْفَى قد ترك البصرة في طلب حديث نافع مولى ابن عمر، فلم يلقه بها. ويحدِّثهم أنهُ لقى أُمَّ الصهباء معاذةَ بنت عبد الله العدوية العابدة، وما يتناقل الناس من أخبار عبادتها وتقواها.
ويقيم ما يقيم، ثم يعزم على أخيه مسعود في الرُّفقة حتى يزور ميًّا، ليتزود منها نظرةً لعلها تردّ من صدره هذه البلابل التي نشأت توسوس له أن قد أصابها مكروه. وينهاه مسعود أن يُتْبع نفسه هذه الفتاة التي عنَّتْهُ وأنهكتهُ وشغلت عقله عن أمر دينه ودنياه، وقبيح بالرجل أن يلجَّ على من أعرض أو نأى عنه بجانبه، والنساءُ بالنساءِ أشبه من الغمامة بالغمامة، فما هذا العناء الذي يفنى فيهِ أيامه ولياليه؟ ثم يرى مسعود في سُكات أخيهِ أنينًا يلتجُّ تحت الهدأة، وينظر في عينيه إطراقةً تستصرخ غوث الرحمة، فيأوى (2) لذلك الشبح المستكين وراءَ هذه التجاليد الصامتة المستحصدة، ويشفق عليه أن تنتهب حياته هذه الأشواق التي تتنازعه من كل مغيب عاطفة أو صبابة. "لك ما شئت يا غيلان، فأنت والرحيل
__________
(1) عذبات اللسان: أطرافه.
(2) أوى له: رقَّ له ورحمه.
(2/768)

كيف عزمت، وإني لرفيقك حيثما وجهت". وهكذا يصبح مسعود عون أخيه في هذه البأساءِ التي يتضرع لها بعد جلادة. ويرتحلان يقصدان بلاد بني منقر، فإذا الديار بلاقع ليس بها أنيس، إلَّا هذه الظباءُ وهذه المها تتهادى كأنهن العذارى يرفلنَ في بيض الجلابيب. ويعوج ذو الرُّمة على النؤى والرسوم ينظر إليها نظرة الواله المتوجس، ويدور عليها كأنهُ يستخبرها وهي تستعجم عليه لا تجيب، "والدار لو حدثته ذات أخبار". ويظلُّ ذو الرُّمة يتوهم لنفسه أوهامها في مى، ولكن لا تخطئه وسوسة الغيب بأمر ذي بال قد أصاب صاحبته، فهو يزداد التياعًا كلما ازداد ريثًا في مكانه من هذه الأطلال الخُرْس النواطق. ثم تنزو بهِ روعةٌ كأنه آبدٌ قد نشِط من قيده، وينطلق يجوب هو ومسعودٌ هذه الفيافي يسألها عن مذاهب مى في غوامضها ومنكراتها. وهكذا يبدأ هذا العاشق يتطوّح في أقدار مجهولة لا يدرى أين ينتهي به سيرُه وسُراه!
ولكن لا يلبث أن يجد في أسفاره جماعة من بنى منقر قد انفردوا عن أهلهم في أرض ينتجعونها، ويسألهم عن أخبار ميّ، فيعلم يومئذ أن قد ذهب بها عاصم المنقرى. ربّاه! لقد تهدّم البناء الشامخ من كبريائهِ على قلب حي نابضٍ محب لم يسكن ساعة عن ندَاءِ ميٍّ من وراء الأسوار المضروبة عليهِ. ألم تعلم هذه الحبيبة أن غيلان قد أخلص لها حقيقة ما في قلبه من الحب والهوى؟ ألم تدرك بعد أن حياته كانت تفيض إليها متدفقة من أغوار النفس الجياشة بالعشق والصبابة؟ أكانت هي الغريرة البلهاءَ حتى لا تجد على نفسها لواذع نظراته إليها ملتاعًا قد توقد وجده بها؟ ألم يكن في عينيه ووجهه وحديثه عهدُ المحبين إلى من أحبوا؟ وتغوَّلتِ به الأرض الفضاء فلم يجد الَّا ضلالا وحيرة في وحشة هذه الحياة المجدبة الجرداء، التي قذفت به فيها هذه الفتاة اللاهية عن جد الحب الذي لا يلهو ولا يهزل، أي غدر قد ألقى به في مُغَوَّاة (1) مظلمة قد افترشتها أفاعي الغيرة والغيظ والضغينة. فانطلقت تنهش منهُ بأنيابها، وترسل في عروقه
__________
(1) المغَوَّاة: حُفْرَة تحتفر للأسد لصيده.
(2/769)

ذلك السم الذي يغلى عليهِ دمهُ؟ وفي سكتة البيداء التي لا حس فيها ولا ركز (1)، تترامى إليه من كل وجه أصوات تتردد "ميّ، ميّ" وتقع في سمعه إلى قلبه سهامًا مسددة تنفذ في رميتها تنشُّ كأنها سِكَّة محماة.
ما أقسى هذه الساعات التي تمر عليهِ وهو كالملقى على جمرات الغيظ في غمرات من لهيب الغيرة! ! إنها تمضي لا يحس منها إلا حريق الزمن خالدًا عليهِ، لا ينقضى ولا يتقطع. وأخوه مسعود إلى جانبه ينظر مشفقًا متلددًا إلى شبح ساكن لا ينود (2) منهُ شيء أو يتحرك. من لهُ بأن يستلَّ أخاه المسكين من أمواج أطبقت عليهِ من كل مكان؟ إن الصمت وحده هو كل ما يستطيع أن يعين بهِ أخاه على بلوى هادمة مدمرةٍ، صمت ينطق بالمشاركة والإسعاد، والرقة والحنان. ليتهُ ما أطاعهُ، بل ليتهُ أغرى أخاه بالرحلة في جانب من الأرض بعيد فعسى كان يستجدُّ له من نوازع الحياة ما يكفيهِ شر مىٍّ وشرّ هواها.
وكذلك يخطو ذو الرُّمة الخطوة الأولى في الطريق إلى حقيقة الحب. . .، في الطريق إلى العذاب. . .، في الطريق إلى الجحيم الذي يجعل النفس العاشقة سعيدة بالألم، متشبثة به، آلفة له، باحثة عنهُ لو فتر عنها أو سكت.
__________
(1) الحِسّ والرِّكْز بمعنى.
(2) ينود ويتحرك بمعنى، وإن كانت الأولى فيها بمعنى التمايل.
(2/770)

" جمعية الشبان المسلمين"
في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة 1353 وضع الحجر الأساسى لبناء دار جمعية الشبان المسلمين، وإني ليحزننى أن لا أكون حضرت وضعه في أرضه المباركة، فلقد كان قلبي يوما ما لبنة حية من لبنات هذه الجماعة، ولا يزال هذا القلب مخلصا لها إخلاص ورع لا دعوى فيه، محبا لها محبة إيمان لا نفاق فيها، يبتسم لما تبتسم له، ويغضب لما تغضب له، ويأسى لما تأسى به، ولئن كان من أحداث الدهر عندي أنى انقطعت دون أصحابى من هذه الجماعة، فوقفت وساروا، فإني لا أزال أجد في نفسي الاطمئنان إليهم، وما بى عنهم من تأخر حين يدعوننى إلى مكانى من صفوف المجاهدين يوم يشتد ساعدى للجهاد.
وبعد أن وضع هذا الحجر الأساسى رغّب إليّ أستاذي وصديقي محب الدين الخطيب أن أتعجل في كتابة التاريخ الماضي للأيام الأولى لظهور هذه الجماعة التي انتشرت في عام واحد بين خوافق العالم الإسلامي، انتشار النور الإلهي في القلوب المؤمنة، وسبيل التاريخ في مثل هذا أن تذكر الحوادث مؤرخة باليوم والساعة، مبينة بالمواضع والأمكنة، محددة بالرجال والأعمال، ولكني وجدت أن أوراقى قد تشتّت على الآن، وليس بين يدي منها إلا القليل الذي لا يأتي منه هذا التاريخ على وجه التدقيق والتحقيق. فقصارى ما أكتبه في هذه الكلمة أن يكون تاريخا مجموعا من أشتات الورق، ثم مما وعته الذاكرة من أيام كانت تمر بنا إذ ذاك مر السحاب، لفرط ما فيها من الحياة والشباب، والعجلة والاهتمام، ثم إن فرحة ما كنا بسبيل تحقيقه هي مما يُنْسِي المرء كل شيء، حتى لذة العمل والإخلاص.
__________
(*) مجلة الفتح - العدد 401، السنة التاسعة، 16 من ربيع الأول 1353 ه، 29 يونيو 1934.
(2/771)

" تاريخ اليوم الأول"
ففي مثل هذا الشهر (ربيع الأول من سنة 1346) زار مكتب الأستاذ محب الدين الخطيب في دار المطبعة السلفية ومكتبتها فضيلة الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر حسين، وكانا يتحدثان في أمر الاجتماعات التي كانت جمعية الشبان المسيحية تعقدها في تلك الأيام -كدأبها إلى اليوم- تدعو لها رجالا من رجال مصر، ليحاضروا الناس في دارها. فمما حدث يومئذ أن تلك الجمعية دعت إلى دارها رجلا كان من دأبه أن يجعل القرآن موضعا للتهكم والشك. وفيما هما في حديثهما هذا دخل عليهما صديقي الأديب الضليع الأستاذ عبد السلام محمد هارون -الطالب إذ ذاك بتجهيزية دار العلوم (1) - فأشرقت بوجوده فكرة انبسطت أنوارها فيما بعد، وأضاءت ظلمات من الغفلة والخمول والدعة، كانت قد انطبقت على العالم الإسلامي عامة، ومصر خاصة، حتى كنا نستشعر الفزع مما يمر بنا من أطياف الحوادث التي تمر بالناس، ولا تصيب منهم شيئا يبكى له، أو يؤسف عليه. . .
من ذلك الشر انقدحت الشرارة الأولى التي أوقدت النور الذي أشرق على العالم الإسلامي في الشهر المبارك شهر مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليكون ضياء للمسلمين، يسترشدون به في أمر دينهم عامة، ثم اجتماعهم خاصة بعد أن أصاب الأمة الإسلامية من قِبل التدابر والتقاطع، والفرقة والشتات ما أعيى حكمة الطبيب، وإشفاق الآسى. فلذلك كانت هذه الجمعية ولا تزال لا غرض لها إلا أن يكون المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، ولا تتعمد في ذلك طعنا في دين، أو منابذة لملة، بل غرضها الذي لا يتغير أن تطلب خير الأمة الإسلامية والعربية من كل سبيل.
والآن نعود إلى تاريخ هذه الجمعية. . . أشرقت هذه الفكرة فكنت في طليعة
__________
(1) وقد تخرج بعد ذلك في مدرستها العالية، وهو الآن يتولى التدريس في مدرسة فارسكور الابتدائية، من أعمال مديرية الدقهلية (شاكر).
(2/772)

مَن سُوِّغ من أشعتها لمحات، لا تزال تضئ في قلبي سراجا هاديا، فيما ينطق عليّ من ضلال الحياة انطباق فكٍّ من الظلام على فك. . . وكنت (حين تفجر النور من منبعه الصافي) مع أخي الذي أشرقتْ عليه (عبد السلام هارون) في طريقنا إلى المطبعة السلفية، يدفعنا الشباب، وتثور بنا الفكرة المنبعثة من الآلام التي لقيناها حين سمعنا خبر جمعية الشبان المسيحية. وكانت دار المطبعة السلفية -ولم تزل- نبع القلوب الصادية، تردُها من الشباب فئة قليلة الصبر على ضيم ينزل بالأمة العربية من ظلم الاستعمار، وعصبية الاستعمار. ففي المطبعة السلفية قلد السيف صاحبه. . . ذلك المجاهد الرابض في مكتبة، يواصل الليل بالنهار، عاملا لأشياء قد استقرت في نفسه فصارت إيمانا، ودارت على لسانه فأصبحت تسبيحا، وترامت عن قلمه فكانت جهادا - ذلك هو محب الدين الخطيب.
لم يلبث هذا الجمع أن جمع من كبار المجاهدين رجلين: أما أحدهما فرحمة الله عليه أحمد تيمور باشا، ذلك القلب الرقيق الوفي، الذي لا يَنْسَى ولا يُنْسَى، وأما الآخر، فهو العالم المخلص، والكاتب البليغ الأستاذ السيد محمد الخضر حسين، الذي بارك الله به هذا العمل من الساعة الأولى، فمن هؤلاء جميعا استفاض النور الحي الجميل على مدينة الأحلام الفاتنة، التي نسميها الآن (جمعية الشبان المسلمين).
أما تيمور باشا رحمة الله عليه فحين سمع ما تآمرنا له أضاء وجهه، وابتسم ثغره، وترقرق الدمع في عينه، حتى لظننت أنى لا أرى رجلا شيخا، بل أرى قلبا فتيًّا حيا، يتنزى إلى جهاد يبذل فيه الروح في غير حرص ولا شح.
وأما السيد الخضر فكان كالغُصن الرطب، حين يَفيئه النسيم، يهتز طربا وسرورا، فحين بدأنا العمل أصبح نشاطا قد سُوِّىَ رجلا، وإيمانا قد أفرغ قلبا، وصراحة قد جمعت حزما وعزما.
هذا الاجتماع الأول كان هو الحجر الأساسي الذي يقوم عليه البناء الحي النابض بدم الشباب، العامل بفكرة الشيوخ، المترامى إلى الحقيقة العظمى في
(2/773)

تاريخ الإنسانية، ليثبت أن الإيمان يمنح الضعيف أسبابا من القوة والرهبة، تنشيء في القويٍّ أَدْوَاءً من الضعف والفزع.

" دعوة الشباب إلى الجمعية"
افترقنا بعد ذلك الاجتماع، وذهب صديقي عبد السلام، وذهبت إلى من نعرف من أحبائنا وأصدقائنا، نداولهم ونشاورهم. وأذكر أنا لم نذق ليلتنا نوما نطمئن إليه، فقد كانت حياة الفكرة في أعصاب الشباب كفيلة بأن تنشيء فينا القوة على الاطمئنان إلى العمل، وتنفي الركون إلى الراحة والدعة. . . ووفق الله في اليوم التالى فصار عدد الدعاة إلى إنشاء الجمعية اثنى عشر شابا من طلبة المدارس العالية والتجهيزية على اختلافها. نذكرهم للتاريخ، لا للفخر والتعالي:
محمد محمود الخضيرى من قسم الآداب بالجامعة
مصطفى محمود القاضي من مدرسة الهندسة
محمود محمد شاكر من قسم الآداب بالجامعة
زكي القاضي من مدرسة المعلمين
عبد الفتاح كيرشاه من قسم الحقوق
عبد السلام محمد هارون من مدرسة دار العلوم
كمال اللبان من كلية الحقوق
عبد المنعم خلاف من مدرسة دار العلوم
محمد القاضي من كلية الحقوق
محمد أبو الفضل إبراهيم من مدرسة دار العلوم
محمد محجوب من كلية الطب
توفيق أحمد البكرى من مدرسة الجيزة

" الاجتماع الأول"
اجتمع الإخوان الاثنا عشر يرأسهم تيمور باشا رحمة الله عليه، والسيد الخضر ومحب الدين في المكتبة السلفية، وتبادلوا الرأي في تنفيذ الفكرة على
(2/774)

أساس من القوة، ومن العجب أن هذا الاجتماع لم يحدث فيه اختلاف ما على فكرة واحدة مما عرض، مع أن هذا الاجتماع قد طال أكثر من ثلاث ساعات لا فترة بينها، ثم افترقنا على موعد من الأستاذ الخضر، لمهلة يضع فيها نص القانون الأساسى للجمعية، وبلاغ ينشر في جمهور المسلمين. فلما اجتمعنا في المرة التالية اطلعنا على ما وضع الأستاذ الخضر، وحددنا موعدا للاجتماع في المنزل رقم 30 بغيط العدة، من باب الخلق، يتسع لعدد كثير من المدعوين من أفاضل الرجال.

" الاجتماع الثاني والثالث"
كان هذا الاجتماع كما ذكرنا بغيط العدة، لعرض القانون مرة ثانية على المدعوين من الشباب والشيوخ، الذين توافدوا بإخلاص وشوق لتشييد البناء الأول للعمل الإنساني العظيم الذي دعوا إليه. ففي هذا الاجتماع خطب الأستاذ الخضر ومحب الدين الخطيب، ثم كاتب هذه السطور، وكانت أقوالهم جميعا في بسط أغراض الجمعية، ومناشدة الحاضرين إلى توسيع أمر الدعوة، ولذلك كان الاجتماع الثالث في هذا المكان نفسه حافلا بأفاضل الرجال والشيوخ والشباب، حتى إن المكان ضاق بهم، وكان من خطباء تلك الليلة المرحوم الأستاذ الشيخ عبد العزيز جاويش، والأستاذ الخضر، ثم الأستاذ الههياوى. ومما حدث في هذا الاجتماع وعددناه توفيقا وبركة قيام رجل إيطالى موظف بالمحكمة المختلطة، خطب خطبة بالغة، أثارت الناس، وأحيت في نفوسهم أملا قويا، وعزما صادقا. وفي هذا الاجتماع أُقرت الصورة النهائية للقانون، ووضعت الخطة الأخيرة، وانتخب الاثنا عشر الدعاة إلى مقابلة الدكتور عبد الحميد سعيد، وعرض الأمر عليه لأن آراء القائمين بتأسيس الجمعية أجمعت على انتخابه رئيسا، لمزايا متعددة اجتمعت فيه، وحدد ميعاد للذين اشتركوا في الجمعية، أن يجتمعوا في يوم 15 جمادى الثانية سنة 1346، بدار الكوزمجراف، بشارع عماد الدين، لانتخاب مجلس الإدارة.
(2/775)

" انتخاب مجلس الإدارة"
وفد الوافدون على دار الكوزمجراف في الموعد المحدد، وقام الخطباء، وكان منهم الأستاذ الخضر، ثم الدكتور عبد الحميد سعيد، ثم الأستاذ محمد الههياوى من الشبان، (ثم) الأستاذ عبد الفتاح كيرشاه -المحامى الآن بالإسكندرية- فأبدع وأثار وحفز الناس وضج الحاضرون، وقام إليه بعد خطبته الأستاذ محب الدين فعانقه وقبّله، لما أبدى من حمية وإخلاص. ثم انتخب مجلس الإدارة بالاقتراع السرى، فكان المنتخبون هم هؤلاء الأعلام:
(1) الرئيس: الدكتور عبد الحميد سعيد عضو مجلس النواب
(2) وكيل الرئيس: الشيخ عبد العزيز بك جاويش مدير التعليم الأولى
(3) أمين الصندوق: العالم الجليل أحمد تيمور باشا عضو مجلس الشيوخ
(4) كاتم السر العام: الأستاذ محب الدين الخطيب منشيء الزهراء، والفتح
الأعضاء:
(5) الأستاذ السيد محمد الخضر حسين - المدرس بقسم التخصص بالأزهر
(6) الأستاذ أحمد إبراهيم - أستاذ الشريعة بكلية الحقوق
(7) الأستاذ محمد أحمد الغمراوى - خريج جامعة لندن
(8) الدكتور يحيى الدرديرى دكتور حقوق وليسانسيه في العلوم السياسية
(9) الدكتور على مظهر - خريج جامعة فيينه
(10) الأستاذ محمود على فضلى - المدرس بمدرسة المعلمين العليا
(11) الأستاذ محمد الههياوى - من رجال الصحافة المصرية
(12) الأستاذ على شوقى - سكرتير وكيل وزارة المعارف
بهؤلاء بدأت الحياة تعمل عملها في إحياء الروح الإسلامية في شباب العالم الإسلامي، لا ليكون التعصب والسخرية والعبث. بل ليكون الإيمان الذي لا يرهب، والعقيدة التي لا ترتد، والدعاء الممتد من نواحي الأرض إلى خوافق السماء، يستنزل الرحمة على أمم قد قاست من القسوة والظلم والتحيف ما لا صبر
(2/776)

لأحد عليه، حتى هوجمت بعد تجريدها من سلاحها - في معقل الدين من قلوبها، وحصن الفضيلة من اجتماعها، ومنبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ألسنتها.
ألا وإن أمل العالم الإسلامي كله معقود بتحقيق الأغراض التي سعت لها هذه الجمعية المسلمة، وما بقي العالم الإسلامي متعلقا بها، معينا لها، فهي إلى الغلبة والظفر والانتصار إن شاء الله.
(2/777)

في حلبة الأدب
كتاب تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي
للأستاذ أنيس الخورى المقدسى
ألقى إلى هذا الكتاب فخما ضخما مصقولا كأنه حديقة مطوية فأخذته بين يدي أدافع به الملل وأنا عند صديق عزيز فوقعت العين على كلمة أكبرتها أن تكون من غير رجل عالم. ثم وضعت الكتاب وأنا في أمر غير الأمر وطويت أياما حتى تلقيته مرة أخرى لأقرأه وأكتب عنه، فدخلت الكتاب كما يدخل الضيف أحمل نفسي على الأدب في خلوة من أهل الدار، وطفقت أرد ورقة منه على أختها يوما من بعد يوم حتى فرغت منه وأنا في حيرة. فقد اتفق لمؤلفه أنه سما بالرأي حتى قلت قد انفتق لعينيه النور فما يروعنى إلا وأنا في ظلماء مطبقة من تحت سبع أرضين لا هدى فيها لدليل، وهذا عجيب في كثير ممن يؤلف في عصرنا هذا فقد رأيت في كتبنا كثيرا من هذا السمو في الفكرة والسقوط في أدلتها وبراهينها ثم في توجيهها وتطبيقها.
وقبل هذا أصف للقارئ موجز هذا الكتاب الذي هو الأول من جزءين فهو كما يقول مؤلفه في صدره "يتناول النثر العربي وخصائصه الفنية منذ بزوغ الإسلام إلى النهضة الأخيرة يتخلله دراسات تحليلية لنخبة من أمراء الأقلام وعرض كثير من نصوصهم الإنشائية". ثم يصف غرضه في الكلمة التمهيدية لكتابه فيقول "أما كتابنا فغايته عرض الأساليب النثرية عرضا يبين تطورها منذ ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر". . . ."ولسهولة البحث أفردنا لنثر صدر الإسلام قسما خاصا صرفنا العناية فيه إلى تحقيق مروياته والنظر في نصوصه وهو يشمل بضعة فصول ويمتد إلى زمن عبد الحميد الكاتب"، ثم ألقى نظرة "على الأساليب
__________
(*) المقطم، الجمعة 26 يوليه سنة 1935
(2/778)

الإنشائية من أيام عبد الحميد إلى الوقت الحاضر فإذا هي تجري على ثلاثة أساليب رئيسية:
(1) الأسلوب المتوازن (أي المزدوج غير المسجع) ويدخل فيه ترسل عبد الحميد والجاحظ وأضرابهما.
(2) الأسلوب المسجع - ويتناول الرسائل الديوانية والأدبية والمقامات وما إلى ذلك.
(3) الأسلوب المطلق - وهو النثر السائد في الكتب العلمية والتاريخية والاجتماعية قديما وأسلوب الإنشاء العام في العصر الحديث". وقد تناول المؤلف الأسلوبين الأولين في هذا الجزء وأبقى الثالث للجزء الثاني من كتابه .. هذه صفة الكتاب رويناها للقارئ عن مؤلف الكتاب.
وأنا حين أقرأ كتابا أنظر إلى نهج صاحبه في تأليفه فإذا رأيت له نهجا يخالف ما درج عليه الناس في التأليف أخذته بنهجه حتى أخرج لنفسي خطأ النهج أو صوابه، فإذا اضطرب نهجه عدلت عنه إلى أغراضه، فإذا استوت أغراضه أخذته بها ونظرت إلى غرض غرض منها معدلا بين أوزانها حتى يخلص لي الأصل الذي خرجت عليه أو الأرض التي نبتت فيها، فإذا اضطرب ذلك أخذته بآرائه في مفردات علمه واحدة واحدة حتى يخلص بي إلى أحد أمريه غير مظلوم ولا ظالم.
فلما قرأت هذا الكتاب لم يقع لي إلا أن آخذ الأستاذ أنيس المقدسى بآرائه في مفردات علمه غير متعرض لنهجه أو أغراضه في كتابه هذا. فمن أول ذلك كلامه عن السجع ومقارنة سجع الجاهلية بآيات القرآن فإن المؤلف لم يأت فيه إلا بالشبه التي تورط فيها الناس من قديم إلى يومنا هذا كقولهم في تحريم السجع لما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الغرة وقوله للرجل الذي قال "أَأَدِى من لا شَرِبَ ولا أَكَل ولا صاح فاسْتَهَلّ، ومثل ذلك يُطَلّ" فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "أسجْعًا كسجع الكهان". ثم جاء الجاحظ بعد ذلك ووضع علة لتحريم السجع: إن الكهان كانوا يتكهنون ويحكمون بالأسجاع، فوقع النهي في ذلك
(2/779)

لقرب عهد العرب بالجاهلية ولبقيتها في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة هذه زال التحريم.
وكنت أحسب أن المؤلف سينظر في خصائص سجع الكهان نفسه ليستخرج منه الفرق بينه وبين السجع المعروف عن البلغاء ثم بينه وبين القرآن فإن هذا هو موضع الفصل في الكلام الذي دار حول السجع وهو موضع التحقيق في العلم المروي الذي وقع إلينا ولم نحقق فيه إلا القليل. وأكتفي هنا بأن أقول أن سجع الكهان اسم لما وقع في ألفاظ الكهان على صورة صامتة وهو غير السجع الذي عرفه علماء البلاغة ووضعوا له الحدود والرسوم وسنفرد لهذا البحث كلمة خاصة في المقتطف إن شاء الله.
ومن عجيب ما وقع للمؤلف في هذا الفصل قوله "ص 5" ويؤيد ما يراه من شيوع السجع في تلك الحلقات (الدينية في الجاهلية) أن التنزيل القرآني على تعاليه عن أقوال العرب وكهانهم لم يخرج عن الأسلوب الذي عرفه الناس يومئذ". كيف يتفق للمؤلف أن يقول أن القرآن (لم يخرج عن هذا الأسلوب) وهو لا يعرف هذا الأسلوب ولم يحط بخصائصه. أيحسب الأستاذ أن الأسلوب هو الكلام المرصوف، وأن الخصائص هي انتهاء كل جملة من هذا الكلام بلفظين متقاربين في الجرس متفقين في القافية. . . إنه لا يقول هذه الجملة إلا من وقع إليه سجع الكهان في "حلقاتهم الدينية" كما يقول فدرسه وميزه وحده، ووضع له مطلعا ومقطعا وغرضا، ثم درس القرآن وعرف مثل ذلك فيه وقارن ثم ألقى ووضع وأخذ ورد ونفى وأثبت. كيف يقول المؤلف ذلك وهو الذي يقول في ص 4 "ولا يجوز علميا أن نتكل على روايتها فقط (أي أسجاع الكهان) في الحكم على ما كان عليه هذا النثر". وقد أتى المؤلف في ص 6 بما يدل على بطلان الأصل الذي يبنى عليه كلامه هذا من معنى السجع، فقد نقل عن الجاحظ "وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين فيكون في الخطب أسجاع كثيرة فلم ينهوا أحدا منهم". فهذا دليل على أن سجع الكهان غير السجع الذي يقع في كلام الناس أو يتعمدونه للزخرف والزينة، ولولا ذلك لكان الخلفاء
(2/780)

الراشدون قد نهوا عن ذلك كما يقول الجاحظ. فلو أن المؤلف وقف قليلا عند هذه الكلمة لتبين له أن كلمة السجع قد وقع في معناها الخلط والخبط بين أقوال الكهان والكلام المزور المزوق بالقافية الموسيقية، ولاجتهد بعد ذلك أن يفرق بين معنى الكلمة عند علماء البلاغة ومعناها الذي وردت له في قولهم (سجع الكهان)، ولوجد أن مقارنة سجع الكهان بالتنزيل القرآنى كما يسميه من أعظم الخلط بين المتضادين. والذي أوقع المؤلف في هذا أنه حسب أن أهل الجاهلية الذين قالوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كاهن إنما قارنوا بين سجع كهانهم وبين سجع السور المكية الأولى كما قال في ص 5. ولو أن أهل الجاهلية قالوا ذلك لهذا المعنى ومن جراء هذه المقارنة لما كانوا أهلا لتنزيل قرآن عليهم، ولما كان هذا القرآن معجزا لأنه إنما أعجزهم ببلاغته وأسراره والذي يحكم في صور الألفاظ لا يكون بليغا أبدًا ولا يدرك أبدًا سرًّا من أسرار الكلام فهو عاجز من أصل طبيعته لا من أن الكلام بليغ أو معجز وبذلك يسقط الإِعجاز كله ولا يبقى معنى لإيمانهم بما جاء فيه ولا بمن جاء به.
وندع كلامه كله عن القرآن فأكثره مما لا يقف عنده إلا من أراد أن يكشف عن أوهامه وَهْمًا فوَهْمًا مفصلا لأخطائه أو مبينا لمواضع السقط فيه. ويأخذ في كلامه عن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا الباب من الكتاب مملوء بكل عجيبة من الرأي، وفيه من التناقض كثير مما يدل على أن المؤلف لم يدرس هذا الموضوع دراسة من يريد أن يعلم ثم يحقق ثم يكتب خلاصة ما ثبت عنده أو رجح لديه.
ومن عجيب أمره أنه بعد ما جعل السجع من أسلوب الجاهلية وردَّ القرآن إليه في موضع من الباب الأول، عاد فذكر في ص 73 أن من مزايا الحديث أو نثر صدر الإسلام -البساطة- وفسرها بقوله أنها البعد عن تكلف السجع أو البديع وكيف يكون ذلك في الحديث ولا يكون في القرآن. هذا من العجب فإن الذي أنزل عليه هذا القرآن هو هو الذي تكلم بهذا الحديث، وهو هو الرسول الذي يريد أن يؤثر كلامه في الناس. فلو أن السجع الذي في القرآن كان للتأثير والإيهام كما
(2/781)

يكون سجع الكهان لكان ذلك أولى بصاحب هذا الكتاب في حديثه أن يتخذه من مادة تأثيره على الناس.
ثم أنه في ص 50 بدأ كلاما عن وضع الأحاديث -يعلم الله أنه كلام مُتلقَّف من أفواه قوم خبرناهم عهدًا طويلا، وفيه من التحريف شيء كثير. وللدلالة على ذلك نجد المؤلف يروى عن صحيح مسلم قول ابن القطان "لم تر أهل الخبر في شيء أكذب منهم في الحديث". وجعل الخبر بالباء الموحدة وسط اللفظ، ويريد بذلك أن يوهم الناس أنهم أهل الحديث. والحديثُ في مسلم "أهل الخير" بالياء المثناة، وفي رواية "لم نر الصالحين"، وفسر مسلم بعد هذا الحديث موضع الإشكال في أن الصالحين يكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم هم الصالحون. فقال: "قال مسلم: يقول يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب"، وتأويل ذلك أن أهل الصلاح والتقوى الذين يصرفون أنفسهم عن أمور الناس ولا يبحثون عن أحوالهم من صدق وكذب وتدليس وكذا وكذا إلى آخر النقائص يحسبون أن الناس لا يجترئون على رسول الله بالكذب إذا حدثوهم عنه فيتلقَّوْن ما يسمعون بالتسليم ثم يَرُوون ما يسمعون لما فيهم من سلامة الصدر عن الخبث، ولذلك يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدونه. ولذلك يردّ أصحاب الحديث قوما من كبار الصالحين ويقولون عنهم حين يذكرونهم "كان في فلان غفلة"، فهذا هو المراد.
ومما يدل على أن المؤلف لم يتثبت من كلامه في هذا الباب كله أنه قال في ص 66 في عرض كلامه عن رد أحاديث من الصحيحين لا تثبت عنده لعلل زعم أنه اهتدى إليها وحده فردَّها، لذلك قال المؤلف حفظه الله "آية المنافق بغض الأنصار -آية المنافق حب الأنصار" وهما (يعني الحديثين كما يزعم) مع تناقضهما من المتفق عليهما في الصحيحين والإغضاء عن مثلهما أَوْلَى، أولًا: لما فيهما من دعاية حزبية، ثانيا: لتناقضهما". انتهى كلام الأستاذ والعجب لمن ينقل عن كتابين طبعا ثم طُبِعا ثم طبعا حتى امتلأت بما طُبع منهما بيوت المسلمين وغير المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ثم يخطئ في النقل ثم
(2/782)

يجعل خطأه من الأدلة التي دفعته إلى الطعن فيما روى من حديث مسلم والبخاري وهما من هما في التحديث وفنونه. وللقارئ أن ينظر في صحيح مسلم كتاب الإيمان: باب حب الأنصار، وفي البخاري: كتاب المناقب، ليقرأ الحديث على وجه التحقيق لا على وجه الوهم "آية المنافق بغض الأنصار وآية المؤمن حب الأنصار". وأنا لا أدري كيف يتأتى لمؤلف أن ينقل خطأ ثم يتوهم ثم يكتب ثم يرد على الناس أقوال أئمتهم الذين أفنوا أعمارهم في تحقيق العلم وتمييزه طيبه من خبيثه ثم يزعم أن ذلك تحقيق لمرويات الصدر الأول كما نقلت عنه في أول كلامه.
هذا وسنعود إلى مواضع من الكتاب بعد قليل لنثبت أن هذا الكتاب لابد من تغييره البتة لأنه لا يصلح أن يكون دراسة في النثر العربي. وهنا أسوق للمؤلفين قول كونفوشيوس "من تعلم من غير تفكير فهو في حيرة، ومن فكر من غير تعلم فهو في خطر".
(2/783)

" عن كتاب تطور الأساليب النثرية" رد على مؤلفه
غضب الأستاذ أنيس المقدسى مما نقدناه به في مقالنا الأول ورمانا بكلمته الفاتكة في مقطم الثلاثاء 13 أغسطس سنة 1935 ظنا منه أن ما أتى به يعد دليلا جديدا يقنعنا بما في كتابه. والحقيقة أنه دليل جديد يعضد رأينا في الكتاب ودليل أيضا على أن المؤلف إنما يأخذ معاني الأشياء من ظواهرها ولا هَمَّ له بما في باطنها. ونحن لا نقول هذا هجاء ولا طعنا كما يقول في مقاله. فما في العلم هجاء ولا طعن. وأنت إذا قلت في قضية من قضايا العلم أنها فاسدة وأن صاحبها مخطئ وأن هذا الخطأ دليل على أنه لم يفكر في القضية وأن إلقاءه القضية بغير تفكير فيها إنما هو تهجم على الخطأ -فلا تعني بذلك هجاء ولا طعنا ولا تنقصا. فإذا جئت مع ذلك بالدليل على ما تقول لم يبق لصاحبها عذر في غضبه أو فورته.
أراد الأستاذ الأديب أن يدفع عن نفسه وعن كتابه ما قلناه وأراد أيضا أن يعلمنا -علمه الله الخير- كيف نكتب حين ننقد في هذا القرن العشرين وسنكون عند حسن ظنه بنا إن شاء الله.
يدعى الأستاذ -أكرمه الله- أن نقدنا "مشبع بروح لا نجدها اليوم إلا في الأوساط الجدلية البعيدة عن الحرية العلمية فنحن ننظر إلى الحياة من خلال (العرف الموروث)، وأننا نعتبر (التقاليد القديمة) قضايا منزلة لا سبيل للعلم إليها، وأننا حين رأيناه خرج عن السنة المعهودة قامت قيامتنا واتهمنا الخارجَ بالضعف وسوء القصد وانصرفنا عن المناقشة العلمية الهادئة الى الطعن والتنقص، وأن كلامنا قد ورد فيه ما يجب أن يتنزه عنه ناقد من نقاد القرن العشرين إذ أخذنا نعالج علمه معالجة الغيور على معتقد موروث نخاف فقدانه، وذلك من جراء الغيرة التقليدية التي اتهمنا به.
__________
(*) المقطم، الثلاثاء 20 أغسطس سنة 1935، ص 11
(2/784)

وإذا كان الأستاذ قد أباح لنفسه أن يفهم كل هذا من كلمتى عن كتابه ثم رضى أن يصرح بذلك تصريحا عجيبا في بابه ثم لم يتورع عن أن يقول إنا أخذتنا الغيرة على (معتقد موروث نخاف فقدانه)، إذا كان الأستاذ قد أباح لنفسه ذلك كله فلا أقل من أن يبيح لنا أيضا أن نترجم للقراء معنى هذه الكلمات التي ذكرها في كلامه. فإن هذه (الطريقة الأمريكانية في الأساليب الكتابية والنقدية) مما لا نتعاطاه ولا ندع لأحد سبيلا إلى الاختفاء وراءه. ولعل الأستاذ يعرف أننا نقبل كل ما يقال تصريحا ولو كان في كل كلمة منه سيف مسموم، ولا نقبل شيئا مما يقال تعريضا ولو كان في كل كلمة منه رحيق مختوم. فإن أدوأ الأدواء هذه المخادعة التي يتخذها بعض الناس ولا يزالون يلحون في الإتيان بها عند كل حديث ليوقعوا في النفوس معاني تأتي من وراء العقل مأتى اللص من وراء الجدار. ونحن لا نظن بقرائنا إلا خير الظن، فما من أحد إلا وقد فهم أن الأستاذ يريد بقوله (العرف الموروث والتقاليد القديمة والمعتقد الموروث) -القرآن والحديث- فإن الكلام في مقالنا كان منحصرًا فيهما، وفهم أنه يريد بقوله (الغيرة التقليدية) قيامنا لرد شبه الأستاذ التي أتى بها وبثها في كتابه وأكثرها مما لا يقتضيه البحث الذي يبحثه. وليعلم الأستاذ أننا أخذنا كتابه أرفق مأخذ ولم نرد أن نفجعه فيه دفعة واحدة فوضعنا له كلمات هي أس عظيم لمن يتدبر، فظن الأستاذ أن قليل علمنا وقف لنا حيث وقف القلم. فإن كان ذلك ظنه وكان ذلك هو الذي حفزه إلى أن يجعل القرآن والأحاديث من التقاليد الموروثة فخير له أن يرد ظنه إلى حيث كان. وإن كان هذا أيضا هو الذي استفزه حين قال أننا كتبنا غيرة منا على (معتقد موروث نخاف فقدانه) فسيعلم أننا ما كتبنا أولا إلا لإقرار الحق في العلم وتزييف العلم الناقص أو العلم الصناعى الذي راج الآن في أسواق الأدب رواج بضائع اليابان في أسواق البزازة. وليعلم أيضا أن هذا (المعتقد الموروث) ليس مما يخشى عليه طوارق الحدثان التي تسمى أساتذة وفلاسفة وكتابا وشيوخا في الأدب في هذا الزمان. وبعد هذا كله سيعلم الأستاذ أيضا أننا لسنا نقلد أحدا فيما نكتب حتى نصبح من المدافعين عن التقاليد، وأن كلامنا عن السجع مما نقضنا
(2/785)

به أقوال الأئمة من علمائنا رضي الله عنهم وأننا نأخذ هذا العلم من طريق الفهم لا من طريق الرواية وحدها وأننا لا نستعمل الطريقة (التجارية الأميركية) في تقسم الأشياء وترتيبها وهندمتها وتزيينها للإغراء لا للفائدة.
حصر الأستاذ أنيس (نظرياتنا العلمية) كما سماها في كلمات خمس لا ندري كيف وقعت له على الصورة التي كتبها بها، ورد عليها ردا طريفا يقف بالمسألة كلها على الباب، لا تريد أن تدخل ولا تريد أن تنصرف. وقد نبهنا الأستاذ في مقالنا الأول (حين تكلمنا عن كلمة الجاحظ في سجع الخطباء عند الخلفاء الراشدين) أن الوقوف عند النصوص وتدبرها لفهمها أمر لابد منه وأن فيلسوف الصين الأكبر يقول "من تعلم من غير تفكير فهو في حيرة ومن فكر من غير تعلم فهو في خطر" وسنقرر ذلك نفسه في مقالنا هذا من باب آخر وسنقرر أيضا أن الفوضى التي عمت أدباءنا في فهم الألفاظ ثم القدرة على اختراع كلمات وتوهم معنى لهذه الكلمات، ثم بناء التاريخ على هذا الوهم إنما هو إفساد للعلم وللعقل وللتراث الإنساني كله.
فالأستاذ أولا قد ادعى أن العرب كانت لهم (حلقات دينية! ! ) وأن رأس هذه الحلقات هو (الكاهن) وأن هذا الكاهن كان (يسجع) كلامه في هذه الحلقات فالسجع إذا من (آلات) صناعة الكاهن في الحلقات الدينية ومن هنا خرج إلى مقارنته بالقرآن.
أما مسألة (الحلقات الدينية) عند العرب فما هي إلا وهم توهمه الأستاذ وفَجَأَ القراء به في أول صفحة من كتابه كأنه شيء مقرر ثابت قد أجمعت عليه الرواة وتواترت به الأخبار. وكان من حق القراء الذين يقرأون كتابه أن يبين لهم أستاذهم الأصل الذي جاء منه بهذا البيان عن دين العرب في الجاهلية ثم يصف لهم هذه الحلقات مما استنبطه هو من أصول التاريخ. ونحن ننفي هنا أن العرب كانت لهم حلقات دينية كما يقول الأستاذ وإلا فليأتنا الأستاذ بالدليل الذي يعضد رأيه فما قرأنا مرة واحدة شيئا من هذا لا في تاريخ قديم ولا حديث يوثق به.
(2/786)

وإذا صح ذلك واستطاع الأستاذ أن يأتينا بالدليل فليبين لنا أيضا كيف كان الكاهن هو رأس هذه الحلقات الدينية. ونحن من الآن نقول لقرائنا أن الأستاذ لن يستطيع أن يفعل شيئا من هذا وأنه كان أولى به أن يدع أمر كتابه ويقف به حيث وقفنا به من النقد، فهذه واحدة في القدرة على اختراع كلمات ثم تَوَهُّم معنى فيها ثم بناء تاريخ على هذا الوهم.
وننصرف عن هذا إلى القول في الفوضى في فهم الألفاظ العربية فالكاهن عند العرب إجماعا هو الرجل الذي يتعاطى الكهانة وهي الخبر عن الكائنات والحوادث في مستقبل الزمان ويدَّعِي لنفسه معرفة الأسرار واستظهارها. وكانت العرب تسمي كل مَنْ أخبر بشيء قبل وقوعه أو أنذر به قبل أن يقضى أمره (كاهنا). فكانوا يلجأون إلى الكهنة لفض النزاع القائم بينهم في خصوماتهم أو عند إرادة السفر من مكان إلى مكان ليعرف الرجل منهم ما يصيبه في سفره من خير أو شر إلى غير ذلك مما هو من هذا الباب. وليس في كتاب من الكتب ما يدل على أن الكهان كانوا من رؤساء الدين أو أنهم كانوا قائمين بشرائع الجاهلية في شيء أبدًا. والكاهن عند العرب والعراف والمنجم من بابة واحدة مع اختلاف يسير يدل عليه اشتقاق هذه الألفاظ. فالأستاذ قد وقع في هذا الخلط بين معنى الكاهن عند العرب والرئيس الديني كما يسمونه من أنه إنما اعتمد في فهمه هذا على ما يرد في ألفاظ المترجمين الذين ترجموا كتب المستشرقين حين كتبوا عن تاريخ الشرق القديم كمصر والهند وآشور وغيرها، فإن هؤلاء المترجمين لم يجدوا في ألسنتهم كلمة يعبرون بها عن الرئيس الديني إلا قولهم (الكاهن). فهذا اللفظ عند الأستاذ هو كما ترى عامى لا عربي فهمه على عاميته لا على عربيته.
بقى أن نذكر لقرائنا كلمة (الكاهن) التي وردت في القرآن ثم ننتقل بهم إلى معنى (سجع الكهان) موجزين في ذلك غير ناظرين إلى رأي الأستاذ فيما نقوله فإن المعنى العامي الذي فهمه من هذه الكلمة يجعل بيننا وبينه سدا محكما. فالذي ورد في القرآن آيتان إحداهما في سورة الطور وهي قوله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -
(2/787)

{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ}.
والأخرى في سورة الحاقة {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ومن أسباب نزول هاتين الآيتين أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونَفَرٌ من قريش، وكان ذا سِنّ فيهم وقد حضر الموسم فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم فأجمعوا فيه رأيا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويردّ قول بعضكم بعضا. فقيل يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم. فقالوا نقول مجنون! فقال ما هو بمجنون، ولقد رأيت الجنون وعرفناه فما هو بخَنْقَه ولا تَخالُجِه (1) ولا وَسْوسته، فَقُولوا أَسْمَعْ. فقالوا: نقول كاهن! فقال ما هو بكاهن، رأيت الكهّان فما هو بِزَمْزَمة (2) الكهان. فقالوا: نقول شاعر. . . إلخ وسنعود بعد إلى تفسير هاتين الآيتين مع هذا الحديث.
فذِكْر الكاهن في القرآن ليس مما يقيم لأستاذنا أبقاه الله حجة فيما يدعيه من أن هذا الاتهام مبني على ما رأوه من الشبه بين أسلوب كُهَّانهم وأسلوب السور الأولى من القرآن. وليتدبر الأستاذ هذا الموضع فضل تدبر فإنا لن نفسره له إلا بعد أن يقر بأوهامه التي ذكرناها ويقيننا أن القراء قد فهموا الآن موضع التفسير الصحيح لمسألة الكهانة.
أما سجع الكهان فموجز الرأي فيه عندنا أنه هو طريقة الكهان في الإخبار بالغيوب ثم زَمْزَمَتُهم عليها ثم الاستعانة على إيقاع التأثير على السامع في زمزمتهم بالاتزان والتعديل الذي وضعوه لكلامهم. وفي هذه الكلمة الكفاية بعد، ونتم
__________
(1) تخلّج المجنون في مشيته: تجاذب يمينا وشمالا، أي تمايل.
(2) الزمزمة: صوت خفيّ لا يكاد يُفْهَم.
(2/788)

قولنا عن الكهان وسجعهم مفصلا بعض التفصيل في المقال الآتى (1) مختصرين القول اختصارا لأن الرأي الذي نقضنا به أقوال علمائنا في فهم (سجع الكهان) كثير الأدلة، مبنى على تفسير دقيق لمعاني الألفاظ التي تداولها العلماء ولم يبينوا لنا وجهها بيانا شافيا.
__________
(1) لم يكتب الأستاذ شاكر هذا المقال ولم يتابع قوله عن سجع الكهان في أي مكان آخر.
(2/789)

ترجمة القرآن وكتاب البخاري
كتب فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد السلام القبانى كلمتين عن ترجمة القرآن الأولى في بلاغ الثلاثاء (1) الماضي والأخرى في بلاغ الجمعة (2) "أمس" ويقول الأستاذ في مقاله الأول "والذي كنت أعجب له أن المسألة لها باب خاص في أشهر كتاب إسلامي وهو البخاري عُقِد لبيان جواز (ترجمة) التوراة وغيرها من كتب الله إلى اللغة العربية (كذا) وغيرها في كتاب التوحيد وهو آخر كتاب في البخاري إذ قال -باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها لقول الله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. . . إلخ}. وقد كان من فرح الأستاذ الجليل بهذا النص أن جعل كلامه تعجبا من الكتاب والعلماء الذين تعرضوا لمسألة الترجمة ولم يفطنوا إلى هذا النص ولا وقعوا عليه حتى بلغ به أن قال في آخر المقال الثاني "وإذا كان للأقلام أن تفخر بالعلم، والعلم خير ما يتنافس فيه، ويُفْتَخر به، فلهذا القلم أن يفتخر بانفراده باكتشاف هذا الدليل (العجيب) في المسألة من أن البخاري -وهو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى- وضع لهذه المسألة بابا خاصا. وذلك أن مئات من الناس العلماء وغيرهم كتبوا في هذه المسألة ولم يعثروا على هذا الباب من البخاري. وبعض كبار العلماء وضعوا رسائل فيها، بل العلماء المتقدمون لم يعثروا عليه أيضا، فللهِ الحمد والمنة. ولا نقول ذلك إلا فرحا بالعلم وسرورا به. فلا ينقمن علينا ذلك رجل سليم دواعى الصدر".
ونحن نقول للأستاذ الجليل: هونًا فما بك الفخر. فدعوى الأستاذ أن أحدا لم يعثر على هذا الباب في البخاري ليس لها دليل البتة من وجه من وجوه القول، فإن هذا الباب المعقود في كتاب تدارسته الأجيال من منتصف القرن الثالث
__________
(*) البلاغ السبت: 19 المحرم سنة 1355 - 11 إبريل سنة 1936
(1) 15 محرم، سنة 1355 - 6 إبريل سنة 1936.
(2) 18 محرم، سنة 1355، 10 إبريل 1936.
(2/790)

للهجرة إلى يوم الناس هذا، ليس مما يخفي على أحد من العلماء أو أشباه العلماء من أمثالنا. ولكن الذين كانوا يتدارسون هذا الكتاب، ومن لا يزال يتدارسه لا يستطيعون أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، ويخرجوا العربية من أوضاعها المقررة إلى الأوضاع المتخيلة، لذلك لم يدخلوا هذا الحديث في كلامهم حين ذكروا ترجمة القرآن، وتولجوا في الكلام عنه إباحة أو منعا. وإذا كان أستاذنا قد كشف شيئا لم يكشفه أحد قبله، وعثر على ما لم يسبقه إليه كاتب ولا عالم، فهذا الذي كشفه وعثر عليه شيء آخر غير هذا الباب المعقود في "أشهر كتاب إسلامي - وأصح كتاب بعد كتاب الله تعالى" كما قال الأستاذ. إذا كان للأستاذ أن يفتخر، ولقلمه أن يفتخر فليفتخر بأنه أول عالم قد اكتشف أن "الترجمة والتفسير" لفظان مترادفان في العربية ليس بين مفهومهما فرق البتة. فالإمام الجليل البخاري يقول "باب ما يجوز من (تفسير) التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها. . . ." وأستاذنا يقول أن البخاري قد "عقد بابا لبيان جواز (ترجمة) التوراة وغيرها من كتب الله إلى اللغة العربية (كذا) وغيرها" فاكتشاف الأستاذ الذي يفخر به هو أن الترجمة والتفسير بمعنى.
ولكني أنا خاصة لا أطاوع على أن الترجمة والتفسير بمعنى، وإلا فليأتنا الأستاذ بالدليل على أنهما بمعنى واحد فإذا فعل سلمنا له بأن هذا الباب الذي ورد في كتاب البخاري إنما يراد به جواز الترجمة. ولا بأس من أن نُذكّر الأستاذ هنا أن الأئمة لم يختلفوا أبدا في جواز تفسير التوراة والإنجيل والقرآن بلغة من اللغات، ولا كان ذلك في كلامهم. وأرجو أن يعلم أستاذنا الجليل أنى رجل سليم دواعى الصدر، ليس بى عليه نقمة، ولا لي معه خلاف إلا على هذه المسألة بعينها، أن الترجمة والتفسير بمعنى واحد، وأن البخاري لم يرد إلا التفسير، ولم يرد في كلامه، ولا في الحديث الذي رواه في هذا الباب أو غيره دليل واحد فيه ذكر ترجمة شيء من الكتب المنزلة ولسنا نريد أن ننافس الأستاذ في العلمِ ولا أن نفخر به، بل نريد أن نتعلم، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من كتم علما يُنْتَفع به جاء يوم القيامة مُلْجَما بلجام من نار".
(2/791)

ترجمة القرآن في صحيح البخاري
قلنا لفضيلة الأستاذ الجليل محمد عبد السلام القبانى حين فخر بأنه اكتشف في صحيح البخاري نصا في مسألة ترجمة كتب الله المنزلة على عباده ورسله: (إذا كان للأستاذ أن يفتخر، ولقلمه أن يفتخر، فليفتخر بأنه أول عالم اكتشف أن "الترجمة والتفسير" لفظان مترادفان في العربية ليس بين مفهومهما فرق البتة)، ثم قلت -ولا أزال أقول- أننى أنا خاصة لا أطاوع على أنهما بمعنى واحد. فغضب الأستاذ لذلك غضبة الأسد الجريح إذا حملته الجراحة فأعمل في عدوه الناب والظفر. وأنا يعجبنى من الرجال من يغضب لحقه في القول أو غيره. ولا أضيق به صدرا ولا أتبرم. ولكن الأستاذ حفظه الله في غضبه لم يبال أن يصب عليَّ نهرا من البلاغ. ما كنت أحسب أنه يستطيع أن يصبه عليَّ، . . .
وبعد فإن الأستاذ يقول إن البخاري "عقد الباب للترجمة، وساق الأدلة، ولم يفهم الشراح إلا أنه للترجمة، ولا يمكن إنسانا كائنًا من كان أن يفهم إلا أنه للترجمة وفي الترجمة، وليس معنى كلمة تفسير حينما تضاف لشيء بلغة إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى، فمن الذي حرف كلم الناس عن مواضعه لأجل أن ينقدهم ثم يشتط في نقدهم؟ وأي جملة في كلامي تقول أن التفسير من حيث هو مرادف للترجمة، حتى تبنى المقالة كلها على هذا التوهم! ! ".
وأنا مضطر أيضا هنا أن أسجل للأستاذ الجليل اكتشافا ثانيًا لم يفطن إليه أحد من قبله، وهو أن كلمة (التفسير) إذا أضيفت إلى شيء بلغة كان معناها ترجمة هذا الشيء من تلك اللغة إلى اللغة الأخرى، وهذا اكتشاف جدير بالتقدير، فهو زيادة في ثروة اللغة أولا، ثم هو أصل في قاعدة جليلة ينبغي للمجمع اللغوى أن
__________
(*) بلاغ الجمعة: 25 المحرم سنة 1355 - 17 إبريل سنة 1936
(2/792)

يدرسها، فإن في تطبيقها والتوسع فيها إنقاذًا للعربية من الضيق وقلة المادة. وإذا صحت هذه القاعدة التي ذكرها الأستاذ، فأنا ولا شك قد أسأت إليه أبلغ الإساءة وعليَّ أن أعتذر إليه جهدى، وإن أبذل إليه العُتْبَى حتى يرضى. فهذه القاعدة هي التي "تزيل الإشكال" وتجعل كلامي الأول تحريفا لكلمه عن مواضعه، وبناء قائما على توهم ليس فيه من الحق شيء، ومع اعترافي بأنى كنت أجهل هذه القاعدة حين كتبت مقالى الأول، فإني لا أزال في شك من أمرها ولا أستطيع أن أقر الأستاذ عليها ولا أطاوعه فيها فالإشكال لا يزال عندي قائما.
ولا يغضبن الأستاذ مرة أخرى إذا اضطررنا أن نقول له أن الترجمة من حيث هي كما يقول لا ترادف التفسير من حيث هو، وليست من بابه، ولا لها به صلة. وتأويل ذلك أن الترجمة في أصلها "نقل" الكلام من لغة إلى لغة، وللترجمة شروط ودقائق يعرفها من مارسها وأخذ نفسه بها، والتفسير هو بيان معاني الكلام تفصيلا في اللغة الواحدة. هذا هو الأصل. ويحسن بى أن أضرب لفضيلة الأستاذ مثلا يقرب إليه فصل ما بين الكلامين. فلو أنى قلت للأستاذ أنى ترجمت قصيدة من شعر شكسبير من الإنجليزية إلى العربية، فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها وفهمت معانيها، وجهدت في استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن أنقل الى القارئ العربي الأديب شعر هذا الرجل في ثوب عربي لا يزيد ولا ينقص عن ثوبه الإنجليزي مجتهدا في أن أحمل اللفظ العربي روح الشاعر ونفسه ومقدرته على التأثير في نفس قارئه أو سامعه، غير مخل في ذلك بمعنى شعره أو معانيه مقابلا اللفظ الإنجليزي المحكم البليغ، الذي تتسع معانيه على قدر اتساع الأفهام، واختلاف الأحوال بلفظ عربي موجز مثله محكم بليغ تتسع معانيه وتختلف، بشرط أن لا يكون في عبارتى ما يخرج بالقارئ العربي إلى فهم معنى لا يحتمل أن يفهم من عبارة الشاعر الإنجليزي.
هذه واحدة. فإذا قلت للأستاذ أنى فسرت قصيدة من شعر امرئ القيس فمعنى ذلك أنى قرأت هذه القصيدة وتدبرتها، وفهمت معانيها، وجهدت في
(2/793)

استبطان نفس الشاعر في كلامه ومراميه، ثم هضمت ذلك كله، وجئت بلسانى العربي، فحاولت أن (أبين) للقارئ العربي الأديب معاني شعر هذا الرجل في ثوب عربي آخر يزيد على لفظه العربي الأول، مفصلا في ذلك مراميه كلها في شعره (أو بعضها)، كاشفا الغطاء عن أغراضه في شعره هذا، مبينا عن المشكل الذي تختلف فيه الأفهام محددا وجوه الاختلاف، ثم مرجحا لبعض المعاني على بعض. . . إلى آخر ما يكون في ذلك.
فالأصل في الترجمة والتفسير كما يرى الأستاذ مختلف، والموضوع متباين والقواعد متباعدة غير متفقة، فكيف يصح في ذهن الأستاذ بعد هذا أن كلمة (تفسير) حينما تضاف لشيء بلغة إن هي إلا (ترجمته) إلى تلك اللغة الأخرى؟ ! وكيف يأتي هذا المعنى الجديد الذي كشفه الأستاذ على وجه مرضى عند إنسان يفهم (كما قال الأستاذ في مقاله)؟ وليتدبر الأستاذ هذا الباب فضل تدبر فإن الفصل بين معنى الترجمة والتفسير لابد منه لمن أراد أن يتناول كلام الأئمة رضوان الله عليهم، وبخاصة من كان كتابه أصلا من الأصول العظيمة في دين الله. وأزيد الأستاذ كلمة أخرى في ذلك فلو أنى قلت له إني فسرت قصيدة من قصائد شكسبير بالعربية، فليس يقع في وهم إنسان (كائنا من كان! ! ) أنى ترجمتها، فإذا لم يصدقنى الأستاذ في ذلك فليسأل، فإنه واجد من يقول له أن ثم فرقا كبيرا بين قولنا "ترجمت قصيدة فلان الإنجليزية إلى العربية" و"فسرت قصيدة فلان الإنجليزية بالعربية" .. فإذا فرغ أستاذنا من سؤاله عن ذلك، فسيعلم أننا لم نحرف كلام الناس عن مواضعه "لأجل أن نشتط في نقدهم"، وأننا لسنا ممن يبني "كلامه على التوهم".
وأعود فأقول مرة أخرى للأستاذ خشية أن يكون فاته ذلك في مقالى الأول "أنى رجل سليم دواعى الصدر، ليس لي عليه نقمة، ولا لي معه خلاف إلا على هذه المسألة بعينها من أن الترجمة والتفسير بمعنى واحد، وأن البخاري لم يرد إلا التفسير ولم يرد في كلامه، ولا في الحديث الذي رواه في هذا الباب أو غيره دليل واحد فيه ذكر ترجمة شيء من الكتب المنزلة". أما ما نقله الأستاذ من
(2/794)

كتب شراح البخاري حين شرحوا هذا الباب منه، وما في ذلك من ذكر الترجمة، والصلاة بالفارسية أو غيرها، وجواز قراءة القرآن بغير العربية، فلسنا نكذبه في نقله. وليست هذه النقول التي نقلها مما بعد عنا، فإن الكتب -وبخاصة المطبوع منها- مبذولة لكل قارئ. ونحن نعلم أن ابن حجر قد استوفي الكلام في هذا الموضع من كتابه وفي هذا الباب من صحيح البخاري، ولكن أيظن الأستاذ أن ذكرهم الترجمة في هذا الموضع دليل على أن قول البخاري "باب ما يجوز من تفسير التوراة. . . إلخ" معناه "باب ما يجوز من ترجمة التوراة .. إلخ"؟ كلا يا سيدى الأستاذ، فإن ابن حجر وغيره كان أحرص على علمه من أن يتقحم على العربية فيقلب وجهها. انظر كيف حرص ابن حجر حين شرح نص كلام البخاري فقال "والحاصل أن الذي بالعربية مثلا يجوز (التعبير عنه) بالعبرانية وبالعكس". وكرر ذكر (التعبير) ولو أنه كان قد صح عنده أن البخاري عني بالتفسير الترجمة لما ذكر غيرها، ولا أدري .. لعل عذر ابن حجر كان هو عذرنا إذ لم يكن يعرف قاعدة الأستاذ في أن كلمة التفسير إذا أضيفت لشيء بلغة فما هي إلا ترجمته إلى تلك اللغة الأخرى! !
أما ذكرهم في هذا الموضع بعينه قراءة القرآن بالفارسية أو الصلاة بالفارسية وترجمة القرآن أو ما يشاءون فليس لأن البخاري جعل هذا الباب لذلك، بل لأن هذه المسائل من مسائل الفقه مما استدل فيها الفقهاء بهذه الأحاديث على مذاهبهم، وفرق بين أن يكون البخاري عقد الباب من أجل ذلك وبين أن الفقهاء استدلوا بما في هذا الباب على مذاهبهم. ولو رجع أستاذنا فقرأ شرح ابن حجر لوجد صواب الرأي، والله الهادى إلى سواء السبيل، فإذا أشكل عليه المذهب، فليسألنا غير متجانف، فإذا فعل شفينا صدره من ذلك بجوابنا.
هذا، وقد نصحنى الأستاذ في أول كلامه بنصائح غالية كقوله "وكنت أود أن يتروى (يعني كاتب هذه الكلمات) قليلا قبل أن ينشر، أو أن يعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخيه أو والده الأجل قبل نشرها"، وكقوله "لو تروى قليلا أو شارك (أي إنسان) في فهم ما ينقده لما وجده موضع نقد". وأنا أعترف
(2/795)

للأستاذ أننى (ترويت قليلا) ولكني آسف أشد الأسف وأَبْلَغَه وأمضَّه أنى لم أستطع أن أعرض هذه الكلمة على فضيلة الأستاذ أخي أو والدى الأجل قبل نشرها، وآسف أيضا أشد الأسف وأَبْلَغه وأمضَّه إذ لم أجد (أي إنسان) أشاركه في فهم ما أنقده. . . ويقول الله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
(2/796)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ساعة فاصلة في تاريخ الإنسان، حين يرمى تحت قدميه كل وساوس الشيطان متجردًا لله، مجاهدًا يعمل ويكد وينطلق، لا يردّه فزع، ولا يكبح جماحه وَجَلٌ. ساعة فاصلة ينصرم من ورائها عمر قد أدبر، ويمتد أمامها أجل يستقبل، والحياة بينهما شاخصة تنظر عمل الحي في أسباب حياته.
في هذه الساعة أضع بين يدىّ أشياء عزيرة كنت أضن بها دون الناس جميعًا، ثم أرسل إليها بصري مؤملا يرجو أن يفوز، مشفقًا يخشى أن يحبط عمله.
لقد عشت ما عشت، وجربت ما جربت، ثم بقيت صامتًا أو كالصامت. فالآن حين أبدأ أعرض نفسي على الناس في كل أسبوع أو أسبوعين، أرانى متكلما أبدًا: إن سكت القلم بقي عملي من أمامى يتكلم. فأنا -ما بقيت- محاسب بالكلمة يقولها، والعدة يعدها، والتدبير يسوسه، والعمل يعمله؛ ورب واحدة تخفض مني ما كنت أرجو أن أرتفع ببعض أسبابه.
لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، وصرت رجلا لكل امرئ فيه حق، وعليه في كل ما هو بسبيله تَبِعة، ولكل يد في عنقه مِنَّة أو دين، ولديه أمانة هو مؤدّيها على الرضى كما يؤدّيها على الكره، فإن خاس أو خان أو أمسك هلك -ولا هلك سواه- وكان من الخاسرين.
__________
(*) "مجلة العصور" العدد الأول في يوم السبت 27 من رمضان سنة 1357 - 19 من نوفمبر سنة 1938، ص: 1 - 2.
(2/797)

لقد انتزعت نفسي من بين أحبابى وأصحابى، ولزمنى أن أبطل -في هذا العمل الصحفي- معنى العداوة والصداقة في جانب من قلبي، إذ ليس أقتل لعمل الصحافي من تحكم العداوة ومحاباة الصداقة. ولئن كنت قد خسرت لذة إيثار الصديق، فأحسبنى سوف أربح جمال إيثار الحق والعدل من طريق المساواة في المحبة. وكأيّ من لذة تعدل لذة القدرة على إنصاف عدوك من نفسك حين يكون مع الحق، أو كان الحق معه! !
إن هذا العمل الذي أقدم عليه يكاد يشعرنى بعض الفكر فيه بدبيب الشيب وهو يصَّاعد بين القلب والشعر، ويكاد يحملنى بعض هذا الفكر على حالة من أريحية الصبا وعنفوان الشباب، أتدفق بهما في نفسي تدفق السيل تحت صعقات الرعد، وخفقات البروق؛ وانقضاض الرياح العواصف بين مخارم الأودية وأفواه الفجاج.
أما دبيب الشيب: فمن هول المطلع، حين أُغمض عيني على هدأة وأرمى ببصيرتى فأرى ليلا مظلمًا قد أطبق على هذه الشعوب العربية والإسلامية والشرقية، وأرى من ورائها دنيا تموج وتضطرب، وتضئ وتخبو، وتسمو وتتضع، وتأخذ وتدع. . . توشك أن تلتهم الشرق كله، فينتاشنى (1) الهم من نواحي نفسي، ويتداخلنى الرعب والفزع واليأس أو يكاد. كيف. . .! كيف نستنقذ مجدنا وتاريخنا وأرواحنا وذرارينا من بعدنا، وأنّى المسلك؟ إن أحدنا ليضربه العجز عن ضبط ما يتبدد على أفكاره من خطرات الرأي التي يريد نفسه وأمته على العمل بها لينقذ روحه من الهلاك، ومجده من التهدم، وذريته من إرث السوء وتركات الشر.
وأما عنفوان الشباب: فحين أمد طرفي إلى مجد آبائى وأجدادى، وهم يهبّون من بواديهم في غبارها، ثم لا يلبثون إلا قليلا فيملأون الدنيا حضارة تلوح
__________
(1) انتاشه: أخذه وتناوله من قريب.
(2/798)

في بدئها كتباشير الفجر، ثم تتفجر بشموسها وأنوارها حتى تضئ من جنبات الأرض كل مظلمة داجية، فثَمّ الأسوة.
إن المجد الغابر ينادينا من وراء السنين والأجيال: لابد. لابد! ! فهل ييأس من يريد أن يحيى؟ إن الصخرة العظيمة المعترضة سبيل الظمآن إلى الماء تقول له: إما أن تحطمنى، وإما أن تموت، فأين الخيرة .. ؟ لقد أعتقد أن إرادة الرجل إذا تعلقت بالله، وأمَّلت في الله، وعملت لله لم يبق أمامها إلا ما يلين أو يتقصف أو يتهدم أو يستقيم.
لقد تعلمت أن لا أيأس، وقد بالغت الحوادث والأيام في تكوين بعض ما في نفسي حتى ما أكاد أعرف كيف أفرح لنجاح أصيبه وأدركه. لقد سُلبتُ أشياء كثيرة، وحُرِمت أشياء كثيرة، ثم وجدت أشياء كثيرة، فعرفت مما حُرِمت ومما وجدت خيرًا كثيرًا أرجو أن أنفع الناس به بإذن الله؛ فإن فزت فبإذنه وله الحمد في الأولى والآخرة، وذلك أملى في الله وهو على كل شيء قدير.
(2/799)

من أين؟ وإلى أين؟
في هذه العاصفة الهوجاء التي تجتاح الدنيا، والشرق أول ما تجتاح في تهجمها وانقضاضها، أجترئُ فأصدرُ "العصور" محتملا في سبيل ذلك ما يهدّ وما يفزع وما يغتال، وبالله أستعين، وله أتوجه، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
إن بعث مجلة "العصور" التي كان يقع على تحريرها، ويتولى إصدارها صديقي إسماعيل مظهر، عمل قد نصبت نفسي له، وفرغت من كل شيء في سبيل تحقيقه. لقد كان مما يسعنى أن أصدر مجلة أخرى باسم آخر، وأنهج لها عين المنهج الذي أريده الآن "للعصور". ولكن تاريخًا قديما ينبعث من بعض نواحي القلب يدفعنى إلى أن لا أختار إلا ما اخترت. "فالعصور" الأولى التي كان يقوم بأمرها إسماعيل، إنما كانت ثمرة مبدأ اعتقده صاحبه واستمسك به، وخفَّ له، ونافح دونه، ورمى به إلى غرض. وفي الطريق إلى غرضه، أصاب إسماعيل وأخطأ، وأحسن وأساء، وأثار إلى نفسه من يحب ومن يبغض، واحتقب (1) في ذلك شرًا كثيرًا وأصاب بعض الخير. لقد ميز "العصور" الأولى عن سائر ما كنت رأيته من المجلات أن صاحبها أنشأها لمبدأ تقوم عليه وتعمل به، واستمر يلاقى في سبيله ما يلاقى من شر نفسه وشر الناس، حتى اندفعت به الحوادث إلى مصائبها ونكباتها فصرف وجهه اضطرارًا، وفاء إلى سكتة ظاهرة، يعمل من ورائها قلب مشبوب.
إن الشركة بيني وبين إسماعيل في أصل المبدأ الذي قامت عليه "العصور" الأولى، هو الذي جعلني أتجاوز ابتداء مجلة إلى بعث مجلة، وأيضًا. . . لقد عملت "العصور" عملا لا ينكر أثره في الفكر العربي الحديث، وسواء علينا
__________
(*) العصور العدد الأول، يوم السبت 27 من رمضان سنة 1357 - 19 من نوفمبر سنة 1938
(1) احتقب: حَمَل.
(2/800)

أكان هذا الأثر مما نرضى عنه أُم كنا نعارض فيه ونقف دونه، ونخالف على صحته أو بطلانه. وعقيدتى أن حقيقة الحياة هي المبدأ والإيمانُ به، وبغيرهما ينقلب الإنسان آلةً عاملة لا يعرف معنى الإيجاد والإِبداع والمقاومة، والنزُوع العقليِّ والروحيِّ إلى المعاني السامية والفضائل العلْوية. وكذلك يفقد الإِنسان الحياة، وكذلك يضيع التراث الإنسانيّ الذي جاهدت أجيال البشر الغابرة في سبيله، بما وهبت من قوة، وما أُعِينَت به من وسيلة. إن صحة المبدأ وحدها كفيلة بإحداث أعظم الآثار في تاريخ العقل الإنسانيّ، وأما الإيمان بهذا المبدأ، فهو إعطاء العقل قوة التدبير ليخرج حقائقه وأمانيه إخراجًا عمليًا في الحياة.
لقد كان المبدأ الأول "للعصور" هو حرية الفكر، وصراحةُ الضمير، وإخلاصٌ للوطن والعلم والأدب. هذا هو المبدأ، وقد آمن به "إسماعيل" إيمان الشباب المتوقّد، فاندفع به الرأيُ في مجاهله فاهتدى وضل، وأضاع نفسه ووجدها. . . لم يبق على حالة يستقر عندها استقرار الحكمة الرزينة.
الرجل الحر، هذا هو مبدئى ومبدأ أصحابى. الرجل الحر أي الفكر الحر الذي يبلغ من حريته، واتساع آفاقه، وبُعد مداه، وتراميه إلى الغايات البعيدة وتساميه إلى الأجواء العلوية - أن يعرف أن للحرية قيودًا كثيرة، وأن الجاهل المغرور هو الذي يظنها انطلاقا من القيد، وخروجًا من التقاليد، وتحللا من إصر الأخلاق وأغلال الشرائع.
إن النفس (البُغاثية) (1) إذا انطلقت -في ضعفها وفتورها- بين حدائق الرأي وغاباته أذهلها سعة ما ترى من الأرض الخضراء المثمرة المُظلة، وخُيل إليها أن الدنيا كلها امتداد لما ترى ينبسط على نهج واحد. ولكنَّ نفس (النسر) الأجدل تنطلق لترى الغاب وما وراء الغاب، فترى كيف ينتهي إلى قفر يحدُّه بجَدْبه وظمأه وفقره وإعدامه، ثم يصده بجبال رواس شامخات الذُّرى، مظلمات
__________
(1) بُغاث الطيور: ألائمها وشرارها وما لا يصيد منها.
(2/801)

النواحي، مضلات المخارم (1)، فتختلف المعالم باختلاف الحدود. أما الشيء الذي لا حد له، فهو شيء "يستحيل وجوده في هذه الدنيا، فلا جرم أن تكون الحرية شيئا كسائر الأشياء محدودًا بحدوده.
إني أومن بالحرية، وأومن بقدرة الرجل الحر على الإتيان بالمعجزة حين تتم فيه آية الحرية، فلذلك لا يسعنى حين أبدأ هذا العمل إلا أن أقول بملء نفسي لمن يسمع: "من ههنا أبدأ"، من ههنا أبدأ لا لنفسي ولكن للناس. إن هذه كلمة شاملة لا يكون تفصيلها إلا عملا في كل موضع عمل.
إن العمل الصحافي ليقتضينى أشياء كنت بمنجاة منها، وكان أحب إلى أن أفرغ لما كنت فيه من عمل، ولكني أشد حبًا لهذا التراث العربي الإسلامي العظيم من أن أدعه في يد من لا يقوم عليه كقيامى عليه. إن هذا التراث الإِسلامي ليس وحده ما خلف آبائى من دين وعلم وأدب وآثار، بل إن أعظم التراث وخيره وأروعه هو هذه النفوس التي انحدرت معنا إلى هذا العصر من أجيال القوة الحرة المستحصدة (2) العادلة. إن هذه النفوس التي نحيا بها هي التي تطالبنا -من تحت الأدران التي غشيتها- بالعمل من أجلها وفي سبيلها لإنقاذها من التعفن والبلى، ثم لردها إلى حياة هذا العصر لتثبت أنها لا تزال نفوسًا يجب أن توصف بالحياة.
هذه فلسطين الصغيرة المجاهدة المظلومة التي تحيط بها الأفاعى الذهبية من كنوز اليهود تثبت للعالم كله أن (الرجل) في العربي لم يمت بعد، وأنه حين يستيقظ في داخله تستيقظ معه كل الفضائل والأخلاق والتقاليد العربية التي تتوهج تحت شمس البادية المقفرة. . . تتوهج كالذهب حيث يفقد الذهب قيمته المدنية. هذا العربي حين يحارب، ولكن أين العربي العالم العامل المخلص الدؤوب الذي لا يفتر. إننى وأصحابى ممن أكرمونى بصحبتهم، ومن يكرمنى بعد
__________
(1) المخارم: الطرق في الجبال.
(2) المستحصدة: القوية.
(2/802)

بصداقته، سوف نرصد قوانا كلها لإيقاظ الفكر العربي والإسلامي في مصر والحجاز والشام والعراق والمغرب وسائر بلاد العربية والإسلام. إن هذا الفكر إذا جدد تاريخه القديم وبدأ بدءه أثبت هو الآخرُ أن (العاقل) في العربي إذا انتبه، انتبهت فيه كل الحقائق العادلة في الحياة العقلية والاجتماعية، وكل الأحلام الجميلة الوديعة التي تتندّى على النفس العاملة المجهدة بالراحة والسكينة.
* * *

إني أكتب كلمتى هذه من هذا المكان، وقد انبسطت تحت عينيّ خريطة رقعة من الأرض ما بين المشرق والمغرب، أهلها إما عرب قد انحدروا سلالة أمة تاريخية قد حازت من المجد كل غال وكريم، وإما مسلمون من غير العرب قد اندمجوا في العرب بإسلامهم فكانوا منهم واستبقوا خيرات المجد العربيّ، وأعانوا على إبداع الحضارة العربية الإِسلامية بقلوبهم وأيديهم وعقولهم غير مقصرين ولا متخاذلين.
إن هذه الرقعة من أرض الله كانت يومًا ما نبراس العقل والعلم والحضارة، بل كانت منبعَ الفيضِ الإنسانيِّ السامى المتفوّق، بل كانت مَعبدَ الرحمة والعدل والحق، والسموّ بالطبيعة الإِنسانية إلى عنان السماء المشرقة بفضائلها وأخلاقها. كانت كذلك حين كانت القوة في هذه الشعوب ميراثًا لا يضيعه وارثٌ من وَرَثته، فلما رمينا بحب الخمول والكسل انفلتت أسباب القوة من أيدينا، وانفتل كل خير، وكل مجد، وكل فكر سام، إلى من يستطيع أن يحوزه ويحرص عليه ويقوم على تربيته ليربو بين يديه. القوة، القوة .. إنها الفضيلة الأولى في حياة الإنسان الحي، القوة. . . إنها عصب الحرية الكاملة التي تعمل بنقائها لتطهير الحياة البشرية من أدران الذل القذر الذي يجعل الحياة جيفة منتنة على الأرض.
إن هذا الطاعون الوبئ الذي انتشر في الشرق، وفي الشرق العربي والإِسلامى خاصة، طاعون الضعف، قد فتّ كل خير فينا وأحاله إلى فساد، فاختلفت الأنظار إلينا هازئة ساخرة بنا .. كلا .. بل هازئة ساخرة بالمجد
(2/803)

المخلف من عصور آبائنا الأمجاد. . . كلا، كلا، بل اختلفت أنظارنا (نحن) إلى هذا الميراث النبيل بالهزء والسخرية والاحتقار، فصارت الناشئة منا إلى ازدراء ما ورثنا من علم وفن وأدب ودين، وشريعة اجتماعية، وفضيلة أخلاقية، واندفعت إلى ما بهر أبصارها من مدنيات الأمم، وارحمتاه لنا. . . إن الضعف قد أيقظ في الإِنسان الشرقي الطبيعة المنتكسة، الطبيعة (القردية)، طبيعة التقليد على غير هدى في بصيرة النفس، والفرح بغير انبساط في حرية العقل، والفكر بغير تأمل في عواطف القلب، والعمل بغير ضابط من قلب أو عقل أو بصيرة. وأي خير يرجى لمثل هذا الإِنسان الذي لا تحركه إلا أدنأ الطبائع، وأحطها مرتبة عن الإِنسانية العالية السامية التي يجب أن تتفوق في الإِنسان المهذب على الإنسان الوحشى المريض فيه.
أكتب هذه الكلمة، وأنا أعلم أن عمل الصحافة اليوم قد خرج عن أن يكون مقالا أدبيًّا يكتبه أديب متمكن، أو قطعة فنية يصورها فنان مبدع، أو قصيدة درية تتلألأ على الذرى العالية، ليسمو الشاعر برواته وقرائه إلى أحلامها الجميلة الرائعة، تحفها أناشيد النفوس الرقيقة التي عذبها الأسر في السجن الآدمى المسمى بالجسد، إني أعلم، وأعلم أن الحياة المدنية الحاضرة قد اقتسرت الناس على خطة مالية لا يعرف فيها ما قال فلان، ولكن، ما ملك فلان؟ إني أعلم، وأعلم أن الجمهور قد اعتنقته هذه الحياة إلى طريقة هازئة ساخرة فهو لا يقدر إلا ما يجد له لذة طارئة تهز النفس هزتها الأرضية. . . وما يبالى بعدُ باللذة الخالدة التي تبقي حلاوتها في النفس بالتأمل، وفي العقل بالتفكير الحر، وفي القلب بالعاطفة المتفجرة التي تملأ إنسانية الإِنسان عذوبة وريًّا، ثم حنانًا ورحمة.
إني أعلم هذا. . . ولكني أعلم أيضًا أن الصحافة الأدبية الشرقية قد اندفعت في طريق ليس لها أن تسلكه، أو تصر على المسير فيه. إن هذه الصحافة قد بلغ بعضها فيما بلغ مرتبة أعظم الصحافة في العالم، ولكني أجد الحق والعدل أكرم عندي من صداقة الأصدقاء. إني أجل كل عمل، وأقدر كل عامل، ولكني أجل أمتى وتاريخى، وأقدرهما بما يفوق كل عمل وكل عامل. . . إن صحافتنا التي
(2/804)

اتخذنا أساسها من أسس الصحافة الغربية، لا تنفعنا ولا تجدى علينا إلا بقدر لا يكفي ما نطالب به ونجاهد له. إن هذه الأمم التي أخذنا عنها، واهتدينا بها، وشرعنا على منهاجها. . . أمم قد بلغت شعوبها من مرتبة الحرية والقوة ما أوحى إلى صحافتها بالنهج الذي يجب أن تنهجه في تتبع إرادات الشعب، واستغلال أهوائه وشهواته لمصلحتها ثم للذته. فلذلك كانت هذه الصحافة متعة المستمتع، وكان فيها لذة الضعيف ولذة القوى معًا، وكان فيها ما ينفع وما يضر، ما يهدم وما يبنى. . . لأن استفحال القوة وامتلاء النفس والعصب والروح والقلب بآثارها وأصولها، لا يجعل الشعور بما يضعف أو يضر أو يهدم شعورًا تاما يوقظ النزاع لمقاومة هذه العوامل الهدامة ودرء آثارها، وأيضًا لأن القوة تحمل على البغي، وتجعل الاعتقاد فيها والإِيمان بها نفيًا للمبالاة والاكتراث من نفس الإِنسان القوى.
أما نحن فإن السبيل علينا مختلف، والغرض الذي من أجله ننشيء الصحافة جد مباين لأغراض الصحافة الأوروبية. إن صحافتنا صحافة شعوب ضعيفة خاملة متهدمة، شعوب قد فقدت فضيلة القوة وكل أسبابها العاملة، وافتقدت نور الحرية النبيلة المترفعة على الشهوات، وبذلك صار من حقها على الصحفي أن ينظر نظرة متأملة متعمقة نافذة شاملة، لينهج لها النهج القويم الذي يرد إليها ما فقدت، ويوجدها ما افتقدت؛ ويعمل لها عمل الأب الرحيم لولده الضعيف حتى يشب ويستحكم.
وأنا حين فكرت في بعث "العصور" واحتمال تكاليف الحياة الصحفية، لم أُلْقِ كثير بال إلى مشقة المال وهو أصل في قوة الصحافة، ولا في النصب الذي يهد الجسد لأن الروح يجب أن تبقى مستعلية بشبابها على عجز البدن، ولا في الآلام التي سأحملها في كل شيء، لأن الآلام هي التي تجدد عزم الإنسان، وتدفعه إذا عرف كيف يحتملها مبتسما راضيًا. لم أفكر في هذا ولم ألق بالى إليه، وإنما فكرت في المبدأ الذي يجب على أن أحدده لنفسي تحديد الذي يريد أن يشرع في عمل ينتظم، وفي الغرض الذي يجب أن أسدد إليه كل سهم من سهامى في هذا العمل.
(2/805)

إن مبدئى ومبدأ أصحابى ممن أرتضى أن يشركنى في هذا العمل، هو الجهاد في سبيل القوة التي نملك بها القدرة على الاحتفاظ بهذه الحريات، والنظام الذي يسدد خطانا في العمل بقوة وحرية في إيقاظ الشعوب المستضعفة العاجزة. إن هذا المجمل الذي تنطوى تحته أسرار اليقظة، يشمل الحياة الاجتماعية العربية والإسلامية كلها: حياة الفرد من حيث أنه أصل في تكوين الجماعة وتكييفها، وحياة الجماعة من حيث أنها اشتراك بين الأفراد لتكوين شعب مثقف عال عامل، ويشمل الحياة الأدبية والعلمية والعملية، أو الحياة العقلية كلها مستغلة ومنتجة.
من وراء هذا المبدأ البسيط أهوال، أهوال النظر في كل ما يمت إليه بسبب من أشياء الحياة، وأهوال العمل على تنفيذ السياسة التي نتخذها لكل إرادة من إرادات الخير للمنفعة، وأهوال التنبه للخطأ كيف ينشأ، وكيف يصلح، وأهوال الخطر من أين يقبل علينا وكيف يتقى، وفوق ذلك قول الترفق على هون، والتلطف للنفوذ بما نريد إلى المكان الصالح لاستنبات المبادئ الصالحة والأعمال الناجحة.
فالعمل الصحفي في مجلتنا هذه ليس عملا إخباريا ولا سياسيا، ولكنه عمل اجتماعى تمتد أصوله إلى كل شيء، في الشارع وفي البيت، وفي النفس وفي العلم، وفي الأدب وفي السياسية، وفي كل ما هو ممثل للحياة التي يجب أن يصير بها الشرق العربي والإسلامي كائنًا حيًّا يعيش بنفسه ولنفسه ثم بالإنسانية وللإنسانية.
إن النظرة الأولى إلى هذا المبدأ الذي نهجناه وبينا بعض أصوله، توحي إلى الناظر غرور العمل الذي نحن مقبولون عليه؛ وأما النظرة الثانية، نظرة المتأمل الذي يرمى ببصره إلى الأعماق البعيدة ثم إلى الذرى العالية، ويستوعب ما عليه الأمم العربية المختلفة، وما تتباين فيه وما تتفق عليه، وما يجترفها من التيارات الحديثة القوية المكتسحة - سوف يرى مشقة العمل، ومشقة التوجيه السياسي لهذه المبادئ.
(2/806)

وأما الغرض الذي نرمى إليه، فهو غرض واضح بين لا خفاء فيه. هو إصلاح الحياة التي نحياها، وإمدادها بكل أسباب القوة والحرية والسيادة النفسية والعقلية والأدبية، وما يحمى هذه السيادة من الخضوع لاستبداد الأهواء والشهوات. وطريقنا طريق واضحة هي أن ننفض الكسل عن عقولنا وأرواحنا، ونتجرد للحق والعدل، والسيادة، والاستقلال. إننا نريد أن تكون حياتنا المنزلية والاجتماعية، وحياتنا العقلية والعملية، وحياتنا السياسية والأدبية، حياة ممثلة للفضائل الإنسانية الكاملة، ومميزة لنا بتقاليدها القويمة القوية، وسامية بنا إلى مرتبة المجد الذي أذهل العالم في أوانه بحضارته وروعته وعبقريته وجماله. الطريق واضح بين، فيجب أن نقول وأن نعمل وأن نؤمن بما نقول وما نعمل من سر أنفسنا .. من قلوبنا .. من أحشائنا. . . من دمائنا. . . من نوازع المجد التي تتراءى لأبصارنا أحلامًا تريد أن تتحقق. . . ولابد من أن تتحقق.
(2/807)

لماذا، لماذا؟
إن قلبي الذي يتصدع الآن هو قلبي الذي أحبها من قبل. لقد عشت لها كالدوحة الناضرة. من أفيائها ظل رطب نديٌّ يروى ظمأ النفس الصادية، هكذا كنت أحس. أنا بقوتى كنت ألين لها كأنى نغمة عاطفة تحن إليها حنين الطفل، هكذا كنت أحب. وأنا بكبرياء رجولتي كنت أخشع لرقة أنوثتها خشوع الزهرة المتفتحة في معبد الفجر، هكذا كنت أفرح.
ولكنها المرأة.! في طبيعتها إنكار الرجل إذا عرفت أنه لها، وأنه أحبها، وأنه بها يفرح.
إن قلبي يتصدع الآن في يديها: لأنه أظلها، وحَنَّ إليها، وخشع لها. . .، لأنه أحبها.
فلماذا أحببتها .. ؟ لماذا؟ لماذا؟ . . .
__________
(*) العصور، العدد الأول، 19 نوفمبر 1938، ص: 26
(2/808)

تهيئة الشرق لوراثة الحضارات والمدنيات
لبثت في أسر "الوظيفة الحكومية" عشر سنوات متواليات أعمل فيها ولها، ثم تنزل القدر فعافتنى وعفتها، وانطلقت أطوى الأرض. . .، أنظر بعينيَّ إلى آفاق تترامى على مطرح البصر، وكأنى آبد قد حطَّم القيود وانفلت من بين أعواد الحديد التي كانت تمسكه من ورائها، وملأت رئتىَّ من الهواء الحر، يارب، أين كنتُ؟ إن طبيعتى التي فُطِرْتُ عليها تأبي أن تألف هذه الأنفاس المقتّرة المعطاة على المنة لصدور تنطوى على قلوب حية تنبض وتتحرك وتسمو بآمالها إلى الخير النبيل. وبقيت أياما، هي من حياتى كأنها ذكرى فرحة قديمة انبعثت على حين غفلة من كهوف النفس المهجورة التي يختبئ في ظلماتها ما يمضي من أفراح الحياة.
وتوالت الأيام تتسحب على ظلال العمر، وتجلت الأحلام العزيزة التي لا تفني وسكنت النفس إلى حريتها، وبدأت أبحث عن واجبي في الحياة، فمكثت على لُبث أتأمل وأفكر، والروح في فترة من هدوء ورضًا، حتى اهتديت بحمد الله إلى الطريق والغاية.
نحن شعوب متخاذلة قد غفلت عن حقيقة الحياة، فواجبنا أن نعمل على إيقاظ هذه الشعوب من سنة النوم التي طالت بها، وقتلت فيها مادة النشاط التي تدفعها إلى تحقيق الأغراض النبيلة التي خلق من أجلها الإنسان على الأرض. أجل .. ، وهذه الشعوب نفسها، هذا الشرق، قد أثبت في التاريخ مرات أنه قادر على صناعة الحضارة والمدنية، يتقنها ويستجيدها ويطهرها من أدران البلاء التي تعصف بإنسانية الإِنسان كما تعصف الريح بأوراق الشجر. فلم لا يثبت الشرق مرة أخرى في التاريخ الحديث أنه لم ينس هذه الصناعة؟ وأن أنامله الرفيقة لا تزال قادرة على نسج الثياب الرفيعة التي تلبسها الإنسانية لتزهى بها، وتبدو في زينتها؟
__________
(*) العصور العدد الثاني، 9 ديسمبر 1938، ص 37 - 39
(2/809)

هذه المدنية الأوربية المحدثة من أمامنا قد عملت عملها، وأتمت ما وجدت له على طريقتها ومذهبها، وجعلتنا ننظر إليها ذاهلين كأنما نرى معجزة تحققها أيدى مردة من الجن ليسوا من الإِنس في أصل ولا نسب. إن هذا الوهم الكبير هو الذي أعجز الشرق عن العمل، ورماه في براثن الأمم المستأسدة الضارية، وجعله كالفريسة تنتفض تحت أقدامه عجزًا وهلعًا واستكانة.
ولكن الحين قد حان، وآن للشرق أن ينظر إلى الحقائق الواقعة ليعرف كيف يعمل. إن أوروبا، التي هي مصدر المدنية الحديثة، تقف على هذه الأرض موقفًا ظاهرًا لمن يتأمل. هذه دول الحضارة الحديثة من أمامنا قد هبت كلها في جنبات الأرض تملأها حديدًا ونارًا وضجيجًا في الأرض وصخبًا طائرًا في السماء. والرجال على الأرض كأنهم قنابل معدة مهيأة لتنفجر، وفي كل ناحية أمة مُقْعِيَة (1) متربصة تكاد تثب، والحياة تتدافع بهذا وذاك وهؤلاء، فلا تلبث أن تصطدم هذه الأمم بعضها ببعض، ويومئذ لن تثبت الأرض ولن تسكن السماء، وتتطاير أشلاء الحضارة الحديثة إلى أعلى لتسقط على أهل هذه الحضارة، وتطويهم في أكفانها، وتدفنهم في قبورها.
إن المدنية الأوربية المحدثة، في هذا العصر، تحمل في داخلها كل عناصر التهدم، وكل أسباب الفناء والبلى، وأهم هذه العناصر والأسباب، هذه الحالة الحربية التي شملت كل دولة أوربية، ودفعتها إلى زيادة التسلّح بكل أدوات الدمار والهلاك، والسرعة الجامحة التي تعمل بها هذه الأمم في كل ما يمس الاستعداد الحربي، ولا شك في أن هذه الإِرادة وحدها مع الإِسراع في تنفيذها، سوف تؤدى حتما إلى اختلال التوازن في القوى المتساندة، وسينتهي هذا الاختلال باصطدام قوى الشر جملة واحدة، وسيعقب هذا الاصطدام انفجار هائل يشوه وجه الإِنسانية الباغية أبد الدهر، ويتركها مثلا في العالمين.
ولو أن هذا الاستعداد الحربى العظيم، كان نتيجةً للدفاع عن مبادئ
__________
(1) أَقْعَى الكلبُ: جلس على مؤخرته مُفْتَرِشا رجليْه وناصِبا يديه.
(2/810)

استقرت على أصولها في نفوس القائمين بأمرها، لقلنا عسى أن تنتفع الإِنسانيةُ بانهزام الباطل وانتصار الحق، وإن ضَحَّت في سبيل ذلك بالملايين من البشر الذين تأكلهم هذه الحرب الضروس، ولكان ثمَّة أمل في عودة الحضارة إلى منزلة من الإِصلاح تعمل فيها لسعادة الإنسان بعد الشقاء الكبير الذي تعس به. ولكن الواقع غير ذلك.
فإن الحرب الحديثة المقبلة. . .، إنما هي بغْى. لقد بغي بعضهم على بعض في العلم، فضربوا للإنسان أسوأ الأمثلة على أن ضَرَرَ العلم أكبر من نفعه، وأن الشقاء قرينٌ لعلم هذه المدنية الطاغية، وأن الفرد فيها حيوان يستغل، فيا لشناعة هذا الاستغلال الذي هزم العقل والإِرادة، وردهما إلى أدنأ درجة في تاريخ الإنسان على الأرض. . .!
هذه أوربَّا التي نفضتْ على كلمة "الحرية" من تهاويل الخيال، وتخاليف الفن، وتحاسين الإِبداع، وزخارف الحضارة -حتى بدتْ فتنةً يتهاوى في فتونها كل غاو وحليم- تثبتُ للناس أن "الحرية" كلمة ضامرة ضعيفة لا معنى لها، ولا حياة فيها، ولعل التاريخ كله لم يشهدْ عصرًا ضاعت فيه كل معاني هذه الكلمة، مع كثرة دورانها على الألسنة، مثل الذي شهده في هذا العصر. ففي كلّ ناحية في أوربا يضرب الحصار على حرية الأفراد، وحرية الجماعات، وعلى حرية السر وحرية العلن، وعلى حرية الرأي وحرية الضمير. في فرنسا -باعثة هذه الفتنة في أوربا- في إنجلترا، في ألمانيا، في إيطاليا، في روسيا، في كل بلد، يشهد التاريخ أفظع استبداد تستبد به السياسة الدولية، وتتعسف به المعاهدات والمحالفات القائمة على مصالح البغي السياسي والحربى، في إزهاق الروح الحقيقية التي تحملها كلمة "الحرية".
إن كل عمل، بل كل رأي، بل كل فكر، بل كل شيء في أوربا الآن تقتسره السياسة الحربية على صورة تنفعها، فإن لم تكن تنفعها فلا تضرها، حتى صارت العقول الإنسانية آلة في يدها تصرفها كيف تشاء، وفسدت معاني الأشياء، وطغى غرور القوة والاعتداد بها، في العلم والفن والأدب وفي كل
(2/811)

شيء، واختلط الحق بالباطل اختلاطا فاسدًا لا أمل في تطهيره إلا بجهد كبير تبذله نفوس هادئة ساكنة حكيمة تتجرد للعمل، وتعمل للحق، وتختار صالح كل شيء، وتنفي فساده وتحريفه وغلوه وغروره ليكون الانتفاع به أقرب لإِنقاذ الإنسانية من مصير مخيف، يرتد بها إلى وحشية الغرائز الدنيا التي تتحكم في مراشد العقل والقلب بغير حكمة ولا روية.
هذه الصورة الدانيةْ الآن للحالة الظاهرة في أوروبا غير ناظرين إلى الاختلاط الفكري القبيح بين المذاهب المتباينة، ولا إلى الفساد الكبير في المبادئ العقلية التي تبنى عليها سعادة القلب الإِنسانى، ولا إلى تشاجر الأهواء الاجتماعية في حرب الفضيلة والرذيلة؛ والخير والشر، والعدل والبغي، ولا إلى انحلال القوى الاقتصادية وتزعزع الأسس المالية، ولا إلى ما يمد كل هذه بأكبر أسباب الفساد إلّا وهو غرور هذه المدنية بعلمها ورأيها وفهمها؛ وادعائها إدراك سر الحقيقة في كل ما تتناوله بالبحث والتحليل.
أما الشرق. . .، فهو الآن يموج ويهتز ويمتد بآماله، ويطالب بحرياته، فبذلك تهيئه ضرورة الحياة الحاضرة لانتزاع الخير المحض مما يقع إليه من مدنية وحضارة، وتهيئه طبيعته الموروثة للاستفادة من نتاج الحضارات والمدنيات قديمها وحديثها، وتهيئه ما انحدر معه في أعصابه من الحكمة القديمة، والرزانة التقليدية، لتعبئة قواه التاريخية كلها، فيأخذ الحضارة الحديثة فيصهرها ويذيبها ويعيد تكوينها موسومة بسمته: الحرية، العدل، الشرف، الفضيلة، سكينة النفس، التقوى تقوى الله في عمل الدنيا وعمل الآخرة، تلك سمات الشرق التي يسم بها مدنيته الجديدة التي يتهيأ اليوم لوراثتها عن سالف الحضارات والمدنيات.
(2/812)

شكر
لم يزل هذا القلب يكلفني من عواطفه يومًا بعد يومٍ، ويطالبنى أن أجزى عن كل إحسان بما يعجزنى ويعجزه. وحين أصدرت العدد الأول من "العصور" تجلت له عواطف أصحابه وأحبابه، وأشرق عليه من بشرهم وترحيبهم ما لا وفاء لي ولا له ببعض مثله. ومن حيانى سرًّا فأنا أرد تحيته هنا علانية، ومن قدّم إلى من معروفه علانية، فأنا أحفظ له الشكر في نفسي ما بقيت. وأخصّ في هذا المكان أستاذى الأول ومرشدى وصديقي الأستاذ محب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية ومجلة الفتح، وأستاذى وصديقي الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب الرسالة والرواية، أخصهما بكل ما أملك من هذه الدنيا التي يتنازع عليها الطغاة البغاة. . .
أخصهما بقلبي وإن قلّ.
__________
(*) مجلة العصور العدد الثاني، 9 ديسمبر 1938، ص: 44.
(2/813)

أنا وحدى. . .!
تحت الشمس المحْرقة التي ترسلُ أشعتها، وكأنها لُعَابٌ من النار الجاحمة المتسَعِّرَة.
وعلى الرِّمال الملتهبة التي تَزْخر حَرَارتها، وكأنها بحرٌ من السعير تتلاطَمُ فيه أمواجُ اللهب.
وبينهما. . . بينهما يتهاوَى سَمومٌ من الرياح العاصفة، وكأنها أنفاسُ الشياطين المخلوقة من مارج من نارٍ.
أنا وَحدِي. . . أمُدُّ الطرف إلى الآفاق المترامية، ذاهلًا عن آلام الظَّمْأ، لأرى السرَابَ المتخايلَ كأنه ذَوْبُ الدُّر واللؤلؤ.
أنا وحدي. . . أرَى الجبال البعيدة الشامخة، على هامَاتها عمَائمُ الشيب تفيَّئُها الريح، وكأنها ذوائب من دُخانٍ.
أنا وحدِي. . . حيث تلبسنى النار، حيث أطأ النار، حيثُ أتنفَّسُ من نارٍ، حيث أسمع حَسيسها وأرى آثارها. . . أنا وحدى. . .
أيتها الشمس المحرقة، أيتها الرمال الملتهبة، أيتها الرياح المندلعة، أيها الشراب، أيتها الجبال. . .! ! أنا وحدى معكُنَّ أحيى لأحترق، وأحترق لتحيى النفس التي تنشُدُ الخلود! !
الصديق. . .! الصاحب. . .! الأخ. . .! كلهم. . . كلهم ودَّعنى لأنه لا يطيق، وأنت أيضًا أيتها الحبيبة! !
إذن فأين أجد الراحةَ من وَقُودِ النار؟ .
__________
(*) العصور، العدد الثاني، 9 ديسمبر 1938، ص: 64
(2/814)

الطريق إلى الأدب
- 1 -
تلقيت رسالة من بعض أصحابنا يسألنى فيها عن الطريق الذي ينبغي له أن يسلكه إلى دراسة الأدب، ويقول: إنه يجد في نفسه المعاني التي تجري وتتخايل والأحلام التي تزهو وتتزين، وأنه إذا رام الكتابة جرى فيها على طبيعته غير متوقف، ولكنه إذا قرأها -بعد أن يفرغ منها- وجدها أقل مما يحس به، بل هي ليست تعبر كل العبارة عما يحس به ويتمثل له من معانيه وآلامه وأحلامه.
وأنه قد أكثر القراءة لفلان وفلان من المعاصرين، ولكنه يجدهم لا يلقون في طبعه تلك الجذوة الخالدة التي تشتعل نارها إذا تنفست عليها النسمات التي ترتاحه وتهزه، وأنه يعتقد -أو يخيل إليه أنه يعتقد- أن هذا الذي يقرؤه لو كان حقا من الأدب الخالد لبعث في نفسه ما يبعث بخلوده من نفحات الخلود.
ويريد هذا الأخ الفاضل أن يدلنى على صدق ما ذهب إليه، فيبعث إلى بقطع من كلامه -ومن شعره أيضا- لأعلم أنه مطبوع على الأدب وإن كان يقصر بيانه عن إدراك الإجادة.
ثم يقول: فأرجو أن تمنحنى بعض وقتك، وتنظر في بعض كلامي على طريقتك في استخراج (نوع الأديب والشاعر! ! ) من تحت الألفاظ التي تجتمع له، والمعاني التي ينبعث طبعه إليها. ثم يأتي في كتابه إلى بكلام كثير، أستأذنه في إغفاله هنا، إذ ليس يجرى إلى الغرض الذي نرمى له أو الذي يريدنا هو أن نرمى إليه.
وقد قرأت الورقات التي كتبها فوجدت له روحا حرة حية متأملة تترقرق في كلامه، وأنه مطبوع على سرعة النظر وحسن الهداية إلى المعاني سريع النفوذ في أغراض القول، يتغلغل في بعض ما يفكر فيه بما هو فوق طاقة الفكر المجرد من
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 721، الثلاثاء 15 ربيع الأول سنة 1359 - 23 إبريل سنة 1940
(2/815)

حدة البصيرة ومضائها، فأسفت أن يكون هذا الأخ قد جاوز الثلاثين من عمره، وهو ما هو، ثم هو لا يزال حائرًا بعد ذلك لا يستطيع أن يملأ نفسه من زاد الأدب، ولا يطيق أن يحمل أداة العمل الأدبى المرهق الذي أعد له في طبعه. وحملنى كتابه على التفكير في شأنه وشأن أمثاله من الأدباء الذين قتل أدبهم سوء التعليم في الصِّغَر، وفي الأدباء الذين يكتبون للأدب وهم لا يجيدون ما يكتبون، ولولا أن صاحبنا هذا حيى متواضع -كما وصف نفسه- لكان من الممكن أن يزاحم كما زاحم غيره غير مبال بتقدير نفسه وتقدير ما يكتب قبل أن ينشره على الناس، فلذلك أحببت أن أجعل رسالتي إليه رسالة عامة يحملها إليه بريد "الدستور". ولا بأس من أن يستفيد هو ويشرك معه غيره، إذ كان الذي يجده من الضعف يجد كثير من الناس مثله في أنفسهم، وكثير لا يبالى أن يجد ذلك ثم يكتب وهو لا يبالى أن يجيد أو يستفيد.
وأول ما تجب معرفته لكل طالب أدب، أن لكل علم آلة، ولكل آلة نظاما، ولكل نظام مبدأ، ولكل مبدأ أصولا، فإذا فسد الأصل فسد معه المبدأ والنظام وتوقفت الآلة حتى يعلوها الصدأ، وإذا وقع بعض الاختلال في بعض الأصول أفضى هذا الاختلال إلى الآلة فجعلها تدور متعسرة ضالة يتكسر سن منها على سن حتى ينتهي بها ذلك إلى الفساد عامة بعد الجعجعة والضوضاء والصخب الذي هو كل إنتاجها. فليس ثمة علم من العلوم أو فن من الفنون إلا وقد استأثر بأصول مؤسسة، لابد لكل راغب -في شيء من هذه العلوم والفنون- أن يستوعبها ويجيدها ويحسن التصرف فيها إذا عالجها حتى لا يتوقف به العجز بعد الدخول في بحبوحة هذا العلم أو الفن، إذا فَجأهُ ما يفجأ مما لابد منه ولا محيص عنه.
فطالب الهندسة مثلا إذا لم يعرف أصولها من النقطة والخط والزاوية القائمة والحادة والمنفرجة، والأشكال المختلفة بين التربيع والتثليث والتدوير، وما يتبع كل ذلك من البرهان على صحة الأحكام التي تقتضيها هذه الأشكال الهندسية - فهو خليق إذن أن لا يجيد شيئا من الهندسة مهما طال مراسه لها، وتتبعه لكتبها الكبيرة التي لا تلم بشرح هذه الأصول الإبتدائية.
(2/816)

فإذا خيل لهذا الطالب -بعد طول العمر في دراسة الكتب الكبيرة- أنه مستطيع أن يشرح النظام الفلكى بالحساب الهندسى، أو أن يبنى دارًا بما تلقف من ألوان هذا العلم، وقع من حيث طار مرة، أو انهدم عليه ما أقامه مرة أخرى، وهكذا أمر كل العلوم والفنون لا يشذ واحد منها عن القاعدة التي تقررها فطرة العلوم والفنون.
والأدب والشعر والفلسفة وسائر العلوم النفسية والعقلية التي يخيل لبعض الناس إنها ملك للجميع من كل صاحب عقل وصاحب نفس لا تخرج عن هذه القاعدة التي تطالبنا بتقريرها فطرة العلوم والفنون. فأيما أديب أو كاتب أو شاعر أو ناقد أو متفلسف يقتحم بابا من هذه الأبواب غير متسلح بالبراعة في أصول الفن الذي يرمى بنفسه فيه، فهو إلى إهلاك نفسه أدخل، وإلى إضاعة وقته أسرع، وبالغرور سار حيث سار، وإني قد رأيت أكثر من يقذف نفسه في فن من هذه الفنون يقول: إذا كان مرد الشعر والأدب والكتابة والنقد وما إليها -هو إلى الطبع والسليقة وصفاء النفس ورقة الشعور، فما جدوى أن نقيم الدنيا ونقعدها من أجل أشياء لا تنفع ولا تشفع؟ وأي فائدة -بعد أن يجتمع للأديب والشاعر هذا كله- في أن يرهق نفسه بالدراية والثقافة والبحث والدأب، ولعله أن يكون بعيدًا عن هذا كله أقدر على العبارة عن ضمير نفسه؟ ولعله إذا أقبل على هذه الأشياء بالدرس والتثقيف كان ذلك أسرع في إفساد طبعه، ومجمجة سليقته، وتكدير نفسه ومَحْق شعوره! ! ولقد أخطأ هؤلاء من حيث أرادوا الإصابة في التقدير.
فإن أصل العلم كله من أدب وفن وعلم إنما هو النفس والطبع والشعور، ولولا هذه لما كان في الدنيا علم، ولكن النفس لا تكتفي بأن تكون كل أعمالها صادرة عنها وحدها، بل إن الاجتماع الإنساني يضطرها أن تكون أبدًا متأهبة للتلقى كما هي مريدة للإذاعة، وأن تكون راغبة في مشاركة الآخرين في تأملاتهم كما هي متشوقة للانفراد بتأملاتها. وهذا يدل على أن النفس إذا انفردت لم تؤد أعمالها إلا ناقصة معيبة، لأن تمام أعمالها في المشاركة.
وكأنى بابن خلدون قد رام هذا المعنى إذ قال في مقدمته الجليلة، حين
(2/817)

عرض لذكر "علم الأدب": "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارض أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنثور والمنظوم على أساليب العرب ومناحيهم". ثم عد ابن خلدون أشياء لا قيمة لها في تحقيق معنى الأدب. وأنت ترى أن عبارته التي نقلناها مبهمة "غامضة" لأنه لم يجر إلى شرحها والبيان عنها، ولكنه بعد أن تقدم في كلامه وضع التفسير لهذه العبارة من حيث لم يرد، ولكنه أفسد التفسير بالتعليق عليه، وذلك قوله:
"ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف". فالأخذ من كل علم بطرف أصل عظيم للأديب، لأنه هو المعبر عن نفسه التي تريد أن تعبر عن النفس الإنسانية العامة التي يشترك في الاستمداد منها سائر البشر.
ومادامت كل العلوم في أصلها صادرة عن النفس فلابد للأديب من معرفة الأحوال التي تعرض لهذه النفوس فتوجهها إلى استجلاء الغامض الذي به وبإرادته وطلبه كانت هذه العلوم علوما.
وأخذ الأديب بطرف من هذه العلوم لابد أن يكون على طريقة الأديب لا على طريقة العالم، فإن الأديب ينفذ بنفسه وروحه فيما يقرأ من ذلك، ليحس ويستشعر نبض النفس الإنسانية الكبيرة في إنتاج هذه العلوم. وأما العالم فإنه يريد أن يستوعب في نفسه النبض العلمي الذي يجرى عليه التحقيق والنقد فيها وبأسلوبها وعلى هديها.
ولكن ابن خلدون أفسد معنى هذه العبارة بشرحه إذ قال بعد ذلك: "يريدون (الأخذ بطرف) من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب".
ولاشك أن هذه بعض ما يجب على الأديب أن ينال منه، وخاصة القرآن والحديث، فعليه أن يعب منهما عبًّا، لأنهما نهاية الإعجاز الإلهي والبشرى في التعبير وفي المعاني وهما النظام الخلقى العام للبشر، وكلاهما يخاطب أول ما يخاطب النفس الصافية ويمسها ويتغلغل فيها ويهزها ويملؤها ريا ونعمة وحياة.
(2/818)

ومنهما تتكون للأديب السليقة العربية الصحيحة الحرة التي لا تتقيد بالزمن ودواعى الزمن، من مثل القيد الذي جعل ابن خلدون يتوهم في شرحه للعبارة أوهاما فاسدة كقوله بعد: "فاحتاج صاحب هذا الفن -يعني الأدب- حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها"! !
فابن خلدون إنما يشرح قولهم "الأخذ من كل علم بطرف" -على طريقة الأدب في عصره هو، وهو العصر الذي كان أدبه ترديدًا لحشرجة الميت لا معنى للصوت فيها إلا معنى انقضاء الأصوات وعجزها عن التعبير عن الحياة، ذلك كان صوت الموت إذا صوت في صدور أدباء عصره.
وكذلك زعمه أن لا مدخل لغير النحو واللغة والبلاغة والعلوم الشرعية في علم الأدب، إنما هو تصوير لأدب العصر الذي عاش فيه، فحكم ابن خلدون وشرحه وبيانه ليس إلا الحكم والشرح والبيان الذي اقتضاه عصره وحده. ومهما كان ابن خلدون في الأدب بالمنزلة التي كان بها أول من استطاع أن يقرر قواعد علم الاجتماع- لكان قوله في علم الأدب غير ذلك، ولاهتدى إلى السر في تعبير القدماء من قولهم في الأدب أنه الأخذ من كل علم بطرف.
ولعل أهم ما أسقطه في هذا الخطأ ظنه أن قولهم "كل علم" يعنون العلوم التي قامت باصطلاحاتها، وليس كذلك، فإنهم أرادوا لب العلم لا حواشيه، وجعلوا "العلم" في هذه العبارة بمنزلة "المعرفة" التي لا تحده بحدود.
والسر كما ترى هو أن الأدب تعبير عن الحياة كلها على طريقة نفسية محضة يراد بها أن تخاطب نفس نفسا بألفاظ من اللغة تروم بها التأثير والهز، وتنبيه النفس الإنسانية النائمة في نفس الفرد لتوجهه إلى الغاية التي يرمى إليها الأديب بالضرب الذي اختاره من الأدب، ليكون بيانا عن الحياة مهما اختلفت أنواعها وأشكالها ومقتضياتها.
والأديب من أجل ذلك مضطر لدراسة الحياة وما فيها دراسة حية بنبض النفس وحركتها وأشواقها إلى ما وراء الماده دون الجسمية أو العلمية التي تحجب
(2/819)

فن الحياة دون أعين الأحياء ثم هو بعد ذلك مدفوع إلى طلب العبارة عن الأحساس الذي يجرى في كيانه الإنساني العاقل المفكر المتأمل.
وسواء بعد أكان ما يريده من الأغراض علميا أم فكريا أم قلبيا أم فلسفيا، فكل ذلك إنما يستمد من الطبيعة التي انطوى عليها، والتي صار بأسبابها ودواعيها أدبيا يريد أن يتكلم بألفاظه، وأن يترجم بنفسه عن النفس الخالدة الذائبة في الكون كله، والتي تعرف بالنفس الإنسانية العامة. هذا وسنتم فيما يستقبل بقية القول في أداة الأديب وما يجب عليه.
(2/820)

الطريق إلى الأدب
- 2 -
جاءتني عدة كتب من إخواننا بعد الكتاب الذي فتح لنا باب القول في "الأدب"، وكلها يجرى على أسلوب واحد من الحيرة في طريق الأدب. هذه الحيرة -كما يقول أحدهم- التي تجعل الأديب يمشي في بيداء من الظنون الشائكة والشكوك الظامئة. ثم لا يفضى إلى شيء، ولا يظفر من حياته إلا بالوحشة والمرارة والحزن، ثم يهلك بعد ذلك كله على أرض سبخة يأكل مِلْحها كل ما يقع عليها: يبليه ويسحقه. نعم، إن هذه الظاهرة المؤلمة هي أول الخير للأدب والأدباء وهي البشير بأن عصر الفوضى في الأدب قد بدأ ينقضى إلى غير رجعة، وهي الدليل على أن أكثر الأدب الماضي قد كان تلبيسا على العقل والقلب، وشعوذة على الروح والنفس والفكر.
لقد أخرج العهد الماضي طائفة من الأدباء، كلهم قد عمل واستعد وخرج على الناس بأدبه، ثم غرتهم الشهرة فمضوا لم يبالوا أن ينظروا إلى قيمة الأدب الذي ينتجونه ليمحصوه للناس، فلعل بعضه يفسد على الشباب أمر أدبهم الذي يتأهبون له. وشغل الشباب هذا الأدب الجديد، وكبرت معاني الأسماء والألقاب في أسماعهم وأذهانهم، فحسبوا أن هذا الأدب هو الغاية وهو النهاية وهو الذي ليس بعده نبوغ أو عبقرية.
وتعصَّبوا لذلك بحمية الشباب، وصرفتهم هذه العصبية عن تحرير أنفسهم وعقولهم من أسر الألقاب والأسماء.
ثم مضى زمن فنظروا فلم يجدوا في أيديهم شيئا من هذا السراب الخادع الذي تعصَّبوا له وعكفوا عليه. بل وجدوا أنفسهم كعابد النار تحرقه ويعبدها! ! ..
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 727، الثلاثاء 22 ربيع الأول سنة 1359 - 30 إبريل سنة 1940
(2/821)

ولكن هذه الظاهرة الجديدة التي تدفع الشباب الجديد إلى الشك في قيمة ذلك الأدب، وإلى الشك في أنفسهم -هي النجاة لهم من عبودية مستبدة ماحقة وهي التي ستقذف في أعصاب الجيل الجديد روح الحرية، وهي التي ستجعله يأبى إلا أن يمهد الطريق قبل المسير، وإلا أن يتخير الأساس قبل البناء، وإلا أن يعرف برهان الحقيقة التي يجب عليه اعتقادها قبل الإيمان بها إيمانا أعشى أو إيمانا أعور أو إيمانا أعمى يضل به ويموت عليه.
ونحن قد تناولنا في الكلمة السالفة تعريف الأدب الذي وضعه ابن خلدون في مقدمته، وأخذنا في نقده وتمحيصه لعلمنا أن الأدواء التي أدركت الأدب أو أصابته ترتد في أصل جرثومتها إلى عهد بعيد متقادم. فأردنا بذلك البيان عن هذه العلة (بالتشخيص) والتحليل.
فإذا عرف طالب الأدب حقيقة الأدب كان ذلك أحرى أن يهديه سواء السبيل في كل ما يقصده من أغراض هذا الأدب وهذا هو الأصل، وأما الفروع التي تتفرع منه فهي هينة عليه بعد ذلك إن شاء الله. وقد كان القدماء الذين نقل عنهم ابن خلدون ومن هو في طبقته -يعرفون حقيقة الأدب معرفة نفسية، فلذلك كان كلامهم عنه صحيحًا موجزًا ولكن شرح أهل العصور المتأخرة التي ضلت عن حقيقة الأدب -حين شرحوا هذا الكلام الموجز الدقيق الفاصل- هو أصل الداء الذي تغلغل في الأدب العربي قديمه وحديثه، وهو الذي حقر الأدب في عيون أكثر الأدباء، وزيفه عند العامة.
فإذا استطعنا أن نخلص إلى حقيقة أقوال القدماء الموجزة وعرفنا سر معانيها الجميلة الدقيقة، نظرنا -عندئذ- إلى الأدب القديم نظرة جديدة تنفض عنه الأتربة التي طمست محاسنه وروائعه كل هذه القرون، وإذا عرفنا هذه المحاسن وما فيها من جمال وفتنة، استطعنا أن نغير أساليب القراءة وأساليب الفكر فيما نقرأ، فإذا أدركنا ذلك فهو أول الطريق إلى الأدب الصحيح الذي نريده ونشتاق إليه, وهو بدء الحرية الأدبية التي لا تعرف القديم والجديد بتلك الفكرة المفتونة المريضة التي ثارت في ميادين الأدب حينا من الدهر، تحقر القديم لقدمه،
(2/822)

وتستعظم الجديد لجدته، على غرور واندفاع وتهور، حتى تحطمت كل الموازين في أيدى أصحابها، ولم يبق للناس ميزان يعرفون به ما في الكلام من الصدق والجمال، وما فيه من الكذب والغش، وهما أقبح القبح، وهما الدمامة المتبرجة في زينة "المكياج" اللفظى لا في زينة الحق والعدل، فإن القبيح ربما حسن إذا عرف الإنسان سر القبح الذي فيه، ومن استطاع أن يعرف سر القبح فاشمأز منه، فهو خليق أن يعرف سر الجمال فيهتز له.
وحركة النفس بالاشمئزاز والاهتزاز هي أصل الأدب -إذا ما نشأت عن الإدراك أو النفوذ إلى الإحساس بالسر الذي يكون به القبيح قبيحًا والجميل جميلا. فإذا تتام هذا الإدراك وهذا النفوذ وعملا في كشف الحجب عن هذه الأسرار على نظام وتدبير وتساوق واطراد فذلك هو طريق الأدب. فإذا خلص للأديب مذهبه في تناول هذه الأسرار على طريقته وبأسلوبه، واهتز إحساسه بالمعاني اهتزازًا قويا متجاوبا بأنغامه التي يتردد صداها في كهوف النفس فتتابعت هذه الأنغام معبرة عن خواطر العقل والقلب والنفس والروح وآلامها وأفراحها وأحزانها ولذاتها، وظنونها وحقائقها، وأوهامها ويقينها، فذلك هو حقيقة الأدب. فإذا استطاع الأديب أن يصور هذه كلها بألفاظه ولغته وعبارته وأسلوبه الذي يحمل صور هذه الاهتزازات، ويحمل أنغامها في جرس الكلام، فذلك هو الأدب الذي ينسب إليه ويتميز به فيقال مذهب فلان وطريقة فلان وأسلوب فلان. . .
والوصول إلى هذه الغاية من الأدب ليست عملا سهلا يكون قصده هو بلوغه كلا، فإن الفطرة وحدها أو الطبع الفطري وحده لا يكاد يصل إلى ذلك في مثل زماننا هذا. بل هو كان يصل إلى غايته في العصور الأولى قبل أن يتكاثر الأدب ويتشقق الكلام، وتستقل الطرائق للناس بعد الناس من الأدباء.
وقد كان الطبع قديمًا كافيا لتساوى من يتعاطى الأدب في السليقة وفي بعض العلم وفي أكثر المعرفة، ولأنهم إنما كانوا يتناولون من أغراض القول على طريقة محدودة بطبيعة الاجتماع الذي لم يكن قد تراحب مثل التراحب الذي بلغه في زماننا.
(2/823)

فالآن قد امتلأت دنيا الناس بأسباب اجتماعية طاغية، وتبعثرت حقائق الوجود في كل علم وفن على وجوه من الاختصاص، وتكشفت أسرار كثيرة لا يحيط بها إلا من حمل نفسه حملا على متابعة الدراسة، وطول الروية، ومعالجة الفكر وحذر الغريزة، وتوقد الفطنة. ثم لا يخلى نفسه مع ذلك من الحرص على نفسه وإحساسه وطبعه أن ينفذ إليه ما يفسده من جميع هذه الدراسات الكثيرة والتأملات الطويلة.
ومن هنا أيضا تستطيع أن تعرف مقدار ما في قول ابن خلدون من الخطأ إذ قال فيما نقلناه لك آنفا في المقالة الماضية "فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها". فاسأل ابن خلدون ما جدوى أن يفهم الأديب اصطلاحات العلوم؟ وإنما الاصطلاح حرف من الكلام مقيد معناه بالعلم الذي اتخذ له واصطلح عليه فيه، فإذا عرفه الأديب فهو بين اثنتين، إما أن يعرف اللفظ ليعرف معناه ويكون قائما على فهمه من حيث هو حروف مركبة وهذا شيء لا قيمة له -إذ كان الأديب لا يحتاج إليه ما لم يكن من أهل هذا العلم الذي وضع له الاصطلاح، أو أن يعرف ذلك ويقوم على فهمه ليستطيع أن يتعلم من هذا العلم، وينفذ في معاني أصحابه التي يقصدونها في علمهم هذا. فإذا فعل وتعلم وقرأ لهم وفهم عنهم، فهو لا ينتفع بهذا العلم إلا إذا اتخذه مادة تمد أدبه وتغذيه.
أما إذا تعلم هذا العلم ليفهمه على طريقة أصحاب هذا العلم وقيودهم التي قيدوه بها فهو باطل من حيث كان لا ينفعه فيما أراده من الأدب.
وإذن فطريقة الأديب في قراءة العلم هي طريقة امتياز، على أصحاب العلم نفسه، لأنها طريقة استيعاب لما وصلوا إليه من حقائقه وأسراره، ثم تزيد على ذلك فطنة الأديب وبصره وإحساسه وقوة إدراكه للمعاني البعيدة التي تفضى إليها هذه الحقائق وهذه الأسرار، ثم قدرة الخيال على التطرح والتسامى، والتغلغل والنفوذ إلى أعماق مبهمة، حيث يستطيع أن يعقد المقارنة ويقيم المشابهة ويجمع هذا إلى ذاك، ويفرق بُعْدًا شيئين يتلازمان في بعض وجوه النظر وكذلك يهتدى
(2/824)

بالفطرة الصادقة الهادية إلى معان وأسرار لا يصل إليها إلا من استقل بمثل هذا المذهب الذي يبدأ بصحيح العلم وينتهي بصادق الخيال.
وقد كان القدماء من شيوخنا يدركون ذلك، ويفصلون بين الطبع والطبع والسليقة والسليقة، وقد جهدوا أن يضعوا فاصلا يبين الحد بين الطبع الجيد والطبع الردئ، ولكن ذلك مما لا يرام البلوغ إليه في تحديد هذه الطبائع التي لا تخضع لسلطان علمي متميز بحد وقوة. فانظر مثلا إلى قول القاضي أبي الحسن الجرجانى في كتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه: "وملاك الأمر في هذا الباب خاصة، ترك التكلّف، ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست أعنى بهذا كل طبع، بل المهذب الذي صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الردئ والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح"، انظر إلى قول القاضي وتأمله تجده قد رام البيان عن حقيقة الطبع الذي يستقل بمذاهب الأدب ويقوم عليها، ولكنه وقع دون الغرض. قال عن الطبع: "تصور أمثلة الحسن والقبح". والتصور في هذا لا يكفي ولا يؤدي بالأديب إلى غاية كالغاية التي نريدها نحن؟
نعم إن التصور شرط في كل شيء من الأدب، ولكن الإحساس بالقبح والحسن هو الأصل الذي لا أصل غيره في الأدب جميعه شعره ونثره، والإحساس المتلقى وحده لا يكفي أيضا، بل هو الإحساس الذي يتلقى فيثور فيندفع فينفذ كما ينفذ السهم أو كما يغيب الشعاع في ظلمة المعاني ليضئ للأديب والشاعر ما يستبهم على غيره وينغلق.
وأما قوله عن الطبع أيضا: "وألهم الفصل بين الردئ والجيد" فهو كلام جليل دقيق موجز، فإن الإلهام -هذا المعنى المبهم الذي نحس به وبآثاره ولا نستطيع أن نعرفه أو نحدده- هو الأصل العظيم الذي يردف العقل، ويغذى الخيال، ويشحذ الحس، ويهدى في الظلمات الجاثمة على المعاني والأفكار، وإذا استطاع الأديب أن يتنبه إلى آثار الإلهام فيما يفكر فيه، وفيما يكتب وفيما يقول، واستطاع أن يجعل لعقله وفكره وبعض خياله نظاما يسترشد في وضعه
(2/825)

وتدبيره بهداية هذا الإلهام وتعرف آثاره في إنتاجه، فعندئذ تستقم له الطريقة وتنثال عليه الآراء والمعاني، ويدخل في الأسرار ويخرج على يسر وفي لين وبخفة، وهذا هو قول القاضي الجرجانى فيما سلف من كلامه:
"وملاك الأمر في هذا الباب خاصة ترك التكلف ورفض التعمل، والاسترسال للطبع، وتجنب الحمل عليه والعنف به".
ولولا أن القاضي لم يأخذ هذا الأمر من بدئه بل أمسك بذنبه وجرى وراء الذنب، لكان وضع عبارته على التقديم والتأخير كما فعلنا نحن في شرح هذه العبارة. فإن تَرْكَ التعمل ورفْضَ التكلف والاسترسال وتجنُّبَ الحمل على الطبع هي النتيجة التي يبدأ عمل الأديب من بعدها فأين المقدمة التي تتقدم به في هذا الطريق؟ وكيف يستطيع أن يكون كذلك؟
نعم، فليس كل من ترك التعمل ورفض التكلف وتجنب الحمل على الطبع والعنف به ثم استرسل -بمستطيع أن يكون أديبًا أو شاعرًا، لأن هذه ليست أداة ولا شبه أداة بل هي نتيجة طبيعية لشيء آخر فإن الإحساس المشبوب النافذ الحذر الذي يصيد معانيه من كل ما يتناوله بالسمع أو بالبصر أو بالفكر أو بالخيال ثم هداية الإلهام الحر الذي يستقل بأدب الأديب، هما اللذان ينتجان ما ينتجان، فإن الأديب إذا خلص له هذا كله لم يكن له بد من ترك التعمل ورفض التكلف والاسترسال.
وإنما يتعمل الأديب ويتكلف في أول الطلب، وفي بدء ممارسته للفن الأدبى الذي يريده، ويكون هذا التكلف والتعمل شحذا لحده، وصقلا لمرآته، وجلاء لروحه، وما هو إلا القليل حتى ينطلق من هذه القيود الأولى، ويتحرر من رق الرغبة، ومن عبودية التقليد والمحاكاة. فإذا انطلق الأديب وتحرر تصرف في أغراضه كلها على هوادة ورفق كأيسر ما يكون التصرف وأسهله وأنعمه وأرقه.
فلينظر طالب الأدب أول ما ينظر إلى هذه الاُصول التي رتبناها، وليحاسب
(2/826)

نفسه ويفهمها، وليعرف قوة طبعه معرفة التجربة، فإذا فعل ذلك وتدارس ما يجب عليه من الاختبار لنفسه، فوجد عنده من الاستعداد لها أثارة قد طُبِع عليها، فلا يخافن، فهو على الطريق وهو إلى الغاية، وهو مدرك ما يبغي إن شاء الله.
(2/827)

فوضى الأدب وأدب الفوضى
مضى زمن، مذ كان أحد من يلتصق بأيامه في أيام الأدب، وينتشط اختطافا من بعض أسباب هذا الأدب المسكين -يتكلم عن الأدب والفوضى وكيف يضرب أحدهما بعرق إلى الآخر. وقبل، فإن أضر ما ابتلى به الأدب وغير الأدب من العلم والسياسة والاجتماع وما علا وما سفل- إنما هو تلك الهنات الناشبة في أقصى الحلق، والتي تمتد وتطول وتعرض، وتلين على الحركة، والتي تسمى في لغة الناس باللسان.
ونحن الآن نريد أن نتسلل من فتنة هائلة وفوضى شاملة، بل نحن غارقون في هذين البلاءين إلى قريب من الاختناق فيجب على كل من حقق لنفسه معنى من معاني الأدب -على أصل ثابت قوى أن يدفع بنفسه في جهاد هذه الجنود الفاسدة التي تغزو عقول الناس في الشرق بأداة مهولة من الأدب الذي لا قيمة له في حقيقة العلم. وهذه الجنود هي بعض الآراء البراقة، وكثير من المراتب التي يلقى على درجاتها كل من ملك لسانا يتكلم به فتكلم وأطال، وعرف أن الحياء إن يكن في الأخلاق مَنْقَبة، فهو لطالب الشهرة والصيت مَثْلَبة ومَذَمة. وعلى ذلك فأنت ترى أكثر هؤلاء لا يستحي أن يتبجح بالجهل والخطأ والضلال والفجور، مادام ذلك مما يؤدي به إلى مدارج الذكر على ألسنة الناس من العامة وأشباه العامة. وإذا نُزِع الحياء كثر البلاء.
وقد رأيت أن أقدم بين يدي هذه الكلمة -أن الرأي ليس هو ما يقال، وإنما هو ما يبنى بناء محكما على دقة وتدبير ومراقبة، وأما القول فسهل على باغيه، دان لملتمسه، وليس في ظواهر الأشياء في الحياة ما يعسر على المرء أن يتخذ منه فصلا بل فصولا كاملة يلبس بها الحق على الناس تلبيسًا، يقف في مدارج
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 764، الثلاثاء 5 جمادى الأولى سنة 1359 - 11 يونيو سنة 1940، ص 1.
(2/828)

أفكارهم فيدعها لا تخلص إلا على طريقه، وإن بعض البلاغة -على أي درجاتها- تمهد للسان الرجل أن يذهب بالرأي المذاهب غير حذر، فإنه يعلم أنه يزور كلاما على مدة وتطاول، يلقن إلى من يقرؤه فيتلقفه فيختزنه عقله يعمل فيه عمل الداء الخفي في العضو المصاب به.
ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان" وجاء عنه أيضا قوله: "إن الله -عز وجل- يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة (1) بلسانها" وذلك لأن عمل الكلام في النفس الإنسانية هو العمل الخفي الذي يذهب مع الدم، فإن الجماهير تأخذ الآراء كلاما لم يحذر فيه صاحبه، وتعطيه للدنيا عملا لا يخاف مغبته فاعله. فذلك هو البلاء وهو اللعنة وهو المحق الذي يذهب بصالح أعمال الناس فيجعلها كهباء اشتدت به الريح في يوم عاصف. فواجب الأديب الذي يحرص على أن يكون رجلا مذكورا في الناس ما بقي في الدنيا وبعد زواله منها، أن لا يتركه لسانه يلين كما يلين لسان البهيمة في التمطق بلذيذ الكلأ إذا أصابته وتملأت منه، وإلا فقد اختار لنفسه أسوأ الحالين. فإن العصر الذي هو فيه إن ذكره فذاك، ثم يأتي من بعده عصر فيه يغاث الناس بالعقل الحاكم فيقذفون به وبأدبه في تلك السلال الأبدية العظيمة التي أعدها الزمن لفلان وفلان ممن عرفنا ومن لم نعرف.
فمن الغفلة التي طمست على صاحبها، وسولت للسانه أن يتخلل الكلام من هنا وهنا، أنه جعل الأدب إنما -على هذا الحصر- يزدهر في أزمان الفوضى الاجتماعية. ولو فهم هذا الأديب حق الفهم معنى الفوضى الاجتماعية لم يجرؤ على القول الذي قاله، ولم يحاول بلسنه وتفاصحه، أن يذهب هذا المذهب من الرأي. فإن عصر الفوضى الاجتماعية، شيء غير عصر الصراع الاجتماعي، فإن الفوضى انحلال ذاهب إلى أسفل وإلى طلب الأسفل، والصراع ذاهب إلى الأعلى وإلى درك الأعلى، وبين هذين ما بين ألفي ميل انخسفت في الأرض، وألفي ميل
__________
(1) الباقرة: اسم جمع للبقر.
(2/829)

ذهبت في السماء، ولا يخلط بينهما إلا مخادع أو مفتون أو من عمى فلم يبصر الذي فوق والذي تحت.
إن جماعة الجماهير التي تقرأ والتي تسمع والتي تفهم، لا تفهم من الفوضى إلا ذلك الاضطراب المتداعى الذي لا يستقر فيه شيء على حال، ولا يمكن أن يستقر على حال، والذي لا يعرف أصولا مقررة بينة يتهاوى إليه بقوته وإرادته إلى غاية بعينها، فالفوضى الاجتماعية هي الحال التي إذا وضعت إصبعها في سرارة الجماعة ووسطها جعلت فيها كمثل الزلزلة المخبولة الطائشة الباغية بقوتها وجبروتها، إذا أصابت الجبل فهدته، فما كان فيه قمة لم يلبث أن يكون مطمورا تحت الحصى الذي كان يلوذ بالجبل كما يلوذ الذليل بمن أذله واحتكم عليه. فهذه حال لا يكون فيها الجبل جبلا ولا ينتظر أن يكون مرة ثانية.
أما الصراع الاجتماعي فهو ذلك الجذب الهائل بين القوى المتكاثفة من الخير والشر والخطأ والصواب والعلم والجهل كلها قد احتشد للظفر والغلبة فيخيل للجاهل المفتون إذا رأى تداخل هذه الجيوش المتحاربة وتحاطم أسنتها في قتالها، وما يصيب ميدانها من الكَرّ والفر والإقبال والإدبار وما سوى ذلك من أعمال القتال والمناجزة -يخيل لهذا الجاهل أن الأمر فوضى واضطراب، وما هو به، إن هو إلا طبيعة الحرب، التي يراد بها الظفر ولا تكون الحرب إلا كذلك. وما اختلاط الدنيا وموج الناس إلا تنظيم القوى وتلاقيها، فليس بين هذا وبين الفوضى إلا شبه يتخيله من ينظر إلى السطح دون الأعماق، ويطلب عرض الباطل دون جوهر الحق، وهذا النظر حاله غالبة على من به ضعف كضعف القط حين يتنمر أو يستأسد، وما هو إلا نتيجة الفوضى التي تقع في أعصاب مريضة متهالكة من منبعها إلى مصبها، فلذلك لا يكون الرأي لها إلا كذلك.
إن الفوضى الاجتماعية إنما تعقب عصور القوة الحاكمة المتسلطة، وذلك إذا بدأت تنهار بعد الاستكانة إلى غرور هذه القوة وهذا السلطان، وإذا انهار السلطان الاجتماعي القوى كانت الفوضى بتمامها وبأدق معانيها، وتعيش الأمة بعد ذلك في فوضى أي في ضعف مستمر ليس له حاجز يلجأ إليه، أو ليس له من
(2/830)

القوة ما يرتفع به حتى يعتصم بهذا الحاجز إن كان قد بقي منه شيء. وإذا بلغت الأمة هذا المبلغ فالرجاء في قيامها من كبوتها هو رجاء باطل ليس له أصل في السماء ولا في الأرض.
وعلى ذلك، فإن أدب مثل هذا الجيل الذي تغلب عليه الفوضى الاجتماعية لا يكون إلا أدب فوضى من عقول فوضى بآراء فوضى إلى غايات فوضى، أدب لا يرجع إلا إلى الفوضى، ولا ينتهي إلا إليها. فإذا انقشع غبار الفوضى، وتجلت عمايتها عن الناس، كان مصير هذا الأدب أن يحكم عليه بالإعدام فيقتل ثم يلقي في حفرته إلى التعفن والبلى، فإذا خفف الحكم كان حكما بالأشغال الشاقة المؤبدة، ليعمل في البناء التاريخى للأمة ومع ذلك فلن يعرى في مكانه هذا من اللعنات التي يغسل بها كلما ذكر.
إن صاحب هذا الرأي الذي أشرنا إليه آنفا قد احتمل سيله من غثاء الرأي، لا نجد معه حاجة إلى تعقبه للبيان عن وجه الخطأ فيه، أو وجه المغالطة إن كان قد تعمد ذلك. وليس هذا سبيلنا الآن. وإنما أردنا أن نبين قدر اللجاجة التي تسقط الرأي إذا نبعت في أصلها من خطأ الفهم لحرف واحد من الكلام. فلم يتدهور هذا الأديب فيما تدهور فيه إلا بعد أن كان أصل كلامه خلطا عجيبا بين معنى الفوضى، ومعنى الإرادة التي ينشب بقوتها الصراع بين الآراء أو المذاهب أو الضرورات الاجتماعية. إن الفوضى شر كبير لا يشك في ذلك عاقل، وهذا الشر لا يمكن أن ينتج خيرا كالذي يخيله للناس كلامه، والصراع خير وإن ظن فيه بعض الشر! فهو مخيلة الخير في الأدب وغير الأدب.
والأدب إذا بدأ استمداده من الفوضى التي لا تدع، يجب كما يجب، ولا تذهب بما ينبغي أن يذهب إلى حيث ينبغي أن يذهب -فهو أدب ضعيف لا يقوم على أساس من شيء ولا واقع ولا مرجو. وليس يغر أحدًا أن يقال إن الفوضى هي التي تدفع الناس إلى التفكير في إصلاح الفوضى، فإن أول ما يصاب في الفوضى هو التفكير، وإذا أصيب التفكير في مجموع الأمة بهذه الفوضى، لم يجد المصلح من يعقل عنه معنى ما يقول وأخفق أن يجد من يسمع إليه، وإذا فقد الأديب هذين فَقَدَ القدرة على الذهاب في البيان عن إصلاحه.
(2/831)

إن الأديب ينشأ في أوساط متصارعة بعقولها في طلب الحق، أي في الجماعات التي يشملها الصراع الاجتماعي الهائل، وليس معنى ذلك أن يكون هذا الصراع قائما على أسباب من المفاسد والمقابح التي تفسد النفس وتهلكها، بل معنى ذلك أن يكون هذا الصراع قائما على طلب الحقيقة التي تعصم الأمة من التفكك والذهول والحيرة أي من الفوضى.
فأدب الفوضى، فوضى الأدب هما شيء واحد، وقد احتفظت العصور الكثيرة في الأمم المتعاقبة بصور كثيرة من الفوضى الاجتماعية، وما كان من قدرة أدباء تلك الأجيال، وأين يقع أدبهم من الأدب الجيد، فإذا تناولت ذلك، ودراسته لم تجد إلا الفوضى في هذا الأدب من قبل الفكر والعبارة عنه والغرض الذي يرمى إليه. فلا يخدعن الناس ما يقال في ذلك، فإن أكثر ما بين أيدينا من الأدب إنما يدل دلالة بينة مكشوفة عن حقيقة الفوضى التي جعلت عقول بعض الأدباء كسطح المنخل، لا تمسك حبها على الهز.
(2/832)

الأدب والحرب
إن روح الأديب الذي أعدته طبيعته للتعبير عن الإحساس الذي يجيش في ضميره تعبيرًا يكفل لنفسه البقاء والخلود في تاريخ الأدب، هي الروح الصحيحة التي يمكن أن يعرف من ناحيتها حقيقة تأثير الحرب في الأدب. وقد قلنا مرارا إن تأثير الحرب في الأدب ليس هو أن ينصب الأدباء أنفسهم لتسجيل أخبار الحرب أو أحداثها أو نتائجها أو غاياتها أو فكاهاتها، وما يكون فيها أو منها مما يمكن أن يتخذ أساسًا للكتابة، وإنما يكون أثر الحرب في أدب الأديب في وحي الفكرة التي يقوم عليها بناء إنشائه البليغ، أو غرضه الذي يتوجه إليه معنى كلامه. وبذلك نعرف أن تأثير الحرب في الأدب يقع في كل إنتاج بيانى صحيح، فالحديث عن المرأة مثلا إذا كان في كلام هذا الأديب يخضع اليوم -أو زمن الحرب- خضوعا تاما من بعض نواحيه للزلازل المرجفة التي يرتج في رجفاتها كيان الأديب المفكر المترفع.
وهذه الحرب الحديثة التي نسمع اليوم هدها ودويها وقعقعتها، وتزأر في نواحي ميادينها والوحوش المجنونة التي تستولغ في الدم، وتصبغ فيه أفكارها وأعمالها وعقائدها، وتنشب مخالبها في الفرائس التي تلاقيها في انقضاضها المخبول حين تنقض بكل غرائزها الدنيئة التي تثور في الإنسان ساعة الغضب وأوان الحقد وعند الحفيظة -نقول هذه الحرب الحديثة ذات الطبيعة الدموية الحمراء، تخالف من كل نواحيها كل ما سبقها من الحروب في تاريخ العالم من لدن آدم إلى يوم الناس هذا.
فلا جرم إذن أن يكون تأثيرها في طبائع البشر تأثيرا مخالفا لما سبق من تأثير الحروب السالفة في توجيه شعور العالم. والأديب -لا شك- أشد الناس تأثرا بهذه الحرب، وأثرها فيه وفي أدبه أشد وضوحا وبيانا من مثل ذلك في سائر
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 770، الثلاثاء 12 جمادى الأولى سنة 1359 - 18 يونيو سنة 1940، ص 1.
(2/833)

الناس، وبذلك سيكون ثأثير هذه الحرب -على قصرها أو تطاولها- تأثيرا مباينا لكل تأثير سبقه في أدب الأدباء.
فالأديب في حياته الإنسانية والأدبية يعيش على استمداد الطبيعة الأدبية التي تصيد من مادة الحياة التي يعانيها في كل يوم من أيامه، والتي أرصدتها لها طبيعتها لتكون له أبدا صيدا يغذو منه أدبه وفنه، ويربى على دره عبقريته الأدبية، وطريقه إِلى ذلك طريق لا يكاد يختلف. فالحياة الإنسانية اليومية هي المؤثر الأول في حياة الأديب، وهي التي تشكل أعصابه المفكرة بشكل الصورة التي يمكن أن تخضع لها هذه الأعصاب وتخضع فطرتها. وهذه الأعصاب المتصلة بعقل الأديب الحساس المعبر، هي التي تتناول المادة الفكرية لتصوغها صياغة جديدة من البيان. فليس شك إذن في أن الأفكار -أو الإنتاج- نفسه، سيكون مميزًا ببعض المميزات التي كانت نتيجة طبيعية للتأثير الواقع بصورته في أعصاب الأديب وعلى ذلك -فمهما يتناول العقل الأديب من شيء من أشياء الفكر، قدم أو حدث، بَعُدَ أو قرب- ففي هذا الشيء تظهر آثار بينة من ضغط المؤثرات الإنسانية اليومية التي تقع عليه.
والفكرة في البيان الأدبى هي الأصل الذي تدور عليه بلاغة التعبير اللغوى، وذلك أن الألفاظ اللغوية التي يتداولها أهل كل لسان من الألسنة الكثيرة في هذا العالم ليست إلا رموزا محدودة بحروفها, يراد بها وجه من وجوه الدلالة على معان كثيرة، وهذه المعاني التي تدل عليها الألفاظ تختلف اختلافا كبيرا في فهم رجلين متقاربين متعاصرين وذلك لأن الألفاظ اللغوية بحدها الذي تحده به المعاجم ليس لها عمل البتة إلا إثارة المعاني في نفس قارئها أو سامعها، وهذا السامع أو القارئ يتحين أحيانا لمعانيه, فإذا هزته الألفاظ أخرجت من مكامنها تلك الأفكار الكثيرة المتشابكة المتداخلة التي لا تنتهي، والتي تنام دائما في واعية العقل -أو ما يسمونه العقل الباطن- وعندئذ لا يُبْقِي اللفظ اللغوى معناه المحدود بالمعجم، بل ينطلق في مذاهب لا تنتهي كل معنى منها يركب معنى آخر أو يتعلق به أو يتولد منه.
(2/834)

والعرب سمت هذه الحالة التي تعرض للألفاظ في سمع السامع وفهمه، وكلام المتكلم وبيانه، اسما خاصا أرادت به تعميم هذا المذهب في كلامها. ولولا أن البلغاء -أعنى أصحاب علم البلاغة- قد حجروا ما وسع أصحاب اللغة والبيان العربي، لكان لهذا الباب مذهب آخر غير المذهب الذي درج عليه أئمتنا رضوان الله عليهم في دراسة هذا الباب من العلم.
وهذه الحالة التي ذكرناها هي المعروفة في علم البلاغة "بالمجاز". فالمجاز في اللغة هو الطريق، وسموه كذلك لأن اللفظ اللغوى يجوز من معناه الأصلى على طريق ومذهب إلى معنى آخر يتهافت إليه أو يتعلق به أو يهوى في بعض هواه. وهذا المجاز الذي يجوزه اللفظ ينضبط ويتقرر على أصول نفسية محصنة (1)، هي التي ترتاد للفظ سبيله الى المعاني التي يمت إليها أو يمتد معناه فيها. والمجاز هو أصل البيان كله، والبيان هو أصل الأدب، والأدب قائم من ناحية أخرى على الفكرة الأدبية، فمن هنا ترى أن المجاز في اللفظ والفكرة الأدبية هما الشريكان المترافدان اللذان ينشئان الأدب ويجعلانه شيئا خالدا من الفن المتكلم الصامت.
وإذا سقط أحد هذين من مذهب الأديب تساقط معه أدبه وتهافت، وإذا بقي أحدهما سابقا والآخر متخلفا كان ذلك مطعنا يغمز منه أدبه أو مقتلا يلقي من قبله حتفه، وكذلك تعلم أن لابد من تقاود الفكر واللفظ في البيان الأدبى حتى لتجد كأنهما يتسابقان يقود أحدهما الآخر إلى غايته، فلا تسلم صفة القيادة لواحد منهما دون الآخر، فإذا تم ذلك تم المعنى الأدبى البيانى الكامل في أدب الأديب، وتم له الخلود الدائم في التاريخ الأدبى والبيان اللسانى الذي تتكون من أشيائه ثروة اللغة.
وإذا صح لديك -وهو لا شك صحيح- أن الأديب لا تجتمع لأدبه مادته إلا من الحياة اليومية التي تؤثر في فكره أشد التأثير، وتحمله على توليد المعاني الأدبية من معاناة الحياة ومداورتها ومقاساتها على لينها وشدتها، وأنه أشد الناس تأثرا وإحساسا بالأحداث الإنسانية والطبيعية كلها، وأن هذا الإحساس وهذا التأثر هما
__________
(1) كذا بالأصل, وظنى بها: مَحْضَة.
(2/835)

الدافعان الأولان اللذان يوجدان فيه معانيه التي تحمله حملا على التعبير، وأن التعبير يتناول المادة اللغوية من الألفاظ فيدورها على أسلوب وطريقة وترتيب ينتهي إلى شيء واحد: هو حفظ النسبة والعبارة بين اللفظ اللغوى والمعاني الجديدة التي يعلق بها الأديب أسبابه بأسباب معانيه. إذا علمت ذلك علمت أن الحرب وهي الهَزّ الدائم المستمر بين صباح اليوم وليله -توجد في أدب الأديب بيانًا جديدًا ومجازًا مبتكرًا وعبارة متناسبة تتجدد بها اللغة وتثرى، وتختزن في خزائنها أموال الأدب التي يسهبها (1) لها هذا الأديب.
ولا يذهبن بك ما ترى منْ رَأْينا إلى أن ذلك لا يتناول إلا الألفاظ، كلا، فالأغراض والمعاني والآراء كما قلنا هي الأصل واللغة تبع كمتبوع، وليس ذلك حسب، بل أن النهج والأسلوب والمأخذ والمرمى والمقطع والحد، وكلٌّ يتميز به الكلام الأدبى والنهج الأدبى العام، هو أيضا يتأثر تأثرًا ظاهرًا بينا بالأثر الذي يحدث من جراء الرجفة الحربية التي تزلزل أعصاب المجتمع البشرى في هذه الأيام.
والحرب الحديثة هذه لا تزال قائمة تدمدم دمدمة مفزعة متغولة بالرعب الوحشى الذي يزأر زئيره في ميادين القتال الهائلة، وستستمر كذلك إلى أن يقضى الله قضاءه على هذا العالم الظالم أهله، ولن تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تصفي الأوضار الخبيثة التي تراكم ثقلها (2) على البشرية، وحتى ينهك التعب شياطين الحرب وهي تتداك وتتزاحم إلى أن تسقط إعياء من طول ما طوفت على العقول المختبلة تضع فيها مادتها الشيطانية النارية الملتهبة بالشر والعدوان والبغي والطمع وسائر الرذائل الماحقة التي تعمل في خراب العالم من ناحية، ليقوم العقل البشرى الخالد من ناحية أخرى فيعمره بتوفيق الله وهدايته، واتباع طريقه والتسلم لقضائه، والإيمان بأن منه الرحمة في الخير والشر يداوى بها الكلم الدامى المتفجر حتى يرقأ دمه وتنحسم مادته.
__________
(1) كذا في الأصول، وظنى أن الصواب: يُنْهِبها، وأنهب المال: جعله نهبا لمن يريده أن يأخذه.
(2) في الأصول: ثغلها، فأثبتُ ما ترى. الثِّقْل: الذَّنْب، وفي التنزيل العزيز {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] أي: أَوْزارهم وأَوْزار مَن أضلوا.
(2/836)

ومادامت هذه الحرب قائمة على هذا الهول وهذا العنف وذلك الجبروت الطاغى، فنحن لا نستطيع أن نقول كيف هو أثر هذه الحرب بالتحديد في أدب العالم، وذلك لأن تأثير الحرب لن ينتهي الآن لأنه يتجدد في كل يوم بأهواله، بل في كل ساعة بل بين كل دقيقة ودقيقة، والتأثير لا يعرف ولا يتميز إلا بعد أن تمر فترة تكفي على قدرها أن يستوى التأثير على حالة باقية يمكن أن يتصورها العقل أو يُلِمّ بها فيتفهمها، وعلى ذلك فليس من الممكن أن نجد أساسا نقول فيه إنه هو الأساس. ولكن لسنا نشك البتة في أن هذا الانفجار العظيم المتقصف في كل مكان سيجعل في أعصاب العالم كله بعد انقضائه انفجارا يتقصف زمنا بمثل ذلك الهول والفزع، وأن الحياة الاجتماعية في نواحي العالم الحي بعد ذلك ستجد اختلالا هائلا يسمع هده ودويه في كل ثنية من ثنايا الدنيا، وأن كل دار يسكنها حي باق سوف تسمع من أرجائها ضجيجا هائلا يودى بالحياة الاجتماعية السالفة التي تعاقبت على العالم بعد الحرب الماضية، وأن المرأة سوف تستغل لشهواتها هذه الرجولة الظامئة التي أطارت الحرب ريها زمنا طويلا، وأن العالم على ذلك سيجد بلاء جديدا لم يسبق له شبيه في التاريخ الإنساني، وأن الأديب سيعيش في هذا الاجتماع الإنساني العالمى بعد آثار الحرب في نفسه فيرى ويسمع ويحس ويفكر ويتأمل ثم ينتج للأدب إنتاجا جديدًا فيه من ذلك كله آثار تشتعل في نواحيه.
إن الأدب هو تعبير الروح الإنسانية السامية النبيلة، والحرب الحاضرة هي تعبير الروح الإنسانية التي اختبلها مَسٌّ من الشيطان المتدلِّي إلى هوة سحيقة من الغرائز الوضعية، وسنرى -والله يعصمنا ويعصم القارئ، وهو الحافظ- كيف يعبر المعنى السامى حين يهتز بالمعاني الوضيعة، وسنرى أبالسة الأدب ينطلقون في كل فج ومن كل حدب ينسلون على الناس بشهواتهم المتكلمة في شعرهم ونثرهم وأفكارهم المستكلبة. وإنا لا ندرى ما خَبَأَ الله للناس، ولكنا نرجو أن ينجينا الله أن نكون بعض هؤلاء، فإن الرجل -وصدق رسول الله- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
(2/837)

وإنما القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء! فاللهم اهدنا بهديك واعصمنا، فلا عاصم اليوم من أمر الله.
(2/838)

إلى على ماهر باشا
هل يأذن لي -صاحب الرفعة- أن أنتحل لنفسي صفة الأديب الذي يريد أن يتكلم بلسان مصر الخالدة التي أرسلت أجيالها تطل علينا من لدن عصر التاريخ الأول إلى القريب القريب ممن توفاه الله من آبائها وأبنائها؟
إنني لن أنتحل بهذا شيئا ليس لي، فإن الأدب الذي وقفت نفسي عليه هو نفسه ليس إلا تعبير الوطن كله بأرضه وسمائه وسكانه بألفاظه من اللغة على لسان رجل واحد، فما ينكر أحد على أديب مجهول مثلي -يجد في دمه تلك الأمواج الثائرة المتدفقة، وهي تتدافع في بنيانه تيارا من الإحساس- أن يطلب بألفاظه التعبير عن حقيقة هذا التيار تعبيرا صريحا يدل بروحه على أن الغفلة المظلمة لم تطبق دياجيها على القلب المصري الحر بعد.
حين بدأ الموقف المصري السياسي يرسل تلك الرعدة النافضة في أعصاب الوطن المستيقظ، بادرت فكتبت كلمة كنت أجد ألفاظها جائلة تدور في نفسي. كان الموقف غامضا، ولكني كنت أجد الهواء ينشق عن رائحة الفجر ويترقرق بأنواره فعلمت ساعتئذ بعض واجبي، فسارعت إليه. فلما قرأت اليوم ذلك البيان الفاصل الذي فرق بين الحق والباطل جعلت أستعيده مرات. ثم قلت لنفسي: "ويحك يا نفس! أي رجل هذا الذي أشرق من قلبه النور الخالد الذي أضاء لمصر وللعالم الإسلامي طريقا سوداء داجية"، وعندئذ علمت من واجبي بعضًا آخر.
إن مصر قد لقيت في هذا القرن من أحداث الدهر ما لا طاقة لوطني بالصبر على لأوائه وشدته، فقد قامت جماعات أريد لها يوما أن تنصب أنفسها كالأعلام الشامخة في تاريخ مصر، فكان ذلك. ومع ذلك فإن القلب المصري الذي لا يندفع وراء صوت الناعق، قد وجد هؤلاء -حين استوى لهم الأمر- قد أفرغوا
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 778، الأربعاء 20 جمادى الأولى سنة 1359 - 26 يونيو سنة 1940، ص 1.
(2/839)

على شعلة الوطن التي أوقدتها قلوب أبنائه ذَنوبا (1) من ماء، فأطفأوا نورًا ونارًا - لو هما بقيا واستمرا إلى غاية، لأضاءا للتاريخ المصري الحديث مرتقاه إلى الذروة.
ولكن لا يخذل الله إلا هالكا، فاصطفاك الله لمصر في أيام من المحن، فما ندرى! !
لقد كانت مصر تجهل أن هذا الرجل الذي استطاع أن يلم شعث الوطن في أيام عاصفة، هو الرجل نفسه الذي سيكون عمله فيما بعد تعبيرًا عن روح النار المصرية الخالدة التي تأبى أن تنطفيء. نعم، لقد وقفت اليوم على قمة المجد الوطنى تكشف الحجاب عن ذلك المارد العاتى الذي جعل همه أن يغرر غرره بالوطن المصري، فنزعت من قلبك الرهبة، وسموت بروحك عن حاجة البدن وضرورة المادة، فتوهج بك النبراس المنير الذي سيضئ لمصر مرة أخرى -بعد مصطفى كامل- طريقها إلى معراج مجدها الخالد الذي لا يتهدم.
أبشر أيها الرجل المبارك! ! ! إن هذه القلوب المصرية المشعلة قد جعلت تسمع معمعة نيرانها تتردد في أرجاء الوطن قاصيها ودانيها. وإن الجرأة الكامنة في ضلوع هذا الشعب قد وجدت تعبيرها في مثال روحي سام نبيل، فهي تمد بقوتها وتستمد منه استمرارها ودوامها، ليس في مصر اليوم إلا أمة على قلب رجل واحد، اجتمعت على معرفة الحقيقة التي أحاطت بها، فهي لن تتوانى ساعة من نهار في إعلان حقيقتها هي. تلك هي الحقيقة التاريخية الخالدة في بلاد الشرق حقيقة الروح الباقية بإيمانها، بعد أن ينضم الثرى على رمَّة ورُفاتها.
إن الأسد لا يعرف من معاني وجوده إلا معنى واحدا: هو معنى العظمة الباذخة تستعلن بخيلائها من عضله إلى لبدته، وتتجلى بتيهها من نظراته إلى مشيته، لأنه هو قوة تفرض سلطانها بنفسها، وهو متبوع لا تابع، وهو صرامة
__________
(1) الذَّنُوب: الدلو المَلأَى، ولا يُقال لها وهي فارغة: ذَنُوب.
(2/840)

ماضية تلطم فتحطم، وما يؤذيه أو يضره أن يصاب خيانة أو غدرا. فإذا لاقاه من يلاقيه عيانا، فالأسد الأسد، لا يفر ولا ينهزم.
وقد مد الله لك صحيفة بيضاء في عهد الفاروق، فاكتب فيها تاريخك المجيد الحي في المحاماة عن هذه الأرض التي حملتك صغيرا، ورعتك شابا، وعظمتك كبيرًا. اكتب تاريخك، وسيكون توقيع الأمة كلها شهادة على أن مصر تستطيع أن تلد أبناءها أحرارًا، لا يستذل أعناقهم خوف ولا حرص ولا طمع وسيكون توقيع الأمة عملا مجيدًا لعملك وصرامة ماضية كصرامتك، وجرأة تتحفز كجرأتك.
إن الله قد أعطاك سَورة من عز مصر، وعز العرب، وعز الإسلام، فاعمل على ألا يراك الله إلا بحيث أحبَّ، فإنه تعالى يقول:
{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.
إن مصر قد أعدت لك قلوبها، فانزل منها حيث شئت، ومن أنكر عليك موضعك فما ينكر إلا نفسه، ومن أغمض (1) في ضلاله فدعه، فقديمًا قالوا: "خرقاء وجدت صوفا" (2) فهي تفسده بحماقتها، وسيأتي على الناس يوم تعلم فيه الشاة علما ليس بالظن: أنها إن تك بقرنيها تناطح، فمن قرنيها تصرع، ويومئذ لا يغني عنها علمها شيئا. فاللهم ادفع عنا وانصرنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
__________
(1) أغمض في الأمر: مضى فيه ولجَّ.
(2) مثل يضرب للذي يُفْسِد ماله.
(2/841)

لا تبكوا. .! لا تنوحوا. . .! !
من يوم أَن سقطت تلك المدينة العبقرية التي فتنت الناس وأغوتهم، ورمت في قلوبهم أعوانها وأشياعها، وأطلقت عليهم لذاتها فأطلقوا عليها شهواتهم .. من يوم أن سقطت باريس الفرنسية: لا أكاد أستريح من نفسي ولا من قلقها واشتياقها واضطرابها الى أمر غامض لم تنجل غمامته بعد. إني من ذلك اليوم لأنطوى بين جدرانى أفكر، أو آوى إلى ليل الحرب المظلم أسبح وأتخيل وآخذ لقلبي متاعه من الفرح، أو لوعته من الحزن. نعم! لقد آثرت أن أنفرد في هذه الأرض أعيش وحدى، وآكل وحدى، وأفكر وحدى، كما أفرح وحدى، وأتألم وحدى، فإن يكن في هذه الوحدة متاع ولذة، فذاك بعض فنون الدنيا، وإن يكن منها شجو وحسرة، فذاك بعض شجونها.
ولكن. . هل استطعت أن أكون أبدًا وحدى؟ كلا، كلا! ما ظنك بإنسان قد فرض عليه -أو فرضت عليه إنسانيته- أن يكون حيًّا يتداخل في الحياة كما تتداخل عليه، وأن يؤدي وظيفتها كِفاء ما وظفت له من أسباب الحياة: من هواء ونور وحرارة وحركة. وقد جعلت وظيفتى في هذه الحياة في شيء أحسنه بعض الإحسان، ألا وهو هذا الأدب الذي نعيش به، و .. و .. ونحيا له إن شئت.
فهذه الوظيفة تحملنى على أن أدع ما أحب إلى ما لا أحب، وأن أضرب النفس على واجبها بالسوط والعصا حتى تنقاد، فليس يحسن بمن هذا عمله وتلك وظيفته أن يقطع نفسه عن إنتاج الأدباء الذين يعاشرونه ويعاصرونه، ولا أن يتخلف عن شهود مواكبهم أو مآتمهم في راحة أو تعب فلذلك كان لزاما على أن أقرأ لأصحابنا -أطال الله بقاءهم ومدّ في أعمارهم- كل ما يكتبون، فإن لم
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 787، الجمعة 29 جمادى الأولى 1359 ه، 5 يوليو 1940، ص 1.
(2/842)

يكن كله فأكثره، فإن لم يكن أكثره فبعضه، وذلك أقل ما يجب على الأديب من حق الأدب وحق المعاصرة.
وقد جاءت الحرب الطاغية، فأوقدت عليَّ أفكارى فهي أبدًا تغلى بما فيها مما يخص وما يعم، ومما أسر به أو أعلنه، ومما أرضاه، أو ما أسخطه. وعلى ذلك أقرأ أفكار أصحابنا، وفي هذه الحال أتناول آراءهم وإنتاجهم، فإن وجدوا في بعض كلامي حرارة تحرق، فإن الذي ألقى من هذه الحرارة أشد مما يلقون. وأنا أقاسى فأتكلم، وهم يقرأون كلامي فيشعرون ثم يتناسى منهم من يتناسى، وفرق بين الحالين كبير. وقد قيل في المثل: "تحرقك النار أن تراها بله أن تصلاها".
ولم أزل كلما أخذت صحيفة أو مجلة أجد أصحابنا يعيشون في دنيا غير الدنيا، وينظرون في أشياء، لو أنصفوا لكفوا أنفسهم مؤونة الفكر فيها، فضلا عن الإلحاح عليها، فضلا عن معاناة الكتابة في أغراضها.
فلما سقطت باريس مدينة فرنسا تحت سطوة الجيوش الألمانية الغازية، لم أكد أتناول شيئا من ذلك إلا وجدت هؤلاء قد لبسوا الحداد، فهو في سطورهم حسرات، وذرفوا الدمع، فهو في كلماتهم قطرات، وتأوهوا وأنوا وتصدعت أكبادهم، وتزايلت أنفسهم، وأظلمت الدنيا في عيونهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت! ! وكأن كل أحد منهم قد أخذ أخذًا على أن يحمل القلم، ليثبت أن البكاء الذي في قلبه، يستحيل أيضا بكاء من قلمه.
لم يرد أحد منهم أن ينظر إلى الحقيقة التي يجب أن يفرض على نفسه طلبها والعمل لها. لم يرد أحد منهم أن يعرف أن الأدب أو ما يجرى مجراه -ليس هو الكلام يقال أو يكتب، وإنما هو في أصله وفي أخراه هو طلب الحقيقة وإظهار هذه الحقيقة، ثم يختلف الأسلوب على هذه الحقيقة. إن الأدب المصري أو العربي أو الشرقي عامة، قد فرضت عليه أمته أن يبحث لها عن حقيقتها هي، ليعلق لها هذه الحقيقة، في أسلوب بعد أسلوب، يكون من كل واحد منها أثر
(2/843)

يدفع إلى غاية، وتكون الغاية إثباتا لهذه الحقيقة وتقريرا لها في روح الشعب، حتى يتكون من جميع الآثار التي يرمى إليها الأدباء، ما نسميه في هذا العصر بالرأي العام.
فإذا كان إنتاج الأدباء ذاهبا عن هذه الغاية ضالا على وجهه، ليس يهتدى ولا يبصر ولا يستوضح طريقه، فهو إنتاج مخمور، كأنه قد استنقع في كأس من الخمر فهو يمشي متخلعا يتطوح بين حائطين من الضلال، كلما صدم أحدهما قذف به إلى الآخر، ولا يزال كذلك حتى يتهالك مجرحا محطما، لا يتماسك شيء منه على شيء.
لقد سقطت باريس! ! هذا شيء -لا أقول مؤلم أو محزن- بل أقول: هذا شيء كان الظن فيه غير ذلك. فما الذي يؤلم المصري أو الشرقي من سقوط باريس في أيدى الطغاة الذين حملوا على أصحابهم حملة واحدة حتى فرغوا؟ نعم لست أجهل مواقع الحجة لمن يريد أن يحتج منهم، ولكن إن كان الكاتب يألم، فالشعب الذي يكتب له لا يستطيع أن يألم كألمه، أو أن الضرورة الوطنية تحمله على أن يوفر على الشعب عواطفه التي تتألم، لشيء غير هذا. ليس أحد من هؤلاء يجهل أين ينبغي أن تتوجه آلام عواطف الشعب، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان أو دليل، وإذن فواجب هذا الأديب -أو هؤلاء الأدباء- أن يتخذوا من سقوط باريس وأخواتها مادة لتوجيه عواطف الشعب إلى الحقيقة الوطنية العظمى، الحقيقة الوطنية التي لا يعيش الشعب إلا بها، لأنه ليس له قوام إلا بها، ولا بقاء له إلا عليها.
إننا نعانى من قرون بعيدة آلاما كأشد الألم إذا تمكن حتى يفقد صاحبه الشعور به، من طول إلحاحه عليه حتى يعتاده ويقر عليه. وهذه الآلام يعوزها من يقوم على تصويرها لشعبه تصويرًا جديدًا حتى يتمثلها في دمه آلاما جديدة قد ولدت له خاصة في جيله هذا، وبذلك يبقى الشعب أبدًا وهو يجد في دمه تاريخه الموروث بآلامه، فيعرف واجبه في العمل على دوائها والقضاء عليها، فكان يجب على هؤلاء أن ينتزعوا من سقوط هذه المدينة أمثالا جديدة لقرائهم -أي
(2/844)

للقوم الذين يتكوَّن منهم الرأي العام- ليوقظوا ذلك التاريخ المنسى الذي طمست عليه فتنة المدنية الحديثة التي أتت إلى بلادنا، فأحالت رجالنا إلى رجال ليسوا منا، وما هم إلا كترجمة فاسدة في لغة ركيكة لكتاب بليغ في لغة أخرى. هذا مَثَلُهم. . .
إن الحياة -أيها المعاصرون الأصدقاء- قد كتبت على الأرض مدنيات كثيرة، علت مدنية وجاءت أخرى فبغت عليها بطوفانها حتى ذهبت بها إلا آثار للتاريخ. لقد قامت مدنية الهند والصين وآشور والكلدان، ومدنية مصر والعرب وغيرهم مما نعلم وما لا نعلم، ثم ألقى الدهر عليها كَلْكَله فسوّاها، فكم من باكٍ بكى على هذه المدنيات المسكينة التي دفنت تحت أجساد متجمدة من الدم؟ كم من باكٍ بكى عليها من غير أهلها؟
ونحن! ! نحن الشرقيين! ! نحن المصريين! ! نحن العرب! ! هذه أعظم جرائم التاريخ قد فتكت بنا وبرجالنا وبمجدنا، وسلبتنا حتى العقل، حتى الروح، حتى الآمال والأماني والأحلام، من بكى علينا يومئذ؟ ومن يبكى علينا اليوم؟ أين هؤلاء الكتاب الذين فتنتهم باريس بالأمس وأبكتهم على لذاتها اليوم، أين هم من تلك الصور الفظيعة المخيفة التي يعرضها عليهم التاريخ في كتبه؟ صور آبائهم وأجدادهم، ومن يتبجحون بالانتساب إليهم والتحدر من أصلابهم؟ ؟ وهم يتعذبون ويشردون ويطاردون بين خوافق السماء وفي جوانب الأرض! ! ! أولئك هم الغافلون: لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها.
ثم انظروا .. انظروا .. أليس الجنرال بيتان هو ابن فرنسا وابن باريس وابن المجد الفرنسي الذي توارثه عن أجداده وعن تاريخه وتاريخ بلاده. لقد قام الرجل الفيلسوف الجندي الحزين يصور للشعب الفرنسي. . . حقيقة حضارته التي كان سرها وخلاصتها وأجودها ممثلًا في باريس. لقد وصفها صفة خالدة الميسم على الحضارة الفرنسية الباريسية، حضارة اللذة واللهو، حضارة المجون والعبث، حضارة من يأخذ لذة ولا يعطى أمته فائدة ولا مجدا. لقد كان حكم بيتان على
(2/845)

قسوته حكما مشوبا بالملق لتاريخ حضارة أمته، وإلّا فالتاريخ أَمْضَى حكمه على هذا الضرب الساقط من المدنية الخبيثة ولكن بيتان الرجل معذور في ملقه، لأنه فرنسي يحب فرنسا بدمه قبل أن يحبها بأفكاره وآرائه.
ولكن ما عذرنا نحن إذا قام كاتبنا. . وكاتبنا. . . وكاتبنا. . . إلى آخر هذه القائمة الطويلة، يمجد تلك المدينة -باريس- التي حكمت بأسلوبها في الحضارة على فرنسا بذل الأبد وعار الدهر. لا تقولوا إنا نذكر ونحن نسبح بخيالنا في جمال باريس وفن باريس وعقل باريس وعلم باريس. . . إن تمجيد باريس ليس إلا تمجيدًا لذلك النوع الفاسد من الحياة التي سلبت باريس وأم باريس الحياة. إنكم حين تتكلمون وتكتبون لا تذكرون شوارع باريس ولا حيطان باريس، فإن ذلك كله لا نفع له إن لم يكن ذكركم لها ذكر الروح التي تحيى بها هذه المدينة العبقرية اللذات وهذه الروح هي التي أرهقت روح المدينة الفرنسية وما يشابهها ويلف لفّها في التلذذ والشهوة والفساد.
يا أحبابنا، ويا أصحابنا: إني أكتب هذه الكلمات، لكل من يقرأ ومن لا يقرأ، ومن ينسى ومن لا ينسى، ولكني أعلم أنى أؤدى واجبي، فليس يسوء أحدكم أن أكون له مخالفا ما كان خلافي عليه نصيحة له وحبا لهذا الشعب الذي يغذونى ويغذوكم بما تقوم به حياتى وحياتكم. فانظروا إليه أولا وانظروا إلى ما هو فيه من البلاء، وخذوا من أحداث الدنيا ما يكون لنظره عبرة، ولرأيه فكرة، ولروحه قوة، ولمستقبله حافزًا. لا تبكوا. . . لا تنوحوا، فإن كنتم لابد فاعلين، فابكوا له، ونوحوا عليه:
موت بعض الناس في ... الأرض على البعض فُتوحُ
فعلى نفسك نُحْ إن ... كنت لابد تَنوحُ
(2/846)

تجديد التاريخ المصري ساعة واحدة
ساعة واحدة، وتتوالد منها ساعات تلمع في الأيام كبسمات النجوم في قبة الليل. ساعة واحدة في تاريخ الأمة، وتأتي الساعات بعدها تنفث في الشعوب رقى من السحر تجعل الساكن البليد الغافل شعلة متوقدة تتوهج من نشاطها وإقبالها وذكائها وحسن تصرفها في المضيق المتلازم الضنك. ساعة واحدة، وتنبعث حرارة الإيمان في القلب حتى ما يدع شيئا إلا قهره وأذابه ورده بعدُ سبيكة من الجمال والحق والقوة والحرية والنبل. ساعة واحدة، وتكون المعجزة قائمة على الدهر جديدة حية كالحياة نفسها.
هكذا يبدأ تاريخ الشعوب، وهكذا يكون يوم يتجدد التاريخ القديم ليكون مرة أخرى على الناس في عنفوانه كالموج المتلاطم لا يتفانى إلا ليكتسب قوته من تياره فيتجدد. وهكذا يقوم على الأرض بناء الحضارات من يوم أن كانت الأرض. وهكذا تتجلى فضائل الشعوب على الزمن الشعبى فتجعله فضيلة تاريخية متوارثة متبعة، تقف الأمم إليها تقتبس من نورها هدى تمشي به خطاها في تاريخ الأمم. إن من يجهل حقائق الحياة الإنسانية العالية المتسامية، يخيل إليه جهله أن الزمن إذا وقف بأمة في مربط من الحيوانية التاريخية النازلة لا يمكن أن يمد لها مرة أخرى في طِوَل (1) أو زمام، وأن الحياة التي وقفت يصعب بعد ذلك أن يستمر مَرِيرها (2) فتقوى على المشى المتعب، وأن ساعات الاستبداد، وعد الأنفاس، ومراقبة الهمس، والتوجس من النجوى، والتفتيش عن أسرار القلب وخطرات النفس وخلجات العقل -هي ساعات من البلاء تمسك الحياة على ذلها وقلتها، فلا تعز بأمر ولا تزيد ولا تكثر.
ولكن الحق يختلف بطريقته عن طريق هؤلاء الظانين به غير الحق، فإنه
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 794 ,الجمعة 6 جمادى الثانية سنة 1359 - 12 يوليو سنة 1940، ص 1.
(1) الطوَل: الحَبْل.
(2) استمرت مريرتُه: قَوِيَ واستحكم واشتد.
(2/847)

يمتحن الإنسانية بالاستبداد والتعذيب والمحاصرة وطول الحرمان وشدة البلاء، ليخلص الحق بقوته من كل ضعف، وإذا خلص الحق من رعاع الأخلاق وأنذال الطبائع وجبناء الغرائز، اتصلت كالسيف ما مس من شيء قطع، وهو يومئذ لا يُغْلَب لأنه لا يَتهيّب، ولا يذل لأنه لا يطمع، ولابد أن ينتصر لأنه لابد أن يجنى.
هذا، وإن تقصير أصحاب الصوت الذين يصلون بأصواتهم إلى أسماع الجماهير، هو البلاء الذي يتفلت به تاريخ الأمة من أيدى الشعب، فتضيع الفرص السانحة التي تعرض على الشعب مجدًا وعزا وحرية وبقاء وذكرًا حسنا في التاريخ، فإن هذه الساعة التي وصفناها إنما هي اهتبال للفرصة وتعلق بها وحرص عليها، ثم حسن التصريف والتدبير والأهداف إلى أغراض من المجد، ثم حث للأمة على اليقظة وتنبيهها إلى علم الحقيقة التي تعيش فيها، والحقيقة الأخرى التي ينبغي أن تعمل لها لتعيش بها.
فإذا عرضت للأمة هذه الساعة التاريخية الخاطفة، فلم تجد أصوات قادتها -من أدبائها وشعرائها وكتابها، وأصحاب الرأي فيها، وذوي السلطان منها- فقد استحقت كلمة العذاب في التاريخ، وتأتي الأجيال بعد الأجيال لتقرأ فتعرف، فتصب اللعنات على ماضيها وأهل ماضيها، لعنات كأنها شواظ من النار مصبوب على السلف الذي فرط في حقوق الأرض التي تغذوه وتربيه وترعاه وتحوطه، وتجعل له نسبا ينتهي إليه وخلفا يستمر به حيا في التاريخ.
ونحن اليوم قد وقفنا وعرضت لنا هذه الساعة الخالدة في تاريخ مصر، بل في تاريخ العرب، بل في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ الشرق كله، واشتعل لها رجل واحد فأضاء عليها وجلاها كشفها لِكل ذي عينين مبصر، وجرد معها نفسه للفداء والتضحية. . . هذا هو على ماهر، ولكنه آثر الرفق فلم يعنف ولكن الأمة التي فداها بنفسه لم تعرف بعد أن هذا هو يومها الذي تستطيع فيه أن تجدد تاريخ الشرق وتاريخ مصر، وإن أكثر أصحاب الصوت فيها قد خرسوا وأَرَمُّوا (1)
__________
(1) أَرَمَّ: جلس ساكنا لا يتحرك.
(2/848)

وسكتوا وأطبقوا أفواههم، وخَنَسُوا في جِحَر (1) الحياة المظلمة التي تخاف النور وتعشى ببرقه، وتخشى فواضحه التي تكشف الضعف وتميز للناس الخبيث من الطيب.
إن هذه السكتة التي خاطت شفاه الثرثارين -كانوا- بخيط الرعب والفزع والحرص على شهوات العيش، قد أضرت بمصر بل بالشرق ضررا نرجو أن لا يتلاحق أوله بآخره. نعم أنهم كانوا لعهدهم فيما مضى قد اتخذوا عقول الناس مطايا لما يشتهون، فارتحلوها وركبوها بالشهرة والصيت ونبوغ الاسم، فلما جاء يومهم يوم الجد والحزم، وأن ينزلوا عن مراكبهم هذه ليترنَّموا بالحداء والغناء والنشيد، فيبعثوا قلوبا حرة تستهدف للبلاء بإيمان وصبر وعزة وإرادة: استكانوا وهوَّموا (2) وأخذتهم نعسة الخوف، فارتاحوا بها واطمأنوا لها، ورضوا بالحياة كما تقبل عليهم بعد ثورة وصخب وجَعْجَعَة من رأي وكلام.
إن سبيل التجديد الذي يطلب التاريخ منا أن نمتهدها ونسلكها، قد انشقت لنا أوائلها وصدورها، وقد بطل العذر وستموت المعاذير في المستقبل، فلم يبق إلا الإقدام وحده، ولم يبق إلا تجريد القوة الكامنة في أنفس الناس. فإذا أمكننا أن نبدأ وأن نتحرر في البدء مما يعوقنا من الخوف، وما يقطعنا من الحرص، وما يقف بنا من الجزع -أمكننا أن ندير الأيام على مدار ينتهي بنا إلى الغرض الذي نرمى إليه.
فالصراع العالمى الدائر بين القوى الفكرية والأدبية والسياسية والحربية، قد مهد السبيل لكل عامل أن يعمل، وأعطى النائمين نصيبًا من اليقظة، وكسر عن المقيدين بعض القيود التي كانت تعض على كل جارحة. فالعمل واليقظة والحركة في هذا الأوان كفيلة بأن تورث الشعوب -إذا أحسنت حق استعمالها- قوة ومضاء وعزمًا، لا ينثنى شيء منها لما يعترضه من الحوائل التي أوجبت بعض
__________
(1) خنس: تراجع وارتد. وجِحَر: جمع جِحْرَة.
(2) هوَّم: تملكه النعاس، فسقط رأسه فوق صدره.
(2/849)

الظروف قيامها في سبيل هذا المدد الحي الذي أمدت به شعوب الشرق في ساعة التاريخ العظيمة.
وطبيعة الصراع قائمة على انتهاز كل فرصة عارضة واستغلالها بالمضاء والعنف والاقتسار وجعل أوائل الفرص إذا أقبلت على المصارع خاضعة للإرادة التي تتحكم في الغايات التي ينتهي إليها في صراعه. فعمل الشرق الآن عمل حقيقي لا وهمي، والفرص العارضة له حقيقة مستمرة باستمرار الحالة الدولية التي نشبت في أعصاب الأمم المتعادية المتنازعة على أغراضها وأطماعها، وتاريخ الشرق منذ اليوم قد افتتح صفحة جديدة من كتابه ليثبت فيها هذا الشرق حقيقة الوراثة البعيدة التي جعلته فيما مضى حارسا على العقل الإنساني وإنتاجه وعبقريته.
وسبيل الشرق إلى هذا التجديد في تاريخه، وسبيل مصر -وهي رأس الشرق اليوم- في تجديد تاريخها، هي طرح الأناة والغفلة والخمول، واحتمال مؤونة العذاب في العمل على إنتاج الشعب الذي يستعد بفطرته للدخول في المعركة الحاسمة التي تقطع عهدا مضى عن عهد يستقبل. وسبيل ذلك أن نتعاون ونتظافر ونتظاهر على إحياء التراث القومى الذي لا يعرف المسامحة في محاسبة أصحاب التهاون في مصير أوطانهم، وأصحابهم الحرص على منافعهم التي ينتهشونها من أيدى الجبارين والطغاة، وأصحاب اللهو والعبث بروح الأمة وعقلها وحقائق وجودها.
وإن كل أحد منا قد أقامته مصر -أو أقامه الشرق- حارسا على ثغرة من ثغور البلاء، وكتبت عليه أن يدافع دونها دفاع المستميت حتى الموت، وأن ينذر بالعدو إذا أقبل عليه وأجلب (1)، فإنما كل أحد منا طليعة لجيش أو ربيئة، فلابد أن يكون في عينيه ذلك الضوء النافذ الذي يخترق ظلمة المخارم (2) والثنايا
__________
(1) أجلب جمع عُدَّته وحشد رجاله من كل وجه. الربيئة: الذي يعتلى مكانا يراقب حركة العدو وينذر قومه.
(2) المخارم: الطرق في الجبال، جمع مَخْرَم.
(2/850)

ومجاهل الأرض وأن يكون في حزون (1) ذلك الصوت القاصف الذي يجلجل في الهواء بقوة وصليل ورعد وبرق وصواعق ولابد أن يكون بعد ذلك كله حيًّا قد وهب حياته للموت تحت البارقة في كل ساعة وعند كل فزع لا يختلجه إلى الحياة سبب من أسباب العيش أو شهوة من شهوات البقاء في لذة الدنيا ومتاعها.
هذه هي الدعوة الصحيحة إلى العمل عمل الأدباء والشعراء والكتاب وعمل كل ناطق من أهل هذا الشرق، وكل مطيق لحمل هذا العبء الروحي الجليل، وليس يغر الناس ما هم فيه من الضعف، فإن كل ضعفة في الإنسان مقتولة بقوة من إرادة الرجل إذا عقد العزم عليها، وكل مخوف يبعث الرعب وينشره ويجلب له بالدعاية والأكاذيب وفوضى العقل المرسلة على لسانه، يمكن أن تبددها صرامة رجل واحد يقف على رأس الناس يقول:
"ها أنذا فاعرفوني! لقد كذبتم وتكذبتم! ! ". إن هذا الرجل إذا صرخ بالناس بعد ذلك صرخة إلى الجد، عمل بصرخته في الناس ما لا تجد الأكاذيب معه بعد ذلك حياة تحيى بها لتستجيش الذعر لقتال إنسانية الإنسان الحي الذي يريد أن يعيش لوطنه وأمته، جنديا يقاتل عنها ويحميها من عدوان الاستبداد والطمع، ويحسم عنها شر الضمير المدخول بالوحشية الاقتصادية الغالبة على أمم هذا العصر.
إن العقل يجب أن يستبطن المعاني ليستطيع أن يطابق بينها وبين وقائع الحياة، وفي كل كلمة معنى إذا اتصل سره بسر النفس، اهتزت له وأقبلت عليه، وجعلت تفسر به الحياة تفسيرًا واضحًا يقيم البناء على أساسه الحق، أو يفتح الطريق إلى الغاية المرجوة. وإذا كنا اليوم لا نستطيع أن ندع ألسنتنا تنطلق بكل ما يحملها على الطلاقة، فإننا نستطيع أن نجعل قلوبنا في عالم واحد لا يتغابى ولا يتجاهل، ولا يتعادى في الحق ولا يتدابر، ونستطيع أن نجد عند "الرجل" ما وجدناه قبل من القدرة على الاستعلاء على جبروت العناد الأحمق الشره، الذي يريد أن يجعل قانونه في المظالم هو القانون.
__________
(1) حزون: جمع حَزْن، وهي الأرض الصلبة المرتفعة.
(2/851)

إن الروح لا تموت، لأنها تستمد سلطانها من سلطان الله، وإن القلب لا يسكن، لأن سكونه هو حقيقة الموت، وإن العقل لا يؤسر أو يقيد، لأنه حر لا يستعبد، وإن الزمن قد أشرف بنا على مجد وعزة، فينبغي أن نجدد تاريخنا القديم بمجد مستحدث مستجد.
(2/852)

أحلام مبعثرة
ليس يخفى على أحد لمن يتعاطى الأدب والشعر والفلسفة وما إليها من مادة الأفكار القلقة التي تعيش بأشواقها الظامئة إلى حقائق الوجود أن هذه الفنون الجميلة الرفيعة لا يتلقاها عامة الناس في مصر إلا بالاستهانة والسخرية، ومع أن من هؤلاء الناس من يجد الحاجة إلى تناول بعض هذه المواد العقلية من أصحابها فإنه مع ذلك يجد من رغبته إلحاحا يحمله على النظر إليها وإلى أصحابها نظرة الساخر المستصغر.
وعدوى الرأي والفكر حقيقة قائمة في الطباع كحقيقة الجرثومة إذا التبست بالبدن المستعد لقبول المرض الذي تقوم به، فالعامية الطاغية على الشعوب العربية في هذا العصر تعدى جراثيمها كل متعرض لها، فمن هنا كان كثير من طلبة الأدب، ومن يجدون في أنفسهم رغبة واستعدادًا وشغفا به، ربما تناولوا المادة الأدبية بشغفهم من ناحية، ولكن تغلبهم من الناحية الأخرى عامية العصر، فلا يزالون ينظرون إلى الإنتاج الأدبى نظرة فاترة، ساكنة باردة على الأغلب والأعم. وبذلك تقل حماسة الطالب لما يطلبه من الأدب، وإذا قلَّت الحماسة ضَعُفَ النظر واختلج الرأي وضاعت حقيقة الأدب.
وإذا تم ذلك كانت هذه العدوى مؤثرة أثرا قويا بالغا في أصحاب الإنتاج أنفسهم، أي في الأدباء، فترى الأديب يتهالك في أدبه بقدر ما يأخذ من جرثومة الداء العامي، لأنه لا يستطيع أن يتخلص من روح الاجتماع الذي يتنفس في جوه، ولأنه أيضا يريد أن يتدلى إلى عامية الشعب ليكتسب لنفسه قراء أيا كانوا يشعر بنظراتهم وهي تجري على كلامه الذي يكتبه من أجلهم، ليجد صيته وشهرته عندهم حتى يرضى ويطفئ ما يتوقد في نفسه من حب الشهرة.
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة، العدد 802، الأحد 15 جمادى الثانية سنة 1359 - 21 يوليو سنة 1940، ص 1.
(2/853)

وهذه العامية العصرية في الفكر والرأي والإحساس، قد تناولت كل شيء في الحياة الاجتماعية العربية، حتى ما تكاد تجد معنى من معاني الحياة يتسامى عن الإسفاف العامى الهابط إلى أردأ ما تعرف من القبح والسماجة. ولو أردت أن أظهر لك قبح ما نتورط فيه من عامية العصر، فذهبت بك إلى الأصل الذي لا يكاد يتخلى منه إنتاج أدبى صحيح: وأخص الشعر، لرأيت أن منبع الوحي الأدبى في عصرنا هذا، منبع وحل قد تضرب طينا في ماء في حمأة في عفن الحياة الإنسانية الرديئة.
فالشاعر حين يشتعل في روحه ذلك السراج الإلهي الطاهر المقدس، فيمشي بضوئه في الأرض ليبدأ رحلته في الأعماق النفسية الهائلة المرصدة لشاعريته فيتقدم إلى باب المعبد الروحي، يجد هذا الباب قد دار به في أقبح ما يتصور العقل من مستنقع طينى نازل زلق. فالمرأة باب المعبد: لا يزال الشعراء يعرفون بها طريق الحقائق العليا للوجود الأسمى، فإذا بدأتهم بأوحالها فما يزال الشاعر على أوحالها ينزلق يرفع رجلا ويهوى بأخرى لا يكاد يستقر حتى على هذه الحقيقة الطينية الطبيعية.
وعامية العصر أعظم تمثلا في المرأة منها في الرجل، لأنها بطبيعتها أقدر على مداورة الحياة الاجتماعية بأسلوبها الرقيق السحرى الذي اختصت به ودربت عليه وتفننت فيه، فهي اليوم في عاميتها، وسوء تركيبها وقلة احتفالها بالعقل النبيل وغفلتها عن حقيقة ما يتطلبه شعبها من جهودها الصامتة التي لا تعرف إلا نظرة الحنان، تلك النظرة التي تبعث بضعفها في قلب الرجل أقوى القوة -أقول: هي اليوم قد نزلت بالأدب والشعر والفن نزولا عاميا كنزولها حتى ما ترى شاعرا يستطيع أن يسمو أو يتغلغل لأنه لا يزال ينزلق في الأوحال التي تسيل أمامه ومن خلفه وحواليه وتحت قدميه.
ولو ذهبنا نتتبع سائر ما يحيط بالأدب وأهله، وما يجعل العوامل العامية أشد أثرًا في كل إنتاج أدبى لطال بنا ما نتولجه من القول في هذا الباب، ولكنك إذا أَسْدَدْتَ النظر إلى هذا الأمر عرفت أن الحقيقة هي ما ذكرت لك، وأن العمل
(2/854)

على التخلص من عوامل الضعف في الأدب يحتاج إلى جهد هائل من الأدباء أنفسهم حتى يبلغ بهم جهدهم، يريدون من تمحيص أدبهم، وجعله مادة حقيقية تعمل في الحياة عملا نافعا يشفي من داء العامية ليجد في قوة الشعب قوة يمتلئ بها شبابا وعزما ليكون أجمل مما هو وأسمى مما هو.
وفي هذا الجو العامى يجب على الأدباء أن يبحثوا لأنفسهم عن أساليب جديدة لكفاح هذه الجرثومة المبيرة المهلكة لهم ولأدبهم، وينبغي أن تبدأ الأساليب كلها من باب واحد يكون هو الأصل، وهذا الباب هو باب الاعتزال عن المغريات التي تدفع الأديب لشهوة الصيت والاحتفال بذلك لتقوية الروح المقاتلة التي لا تعرف الهزيمة في العمل دون الموت. فإذا تم ذلك للأديب - أو الأدباء استطاعوا أن يمحقوا جراثيم الداء في كل مكان بالإرادة الصارمة والعزم النافذ.
ولكن الأدباء في بلادنا ومن أهل لغتنا لا يحبون أن يأخذوا أنفسهم بالجد والاعتزام وطول الحرمان ومجاهدة الطائع المعادية للواجب، فهم ينساقون في طريقهم على الهوى والهوادة ومتابعة الشهوات الغالبة، ومحاباة العواطف المريضة، التماسا للراحة بعد الإنتاج السريع. وبذلك لم يكن لأحد ممن نعرف مذهب يستقل به ويقوم عليه، ويذب عنه بالروح القوية التي تحمله على التضحية بكل شيء في سبيل المذهب الذي يعمل في تمهيده وتطريقه للناس بعده، وكذلك ليس لهم غاية يجد لها أحدهم القلق الدائم المستمر الذي يدفعه من كل ناحية إلى بلوغها وإدراكها والظفر بها.
من أجل ذلك أصبحت تجد أدب الأدباء وشعر الشعراء وفن الفنانين خطرات من الرأي أو الفكر أو الخيال ليس لها جامع يجمعها، ولا رابط يربط بين متفرقها حتى يمكن أن يتكون من مجموعها للأديب الواحد -أو الشاعر الواحد أو الفنان الواحد- مذهب صحيح يفضى إلى غاية على ترتيب ونظام ومساوقة، ومن أجل ذلك أيضًا كان هؤلاء تمثيلا صحيحا لصورة الشعب الذي لا رأي له. ولا مذهب ولا غرض ولا غاية، ، ومن أجل ذلك أيضا صار الأدباء أتباعا للشعب لا قادة له،
(2/855)

فمن أجل ذلك كله انتبذهم الشعب أو استقلهم وأنكرهم وسخر منهم، لأن الشعوب لا تعرف بل لا تحب إلا صرامة الصارم وقوة القوى لأن الطبيعة والفطرة تدعو إلى البحث عن المثل الأعلى، أي عن أحلام الشعب في المثل الأعلى، أي عن الأحلام المتمثلة في قائد الجماهير، وإلا فلا فضل لأحد على أحد مادام أمر القيادة قائما على المتابعة دون الاستقلال، وعلى الممالأة دون العزم والإصرار والقوة.
وأنت لو تتبعت أدب الأدباء وشعر الشعراء، لعرفت يقينا أن الألفاظ التي تقرأها، فيها من كثرة الملل قدر ما فيها من قلة الجهد، وفيها من الفتور أكثر مما فيها من عدم الفكر، وأن أكثر ما تجده من الأفكار والأخيلة والأساليب ما هو إلا أحلام نائم لا حقيقة لها -أي لا رابطة بينها وبين الحقيقة، وربط الأحلام العقلية بحقائق الوجود هي العمل الصحيح للأديب والشاعر، فإذا تركا أحلامهما تضيع وتشرد وتند عن حظائرها من الحقيقة ضاع الأدب وبقي مبعثرا شاردًا لا قيمة له، فإذا لم تكن للأدب قيمة، فلا جرم أن يكون مدعاة للاستهانة، ومظنة للسخرية والاستهزاء.
ونحن اليوم مقبلون على زمان من التاريخ لابد فيه من العمل المرهق والجهد المميت، فواجب الأدباء والشعراء لا يتم إلا بنفض الكسل والخلاعة واللين والطراوة وقلة المبالاة، ثم إقبالهم على الحياة بنشاط المجاهد المضحي، لا بانبعاث اللاهي المتلذذ، ثم إقدامهم على أفكارهم وآرائهم وخيالاتهم وأحلامهم بالنظر الخاطف، والعقل المسيطر، والتدبير الحازم، والنظام المتساوق، فإذا فعلوا فقد أنشأوا حكومة عقلية جديدة قوية من هذه الأحلام المبعثرة، ويومئذ تنال هذه الحكومة العقلية الفائدة من احترام الشعب ما يجعل الأدب ساميا أبدا، حتى ما تستطيع العين إلا أن تنظر إليه طامحة سامية جادة، في مثل جده وسموه وطموحه، وبذلك يصبح الأدب احتراما يتجلى لا هزأة تمحو ضوءها ابتسامة المبتسم وسخرية الساخر.
(2/856)

أهوال النفس
سبحان خالق نفسي! ! كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم؟
الدهر يعجب من حَمْلِي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحُطُمِ (1)
وقت يضيع، وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأممِ
أتى الزمان بنوه في شَبِيبته ... فسرَّهُم وأتيناه على الهرمِ
في ظل الأيام الصامتة الثقيلة، وفي سوادها المظلم الممتد تحت غمام الحياة، تتململ النفس من عنت وضيق وحيرة، وتجد من أحداث القدر ما يتركها تتقلب على نار موقدة من أفكارها وأشواقها وآلامها، وتتجمع من حولها أطياف ماضيها وأحلام مستقبلها، ثم تتنازعها هذه الهاوية في الأبد، وتلك السابقة في الغيب، حتى تكون بينهما تتمزق بين جاذبين قويين متعارضين لا يضعف أحدهما في قوته فتذهب النفس معه على وجهها إليه.
وفي هذه الحالة التي تدرك النفس يعيش أحدنا في أنفاس من الجحيم والعذاب المستعر، وتنشأ له في جنون اللهب أحلام مفزعة حمراء الحواشى والأطراف، تندلع في تاريخ إنسانيته، وتثبت فيه أثر النار التي تنضرم عليه فيكتوى بها وليس يستطيع أحد أن يخلص بنفسه من هذه الأحوال الفظيعة، لأن سبيل الخلاص لا يمتد إليه من خارجه، وما سبيل الخلاص إلا من النفس وحدها، فإذا كانت هي التي تعيش في حيرة وآلام مكفوفة عن قوة تفكيرها في إطفاء النار بإيمانها، فليس إلى نجاتها طريق تتخذه، أو باب تنفذ منه.
وهذه الأيام التي نحياها في دنيا الاضطراب العالمى المختبل المجنون، تشعل تحت النفس تنُّورًا هائلا طعامه تاريخ الإنسانية كلها من لدن آدم إلى هذا اليوم، وتملأ النفس أفكارًا كثيرة قد انطوت عليها، فهي تغلى بها غليان المرجل
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 807 السبت 21، جمادى الثانية سنة 1359 - 27 يوليو سنة 1940، ص 1.
(1) الحُطُم: جمع حَطُوم، وهي النائبة تحطم الإنسان من شدتها، والأبيات للمتنبى.
(2/857)

المصمت فلا يزال في تفزُّع وتقلقل يتنزَّى بضغط البخار، فلا يستقر ولا يرجى له أن يستقر.
إننا لا نفقد آمالنا في الحياة إلا أن نفقد الإحساس بالحياة، فنفقد الرغبة فيها، ومادامت لنا في الحياة رغبة أو شهوة، فآمالنا أبدًا حية تتحرك بل تتجدد بل تزيد وتتكاثر، وأيما أمل تعتاقنا عنه ضرورة لا نملكها ولا نُعْطَى القدرة على تصريفها كما نشاء -فهو أمل يتوالد آمالا كثيرة صغيرة تكبر وتتعاظم وبذلك نعيش العيش في حالة تستجيش جيوشا حاشدة من الآمال تقاتل أحكام القدر التي لا تعرف إلا حقيقة الحياة الاجتماعية، ولا تلقى بالا إلى الحياة الفردية المستأثرة الطامعة التي لا تشبع.
ولكن الفرد لا يستطيع أن يحقق وجوده، ويستيقن من قدرته على العمل والإنتاج إلا باتساع فرديته اتساعا يعطيه من الحرية ما يكفل له إرضاء نفسه في بعض آمالها التي يريد أن تتحقق، فإذا استطاع الفرد أن يحقق بعض آماله تحقيقا كاملا، استيقن من حقيقة وجوده، فإذا استيقن من حقيقة وجوده بذلك، كانت قدرته على الحياة أبلغ وأقوى وأمتن وبذلك يكون دائما ثابتا في تقدير أعماله وإتقانها وإيجادها بالقوة الصارمة، فإذا أمكن ذلك، وجدت نفسه في الحياة المضطرمة منفذا تستعين به على تلطف الحياة أو تبريد السعير الملتهب الذي يكتنفها بألسنته المتكلمة بألفاظ من النار اللذاعة.
وإذا بدأ الإنسان يخفق في آماله، ولا يحقق من نوازعها العظيمة شيئا يسكن اليه أو يهدأ عليه، كان إحساسه بنقصان حياته أو ببطلان وجوده عاملا ثائرا دائبا يجعله أبدا في تعذيب من قوة النزاع الهائل بين الحقيقة التي تتطلبها فرديته وشخصيته وبين الأمر الواقع الذي يكفُّه عن الشعور بمعاني هذه الحقيقة في نفسه شعورا واضحا بينًا متمما لإنسانيته.
ولكن بعض النفوس تعيش مهما أخفقت في إدراك تام لحقيقة وجودها وعلى يقين ثابت عن أنها أحق بالوجود من النفوس الغبية الفاترة المتلذذة التي تعيش كما
(2/858)

تعيش البهائم ترعى حيث طاب لها المرعى. فهذه النفوس المستيقنة المؤمنة بحقها إيمانًا لا يتزعزع تبقى دائما في تجديد لمعانيها وآمالها ولا ترتد عن أعمالها التي ينبغي لها أن تعملها، وتمضي في الحياة تتكلف أثقال العيش، وتتوثب في نيران الأفكار، وتقاتل عن حقها قتالا لا يلقي السلاح أبدا إلا أن تفرغ الحياة من تحريك النفس بنفحاتها المنعشة.
وهذه النفوس لا تعرف كيف تستقبل أعمال الحياة في بُلَهْنِيَة (1) من العيش المترفِّه الناعم الرقيق، ولكنها تريد أن تعرف كل ساعة كيف تغتصب أعمال الحياة اغتصابا بالافتراس والانقضاض والسقوط على رغباتها كما ينقضّ النسر على أفكار عينيه المتمثلة في فريسته. فإذا أعطى القدر هذه الفرائس طريقا إلى النجاة من مخالبه! لم يرتد هذا النسر إلى صخرته العالية إلا لينفض الجو بعينيه مرة أخرى، حتى يقع بصره على أفكار جديدة تتخايل له، ويبقى حياته على ذلك يعاني آلام الشوق المتضرم الدائم حتى تقول له الحياة: مكانك، لقد فرغتَ فاسكن الآن!
وفي هذه الحالة المؤلمة تجد النفس شيئا كثيرا من المضض والحسرة، ولكنها لا تضعف، بل يزيدها الألم عنادا في المطالبة بحق وجودها، لإثبات شخصيتها في داخلها إثباتًا صحيحا بالعمل، أنتج العمل أو لم ينتج، لا تبالى أي ذلك كان، وعندئذ تكون في جو من الأهوال القاسية الفظيعة التي لا تفتر، وتعيش في تهاويل من خيالها وأحلامها وآمالها، وتنقض عند كل بارقة بقوة الحياة التي تندفع في أنحائها اندفاع التيار الأعظم أمسك عن تدفقه لحظة ثم أطلق. أي شيء في الحياة بعدئذ يستقر على دفاع هذا التيار؟ وأي شاطئ عندئذ يستطيع أن يحتمل صدمات هذه الأمواج المجنونة، وأي سد يحتمل الثبات في وجه هذه القوى الهائلة المفزعة التي لا تلتفت وراءها، وليس لها إلا الأمام يطالبها ويجذبها ويتطارد لها لتدركه بعنفوانها وطوفانها المجنون؟
__________
(1) بلهينة من العيش: أي تَرَف ولين ونَعْمَة.
(2/859)

إن الأعصاب التي يتكون من مجموعها إنسان هذه النفس، تجد من الجهد في ضبط الأمواج المنفجرة المتدفعة أشد ما يجد حيٌّ من الجهد، ويكون العقل المدبر لهذه الأعصاب في حالة لا يستطيع معها إلا أن يفقد هدوء التأمل الذي ينبغي له ويكون في حياة صاحبه مادة جديدة لتعذيبه، لأنه يُنْشِئ من هذا البحر أفكارًا جديدة يضع فيها مادة عقلية متفجرة، لا تكاد النفس تتناولها حتى تنفجر، فتزداد أمواجها ارتفاعا وثورة واضطرابا وتدفقًا، وكذلك يتعاون العقل والنفس على إشقاء الحي، وجعله بحرا من الآلام لا يسكن ولا يطمئن.
هذا العذاب كله وهذه الحركة المستمرة في أعصاب الحي، وهذه الأمواج المتطوحة الصاخبة في أودية النفس، هذه كلها تعود في حياة من يمارسها ويصبر عليها لذَّات متتابعة يجد فيها سموًّا وعبقرية وقدرة متجددة في دمه، لذات مؤلمة، ولكنها تنعش النفس بالآلام، لذات محرقة، ولكنها تجدد الحياة بالحريق الدائم، لذات على علاتها توجد للحياة اليائسة معنى من الآمال الحية.
أيتها النفس، خوضى غمرة الحياة واسبحي، فلن تعرفي حقيقتك إلا وأنت على الشاطئ الآخر، أيتها النفس المعذبة؟ انغمسى في العذاب ما استطعت فإنك لن تستريحي إلا أن تجدى راحتك كلها في القدرة على احتمال العذاب! أيتها النفس! أنت قوية الإرادة، ولكن القدر أقوى إرادة منك.
(2/860)

وقاحة الأدب أدباء الطابور الخامس
نحن لا نشك في حقيقتين ظاهرتين متمايزتين متحزبتين بطبيعة الفطرة الإنسانية الاجتماعية. فالحقيقة الأولى هي مطالب الفرد لنفسه ورغباته وأمانيه وأحلامه. والحقيقة الأخرى هي: مطالب الجماعة المكونة من الأفراد على اختلاف نزعاتهم في أنفسهم وخاصتهم. وكل عمل فردى لا يكاد يفلت أثره في الجماعة، وتوجيهه في الحياة الاجتماعية عامة إلى جهة بعينها، وخاصة إذا كان مرد أعمال الأفراد إلى قاعدة عامة تطلق لهم من الحرية ما يجعل أعمال الفرد استقلالا على طريقة المصلحة الفردية التي لا تحترم قيود الجماعة، وقيود الجماعة عندنا هي المصلحة التي لا ترقى بها هذه الجماعة المختلفة قوة وضعفًا، ولؤما وكرما، وعقلا وسفاهة، وحكمة وضلالا. وأخطر الأشياء في حياة الجماعات والشعوب هي القواعد العامة التي يأتي من تفسيرها وتوجيهها سيل طام متدفق من تيارات الأفكار المتنازعة التي تتنابذ ولا تتعاون.
فلذلك نحن نعد المبادئ العامة التي تسيرها أعمال الأفراد مستقلة عن الفكرة الاجتماعية الرحيمة التي تخاف سوء المغبة في جسم الجماعة، هي الأصل الذي يجب أن يمحص ويحقق ويضبط، حتى لا تتنازع عليه الأهواء أو الشهوات ودناءات الأخلاق الفردية المستأثرة، والتي تعيش بلذاتها قبل حقائق لذاتها. فإن طغيان الوحشية الفردية يفضى بالعالم إلى فوضى في الجماعة لا تقاومها حسنات المجتمع أو مصالحه أو حقيقة حياته.
فأنت ترى من ذلك أن أهم ما يجب علينا أن نتوجه إليه، هو ضبط النسبة بين حاجة الفرد المستقل باعتباره فردًا من جماعة مستقلة أيضا، تريد هذه الجماعة أن تجتنب أكبر قسط بل أعظم كارثة من بلاء التشقق الاجتماعي الذي يأتي من وراء
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 813، السبت 28 جمادى الثانية سنة 1359 - 3 أغسطس سنة 1940، ص 1.
(2/861)

القانون الذي يضبط دولة الجماعة ويقوم على حياطتها، طلبا لإسعادها والترفيه عنها، ووقايتها من التدهور الأدبى والعقلي والسياسي والاجتماعى.
وقد كان من بلاء المدنية الأوربية الفاجرة، أن انفجرت في الأخلاق الفردية انفجارا بعد انفجار بعد انفجار حتى صارت مِزَقُ الأخلاق نثرا متطاورا لا يجمعه جامع يكون للجماعة -من صعلوكها إلى مليكها- جِماعا ومِلاكا واستحصادا، يمسح عن آلام البشرية تلك الدموع الغزيرة التي تجري تحت ظلام الأثرة والبغي والاستبداد والشهوات المظلمة في نفوس مظلمة مثلها وأنشأت هذه الطريقة الدنيا من الشهوات المستحكمة الغالبة، مبادئ يتخذها الأفراد شعارًا، ثم جعلت تتخذها بعض الجماعات رمزا لحياتها، ولكنها مع ذلك لا تعد نظاما لجماعة، بل تبديدا لنظام الجماعة أو لما ينبغي أن يكون عليه نظام الجماعة.
فمن هذا البلاء ما يقوم في عقول بعض المتأدبين من حرية الإنتاج الأدبى على أي صورة من الصور، أي أن يدور الأديب بإنتاجه حول شهواته الخاصة التي يبثها أدبا في أمته، ويدعى مع ذلك أن هذه الحرية الشخصية في نظرته إلى الحياة وأعماله في الحياة، وتصوير هذه النظرات والأعمال، عمل أدبى حر يكفل له الناس الانتشار والذيوع، وأن يدخل على الأحرار في بيوتهم، وعلى العقائل في خدورهن الطاهرة وعفافهن النبيل، وأنه ينزل على الأمهات والزوجات والعذارى وحيًا جديدًا من الفن الذي تضمن له فنيته حرية التغلغل في حصون الأمة المقاتلة عن الذرارى والأبناء وكيان الشعب المولود للمستقبل.
ولا يبالى هؤلاء أن يكون في داخل هذه الحصون الشعبية الهائلة معنى جديد يخذل القوى العاملة على إنشاء الحياة الاجتماعية إنشاء يضمن لها البقاء والاستمرار والتفوق والسمو بالشعب إلى القوة الحاكمة التي تدفع عن أرض الوطن بلاء الاستعباد. فإن الرجل إذا استعبدته الشهوة، فهو يدور أبدا في تصريفها مستعبدًا ذليلا لا يدفع عن نفسه إذا ما أوتى من هذه الحاسة المتلينة الخاضعة بطبيعتها لسلطان اللذة غير متورعة عن التدلى إلى الحضيض، وغير حافلة إلا بالساعة الحاضرة العمياء المظلمة ظاهرا أو باطنا.
(2/862)

وإذا أفسد الأدب أول ما يفسد هذه الحصون فقد أمد الشعب بهلاكه، وأدخل عليه هذه النوازع المحطمة، وبث فيه سراياه وأعوانه من (الطابور الخامس) الذي يعمل على إيجاد حركة ارتداد تشقُّق وحَيْرة ووَجَل، فإذا تم لهذا الطابور الخامس تمامه، استولى على الأمة فمحقها بالفزع والتسليم والرضا بالخضوع والذل، قبل أن يمحقها العدو بالآلة والسلاح والجيش الغازى.
وفي هذه الأمم التي لا تملك من سلطان القوة ما تسوغ به السيطرة على ميادينها في صراع الأمم إذا تصارعت، أي في هذه الأمم الشرقية، وأخص الأمة العربية، يعيش هذا الطابور الخامس من الأدباء، ويرى أنه قد أجاد المذهب والمسلك، واتخذ لأمته أهدى السبيلين وخير المنزلتين. وعقيدة هذا الطابور الخامس أن حرية الفن يجب أن لا تتقيد بمصلحة الجماعة، أي أن يكون إنتاج هذا الطابور على ما يثور في أنفس أفراده من النزعات المستكلبة والنزغات المنفجرة في أعصابه بروح الشهوات.
فالأدباء والشعراء خاصة يرون أن أدبهم وشعرهم لابد أن ينطوى على تلك المعاني النفسية النازلة التي تستولغ في دماء الناس وأعراضهم المذبوحة بالآلات الحديدة الماضية التي لا تقاوم بالشهوات الغريزية المجنونة التي تضئ لأعينهم سراج اللذة المحرمة تحت جناح الليل، بين الأخلاق المتهالكة في حانات الفجور، تستنقع بأحلامها وهذيانها في كأس تفوح نشوة وتسيل عربدة، ثم ماذا، ثم يأتي هؤلاء فيدفعون إلى المجتمع نتاجا مركبا من جميع هذه الرذائل المنهوكة المخمورة، ثم تتغلغل هذه المساخط كلها في بيوت الشعب في أوهام الزوجات البريئات، في عيون الفتيات الجاهلات، في أحلام العذارى المتأملات في هدأة الحياة ينتظرن من وراء النفس والعقل تحقيق أحلام الفطرة الغالبة على كل حي في هذه الأرض.
ثم يكون ماذا؟ ثم يكون هذا التفكك والتخاذل بين الأوصال الشعبية التي يجب أن تتماسك وأن تجعل من تماسكها وارتباطها قوة، وأن تنفث فيها روح الجماعة روحا سامية طامحة راغبة جادة تريد أن ترتفع بالجميع فوق شهوات
(2/863)

الجميع، لتحقق للكيان الاجتماعي كله سيادة تامة على الأسباب التي يصير بها الشعب قوة عاملة على إيجاد السعادة للشعب وسلالة الشعب في مستقبل أيامه وأعوامه.
فأدباء الطابور الخامس الذين اتخذوا لأنفسهم شعارًا من حرية الفن وحرية الأدب، وحرية التعبير عن ثورة النفس المشتهية المستكلبة، هم أعدى أعداء هذا الشعب المسكين، وهم البلاء الماحق، وهم الذل الحاضر والقيد الربوض، وهم سفالة الإنسانية، إذ كانت الإنسانية لا تستطيع إلا أن تنزل بهم إلى الحضيض الأوهد من الخضوع لسلطان الشهوة، وهم الهلاك المحقق، لأنهم سبب التفرقة إذ كان بناء أدبهم على الاستقلال الفردى المحض الذي لا يقدر للجماعة معنى الجماعة بل يأتيها بكل أسباب التمزيق والتعاند والخلاف بين القوى إذا تحررت فانطلقت فاتخذت كل قوة سبيلا مناقضا لاتجاه صاحبتها، فتصبح قوى الشعب كلها في نزاع دائم لا خير فيه، بل فيه كل الشر وكل البلاء وكل المحق.
إن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يفرغ دمه من معاني الشيطان، لا يستطيع أن ينقي أعصابه من وراثة الغرائز الإنسانية القديمة الآتية مع الإنسان من الخطيئة الأولى لآدم صلوات الله عليه. وإن أحدا لا يعطى التحكم في تصريف القدر على الوهم والأحلام، ولكن الإنسان أعطى العقل، وأعطى مع العقل الإرادة وأعطى مع الإرادة طبيعة التعاون وأعطى مع هذه الطبيعة نظام الجماعة فأعطى مع نظام الجماعة حقيقتين عظيمتين.
فالحقيقة الأولى، هي قدرة الفرد في بعض حياته على الحياء وعلى التضحية، وبذلك يستطيع أن يضع تحت أعين الجماعة قدوة حسنة ومثلا أعلى، ينبل ويسمو ويترفع ويضئ في الأجواء البعيدة بروح الجمال والحق. والحقيقة الأخرى، هي سرعة استجابة الجماعة للمثل الأعلى بالاقتناع من ناحية والتقليد من ناحية أخرى، وبجميع ذلك تستطيع الجماعة أن تجعل نظامها ساميا أبدا عظيما دائما، متماسكا على مر الزمن.
(2/864)

فأدباء الطابور الخامس -هم كسائر الناس- يستطيعون أن يستخدموا العقل والإرادة وطبيعة التعاون ونظام الجماعة، لإيجاد المثل الأعلى للشعب، باذلين من أنفسهم تضحية واحدة، هي أن يستحوا قليلا من الناس ومن أنفسهم، وأن يجعلوا مصلحة هذا الشعب المسكين نصب أعينهم وعلى مد أفكارهم، وأن يكونوا عاملين على إيجاد القوة في بناء الأمة وإصلاح أفرادها، لا أن يكونوا خبلا خابلا وفسادا، ونزولا بالإنسانية السامية إلى الحضيض المظلم الذي تعيش فيه أرواح الشر المهلكة، تلك الأرواح التي لا تريد من معنى الحرية إلا استعباد الآخرين للشهوات.
أما نحن فعلينا أن نحارب هذا الطابور الخامس قبل أن نحارب أعداءنا من غيرنا، لأن هذا هو العدو الحقيقي الذي يخذل قوانا، ويفسد استحكامنا، ويحطم قواعدنا الحربية التي بنتها الأجيال من قديمنا الأول، هذا الطابور الخامس هو من رسل المدنية الخربة التي تهدمت، ولا تزال تتهدم، وستتهدم في ميادين القتال إلى هذا اليوم. فلنعمل جميعا على أن نكون من الفرق الواقية من دسائس الطابور الخامس.
(2/865)

قلوب جديدة
تأتي النائبة من وراء الغيب مسرعة متوهجة تتوقد، ثم تنغمس في الدم فتسمع الحياة نشيشها فيه، وتضطرب الروح، وتتفرق النفس، ويتألم القلب، وتتبعثر الإرادة، ويحار العقل، ويكون مع ذلك كله أمل ممض نافذ يجعل الحي يستشعر معاني الموت وهو لا يزال حيا بعد. فالمصيبة بطيعتها توجد في الحياة حركة سريعة طائرة مخبولة تخرج الحياة كلها عن دستورها ونظامها بعنف وقسوة، فيعقب هذه الموجة المتلاطمة السريعة فترة خاملة بليدة تنقل الحي من جو إلى جو حتى يتسنى له أن يستقر ويهدأ. فإذا لم يقرر لنفسه هذا النظام الذي تتطلبه المصائب لم يزل في موج واضطراب وفزع وحيرة، وتتضاعف المصيبة الواحدة حتى تكون -من جراء عواقبها عليه- مصائب عدة.
وقد تنزل المصيبة بالرجل فينفتر لها ويتبلد عليها، ويستنيم في بعض أحزانها ولكنه لا يلبث حتى يشعر أن في دَمِه أصواتا تتداعى فيه كما يتداعى الجند إذا تفرق على ضربة عدوه في الميدان، يجتمع المتفرق ويتألف الشاذ وتتضام القوى، ويعود الأمر على أشده كأحصن ما كان. فإذا تداعى الدم، وزأر القلب، واهتزت الروح، وأصاخت النفس، وارتدت العواطف المنهزمة إلى مواقعها وحصونها من إنسانها، وجد الرجل كأن قلبا جديدا قد انتفض في صدره، فنفض المصيبة وأعوانها نفضة الطل عن غصن مورق.
والشعوب كالرجال، وأمرها كأمرها. والشعب إذا ابتلى ببلاء مصبوب عليه بمصائبه ونواكبه (1)، يستطيع أن يسترد ما يضيع من قوته في تيار المصيبة، وأن يستعيد شبابه الثائر مرة أخرى، ولكن الفرق بينهما هو فرق ما بين الواحد إذا استقل، والجمع إذا تعاون. فشرط الاستقلال الإرادة والنفاذ بها، وشرط التعاون
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 820، الأحد 7 رجب عنة 1359 - 11 أغسطس سنة 1940، ص 1.
(1) النواكب: جمع ناكبة، مثل النكبة.
(2/866)

المشاركة بين الأفراد المستقلين بالإرادة والعزم، والحرص على اجتناب التخالف، واطراح الفرقة، ونبذ الهوى والعناد على الهوى.
وأمر الشعب هم أغمض الأمرين وأشدهما وأحقها بالرعاية والنظر والتدبير، فإن مصائب الشعوب قلما تكون فتراتها إلا جيلا أو أكثر يقع في خلاله من النقص والتدمير والضعف وذهاب النشاط الحافز، وطغيان الجهل المستبد، واضطراب أمر الجماعة ونظامها إلى ما وراء ذلك، يكون تحطما كاملا لأكثر الإنسانية الشعبية، وإذا تحطمت إنسانية الشعب في المصيبة أردفت وراءها مصائب، إذ يقع النسل إلى الحياة لتقتله الحياة بفتورها وبلادتها وقلة احتفالها ويتبدد ذلك النور الإلهي الذي يأتي مع المولود من وراء الغيب، ويبدأ يمشي في الحياة المظلمة بالبصر المكفوف عن النفاذ في أسوار المستقبل.
وعلاج الشعوب في هذه الحالات لا يتأتى ولا يمكن ولا يكون، إلا بعلاج الأفراد أنفسهم، وأخذهم بالجد في تدبير الحياة والاستعداد لها، وتحمل المشقات العظيمة في سبيل إيجاد الفرد الذي يستطيع أن يجعل في صدره قلبا جديدا أبدا بعد كل نازلة أو مصيبة، والقلب الجديد المتجدد هو سر الشعلة الذاهبة دائما إلى السماء سامية طامحة، مُطالبة بحقها في السمو، عالمة بواجبها في إضاءة الظلمات المتكاثفة من حولها بنور جديد.
أما استكانة الأفراد وإخلادهم للراحة واستمتاعهم باللذة وإغماضهم في طلب المنفعة الفرديه المستأثرة ونفضهم عن أنفسهم تكاليف النظر الاجتماعي الشعبى، ودبيبهم إلى الغايات بالخطو المسترق من أسماع الشعب لا يبالون أن يكون هلاك غيرهم من أمتهم في بعض ما يجتلبون به قليلا من أسباب الحياة لأنفسهم. . . فذلك كله جريمة بعيدة الأثر في قتل الروح المعنوية للشعوب وفي إيجاد المثل الأسوأ للنسل، بل هو سرقة صحيحة الشرط الذي يوجب عقابها. فالشعب كلٌّ كامل، فكل جزء منه انتفع بشيء كان من حق الجميع أن ينتفع به على تقدير حق الانتفاع، فذلك استبداد بحق الغير، واستلاب منه لما يوجب الاجتماع أن يكون على صورة بعينها ولغرض بذاته، وفي تسليمه بقدرتنا، وفي موضع هو له.
(2/867)

وليست السرقة في الحقيقة إلا هذا الضرب من الاستلاب، فسارق الشعب يخون الشعب ويخون نفسه ويمنع غيره من الانتفاع بحق الحياة التي أوجدوا فيها جميعا ليعملوا لها جميعا متعاونين متظافرين.
وعدم شعور السارق المُغْمِض (1) في سرقته المستطيل بها المصر عليها، دليل قائم أبدًا على انعدام إحساس القلب فيه، وإذا عدم القلب إحساسه -أي حركته في الحياة- رق وتخرق وبلى وأخذه المَحْق من كل وجه، فلا يمكن أن يعد في القلوب ولا أن يجرى عليه حكم القلب الحي في قبوله للتجدد والحياة المستأنفة من أولها مشرقة كميلاد الفجر مع كل صباح.
وإذا ابتلى الشعب، ثم أخرج منه هذا البلاء رجالا كان من صفتهم ما ذكرنا من الاستكانة واللهو والعبث واهتبال اللذات على مدها وتطويحها، كان هؤلاء بلاء آخر على الشعب ومستقبل الشعب، وكانوا فوق ما وصفنا جثثا مطروحة على طريق الشعب تعتاقه عن مسيره إلى الغاية التي تنبغي له أن يسير إليها. وإذن فهو بين اثنتين: أما أن يطأ الشعب على جثث الشعب، وإما أن ينتظر حتى يمتهد لأجياله طريقا آخر يكون فيه السير حثيثًا لا تقوم في سبيله عقبات كهذه. وكلا الأمرين تعويق وتخذيل وإضاعة وبلاء من البلاء.
ومن ذلك، فإن الحياة تأبى إلا أن تجعل لأحيائها أساليب كثيرة منها ينفذون، فاليأس -من أن يكون في هذه الجثث صلاح بعدُ- أمرٌ لا تكاد تقبله الحياة إلا بعد طول التجربة والامتحان، ولم يبق إلا الأمل في أن يكون إصلاح هذه الجثث وبعثها، وإيجاد قلوب جديدة في جثمانها، أمرا مقاربا ممكنا مستطاعا يجب العمل له، والحرص عليه، والاحتيال في تصريفه احتيالا صحيحا مدبرا يفضى بنا إلى الغاية منه.
وقد تسهل في هذا العصر خاصة ما لم يكن في العصور الخالية، فالطريق إلى إسماع الناس ودعوتهم وتنبيههم صارت أقرب وأسرع، فالطباعة والصحافة
__________
(1) أغمض في الشيء: مضى فيه.
(2/868)

والمذياع وسائر أساليب الدعوة تمكن لصاحب الصوت أن يبلغ بصوته حيث أراد إلى من شاء على الوجه الذي يحب.
ولكن نشأت مع هذه الأشياء عوائق بقدرها جعلت الدعوة بهذه الطرق أقل أثرا مما يراد منها أو يرجى فيها، ولم يكن وجودها في الحقيقة إلا طريقا جديدًا لإفساد الأساليب الصحيحة في الدعوة للإصلاح الكامل الذي يراد به تجديد القلوب، أي تجديد حياة الشعب تجديدًا نفسيا عميقا ثابتا.
ومع هذا فما أحسب أن الأمر قد أحبط إلا من ناحية واحدة، هي فقدان الصوت المستجاب في كل قلب. فإذا وجد هذا الصوت للعالم، فقد يتغير كل شيء، ويصبح تجديد القلوب أمرًا سهلا على صاحبه ومالك أمره والقائم عليه. وإذا أتت ساعة خلاص العالم من فتنة الحضارات المتجبرة الطاغية المتوحشة، فقد يكون عمل العامل في تجديد قلوب البشر هو الفتح الصحيح للتاريخ الجديد للعالم ويمضي عصر ويأتي عصر، ويومئذ يقف لفظ واحد في التاريخ ليدل على نوع الحضارة التي نعيش فيها، فيسمى هذا العصر "عصر القلوب المتحجرة".
"قلوب جديدة": هذه هي غرض الحضارة الجديدة التي يتمخض عنها العالم اليوم، فإذا عرفنا الغرض فما يصعب علينا أن يقوم كل أحد منا بالتجربة بعد التجربة لإيجاد قلب جديد في صدره مكان قلبه المتحجر، إن الشباب لا يضيع مع طول العمر، ولكنه يضيع مع طول العبث، والحياة لا تفنى مع شدة الجهد، ولكنها تفنى في شدة الغفلة، والعقل لا يكل مع طول الفكر، ولكنه يكل مع طول الاستخفاف بالفكر. وشباب الشعوب وجهودها وأفكارها هو الحضارة كلها، وأصل الحضارة في القلب الشاب العامل المفكر الذي لا يسكن ولا ييأس ولا يقسو حتى يتحجر.
فهل يستطيع العالم أن يبدأ التجربة على الانفراد، فإذا جاء الداعى للحق بالحق، وجد أعوانه لإنشاء القلوب الجديدة في كل مكان في الأرض.
(2/869)

من أحلام الفجر

القلم المعطَّل
بقيت أسابيع وأنا كالسجين المعذب في وحدة الغربة ووحشة التشريد، وكنت أجد المعاني في نفسي وفي قلبي وفي أفكارى، وكأنها ظاهرة على لسانى ولكني إذا جئت إلى القلم أحمله لأكتب وجدته صامتا جافيا نابيًا عن أوراقه، ثم أتحامل عليه أقسره على المطاوعة فإذا هو حائر عَيِىّ تَمْتام متردد لا يفصح ولا يُبِين، وعجزت عن علاج هذا العجز الذي لحق بأنيسى وصاحبي وكاتم سرى، والمخبر عن نفسي، والمبين عن معاني روحي، فلما أعيانى وغاظنى وهدد حولي، وبدد حيلتي، لجأت إلى الكتاب أستخبره وأستنبئه وأطويه وأنشره، وصرفت أوقاتى في القراءة.
وأقبل على يوم كاللعنة المرسلة حائرة طاغية ماحقة، ولم أجد ملجأ ولا ملاذًا ولا مغيثا حتى جاء الليل يؤنسنى بسواده ووحشيته، فلما ضقت انصرفت إلى بيت كتبى فجعلت أتلفت حائرًا لا أدري ما آخذ وما أدع، حتى استقر بصري على كتاب أسود مظلم موحش مضطجع على صف من الكتب، فأخذته وانصرفت إلى غرفة نومي أملأ بحديث هذا الجزء من كتاب "الحيوان" للجاحظ فراغ الليل الساكن الموحش.
أيتها النجوم الخاشعة المشرقة في معبد الزمن السرمدي! أنت دائما أنسى وراحتى وصديقي، ولكن الكتاب أيضا صديق يحدثني حديث العقول الناسكة المضيئة في معبد العقل الأبدي. أفتأذنين -أيتها النجوم! - أن أخلو إلى شيخى أبي عثمان ساعة من ليلك أسمع في صمت كتابه صدى لسان المتكلم من أقصى الماضي؟ قولى نعم! وخلاك ذم.
__________
(*) الدستور -السنة الثالثة- العدد 854، الثلاثاء 14 شعبان سنة 1359 - 17 سبتمبر سنة 1940، ص 1.
(2/870)

وأضأت مصباحي وبدأت الجزء أقرؤه حتى شغلنى عن أحاديث نفسي، وردنى إلى شيخى أطوع ما كنت له، وأعقل ما كنت عن بيانه .. كل هذا جيد يا أبا عثمان، ونعم صاحب الرأي كنت! وإنك والله ما تخلو -أيها الشيخ- من لسان ناطق مبين متدفق حتى حين تكتب، فما أقرأ لك إلا رأيتنى أجد الألفاظ تنفذ عن بصري إلى نفسي إلى عقلي إلى أوهامى التي أسمع دبدبة صوتك المتكلم في جوف دمى. ما أنت يا -أبا عثمان- إلا رجل محدث منطلق فياض اللسان، خفيف الروح، قليل البطء فيما تحاوله وما أظنك تكتب شيئا كما يكتب سائر من يتعاطى الكتابة ويعمل لها ويتحامل عليها، وما أحسبك إلا كنت مغلوبا على قلمك، قد غلب اللسان المتكلم فن القلم الصامت. هذه حروف كتابك تتردد على بياض الورق وكأن ترددها صدى صوت يتذبذب في جو الهواء. . . هكذا كنت أقول كلما وقفت على جملة من الكتاب أسكن عندها سكون المتأمل.
وقطعت الكتاب حتى أفضيت إلى هذه الحكاية. . . قال أبو عثمان: قال الأصمعي: قال رجل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: هذا والله الرجل الكامل!
ألقيت الكتاب، وجعلت أسمع إلى أبي عثمان وهو يردد: "هذا والله الرجل الكامل"! أجل إن الحماقة المرزوقة من جهود العقل ومتاعبه وعبقريته وتفانيه هي التي تعيش في الناس ظاهرة حاكمة غالبة مستولية على الأمد في السلطان والحكم والسيادة، وإنك لترى الرجل أو المرأة وما لهما من فضل إلا الغني، وأنهما على ذلك لأهل كل جميل وإنهما لغاية كل طامح، وأنهما لَلْقوة الكاملة التي تفيض على ما يطيف بهما روعة وجلالا. . .
استبدت بي الرغبة، وألحت إلحاح العناد، أن آوى إلى سريرى بعد وَهْدَة. فأطفأت المصباح، وجعلت أتقلب قليلا قليلا، وأنى لأرى هذه النجوم في جوف السماء زاهرات مضيئات متلألئات، كأنهن عذارى ألقين زينتهن على الشاطئ ثم
(2/871)

انغمسن في لج البحر إلا ما عفا (1) البحر عنه من إهابهن الرقيق المضئ المتبلج .. أيتها النجوم السعيدة الضاحكة أبدًا! حدثينى بأفكارك الجميلة المتجددة! إنك منذ الزمن القديم، وأنت أبدًا تنظرين إلى الأجيال وهي تموج في أشعتك على هذه الأرض في تيار القضاء والقدر، منذ الأزل البعيد والدنيا تتفانى تحت نظراتك الهادئة الساخرة .. أف لك يا أبا عثمان! لماذا وضعت الأحمق المرزوق -هذا الرجل الكامل- بيني وبين هذا الجمال العتيق الذي يروى لعيني لمحات الإشراق الإلهي عن أقصى الأجيال الفانية الغابرة؟
وجعلت قصة أبي عثمان عن الأعرابي تنتشر في نفسي، وتتسرب في سراديب عميقة تحت الظاهر الإنساني المتجسد، وطفقت تأخذ في كل سرداب معنى جديدا، أو تثير معنى قديما، أو تدفع معنى ساكنا، حتى وجدت في أفكارى سطوة البعثرة التي تنفض النفس وتطيرها في وجوه كثيرة. لقد خرجت هذه القصة من معناها إلى معان أخرى كثيرة تتعادى وتتطارد وتغيب في كلمات الفكر البعيد. . . وأجهدنى ذلك إلى أن سبحت الروح في لجة الليل، واستيقظت الأحلام.
وحضرنى أبو عثمان، فجاء من بعيد ضاحكا متسرعا نافضًا، وهو يعب عباب الحر، حتى دنا ثم سلم وجلس وأقبلت عليه بين يديه، فبدأت أستمع إليه وهو يروى ويقص وينشد، ويخرج من باب داخلا في باب، وهو خلال ذلك يتنادر على شيوخه وأصحابه ومريديه، ويحدث بكل غريبة وعجيبة ونادرة عن الأوائل وعن رجال العصر، ويروى من طرف الأخبار ما لم أسمع به ولا وقفت عليه .. حتى إذا هدأ قلت: يرحمك الله يا أبا عثمان! إني والله لفي تعب من طول ما أرحت نفسي وأرحت القلم: وما بدأت أكتب إلا وجدتني كالمغشى عليه من فرط ما يتوقف القلم، وإن في النفس من الحديث ما يعيى القلم بقليله فضلا عن كثيره، وإنك لتقول في بعض كتابك:
__________
(1) عفا: من العفو، وهو الفضل، يعني ما لم يستره البحر من أجسادهن، فكأنه تفضّل على الناظرين بما أظهره ولم يستره.
(2/872)

"وينبغي لمن كتب. . . أن يعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعترى المؤدِّب عند ضربه وعقابه. فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة! ! لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم. فما أكثر ما يبتدئ الكاتب وهو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة".
وإني والله لأعزم وأهم وأثور وتغلى المعاني في نفسي، وأحمل القلم، وآخذ مجلس الكتابة، أعد العدة، وأريد مائة سطر، فما أجاوز سطرا أو سطرين، ثم كأن القلم قد اعْتُقِل (1)، وكأن الفكر قد بطل، وكأن الذي قد كان لم يكن!
فنظر أبو عثمان، وإن الضحك لفي عينيه، ثم قال:
من زمنك أتيت -يا بني! أنكم لتعيشون -أيها الكتاب- في زمان غير زمانكم، وأن أحدكم ليحمل من قلمه عبئًا ثقيلًا، كعبء من وقع في الصحراء يضرب في أرجائها، وما يحمل فيما يحمل إلا ثيابا وزينة ومتاعا وفنونا من الحضارة. وهو كان أحوج إلى زاد يزوده، إلى تمرات في جراب وماء في إداوة (2)، وعصا يستعين بها على بعض أمره.
إنكم لفي زمن أهون شيء عليه القلم، وإن الصباح ليخرج عليكم من جنبات الأفق بشهوات كثيرة تجعل الحياة عندكم عملا في استخراج أسباب المتاع باستخراج الدينار والدرهم، وإن الليل ليظل عليكم بشهوات أخرى تجعل الحياة إفناء لعمل النهار، فإذا كان نهاركم إحياء الدينار والدرهم، وليلكم إفناء الدينار والدرهم، فأين تجد يا بني عمل القلم؟ وأين تجد من يبالى بعمل القلم؟
إذا أردت -يا بني- أن تعيش بقلمك في زمانك هذا، فاحمله حين تكتب
__________
(1) اعتقل (بالبناء للمفعول): حُبِس عن حاجته.
(2) الإداوة: إناء يحمل فيه الماء كالمزادة.
(2/873)

على أنه أداة لاستخراج الرزق من الحياة، كما يحمل صاحب الفأس فأسه لاستخراج الرزق من الأرض، أما إن حملت القلم على أنه أداة البيان، وآلة العقل، وزينة النفس، وسر الطبيعة المركبة في سر الإنسانية، فأنت والله تحفي قلمك، وإنك لتبدأ عاملا جاهدًا مشتعلا، ثم لا تلبث أن تمل، فإذا مللتَ فما أيسر أن تنطفئ.
ولتعلم -علمك الله الخير- إن فرق ما بين القلمين في هاتين الإرادتين، كالفرق بين من يحمل السيف على أنه آلة النصر غصبا وحربا، ومن يحمله احتياطا، حتى إذا وجد الدنيا تضيق بسلمه وحيلته ورفقه، فما يجد إلا أن ينصب السيف، ثم يحرر ذبابه (1) إلى قلبه ثم يتكئ عليه حتى يموت انتحارًا. فأنت إذا حملت القلم تريد البيان، ولا تريد من قلمك إلا البيان: لا تحفل رزقت به أم لم ترزق، فقد كتب عليك أن تبقي في شقاء القلم وتعبه، حتى إذا طالبتك الحياة بحاجاتها وضروراتها، فزعت وتلفت ودرت ودارت رأسك حتى تعلم أن القلم استخدمك في بيانه طائعا، وأنك لا تستطيع أن تستخدمه في أسباب الرزق طائعا ولا عاصيًا. فإذا مضيتَ على ذلك لا تبالى واحتملت شقاء الضرورة وكابدت طغيانها وأبيت إلا القلم وحده مبينا كاملا عادلا، فقد أبيت إلا أن تنتحر.
إن صاحب القلم كصاحب العقل، فإذا أبى صاحب العقل أن يخضع عقله في الحياة لبعض غرورها، وأن يجعل في عقله مكانا لحماقاتها، شقى بالنقص في حياته إذ رضى بالتمام في عقله. فإذا أبى صاحب القلم أن يتهور، في بعض ما ينخسف من أبواب الكتابة، وأن ينحط في بعض الأودية الغامضة البعيدة عن طهارة البيان الحقّ، فما بد له من أن يتهور وأن ينحط في سعير الحيرة والقلق والضيق والشقاء المريض. . .
وأنا أسألك: كيف تجدك تشقى وتعانى وتتألم، ولا تزال من فزع إلى فزع، ثم تجد القلم إذا حملته وأنت على هذا البلاء -مطيعا ريضًا سهلا سمحا
__________
(1) الذباب: حَدُّ السيف وطرفه.
(2/874)

لا يشمس (1) بعنان في يدك؟ إن القلم أداة البيان، ولكنه أداة تريد رضاها من صاحبها، فإذا أقبلت عليها وأنتَ تحمل الهم وتتكفأ به كما تتكفأ السفينة المثقلة الموقرة على ثبج الموج، لم تستقم لك نصبتها التي تجعلها أداة صالحة للعمل على صورة يعينها.
فإذا أردت -يا بني- إلا القلم النبيل الذي لا يتهور ولا ينحط، فامنع نفسك واحْفَظها وحُطْها، وتدبر لها، وترفق بها، ولا تمسك القلم إلا وقد علمت أنك قد نفيت عن نفسك الهم والخبث، ونكد الدنيا، وشقاء الحياة، وضرورة العيش، ثم اعمل له عمل المجاهد لا يبالى أن يموت، إذ نفي عن قلبه نوازع الحياة، فإذا فعلت فقد نفثت في هذا القلم المعطل روح السمو التي لا يمكن أن تنزل، وإن القلم يومئذ لهو أطوع لك من الحبيبة في هوى من يحبها، إذا أفضت الروح إلى الروح، وبقى الجزء الأرضي في أوحاله أسيرا ممنوعا مكفوفا عن عمل الشر الذي هو طبيعته وسر طبيعته.
إن القلم الأحمق الذي لا عقل له هو القلم المرزوق -يا بني- وإن الأقلام أشبه بأزمانها منها بأصحابها، وإن زمنكم. . .
ثم انتفضت جالسا إذ خيل إلى أن قنبلة تكاد تسقط علينا من السماء في أزيز الطائرات.
__________
(1) يشمس: يجمح، وأصله في الفَرَس.
(2/875)

اللغة والمجتمع
أدق تعريف للغة وأوجزه. فيما أعلم، هو ما جاء في كتاب الخصائص لابن جنى من أنها: "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"، وهو على إيجازه مغن عن التفصيل، ومصيب حد المقطع في الخلاف، ومساير لمدارج اللغات منذ نشأتها الأولى إلى أن صارت أوضاعًا محفوظة يقاس عليها. ففيه تحديد الصوت، وهو أصل الكلام المنطوى كله، وفيه ذكر الجماعة، وهم القوم الذين يتفاهمون بينهم بهذه الأصوات المختلفة، وفيه ذكر الأغراض، وهي حاجات المجتمع الذي يتفاهم بتلك الأصوات المعينة وهذه هي حقيقة كل لغة في كل زمان وفي كل مكان وبين كل جماعة.
ولما كانت أداة الصوت، وهي الحلق واللسان وما يكتنفهما، هي بطبيعتها مختلفة في الناس على تباينهم منذ كان الناس، وكانت الأعراض والعلل التي تلحقها تزيد الاختلاف كثرة وشدة، كانت الأصوات المعبرة عن الأغراض عرضة للتباين والاختلاف أيضًا. ولا مراء في أن الحلق واللسان وعملهما في النطق خاضعة لقانون طبيعي كالقانون الذي اكتشفه الإنسان وأصدر عنه أكثر آلات الموسيقى على اختلاف تركيبها، وعرف بذلك كيف يبتدع الأصوات ويقلدها ويفسد منها ويصلح.
وكذلك الجماعات أيضًا خاضعة لقانون -أو قوانين كثيرة- تجعل لكل جماعة دستورًا أو دساتير تجري عليه في كل شأن من شؤونها، وتفضى بها إلى غايات أو نتائج لا محيص عنها. وهذه القوانين تنشيء من الأغراض -أو تنشأ هي من الأغراض- ما تصبح به الجماعة فئة ذات حضارة مدنية على اختلاف الدرجات.
فمن أجل ذلك كان لابد للغة من قوانين تسير بها وتتغير على قواعدها طبقا لما يلحق أداة التعبير نفسها من التغير والتباين، وبحسب ما تخضع له الجماعة من
__________
(*) مجلة الكِتاب، المجلد الثاني، سنة 1946، ص: 310 - 313
(2/876)

تطور إلى علو أو سفل، وتبعًا للأغراض التي تقتضيها طبيعة التبدل التي هي سنة من سنن الله في الحضارات والمدنيات. ومن أجل ذلك نشأ علم جديد يبحث عن هذه القوانين التي تشمل طبائع الألسنة المختلفة في العصور المتطاولة، وهو الذي في شأنه ألف الدكتور وافي كتابه "اللغة والمجتمع".
ولا شك أن علماء العربية القدماء لم يؤلفوا في هذا الباب كتبًا قائمة برأسها. وليس معنى هذا أنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا من هذه القوانين التي انتهى إليها بحث المحدَثين. كلا، بل كان في كتبهم ما يدل على أنهم ألموا بأطراف من هذه القوانين وساروا في بعض أبحاثهم سيرة من يدرك حق الإدراك طبيعة تلك القوانين ومقتضياتها. ولكن كل ذلك من عملهم كان شيئًا مبعثرًا في كتبهم وفي مطاوى كلامهم، ولم ينتهوا إلى إفراده بالتأليف على النسق الذي انتهى إليه المحدَثون، وتركوا لمن يأتي بعدهم جهد الإبداع فيما أشاروا إليه أو ألموا به، وكان من أعظم من تعاطى القول في بعض ذلك في تضاعيف كلامه، فيما أعلم، الجاحظ أولا، ثم أبو علي الفارسى، ثم تلميذه إمام العربية أبو الفتح بن جنى، في كتاب "الخصائص"، وفي كتاب "سر صناعة الإعراب"، وفي كتاب "المحتسب في شواذ القراءات" بيد أن انتثار القول هنا وهنا يجعلنا نقضى بأنه لم يكن عندهم "علمًا" ولا "فنًّا"، بل كان بابًا من المعرفة غير مضبوط ولا محصور ولا مترابط.
أما العلماء المحدثون -من غير أهل اللسان العربي- فقد تدارسوا ما يختلف على اللغات أو أكثرها من تغير وتبدل على مدى عصور متطاولة، فانتهوا إلى شيء كثير من هذه القوانين التي يخضع لها اللسان في أمم كثيرة، وصارت اللغات عندهم ظاهرة من الظواهر الطبيعية تدرس على حدتها، دراسة استقصاء للأطوار التي مرت على مفرداتها ونحوها وإعرابها وبيانها. أما عندنا في العربية فقل ما ألف من الكتب فيها وندر من شغل نفسه بتتبع مثله في مدارج العربية من أول أمرها إلى يومنا هذا. ولعل رجلا أو رجالا لو تتبعوا ذلك في بلاد العرب كلها أن يهتدوا إلى كثير من وافى هذا الفن فيسدوا بذلك إلى العربية في العصر الحاضر خيرًا كثيرا في
(2/877)

إصلاح تعليمها، وتيسيرها على أهل العصر، وتبسيطها لهم حتى يدرك منها الرجل من عامة الناس ما لا يزال يجد العوائق دونه جمة مستعصية.
وقد أراد الدكتور وافي بكتابه "اللغة والمجتمع" أن ينقل إلى العربية صفوة ما انتهى إليه الرأي في شأن القوانين التي تسير عليها لغات الأرض قاطبة من حيث هي إحدى الظواهر الاجتماعية على اختلاف ألسنة البشر والناطقين بها. وقد قسم دراسته هذه ثلاثة أقسام: الفصل الأول في تطور اللغة وارتقائها. والفصل الثاني في صراع اللغات بعضها مع بعض. والفصل الثالث في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
ففي الفصل الأول طوى المؤلف جمهرة العوامل والمؤثرات التي تعمل في تطور اللغة من حالة إلى حالة أعلى أو أسفل، وهذا الفصل هو أهم الفصول في أمر اللغة ففيه تكمن العوامل الاجتماعية والأدبية والطبيعية واللغوية التي كان لها أكبر شأن في تحول اللغات من لهجة إلى لهجة، ومن أسلوب إلى أسلوب، ومن لغة إلى لغة. ودراسة أسرار هذه العوامل ودراسة آثارها بعد الاستقصاء والتحقيق، لها خطر أي خطر -لا في معرفة التطور اللغوي وحده، بل أيضًا في استخراج أشياء من اللغة نفسها بعد تطورها تتيح للباحث أن يقف على أحوال الشعب الذي كان يتكلم بها، من حيث الحضارة والثقافة والأدب، والأخلاق، وسائر أسباب مدنيته، وتكشف له الغطاء عن علاقاته بالأمم التي جاورته أو احتلته أو عقدت بينه وبينها أواصر الرحم والقربى، وما كان بينهما من تبادل الثقافات والتجارات والفنون وما سواها.
فمعرفة القوانين التي تخضع لها اللغات في تطورها أمر لا غنى عنه لمن يريد أن يصور تاريخ الأمم الماضية بصور أقرب إلى الواقع. فما أكاد أرتاب في أن علم التاريخ وحده علم "قاصر" لم يلم كل الإلمام بما ينبغي أن يشتمل عليه من الحالات الاجتماعية السائدة بين الناس، والتي لها فيما أظن أكبر الأثر في حضارة الأمة، ولعل أثرها في ذلك أعظم وأخطر من أثر الأحداث التي عنيت أكثر كتب التاريخ بجمعها واستيعابها.
(2/878)

وقد أتى في هذا الباب طرف مما يتعلق بآثار هذه القوانين في اللغة العربية، غير أنه جاء عرضًا ومن ناحية الاستدلال وحده على صحة القانون الشامل لسائر اللغات. وأظنه يكون أجدر بالأستاذ أن يفرد لمثل هذا الشأن كتابًا يتَّبَّع فيه العربية ولهجاتها واختلافها على العصور وفي البلدان المتباينة. وذلك لأن إدراك ذلك في اللغة التي يعرفها القارئ أتمَّ معرفة، يكون أقرب وأسهل منه في لغة أجنبية عنه، قلما يتاح له أن ينفذ إلى تاريخ ألفاظها نفاذًا يعينه على حسن فهم الموضوع الذي يعالجه المؤلف. وليس في الذي أقول غض من شأن الكتاب في ذاته، بل هو نقص في المكتبة العربية نحب أن يسده من كان أهلًا له وقائمًا به. وقد رأيت الدكتور وافي حسن التهدِّى إلى أشياء من ذلك في كتابه، فلذلك أحببت له وللعربية أن يتولى تأليف كتاب يغني القارئ العربي عن كثير من فضول القول في لغات لا يسهل عليه أن يضطلع بعبئها مستقلًّا، والفائدة التي تهدى إليه من مثل ذلك خليقة أن تحفز الهمة إلى إنجازه.
أما الفصل الثاني وهو صراع اللغات، من ناحية نزوح العناصر الأجنبية إلى بلاد فيها لغة قائمة، ومن ناحية تجاور الشعوب المختلفة الألسنة، ومن ناحية العلاقات التجارية والثقافية والأدبية، فهو أقرب إلى دراسة تاريخ اللغات وما كان من أمرها بين الحياة والموت وبين الغلبة والهزيمة، وكيف يتم أحد هذين الأمرين للغة على أخرى، وما هي الأسباب المفضية إلى هذه العاقبة. ومعظم هذه الأسباب كما قال المؤلف نفسهُ تردّ في أخراها إلى العوامل الاجتماعية التي عالج بحثها في الفصل الأول، بل هي في الحقيقة شيء لا مفر منه في العالم الاجتماعي كله.
وأما الفصل الثالث: وهو تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات، فهو عندي من أقوم فصول الكتاب. ولو كنت مؤلفًا في مثل ذلك لبدأت بهذا الباب أو بأكثره، لأن اللغة الواحدة تتشعب من أول نشأتها إلى شُعَب من اللهجات قبل أن يلحقها التطور اللغوي الذي بينه المؤلف في أول كتابه. فعندئذ تتشعب مرة أخرى بعامل من العوامل الكثيرة التي تصطلح عليها حتى تستقل لهجة عن لهجة فتصير إحداهما لغة ثانية. والقوانين التي تخضع لها اللغة في انشعابها إلى لهجات
(2/879)

هي أصل القوانين التي تخضع لها في انشعابها في لغات، وهي أشبه شبهًا بالقوانين التي تفضي إلى تطورها وارتقائها أو انتكاسها. والمؤلف فيما أظن كان عارفًا بذلك كل المعرفة، لأنه قدم في أول هذا الفصل ما يفهم وأنه كالملحق بالفصل الأول، وجاء في أثناء كلامه ما يجعل الشبه بين الفصلين أقرب ما يكون. ولعل الذي دعاه إلى تقديم الأول وتأخير الثالث خطر التطور اللغوى في تاريخ الألسنة، وخفاء شأنه في انشعاب اللهجات. وهذا رأي، ولكني أميل إلى الذي قلتُ به.
هذا عرض الكتاب، رأيت أن أقتصر فيه على هذا القدر. بيد أنى رأيت المؤلف كان يقف من بعض الآراء التي ينسبها إلى أهلها موقف البصير المتعقب، فكان في أكثر الأحيان موفقًا غاية التوفيق، وكان في أحيان قليلة يميل به كرم طبيعته ترجيح رأي قال به عالم كانت بينه وبينه مودة سابقة، أو لعلى مخطئ، فيكون هو من صاحبه أنفذ بصرًا وأهدى فهمًا في حقيقة ما كان يقول به، غير أنه في حجاجه كان مبينًا كل الإبانة عن حقيقة رأيه.
وبقي في الكتاب أشياء كثيرة أخرى لم نتعرض لها بالنقد ولا بالتوضيح، لأن ذلك يقتضيني أن أكتب فيها كلامًا قائمًا بنفسه، فإن موضوع اللغة متشعب تشعبًا يجعل المرءَ أمضى قلمًا في باب التوسع، فلذلك آثرت أن أطوى ذكرها حتى يحين حينها، ونعود إلى بقية آراء المؤلف في سائر كتبه الأخرى، ليكون الموضوع أملأ بالرأي وأَقْوَم بالحجة.
هذا، ولابد لقارئ الكتاب من أن ينتهي إلى رأي لا محيص عنه: هو أنه لابد من دراسة اللهجات العامية في البلاد العربية كلها دراسة تبويب وتقسيم وفهم، ولابد من رد كل طارئ على هذه اللهجات إلى الأصول القديمة التي لا تزال باقية متوارثة في سلائق الشعوب التي تنطق بالعربية إلى يوم الناس هذا، وأن نجعل أكبر همنا أن ننتهي إلى معرفة هذه السلائق المشتركة بين العرب على اختلافهم. فإذا وقفنا على ذلك وعرفناه تمام المعرفة، تيسر لنا أن نَنمِّى هذه السلائق، وأن نعلمها العربية على هدى من قوانينها الثابتة، وبذلك تجري العربية
(2/880)

يسيرة سهلة على الألسنة، ونصير في مندوحة عن الخضوع للقوانين التي جعلت اللغة العربية الأولى تنشعب في ميادين المحادثة إلى لهجات متباينة، على الرغم من الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل صيانتها والاحتفاظ بوحدتها ومحاربة ما يطرأ عليها من لحن وخطأ وتحريف (كما قال المؤلف في ص 132). بل نقلب الأمر، ونجعل هذه القوانين خاضعة لسيطرة علماء العربية في تيسير أمرها على متعلميها من أهل اللسان العربي والسليقة العربية. وكفي بهذا غرضًا تبذل في سبيله كرائم الجهود والآراء.
(2/881)

أوطانَ
في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وأوائل القرن العشرين، كانت العربية قد بلغت من الانحلال على ألسنة أهلها مبلغًا ليس بعده إلا موت اللغة واندثارها بتةً واحدةً، لولا كتاب واحد كان كالديدبان على مصير هذه اللغة ومصير أهلها -هو القرآن، إذ كانت في كل بلد عربي لهجة عامية تختلف عن عامية أخيه، بيد أن القرآن ظل هو اللغة المشتركة التي يتفاهم بها هذا الجيل المختلط من العرب، وظلت لغته هي الرباط الوثيق الذي يمنع هذه الأمة العربية من أن تنتشر وتتفرق وتنقطع بينها أسباب التفاهم.
وفي هذا العصر نفسه كان الشعر العربي، في هذه البلاد المختلفة والأوطان المتباعدة، خليطًا عجيبًا من الركاكة والعبث بالألفاظ وبالمعاني وبالعقول، فكان مصيره أيضًا إلى الاندثار، لولا رجل فرد جاء كالقدر الغالب لينقذ الشعر العربي من أن يصير رِمَّة بالية في تاريخ الأدب، هو محمود سامى البارودى الذي نشأ على سليقة العرب الأوائل، فطرح الركاكة واللهو بالألفاظ، وانتحى الجزالة وقوة الأسر في العبارة في شعره، أو في التعبير عن حقيقة ما يدور في نفسه "هو" من المعاني التي يحس بها إحساس الشاعر، وإن كان يسلك أحيانًا طريق تقليد القدماء فيما لم يحس به ولم يعرفه، كبكاء الديار والأطلال ما إليه من خصائص شعراء الجاهلية وصدر الإسلام. فكانت نشأة البارودى في ذلك العصر إحياء للعربية وللشعر العربي لم نقدره إلى اليوم حق قدره. فلولا كتاب الله، ثم لولا ما شاء الله من هداية البارودى الشاعر إلى حقيقة نفسه وإلى حقيقة الشعر، لما صارت العربية إلى الذي صارت إليه اليوم، حتى لو بعث الجاحظ، وبيننا وبينه أكثر من عشرة قرون ومئتى سنة، لما أعجزه أن يفهم عن العقاد والمازنى وطه حسين من كتاب هذا اليوم، وعن محمود حسن إسماعيل وعلى طه من شعرائنا المعاصرين.
__________
(*) مجلة الكِتاب، المجلد 4، سنة 1947، ص: 1566 - 1587
(2/882)

وفي هذا العصر نفسه، بلغت فورة الاستعمار الأوربى ذروتها، وغمرت الشرق والغرب العربي أمواج طاغية متدافعة من البغي والعدوان والعصبية الفاجرة، وأصبح العرب من أطراف مراكش إلى أقاصى العراق غرقى في لجج الاستعمار الأجنبى، ثم لا يجدون شيئًا يتشبثون به إلا الإيمان، وإلا أنهم قوم بُغِى عليهم و"على الباغى تدور الدوائر"! أي أنهم كانوا مستسلمين لعقوبة القدر التي نزلت بهم، وكان مع الاستسلام الذهول والتشتت والحيرة والضلال عن الطريق السوى، طريق الحرية.
وفي هذا العصر أيضًا ولد رجلان قدر لاسمهما أن يكونا أعلى الأسماء في شعراء مصر والبلاد العربية، هما شوقى وحافظ، ولد أولهما في سنة 1868 وولد الثاني في نحو من سنة 1871، أي قبيل اليوم المشئوم في تاريخ وادي النيل وتاريخ العرب قاطبة، إذ تم للغزاة البريطانيين أن يطؤوا ببطشهم أرض القاهرة في 14 سبتمبر سنة 1882. فنشأ الرجلان في حقبة من الدهر كان البلاء فيها محيطًا بالأرض التي ولدا فيها وبسائر بلاد العربية. وكان البارودى يومئذ قد نفي إلى جزيرة سيلان بعد أن استسلم للغزاة كما استسلم إخوانه من رجال الثورة العرابية، وخلا بِغَيْبَتِه ميدان الجهاد من شاعر يؤرث أحقاد أمته على الغزاة، أو يرفع لعينيها أهدافًا نبيلة سامية تندفع إلى بلوغها، أو يملأ قلوبها أشواقًا إلى التحرر من طغيان الغزاة وغطرستهم واستبدادهم.
وقد فُتِن هذان الشابان بالشعر منذ حداثتهما وطلبا أن يكونا شاعرين مذكورين كما كان إمامهما البارودى، فإن البارودى كان قد حطم ذلك الوهم الراسخ الذي لم يزل يملأ قلوب الشعراء هيبة تحجم بهم عن الطمع في بلوغ مرتبة الأوائل القدماء في الشعر: من قِبَلِ لغته وجزالتها، ومعانيه وجدّتها، وأغراضه وحداثتها. فأرهف هذا المثل الحي إحساس الشابين، فانطلقَا يطلبان الشعر من معادنه الأولى كما فعل البارودى: طلباه من دواوين شعراء الجاهلية وصدر الإسلام إلى ما وراء العصر العباسى. وتم لهما ما أرادا، فأجادا اللغة وتتبعا ألفاظها، وحرصا على اختيار جيد الكلام واحتذاء مِثَاله في أغراض عصرهما،
(2/883)

حتى صارا شاعرين لا تنزل ديباجة كثير من كلامهما عن ديباجة شعر العصر العباسى، ولكنهما وقعا في أشد مما وقع فيه البارودى، فكانا كثيرًا ما يقلدان شعراء هذا العصر في نهج شعرهما، وفيما لم يحسا به، وفيما لم يعرفاه على وجهه من تاريخ تلك الحقبة من حضارة الدولة العربية، فصارا يستعيران من كلامهم وأسلوبهم ما ليس يغني شيئًا في مثل عصرهما، وإن شئت فقل: ما ليس له معنى في هذا العصر.
ولما استقاد لهما الكلام العربي السليم، نظرا فأبصرا سبعين مليونًا من العرب يرسفون في أغلال الاستعمار الأوربى، ومن ورائهم خمسون مليونًا ومئتا مليون مسلم من أهل القرآن يرسفون في هذه الأغلال أيضًا، وفي أغلال مثلها من الجهل والتفرق والتنابذ والتدابر والعصبية الجاهلية. ثم تلفتا فإذا مجد باذخ عريق كان لأسلاف هذه الأمة من خلق الله، ولأوطانها التي تعيش فيها -مجد يضرب بجذوره إلى آلاف من السنين في مصر والشام وبلاد العرب والعراق وتونس ومراكش والجزائر وتركيا وفارس والهند وما والاها. ولم يلبثا أن سمعا صوت جمال الدين الأفغانى، وهو يدور في أرجاء الدنيا ليوقظ هؤلاء المسلمين من غفواتهم، ويحملهم على فضّ تلك الآصار التي ضربت عليهم. ثم لم يلبثا أن سمعا الصيحة الأولى في أرض مصر والسودان- صيحة الجهاد والتحرير التي انبعثت من قلب الفتى مصطفى كامل في نحو سنة 1890، ورددتها جنبات الوادي، واستيقظ على رَوْعتها ذلك الجيل المستسلم بعد فُجَاءَة الاحتلال. فانتبه هذان الشابان وتسمَّعا، فإذا صيحات أُخَر تدوى في نواحي الأرض العربية والأرض الإسلامية كلها، داعية إلى التحرر من ضراوة الاستعمار الأوربى، ومن البطش التركى، ومن الجهل المستبد الجاثم على هذه الشعوب، ومن الخوف الذي يقبض الهمم ويُغلُّ النفوس. وإذن فقد نشأ هذان الشاعران في زمن كل ما فيه يدعو الشاعر إلى أداء الفَرْض الأول على أبناء الوطن، وهو الجهاد، فماذا كان من أمرهما؟
(2/884)

كان من البديهي أن ينبعث هذان الشاعران إلى باب من الشعر حقيق بأن يسقط عنهما عبء الجهاد العسير في السياسة أو في الثورة أو في الجماعات السرية التي تعمل لاستنقاذ الوطن الأصغر وهو مصر والسودان، وتحرير الوطن الأكبر وهو ديار العروبة والإسلام، كما فعل رجال كالأفغانى وتلاميذه ومن جاء بعدهم. وهذا الباب من الشعر هو الذي يؤثر الكتاب أن يسموه الشعر الوطنى أو الشعر القومى. وقد عرف الرجلان ذلك وأراداه، وأدركا أن عليهما فرضًا وطنيًّا لابد من أدائه على وجه من الوجوه، ولذلك كثر في شعرهما ما قالاه في المناسبات الوطنية قديمها وحديثها. وليس عليك إلا أن تتصفح ديوان شوقى ثم ديوان حافظ، فتعلم أنهما شاركا مشاركة تامة في ذكر الأحداث السياسية العظيمة التي عاصراها. وكان حقًّا عليهما أن يعرفا أن هذا الضرب من الشعر إنما هو جهاد في سبيل بلادهما وفي سبيل سائر الأوطان العربية والإسلامية، وكان حقًّا عليهما أن يحرصا عليه حرصًا شديدًا، لأن الأمم العربية والإسلامية كانت يومئذ تتحرك وتغلى، وكان وطنهما مصر مُهَاجَر كل مضطهد ومأوى كل مهضوم، وكانت هي نفسها تغلى غليانًا شديدًا عميقًا لقرب عهدها بنعمة الحرية المسلوبة في سنة 1882، ولأن الغاصب كان يومئذ جبارًا متغطرسًا شديد الوطأة، لم ينشِّئْ بعد ذلك الجيلَ المستكين إليه، العاملَ على مرضاته، القانعَ بالوظيفة، الراضىَ بخسيس الجهد في خسيس الرزق.
وهذا الضرب من الشعر الوطنى الذي قصداه أو ظنا أنهما قصداه كان بلا ريب شيئًا جديدًا عليهما وعلى الشعر في زمانهما، فهل استطاعا أن يعرفا طريقهما إلى إنشاء أسلوب لهذا الشعر غير الأسلوب الذي درج عليه شعر الحماسة وشعر المناسبات.
أما "حافظ" فما أظنه فعل شيئًا ولا كان في طوقه أن يفعل شيئًا، ولذلك قصر شعره على المناسبات يقول فيها، وكان قليل المحصول من تاريخ هذه الدنيا، فاتر النفس في عالم مضطرب، مُسْتَغْرَقًا في همم صغارٍ لا تنزع به إلى ثورة ولا إلى تحريض على ثورة، وكان إلى آخر حياته حريصًا على أن يكون مكفيّ
(2/885)

الرزق، فإنه -رحمه الله- قد لقى عنتًا شديدا من ضيق ذات يده في نشأته وفي صباه وفي أكثر شبابه. ولكنه لم يخل شعره أحيانًا قليلة من إحساس وطنى يدفع الشاعر أن يقول شعرًا فيه نفحة من الوطنية، ولكنه شعر على غير نهج وإلى غير هدف، بل كان إذا جاءه القول قال. واستقر في نفسه أن ذلك حسبه من الشعر الوطنى فيما يظن ويتوهم.
وكان في حافظ عيب آخر ضلله وزاغ به عن طريق الحق، ووقع به دون الاهتداء إلى النهج الذي يكون به الشاعر صاحب شعر وطنى أو قومى، فقد كان إنسانًا مذعور القلب في غير ذعر، قليل الحمل للمشقة وتكاليفها، كثير الشكوى والتبرم من أهون شيء، فكان إذا جاءه شعر فيه شيء يخشى أن يؤخذ عليه، آثر السلامة فطواه وأبى أن ينشره، كما روى ذلك أكثر الذين عاصروه وصاحبوه، ولما نشر هذا الشعر بعد وفاته كان أفرغ من أن يخافه إنسان من عامة الناس فضلا عن شاعر من خاصة المجاهدين! ثم إن هذا الذعر في غير ذعر كان يحمله على اختيار مناسبات يقول فيها شعرًا تبرأ الوطنية منه، ولا يقوله إلا شاعر متكسب أو خائف أو مقتول إن سكت، كان يقوله وهو يعلم كما يعلم أنه لن يأتيه بخير كثير ولا قليل، ففيم كان عناؤه وكده ذهنه إذن؟ فأي شاعر اهتدى إلى الحق يخطر على باله أن تموت ملكة بريطانيا التي كان زمنها بلاء مصبوبًا على بلاده، فإذا هو يرثيها ويعزى قومها الذين غزوا بلاده وساموها الخسف، وأي خسف؟ هو الخسف الذي شهده حافظ بعينيه وأبصره بباصرتيه! ونشر هذا الرثاء الغث في يناير سنة 1901، والذي لن يسمعه أحد إلا قومه المساكين، وهو كان يعلم ذلك حق العلم، ولذلك يقول في أولها: "أعزى القوم لو سمعوا عزائي" ولو سمعوا عزاءك لفعلوا ماذا أيها الشاعر الرقيق القلب؟
ثم لما ماتت ملكة بريطانيا التي تعرف في تاريخهم باسم فكتوريا، ولى المُلْك بعدها في يناير سنة 1901 إدوارد السابع، فإذا الشاعر المصري ينبري بعد أكثر من عام فينشر في أغسطس سنة 1902، يهنئ ملك الغزاة البريطانيين بتتويجه بقصيدة مطلعها (1: 18):
(2/886)

لمحتُ من مصرَ ذاكَ التاجَ والقمرَا ... فقلتُ للشعر هذا اليوم من شعرَا
يا دولةً فوق أعلامٍ لها أسدٌ ... تَخْشَى بوادرَهُ الدُّنيا إذا زأرَا
في كلام كثير هو على غثاثته مدخول مرذول، فأي رجل هذا الذي يقول لأبناء أمته إن الدولة المحتلة لبلادكم دولة ذات بأس تخشاه الدنيا؟ وأي تثبيط هذا؟ وما الذي دفع هذا الرجل إلى أن يقول ما قال ثم يشفعه بما هو أرذل منه وأشد تثبيطًا، إذ يقول لبريطانيا:
منْ ذا يُنَاوِيكِ والأقدارُ جاريةٌ ... بما تشائين، والدُّنيا لمن قهرَا
إذا ابتسمتِ لنا، فالدهرُ مبتسمٌ ... وإن كشرتِ لنا عن نابِهِ كشرَا
ألستَ خليقًا أن تقول كما قال القائل الأول: "لا والله لا يخرج هذا الكلام من قلب سليم أبدًا"؟
ثم ندع شيئًا كثيرًا من أمثال هذا وننظر، فإذا يوم "مشئوم" آخر في تاريخ مصر يفجع الشعب المصري كله، وتتسامع به الدنيا وتقشعر له الأبدان، حتى أبدان الإنجليز أنفسهم، لشناعته وشناعة آثاره، هو يوم دنشواى الذي لم يشهد العالم يومًا أفظع منه وحشية ولا اعتداء على الإنسانية. وكانت هذه الحادثة خليقة أن تنشيء رجلا لم يقل الشعر قط فيكون شاعرًا يملأ رحاب الدنيا تفجعًا ونداء وتحريضًا على تقويض دعائم البغي والطغيان، أما إذا كان الرجل شاعرًا وطنيًا، فكانت حقيقة بأن تبعثه بعثا جديدًا فيجرِّد شعره للحرية والجهاد والمصابرة على البأساءِ والضراء، حتى يوقظ نيام قومه من غَفَلاتهم، وينفض المخاوف عن قلوبهم، ويجيش هممهم للصِّراع الذي لا تنطفيء له جمرة أو تنطفيء جذوة الحياة في أبدانهم، ولقد وقعت هذه الكارثة في 13 يونية 1906، وحافظ يومئذ في الخامسة والثلاثين من عمره، أي في فَوْرة الشباب والعزم والقوة، ودوى صوت مصطفى كامل كأنه الرعود القاصفة في السحاب العرَّاض في الليلة المظلمة، فماذا كان من أمر هذا الفتى الشاعر الوطني؟ إنه استفتح قصيدته بهذه الكلمات الرقيقة وبهذه السخرية اللطيفة التي يقول فيها (2: 20):
أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتمْ ولاءَنَا والودادَا
(2/887)

ثم لا تنس أنه يخاطب الإنجليز ويذكر لهم ولاء مصر وودادها! !
خفّضوا جيشكُمْ وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكُمْ وجوبوا البلادَا
وإذا أعوزتكُمْ ذاتُ طوقٍ ... بين تلك الرُّبَى، فصيدوا العبادَا
إنما نحنُ والحمامُ سواءُ ... لم تغادر أطواقنا الأجيادَا
ثم يطلب من الطغاة إحسان القتل إذا ضنُّوا بالعفو، وأنه لا يليق بالقوى أن يتشفى من ضعيف أسلم إليه قياده، ثم يقول:
إنّ عشرين حجّةً بعد خمسٍ ... عَلمتنا السكون مهما تمادَى!
إلى آخر ما قاله في هذه القصيدة، وهو كلام لا غناء فيه ولا يمكن أن يعد في جيد الشعر الوطني، فإن فيه من المغامز ما لا يقوم له شيء من عذر أو سواه، بل أكبر من ذلك كله أن هذا الفتى الشاعر لم يلبث أن نشر قصيدة أخرى في 5 أكتوبر سنة 1906 يستقبل بها اللورد كرومر عند عودته من مصيفه بعد حادثة دنشواى (2: 22) يقول في مطلعها إنه لا يريد بها شيئًا أكثر من أن يعاتب اللورد ويقول له "علمتنا معنى الحياة"، ثم لا يزال يفيض في كلام رقيق سهل حتى يقول له ويذكر ولاء المصريين للبريطانيين! !
رفقًا عميد الدولتين بأمّةٍ ... ضاقَ الرجاءُ بها وضاق المذهبُ
رفقًا عميد الدولتين بأمّةٍ ... ليست بغير ولائِها تتعذّبُ
كن كيف شئتَ، ولا تَكِل أرواحنَا ... للمستشارِ فإن عدلَكَ أخصبُ
فاجعل شعاركَ رحمةً وموَدّةً ... إن القلوب مع الموَدّةِ تكسبُ
إنها نصائح غالية يهديها هذا الفتى الشاعر الوطنى إلى الغازى المتغطرس الذي لم تسلم من شروره زاوية في أرض مصر، لكي يكسب قلوب المصريين وينال مودتهم وإخلاصهم له ولبريطانيا، فما أعجب وما أغرب! ! ثم هل يكتفي هذا الفتى ويمسك لسانه عن القول؟ كلا بل هو يبسطه أشد البسط في أوجز قول وأخصره، يصف قومه وما هم عليه فيقول للورد العظيم:
وإذا سُئِلتَ عن الكنانة قُلْ لهم: ... هي أمّةٌ تَلهو وشعبٌ يلعَبُ
واستبقِ غفلتَها، ونمْ عنها تَنْم ... فالناسُ أَمثال الحوادث قُلَّبُ
(2/888)

"هي أمة تلهو وشعب يلعب"! لم تكن لحافظ مندوحة عن أن يقول هذا القول، فإنها عادة "سيئة" من عاداته لم يزل يرددها في شعره ما استطاع، كأنه ترك هجاء الناس ووكل بهجاء هذه الأمة، لتكون كلماته عونّا للغزاة حين تذيع وتثبت وتجري بها ألسنة الجهال والمنافقين وشذاذ الآفاق الذين نزلوا مصر مع الاحتلال البريطاني. وقد كان ذلك، فمن منا أخطأه أن يسمع هذا المثل المضروب! ! مرات كثيرة في كل مجال قول أو دفاع عن مصر؟ وأقول عادة، لأن حافظ قد أطال الطعن في هذا الشعب على غير هُدًى، فإذا كان يريد به إيقاظ النفوس، فيا سوء المسلك الذي سلك، وإلا فهو يريد الطعن وحده ولا شيء غيره. وهو في سنة 1904 قبل دنشواى يقول: (1: 256)
فما أَنت يا مصر دارَ الأريبِ ... ولا أَنتِ بالبلد الطيّبِ
يقولون في النشء خيرٌ لنا ... ولَلنَّشْءُ شرٌّ من الأجنبِي
وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ... كما قال فيها أَبو الطَيّبِ
وشعبٌ يفرُّ من الصالحات ... فرار السليم من الأجرب
أيجوز لي أن أعلّق على هذا الشعر بشيء إلا أن أقول إن حافظا نفسه كان أشد على مصر من هذا النشء الذي ذمه، وأنه ابن هذا الشعب الذي يفر من الصالحات؟ ولست أدري كيف أنتصف من هذا الرجل، فإن كل كثير في أمره قليل. وهو بهذا الكلام وأمثاله قد نفى عن نفسه خيرًا كثيرًا كان هو أحوج الناس إليه في حياته وبعد مماته.
ولست أدري أيضًا ما الذي كان يحمل حافظًا، حتى بعد أن جاوز الأربعين واستقر عيشه وصار رئيسًا للقسم الأدبى بدار الكتب، على أن يرمى بنفسه في غمار هذه الأشياء التي تجلب عليه المذمة والنقيصة، فإن كان يطلب الرزق فقد كفى الرزق، وإن كان يطلب الترقية ليزداد شيئًا إلى شيء فقد كان له سبيل غير سبيل الشعر. ويخيل إليَّ أحيانًا أن حافظًا كان أذنًا يذهب حيث يذهب به من يواليه ويلوذ بكنفه، فقد كان سعد زغلول في ذلك الحين الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وكان حافظ صديقًا له ونديمًا، ثم أعلنت الحماية على البلاد
(2/889)

وأذيلت كرامتها في 19 ديسمبر 1914، وأرسلت بريطانيا أول مندوب سام يحكم مصر تحت ظل الحماية، فخرج وكيل الجمعية التشريعية يستقبل هذا المندوب في محطة مصر يوم 9 يناير سنة 1915، وكان مما قاله سعد يومئذ على مسمع من المستقبلين: "إن دلائل الخير بادية على وجهه" وأمّل أن يجزل الله لمصر الخير على يده! ! كما نُشِر في جريدة المقطم يوم 11 يناير 1915، فلا تكاد تمضي أيام حتى ينشر حافظ في يناير 1915 قصيدته التي يقول فيها (2: 82) مخاطبًا المندوب الجديد:
أَىْ مَكْمَهُون قدمت بال ... قَصْدِ الحميد وبالرعايهْ
ماذا حملتَ لنا عن ال ... مَلك الكبير وعن (غِرايه)
أَوضِحْ لمصر الفرقَ ما ... بين السيادة والحمايَهْ
ثم يمضي على سننه في هذا الكلام الرفيق الرقيق الذي كان كأنه ترجمة شعرية للكلمة التي قالها وكيل الجمعية التشريعية، ثم يسأل العميد الجديد أن يتعهد هو وقومه أرض مصر بالرعاية، وأن يحسنوا عليها الوصاية! ! إلى أن يقول في غزاة بلاده:
أَنتم أَطباءُ الشُّعُو ... بِ وأَنبلُ الأقوام غايَهْ
أَنَّى حللتم في البلا ... دِ لكم من الإصلاحِ آيهْ
وعدلتمُ فَملكتمُ الدُّ ... نيَا وفي العدل الكفايهْ
إن تنصروا المستضعَفي ... ين فنحن أَضعفهم نِكايَهْ! !
وَاذُلّاه! فأي شيء أبقى لبريطاني أن يقوله في تسويغ احتلال مصر، وفي الدعوى العريضة التي لا تزال بريطانيا تدعيها على كل شعب وقع تحت سلطانها الباطش؟ !
ونحن قد سقنا هذا للدلالة على موضع الدَّخَل في شعر حافظ وفي عزيمة نفسه، ولو طلبنا أن نذكر شعرًا مما تكون فيه نفحة من الوطنية لوجدنا شيئًا، ولكنه إذا مُحّص وُجِد غير صحيح على التمحيص. وغير ذلك أننا لم نكتب هذا لنجمع ما قاله من الشعر مما فيه ذكر لمصر أو لما حدث فيها، بل أردنا أن نعرف
(2/890)

هل استطاع حافظ أن ينهج شعرًا في الوطنية، وأن يتخذ له أسلوبًا غير أسلوب المناسبات، وغير ترديد أسماء الأمم والأعلام والرجال من العرب الأوائل والمحدثين ممن كان لهم أثر في وطنه الأصغر خاصة أو في وطنه الأكبر عامة. فلما لم نجد لهذا الرجل نهجًا، وأعجزنا أن نجد له إلا كل ما يجعله محالا عليه أن يهتدى إلى مثل النهج الذي نطلبه، آثرنا أن نغفل ذكر شيء من شعره الذي يخيل إلى السامع أنه شعر وطني.
* * *

أما شوقى فقد برئ من هذه الآفة التي لحقت شعر حافظ، إذ خلا شعره مما يقدح في وطنية الشاعر، ومن طعن على بلاده وأوطان قومه إلا أن تكون فلتة، ومن كل ملق لا خير فيه يتملق به الغزاة البريطانيين. وبذلك سلمت له نفسه، فهل استطاعت هذه النفس الشاعرة أن تلتمس نهجًا للشعر الوطنى؟ وما الذي وفقت إليه؟ وهل أتتنا بشعر حقيق بأن يسلك في عداد الشعر الوطنى كما ينبغي أن يكون؟
كتب شوقى أول شعره في نحو سنة 1888، أي بعد الاحتلال بست سنوات، وكان قد صار إلى ما كان يتمناه وهو أن يصير "شاعر الخديو صاحب المقام الأسمى في البلاد"، كما قال في مقدمة ديوانه الأول. وكان خديو مصر في ذلك الوقت هو محمد توفيق الذي تم في عهده احتلال وادي النيل بعد انهزام جيوش عرابي وإخوانه. فليس عجيبًا إذن أن لا تجد في شعره الذي قاله في عهد توفيق شيئًا فيه ذكر ما اعتلج في نفسه من أثر هذا الاحتلال المشؤوم الذي نكبت به مصر والسودان، وهو يومئذ في نحو الخامسة عشرة من عمره -أي أنه كان فتى يعقل ويدرك ويعرف معنى الاحتلال وكان أيضًا يحفظ الشعر ويطلبه ويتهيأ له كما قال في مقدمة ديوانه الأول. وسكوت شوقى هذا السكوت المريب عن أفظع بلوى منيت بها بلاده، لم يكن إلا أنه كان منذ أول عهده يسمو ببصره إلى أن يكون "شاعر الخديو صاحب المقام الأسمى في البلاد"، فحمله هذا المطمح النبيل على أن يخفي شعوره الوطنى كل الإخفاء، أو يغفله كل الإغفال، حتى
(2/891)

لا يعوقه ذلك عن بلوغ المرتبة السامية التي يصبو إليها. فلو هو تنفَّس عن شيء لجرّ ذلك عليه غضب الخديو توفيق الذي تم الاحتلال في عهده، ولكانت عاقبة ذلك أن يقصى عن القصر وعن الحضرة الخديوية الفخيمة لا محالة. وهذا الفعل من شوقى دليل على أن نفسه كانت تؤثر المنفعة الخاصة إيثارًا يصرفها عن الأهداف النبيلة في حياة أحرار الرجال. وهذا أول مغمز يخشى معه أن يضل هذا الفتى كما ضل حافظ من قبل عن الشعر الوطني الحق.
ثم قضى توفيق نحبه في 7 يناير سنة 1892، فانقضى بموته السبب الذي كان يمنع الشاعر الفتى أن ينفث خطرات نفسه ويبث قومه أشجانه. وولى الأمر بعد توفيق الخديو عباس الثاني في 8 يناير سنة 1892. وبدأ عباس، منذ عاد من فينا إلى مصر في 16 يناير من تلك السنة، يناوئ الإنجليز ويُصِرّ على أن يستَمسك بحقوق مصر وحقوق عرشه. وكان رئيس الوزراء يومئذ هو وزير الاحتلال المشهور مصطفى فهمي باشا، فظل يعمل جاهدًا على نزع السلطان كله من يد الخديو الشاب، ووضعه في يد المعتمد البريطاني اللورد كرومر، ومضى عام، فإذا الخديو الشاب يرسل إلى مصطفى فهمي كتابًا يقيله من رئاسة الوزارة دون أن يستشير كرومر أو يطلعه على ما نواه، وذلك في 15 يناير سنة 1893. فلما بلغ الخبر كرومر استشاط غضبًا وجن جنونه وثار ثورة بريطانية، فأسرع إلى الخديو وقابله، وأصرّ على عودة وزير الاحتلال، فأصر الخديو على أن اختيار الوزراء حق من حقوقه الشرعية لا يجوز لكائن من كان أن ينازعه فيه. فأخذ كرومر يتوعده وينذره ويهدده، ولكن الخديو الشاب بقى كالطود الراسخ لا يتزلزل ولا يهاب وعيدَه ولا نُذُرَه. هكذا فعل كرومر، أما الشعب المصري فقد انبعث انبعاثًا جديدًا كان فاتحة الحركة الوطنية الخالدة في تاريخ مصر، وكان هذا الشعب يبغض مصطفى فهمي وزير الاحتلال بغضًا ليس بعده ولا قبله، ولكنه كان يطوى جوانحه على هذا البغض، فلما انتهى إليه خبر إقالته، وخبر هذه الجرأة الصريحة على كرومر الجبار المخوف، ابتهج ابتهاجًا عظيما، ولم يلبث أن سارت وفود الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى الموظفين والقضاة، ويمموا
(2/892)

شطر قصر عابدين في 18 يناير سنة 1893 لكي يؤيدوا هذا الفتى فيما فعل. وكان هذا اليوم عجبًا في تاريخ مصر، دل على أن هذا الشعب لا يغفل عن حقوقه، ولا ينام عن عدو أو صديق، وإن ظن الجاهل به أنه راضٍ ساكن قانع بما كتب له أو عليه. ومن يومئذ ظل عباس يناوئ بريطانيا وعميدها كرومر مناوأة العنيد الذي لا يهاب.
ولسنا نشك في أن شوقى "شاعر الخديو" قد استفاق يومئذ على روعة هذا العمل الذي اجترأ عليه هذا الفتى الغرير عباس الثاني، كما استفاق خلق كثير ممن أُبْلِسُوا (1) حيرةً وذهولًا بعد احتلال بلادهم في عهد سلفه توفيق. ومن يومئذ، فيما نظن، بدأ شوقي يتطلب أن يكون شعره صدى يردد صوت الأمة المصرية والأمم العربية والإسلامية التي حاق بها بلاء الاستعمار. فماذا فعل؟
في سبتمبر من سنة 1894، أي بعد هذه الحادثة بسنة، أُوفِد شوقي مندوبًا إلى المؤتمر الشرقي المنعقد في مدينة جنيف، ويومئذ قال قصيدته المشهورة. (ج 1: 1)
هَمَّتِ الفُلْكُ واحتواها الماءُ ... وحَدَاهَا بمنْ تُقِلّ الرجاءُ
وهي، كما قال هو في ديباجتها: "قصيدة تاريخية تتضمن كبار الحوادث في وادي النيل من يوم قام إلى هذه الأيام"، وفي هذه القصيدة أول شعر لشوقى تجد فيه إشارة إلى احتلال الغزاة البريطانيين لأرض وادي النيل، بعد سكوته في عهد توفيق، وذلك إذ يقول في ذكر الخديو محمد توفيق:
وغزيرِ الهُدَى من "الحمد والتو ... فيقِ" صيغت لذاته الأسماءُ
بثَّت العدْلَ راحتَاه، وعزَّتْ ... في حماهُ العلوم والعلماءُ
(إن أَتَاها فليس فيهَا ببَادٍ، ... أو جناهَا فذا الوَرَى شركاءُ)
(لا يلمْ بعضكُمْ على الخَطْبِ بعضًا، ... أيها القوم، كلّكُمْ أبرياءُ)!
ولم يصرح باسم الاحتلال بل كنى فقال: "إن أتاها. . . ." يعني الزلة المردية
__________
(1) أبلس: وقف في مكانه حائرا مترددا.
(2/893)

التي زلها توفيق بدعوة بريطانيا إلى نصرته على أبناء بلاده الذين ثاروا مطالبين بحقوقهم الدستورية. وشوقى يحفظ جميل البيت العلوى عليه، فيلتمس العذر لتوفيق بأن يشترك الشعب المصري في هذه البلوى التي حلت بهما جميعًا. ثم يذكر في آخر القصيدة عهد عباس الثاني، فإذا فيه إشارة "خفية" إلى ما كان من إقالته لوزير الاحتلال وقلة احتفاله ببطش المعتمد البريطاني، وذلك إذ يقول:
كيفَ تشقى بحبّ حِلْمِي بلادٌ ... نحنُ أسيافُها وأنت المَضَاءُ؟
وهذه القصيدة، لا أقول إنها من فاخر شعر شوقى، ولكنها كانت بدءًا جديدًا أراد به هذا الفتى أن يجلو بالشعر تاريخ وطنه، وأن يذكر الناس بماضي أسلافهم وغابر مجدهم وقديم حضاراتهم؛ وهذا بلا ريب باب من أبواب الشعر الوطنى. بيد أن شوقى لم يوفق إلى حقيقة الشعر الوطنى فكانت قصيدته هذه سردًا للأحداث التاريخية في وادي النيل، وردًّا على بعض المطاعن، وسخرية من الغزاة الذين غزوا أرض مصر، حتى إذا ما بلغ عهد توفيق اختصره في الأبيات التي ذكرناها آنفًا، وأعرض عن التصريح بذكر الاحتلال ووقعه في نفسه، ولم ينبض حرف "واحد" من شعره هذا ببغض الغزاة الذين يسومون بلاده سوء العذاب، وهو حي يدرك ويحس ويسمع ويبصر.
فأي بلاء هذا؟ شاعران تفخر بهما مصر العربية والإسلام، يضل أحدهما ضلالا مبينًا كما ذكرنا، ويضل الآخر عن الطريق الذي مهده له الخديو بجرأته وقوة جنانه معرضًا عرشه للضياع! كان شوقى رجلا طموحًا إلى أشياء بعينها أخذت عليه المسالك: أن يكون "شاعر الأمير" وأن يظل "شاعر الأمير" وإن اختلفت الأمراء، فمن أجل ذلك تراه لا يزال يخشى أن تتغير الحال بعد قليل فتتغير حاله، فيؤثر أن يمسك لسانه ولا يسترسل مع أميره هذا الجرئ. وكان هذا أول الداء العياء، هو الخوف آفة الأحرار. ومن جراء هذا الخوف القابض على جَنَانِه حار هذا الفتى الشاعر فلم يستطع هو أيضًا أن يهتدى إلى حقيقة الشعر الوطنى الصحيح ولا إلى نهجه الحق. إن أصل الشعر الوطنى هو الحماسة، أي أن تكون ثائر النفس جياش الفؤاد، فتصب ثورة نفسك في بيان يتدفق في قلوب
(2/894)

أبناء أمتك فيثيرهم ويثير أحلامهم، ويجيش همتهم، ويوقظ نائم أحقادهم، ويرفع لهم مثل الحياة الحرة الشريفة العزيزة، ويهزهم هزا إلى صراع عدوهم وإن خيف بطشه وجبروته، ويحبب إليهم احتمال الأذى ولقاء الردى، والجود بالنفس والمال والولد ونعيم العيش وراحة الحياة الدنيا، فكيف يستطيع أن يركب هذا المركب الوعر من تتعلق نفسه بلقب يحرزه ونعمة يتقلب فيها؟ !
وأنت إذا قرأت هذه القصيدة الهمزية التي ذكرناها، رأيت شوقى يتدفع فيها تدفعًا شديدًا على خلاف أكثر شعره، فقد كانت كالموج المتدفق في أسلوبها، وهذا هو الأسلوب المختار لأكثر الشعر الوطنى في أي أغراضه كان. بيد أن شوقى لم يلبث حتى هجر هذا الأسلوب نفسه واتخذ أسلوبًا آخر يناقضه تمام المناقضة، فلان شعره واسترخت قوته، وبدأ يسمو إلى أن يكون حكيم هذه الأمم يضرب الأمثال، ويأتيها بشعر فيه فلسفة وحكمة، تقليدًا للشاعر "صاحب اللواء، والسماء التي ما طاولتها في البيان سماء" وهو المتنبى، كما وصفه في مقدمة الطبعة الأولى لديوانه (ص 5 - 7). ومع ذلك لم يخرج شوقى من هذا التقليد إلا بأن يكون شاعرًا واعظًا، لا شاعرًا حكيما كما كان المتنبى وخليفته أبو العلاء المعرى، على شدة التفاوت بينهما. وأما السبب الذي من أجله عجز شوقى عن أن يكون حكيما على شدة تشبثه بهذا الوصف كما جاء في شعره، فشيء ليس هذا مكان بيانه والتدليل عليه.
ومن أعجب العجب أن شوقى الذي كان إلى سنة 1906 لا يدع شيئًا إلا قال فيه، قد اعتقل لسانه وسكن سكونًا حتى لا حراك به يوم وقعت كارثة دنشواي، فلم يقل شيئًا إلا أبياتًا من أرذل الشعر، قالها بعد عام مر على "حادثة هذه القضية في سبيل طلب العفو عن سجنائها"! كما قال في ديباجتها، وكان غاية ما قاله:
(نيرون) لو أدركتَ عهد (كرومر) ... لعرفتَ كيف تنفّذ الأحكام!
فمن شاء أن يرشدنى كيف استطاع شوقى أن يملك نفسه، فلا يذكر شيئًا عن احتلال بلاده وضياع استقلالها، وعن هذه الكارثة الوحشية التي حركت الكاتب الإيرلندى "برناردشو" -فليفعل مشكورًا. أما أنا فأرى أن القلب الذي
(2/895)

سكن فلم يتحرك ولم يتمزق على هذين البلاءين الشديدين، لا يستطيع البتة أن ينفخ الحياة في شعر يقال لينفخ الروح في شعوب موات من وطأة الاستعمار والجهل والاستعباد قديمه وحديثه. وهذا هو جوهر الشعر الوطنى والقومى.
كانت الأحداث تتوالى في الدولة العثمانية، وتوالت الأحداث أيضًا في مصر، وهبَّ مصطفى كامل كالأسد يزأر هنا وهنا حتى أيقظ الأجنَّة في أرحام أمهاتها، واضطرب أكثر العالم العربي والإسلامي، فأراد شوقى أن يكون بالمرصاد لكل ذلك، فأرصد شعره للمناسبات يقول فيها، فكانت لكل حادثة قصيدة، وألف هذه العادة إلى آخر أيام حياته، وقلده فيها جمهرة من معاصريه الشعراء، ولا يزال يعيش بيننا إلى اليوم من يقلده ويقتفي آثاره خطوة خطوة. وأمثال هذه القصائد التي تقال في فورة الأمر وعنفوانه قلما تخطئ هدفها، إذ تجد النفوس مستعدة للتلقى والاهتزاز من تلقاء نفسها، وإن كان الذي يلقى عليها كلامًا غثًّا لا غناء فيه. وشبيه بذلك ما يجده الخائف المتوجس إذ تروعه النبأة الخافتة وتنفضه نفضّا، فإذا سكن جأشه نام على هدة جبل يندك. ولو قرأت اليوم أكثر ما قاله شوقى في المناسبات الوطنية والإسلامية والعربية، فعسى أن لا تجد فيه شيئًا يثير شيئًا فيك إلا التعجب مما كنت أحسسته يوم قرأته في حينه وأوانه، وكأنما كان ذلك كله من عمل الوهم فيك لا أكثر ولا أقل. ومثل هذا ليس بنافع شيئًا في الشعر الوطنى الصحيح الذي لا يموت بموت الساعة التي قيل فيها. ولو شئت أن أضرب الأمثال بكثير من هذا الشعر لفعلت ولكنه إطالة، فمن شاء أن يلتمس وجه الحق في ذلك فليقرأ ديوانه، فهو واجد فيه تحقيق ذلك عيانًا وتجربة.
وشيء آخر أراد به شوقى أن يكون شاعرًا وطنيًّا لكل وطن من أرض العرب والإسلام، ذلك أنه عني كل العناية بدراسة تاريخ عظماء هذا الجيل العربي قديمه وحديثه وحفظ أسماء الرجال والمواقع والأحداث، وجعل ينثرها نثرًا في شعره حتى ما تكاد تخلو له قصيدة من ذكر هؤلاء الرجال كخالد بن الوليد وصلاح الدين وبنى أمية وبنى العباس وفلان وفلان. وصار الأمر عادة حتى أفرط في ذكر الأنبياء بخاصة عيسى ومحمد -عليهما السلام-، ثم ألح على أسماء الملوك الأقدمين
(2/896)

كالفراعنة والقياصرة ومن إليهم، حتى صار شعره أشبه بسجل تاريخى لقديم هذا العالم وحضاراته. وأكبر الظن أن شوقى ظل يبحث عن الشعر الوطنى فخيل إليه أن هذا الذكر المردَّدَ للأسماء كافٍ وحده في أن يجعل شعره مذكورًا في الشعر الوطنى. والحق أنه ليس كذلك، وإن كان بعضه مما يدخل هذا المدخل على ضعف شديد. وكذلك أخفق شوقى كما أخفق حافظ في التهدى إلى حقيقة الشعر الوطنى والقومى.
* * *

بيد أنه ليس من الإنصاف في شيء أن نغفل أكبر يد أسداها حافظ وشوقى إلى الأمم العربية والإسلامية. ذلك بأنهما كانا شاعرين يستجيدان الكلام، وإن أخطآ وضلا عن الصواب، وأنهما كانا رائدين لهذا الجيل العربي بعد البارودى، وأن شعرهما قد علم مئات من الكتاب والشعراء في كل نواحي البلاد العربية، وأن تلهف الناس كان على شعرهما هو الذي أغرانا جميعًا ببذل الجهود في دراسة العربية ودراسة تاريخها وآدابها، وأنهما كانا من طلائع النهضة العربية الحديثة في هذا القرن العشرين. فإن كانا قد أخطآ وضلّا، فقد أيقظا ناسًا صاروا مددًا لهذه القوة الجياشة التي سوف تدفع بلاد العرب والمسلمين إلى التحرر من ربقة الاستعمار، ومن أوزار الجهل والتشتت والفرقة، وتجمعهم يدًا واحدة لكي ينشؤوا للعالم حضارة جديدة كالتي أنشأها آباؤنا من قبل، تأنف لنفسها أن تستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.
(2/897)

رَسَائِل القُراء

(حول قصيدة القوس العذراء)
أخي الأستاذ محمد سعيد المسلم
. . . شكرًا شكرًا. وبعد، فلست أنكر ما قلت، ولا ما قال من قبل صديقي الأستاذ جمال مرسى بدر. فالذي جرى عليه العملُ -كما يقال- هو ما قلتما. أبدأ بما ختمت به رسالتك، فقد ذكرت هذا البيت (ص 173؛ مجلة الكتاب، فبراير سنة 1952).
أغثنى! أجل! باع! ماذا! أباعَ ... نعمْ باعَ! حقًّا! أجل
والعجز كما رأيت مختل الميزان، وهو عندي مختلّ المعنى أيضًا، وصوابه: "نعم باعَ! قد باعِ! حقًّا فعلْ! "
وسقطت "قد باعَ" في نقلي أنا من نسختى إلى نسخة المطبعة، لما شغلنى به البيت والأبيات قبله من كثرة "البعبعة".
أما القسم الأول من رسالتك، فيحتاج إلى إطالة في ذكر العروض والقوافي، وإلى الإفاضة في ذكر بحر الرمل، وما يطيقه وما لا يطيقه. وأختصر القول اختصارًا. فأنا لم أفعل ما أنكرته إلا في أبيات قليلة من بحر الرمل، وكان يسيرًا أن أقيمها بأهون الجهد، ولكني قبلت منذ قديم، أن أخلط في بحر الرمل بين أعاريضه وضروبه على اختلافها، وأن أنتقص بعض تفاعيله أو أزيد عليها، وأن أدخل فيها حشوًا قليلا أحيانًا. وبحر الرمل أقرب بحور الشعر كلها إلى النثر، وتستطيع أن تكتب كتابًا كاملا موزونًا على تفاعيل هذا البحر، وأنت غير متقيد بضروبه وأعاريضه، ولا بأعداد هذه الضروب والأعاريض، ثم يكون الكتاب موزونًا مقبولا في السمع، خفيفًا على اللسان حافلا بالموسيقى التي لا تنتهي.
فإن استطعت أن تجرب هذا، وأن تحاول كما حاولت أن تسيغه، فإنك
__________
(*) مجلة الكِتاب، المجلد الحادى عشر، سنة 1952. وفي الأصل: حول كتاب طبقات فحول الشعراء. وهو خطأ، فصححته لما يدل عليه فحوى المقال.
(2/898)

ستصيبُ في لين هذا البحر، وفي حسن تقلبه معك، وفي سماحته وسخائه بما لا يسخو به بحر غيره - ما تشاءُ من الروح والراحة.
فإن لم تسغه، ولم تسغ أبيات قصيدتى هذه، فاجعلها في الشعر كقصيدة عبيد بن الأبرص التي قال فيها ابن كناسة "لم أرَ أحدًا ينشد هذه القصيدة على العروض"، والتي قال فيها القدماء من شيوخنا: إنها "شعر مهزول غير مؤتلف بناء" وأنها "لكثرة ما دخلها من الزحاف كادت أن لا تكون شعرًا"، ثم عدّها شيوخ آخرون من الملحق بالسبع الطوال (المعلقات)، أو من المجمهرات. يحقّ لهم أنّ يعدوها كذلك، فهي من بارع الشعر وفاخره ولم يعبها أنها مهزولة غير مؤتلفة البناء، تكاد تخرج عن مدارج الشعر. فإذا لم تستطع أن تسيغ من قصيدتى هذا ولا ذاك، فاطرحها عنك، فما أظنك تخسر إن فعلت قليلا أو كثيرًا.
وأرجو أن لا تعدنى مجددًا أو مخترعًا في بحر من بحور الشعر، فما ذاك أردت، ولا هذا فعلت، ولكني رأيت تفاعيل هذا البحر مطيقة للحركة الشاذة، مطيقة للاحتمال. نغم لم يألفه بحرها المقيد، مطيقة للتوجه بى حيث توجهت، فامتطيتها مما شئت فأطاعتني، ولم أنكر من طاعتها شيئًا، واستوت معى على الطريق.
وعسى أن يأتي يوم أبلغ فيه مرضاتك، وأكتب في شأن هذا البحر كلامًا متصلا، حتى تعرف رأيي فيه بأسلوب علمي محضٍ، ولك مني أجزل الشكر والسلام.
(2/899)

صَدَى النقد طبقات فحول الشعراء رد على نقد (1)
أشكر أخي وابن أخي الأستاذ أحمد صقر شكرًا يخالطه عَتْب، فقد جاوز القصد في الثناء حتى أوغل في المبالغة، وكان يحسن ظني بنفس أنا إلى إساءة الظن بها أحوج. والإسراف لا خير فيه، وإذا خشيت معرّته على نفسي، فأنا منه على أخي وابن أخي أخوف. وهذا أثر الإسراف بيّن في أول نقده لكتاب "طبقات فحول الشعراء". فقد قال إني رأيت أن أكمل نقص كتاب الطبقات، بكل ما رأيته "مرويًّا عن ابن سلام من الأخبار والأشعار التي تتعلق بالشعراء الذين ذكرهم في الطبقات". إفراط شديد، ولفظ جائر. لم أقل هذا ولا بعضه، ولا أنا كتبته في مقدمتى، ولا أنا فكرت لحظة في أن أفعله. ولو فعلته لأسأت إساءة لا أغتفرها، ولا أحب لأحد أن يغتفرها.
والذي قلته في المقدمة (ص: 28 - 32) هو أنى جمعت أسانيد أبي الفرج في الأغانى إلى ابن سلام، فكانت عدتها أربعة وخمسين إسنادًا. منها ثلاثة عشر إسنادًا، أثبت نصها (28 - 30)، ليعلم من يحب أن يعلم، أنها كلها إسناد واحد في الحقيقة، يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة. فكأن مجموع أسانيد أبو الفرج اثنان وأربعون إسنادًا. وقلت إني لم أنقل شيئًا إلى الطبقات، إلا رواه أبو الفرج عن ابن سلام بإسناده عن "أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام"، وهو الإسناد الذي يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة، مختلفة اللفظ، متفقة المعنى. أما الأسانيد الباقية، وعدتها واحد وأربعون إسنادًا عن ابن سلام، وفيها علم كثير من علم ابن سلام، فلم أنقل إلى الطبقات من
__________
(*) مجلة الكِتاب، المجلد الثاني عشر، الجزء الرابع، سنة 1953، ص 513 - 522.
(1) نقد الأستاذ سيد صقر لكتاب طبقات فحول الشعراء نُشِر في مجلة الكِتاب، المجلد الثاني عشر، سنة 1953، ص 379 - 387.
(2/900)

روايتها وأخبارها شيئًا قط. وهذا واضح فيما أظن، بل أظن ظنًّا أنه يدل على أننى لا أنقل: "كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام"، لا في كتاب الأغانى ولا غيره.
وقد روى أبو الفرج في أغانيه بإسناده هذا، أو أسانيده الثلاثة عشر إن شئت، "عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام" أخبارًا كثيرة جدًّا، دلت مراجعتها على الطبقات المطبوعة والمخطوطة، على أنها ثلاثة أقسام:
الأول: أخبار موجودة بنصها في النسخ المطبوعة، وفي المخطوطة جميعًا، وهو الأكثر.
الثاني: أخبار موجودة بنصها في المخطوطة وحدها، وفي زياداتها على ما يقابلها من المطبوع، وهذا كثير. فدل هذان القسمان الكبيران جدًّا على أن ما يرويه أبو الفرج بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، مما هو روايته عن كتاب الطبقات، الذي أجاز له أبو خليفة روايته عنه، وكتب به إليه، كما صرح في بعض هذه الأسانيد. بل بما ذكرناه مما هو أصرح، عند ذكر شعراء الطبقات (المقدمة ص: 22 - 26).
وبقى القسم الثالث: وهو ما رواه بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، وهو الذي يقع في مواضع من المطبوعتين، ليس عندنا ما يقابلها من المخطوطة. ولما ثبت بالاستقراء أن القسم الأول والثاني، هو من كتاب الطبقات، لم تبق ريبة لمرتاب في أن هذا القسم الثالث هو أيضًا من كتاب الطبقات. والمخطوط قد دلّ دلالة قاطعة، على أنّ المطبوع مختصر وناقص نقصًا فاحشًا، كما دلت أيضًا مراجعة سائر ما نقل عن طبقات ابن سلام في كتب كثيرة، وكما دلّ ما نقله أستاذنا من شرح نهج البلاغة، مصرّحًا بنقله عن الطبقات وليس في المطبوع. فمن أجل ذلك نزلت هذا القسم في منازله من الكتاب، على ما بلغه ظنى واجتهادى، وكله واقع في المواضع التي ضاع ما يقابلها من المخطوطة.
وما قلته آنفًا عن الأغانى، أقول مثله عن الموشح للمرزبانى، فقد روى بأسانيد كثيرة عن ابن سلام، لم أنقل منها غير إسناد واحد هو "إبراهيم بن شهاب العطار، عن أبي خليفة، عن محمد بن سلام". وقد أكثر المرزبانى الرواية عن
(2/901)

ابن سلام، وانفرد هذا الإسناد بمطابقة المخطوط والمطبوع، كما ذكرنا آنفًا في شأن الأغانى. وطرحت رواية سائر الأسانيد غير هذا الإسناد الواحد. وبمثل هذا السياق من الاستدلال فعلت فيما جاء في أمالى الزجاجى، وما جاء في الشعر والشعراء. فبيّنٌ إذن مما أطرحت نقله من روايات أبي الفرج الكثيرة في أغانيه، وما أطرحت أيضًا من روايات المرزبانى الجمة في موشحه، أنّى لم أنقل إلى الطبقات "كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام". فأظن ظنًّا أن ما فعلته دليل قاطع، يمسك سيل الأسئلة التي ساقها الأستاذ صقر على لسان النقاد، وأنطقهم بها في مقاله.
أما سائر الكتب التي نقلت عن ابن سلام، غير هذه الأربعة، ففيها علم كثير عن ابن سلام، لم أنقل إلى الطبقات منه شيئًا. ولكنه الإسراف، زلَّ معه اللسان، وأزلنى حتى أطلت في أمر بين لمن تأمل مقدمتى فضل تأمل.
* * *

ولما أسرف ابن أخي في الثناء وفي البيان، كانت العاقبة أن فرّط في الإبانة عن حجتى في تسمية الكتاب "طبقات فحول الشعراء" لا "طبقات الشعراء". فإني ذكرت في هذا الموضع من المقدمة نصّين عن أبي الفرج أغفلهما الأستاذ في نقده. أحدهما في ترجمة المخبل السعدى، إذ يقول: "ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء". والآخر في ترجمة عبيد بن الأبرص، إذ يقول: "وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية"، فإذا ضم إليهما قول ابن سلام نفسه: "فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا"، كان بينًا لمن يستبين، أن ابن سلام لم يؤلف كتابه إلا لذكر طبقات "فحول الشعراء" في الجاهلية والإسلام، واقتصر عليهم. وكان أيضًا بينًا أنه لم يؤلفه لذكر "الشعراء" بلا وسم ولا صفة. هذا مبلغ جهدى وحجتى، وبها أتوسل إلى الأستاذ صقر أن يعذرنى، وإلى النقاد أيضًا إن استطاعوا إلى العذر سبيلا.
* * *

وللأستاذ صقر بعد ذلك رأي في الشعر، ومآخذ على ما شرحت منه.
(2/902)

1 - أخذ عليّ شرحي للبيتين الأخيرين من قول دويد بن زيد بن نهد، حين حضره الموت:
اليوم يُبنى لدويد بيتُه ... لو كان للدهر بلى أبليتُهُ
أو كان قرنى واحدًا كفيته ... يا رب نهب صالح حويتهُ
"ورب غَيْل حسن لويته ... ومعصم مخضَّب ثنيتهُ"
ولما كنت أعلم، والله أعلم، أن لكل لفظ يأتي به الشاعر دلالة على معنى، وأنه لا يسوغ لي أن أسقط بعض الألفاظ أو دلالة بعض الألفاظ، فقد شرحت الأبيات، على قدر حظى من فهم الشعر، ومن فهم لغة العرب، ومن فهم بعض طبائع البشر. ولكن رأي الأستاذ صقر أن كل ما يمكن أن يؤخذ -من البيتين الأخيرين- هو أنه يذكر شبابه ومتاعه بالنساء ذوات السواعد السمينة، أو كما قال. وللأستاذ رأيه بلا معارضة، وله أن يستعمل لفظ "كل" حيث شاء. ولكني رأيت الشاعر أغفل ذكر الساعد وأتى بالصفة "غيل"، لا لأنه أراد "السواعد السمينة"، بل لأنه أراد ساعدًا يترقرق ماء شبابه، كما يترقرق الغَيْل، وهو الماء السحّ، السهل الجرية على وجه الأرض، يتلألأ بريقه بين الشجر الملتف الناضر، وفي ظله الظليل. وإذا كان ماء شبابه كذلك، فهو ساعد ممتلئ مشرق البشرة، لم يهجّنه إسراف في "سمن"، بل هو "غيل حسن"، وهو نعت يدل على القصد والاعتدال والبراءة من الإسراف. وإذا كان كذلك فصاحبته منعّمة، لم تغذ بؤس معيشة، كفيت شقاء المهنة، وأعفيت من ممارسة العمل، وإذا كانت كذلك فلها وال شريف سرىٌّ، وخدم يحوطونها أن تمتهن. وإذا كانت كذلك فهي في نعمة من عيشها، ومنعة من أهلها وخدمها، وهم جميعًا حراس عليها. أو هذا على الأقل، هو شيمة السادة والأشراف من العرب في شأن فتياتهم ونسائهم. فليس عجيبًا إذن أن أقول: "كنى بالبيت الأول عن تجاوز الأحراس والمنعة إلى الكريمة المنعمة".
وقد غفلت في شرح البيت عن بيان معنى "لويتُه". والظاهر على مذهب الأستاذ صقر، أنه أراد أنه لوى ساعدها كما يلوى الحبل. ولكني أعجب: أي
(2/903)

متاع كان لدويد في أن يلوى "سواعد سمينة"، "لوى يده الله الذي هو غالبُه"؟ وأي لذة يجدها في أن يثنى معصما مخضَّبًا؟ وأسأل نفسي: ما فرق ما بين اللذتين: لذة ليّ السواعد السمينة، ولذة ثنى المعاصم المخضبة؟ وكيف يكون هذا اللىّ وهذا الثنى هما آخر ما يذكره من متاع شبابه حين حضره الموت؟
أما عندي، فمعنى قوله "لويته" أن الفتاة راعها إقدامه على تجاوز الأحراس بلا خوف، فعلمت شدة هيامه بها، فأعجبها إقدامه وزادها به صبابة، فلما دنا إليها "عطفت" ساعدها عليه، وضمته ضمة شوق وفتنة وإعجاب، فجاء دويد ونسب إلى نفسه أنه "عطف ساعدها أو لواه"، لأن إقدامه هو الذي استخفها، ففعلت ما لم تكن لتفعله فتاة غريرة منعمة مكرمة عفيفة مثلها. فإقدامه هو الذي زادها صبابة، وهو الذي نفى من قلبها فَرَق العذراء وحياءها، فعطفت عليه ساعدها وضمته. ذكرى جميلة مثيرة، تدل على ما كان له في شبابه من سطوة بالحرائر الغرائر. أما ليّ السواعد السمينة كما يلوى الحبل، فلا أظنه يصلح أن يكون متاعًا، ومتاعًا يتمدح بذكره شيخ يصيخ لداعى المنية.
وأما البيت الثاني: فإني رأيت أن ثنى معصم مخضب، لا يتميز شيئًا من أي معصم لم يخضب. ورأيت الحسناء تخضب، والشوهاء تخضب أيضًا، بل هي أحرصهما على الخضاب والزينة والتجمل. وظننت، والله أعلم، أن "الخضاب" لا يدخل لذة جديدة زائدة على لذة ثنى المعاصم التي لم تخضب. وظننت أيضًا أن المعصم لا يخضب، فرأيت أنه أراد المعصم المخضب الكف. وظننت أيضًا أنى أعلم أن الخضاب كان منذ قديم الآباد من زينة العرس، حتى خصُّوا به ليلة سموها "ليلة الحناء". ثم وجدتُ أن ثنى المعاصم المخضبة الأكف، كَلَىِّ السواعد السمينة، لا يصلح متاعًا يستمتع به أحد، ويذكره رجل في سياق الموت متمدحًا بما كان في شبابه. فانتهت بى الأظانين كلها إلى أنه أراد "خضاب العرس"، وإذا كان ذلك كذلك، فهو يذكر غانية حديثة العهد بالزواج، أحصنها بعلها، وكفَّ طِماحها إلى غيره. وهي في عقيب العرس أولى بأن تمهِّد لزوجها وتتقتل له وتبتغى له مما يسره منها ويرضيه. ولكن يأتي هذا
(2/904)

الشيطان، دويد، فاتكًا عارمًا فيتصبَّاها عن حليلها، ويغلبها على نفسها وعفافها، ويستثيرها إليه فتنسى البعل بتحليل، فيخلو بها، فتكون أشد من الفتاة الغريرة جرأة لأنها عرفت الأزواج، وإذا هو قد ملك هواها، وقهر إرادتها، وإذا هي "تثنى" معصمها عليه مشغوفة به، أي تطوقه ذراعها تطويقًا وإذا بينهما ما قال سحيم عبد بنى الحسحاس.
توسِّدنى كفًّا، وتثنى بمعصم ... عليّ، وتَحْوِى رجلها من ورائيا
ذكرى تشتعل في دم الشيخ الفانى، من شباب كان له عُرام وفتك لا يبالى. هذا بعض ما أخذته، لا "كل ما يؤخذ". ثم نسب أيضًا إلى نفسه أنه هو الذي ثنى معصمها، لأنها ثنته عليه، فتنة به وشغفًا، ثم سلطان له لا يقهر.
2 - وأخذ علي أيضًا شرح بيت المستوغر في ذكر بنى بنيه:
إذا ما الشيخ صمّ فلم يُناجَى ... وأودى سمعُهُ إلا ندايا
ولاعب بالعشى بنى بنيه ... كفعل الهِرِّ يَحْتَرِشُ العَظايا
فعاب إطالتي في شرح "يحترش"، وقال إن احتراش الإنسان للضب غير احتراش الهر للعظايا، وأرادنى أن أكتفي بأن أقول: "يحترش: يصطاد" وكفى المؤمنين القتال! ورحم الله المستوغر! فيم أتعبنا؟ كان حسبه أن يقول: "كفِعْل الهر يصطاد العظايا" فيستقيم الشعر، ويسقط عنا مؤونة التعب، ونقل ما في لسان العرب! ولكن المستوغر عربي قديم سليم الطبع، فاختار كلامًا -قلت إني لا أستطيع أن أسقط دلالته، وأراد معنى- قلت إني لا أطيق إغفاله. ولما كان ذلك كذلك، نقلت صفة "الاحتراش" كما كانوا يفعلونها، ولم أزعم لنفسي أن احتراش الإنسان للضب، غير احتراش العظايا، فإنه غير صحيح، إذا راقبت هرًّا وعظاء. ولم أرد بما وصفوه من "الاحتراش"، إلا ما يكون فيه من كثرة حركة الهر، ومن الإمساك والإرسال، ومن الغفلة والترقب، ومن الجثوم والقفز، ومن سرعة اليد بضربة، وفرار العظاية منها.
وإذا علم من يحب أن يعلم، أن المستوغر، يزعمون، عاش ثلاثمئة وخمسين عامًا حتى أدركه الإسلام فأسلم، فهو خليق أن يعلم أن المستوغر قد
(2/905)

عجز عن أن يفعل فِعْلَ الهِرِّ فيما وصفنا من حركته، وخليق أن يستدل أيضًا بما بدأ به في شعره من ذكر صممه وذهاب سمعه، على أنه ضعف ضعفًا مبينًا ذهب بقوته، فبلغ أرذل العمر، ونسيه الموت نسيانًا تامًّا، أو كما يقولون. ولما كان ذلك كذلك، وكان المستوغر عندئذ غير مطيق أن يفعل فعل الهر المحترش، وظننت أيضًا أن المطيق لهذه الشيطنة، هم العفاريت من بنى بنيه، أجريته على ما جرى عليه كلام العرب من "القلب"، لأنه هنا بين مفهوم من سياق الشعر، ومن صفة المستوغر وعمره، ومن بديهة الفطرة، وأظن أن الأستاذ يذكر مَثَلَهم المضروب في قلب الكلام عن وجهه وهو: "أدخلت الخاتم في إصبعى"، ومثله قول القائل:
كانت فَرِيضة ما تقول كما ... كان الزِّناء فريضة الرَّجْمِ
أي: كما كان الرجم فريضة الزناء. والفريضة: الحد المفروض عقابًا ونكالا. وقول الأخطل:
مثل القنافذ هدّاجون، قد بلغت ... نجران، أو بلغت سوءاتِهم هَجَرُ
والسوآت هي التي بلغت مدينة هجر. وهو مذهب لا يحاط به في كلامهم. ولم أفهم اعتراض أستاذنا على "لاعب"، وإيجابه أن يقال -إذا صح ما ذهبنا إليه، وهو صحيح! - "ولاعبه بالعشى بنو بنيه". فالذي أعلمه، والله أعلم، أن قولك "لاعبت الصبى" معناه: لعبت معه، وسواءٌ عندئذ أن تكون أنت البادئ باللعب وهو مستجيب، أم يكون هو البادئ وأنت مستجيب. ولو ذهبنا مذهب الأستاذ لقلنا في قول العرجى:
مثل الضفادع نَقَّاقون وحدهم ... إذا خَلَوْا، وإذا "لاقيتهم" خُرْسُ
إنهم لا يخرسون حتى يكون اللقاء منك، فإذا كان اللقاء منهم لم يخرسوا. وتصير العربية عجبًا في لغات الناس. وأما ما تبع ذلك من قوله إنه كان ينبغي عندئذ أن يقول: "يلاعبونه وودوا لو سقوه"، فيدخل فيما دخل في السابق. على أنى أرى أجود الروايتين ما ذكرته في التعليق "يفديهم وودوا لو سقوه"، أي هو عليهم بنفسه، وهم يتمنون موته بل قتله بسم يجرعونه إياه بأيديهم. أما ملاعبة الجدود التي ذكرها وظن الشعر يستقيم بها، فربما صحت في جد بلغ
(2/906)

الخمسين والستين، أما جد في أرذل العمر أعشى أصم ميت الأعضاء، فصعب أن يتصور المرء مثله ماشيًا على يديه وركبتيه، يحاور من هنا ويداور من هناك! فوق كل ذي علم عليم. هذا على أن المستوغر لم يكد يقص قصة هذا اللِّعاب حتى ختمها بما يلقى من أذاهم، وأنه لا نجاة له من شرهم إلا أن يموت موتًا مضاعفًا، فقال:
فذاك الهم ليس له دواءٌ ... سوى الموت المنطَّق بالمنايا
3 - وأرجئ ما قاله في أبيات الشماخ، وسأفرد لها كلامًا غير هذا، فإنها تحتاج إلى فضل بيان.
4 - أما تعليقه على قول اللعين المنقرى:
ويترك جِدَّه الخَطَفَى جريرٌ ... وَينْدُب حاجبًا وبنى عِقالِ
فإنه قال: "معنى يندب هنا، يجرح أعراضهم بالهجاء". ولم أجد في كتب اللغة: "ندبَ"، أو "أَنْدَب" بمعنى جرح، ولا أظنه يصح من جهة الاشتقاق. وأظن الكلمة محرفة، ولا يزال البيت متطلبًا تصحيحًا ينفع (1).
5 - أما ما عابه من شرح بيت جرير في هجائه عمر بن لجأ التيمى:
ألَّا سوانا ادَّرأتم يا بني لَجَأ ... شيئًا يقارِبُ، أو وحشًا له عُررُ
فإني قلت إن جريرًا اشتق "ادرأه من الدريئة، وهي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمى". ثم رأيت في تاج العروس مادة "درأ" ما نصه: "ادَّرأوا، وتدرّأوا: استتروا عن الشيء ليختلوهُ"، أو جعلوا دريئة للصيد والطعن. وأستاذنا ينكر هذا، ويراه بعيدًا، ولكني بعد أراه قريبًا. فإن عمر بن لجأ من شعراء تيم الرباب، كانوا قد تعرضوا لجرير بالهجاء فقال يهجوهم وبنى تيم:
__________
(1) ذكر أستاذنا -رحمه الله- (الطبعة الثانية 1: 402) أن هذه الكلمة وردت في مخطوطة م: وتثرب (غير أنها غير منقوطة) فنقطها كما رأيتَ، وهي من باب ضرب، ومعناها: وبَّخه وعيَّره بذنوبه وعاب أفعاله.
(2/907)

قد كنت أحسبُ في تيم مصانعة ... وفيهم عاقلا بعد الذي ائتمروا
تعرض التيم لي عمدًا لتهجونى ... كما تعرض لاست الخارئ الحجر
ألَّا سوانا ادرأتم يا بني لجأ ... . . . . . .
فهو يذكر تعرض شعراء تيم له، إذ جعلوه هدفًا لهجائهم، فقال لهم: هلا اتخذتهم سوانا غرضًا.
أما مسألة "لها غِرَر" التي جاءت في الأغانى والديوان، وهما مطبوعتان سقيمتان غير محققتين، فالأستاذ هي أن "الغرر الغفلة"، وأنها أحسن دلالة على ضعف عمر بن لجأ. وأن "عرر"، وهي الأذى والشر، دالة على قوة ابن لجأ، وهذا غير مراد الشاعر بلا ريب. فآثر الأولى. وأخشى أن يكون الذي أوقعه في هذا الرأي، أن شيئًا من شرح البيت سقط مني عند الطبع، وهو قولى: "والوحش: الجائع الذي لا طعام له. يعني سبعًا أو ذئبًا جائعًا جاء يتعرض لغنمهم. يقال: بات وحشًا، أي جائعًا لم يأكل شيئًا فخلا جوفه، قال حميد بن ثور في صفة ذئب:
وإن بات وَحْشًا ليلة، لم يَضِق بها ... ذراعًا، ولم يُصبح لها وَهْوَ خاشِعُ"
ومع ذلك فقد كان ينبغي أن أزيد الأمر بيانًا حتى لا يقع قارئ في مثل ما وقع فيه الأستاذ صقر، فأقول إن جريرًا كان يهجو التيم بأنهم رِعاء أذلاء، وعيرهم بذلك في شعره، يقول:
وقد يحسن التيمى عقد نِجافه ... ولم يُحْسِنوا عَقْدَ القلادة بالمُهر
والنِّجاف: جلد يشد بين بطن التيس وقضيبه فلا يقدر على السفاد. يقول: أنتم رعاء أخساء تحسنون هذا، ولا تحسنون شأن الخيل. ويقول لهم أيضًا، يذكر كلاب الرعاة وزرائبهم، وأنهم ليسوا أهل حرب، ولا أهل شرف يفدون على الملوك، ولا أهل حلبات لسابق الخيل:
وتَيْم تُماشيها الكلاب إذا عدوا ... ولم تمش تيم في ظلال الخَوافقِ
(2/908)

وتيم بأبواب الزُّروب أذلةٌ ... وما تهتدى تيمٌ لباب السرادقِ
تَمْسَح تيم قُصَّةَ التَّيْس واستَه ... ولا يمسحون الدهر غُرَّة سابِقِ
فهو إذن أراد أن يقول لهم: هلا رميتم بما تظنونه سهامًا تقتل، شيئًا مما يطيف بأغنامكم، أو ذئبًا ساغبًا جاء يعرّكم، وينزل الأذى والشر ببهائمكم. يعرض بأنهم رعاء أذلاء لا شرف لهم.
6 - أما هذه السادسة، فقول المتوكل الليثى:
إنا أناس تستنير جدودنا ... ويموت أقوام وهم أحياء
قد يعلم الأقوام غير تنحُّلٍ ... أنَّا نجوم فوقهم وسماء
فعاب قولى: "الجدود جمع جد: وهو الحظ والسعادة والغنى والعظمة، ولو أراد الأجداد والآباء لكان حسنًا"، وأنا أرجو ممن عنده نسخة من الطبقات يضرب بالقلم الأسود، على هذه الجملة الأخيرة، فهي غير حسنة، بل هي مضللة. وأشكر الأستاذ صقر أن دلنى على فسادها وإضلالها. ولكنه هو يقول: "إنه لم يرد إلا الأجداد والآباء، فهم الذين يستساغ التمدح له بإضاءة ذكرهم وسالف مآثرهم بعد دثورهم. وبذلك تصح مقابلة هذا الشطر، وبالشطر الثاني "ويموت أقوام وهم أحياء". وأما إرادة التمدح بالحظ والغنى والسعادة والعظمة، شيء لا غناء له هنا، ولا يسوغ مثله في هذا المقام، ولا يتسق ذكره مع الشطر الثاني". وهو كذلك.
ولكني أقول بل أزعم -مع الأسف- أنه عنى بهذا الشعر "أقوامًا" يهجوهم يزدريهم ويضع من شأنهم، ويقابل بين قومه وبينهم، فيقول في الشطر الأول والبيت الأول: "إنا أناس" من شأننا كذا وكذا، ويقول في الثاني: وأنتم "أقوام" نعتكم كذا وكذا، ثم يقول في الشطر الأول من البيت الثاني: وأنتم تعلمون "الأقوام" ما أذكره لكم في الشطر التالى. فقابل بين "أناس" وبين "الأقوام"، وكرر ذكر "أقوام" مرتين. فلعله أصبح واضحًا.
يقول: نحن أناس حياتنا حياة، لا يزال مجدنا وحظنا من السعادة والعظمة يُضئ ويستنير على الأيام. وفي الناس "أقوام" حياتهم موت من بعد موت،
(2/909)

لا يزال أمرهم ينطفيء بالذلة والضعة، ولا يزال ذكرهم يموت بالصغار والخمول، أنهم يعدون في الأحياء. أو كما قال ابن رعلاء الغسانى:
ليس من مات فاستراح بميْتٍ ... إنما الميْت مَيِّتُ الأحياءِ
إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرجاء
ثم يقول لهم: وأنتم أيها "الأقوام" تعلمون علما ليس بالظن -وهو شيء ولا ننتحله- أننا من فوقكم نجوم تضئ وتزهر، وأن مجدنا وحظنا من الرفعة والعظمة يظلكم بسماء تعجز المتناول. وكل ذلك تعريض بهم، وبما هم فيه من الخِسَّة والسقوط.
وقد أطلت، ولكني آثرت أن أنفي الريب من نفس من يرتاب، وأن أصحح طريقى، وطريق أخي الأستاذ صقر، وطريق القراء، في سعينا إلى طلب الحق والبيان عنه. فإن رضى أخي، فلعمرى، لقد أعجبنى رضاه، وذلك يقينى به. وحسبه من الشكر أن أجعله لي معوانًا على تدارك زلتى، وإقالة عثرتى، وتقويم ما اعوج من أمري.
(2/910)

[الاستعمار البريطاني لمصر]
كلمة ألقيت في اللجنة العليا للحزب الوطني
1 - حين دعيت إلى إلقاء هذه الكلمة بين أيديكم، كان أوّل ما فكرت فيه أن أعدّدَ أنواعَ الأخطار التي تحيط ببلادنا، والأخطارِ التي تفعَلُ في كياننا فعل السوس في العرقِ العتيق. ولست أعني مصر والسودان وحدهُمَا، بل أعني جميع بلاد الشرق، وبلاد العربِ، وبلادِ الإسلام، فنحنُ فيما أرى رقعة واحدة، لها هدفٌ واحدٌ هو الحرية، ننازلُ عدوًّا واحدًا لهُ هَدَفٌ واحدٌ، هو أن يسلبنا هذه الحرية.
2 - ولكنّى رأيتُ الأخطارَ أكْثر من أن يحاط بها في حديثٍ واحدٍ، ورأيتُها جميعًا ترتدُّ إلى زَمَنٍ بعيدٍ، ورأيتُها قد تطوّرت أطوارًا على كرّ الأيامِ. ورأيتُ المرءَ إذا رامَ أن يقسِّم هذه الأخطار الداهمة أقسامًا كثيرةً فَعَل، وإذا أبى إلّا أن يحصرَها في شيء واحد فَعَل أيضًا غير آثم ولا مجانبٍ للصوابِ. وهذا الشيء، هو الاستعمار. فالاستعمارُ خليقٌ أن يجمعَ في هذا اللفظ البرئ من اللغة كُلّ معاني الأخطار، وكُلّ خبائث الشرور التي اجتمعت في أرض الله منذ كانت هذه الأرض، فآثرتُ أن أجعلَهُ مادة هذا الحديث، لا لأنّه شئٌ حَدَث اليومَ بعد أن لم يكن بالأمسِ، بل هو كما تعلمون قديمٌ قد تطاول عليه الأَمَد، والحديثُ عن شروره قديم أيضًا منذ كانَ هذا الخبث اللَّعين. ولم تزلْ أرجاءُ الشرقِ تردّد أصداءَ الزئير العالى، زئير الأحرار في كُلّ بقعة من بقاعه، ولم تزلْ ترجّع أيضًا أناتِ المعذبين، الذين صبّ عليهم الاستعمارُ عذابًا غليظًا ونكالًا شديدًا في كل مكانٍ. ليسَ الاستعمارُ إذنْ شيئًا حديثًا كانَ بعد أن لم يكنْ من قَبْلُ، وبيدَ أنّه شيءٌ يتجدّد كُلّ يومٍ. ويتّخِذُ صورًا مستحدثةٌ مختلفة الأشكالِ: بعضُها بَشِعٌ تنكرهُ العينُ عند النظرة الأولى، وبعضُها ثقيل بغيضٌ إلى النفوسِ، ولكنّه يلحُّ إلحاحَ الذبابِ حتى ييأسَ المبتلَى به، فيعرضُ عنه تارةً ويتجشّمُه أخرى، فإذا
__________
(*) يوم الخميس 3 جمادى الأولى سنة 1368، 3 مارس سنة 1949. وهذه الكلمة لم يضع لها الأستاذ شاكر -رحمه الله- عنوانا، ولم تنشر من قبل، أخذتها من أصولها بخط يده، وجعلت عنوانهما كما ترى.
(2/911)

طال الزمن أَلفَ هذا البغيض الثقيل فلم ينكره. أما أخبث صوره وأخفاها فهو الذي يأتي القلوبَ من أضعفِ أركانها، فيتمكّن ويضربُ بعروقه، ويستفِحلُ ويتفشَّى، حتى لا يكادُ ينفِرُ منه أشدُّ الناسِ بُغْضًا للاستعمار، وأصدقهم حَمْلةً على أصحابه وطواغيته.
3 - والأخطارُ الحديثة التي يشملها لفظُ الاستعمار كثيرةٌ لا يحصرها عدٌّ، وأظهرهَا الآنَ خَطَر المطامِعِ الديمقراطية التي هَبَّتْ على الشرق كالذئابِ الضَّوارِى في كُلّ أرضٍ وفي كُلّ ميدانٍ. وَخَطَر المطامع الشيوعية التي تَتَدسَّسُ إلى كُل قلبٍ، فتلقى فيه فتنتها، وتنفث فيه سُمُومها، ومن البلاءِ أن تجدَ كثيرًا من الناس لا يزالون يؤمنون بأنهم سوفَ ينالون خيرًا كثيرًا -أو بعض الخير على الأقل- على يد الفئة الديمقراطية، وأن تجد آخرين لا يزالون يؤمنون بأن الفئة الشيوعية لا تضمر كبيرَ شرٍّ لهذه البقعة المسكينة من بلاد العرب أو بلاد الإسلام أو بلاد الشرق. وهذا الضربُ من الإيمانِ، بل هذا الضربُ من الغَفْلَة، كان منذ قديم أكبرَ مَقَاصد الاستعمار، سَعَى إليه، ولا يزال يسعى إلى الإكثارِ منه، وإلى تزيينه عند الجَمَاهير، لا عند الطبقة المثقَّفة وحسبُ. ولقد أدرَكَ الاستعمارُ ما شاءَ من هذا المقصد، فمن أجل ذلك رأيتُ أن أَصرف وجه الحديث إلى ناحية من نواحي الاستعمار، أراها أجدَرَ بالبيانِ وبالفَهْمِ، وأرى التقصير في بيانها وإفهامها لجماهير الناسِ، هو الخطر الحقيقي الكامن، وراءَ خطر الديمقراطية ووراءَ خطر الشيوعية، أو وراء خطر الاحتلال العسكري السافر، أو خطر الاحتلال الاقتصادي الملثم، بل هي مادّة كُلّ خطرٍ يتجدّد علينا إلى أن يزول الاستعمارُ عن وجه هذه الدنيا.
4 - إنّ في الاستعمارِ فضيلةً واحدةً هو أنه شيءٌ بشِعٌ بغيضٌ، لا يشُكُّ أحدٌ في سوء مغبَّته إذا مَسَّه، أو توهَّم أنه سوف يمسُّه، وأنَّه كُلُّه لا يستطيع أحدٌ أن ينبرى للدفاعِ عنْه، وأنّه خَبَثٌ سافرٌ، لم يتيسَّر لأدْهَى الناسِ أنْ يذكرَه مصرِّحا باسمه، ثم يزعمُ أنه خيرٌ من بعضِ نواحيه، أو أن يحسّنَه جَهْرَةً في عيون الناس. وإذن فالاستعمارُ مكفيُّ الشرّ من هذه الناحية، وهي فضيلةٌ تُذْكَرُ له بالخيرِ.
(2/912)

5 - نعم، لم يستطعِ المستعمرون أنفسهم حين دخلوا البلاد التي استعمروها، أن يقولوا للعالم، أوْ أن يقولوا لأهل البلاد التي ابتُلِيتْ بهم: لقد جئنا نستعمركُمْ، أو لقد جئنا نحتلّ بلادكمُ. كلّا، بل اخترعوا للتدليس على أنفسهم شيئًا سَمَّوهُ "عبءَ الرجُل الأبيض"، أنفةً من خَسَاسة مَا يرتكبون. ثم قالوا بلسان السياسة: إنّما جئنا لإنقاذ هذه البلاد من الفوضى، أو جئنا لتخليص ذلك الشعب من الجهل والفساد، أو جئنا لرفع ظُلْم المهراجات أو الباشوات أو الطبقة الحاكمة عن الشعب الفقير المضطهد، أو جئنا لترسيخ دعائم عرشٍ تزعزعه الثورات والفتن، أو جئنا لحقٌ بسيط جدًّا أو واضح جدًّا، هو الحقّ المكتسب في حماية طريق الإمبراطورية. هذا هو الأسلوب القديم الذي كان المستعمرون يعبِّرون به عن عواطفهم النبيلة، وعن الحوافز السامية التي تدفعهم إلى ارتكاب الخيراتِ واقترافها - كارهينَ أو رَاضين.
6 - كان الاستعمارُ يومئذ في أوائل أمره، وكان المستعمرون يعرفون أتم معرفة أن الشعوب التي ابتُلِيتْ بهم سوف ترى استعمارهم سافرًا كما هو، لأنه كان يأتي عقب الغزو الحربى، ولأنه كان يقوم يومئذ على الاحتلال العسكرى الطاغِى وحده. وكانوا يعلمون أنهم مهما قالوا في تسويغ هذا الاحتلالِ، ومهما زيَّنوه بهذه العواطف الرقيقة والمقاصد النبيلة، فلن يجدوا من الجيل الذي شهد قارعة الاستعمار تحلُّ به إلّا عاطفةً واحدةً، هي النفورُ من هذا المعتدى على حريته، الغاصب لبلاده، المتسلّط في أمره بقوّة السلاح والإرهاب. ويعلمون أيضًا أنّ هذا الجيلَ سوف ينطوى على نفسه صابرًا مرابطًا، يترقَّبُ الفرصة للانتقاض على من احتَلّ بلاده، ويجمَعُ الأحقادَ في قلبه على الطاغى المستبدّ، ويُوَرِّث أبناءه هذه الأحقاد.
7 - ولو أصرّ الاستعمار البريطاني -مثلا- على أن يَظلّ احتلالًا عسكريًّا مجرّدًا منذ سنة 1882، لظلَّ الناسُ يجمعون له من الأحقاد والأضغان، ما كان خليقًا أن يقوّض أركانَهُ في أقل من خمسين سنة، ولم يُغْنِ عنه يومئذ "عبْء الرجل الأبيض"، ولا سائر العواطف النبيلة التي دخل من أجلها هذه البلاد.
(2/913)

ولو ظل هذا الاستعمار سافرًا كيوم جاءَ، لظلّ الصراعُ بيننا وبينه سافرًا أيضًا، ولا انتهي إلَّا إلى أحد أمرين لا مناص منهما: إمّا أن يقضى علينا جميعًا، وإمّا أن نقضى عليه نحن جميعًا. والأمر الثاني هو الذي لا شكّ فيه، لأنه مصيرُ الاستعمار في كُلّ أرضٍ نُكبتْ به. بيد أنَ الاستعمار البريطاني -وهو رأسُ الاستعمار وحاميه في العالم كُلّه- أخبثُ من أن يظَلَّ ثابتًا على حالٍ واحدةٍ، يعلم أنّها تحشُد عليه الضغائن والأحقادَ، وتفضى به إلى هذا المصيرِ المحتوم. فماذا فَعَل؟ وكيف دبَّر وقدّر؟
8 - والإجابة على هذا السؤالِ القصيرِ من أعسَرِ الأشياء، لأنّها لا تتعلَّق بفترةٍ قصيرةٍ من الزمن، ولا بشَئ أو شيئين من أمور السياسة، بل هي تشمل أَقْصى ما تتخيَّل من الأشياء، وعلى أطولِ فترةٍ من الزمانِ، وأنا في حيرة تجعلني لا أستطيعُ أن أصوّر لكم في هذه الكلمة كُلّ ما يتمثل في صدري من أساليب الاستعمار، ولا أن أجمعها على ترتيبٍ أستحسنُه وأرضَى عَنْه. ولكني أذكر لكم أمرينِ أضمرهما الاستعمارُ البريطاني منذ وَضَع قَدَمَه في أية أرضٍ، وهُما فِعلُ الزَّمَن، وفِعْلُ الشهواتِ خيرها وشرّها. فهو يستعين بالزمن على الأمم، يطاولُها ويراوغُها، ويضربُ الضربة القاتلة ثم يسكنُ حتى تسكنَ النفوس، ثم يعودُ فيضربُ الضربة الأُخْرى ويكمن. وهكذا دواليك حتى يَصِل إلى الغاية التي ينشدها على مرّ الزمن. وهو يستعين بشهواتٍ الأفراد والجماعات على مرّ الزمن وتطوُّره، ويعطيها بقَدَر، ويحرمُها بقدَرٍ، حتى يستطيع على مرّ الزمن أيضًا أن يتحكم في توجيهها إلى الغرض الذي يَرْمِى إليه.
9 - ولقد علم الاستعمارُ منذ أول يومٍ أن الاحتلالَ العسكرى السافِر إن هو إلّا جبروتٌ يُفْرض على الناس فرضًا، ويصبُّ عليهم صَبًّا وهو إذن سئ المغبّة. فهو يرتكبه إلى حين، على أنه اضطرار وشرٌّ لا مناص منه، ثم يجهد جُهْدَه خلالَ ذلك أن ينشيء نظامًا تامًّا يكفُلُ له البقاء الثابت بغير حاجة إلى إظهار الاحتلالِ في أبغضِ صُوره وأظهرها، وهو الاحتلال العسكرى المحض، لكي يتفادّى اشمئزاز النفوس وانطواء القلوب على الأحقاد والبغضاء. وهو ينشيء هذا النظامَ على
(2/914)

مراحِلَ، وعلى أوسع نطاقٍ يتصوره الناظرون، وبأخبث الأساليب التي تخطر على النفس الإنسانية. إنه نظامٌ يتعلَّق بالسياسة، كما يتعلّقُ بأساليب الحكم وبضمائر الحاكمين، ويتعلَّقُ بالمعاملات بين الناس، كما يتعلَّقُ بأخلاق الجماعات والأفراد، ويتعلّق بأعمال الناسِ في الحياةِ من تجارة وصناعة وزراعة، كما يتعلَّقُ بأفكار الناسِ في شئون العَقْل من علم وأَدبٍ وسياسة وفنّ، ويتعلّق بمعايش الناسِ في بيوتهم ومجتمعاتهم، كما يتعلّقُ بأهوائهم وشَهَواتهم في هذه الحياة، ثم يتعلَّقُ بآثار ذلك كُلّه في تدمير شعبٍ بأسره تدميرًا منظَّمًا لا يعرف إنسانيَّةً ولا شرفًا ولا كرامة. فهذا النظام كما ترون لا ينتهي إلى أسلوب من أساليب الحكْم في البلاد، بل ينتهي إلى أبشعِ غايةٍ في هذه الدنيا -إلى جمهور مسكين تُسَلَّطُ عليه كُلّ ألوان الفساد والانحلال، يأتيها طائعًا مختارًا حينًا، وراغبًا متحمّسًا حينًا آخر، وهو لا يدرى أن ما يأتيه هو البلاءُ الأعظم والشرُّ المستطير- بل أفظَعُ من ذلك إذ يمضِى الزَّمنُ فإذا الجمهور يعدّ ذلك الشرَّ خيرًا يحرصُ على إتيانه، ويظنُّ من ينهاهُ عنه أو يزجره، هو الكاره له، وهو عدوّه الذي يبغي له الغوائل، ويرى الناصح المشفق دسيسًا عليه يريدُه أن يتأخر وهذه الدُّنْيَا من حوله كُلَّها تتقدَّم. وأنا لا أرتاب في أن الجماهير مهما فعل بها الاستعمار، لن تفتأ مخلصة في بُغْضه، ومخلصة في حبها لأوطانها -ومع ذلك فهي لا تفتأ تسيرُ أيضًا في أخفي طرق الاستعمار وأوغدِها، تسيرُ فيها لأنها طرقٌ تزيُنُها الأهواءُ والشهواتُ، فلا تبصر فيها إلّا ما تحبُّ وما تشتهي. ومن للجماهير بأن تملك أهواءها وشهواتها، وليسَ لَهَا يومئذٍ هادٍ يعصمُها من مهالك هذه الأهواء والشهوات.
10 - هذه هي الدُّروب التي سلكها الاستعمار إلى تحقيق شرور كثيرة، ثم انتهى إلى شر منها، بل إلى الشرّ الأكبر -إلى أبناء المضطهدين، وإلى سلالة المعذَّبين، وإلى فرائس الغاصبين، فإذا هم يجاهدون في أن يرفعوا عن أنفسهم وعن أبنائهم آصارَ الاستعمار، وفي أن يميطُوا عن بلادهم شرَّه وشَناعته، وفي أن يدفعوا عن أعراضهم ذُلّه وعارَه- وهمْ في الحقيقة أعوانٌ له، وهم خدمٌ لدعوته -بل هم شرٌّ من ذلك، هُمْ معاول هدْمٍ يهدم بها الاستعمارُ كيان أمّتهم وشَعبهم
(2/915)

وبلادهم، ويهدمُ أركان الحرية في كُلّ عمل وفي كل مكانٍ- ولكنهم مع كُلّ ذلك يظنُّون أنفسهم سَواعِد تبنى لا مَعَاول تهدم.
11 - وقد استطاعت أمّ الاستعمار، أم الخبائث -بريطانيا العظمى- أن تجمعَ في احتلالها لبلادنا من ألوان الخداع والتغرير والنفاق والعبث بالضمائر والنفوس ما لم تجمعه لأمة غيرنا. فمن الخيرِ لنا أن ننظر في تاريخنا إلى أساليب الاستعمار كيف كانت، وما هي الغايات التي سعى إلى إحرازها، وما هي الأحوال التي جاهد في سبيل إيجادها، حتى تيسَّر له أن يخفّف صور الاحتلال العسكرىّ الذي يملأ عليه القلوبَ نقمةً ومرارة، فذلك أحرَى أن يعصمنَا من الزلل في تفسير سياسة الاستعمار، وأن يعصمنا من طريقٍ وبيلةٍ نسيرُ فيها إلى هوَاه -عُمْيًا ونحنُ ندّعى لأنفسنا الإبصار، أو يَجْعَلُنا نخرّب بيوتنا بأيدينا ونحن نظن أننا نعمّرها. ودراسةُ هذه الأساليب هي خلاصة المحنة التي مَرَّتْ بنا، يجبُ أن نعرفها تمامَ المعرفة، ويجبُ على كُلّ منّا أن يذكرَها في كُلّ ساعةٍ وأنْ يقرأ على هُدَاها كُلّ خبرٍ، وأن يطبّق فحوَاها على كُلّ ما يرى وما يَسْمع، ويجب أيضًا أن يذيعها بين الناس في كُلّ مكانٍ، وبين كُلّ طبقة من طبقات الشعب. فهي تفسّر له ولنا هذا البلاء الذي نعيش فيه اليوم، وهي التي تقينا كل فتنة جديدة من فتن هذا الاستعمار.
12 - دخلتْ بريطانيا بلادنا غازية في سبتمبر سنة 1882، وادَّعتْ أنها جاءت لكي توطّد لنا أركانَ عرشنا، وتطفيء نار الفتنة العرابية كما يسمّونها، وزعمتْ أن بقاءها لن يطول، وأن مصيره إلى الجلاء القريب. بيد أن بريطانيا المستعمرة انتهزت الفرصة الأولى لتضرب ضربة حاسمة، فلم تمض خمسة أيام على دُخُولها حتّى ألغت الجيش المصريّ، ومزّقت البحرية المصرية، وأغلقت مصانع السلاح، وسرّحت الجنود، وجرّدتْ الضباط الصغار من رتَبهم، وقدمت كبار الضباط للمحاكمة، ووضعت الشرطة كُلَّها تحت سيطرتها المباشرة، وتتبَّعَتْ الأحرار الذين اشتركوا في الثورة، فقبضت عليهم أو شردتْهم، حتى يخلُو لَها الطريق، فلا يجدُ الشعبُ من يستجيشه إلى الانتقاض عليها. هذه هي الضربة
(2/916)

الأولى، ضربةٌ سريعةٌ تستعين بريطانيا بالزَّمن على نيل غايتها منها -وهي أن لا يكون لمصر جيش إلّا صورةٌ من الصور، وأنتم تعلمون كيف تم هذا، وإلى أي مدّى وُفِّقت بريطانيا في تحقيق غايتها إلى هذا اليوم.
13 - نظرت بريطانيا بعد دُخُولها، فإذا هي أمامَ شعبٍ هُزِم في معركةٍ كان يشتركُ فيها شِيبُه وشُبَّانه وفقيرُه وغنيُّه، وجاهِلُه وعالمه. فلا قِبَلَ لَها بأنْ تصدمَه صدمةً واحدة بإظهار الاحتلال العسكرىّ الصَّارِخ في أبغض مظاهِرِه، خشيةَ أن يثورَ بعد قليل ثورة جائحة. ولكن لابُدَّ من إضعافِ ثِقَة هذا الشعبِ بنفسه وبرجاله وبحكَّامه دون أن يجد غضاضةً مُرّةً تشمئزُّ منها النفوس، ولابُدَّ من أن يأتي ذلك على مراحِلَ، وأن تستمرَّ هذه المراحِل حتى تظفر بالسلطة كاملةً غير منقوصة. فتظاهرت بريطانيا بالعفّة عن الاستيلاء على مقاليد الحكْم كاملة، ونصحت توفيق بأن يستدِعي رجُلًا -كان منذ سنةٍ واحدٍ- فيما يعرف الناسُ جميعًا، نصيرًا لعرَابى باشا، إذ جاءَ على إثر ثورة الجيش، فتولّى الوزارة بمعونة العرابيين، وتحقّق على يديه كثيرٌ مما يريدون، وهذا الرجُل هو شريف باشا. وأرادتْ بريطانيا أنّ تختار هذا الرجل بعينه، لأن الشعب كان يعرفُه، ويعرف إخلاصَهُ لبلاده، وحبَّه لخيرها، وإشفاقَه عليها. وعلمتْ بريطانيا أنَّه لن يتردّدَ طويلًا إذا استدعِىَ في هذه المحنة الماحقة، لأنه سوفَ يظنُّ أنه مُسْتطيعٌ أن يدفعَ بعض الشرّ عن بلاده. فإذا جاءَ فمجيئُه يسكّنُ ثائرة النفوسَ الجامحة، ويجعلها تصبِر حتى تنظُر ماذا يفعل، ومجيئُه أيضًا يخفف وقع الاحتلال العسكرىّ، وسيقول الشعبُ: هذا رجُلٌ كان قريبًا إلى عرابي يتعاونُ مع الغُزَاة، إذن فلعلَّهم راحلونَ ولعلهم أرادوا بعضَ الخير كما يزعمون. ويأتي شريف في أغسطس (1) سنة 1882 ليتولّى الوزارة، معلنا في كتاب تأليفها أنّه جاءَ وغايته صيانة البلاد "ونجاحُ الوطن ماديًّا وأدبيًّا، وتعميم المعارف، ونشر لواءِ العدالة، وتوسيع نطاق
__________
(1) لابد أن يكون توليه الوزارة متأخرا عمَّا ذكر الأستاذ -رحمه الله-، لأن الاحتلال الإنجليزي لمصر تم في 14 سبتمبر 1882.
(2/917)

المبادئ الحرّة الملائمة لهيئتنا الاجتماعية والسياسية" يعني "مجلس النواب" و"الدستور".
وقد خُدِع شريفِ بنفسه وببريطانيا، فقد ظنّ أنه يستطيعُ أن يفعل شيئًا، وأضمرت بريطانيا أن تبدأ بتلويث هذا الرجل الذي كان نصيرًا لعرابي أو نصيرًا للدستور -كما يطلبه عرابي- وأستطيعُ أن أقولَ إنّ شريفًا كانتْ فيه غفلةٌ شديدةٌ، لولاها لقاوَم بريطانيا بدلًا من أن يتعاون مَعَها على يد الخديو الذي زعمت بريطانيا أنها جاءت تثبت له دعائم عرشه. وظلت بريطانيا تطوى الرجَل وتبسُطه سنة ونصف، حتّى جاءت الساعة، فإذا هي تستطيع أن تستغني عنه وأن تسقطه من حسابها جملةً واحدة. ولكنْ بعد أن تعاون مَعَها، وبعد أن ألف الشعبُ تعاونه معها، وبعد أن رَجَا الشعبُ أن تُرْفَع عنه نقمة الاحتلال على يد هذا الرجل الذي عارضَ الخديو وعارضَ عرابي، وبقي مع ذلك موضع ثقتهما في الأزمات. ففي 7 يناير سنة 1884 رفض شريف إخلاء السودان كما طلبت بريطانيا، فإذا وزير خارجية بريطانيا "جرانفيل" يرسل برقية إلى مصر هي أغرب بل أوقح برقيّةٍ في تاريخ الحياة السياسية المصرية يقول فيها: "من الضروريّ أن يتخلّى عن منصبه كل وزيرٍ أو مدير لا يسيرُ وفقًا لسياسة بريطانيا". وتؤكد البرقية أيضًا "أن حكومة جلالة الملكة -البريطانية طبعًا- واثقةٌ من أنّه إذا اقتضت الحالُ استبدال أحد الوزراء، فهناك من المصريين، سواءٌ من شغلوا منصب الوزارة، أو شغلوا مناصبَ أقل درجةً -من هُمْ على استعداد لتنفيذ الأوامر التي يصدرها إليهم الخديو، بناءً على نصائح حكومة جلالة الملكة"، استقال شريف غضبًا للسودان، ولكنه طُردَ في الحقيقة طردًا لا كرامة فيه، وخرجَ لم يَفْعَل شيئًا مما كان يرجوهُ الشعب، وخابَ رجاءُ الشعبِ في رجُلٍ من رجالاته، وبقى شريف ساكنًا لا يستطيع أن يحرّكَ سكونَ هذا الشعب المسكين، وانزوى بين جدران بيته.
14 - ويبدأ الفصلُ الثاني من المسرحية التي يرادُ بها إذلالُ الشعبِ وتوهينُ عزمه، وتبديدُ ثقته في رجاله. فيستدعى رياض باشَا إلى تأليف الوزارة، ولكنه
(2/918)

يأبَى، لا لأنه ممن يؤمنون بمقاومة الاحتلال، أو من الذين يعملون عملًا صادقًا في مقاومته، بل لأن مسألة السودان "بَغْى ظاهر لا يستره شيءٌ".
15 - ويأتي الفصل الثالث، وترى بريطانيا أن خروج شريف وإباءَ رياض، لم يُثرْ غضبة هذا الشعب الذي غاب عنه أَحرارُه وأسودُه. فتتعمَّد إذلالَه إذلالًا سافرًا لترى ما وراءه. وتأْتى بأرمنىّ خبيثٍ، ممن ابتليت بهم مصر كما ابتليت بسائر الأجانب. فيتولّى وزارة مِصْر نوبار، ويقضى في السودان بما تُرِيد بريطانيا، وتجدُ بريطانيا شعبًا ساكنًا لا يغيّر عليها ولا يثورُ. فتلقى حَبْلَ هذا الأرمنىّ على غاربه، يعيث ما شاءَ أن يعيث في وزارته من يناير سنة 1884 إلى يونية سنة 1888. ويختلفُ هذا الأرمنى مع توفيق لأسبابٍ تافهة، فيستقيل، ولا تبالى بريطانيا أن تنصر من نَصَرهَا وسار في خدمَتها. ولماذا؟ لأنها لا تأمن أن يطولَ إذلال الشعب بهذا الأرمنى، فتسوء العاقبة. ثم هي تريد ما هو أفْعَلُ من مجرّد الإذلالِ -تريد أن يشهَد الشعب المسرحية التامة التي تفقده ثقته بنفسه وبرجاله.
16 - ويبدأ الفصل الرابع. هذا الذي انتصر لشريف في مسألة إخلاء السودان ورفض الوزراة أين هو؟ لقد مضى على هذا الإخلاء أربع سنوات، لعله نَسِىَ، ولعلّه لا يرى الآن بأسًا في قبولها، ولعلَّه يظنُّ كما ظنّ شريف أنه سوف يرفع عن بلاده شيئًا من هذه الغاشية، وأن يردّ عنها بعض شرور الاحتلال، بالتعاون مع الاحتلال. وصدق حدسُ بريطانيا، فإذا رياض باشا لا يأنفُ أن يؤلف الوزارة، مغالطًا نفسه، ومغالطا عيون نَظّارة الشعب. ويظل رياض ينزلق في هَوَى بريطانيا الخفي وكيدها المسموم، ويلوّث نفسه تارة ويَغْسِلُها أُخرى، ويتورطُ في أشياء تضرُّ مصْر، فتكافئه بريطانيا بأن تأذن له في عمل يقابله يظنّ أن فيه مصلحة ظاهرة لمصر ويسمرّ يفعلُ ذلك، وتستمرّ بريطانيا في كيدها له ولشعب مصر من يونية سنة 1888 إلى مايو سنة 1891. وذلك حين جاءه الأمرُ الملزم بتعيين مستر سكوت مستشارًا قضائيًا. فينفر رياض من هذا العدوان، ويأبى ويصرُّ على الإباءِ، ثم يلين على مضضٍ، ثم يستسْلِمُ، وتكرهُ بريطانيا هذا التلكؤ، فهو كان خليقا أن يعلم كما علم شريف من قبل، أن برقية جرانفيل توجب على الوزراء وغير الوزراء أن يسمَعُوا ويطيعُوا. ولقد صبرت بريطانيا عليه ثلاث سنوات حتى
(2/919)

يتمَّ تلويثه، وإظهارُ عجزه على عيون الشعب. وقد تم لها ما أرادت وإذن فليستقل، فاستقال بعد تعيين سكوت بثلاثة أشهر، وانزوى كما انزوى شريف من قبل.
17 - لقد مضت الآن تسع سنواتٍ على هذه المسرحية التي يشهدها الشعبُ ليستكين ويخضَع. ولم تجد بريطانيا أثرا ظاهرًا لتلويث هذين الرجلين وامتهانهما، ولم تجد شعبًا ينكر إذلاله بهذا الأرمنى نوبار، وإذن فقد آن الأوان للإتيان بمصري آخر كانت بريطانيا تعلمُ أحسن العلم أنه يرضى كل الرضى بالسعى في خدمة بريطانيا العظمى مهما كلّفه هذا السَّعْى، وأنه سامع لها ومطيعٌ كما تشاء وفيما تشاءُ. ولقد كانت تستطيع أن تفرضه منذ أوّل يوم دخلت فيه مصر، ولكنّها لم تفعلْ، لأنه ذخيرةٌ ادَّخرتها حتى تتمَّ معالجة هذا الشعب وترويضَه على قبول الواقع، وبعد أن يفقدَ بعض إيمانه بجدوى المُقَاومة، وبعد أن تطمئن إلى أنّها بلغت الغايةَ في اختبارِ إرادته وثقته وعزيمته. ويبدأ الفصل الخامِسُ من المسرحية، فيؤمر مصطفى فهمي، وزير الاحتلال الأعظم، بتأليف الوزارة في 14 مايو سنة 1891. وهذا الرجل هو الذي قال فيه ملنر "إنّه أول رئيس للوزارة المصرية يشارك الإنجليز عواطفهم غير متحفّظٍ". وكانت بريطانيا تستطيع كما قلتُ أن تفرض هذا الرجل على مصر منذ أول يوم، وكانت تستطيع أن تجعل حُكْمها في مصر حُكْمًا مباشرًا على يده! نعم كانت تستطيع، ولكنّها لم تكنْ تريد، لأنها تنظر إلى المستقبل البعيد، وتهيئ لهذا المستقبل كل الأسباب والأحوال التي تؤازره على البقاء الطويل، طبقًا لما ترسمُه وما تريده.
18 - ثم حدث شيءٌ لم يكُنْ في حسبان بريطانيا، فخرج منه شيءٌ جعلها تعرف أنّها أخطأت في حسابِ هذا الشعب وفي تمييز قُوَّته وعظمته وكوامن نفسه. مات توفيق في 7 يناير سنة 1892، وفي عهد وزير الاحتلال مصطفى فهمي، وولى بعده عباس الثَّانى الشابُّ. وظلّ ساكنًا سنة كاملةً، حتى إذا مرض مصطفى فهمي في 5 يناير سنة 1893 أرسل إليه يحرّضه على الإستقالة مراعاة لصحّته، فيردّ وزير الاحتلال بأنه سيفكّر في الأمر، وأنه خير لسموّ الأمير أن
(2/920)

يستشير اللورد كرومر، فيغضب الخديو الفتى، ويرسل إليه كتابا بإقالته، ويأمرُ حسين فخرى بتأليف الوزارة في 15 يناير سنة 1893 وتتألّف الوزارة، وإذا كرومر يأتي في 17 يناير بعد يومين يحمل إلى الخديو برقيةً من وزير خارجية بريطانيا، يُعارض في تعيين فخرى باشا، وتذكر حَقّها في اختيار الوزراء طبقا لما تأمر به برقية جرانفيل. وتحدث الأَزمَة، ويعاند الخديوى ويصرُّ على حقوقه، ويشيع الخبرُ في الناس، فإذا الشعبُ كُلَّه يهبُّ هبَّةً واحدة حتى الموظَّفون، ويمضي إلى سراى عابدين وفودًا بعد وفودٍ مؤيدّة للخديوى في موقفه. ويومئذٍ استيقظت بريطانيا، ولم ترد أن تتراجع، وآثرت أن تعودَ إلى الحزمِ مَرّة أخرى، وتشبثت بإقالة وزارة فخرى باشا وسترًا لانهزامِها أمام سخط الشعب. وأرادتْ أن تترضّى الناسَ، وهي تطوى الغيظ عليهم والتربُّصَ بهم، فاستبدلتْ بفخرى باشا رياض باشَا مرّةً ثانيةً، ليمثل الفصل السادسَ من المسرحية المهلكة، وذلك في 19 يناير سنة 1893. وظلّ رياض سنة كاملة في الوزارة، وبريطانيا تتربّص. ففي 18 يناير سنة 1894 سافر الخديوى في رحلته إلى وادي حلفاء، وعرضت فرقة من الجيش المصري يتولاها بريطانى، فلاحظ بعض النقص في نظامها وتدريبها، وانتقد نظام الجيش كله، فثار كتشنر وعدّها إهانة له وللكرامة البريطانية، وثارت معه بريطانيا كلّها وطلبت الحكومة البريطانية أن يعتذر الخديوى، وخاف رياض فنصح الخديوى بالاعتذار، وقد كان، طلب رياض، ولكن الخديوى أسرّها له في نفسه، ويبسَ الثرى بينهما، فاستقال رياض.
19 - كان هذا الحادث قَتْلًا للروح التي ظهرت في الشعب عند إقالة مصطفى فهمي، وظَهَرَ له جليًّا أن الخديو أيضًا لا يستطيع شيئًا أمام هذه القوة القاهرة، وعرفت بريطانيا أثر ذلك في الشعب، فأسرعت بفرض وزارة نوبار باشا في 16 إبريل سنة 1894، ليعود لإذلال الشعب مرّة أخرى، وإرغامه على التسليم بقوة بريطانيا التي تعزلُ من تشاء، وتوَلّي من تشاء. ولم يلبث نوبار أن فَرضَ تعيين أول مستشار بريطانى لوزارة الداخلية، صارت له الكلمة العُلْيا في الوزارة وعَيَّن المفتشين الإنجليز، وكاد يلغى سلطات المديرين المصريين. وردًّا
(2/921)

على فعلة الخديوى، أنشئت المحكمة المخصوصة التي تحاكم من يتعدّى على ضباط جيش الاحتلال وجنوده. وكان ختام الفصلُ السابع من المسرحية، أن اشتدّ الخلاف بين عباس ونوبار ولكنه أبى أن يستقيل، فلجأ عبّاس إلى كرومر يحتالُ على إقالة هذا الأرمنى برغبته في إعادة مصطفى فهمي وزير الاحتلال. فاستقال نوبار في 11 نوفمبر سنة 1895.
20 - وفي اليوم التالى بدأ الفصل الأخير من هذه المسرحية، وتولّى مصطفى فهمي وزارةً تدومُ من سنة 1895 إلى سنة 1908، أي دامت أكثر من ثلاث عشرة سنةً، يشارك رئيسُها الإنجليز عواطفهم غير متحفظٍ.
ولست أشُكُّ لحظةً في أن السياسة الاستعمارية، لو أرادت أن تحكم مصر حُكْمًا مباشرًا بالاحتلال العسكريّ لفعلتْ، ولو أَرادتْ أن تفرضَ منذ دخلت وزيرًا واحدًا يقضى بقضائها كما تريد لفعلتْ أيضًا. نعم، ولكن لم يكنْ يعني بريطانيا شيء، بقدر ما يعنيها تثبيطُ قُوَى الشعب الكامنة، وترويضُه على قبول فكرةٍ واحدة، هي أنه لا خير في مصادمة الاحتلال أَو مقاومته، فلجأتْ إلى تمثيل هذه المسرحية الطويلة التي دام القسم الأول منها ثلاث عشرة سنة في تقليب الوزراءِ على أعين الشعب، ودامَ القسم الثاني ثلاث عشرة سنة أيضًا بوزير واحدٍ تأمُرُه بريطانيا فيطيعُ. وفي خلالِ ذلك تتمُّ ثلاثة أشياء -الأوَّل أنْ يَظْهر سلطانُ بريطانيا القاهر في الحُكْم، وفي الحاكمين- والثاني أن يَفْشو تحكُّم البريطانيينَ في الدَّوَاوين وفي الحياة العامة -والثالث، أَنْ يجهَلَ الشعبُ جهلًا تامًّا تَفَاصِيل ما تضمرُهُ بِرِيطانيا من خفايا سياسَتِها. وقد استطاعتْ أن تحقق ذلك كُلّه على يد كرومر، وبغفلة الرِّجالِ الذين تولّوا الحُكْم تحت سلطانها مِن المخلصين، وبخيانة الوزراء الخَوَنَة الذين راضوا أنفسهم على الطاعة المطلقة، وعلى كراهة هذا الشعبِ.
21 - ستٌّ وعشرون سنة أيها الإخوان من سنة 1882 - 1908، أمّةٌ حائرةٌ أذهلتها مفاجأة الاحتلالِ ومفاجأةُ الهزيمة، أمّةٌ أصبحت ولا جيش لها، أُمَّةٌ يعاون وزراؤها جيش الاحتلالِ، أمّة شرّد أحرارها واضطهدوا وأُبعدوا عن شَعبهم،
(2/922)

وإدارةٌ كُلُّها في يد الإنجليز، ودواوين تعمَلُ تحت سلطانهم، ورجالٌ يخدمونهم ويعاشرونهم، وأَمْوالٌ تنفق على شراء النفوس الضعيفة، ومدارسُ كلها تحت إشرافهم، كُلّ صغيرة وكبيرة مما يقرؤه الطُّلَّاب ومما يدرسونه، وكتب خاصة وضعت لخدمة الاحتلالِ من ناحية، ولإنشاء جيل من المتعلمين الجاهلين من ناحية أخرى، وصحافةٌ تحتضنها بريطانيا وغير بريطانيا من المستعمرين، تعمل وتتَّسِع وتنشر على الناس ما تريده بريطانيا أن يُنْشَر لإضعاف نفوس الناس وتثبيط عزائمهم في مقاومة الاحتلال، وشراذِمُ من الأجانب مسرّحةٌ في أرض مصر تستولى على تجارتها وصناعتها وزراعتها وسائر مصادر رِزْقها، وتسلب المصريين أموالَهم وتحتقرُهم وتفقرُهم تحت حماية الاحتلال، وحياة اجتماعية جديدةٌ تستهوى جماهير الشعب الجاهل الغافل، وآراءٌ تُذَاع فتستميل القلوب حينا وتنفّرها حينا آخر، وسلطانٌ يرهبُ ويخيفُ، ومودّة تنافق للعلماء وأصحاب الرأي فتفتنهم وتخذلهم، وأموالٌ تؤلّف القلوب النافرة، ومناصبُ تُوهب لمن يتطَّلبُ الجزاءَ أو المجد أو الشرف في بلاده المحتلة. ستّ وعشرون سنة، وذلك كُلُّه يحدث ويزداد اتساعًا على الزمن، وتظْهر آثارُه على مرّ الأيام. لماذا؟ لأنّ بريطانيا أرادتْ أن تضرب بمعاوِل اليأسِ في قلوب الذين شهدوا هزيمة بلادهم، وحضروا نكبة احتلالها. وأرادتْ أيضًا أن تطيل هذه المُدّة لكي تستطيع أن تنشيء من أهلِ مصر، ومن شباب مصر، جيلًا من المثقَّفين تريده على صورة بعينها. وأرادت أخيرًا وهو أَهَمُّ ما تريدُ: أن تجعل الشَّعْبَ يحارُ ويضطربُ وتتنازعه الأهواء والشهوات، ويضيعُ إخلاصه لبلاده في هذا الموج المتلاطم من الحياة الحديثة، ومن التدليس والتغرير ومجاذبة النوازعِ الفاسدِة، ومن اليأْس الغالِب والقُنُوط المدمِّر.
ستًّ وعشرون سنة، أرادتْ بريطانيا في خلالها أن تنشيء جيلًا من المثقَّفين اليائسين الطامعين في مناصب الدولة، يعينون غاصب بلادهم أو على الأقل يعتدلُون في عداوته. جيلٌ ينشأ من صميم مصر والسودان، لا يبغّضُه إلى الشعب ثوب الخيانة الفضّاح، الذي بغض إليه نوبار ومصطفي فهمي وأعوانهما. وتعلم
(2/923)

بريطانيا أن الزمن كفيلٌ بعد ذلك بأن يُرِيها أبناءَ مِصْر والسودان، وهم يسخرون لعبثٍ لا ينتهي بمستقبل مصر والسودان، وبمجد مصر والسودان ويريها أبناء مصر والسودان يفكرون في إصلاح مصر والسودان، وتحرر مصر والسودان ولكن على أسلوب ترضاه هي، وتؤثره هي، دون أن تَظْهر على المسرح بطغيانها وغطرستها إلّا عند الحاجة.
22 - كان هذا الجيل الجديد يتخلَّق ويجيش في رَحمِ أمّنا العظيمة -مصر والسودان، يتخلَّقُ كما تريده بريطانيا، يفكّر لبلاده ولكن بعقل بريطانى، ويحبُّ بلاده ولكن بالنظر إلى رَهْبَة بريطانيا وعظيم سلطانها، ويفهم معنى الحريّة والاستقلال، ولكنْ في حُدُودِ الحُكمْ البريطانىّ والسطوة البريطانية. هكذا أرادت بريطانيا، ولكنْ خابَ ظنُّها مرّة أُخْرى، فقد أراد الله أن ينبعث من بين هذا الجيل فتى واحدٌ: جاءَ يسعى من أعماقِ التاريخ، ويَصْرخُ من أغوار الشعب المصري، لا يرهبُ شيئًا ولا يردّهُ شيءٌ، فصرخ في الوادي صرخةً رَوَّعت القلوبَ في أكنّتِها. جاء مصطفى كامِل يتدفّقُ من جميع نواحيه، ويمضي على غُلَوائه كالسيل المتلاطم، وكانَ أصلبَ عودًا وأقوى مراسًا، وأعنف إرادة -من أن تزلزلَه مكايِدُ الغاصب أو ضرباتُه. واستطاعَ الفتى أن ينقذ مئاتٍ من الجيل الذي تعهّدت بريطانيا تكوينه وإنشاءه، واستطاع أن ينقذ آلافًا مؤلَّفة من الشعب ويهديهم إلى حقيقة معنى الحريّة والاستقلال. ولم تستطيع بريطانيا أن تهزمه، بل كان العكس، فروّعتْ بريطانيا باجتماع هذا الشعب الكريم مرّة أخرى في 1906 أيام دنشواى، كما روّعت باجتماعه ويقظته عند عَزْلِ مصطفى فهمي في يناير سنة 1893. وقالت بريطانيا: ما هذا الشعب الغريب؟ ما هذا الشعبُ الجاهلُ الذي يَكْمُنُ فيه حبّ الحريّة كما يكمن المرض الخبيث- يَخفى أشدّ الخفاء، ثم يَنتشر دفعة واحدة كالحريق المُشْعَل؟ كيف يتسنّى علاجه من داء الحريّة الخبيث؟ لجأتْ بريطانيا إلى مصطفى فهمي وزير الاحتلال، وأمرتْه أن يتلقّطَ لَهَا جماعةٌ ينشئون شركة مساهمة مصرية، لكي يصدروا صحيفة يومية، هي الجريدة. واستطاعَ مصطفى فهمي أنه يجد في سنة 1906 أي بعد أربع وعشرين
(2/924)

سنة من الاحتلال، جماعة من الشيوخ ممن يتزلّفون كما يتزلّفُ إلى الغاصبين، واستطاعَ أن يجدَ جماعةً من الشباب الجديد من ذوى الأطماعِ والمطامح البعيدة، ممن يفهمون الحرية والاستقلال كما تريدُ بريطانيا أن يكون. وتألفت الشركة برعاية مصطفى فهمي، وصدرت الصحيفة بعد أيام دنشواى وتولّاها فتىً مِصرىٍّ من الجيل الجديد هو "أحمد لطفي السيد" الذي سيصير فيما بعد المعلم الثاني أو الثالث لا أدري -وإذا الجريدة تدعو إلى سياسة الملاينة والاعتدال، وإلى التدرُّج في نيل حقوق البلاد، وإلى الاستقلال ولكنْ بعد أن يُتِمَّ الشعبُ تعليمه على يد الاحتلال. وتنقلب هذه الشركة إلى حزبٍ يعرف باسم حزب الأمّة، يجتمع فيه صغارٌ وكبارٌ- كبار من شيعة بريطانيا في خمسٍ وعشرين سنة، وصغارٌ نُشُئوا وأرضعوا لِبَانَ بريطانيا في خمسٍ وعشرين سنة. ويمهّد الكبار للصغار، وتمهّد صحافة الاحتلالِ لهذا النشء، وتولّى بريطانيا كثيرًا منهم المناصبَ العالية، وتستغِلُّ بريطانيا طُموحَ هذا الجيل إلى الحكْم والسلطان والمال، وتستغلُّ كُلّ ما في النفس الإنسانيّة من النوازع والشهواتِ، ويستغلُّ كرومر عميد الاحتلال شيوخًا من جلّة العلماء والوزراء، وأعضاء الجمعية التشريعية، في الثناء على هذا الجيل- ليعارضوُا ذلك الفتى المشاغب العنيد الذي لا يرضى أن يلين لبريطانيا، أو يستكين تحت لوائها، أو يدعَ ذكر الحرَّية الخبيثة التي يدعو الناس إليها، والشعبُ المصريّ ينظر إلى هذا الصراع بين الشبان المثقفين -بين مصطفى كامل، وشيعة حزب الأمة-
وترى بريطانيا انّ هذا الصراع خليقٌ أن يمزّقَ وحدة الشَّعبْ، ويجعَلَ فئة تنحازُ إلى هذا، وفئة تنحازُ إلى الآخرين، والزَّمنُ بعد ذلك سوف يعمل على توسيع الشُّقة من ناحية، وهي تعمل أيضًا إلى إِبلاغ إحدى الفئتين إلى أَسْمى المناصبِ وأعلى الدرجاتِ في الحُكْم وفي غير الحُكم.
23 - ويموت مصطفى كامل في سنة 1908، وتتنفَّس بريطانيا الصعداء، ويتنفَّسُ شيعتُها، لقد استراحوا من هذا الموجُ الصاخب الذي لا يهدأ. ويخلُفه فَرِيد، ولكن شتان ما بينهما -شتّان بين خطيب الجماهير، والسياسيّ
(2/925)

الساكن- شتان بين النار المُشْعَلة، والنَهر المنسابِ. علمت بريطانيا أن الشَّعْب لن يَسْمَع بعد اليوم ذلك الصوتَ الذي يُضِئُ لَهُ شعاب الحرّية وأوديتها الغامضة. فتبسُط ما استطاعت للفئة الأخرى لكي تستكثر من الأعوان والأنصار، ومن المخدوعين والمغررين، وتبذلُ الأموال والرُشَى في الدواوين وفي غير الدواوين. وتأتي الحربُ العالمية الأولى، وتعلن الحماية على مصر والسودان، فتضطرب النفوسُ، وتتّطاير الأراجيف ويعظُم الطمع، ويقلُّ الوَرَع، وتخبث نفوسٌ وتَصْلُحُ نفوسٌ، وتَتَّسِع مِصْر لخبائث جيش الاحتلال، وتنحلّ الأخلاقُ انحلالا لا مثيل له في تاريخ مِصْر، ويستهتر الشبابُ، وييأس الشيوخ، ويظلُّ هذا البلاءُ أربع سنوات، فإذا مصر والسودان تجيش جيشانها العجيب في سنة 1919، وتذعَرُ بريطانيا من هذا الشعب الذي لا يموتُ ولا يريدُ أن يموت. وتعودُ كلمة الحريّة والاستقلالِ ناصعةً لا تشوبها شائبةٌ، يتنادى بها شعب كامِلٌ من أقاصى مِصْر إلى أبعد أَطْرافِها. شعبٌ كاملٌ يريد طرد بريطانيا من بلاده، يثور ثورة رجل واحدٍ لا يزيدُه الإرهاب والعنف والتقتيل إلّا مضاءٌ واشتعالًا، فماذا تفعل بريطانيا بهذا الشعب الغريب؟ .
24 - كانَ من حُسْن حظّ هذه الأمة الغاصبة أن الرجل الذي نفته، والذي ثارتْ الأمّة فجاءة وعلى غير توقّع منها أو من الثلاثة الذين زاروا دار الحماية في ذلك الوقت -هو "سعد زغلول"- الذي كان وزيرًا في وزارة مصطفى فهمي الأخيرة، وزوجُ ابنة مصطفى فهمي، والذي تعاون مع الاحتلالِ في زمنِ طغيان كرومر، والذي كان يَأْوى إليه طائفةٌ من الشُّبّان الذين عارضوا مصطفى كامل ولا يزالون يعارضون دعوته باسم الحرية الخالصة من الشوائب والقيود. وعلمتْ بريطانيا أنها تستطيع أن تتفاهم مع سعدٍ المنفيّ، ولكن هل يستطيع سعْدٌ أن يقاوِم تيّار الثورة التي أرَّثَها شبابٌ من المؤمنين بالحرية والاستقلال بلا قيد ولا شرطٍ؟ وهل يستطيع أن يردّ جماحَ شعبٍ بأسره لا يعرف شيئًا إلّا أنّه يريد الاستقلال، ويريد طَرْد الغطرسة البريطانية من أرض بلاده؟ هذا الشعب! . . هذا الشعب! عرفت بريطانيا يومئذ أن المسرحية الطويلة الأُولى في رفع الوزارات وخفضها قد
(2/926)


باءتْ بالخسران، في نواح كثيرة، ولم يَنجعْ دواؤها في شفاء الشعب الحرّ من داءِ الحريّة. وعلمت أيضًا أن الحديد والنار لم يزد هذه الثورة إلا اشتعالًا. وعلمت أنّ سعدًا ومن يلوذُ به من شباب الجيل الجديد، ومن أهل الطويّة السليمة -أو الغفلة إِن شئت- فيهم استعدادٌ كريمٌ للملاينة والمسايرة والتفاهم والتعاون، لأنهم لا يؤمنون بقدرة الشعب الأعزل على طرد غاصبٍ يملك من القوّة والسلاح والإرهاب ما لا قِبَل لأحدٍ به، بل غاصبٍ خرجَ من الحرب العالمية الأولى منتصرًا ظافرًا على ألمانيا المخيفة وتُرْكيا الباسلة. فمن هذه العناصر جميعًا وضعت بريطانيا مُسَوَّدَة المسرحية الجديدة التي ينبغي لهذا الشعب أن يشهدَهَا، لكي يَنْسَى كلمة الحرية، وكلمة الاستقلال، فإن لم ينسهما، فليفهمهما على النحو الذي تريده بريطانيا. حريّة خائِفَة ترجو معونة بريطانيا في حياطتها حتى تنمو وتعيش، واستقلالٌ مذعورٌ، لا يستطيع أن يتخلَّى عن معونة بريطانيا في التمهيد لَهُ وفي كفالته، في عالمٍ تصطرعُ فيه القُوَى المسلّحة بالحديد والنار وبالسلطان والبطش.
25 - اشتعلت نار الثورة الجامحة في يوم الأحد 9 مارس 1919، وظلت تزداد اشتعالًا يومًا بعد يوم، ولم يُجْدِ الإرهابُ والبطش شيئًا، وكانت بريطانيا قد أعدّت الفصل الأول من المسرحية الجديدة، فأرسلت إلى مصر تلك اللجنة المشهورة باسم لجنة ملنر، فقاطعها الشعب الثائر، فعادت لم تنل شيئًا مِنْه أو من ثورته، ولكنها في الحقيقة نالت شيئًا كثيرًا، لأنها لقيت رجالًا يحفظون الودّ والعَطْف والجميل، ويؤمنون بأن بريطانيا تحبّ الخير أو بعض الخير لبلادهم، ورأت أنهم مستعدّون للتفاهم والتعاون؟ ! فبدأت المسرحية بأن وضعت اللجنة مشروع معاهدة لإرضاء المصريين فيما ترى، وترسله إلى الوفد المصري بزعامة سعد، وإذا زعيم الثورة يَرَى بأسًا في أن يفاوض بريطانيا في أمر هذه المعاهدة، وإذا هو يُعدُّ مشروعا آخر يفتتحه سعد بهذه الكلمات الخالدة: "أتشرف بأن أبلغكم نبأ استلام خطابكم المؤرخ 17 يوليه 1920 وإني أبادر فأعرض على فخامتكم طى هذه مشروع اتفاق يحوى النقط التي جرت المناقشة في شأنها في أحاديثنا، وهي النقط التي يلوح لي أنكم تقبلونها. ونحن نعتقد أن المشروع
(2/927)

بالصفة التي هو عليها من شأنه أن يرضى الطرفين، فعلى هذه القواعد يمكننا أن نضع دعائم صداقة متينةٍ وتعاونٍ عمادهُ الإخلاص بين الشعبين الإنكليزى والمصري".
وبإرضاء الطرفين -أيها الإخوان- وبدعائم الصداقة المتينة والتعاون والإخلاص بين الشعبين -تمَّتْ هزيمة الثوار، وهُزمَ شعب مصر والسودان هزيمة منكَرَةً، بل هي أفظع هزيمةٍ في تاريخ مصر والسودان، بل أبشع هزيمة أصيب بها شعبٌ يجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وعلى يد مَنْ هُزمت؟ على يدِ أبنائها، وبعمل أبنائها أنفسهم، وبجهادِ أبنائها أنفُسِهم! !
26 - وبعد قليل أيها الإخوان سَارَ الشعبُ المصري وهو ينادى بالحرية والاستقلال، وزعيم ثَوْرته يفاوضُ الاحتلال في الحرية والاستقلال -ويتشعب الرأي، ويتقسَّمُ الناسُ، ويعظُمُ أمر هذه المفاوضة، ويختلف عدلى وسَعْد على رآسة المفاوضة: أهي لرئيس الوفد وكيل الأمة أم لرئيس الحكومة حاكم الأمة؟ ويشتغل الشعبُ كُلّه بكلمة المفاوضة، ولمن تكون؟ وعلى يد من تكون؟ ويتعادَى الناسُ، وتظهر العصبيّة لهذا ولهذا. ويتقدَّم الجيل الذي أنشأته بريطانيا إلى قيادة هذا الانقسام بين سعد وعدلى وثروت ومحمد محمود وأشباه هؤلاء. وتخفُّ العداوة الكامنة في الصدورِ لبريطانيا، وتتجه إلى تعادى الزعماء والقادة -كما يسمونهم- وتصْبرُ بريطانيا على هذا الانقسامِ ثلاث سنواتٍ حتى يشهَدَ الشعب مسرحيّة النزاع بين رُؤُوس الثورة الكبار، أو على الأصح من كانوا يظنونهم رؤوس الثورة. ويبدأ الشعبُ الذي أحبّ سعدًا لأنّه ثائر فيما يظنُّ، يَشْعُرُ شيئًا فشيئًا بأن معونة بريطانيا ومفاوضتها لازمة لحريته واستقلاله. وفي خلالِ ذلك استغلظ أمرُ هؤلاء المعتدلين جميعًا في عداوة بريطانيا، وتأثر الشعبُ بهذا الاعتدال، وضعفتْ عزيمته في النداء باسم الحرية والاستقلال. وتم بذلك الفصل الثاني من المسرحية البريطانية الجديدة.
27 - وجاءَ موعد الفصل الثالث من المسرحية الثانية، وهو أضخَمُها وأعظمها. وهو تصريح 28 فبراير سنة 1922 الذي يقضى بانتهاء الحماية
(2/928)

البريطانية، والاعتراف بمصر (وحدها دون السودان) دولة مستقلة ذات سيادة. مع تحفظات أربعة هي:
1 - تأمين مواصلات الإمبراطورية.
2 - الدفاع عن مصر من كل اعتداء أجنبى بالذات أو الواسطة.
3 - حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.
4 - السودان.
وظاهِرُ هذا التصريح يدلّ كما قال مع الأسف أحد قدماء رجال الحزب الوطني -على أنه- "مكسبٌ سياسي ومعنوىٍّ، فقد ترتّب على انتهاء الحماية إعادةُ منصب وزير الخارجية الذي ألغى في عهد الحماية، وتحقيقُ التمثيل السياسيّ والقنصلىّ لمصر، كما أن الاعتراف بمصر دولة مستقلةً ذات سيادة، قد أزال العقبة التي كانت تعترض فعلًا إعلان الدستور، فبزوال هذه العقبة قد تمكنت مصر من أنه تجعَلَ نظامَ الحكْمِ فيها نظامًا دستوريًا"، ويقول أيضًا: "إن تصريح 28 فبراير سنة 1922 يكون ضارًّا لو قبلته الأمة وارتضتْ به، أو اعتبرته خاتمة الجهاد، أمّا إذا كانت ماضية في جهادها، فإنّه بلا شكٍّ فوزٌ لها في معركة من سلسلة المعارك التي يتألّف منها نضالها القوميّ الطويل". وأنا أَرَى أيّها الإخوان أن الحرية لا تتجزَّأ وأرى في هذه الكلمات التي جرى بها قلم أحد أفذاذ رجال الحزب الوطنّى -دليلًا على نجاحِ بريطانيا في بلوغ غَايتها من صرف الشعب المصريّ علمائه وجُهَّالِه، وخاصته وعامته، عن حقيقة الجهاد في سبيل الحريّة- إلى هَوّى من الأهواءِ عظَّموه أكثر ممّا يعظّمون الحرية، وآثروهُ بحرص، لم يؤثروا الحريّة بحرصٍ مثله -وهذا الهَوَى هو الذي شاءت بريطانيا أن تستغلّه أحسن استغلالٍ، ألا وهو الدستور والحُكْم النيابى. علمت بريطانيا أنّ عرَابى ثار من أجل تحقيق هذا الدستور لبلاده، وأن الجمعيّة التشريعية قبل الحرب استرعت انتباه الناس ببعض المواقف العظيمة في سبيل تحقيق الحُكْم النيابىّ، وعلمتْ أن اسم الديمقراطيّة ودَعْوَاها في هذه الفترة من الزمن يستهوى كثيرًا من العقول الراجحة المثقفة، فأتت الثورة من هذه الجهة، وأتَتْ كلمة الحريّة والاستقلال من هذا المدخَل. فلم يكَدْ سعدٌ يَقْبل دخول الانتخابات التي ضمِنها أو مَهّد لَهَا هذا
(2/929)

التصريحُ، حتى نَسِيَ الشعبُ المصريّ عداوَته الفَوّارةَ لبريطانيا، وتَابَع بعداوته أعداءَ سعد وأعداءَ الوفد المصري من المصريين، وانطفأتْ كلمة الحُرّية انطفاءً تامًّا، وسارَ الشعبُ في ظُلُماتٍ سُودٍ لا ينيرها شيءٌ إلى هذا اليوم.
28 - فَرِح الجيلُ الجديد من المثقَّفين، وقادَ الشعبَ إلى الفرحِ، بهذا الدستور الجديد، وباتت سياسة بريطانيا في فرح آخَر بانصراف الشعب إلى هذا الدستور الجديد. وصارت قيادةُ الأحزابِ المصرية جميعًا إلى جماعة المعتدلين في عداوة بريطانيا، وشاعَتْ كلمة المفاوضة والمعاهدة مكان كلمة الحرية والاستقلال، وثار الجدلُ على صفحات الجرائد وفي الكتب عن الدستور والمفاوضة والمعاهدة، وانقطع البحثُ في حقيقة معنى الحرية والاستقلال. ويومئذ ضمنت بريطانيا سيادة كلمة المعتدلين في عداوتها واستمرار هذه السيادة زمنًا طويلًا، وضمنت بريطانيا شعبًا كاملًا تشغَلُه كلمة المفاوضة والمعاهدة، ولا تشغله قليلا أو كثيرا كلمةُ الحرية أو كلمة الاستقلال، وضمنت بريطانيا صحافة يتولاها مصريون وأشباه مصريين تؤثر الاعتدال وتزيدُ الشعب إيثارًا له، وتحبُّ المفاوضة والمعاهدة وتزيدُ الناس حُبًّا فيهما، وضمنت الزمن وكرَّه على الناس وفِعْلَه في الشعوب، وضمنت تطوُّر الحياة الاجتماعية تطوُّرًا يُفْضِى بالشَّعْبِ إلى الاستهانة والتهاوُن، وإلى التَّسلية والتلهّي، وإلى السُّخْرية بالزعماء والقادة وهم يختلفون ويتنازعون على الحُكْم وعلى الأموال والمناصب، وإلى اشتغاله عن الحريّة الحقة بحياة الاستقلال الجديدة التي كَفَلَها لهم الدستور الجديد. وخلاصة ذلك كُلّه أن بريطانيا أرادت بتصريح 28 فبراير تمزيق وحدة الشعب، وصرفه عن حقيقة معاني الحرية والاستقلال- وأراد الزعَماءُ نَيْل السُّلطة التي يكفُلُها الدستور للأكثريّة. وأنتم تعلمون أيها الإخوان أن الأكثرية أخفقت في نيل ما أرادتْ على الزمن، وأن بريطانيا نجحتْ على الزمن في إدراك بُغْيَتْها من الشَّعْب العنيد الذي ابتُلِيَ بداء الحريّة. فكأنها رفعتْ يدها عن هذه الأداة المصرية (لحمًا ودمًا) في سنة 1924، البريطانية (كيدًا وهَوًى وإرادةً)، وقالتْ للناس: هذه بلادكُمْ: احكموها بأنفسكم، وتنازعوا على حكمها ما شاءَ لكم التنازع، وتنابزوا
(2/930)

بالألقابِ في سبيل هذا الحكْم، وليعادِ الأب أبناءَه، والأخُ إخوانه، والصديق أحبابه، وكونوا عباد الله أعداءً. وكان من أخبث مكر السياسة البريطانية أنها تورَّعت عن أن تنزل بالشعب عذاب التنكيل بالقوة الغاشمة، لتنزل به ما هو أبشع وأفتك من عَذَاب الأبدان، عذاب الأَرْوَاح الحائرة المضلَّلة، عذابَ الاعتدال في طلب الحرية، عذاب العداوة والبغضاء، عذاب الضعف والاستهانة والفتور، عذاب الغفلة الدائمة عن الذلّ المقيم.
29 - هذه هي غاية المسرحية الجديدة التي بدأت "بإرضاء الطرفين، وبدعائم التعاون الصادق بين الشعبين الإنجليزي والمصري" كما قال سعد زعيم الثورة! ! ولم تتمّ المسرحيَّة بَعْدُ، والشعبُ لا يزالُ ينْظُرُ إلى الممثّلين وهُمْ على المسرح، وبريطانيا من بعيد تنظُر إلى أثر هذه المسرحية في الشعب الذي أضناها علاجُه. وتعدُّ له تتمّة المسرحية في الفصل الذي يتضمَّنُ "رفع مستوى معيشة الشعوب"، "والدفاع المشترك عن حوزة الوطن"، و"الخوف من ضياعِ الحضارة الإنسانية وتدميرها في الحروب". ولكنها مع ذلك مطمئنّة بعض الاطمئنان، لأن المفكرين والسَّاسة والقَادة والصحافَة كُلَّها، أَعوانٌ لها في هذا الهدف، أعوانٌ في اللحم المصري، ومن الدم المصري، وعليهم سمة النيل الخالدة، والشَّعْب حائرٌ يسيرُ على غير هُدًى وإلى غير غاية، وهو ينظر إلى هؤلاء غير مُنْكر لهم ولا مستريبٍ فيهم أو في إخلاصهم لبلادهم. والأحرارُ الذين يعرفون معنَى كلمة الحريَّة، ويؤمنون بأنّ الحُرّية لا تنال بالمفاوضة ولا بالمعاهدة ولا بالتعاون مع بريطانيا أو أمريكا أو روسيا أو فرنسا، ويؤمنون بأنّ الاحتلال الطويل قد أَفْسَد عقولًا كثيرةً ونفوسًا كثيرة -هؤلاء الأحرار- أيها الإخوان - غائبون عن أوطانهم وعن شَعْبهم في غيابات الاضطهاد، وفي ظلماتِ طَلَب العيش، وفي سراديبِ السُّكُوت والتسليم.
30 - صورة قائمة عابسةُ عرضتُها على شباب هذا الحزبِ، لم أتناوَلْ فيها إلا الناحية السياسية والتفكير السياسيّ. وهناك صورٌ أشد قتامًا وعبوسًا في النواحِي الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية، تزيدُنا بلاء على بلاء. ومع
(2/931)

كُلّ هذا، ومع أن بريطانيا استطاعتْ أن تبعدنَا عن كلمة الحريّة في أوسع معانيها، وأن تميت هممًا وتثبّط عزائم، وتهلك نفوسًا، وبرغم سيادة المعتدلين على الرأي العامّ، وسيادتهم على الدستور، وسيادتهم على الحكومة وسيادتهم على الصحافة والأقلام، فأنا أثق بشيء واحدٍ، أثق بشعبِ مصر والسودان، كما أثق بسائر شعوب بلاد الشرق وبلاد العرب وبلاد الإسلام. وإني لأرى خلالَ هذه الظلمات نجومًا تلمع، وكواكب تتوهَّج، وعَزَائم تنبثقُ، وأمواجًا تجيشُ في قرارة هذه الشعوب. وستأتي الساعة في ميقاتِها، وسنهبُّ هبَّةً واحدة، فننفض الغبار العتيق، ونعصف بالقيود، قيودِ الاستعمار وأعوان الاستعمار. وسنهتدى إلى الطريق التي نهجها الأحرارُ في كُلّ مكان، ليسلكهَا الأحرارُ من كُلّ أُمَّةٍ. وإذا كان كيد بريطانيا في سياستها الدائبة الملحّة، لم يُردْ إلّا الشَّعبَ وحده، ولم يقصد إلا تدمير هذا الشعب وحده، فعَلَينا نحنُ أن نبدأ جِهادنا في الميدانِ الذي أرادته بريطانيا، نجاهد في هذا الشَّعْب وحده من أجل هذا الشَّعْبِ وحده، نذكره بالحرية التي نَسِيَها في مكر بريطانيا، ونُعينُه على أن ينشيء حياةً أخرى غير الحياة التي دبّرتها له بريطانيا، علينا وعليكم يا رجال هذا الحزب ويا شبابه، أن تحملوا شُعْلة الحريَّة إلى كُلّ قلب، وأن تنفثوا روح الحرية في كُلّ عَمَل، وأَن تطاردوا شيطان المستعمر في كُلّ بقعة وفي كُلّ نفس، وأن تعلّمُوا أنفسكم وتعلّموا الناس كيف يعيش الحُرُّ بالحُرّية -لا بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان ولا بمناصب الوزارة، ولا بعضوية البرلمان. أوقدُوا نَارَ الحرَّية وألقوا فيها خبائث العبودية والذلَّ والاستعمار، واعلموا أن مِصْر والسودان تموتُ الآن على يد فئة من أبناء مصر والسودان، فكونوا أنتم حياةَ مصر والسودان، بل حياة بلاد العرب، وبلادِ الشرق، وبلاد الإسلام.
(2/932)

المتنبي
في شهر يناير الماضي صدر عدد المقتطف وفيه كلمة قد استغرقت العدد كله عن أبي الطيب المتنبى ذهبت فيها مذهبا، ولا أدعى العصمة، ولا علو الكعب في الآداب ولا حسن المنطق في الحجة.
وقد كانت كلمتى عن أبي الطيب بدءا لطريقة انتهجتها في ترجمة الرجل، لم أتعبد فيها بأقوال الرواة تعبد الوثني للصنم. وقد ظهر العدد من المقتطف ولم أحاول بإخراجه شهرة، ولا إعلانا عن نفسي ولا أدبى. وقد احتفي الناس به في الشام والعراق ومهجر أمريكا وغيرها من بلاد العرب والعربية، وخلت صحف مصر من الكتابة عنه إلا قليلا قليلا. . . ومع ذلك فما سعيت إلى أحد أن يكتب لي عنه، أو يذكر الناس به، فقد كان من توفيق الله أن نفد عدد المقتطف في شهر ظهوره، ولم يبق من مطبوعه شيء.
وكان مما ذهبت إليه في كلمتى ما أثبته هناك من الشك في أن المتنبى كان كما زعم الرواة ابن سقاء، .. ثم سقت القول على هديه وطريقه ورجحت أنه كان عَلَوِي النسب، وترجمت للرجل على هذا الأساس. وأنا حين فعلت ذلك، وكتبت ما وفقت إليه في رد السقاءة عن المتنبى، وإظهار بطلانها، وبطلان كل هذر مما لجَّ فيه بعض من نتهم من الرواة، لم أرد (أن أنفي عنه عيبا، أو أضيف إليه مفخرا جديدا)، ولم أرد أيضا (أن أذكر المتنبى فأحسن إليه، وأحمد الخبر عنه، وأسبغ من دفاعى ستارا على عيبه) ليقول الناس عني (إني قد أوتيت الحكمة، وبلغت نهاية الفهم، وصرت مستحقا لاسم الأدب، وداخلا في جملة الموسومين عند الناس بالأدباء. . .). لقد كتبت كلمتى وتركتها، وكنت أظن أن النقاد من أهل عصرنا سيحرصون على حسن الهداية إلى الحق، كان ذلك لي أو علي ..
ولكن خاب ظنى في كثير من النقاد، فمن سكت منهم فقد تنصل، ومن
__________
(*) جريدة الأهرام 13/ 6/ 1936
(2/933)

وافقنى فقد أخجلنى، وجاء بعض من خالف بأسلوب غريب في المناظرة. فمن ذلك ما قرئ على اليوم مما كتبه الأستاذ الجليل محمد هاشم عطية -المدرس بدار العلوم. وأنا قبل أن أنقل للقارئ قوله أعترف له أنى كنت متحرجا من التعليق على قوله لسابق فضله عليّ في عام من أعوام الدراسة بالمدارس الابتدائية، ولكني رأيت الأستاذ لا يتحرج من أن يذكر في مقاله رأيا لأحد من الناس غفلا غير منسوب إلى صاحبه، ولا إلى مكانه من الكتاب الذي نشر فيه، ثم يزيد فيرد على هذا الرأي بغير طريقة النقد العلمي الصحيح، ثم يزيد فيتهكم، ثم يزيد فيرمى الناس على غير علم بإرادة ما لم يجل لهم في خاطر.
فقد أصدرت (جماعة دار العلوم) مجلتها الجليلة الموفقة "صحيفة دار العلوم" العدد الرابع من السنة الثانية، وهو خاص بذكرى أبي الطيب المتنبى. ومن الكلمات الممتعة التي فيه كلمة الأستاذ محمد هاشم عطية عن (المتنبى وكافور). ويقول الأستاذ ص 80 و 81 من هذا العدد:
". . ونحسب أننا بما سنقضى به من بعض ما لاحظناه في أكثر ما كتب عنه في أيامنا الحاضرة، سنكون أبلغ احتفالا وأسنى تكرمة على حساب أننا لا ننفي عنه عيبا، ولا نضيف إليه مفخرا، ولا ندعى أننا سنزيل من أمره لبسا، أو نحل متعقدا إلا النظر في هذه المحاولة التي يراد بها إسناد المتنبى إلى غير أبيه، واستخراجه من غير معدنه، والادعاء بأنه علوى النسب، هاشمى الأرومة، والالتجاء في ذلك إلى التأويل للحكم والاتهام للثقة، والانتحال لكل حيلة، لتحصينه من كل تهمة، وتبرئته من كل مذمة، والتصدى لاحتمال المكروه عنه. مع أنهم يعلمون أن وضع الرجل في غير موضعه، وإعطاءه ما ليس من حقه، تهجين لشأنه وذم له. يظنون أن من ذكر المتنبى فأحسن إليه، وأحمد الخبر عنه، وأسبغ من دفاعه ستارا على عيبه -فقد أوتى الحكمة، وبلغ نهاية الفهم، وصار مستحقا لاسم الأدب، داخلا في جملة الموسومين عند الناس بالأدباء، لتوهمهم أن الناس لا يتجرأون عليه، ولا يقدر منهم على مسافات خواطره، ومسبح إلهاماته إلا الذين أصفاهم ربهم بالفطن، وأعانهم بتمام البصيرة، من المنحوتين
(2/934)

على مثالهم، والمنتخبين من طرازهم. ولكن ذلك على ما فيه من المناقضة للتاريخ الثابت، والمعارضة للصريح من النصوص، ليس بمغن عنهم شيئًا، ولا بنافعهم قليلا ولا كثيرا، ولا هو من الأمانة الأدبية التي لا أظن أن التمويه بخلافها يروج على العقول في أيامنا هذه. ومع أن الشاعر أسقط عن الناس هذه الكلفة، وأعفاهم من احتمال هذه المئونة، باعترافه في شعره، وتصريحه لممدوحيه، بأنهم أولى له، وأفضل عنده من أهله الذين لم يشرف بهم، ولا تناول ما تناول من المجد بأولهم ولا بآخرهم. وقد آثرنا أن نكتفي في الاستدلال على ذلك بحياته في مصر مدة انقطاعه لكافور، ونحب قبل تلخيص هذه الصلة أن نذكرهم بتقدمة صغيرة لهذا الأمير. .". ثم مضى الأستاذ على غير هذا الغرار الجاحظى في التحرير والكتابة. وسائر كلامه ليس عندنا بشيء حتى نقف عليه أو نحاول نقله.
وقد أراد أستاذنا كما اعترف في كلامه أن ينظر (في هذه المحاولة التي يراد بها إسناد المتنبى إلى غير أبيه .. إلخ) وقد اخترط المقالة كلها، ولم يأت بشيء يُعَدُّ نظرا في الذي كتبت عن نسب المتنبى، ولا نقدا لقولى فيه. ولكن لعلى لم أفهم، فأنا أرجو الأستاذ أن يدلنى على الذي في كلمته مما هو نظر أو نقد أو إسقاط لقولى. وليعلم الأستاذ أن للنقد الذي كتبه على نفسه بهذه الجملة طريقا لابد من انتهاجها، هو أدري بها وأعلم. وأول ذلك أن يذكر رأيي منقولا منسوبا، ثم حجتى متتابعة، ثم يعمل في ذلك عمل الناقد فإن شاء رفع وأن شاء أسقط. أما الذي سلك أستاذنا من مذهب القول فهو مما لا يخفض قولى ولا يرفع قوله.
ثم شرع الأستاذ ينظر إلى الجاحظ بطرف، ويقول عني ما يقول من أنى أحاول تأويل المحكم وأتهم الثقة، وانتحل الحيلة ثم يزيد ذلك أنى أريد تحصين المتنبى من كل تهمة، وأبرئه من كل مذمة، وأتصدى لاحتمال المكروه عنه. وأنا يعجزنى أن أرد على هذا القول! !
ثم لا يكتفي أستاذي بهذا بل يستبطن نفسي، ويتولج في دخيلتى ويزعم أنى أزعم أنى كتبت ما كتبت وأنا أظن أنى قد أوتيت الحكمة وبلغت غاية الفهم ..
(2/935)

إلى آخر ما تنبأ به من أمرى فجعل لي في الخواطر مسافات، وفي الإلهام سبحات! وأنا أسأل الأستاذ مرة أخرى أن يضع يد القارئ وعينه وعقله وفكره على موضع من كتابى تكون لي فيه هذه الدعوى مقولة أو مفهومة أو متوهمة. فإلى الأستاذ الجليل محمد هاشم عطية أسوق شكري أولا، ثم نصيحتى بعد، في أن يتجنب اتهام البرئ بالظن، واعتقاله بغير حجة بينة، وليأت بالبيان عن كل جملة في كلمته الجاحظية التي نقلناها، وليضع أمام القارئ جملته التي وصفني بها، والجملة التي وردت في كتابتى فحفزته إلى اختيار الأوصاف لي وصفا وصفا، وسأدع للأستاذ أسبوعا كأسبوع المتنبى يقرأ فيه ما كتبت مرة أخرى ليقول كلمته، ويجيب سؤالى وله الشكر أولا وأخيرا.
(2/936)

حديث رمضان. عبادة الأحرار
سألتنى أن أكتب لك شيئا عن هذه الكلمة المعذبة: الصيام. فقد ضرب عليها الناس من الحكم، وصبوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يعد أن يكون عرضا طفيفا من أعراض التجارب التي تمر بالصائم. ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحكمهم على غير منطق، كالذي يزعمونه من أن الغني إذا جاع في صيامه أحس بل عرف كيف تكون لذعة الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرع شيء إلى الجود بماله وبطعامه. ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرف أنه استوى هو والغني في الجوع قنع واطمأنت نفسه، لا أدري أمن شماتته بالغنى حين جاع كجوعه وظمئ كظمئه أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت وعلى أي صورة جاءت! ولا تزال تسمع مثل هذه الحكم، حتى كأن ربك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدته جائعا وشبعان .. !
ومنذ ابتلى المسلمون بسوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها، ساء أمرهم ودخل عليهم عدوهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجعل بأسهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوف مؤلَّفة ما بين الصين ومراكش، تستبد بهم الطغاة بل تهاجمهم في عقر دارهم شرذمة من قدماء الأفاقين، ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزق أنباء دينهم ولغتهم من الأرض المقدسة شر ممزق. وكل نكيرهم أصوات تضج، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والترف والنعيم: حرصوا على الحياة وأسباب الحياة فذلوا حتى أماتهم الذل، ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت، لعزوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ولقد كتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كتبت علينا -إلى معنى الطعام نتخفف منه
__________
(*) جريدة الأهرام 15/ 7/ 1950
(2/937)

لتصح أبداننا، ونبذله لنواسى فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصح لنا أبدان، ولا يواسى فقير، ولا تأتلف قلوب- وإذا تم بعض ذلك فسرعان ما يزول بزوال الشهر وتنتهي آثاره في النفس وفي البدن وفي المجتمع.
ولو أنصفنا هذه الكلمة المظلومة المعذبة لرأينا الصيام -كما كتب على أهل هذا الدين- طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعا في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لا ليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معا سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معا سواء من سلطان الشهوات بل ليخرجا معا سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف فلا يخاف أحدهما إلا الله، ومن سلطان الرياء فلا يعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربه أحد، ولا يحول بينه وبين الاستجابة لربه شيء من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.
فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رق النفس وشهواتها ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل. فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضا وتأتيه تطوعا. ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضى فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق- لا يرضى لها أن تذل لأعظم حاجات البدن لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض لأنها أعز سلطانا منها. وأراد الله أن يكرم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الناس عن ربه إذ قال "الصوم لي"، فلا رياء فيه لأنه جرد لله فلا يراد به إلّا وجه الله، فاستأثر به الله دون سائر العبادات، فهو الذي يقبله عن عبده، وهو الذي يجزى به كما يشاء.
(2/938)

وقد دلنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى. إذ جعل الصيام معادلا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه إذ جعل على من قتل مؤمنا خطأ تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}. وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. فانظر لم كتب الله على من ارتكب شيئا من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رق الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رق مطالب الحياة، ورق ضرورات البدن ورق شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار.
ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام -لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقر فيها ظلم لأن للنفوس المسلمة بطشا هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله ولا يملك رقها إلا خالق السموات والأرض وما بينهما. ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولى عليها الاستعمار، لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة وتخرج من كل سلطان، وتستطيع أن تجوع وتعرى وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحق الأعلى وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان. واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.
ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحق على الله يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته
(2/939)

التي كرم بها بنى آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواء أحرارا لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.
ويومئذ ينصرهم على عدوهم ويستخلفهم في الأرض مرة أخرى لينظر كيف يعملون.
(2/940)

مع الشيطان الأخرس
قرأت الكلمة التي كتبها صديقنا الدكتور زكي نجيب محمود في الأهرام الخميس 4/ 3/ 1976، ولا أقول أنها ساءتنى، لأن الذي يسوء كثر وتفاقم حتى تبلد الإحساس به. وأحب أن أجعل الأمر واضحا كل الوضوح. فالذي يسوء مما يكتبه من يدعى الالتزام بما كان عليه السلف، كثير جدًّا أو فوق الكثير، والذي يسوء مما يكتبه الداعون إلى طرح العودة إلى ما كان عليه السلف، كثير أيضا وفوق الكثير. فمن أجل هذا تعجبت من قول الدكتور زكي "أنه يجد موجة تطغى على حياتنا الفكرية والشعورية طغيانا يزداد كل يوم قوة وصرامة، حتى ليخشى أن يقول عنه أنه طغيان يبلغ حد الإرهاب الفكري الذي لا يدع مجال الحرية في التعبير عن الرأي مفتوحا للجميع على حد سواء، فهو مفتوح على مصاريعه لأصحاب جانب واحد من جوانب القول، مغلق بالضبة والمفتاح أمام الجوانب الأخرى أو قل إنه يكاد". وهذا عجيب جدا. أوشكت أن أقول إن الدكتور زكي قد مل قراءة الصحف والمجلات، حتى صحيفة الأهرام التي يكتب فيها. فمن أجل ذلك صار لا يرى الأمر بوضوح كاف مع خبرتى القديمة بوضوح رؤيته لما يحيط به، وصدق تعبيره عما يرى. وأستطيع أن أشهد صادقا أنى أرى الأمر على غير ما يرى، فإن الجوانب الأخرى، تمارس ضروبا من الإرهاب الفكري، وضروبا أخرى من العبث بعقول الناس، وضروبا ثالثة من الحجر "الصحي"! ! لا يكاد يقارن بها ما يمارس الجانب الذي كره هو ما رآه من إرهابه الفكري.
وأنا لا أحب أن أناقش صديقي الدكتور زكي فيما يثير كراهيته لما يسميه "العودة إلى السلف في رسم الطريق الذي يراد لنا أن نسلكه في أكثر جوانب حياتنا حيوية وأهمية"، وهذا لفظه -لا أريد أن أشرحه ولا أن أحلله في هذا
__________
(*) جريدة الأهرام: 12/ 3/ 1976
(2/941)

الموضع وإن كنت قد تناولت مثله قديما في مكان آخر (1). ولكني أريد أن أنبه الصديق الكريم أن الموضوع الذي تناوله للبيان عن هذا الإرهاب هو موضوع "قطع يد السارق" وموضوع "تحريم الخمر"، قد تناوله بمجلة لا تليق به ولا بأدبه الذي أعرفه، وكنت أحب أيضا أن لا يورط نفسه في مثله وبمثل هذه السخرية الخفية المبنية على قصة هو مسئول عن صحة روايتها عن الشيخ حافظ وهبة، فإن كان الشيخ حافظ قالها كما رواها الدكتور، فهو مسئ فارق الأدب في الحديث عن حد من حدود الله سبحانه. وأما قصة واصل بن عطاء والخوارج التي أدهشت الدكتور زكي، فهي لا تدل على ضيق الأفق كما قال، بل تدل على أن الذين لا يفهمون ما أنزل عليهم من القرآن على الوجه الذي أنزل عليه، ويتلعبون بأحكام الله في كتابه، قوم بلا عقول. وواصل بن عطاء، الذي زعم له الدكتور مكانة دينية وفكرية، هو نفسه ممن أخطأوا الطريق إلى فهم ما نزله الله من القرآن وبلغ هو وأصحابه وشيعته مبلغا من الإرهاب والقسوة والفجور في الحكم، حين صارت إليهم مقاليد الحكم في خلافة المأمون.
أما الفقرة الثانية الخاصة بالمرأة، وقول من قال أنها "سهم من سهام إبليس"، فإن كان قائلها قد أساء من وجه في لفظه، فأغرب من إساءته: ما انتهى إليه الدكتور زكي في تعقيبه بقوله: "أيكون البشر على هذه الصورة الشيطانية الرهيبة؟ ألا نتقى الله في كرامة الإنسان، إذا كنا لم يكن بنا رغبة في أن نتقيه في القيم الحضارية كلها"، فهذا تعقيب في غاية الغلو، وإدراجه تحت "الإرهاب الفكري" مسألة أعجب وليس بى حاجة إلى دلالة الدكتور على أن فتنة الرجال بالنساء، مسألة لا تحتاج إلى إيضاح، وأن قائل تلك العبارة، إن كان قد أساء، فإنه لم يبلغ المبلغ الذي ظنه الدكتور في كلامه، بل وضع لفظا في غير موضعه لا أكثر ولا أقل، لا يعني به أما ولا أختا ولا زوجة ولا كريمات النساء وحرائرهن في أمتنا وفي غيرنا من الأمم.
__________
(1) وذلك في مقاله "مواقف"، يأتي ص: 1051 - 1070
(2/942)

وأما الفقرة الثالثة، التي علق فيها على خبر في تقرير صحفي نشرته الأهرام عن مؤتمر الاقتصاد الإسلامي، وما قاله أحد من سماهم "أئمة الدين": "أن رجال الشريعة، قادرون على أن يقولوا كلمتهم في كل شيء"، فأقصى ما كان ينبغي أن يقال فيها إنها عبارة سيئة أيضا عن معنى صحيح، وهو أن كتاب الله وسنة نبيه، فيهما أصول جامعة، ليستنبط منها علماء الأمة المسلمة في كل زمان طريقا صحيحا للعمل ما استطاعوا. ولا يكون عالما من علماء الأمة من يتكلم في شيء يجهله من شئون زمانه كالذي نراه اليوم ممن يتكلم في الأدب، وهو لا يحسن شيئًا منه، وفي الاقتصاد، وهو يجهل أصوله ولم يتعلمها تعلما كافيا، وفي الفلسفة وهو لا يحسن إلا ما يعرف من قشورها، والدكتور زكي أخبر بهؤلاء وقد تناولهم في بعض ما كتب، مع أنهم يتولون تعليم الفلسفة في الجامعات، كما قال.
وإذن، فالسيل قد أغرق الزُّبى، لا بهذا الذي ذكره في الفقرات الثلاث التي ظن أنها عودة إلى السلف، بل هو قد أغرق الزبى، وغطى قمم الجبال بعبث آخر يجرى في حياتنا الفكرية والعقلية على يد من يكرهون العودة إلى السلف، وعلى كل حال، فأنا سلكت نفس الطريق الذي سلكه أخي الدكتور زكي، في ترك المواجهة بالألفاظ الصريحة الدالة على المعاني الواضحة، وتحيتى إلى الصديق الكريم.
(2/943)

" يحيى حقي صديق الحياة الذي افتقدته"
علاقتى بصديقي يحيى حقي -رحمه الله- بدأت مع بدايات الحرب العالمية الثانية. أو بالتحديد في أواخر عام 1939 لتمتد حتى يوم زيارته وهو على فراش الموت في غرفة الإنعاش .. قبل رحيله ببضعة أيام، لتستمر هذه العلاقة أكثر من ثلاثة وخمسين عامًا استمرار حياتنا، فلا يقطعها إلا سفر له أو لي .. وقد بدأت هذه العلاقة بداية غير مألوفة بالنسبة لي على الأقل. إذ زارنى السفير عثمان عسل، ودارت بيننا أحاديث أحسست خلالها بأن هناك ما يريد أن يقوله، وإذ هو بقائله. وخلاصته أن هناك صديقًا عزيزًا لديه ود التعرف بى. وهو على استعداد لزيارتى. هذا الصديق هو يحيى حقى. وينبهنى عثمان عسل بأمر ربما فزعت له في حينه، وهو أن لا أشتد في المناقشة أو أغلظ في القول معه قائلًا:
"إن يحيى حقى إنسان عذْب الحديث رقيق الحاشية دمث الخُلُق .. فنان إلى أبعد الحدود فلا تشتدّ عليه".
وقد عجبت لهذا التقييم غير المتوقع .. فلا أنا مُغلظ في القول لأحد يزورنى، وليس ما أسمعه عن يحيى حقى ليستحق شدة الجدل أو المناقشة.
وجاء الاثنان يحيى حقى وعثمان عسل. وتحدثنا ساعات طوالًا وتفرّع بيننا الحديث إلى أكثر من اتجاه. حتى حان موعد انصرافهما. وخلال عبارات التوديع التقليدية. نظر إليّ يحيى هذه النظرة الوَدود الحانية وقال برقة بالغة: "أتسمح لي أن أزورك مرة ثانية؟ ".
وعلى قدر ما راعتنى منه هذه المودة وذلك اللطف، بقدر ما كانت دهشتى وعجبى لهذا الطلب الذي لم أتعوّده. فوجدت نفسي أقول له مندفعًا: "يا أخي البيت بيتك وأنا أخوك. وزيارتك لي حق لك ودَيْن عليّ. ثم إن أبغض الأشياء إلى النفس أن توضع الحدود والقيود بين البشر".
__________
(*) جريدة "الأهرام" -العدد 38728 - 18/ 12/ 1992 - ص 8
(2/944)

وفي اليوم التالى فوجئت بمكالمة من وزارة الخارجية ليكون المتحدث هو يحيى حقى حيث كان يعمل بها لتنتهي بطلب الزيارة. وفي هذه اللحظة أيقنت أن يحيى هو صديق الحياة الذي لا يمكن الإبتعاد عنه إلا بالموت و {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}.
واستمرت هذه العلاقة كما قلتُ ثلاثة وخمسين عامًا. وازدادت قوة مع الأيام إلى درجة أنه ترك بيت العائلة وأقام معى في بيتى عشر سنوات لا نفترق فيها قط، ولم يقطعه إلا زواجه الأول من والدة كريمته "نهي" ليعود إلينا بعد وفاتها مواصلًا هذه العلاقة مع إخوة كرام في مقدمتهم فتحي رضوان، وعلى محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، ومحمد لطفي جمعه وإبراهيم صبرى ابن شيخ الإسلام مصطفى صبرى المنفي في تركيا وعثمان عسل.
كانت علاقتى بيحيى حقى مزيجًا من صلات العمل العلمي والأدبى، وخلافات في الرأي ووجهات النظر، مع تباين واضح في الأمزجة والطباع وتبادل لمحات الفكر، وجوانب المعرفة. والحق أنها كانت صُحبة عظيمة خيل إليّ بعدها أننى كنت أعرف يحيى حقى منذ عشرات السنين وذلك لدماثته وأدبه وصفاء نفسه.
كنا ننفق وقتًا طيبًا في قراءة الأدب العربي القديم شعره ونقده ونثره وتاريخه. وكان يحيى أكثر الموجودين التقاطًا للتعبيرات والألفاظ وأسرعهم حفظًا للشعر. كنا نلحظ ذلك إلى درجة أننا فسرناه أنه يريد أن يُحَصِّل في ساعات وأيام ما لم يُحصِّله في شهور وسنين. وكنت والرفاق نعجب لذلك. ويزداد عجبنا حيث نلحظ تنبهه إلى جمال العبارة العربية، واكتشافه المبكر لأسرار بلاغة العرب، وقدرته الفائقة على اختزان كل ما يعرف وتمثله فيما يكتب بأسلوبه وعباراته بغير محاكاة أو تقليد. وإنما باقتدار وفن. براعة جعلته لا يقع فيما يقع فيه غيره من النقاد والأدباء. وهو ما أكسبه شخصية متميزة ومستقلة قائمة بذاتها كامنة في نفسه لا تظهر إلا عند الكتابة أو الاحتكاك بالآخرين. وعلى امتياز يحيى حقى وتفوقه في المجالات التي اختارها لنفسه. كنت ألمح فيه شفافية من الصعب أن
(2/945)

ألمحها في غيره. إلى درجة أنه كان يستشعر أمورًا يصدق فيها دائمًا. ولعله استشعر نهايته في الأيام الأخيرة قبل وفاته حيث أكد لي بأنه يعيش الأيام الأخيرة من حياته. ولم يمض على ذلك إلا أيام دخل بعدها غرفة الإنعاش لأزوره، وتنبهه كريمته قائلة: عمى محمود شاكر. فيرد عليها وقد ضعف بصره تمامًا: أنا لا أعرف أحدًا بهذا الإسم. أعرف محمود محمد شاكر وكأن اختصار ابنته للاسم لم يقنعه. لقد كان يحيى حقى بالنسبة لي أخًا وصديقًا سرنا معًا في زمن واحد، ومشينا في طريق واحد، وكنا ننتهي إلى غاية واحدة ولم يتخلَّف أحدنا عن الآخر حتى فرّق بيننا الموت وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(2/946)

لا تنسوا ..
لا أعلم نكبة نزلت بالشرق العربي والإسلامي بلدا بلدا كانت أفحش أثرًا وأشأم عاقبة من نكبة النسيان والغفلة. لقد نسينا نسيانا تاما أن العالم كما هو في الواقع الذي نشهده بالليل والنهار، قد انقسم قسمين: قسم من الأقوياء، يقع الصراع بين قواه حتى يبلغ الحرب العالمية المدمرة، وهو إنما يصطرع ويقاتل، على القسم الثاني من العالم، وهو الضعفاء. والقسم الأول من هذا العالم يرى أنه هو السيد، وأن القسم الآخر هو العبد الذي لا ينبغي أن يطمح إلا بقدر محدود يُعِينه على أن يكون حسن الإنتاج في خدمة هذا السيد. وهؤلاء الأقوياء هم شيء واحد وإن اختلفت أسماؤهم: بريطانيا، روسيا، أمريكا، فرنسا، هولاندة، أسبانيا. وهم إن اختلفوا فيما بينهم، لا يختلفون أبدا على القسم الثاني من العالم، وهو الشرق المستعبد، ينبغي أن يظل كما هو، وأن يتعاونوا جميعا عليه حتى يبقى كما هو، ومن استطاع أن يستعمر بنفسه فعل، ومن لم يستطع فهو يؤازر أخا له على الاستعمار واستعباد الأحرار. أنه شيء معلوم بالضرورة، لأنه ظاهر بين.
بيد أننا ننسى كل هذا، وقد أنشأ المستعمر مثلا مدارسنا بيديه، ووضع لنا برامجها بنفسه وتولى الإشراف عليها حتى نشأ الجيل الذي يستولى به على أداة الحكم كلها، ومنها وزارة المعارف. فنحن نتعلم في هذه المدارس والجامعات وننسى أن أكثر ما يلقى الينا: أما علم "يصرفنا عن التأهب لقتال الغاصب المستعمر" أو علم يقرب ما بيننا وبينه ليكون التفاهم معه أقرب، والاعتدال في عدوانه أدنى وأسرع، ونحن نتكلم عن الاستعمار الاقتصادى ولكننا ننسى فنعيش بهذا الاقتصاد، وفي ظل نظامه الاجتماعي يوما بعد يوم عيشة اللاهي المستمتع، بل عيشة الذي لا يرى الحياة إلا هذا الضرب من الحياة.
إننا ننسى أن هذه الأمم المستعمرة قد نزلت بكل مكان وكل أرض،
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 7 أغسطس سنة 1951، ص 3.
(2/947)

بجيوشها تارة، وبسياستها تارة أخرى، وباقتصادها تارات أخر، وبحضارتها في كل ساعة من ساعات الحياة التي نعيشها. فإذا رأينا مثلا حوادث تتتابع وتتلاحق فجأة وفي كل مكان، فِكَرنا في كل واحدة منها هي فِكَرُنا في كل واحدة منها على حِدَة ونسينا الذي وراء الستار، نسينا الدافع الذي في يده أن يدفع، وفي يده أن يمنع. تثور إيران، ويضطرب ما بين الهند وباكستان، وتنشب معارك بين بعض البلاد وإسرائيل، وتتقابل أحزاب السودان وتتشقق، وتضطرب معاني القلق في مصر، ويقتل وزير، ويهلك منصوب على عريق من الذهب البريطاني وتقوم مشكلة دولية مفتعلة كناقلات البترول، وتدور تمثيلية المفاوضات بين انقطاع واتصال، وتظهر فجأة المادة الخامسة عشرة من الدستور، إلى ضروب أخرى من الأحداث في كل ناحية من نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية وتأتي كلها في وقت بعينه، ويشغلنا شيء منها عن شيء، وندور مع هذه الأحداث كما تدور، بلا روية وبلا تفكير.
ما معنى هذا كله؟ لا شيء. إن الشرق العربي والإسلامي، يحاول أو تحاول صحافته على الأقل، أن تفسر كل حدث من الأحداث على أنه أمر مستقل، يجعل عامة الناس يقنعون بأنهم عملوا شيئا، أو استطاعوا أن يعملوا شيئا، أو أنهم أرادوا مجرد إرادة -أن يعملوا شيئا يحقق وجودهم في هذه الدنيا. وقلما تجد من يحاول أن يرتاب في الباعث الذي يحرك كل هذه الأحداث مرة واحدة، ويجعلها في أعيننا متلاحقة متداركة، في أوقات متقاربة ومقرونة بضجة صاخبة طويلة عريضة كمهزلة قضايا الجيش! قل أن تجد من يحاول أن يرتاب أدنى ريبة، لأننا نسينا، وأريد بنا أن ننسى أن الاستعمار أو المستعمر موجود بين ظهرانينا، بجيوشه، وباقتصاده، وبسياسته، وبأسلوب تفكيره الذي ارتضاه لنا، وبحضارته التي بثها فينا واستعبدنا لها، وبأداة حكمه من زعماء ووزراء وأعوان لهم في كل مرفق من مرافق الحياة. وبأنظمة حكمه من دستورية واستبدادية وعرفية! فأي نكبة أبشع، وأي بلاء أفظع من أن تفقد الأرض التي اسْتعبِد أهلها من يحذر الناس ويقول لهم: لا تنسوا، وقبيح بكم أن تنسوا أن المستعمر الخبيث قد اختبأ وراء كل عمل يغركم ظاهره.
(2/948)

إنه ليس من المعقول أن تحدث هذه الأحداث فجأة، متوافقة في ترتيب الحدوث، بغير تدبير سابق. فإذا خفي التدبير، وعجز صاحب الرأي عن تفسير الغرض من حدوثه، فليس معنى ذلك أنه ليس تدبيرا مبيتا وأنه جاء فجأة متلاحقا لغير غرض محدود. إن صريح العقل يوجب على كل ذي عقل أن يرتاب، وأن يجعل الريبة مقرونة إلى الاستعمار وأعوان الاستعمار وأن يرى وراء هذه الأحداث شيئا واحدا، هو المستعمر نفسه. ويقتضينا صريح العقل أن ننسى الأحداث نفسها، لنذكر غاصب بلادنا، والمعتدى على حريتنا، ثم نعمل على بث الريبة في كل نفس وكل فكر، فلا نضيع أيامنا وليالينا في النزاع على أحداث لا معنى لها. إلا أن الاستعمار قد نجح في أن يشغلنا عن نفسه بأنفسنا، وفي أن يذكرنا بهذه التوافه الصاخبة، لننسى القارعة الكبرى، وهي وجوده في صور مختلفة عميقة في حياتنا بالليل والنهار.
من الغفلة أن تصطخب الأصوات، ويصطرخ المتنازعون في الدستور وغير الدستور، وفي المذاهب وغير المذاهب، وفي رفع مستوى المعيشة وغير المعيشة، وفي أخطاء وزراء الاستعمار وغير وزراء الاستعمار، ويظل اسم بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا وهولاندة وأسبانيا ضميرا غير مذكور، ومنسيا غير معروف، وغائبا غير مشهود. إن الحياة لا تعاش بالأوهام، وإنما يعيشها من أراد أن يعيش بالإرادة الصادقة، وبالرأي الصريح، وبالهدف البين، وبالحق الذي لا يتجزأ، وبالمشقة التي توهن البدن وتستهلك القُوَى. فإذا أردنا الحياة، فإنما حياتنا أن نعرف العار الذي ألبسنا ذلة الاستعمار، فلا ننام حتى ننفض عنا الذل، بإعلان العداوة لعدونا الواحد الذي يتسمى بأسماء كثيرة في هذه الأقاليم المتراحبة من تخوم الصين إلى حدود المغرب الأقصى.
اذكروا اسم عدوكم، فإن نسيانه جريمة. واعرفوا عمل عدوكم فإن جهله هو الذل، وحرضوا أنفسكم على أن تقاتلوه بالليل والنهار، في تفكيركم وأعمالكم، وفي بيوتكم وشوارعكم وفي كل شيء من أشياء الحياة له فيها أثر ظاهر أو رسم خفي. لا تنسو، فإن النسيان هو الهلاك. . . .
(2/949)

عدوى وعدوكم واحد!
أخي علال الفاسي. . .
. . . لقد أوشكت أن أقول "عدونا وعدوكم واحد"، ولكني آثرت أن أسند العداوة إلى المفرد: لأسباب كثيرة منها: أننى أحببت أن تكون هذه الرسالة كأنها موجهة إليك من كل قارئ، بل من كل عربي، فأنت تسمع أصواتهم جميعا، تعج في مسامعك بلفظ واحد: "عدوى وعدوكم واحد". وبذلك ترى آلافا مؤلفة قد رفعت لعينيك وأن تقرأ، وكل منهم مستقل بعداوته، فإن غاب واحد أو اثنان أو ثلاثة أو عشرات لم يقدح ذلك شيئا في كثرة الداعين والهاتفين. ثم هو أدل على أن استقلال كل فرد بعداوته ينطوى على عزيمة ونية ثابتة لا تتحول ولا تتأثر بتغير الأحوال، وعلى أن كلا منهم لا يرى أنه فرد مسوق في جمهور صاخب، بل يرى أن الآلاف المؤلفة من حواليه صور قد لبست الفكرة فعاشت بهم، ومشت بهم، ونطقت بهم وستعمل بهم عملا ينبغي أن يتم لأنه إرادة وعزيمة ونية وهدف، لا حياة إلا بتحقيقها جميعا.
بل لعلي آثرت هذه الصيغة ليكون قارئها في هذه الصحيفة، مستشعرًا معنى العداوة في نفسه، وهو يخاطبك من خلالها بلسانى، فإذا ألح عليه تأمل هذا المعنى فتح عينيه على حقيقة العداوة، ما هي؟ ولمن هي؟ وكيف تكون؟ والإجابة على هذه الأسئلة الثلاث هينة، ولكنها تدلس بهوانها في بادئ الرأي. فهي في الحقيقة شاقة عسيرة، تحتاج إلى تفاصيل كثيرة، لو ذهب إنسان يحصيها، ويمحص ضروبها وأنواعها، ويميز بين طيبها وخبيثها، لاحتاج إلى مجلد ضخم، لا إلى أسطر في رسالة، أو مقالة في صحيفة، أو فصل في كتاب. ما العداوة؟ أهي مجرد البغضاء والحقد؟ إذن، فهي سفه وسوء خلق. أهي مجرد الشعور بأن تكره إنسانا ما، أو ناسا ما، لأنك تحس بهذه الكراهة بلا سبب بين عندك، أو بسبب بين ولكنه لا يزيد على أن يجعلك تكره وينطقك بهذه الكراهة؟ وإذن فهي إضاعة لجهد النفس، وإفساد لصحة الرأي. والعداوة بهذه
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 24 أغسطس سنة 1951، ص 3.
(2/950)

المعاني وأشباهها لا نبل فيها ولا شرف. وأختصر هذا التفصيل إلى ما تحققته أنا في نفسي من معنى العداوة، ولست أشك أنك قد تحققت مثله، وأن كثيرين غيرنا عرفوه وأدركوه. فنحن نعادى الاستعمار -مثلا- لما فيه من بذاءة العدوان على أصحاب الحرية، ولما فيه من فجور الطغيان على الضعيف العاجز، ولما فيه من الشره على احتياز الخير لنفسه ومنعه عن أهله ومن هم أحق به، ولما فيه من خسة الهدف لأنه يعمل على إسقاط همم الناس والتغرير بهم وتنويمهم حتى لا يفيقوا فيستخرجوا حقهم بأيديهم من الغاصب، ولما فيه من لؤم الطبيعة الدافعة إلى احتقار جماعات من البشر، لا لشيء إلا لحب المال وحب السيطرة، وحب العلو في الأرض، ولما فيه من التفريق بين بنى آدم على أساس المعدة والشهوة والترف، ولآلاف من المعاني الرديئة التي لا يحصيها حصر، ولا يجهلها سليم الفطرة من الناس.
فنحن نعادى إذن هذه المعاني الخسيسة، لنحب أضدادها من المعاني النبيلة، وذلك لا يتيسر إلا بإدراك كل هذه الخساسة التي يتضمنها الاستعمار، فإذا أدركناها فعلينا أن نجتنبها في الخاص من أمورنا نحن وفي العام منها. فأول معاني العداوة إذن هو إدراك الخسيس وتجنبه، وإدراك النبيل والعمل به والحرص عليه. وتحصيل ذلك يتطلب من كل فرد يعادى الاستعمار أن يدور بعينيه وبرأيه وبفكره في كل ما يحيط به ليعرف مواضع الخسة واللؤم والبذاءة، ويفعل مثل ذلك في تمييز المروءة والنبل والطهارة وأعمال الفضيلة، ويمثل معانيها أعمالا في نفسه باتباعها، وبدعوة إخوانه إلى فعل ما يفعل، ونهيهم عن ارتكاب هذا الحشد البغيض من مثالب الاستعمار، وأخلاقه التي أنشأته ومكنت له في الأرض.
ونحن لا نعادى الاستعمار، إذا نحن لجأنا في مقاومته وقتاله إلى نفس الأخلاق التي منها نبع. ولا نعادى الاستعمار إذا عشنا حياتنا بما يعيش هو به من الطغيان على الضعيف والعاجز، ومن الشره الظالم لحقوق الناس، ومن الخسة في التغرير بهم وتنويمهم وإسقاط هممهم، ومن لؤم الطبيعة في إحتقار بعضنا بعضا، ومن حب المال والسيطرة والعلو في الأرض، ومن جعل حياتنا معدة وشهوة وترفا
(2/951)

ومتاعا لا نبالى معه أن نظلم ضعيفا، أو نجور على غير قادر، أو نغتال حق رجل منا لا فضل لنا عليه ولا ميزة، إلا أن يكون فضلا مغتصبا، وميزة ندعيها.
وإذن فالعداوة، إدراك صحيح، وعمل صادق، إذا لم يتحققا جميعا صارت العداوة لغطا نتشدق به، لا معنى له ولا خير فيه. وهي شيء ينبغي أن يحققه كل فرد بنفسه وفي نفسه أولا، مستقلا عن سواه بمجهوده وعمله، ثم يصير الأمر عمل جماعة لأن الفكرة الواحدة كالضوء مصدرها واحد، ولكنها تجمع الآلاف وتنير لهم الطريق، كل على قدر ما يستطيع، وبقدر ما أوتى من بصر ومعرفة، فكلهم يعمل، لأنه يرى ويبصر ماذا يعمل وفيم يعمل. هذه واحدة، لعلى وفقت في بيان بعض معانيها.
أما لمن تكون العداوة؟ فأظننى قد بينت عن العدو، وهو الاستعمار، ولكنه بيان غير كاف. وأشهدك على أن بيانه متعبة شديدة، فهو متلبس بكل شيء. متلبس بهذه الدول الطاغية التي تتناحر فيما بينها على غير معنى نبيل للحياة الإنسانية، والتي اعتدت على أكبر جزء من العالم لتستغله وتستعبده، وتبقيه أبدا غير مطيق للنهوض بنفسه، إلا معتمدا عليها. وهو متلبس بنفس الحضارة، التي تحاول أن تزعم نفسها حضارة إنسانية شاملة، وهي ليست إلا حضارة نابتة في جزء صغير من العالم، ويريد أن يفرضها على العالم كله بسيئاتها جميعا، وذلك الجزء الضخم من العالم لم يشترك في إيجادها ولا في رعايتها ولا في إمدادها والقيام عليها. وهي حضارة لا تقوم على فكرة تدعو إليها، بل على سيطرة تريد أن تضربها على قلوب الناس وعيونهم وبصائرهم، ولا أصل لها في هذه القلوب، وهي لا تهدى عيونهم، ولا تنير بصائرهم، بل تقودهم بعمى الشهوات والفتن والجهالة، إلى غرض واحد، هو أن يعيش هذا الضرب من الحضارة سيدا على هذه الأرض.
فنحن إذن ينبغي أن نعادى شيئا كثيرا، بل أشياء كثيرة تعترف عقول كثيرة أيضا بأنه جزء لا غنى عنه للحياة الإنسانية فيما يزعمون، ولكن هل يمنع ذلك أن يكون الحق حقا أبدا؟ مهما تنوعت أسماء الدول المستعمرة، ومهما كثرت،
(2/952)

فهي فيما ينبغي لنا أن نعرفه، دولة واحدة. ومهما تفرقنا نحن في الأرض التي خضعت لهم، فينبغي أن نكون عداوة واحدة لهذه الدولة، الواحدة الحقيقية، المختلفة الأسماء. والحضارة التي قامت في هذه الدول، نبعت فعلا من نفس الأخلاق التي جعلت الاستعمار كما وصفناه طاغيا باغيا شرها خسيس الغرض، لئيم الطبع، جريئا على إهدار الكرامة الإنسانية. فينبغي إذن أن نعاديها بنفس الأسلوب الذي نعادى به الاستعمار. وإذا ظن أصحاب هذه الحضارة أن حضارتهم ينبغي أن تشمل الأرض جميعا، بالأساليب التي يتبعونها في بثها، لتكون لهم ثمرة جهود العبيد الذين تستعبدهم لخدمتها فعلينا نحن أن نستيقن أن كرامة الإنسان لا يمكن أن تهدر، وإن إنشاء الحضارات شيء قائم في طبيعة الجنس البشرى، قد أوتى القدرة عليه منذ وجد على الأرض بلا أداة، ولا علوم، وبلا فنون، وبلا صناعات. ومن الجهل أن نعتقد أن الجنس البشرى يتقدم أو يترقى بهذه الحضارة، في حين نراه قد انقسم هذا الانقسام الشنيع إلى: طاغ ومحطم، إلى: ظالم ومظلوم، إلى: آكل ومأكول، إلى: حي يستأثر، وهالك يستغيث. ولن يضيرنا شيئا أن نعادى هذه الحضارة، لأننا بالفطرة قادرون على إنشاء حضارة أفضل منها، إذا أقمنا عداوتنا على الأصل الصحيح، وهو بغض الفساد، وحب الإصلاح، وكراهة الشر وإلف الخير، وتحقيق معاني ذلك كله في حياتنا كلها بالليل والنهار، في بيوتنا وشوارعنا، في معاملاتنا وخصوماتنا، في صغير أمورنا وكبيره، غير غافلين ولا متهاونين ولا متعجلين أيضا، فعندئذ سوف ينبثق على هذه الأرض نور جديد يمحو هذه الظلمات الباغية التي أطبقت على العالم، وسنكون نحن هداة هؤلاء -الذين عاديناهم- إلى طريق صحيح، يعرفون به كرامتهم، لأنهم عرفوا للناس كرامتهم، ويهتدون إلى السكينة التي فقدوها في عالمهم هذا، لأنهم سوف يعرفون أن للحياة معنى أكبر من معنى الاستئثار والغلبة والترف.
ولن نبلغ هذا المبلغ إلا بأن نبنى أعمال حياتنا على غير ما بنيت عليه أعمال حياتهم، ولو اتخذنا نفس أساليبهم، ونفس أفكارهم، ونفس أضغانهم على
(2/953)

الجنس البشرى فنحن إذن مثلهم في الشر، بل هم أقوى منا فيه لطول ممارستهم له، ولاجتماع قوى الشر كلها في أيديهم، بل أفظع من ذلك أننا لن ننال شيئا من الحرية، لأننا أتباع مقلدون، نشعر في أنفسنا أننا أتباع وخدم، وإننا عاجزون محتاجون إلى هذا المدد المستمر من نفس عدونا. وبئس المصير!
أما السؤال الثالث، فخيل إلى أنى أجبت عن بعضه في تضاعيف كلامي، وأنا أدع لك تفصيل وجوهه وأسبابه ووسائله فإن ذلك يسير عليك، وعلى كل إنسان صدقت عداوته لعدوه، وعرف الحق فاتبعه في نفسه قبل أن يحمل الناس عليه ويدعوهم إليه. والسلام.
(2/954)

أندية لا ناد واحد ..
من أكبر الغفلة أن يظن ظان أن السياسة المصرية، بل الحياة المصرية، كانت تستمد أصولها من قلوب المؤمنين بحق بلادهم في الحياة وفي المجد، وأنها كانت خالصة من كل شائبة تفسدها أو تحولها إلى وجهة بعيدة كل البعد عن الصراط المستقيم. حسبك أن تعلم أن في مكان ما، مستعمرا ما، حتى يملأ قلبك اليقين أنه لن يدع الأمور تجري على ما يتفق بغير تدبير ولا سياسة ولا ضبط ولا فكرة. بل ينبغي أن تعرف كل المعرفة أنه لابد له من أن يكون شديد الحرص على أن يقلل أسباب القلق والمخاوف والريب، أو أن يمحوها محوا إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وأنه من أجل ذلك ينبغي أن يكون عظيم الحذر، خفي الكيد، رفيق العمل، بالغ الأناة، واسع الحيلة. ولن يبلغ ما يريد من ذلك إلا بأن يستخفي هو عن عيون الشعوب ما وجد إلى ذلك طريقا. وكيف يستخفي إلا بأن يصطنع من أنفس الشعب ناسا يطمئن إلى أنه منه، لأنهم يمشون في ثيابه، ويتكلمون بلسانه، حتى يتشبه على الشعب فيما بعد أمر الصالح والفاسد من أبنائه. فإذا بدأوا يعملون ظنهم الشعب منه، وهم في الحقيقة عدو له. وتجري الأمور عاما بعد عام وجيلا بعد جيل، حتى إذا بلغ الأمر مداه، صار تمييز الحق من الباطل، والبرئ من المجرم، قضية معقدة تحتاج إلى فطنة وتتبع واستقصاء، وتفتيش عن خبايا الأعمال والأقوال، وعن أسرار المودات والمجالس، وعما وراء الأستار الكثيفة التي يعيش فيها كل إنسان على حدة.
كشف اللواء الجديد عن أخبار نادى الشرق الأوسط الذي ذكره جون كيمش في كتابه "الأعمدة السبعة المنهارة"، وجاء في وصفه أنه: يضم موظفين بوزارة خارجية بريطانيا، وأكثر موظفي سفاراتها ومفوضياتها في الشرق الأوسط، وموظفي حكومة فلسطين، وموظفي شركات البترول، وبخاصة
__________
(*) اللواء الجديد، 28 أغسطس سنة 1951، ص 5 - 6.
(2/955)

الموظفين والضباط السابقين الذين خدموا في الشرق الأوسط من عهد لورنس إلى الآن. . . .".
ولكن لم يزد جون كيمش على أن رفع الغطاء عن أصابع أقدام المارد المتلفع في أثياب الحياة المصرية الحديثة كلها.
وهذه الأصابع أهون ما في الأخطبوط المارد.
أين هذا النادى من معاهد التعليم الأجنبية التي تتلقى أبناء مصر وبناتها لتنفث في قلوبهم وعقولهم سحرا يدب في عروقهم ما عاشوا بين الناس؟ أنها بنيت للعلم، هكذا يقال. والحق أنها بنيت لأغراض كثيرة من الاستعمار: منها استعمار القلوب والنفوس والعقول والأهواء. ومنها تليين هذه الفطرة العاتية في الشعوب -وهي كراهة العدو. فعلم هذه المعاهد أن تسل من القلوب الغضة أسباب هذه البغضاء، حتى تألف عدوها فلا تنكره ولا تمقته، بل أكبر من ذلك: أن يستحيل عليها يوما ما أن تقاتله صادقة مستعلنة، أو تطاعنه جريئة مستبسلة. فأين إذن هذا النادى من معاهد الاستعمار أمثال الجامعة الأمريكية ومدارس الليسيه، والمدارس الإنجليزية، ومدارس الجزويت والراهبات وأشباهها، هذه تتدسس في القلوب والعقول والأفكار والبيوت، وفي كل الحياة العامة. فيا بعد ما بينهما!
أين هذا النادى من الأساتذة في الجامعات المصرية الذين نظن أننا نستوردهم لتعليمنا، وهم مستوردون من مصانع تفريخ الاستعمار، يعيشون لغير العلم، ويعملون لغير العلم، ولهم نشاط ضخم في غير العلم، وأكبر همهم أن يبثوا في أبنائنا ما يبعد كل البعد عن حقيقة معنى العلم؟
أين هذا النادى من أندية الشركات المختلفة الجنسية المتفقة الغرض على استعمار أرضنا؟ تستجلب من يصلح لها من المستأجرين صغارهم وكبارهم، وتمهد لهم وتعينهم وتمكن لهم تمكينا، رأيناه يفضى أحيانا كثيرة إلى أن نرى من هؤلاء وزراءنا ورجال سياستنا وأعوان حكوماتنا؟ وأين هذا النادى من أندية الآلاف المؤلفة من المهاجرين المستعمرين الذين استوطنوا أرضنا حتى ملكوا تجارتها وصناعتها وأرزاقها جميعا، وخالطوا الناس وعاملوهم وصادقوهم،
(2/956)

وجاذبوهم الأحاديث في شئون كثيرة، وأهدوا إليهم من الآراء والأفكار ما بلغ خطره على الحياة الاجتماعية والسياسية مبلغا يعجزك تقدير خطره عن الأمم؟
أين هذا النادى من أندية أعوان الاستعمار الذين انبثوا في الصحافة، فوجهوها وجهة معينة في هذا القرن؟ أين هذا النادى من الأقلام الدخيلة المتسترة باسم العلم والفن والأدب والسياسة، وعملها موغل في التغرير بالجمهور المتطلع إلى الفهم والمعرفة؟ أين هذا النادى من الإذاعات العامة، كالسينما والراديو والتمثيل وأشباهها، وهي جميعا ملوثة بالفساد تعمل في تحريكها أصابع لا ترى، وألسنة لا تسمع، تبث في الناس ما تبث باسم اللهو والتسلية والترفيه، وفيها السم الذي لا ينجو ذائقه؟ أين هذا النادى من أندية مبثوثة في كل منزل، وفي كل طريق، وفي كل مكتب- تعمل باسم الصداقة أو باسم الخدمة العامة، أو باسم التجارة، أو باسم العلم والأدب؟
مئات من الأندية ورثت نادى كرومر في بيت نازلى، ومئات من الأندية ورثت أندية الأسواق التجارية الماضية. فلو نحن راجعنا تاريخ الأسماء التي وقعت في يدها مقاليد الحكم، أو كانوا أعوانا لهذا الحكم، لعرفنا جذور الفساد، وعرفنا أنها غاصت في أرض خبيثة، استطعمت منها أخبث غذاء، لتكون نكبة ماحقة مستشرية في الشعب المضلل.
وأندية أخرى مثل هذه الأندية تقوم الآن في كل أرض للاستعمار فيها قدم، أو له فيها مطمع: في جزيرة العرب، في الشام، في لبنان، في العراق، في اليمن، في بلاد المغرب، بل في سائر بلاد الشرق. ويخرج من مجموع هؤلاء جميعا ناد أكبر من هذه الأندية جميعا، هو النادى المختلط الذي احتكر، أو أراد أن يحتكر، الكلام باسم هذه الأمم، ويتولى قيادتها وتصريف شئونها، ويذيع على الشعوب المغررة معاني لم تستمد أصولها إلا من الكذب والغش والفساد، ومن التجارة البشعة بمستقبل الحياة الحرة في هذا الشرق، لقاء عرض زائل من مال يثمرونه، أو شهرة يستمتعون بها، أو مجد يحلمون به.
(2/957)

ولكن حذار حذار، فإن النائم لابد له أن يستيقظ، والجاهل خليق أن يتعلم، والذاهل يوشك أن يفيق، فيومئذ لا يغني شيء عن العاقبة التي يرونها عيانا، ويومئذ يعلمون الحق علم اليقين. وذلك يوم قريب.
(2/958)

لا تخدعونا!
كتب كاتب في الأهرام يعلق على موقف روسيا من مسألة قناة السويس، وأراد أن يفسر مسلك موسكو في هذا الأمر، وزعم بعد التطويل أن الخطأ خطأ وزير الخارجية النشيط، إذ تأخر عن الاتصال بموسكو، فسبقته إسرائيل إلى الاتصال بها، فغيرت روسيا موقفها من أجل إسرائيل.
وهذا الضرب من التفسير، يراد به دائما أن نظل عالة نمد أيدينا إلى الأمم والدول، نطلب منها النصرة، ونخيل إلى أنفسنا أن لو فعلنا ذلك، لاستطعنا أن نصل إلى كثير، لولا تقصيرنا. وهذا الكاتب يخدع الناس .. فروسيا -وغير روسيا- لها سياسة هي بها أعلم، وهي إليها تسعى، ووزير الخارجية لا يعرف شيئا عن هذه السياسة، ولا يمكن أن يعرف، ومهما فعل فلن يغير شيئا منها، ولن يستطيع بلباقته المشهورة! ! أن يحول هذه السياسة إلى مصلحة بلادنا، وإسرائيل لم تكن هي التي غيرت سياسة روسيا فجعلتها تخذلنا بعد أن تظاهرت بنصرتنا. بل الحقيقة أن لروسيا أغراضا في مجلس الأمن وغير مجلس الأمن، -ولها سياسة ثابتة تعرفها- لا تغير بهذه السهولة بين عشية وضحاها من أجل إسرائيل، ومن أجل نشاطها السريع الحاسم، كما يزعم هذا الكاتب.
كان أولى بالكاتب الفاضل، أن يبين لقراء الأهرام أن الشعوب التي تطلب الحرية، ينبغي أن لا تصدق الدول التي صارت كل صناعتها في العالم أن تسلب الناس الحرية، وتأكل الأمم أكلا لا يبقى على إنسانية ولا كرامة ولا شرف. حطموا هذه الأقلام الكاذبة، فقد قادتنا زمنا طويلا إلى اليأس والانحلال. كنتم بالأمس تهللون لروسيا وأنتم لا تعلمون، ماذا تخبأ، ويتأثر الشعب بتهليلكم ويفرح ويأمل، ثم يصبح وأنتم تنوحون وتفسرون! ! ليتأثر الشعب ويحزن بنواحكم ثم ييأس. وكأنكم تريدون أن تدعوا هذا الشعب يعيش في بلبلة دائمة
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 4 سبتمبر سنة 1951، ص 5
(2/959)

بين الفرح والحزن، والأمل واليأس، حتى يتحطم في أيديكم وأيدى الاستعمار هذا ما تفعلونه عامدين وغير عامدين.
(2/960)

احذروا أعداءكم!
تكاثر الحديث فجأة عن إلغاء المعاهدة، ولم يبق لسان ولا قلم لم يجر عليه حديث إلغائها، ولكني وقفت طويلا أتردد أن أغمس قلمى أو لساني في شأنها، حتى يستقر قرارى على ما ينبغي أن أكتب أو أقول. ثم تبين لي أن ثقل الصمت أفدح من وزر الكلام. وتبين لي أنه لابد من بيان وتفسير لما نحن فيه، وإلا فنحن صائرون لا محالة إلى مصير مفزع تسوقنا إليه سياسة الاستعمار. فإذا لم نفهم الآن كل الفهم ماذا يريد بنا عدونا، فلن نجد غدا من شره نجاة، وسنظل دائما في حيث أراد بنا أن نكون، وسنسير أبدا إلى حيث يريد لنا أن نسير.
وقبل كل شيء، ينبغي أن نفرق بين الشعب والحكومة. فالحكومة في البلاد المنكوبة بالاحتلال، جزء من نظام الاستعمار، ولو زعمت أنها مستقلة في تصريف سياستها. ومن خداع النفس أن يتصور إنسان أن الحكومة تمثل إرادة الشعب، أو تفكر مثل تفكيره، وبخاصة إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن جميع حكومات الاستعمار، لم تستنكف أن تعاونه مرات، وأن تخضع لما أراد أن يخضعها له، وأن تبقى في مناصب الحكم وهي تعمل بأمره وتحطب في هواه.
وطريقة الحكومات في البلاد المحتلة، هي أن تهادن الغاصب وتفاوضه وتعاهده، أما الشعوب فلا تعترف بالمهادنة والمفاوضة والمعاهدة، إلا أن يدعى مدع أن الحكومة تمثل الشعب، فإذا رضيت هي شيئا، فالشعب راض عنه! وهذا باطل من أساسه، لأنه مناقض لطبيعة الحق الخالد: وهو أن الشعوب لا ترضى أبدا بالاستعباد وإن جاء في صورة معاهدة.
فالحكومة والشعب شيئان مختلفان كل الاختلاف في عهد الاستعمار، ومن أجل ذلك كانت كل معاهدة بين الحكومة وبين حكومة الغاصب المستعمر، معاهدة باطلة من أساسها. والشعب لا يطالب بإلغائها، لأنها ملغاة فعلا في
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 18 سبتمبر سنة 1951
(2/961)

نظره، لا يعترف بها أبدا: لأنها معاهدة معقودة بين المستعمر وصنيعة المستعمر، فهي لا تتعدى أن تكون معاهدة عقدها المستعمر بينه وبين نفسه.
فإذا جاءت ساعة رأينا فيها الحكومة الضالعة مع المستعمر تقول: "لابد من إلغاء المعاهدة"، وسمعنا أصوات الشعب تردد الكلمة: "لابد من إلغاء المعاهدة" فربما خيل الى الناس بل الى الشعب نفسه أحيانا، أن معنى الكلمة واحد في لسان الحكومة وفي لسان الشعب. ولكن هذا باطل، وغير معقول أيضا، بل هو ما قيل فيه: "كلمة حق أريد بها باطل".
كلمة الحكومة قاصرة على الإلغاء القانوني، واستبدال معاهدة بأخرى، لأن المعاهدة التي يراد إلغاؤها قد استنفدت أغراضها مثلا. أما الشعب فلا يذهب هذا المذهب في الإلغاء القانونى للمعاهدات بين دولتين مستقلتين، بل يريد أن لا يعترف بهذه المعاهدة، ولا بإبرام معاهدة بين الحكومات الضالعة مع المستعمر وبين الاستعمار، وأن هذه الحكومات لا تمثل إرادته، وأنه أراد أن يقول إنه عازم على أن يجعل عدم اعترافه بالمعاهدات أمرا واقعا، وإنه سيقاتل المستعمر بطريقة الشعوب في طلب الحرية .. أي بقتال المستعمر في كل زاوية وطريق، بالليل والنهار، وبكل أداة يملكها، وبكل وسيلة يطيقها، رضيت الحكومات عن ذلك أو لم ترض وما أبعد ما بين المعنيين! بل هما غرضان متناقضان.
وإذن، أليس عجيبا أن تكون طائفة الساسة الذين عقدوا معاهدة سنة 1936، هم أنفسهم الذين يذمون هذه المعاهدة نفسها يطالبون بإلغائها! وهم أنفسهم أصحاب مبادئ المهادنة المعتدلة التي لا ترى محيصا من عقد معاهدة أخرى مع المستعمر! وهم أنفسهم الذين كانوا منذ أيام قلائل يفاوضون ويذهبون ويجيئون للاتفاق على نص يرضى الشعب فيما يزعمون! أنه لعجيب، ولكن لابد من تفسير:
انتهت الحرب الماضية، وعلمت بريطانيا أن شعب مصر والسودان، بل شعوب العالم العربي والإسلامي، تموج بآلاف من قوى مختزنة في الشباب وغير الشباب، وأنها توشك أن تنفجر، وأنه لابد من تبديد هذه الطاقة المختزنة قبل أن يحين انفجارها.
(2/962)

وكادت الثورة تندلع في سنة 1946، ولكن سرعان ما حولت عن وجهها، إلى الخديعة الكبرى المعروفة بتعديل المعاهدة، وشغل الناس بها زمنا طويلا، وانبعث أشقاها يتولى حوك هذه الخديعة وإطالة أمدها، وهو بطل قديم من أبطال الساسة الدجاجلة صنائع الاستعمار. وأفلح الخبيث، وفازت بريطانيا بعض الفوز. ولكن لابد من تبديد الطاقة، فإنها أكبر من أن تقضى عليها خديعة واحدة. فإذا بريطانيا تمكن لليهود كل التمكين هي وأعوانها، وإذا الدول العربية جملة واحدة تنزلق إلى ما تريد، فتدخل حرب فلسطين بجيوشها، وإذا الهزيمة المنكرة، وما تبعها من اضطهاد وتشريد واستبداد ومخاوف بالليل والنهار. ولم تكد تنتهي هذه الخديعة، حتى جاءت الانتخابات المضحكة التي انتهت بمجيئ الوفد فجأة إلى الحكم، بعد اليأس كل اليأس من عودته. وما هو إلا قليل، حتى أثيرت القضايا الكثيرة الملوثة التي شغلت القلوب والعقول، ثم انتهت أيضا بما نعلم من الركود والخيبة، وانتصار الخيانات وأصحاب الخيانات. وفجأة ينبعث من كل مكان ضجيج وعجيج في فضائح الاستبداد والظلم والاستبداد والفجور وتبديد الأموال وقضايا الحرية.
وأخيرا ينفجر في هذا الجو الصاخب الثائر، صخب أشد منه. من أين؟ من معسكر الحكومة: إلغاء المعاهدة، إلغاء المعاهدة!
في كل حادثة من هذه الحوادث التي ذكرتها، والتي لم أذكرها، فزعت الأمة كلها: شيبها وشبانها، جاهلها وعالمها، ثم انقلبت يائسة قانطة، وثارت ثم سكنت، واندفعت ثم ارتدت، وغلت ثم فترت. وضاع قسط وافر من الطاقة المختزنة في الشعب شيئا فشيئا. وبدد سخط الألسنة عزائم القلوب. يا لها من نكبة!
ثم يجئ إلغاء المعاهدة، فإذا لسان ثائر يتولى تعبئة الشعب لإلغاء المعاهدة، وهو لسان من ألسنة الحكومة الضالعة مع الاستعمار. وينطلق الشعب يردد: إلغاء المعاهدة! بيد أن الحكومة -كما قلنا آنفا- تذهب في إلغاء المعاهدة مذهبا، أما الشعب فيذهب في الحقيقة مذهبا يناقضه كل المناقضة. فيا له من إشكال عسير معقد!
(2/963)

أن كل عاقل يستطيع أن يسمع همس الاستعمار في هذا الضجيج الصاخب، ويرى أصابعه من خلال الغبار الثائر: ويرى غايته في الاحتيال على تحطيم إرادة الشعب، وتحطيم ثقته بنفسه، وتحطيم إيمانه، وتحطيم تفكيره، وتحطيم أخلاقه وتحطيم عزائمه، وتحطيم قدرته على العمل. والحكومة صنيعة له، فهي أداة من أدوات هذا التحطيم.
وكل عاقل يستطيع أن يرى تماثيل الأبطال القدماء من صنائع الاستعمار، وهي تتهاوى في قبور الثرى، وفي حفر النسيان، وفي مصارع الشيخوخة، وفي مزالق العجز والفناء.
وكل عاقل يستطيع أن يبصر في هذه الظلمة المتبلبلة أنامل الاستعمار -على اختلاف دوله وأجناسه وأهوائه- وهي تصنع للشعب دمى من الأبطال الكذبة، ليخرجوهم على أعين الناس في مسرحية مصارعة الاستعمار بأساليب الشعوب الوطنية، لكي ينخدع الشعب بهم ويطمئن إلى أعمالهم، وليحلوا بعد قليل محل الجيل الفاني من صنائعه. ويتم كل ذلك بأسلوب طبيعي، على التدريج، وبلا مفاجأة، حتى لا يكون الأمر مدعاة إلى الريبة، بل إلى الاطمئنان والرجاء تارة، وإلى الإعجاب والعذر تارة أخرى.
فما الذي يرمى إليه الاستعمار إذن، بأن يدفع صنائعه التي استحدثها في هذا العهد الأخير، لكي يتولوا هم قيادة الشعب، بلسان كلسان الشعب، يستخدم كلمة يريد بها هؤلاء الصنائع معنى، ويريد الشعب معنى آخر؟ يريدون بها معاهدة تلغى وتحل محلها أخرى، ويريد الشعب بها أنه لا يعترف بأية معاهدة مع المستعمر، ولا يريد أن يسمع ذكر معاهدة أخرى، بل يريد الحرية كاملة بلا قيد ولا شرط، ينالها بالطريقة التي تنال بها كل حرية.
هناك وجوه كثيرة لتفسير ما يريده بنا الاستعمار، ولكني سأقتصر الآن على أبشعها وشرها: تلغى المعاهدة، ويتولى الأبطال المزيفون قيادة الشعب إلى جهاد عنيف، هو راغب فيه لا يهابه ولا يتخوفه، ويصطدم بالاستعمار وجنوده بلا تردد، ويتقدمه بعض هؤلاء الأبطال صاخبين مهللين وما هي إلا خطفة البرق،
(2/964)

حتى نرى جيوش إسرائيل (فعلا) على الحدود، وينازلها الجيش المصري دفاعا عن أرضه، وتظاهر مصر دول صديقة كثيرة "حالها كحالنا ويراد بها مثل ما يراد بنا"، وتنبعث حركات كثيرة قد مهد لها في بلاد كثيرة من العالم العربي والإسلامي، وإذا الشرق الأدنى كله فورة متصلة من الاضطراب العنيف، وإذا نحن وهم جميعا في حاجة إلى سلاح ليس عندنا شيء منه، وإذا الصنائع الجبناء يمدون أيديهم مرة أخرى يطلبون الإنقاذ من بريطانيا وأمريكا وسائر دول الاستعمار، وإذا هذا الإنقاذ نفسه يصبح كالدليل على بطولة هذه الدمى، وإذا المعاهدات تعقد في كل مكان كخطفة البرق أيضا، وإذا الألسنة التي دعت لإلغاء المعاهدة، تقذف الجماهير بالألفاظ الغرارة الخداعة التي استعملت في سنة 1936، وإذا الشعب يسكن بعد هذه الجهود المضنية الطويلة، وإذا حرب أخرى تنبعث وإذا جنود الطغاة المستعمرين من كل جنس بين ظهرانينا تغدو وتروح: لها بيوتنا وأقواتنا وأرزاقنا وأخلاقنا ونساؤنا وأبناؤنا وتجارنا وموظفونا، وإذا كل طفيلى من صعاليك الأجانب يصير إلى الغنى بإفقار الشعب، وإذا الحياة كلها متاع لهم وخدم، وتذهب الأموال والأعراض والدماء لكي نعود بعد هذه الحرب الجديدة، إلى المطالبة بإلغاء معاهدة سنة 1951 (مثلا) التي "استنفدت أغراضها"، والتي "أصبحت غير ذات موضوع"، والتي "كانت نكبة"، والتي "وقعت تحت الضغط والتهديد" إلى آخر ما جاءت به ألسنة الأبطال القدماء الكذبة، الذين وقعوا معاهدة سنة 1936.
أنه خطر داهم، فعلى المخلصين في هذه البلوى نظرة الأناة لا العجلة، وأن لا يدعوا قيادة الشعوب إلى جهاد المستعمر تفلت حتى تستقر في يد الأبطال الكذبة، كما أفلتت منذ سنة 1919 وما بعدها. وليعلموا أن ساعة الجهاد والنزال هي التي نحددها نحن لأنفسنا، لا التي تحددها سياسة الاستعمار على ألسنة الدجالين والكذبة والمنافقين من صنائعها. وطريق الحرية شاق طويل، ولكنه وحده هو الطريق.
(2/965)

في خدمة الاستعمار
اقرأ أحاديث هؤلاء الذين تسميهم الصحافة "زعماء" تارة و"ساسة" تارة أخرى، فلا أدري من أي شئونهم أعجب؟ أمن حسن فهمهم لما يدور في عالم نعيش نحن فيه أداة مسخرة للاستعمار؟ أم من دقة بصرهم بما يرضى الدول التي استعمرت بلادنا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؟ أم من براعة ألسنتهم في عرض قضايا الأمم المنكوبة بالاستعمار، عرضا لطيفا هينا رقيقا، يعين الشعوب المسكينة على أن تسكن إلى الأمر الواقع، وإلى الاطمئنان إليه والرضا به، أم من رشاقة اهتدائهم إلى حلول يزعمون أنها ترضى طرفي النزاع؟ وطرفي النزاع -كما هو معلوم بالضرورة- هما المستعمر الذي أهدر حرية الشعوب، وكرامة البشرية، والمستعبد الذي يريد أن يسترد حريته وكرامته.
كلا، بل أخطأت، فأنا لا أعجب في الحقيقة، بل أتقزز وأشمئز، فإن الفرق بين التعجب وبين التقزز والاشمئزاز، هو من الدقة بحيث لا يعدو أن يكون فرقا في صورة التعبير عما تعانيه النفس تفاجئها المعاني المثيرة. ولعلها اختلطت عليّ، كما اختلط علينا كل شيء في هذه السنين السود.
والذي يحمل النفس على التقزز والاشمئزاز، هو أن هؤلاء الزعماء والساسة، مفروض أنهم من أنفسنا، أسماؤهم كأسمائنا، وأنسابهم في الأمة كأنسابنا، ونشأتهم فيها كنشأتنا فكان ينبغي أن يكون إحساسهم بالذل والعار والمهانة كإحساسنا، ولكن يخيل إليك إذا تكلموا، أنهم من عالم غير عالمنا أو من أرض غير أرضنا، فلو طمس اسم أحدهم من حديث يتحدث به إلى الصحافة وثبت مكانه اسم أي انجليزى أو أمريكى أو روسى أو ما شئت، لما أحسست كبير فرق، يميز بينهم وبين أحد من هؤلاء، يكون الرجل منهم كأحسن ما يكون عقلاء الرجال، ولكن فقده للإحساس بالذل والعار والهوان الذي يتمرغ فيه هو وبلاده، يجعل الأمر من الفظاعة، بحيث لا ينفع فيه إحسان ظن ولا حسن تقدير.
__________
(*) اللواء الجديد، عدد 25 سبتمبر سنة 1951، ص 3.
(2/966)

ومن هذه الأحاديث، حديث على ماهر المنشور في الأهرام (السبت 22 سبتمبر الحالي) وقد سئل عن مشكلة السودان فكان جوابه: "ويخيل إلى أنه ينبغي أن نتدبر حقوق السودان وحقوق مصر، والمصالح البريطانية. ففيما يتعلق بالمصالح البريطانية، فإن الرأي عندي -حتى أثناء مفاوضات 1946 - أن تلك المصالح تلخص في مسائل اقتصادية، ومشاكل مواصلات ومطالب استراتيجية ويمكن الاهتداء إلى حل لكل من هذه المسائل يرضى بريطانيا" يا للعجب! "يرضى بريطانيا"! !
وتصوير المشكلة على هذا الوجه اللطيف البسيط غريب جدا! . ولو أنت جعلت آخر هذه الفقرة: "ويمكن الاهتداء إلى حل لكل من هذه المسائل يرضى مصر"، ثم نسبت الحديث إلى إيدن مثلا، لكان كلاما مستقيما مع السياسة البريطانية، لا لبس فيه ولا إبهام، وكلنا قد قرأ مثله للساسة البريطانيين، وفي الصحافة البريطانية، مصورا لهذه المشكلة بنفس الأسلوب، إن لم أقل بنفس الألفاظ. لم يقولوا قط أن السودان ملكا لهم، بل قالوا أن لهم فيه مصالح اقتصادية، واستراتيجية يحافظون عليها، بل هم زعموا أنهم يحافظون على رفاهية السودان واستقلاله. بل أقرب من ذلك أنهم زعموا منذ قديم أن بقاءهم في مصر نفسها ليس إلا للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية والحربية والمواصلات البريطانية، وسلامة الأمن العالمى أخيرًا، وأن هذا البقاء ليس احتلالا بل هو بعض واجبات الصداقة المتينة بين مصر وبريطانيا! !
ولا أظن أن في الدنيا العاقلة مفكر يستطيع أن يفرق كثيرا بين الاحتلال وبين هذه الصداقة المتينة، إلا أن يكون قد زال من نفسه كل معنى من معاني الشعور بالعدل المجرد، ولا أقول أنه قد زال من نفسه كل معنى من معاني الشعور بالكرامة الإنسانية، وبالبلاء الماحق الذي نراه ماثلا في تاريخ الاستعمار، منذ انقض على بلاد الشرق كله، والعالم العربي والإسلامي، من أطرافها، حتى احتل القلب، في هذه النقطة التي يسمونها الآن: الشرق الأدنى.
ولست أدري كيف يستطيع سياسي أن يجهل أن وجود المصالح الاقتصادية،
(2/967)

والاستراتيجية، في أرض معناه إهدار ما يماثلها من مصالح، هي حق أصيل لهذه الأرض وسكانها، وأن الأجنبى المعتدى على هذه المصالح، لا يعتمد في صيانتها إلا على أن يسلب سكان الأرض مقدرتهم على أن تكون لهم مصالح تنازع مصالحه، ومعنى هذا أنه يعتمد على استعباده، ويرتكب في سبيل ذلك كل وسيلة تؤدى إلى أن يجعل سكانها في مرتبة الخدم والأذناب والماشية، فإن لم يفعل، فمنطق الاستعمار يدل على أنه مستعمر شديد الغفلة، لو سمح لأي عنصر من عناصر القوة أن تنازعه في هذا المكان، وأكبر عناصر القوة، هي: الحرية.
فتصوير المشكلة إذن خطأ كله، فمشكلة السودان أو مشكلة مصر -كما يحلو لك أن تسميها- ليست في هذه الصغائر، بل هي أكبر. هي مشكلة إهدار الحياة الإنسانية الصحيحة، والعمل على بث حياة إنسانية فاسدة منحطة، هي مشكلة ضياع الحرية، وسلب الشعوب كل مقوماتها التي تعينها على أن تكون أمما حرة، هي مشكلة تدليس الحياة على الشعوب، حتى تتصور الباطل القبيح، حقًّا جميل الصورة، هي مشكلة إحلال المنافع العاجلة التي تستهلكها الشعوب في حياتها اليومية، محل المنافع الباقية التي تحيى بها الأمم وتقوى وتستمجد.
ونحن لا نطالب بضم السودان إلى مصر، بالمعنى الذي يفهمه ساسة هذا الجيل، ولا أن يحكم السودان من القاهرة أو الخرطوم، أو بالعكس، فإن هذه كلها معاني فاسدة في التعبير، إننا -مصر والسودان جميعا- نريد أن نتحرر من المصالح البريطانية. . . اقتصادية وسياسية واستراتيجية، لتنبعث من قبورها مصالحنا نحن، اقتصادية، وسياسية، واستراتيجية، ولن نصل إلى ذلك إلا باسترداد حريتنا، التي أهدرت في كل شيء، وإنسانيتنا التي أبيدت في كل عمل، وفضائلنا التي ألغيت في كل شأن من شئون الحياة، ونحن لا ندعو إلى هذا في مصر والسودان وحدهما، بل في كل أرض من أراضي بلاد العرب والمسلمين، وغير العرب والمسلمين، افترستها الوحوش الاستعمارية الطاغية في العالم، التي جعلت المصالح الاقتصادية والسياسة والحربية مسوغا تستحل به إهدار الحرية، وإهدار الكرامة، واستعباد البشر.
(2/968)

وإذن فالمشكلة أسمى بكثير مما يتصور هؤلاء الساسة والزعماء، أنها مشكلة إنقاذ ملايين البشر من الانحطاط الخلقي والعقلي والنفسي، واسترداد ما دمره الاستعمار من مقومات الحياة الإنسانية في هذه الرقعة المترامية من الأرض وإحياء المعاني الصحيحة للحرية والكرامة والشرف، وقتل الوحش الاستعمارى الذي يريد أن يفرض على البشر، أن يرضوا بسيادته ووحشيته، لكي يضمن هو مصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي يقتتل عليها بالليل والنهار، والتي توشك أن تدمر عليه حضارته التي يستعز بها، ويستعلى، في هذه الحياة الحاضرة.
إنها ليست مشكلة ساسة وزعماء، كساستنا وزعمائنا بل مشكلة أحرار، يتولون حلها بأسلوب الأحرار، في حل مشاكل الظلم والاستبداد، واللؤم والجشع والخسة، والكذب على الناس، والتغرير بالبشر، أنها مشكلة الحق والباطل، مشكلة النور والظلام، مشكلة الذل والكرامة.
(2/969)

حكم بلا بينة
يوشك تاريخ الإسلام أن يصبح لهوًا على الألسنة، ولغوًا في الصحف، ومرتعًا للظن المتسرع دون اليقين المتثبت، وهدفًا لكل متقحم (1) على الحق بمثل جراءة الباطل، ومخاضة يخوض فيها كل من ملك لسانًا ينطق، أو عقلا يفكر، أو قلما يخط. وإنما ابتلى زماننا بهذا لأسباب كثيرة، أولها: أن العصر الذي نعيش فيه يُعجل الناس عن تحقيق معنى الدين نفسه في حقيقة قلوبهم. وآخرها: أن المسلمين في زماننا بلغوا من العجز والقلة والهوان على أنفسهم مبلغًا مهد لشياطين الإنس والجنّ مسالك كثيرة إلى مقر الغرور في بعض الأفئدة، فسوّل لأصحابها فيما يسول أن فهموا الإسلام "فهمًا جديدًا"، فكان لهذه الكلمة سحرها حين مست مكان الغرور والكبرياء من نفوسهم، واحتملهم هذا الغرور على أن يسيئوا الظن بما يفهمون من ماضيهم، جله أو كله، وخيل إليهم سوء الظن أن ذلك هو طريق الحق لإحياء دين الله في نفوسهم وإقامة شريعته في أرضه. ثم خرج بهم مخرجًا أوقع في أوهامهم أنهم قادرون على أن يجددوا أمر هذا الدين، بمجرد النظرة الخاطفة المعتسفة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي تاريخ أسلافهم من المسلمين.
ولا أظننى أخطئ شيئا في التقدير إذا زعمت أن هذه النابتة، لم يبتل الإسلام بمثلها قط، على كثرة ما انتابه من النوابت المتتابعة على مدى عصوره كلها؛ في حال بأسه وسطوته، رفي حال ضعفه وفترته. وهي عندي أخطر النوابت جميعا وأخوفها على دين الله، لأنها نجمت في عصر قد حطم جميع القيم الإنسانية العتيقة، ودمر تراث الأخلاق التي فطر عليها ولد آدم في الآباد المتطاولة. ولا أسيئ الظن فأدعى أنهم يأتون ما يأتون عن عمد، بل أقول إن وباء هذا العصر
__________
(*) المسلمون، العدد الأول 1371 ه/ 1951، ص: 43 - 48
(1) يرد الأستاذ شاكر على ما كتبه سيد قطب في شأن بعض الصحابة. ولم يرد سيد قطب على نقد الأستاذ شاكر، ولكن تصدّى له أحد أصدقاء سيد قطب وهو الأستاذ محمد رجب البيومى، وانظر الجزء الأول، ص: 567 - 579
(2/970)

قد أصابهم، منذ نقله الاستعمار إلى الأرض المسلمة، فنشئوا فيه لا يكادون يحسون بالذي أصابهم من آفاته، فاتسم تفكيرهم من أجل ذلك بسمة التحطيم والتدمير، وسمة الغلو والجراءة، وسمة الإصرار على تحقيق معاني الغرور الإنساني في أعمال الإنسان، وأولها الفكر.
وقد تفشت في أهل الإسلام منذ زمن قريب فاشية شديدة الخطر على تاريخ الإسلام كله، بل على دين الله نفسه. نظرت متعجلة في دين ربها، وخطفت خطفة في تاريخ أسلافها، ثم انتزعت من ذلك كله حكما يدمغ المسلمين جميعا منذ القرون الأولى من الهجرة، باطراح الدين واتباع الشهوات، فزعمت مثلا: أن الإسلام لم يطبق ولم يعمل به إلا مدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدة أبي بكر خليفة رسول الله، ومدة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ثم مرج أمر الإسلام واضطرب!
والخطأ في مثل هذا الحكم الدامغ يكبر عن أن يسمى خطأ؛ إنه الحالقة: حالقة الدين لا حالقة الشعر، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ تستأصل دين الصحابة والتابعين، وتستأصل أمانتهم في تبليغه، وتستأصل ما بذلوه في نشره في مشارق الأرض ومغاربها، وتستأصل تاريخهم، وتستأصل تاريخ الحياة الإسلامية كلها ثلاثة عشر قرنًا! فيا لها من بلوى تستهلك دين امرئ إذا نطق بها، وتخسف بتقوى سامع إذا لم ينكرها. ورَدُّ مثل هذه المقالة، يوجب على منكرها أحد طريقين: إما أن يسرد على القائل بها تاريخ الإسلام كله بجميع تفاصيله، ويقف به على كُلّ موضع منها، وهذا شيء لا يتيسر في كتاب واحد، فضلا عن مقالة، فضلا عن حديث. وإما أن يقفه على فسادها في صريح العقل، ويبين له ما تقضى إليه من بَهْت أمة كاملة، بل أمم بأسرها، بشيء لا يستطيع عاقل أن يحتمل وزره في فكره وتقواه ودينه. وهذا هو أيسر الطريقين، وأقربهما إلى تصحيح المقاييس، وإلى إقامة التفكير على أصل واضح وثيق.
* * *

وكلمة "الإسلام" كلمة شاملة لدين الله كله، وإذا دخلت في حكم قاطع
(2/971)

كهذا الحكم "إن الإسلام لم يطبق إلا مدة رسول الله وأبى بكر وعمر" صار حكما شاملا بطبيعته، فإذا ألقى إلى سامع، لم يجد عندئذ مناصا في العقل ولا في اللغة ولا في البيان، من تعميم الحكم في كل ما يتناوله لفظ "الإسلام". فإذا استمعه سامع كأهل زماننا الذين وصفنا قبل، كان هذا الحكم ظلا كثيفا قاتما كئيبا يلقى على العصور الأولى كلها من قتامه وكآبته، يدفع إلى الاستخفاف والتحقير والغلو في التهزؤ بأهل هذه العصور، والشك في أمورهم، ويعميه عن معرفة الحقائق، ويصرفه إلى البحث عن المثالب يتسرع إليها ويتقممها من كل كتاب ومن كل خبر، والناس أسرع شيء إلى سوء الظن، فإذا كان سوء الظن والثلب والتحقير مما يعينهم على نسبة القدرة والصلاح والعلم والفقه إلى أنفسهم فهم عندئذ أسرع إليه من السيل إلى الحَدُور (1). وإذا كانت نسبة الصلاح والعلم إلى أنفسهم مدعاة إلى صرف أنظار الناس إليهم بالتسليم والتبجيل والإعجاب، فسوء الظن والثلب والتحقير، أسرع في عقولهم وألسنتهم من النار المتضرمة في الهشيم اليابس. وماذا بعد هذه البلوى، إلا أن يصبح تاريخ الأمة المسلمة منذ اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 23 من الهجرة (منذ قتل عمر) إلى يوم الناس هذا في سنة 1371 وقودًا لكلمة يزل بها لسان، ويتبجح بها صوت، وتستخفها أذن؟ أي إنسان يرضى لنفسه هذه الظنة الجائحة، فضلا عن إنسان عاقل، فضلا عن مسلم، فضلا عن مسلم يتقى الله، يرجو رحمته، ويخاف عذابه؟
قتل عمر وخلف أئمة الصحابة، فعاشوا زمن عثمان، وزمن على، وزمن معاوية -رضي الله عنهم-، وبقيت منهم بقية في عصر الأوائل من بني أمية، ثم خلفهم الذين اتبعوهم بإحسان من علماء الأمة وفقهائها وأهل دينها، وهم متوافرون يومئذ إلى أوائل عصر بني العباس، وكانوا هم علماء الأمة، وورثة النبوة، القائمون ببثّ دين الله في الأرض، الآمرون بالمعروف والناهون عن
__________
(1) الحدور: الأرض المنحدرة.
(2/972)

المنكر، المبلغون عنَ نبي الله ورسوله، وعن أصحابه هذا الدين إلى الناس. وبهم بلَّغ المسلمون هذا الأمر كله، وبما بلغونا من أمر الدين قامت حجة الله علينا، وإلى ما بلّغوا كان مرجع أئمة المسلمين وفقهائهم وعلمائهم طول هذه القرون. ولولاهم، ولولا ما بلّغوا لدرست سنة رسول الله، ولذهب الفقه، ولفقد الناس الحجة والبرهان في دينهم، ولما وجدوا وسيلة لتحكيم الله وتحكيم رسوله في شيء مما اختلف فيه من أمر الدين، أفيمكن في العقل أن يوصف العصر الذي كان فيه هؤلاء الأمناء على دين ربهم، بأنه عصر لم يطبق فيه الإسلام؟ ! وأين غابوا جميعا إذا كان الإسلام لم يطبق في زمانهم؟ ولو شهدوا، وصحت هذه الكلمة على زمانهم، فكيف يؤتمنون على ما بلغوا من أمر الدين؟
بل إلى أي شيء يحتَكم قائل هذه الكلمة في الحكْم على عَصْرهم؟ أليس يحتكم ويرجعُ في الحكْم عليهم إلى ما بَلغَه هو من دين الله الذي بلّغوه هُمْ إليه؟ وأنّى له أن يعرفَ الإسلامَ إلّا بما عرَّفوه هُمْ له ولمن سبقه من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ بل كيف يُعْقَل أنْ يبلِّغوا هذا الشيء الذي يستند إليه هذا القائل، ويكونونَ هم أوَّلَ الناقضين والهادمِين بإغفالهم إقامته. بل بعملهم على إقامة خلافه؟ أفي العَقْل شئٌ بعد ذلك هو أَفْسَدُ معنىً ومدخلًا ومخرجًا من هذه الكلمة الجائرة، من هذا الحكم المستأصِل لدين هؤلاء الناسِ وعلمهم وَأمانتهم؟ كبرت كلمة وساء حكمًا.
وأحبُّ أن أزيدَ الأسئلة: ما هو هذا الإسلام الذي لم يطبّق: أكفروا بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ أتركوا صلاتهم وأضاعوها وسهوا عنها؟ أمنعوا زكاتهم واحتجنوها (1) فلم يؤدوا حق الله عليهم؟ أتركوا شهر صيامهم فأفطروه؟ أأبوْا أن يحجوا إلى بيت ربهم قانتين مسبحين مكبرين؟ أعتزلوا الجهادَ بأموالهم وأنفسهم رغبة عنه وحرصًا على الحياة؟ ! أأغفلوا أدبَ الله لهم وأدبَ رسوله؟ أنقضوا عهدَ الله فخانوا الأمانة وبغوْا في الأرض؟ أعطَّلوا أحكامَ الله
__________
(1) احتجنوها: خزنوها.
(2/973)

وفرضوا على الناس أحكامًا من عند أنفسهم؟ أشرَعوا في الدين ما لم يأذن به الله؟ أأبطلوا الحدود ونصروا الخارجين عليها والمعتدين؟ أأعرضوا بقلوبهم ووجوههم عن كل ما تضمَّنَه كتابُ الله، وما احتوته سُنَّة رسوله، وعادوا في جاهليةٍ لا يعرفُ فيها لله دين، ولا يطاعُ له فيها أمرٌ، ولا ينتهي فيها عن منكر، ولا يؤتى فيها معروف؟ أرتكَسُوا هم والأمة كلها قرنًا من بعد قرنٍ في تعطل الإسلامِ في أحكامهم، وفي أنفسهم، وفي أبنائهم، وفي الذين دخلوا في هذا الدين حتى شمل ما بين الهند فرقًا إلى المغرب الأقصى غربًا. ومن حدود الروم شمالًا إلى أقصى الأرض جنوبًا؟ أيّ عاقل يستطيع أن يقول: نعم، في جوابِ سؤالٍ واحدٍ من هذه الأسئلة، فضلا عنها كلها؟
ولو غلغَل المرءُ قليلًا فسألَ نفسه: أمن الممكن لأمّة تنقُض دينها هذا النقضَ، الذي استوجبَ ذلك الحكم، أن تفتح الأرَضين كلها، وتحدث فيها أكبرَ تغيير حدث في تاريخ الجنس البشري كله: تتغير بهمْ ألسنة الناسِ إلى العربية، ودينهم إلى الإسلام، وتنابُذُهم إلى الألفه، وتداعيهم باسم العصبية والجنسية، إلى شيء واحدٍ هو جماعة المسلمين، ويقومُ هذا الأمرُ في الأرض ثلاثة عشر قرنًا، مع شدة ما انتابَ المسلمين على مرّ القرون من النوائب، إلى أن كانت النائبة الكبرى في هذا العصر، وهي نائبة الاستعمار، ويَظَلُّ مع ذلك هذا الرباطُ الوثيق مشدودًا، لا ينحلُّ من ناحية، إلّا تداركته آلاف الأسباب من هذا التراث من نواح أخرى، أكان ممكنًا لهؤلاء الذين خافوا أمانة الله أن يبلغوا هذا المبلغ؟ اللهم اشهد، فإنها كلمة لو صحت لأزالتْ العقول من مستقرّها؟ وصدقَ الله رسولَه والمؤمنين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: 55]. وما من حرفٍ من هذه البشارة إلا أتمه الله على محمد وأصحابه وتابعيهم، إذ كانوا خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في سرّهم وعلانيتهم.
(2/974)

ومن الحق على من وسوسَ في قلبه هذا الحكم الشامل: أن الإسلام لم يطبَّق إلا مدّةَ رسول الله، ومدةَ أبي بكر وعمر، أن يسأل نفسه: بم يصحُّ مثل هذا الحكم؟
إنّ بديهة العَقْل تجيبه بأنه لا يسوغُ لهُ أن يحكم على عصور كاملة بحكم شامِلٍ، إلا بدلائل بينة المعاني صحيحة الأصول؛ وشرطُ هذه الدلائل أن تكون مستقصية لأهل الإسلام جميعًا في كل أرضٍ، وأن تكون شاملةً أيضًا لكل ما يكون به إسلام الناسِ إسلامًا، وأن يكون ما يدّعى المدَّعى أنه قد أبْطِلَ أمرًا من أمور الإسلامِ التي لم يختلف عليها المجتهدون من العلماء والفقهاء، وأن يكون هذا الإبطالُ جاريًا مجرى الشريعة، ومأمورة به كلُّ جماعة يشملها الإسلام. فإذا فقد الحكم هذا الشرطَ، فإنما هو تحكُّمٌ محضٌ وبهتانٌ خالصٌ. ولست أظنُّ في العالم كله إنسانًا يوصف بالمعرفة يستطيع أن يؤيّد هذا الحكم، بمثل هذه الدلائل، على مثل هذا الشرط، مهما أوتى من العلم، ومن التتبُّع، ومن سوء النية، ومن براعة التخلُّص، ومن تمام القدرة على إظهار الباطِلِ في ثيابٍ مزوَّرة من الحق.
وإلا فإن هذا الحكم الشامل، مظلمةٌ جائرة مُبِيرة لأهل العصور الأولى من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، وقادحٌ بليغٌ في دينهم وأمانتهم، وجائحة طاغيةٌ تزيل كل ثقة بهم وبتاريخهم وأعمالهم، وناقضٌ مُدَمّر ينقضُ كل ما يشهدُ به التاريخ الذي كنا نحنُ آخرَ خلف له في هذا العَصْر.
كلا، بل أتجاوز ولا أطالب من يقضى بهذا القضاء، أن يأتي بكل هذا الشمول بل أقتصر فأدعوه إلى أن يأتي بقضية مفردة عن الإسلام، تجتمع لها هذه الشروط، مصححة صادقة خالية من التوهم والغلو. وأنا على يقين من أن أحدًا لا يطيق أن يفعل، وأن الأمر أكبر من أن يحيط به بيان مبين وعلم عالم. وإنما يؤتى الغارز فكره في هذه الضلالة المتحكمة باتخاذه الحادثة الواحدة المجردة من الاستقصاء والشمول، ومن الاختلاف في أمرها، ومن شمول العمل بها وإنفاذها في جماعات المسلمين - أساسًا لاستقصاء مكذوب وشمول متوهّم.
(2/975)

ثم أتجاوز مرة أخرى وألتمس لهذا الحكم الشامل مخرجًا آخر، أزعم فيه أن العربية والبيان والعقل تبيح مجتمعة أن يكون المراد بالإسلام في هذا الحكم جزءًا من الإسلام، وأن يكون المراد بالذين لم يطبقوه فئة واحدة من المسلمين: فكيف يمكن أن يصح؟
إن المدعى لمثله مطالب عندئذ أن يستقصى هذا الجزء المعطل في تاريخ العصور التي يشملها حكمه، يومًا بعد يوم، وحادثة بعد حادثة. وأن يدل دلالة لا يأتيها الشك أن ذلك هو الذي جرى به العمل في كل جماعة من جماعات المسلمين؛ وأن يأتي بالبرهان على أن هذه الفئة أصرت على أن تجعل هذا الجزء ديدنها في كل زمان ومكان؛ وأنها استطاعت أن تجعل ما خالف حكم الله إلزامًا عامًا للناس كلهم بتشريع من عند أنفسهم يلزم الناس جميعًا العمل به والطاعة له. وهذه هي الشروط التي يقضى محض العقل أنها هي وحدها التي تبيح لامرئ أن ينطق بحكم شامل كهذا الحكم. فإذا لم تتم له هذه الشروط، فما هو إلا التعسف الغليظ الذي لا يبصر وجه الحق إلّا في ظلمات من الباطل، إن صح وأمكن أن يكون التعسف قادرًا عندئذ على أن يبصر.
ثم أتجاوز مرة ثالثة، فأزعم أن من الممكن أن نلتمس شيئًا من الإسلام لا يدخله الخلاف، قد أطبق الخلفاء جميعًا منذ قتل عمر - رضي الله عنه - على تعطيله فما الشروط اللازمة لمثل هذا الممكن؟
ينبغي أن يثبت المرء أولا أن الخليفة قادر على أن يأمر علماء الإسلام وفقهاءهم ومفتيهم وأمراءهم وعامة الناس منهم بهذا الذي يريد تعطيله، وأنهم إن فعل أطاعوه جميعًا وعملوا بما أمر، وأن هذا الشيء من الإسلام قد عطل تمام التعطيل في الحياة الإسلامية كلها في زمنه. ومن البين أن الخليفة رجل من المسلمين، لا يملك أن يشرع للناس شرعًا يعمل به الفقهاء والقضاة والمفتون، ويخضع له عامة الناس علانية ويعملون به في أنفسهم سرًّا. وإذا بطل هذا الشرط، بطل الحكم كله، ولم يبق إلا أن الخليفة ربما قدر على أن يعطل حكما من أحكام الله، فيما يمكن أن تناله يده، وهو في بيته أو قصره أو بلدته، دون سائر بلاد المسلمين. وأن هذا الحكم لا يلزم أحدًا من القضاة ولا الأمراء أن يفعلوا
(2/976)

فعله، لأنه لا يملك أن يشرع لهم ما لم يأذن به الله. وأنا أقطع بأن تاريخ الإسلام كله ليس فيه حادثة واحدة: استطاع خليفة أن يأمر قضاة المسلمين وعلماءهم وفقهاءهم بأمر يخالف كتاب الله وسنة نبيه، فأطاعته الأمة كلها أو بعضها، وعملت بما أراد، وقضت على الناس بقضائه دون قضاء الله.
وينبغي أن يثبت المرء ثانيا أن الخليفة -أو غير الخليفة من أمراء المسلمين في بلدان الأرض المسلمة- قد استطاع أن يجعل هذا التعطيل، بهذه الشروط، عملا متوارثًا في جيل بعد جيل، وأن الأمة قد اتفقت على قبول تعطيله أبدًا وأن هذا هو الذي جرى به العمل بلا ريبة ولا ادعاء ولا توهم ولا اعتساف، وأنا أقطع أيضًا بأن هذا شيء لم يكن قط إلا بعد أن ضرب الاستعمار على هذه الأمة الإسلامية حضارته وثقافته ولون تفكيره.
فهذه الكلمة الباغية الجائرة منقوضة في شمولها وفي تخصيصها، ولا يستطيع منصف بعض الإنصاف أن يجد لها في العقل مخرجًا، ولا في التاريخ شاهدًا، ولا في الفرض المطلق وسيلة إلى تحقيق طرف منها. وهي لا تصح في أحد محمليها إلا كانت حكما على عامة الصحابة والتابعين والفقهاء وخاصتهم بالكفر البواح. فلينظر امرؤ أين يُنزل عقله؟ وفيم يورّط دينه وتقواه؟ وإلى أي قرار تهوى به كلمة تعجب هواه ويستخفها لسانه، ويتغذى بها غروره بنفسه؟
ولم أجعل همى في هذه الكلمات أن أسرد الحجج التي يحتج بها القائلون بهذا الحكم ولا أن أروى ما يعدونه مؤيدًا لهم من روايات التاريخ والكتب. فإني إن فعلت كان لزامًا على أن أقدم نفس هذه المقدمة في شروط الأحكام، ومقدمة أخرى في تمييز ما يعد تاريخًا، ومقدمة ثالثة في انتزاع الحكم العام من الحادثة أو الحوادث، وهل هو صحيح في نفسه أو غير صحيح. ثم آخذها واحدة واحدة فأبين وجه تأويلها أو فهمها أو ردها أو تجريحها إلى آخر ما ينبغي لكل من يتصدى للأحكام على أفراد في التاريخ، فما ظنك بأمم بأسرها في تاريخ كامل كتاريخ العصور الإسلامية أولها وآخرها، وكل ما رميت إليه أن أبين فساد مثل هذا الحكم الشامل، وأسباب فساده، وأن أكشف عن موضع المخافة وثقل الوزر، وجناية
(2/977)

التسرع في تعميم الأحكام بلا بينة من العقل أو الحجة أو التاريخ. وأرجو أن يتاح لي أن أتناوله مرة أخرى بالبيان والتفصيل حتى يتجلى فيه وجه الحق.
(2/978)

تاريخ بلا إيمان
أنا أعلمُ أنى استفتحتُ موضوعًا، لو شئت أن أستهلك فيه تلك الذُّبالة الخفاقة المترددة من بقيّة عمرى، لما استطعتُ أن أوفيه حَقه من البيان. فإن مادة التاريخ كلها تستقبلنى بقضها وقَضيضها، وتتذاءَبُ بين يديَّ أصنافُ الطبائع البشرية التي فطر الله الناسَ عليها -على ما علمَ هو سبحانه من اختلاف نفوسهم وساعاتهم وأيامهم وأجيالهم وعصورهم. وطبيعةُ رجُل واحدٍ حيّ، تعرفه وتعاشرهُ من ولد أبينا آدم صلى الله عليه، مشكلةٌ تعجز الفارس (1) البصيرَ أن يهتدى إلى ما يختبئ فيها من التناقض والتخَفي والتسرُّب. فما ظنُّك بإنسان لم يستبقِ لك الله منْه ما تعرفه به إلا نبذًا يسيرًا من أخبار تُروى، لا تستغرقُ سوى صفحة أو صفحات، ولقد قضى في الدنيا عُمُرًا من قبلُ، لو هو قُيّد وكتب بجميع ما أحدث فيه، لما وسعته المجلدات الضخمة؟ فانظر إذنْ أين ينتهي بك توهمك، وأنت تتحرَّى أن تتعرَّفَ خبءَ مؤلّفه من مثل هذا الإنسان، عاشت أعمارًا طوالا وقصارًا في طوايا الغيب الماضي، استنفدتها بأعمالها وخواطرها ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام -في تاريخ متقادِمٍ متطاول يمتدُّ في غيب الماضي سبعين سنة، وثلاثمائة سنة، وألف سنة، أو تزيد! ! هذا تصوُّرٌ مثبطٌ للفكر، ولكنه ضرورة لا غِنى عنها للمؤرخ، وهو أشد ضرورة لمؤرخ يكتب تاريخ أهل الإسلام، ثم هو أفدح ضرورة لأنه تاريخ -ما علمتُ- يختلف اختلافًا مبينًا صارخًا عن كل تاريخ عهده البشر في سائر تواريخهم، ثم هو الضرورة الراسخة لمن ورَّط نفسه في تاريخ أهل القرون الأولى من الإسلام. بيد أنّ المؤرخ المسلم وحده هو القادر على أن يكتب تاريخ أهل الإسلام، وغيرهم إن شاءَ، على وجه يمكن أن يوصف بالنبل والفهمِ والصدق والأمانة والثقة- إذا هو حرَصَ على أن يتأدّب بما أدَّبه به ربه من أخلاق تَلزمه في معاملته، كما تصحبهُ في
__________
(*) المسلمون، العدد الثاني، 1371 ه / 1951، ص: 138 - 145
(1) الفارس هنا: صاحب الفراسة.
(2/979)

تفكيره وبحثه، وإذا هو مكن في قلبه ونفسه الطاعة لما تركه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أدب كان يؤدب به أصحابه ممسكا بِحُجُزِهم أنْ: هلموا عن النار!
وعلمُ ضمائر خلق الله علم قد استأثر به ربنا سبحانه علامُ الغيوب. ومع ذلك، فلست أغالى شيئًا إذا زعمتُ لك أن أكثر من ثلاثة أرباع تاريخ الدنيا، لم يجتمع ولم يتكوَّن ولم يصبح عملا في الأرض، إلا من خفيات هذه الضمائر. ونحن حينَ نرى نتائج أعمال البشر، والتي نزعمها أو نسميها تاريخًا، لا نرى إلا أثرًا شاحبًا متهافتًا مما استسرّ في جوانح خلق الله. وهذه الآثار ربما تشابهتْ عندنا تشابهًا غريبًا، مع أن الأسباب التي أحدثتها تختلف في حقيقتها وطبيعتها كل الاختلاف. فإذا خفيت الأسبابُ وتشابهت الآثار، فإجراءُ حكمٍ واحد على هذه الآثار المتشابهة خطلٌ وسوء رأي، وإعظامٌ في الفرية على الناس الماضين، وإغراقٌ في التضليل بالناسِ الحاضرين. وأنا لا أحيلك في معرفة مصداقِ ما أقول إلى التاريخ الماضي، بل إلى ما تشهدهُ بعينيك، وتسمعهُ بأذنيك، وتدركهُ ببصيرتك وفكرك من أحوال الناس الذين تعاشر، والتاريخ الذي يصنع الآن بمرأى منك ومسمع، ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم. فانظر كيف يحكُم الناس بعضهم على بعض، وكيف يفسر بعضُهم أعمالَ بعض، فإذا صح هذا عندك وتأملته، علمت لم أوثر أن أدعوك إلى تصوّر أزمنة التاريخ وخلائقه، تصوُّرًا طويلا عريضًا متراحبًا، يكاد يثبط الفكر الإنساني عن العناية به والإلحاح عليه.
وهذا الأصلُ الذي يكادُ يبلغُ مبلغَ البديهيَّ، أصلٌ متروك في التأريخ الحديث. وذلك لأن حضارة هذا القرن العشرين المتحدّرةَ من عصور المدنية الأوربية الوثنية والمسيحية، قد انبثقت من ضرورات اجتماعية وأخلاقية ودينية، لا يمكنُ أن تدع لمثل هذا الأصل مكانًا في التصوُّر، إلا شعاعًا ميتَ النور، ربما انبثَّ في بعض ما يؤلفون، محاطًا بظلمات شديدة من الجرأة والتهجم والافتراء والرجم بالغيب، والمبالغة في اعتداد المؤرخ منهم بنفسه، والإفراط في ثقته بقدرة عقله، والغلو في تحكيم ما يدَّعيه وما يفرضه على مادَّة التاريخ ورواياته، بغير بينة ولا حُجة.
(2/980)

ثم زاد هذا كله بشاعة حين نجمت طائفة المستشرقين، بأحقادها وضغائنها وسفاهة ألسنتها وسرائرها، وبدأوا يكتبون تاريخ الإسلام على أصولهم الفاسدة، ثم قام في الشرق العربي والإسلامي طائفة أخرى من أصحاب الأهواء، من بين مسلم وغير مسلم، فاتبعوهم وناصروهم، وأذاعوا بعلمهم، وأشادوا بمقدرتهم في التقصَّى وكمال مناهجهم في البحث، فنقلوا إلى العربية ثمرة هذه الأحقاد والضغائن، في كتب ألفوها، ونشرُوها وطارت بين عامة المثقفين، يتلقفها الإعجاب بها، والإفتتانُ بأسلوب قصصها وحكايتها وتحقيقها! وجاء هذا مع غلبة الحضارة المسيحية الأوربية حين تم لها سلطانها في أرض الشرق والإسلام، بالغزو الحربى والسياسي والأدبى والعلمي والاجتماعى والأخلاقى والثقافي عامة، فعشش في القلوب ثم باض ثم فرَّخ كما يقول الجاحظ. وانتهى الأمر بالعرب والمسلمين أخيرًا إلى أن يكون مصدرُ ثقافتهم وفكرهم عدوًا لهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون -تجد ذلك في كتبهم ومجلاتهم، وصحفهم، ومدارسهم ومعاهدهم، وفي معاقل دينهم كالأزهر وغيره. فسادَ من يومئذ الافتراء الكاذبُ سيادة تامة في الحياة العقلية والأدبية، وأصبح تاريخ الإسلام وأدبه وعلمه، منظورًا إليه من صميم أهله المتحمسين بعين تبغضُ، وقلب يعرض، ونفس تزورُّ عنه، ولم ينج من غائلة هذا الفساد إلا من عصم الله، وهي قلة قليلة هي اليوم في طريقها إلى الفناء، إلى الانقراض، إلى مصارع الأولين من أهل العلم والفقه والمعرفة.
من أجل ذلك البلاء المستفيض في حياتنا، وفي عقولنا، وفي دراستنا أقول دائمًا: إنه لا يغرنى من أحد دينه، ولا تقواه ولا علمه ولا جهاده ولا فضله ولا عقله، إذا لم يكن ذلك كله نابعًا من كتاب الله، ومن الحياة الإسلامية المهتدية بهدى الله ورسوله، غير مختلط ما استطاع بذلك الوباء الجائح الذي فرض علينا في صورة مدنية أو حضارة أو علم أو ثقافة. ومن أجل ذلك لم أزل أثور عند كل بثق ينبثق من هذا الشر، في شأن أبي بكر - رضي الله عنه - قديمًا، وفي شأن عثمان - رضي الله عنه -، وفي شأن صحابة رسول الله في أيام فتنة عثمان؛
(2/981)

لأن استشراء ضغائن المستشرقين، واستفحال منهج الحضارة الأوربية في الجرأة على عباد الله بالكذب المتهجم، وادعاء كل مدع ممن يحاول أن يكتب في التاريخ أو يقول: إن هذا هو حق الأسلوب التاريخي -كل ذلك قد مس النفوس والعقول، وأوقع فيها معاني لم تكن لتقع فيها، لو أن حضارة الإسلام وأخلاقه وآدابه وما نبع من هذه الأخلاق والآداب من أساليب العلم والبحث والفكر- بقيت هي السائدة في حياتنا الأدبية والعقلية والعلمية والاجتماعية.
* * *

إن المؤرخين الأوربيين، ثم المستشرقين خاصة، ثم من لفَّ لفهم من المتخطِّفين من فُتَات موائدهم من أهل هذا الشرق العربي والإسلاميّ -يزعمون أنّ للتاريخ منهاجًا أو منهاجين أو ثلاثة أو عشرة، هي كلّ ما يستطيع الباحثُ أن يعتمد عليه في دراسة كلّ تاريخ. وأنا أحبُّ أن أزعمَ أيضًا أن ليس فيها منهاج واحدٌ يصلح لدراسة تاريخ الإسلام، بل أشكُّ كل الشكّ في صلاحه لدراسة تاريخ أيّ الناس كانَ من غير المسلمين. وإذا احتاج المسلمون إلى إعادة كتابة تاريخهم، فحاجتهم لا تنتهي -أو ينبغي ألا تنتهي- إلى الشعور بفقرهم إلى إمام يقتدون به مقلدين، ثم يكونُ هذا الإمامُ منهجًا فاسدًا نشأ في تربة غريبة، ودعتْ إلى نشأته أسباب اجتماعية محدودة، وعلل أخلاقية وعقلية معينة. كلا، فإن تحكيم مثل هذا المنهاج، وفي هذا العصر الذي لوثت ثقافته منابع الفكر كلها وكدرتها، لا يؤدى إلا إلى شيء واحد: هو إفسادُ تاريخ أهل الإسلام إفسادًا يشقُّ إصلاحه. وفي الكتب الحديثة التي كتبها مسلمون متحمسون في هذا العصر، برهانٌ لمن تطلب البرهان، على مقدار ما ينجمُ من الضرر والفساد والعبث والتبديل والتحريف والافتراء، والجهل إن شئت -إذا انطلق كلّ حامل قلم، ليكتب تاريخ أهل الإسلام، على مثل هذه المناهج، وبمثل هذا القصور عن معرفة الحقائق الصريحة في الحياة الإسلامية، وبمثل هذا التقليد البشع للمستشرقين وأكثرهم من اليهود، وبمَثل هذا الإغفالِ الشديد للفرق بين الأصول التي قامت عليها حضارة هذا الإسلام وانفردت بها دون سائر الحضارات، والأصول التي
(2/982)

قامت عليها حضارة سائر أمم الأرض؛ وتناولها المؤرخون بالبحث والتنقيب والكتابة والتصوير.
وإذا كان الهاتف الذي هتف بالناس أنْ: "افهموا الإسلام فهمًا جديدًا" قذف بالمسلمين وبعقولهم وأهوائهم في متاهة لا يعلم غايتها إلا الله وحده، فإنه حين هتف أيضًا بهم أن: "افهموا تاريخ الإسلام فهمًا جديدًا"، أوشك كما قلتُ أن يهوى بتاريخ أهل الإسلام وأئمته في ظلمات مطبقة لا يطلع على خبثها إلا عالم غيب السموات والأرض. وقد مارستُ دعوَى من اتبعوا هذا الهاتف سنين، ولا أزال أمارسها وأتتبعها، فأدركتُ أن شيمة هذا العصر الوبئ، هي الغالبةُ دائمًا على أصحاب هذا الهاتف: من تحطيم، وتدمير، وغلو، وجرأة، وإصرار على التحكم، وضراوة في التهجم، وإغراق في الرجم بالغيب، وإفراط في ثقة المرء بقدرة عقله واعتداده بنفسه. ومن أجل ذلك كرهتُ كلمة التجديد هذه، وأنفتُ لنفسي أن أثق بالألفاظ التي يلقيها كثيرٌ من المتحمسين للإسلام، إذا لم أجد عمل أحدهم وتطبيقه وسيرته ونهجهُ، تؤيد دائمًا دلالة هذه الألفاظ على معانيها. هذا، إذا صحّ عندي أن منبع هذه الألفاظ هو دين الله نفسه، كما نزل في كتابه، بسياقه وبيانه وعربيته غير مؤَوَّل ولا مصروف عن وجهه وكما أوحى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - في سيرته وعمله وتأديبه وحديثه، وكما جرت به سيرة أصحاب رسول الله، الذين أقاموا دين الله في الأرض، ولزموا طاعة الله ورسوله، وارتضاهم ربهم خلفاء في أرضه، وألزمهم كلمة التقوي وكانوا أحق بها وأهلها.
* * *

ولعلك ترانى شديد الحرص على أن أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابَه وسننه وسائر ما يكون به الإسلام إسلامًا، هي الأصلُ الذي لا غنى عَنْه لمن يتعرَّض لكتابة تاريخ أهل الإسلام. وترانى أكادُ أقطع بأن هذا هو المنهجُ لا غيرُه من مناهج البحث، كما تعرف مناهج البحث في العصر الحديث. وأقول لك: نَعَمْ، ونِعمة
(2/983)

عين (1)، فأنا أنكر أن يكون في الدنيا شئٌ يسمى منهاجًا للبحث والفكر أو أسلوبًا أو طريقة إلا وهو منبثق من سرّ النفس الإنسانية، من تصوُّراتها ومآلفها، من عِشرتها وعهدها بما يحيط بها، من أسباب تصرُّفها في خواطرها، من دوافع نقدها للأشياء وتقديرها، من استحسانها واستقباحها، من دَواعى حبها وبغضها، من كلّ ما تعيش به في دخيلتها، وتعاشر به ما يتصل بها، بل إن العقل المجرّد نفسه، لا يستطيع أن يدرك الحق وحده، ولا أن يستقلّ بمعرفته وبالبيان عنه ولا أن ينفرد بشيء يسمى تفكيرًا، متخليًا عن جاراته من الطائع والغرائز والسلائق ومن العادات والآداب، ومما تسخطه النفس أو تحمدُه، ومما تحبه أو تكرهه، بل إن أكثر علم الناس في هذه الدنيا لا ينشق لهم طريقه إلا بما استقرَّ فيهم من أخلاقٍ وآدابٍ وسننٍ متبعة، بل إن اختلاف الأخلاق والآداب والسنن، أصلٌ أصيل في اختلاف العلم، ومفهوم العلم، وطبيعة العلم، بل إنّ الحضارات المتباينة، بعلمها وفنونها وصناعتها وآدابها، لم تتباين كل هذا التباين، إلا من جراءِ تباين الآداب والأخلاق والسنن في كل حضارة. فإذا أنا حرصتُ على أنْ أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابه وَسننه هي الأصلُ الذي لا ينفك منه مؤرخ الإسلام، فذلك لأن المنهاجَ الذي يتبعه الباحث، لا يمكن إلا أن يكونَ صَدى لما تقوم به حياته التي يعانيها في دخيلة نفسه بالليل والنهار، وفي السرّ والعلن، وفي المنشطِ والمكره، وفي الرضا والغضب.
والتاريخ، في زماننا، ليس علمًا على الحقيقة، كما ترى في الكيمياء والحساب والهندسة، بل هو تفسيرٌ لحوادث خفية الأسباب، مطمورة الجذور، متعدّدَةِ الدوافع، كثيرة المحامل والوجوه، متعلقة كل التعلق بحياة كل فرد عاش في الفترة التي تريدُ أن تؤرخها، شديدةِ الخضوع لعوامل لا يحصيها إلا الله وحده سبحانه. فما كان هذا شأنه وتعقيده، واختلاف أسبابه، وخفاء علله ودوافعه، فإنّ منهاجَ دراسته لا يقوم أبدًا على مقاييس لا تختلُّ كمقاييس الرياضة أو التجربة؛
__________
(1) تقول: نَعَمْ ونعْمَةَ (مثلثة النون) عَيْنٍ: أي أفعلُ ذلك كرامةً لك.
(2/984)

بل هو يلقى المؤرخ بقدر هائل من الطبائع الإنسانية المتآلفة والمتنافرة، والمتآخية والمتناحرة، والمتفقة والمتناقضة، والظاهرة والغامضة، فلا معدَى له عن لقائها بقدر مثله من نفسٍ تراحبَ إدراكها للطبائع والسجايا والأخلاق. ومادامَ الأمرُ قد انتقل من المقاييس المحدَّدة الضابطة، إلى إدراك الطبائع الإنسانية البعيدة الغوْر، الخفية السرِّ، المتباينة الصور، بقدْر تباين صور البشر وألوانهم وأشكالهم وألسنتهم وأصواتهم وأهوائهم ونوازعهم -فقد انتقل المنهاج كله من التحديد الضابط الى التشتت المفزع الذي لا تدْري ماذا تأخذُ منه أو تَدع. فلا مناص إذن لأي عاقل بعض العقل من الرجوع الى شيء لا يختلف، يقومُ على أصل صحيح من هذا التقدير المخيف لاختلاف الطبائع، ومهما التمس الإنسان شيئًا يَفي بضبط هذا القدْر من التباين المتفجر، فهو خليقٌ ألا يجده. فإذا أثبته العجز عنه فآثر أن يغفله لمجرد شهوة يشتهيها، وهي أن يكتب للناس ويؤرخ لهم، فهو عندئذ خليقٌ أن يضلَّ في تقديره، وفي تصوّره، وفي حكمه، وصار كل ما يأتي به رجمًا وظنونًا وأهواءً وعبثًا وافتراءً وتكذبًا واقتفاء لما ليس له به علم: وهذا الذي كان.
وليس على الأرض العاقلة شيء يمكنُ أن يعدَّ ميزانًا عادلا لهذه الطبائع البشرية التي وصفنا، إلا ميزان واحدٌ لا غير، هو الذي أنزلهُ ربُّ العالمين إذ يقول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد: 25].
واهتداء البشر بالكتاب، وفقههم لمعانيه، واتخاذهم الميزان الذي أنزله الله على أنبيائه ورُسله، أصلا يتعايشون به في حياتهم ويتحاكمون إليه في النظر والفكر، وفي العلم والفقه، وفي المعرفة والتقدير، وفي القياس والاستنباط، هو الوسيلة الوحيدة التي تضمن لصاحب الرأي أن يكون رأيه قريبًا من الحقّ، ويكون منهاجه قادرًا بعضَ القدرة على لقاء هذه الكثرة الجياشة من الاختلاف. فإن منزل الميزان للناس ليقوموا بالقسط، هو الذي خلق الناس مختلفين، وجعل لهم هذا الميزان بإزاء هذا الاختلاف.
(2/985)

ولم يبق على الأرض العاقلة تنزيلٌ لا يأتيه الباطلُ من يديه ولا من خلفه، سوى كتاب واحد لا غير، هو كتاب الله تبارك اسمه، ثم بيان هذا الكتاب، وهو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فهما بجميع ما نزل فيهما، وما يستنبطُ منهما، غير مؤول عن حقه، ولا مصروف عن وجهه ولا مضروب بعضه ببعض: أخرجا الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الظلمات إلى النور، فجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدًا. فلما أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، واتبعوا ما أنزل إليهم وساروا بما استطاعوا مما أوحي إليهم من البينات والكتاب والحكمة أثنى عليهم ربهم بأفضل ثنائه سبحانه فقال لهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران: 110]. ثم نبأهم بعد بما نعتهم به فيما نزل على موسى - صلى الله عليه وسلم -، وفيما نزل على عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يكونوا هم شيئًا مذكورًا فقال لهم فيما يتلى عليهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح: 29]. صدق الله وكذب القوَّالون.
فهؤلاء الذين زكّاهم ربهم وعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وبشّرهم في أواخر ما نزل على نبيهم: بآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم، من سائر التابعين ومن تبعهم بإحسان، هم الذين كان بهم تاريخ الإسلام تاريخًا، وبما اتبعوا من آدابه وأخلاقه وسننه، وبما كانوا به بشرًا يتعاشرونَ فيتآلفون ويتنافَرون، وبما أخطأوا وأصابوا، وبما عدلوا وأسرفوا، وبما استغفروا إلى ربهم وتابوا، وبما اجتهدوا فأحسنوا أو اجتهدوا فأساءوا، وبكلّ ما تكون به الحياة الإنسانية حياةً مختلفة الأبدان والوجوه والصور والأعمار، مختلفة الطبائع والغرائز والنوازع، مختلفة الحاجات والدوافع، مختلفة المساخط والمحامد، مختلفة فيما يحبُّ وما يكره، مختلفةً فيما يغضبُ ويرضى، معدَّلة في كل ذلك
(2/986)

بضابط لم يوجد مثله في تاريخ البشر: تقوى الله، والتوبة إلى ربّ العالمين. فقاموا بذلك كله إذ ألزمهم ربهم كلمة التقوى في السر والعلن، وعادوا إليه من عند زلاتهم توابين مستغفرين بالأسحار، وعاشت هذه الأمة المنفردة في تاريخ الجنس البشريّ، وأنشأت تاريخها برضى الله عن بعض عملها، وغضبه على بعض، وبعقابه لبعض أهلها ومغفرته لبعضٍ، ولم يجعلهم ربهم أمة معصومةٌ من خطإ، ولكنهم يخطئون ويتوبون ما انفسحت آجالهم، يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة، فيرحمهم ربُّهم ويتوب عليهم، ويعاقبهم ببعض ذنوبهم {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [سورة فاطر: 45].
فمن غير الممكن، وأكادُ أقول إنه المستحيل، أن يطيق إنسانٌ لم يتأدَّبْ بما تأدبوا به في أنفسهم، وبما صار به تاريخهم تاريخًا فيه مشابه من تواريخ الأمم، ولكنه مختلفٌ عنها كل الاختلاف -أن يكون مصيبًا أو مقاربًا للصواب، أو خليقًا بأن يدرك بعضَ الصواب، إذا هو أرادَ أن يكتب تاريخهم على النهج الذي نعرفه اليوم من كتابة التاريخ، والذي تُرمى فيه الأحكام جزافًا بلا تقوى ولا ورع، ولا مخافةٍ من ظنّ السوء، ولا هيبة من بهت الناسِ بما ليس فيهم، ولا تأثم من الاجتراء على غيب لا يعلمه إلّا العليم الخبير. والذي لم يجرّبْ هذه الآداب في سريرة نفسه، غير مستطيع أن يدرك مأتَى أعمال هؤلاء الناس، ولا مقاطع أحكامهم، ولا سيرة حكامهم، ولا طبيعة حياتهم، بل هو خليق أن يخلط ما جرى في حياتهم وأيامهم، بما جرى في حياة غيرهم وأيامهم، وأن يحكم على الذي كان يجرى بينهم سهلا يسيرًا منظورًا إليه بما ينظر به إلى مجرد الاختلاف في الرأي، حكما جازمًا قاطعًا مدمرًا، كأن الله وَكَّلَ إليه الاطلاع على سرائر خلقه، وفوض إليه أن يقضى فيهم بقضائه: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران: 129].
(2/987)

المسلمون
المسلمون فما أَذَلَّهمو ... في هذه الدنيا وهم كُثْرُ
جدُّوا فجدَّ زمانُهم بهمو ... وتغيَّروا فتغيَّرَ الدهرُ
(2/988)

" لا تسبُوا أصحَابي"
حسبُ امرئ مسلم لله أن يبلغه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسبُّوا أصحابى! لا تسبُّوا أصحابى! فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفقَ مثل أحُد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (1)، حتى يخشع لربّ العالمين، ويسمع لنبيّ الله ويطيعُ، فيكفّ غَرْب (2) لسانه وضراوة فكره عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم يعلم علمًا لا يشوبه شكٍّ ولا ريبةٌ، أن لا سبيل لأحد من أهل الأرض، ماضيهم وحاضرهم، أن يلحق أقلَّ أصحابه درجة، مهما جهد في عبادته، ومهما تورّع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سرّه وعلانيته. ومن أين يشك وكيف يطمعُ، ورسول الله لا ينطقُ عن هَوًى، ولا يداهنُ في دينٍ، ولا يأمرُ الناس بما يعلم أن الحقّ في خلافه، ولا يحدّث بخبر، ولا ينعتُ أحدًا بصفة، إلا بما علمه ربه وبما نبأه؟ وربه الذي يقول له ولأصحابه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}. [سورة الزمر: 33: 35].
ثم يبين - صلى الله عليه وسلم - عن كتاب ربه فيقول: "خير الناس قَرْنى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". ثم يزيد الأمر بيانًا - صلى الله عليه وسلم -، فيدل المؤمنين على المنزلة التي أنزلها الله أصحاب محمد رسول الله، فيقول: "يأتي على الناس زمانٌ، فيغزو فئامٌ من (3) الناس فيقولون: فيكم مَن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ