Advertisement

جمهرة مقالات أحمد شاكر 002


جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر
مع أهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية

جمعها وأعدها واعتنى بها
عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حماد العقل

[الجزء الثاني]
(2/)

مَسائلُ عِلْمِيَّةٌ
1 - في لسان العرب
2 - من بدع القبور
3 - موقعة الجمل
4 - تعليق على كلام "عبد الرحمن الوكيل" في بدعة المحمل
5 - فوائد شتى:
العمل بالحديث الصحيح - الفقه في الدين والاجتهاد - السؤال عما لم يقع - معنى حديث "إن الله خلق آدم على صورته" - نشوء علم الفلسفة - كتاب المهذب للذهبي - كتاب الجمع بين الصحيحين - أسباب اختلاف العلماء - سبب القول بما يخالف القرآن والسنة.
6 - الجعاظرة الجوَّاظون
7 - القول الفصل في مس المرأة وعدم نقضه للوضوء
8 - ولاية المرأة القضاء
9 - الرقص والطيب والنساء
10 - نظام الطلاق في الإسلام
(2/535)

في لسان العرب (*)
1
لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي (1)؛ فذلك هو اللغة. ولسان العرب أوسمع المعاجم التي نشرت مما بقي لنا من دواوين الأقدمين، فذلك هو الكتاب.
وقد طبع كتاب "اللسان" الطبعة الواحدة بمطبعة بولاق من سنة 1300 إلى سنة 1308 ه. ولم يعد طبعه مرة ثانية إلى الآن، إلّا محاولة لبعض الناشرين لم يهيأ له إتمامها، وهو الحجة القائمة بين أيدي العلماء والأدباء، لا يغني عنه غيره مما نشر من الدواوين والمعاجم.
وفيه أوهام وأغلاط ومآخذ: بعضها من المؤلف، وبعضها مما نقل المؤلف عنه من الكتب الخمسة التي بنى عليها كتابه، وهي: التهذيب لأبي منصور الأزهري، والمحكم لابن سيدة، والصحاح للجوهري، وحاشيته لابن بري، والنهاية لابن الأثير. وبعضها مما فات مصححيه في مطبعة بولاق، رحمهم الله جميعًا.
وقد استدرك كثيرًا من الأغلاط والمآخذ أستاذنا العلامة الكبير
__________
(*) مجلة الكتاب، مارس 1946.
(1) من كلام حجة العرب الإمام الشافعي، في الفقرة 138 من كتاب "الرسالة" بتحقيقنا، طبعة الحلبي سنة 1357 ه/ 1938 م.
(2/537)

أحمد باشا تيمور - رحمه الله - في كلمات نشرها في بعض الصحف والمجلات، ثم جمعها في كتاب "تصحيح لسان العرب" ونشره أخونا الأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي في قسمين: الأول في سنة 1334 بمطبعة الجمالية، والثاني في سنة 1343 بالمطبعة السلفية، وهو كتاب بني على التحقيق العلمي الدقيق الذي امتاز به أستاذنا تيمور باشا في كل ما أثر عنه من آثار.
ولم يك من همّ أستاذنا الجليل تيمور باشا أن يتتبع كل ما في الكتاب من مآخذ، ولم يقصد إلى ذلك، ولو قصد إليه لأتمه وأتقنه.
وقد وقعت إليّ مآخذ أخرى مصادفة أثناء عملي، رأيت أن أقيدها وأنشرها في الفينة بعد الفينة، عسى أن يكون في نشرها فائدة، وفيما أقرأ وأرى قد تكون لي لمحات وآراء في "لسان العرب" أحب أن أعرضها للبحث والنقد خدمة للعربية، في وقت تسمو فيه العروبة إلى العُلا.
فهذه أبحاث منثورة حرة، لا تربطها وحدة، ولا يؤلف بينها منهج، إلّا أنها أبحاث في "لسان العرب": اللغة والمعجم، ولا تتقيد بقيود، إلا الحق والتحقيق.

تعريب الأعلام
2
تضطرب أقلام الكتاب كثيرًا وآراؤهم في تعريب الأعلام الأجنبية، كما نرى فيما ينشر في الصحف والمجلات والكتب.
(2/538)

ويحاول كثير من المحدثين أن يخضعوا اللسان العربي للنطق بحروف ليست من لسانهم، اتباعًا للغات الأجنبية التي منها يعرّبون، فلا يكادون ينطقون باسم أعجمي في حديثهم العربي أو يكتبونه حتى تسمعه منهم أو تقرأه لهم أعجميًّا صرفًا! ثم جاء المجمع اللغوي بمصر منذ بضع سنين، فأصدر قرارات في تعريب الأعلام زادت الأمر اضطرابًا، والألسنة عجمة! فقرر فيما قرر:
1 - "يكتب العلم الإفرنجي الذي يكتب في الأصل بحروف لاتينية بحسب نطقه في اللغة الإفرنجية، ومعه اللفظ الإفرنجي بحروف لاتينية بين قوسين في البحوث والكتب العلمية، على حسب ما يقرّه المجمع في شأن كتابة الأصوات اللاتينية التي لا نظير لها في العربية".
2 - "تكتب الأعلام الأخرى التي ترسم بغير الحروف اللاتينية والعربية بحسب النطق بها في لغتها الأصلية، أي كما ينطقها أهلها لا كما تكتب" إلخ. وقد نشرت هذه القرارات في مجلة المجمع، في الجزء الرابع سنة 1356 ه (ص 18 - 21).
وهذه القرارات إذا ما تأملها القارئ رأى فيها معنى واحدًا يجمعها، وروحًا عامًّا يسيطر عليها، وهو الحرص على أن ينطق أبناء العروبة بالأعلام التي ينقلونها عن لغات أعجمية بالحروف التي ينطقها بها أهلوها، وقسر اللسان العربي على ارتضاخ كل لكنة أعجمية لا مثال لها في حروف العرب، وتسجيل هذه الأوابد من
(2/539)

الحروف برموز اصطلاحية تدخل على الرسم العربي، زعموا تزيدًا في الحروف وتكثرًا.
ولئن تم هذا الذي يُراد لتجدنّ اللغة العربية من بعدُ، في رسمها وكتابتها ونطقها ولهجاتها، مجموعة غريبة متنافرة من اللهجات الأعجمية والرسوم الرمزية. ولتجدن ألسنة أبنائها لا تكاد تقيم حرفًا من العربية على ما نطق به العرب، مما أثبته علماء "التجويد" في إخراج الحروف من مخارجها، وعلى قواعدهم بنيت قواعد العلوم العربية، وبها حفظ لنا النطق بالكلم العربي، وبالقرآن، وهو سياج اللغة وحاميها.
ولست أدري مَمَّ استنبطت هذه القواعد التي اختارها هؤلاء الأعلام الكبار أعضاء المجمع.
فإن لغة العرب قبلت نطقًا ونقلت سماعًا، لم يضع لها العرب الأقدمون القواعد في الإعراب والتصريف علومًا مدونة. إنما أخذت عنهم اللغة كما ينطقون، وجاء القرآن العظيم مثبتًا أعلامها، حافظًا كيانها على مر الدهور. ثم استنبط علماء الإسلام القواعد العلمية في النحو والصرف والبلاغة والعروض وغيرها، بالاستقصاء والتتبع، وبضم النظير إلى النظير، والشبيه إلى الشبيه، ثم جعلوا ما خرج عن النظائر شاذًّا أو مسموعًا. ولكنهم لم يرسموا الحدود الدقيقة والقواعد الواضحة في التعريب ونقل الكلمات الأعجمية إلى العربية، فيما علمنا.
(2/540)

فإذا أردنا أن نضع قواعد مستحدثة في هذا، كما وضع المتقدمون لغيره، وجب أن نترسم خطواتهم، ونتتبع آثارهم ونصنع صنيعهم في طريق الاستنباط، وهو الطريق الواضح، والمحجة البينة: أن نستقرئ النظائر، ونتتبع الأمثال، فنضم كل شكل إلى شكله، وننظر في الأمر الجامع يجمعها، حتى نخرج القاعدة الغالبة، ثم يكون ما ندَّ عنها شاذًّا أو نادرًا أو سماعيًّا، ثم إن شئنا وطاوعتنا القواعد قليلًا قسنا على الشاذ والسماعي في القلة والندرة وعند الضرورة. وهذا شيء بديهي لا يكاد يشك فيه عالم.
فحين نريد أن نضع قاعدة أو قواعد لتعريب الأعلام على مثال لغة العرب، يجب علينا أن نستقصي كل علم أجنبي نطق به العرب، وأن نعرف ماذا كان أصله في لغة أهله، وماذا صنع فيه العرب حين نقلوه، لنأخذ من ذلك معنى عامًّا جامعًا لصنعهم، يكون أساسًا لما نضع من قاعدة أو قواعد. وأكثر الأعلام التي نقل العرب، وأوثقها نقلًا ما جاء في القرآن الكريم، من أسماء الأنبياء وغيرهم. فلو تتبعناها وشئنا أن نخرج منها معنى واحدًا تشترك فيه كلها، بالاستقصاء التام والاستيعاب الكامل، وجدنا فيها معنى لا يخرج عنه اسم منها، وهو:
أن الأعلام الأجنبية تنقل إلى العربية مغيرة في الحروف والأوزان، إلى حروف العرب وحدها، وإلى أوزان كلمهم أو ما يقاربها، وأنها لا تنقل أبدًا كما ينطقها أهلها إلَّا أن توافق حروفها وصيغها حروف العرب وأوزانها.
(2/541)

وهذا المعنى هو القاعدة التي لا يصح تجاوزها في نقل الأعلام الأجنبية إلى العربية، وهو الذي تشير إليه أقوال أئمة العربية من المتقدمين والمتأخرين.
قال الجوهري في الصحاح (ج 1 ص 80): "تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها". وانظر أيضًا اللسان (ج 2 ص 79).
وقال أحمد بن فارس في كتاب الصاحبي في فقه اللغة (ص 24 - 25): "حدثني علي بن أحمد الصباحي، قال: سمعت ابن دريد يقول: حروف لا تتكلم بها العرب إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حولوها من التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها، فمن تلك الحروف الحرف الذي بين الباء والفاء، مثل "بور" إذا اضطروا فقالوا: "فور". ثم قال ابن فارس: "قلنا: أما الذي ذكره ابن دريد في "بور" و"فور" فصحيح، وذلك أن "بور" ليس من كلام العرب، فلذلك يحتاج العربي عند تعريبه إياه أن يصيره فاء".
وقال الجواليقي في المعرب (ص 6): "اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا، وربما أبدلوا، بعد مخرجه أيضًا. والإبدال لازم؛ لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم".
وفيه أيضًا (ص 8 - 9): "قال أبو عمر الجرمي: وربما خلطت العرب في الأعجمي إذا نقلته إلى لغتها ... قال: وإذا كان حكي لك
(2/542)

في الأعجمية خلاف ما العلامة عليه فلا ترينه تخليطًا، فإن العرب تخلط فيه وتتكلم به مخلطًا؛ لأنه ليس من كلامهم، فلما اعتنفوه (1) وتكلموا به خلطوا".
وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (ج 1 ص 317 - 318) في اسم "جبريل": "وقد تصرفت فيه العرب، على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية، حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة".
ونقل السيوطي في المزهر (ج 1 ص 292) عن المرزوقي في شرح الفصيح: "المعربات ما كان منها بناؤه موافقًا لأبنية كلام العرب يحمل عليها، وما خالف أبنيتهم منها يراعى ما كان إلفهم له أكثر فيختار. وربما اتفق في الاسم الواحد عدة لغات، كما روي في جبريل ونحوه. وطريق الاختيار في مثله ما ذكرت".
فهذه هي الفطرة العربية السليمة، المناسبة لقوة عارضة العرب، ولرصانة لغتهم، وإتقانهم مخرج حروفهم وتجويدهم إياها، وكذلك لا نزال نرى عامتنا على فطرتهم إذا ما لاكت ألسنتهم اسمًا أعجميًّا، يصوغونه صياغة الحرف العربي والنطق العربي، غير متعلمين ولا متكلفين، وإن أخطؤوا قواعد اللغة وقواعد الإعراب، أما متعلمونا ومثقفونا - أو أكثرهم - فأنت ترى ماذا صنعوا بلغتهم إذا نقلوا إليها عن اللغات الأعجمية: يتبعون قرار المجمع اللغوي! أو هم قد سبقوه
__________
(1) "اعتنفوه" بالفاء، يقال: "اعتنف الشيء" أي أتاه ولم يكن له به علم ولا حذق، أو كرهه ووجد له مشقة.
(2/543)

إلى العمل به قبل وضعه! فلا يكاد لسانهم ينطق بكلمة أجنبية أو علم أجنبي حتى ينقلب لسانًا إفرنجيًّا تبرأ منه لغة العرب، وتنفر منه أسماع العرب، فيأتون بالحروف المعوجة، والحروف المخطوفة، ويجمعون بين ساكنين أو ثلاثة، ويبدؤون بالساكن، وهكذا ينطقون بها "كما ينطقها أهلها" وليتهم فعلوا هذا حقًّا، إنما هم ينطقون كل كلمة أجنبية، إما كما ينطقها الإنجليز، وإما كما ينطقها الفرنسيون، حتى لو كانت الكلمة فارسية أو هندية أو صينية أو يابانية أو جاوية، أو ما شئت من لغات أمم سمعنا بها، ومن لغات أمم لم نسمع بها! ! وإن شئت مصداق قولنا فاستمع للإذاعة في "الراديو" من مصر ومن غيرها، وتأمل نطق المتحدثين من المتعلمين والمثقفين بالعربية، حين يعثر لسان أحدهم بكلمة أجنبية، وانظر كيف "يتفاصح" فيعوج لسانه ويتمطى ويلين، يحاول أن ينطقها كما ينطقها أهلها "الإنجليز أو الفرنسيون" فقط، فتسمع لغة عربية أعجمية "حديثة"! ! ودع عنك أن هذا "التفاصح" إنما يحرصون عليه في الألفاظ الأعجمية، أما قواعد اللغة العربية، وأما صحة الألفاظ العربية فلا "يتفاصح" فيها أحد، إلا القليل النادر. وهكذا فعلوا في الكتابة، حتى ما كتب خطأ في اللغات الأخرى، يحرص أبناء العربية على كتابته على الخطأ، كما ورد عن السادة الذين نقلدهم! وأقرب مثل لذلك اسم البلدة الهندية "دهلي" الشهيرة، اسمها عند أهلها "دهلي" وكتبها كذلك علماء الهنود الكبار الذين ألفوا نفائس الكتب بالعربية، وهكذا نسبتهم إليها، مثل العلامة الكبير "شاه ولي الله الدهلوي"، ومع ذلك فإن الإنجليز أخطؤوا
(2/544)

فنطقوها وكتبوها "دلهي" بتقديم اللام، ويظهر في أن هذا خطأ قديم، منذ أن عدوا على الهند واستعمروها، ولكن الإنجليز قوم محافظون، لا يهون عليهم أن يلعبوا بلغتهم، حتى لو نقلوا إليها نقلًا خطأ، إذا شاع على ألسنتهم. ومن أعجب ما يتصل بهذا أني رأيت كتابًا في الطب باللغة الأردية، طبع على الحجر في دهلي، ومؤلفه اسمه "الدكتور ... الدهلوي" وكتب اسمه على صحته هكذا بالحروف العربية في أول الكتاب وبالحروف الإفرنجية في آخره، ثم كتب اسم البلد الذي طبع فيه الكتاب "دلهي" فهذا هندي دهلوي يتبع الأجانب في خطئهم في تسميته بلده.
ومن العجب أيضًا أن أرى رجلًا من كبار علمائنا وأدبائنا يكتب في بعض مؤلفاته الأعلام الإفرنجية، ويتأنق في ضبطها، فيضع علامتي السكون على حرفين متتابعين، بل يضع علامة السكون على آخر حرف من العلم، وهو موضع الإعراب في العربية! ولست أدري كيف طاوعته يده على هذا، وهو رجل "محافظ" مثلي - على التعبير الحديث - يحمل شهادة العالمية التي أحملها، وإن كان له فضل السبق إليها، وما أظنه نال شهادة غيرها، وقد تعلمنا فيما تعلمنا بابًا في النحو في "موانع الصرف" وأن منها "العلمية والعجمة" وأن من أحكامه أن العَلَمِ الأعجمي الأصل يعرب بالضمة في حال الرفع وبالفتحة في حالي النصب والجر، ولم يذكروا أبدًا أنه يعرب بالسكون أو يبنى على السكون! والأعلام الأعجمية الأصل جرت عليها هذه الأحكام في القرآن والحديث والشعر والنثر، لم يجرِ عليها
(2/545)

حكم آخر أبدًا، فأنى جاءت هذه الطريقة المحدثة إلّا من التقليد ومن إخضاع أرواحنا وعقولنا إلى الأجانب؟ ! ولو تأمل المتأمل، وأنصت السامع، لما يتحدث به أكثرنا وما يكتبون، لرأى هذا الخطأ شائعًا ذائعًا، لا يكاد يتحرز منه أحد، فترى كل الناس تكتب - مثلا - اسم "تشرشل" هكذا بالتاء قبل الشين! وليس في الاسم في لغتهم هذا، إنما هي شين صرف، تثقل تثقيلًا خاصًّا هو أقرب إلى لثغة بعض ذوي العاهة من أبناء العربية إذا ما نطقوا بهذا الحرف، ولا أزال أذكر أنه كان يكتب قديمًا في الصحف دون هذه التاء المنكرة التي يبدأ بها ساكنة، وما سمعت عاميًّا ينطقه على فطرته بعد كتابته بالتاء إلَّا النطق الذي تقتضيه لغة العرب "تشرشل" بكسر التاء والشين معًا، يجعلونهما حرفين حقيقيين لا حرفًا واحدًا خارجًا على اللغة، وهكذا كثير من المثل التي نراها ونسمعها في هذه الأعلام.
وأغرب من كل هذا، أني حين أنصت للمتحدثين من الأدباء والمثقفين من أبناء العروبة المخلصين لها، أجدهم حين يتحدثون بلغة أجنبية: إنجليزية أو فرنسية، إذا جاء على لسانهم في حديثهم علم عربي نطقه الإفرنج نطقًا خاصًّا على لغتهم، نطقوه نطق الإفرنج الخلص! ونسوا القاعدة التي يتبعونها في لغتهم إذا نقلوا إليها علمًا أعجميًّا، نسوا أن ينطقوا العلم العربي كما ينطقه أهله العرب، وهم منهم، بل من خيرتهم! !
فالمسألة نفسية روحية، قبل أن تكون علمية لغوية.
* * *
(2/546)

من بدع القبور (*)
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على قبرين فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشى بالنميمة". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
قال الخطابي في معالم السنن (1: 19 - 20): وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثيرٍ من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك الوجه.
وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصًا في بلاد مصر، تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء،
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الأولى، العدد الخامس، شعبان 1356 ه.
(2/547)

وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية؛ فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها، أو إلى قبر من يسمونه (الجندي المجهول) ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية، التي لا نداوة فيها، تقليدًا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم.
ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقاف خيرية: موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور، وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا مستند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكرونها، وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا.
أحمد محمد شاكر - القاضي الشرعي
(الهدي النبوي):
هذا الذي أشار إليه فضيلة العلامة السلفي الشيخ أحمد شاكر بعض ما ضل الناس به في بدع القبور، وإلّا فهي لا تكاد تقع اليوم تحت حصر ولا عد، فمن ذلك تخصيصهم أول رجب بزيارة القبور، والمبيت بها ليلة أو أكثر، وحرصهم على ذلك أشد الحرص، وما يدعوهم إلى ذلك إلّا ما وقع في نفوسهم الجاهلة وعقولهم المريضة، أن لرجب فضيلة على غيره في زيارة القبور، حتى زعموا أن ذلك أيضا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فاتخذوا رجب أيضا لزيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوها
(2/548)

الزيارة الرجبية، وكل ذلك ضلال مؤسس على جهل وعمى، وبعد عن الهدي النبوي الذي أرسله الله رحمة للناس وبشرى للمحسنين، فما كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يعين لزيارة القبور شهرًا خاصًّا ولا يومًا خاصًّا، باعتبار أن ذلك الشهر أو اليوم للزيارة فيه ميزة على غيره أصلًا، ومن ادَّعى ذلك على رسول الله فهو كاذب مفتر، وها هي كتب الحديث الصحيحة بين أيدينا فأوجدونا شيئًا من ذلك.
ولقد جر الجهل بالدين إلى فساد كبير وشر عظيم، فمن ذلك خروج النساء في تلك الليالي إلى المقابر من كل الطبقات، ومبيتهن بها وسط قوم فاسقين فاسدين، ممن ينتسبون إلى القرآن وغيرهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله زائرات القبور".
ومن ذلك - وهو شر من كل شر - إهانة القرآن الكريم أعظم إهانة باستئجار أولئك المجرمين الشباحين بقرش وقرص، وأقل من ذلك لقراءة سورة كذا وسورة كذا، وهذا وربك قضاء على مكانة القرآن أي قضاء، وخصوصًّا من ذلك الشباح الفاجر، الذي يقرأ وعينه زائغة في وجه هذه المرأة وتلك، والتأمل في محاسنهن ومفاتنهن، حتى لقد أغرى ذلك كثيرًا من النساء الفاسدات إلى قصد هذا والتهيؤ له، وعمل الفاحشة وسط تلك المقابر التي جعلت لذكر الموت وتذكر الدار الآخرة، وزعموا أن تلك الإهانات للقرآن ينزل الله به الرحمة على الموتى، وكذبوا وكذبوا وكذبوا، فهو والله منزل الغضب واللعنة على الأحياء، ومؤذ الموتى أشد الأذى، وما أنزل
(2/549)

القرآن ليقرأ على الموتى، وإنما أنزل على ما أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في غير آية: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)}.
ومن أعظم البلاء وأكبر المصائب، أن يفعل ذلك بعض من يلبس لباس العلماء ويتشبه بهم، فيرى العامة والدهماء هذا الجهول المتعالم في سيارته الفخمة وقد حشر فيها كل نساء داره من زوج وبنات، وقد حملها بالخوص والورود والزهور، ويجيء صاحب الفضيلة أو الرذيلة على الأصح وينادي الشباح: تعالى أقرأ سورة يس وخذ لك تعريفة ورغيف! يا لضيعة الدين فماذا يصنع العامي حين يرى هذا من ذاك الذي يعده إمامًا وقدوة في الدين.
فما أشد مصيبة الدين من أولئك الجاهلين المتعالمين، وقد كثروا في هذا الزمن لا كثرهم الله، حتى ذهبت صيحات المصلحين في وسط ضجيجهم وعجيجهم صرخة في واد، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
* * *
(2/550)

موقعة الجمل (*)
حين ثارت (موقعة الجمل) بين المفتيين السابق واللاحق، قابلت الأخ العلامة الشيخ محمود شلتوت، أحد جماعة كبار العلماء، وأحد أعضاء لجنة الفتوى في الأزهر، وهو من يعرف العالم الإِسلامي له فضله وشجاعته في قول الحق، وعتبت عليه أن لم يتحدث هو ولا لجنة الفتوى في وضع الحق موضعه، والفصل بين الرأيين أيهما الصحيح: رأى المفتي السابق أن هذا المحمل بدعة في الدين، لا يجوز إقرارها، وأن طواف (الجمل) سبع مرات وتقبيل مقوده حرام منكر، ورأى المفتي اللاحق بإباحة ذلك، وأنه بدعة (حسنة)! وحدثته بأن الناس ستتفرق بهم الآراء بين رأيين لعالمين معروفين، كان كل منهما في منصب الإفتاء الرسمي للدولة، وأن الفصل بين الحق والباطل إنما يكون بكلمة صريحة حازمة من أكبر هيئة علمية إسلامية في مصر، جماعة كبار العلماء، أو لجنة الفتوى بالأزهر، فقبل مني هذا العتب ووعد ثم أوفى، فتحدث إلى العالم عن طريق محطة الإذاعة المصرية مساء يوم الثلاثاء 21 ذي الحجة سنة 1369 (3 أكتوبر سنة 1950) حديثًا شاملًا، وعرض فيه لبدعة (المحمل) هذه بكلمة قيمة فاصلة. فطلبت منه أن يرسل لي نصها،
__________
(*) مجلة الهدي النبوي المجلد الخامس عشر، العدد الثالث، ربيع الأول 1370 ه.
(2/551)

وأن يأذن بنشره في مجلة (الهدي النبوي) تمامًّا للبحث، وختامًا له عظيمًا، بعد أن كتب أخي الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الوكيل، وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية، كلمته الجيدة، التي نشرناها في العدد الأول من المجلد الخامس عشر (محرم سنة 1370)، فأرسلها لي، وأذن - حفظه الله بنشرها - وها هي ذي كلمته:
خلق الله الملائكة وفضّل بعضها على بعض: جعل منها مهابط الوحي، ومنها منابت الذكرى، ومنها مثابة التقديس والعبادة. وخصَّ من ذلك المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وجعل أولها أفضلها: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (1). فضله بجملة من وجوه التفضيل لم تجتمع لغيره من أماكن العبادة والتقديس، فجعل زيارته ركنًا من أركان الدين، وطلب الطواف به، وجعله ركنًا من أركان الحج، ولم يشرع الطواف لشيء سواه، وصار معلومًا بينًا من الدين أنه لا يجوز الطواف حول مسجد أو بيت سوى الكعبة؛ فالطواف حول الأضرحة ومقاصير الأولياء، وأعمدة بعض المساجد والصاري الذي ينصب في الموالد: ابتداع في الدين، وشيء لم يأذن به الله.
ومنه الطواف في الدائرة التي ترسم للمحمل، فيطوف بها جمل
__________
(1) الآيتان (96، 97) من سورة آل عمران.
(2/552)

المحمل سبع مرات، وهي المعروفة بالدورات السبع، وقد اقترحت مضاهاة لطواف الحجاج ببيت الله الحرام.
وقد نص الفقهاء على أن التشبه بالواقفين بعرفات في مكان غير عرفات مخترع في الدين، قالوا: إن الوقوف إنما عُهد قربة بمكان مخصوص، فلا يجوز فعله في غيره، كما لا يجوز الطواف في غير الكعبة، وكما خص بيته الحرام بالطواف، وخص عرفات بالوقوف وحرمهما في غيرهما، خصه بتقبيل بعض أجزائه، وهو الحجر الأسود، وجعله عبادة خاصة في هذا المكان.
فمن قبل الأحجار والقبور، والجدران والستور، ولو كانت أحجار الكعبة أو القبر الشريف، أو جدار حجرته أو ستورها، أو صخرة بيت المقدس: فقد خرج عن هذا التشريع، وابتدع في الدين ما ليس منه؛ فإن التقبيل والاستلام، ولو بالإشارة ونحوها، تعظيم، والتعظيم خاص بالله، لا يجوز إلَّا فيما أذن فيه.
ومن ذلك ما يقع في حفلة المحمل، التي أحدثتها شجرة الدر، من تقبيل مقود الجمل، واستلام الجمل بالإشارة لمن لم يقدر على لمسه تبركًا بهما وتشبهًا باستلام الحجر الأسود وتقبيله.
هذه كلمة العلامة الشيخ محمود شلتوت، وهي في هذا قول فصل، وأنا أرى أنها تمثل رأي جماعة كبار العلماء، ورأي لجنة الفتوى، بل ما أظنه أذاعها إلَّا بهذه الصفة وهذا المعنى.
* * *
(2/553)

تعليق على كلام عبد الرحمن الوكيل على بدعة المحمل (*)
قد أحسن الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، وأوفى على الغاية في الإبانة عن وجه الحق في بدعة المحمل هذه، وأنا أعتقد أن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ (علام نصار) رجاع إلى الحق، لا يأبى إذا ما استبان له وجه الصواب أن يعود إليه غير متردّدٍ ولا مُتَوَانٍ.
وقد ابتلى المسلمون في مختلف الأقطار بأمثال هذه البدع، والظن بعلمائنا الكبار أن يحاربوها ويحاولوا إزالتها, ولعل الحكومة المصرية مصغية لحكم الله خاضعة له، آية حكومة كانت فترفع عن أعناق المسلمين هذه البدعة المنكرة، بدعة المحمل، إن شاء الله.
* * *
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد الخامس عشر، العدد الأول محرم 1370 ه.
(2/554)

فوائد شتى (*) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم

العمل بالحديث الصحيح
قال السِّندي في حواشيه على فتح القدير من كتب الحنفية: الحديث حجة في نفسه، واحتمال النسخ لا يضر، فإن من سمع الحديث الصحيح فعمل به، وهو منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا يَعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وفلان، فإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلِفَ في نسخه، فالعامل به في غاية العذر، فإن تطرُّق الاحتمال إلى خطإ المفتي أقوى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من الحديث، قال ابن عبد البر: يجب على من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصصه أو ينسخه، وأيضًا فإن المنسوخ من السنة في غاية القلة حتى عده بعضهم أحدًا وعشرين حديثًا، وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي، بل يجب عليه مع احتمال خطإ المفتي، فكيف لا
__________
(*) مجلة المنار، المجلد الحادي والثلاثون، الجزء الثالث، ص 193 ربيع الآخر 1349 - سبتمبر 1930.
(1) من جمع الشيخ أحمد محمَّد شاكر بن محمَّد شاكر، والحواشي والعناوين من وضع صالح رضا.
(2/555)

يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ؟ ولو كانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان، لكان قولهم شرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل، وقد أقام الله - تعالى - الحجة برسوله - صلى الله عليه وسلم - دون آحاد الأمة، ولا يعرض احتمال الخطإ لمن عمل بالحديث، وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يُعلم خطؤه من صوابه، ويجري عليه التناقض والاختلال، ويقول القول ويرجع عنه، ويحكى عنه في المسألة عدة أقوال.
وهذا كله فيمن له نوع أهلية، أما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله - تعالى -: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. [النحل: 43] , وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا فَلأَنْ يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بالجواز، ولو قُدَّر أنه لم يفهم الحديث فكما لو لم يفهم فتوى المفتي يسأل من يعرفها، فكذلك الحديث. انتهى كلام السندي ملخصًا، وقد أطال من هذا النفس العالي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -.
* * *

الفقه في الدين والاجتهاد
قال الإِمام تقي الدين ابن دقيق العيد - من أئمة الشافعية - في خطبة (شرح الإلمام) كما نقله عنه السبكي في طبقاته في ترجمته: إن
(2/556)

الفقه في الدين منزلة لا يخفى شرفها وعُلاها, ولا تحتجب عن العقول طوالعها وأضواؤها، وأرفعها بعد فهم كتاب الله المنزَّل، البحث عن معاني حديث نبيه المرسل؛ إذ بذاك تثبت القواعد ويستقر الأساس، وعنه يقوم الإجماع ويصدر القياس، لكن شرط ذلك عندنا أن يحفظ هذا النظام، ويجعل الرأي هو المأموم والنص هو الإِمام، وترد المذاهب إليه، وترد الآراء المنتشرة حتى تقف بين يديه، وأما أن يُجعل الفرع أصلًا، ويرد النص إليه بالتكلف والتخيّل، ويحمل على أبعد المحامل بلطافة الوهم وسعة التخيل، ويرتكب في تقرير الآراء الصعب والذّلول، ويحتمل من التأويلات ما تنفر منه النفوس وتستنكره العقول، فذلك عندنا من أردأ مذهب وأسوأ طريقة، ولا نعتقد أنه يحصل معه النصيحة للدين على الحقيقة، وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه؟ وأنَّى يصح الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه؟ ومتى يُنصف حاكم ملَكَته غضبة الصبية؟ وأين يقع الحق من خاطر أخذته العزة بالحمية؟ ... إلخ. (الفتوى في الإِسلام صحيفة 44)
* * *

السؤال عما لم يقع
قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن، ولم يمض به كتاب ولا سنة، وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أُبيح للضرورة، ولا ضرورة قبل الواقعة، وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد،
(2/557)

واحتج في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". انتهى. (الفتوى في الإِسلام صحيفة 45).
* * *

معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)
سئل أحمد بن عطاء أبو عبد الله الروزبادي المتوفى سنة 369 - قال الحافظ ابن عساكر: وفي مروياته أحاديث وهِمَ فيها وغلط غلطًا فاحشًا - عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله خلق آدم على صورته". فقال: إن الله جل ثناؤه خلق الخلق مرتبة بعد مرتبة، ونقله من حال إلى حال كما قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)} [المؤمنون: 12، 13]- إلى قوله -: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}. (المؤمنون: 14). وخلق آدم ليس على هذه الأحوال، وإنما خلق صورته كما هي، ثم نفخ فيه من روحه؛ فلأجله قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله خلق آدم على صورته". اه. مختصر تاريخ ابن عساكر جزء 1 صحيفة 394.
* * *

نشوء علم الفلسفة
قال الإِمام الذهبي في تذكرة الحفاظ في آخر الكلام على الطبقة السادسة من طبقاتهم: وكان في زمان هؤلاء خلائق من أئمة الحديث ومن أئمة المقرئين؛ كوَرْش واليزيدي والكسائي وإسماعيل بن
(2/558)

عبيد الله المكي القسط، وخلق من الفقهاء؛ كفقيه العراق محمَّد بن القاسم، وخلق من مشايخ القوم؛ كشقيق البلخي وصالح المري الواعظ، والفضيل، والدولة لهارون الرشيد والبرامكة، ثم بعدهم اضطربت الأمور، وضعف أمر الدولة بخلافة الأمين - رحمه الله - فلما قتل واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبَزَغ فجر الكلام، وعُرَّبت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مُهلك لا يلائم عِلم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية.
وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ إن من البلاء أن تعرف ما كنت تُنكر وتُنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويعزل منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار, وتقع في الحيرة، فالفرارَ الفرارَ قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. [آل عمران: 101] (تذكرة الحفاظ جزء 1 ص 300).
* * *

كتاب المهذب للذهبي
وجدت بدار الكتب المصرية كتاب (المهذب) للذهبي بخطه، وعلى ظهر المجلد الأول ما نصه بخطه - رحمه الله تعالى -:
(2/559)

"المجلد الأول من كتاب المهذب في اختصار السنن الكبير، تأليف الإِمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي - رحمه الله تعالى - اختصار كاتبه محمَّد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي غفر الله له"، وتحت ذلك بخطه - رضي الله عنه - أيضًا ما نصه: قال ابن الذهبي: لم أختصر من أحاديث الكتاب شيئًا بل اختصرت الأسانيد، فإن بها طال الكتاب، وبقيت من السند ما يُعرف به مخرج الحديث، وما حذفت من السند إلا ما قد صح إلى المذكور، فأما متونه فأتيت بها إلَّا في مواضع قليلة جدًّا من المكرر، قد أحذفها إذا قرب الباب من الباب، وآتي ببعض المتن، وقد تكلمت على كثير من الأسانيد بحسب اجتهادي، والله الموفق.
وقد رمزت إلى الحديث بمن خرجه من الأئمة الستة (خ م د ت س ق) ولم أتم هذا، فإن فَسَحَ الله في الأجل طالعت عليه الأطراف لشيخنا أبي الحجاج الحافظ إن شاء الله - تعالى - وهذا أمر بيِّنٌ هيَّنٌ، كل من هو محدث، فإنه يقدر على رمز أحاديث الكتاب من الأطراف، وما خرج عن الكتب الستة فقد بينت لك إسناده ومخرجه، فاكشف عليه، إن شئت من كُتب الجرح والتعديل, فالرجال ثلاثة، إما موثَّق مقبول، وإما مضعَّف غير حُجَّة، وإما مجهول، لكن كل قسم من الثلاثة على مراتب في القوة واللَّين والجهالة. انتهى.
والنسخة نفيسة جدًّا، كلها بخطه، خمسة مجلدات تنقص الثاني، والموجود منها أربعة، وفق الله لنا من يطبعه، وينشره آمين.
* * *
(2/560)

كتاب الجمع بين الصحيحين
وجدت بدار كتب رواق الأروام بالأزهر جزءًا من الجمع بين الصحيحين للحميدي وهو السادس، وقد أحببت نقل خاتمته لما فيها من النفائس، قال - رحمه الله تعالى -: "تم جميع الكتاب بحمد الله وعونه، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه، إنه ولي التوفيق، وهو على كل شيء قدير، وهو حسبي ونعم الوكيل". ثم قال عقب ذلك: "وهذه الأصول تتصل بآخر ما في الصحيحين من مسند الصحابة - رضي الله عنهم - وهو آخر ما قصدنا إليه من الجمع بين الصحيحين، وتمييز ما اتفقا عليه من المتون المخرَّجة فيهما، وما انفرد به أحدهما منها مستقصًى على شرطنا مرتبًا على ما بدأناه به وبيناه مع الاختصار المعِين على سرعة الحفظ والتذكار، ولم يبق للباحث المجتهد إلا النظر فيها والتفقه في معانيها، ومراعاة حفظها وإقامة الحُجّة بها، فإلى هذا قصد المتقدمون من أئمة الدين في حفظ إسنادها للمتأخرين؛ لتكون حاكمة بين المختلفين وشواهد صدق للمتناظرين - رضي الله عنهم أجمعين - ووفق التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما إسنادنا في هذين الكتابين، فقد روينا كتاب الإِمام أبي عبد الله البخاري بالمغرب من غير واحد من شيوخنا، بأسانيد مختلفة تتصل بأبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، ثم قرأته بمكة - أعزها الله - على المرأة الصالحة كريمة
(2/561)

بنت أحمد بن محمَّد بن حاتم المروزي غير مرة؛ لعلوِّ إسنادها فيه، كما أنا قرأناه على أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن أبي الهيثم بن المكي بن محمَّد بن زراع الكُشميهني عن أبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشير بن إبراهيم الفربري عن أبي عبد الله محمَّد بن الفرج بن عبد المولى الأنصاري، وهو روايته عن أبي العباس أحمد بن الحسن الحافظ الرازي، سمعه منه بمكة سنة ست وأربعمائة. قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي قال: أنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن سفيان النيسابوري. قال: سمعته من الإِمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري - رضي الله عنه -.
* * *

فصل
" وقد استشرف بعض الطالبين إلى معرفة الأسباب الموجبة للاختلاف بين الأئمة الماضين - رضي الله عنهم أجمعين - مع إجماعهم على الأصل المتفق المستبين، حتى احتيج إلى تكلف التصحيح في طلب الصحيح، وقرَّبت على هذا الطالب معرفة بعض العُذر في اختلاف المتأخرين لبُعدهم عن المشاهدة، وإنما تعذر عليه معرفة الوجه في اختلاف الصحابة - رضوان الله عليهم - مع مشاهدتهم نزول التنزيل وأحكام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحرصهم على الحضور
(2/562)

لديه، والكون بين يديه، والأخذ عنه والاقتباس منه، وهذا الذي وقع لهذا الطالب الباحث قد وقع لمن قبله الخوض فيه والبحث عنه.
وخرّج في هذا المعنى بعض الأئمة من علماء الأمة فصلًا، رأينا إثباته ههنا (كذا) (1) هذا الشبه عن هذا الطالب الباحث وغيره ممن يخفى ذلك عليه ويتطلع إلى معرفة الوجه فيه، وبهذا الفصل يتصور (كذا) لك كل (2) صورة وقوع ذلك منهم وكيفية اتفاقه لهم، حتى كأنه شاهده معهم.
وهذا أول الفصل المخرّج في ذلك أوردناه بلفظ مصنفه - رحمة الله عليه - "قال لنا الفقيه الحافظ أبو محمَّد بن علي بن أحمد بن سعيد اليزيدي الفارسي - رضي الله عنه - في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه".
* * *

سبب القول والفتيا بما يخالف القرآن أو السنة
" تطلعت النفس بعد تيقُّنها أن الأصل المتَّفق عليه المرجوع إليه أصل واحد لا يختلف، وهو ما جاء عن صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - إما في القرآن، وإما من فعله أو قوله، الذي لا ينطق عن الهوى فيه؛ لما
__________
(1) ربما سقط من الأصل كلمة هي (لإزالة) أو ما في معناها وأن (هذا) محرَّف عن هذه.
(2) لعل كلمة (كل) زائدة من النُّسَّاخ.
(2/563)

رأيت وشاهدت من اختلاف علماء الأمة في ما سبيله واحدة وأصله غير مختلف، فبحثت عن السبب الموجب للاختلاف، ولترك من ترك كثيرًا مما صح من السنن, فوضح لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحد من العلماء ينسى كما ينسى البشر، وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه وقد يَعرِض هذا في آي القرآن.
ألا ترى أن عمر - رضي الله عنه - أمَر على المِنبر ألا يُزاد في مهور النساء على عدد ذكره مَيلًا إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزد على ذلك العدد في مهور نسائه حتى ذكرته امرأة من جانب المسجد بقول الله - عز وجل -: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20]. فترك قوله، وقال: كل أحد أعلم منك حتى النساء.
وفي رواية أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. علمًا منه - رضي الله عنه - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان لم يزد في مهور النساء، فإنه لم يمنع مما سواه والآية أعم، وكذلك أمر - رضي الله عنه - برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكَّره علي قول الله - تعالى -: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]. مع قوله - تعالى -: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ} [البقرة: 233]. فرجع عن الأمر برجمها، وهم أن يسطو بعيينة بن حصن؛ إذ جفا عليه حتى ذكره الحُر بن قيس بقول الله - عز وجل -: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]. فأمسك عمر. وقال - رضي الله عنه - يوم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا، حتى قُرئت
(2/564)

عليه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} [الزمر: 30]. فرجع عن ذلك، وقد كان علم الآية، ولكنه نسيها لعظيم الخطب الوارد عليه، فهذا وجه عمدته (1) (كذا) الخلاف للآية أو للسنة بنسيان لا بقصد.
وقد يذكر العامل الآية أو السنة لكن يتأول فيها تأويلًا من خصوص أو نسخ أو معنًى ما، وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل، ولا شك أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا بالمدينة حوله - عليه السلام - مجتمعين، وكانوا ذوي معايش، يطلبونها، وفي ضَنْك من القوت؛ فمن متحرف في الأسواق، ومن قائم على نخله، ويحضره - عليه السلام - في كل وقت منهم طائفة إذا وجدوا أدنى مما هم بسبيله، وقد نص على ذلك أبو هريرة - رضي الله عنه - فقال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم، وكنت امرءًا مسكينًا أصحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني.
وقد قال عمر - رضي الله عنه -: ألهاني الصفق في الأسواق في حديث استئذان أبي موسى. فكان - عليه السلام - يُسأل عن المسألة ويحكم بالحكم، ويأمر بالشيء ويفعل الشيء، فيحفظه من حضره ويغيب عن من غاب عنه، فلما مات - عليه السلام - وولي أبو بكر - رضي الله عنه - كان إذا جاءت القضية ليس عنده فيها نص، سأل من بحضرته من الصحابة فيها، فإن وجد عندهم نصًّا رجع إليه، وإلا
__________
(1) ربما كان الأصل (فهذا وجه ما عمدته الخلاف) إلخ.
(2/565)

اجتهد في الحكم فيها، ووجه اجتهاده واجتهاد غيره منهم - رضي الله عنهم - رجوع إلى نص عامّ، أو إلى أصل إباحة متقدمة، أو إلى نوع من هذا يرجع إلى أصله.
ولا يجوز أن يظن أحد أن اجتهاد أحد منهم هو أن يشرع شريعة باجتهاده، أو يخترع حُكمًا لا أصل له، حاشَ لهم من ذلك، فلما ولي عمر - رضي الله عنه - فُتحت الأمصار وتفرّق الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بمكة أو بغيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها نصٌّ حُكِمَ به، وإلا اجتهدوا في ذاك، وقد يكون في تلك القضية نص موجود عند صاحب آخر في بلد آخر - وقد حضر المدني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي، وحضر الكوفي ما لم يحضر المدني.
كل هذا موجود في الآثار وتقتضيه الحالة التي ذكرنا من مغيب بعضهم عن مجلسه - عليه السلام - في بعض الأوقات وحضور غيره ثم مغيب الذي حضر وحضور الذي غاب، فيدري كل واحد منهم ما حضره ويفوته ما غاب عنه، وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجُنُب ولو لم يجد الماء شهرين. وكان حكم المسح على الخفين عند علي وحذيفة ولم تعلمه عائشة ولا ابن عمر ولا أبو هريرة على أنهم مدنيون، وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود، وغاب عن أبي موسى،
(2/566)

وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وأُبيّ، وغاب عن عمر، وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سلمة ولم يعلمه عمر وزيد بن ثابت، وكان حكم تحريم المُتعة والحُمُر الأهلية عند علي وغيره، ولم يعلمه ابن عباس، وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما، وغاب ذلك عن طلحة وابن عباس وابن عمر، وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنين فتركهم حتى ذكر بذلك فذكره فأجلاهم، ومثل هذا كثير. فمضى الصحابة - رضي الله عنهم - على هذا.
ثم خَلَفَ بعدهم التابعون الآخذون عنهم، وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا، فإنما تفقَّهوا مع من كان عندهم من الصحابة، فكانوا لا يتعدَّون فتاويهم، لا تقليدًا, ولكن لأنهم أخذوا وروَوْا عنهم، إلا اليسير مما بلغهم عن غير مَن كان في بلادهم من الصحابة - رضي الله عنهم - كاتِّباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن عمر، واتِّباع أهل مكة فتاوى ابن عباس، واتَّباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوى ابن مسعود، ثم أتى من بعد التابعين فقهاء الأمصار؛ كأبي حنيفة وسُفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جُريج بمكة، ومالك وابن الماجِشون بالمدينة، وعثمان البَتِّي وسوَّار بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فجرَوْا على تلك الطريقة، من أخذ كل واحد من التابعين من أهل بلده وتابعوهم عن الصحابة - رضوان الله عليهم - فيما كان عندهم، وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم، وهو موجود عند غيرهم ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها.
(2/567)

وكل من ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه أجرين، ومأجور فيما خفي عليه ولم يبلغه أجرًا واحدًا، قال الله - تعالى -: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
وقد يبلُغ الرجل ممن ذكرنا نصان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما بضرب من الترجيحات، ويميل غيره إلى النص الذي ترك الآخر بضرب من الترجيحات أيضًا، كما رُوي عن عثمان في الجمع بين الأختين: أحلَّتهما آية وحرَّمتهما آية. وكما مَالَ ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملةً بقوله - تعالى -: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]. وقال: لا أعلم شِركًا أعظم من قول المرأة: إن عيسى ربُّها. وغلب ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى، ومثل هذا كثير.
فعلى هذه الوجوه ترك بعض العلماء ما تركوا من الحديث ومن الآيات، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم لأخذ هؤلاء ما ترك أولئك، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء، لا قصدًا إلى خلاف النصوص، ولا تركًا لطاعتها كذا, ولكن لأحد الأعذار التي ذكرنا، إما من نسيان، وإما أنها لم تبلغهم، وإما لتأويلٍ ما، وإما لأخذ بخبرٍ ضعيفٍ، لم يَعلم الآخذ، به ضعف رواته وعلمه غيره، فأخذ بخبرٍ آخر أصحَّ منه أو بظاهر آية.
وقد يشتبه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنى، ويلوح له حكم بدليل ما ويغيب كذا غيره، ثم كثرت الرِّحل إلى الآفاق،
(2/568)

وتداخل الناس وانتدبت أقوام لجمع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وضمه وتقييده، ووصل من البلاد البعيد إلى من لم يكن عنده، وقامت الحُجة على من بلَغه شيء منه، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث، وعرف الصحيح من السقيم، وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى ترك عمله، وسقط العُذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه، وقيام الحُجة بها عليه، فلم يبق إلَّا العِناد والتقليد.
وعلى هذه الطريقة كان الصحابة - رضوان الله عليهم - وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيامَ الكثيرةَ طلبًا للسُّنن والتزامًا لها، وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد إلى عقبة بن عامر، وقد رحل علقمة والأسْوَد إلى عائشة وعمر، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام، وكتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومثل هذا كثير.
قال أبو عبد الله: فقد بيَّن - والحمد لله - وجه من ترك بعض الحديث، والسبب الموجب للاختلاف، وشفينا النفس مما اعترض فيها، ورفعنا الإشكال عنها، والله - عز وجل - المعين على البحث والهادي إلى الرشد بمنِّه.
وبهذا البيان كشف به هذا الإِمام في هذا الفصل صورة الحال في أسباب الاختلاف الواقع بين الصحابة فمن دونهم، صحَّ للأئمة المتقدمين - رضي الله عنهم أجمعين - وجوب طلب التصحيح
(2/569)

للنصوص الواردة في شرائع الدين، لتقوم الحُجة بما صح منها على المختلفين، وقد قام الكل منهم في ذلك بما قدر عليه، وانتهت استطاعته إليه، إلى أن انفرد بالمَزِيَّة في الاجتهاد، والرحلة إلى البلاد، في جمع هذا النوع من الإسناد، بعد التَّتبُّع والانتقاد، الإمامان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري - رضي الله عنهما - فحازا قَصَب السَّبْق فيه في وقتهما، ولفَرْط عنايتهما وبلوغهما غاية السعي والتشمير فيه قويت هممهما في الإقدام على تسمية كتابيهما بالصحيح، وعلم الله - عز وجل - صِدق نيتهما فيه ومشقة قيامهما به وحُسن انتقادهما له، فبارك لهما فيه ورزقهما القبول شرقًا وغربًا، وصرف القلوب إلى التعويل عليهما والتفضيل لهما، والاقتداء في شروط الصحيح بهما، وتلك عادة الله فيمن أحبه، أن يضع له القبول في الأرض كما جاء في الخبر الصادق عن المبعوث الحق - صلى الله عليه وسلم - فهنيئًا لهما, ولمن اهتدى في ذلك بهُداهما، والواجب علينا وعلى من فهم الإِسلام، وعرف قدْر ما حَفِظَا من الشرائع والأحكام، أن يخلِص الدعاء (1) لهما, ولسائر الأئمة الناقلين إليهما وإلينا قواعد هذا الدين، وشواهد أحكام المسلمين. ونحن نبتهل إلى الله - تعالى - في تعجيل الغُفران لهما ولهم، وتجديد الرحمة والرضوان عليهما وعليهم، وأن يبوئ الكل منهم في
__________
(1) في نسخة الأصل (للدعاء). "مجلة المنار، المجلد التاسع عشر، الجزء الخامس، ص 266، ذو الحجة 1334/ أكتوبر 1916".
(2/570)

أعلى درجات الكرامات، من غُرُفات الجنات، وأن يوفقنا أجمعين للاقتداء بهم، والسلوك في سبيلهم، والدعاء إليه وإلى رسوله، والانقياد لمحكمات تنزيله، والتفقه في دينه، والإخلاص في عبادته، والانقطاع إليه، وصِدْق التوكل عليه، حتى يتوفانا مسلِمين مسلمين، غير مبدِّلين ولا مغيَّرين، وأن يغفر لنا ولآبائنا ولجميع المسلمين.
تم الجزء السادس وبتمامه تم الكتاب. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمَّد نبيه وآله وصحبه وسلامه. وافق الفراغ من نسخه لخمس ليالٍ بَقِين من ذي القَعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
* * *
(2/571)

الجعاظرة الجوّاظون (*)
قال ابن حِبّان، الإِمام الحافظ أبو حاتم محمَّد بن حِبّان التميمي البُسْتي، في صحيحه (1):
ذِكْرُ الزَّجْر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماكِ فيها
والجهلِ بأمر الآخرة ومجانبِةِ أسبابها
حدثنا أحمد بن محمَّد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السُّلَمِيّ، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هنْد، عن أبيه، عَن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ (2)، سَخَّابٍ بالأسواق (3)، جِيفَةٍ بالليل،
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد السادس عشر، العدد الثاني عشر، ذو الحجة 1371 ه.
(1) هو صحيح ابن حبان المشهور، وهو نادر الوجود. وقد شرعت في تحقيقه ونشره بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي. وسيظهر الجزء الأول منه قريبًا، إن شاء الله. وهذا الحديث هو الحديث (71) منه.
(2) "الجعظري" بفتح الجيم والظاء المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة. و"الجواظ" بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره ظاء معجمة. وهما متقاربا المعنى: الجسيم الأكول الشروب، البطر، يختال ويتعاظم. وقد فصلنا القول في معنيهما، في شرح حديث آخر لعبد الله بن عمرو في المسند (6580) وقد جاء اللفظان في أحاديث أخر كثيرة. انظر متنها في المسند (7010) من حديث ابن عمر، و (8807، 10606) من حديث أبي هريرة، و (2503) من حديث أنس، و (17661) من حديث سراقة.
(3) "سخاب" بالسين و"صخاب" بالصاد من "الصخب" بالصاد والسين، وهو =
(2/572)

حِمَارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة". (76) [2: 76]
الحديث - 71 - رواه البيهقي في السنن الكبرى (10: 194) من طريق أبي بكر القطّان عن أحمد بن يوسف السُّلَمي، بهذا الإسناد.
وأبو بكر القطّان: هو محدث نيسابور، محمَّد بن الحسين، مات سنة 302، وترجمه السمعاني في الأنساب (ورقة 457).
وأحمد بن يوسف السلمي، بضم السين وفتح اللام نسبة إلى "سليم" قبيلة معروفة، ونص على ضبطه بهذا السمعاني في الأنساب (ورقة 303) وأحمد بن يوسف: ثقة مأمون، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان راويًا لعبد الرزّاق، ثَبْتَا فيه". وله ترجمة في التهذيب، وفي تذكرة الحافظ (2: 131).
والحديث ذكره البندري في الترغيب والترهيب (1: 224). وقال: "رواه ابن حبان في صحيحه والأصبهاني". وذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير (1: 353 من الفتح الكبير) ونسبه للبيهقي فقط.
وهذا الوصف النبوي الرائع، الذي سما بتصويره إلى القِمَّة في البلاغة والإبداع، لهؤلاء الفِئَامِ من الناس، أستغفر الله، بل من الحيوان تَجِدُه كلَّ يوم في كثيرٍ ممن ترَى حَوْلك، ممن ينتسبون إلى
__________
= الجلبة والصياح والخصام. قال في اللسان (1: 444): "الصاد والسين يجوز في كل كلمة فيها خاء".
(2/573)

الإِسلام، بل تراه في كثير من عظماء الأمة الإِسلامية، عظمة الدنيا لا الدين، بل لقد تجده فيمن يلقّبون منهم أنفَسهم بأنهم "علماء" ينقلون اسم "العلم" عن معناه الإِسلامي الحقيقي، المعروف في الكتاب والسنة، إلى علوم من علوم الدنيا والصناعات والأموال، ثم يملؤهم الغرور، فيريدون أن يحكموا على الدين بعلمهم الذي هو الجهلُ الكامل! ويزعمون أنهم أعرف بالإِسلام من أهله، وينكرون المعروف منه، ويَعْرفون المنكَر، ويَرُدُّون من يرشدهم أو يرشد الأمةَ إلى معرفة دينها ردًّا عنيفًا، يناسب كلّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ منهم.
فتأملْ هذا الحديث واعْقِلْه، تَرَهُم أمامَك في كل مكان.
* * *
(2/574)

القول الفصل في مسَّ المرأة وعدم نقضه للوضوء (*)
يقوم الأستاذ الشيخ أحمد محمَّد شاكر الآن بخدمة جامع الترمذي خدمة جليلة، بمراجعته على عدة نسخ خطية، وضبط أحاديثه، والكلام على أسانيدها ورجالها، وبيان مزال أقدام بعض المتقدمين في تلك الأسانيد والرجال، بما تطمئن إليه نفس طالب العلم، ويسر به مبتغي الدين الصحيح. وقد تولت المطبعة الحلبية لأصحابها أولاد المرحوم السيد مصطفى الحلبي طبع ذلك على ورق جيد وبحرف جميل.
وإني لمتصل بالأخ الشيخ أحمد اتصالًا جسميًّا وروحيًّا بأواصرَ أهمها وأقواها: الحبُّ في الله، والرغبة في خدمة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتعاون على ذلك ونتساعد عليه أبدًا، وكم له من بحوث موفقة غاية التوفيق والسداد في كتابته على الترمذي وغيره.
فما راقني جدًّا وأحببت أن أتعجل النفع به لإخواني قراء "الهدي النبوي" بحث نقض الوضوء من مس المرأة، الذي كثر القول فيه، واشتد حرج كثير من الناس به، وهو تعليق على قول الترمذي:

(باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة)
حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الأولى، العدد السادس، رمضان 1356 ه.
(2/575)

وأبو عمار قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة؛ "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَبَّل بعضَ نسائِه، ثُمَّ خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتَوَضَّأْ". قال: قلت: من هي إلَّا أنت؟ فضحكت.
قال الأستاذ: رواه أبو داود (1، 70) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه (1، 93) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد والطبري في التفسير (5، 67) عن أبي كريب، وأحمد في المسند (6، 210) كلهم عن وكيع عن الأعمش بهذا الإسناد، ورواه الدارقطني (ص 50) من طريق أبي هشام الرفاعي وحاجب بن سليمان ويوسف بن موسى، كلهم عن وكيع عن الأعمش، ورواه الطبري عن إسماعيل بن موسى السدي عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش، ورواه الدارقطني (ص 51) من طريق إسماعيل بن موسى أيضًا، ورواه كذلك من طريق محمَّد بن الحجاج عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش، ورواه (ص 50) من طريق علي بن هاشم وأبي يحيى الحماني عن الأعمش. وكل هذه الروايات لم يذكر فيها نسب عروة: إلَّا في رواية أحمد وابن ماجه؛ فإن فيهما "عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير" وهذا حديث صحيح لا علة له، وقد علله بعضهم بما لا يطعن في صحته، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
قال الترمذي: وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.
(2/576)

وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء. وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين.
وإنما ترك أصحابنا - أي أهل الحديث - حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد.
قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء.
قال الأستاذ - روى الدارقطني (ص 51) عن أبي بكر النيسابوري عن عبد الرحمن بن بشر قال: "سمعت يحيى بن سعيد يقول - وذكر له حديث الأعمش عن حبيب عن عروة - فقال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا". ثم روى عن محمَّد بن مخلد عن صالح بن أحمد عن علي بن المديني قال: "سمعت يحيى - وذكر عنده حديثا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على الحصير. وفي القُبلة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء". وقال أبو داود في السنن: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين - يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء".
(2/577)

قال الترمذي: وسمعت محمَّد بن إسماعيل يُضَعِّف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
قال الأستاذ: قال أبو داود: "وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني". يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، قال أبو داود "وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا" والحديث الذي يشير إليه أبو داود رواه الترمذي في الدعوات (2، 261 طبعة بولاق، و 2، 186 طبعة الهند) وقال: "هذا حديث حسن غريب". قال: سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا".
وهذا يدل أولًا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح بذلك في رواية أحمد وابن ماجه، خلافًا لمن وَهِمَ فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني؛ لما روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مغراء، قال "ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث". وهذا ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن مغراء وإن كان من أهل الصدق إلَّا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات. وقال الحاكم أبو أحمد: "حدث بأحاديث لا يتابع عليها". وقد خالفه في روايته هنا الثقات من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث.
ويدل كلام أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب عن
(2/578)

عروة، ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس، بل هو ثقة حجة، وقد أدرك كثيرًا من الصحابة وسمع منهم، كابن عمر وابن عباس وأنس، وابن عمر مات سنة 74 وابن عباس سنة 68، وهما أقدم وفاة من عروة فقد توفي بعد التسعين، وحبيب مات سنة 119، وعمره 73 سنة أو أكثر.
وقال الزيلعي في نصب الراية (1، 38): "وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتًا. وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة". انتهى.
وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث عن عروة، تقليدًا لسفيان الثوري، وموافقة للبخاري في مذهبه.
وقد تبين مما مضى أن سفيان أرسل الكلمة إرسالًا من غير دليل يؤيدها، وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة، والبخاري شرطه في الرواية معروف، وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم.
ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث، وقد تابعه عليه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، فروى الدارقطني (ص 50): "حدثنا أبو بكر النيسابوري نا حاجب بن سليمان نا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قبَّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض
(2/579)

نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت". قال الدارقطني: "تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل وهو صائم. وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه" وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه؛ فإن النيسابوري إمام مشهور، وحاجب بن سليمان المنبجي (بفتح الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة) ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه النسائي وقال: (ثقة). ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدارقطني هذه؛ وهو تحكم منه بلا دليل، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة؛ فإن المعنيين مختلفان: بعض الرواة روى في قبلة الصائم، وبعضهم روى في قبلة المتوضئ؛ فهما حديثان لا يعلل أحدهما بالآخر.
وقد تابع أبو أويس وكيعًا على روايته عن هشام عن أبيه، فروى الدارقطني عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق: "نا عاصم بن علي نا أبو أويس حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها بلغها قولُ ابن عمر: "في القبلة الوضوء". فقالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَبَّل وهو صائم ثم لا يتوضأ". ثم علله الدارقطني بعلة غريبة فقال: لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي ابن عبد العزيز!
أما علي بن عبد العزيز فهو الحافظ أبو الحسن البغوي شيخ الحرم ومصنف المسند عاش بضعًا وتسعين سنة، ومات سنة 286 وهو ثقة حجة، وقال الدارقطني: (ثقة مأمون). وانظر تذكرة
(2/580)

الحفاظ (2، 178) ومثل هذا يقبل منه ما ينفرد بروايته، بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات فلعله يكون أحفظ منهم وأرجح رواية. وأما عاصم بن علي بن عاصم الواسطي، فإنه شيخ البخاري، قال أحمد: "ما أصح حديثه عن شعبة والمسعودي". وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين يقول: "كل عاصم في الدنيا ضعيف". قال: "ما أعلم في عاصم بن علي إلَّا خيرًا، كان حديثه صحيحًا". انظر مقدمة الفتح (ص 410 طبعة بولاق)، وقال الذهبي في الميزان: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق". وقال أيضًا: "كان من أئمة السنة، قوالًا بالحق، احتج به البخاري". ومات عاصم هذا سنة 221 وكان في عشرة التسعين.
وأما أبو أويس فهو عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو ابن عم مالك بن أنس وزوج أخته، وكان ثقة صدوقًا، في حفظه شيء. قال ابن عبد البر: "لا يحكي عنه أحد جرحه في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه". وهو هنا لم يخالف أحدًا، وإنما وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه؛ فرواه عنه مثله، ووافقه أيضًا في أن الحديث عن عروة: وكيع عن حبيب بن أبي ثابت.
وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة؛ قال ابن التركماني في الجوهر النقي (1، 125) "قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح حدثنا محمَّد بن موسى
(2/581)

ابن أعين حدثنا أبي عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن عائشة؛ أنه - عليه السلام - كان يقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ. وعبد الكريم روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وموسى بن أعين مشهور، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرج له مسلم، وابنه مشهور، روى له البخاري. وإسماعيل روى عنه النسائي، ووثقه أبو عوانة الإسفرائيني، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه, وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم، وقال عبد الحق - بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار -: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء؛ لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره". وانظر نصب الراية للزيلعي (1، 38) فقد نقل هذا الكلام كله نصًّا، وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث من غير عصبية لمذهب ولا تقليد لأحد.
وقد جاءت متابعات أخرى وشواهد لهذا الحديث بعضها صحيح، وبعضها يقارب الصحيح، وأكثرها لا مطعن فيه إلَّا احتمال الخطأ من بعض الرواة، أو ادعاءه عليهم، وتضافرهم على الرواية يرفع الاحتمال، وينقض الادعاء، وانظرها في الدارقطني (ص 49 - 52) ونصب الراية (1، 37 - 39) ومن أحسنها ما رواه أحمد في المسند (6، 62): "ثنا محمَّد بن فضيل ثنا الحجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ
(2/582)

ثم يقبل، ويصلي ولا يتوضأ". ورواه ابن ماجه (1، 94) عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن محمَّد بن فضيل، ورواه الدارقطني من طريق عباد بن العوام عن حجاج بإسناده، ورواه الطبري في التفسير (5، 67) عن أبي كريب عن حفص بن غياث عن حجاج عن عمرو عن زينب مرفوعًا, ولم يذكر فيه عائشة، والراوي قد يرسل الحديث وقد يصله، وإسناد أحمد وابن ماجه والدارقطني إسناد حسن، وقد أعله أبو حاتم وأبو زرعة؛ بأن "الحجاج يدلس في حديثه عن الضعفاء, ولا يحتج بحديثه" نقله ابن أبي حاتم في العلل (رقم 109)، وأعله الدارقطني؛ بأن "زينب هذه مجهولة، ولا تقوم بها حجة".
أما الحجاج بن أرطاة فإنه عندنا ثقة، ولا نطرح من حديثه إلا ما ثبت أنه دلسه أو أخطأ فيه، ومع هذا فإنه لم ينفرد به عن عمرو بن شعيب؛ فإن الدارقطني رواه بنحوه من طريق الأوزاعي "نا عمرو بن شعيب".
وأما زينب السهمية فهي زينب بنت محمَّد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص، تفرد عنها ابن أخيها عمرو بن شعيب، وليس هذا بطارح روايتها بتة، فقد قال الذهبي في آخر الميزان: (فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها). كأنه يذهب إلى أن الجهالة بهن تجعلهن من المستورات المقبولات، إذا روى عنهن ثقة.
وهذا الإسناد بكل حال ليس أصل الباب، ولكنه شاهد جيد، أو متابعة حسنة لحديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة.
(2/583)

قال الترمذي: وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة؛ "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها ولم يتوضأ". وهذا لا يصح أيضًا, ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة.
قال الأستاذ: حديث إبراهيم التيمي عن عائشة رواه أحمد (6، 210) وأبو داود (1، 69) والنسائي (1، 39) والدارقطني (ص 51) كلهم من طريق الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة.
قال أبو داود: "هو مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا". وقال النسائي: "ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلًا". وقال الدارقطني: "لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل وهو صائم. وقال عنه غير عثمان: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل ولا يتوضأ".
ومن عجب أن الدارقطني بعد هذا وصل الحديث بإسنادين عن الثوري، ثم بإسناد عن أبي حنيفة، ثم وصل رواية عثمان بن أبي شيبة في قبلة الصائم من طريق معاوية عن الثوري، ثم لم بسند الرواية التي
(2/584)

علقها عن (غير عثمان) عن معاوية بن هشام حتى يتبين لنا إسنادها، ولعله يكون إسنادًا صحيحًا إلى معاوية بن هشام! فترك الحديث معلقًا، فلم يمكن الحكم عليه بشيء، وليس هذا من صنيع المنصفين، وقد بحثت عن هذا الإسناد الذي أشار إليه وعلقه فلم أجده.
وأبو روق عطية بن الحرث، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. ومعاوية بن هشام الذي نقل الدارقطني أنه وصل الحديث، وثَّقه أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات. ومن هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من الضعيف الذي يعرض عنه.
قال الترمذي: وليس يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء.
قال الأستاذ: أما هذا الباب (باب ترك الوضوء من القبلة) فقد صح فيه شيء، وهو حديث عائشة من الطرق التي وضحناها وصححناها، ومن طرق أخرى أشرنا إليها.
وأما أصل الباب ومرجع الخلاف فهو هل يجب الوضوء من مس المرأة؟ ذهب بعض الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الفقهاء والمحدثين إلى الوجوب، وذهب بعض الصحابة ومن بعدهم إلى عدم الوجوب، وهو الصحيح الراجح.
وأصل الخلاف فيه تفسير اللمس من قوله تعالى في سورة المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ
(2/585)

جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}. [آية 6] , وكذلك في قوله تعالى في سورة النساء {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [آية 43]. على القراءتين في الآيتين، فقد قرأهما حمزة والكسائي وخلف [لمستم] بغير ألف، وقرأها باقي القراء العشرة [لامستم] بالألف.
قال ابن رشد في بداية المجتهد (1، 29) وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب: فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}. وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد.
ثم قال: "وقد احتج من أوجب الوضوء من المس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد، وينطلق مجازًا على الجماع، وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز فالأولى أن يحمل على الحقيقة، حتى يدل الدليل على المجاز، ولأولئك أن يقولوا: إن المجاز إذا أكثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث - الذي هو فيه مجاز - منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة. والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء أو قريبًا من السواء، أنه أظهر عندي في الجماع وإن كان مجازًا؛ لأن الله قد كنَّى
(2/586)

بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في معنى المس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها ولا تأخير، على ما سيأتي بعد، وترتفع المعارضة التي بين الآثار والآية على التأويل الآخر - يريد ابن رشد بالآثار هنا حديث عائشة في القبلة - وأما من فهم من الآية اللمسين معًا فضعيف؛ فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدًا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها، وهذا بين بنفسه في كلامهم".
وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح نفيس؛ فإن سياق الآيتين لا يدل إلَّا على أن المراد المكنى عنه فقط، وكذلك قال الطبري في التفسير بعد حكاية القولين: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني الله بقوله: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}. الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ".
والقائمون على نصرة القول بأن اللمس ينقض، والتعصب له، والذب عنه، من الفقهاء والمحدثين: هم علماء الشافعية، والشافعي نفسه - رضي الله عنه - ذهب إلى هذا المذهب وقال به، ولكنه - فيما يبدوا لي من كلامه - يفسر الآية بذلك على شيء من الحذر، وكأنه يتحرج من الجزم به؛ إذ لم يصل إليه حديث صحيح في الباب، فإنه قال في الأم (1، 12) بعد ذكر آية المائدة: "فأشبه أن يكون
(2/587)

أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبله غير الجنابة؛ أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن مالك بن عبد الله عن أبيه قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود قريب من معنى قول ابن عمر".
فهذا التعبير من الشافعي، وهو دقيق العبارة، ولا يلقى الكلام جزافا, ولا يرسل القول إرسالًا، يقول: (فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد). قد نفهم منه الحذر والتردد؛ لأنه لم يجد عنده في الباب حديثًا مرفوعًا صحيحًا، وإنما وجد أثرًا صحيحًا عن ابن عمر، ووجد نحوه عن ابن مسعود، ووجد الآية تحتمل معنى قولهما؛ فاحتاط لذلك وفسر الآية على ما يوافق ما لديه من الأثر عن الصحابة.
ومما يؤيد ما ذهبتُ إليه في معنى كلام الشافعي؛ أن ابن رشد بعد أن نقل حديث حبيب عن عروة عن عائشة [المذكور في هذا الباب] نقل عن ابن عبد البر؛ أنه مال إلى تصحيحه, وأنه قال: وروي هذا الحديث أيضًا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي: إن ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوءًا.
وأن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص 44) نقل نحو ذلك عن الشافعي فقال: قال الشافعي: روى معبد بن نباتة عن محمَّد بن عمرو ابن عطاء عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقبل ولا يتوضأ. وقال: لا
(2/588)

أعرف حال معبد؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فهذا نقل مشرقي، وقبله نقل مغربي، كلاهما عن الشافعي، أنه لو صح عنده حديث عائشة لذهب إليه ولم يقل بنقض الوضوء من اللمس، وهو يدل على أنه يرى أن تفسير اللمس بما فسره به ليس على سبيل الجزم والقطع، أما نحن وقد أثبتنا صحة الحديث فلا ينبغي لنا أن نتردد في تفسير الآية التفسير الصحيح، أن اللمس كناية عن الجماع، ويجب علينا أن نأخذ بالحديث الصحيح، أن القبلة - وهي أقوى من اللمس المجرد - لا تنقض الوضوء.
وهذا الحافظ البيهقي، وهو ناصر مذهب الشافعي، وهو المتعصب له حقًّا؛ يذكر بعض أسانيد حديث عائشة، ويعللها بما يراه علة لها، ثم يقول: والحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها, ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء الله تعالى. فهو أيضًا لا يقطع بأن المراد باللمس في الآية المعنى الحقيقي للكلمة؛ لأنه يصرح بأنه لو صح حديث عائشة لقال به، ولو قال به لاضطره ذلك إلى تفسير اللمس بالمعنى المجازي الصحيح في تفسيرها.
(فائدة) ورد في الباب أيضًا حديثان صحيحان:
الأول رواه الشيخان وغيرهما من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام
(2/589)

بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح". [فتح الباري 1، 413، 485] و (مسلم 1، 145) قال الحافظ ابن حجر: "وقد استدل بقولها غمزني على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل، أو بالخصوصية".
ومن البين الواضح أن هذا التعقب لا قيمة له، بل هو باطل؛ لأن الخصوصية لا تثبت إلَّا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلَّا متعصب!
الحديث الثاني رواه النسائي (1: 38) من طريق الليث بن سعد عن ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: "إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مَسَّنِي برجله". قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص 48): "إسناده صحيح، واستدل به على أن اللمس في الآية الجماع؛ لأنه مسها في الصلاة واستمر". وهذا منه إنصاف بعد التعسف الذي نقلناه عنه.
(فائدة أخرى) حديث معبد بن نباته الذي أشار إليه الشافعي فيما نقله عنه ابن عبد البر وابن حجر، لم أجده بعد طول البحث والتتبع، وكذلك لم أجد ترجمة لمعبد هذا, ولعلنا نوفق إلى ذلك في موضع آخر إن شاء الله.
* * *
(2/590)

ولاية المرأة القضاء (*)
لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء! !
والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل؛ إذ تقدم إليها بعض (البنات) اللائي أعطين شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلًا لأنْ يكُنَّ في مناصب النيابة، تمهيدًا لوصولهنّ إلى ولاية القضاء! فرأت الوزارة إن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين.
وذهب العلماء الرسميون يتبارَوْن في الإفتاء، ويَحْكُونَ في ذلك أقوال الفقهاء؛ فمِنْ ذاكرٍ مذاهبَ أبي حنيفة في إجازة ولايتها في الأموال فقط، ومن ذاكرٍ المذهبَ المنسوب لابن جرير الطبري في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومن ذاكرٍ المذهبَ الحقَّ الذي لا يجوز ولايتَها القضاءَ قط، وأن قضاءها باطلٌ مطلقًا، في الأموال وغير الأموال.
ومن أعجب المضحكات في هذا الجدال الغريب: أن تقوم امرأة فتكتب ردًّا على من استدل من العلماء بالحديث الصحيح الثابت:
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد الخامس عشر، العدد الثاني صفر 1370 ه.
(2/591)

"لن يُفْلحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (1). فتكونَ طريفةً كل الطرافة، وتدل على أنها تكتب بعقل المرأة حقًّا، فتستدل على بطلان هذا الحديث؛ بأنه لا يعقل أن يقوله رسول الله الذي يقول: "خُذُوا نِصْفَ دِينَكُمْ عَنْ هذه الحُمَيْراء"! ! وهي لا تعرف هذا الحديث ولا ذاك الحديث، ولا تعرف أين يوجدان أو يوجد أحدهما، من كتب السنة أو كتب الشريعة أو غيرها؛ لأن كتابتها تدل على أنها مثقفة ثقافة إفرنجية خالصة! ليس لها من الثقافة العربية أو الإِسلامية نصيب!
ووجه العجب المضحك في استدلالها هذا الطريف: أن الحديث الذي استدلت به حديث لا أصل له أبدًا، أي هو حديث مكذوب لم يقله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولستُ أزعم أنها هي التي اخترعته، فإني لا أظنها تصل إلى هذه الدرجة. ولكنه حديث ذُكر في بعض المصنفات القديمة، ونصَّ حفّاظ الحديث ونَقَدتُه العارفون العالمون على أنه حديث منكر، لم يجد له العلماء الحفاظ إسنادًا قط، بل قال ابن القيم الإِمام: (كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء، فهو كذب مختلق).
فاعجبوا - في بلد العجائب - أن تقوم امرأة لا تعرف عن الشريعة شيئًا، إلا أن يكون ما يعرفه العوامّ، على شك في هذا أيضًا، فتردّ على العلماء الرسميين، وتجزمَ بتكذيب حديث صحيح ثابت،
__________
(1) رواه البخاري في الصحيح (8/ 97 و 13/ 46 من فتح الباري)، ورواه أيضًا الترمذي والنسائي.
(2/592)

استنادًا إلى حديث مختلق مكذوب! ! وليتها - مع هذا كله - تعرف الفرق بين الشهادة والرواية عند علماء الأصول، وبين الولاية والشهادة، حتى تستطيع أن تحكم هذا الحكم الطريف، ولو عرفتْ لعلمتْ أن الشريعة فرقتْ بين رواية المرأة العِلْمَ، إذا كانت مسلمة عارفة بدينها متمسكةً به محافظةً عليه، مستوفية شروط العدالة الشرعية، وأنها في هذه الحالة تُقبل روايتُها العلم، وتُصدَّق فيما روتْ، وأنها إذا استوفتْ هذه الشروط كلها كانت شهادتها في الأموال مقبولة، على أن تكون نصفَ شهادةٍ فقط، أي تُقبل شهادتها مع امرأة أخرى مثلها، وتكونان معًا في مقام شاهد واحد من الرجال، بشرط أن يكمَّل نصابُ الشهادة بشهادة رجل آخر، بنص القرآن الكريم: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} (1). إنها لو علمتْ ذلك لفهمتْ أن الحديث المكذوب الذي تستدل به لو كان صحيحًا لما كان منافيًا للحديث الصحيح في منع ولاية المرأة، كما هو بديهيّ!
ثم ندع هذا الاستطراد، ونعود إلى أصل الموضوع:
سألتْ وزارةُ العدل العلماءَ فأجابوا. ولستُ أدري لِمَ أجابوا؟ وكيف رضُوا أن يجيبوا في مسألة فرعية، مبنية على أصلين خطيرين من أصول الإِسلام، هَدَمها أهلُ هذا العصر أو كادوا؟ !
__________
(1) الآية 282 من سورة البقرة.
(2/593)

ولو كنتُ ممن يُسأل في مثل هذا، لأوضحتُ الأصول، ثم بَنَيْتُ عليها الجوابَ عن الفرع أو الفروع.
فإن ولاية المرأة القضاءَ في بلدنا هذا، في عصرنا هذا - يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:
أولًا: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإِسلام أم خالفها؟ .
إن المسلمين لم يُبْلَوْا بهذا قطُّ، فيما نعلم من تاريخهم، إلَّا في عهد من أسوأ عهود الظلم والظلام، في عهد التتار، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غَلَب الإِسلامُ التتارَ، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا من سوء، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ، الجائر كان مصدره الفريقَ الحاكم إذْ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإِسلامية المحكومة، ولم يتعلموه، ولم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره؛ ولذلك لا نجد له في التاريخ الإِسلامي - فيما أعلم أنا - أثرًا مفصلًا واضحًا إلا إشارةً عالية محكمةً دقيقةً، من العلامة الحافظ ابن كثير المتوفى سنة 774 (1).
__________
(1) وقد ذكر الحافظ ابن كثير أيضًا بعض أشياء عن هذا في تاريخه الكبير (البداية والنهاية 13/ 117 - 121) وكذلك ذكر المقريزي بعض ذلك في الخطط 3/ 357 - 360، من طبعة مطبعة النيل بمصر سنة 1325).
(2/594)

والحافظ ابن كثير من أجلِّ تلاميذ شيخ الإِسلام ابن تيمية ومن أعظمهم، وقد ذكر ذلك في تفسيره (ج 3 ص 174 من طبعة المنار) عند تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].
وأرى أن أذكر هنا الآيتين اللتين قبل هذه الآية، وهي كلها متصلة في السياق {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 48 - 50].
فقال الحافظ ابن كثير: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذه عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد
(2/595)

اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظرة هواه؛ فصارتْ في بنيه شرعًا متبعًا يقدّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتالُه حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكِّم سواه في قليلٍ ولا كثير، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}. أي؛ يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون؟ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. أي ومَن أعدلُ من الله في حكمه لمن عَقَل عن الله شَرْعَه، وآمَن به، وعَلم أن الله أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها؛ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء). أرأيتم هذا الوصف القويّ من ابن كثير في القرن الثامن؟ ألستم تَرَوْنَه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أَتَى عليها الزمن سريعًا، فاندمجتْ في الأمة الإِسلامية، وزال أثرُ ما صنعتْ؟ ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا منهم؛ لأن الأمة كلها الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بالياسق الذي اصطنعه جنكيز خان، يتعلمها أبناؤها، ويفخرون بذلك آباءً وأبناءً، ثم يجعلون مردَّ أمرهم إلى معتنقي هذا (الياسق العصري) ويشجبون من عارضهم في ذلك، حتى لقد أدخلوا أيديهم في التشريع الإِسلامي، يريدون تحويله إلى (ياسقهم الجديد) بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخُدَع تارة، وبما ملكتْ أيديهم من السلطان في الدولة تارات.
(2/596)

ويصرحون - ولا يستحيون - أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين! ! وأنتم ترون ذلك وتعلمون.
أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا الدين الجديد؟ أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، ذكرًا كان الابن أو أنثى، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟ !
هذه أسئلة في صميم الموضوع وأصله، يجب الجواب عنه إثباتًا ونفيًا أولًا، حتى إذا ما تحقق الجواب بالأدلة الشرعية الصحيحة, التي لا يستطيع مسلم أن يخالفها أو ينفيها أو يخرج عليها، استتبع ذلك - بالضرورة - سؤالًا محددًا واضحًا: أيجوز حينئذ لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟ !
ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملةً وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعتَه وطاعةَ الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يفتي فتوى صريحة بأن ولاية الرجالِ القضاءَ في هذا الحال باطلةٌ بطلانًا أصليًّا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة! !
ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة هذا القضاءَ من تلقاء نفسه.
وثانيًا: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانونَ أو غيره، سواء مما يجوز
(2/597)

تعلمه ومما لا يجوز؟ وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله.
أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخلق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبَّاد الشهوات؟ !
يجب أن نجيب عن هذا أولًا، ثم نبحثَ بعدُ فيما وراءه.
ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة القضاء من تلقاء نفسه.
ألَا فَلْيُجِبْ العلماء وليقولوا ما يعرفون، ولْيبلّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين.
سيقول عنّي عبيد (النسوان) الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألَا فليقولوا ما شاؤوا، فما عبأت يومًا ما بما يقال عنَّي، ولكني قلت ما يجب أن أقول.
* * *
(2/598)

ولاية المرأة القضاء - مَرَّةً أخرى (*)
يظهر أنني سأضطر لإثارة هذا الموضوع مرارًا، بما يثيره أنصار (النسوان) وأتباعهن في مصر وغيرها، وبما (جَعَلْنَ) من هذا الموضوع مادة لمهاجمة الإِسلام في صورة الدفاع عنه، وبتحريف معنى (الإِسلام) وحقيقته، عن عمد أو عن جهل عجيب!
وأعتقد أن إثارته من قِبَل المرأة وأنصارها فيه خير كثير؛ لأنه فرصة جيدة لوضع الحقائق مواضعها، وإيضاحها وضوحًا لا يدع شكًّا لمستريب.
وأنا أحب أن أواجه المسائل بالصراحة، دون التواء ولا مداراة، مهما يكن فيها من دقة علمية، ومهما يكن من ورائها من تَبِعَات قد يرى الناسُ أن الدوران حولها أَوْلى وأحب المثابرة والثبات على الدعوة الحقة، إلى آخر الشَّوْط، فإما انتصرتُ وإما انهزمتُ فلا أثر لهذا عندي ما قلتُ (كلمة الحق).
والذي حَفَزني إلى معالجة الموضوع مرة أخرى، أن إحدى المجلات الأُسبوعية التي تدعو إلى السفور، وتنشر ألوانًا مما ينكره الإِسلام من شؤون هاته (النسوة)، وهي مجلة (أخبار اليوم) نشرت في عددها المصادر يوم السبت (23 محرم سنة 1370 = 4 نوفمبر سنة
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد الخامس عشر، العدد الثالث ربيع أول 1370.
(2/599)

1950) كلمة لمكتبها في الإسكندرية، عن قضية إحدى البنات طالبات مناصب القضاء، قدمتها إلى محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة. وهذا نص ما جاء في المجلة:

(هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ )
(وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية؟ )
(دخلت قضية مساواة المرأة بالرجل، في دور حاسم، بعد أن لجأت الأستاذة أمينة مصطفى خليل المحامية إلى محكمة القضاء الإداري، تشكو وزير العدل، لامتناعه عن تعيينها وكيلة نيابة أو محامية، في قلم قضايا الحكومة).
(وقد قال محاميها في عريضة دعواها المقدمة إلى رئيس مجلس الدولة: إن المدعية بعد أن نالت إجازة الحقوق عام 1948 م بدرجة جيد، ومارست المحاماة بنجاح وتوفيق، طلبت في 5 أبريل سنة 1950 تعيينها محامية، فجاءها الرد في 19 أبريل بأن طلبها أحيل إلى النيابة الحسبية. فبعثت في 17 يوليو بمذكرة إلى وزير العدل أوضحت فيها حقها الطبيعي في هذا التعيين، طالبة إلى النائب العام تعيينها في وظيفة (معاونة نيابة).
(ولكن وزير العدل رأى أن يصبغ المسألة بالصبغة الدينية فاستفتى رجال الدين فيها فجاءت الفتوى مضطربة في التدليل، حائرة بين آراء متبانية منسوبة إلى أئمة المذاهب، ثم انتهت إلى أن تولية المرأة غير صحيحة.
(2/600)

وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين الذين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل. فكان حقًّا عليها - حتى لا تتخلف عن السير في ركب الحضارة - أن تسائل نفسها: هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي، تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة، أَوَ ليستِ المرأة تزاول مهنة المحاماة طبقًا للقوانين التي وضعتها وزارة العدل؟ وما هي الفوارق بين المحاماة في صفوف الدفاع عن الأفراد، والمحاماة في صفوف الدفاع عن الحكومة.
(ثم طلبت المدعية تحديد جلسة يحكم فيها بإلغاء القرار الخاص برفض طلب تعيينها معاونة للنيابة، أو محامية في إدارة القضايا الحكومية).
وجاء في جريدة المصري الصادرة صباح يوم الثلاثاء 18 صفر سنة 1370 (28 نوفمبر سنة 1950) ما نصه:

(حقوق المرأة أمام القضاء)
(تنظر أمام محكمة القضاء الإداري غدًا القضية التي رفعتها الأستاذة عائشة راتب على مجلس الدولة من أجل الاعتراف بمبدأ قبول خريجات كلية الحقوق من الفتيات في وظائفه.
(2/601)

(وقد سبق أن أشارت الصحف إلى دعوة الأستاذة عائشة راتب إلى العمل بمجلس الدولة ونجاحها في الامتحان الذي فرض عليها، وموافقة جميع المستشارين على قبولها فيه، ثم رفض طلبها بدون إبداء أي تبرير قانوني، وقد قابلت الآنسة عائشة وسألتها عن أملها في كسب هذه القضية الهامة؟ فقالت: إنها تعتقد أن هذه القضية ليست قضية شخصية تتعلق بمصالحها الخاصة، وإنما هي قضية إنسانية عامة، متعلقة بحقوق المرأة المصرية العادلة المهضومة، وعبرت الآنسة عائشة عن آمال جميع خريجات كلية الحقوق اللائي يناضلن منذ وقت طويل من أجل قبولهن في مناصب الحكومة التي ما زالت مغلقة أمامهن، في مجلس الدولة وإدارة قضايا الحكومة والقضاء والسلك السياسي).
وأنا لم أقرأ صحيفة الدعوى التي تقدمت بها المدعية، ولكن إذا صدق الملخص الذي نقلته عنها ومجلة (أخبار اليوم) استطعنا أن نحدد الاتجاه الذي تتجه إليه المدعية ومحاميها في توجيه دعواها.
وهو اتجاه طيب جدًّا! ! وقد تعجبون أن أقول هذا، ولكني أقوله وأقصد إلى معناه وأصر عليه! لأنه اتجاه يكشف عما يراد بالإسلام مصارحةً، دون مواربة أو نفاق!
فقد يذكر كثير من القراء، وخصوصًا أترابنا وأندادُنا في السن، الذين أدركوا بدء الحركة الملعونة: حركة السفور وحركة تحرير المرأة، وما أحاطها بها دعاتها وفي مقدمتهم قاسم أمين، والذين
(2/602)

كانوا من ورائه، واللائي كن من ورائه يدفعونه ويَدْفَعْنَه إلى تَقَحّم المهالك، ويتساقطون ويتساقَطْن فوقه في الهوة كالذباب، أحاطها هؤلاء ومن تبعهم ومن جاء من بعدهم بسياج قويّ برّاق من المداورة والنفاق، يزعمون أنهم لا يريدون الخروج على الإسلام، وأنهم إنما يبغون تفسيره بما لم يعلمه مَنْ قبلهم من العلماء الجهلاء والأئمة الجامدين! ! وأنهم إنما يريدون له النقاء والصفاء، وإزالة ما غَشَّى وجهَه من أكدار تراكمتْ عليه بمر العصور، وتعريضه للضوء والنور: نور أوربة، حتى يُعجب الخواجات!
زعموا أنهم لا يرمون إلّا إلى السفور: سفورِ الوجه فقط، لا سفورِ الصدور، ولا سفورِ النهود والظهور، ولا سفورِ شيء مما وراء ذلك، مما يراه الناس عيانًا في كل حَفْل وناد، بل يَرَوْن بعضه أو كثيرًا منه في المدارس والمعاهد، بل يرون شيئًا منه في المساجد والمعابد.
ثم جاءت هذه البُنَيَّة المدعية، فكشفت الستار كلَّه عن مقاصد هؤلاء الدعاة الذين كانوا يجمجمون ولا يكادون يصرحون بالأصل الذي إليه يقصدون، وإن كانوا لَيَفْعلون ويفعل مَنْ وراءهم، من المبشرين وأتباع المبشرين، وأبناء المبشرين، ومِن وراء أولئك المستعمرون المستترون والظاهرون: الذين يريدون استعباد المسلمين الأعزة، وهم يعلمون أنهم لا يصلون إلى ذلك إلا أن يقلبوهم أذلة بانتزاع هذا الإسلام، الذي أعزهم الله به من قلوبهم حتى يصيروا أذلة، والذين مهما يَنْسَوا فلا يَنْسَوا ثأر (لويس التاسع) الذي أسره
(2/603)

المسلمون في مدينة (المنصورة) وحبسوه في (دار لقمان) ولا ينسوا ثأر هزائمهم المتوالية في الحروب الصليبية في مصر والشأم، وطردهم من بيت المقدس إلى آخر ما يعرف الناس عامة إجمالًا أو تفصيلًا.
هذه المدعية صرحت بما يريدون، بأوضح عبارة تكشف عن مقاصدهم وأقساها، ووضعت الأمر كله بين يدي هيئة قضائية من أكبر هيئاتهم، إن لم تكن أكبرها وأعلاها فقد كانوا من قبل يعلمون على هينة وفي لين، وإذا تحدثوا عن ذلك تحدثوا بحكمة وتحوط حتى لا يثور عليه المسلمون غيرة على دينهم! فإذا ما تحدث منهم متحدث ألان القول ومهد له حتى لا يكاد القارئ المتوسط يشعر بما وراء ذلك من خطر على الدين وتدمير.
ولا أكاد أذكر قولًا صريحًا لواحد منهم، إلا كلمة رقيقة لينة تناسب الهوينى انسياب الأفعى، لرجل من كبار رجالهم ممن له مظهر إسلامي، أو ممن كان له مظهر إسلامي على الصحيح، قال في كلمة نشرت في صحيفة إسلامية! ! واسعة الانتشار، في أواسط سنة 1368 (أوائل سنة 1949) قال فيها مما قال: (ولا يخفى أننا في مصر نجري في حكمة واعتدال! ! على فصل الدين عن أمور الحكم وخلافات السياسة)! !
ولست أدعي أن هذه الكلمة هي أصرح ما قالوا من هذا اللون من القول، ولا أنهم لم يقولوا مثلها مرارًا، فإن مقدرتي على الاطلاع وعلى القراءة محدودة، ولكني أستطيع أن أجزم بأني لم أقرأ، أو على
(2/604)

الأقل لا أذكر أنني قرأت مثلها في التصريح بما ينون ويعتزمون.
وإن كنت واثقًا منذ عقلت الدين، وفقهت الأوضاع السارية في بلدنا أن هذا هو المرمى والمآل من قبل أن نولد، بل من قبل أن يولد آباؤنا.
ثم جاءت هذه الدعوى، تضع الأمر كله على المنصة بين يدي القضاء، تعرض الموضوع من أوله (هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ )
وهذه أسئلة في الصميم، لا تستطيع المدعية ولا محاميها، بل لا يستطيع من هو أكبر منهما وأعلم من رجال القانون وغيرهم أن يجيبوا إلا بالسلب، بل أنا لا أستطيع أن أجيب إلا بالسلب! فليس في مصر حكومة دينية، والحكومة القائمة - أعني نظم الدولة - لا تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا، بل لا تطبقها كذبًا وزورًا، بل أقول أكثر من هذا: إن النص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام لا يمثل حقيقة واقعة، إنما هو خيال ووهم كبعض ما اقتبسنا من سخافات أوربة في الخيال والتمثيل، والمصريون لا يعيشون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف.
ذلك بأن المبشرين والمستعمرين وأتباعهم وأنصارهم ربوا فينا أجيالًا متتابعة، ينزع الدين منها تدريجيًّا، وتقلب حقائقه في النفوس والعقول، على مبادئ الثورة الفرنسية وغيرها من مبادئ الهدم والإلحاد، حتى لقد وضعوا على ألسنة العلماء أنفسهم أنهم (رجال
(2/605)

الدين) يضاهئون بذلك (رجال الدين) هناك، ليمكن يومًا ما أن يقال ما قالته هذه المدعية (فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة)! ! وليمكنها أن تقول أيضًا: (وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل)! ! بل ليمكنها أن تدعي أن مثل هذا يكون سببًا لأن (تتخلف عن السير في ركب الحضارة)! !
فالمدعية ومحاميها وأمثالهما، وكبراؤهم وزعماؤهم، يرون ما تراه أوربة، أو يرون ما فهموا أنه رأي أوربة، بل يغلون في ذلك أكثر من غلو سادتهم، فيزعمون أن دخول الدين في الحكم والمسائل الاجتماعية تخلف عن ركب الحضارة! ! فيجهلون بديهيات الإسلام ومزايا دينهم القويم، ويرون أنهم إذا تمسكوا به وخضعوا لأحكامه تخلفوا عن ركب الحضارة! فلا يكون هناك خمر ولا رقص ولا سفور ولا فجور، ولا اختلاط الشبان والشابات في المدارس والجامعات، والقهاوي والندوات، والصيد والقنص، والخلوات في الصحاري والسيارات! فإذا فقدوا هذا وأمثاله، فماذا بقي لهم من مقومات الحضارة؟ !
وأعجب من ذلك وأغرب: أن المدعية بلسان محاميها، تسب دينها هذا السب المقذع، ثم تصفه بأنه (الحنيف) ولم تكن بها حاجة إلى هذا التكلف والتناقض، وكان أقرب إلى منطق كلامها أن تصفه
(2/606)

بوصف يناسب دينًا يتخلف المستمسك به عن ركب الحضارة! !
ثم كان من المغالطات الكبرى أنهم بما أودع في نفوسهم من معارف ملتوية، وبما أشربته قلوبهم من فقه لدين أوربة ووثنيتها وثورتها، بل وحضارتها، أنهم فهموا الإسلام على غير وجهه، وظنوه دين عقيدة وعبادة فقط، بل ليتهم أخذوا به على المعنى الذي فهموا، وإن كان خطأ أو نقصًا، إذن لسار بهم الدين (الإسلامي الحنيف) في سبيل الحق والهدى، حتى يعرفهم بما استمسكوا به من عقيدة وعبادة - لو كانتا - بأنه ليس كما رأوا عند أوربة ودرسوا، ولعرفهم أنه (دين ودولة) وحكم وسياسة وقضاء وولاية) وإذن لعرفوا معنى ما نقلناه عن الحافظ ابن كثير في الكلمة الماضية، أن من قدم أي قانون أو أي رأي على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله (فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (1)، وهذا شيء بديهي معلوم من دين الإسلام بالضرورة لا يعذر بجهله أحد، أيًّا كانت منزلته من العلم أو الجهل ومن الرقي أو الانحطاط.
وليس هذا الخطأ من المدعية أو محاميها، وممن وراءهما من رجال ونساء قاصرًا على بلادنا، إنه ليكاد يكون عامًّا في أكثر المتعلمين المثقفين في بلاد الإسلام خصوصًا البلاد التي خضعت لسيطرة المستعمرين يدفعهم المبشرون، وعامًّا في البلاد التى سايرت (ركب الحضارة) الإفرنجية المتعصبة ضد الإسلام، فتجد في بعض ما
__________
(1) مجلة الهدي النبوي، العدد 2، من السنة 15، شهر صفر سنة 1370، ص 13.
(2/607)

يقول الكبراء التناقض العجيب المدهش، كمثل ما نقلت إحدى الصحف الأُسبوعية في عددها الصادر يوم الجمعة 7 صفر 1370 (17 نوفمبر 1950) عن ضيف كبير من ضيوف مصر، هو (سعادة السيد تمييز خان رئيس التأسيسية بالباكستان) نقلت عنه تلك المجلة أنه قال: (إن الباكستان دولة إسلامية، ولكنها ليست دولة دينية؛ لأن الدولة التي تقوم على تعاليم الدين الإسلامي غير الدولة التي يتولى الحكم فيها رجال الدين).
فهذا رجل عظيم من أمة إسلامية عظيمة، أعرف أنا أنها تحرص على أن يكون تشريعها من دينها الحنيف، دين الإسلام، سواء أصابت في التطبيق أم أخطأت، فكل إنسان عرضة للخطأ، وهذا الرجل العظيم لم يسبق لي التعرف إليه حتى أحكم في شأنه حكمًا صحيحًا، ولكني أظن أنه أعلم بدينه وقوانين أوربة من المدعية وأمثالها، وها هو ذا يخطئ في مثل هذه الدقائق - إذا صح ما نقلته عنه المجلة فيعقد فرقًا بين (الدولة الإسلامية) و (الدولة الدينية) وهو فرق باطل كأنه فرق اصطلاحي فقط فإن كل مسلم يعرف أن (الإسلام دين) بل يعتقد المسلمون بنص ما أنزل الله عليهم في كتابه أن الدين عند الله الإسلام ويظن سعادته - تقليدًا لاصطلاح إفرنجي - أن في الإسلام شيئًا يسمى (رجال الدين)! !
ولطالما حاولتُ نقضَ هذه الأسطورة؛ أسطورة وجود شيء في الإسلام يدعى (رجال الدين)! ! من ذلك ما قلته في محاضرة أعددتها
(2/608)

لألقيها يوم 6 ربيع الأول سنة 1360 (3 أبريل 1941) ومنعني من إلقائها الوزير القائم على الأحكام العرفية الإنجليزية إذ ذاك، وهو حسين سري باشا رئيس الوزراء، وكان مما قلت فيها عن آثار القوانين الإفرنجية في نفوس متعلميها:
"كان لها أثر بيِّنٌ بارز في التعليم، فقسمت المتعلمين المثقفين منا قسمين أو جعلتهم معسكرين: فالذين علموا تعليمًا مدنيًّا، وربوا تربية أجنبية، يعظمون هذه القوانين وينتصرون لها، ولما وضعت من نظم وقواعد ومبادئ، يرون أنهم أهل العلم والمعرفة والتقدم، وكثير منهم يسرف في العصبية لها، والإنكار لما خالفها من شريعته الإسلامية، حتى ما كان منصوصًا محكمًا قطعيًّا في القرآن، وحتى بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، ويزدري الفريق الآخر ويستضعفهم، واخترعوا له اسمًا اقتبسوه مما رأوا أو سمعوا في أوربة المسيحية، فسموهم (رجال الدين) وليس في الإسلام شيء يسمى رجال الدين، بل كل مسلم يجب عليه أن يكون رجل الدين والدنيا" (1).
ولقد أخطأ هذا الرجل الكبير (رئيس الجمعية التأسيسية بالباكستان) خطأ آخر - إن صدق ما نقلته عنه تلك المجلة - أخطأ في ظنه أن الدولة الدينية هي التي يتولى الحكم فيها رجال الدين! !
__________
(1) هذه المحاضرة الممنوعة نشرناها في مجلة الهدي النبوي في العدد 6، من المجلد 5، ثم نشرتها مع بحث آخر في كتاب (الشرع واللغة) المطبوع بدار المعارف بمصر، والفقرة التي هنا في (ص 71) منه.
(2/609)

فما أظن أن أحدًا يقصد إلى هذا أو يرمي إليه، حتى ممن يسمونهم غلطًا (رجال الدين)؛ لأن غاية كل مسلم يفقه الإسلام ويعرف حدوده وحقائقه، أن يحكم المسلمون بتشريعهم، بل أن يجاهدوا في سبيل الله حتى يحكموا به العالم كله إذا استطاعوا، وأن يعملوا على نشره في الأمم الإسلامية أولًا على حقيقته النيرة النقية، وأن يتعلمه الذين يملكون السيطرة على شؤون الدولة في بلاد الإسلام، والذين يَلُون فيهم الأحكام، فإذا ما كان ذلك كانوا أيضًا (رجال الدين) أيًّا كان لونهم من أنواع العلوم الأخرى، حتى هذه القوانين الآثمة التي ضربت على المسلمين لإذلالهم ومحو دينهم في عقر دارهم، فإن المعرفة بها إذ ذاك لا تضر، بل لعلها قد تنفع في الموازنة بين التشريع المبني على الوحي الصحيح الصادق من عند الله، وبين الأهواء والأكاذيب بل السخافات (في بعض الأحيان) التي تبنى عليها القوانين الوثنية الملحدة، ! ! ولقد صدق الله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (1).
وقد أوضحت هذا المعنى وما إليه، بأقوى ما أستطيع من بيان في تلك المحاضرة المصادرة إذ ذاك، وكانت للدعوة إلى أن (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) وهذا هو عنوانها وموضوعها الذي أعدت من أجله فقلت فيها:
"وأريد أولًا أن أقول كلمةً تَرفع شبهةً عن دعوتنا، فإني عُرِفتُ بين
__________
(1) المائدة: 49.
(2/610)

إخواني ومعارفي بالدفاع عن العلماء عامة، وعن القضاء الشرعي خاصة، فقد يبدو لبعض الناس أن يؤول دعوتي إلى نحو من هذا المقصد.
"كلا فإن الأمر أخطر من ذلك، ومقصدنا أسمى من أن نجعله تنازعًا بين طائفتين، أو تنحارًا بين فريقين، إنما نريد رفع ما ضرب على المسلمين من ذل، وما لقيت شريعتهم من إهانة بوضع هذه القوانين الأجنبية".
"إنما ندعوكم بدعوة الله، ندعو الأمة أن تعود إلى حظيرة الإسلام، ندعو إلى وحدة القضاء، وإلى التشريع بما حكم الله {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} (1). {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} (2).
"ضعوا القوانين على الأساس الإسلامي، الكتاب والسنة، ثم افعلوا ما شئتم فليحكم بها فلان أو فلان. لسنا نريد إلَّا وجه الله" (3). هذا ما قلته ولا أزال أقوله، وأعتقد أن كل داع إلى العمل بالشريعة الإسلامية يقوله: وأظن أنه يرفع كل شبهة عن دعوتنا الحقة الصادقة المخلصة، ولا يدع مجالًا لمن يعادي التشريع الإسلامي، ممن
__________
(1) النور: 51.
(2) الأحزاب: 36.
(3) ص 87 - 88 من كتاب (الشرع واللغة).
(2/611)

أُشرِبوا عقائد الإفرنج أن يظنوا حالنا كحال أوربة قبل موجة الإلحاد، التي قامت هناك لتدمير سلطان رجال الدين عندهم وطغيانهم، ثم لا يَدَعُ مجالًا لأن يقول ما قالته المدعية وما قاله أمثالها من قبل، من الفرق في الإسلام بين شؤون الاجتماع وشؤون الحكم وشؤون المعاملة وغيرها وبين الدين، فكل ما يفعل الناس وما يرون وما يعتقدون، وما يأخذون وما يدعون، داخل في حكم الإسلام وخاضع لسلطانه، رضي هؤلاء وساداتهم من المستعمرين والمبشرين أم أبوا؛ فالإسلام واضح بين لكل من أراد الهُدى، وهو كما قلت في تلك المحاضرة (لا يرضى من متبعيه إلا أن يأخذوه كله، ويخضعوا لجميع أحكامه، فمن أبي من الرضا ببعض أحكامه فقد أباه كله) (1).
ولذلك صارَحْتُ الأمةَ كلَّها حينذاك ورجالَ القانون خاصة، بالدعوة إلى وضع تشريع جديد على مبادئ الكتاب والسنة وفي حدود قواعدها، متعاونين متساندين جميعًا وصارحت رجال القانون بأننا سنعمل بالطريق السلمي للوصول إلى الحكم دونهم إذا أبوا أن يضعوا لهذه الدعوة الحقة لإعادة سلطان الإسلام في بلاد المسلمين، وبأني سأدعو العلماء عامة، من رجال الأزهر، ورجال مدرسة القضاء، ورجال دار العلوم (وسيستجيبون لي وسيحملون عبء هذا العمل العظيم وسيرفعون راية القرآن بأيديهم القوية، التي حملت مصباح العلم في أقطار الإسلام ألف عام) وبينت لهم السبيل الذي نسلكه أنه
__________
(1) ص 66 من كتاب (الشرع واللغة).
(2/612)

(السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا. بل سنجعل من إخفاقنا إن أخفقنا في أول أمرنا مقدمة لنجاحنا، بما يحفز من الهمم ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مبصرًا لنا مواقع خَطْوِنا، ومواضع خَطَئِنا، وبأن عملنا سيكون خالصًا لله وفي سبيل الله) (1).
وهأنذا قد صارحتهم بذلك منذ عشر سنين أو نحوها، وما أظنهم صارحونا بقريب مما فعلنا، فيما أعلم، إلا النفاق والمداورة، ومدح الإسلام والتظاهر بالدفاع عنه والغيرة عليه مع تنحية أحكامه عن كل شيء في الدولة، أو تغيير أحكامه بالتأويل الكاذب، والفهم الباطل، ليقربوه من أروبة التي هم لها خاضعون، حتى يكون (إسلامًا إفرنجيًّا)! !
حتى جاءت هذه المدعية فكشفت عن الأمر كله، لتقرر علنًا وصراحة أن هذا البلد ليس بلدًا إسلاميًّا، وأنه لا يجوز أن ينظر فيه إلى (المسائل الاجتماعية) زعمت! ! نظرة إسلامية. وعن ذلك أعجبتني دعواها هذه الواضحة الصريحة حتى يعرف المسلمون ماذا يراد بدينهم، من غير أقلامنا، ومن غير أشخاصنا.
وأما شأن المدعية نفسها، فيما تطلب من المحكمة أن تحكم لها به، فلا أعبأ به، ولا يهمني في قليل أو كثير ولا من قريب ولا من بعيد، أن يحكم لها بما طلبت، فتدخل في مناصب القضاء، أو
__________
(1) ص 91 - 92 من كتاب (الشرع واللغة).
(2/613)

ترفض دعواها! لأني قلت من قبل إن ولاية الرجال أنفسهم هذا القضاء (باطلة بطلانًا أصليًّا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة) (1) فلا يزيده بطلانًا - في نظري - أن تتولاه امرأة، أو يتولاه شخصًا ما أيًّا كان لونه أو صفته، فالأمر عندي فيه سواء.
أما بعد: فإنه أثناء كتابة هذه الكلمة، نظرت المحكمة هذه القضية بجلسة يوم الأربعاء 19 صفر سنة 1370 (29 نوفمبر سنة 1950) برئاسة المستشار (سعادة السيد علي السيد بك) ولخصت جريدة المصري في اليوم التالي (الخميس (20 صفر) بعض ما دار في الجلسة، فذكرت أنه حضر فيها (سيزا نبراوي وكيلة الاتحاد النسائي، وأعلنت انضمام الاتحاد للمدعية طرفًا ثالثًا في القضية، ووقف محامي الحكومة وطالب برفض انضمام الاتحاد؛ لأنه ليس له مصلحة مباشرة في هذا، ورد رئيس الجلسة بأنه يعتقد أن الاتحاد يرى أن هذه القضية هي قضية الجنس، وأن الحكم فيها يتعلق بمستقبل المرأة المصرية عامة)، ثم ذكرت الجريدة أن القضية أجلت لجلسة 30 يناير سنة 1951 للمرافعة.
وليس لنا أن نتحدث في قبول ما يُدْعَى (الاتحاد النسائي) خصمًا ثالثًا في الدعوى أو عدم قبوله، فهذا شيء من اختصاص المحكمة وحدها، تفصل فيه بما ترى، بعد سماع المرافعة من طالب الدخول
__________
(1) (كلمة الحق)، رقم 2، ص 15، من عدد شهر صفر سنة 1370 من مجلة (الهدي النبوي).
(2/614)

ومن المعارض فيه، ولكنا نتحدث عما يدل عليه طلب الدخول في ذاته، وأنه يؤيد كل حرف قلناه من قبل، ويكشف عما يراد بالتشريع الإسلامي كشفًا واضحًا.
وإذا كان لي أن أقترح، فإني أقترح على حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وهو من نعرفه علمًا ودينًا وتقوى وغيرةً على الإسلام بشخصه أولًا، وبوصفه شيخًا للأزهر ثانيًا، وبوصفه رئيسًا لأكبر هيئة علمية إسلامية رسمية، وهي جماعة (كبار العلماء)، ثالثًا أن يرسل محاميًا يتدخَّل في هذه القضية بلسان فضيلته ولسان الأزهر، خصمًا ثالثًا أيضًا؛ لأنه يرى، فيما نعتقد جميعًا، أن هذه القضية قضيةُ الإسلامِ وشرعتُه قبل أن تكون (قضية الجنس) وليدفع عن الإسلام ما يريده به هؤلاء النسوة، اللائي لا يعرفن من الإسلام إلَّا ما أَخذْنَه عن (الخواجات وأمثال الخواجات)، واللائي يُرِدْن الانطلاق، لا يُرِدْن غيره، وليدفعَ عن الإسلام ما قد يقوله أنصار (النسوان) من نقد أو تأويل بالباطل أو افتراء.
ولست أدري أيلقى اقتراحي هذا قبولًا أم إعراضًا، ولكنني إذا لم أجد لاقتراحي صدًى، فسأفكر في التدخل في القضية بنفسي، خصمًا ثالثًا، بوصفي من العلماء القدماء، بالسن على الأقل، وبوصفي مجاهدًا طول حياتي ضد الحركة النسوية الخاصة، وضد مهاجمي الإسلام والمتلاعبين به عامة، وإن كان هذا التدخّل فوق مقدوري علميًّا وماليًّا، ولكني سأحاول ما استطعت إن شاء الله.
(2/615)

الرقص والطيب للنساء (*)
قرأت إجابة الأستاذ العلامة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية على استفتائكم (مجلة آخر ساعة) عن الرقص الذي ابتليت به بلادنا وأخلاقنا، ثم عجبت إذ قرأت استفتائكم للأستاذ ... الحكيم فيما أفتى به المفتي! وأسفت إذ وجد فيمن يتسمون بالأسماء العربية والأسماء الإسلامية من يكتب مثل ما كتب الأستاذ ... الحكيم.
فإن العلامة المفتي أجاب بما هو معروف معلوم من الدين الإسلامي بالضرورة، وهو ما تقتضيه الفطرة العربية السليمة، من غيرة الرجال وعزة نفوسهم، والمحافظة على أعراض نسائهم، أن تنتهبها الأنظار، وأن لا تمتد إليها الأيدي العابثة، ولن تجد رجلًا سليم الفطرة يرضى أن تحضر ابنته أو أخته، بل أو امرأة أجنبية عنه، رجلًا يدور بها كالحيوان ولو لم يرهما أحد، فضلا عن أن يرضى بذلك في حفل جامع، يجمع العابثين والمنتهكين، تدار فيه الخمور، وتثار فيه النفوس، وتتحكم الشهوات مهما يصور المصورون هذا العمل بصور فنية جميلة، ومهما يدع الداعون إليه بأنه أمارة الرقي، تقليدًا للمدنية الحديثة، زعموا.
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، العدد العاشر، شوال سنة 1362.
(2/616)

والمسلمون جميعًا يعلمون علمًا لا يتطرق إليه الشك؛ أن الله حرم على النساء أن يبدين زينتهن إلا لأزواجهن، ولعدد محدود منصوص عليه من أقاربهن يسمون في العرف الإسلامي "المحارم" وهم يسمعون القرآن يتلى عليهم في كل حين فيسمعون قول الله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} [النور: 30، 31] وليس بعد هذا البيان بيان.
فمن آمن بهذا ورضي به وخضع له قولًا وعملًا واعتقادًا فهو المسلم، ومن أبى وزعم أن له أن يفتي في الدين بما شاء له هواه، أو بما شاء له ما رآه في أمم أخرى ودعا إلى ذلك فهو شيء آخر، يجب أن يعرفه المسلمون ويحذروه، وأن ينكروا عليه أن يقول كما قال الأستاذ ... الحكيم: "إن تأمل المرأة الجميلة صلاة لله، واستنشاق العطر الجميل صلاة، عبادة"! يجب أن يقول له الناس: إن تأمل المرأة الجميلة حرام منكر؛ لأن الله أمر الرجال أن يغضوا من أبصارهم، بنص القرآن. وأن يقولوا له: إن الدعوة إلى مخالفة
(2/617)

نص القرآن تخرج المسلم من الإسلام.
أيها المسلمون! يجب أن تقولوا هذا قولًا صريحًا واضحًا لكل من دعاكم إلى انتهاك حرمة دينكم، وأنتم تعرفون من كتابكم أن الله لعن أمة من الأمم بأنهم {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ}. [المائدة: 79] وتعرفون أن نبيكم الكريم قال: "إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب".
ومن عجب أن يجرؤ الأستاذ ..... الحكيم فيصف تأمل المرأة الجميلة بأنه صلاة، وهو عند المسلمين وفي شرعة الإسلام زنا، وقد قال رسول الله: "زنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". وما أظن أن مسلما يجهل هذا من دينه.
وأعجب من هذا أن يخطئ الأستاذ ... الحكيم معنى الصلاة في الشريعة الإسلامية، وأنها أقوال وأفعال بصفة وهيئات معروفة وركوع وسجود، ويفهمها على معنى الصلاة التى يقرؤها في الروايات الإفرنجية!
ولستُ أدري ماذا يقولُ المسلمون في شأن هذا الكاتب وهو يستدل بالحديث الشريف: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجَعَلْتُ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ".
على إنكار أن يكون تعطر المرأة في غير البيت زنًا وعلى أن تأمل المرأة الجميلة عبادة! بلى إني أدري، وإن الأستاذ ... الحكيم
(2/618)

يدري، وإن كل مسلم يدري، ولكنه وأمثاله يدعون إلى شيء يعملون له جاهدين.
أرأيتم أيها الناس أعجب من رجل لا يعرف بديهيات الإسلام، ثم يرى نفسه موضعًا للاستدراك على الأستاذ العلامة الحجة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، ويرى نفسه أهلًا للرد عليه والإفتاء بغير فتواه! ! بل إنه لا يرد على الأستاذ المفتي وإنما يرد على السنة النبوية نفسها؛ لأن الأستاذ العلامة المفتي يقول: "وقد جاء في السنة أن المرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة فهى زانية" فيقول الأستاذ ... الحكيم بجرأته: (أنا لا أرى هذا، ولا أعتقد أن الشريعة الإسلامية تقرره؛ لأن في الروائح الزكية نشوة شعرية لا شهوانية) ولكن لعل عذره أنه أخذ الشريعة من باريس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية". فهذه هي السنة التي أشار إليها العلامة المفتي، وهذه هي الشريعة الإسلامية التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أفنأخذ بها أم نأخذ بالشريعة التى يريد أن يضعها الأستاذ ... الحكيم وأمثاله؟ ! اللهم غفرًا.
ورحم الله من قال: "لو سكت من لا يعلم عما لا يعلم سقط الاختلاف".

في تعليم النساء وصلاتهن في المساجد
رغب إليَّ أخ كريم أن أكتب كلمة موجزة في تعليم النساء الدين مع الرجال، ومشاركتهن إياهم في الصلوات والتعلم في المساجد
(2/619)

وما إلى ذلك. ورأيت أن الإبانة عن الحق الموافق للشرع في هذا واجبة، بأن كثيرًا من الناس يخطئون فهم شرائع الإسلام في المرأة، ويخدعون بما يتأول بعض الكتاب والدعاة نصوص القرآن والسنة، وما ينكر بعضهم من بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، والله المستعان.
فأساس البحث في هذا كله وجوب تعليم المرأة كتعليم الرجل سواء بسواء، والمراد بالتعليم تعليم ما يجب معرفته من شؤون الدين والفقه فيه، حتى يعرف الرجل والمرأة ما يأتي وما يدع وما وجب وما حرم، وكيف يؤدي ما أمره الله بأدائه، وهذا يختلف باختلاف الزمن واختلاف البيئة، ولكن الضروري لكل إنسان مفهوم بداهة، وليس في هذا أدلة خاصة بل هو من عموم الأدلة التي لم تخص رجلًا أو امرأة. وقد وردت أحاديث في تعليم المرأة بهذا المعنى، منها حديث أبي موسى الأشعري في البخاري أن رسول الله قال: "ثلاثة لهم أجران". فذكر منهم "رجل كانت عنده أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران". وحديث ابن عباس في البخاري أيضًا: "أن رسول الله خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء، فوعظهن وأمرهن بالصدقة" إلخ. وذلك في صلاة العيد في المصلى أي الصحراء. وقد عرف من النساء بالعلم والفتيا كثيرات جدًّا أعظمهن شأنًا عائشة أم المؤمنين، وغيرها من الصحابة كأم الدرداء ومن التابعين وغيرهم. وأما الإجازات العلمية
(2/620)

فإنها لم تكن معروفة، ولكن في تواريخ المحدثين ذكر كثير من النساء العالمات بالحديث الراويات له عن شيوخهن ورواه عنهن تلاميذهن.
وكل هذا مبني على شيء آخر مهم جدًّا وهو الحجاب، أي أن النساء كن يتلقين العلم أو يعلمن غيرهن وهن محجبات، الحجاب الواجب على كل مسلمة، والذي يدل عليه القرآن والحديث والعمل المتواتر، وأما التهتك العصري الذي يريد المجددون - أو المجردون الهدامون - تأويل نصوص الإسلام إليه، فإنه إشاعة للمنكر، ومن دعا إليه وذعن أنه مطابق للإسلام فقد خرج من الإسلام؛ لأنه ينكر الشيء المعلوم من الدين بالضرورة، ونقول هذا ونحن نعرف معناه ونقصده، أيا كان الشخص الذي يطبق عليه، لا نقصد إلى الطعن في أحد بعينه، فلا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يظهر منها غير وجهها وكفيها، ولا يجوز لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يأذن لامرأة له عليها سلطان بغير هذا، ولا أن يرضى للنساء بغير هذا، وفي هذا تتفاضل عزائم الرجال.
والثابت من الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف فيها؛ أن النساء كن يصلين الجماعات مع الرجال في المساجد وكذلك الجمعة والعيدان، ولهن مقام خاص بهن في آخر المسجد في صفوف وراء صفوف الرجال، وأنه لا يجوز لهن الصلاة في صفوف الرجال، وكان رسول الله ينهى الرجال عن منعهن من المساجد، ويأمر الرجل أن يأذن لامرأته بالذهاب إلى الصلاة إذا أرادت.
(2/621)

وكن يتلقين العلم في المساجد بالضرورة؛ إذ يسمعن الموعظة في الخطبة في الجمعة والعيدين، كما سبق في حديث ابن عباس. وكن يذهبن إلى المساجد لاستفتاء النبي ثم أصحابه من بعده ثم العلماء، فيما ينوبهن من مواطن السؤال، أما الاختلاط الحديث كما في الجامعة مثلًا، فإنه شيء غير جائز، وليس من دين المسلمين.
وأما الإمامة الكبرى، أعني إمامة الحكم والسلطان وولاية القضاء، فإنها لا تجوز للمرأة أبدًا، وإن خالف في بعض تفصيل ذلك بعض الفقهاء، لقوله عليه السلام: "لن يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً". وأما الإمامة الصُّغرى أي إمامة الصلاة، فإنه لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال قطعًا، ولكن يجوز لها أن تؤم النساء عند بعض الفقهاء، والأفضل أن يصلين في المساجد في جماعة الرجال في صفوفٍ خاصةٍ بِهِن.
* * *
(2/622)

بين عالمين

نظامُ الطَّلاق في الإسلامِ (*)
منذ بضعة أشهر أخرجتُ كتابي (نظام الطلاق في الإسلام) فتقبله العلماء الأعلام في مصر، وفي سائر الأقطار بقبول حسن والحمد لله، وأكثروا من الثناء عليه وعلى مؤلفه، وجاءتني كتب متواترة من كبار علماء الإسلام في الحجاز والهند والعراق والشأم وغيرها، ومن كبار المستشرقين في أقطار أخرى، ولا أراني أهلًا لكل ما أثنوا به عليَّ، وإنما هو حسن الظن منهم، وقد أعجزني أن أوفيهم حقهم من الشكر على هذا الفضل الجم، وأسأل الله أن يجزل لهم المثوبة على فضلهم.
وفي بعض ما جاءني من الكتب أبحاث قيمة من النقد العالي المبني على الحجة والبرهان، مما يصلح أن يكون مثالًا يُحتذى للباحثين والمجتهدين، في دقة النظر، وعلو الفكر، وأدب القول والتسامي عن العصبية والهوى، والتزام ما ينصره الدليل الصحيح، وهي الخصال التي نرجو أن يسير على نهجها كل عالم مفيد، وكل طالب مستفيد، وخصوصا في علوم الدين وهي الخصال التي جاهد أسلافنا في سبيل حمل الناس على الأخذ بها واتباعها، ثم تبعانها
__________
(*) مجلة الرسالة العدد 157 الاثنين 17 ربيع الثاني سنة 1355 ه 6 يوليه سنة 1936 م (السنة الرابعة).
(2/623)

من بعدهم، فجاهد إخواني وجاهدت معهم في سبيل ذلك جهادًا كثيرًا، منذ نيف وعشرين سنة، ولا نزال - والحمد لله - نسير على هذا النهج القويم والصراط المستقيم.
ومما يجب عليَّ، إحقاقًا للحق، واتباعًا لسبيل الهدى، أن أفكر فيما ورد على كتابي من اعتراض ونقد، وأعيد النظر فيما اخترت ورأيت، وأكشف عن حجة خصمي وعن حجتي لي وللناظرين فإما انتصر قول خصمي ورجعت عن قولي، وأما انتصرت لقول وزدته بيانًا وتأييدًا، لا أبالي أي ذنب كان، وإنما أنا طالب علم، فأي قول أو رأي نصره عندي الدليل، فإنه العلم الذي أطلبه وأسعى إليه، لا أبغي به بدلًا.
ولذلك رأيتُ أن أنشر في الرسالة الغراء مجلة الآداب الرفيعة والثقافة العالية - ما أراه جديرًا بالنشر مما جاءني من نقد واعتراض، وأساجل كاتبيه البحث، أملًا في أن يشترك معنا كثير من العلماء الأعلام في هذا المجال، عَلَّنا نصل إلى الحقيقة فيما كان موضع اختلاف ونظر، وقديمًا قال الناس: الحقيقة بنت البحث.
ومن أشرف ما وصل إليَّ وأعلاه: كتاب كريم من صديقي الكبير وأستاذي الجليل، شيخ الشريعة، وإمام مجتهدي الشيعة بالنجف الأشرف، العلامة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، فقد تفضل - حفظه الله - بمناقشة رأي في مسألة من مسائل الكتاب، وهي (مسألة اشتراط الشهود في صحة مراجعة الرجل مطلقته) فإنني
(2/624)

ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وأنه إذا حصل الطلاق بغير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقًا، ولم يتعد به، وهذا القول وإن كان مخالفًا للمذاهب الأربعة المعروفة إلا أنه يؤيده الدليل، ويوافق مذهب الأئمة أهل البيت والشيعة الإمامية، وذهبت أيضًا إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي، ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل واحد فيهما، فرأي الأستاذ - بارك الله فيه - أن يشرح لي وجهة نظرهم في التفريق بينهما فقال:
* * *

بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد والمجد:
من النجف الأشرف 8 صفر سنة 1355 إلى مصر لفضيلة الأستاذ العلامة المتبحر النبيل الشيخ أحمد محمد شاكر المحترم، أيده الله.
سلامة لك وسلام عليك .. وصلتني هديتك الثمينة رسالة (نظام الطلاق في الإسلام)، فأنعمت النظر فيها مرة بل مرتين إعجابًا وتقديرًا لما حوته من غور النظر، ودقة البحث، وحرية الفكر، وإصابة هدف الحق والصواب، وقد استخرجت لباب الأحاديث الشريفة، وأزحت عن محيا الشريعة الوضاءة أغشية الأوهام، وحطمت قيود التقاليد القديمة وهياكل الجمود بالأدلة القاطعة، والبراهين الدامغة، فحياك الله، وحيا ذهنك الوقاد وفضلك الجم.
(2/625)

وأمهات مباحث الرسالة ثلاث:
(1) طلاق الثلاث.
(2) الحلف بالطلاق والعتاق.
(3) الإشهاد على الطلاق.
وكل واحدة من هذه المسائل الثلاث قد وفيتها حقها من البحث، وفتحت فيها باب الاجتهاد الصحيح على قواعد الفن ومدارك الاستنباط القويم من الكتاب والسنة، فانتهى بك السير على تلك المناهج القويمة إلى مصاص الصواب، وروح الحقيقة، وجوهر الحكم الإلهي، وفرض الشريعة الإسلامية.
وقد وافقت آراؤك السديدةُ في تلك المسائل ما اتفقت عليه الإمامية من صدر الإسلام إلى اليوم، لم يختلف فيها منهم اثنان، حتى أصبحت عندهم من الضروريات، كما اتفقوا على عدم وجوب الإشهاد في الرجعة، مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق، بل الطلاق باطل عندهم بدونه.
وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الإشهاد فيهما معا فقلت في صفحة (120) ما نصه: "وذهبت الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق وأنه ركن من أركانه، كما في كتاب شرائع الإسلام .... ولم يوجبوه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه". انتهى.
(2/626)

وفي كلامك هذا (أيدك الله) نظر أستميحك السماح في بيانه، وهو أن من الغريب حسب الفن مطالبة النافي بالدليل والأصل معه! وإنما يحتاج المثبت إلى الدليل، ولعلك (ثبتك الله) تقول قد قام الدليل عليه، وهو ظاهر الآية، بناء على ما ذكرته في صفحة (118) حيث تقول: "والظاهر من سياق الآيتين أن قوله: {وَأَشْهِدُوا}. راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا" إلى آخر ما ذكرت، وكأنك (أنار الله برهانك) لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة، كما هي عادتك من الإمعان في غير هذا المقام، وإلا لما كان يخفي عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه، حتى إنها قد سميت بسورة الطلاق، ولابتداء الكلام في صدرها بقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ}. ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة أي؛ لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم إحصاء العدة وعدم إخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي؛ إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم إمساكهن بالرجعة، وتركهن على المفارقة، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه، ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعًا واستطرادًا، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه وأن تستقبله، سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فإنك لا
(2/627)

تفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم، لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخرا عنه، وهذا لعمري حسب قواعد العربية والذوق السليم جلي واضح، لم يكن ليخفى عليك، وأنت خرِّيتُ العربية، لولا الغفلة (والغفلات تعرض للأديب).
هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآيات الكريمة، وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية وشموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها، وهو: أن من المعلوم؛ أنه ما من حلال أبغض إلى الله - سبحانه وتعالى - من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون - جمعي اجتماعي - لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة، سيما في العائلة والأسرة، وعلى الأخص في الزيجة، بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى، فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه، على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده عز أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولًا ولحصول الأناة والتأخير ثانيًا، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان، أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الألفة، كما أشير إليه بقوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}. وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم مضافًا إلى الفوائد الأخر.
وهذا كله بعكس قضية الرجوع: فإن الشارع يريد التعجل به،
(2/628)

ولعل للتأخير آفات، فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط، وتصح عندنا - معشر الإمامية - بكل ما دل عليها من قول أو فعل أو إشارة. ولا يشترط فيها صيغة خاصة، كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلا لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده، والرغبة الأكيدة في ألفتهم وعدم تفرقتهم.
وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الإشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع، وهي، أي المطلقة الرجعية عندنا، معشر الإمامية، لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوج بأختها وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية.
فهل في هذا كله مقنع لك في صحة ما ذهبت إليه الإمامية من عدم وجوب الإشهاد في الرجعة بخلاف الطلاق؟ ! فإن استصوبته حمدنا الله وشكرناك، وإلا فأنا مستعد للنظر في ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح، وما الغرض إلا إصابة الحقيقة، واتباع الحق أينما كان، ونبذ التقليد الأجوف، والعصبية العمياء، أعاذنا الله وإياك منها، وسدد خطواتنا عن الخطأ والخطيئات، إن شاء الله، ونسأله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة، والأثريات اللامعة، والمآثر الناصعة، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، ولكم في الختام أسنى تحية وسلام من:
محمد الحسن آل كاشف الغطاء
(2/629)

ملاحظة: ومن جملة المسائل التي أجدتَ فيها البحث والنظر: مسألة بطلان طلاق الحائض، وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق، وهذه الفتوى أيضًا مما اتفقت عليها الإمامية وهي بطلان طلاق الحائض إلا في موارد استثنائية معدودة.
* * *

هذا هو نص كتاب الأستاذ شيخ الشريعة، لم أحذف منه شيئًا إلا كلمة خاصة لا علاقة لها بالموضوع، وإنما هي عن تفضله بإهداء بعض كتبه إلي. وسأحاول أن أبين وجهة نظري وأناقش أستاذي فيما رآه واختاره، بما يصل إليه جهدي في عدد قادم، إن شاء الله.
* * *
(2/630)

بين عالمين

نظام الطلاق في الإسلام (*)
نشرت في الرسالة (العدد 157 في 6 يوليو سنة 1936) كتاب أستاذنا الكبير العلامة شيخ الشريعة، إمام مجتهدي الشيعة، الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، في نقد ما ذهبت إليه في كتابي (نظام الطلاق في الإسلام) من اشتراط الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، خلافًا لما ذهب إليه أئمة الشيعة من اشتراطه في الطلاق دون الرجعة، وقد انتصر الأستاذ - حفظه الله - لمذهبهم بأبدع بيان، مما لم نجد له نظيرًا فيما بين أيدينا من كتب العلماء من الشيعة الإمامية.
ووعدتُ أن أناقش الأستاذ فيما أرتأى واختار، وأن أبين وجهة نظري، ملتزمًا ما رسمته لنفسي من شرعة الإنصاف في البحث والنظر "فأكشف عن حجة خصمي وعن حجتي، لي وللناظرين: فإما انتصر قول خصمي ورجعت عن قولي، وإما انتصرت لقولي وزدته بيانًا وتأييدًا، لا أبالي أي ذينك كان". ووفاء بما وعدت، أنشر هنا ما قلته في الكتاب (ص 118 - 121):
"قال الله تعالى في أول سورة الطلاق: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ
__________
(*) العدد 159، أول جمادى الأولى سنة 1355 ه - 20 يوليه سنة 1936 م، السنة الرابعة.
(2/631)

بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}. [الطلاق: 1، 2].
والظاهر من سياق الآيتين أن قوله: {وَأَشْهِدُوا}. راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، والأمر للوجوب؛ لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب - إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه إلى غير الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب؛ لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل - هو أحد طرفي العقد - وحده، سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَل المرأة، وحقوق للمرأة قِبَل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر، فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلًا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره".
"وهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس، فقد روى عنه الطبري في التفسير (ج 28 ص 88) قال: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. عند الطلاق وعند المراجعة. وهو قول عطاء أيضًا، فقد روى عنه
(2/632)

عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود. نقله السيوطي في الدر المنثور (ج 6 ص 232) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (ج 3 ص 456) وكذلك هو قول السدي، فقد روى عنه الطبري قال: في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. على الطلاق والرجعة".
"وذهب الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق، وأنه ركن من أركانه، كما في كتاب (شرائع الإسلام ص 208 - 209 طبعة سنة 1302) ولم يوجبوه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب، ولا دليل عليه".
"وأما ابن حزم فإن ظاهر قوله في المحلى (ج 10 ص 251) يفهم منه أنه يرى اشتراط الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وإن لم يذكر هذا الشرط في مسائل الطلاق، بل ذكره في الكلام على الرجعة فقط، قال: فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعًا؛ لقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. فقرن (1) - عز وجل - بين المراجعة والطلاق والإشهاد،
__________
(1) في النسخة المطبوعة من المحلى (فرق) وهو خطأ مطبعي واضح من سياق الكلام، وقد صححناه في الكتاب على غالب الظن (لم يفرق) إذ لم نتمكن حين الكتابة من مراجعة النسخ المخطوطة بدار الكتب، ثم رجعت إليها بعد، ففي نسخة المحلى (رقم 45 فقه حنبلى) هذه الكلمة (ففرق) ولكنها غير واضحة النقط، وهي خطأ كالنسخة المطبوعة، وفي النسخة (رقم 15 فقه حنبلي) (فقرن) وهي واضحة الحروف بينة النقط، وهي الصواب، والحمد لله. ونرجو القراء أن يصححوها في المحلى وفي كتابنا.
(2/633)

فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكان من طلق ولم يشهد ذوي عدل، أو راجع ولم يشهد ذوي عدل: متعديا لحدود الله تعالى، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
"واشتراط الإشهاد في الرجعة هو أحد قولي الشافعي، قال الشيرازي في المهذب (ج 2 ص 111): لأنه استباحة بضع مقصود، فلم يصح من غير إشهاد كالنكاح، وهو أيضًا أحد قولي الإمام أحمد، انظر المقنع (ج 2 ص 259) والمغني (ج 8 ص 482) والشرح الكبير (ج 8 ص 472 - 473".
"والقول باشتراط الإشهاد في صحة الرجعة، يلزم منه أنها لا تصح إلا باللفظ، ولا تصح بالفعل، كما هو ظاهر، وهو مذهب الشافعي".
هذا ما قلته في المسألة، وقد ردَّ عليه الأستاذ شيخ الشريعة من جهتين: من لفظ الدليل وسياق الآيات الكريمة، ومن جهة الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية، فقال في الوجه الأول: "إن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه، حتى إنها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ}. ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة، أي لا يكون في طهر المواقعة ولا في الحيض، لزوم إحصاء العدة وعدم إخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}.
(2/634)

أي إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم إمساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه، ويستهجن عوده إلى الرُّجعة التي لم تذكر إلا تبعًا واستطرادًا".
وأما أن السورة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى إنها سميت سورة الطلاق: فنعم. ولكن هل معنى هذا أنها مسوقة لأحكام إنشاء الطلاق وإيقاعه: من اشتراط حصوله في قُبُل الْعِدَّة، ومن وجوب الإشهاد عليه، لا غير؟ ! ما أظن أحدًا يرضى أن يدعي ذلك! ولو سميت السورة سورة الطلاق! !
فإن في السورة اثنتي عشر آية فيها نحو من خمسين ومائتي كلمة، لم يذكر فيها من الأحكام الخاصة بإنشاء الطلاق وإيقاعه إلا إحدى عشرة كلمة في الآيتين الأوليين، ثم سيق نصف السورة تقريبًا لبيان الأحكام المتعلقة بالطلاق عامة، من إنشاء وإيقاع، ومن إمساك بمعروف أو مفارقة بمعروف، ومن عدة وإنفاق وإسكان وإخراج وأجرة إرضاع، ومن بيان لحدود الله في الطلاق ووعيد شديد لمن تعداها، ومن ترغيب في تقوى الله والتوكيل عليه، كل أولئك في الآيات السبع الأولى من السورة الكريمة، ثم سيق سائرها لأشياء أخرى ليست لها علاقة بالطلاق.
فهل كل هذا ذكر تبعًا لسبع كلمات في الأحكام الخاصة بإنشاء
(2/635)

الطلاق في الآية الأولى، والأربع كلمات في الآية الثانية؟ ! كلا! أنها سورة الطلاق، ذكر فيها كثير من أحكامه عامة، وسيق نحو نصفها لإرشاد الرجال إلى ما يجب عليهم عند الطلاق وبعده، وكل ذلك أصل مقصود، لم يذكر شيء منه تبعًا ولا استطرادًا.
ولو قرأ القارئ الآيتين الأوليين بأناة وروية، وتأمل فيهما، على ما تقتضيه الفطرة العربية المستقيمة والذوق السليم، لتبين له أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الأشياء الثلاثة المذكورة في الآيتين، وهي الطلاق: أي إنشاؤه، والإمساك بالمعروف: أي الرجعة، والمفارقة بالمعروف: أي إنفاذ الطلاق بتسريحها بإحسان عقيب انقضاء عدتها، وأنه لو كان المراد الأمر بالإشهاد عند إنشاء الطلاق فقط لكان موضع ذكره في صدر الآية الأولى عند قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}. أما تأخيره بعد ذكر الإمساك أو المفارقة، فإنه صريح في عودته إلى جميع ما تقدم عليه.
وهذا هو الذي فهمه أكثر العارفين باللغة والمتمكنين منها، ولم يستهجن أحد منهم عوده إلى الرجعة، ولا ادعى أنها ذكرت تبعًا واستطرادًا، فابن عباس وعطاء والسدي وغيرهم فهموا أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، ولذلك قال ابن حزم: "فقرن عز وجل بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض".
وكذلك قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهو من أعلم
(2/636)

الناس باللغة وأفصحهم، فقد قال في كتاب الأم (ج 5 ص 226): "ينبغي لمن راجع أن يشهد شاهدين عدلين على الرجعة، لما أمر الله به من الشهادة، لئلا يموت قبل أن يقر بذلك؛ أو يموت قبل أن تعلم الرجعة بعد انقضاء عدتها، فلا يتوارثان إن لم تعلم الرجعة في العدة، ولئلا يتجاحدا أو يصيبها فتنزل منه إصابة غير زوجة".
وقال محمد بن جرير الطبري في التفسير (ج 28 ص 88): "وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وأشهدوا على الإمساك إن أمسكتموهن، وذلك هو الرجعة".
وقال العلامة جار الله الزمخشري في الكشاف (ج 2 ص 403: "وأشهدوا، يعنى عند الرجعة والفرقة جميعًا، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وقيل: فائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث".
وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط (ج 8 ص 282): "وأشهدوا: الظاهر وجوب الإشهاد على ما يقع من الإمساك. وهو الرجعة، أو المفارقة وهي الطلاق، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. وعند الشافعية واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل: وأشهدوا، يريد به على الرجعة فقط، والإشهاد شرط في صحتها، فلها منعه من نفسها
(2/637)

حتى يُشْهِدَ. وقال ابن عباس: الإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق يرفع من النوازل أشكالًا كثيرة".
وبنحوه قال سائر المفسرين، حتى لقد قال العلامة أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المفسر من كبار أئمة الشيعة الإمامية، المتوفى سنة 548 في تفسيره مجمع البيان (ج 2 ص 430 طبع إيران): {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة، ولا الرجل الطلاق.
وقيل معناه: وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروي عن أئمتنا، وهذا أليق بالظاهر؛ لأنا إن حملناه على الطلاق كان أمرًا يقتضي الوجوب، وهو من شرائط صحة الطلاق، ومن قال: إن ذلك راجع إلى المراجعة حمله على الندب".
فهذا الإمام الشيعي لا يرى مانعًا من جهة اللغة والسياق، أن يرجع الأمر بالإشهاد إلى الرجعة وإلى الطلاق معًا، ويتأول ذلك أو يدعي أن الظاهر رجوعه إلى الطلاق فقط، انتصارًا لمذهب الأئمة من أهل البيت في اشتراطه الطلاق دون الرجعة.
ومع ذلك فإن مذهب الإمامية أن الإشهاد على الرجعة مندوب إليه مستحب، نص على ذلك في كتبهم في مواضع مختلفة.
وقد ورد في رواياتهم عن أبي جعفر الباقر - عليه السلام - في
(2/638)

بيان طلاق العدة أنه: "إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق العدة، فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع، ويشهد شاهدين عدلين، ويراجعها، يومه ذلك إن أحب، أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض، ويشهد على رجعتها ... إلخ". نقله الطبرسي في التفسير، وشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب، والإمام السعيد أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي في كتاب "من لا يحضره الفقيه" وغيرهم، فهذا يدل على أنهم يرون أن الأمر بالإشهاد في الآية راجع إلى الرجعة كما هو راجع إلى الطلاق، وإن كانوا لا يشترطونه في صحة المراجعة، فذاك لشيء آخر وهو اتباع الأئمة من أهل البيت، ولولا أن الأمر راجع إليهما لما كان لديهم دليل على استحباب الإشهاد في الرجعة، ولما قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: "ويشهد على رجعتها". فإنه لم يرد طلب الإشهاد فيها في شيء من القرآن إلا في هذه الآية، ولم يرد أيضًا في شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قد ورد في أقوال الصحابة والتابعين، كما نقلنا عن ابن عباس وغيره.
وكما روى أبو داود (ج 2 ص 257)، وابن ماجه (ج 1 ص 319) عن مطرف بن عبد الله: "أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: طلقت لغير سنة، ورجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد". وروى البيهقي في السنن الكبرى
(2/639)

(ج 7 ص 373) نحوه من طريق ابن سيرين عن عمران بن حصين، وإسناده عند أبي داود إسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (ص 228).
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن نافع قال: "طلق ابن عمر امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها أشهد على رجعتها ودخل عليها".
فعبد الله بن عمر فهم من الآية أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الرجعة؛ ولذلك أشهد على رجعة مطلقته، وعمران بن حصين فهم ذلك أيضًا، وأنكر على من طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد واعتبره مخالفًا للسنة؛ إذ خالف ما أمر به في القرآن، وهما عربيان يفهمان لغتهما بالفطرة السليمة، قبل فساد الألسنة، ودخول العجمة على الناس.
وأنا إذ أحتجُّ بأقوال من نقلتُ قولَهم من الصحابة والتابعين والمفسرين، فإنما أحتج بها من وجهة الدلالة العربية وفهم مناحي الكلام في الآيات الكريمة، لا من جهة الرأي الفقهي الاستنباطي، فقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، فبعضهم يرى وجوب الإشهاد على الطلاق وحده ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا على الرجعة وحدها ويجعله شرطًا في صحتها، وبعضهم يراه مستحبًّا فقط في الأمرين، وبعضهم يراه واجبًا فيهما ولا يراه شرطًا في صحة واحد منهما، كما يفهم من كلام عمران بن حصين.
(2/640)

وأما الذي أراه وأذهب إليه، فهو وجوب الإشهاد في الأمرين جميعًا وأنه شرط في صحة كل منهما؛ لأنه ثبت من دلالة الآيتين في أول سورة الطلاق أن الله سبحانه أمر الرجلين بالإشهاد عند الطلاق وعند المراجعة؛ والأمر في حقيقته دائمًا للوجوب، ولا يدل على الندب إلا دلالة مجازية؛ والمجاز لا يراد من الكلام إلا بوجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ولا قرينة هنا أبدا تمنع إرادة المعنى الحقيقي، وإن ادعى الشوكاني في نيل الأوطار ذلك؛ إذ قال (ج 7 ص 43 - 44): "ومن الأدلة على عدم الوجوب؛ أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في تيسير البيان". وما أكثر دعوى العلماء الإجماع، خصوصًا في مسائل الطلاق! ! وهي دعوى عريضة، يدعونها في كثير من المواطن إذا ما غلبتهم الحجة وأعوزهم البرهان، وليس لهم عليها أي دليل! كما قلت في (نظام الطلاق) وبينت هناك المعنى الصحيح للإجماع "لكثرة إرجاف المرجفين بدعوى الإجماع في الطلاق، ليرعبوا العلماء المجتهدين الصادقين المخلصين، ويصرفوهم عن البحث فيه، أو يؤلبوا عليهم العامة والغوغاء، فتحاماه أكثرهم وأحجموا عنه، إلا من ثبّت الله قلبه وأيده بروح من عنده" (ص 96 - 103).
* * *
(2/641)

بين عالمين

نظام الطلاق في الإسلام (*)
[بقية المقال المنشور في العدد السابق]
هذا عن الدليل على وجوب الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وأما الدليل على أنه شرط في صحتهما، وأن من طلق أو راجع بغير إشهاد فقد بطل طلاقه وبطلت رجعته، ولم يصح واحد منهما، فإن الطلاق عمل استثنائي صرف، يخالف القواعد العامة في العقود والفسوخ، وكذلك الرجعة؛ لأن كلًّا منهما تصرف في عقد بين اثنين، يقوم به أحد طرفي العقد وحده، وهو الرجل من غير اختيار، أو مشاركة له فيه من الطرف الآخر، وهو المرأة، أذن بهما الشارع الحكيم، في حدود معينة، وبنظام خاص، وليسا مما يملكه الرجل وحده بطبيعة التعاقد؛ لأن الزواج عقد كسائر العقود، لا يملك أحد طرفي العقد التصرف فيه بالإلغاء أو الإنهاء وحده، لولا ما أذن به الله للرجل من حق الانفراد بالطلاق، وكذلك الرجعة هي إعادة للعقد الذي نسخه الرجل وحده، بما جعل الله له من الحق في ذلك، وهي إنما يملك الرجل الانفراد بها - دون الطرف الثاني من العقد بما أذن الله له فيها، ولو لم يأذن الله بالطلاق وبالرجعة للرجل، لم يكن له أن ينفرد بواحد منهما من غير رضا الطرف الآخر في العقد.
__________
(*) العدد 160، 8 جمادى الأولى 1355 ه 27 - يوليه 1936 م، السنة الرابعة.
(2/642)

وقد أذن الله في شريعته للرجل بالاستقلال بإيقاع الطلاق، وبالانفراد برد المطلقة إلى عصمته، بصفات معينة، وفي أوقات خاصة، فتكون كلها شروطًا في صحة ما يفعله المطلق حين طلاقه، والمراجع حين رجعته، فإذا تجاوز الصفات التي رسمت له فيهما، أو الأوقات التي أقتت له، كان عمله باطلا؛ لأنه خرج عن الحد الذي ملك فيه الانفراد بالتصرف بالأذن من الشارع الحكيم.
ولذلك قلنا ببطلان الطلاق لغير العدة، وببطلان الطلاق من غير إشهاد، وببطلان سائر أنواع الطلاق الذي يسمى (الطلاق البدعي) وقلنا أيضًا ببطلان الرجعة من غير إشهاد، وببطلانها إذا قصد بها المضارة، ولم يقصد بها الإصلاح، كما قال الفقهاء جميعًا ببطلان الرجعة إذا كانت بعد انقضاء العدة، وببطلانها إذا كانت بعد الطلقة الثالثة وهكذا.
وهذا المعنى قد أوضحته مرارًا في كتاب (نظام الطلاق في الإسلام)، فمما قلته (ص 60 - 63):
"وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إن شاء أبان المرأة بتة، وإن شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة".
"كلا، ثم كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدن حكيم عليم، شرعه الله لعباده ترفيهًا لهم، ورحمة بهم، وعلاجًا شافيًا لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضرار، ورسم قواعده، وحد
(2/643)

حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامة، ونهي عن تجاوزها، وتوعد على ذلك؛ ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذكر حدود الله، والنهي عن تعديها وعن المضارة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}.
"وهو تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم قبل الإسلام وبعده، وهأنت ذا ترى الأمم العظيمة التي تزعم لنفسها المدنية، ويزعمها لها الناس، تحاول إصلاح نظام الأسرة، وتشريع القوانين لديها للطلاق، فلا تصل إلى شيء معقول، بل تتخبط في الظلمات، وتأتي بالبلايا والمضحكات، وذلك أنها تصدر في تشريعها عن العقل الإنساني القاصر، أما التشريع الإسلامي فإنه وحي إلهي كريم، أرسل به أعظم رجل وأعقل رجل ظهر في هذا الوجود، وأمره أن يفسره للناس ويبينه لهم، ثم يحملهم على طاعته والعمل به".
"وإنما المقصود من الطلاق في هذه الشريعة النقية الواضحة الكاملة: أن بين الزوجين عقدًا - كسائر العقود - على المعايشة والمعاشرة بالمعروف، فإن هما فعلا تحقق المقصد الصحيح من الزواج وطاب عيشهما، وإن هما تباغضا وتنافرا وخافا ألا يقيما حدود الله، ورغبا في الفراق، فهما كغيرهما من كل متعاقدين: لهما أن يتفقا على الانفصال في مقابل عوض من المرأة للرجل، كما
(2/644)

تعاقدا في أصل النكاح في مقابل الصداق من الرجل للمرأة، وبذلك جاء نص القرآن الكريم: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. فشرع لهما الخلع والمبارأة، وكانت المرأة به بائنًا تملك أمر نفسها، وليس للرجل عليها حق المراجعة إلا بعقد جديد واتفاق آخر، ولم يكن عليه للمرأة حقوق أخرى من حقوق العقد، كالصداق والنفقة وغيرهما، إلا أن يتشارطا على شيء: فالمسلمون عند شروطهم".
"واختار الله لعباده - لحكمة سامية - أن يستثنى النكاح من القاعدة العامة في فسخ العقود، فأباح للرجل أن ينفرد بفسخ هذا العقد بإرادته وحده، بشرائط خاصة ونظام واضح (1)، ورتب لكل من المتعاقدين حقوقًا قبل صاحبه، لا يجوز لأحدهما أن يتهرب منها، فمن وقف عند حدود الله وفسخ عقد النكاح الذي بينه وبين زوجه في دائرة الحدود والتي حد الله له، كان قد استعمل حقًّا يملكه بتمليك الله إياه، وجاز عمله، وترتبت عليه آثاره، ومن تجاوز حدود الله، واجترأ على حل عقدة النكاح على غير المنهج المرسوم له، وكان
__________
(1) قلنا في حاشية (ص 15) من الكتاب: يظن أكثر الباحثين أن الطلاق الرجعي ليس حلًّا لعقد النكاح، وأن الرجعية لا تزال زوجًا؛ لأن آثار العقد باقية بينهما، وهو وهم، بل الطلاق يزيل عقد النكاح، سواء الرجعي وغيره. ونقل ابن حجر في الفتح (ج 9 ص 426) عن ابن السمعاني قال: "الحق أن القياس يقتضي أن الطلاق إذا وقع زال النكاح، كالعتق، لكن الشرع أثبت الرجعة في النكاح دون العتق فافترقا".
(2/645)

عابثًا، وكان عمله باطلًا لغوًا، كما إذا انفرد أحد المتعاقدين بإلغاء عقد البيع أو عقد الرهن مثلًا، فإن عمله لاغ لا أثر له في العقد، فكذلك المطلق في غير الحدود التي أذن فيها".
وقلت أيضًا (ص 71): "إذن، فقد منح الله الرجل حق الانفراد بالطلاق، وهو حل لعقدة النكاح: بين الزوجين عقد كسائر العقود، وهو عقد الزواج، فإذا أراد أن يطلق بمحض إرادته وحده، فلن يملك من ذلك إلا أن يتبع أمر ربه الذي شرع له هذا الحق وأذن به".
فهذا التفسير لمعنى الطلاق ولمعنى الرجعة، هو المطابق كل المطابقة لنصوص القرآن الكريم، ولمقاصد الشارع الحكيم، ولقواعد العقل السليم، وللفقه الصحيح في الدين، وليس من المعقول أن ترك هذه الشريعة الدقيقة - شريعة الطلاق والرجعة - لأهواء الناس وآرائهم وألاعيبهم في الألفاظ إنما هي مقاصد سامية، تتعلق بأدق الشؤون الاجتماعية، وأشدها خطرًا في حياة الإنسان، وأشرف الروابط بين الناس، وأعلاها وأنفعها للنوع الإنساني، وهي رابطة الحياة الزوجية، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فلم يكن الطلاق - في الشريعة الإسلامية - حقًّا مطلقًا للرجل من غير قيد، كما يفعل ذلك أكثر الناس، بل عامتهم، وإنما هو مقيد بقيود كثيرة، بعضها قيود في نفس إنشائه وإيقاعه، وهي شروط في صحته عندي، وفي رأي بعضها قيود تعلق بحال المطلق وظروف
(2/646)

طلاقه، وهي تعليم من الشارع وتأديب؛ لأنها ترجع إلى أمور نفسية وأحوال دقيقة في المعايشة والمعاشرة، لا تدخل تحت القواعد القضائية التي تكاد تكون مادية، فجعل الرجل فيها أمين نفسه، ورقيبًا على أعماله، أو جعلت تحت رقابة ضميره - كما يعبر الكتاب من أهل هذا العصر - فإن اتبع في ذلك أوامر الله في كتابه وفي سنة رسوله، ووقف عند حدود الله: كان طلاقه صحيحًا، وبرئ من إثم العدوان في الطلاق، وإن لم يتبع ما أمر به، ولم يجعل طلاقه في الحدود التي حدت لإنشائه وإيقاعه، فكأنه لم يعمل شيئًا ولم يوقع طلاقًا، وإنما كسب خطيئة وإثمًا بمخالفة أمر ربه.
وإن جعل طلاقه في الحدود التي حدت للإنشاء والإيقاع، ولكنه تجاوز في القيود الأخرى التي تتعلق بحاله وظروف طلاقه، كان طلاقه واقعًا، ولكنه كان آثمًا بمخالفته وعدوانه؛ لأن هذه الشؤون ليست مما يدخل تحت سلطان الحاكم وتقدير القاضي، وإنما يحاسب عليها بين يدي ربه يوم القيامة.
لأن الشريعة الإسلامية يمتزج فيها - دائما - التشريع القانوني القضائي بالشؤون الدينية النفسية والخلقية التهذيبية وتجمع في أحكامها بين الوجوب أو الإباحة أو الندب أو الكراهة أو الحل أو الحرمة: وبين الصحة أو البطلان أو الفساد، وهكذا فهي شريعة ودين معًا.
وكذلك الرجعة: ليست من حقوق الرجل بإطلاق من غير قيد،
(2/647)

بل هي مقيدة بقيود كالطلاق، ولكنها أقل قيودًا منه، تيسيرًا من الشارع الحكيم، وترغيبًا في وصل ما انقطع من علائق الزوجية؛ فمن قيودها ما هو راجع لأصل إيقاع الفعل وإنشائه، فيكون شرطًا في صحته، وكلها منصوص عليه في القرآن نصًّا، فمن ذلك ما اتفق عليه أهل العلم ولم ينقل فيه خلاف عن أحد منهم، وهو أن تكون المطلقة مدخولًا بها، وألا يكون ذلك بعد الطلقة الثالثة، وأن تكون الرجعة وهي في عدة المطلق أيضًا.
ومن ذلك ما اختلف فيه، واخترنا أنه شرط في صحة الخلع أيضًا ونصرنا القول به، وهو أن تكون الرجعة بإشهاد شاهدين على ما بينا آنفًا {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وأن يريد برجعتها إصلاح ما أفسد الطلاق، وإصلاح حاله وحالها {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}. لا يقصد بها الإضرار والعدوان {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}.
وقد بينا ذلك في كتابنا بوضوح (ص 121، 124) ومما قلنا هناك: "إن الطلاق والرجعة بإرادة الرجل وحده عملان مستثنيان من القواعد العامة، أذنه الله بهما بصفات خاصة، فلا يملك منهما إلا ما أذن به، والشأن هنا في الرجعة أقوى؛ لأن الله سبحانه يجعل الرجل أحق بها بشرط صريح، وهو إرادة الإصلاح، فإذا تخلف الشرط لم يكن الرجل أحق بردها فصار لا يملك هذا الحق".
وهذا الذي اخترناه وذهبنا إليه لا ينافي ما ذكره أستاذنا شيخ
(2/648)

الشريعة "مما هو أدق وأحق بالاعتبار، من حيث الحكمة الشرعية، والفلسفة الإسلامية، وشموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها"؛ لأن القيود التي قيد بها حق الطلاق أوثق وأقوى مما اشترط في صحة الرجعة "على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده، عز أو قل وجوده".
وما اشترط في صحة الرجعة، إنما اشترط ضمانًا لبقاء الحياة الزوجية صحيحة سالمة من إرادة العبث بها، بعدًا بها عن مواطن الشبهات، وعن الإضرار بالمرأة عن إرادة النكول والجحد لإضاعة حقها.
ولست أظن أني بحاجة إلى بيان وجه "الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية" فاشتراط إرادة الإصلاح في صحتها؛ إذًا هو واضح بالبداهة، وصريح من نص الكتاب الكريم.
وأما اشتراط الإشهاد فإنه ليس قيدًا به مقصد الشارع في تقليل وقوع الطلاق والفرقة، وفي إرادة التعجيل بالرجعة وإنما هو شرط يقيد في ضمان ثباتها وبقائها، وفي حفظ عزة المرأة وكرامتها، فالرجل حين يطلق يشهد على طلاقه، وهو إعلان له وإثبات، ثم يذهب فيراجع سِرًّا من غير حضرة الشاهدين، ولعله قد يبدو له أن يندم على رجعته، أو يرى له فائدة مادية حقيرة في إنكار ما فعله وجحده، وتعجز المرأة عن إثبات حقها وإثبات إجرامه، ولا ترى لها شاهدًا ولا دليلًا، وقد يفعل ذلك ورثته إذا مات قبل إعلان
(2/649)

رجعته، فيضيع في الحالين حقها، وتهدر كرامتها، ويمس عرضها، وهي عاجزة في أول أمرها وآخره.
ولو رأى الأستاذ - حفظه الله - ما نرى في مجالس القضاء من ألاعيب الناس وحيلهم، وإقدامهم على إضاعة الحقوق، وحرصهم على أكل أموالهم بينهم بالباطل، وجرأتهم على تعدي حدود الله، لعلم أن هذه الشروط ليست قيودًا يعز معها وجود الرجعة أو يقل، ولا يستيقن أنها تطابق الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية، وتدل على شموخ مقامها، وبعد نظرها في أحكامها.
وبعد .. فإني أرسل تحياتي إلى أستاذي الجليل على صفحات (الرسالة) الغراء، مجددًا ذكرى صداقة لم تزدها الأيام إلا ثباتًا وقوة، مذ كان الأستاذ حفظه الله في مصر، من نحو خمس وعشرين سنة، وكنا نقتبس من بحار علومه، ونقتدي به في مكارم أخلاقه، وكنت له كالتلميذ الخاص، ألازمه في غدواته وروحاته.
بارك الله فيه، ونفع به الإسلام والمسلمين.
وأخيرًا: أدعو المثقفين من المسلمين، وقادتهم من علماء الدين، لينظروا في مسائل الزواج ومشاكله، وهي جمة متوافرة، لا بالنظر التقليدي القديم، ولا بالنظر الإفرنجي الحديث، ولكن بالنظر الإسلامي الصحيح.
* * *
(2/650)

تراجم وأعلام
1 - أستاذنا حجة الإسلام محمد رشيد رضا
2 - محمد شاكر
3 - نابغة الشباب الأستاذ رياض محمود مفتاح
(2/651)

أستاذنا الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا (*)
فقد الإسلام في هذه الأيام عَلَمًا عاليًا من أعلامه، وإمامًا حجةً من أئمة الهدى، ومجاهدًا كبيرًا، ومصلحًا عظيمًا، عاش حميدًا ومات شهيدًا (1).
ولد أستاذنا الإمام (السيد محمد رشيد رضا) - رضي الله عنهُ - في يوم الأربعاء 27 جمادى الأولى سنة 1282 (18 أكتوبر سنة 1865) بقرية (القلمون)، وهي قرية من قرى جبل لبنان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وتبعد عن مدينة (طرابلس الشام) نحو ثلاثة أميال.
وأسرة أبيه من السادة الأشراف الذين ينتهي نسبهم إلى جدّنا الأعلى سيدنا الحسين بن علي - عليهما السلام - وهم من أهل العلم
__________
(*) مجلة المقتطف، المجلد السابع والثمانون، الجزء الثالث، 4 رجب 1354 - 1 أكتوبر 1935.
(1) فإنه رحمه الله خرج مع ركب الأمير سعود حين سفره من مصر إلى الحجاز، فذهب معهم إلى السويس، مات في العودة عندما وصل إلى مصر الجديدة، وما كان خروجه هذا مجاملة أو تقربًا للأمير، وإنما كان ليحدثه في شؤون المسلمين، ويعرض عليه آراءه في طرق الإصلاح؛ ليعرضها سمو الأمير على جلالة والده الملك عبد العزيز بن آل سعود، فكان خروجه عملًا من أعمال الجهاد في سبيل الله، ولم يقو جسمه في هذه السن على احتمال المشاق، فمات مجاهدًا شهيدًا، إن شاء الله. وكان ذلك في يوم الخميس 23 جمادى الأولى سنة 1354 (22 أغسطس سنة 1935).
(2/653)

والإرشاد والرياسة، ذوو كرم وكرامة، ودين وتقوى، وعزة نَفْسٍ وتَرَفُّعٍ. وقد عاشرنا في مصر منهم أفرادًا، فكانوا من أنبل الناس خُلُقًا، وأطهرهم قلبًا، وأصدقهم حديثًا. وكان أبوهُ من أعزِّ الرِّجال نفسًا، وأجرئهم جنانًا، وأسخاهم يدًا، وأمهُ: من أسلم النساء فطرة، وأكرمهنَّ أخلاقًا، وأوفاهنَّ لزوج، وأحناهنَّ على ولد، وأسرة أمه ينتهي نسبها إلى سيدنا الحسن بن علي - عليهما السلام -.
أول ما تعلمَّ - رحمهُ الله - في كتَّاب قريتهِ، فتعلم قراءة القرآن والخط وقواعد الحساب الأربع، ثم أدخل في (المدرسة الرشدية) بمدينة "طرابلس الشام" وهي مدرسة ابتدائية للدولة العثمانية، يدرس فيها الصرف والنحو والحساب ومبادئ الجغرافية، والعقائد والعبادات، واللغة العربية واللغة التركية، وكان جميع التدريس فيها باللغة التركية (1).
ثم دخل "المدرسة الوطنية الإسلامية" في سنة 1299، وهي أرقى من المدرسة الرشدية، وجميع التعليم فيها باللغة العربية، إلَّا اللغتين التركية والفرنسية، وتدرس فيها العلوم العربية والشرعية، والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية. وكان أستاذه العلامة الشهير "الشيخ حسين الجسر الأزهري" هو المدير لها، بعد أن كان هو الذي سعى لتأسيسها؛ لأن رأيه أن الأمة الإسلامية لا تصلح ولا رقي إلَّا بالجمع بين علومِ الدِّين وعلوم الدُّنيا على الطريقة العصرية الأوربية، مع
__________
(1) المنار والأزهر (ص 139).
(2/654)

التربية الإسلامية الوطنية، تجاه التربية الأجنبية في مدارس الدول الأوربية والأمريكانية (1).
فلم يدخل المدارس إلَّا بعد تجاوزه الخامسة عشرة من عمره، وكان ذلك عن رأي والده وإرشاده، خوفًا عليه مما يعرض في المدن للناشئين من الفتن، فلما أن وثق من دينه وخلقه ورشده أذن له بالإقامة في مدينة طرابلس الشام لطلب العلم في المدارس.
وكان قبل دخوله المدارس شديد العناية بمطالعة كتب الأدب وكتب التصوف، قال في كتابه "المنار والأزهر" ص 140: "وكان أعجب كتب التصوف إليَّ إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، فهو الذي طالعته كله، وكنت أكثر مراجعته وقراءَة بعض أبوابه عودًا على بدء، ثم صرتُ أقرؤه للناس، وكان له أكبر التأثير في ديني وأخلاقي وعلمي وعملي، وإنهُ لتأثير صالح نافع في أكثره، ضارّ في أقله، وقد عالجتُ الضار منهُ بعد العلم به: فما كان فيه من خطأ علميٍّ فقد رجعت عنهُ بالتدريج، بعد اشتغالي بعلم الحديث، ولا سيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلوّ في الزهد، وبعض العبادات المبتدعة، وأما تأثيره الوجداني في الزهد واحتقار الدنيا، والمتكالبين عليها وعلى وظائف الحكومة، فلم أستطع الاعتدال فيه، فضلًا عن التفصي منهُ" وقد تلقى العلم عن كثير من العلماء الأعلام، فمنهم العلامة الشهير الشيخ حسين الجسر:
__________
(1) المنار والأزهر (ص 139، 181).
(2/655)

أخذ عنهُ العلوم العربية والشرعية والعقلية، ومنهم شيخ الشيوخ الشيخ محمود نشابه: أخذ عنهُ الحديث وفقه الشافعية، ومنهم العالم المحدث العابد الشيخ محمد القاوقجي الكبير: تلقى عنهُ بعض مؤلفاته في الحديث، ومنهم العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي: حضر عليهِ قليلًا من نيل الأوطار للشوكاني، واستفاد كثيرًا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف.
ونشأ عابدًا متعبدًا، زاهدًا متنكسًا، يذهب إلى المسجد في السَّحَر، ولا يعود إلى البيت إلَّا بعد ارتفاع الشمس، ويصلي في الليل متهجدًا تحت الأشجار في بساتين آلِه، ورباهُ أهلُه ثُمَّ رَبَّى نفسه على الحياء والصدق والإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشجاعة في ذلك، فلا يخشى إلَّا الله، وكَمَّل نفسه بكثير من العلوم العصرية، ووسع دائرة تفكيره بالاطلاع على شؤون الاجتماع وسياسة العصر؛ فكان يطالع المجلات العلمية، وفي مقدمتها "المقتطف"، والمجلات السياسية وأهمها "العروة الوثقى" التي كان يصدرها في باريس المرحوم الأستاذ السيد جمال الدين الأفغاني والمرحوم الإمام الشيخ محمد عبده. ولقد حدثني صديقي الكاتب الفاضل السيد محيي الدين رضا؛ أنهُ مع عمِّه المرحوم السيد رشيد يعترف بفضل "المقتطف" عليه في توسيع دائرة معارفه في نشأته، وأنه كان يواظب على قراءته ما وجد سعةً من وقتِه.
وأما مجلة (العروة الوثقى) فإنها كان لها أكبر الأثر في توجيه
(2/656)

تفكيره إلى الوجهة الإصلاحية للمسلمين (1)، وإلى وضع منهج واضح يسير عليه في سبيل الإصلاح، وقد اتبع ما رسم لنفسه من خطة لم يحد عنها قيد شعرةٍ حتى لقي الله.
وأوتي موهبة الكتابة العالية في إبان نشأته، ونشر بعض مقالات في جريدة (طرابلس) فكان صحفيًّا بطبعه وفطرته، وما زال يكتب ويحرّر إلى حين وفاته، فكان من أبلغ الكتاب قلمًا، وأوسعهم مجالًا، وأقومهم بِحُجة.
وقد عزم على الاتصال بالمرحوم السيد جمال الدين الأفغاني "لتكميل نفسه بالحكمة والجهاد في خدمة الملة، فلما توفاه الله تعالى إليه، واشتهر أن السياسة الحميدية هي التي قضت عليه، ضاقت عليه المملكة العثمانية بما رحبت، وعزم على الهجرة إلى مصر، لما فيها من حرية العمل واللسان والقلم، ومن مناهل العلم العذبة الموارد، ومن طرق النشر الكثيرة المصادر، وكان أعظم ما يرجوه من الاستفادة في مصر الوقوف على ما استفادهُ الشيخ محمد عبده من الحكمة والخبرة، وخطة الإصلاح التي استفادها من صحبة السيد جمال الدين، وأن يعمل معهُ وبإرشاده في هذا الجوّ الحرّ" (2).
ثم يسَّر الله لهُ أسباب السفر إلى مصر، ورضي به والداه رحمهما الله، ولما وصل إلى بيروت في طريقهِ إلى مصر عرض عليهِ
__________
(1) تاريخ الإمام محمد عبده (ج 1 ص 84 و 303 و 995 - 996).
(2) المنار والأزهر (ص 191).
(2/657)

عبد القادر أفندي القباني أن يقيم في بيروت، ويتولى رئاسة التحرير لجريدته (ثمرات الفنون). قال السيد رحمهُ الله: "فقلتُ لهُ: إن الحرية التي في بيروت لا تسعني. قال: أو تريد أن تنقد جلالة السلطان عبد الحميد أو تخوض في سياسته؟ قلت: إنما أريد إصلاح الأخلاق والاجتماع والتربية والتعليم. قال: إن لك أوسع الحرية في هذا. قلت: إذا أردت أن أكتب في فضيلة الصدق ومضارّ الكذب ومفاسده فأبيّن أن أكبر أسباب فشوّ الكذب في الأمم الحكم الاستبدادي، أتنشر لي ذلك جريدتكم؟ ! قال: لا، لا، عجّل بالذهاب إلى مصر ولا تخبر أحدًا! (1) ".
ويجدر بنا في هذا الموضع أن نصحح خطأ مشهورًا، يظنه أكثر الناس صوابًا، وذلك: أنهم يزعمون أن السيد رشيد - رحمهُ الله - جاء إلى مصر لإتمام الدراسة العلمية ولذلك تتلمذ للشيخ محمد عبده، والحقيقة أنهُ - رحمهُ الله - لم يغادر بلاده إلَّا بعد إتمام دراسته، وبعد نيل الشهادة العالمية والأذن له من شيوخه بالتدريس، وكان قد جاوز الثلاثين من عمره، وإنما اتصل بالأستاذ الشيخ محمد عبده كما يتصل العالم الصغير بالعالم الكبير، وبقي تلميذًا لهُ - على هذا المعنى - إلى حين وفاته، كما كان يفعل سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - ولو بقي الأستاذ الشيخ محمد عبده حيًّا إلى الآن لبقي السيد رشيد تلميذه إلى الآن، ولوَفَّى لهُ في حياته كما وَفَّى لهُ بعد مماته رضي الله عنهما.
__________
(1) المنار والأزهر (ص 192).
(2/658)

فكان السيد - رحمه الله - مع الأستاذ الإمام تلميذًا لهُ وصديقًا، وناصحًا ومخلصًا، وكان مستودع أسراره والداعية لآرائه، والمدافع عنهُ في كل معركة من معارك جهاده، بل كان كما وصفهُ الأستاذ الإمام لوالدي الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شاكر - حفظه الله - "ترجمان أفكاره".
جاء السيد رشيد إلى مصر وقد وضع نصب عينيه صحبة الأستاذ الإمام، ثم إنشاء صحيفة إصلاحية يستمد فيها من حكمته وخبرته، فوصل إلى الإسكندرية مساء الجمعة 8 رجب سنة 1315 "30 يناير سنة 1898" فأقام فيها أيامًا ثم انتقل منها إلى طنطا فالمنصورة فدمياط، ثم عاد إلى طنطا وسافر منها إلى القاهرة قبل الظهر من يوم السبت 23 رجب "18 يناير سنة 1898" وفي ضحوة اليوم الثاني (الأحد 4 رجب) ذهب إلى زيارة الأستاذ الشيخ محمد عبده في داره بالناصرية، ثم اتصل الأمر بينهما واستشار السيد أستاذه في إنشاء الصحيفة التي يريدها، وشاوره في تسميتها، وذكر له اسم (المنار). مع أسماء أخرى، فاختار الإمام اسم (المنار)، ثم شرع السيد في تحريره، وكتب فاتحة العدد الأول بقلم الرصاص في جامع الإسماعيلي المجاور لدار الأستاذ بالناصرية - وكان ذلك في منتصف شوال سنة 1315 (مارس سنة 1898) - وذهب بها إلى داره وعرضها عليه، فأعجب بها كل الإعجاب، وارتضى كل ما ذكره فيها من المقاصد والأغراض، إلَّا كلمة واحدة: هي تعريف الأمة بحقوق الإمام، والإمام بحقوق الأمة،
(2/659)

قال ما معناه: "إن المسلمين ليس لهم اليوم إمام إلَّا القرآن، وإن الكلام في الإمامة مثار فتنة يخشى ضره ولا يرجى نفعه الآن" فحذف السيد هذه الكلمة عن رأي الأستاذ وإشارته (1).
وقد اقترح السيد على الأستاذ الإمام عقيب اتصاله به - وكان أول اقتراح له عليهِ - أن يكتب تفسيرًا للقرآن ينفخ فيه من روحه التي وجد روحها ونورها في مجلة (العروة الوثقى) فاعتذر الإمام عن ذلك، فاقترح عليهِ أن يقرأ دروسًا في التفسير، فكان يعتذر، ثم لم يزل بهِ حتى أقنعهُ برأيه، فبدأ الأستاذ الإمام في قراءة التفسير بالأزهر الشريف في غرة المحرم سنة 1317 وانتهى منهُ منتصف المحرم سنة 1323 عند تفسير قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا}. من الآية 126 من سورة النساء، فقرأ زهاء خمسة أجزاء في ست سنين، ثم توفي الإمام إلى رحمة الله يوم 8 جمادى الأولى سنة 1323 ه. وكان السيد رحمهُ الله يكتب في أثناء الدرس مذكرات بأهم ما يقوله الأستاذ، ثم بدا لهُ باقتراح بعض الراغبين في الاطلاع على تفسير الإمام: أن ينشر هذا التفسير في المنار، فشرع في ذلك في المحرم سنة 1318 ه.
قال السيد رحمهُ الله: "وكنت أولًا أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه،
__________
(1) تاريخ الأستاذ الإمام (ص 995 - 1005 وص 913).
(2/660)

فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة أو حذف كلمة أو كلمات، ولا أذكر أنه انتقد شيئًا مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضيًا بالمكتوب بل معجبًا به. على أنه لم يكن كله نقلًا عنهُ ومعزوًّا إليه، بل كان تفسيرًا للكاتب من إنشائه، اقتبس فيهِ من تلك الدرس العالية جل ما استفاده منه" (1).
ثم استقلَّ السيد - رحمه الله - بعبء التفسير وحده بعد أستاذه، فقام به خير قيام، بل فاق في هذا المجال أستاذه الإمام؛ فإن الأستاذ الشيخ محمد عبده إنما كان روحًا وثابًا، وحكيمًا عظيمًا، وقائدًا ماهرًا، ولكن لم يكن مطلعًا على السنة النبوية اطلاعًا كافيًا، ولا يكون المفسر للقرآن مفسرًا حقًّا إلَّا بالتوسع في دراسة الحديث النبوي والتشبع منه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ببيان الكتاب للناس، فقوله وفعله وكل حالاته شرح لهذا الكتاب الكريم.
وقد أتمَّ السيد تفسير اثني عشر جزءًا من أجزاء القرآن، طبعت كلها. وفسر بعض آيات من أول الجزء الثالث عشر، ثم فقدناهُ أحوج ما كنا إليه، رحمهُ الله ورضي عنهُ.
وإن أخوف ما كنتُ أخاف هو هذا الموقف الذي صرنا إليه: مات السيد رشيد ولم يكمل تفسير القرآن. ولقد أذكر أني تحدثتُ إليه في هذا المعنى منذ عشرين سنة تقريبًا، وكنتُ من أقرب الناس إليه وأبرّهم به، فألححت عليه في أن يوجه عزمه وهمته إلى إتمام
__________
(1) تاريخ الأستاذ الإمام ص (765 - 768).
(2/661)

التفسير، وأن يدع كل مشاغله الأخرى ويتفرغ لهذا العمل الجليل النافع، الذي لا نعرف أحدًا من العلماء يضطلع به، ولا نرى له أهلًا غيره، ولكن هكذا قُدّر فكان. ولعلنا نجد من علمائنا من يوفق لاقتفاء أثر السيد - رحمه الله - في تفسير القرآن حتى يتمهُ، إن شاء الله.
وبعد: فإن آثار السيد رشيد في دفاعهِ عن الإسلام، وتقريبهِ للأذهان لا يحصيها مقال أو كتاب، فإنهُ رجل مكث قريبًا من أربعين سنة يكتب في مجلتهِ وفي الصحف الأخرى، ويؤلف الكتب والرسائل، كل هذا لله وفي سبيل الله، ولا يخشى في الله لومة لائم. ولكن أعظم آثاره وأنفعها، وأرجاها للمسلمين، وأبقاها على الدهر هو هذا التفسير العظيم.
وإني كنت قد وصفت بعض مزاياه في مقال نشرتهُ في مجلة (المنار) في العدد (3 من المجلد 31 ربيع الآخر سنة 1349 سبتمبر سنة 1930، ومما قلت فيه: إنهُ "خير تفسير طبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنهُ هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح - إذ هو كتاب هداية عامة للبشر - لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين".
"ثم هو يظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله. ولقد أوتي الأستاذ من الاطلاع على السنة
(2/662)

ومعرفة عللها، وتمييز الصحيح من الضعيف منها ما يجعله حجة وثقة في هذا المقام، وأرشده إلى فهم القرآن حق فهمه".
"ثم لا تجد مسألة من المسائل العمرانية أو الآيات الكونية إلَّا وأبان حكمة الله فيها، وأرشد إلى الموعظة بها، وكبت الملحدين والمعترضين بأسرارها، وأعلن حجة الله على الناس؛ فهو يسهب في إزالة كل شبهة تعرض للباحث من أبناء هذا العصر، ممن اطلعوا على أقوال الماديين وطعونهم في الأديان السماوية، ويدفع عن الدين ما يعرض لأذهانهم الغافلة عنهُ، ويظهرهم على حقائقه الناصعة البيضاء، مع البلاغة العالية، والقوة النادرة. لله دره! " ...
"ولقد عرض للكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين، فأفسدت على كثير من شبانهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلًا دقيقًا، وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنهُ دين كل أمة في كل عصر. ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقهُ به الجاهلون، أو دسهُ المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة ليضموهم إلى صفوفهم، وينزعوهم من أحضان أمتهم".
"وإنه لكتاب العصر الحاضر يفيد منهُ العالم والجاهل والرجعي والمجدد بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين".
(2/663)

"وأنا أرى من الواجب على كل من عرف حقائق هذا التفسير أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته، والاستفادة منهُ وبث ما فيهِ من علم نافع، لعلَّ الله أن يجعل منهُ نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة".
ولو شئنا أن نطيل في ترجمة السيد رشيد وتعداد مناقبه وفضائله، أو في بيان مزايا تفسيره ونفعه للناس عامة؛ لكان مجال القول أمامنا واسعًا، ولأعجزنا أن نستوعب ما نريد من ذلك. ونسأل الله سبحانهُ أن يجزيه عن المسلمين خير الجزاء، وأن يجعلهُ من السابقين الأولين.
وإن الأخ الفاضل السيد عبد الرحمن عاصم - ابن عم أستاذنا وصهره - أعلم الناس بسيرته الشخصية والاجتماعية، والسياسية الإسلامية والعربية، وقد شهد لهُ بذلك السيد رشيد نفسه في كتاب المنار والأزهر (ص 194). وأنا أرى أنهُ جدير به أن يكتب ترجمة وافية، أو يعين غيره على كتابتها، وقد عاش معهُ نحوًا من خمس وعشرين سنة، ويخيل إليّ أن هذه الشهادة للسيد عاصم تشير إلى رغبة الأستاذ في ذلك، وكأنها وصية منه ينبغي تحقيقها.
وبعد فإن من أمارات الخير ودلائل التوفيق أن السيد - رضي الله عنه - ركب السيارة يوم وفاته من السويس، وشرع في قراءة القرآن، ولم ينقطع عن التلاوة حتى قبضهُ الله إليه في مصر الجديدة.
وأخرى: أن آخر ما كتب في تفسير القرآن تحت عنوان (دعاء
(2/664)

يوسف عليه السلام بحسن الخاتمة)؛ أنهُ فسر قوله تعالى حكايةً عن النبي يوسف - عليهِ السلام -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)} [يوسف: 101]. وكتب في آخر تفسيرها: "فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظًّ منهُ بالموت على الإسلام". فكانت دعوةً استُجِيبت، وكانت - إن شاء الله - أمارةَ حُسْنِ الختام.
* * *
(2/665)

محمد شاكر (*)
شوال سنة 1282 - 11 جمادى الأولى سنة 1358
مارس سنة 1866 - 29 يونيه 1939
فقدت مصرُ وفقد العالم الإسلامي كله عالمًا من كبار العلماء، ومجاهدًا من أعلام المجاهدين وقف حياته على خدمة الوطن، وخدمة الإسلام، وخدمة الشرق في سبيل الله.
وقد رغب إليَّ صديقي الأستاذ فؤاد صرُّوف - محرر المقتطف - أن أترجم له ترجمة موجزة فأحببتُ ثقةً مني أن سيغلبُ الجانبُ العلميُّ فيَّ عاطفة البنوة، وقد مرنتُ نفسي على فنون الحديث والتاريخ ونقد الرجال، وزعمتُ أني مستطيعٌ أن أكتب عنهُ تاريخًا صحيحًا، لا غلوّ فيه ولا إسراف، وإني إن كتبت مدحًا أو ثناءً فإنما هو حقُّ التاريخ عليَّ.
السيد محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر، من آل أبي علياء، وهم أسرة معروفة من أشراف الصعيد، بمدينة جرجا.
ولد بها في منتصف شوَّال سنة 1282 (مارس سنة 1866) وحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ التعليم، ثم رحل إلى القاهرة، إلى
__________
(*) مجلة المقتطف، أغسطس 1939 م.
(2/666)

الأزهر الشريف، فتلقى العلم فيه عن كبار الشيوخ في ذلك العهد، وفي 15 رجب سنة 1307 (4 مارس سنة 1890) عين أمينًا للفتوى، مع أستاذه العظيم، الشيخ العباسيّ المهديّ، مفتي الديار المصرية إذ ذاك. ثم أصهر إلي جدّي لأمي، العلامة الكبير، إمام العربية غير مدافع، الشيخ هارون بن عبد الرازق (المولود بقرية بنجا من قرى مركز طهطا في يوم الخميس 25 جمادى الأولى سنة 1249 والمتوفى بالقاهرة في يوم السبت 26 جمادى الأولى سنة 1336 رضي الله عنهُ).
ثم ولي منصب "نائب محكمة مديرية القليوبية" وصدر الأمر العالي بذلك في 7 شعبان سنة 1311 (13 فبراير سنة 1894) ومكث فيه أكثر من ست سنين.
وكان في عمله القضائي يفكر في إصلاح المحاكم الشرعية، بل لعله - فيما نعلم - أول من فكر في ذلك، فقد أخبرني - رضي الله عنهُ - أنهُ حين كان أمينًا للفتوى جاءت امرأة شابة حكم على زوجها بالسجن مدة طويلة، وهي تخشى الفتنة، وتريد عرض أمرها على المفتي ليرى لها رأيًا في الطلاق من زوجها، حتى تتزوج رجلًا آخر، تعصم به نفسها، فصرفها الوالد رحمهُ الله معتذرًا آسفًا متألمًا إذ كانت الأحكام مقيدة بمذهب أبي حنيفة، والعلماء المقلدون يأبون التفكير في مخالفة مذهبه، بل يكادون يرون في الخروج عن المذهب أكبر المنكرات. وليس في مذهب أبي حنيفة ما يجيز للقاضي أن يطلق على
(2/667)

الزوج المعسر أو المحبوس أو نحو ذلك. ثم عرض الوالد أمرها على شيخه المفتي، واقترح عليه اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في مثل هذه المشاكل المعضلة، فأبى الشيخ كل الإباء، واستنكر هذا الرأي أشد استنكار، وكان بين الأستاذ وتلميذه جدال حادٌّ في هذا الشأن، ولكنهُ لم يؤثر في ما كان بينهما من مودة وعطف، وما زال مقتنعًا برأيه، واثقًا بصحتهِ وفائدتهِ للناس.
حتى كانت سنة 1899 وقد مكث في المحاكم الشرعية نحو خمس سنوات، وظهر على كثير من عيوبها، وما يرهق الناس من أحكامها، سواء أكان ذلك في التشريع المعمول به، وهو التقيد بمذهب أبي حنيفة، أستغفر الله، بل التقيد بما قال علماء من متأخري اتباعهِ، والتمسك بألفاظهم الحرفية، أم كان في سوء اختيار عمالها، من قضاة وغيرهم، أم كان في إجراءاتها المعقدة المطولة، أم كان في نظمها وحقارة أمكنتها، أم كان في إعراض الحكومات المصرية عن العمل على إصلاحها اتباعًا لسياسة مرسومة في القضاء عليها تقليدًا للإفرنج، ولمن أشربوا آراءهم وعقائدهم، رأى الوالد كل هذا وأكثر منهُ، فوضع تقريرًا نفيسًا قدمهُ لأستاذه الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية - رحمة الله عليه - نقد فيه هذه المحاكم وقضاتها وعمالها وكل حالاتها، وأبان عن أوجه النقصِ والخطأ في اللائحة التي كان معمولًا بها في ذلك الوقت، واقترح طرق الإصلاح تفصيلًا، ومنها اقتباس بعض الأحكام من مذهب
(2/668)

مالك، في التطليق للإعسار، وللضرر، وللغيبة الطويلة، وغير ذلك، وكان ذلك التقرير فاتحة العمل الصحيح في سبيل إصلاح المحاكم الشرعية، والرقي بها إلى مقامها السامي في الإسلام وهذا التقرير لا تزال صورته الأصلية عندنا بخط الوالد، وقد قدمته إلى دار الكتب المصرية فصورتهُ بالتصوير الشمسي، ليكون بها أثرًا علميًّا تاريخيًّا، لمن شاء أن يرجع إليه.
قدَّم الوالد هذا التقرير في أوائل سنة 1899، وفي صيف تلك السنة طاف الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده على كثير من محاكم الوجه البحري، واطلع على سَيْر الأعمال فيها، ليصف لها الدواء والعلاج بحكمته، ثم وضع هو أيضًا تقريره المشهور في إصلاح المحاكم في نوفمبر سنة 1899، وهو التقرير الذي طبع بمطبعة المنار في شوال سنة 1317 (سنة 1900)، فاتفق رأي الأستاذ الإمام ورأي تلميذه، في كثير من أنواع النقد وطرق الإصلاح.
ولكن يظهر أن الأستاذ الإمام لم يجد الفرصة مواتية لاقتراح أحكام تخالف مذهب الإمام أبي حنيفة، وخاصة في التطليق من القاضي، فترك الكلام في ذلك، وأشار في الكلام في المرافعات إشارة عامة، ودعا إلى الأخذ بشيء من أحكام المذاهب الثلاثة الأخرى (ص 38).
وأظن أن الأستاذ الإمام رأى أن يمكّن للوالد في بعض البلدان حتى ينفذ آراءه في الإصلاح، ولذلك زكَّاه لمنصب قاضي قضاة
(2/669)

السودان، وأخذ وليّ الأمر بتزكية الإمام، فصدر الأمر العالي بإسناد هذا المنصب إليه في يوم 10 ذي القعدة سنة 1317 (11 مارس سنة 1900) وكان ذلك يعقب انتهاء الثورة المهدية، وعودة السودان إلى حظيرة مصر مُلْكًا واحدًا ودولةً واحدةً، وإن فرقت بينهما في المظاهر مقتضيات السياسة.
وكانت بلاد السودان حينئذ كما تكون البلاد بعد الثورات الماحقة، هدمت النظم والقوانين والحكومة، فكأنها كانت بلادًا بكرًا، ينشأ فيها كل شيء من ذلك إنشاءً جديدًا، وكان ذلك أيسر له في وضع النظم للمحاكم هناك على النحو الذي يريد، وتنفيذ آرائه كلها أو أكثرها في الإصلاح والتجديد، على مثال لم يسبق إليه، واقتبس في التشريع من المذاهب الإسلامية ما كانت الحاجة إليه ماسة مما تنصره أدلة الشريعة وفقهها الصحيح، وأشد ذلك ظهورًا للمتصلين بالقضاء الشرعي الحكم بالتطليق للغيبة والإعسار والحبس والضرار ونحوها، مما اقتبس في مصر بالقانون رقم 25 لسنة 1920 ووضع كثيرًا من القواعد الدقيقة الإجراءات مما اقتبس بعضه في مصر في اللائحة التي صدرت سنة 1910، فسبق السودان مصر في بعض نواحي الإصلاح بعشر سنين، وفي بعضها بعشرين سنة.
ولولا أن السياسة العامة للدولة المصرية في التشريع والقضاء وضعها ناس لا يعرفون الشريعة الإسلامية ودقائقها، وغرَّهم ما رأوا من ضعف القضاء الشرعي بضعف رجاله في ذلك العهد، واحتكر
(2/670)

تنفيذها ناس جهلوا دينهم فأعرض عنهُ بعضهم وعاداه بعضهم، لولا هذا لسار في القضاء الشرعي سيرة تمكّن لهُ في البلاد أن يكون القضاء العامَّ في الشؤون كلها، من مدنية وجنائية وشخصية، ليكون الحكم في بلاد الإسلام بشريعة الإسلام، كما هو الواجب على كل مسلم أن يعمل لهُ، طاعة لله ورسوله، ولا تزال آثاره في السودان قائمة، يسترشد بها العلماء والقضاة والحكام، ولا يزال أهل السودان - وهم أهلنا وإخواننا - يحفظون لهُ أجمل الذكرى، ويعرفون لهُ مواقفه الحازمة في خدمة البلاد ونصر الإسلام، ويحفظون لهُ أنهُ لم يشغلهُ القضاءُ، ولم يلهه المنصب السامي عن تعليم الناس شؤون دينهم، بالدروس العلمية والخطب والمواعظ، وقرأ لهم صحيح البخاري كله، وهو أصح مصدر للسنَّة النبوية.
* * *

ثم في 26 أبريل سنة 1904 صدر الأمر العالي بتعيينه شيخًا لعلماء إسكندرية، فبعث فيها نهضة علمية كانت فاتحة خير، بزغ نورها في أرجاء المملكة المصرية، وقصدها الطلاب من أطراف البلاد، وبث فيهم من روحه الوثابة، فأحياهم حياة أخرى غير ما كانوا يعرفون في المعاهد الدينية، وضع أسس النظم في التعليم، وأحسن اختيار الكتب والمقررات في الدراسة، من العلوم الدينية والعربية وما إليها، ومن العلوم الأخرى التي يحتاج إليها طالب العلم في ثقافته العامة، مما يسميه الناس "العلوم الحديثة" وأكثرها كان
(2/671)

معروفًا في الأزهر يتدارسه أهله، إنما كانت اختيارية لا اختبار فيها، فجعلها إجبارية، واختار لعونه في عمله نوابغ العلماء من الأزهر، والرعيل الأول منهم أربعة: الشيخ عبد الله دراز، والشيخ عبد المجيد الشاذلي، والشيخ عبد الهادي مخلوف - رحمهم الله - والشيخ إبراهيم الجبالي شيخ معهد طنطا الآن متعنا الله بحياته. وكانت هذه "العلوم الحديثة" يعلمها للطلاب علماءُ الأزهر أنفسهم.
وسنَّ حينذاك سُنَّةً حسنة، أن يحتفل في آخر كل عام دراسي احتفالًا رسميَّا بالناجحين من الطلاب، تُعطى لهم المكافآت من الكتب العلمية النفيسة، ويحضره سموّ الخديوي أو نائب عنهُ ويحضره الوزراء والكبراء والعلماء والطلاب، في مسجد أبي العباس، ويخطب فيه شيخ العلماء خطبة تناسب المقام، وهي خطب مشهورة معروفة، ومن أشهرها الخطبة التي ألقاها في الاحتفال يوم السبت 22 رجب سنة 1325 (31 أغسطس سنة 1907) والتي ردَّ فيها على اللورد كرومر بكلمات تعرض فيها للإسلام، وكان من شهود هذا الحفل (أصحاب العطوفة حسين فخري باشا القائم برئاسة مجلس النظار، وناظر الأشغال العمومية، وأحمد مظلوم باشا ناظر المالية، وأصحاب السعادة والعزة محافظ الإسكندرية، ورئيس الديوان العربي الخديوي، ووكيل ديوان عموم الأوقاف) إلى آخر من ذكروا في وصف الاحتفال في (التقرير الرابع عن أعمال مشيخة علماء إسكندرية سنة 1324 دراسية المرفوع للحضرة الفخيمة الخديوية) فقام بالواجب
(2/672)

عليه من الذبّ عن الإسلام، في هذا المقام الخطير، خير قيام.
وكان مما قال في هذه الخطبة كلمته المحفوظة السائرة: (ويقولون: "إن هذا الدين يجيز الرق، ويتضمن سننًا وشرائع في علاقات النساء بالرجال تناقض آراء أهل هذا العصر". نعم إن الدين الإسلامي أباح الاسترقاق، كما أباحته كل الشرائع السماوية من قبل، ولكنهُ سوى بين الأرقاء وبين الآباء والأمهات في الوصية بالإحسان، والرفق والحنان، أليس يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)} [النساء: 36]. أباح الدين الإسلامي استرقاق الأفراد، ولكنه بحمد الله لم يبح استرقاق الشعوب، ولا مصادرة الأمم في مقومات حياتها القومية والاجتماعية أما علاقات النساء بالرجال فليس وراء الشريعة الإسلامية غاية في عدل ولا في مرحمة، ولا في محافظة على الأعراض المصونة، يتطلع إليها أصحاب النفوس الأبية). والمناهج التي رسمها للمعاهد الدينية هي الأسس الثابتة للتعليم الصحيح، الذي يؤتي الثمرة المرجوة منهُ، ولا يزال أكثرها قائمًا إلى الآن، وهي مفصلة في التقارير التي كان يرفعها لولي الأمر في آخر كل عام.
وكانت غايته من التعليم الديني أن يخرج رجالًا كاملين، يعرفون دينهم ويخشون ربهم، يقولون قولة الحق، لا يخافون في الله لومة
(2/673)

لائم، يتصلون بأمتهم أوثق الصلات، فيشعرون بما تشعر، ويحسون ما تحس، في شؤونها الدينية والدنيوية، يهيؤهم علمهم وتربيتهم وثقافتهم لقيادة الأمة إلى طرق المجد، وإلى سبل الإصلاح في الأحوال كلها، اجتماعية كانت أو سياسية. وقد أشار إلى هذا المعنى في مقدمة التقرير الذي رفعه عن أعمال المشيخة سنة 1322 قال:
"ومما يجب أن يتنبه له عقلاء الإسلام وعظماء الأمة، أن التعليم الديني قد كاد يكون منحصرًا في طبقات الفقراء، وبعض الطبقات الوسطى من الأمة الإسلامية، دون الطبقات العليا منها، وذلك خطر غير قليل على الجامعة الإسلامية، بمرور الدهور والأعوام، إذا قدر أن ينتهي الأمر بانحصار التعليم الديني في تلك الطبقات، فتكون الرئاسة الدينية منحصرة فيهم لا يتولاها سواهم من الطبقات الأخرى، وبالتالي تكون كل الوظائف الدينية في أيدي أولئك الأقوام ومن خصائصهم، وبعبارة أصرح: تكون الفضائل والمزايا الدينية مجردة عن القوة المالية، والقوة المالية بعيدة عن المزايا الدينية. وبين أيدينا من نتائج هذا التفريق في القوى الفعالة وهذا التدلي في التربية الدينية ما يصلح عبرة لكرام القوم، وخاصة المسلمين وعقلاء الأمة. فلينظر العقلاء وسادات الإسلام إلى موقفهم هذا، فلعلهم إذا فكروا فيه كثيرًا يترجح عندهم أن يتربى أبناؤهم تربية دينية إسلامية محضة، تحت كفالة خيرة العلماء العاملين المرشدين، حتى إذا تخرجوا على هذا المبدأ القويم كانوا أقدر على خدمة دينهم وأمتهم، الخدمة التي
(2/674)

ترجى من أمثالهم، مع الترفع عن الدناءة وعن السقوط في مهاوي الخسران، وإذا شاء عظماء الأمة أن يتربى أبناؤهم هذه التربية فإنهم يساعدون على ترقية التعليم الديني، ويجعلون له المكانة العليا في أفئدة الناس أجمع، وما ذلك على الله بعزيز. نسأله الهداية والتوفيق لأقوم طريق".
وقد بدأ بنفسه في تنفيذ ما دعا الناس إليه، ليكون مثالًا يقتدى به، فأخرجنا - أنا وأخي السيد علي - من المدارس المدنية إلى المعاهد الدينية، وكنت في السنة الرابعة بكلية غردون بالخرطوم، فاستأنفت الدراسة في السنة الأولى بالقسم الأوَّلي من معهد الإسكندرية.
وكان أكثر ما يحرص عليه في طالب العلم أن يكون قويّ الخلُق عزيز النفس مستقل الرأي، تمهيدًا لما كان يرجو، من إخراج رجال يزجّ بهم في معترك الحياة، ويبعث منهم في أعمال الدولة من إدارة وغيرها، وقد كان متفاهمًا على هذا مع ولاة الأمور، كما سمعت منهُ مرارًا، في سبيل الإصلاح العامّ، حتى تُبَثَّ الروح الإسلامية في نظم الدولة، وتقاوم تغلغل النفوذ الأجنبي، الذي كاد يخرج بالدولة وبالأمة عن دينها وعن مقومات حياتها، كان يرجو أن يعيد للإسلام مجده لو تحقق ما كان يرجو.
وفي أواخر سنة 1324 ندب للقيام بأعباء منصب مشيخة الجامع الأزهر نيابة عن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الشربيني بالإضافة إلى عمله في مشيخة الإسكندرية، أربعة أشهرٍ، من رمضان إلى ذي الحجة.
(2/675)

وفي 9 ربيع الثاني سنة 1327 (29 إبريل سنة 1909) صدرت الإرادة السَّنية بتعيينه وكيلًا لمشيخة الأزهر، فسار فيه سيرته في الإصلاح، ومهّد لذلك برحلة واسعة إلى الصعيد، صدر بها إليه أمرٌ عالٍ، زار فيها مدن الصعيد وكثيرًا من قُراه، يستطلع أحوال الدراسة الدينية في مساجده، تمهيدًا لإنشاء معاهد علمية فيه، تكون فروعًا من الأزهر، كما تحقق أخيرًا بإنشاء معهد أسيوط وقنا. ثم صدر قانون النظام في الأزهر سنة 1911 وأنشئت فيه (هيئة كبار العلماء) فكان في الفوج الأول منها إلى أن مات. وعهد إليه بتطبيق هذا القانون، فأنشأ القسم الأوَّلي، وعُين شيخًا له مع عمله في وكالة الأزهر، وكانت في القانون بعض نظم لا يرضاها، وضعت على الرغم من معارضته، فكان يبذل جهده في التخفيف من أخطاء القانون، وله في ذلك مواقف معروفة مشهورة، لا يسع المقام تفصيلها.
وفي سنة 1913 أنشئت الجمعية التشريعية، وكان في السابعة والأربعين من عمره، وليس بمستطيع أن يطلب الإحالة إلى المعاش قانونًا وهو في تلك السن، وكان من قانون الجمعية أن الموظف إذا انتخب أو عين عضوًا فيها خُيّر بينها وبين عمله الحكومي، فإن اختارها أحيل إلى المعاش، وكان له الحق في العودة إلى منصبه، فرأى الفرصة سانحة لطرح أغلال المناصب الحكومية، والتفلت من إسارها، وما يحاك حوله فيها، في الأزهر وخارج الأزهر، فرغب إلى أخيه وصديقه وصفيّه المغفور له (محمد سعيد باشا)، وكان ناظر
(2/676)

النظار إذ ذاك، أن يكون عضوًا معينًا في الجمعية، فأجاب طلبه؛ وبذلك ترك المناصب الرسمية، وأبى أن يعود إلى شيء منها، ولم يخضع بعد ذلك لشيء من مغرياتها، بل فضَّل أن يعيش حرَّ الرأي والعمل والقلب والقلم.
وعاش في حريته كما عاش في مناصبه، للناس لا لنفسه، ما قصده طالب حاجة إلَّا بذل له من نفسه وماله وجاهه، يعمل الخير للخير، ولوجه الله.
وكانت له في كبريات الصحف، وفي المقطم خاصةً، أثناء الحرب العظمى، جولات صادقة ومقالات نيرة، لا يزال صداها يدوي في آذان كثير ممن عُنُوا بالشؤون السياسية في ذلك الوقت: إذ كان مرمى كتاباتِه كلها إلى الدفاع عن بيضة الإسلام، وردِّ كيد المهاجمين، من المعتدين والخائنين، خشية أن يكون ما كان، من تقطع أوصال الأمة الإسلامية، وتفرقها أممًا متباينة، ببدعة القوميات التي اخترعتها أوربة، لتفرّق بها كلمة المسلمين، وتضربَ بعضَهم ببعضٍ، ولتفتنهم عن المبدأ السياسيّ والاجتماعيّ السليم الذي شرعهُ الله لهم، وأمرهم باتباعهِ والعضّ عليه بالنواجذ: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سورة الأنبياء آية 92، وسورة المؤمنون آية 52].
ثم قامت الثورة المصرية في سنة 1919، فضرب فيها بسهمٍ وافرٍ، وتبعهُ أهل الأزهر قاطبة، فكان هو الروحَ الوثابةَ فيهم، وكان هو القائدَ، وكان هو الزعيم.
(2/677)

وكتب في الشؤون السياسية المصرية عشرات من المقالات في الصحف، أبانت عن بعد نظره، وصدق فراسته، حتى لقد توقع فيها كثيرًا مما كان بعد سنين، إذ درس مرامي السياسة الإنكليزية، في شؤون الأمة المصرية والأمة الإسلامية، وعرف كيف يسعون إلى نيل مقاصدهم حتى لقد كنا في العهد القريب، إذا ادْلهمَّ الخطبُ، واضطربت الأمور رجعنا إلى مقالاته في الظروف المشابهة لها، فوجدنا أنهُ يكاد يصف ما نحن فيه، وكأنهُ يكتبهُ حين قرأناه وكأنهُ ينظر إليه بنور الله.
ولم يفكر يومًا واحدًا في خوض معترك الأحزاب المصرية، بل كان يترفَّع عن أن يُسلم مَقادَه إلى أحدٍ من الناس، كائنًا من كان، كما أَبَى من قبلُ أن يعودَ إلى إسارِ المناصب الحكومية، وكان يقول للزعماء والقادة قولة الحقّ، فينقد خطأ المخطئ ويمدح صواب المصيب، وعن ذلك كان يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ لهُ هوًى أو ضلعًا مع بعض الأحزاب أو الزعماء؛ إذ كان يكثرُ خطأ المخطئ، فيُكْثرُ من نقده والنصيحة لهُ، فيظنُّ المنتقَدُ أو أنصارُه وأتباعُه أن الناقد من خصومه، أو من أنصار خصومه.
وبجانب هذا لم يَدَعْ مسألة شرعية أو اجتماعية أثيرت في الصحف، بما يتعلق بشؤون الإسلام والمسلمين، إلَّا قال فيها ما يراهُ حقًّا وصوابًا، وصَدَعَ بما أمر الله به الدعاة والهداة، وأعْرَضَ عن المنكرين، ثقةً بربّهِ، وتوكلًا عليهِ؛ إذ كان أبرزُ سجاياه، أنهُ صُلْبٌ في
(2/678)

دينه، صلبٌ في عقيدته، صلبٌ في رأيه، شجاعٌ غير جبانٍ، لا يرهب أحدًا من الناس، ولا يخشى إلَّا الله.
* * *

أما الناحية العلمية منهُ فإنهُ كان عالمًا بكتاب الله يفقههُ ويعرفهُ، ويداوم مدارسته والغوص على أسراره، وكانت له في التفسير نظرات دقيقة، وقد قرأ لنا التفسير مرتين: مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وله في السُّنَّة اطلاعٌ جيدٌ وفقهٌ سليمٌ، وقرأ لنا صحيح مسلم، وسنن الترمذي، والشمائل، وسنن النسائي، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لنا فقه الحنفية في كتاب الهداية، على طريقة السلف، في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين، وكثيرًا ما خالف مذهب الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح، وقرأ لنا في الأصول جمع الجوامع وشرح الإسنوي على المنهاج، وفي المنطق شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية وغيرهما، وفي البيان الرسالة البيانية، إلى غير ذلك من الرسائل الصغيرة في علوم مختلفة.
وكان في العلوم العقلية آيةً من الآيات، بل هو أقوى رجل ظهر في الأزهر فيها؛ ولذلك لم يكن يصمُد لهُ أحد في مناظرة أو جدال، لإبداعه في إقامة الحجة وإفحام المناظر؛ لخصب ذهنه وتسلسل أفكاره، وانتظامهما على قواعد المنطق الصحيح السليم، ولست أقول هذا فخرًا أو غلوًّا، بل أشهد به عن يقين وخبرةٍ، وقد تلقيتُ عنهُ
(2/679)

أكثر العلوم العالية، ولازمت دروسه أكثر من ثمان سنين، في الصباح والمساء، كما يعرف ذلك ويشهد به إخواني في الدرس والطلب، وكما يقر به المنصفون من أقرانه من أهل العلم.
وأخلاقهُ كانت أخلاق العلماء الأولين، كان رجلًا مسلمًا يخاف الله ويرجو رحمته، ولا يخاف غيره ولا يرجوه، يعمل ما يعمل، أو يقول ما يقول، خالصًا لله، أذكر أنهُ في أوائل الثورة المصرية، كتب نداءً شديد اللهجة، يزيد في وقود الثورة، ثم دعاني أنا وأخي السيد علي، وقرأه علينا، يطلب رأينا، فأعجبنا به، وقلت له: ولكن بعده الاعتقال، فما عبأ بذلك، وأذاعَهُ على الناس في الصحف.
ولم تكن الدنيا من همه في شيءٍ، وقد كانت تجري على يديه، وكان له من النفوذ في الدولة ما يمكن له من الغنى لو أراد، وكان دائمًا مقربًا إلى العرش، بل أتى عليه حينٌ من الدهر كان أقرب الناس إليه زلفى، فعصمه زهده وعفته وإباؤه، ولقد حدثني واحد من شيوخي حفظهُ الله، منذ أكثر من خمس وعشرين سنة؛ أنهُ حاوره مرة ليحمله على شراء دار لأولاده، فأبى رحمه الله، وقال له: إنما أُحسن تربيتهم وتعليمهم، ولهم رزقهم عند الله، وكان يضع الميزانية سنويًّا لمعهد إسكندرية ثم في الأزهر، وكان يقرر فيها ما يستحقه العلماء والموظفون من علاوات ونحوها، فكان يكتب لنفسه أمام اسمه ما لا يخطر على بال أي رئيس أو عامل أن يصنعه، كان يكتب بخطه لنفسه (لا يستحق شيئًا) ولو أراد لنفسه عرض المال لاستحق شيئًا كثيرًا.
* * *
(2/680)

ومنذ سنة 1931 اعتزل الدنيا، ثم أقعده المرض في المنزل، وألزمه الفراش؛ إذ أصابه الفالج، فاحتمله صابرًا محتسبًا، راضيًا عن ربه وعن نفسه، موقنًا أنهُ قضى دَيْنَه، فقام بما وجب عليه خير قيامٍ، نحو دينه ونحو أمته، منتظرًا دعوة ربه لعباده الصالحين: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}.
إلى أن جاءتهُ الدعوةُ فأجاب، هادئًا راضيًا مطمئنًا، فقبضهُ الله إليه في منتصف الساعة الثامنة من صباح يوم الخميس 11 جمادى الأولى سنة 1358 (29 يونيه سنة 1939).
ونسأل الله أن يلحقهُ بآبائه الطيبين الطاهرين، وإخوانه الصالحين السابقين: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)}.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
(2/681)

محاضرة:

نابغة الشباب الأستاذ رياض محمود مفتاح (*)
تقدمة بين يدي المحاضرة (1)
أرى من الواجب عليَّ أن أعرّف الأستاذ إلى إخواني أعضاء الجماعة وقراء المجلة. وأنا الذي عرفته إلى رئيسنا الأخ الشيخ محمد حامد الفقي، وإلى إخواننا الذين سمعوا المحاضرة، بل لعلي أكون أول من كشف الستار عن عبقرية هذا الشاب ونبوغه، وأفخر بأن نظرتي إليه كانت صادقة شبيهة بالإلهام. ولا أزال أحمد الله في كل حين على هذا التوفيق.
ولمعرفتي به قصة طريفة:
وأول ذلك يوم مبارك لا ينسى على الدهر، عصر يوم الخميس غرة السنة الحاضرة، اليوم الأول من شهر المحرم سنة 1362 (7 يناير سنة 1943)، ولم أكن أعرف عن الأستاذ شيئًا ولا سمعتُ به، فكنت جالسًا في مكتبة الخانجي بمصر، فرأيت كتابًا بجواري لم أره من قبل، فنظرت فيه فإذا عنوانه (الحرب الحديثة وما تلقيه على مصر والشرق العربي من دروس) فلمحت فيه لمحات، وتصفحت منه
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة السابعة، العدد السابع، رجب 1362 ه.
(1) (ألقاها بدار جماعة أنصار السنة المحمدية بعد صلاة العشاء من يوم الأربعاء 15 جمادى الأولى سنة 1362 - 19 مايو 1943 م).
(2/682)

صفحات، فوجدتُ فيه كلمات نفيسة في الدين والسياسة والاجتماع توافق كثيرًا مما ندعو إليه من الآراء للنهوض بالأمة العربية وسائر الشعوب الإسلامية ولنصر الإسلام وإعلاء كلمته، فعجبت لهذا الكتاب، ولم أجد فيه شيئًا عن مؤلفه إلَّا اسمه (رياض محمود مفتاح المحامي)، وزاد عجبي أن الكتاب مطبوع في أغسطس سنة 1940، وأني لم أسمع به ولم أره من قبل، وأخذت الكتاب وقرأته كله، فكنت كلما قرأتُ فيه ازداد سموًّا في نظري، وازداد مؤلفه نبلًا وقدرًا حتى قرأته كله، ثم كتبت على نسختي ما نصه (أتممت قراءته عصر يوم الثلاثاء 13 محرم سنة 1362 (19 يناير سنة 1943)، واستفدت منه علمًا جمًّا وآراء نافعة. فلله در مؤلفه العظيم. إنه شاب ينظر بنور الله وأرجو أن يكون له من الأثر في العالم الإسلامي ما لأكبر المصلحين، نفع الله به، ووفقه وأيده).
فهو في كتابه يدعو المسلمين إلى أن يتمسكوا بدينهم، وأن لا يفتنهم عنه ما يرون من المدنية الأوربية الزائفة، وأن يهيمن الإيمان في القلب على كل أعمال المسلم؛ من عبادة ومعاملة وسياسة واجتماع، وأن يحافظ المسلم على العبادة التي أمر بها لله وحده ليكون ذلك هاديًا له في كل شأن من شؤونه في حياته، وأن يقوم المسلمون بدعوة العالم كله إلى الأخذ بشريعة الإسلام، وإن ذلك هو السبيل الوحيد لحل المشكلات الدولية التي تثير الحروب الماحقة في فترات متقاربة.
(2/683)

وسأنقل لكم هنا بعض فقرات من هذا الكتاب النفيس المدهش:
يقول في (ص 22): (وهنا تكون الكلمة للشرق العربي؛ ليؤدي رسالته للعالم في العصر الحديث بالاستمساك بالدين الإسلامي، وتنظيم أحوال البشر على مبادئه السامية؛ من الإيمان والعدالة والتضامن والتسوية والأخوة الإنسانية جمعاء، فهي المبادئ التي لا صلاح للبشر إن خرجوا عليها، وهي المبادئ الخالدة يرجع إليها الناس بعد طول تقلب وتجارب فيجدون فيها الهدى؛ فالبشر اليوم أحوج ما يكونون إلى مبادئ جديدة، وأذهانهم على الأُهبةِ لفحص الجديد من المذاهب والمبادئ، بعد أن فشلت مذاهبهم، وشَكَّكَتْهم التطورات العالمية الأخيرة في قيمتها وصلاحيتها).
ويقول (ص 26): (ولست أعني بالحضارة الإسلامية ما كان عليه أهل العواصم الكبرى من الترف والنعيم، وما ازدانت به دار السلام والقاهرة وإستانبول من جميل المناظر فالقصور ووشيها، ومجالس الغناء والندمان، وما فيها من العزف والحبور، ليست من الحضارة الإسلامية في شيء بل فيها مما يخالف الإسلام. دين البساطة والرجولة. أكثر مما يوافقه، وإنما خلود الحضارة الإسلامية في مبادئها الموجهة لمخاطبة البشر كافة؛ فالناس فيما بينهم أخوة كأعضاء الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر.
لا يعتبر أحدهما مسلمًا إلّا إذا أحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهم
(2/684)

سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي منهم إلّا بالتقوى، يهيمن فوق هذه المبادئ مبدأ الإيمان بالله الأحد خالق الدنيا وما فيها من خير وشر، فهو الذي يعبد، ومنه تلتمس الهداية لسلوك طريق الخير ولتطهير النفس من أدران الأثرة والظلم، ولملئها بعوامل المحبة والأخوة والعطف على الفقير، والعدل والإحسان والخضوع لأوامره تعالى.
فهذا الإيمان وهذه العبادة للخالق المسير للأمور ابتغاء مرضاته وحسن الجزاء منه في دار الخلود: هذه العبادة هي زاد النفس؛ للتغلب على عوامل الشر، والاهتداء لعوامل الخير في كل المعاملات الإنسانية سواء منها ما كان بين الفرد وأسرته، أو ما كان بين الفرد وأخيه، أو ما كان بين الحكام والمحكومين، أو ما كان بين دولتهم بأكملها والدولات الأجنبية.
وهذه المبادئ الخالدة أساسية لكل حضارة، وإلَّا كانت واهية الأساس ينهار بناؤها برمته مرة واحدة، تأمل المدن الأوربية وكيف نسقت، وناطحات السحاب وكيف تعالت، والمصانع الضخمة وكم تنتج في اليوم بل في الساعة. تأمل كل هذا، وتأمل كيف يأكل بعض هذه الحضارة بعضًا؛ فتدك ما شيدت، وتقتل ما ولدت، وتسبب للإنسان من المتاعب أضعاف ما جلبته له من الرفاهية؛ ذلك أنها فقدت عنصر الإيمان الأساسي الذي يطهر النفس، ويملؤها بحب الخير للإنسانية لا لوطن واحد ولا لجنس واحد) إلى أن يقول في
(2/685)

(ص 29): (وكانت نظمنا - نحن المسلمين في الشرق العربي - إلى عهد قريب من ذلك النوع الذي يحوي الكثير من الشر لأنفسنا، والتي ليست مثالًا يحتذى به أو توجه الدعوة للغير للاقتداء به، وخير لنا أن نلتمس علاج أدوائنا في مبادئ شريعتنا الغراء، لا في المذاهب الأوربية الضيقة النطاق).
ومما يقول في النظم الاقتصادية بعد أن شرح كثيرًا منها، وتكلم عن الرأسمالية والاشتراكية وغيرهما، قال (ص 116): (غير أن هذا التفكير يجب أن ينأى عن التقليد والاقتباس من المذاهب الأجنبية، فمهما أدى بعضها من نفع، ومهما بدا براقًا، فلا حاجة لنا به، وإنما لدينا نظامنا الإسلامي: (الزكاة) نرجع إليه فنرى فيه علاجًا لعيوبنا الاقتصادية، علاجًا لا يصلح لنا فحسب، بل للإنسانية جمعاء في كل زمان ومكان). إلى آخر هذا البحث النفيس الذي قل أن تجد مثله لباحث.
وهو يقول في مزية التشريع الإسلامي (ص 170): (على أن أبرز خاصية للشريعة الإسلامية، وأميز ما في الثقافة الشرقية بوجه عام، هو قيامها على الإيمان الديني الذي لا يقتصر على تنظيم عبادة المخلوق للخالق، بل يسيطر على كل الأنظمة الاجتماعية للخلق. ذلك ما يقع وجوب تأديته للعالم على مصر والشرق العربي اليوم، لعل فيه الشفاء والإنقاذ من الخراب والفساد) إلى أن قال (ص 206): (فالمستقبل فيما نرى للشريعة الإسلامية، وسينتهي العالم إليها بعد أن كاد يضيع
(2/686)

الإيمان من النفوس، وبعد أن أدى ذلك إلى قيام أنظمة تستغل الإيمان استغلالًا وحشيًّا، سينتهي العالم إلى تلك المبادئ المطهرة للنفوس، النازعة منها الشرور والأنانية، والدافعة إياها للتضامن، موجهة للإنسانية بلا تفرقة بين الأجناس، سينتهي العالم إلى تلك المبادئ كأساس لتشريعاتهم) إلى أخر ما قال في الكتاب من أبحاث نيرة موفقة، تسمو عن أكثر ما يكتب الباحثون في هذا العصر، فاقرأه كله واستوعبه، فليس يغني بعضه عن بعض.
وكنت أثناء قراءتي الكتاب أسأل كل من لقيت من إخواني وخاصة من المحامين الأهليين، عن مؤلفه، فلم يكن لواحد منهم حظ معرفته، حتى أرشدتني نقابة المحامين، إلى عنوانه، وأنه مقيم في دسوق، وأن اسمه مقيد في جدول المحامين سنة 1938، فعرفت أنه شاب ناشئ، فكتبت له كتابًا يوم الإثنين 12 محرم سنة 1362 (18 يناير سنة 1943)، ذكرتُ له فيه رأي في كتابه، وإعجابي بآرائه وعلمه، وبفقهه في الإسلام، وإدراكه حقائقه، أكثر مما يدركها كثير من علمائه، وذكرت له أنه كتب في قضية نعمل في سبيلها منذ أكثر من عشرين سنة، حتى لقد كدنا أن نضعف، ودعوته أن يضع يده في يدنا، وأن يكون قائدنا في جهادنا، يبث فينا من عزيمته القوية الفتية، ويرشدنا بما وفقه الله إليه من علم ونور، ثم كانت فترة علمت بعد أنه كان فيه مسافرًا، ثم جاءني جوابه المؤرخ 29 محرم سنة 1392 (5 فبراير 1943) فكان جوابًا أقوى روحًا ونفسًا من الكتاب، ثم تواترت
(2/687)

بيننا الكتب، حتى أذن الله باللقاء، فزارني عصر الخميس 17 ربيع الثاني (22 أبريل)، ولم أكن بالمنزل، ثم جاء في اليوم التالي ضحوة الجمعة، فكان فوق ما ظننتُ، وكان أكثر مما أملت، وإن أفخر بشيء فإني أفخر بصدق فراستى في هذا الشاب الناشئ النابغة، عن غير خبر ولا معرفة إلَّا من قراءة كتابه، حفظه الله ووفقه وسدد خطواته. وقد عرفته بعد ذلك إلى رئيسنا الأخ الشيخ محمد حامد، وإلى الإخوان، فكان إعجابهم به مثل إعجابي أو أكثر، واتصلت بيننا أسباب المودة المبنية على العلم والنور والإخلاص والحمد لله رب العالمين.
وسأجتهد في نشر كتبه الخاصة التي كتبها؛ لما فيها من علم جم، وآراء عظيمة النفع، وقوة روح تبعث في النفوس الحزم والعزم، إن شاء الله.
وقد دعوناه ليحاضر جماعتنا (جماعة أنصار السنة المحمدية) فأجاب الدعوة وألقى المحاضرة التي جعلت هذه الكلمة تقدمة بين يديها، وها هي ذه.
(2/688)

مناسبات
1 - استقبال شهر رمضان
2 - تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين
3 - بمناسبة الإشراف على مجلة الهدي النبوي
4 - لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين
5 - في الإسراء والمعراج
(2/689)

استقبال شهر رمضان (*) (1)
أيها السادة:
لقد أظلكم شهر رمضان، شهر الصيام، شهر العبادة، شهر سمو الروح ونقائها، ويوشك أن تصبحوا غدًا صائمين، أَوْ لا فبعد غد، فهل أعددتم العدة لاستقباله، فحاسبتم أنفسكم على ما أسلفتم من خير تحمدون الله عليه، وتسألونه التوفيق إلى المزيد منه، أو شرٍّ تأسفون عليه وتتوبون وتستغفرون الله منه، وتسألونه أن يحفظكم من العودة إليه.
هكذا يستقبل شهر رمضان، وأخشى أن يفهم كثير من الناس أن رمضان يستقبل بالاحتفالات الرسمية، والاستعداد للتأنق في المأكل والمشرب، والاستكثار من ألوان الطعام والشراب، والاستعداد لأصناف من اللهو واللعب في السهرات، ثم لا يفكرون فيما وراء ذلك! !
أيها الناس: إن الله شرع لكم الصيام تطهيرًا لأرواحكم، وحفظًا
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة السادسة، العددان التاسع عشر، والعشرون، شوال 1361 ه.
(1) ألقاها صاحب الفضيلة العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر في الحفل الذي رأسه بمدينة بنها لاستقبال هلال رمضان.
(2/691)

لها من طغيان الجسد وشهواته، ولم يشرعه لتقاسوا آلام الجوع والعطش فقط؛ ولذلك يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ، فليس للَّهِ حاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ".
شرع الله لنا صيام نهار رمضان، وقيام ليله، فجعله شهر عبادة، بذكر الله وقراءة القرآن، والإكثار من الصلاة، وخاصة صلاة الليل، وجعل ثوابه أعظم الثواب، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ، الحسنةُ بَعَشْرِ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، قال الله تعالى: إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لِي وأنا أجزي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي: للصائمِ فرحتان: فَرْحَةٌ عِندَ فِطْرِهِ، وفَرْحَةٌ عِندَ لقاءِ رَبِّه، ولَخلوفِ فَمِ الصَّائمِ عِنْدَ اللَّهِ أطيبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ".
أيها السادة إني أرى في كثير مِمّا اتخذنا مِنَ العاداتِ في الصَّوْمِ ما يُنافِي حقيقته، بَلْ ما يُحْبِطُ الأجرَ عليه، بل ما يزيد الإنسان به إثمًا، فَهِمنا أن معنى قيام الليل، سهر الليل، فصرنا نسهر في القهوات والنوادي، لا نفكر إلّا في اللهو واللعب إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم نأكل ما شاء الله أن نأكل، ثم نصبح مرهقين متعبين، وقد ضاقت صدورنا، واضطربت أعصابنا، وساءت أخلاقنا، فلا يكاد اثنان يتحدثان، حتى ينفجر الغضب وتثور الثائرة، وتتدفق الألفاظ النابية، إلى ما ترون من حالٍ كلكم تعرفونها، وقد تتعذرون لصاحبها بأنه صائم. ولا أستثني من ذلك أحدًا إلّا من عَصَم اللهُ.
(2/692)

فانظروا وتفكروا، وقارنوا هذه الحال الشاذة الشائعة في الصوم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائمٌ إني صائمٌ". وذلك أن الصائم ينبغي أن يكون هادئ النفس، رضيَّ الخلق يضع نُصْبَ عينيه أن الصيام جُنَّة له من الإثم، جنة له من سوء الخلق، جنة له من المعاصي، جنة له من فحش القول، جنة له من قول الزور والعمل به.
والذي ينبغي لكم في هذا الشهر المبارك - إن سمعتم لنصحي - أن تتبعوا شرائعكم في الصيام؛ فتقتصدوا في الطعام والشراب عند الفطور وعند السحور، وأن تجعلوا سهركم إن سهرتم في قراءة القرآن وتدبره، ومن استطاع منكم أن يقوم الليل فليفعل؛ وذلك أن يصلي في بيته أو مسجده ما شاء الله له أن يصلي، وهذه هي صلاة التراويح التي غيرت عن أصلها، فصار المصلون ينقرونها سِراعًا في وقت قصير بعد صلاة العشاء، صلاة لا تنفع ولا تقبل، وإنما الصلاة ما كانت في خشوع وطمأنينة، وكلما أخرها المصلي إلى ما بعد الثلث الأول من الليل كان أفضل، ثم ينام أحدكم ما شاء الله له أن ينام، ثم يقوم قبل الفجر فيطعم طعامًا خفيفًا للسحور، ثم يصلي الفجر، وإن شاء نام بعد ذلك، وإن شاء تصرف في شأنه وعمله.
أما الذين يأكلون عند انقضاء سهرتهم ثم ينامون إلى ما بعد طلوع الشمس، فإنهم يخالفون سنة الإسلام في السحور، وأخشى أن يذهب تركهم صلاة الفجر بثواب صيامهم، فلا هم صاموا ولا هم أفطروا،
(2/693)

وليس لله حاجة في أن يدعوا طعامهم وشرابهم؛ إذ لم يطيعوا أمره، ولم يأخذوا بسنة نبيه، وإذ أضاعوا صلاة الفجر عن وقتها عمدًا.
أيها السادة: إن الأمم تُصهر الآن في النيران عقابًا لها على ما كفرتْ بأَنْعُم اللهِ، ولعل اللهَ قد صان بلادَ الإسلامِ من كثيرٍ مما يُلاقي غيرها، لحكمةٍ يَعْلَمُها، ومأثرة يدخرها لهم؛ أن يعود للإسلام مجده، وأن يعود المسلمون حكام الدنيا كما كانوا، ولكن هذا إذا كانوا مسلمين، وإذا تمسكوا بدينهم وأقاموا شريعته، واهتدَوْا بهديه والنذُرُ من بين أيديكم ومن خلفكم فاعتبروا واخْشَوْا رَبَّكم، فقد نرى من تهافتِ المسلمين على المنكرات ما نخشى أن يُعَمِّمَ اللهُ بالعقابِ من أجلِه، وها أنتم أولاء تَرَوْنَ المُجاهِرين بالمعاصي لا يخافون الله ولا يستحيون من الناس ولا يخشون عاقبة ما يصنعون.
وقد كان مما نرى من مُجاهرتهم ربهم بالحرب أن يجاهروا بالإفطار في رمضان في الطرقات والأماكن العامة، وفي دواوين الحكومة، ويزعمون أنهم يحتمون بما يدعونه الحرية الشخصية، وما هكذا كانت الحرية وما هكذا تكون الأمم في تمسكها بمقوماتها وعاداتها وشعائرها الدينية، وكان هذا العمل يؤذي المسلمين الصادقين في شعورهم ويحرج صدورهم، وقد وفق الله الرجل الصالح: الزعيم الجليل صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس، فأصدر بالأمس القريب كتابًا عظيمًا في هذا الشأن، حفظ على المسلمين كرامتهم وصان لهم شعورهم، ورفع الحرج عن قلوبهم،
(2/694)

فأمر أن لا يُجاهِرَ مُفطرٌ بفطرِه، مُسلمًا كان أو غير مسلم، احترامًا لحق الأمة في الاستمساك بشعائرها وتقاليدها، فكان عمله عمل رجل يعرف ما يريد، ويعرف كيف يضع الأمور مواضعها، مستعينًا بربه متوكلًا عليه.
إن الله قد مَنَّ علينا في هذه السنين الشداد بمليكنا الفاروق الملك الحازم النقي، نعم القدوة هو لشباب أمته وكهولها وشيوخها، مُلِئَ قلبُه إيمانًا وحكمة، يقود أمته إلى المجد بخطوات سراع، مهتديًا بهدي الإسلام، متمسكًا بعروته الوثقى.
وإنا لنرجو بيُمْنِ طَلْعَتِه أن يكون المستقبل لنا إن شاء الله.
* * *
(2/695)

تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين (*) (1)
يا حماة الحمى، وقادة الإسلام وزعماء المسلمين.
لو كنتُ شاعرًا لنَظَمْتُ في تحية ضيوفنا العظماء الكرام قلائد الدرر، ولو كنتُ خطيبًا لنثرتُ بين أيديهم بدائعَ الزُّهورِ، واعترافي بعجزي أبلغ الأعذار.
وإنما مثلت أمامكم أداء لغرض، وقيامًا بواجب، وكم كنت أتمنى أن يقوم في مقامي هذا والدي الأستاذ الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، وما حبسه عن ذلك إلا المرض، فقد ألزمه الفراش منذ بضع سنين، ولولا هذا لسمعتم صوته يجلجل في أنحاء العالم الإسلامي، انتصارًا للمظلومين، ودفاعًا عن فلسطين.
وإني أتشرف أن أرحب بنواب الأمم الإسلامية وممثليها باسمه واسم إخوانه الذين جاهدوا معه في الصفوف الأولى لهذه النهضة.
وما يكون لي أن أتحدث إليكم في السياسة وأنتم هداتها وأساطينها، ولو بدا لي هذا لأقعدني الخجل والعجز، ولكني أتحدث إليكم بكلمة موجزة في شأن قضية المسلمين من الواجهة العلمية الدينية.
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الثانية، العدد الثامن عشر، رمضان 1357 ه.
(1) ألقاها صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل العلامة الشيخ أحمد شاكر القاضي الشرعي في حفلة الشاي التي أقامتها للمؤتمرين جمعية الشبان المسلمين بناديها).
(2/696)

لقد ألقى الإنكليز الحديد والنار على فلسطين، حماية لقضية خاسرة، وانتصارًا لأمة لا تقوم لها قائمة، ولن تكون لها دولة.
كُلُّكُم مسلم أو عربي، والمسلم يؤمن بالله وبرسوله وبالقرآن الذي نزل على رسوله، والمَسيحِيُّ العربي يصدق بنبوة محمد، ويعرف أن البشائر التي في القرآن بشائر صدق، وأن آياته كلها حق.
والله تعالى يقول في شأن هؤلاء اليهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}. آل عمران: 112.
ويقول في شأنهم: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64].
ثم الله يحكم عليهم حكمًا أبديًّا {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} [الأعراف: 167، 168].
أيها السادة: هذه صواعق من الله تنصبّ على رؤوس أعدائكم، وعلى رؤوس حملتهم، هذا وعد الله لكم بنصركم عليهم، والله منجز وعده، وحسب أعدائكم عهد بلفور، وهو وقومه واليهود أعجز من أن يفوا بعهده، بل هم أعجز من أن يخلفوه؛ لأن الله هو الذي يتولى إخلافه بأيديكم وأيدي أعدائكم.
{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد 35].
(2/697)

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)} [آل عمران: 139].
أيها السادة قد أكون أصغر سنًّا من أكثركم، وأظنني أقلكم جميعًا علمًا ومعرفة، ولكني أطمع في تواضعكم إذا قمت في حضرتكم بواجب النصيحة للمسلمين ليكون ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.
إنكم تمثلون أمة الإسلام، أمة واحدة عربية، لا تفرق بينها فوارق الجنسية، فالأعجمي المسلم عربي الدين واللسان، والعربي عربي مسلمًا كان أو مسيحيًّا وسِمة هذه الأمة عند الله العزة {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. [سورة المنافقون 8]، إنكم تناوؤون أمة قد ضربها الله بالذل والصغار، وضمن لكم النصر عليهم وإن استنصروا بسائر أمم الأرض: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} فلا تعطوهم من أنفسكم ما لا مطمع لهم فيه وإن بلغوا أسباب السماء.
إن هؤلاء الأذلاء كتب الله عليهم الجلاء، فقد أجلاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المدينة وأرباضها، ثم جلاهم الفاروق من الحجاز، ثم سكت عنهم المسلمون، بل حموهم حين رأوهم مضطهدين مستضعفين، فلما عادوا سيرتهم من البغي والعدوان، أعادهم الله سيرتهم من الجلاء، فجلاهم الألمان والطليان عن بلادهم، وستكون عاقبة أمرهم - إن شاء الله - أن يجليهم المسلمون عن كل بلاد الإسلام.
إن أوربة لم تتمكن من دول الإسلام في فترة ضعفهم إلا حين أرهبتهم بغول التعصب، حتى صار كل مسلم يتخاذل عن دينه وعن
(2/698)

شريعته، خشية أن يُتهم بالتعصب، ثم ألقت بينهم بدعة القوميات، لتفتنهم عن وَحْدَتهم وقُوَّتِهم.
وإني ليُلقى في رَوْعي أن سيكون مؤتمركم هذا فاتحة لعشرات من أمثاله، تبنون فيهما حصن الإسلام، وتذودون عن حوضه، حتى تعود هذه الأمة أمة واحدة، كما أمرها الله ولا تخافوا تهمة التعصب التي يريدون أن يصلوا من ورائها إلى ما يسمونه (حقوق الأقليات) فما كان المسلمون يومًا معتدين ولا ظالمين، وإن كلمة (حقوق الأقليات) لها ما بعدها، من تغلغل النفوذ الأجنبي في كل شأن من شؤون المسلمين.
ولقد قال الزعيم الخطير، صاحب المعالي محمد على علوية باشا، بالأمس بالمؤتمر كلمة خالدة أرجو أن تكون على ذكر منا دائما. قال: (وليعلم اليهود أنهم إذا فرحوا اليوم بظفر يستند إلى حراب غيرهم فإنهم سيندمون لا محالة يوم تغيب هذه الحراب عنهم، وأحداث الدهر كثيرة، والفرص آتية لا ريب فيها، ومن أنذر فقد أعذر).
وإني أعتقد أن هذه الكلمة مما يلهم الله بعض عباده؛ فهي عبرة لمن شاء أن يعتبر، وهي نذير لمن أراد أن يتدبر النذر. وأستغفر الله لي ولكم.
(2/699)

بمناسبة الإشراف على مجلة (الهدي النبوي) (*)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، سيدنا وسيد الخلق أجمعين، أرسله الله رحمة للعالمين، وهدى وذكرى لقوم يعقلون.
وهذه هي السنة الخامسة عشر لمجلة (الهَدْي النبوي) وهي تسير على هُدًى، موفقة إلى الخير بعون الله، داعيةً إلى الحق، إلى كتاب الله وسنة رسوله، متبعةً مذهب السلف الصالح - رضي الله عنهم - لا تَفَرَّقُ بها السُّبُل عن سبيل الله.
وقد رأى إخواني أعضاء مجلس الإدارة لجماعة أنصار السنة، ومعهم أخي ورفيقي زميل العمر في الدعوة الحقة، الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي رئيس الجماعة ورئيس تحرير المجلة أن يعهدوا إليّ بالإشراف على تحريرها وإصدارها، تفضلًا منهم، ليكون لي شرف الاشتراك العملي معهم فيما هم بسبيله.
ولقد ترددتُ أولًا، خشية أن لا أكون أهلًا لهذا الشرف الذي يُضْفُونه عليّ، ثم قبلتُ متوكلًا على الله مستعينًا به، آملًا أن أكون عند حسن ظنهم.
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد الخامس عشر، العدد الأول، محرم 1370 ه.
(2/700)

ثم اتفقنا على استحداث أبواب جديدة في المجلة، تكون ثابتة في كل عدد ما استطعنا ليعُمَّ النفعُ بها، ويزداد الإقبال عليها والرغبة فيها. وهي - كما نشر في العدد الخاتم للسنة الرابعة عشرة، عدد ذي الحجة سنة 1369 ه -:
1 - (باب الكتب للتعريف بنفائس الكتب وجليل الآثار، مما ذخرت به المكتبة الإسلامية في عصورها، منذ بدء الإسلام إلى الآن، مخطوطة كانت أم مطبوعة، ترغيبًا للقراء في الغذاء الروحي الذي لا قوام للعقول بغيره. ولنقد الكتب التي تخرجها المطبعة العربية في أنحاء العالم، في أنواع العلوم من مؤلف قديم أو حديث.
2 - (باب التاريخ) لنشر تراجم لعظماء المسلمين وأبطالهم وقادتهم قديمًا وحديثًا.
3 - (باب علوم الحديث) وهو باب فَنِّيٌّ صرف؛ لنشر أبحاث علمية دقيقة في علوم الحديث، مما يتعلق بالسنة وبالمتن، ومما يتعلق بفقه الحديث والتمسك به، ويكون مجالًا لأقلام المحدِّثين في أنحاء العالم.
4 - (باب "كلمة الحق") خاصًّا بي، أقول (كلمة الحق) في شؤون المسلمين كلها، ما وجدت لقولها سبيلًا.
وأملي كبيرٌ في إخواني من أهل العلم والمعرفة، ومن أنصار السُّنَّة ومن الباحثين المدققين المتعمقين، ومن أحرار الرأي والفكر،
(2/701)

أن يستجيبوا لدعوة اللجنة العليا للمجلة فيغذّوها بمقالاتهم وأبحاثهم النفيسة، في هذه الأبواب وغيرها، مما يتصل بالأدب وبالخلق وبالاجتماع، وبالدعوة إلي الحق وإلى الخير، وفي شؤون المسلمين كلها، تعاونًا على البر والتقوى، ودعوة إلى الله وفي سبيل الله.
وسأرحب إن شاء الله بكل ما يرد للمجلة من نقد أو توجيه، أدرسه مع إخواني دراسة صحيحة بإخلاص، ثم نأخذ بالنافع منه أيًّا كان قائله، اتباعًا للحق حيث كان.
وأسأل الله الهدى والسداد، والحكمة والتوفيق.
(2/702)

لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين (*) (1)
أول ما يجب أن نبدأ به، ونحن نستبشر بعام جديد: أن نرفع تحياتنا وتهانينا إلى سيد مضر وموضع فخرها، وإمام المسلمين وقائد نهضتهم، حضرة صاحب الجلالة فاروق الأول، أعز الله الإسلام بتأييده، وهو الذي توسمنا في طلعته الكريمة أن سيبعث الله هذه الأمة الإسلامية على يديه المباركتين بعثًا جديدًا، وأن سيجعل الله لها شأنًا، وأن سيهب لها بيمين نقيبته من بعد ضعف قوة، ومن بعد استكانة عزًّا ومجدًا. وهو الملك الحازم الموفق إن شاء الله.
أيها السادة:
إنا نستقبل عامًا جديدًا، ونستقبل عهدًا جديدًا، في مُلك مَلِكٍ رشيدٍ، وهذا أول عام يحتفل فيه برأس السنة الهجرية من أعوام ملكه السعيد، إن شاء الله.
ومن محاسن المناسبات أن يكون إمامنا "الفاروق" سَمِيَّ أمير المؤمنين "الفاروق"، وقد سماه بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه فرق الله
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الأولى، العدد الحادي عشر، صفر 1357 ه.
(1) ألقى العلامة المحقق، صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي المحاضرة الآتية بدار جمعية الشبان المسلمين في الاحتفال الذي قامت به جماعة إحياء مجد الإسلام، في مساء الجمعة 9 محرم سنة 1357 ه.
(2/703)

به بين الحق والباطل، وأن يكون الفاروق عمر أول من أرخ التاريخ الإسلامي من الهجرة النبوية، وأنه اختار التاريخ منها؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، فكان هذا أمارة لنا، وبشرى تطمئن بها قلوبنا، وتنشرح لها صدورنا، أن وفق الله للمسلمين هذا الفاروق خلفًا للفاروق، يفرق الله به فى عصرنا الحاضر بين الحق والباطل، ويعز به الإسلام كما أعزه بعمر - رضي الله عنه -.
أيها السادة:
إن أبرز الحوادث وأبعدها أثرًا في تاريخ الإسلام حادثان خطيران، بنى عليهما كل ما قام للإسلام من مجد ودولة:
أولهما: هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، وثانيهما: غزوة بدر الكبرى. الهجرة استنقذت الإسلام من مخالب الكفر، وغزوة بدر بدء الصراع وفاتحة الفتوح بل هي صرعة الضعيف المسكين، للقوي المستطيل.
وأقوى الحادثين وأخطرهما في الإسلام: الهجرة؛ إذ صبر المسلمون على ما كانوا عليه فيه من بلاء، واحتملوا ما افتن فيه أعداؤهم من ألوان الأذى والمكروه، حتى أمرهم الله بالهجرة إلى المدينة، ثم أمر رسوله بذلك، فكان بدء الاستقلال للدولة الإسلامية الناشئة، وكانت الهجرة أمرًا عظيمًا، لعلنا لا ندرك الآن ما فيها من شدة وعناء، فإن الله قد حرم على المهاجرين أن ينقضوا هجرتهم، فلا يرجع واحد منهم إلى بلده (مكة) إلا لحج أو عمرة أو نحو ذلك،
(2/704)

ولم يجز لهم أن يعودوا إلى الإقامة فيها؛ ولذلك لما مرض سيدنا سعد بن أبي وقاص بمكة في حجة الوداع بكي وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة). فدعا له الرسول بالشفاء وقال: "اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة". قال ابن أبي وقاص: (يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن توفي بمكة).
فكان المهاجرون يحجون ويعتمرون، دخلوا مكة فاتحين، وكانوا يدخلونها زائرين، ولم يكن لأحد منهم أن يقيم فيها إلا على قدر حاجته، وهو يرى بلده الذي ولد فيه ونشأ، ويرى أهله وإخوانه، وتتوق نفسه إلى ذكريات صباه، ثم هو يغالب هواه ويطيع أمر ربه فيعود إلى دار هجرته قد باع نفسه وماله إلى الله، وخرج عن كل شيء في الدنيا، إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، ولذلك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي سأله عن الهجرة: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد". وقال: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا". وقال لمن أراد أن يبايعه على الهجرة: "إن الهجرة قد مضت لأهلها".
إن هؤلاء السادة المهاجرين لم يهاجروا ليكونوا رهبانًا في أديار، لا مقصد لهم إلا الصلاة والصيام، وقد كان ذلك ميسورًا لهم في بلدهم وبين قومهم، وإنما هاجروا ليقيموا دولة الإسلام، وليكونوا حكام الأرض وسادة الدنيا، ثقة بما وعدهم ربهم على لسان نبيهم،
(2/705)

من غير أن يكون لواحد منهم مطمع خاص في شيء من محقرات هذه الحياة، ولكن سعيًا وراء الوحدة الإسلامية، التي لا قيام للدول إلا بها: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)} [الأنبياء: 92] {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)} [المؤمنون: 52]. وقد كانوا بضع مئين، ثم قواهم الله بإخوانهم الذين آووهم ونصروهم من أهل المدينة، فوضعوا الأساس الثابت لاستقلال الدولة الإسلامية: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: 8، 9].
أيها المسلمون:
إن الصحابة الذين مات عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا مائة ألف أو يزيدون قليلًا، وهم الذين نشروا الإسلام في أنحاء الأرض، وهم الذين أنشأوا هذا الملك العريض، والمسلمون الآن يعدون أكثر من أربعمائة مليون، أي؛ أن الواحد من الأولين خلفه أكثر من أربعة آلاف من المسلمين الحاليين، فهل فيهم من غناء للإسلام؟ هل حفظوا ما بأيديهم مما ترك لهم هؤلاء الأبطال من مجد وسلطان؟
إني لأخشى - والله - أن يكون قد تحقق في المسلمين قول
(2/706)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: أَوَ مِنْ قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".
ليس بالمسلمين علة إلا ترك الاستمساك بدينهم، والعنود عن الخضوع له، والإعراض عن العمل بما أنزل الله في كتابه، وبما بَيَّن عنه رسوله في سنته، سواء أكان ذلك في العبادات، أم في المعاملات، أم في الأخلاق والآداب، كله من شرع الله، وكله من دين الإسلام فمن أعرض عن بعضه فقد أعرض عن جميعه، والإسلام دين حكم وسلطان، كما هو دين خلق وفضائل، وكما هو دين عبادة وترقية للروح، لا يفرق بين شيء من ذلك فيه؛ ولذلك قال أبو بكر الخليفة الأول: لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة. وسَمَّى هو والصحابة مانعيها مرتدين.
لا علاج لأدواء المسلمين إلا أن يكونوا مسلمين: يعودون إلى العمل بدين الله الذي ارتضى لهم، ويتمسكون بدين الله وسنة نبيه في شأنهم كله؛ كبيره وصغيره، لا يعرضون عنه عنادًا، ولا يتركونه تَأَوُّلًا، ويدعون أهواءهم، ونزوات رؤوسهم، ويخضعون لأمر ربهم {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)} [الشورى: 10].
(2/707)

إن إثم التقصير في الدعوة إلى العمل بالدين في كل شأن من شؤون المسلمين إثم كبير، كل مسلم مسؤول عن ذلك بين يدي الله - عز وجل - ليس لمسلم عذر عند الله في الإعراض عن الدعوة إلى طاعة الله ورسوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]. {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 104، 105]. وكونوا كمن وصفهم الله بأنهم {يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39].
اسمعوا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحقرَن أحدكم نفسه". قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: "ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ " فيقول: خشية الناس. فيقول: "فإياي كنتَ أحق أن تخشى". رواه ابن ماجه.
وإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول أيضًا: "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم". أخرجه أحمد.
ويقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].
(2/708)

ويقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 58 - 65].
ويقول أيضًا تبارك وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى
(2/709)

اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 48 - 50].
إن إيفاء القول في هذا الموضوع الخطير لا يسعه عشرات من المحاضرات والخطب، ولكن أشرت إشارة موجزة، وأرجو أن يحذر المسلمون سنة الله في خلقه فيما وعظهم به من أخبار الأمم السابقة، فإن أمة من الأمم قبلهم خالفت بعض أمر ربهم فكان جزاؤها ما قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)} [الأعراف: 167].
إن الله تعالى يقول لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يحذرهم مخالفة أمره، وقد كانوا مقيمي أحكام دينه، وهم خيرته من خلقه، وهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولستم أكرم عليه منهم، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه.
يقول الله لهم: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)} [محمد: 38].
(2/710)

في الإسراء والمعراج (*) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} [الإسراء: 1].
أيها السادة:
يجتمع حفلنا هذا المبارك الليلة إشادة بذكرى آية من أعظم آيات النبوة، اختص الله بها عبده محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من دون سائر الأنبياء عليهم السلام، وأمره أن يصلي بهم في بيت المقدس، موطن النبوات الأولى، وأمرهم أن يقتدوا به، تشريفًا لقدره وتعظيمًا؛ ولذلك كان يقول - صلى الله عليه وسلم -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي". وإشارة إلى عموم بعثته، كما قال الله - تعالى - في كتابه الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ: 28]. وتعليمًا لأممهم وأتباعهم أن يؤمنوا به
__________
(*) مجلة المنار، المجلد الخامس والثلاثون الجزء التاسع، جمادى الآخرة 1359/ أغسطس 1940 م.
(1) محاضرة فضيلة الأستاذ أبي الأشبال الشيخ محمد شاكر القاضي الشرعي، بقاعة المحاضرات في جمعية الشبان المسلمين.
(2/711)

ويصدقوه ويقتدوا به كما اقتدى أئمتهم الأنبياء، ودخلت إمامتهم في إمامته إلى يوم القيامة، فهو إمام الأئمة، وهو الإمام الأعظم، فمن آمن به من أتباع الأنبياء فقد آمن بهم، ومن لم يؤمن به فلم يؤمن بواحد منهم، ومصداق ذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران: 81]. وقوله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه عمر بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني".
أيها السادة:
إن الإسراء والمعراج حادثان من أبرز الحوادث في السيرة المحمدية الشريفة، وقد دُعيت لأن أتحدث إليكم في شأنهما، وما أراني أهلًا لهذا المقام الخطير، ولكني على ثقة من إغضائكم عن قصوري وتقصيري عفوًا منكم وفضلًا.
والكلام في شأنهما يدور على أنحاء شتى من القول، أوقن أني عاجز عن الإحاطة بها واستيعابها، وحسبي أن أقصر قولي على النحو الذي أرجو أن يكون لي به علم، والذي أظن أنه لي به علم شيء من الاختصاص، وهو البحث في إثباتهما من الوجهة التاريخية، وأعني بذلك الوجهة الحديثية؛ إذ إن نسبة أي قول أو فعل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يدخل على المحدث، وهو الذي يرجع إليه في إثباته أو نفيه، بعد
(2/712)

تحديد موضوعات العلوم وخصوص كل صنف من العلماء بما أحسنوه من العلم.
والقواعد التي سار عليها علماء هذا الفن - فن الحديث - هي أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم ولا بينة، بل إنا لنجد بعض الباحثين يعرضون لإثبات الأحاديث ونفيها بآرائهم وأهوائهم، فمهما رأوا من شيء نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان موافقًا لرأي ينصرونه فهو الحديث الصحيح عندهم، وإن كان مكذوبًا موضوعًا، ومهما رأوا من حديث صحيح ثابت وكان مخالفًا لما تنصره أهواؤهم فهو الحديث الضعيف أو المكذوب، وإن كان إسناده من أقوى الأسانيد وأصحها وأثبتها عند العارفين بها، ولعلهم لم يقرؤوا طول حياتهم إسنادًا صحيحًا أو ضعيفًا، ولم يعلموا قليلًا ولا كثيرًا مما بذله علماء الحديث من الجهد في التحري والتوثق والتتبع لأحوال الرواية وألفاظ الأحاديث ومعانيها، وما ألفوا في ذلك من الدواوين الكبار والمعاجم الموسوعة من منتصف القرن الثاني للهجرة إلى أوائل القرن العاشر.
أيها السادة:
قد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة بما لم تعنَ به أمة قبلهم؛ فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترًا، آية آية، كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف، حتى رووا أوجه نطقه بلهجات
(2/713)

القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا؛ لو حدثتكم عن شيء منها لأخذكم العجب، ولعل بعضكم يكون أعلم بها مني، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن.
وهو الرسول المعصوم والأسوة الحسنة، اسمعوا قوله - تعالى - في صفته: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. [النحل: 44]، وقوله أيضًا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلّا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، وبعضها متواتر: إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها مشهور، وبعضها بالأسانيد الصحيحة الثابتة، مما يسمى على قواعد المصطلح: الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع التي لا يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر.
وقد بين الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم هذه الأنواع في كتاب
(2/714)

المِلَل والنِّحَل، وقال عن النوع الأخير - المسمى عند علماء المصطلح بالآحاد -: إنه هو ما رواه الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكوافّ، إما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طرق جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين.
وهذا نقل خص الله - تعالى - به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا جديدًا حديثًا على قديم الدهور منذ أربعمائة وخمسين عامًا، في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده، قد تولى الله - تعالى - حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر.
أيها السادة:
هذه صورة مصغرة، بل لمحة خاطفة على المجهود الهائل الذي بذل سلفنا الصالح - رضوان الله عليهم - للمحافظة على آثار نبيهم - صلى الله عليه وسلم - طاعة لما أمر به أصحابه في حجة الوداع: "أَلَا فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ
(2/715)

الغائبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سامِعٍ".
أفيجوز بعد ذلك لكل من ركب رأسه، وأعجبه عقله، ورضي عن نفسه، أن يقول هذا حديث صحيح وهذا حديث غير صحيح؟ ! أولا يعلم أنه حين يردُّ حديثًا صحيحًا - إما بنفي ثبوته وإما بتأويله عن غير وجهته - يرمي رجالًا من الثقات الأثبات والعلماء الحافظين، بأنهم كاذبون أو جاهلون، وهو لا يعرف شيئًا من أخبارهم ولا أحوالهم، وأنه يرميهم في دينهم وأمانتهم وصدقهم، وأنه حين يرضى عن حديث مفترى؛ فيزعم أنه صحيح ثابت، يشارك من افتراه في فريته، ويدخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين".
أيها السادة:
أرجو أن تعذروني إذا أطلت القول في ذلك؛ فإنه بسبيل مما نعرض من إثبات حديث الإسراء والمعراج، ولأن الجرآء من الناس استرسلوا في العبث بالسنة الشريفة عدوًا وبغيًا.
فلم يكتفوا بتكذيب الرواة الثقات والأئمة الأثبات، بل زادوا عدوانًا وطغيانًا، اجترؤوا على تكذيب بعض أصحاب رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وهم رسله إلى من بعدهم، والأمناء على دينه وشريعته، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن بما لم يثن على غيرهم من أصحاب الأنبياء، وهم السابقون المقربون، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
(2/716)

أيها السادة:
إن حديث الإسراء والمعراج من الأحاديث الثابتة الصحيحة، وقد جاء بروايات كثيرة متواترة، منها المطول ومنها المختصر، ألفاظه مختلفة، وكلها تدل في مجموعها على صحة هذه الحادثة وعلى ثبوتها التاريخي، مما يسميه العلماء (التواتر المعنوي) وقد ورد من حديث أنس بن مالك، ومن حديث غيره من الصحابة، ونقل الحافظ ابن كثير في تفسيره (5/ 243) عن الحافظ أبي الخطاب عمر ابن دِحْية أنه ذكره من حديث أنس، ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصة وأبي هريرة وأبي سعية وابن عباس وشداد بن أوس وأبيّ بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حية وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة، وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد.
وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} [التوبة: 32]. فهؤلاء ستة وعشرون صحابيًّا رووا حديث الإسراء، وقد جمع الحافظ ابن كثير أكثر رواياتهم بأسانيدها
(2/717)

في تفسيره (ج 5، ص 197 - 243) على معرفة مواطنها من كتب الحديث الصحاح الستة وغيرها، وسأحدثكم ببعض الروايات الصحيحة فيها:
روينا بالإسناد الصحيح المتصل عن إمام المحدثين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في مسنده قال: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُتيت بالبراق، وهو دابة أبيض، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، وقال جبريل: أصبت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت. قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: ومن أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف
(2/718)

- عليه السلام - وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: وقد أرسل إليه. ففتح الباب، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير. [قال] ثم يقول الله - عز وجل -: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: 57] ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها. قال: فأوحى الله - عز وجل - إلي ما أوحى، وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى
(2/719)

موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي - عز وجل - فقلت: أي رب خفف عن أمتي. فحَط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تُطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: ولم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسًا، حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكلٍّ عشر، فتلك خمسون صلاة، ومَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت".
هذه الرواية إحدى روايات الحديث، وهي أجودها وأنقاها، وقد رجحها كثير من الحفاظ على غيرها، وإن كان فيها شيء من الاختصار في بعض المواضع، وقد رواها مسلم بن الحجاج في صحيحه (1 - 99): حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك. وإسنادها من الأسانيد التي نص أئمة الحديث على أنها أصح الأسانيد، وروى الإمام أحمد أيضًا
(2/720)

عن عبد الرزاق عن عمر عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُتي بالبراق ليلة أسري به ملجمًا ليركبه، فاستصعب عليه، وقال جبريل: ما يحملك على هذا؟ والله ما ركبك أحد قط أكرم على الله - عز وجل - منه. قال: فارفضَّ عرقًا. وروي أيضًا بنفس هذا الإسناد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". وهذان أيضًا حديثان صحيحان رواتهما أئمة ثقات إثبات.
أيها السادة:
ومما ورد من الأحاديث الصحيحة ما رواه الإمام أحمد، ومسلم في صحيحه من طريق معمر عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام". فنعته النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا رجل ضَرِب، رَجِل الرأس كأنه من رجال شنوءة". قال: "فلقيت عيسى". فنعته النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حمامًا -". قال: "ورأيت إبراهيم - صلوات الله عليه - وأنا أشبه ولده به". قال: "فأُتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الأخرى خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته، فقال: هديت الفطرة - أو أصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك".
(2/721)

وروى الإمام أحمد من طريق عوف الأعرابي عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لما كان ليلة أُسري بي وأصبحت بمكة، فظعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبي". فقعد معتزلًا حزينًا. قال: فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، وقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "نعم". قال: ما هو؟ قال: "إنه أسري بي الليلة". قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فلم يُرِ أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم". فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أسري بي الليلة". قالوا: إلى أين؟ قلت: "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: "نعم". قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم". قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت". قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقال - أو عقيل - فنعتُّه وأنا أنظر إليه" قال: "فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب".
(2/722)

وهذا - أيها السادة - حديث صحيح، أسنده رجال ثقات أثبات، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة والنسائي والبزار والضياء في المختارة وغيرهم، وجاء هذا المعنى عن جابر بن عبد الله مختصرًا، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس، قمت في الحجر، فجلَّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه". رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والطبري في تفسيره.
وقال الحافظ: الثقة محمد بن سعد في كتاب الطبقات الكبير (ج 1 - ق 1 - 144 - 145): أخبرنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب، جعد، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار فسلم عليه. فالتفتُّ إليه فبدأني بالسلام".
(2/723)

وهذا أيضًا حديث صحيح ثابت، رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب عن حجين بن المثنى شيخ ابن سعد فيه.
هذا قليل من كثير مما ورد من الأخبار الصحيحة في الإسراء والمعراج، وكلها تدل دلالة صريحة واضحة عن أن الإسراء والمعراج كانا بشخصه الكريم - صلى الله عليه وسلم - أي بجسده وروحه، ولا يفهم منها سامعها غير ذلك، وقد بدا لبعض المتأولين من المتقدمين والمتأخرين أن يتأولوا كل النصوص، ويفهموا منها أن الإسراء والمعراج كانا بروحه فقط، وزعم بعضهم أن ذلك كان رؤيا في المنام، ولا تجد لواحد من هذين الفريقين دليلًا يعتمد عليه في نقل دلالة الأخبار عن ظاهرها وصريحها، وهو مدلولها الحقيقي في وضع اللغة، فإنما التأول نوع من المجاز الذي لا يصار إليه في الكلام إلا بدليل أو قرينة واضحة. نعم، قد تجد حديثين عن عائشة ومعاوية، يفهمان أن الإسراء لم يكن بجسده الشريف، وهما حديثان ليسا مما يحتج بمثلهما أهل العلم بالحديث، وقد رواهما ابن إسحاق في السيرة، قال: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله أسرى بروحه.
وقال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية ابن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كانت رؤيا من الله صادقة. قال ابن إسحاق عقيب ذلك: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن: هذه الآية نزلت في ذلك، [يعني] قول الله
(2/724)

- عز وجل -: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]. ولقول الله - عز وجل - في الخبر عن إبراهيم عليه السلام، إذ قال لابنه: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظًا ونيامًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني يقول: "تنام عيني وقلبي يقظان". فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي حاليه كان: نائمًا أو يقظانًا، كل ذلك حق صدق. هذا كلام ابن إسحاق الذي نقله عنه ابن هشام في تهذيب سيرته، وهو ظاهر في أن ابن إسحاق لما رأى كلمتي عائشة ومعاوية تردد في أنه كان في اليقظة أو في النوم، ولم يستطع أن يجزم بشيء، ولكنه لم يستطع أيضًا أن ينفي ما دلت عليه الأخبار أن ذلك كان يقظة عيانًا بروحه وجسده - صلى الله عليه وسلم -.
أيها السادة:
إن كلمة ابن إسحاق واستدلاله بخبرَي عائشة ومعاوية - في غالب رأينا - هي أول ما نقل عن العلماء المتقدمين من الخلاف في هذه المسألة، ثم جاء بعد من جَزم بما تردد فيه، واستدلال ابن إسحاق بهذين الخبرين غير جيد، فإنهما خبران ضعيفان ليس لهما إسناد صحيح، وقد أطلت البحث عنهما فلم أجد لهما إسنادًا غير ما ذكر ابن إسحاق، أما خبر معاوية، فإنه منقطع؛ لأن راويه يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس لم يدرك معاوية، ولم يدرك أحدًا من
(2/725)

الصحابة أصلًا، وإنما يروي عن التابعين فقط، ومات سنة 128، ومعاوية مات سنة 60، وأما حديث عائشة فإنه كما ترون لا إسناد له؛ لأن قول ابن إسحاق: حدثني بعض آل أبي بكر. إيهام للراوي، فلا نعرف منه من الذي حدثه، وهل هو ثقة أو ليس بثقة؟ وهل أدرك عائشة أو لم يدركها؟ فكلا الحديثين منقطع الإسناد، مجهول الراوي، لا يحتج بمثله عند أهل العلم.
وقد نقل الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره قول ابن إسحاق، ثم رده أبلغ رد؛ فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر الله، حمله على البراق حتى أتاه وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه من الآيات. ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن فيه ما يوجب أن يكون دليلًا على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه؛ إذ لم يكن منكَرًا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ !
وبعد: فإن الله أخبرنا في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزًا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره، ولا دلالة تدل على أن مراد الله من قوله: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ}.
(2/726)

[الإسراء: 1] أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة والأخبار المتتابعة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق، ولو كان الإسراء بروحه، لم تكن الروح محمولة على البراق؛ إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام، إلا أن يقول قائل إن معنى قولنا أسرى بروحه، رأى في المنام أنه أسري بجسده على البراق، فيكذب حينئذ بمعنى الأخبار التي رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا - على قول قائل هذا القول - ولم تكن الروح عنده مما تركب الدواب، ولم يحمل على البراق جسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوله حُمل على البراق، لا جسمه ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين. اه.
أيها السادة:
هذا ما قاله الطبري في الرد على ابن إسحاق، وقد رأيتم وهن حجته فيما روى عن عائشة ومعاوية، وقد جاء عن عائشة ما يخالف رواية ابن إسحاق، فروى الحاكم في المستدرك من طريق إبراهيم بن الهيثم البلدي عن محمد بن كثير الصنعاني عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه
(2/727)

أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أَوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك، فقد صدق. فقالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم؛ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
وقد رواه البيهقي، عن الحاكم فيما نقله الحافظ ابن كثير، ورواه أيضًا ابن الأثير في أسد الغابة، بإسناده من طريق المفضل بن غسان عن محمد بن كثير الصنعاني، وهذا إسناد صحيح صححه الحاكم ووافقه الحافظ الذهبي، وهو ينقض رواية ابن إسحاق المجهول إسنادها؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - تروي أن خبر الإسراء كان من أثره أن كذب من كذب، وارتد من ارتد، وأن أباها الصديق - رضي الله عنه - صدق الخبر وأبان عن حجته في التصديق، فلو كانت ترى أن ذلك كان بالروح، أو أنه كان منامًا لما كان هناك معنى عندها للتصديق والتكذيب، ولا فتنة يفتن بها من ضعف يقينه فيرتد عن دينه؛ إذ كان لا غرابة فما يراه النائم، وإذ كان العرب يصدقون الكهان فيما يخبرونهم به عما غاب عن أبصارهم، فلم يكن لهم أن يكذبوا رجلًا يحدثهم عن رحلة روحية تكون أقرب إلى خيالات الأوهام إذا فهموا من كلامه أنه إنما أسري بروحه ثم عرج بها إلى السماء، وإنما المفهوم الواضح أنهم يكذبون من يحدثهم بشيء يرونه غير داخل تحت قدرة البشر، وشيء يعجز الإنسان بجسمه وعقله وبروحه أن يقوم به وحده.
(2/728)

أيها السادة:
قد اجترأ بعض الباحثين من المتقدمين والمتأخرين، فجزموا بما تردد فيه ابن إسحاق، وزعموا أن الإسراء كان بالروح، أو كان منامًا، ولم ينتبهوا إلى أنه لو كان ما زعموا صحيحًا لما جعله الله سبحانه من آيات النبوة لنبيه، ولما أثنى على نفسه بهذه المعجزة الباهرة؛ إذ قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} [الإسراء: 1].
ومن الغرائب أنهم احتجوا بما نقله من غير إسناد عن عائشة، ثم أخطؤوا في نقلهم خطأ ينقض حجتهم، فإن رواية ابن إسحاق عنها: ما فُقد جسد رسول الله. بالبناء للمجهول، فنقلوها: ما فقدت جسد رسول الله. فجعلوا حجتهم تحمل معول هدمها؛ لأن الثابت الصحيح أن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، ولم تكن عائشة إذ ذاك تزيد سنها على السابعة، ولم تكن في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يدخل بها إلا في المدينة بعد الهجرة، فليس من المنطق السليم أن يحكى عن لسانها أنها تقول: ما فقدت جسد رسول الله.
أيها السادة:
نقل بعض المؤلفين عن الحسن بن أبي الحسن البصري القول؛ بأن الإسراء كان منامًا، وهذا أيضًا نقل خاطئ؛ فإنه لم يرو عنه هذا
(2/729)

القول بأي إسناد، والذي يبدو لي أن الذين نقلوا عنه هذا القول قرؤوا كلام ابن إسحاق وفهموه على غير وجهه؛ لأنه نقل روايتي عائشة ومعاوية، ثم احتج لتأييدهما بأنه لم ينكرهما أحد؛ لأن الحسن قال: إن قوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]. أنزل في ذلك، أي؛ الإسراء والمعراج، فهو يريد الاحتجاج بكلمة (الرؤيا) لغلبة استعمالها فيما كان منامًا، وبأنه إذا كانت الآية نزلت في هذه الحادثة كان ذلك لا ينفي قول من زعم أن الإسراء والمعراج لم يكونا في اليقظة، ففهم بعض من قرأ قوله: أنه ينقل عن الحسن ما يوافق كلمتي عائشة ومعاوية، وهذا فهم خطأ يظهر خطؤه واضحًا لمن تأمل سياق الكلام ومعناه.
وقوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]. نزل في شأن الإسراء والمعراج على القول الراجح عند العلماء، ولكن احتجاج ابن إسحاق بذلك لتأييد كلمتي عائشة ومعاوية غير جيد؛ لأن الرؤيا تستعمل أيضًا في الرؤية بالعين، ففي لسان العرب: قال ابن بري: وقد جاءت الرؤيا في اليقظة:
قال الراعي: فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر نفسًا كان قبل يلومها وعليه فسر قوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60].
وعليه قول أبي الطيب:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمضِ
(2/730)

وقد روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: هي رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام. وفي لفظ: شيء أريه النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة، رآه بعينه حين ذُهب به إلى بيت المقدس. وليس أصرح من هذا نص ولا أقوى منه حجة؛ لأن ابن عباس - وهو ترجمان القرآن - يفسر به الآية، ويرى أن الإسراء كان في اليقظة، وينقل - وهو العربي القرشي الهاشمي الفصيح - أن كلمة الرؤيا تكون وهي لغة القرآن بمعنى الرؤية.
أيها السادة:
لما طغت على أوروبا موجة الإلحاد، وارتكس أهلها في عبادة المادة، بعد أن كانوا في ظلمات من الجهالة في دينهم ودنياهم، حتى سموا الحقبة الماضية من تاريخها - حقبة القرون الوسطى - بالعصور المظلمة، ثم ملكوا زمام الصناعات بما فتح لهم من زهرة الدنيا وزينتها، وكانت الأمة الإسلامية قد تخاذلت شعوبها ودب فيها الضعف والانحلال، بما تركت من دينها، وما نسيت من مجدها، وكانت أوروبا لم تنس هزيمتها أمام المسلمين في الحروب الصليبية، انتهزت هذه الفرصة وزحفت على بلاد الإسلام تفتحها بالسيف والمادة، وتفتح عقول أبنائها بعلوم الدنيا، وتنزع منها علوم الدين، وتتغلغل في معتقداتهم لتسلَّها من قلوبهم بما ملك رجالها من السلطان على تربية أبناء المسلمين، وبما وضعوا عليه أيديهم من
(2/731)

شؤون الحكومات، وبما احتكروا من طرق التكسب الحر، واستغلوا الضعف الإنساني بالحاجة إلى طلب العيش، فأخرجوا لنا من صنع أيديهم رجالًا مسلمين تأبى نفوسهم أن تسلم بكثير من عقائد الإسلام، وما ورد في الكتاب والسنة، ويستنكرون بعض التشريعات الإسلامية بخصوصها في الحدود والربا وحجاب النساء والزواج والطلاق والمواريث والأوقاف، وهم يوقنون بأنهم مسلمون، ولا ترضى قلوبهم وضمائرهم أن ترتطم في لجة الردة من الإسلام، فترى فيهم حالة نفسية شاذة، وحيرة روحية غريبة، لا مخلص لهم منها ولا نجاة، ويمنعهم التكبر العلمي أن يخضعوا تفكيرهم لما يخالف ما نشأ عليه معلموهم خطوة خطوة، فلا يجدون أمامهم ليقنعوا أنفسهم ويرضوا ضمائرهم، إلا أن يتأولوا مخالف آرائهم من نصوص القرآن وظواهره، سواء احتملت التأويل أم لم تحتمل، وكان شأنهم في السنة عجبًا، فمنهم من يرفضها كلها ويريد أن يقنع الناس - قبل أن يقنع نفسه - بتكذيب كل الرواة وبوضع كل الأحاديث، ومنهم من يتأول ما أمكنه تأوله ثم يرفض سائرها.
أيها السادة:
كان من آثار هذه التعاليم ومن نتائج هذه الحيرة في كثير من المتعلمين ما ترون من التهالك على التجديد في الدين - زعموا - ومن محاولة إنكار وجود الملائكة والجن، وتأول النصوص الواردة في ذلك، ومن محاولة إنكار الخوارق الكونية التي جعلها الله - سبحانه -
(2/732)

معجزات أيد بها أنبياءه ورسله إلى الناس، بتأويلها إلى ما يخرجها عن وجه الإعجاز ويدخلها تحت مقدور الإنسان، ومن إنكار كل المعجزات الكونية التي أيد الله بها نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والتي ثبتت عند المسلمين بالتواتر طبقة عن طبقة، مما لا يحتمل الشك أو التردد فضلًا عن تكذيبه كله تحكيمًا للعقل فيما يظنون.
أيها السادة:
إن العالم ليس محصورًا فيما يقع تحت الحس الإنساني فقط، ومن زعم ذلك فقد حد من قدرة الله، بل إنه لم يؤمن به؛ ولذلك وصف الله المتقين بأنهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]. أي يؤمنون بما أخبرهم به الأنبياء مما خرج من إدراك البشر بقواهم المحدودة، وقد أخبرنا الله - سبحانه - في كتابه بصريح القول أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه عُرج به إلى السماوات، وأشار الله - سبحانه - إلى ذلك في القرآن، اقرؤوا قوله - تعالى -: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم: 1 - 18].
(2/733)

فليس للمؤمن الذي يؤمن بالغيب مندوحة عن تصديق ما أخبر الله به ورسوله، وإن عجز عقله عن إدراك حقيقة ما آمن به وَكَّل علمه إلى عالمه، كالشأن في المتشابه من القرآن، يقول الله - تعالى -: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} [آل عمران: 7]. فمن حاول تأويل آيات الله التي أيد بها أنبياءه، فما زاد عن أنه يكذب بها وهو يظن أنه يستر تكذيبه.
أيها السادة:
إن الذين زعموا أن الإسراء والمعراج كانا بالروح أو منامًا من المتقدمين، إنما زعموا ذلك استدلالًا بأخبار رأوها في ذلك، وقد بينت لكم أنها أخبار ضعيفة وأن الاستناد إليها خطأ، وأما الذين يزعمون ذلك من المعاصرين، فإنما يدعون أن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم تكن له معجزة غير القرآن، وينكرون كل الأخبار المتواترة في المعجزات، ويظنون أن الإسراء والمعراج ينافيان ما اصطلحا على تسميته في هذا العصر (بالعلم)؛ لأن العلوم المادية لم تثبت قدرة الإنسان على نقل الأجسام بمثل هذه الصورة التي حكيت في حديث الإسراء والمعراج، وما أنا بمتعرض الآن لما يثبته العلم وما ينفيه، ولكني أسألهم: هل يؤمنون بما حكى الله في القرآن من قصة سليمان
(2/734)

مع ملكة سبأ؟ ! فقد أخبرنا الله - سبحانه - بما دار بين سليمان وبينها من المراسلة، ثم قال - تعالى -: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)} [النمل: 38 - 40].
فهذه حادثة لا تحتمل تأويلًا، استطاع فيها رجل من أصحاب سليمان - عليه السلام - بما علَّمه اللهُ من الكتاب، أن ينقل عرش الملكة من اليمن إلى الشام في مثل لمح البصر، ويؤمن بصحتها كل مسلم يصدق القرآن، وهي من نوع الإسراء والمعراج في نقل الأجسام، فماذا تسمون من يؤمن ببعض الآيات وينكر بعضها؟ !
أيها السادة:
قد فشت بدعة منكرة في هذا العصر، وهي بدعة تأويل نصوص القرآن لتطابق ما يسمونه (العلم الصحيح أو العلوم الكونية) تقريبًا إلى متعلمي هذه العلوم، أو تملقًا إلى أساتذتهم المستشرقين، وهم طلائع المبشرين، وسواء عليهم أكانت هذه النظريات العلمية ثابتة بثبوت اليقين، أم كانت من الظنون التي يفترضها العلم افتراضًا ويرجحها؛ لأنه لا يوجد فرض آخر أرجح منها، وإنما الذي يهم هؤلاء المتأولين أن يسميهم الناس مجددين! ! ! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(2/735)

أيها السادة:
لقد أطلت الكلام فيما عمدت إليه، وأحس أني قد أمللتكم، ومجال القول ذو سعة، وحسبي أن قد تفضلتم بالإصغاء إليَّ، وأستغفر الله لي ولكم.
* * *
(2/736)

أهم تعقبات الشيخ أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف
(2/737)

المادة: أسامة بن زيد بن حارثة
الجزء: 2/ الصفحة: 78
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان أسامة يشبه أمه، فقد كان أسود أفطس الأنف، وتوكيد الروايات لحب النبي له يرجع من ناحية إلى الرغبة في التقليل من شأن بيت علي، ومن ناحية أخرى إلى إظهار أن النبي كان ديمقراطيًّا حقًّا بريئًا من التعصب للون".
تعليق أحمد شاكر:
هذه والتي قبلها دسيستان؛ ليشك الناس في صحة رواية الأحاديث، وليظن القارئ أن هذه الروايات إنما وضعها الراوون لمقاصد في أنفسهم، ومن الأسف أننا نرى كثيرين من الذين يسمون بأسماء المسلمين يغترون بمثل هذا الكلام، ويذهبون إلى مثل هذه الآراء، وإنما الأحاديث روايات صحيحة جاءت عن رواة موثوق بهم بعد أن فحصها أئمة الإسلام الكبار، وعرفوا الراوي الثقة والراوي الذي ليس بثقة، فقبلوا ما وثقوا به واطرحوا ما لم يحز عندهم شيئًا من الاطمئنان إليه. وقد تواترت الروايات عن أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكرمه وتواضعه ومساواته بين المسلمين، ويكفي في هذا أن يصفه الله الذي أرسله في القرآن الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} - صلى الله عليه وسلم -.
(2/739)

المادة: استحسان
الجزء: 2/ الصفحة: 84
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الاستحسان والاستصلاح:
"ولم يتفق العلماء قط على أنهما من القواعد الصحيحة في أصول الفقه".
تعليق أحمد شاكر:
الاستحسان: اصطلاح فقهي عند علماء الأحناف، وقد اضطربت أقوالهم فيه كثيرًا، واختلف الفقهاء في جواز الأخذ به، وذهب الأكثرون إلى أنه دليل باطل لا يعتمد عليه، حتى قال الإمام الشافعي: "من استحسن فقد شرع". قال الشوكاني في إرشاد الفحول (ص 224 طبعة السعادة سنة 1327): "قال جماعة من المحققين: الحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه؛ لأنهم ذكروا في تفسيره أمورًا لا تصلح للخلاف؛ لأن بعضها مقبول؛ اتفاقًا، وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقًا، وما هو مردود اتفاقًا، وجعلوا من صور الاتفاق على القبول قول من قال: إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى. وقول من قال: إنه تخصيص قياس بأقوى منه. وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول من قال: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه؛ لأنه إن كان معنى
(2/740)

قوله: "ينقدح" أي؛ يتحقق ثبوته والعمل به واجب عليه فهو مقبول اتفاقًا، وإن كان بمعنى أنه شاك فهو مردود اتفاقًا؛ إذا لا تثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك. وجعلوا من المتردد أيضًا قول من قال: إنه العدول عن حكم الدليل إلى حكم العادة لمصلحة الناس. فقالوا: إن كانت العادة هي الثابتة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ثبت بالسنة، وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالإجماع. وأما غيرها؛ فإن كان نصًا أو قياسًا مما ثبت حجيته فقد ثبت ذلك به، وإن كان شيئًا آخر لم تثبت حجيته فهو مردود قطعًا". وقد أطال الإمام الشافعي الكلام في إبطال الاستحسان والرد على القائلين به، وألف فيه رسالة خاصة موجودة ضمن كتاب (الأم) (ج 7، ص 267 - 277) وانظر في هذا البحث حاشية ابن عابدين على شرح المنار في الأصول طبعة الآستانة سنة 1300 (ص 244 - 245) وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب طبعة الخيرية سنة 1319 (ج 2 ص 288 - 289).

المادة: استسقاء
الجزء: 2/ الصفحة: 92
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الطقوس والشعائر التي يستنزل بها المطر في البلاد الإسلامية:
"وتختلف الطقوس والشعائر في البلاد الإسلامية، وهي جميعًا
(2/741)

- حتى ما ورد منها في السنة - متشبعة بالسحر والروحانيات، ويمكن جمعها في عدة معان: الاعتقاد في كرامات الأولياء، والآلام الجسدية والمعنوية التي يفرضها المؤمنون على أنفسهم، والصيغ والأغاني والتراتيل والشعائر المتصلة بنوع من التقديس للمطر، وتسمى في اللغة البربرية (غنجة) أو ما يشابهها، ثم تقديم الضحايا والقرابين، والإتيان بأفعال رمزية يقصد التقرب بها إلى الله".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كلام غريب، وما كنا نظن أن رجالًا يزعمون لأنفسهم صفة العلم التي تُنقي الإنسان من أدران العصبية يفترون على الإسلام هذه الأقاويل، فليس في شعائر صلاة الاستسقاء التي وردت في الأحاديث والتي قال بها أئمة الإسلام شيء من السحر أو مما يمت إليه بأية صلة، وإنما هي عبادة شرعها الله سبحانه لعباده المؤمنين: يتضرعون إليه فيها عند الشدة، ويخرجون إلى ربهم متبذلين خاشعين يسألون من فضله ويرجون رحمته، وهذه عاطفة طبيعية في كل نفس إنسانية، بل تراها في الحيوان أيضًا.
وليس في شعائر هذه الصلاة شيء من الأغاني والتراتيل، وليس إلا الصلاة والدعاء - مع تحويل الرداء عنده - والاستغفار والخشوع. ويظهر أن الكاتب تأثر بما في بعض الأديان الأخرى من الأغاني والتراتيل، ولو سمحنا لأقلامنا أن تتعرض لشعائر الأديان الأخرى - كما فعل كاتب هذا المقال - لأظهرنا الفرق بين الإسلام
(2/742)

وبين غيره في هذا المعنى، ومن الغريب جدًّا إشارة هذا الكاتب إلى الضحايا والقرابين في الاستسقاء فهو أمر لا نعرفه ولا يقول به أحد من المسلمين.
مصادر أخرى:
(1) المحلى لابن حزم ج 5 ص 93 - 94.
(2) المجموع للنووي ج 5 ص 63 - 68.
(3) نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 26 - 43.

المادة: استصحاب
الجزء: 2/ الصفحة: 94
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن حجية الاستصحاب:
"ولا يعترف الأحناف بالاستصحاب إلا في حالة الحق المكتسب، أما الشافعية فيقولون بالاستصحاب حتى عندما يتعلق الأمر بحقوق جديدة، فالغائب مثلًا لا يجعله الأحناف وارثًا شرعيًّا لميراث حل في غيبته، أما الشافعية فيقولون بحقه في الميراث؛ لأنهم يرون أن هذا الغائب يستطيع في غيبته الحصول على حقوق جديدة".
تعليق أحمد شاكر:
إطلاق القول بأن الاستصحاب حجة عند الشافعية غير موافق للمعروف؛ فإن الاستصحاب حجة عند الإمام مالك والإمام أحمد
(2/743)

وعند بعض علماء الشافعية؛ مثل المزني والصيرفي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم. ولبعض علماء الحنفية تفصيل طويل في الأخذ ببعض صوره وعدم الاحتجاج بالبعض الآخر.

المادة: إسماعيل
الجزء: 2/ الصفحة: 171
جاء في دائرة المعارف الإسلامية الإسلامية:
" .. وتعرف الروايات الإسلامية تلك القصة التي وردت في سفر التكوين (الإصحاح 22) غير أن كثيرًا من علماء الدين يؤكدون أن الذبيح كان إسماعيل وليس بإسحاق .. ".
تعليق أحمد شاكر:
القول الراجح عن أئمة الإسلام وعلمائه أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه هو أول ولد بشر به إبراهيم، وهو أكبر من إسحاق، وقد أمر إبراهيم بذبح "وحيده" وفي بعض روايات أهل الكتاب "بكره" وهذا لا يصدق إلا على إسماعيل؛ لأن إسحاق ولد بعد إسماعيل بأكثر من عشر سنين. قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج 7 ص 146): "وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا من غير حجة، وهذا كتاب
(2/744)

الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل؛ فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112)} [الصافات: 112]. ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]. وقال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]. أي؛ يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، ولا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا؟ وإسماعيل وصف ها هنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام". اه.

المادة: الأشعث
الجزء: 2/ الصفحة: 217
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
" .. وهزمت جيوش المسلمين الأشعث فلجأ إلى حصن النجير، ولما رأى استحالة نجاته من أيديهم صالحهم بعد أن أمنوه وتسعة من أتباعه على حياتهم وسلم لهم الحصن، ويروى أنه نسي أن يذكر اسمه الصحيح في عقد الأمان، فتعرض بذلك للقتل".
تعليق أحمد شاكر:
قيل: إن الأشعث نسي أن يكتب نفسه في عهد الأمان. وقيل: إنه آثر رجالًا غيره حتى استوفى العدد المحدود للأمان، فلم يجد
(2/745)

لاسمه موضعًا. انظر معجم البلدان (مادة النجير) وتاريخ الطبري (ج 3 ص 275 طبعة مصر).

المادة: أضحى
الجزء: 2/ الصفحة: 291
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان بعض أحكام الضحية في الإسلام:
"ولا شك في أن الشرع لا يفرض الضحية على أحد إلا إذا اضطره إلى ذلك نذر أو إثم، وكانت الأنعام التي تساق للهَدْي في هذا العيد تجعل لها علامة بأن تقلد بالنعال القديمة أو بأن يشرّط جلدها".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس في الضحية، وإنما هو في الهدي الذي يسوقه المحرم بالحج أو العمرة من الحل إلى الحرم، وكان إشعاره بالدم أو تقليده أمارة على أنه مساق ومهدى للبيت الحرام فلا يعتدى عليه.

المادة: اقتباس
الجزء: 2/ الصفحة: 457
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان معنى (الاقتباس):
"وفي كتاب (أساس الاقتباس) لاختيار الدين المتوفى عام 928 ه
(2/746)

(بروكلمان ج 2، ص 103) جعل الاقتباس يشمل الأمثال والأشعار والحكايات القصيرة".
تعليق أحمد شاكر:
وهذا أيضًا ليس مطابقًا تمامًا للمراد من المعنى الاصطلاحي، بل إن مؤلف الكتاب - وهو مطبوع في الآستانة سنة 1298 ثم طبع بمصر - أتى فيه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم من الشعر والنثر ونحو ذلك؛ فهو مجموعة أدبية مقتبسة من أصول الأدب، بمعنى الاقتباس اللغوي فقط.

المادة: إقرار
الجزء: 2/ الصفحة: 464
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في ذكر بعض فروع (الإقرار):
"ولا قيمة للإقرار ببنوة أبناء السفاح في الشريعة الإسلامية، وإذا شُكّ في أبوة ابن شرعي وجاء الزوج وأقر صراحة بأبوة هذا الابن فلا حاجة بعد هذا الإقرار إلى دليل آخر، ويجب ألا يكون الإقرار مخالفًا للواقع أو الشرع، وفي حالات أخرى يمكن أن يثبت نسب شخص بالإقرار دون حاجة إلى دليل آخر، مثال ذلك إذا أقر مسلم رشيد أن شخصًا ما هو أبوه أو أخوه أو عمه، وإذا كانت القرابة المزعومة تتصل بشخص ما وكان هذا الشخص على قيد الحياة، وجب عليه أن يوافق على الإقرار إلا إذا كان عاجزًا عن ذلك لأنه قاصر أو معتوه".
(2/747)

تعليق أحمد شاكر:
هذه الفروع المذكورة هنا هي مذهب علماء الحنفية في الأغلب، وعبارة الكاتب غير واضحة، ونص ما قاله الأحناف: "يصح إقرار الرجل بالولد، بشرط أن يكون المقر له بحال يولد مثله لمثله، وأن لا يكون المقر له ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر له المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالوالد إذا كان المقر يولد لمثله، وأن لا يكون المقر ثابت النسب من غيره، وأن يصدق المقر في إقراره إذا كانت له عبارة صحيحة، وبالمرأة إذا صدقته وكانت خالية عن زوج وعدة، وأن لا تكون تحت المقر أختها ولا أربع سواها ... ولا يصح إقراره بما عدا هؤلاء، نحو الأخ والعم والخال ومن أشبههم. وتفسير صحة الإقرار فيما يلزم المقر والمقر له من الحقوق، وفيما يلزم غيرهما، حتى إنه إذا أقر بالابن مثلًا، فالابن المقر له يرث مع سائر ورثة المقر، وإن جحد سائر الورثة نسبه، ويرث أيضا من أبي المقر وهو جد المقر له، وإن جحد الجد نسبه. وتفسير عدم صحة الإقرار بمن ذكرنا عدم اعتبار إقراره فيما يلزم غير المقر والمقر له من الحقوق، أما فيما يلزمهما من الحقوق فإقراره صحيح معتبر، حتى إن من أقر مثلا بأخ وله ورثة سواه يجحدون أخوته فمات المقر لا يرثه الأخ مع سائر ورثته، وكذلك لا يرث من أبي المقر إذا كان الأب يجحد نسبه، وإنما يستحق النفقة على المقر حال حياته". انظر الفتاوى الهندية (ج 4 ص 163).
(2/748)

المادة: الله
الجزء: 2/ الصفحة: 587
تعليق أحمد شاكر على مادة (الله) في دائرة المعارف:
يبدو لمن قرأ هذا المقال أن كاتبه لم يطلع على الآيات القرآنية التي فيها أسماء الله وصفاته، وإنما أخذ أرقامها من الفهارس فقط، أو لعله قرأها ولم يتدبرها ولم يفقه معانيها، وقد يكون له في هذا شيء من العذر؛ فإنه يقرأ في لغة لم يتقنها ولم يمرن عليها لسانه ولا تفكيره، فلا يصل إلى شيء من أسرار معانيها وبلاغتها، أضف إلى ذلك سمو القرآن في عبارته إلى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، مما كان سببًا في اختلاف كثير من علماء الإسلام: أهل اللغة وأبناء العربية. وظاهرة أخرى نشير إليها إشارة سريعة على مضض، وهي أن روح المقال يشعر منه القارئ بأن الكاتب لا يؤمن بالله ولا بشيء من صفاته المعروفة لأرباب الأديان السماوية؛ فهو ينقد كثيرًا من عقائد المسلمين التي تتفق مع عقائد اليهود والنصارى في صفات الله سبحانه وتعالى بعبارات فيها ألوان من التلاعب بالأفهام والعقول، وقد تكفل الكاتبون الكرام، والعلماء الكبار: السيد محمد عاشور الصدفي، والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمد أحمد عرفه، والأستاذ محمد جاد المولى بك، وهم الذين تفضلوا بالتعليق على هذا المقال؛ تكفلوا بنقد كثير من أخطاء الكاتب، وبيان وجه الحق فيما عمد إلى العدول به عن
(2/749)

وجهه الصحيح، فجزاهم الله أحسن الجزاء.
وبقي مما هاجم به الكاتب الشريعة الإسلامية، أن عمد إلى أساس من أقوى دعائمها - وهو الأحاديث النبوية - يحاول هدمه بالتشكيك فيه.
وقد كان الرأي تأخير هذا الرد ليكتب في موضعه، عند الكلام على الحديث، ولكن رأى إخواني أن أبادر بالكتابة في هذه المناسبة، احتياطًا من الأثر السيئ لكتابة الكاتب عند نشر أقواله باللغة العربية، وذيوع آرائه بين أبناء العروبة في مختلف الأقطار الإسلامية، وقد كان ضررها قاصرًا على من يقرأ الدائرة باللغات الأجنبية وحدها.
لم يأت الكاتب بأي دليل يؤيد طعنه على صحة الأحاديث وثبوتها إلا رأيه ورأي أخ له هو المستشرق (جولدزيهر) ثم إثارة الشكوك بكلمات جوفاء لا طائل تحتها؛ كادعائه أن من الواضح أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن محاولة وجود شيء في الحديث يمكن القطع بصحة نسبته إليه تاريخيًّا - محاولة فاشلة، وأن الفرق الإسلامية لما اختلفت في الآراء أخذ كل فريق منها يضع أحاديث يؤيد بها رأيه، وأن الأحاديث التي فيها مشابهة لما ورد في القرآن مشكوك فيها أيضًا، وكدعوى جولدزيهر: "أن الأحاديث ليست في الواقع إلا سجلًّا للجدل الديني في القرون الأولى، ومن ثم كانت قيمتها التاريخية، لكن هذا السجل مضطرب كثير الأغلاط التاريخية، وفيه معلومات
(2/750)

مضللة لم تؤخذ من مصادرها الأولى" إلى آخر ما ألقاه من دعاوي، وما أثاره من شكوك.
وقد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن، ورووه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواترًا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف حتى رووا أوجه نطقه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتبًا مطولة وافية، وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه، والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن، وهو الرسول المعصوم، والأسوة الحسنة، قال تعالى في صفته: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4] وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] وقال أيضًا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق". ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، بعضها متواتر إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، وبعضها بالأحاديث الصحيحة الثابتة، مما يسمى الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع، التي لا
(2/751)

يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر.
ومعنى "المتواتر" عند علماء المصطلح والأصول وغيرهم؛ أنه خبر يرويه جمع من الناس يمتنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، عن جمع كثير مثلهم، وهكذا طبقة بعد أخرى، حتى يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يمكِّن أحدًا أن يشك في صحته وثبوته، اللهم إلا أمثال الكاتب من المستشرقين وأتباعهم، وهذا النوع من المتواتر كثير جدًّا في السنة، والقليل منه متواتر بلفظه ومعناه، وأكثره متواتر بالمعنى، كعدد الصلوات الخمس، وعدد الركعات في كل صلاة، ومثل كثير من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن حاول بعض الناس في هذا العصر إنكار المعجزات المادية.
ومعنى "المشهور" أنه حديث يرويه رواة ثقات صادقون، طبقة عن طبقة حتى يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، على أن لا يقل عدد الرواة في كل طبقة عن ثلاثة، وهذا أيضًا كثير جدًّا في السُّنة، باللفظ وبالمعنى، وفي الحقيقة أن المتواتر قسم من هذا النوع - المشهور - ولكنه أعلى أقسامه في الثبوت، فجعل نوعًا على حدة.
وباقي الأحاديث الصحيحة بعد ذلك يسمى "آحادًا" في اصطلاحهم، وهو الحديث الذي رواه الراوي الثقة الصادق عن مثله طبقة بعد طبقة، حتى يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، يخبر كل واحد من هؤلاء الرواة باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، ليس في أحد منهم مغمز في دينه،
(2/752)

ولا مطعن في صدقه وأمانته، مع التحري والضبط لما رووه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وإن كان مرويًّا بالمعنى، ثم وصلت هذه الأحاديث الصحيحة، المعروف نقلتها، الموثوق برواتها، إلى أئمة هذا الفن الذين تفرغوا لدرسها ونقدها، فنقدوا أحوال الرواة وتراجمهم واحدًا واحدًا، ونفوا رواية كل من كانت روايته موضع شك، ومن كان صدقه وأمانته موضع ريبة، مهما ضؤلت، وجمعوا هذه الأحاديث في الكتب، ورواها الناس عنهم رواية مستفيضة منتشرة، تبلغ حد التواتر إليهم، وأكثر هذه الأحاديث منقول بنقل الكافة من الناس عن مثلهم إلى أن يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو داخل في المتواتر أو في المشهور، وإما إلى أحد، الصحابة، وإما إلى أحد التابعين، وإما إلى أحد الأئمة الأعلام الذين أخذوا عن التابعين أو الذين أخذوا عن أتباع التابعين، وكلهم موضع الصدق والثقة، لا مغمز في واحد منهم، وكما قال الإمام أبو محمد بن حزم: "هذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا جديدًا على قديم الدهور ... فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل، إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر". وقد كتب في (الملل والنحل) فصلًا بديعًا طريفًا في هذا البحث، أفاض فيه القول كعادته (ج 2 ص 81 - 84)، وقارن فيه بين طرق الإثبات التاريخي لأسانيد الشريعة الإسلامية وبين طرق الإثبات لأسانيد غيرها، ولو
(2/753)

أردنا الدفاع عن شريعتنا بالهجوم على غيرها لنقلنا كلامه كله، ولكننا لا نرضى أن نسير في هذا الطريق.
إن أئمة هذا الفن - في الحديث - احتاطوا أشد الاحتياط في النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية، أما إذا اشتبهوا في صدقه، وعلموا أنه كذب في شيء من كلامه، فقد رفضوا روايته وسموا حديثه "موضوعًا" أو "مكذوبًا" وإن لم يعرف عنه الكذب في رواية الحديث، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب.
وكذلك توثقوا من حفظ كل راو، وقارنوا رواياته بعضها ببعض، وبروايات غيره، فإن وجدوا منه خطأ كثيرًا، وحفظًا غير جيد ضعفوا روايته، وإن كان لا مطعن عليه في شخصه، ولا في صدقه خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ.
وقد حرروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني، احتياطًا لدينهم، ونفيًا للخطأ عن سنة نبيّهم، فكانت قواعدهم التي ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم منهم ولا بينة.
ثم جمعوا هم ومن جاء بعدهم كل ما وصل إليهم من روايات في الحديث، صحيحة أو ضعيفة، مع بيان قوتها أو ضعفها في أكثر الأحوال، وبعضهم جمع في كتابه أحاديث صحيحة واقتصر عليها، كالبخاري ومسلم، رضي الله عنهما، وكتاباهما أصح الكتب ثبوتًا
(2/754)

بعد القرآن، وأحاديثهما لا شك في صحة شيء منها عند العلماء بهذا الشأن وبعض العلماء عني بجمع الأحاديث التي ثبت أنها مكذوبة على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، ليحذر الناس منها. وجمعوا أيضًا كل ما وصل إلى علمهم من أسماء الرواة وأنسابهم وأحوالهم وتفاصيل تراجمهم؛ ليكون الباحث على بينة من بحثه في صحة الحديث، وألفوا في كل هذا الدواوين الكبار في مئات من المجلدات بل آلاف، مما لا تجد النزر اليسير منه عند أية أمة من سائر الأمم.
أفبعد هذا العمل الضخم، والإنتاج الهائل العظيم يأتي أولئك المستشرقون ليسحروا أعين الناس، ويستهووا عقولهم، ويضعوا الغشاء على أبصارهم: فيزعموا أنه ليس في الإمكان التحقق من صحة أي حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يثبتوا الأحاديث وينفوها بما تشتهي أنفسهم، وترضى عقائدهم، ثم يلقوا على السُّنة كلها ظلالًا من الشك والريبة، بالهوى والبهتان، وبغير برهان ولا دليل؟ !
إن المطلع على أقوال هؤلاء الناس يراهم يقبلون من الأحاديث أضعفها سندًا وأوهاها رواية، وافق رأيهم وهواهم، وإن كان في كتاب من كتب التاريخ أو السير أو غيرها بدون إسناد، ويحكمون بالكذب والوضع على أكثر الأحاديث الصحاح، بما أجمع المسلمون على صحته وثبوته، ولن تجد لهم قاعدة أو خطة يسيرون عليها في قبول الأحاديث أو رفضها، وكما ترى كاتب هذا المقال: يزعم أن
(2/755)

الأحاديث التي تجد فيها مشابهة لما ورد في القرآن مشكوك فيها! ! وهذا أقبح ألوان الافتراء، وأسقط أنواع الاستدلال، فإن المعقول الواضح أن الحديث الذي يوافق معنى القرآن، ويؤيده القرآن يكون معناه ثابتًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يثبت لفظه ولم يقم إسناده، ولكن القوم لا يرمون إلى التحقيق العلمي، والبحث العقلي وإنما يرمون إلى التشكيك، ثم إلى الشك.
ومن الأمثلة الدالة على مقدار علمهم بإثبات الأحاديث ونفيها؛ أن كاتب مقال "أم الولد" الآتي في الدائرة، نقل حديثًا، ثم زعم أنه تأيدت صحته بما ورد في كتاب "كنز العمال" مع أن كنز العمال ليس كتابًا في رواية الحديث، بل هو مجموع لأحد المتأخرين من أهل الهند في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، وهو نفسه كتاب "الجامع الكبير" للسيوطي المتوفى سنة 911 ه ولكنه مرتب على الأبواب؛ لأن الجامع الكبير فهرس لأكثر كتب السنة، رتب مؤلفه الأحاديث على الحروف الهجائية في أوائل الألفاظ النبوية، وجمع فيه الصحيح والضعيف من غير بيان لقيمة كل واحد منها، ولكنه نسب الأحاديث إلى رواتها من كتب المحدثين، فهل يرى أي عاقل أن نقل الحديث في كنز العمال يؤيد نفس الحديث في مصدره الأصلي؟ ! .
ثم ترى نفس كاتب مقال "أم الولد" يجزم بكذب أحاديث صحيحة، وبعضها في الصحيحين "البخاري ومسلم".
(2/756)

المادة: إمام
الجزء: 2/ الصفحة: 614
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويطلق على كل واحد من واضعي المذاهب الأربعة في الإسلام لقب (الإمام)، أضف إلى ذلك أن أبا حنيفة كان يعرف بين تلاميذه بالإمام الأعظم، ويطلق هذا اللقب كذلك على سوق بالقرب من بغداد كان اسمه أول الأمر الرصافة، وهو المكان الذي دفن فيه أبو حنيفة، ثم أصبح لفظ إمام يخلع على كل العلماء الذين وضعوا المذاهب المختلفة".
تعليق أحمد شاكر:
كلا، بل إن كلمة (الإمام) من الوجهة العلمية كانت تطلق على كل العلماء العظماء الذين يُقتدى بهم في الدين من المجتهدين، ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم، فلم تكن الكلمة خاصة بهم في أول الأمر، وإنما خصصت بهم أخيرًا بعد شيوع تقليد الأربعة، وصار ذلك اصطلاحًا خاصًّا عند بعض المتأخرين فقط.

المادة: أمة
الجزء: 2/ الصفحة: 631
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن كلمة (أمة) أنها دخلت لغة العرب في زمن متقدم بعض الشيء، ثم قال:
(2/757)

" .. ومهما يكن من شيء فإن محمدًا أخذ هذه الكلمة واستعملها، وصارت منذ ذلك الحين لفظًا إسلاميًّا أصيلًا".
تعليق أحمد شاكر:
يزعم كاتب المقال أن هذه المادة دخيلة في اللغة العربية، مأخوذة من العبرية أو الآرامية، وهذه دعوى عريضة يدعيها هؤلاء الناس دائما في كل كلمة عربية يوجد بمعناها كلمة في لغة أخرى وتتفقان في حرفين فأكثر، ولو بتقارب المخارج في الحروف أو مع التصحيف والتحريف، وما نراه بعيدا عنهم أن يدعوا مثل ذلك إن اتفقتا في حرف واحد! وليس من شك في أن الكلمة مستعملة في لغة العرب قبل الإسلام وقبل نزول القرآن، ومع ذلك فإن الكاتب خشي أن يسترسل في ادعائه، فرضي أن يقر باحتمال دخولها في لغة العرب "في زمن متقدم بعض الشيء! ! ".
ومن الثابت تاريخيًّا أن اللغة العربية واللغة العبرية متشابهتان أو متقاربتان، ولم يمكن الجزم بأيتهما أسبق وأقدم من الأخرى فتكون المتأخرة فرعًا من السابقة، أو بأنهما كلتيهما فرعان من لغة أخرى أقدم منهما، فلا يسوغ الجزم في أية كلمة بأنها مأخوذة من إحدى اللغتين لأختها، وإن كنا نرجح أن العربية أسبق وأقدم من العبرية، ترجيحًا فقط. وقد كانت في جزيرة العرب أمة ضخمة، حينما جاء إبراهيم عليه السلام إلى مكة بأم ولده هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل عليه السلام، (انظر قصص الأنبياء لأستاذنا الشيخ عبد الوهاب
(2/758)

النجار ص 136 - 137 من الطبعة الثانية). وقد كانت لهذه الأمة لغة قطعًا، وليس هناك دليل على أنها لغة أخرى غير العربية التي بقيت حية نامية متوارثة فيهم إلى عصر النبوة، ثم إلى عصرنا هذا، ثم إلى ما شاء الله، وما يدرينا لعل إبراهيم اقتبس كثيرًا من ألفاظ هذه اللغة إلى لغته حين كان يزور ابنه في مكة، ويبني معه الكعبة المقدسة بأمر ربه، ولعل جوار الأمتين وتواصلهما بالتجارة ونحوها له أثر في انتقال بعض الكلمات من إحدى اللغتين إلى الأخرى، إن لم تكونا معًا من أصل واحد، وإن لم تكن العبرية فرعًا محرفًا من اللغة العربية، ولسنا نرضى أن نجزم في هذا بشيء، ولكنا ندل على تمحل هؤلاء الناس وتحكمهم في النظريات بغير دليل ولا برهان.

المادة: أمة
الجزء: 2/ الصفحة: 632
جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر إطلاقات كلمة (أمة) في القرآن الكريم:
" .. وفيما عدا هذا يدل لفظ الأمة دائمًا على جماعات كبيرة، أو على الأقل على جماعات تنطوي في غيرها أكبر منها".
تعليق أحمد شاكر:
ادعى الكاتب أن كلمة "أمة" التي وردت في آيات القرآن لا يمكن تحديد معناها بالتدقيق، وهذا مما يعذر فيه؛ فإنه يبحث في لغة غير
(2/759)

لغته، ولن يصل إلى تحقيق ألفاظها ومعانيها، وإلَّا فأصل معنى الكلمة محدود، واختلاف المراد بها في الآيات مرجعه إلى القرائن الدالة على المعنى الذي هو داخل في المعنى الأصلي للكلمة، وهاك مثالًا لذلك؛ قول الإمام الراغب الأصفهاني في المفردات ص 21: "الأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أم اختيارا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38]. أي؛ كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرفة، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع، وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213]. أي؛ صنفًا واحدًا وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر". ثم قال: وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120]. أي؛ قائمًا مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة. وروي أنه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة واحدة".
قد يستغرب القارئ نقل نص أقوال الراغب؛ إذ إنها تقارب في الجملة ما نقله الكاتب هنا من معاني الكلمة وهذا صحيح، ولكني إنما نقلته لأدل على الفرق بين اللونين من التعبير؛ الراغب: رجل عالم مسلم كبير، فهو يكتب كتابة علمية مبنية على المعروف له من لغة العرب، مما وجده في كتب من سبقه من أئمة اللغة، ومن أقوال
(2/760)

المفسرين وغيرهم، وهم حفظة اللغة والدين، وكاتب هذا المقال: رجل مستشرق، أي؛ أنه يبحث في موضوع متعلق بلغة ليس له إلمام بأسرارها؛ ولذلك فهو يحاول أن يلقي في روع القارئ أن معاني هذه الكلمة في القرآن غير محددة وغير واضحة! !
نحن لا نرغم الكاتب ولا غيره أن يصدق بالإسلام، ولا أن يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أن يعتقد أن القرآن كتاب من عند الله، ولكنا نستطيع أن نحمله على احترام الحقائق التاريخية، وعلى احترام المنطق الصحيح، بالحجة والبرهان.
لست أظن أنه هو أو غيره بمستطيع ادعاء أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عربيًّا خالص النسب، وأنه كان في عصر لم تختلط العجمة بألسنة العرب ولغتهم، وأنه كان أفصحهم وأعلمهم باللغة، وقد أتى قومه وهم أساطين البلاغة بهذا الكتاب، وتحداهم بأقصر سورة منه أن يأتوا بمثلها، وخاطبهم بلغتهم التي كانوا بها يفخرون، فآمن منهم من آمن، وكفر من كفر، ولكنا لم نسمع أن واحدًا منهم أنكر عليه شيئًا من لغة القرآن، أو زعم أنه يضطرب في تحديد معنى الكلمات، وأنه خرج عن المعاني المعروفة عندهم للألفاظ المفردة وحدها، أو للألفاظ متحدة مع غيرها في تركيب الجمل، ولو كان شيء من هذا، لكان أهون عليهم أن يردوا به قوله من أن يقولوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. وقد قالوا حين سمعوا القرآن يتلى عليهم:
(2/761)

{قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}. [الأنفال: 31]. ولم يقولوا: إن هذا ليس مما يوافق لغتنا، وأنت تدعي أنه كتاب عربي مبين.

المادة: أم الولد
الجزء: 2/ الصفحة: 636
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولم يحدد القرآن مكانة أم الولد، والمحقق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع أي نظام يغير من مكانتها أو مكانة أبنائها، ولا يمكننا أن نتخذ عتقه لمارية عندما ولدت له إبراهيم سنّةً عامّة، وإن كانت هذه الحادثة لها صلة بالأحاديث الخاصة بأم الولد، وقد تكون الرواية التي ذهبت إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعترف بابن مارية بعد تردد طويل، معقولة من ناحية موضوعها، وإن كانت غير معقولة من ناحية الصيغة التي وردت فيها".
تعليق أحمد شاكر:
نص الرواية في طبقات ابن سعد (ج 8 ص 154 - 155): "عن أنس بن مالك قال: كانت أم إبراهيم سرية للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مشربتها، وكان قبطي يأوي إليها ويأتيها بالماء والحطب، فقال الناس في ذلك: علج يدخل على علجة؟ فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل علي بن أبي طالب فوجده علي على نخلة، فلما رأى السيف وقع في نفسه، فألقى الكساء الذي كان عليه، وتكشف، فإذا هو مجبوب، فرجع عليٌّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
(2/762)

فأخبره، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر، ثم رأى في غير ذلك أيراجعك؟ قال: نعم. فأخبره بما رأى من القبطي. قال: وولدت مارية إبراهيم، فجاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم. فاطمأن رسول الله إلى ذلك". وهذا هو الذي يسميه كاتب البحث "ترددًا طويلًا" في اعتراف الرسول بابنه من مارية، كما اعتاد أمثاله أن يتوسعوا في تحميل الكلام مالا يحتمله، وهذا هو الذي دعاه لأن يزعم أن الرواية "غير معقولة في الصيغة التي وردت فيها" وذلك أنه لا يريد أن يسلم بأي شيء يدل على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - والوحي إليه وخطاب جبريل له.

المادة: أم الولد
الجزء: 2/ الصفحة: 637
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والسنة التي استنها عمر تؤيدها عدة روايات، ولو أن تفصيلاتها تختلف فيما بينها، كما أنها مشوبة بالأساطير (انظر بوجه خاص كنز العمال، ج 4، 5118، 5122، 5124، الصنعاني، سبل السلام، كتاب البيوع، رقم 11) ".
تعليق أحمد شاكر:
الأثر عن عمر الذي يزعم الكاتب أنه مشوب بالأساطير رواه الحاكم في المستدرك (ج 2 ص 458) ونصه: "عن عبد الله بن بريدة
(2/763)

عن أبيه قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ سمع صائحة، فقال: يا يرْفأ، انظر ما هذا الصوت. فانطلق فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها. فقال عمر: ادع لي. أو قال: علي بالمهاجرين والأنصار. قال: فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)} [سورة محمد: 22]. ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم وقد وسع الله لكم. قالوا: فاصنع ما بدا لك. قال: فكتب في الآفاق: أن لا تباع أم حر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل". وهذا أثر صحيح، صححه الحاكم والذهبي، ونسبه في سبل السلام لابن المنذر وابن عساكر أيضًا. ولست أرى وجهًا لزعم الكاتب أنه مشوب بالأساطير؛ فإنه يحكي قصة لا غرابة في شيء منها.

المادة: أم الولد
الجزء: 2/ الصفحة: 640
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وحسبنا أن نقول هنا إن العزل عن الإماء كان جائزًا، ويجوز للسيد أن ينكر أبوته لابنه من أم الولد حتى لا يجعلها أم ولده".
(2/764)

تعليق أحمد شاكر:
هذا غير صحيح، ولا يجوز للمسلم أن ينفي ولده الذي تحقق أبوته سواءً أكان من زوجته أم من أمته، ولكنه إذا نفاه وكان من حرة وجب اللعان، وإن كان من أمته فلا يجب اللعان، ولكنه يكون آثمًا إثمًا كبيرًا؛ لأنه رمى امرأة بريئة بالباطل والبهتان، أما إذا وثق أنه ليس ابنه فإنه لا إثم عليه في نفيه عنه، ومرجعه في ذلك إلى دينه وأمانته، والله مطلع على سريرته.

المادة: أم الولد
الجزء: 2/ الصفحة: 642
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وبالرغم من تحسن مركز أم الولد خلال تطور الفقه الإسلامي، فقد ظل النفور من زواج الأمة وإيلادها، وهو نفور قديم، قائمًا أمدًا طويلًا. وهناك حديث من الأحاديث التي تذم التسري ظل إلى زمن البخاري، وهذا الحديث لا شك في أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوه ثم حُرِّف عن معناه".
تعليق أحمد شاكر:
انظر إلى كاتب المقال كيف يجزم بأنه لا شك في أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوا هذا الحديث؟
ولو ذهبت تسأله عن دليله على ما يقول لسكت، أو لأتى لك
(2/765)

بكلمات جوفاء لا تنطبق على أي قاعدة علمية أو تاريخية، ثم اسأله ما علاقة العباسيين بهذا الحديث حتى يكون تاريخهم أو سيرتهم أو سياستهم دليلًا على وضعه في زعمه؟ إن للحديث النبوي قواعد وضعها أئمة الحفاظ، وهي أوثق القواعد العلمية وأدقها في الإثبات التاريخي، وقد احتاطوا أشد الاحتياط في نقد رواة الأحاديث وفي نقد ما رووه، وإنما يدرك قيمة عملهم ويستوثق منه ويطمئن إليه قلبه من مارس قواعدهم وتشبعت نفسه منها، وصار له فيها ملكة فنية، كما يكون ذلك في كل علم من العلوم.
وبعد: فإن الحديث الذي يجزم الكاتب بوضعه حديث صحيح جدًّا، اتفق على روايته البخاري ومسلم في كتابيهما الصحيحين، وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وهما اللذان لا مطعن في صحة حديث من أحاديثهما عند العارفين من أهل العلم، وقد رواه غيرهما أيضًا بأسانيد صحيحة، وهو حديث سؤال جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمور الإسلام والإيمان وعن أشراط الساعة، وفيه أن من أشراطها "أن تلد الأمة ربها" أي؛ تلد المملوكة سيدها. وفي شرح هذا الحديث كلام طويل، والحديث معروف لأكثر المسلمين، فقد رواه البخاري (ج 1 ص 105 - 115 فتح الباري طبعة بولاق) ومسلم (ج 1 ص 18 طبعة بولاق) من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم أيضًا (ج 1 ص 17 - 18) من حديث عمر بن الخطاب، ونقله النووي من حديث عمر في الأربعين النووية، وهو الحديث الثاني منها، وعن ذلك اشتهر عند الكافة حتى العوام، وحديث أبي هريرة رواه البخاري
(2/766)

أيضًا في مواضع أخرى من صحيحه، ورواه أيضًا ابن ماجه، ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي ذر وأبي هريرة وحديث عمر رواه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن خزيمة في صحيحيهما، وكذلك الإمام أحمد في مسنده والطبراني، وقد ورد الحديث أيضًا من رواية أنس بن مالك، رواه البزار بإسناد حسن، ومن حديث جرير بن عبد الله البجلي، رواه أبو عوانة في صحيحه، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أبي عامر الأشعري، رواهما الإمام أحمد في مسنده، وانظر تفصيل الكلام على طرقه وأسانيده في شرح العيني على البخاري (ج 1 ص 283 - 284) وفي شرح الأربعين لابن رجب (ص 16 - 17) وفي كثير من كتب السنة وشروحها، فهؤلاء الرواة الثقات والأئمة والصحابة كلهم في نظر كاتب المقال كذابون وضاعون، لماذا؟ لأنه يعتقد أنهم خصوم للعباسيين.

المادة: أم الولد
الجزء: 2/ الصفحة: 643
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان فيه آخر صدى للاتجاه الجاهلي القديم، وتغيرت الأحوال الاجتماعية عنه تغيرًا تامًّا، فتقررت المساواة المطلقة بين الأبناء الذين يولدون من زوجة حرة وبين أبناء السرية منذ عهد طويل".
تعليق أحمد شاكر:
ما يوهمه كلام الكاتب غير صحيح، فإنه يريد أن يزعم أن
(2/767)

الحديث الذي ظل إلى عصر البخاري ومسلم (منتصف القرن الثالث الهجري) وضعه خصوم العباسيين، وأن ذلك دليل على التفرقة في نظر المسلمين في ذلك العصر بين أبناء الحرة وبين أبناء الأمة، وهذا رمي بالقول على عواهنه، لا يؤيده أي نص تاريخي، ولا أي نظر سليم، بل كان المسلمون من أول الإسلام، في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم من بعده في سائر عصور الإسلام: لا يفرقون بين أبنائهم من الحرائر والإماء، وآية ذلك أن إبراهيم، كان الابن الوحيد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أواخر حياته، وكان بهذه الصفة معززًا مكرمًا، وقد حزن الرسول والمسلمون أشد الحزن عند موته طفلًا، وأن أكثر الصحابة في عصره وبعد عصره كان لهم أبناء من الحرائر والإماء، ولم نسمع شيئًا في التفرقة بينهم. وانظر تراجمهم في كتاب (الطبقات الكبير) لابن سعد، تجده يذكر في ترجمة كل صحابي أبناءه - إن كان له عقب - ويذكر أم كل واحد منهم، حرة أو أمة، على قدم المساواة، وانظر ترجمة سيد التابعين وسيد المسلمين في عصره، وهو (زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) في طبقات ابن سعد (ج 5 ص 156) وفي ابن خلكان (ج 1 ص 403) وفي التهذيب (ج 7 ص 304) وأمه أم ولد، ولم يضع ذلك من شرفه وفضله ونبله شيئًا عند المسلمين، وكذلك الإمامان العالمان الفقيهان: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهما من السادة الأخيار، والأئمة الأبرار، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(2/768)

المادة: أمي
الجزء: 2/ الصفحة: 645
تعليق أحمد شاكر على مادة (أُمّي) في دائرة المعارف:
كاتب هذا البحث هو كاتب البحث السابق عن كلمة "أمة"، وقد بنى بحثه هنا كما بناه هناك، على أن أصل الكلمة ليس من اللغة العربية، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد معناها بالدقة، بل زاد هنا زعمه أن كلمة "أمي" لم تظهر إلا بعد الهجرة، وأن الكلمة مما أطلقه اليهود على العرب، وأنهم يريدون ب "الأميين" الوثنيين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف نفسه بأنه "النبي الأمي"؛ لأنه "ربما لم يكن على بينة مما تدل عليه كلمة أمي عند اليهود، وأنه ربما جعل لهذه الكلمة معنى جديدًا". وهذا الذي زعمه ينهار كله بنقض أساسه، فإن كلمة "الأمي" وصف الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - في آيتين في سورة الأعراف، وهي مكية، أي؛ أنها نزلت عليه عندما كان بمكة قبل الهجرة، وهي السورة (39) في ترتيب نزول السور، وهي أول السور الطوال نزولًا بمكة، والسور المكية (83) سورة، من (114) عدد سور القرآن.
ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - صلة باليهود عندما كان بمكة، حتى يمكن للكاتب أن يزعم أن الكلمة أطلقها اليهود في ذلك الوقت على الوثنيين.
(2/769)

وقد جاءت الكلمة في ست آيات من القرآن الكريم، وها هي بنصها ليظهر المراد منها.
قال الله تعالى في سورة الأعراف - وهي مكية -: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}. [157]. {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [158].
وقال تعالى في سورة آل عمران - وهي مدنية -: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. [20].
وقال تعالى في هذه السورة: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}. [75].
وقال تعالى في سورة الجمعة - وهي مدنية -: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ
(2/770)

كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)}. [2].
وقال تعالى في سورة البقرة - وهي مدنية - في وصف اليهود: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)}. [78].
ولم تذكر عادة "أمي" في غير هذه الآيات من الكتاب الكريم، وسياقها كلها يدل على أن المراد بالأمي هو من لا يعرف القراءة والكتابة، كما هو المعنى المعروف في لغة العرب، وتجاهل كاتب المقال ذلك لا يؤثر في حقائق اللغة والعلم، والقرآن الكريم أوثق كتاب في الدنيا في ثبوت إسناده التاريخي، فليس من شك عند أحد من الناس أن محمدًا بن عبد الله بن عبد المطلب أتى به وأخبر أن الله عز وجل أوحى به إليه، لا يخالف في ذلك أحد.
وبذلك فسرها أئمة اللغة العارفون بها، فمن ذلك قول محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 في التفسير (ج 1 ص 296 طبعة بولاق): "إن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب. وأرى أنه قيل للأمي أمي: نسبة له بأنه لا يكتب إلى أمه؛ لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة دون أبيه، كما ذكرنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". والطبري من أعلم العلماء باللغة العربية، وكتابه أقدم كتاب في أيدينا لتفسير القرآن، والحديث الذي استدل به حديث صحيح ثابت، والنبي - صلى الله عليه وسلم - فسر به كلمة "أمي" في لغة قومه، وخاطبهم بذلك وهم يسمعون.
وقال أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 754 في تفسيره (البحر
(2/771)

المحيط ج 1 ص 269): "الأمي: الذي لا يقرأ في كتاب ولا يكتب، نسب إلى الأم؛ لأنه ليس من شغل النساء أن يكتبن أو يقرأن في كتاب، أو لأنه بحال ولدته أمه لم ينتقل عنها، أو نسب إلى الأمة، وهي الخلقة، أو إلى الأمة؛ إذ هي ساذجة قبل أن تعرف المعارف". وأبو حيان هذا من أعلم الناس باللغة وعلومها في القرن الثامن.
وما لنا نذهب بعيدًا، وهذا كتاب الله قد وصف محمدًا - عليه السلام - بأنه "أمي" في سورة الأعراف كما قدمنا، ثم فسر معنى هذا الوصف في سورة العنكبوت، وهي سورة مكية أيضًا ما عدا الآيات (من 1 - 11) منها، فقال في الآية [48]: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}. وهذه السورة نزلت بعد الأعراف بوقت طويل؛ لأنها من آخر السور المكية نزولًا، بل إنه لم ينزل بعدها بمكة إلَّا سورة واحدة.
وقد ثبت بالتواتر الذي لا شك فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أميًّا بمعنى أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن هذا من آيات نبوته؛ لأنه وهو أمي أتى بكتاب يعجز كل واحد من البشر، ويعجز الإنس والجن مجتمعين من أن يأتوا بسورة من مثله، وكان يتلوه على الناس، ويعاود تلاوته عليهم، لا يتغير منه حرف، ولا يختلف في كلمة {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. فإن الرجل الفصيح إذا ألقى كلامًا مرتجلًا غير مكتوب فلا يمكنه أن يعيده كله ولا أكثره بنصه وحروفه، وإن أمكنه أن يعيد كثيرًا من معانيه بعبارات أخرى، وهذا مشاهد
(2/772)

بديهي، قال السهيلي في (الروض الأنف ج 2، ص 230): "وبكونه أميًّا في أمة أمية قامت الحجة وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة".
وبذلك يظهر بطلان ما ادعاه كاتب المقال من أن إطلاق كلمة "أمي" على النبي ليس راجعًا إلى أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وهو لا يريد بذلك إلا الإشارة إلى ما يدعيه كثير من المغرضين من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارئًا؛ ليصلوا بذلك إلى ادعاء أنه اقتبس دينه وكتابه من الأديان السابقة والكتب المتقدمة، وهذه دعوى تنافي كل ما ثبت بالتواتر القاطع من التاريخ الإسلامي، ولا تقوى على الثبات أمام أي سند تاريخي صحيح، وأظهر ما في ذلك لكل ناظر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكى عن ربه أنه وصفه بصفة واضحة بينة هي أنه "أمي" ثم أوضح هذه الصفة بأجلى بيان: أنه ما كان يتلو قبل هذا القرآن شيئًا من الكتاب، ولا يحفظ منه شيئًا، وقد عاش في قومه إلى حين نزول هذه الآية - آية العنكبوت - نحو خمسين سنة، وهم يعرفونه ويعرفون أحواله وأخباره، لا يخفى عليهم منها شيء، وهم في قرية صغيرة، أهلها محصورون معروفون غير متكاثرين، ولا تزال هذه القرية قائمة إلى اليوم، ومن دخلها ورآها علم أنه إن أقام بها بضعة أشهر عرف أكثر أهلها، وأحاط بكثير من أخبارهم مفصلة، كالمعهود في القرى، مع ازدياد سكانها في هذه العصور، واختلاف أجناسهم ولغاتهم، بخلاف ما كان في أول عهد النبوة، فلو كان قومه يعلمون عنه معرفة شيء من القراءة والكتابة لكان لهم السبيل إلى نفي قوله، ولقامت عليه
(2/773)

حجتهم واضحة ظاهرة، بل ما أظن أن أحدًا مستقيم الفكر يتصور هذا الموقف وأنه مما يجوز وقوعه: موقف رجل يدعي لنفسه صفة بين قوم يعرفونه ويعرفون أحواله طفلًا ثم شابًّا ثم رجلًا ثم كهلًا، ثم هو يقرعهم بهذه الصفة التي ينسبها لنفسه، بل يجعلها آية ومعجزة له تؤيد دعواه النبوة، ثم لا يكون صادقًا فيما وصف به نفسه من أنه لا يقرأ ولا يكتب؟
وأما ادعاء الكاتب أن وصف بعض اليهود في الآية (78) من سورة البقرة بأنهم "أميون" لا يراد منه جهلهم بالقراءة والكتابة، بل يراد منه عدم معرفتهم بالكتب المنزلة، فإن هذا الرأي قد سبقه إلى نحوه بعض المفسرين، بل نقل الطبري (ج 1 ص 296) أثرًا عن ابن عباس بتأويل الآية على معنى أنهم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله ولا كتابًا أنزله الله، وأنه سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله. وهذا الأثر ضعيف الإسناد، غير ثابت النقل؛ لأنه من رواية الضحاك ابن مزاحم عن ابن عباس، والضحاك وإن كان ثقة لم يلق ابن عباس ولا غيره من الصحابة، ثم لو صح هذا لكان له وجه على سبيل المجاز، ومع ذلك فقد رده الطبري فقال: "وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم".
وإطلاق الكلمة على بعض اليهود في الآية صحيح، لأنه لم يزعم أحد أن اليهود الذين كانوا بالمدينة إذ ذاك يقرءون ويكتبون جميعًا، بل كان فيهم الكاتبون والجاهلون، ولذلك قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ
(2/774)

أُمِّيُّونَ}. وهؤلاء الأميون لا يعلمون الكتاب إلا بالأماني التي كان علماؤهم يبثونها في نفوسهم من أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله يعفو عنهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، ونحو ذلك مما رده الله عليهم في آيات كثيرة من القرآن.
وأما ادعاء الكاتب أن الآية في سورة الجمعة "تدل دلالة لا تقبل الشك على أن محمدًا رسول من الأميين إلى الأميين" فإنما يشير إلى ما يزعمه بعض المستشرقين من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ادعى أولا في مكة أنه رسول إلى العرب، ثم لما هاجر إلى المدينة توسع في دعوته وادعى أنه مرسل إلى أهل الكتاب وغيرهم، ثم يستدلون ببعض آيات من القرآن، كفعل الذين يتبعون ما تشابه منه.
ولكن أقوالهم هذه تنقضها الآيات الصريحة في القرآن بعموم البعثة إلى جميع الأمم إلى يوم القيامة وأنه خاتم النبيين، وينقضها التواتر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مرسل إلى الناس كافة.
وأكثر من هذا دلالة أن الله تعالى يقول في سورة سبأ - وهي مكية -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)}. [28]. ويقول في سورة الأعراف - وهي من أقدم السور المكية -: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [158]. وهي الآية التي ذكرناها في أول المقال، وهي في دعوة اليهود والنصارى إلى الإِيمان به واتباعه. وآية الجمعة التي يستدل بها الكاتب هي آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة، فهل يزعم
(2/775)

هؤلاء أن الرسول ادعى أولًا أنه مرسل إلى جميع الأمم، ثم رجع عن ذلك في المدينة واقتصر على الأميين فقط؟ !

المادة: إنجيل
الجزء: 3/ الصفحة: 24
تعليق ونقد أحمد شاكر على مادة (إنجيل) في دائرة المعارف:
بعد نقد أغلاطه تفصيلًا في مواضعها لم أقرأ فيما قرأت من مقالات "دائرة المعارف الإسلامية" مقالًا مضطربًا كهذا المقال.
فإن كاتبه خلط فيه خلطًا غريبًا؛ فشرَّق وغربٌ، وأسهب وأوجز، وأشار وصرح، وهو يدور في حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها، ولا يعرف كيف يخرج منها، وقد وضع نصب عينيه غاية يرجو الوصول إليها، ثم يعجز عن إدراكها؛ إذ كانت خيالًا يضطرب في ذهنه، ليس لها وجود في حقائق التاريخ، فهو يحاول أن يثبت أن الدين الإسلامي مقتبس من الكتب التي يسمونها عندهم "أناجيل"، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على علم بها أو بشيء منها، فجاءت في القرآن أشياء من الإنجيل كما يزعم، وأن المسلمين عرفوا هذه الكتب، فذهبوا ينقلون عنها علومهم ودينهم، ويفترون الأحاديث بمعاني ما عرفوا منها على نبيهم، ويزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان أكثر معرفة بالأناجيل المنحولة منه بالأناجيل الصحيحة، ولم تصل إليه تلك المعرفة من مصادر مسيحية خالصة، وإنما نقلت إليه على يد يهود اعتنقوا النصرانية" وأن الشعراء
(2/776)

عند ظهور الإسلام كانوا يترددون على الحيرة "فنقلوا إلى بلاد العرب ما سمعوه من القصص في حاناتها" إلى آخر ما تهافت فيه ليرجعه إلى شيء واحد سماه "المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره".
ثم ذهب يضطرب به القول؛ فتارة يشير إلى بعض آيات من القرآن فيها ذكر مريم وعيسى وغير ذلك، مما يظن أنه يتفق والمروي عندهم أو يخالفه، وتارة يذكر "الطب وأعمال الحكومة" وأنها من الوسائل التي وثقت الصلات بين المسلمين والنصارى، وتارة يذكر بعض معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابتة بالأحاديث الصحيحة؛ ليحاول أن ينسبها إلى أصول عندهم، حتى يتهيأ له أن يشكك القارئ، ثم يوهمه أن المسلمين أخذوها عن النصارى ونسبوها إلى نبيهم على أنها معجزات له، ثم يزداد اضطرابا، فيذكر بعض مؤرخي المسلمين ويصفهم بأنهم "كانوا على علم واسع بالإنجيل" ويحرف في تلخيص كلامهم حتى يوقع في نفس القارئ أنهم كانوا يحتجون بهذه الأسفار، ويعتبرونها مصادر صحيحة لبعض التاريخ، ثم يناقض نفسه فينقل عن البيروني أنه قال: "لا يوجد من الأناجيل إذن من كتب الأنبياء ما يعتمد عليه" ويغلبه ما يجد في نفسه من الحرص على رأيه حتى يغفل عن خطأ من الناسخين في نسخة البيروني فينسب إليه أنه كان يعرف تفسير الإنجيل لرجل اسمه "داذ يشوع" وهو شخص لم يوجد قط، وإنما أتى من خطأ النسخة، ولو حرص على التحقيق العلمي ما وقع في هذه الغلطة الشنيعة.
(2/777)

ولكنه نسي بجوار هذا أن يذكر كثيرًا من علماء المسلمين الذين اطلعوا على هذه الأناجيل، وأبانوا ما فيها من اختلاف وأخطاء، وألفوا في ذلك كتبًا وافية، كابن حزم وابن تيمية وابن قيم الجوزية والقرافي، وغيرهم ممن قبلهم، وممن بعدهم.
وأخيرًا يدعي أن المسلمين على وجه عام يحترمون الأناجيل، وأن الترك يسمونها "الإنجيل الشريف" وأن كثيرًا منهم "يؤثرون الإنجيل على القرآن دون أن يجهروا بهذا الرأي" ويحتج لذلك برجل تركي ارتد عن الإسلام في عهد سليمان الأول فحكم بقتله جزاء ردته.
وهي كما ترى أقوال متهاترة، لا يأخذ بعضها بناصية بعض، ولا يدل مجموعها على شيء له قيمة علمية.
وهذه مسائل شائكة، الخوضُ فيها قد يثير النفوس، ويوغر الصدور، ولو شاء القائل منا أن يقول، لوجد مجال القول ذا سعة، ولكنا لسنا من دعاة الفتنة، ولا ممن يحرصون على الجدال، وقد دأب أمثال هذا الكاتب على مهاجمة الإسلام والعدوان عليه في عقائده، ومحاولة إثارة الشكوك في الحقائق التاريخية الثابتة، التي تتعلق بالإسلام، وليس علينا من بأس أن نقف موقف الدفاع بالقول الرقيق المؤدب، لإقرار الحق في نصابه، وخدمةً خالصةً للعلم الصحيح.
إن الاتصال العقلي والفكري بين المسلمين وبين أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد كان اليهود بجوار المسلمين في المدينة حتى أجلاهم عنها عمر، وكان المسلمون
(2/778)

قد فتحوا مصر والشام وغيرهما من الأقطار التي كان يدين أهلها بالنصرانية، وكان أهلُ الكتاب أهلَ ذمة للمسلمين وفي حمايتهم، يرفرف عليهم عدل الإسلام ونَصَفَتُه، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا راضين مختارين، مما رأوا من كرم المسلمين، بعد أن ذاقوا ألوان الظلم والعذاب من زعمائهم ورؤسائهم، ولكنه كان في أول أمره اتصالًا في الشؤون العامة الدنيوية، ولم يوجد اتصال علمي بالمعنى المفهوم إلا في أواخر القرن الثاني للهجرة تقريبًا، عند البدء في نقل كتب الأوائل إلى اللغة العربية، وكان ذلك مقصورًا على الفلسفة وفروعها والطب وما أشبه هذا، ولم تترجم إلى اللغة العربية الكتب الدينية ولا القصص (الروايات)، ولعله قد ترجم شيء من التوراة والأناجيل تراجم نادرة محصورة بين اليهود والنصارى الذين نشؤوا في الدولة العربية؛ ليسهل عليهم معرفة دينهم إذا عسر عليهم قراءتها باللغات التي كانت بها، وأما أن تكون هذه التراجم معروفة لعلماء المسلمين ودهمائهم، كما يريد الكاتب وأمثاله أن يرجفوا به: فذاك شيء غير ثابت ولا معروف في التاريخ الإسلامي، ولذلك لم يجد كاتب هذا المقال سندًا يؤيد به وجود تراجم للإنجيل إلا الترجمة التي قال عنها إنها نقلت عن السريانية، ونقل عن "جلد مستر" أنه يرى أنها ترجمت بين سنتي (750 و 850 م) أي بين سنتي (132 و 235 هجرية) ويظهر من هذا أنها غير ثابتة التاريخ، وأن هذا التاريخ الذي نسبت إليه ظن فقط، ونحن لم نر هذه النسخة المترجمة، فلا نستطيع الجزم بشيء في صحة هذا النقل وهذا التاريخ أو عدم صحتهما، وأما
(2/779)

الترجمة التي يدعي ابن العبري أنه "قام بها البطريق يوحنا بأمر الأمير عمرو بن سعد بين سنتي 631 و 640 م" أي ما يوافق السنة التي قبل الهجرة إلى السنة 18 ه: فهذا شيء لا سند له ولا قيمة، وأبو الفرج ابن العبري ليس حجة في مثل هذا النقل، ولا يوثق بشيء ينقله عن عصر بينه وبينه أكثر من (600 سنة) ولم يسنده إلى نقل يقارب العصر المنقول عنه، فإنه عاش بين سنتي 623 و 685 ه، ثم هذا ابن العبري رجل متعصب معروف بالتحامل على العرب وعلى المسلمين، وهو صاحب الحكاية الباطلة التي نقلها عن حرق عمرو بن العاص مكتبة الإسكندرية، حتى إن الدكتور (بَتْلَر) صرح بأنه "ليس من دليل على أن أصل هذه الرواية أقدم من أيام أبي الفرج" (انظر فتح العرب لمصر تعريب الأستاذ فريد أبو حديد ص 350 طبعة سنة 1933) فمثل هذا الرجل غير ثقة ولا مأمون على النقل، حتى لو نقل شيئًا عن عصره أو ما يقاربه، فضلًا عن تفرده بنقل يستند إلى ما قبل عصره بمئات السنين.
وأما كل ما أرجف به الكاتب ليصل إلى ما يدعيه من معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يسمونه "الأناجيل" حتى يمكنه الإعلان بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان أكثر معرفة بالأناجيل المنحولة منه بالأناجيل الصحيحة" وبأن "هذا الموضوع ليس إلا مسألة فرعية من المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره"، فإنه شيء لا يثبت أمام النقد، ولا تؤيده أية حقيقة من حقائق التاريخ، وقد كان النصارى من قبل الإسلام بمئات السنين مختلفين في صحة الكتب التي يطلقون عليها اسم "الأناجيل" وهي أكثر من سبعين كتابًا، حتى تحكم فيهم الزعماء والرؤساء في
(2/780)

مجمع "نيقية" في القرن الرابع الميلادي، فاعتبر المجمع أن هذه الكتب الأربعة المعروفة الآن هي الأناجيل الصحيحة، وبذلك صارت الكتبَ الرسمية للدين المسيحي، واعتَبَر ما عداها منحولًا أو غير صحيح، وهذه الكتب التي اعتبرت منحولة غير مشتهرة وغير معروفة تفصيلًا إلا قليلًا، فمن أين يعرفها العرب قبل الإسلام وعند بدء ظهوره؟ !
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا أَميًّا لا يقرأ ولا يكتب، كما ثبت بالتواتر الصحيح في التاريخ، وكما نص الله عليه في القرآن الكريم، وقد أقمنا الحجة على ذلك فيما مضى من الدائرة في التعليق على مادة "أمي" (ص 647 من المجلد الثاني). ثم أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، وبعثه إلى الناس كافة بهذا القرآن الكريم، وجعله مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء السابقين، إجمالًا لها من غير تفصيل، وجعل كتابه "مُهَيْمِنًا" على هذه الكتب، أي رقيبًّا عليها كلها، كما قال تعالى في سورة المائدة [آية 48]: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. وهذا الرجل الأمي لم يقرأ شيئًا من كتبهم، ولم يبلغه من الكتب التي في أيدي النصارى - مع ما فيها من الاختلاف - قليل ولا كثير، ومع ذلك فإنه لا يذكر إنجيل عيسى - عليه السلام - في القرآن إلا باللفظ المفرد "إنجيل"، فلو كان هذا القرآن من عند غير الله، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف هذه الروايات؛ لجاء التَّعبير عنها في القرآن ولو مرة واحدة
(2/781)

بلفظ الجمع "أناجيل" وهي التي كانت ولا تزال معروفة عند النصارى، من صحيح في زعمهم ومنحول.
ثم انظر في شأن هذا الرجل الأمي - صلى الله عليه وسلم - لو كان يعرف هذه العشرات من الكتب التي تسمى "أناجيل" وأراد أن يحقق أمرها، ويعرف الزَّيْف منها من الصحيح، ويحكم فيها حكمًا قاطعًا صحيحًا، ويأتي بكتاب ثبت مهيمن عليها رقيب، فإلى أي أنواع من الثقافة والعلوم الدينية والتاريخية والأثرية يحتاج؟ ! .
وهل كانت هذه العلوم كلها موجودة في كتب مؤلفة قبل بدء الإسلام؟ ! سواء باللغة العربية أم بغيرها من اللغات؟ ! وكم يستغرق تعلم ذلك ومعرفته فقط من السنين؟ !
وأين كان أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب، إذا كان قد تعلم كل هذه العلوم، ودرسها الدراسة الكاملة التي تمكنه من الحكم بتحريف كتبهم ونسيانهم {حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}؟ ! [المائدة: 13]
نعم إن بعض المشركين زعم أنه تعلم بعض الشيء من غيره، وقد حكى الله ذلك في القرآن عنهم، ثم ردّ عليهم قولهم بأقوى رد؛ فخرست ألسنتهم وألسنة غيرهم، فلم يدَّع ذلك أحد منهم ولا من أهل الكتاب بعد ذلك، مع كفرهم به وعداوتهم له، وتربصهم به وبالمسلمين أن يجدوا حجة تنصرهم عليهم؛ إذ علموا أنهم لو عادوا إلى هذه الدعوى، لكانت حجتهم داحضةً، ودعواهم كاذبة، فإنه نشأ بينهم وعرفوا تاريخ حياته وأحواله تفصيلًا وإجمالًا، ولم يجدوا من
(2/782)

يصدقهم من أهل عصرهم المشاهدين الحاضرين في أنه تعلم كل هذه العلوم والشرائع من بعض القارئين والكاتبين في مكة.
وقد اتصل المسلمون بالنصارى واليهود بعد الفتح العربي للبلاد اتصالًا وثيقًا، وقامت في بعض الأوقات حرب الجدال الديني بين الفريقين واحتدمت، ومع ذلك فإنه لم يزعم أحد - فيما نعلم - من أعداء المسلمين أن القرآن مقتبس كله أو بعضه من التوراة أو الأناجيل أو الآراء المسيحية، إلا في هذه العصور المتأخرة، حينما ضعف شأن الدول الإسلامية ماديًّا، وقام المستشرقون وفي أعقابهم المبشرون بالهجوم العلمي على المسلمين، بعد أن وضعوا أيديهم على أكثر بلاد الإسلام، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} [التوبة: 32، 33].
وبعد: فإن الله تعالى يقول في سورة النحل، وهي سورة مكية: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)}.
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآيات (ج 4 ص 185 - 186 الطبعة الأولى ببولاق): "اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة
(2/783)

أخرى من شبهات منكري نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك: أنهم كانوا يقولون إن محمدًا إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات؛ لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه - ثم ذكر اختلاف الروايات في اسم هذا البشر، وقال: وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء، والحاصل أن القوم اتهموه بتعلم هذه الكلمات من غيره، ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه، ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} ". ثم قال في تقرير أوجه الرد عليهم وتكذيبهم: "الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكلام العدى ضرب من الهذيان، ولا شهادة لمتهم. الثاني: أن أمر التعليم لا يتأتى في جلسة واحدة، ولا يتم في الخفية، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المتعلم إلى المعلم أزمنة متطاولة ومددًا متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدًا - عليه السلام - يتعلم العلوم من فلان وفلان. الثالث: أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارًا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا! ! فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان؟ ! واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة
(2/784)

لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة".
إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت لك أنه لم يتعلم شيئًا من كتب الأديان السابقة، ولم يدرس شيئًا من العلوم والمعارف: يخبرنا عن الله سبحانه أنه يقول في شأن النصارى وكتبهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14]. أيمكنك أن تتصور أن هذا الأمي يحكم الحكم القاطع الصريح البين بأن النصارى نسوا الكثير مما ذكرهم به عيسى - عليه السلام - من نفسه ومن علمه بدون وحي من الله؟ !
إن الذي يأتي بهذا القرآن، وبما فيه من تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم، وبما فيه من توحيد وتمجيد لله، وبما فيه من القصص والأخبار الصادقة، وبما فيه من المواعظ والحكم، وبما فيه من مكارم الأخلاق، هذا القرآن الذي أعجزَ الإنسَ والجن أن يأتوا بسورة من مثله، وهو الهدى ودين الحق، أقول: إن الذي يأتي بكل هذا في كتاب واحد لن يعقل أن يكون تعلمه من كتب يحكم هو عليها بأنها محرفة مبدلة، أو كلمات يسمعها عرضًا على ألسنة بعض أهل الكتاب في جزيرة العرب، أو نقلًا عن بعض الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم في كل واد يهيمون، وهم يقولون ما لا يفعلون.
(2/785)

ومن المضحك، بل مما يؤسف له؛ أن كاتب المقال لم يصن قلمه في مثل هذا البحث - الذي يزعمه بحثا علميًّا - عن ذكر الحانات.
وكان الأجدر به أن يَفْقَه أن ما يتحدث به السكارى في الحانات، وخاصةً الشعراء منهم، لا يصلح أن يكون أساسًا لدين عظيم يهدي إلى الله، ويعلم الناس الشرائع والمكارم، ويدعو إلى إعلاء كلمة الله، وإلى نشر الفضيلة وحرب الرذيلة، وإلى النهي عن الخمر والميسر وغيرهما من المنكرات، ويصفها بأنها رجس من عمل الشيطان.
وقد كان الأولى به، وهو يشرح مادة "إنجيل": أن يذكر تاريخ هذه الكتب التي بأيديهم أولًا، ثم يدعي بعد ذلك ما شاء من الدعاوي، ولكنه - فيما نظن - أحجم عن ذلك لئلا يكون نقضًا لكل ما يدعيه.
وقد ذكر أستاذنا الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا الكثير من تاريخها في مواضع متعددة من تفسيره، وكان - رحمه الله - من أعلم الناس في هذا العصر بتاريخها وبدراستها، هو وأستاذنا العلامة الكبير الشيخ عبد الوهاب النجار أطال الله بقاءه. وهاك قطرة من غيث مما قاله السيد رشيد - رحمه الله - (ج 6 ص 287 - 288 من التفسير): "بَيّن الله لنا أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به كاليهود، وسبب ذلك أن المسيح - عليه السلام - لم يكتب ما ذكرهم به من
(2/786)

المواعظ وتوحيد الله وتمجيده والإرشاد لعبادته، وكان من اتبعوه من العوام، وأمثلهم حواريه، وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود في عداوتهم ومطاردتهم، فلم تكن لهم هيئة اجتماعية ذات قوة وعلم، تدون ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه، ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة أن كثيرًا من الناس كانوا يبثون بين الناس في عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح، ومنهم من كتب في ذلك، حتى إن الذين كتبوا كتبًا سموها الأناجيل كثيرون جدًّا، كما صرحوا به في كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة، وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح، عندما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين في النصرانية، وإدخاله إياها في طور جديد من الوثنية. وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح، وهي متعارضة متناقضة مجهولة الأصل والتاريخ، بل وقع الخلاف بينهم في مؤلفيها، واللغات التي ألفوها بها. وقد بينا في تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح، وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلًا منه، كما تحتوي السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث، وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف". ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلًا، ثم قال (ص 301 - 302): "فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 14]. وثبت به أنه كلام الله ووحيه؛ إذ ليس هذا مما يعرف بالرأي حتى يقال: إن
(2/787)

النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اهتدى إليه بعقله ونظره، كيف وقد خفى هذا عن أكثر عُلمائنا الأعلام عدة قرون لعدم اطلاعهم على تاريخ القوم".
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)}. (ج 3 ص 158): "أما لفظ الإنجيل فهو يوناني الأصل، ومعناه البشارة، وهو يطلق عند النصارى على أربعة كتب، تعرف بالأناجيل الأربعة، وهي ما يسمونه العهدَ الجديد، وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل، أي الحواريين، ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أي على المجموع، فلا يطلق على شيء مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد، والأناجيل الأربعة عبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح - عليه السلام - وشيء من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل، وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة، ففي السنة التي كتب فيها الإنجيل الأول تسعة أقوال، وفي كل واحد من الثلاثة عدة أقوال أيضًا، على أنهم يقولون إنها كتبت في النصف الثاني من القرن الأول للمسيح، لكن أحد الأقوال في الإنجيل الأول: أنه كتب سنة، 37 ومنها أنه كتب سنة 64، ومن الأقوال في الرابع، أنه كتب في سنة 98 للميلاد، ومنهم من أنكر أنه تصنيف يوحنا، وإن خلافهم في سائر كتب العهد الجديد لأقوى وأشد".
"وأما الإنجيل في عرف القرآن فهو ما أوحاه الله إلى رسوله
(2/788)

عيسى ابن مريم - عليه السلام - من البشارة بالنبي الذي يقيم الشريعة والحكم والأحكام، وهو ما يدل عليه اللفظ، وقد أخبرنا سبحانه أن النصارى نسوا حظًّا مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك؛ فإن التوراة كتبت في زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعملون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظٌ معروف، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج: إن الكتابة لم تكن معروفة في زمن موسى، عليه السلام. وأما كتب النصارى فلم تعرف، ولم تشتهر إلا في القرن الرابع للمسيح؛ لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمِنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسةً ظهرت كتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة، فتحكم الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة، فمن فهم ما قلناه في الفَرق بين عُرْف القرآن وعُرْف القوم في مفهوم التوراة والإنجيل، تبينَ له أن ما جاء في القرآن هو الممحص للحقيقة التي أضاعها القوم، وهي ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل، ويصح أن يُعَد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحًى به من الله، ولولا ذلك ما أمكن ذلك الأمي الذي لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها أن يعرف أنهم نسوا حظًّا مما أوحي إليهم وأوتوا نصيبًا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه، ويقول: الأناجيل. لا الإنجيل، ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما في أيديهم من التوراة
(2/789)

والأناجيل هي التي شهد بصدقها القرآن".
"وقال الأستاذ الإمام - يريد الشيخ محمد عبده - في تفسير هذه الجملة: المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة، وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة، والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها، وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة، وليس هو هذه الكتب التي يسمونها أناجيل؛ لأنه لو أرادها لما أفرد الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ".
وقال الأستاذ العلامة الشيخ عبد الوهاب النجار في كتاب قصص الأنبياء (ص 465 - 466 طبعة ثانية): "أين يوجد اليوم إنجيل المسيح الذي ذكره القرآن الكريم؟ إن الإنجيل الذي أتى به المسيح وسلمه إلى تلاميذه وأمرهم أن يُبشروا به لا يوجد الآن، وإنما توجد قصص ألفها التلاميذ وغير التلاميذ، لم تسلم من المسخ والتحريف بالزيادة والحذف".
وإن شئت معرفة تاريخ هذه الأسفار الأربعة التي تسمى الأناجيل ومقدار ما فيها من التناقض والاختلاف، ومقدار الوثوق بها من الوجهة التاريخية، ثم قيمتها العلمية عند علماء الإسلام، فاقرأ الجزء الثاني من كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) للإمام الحافظ الحجة أبي محمد بن حزم المتوفى سنة 456، وكتاب (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728، وكتاب (هداية
(2/790)

الحيارى) للإمام المحقق ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751، وكتاب (الأجوبة الفاخرة) للعلامة الكبير شهاب الدين القرافي المتوفى سنة 684، وكتاب (الفاروق بين المخلوق والخالق) لصاحب السعادة الحاج عبد الرحمن بك أفندي باجه جي زاده، وكتاب (دين الله في كتب أنبيائه) للعلامة الدكتور محمد أفندي توفيق صدقي رحمه الله، وكتاب (قصص الأنبياء) لأستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار، وما كتبه المرحوم الإمام السيد محمد رشيد رضا في التفسير والمنار، وأخيرًا كتاب (الإنجيل والصليب) تأليف الأب عبد الأحد داود الأشوري العراقي، وقد ترجمه عن التركية أحد الأفاضل من مسلمي العراق، وطبع في القاهرة سنة 1351.
وإذا كانت عقيدة المسلمين من عصر النبوة إلى الآن أن هذه الكتب محرفة مبدلة، أو مصنوعة موضوعة، فكيف يتصور ذو عقل أنهم يأخذون عنها دينهم؟ ! أو أن يدخل في أذهانهم وآرائهم بعض ما يقرءونه أو يسمعونه منها، وهم يرون رسولهم - صلى الله عليه وسلم - قد جاءهم بالدين الحق، وترك في أيديهم كتابًا جعله إمامًا لهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأبان لهم في سنته كل ما احتاجوا إليه في شؤون دينهم ودنياهم، وهم يسمعون حكم الله في الكتب التي عندَ أهل الكتاب أنها محرفة لا يوثق بها، ويسمعون قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم". وهذا حديث صحيح رواه البخاري من حديث أبي هريرة (انظر فتح الباري 8: 129 و 13: 282 و 430 طبعة بولاق)،
(2/791)

ويقرون حديث جابر بن عبد الله: أن عمر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار، وإسناده صحيح (انظر الفتح 13: 281). وهذا المعنى متواتر عند المسلمين معلوم من الدين بالضرورة.
وكان المسلمون في تشريعهم وفقههم مستقلين تمام الاستقلال بكتابهم وسنة نبيهم، لم يتأثروا في شيء من ذلك بكتب النصارى ولا بقوانين الرومان ولا بغيرها من آراء من سبقهم، يعرف ذلك من توسع في دراسة الشريعة الإسلامية وأصولها من الكتاب والسنة، وقد يخفى على من قصر دراسته ومعرفته على كتب الفروع الفقهية، فيخدعه ما يرى فيها من شبه ببعض القواعد القانونية عند غير المسلمين.
وبعد هذا البيان الموجز، لا أراني في حاجة إلى مناقشة الكاتب تفصيلًا في المواضع التي زعم أن القرآن اتفق مع الأناجيل فيها أو خالفها، وأن للعهد الجديد أثرًا في الحديث، أو في كتب الصوفية أو غيرها، وقد دَمرنا الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعاوى الباطلة: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
(2/792)

رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 15, 16].

المادة: أنس بن مالك
الجزء: 3/ الصفحة: 48
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (أنس بن مالك):
"وهو لا يعدّ أعظم المحدّثين، ويقال: إن أبا حنيفة رفض اتخاذه حجة في الحديث، والأحاديث التي رواها عن المعراج وغيره لم تبرأ من القصص الخيالي، وتوجد مجموعة كبيرة من أحاديثه في مسند أحمد بن حنبل".
تعليق أحمد شاكر:
لم أجد ما يؤيد النقل الذي نقله المستشرق "فنسنك" عن أبي حنيفة، والمعروف عند علماء المصطلح، بل عند عامة العلماء، من أتباع أبي حنيفة وغيره من الأئمة: أن الصحابة كلهم عدول، وقد خالف بعض العلماء في الأخذ برواية بعض الصحابة خلافًا لا يقام له وزن، ولكن أنس بن مالك ليس ممن اختلف في الأخذ بروايته، وأما زعم الكاتب أن روايته لحديث المعراج فيها قصص خيالي: فإنه زعم باطل لا دليل عليه؛ لأن رواية أنس تأيدت برواية كثير من الصحابة غيره، بل إن الحديث في مجموعه ورد متواترًا لا شك في صحته، وقد جمع الحافظ بن كثير في تفسيره أكثر الروايات الواردة فيه بأسانيدها
(2/793)

(ج 5 ص 107 - 143) غاية الأمر أن الحديث دل على معجزات للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يريد الكاتب أن يصدق بصحتها، فهذا شيء مرجعه لعقيدته، لا نتحكم فيها، ولكن لا علاقة له بالقواعد الصحيحة الدقيقة التي يرجع إليها في صحة الأحاديث وضعفها، كما بينا ذلك في التعليق على ما كتبوه في الدائرة في شأن اسم "الله" جل وعلا، وفي مقدمة شرحنا على كتاب "اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير.

المادة: الأنصار
الجزء: 3/ الصفحة: 55
تعليقات أحمد شاكر على مادة (الأنصار) في دائرة المعارف:
(1) ليس في الكلمة معنى شرعي ومعنى غير شرعي، بل هي كلمة استعملت في معناها اللغوي على الحقيقة، كسائر أنواع الاستعمال اللغوي، فكل أناس نصروا شخصًا معينًا أو عقيدة خاصة - كانوا أنصارًا لمن قاموا بنصره، فالكلمة استعملت هنا في معناها اللغوي الحقيقي، وأطلقت على بعض أفراد مدلولها؛ ولذلك قال في لسان العرب: "النصير: الناصر. قال الله تعالى: {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] والجمع أنصار، مثل: شريف وأشراف. والأنصار أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبت عليهم الصفة، فجرى مجرى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل أنصاري".
(2/794)

(2) هذه دعوى غريبة لا توافق أي دليل، ولا نجد لكاتبها وجهًا يستند إليه ولا على سبيل الشبهة، فإنه يرمي بذلك الأمة العربية، في أوج فصاحتها وبلاغتها بأنها لا تفرق بين كلمتين تشابهتا في بعض الحروف وهما كلمتان مختلفتا المعنى: إحداهما عربية خالصة، مرجعها إلى مادة "نصر" التي اشتقت منها مشتقاتها، والأخرى نسبة شاذة على غير قياس إلى كلمة أعجمية الأصل، هي علم جامد لا يشتق منه شيء، وهي كلمة "ناصرة" اسم قرية قيل: إن المسيح عيسى - عليه السلام - ولد فيها أو نشأ بها. ولن يشتبه الأمر بين الكلمتين على أجهل عربي بلغة قومه، فضلًا عن القرآن الكريم، وهو معجزة العرب، وقد جاء به سيدهم وأفصحهم وأعلمهم بالعربية، وصدع به قومًا كان جلّ فخرهم بالفصاحة والبلاغة. ثم ماذا يرى الكاتب من البأس في وصف الحواريين - رضي الله عنهم - بأنهم "أنصار الله"؟ ! هل يرى في هذا الوصف مذمة تعيبهم أو منقصة تلحقهم أراد أن يبرئهم منها؟ ! .
أما نحن فنصدق ما حكاه الله عن نبيه عيسى - عليه السلام - وعن الحواريين: من أنهم كانوا أنصار الله، نصروا نبيهم عيسى في مواقف الشدة ضد أعدائه وأعداء دينه، وآمنوا به وصدقوه، ونصروا ما جاء به من توحيد الله وتنزيهه، ومن الدعوة إلى الحق، فكانوا بذلك أنصار الله.
(3) ادعى الكاتب في هذا الموضع دعاوى لا توافق شيئًا من الحقائق التاريخية الثابتة، فإنه لم يزعم أحد قط أن لقب "الأنصار" إذا
(2/795)

أطلق كان المقصود به الخزرج فقط، بل الأوس والخزرج كلاهما أطلق عليهما اسم الأنصار، وإنما رأى الكاتب كلمة فنقلها على غير وجهها، ولعله لم يصل إلى حقيقة معناها في اللغة العربية، ونصها في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 3، ص 460 - 462) في قصة بيعة العقبة الثانية من رواية ابن إسحاق عن مَعْبَد بن كعب بن مالك عن أخيه عُبيد الله عن أبيهما كعب بن مالك وكان ممن شهد العقبة: إن العباس بن عبد المطلب حضر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لقاءه الخزرج والأوس في موعدهم بالشعب. قال كعب: "فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج. قال: وكانت العرب مما يسمون هذا الحيّ من الأنصار الخزرج: أوْسَهَا وخزْرَجَها". وهذا حديث إسناده صحيح، ورواه ابن هشام في السيرة من رواية ابن إسحاق أيضًا (ص 294 - 297 طبعة أوروبا) ونقله الحافظ بن كثير في تاريخه عن ابن إسحاق (ج 3، ص 160) ونقله الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد عن مسند الإمام أحمد وعن الطبراني (ج 6 ص 42 - 45). فلم يفهم كاتب المقال وجه الكلام، وظن أن إطلاق اسم "الخزرج" على الأوس والخزرج معناه أن "الأنصار" لقب الخزرج وحدهم، وفاته أن الخزرج كانوا في ذاتهم أكثرية في المدينة، وأن الأوس كانوا أقل منهم عددًا، ولذلك كان العرب يسمون الفريقين "الخزرج" كقاعدتهم في التغليب بالكثرة أو بالشهرة أو ما إلى ذلك، كقولهم "العمران" و"القمران" ونحوهما.
(2/796)

وكذلك نقل الكاتب "أن الأوس وقفت من النبي موقفًا محايدًا إن لم تكن ناصبته العداء أحيانًا" إلى آخر ما ألقاه هنا كأنه حقيقة تاريخية مقررة: فإنه شيء لم نجد له مثيلًا ولا شبيهًا مما في أيدينا من كتب التاريخ والسير والأحاديث، ولا نرى شبهة له في نقله هذا، وإن الأوس كانوا والخزرج سواءً في نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته إلى الإقامة بين أظهرهم، وكان الحاضرون من الأنصار في بيعة العقبة الأولى 12 رجلا منهم رجلان من الأوس، ثم شهد بيعة العقبة الثانية 73 رجلًا وامرأتان، منهم 11 رجلًا من الأوس (انظر المصادر المتقدمة وغيرها من كتب السيرة) وشهد غزوة بدر 314 رجلًا، منهم 83 من المهاجرين و 61 من الأوس و 170 من الخزرج، انظر سيرة ابن هشام (ص 485 - 506)، وتاريخ ابن كثير (ج 3 ص 314).
(4) قال الله تعالى في سورة آل عمران في شأن الأنصار: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. [103]. وقال في سورة الأنفال: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)} [62، 63]. وخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار فكان مما قال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " فكلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ. ونقل ابن إسحاق
(2/797)

وغيره: أن آية آل عمران نزلت في شأن الأوس والخزرج، وأنهم كاد يثور بينهم القتال بدسيسة من بعض اليهود، فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يسكنهم ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ! ". وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح، رضي الله عنهم. انظر تفسير ابن كثير (ج 2 ص 200 - 208) فهذا الذي يشير إليه كاتب المقال، وهو حادث بسيط لا أثر له في إثارة الإحن السابقة، والأحقاد الماضية، بعد الإخاء والصفاء، ولكنه ابتلاء واختبار، ثبت الله فيه قلوبهم على الإيمان والألفة والمحبة، وكان سببًا في نزع ما لعله بقي في نفوس بعض الأفراد من الشحناء والبغضاء، رضي الله عنهم.
(5) هذا كلام ليس فيه شيء من التحقيق العلمي، ولا هو مما يوافق أدب التحدث عن الأنبياء، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس بالله، وأرجاهم له، وأشدهم خشية لله، واعتمادًا عليه، ولا يعتمد إلَّا على الله، ولا يرجو النصر إلَّا من عنده سبحانه وتعالى، وليس في شيء من الصدق أن الأنصار لم يجاهدوا إلا كارهين، فإن كل الروايات متضافرة على خلاف هذه الدعوى الباطلة:
فروى ابن إسحاق في شأن غزوة بدر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس فأشار عليه كثير من المهاجرين بلقاء قريش وقتالهم، قال ابن إسحاق: ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أشيروا عليّ أيها الناس". وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عَدَدُ الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برءاء من ذمامك حتى نصل إلى ديارنا، فإذا
(2/798)

وَصلتَ إلينا فإنك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل". قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تَخَلَّفَ منا رجل واحد، وما نكره أن نَلقى عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منًّا ما تَقَرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله. انظر سيرة ابن هشام (ص 434 - 435) وتاريخ ابن كثير (ص 362) وطبقات ابن سعد (ج 2 ق 1 ص 8) ومغازي الواقدي ص 44.
وروى الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن حميد عن أنس ابن مالك قال: "لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه، ثم استشارهم فأشار الناس فأشار عليه عمر رضي الله عنه فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم. فقالوا: يا رسول الله، والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى - عليه السلام -: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك". المسند رقم (12047 ج 3 ص 105) ورواه أيضًا بإسناد آخر صحيح عن حميد عن
(2/799)

أنس (رقم 12986 ج 3 ص 188) ورواه أيضًا بإسناد صحيح عن ثابت عن أنس (رقم 13330 و 13739 ج 3 ص 220 و 257 - 258).
وكان أنس بن النضر بن ضمضم، عم أنس بن مالك: لم يشهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، قال أنس بن مالك: "فشقّ عليه وقال: في أول مشهد شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غبتُ عنه؟ ! لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحد، فاستقبل سعدَ بنَ معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أينَ؟ واهًا لريح الجنة، أجِدُهُ دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النضر: فما عرفتُ أخي إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه". رواه الإمام أحمد في المسند رقم 13047 و 13117 و 13693 ج 3 ص 194 و 201 و 253) ورواه البخاري (ج 6 ص 16 - 17 فتح الباري).
فهذه الأحاديث الصحيحة - وهي من رواية أنس بن مالك، وهو أنصاري - صريحة في أن قومه لم ينكصوا عن الجهاد، ولم يترددوا في بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الدعوة إلى الله، وإلى الدين الحق الذي آمنوا به، وعاهدوا نبيهم على السمع والطاعة والنصر والتأييد، وحسبنا هذا لندل على بطلان ما ادعاه كاتب هذا المقال.
(2/800)

(6) روى مسلم في صحيحه (ج 2 ص 63) عن أبي هريرة في شأن غزوة الفتح قال في حديث: "فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر الأنصار". قالوا لبيك يا رسول الله. قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ " قالوا: قد كان ذلك. قال: "كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم". فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضَّنَّ بالله وبرسوله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم". وانظر سيرة ابن هشام (ص 824)، والسيرة الحلبية (ج 3 ص 128 طبعة بولاق)، والمواهب اللدنية (ج 1 ص 157 طبعة الشرفية)، وشرح المواهب للزرقاني (ج 2 ص 397 طبعة بولاق).
(7) هذا غير صحيح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عفا عن مناوئيه من قريش كرمًا منه وفضلًا، وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وهم قومه وعشيرته، ومع ذلك فإنه عاد إلى دار هجرته مع أنصاره وفاء بوعده لهم، واتباعًا لأمر ربه في إمضاء هجرته، ولعل الكاتب يشير إلى قسمة غنائم حنين، إذ أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغنائم لقريش ولم يعط الأنصار شيئًا، فقال ناس من الأنصار: "يغفر الله لرسول الله،
(2/801)

يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ) فبلغ ذلك رسول الله، فأرسل إلى الأنصار ولم يَدْعُ معهم غيرهم، وسألهم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار: (أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإني لأعطي رجالًا حديثي عهد بكفرٍ أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به". قالوا: (يا رسول الله، قد رضينا). رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالو: بلى. قال: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار". وانظر تاريخ ابن كثير (ج 4 ص 356 - 357) فهذا التألف لقلوب المؤلفة قلوبهم لا يعطى المعنى الذي أراد أن يرمي إليه الكاتب، بل هو سياسة عليا، وخلق كريم.

المادة: أهل البيت
الجزء: 3/ الصفحة: 92
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وأشار ابن سعد إلى أن تسمية أهل البيت (ج 4، ق 1، ص 59، س 15) تطلق على أسرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تمييزًا لهم عن
(2/802)

المهاجرين والأنصار" (1).
تعليق أحمد شاكر:
الذي في ابن سعد في هذا الموضع قصة فيها: أن المهاجرين والأنصار اختلفوا في سلمان الفارسي، كل فريق يريد أن يعمل معه في حفر الخندق "وكان رجلًا قويًّا" فقال كل فريق منهم: (سلمان منا). وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حينئذ: "سلمان منا أهل البيت". وهذا حديث ضعيف الإسناد، ورواه الحاكم أيضًا باختصار في المستدرك (3: 598). وإن صح فإنما هي كلمة تكريم لسلمان، لا يفهم منها في لغة العرب أن أهل البيت فريق آخر غير المهاجرين والأنصار، بل هم من المهاجرين جميعًا.

المادة: أهل الحديث
الجزء: 3/ الصفحة: 93
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (أهل الحديث):
"ويسمون أيضًا أصحاب الحديث تمييزًا لهم عن أهل الرأي، وعن أصحاب الفرق جملة، ويسمي الوهابيون في الهند أنفسهم بهذا الاسم".
تعليق أحمد شاكر:
إطلاق كلمة "الوهابيين" على أهل الحديث في الهند إنما هو
__________
(1) أحمد محمد شاكر.
(2/803)

تصرف من خصومهم، كما يفعل أمثالهم هنا في مصر وفي غيرها من البلاد، وأهل نجد لا يعرفون لقب "وهابي" الذي يرميهم به أعداؤهم خدمة للأهواء السياسية التي استعمل لنصرتها العصبيات المذهبية.

المادة: أهل الحق
الجزء: 3/ الصفحة: 104
تعليق أحمد شاكر على مادة (أهل الحق) في دائرة المعارف:
إن العقائد التي نقلها الكاتب ونسبها إلى هؤلاء الناس الذين يسميهم، أو يسمون أنفسهم "أهل الحق" عقائد لا تمت إلى الإسلام بصلة، ويبرأ منها كل مسلم يدين بدين الإسلام، ومحاولة إرجاع عقائدهم إلى عقائد الشيعة محاولة لا أساس لها، فإن مذاهب الشيعة الإمامية بريئة من هذه الآراء الباطلة التي لا تستند إلى عقل ولا نقل.

المادة: أهل الصُّفة
الجزء: 3/ 105
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان أهل الصفة من حيث قبائلهم غرباء في المدينة، فكان منهم مثلًا أبو ذر الغفاري وأبو سعيد اليمني".
تعليق أحمد شاكر:
لا يوجد في الصحابة من يسمى (أبا سعيد اليمني) فلعل الاسم تصحف على كاتب المقال فلم يحسن قراءته بالعربية.
(2/804)

المادة: بحيرا
الجزء: 3/ الصفحة: 396
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في قصة (بحيرا) مع النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"ويذكر بعض المؤلفين الآخرين أن أبا بكر كان حاضرًا ذلك الحادث، وكان حتى في ذلك الوقت نفسه على استعداد للاشتراك في الحوادث المقبلة".
تعليق أحمد شاكر:
حضور أبي بكر تلك الحادثة لم يثبت، بل استغربه علماء الحديث، ورأوا أن ذكره خطأ من الراوي. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (ج 1 ص 183): (قد وردت هذه القصة بإسناد رجال ثقات، من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجها الترمذي وغيره، ولم يسم فيها الراهب، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: "وأتبعه أبو بكر بلالًا" وسبب نكارتها أن أبا بكر حينئذ لم يكن متأملًا، ولا اشترى يومئذ بلالًا، إلا أن يحمل على أن هذه الجملة مقتطعة من حديث آخر وأدرجت في هذا الحديث، وفي الجملة هي وهم من أحد رواته). وكذلك ضعفها الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج 2 ص 285).

المادة: بحيرا
الجزء: 3/ الصفحة: 397
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويذكر المسعودي أن هذا الراهب كان يدعى جرجس".
(2/805)

تعليق أحمد شاكر:
كذا في نسخة المسعودي المطبوعة ببولاق (ج 1، ص 35)، وفي جميع الكتب التي نقلت ذلك عن المسعودي سمى باسم (جرجيس) بزيادة ياء بعد الجيم الثانية.
المادة: بحيرا
الجزء: 3/ الصفحة: 397
جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر قصة (بحيرا) مع النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"وليس لدينا ما نقوله إلا القليل من الناحية التاريخية عن صحة هذه الأساطير؛ لأن المعلومات تنقصنا في هذا الموضوع، وهذه القصص قسم خاص من مجموعة الأساطير التي أحاطت بسيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولها نظائر كثيرة من نفس النوع، وكلها ترمي إلى أن (أهل الكتاب) عرفوا من كتبهم من قبل ببعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -".
تعليق أحمد شاكر:
ليست هذه القصص بالأساطير، بل كثير منها ثابت بأسانيد صحيحة، وعلم أهل الكتاب بالبشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم ثابت عند المسلمين بنص القرآن الصريح، وليسوا في حاجة إلى افتعال أساطير يؤيدون بها ما أثبته الوحي المنزل من عند الله، وهو ثابت أيضا عند المسلمين فيما قرؤه من كتب أهل الكتاب مما بقي في أيديهم من
(2/806)

الصحيح من أقوال أنبيائهم المنقولة في كتبهم.
المادة: بحيرا
الجزء: 3/ الصفحة: 398
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فنجد مثلًا أن تيوفانس وجرجيوس فرانتز يذكران أنه بعد ظهور جبريل لأول مرة وإصابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغشيان ملئت خديجة فزعًا، فلجأت إلى راهب ملحد منبوذ يدعى سرجيوس، فطمأنها وأكد لها أن الملك جبريل يرسل لجميع الأنبياء".
تعليق أحمد شاكر:
الزعم بأن قصة خديجة كانت مع من يدعي سرجيوس خطأ، ومخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم قصة تعبد النبي - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء ومجيء الملك إليه بالوحي أول مرة ونزول قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} وفيها: (فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: "زملوني، فزملوه". حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر -: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به
(2/807)

خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرءًا تَنَصَّر في الجاهلية" إلى آخر الحديث. وهو مشهور معروف في أول صحيح البخاري. فهذا صريح في أنها ذهبت به إلى ابن عمها العربي النسب، ولم تذهب إلى رجل أعجمي يدعى "سرجيوس".

المادة: براق
الجزء 3/ الصفحة: 486
تعليق أحمد شاكر على مادة (براق) في دائرة المعارف:
في حديث الإسراء والمعراج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به أتي بدابة "دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه" وهذا هو الوصف الوارد في الأحاديث الصحاح للبراق، وهي أحاديث لا شك في صحتها عند أهل العلم بالحديث، بل هي في جملتها متواترة قطعية الثبوت. وهذا الوصف وصفه به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس من أقوال المفسرين كما يزعم كاتب المقال، وإن لم يصدق هو وأمثاله ذلك فلا شأن لنا بإقناعهم؛ إذ إن هذه الشؤون من الغيب الذي لا يدخل تحت الحس والمشاهدة، فلا يؤمن به إلا من يؤمن بأصل الإسلام، وبنبوة محمد ورسالته، فمن شاء أن يناظر فليناظر على أصل الإسلام أولًا.
وقد كان لكاتب المقال مندوحة أن يتحاشى الألفاظ الجافة في تعبيره، إذ يزعم أنه (في الأساطير للدلالة على حيوان خرافي) وليس من الأساطير ما ثبت عند علماء الإسلام بالتواتر الذي لا شك عند
(2/808)

المسلمين في صحته واليقين به.
وهذا البراق ليس حيوانًا كما يظن الكاتب من ظاهر لفظ "دابة" الذي عبر عنه في الأحاديث؛ لأنه من أمور الغيب التي أخبرنا بها النبي - صلى الله عليه وسلم - مما وراء هذه المادة التي في متناول الحس البشري، ولا يستطيع العقل الإنساني أن يفهم مدلول هذه الأشياء الخارجة عن نطاق قوته التي منحت له: إلا بالتعبير عنها بألفاظ تدل على مدلولات مما يحس ويرى ويشعر، كما جاء وصف الجنة والنار في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وكما جاءت بعض أوصاف في الأديان السابقة، على لسان الأنبياء قبل نبينا، صلى الله عليهم أجمعين.
إن هذه الأمور الغيبية إنما أمرنا بالإيمان بها كما وردت، لا نتكلف أن نصورها بأكثر مما عبر عنها الله في كتابه أو رسوله في سنته، وقد جعل الله من أول فضائل المؤمنين أنهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. فيصدقون رسولهم فيما أخبرهم، مما غاب عن حسهم، وقصرت عقولهم عن إدراكه، وليس بضارهم شيئًا أن يؤمنوا به، بل في الإيمان به كل الخير: ثقة النفس بالله، والاعتراف بقدرته وضعف الإنسان، فيتبع أوامر ربه كلها، فيما فهم وما لم يفهم، وفيما أحب وفيما كره {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}. [البقرة آية 1 - 3].
والمثل على ذلك حاضرة: يأمر أحدنا طفله بأمر كله لطفله نفع
(2/809)

ورضى، والطفل يعجب لأبيه، ويرى أمره أحيانًا مخالفًا عقله الصغير، وليس بمستطيع أن يدخله في نطاق تصوره، ومع ذلك يأبي أبوه إلا أن يلزمه الطاعة، ولعله في بعض الأمور لو خالف أباه كان فيها هلاكه.
ويرى الرجل العاقل أشياء من عمل من هم أكبر منه عقلًا وعلمًا، ينكرها ويجزم بأنها خطأ لا صواب فيه، ثم إذا أمكن لغيره أن يفهمه علتها أو ملابساتها علم أنه أنكر صوابًا، وأن العلة إنما كانت في قصور فهمه.
وإنا لنقرأ كثيرًا عن أبحاث الراصدين من علماء الفلك، فنجد فيها أخبارًا عما ظهر لهم من الرصد والحساب من أبعاد الكواكب من الأرض التي نعيش عليها، لا يمكن للرجل العادي الذي لم يدرس هذه العلوم أن يتصورها (بعض الكواكب يبعد عن الأرض 220 ألف سنة ضوئية، أي باعتبار أن الضوء يسير في الفضاء بسرعة 186 ألف ميل في الثانية الواحدة) وإنما يصدق بها ثقة بالعلماء الذين بحثوا ونقبوا، وقد يكون الخطأ في حسابهم جللا، ولعل الغلطة في رقم من أرقام حسابهم تنتج فروقًا بما لا يتصور عده من ملايين الأميال.
هذا كله في عقل إنساني أمام عقل إنساني، فماذا نرى في عقل إنساني ضعيف أمام قدرة الخالق وعلمه الذي يحيط بكل شيء {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)} [الكهف آية 109].
(2/810)

وأما ما نقله الكاتب من أن بعض الناس تخيل صورة البراق، فصوره أو وصفه، فذاك شيء لا يعرفه الإسلام ولا المسلمون، ولسنا نعبأ إلا بالبراءة منه.
وقد تعرض الكاتب للإشارة إلى الإسراء والمعراج، وعبر عنهما بأنهما رؤيا للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وله شيء من العذر في هذا، إلا في نسبته إلى النبي، فإن الأحاديث الصحيحة المتواترة صريحة في أنهما لم يكونا في عالم الرؤيا، إنما كانا في اليقظة، بالجسم والروح، وكان هذا موضع الإعجاز، وكان هذا مما أنكرته قريش، ومما ارتد بسببه بعض ضعفاء الإيمان إذ ذاك، ولم تكن قريش لتكذب رجلًا يدعي أنه يرى رؤيا في المنام، فإن هذا مما يمكن أن يكون لكل إنسان، إنما هم ينكرون شيئًا معجزًا خارجًا عن حدود القدرة البشرية، وكاتب المقال إنما تبع في كلامه بعض من أخطؤوا من الكاتبين الإسلاميين فزعموا أن الإسراء والمعراج بالروح، توهمًا منهم؛ لحديث زعموه عن عائشة أنها ما فقدت جسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء، وهو حديث لا أصل له ولا إسناد، بل هو حديث مكذوب مفترى، وعائشة كانت حين الإسراء طفلة صغيرة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دخل بها بالمدينة، والإسراء كان بمكة قبل الهجرة.

المادة: برزخ
الجزء: 3/ الصفحة: 534
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد ورد هذا المعنى أيضًا في سورة النمل الآية 61، وذكر في
(2/811)

هذه الآية كلمة (حاجز) بدلًا من كلمة برزخ".
تعليق أحمد شاكر:
في سورة النمل (61): {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}.
المادة: برزخ
الجزء: 3/ الصفحة: 535
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والأفلاك السماوية برزخ حيّ، وعلى عكسها الأجسام التي لا حياة فيها، فهي برزخ ميت".
تعليق أحمد شاكر:
قال الراغب الأصفهاني في المفردات: "البرزخ: الحاجز بين الشيئين، وقيل: أصله برزه، فعرب. وقوله تعالى: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 20]. والبرزخ في القيامة الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله عز وجل: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)} [البلد: 11]. قال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100]. وتلك العقبة موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون، وقيل: البرزخ ما بين الموت إلى يوم القيامة. ونحو ذلك في لسان العرب أيضًا فانظره. ونعرف من هذا أن البرزخ في لغة العرب: الحاجز، وأن كل حاجز يسمى برزخًا، سواء أكان حاجزًا حسيًّا أم حاجزًا معنويًّا، الحسي في الحسيات، والمعنوي في المعنويات.
(2/812)

المادة: برصيصا
الجزء: 3/ الصفحة: 546
تعليق أحمد شاكر على مادة (برصيصا) في دائرة المعارف:
أولًا: أن المفسرين الذين ذكروا قصة برصيصا عن تفسير هذه الآية إنما ذكروها على أنها مثال من مثل إغواء الشيطان للإنسان، لا أن ذلك هو المراد منها وحده، قال العلامة الحافظ ابن كثير في تفسيره (8: 300 من طبعة المنار): "وقد ذكر بعضهم ههنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل، هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها".
ثانيًا: أن ابن هشام ذكر في السيرة في هذا الموضع: أن حادث يوم بدر كان مرويًّا على الشك على أنه مع أبي جهل أو مع عمير بن وهب.
ثالثًا: أن المفسرين لم يذكروا أبا جهل في هذا الموضع على التعيين، وإمامهم الزمخشري قال: "كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر وقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم" فلم يذكر أبا جهل كما نسبه إليه كاتب المقال، وكذلك من تبعه من المفسرين.
رابعًا: قصة هذا الراهب وردت بألفاظ مختلفة، بعضها مطول وبعضها مختصر، وكلها موقوفة على الصحابة أو التابعين، ليس شيء
(2/813)

منها مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا رواية ذكرها السهيلي في كتاب (التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام) طبعة مصر سنة 1356 ص 127 - 128) وإسنادها ضعيف جدًّا؛ لأنها من رواية عروة بن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا إسناد مجهول لا قيمة له؛ لأن عبيد بن رفاعة تابعي، لم يدرك النبي، وأحاديثه عنه مرسلة، فابنه أبعد من ذلك وأصغر، ثم إن ابن سعد ذكر أولاده في كتاب الطبقات (ج 5، ص 204) ولم يذكر فيهم من يسمى "عروة" ونقله السيوطي في الدر المنثور (6: 200) عن عبيد بن رفاعة عن النبي ونسبه لابن أبي الدنيا وابن مردويه والبيهقي، وهو حديث ضعيف، لما قلنا من أن عبيد بن رفاعة لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك رواه ابن الجوزي في كتاب (تلبيس إبليس) مطولًا (ص 26 - 29) وجعله من رواية عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة.
خامسًا: وأكثر أسانيد هذه القصة إلى الصحابة ضعيف، إلا إسناد روايتها عن علي بن أبي طالب، قال الطبري في التفسير (28: 33): "حدثنا خلاد بن أسلم قال حدثنا النضر بن شميل قال أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الله بن نهيك قال سمعت عليًّا - رضي الله عنه - يقول: إن راهبًا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، فجاءوا بها. قال: فداواها وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها
(2/814)

فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة! ! فسجد له فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فذلك قوله: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)} [الحشر: 16]. وهذا إسناد جيد، عبد الله بن نهيك - بفتح النون وكسر الهاء - كوفي، ذكره ابن جنان في الثقات. ورواها أيضا الحاكم في المستدرك (ج 2، ص 484 - 485) من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن حميد بن عبد الله السلولي عن علي بن أبي طالب، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". ووافقه الحافظ الذهبي، ولم أجد ترجمة لحميد بن عبد الله السلولي هذا.
سادسًا: وهذه القصة المختصرة عن علي بن أبي طالب فيها عبرة وعظة، وليست من الأحاديث المسندة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هي من القصص الذي يحكى على سبيل الاعتبار، ولعلها مما سمع الصحابة من اليهود من أخبار بني إسرائيل، مما يسميه علماء المسلمين "الإسرائيليات" فسواء كانت حقيقية أو غير حقيقية فإنها ليست تفسيرًا للآية، وإنما هي مثل من المثل، وذكر المفسرين الأقدمين إياها على هذا المعنى، واستشهاد علي وغيره من الصحابة بالآية عقيب القصة على هذا المعنى أيضًا، ثم تزَّيد الرواة الوضاعون الكذابون في أمثال هذه الحكايات، وخرجوا بها عن الحد الذي نقله المتقدمون، واغتر
(2/815)

المفسرون المتأخرون وغيرهم من العلماء فذكروا هذه الروايات المخترعة الباطلة، ولم يكونوا يريدون إلا الوعظ والعبرة، وكثير منهم لا يعرف الصحيح من الضعيف، أو يعرفه ويكتفي بأن رواه بإسناده، وأن القارئ العالم بالأسانيد سيظهر له ضعف الإسناد فلا يظنه صحيحًا، ثم ازداد الجهل بالسنة الصحيحة وبأسانيدها في عامة العلماء، فاختلط عليهم الصحيح بالباطل، إلا من عصم الله، وآتاه حظه من الرشد والتوفيق من الله.
سابعًا: كتاب "جامع البيان" الذي أشار إليه كاتب المقال هو تفسير نفيس لمعين الدين محمد بن عبد الرحمن الصفوي المولود سنة 832 والمتوفى سنة 905 هجرية، وقد طبع في دهلي قديمًا (سنة 1296 هجرية) وقد طبع الثلث الأخير من هذا الكتاب سنة 1355 بإشرافنا وتصحيح الشيخ محمد حامد الفقي، وقد ذكر في (ص 375) في التعليقات المنقولة عن طبعة الهند: أن السيوطي في الدر المنثور نقله عن ابن أبي أمامة مرفوعًا وعزاه للبيهقي، وهذا شيء لم أجده في الدر المنثور، فلا أدري ممن الخطأ فيه، ولكنه خطأ بكل حال.
ثامنًا: إن تسمية الراهب المنسوب إليه القصة باسم "برصيصا" لم يذكر في كتب المتقدمين والروايات الأولى، ولكنه ذكر في كتب المتأخرين كالبغوي في تفسيره (ج 8، ص 300 - 303 من طبعة المنار) ثم من بعده. وقد قال السهيلي في كتاب التعريف والإعلام (ص 128): "ويقال اسم هذا الراهب برصيصا، ولم يذكر اسمه إسماعيل القاضي، ولا أنا منه على ثقة". وقال ابن كثير في تفسيره (8: 300):
(2/816)

"واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا فالله أعلم".
تاسعًا: نسبة هذه الحكاية على طريقة علمائنا في تخريج الروايات، لا على طريقة المستشرقين في خفاء هذه الطرق عليهم: أن القصة مروية عن علي بن أبي طالب، كما ذكرناها وذكرنا من رواها، ورواها أيضًا ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، ورواها ابن جرير عن ابن مسعود، ورواها ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبيد بن رفاعة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد تكلمنا على هذه الرواية فيما مضى في رقم (4) ورواها ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس. وهذه الروايات ملخصة من الدر المنثور للسيوطي (ج 6 ص 199 - 200) وذكرها أيضًا البغوي مطولة جدًّا بدون إسناد من طريق عطاء وغيره عن ابن عباس.
عاشرًا وأخيرًا: لم نجد حاجة إلى ذكر شيء من تفاصيل هذه الحكاية واختلاف الروايات فيها، فهي أهون من أن يشتغل بها، إلا لبيان قيمتها، والتحذير من ربط الصلة بينها وبين تفسير القرآن.

المادة: برنك سَبِل
الجزء: 3/ الصفحة: 574
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولقد دلت التجارب على أنه من المستحيل على المسلمين أن
(2/817)

يقوموا بما يفرضه الجهاد عليهم، وإن كان الفقهاء يقولون، والناس يصدقونهم، بأن الحرب لا تضع أوزارها ضد الكفار إلا عند اليأس من النصر".
تعليق أحمد شاكر:
هذا القول غير واضح، ولعل كاتب المقال اشتبه عليه الأمر، إذ رأى النصوص الدالة على أنه لا يجوز للمقاتل الفرار إلا أن يكون لخطة من خطط الحرب أو رجوعًا إلى باقي الجيش، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)}. [الأنفال آية 15, 16]
وأما أن ييأس المسلمون من النصر فلا، وإنما قد تدعوهم الظروف السياسية أو الضرورات الحربية إلى ترك القتال في بعض الأوقات، وهم لا يقاتلون إلا مدافعين عن الدين وعن الحق، ولا يقاتلون بغيًا ولا عدوانًا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: 3/ الصفحة: 574
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحق أن الشريعة الإسلامية تنص على أن الإمام هو الذي يدعو
(2/818)

الناس إلى الجهاد، ولا وجود للإمام اليوم، ولكن لما كان سلطان الترك هو الإمام المعترف به، فقد تغلبوا على ما يعتور نفوسهم من شك بسكوته عن الدعوة إليه".
تعليق أحمد شاكر:
لم يكن جميع المسلمين معترفين بإمامة سلطان الأتراك في ذلك الوقت، وإنما أعجز المسلمين عن الجهاد وعن نصرة دينهم تفرق كلمتهم، وضعف ملوكهم، وإحجام علمائهم عن كلمة الحق، ثم إعراضهم عن التمسك بدينهم وخوفهم من تهمة التعصب الديني التي خدعتهم بها أوربة بعد أن زلزلت أقدامهم في بلادهم، إلى غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها هنا.
المادة: برنك سَبِل
الجزء: 3/ الصفحة: 575
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والمسلمون خارج البقاع التي يقوم الجهاد فيها يعطفون بقلوبهم على المجاهدين، ويمتدح شيوخ المسلمين بصفة عامة إكراه أي شخص على اعتناق الإسلام في أية ناحية من نواحي جزائر الهند الشرقية، ويعدون هذا أداء لواجب من أهم واجبات الجهاد".
تعليق أحمد شاكر:
لسنا نعرف في أية بلدة من بلدان الإسلام أن هناك علماء من شيوخ
(2/819)

المسلمين يرضون عن إكراه إنسان على اعتناق الإسلام، ولا نظن كاتب المقال متحققًا من هذا النقل الذي ينسبه إلى بعض العلماء، بل لعله سمع بعض كلمات من أناس يتملقون أعداء الدين بأقاويل يزعمونها من أقاويل العلماء التماسًا لعرض الحياة الدنيا، وغرورًا بما يرون من قوة أعداء الإسلام وطغيانهم، وأما الإسلام وعلماء الإسلام فإنهما بريئان من إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام.
وقد عرض كاتب المقال لأحكام تتعلق بالجهاد هنا، وليس هذا موضعها، ونرجو أن نتكلم عليها عند الكلام على مادة "جهاد" إن شاء الله.

المادة: بُسر
الجزء: 3/ الصفحة: 633
تعليق أحمد شاكر على مادة (بُسر) في دائرة المعارف:
"بسر" بضم الباء وسكون السين المهملة، و"أرطاة" بفتح الهمزة وسكون الراء. والمشهور عند المحدثين "بسر بن أرطاة" ويقال "بسر ابن أبي أرطاه" والظاهر أن اسم أبيه "عمير" وكنيته "أبو أرطاة" فهذا معنى من قال "بسر بن أبي أرطاة" وأن اسم جده "أرطاة" فتارة ينسب إلى أبيه، وتارة ينسب إلى جده فيقال: "بسر بن أرطاة". ويرجح هذا ما في تاريخ بغداد للخطيب (ج 1 ص 211): "قال أبو الحسن أحمد بن عمير: حدثني بكار بن عبد الله بن بسر وسألته عن اسم أبي أرطاة؟ فحدثني عن أبيه بنسب جده: "بسر بن عمير بن أرطاة بن عويمر بن عمران".
(2/820)

وأما الخلاف في صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو خلاف معروف عند علماء الحديث؛ لأنه كان صغير السن عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه كان مميزًا، وسمع منه حديثين رواهما، ولذلك رجح المحدثون أنه صحابي، وحديثاه في مسند أحمد (ج 4 ص 181).
وأما أحداثه في السياسة بعد ذلك وقسوته، فإنه شيء يسأل عنه بين يدي الله يوم القيامة، ونحن نطهر ألسنتنا عن دماء طهر الله منها أيدينا.
وله تراجم أخرى غير ما أشار إليه كاتب المقال في تاريخ بغداد (ج 1 ص 210 - 211) وفي الاستيعاب لابن عبد البر (ج 1 ص 64 - 67 من طبعة الهند) وفي مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (ج 3 ص 220 - 225).

المادة: بسملة
الجزء: 3/ الصفحة: 641
تعليق أحمد شاكر على مادة (بسملة) في دائرة المعارف:
هذه المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبًا خاصة، فمن ذلك كتاب "الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف" للإمام الكبير أبي عمر يوسف بن عبدي البر القرطبي المتوفى سنة 463 ه، وهو جزء في 42 صفحة، وقد طبع في مصر سنة 1343 ه، وكتاب لأبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره النووي في المجموع، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها
(2/821)

أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. وقد جمع الحافظ الزيلعي في نصب الراية أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتابًا مستقلًا (1: 168 - 191، من طبعة الهند، و 1: 323 - 363 من طبعة المجلس العلمي سنة 1357 ه) وكذلك النووي في المجموع، كتب فيها مقدارًا وافيًا.
واستيعاب ما قالوه لا يسعه المقام هنا، لكني أقول فيها كلمة أرجو أن أوفق إلى أن تكون القول الفصل، إن شاء الله:
اتفق المسلمون جميعًا على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ثابتة ثبوت التواتر القطعي الموجب لليقين.
ثم اختلف الفقهاء وغيرهم بعد ذلك: هل هي آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة؟ أو هي جزء من آية؟ أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة - سوى براءة - لافتتاحها وللفصل بينها وبين غيرها؟ أو هي آية من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية أصلًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها؟
فنقل العلماء عن مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود؛ أنهم ذهبوا إلى أنها ليست في أوائل السور كلها قرآنًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها!
وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني.
(2/822)

وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست قرآنًا في أوائل باقي السور. وهو قول إسحاق وأبي عبيد وأهل الكوفة وأهل مكة وأهل العراق، فيما نقله العلماء، وهو أيضًا رواية عن الشافعي.
وقال الشافعي وأصحابه: هي آية من كل سورة سوى براءة. وحكاه ابن عبد البر عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس ومكحول. وحكاه ابن كثير عن أبي هريرة وعلي وسعيد بن جبير والزهري، وهو رواية عن أحمد. وادعى أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن، أن الشافعي لم يسبقه أحد إلى هذا القول! !
وذهب أبو بكر الرازي الجصاص إلى أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها وللفصل بين كل سورتين - سوى ما بين الأنفال وبراءة - وهو المختار عند الحنفية، قال محمد بن الحسن: "ما بين دفتي المصحف قرآن". وهو قول ابن المبارك ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعي في نصب الراية: "وهذا قول المحققين من أهل العلم".
ونسبة هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط، فقد قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (1: 8): "ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا: فعدها قراء الكوفيين آية منها، ولم يعدها قراء البصريين، وليس عن أصحابنا رواية منصوصة في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر بها، وهذا
(2/823)

يدل على أنها ليست منها عندهم؛ لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر بها كما جهر بسائر آي السور".
وقال شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي في المبسوط (ج 1 ص 16): "وعن معلى قال: قلت لمحمد - يعني ابن الحسن -: البسملة آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن. قلت: فلم لم تجهر؟ فلم يجبني، فهذا عن محمد بيان أنها آية أنزلت للفصل بين السور، لا من أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبي بكر الرازي رحمه الله، حتى قال محمد رحمه الله: يكره للحائض والجنب قراءة البسملة على وجه قراءة القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآنًا حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة كونها قرآنًا الجهر بها، كالفاتحة في الأخريين".
وقد استدل كل فريق لقوله بأحاديث، منها الصحيح المقبول، ومنها الضعيف المردود.
وأما أئمة القراءات فإنهم جميعًا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور، سوى براءة. ولم يرو عن واحد منهم أبدا إجازة ابتداء القراءة بدون البسملة.
وإنما اختلفوا في قراءتها بين السور أثناء التلاوة، أي؛ في الوصل: فابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر وقالون وابن محيصن والمطوعي وورش من طريق الأصبهاني يفصلون بالبسملة بين كل سورتين، إلا بين الأنفال وبراءة. وحمزة يصل السورة بالسورة من
(2/824)

غير بسملة، وكذلك خلف، وجاء عنه أيضا السكت قليلًا - أي بدون تنفس - من غير بسملة. وجاء عن كل من أبي عمرو وابن عامر ويعقوب وورش من طريق الأزرق؛ البسملة والوصل والسكت بين كل سورتين سوى الأنفال وبراءة.
وكل من روى عنه من القراء العشرة حذف البسملة روى عنه أيضًا إثباتها، ولم يرد عن أحد منهم حذفها رواية واحدة فقط.
وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي، شيخًا عن شيخ في التلاوة والأداء.
وقد اتفقوا جميعًا على قراءتها أول الفاتحة وإن وصلت بغيرها. قال إمام القراء أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر في القراءات العشر (1: 262): "ولذلك لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها؛ لأنها ولو وصلت لفظًا فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مرتحلًا".
ولا خلاف بين أحد من أهل النقل وأهل العلم في أن جميع المصاحف الأمهات، التي كتبها عثمان بن عفان، وأقرها الصحابة جميعًا دون ما عداها كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى براءة، وأن الصحابة - رضوان الله عليهم - إذ جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآي، ولا (آمين)، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما
(2/825)

ليس من كتاب الله في المصاحف، حرصًا منهم على حفظ كتاب الله، وخشية أن يشبه على أحد ممن بعدهم فيظن غير القرآن قرآنًا، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله؟ ! ألا يدل هذا دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العملي المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه؟ !
والقاعدة الصحيحة عند أئمة القراء أن القراءة الصحيحة المقبولة هي: ما صح سنده ووافق رسم المصحف ولو احتمالًا وكان له وجه من العربية، وأنه إذا فقد شرط من هذه الشروط في رواية كانت قراءة شاذة أو ضعيفة أو مردودة. وقد ذهب بعض القراء إلى أن التواتر شرط لصحة القراءة. والحق أنه شرط في إثبات القرآن، وأما القراءة فيكفي فيها صحة السند مع ما سبق. وهذا الذي اعتمده إمام القراء ابن الجزري وغيره.
ولكن لم يخالف واحد منهم في اشتراط موافقة رسم المصحف، وفي أن القراءة التي تخالفه قراءة غير صحيحة ولو صح سندها.
فإذا سلكنا جادة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية علمنا يقينًا ليس بالظن، أن القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه، في أنها ليست آية أصلًا قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة، وأن قراءة من قرأ بأسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير
(2/826)

صحيحة أيضًا؛ لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة، أو هو الشرط الأساسي في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف، وظهر أن الحق الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا يستطيع مجادل أن ينازع فيه: أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف.
وأما أنها آية من السور المكتوبة في أولها أو آية مستقلة، فإنه محل نظر وبحث، والذي يظهر لي ترجيح أنها آية من كل سورة كتبت في أولها، أي؛ من جميع سور القرآن سوى براءة، وأنه لا يجوز لقارئ أن يقرأ أية سورة من القرآن - سوى براءة - من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها، سواء أقرأها ابتداء أم وصلها بما قبلها، وهذا الذي اختاره الشافعي رضي الله عنه، فيما نقله عن العلماء، وهو الذي يفهم من كلامه الذي نقلنا آنفًا عن كتابه "الأم".
وبعد: فقد يبدو للناظر بادئ ذي بدء أن يتكره هذا القول وينكره، لما فيه من الحكم على بعض أوجه القراءات السبع بعدم الصحة، لما شاع بين المتأخرين والعامة، من أن هذه القراءات السبع متواترة تفصيلًا، بما فيها من بعض الاختلاف في الحروف وبما فيها من أوجه الأداء، وهذه شائعة غير صحيحة، بدأ القول بها بعض متأخري العلماء، ثم تبعه فيها غيره، ثم أذاعها عامة القراء وعامة أهل العلم، من غير نظر صحيح، ولا حجة بينة، وقد ردها كثيرون من أئمة القراء والعلماء، قال أبو شامة المقدسي: "ونحن وإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم
(2/827)

بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة".
وقال إمام القراء الحافظ أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر (1: 9 - 10): "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة، التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه، قال أبو شامة - رحمه الله - في كتابه المرشد الوجيز: فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأن هكذا أنزلت، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه، فإن القراءات
(2/828)

المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم".
ولم يكن الأئمة السابقون من العلماء يحجمون عن نقد بعض قراءة القراء السبعة وغيرهم، بل كثيرًا ما حكموا على بعض حروفهم في القراءة بأنها خطأ، وقد يكون الناقد هو المخطئ، ولكنه ينقد عن علم وحجة، فلا عليه إن أخطأ، ولو كانت حروف القراء كلها متواترة تفصيلًا كما يظن كثير من العلماء وغيرهم لكان الناقد لحرف منها خارجًا عن حد الإسلام، ولم يقل بهذا أحد، والعياذ بالله من أن نرمي أمثالهم بهذا.
فمن أمثلة ذلك؛ أن إمام المفسرين وحجة القراء أبا جعفر محمد ابن جرير الطبري رد قراءة حفص عن عاصم من السبعة، ويعقوب من العشرة في قوله تعالى في سورة الحج [آية 25]: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} بنصب "سواء" فقال في تفسيره (17: 103): "وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه (سواء) نصبًا، على إعمال. (جعلنا) فيه، وذلك وإن كان له وجه من العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من القراء على خلافه"!
وقد رد الطبري والزمخشري، وهما إماما العربية والتفسير قراءة ابن عامر في قوله تعالى في سورة الأنعام [آية 137]: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لكثيرٍ مِنْ المشرِكِين قَتَلُ أوَلادَهُم شُرَكَائِهم) فقال الطبري (8: 33)
(2/829)

"وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام (وَكَذَلِكَ زيِّن) بضم الزاي (لكثيرٍ مِنَ المشركين قَتلُ) بالرفع (أولادَهم) بالنصب (شِركائِهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح، وقد روى عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشأم رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه". وقال الزمخشري في الكشاف (2: 42): "وأما قراءة ابن عامر (قتلُ أولادَهم شركائهم) برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجًا مردودًا، كما سمج ورد * زج القلوص أبى مزاده * فكيف به في الكلام المنثور! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته! ! ".
وقد أطال الإمام ابن الجزري في النشر القول في الرد على الطبري والزمخشري في نقدهما هذا الحرف على ابن عامر، وعقد لذلك فصلًا نفيسًا (2: 254 - 256)، ولسنا بصدد تحقيق الصواب في هذا الخلاف هنا، ولا نبغي أن نحكم بالخطأ على ابن عامر، إنما نريد أن ندل على أن المتقدمين لم يكونوا يرون أن وجوه القراء في حروفهم متواترة كلها، وإلا كان في الإقدام على إنكار بعضها جرأة غير محمودة.
(2/830)

وكذلك أنكر أبو إسحاق الزجاج حرفًا من قراءة حمزة في قوله تعالى في سورة الكهف (آية 97): {فَمَا اسْطَاعُوا}. إذا قرأها بتشديد الطاء كما في النشر وغيره من كتب القراءات، قال في لسان العرب (10: 112): "وكان حمزة الزيات يقرأ (فَمَا اسْطَّاعُوا) بإدغام الطاء والجمع بين ساكنين. وقال أبو إسحاق الزجاج: من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل ويونس وسيبويه وجميع من يقول بقولهم".
ولذلك كله لا نرى علينا بأسًا أن نقول: إن قراءة من قرأ بحذف البسملة بين السور في الوصل قراءة غير صحيحة؛ إذ هي تخالف رسم المصحف فتفقد أهم شرط من شروط صحة القراءة، وأن البسملة آية كل سورة في أولها سوى براءة، على ما ثبت لنا تواترًا صحيحًا قطعيًّا من رسم المصحف.

المادة: بعل
الجزء: 3/ الصفحة: 695
تعليق أحمد شاكر على مادة (بعل):
بنى كاتب هذا المقال بحثه على نقطتين: معنى كلمة "بعل" بمعنى الزوج أو المالك أو السيد، ومعناها على أن تكون اسمًا لصنم معين، أو لامرأة كان قوم إلياس النبي يعبدونها.
وبث في ثنايا مقاله ما اعتاد المستشرقون أن يبثوه في أبحاثهم:
(2/831)

من إرجاع كثير من الكلمات العربية، وخصوصًا ما يتعلق منها بالقرآن والسنة إلى اللغات الأخرى، كالعبرية ونحوها، ومن محاولة إقناع القارئ بأن هذا القرآن إنما أخذ من التوراة والإنجيل، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - درس كتب الأمم السابقة، واصطنع منها هذا الكتاب، حتى ليكادون يخرجون به في نظرهم عن عروبته وفصاحته، اتباعًا لهواهم، وانتصارًا لرأيهم، وتنفيذًا لخطط موضوعة معروفة عنهم.
وقد رددت على إخوان له من قبل - في التعليق على بعض مواد هذه الدائرة - في مادتي "أمة" و"أمي" (في المجلد الثاني ص 631 و 645 - 648) وفي مادة "إنجيل" (في المجلد الثالث ص 18 - 33).
وقد ادعى الكاتب هنا - فيما رجحه - "أن محمدًا قصد ببَعْل: بَعَل، كما سمعها في قصة من قصص التوراة"! !
وهذه دعوى عريضة كبيرة، تحتاج إلى قوائم من فولاذ تقف عليها، ولكنا نراهم بنوها على قوائم من ثلج أو ملح، وأسسوها على شفا جرف هارٍ. وفيما كتبنا فيما مضى الكفاية في نقضها.
ومما يؤسف له حقًّا أن المفسرين نقلت إليهم أخبار من الإسرائيليات عن قوم كان لهم صنم اسمه "البعل" فيما يزعمون، فرأوا أن يذكروها عند تفسير آيات سورة الصافات، التي يقول فيها النبي إلياس لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125)} [الصافات: 124، 125]. وليس لهذه الأخبار أصل من الكتاب ولا من السنة، ونقل إليهم أيضًا - مما لا أصل له - أن "بعل" اسم امرأة
(2/832)

كانوا يعبدونها. فذكروا هذين القولين، على أنهما مما نقل في معنى "بعلًا" في الآية! !
وممن صنع ذلك الطبري - إمام المفسرين - ولكنه قال عقب ذلك: "وللبعل في كلام العرب أوجه: يقولون لرب الشيء: هو بعله. يقال: هذا بعل هذه الدار. يعني ربها، ويقولون لزوج المرأة: بعلها. ويقولون لما كان من الغروس والزروع مستغنيًا بماء السماء ولم يكن سقيًا: هو بعل، وهو العذى".
والعارف بكتاب الطبري وطريقته في التفسير يجزم من صنيعه في تفسير الآية، أنه لم يرض إلا القول الأخير، وإن لم يرد الروايتين الأخريين ردًّا صريحًا.
والبخاري - إمام أهل الحديث - لما ذكر هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه، قال: "بَعْلا: ربًّا". ولم يقل غير هذا، ولم يشر إلى الروايات الإسرائيلية (انظر فتح الباري ج 8 ص 417 طبعة بولاق سنة 1301 ه) وقد أصاب.
وأما كلمة "بعل" فإنها عربية أصيلة ليس فيها شية من العجمة، وإن ادعى كاتب المقال أنها سامية، وأنها "بَعَل" وسنذكر الأدلة على ذلك قوية واضحة إن شاء الله.
قال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن (54): "بعل: البعل هو الذكر من الزوجين، قال الله عز وجل: {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود: 72]. وجمعه بعولة، نحو فحل وفحولة، قال تعالى:
(2/833)

{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228]. ولما تُصُوِّرَ من الرجل الاستعلاء على المرأة، فجعل سائسها والقائمَ عليها، كما قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]. سمّى باسمه كلُّ مسْتَعْلٍ على غيره، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلًا [يعني أنهم جعلوه اسمًا نكرة لما يعبدون، كقولهم "صنم" ونحوه فلم يعتبره الراغب علمًا على صنم بعينه، وهو الصواب]. لاعتقادهم ذلك فيه، في نحو قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125)} [الصافات: 125]. ويقال: أتانا بعل هذه الدابة. أي المستعلي عليها. وقيل للأرض المستعلية على غيرها: بعلٌ. ولفحل النخل: بعل. تشبيها بالبعل من الرجال. ولما عظم حتى يشرب بعروقه: بعلْ، لاستعلائه. قال - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سُقى بعلًا العشر". ولما كانت وطأة العالي على المستولي عليه مستثقَلَةً في النفس قيل: أصبح فلان بعلًا على أهله، أي؛ ثقيلًا لعلوه عليهم. وبني من لفظ البعل: المباعلة والبعال، كناية عن الجماع، وَبَعَل الرجلُ يَبْعَلُ بعولةً واستبعل، فهو بعل ومستبعِل إذا صار بعلًا. واستبعل النخل: عظم. وتصُوَّرَ من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه فقيل: بَعِلَ فلان بأمره: إذا دُهش وثبت مكانه ثبوت النخل في مقرّه، وذلك كقولهم: ما هو إلا شجر، فيمن لا يَبرحُ".
وهذا النص عند الراغب يجمع معاني هذا الحرف، وهو أدق النصوص؛ لأنه يردها كلها إلى معنى واحد، تفرعت عنه المعاني الأخر، وهو من دلائل عروبة الكلمة، فإنا إذا وجدنا العرب استعملوا
(2/834)

كلمة، ثم أكثروا من تصريفها والاشتقاق منها، والانتقال من معانيها إلى أنواع مختلفة باختلاف الأوزان، وانتقلوا بها إلى معاني تشبه أن تكون بينها وبين المعنى الأول علاقة علمنا أن الكلمة أصيلة عندهم، ومن لغتهم، فإذا وجدناهم خرجوا من هذا إلى تقليب حروفها بالتقديم والتأخير، واستعملوا تقاليب المادة أو أكثرها، بإعادة معنى جديد في كل تغيير منها كان في ذلك اليقين والجزم، وارتفعت كل شبهة في أنها عربية.
وقد صنع العرب في هذا الحرف كل ذلك، فاشتقوا من مادة "بعل" ما نقلناه عن الراغب وغيره، ثم استعملوا تقاليبها كلها:
قدّموا اللام على العين، فقالوا "بَلِعَ" الشيء بَلْعًا، وابتلعه ابتلاعًا، وقالوا: رجل "بُلَع" كثير الأكل. إلى آخر هذه المادة.
ثم قدّموا العين على الباء، فقالوا: رجل "عَبْلٌ" إذا كان غليظًا، والمصدر "العبالة" و"العبولة"، وهكذا.
ثم أخروا الباء بعد العين واللام، فقالوا: "العُلْبُ" وجمعه "عُلُوب" وهو الأثر في الجسد، واشتقوا منه فعلًا، وقالوا: "العلبة": و"استعلب" الجلدُ: إذا غلظ، وغير ذلك.
ثم أخّروا الباء بعد اللام والعين، فقالوا: "لَعِبَ" ومشتقاتها.
ثم قدّموا اللام قبل الباء والعين فقالوا: "ذَهَبَ به ضَبْعًا لَبْعًا". أي؛ باطلًا.
(2/835)

فها هي الصور العقلية كلها في تقليب هذه الحروف الثلاثة (ب ع ل) بالتقديم والتأخير، استعملها العرب جميعًا، وإذا ذهبنا نبحث فيما يخرج منها بتغيير بعض الحروف بما يقاربها في المخرج كما إذا أبدلنا من الباء فاء مثلًا وجدنا الصور الستة فيها مستعملة كلها: (فعل، فلع، عفل، لفع، لعف، علف).
وكذلك إذا وضعنا بدل العين حاء، وجدنا تقاليب المادة مستعملة كلها: (بحل، بلح، حبل، لبح، لحب، حلب). وكذلك إذا وضعنا الفاء والحاء بدل الباء والعين: (فحل، فلح، حفل، لفح، لحف، حلف).
وهكذا مما لو تتبعناه تفصيلًا طال الأمر جدًّا، فليس من المعقول بعد هذا أن يكون في كلمة "بعل" أية شبهة من العجمة، والنقول التي فيها أن الكلمة بمعنى "الرب" لغة أهل اليمن لا تنافي هذا، فاليمنية عربية، وكثير من الألفاظ التي تفردت باستعمالها عرفت قبل الإسلام في مضر، وقليل منها لم يعرفه سائر العرب، ثم عُرف بعد وكلها لغة واحدة.
هذا إلى أني أذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي وأبو عُبَيْدةَ: أنه ليس في القرآن كلمة واحدة غير عربية، حاشا الأعلام. وأنصر هذا القول وأجزم بأنه الحق، وإن خالفتُ فيه كثير من الأصوليين واللغويين.
قال الشافعي في [كتاب الرسالة] (في الفقرات 131 - 136، ص 41 - 42 من طبعة الحلبي بتصحيحي):
"فالواجب على العالمين أَلَّا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك
(2/836)

أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله. فقال قائل منهم: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا. والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، وَوَجَدَ قائل هذا القول مَن قَبِلَ ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أَغْفَلَ مَن أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم".
وبعد أن أقام الحجة لقوله، ورد قول مخالفيه، اعتذر عن بدء كتابه بهذا البحث، وقال (في الفقرة 170، ص 50):
"فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدْراكُ نافلة خيرٍ لا يَدَعُها إلَّا مَن سَفِهَ نفسَهُ، وتَرَكَ موضعَ حظّه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قيامًا بإيضاح حَق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير".
وقال أبو عبيدة، فيما نقله عنه أبو منصور الجواليقي في [كتاب المعرَّب] (ص 4 من طبعة ليزج سنة 1867):
"من زعم أن في القرآن لسانًا سوى العربية فقد أعظَمَ على الله القول".
ولعلي أُوَفَّق لتفصيل الحجج لما ذهبت إليه، في مقدمة [كتاب الرسالة] إن شاء الله، وأسأل الله التيسير والعون.
بقيت الشبهة التي أثارها كاتب المقال، من أن في اللغة السامية
(2/837)

كلمة "بَعَل" بمعنى مالك الشيء، وأن في سفر الملوك إطلاق هذه الكلمة على صنم.
أما ما في سفر الملوك، فإن الذي يبدو لي أن الكلمة لم تكن علمًا على صنم معين، وإنما كانت في الكلام مرادًا بها التنكير أيضًا، على قدر ما فهمت مما في الكلام من ضعف العبارة وسوء الترجمة.
وأما وجود الكلمة في اللغة السامية، فإنه لا يدل إلى نقلها منها إلى العربية.
وليس اشتراك أصل مادة في لغتين متجاورتين متقاربتين كالسريانية مع العربية، أو كالعبرية مع العربية: بدالّ على أن إحداهما أخذت الكلمة من الأخرى، إلا إذا ثبت يقينًا أن إحدى اللغتين أقدم من الأخرى وأسبق. والسريانية من اللغات القديمة، وكانت لغة إبراهيم النبي عليه السلام، ولم يثبت من وجه قاطع أنها أقدم من العربية، حتى يكون ما فيها من المتفق مع العربية أصلًا له.
وقد قلنا شيئًا من هذا المعنى فيما مضى من الدائرة (في المجلد الثاني، ص 631) ثم وجدنا الآن بحثًا فيه جيدًا للحافظ الكبير العلامة ابن حزم في (كتاب الإحكام في أصول الأحكام ج 1، ص 31 - 32) قال:
"إن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا أن السريانية والعبرانية والعربية، التي هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير - لغة واحدة،
(2/838)

تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جَرْسٌ كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نَغْمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما. "ونحن نجد من سمع لغة أهل فحْص البَلوُّط، وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلًا لا يخفى على من تأمله، ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلًا، وهو في البعد من أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب: العِينب، وفي السوط أَسْطَوْط، وفي ثلاثة دنانير، ثلاثدًّا. وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال: السجرة. وإذا تعرب الجِلِّيقي أبدل من العين والحاء هاء، فيقول: مهمد. إذا أراد أن يقول محمد. ومثل هذا كثير، فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا، من تبديل ألفاظ الناس، على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل".
وهذا ما قال ابن حزم، وهو قوي جدًّا، وواضح معقول، لا تنقضه أوهام الواهمين، ولا أهواء ذوي الأغراض، وقد وافقناه في أساس نظريته فيما كتبناه تعليقًا على مادة "أمة".
ولكن ابن حزم بعد ذلك انتهى إلى نتيجة لا نوافقه عليها، إذ لم
(2/839)

يقم عليها دليل صحيح، فإنه قال: "وإذ قد تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معًا، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام، فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده، والسريانية بلا شك هي كانت لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم، فالسريانية أصل لهما".
ووجه نقدنا لابن حزم: أن إسحاق بن إبراهيم، فمن البعيد جدًّا أن تكون له لغة خاصة غير لغة أبيه، وإلا فبماذا كانا يتخاطبان ويتفاهمان! وليس من السهل اعتقاد أن إسحاق اخترع لغة أخرى لنفسه بجوار لغته التي نشأ عليها، إنما المعقول أن تكون العبرانية لغة نشأت عن السريانية على توالي الأزمان في بني إسرائيل بعد أن هاجر إبراهيم من العراق إلى الشأم، ثم تطورت مع تجاور الأمم وتغاير اللهجات، حتى صارت لغة قائمة بنفسها.
وأما الشأن في إسماعيل فشيء آخر: المعقول أيضًا أن لغته كانت لغة أبيه السريانية، ونزح به أبوه إلى مكة فأسكنه بين أمة موجودة - كانت في ذلك - هي الأمة العربية، وقد كانت لها لغة تتفاهم بها ولا بد، ومن الظاهر جدًّا أن تكون هي اللغة العربية، الباقية فيهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله.
وليس من المستساغ ادعاء أن قد كانت لهذه الأمة لغة غير لغتها المعروفة، ثم تنوسيت ودرست، ونشؤوا على لغة غيرها؛ لأنه لم
(2/840)

يأت بذلك خبر، ولا قام عليه دليل.
ثم بماذا كان يخاطب إسماعيل هؤلاء الناس الذين نزل بجوارهم؟ أيعقل أن يخترع لغة ثم يفرضها عليهم فرضًا، حتى يدعوا لغتهم إليها؟ ! أظن أن المعقول المفهوم أن يتعلم هو لغتهم؛ إذ صار بجوارهم، وواحدًا منهم، وكان طفلًا رضيعًا، ثم أصهر إليهم، وولد فيهم، وبقي ببلدهم إلى أن مات، ثم كان ولده منهم.
فإن لم تكن العربية أقدم من السريانية، فإنها على الأقل كانت بجوارها معروفة لقوم معروفين، ويحتمل جدًّا أن تكونا متقاربتين، وأن يكون الخلاف بينهما قليلًا كالخلاف بين اللهجات المتعددة في اللغة الواحدة، حتى كان ميسورًا لإبراهيم وإسماعيل وهاجر أن يَفْهَموا العرب ويُفْهِموهم، أما أن تكون العربية فرعًا من السريانية أو العبرية فلا.
والذي شَبَّه على ابن حزم في هذا أنه سمع أخبارًا سماها "مستفيضة" أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل، وليس لهذا أصل صحيح، بل ورد فيه أثر رواه الحاكم في المستدرك (ج 2، ص 552 - 553) عن ابن عباس، وهو أثر ضعيف الإسناد جدًّا، والثابت الصحيح ينفيه، ففي صحيح البخاري (ج 6 ص 285 - 286) حديث لابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة إبراهيم وإسماعيل، وفيه: أن إسماعيل وهاجر بقيا وحدهما بجوار زمزم، حتى مرت بهم رفقة من جرهم، وأنهم استأذنوها في النزول عندها فأذنت، ثم قال في
(2/841)

الحديث: "فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشَبَّ الغلام وتعلم العربية منهم". إلى آخر الحديث. فهذا نص صريح صحيح، عن خبر الصادق - صلى الله عليه وسلم - أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم.
وبعد: فإذا كانت كلمة "بَعْل" العربية لها شبه بكلمة في نحو معناها من اللغات السامية، فليس معنى هذا أن العرب أخذوها منهم، ولا يدل على أن ما في القرآن الكريم مأخوذ من التوراة.

المادة: البغوي
الجزء: 4/ الصفحة: 28
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وجمع البغوي الأحاديث النبوية كلها في كتابه (شرح السنة)، وترجع شهرته في العالم الإسلامي إلى مصنفه في الحديث المعروف ب (مصابيح السنة)، وقد جمعه من كتب السنة السبعة الصحيحة، وبوبه على أبواب، وقسم الأحاديث في كل باب إلى ثلاث طبقات، صحيحة أخذها من البخاري ومسلم، وحسنة أخذها من السنن، وغريبة وضعيفة".
تعليق أحمد شاكر:
ليس هذا النقل مطابقًا بالدقة لصنيع البغوي في المصابيح؛ لأنه قسم أحاديث الكتاب في كل باب إلى قسمين فقط: صحاح وحسان.
(2/842)

ثم قال في الحسان: "وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة، من صحة الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه". فيفهم من هذا أنه لم يجعل قسمًا خاصًّا للغريب والضعيف، بل هو داخل قسم (الحسان) عنده، وأن الغرابة والضعف ليسا إلى الدرجة التي تمنع الأخذ بما ذكره في الحسان. ثم هذا التقسيم للبغوي اصطلاح خاص به، ليس موافقًا لمصطلح أهل الحديث، بل هو اصطلاح غير صواب؛ لأنه يخلط الأمر على القارئ، فإن في كثير من كتب السنن الثلاث التي أخذ منها الحسان، وهي أبو داود والترمذي والنسائي: أحاديث صحيحة جدًّا، لا تقل في الصحة عن درجة ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وقد انتقد كثير من المتقدمين صنيع البغوي هذا وأبانوا عن خطئه، وإن كان اصطلاحًا خاصًّا به.

المادة: البغوي
الجزء: 4/ الصفحة: 28
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن شروح كتاب (المشكاة) للبغوي:
"ونذكر من بين شروح هذا الكتاب شرح ابن حجر الهيثمي المتوفى عام 974 ه (1566 م) الذي طبع بالقاهرة عام 1309 ه (1891 م) في خمسة مجلدات".
(2/843)

تعليق أحمد شاكر:
هذا غلط من الأستاذ المستشرق بروكلمان ويظهر أنه سها عن النقل؛ إذ إن شرح ابن حجر الهيثمي على مشكاة المصابيح مجلد واحد، فقط واسمه (فتح الاله في شرح المشكاة)، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية (رقم 354 حديث) ولم يطبع قط فيما نعلم، لا في مصر ولا في غيرها، وأما المطبوع في مصر سنة 1309 في خمسة مجلدات فهو (مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح) تأليف العلامة ملا علي بن سلطان محمد الهروي القارئ المتوفى بمكة في شوال سنة 1014 ه (فبراير سنة 1606 م) وهو شرح نفيس معروف، وقد أدرك العلامة بروكلمان غلطه هذا فأصلحه في الملحق الأخير لكتابه في تاريخ آداب العرب الصادر في العام الماضي، وقد أطلعني عليه بعض الإخوان العارفين باللغة الألمانية.

المادة: بئر معونة
الجزء: 4/ الصفحة: 387
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحق أن أمامنا سرية حدثت بالفعل كما يستدل من كِتاب "المغازي"، وكما هو مؤكد من دراسة المصادر دراسة مقارنة. ولم تكن هناك حاجة تتطلب 70 قارئًا لتحفيظ القرآن، بل لا شك في أنه لم يكن في المدينة حينئذ مثل هذا العدد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه الأحوال لا يرسل سوى قارئ أو اثنين فقط (الأغاني ج 6 ص 19، 9 إلخ)
(2/844)

وقد اخترع المحدثون هذه القضية لتغطية حملة خانها التوفيق ولإثبات كثرة عدد القراء وشدة قدمهم وإصباغ القداسة عليهم ... وحدثت هذه الوقعة في صفر من العام الرابع للهجرة أو في الشهر الثالث والستين للهجرة بعد وقعة أحد بأربعة عشر شهرًا. ويقال إنه نزلت آية أخرى علاوة على الآية 163 من سورة آل عمران لتهدئة الخواطر الثائرة في المدينة ثم نسيت أو نسخت من القرآن. وهذه الآية نصها: (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) ".
تعليق أحمد شاكر:
قصة سرية بئر معونة معروفة في كتب السير والمغازي والتاريخ والحديث. وهي أن رعلًا وذكوان وعصية طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مددًا يقاتلون به قومهم، وادعوا أنهم أسلموا، فأرسل إليهم رسول الله سبعين رجلًا فغدروا بهم وقتلوهم، وأن رسول الله مكث شهرًا يقنت في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وأن الله أنزل في شأنهم قرآنًا يتلى، وأن الآية التي نزلت في شأنهم نسخت تلاوتها.
ومن العجب أن يصور (الأب لامنس) كاتب المقال خيالًا يزعمه: (أن المحدثين اخترعوا قصة القراء لتغطية حملة خانها التوفيق، ولإثبات كثرة عدد القراء وشدة قدمهم وإسباغ القداسة عليهم)، وأن الآية التي نزلت ثم نسخت نزلت (لتهدئة الخواطر الثائرة في المدينة) .. وليس بالمحدثين من حاجة إلى اختراع
(2/845)

الأكاذيب - في زعمه - لتغطية حملة خانها التوفيق، فإن المسلمين كانوا يحاربون المشركين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده، وكانوا ينتصرون، كما كان ينتصر عليهم عدوهم في بعض المواقع، فلم يخونوا التاريخ، ولم يخترعوا نصرًا موهومًا، كما نرى في غيرهم من الأمم، بل كانوا صادقي الرواية، مؤدي الأمانة على وجهها، وقد هزموا أو هزم بعضهم في غزوة أحد وفي غزوة حنين، ولم يخفوا ذلك، بل أنزل الله في شأن ذلك قرآنًا يتلى إلى اليوم، فما الحاجة بعد هذا إلى اختراع قصة لستر حملة خانها التوفيق؟ !
وأما ما رضيه قلمه لنفسه مما يقول فيه: (وكانت خطة النبي تقتضيه التدخل في مثل هذه الأمور الدنيوية). وما يريد أن يشير إليه في ذلك، مما يفهمه القارئ النبيه، فليس لنا إلا أن نقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأت بدين رهبانية، بل جاء بدين لمعاملة الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع الخلق، وجاء بدين يحض أتباعه على الجهاد وعلى العزة، وعلى العمل للدنيا وللآخرة، فإن كان هذا لا يرضي الأب لامنس فلسنا نستطيع أن نرضيه.
وأما ما ورد في القصة أن السبعين كانوا من القراء وزعمه أن (لا شك في أنه لم يكن في المدينة حينئذ مثل هذا العدد) فإنه جرى فيه على طريقته وطريقة إخوانه في رد الأحاديث الصحيحة والأخبار المتواترة المتعلقة بالإسلام، وليس قوله في هذا إلّا تعرضًا لما لا يعلم، أو جحدًا لما يعلم ويوقن بصحته.
(2/846)

والمحدثون الذين يرميهم الأب لامنس وغيره باختراع الأحاديث، هم الذين ابتكروا أدق الطرق العلمية العقلية لنقد الأخبار المنقولة، وإثبات الصحيح منها ونفي الباطل، ومن درس آثارهم وعلومهم وفقه ما ارتضوه من ذلك أيقن في نفسه بصحة ما نقول.
ومن إبداع الأب لامنس في الإيهام أن يقول: (وكان النبي في مثل هذه الأحوال لا يرسل سوى قارئ أو اثنين فقط، الأغاني ج 6، ص 19، 9 ... إلخ). كأنه وضع يده على نص في الأغاني بما يزعم! ! وليس في الأمر شيء من هذا، إنما يريد أن يضع في ذهن قارئ مقاله صحة ما يرمي إليه بأنه أشار إلى مستند عظيم من كتب المسلمين! وهو يعلم أن أكثر قارئيه من الإفرنج ليس بيدهم كتاب الأغاني. وقد رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه في الأغاني فلم نجد شيئًا، بل وجدنا في (ج 6، ص 89 وما بعدها من طبعة الساسي) وهي توافق (ص 92 وما بعدها من طبعة بولاق) أخبار أبي سفيان بن حرب، وفي أثنائها خبر إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم. فظننت أن في هذا الموضع خطأ مطبعيًّا في (دائرة المعارف) في الطبعة الإنجليزية فطلبت إلى إخواني مترجميها أن يرجعوا إلى الطبعة الفرنسية منها، فوجدوه فيها (الأغاني ج 4، ص 19، 9 ... إلخ). فرجعت إلى الجزء الرابع فوجدت فيه (ص 17 - 33) قصة غزوة بدر! ولا أزال أعجب من أمر الأب لامنس في الإشارة إلى هذه المواضع، ولا أدري ماذا يريد أن يستدل به منها؟
(2/847)

وأما القول الذي يشير فيه من أن الآية 163 من سورة آل عمران تشير إلى ذلك فإن الآية المشار إليها هي قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)}. وهي الآية 169 من السورة على عد المصحف المطبوع بأمر المغفور له الملك فؤاد الأول، فإن هناك رواية رواها الطبري في تفسيره، أنها نزلت في أهل بئر معونة، والصحيح أنها نزلت في قتلى أحد. وهو القول المعتمد عند أهل العلم.
في قتلى أحد. وهو القول المعتمد عند أهل العلم.
مصادر أخرى للبحث:
تاريخ الطبري (ج 3، ص 33 - 36 طبعة الحسينية بمصر).
تفسير الطبري (ج 4، ص 114 - 115 طبعة بولاق).
تاريخ ابن كثير (ج 4، ص 71 - 74).
تفسير ابن كثير (ج 2، ص 288 - 294 طبعة المنار بمصر).
سيرة ابن سيد الناس (ج 2، ص 43 - 48).
سيرة ابن هشام (ج 3، ص 184 - 191 طبعة التجارية بمصر).
الدر المنثور للسيوطي (ج 2، ص 94 - 97)
أسباب النزول للسيوطي (ص 54).
فتح الباري شرح البخاري (ج 7، ص 290 - 301 طبعة بولاق).
(2/848)

المادة: البيهقي
الجزء: 4/ الصفحة: 430
تعليق أحمد شاكر على مادة (البيهقي) في دائرة المعارف:
ومما طبع من مؤلفات البيهقي أيضًا كتاب (الأسماء والصفات) طبع بالهند سنة 1313 وطبع بمصر أيضًا أخيرًا، وكتاب (القراءة خلف الإمام) طبع بالهند في سنة 1915 م وهو جزء متوسط في 160 صفحة تصحيح المصادر ومصادر أخرى.
ترجمة البيهقي في ابن خلكان (ج 1، ص 24 - 25 طبعة بولاق) وطبقات الحفاظ للذهبي (ج 3 ص 209 - 317) طبعة الهند، والبداية والنهاية لابن كثير (ج 12، ص 94) وشذرات الذهب لابن العماد (ج 3 ص 304 - 305).

المادة: تابع
الجزء: 4/ الصفحة: 437
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وهناك أيضًا طبقات من رواة الحديث الخاص بقراءة القرآن والخاص بالصوفية، والحسن البصري هو أشهر رواة الطبقة الأولى".
تعليق أحمد شاكر:
الحسن البصري تابعي مشهور، وهو من أئمة القراء، كما هو من
(2/849)

أئمة الحديث والفقه والوعظ. ولد سنة 21، ومات سنة 110، وله ترجمة في طبقات ابن سعد (ج 7 ق 1 ص 114 - 129) وحلية الأولياء لأبي نعيم (ج 2 ص 131 - 161) وطبقات القراء لابن الجزري (ج 1 ص 35)، وفي التهذيب وابن خلكان وغيرها. والصوفية يرجعون بأسانيدهم في التصوف إليه، إن صحت هذه الأسانيد، وليست من الأسانيد التي يحتج بها علماء الحديث.

المادة: تأويل
الجزء: 4/ الصفحة: 524
تعليق أحمد شاكر على مادة (تأويل) في دائرة المعارف:
أصل مادة "تأويل" من المعنى اللغوي "آل يؤول أولا" أي: رجع إلى أصله. ثم استعمل في كلام العرب وفي القرآن خاصة بمعنى التفسير، أو بشيء قريب من معناه، فالتفسير والتأويل: كشف المراد عن الشيء المشكل. وفرق بعض العلماء بينهما، فكثر استعمال التفسير فيما يتعلق بشرح المفردات والألفاظ، والتأويل فيما يتعلق بالمعاني والجمل. واصطلح الفقهاء وغيرهم على معنى آخر للتأويل؛ هو تفسير الآية أو الحديث بمعنى غير ما يفهم من ظاهر اللفظ، ولذلك يقول العلماء كثيرًا في عباراتهم مثلًا: إن هذا الحديث أو هذه الآية من الصريح الذي لا يحتمل التأويل، أي؛ لا يحتمل معنى آخر يخرجه عن المراد الظاهر من لفظه، فالمعنى الظاهر من
(2/850)

الكلام لا يخرج عن المفسر والمؤول إلا بدليل أو قرينة؛ لأنه يكون شبيها بالمعنى المجازي، وقد ورد لفظ "التأويل" في آيات من القرآن على المعنى اللغوي الأصلي، ولكن بعض العلماء والمفسرين ظنها مما يدخل في "التأويل" الاصطلاحي، فنشأ عن ذلك اختلاف واضطراب في آرائهم. والحق أن ذلك على المعنى اللغوي الواضح. ففي لسان العرب (13: 25): "وأما قول الله عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] فقال أبو إسحاق: معناه: هل ينظرون إلا ما يؤول إليه أمرهم من البعث، قال وهذا التأويل هو قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] أي: لا يعلم متى يكون أمر البعث، وما يؤول إليه الأمر عند قيام الساعة إلا الله. {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] أي: آمنا بالبعث والله أعلم. قال ابن منصور: وهذا حسن". وأقول: بل هو الصواب الذي لا يفهم من القرآن غيره.
ثم دخل على المسلمين ناس اتبعوا المتشابه في مثل هذا، وأكثروا من القول في القرآن بغير علم، حتى ادعوا أن له ظاهرًا وباطنًا، وأن الباطن لا يعلمه هؤلاء إلا بشيء يزعمونه نحو الإلهام. وهم لم يفقهوا ظاهر القرآن ولم يعرفوا شيئًا من السنة، أو عرفوا وأعرضوا عنه لما وقر في نفوسهم من حب الإغراب، أو من آراء تنافي الإسلام فأرادوا أن يلصقوها به، وعن ذلك نشأت تأويلات الصوفية وغيرهم ممن أشار إليهم كاتب المادة. وهذه التأويلات لا تمت إلى الإسلام بصلة، وإن كان قائلوها يسمون بأسماء إسلامية،
(2/851)

ويذكرون في تاريخ الإسلام، وتذكر أقوالهم وآراؤهم مع آراء علماء الإسلام. والإسلام دين واضح سهل، لا رموز فيه ولا ألغاز، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ترك المسلمين على المحجة الواضحة، ليلها كنهارها، فكل من حاد عن هذه السبيل، فإنما أعرض عن الصراط المستقيم، وتفرقت به السبل، حتى خرج بعضهم عن كل طريق من طرق الإسلام، أو من الطرق التي تشبه أن تتصل بالإسلام ممن وصفهم كاتب المادة بقوله: (بل صارت أحكام القرآن في رأي أصحابها غير واجبة الاتباع). ومن ذهب هذا المذهب أو قريبًا منه فلا يمكن أن يعد من المسلمين، ولا أن ينسب قوله إلى أقوال أهل الإسلام.

المادة: التجارة
الجزء: 4/ الصفحة: 581
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن كلمة (التجارة):
"وعدم التيقن من الصيغة التي تجمع عليها بينة أخرى على أصلها الأعجمي، فابن الأثير يورد في كتابه النهاية إلى جانب صيغ الجمع التي تجرى على القواعد، وهي تجار وتِجار صيغة تُجار".
تعليق أحمد شاكر:
ليس فيما قاله كاتب المقال ما يدل أو يشير إلى عجمة الكلمة، بل هي عربية أصلية، لاستعمال القرآن أصل المادة (تجارة)، وليس في القرآن كلمة أعجمية إلّا من الأعلام، وهذا هو الصحيح الذي
(2/852)

ذهب إليه الإمام الشافعي في كتاب الرسالة (انظره بشرحنا ص 4 - 50) ومطابقة بعض الكلمات في الآرامية أو غيرها للحرف العربي، أو مقاربتها إياه ليس دليلًا على نقل العربي من الأعجمي، فإن أرجح الاحتمالين أن العربية أقدم اللغات السامية (وانظر تعليقنا على مادة "بعلبك" في هذه الدائرة ج 3، ص 695 - 700)، وأغرب ألوان التشكيك في عربية الكلمة ما اخترعه كاتب المقال من كثرة جموع كلمة "تاجر" مما سماه هو "عدم التأكد من الصيغة التي تجمع عليها".
ومن الواضح البديهي أن أغلب الكلمات العربية يكون لها جمعان أو ثلاثة أو أكثر.

المادة: التجارة
الجزء: 4/ الصفحة: 583
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث أورده زيد في مجموع الفقه: "الاكتساب من الحلال جهاد، وإنفاقك إياه على عيالك وأقاربك صدقة، ولدرهم حلال من تجارة أفضل من عشرة حلال من غيره ... ".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس حديثًا بل هو أثر مروي عن علي بن أبي طالب في مسند الإمام زيد المسمى (المجموع الفقهي) (ص 103، طبعة المنار، مصر، 134 ه).
(2/853)

المادة: الترمذي
الجزء: 5/ الصفحة: 230
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (جامع الترمذي):
"وفي طبعة القاهرة تعرف مجموعته في الأحاديث باسم الصحيح، أما في غيرها من الطبعات فتعرف بالجامع".
تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس اختلافًا في التسمية من الطابعين، بل إن كتاب الترمذي يقال له: "السنن". كباقي السنن الأربعة، وقد سماه المتقدمون الجامع الصحيح؛ فسماه بذلك الحاكم صاحب المستدرك وغيره؛ لأن أكثر أحاديثه صحاح، والضعيف فيه قليل جدًّا، وقد بين هو ضعف الضعيف، وهو جامع؛ لأنه يجمع إلى أبواب الأحكام أبوابًا أخرى، كما بينه كاتب هذه المادة.

المادة: الترمذي
الجزء: 5/ الصفحة: 231
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الترمذي:
"هذا الموضوع في كتاب الأم ليست كاملة وقلما يوثق بصحتها".
تعليق أحمد شاكر:
ليس للكاتب دليل على هذا التشكيك.
(2/854)

مصادر أخرى عن الترمذي:
- تهذيب الكمال للحافظ المزي، مخطوط بدار الكتب المصرية.
- نكت الهميان للصلاح الصفدي ص 264 - 265.
- الكامل لابن الأثير ج 7، ص 164 - 165.
- النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج 3، ص 81 - 82.
- مفتاح السعادة لطاشكبري زاده ج 2، ص 11.
- شذرات الذهب لابن العماد ج 2، ص 174 - 175.
- شروط الأئمة أصحاب الكتب الستة للحافظ أبي الفضل المقدسي، مخطوط.
- شروط الأئمة الخمسة للحازمي، جزء صغير مطبوع.
- كشف الظنون ج 1، ص 375.
- الفهرست لابن النديم ص 325.
- عارضة الأحوذي للقاضي أبي بكر العربي ج 1، ص 5 - 6.
- مقدمة شرح الترمذي لأحمد محمد شاكر.

المادة: تسنيم
الجزء: 5/ الصفحة: 245
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي رأي الشافعي، أن القبور يجب ألا تُرفع إلا بقدر ما يُعرف
(2/855)

به أنها قبور، لكيلا يطؤها الناس أو يجلسون عليها".
تعليق أحمد شاكر:
روى الترمذي (ج 1، ص 195 طبعة بولاق) عن علي بن أبي طالب "أنه قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته". ثم قال الترمذي: "حديث على حديث حسن، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض، قال الشافعي: أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف به أنه قبر، لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه".
وهذا هو الحق، فإن إظهار القبر قليلًا كما قال الشافعي لا بأس به، وأما تشريفه وإعلاؤه، فإنه حرام وتجب إزالته وتسويته، كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

المادة: التشريق
الجزء: 5/ الصفحة: 262
جاء في دائرة المعارف الإسلامية في بيان معنى كلمة (التشريق)
عند المسلمين:
"وكانت كلمة التشريق تطلق في صدر الإسلام على الصلاة التي تقام في صبيحة العاشر من ذي الحجة، ولعلها كانت من كلمات الجاهلية فلم يقطع المسلمون فيها بتفسير، من ذلك أنهم أخذوا
(2/856)

بظاهر الكلمة، فقالوا: إنها من تشريح اللحم المتبقى من الضحية في ذي الحجة وتقديده. وهو تفسير يشك فيه".
تعليق أحمد شاكر:
ما الداعي إلى الشك فيه؟ قال في اللسان: "تشريق اللحم تقطيعه وتقديده وبسطه، ومنه سميت أيام التشريق، وأيام التشريق ثلاثة، بعد يوم النحر؛ لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس، أي يشزر".

المادة: التشريق
الجزء: 5/ الصفحة: 262
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث من أحاديث الآحاد، أن كلمة التشريق مأخوذة من تلاوة الكلمات الآتية: (أشرق ثبير كيما نغير)
تعليق أحمد شاكر:
ثبير جبل بظاهر مكة، والإغارة الدفع، والمعنى كما في لسان العرب: ادخل أيها الجبل في الشروق، وهو ضوء الشمس، كيما نغير، أي كيما ندفع للنحر، وكانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض قبل طلوع الشمس، كما ثبت في الحديث الصحيح. وانظر نيل الأوطار للشوكاني، (ج 5، ص 142 من الطبعة المنيرية).
(2/857)

المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 412
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن تقليد النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدي:
"ولا يبعد أن يكون محمد فعل ذلك".
تعليق أحمد شاكر:
بل قد ثبت في الأحاديث الصحاح، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلد هدية في حجة الوداع. وشك كاتب المقال في هذه الأحاديث لا يؤثر في صحتها، وأهل العلم بالحديث وعلماء الإسلام أعرف بالصحيح من الضعيف.

المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 412
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن حديث البخاري في تقليد الهدي:
"ومن هنا اشتد الحديث الذي أورده البخاري (كتاب الأضاحي، باب 15) في إنكار هذا الإحرام، وهو حديث موضوع ظاهر الهوى".
تعليق أحمد شاكر:
لا ندري لماذا رضي كاتب المقال أن يحكم بوضع الحديث؟ وما دليله على ذلك، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وسترى أنه هو الذي أخذ به كل العلماء أو أكثرهم.
(2/858)

المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 413
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن صيرورة الرجل محرمًا بتقليد الهدي:
"ولما اكتمل الفقه ضاق بهذا الإحرام وأهمله، ولا شك في أن المسلمين نبذوه من عهد قريب. وإذا خلينا عبد الله بن عباس، وهو إمام القائلين بهذا الإحرام، وإن لم يدعم ذلك سند تاريخي، وعمر، وعلي، وقد ذكرا في هذا المقام خطأ، وعبد الله بن عمر الذي استشهد به في تأييد الرأي المناهض، فإن القول بالإحرام في هذه الحال لم ينسب إلا لقيس بن سعد بن عبادة، وإبراهيم النخعي، وعطاء، ومحمد بن سيرين، أما الإشارات العارضة إلى غيرهم فلا يعول عليها كثيرًا".
تعليق أحمد شاكر:
خلاصة القول في هذا؛ أن الرجل إذا قلد هديه وأرسله إلى مكة وهو باق في بلده، هل يصير بذلك محرمًا، فيمتنع عما يمتنع منه المحرم من اللباس والطيب والنساء وغير ذلك أولا؟ فذهب ابن عباس إلى أنه يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه. قال النووي: "وكذا مذهب ابن عمر إن صح عنه في هذه المسألة شيء". وذهب كافة العلماء إلى أنه لا يصير محرمًا بذلك، وإنما يصير محرمًا
(2/859)

بنية الإحرام إذا نواه. وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث، ويؤيده حديث النسائي الذي أشار إليه كاتب المقال: "عن جابر: أنهم كانوا إذا كانوا حاضرين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعث بالهدي، فمن شاء أحرم ومن شاء ترك". وانظر المجموع للنووي شرح المهذب (8: 360 - 361) ونيل الأوطار للشوكاني (5: 193 - 195) وتفسير القرطبي (6: 39 - 42).

المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 413
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد يسر سعيد بن المسيب الإحرام تيسيرًا كبيرًا، وإن كان قد أبقى على ركن من أركانه، فمنع الجماع في ليلة الجمعة".
تعليق أحمد شاكر:
هذا نقل عجيب! ! ولا نظن عالمًا يقول به.
المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 413 - 414
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ونختم ذلك فنقول؛ بأنه جاء في حديث أن تقليد الإبل بالأوتار (تسمى أيضًا قلائد) يدفع عنها العين، خصوصًا إذا تدلى منها ناقوس".
(2/860)

تعليق أحمد شاكر:
نقل غريب عجيب أيضًا، ونخشى أن يكون تحريفًا، فإن كاتب المقال رأى حديثًا في الموطأ ليس في أبواب الحج، بل هو في أواخر الكتاب في باب "ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العين" (ج 3 ص 118 طبعة الحلبي سنة 1343) وهو عن أبي بشير الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل للناس وهم في مقيلهم، يعني نزولهم للقيلولة في السفر: "لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وبر أو قلادة إلا وقطعت". قال يحيى: سمعت مالكا يقول: أرى ذلك من العين". فهذا الحديث في النهي عن تقليد الإبل في السفر، ولا علاقة له بالهدي، وقد ظن مالك أن هذا التقليد كانوا يصنعونه من أجل العين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهم عنه. فلا معنى لأن يأتي به الكاتب بشكل يوهم أن هذا العمل من شعائر الإسلام، والنبي قد نهى عنه. ثم قد ورد النهي عن تعليق الأجراس في أعناق الدواب، كما في حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر. وعن أنس نحو ذلك. رواهما ابن حبان في صحيحه. بل إن النهي عن اتخاذ الأجراس عام في أحاديث كثيرة. وانظر الترغيب والترهيب للمنذري (ج 4 ص 67 - 68 الطبعة المنيرية) وهناك حديث آخر في شأن الخيل رواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج 3 ص 352): (عن جابر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار"). وفسره ابن الأثير في النهاية بمعان، أجودها:
(2/861)

"أراد بالأوتار جمع وتر القوس، أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها، وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعوزة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف حذرًا".
المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 415
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويستعمل الشافعي (الرسالة، ص 8، س 18) لفظ التقليد بمعنى قريب جدًّا"
تعليق أحمد شاكر:
يشير إلى موضع الصفحة والسطر من رسالة الشافعي طبعة بولاق سنة 1321 وهما الفقرتان (135 - 136) من طبعة الحلبي بشرحنا سنة 1357 - 1938 (ص 42)، وهو ينكر على بعض من يزعم أن في القرآن كلمات معربة نقلت من غير اللغة العربية، وأن بعض الناس قلد من زعم هذا الزعم، ونص عبارته: "ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم".
وقد علقنا على هذا في شرحنا هناك بما نصه: "الشافعي لا
(2/862)

يرضى لأهل العلم أن يكونوا مقلدين، وكان - رضي الله عنه - حربًا على التقليد، وداعيًا إلى الاجتهاد والأخذ بالأدلة الصحيحة، وعن هذا قال تلميذه أبو إبراهيم المزني، المتوفى سنة 264، في أول مختصره الذي أخذه من فقه الشافعي: اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - ومن معنى قوله؛ لأقربه على من أراده، مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه، ج 1 ص 2 من هامش كتاب الأم".
المادة: التقليد
الجزء: 5/ الصفحة: 416
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وللمقلد من الوجهة النظرية أن يختار اجتهادًا جديدًا كلما عرضت له مسألة من المسائل، ولكن المتبع أن يلتزم مذهب من المذاهب الأربعة المقررة".
تعليق أحمد شاكر:
ليس هناك أي دليل على وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، وإنما هذه كلمة شاعت عند العوام في عصور ضعف فيها العلم، واشتدت العصبية بين العلماء لمذاهب الأئمة الذين تبعوهم، وقد كانت هناك أيام العصبية مذاهب أخرى يتعصب لها أتباعها، كمذهب داود الظاهري ومذهب ابن جرير الطبري - صاحب التفسير - ومذهب الأوزاعي وغيرهم. تم ضعف العلماء فقلدوا العوام
(2/863)

والجهال في العصبية للمذاهب الأربعة، ومن عجب أن يقلد العالم الجاهل. وأما الأئمة - رضي الله عنهم - فما كان أحد منهم ليرضى أن يقلده أحد، بل كانوا يعلمون العلم ويظهرون الناس على أدلته، ويجادلهم تلاميذهم وأتباعهم، ويوافقونهم ويخالفونهم، ولم يجعل الله قول أحد من العلماء حجة على الناس، بل الحجة في الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فما علمه العالم من الدليل واقتنع به وجب عليه اتباعه، وحرم عليه أن يخالفه لقول أحد كائنًا من كان، في كل عصر وحين. وإنما أوهم الناس في هذا الشأن أن ظنوا أن معنى "الاجتهاد" أن يكون العالم المجتهد إمامًا في كل علم وفي كل مسألة، وأن يضع للناس مذهبًا يتبعونه ويلزمون به، ولم يقل هذا أحد. والاجتهاد بلوغ الجهد في المسألة، فرب عالم متوسط درس مسألة واحدة وأتقنها وعرف وجه الحق فيها، ووصل إلى ما لم يصل إليه أعلم منه، وهذا أمر بديهي مشاهد في كل العلوم والمسائل. نعم قد يخطئ العالم، ولكن الله لم يكلفه إلا أن يعمل بما علم وبما وصل إليه اجتهاده. وهذا بالضرورة في المسائل النظرية الخلافية، وأما المسائل المعروفة من الدين معرفة قطعية؛ وهي الأشياء المتواترة تواترًا علميًّا أو عمليًّا فليست محل اجتهاد ولا خلاف، ولا يسمى الآخذ بها مقلدًا؛ لأنها قطعية يقينية. وأكثر العلماء المتقدمين من أئمة الفقه والحديث إنما كان هذا شأنهم،
(2/864)

درسوا المسائل، وعرفوا أدلتها، وعرفوا أقوال الأئمة، ورضوا منها ما اطمأنت له قلوبهم وأخذوا به، فظنهم الجاهلون مقلدين، وإنما هم مجتهدون وافق اجتهادهم اجتهاد غيرهم.
وممن أفاض القول في وجوب الاجتهاد على العلماء ومنع التقليد العلامة ابن القيم في (إعلام الموقعين) فليرجع إليه من شاء يقتنع، والحمد لله.

المادة: التقية
الجزء: 5/ الصفحة: 419
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي مسائل العقائد تخلص محمد - صلى الله عليه وسلم - نفسه من العذاب في سبيل الدين بالقول: بأن عيسى لم يقتل ولم يصلب وإنما شبه لمن زعموا قتله، كما تخلص من العذاب في الحياة بالهجرة، وبإباحة إنكار العقيدة عند الضرورة، واتخاذ الكافرين أولياء، وأكل ما حرم، وهذه النظرة عامة في الإسلام".
تعليق أحمد شاكر:
يكفي أن نقول: ليس كذلك.
المادة: التقية
الجزء: 5/ الصفحة: 421
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"على أن النزوع إلى القول بأن التقية ليست في الأكثر إلا شيئًا
(2/865)

جائزًا وأنها ليست واجبة في جميع الأحوال كما يذهب بعض أهل السنة استنادًا إلى الآية (191) من سورة البقرة أدى إلى وضع أحاديث في التحذير منها، مثل: "رأس الفعل المداراة".
تعليق أحمد شاكر:
لا يفهم أن هذا اللفظ تحذير من التقية ولا حض عليها. ثم ما الذي يحفزهم على التزام ادعاء وضع الأحاديث عند كل مناسبة، والذي ورد في هذا حديث "رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس". وهو حديث في صحته خلاف. انظره في كشف الخفاء (ج 1، ص 421 - 422) وحديث: "مداراة الناس صدقة". وهو حديث رواه الطبراني وأبو نعيم وابن السني وابن حبان عن جابر وصححه ابن حبان. وانظر كشف الخفاء (ج 2، ص 200)، والجامع الصغير (طبعة التجارية سنة 1352، رقم 4368 و 8170)، وروضة العقلاء (لابن حبان)، ص 55)، وفتح الباري للحافظ ابن حجر (ج 10، ص 437، وليس في هذين الحديثين ما يدل على وجوب التقية أو التحذير منها، بل هما أمر بحسن معاملة الناس وتعليم في مكارم الأخلاق، لا يمنعان قائلًا أن يقول الحق في مواطن الصدق.
المادة: التقية
الجزء: 5/ الصفحة: 423
تعليق أحمد شاكر على مادة (التقية) في دائرة المعارف:
قال الله تعالى في الآية 28 من سورة آل عمران: {لَا يَتَّخِذِ
(2/866)

الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]. فهذه الكلمة "تقية" رسمت هكذا في المصحف، فقرأها ثلاثة عشر من القراء الأربعة عشر "تُقَاةً" بضم التاء وفتح القاف وبعدها ألف، وقرأها ابن عباس ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والضحاك وأبو حيوة وسهل وحميد بن قيس والمفضل عن عاصم ويعقوب أحد القراء الأربعة عشر "تَقيَّةً" بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة. وكلاهما مصدر فعل " اتَّقَى". فتقاة أصله "وُقَيَة" أبدلت الواو تاء كما أبدلوها في تُجاة وتُكاة، وأنقلب الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على "فُعَلَة"، كالتُؤَدَة والتُخَمَة، والمصدر على "فُعَل" "وفُعَلَة" جاء قليلًا. "وتقيَّة" مصدر على وزن "فَعِيلَة"، وهو قليل، نحو النميمة، وكونه من "افْتَعَل" نادر. هذا تصريف الكلمة على القراءتين، كما قرره أبو حيان في تفسير البحر المحيط (ج 2 ص 424). فهذه الآية والآية الأخرى {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]. هما اللتان اتخذ منهما القائلون بالتقية أصل قولهم، ثم غلا أتباعهم في معناهما حتى أخرجوهما أو كادوا يخرجونهما عن أصل معناهما، وقد بين أئمة العلماء المراد في هذا المعنى، فقال أصحاب أبي حنيفة: التقية رخصة من الله تعالى، وتركها أفضل، فلو أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل، فهو أفضل ممن أظهر، وكذلك كل أمر فيه إعزاز للدين، فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من
(2/867)

الأخذ بالرخصة. وقال أحمد بن حنبل: وقد قيل له: إن عُرِضْتَ على السيف تجيب؟ قال: لا. وقال إذا أجاب العالم تقيةً والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟ والذي نقل إلينا خلفًا عمن سلف؛ أن الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم بذلوا أنفسهم في ذات الله، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا سطوة جبار ظالم. وقال الرازي: إنما تجوز التقية فيما يتعلق بإظهار الحق والدين، وأما ما يرجع ضرره إلى الغير، كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين فغير جائز ألبتة. فالظاهر من أقوال العلماء التي سقنا وغيرها مما امتلأت به الدواوين؛ أن التقية إنما تجوز عند الضرورة القصوى للمستضعف الذي يخشى على نفسه الفتنة، أن يجيب مكرهيه إلى ظاهر اللفظ مضطرًا على أن يطمئن قلبه بالإيمان والحق، ينظر في ذلك إلى حفظ حياته ومصلحة المسلمين، وعلى أن لا يكون ممن يقتدى به، فيخشى أن يخفي الحق على الجاهلين، وأن يضعف إيمانهم ويحجموا عن نصر حقهم، إقتداء بمن أجاب عند الإكراه تقية، وهم غافلون، وهذا هو الذي أضعف المسلمين في القرون الأخيرة: أن أحجم علماؤهم وزعماؤهم وقادتهم عن الضرب على أيدي الظالمين، وعن كلمة الحق في مواطن الصدق، فتهافت الناس وضعفت قلوبهم، وملئوا رعبًا من عدوهم، فكانوا لا غناء لهم، وكانوا غثاء كغثاء السيل. ولم يكن كذلك سلفهم الصالح، كانوا يتعرضون لصنوف البلاء، وأشد الإيذاء، وفي سبيل الله لم يجبنوا
(2/868)

ولا ينكصون، وسيرة رسول الله وأصحابه، ثم تاريخ الإسلام أكبر شاهد لما نقول، أما ما نسب إلى الشيعة الإمامية، من الغلو في التقية فما نظن كله صحيحًا (1)، بل لعل أكثره مما عري المسلمين من
__________
(1) راسلتُ فضيلة الشيخ ناصر القفاري في تاريخ 14/ 2/ 1424 ه حول ما ذكره الشيخ أحمد شاكر عن التقية عند الشيعة، فوافى جوابه حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة نقدية لمقالة الشيخ أحمد شاكر
عن التقية عند الشيعة الإمامية
يقول الشيخ أحمد شاكر: " .. أما ما نسب إلى الشيعة الإمامية من الغلو في التقية فما نظن كله صحيحًا ... " إلخ.
أولًا: لم يرجع شاكر إلى مصادر الشيعة الإمامية الأساسية، (كمصادرهم الثمانية في الرواية، ومصادرهم الأربعة في الرجال، وأصول أو أمهات كتب التفسير عندهم) ليقف على الحقيقة، ويتبين صحة هذا الاتهام أو كذبه، وغاية ما اعتمد عليه مجرد قول للشريف الرضي المتوفى سنة 406 وصفه بأنه من أقدم أقوال أئمتهم في ذلك كما بنى رأيه على "ظن" "ولعل" "فما نظن كله صحيحًا، بل لعل أكثره ... إلخ".
وهذا يشير إلى عدم جزمه بما يقول، وتورعه رحمه الله أن يؤكد ما لا دليل عليه على سبيل اليقين ولو رجع إلى أصول الكافي أهم وأوثق المصادر في مقاييسهم أو غيره لرأى نصوصًا تجعل التقيَّة تسعة أعشار الدين بل تجرد من لا يعمل بمبدأ التَّقيَّة من الدين أصلًا فقد جاء في أحاديثهم (والتي ينسبونها لبعض آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذبًا): "تسعة أعشار الدين في التقيَّة ولا دين لمن لا تقية له" فهل فوق هذا غلو.
فهذا النص يُسنده الكليني إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق المولود سنة 80 ه والمتوفى سنة 184 ه (أي الذي عاش في فترة =
(2/869)

الضعف في القرون الأخيرة، وبعضه مما لقي متقدموهم من شدائد
__________
= عز الإسلام والمسلمين فأي حاجة إلى التقيّة في ذلك الزمن وماذا يبطن هؤلاء الشيعة الإمامية وهم يعيشون بين المسلمين).
وهو أقدم من نص الشريف الرضي وهو واحد من ثلاثة وعشرين حديثًا من أحاديثهم جاءت في باب مستقل يحمل اسم "باب التقيَّة" في أوثق كتبهم وأهمها عندهم كما عقد الكليني بابًا آخر في هذا المعنى بعنوان "باب الكتمان" وذكر منه 16 حديثًا، وبابًا ثالثًا بعنوان "باب الإذاعة" وضمنه اثنى عشر حديثًا.
وأخبارهم في هذا المبدأ شائعة في مصادرهم حتى تحولت التقيّة والتي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة إلى أصل من أصول الدين عندهم؛ بل بلغت تسعة أعشار الدين، بل صارت هي الدين كله وقالوا: "اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقيّة فإنه لا إيمان لمن لا تقيَّة له، وقررت كتب العقائد عندهم "أن التقية واجبة لا يجوز رفضها إلى أن يخرج القائم (مهديهم المنتظر) فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية وخالف الله ورسول والأئمة" "وأن تارك التقية كتارك الصلاة". فكيف يقال بعد ذلك بأن "ما نسب إلى الشيعة الإمامية من الغلو في التقيّة ما نظن كله صحيحًا".
ثانيًا: ما جاء في مصادرهم هي أحاديث ينسبونها إلى من يدعون عصمتهم، فهي تحمل صفة العصمة وهي المعول عليها عندهم في الاعتقاد والعمل أما ما يقوله الشريف الرضي أو غيره من شيوخهم فهي مجرد أقوال أو أراء قابلة للخطأ والصواب لأنها عندهم ليست من أقوال المعصومين، وما قاله الشريف الرضي حق ولكنه يشهد لنوع واحد من أنواع التقيّة عندهم وهي التقيّة الخوفية يقول آيتهم محمد صادق روحاني - معاصر -: "التقية أربعة أقسام: التقيّة الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقيّة =
(2/870)

قد يضعف عن حملها بعضهم، ومن أقدم أقوال أئمتهم في ذلك قول الشريف الرضي، الإمام العالم الشاعر البليغ (المتوفى سنة 406)
__________
= الكتمانية، والتقية المدارانية".
ثالثًا: ما أشار إليه شاكر إلى "أن مبالغتهم في التقية بسبب ما لقي متقدموهم من شدائد قد يضعف عن حملها بعضهم" يدل على خفاء حقيقة تقية الشيعة الإمامية عنده .. ذلك أنهم يعدون عهد الخلفاء الثلاثة، وعصر الإسلام الذهبي هو عهد تقية، ولذلك يقرر شيخهم المفيد بأن عليًّا في عهد الخلفاء الثلاثة يعيش في حالة تقيّة كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيش في الوسط المكي بين الكافرين (1) وامتدت فترة التقية مع علي في نظر - شيخهم نعمة الله الجزائري - إلى وفاته، فكان عهد خلافته عهد تقية ومداراة يقول: "ولما جلس أمير المؤمنين - أي على كرسي الخلافة - لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء، ومعاوية عن الإمارة" (2).
رابعًا: خلط - رحمه الله - بين الأئمة الذين تنتسب إليهم الشيعة الإمامية والذين منهم صحابة كعلي والحسن والحسين، ومنهم من كبار أئمة التابعين كعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر بن محمد، ومنهم من لم يبلغ رتبة هؤلاء مثل: موسى الكاظم، وعلي الرضا، ومنهم من لم يُعرف بعلم كالعسكريين، ومنهم من لا وجود له أصلًا - كمنتظرهم - خلط بين هؤلاء وبين شيوخ الرافضة وواضعي أساطيرهم، ولذلك لما نقل كلام الشريف الرضي المتهم بوضع نهج البلاغة على أمير المؤمنين علي =
__________
(1) انظر: نص كلامه في التقريب ج 2 ص 124.
(2) الأنوار النعمانية 2/ 362.
(2/871)

في كتاب حقائق التأويل (طبعة النجف سنة 1355، ج 5، ص 74 - 75) "وقال بعضهم: معنى ذلك أن يكون المؤمن بين الكفار وحيدًا، أو في حكم الوحيد؛ إذا كان قليل الناصر، غائب المُظَاهِر، والكفار لهم الغلبة والكثرة والدار والحوزة، فمباح له أن يخالقهم بأحسن خلقه، حتى يجعل الله له منهم مخرجًا ويتيح له فرجًا، ولا تكون التقية بأن يدخل معهم في انتهاك محرَم، أو
__________
= قال: "فهذا وغيره يؤيد ما ذهبنا إليه من تبرئة الأئمة" ... إلخ.
خامسًا: "دأب شيوخ الشيعة الإمامية إلى اليوم على التستر على هذا المعتقد والقول بأن معتقدهم في التقيّة لا يختلف عما يعتقده عموم المسلمين. فلعل الشيخ شاكر كان متأثرًا بشيء من ذلك، ولما قال أحد شيوخ الرافضة المعاصرين: انتهى عهد التقيّة اليوم ... قال الأستاذ محمود الملاح لمعرفة بأمرهم: "هذه تقيّة على التقيّة".
سادسًا: تقيّة الشيعة الإمامية ليست هي تقيّة المسلم الوحيد بين الكفار الذين لهم الغلبة والدار ... بل هي تقية من المسلمين حيث يظهرون الإسلام والسنة ويبطنون الكفر والبدعة إذا كانوا بين ظهراني الأمة. أما سبب خفاء الحقيقة على شاكر وأمثاله فهو أمر طبيعي في بلاد سنيَّة لا يأبه أهلها بالكتاب الشيعي ولا يحفل علماؤها بتراث الرافضة ويضنون بأوقاتهم النفيسة أن تضيع وسط أكاذيب الروافض ولذلك فإنك لا تجد إلى اليوم انتشارًا للكتاب الشيعي في دور النشر المصرية بل لم يوجد بعضه إلا بسعي خفي من الرافضة ومحاولتهم لترويجه بشتى الوسائل، كما أن نشاط شيوخ الشيعة المحموم في تلميع صورتهم والعمل على إخفاء أمرهم بمختلف الأساليب ساهم في الجهل بمعتقداتهم.
وللشيخ أحمد شاكر نظراء غابت عنهم الحقيقة كمحمود شلتوت، ومحمد الغزالي، لكن منهم من تبين لهم الأمر بعد حين كموسى جار الله ...
(2/872)

استحلال محرّم: بل التقية بالقول والكلام، والقلبُ عاقد على خلاف ما يظهر اللسان". ثم قال: "وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن من أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل، أنه أفضل ممن أظهر الكفر بلسانه، وإن أضمر الإيمان بقلبه". فهذا وغيره يؤيد ما ذهبنا إليه من تبرئة الأئمة من الشيعة من عار هذه التهمة التي ألصقت بهم، وأن خطأ من أخطأ من علمائهم أو من عامتهم، لا يجيز أن ينسب إلى فرقتهم وشيعتهم.

المادة: التلبية
الجزء: 5/ الصفحة: 450
تعليق أحمد شاكر على ما جاء في دائرة المعارف عن اختلاف الألفاظ الواردة في دعاء التلبية:
الفروق بين هذه الألفاظ مرجعها نية الملبي، فمن نوى الحج فقط أهل بالحج وقال: "لبيك بحجة". مثلًا، ومن نوى العمرة وحدها أهل بها وقال: "لبيك بعمرة". ومن نواهما معًا أهل بهما وقال: "لبيك بحجة وعمرة". فاختلاف الألفاظ لاختلاف الحال التي يلبي فيها المحرم عند إحرامه.

المادة: تميم الداري
الجزء: 5/ الصفحة: 485
تعليق أحمد شاكر على مادة (تميم الداري):
نلاحظ على هذه المادة:
(2/873)

أولا: ادعاء أن تميمًا الداري بكونه نصرانيًّا من عرب الشأم استطاع أن يخبر رسول الله بتفاصيل العبادات التي استعارها من النصارى؛ ومنها استعمال السراج في المسجد. وهذا ادعاء عجيب! فإن استعمال السراج في المسجد ليس له علاقة بالعبادة، وإنما هو - إن صح أنه من إخبار تميم - شيء من العادات، أو نوع من الترفيه، واستعمال ما جاز استعماله من المباح؛ فليس عبادة ولا شبهها. وإنما يريد كاتب المقال أن يؤيد الفكرة التي يدور حولها أمثاله: من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ كثيرًا من الدين عن أهل الكتاب، وهيهات أن يستقيم لهم شيء مما يدعون، ثم أين تميم الداري الذي أسلم في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن استقرت قواعد الدين، وعلم النبي المسلمين تفاصيل الشريعة في العبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والحكم وغيرها؟ ! ولكن هكذا يريد أن يقول هؤلاء.
ثانيًا: محاولته التشكيك في صحة إقطاع النبي لتميم وأخيه ما أقطعهم إياه بالشأم قبل أن يأخذ المسلمون بلاد الشأم.
وهذا الإقطاع ثابت في المصادر التي ذكرها الكاتب، وفي مصادر أخرى صحيحة، من أهمها وأجلها كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224 (طبعة القاهرة سنة 1353 بتصحيح الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي). وليس لتشكيك كاتب المقال قيمة علمية؛ لأن النصوص التي رويت عن هذا الإقطاع رويت حفظًا، فلا مناص من اختلاف بعض ألفاظ الرواة فيها، وأما
(2/874)

النصوص التي ذكرت عن الرقعة التي وجدت عند ذرية تميم بالشأم، فلا ندري قيمتها التاريخية؛ لأنا لم نر الكتابة نفسها حتى نقول فيها قولًا وثيقًا، فإن كانت صحيحة فلعل الاختلاف مرجعه إلى اختلاف نظر كل قارئ لها، لما في قراءة الخطوط القديمة من صعوبة ودقة، وقد روى قارئوها أن خطها كان غير واضح، فلا يدل اختلاف قراءتهم إياها على أنها مفتعلة أو مكذوبة، ولا نستطيع نحن من جانبنا أن نقطع بأنها صحيحة، وبأنها هي النسخة الأصلية.
ثالثًا: وهو أعجب ما في المقال، محاولة كاتبه التشكيك في شخص تميم الداري، والإشارة إلى أنه قد يكون (شخصية أسطورية محضة)! ! وليس هذا القول من التحقيق العلمي بسبيل، فإن علماء التاريخ الإسلامي، ورواة الحديث ذكروا هذا الرجل، وذكروه في أحاديث جاءت بأسانيد صحاح، وطريق المحدثين الإسلاميين في رواية الحديث وتحقيق صحته من أدق الطرق العلمية للإثبات التاريخي، كما قلنا ذلك مرارًا في كتاباتنا، والبراهين عليه قائمة، لا يصل إليها تشكيك المشككين، ولا تكذيب المكذبين؛ فوجود تميم الداري ووجود أخيه نعيم، وأنهما صحابيان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفدا عليه في وفد الداريين منصرفة في غزوة تبوك، وجودهما هذا ثابت الثبوت التاريخي الصحيح، لمن درس التاريخ الإسلامي وطرق روايته، والحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وطرق إثباته. وأما وجود هبة قديمة في الكتب السابقة، لها وجه شبه بهبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لتميم وأخيه، فإن هذا لا يصلح دليلًا على الشك في صحة ما ورد في
(2/875)

التاريخ الإسلامي، والتاريخ تتشابه أحداثه، فلا ينفي المتقدم المتأخر، ولا ينفي المتأخر المتقدم. ثم أين الطريق لإثبات ما ورد في الكتب التي قبل الإسلام، حتى يجعله الكاتب دليلًا على نفي التاريخ أو الشك فيه؟ !

المادة: الجاهلية
الجزء: 6/ الصفحة: 266
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والواقع أن صلة الرجل بالمرأة كانت قبل الإسلام طيبة جدًّا في بعض نواحيها، ومهما يكن من شيء فقد كان في الإمكان تحسين هذه الصلات، فلما نفذت شريعة الإسلام لم يعد التغيير ممكنًا".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كلام لا يتصل بالتحقيق العلمي في شيء.
المادة: الجاهلية
الجزء: 6/ الصفحة: 367
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولما جعل السنة العربية قمرية خالصة، قضى على هذه الأسواق التي كانت تعقد كل سنة، ولكنه وجد الحج إلى الأماكن المقدسة متأصلًا في نفوس العرب لا يستطيع له دفعًا، وكان قصاراه
(2/876)

ألا يبقى من بيوت العبادة إلا على بيت واحد جعله بيت الله الواحد".
تعليق أحمد شاكر:
الحج إلى البيت الحرام، وأن هذا البيت بيت الله، من شعائر نبي الله إبراهيم وشريعته، التي توارثها العرب، بما بقي فيهم من دين إبراهيم، وكان رسول الله يعرف ذلك، ثم أقر الله في الإسلام هذه الشعائر، بعد أن نفى عنها ما علق بها في الجاهلية من وثنية وشرك، وبعد أن طهر الله البيت من الأوثان والأصنام، ولم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما أمره به ربه وأدى الأمانة والرسالة.

المادة: جبريل
الجزء: 6/ الصفحة: 278
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولجبريل شأن هام في إعداد التعاويذ والتمائم، فاسمه يكتب كثيرًا على هوامش المربعات السحرية مع أسماء الملائكة الكبار الآخرين: ميكائيل وعزرائيل وإسرافيل".
تعليق أحمد شاكر:
لا يسأل المسلمون، ولا تسأل علوم الإسلام عن الأكاذيب التي يفتريها القصاصون، ولا عن الخرافات التي قامت عليها التمائم والتعاويذ، فإنها أعمال محرمة ممنوعة في الإسلام، وإنما الدين الصحيح هو ما جاء في القرآن والسنة النبوية الثابتة، بالقواعد التي
(2/877)

قررها وسار عليها أئمة علم الحديث وأساطينه.

المادة: الجمرة
الجزء: 7/ الصفحة: 103
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن (رمي الجمرات):
"ولاحظ بركارت أن الغرض الذي رمى إليه المسلمون من الشعيرة هو حماية أنفسهم من الشيطان، وقد أصاب بذلك كبد الحقيقة من حيث أن الرمي بالحصى كان يعدّ أصلًا في بلاد العرب، كما في غيرها شعيرة تقوم على صب اللعنات".
تعليق أحمد شاكر:
هذا لا أصل له. ورمي الجمرات شعيرة من شعائر العبادة فقط، كما قلنا. ولا يضير ذلك كلمات نقلت من بعض الشعراء أو في بعض القصص، قد يكون المراد بها معنى مجازيًّا. ولم يرد في السنة الصحيحة تعليل لمثل هذه الأعمال التعبدية، إنما هي عبادة فقط، يؤمر بها المؤمن ويجب عليه الطاعة، طاعة ربه وحده. ثم إن ما أتى به الكاتب بعد ذلك لا يقدم ولا يؤخر إذا نظر إلى هذه العبادة النظرة الإسلامية الصحيحة.

المادة: الجمعة
الجزء: 7/ الصفحة: 105
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن صلاة الجمعة:
"على أن صلاة الجمعة لها ثوابها، وقد جرى المسلمون على
(2/878)

إقامة صلاة أخرى من ركعتين قبل الخطبة أيضًا".
تعليق أحمد شاكر:
صلاة الجمعة ركعتان فقط. وقد حضت الشريعة على التطوع بالصلاة، يعني، أن يصلي الإنسان ما يستطيع وما شاء من النوافل، فمن جاء إلى المسجد قبل الصلاة صلى ركعتين نافلتين سنهما رسول الله تحية للمسجد، ويصليهما وحده، وهي سنة عامة في كل وقت ليست خاصة بصلاة الجمعة، ثم هو مخير بعد ذلك أن يسكت أو يصلي من النوافل ما شاء إلى أن يصعد الخطيب المنبر.
المادة: الجمعة
الجزء: 7/ الصفحة: 105
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن صلاة الجمعة أيضًا:
"ويصح أن نذهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه جرى على إقامة صلاة عامة وإلقاء خطبة على طريقة اليهود في فناء داره بالمدينة".
تعليق أحمد شاكر:
لماذا يأخذ هذا عن اليهود؟ ! كل ما جاء في الشريعة الإسلامية ينظر إليه أمثال هذا الكاتب نظرة عجيبة، إن وافق شيئًا مما يعمل في الأديان الأخرى كان في نظرهم. مأخوذًا عنها، وكان محل نقد لذلك! ! وإن لم يوافق شيئًا مما يعمل في الأديان الأخرى كان شاذًّا، وكان محل نقد لذلك! فمتى ينظرون إلى الإسلام نظرهم إلى دين
(2/879)

خاص مستقل بنفسه؟ ! ثم إن النبي لم يكن لداره فناء بل كانت بيوته حول المسجد، وكان يصلي في المسجد الجمعة والصلوات كلها، فتعبير الكاتب غير دقيق، بل غير مطابق للواقع.
المادة: الجمعة
الجزء: 7/ الصفحة: 106
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن صلاة الجمعة أيضًا:
"ولعل النهي عن صلاة الجمعة خارج المدينة وإقامتها في أكثر من مسجد واحد يرجع إلى ذلك العهد".
تعليق أحمد شاكر:
هذا غير صحيح أيضًا، بل كانت مساجد القبائل للصلوات اليومية، والمسجد الجامع، أي؛ المسجد الأكبر في البلدة، هو الذي يجمع الناس كلهم في صلاة الجمعة، حتى إذا اتسعت المدن وتفرقت القلوب تعددت الجمعات في المساجد، تبعًا لذلك.
المادة: الجمعة
الجزء: 7/ الصفحة: 106
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن صلاة الجمعة أيضًا:
"وازداد تأثر خطب الجمعة في العهد الأموي المتأخر بالطقوس النصرانية؛ فأذان الجمعة الذي يلقى في المسجد قبل الصلاة بعد أن يجتمع فيه المصلون، والأسلوب الفريد الذي اتخذته الخطبة من
(2/880)

حيث انقسامها قسمين قبل صلاة الجمعة يبدو أنه قد تأثر (بالقداس) عند النصارى، وقد حلّ الخطيب المأجور على التدريج محل الخليفة، أو من يمثلونه في إمامة الصلاة".
تعليق أحمد شاكر:
هذا صحيح، وهو مما يأسف له المسلمون كل الأسف، وهو من أعظم أسباب ضعف المسلمين من عصور مديدة، فإن الأصل في خطبة الجمعة أن يخطبها الإمام الأعظم، وهو الخليفة بنفسه في المصر الأكبر "العاصمة" ويخطبها نوابه الحكام في الأمصار والعواصم وكبار القرى، يجتمع الناس لها في البلد الواحد في مكان واحد، لا يتخلف منهم إلا مريض أو معذور، أو متهم في دينه خارج عن قومه، في كل أسبوع مرة، فيخطبهم الإمام الأكبر، ويخطب نوابه في الأمصار والقرى، يعظون الناس، ويجمعون قلوبهم على الإيمان والتقوى ومكارم الأخلاق، ويتحدثون إليهم فيما ينوبهم من الأحداث السياسية أو الاجتماعية أو الخلقية أو نحو ذلك، ومن ذلك روح الأمة واتجاهاتها، ويرشدونهم إلى طرق الهدى وسديد الرأي، مع المساواة التامة بين الصغير والكبير، والغني والفقير، فتشعر الأمة بوحدتها وقوتها، حتى إذا ما ولي أمر المسلمين خلفاء جهال أو مستبدون احتجبوا عن الناس، وأنابوا غيرهم في الخطبة والصلاة، ووضعوا نظام الطبقات الذي جاء الإسلام بهدمه، وولوا ولاة جهالًا
(2/881)

بدينهم كمثل جهلهم، حتى صار الأمر إلى ما نرى، ولا صلاح للمسلمين إلا أن تعود هذه الفريضة سيرتها الأولى، فيكون أمراؤهم وحكامهم علماء بدينهم، يقومون في الناس بإقام الصلاة، كما يقومون بإقامة ميزان العدل، ويشعر الضعيف قبل القوي أن حاكمه مثله، لا سلطان له عليه إلا في حدود الشرع والعدل، وتكون الأمة كلها واحدة متحدة، أمة أعزة ليس من بينها ذليل وفي ذلك الفلاح والظفر، إن شاء الله.

المادة: الجن
الجزء: 7/ الصفحة: 112
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فقد نوقشت الحالة الشرعية للجن من جميع نواحيها، ووضعت لها الحدود، كما درس كل ما يمكن أن يكون بين الجنّ والإنس من علائق كالزواج والملكية".
تعليق أحمد شاكر:
هذه أبحاث خيالية، تعدى باحثوها حدود ما يجوز لهم بحثه، فإن الله سبحانه، وهو الذي خلق هذا الدنيا بأرضها وسمائها، وهو الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وهو الذي خبرّنا في القرآن عن وجود الجن، كما أخبر الأنبياء
(2/882)

السابقين، ونحن لم نرهم، ولا نعلم من أحوالهم إلا ما جاء به الوحي الصادق، من القرآن والسنة الصحيحة، فلا يجوز لنا أن نتجاوز في البحث ما ورد في الوحي، ومن تجاوز فقد اعتدى وأخطأ، ولم يكن عمله أو قوله حجة على الإسلام، بل القرآن والسنة حجّة عليه. وما كان سبيل البحث العلمي أن ندع الحقائق، ونجري وراء أوهام العوام وخيالات القصاص والشعراء.

المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 140
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الجنة:
"وقد ذُكِرت مرة واحدةً في القرآن بالاسم الفارسي (فردوس) ".
تعليق أحمد شاكر:
هكذا ادعى كاتب المقال أن كلمة "فردوس". فارسية الأصل، ومن قبله ادعى بعض علماء العرب أن أصلها رومي أو سرياني أو نبطي، وكلها أقوال لا دليل عليها، ودعاوي تخالف الواقع. وقد كان كثير من علماء العربية يغلون في ادعاء أصول أعجمية لألفاظ عربية خالصة، حتى ادعوا في كثير من ألفاظ القرآن ذلك. وصدق أبو عبيدة معمر بن المثنى في كلمته: "من زعم أن في القرآن لسانًا سوى العربية فقد أعظم على الله القول". وقد فصلنا الكلام في ذلك في مقدمتنا التي عملناها لكتاب (المعرب للجواليقي) (ص 10 - 14 من طبعة دار
(2/883)

الكتب المصرية سنة 1361) وكلمة "فردوس" نقل الجواليقي الأقوال في أنها معربة، ونقل قول الفراء: إنها عربية. وقلنا في التعليق عليه هناك (ص 241 - 242): (كذلك ادعى الأستاذ العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي في كتاب (نشوء اللغة العربية ص 84) أن الكلمة عن اليونانية فقال: "والفردوس للبستان، فإن جمعه فراديس، وفراديس تعريب لليونانية paradeisas واليونانية من الزفدية (بيرادايز) ". وما أبعد ما قال! فإن الكلمة اليونانية تقارب في النطق الكلمة العربية في صيغة الجمع، فمن المعقول أن يكونوا سمعوها مجموعة ممن خالطوا من العرب، كأهل الشأم. قال في اللسان: "وأهل الشأم يقولون للبساتين والكروم الفراديس" فهذا أصل ذاك كما ترى. فلو كانت الكلمة معربة لنقلت بصيغة تقرب من صيغة الجمع. ثم إن النص على أصلها وعروبتها حاضر بين، قال ابن دريد في الجمهرة (3: 333): "والفردسة: السعة. صدر مفردس: واسع. ومنه اشتقاق الفردوس". وفي اللسان: "والمفردس - أي؛ بصيغة اسم المفعول - المعرش من الكروم، والمفردس: العريض الصدر. والفردسة: السعة. وفردسه: صرعه. والفردسة أيضًا: الصرع القبيح، عن كراع. ويقال أخذه ففردسه: إذا ضرب به الأرض". فالنصوص متضافرة على صحة أصل المادة في العربية، وعلى صحة معناها، وعلى اشتقاقها من أصل معروف، ويظهر لي أن بعض العلماء الأقدمين سمع الكلمة الرومية فظنها أصلًا للعربية، على وهم أن العربية نقلت كثيرًا من اللغات الأخرى وعلى حبّ الإكثار من الإغراب! ! ".
(2/884)

المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 141
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الجنة أيضًا:
"ومرة أخرى بصيغة جمعت بين لفظتي (جنات الفردوس)، ومرات عدة باسم (جنات عدن) (انظر تسميتها في التوراة باسم جن عيدن) ".
تعليق أحمد شاكر:
لا قيمة لهذا في التدليل على أن كلمة "عدن" معربة أو منقولة عن التوراة، وهي كلمة عربية خالصة "عدن بالمكان يعدن عدنا وعدونا" أي؛ أقام، قال في اللسان: "وجنات عدن: منه، أي جنات إقامة، لمكان الخلد". فهذا أصل الكلمة. والعبرية التي كانت بها التوراة حين أنزلت، إن لم تكن فرعًا محرفًا عن العربية، فما تكون إلا أختا لها مشتقة معها من أصل واحد، ولقد قلنا في مقدمة المعرب: "والعرب أمة من أقدم الأمم، ولغتها من أقدم اللغات وجودًا، كانت قبل إبراهيم وإسماعيل، وقبل الكلدانية والعبرية والسريانية وغيرها، بله الفارسية، وقد ذهب منها الشيء الكثير بذهاب مدنيتهم الأولى قبل التاريخ". انظر تعليقنا على مادة (أمة) في هذه الدائرة (في المجلد 2 ص 631) وعلى مادة بعل (مجلد 3، ص 695 - 700).
(2/885)

المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 141
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد عرف أن فكرة محمد عن الجنة مادة حسية".
تعليق أحمد شاكر:
يكتب كاتب المقال طبعًا على أساس عقيدته، في أنه لا يؤمن بنبوة رسول الله، فينسب كل ما في القرآن إلى الرسول، ولكن المسلمين وغيرهم من أهل الإنصاف يثقون بأن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول يبلغ للناس ما أوحي إليه، فليس له فيه إلا التبليغ فقط. وصفة الجنة والنار من الغيب الذي لا يعلم الإنسان حقيقته بقوة عقله وحدها، وليس له من سبيل إلى معرفتها إلا فيما جاء به الوحي عن الله على لسان رسله الصادقين، وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن ظن كاتب المقال أن الفكرة في وصف الجنة في القرآن "مادية حسية" على المعنى الذي يشعر به الناس في هذه الحياة الدنيا، وأنه بذلك يجد مغمزًا في القرآن، فما أرى ظنه صحيحًا، ثم هو لا يضر الإسلام شيئًا.
المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 142
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن وصف نعيم الجنة:
"ومن البين أن هذه الأوصاف جميعًا صور مرسومة لا شك أنه
(2/886)

أوحى بها فن التصوير، ولا بد من أن يكونَ محمدٌ أو معلّموه المجهولون قد رأوْا بعضَ التصاوير أو بعضَ قطع الفسيفساء المسيحية التي تصور حدائق الفردوس، وأوّلوا صورَ الملائكةِ كما لو كانت صورَ الوالدان والحور".
تعليق أحمد شاكر:
ليس لهذا الادعاء من سند، فرسول الله لم ير صورا في الكنائس، وما ادعى أحد أنه دخل كنيسة قط. ودعوى أن له معلمين مجهولين شنشنة قديمة يدعيها هؤلاء الناس، فما كان هذا القرآن مفترى، وما كان رسول الله يتعلم هذا الدين العظيم وهذه الشريعة الضخمة، الباقية على الدهر، من فرد أو أفراد من الضعفاء والجهال الذين كانوا بمكة ينتسبون إلى المسيحية أو غيرها! وكانوا هم أولى أن ينسبوا هذا المجد الخالد لأنفسهم، أو ينسبه لهم أنصارهم وأصدقاؤهم! ويجب أن يكون لهم أنصار وأصدقاء، إذا كانوا من العلم والمعرفة بالمكان الذي يجعل هذا كله من نتاج تعليمهم! وانظر ما علقنا به على مادة (أمي) من هذه الدائرة (المجلد الثاني ص 647 - 648) وما علقنا به على مادة (إنجيل) في (المجلد الثالث ص 27 - 30).
المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 142
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الجنتين اللتين ذُكرَتا في سورة الرحمن الآية 55:
"وليس تفسير هذه الإثنينيَّة يسيرًا إلا إذا كانت من أجل البحرين،
(2/887)

وقد يُقال إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد التزم في هذا المقام صيغة المثنى لأنها أوقع في السمع".
تعليق أحمد شاكر:
أظن أن الكاتب وأمثاله من المستشرقين آخر من يصلحون علميًّا للبحث في لغة القرآن وبلاغته، ومعرفتهم بالعربية محدودة، وأساطين البلغاء والفصحاء من العرب العرباء عجزوا عن معارضته، وأحجموا عن نقده، بل لم ينقل عن واحد منهم أنه عاب حرفًا فيه من ناحية البلاغة والسمو في العبارة، على كثرة الدواعي والدوافع. فأين هؤلاء من أولئك؟ ! !
المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 143
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وهذه الجنة بما فيها كله فوق الأفلاك السماوية حيث تدور الكواكب، وهي تستقر على أنواع من البحار لها أسماء مجرَّدةٌ كبحر البقاء (المنقسم) وبحر الخلود، وبحر (الرب) ويمتد فوق الهرم عالم (الملكوت) وعالم (الجبروت) وعرشُ الله ودارُ المقرَّبين".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كله كلام خيالي وتخليط، يعرف ذلك كل مسلم يقرؤه، ليس فيه شيء علمي يناقش، وما كانت أوهام المتأخرين الخياليين بحجة على الإسلام ولا على القرآن.
(2/888)

المادة: الجنة
الجزء: 7/ الصفحة: 144
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفيما يتعلق بصورة الجنة انظر معرفت نامه".
تعليق أحمد شاكر:
مما لا يشك فيه عاقل أن هذه الصورة التي يشهر إليها، ونحن لم نرها، إنما هي صورة خيالية لا قيمة لها، ولا يصح أن تنسب إلى الإسلام.

المادة: الجهاد
الجزء: 7/ الصفحة: 189
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن تشريع الجهاد في الإسلام:
"تبين أن هذا الموقف حيال الناس جميعًا كان يخالجه، وأنه تطور على التحقيق عقب وفاته مباشرة عندما زحفت الجيوش الإسلامية إلى خارج جزيرة العرب".
تعليق أحمد شاكر:
من المفهوم أن كاتب المقال يكتب متأثرًا بعقيدته في الإسلام، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما المسلمون والمنصفون، فإنهم إذا فهموا
(2/889)

القرآن حق فهمه وعرفوا مقاصد الإسلام وروحه، ودرسوا سنة الرسول وسيرته، علموا أن التشريع الإسلامي في الجهاد تشريع دقيق، لم يكن عن تطور أو ارتجال في الرأي، وإنما هو وحي من عند الله ليجعل هذا الدين دين الإنسانية كلها، ويظهره على الدين كله، كما وعد الله، وسيكون ما وعد {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)} [ص: 88].

المادة: جهنم
الجزء: 7/ الصفحة: 196
جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر تصوير جهنم في سورة الفجر الآيتين 22، 23:
"ويلوح أن النبي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية يمثل جهنم على صورة الحيوان، فهي في نظره أشبه بوحش هائل فغر فاه، وكشف عن أنيابه، وتأهب لالتهام المغضوب عليهم، وقد صوّر أحيانًا فنانو الغرب في العصور الوسطى مطهر القديس برندان Brandan على هذا النحو".
تعليق أحمد شاكر:
ما قاله هنا كاتب المقال ليس فيه شيء يطابق المنهج العلمي للبحث، هو يكتب على عقيدته، لا يصدق برسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليست لنا حيلة في إقناعه! ومن عجب أن يفهم من آيات سورة الفجر أنه يلوح له "أن رسول الله يمثل جهنم على صورة الحيوان" إلخ!
(2/890)

وما أدري من أين يلوح هذا له، ولم يلح لأحد من العرب الذين سمعوا القرآن وكفروا به قبل أن يؤمنوا أو يؤمن أكثرهم، وإنما قوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}. أنها عرضت عليهم أو عرضوا عليها، جيء بهم إليها، وهذا مجاز معروف للعرب، فهي في معنى قوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91)}. سورة الشعراء الآية 91، وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36)}. سورة النازعات الآية 36.
المادة: جهنم
الجزء: 7/ الصفحة: 197
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولم يكن لدى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا فكرة أولية عن بناء جهنم، فهو يتحدث عن أبوابها ويحدد عددها بسبعة (سورة لقمان، الآية 71) ".
تعليق أحمد شاكر:
كذا في أصل المقال. وهو خطأ، فإن سورة لقمان كلها 30 آية، وليس فيها شيء يتعلق بهذا المعنى، ولعل كاتب المقال أخذ من أحد فهارس ألفاظ القرآن لفظ "سبعة" فوجده في سورة لقمان في الآية 27 {وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} فظنها في هذا المعنى من غير أن يرجع إلى الآية نفسها! !
(2/891)

المادة: جهنم
الجزء: 7/ الصفحة: 197
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن تخطيط جهنم الذي ورد في الكتاب التركي (معرفتنامه) وما ورد فيه عن وصف القنطرة أو الصراط:
"وتعبرها أرواح الأولياء في لحظة، وبتفاوت الزمن الذي يستغرقه عامة الصالحين في عبور هذه القنطرة، أما الضالون فلا يبلغون الجنة بل يسقطون في الهاوية".
تعليق أحمد شاكر:
وما قيمة هذا الكتاب التركي، وهل هو حجة في الإسلام؟ أو حجة على الإسلام؟
المادة: جهنم
الجزء: 7/ الصفحة: 198
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويقول ابن سينا: إن عذاب جهنم ينصب في الغالب على الأرواح المذنبة التي تحتفظ بشهواتها بعد الممات، ومن ثم فهي تتعذب أشد العذاب؛ لأنه ليس لها أجساد ترضى بها هذه الشهوات".
(2/892)

تعليق أحمد شاكر:
كلام ابن سينا وأمثاله ممن ينسب إليهم إنكار بعث الأجساد، لا يؤيده شيء مما جاء في القرآن وصح في السنة.
وهذا بحث طويل شائك، لا أظن أن كاتب المقال اطلع على شيء من تفصيله وأدلة الفريقين فيه.
المادة: جهنم
الجزء: 7/ الصفحة: 198
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والظاهر أن القرآن قد تردد بعض التردد في مسألة خلود العذاب في جهنم، فالآيات التي تشير إلى ذلك لا تتفق تمام الاتفاق، ولعل هذا التردد إنما يرجع إلى أن النبي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من الفلاسفة المتفكرين، فلم يستطع أن يعرض بوضوح لمشكلة كمشكلة الخلود يدخل فيها مثل هذا التصور المجرد".
تعليق أحمد شاكر:
ليس في القرآن شيء من التردد، وإنما يعرف القرآن من توسع في درسه ودرس السنة، أما وضع الأبحاث على صورة رؤوس مسائل من غير تعمق في بحثها ولا في وجه الاستدلال بالآيات والأحاديث فيها فليس من البحث العلمي ولا من منهج المحققين.
(2/893)

المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 327
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الحديبية:
"وكان هذا الوادي الممحل حوالي الهجرة مركزًا لعبادة يقوم بها أهل تلك الناحية، وكان فيها بئر وشجرة مقدسة".
تعليق أحمد شاكر:
هذا غير دقيق، إن لم يكن غير صحيح، فإنا لم نجد في المصادر التي أشار إليها كاتب المقال ولا في غيرها مما أطلعنا عليه ما يدل على أن هذه البقعة كانت مركزًا لعبادة يقوم بها أهل تلك الجهة. وكلامه يوهم أن الشجرة التي يسميها "مقدسة" كانت بهذه الصفة في ذلك الوقت، وليس كذلك، إنها شجرة قديمة حدباء سميت بها الناحية كما قال الخطابي، ولكن لم يكن لها أي تقديس، وكل ما في الأمر أنه بعد أن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه تحتها أو تحت شجرة غيرها بيعة الرضوان، توهم بعض الضعفاء من المسلمين في عهد عمر أن لها ميزة خاصة، فلما أن رأى عمر ذلك خشي شبهة تعظيمها، مما قد يشعر بمعنى يتصل بالوثنية من قريب أو من بعيد، والإسلام إنما جاء أولا وبالذات لتوحيد الله توحيدًا مطلقًا من كل شائبة، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وحارب الوثنية الظاهرة والخفية، حربًا لا هوادة فيها، لما رأى عمر ذلك أمر بقطع الشجرة حتى أندثر أثرها
(2/894)

وخفي موضعها على من عرفها وحضرها، وعلى من لم يعرفها وجاء من بعدهم.
المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 328
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ويبدو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكر أول الأمر في القيام بمظاهرة عسكرية، فقد كان المفروض أن يسير في عدد يتفاوت بين 1400 و 1600 من الرجال المسلمين، ولكنه عدل خطته وأعلن أنه انتوى العمرة، وما كان الهدي الذي أخذه معه إلا استكمالًا للخدعة".
تعليق أحمد شاكر:
سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه معروفة، لم يقل أحد من ألد أعدائه أنه كان يخدع أحدًا أو يرضى بالخداع. ولكن وكاتب المقال لم يتورع أن يقول، فما ينقص هذا من قدر الرسول، إنما ينبئ عن نفس القائل.
المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 328
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن بيعة الرضوان:
"وهي البيعة التي يقال لها بيعة الحديبية، وتسمى أيضًا (بيعة الشجرة) أو (بيعة الرضوان) (وهي إشارة مبهمة للآية 18 من سورة
(2/895)

الفتح) التي تواتر أنها تشير إلى هذه الحوادث".
تعليق أحمد شاكر:
لا ندري ماذا يريد هذا القائل أن يقول. إن آية سورة الفتح {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)} [الفتح: 18] فهي إشارة إلى بيعة الشجرة إشارة صريحة لا مبهمة! أما إن كان يريد أن يوهم القارئ أن المسلمين يتواتر بينهم أن هذه الآية نزلت قبل البيعة، وهو لا يرضى أن يسلم بصحة النبوة وبصدق القرآن، فليس في المسلمين من يجهل أن سورة الفتح نزلت بعد بيعة الرضوان، وبعد العهد الذي تم في الحديبية مع قريش، فلم تكن إخبارًا عن مستقبل مغيب، بل كانت خبرًا عن شيء وقع فعلًا.
المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 329
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد أطلق لقب (شجري) في تاريخ الإسلام على كل من اشترك في المبايعة، نسبة إلى الشجرة التي بويع النبي تحتها".
تعليق أحمد شاكر:
في هذا شيء من الصحة في أصله! ولكنه لا يعرف على إطلاقه،
(2/896)

فإن النسبة إلى "شجرة" في قواعد اللغة "شجري" فما من شيء يمنع إطلاق هذه النسبة، ولكنها لم تعرف معرفة شائعة بين الناس، ولم نسمع بها إلا في الندرة، ولم أجد من ذكرها إلا كلمة لسفيان بن عيينة، نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج 5 ص 326) قال: سمعت سفيان بن عيينة يسمى النقباء، فسمى عبادة بن الصامت منهم، قال سفيان: "عبادة عقبي أحدي بدري شجري وهو نقيب". فهذا هو الموضع الواحد الذي وجدت فيه هذا الاستعمال، فما أظن بعد ذلك يستقيم قول كاتب المقال أنه يطلق "في تاريخ الإسلام على كل من اشترك في المبايعة".
المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 329
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن آثار ونتائج صلح الحديبية:
"ولم تعد المدينة تخشى شيئًا من مكة، وما كانت لتعوز النبي - صلى الله عليه وسلم - الوسيلة إلى التحايل على القيود الثقيلة التي رضي بها ونقض العهد الذي أبرمه".
تعليق أحمد شاكر:
هذه أخت تلك الماضية، ماجرؤ أجرأ عدو لله ولرسوله والإسلام أن يزعم أن رسول الله نقض العهد، وهو أهل الوفاء وهو الآمر بالعدل، وهو الذي علم الناس الصدق والإخلاص، وهو الذي
(2/897)

جعل من علامة المنافق أنه "إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف"، وهو الذي كان يسميه قومه شابًّا فتيًّا باسم "الأمين" وصفًا لخلقه فيهم وإقرارًا منهم بما يرونه من صدقه وأمانته، ثم عادوه وعاداه غيرهم فما أخذ عليه واحد منهم مأخذًا في صدقه أو وفائه، ولكن الأب لامنس اليسوعي لم ير على نفسه غضاضة أن يقول ما لم يقل أحد من هؤلاء.
أما إنكاره تشريع الإسلام في القبلة وفي الحج، وادعاؤه أن رسول الله "زاد بعض المناسك في شعائر الحج" فما يستطيع أحد أن يرغمه على الإيمان، والله يقول لرسوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].
المادة: الحديبية
الجزء: 7/ الصفحة: 330
جاء في دائرة المعارف الإسلامية ضمن ذكر المصادر لمادة (الحديبية):
"ابن حنبل: المسند ج 3، ص 350".
تعليق أحمد شاكر:
هذان الموضعان في مسند أحمد (ج 3 ص 350، 384) ليس فيهما شيء له علاقة بهذه المادة، فما ندري لماذا أشار إليهما كاتب المقال.
(2/898)

المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 331
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي أول الأمر كان الصحابة أحسن مرجع لمعرفة سنة محمد، فهم قد عاشروه، وسمعوا قوله بآذانهم، وشاهدوا فعله بأبصارهم، ثم كان على المسلمين بعد ذلك أن يطمئنوا إلى أخبار التابعين، وهم أهل الجيل الأول بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أخذوا الحديث عن الصحابة، واطمأنت نفوس المسلمين في الأجيال اللاحقة إلى الوثوق بروايات تابعي التابعين أيضًا، وهم من أهل الجيل الثاني بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عاشروا الصحابة وهكذا".
تعليق أحمد شاكر:
ليس هذا على إطلاقه؛ فالصحابة، وهم الطبقة الأولى من رواة الحديث الذين سمعوه وشاهدوه أو أخذ بعضهم عن بعض، كلهم ثقات مصدقون، إلا أن يخطئ أحدهم في الرواية فيتبين خطؤه من درس الروايات الأخرى وموازنة بعضها ببعض، والتابعون وتابعوا التابعين، وهم الطبقتان الثانية والثالثة، درس علماء الحديث أخبارهم وآثارهم ورواياتهم، فكان أكثرهم الثقة الصادق، وقليل منهم الضعيف أو المردود الرواية، وهذا علم واسع مفصل في كتب كبار ودواوين واسعة من درسها وفهمها استيقن واطمأن، وهذه الطبقات
(2/899)

الثلاث هي أساس علم الرواية، ومن جاء بعدهم فإنما أخذ عنهم، وفي عصر الطبقة الثالثة بدأ تدوين الحديث تدوينًا عامًّا في مؤلفات، كموطأ مالك، وهو من أتباع التابعين، من الطبقة الثالثة.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 332
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ومع مضي الزمن ازداد ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل شيئًا فشيئًا في عدده وفي غزارته، وفي القرون الأولى التي تلت وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء في مسائل تختلف طبائعها أشد الاختلاف، وعملت كل فرقة على تأييد رأيها على قدر ما تستطيع بقول أو تقرير منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن استطاع أن يرد رأيه إلى أثر من آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو على الحق من غير شكل؛ ولهذا كثرت الأحاديث الموضوعة المتناقضة أشد التناقض في سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -".
تعليق أحمد شاكر:
أما أنه وجد بعض الكذابين الوضاعين الذين افتروا أحاديث على النبي - عليه الصلاة والسلام - وأما أنه وجد بعض المغفلين الذين دخلت عليهم هذه الأكاذيب فظنوها صحيحة وقبلوها، ودخلت عليهم الإسرائيليات فظنوها تصلح إيضاحًا تاريخيًّا لبعض ما ورد مجملًا من
(2/900)

أخبار السابقين في القرآن والسنة الصحيحة، وأما أنه وقعت أغلاط من بعض الرواة الصادقين في بعض الروايات، أما هذا كله فلا شك في وقوعه وهو الذي قام علماء الحديث بهذا المجهود الضخم الهائل في سبيل بنائه، فوزنوا الرجال، ورواة الحديث بميزان العدل والمعرفة، بحثوا في سيرتهم الشخصية، فقبلوا من ثبت عندهم أنَّه عدل لا تشوب سيرته شائبة من خلق ودين أو أمانة، وبحثوا رواياتهم ونقدوها، فرفضوا من كثر خطؤه وكثر في رواياته المخالفة لرواية غيره من الثقات، وقارنوا الروايات بعضها ببعض، فرفضوا ما خالف المعقول أو خالف صريح القرآن أو خالف المعلوم من الدين بالضرورة، أعني المتواتر العملي والاعتقادي، ونفوا عن الأحاديث كل ما حاول الوضاعون الكذابون إدخاله عليها، وحفظوا السنة بيضاء نقية، كل هذا كان، ويعرفه المسلمون ويتدارسونه بينهم، وأمَّا الصورة التي تبدو مما قال كاتب المادة أن كل تفصيل في الأحاديث، من حلال وحرام وطهارة إلخ. هو من الموضوعات، فإنما هي نفي للسنة جميعها وإبطال لها، وإنما معناها أن رسول الله لم يفعل شيئًا ولم يقل شيئًا؛ إذ أن كل ما روي عنه مكذوب في ظنه، وإنما معناه أن كل المسلمين، من عهد الصحابة فمن بعدهم، كاذبون مفترون على رسولهم، ليس فيهم أمين! وليس على وجه الأرض منصف يقول هذا ولست أدري إن قيل هذا في السنة التي رواها الثقات وبينوا طرق روايتها ووصلوا أسانيدها شيخًا عن شيخ سماعًا في أول أمرهم
(2/901)

وكتابة وسماعًا فيما بعد ذلك، ونقدوا الرواية والرواة أدق نقد وأحكمه، فماذا يقال في غيرها من الروايات والكتب التي لا سند لها ولا نقد لرواتها؟ !
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 334
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ومع أن المسلمين كانوا يلعنون واضعي الأحاديث ومن يذيعها بين الناس عن سوء قصد، إلا أن ثمة اعتبارات مخفقة أخذ بها في بعض الأحوال، وبخاصة إذا كان الحديث الموضوع يتناول بعض العظات أو التعاليم الخلقية".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كلام عجيب! يوهم أن المسلمين أجازوا وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، وهو ما حكاه كاتب المقال "بعض العظات أو التعاليم الخلقية؟ " ولعل كاتب المقال أتى من ناحية أنه اعتمد في مقاله على مصادر غير عربية فقط، فلو أنه رجع إلى أي مصدر عربي من كتب الحديث لما قال هذا، وأقرب كتب مصطلح الحديث كتاب: (علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح) فلو رجع إليه لرأى فيه (ص 100 من طبعة المطبعة العلمية بحلب سنة 1931) ما نصه: "والواضعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضررًا قوم من
(2/902)

المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابًا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركونًا إليهم، ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد لله، وفيما روينا عن الإمام أبي بكر السمعاني؛ أن بعض الكرامية ذهب إلى جواز وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب". ونحو ذلك في كتاب (تدريب الراوي شرح تقريب النواوي للسيوطي طبعة المطبعة الخيرية سنة 1307 ص 102) وقال النواوي في الرد على ما نقل من الكرامية: "وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم". وقال السيوطي: "بل بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فجزم بتكفير واضع الحديث". فهذا قول أئمة المسلمين وعلماء الحديث، لا ما نقله كاتب المقال عن كتب إفرنجية، مما يوهم أن المسلمين يجيزون وضع الحديث والكذب على رسول الله! ومعاذ الله أن يكون هذا منهم. وانظر تفصيل ما كتبنا عن الأحاديث الموضوعة في شرحنا على كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير طبعة مطبعة حجازي سنة 1937.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 336
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"والحكم على قيمة المحدث قد يختلف اختلافًا بينًا، فربما كان ثقة عند قوم، ولكن غيرهم كانوا يعدونه في منتهى الضعف، وربما اعتبروه كاذبًا في روايته، بل إن الثقة ببعض كبار الصحابة لم تكن من
(2/903)

الأمور المسلمة عند الجميع في أول الأمر؛ ولهذا نجد أن الثقة بأبي هريرة كانت محل جدل عنيف بين كثير من الناس".
تعليق أحمد شاكر:
لم تكن الثقة بأبي هريرة محل جدل إلا عند أهل الأهواء، ثم تبعهم بعض من اصطنع الجرأة في الطعن على السنة من المتأخرين، وإنما كان بعض الصحابة يأخذون عليه الإكثار من الحديث خشية الخطأ، ثم كانوا إذا حققوا ما أخذوا عليه أيقنوا من صحة ما روى، والأخبار في ذلك متكاثرة. وكان هو يرد على من أخذ عليه كثرة الرواية، يقول: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينًا أصحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم". وقال ابن عمر: "أكثر أبو هريرة". فقيل له: "هل تنكر شيئًا مما يقول؟ " قال: "لا، ولكن جرؤ وجبنا". فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: "ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا". وغاضبه مروان بن الحكم فقال له: "إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيسير". فقال أبو هريرة: "قدمت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، وأنا يومئذٍ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، وأدور معه في بيوت نسائه وأخدمه وأغزو معه وأحج، فكنت أعلم الناس بحديث، وقد والله سبقني قوم بصحبته، فكانوا يعرفون لزومي له فيسألونني عن حديثه، منهم عمر
(2/904)

وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى علي كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه". قال الوليد بن رباح راوي هذه الحادثة "فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًّا عنه". انظر ترجمة أبي هريرة في كتب الصحابة، وخاصة في الإصابة (ج 7 ص 199 - 207 طبعة المطبعة الشرقية سنة 1907) وغزوة خيبر كانت سنة 7 من الهجرة فقد صحب أبو هريرة رسول الله أكثر من ثلاث سنين يلازمه ليلًا ونهارًا، يسمع حديثه ويروي عمله، ويفهم عنه ويفقه، فيحدث بما سمع ويصف ما يرى، وما الحديث عن رسول الله إلا هذا، أن يحدث بما سمع كما سمع، وأن يصف ما رأى كما رأى، وأن يحكي أحوال رسول الله التي يعلم، والتي جعل الله فيها للمسلمين، بل للناس كلهم أسوة حسنة، فمن اهتدى اتبع ومن لا فحسابه على الله.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 336
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وكان الحكم على محدث يختلف باختلاف وجهة نظر كل طائفة أو فرقة معينة، ونشأ عن هذا خلافات مرّة، وينبغي أن نذكر في هذا المقام أن مادة الحديث المروي كانت في الواقع أصل التنازع، وإذا كانت الثقة بالمحدثين هي محلّ النزاع، فالغالب أن ما في موضوع
(2/905)

الحديث من هوى هو الذي كان يثير المعارضة دائمًا، فالحكم النهائي لم يكن مقصودًا به قيمة المحدث، وإنما كان المقصود به الحكم على مادة الروايات التي يرويها".
تعليق أحمد شاكر:
أما الخلاف في توثيق بعض الرواة وتضعيفهم، فإنه خلاف طبيعي في كل بحث يعرض له الإنسان، لا يؤخذ مغمزًا على علماء الحديث، وأما ادعاء أن "مادة الحديث المروي كانت في الواقع أصل التنازع، ولو أن الثقة بالمحدثين هي محل النزاع في الظاهر" فهذا كلام مجمل موهم، وليس نقدًا علميًّا لصناعة المحدثين وعلومهم، فإنهم بحثوا في تاريخ كل راو حتى عرفوا سيرته وصدقه أو كذبه وحفظه أو غلطه، ثم حكموا عليه بما تبين لهم، وتتبعوا ما روى كل راو فنفوا عن روايته الخطأ غير المقصود، وردوا ما كان فيه شبهة العمد إلى رواية شيء لا أصل له، وقارنوا الروايات بعضها ببعض، فنقدوا السنة ونقدوا المتن، فماذا في هذا؟ لا أدري، لو ذكر الكاتب مأخذًا معينًا يريده لبَحَثنا ما قال وحققناه، ولكن جاء بشيء مبهم، يوقع الوهم في نفس القارئ أنه نقد وما هو بنقد.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 337
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن الأحاديث النبوية:
"بل سُلِّم على وجه عام بصحة كثير من الأحاديث التي تتضمن
(2/906)

أخطاء تاريخية شديدة الوضوح".
تعليق أحمد شاكر:
أين الأحاديث التي تتضمن أخطاء تاريخية شديدة الوضوح؟ !
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 337
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن أصناف الحديث:
"ويسمى الحديث (حسنًا) إذا لم يكن بريئًا من الشوائب براءة تامة، كأن يكون غير متصل السند تمام الاتصال، أو كأن لا يقع الإجماع على الثقة براويه".
تعليق أحمد شاكر:
هذا الكلام ليس على وجهه، فإن انقطاع الإسناد موجب لضعف الحديث فلا يكون حسنًا، وإنما "الحديث الحسن" هو الذي لا يكون في إسناده راو متهم بالكذب، ولكن يوجد في رواته من أخذ عليه شيء في حفظه وضبطه، ثم يتابعه عليه رواة آخرون غير متهمين بالكذب أيضًا، فيقع في نفس المحدث الناقد أن لهذا الحديث أصلًا معروفًا، أو كما قال الترمذي في سننه التي تسمى (الجامع الصحيح طبعة بولاق ج 2 ص 340) "كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" وانظر بحث "الحديث الحسن" في كتاب
(2/907)

(علوم الحديث لابن الصلاح بشرح الحافظ العراقي ص 30 - 47 طبعة حلب سنة 1931) وكتاب (اختصار علوم الحديث لابن كثير بشرحنا ص 24 - 33، س 24 - 33) وكتاب (تدريب الراوي شرح تقريب النواوي للسيوطي ص 49 - 59).
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 340
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن المولفات في الحديث، وعن المسانيد:
"وأحسن هذه الكتب هو (المسند) لابن حنبل المتوفى سنة 241 ه 885 م".
تعليق أحمد شاكر:
هذا كلام غير دقيق تاريخيًّا، فإن كتب الحديث ألفت على النوعين - المسانيد والموضوعات - من القديم، بعضها مرتب على الأبواب, أي؛ موضوعات الفقه وغيره، ومن أقدمها موطأ مالك، وهو مؤلف قبل (المسند) للإمام أحمد بن حنبل بزمن طويل (فإن الإمام مالك ابن أنس توفى سنة 179 ه المولود سنة 164 ه، والإمام أحمد بدأ في سماع الحديث سنة 179 أي سنة وفاة مالك، ولكنه لم يسمع منه وسمع من تلاميذه.
(2/908)

المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 330
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"كان السير على سنة الآباء الأولين (والسنة هي المنهج القديم المأثور الذي يعتاده المرء في المبادلة والأخذ والعطاء) يعدّ حتى عند كفار العرب فضيلة من الفضائل. ولما جاء الإسلام لم تستطع السنة أن تبقى على قديمها، وهو أتباع عادات الآباء الكفار وأحوالهم، وكان لا بد للمسلمين من أن ينشؤوا لهم سنة جديدة، فأصبح واجبًا على المؤمن أن يتخذ من خلق الرسول وصحابته مثلًا يحتذيه في جميع أحوال معاشه، ولهذا بذل كل جهد ممكن في سبيل جمع أخبار النبي وصحابته".
تعليق أحمد شاكر:
هذا غير صحيح، فلم يكن أتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المسلمين عن عادة اتباع الآباء، وقد نعاها الله على الكفار نعيًا شديدًا وتوعد عليها وعيدًا كثيرًا، وأمر الناس باتباع الحق حيثما كان، وباستعمال عقولهم في التدبر في الكون وآثاره ونقد الزيف من الصحيح من الأدلة، وإنما كان حرص المسلمين على سنة رسول الله اتباعًا لأمر الله في القرآن {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. (الآية 21 من سورة الأحزاب). {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
(2/909)

عَذَابٌ أَلِيمٌ}. (الآية 63 من سورة النور). {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. (الآية 44 من سورة النحل). إلى غير ذلك من أوامر الله في كتابه، مما لا يجهله مسلم، واتباعًا لأمر رسول الله نفسه، في الأحاديث الصحيحة المتكاثرة، وفيما ثبت عمليًّا بالتواتر، من عمل كبار الصحابة، ثم من بعدهم من التابعين والعلماء، لم يشذ بعد الصحابة إلا أناس غلبهم الهوى أو أعمتهم الجهالة. وهذا موضوع أطال البحث فيه العلماء السابقون وأبدعوا، حتى لم يدعوا قولًا لقائل أو كادوا. وكتب السنة وكتب الأصول وغيرها مستفيضة متناولة، والباحث المنصف يستطيع أن يتبين وجه الحق، ويكفي أن نشير إلى كتابين فيهما مقنع لمن أراد: كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، بتحقيقنا وشرحنا (طبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1938)، وكتاب "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليمني المتوفى سنة 840 (طبعة المطبعة المنيرية)، فإني رأيت كاتب المقال لم يشر فيه من أوله إلى آخره إلى مصدر عربي أو إسلامي رجع إليه في بحثه، وهذا عجب!
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 341
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"على أن مجموعات الأحاديث التي صنفت في العصور المتأخرة كانت القاعدة في تصنيف معظمها؛ أن يكون ذلك وفقًا لمضمون
(2/910)

الأحاديث، وما صنف منها تبعًا للأبواب يسمى (المصنف) ".
تعليق أحمد شاكر:
ليس هذا صحيحًا، فكتب السنة المرتبة على الأبواب قديمة، أقدمها الموطأ كما قلنا آنفًا، ثم الكتب السنة الصحاح؛ البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم كسنن الدارمي، والدارقطني، والمصنف لابن أبي شيبة، إلى آخر ما هو معروف من كتب الحديث، وكلها مؤلف في القرن الثالث، إلا الموطأ كان في القرن الثاني، وإلا الدارقطني فإنه في القرن الرابع.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 341
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"على أن شروط البخاري للصحة ليست هي هي الشروط التي رآها مسلم".
تعليق أحمد شاكر:
كلا، بل شروطهما واحدة، هي شروط صحة الحديث المعروفة، إلا في فرق واحد، هو أن البخاري يشترط، أن يثبت أن راوي الحديث لقي شيخه الذي يروي عنه، إذا قال في حديثه: "عن فلان". فإذا ثبت عنه أنه لقيه بأن قال: "حدثنا فلان". أو بأي طريق آخر من طرق ثبوت ذلك كان الحديث على شرطه، فهو أولى أن
(2/911)

يكون على شرط مسلم؛ لأن مسلمًا يكتفي، كما يكتفي أكثر أئمة الحديث بأن الشيخ والراوي عنه كانا في عصر واحد، وإن لم يثبت لقاء التلميذ للشيخ ثبوتًا صريحًا، وليس معنى هذا أن مسلمًا ومن وافقه يقبلون رواية منقطعة لم يسمعها الراوي من شيخه، فإن هذه تكون رواية ضعيفة باتفاقهم، وهي الحديث المنقطع، إنما معناه أن هؤلاء يرون أن الراوي الثقة، وأول شرط في توثيقه أنه لا يكذب، هذا الراوي إذا روى عن شيخ فإنه لا يروي عنه إلا ما سمعه منه أو أخذه عنه بأي طريق من طرق التلقي؛ إذ لو كان يروي ما لم يأخذه عن شيخه كان إما كاذبًا، والكاذب ليس بثقة، وإما مدلسًا، والمدلس هو الذي يروي عن شيخ معاصر له شيئًا لم يسمعه منه بل سمعه عن غيره عنه، ولكنه يرويه بصيغة "عن" أو شبهها، والمدلسون معروفون لهم، فلا يقبلون من أحاديثهم إلا ما صرحوا فيه بأنهم سمعوه، وذلك احترازًا من تدليسهم، وأما ما يرويه المدلس بصيغة توهم عدم السماع، فإن أكثر المحدثين على عدم قبوله، ومنهم مسلم نفسه.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 343
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولهذا نجد مثلًا أن "الدارقطني" - المتوفى سنة 385 ه = 995 م - صنف كتابًا دلل فيه على ضعف مائتي حديث أوردها البخاري ومسلم".
(2/912)

تعليق أحمد شاكر:
هذا غير صحيح، فإن الدارقطني إنما "علل" أحاديث في الصحيحين: البخاري ومسلم، بأنهما خالفا فيها شرطهما، وهو اختيار أعلى درجات الصحة في الإسناد، أو بأن بعض أسانيد الحديث الذي ينقده أصبح في نظره من الإسناد الذي رواه به البخاري ومسلم. ولم يتفق المحدثون على ضعف أي حديث في هذين الكتابين، بل اتفقوا على أن البخاري ومسلمًا مقدمان على أهل عصرهما ومن بعدهم من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح من غير الصحيح، وانظر تفصيل القول في ذلك في (مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر ص 344 وما بعدها، طبعة بولاق سنة 1301 ه) وانظر أيضًا ما أشرنا إليه من كتب مصطلح الحديث.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 343
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ونذكر من المصنفات المطولة التي ظهرت في عصر متأخر كتابين للسيوطي المتوفى سنة 911 ه 1505 م: أحدهما (جمع الجوامع) والثاني (الجامع الصغير) وغاية السيوطي الأولى من هذين الكتابين هي وضع مؤلف شامل للمجموعات الموجودة".
تعليق أحمد شاكر:
كتاب "جمع الجوامع" ويسمى أيضًا "الجامع الكبير" كتاب
(2/913)

ضخم جدًّا، قصد به السيوطي إلى جمع كل الأحاديث التي وجدها فيما وقع له من كتب السنة، سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة، ورتب فيه الأحاديث على الحروف على أوائل اللفظ النبوي فيها، ورتب ترتيبًا مقاربًا لأحاديث "الأفعال" أي؛ التي فيها حكاية ووصف لحادثة ونحو ذلك وليس فيها حديث قولي للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الكتاب لم يطبع، وتوجد منه نسخ غير كاملة في دار الكتب المصرية. وأما "الجامع الصغير" فإنه مختصر مشهور معروف طبع مرارًا، وطبع بعض شروح عليه للعلماء، وهو مرتب على الحروف أيضًا، على أوائل اللفظ النبوي اقتصر فيه مؤلفه السيوطي على الأحاديث الوجيزة، وصانه عما تفرد به وضاع أو كذاب, أي صانه عن الحديث الموضوع فقط. ففيه أحاديث ضعيفة قطعًا، وهما - في رأيي - محاولة لعمل فهارس متقنة لكتب الحديث؛ لأن مؤلفهما رتبهما على الحروف، ثم ذكر بعد كل حديث أسماء الكتب التي نقله منها، كالبخاري ومسلم وغيرهما، ورمز إلى أسماء هذه الكتب برموز اصطلاحية، مثل (خ) للبخاري، (م) لمسلم، (د) لأبي داود، (ن) للترمذي، وهكذا، وهذه الرموز بعضها قديم معروف عند المحدثين، وبعضها اختاره السيوطي وجعله اصطلاحًا له في كتابيه هذين.
المادة: الحديث
الجزء: 7/ الصفحة: 345
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فالحديث يجب أن يسمع، وكان الطلاب يقطعون البيادي
(2/914)

والقفار، ليحضروا دروس الشيوخ الذين كانوا حجة في هذا العلم ويسمونهم (حملة الحديث)، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة تقول: (سافر في طلب العلم) ".
تعليق أحمد شاكر:
لا نعرف حديثًا بهذا اللفظ. والأحاديث كثيرة في الحض على الرحلة في طلب العلم، منها حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". رواه الترمذي وقال: "حديث حسن". وانظر (الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ج 1 ص 62 - 63 الطبعة المنيرية).

المادة: الحسن بن علي
الجزء: 7/ الصفحة: 400
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد أنفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق، فأحصي له حوالي المائة زيجة عدًّا، وألصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق".
تعليق أحمد شاكر:
ما أظن كاتب المقال وزن الأخلاق والشهوات بميزان صحيح، حين وصف الحسن بالميل للشهوات، وبالأخلاق السائبة. والكاتب يكتب بروح إفرنجية وعقل إفرنجي، ولا أريد أن أقول "مسيحية" فإن
(2/915)

دين المسيح - عليه السلام - وحي من عند الله كدين الإسلام، يزن الأخلاق والشهوات بالميزان الصحيح الذي فطر الله عليه الناس وأيدته الشرائع. وبالضرورة ليس الميزان في ذلك هو "الرهبانية" فإنها بدعة في دين المسيح - عليه السلام - ابتدعها أتباعه، كما قال الله سبحانه في القرآن الكريم: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]. وقد نسخها الإسلام أو نفاها. ولسنا ننكر أن في الرهبان من كانوا حقًّا بعيدين عن الشهوات متحرزين في كل شأنهم، ولكنهم إنما فعلوا ذلك بقتل الفطرة الإنسانية السليمة في أنفسهم، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهو شيء شاذ نادر، لا يصح أن يكون مقياسًا للإنسانية عامة. والله أعلم بما كانوا عاملين.
ولكنا نقيس الأخلاق بمقياس الفطرة الإنسانية التي جاءت الشرائع لتهذيبها والحد من طغيانها، ومنعت كبتها وقتلها في النفس.
وكانت فطرة الرجال، ولا تزال، في أغلب أحوالهم وأكثر أعمارهم أن تتجه شهوتهم للنساء، إذا كانوا ذوي فطرة سليمة، غير ضعفاء، وغير مرائين منافقين، فكان العرب كغيرهم من الرجال، لا يكاد الرجل منهم يكتفي بامرأة واحدة إلا في القليل النادر، وكانوا ذوي غيرة على الأعراض، يستحي أحدهم أن يعتدي عليها في غير حلها إلا ما يندر وما لا تكاد تخلو منه أمة، وكانوا على بقايا من شريعة إبراهيم، فكان أحدهم يرى أن الأجدر به، والأشرف له ولغيره، أن يتزوج بأكثر من واحدة، وأن يطلق من عزفت نفسه عنها،
(2/916)

ولكنهم غلوا في ذلك غلوّ الجاهلية، فلم يجعلوا لعدد الزوجات حدًّا، وكانوا يطلقون المرأة أي عدد شاؤوا من الطلقات، وكان أمرًا جاهليًّا، فجاء الإسلام بالشريعة الوسطى، لم يقيد ولم يطلق في عدد الزوجات، وفيما يملك الرجل من الطلاق للمرأة الواحدة، تنظيمًا للأمور ووضعها موضعها الصحيح.
وكانت الأمم الأخرى وخاصة الإفرنج، كما نرى ونسمع، لا غيرة عندهم، ولا يقيمون للعفاف وزنًا كبيرًا ولا أحب أن أذكر التفاصيل، ولكني لا أحب أن يغالط أحد فيزعم غير ذلك، والمثل حاضرة تقرأ أخبارها كل يوم.
فمقاييس الأخلاق بيننا وبين الإفرنج متغايرة تمام المغايرة، رجالهم كرجالنا، أعني في الأكثر الأغلب، لهم شهواتهم ورغباتهم، ولكنهم قيدوا أنفسهم بالزوجة الواحدة، واتخذوا من العشيقات والأخدان ما شاؤوا علنًا، يعرف بعضهم ذلك عن بعض، وتعرفه زوجاتهم وأمهاتهم وأخواتهم. وذو الميسرة منهم يتخذ لأخذانه البيوت والقصور، وتعقد فيها مجالس اللهو ومجالس العلم، ومجالس المناظرة ولا يتحرجون؛ إذ كان كالأمر المعروف المقرر.
وقيدوا أنفسه بمنع الطلاق، ثم أباحوه إلى حد التهافت والسخرية، وهم يعتقدون أن دينهم لا يبيحه، ولكن أباحته لهم القوانين، والقانون لا ينسخ الدين ولا ينفي ما ثبت بالعقيدة.
فهم يغفلون من التردي في الشهوات أضعاف ما يفعل المسلمون،
(2/917)

ولكن المسلمين يفعلون ما أباحه لهم دينهم، فيفعلون راضين مطمئنين؛ إذ كان حلالًا في دينهم حلًّا مطلقًا إلا في حدود ما أمر به الله، وأولئك يفعلون كل ما يفعلون حرامًا في دينهم وفي كل الأديان.
فهذا هو الميزان الصحيح الذي يجب أن توزن به الأمور، لا إلقاء الكلام على عواهنه، والطعن في أخلاق رجل من أفضل الأمة، وسبط النبي، بأنه كان كثير الطلاق والزواج.

المادة: الحسن بن علي بن أبي طالب
الجزء: 7/ الصفحة: 403
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وهناك عاد إلى حياة اللهو واستسلم للذات".
تعليق أحمد شاكر:
لم يعرف عن الحسن قط أنه تبع حياة اللهو والاستسلام للذات، بل كان يعطي نفسه حقها مما أحله الله له، على النحو الذي شرحناه في التعليق رقم 3.
المادة: الحسن بن علي بن أبي طالب
الجزء: 7/ الصفحة: 403
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"كما أن الحسن المستهتر .. ".
(2/918)

تعليق أحمد شاكر:
أظن أن كاتب المقال يندم على هذه الكلمة وغيرها من الأوصاف التي نعت بها الحسن، عن عصبية وعن خطأ في النظر في مقاييس الأخلاق الصحيحة.

المادة: الحسين بن علي
الجزء: 7/ الصفحة: 402
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وتصور الروايات الحسين كما تصور أخاه الحسن غارقًا في فيض من حنان جده لأمه".
تعليق أحمد شاكر:
التعبير الذي عبر به كاتب المادة هنا يشعر القارئ أنه يرى في ذلك غرابة! ! ولست أدرى أية غرابة في أن يحب الرجل أسباطه (أبناء ابنته)، وخاصة إذا كان أبوهم ابن عمه الذي رباه وشمله بعنايته صغيرًا وشابًّا ورجلًا، وكان الجدّ مع هذا ليس له أولاد ذكور من صلبه.
المادة: الحسين بن علي
الجزء: 7/ الصفحة: 402
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولقد كان من سوء طالع ذرية علي أن الحوادث قد أيدت صدق
(2/919)

حكمه، فقد ثبت أن الابن ورث عن أبيه الصفتين اللتين كانتا السبب في هلاك أبيه، وهي التردد وقلة الفطنة".
تعليق أحمد شاكر:
الأب لمنس، كاتب هذا المقال، معروف عند المستشرقين، وعند العرب والمسلمين، بالعصبية التي تغلبه، فتميل عن سبيل الحق دائمًا أو في أكثر أحواله. وما رأينا له كتابة قط في الشؤون العربية والإسلامية إلا وقد نفث فيها من دخيلة نفسه، يغلبه فيها ما يجد، فلا يستطيع أن يلزم جادة العدل، بله الأدب ومراعاة العقائد التي تخالف رأيه. فما سمعنا قط من مؤرخ قديم أو حديث رمى علي بن أبي طالب بالتردد، ولا بقلة الفطنة، بل إن ذكاء علي وعزمه وحزمه مما اتفق المؤرخون على وصفه بها، بل لعل بعضهم يرى في خلقه شيئًا من الإقدام يدفع به إلى مضايق الخطر، لا يبالي ولا يخاف، وعلمه وذكاؤه وفطنته بالمنزلة التي لم يصل إليها في عصره وفيما بعد عصره إلا أفراد بعد أفراد.

المادة: حفصة
الجزء: 7/ الصفحة: 473
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد حرضت حفصة أخاها عبد الله، وكان رجلًا ضئيل الشأن".
(2/920)

تعليق أحمد شاكر:
ما كان عبد الله بن عمر رجلًا ضئيل الشأن، ولكن كان زاهدًا في الحكم والسلطان، يخاف الله، ويخشى أن لا يقوم بحق الولاية، فاعتزل الخلافات السياسية في عصره، وله في هذا رأيه، وليس لأحد أن يجعل من ذلك مغمزًا فيه.

المادة: حمزة بن عبد المطلب
الجزء: 8/ الصفحة: 101
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"حمزة بن عبد المطلب: عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وتزيد الروايات أنه أخوه في الرضاعة سعيًا منها إلى تمجيد هذا البطل من أبطال الإسلام في عهده الأول".
تعليق أحمد شاكر:
هذا المستشرق "لامنس" عجيب في آرائه واستنباطه! والعصبية تطغى على بصره، والحقد على الإسلام يطمس بصيرته. يريد تكذيب الأحاديث والروايات الإسلامية بكل وجه وحيلة، فيندفع حتى يأتي بما لا يخطر على بال بشر!
حمزة بن عبد المطلب: سيد الشهداء، وعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفضله يعرفه كل مسلم، أما أن يجهله الأب لامنس، فلا يقدم في ذلك ولا يؤخر، بل إنه يعرفه وينكره، وقد وصف الله في القرآن
(2/921)

أقوامًا مثله، كانوا من قبله، وكانوا في عصر رسول الله، يرونه ويجالسونه، فيقول الله فيهم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]. فماذا يزيد في فضل حمزة أن يكون أخًا لرسول الله في الرضاع، وماذا ينقص من فضله أن لا يكون أخًا من الرضاع، وأفضل الصحابة - على الإطلاق - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومع ذلك لم يكذب المسلمون - في زعم الأب لامنس - فيدعوا أن واحدًا من هؤلاء كان أخًا لرسول الله في الرضاع!
ثم هذا الخبر في أن حمزة أخو رسول الله في الرضاع، هل جاء في أثناء ذكر مناقب حمزة في سياق الرواية؟ كلا. إنه إنما جاء عرضًا، حين عرض علي بن أبي طالب على رسول الله أن يتزوج بنت حمزة، فأجابه: "إنها ابنة أخي من الرضاعة، وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". فقد جاء هذا في سياق تقرير حكم شرعي يتعلق بالحل والحرمة، يعلمهم رسول الله أن الله جعل الرضاعة بمنزلة النسب، وحرم فيه من النكاح ما حرم من النسب، لم يذكر قط في سياق مدح حمزة أو ذكر مناقبه.
ويتضح من ذلك أن الأب لامنس لم يستطع فهم معنى الحديث، في أخوة حمزة من الرضاع، على معناه الدقيق الواضح الذي يعرفه كل مسلم من عالم وجاهل، فظن أن هذا الخبر إنما يراد به إثبات صفة جديدة بقصد التمجيد، فكتب ما كتب.
(2/922)

المادة: حمزة بن عبد المطلب
الجزء: 8/ الصفحة: 102
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن عمر حمزة:
"على أنه إذا صح رأينا الذي يحتم إسقاط عشر سنين من عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتراوح بين الستين والخامسة والستين على حد القول الشائع".
تعليق أحمد شاكر:
لماذا كان رأي لامنس أنه يجب إسقاط عشر سنين من عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ لا أدري، ولكنه لا غرض له إلا أن يفترى على المسلمين ويرميهم بالكذب.

المادة: خديجة
الجزء: 8/ الصفحة: 234
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن زواج خديجة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"وقد تزوجت قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين، وأعقبت فيهما ذرية؛ فأما زوجها الأول فهو رجل من مخزوم، وأما الآخر فهو أبو هالة التميمي الذي اختلف الرواة في اسمه الحقيقي، وذكره بعضهم بين صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا صحت هاتان الروايتان فإن خديجة تكون امرأة مطلقة".
تعليق أحمد شاكر:
أبو هالة زوج خديجة قبل رسول الله، لم يذكره أحد من الذين
(2/923)

ألفوا في تراجم الصحابة، ممن وصلت إلينا كتبهم، إلا الحافظ ابن حجر، فإنه ذكره في الإصابة (ج 6، ص 270) باسم (نباش بن زرارة التميمي) في القسم الرابع من باب النون، وهو القسم الذي خصه في كل حرف من الحروف بتراجم من ذكره مترجمو الصحابة "على سبيل الوهم والغلط" كما صرح بذلك في مقدمة الإصابة "ج 1، ص 4" بل صرح بأنه لا يذكر في هذا القسم "إلا ما كان الوهم فيه بينا، وأما مع عدم احتمال الوهم فلا". ولذلك قال في الترجمة التي ذكرها لأبي هالة ما نصه: "زوج خديجة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ووالد هند، وخال الحسن بن علي. ذكره المستغفري، وتبعه أبو موسى في الذيل، وهو غلط". فمن عجب بعد هذا كله أن يذكره كاتب المادة بطريقة تدل على أن له أصلًا أو صحة، ويبني عليه احتمالًا. وما هذا شأن المحقق المنصف، وإنما يريد الكاتب وأمثاله الغمز فقط، شأنهم ودينهم! ثم ماذا في ذلك إذا صح؟ فيه في نظره أن تكون خديجة امرأة مطلقة! وماذا يكون؟ العرب يرون جواز الطلاق، ولا يرون فيه شيئًا يعيب الرجل أو المرأة، وجاء الإسلام فنظم الطلاق في التشريع، وجعل له حدودًا وقواعد دقيقة، ولم يجعل عيبًا في الرجل أن يطلق ولا أن يتزوج امرأة مطلقة، ولم يجعل عيبًا في المرأة أن تكون مطلقة، ولا أن تتزوج رجلًا آخر بعد الطلاق. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، وهي بنت عمته، بعد أن طلقها مولاه وعتيقه زيد ابن حارثة، ثابت ذلك بنص القرآن والسنة الصحيحة المتواترة، بل الطلاق مباح في كل الأديان، وإنما حرمه البابوات وشددوا في تحريمه، ثم صار في نظر أولئك القوم
(2/924)

عارًا عندهم، وغلوا في ذلك غلوًّا شديدًا، ولكن أيكون غلوهم هذا حكمًا يمضونه على غيرهم من الأمم، وعلى دين وشريعة لا يؤمنون بهما. ثم الذي لا شك فيه بعد هذا كله، أن أبا هالة مات في الجاهلية قبل زواج رسول الله خديجة، وأن خديجة لم تكن - حين تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة مطلقة.
المادة: خديجة
الجزء: 8/ الصفحة: 235
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن عرض خديجة على النبي - صلى الله عليه وسلم - الزواج منها:
"وقد عارض في ذلك الزواج، ولم تستطع حمله على قبوله إلا بعد أن أسكرته، وهذا من الدوافع المقبولة في الروايات الخيالية".
تعليق أحمد شاكر:
هذا افتراء عجيب على المسلمين، فما كان المسلمون قط ليروا الإسكار من الدوافع المقبولة، ولا في الروايات الخيالية، والرواية القائلة بأن والد خديجة كان حيًّا إذ ذاك، وأنه لم يوافق على الزواج إلا حين سكره، رواية باطلة، بطلانها ثابت في النصوص التي أشار إليها كاتب المقال نفسه، فإنه أشار إلى ما ذكره ابن سعد في الطبقات (ج 1، ص 84 وما بعدها)، (ج 8، ص 7 - 11) وابن سعد نفسه قال في الموضع الأول، بعد حكاية شيء من هذا، ما نصه: "قال محمد
(2/925)

ابن عمر: فهذا كله عندنا غلط ووهل، والثبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم؛ أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمرو بن أسد (يعني عمها)، زوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وقال في الموضع الثاني ما نصه: "فإن أباها مات يوم الفجار، قال محمد بن عمر: وهذا هو المجمع عليه عند أصحابنا، ليس بينهم فيه اختلاف". فماذا بعد ذلك من دلالة لرجل منصف إذا أراد أن يقول الحق وحده؟
بل نريد كاتب المقال مصدرًا آخر لهذه الرواية الضعيفة، لم يره ولم يشر إليه، وهو حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بإسنادين، برقم 2851، 2852 من طبعتنا للمسند، وقد بينت في شرحي للمسند ضعف هذين الإسنادين، وما كان ذلك بضار أحدًا إلا من أراد أن يمسك بالشبهات ويدع الحقائق.
المادة: خديجة
الجزء: 8/ الصفحة: 235
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وتذهب أكثر المصادر إلى أن محمدًا كان وقتذاك في الخامسة والعشرين، أما خديجة فكانت في الأربعين، على أن ما نعرفه من أن نساء العرب يهرمن بسرعة وأن خديجة قد أنجبت له خمسة أطفال على الأقل يجعل هذا القول بعيد الاحتمال".
تعليق أحمد شاكر:
وهذا لون آخر من ألوان المغالطة والتهافت في الغمز والتشكيك،
(2/926)

بل هو جرأة على تغيير الواقع المشاهد، فإن الواقع المشاهد لنا ولغيرنا، في عصرنا هذا وقبل عصرنا، أن نساء العرب لا يهرمن بسرعة، بل النساء اللائي يهرمن بسرعة هن نساء الأجناس الأخرى المتهالكة، يظهر ذلك لمن يرى بعيني رأسه لا بعين هواه. وليس فيما قاله كاتب المقال من بأس إذا كان صحيحًا، ولكنه باطل يخالف المشاهد الواضح.

المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 372
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وقد وردت سنة ذكر اسم السلطان في الصلاة في عصر متقدم يرجع إلى القرن الخامس ق. م في البردي الآرامي الذي عثر عليه في فيلة".
تعليق أحمد شاكر:
هذا الشيء الذي يذكره كاتب المادة عن القرن الخامس ق. م لا علاقة له بالإسلام، ولا يكون له أثر علمي أو تاريخي في مثل هذا الموضوع الإسلامي الصرف.
المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 372
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن شروط الخطبة:
"كما يشترط فيها أن تكون كالصلاة قصدًا".
(2/927)

تعليق أحمد شاكر:
هذا ليس بشرط، بل هو الأفضل فقط.
المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 373
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن عدم ورود ذكر الخطبة في القرآن لصلاة الجمعة:
"ومن الخطأ أن نستخلص من هذا الإغفال أن الخطبة لم تكن قد أصبحت جزءًا أساسيًّا في العبادات أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس من المحتمل كذلك أن الصلوات على اختلافها كانت قد تحددت تحديدًا دقيقًا منذ البداية".
تعليق أحمد شاكر:
قد حددت الصلاة تحديدًا واضحًا منذ الإسراء والمعراج، لم يزد عليها شيء ولم ينقص. والمثال الذي سيذكره مستدلا به على ما يريد، ليس في خطبة الصلاة، بل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس في الأحداث والمسائل العامة، وعند المناسبات دائمًا، ولم يكن لهذا علاقة بالصلوات، بل هي خطب للفصل بين الناس ولتعليمهم وإبلاغهم الوحي، بوصفه رسولًا، وبوصفه حاكمًا وقاضيًا ورئيس دولة، كما هو بديهي عند كل خبير بشؤون المجتمع الإسلامي حينئذ.
(2/928)

المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 373
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فَلاجَّهُ رجل في صدقته .. ".
تعليق أحمد شاكر:
لاجَّه، بتشديد الجيم, أي نازعه وخاصمه، من اللجاج.
المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 374
جاء في دائرة المعارف الإسلامية بعد ذكر خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية شجاج أبي جهم لرجل من بني الليث:
"ومن الواضح أن مثل هذه الخطبة يعد نموذجًا لخطب أمراء العرب الأولين في رعاياهم، ويتعذر القول بأن لها صلة بالخطبة الدينية، أضف إلى ذلك أنه ليس من اليسير التفريق بين أنواع الخطب كما قد يتضح ذلك من الأحاديث الآتية".
تعليق أحمد شاكر:
إن كان كاتب المقال يريد بالخطبة الدينية خطبة الصلاة، فنعم، ليس لهذه الخطبة علاقة بها، وإن كان يريد المعنى الأعمّ، فلا. ومن
(2/929)

الخطأ أن يظن الناس أن الدين الإسلامي لا علاقة له بالمعاملات ولا بغيرها من شؤون الدولة والحكم، وعن هذا كان خطأ كاتب المقال فيما سيأتي من الاضطراب والتناقض، ومن محاولة ادعاء أن الخطبة عند المسلمين مأخوذة من غيرهم، ولكن المعنى الصحيح إجمالًا ما أشرنا إليه من قبل في الهامشة (2، صفحة 373) من هوامش هذا المقال، والأمثلة التي سيذكرها الكاتب تؤيد ما قلنا وتوضحه، بل إن بعضها - ومثله كثير في السنة الصحيحة - يدل على أن الخطبة مطلقًا، سواء أكانت للجمعة أم العيدين أم غيرهما، إنما هي تعليم وتبليغ وإرشاد وتنظيم، في كل شؤون المسلمين من عبادة، ومن خلق، ومن نظم للحكم، ومن فصل القضاء في وقائع فردية، ومن تحريض على الجهاد، وتنظيم للجيوش والسرايا، وتعليم للأفراد، وإجابة سائل مستفيد، فهي تشمل كل هذا وغيره. وما ضعف المسلمون واضطرب أمرهم إلا بعد أن ترك أمراؤهم وحكامهم هذه الخطبة السامية الدقيقة التي رسمها لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما تركوها؛ لأن أكثرهم فقدوا الشرط الأول والأساسي في الإمام (أي الخليفة) والحاكم والوالي والقاضي، وهو معرفة الدين والعلم به إلى درجة الاجتهاد، فإذا فقدوا هذا فقدوا أكبر مقوم لهذه المناصب الجليلة العظيمة.
المادة: الخطبة
الجزء: 8/ الصفحة: 375
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ومهما يكن من أمر الشك في هذه الأحاديث، فلسنا نبتعد عن
(2/930)

القصد إذا ذهبنا إلى أن النظام المحدد للصلاة يوم الجمعة والعيدين إنما نشأ بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -".
تعليق أحمد شاكر:
هذا غير صحيح، كما أوضحناه في الهامشة التي في العمود الثاني من ص 374، وإنما يدور كاتب المقال حول شيء واحد، يدور حوله معظم المستشرقين، وهو أن شعائر الإسلام وشرائعه كلها مقتبسة من عادات قديمة ومن ديانات سابقة. وقد رددنا على ذلك في أكثر من تعليق على هذه الدائرة، وأما بعد ذلك، فمناقشة كاتب المقال فيما سيذكر من (المثل المستقاة من اليهود والنصارى) فلا جدوى منها؛ لأنها قروض لم يسق عليها أي دليل.

المادة: الزهري
الجزء: 10/ الصفحة: 458
تعليق أحمد شاكر على مادة (الزهري):
نلاحظ على ما جاء بهذه المادة ما يأتي:
إن صحة كنية الزهري هي "أبو بكر" وقد عرف باسم "ابن شهاب" نسبه إلى جده الأعلى.
ويقول الكاتب إن الزهري أدى فروض الولاء لمروان، وهذا تخريج من عندياته، فإن العبارة في التهذيب لابن حجر (ص 451، س 6 - 7 في آخر الترجمة) "عن ابن شهاب، قال: وفدت إلى مروان
(2/931)

وأنا محتلم". وليس في هذا معنى فروض الولاء، وإنما يريد الزهري بذلك بيان عمره: أنه كان إذ ذاك في نحو الخامسة عشرة أو أقل.
أما الادعاء بأن عبد الملك منع الحج، فهو أكذوبة على عبد الملك بن مروان، اخترعها أعداء بني أمية، وكان عبد الملك أعلم بالدين، وأتقى لله من أن يفكر في مثل هذا العمل الذي هو خروج عن الإسلام صراحة.
ويقول الكاتب فيما يختص بالحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى". أن الحج يكون إلى هذه المساجد الثلاثة. وهذا تحريف لمعاني الكلام، فليس في الإسلام شيء يسمى حجًّا إلا الحج إلى البيت الحرام، وأما المسجدان الآخران: الحرم النبوي، ثم مسجد بيت المقدس، فإنما يقصدان للصلاة فيهما فقط، لورود الحديث في مضاعفة الأجر فيهما بأقل مما يضاعف في المسجد الحرام بمكة.
ويقول الكاتب: "ويصح لنا أن نفترض أن الزهري شخص إلى دمشق تحدوه آمال من هذا القبيل؛ ليروى لعبد الملك ذلك الحديث المؤيد لدعوته باسم شيخه سعيد بن المسيب". على أن هذا الفرض ساقه الكاتب من غير أي دليل، وهو مناف تمامًا لخلق الزهري العالم العظيم القوي في الحق. ولا أدل على ذلك مما رواه الذهبي (تاريخ الإسلام، ج 5، ص 146): "قال يعقوب بن شيبة، حدثني الحسن الحلواني، حدثنا الشافعي، حدثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار
(2/932)

على هشام، فقال له: يا سليمان، من الذي تولى كبره منهم. فقال: ابن سلول. قال: كذبت بل هو علي. فدخل ابن شهاب، فقال: يابن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال ابن أبيّ [أي ابن سلول]. فقال له: كذبت بل هو علي. قال: أنا أكذب لا أبالك؟ ! فوالله لو نادى مناد من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت. أما ما رواه كاتب المادة عن اليعقوبي، فقد تشكك هو نفسه فيه بدليل قوله: وإذا كانت رواية اليعقوبي صحيحة.
وأما صاحب حديث الإفك والذي تولى كبره، فهو عبد الله بن أبي بإجماع أهل العلم. وإصرار الزهري على ذلك هو إصرار الرجل الثابت الدين الواسع العلم على الحق، لا إرضاءً لفلان، أو خوفًا من فلان.
وأما القصة الغرامية التي نقلها الكاتب عن فهرست ابن النديم فحسبنا أن نقول: إن ابن النديم لا يعتدّ بقوله في مثل هذه الأمور.
ويريد الزهري بالعبارة التي نقلها عنه تلميذه معمر: أنهم كانوا يتحرجون من تأليف الكتب، ثم رأوا طاعة أمرائهم، ثم اقتنعوا بفائدة ذلك، نشرًا للعلم بين المسلمين. أما الكتابة في نفسها، فقد كانت شائعة عند أهل العلم - مع اعتمادهم على الحفظ - وفي نفس الصفحة من ابن سعد، قبل هذا الخبر (ج 2، ق 2، ص 135) خبر عن صالح بن كيسان، زميل الزهري في الطلب، يتضمن أنهما اشتركا في كتابة ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أراد الزهري أن يكتب ما جاء عن الصحابة "فإنه سنّة" فخالفه صالح بن كيسان، ولم يرض أن يكتب ذلك. قال
(2/933)

صالح: "فكتب ولم أكتب، فأنجحَ وضيَّعْتَ".
ونزيد على المصادر التي فيها أخبار الزهري، مصدرين عظيمين، هما (تذكرة الحفاظ للذهبي، ج 1، ص 102 - 106)، و (تاريخ الإسلام للذهبي، ج 5، ص 136 - 152).

المادة: تعليق
الجزء: 11/ الصفحة: 245
تعليق أحمد شاكر على مادة (تعليق):
يردد الكاتب في هذه المادة دعوى بعض المستشرقين: أن الإسلام مقتبس من الأديان السابقة، وليس وحيًا من عند الله، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتبس ممن عرف من أهل الكتاب! ! أما متى كان ذلك؟ وأين كان هؤلاء الذين أخذ عنهم؟ وأين أعداؤه الذين كانوا يحاولون أن يجدوا ثغرة في رسالته يطعنون بها عليه؟ هذا كله لا يهم كاتب المقال، ولا يبحث عن دليل عليه، بل هو يعرف أنه لا يجد؛ ولذلك تجد كلامه كله مبنيًّا على (لعل) و (ربما).

المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 377
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"ولا يباح للمحرم أن يرتدي السراويل (هي وبعض الثياب الأخرى) بل إن الصلاة بالسروال كانت مكروهة في رأي المتشددين،
(2/934)

ولا مناص من إعادتها، وهي تعد أيضًا غير مناسبة للمؤذن".
تعليق أحمد شاكر:
أما حرمة لبس السراويل في الإحرام، فإن سببه هو الإحرام، لا خصوص السراويل، وأما كراهية الصلاة بالسراويل فإنما يراد بها السراويل الضيقة التي شاعت بين المسلمين الآن تقليدًا للإفرنج، فإن أقبح ما فيها أنها تحدد العورة تحديدًا مستنكرًا حين الركوع والسجود، وليس من شك في أن هذا عمل لا يجوز في الصلاة ولا خارج الصلاة.
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 375
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وجمع سروال سراويل، وجمع الجمع سراويلات، وكلا الجمعين تستبدل فيهما الشين بالسين، وفي لهجة سراوين، وهي ثنائية فحسب، ولكنها تستعمل غالبًا (شأنها شأن الكلمة المأخوذة من سروال في كثير من اللغات الأخرى) بمعنى المفرد، وتختلف باختلاف التذكير والتأنيث، والتصغير سريويل، وجمعها سريويلات. وقد اشتق من الكلمة الفعل تَسَروْل".
تعليق أحمد شاكر:
اختار كاتب المقال روايات ضعيفة في اللغة العربية تعتبر كلمة
(2/935)

"سراويل" جمع "سروال" أو "سروالة"، ولكن الراجح عند أئمة اللغة الموثوق بهم أن كلمة "سراويل" مفردة، وإن كانت صيغتها على وزن الجمع، وأن جمعها "سراويلات" انظر لسان العرب وغيره من المعاجم. وليس في هذا غرابة، فإن أصل الكلمة أعجمي، وعربها العرب على هذه الصيغة التي تشبه وزن الجموع، وليس لنا أن نتحكم في نقلهم؛ إذ نقلوها هكذا.
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 375
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"فقد ورد في حديث أن أول من لبس السروال النبي إبراهيم، وهو لذلك أول من يلبس لباسًا يوم القيامة".
تعليق أحمد شاكر:
الخبر بأن أول من لبس السراويل إبراهيم لا أعرفه، ولم أجده فيما بين يدي من المراجع.
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث آخر أن موسى كان يلبس سراويل من الصوف يوم كلمه الله".
(2/936)

تعليق أحمد شاكر:
حديث أن موسى كان يلبس "سراويل صوف يوم كلمه ربه" رواه الترمذي (ج 3، ص 48 من شرحه تحفة الأحوذي طبعة الهند). وجزم الترمذي بأنه حديث ضعيف؛ لأن أحد رجال إسناده، وهو "حُمَيْد بن علي الأعرج" منكر الحديث؛ فهو حديث ضعيف جدًّا.
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وروي في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترى سراويل من بائعي الأصواف، ولكن ليس من الثابت أنه ارتداه فعلًا".
تعليق أحمد شاكر:
حديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اشترى سراويل": ورد من رواية "سويد ابن قيس" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وكذلك روى الإمام أحمد من حديث "مالك بن عميرة الأسدي"، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى منه "سراويل". وقد استنبط بعض العلماء من ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لبسها؛ لأنه لم يكن ليشتريها عبثًا دون استعمالها، وإن كان غالب لبسه الإزار. وقال ابن القيم: "وقد روي في غير حديث: أنه لبس السراويل وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه". انظر فتح الباري (ج 10 ص 231). وزاد المعاد (ج 1، ص 72).
(2/937)

المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
وقد أجاب مرة على سؤال سائل سأله: وإنك لتلبس السراويل؟ قال: "أجل، في السفر والحضر، وفي الليل والنهار، فإني أمرت بالستر، فلم أر شيئًا أستر منه".
تعليق أحمد شاكر:
هذا حديث ضعيف جدًّا، بل هو لا أصل له؛ لأن أحد رواته، وهو يوسف بن زياد البصري منكر الحديث، مشهور الأباطيل. انظر فتح الباري (ج 10 ص 231). ومجمع الزوائد (ج 5، ص 121، 122). ولسان الميزان (ج 6، ص 321).
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"وفي حديث آخر امتدح لبس السروال قائلًا: "تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب".
تعليق أحمد شاكر:
هذا الكلام لا أدري ما أصله؟ ولا أعرف من أين جاء به كاتب
(2/938)

المقال، ولم أجده في شيء من المراجع.
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن ورود مدح لبس النساء السراويل:
"أما النساء فعلى خلاف ذلك؛ لأن الأحاديث تمتدح أن تلبس النساء السراويل، مثال ذلك ما ورد في حديث فحواه: "عليكم بالسراويل، فهي اللباس الذي يستركم على خير وجه، واستروا نساءكم بها إذا ما خرجن" أو "يرحم الله المتسرولات من النساء".
تعليق أحمد شاكر:
وهذا والذي قبله كذلك، لا ندري من أين نقله كاتب المقال؟
المادة: سروال
الجزء: 11/ الصفحة: 376
جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
"أو مرت امرأة على حمار ... فسقطت، فأعرض عنها بوجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنها مسترولة. فقال: "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي".
تعليق أحمد شاكر:
هذا حديث ضعيف جدًّا؛ لأن أحد رواته، وهو "إبراهيم بن
(2/939)

زكريا المعلم" وقد كان يحدث بالأباطيل. وهذا الحديث "من بلاياه"، كما قال الحافظ الذهبي. انظر لسان الميزان (ج 1، ص 58 - 59) وفتح الباري (ج 10 ص 231) ومجمع الزوائد (ج 5، ص 122).

المادة: السعي
الجزء: 11/ الصفحة: 437
جاء في دائرة المعارف الإسلامية عن السعي:
"وتجمع الآراء على أن السعي سبعة أشواط بسيطة، اللهم إلا رأيًا واحدًا يقول بغير ذلك".
تعليق أحمد شاكر:
لا يوجد قول آخر، فإن السعي سبعة أشواط بإجماع المسلمين.
* * *
(2/940)