Advertisement

جمهرة مقالات أحمد شاكر 001


الكتاب: جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر - مع أهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية
المؤلف: أحمد محمد شاكر
جمعها وأعدها واعتنى بها: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حماد العقل
الناشر: دار الرياض
الطبعة: الأولى، 1426 ه - 2005 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم واحد متسلسل)

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر
مع أهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية

جمعها وأعدها واعتنى بها
عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حماد العقل

[الجزء الأول]
(/)

الطبعة الأولى
1426 ه - 2005 م
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف

رقم الْإِيدَاع: 14784/ 2005

دَار الرياض
40 ش مُحَمَّد كَمَال - غرب
أَرض اللِّوَاء
خلف مَدِينَة المهندسين - جيزة
ت: 7158100


الإِهْدَاءُ
إلى حضرة سيدى الوالد ..
عبد العزيز بن حماد بن عبد الله العقل
حُبًّا وَبرًّا وَإِجلالًا
وَتَقْدِيرًا لأَفضَالِه الَّتِى طَوَّقَتْ عُنُقِى
اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ ذَنْبه كلَّه وأَسعِده
وَارفَعْ دَرَجَتَهٌ فِي الدَّارَيْنِ
اللَّهُمَّ آمين
(1/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

طلائع الجَمْهَرة
الحمد لله القاهر فوق عباده، بيده ملكوت السموات والأرض، لا إله إلا هو الكبير المُتعال. وصلى الله على البشير الدَّاعينا بترغيبه إلى جنته، والنذير المُبْعِدِنا بترهيبه عن ناره صلاةً تُبْلِغُنا رضاه سبحانه، وتحفُّنَا برَفْرَف رحمته يوم لا ظل إلا ظله، وتُصّفي كَدَرَ أعمالنا يومَ لا يشفع شافع إلا من بعد إذنه، وهو الغفور الرحيم، يُقيل عثرة عباده برأَفته، ويتغَّمد إساءتهم بإحسانه.
وبعد، فقد كان العلّامة المصري الشيخ أحمد محمد شاكر مُتفننًا وعالمًا مُبرَّزًا في علوم كثيرة؛ فهو إمام أهل عصره في علم الحديث، وفقيه مجتهد، ومُفسر رَكين، وعالم باللغة، وبحاثّة ثَبْت مع فكر درّاك وعلم واسع، وريادة فذّة في ميدان تحقيق التراث ونشره.
وقد انتقل إلى رحمة الله في يوم السبت 26 من ذي القعدة سنة 1377 ه الموافق 14 من يونيه سنة 1958 م، ومضت الأيام، وصَمَتَ أصدقاؤه وتلاميذه ومحبوه فلم يخصوه بدراسة جَادّة، وظَلّ تراثه العلمي مُوزعًا في تَضاعيف المجلات والدوريات المختلفة مع نُدرته ونَفَاسته، واحتفاء العلماء بآراء الشيخ أحمد شاكر وتحقيقاته واضح كل الوضوح، ومع ذلك أطبقوا على العقوق، فلم يقضوا حق العلم والتاريخ (1).
__________
(1) انظر: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين (2/ 89).
(1/5)

حين ذلك صحَّت عزيمتي على جمع مقالات العلّامة أحمد محمد شاكر ونشْرها أداءً لهذا الدين. وجَعلْتُ بين يدي هذه المقالات ترجمة لحياته الشخصية ومسيرته العلمية. وقد رَتبتُ المقالات ترتيبًا موضوعيًا، على نحو ما يلي:
° تحقيق الترات.
° التعريف بالكتب.
° نقد الكتب والمقالات.
° بين أحمد شاكر وحامد الفقي.
° الدفاع عن الحق.
° مسائل علمية.
° تراجم وأعلام.
° مناسبات.
وختمت الكتاب: بأهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية، وهذه الدائرة موسوعة علميّة كتبها لفيف من المستشرقين، رُتبت موادها على حروف المعجم، واشتملت على ألوان متفرقة من العلوم.
وكان للمستشرقين فيها مغالطات ظاهرة، وشُبه وسموم نثروها في تضاعيف هذه الدائرة، وقد شارك الشيخ أحمد شاكر في التعقيب والمناقشة ودفع الشبه ما أمكن. ورغبتُ في إلحاقها بالمقالات لأَهميتها وغفلة أهل العلم عنها.
الحقّ أنّ الشيخ أحمد شاكر حَمَلَ أمانة هذا القلم وصدع بالحق في غير جَمْجَمَة ولا إدْهان فصال وجال في الدفاع عن العربية والإسلام؛ قاوم الدعوة إلي كتابة اللغة العربية بحروف اللاتينية، وقاوم دعاة التجديد من شُذّاذ الآفاق، أولئك الذين يأتون كل حين
(1/6)

ببدعة يزينونها ويزعمون أنّ بها نجاح العرب والمسلمين؛ بدعة التبرج والسفور، وبدعة العامية، وبدعة اللادينية، والانبهار الأعمى بكل ما هو غربي، وكم ذا شغلت هذه البدع - وأمثالُها كثير - هذا الشرقَ المستبَدَّ به عن مطامحه العليا، وأضاعت من مجهوداتٍ جليلةٍ هي ذَوْب القلوب الملتاعة، وحرارة الإيمان الصادق؟ (1)
وهذا الرجل الفذّ نَسِيج وحْدِه فقد كانت جهوده في نشر التراث بَعْثًا جديدًا لذخائر الأمة وإحياءً لثمرات عقولها، ويلحظ المُتَتبَّع لجهوده أن له يدًا باسطة في غير عِلْمٍ من عُلومِ الثقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ من فقهٍ وأصولٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وعربيةٍ (2).
ويوم أن مضى أحمد شاكر لِطَيَّتِه توجّع أخوه محمود شاكر لفقده، وقد كان شريكه ودليله في تحقيق تفسير الطبري، فكتب كلمة عالية تفيضُ صدقًا وإحساسًا: "وبعد، فقد أبليت شبابي وصدرًا من كُهُولتِي، وأخي يومئذٍ رُكنٌ من العلم باذخٌ، آوي إليه إذ حزبني أمرٌ، أو ضاقَ عليَّ مسلك. فأصبحت فإذا الركنُ قد سَاخَ، وإذا أنا قد أُفْرِدْتُ إفرادَ الساري في فَلاة بغير دليلٍ. كان نُورًا يضيءُ الطريق، فلما طَفِئَ، أصبحتُ في ظلماءَ يَنهاني سوادُها أن أسير.
وكنتُ أعمل في هذا التفسير وحدي بعيدًا عنه، هكذا كان. لم يكن يشاركني في قراءة نَصَّه، ولا في كشف مُبْهمِه، ولا في تقويم ما اعوَجَّ من نَهْجِه، ولا في تخِريج ما تولَّيتُه من رواية حديثه. وَقَضيتُ دهرًا وأنا أظنُّ أنَّ الأمر كُلَّه ثَمرةُ جُهْدي وعملي! ! فلمَّا قبضَ الله عبدَه الصالحَ - رحمة الله عليه - وبقيتُ أيضًا أعمل وَحدي بعيدًا عنه
__________
(1) انظر: انظر مجلة الزهراء رمضان وشوال سنة 1346 ه.
(2) انظر: محمود محمد شاكر الرجل والمنهج ص 32
(1/7)

أيَّ بُعْدٍ! ! فعندئذٍ وجَدتُ مَسَّ الحقَّ في فقده، وإذا هو كانَ يكون مَعِي وإن خِلْتُه بعيدًا، وكانَ يكونُ مُعيني وإن لم أسْتَعِنْه، وكان يكون نورَ طَريقي، وإن خلتُ الطريقَ مُضيئًا من ذات نَفْسِه!
فأَيُّ هَدْي طُمِس عنَّي بفقْدِك! وأَيُّ دليلٍ نأى عنِّي برحيلك! وأَي نورٍ غارَ عني بغيابِك! وأَيُّ حُزْنٍ بَقِي لي بفَنائِك! فيا ابنَ أبي وأمَّي:
لَوْ كَانَ يُنجِي من الرَّدَى حَذَرُ ... نَجَّاكَ مِمَّا أصابَكَ الحَذَرُ
يَرْحَمُكَ الله من أَخِي ثِقةٍ ... لمَ يْكُ في صَفْوِ وُدَّهِ كَدَرُ
فَهَكَذَا يَذْهَبُ الزَّمَانُ ويَفْنَى العِلمُ فِيِه وَيدْرُسُ الأَثَرُ" (1)
وسيظل هذا الرجل أثرًا ضخمًا في ضمير هذه الأمة بما أسداه للعربية والإسلام من آثار علمية ذاهبة في الندرة والنفاسة، وجهاد صادق في الدفاع عن الحق.
رحمك الله يا أبا الأشبال رحمة واسعة، وبَرَّدَ مضجعك، وجعلَ ما قدمته في ميزان حسناتك يوم تلقاه.
أسأل الله أن يمهد لي طريق الصواب، وأن يغفر لي زلتي، وأن يعينني بحوله وقوته، فقد برئت إليه سبحانه من كل حول وقوة، وهو وحده المستعان، وله الحمد والمنة، ومنه الجزاء والثواب، وإليه المرجع والمآب.
عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حمَّاد العقل
__________
(1) انظر: مقدمة محمود شاكر لتفسر الطبري الجزء الرابع عشر.
(1/8)

العلّامة أحمد محمد شاكر
حياته الشخصيّة ومسيرته العلميّة
وفيه المباحث التالية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وولادته وأسرته
المبحث الثاني: حياته ورحلاته وصلاته
المبحث الثالث: شيوخه وأساتيذه
المبحث الرابع: مذهبه الفقهي وعقيدته
المبحث الخامس: آثاره العلمية
(1/9)

المبحث الأول: اسمه ونسبه وولادته وأسرته
أحمد بن محمد شاكر بن عبد القادر، من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - وسماه أبوه (أحمد شمس الأئمة أبو الأشبال).
ولد بعد فجر يوم الجمعة 29 من جمادى الآخرة سنة 1309 ه، الموافق 29 من يناير سنة 1892 م (1).

إلماعة عَجْلى عن أسرة أحمد شاكر
والده هو: الشيخ محمد شاكر، شخصية أزهرية كبيرة، ومن كبار علماء مصر، ولد بجِرْجَا (2) في منتصف شوال سنة 1282 ه، وحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ التعليم، ثم رحل إلى القاهرة، إلى الأزهر الشريف، فتلقى العلم فيه عن كبار الشيوخ في ذلك العهد، وفي 15 رجب سنة 1307 ه، عين أمينًا للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسي المهدي (3)، مفتي الديار المصرية إذ ذاك.
__________
(1) انظر: مجلة المجلة، العدد (19) سنة 1958 م (ص 120) من مقال كتبه محمود شاكر، بعنوان: (أحمد محمد شاكر إمام المحدثين).
(2) قرية بصعيد مصر في غربي النيل لها نهر مفرد وليست بشارفة على النيل. انظر: معجم البلدان (3/ 224).
(3) هو: محمد العباسي ابن الشيخ محمد أمين الحنفي ابن الشيخ محمد المهدي =
(1/11)

ثم ولي منصب نائب محكمة مديرية القليوبية في 7 شعبان سنة 1311 ه، ومكث فيه أكثر من ست سنين. وكانت له جهود في إصلاح أحوال المحاكم الشرعية، ثم ولي منصب قاضي قضاة السودان في يوم 10 ذي القعدة سنة 1317 ه. وفي سنة 1904 م صدر الأمر بتعيينه شيخًا لعلماء الإسكندرية، فبعث فيها نهضة علمية عمّت أرجاء مصر، فوضع أسس النظام في التعليم، وأحسن اختيار الكتب والمقررات في الدراسة، وجعل من المقررات بعض العلوم الحديثة مع علوم الدين والعربية.
وفي أواخر سنة 1324 ه، نُدب للقيام بأعباء منصب مشيخة الجامع الأزهر بالإضافة إلى عمله في مشيخة الإسكندرية، أربعة أشهر فقط.
وفي سنة 1327 ه صدر الأمر بتعيينه وكيلًا لمشيخة الجامع الأزهر فسار فيه سيرته في الإصلاح، وظَلَّ في منصبه إلى أن أنشئت
__________
= الكبير الشافعي، ولد بالإسكندرية سنة 1243 ه، فقرأ بها بعض القرآن، ثم حضر إلى القاهرة سنة 1255 ه، فأتم حفظه واشتغل بالعلم وقرأ على الشيخ إبراهيم السقا، وخليل الرشيدي وغيرهما، وولي إفتاء الديار المصرية سنة 1264 ه، وهو في نحو الحادية والعشرين من سنيه، ولم يتأهل بعد لمثل هذا المنصب الكبير. ثم أكب على الاشتغال بالعلم خصوصًا الفقه حتى نال منه حظًّا وافرًا، وجلس للتدريس بالأزهر، وباشر أمور الفتوى بعفة وأمانة وتدقيق وتحقيق، واشتهر بين الناس بالحزم والعزم، وعدم ممالأة الحكام، توفي - رحمه الله - سنة 1315 ه.
انظر: أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث للعلّامة أحمد تيمور باشا (ص 62 - 72).
(1/12)

الجمعية التشريعية سنة 1913 م، فعُيِّن عضوًا فيها، واعتزل وظائف الحكومة، وتوفي - رحمه الله - سنة 1358 ه (1).
وجده لأمه هو: العلامة الكبير الشيخ هارون بن عبد الرازق بن حسن بن أبي زيد البنجاوي الأزهري، ولد بقرية (بنجا) بالصعيد في يوم الخميس 25 جمادى الأولى سنة 1249 ه، إمام من أئمة العربية، كان شيخ رواق الصعايدة في الأزهر، ثم من أعضاء مجلسه الأعلى، ومن مصنفاته: حسن الصياغة في فنون البلاغة، وعنوان الظرف في علم الصرف، والمبادئ النافعة في تصحيح المطالعة، توفي - رحمه الله - بالقاهرة سنة 1336 ه (2).
وأمه هي: أسماء هارون عبد الرازق، توفيت - رحمها الله - بعد ظهر يوم الأحد 22 شعبان 1344 ه، بمنزل والده محمد شاكر بشارع رحبة عابدين بالقاهرة (3).
وأشقاء الشيخ أحمد شاكر ثلاثة ذكور، وثلاث إناث:
أَسنّ الذكور - بعد أحمد - عليّ، وُلد بالقاهرة وقت أذان العصر من يوم السبت 26 ذي الحجة سنة 1311 ه، ونال شهادته العالِمية من
__________
(1) انظر: محمد شاكر، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة المقتطف، عدد أغسطس 1939 م؛ ومقال آخر للأستاذ محمد عبد الغني حسن بعنوان: محمد شاكر، في مجلة الكتاب عدد يولية 1946 م.
(2) انظر: محمد شاكر، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة المقتطف، عدد أغسطس 1939 م، والأعلام للزركلي (8/ 61).
(3) انظر: محمود محمد شاكر قصة قلم، لعايدة الشريف، (ص 223).
(1/13)

الجامع الأزهر في يوم الاثنين 14 محرم سنة 1339 ه، وعين قاضيًا بالمحاكم الشرعية في رمضان سنة 1345 ه (1)، ثم كان عضوًا عاملًا بالحزب الوطني (2)، وساهم مع أخيه أحمد في نشر عددٍ من كتب التراث العربي، وله من الأبناء: عبد الرحمن وزهير وعلي (3).
وثاني الأشقاء محمد، ولا أعرف عنه شيئًا سوى أنه لم يُكمل تعليمه (4).
وأصغرهم محمود، وقد تَسنَّم ذُرى المجد الأدبي، وطارت شهرته في الآفاق.
ولد - رحمه الله - بالإسكندرية يوم الاثنين، العاشر من المحرم سنة 1327 ه، وفي صيف ذلك العام الذي ولد فيه انتقل إلى القاهرة، حين عُيّن والده وكيلًا للجامع الأزهر. وحصل على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) القسم العلمي سنة 1925 م (5).
وفي أثناء ذلك، وتحديدًا في بداية العشرينيّات، اتصلت أسباب محمود بأسباب اثنين من كبار أهل العلم بالأدب هما: سيد بن علي
__________
(1) انظر تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 10)
(2) انظر: دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أديب العربية الكبير أبي فهر محمد محمود شاكر بمناسبة بلوغه السبعين (ص 14).
(3) انظر: محمود محمد شاكر قصة قلم لعايدة الشريف (ص 161).
(4) أفدت ذلك من العلامة أحمّد المانع، وكان ملحقًا ثقافيًا في مصر، ومن المقربين للأديب الكبير العلامة محمود شاكر - رحمه الله -.
(5) انظر: تاريخ نشر التراث العربي، لمحمود الطناحي (ص 104).
(1/14)

المرصفي (1)، ومصطفى صادق الرافعي (2)، أما المرصفي فهو إمام العربية في زمانه، وكان له أكبر الأثر في تشكيل ملكة التذوق والنقد لدى محمود (3).
أما الرافعي فقد ملك على محمود نفسه، ورأى فيه الأديب "الذي شارك الأوائل عقولَهم بِفكْرِهِ، ونَزعَ إليهم بحَنينه، وفَلَجَ أهل عصره بالبيان حين استعجمت قلوبُهم، وارتَضَختْ عَربيتُهم لُكْنَةً غير عربية" (4).
وطَفَحَ قلب محمود بحب الرافعي فَطَفِقَ يقول: "وتبدت لي إنسانيةُ هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر، وظفرت بحبيب يحبني وأحبه؛ لأن القلب هو الذي كان
__________
(1) هو: سيد بن علي المرصفي الأزهري، إمام من أئمة الأدب واللغة، مصري، كان من جماعة كبار العلماء في الأزهر، من آثاره: رغبة الآمل شرح الكامل. توفي سنة 1931 م. انظر: الأعلام (3/ 147).
وألمع زكي مبارك إلى جوانب من شخصية المرصفي في كتابه البدائع (1/ 64 - 79).
(2) هو: مصطفى صادق بن عبد الرازق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، عالم بالأدب شاعر، من كبار الكتاب، أصله من طرابلس الشام، أصيب بصمم، وكان شِعْرُه نقي الديباجة على جفاف في أكثره، ونثره من الطراز الأول، توفي بطنطا سنة 1356 ه، ومن كتبه: وحي القلم، تاريخ آداب العرب، المساكين، وغيرها.
انظر: الأعلام (7/ 235)، و (حياة الرافعي) للعريان، ومقدمة كتاب الرافعي (على السّفود).
(3) انظر: محمود محمد شاكر الرجل والمنهج، لعمر القيَّام (ص 39).
(4) تقدمة محمود شاكر لكتاب حياة الرافعي لمحمد سعيد العريان (ص 9).
(1/15)

يعمل بيني وبينه، وكان في أدبه مسُّ هذا القلب؛ فمن هنا كنت أتلقى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفى على من هو أَمثلُ مني بالأدب، وأَقْومُ على العلم، وأبصَرُ بمواضع الرأي" (1).
وفي سنة 1926 م، التحق محمود بالجامعة المصرية طالبًا في كلية الآداب: قسم اللغة العربية، لكن مكثه لم يَطُلْ في الجامعة، فقد نشب بينه وبين أستاذه طه حسين (2) خلاف حول منهج دراسة الشعر الجاهلي، وظهر له مدى انبهار أستاذه بالمناهج المنتزعة من ثقافات أخرى، واتكائه على نتائج البحث الاستشراقي دون إدراك صحيح للعلاقة بين المنهج والثقافة التي أَنْتجتْه (3).
وأفضى ذلك الخلاف إلى هجرته إلى الحجاز سنة 1347 ه - 1928 م، وفي جدة أنشأ بناءً على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود مدرسة جدة السعودية الابتدائية، وعمل مديرًا لها، ولكن ما لبث أن عاد إلى القاهرة في أواسط عام 1929 م. وانصرف إلى
__________
(1) تقدمة محمود شاكر لكتاب حياة الرافعي لمحمد سعيد العريان (ص 8).
(2) هو: طه بن حسين بن علي بن سلامة، حصل على الدكتوراه من السوربون في فرنسا سنة 1918 م، ولما عاد إلى مصر عُين محاضرًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة. ثم كان عميدًا لتلك الكلية، فوزيرًا للمعارف، وقد كان من دعاة التغريب، ومن ذيول الاستعمار في مصر، توفي سنة 1354 ه.
انظر: الأعلام للزركلي (3/ 231)؛ ومقال للدكتور زكي مبارك، بعنوان: الدكتور طه حسين بين البغي والعقوق، من كتاب البدائع (2/ 169)؛ والاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين (2/ 221).
(3) انظر: محمود محمد شاكر الرجل والمنهج، للقيَّام (ص 47).
(1/16)

الأدب بكُليّته، فتأهل، وبلغ في العربية المبالغ.
قال إحسان عباس (1): "معرفة محمود بالتراث، وإحاطته به، وتمثله لأبعاده المختلفة، وحضوره في وجدانه أمر كالنهار لا يحتاج إلى دليل" (2).
وقد حارب أديب العربية الكبير محمود شاكر في جبهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة؛ حارب الدعوة إلى العامية، وكتابة اللغة بحروف لاتينية، وكشف القناع عن وجه الاستشراق، وأهدافه الخفية في مصر (3).
أما جهوده في نشر التراث فهي من أدل الشواهد على نبالة قدره، وعلو كعبه في العلوم التي عُني بنشرها، وتجلّى ذلك في ما نشره من ذخائر التراث:
طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير الطبري، وأجزاء من تهذيب الآثار، وجمهرة نسب قريش، وغيرها.
وشقيقات أحمد شاكر: عزيزة، وصفية، وفاطمة الزهراء.
وله من الولد ثلاثة بنين، وست بنات.
__________
(1) من تلاميذ محمود شاكر، وهو من كبار محققي التراث، ونقاد الأدب العربي المعاصر.
انظر: سيرته الذاتية (غربة الراعي).
(2) دراسات عربية (ص 9).
(3) انظر: تاريخ نشر التراث العربي، لمحمود الطناحي (ص 105 - 109).
(1/17)

أَسنّ الذكور أسامة، وحصل على الشهادة الجامعية في تخصص العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة فؤاد سنة 1945 م، وعمل في المكتب الفني لوزير التجارة، ثم في وزارة الاقتصاد، ثم في مصلحة الشركات، ثم بديوان محافظة القاهرة، ووصل إلى منصب مدير عام الشؤون المالية إلى أن بلغ سن التقاعد. ويقيم الآن بالقاهرة. ويجيد اللغة الإنجليزية، واستفاد منه الشيخ أحمد في ترجمة مقدمة كتاب (الكامل للمبرد) للنسخة المطبوعة في أوربة (1).
الثاني: فرناس، وحصل على الثانوية العامة، ثم التحق بكلية الهندسة، ولم يكمل دراسته، وسافر إلى ألمانيا، وجلس بها أربع سنوات، ثم التحق بهيئة قناة السويس، ووصل إلى منصب كبير مراقبي حركة قناة السويس، ثم انتقل إلى المعاش في سبتمبر 1991 م، ويقيم بالإسماعيلية.
الثالث: سعود، وحصل على شهادة عليا، ويمتلك محلًّا تجاريًّا في القاهرة.
وبنات الشيخ: كوثر، وتماضر الخنساء، وسبا شجرة الدر، ورباب، ونعمت الله، وفاطمة الزهراء.
وتوفيت شجرة الدر في يناير سنة 1990 م، ونعمت الله في سنة 1935 م، عليهما رحمة الله (2).
__________
(1) انظر: مقدمة الجزء الثاني من كتاب الكامل الذي حققه أحمد شاكر.
(2) انظر: العلّامة الشيخ أحمد شاكر وجهوده في السنة المطهرة للدكتور علاء عنتر (ص 10 - 11).
(1/18)

المبحث الثاني: حياته ورحلاته وصلاته
لما صدر الأمر بإسناد منصب قاضي قضاة السودان إلى والده الشيخ محمد شاكر، في 10 من ذي القعدة سنة 1317 ه، رحل بولده إلى السودان؛ فألحق ولده (أحمد) بكلية غوردون، فبقي تلميذًا بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية سنة 1322 ه، فألحق ولده من يومئذٍ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه.
وفي الإسكندرية توجهت همته لطلب العلم، وشغف في أول أمره بحب الأدب والشعر، ثم انصرف في سنة 1327 ه، إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل.
ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلًا لمشيخة الأزهر في ربيع الآخر سنة 1327 ه، التحق أحمد شاكر بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها، وكانت القاهرة يومئذٍ مستردًا لعلماء البلاد الإسلامية.
وهذا الإكباب الدائم على العلم، واللقاء المتتابع للعلماء؛ هو الذي مهَّد لظهور هذا العالم المتفنن، حتى استطاع أن يقف في منتصف القرن السابق علمًا مشهورًا في غير علم من علوم الإسلام من حديث وفقه ولغة وأدب.
(1/19)

ولما حاز شهادة العالِمية من الأزهر في سنة 1917 م، عُين مدرسًا بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عُين موظفًا قضائيًا ثم قاضيًا، وظلّ في القضاء حتى أُحيل إلى المعاش في سنة 1951 م (1).

رحلاته:
في سنة 1347 ه، سافر الشيخ أحمد شاكر إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكان يتردد في مكة على المكتبات الخاصة والعامة، وعند الشيخ عبد الوهاب الدهلوي (2) وجد نسخة جيدة من كتاب (ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث) للعلّامة عبد الغني النابلسي (3)، مكتوبة بخط أحد أحفاد المؤلف، وتاريخ نسخها سنة 1215 ه، وكتاب الذخائر من الكتب النادرة جدًا في زمن الشيخ أحمد شاكر، لذلك حرص الشيخ على استعارة النسخة من الشيخ
__________
(1) انظر: مجلة المجلة، العدد (19) سنة 1958 م مقال كتبه محمود شاكر، بعنوان: (أحمد محمد شاكر إمام المحدثين).
(2) قال أحمد شاكر عنه: "أحد كبار الأعيان والتجار من الهنود بمكة".
انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب مفتاح كنوز السنة، صحيفة (ض)
(3) هو: عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، شاعر، عالم بالدين والأدب، مكثر من التصنيف، ولد ونشأ في دمشق، ورحل إلى بغداد، وعاد إلى سورية، وتوفي سنة 1143 ه.
انظر: الأعلام للزركلي 4/ 32.
(1/20)

الدهلوي من أجل طبعها (1)
وسافر إلى الرياض سنة 1368 ه، وقابل فيها الملك عبد العزيز - رحمه الله - وعرض على مسامعه حاجة العلماء والطلاب إلى اقتناء المسند للإمام أحمد بقيمة ميسرة بعد نفاد الطبعة الأولى من الجزء الأول؛ فأمر بطبعه مرة أخرى (2).
وسافر إلى الرياض في جمادى الأولى سنة 1373 ه، والتقى بمفتي الديار السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وأخيه فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم (3)، وطلبا منه تصحيح شرح الطحاوية لابن أبي العز وطبعه في مصر (4).
ومن الرحلات المهمة في حياة الشيخ رحلته إلى دمشق، وزيارته للمكتبة الظاهرية، واطلاعه على ما فيها من نوادر الكتب المطبوعة،
__________
(1) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب مفتاح كنوز السنة، صحيفة (ض)
(2) وقد وفق الله الشيخ محمود ربيع أحد علماء الأزهر، فشرع في طبع الكتاب. كما ذكر ذلك الشيخ أحمد شاكر.
تقدمة شاكر للمسند، حاشية (1/ 16).
(3) هو: عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في الرياض سنة 1351 ه، وكان ملازمًا لأخيه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، ونائبًا له في رئاسة المعاهد والكليات، توفي سنة 1386 ه.
انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/ 553.
(4) انظر: تقدمة أحمد شاكر لشرح الطحاوية لابن أبي العز (ص 6).
(1/21)

ونفائس المخطوطات. وحفلت زيارته للمكتبة الظاهرية بلقاء عددٍ من العلماء وطلبة العلم؛ منهم الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله - (1).

صلاته وصداقاته:
من الجوانب التي لا تُغفل في مسيرة الشيخ أحمد شاكر العلمية، تلك الصداقات التي انعقدت مع صفوة من الأدباء والعلماء والمحققين والناشرين، والصلات الفكرية مع ثُلّة من دعاة الإصلاح ورجال العلم والأدب في عصره.
وتتبع هذه الروابط يكشف عن جوانب مهمة في شخصية أحمد شاكر.
ومن الأعلام الذين وقفت على أسمائهم ما يلي:

1 - مصطفى صادق الرافعي:
الشيخ أحمد شاكر شديد الإعجاب بالرافعي وبأسلوبه النثري، وكان يصفه ب "الأستاذ الحجة البليغ" (2).

2 - محمد خميس هيبة:
والشيخ محمد من أصدقاء الشيخ أحمد شاكر القدماء.
قال أحمد شاكر: "صديقي وزميلي من أول طلب العلم، العالم
__________
(1) ذكر خبر هذه الرحلة صاحب كتاب الصبح السافر في حياة العلّامة أحمد شاكر (ص 17)، نقلًا عن شريط مسجل بصوت الشيخ ناصر الدين الألباني.
(2) تقدمة أحمد شاكر لمفتاح كنوز السنة، صحيفة (د).
(1/22)

المتقن المتفنن، الشيخ محمد خميس هيبة" (1)، وقد قرأ عليه تحقيقه لكتاب الرسالة للإمام الشافعي حرفًا حرفًا، ورجع له في كل مشكلٍ عرض له في تحقيقه للكتاب.

3 - الدكتور زكي مبارك (2):
وصفه أحمد شاكر ب "الأخ الصادق الود" (3).
وأخبرني أسامة بن الشيخ أحمد شاكر أن الدكتور زكي كان من أصدقاء الشيخ، وزاره في بيته مرات.
ويرى أحمد شاكر أن زكي من الأدباء الكبار، وصاحب قلم بليغ في الكتابة، وإن لم يكن له معرفة بعلوم الشريعة، واطلاع على كتب المتقدمين منهم، وطرق تأليفهم (4).

4 - الشيخ محمد نور الحسن، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد:
وعند تحقيق الرسالة أفاد الشيخ أحمد شاكر من أستاذي العربية - بكلية اللغة العربية بالأزهر - العالمين الجليلين الشيخ محمد نور
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 28).
(2) هو: زكي بن عبد السلام بن مبارك، من كبار الأدباء والكتاب المعاصرين، وله شعر في بعضه جودة وتجديد، عاش في مصر، وتعلم في الأزهر، وحصل على رسالة دكتوراه في الآداب من الجامعة المصرية، ورسالة أخرى من فرنسا، ولا تخلو بعض كتاباته من مجون وعربدة.
انظر: الأعلام للزركلي 3/ 47، وكتاب البدائع، والحديث ذو شجون لزكي مبارك.
(3) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 10).
(4) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 9).
(1/23)

الحسن، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد (1)، وقد عرض عليهما كثيرًا من مشكلات العربية في الكتاب (2).

5 - لويس سركيس:
قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل الأديب لويس سركيس" (3).
وقد عهد إلى أحمد شاكر بتصحيح كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ - رحمه الله - وقام بنشره في مكتبة سركيس.

6 - السيد محمد السنوسي الأنصاري:
قال أحمد شاكر: "ابن عمتي السيد محمد السنوسي الأنصاري، والأخ المخلص البار" (4)، وكانت تربطه بالشيخ أحمد شاكر روابط علمية أيضًا؛ منها معاونته في إخراج كتاب الرسالة الذي اضطلع أحمد شاكر بتحقيقه.
__________
(1) من أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة، ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر، وكان عميدًا لكلية اللغة العربية، واشتهر بتصحيح المطبوعات وتحقيقها، توفي - رحمه الله - سنة 1393 ه. انظر: الأعلام (7/ 92).
(2) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 28).
(3) تقدمة أحمد شاكر لكتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ (ص 3).
ولويس سركيس من نصارى العرب وصاحب مكتبة سركيس في القاهرة، وكانت له يد على أحمد شاكر بما عهد له من تصحيح كتاب "لباب الآداب" ونشره له.
(4) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 28).
(1/24)

7 - الشيخ محمد نصيف:
قال أحمد شاكر: "صديقنا الحبيب السلفي الكبير الكريم الأخ السيد محمد نصيف (1) - حفظ الله -" (2).
والشيخ محمد نصيف من كبار وجهاء مدينة جدة في وقته، وكان مضرب المثل في الأخلاق والكرم، مع حُسن العقيدة، وقد جمع مكتبة كبيرة، وصار مرجعًا ومحطًّا لكثير من العلماء والأدباء والمهتمين بنشر كتب التراث، توفي - رحمه الله - سنة 1391 ه (3).
وكان الشيخ محمد نصيف يرى مكانة صديقه العلمية، وفي إحدى زيارات أحمد شاكر للحجاز رغب إليه الشيخ محمد نصيف أن يعيد طبع كتاب المسح على الجوربين للشيخ محمد جمال الدين القاسمي بعد أن صار نادر الوجود، وطلب منه مراجعة الكتاب قبل طبعه وكتابة مقدمة له (4)؛ فاستجاب الشيخ أحمد شاكر لرغبة صديقه
__________
(1) هو: أبو الحسين محمد بن حسين بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد نصيف، ولد سنة 1302 ه من أعيان الحجاز، كان مضرب المثل في الكرم والخلق والاحتفاء بأهل العلم، وله مكتبة نادرة حافلة بالمطبوعات والمخطوطات، وتوفي رحمه الله سنة 1391 ه.
انظر: محمد نصيف حياته وآثاره، لمحمد بن أحمد سيد أحمد وعبده العلوي.
(2) تقدمة أحمد شاكر لكتاب المسح على الجوربين للقاسمي (ص 4).
(3) انظر: كتاب: محمد نصيف حياته وآثاره، لمحمد بن أحمد سيد أحمد وعبده العلوي.
(4) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب المسح على الجوربين للقاسمي (ص 4).
(1/25)

"الجليل النبيل .. محمد بن حسين نصيف" (1).

8 - الشيخ محمد حامد الفقي:
محمد حامد بن سيد أحمد عبده الفقي، ولد سنة 1310 ه، وحفظ القرآن في صغره، ودرس في الأزهر، وفي سنة 1345 ه، أسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وأخذ على عاتقه الدعوة للعقيدة السلفية، ثم سافر إلى مكة ودرس فيها زهاء ثلاث سنوات، ثم رجع إلى مصر، وأنشأ مجلة الهدي النبوي، ثم أنشأ مطبعة السنة المحمدية، وعُني بنشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وبعض كتب الحنابلة، وتوفي - رحمه الله - سنة 1378 ه.
والإخاء بين الشيخين أحمد شاكر ومحمد الفقي امتد لأكثر من ثمان وأربعين سنة، وكانا أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في مصر، وصدرا عن رأي واحد وعقيدةٍ سليمة صافية في الاستمساك بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي نصرة العقيدة السلفية، والذب عنها (2).
ومع أن الشيخين الكريمين كانا جليسين لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين لا يكادان يتصارَمَان، إلا أنه في سنة 1374 ه، شاب هذه المودة ما يُكدَّر صفوها، وكان ذلك حين كتب الشيخ حامد
__________
(1) انظر: تقدمة أحمد شاكر لشرح الطحاوية لابن أبي العز (ص 7).
(2) انظر: بيني وبين حامد الفقي (ص 11).
(1/26)

الفقي في مجلة الهدي النبوي تعليقًا على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فَهِمَ أحمد شاكر من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك، فكبُر عليه الأمر، فكتب مقالًا يوم الثلاثاء 3 رمضان سنة 1374 ه، وأرسله بالبريد المسجّل، تبرئة لشيخ الإسلام من هذه التهمة، وأحفظ أحمد شاكر أن مقاله طُوي فلم ينشر، وأن عدد الهدي النبوي الجديد حمل مقالًا للشيخ حامد الفقي يبرأ فيه من رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، ويتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة بطريقة لم تعجب أحمد شاكر.
فرأى أحمد شاكر أن يؤدي الأمانة التي اؤتمن عليها؛ فنشر كتابًا بعنوان (بيني وبين حامد الفقي)، أثبت فيه مقاله كاملًا، ومقال الشيخ الفقي كله، ثم تعقبه في بعض ما كتب.
وبعد أن صدر الكتاب فزع كثير من محبي الشيخين وحزنوا أشد الحزن، فكتب الشيخ حامد الفقي مقالًا بعنوان: (بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر)، ومما جاء فيه: "أقول وأؤكد القول إن الذي جرى بيني وبين أخي العمر: هو الذي عليه عشنا ما عشناه، في ظل هذا الإخاء، المتين العرى، الوثيق الأواصر؛ لأنه نسج - بحمد الله - على نوْل العلم، وحِيكَ من خيوط مذهب السلف الصالح - رضي الله عنهم - واليد التي نسجته وحاكته: يد الكتاب والسنة. ونحن - بحمد الله، رغم أنف كل حاسد وحاقد - لا نزال نكتسي
(1/27)

بهذا الثوب الكريم، وننعم بزينته وتقاه. ونسأل الله سبحانه أن يديم علينا ذلك الثوب سابغًا حتى نلقاه على ذلك. ولن نترك ثغرة لأيًّ ممن حاول أن يسعى بالوقيعة لتأجيج نار الفتنة.
وأخي الشيخ أحمد شاكر، يعلم علم اليقين: أن أخاه حامدًا أعرف الناس بفضله، وأشكر الناس لجميله، وأصبرهم على صداقته، وأحفظهم لعهده، وأحرصهم على وده، وأبعدهم عن مساءته، وأسرعهم إلى مسرته. ومهما نزغ الشيطان بيني وبينه، فالفيئة إلى معقِل الودِّ - إن شاء الله - سريعة، والإخاء السلفي كفيل بالإسراع إلى هذه الفيئة" (1).
وتجاوب أحمد شاكر مع كلمة حامد الفقي السابقة، وفاء إلى المودة الراسخة، فقال - رحمه الله -: "أما وقد عتب عليّ الأخ الشيخ حامد الفقي فيما كتبتُ، فله العُتْبى. وما كنت لأرضى أن يكون بيننا اللدد في الخصومة. بل ما أرضى هذا بيني وبين أي إنسان، وليس من اليسير هدم الصداقة القديمة والأخوة في الله، وفي سبيل نصر الإسلام والحرب على أعدائه" (2).

9 - عبد العزيز الميمني:
عبد العزيز الميمني الراجكوتي، باكستاني من كبار الباحثين
__________
(1) مجلة الهدي النبوي، المجلد 19، العددان 11 - 12 ذي القعدة وذي الحجة 1374 ه، (ص 10).
(2) مجلة الهدي النبوي، المجلد 19، العددان 11 - 12 ذي القعدة وذي الحجة 1374 ه، (ص 11).
(1/28)

والمحققين، له عناية بالأدب واللغة، خبير بالمخطوطات ونوادر الكتب، ومن أبرز تحقيقاته: "سمط اللآلي في شرح أمالي القالي" لأبي عبيد البكري، توفي - رحمه الله - سنة 1398 ه (1).
وكان الشيخ أحمد شاكر معجبًا بعلم الأستاذ الميمني وتحقيقه، أرسل إليه بعد أن قرأ كتابه (أبو العلاء وما إليه) رسالةً جاء في آخرها:
"أرجو أن تقبل تهنئتي على ما أوتيت من بسطة في العلم، ومن سعة في الاطلاع، ومن قدرة على امتلاك ناصية القول، وأسأل الله أن يزيدك من فضله. وأن ينفع بك العرب واللغة العربية، والمسلمين والإسلام" (2).

10 - عبد الوهاب عزام:
انعقد إخاء بين أحمد شاكر وعبد الوهاب عزام (3)، وقد اقتبس
__________
(1) انظر: تتمة الأعلام للزركلي، لمحمد خير رمضان يوسف (1/ 303).
(2) جعل الميمني تقاريظ الكتاب في آخره. انظر: أبو العلاء وما إليه (الصفحة الأخيرة من الكتاب)
(3) هو: عبد الوهاب بن محمد بن حسن بن سالم عزام، مصري عالم بالأدب، دخل الأزهر وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي، ثم أحرز شهادة الآداب والفلسفة من الجامعة المصرية، ونال الدكتوراه في الآداب الفارسية من جامعة لندن، وحاز على شهادة الدكتوراه في الأدب من الجامعة المصرية، وتقلد مناصب وزارية، ويجيد عدد من اللغات، ومن مؤلفاته: الشوارد، والنفحات، ورحلات، والأوابد، توفي سنة 1378 ه.
انظر: الأعلام (4/ 186)، والحديث ذو شجون لزكي مبارك (ص 88)، ومقدمة أمم حائرة لعبد الوهاب عزام (ص 7 - 20).
(1/29)

أحمد شاكر من كلمة عبد الوهاب عزام - التي أُعجب بها - في الرد على عبد العزيز فهمي (1) حين اقترح كتابة العربية بالحروف اللاتينية (2).
وقدّم الدكتور عبد الوهاب عزام لكتاب المعرب للجواليقي الذي عُني الشيخ أحمد شاكر بنشره، وأظهر إعجابه بعلم الشيخ وجهده في تحقيق الكتاب (3).

11 - عبد السلام هارون (4):
العلّامة المحقق الثبت من الأفذاذ الذين عُنوا بنشر التراث الإسلامي نشرًا علميًّا ممتازًا، وهو ابن خال الشيخ أحمد شاكر، وتوثقت الصلة العلمية بينهما يوم كان عبد السلام طالبًا في دار العلوم، والشيخ أحمد شاكر في مناصب القضاء، وكان إذ ذاك يعمل على تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي، الذي نهج فيه نهجًا ممتازًا
__________
(1) هو: عبد العزيز فهمي باشا ابن الشيخ حجازي عمرو، من رجال القضاء بمصر، أحد مؤسسي الوفد المصري سنة 1918 م، وانتخب رئيسًا لحزب الأحرار الدستوريين سنة 1924 م ثم كان عضوًا في مجمع اللغة العربية، وتوفي سنة 1370 ه. انظر: الأعلام (4/ 24).
(2) انظر: الشرع واللغة لأحمد شاكر (ص 46).
(3) انظر: تقدمة كتاب المعرب.
(4) هو: عبد السلام محمد هارون، مصري عالم باللغة والأدب، ومن كبار المحققين لكتب التراث في هذا العصر، وحاز على جوائز متعددة نظير جهوده الكبيرة في خدمة التراث.
انظر: تاريخ نشر التراث العربي للطناحي (ص 97)، وتتمة الأعلام لمحمد خير رمضان يوسف (1/ 290).
(1/30)

لم يعهده الناس من قبل، في أمانة التحقيق وأمانة الأداء، وكان الشيخ أحمد شاكر يُطْلِعُ عبد السلام هارون على عمله في تحقيق الكتاب، فكان ذلك مما أدخل في روعه أن يقتدي به ويسير على منواله.
وكان لأحمد شاكر فضل آخر على عبد السلام هارون، ذلك أنه عقد صلته بأسرة الناشرين؛ إذ قدمه إلى دار إحياء الكتب العربية لتحقيق كتاب (الحيوان للجاحظ)، وصلة أخرى عقدها له مع دار المعارف لنشر (همزيات أبي تمام) و (المفضليات الخمس).
ولم يقف أحمد شاكر عند ذلك، حتى أشركه معه في تحقيق كتاب (إصلاح المنطق) لابن السكيت، ثم شاركه في إخراج (المفضليات) و (الأصمعيات) وهما الكتابان اللذان يحتلان مكانًا مرموقًا في الدراسات الأدبية المعاصرة للتراث (1).
ولهذا ظلّ عبد السلام هارون وفيًّا لأحمد شاكر، عارفًا لفضله، وحين أخرج كتاب (مجالس ثعلب) كتب في مقدمته: "وأخص بالشكر والاعتراف بالفضل حضرة الأخ العلامة المحقق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الذي أفدت كثيرًا من رأيه وعلمه في إخراج هذا الكتاب" (2).
وكتب في مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب (المفضليات) سنة 1383 ه: "أستاذي المغفور له الشيخ أحمد شاكر الذي قاسمني
__________
(1) تقدمة عبد السلام هارون لكتاب كلمة حق (صحيفة د).
(2) تقدمة عبد السلام هارون لكتاب مجالس ثعلب (1/ 27)
(1/31)

بذل الجهد والعناية بهذا الكتاب، فكان نعم العون، ونعم المرشد، ولست أملك إلا أن أستمطر له رحمة الله ومغفرته ورضوانه" (1).

12 - السيد أحمد صقر (2):
تحدث الشيخ أحمد شاكر عن العلاقة بينهما، فقال: "الأستاذ السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصي ما استطعنا" (3).
ويتملّك أحمد شاكر الإعجاب بصديقه الأديب النابه السيد أحمد صقر، حين يرى أن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد في أنداده، بل في كثير من شيوخه وأساتيذه (4).
أما الأستاذ السيد أحمد صقر فيرى أن أحمد شاكر في طليعة
__________
(1) مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب المفضليات للضبي، سنة 1383 ه.
(2) اسمه مركب (السيد أحمد) ووالده الشيخ أحمد صقر من فضلاء علماء الأزهر، وقد تخرج السيد صقر في كلية اللغة العربية عام 1944 م، وهو أديب من الطراز الأول، ولو أنه أطلق لملكاته الأدبية العنان، لكان من كبار أدباء العربية، ولكنه انصرف إلى تحقيق النصوص، متجهًا من أول أمره إلى الأصول، ثم كانت عنايته أخيرًا بعلوم الحديث ومصنفاته. انظر: مدخل إلى تاريخ نثر التراث العربي لمحمود الطناحي (ص 99 - 100).
(3) تقدمة أحمد شاكر للشعر والشعراء (1/ 31).
(4) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتابي: الشعر والشعراء (1/ 31)، والمسند، حاشية (1/ 14).
(1/32)

الناشرين المرموقين، وأنه أكثر منه خبرةً، وأوسع اطلاعًا (1). وتوطُّد العلاقة بين الرجلين لم تمنع السيد أحمد صقر من نقد تحقيق الشيخ أحمد شاكر لكتاب الشعر والشعراء في مجلة (الكتاب) حين رأى في عمله ما يستوجب النقد.
ومما يذكر ويشكر أن الشيخ أحمد شاكر لم يتسامى على النقد، ولم يضق به ذرعًا، بل جعله في صدر كتاب الشعر والشعراء.

13 - الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي:
قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل محمد فؤاد عبد الباقي" (2).
ولد - رحمه الله - سنة 1299 ه، ونشأ في القاهرة، ودرّس في بعض مدارسها، ثم عمل مترجمًا عن الفرنسية في البنك الزراعي، ثم انقطع إلى التأليف. وضعف بصره إلى أن كف قبيل وفاته. وتوفي بالقاهرة سنة 1388 ه، كان صائم الدهر، قوي العزيمة، له عناية كبيرة بوضع الفهارس للأحاديث النبوية ولآيات القرآن الكريم (3).
وتوثقت الصلات العلمية بين الشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمد عبد الباقي في دار المنار فقد كانا يكثران الاختلاف إلى هذه الدار، وكثيرًا ما كان الأستاذ محمد عبد الباقي يستشير الشيخ أحمد شاكر ويَفيد منه (4).
__________
(1) انظر: مقدمة الشعر والشعراء (1/ 8، 31).
(2) تقدمة أحمد شاكر لكتاب مفتاح كنوز السنة.
(3) انظر: الأعلام (6/ 333).
(4) انظر: تقدمة محمد فؤاد عبد الباقي لموطأ مالك صحيفة (ه)، وتقدمة أحمد =
(1/33)

14 - الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (1):
حين تَهَدَ الشيخ أحمد شاكر لنشر كتاب المسند للإمام أحمد ناشد في شوال سنة 1366 ه, علماء الحديث في أقطار الأرض بأن يرسلوا له كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث في أسانيد المسند، كلما وصل إليهم جزء من أجزائه. ووعد أن تكون هذه الملاحظات منهم موضع العناية والدرس.
فاستجاب الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي لهذه الدعوة، فأرسل كتابًا لأحمد شاكر في ذي القعدة سنة 1375 ه, وطواه على استدراكات وتعقبات دقيقة من الجزء الأول إلى الجزء الثامن، فَسُّرَ أحمد شاكر بهذه الأبحاث الدقيقة، ووفّى بما وعد، فنشر هذه التعقبات والاستدراكات في آخر الجزء الخامس عشر من المسند، ووافقه على أكثرها، وتعقبه في بعضها.
والشيخ أحمد شاكر لم يكن يعرف الشيخ الأعظمي من قبل، وعرف من كتابه فضله وعلمه وتحققه بالبحث الدقيق، ولهذا وصفه بالأخ العالم الكريم العلامة (2).
__________
= شاكر لكتاب مفتاح كنوز السنة.
(1) هو: حبيب الرحمن بن صابر بن عناية الله الأعظمي، عالم بحاثة محقق مدقق، أحد أبرز علماء الحديث في شبه القارة الهندية، نشر عددًا من كتب الحديث المخطوطة، توفي - رحمه الله - سنة 1412 ه.
انظر: تتمة الأعلام لمحمد خير رمضان يوسف (1/ 125).
(2) انظر: المسند (15/ 251 - 252).
(1/34)

15 - أبو السمح:
قال أحمد شاكر عنه: "صديقنا العلّامة" (1).
وأبو السمح هو: نور الدين محمد عبد الظاهر، إمام وخطيب الحرم المكي، ومدير ومنشئ دار الحديث بمكة المكرمة. نشأ في بيت علم ودين، فحفظ على والده القرآن، وطلب العلم في الأزهر، ثم اشتغل بالتدريس في القاهرة ثم انتقل إلى الإسكندرية معلمًا خاصًا. ثم انتقل إلى الحرم المكي فكان إمامًا وخطيبًا له بطلبٍ من الملك عبد العزيز - رحمه الله - وتوفي في مصر سنة 1370 ه، رحمه الله (2).
وكان أحمد شاكر على صلة وثيقة بأبي السمح، وصلى الجمعة خلفه مع الملك عبد العزيز في رحلته للحج سنة 1347 ه (3).

16 - محمد أفندي محمد عبد اللطيف:
قال أحمد شاكر: "صديقي محمد أفندي محمد عبد اللطيف صاحب المطبعة المصرية" (4).
ولما شرع محمد أفندي صاحب المطبعة المصرية في طبع كتاب
__________
(1) انظر: تعليق أحمد شاكر على جامع الترمذي (2/ 378).
(2) انظر: مجلة الهدي النبوي، المجلد 15، العدد 8 شعبان سنة 1370 ه، (ص 408).
(3) انظر: تعليق أحمد شاكر على جامع الترمذي (2/ 378).
(4) انظر: تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 8).
(1/35)

الترمذي: السنن، ومعه الشرح المسمى (عارضة الأحوذي) للقاضي أبي بكر بن العربي، استعار من الشيخ أحمد شاكر المجلد الأول من نسخته الخاصة من كتاب الترمذي طبعة بولاق؛ ليصحح الكتاب عليها، وخرج الكتاب في ثلاثة عشر جزءًا، طبع منها سبعة أجزاء بالمطبعة المصرية سنة 1350 ه، وطبع الباقي بمطبعة الصاوي سنة 1352 ه.
قال أحمد شاكر: "وهذه الطبعة لا يوثق بشيء منها، لكثرة الغلط والخلط فيها من المصححين ثم لما رأيت الجزء الأول من المطبوع الجديد خشيتُ أن تكون لي يدُ في إفساد كتب السنة والتلاعب بها؛ إذ وجدت الأغلاط فيه لا حصر لها، حتى لقد وجدت مصححيه أدخلوا في متن الكتاب بعض التعليقات التي كتبتها بحاشية نسختي، وجعلوها من كلام الترمذي، فاستعدت ما أعرتُه إياهم، آسفًا متألمًا" (1).

17 - أحمد علي الطاهر:
من أصدقاء الشيخ أحمد شاكر، ولد بنابلس، ونشأ بها وسافر صغيرًا إلى مصر، فلما كانت الحرب العالمية الأولى اعتقله الإنجليز مع عدد ممن كان لهم نشاط ظاهر، أصدر بعد الحرب جريدة أسبوعية باسم (الشورى) سنة 1924 م، وكان الشيخ أحمد شاكر يذهب إلى
__________
(1) تقدمة شاكر لجامع الترمذي (1/ 8).
(1/36)

مقر الجريدة، ويلتقي بالأستاذ محمد الطاهر، وبعدد من الكتاب، وتدور بينهم الأحاديث والمناقشات العلمية (1).
وكتب في جريدة الشورى كثيرون من كتاب العرب دفاعًا عن قضاياهم المختلفة في سوريا وفلسطين والعراق ومصر والمغرب، وأُقفلت الجريدة، وطورد الطاهر ففر مرات من وجه الشرطة، وقبض عليه سنة 1940 م، وسجن.
وحياته مليئة بالكفاح، ولما كانت ثورة عبد الناصر سنة 1952 م غادر إلى بيروت سنة 1955 م، ومكث بها إلى أن توفي سنة 1974 م، رحمه الله (2).

18 - أحمد أمين:
قال أحمد شاكر: "صديقنا الأستاذ أحمد أمين بك" (3)
عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية سنة 1940 م، وهو معروف لدى الأوساط العلمية، وله مشاركات في الأدب، ومن أهم آثاره العلمية سلسلة: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام (4).

19 - فوزان السابق:
قال أحمد شاكر: "سعادة الصديق الكبير والوزير الجليل الشيخ
__________
(1) انظر: مجلة الكتاب، السنة الثالثة المجلد الخامس (ص 304).
(2) انظر: الأعلام (6/ 310).
(3) مجلة الكتاب، عدد يولية سنة 1946 م، (ص 460).
(4) انظر: السيرة الذاتية لأحمد أمين (حياتي).
(1/37)

فوزان السابق حفظه الله" (1).
والشيخ فوزان بن سابق بن فوزان آل عثمان البريدي القَصيمي الدوسري النجدي، من فضلاء الحنابلة، له مشاركة في السياسة العربية.
ولد ونشأ في (بريدة) من القصيم، وتفقه. واشتغل بتجارة الخيل والإبل، فكان ينتقل بين نجد والشام ومصر والعراق، وناصر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أيام حروبه مع الترك العثمانيين في القصيم وتلك الأطراف، واتصل برجالات الشام، قبل الدستور العثماني.
ولما كانت الدولة السعودية في بدء استقرارها عين فوزان (معتمدًا) لها في دمشق، ثم في القاهرة، وهو قائم بأعمال المفوضية العربية السعودية، وجُعل بعد ذلك وزيرًا مفوضًا نحو ثلاث سنوات، ثم انقطع للعبادة والتأليف، توفي في مصر سنة 1373 ه، عليه رحمة الله (2).
ونطق أحمد شاكر بفضل صديقه الشيخ فوزان، وذلك عند طبعه لكتاب: (القواعد) لابن رجب على نفقته الخاصة سنة 1352 ه (3).

20 - عبد الله المراغي:
ومن أصدقاء الشيخ أحمد شاكر الأستاذ الشيخ عبد الله
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لصحيح ابن حبان، من الهامش (ص 19).
(2) انظر: الأعلام للزركلي (5/ 162).
(3) تقدمة أحمد شاكر لصحيح ابن حبان، من الهامش (ص 19).
(1/38)

المراغي، وهو صاحب كتاب الفتح المبين في طبقات الأصوليين، وله شغف بالعلم وحرص على البحث والاطلاع، وكان يُطلع الشيخ أحمد على بعض كتبه المخطوطة (1).

21 - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
وهو علّامة القصيم الفقيه الأصولي المفسر، ومن أهم آثاره العلمية: (تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن)، وقد خلّف ما يزيد على أربعين مصنفًا في مختلف الفنون، توفي - رحمه الله - سنة 1376 ه (2).
وكان بينه وبين الشيخ أحمد شاكر صلة وإن لم يحصل بينهما لقاء (3)، وقد أهدى أحمد شاكر في سنة 1376 ه, للشيخ عبد الرحمن السعدي الجزء الأول من عمدة التفسير الذي هو اختصار لتفسير ابن كثير، فتقبله الشيخ بقبول حسن، وأثنى عليه ثناءً كبيرًا (4).
__________
(1) انظر: مجلة الكتاب، السنة الثالثة المجلد الخامس (ص 467).
(2) انظر: مقدمة الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة (الرسائل الشخصية العلمية المرسلة من الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي إلى تلميذه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل) (ص 16)، والأعلام (3/ 340).
(3) لم يحصل بين الشيخين الفاضلين لقاء كما أكد لي ذلك فضيلة الشيخ عبد الله ابن عبد العزيز بن عقيل - حفظه الله - والشيخ عبد الله من كبار تلاميذ الشيخ السعدي وأقرب الناس إليه. وكان سؤالي له في مساء يوم الأربعاء الموفق 17/ 7/ 1422 ه.
(4) انظر: الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة (ص 295 - 296).
(1/39)

22 - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة:
ولد في مصر سنة 1311 ه، وتعلم بالأزهر، ثم انتقل إلى المدينة إمامًا وخطيبًا بالحرم المدني سنة 1370 ه، بطلب من الملك عبد العزيز - رحمه الله - وفي سنة 1370 ه انتقل إلى مكة وتولى تدريس الحديث والتفسير بالحرم المكي، وتوفي - رحمه الله - سنة 1392 ه (1).
وأثنى أحمد شاكر على الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في مواضع متعددة، ووصفه بالأخ العلّامة.
ولما اضطلع أحمد شاكر بشرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير - رحمه الله - حرص على أكثر الحواشي التي كتبها الشيخ محمد عبد الرزاق على الكتاب المطبوع في المطبعة الماجدية بمكة سنة 1353 ه (2).

23 - أبو محمد عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي (3):
من رجال الحديث، وعندما صدر أمر الملك عبد العزيز - رحمه الله - بطلب الشيخ عبد الحق الهاشمي إلى أم القرى ليكون بالمسجد الحرام مدرسًا ومحدثًا، تكرر اجتماع الشيخ بالشيخ أيام المواسم؛
__________
(1) انظر: الأعلام (6/ 203).
(2) انظر: تقدمة أحمد شاكر للباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (1/ 69).
(3) هو: والد الشيخ أبي تراب الظاهري، وفي كتاب أوهام الكُتّاب نُتف من حياته.
(1/40)

لأنه كان كثير التزاور فيها، وكان مجلسهما حافل بدقائق مسائل الحديث والرجال (1).

24 - محب الدين الخطيب (2):
كان للشيخ أحمد شاكر صلة بمحب الدين وإعجاب، وصفه ذات مرة ب "الكاتب القدير" (3). أما السيد محب الدين الخطيب فيرى في أحمد شاكر الصديق والعالم والمحقق، وكان يُعجب كثيرًا بنشره لكتب التراث، وقد أشار لذلك في مجلة (الزهراء) (4)، وتمنى أن يُنشر على يديه كثير من الكتب المفيدة، وعندما عزم محب الدين على نشر كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي عهد إلى أحمد شاكر بتصحيح الكتاب والتعليق عليه، وطَبَعَه في المطبعة السلفية (5).
__________
(1) انظر: أوهام الكتاب، لأبي تراب الظاهري (ص 70).
(2) هو: محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، من كبار الكتاب الإسلاميين، ولد في دمشق، وتعلم بها وبالآستانة، تنقل في عدد من البلاد منها صنعاء ثم دمشق ثم الآستانة ومنها قصد مصر ثم البصرة، ولما أعلنت في مكة الثورة العربية سنة 1916 م قصدها فحكم عليه الأتراك بالإعدام غيابيًا، واستقر أخيرًا في القاهرة، وأصدر مجلتيه: الزهراء والفتح، وكان من أوائل مؤسسي جمعية الشبان المسلمين، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها. توفي سنة 1389 ه.
انظر: الأعلام (5/ 282)، ونموذج من الأعمال الخيرية (ص 94).
(3) الشرع واللغة لأحمد شاكر (ص 38).
(4) انظر: مجلة الزهراء، عدد رمضان سنة 1344 ه.
(5) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب الخراج.
(1/41)

25 - عبد الرحمن الكواكبي:
قال أحمد شاكر: "الزعيم الإسلامي المنسي المجهول السيد عبد الرحمن الكواكبي" (1).
وعبد الرحمن الكواكبي - رحمه الله - رحّالة من الكتاب الأدباء، ومن رجال الإصلاح. ولد وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة، وجريدة (الاعتدال) فعُطلت، وأُسندت إليه مناصب عديدة، ثم رحل إلى مصر، وساح سياحتين عظيمتين إلى بلاد العرب وشرقي إفريقية وبعض بلاد الهند. واستقر في القاهرة إلى أن توفي سنة 1320 ه (2).
والشيخ أحمد شاكر بَهرته كلمات الكواكبي البرّاقة في الإصلاح، وجهوده الحثيثة في استنهاض الشعوب ضد المستبدين الظالمين. ولم يفطن إلى أنه ينطلق في بعض جوانب الإصلاح من منطلقات خطيرة، ومن ذلك قوله - رحمه الله - (3): "يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد، وأنتم المتنورون السابقون، فهذه أمم أستراليا وأمريكا قد هداها العلم
__________
(1) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر (ص 81).
(2) انظر: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (2/ 908)، والأعلام للزركلي (3/ 298).
(3) انظر: العلمانية، للدكتور سفر الحوالي (ص 580).
(1/42)

لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري ... دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط (! ) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء" (1).

26 - محمد أحمد الغمراوي:
قال أحمد شاكر: "صديقتا الأخ العلّامة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، المدرس بكلية الطب المصرية" (2).
وحين ذكر الشيخ أحمد شاكر اغترار الناس بصناعة المستشرقين في الفهارس، ووقوعهم في الوهم حين ظنوا أنّ هذه الفهارس شيء لم يعرفه علماء الإسلام والعربية، وأن أنواع المعاجم كلها من ابتكار الإفرنج، وأن ما عندنا منها تقليد لهم واقتباس منهم.
بيّن أحمد شاكر أن لهذا الصديق سبق وفضل في إبطال هذه الدعوى، قال - رحمه الله -: " وأول من علمناه نفى هذه الأسطورة، وأكذب هذا الوهم: صديقنا الأخ العلّامة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي .. في كتاب (مرشد المتعلم) الذي ترجمه عن اللغة الإنكليزية، وألحق به فصلًا بقلمه في (كتب المراجعة في اللغة العربية)
__________
(1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، لعبد الرحمن الكواكبي (ص 121).
(2) تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 44).
(1/43)

وصف فيه كثيرًا من المعاجم العربية، وذكر تاريخ مؤلفيها .. " (1).

27 - محيي الدين رضا:
قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل السيد محي الدين رضا" (2)
والسيد محيي الدين هو ابن أخ الشيخ محمد رشيد رضا، وكان أحمد شاكر يتحسس أخبار أستاذه رشيد رضا من خلال جلساته المتكررة مع صديقه محيي الدين رضا.

28 - محمد عبد الله دراز:
قال أحمد شاكر: "أخي وصديقي الأديب الممتاز، العالم الكبير الشيخ محمد عبد الله دراز" (3).
والشيخ دراز أزهري له اهتمام بالفلسفة والأدب، وحصل على (الدكتوراه) في الفلسفة من جامعة السربون بفرنسا، وكان من هيئة كبار العلماء بالأزهر، توفي سنة 1377 ه. وكان دراز ينشر في مجلة الهدي النبوي مقالات، بعنوان: (الديانات والفلسفات: إلى أي حدٍّ تلتقي، وفيم تنفصل). وتعقّبه الشيخ أحمد شاكر في بعض ما كتب، فأحفظه ذلك (4).
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 44).
(2) مجلة المقتطف، الجزء الثالث من المجلد السابع والثمانين، عدد 4 رجب سنة 1354 ه، (ص 319).
(3) مجلة الهدي النبوي، العدد الخامس، جمادى الأولى سنة 1370 ه، (ص 35).
(4) انظر: الأعلام للزركلي (6/ 246)، مجلة الهدي النبوي، العدد الرابع، ربيع الثاني سنة 1370 ه، (ص 208).
(1/44)

المبحث الثالث: شيوخه وأساتيذه
تَلْمذَ أحمد شاكر لطائفة من شيوخ عصره، وصرّح بأستاذية عددٍ من رجال ذلك الوقت. وإن كان المتأمل يرى أن تتلمذه للشيوخ والأساتيذ مختلف، فمنهم من لازمه أحمد شاكر وقرأ عليه وأجازه، ومنهم من اكتفى بسؤاله عمّا أشكل عليه من مسائل العلم دون القراءة والملازمة، كما جادت نفس أحمد شاكر ببعض الألقاب والنعوت على بعض رجال عصره يحسب الناظر أنهم أساتذة له، وليس الأمر كذلك.

ومن الشيوخ والأساتذة الذين وقفت على أسمائهم ما يلي:
1 - الشيخ عبد السلام الفقي:
قرأ عليه - أيام إقامته بالإسكندرية مع والده - أصول كتب الأدب، وكان الشيخ عبد السلام يُحرِّض أحمد، وأخاه عليًّا على طلب الأدب، وصناعة الشعر (1).

2 - الشيخ محمود أبو دقيقة:
والشيخ محمود من علماء الأزهر، ودرّس في كلية أصول الدين بالأزهر (2)، وكان أول شيوخ أحمد شاكر في معهد الإسكندرية، وهو أحد العلماء الذين تركوا في حياته أثرًا لا يمحى؛ فهو الذي حبب إليه الفقه وأُصوله، ودرَّبه وخرَّجه في الفقه حتى تمكن منه. ولم يقتصر
__________
(1) انظر: مجلة المجلة، العدد (19) سنة 1958 م (ص 120).
(2) انظر: الأعلام للزركلي (7/ 169).
(1/45)

فضل الشيخ على تعليمه الفقه بل علمه أيضًا الفروسية، وركوب الخيل، والرماية، والسباحة، توفي سنة 1359 ه, رحمة الله عليه (1).

3 - الشيخ محمد شاكر:
وهو أعظم شيوخه أثرًا في حياته، وقد قرأ له في التفسير: تفسير البغوي، وتفسير النسفي، وقرأ له في الحديث: بعض صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، والشمائل. وقرأ له في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الإسنوي على المنهاج.
وقرأ له في المنطق: شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية. وقرأ له في البيان: الرسالة البيانية. وقرأ له في فقه الحنفية: "كتاب الهداية" على طريقة السلف في استقلال الرأي، وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين، وكثيرًا ما خالف والده في هذه الدروس مذهبَ الحنفية عند استعراض الآراء، وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح (2).

4 - الشيخ محمد مصطفى المراغي
وصفه أحمد شاكر ب: "أستاذنا الإمام العظيم المصلح الحكيم، الأستاذ الأكبر" (3).
__________
(1) انظر: مجلة المجلة، العدد (19) سنة 1958 م (ص 120).
(2) انظر: محمد شاكر، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة المقتطف، عدد أغسطس 1939 م، (300 - 307)، ومقال كتبه محمود شاكر بعد وفاة أخيه أحمد في مجلة المجلة، العدد (19) 1958 م (ص 120).
(3) تقدمة أحمد شاكر للطبعة الأولى من كتاب الباعث الحثيث (1/ 67).
(1/46)

ولد الشيخ المراغي في سنة 1298 ه, وتعلم بالقاهرة، وتتلمذ للشيخ محمد عبده، وولي أعمالًا منها القضاء الشرعي، فقضاء القضاة في السودان سنة 1908 م، ثم عين شيخًا للأزهر سنة 1928 م، مكث عامًا، وأعيد سنة 1935 م، فاستمر إلى أن توفي بالإسكندرية، ودفن بالقاهرة سنة 1364 ه (1).
وحين شرع الشيخ المراغي في إصلاح مناهج الأزهر، وشكل لجنة المناهج في علوم التفسير والحديث للمعاهد الدينية، اختار الشيخ أحمد شاكر ليكون عضوًا مشاركًا في هذه اللجنة (2).

5 - الشيخ إبراهيم الجبالي (3)
قال أحمد شاكر عنه: شيخي وأستاذي العلّامة الكبير الشيخ إبراهيم الجبالي، من أفذاذ العلماء الذين أنجبهم الأزهر الشريف (4).
وقد ترأس الشيخ الجبالي لجنة المناهج في علوم التفسير
__________
(1) انظر: الأعلام (7/ 103).
(2) انظر: تقدمة أحمد شاكر للطبعة الأولى من كتاب الباعث الحثيث (1/ 67).
(3) هو الشيخ إبراهيم بن حسن الجبالي، ولد سنة 1295 ه، من كبار علماء الأزهر في عصره، وانتقل في سنة 1905 م إلى مشيخة علماء الإسكندرية، وتسنم بعدها مناصب علمية متعددة.
انظر: صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر لزكي فهمي (ص 529).
(4) انظر: مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، بتصرف يسير.
(1/47)

والحديث للمعاهد الدينية التي شكّلها شيخ الأزهر محمد المراغي، وانضوى الشيخ أحمد شاكر إلى هذه اللجنة تحت رئاسة الشيخ الجبالي - رحمه الله - (1).

6 - الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الدهلوي (2)
كتب للشيخ أحمد شاكر إجازة طويلة ممتعة سمَّاها: (بغية الأديب الماهر بإجازة أحمد محمد شاكر) (3).

7 - العلّامة عبد الله بن إدريس السنوسي (4):
عندما زار حافظ المغرب العلاّمة عبد الله بن إدريس السنوسي مصر سنة 1330 ه, كان لأحمد شاكر شرف ملازمته والقراءة عليه، وقد قرأ عليه من مسند الإمام أحمد، ومن صحيح البخاري من نسخته الخاصة من الطبعة السلطانية (وهي التي أمر السلطان عبد الحميد - رحمه الله - بطبعها بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة 1311 ه,
__________
(1) انظر: تقدمة أحمد شاكر للطبعة الأولى من كتاب الباعث الحثيث (1/ 67).
(2) هو: أبو الفيض وأبو الإسعاد عبد الستار بن عبد الوهاب الصدّيقي الدهلوي ثم المكي الحنفي، عالم بالحديث والتراجم، توفي بمكة سنة 1355 ه، رحمه الله.
انظر: الأعلام (3/ 354).
(3) انظر: كتاب إمداد الفتّاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح، لمحمد آل رشيد (ص 321).
(4) هو العلامة عبد الله بن إدريس بن محمد السنوسي، ولد سنة 1260 ه، من أول من تظاهر في المغرب بالأفكار الحرة والاعتقاد الصحيح الخالي من الخرافات، وكان يجهر بالحق، ويميل إلى الاجتهاد، ولا يقول بكتب الفروع ومؤلفيها ... توفي سنة 1350 ه، عليه رحمة الله.
انظر: موسوعة أعلام المغرب (8/ 3005).
(1/48)

واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري، وعلى نسخ أخرى خلافها، شهيرة الصحة والضبط. وبعد تمام الطباعة تولى ستة عشر عالمًا من أكابر علماء الأزهر مقابلة المطبوع على النسخة اليونينية).
وأحمد شاكر شديد الاعتزاز بنسخته من الطبعة السلطانية، وله عناية خاصة بها، وأشار إلى ذلك بقوله: "هي جديرة بالإفراد، فقد عُني بها والدي ثم عُنيت بها سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت يده فيه، وكان من أهل العلم متحريًّا، زاد صحة ونورًا، وهكذا ينبغي لصاحب الكتب" (1).
وخصصت بالذكر الطبعة السلطانية، ونسخة أحمد شاكر منها؛ لأن العلّامة السنوسي أجاز الشيخ شاكر على هذه النسخة، وكتب الإجازة بخط يده عليها.
وإليك نص هذه الإجازة: "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله. أما بعد: فقد أسمعني محلُّ ولدي الشاب النجيب الأديب الأريب أحمد ابن العلّامة الأجلّ الشيخ شاكر وكيل مشيخة الأزهر: من صحيح علم
__________
(1) النسخة اليونينية من صحيح البخاري، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة الكتاب، السنة السابعة، الجزء الثامن: المجلد الحادي عشر، شهر محرم 1372 ه. (ص 986).
(1/49)

العلماء، وقدوة المحدثين الأتقياء، أوله وآخره، وكذلك أسمعني من مسند إمام الأئمة، وقدوة أتقياء أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، رحمهما الله تعالى وجزاهما عما أديا من نصيحة الأمة. وطلب مني الإجازة في صحيح الإمام البخاري، المكتوب هنا على أول أجزائه، فأجزته بروايته عنّي بسندي فيه وفي باقي كتب السنة، وأوصيه بتقوى الله تعالى، وقوله فيما لا يدريه: لا أدري. وفقني الله وإياه لما فيه رضاه.
كتبه بيده عبد الله بن إدريس السنوسي الحسني، كان الله له وتولاه، في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف" (1).

8 - الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي (2):
أخذ عنه كتاب بلوغ المرام. وأجازه بالكتب الستة.

9 - الشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي (3):
عالم القبائل الملثمة، وأجازه بجميع علمه.
__________
(1) النسخة اليونينية من صحيح البخاري، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة الكتاب، السنة السابعة، الجزء الثامن: المجلد الحادي عشر، شهر محرم 1372 ه. (ص 979 - 987).
(2) وهو غير صاحب كتاب (أضواء البيان).
(3) هو أحمد بن الشمس الحاجي الشنقيطي من أكبر تلاميذ ماء العينين توفي بالحجاز.
انظر: موسوعة أعلام المغرب (8/ 2937).
(1/50)

10 - العلّامة طاهر الجزائري (1):
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الجليل الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي - رحمه الله -" (2)

11 - الشيخ جمال الدين القاسمي (3):
قال أحمد شاكر: "أستاذنا عالم الشام السيد جمال الدين القاسمي رحمه الله" (4): "كنا في مطلع الشباب متشوفين إلى العلم الصحيح، علم الكتاب والسنة. وكنا أحرص ما نكون على كتب
__________
(1) هو: طاهر بن صالح (أو محمد صالح) ابن أحمد بن موهوب السمعوني الجزائري ثم الدمشقي، أصله من الجزائر، ومولده ووفاته في دمشق. بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره، وكان يحسن أكثر اللغات الشرقية كالعبرية والسريانية والحبشية والزواوية والتركية والفارسية، كان كلفًا باقتناء المخطوطات والبحث عنها، انتقل إلى القاهرة سنة 1325 ه، وتوفي رحمه الله سنة 1338 ه.
انظر: المعاصرون (ص 268)، والأعلام (3/ 221)، وتاريخ علماء دمشق (1/ 366)، والشيخ طاهر الجزائري رائد التجديد الديني في بلاد الشام في العصر الحديث لحازم زكريا محيي الدين.
(2) تعليق أحمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية (7/ 340).
(3) هو: أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر، المعروف بالقاسمي، ولد بدمشق وبها نشأ وحضر مجالس الشيخ عبد الرزاق البيطار، وصحب الشيخ طاهر الجزائري، وبرع في الحديث والفقه والأصول واشتغل بالإصلاح والتربية، توفي سنة 1332 ه.
انظر: تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري (1/ 298).
(4) تعليق أحمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية (7/ 340).
(1/51)

السلف الصالح، وكتب من نهج منهجهم من المتأخرين، الذين يتمسكون بالهدي النبوي، ويتبعون الدليل الصحيح، دون تعصب لرأي وهوى، ودون جمود على التقليد.
وكان في مقدمة من سار على النهج القويم أستاذنا القاسمي - رحمه الله - وقد زار مصر قبل وفاته، وكنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السويّ، والسبيل القويم" (1).

12 - أبو الوفاء بن أحمد بن شرقاوي
قال عنه الشيخ أحمد شاكر: "أستاذنا الكبير الحجة .. أعلم من رأيت بكتاب الله وسنة رسوله" (2). وقد راسله الشيخ أحمد شاكر سنة 1330 ه، يسأله عما ذهب إليه كثيرون من الاستدلال بقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} (3) على منع مس المصحف إلَّا للمتوضئ، فكتب إليه كتابًا في هذا، يدل على سعة دائرته في العلم (4).

13 - الشيخ محمد رشيد رضا:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا" (5).
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لكتاب المسح على الجوربين للقاسمي (ص 4).
(2) تعليق أحمد شاكر على كتاب التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (1/ 98).
(3) سورة الواقعة، آية 79.
(4) انظر: تعليق أحمد شاكر على كتاب التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (1/ 99).
(5) عنوان مقال كتبه أحمد شاكر في ترجمة الشيخ محمد رشيد رضا، مجلة =
(1/52)

ولد الشيخ رشيد رضا في يوم الأربعاء 27 جمادى الأولى سنة 1282 ه، بقرية (القلمون)، وهي قرية من قرى جبل لبنان، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، وبعد أن جاوز الثلاثين من عمره، ونال الشهادة العالِمية سافر إلى مصر سنة 1315 ه، ولازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له، وأصدر مجلته السائرة (المنار)، ومكث قريبًا من أربعين سنة يدافع في مجلته عن الإسلام، ويدافع عن العقيدة السلفية، ويحارب البدع والخرافات والشركيات المنتشرة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي. ومن أبرز آثاره العلمية تفسيره للقرآن العظيم، وقد أتم تفسير اثني عشر جزءًا طُبعت كلها، وفسرّ بعض آيات من أول الجزء الثالث عشر، ثم توفي - رحمه الله - فجأة بسكتة قلبية سنة 1354 ه (1).
والشيخ أحمد شاكر يرى أن شيخه محمد رشيد رضا جمّ العلم، وصاحب اطلاع واسع على كتب الحديث، ولا شك أن عناية الشيخ رشيد رضا بعلم الحديث كان لها أبلغ الأثر في انصراف همة أحمد شاكر إلى الاشتغال بالحديث (2).
__________
= المقتطف، المجلد السابع والثمانين، الجزء الثالث: 4 رجب سنة 1354 ه.
(1) انظر: الأعلام للزركلي (6/ 126)، ومقال في ترجمة الشيخ محمد رشيد رضا، كتبه أحمد شاكر في مجلة المقتطف، المجلد السابع والثمانين، الجزء الثالث: 4 رجب سنة 1354 ه.
(2) انظر: تقدمة محمد رشيد رضا لكتاب مفتاح كنوز السنة صحيفة (ق).
(1/53)

14 - الشيخ بسيوني بن بسيوني بن حسن عسل:
قال أحمد شاكر: "شيخنا وسيدنا وأستاذنا العالم العامل العلّامة محيي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشيخ بسيوني بن بسيوني بن حسن عسل" (1).
والشيخ بسيوني ولد ونشأ في مديرية المنوفية، وتفقه على مذهب الشافعي، تخرج من الأزهر، واستقلّ بالتدريس فيه، وله عناية بعلم الحديث، وعنده نزعة تصوف، وجَمَعَ مكتبة كبيرة بيعت بعد وفاته (2).
وأجاز الشيخ بسيوني أحمد شاكر برواية صحيح البخاري عنه بسنده فيه من طريق الحافظ ابن حجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعد العصر يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الثاني سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وعشرين من هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3).

15 - الشيخ عبد الوهاب النجار:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار" (4).
ولد سنة 1278 ه، وتخرج بمدرسة دار العلوم سنة 1315 ه،
__________
(1) انظر: صورة خطية بإسناد الشيخ أحمد شاكر لصحيح البخاري من طريق ابن حجر العسقلاني. ملحقة بآخر كتاب نظام الطلاق في الإسلام لأحمد شاكر.
(2) انظر: الأعلام الشرقية، لزكي مجاهد (1/ 286).
(3) انظر: صورة خطية بإسناد الشيخ أحمد شاكر لصحيح البخاري من طريق ابن حجر العسقلاني. ملحقة بآخر كتاب نظام الطلاق في الإسلام لأحمد شاكر.
(4) تعليق أحمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية (2/ 631).
(1/54)

واشتغل بالمحاماة الشرعية، وتقلب في وظائف تعليمية متعددة إلى أن كان أستاذًا للشريعة في دار العلوم، فناظرًا لمدرسة عثمان ماهر باشا، وتوفي - رحمه الله - سنة 1360 ه (1).
وأحمد شاكر شديد الإعجاب بالشيخ عبد الوهاب النجار، ويعدّه من أساطين العلم وحماة الإسلام الذين تخرجوا من دار العلوم الأزهرية (2).

16 - الأستاذ علي الجارم:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الكبير العلّامة أمير الشعراء علي بك الجارم" (3)
والجارم أديب كبير، من رجال التعليم في مصر، له شعر ونظم كثير، ولد سنة 1299 ه، وتعلم في القاهرة وإنجلترا. وجُعل كبيرًا لمفتشي اللغة العربية بمصر، فوكيلًا لدار العلوم، حتى سنة 1942 م، ومثّل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي، توفي - رحمه الله - سنة 1368 ه (4).
__________
(1) انظر: الأعلام (4/ 182).
(2) انظر: كتاب الشرع واللغة، مبحث: الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر، (ص 68).
(3) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 24).
(4) انظر: الأعلام للزركلي (4/ 294)، ومقدمة عباس العقاد لديوان علي الجارم (ص 7).
(1/55)

وقد كان أحمد شاكر يعرض على الأستاذ الجارم بعض عمله في تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي، ويستنير برأيه ويأنس به.
ومن ذلك أن الشيخ أحمد شاكر نشر كتاب الرسالة عن أصل بخطّ الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وكتبه في حياته.
وهذه النسخة التي كتبها الربيع بن سليمان غاية في الدقة والضبط، كما بين ذلك أحمد شاكر بقوله: "وأما الثقة بها فما شئت من ثقةٍ، دقةٌ في الكتابة، ودقة في الضبط، كعادة المتقدمين من أهل العلم الأولين. فإذا اشتبه الحرف المهمل بين الإهمال والإعجام، ضبطه بإحدى علامتي الإهمال: إما أن يضمع تحته نقطةً، وإما أن يضع فوقه رسم هلال صغير، حتى لا يُشَبَّهَ فيتصحف على القارئ. ومن أقوى الأدلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرةً تحت النون في كلمة (النَّذارة) .. وهي كلمة نادرة، لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونصَّ على أنها عن الإمام الشافعي، وهي تؤيد ما ذهبت إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرَّى نطق الشافعيّ، ويكتب عنه عن بينة.
ومن الطرائف المناسبة هنا أني عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلامة أمير الشعراء علي بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: كأنك بهذه الكلمة جئتَ بتوقيع الشافعي على النسخة. وصدق حفظه الله" (1).
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 24).
(1/56)

17 - الشيخ عبد الحيّ الكَتَّاني:
قال أحمد شاكر: "شيخنا الحافظ الكبير السيد عبد الحيّ الكتاني" (1).
عُرف بعبد الحيّ الكتاني، واسمه محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي: من كبار علماء الحديث بالمغرب، ولد وتعلم بفاس، وكان منذ نشأته على غير ولاء للأسرة العلوية المالكة في المغرب، واعتقل سنة 1327 ه في دار المخزن ببلده. وحج فتعرف على رجال الفقه والحديث في مصر والحجاز والشام والجزائر وتونس والقيروان. وعاد بأحمال من المخطوطات، وكان جمّاعة للكتب، ذخرت خزانته بالنفائس، توفي - رحمه الله - سنة 1382 ه (2).
والذي يظهر أن لقاء أحمد شاكر بعبد الحيّ الكتاني كان في أحد مواسم الحج، والله أعلم.

18 - الدكتور منصور فهمي:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا العظيم العلّامة الفيلسوف الدكتور منصور فهمي بك، المدير العام لدار الكتب المصرية (3).
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 14).
(2) انظر: الأعلام (6/ 187).
(3) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 28).
(1/57)

والدكتور منصور فهمي من خطباء مصر، له علم بالفلسفة والتربية والأدب، ومن أعضاء المجامع العربية الثلاثة، وكان أُرسل في بعثة إلى باريس لدرس الفلسفة، وبعد عودته دَرّس في جامعة القاهرة، وتدرج إلى أن كان عميدًا لكلية الآداب، ثم مديرًا لدار الكتب المصرية، فمديرًا لجامعة الإسكندرية إلى سنة 1946 م، وكان كاتب السر للمجمع اللغوي المصري إلى أن توفي سنة 1378 ه (1).
ومما يذكر أن الدكتور منصور فهمي فُصل من الجامعة سنة 1913 م، بسبب رميه النبي - صلى الله عليه وسلم - بحب الشهوات - والعياذ بالله - وأمام هذا العدوان الصُراح ثار العلماء والعامة في وجهه؛ واستجابةً لهذه الضغوط فُصل من الجامعة، وظلّ بعيدًا عن الجامعة بضع سنين، ثم عاد فتقلّد مناصبها! ! (2).
والذي يظهر أن الشيخ أحمد شاكر لم يتتلمذ للدكتور منصور فهمي بأي وجه من الوجوه، ويؤكد ذلك الأطوار التي مرَّ بها الدكتور، إضافة إلى أن تخصصه في الفلسفة، وهذا العلم ليس من اهتمامات الشيخ البتة.
__________
(1) انظر: الأعلام (7/ 302).
(2) انظر: الأخلاق عند الغزالي، لزكي مبارك (ص 362).
وما صدر من الدكتور منصور فهمي كان بعد عودته من فرنسا بأشهر. ولكنه بعد ذلك تاب ورجع إلى الله، وثناء أحمد شاكر عليه كان بعد توبته.
انظر: مذكرات سائح في الشرق العربي لأبي الحسن الندوي (ص 174 - 175)، ومجلة المقتطف المجلد (100) عدد يناير سنة 1942 م (ص 48).
(1/58)

وغاية ما في الأمر أن الشيخ أطلق هذه الكلمات مبالغةً في الثناء والشكر نظير الخدمات الجليلة التي كان يؤديها الدكتور منصور للباحثين والمحققين، بحكم إدارته لدار الكتب المصرية، وأحمد شاكر من أهم المستفيدين، وذلك عند تحقيقه لكتاب الرسالة للإمام الشافعي، ولهذا قال: "واليد البيضاء التي لا تُنسى، ما لقيت من معونة أستاذنا العظيم ..
أَمر حفظه الله بأن تُصور لي نسخةُ الربيع كلُّها، وأمر بإعارتي نسخةَ ابن جماعة، وبأن يُسهَّل لي كلُّ ما أريد من مصادر ومراجع، أحسن الله جزاءه، ووفقه لخدمة الدين والعلم" (1).
وثمة يدٌ أخرى لمنصور فهمي، ذلك أن أحمد شاكر لمّا علم بوجود نسخة عتيقة كاملة من كتاب (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود، في المكتبة الظاهرية بدمشق رجا الدكتور منصور أن يأمر باستحضار نسخة منها مصورة بالتصوير الشمسي، فأجاب رجاءه (2).

تلاميذه:
انقطع الشيخ أحمد شاكر للتأليف وتحقيق كتب التراث، ولم ينصب نفسه لتدريس الطلاب، ولكن الذين تتلمذوا على كتبه، ونهلوا من علمه في مصر وخارجها لا يحصون كثرة.
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر للرسالة (ص 28 - 29).
(2) انظر: تقدمة أحمد شاكر لجامع الترمذي (1/ 56).
(1/59)

المبحث الرابع: مذهبه الفقهي وعقيدته
* مذهبه الفقهي:
تفقه أحمد شاكر على مذهب أبي حنيفة في بداية طلبه للعلم، وكان الشيخ محمود أبو دقيقة أول شيوخ أحمد شاكر في معهد الإسكندرية، وعليه تخرج في الفقه الحنفي وتدرَّب (1).
وقرأ على والده العلّامة محمد شاكر كتاب الهداية في الفقه الحنفي، وكان من طريقة والده في الشرح؛ نبذ التعصب لمذهب الحنفية، وتحكيم الحجة والبرهان، وترجيح ما نصره الدليل الصحيح وإن خالف مذهب الحنفية، وكان لهذه الطريقة في التدريس أبلغ الأثر في استقلال رأي أحمد شاكر، وحرية فكره، ونبذه التعصب لمذهب معين (2).
ونال الشيخ أحمد الشهادة العالمِية من الأزهر الشريف حنفيًا، ومكث في القضاء زُهاء ثلاثين سنة يحكم بما أُذن له في الحكم به من مذهب الحنفية.
__________
(1) انظر: مجلة المجلة، العدد (19) سنة 1958 م (ص 120).
وللشيخ محمود أبو دقيقة - رحمه الله - عناية بكتب الفقه الحنفي ومن ذلك تعليقه على كتاب: الاختيار لتعليل المختار.
(2) انظر: محمد شاكر، مقال كتبه أحمد شاكر في مجلة المقتطف، عدد أغسطس 1939 م، (300 - 307)، ومقال كتبه محمود شاكر بعد وفاة أخيه أحمد في مجلة المجلة، العدد (19) 1958 م (ص 120).
(1/60)

وفي سنة 1328 ه، بدأ بقراءة السنة النبوية قراءة جادة استفرغت عليه جهده ووقته، وكان من أثر عكوفه على دراسة السنّة رفض التقيد بمذهب معين من غير نظر في الأقوال والأدلة، قال - رحمه الله -: "فسمعت كثيرًا وقرأت كثيرًا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحدٍ منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل. أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما اعتقده حقًّا قبل كل شيء وفوق كل شيء" (1).
ومما رفضه الشيخ أحمد شاكر دعوى وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، قال - رحمه الله -: "ليس هناك أي دليل على وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، وإنما هذه كلمة شاعت عند العوام في عصور ضعف فيها العلم، واشتدت العصبية بين العلماء لمذاهب الأئمة الذين اتبعوهم، وقد كانت هناك أيام العصبية مذاهب أخرى يتعصب لها أتباعها؛ كمذهب داود الظاهري ومذهب ابن جرير - صاحب التفسير - ومذهب الأوزاعي وغيرهم. ثم ضعف العلماء فقلدوا العوام والجهال في العصبية للمذاهب الأربعة، ومن عجب أن يقلد العالم الجاهل. وأما الأئمة - رضي الله عنهم - فما كان أحد منهم ليرضى أن يقلده أحد، بل كانوا يعلمون العلم ويظهرون الناس على أدلته، ويجادلهم تلاميذهم وأتباعهم،
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لكتاب الرسالة (ص 8).
(1/61)

ويوافقونهم ويخالفونهم، ولم يجعل الله قول أحدٍ من العلماء حجة على الناس؛ بل الحجة في الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة الصحيحة والاستنباط منهما، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فما علمه العالم من الدليل واقتنع به وجب عليه اتباعه، وحرم عليه أن يخالفه لقول أحدٍ كائنًا من كان، في كل عصر وحين" (1).
ومع رفض أحمد شاكر - رحمه الله - للتقليد إلا أن ذلك لم يمنعه من التصريح بإعجابه الكبير بالإمام الشافعي - رحمه الله - وملكته الفقهية.
قال الشيخ أحمد شاكر: "لو جاز لعالم أن يُقلَّدَ عالمًا كان أولى الناس عندي أن يُقلَّد الشافعي. فإني أعتقد - غير غالٍ ولا مسرف - أن هذا الرجل لم يظهر مثلُه في الإسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان في الذروة العليا من البلاغة" (2).
وقد اتسم فقه الشيخ أحمد شاكر بالتحرر المذهبي، ولا غَرْوَ فإن دراسته المتخصصة في علم الحديث، واحتكاكه بقضايا العصر، ومعايشته لأحوال الناس من خلال ثلاثين سنة قضاها في القضاء، كل
__________
(1) تعليق أحمد شاكر على دائرة المعارف (5/ 416).
(2) تقدمة أحمد شاكر لكتاب الرسالة (ص 5).
(1/62)

هذا أورثه مرونة وتوسعًا في الخلافات الفقهية (1).

* عقيدته:
سار الشيخ أحمد شاكر على طريقة ومنهج السلف - من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان - من حيث الالتزام بالنصوص والفهم الذي فهموه.
كتب أحمد شاكر في 8 شوال سنة 1374 ه - قبل موته بثلاث سنوات - إلى صديقه القديم محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، كتابًا جاء فيه: "تزاملنا وتآخينا منذ أكثر من خمس وأربعين سنةً، لله وفي سبيل الله، نصدر عن رأي واحد وعقيدةٍ سليمة صافية في الاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا نحيد عنها ما استطعنا، وفي نصرة العقيدة السلفية، والذب عنها ما وسعنا ذلك، لم يصرفنا عما قمنا له وبه، واضطلعنا بالذب عنه ما لقينا وما نلقى من أذًى أو عنت. ولعلنا - فيما قمنا به معًا - من أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في بلادنا هذه، وما أريد فخرًا بعملي ولا بعملك، فما كنّا نعمل إلّا لله.
وكان من أعظم المصادر العلمية التي استضأنا بنورها - بعد الكتاب الكريم والسنة المطهرة - كتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام الحافظ ابن القيّم، ثم كتب شيخ الإسلام (مجدد القرن
__________
(1) انظر: مذكرات سائح في الشرق العربي لأبي الحسن الندوي (ص 40).
(1/63)

الثاني عشر) محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله جميعًا" (1).
وبهذا يتضح أن الشيخ أحمد شاكر سلفي العقيدة، ومن أوائل الداعين لها في مصر، وقد جرى على هذه العقيدة في مصنفاته وحواشيه على الكتب.
ومن ذلك: قوله في باب الصفات: "ونحن على النهج الصحيح الذي كان عليه السلف الصالح نؤمن بما ورد في الصفات كما ورد من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا خروج عن معنى الكلام بالتأويل" (2).
وقوله فيما جرى بين الصحابة: "الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، وهذه الفتن قد تُنسي الحليم حلمه، والذكي عقله، فلا ندري عذر من كان مع معاوية من الصحابة - رضي الله عنهم - وظهور الحجة وقيام الأدلة على أن الحق بجانب علي - رضي الله عنه - لا يُسيغ لنا أن نحكم بالبغي على الصحابة الذين خالفوه، فقد تكون لهم أعذار لا نعلمها، ومآل الجميع إلى مولاهم يحاسبهم ويقضي بينهم يوم الفصل" (3).
ومن أكبر الدلائل على حُسن عقيدة الشيخ أحمد شاكر واتباعه لمذهب السلف الصالح عنايته بجملة صالحة من كتب الاعتقاد التي
__________
(1) بيني وبين حامد الفقي (ص 11 - 12).
(2) عمدة التفسير (2/ 80).
(3) انظر: تعليق أحمد شاكر على الروضة (2/ 361).
(1/64)

كتبها علماء أهل السنة والجماعة، ومن ذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: الرسالة التدمرية، والفتوى الحموية، والعقيدة الواسطية.
وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة، وعقيدة أهل السنة والجماعة لابن الجوزي، وكتب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: التوحيد، والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع.
(1/65)

المبحث الخامس: آثاره العلمية
المتتبع لآثار الشيخ أحمد شاكر العلميّة يلحظ أن له يدًا باسطة في غير علمٍ من العلوم من فقه وأصول وتفسير وحديث ولغة وأدب، ومصنفاته وتحقيقاته شاهدة على سَعَة دائرته في هذه العلوم، وإليك بيان آثاره مرتبة على الفنون (1).

أولًا: آثار الشيخ في القرآن وعلومه:
1 - تفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن):
يعتبر هذا التفسير من أعظم التفاسير قال عنه الشيخ أحمد شاكر:
__________
(1) اجتهدت ما استطعت في جمع كل آثار الشيخ أحمد شاكر العلمية، وأفدت من وثيقة فيها حصر لكثير من آثار الشيخ العلمية، وهذه الوثيقة مطبوعة في ثلاث ورقات كتبها الشيخ أحمد شاكر في حياته وذيلها باسمه وتوقيعه، وله عليها تعليقات بالقلم، ومن فوائد هذه الوثيقة أنها عُنيت بذكر جهة النشر، وسنة الطبع، وطبيعة عمل الشيخ شاكر في الكتاب، وكنت أخذت هذه الوثيقة الهامة من الأستاذ أسامة ابن الشيخ أحمد شاكر عند زيارتي له في بيته.
وأفدت أيضًا من رسالة ماجستير قدمت لجامعة الأزهر سنة 1412 ه، بعنوان: العلّامة أحمد شاكر وجهوده في السنة المطهرة، للشيخ علاء عنتر.
ومما يشار إليه أن رجب عبد المقصود ذكر طرفًا من آثار الشيخ العلمية في كتابه: الصبح السافر في حياة العلامة أحمد شاكر. وكذلك إبراهيم الأثري في مقال بعنوان: ترجمة العلامة أحمد محمد شاكر وبيان جهوده العلمية. الذي نشره في مجلة الحكمة (العدد الرابع، سنة 1415 ه، بريطانيا). وكلا البحثين ينقصهما الاستيفاء، والدقة أحيانًا.
(1/66)

"وهو أعظم تفسير رأيناه، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفه الحجة أن يسمى (إمام المفسرين) " (1).
وقد قام الشيخ أحمد شاكر بمراجعة الكتاب وتخريج أحاديثه ودَرْس أسانيده.
أما الأستاذ محمود شاكر فقد اضطلع بتحقيق الكتاب، والتعليق عليه، وصنع الفهارس له، وهو خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء، ويقوم بهذا العمل حقَّ القيام كما ذكر الشيخ أحمد شاكر (2).
وتمنّى الأستاذ محمود مشاركة أخيه أحمد في كل أجزاء العمل:
"وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كل صغيرةٍ وكبيرة، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله وليته فعل، حتى أستفيد من علمه وهدايته، وأتجنب ما أخاف من الخطأ والزلل في كتاب - قال فيه أبو عمر الزاهد، غلام ثعلب (3): "قابلت هذا الكتاب من أوله إلى آخره، فما وجدت فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة"، وأنَّى لمثلي أن يحقق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر ونحن أهل زمانِ أُوتوا من العجز والتهاون، أضعاف ما أوتي
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لتفسير الطبري (1/ 7).
(2) تقدمة أحمد شاكر لتفسير الطبري (1/ 6).
(3) هو: أبو عمر محمد بن عبد الواحد، يعرف بغلام ثعلب، من أكابر أهل اللغة وأحفظهم لها، توفي ببغداد سنة 345 ه. انظر: طبقات النحويين واللغويين للزُّبيدي (ص 209).
(1/67)

أسلافهم من الجد والقدرة!
فتفضل أخي أن ينظر في أسانيد أبي جعفر، وهي كثيرة جدًّا، فيتكلم عن بعض رجالها، حيث يتطلب التحقيق ذلك، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نظر في عملي وراجعه واستدرك عليه، فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بها، وكم له عندي من يدٍ لا أملك جزاءها، عند الله جزاؤها وجزاء كل معروف، وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطاي صغيرًا وأعانني كبيرًا" (1).
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب يتجلّى في ما يلي:
أ - تخريج ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ب - النظر في أسانيد أبي جعفر والكلام على بعض الرجال جرحًا وتعديلًا، وكان هذا في الأجزاء الثمانية الأُول، وقد شارك الأستاذ محمود شاكر منذ الجزء الرابع في بيان حال بعض رجال أسانيد الآثار دون الأحاديث، ثم انفرد محمود في الجزء التاسع وما يليه بالمراجعة وتخريج الأحاديث (2).
وطبع الكتاب بدار المعارف سنة 1956 م، وصدر منه ستة عشر جزءًا.
__________
(1) تقدمة محمود شاكر لتفسير الطبري (1/ 12 - 13).
(2) مقدمة محمود شاكر لتفسير الطبري (4/ 6، 10/ 7).
(1/68)

2 - عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير:
استشعر الشيخ أحمد شاكر القيمة العلمية لتفسير ابن كثير - رحمه الله - فطفق يقول: "تفسير الحافظ ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري.
ولسنا نوازن بينهما وبين أيّ تفسير آخر مما بأيدينا، فما رأينا مثلهما ولا ما يقاربهما" (1).
لذا صحت عزيمة الشيخ أحمد شاكر على العناية بهذا التفسير العظيم؛ فشرع في اختصاره بعد طول تردد، وعمق تفكير، وكثرة استشارة.
وكان الباعث لذلك عدم انتفاع الناس بهذا التفسير العظيم، لما امتلأت به طبعاته من غلط وتحريف، وقد أشار الشيخ في مقدمة الكتاب لهذه الطبعات وما فيها من أغلاط، وأفرد الشيخ أحمد مخطوطة الأزهر بالوصف وجعلها أصلًا لتصحيح نصوص الكتاب، ثم كشف عن منهجه في هذا الاختصار، وهو منهج متميز متفرد، حافظ فيه على نَفَس ابن كثير - رحمه الله - قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "حافظت على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهدًا في إبقاء كلامه بحروفه ما استطعت" (2). ومن
__________
(1) مقدمة أحمد شاكر لعمدة التفسير (ص 3).
(2) مقدمة أحمد شاكر لعمدة التفسير (ص 6).
(1/69)

منهجه في الاختصار نفي كل الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، ثم اختار من الأحاديث التي يذكرها ابن كثير أصحها وأقواها إسنادًا، وأوضحها لفظًا، وحذف من الكتاب أسانيد الأحاديث، وكل حديث ضعيف أو معلول إلا أن يكون إثباته في موضعه ضرورة عملية لرفع شبهة، وحذف المكرر من أقوال الصحابة في التفسير، وكثيرًا من آراء التابعين، اكتفاءً ببعضها، وتحلّى في ذلك كله بالأمانة العلمية، وترجم للحافظ ابن كثير وذكر مصادر ترجمته، وأثبت ثلاث صور من مخطوطات الكتاب، وقد صنع في آخر كل جزء فهرسًا للأحاديث المرفوعة وما في حكمها على مسانيد الصحابة، وفهرسًا ثانيًا لموضوعات الكتاب، ولكن المنية اخترمت الشيخ قبل إتمام هذا المختصر، حيث انتهى فيه إلى الآية الثامنة من سورة الأنفال {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)}.
وقد طُبع الكتاب في دار المعارف بمصر فيما بين سنة 1957 - 1958 م في خمسة أجزاء.
قال الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -: " .. ومَوقِفًا من قبل للعالم المتفنن المتقن الشيخ أحمد شاكر المتوفى في سنة 1377 ه - رحمه الله تعالى - الذي سماه: (عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير) هو عمدة لدى أهل العلم، وما زالوا يستمعون في كل حين وآخر، نبأ من يجري الله على يديه إتمام هذين الكتابين الجليلين (1)، على
__________
(1) أحدهما: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة الشيخ محمد الأمين =
(1/70)

الجادة: بصيرة العالم المتفنن، وأمانة المفسر، ونفس المحدث، وفقه النفس ...
هذا ولم نسمع ولم نر أن واحدًا من أهل الأرض استطاع أن ينال منهما بحق، ومن فعل فقد شان نفسه، وأزرى عليها، والعصمة لرُسل الله عليهم الصلاة والسلام" (1).

3 - تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي:
فسر العلامة المحلي من سورة البقرة إلى سورة الإسراء، وأكمل السيوطي التفسير إلى سورة الناس.
وعمل الشيخ أحمد فيه تحقيق النصّ وتصحيحه، وشاركه أخوه علي محمد شاكر في ذلك، وقد طَبَعْتهُ دار المعارف سنة 1954 م.

4 - جامع البيان في تفسير القرآن:
للإمام معين الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي الصفوي الشافعي - رحمه الله - وطبع الكتاب أول ما طبع في الهند، ثم طبع في مصر في مطبعة حجازي سنة 1355 ه، في ثلاثة أجزاء، ووقف على تصحيحه الشيخ محمد حامد الفقي - رحمه الله - وقام الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - بمراجعة الجزء الثالث منه، ويبدأ من سورة لقمان، وينتهي بسورة الناس.
__________
= الشنقيطي المتوفى سنة 1393 ه، والآخر: عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر.
(1) التحذير من مختصرات محمد الصابوني في التفسير للشيخ بكر أبو زيد (ص 34 - 35).
(1/71)

5 - هداية المستفيد في أحكام التجويد للشيخ أبي ريمة:
وهي رسالة احتوت على غالب علم التجويد في صورة سؤال وجواب مختصر، وعمل الشيخ فيها التصحيح والضبط بالشكل، وأول طبعة صدرت لها بتصحيح الشيخ - رحمه الله - في دار المعارف سنة 1373 ه، والطبعة الثانية طبعتها مكتبة السنّة سنة 1407 ه، والثالثة أيضًا مكتبة السنة سنة 1408 ه، وتقع الرسالة في سبع وثلاثين صحيفة.

6 - منجد المقرئين ومرشد الطالبين للإمام محمد بن محمد الجزري:
ويحتوي على سبعة أبواب: الأول في القراءات، والمقرئ، والقارئ وما يلزمهما. الثاني: في القراءات المتواترة والصحيحة والشاذة واختلاف العلماء في ذلك، وإيضاح الحق منه.
الثالث: في أن العشرة ما زالت مشهورة من لدن قرئ بها وإلى اليوم، لم ينكرها أحد من السلف ولا من الخلف.
الرابع: في سرد مشاهير من قرأ بها، وأقرأ في الأمصار إلى يومنا هذا.
الخامس: في حكاية ما وقفت عليه من أقوال العلماء فيها.
السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة، وأنها متواترة فرشًا وأصولًا، حال اجتماعهم وافتراقهم، وحل مشكل ذلك.
(1/72)

السابع: في ذكر من كره من العلماء المقتصر على القراءات السبع، وأن ذلك سبب نسبتهم ابن مجاهد إلى التقصير.
وعمل الشيخ فيها التصحيح والمراجعة. ونشرت الكتاب مكتبة القدسي سنة 1931 م.

ثانيًا: آثار الشيخ في الحديث وعلومه
1 - المسند للإمام أحمد بن حنبل
" وفي سنة 1946 م نَهَدَ أحمد شاكر لنشر ديوان السنة الأعظم: مسند الإمام أحمد، وهو العمل الذي استفرغ فيه جُهْدَه، وأَقدم عليه بعد أن آنس من نفسه نار القيام بأعباء هذا العمل الجليل، فالمسند كتاب تحاماه الرجال، وقديمًا تمنى الحافظ الذهبي - وهو من هو - "أن يُقَيَّض الله لهذا الديوان العظيم من يرتبه ويهذبه، ويحذف ما كرر فيه، ويصلح ما تصحف، ويوضح حال كثير من رجاله، وينبه على مرسله، ويُوَهَّن ما ينبغي من مناكيره" (1) فأقدم أحمد شاكر على هذا العِلْق النفيس، وتفنن في العناية به: ضبطًا وتحقيقًا، وشرحًا وتخريجًا، ثم شفع ذلك بفهرست دقيق فنشر منه سبعة عشر مجلدًا، ثم اعتاقَه ما اعتاقَهُ دون المدى فلم يتمّه" (2).
قال الشيخ محمد حامد الفقي - رحمه الله -: "ولعل دعوة
__________
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي (13/ 525).
(2) محمود محمد شاكر الرجل والمنهج لعمر حسن القيّام (ص 35).
(1/73)

الذهبي قد أُجيبت بما صنع الشيخ أحمد شاكر في نشر هذه الطبعة الممتازة التي كانت أمنية حياته، وغاية همّه سنين طويلة. فقد جعل لأحاديث الكتاب أرقامًا متتابعة كانت كالأعلام للأحاديث بنى عليها فهارس ابتكرها، منها: فهرس للصحابة رواة الحديث مرتب على حروف المعجم، وفهرس الجرح والتعديل، وفهرس للأعلام والأماكن التي تُذكر في متن الحديث، وفهرس لغريب الحديث.
أما الفهارس العلمية فهي الأصل لهذا العمل العظيم، وما نظن أحدًا سبق الأستاذ المحقق إلى مثلها (1)، وقد بناها على أرقام الأحاديث، فذلل الصعوبة التي يعانيها المشتغلون بالسنة، فإن الحديث الواحد قد يدل على معان كثيرة متعددة في مسائل وأبواب منوعة، مما ألجأ البخاري - رضي الله عنه - إلى تقطيع الأحاديث وتكرارها في الأبواب، فصار من الميسور للباحث - بعد هذا الجهد البالغ الذي قام به الأستاذ المحقق - أن يجد الباب الذي يريده أو المعنى الذي يقصده بالاستقصاء التام والحصر الكامل.
__________
(1) (وما نظن أحدًا سبق الأستاذ المحقق إلى مثلها) هذه العبارة أثارت حفيظة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ورأى أن فيها غَمْطًا لجهود الآخرين، فكتب على نسخته الخاصة من المسند تعليقًا - جارحًا - على هذه العبارة: "وهل كان مفتاح كنوز السنة إلا فهارس علمية لمسند أحمد، وكتب السنة، والصحيحين، والسنن، وكتب السيرة؟ ؟ ولكنّها الأغراض والتزلف وعمى العين عن رؤية الحق الذي هو أبهى من طلعة النهار" وكان التعليق في 31/ 3/ 1950 م، وأحتفظ بصورة منه.
(1/74)

وبعد: فهذا العمل العظيم حقًا، ليس وليد القراءة العاجلة، أو إزجاء الفراغ فيما يلذ ويشوق ويسهل، وإنما هو نتاج الكدح المتواصل، والتنقيب الشامل، والتحقيق الدقيق، والغوص العميق في بطون الكتب وثنايا الأسفار. وقد أنفق فيه صديقي نحو ربع قرن من الزمان، لو أنفقه في التأليف أو في نشر الكتب الخفيفة لكان لديه منها الآن عشرات وعشرات، ولجمع منها مالًا جزيلًا، وذكرًا جميلًا، ولكنه آثر السنة النبوية، وتقريبها لطالبيها على كل ذلك، فحقق الله أمله، وبارك عمله" (1).
وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على الأجزاء التي حققها من المسند تعليقات نفيسة من الناحية الحديثية، ومن الناحية الموضوعية، حيث إن بعضها من السعة والشمول والقوة بحيث يكون كتابًا مستقلًا في موضوعه.
ومع شهادة غير واحد من أهل العلم ببلوغ الشيخ أحمد شاكر في معرفة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روايةً ودرايةً، مبلغًا لم يُجاره أحدُ به من معاصريه ممن يَنْتَحل صناعة الحديث، إلا أنهم لاحظوا أن في أحكامه على الأسانيد والرواة تسامحًا كما هو مَقُوْل بحق الإمام صاحب المستدرك، وبحق الإمام ابن حبان صاحب الصحيح وغيرهما (2).
__________
(1) المسند للإمام أحمد (2/ 373 - 374).
(2) انظر: تقدمة المسند بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد (1/ 148)، والصبح السافر في حياة العلامة أحمد شاكر (ص 97 - 98).
(1/75)

ولئن قال هذا من قاله في حق الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر فله في هؤلاء سلف وأسوة، وإنما المسألة مسألة منهج يختطّه الإمام في النظر في أحوال الرواة وما قيل فيهم من جرح وتعديل، والنظر في الأسانيد واتصالها أو انقطاعها أو شذوذها أو نكارتها، والنظر في تعدد الطرق؛ وهل يكسب الحديث قوة .. إلى غير ذلك مما يختلف فيه الاجتهاد (1).

2 - جامع الترمذي:
هذا الكتاب من أنفع كتب الحديث لطالب العلم حيث جمع فيه مؤلفه فقه الحديث ومتنه، فبعد أن يسوق الأحاديث والطرق في كل باب يذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرًا ما يشير إلى دلائلهم، ويذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة. وهذا مقصد من أعلى المقاصد وأهمها؛ إذْ هو الغاية الصحيحة من علم الحديث، تمييز الصحيح من الضعيف، للاستدلال والاحتجاج، ثم الاتباع والعمل، ويتكلم عن درجة الحديث صحةً وضعفًا، ويذكر ما اشتمل عليه السند من العلل، ويفصِّل القول في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا، وعن ذلك صار كتابُه هذا كأنّه تطبيق عملي لقواعد علوم الحديث، خصوصًا علم العلل، وصار أنفع كتاب للعالم والمتعلم، وللمستفيد والباحث في علوم الحديث.
__________
(1) انظر: الصبح السافر في حياة العلامة أحمد شاكر (ص 98).
(1/76)

والترمذي بصنيعه هذا جمع بين غرض البخاري، وهو: بيان الفقه في المسألة. وغرض مسلم، وهو: جمع أحاديث الباب، وذكر الطرق في مكان واحد (1).
ولمكانة جامع الترمذي بين كتب السنة المطهرة نَهَضَ أحمد شاكر لنشر هذا الديوان العظيم، وكان تلقاه كله عن والده سماعًا، وله به شبه اختصاص وكبير عناية (2)، فحققه وأخرجه على أحسن وجوه الضبط والتصحيح: ببيان روايات نُسَخِه وضبط ألفاظه، وتفصيل جُمله، وشرح معانيه، وتحقيق مسائله، والتعليق عليه لاكتمال فوائده (3).
وجعل في طالعة الكتاب مقدمة حافلة ضمّنها بحثًا عن تصحيح الكتب، وصنع الفهارس المعجمة، وجهود المستشرقين في نشر التراث، وقبل ذلك ذكر النُّسخ التي اعتمد عليها، ووصفها، وأشار إلى الاختلاف بينها.
وقد أبان الشيخ أحمد شاكر في تحقيق هذا الكتاب عن شخصية مستقلة في التصحيح والتضعيف والحكم على الرجال، وكانت
__________
(1) انظر: تقدمة كتابَي: جامع الترمذي للشيخ شاكر (1/ 67 - 70)، ومعارف السنن شرح سنن الترمذي للبنوري (1/ 45 - 46).
(2) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب مفتاح كنوز السنة لفِنسِنك (صحيفة ج).
(3) انظر: تقدمة عبد الفتاح أبو غدة لما كتبه أحمد شاكر في طالعة تحقيقه لجامع الترمذي التي استلّها الشيخ عبد الفتاح، ووضعها في جزء منفرد، وأسماها: تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب وسبق المسلمين الإفرنج في ذلك.
(1/77)

حواشيه على الكتاب نفيسة من الناحية الحديثية والفقهية إلا أنه مع الأسف الشديد لم يكمل الكتاب، وأخرج منه مجلدين، وبلغت الأحاديث التي حققها وعلّق عليها (616) حديثًا.
ولَحَظ غير واحد من أهل العلم أن الشيخ شاكر تسامح حينما أثبت على وجه الكتاب: (الجامع الصحيح، وهو: سنن الترمذي)، وتابع في هذا من تساهل في إطلاق هذا الوصف على كتاب الترمذي (1)، كالحاكم حين أطلق عليه اسم (الجامع الصحيح)، والخطيب حين أطلق عليه اسم (الصحيح) (2).
قال ابن الصلاح: "وهذا تساهل؛ لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف" (3).
واسم الكتاب على التحقيق كما وضعه مؤلفه، هو: (الجامع المختصر من السُّنن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) (4).
وقد طبعت مكتبة مصطفى البابي الحلبي هذين المجلدين سنة
__________
(1) انظر: تعليق أحمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية (5/ 230).
(2) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص 35).
(3) مقدمة ابن الصلاح (ص 35).
(4) حقق ذلك الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، في جزء أسماه: تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي.
وانظر منه (ص 53) وما بعدها.
(1/78)

1948 م. ثم طبعته دار الحديث بالقاهرة في خمسة مجلدات.

3 - صحيح ابن حبان:
وقد أُشتهر بهذا الاسم، ويترجح عند أحمد شاكر أن الاسم الصحيح للكتاب الذي سماه به مؤلفه، هو: (المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها).
وقال أحمد شاكر في التنويه بقيمة الكتاب: "كتاب نفيس، جليل القدر، عظيم الفائدة، حرَّره مؤلفه أدق تحرير، وَجَوَّدَه أحسن تجويد، وحقق أسانيده ورجاله، وعلل ما احتاج إلى تعليل من نصوص الأحاديث وأسانيدها، وتوثّق من صحة كل حديث اختاره على شرطه، ما أظنه أخل بشيء مما التزم، إلا ما يخطئ فيه البشر، وما لا يخلو منه عالم محقق" (1).
وامتدح أحمد شاكر - رحمه الله - صنيع علاء الدين الفارسي، حيث رتب صحيح ابن حبان على الكتب والأبواب، قال - رحمه الله -: "كان ترتيب الأمير علاء الدين الفارسي إياه على الكتب والأبواب عملًا جليلًا حقًّا، قرب الكتاب لطالبيه، وحافظ على أصله بدقة الرجل العالم الثقة الأمين، وخير ما فيه أنه أثبت عناوين الأحاديث التي كتبها ابن حبان بنصها كاملة، وفي هذه العناوين فقه ابن حبان
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لصحيح ابن حبان (ص 11).
(1/79)

وعلمه بالسنة، على المعنى الكامل التام، وأثبت أيضًا كل ما كتب ابن حبان بعقب الأحاديث وهو شيء كثير، بعضه في الكلام على الرجال، وبعضه تفسير دقيق لمعاني الحديث، وبعضه تعليل فني من وجهة النظر الحديثية، إلى غير ذلك من النفائس والطرائف" (1).
وكان للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - الفضل في إخراج هذا الكتاب وإظهاره للباحثين والعلماء، وقد صنع له مقدمة اشتملت على منزلته وأصله، ووصف الإحسان، وترجم لابن حبان، وترجم للأمير علاء الدين، ووصف النُّسَخَ التي اعتمد عليها وصفًا دقيقًا متقنًا، وذكر الأقسام التي قسمه إليها ابن حبان وتكلم عن شرطه واصطلاحه وما يتعلق بذلك وغيره. وقد أصدر الشيخ - رحمه الله تعالى - الجزء الأول، ويشتمل على ثمانية وثلاثين ومائة حديثًا، وحلَّاه بتعليقات نفيسة مما يتصل بحياتنا المعاصرة، من نقد لبعض الأوضاع الشاذة، كما فعل في كثير من حواشيه التي بثّها في كتب التراث التي تولّى نشرها. وربما كان هذا المنهج من أهم ما يمتاز به أحمد شاكر، فهو يبث الحياة في النصوص القديمة، ويوجه الدلالات على ما تقتضيه المعايير الشرعية بحسب ما يؤديه إليه اجتهاده (2).
وطبع هذا الجزء في دار المعارف سنة 1952 م، ثم طبع في مطبعة مكتبة ابن تيمية سنة 1986 م.
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لصحيح ابن حبان (ص 17).
(2) انظر: محمود محمد شاكر الرجل والمنهج، لعمر القيَّام (ص 33).
(1/80)

وأخيرًا نَهَضَ الشيخ شعيب الأرنؤوط لنشر الكتاب كاملًا؛ فأخرجه في ثمانية عشر مجلدًا، وكذلك أخرجه كمال يوسف الحوت في سبع مجلدات، وطبعته دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1987 م - 1497 ه.

4 - مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري مع معالم السنن لأبي سليمان الخطابي وتهذيب الإمام ابن قيم الجوزية:
وقد حقق الشيخ منه ثلاثة مجلدات بالاشتراك مع الشيخ محمد حامد الفقي، وعملهما فيه تحقيق النص مع التعليق عليه أحيانًا (1)، وطبع بمطبعة أنصار السنة المحمدية سنة 1948 م.

5 - صحيح البخاري بشرح الكرماني:
قام أحمد شاكر بتصحيح الجزء الثاني فقط، وطبع بمطبعة محمود توفيق بمصر.

6 - الأربعون النووية:
أَملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - مجلسًا سماه الأحاديث الكلية، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي عليها مدار
__________
(1) شارك الشيخ شاكر محمد الفقي في نشر الكتاب إلا أنه نفض يده من الاشتراك في إكماله عند نهاية الجزء الثالث؛ وسبب ذلك عدم رضاه عن التعليقات التي كان يكتبها الشيخ محمد الفقي، خوفًا من أن تُنسب إليه بحكم الاشتراك في العمل، حتى اضطر الشيخان إلى الاتفاق على أن يوقع كل واحد منهما على ما يكتب.
انظر: بيني وبين الشيخ حامد الفقي (ص 38).
(1/81)

الدين، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسه على ستة وعشرين حديثًا. ثم جاء الإمام النووي - رحمه الله - فأخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليه تمام اثنين وأربعين حديثًا، ثم شرحها.
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب التصحيح والمراجعة، وطُبع الكتاب في دار المعارف سنة 1954 م.

7 - السمع والطاعة:
جزء صغير، استهله الشيخ أحمد شاكر بحديث ابن عمر المرفوع: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (1)، ثم شرع في بيان صور الطاعة الواجبة والطاعة المحرمة، وخص بالذكر القوانين التي تأمر بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وطبع هذا الجزء أولًا في دار المعارف، ثم طبع في مكتبة السنة عام 1410 ه.

8 - العمدة في الأحكام:
للحافظ عبد الغني المقدسي، وهو من نصوص أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما اتفق على إخراجه أصح الكتب الصحاح: صحيحا البخاري ومسلم. وقد جمع فيه مؤلفه أكثر من خمسمائة
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (4/ 329) واللفظ له، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها (3/ 1469).
(1/82)

حديث عليها مدار أكثر أصول الأحكام، ورتبها على الكتب والأبواب، وأعانه على ذلك شقيقه الشيخ علي محمد شاكر.
قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "وقد حققته بالمقابلة بمخطوطات من شرح ابن دقيق العيد. أحدها مصوَّر عن أصل نفيس معتمد حجة، نقل عن نسخةٍ عمدةٍ، وصفتها بإسهاب في مقدمة الشرح الذي طبعه الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي سنة 1372 ه بمطبعة السنة المحمدية" (1).
وقد طبع الكتاب ثلاث طبعات أولاها في دار المعارف سنة 1373 ه - 1954 م، والثانية والثالثة طبعتهما مكتبة السنة بالاشتراك مع مؤسسة الكتب الثقافية 1407 ه.

9 - أربع رسائل حقق فيها ثمانية أحاديث من جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي:
قال محب الدين الخطيب - رحمه الله -: "جامع العلوم والحكم لابن رجب طبع في الهند طبعة كثيرة التحريف، فرأى حضرة الأستاذ العالم الفاضل الشيخ أحمد شاكر القاضي الشرعي أن يخدم السنة بطبع هذا الكتاب طبعًا مصححًا، وأن ينشره أجزاء صغيرة تسهيلًا لاقتنائه. وبين أيدينا الآن الرسالتان الأولى والثانية منه جميلتي الطبع جيدتي الورق، مُعتنى بتصحيحهما، مع التعليقات
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لعمدة الأحكام (ص 5).
(1/83)

المعتادة التي لا غنى عنها" (1).

10 - حكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد:
وهو شرح الإمام ابن دقيق العيد لكتاب عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي. وقد قدم له الشيخ أحمد شاكر وراجع نصوصه، وتولى الشيخ محمد حامد الفقي تحقيقه، وقد طبع أولًا في مطبعة السنة المحمدية وكانت في سنة 1374 ه - 1955 م، والطبعة الثانية في سنة 1407 ه - 1987 م، ونشرتها عالم الكتب بالاشتراك مع دار الكتب السلفية سنة 1407 ه - 1987 م.

11 - نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر العسقلاني:
صنع الحافظ ابن حجر - رحمه الله - نخبة الفِكَر على تبويب ابن الصلاح مع اجتهاده في التقديم والتأخير، والنخبة تشكل عصارة ذهن الحافظ ابن حجر في اختياره الراجح من الأقوال في مسائل المصطلح حتى ولو كان فيها شيء من الخلاف. ثم شرح الحافظ هذه النخبة في كتاب (نزهة النظر)، وهو شرح موجز جيد (2). وقد حقق الشيخ - رحمه الله - نصها، وطبعت الطبعة الأولى في دار المعارف سنة 1954 م، والثانية بدار الكتب السلفية سنة 1406 ه.

12 - الخراج ليحيى بن آدم القرشي:
وهو كتاب يعرض فيه مؤلفه للمسائل المتعلقة بالخراج والغنيمة
__________
(1) مجلة الزهراء، لمحب الدين الخطيب، عدد صفر 1344 ه، المجلد الثاني.
(2) انظر: شرح نخبة الفكر للدكتور سعد آل حميد (ص 8).
(1/84)

والزكاة وغير ذلك مما يندرج تحت هذا الباب.
نشر هذا الأثر النفيس أحد المستشرقين في سنة 1869 م - 1314 ه، بمطبعة بريل في مدينة ليدن، نقلًا عن نسخة عتيقة قرئت مرارًا، عدد صفحاتها خمس وتسعون صحيفة، ويرجع تاريخها إلى أواخر القرن الخامس.
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب التصحيح والتعليق، وتناول في تعليقه: الحكم على الأحاديث من حيث الصحة والضعف، والكلام على بعض الرجال والعلل، وضبط الأسماء، وصُنع الفهارس العلمية، واستهل عمله في الكتاب بترجمة متوسطة ليحيى بن آدم، رحمه الله (1).
وطبع الكتاب في المكتبة السلفية بمصر سنة 1347 ه، ثم طبع الثانية في دار التراث بمصر بدون تاريخ، ثم طبعته المكتبة العلمية بباكستان سنة 1395 ه.

13 - شرح ألفية السيوطي في علم الحديث:
قال الشيخ أحمد شاكر بعد شرحه لألفية الحافظ جلال الدين السيوطي: "هذه تعليقات من رأس القلم على ألفية المصطلح للحافظ السيوطي - رحمه الله - لم أقصد بها أن تكون شرحًا، ولكنها طالت في بعض المواضع فكانت أكثر من شرح .. وأتممت كتابتها عصر يوم
__________
(1) انظر: تقدمة أحمد شاكر لكتاب الخراج (ص 1 - 14).
(1/85)

الجمعة 5 صفر الخير 1353 ه .. والحمد الله رب العالمين" (1).
والطبعة الأولى صدرت عن دار إحياء الكتب العربية، وأما الطبعات الأخرى فهي طبعة نشرتها دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت وهي غير مؤرخة.
وطبعة أخرى نشرتها مكتبة ابن تيمية بمصر، وطبعة طبعتها مطبعة البوسفور بمصر سنة 1332 ه، وهي طبعة عليها تعليق مختصر جدًّا للشيخ في بعض المواضع وكتب على غلافها (وقف على طبعة أحمد محمد شاكر)، وأخيرًا طبعة المكتبة التجارية في مكة، وهي غير مؤرخة.

15 - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث:
اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير - رحمه الله - وقد اختصر في كتابه هذا مقدمة ابن الصلاح، ووصفه أحمد شاكر بقوله: "هو كتاب فذُّ في موضوعه، ألّفه إمام عظيم من الأئمة الثقات المُتَحَقِّقين بهذا الفن" (2).
وسبب عناية الشيخ بهذا الكتاب أنه اختير من قبل شيخ الجامع الأزهر الإمام المراغي للمشاركة في لجنة المناهج في علوم التفسير والحديث للمعاهد الدينية، وكان مما اختارت اللجنة في علم مصطلح الحديث كتاب (اختصار علوم الحديث)، وقررت دراسته كله في كلية أصول الدين، ودراسة بعض أنواعه في كلية الشريعة، ولما كانت
__________
(1) شرح ألفية السيوطي (ص 252).
(2) مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الباعث الحثيث (1/ 68).
(1/86)

نُسخ الكتاب نادرة الوجود، أشار بعض الإخوان على الشيخ أحمد شاكر إعادة طبع الكتاب في مصر، مع تصحيحه وتحليته بشرح لأبحاثه، مع تحقيق بعض المسائل الدقيقة في علم المصطلح، فبادر الشيخ إلى النزول عند إرادتهم؛ فكان هذا الشرح الموسوم ب (الباعث الحثيث) (1).
وطبع للمرة الأولى سنة 1937 م بمطبعة محمود توفيق، والطبعة الثانية سنة 1370 ه - 1951 م بمطبعة محمد صبيح وأولاده، والثالثة سنة 1979 م بمكتبة دار التراث، ثم طبع بمكتبة المعارف بالرياض سنة 1417 ه، بعناية علي حسن عبد الحميد مع تعليقات للشيخ المحدث ناصر الدين الألباني.

16 - ضبط وتصحيح ألفية العراقي:
نَظَمَ الإمام العراقي - رحمه الله - هذه الألفية، وهي حاوية لعلوم الحديث المتنوعة، وقد صححها الشيخ وضبطها بالشكل، وطبعت الطبعة الأولى بدار المعارف سنة 1954 م، والثانية بمكتبة السنة بالقاهرة غير مؤرخة.

17 - خصائص مسند الإمام أحمد للإمام أبي موسى المديني.
18 - المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد لابن الجزري:
هذان الكتابان جعلهما الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - مقدمة
__________
(1) مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الباعث الحثيث (1/ 68 - 69).
(1/87)

لمسند الإمام أحمد، وصنعة الشيخ في الكتابين: التحقيق، والتصحيح، والتعليق أحيانًا.
وطُبع الكتابان في دار المعارف سنة 1946 م، ثم طبعا بمكتبة السُنَّة سنة 1410 ه -1990 م.

19 - التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي:
قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "كتاب (التحقيق في أحاديث الخلاف) للإمام الحافظ الكبير أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة 597 ه، كتاب نفيس من أهم الكتب التي أُلفت في مسائل الاختلاف بين المذاهب؛ لأنه اقتصر على المواضع التي فيها بين الأئمة الأربعة اختلاف، وترك ما اتفقوا عليه، وأفاض في بيان أدلة كل مذهب وساق الأحاديث بأسانيدها.
وقد كنت منذ اثني عشر عامًا أو أكثر (1) رأيت (التحقيق) في دار الكتب المصرية وأعجبت به جدَّ الإعجاب، ورغبت في نشره .. " (2).
وقد حقق الشيخ أحمد شاكر الجزء الأول منه دون بقية أجزائه، واعتمد على النسخة الوحيدة بدار الكتب المصرية، وهي نسخة عتيقة، وأغلاطها قليلة، وصححت تصحيحًا جيدًا.
__________
(1) كتب أحمد شاكر هذا الكلام في سنة 1346 ه.
(2) التحقيق لابن الجوزي، مقال في مجلة الزهراء، الربيعان 1346 ه، المجلد الرابع، الجزء الأول (ص 90).
(1/88)

وأما جهده في نشر الكتاب فتحدث الشيخ عنه بقوله: "ولما عزمنا - بحول الله وقوته - على الشروع في طبعه، بدأت في التعليق عليه، وتدارك ما فاته أداءً لأمانة العلم؛ فجمعت بين يدي كل ما طبع من كتب السنة وتراجم رجالها، وأكثر كتب الفقه والأصول واللغة وغير ذلك، وبذلت جهدي في تصحيحه والتوثق من كل كلمة فيه بالرجوع إليها في أصولها - إلا ما ندر - وذكرت مذاهب كثير من الأئمة المجتهدين غير الأربعة: مثل الأوزاعي، وإسحاق، وداود، وأشرت إلى أدلة كل إمام منهم. وتكلمت على الأحاديث التي ذكرها فبينت من روى كل حديث، وذكرت درجته العلمية، ووجه صحته إن كان صحيحًا، أو ضعفه إن كان ضعيفًا على طريق الإنصاف.
وما ألوت أن أبين ما يرجحه الدليل في مواضع الخلاف والنظر متبعًا سبيل من هدى الله غير مقلد لأحد ولا متعصب لمذهب. وما أدّعي أني صنو أي مجتهدٍ منهم، ولكني امرؤ أمرني ربي أن آخذ ما آتاني الرسول فأَطَعْتُ، فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمن نفسي. وما توفيقي إلا بالله.
وحققتُ فيما كتبته - بعون الله سبحانه وتعالى - بعض مسائل على مثالٍ لم أره فيما وصل إلي من كتب الخلاف.
وحسبي هذا فقد أخشى إن استرسلتُ أن يصل بي القلم إلى التغالي في مدح كتابي، وما كان هذا من خلقي. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى إتمامه، وأن يهديني إلى الحق، وأن يرزقني
(1/89)

الإخلاص في قولي وعملي إنه سميع عليم" (1).
وقد نشرت مكتبة الخانجي الجزء الأول سنة 1344 ه، ثم طبع بمطبعة السنة المحمدية سنة 1373 ه - 1954 م.

ثالثًا: ما يتعلق بالفقه وأصوله:
1 - المحلي لابن حزم:
وهو كتاب في الفقه الظاهري، وعمل الشيخ فيه تصحيح النصّ والتعليق عليه وتخريج بعض الأحاديث والحكم عليها، وقد حقق الشيخ ستة أجزاء، خرجت في ثلاثة مجلدات وهي ثلث الكتاب تقريبًا، وصدرت طبعته الأولى سنة 1348 ه - 1349 ه عن المكتبة المنيرية ثم صورته دار التراث.

2 - الروض المربع للبهوتي بشرح زاد المستنقع لأبي النجا الحجاوي:
وهو كتاب في الفقه الحنبلي، صححه وراجعه الشيخ - رحمه الله - بمشاركة أخيه الشيخ علي محمد شاكر، وطبعته دار المعارف سنة 1954 م، ثم نشرته دار التراث بعد ذلك مصورًا على الطبعة السابقة.

3 - أخصر المختصرات في فقه الإمام أحمد:
عمل الشيخ في الكتاب التصحيح والمراجعة بالاشتراك مع
__________
(1) التحقيق لابن الجوزي، مقال في مجلة الزهراء، الربيعان 1346 ه، المجلد الرابع، الجزء الأول (ص 93).
(1/90)

الشيخ علي محمد شاكر وطبعته دار المعارف سنة 1954 م، ثم طبع في دار عالم الكتاب سنة 1986 م - 1406 ه، ثم في مكتبة السنة.

4 - مختصر المقنع في فقه الإمام أحمد للحجاوي:
وعمل أحمد شاكر فيه التصحيح والمراجعة بمشاركة الشيخ علي محمد شاكر، وطبعته دار المعارف سنة 1954 م، ثم طبع في عالم الكتب سنة 1986 م ضمن مجموعة كتب صححها الشيخ، رحمه الله.

5 - الرسالة للإمام الشافعي:
وسميت بالرسالة لإرسال الشافعي إياها إلى عبد الرحمن بن مهدي، وهي أول كتاب ألف في أصول الفقه. و (الرسالة) للإمام الشافعي أول كتاب نشره أحمد شاكر سنة 1358 ه - 1939 م، وفيه أبان عن علم غزير بنصوص الشافعي ولغته الغامضة ودلالات ألفاظه، وكشف عن أداة متينة في قراءة التراث وشرحه، واستغلال مبدع لإمكاناته في اللغة والفقه والحديث في تنوير النَّصِّ القديم، وإماطة اللثام عن أسراره وخفاياه (1).
ولقد كان ظهور (الرسالة) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تمامًا من النشر العلميَّ العربيّ، المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق.
وقد جرى الشيخ - رحمه الله - في تحقيق (الرسالة) على أعدل
__________
(1) انظر: محمود محمد شاكر الرجل والمنهج، لعمر القيَّام (ص 32).
(1/91)

المناهج وأقومها من حيث التنبُّهُ الشديد لفَرْق ما بين النسخ، وإضافات النُسَّاخ فيما خفي ودق، وربط كلام الشافعي - رحمه الله - في هذا الكتاب بكتبه الأخرى، وتوثيق النقول، وتحرير المسائل، ثم العناية الفائقة بالضبط - وأسلوبه في الضبط هو الغاية والمنتهى - وصنع الفهارس الفنية، التي شملت آيات القرآن الكريم، وأبواب الكتاب على ترتيبها، والأعلام، والأماكن، والأشياء؛ من حيوان، ونبات، ومعدن، ونحو ذلك، والمفردات المفسَّرة في الكتاب، والفوائد اللغوية المستنبطة منه، ومواضيع الكتاب ومسائله في الأصول، والحديث، والفقه، على حروف المعجم (1).
وطبع هذا العِلْق النفيس أولًا بمكتبة مصطفى البابي الحلبي سنة 1939 م، ثم طبع بمكتبة دار التراث سنة 1399 ه - 1979 م، ثم طبع بالمكتبة العلمية ببيروت طبعة غير مؤرخة.

6 - جماع العلم للشافعي:
قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في وصف الكتاب: "دُرَّةٌ كريمة من دُرر الشافعي، وطرفة من أبدع طُرَفِه. حكى فيه مناظرات بينه وبين بعض أهل العلم في عصره، في أصول الاستدلال، أو إن شئت: في بعض مسائل من أصول الفقه، وأكثر ما يدور الجدال فيه
__________
(1) انظر: مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، للدكتور محمود الطناحي (ص 92 - 93).
(1/92)

في الاحتجاج بالأخبار، وحجة الإجماع وحقيقته، والأمر والنهي، ونحو ذلك" (1).
وألحق الشيخ أحمد شاكر بهذا الكتاب كتيبًا للشافعي، يسمى (كتاب صفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم)، وقد طُبِعا (جماع العلم) و (صفة نهي النبي) ضمن كتب الشافعي التي جمعت في الكتاب (الأم) بالمطبعة الأميرية سنة 1326 ه.
وتحدث الشيخ أحمد شاكر عن منهجه في نشر الكتاب، فقال: ثم لم آلُ وسعًا في التحري والتوثيق، لتصحيح الكتاب وتحقيقه، وخالفت مصحح الطبعة الأولى في كثير من المواضع بما عرفت من علم الشافعي، وبما فَقِهت من طريقته في الإبانة عمَّا يريد، وبمقارنة كلامه هنا بكلامه في كتبه الأخرى؛ خصوصًا كتاب (الرسالة). وحرصتُ على الأمانة العلمية، فأثبت ما في الطبعة الأميرية بالحاشية، رامزًا إليها بحرف (ط) حتى يكون القارئ على بينة مما في النسختين، وليرجح ما شاء منهما إنْ بدا له الترجيح.
ولم أسهبْ في شرح الكتاب، كما أسهبت في شرح (الرسالة)، رومًا للاختصار" (2).
وصنع الشيخ لهذا الكتاب أربعة فهارس:
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لجماع العلم (ص 7).
(2) تقدمة أحمد شاكر لجماع العلم (ص 9 - 10).
(1/93)

- فهرس مواضيع الكتاب.
- فهرس آيات القرآن.
- فهرس الأعلام.
- فهرس الأماكن.
وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1359 ه - 1940 م، ثم طبعته مكتبة ابن تيمية طبعة غير مؤرخة.

7 - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم:
وهو كتاب عظيم في الأصول، بل هو من أنفس كتب الأصول.
وقد توجهت همّة أحمد شاكر لنشر هذا السفر القيم؛ فحقق نصه، وعلق عليه، فكان ثمانية أجزاء في أربعة مجلدات، وصدر عن مطبعة الخانجي ما بين سنة 1927 - 1930 م، ثم طبعته دار الآفاق الجديدة ببيروت سنة 1400 ه - 1980 م، مع مقدمة للدكتور إحسان عباس.

8 - قواعد الأصول ومعاقد الفصول (مختصر تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل) لصفي الدين عبد المؤمن الحنبلي:
وهو كتاب في أصول فقه الحنابلة، وعَمل أحمد شاكر فيه التصحيح والمراجعة، وطبعته دار المعارف سنة 1954 م، ثم صدرت طبعة أخرى عن عالم الكتاب سنة 1406 ه - 1986 م.

9 - نظام الطلاق في الإسلام
يتميز منهج الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - بأنه منهج متحرر
(1/94)

من قيود التقليد، وأغلال التعصب المذهبي، الذي كان سببًا في الفرقة، والتأخر، والاختلاف.
ومنهجه واضح صريح في اتباع الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة والاستنباط منهما.
وقد تجلى هذا المنهج المتميز في هذا الكتاب مع طول نفسه - رحمه الله - في الاستدلال والاستنباط والمناقشة؛ فكان في طليعة الكتب التي ألفها.
يقول في مقدمة كتابه (نظام الطلاق في الإسلام): "هذه الأبحاث ليست من أبحاث الجامدين المقلدين كلا، إنما هي أبحاث علمية حرة، على نهج أبحاث المجددين الصادقين؛ من السلف الصالح، رضوان الله عليهم" (1).
قال الأستاذ محمود شاكر - رحمه الله -: "وأما أهم ما ألفه فهو كتاب نظام الطلاق في الإسلام، دلّ فيه على اجتهاده، وعدم تعصبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نصّ القرآن، ومن بيان السنَّة في الطلاق، وكان لظهور هذا الكتاب ضجة عظيمة بين العلماء، ولكنه دافع فيها عن اجتهاده دفاعًا مؤيدًا بالحجة والبرهان، ومن قرأ الكتاب عرف كيف يكون الاحتجاج في الشريعة، وظهر له فضل الرجل وقدرته على ضبط الأصول الصحيحة، وضبط
__________
(1) نظام الطلاق في الإسلام (ص 3).
(1/95)

الاستنباط فيها ضبطًا لا يختل" (1).
"وقد نصر في بحثه لهذه المسألة رأي القائلين بأن الثلاث واحدة، بأسلوب جزل، وعبارة بليغة، بل ذهب إلى تخطئة من ظن من المتأخرين - في حكايته للخلاف في المسألة عن المتقدمين - التسوية بين صيغة التكرار بالوصف (أنت طالق ثلاثًا)، وبين صيغته بالعدد: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق)، وقرر أن الصيغة الأولى لا وجه لإدخالها في صورة المسألة، وأن هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب تتابع عليه كل من حقق في هذه المسألة. وصرح بمخالفة هؤلاء جميعًا، وأن قول القائل: ثلاثًا. لغو من القول فلا يقع إلا واحدة أصلًا" (2).
ومما يشار إليه أن الشيخ محمد زاهد الكوثري (3) قد صنف في الرد عليه كتابًا أسماه (الإشفاق على أحكام الطلاق).
وقد صدرت الطبعة الأولى عن مطبعة النهضة سنة 1931 م،
__________
(1) ترجمة مبتسرة كتبها محمود شاكر بعد وفاة أخيه أحمد في مجلة المجلة، العدد (19) 1958 م (ص 120)، ثم جُعلت هذه الترجمة في طلائع كثير من الكتب التي ألفها أحمد شاكر.
(2) تسمية المفتين: بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، للدكتور سليمان العمير (ص 94).
(3) هو: محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري فقيه حنفي، جركسي الأصل له اشتغال بالأدب والسير، وله اهتمام بالحديث والرجال، توفي بالقاهرة سنة 1371 ه. انظر: الأعلام (6/ 129).
(1/96)

والطبعة الثانية عن مكتبة الخانجي سنة 1389 ه، ثم طبعته مكتبة السنّة مرتين، الثانية كانت في سنة 1418 ه - 1998 م.

10 - كلمة الفصل في قتل مدمن الخمر:
في هذا الكتاب تحقيق علمي لحديث الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة، خلص منه إلى أن هذا الأمر محكم ثابت لم ينسخ، وأنه هو العلاج الصحيح للإدمان الذي يكاد يقضي على الأمم الإسلامية، ويكاد يذهب بتشريعهم السامي وآداب الإسلام العالية النقية.
وقد جمع الشيخ أحمد شاكر كل ما ورد في هذا الباب؛ من الروايات التي فيها الأمر بقتل الشارب في الرابعة، وكل الروايات التي استدل بها من ادعى نسخه، ووجه ما ذهبوا إليه من النسخ، ونتيجة لهذا الاستقصاء والتتبع، قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "فكان البحث - كما ترى - بحثًا مستوعبًا على ما في الاستطاعة والوسع، لم آلُ جهدًا في التتبع والتنقيب، ولم أكتم شيئًا مما وجدت مما يدل لهذا الوجه أو ذاك، أداءً لأمانة العلم، واحتياطًا لديني، وتحريًا للصدق والتوثق ما استطعت - إن شاء الله -" (1).
وقد صدرت الطبعة الأولى منه عن دار المعارف سنة 1370 ه، والثانية عن مكتبة السنّة سنة 1407 ه.
__________
(1) انظر: كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر (ص 3 - 5).
(1/97)

11 - رسالة في شروط الصلاة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:
وعمل الشيخ في الرسالة التصحيح والمراجعة، وطبعت في دار المعارف سنة 1954 م، ثم طبعت في دار عالم الكتب سنة 1406 ه - 1986 م.

12 - أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعًا إثباتها بالحساب الفلكي؟
وهو بحث علمي حر قائم على أساس الكتاب والسنة، والاستنباط منهما، والفقه فيهما، قال عنه الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -: لم أكتبه إلا بعد روية وفكر، وتدبر ونظر على طريقة سلفنا الصالح من العلماء، في الأخذ بالكتاب والسنة، ونبذ التقليد والعصبية، لعلي أصبت فيه وجه الصواب بعون الله وتوفيقه، أعرضه لأنظار العلماء الباحثين متقبلًا النقد أو التأييد بالشكر والثناء لتتمحص الحقيقة، ويكشف عن وجه الصواب، أما إلقاء القول على عواهنه بأقوالٍ جوفاء، مبنية على الرأي والهوى، فإنه يخرج البحث عن حده العلميّ الدقيق، ولا يُحق حقًّا، ولا يُبطل باطلًا.
وأما الاستمساك بأقوال الفقهاء التي يسميها بعضهم (نصوصًا)، ويزعمونها حجة علينا وعلى الناس؛ فإنها أو أكثرها في متناول أيدينا وتحت أنظارنا، فلا نجادل من يحتج بها (1).
__________
(1) انظر: أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعًا إثباتها بالحساب الفلكي؟ (ص 29) بتصرف يسير.
(1/98)

ويذهب أحمد شاكر في هذا الكتاب إلى وجوب اعتماد الحساب الفلكي بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الحساب الدقيق الموثوق به. ويبقى الاعتماد على الرؤية في الأقل النادر ممن لا يصل إليه الأخبار، ولا يجد ما يثق به من معرفة الفلك ومنازل الشمس والقمر.
وطبع الكتاب ابتداءً بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1358 ه - 1939 م، ثم طبعته مكتبة ابن تيمية مرتين الأولى كانت في سنة 1359 ه، والثانية في سنة 1407 ه - 1986 م.

13 - الروضة الندية شرح الدرر البهية للعلامة صديق حسن خان:
(الدرر البهية في المسائل الفقهية) من تأليف العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - وقصد بذلك جمع المسائل التي صح دليلها. ثم شرح الدرر البهية الشيخ صديق حسن خان، قال - رحمه الله -: "وسميت هذا الشرح الأنيس؛ بل العلق النفيس: الروضة الندية شرح الدرر البهية - صلَّى اللَّهُ علَيْهِ وسلَّم -" (1).
وقام الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - بمراجعة الكتاب وتصحيحه، وحلاه بتعليقات متنوعة مفيدة، وطُبع الكتاب في دار التراث بالقاهرة طبعة غير مؤرخة.

14 - المسح على الجوربين للعلامة محمد جمال الدين القاسمي:
ألف هذه الرسالة القيمة عالم الشام الأستاذ الشيخ محمد جمال
__________
(1) مقدمة الروضة الندية (1/ 4).
(1/99)

الدين القاسمي - رحمه الله - وطبعت بدمشق سنة 1332 ه، وقد أفاد الشيخ أحمد شاكر منها علمًا جمًا، وروحًا قويًّا؛ لأنَّ مؤلفها ممن سار على نهج السلف الصالح في الاستمساك بالهدي النبوي، وتتبع الدليل الصحيح، دون تعصب لرأي وهوى، ودون جمود على التقليد (1).
قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "وقد رغب صديقنا الحبيب، السلفي الكبير الكريم، الأخ السيد محمد نصيف - حفظه الله - أن يعيد طبعها بعد أن صارت نادرة الوجود، وكثر الحرص على اقتنائها، رغبة في إذاعة الفائدة منها. وطلب مني أن أعيد قراءتها، وأكتب لها مقدمة، فأبنت له أني حريص على تحقيق بعض الأحاديث التي استدلّ بها المؤلف - رحمه الله - وأن أزيد بعض الدلائل التي تؤيد ما ذهب إليه، مما لم يكن بين يديه حين ألف رسالته.
وقد اجتهدتُ فيما كتبت ما استطعت، وأسأل الله التوفيق والعون والسداد. إنه سميع الدعاء" (2).

15 - مذكرة في قضية الوارثين الشرعيين المحرومين من حقوقهم في أوقاف أهليهم مؤيدة بفتوى الإمام محمد بن عبد الوهاب:
والمذكرة تقع في عشرين صحيفة، وهي من إنشاء الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - وفتوى الإمام محمد بن عبد الوهاب ملحقة بآخرها وهي في حدود عشر صفحات، بعنوان: (إبطال وقف
__________
(1) انظر: تقدمة أحمد شاكر لرسالة المسح على الجوربين (ص 3).
(2) تقدمة أحمد شاكر لرسالة المسح على الجوربين (ص 4).
(1/100)

الجَنَف والإثم) وقد صححها أحمد شاكر على ثلاث نسخ معتمدة، وحلّاها بتعليقات يسيرة.
طبعت المذكرة في دار المعارف سنة 1372 ه - 1953 م.

16 - أبحاث في أحكام (فقه وقضاء وقانون):
كتاب نافع للقضاة والمحامين، وكل صاحب دعوى، والكتاب مجموعة من الأحكام التي حكم فيها الشيخ أحمد شاكر أيام عمله في المحاكم الشرعية.
قال الشيخ - رحمه الله -: "بدا لي أن أجمع هذه الأحكام، لما فيها - أو في بعضها - من طرافة في البحث، أو جِدَّةٍ في الرأي، أو صراحة في القول. ولا أزعم أنّ ما قلتُ فيها صوابُ كلُّه، فما يكون هذا لأحد من الناس، حاشا الأنبياء. بل أثق أني لم أكتب إلا ما اقتنع به عقلي، واطمأن إليه قلبي، بعد أن تحريتُ الصواب من طريقه، وقلبت وجوه النظر في الأدلة ومقدماتها ونتائجها" (1).
صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة 1941 م، والثانية عن مكتبة ابن تيمية سنة 1360 ه، والثالثة عن مكتبة ابن تيمية سنة 1407 ه.

رابعًا: ما يتعلق بالعقيدة:
1 - كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لشيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب:
وهو كتاب عظيم النفع، بين فيه مؤلفه التوحيد وفضله، وما ينافيه
__________
(1) مقدمة الكتاب (ص 3).
(1/101)

من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وقد اشتمل على ستة وستين بابًا.
واعتنى الشيخ أحمد شاكر بالكتاب متنًا وشرحًا، وإليك بيان ذلك:
أ - شَرَحَ كتاب التوحيد أحد أفاضل العلماء - كما كتب على صدره - وقد راجع الشيخ أحمد شاكر الشرح ونقّحه، مع تحقيق النص.
وقد طبعته دار المعارف مرتين؛ الأولى سنة 1954 م، والثانية سنة 1974 م.
ب - حقق الشيخ أحمد شاكر نص كتاب التوحيد من غير الشرح بالاشتراك مع أخيه الشيخ علي محمد شاكر.
وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1954 م.

2 - الأصول الثلاثة وأدلتها لشيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب:
والأصل الأول هو معرفة الرب، والثاني: هو معرفة دين الإسلام بالأدلة، والثالث: هو معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب التصحيح والمراجعة.
وطبع في دار المعارف مرتين؛ الأولى سنة 1954 م، والثانية في سنة 1974 م.

3 - القواعد الأربع لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:
جزء صغير الحجم ضخم المعاني، تحدث فيه الإمام محمد بن
(1/102)

عبد الوهاب عن أربعة قواعد ذكرها الله في كتابه: الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (مقرون بأن الله هو الخالق، ولم يدخلهم ذلك الإِسلام). والثانية: يقولون: ما دعوناهم إلا لطلب القربة والشفاعة. والثالثة: أن الرسول (قاتل المشركين ولم يفرق بينهم؛ ومنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار وغير ذلك. الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين.
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الرسالة التصحيح والمراجعة.
وطبعت الرسالة في دار المعارف مرتين؛ الأولى: سنة 1954 م، والثانية: في سنة 1974 م.

4 - العقيدة الواسطية لشيخ الإِسلام ابن تيمية
كتبها شيخ الإسلام في مجلس واحد بعد العصر من أحد أيام سنة 698 ه، وسبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من أهل الخير والدين شكى ما الناس فيه - ببلادهم في دولة التتر - من غلبة الجهل والظلم ودروس الدِّين والعلم، وسأل الشيخ أن يكتب له عقيدة .. فكتب له هذه العقيدة وهو قاعد بعد العصر (1).
وعمل الشيخ أحمد شاكر فيها التصحيح والمراجعة فقط، وقد طبعتها دار المعارف سنة 1954 م، ثم طبعتها دار عالم الكتب سنة 1406 ه - 1986 م.
__________
(1) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 194).
(1/103)

5 - المناظرة في العقيدة الواسطية بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء عصره (1):
وقد راجعها الشيخ أحمد شاكر وصححها، وطبعتها دار المعارف سنة 1954 م.

6 - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد للإمام ابن قدامه المقدسي:
جمع فيه مؤلفه خلاصة معتقد أهل السنة والجماعة، وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب التصحيح والمراجعة، وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1954 م.

7 - التدمرية لشيخ الإِسلام ابن تيمية:
وكتاب (التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع) من الكتب الجليلة القدر في باب الأسماء والصفات، والتي أجاد شيخ الإسلام فيها تقرير عقيدة السلف، ومناقشة الفرق المخالفة في باب الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا.
وقام الشيخ أحمد شاكر بتحقيق النص وتصحيحه بالاشتراك مع
__________
(1) بعد أن كتب شيخ الإِسلام العقيدة الواسطية، حصل حولها مناظرة بين الشيخ وعلماء عصره في مجلس نائب السلطنة الأفرم بدمشق سنة 705 ه، وعقد للمناظرة ثلاثة مجالس كتب ما استحضره منها بنفسه.
انظر: مجموع الفتاوى (3/ 160).
(1/104)

أخيه الشيخ على محمد شاكر. وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1954 م.

8 - الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإِسلام ابن تيمية
كتبها شيخ الإِسلام - رحمه الله - سنة 698 ه، جوابًا لسؤال ورد عليه من حماة ... وقام الشيخ أحمد شاكر بتحقيق النص وتصحيحه بالاشتراك مع أخيه الشيخ على محمد شاكر. وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1954 م.

9 - عقيدة أهل السنة والجماعة للحافظ أبي الفرج بن الجوزي
وعمل الشيخ أحمد شاكر فيها التصحيح والمراجعة، وطبعتها دار المعارف سنة 1954 م.

10 - شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي
قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -: وهو شرح نفيس للعقيدة السلفية التي كتبها الإمام الطحاوي - رحمه الله - وأبحاثه دقيقة عميقة، وتحقيقاته بديعة متقنة، وقد طبع للمرة الأولى سنة 1349 ه، بمكة المكرمة في المطبعة السلفية، وكان لها فرع هناك إذ ذاك.
وعُني بتصحيحه والإشراف على طبعه، لجنة من المشايخ والعلماء، برياسة العلامة الكبير الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ رئيس القضاة في الحجاز (حالًا)، فبذلوا جهدًا عظيمًا في تصحيحه، ولكنه لم يخل من أغلاط كثيرة، وكل عمل في أوله عسير،
(1/105)

وهم مشكورون على ما أتقنوا من تصحيح، مأجورون - إن شاء الله - على ما اجتهدوا.
وقد قرأت الكتاب عند ظهوره قراءة عابرة، فلم أتقن معرفته، ولم أتعمق في دراسته. ثم كان من فضل الله عليّ حين كنت بمدينة (الرياض) في شهر جمادى الأولى من هذا العام سنة 1373 ه، أن كلفني الأستاذ المفتى الأكبر العالم العلامة الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وشقيقه الفاضل الأستاذ الكبير الشيخ عبد اللطيف ابن إبراهيم - مدير المعهد العلمي بالرياض - أن أعيد طبع هذا الشرح النفيس في مصر، وأُعنى بتصحيحه ما استطعت. فما إن شرعت في قراءته، والتحقق منه، حتى وجدت بين يديّ كتابًا يندر أن يؤلف مثله في دقته وعمقه، وتحقيقه وبيانه، والتزامه مذهب السلف الصالح من غير حيدة عنه، ولا تأول ولا تمحل.
ووجدتني حُملت عبئًا عظيمًا من تحقيقه، إذ لم أجد منه مخطوطة معتمدة، بل لم أجد المخطوط الأصلي الذي طبع عنه الطبعة السالفة.
فاجتهدت في تصحيح كلام الشارح ما استطعت، وعدت إلى الأحاديث والآثار والنصوص التي ينقلها فيما أجد من أصولها عندي.
ولعلي - بهذا - أكون قد أدّيت الأمانة في حدود مقدوري واستطاعتي.
ولكني لا أزال أرى هذه الطبعة مؤقتة أيضًا، حتى يوفقنا الله إلى أصل مخطوط للشرح صحيح، يكون عمدة في التصحيح؛ فنعيد
(1/106)

طبعه، ونتقنه ونخرجه إخراجًا سليمًا، إن شاء الله ذلك ويسَّره، وكان في العمر بقية (1).
ومما يلاحظ على طبعة الشيخ أحمد شاكر أنه كان يعتمد في التصويب على المراجع والمظانِّ التي بين يديه مما نقل عنه المصنف، لكنه لم يُشِر إلى تلك التصويبات في التعليقات، ولا المصادر التي نقل التصويب عنها مما أفقدها قيمتها العلمية (2).
وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1373 ه، ثم طبع في دار التراث بالقاهرة طبعة غير مؤرخة.

11 - الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر
رسالة صغيرة، أصلها محاضرة سبق للشيخ أحمد شاكر أن ألقاها، ثم لما تقدم عبد العزيز فهمي إلى مجمع اللغة العربية باقتراحه: كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وأخذ يُسفّه معارضيه الذين تناولوه بأقلامهم من كل جانب.
وزاد الأمر ضِغثًا على إبَّالةٍ (3) بتطاوله على التشريع الإسلامي الخالد، والسخرية منه.
__________
(1) انظر: تقدمة الشيخ أحمد شاكر لشرح الطحاوية لابن أبي العز (ص 5 - 7) بتصرف يسير.
(2) انظر: تقدمة الشيخين عبد الله التركي وشعيب الأرنؤوط لشرح الطحاوية لابن أبي العز (1/ 107).
(3) معنى المثل: بليَّة على أخرى. والإبّالة: الحزمة من الحطب، والضغث: قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس. انظر: مجمع الأمثال للميداني (1/ 419)، وجمهرة الأمثال للعسكري (2/ 6).
(1/107)

كل ذلك حرّك في نفس أحمد شاكر صدى دعوة سابقة؛ فجدد العزم على نشر محاضرته القديمة في كتاب مقروء.
صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة 1363 ه - 1945 م، وطبع في دار الكتب السلفية مرتين؛ الأولى سنة 1406 ه، والثانية سنة 1407 ه.

خامسًا: ما يتعلق بالأدب واللغة:
1 - الشعر والشعراء لابن قتيبة:
قال أحمد شاكر - رحمه الله -: "هذا الكتاب من مصادر الأدب الأولى، ومما أبقى لنا حدثان الدهر من آثار أئمتنا الأقدمين. ألّفه إمام ثقة حجة من أوعية العلم، ترجم فيه للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جُلُّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم له مؤلفه بمقدمة تنطوي على أبواب في: أقسام الشعر وعيوب الشعر، والإقواء (1)، والإكفاء (2)، والعيب
__________
(1) عيب من عيوب القافية، وهو اختلاف المَجْرَى (حركة الرويّ) بالضم والكسر.
انظر: معجم علوم اللغة العربية للدكتور محمد الأشقر (ص 69).
(2) عيب من عيوب القافية، وهو اختلاف رويّ القصيدة بحروف متقاربة المخارج، كاللام والنون في قول الشاعر يصف الإبل:
بَناتُ وُطَّاءٍ على خدِّ الليلْ
لا تُشْكِينَّ عَمَلًا ما أنْقَيَنْ
انظر: معجم علوم اللغة العربية للدكتور محمد الأشقر (ص 69).
(1/108)

في الإعراب، وأوائل الشعراء.
وأول ميزة يراها القارئ المتأمل للكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر اختيار عالم بالشعر عارف به فقيه فيه؛ فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط لا يحيد ولا يميل" (1).
وبعد نفاذ طبعات الكتاب السابقة، استشرف الناس إلى من يقوم بنشر الكتاب من جديد؛ فنهض الشيخ أحمد شاكر بهذه المهمة الشاقة، وأخذ على نفسه أن يُخرج الكتاب إخراجًا صحيحًا متقنًا.
وبعد صدور الكتاب انتقد العلامة السيد أحمد صقر صنيع الشيخ أحمد شاكر في نشر الكتاب، حيث إنه اعتمد في التحقيق على طبعة ليدن اعتمادًا كليًّا، ولم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلًا، مع أن طبعة ليدن أثبتت كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه.
إضافةً إلى أنه أغفل الرجوع إلى النسخ المخطوطة للكتاب، واعتمد على نسخة ليدن فقط، مع وجود ثلاث نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية، ونسخة في مكتبة الأزهر (2).
وهذا النقد لا يُنقص من قيمة التحقيق العلمية، وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على الكتاب تدل على سعة علمه، ودقة نظره.
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لكتاب الشعر والشعراء (1/ 37).
(2) انظر: نقد الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمة كتاب الشعر والشعراء (1/ 8).
(1/109)

قال الدكتور علي جواد الطاهر عن جهد الشيخ في الكتاب: "وهو تحقيق لا يمكن إغفاله، إنه من أجود التحقيقات، إن لم يكن أجودها" (1).
وصدرت الطبعة الأولى بين سنتي 1364 - 1369 ه عن دار إحياء الكتب العربية. والثانية عن دار المعارف بين 1958 - 1967 م. والثالثة عن دار الحديث بالقاهرة سنة 1417 ه - 1996 م.

2 - إصلاح المنطق لابن السكيت (2):
" هذا الكتاب أراد به ابن السكيت أن يعالج داءً كان قد استشرى في لغة العرب والمستعربة، وهو داء اللحن والخطأ في الكلام. فعمد إلى أن يؤلف كتابه ويضمنه أبوابًا يمكن بها ضبط جمهرة من اللغة، وذلك بذكر الألفاظ المتفقة في الوزن الواحد مع اختلاف المعنى، أو المختلفة فيه مع اتفاق المعنى، وما فيه لغتان أو أكثر، وما يعل ويصحح، وما يهمز وما لا يهمز، وما يشدد، وما تغلط فيه العامة" (3).
وقد أخرج الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - هذا الكتاب بمشاركة العلّامة عبد السلام هارون، وحققاه تحقيقًا علميًّا متقنًا،
__________
(1) فوات المؤلفين للدكتور علي جواد الطاهر (ص 12).
(2) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، من أعلم الناس باللغة والشعر، توفي سنة 244 ه.
انظر: طبقات النحويين واللغويين للزُّبيدي (ص 202).
(3) تقدمة العلامة عبد السلام هارون للكتاب (ص 12).
(1/110)

واعتمدا على أربع نسخ مخطوطة في تحقيق الكتاب وصنعا له فهارس علمية متنوعة.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات، الأولى سنة 1949 م، والثانية سنة 1956 م، والثالثة سنة 1970 م، والرابعة سنة 1987 م.

3 - كتاب المفضليات للمفضل الضبي:
وهو كتاب يحتوي على قصائد مختارة من الشعر القديم، وقد حققه الشيخ أحمد شاكر بالاشتراك مع الشيخ عبد السلام هارون، وتحدثا عن منهجهما في الكتاب فقالا: "وقد حاولنا أن نعرض هذا الشعر على القارئ أجمل عرض وأوضحه وأوجزه، فلا نعرض لاختلاف الرواة في الرواية، إلا أن نضطر إلى ذلك اضطرارًا، وإنما نعرف الشاعر إلى القارئ تعريفًا موجزًا كافيًا، ثم نذكر جو القصيدة وما قيلت فيه من أغراض ومعان وتاريخ، ثم نخرجها فنذكر ما وصل إليه علمنا من مواضع وجودها، أو وجود أبيات منها في كتب الأصول المعتمدة. وقد رأينا أن كثيرًا من هذا الشعر أو أكثره مستشهد به في لسان العرب وفي معجم البلدان، فوجدنا أن لو نصصنا على موضع كل بيت منه فيهما طال الأمر جدًا، فتركنا النص على ذلك؛ لأن سهلًا على القارئ أن يجد ما يريد في هذين الكتابين المرتبين على الحروف، ثم نفسر كل بيت بشرح ما فيه من الغريب شرحًا بيّنًا لا إخلال فيه ولا إطناب، وإن كان في معنى البيت خفاء
(1/111)

لا يكفي في بيانه شرح الغريب، فسرنا معناه تفسيرًا وسطًا، لا يتجاوز ما يجب لإيضاحه، مراعين في ذلك حال القارئ المتوسط؛ ليصل إلى معنى البيت من غير عناء ولا عنت، مع الحرص على أداء المعنى بأوجز قول وأدقه مطابقة للمراد" (1).
وصنع المحققان للكتاب فهارس علمية دقيقة:
الأول: فهرس الشعراء. الثاني: فهرس القوافي.
الثالث: فهرس اللغة. الرابع: فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم.
الخامس: الفهرس الفني؛ ويشمل على أربعة أنواع: الأوصاف والتشبيهات والفخر والمعاني العامة. السادس: فهرس الأعلام.
السابع: فهرس القبائل والطوائف. الثامن: فهرس البلدان والمواضع.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات؛ منها: الطبعة الأولى سنة 1942 م، والثانية سنة 1951 م، وطبعات أخرى في أوقات متفاوتة، ثم الطبعة السادسة سنة 1979 م.

4 - الأصمعيات للأصمعي:
وهو كتاب يشمل على اثنين وتسعين قصيدة، وحققه الشيخ أحمد
__________
(1) مقدمة الكتاب (ص 6).
(1/112)

شاكر بالاشتراك مع الشيخ عبد السلام هارون، وما قيل في المفضليات يقال في الأصمعيات من حيث المنهج والفهارس الدقيقة للكتاب.
وقد طبع الكتاب في دار المعارف عدة مرات، منها: الطبعة الأولى في سنة 1375 ه - 1955 م، والثانية في سنة 1383 ه - 1963 م، والثالثة في سنة 1387 ه - 1967 م.

5 - لباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ:
قال أحمد شاكر في وصف الكتاب: "هذا الكتاب من أجود كتب الأدب وأحسنها، وسيرى قارئه أنه ينتقل فيه من روض إلى روض، ويجتني أزاهير الحكمة، وروائع الأدب، ويقتبس مكارم الأخلاق.
وفيه ميزة أخرى جليلة: أن فيه أقوالًا من نثر ونظم لم نجدها في كتاب غيره من الكتب المطبوعة" (1).
وحقق الشيخ أحمد شاكر الكتاب على ثلاث نسخ مخطوطة؛ أهمها النسخة الأصلية التي كتبت للمؤلف سنة 579 ه، وقد وهبها لابنه، وكتب ابنه عليها بيده يقول إن أباه وهبه إياها. فهي من أقدم كتب الخط العربية المحفوظة إلى الآن (2).
ثم عُني الشيخ أحمد شاكر بوضع فهارس خمسة للكتاب:
__________
(1) تقدمة أحمد شاكر لكتاب لباب الآداب (ص 6).
(2) انظر: تقدمة الدكتور يعقوب صروف لكتاب لباب الآداب (ص 7).
(1/113)

أولًا: أبواب الكتاب. ثانيًا: الأعلام.
ثالثًا: الأماكن. رابعًا: أيام العرب.
خامسًا: قوافي الشعر.
وصدرت الطبعة الأولى عن مكتبة سركيس سنة 1354 ه - 1935 م، والطبعة الثانية عن مكتبة السنّة، والطبعة الثالثة عن دار الكتب السلفية سنة 1407 ه - 1987 م، والطبعة الرابعة عن دار الجيل ببيروت سنة 1411 ه - 1991 م.

6 - المعرّب للجواليقي:
هذا الكتاب أجمع الكتب التي ضبطت الألفاظ المعربة. جمع فيه مؤلفه ما عُرِّب من الألفاظ الأعجمية إلى عصره، وحرص على أن يبين اللغات التي أخذت منها الألفاظ، وأصول الألفاظ في هذه اللغات ما وسعه علمه، كما اجتهد أن يسند الأقوال إلى أصحابها من أئمة اللغة. ولم يأل جهدًا في الاستشهاد بالآيات والأحاديث والشعر، ورتب ما جمع على حروف المعجم، تيسيرًا للمستفيد (1).
واعتمد الشيخ أحمد شاكر في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ مخطوطة، ونسخة رابعة مطبوعة سنة 1867 م. فَخَرَجَ متن الكتاب غاية في الصحة والإتقان، وتجلَّت شخصية أحمد شاكر الأدبية واللغوية من خلال تعليقاته النفيسة، ومعارضته للجواليقي
__________
(1) انظر: تقدمة الأستاذ عبد الوهاب عزام للمعرب (ص 3).
(1/114)

والاستدراك عليه في بعض الأحايين.
قال الأستاذ عبد الوهاب عزام - رحمه الله -: "وكل صفحة في الكتاب ناطقة بما حمل الأستاذ به نفسه من دأب على البحث، وعناء في المراجعة، شاهدة بأن دقته في الضبط والمراجعة يسرت الكتاب لقارئه، وهيأت له فوائد عظيمة، وقربت له مطالب بعيدة" (1).
وساهم العلّامة الثبت عبد السلام هارون مع أحمد شاكر في تحقيق كثير من مشكلات الكتاب، كما شارك الأستاذ عبد الوهاب عزام في كتابة مقدمة ضافية بين يدي الكتاب.
وأخيرًا ختم أحمد شاكر الكتاب بفهارس مفصلة دقيقة.
وطبع الكتاب بدار الكتب المصرية ثلاث مرات: الأولى سنة 1361 ه - 1942 م، والثانية سنة 1389 ه - 1969 م، والثالثة 1416 ه - 1995 م.

7 - الكامل في اللغة والأدب للمبرد:
قال أبو العباس المبرد: "هذا كتاب ألَّفناه يجمع ضروبًا من الآداب، ما بين كلام منثور، وشعرٍ مرصوف، ومثل سائرٍ، وموعظة بالغة، واختيار من خُطبة شريفة، ورسالة بليغة"، وتفسير للغريب، وشرح للإعراب (2).
__________
(1) تقدمة الأستاذ عبد الوهاب عزام للمعرب (ص 3).
(2) مقدمة الكامل (1/ 3)
(1/115)

وقد حقق الجزء الأول وملزمتين من الجزء الثاني الدكتور زكي مبارك، ثم عَهِد إلى الشيخ أحمد شاكر بإتمام تحقيق الكتاب، فاضطلع أحمد شاكر بذلك، واعتمد في التحقيق والتصحيح على النسخة المطبوعة في أوربة سنة 1864 م، وهي مطبوعة جيدة جدًّا، عمدة في تحقيق الكتاب، واعتمد أيضًا على شرح الكامل المسمى (رغبة الآمل) للعلّامة الكبير سيد بن علي المرصفي - رحمه الله - وعلى ما يُسَّرَ له من كتب اللغة والأدب والتفسير والحديث وغيرها (1). ثم ختم الكتاب بفهارس دقيقة متنوعة تهدي الباحثين.
وثمة فرق آخر بين تحقيق زكي مبارك وأحمد شاكر، حيث اقتصر الأول في تحقيقه للكتاب على شرح الغريب من الألفاظ، وأغفل الفروق بين النسخ فلم يثبتها، وكانت دعواه عريضة في تصحيح بعض أغلاط المرصفي!
أما تحقيق أحمد شاكر فقد تجلّى فيه روح النقد القائم على أصول علميّة؛ فنبه على أغلاط العلّامة المرصفي في مواضع متعددة، وتسامى فنقد المُبَرَّد في بعض حواشيه على الكامل، وضبط بعض الأعلام بالشكل وترجم لبعضهم، وأشار إلى فروقات النسخ، وأوجه القراءات، وحكم على بعض الآثار والأحاديث، ونقل عن معاجم اللغة في شرح الغريب.
__________
(1) انظر: تقدمة شاكر للجزء الثاني من الكامل، صحيفة (ب، ج).
(1/116)

وصدر الكتاب في طبعته الأولى عن مكتبة مصطفى البابي الحلبي سنة 1358 ه - 1939 م.

سادسًا: ما يتعلق بالسير والتراجم:
1 - جوامع السيرة لابن حزم:
هذا الكتاب مختصر في سيرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - قريب المأخذ، سهل المتناوَل، قام بتحقيقه الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد.
قال المحققان: "وبعد أن تمّ لهذا العمل كله ما تم، من الأسباب التي تقدم وصفها، تقدمنا به إلى الأستاذ العلّامة، محدث العصر، الشيخ أحمد محمد شاكر، فتفضل مشكورًا بمراجعته، وأضاف إلى التعليقات ما رآه لازمًا، واستدرك ما فاتنا مما يجب التنبيه عليه" (1).
وطبع الكتاب في دار المعارف سنة 1956 م.

2 - ترجمة الإمام أحمد من تاريخ الإسلام للذهبي:
حين عزم الشيخ أحمد شاكر على طباعة المسند للإمام أحمد بن حنبل، رأى أن يتخير ترجمة للإمام أحمد من نفائس آثار علمائنا الأقدمين، مما لم يسبق طبعه، فوقع اختياره على ترجمة الإمام أحمد من كتاب (تاريخ الإِسلام) للحافظ الذهبي، وأثبتها في أوائل الجزء الأول من المسند بعد تحقيقها وتصحيحها، ثم أفردها في جزء خاص.
__________
(1) مقدمة المحققين للكتاب (ص 25).
(1/117)

صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة 1946 م، ثم طبع في سنة 1949 م، وطبع - أيضًا - في سنة 1989 م.

3 - ترجمته لوالده الشيخ محمد شاكر
كتبها الشيخ أحمد شاكر ابتداءً في مجلة المقتطف، عدد أغسطس 1939 م، ثم طبعها في جزء مستقل في دار المعارف سنة 1953 م.

سابعًا: ما يتعلق بالأنساب:
1 - جمهرة أنساب العرب لابن حزم:
بتحقيق الدكتور ليفي بروفنسال، وقام الشيخ أحمد شاكر بتصحيح النص، وتحقيق كثير من الأعلام، والأنساب، وكتابة بعض التعليقات المفيدة، وقد صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة 1948 م.

2 - نسب قريش للمصعب الزبيري:
بتحقيق ليفي بروفنسال، وقام الشيخ أحمد شاكر بتصحيح النص، وتحقيق كثير من الأعلام، والأنساب، وكتابة بعض التعليقات المفيدة.
وطبعته دار المعارف سنة 1953 م.

ثامنًا: ما يتعلق بالردود العلميّة والمقالات الصحفية:
1 - الشرع واللغة:
رسالة رد فيها الشيخ أحمد شاكر على عبد العزيز فهمي باشا في اقتراحه الميت السخيف: كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وفي عدوانه على التشريع الإسلامي الخالد والسخرية منه.
(1/118)

وصدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف سنة 1363 ه - 1945 م، والطبعة الثانية بالقاهرة سنة 1986 م، والطبعة الثالثة عن عالم الكتب ببيروت سنة 1987 م، وبضميمتها رسالة الشيخ - رحمه الله -: الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر.

2 - بيني وبين الشيخ حامد الفقي:
وهي رسالة شرح فيها الشيخ أحمد شاكر أسباب الخلاف بينه وبين حامد الفقي، ابتداءً بتعليقات الفقي (1) على بعض الكتب التي تولى تحقيقها وشاركه فيها الشيخ أحمد شاكر، مما كان سببًا في أن ينفض شاكر يده عن إتمام العمل معه. وانتهاءً بما كتبه الفقي تعليقًا على رسالة من رسائل شيخ الإِسلام ابن تيمية منشورة في مجلة الهدي النبوي في عدد (شهري رجب وشعبان سنة 1374 ه) فَهِمَ منها الشيخ أحمد شاكر تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك، فكتب أحمد شاكر مقالًا في تبرئة شيخ الإِسلام، وأرسله بالبريد، وأحفظ أحمد شاكر كثيرًا أن مقاله طُوي فلم ينشر في المجلة. إلى آخر ما جرى بينهما.
وطبعت هذه الرسالة في دار المعارف سنة 1374 ه - 1955 م.

3 - تعليقات في أبحاث دقيقة على دائرة المعارف الإسلامية:
هذه الدائرة موسوعة علمية كتبها لفيف من المستشرقين، رُتبت
__________
(1) ومن النقد الذي وُجِّه للفقي تعليقاته على مدارج السالكين لابن القيم.
انظر: أضواء المسارج لبيان جور التعليقات على المدارج، للشيخ عبد الكريم الحميد.
(1/119)

موادها على حروف المعجم، واشتملت على ألوان متفرقة من العلوم.
وكان للمستشرقين فيها مغالطات ظاهرة، وشُبه وسموم نثروها في تضاعيف هذه الدائرة، وقد شارك الشيخ أحمد شاكر في التعقيب والمناقشة ودفع الشبه ما أمكن.
وقد نقلت أهم تعليقات الشيخ أحمد شاكر على شبهات المستشرقين في آخر الكتاب.

4 - مقالات أحمد شاكر في الصحف والمجلات:
كان للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - مشاركات، جادّة في الصحف والمجلات منذ سنة 1911 م، إلى قبيل وفاته، وأبرز هذه المشاركات كانت في مجلة الهدي النبوي التي تصدرها جماعة أنصار السنة المحمدية.
وطبعت بعض هذه المقالات بعد وفاة الشيخ في كتابٍ بعنوان (كلمة حق).
ومن الصحف التي كتب فيها الشيخ أحمد شاكر: صحيفة المؤيد، والأهرام، والمقطم، والبلاغ اليومي، والوفد المصري.
ومن المجلات: المقتطف، والرسالة، والثقافة، والكتاب، والزهراء، والفتح، والمنار.
وجمعت نُتف من هذه المقالات، وشذْر من تعليقات الشيخ على بعض الكتب - بعد وفاته - في كتاب موسوم ب (حكم الجاهلية).
(1/120)

جَمْهَرةُ مَقَالَاتِ
العَلَّامَةِ الشَّيْخ
أَحْمَدْ مُحَمَّد شَاكِرْ
"1309 - 1377 ه = 1892 - 1958 م"
مَعَ أَهمِ تَعَقّبَاتِ الشّيخ عَلَى دَائِرةِ المَعَارِفِ الإِسْلَاميَّة
(1/121)

تحقيق التراث
1 - النسخة اليونينية من صحيح البخاري.
2 - تصحيح الكتب.
3 - سير أعلام النبلاء (ترجمة عائشة أم المؤمنين).
4 - مقدمة الرسالة للإمام الشافعي.
5 - التحقيق لابن الجوزي.
(1/123)

النسخة اليونينية من صحيح البخاري (*)
منذ بضع عشرة سنة فكرتُ في طبع "صحيح البخاري" بطلب أحد الناشرين إذْ ذاك، ثم لم يقدَّر أن يتحقق ما أردنا.
وكانت الفكرة مبنية على إخراج الكتاب إخراجًا صحيحًا متقنًا موثقًا عن أصح نسخة وأجلها، وهي الطبعة السلطانية، التي أمر بطبعها "أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد رحمه الله"، وطبعتْ بمصر في المطبعة الأميرية، في سني 1311 - 1313 ه، ثم الطبعة التالية لها، التي طبعت على مثالها في المطبعة الأميرية سنة 1314 ه.
والطبعة السلطانية مطبوعة عن النسخة "اليُونينية"، وهي أعظم أصل يوثق به في نسخ "صحيح البخاري". والنسخة "اليونينية" هي التي جعلها العلامة القسطلاني (المتوفى سنة 923 ه) عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة. وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى "إرشاد الساري"، وهو شرح معروف مشهور عند أهل العلم.
فكتبت حينذاك مقدمة أعددتها لتقديمها بين يدي الكتاب عند
__________
(*) مجلة الكتاب، المجلد الحادي عشر، السنة السابعة، الجزء الثامن، المحرم 1372 - أكتوبر 1952.
(1/125)

طبعه؛ تعريفًا بالنسخة "اليونينية"، وبما فيها من مزايا يحرص عليها طالب العلم المتوثق المتثبت، وتعريفًا بالحافظ "اليونيني" الذي اشتهرت النسخة بنسبتها إليه. وهذه هي:
اليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بَعْلَبَكَّ، اسمها "يُونين" بضم الياء وكسر النون الأولى. وسمّاها ياقوت في معجم البلدان والفيروزابادي في القاموس "يونان" بفتح النون الأولى، وقال الزَّبيدي في تاج العروس: "ويقال فيها يونين أيضًا، وهو المعروف". وفي هذه القرية نشأت أسرةُ الحافظ، قال الزبيدي: "وهم بيت علم وحديث".

التقي اليونيني الكبير وأولاده:
ورأسُ هذه الأسرة وأولها: الشيخُ الفقيه الحافظ، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو عبد الله "محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي اليونيني البعلبكي الحنبلي" ولد سنة 572 بيونين، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: "ذكره الحافظ عمر ابن الحاجب، فأطنب في مدحه وصفته، فقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا". إلى أن قال: "لم يُرَ في زمانه مثل نفسه، في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخَلْق والخُلُق، نفَّاعًا للخَلْق، مطَّرِحًا للتكلف". ثم قال الذهبي: "وكان الأشرف يحترمه، وكذلك أخوه، وقدم في آخر عمره دمشق، فخرج الملك الناصر يوسف إلى زيارته بزاوية القزويني،
(1/126)

وتأدب معه، قلت: كان الشيخ الفقيه كبير القدر، ويذكر بالكرامات والأحوال". وقال ابن العماد في الشذرات: "نال من الحرمة والتقدم ما لم ينله أحد، وكانت الملوك تُقَبّل يده وتُقدَّم مداسَهُ، وكان إمامًا علامة زاهدًا خاشعًا لله، قانتًا له، عظيم الهيبة، منوَّر الشيبة، مليحَ الصورة، حسن السَّمت والوقار، صاحب كرامات وأحوال". توفي ببعلبك ليلة 19 رمضان سنة 658، وله ترجمة حسنة في تذكرة الحفاط للذهبي (4: 223 - 224)، وشذرات الذهب لابن العماد (5: 294)، وقد ذكر الزبيدي في شرح القاموس؛ أن هذا الحافظ اليونيني الكبير رزق أربعة أولاد، كانوا من المحدَّثين، وهم: شرفُ الدين عليٌّ، وقطب الدين موسى، وبدر الدين حسن، وأمَةُ الرحيم، أما البدرُ حسن وأمة الرحيم فإني لم أجد ترجمة لهما، وأما قطب الدين موسى فإنه مؤرخ معروف، اختصر المرآة في نحو النصف، وذَيَّل عليها ذيلا في أربع مجلدات، ولد سنة 640، وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "كان عارفًا بالشروط كبير الصورة، عظيم الجلالة والمروءة والكرم، صار شيخ بعلبك بعد أخيه أبي الحسين علىّ، ثم شاخ وعُمِّر، ومات في شوال سنة 726".
انظر الدرر الكامنة (4: 382) وشذرات الذهب (6: 73 - 74).
وأما الشرفُ عليّ فإنه هو الذي نحن بصدد الترجمة له، وهو الذي عُني بتصحيح البخاري.
(1/127)

الحافظ شرف الدين اليونيني:
هو شرف الدين أبو الحُسَين (1) علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني البعلبكي الحنبلي "الإمام العالم المحدث الحافظ الشهيد" كما وصفه الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ. ولد ببعلبك في 11 رجب سنة 621، سمع من الزبيدي والإربلي والزكي المنذري والرشيد العطار وابن عبد السلام وغيرهم. قال ابن العماد في الشذرات: "وقال البرزالي: وكان شيخًا جليلًا، حسن الوجه بهيّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضل كثير، فصيح العبارة، حسن الكلام، له قبول من الناس، وهو كثير التودّد إليهم، قاض للحقوق. قال ابن رجب: سمع منه خلق من الحفاظ والأئمة، وأكثر عنه البرزالي، والذهبي". وذكر الذهبي في التذكرة؛ أنه انتفع به وتخرج، ثم قال: "ولزمته نيفًا وسبعين يومًا، وأكثرت عنه، وكان عارفًا بقوانين الرواية حسن الدراية، جيّد المشاركة في الألفاظ والرجال، وكان صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب ومحاسن". وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "عُني بالحديث وضبطه، وقرأ البخاريَّ على ابن مالك تصحيحًا، وسمع منه ابنُ مالك روايةً، وأملى عليه فوائد مشهورة (2)، وكان عارفًا بكثير من اللغة، حافظًا
__________
(1) القسطلاني يذكره بكنية "أبي الحسن" وتبعه على ذلك كثيرون، وهو خطأ، صوابه "أبو الحسين".
(2) هي كتاب "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، وسيأتي ذكره إن شاء الله".
(1/128)

لكثير من المتون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مرارًا، وحدَّث بها، وكان وقورًا مهابًا، كثير الودّ لأصحابه، فصيحًا مقبول القول والصورة، قال الذهبي: حصَّل الكتب النفسية، وما كان في وقته أحدٌ مثله، وكان حسن اللقاء، خيّرًا ديّنًا متواضعًا، منوَّر الوجه، كثير الهيبة، جَمَّ الفضائل، انتفعتُ بصحبته، وقد حدَّث بالصحيح (1) مرات".
قال ابن العماد في الشذرات: "وكان موته شهادة؛ فإنه دخل إليه يوم الجمعة خامس رمضان، وهو في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة (2)، شخص (3) فضربه بعصا على رأسه مراتٍ، وجرحه في رأسه بسكين، فاتّقى بيده فجرحه فيها، فأمسِك الضاربُ، وضُرب وحُبس، فأظهر الاختلال، وحُمل الشيخُ إلى داره، فأقبل على أصحابه يحدثّهم وينشدهم على عادته، وأتم صيامَ يومه، ثمَّ حصل له بعد ذلك حمّى واشتد مرضه، حتى توفي". وكانت وفاته ليلة الخميس 11 رمضان 701. وانظر تذكرة الحفاظ (4: 282) والدرر الكامنة (3: 98) وشذرات الذهب (6: 3 - 4).

النسخةُ اليُونينيَّةُ:
كان الحافظُ أبو الحسين شرف الدين اليونيني كثير العناية بصحيح
__________
(1) يعني صحيح البخاري.
(2) في الدرر الكامنة أنه كان بخزانة كتبه.
(3) في الدرر الكامنة "فقير يقال له موسى".
(1/129)

البخاري، طويل الممارسة له، مهتمًّا بضبطه وتصحيحه ومقابلته على الأصول الصحيحة التي رواها الحافظ، "حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبيّ حَكَى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرةَ مرة".
وقد عقد الحافظ اليونيني مجالس بدمشقَ؛ لإسماع "صحيح البخاري" بحضرة ابن مالك، وبحضرة "جماعة من الفضلاء"، وجمع منه أصولًا معتمدة، وقرأ اليونينيُّ عليهم صحيح البخاري في واحد وسبعين مجلسًا، مع المقابلة والتصحيح، فكان اليونيني في هذه المجالس شيخًا قارئًا مُسْمِعًا، وكان ابنُ مالك - وهو أكبر منه بأكثر من 20 سنة - تلميذًا سامعًا راويًا، هذا من جهة الرواية والسماع، على عادة العلماء السابقين الصالحين، في التلقي عن الشيوخ الثقات الأثبات، وإن كان السامعُ أكبرَ من الشيخ. وكان اليونيني، في هذه المجالس نفسها، تلميذًا مستفيدًا من ابن مالك، فيما يتعلق بضبط ألفاظ الكتاب، من جهة العربية والتوجيه والتصحيح.
وقد أرَّخ القسطلانيُّ (1) في شرحه السنةَ التي عُقدت فيها مجالس السماع بحضرة اليونيني وابن مالك بأنها سنة 676 وكتبها بالحروف لا بالأرقام "ست وسبعين وستمائة" وهذا خطأ قطعًا؛ لأن ابن مالك مات سنة 672، وكنت ظننت أولًا أن هذا خطأ مطبعي، ثم رجعت إلى النسخ المخطوطة من شرح القسطلاني بدار الكتب المصرية،
__________
(1) نقل ذلك القسطلاني في شرحه (1: 34).
(1/130)

فوجدت هذا التاريخ فيها كما في النسخة المطبوعة، فأيقنت أنه خطأ من المؤلف، اشتبه عليه الأمر حين الكتابة، ولعل صوابه سنة 666 أو سنة 667، فتكون مكتوبة فيما نقل عنه "ست وستين" فقرأها "ست وسبعين" ونقلها كذلك، أو تكون مكتوبة أمامه بالرقم هكذا 667، فحين أراد أن ينقل انتقل نظره فقرأ رقم السبعة متوسطًا بين الرقمين الآخرين المتماثلين. والله أعلم بصحة ذلك؛ فإني قد بذلت جهدي في تعرف التاريخ الصحيح لذلك، فلم أجده منصوصًا عليه في شيء من المراجع التي وصلتُ إليها.
و"جماعة الفضلاء" الذين كانوا حاضري هذه المجالس؛ للسماع والتصحيح والمقابلة، لم أجد أيضًا أسماءهم في شيء مما بين يديّ من المصادر، ولا أدري أكتبت أسماؤهم في ثبت السماع على النسخة اليونينية أم لم تكتب؟
وأما الأصول المعتمدة التي قابل عليها الحافظ اليونيني ومن معه، فقد بينها هو في ثبت السماع، الذي نقله القسطلاني في شرحه، ونقله عنه مصححو الطبعة السلطانية.
وهذا مثال ما كتبه العلامة ابن مالك بخطه بحاشية ظاهر الورقة الأولى من المجلد الأخير، وهو النصف الثاني من النسخة اليونينية، فيما رآه القسطلاني فيها ونقله عنها.
"سمعت ما تضمنه هذا المجلدُ من صحيح البخاري - رضي الله عنه - بقراءة سيدنا" "الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين
(1/131)

أبي الحسين عليّ بن محمد بن" "أحمد اليونينيّ - رضي الله عنه - وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء" "ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلَّما مر بهم لفظ ذو إشكال بَيَّنتُ فيه الصواب" "وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة وإقامة دلالة" "أخَّرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد؛ ليكون" "الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمد بن عبد الله" "ابن مالك، حامدًا لله تعالى".
وهذا مثال ما كتبه الحافظ اليونيني في آخر الجزء السابق ذكره، مما نقله القسطلاني أيضًا:
"بلغْتُ مقابلة وتصحيحًا وإسماعًا بين يديْ شيخنا شيخ الإسلام، حجة" "العرب، مالك أزمة الأدب، الإمام العلامة أبي عبد الله بن مالك الطائي الجيّانيّ" "أمدَّ الله تعالى عمرَه، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يُراعي قراءتي، ويلاحظُ" "نطقي، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححتُ عليه، وما ذكر أنه" "يجوز فيه الإعرابان أو ثلاثة فأعملت ذلك على ما أمر ورَجّح، وأنا أقابل بأصل" "الحافظ أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي" "ما خلا الجزء الثالث عشر والثالث والثلاثين فإنهما معدومان، وبأصل مسموع" "على الشيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصور السّمعاني وغيره من الحفاظ" "وهو وقف بخانكاه السميساطي، وعلاماتُ ما وافقت أبا ذرّ (ه) والأصيلي (ص) "
(1/132)

"والدمشقي (ش) وأبا الوقت (ظ) فيعلم ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة لتُعلَم الرموز، كتبه علي بن محمد الهاشمي اليونيني عفا الله عنه".
وقد نقل العلماء بعد ذلك عن نسخة اليونيني نسخًا كثيرة قابلوها بها، وصححوها عليها، وأسْمَوْها فروعًا؛ إذ اعتبروا نسخة اليونيني أصلًا، وقد كانت أصلًا وحجة، قال القسطلاني: "ولقد وقفتُ على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، فرأيت من أجلّها الفرع الجليل، الذي لعله فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمس الدين محمد بن أحمد المِزَّيَّ الغزولي، وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاجّ مالك، وأصل اليونينيّ المذكور غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئًا كما قيل، فلهذا اعتمدتُ في كتابة متن البخاري - في شرحي هذا - عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه - إسنادًا ومتنًا - إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات. ثم وقفت في يوم الإثنين 13 جمادى الأولى سنة 916 بعد ختمي لهذا الشرح على المجلد الأخير من أصل اليونينى المذكور". ثم قال: "وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور من أوله إلى آخره، حرفًا حرفًا، وحكيته كما رأيته، حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرم سنة 917 نفع الله تعالى به، ثمَّ قابلته عليه مرة أخرى". ثمَّ قال: "ثمَّ وُجد الجزء الأوّل من أصل اليونيني المذكور يُنادى عليه للبيع بسوق الكتب، فعرف
(1/133)

وأحضر إليّ بعد فقده أزيد من خمسين سنة، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكملت مقابلتي عليه جميعه حسب الطاقة، ولله الحمد".
ولم يذكر لنا القسطلاني ماذا تم على الجزء الأول الذي رآه معروضًا للبيع، وما مصيره ومآله، وأين مستقرُّه؟ ولكنه ذكر ما يُفهم منه أن الجزء الثاني الذي رآه هو قبل الأول كان موقوفًا في عصره "بمدرسة أقبغا آص بسويقة العزّى خارج باب زويلة من القاهرة المعزية"، وأنه رأى مكتوبًا بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، الموقوفة برواق الجبرتَ من الجامع الأزهر بالقاهرة: "أن أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار". والمفهوم لي من هذا أن أقبغا حصل على الأصل كله كاملًا، ووقفه في مدرسته، ثم فُقد النصف الأول نحو خمسين سنة، إمّا بالسرقة، وإمّا بالعارية في معنى السرقة، ثم وجد في عصر القسطلاني.
والمفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر 20 صفر سنة 1313، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، أن أصل اليونيني محفوظ في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية" وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه، على يد "صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي". والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في "الخزانة الملوكية بالآستانة العلية".
ثمَّ بعد ذلك بسنين، في صفر سنة 1361، وقع لي النصف الثاني
(1/134)

من نسخة من فروع اليونينية، في مجلد واحد متوسط الحجم، وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في 24 ذي القعدة سنة 1215، كتبه كما وصف نفسه "السيد الحاجّ محمَّد الملقّب بالصابر بن السيد بلال بن السيد محمَّد العينتاني وطنًا".
ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلًا أمينًا متقنًا متحريًا، لم يدع شيئًا - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية نفيسة. وقد أظهرني هذا المجلد على أن النسخة السلطانية لم يُثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش اليونينية، بل تركوا أكثرها ولم يذكروا إلَّا أقلها، بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرها القسطلاني في شرحه.

الطبعة السلطانية:
هي التي أمر بطبعها "أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد رحمه الله" بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة 1311، وشرعت المطبعة في ذلك تلك السنة، وأتمت طبعها "في أوائل الربيعين سنة 1313"، في تسعة أجزاء، واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها "على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري الشريف (1)، وعلى نسخ أخرى
__________
(1) ظاهر الكلام الذي نقلناه عن مقدمة الشيخ حسونة شيخ الأزهر رحمه الله، أن الطبع كان عن النسخة اليونينية نفسها، وكلام مصححي الطبعة السلطانية هذا يدل على أن الطبع كان عن فرع من فروعها. ولا أستطيع الجزم بصحة =
(1/135)

خلافها، شهيرة الصحة والضبط" كما قالوا في مقدمة الطبع، ولم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك، ولكن المتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضًا على شرح القسطلاني، وقد ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد الله بن سالم.
وأصدر السلطان عبد الحميد أمره إلى مشيخة الأزهر "بأن يتولى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة بين الأنام" وكان شيخ الأزهر إذْ ذاك الشيخ حسونة النواوي رحمه الله، فجمع ستة عشر عالمًا من الأعلام، وقابلوا المطبوع على النسخة اليونينية التي أرسلها لهم "صاحب الدولة المغازي أحمد مختار باشا المندوب العالي العثماني في القطر المصري".

نسختي الخاصة من الطبعة السلطانية:
هي جديرة بالإفراد بالذكر، فقد عُني بها والدي ثم عُنيت بها، سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت يده فيه، وكان من أهل العلم متحريًا، زاد صحة ونورًا، وهكذا ينبغي لصاحب الكتب.
وقد قرأ والدي صحيح البخاري في هذه النسخة قراءة درس مرتين، أتمه كله في إحداهما بالسودان، ولم يتمه في الأخرى
__________
= أحدهما حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه، وحتى نعرف مصير النسخة اليونينية، إن وفق الله الباحثين للبحث عنها، ثم وجودها.
(1/136)

بالإسكندرية، وكتب في أولها في المرة الأولى ما نصه: "في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1318 هجرية، والخامس عشر من شهر أغسطس سنة 1900 أفرنكية، شرعت في قراءة صحيح الإمام البخاري، بمسجد أم دُرْمان، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه محمَّد شاكر قاضي قضاة السودان". وكتب في آخرها ما نصه: "بحمد الله تعالى قد فرغت من قراءته بمسجد أم درمان بعد عصر الأربعاء السابع من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1318 - 26 مارس سنة 1901". وكتب في أولها في المرة الثانية: "في يوم الأحد التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1322 هجرية، والثالث من شهر يوليو سنة 1904، شرعت بمعونة الله تعالى في قراءة صحيح الإمام البخاري - رضي الله تعالى عنه - للمرة الثانية بمسجد الأستاذ أبي العباس المرسي بمدينة الإسكندرية، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه الفقير محمد شاكر شيخ علماء إسكندرية".
وقد قرأت فيها شيئًا من أول الكتاب وآخره على أستاذي الإمام الكبير، حافظ المغرب، الحجة المجتهد، العلامة السيد عبد الله بن إدريس السنوسي رحمه الله، وَرَدَ مصر في سنة 1330، ولازمتُه وقرأت عليه، وتلقيت منه علمًا جمًّا، ثمَّ عاد إلى المغرب، وتوفي هناك منذ بضع سنين فيما سمعت، وقد قارب المائة - رضي الله عنه - وكتب لي بخط يده إجازة على هذه النسخة نصها: "الحمد لله، والصلاة على رسول الله، محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى
(1/137)

آله وسلم - أما بعد: فقد أسمعني محلُّ ولدي الشاب النجيب الأديب الأريب أحمد بن العلامة الأجلّ الشيخ شاكر وكيل مشيخة الأزهر: من صحيح علم العلماء، وقدوة المحدثين الأتقياء، أوله وآخره، وكذلك أسمعني من مسند إمام الأئمة، وقدوة أتقياء أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، رحمهما الله تعالى، وجزاهم عما أديا من نصيحة الأمة، وطلب مني الإجازة في صحيح الإمام البخاري، المكتوب هنا على أول أجزائه، فأجزته بروايته عني بسندي فيه وفي باقي كتب السنة، وأوصيه بتقوى الله تعالى، وقوله فيما لا يدريه: لا أدري. وفقني الله وإياه لما فيه رضاه. كتبه بيده عبد الله بن إدريس السنوسي الحسني، كان الله له وتولاه، في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف".
* * *
(1/138)

تصحيح الكتب (*)
تصحيح الكتب وتحقيقها من أشق الأعمال وأكبرها تبعة، ولقد صور أبو عمرو الجاحظ ذلك أقوى تصوير، في كتاب (الحيوان) فقال (ج 1 ص 79 من طبعة أولاد السيد مصطفى الحلبي بمصر):
"ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقض؛ حتى يرده إلى موضعه من أمثلة الكلام، فكيف يطيق ذلك المعارض المستأجر، والحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب! وأعجب من ذلك أنه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسد وزاد الصالح صلاحًا، ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخة لإنسان آخر، فيسير فيه الوراق الثاني سيرة الوراق الأول، ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية، والأعراض المفسدة، حتى يصير غلطًا صرفًا وكذبًا مصمتًا، فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخُطاط بشرّ من ذلك أو بمثله، كتاب متقادم الميلاد، دهري الصنعة".
وقال الأخفش: "إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا".
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الثانية، العدد 17 شعبان 1357.
(1/139)

وصدق الجاحظ والأخفش، وقد كان الخطر قديمًا في الكتب المخطوطة، وهو خطر محصور لقلة تداول الأيدي إياها، مهما كثرت وذاعت، فماذا كانا قائلين لو رأيا ما رأينا من المطابع، وما تجترحه من جرائم تسميها كتبًا! ! ألوف من النسخ من كل كتاب، تنشر في الأسواق والمكاتب، تتناولها أيدي الناس، ليس فيها صحيح إلَّا قليلًا، يقرؤها العالم المتمكن والمتعلم المستفيد والعامي الجاهل، وفيها أغلاط واضحة، وأغلاط مشكلة ونقص وتحريف؛ فيضطرب العالم المتثبت إذا هو وقع في خطأ في موضع نظر وتأمل، ويظن بما علم الظنون، ويخشى أن يكون هو المخطئ، فيراجع ويراجع، حتى يستبين له وجه الصواب؛ فإذا به أضاع وقتًا نفيسًا، وبذل جهدًا هو إليه أحوج، ضحية لعب من مصحح في مطبعة، أو عمد من ناشر أمي، يأبى إلَّا أن يوسد الأمر إلى غير أهله، ويأبى إلَّا أن يركب رأسه؛ فلا يكون مع رأيه رأي، ويشتبه الأمر على المتعلم الناشئ، في الواضح والمشكل، وقد يثق بالكتاب بين يديه فيحفظ الخطأ ويطمئن إليه، ثم يكون إقناعه بغيره عسيرًا، وتصور أنت حال العامي بعد ذلك! ! .
وأي كتب تبتلى هذا البلاء؟ كتب هي ثروة ضخمة من مجد الإِسلام، ومفخرة للمسلمين، كتب الدين والعلم: التفسير والحديث، والأدب والتاريخ، وما إلى ذلك من علوم أُخر.
وفي غمرة هذا العبث تضيء قلة من الكتب طبعت في مطبعة
(1/140)

بولاق قديمًا عندما كان فيها أساطين المصححين، أمثال الشيخ محمد قطة العدوي والشيخ نصر الهوريني، وفي بعض المطابع الأهلية كمطبعة الحلبي والخانجي.
وشيء نادر عني به بعض المستشرقين في أوربة وغيرها من أقطار الأرض، يمتاز عن كل ما طبع في مصر بالمحافظة الدقيقة - غالبًا - على ما في الأصول المخطوطة التي يطبع عنها مهما اختلفت، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب، يضعونه تحت أنظار القارئين، فرب خطأ في نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف، قد يتبينه شخص آخر عن فهم ثاقب أو دليل ثابت.
وتمتاز طبعاتهم أيضًا بوصف الأصول التي يطبعون عنها وصفًا جيدًا، يظهر القارئ على مبلغ الثقة بها أو الشك في صحتها؛ ليكون على بصيرة من أمره.
وهذه ميزة لن تجدها في شيء مما طبع بمصر قديمًا، بلغ ما بلغ من الصحة والإتقان فها هي الطبعات الصحيحة المتقنة من نفائس الكتب المطبوعة في بولاق، أمثال: الكشاف والفخر والطبري وأبي السعود وحاشية زادة على البيضاوي، وغيرها من كتب التفسير، وأمثال البخاري ومسلم والترمذي والقسطلاني والنووي على مسلم والأم للإمام الشافعي وغير ذلك من كتب الحديث والفقه، وأمثال لسان العرب والقاموس والصحاح وسيبويه والأغاني والمزهر والخزانة الكبرى والعقد الفريد، وغيرها من كتب اللغة والأدب،
(1/141)

وأمثال تاريخ ابن الأثير وخطط المقريزي ونفح الطيب وابن خلكان وذيله والجبرتي وغيرها من كتب التاريخ والتراجم، إلى غير ذلك مما طبع من الدواوين الكبار ومصادر العلوم والفنون، أتجد في شيء من هذا دليلًا أو إشارة إلى الأصل الذي أخذ عنه؟ !
وأقرب مثل لذلك [كتاب سيبويه] طبع في باريس سنة 1881 م (توافق سنتي 1298، 1299 ه)، ثمَّ طبع في بولاق في سنتي 1316 - 1318 ه وتجد في الأولى اختلاف النسخ تفصيلًا بالحاشية، ومقدمة باللغة الفرنساوية فيها بيان الأصول التي طبع عنها، ونص ما كتب عليها من تواريخ وسماعات واصطلاحات وغير ذلك حرفيًّا باللغة العربية، ثم لا تجد في طبعة بولاق حرفًا واحدًا من ذلك كله، ولا إشارة إلى أنها أخذت عن طبعة باريس.
فكان عمل هؤلاء المستشرقين مرشدًا للباحثين منا المحدثين، وفي مقدمة من قلدهم وسار على نهجهم العلامة الحاج أحمد زكي باشا رحمه الله، ثم من سار سيرته واحتذى حذوه.
ومن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائس تقتنى وأعلاقًا تدخر، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها على علو ثمنها، وتعسر كثير منها على راغبيه.
ثم غلا قومنا غلوًّا غير مستساغ في تمجيد المستشرقين، والإشادة بذكرهم، والاستخذاء لهم، والاحتجاج بكل ما يصدر عنهم من رأي: خطأ أو صواب، يتقلدونه ويدافعون عنه، ويجعلون قولهم فوق
(1/142)

كل قول، وكلمتهم عالية على كل كلمة؛ إذ رأوهم أتقنوا صناعة من الصناعات: صناعة تصحيح الكتب، فظنوا أنهم بلغوا فيما اشتغلوا به من علوم الإسلام والعربية الغاية، وأنهم اهتدوا إلى ما لم يهتد إليه أحد من أساطين الإسلام وباحثيه، حتى في الدين: التفسير والحديث والفقه.
وجهلوا أو نسوا، أو علموا وتناسوا أن المستشرقين طلائع المبشرين، وأن جل أبحاثهم في الإِسلام وما إليه إنما تصدر عن هوى وقصد دفين، وأنهم كسابقيهم {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}، وإنما يفضلونهم بأنهم يحافظون على النصوص، ثم هم يحرفونها بالتأويل والاستنباط.
نعم إن منهم رجالًا أحرار الفكر لا يقصدون إلى التعصب، ولا يميلون مع الهوى، ولكنهم أخذوا العلم عن غير أهله، وأخذوه من الكتب، وهم يبحثون في لغة غير لغتهم، وفي علوم لم تمتزج بأرواحهم، وعلى أسس غير ثابتة وضعها متقدموهم، ثم لا يزال ما نشؤوا عليه واعتقدوا يغلبهم ثم ينحرف بهم عن الجادة، فإذا هم قد ساروا في طريق آخر غير ما يؤدي إليه حرية الفكر والنظر السليم.
ومعاذ الله أن أبخس أحدًا حقه، أو أنكر ما للمستشرقين من جهد مشكور في إحياء آثارنا الخالدة، ونشر مفاخر أئمتنا العظماء، ولكني رجل أريد أن أضع الأمور مواضعها وأن أقر الحق في نصابه، وأريد أن أعرف الفضل لصاحبه، في حدود ما أسدى إلينا من فضل، ثم لا
(1/143)

أجاوز به حده، ولا أعلو به عن مستواه، ولكني رجل أتعصب لديني ولغتي أشد العصبية، وأعرف معنى العصبية وحدَّها، وأن ليس معناها العدوان، وأن ليس في الخروج عنها إلّا الذل والاستسلام، وإنما معناها الاحتفاظ بمآثرنا ومفاخرنا، وحوطها والذود عنها، وإنما معناها أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأعرف أنه "ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلَّا ذلوا" وقد والله غزينا في عقر دارنا، وفي كل ما يقدسه الإسلام ويفاخر به المسلمون.
وكان قومنا ضعافًا، والضعيف مغرى أبدًا بتقليد القويّ وتمجيده، فرأوا من أعمال الأجانب ما بهر أبصارهم؛ فقلدوهم في كل شيء، وعظموهم في كل شيء، وكادت أن تعصف بهم العواصف، لولا فضل الله ورحمته.
غر الناس ما رأوا من إتقان مطبوعات المستشرقين، فظنوا أن هذه خطة اخترعوها، وصناعة ابتكروها، على مثال سابق، ليس لهم فيها من سلف، ووقع في وهمهم أن ليس أحد من المسلمين بمستطيع أن يأتي بمثل ما أتوا، بَلْهَ أن يبزهم، إلاَّ أن يكون تقليدًا واتباعًا، وراحوا يثقون بالأجنبي، ويزدرون ابن قومهم ودينهم؛ فلا يعهدون له بجلائل الأعمال وعظيمها، بل دائمًا: المستشرقون! المستشرقون! !
ويلقى الأجنبي منهم كل عون وتأييد، إلى ماله في قومه وبلاده من عون وتأييد، وقد يلقون للمسلم والمصري فضلات من الثقة على
(1/144)

أن يكون ممن يعلنون اتباع المستشرقين، والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وعلى أن يكون ممن درسوا وتعلموا باللغات الأجنبية، حتى فيما كان من العلوم إسلاميًّا وعربيًّا خالصًا، وعلى أنه إذا عهد لأجنبي ومصري بعمل واحد: كان الاسم كله للأول، والثاني تابع، ولعله أن يكون الثاني أرسخ قدما فيما عهد إليهما، على قاعدة "علمه وأطع أمره"! !
وما كان هذا الذي نصف خاصًّا بالعمل في الكتب وحدها، وإنما هي ذلة ضربت على المسلمين في شأنهم كله، عن خطط تبشيرية ثم استعمارية، رسمت ونفذت، في كل بلد من بلدان الإسلام، وليس المقام مقام تفصيل ذلك، ولكنا نعود إلى ما نحن بسببه من تصحيح الكتب.
لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون، وكتبوا فيها فصولا نفيسة، نذكر بعضها هنا، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد لتصحيح الكتب المحفوظة؛ إذ لم تكن المطابع وجدت، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب، ونحن وارثوا مجدهم وعزهم، وإلينا انتهت علومهم، فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤوا به.
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
* * *
(1/145)

سير أعلام النبلاء - ترجمة عائشة أم المؤمنين (*)
تأليف الحافظ الذهبي. قدم له وعلق عليه الأستاذ سعيد الأفغاني بدمشق (1)
الحافظ الذهبي (673 - 748) من أكبر مؤرخي الإِسلام وأوثقهم، ومن شيوخ حفاظ الحديث في عصور النور في الإسلام، وهو حجة العلماء بعده في نقد الرجال وتراجم العلماء والرواة، وهو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. ومؤلفاته في التاريخ والتراجم كانت ولا تزال عمدة المؤرخين في عصره وبعد عصره، ولو لم يكن له إلَّا "تاريخ الإسلام" لكفاه مجدًا وفخرًا، ولعلي واصفهُ في كلمة خاصة قريبًا إن شاء الله. ومن أجل كتبه وأعظمها هذا الكتاب الذي نشرت منه هذه الترجمة، وهو "سير أعلام النبلاء". وهو كتاب كبير عظيم، في عشرين مجلدًا تقريبًا، سمعنا به كثيرًا ولم نره، بما عرض لكتب المسلمين من أحداث الزمن، حتى ضاع منها الكثير النفيس، ثم عرفت نسخة منه لدى حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى ملك اليمن حفظه الله. واستنسخ بعضه صديقنا الكبير العلامة السيد محمَّد بن حسين نصيف، أحد نبلاء الحجاز وأعلامها بمدينة "جدة"، وتفضل حفظه الله فيسر للأستاذ سعيد الأفغاني نسخ هذه الترجمة "ترجمة عائشة" ومن قبلها "ترجمة ابن حزم" فنشر ترجمة ابن حزم سنة 1941 ثم نشر هذه الثانية التي نصف.
__________
(*) مجلة الكتاب، صفر 1365 ه، فبراير 1946 م.
(1) 88 صفحة من القطع الكبير. مطبعة الترقي. دمشق 1945.
(1/146)

والمحدثون هم أئمة علم التاريخ وأساطينه، وهم الحفَظة عليه بما وضعوا من قواعد دقيقة متقنة لنقد الرواية والراوي، وعلى مناهجهم سار من قلدهم من المؤرخين وغير المؤرخين، حتى إنا لنجد الأقدمين كانوا يروون الشعرَ ومتن اللغة وكثيرًا من القواعد في العلوم الأخرى على طريقة المحدثين، وإن كان تقليد هؤلاء لم يبلغ شأوَ أولئك ولا قاربه، وأقرب مثال لذلك كتاب "الأغاني" وكتاب "مصارع العشاق"، وهما أبعد ما يكون عن صناعة الحديث، ولكنّ مؤلفيهما رويا القصص والشعر فيهما بالأسانيد على طريقة المحدثين، وإن لم ينقدا الأسانيد ولم يتحريا في الرواية كما يصنع المحدّثون. وسأدع وصف هذا الجزء "ترجمة عائشة" ليصفه ناشره ومحققه الأستاذ سعيد الأفغاني بقلمه في مقدمته قال:
"ترجم للسيدة عائشة كثيرون من أعلام المؤرخين، إلا أن هذا المصدر (سِيرَ أعلام النبلاء) يتفرد بمزايا ليست في مصدر آخر: إنها ترجمة فنية من الوجهة (الحديثية)، ونحن نعلم أن التاريخ في الحضارة العربية ولد في أحضان علم الحديث، وتعهده المحدّثون حتى نشأ وترعرع وبلغ أشده واستقل قائمًا بنفسه، وأعاظم المؤرخين الأولين هم كبار أئمة الحديث، وقد تفنن فيه هؤلاء فنونًا كثيرة تستعصي على الحصر، واتسعوا فيه اتساعًا استطاع معه (مغلطاي) أن يقول: "رأيت من مَلك نحوًا من ألف تصنيف في التاريخ". بل إن الحافظ السخاوي مؤرخ المئة التاسعة قرأ خط الذهبي: يذكر فنون
(1/147)

التاريخ التي تدخل في تاريخه الكبير ... فأوصلها إلى الأربعين فنًّا، ثم قال: "ولم أنهض له، ولو عملته لجاء في ستمائة مجلد". اه. قلت: لقد أمعنتُ أنا في عناوين هذه الفنون مسرودة في كتاب السخاوي (1)، فرأيت (مشروع) الذهبي أشبه بموسوعة (دائرة معارف) كبرى في التاريخ".
"ولكي يخرج القارئ بفكرة مجملة عجلى عن المجهود العظيم المعجز، الذي قام المحدّثون، وخاصة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) أذكر أن الإمام الزركشي في كتابه عن السيدة عائشة (الإصابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) (2) ذكر من الرواة عنها اثنى عشر راويًا، وإني أضفت عليهم نحوًا من ثمانين راويًا، جمعتُ أسماءهم في أعوام متطاولة، بعد الاطلاع على كتب الطبقات المخطوطة والمطبوعة، وعلى مصادر كثيرة جدًّا، حتى التي لا يظن أن يكون فيها شيء عن السيدة عائشة، فأوصلت - بعد هذا العناء - عدد الرواة عنها إلى التسعين، وأنا أرى أني أتيت بما لم يأت به الأولون ولا الآخرون، لكنني لم أكد أقرأ هذه الرسالة للذهبي وأراه قد زاد على هؤلاء التسعين نحو المئة، وأدهشني أنه أورد أسماءهم مرتبة على
__________
(1) يعني كتاب "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التواريخ" المطبوع بمطبعة الترقي 1349 ه.
(2) محفوظ نادر حققه الأستاذ سعيد الأفغاني ونشره في المطبعة الهاشمية بدمشق 1358 ه.
(1/148)

الحروف ... أقول: لم أكد أجد ذلك حتى انطفأ فيَّ ذلك الزهو المنتفخ، وعرفتُ أني وألوفًا من أمثالي مهما جهدنا لا نبلغ أن نكون من أصغر تلاميذ مؤرخينا من أهل الحديث: لقد وقفوا أنفسهم على خدمة العلم فأخلصوا له الخدمة، فآتاهم الله في ذلك المعجزات".
"وأمر آخر تمتاز به هذه الرسالة: وهو أن كثيرًا من مؤرخي الحركة العلمية والأدبية في عصرنا هذا الحديث، إذا بلغوا الكلام على المحدّثين والمؤرخين العرب، تابعوا المستشرقين فقرروا: "أن العرب عُنوا عناية بالغة بالنقد الخارجي (نقد السند) فبذّوا بذلك غيرهم من الأمم، إلا أنهم وقفوا عاجزين دون النقد الداخلي: (نقد المتن). ونقلوا هذه الشبهة التي لا تستند إلى أدنى اطلاع: لاحق عن سابق، نقلًا أعمى دون تحقيق أو بذل عناء. ففي هذه الرسالة التي ننشرها، يورد الذهبي روايات وأخبارًا يشبعها نقدًا: تعديلًا وتجريحًا، ويضع عيوننا على شواهد محسوسة في النقد الداخلي: نقد المتن، فنوقن حينئذ أننا لم يكفنا جهلنا و (سطحيتنا) وحتى (ببغاويتنا) وإصدارنا الأحكام دون إعداد العدة اللازمة لها من درس جادّ، وصدر واسع، ودؤوب طويل، وعلم غزير ... لم تكفنا هذه (القَعَدية) بل نستطيل بجهلنا، أو بعلمنا الناقص المترجَم - وهو شر من الجهل - على من بلغوا في إحكام أعمالهم حدّ الإعجاز" ....
"الحق أن (الترجمة التاريخية) فنّ العرب الخالص، برعوا فيه براعة خالدة، وأن الذهبي أحد نوابغهم العظام في هذا الفن".
(1/149)

وهذا الذي قاله الأستاذ سعيد الأفغاني من تقليد بعض الباحثين للمستشرقين في زعمهم أن المحدّثين والمؤرخين من العرب كان همهم نقد السند في الرواية دون المتن، قد أصاب فيه كلّ الإصابة، فإن أهم شيء في تعليل الرواية عند المحدثين هو البحث في علل المتون وأخطاء الرواة فيها، وهو الأساس الذي بني عليه الأئمة الحفاظ نقدهم الأحاديث، يعرف ذلك كل من مارس هذه الفنون الجليلة "علوم الحديث".
فما جاء في هذا الجزء من "سير أعلام النبلاء" من نقد الحديث بنوعي النقد، اللذين يريد هؤلاء المعاصرة أن يسموهما تبعًا لغيرهم "النقد الداخلي" و"النقد الخارجي": أن الحافظ المؤلف نقل (في ص 55) عن مسند الإمام أحمد بن حنبل حديثًا رواه أحمد عن عثمان بن عمر عن يونس الأيلي عن أبي شداد عن مجاهد عن أسماء بنت عميس قالت: كنت صاحبة عائشة التي هيَّأتها وأدخلتْها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعي نسوة، فما وجدنا عنده قرًى إلا قدحًا من لبن، فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجاريةُ، فقلت: لا تردّي يد رسول الله، خذي منه، فأخذت منه على حياء، فشربت، ثم قال: ناولي صواحبك. فقلنا: لا نشتهيه! فقال: "لا تجمعن جوعًا وكذبًا". فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعدُّ ذلك كذبًا؟ قال: إن الكذب يكتب حتى تكتب الكُذَيبة كذيبةً". وهذا الحديث في مسند أحمد (ج 6 ص 438) وفيه هناك خطأ مطبعي: كتب "شداد" وصوابه "أبو شداد"، وقال الحافظ الذهبي بعد أن نقله: "هذا
(1/150)

حديث منكر، لا نعرفه إلَّا من طريق أبي شداد وليس بالمشهور، قد روى عنه ابن جُريج أيضًا". فهذا هو "النقد الخارجي" نقد السند. ثم قال: "ثم هو خطأ، فإن أسماء كانت وقت عرس عائشة بالحبشة مع جعفر بن أبي طالب، ولا نعلم لمجاهد سماعًا من أسماء، ولعلها أسماء بنت يزيد، فإنها روت عجُزَ هذا الحديث". فهذا هو "النقد الداخلي" نقد المتن؛ إذ أبان الحافظ أن التي نسب إليها الحديث لم تكن وقت زفاف عائشة بالمدينة، فظهر أن هذا الراوي أخطأ، فنسب واقعة روتها أسماء بنت يزيد بن السكن إلى أسماء بنت عميس التي لم تروها ولم تشهدها، وقد ذكر الأستاذ الأفغاني مصحح الكتاب رواية أسماء بنت يزيد عن مسند أحمد.
فهذا مثال من النقد الداخلي الصحيح. وهناك مثالٌ آخر من النقد الداخلي، ظاهره الصحة وهو غير صحيح، قلد فيه الأستاذ الأفغاني عالمًا كبيرًا من المتقدمين، قلد عالمًا كبيرًا قبله، فإن المؤلف الحافظ نقل حديث الإفك بطوله، وهو حديث معروف عن إفك المنافقين وبعض الضعفاء على عائشة - رضي الله عنها - حتى نزلت براءتها في القرآن، ورواية المؤلف منقولة عن البخاري، وفيها (ص 37) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا عليَّ بن أبي طالب وأسامة ابن زيد يستأمرهما في فراق أهله، قالت عائشة: "فأما أسامة فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم [لهم] (1) في نفسه من الودّ،
__________
(1) هذه الزيادة من صحيح البخاري.
(1/151)

فقال: يا رسول الله أهلُك ولا نعلم عنهم إلا خيرًا، وأما علي فقال: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصْدُقك. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت [بريرة] (1): لا والذي بعثك بالحق". إلى آخر الحديث. و"بريرة" بفتح الباء: أمة كانت بالمدينة اشترتها عائشة وأعتقتها فكانت مولاتها. فعلَّق الأستاذ الأفغاني هنا في الهامش بما نصه: "كون الجارية بريرة: وهمٌ قد نبه عليه الإمام الزركشي قال: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري: أحدهما؛ قول علي: "وسل الجارية تصدقك". فدعا رسول الله بريرة ... إلخ. وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك. ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "لو راجعتيه". فقالت: أتأمرني؟ فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا عباس ألا تعجب من حب المغيث لبريرة وبغضها له! " والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح. والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًّا منه أنها هي. وهذا كثيرًا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث. وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق". فهذا أيضًا من "النقد الداخلي" وإن كان نقدًا غير صحيح، ولم يكن الزركشي بابن
__________
(1) هذه الزيادة من صحيح البخاري.
(1/152)

بجدته، وإن ظن الأستاذ الأفغاني ذلك، إنما قلد فيه الإمام الحافظ ابن القيم، كما أثبت ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري ج 8 ص 358 من طبعة بولاق) وكلام ابن القيم في هذا في كتابه (زاد المعاد ج 2 ص 116 من طبعة المطبعة المصرية) وابن القيم، على علمه وجلالة قدره، لم يستطع الجزم بهذا النقد كما استطاعه الزركشي، وإنما ساقه إشكالًا نسبه إلى مبهم، ثم قال: "وهذا الذي ذكره إن كان لازمًا فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل له علي: سل بريرة. وإنما قال: فسل الجارية تصدقك. فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم، بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها، زال الإشكال". وليس في الأمر إشكال، إنما هو اعتراض عن انتقال نظر، حكاه العلامة ابن القيم وأجاب عنه إجابة مجملة، فجزم به الزركشي وجعله من دقائق العلم التي لا يتنبه لها إلا الحذاق! وأعجب به الأستاذ الأفغاني أيما إعجاب. ولو كان المدرج في الحديث، أي؛ المزاد، اسم "بريرة" وحده لكان الأمر قريبًا، ولكن في لفظ الحديث أن رسول الله قال لها "أي بريرة" فنادها باسمها، والإدراج في مثل هذا قد ينافي الثقة بالراوي، والحديث رواه أئمة كبار، الزهري يحدث به عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيَّب وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله، ثم يرويه عن الزهري الثقات الأثبات من أصحابه! فنسبة هذا الوهم إليهم ليست مما يقبل على علاته، وبريرة لم تظهر في المدينة فجأة حتى ينكر المعترض
(1/153)

وجودها حين وقعت قصة الإفك. وإنما كان الذي بعد الفتح بعد أن جاء العباس بن عبد المطلب إلى المدينة هو شراء عائشة إياها وعتقها لها، فإن بريرة جاءت إلى عائشة فقالت: "إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية، فأعينيني". فقالت لها عائشة: "إن شاء أهلك أن أعدلها لهم عدةً واحدة وأعتقك ويكون الولاء لي فعلتُ". (صحيح مسلم ج 1 ص 440 طبعة بولاق) فهذه جارية مكاتبة، أي؛ باع سادتها نفسها لها، تعمل وتؤجر، حتى تجمع الثمن الذي اتفقوا عليه، فإذا أدته إلى سادتها ملكت نفسها وعتقت. فأين في الحديث ما يدل على أنها حين وقعت قصة الإفك كانت مملوكة عائشة أو عتيقتها؟ أليس الأقرب أنها كانت تمتهن الخدمة في البيوت تسعى في جمع بدل المكاتبة، ومن القريب جدًّا أن تكون ممن يخدم السيدة عائشة في بيتها وتكثر، حتى لتقع في نفس عائشة فتشتريها من أهلها وتعتقها!
وقد بذل الأستاذ سعيد الأفغاني جهدًا مشكورًا في تصحيح هذا الجزء، ويبدو لي أن النسخة التي وقعت له لم تكن أصلًا جيدًا، فعانى كثيرًا من المشقة في تصحيحه، ولست أدري آلخطأ الكثير من الناسخ الذي نسخ في السمن أم من أصل النسخة؟ وليت الأستاذ الأفغاني رجع في تصحيح بعض الأحاديث إلى مواطنها من كتب السنة المعروفة، وهي في متناول اليد، فإني رأيته - مثلًا - غير في إسناد حديث عائشة عن قصة الإفك كلمة "عن" فجعلها "من" وذكر ذلك في هامش الصفحة، ظنًّا منه أن ما كان في الأصل خطأ (ص 33)
(1/154)

فإن الإسناد فيه هكذا: "يونس عن ابن شهاب: أخبرني عروة وابن المسيب وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله من حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا" وكتب في الهامش على قوله "من حديث عائشة": "في الأصل: عن" والذي في الأصل هو الصواب؛ لأن الحديث نقله الذهبي عن صحيح البخاري، وهو فيه: "عن حديث عائشة" (ج 8 ص 343 من فتح الباري وج 6 ص 101 من صحيح البخاري الطبعة السلطانية ببولاق) ومثل صنيعه في الحديث نفسه (ص 40) في قول عائشة "إني والله لقد علمت أنكم سمعت هذا الحديث" وكتب في الهامش (في الأصل: لقد علمت لقد سمعت هذا الحديث. والتصحيح عن كتب الحديث، وانظر السمط الثمين ص 67) وما في الأصل خطأ، وما أثبته عن العقد الثمين خطأ، والصواب في البخاري "لقد علمت لقد سمعت هذا الحديث" فتح الباري 8: 364 والبخاري 6: 104). وما كانت نسخة "العقد الثمين" المطبوعة حجة، وكلمة "التصحيح عن كتب الحديث" مجملة، البيانُ والتحديد خير منها وأوثق.
ورأيت للأستاذ في صدر الجزء (ص 9) تنبيهًا فيه شيء من الإبهام، إن لم يكن من الخطأ، قال: "جرى المؤلف على عادة المحدثين فحذف كلمة (حدثنا) أو (روى) من أول السند، مبتدئًا باسم الراوي رأسًا، فعلى القارئ أن يلاحظ ذلك ويضيف بذهنه (حدثنا) أو نحوها في رأس كل سند".
(1/155)

صحيح أن كثيرًا من المحدثين يفعلون ذلك، ولكن المؤلف، الحافظ الذهبي، لم يحذف في هذا الجزء كلمة "حدثنا" من أول إسناده هو؛ إذ رَوَى الحديث بإسناده، وهو قد روى فيه ثمانية أحاديث بإسناده، في (ص 48، 58، 65 مرتين، 66، 79 مرتين، 80) وهو يقول في أكثرها: "أخبرنا" فلان، وفي اثنين منها: "قرأت على" فلان.
وإنما الأسانيد التي حذف المؤلف أولها هي الأسانيد التي علقها عن كتب السنة، اكتفاءً بمعرفة المحدّثين إياها، فيذكر بعض الإسناد من أعلاه، كأن يقول: "يونس عن ابن شهاب" "سفيان بن عيينة عن أبي سعيد" "معمر عن الزهري" "مالك عن عبد الرحمن بن القاسم"، فمثل هذه الأسانيد، لا يجوز للقارئ أبدًا أن "يضيف بذهنه حدثنا" في رأس السند، إذ يكون محالًا أن يقول الحافظ الذهبي "حدثنا يونس" "حدثنا مالك" ... إلخ. وإنما يقدر المحدّثون في مثل هذا: "روينا بإسنادنا أو بالإسناد المتصل عن يونس، أو عن سفيان، أو عن معمر" أو نحو ذلك المعنى. وهو شيء معروف لا يحتاج إلى بيان.
وبعد: فإن موسوعتي الذهبي "تاريخ الإسلام" و"سير أعلام النبلاء" من الدواوين الكبار، من مفاخر أئمة العرب والإسلام، ومن أوثق مصادر التاريخ للباحث المحقق، وللمؤرخ المتوثق: فمن التقصير الشديد أن يظلا مطويين مهجورين في دور الكتب. أفيقدم على نشرهما رجل موفق حازم، يكونان في ميزانه أجرًا وذكرًا؟ نرجو إن شاء الله.
(1/156)

مقدمة الرسالة للإمام الشافعي (*)
هذا كتاب (الرسالة) للشافعي. وكفى الشافعي مدحًا أنه الشافعي. وكفى (الرسالة) تقريظًا أنها تأليف الشافعي، وكفاني فخرًا أن أنشر بين الناس علم الشافعي [مع إعلاميهم نهيه عن تقليده وتقليد غيره] (1).
ولو جاز لعالم أن يقلِّد عالمًا كان أولى الناس عندي أن يقلّد الشافعي. فإني أعتقد - غير غال ولا مسرف - أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذروة العليا من البلاغة. تأدب بأدب البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، حتى سما عن كل عالم قبله وبعده. نبغ في الحجاز، وكان إلى علمائه مرجع الرواية والسنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القرآن، ولم يكن الكثير منهم أهل لسن وجدل، وكادوا يعجزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يناظر وينافح، ويعرف كيف يقوم بحجته، وكيف يلزم أهل الرأي وجوب اتباع
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الثالثة، العدد 35، أول ذي الحجة 1358.
(1) اقتباس من كلام المزني في أول مختصره بحاشية الأم (ج 1 ص 2).
(1/157)

السنة، وكيف يثبت لهم الحجة في خبر الواحد، وكيف يفصل للناس طرق فهم الكتاب على ما عرف من بيان العرب وفصاحتهم، وكيف يدلهم على الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وعلى الجمع بين ما ظاهره التعارض فيهما أو في أحدهما؛ حتى سماه أهل مكة "ناصر الحديث". وتواترت أخباره إلى علماء الإسلام في عصره، فكانوا يفدون إلى مكة للحج، يناظرونه ويأخذون عنه في حياة شيوخه، حتى إن أحمد بن حنبل جلس معه مرة، فجاء أحد إخوانه يعتب عليه أن ترك مجلس ابن عيينة - شيخ الشافعي - ويجلس إلى هذا الأعرابي! فقال له أحمد: "اسكت، إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف أن لا تجده، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى". وحتى يقول داود بن علي الظاهري الإمام في كتاب مناقب الشافعي "قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد ابن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن؛ أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه" وحتى يقول أحمد بن حنبل: "لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث". ويقول أيضًا: "كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله".
(1/158)

ثم يدخل العراق، دار الخلافة وعاصمة الدولة (1)، فيأخذ عن أهل الرأي علمهم ورأيهم، وينظر فيه، ويجادلهم ويحاجُّهم، ويزداد بذلك بصرًا بالفقه، ونصرًا للسنة حتى يقول أبو الوليد المكي الفقيه موسى بن أبي الجارود "كنا نتحدث نحن وأصحابنا من أهل مكة أن الشافعي أخذ كتب ابن جريج (2) عن أربعة أنفس: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وهذان فقيهان، وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وكان أعلمهم بابن جريج، وعن عبد الله بن الحارث المخزومي، وكان من الأثبات، وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، رحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن جملًا ليس فيها شيء إلّا وقد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك، حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار".
ثم دخل مصر في سنة 199 فأقام بها إلى أن مات، يعلّم الناس السنة وفقه السنة والكتاب، ويناظر مخالفيه ويحاجُّهم، وأكثرهم من أتباع شيخه مالك بن أنس، وكانوا متعصبين لمذهبه، فبهرهم الشافعي
__________
(1) دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات، الأولى وهو شاب سنة 184 أو قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية في سنة 195 ومكث سنتين، والثالثة سنة 198 فأقام بها أشهرًا، ثم خرج إلى مصر.
(2) انتهت رياسة الفقه بمكة إلى ابن جريج.
(1/159)

بعلمه وهديه وعقله، رأوا رجلًا لم تر الأعين مثله، فلزموا مجلسه، يفيدون منه علم الكتاب وعلم الحديث، ويأخذون عنه اللغة والأنساب والشعر، ويفيدهم في بعض وقته في الطب، ثم يتعلمون منه أدب الجدل والمناظرة، ويؤلف الكتب بخطه، فيقرأون عليه ما ينسخونه منها، أو يملي عليهم بعضها إملاء، فرجع أكثرهم عما كانوا يتعصبون له، وتعلموا منه الاجتهاد ونبذ التقليد، فملأ الشافعي طباق الأرض علمًا.
ومات ودفن بمصر، وقبره معروف مشهور إلى الآن وعاش 54 سنة، ولد سنة 150 بغزة، ومات ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من رجب سنة 204 (1) (الجمعة 29 رجب سنة 204 يوافق 19 يناير سنة 820 ميلادية، 23 طوبه سنة 536 قبطية).
وليس الشافعي ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتبًا كثيرة وافية، وجد بعضها وفقد أكثرها. ولعلنا نوفق إلى أن نجمع ما تفرق من أخباره في الكتب والدواوين، في سيرة خاصة به، إن شاء الله.
وقد يفهم بعض الناس من كلامي عن الشافعي أني أقول ما أقول عن تقليد أو عصبية، لما نشأ عليه أكثر أهل العلم من قرون كثيرة، من تفرقهم شيعًا وأحزابًا علمية، مبنية على العصبية المذهبية، مما أضر
__________
(1) ذكر المرحوم مختار باشا في التوفيقات الإلهامية أن الشافعي مات في 4 شعبان، وهو خطأ.
(1/160)

بالمسلمين وأخرهم عن سائر الأمم، وكان السبب الأكبر في زوال حكم الإسلام عن بلاد المسلمين، حتى صاروا يحكمون بقوانين تخالف دين الإسلام، خنعوا لها واستكانوا، في حين كان كثير من علمائهم يأبون الحكم بغير المذهب الذي يتعصبون له ويتعصب له الحكام في البلاد. ومعاذ الله أن أرضى لنفسي خلة أنكرها على الناس، بل أبحث وأجد، وأتبع الدليل الصحيح حيثما وجد. وقد نشأت في طلب العلم وتفقهت على مذهب أبي حنيفة، ونلت شهادة العالمية من الأزهر الشريف حنفيًّا، ووليت القضاء منذ عشرين سنة أحكم كما يحكم إخواني بما أذن لنا في الحكم به من مذهب الحنفية. ولكني بجوار هذا بدأت دراسة السنة النبوية أثناء طلب العلم، من نحو ثلاثين سنة، فسمعت كثيرًا وقرأت كثيرًا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحد منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل، أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما أعتقده حقًّا قبل كل شيء وفوق كل شيء. فعن هذا قلت ما قلت واعتقدت ما اعتقدت في الشافعي، رحمه الله ورضي عنه.
وهذا كتاب (الرسالة) أول كتاب ألف في (أصول الفقه) بل هو أول كتاب ألف في (أصول الحديث) أيضًا. قال الفخر الرازي في مناقب الشافعي (ص 57). "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في
(1/161)

مسائل أصول الفقه، ويستدلون ويعترضون ولكن ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًّا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبت أن نسبة الشافعي إلى علم الشرع، كنسبة أرسطاطاليس إلى علم العقل". وقال بدر الدين الزركشي في كتاب البحر المحيط في الأصول (مخطوط) "الشافعي أول من صنف في أصول الفقه؛ صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم، وكتاب القياس" وأقول: إن أبواب الكتاب ومسائله، التي عرض الشافعي فيها للكلام على حديث الواحد والحجة فيه، وإلى شروط صحة الحديث وعدالة الرواة، ورد الخبر المرسل والمنقطع، إلى غير ذلك مما يعرف من الفهرس العلمي في آخر الكتاب. هذه المسائل عندي أدق وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث، بل إن المتفقه في علوم الحديث يفهم أن ما كتب بعده إنما هو فروع منه، وعالة عليه، وأنه جمع ذلك وصنفه على غير مثال سبق، لله أبوه.
و(كتاب الرسالة) بل كتب الشافعي أجمع، كتب أدب ولغة وثقافة، قبل أن تكون كتب فقه وأصول، ذلك أن الشافعي لم تهجنه عجمة، ولم تدخل على لسانه لكنة، ولم تحفظ عليه لحنة أو سقطة. قال عبد الملك بن هشام النحوي صاحب السيرة: "طالت مجالستنا
(1/162)

للشافعي، فما سمعت منه لحنة قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها".
وكفى بشهادة الجاحظ في أدبه وبيانه، يقول: "نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، كأن لسانه ينظم الدر". فكتبه كلها مثل رائعة من الأدب العربي النقي، في الذروة العليا من البلاغة، يكتب على سجيته، ويملي بفطرته، لا يتكلف ولا يتصنع، أفصح نثر تقرأه بعد القرآن والحديث لا يساميه قائل ولا يدانيه كاتب.
وإني أرى أن هذا الكتاب (كتاب الرسالة) ينبغي أن يكون من الكتب المقروءة في كليات الأزهر وكليات الجامعة، وأن تختار منه فقرات لطلاب الدراسة الثانوية في المعاهد والمدارس؛ ليفيدوا من ذلك علمًا بصحة النظر وقوة الحجة، وبيانًا لا يرون مثله في كتب العلماء وآثار الأدباء.
* * *
(1/163)

التحقيق لابن الجوزي (*)
كتاب "التحقيق في أحاديث الخلاف" للإمام الحافظ الكبير أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة 597 ه، كتابٌ نفيس من أهمّ الكتب التي فيها أُلّفت في مسائل الاختلاف بين المذاهب؛ لأنه اقتصر فيه على المواضع التي فيها بين الأئمة الأربعة اختلاف، وترك ما اتفقوا عليه، وأفاض في بيان أدلة كل مذهب وساق الأحاديث بأسانيدها. وقد عُني به المتقدمون من العلماء فاختصره الحافظ ابن عبد الهادى وسماه "التنقيح"، واختصره البرهان إبراهيم بن علي بن عبد الحق المتوفى سنة 844 ه، ولم أر هذين المختصرين.
وقد كنت منذ اثنى عشر عامًا أو أكثر رأيت "التحقيق" في دار الكتب المصرية وأعجبت به جدَّ الإعجاب، ورغبت في نشره فوفق لي الصديق الفاضل السيد محمد أمين الخانجي، وعرضت عليه ما بدا لي فكان أسبق مني إلى تنفيذ رغبتي وإجابة طلبي، وما كدنا نبدأ في إعداد المقدمات لإظهاره حتى فجأت العالم الحربُ الكبرى، وما تلاها من تقلقل الشؤون الاقتصادية في أقطار الدنيا، فوقفنا ما شرعنا فيه وانتظرنا كثيرًا. ثم أذن الله فوقفنا للعود لما بدأنا، وهدانا سبلنا
__________
(*) الزهراء: الربيعان 1346، المجلد الرابع، نشر الكتب الجزء الأول.
(1/164)

وشرعنا في طبعه، فالحمد لله رب العالمين.

(وصف النسخة):
النسخة الوحيدة منه بدار الكتب المصرية (تحت رقم 2: فقه ابن حنبل) وعدد صحفها 526 صحيفة في كل صحيفة 25 سطرًا بخط متوسط لا بأس به، وأكثر كلماتها لم تنقط. وهي مصححة تصحيحًا جيدًا، وأغلاطها قليلة، والنسخة عتيقة نفيسة، كتب في آخرها ما نصه: "فرغ من كتابته العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي - سامحه الله وتجاوز عن سيئاته - في العشر الأول من شهر ذي القعدة من سنة أربع وعشرين وستمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل".
ويظهر أن بعض الفضلاء المتقدمين من المحدّثين عُني بها وقرأها، وكتب على هامشها بعض التعليق والنقد. وأكثر ما وجدت من النقد يغلب على ظني أنه بخط الحافظ الكبير شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري؛ لأن الخط يشبه خطه شبهًا قويًّا. والمواضع التي انتقد بها ابن الجوزي وجدتها في بعض كتبه الأخرى وبخاصة في كتاب "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير" والورقة الأولى من النسخة ممزقة تمزيقًا شديدًا يصعب معه قراءتها؛ ولذلك أرسل السيد أمين الخانجي إلى أحد الإخوان بدمشق فتفضل ونقل لنا خطبة الكتاب من النسخة الموجودة بدار الكتب الظاهرية.
(1/165)

ولم أسمع أنه يوجد من الكتاب نسخة ثالثة في أي مكتبة من المكاتب، وقد نقلنا نسخة دار الكتب المصرية بالتصوير الشمسي؛ ليسهل علينا النقل عنها والمقابلة والتصحيح عليها. وسنطبع إن شاء الله مع الكتاب بعض صحف منها على سبيل المثال التاريخي.

(وصف الكتاب):
قدَّم ابن الجوزي كتابه بمقدمة قال فيها: إنه يذكر مذهبه - مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ومذهب مخالفيه، ويكشف عن دليل المذهبين، وإنه لا يميل عن الإنصاف فيه، واشتد لومه على جماعة من كبار المحدِّثين "عرفوا صحيح النقل وسقيمه وصنفوا في ذلك، فإذا جاء حديث ضعيف يخالف مذهبهم بينوا وجه الطعن فيه وإن كان موافقًا لمذهبهم سكتوا عن الطعن فيه. وهذا ينبئ عن قلة دين وغلبة هوًى" وليته إذ قال هذا سار على ما رسم، وتبرأ عما نبز غيره به. والمعصوم من عصمه الله.
ثم قسم كتابه على كتب الفقه المعروفة، وقسم كل كتاب إلى مسائل: فيذكر المسألة في مذهب الإمام أحمد، ثم يذكر قول من خالفه من الأئمة الأربعة، ثم يستدل للأقوال بالأحاديث والآثار ويرويها بإسناده، وأكثر أسانيده ترجع إلى الكتب المعروفة المشهورة، وجلُّ ما فيه رواه من مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومن السنن للحافظ علي بن عمر الدارقطني، وكثيرًا ما ينقد الحديث ويذكر ما قيل فيه من تصحيح أو تضعيف. وقد تعقبه في
(1/166)

كلامه على الأحاديث كثير من الحفاظ الثقات، كابن حجر العسقلاني في الفتح والتلخيص، وابن عبد الهادي فى التنقيح، والحافظ الزيلعي في "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" وتقي الدين بن دقيق العيد في كتابه "الإمام" وابن التركماني في "الجوهر النقي" ويتعصب ابن الجوزي لمذهبه إلا أن تعصبه أقل من تعصب غيره من المؤلفين. وقد رأيت له أشياء لا تحتمل ولم يكن الظن بمثله أن تصدر عنه، كصنيعه في الكلام على "محمد بن إسحاق صاحب المغازي": فإنه إذا ورد فى إسناد حديث يدل لمخالفيه استمسك أشد الاستمساك بكلمة مالكٍ في تكذيبه، وإن كان في إسناد حديث ينصر به مذهبه فإما دافع عنه وإما سكت، ومما يؤخذ عليه وقد عابه على غيره - أنه يحتج فى بعض المسائل لمذهبه بأحاديث ضعيفة ولا يبين ضعفها، وقد يذكر وجه ضعفها ثم يدافع عنها دفاعًا يردّ مثلَه ولا يرضاه فى موقف آخر، وهذا كله من النتائج السيئة لتغلغل التقليد في النفوس، وتلك عيوب لا يكاد يخلو منها مؤلف - ولعل ابن الجوزي من أقلهم اتصافا بها - ولا يزال معها الكتاب كتابًا جليلًا نفيسًا لم يترك - فيما يغلب على الظن - مسألة من مسائل الخلاف الدقيقة المهمة.
ولما عزمنا - بحول الله وقوته - على الشروع في طبعه بدأتُ في التعليق عليه وتداركِ ما فاته أداءً لأمانة العلم؛ فجمعتُ بين يديّ كل ما طبع من كتب السنة وتراجم رجالها، وأكثر كتب الفقه والأصول واللغة وغير ذلك، وبذلتُ جهدي في تصحيحه والتوثق من كل كلمة فيه بالرجوع إليها في أصولها - إلا ما ندر - وذكرت مذاهب كثير من
(1/167)

الأئمة المجتهدين غير الأربعة: مثل الأوزاعي، وإسحاق، وداود، وأشرت إلى أدلة كل منهم، وتكلمت على الأحاديث التي ذكرها، فبينت من روى كل حديث، وذكرت درجته العلمية، ووجه صحته إن كان صحيحًا، أو ضعفه إن كان ضعيفًا، على طريق الإنصاف.
وما ألوت أن أبين ما يرجحه الدليل في مواضع الخلاف والنظر متبعًا سبيل من هدى الله غير مقلد لأحد ولا متعصب لمذهب. وما أدّعي أني صنو أي مجتهد منهم، ولكني امرؤ أمرني ربي أن آخذ ما آتاني الرسول فأَطَعْتُ، فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فمن نفسي، وما توفيقي إلا بالله.
وحققتُ فيما كتبته - بعون الله سبحانه وتعالى - بعض مسائل على مثال لم أره فيما وصل إليَّ من كتب الخلاف.
وحسبي هذا، فقد أخشى إن استرسلتُ أن يصل بي القلم إلى التغالي فى مدح كتابي، وما كان هذا من خلقي. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى إتمامه، وأن يهديني إلى الحق، وأن يرزقني الإخلاص في قولي وعملي إنه سميع الدعاء.
* * *
(1/168)

التعريف بالكتب
1 - تفسير القرآن الحكيم: لمحمد رشيد رضا.
2 - قصص القرآن: لمحمد أحمد جاد المولى، ومحمد أبو الفضل، وعلي محمد البجاوي، والسيد شحاتة.
3 - المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن: تأليف جولد تسهير ترجمة علي حسن عبد القادر.
4 - ثمار المقاصد في ذكر المساجد: ليوسف بن عبد الهادي.
5 - لمحة من سيرة الملك عبد العزيز: للسيد محيي الدين رضا.
(1/169)

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير القرآن الحكيم (*)
القرآن كتاب الله إلى خلقه، يرسم لهم فيه طريق الهدى والسعادة، أو هو كما وصفه به سبحانه وتعالى: {بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، ونِعم البلاغ.
نزل هذا الكتاب المقدس في أمة كانت تتقاذفها الأهواء والعصبية، وتعمها الجهالة العمياء، فما أسرع ما وضعهم على المحجة الواضحة والطريق السوي، فصاروا أمة على قلب رجل واحد، كلمتهم واحدة، وهم يد على مَن سواهم. وبعد أن كانوا مستضعَفين يخافون جيرانهم من الفرس والروم وغيرهم، ولا يحميهم منهم إلا بَيْداؤهم المحرقة غزوا أعداءهم، وفتحوا بلادهم، واستنزلوهم عن ملكهم، فصاروا سادة الأرض، كل هذا في بضع عشرات من السنين، وكل هذا بهداية الله لهم أن تَبِعُوا أوامره واستمعوا لكلامه.
ثم هذا القرآن أعلى أنواع التشريع في الأرض، وأرقى ضروب الحكمة، فلما اهتدوا به، ومرنت نفوسهم وعقولهم على حكمته
__________
(*) مجلة المنار، المجلد الحادي والثلاثون، الجزء الثامن، ص 623 ذو الحجة 1349/ مايو 1931.
(1/171)

كانوا سادة بعقولهم وقلوبهم، قبل أن يكونوا سادة بقوتهم وأَنَفَتهم وجمع كلمتهم.
وهو الذي قرر حقوق الإنسان في الأرض، من عدل وحرية ومساواة بين الناس، لا فضل لأحد على أحد إلا باتباعه في خاصة نفسه وفي معاملاته مع غيره وفي كل حالاته.
ثم مرت عصور وأزمان، وإذا المسلمون متفرقون، وإذا هم مستعبَدون، وإذا لهم قوانين وتشريع أخذوه عن أعدائهم السابقين، وإذا هم لا يخجلون أن يقلدوا مَن كانوا في الحضيض، إذ هم في الذروة، وإذا هم يهجرون القرآن. ولقد صدق الله سبحانه حين أخبرنا تحذيرًا لنا من أن نُعرِض عن كتابه، بأن الرسول الأعظم سيد الخلق - عليه السلام - سيشكونا إلى ربه: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)}. [الفرقان: 30].
تالله لو أن المسلمين رجعوا إلى هداية ربهم وعملوا بكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذ أمره ربه بتبيين الكتاب لهم لما كانوا على ما نرى من ضعف واستكانة وذلة، ولما امتلأت قلوبهم رهبة لأعدائهم، ونفوسهم حاجة إليهم.
أخذ الصدر الأول والسلف الصالح - رضي الله عنهم - يتعلمون القرآن ويعلمونه للناس، ويرجعون إليه فيما يعرض لهم من شؤون وحوادث، لا يرضون حكمًا في دينهم ودنياهم إلا ما دل عليه القرآن أو جاء عن السنة المطهرة المفسِّرة له، نزولًا على حكم الله، فكان
(1/172)

علماؤهم جميعًا عن هذا المصدر الواضح النقي يصدرون، وكانوا كلهم بهذا مجتهدين.
ثم ضعفت النفوس والهمم، فظن بعضهم - عفا الله عنهم - أنهم يعجزون عن أخذ الأحكام من مصدرها الأول ومن منبعها الصحيح، فصار بعض العلماء يقلد مَن سبقه من أئمة الهدى وأعلام الإسلام، عن غير أمر منهم أو مشورة، بل مع نهيهم - رضي الله عنهم - عن التقليد.
فكان هذا بدء الضعف، ثم توالت العصور، فإذا المقلد مقلَّد، وإذا الأمر فوضى، وإذا هم فرق وشيع، وبلغ بهم الأمر إلى التناحر بالسيوف نصرًا لعصبية المذاهب!
وأمامك تاريخ المسلمين، فسترى فيه توالي الأرزاء والمحن، فكلما بعدوا عن كتاب ربهم أبعد الله عنهم العز والنصر، وهكذا كان ميزان رقيهم وانحطاطهم.
ولما ضعفت السليقة العربية في المتكلمين بهذه اللغة، أنشأ علماء الإسلام يفسرون لهم كتاب الله، وكلٌّ على قدر همته، فكثرت أنواع التفاسير للسلف والخلف، متقدمين ومتأخرين، وتراجم العلماء والأئمة بين أيدينا - أو أكثرها - وقد يندر جدًّا أن نجد منهم مَن لم يؤلف كتابًا في التفسير، فلم تُعْنَ أمة بكتابها من الوجهة العلمية بمثل ما عنيت الأمة الإسلامية بالقرآن، ولم تفرط أمة في حفظ ما كُتب شرحًا لكتابها بمثل ما فرطنا، فأين هذه التفاسير الجليلة للأئمة المتقدمين؟ !
(1/173)

ذهب أكثرها حتى لم نجد تفسيرًا لرجل من الأئمة المجتهدين إلَّا تفسير أبي جعفر الطبري المتوفَّى سنة 310، وما بقي بعده فهو لمؤلفين ممن سموا أنفسهم مقلدين.
ولقد كان المتقدمون يعنون في أكثر أمرهم بتفسير القرآن بما ورد من أحاديث مرفوعة، وآثار موقوفة، وباستنباط أحكام الفقه منه، تعليمًا للناس كيف يفهمون وكيف يصلون إلى الاجتهاد.
ثم ترك المتأخرون ذلك ولم يكن همهم إلا الإطالة في أبحاث لفظية لا جدوى لها، ولا فائدة إلا في النادر والشذوذ.
حتى إن كتب التفسير التي بقيت مشتهرة فيهم وكثيرة بين أيديهم لا يطمئن الباحث المحقق إلى فهم معنى آية منها، ولا إلى استنباط حكم، بل ولا إلى الثقة بالنقل، فقد ملأ بعضهم تفسيره بقصص مكذوبة مفتراة، وبأحاديث موضوعة، من غير تحرٍّ في الرواية، ولا استعمال لموهبة العقل السليم.
وبالله، لقد أدْركنا الأزهرَ - وهو المدرسة الإسلامية الفذة في هذا البلد - يجعل التفسير علمًا لا يُؤْبَه له، وآية ذلك أنهم كانوا يجيزون الطالب بشهادة "العالِمية" وإن كان لا يفقه في التفسير شيئًا، وما عرف كيف ينبغ في المماحكات اللفظية.
ولقد قيض الله للإسلام إمامًا من أئمته، وعلمًا من أعلام الهدى، وهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فأرشد الأمة الإسلامية إلى الاستمساك بهدي كتابها، ودلها على الطريق
(1/174)

القويم في فهمه وتفسيره، وكان منارًا يُهتدى به في هذا السبيل، وألقى في الأزهر دروسًا عالية في التفسير، وكان - فيما أظن - يرمي بذلك إلى أن يسترشد علماء الأزهر بذلك، فينهجوا نهجه، ويسيروا على رسمه، ولكنهم لم يأبهوا له إلّا قليلًا، ولم ينتفع بما سمع منه إلا أفراد أفذاذ، وبقي دهماؤهم على ما كانوا عليه.
ونبغ من تلاميذه والمستفيدين منه ابنه وخريجه أستاذنا العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب "المنار" فلخص للناس دروس الأستاذ الإمام، وزادها وضوحًا وبيانًا، ونشرها في مجلته الزاهرة المنيرة، وجمعها في أجزاء على أجزاء القرآن الكريم، ومضى لطَيَّته بعد انتقال الإمام إلى جوار ربه، فكأنه أُلهم من روحه، لم يكل ولم يضعف، وها هو الآن قد أتم منه أجزاء تسعة، وكثيرًا من العاشر.
فكان تفسير أستاذنا الجليل خير تفسير طُبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنه هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح؛ إذ هو كتاب هداية عامة للبشر، لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين.
ثم هو يُظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله. ولقد أوتي الأستاذ من الاطلاع على السنة ومعرفة عللها وتمييز الصحيح من الضعيف منها - ما جعله حجة وثقة في هذا
(1/175)

المقام، وأرشده إلى فهم القرآن حق فهمه. ثم لا تجد مسألة من المسائل العمرانية أو الآيات الكونية إلا وأبان حكمة الله فيها، وأرشد إلى الموعظة بها، وكبت الملحدين والمعترضين بأسرارها، وأعلن حجة الله على الناس.
فهو يسهبُ في إزالة كلَّ شبهة تعرض للباحث من أبناء هذا العصر، ممن اطلعوا على أقوال الماديين وطعونهم في الأديان السماوية، ويدفع عن الدين ما يعرض لأذهانهم الغافلة عنه، ويُظهرهم على حقائقه الناصعة البيضاء، مع البلاغة العالية، والقوة النادرة. لله دره!
وأما الرد على النصارى واليهود، فإنه قد بلغ فيه الغاية، وكأنه لم يترك بعده قولًا لقائل، وذلك لسعة اطلاعه على أقوالهم وكتبهم ومفترياتهم. وهذا قيام بواجب قصَّر فيه أكثر المسلمين، في الوقت الذي تقوم فيه أوربة بحرب المسلمين حربًا صليبية - قولًا وعملًا - وتحاول سلخ المسلمين عن دينهم وإن لم يدخلوا في دينها، وها نحن أولاء نرى الجرأة العظمى بمحاولة تنصير أمة إسلامية قديمة متعصبة للإسلام، وهي أمة البربر المجيدة. وإن قيام أستاذنا بالرد عليهم بهذه الهمة من أجلَّ الأعمال عند الله ثم عند المسلمين.
ولقد عرض لكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين فأفسدت على كثير من شبابهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلًا دقيقًا وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن
(1/176)

والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنه دين كل أمة في كل عصر، ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقه به الجاهلون أو دسه المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة؛ ليضموهم إلى صفوفهم، وينزعوهم من أحضان أمتهم.
وإنه لكتاب العصر الحاضر، يفيد منه العالم والجاهل، والرجعي والمجدد، بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين.
وأنا أرى من الواجب على كل مَن عرف حقائق هذا التفسير، أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته والاستفادة منه، وبث ما فيه من علم نافع، لعل الله أن يجعل منهم نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة.
ولو كانت حكومتنا حكومة إسلامية حقيقة لطلبنا منها أن يُدرس في مدارسها ومعاهدها حق الدرس، ولكنا نعلم أنها لا تلقي للدين بالًا، بل لا تدفع عنه مَن أراد به عدوانًا، والطامة الكبرى أنها تحمي مَن يعتدي عليه بقوانينها الوضيعة.
فلم يبق للمسلمين رجاء إلا أن يعملوا أفرادًا وجماعات في سبيل الدفاع عنه، وإظهار محاسنه للناشئة التي تكاد تندُّ عنه، وهم عماد الأمم.
ولعلِّي أوفق قريبًا إلى بيان بعض الأبحاث الفذة النفيسة من هذا التفسير، مما لم يشفِ فيها الصدرَ أحدٌ من الكاتبين قبله، أو لم يكن في عصورهم ما يثير البحث فيها، وذلك بحول الله وقوته.
(1/177)

قصص القرآن (*)
للأساتذة محمد أحمد جاد المولى بك، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، وعلى محمد البجاوي، والسيد شحاته (1)
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: 3]
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)}. [يوسف: 111].
لم ينزل القرآن كتابًا لتسجيل تأريخ الأمم السابقة، وإنما هو هداية عامة للبشر، فيه تفصيل كل شيء، وفيه هدى ورحمة، وقصص من أنباء الرسل السابقين، والأقوام الغابرين، ما يعتبر به الناس، فينظرون إلى حاضرهم وإلى مستقبلهم، على ضوء ماضيهم وماضي غيرهم من الأمم.
وأعرض الناس في أزماننا هذه عن العبرة بالقرآن، وعن التأمل في آيات القرآن، وعن الاتعاظ بما جاء من النذر، صاروا - إلَّا أقلهم - لا يعرفون القرآن إلَّا أن يتغنى به المتغني في المآتم وبعض المجالس، وفي إذاعة الصباح والمساء من الراديو.
__________
(*) مجلة الكتاب، ذي الحجة 1366 ه، نوفمبر 1947 م.
(1) 426 صفحة من القطع الكبير. دار الكتب المصرية. القاهرة 1946
(1/178)

ثم هُمْ لا يكادون يستمعون إليه، إلَّا أن يكون المتغني - ولا أقول القارئ حسن الصوت - متلاعبًا بالنغمات، عابثًا بأوتار صوته، مغيرًا من معاني القرآن بما يجهل من أحكام الوقف والأداء، لا يهمه إلا الطرب، ولا يهمهم إلا الطرب. ذلك عندهم معنى ترتيل القرآن.
أما العبرة، وأما الموعظة، وأما الفقه فيه والاهتداء بهديه، فذلك آخر ما يفكرون فيه.
رأى هذا أو بعضه مؤلفو هذا الكتاب، فرأوا أن يعالجوا الداء من ناحية من نواحيه: ناحية القصص؛ فوضعوا كتابهم النفيس، رجاء أن يكون له أثر في تربية النشء وتهذيبه، وكلهم معلم مدرس. وأرى أن قد كان له أثر جليل، فإن هذه الطبعة هي الطبعة الثالثة.
وقدموا بين يدي الكتاب كلمة أبانوا بها عما إليه قصدوا:
"امتاز قصص القرآن الكريم بسموّ غاياته، وشريف مقاصده، وعلو مراميه: اشتمل على فصول في الأخلاق مما يهذب النفوس، ويجمّل الطباع، وينشر الحكمة والآداب، وطرق في التربية والتهذيب شتى، تساق أحيانًا مساق الحوار، وطورًا مسلك الحكمة والاعتبار، وتارة مذهب التخويف والإنذار، كما حوى كثيرًا من تاريخ الرسل مع أقوامهم، والشعوب مع حكامهم، وشرَح أخبار قوم هُدوا، فمكن الله لهم في الأرض، وأقوام ضلوا، فساءت حالهم، وخربت ديارهم، ووقع عليهم العذاب والنكال، يضرب بسيرهم المثل، ويدعو الناس إلى العظة والتدبر".
(1/179)

"كل هذا قصَّه في قول بيَّنٍ، وأسلوب حكيم، ولفظ رائع، وافتنان عجيب؛ ليدل الناس على الخُلق الكريم، ويدعوهم إلى الإيمان الصحيح، ويرشدهم إلى العلم النافع، بأحسن بيان، وأقوم سبيل، وليكون مثلهم الأعلى فيما يسلكون من طرق التعليم، ونبراسهم فيما يصطنعون من وسائل الإرشاد".
"ولكنه - على كريم مقاصده، وتنوع مذاهبه، وافتنان طرقه - قد وجد من أبناء هذا العصر من يهجره إلى غيره، ويتركه إلى سواه، مما وضعه الناس من قصص فيها الحق والباطل، وفيها الصحيح والزائف. هذا على الرغم من أن القرآن الكريم يعمر المدارس والمساجد، والمنازل والمجالس، ولا يجد منهم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".
"ولما رأينا من إقبال الناس على قراءة القصص، ولما شاهدناه من انصرافهم عن قصص القرآن - على ما فيه من شريف المقاصد والأغراض - وضعنا هذا الكتاب قصصًا شتى في ضوء القرآن وهديه، وعلى طريقته الحكيمة، من الاقتصار على بسط موضع العبرة إلا أن يكون موضعًا يحتاج إلى بيان، أو إشارة يعوز فيها القارئ التوضيح، وجلوناه في ثوب أدبي، وأسلوب سائغ، ولم نخرج فيما كتبنا عن آراء انتخلناها من كتب التفسير المشهورة، وأخبار رويناها عن ثقات المؤرخين".
وقد فعلوا وأوفوا بما وعدوا، وأراهم كانوا شديدي الحيطة من أن تدخل عليهم الإسرائيليات، التي دسها أعداء الإسلام ليفسدوا بها التاريخ الصحيح؛ فكان كتابهم كتابًا يستأهل الثناء.
(1/180)

المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن (*)
تأليف جولد تسيهر (1)
يعرض المستشرقون لعلوم الإسلام وتاريخ الإسلام عرضًا علميًّا في بعض أحيانهم، وعرضًا كله غرض في بعض أحيانهم.
ولقد كان المسلمون - ولا يزالون - في حاجة إلى معرفة آراء هؤلاء، سواء منها ما كان رأيًا عن معرفة وثبت وإنصاف، وما كان عن هوى وغرض، حتى يدركوا مقاصد القوم ونياتهم نحوهم ونحو بلادهم، فما أُتي المسلمون في القرنين الماضيين إلَّا من جهلهم ما يضمر بعض أولئك القوم لهم وما يقولون فيهم.
وكنا - نحن الأزهريين في هذا العصر - نجتهد بكل وسيلة نستطيع، أن نتعرف آراء أولئك في تاريخنا وعلومنا، ونقرأ كل ما يترجم عنهم في الكتب والصحف والمجلات، ونتصل بمن عرفوا اللغات الأجنبية وبمن تعلموا في أوربة من المصريين، ونقتني آثارنا النفيسة التي ينشرها المستشرقون، نستطلع بذلك كله الأخبار والآراء، ثم بُعثت بعض البعوث منا إلى أوربة للدرس والمعرفة والتنقيب، وعاد بعض من بعث، فتوقعنا أن يقوموا ببعض هذا
__________
(*) المقتطف، المجلد الخامس بعد المائة، يونيو - ديسمبر 1944.
(1) ترجمة علي حسن عبد القادر (16 × 23 سم، 184 ص، القاهرة سنة 1363 ه/ 1944 م).
(1/181)

الواجب، واجب تعريفنا تعريفًا علميًّا بآراء علماء أوربة فيما عرضوا له من دقائق العلم الإسلامي، فلم يفعلوا، ولا نزال نتوقع أن يفعلوا، ولعل لهم من أحداث هذه الحرب بعض العذر، فقد كان أثرها شديدًا على الورق والطبع والنشر.
ولكن أخانا علي حسن عبد القادر لم تقف دونه العقبات فيما يستطيع، فأخرج لنا هذا الكتاب في هذا العام، ونحن على ثقة أنْ سيتبعُه كتبًا أخرى، ولعل في نشاطه وعمله هذا ما يحفز إخوانه على أن يقوموا بحركة مباركة في الترجمة والنشر، قيامًا ببعض الواجب عليهم نحو أزهرِهم.
وقد اختار المترجم هذا الكتاب؛ لأنه "لشيخ من شيوخ المستشرقين (وهو مجري) معروف بطول الباع معرفة مستفيضة، وقد كان هذا الكتاب آخر كتاب له، ملأه بتجاربه في البحوث الإسلامية ... حتى إنَّه ليعدُّ كافيًا لتعرف آراء المستشرقين، ومصادرهم ومؤلفاتهم، وزبدة ما يمكن أن يعرضوا له من نقد وتقدير في هذا الصدد".
وفي هذا الكتاب من الخطأ ما يحتاج من أجله إلى درس كل مسألة من مسائله درسًا دقيقًا وافيًا، حتى لا يغتر قارئه بظاهر القول؛ فيقع فيما وقع فيه المؤلف، ولعلنا نوفق إلى صنع ذلك في إحدى المجلات الخاصة بمثل هذه الأبحاث أو في كتاب خاص، بعون الله وتوفيقه.
ولم يكن المجال واسعًا في ترجمة الكتاب أن يتعقب الأستاذ
(1/182)

المترجم مسائله تفصيلًا، ولكنه تعقبه إجمالًا في عشر صفحات ألحقها بآخر الكتاب، أجاد فيها جدًّا قال: "إن نظرة عابرة في هذا الكتاب تجعل القارئ لأول وهلة يقف موقف الحائر المتردد في الحكم عليه: فبينما نرى فيه اطلاعًا واسعًا في الكتب الإسلامية، وفكرة طريفة في عرض الموضوع عرضًا علميًّا، نجد في الوقت نفسه أن المؤلف قد تخلى عنه قلم العالم النزيه في نقد المسائل نقدًا سليمًا ... ولعل هذه الفرصة في عرض هذا الكتاب تبين للناس بعض ذلك، حتى يقفوا موقف الحيطة والحذر إزاء ما يقرؤون (للمستشرقين)، وموقف الريبة لهم، حتى يتبينوا، ويعرضوا ذلك على مصادره الأصلية" ص 174.
والذي نراه نحن فوق هذا أن الهوى قد يغلب حتى يضع المؤلف موضع الشك في أمانته في اختيار ما ينقل.
فقد عرض المؤلف - مثلًا - لأول سورة الروم {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ}. فالذكر المعروف في القراءة والتفسير والسير والتاريخ: أن الفرس انتصروا على الروم، ففرح المشركون بهزيمة النصارى أهل الكتاب، وحزن المسلمون، وأن الآية بشرتهم بنصر الروم على الفرس في بضع سنين. ولكن المؤلف لا يرضيه أن يسير على الجادة الواضحة، ويريد
(1/183)

أن يتبع طريق التشكيك في قراءات القرآن فيقول ص 19: "ولكن قراءة هذه الآية على هذا الشكل (1) لم يتفق عليها عند جميع القراء فقد قرأها أكثرهم: (غَلَبَتْ) (2) ... وأن ذلك يتعلق بانتصار الروم على بعض القبائل العربية بالشام وأصحاب هذه القراءة يذكرون أن فيها تنبؤًا للنبي بما حصل بعد تسع سنين بعد هذا الوحي من انتصار المسلمين على البيزنطيين. ونحن نرى أن القراءتين متناقضتان في المعنى، فالغالبون في القراءة المشهورة هم المغلوبون في القراءة الأخرى، ومتعلق الفعل في قراءة على الفاعلية، وفي أخرى على المفعولية".
وهذا الذي حكاه غير صحيح، أعني؛ ادعاءه أن أكثر القراء قرؤوها (غَلَبَتْ) بالبناء للفاعل، و (سَيُغْلَبونَ) بالبناء للمفعول، وليس هذا عن سهو منه أو قصور في البحث، فإن اطلاعه واسع جدًّا على كتب التفسير والقراءات، كما يبدو من كتابه، وإنما قصد إلى غير الصحيح.
وذلك أن كل القراء السبعة ورواتهم، وسائر القراء العشرة، وسائر القراء الأربعة عشر لم يقرؤوها إلا {غُلِبَتِ} بالبناء للمفعول، و {سَيَغْلِبُونَ} بالبناء للفاعل، قولًا واحدًا وقراءة واحدة، والقراءة
__________
(1) أي قراءة "غلبت" بالبناء للمفعول، و"سيغلبون" بالبناء للفاعل.
(2) أي قراءته "غلبت" بالبناء للفاعل، و"سيغلبون" بالبناء للمفعول.
(1/184)

الأخرى التي نسبها إلى أكثر القراء قراءة شاذة جدًّا نقلها ابن خالويه في كتاب "القراءات الشاذة" الذي نشرته جمعية المستشرقين الألمانية بتصحيح المستشرق برجشتراسر سنة 1934 ص 116، ونسبها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي بن أبي طالب وابن عمر، وهذه نسبة ضعيفة لم تثبت بإسناد صحيح ولا ضعيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يروها أحد من أهل الحديث. نعم، روى الترمذي في سننه بإسناده عن أبي سعيد ما يشبه هذا، وحكى عن شيخه نصر بن علي الجهضمي أنه كان يقرؤها (غَلَبَتْ) بفتح الغين، ولكن إسناد حديثه ضعيف جدًّا، وأخطأ الترمذي فحكم بأنه حديث حسن (انظر: الترمذي ج 2 ص 154، 206 طبعة بولاق، وشرح المباركفوري على الترمذي ج 4 ص 59 - 60، 160 طبع الهند). وقد رد على الترمذي وبيّن أن الحديث ضعيف.
وروى ابن جرير الطبري في التفسير ج 21 ص 11 من طريق "الحسن الجفري عن سليط" أنه سمع ابن عمر يقرأ ذلك، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، الحسن بن أبي جعفر الجفري ضعيف منكر الحديث، وشيخه سليط مجهول، فمثل هذا الإسناد لا تثبت به قراءة ولا كرامة، ثم بين الطبري الصحيح من القراءة فقال: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا، الذي لا يجوز غيره {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)}. بضم الغين؛ لإجماع الحجة من القراء عليه".
لا نظن بعد هذا أن مؤلف الكتاب أخطأ فيما حكى، إنما الواضح الذي لا نشك فيه أنه علم الصحيح وعدل عنه ونقل غيره
(1/185)

عارفًا أن القراء أجمعوا تقريبًا على القراءة المعروفة، ثم نسب القراءة الشاذة المنكرة إلى أكثرهم.
وبعد: فإن في الكتاب حافزًا إلى البحث والتوسع، بما يضمه من نقول وآراء لم ينشر من مثلها في العربية كثير، ويجدر بالعلماء أن يعنوا به وبأمثاله ليستفيدوا طرق البحث والنقد، بما يرسم من المناهج، ثم ليعرفوا ما يقال من حق ومن باطل، وليروا ما يثار من شُبه وشكوك، يجب عليهم أن يدفعوها، وفاءً بميثاقهم، وأداءً لأمانتهم.
* * *
(1/186)

ثمار المقاصد في ذكر المساجد (*) ليوسف بن عبد الهادي (1)
قصد المؤلف إلى ذكر المساجد التي عرفت في عصره (القرن التاسع الهجري) في دمشق وما قرب منها، أحصاها إحصاءً جيّدًا، وأرخها تأريخًا مختصرًا، ثم ختم الكتاب بفصول في أحكام المساجد، ما يجوز فيها وما لا يجوز، وآداب دخولها وآداب المكوث فيها، إلى نحو ذلك مما عرف في كتب الفقه.
والكتاب تحفة طريفة من آثار علماء الشأم الأعلام، مؤلفه نِدُّ السيوطي وشبهه وعصريّه، كلاهما عالم واسع الاطلاع، مؤلف مكثر، يخوض في كل علم، ويؤلف في كل فنّ. ابن عبد الهادي مات سنة 909، والسيوطي مات سنة 911، وأكثر مؤلفاتهما جمع أو تلخيص، وكلاهما أنتج كثيرًا، ولكن السيوطي أشيع ذكرًا، وأبعد صيتًا بما نشر من مؤلفاته.
وميزة هذا الكتاب أنه ابتكار جميل، لم يسبق إليه المؤلف فيما نعلم. وكم تمنينا على وزارة الأوقاف المصرية أن تصنع مثل هذا
__________
(*) المقتطف، المجلد الخامس بعد المائة، يونيو - ديسمبر 1944.
(1) بتحقيق: محمد أسعد طلس (16 × 25 سم، 332 ص، نشر المعهد الإفرنسي بدمشق، بيروت 1943).
(1/187)

الصنيع، تحصي مساجد المملكة المصرية في كتاب مستوعب يذكر فيه تاريخها مفصلًا، وأماكنها مبينة محدودة، وقد بلغني أخيرًا أنهم فكروا في ذلك واتجهوا إلى تحقيقه، ولعلهم فاعلون إن شاء الله.
وأما إخراج الكتاب فقد أوفى فيه الدكتور أسعد على الغاية، إتقان مع أناقة، في تحقيق علميّ تاريخيّ دقيق، زيَّن حواشيه بنفائس من نتاج بحثه في مصادر التاريخ وغيرها، ومن آرائه ودراساته ومشاهداته، ونحن نقدِّر ما لقي من صعوبات في إخراج الكتاب؛ فإنه نشره عن نسخة وحيدة من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق وهي بخط المؤلف، وخطه من الخطوط التي تصعب قراءتها إلَّا على الخبراء الذين مارسوا مثل هذه الخطوط، بل هو جديرٌ بأن يوصف بما وصفه به الدكتور أسعد أنه "رديء الكتابة"، وقد أظهرنا على مثال منه بتصوير الصفحتين الأخيرتين من الكتاب.
وكلمة الدكتور أسعد في أواخر مقدمته تصور بعض ما لقي من صعوبة، وما بذل من جهد: "والنسخة التي نقدمها اليوم لقراء العربية نسخة وحيدة في مكاتب العالم، رأيتها منذ سنوات فأعجبتني وعزمت على نشرها، وأخذت أفتش عن مصادر أستعين بها في عملي هذا فلم أهتد إلى شيءٍ سوى تاريخ ابن عساكر، وتنبيه الطالب وإرشاد الدارس للنعيمي وبعض مختصراته، ومنادمة الأطلال لبدران، وخطط الشام لكرد علي، فقرأت هذه المصادر كلها قراءة أعانتني على اكتشاف بعض الأسماء والأمكنة، وما اكتشاف هذه الأمكنة بالأمر
(1/188)

السهل؛ فإن للبلاد والأرض انقلابًا وتطورًا عجيبًا كما للإنسان - على رأي ابن خلدون - والله وحده يعلم كم كانت مهمتي عسيرة، وما أقول: إني بلغت فيه الغاية. ولكنني بذلت الجهد، واستعنت بالمصادر من شرقية وغربية، وسألت العلماء وهم جد قليلين في هذا الباب، فكان لي من ذلك بعض العون".
وقد وضع للكتاب ذيلًا، وهو حافل نفيس؛ إذ أحصى فيه مساجد دمشق الموجودة إلى نهاية سنة 1361، وقد زارها مسجدًا مسجدًا، وهي أكثر من ثلاثمائة مسجد، وصفها وصفًا كاشفًا، وحاول تعيين تاريخها مما وجد في نصوص المصادر التاريخية، ومما قرأ على جدرانها من كتابات ونقوش، ومن طرز البناء وأساليب عمرانه، وذكر من النقوش والكتابات ما لم يكن منشورًا في كتاب فرنسي سماه، وليته استوعب ذكر النقوش والكتابات في هذا السفر القيم؛ ليكون عمله تامًّا وافيًا، ولأنه ليس من المفروض على الباحثين والمنقبين من الأمم العربية أن يعرفوا اللغة الفرنسية، أو أن يستوعبوا قراءة ما كتب بها في علومهم وآثارهم ومفاخر بلادهم.
وقدَّم الدكتور أسعد الكتاب بمقدمة جيدة، ترجم فيها مؤلفه ترجمة وافية، وأحصى مؤلفاته الباقية في دار الكتب الظاهرية، وعرَّفها للقارئ تعريفًا كافيًا.
وصنع للكتاب فهارس متقنة، للبقاع والمساجد والأعلام، وختم الكتاب بمصور جغرافي "خريطة" ذكر فيها المساجد الموجودة
(1/189)

بدمشق، قسّمها إلى مربعات صغيرة رمز لها بحروف وأرقام، وذكر هذه الحروف والأرقام عقب الكلام على كل مسجد؛ ليسهل على القارئ تعيين موضع المسجد في "الخريطة".
ولكننا لاحظنا أن "الخريطة" موضوعة في الأصل باللغة الفرنسية؛ وأنها صنعت بين سنتي 1930 و 1934، فهي على أكثر تقدير تنتهي في سنة 1353 ه، وقد صرح المؤلف أنه أحصى مساجد دمشق إلى سنة 1361 ه.
وقد علمنا أن هذا العمل الجليل قد توِّج بقرار نبيل من المجمع العلمي العربي بدمشق تنفيذًا للمادة 48 من النظام الداخلي للمجمع، وهي تنص: "أن المجمع يوزع سنويًّا ثلاث جوائز نقدية على ثلاثة مؤلفين سوريين صنفوا أو ترجموا كتبًا قيمة، وعلى ذلك منح المجمع الدكتور أسعد طلس إحدى الجوائز الثلاث لسنة 1944؛ لإجادته في نشر هذا الكتاب".
وهذا القرار النبيل وسامٌ أدبيّ ناله المحقق عن جدارة، وشهادة وضعت موضعها، ليس تقديرها بما فيها من جائزة مادية، بل بصدورها عن رجال هم من أساطين العلم.
* * *
(1/190)

لمحة من سيرة الملك عبد العزيز (*)
تأليف السيد محيي الدين رضا (1)
من شهرين في صفر سنة 1365 (يناير سنة 1946) استقبلت مصر سيد الجزيرة الملك عبد العزيز آل سعود، وبذلت ما تستطيع من جهد في الحفاوة بالضيف الكريم، فرحة مسرورة بمقدمه، وبما ينطوي تحته من معان قومية سامية، وكان لكتابها وأدبائها وشعرائها وصحافييها القدح المعلى في الإشادة بفضل أسد الجزيرة ومناقبه.
وهذا الكتاب أثر من آثار هذه الزيارة المباركة، أجمل فيه المؤلف سيرة الملك العظيم، ونوه بمواهبه ومناقبه، وبما يلقى الحجاج إلى بيت الله الحرام من أمن شامل وطمأنينة نادرة، بعد أن كان الحجاز دار خوف ووجل، وكان الحاجّ لا يأمن على نفسه ولا ماله، حتى جاء عبد العزيز، فصار مضرب المثل في الأمن، وتحدث عن حزم الملك وشدة بأسه في القضاء على المفاسد الخلقية، وهي العلة الأولى التي كانت سببًا في ضعف شأن العرب، وعن اهتمام جلالته بإنجاح بعض الزراعات المصرية في نجد والحجاز، والعمل على توفير المياه لها، ثم وصف رحلة الضيف العظيم إلى مصر في
__________
(*) مجلة الكتاب مارس 1946.
(1) 84 صفحة من القطع المتوسط. مطبعة العلوم. القاهرة 1946.
(1/191)

المرة الأولى، حين جاء بصفة غير رسمية، فقابل صاحب الجلالة الملك فاروق، والمستر رزفلت الرئيس السابق للولايات المتحدة، والمستر شرشل الرئيس السابق للوزارة الإنكليزية.
ثم أشاد بما يولي جلالة الملك عبد العزيز من عناية بالغة بفلسطين، وأثبت في الكتاب النص الرسمي لكتاب جلالته إلى المستر رزفلت في شأنها، وإجابة الرئيس رزفلت، وهما مستندان رسميان لهما قيمتهما في هذا الموضوع الخطير.
ووصف المؤلف أول مقابلة تشرف فيها بالمثول بين يدي جلالته، ثم فصل مسألة اللاجئ السياسي "رشيد عالي الكيلاني"، ثم عرض لما يكنه جلالته من الحب والود لبلاد العروبة عامة، ولجلالة الملك فاروق خاصة.
وختم الكتاب بالحديث عن الجيش السعودي، وعن صاحب السمو الأمير فيصل نائب جلالة الملك في الحجاز، وعن صاحب السمو الأمير منصور، ثم عن بعض رجال الدولة السعودية الكبار، الذين لهم أثر جميل في نهضة هذه المملكة، التي يتمنى لها العرب جميعًا كل خير وسعادة.
* * *
(1/192)

نقد الكتب والمقالات
1 - أي نعم في التأني السلامة
2 - "كلمة" في الرد على العقاد
3 - تفسير المنار
4 - ديوان أبي فراس الحمداني تحقيق سامي الدهان
5 - الفتح المبين في طبقات الأصولين تأليف عبد الله المراغي
6 - نِحَل عبر النَّحْلِ للمقريزي تحقيق جمال الدين الشيال
7 - مقتل مالك بن نويرة وموقف خالد بن الوليد د. محمد هيكل
8 - الفاروق عمر د. محمد هيكل (1)، (2)
9 - أسامة بن منقذ تأليف محمد أحمد حسين
10 - الخطيب البغدادي تأليف يوسف العش
11 - دراسات عن مقدمة ابن خلدون
12 - عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيئته قبل البعثة
13 - فقه القرآن والسنة والقصاص محمود شلتوت
14 - استدراك على مقال
15 - تحقيق سن عائشة
16 - صَدَى النقد
17 - تصحيح القاموس
18 - ابن محيصن
(1/193)

أي نعم: في التأني السلامة (*)
بهذا العنوان نشرت جريدة (الوفد المصري) مقالًا للأستاذ المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر يرد على كلمة الأستاذ العقاد التي نشرها في مجلة الرسالة بعنوان (في التأني السلامة) ردًا - زعم - على نقد الأستاذ الشيخ شاكر لكلمة جانبت الصواب، وتجافت عن الحق في موضع من مواضع كتابه (الصديقة بنت الصديق) وهذا النقد نشرناه في العدد الماضي من (الهدي النبوي) وها نحن أولاء نطرف القراء بهذا المقال القيم، حتى يعرفوا الفرق بين تهور الباطل، ورزانة الحق.
ولقد قدمت جريدة الوفد لهذا المقال العلمي النفيس بتقدمة بارعة جاء فيها:
(ونحن يسرنا أن ننشر هذا النقد القويم، ويسرنا أن يتصدى لذلك أستاذ محقق له علمه ورأيه مثل الأستاذ أحمد محمد شاكر؛ لأن المسألة ليست مسألة العقاد وما يكتب، بل ليست مسألة أشخاص الذين كتب عنهم في حدودهم الذاتية، ولكنها مسألة تاريخ حافل طويل، وما يتصل به من تشريع للناس، وقدوة يأخذون أنفسهم بها، وتحقيق فرغ له الثقات من العلماء والمحققين).
كتبتُ كلمة للأخ الأديب الأستاذ (قاف) نقدًا لخبر حكاه الكاتب الجريء، الأستاذ عباس العقاد في بعض كتبه، ونقدت طريقه وطريق
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الثامنة، العدد 3، ربيع الأول 1363، ومجلة الثقافة، العدد 267، 8/ 2/ 1944.
(1/195)

أمثاله، في الجرأة على السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بالإثبات والنفي من غير دليل ولا حجة، إلا ما يرضي آراءهم. ونشر الأستاذ (قاف) كلمتي في العدد 264 من الثقافة وعلق عليها برأيه فيما نقدت، فثارت ثائرة الكاتب الجريء وكتب مقالًا طويلًا في العدد 551 من الرسالة، يدعي فيه أن الحقد عليه هو دافعي إلى النقد، وأني تتبعت كتبه التي نشرها في العبقريات فلم أجد إلَّا هذه الغلطة الواحدة (وإن كان لا يسلِّم بأنها غلطة) ثم فخر فخرًا عجيبًا بما حكم على الروايات الصحيحة من الكذب أو الخطأ، في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة وهي بنت ستة سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، فَكذّب عائشة أو خطأها فيما حكت عن نفسها، مما ثبت عنها بالأسانيد الصحاح، التي ادعى أننا نجهل ما وراءها "من الزور الأثيم والبهتان المبين"، ثم ملأ مقاله بعد بما نعرض عنه، بل نعفو ونصفح، وأحب أن يعلم (الأستاذ عباس محمود العقاد) أن (أحمد محمد شاكر) لا يحمل في قلبه ضغنا ولا حقدًا على أحد من الناس، كائنًا من كان، صغر أو كبر، وأنه جرى على الطريقة التي نعيبها عليه وعلى أمثاله من الجرأة في الاستنباط من غير حجة ولا دليل؛ إذ ادعى أن كلمتي تشهد عليَّ وعلى طويتي وبواعث نقدي، وأن ما نقله منها كاف للدلالة على دخائل الصدور وكوامن النيات، فبهتني بما لا دليل عليه في شيء من كلمي، وبما ليس من سجيتي وخلقي، وسواء عليَّ بعد ذلك أرَضي أم سخط، آمن أم لم يؤمن، وإنما أنا رجل أكتب في العلم، وأجتهد في البحث لله وفي سبيل الله.
(1/196)

ومهما يقل أو يفعل فما هو بمستطيع أن يثير حفيظتي عليه أو أن يخرجني عن جبلتي، وعما رسمت لنفسي من حدود.
وليعلم - غير معلم - أن المطبعة العربية تخرج للقراء من الكتب والكتابة ما يعجز أسرع القارئين، وإنا نقرأ الكثير منه، إن لم يكن أكثره، وإنا لو شئنا أن ننقد مواضع النقد فيما نقرأ لنفد العمر قبل أن ينفد النقد، وإنا قرأنا ما كتب في العبقريات ولم نرض عنه كله، ولم نسخط عليه كله، وإنا رأينا له أغاليط، وأعاجيب، لعلنا لم ننشط إلى تتبعها عليه، وقد نفعل إن شاء الله. ولكنني أحب أن يثق بأن ما وصفته به إجمالًا عن خطته في البحث حق كله: أعجبه رأيي أو لم يعجبه.
وبعد؛ فسنعود إلى ما نحن بسبيله من البحث العلمي في القصة التي روى، والشعر الذي نسب إلى عروة وإلى المصدر الذي أشار إليه في رده؛ ليعرف مبلغ ما في قوله وروايته من قوة وضعف، ومن صحة وبطلان، ولنظهر على ما في كتبه من طرق البحث والتحري والتوثق، حتى يقدرها الناس قدرها.
فقد روى الكاتب الجريء هذه القصة ثلاثة مرات، نحكيها عنه بلفظها أولًا، ثم نذكر المصدر الذي أشار إليه، ثم ما رأينا في مصادر أُخر.
قال في كتاب (عبقرية الصديق) ص 209 - 210 ما نصه بغلطه:
(فمن ذلك أنه كان - عليه السلام - يصلح نعله في يوم قائظ، فتندى جبينه، وتحدر العرق على خده، وهي تلحظه من قريب، وكان بها وجدًا عليه، فسألها: "ماذا دهاك؟ " فقالت: لو رآك الشاعر
(1/197)

لكنت المعنيّ بقوله يا رسول الله. فعاد يسألها: "أي قوله؟ "
فأجابت: حين يقول:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سور يوسف من نقد
لوامى زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي
فقام النبي إليها يقبل ما بين عينيها ويقول لها: "سررتني يا عائشة سرك الله".
وأعترف للأستاذ العقاد وللقارئين الكرام أني قرأتها في ذلك الكتاب عقيب صدوره، فلم ألق لنقدها بالًا وإن وقع في نفسي إذ ذاك أنها تشبه ما نقرأ من الأحاديث الموضوعة، بما يدركه عقل رجل اشتغل بعلوم الحديث أكثر من ثلاثين سنة، وصارت له فيها فطرة خاصة، وملكة غالبة، يفقهها أهل العلم.
ثم رأيته أعادها بشكل آخر في كتابه (الصديقة) ص 52 - 53 فقال:
(وكانت - يعني عائشة - تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه، وتسوق الشاهد منه في موقعه، كما قالت وهي ترى النبي - عليه السلام - تندى عرقًا في يوم قائظ، وقد جلس يصلح نعله: لو رآك عروة لكنت المعنيَّ بقوله: (وذكر البيتين) ولكنه ذكر في الأول كلمة (سوم) على الصواب بدل كلمة (سور) التي هي خطأ مطبعي واضح، وذكر في البيت الثاني كلمة (لواحي) بدل (لوامى)، ولست أدري أيتهما في روايته أصل، وأيتهما تحريف، ثم عاد إليها في الكتاب
(1/198)

نفسه ص 71 فقال: (وتقدم أنها رأته في يوم قائظ وقد توهج خده، فقالت تتمثل بكلام عروة بن الزبير) وأعاد البيتين. فحين قرأت هذا مع ذكر عروة لفت نظري الخطأ الواضح البديهي، إذ لا يجهل أحد ممن يعرف رواة الحديث أن عروة بن الزبير من التابعين، وليس من الصحابة، فمن المحال عقلًا أن يكون له شعر في حياة رسول الله تنشده إياه عائشة إذ لم يكن وجد بعد، سواء أصحت نسبة الشعر إليه أم بطلت، فبحثت وحققت ثم كتبت نقدي.
وأعترف للأستاذ العقاد مرة أخرى أني لم أُراجع (شرح الشمائل للعلامة محمد بن قاسم جسوس) حينذاك؛ لأني أسقطته من حسابي دائمًا في المراجعة، وأعرف قيمته العلمية، ولكني راجعت فيما راجعت (شرح الشمائل) للعالم المحدث الحقيقي العلامة (ملا علي القاري).
ولرجوعي إلى هذا المصدر الذي طار به الأستاذ فرحًا قصة صغيرة: ففي يوم الجمعة 21 يناير 1944 زارني الأخ محمد أفندي فؤاد عبد الباقي، وفيما جرى بيننا من الحديث سألني عن شروح (سنن الترمذي)، فذكرت له ما حضرني منها: شرح ابن سيد الناس الذي أتمه العراقي، ولم يطبع، وشرح القاضي أبي بكر بن العربي، وقد طبع بمصر، وشرح العلامة المباركفوري، وقد طبع بالهند - وهما عندي ومن مراجعي والحمد لله - ثم شرحي أنا على قسم منه، وقد طبع منه جزآن يعرفهما الأخ محمد أفندي فؤاد، فأعاد إليَّ القول؛ أنه سُئل عن شرح آخر معين اسمه (الجاسوس)، فضحكت
(1/199)

وفهمت ما يريد، وأخبرته أنه لا يسمى (الجاسوس) وإنما هو (جسوس)، وأنه ليس شرحًا على سنن الترمذي، وإنما هو شرح على (شمائل الترمذي)، ثم فهمت منه أنه سئل عن هذا الكتاب من أجل الأستاذ العقاد، فظننت أنه لعله رأى القصة فيه ونقلها منه، وأنه إن أخطأ فإنما أخطأ في ذكر (عروة بن الزبير) فيها؛ لأنه محال أن يذكره على هذا الوجه رجل يعرف الحديث، أو التاريخ، مهما يكن مبلغه من العلم، ثم أحضرت له الكتاب فوجدنا النص الذي يشير إليه الكاتب الجريء، فوجدنا في (ج 1 ص 29) النص الذي سأكتبه، فأسفت حين قرأته، خشية أن يذكره الأستاذ العقاد فيقيم حجة أخرى على أنه يعجل ولا يتأنى، وأنا أثق أن الأستاذ خُدع به على لسان غيره، وأنه لم يقرأه حين كتب مقاله يحجني ويسبني، وينفي عن نفسه الاختراع والاعتماد على كتب الأسمار، وأنا لم أتهمه بالاختراع بل نفيته عنه، ولكنني ظننتُ أنه أخذ من كتب السمر. وهذا نص ما ذكر في شرح (سيدي محمد بن قاسم جسوس على شمائل الترمذي)، لم أزد فيه حرفًا ولم أُنقص منه حرفًا:
(ومما ينسب لعائشة رضي الله عنها:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع الفؤاد على الأيد)
فأين من هذا النص القصة الطويلة التي حكى الأستاذ في كتابه؟ وأين ذكر عروة فيه؟ فهذا جسوس ينشد البيتين على رواية غير رواية
(1/200)

الأستاذ، وهو أمرٌ هينٌ، ولكنه ينسبهما لعائشة نفسها، وإن كان لا يوثق بهذا الكتاب ولا بما ينقله، ثم هو لا يذكر شيئًا قبلهما ولا بعدهما مما قص الكاتب الجريء.! !
ويبدو لي أنه قد عجز عن البحث عن مصدر قصته، أو عجز الذين يبحثون له، فلم يجدوا إلَّا هذا المصدر، وهي خطوة لا بأس بها، عرفنا منه شيئًا عن البيتين، سواء أكانا صحيحين أم باطلين، وسواء رواهما على الوجه الذي رواهما به جسوس أو تصرف فيهما، وإن كان لا يفيده شيئًا في مصدر القصة التي حكى، ولا في نسبة الشعر إلى عروة، ولا في موضع احتجاجه بالقصة والشعر على شيء معين وهو (أن عائشة كانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه وتسوق الشاهد منه في موقعه)؛ لأن ذكر البيتين في مصدره منسوبين إلى عائشة نفسها، نسبة صحيحة أو باطلة، لا يكون أبدًا حجة على أن الشعر لعروة، وعلى أن عائشة كانت تسوق الشاهد منه على موقعه! ولا أدري ماذا يُسمَّى من طرق البحث والنقد من يدعي القضية، ثم إذا طولب بدليلها، أتى بدليل ينفيها أو ينقضها؟ .
ولكن الأمانة العلمية توجب عليّ أن أخطو بالكاتب خطوة أُخرى في سبيل البحث لعلها ترشده إلى ذكر المصدر الذي نقل منه ما نقل، فأذكر له مصادر أُخر لم يهتد إليها، وإن كان ما سأذكر لا يؤيد دعواه ولا قصته.
فقد نقل الحافظ السيوطي في شرح شواهد المغني (ص 82) ما نصه:
(1/201)

(أخرج أبو نعيم في الدلائل والخطيب وابن عساكر بسند حسن عن عائشة قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورًا، فبهت، فقال: "مالك بهت؟ "
قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورًا, ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره حيث يقول:
ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلل
وهذه الرواية نقلها البغدادي في خزانة الأدب (ج 3 ص 473) عن السيوطي، وذكر قبل ذلك ص 469، أن البيتين من أبيات لأبي كبير في حماسة أبي تمام، وفي الشعراء لابن قتيبة، وأنهما من قصيدة طويلة في أشعار الهذليين، ونقل بعض المؤلفين القصة أيضًا فاختصرها ولم يزد عليها، فإن الاختصار إذا لم ينقص أصل المعنى جائز، وأما الزيادة فلا تجوز؛ لأنها في عرف المحدثين، تكون من باب الوضع؛ إذ هي تنافي الصدق، فنقلها عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري في كتاب (بهجة المحافل ج 2 ص 186) بلفظ: (وقالت عائشة: بأبي وأُمي أنت، لو رآك الشاعر لعلم أنك أحق بقوله). وذكر بيتي أبي بكر الهذلي على الصواب.
وكذلك فعل الشيخ حسين عبد الله باسلامه عضو مجلس الشورى بمكة، فنقلها كما نقلها العامري مختصرة في كتاب (حياة سيد العرب) المطبوع بجدة سنة 1353 (ج 4 ص 206)
(1/202)

فأين هذه النصوص مما زعمه العقاد؟ الذي أظنه أن الكاتب الجريء، قرأ شيئًا هنا وشيئًا هناك، ثم اختلطت هذه النصوص وغيرها في رأسه واضطربت، فخرجت كما ترى، شيئًا ليس بالجديد البديع ولا بالقديم الصحيح، بل هي كما قلت من قبل (سواد في بياض).
ولكن بقي بعد هذا كله شيء واحد، هو أصل دعواه: أين موضع عروة بن الزبير؟ وأين موضع شعر عروة من هذه النصوص؟ هنا حلقة مفقودة، على الأستاذ العقاد أن يبحث عنها في مواضع علمه أو في حيث شاء.
وأما ادعاء الكاتب الجريء، على قاعدته المعروفة، أن يصدق ما يريد ويكذب ما يريد؛ إذ يستبعد أن يكون عروة ولد في سنة 23 أو بعدها، فهذا إفساد للتاريخ العربي، وما هو بتحقيق، وإنما هي محاولة لستر موقفه، مبينة عن زيف حجته، وما هي بسبيل ما نحن فيه، فإنه إذا صح أن تاريخ ولادة عروة خطأ فليس ذلك بنافعه في موضوعه، فلئن كان الخطأ في سنة أو في عشر سنين لكان عروة مولودًا بعد وفاة رسول الله، بل لو كان الخطأ في عشرين سنة، لكان عروة طفلًا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ولم يكن شاعرًا (تحفظ عائشة من شعره وتسوق
__________
(1) الهدي النبوي: روى البخاري في صحيحه أن الزبير أصيب يوم اليرموك بضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر قال عروة: (كنت أدخِل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير). (ص 76 ج 5 طبعة بولاق). فهذا دليل جديد ثابت في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى باتفاق أهل العلم على أن عروة كان طفلًا صغيرًا في زمن وقعة اليرموك، وليس أمام العقاد إذا =
(1/203)

الشاهد منه في موقعه) في حياة رسول الله تخاطبه به! !
وقد تعب أئمة الحديث ومؤرخو الرجال في التنقيب عن تراجمهم، وحصر ما أمكنهم حصره، وتركوا لنا ثروة ضخمة من العلم الغزير لا يضيعه ولا ينقضه غضبة من الكاتب الجريء يدفع بها خطأه، ولم يذكر أحد منهم قط أن عروة كان صحابيًّا، وإنما ذكروه في التابعين، بل إن الحافظ ابن حجر لم يذكره في (الإصابة) في الأطفال الذين ولدوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأين العقاد من هؤلاء العلماء؟
لقد غضب العقاد إذ ظننت له أنه نقل قصته من كتب السمر، وليت ظني كان صادقًا، إذن لكان أكرم له وأجدر به، ولكان كل خطئه أنه اعتمد على رواية تحمل دليل بطلانها في نصها، وأنه قصر في البحث عن ترجمة عروة في أي مصدر من مصادر التاريخ الجمة بين يديه، وما طالبناه قط بأن يعرف الزيف من الصحيح من روايات الحديث والأثر، فما هو بسبيل هذا، وما هو من عمله ولا من فنه، ولم يزعم أحد قط أن العقاد درس علوم الحديث أو عرف منها شيئًا.
أما الذي تبين لنا من صنيعه بعد ذكره المصدر الذي قيل له: إن النص موجود فيه، وبعد أن ذكر لنا نص مصدره ونص مصادر أُخر، فليس هذا من صنيع أهل العلم بالحديث، ولا هو من عمل الثقة في الرواية والنقل، ولو قرأ العقاد شيئًا من علم مصطلح الحديث لعرف
__________
= أصر على صحة دعواه إلَّا أن يكذب البخاري، أو يدعي أن وقعة اليرموك كانت في حياة رسول الله! ! وكلاهما ليس بالكبير على الكاتب الجريء.
(1/204)

أن صنيعًا دون هذا يسقط الراوي ورواياته أجمع، ويرفع الثقة بنقله كله، وليسخط بعد ذلك أو ليرض.
وبعد؛ فإن القول يطول لو شئنا نقض كل ما رد به الكاتب الجريء، وليس في طول الجدل فائدة علمية، فلذلك أعرضنا عنه.
وإن لنا لكلمة في نفيه حديث عائشة عن سنها حين تزوجها رسول الله، أو تخطئته إياها في معرفة سنها إذ ذاك، ولعلنا نجد فرصة مواتية في نقض ما ذهب إليه إحقاقًا للحق ودفعًا عن الأحاديث الصحيحة, إن شاء الله.
* * *
(1/205)

كلمة (*)
وبعد؛ فلا نكاد نفرغ من شأن للعقاد حتى يبدو لنا شأن؛ فإنه يكبر عليه أن يقول له إنسان: "أخطأت". أو يجادله في كلمة مما يقول، وإنما يريد من الناس الخضوع والتسليم، أصاب أم أخطأ، وهو يعرض كتبه على الناس، وفيها الصحيح الجيد، وفيها الزيف الباطل، ولكن هكذا هو.
فقد كتب الأستاذ بشر فارس كلمة في المقتطف قال فيها رأيه في كتاب "الصديقة بنت الصديق" فذكر مزايا رآها في الكتاب، وبدا له أن ينقده بعض النقد الهادئ اللين، فكان العقاد على سجيته، ثار به ثورته المعروفة، وقرعه وندد به، بل أراد أن يوقع بينه وبين قرائه بالتزيد عليه في تحميل كلامه ما لا يحتمل، وحذف آخره يزعم أنه يبهته بأوله.
فقد قال العقاد في كتابه (ص 102) في شأن قصة الإفك: "على الذي يقبل وشاية كتلك الوشاية الواهية أن يروض عقله على تصديق أمور كثيرة لا موجب لتصديقها؛ لأنها تفتقر إلى كل دليل، والأدلة على ما يناقضها كثيرة، عليه أن يصدق أن صفوان بن المعطل كان رجلًا لا يؤمن بالنبي ولا بأحكام الإِسلام، وأن يصدق أن السيدة
__________
(*) المقتطف، المجلد الرابع بعد المائة، يناير - مايو 1944.
(1/206)

عائشة كانت - وهي زوج النبي - لا تؤمن به ولا تعمل بدينه، ولا دليل على هذا ولا ذاك". وهذا كلام حق في ذاته لا شبهة فيه، ولكن الدكتور بشر فارس رأى أنه ليس من نوع البحث العلمي البحت، وأنه من نوع الدفاع والحذق في الجدل؛ فقال: "والذي أراه أن هذا الاستدلال مجتلب بل محض ذاتي، وذلك لأننا نعلم من طريق المشاهدة والملاحظة أن البشر يتفق لهم أن يزلوا إن كانوا من أهل التصديق والإيمان, ولولا هذا ما احتاجوا إلى رب تواب ... وكيفما كانت الحال فإن قصة الإفك لا تحتاج إلى مثل ذلك الاجتهاد ... (1)، فسيرة الصديقة في أيام النبي وبعده تبدو فوق الشبهة، وأما سيرة صفوان فنزيهة بشهادة الرسول نفسه".
وهذا كلام صحيح أيضًا، فعائشة في إيمانها ودينها وتقواها وسيرتها في حياة النبي وبعده فوق مستوى الشبهات، سيرة الأطهار والأبرار، ولا يمكن لمنصف أن يفهم من كلام الدكتور بشر غير هذا، ولكن الأستاذ العقاد لم يتورع عن أن يرمي الدكتور بشرًا بما لا يُفهم من كلامه بأي وجه من وجوه التأويل، فهو يقول (أي العقاد): "وإذا كان لهذا الكاتب عذر من قلة الفهم، فكان ينبغي أن يتجنب قلة الذوق؛ لئلا يجمع بين الفقرين السيئين، وفي واحد منهما كفاية، فلا يحسب علينا أن نطيل القول في حديث الإفك دفاعًا وتصحيحًا، وهو يطيل القول فيه للتوهين والتشكيك".
__________
(1) راجع القول كله في كلمة الشيخ موسى السابقة لهذه.
(1/207)

هكذا والله يقول العقاد، وما ندري أين التوهين والتشكيك في كلام بشر؟ إلَّا أن يكون سوء الطوية من العقاد، والحقد الذي يدفعه إلى أن يرمي كل من تعرض لكلامه وآرائه بغير الاستحسان والتقريظ، فإن بشرًا لم يخالفه في معنى من المعاني، وخاصة في تفنيد الإفك من وجهة العقل والخبرة بسيرة السيدة عائشة وطهرها ونقاء تاريخها من كل شائبة، وأن "سيرتها في أيام النبي وبعده تبدو فوق الشبهة" كما قال بشر.
* * *

وما أردت إلى الدفاع عن الأستاذ بشر، فإنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، ويعرف كيف يوقف العقاد عند حدّه، وإنما أردت أن أصور عدوان العقاد وطغيانه؛ ليحذر الناس من تحريفه الكلام عن مواضعه.
* * *
(1/208)

الانتقاد على المنار وتفسيره (*)
مولاي الأستاذ السيد العلامة حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
قرأت في العدد السابع من المجلد 31 من المنار الزاهر في تفسير قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101] ص 509 ما نصه: (وفي مسند أحمد عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن منكم منافقين فمَن سميته فليقم". ثم قال: "قم يا فلان". حتى سمى ستًّا وثلاثين). وروى غير هذا في معناه.
ولما كنت أعمل - كما تعلمون - في وضع فهارس دقيقة مفصلة لمسند الإِمام أحمد فقد استغربت أن يكون فيه هذا الحديث، ثم رجعت إلى فهارس المسند التي عملتها، فأيقنت أنه لم يروِهِ أحمد أصلًا من حديث ابن مسعود؛ فإنه لم يروِ من حديثه فيما يتعلق بالمنافقين إلا خمسة أحاديث هي: حديث المواظبة على إجابة النداء بالصلاة وفيه: "ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه". رواه مرتين في صفحة 382 و 414 ج 1.
__________
(*) مجلة المنار، المجلد الخامس والثلاثون، الجزء التاسع ص 714، جمادى الآخرة 1359/ أغسطس 1940.
(1/209)

وحديث: "إن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه" إلخ. وهو ليس نصًّا في وصف المنافقين، ورواه ثلاث مرات في ص 383 ج 1.
ولم يروِ من حديث ابن مسعود في خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أربعة أحاديث، هي أحاديث خطبة الحاجة، رواه بأربعة أسانيد في ص 392 و 393 و 432 ج 1.
وروى في التفسير من حديث ابن مسعود 36 حديثًا ليس منها هذا الحديث على اليقين، ولولا خوف الإطالة لذكرتُها بصحتها.
وقد رجعت إلى الدر المنثور للسيوطي فوجدته روى قريبًا من هذا المعنى من حديث ابن عباس ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ وابن مردويه، وهو في تفسير ابن جرير الطبري كما قال السيوطي ولفظه: (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق". فأخرج من المسجد ناسًا منهم ففضحهم) ... إلخ. ونسبه صاحب كتاب جمع الفوائد للطبراني في الأوسط وقال: (يُضَعَّف). وحقيقة أن في إسناده عند ابن جرير ضعفًا. وكذلك نقله ابن كثير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، ولم يذكر مَن أخرجه، وظاهر أنه أخذه من تفسير ابن جرير.
وذكر السيوطي في الدر المنثور حديثًا آخر لابن مردويه عن أبي
(1/210)

مسعود الأنصاري قال: لقد خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما شهدت مثلها قط. فقال: "أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى قام ستة وثلاثون رجلًا). وذكر باقي الحديث ولم يتكلم على إسناده من الصحة والضعف فلا ندري ما هو، وليس انفراد ابن مردويه بحديث مما يطمئن معه القلب إلى صحته.
وأظن أن هذا الأخير هو الأقرب إلى رواية المنار الزاهر، ولكنه من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري لا من حديث عبد الله بن مسعود، ومن رواية ابن مردويه لا من رواية الإِمام أحمد بن حنبل في المسند.
هذا ما بدا لي في استخراج هذا الحديث، أرجو من أستاذي الجليل أن يتفضل بنشره في المنار، وأن يمن على تلميذه بذكر مصدر الرواية إن كانت منسوبة للمسند من حديث ابن مسعود حقيقةً استدراكًا لفائدة نفيسة كهذه حتى نقيدها عندنا على نسختنا من مسند أحمد، لا زلتم أهلًا للفضل ومنارًا للعلماء والسلام.
تلميذكم المخلص
أحمد محمَّد شاكر، القاضي الشرعي
(المنار)
أشكر لأخينا الكريم خادم السنة بحثه العلمي عن الحديث المذكور، وإيذاننا بنتيجته، وأخبره بأنني نقلته من كتاب (فتح البيان
(1/211)

في مقاصد القرآن) وأنني اطَّلعت على ما ذكر في معناه في تفسير الطبري والدر المنثور وابن كثير وغيرهما، فاقتصرت عليه لاختصاره، بعد أن كنت نقلت غيره، ولم أنشره لأنني أعتقد أنه لا يصح شيء في فضيحة أولئك المنافقين في المسجد بالتصريح بكفرهم بأعيانهم؛ لما صرحت به من تعليل ذلك عقب نقله، ولولا هذا لما ذكرت هذا الحديث أيضًا.
وإنني قد استغربت سكوت السيوطي عن هذا الحديث في الدر المنثور, ولكنني أعلم أنه لم يستقصِ كل ما ورد، وقد راجعت جدول الخطأ والصواب من فتح البيان، لعلي أرى فيه تصحيحًا لخطأ وقع في عزو الحديث إلى المسند، أو إلى ابن مسعود فلم أره فيه، وأنا أعلم أن مؤلفه - رحمه الله - كان يتحرى في نقل الأحاديث، ويقال: إنه كان يستعين في تأليف تفسيره هذا بلجنة من علماء الحديث وغيرهم، ومن الكتب التي كان يعتمد عليها تفسير الشوكاني، فإن وجد الحديث في هذا التفسير يكون ناقلًا له عنه، وإن لم يوجد فيحتمل أن يكون وجده في نسخة للمسند خطية في خزانة كتبه الحافلة، ويحتمل أن يكون عزوه إلى مسند ابن مسعود عند الإِمام أحمد خطأ، ويرجحه عدم نقل السيوطي إياها عنه في الدر المنثور, على أنني قد حذفت هذه الرواية مما طبعته على حدته وكذا من مختصره الذي شرعت فيه، بل قلما أذكر فيه شيئًا من الروايات الصحيحة بألفاظها وتخريجها، وأختم هذا التعليق بإعادة ما بدأت به من شكر أخينا الأستاذ. جعله الله تعالى خير عون على العلم وتحرير كتبه.
(1/212)

ديوان أبي فراس الحمداني (*)
تحقيق الدكتور محمَّد سامي الدهان (1)
أما هذا فكتاب عظيم، بلغ الذروة العليا في إتقان التحقيق والإخراج، لا يكاد يدانيه في هذا كتاب، إلا في الندرة بعد الندرة.
فشعر أبي فراس من الشعر الغالي النفيس، وكان ديوانه محجوبًا أو كالمحجوب، فقد طبع ثلاث مرات وكأنه لم يطبع، مما وقع في طبعاته من النقص والمسخ والتحريف والتبديل.
وقد وفق الأخ الأستاذ المحقق إلى العناية بجمع نسخه المخطوطة في أقطار الدنيا والاطلاع عليها، ورحل من أجله رحلات واسعة، حتى يخرجه صحيحًا كاملًا، بما في الوسع الإنساني من قوة ومن ضعف، فبلغ فيما صنع الغاية أو كاد.
وجعل الأستاذ العلامة هذا الديوان رسالته إلى جامعة باريس، فتقبلته أحسن قبول، ونوقش فيه هناك في العام الماضي، وأجازوه عليه (دكتورية الدولة)، وهي أعلى الشهادات عندهم فيما نعلم.
__________
(*) مجلة الكتاب، المجلد الخامس، السنة الثالثة، الجزء الرابع، جمادى الأولى 1367 ه/ أبريل 1948 م.
(1) 3 مجلدات 200 ص، و 320، 626 صفحة من القطع الكبير. المعهد الفرنسي، دمشق 1944
(1/213)

والدكتور سامي الدهان بلدي أبي فراس، من حلب الشهباء، فرأى أن يخدم شاعر بلده، بإخراج ديوانه إخراجًا صحيحًا، بل إنه شغف بشعره منذ عهد بعيد، واستظهر منه شعرًا كثيرًا: "ثم أردت أن أقول فيه، وأن أظهره مع أقرانه، لعلي أنصفه من ظلمٍ، وأنصره من جور، فلما يممت باريس عام 1936 عملت له وقرأت في شأنه، ولكني انتهيت إلى أن الديوان أبتر، قد ركبه الاضطراب وعمه الفساد، وما علمت بمعدنه من خزائن الغرب حتى شمرت إلى الفهارس، وكتبت إلى الخازنين، وراسلت المستشرقين، ولما كان مؤتمر المستشرقين في بروكسل عام 1938، سافرت إليه، وسألت من يضطلع بالعربية فيه، وتزودت بما ينير سبيلي الجديد، فكان الرأي أن أسير إلى مكامنه بأمهات العواصم". فذكر رحلته إلى برلين، ثم عودته إلى باريس "وفيها نسخ أخرى من الديوان، أقبلت إليّ تحمل الشاعر، من إنكلترة، وإيطالية، ومراكش، وسورية، وتركية، فسألتها عن شعره، وشرح راويه، فجلت ووضحت، ومحت بعض الظن، وأكدت بعض اليقين، وطالت بي الطريق، فأدركني الملال، وأصابني الكلال، وكاد يستحوذ اليأس على قلبي، لولا تشجيع أساتيذي وعونهم، ونصائح المستشرقين ومددهم، ولا ينتهي العمل بإعداد الديوان، فأنا في جامعة غربية أقدم إليها رسالتي وجهدي، فعلي أن أخط بلسانها ما علمت من الشاعر، وما يضيف الديوان الجديد إلى الديوان العتيق، ففعلت وتقدمت بما كتبت إلى جامعة باريس، فرضيت عنه، ومنحتني الموافقة". وهكذا يسير على سننه،
(1/214)

ولا يضن بجهد ولا وقت ولا مال، حتى يتم طبع الكتاب في أوائل سنة 1945 "راجيًا أن يكون قربانًا للأدب وخدمة لحلب، وزكاة للعلم، وأحتسب عند الله ما أنفقت في سبيله من شباب وجهد" (ص 623 - 625).
وأبو فراس شاعر رقيق العاطفة، عذب اللفظ، قوي العارضة، جزل فصيح، وهو عربي النسب والدار، فارس محارب، غاض الغمار، ولقي الأخطار، ووقع في الإسار، في شهر شوال سنة 351، ونقل إلى القسطنطينية، فأكبر فيه الروم البطولة والصراحة والنفس العربية، فأكرموه إكرامًا لم ينله أسير قبله، وأعطاه ملكهم دار البلاط الإمبراطوري (وهو قصر كبير على البحر)، وخصص له خادمًا يقوم بأمره، وأذن له فيما يشاء من الثياب والسلاح، وكان لهذه الفترة من حياته أبلغ الأثر في شعره، حتى يقول الدكتور الدهان (ص 17 من التقدمة): "هذا كله شعر شامي، جميل صادق، جزل فصيح، سهل لين، قد نجد لصوره وتعابيره مثيلًا فيما سبق من أدباء، ومر من شعراء، ولكنه لا يشبه في شيء هذه "الروميات" التي نظمها خلال أسره، ففجرت من نفسه عيونًا، وخلدته على الزمان، فيها شكوى العليل الذي لا يحس حوله بعطف قريب، أو عناية حبيب، تطول عليه الساعات، وتمتد به الأيام، وتتأخر عنه الكتب، فيشتاق منازل الشباب وملاعب الصبا، ويرثي لهذه العجوز العليلة [يريد أمه] التي يقلقها ذكراه".
(1/215)

ولم يعن أبو فراس بجمع ديوان لشعره، شغلًا بما اضطلع به من جلائل الأمور في الحرب والسياسة، وإنما كان يلقيه إلى أستاذه ابن خالويه (الحسين بن أحمد الإِمام النحوي اللغوي المقرئ، المتوفى بحلب سنة 370)، ويحظر عليه نشره، فلما قتل أبو فراس في جمادى الأولى من سنة 357 جمع أستاذه ما ألقاه إليه، وشرحه، وقدم لكثير من قصائده بمقدمات تاريخية تشرح مناسبة القول والغرض فيه، ويقول ابن خالويه في مقدمة الديوان (ص 2): "وما زال رحمه الله إيجابًا لحق الأدب، ورعاية للصحبة، وعلمًا بأهل المحافظة، يلقي إلي دون الناس شعره، ويحظر عليّ نشره، حتى سبقتني وإياه الركبان، فجمعت منه ما ألقاه إليَّ، وشرحته من مزيد أخباره في الأيام المذكورة فيه، بما أرجو أن يقرنه الله عَزَّ وَجَلَّ بالصواب والرشاد، بمنه وطوله، وقوته وحوله".
وقد بلغ عدد المخطوطات من ديوان أبي فراس، التي وقعت للدكتور الدهان واعتمدها في إخراجه وتحقيقه 32 مخطوطة، غير يتيمة الدهر، ومصادر التاريخ والأدب التي فيها شعر أبي فراس، وقد صنف هذه المخطوطات إلى أربع طوائف، بتقارب روايات كل طائفة، وتشابهها في عدد القصائد والأبيات، وفي الشروح، واتحادها في الخطأ والصواب. فالطائفة الأولى 6 نسخ، والطائفة الثانية 8 نسخ، والطائفة الثالثة نسختان، والطائفة الرابعة 16 نسخة، وتختلف هذه النسخ في عدد القصائد وعدد الأبيات اختلافًا واسع المدى.
(1/216)

وقد أحصى الدكتور المحقق القصائد والأبيات في كل نسخة من هذه النسخ، وفي هذه الطبعة التي حققها، ووضع لذلك الجدول الآتي:
............. عدد القصائد ... عدد الأبيات
الطائفة الأولى ... 329 ... 2867
الطائفة الثانية ... 275 ... 2643
الطائفة الثالثة ... 204 ... 2328
الطائفة الرابعة ... 275 ... 2299
هذه الطبعة المحققة ... 364 ... 3724
وأما الطبعات الأولى للديوان فلا قيمة لها, ولا تكاد تذكر بجانب هذا العمل الضخم، والجهد النادر في التحقيق والإخراج، وإنما نشير إليها إشارة:
فأول طبعة ظهرت في بيروت سنة 1873 في المطبعة السليمية في 151 صفحة من القطع المتوسط، يقول الدكتور الدهان: "وهي مشوهة مصحفة مشحونة بالأغاليط، محشوة بالأخطاء، وزاد في ضعفها أنها اعتمدت على أضعف النسخ، فأخذت مخطوطة من نسخ دار الكتب المصرية، لعلها (رقم 2150) من الطائفة الرابعة". ثم ذكر مثالاً مما فيها من تحريف (ص 23 من التقدمة).
(1/217)

والطبعة الثانية ظهرت سنة 1900 في بيروت بالمطبعة الأدبية في 159 صفحة، وليست خيرًا من سابقتها، وزادت عليها شرحًا لفظيًّا اعتمد مؤلفه فيه على حل الألفاظ من (القاموس المحيط)، ونسب ناشرها هذا الشرح لنفسه، وقد كشف الدكتور الدهان أنه ليس له كما يدعي: "بل هو لعالم فقيه من علماء القرن الحادي عشر، عرفنا أنه عبد اللطيف البهائي، كان قاضيًا ببلغراد، وحفظ شرحه في إستانبول ومصر"!
والطبعة الثالثة صورة من الطبعة الثانية، ظهرت في سنة 1910.
وقد زادت طبعة الدكتور الدهان على هذه الطبعات الثلاث 152 قصيدة، غير الأبيات التي تزيد في صلب القصائد في تلك الطبعات، ثم تتبع الشعر الذي نسب إلى أبي فراس في كثير من المراجع المخطوطة والمطبوعة "ولم يرد في أمهات المخطوطات، وقد شككنا بصحة نسبتها إلى شاعرنا". وهي 12 قطعة (ص 450 - 455)، ثم ذكر ثلاث قطع نسبت إلى أبي فراس وهي لغيره، اثنتان منها لسيف الدولة، والثالثة لابن المعتز (ص 456 - 457).
ثم أتبع الكتاب بترجمة أبي فراس وأخباره، عن كتب الأدب والتاريخ, ذكرها بنصوصها، توثقًا وتثبتًا، وحرصًا على الأمانة والدقة (ص 459 - 480)، ثم صنع (شجرة) للأسرة الحمدانية، استنبطها من شرح ابن خالويه، ومن شعر الشاعر نفسه ومن تاريخ ابن خلكان وغيره من مصادر التاريخ.
(1/218)

وأعقب ذلك بعشر فهارس دقيقة متقنة، خيرها وأنفسها أولها وآخرها؛ فإنه في الفهرس الأول تتبع مصادر شعر الشاعر في مطاوي كتب الأدب والتاريخ, اختار منها ثلاثين كتابًا، فأحصى كل ما روته له من شعر، ذكر صدر البيت وبحره وقافيته، وعدد الأبيات ومواقعها من كل كتاب بتعيين الجزء والصفحة.
وفي الفهرس العاشر الأخير لخص مضمون القطعة أو القصيدة في جملة قصيرة ترمز إلى هدف الشاعر منها "فإن كان ثمة شرح أو تعليق لابن خالويه اختصرناه، وإن لم يكن اقتبسناه من عبارة الشاعر نفسه، فلم نبتعد عن الأصل" (ص 591).
ولم يخل الكتاب من أغلاط مطبعية وغير مطبعية، تتبع الأستاذ الدكتور كثيرًا منها، ووضع في آخر الكتاب بابًا للتصويب والاستدراك، وأعرض عن كثير مما يدركه القارئ ولا يخفى على فطنة المطالع، خصوصًا ما كان منها في تعليقاته على الديوان.
وعندي أن مرد كثرة الأغلاط إلى الحرص على الشكل الكامل للكلمات في متن الديوان، وهذا الشكل الكامل غلو في الأناقة، يتجاوز حد الضرورة، بل يتجاوز حد الكمال والنظر يند عنه حين التصحيح، بل هو قد يضل المصحح عما تحته من خطأ في الكلمة، أو عما يجاوره من خطأ في غيرها، وأرى أن الواجب أن يقتصر في الشكل على ضبط ما يظهر صحة الكلمة من الحروف، فرب حرف
(1/219)

واحد يضبط من الكلمة يضعها صحيحة على لسان القارئ لا تحتمل تصحيفًا، وبعض الكلم يكفي في تعيينها ضبط حرفين، والنادر من الكلم ما يحتاج إلى ضبط كل حروفه، ولعل نصف الكلمات أو قريبًا من نصفها لا يحتاج إلى ضبط، فيكون ضبطها عبثًا وتزيدًا.
وأنا أظن أني خبرت هذا ومارسته فيما نشرت من كتب، وأظن أني استطعت أن أستغني عن أكثر الشكل فيما أخرجته من الأجزاء من (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، وقد أخطئ بعض الشيء فأشكل ما ليس بمشكل ولكني أحرص على أن لا أتجاوز ما رسمت.
وبعد: فلعل أكثر ما آخذه على الصديق الدكتور سامي أنه غلا غلوًّا شديدًا في إثبات اختلاف النسخ التي وقعت له من الديوان، وكثير منها مسخها الناسخون، وأفسدها الرواة الجاهلون، فإذا ما أراد القارئ أن يتتبع اختلاف الروايات في البيت أو الكلمة أضلته هذه الروايات الواضحة الغلط، وكان في بعضها ما يغني، وأنا أرى أن القصد في ذلك أفضل، وأن لا يثبت من اختلاف النسخ إلا ما احتمل التصويب، وما لم نجزم بخطئه قطعًا إلا أن يكون الخطأ في نسخة معتمدة يخشى أن يغتر بها بعض القارئين، أو يكون في طبعة وحيدة للكتاب سارت بين الناس وكثرت في أيديهم، فيخشى أن يعتمدوها حجة إذا غلب عليها الصحة، أما إذا غلب عليها الغلط، فأرى أن التنبيه عليها ووصفها كافٍ عن تتبع أغلاطها، وما أقول هذا إلا عن تجربة وعناء، وأسأل الله التوفيق.
(1/220)

وبعد مرة أخرى: فلو أذن لي الصديق لاقترحت عليه أن يعيد نشر الديوان في طبعة قريبة التناول للقراء والأدباء، وأكثرهم فقراء أو متوسطو الحال؛ فإن ثمانية جنيهات أو عشرة ثمنًا للنسخة الواحدة من هذه الطبعة الفاخرة الغالية، يشق على أكثر الناس، ولا يستطيعه إلا خاصة الخاصة، والمتشوقون إليه والمقدروه قدره ينظرون إليه ثم لا يستطيعون، ولعله مجيب هذا الرجاء، إن شاء الله.
* * *
(1/221)

الفتح المبين في طبقات الأصوليين (*)
تأليف الأستاذ عبد الله مصطفى المراغي (1)
صديقي الأستاذ الشيخ عبد الله المراغي ممن رزق حب العلم، وحب العناية به والتوسع فيه، فكان ديدنه منذ نشأته أن يحرص على البحث والاطلاع، ولا يزال يشغل ما يجد من وقت يخلو فيه من عمله الرسمي بالعلم والتعمق فيه، وهذا الكتاب باكورة ما ينشر من آثاره، فإني أعرف أن له كتبًا غيره لم تنشر، أراني بعضها, ولعله يوفق إلى نشرها إن شاء الله.
وهذا الباب الذي صنع فيه هذا الكتاب، باب طريف، هو من باب التراجم، والتراجم محببة إلى القلوب، تنبسط إليها النفس وترتاح، ففيها تعرف لأحوال من سبق من العلماء وغيرهم، وفيها عبرة وعظة، ولكنه باب خاص لم يسبق إليه فيما نعلم، قصَد فيه إلى استيعاب تراجم علماء الأصول وحدهم، ولا نعرف أحدًا ألف فيه كتابًا يحصرهم خاصًا بهم، إلَّا ما حكى السيوطي في (حسن المحاضرة) إذ ترجم نفسه وأثبت في الترجمة مؤلفاته، فذكر منها كتابًا
__________
(*) مجلة الكتاب، المجلد الخامس، السنة الثالثة، الجزء الخامس، ربيع الثاني 1367 ه، مارس 1948.
(1) الجزء الأول، 272 صفحة و 40 فهارس من القطع الكبير مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر سنة 1366 ه.
(1/222)

في (طبقات الأصوليين)، وما رأينا هذا الكتاب قط، ولا علمنا أنه يوجد في مكتبة من مكاتب العالم، مما وصل إلينا خبره، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في ص 10، وقال: "وإذا تحدثنا بنعمة الله علينا فقلنا: إن عملنا هذا غير مسبوق، فإننا نعتمد في ذلك على الاستقراء والبحث". وأنا أوافقه على هذا.
والكتاب سيكون في ثلاثة أجزاء، كما علمت من المؤلف، ورتبه ترتيب الطبقات, أي؛ أنه ذكر تراجم الأصوليين على طبقاتهم في التاريخ: الأقدم فالأقدم، وقد وصل في آخر هذا الجزء الأول إلى ترجمة (أبي القاسم الباجي) المتوفى سنة 493، أي إلى أواخر القرن الخامس الهجري.
وقدم لكتابه بمقدمة جيدة، في 21 صفحة، تحدث فيها عن علم الأصول، وأول من كتب فيه، وعن طرق الأصوليين في التأليف، وعن الأصوليين في عصري الاجتهاد والتقليد. ثم شرع في التراجم، فتحدث عن (الحالة العلمية في القرن الأول الهجري)، ثم بدأ بسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ترجم بعض الصحابة والتابعين، وأتبع ذلك بكلمة عن (الحالة العلمية في القرن الثاني)، وترجم لمن عندهم من علماء الأصول في ذلك القرن، ثم صنع مثل ذلك في كل من القرون: الثالث والرابع والخامس.
والتراجم في الكتاب متوسطة، بل هي أقرب إلى الإيجاز، ولعل عذر المؤلف في هذا أنه يرمي إلى استيعاب تراجم الأصوليين، وهم
(1/223)

كثيرون، فلعله لو أسهب طال الكتاب جدًّا, وليته فعل، إذن لكان ذلك أجدر به، وأقوى لكتابه، وأكثر فائدة ومتعة للقارئ، خصوصًا الذين تخفى عليهم كتب المتقدمين في التراجم وموسوعاتهم، والذين يضيق صدرهم أن يقرؤوا نفائس ما كتب الأقدمون. ولكن المؤلف على ما أوجز لم يقصر في إرشاد القارئ المجتهد الطلعة إلى مصادر التراجم التي أخذ منها، حتى يشبع نهمه، وييسر له سبل التوسع والبحث.
وليت المؤلف الفاضل لم يحرص على السجع في عنوان الكتاب، فهذه طريقة كانت مستحبة في وقت ما، في وقت التكلف في الكلام وفي الكتابة: (الفتح المبين في طبقات الأصوليين)! وما أبدعه اسمًا للكتاب لو كان (طبقات الأصوليين) ليس غير.
وعلم (الأصول) علم مستحدث، أول من ألف فيه الإِمام الشافعي محمَّد بن إدريس، المتوفى سنة 204، كتب فيه "كتاب الرسالة"، وبعض كتب أخرى صغيرة في مسائل من مسائله، وما أظن أن هذا الاسم (الأصول) كان معروفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي يعرفه المتأخرون لا في عصر الشافعي ولا قبله وإنما (كتاب الرسالة) كتاب في أصول استنباط المسائل الفقهية من الكتاب والسنة، وكذلك كتب الشافعي الأخرى، أما أن تكون وضعت لهذا المعنى المتعارف، فما أظن ذلك، وأيًّا ما كان فمن اليقين أنه لم يكن معروفًا بهذا المعنى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه ولا تابعيهم، فلذلك
(1/224)

لا أرى ما رآه المؤلف من ذكر سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتراجم بعض أصحابه وبعض التابعين في كتاب خاص بتراجم الأصوليين، والقارئ لا يستطيع أن يفهم، مهما نحاول أن نتأول أو نتكلف، أن يكون رسول الله وأبو بكر وعمر وسلمان الفارسي وسعيد بن المسيب من (الأصوليين)، بل هو لا يكاد يسيغ أن يعتبر أبو حنيفة ومالك وابن وهب وابن القاسم من الأصوليين؛ إذ ليس لواحد منهم كتاب ولا جزء ولا بحث في (علم الأصول).
ومراجع المؤلف التي رجع إليها في تعرف التراجم، مراجع جيدة معتمدة إلَّا قليلًا، فقد اعتمد على بعض المؤلفات المحدثة، التي ليس لمؤلفيها آراء أو أبحاث في مثل هذا الموضوع الجليل، إنما هي نقل صرف عن المصادر الأصلية التي جعلها المؤلف من مراجعه، والنقل قد يخطئ، فما استطعت أن أرجع إلى المصادر الأولى للتاريخ والتراجم، فلن ألجأ إلى من ينقل عنها، وخاصة إذا لم يكن ممن عرف بالدقة والتحري والضبط لما ينقل، وهذه إشارة عابرة، ولا أقصد بها إلَّا الطمأنينة والثقة.
* * *
(1/225)

نِحَل عبر النَّحْل (*)
لتقي الدين المقريزي
تحقيق الأستاذ جمال الدين الشيال (1)
ما أجدني في حاجة إلى وصف هذا الكتاب، ولا التنويه بقيمته العلمية، وقد كفانا الأستاذ محققه مؤونة ذلك، بمقال ممتع وصفه فيه وصفًا جيدًا، نشر في مجلة "الكتاب" في المجلد الأول (ص 886 - 889) قال في آخره: "ولقد بدأت في طبع الكتاب، وأرجو أن أكون قد وفقت في شرحه وتحقيقه، بحيث يرضي قراء العربية".
وقد أوفى بوعده، ولكني لا أراه أوفى بشرطه. وأرجو أن يعذرني الأستاذ الشارح إذا لم أرض عن طريقة إخراجه للكتاب، وعما صنع في شرحه، في أكثر ما صنع، فما أريد التعنت ولا تتبع الأغلاط، ولكني أريد الخير له ولقراء العربية.
وأول ما آخذ على الكتاب هذا العنوان الإفرنجي الذي وضع في ظهر الكتاب، فما الضرورة إليه؟ ! لقد علمت من الأستاذ الشارح أن هذا ليس من عمله، وأنا أصدقه وأعذره، ولكن يجب أن يعلم الناس أن التعلق بأذيال الإفرنج ومحاولة كسب ثنائهم ورضاهم ليس مما
__________
(*) مجلة الكتاب، عدد ذي القعدة 1365 ه، أكتوبر 1946 م.
(1) 126 صفحة من القطع المتوسط. مكتبة الخانجي. القاهرة سنة 1946.
(1/226)

يسيغه أبناء العروبة في هذا العصر، كتاب عربي ينشر للعرب ولمن يعرف العربية من غيرهم، فما بالنا نضع له عنوانًا بغير لغته؟ ! الإفرنجي الذي يطلب مثل هذا الكتاب يعرف العربية، والذي لا يعرف العربية منهم لا يطلبه. أخشى أن يكون هذا تقليدًا صرفًا لهم حين ينشرون شيئًا من آثارنا, ولكنا لا نستطيع أن نرغمهم على ما يرضينا, ولكنا نستطيع أن نعرف لأنفسنا قدرها, وللغتنا حقها، فنخرج الكتاب عربيًّا أصلًا وعنوانًا.
ثم الأخطاء المطبعية في الكتاب كثيرة، لا أحب أن أعرض لشيء منها، فإن ذلك يطول جدًّا، وكثير منها يدركه القارئ المتوسط.
وقد اجتهد الأستاذ الشارح في تحقيق متن الكتاب، وتعب فيه تعبًا شديدًا، وهو جهد مشكور، فإنه لم يجد من الكتاب إلا نسخة واحدة مخطوطة، كتبت في شهر شوال سنة 1229، ويظهر من وصفها ومن تحقيقات الأستاذ الشارح أنها غير جيدة التصحيح؛ فلذلك اضطر لأن يراجع نصوصها عند تحقيق متنها إلى كل الكتب العربية التي كتبت عن الحيوان. ولكني أراه غلا في ذلك غلوًّا شديدًا، لا أريد الغلو في الرجوع إلى المصادر التي رجع إليها، فهذا عمل واجب، ولكني أريد الغلو في تحكيم النصوص الأخرى في نص المؤلف، حتى إنه ليغيره في أكثر المواضع إلى ما في المصادر الأخرى، دون ضرورة ولا موجب من خطأ يصححه، أو نقص يكمله، فأخرج الكتاب للمقريزي بنصوص كثيرة لم تكن كلام المقريزي، بل كانت كلام غيره، ولو اتبع
(1/227)

الطريق العلمي الصحيح في إخراج الآثار العلمية القديمة، لأثبت النص كما هو، ثم قرن إليه ما يشاء من نصوص غيره، إن وجد إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ملجئة.
وسأذكر مثلًا من ذلك مما في الكتاب، لا على سبيل الحصر والاستقصاء، وهي تدل على ما وراءها:
(ص 1 - 2 في أول الكتاب) قال المقريزي: "النحل حيوان، وهيئته ظريفة، وخلقته لطيفة، ومهجته نحيفة، وسطه مربع" إلخ. هذا نص المؤلف الذي يؤخذ من التعليقات التي كتبها الشارح، فإنه غيّره في صلب الكتاب، وأثبت في الهوامش ما كان في الأصل ومصدر التغيير، أثبته هكذا: "النحل حيوان [ذو] هيئة ظريفة، وخلقة لطيفة، وبنية نحيفة، وسط [بدنه] مربع". أظن أن القارئ يرى أن معنى النصين واحد، وأن كلام المقريزي سليم، فما الذي دعا الشارح إلى أن يزيد كلمتي (ذو) و (بدنه)، وأن يغير "مهجته" إلى "بنيته"، ثم يقول: إن التصحيح عن القزويني ومسالك الأبصار؟ ! لو كان القزويني وابن فضل الله العمري متأخرين عن المقريزي ونقلا كلامه لكان له عذر أن يعتبر النص فيها نسخة أخرى من كلام المقريزي، ولكنهما متقدمان عليه، والمقريزي لم يزعم أنه نقل كلامهما، بل كل مؤلف يعبر عما يعلم مما قرأ في كتب المتقدمين بالعبارة التي تروقه، فليس لنا أن نلزم واحدًا منهم بكلام الآخر، إلَّا أن يكون خطأ، فنثبت كلامه كما هو، ثم نبين ما نرى من تصحيحه.
(1/228)

ص 13: "وجنس النحل ألطف أجناس الحيوان كلها, ولذلك تكره كل رعي يكون منتنًا أو زهم الرائحة [وهي تكره النتن، وتكره أيضًا الروائح الدهنية] والأدهان". فهذه الجملة المزادة بين حاصرتين من الشفا لابن سينا ما الحاجة إليها؟ أليست تكرارًا لما قال المقريزي، وإضعافًا لجزالة الكلام؟ !
ص 14: "وتشرب الماء الصافي [العذب تطلبه حيث كان] ". هذه زيادة زادها الشارح في النص من كتاب في الحيوان دون ضرورة، ولا النص يقتضيها، خصوصًا وأنها ستأتي في كلام المقريزي ص 18 س 3.
ص 61: ([وروى ابن ماجه عن أبي بشير بكر بن خلف قال: حدثني يحيى بن سعيد عن موسى بن أبي عيسى الطحان عن عبد الله عن أبيه، أو عن أخيه عن] النعمان بن بشير [رضي الله تعالى عنه] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن مما تذكرون" ... إلخ. ثم قال: [ورواه الحاكم، وقال]: صحيح على شرط مسلم). فهذه زيادات زادها الشارح عن الدميري، لا أدري ما الحاجة إليها، بعد أن ذكر أن في الأصل: "ولابن ماجه من حديث النعمان؟ " المقريزي يروي الحديث، ويكتفي بأن ينسبه لابن ماجه دون ذكر إسناده، فأين النقص في الأصل الذي يدعو إلى أن نغيّر نصه بنص الدميري الذي ذكر الإسناد؟ ثم ماذا يضطرنا إلى زيادة (ورواه الحاكم، وقال)؟ هذه زيادة يحسن أن تكون في الشرح تعليقًا؛ لأن المعنى يتغير بها بعض
(1/229)

التغير، فإن المقريزي محدث معروف، فهو يصحح الحديث على شرط مسلم بأنه يوثق به في ذلك، ولكن هذه الزيادة جعلت التصحيح من كلام الحاكم وحده، أما لو بقي الكلام على أصله لكان لنا تصحيحان: تصحيح الحاكم، وتصحيح المقريزي.
وقد أخطأ الشارح هنا خطأ عجيبًا في ترجمة يحيى بن سعيد الذي في الإسناد، فزعمه "يحيى بن سعيد الأنصاري"! مع أنه ذكر أنه مات سنة 143، وذكر في ترجمة الراوي عنه "بكر بن خلف" أنه مات في سنة 240، فأنى يستطيع بكر أن يسمع من يحيى وبينهما هذا العمر الطويل؟ إن يحيى بن سعيد في هذا الإسناد، هو "يحيى بن سعيد القطان" المتوفى سنة 198، ولو رجع الشارح إلى ترجمة "موسى بن أبي عيسى" في التهذيب لوجد أن من الرواة عنه "يحيى القطان"، ثم إنه أثبت لقبه "الطحان" وهو "الحفاظ" كما في التهذيب، وليس هذا الخطأ منه، بل هو من نسخة الدميري، ولم يتنبه له الشارح. وفي الإسناد خطأ آخر: "عن عبد الله عن أبيه" والذي في الدميري 2: 403 طبعة بولاق "عن عون بن عبد الله عن أبيه"، وهو الصواب.
ص 64 في أثر عن كعب الأحبار: "ليس بفاحش ولا بسخاب" هكذا في الأصل، فغيره الأستاذ المحقق إلى "ليس بفحاش ولا صخاب". وذكر في الهامش أن التصحيح عن الدميري. وهذا الأثر نقله المقريزي عن "مسند الطبراني"، وهو غير موجود حتى يتيسر الرجوع إليه، فكان على المحقق أن يثبت الأصل كما هو، ثم إن شاء
(1/230)

أثبت رواية الدميري؛ لأن الأصل صواب غير خطأً، خلافًا لما يوهمه صنيعه، فإن "الفاحش" و"الفحاش" بمعنى، وكذلك "السخاب" و"الصخاب" بالسين والصاد، جاءا كلاهما في الأحاديث، وفي لسان العرب. "والسخب والصخب بمعنى الصياح، والصاد والسين يجوز في كل كلمة فيها خاء". فلم يكن ما في الأصل خطأ حتى يجوز للأستاذ تجاوزه وتغييره إلى غيره.
وأعجب من هذا كله أن ينقل المؤلف قطعة من كلام الغزالي في الإحياء، والإحياء كتاب مطبوع متداول، فلا ينشط المحقق لمراجعة النص على أصله، بل يراجعه على نقل الدميري عنه، ويتصرف في نص المقريزي بما نقل الدميري. ثم يزيدك عجبًا واستغرابًا أن يقول المؤلف بالحرف الواحد (ص 66 هامشة 11): "ونلاحظ هنا أن اتفاق المقريزي والدميري في الصيغة يدل بوضوح على أن الأول ينقل عن الثاني في هذا الفصل نقلًا حرفيًّا"!
ولماذا هذا الجزم؟ لا أدري والله! ألا يستطيع المقريزي أن يجد نسخة من كتاب الإحياء ينقل عنها حتى يضطر إلى النقل من الدميري؟ والمقريزي أعلم وأوسع اطلاعًا وأخبر بالكتب من الدميري ألف مرة! أفإذا نقلت أنا هذا الفصل عن الإحياء في بعض ما أكتب أتهم بأني نقلته عن الدميري أو عن المقريزي بأنهما أقدم مني؟ ما أظن أحدًا يزعم هذا أبدًا.
ثم قد أطال المحقق هوامش الكتاب بتراجم لكثير من الرجال
(1/231)

الذين يرد ذكرهم فيه، دون حاجة إلى ذلك، وليته لم يفعل! ففي كثير منها العجائب:
انظر إلى ص 49: "وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن الأسود قال: قال عبد الله (؟ ) ". فترجم للأعمش نقلًا عن المعارف، وذكر أنه مات سنة 148، وترجم لشيخه "خيثمة" نقلًا عن كتاب (الأعلام)! ! فذكر أنه "أبو الحسن خيثمة بن سليمان القرشي الطرابلسي"، وأنه مات سنة 343! ! أيعقل هذا أحد؟ الأعمش الذي مات سنة 148 يروي عن شيخ مات بعده بنحو 200 سنة؟ ! وهذا خيثمة الذي يزعمه يروي عن الأسود بن يزيد الذي ذكر المحقق أنه مات سنة 74 أو 75؟
الأستاذ الشارح يرجع كثيرًا إلى تهذيب التهذيب، فلو رجع إليه لوجد ترجمة "خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي الكوفي" وهو تابعي يروي عن الصحابة وعن كبار التابعين، فهو الذي يروي هذا الأثر! وقد وضع المحقق بجوار اسم "عبد الله" في الإسناد علامة استفهام؛ ليدل على أنه شبه عليه، فلم يعرف من هو، وهو عبد الله بن مسعود، كما يعرف كل من له خبرة بعلوم الحديث؛ لأن الأسود بن يزيد إذا روى عن "عبد الله" بإطلاق، فهو عبد الله بن مسعود. وكذلك فعل الشارح في أثر بعد هذا عن "عبد الله" ص 50، فوضع بجوار اسمه علامة استفهام، وهو هو.
ومما لا يعجبني من تصرف المحقق في التراجم: أن يترجم لابن
(1/232)

سينا في هامش ص 11, ثم يقول: "انظر دائرة المعارف الإِسلامية مادة ابن سينا، وما بها من مراجع"! ! أفأفلست كتب التراجم من مؤلفات علماء الإِسلام المطبوعة حتى نحيل القارئ على مراجع نادرة يشير إليها مؤلفو دائرة المعارف الإِسلامية الأجانب، وكثير من مراجعهم مطبوعات أوربية نادرة، وأكثرها مصادر غير عربية؟ ! فليت الشارح ترك هذه الترجمة، فابن سينا أشهر عند أبناء العروبة من أن يعرفوا ترجمته من مصادر أجنبية.
ومن نحو هذا، أن يترجم للترمذي صاحب السنن مرتين ص 60 وص 70، يخطئ في الأولى، فيذكر أنه مات سنة 79 ويصيب في الثانية أنه مات سنة 279 وما كانت به حاجة إلى ترجمته هنا ولا هناك؛ فالترمذي معروف لأكثر القارئين، وكتاب عبر النحل ليس موضع تراجم العلماء، وما إلى هذا قصد مؤلفه! وانظر أيضًا التراجم التي في ص 47، أتجد واحدة منها كانت ضرورية في تحقيق الكتاب؟ !
ومن المعروف بداهة أن المحقق ليس من علماء الحديث، ولا كانت علوم الحديث صناعته، فماذا يلجئه إلى أن يخرج الأحاديث على غير طريقة المحدّثين، ماله ولهذا؟ ! ويذكر المقريزي حديثًا (ص 56) ينسبه إلى سنن أبي داود، فيأتي الأستاذ فيذكر في الهامش: "روي هذا الحديث بإسناد آخر في: ابن قتيبة، عيون الأخبار"! متى كان عيون الأخبار كتابًا من كتب السنة يخرج منه الحديث، وابن قتيبة
(1/233)

لغوي أديب إخباري، وكتابه كتاب أدب، وكتب السنة كثيرة متوافرة؟ !
ومن الأغلاط في الأعلام ما جاء في ص 79 س 3: "وكتب أبو بكر محمَّد بن عمر، وابن حزم إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة"، وصوابه "أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم"، وهو الذي كان عامل عمر بن عبد العزيز على المدينة، فظنه المحقق رجلين، وإن كان هذا يناقض سياق الكلام أنه رجل واحد، "أبو بكر محمَّد بن عمر" بحذف "ابن" و"ابن حزم"، وهكذا وضعه في فهرس الأعلام مقسومًا إلى علمين "أبو بكر محمَّد بن عمر" ص 111 في الجدول الأيسر، و"ابن حزم" ص 111 في الجدول الأيمن، ولما ظنهما اثنين أعرض عن الترجمة لهما، إذ لم يجد في مراجعه ما يرشده إليهما على النحو الذي أثبته.
ومنها أيضًا ما جاء في ص 75: "عن سليمان بن موسى؛ أن أبا سيار النسعي (؟ ) قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - " ... إلخ. وعلامة الاستفهام من وضع الأستاذ المحقق وصحة هذا الاسم "أبو سيارة المتعي" بضم الميم وفتح التاء المثناة الفوقية، وله ترجمة في الإصابة 7: 94، وذكر له الحديث الذي هنا، ونسبه لأحمد والبغوي وابن ماجه. وهو في مسند أحمد 4: 236، وسنن ابن ماجه 1: 287 ورواه أيضًا ابن حزم في المحلى 5: 232 بتحقيقنا، ورواه ابن سعد في الطبقات ج 7 ق 2 ص 136.
ومما يتصل بذلك أيضًا ما جاء في ص 68: "وفي تاريخ أصفهان
(1/234)

في ترجمة أحمد بن الحسن عن عمر - رضي الله عنه - (برفعه): أول نعمة ترفع من الأرض العسل". وعلق الأستاذ على هذا بأن المقريزي لم يعين اسم مؤلف هذا التاريخ, ثم نقل عن الصفدي أسماء الكتب التي ألفت في تاريخ أصفهان، وذكر أنه لم يطبع منها إلا "أخبار أصفهان لأبي نعيم"، وأنه طبع في ليدن سنة 1931. وهذا تقصير شديد منه، فإن المحدثين إذا أطلقوا النسبة إلى تاريخ أصفهان فإنما يقصدون كتاب أبي نعيم، وهو مطبوع كما ذكر المحقق، فلو أنه نشط إلى مراجعته بدلًا من مراجعة الوافي للصفدي لوجد هذا الحديث فيه 1: 116 في ترجمة "أحمد بن الحسن بن عبد الملك"، ولوجد أن صحة اسم الصحابي "عبد الله بن عمر" لا "عمر". ثم إن إثباته كلمة "برفعه" بالباء الموحدة خطأ؛ فإن هذه الكلمة اصطلاح للمحدثين، إذا أرادوا أن يختصروا، قالوا: "يرفعه" بالياء المثناة التحتية، فعلًا مضارعًا، يعني يرفع الحديث إلى رسول الله، بدلًا من أن يقولوا: "قال رسول الله".
وقد أخطأ الأستاذ المحقق في تحريف نص للمقريزي يحكي فيه اختلاف القراء في قراءة حرف من القرآن؛ إذ لم يعرف اصطلاح علماء القراءات في حكايتهم للروايات، ولم يرجع إلى شيء من كتبهم، وهي كثيرة مطبوعة، ولم يسأل أحدًا من أهل العلم بها، وما ينبغي مثل هذا في التعرض لحروف القرآن: اختلف القراء في كلمة "يعرشون" من آية النحل، فحكى المقريزي قراءتهم قال: "فقرأ ابن
(1/235)

عامر "يعرُشون" بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها إلَّا عاصمًا فإنه اختُلف عنه، فرُوي الوجهان جميعًا". وهذا كلام واضح لا عوج فيه، أكثر القراء قرؤوا بكسر الراء، وابن عامر قرأ بضمها، وعاصم قرأ بهما معًا. روي عنه الوجهان جميعًا. ولكن الأستاذ المحقق أفسد الكلام، ويعذرني الأستاذ إذا استعملت هذه الكلمة، فإني لم أجد خيرًا منها في موضعها، غيّر كلمة "عنه" فجعلها "عنهم"، وغير كلمة "الوجهان" فجعلها "الوجهين"، فصار الكلام هكذا: "إلَّا عاصما فإنه اختلف عنهم، فروى الوجهين جميعًا" وهذا كلام لا معنى له، ولا يجوز لأحد أن يتصرف في كلام المؤلفين إلى هذا الحد، وإن أثبت الأصل بالهامش، فإن هذا عبث وإقدام على العلم وجرأة، نعيذ أبناءنا المتثبتين أن يفعلوه، أو أن يعود إليه من فعله منهم مرة. والله يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل.
ولو ذهبت أتتبع أمثال هذه الأغلاط في الكتاب، لتعبت وأطلت وأمللت القارئ، وما أريد إلَّا وضع الأمور مواضعها، وتنبيه الأستاذ المحقق إلى أمثلة مما صنع، عساه أن يتحرى في إخراج سائر كتب "مكتبة المقريزي الصغيرة"؛ فيخرجها على النحو الذي يجب أن تخرج فيه بين يدي القراء، حتى تكون تحفة وأثرًا نافعًا، إن شاء الله.
وقد رأيت في الكتاب بعض أغلاط لغوية، أحب أن أنبه إلى ثلاثة منها:
ص 8: "سوس المدائن الكثيرة الأهل". قال الأستاذ في تعليقه:
(1/236)

"كذا في الأصل، والصحيح سياسة". وما في الأصل صحيح، فالسوس والسياسة: كلاهما مصدر "ساس يسوس" كما في لسان العرب.
ص 32: "فتجدها الرعاة" ذكر الأستاذ في التعليق: "في الأصل: الرعا". والمعتاد في الخطوط القديمة حذف الهمزة، لا حذف الهاء، فالصواب أن تقرأ "الرعاء" بكسر الراء وبالمد، وهو جمع راع، يقال: "راع، ورِعاء"، و"راع، ورعاة".
ص 81: "ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار (؟ ) ". فيظهر من علامة الاستفهام أن الأستاذ المحقق اشتبه في أن كلمة "الأقطار" خطأ، وهي صواب، الأقطار: النواحي، واحدها "قطر"، وهي كلمة قرآنية معروفة.
* * *
(1/237)

مقتل مالك بن نويرة وموقف خالد بن الوليد (*)
أصدر سعادة الدكتور محمَّد باشا هيكل بضعة كتب في التاريخ الإِسلامي في الصدر الأول، وكان عملًا ناجحًا؛ ناجحًا من ناحية النَّفاق تمامًا، فما يكاد الكتاب منها يصدر حتى تتخطفَه الأيدي، وحتى تكادَ نُسخُه تَنْفَد من السوق، وناجحًا من الناحية العلمية بعض النجاح. ولو لم يكن من أثره إلَّا أن يُحبَّبَ إلى شبابنا - الذين كدنا نفقدهم قراءة سيرة رسولهم، وأخبار قومهم وسلفهم، وكانوا من قبلُ يُعرضون عن دينهم وعن عروبتهم، ويتمسحون في أوربة ويقدسونها، ويجهلون كلَّ ميزة لقومهم، بل يكادون ينكرون أنهم أمة من الأمم! لو لم يكن من أثره إلَّا هذا لكفى.
وقد تناول الباحثون المحققون كتابه الأوّل "حياة محمَّد" بالنقد، وطال الجدال حوله حتى لقد ذهب ذاهبون إلى أنه منقول أو مقتبس أو مترجم عن كتاب بهذا الاسم لمستشرق يدعى درمنغهام، ولم يكن لنا سبيل إلى تحقيق ما قالوا؛ إذ لم نطلع على كتاب درمنغهام، عن جهلٍ منا باللغة التي كتب بها. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية أخيرًا، وظهر من عهد قريب، وسيكون لنا في ظهوره فرصة نحقق بها ما رُمي به كتابُ الباشا، فنقول فصوله وأبحاثه إلى مثيلاتها من الكتاب
__________
(*) مجلة المقتطف الجزء الثالث من المجلد 107 (1 أغسطس 1945 م)
(1/238)

المترجم، فنعرف ما أخذ أحدهما عن سلفه، بعد أن عرفنا أنه أخذ منه اسم الكتاب "حياة محمَّد"، وإن كان الكتابان - فيما يبدو لنا - متباينين، وسنرى في ذلك رأينا إن شاء الله.
وكان فيما قرأنا من هذه الكتب، "كتاب الصديق أبو بكر" فأعجبنا منه حسنُ سرده للحوادث، والعناية بعرضها عرضًا جيدًا مشوّقًا. وأبين مزاياه قوةُ المؤلف ومقدرته في تلخيص الروايات وجمعها، وفي الاقتباس والتضمين، حتى ليبدوَ الكلام نسقًا متقاربًا، فإذا ما تأمله العارف وضح له الفرق بين الكلام المقتبس والكلام المؤلَّف، وقد استيقنّا من ذلك في مواضع كثيرة، قارنّا فيها قصَّهُ للوقائع إلى نصوص الأقدمين من المؤرخين وخصوصًا ابن جرير الطبري.
ولهذه الطريقة الطريفة فائدة نحرص عليها، أن يمرن القارئون المحدثون على قراءة النصوص العالية القوية البليغة، التي تحدث بها الفصحاء والبلغاء من الرواة والمؤرخين السابقين، مما كاد يهجره أهل هذا العصر.
وكان لنا على كتابه هذا مآخذ، بعضها هيّن، لا يغض من قيمته، وبعضها خطير. وأخطرها - فيما أرى - وأبعدها مدًى في الإبطال، صنيعه فيما كان بين خالد بن الوليد ومالك بن نويرة، وحبه الإتيان بما لم يأت به الأوائل في الدفاع عن خالد، فجاء
(1/239)

حقيقة بما لم يأت به الأوائل! !
فقد لخص المؤلف - أو اقتبس - الروايات التي وردت في واقعة خالد ومالك، وذكر تضارب الأخبار فيها, ولكنهُ أتى في بعض الرواية بشيء لم نجد عليه دليلًا، وما نظنه يصح، فلو أنه صحَّ لم يكن لخالد عذر، ولم يكن أبو بكر ليعذره، ولوجب عليه أن يأخذه بدم مالك بن نويرة؛ فقد قال المؤلف (ص 145): "إلى هنا تتفق الروايات، ومن هنا يبدأ اختلافها، قال أبو قتادة: إن القوم أقروا بالزكاة وإيتائها. وقال غيره: بل أنكروها وأصرُّوا على منعها"! !
ولم يكن شيء من هذا، فيما نعلم، فقد كان من عهد أبي بكر إلى جيوشه في حروب الردة: "إذا نزلتم منزلًا فأذّنوا وأقيموا، فإن أذنَّ القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلَّا الغارة، ثم تقتلوا كل قِتْلَةٍ، الحرقَ فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإِسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوْها فلا شيء إلَّا الغارة، ولا كلمة". وهذا هو المعقول البديهيّ المعروف من شرعة الإِسلام، ومن أخبار الخلاف بين أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة المرتدين، فقد كان عمر يظن أن منع الزكاة ليس ردةً، وأن إظهار الإِسلام وإقام الصلاة كافيان في حقن الدماء، فأقام أبو بكر عليه الحجة، حتى اطمأنّ إلى أن أداء الزكاة كإقام الصلاة شرط في صحة الإِسلام، فقال عمر: "فوالله ما هو إلَّا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفتُ أنهُ الحق".
(1/240)

فلو أن أبا قتادة ومن معه، الذين خالفوا على خالد، قبل مسيره إلى البُطاح (1) وبعده، وبعد أخذ مالك بن نويرة، شهدوا أن مالكًا وقومه "أقرُّوا بالزكاة وإيتائها" لم يكن خالد ليأمر بقتل رئيسهم مالكٍ إن شاء الله، فإنما كان مسيره ليرجعهم إلى الإِسلام وليأخذ منهم الزكاة، فماذا بعد أن يعطوا ما سار إليهم من أجله؟ لا شيء إلَّا العدوان وسفك الدم الحرام، ونعيذ بالله خالدًا ومن معه من ذلك. فهذه رواية لم نرها في شيء مما بين أيدينا من المصادر، ولا تكون صحيحة أبدًا، فما ندري من أين جاء بها المؤلف! !
وقد ساق المؤلف مسير خالد هذا المساق: "ثم إنه أزمع السير إلى البطاح يلقي فيها مالك بن نويرة ومن كان معه في مثل تردُّده، وعرف الأنصار هذا العزم منه فتردَّدوا وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إنما عهده إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا. وأجابهم خالد: إن يكن عهد إليكم هذا، فقد عهد إليَّ أن أمضي، وأنا الأمير وإليّ تنتهي الأخبار، ولو أنه لم يأتني كتابٌ ولا أمرٌ، ثم رأيتُ فرصةً إن أعلنته بها فاتتني، لم أعلمه حتى أنتهزها، وكذلك إذا ابتلينا بأمر لم يعهد لنا فيه، لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصدٌ له بمن معي من المهاجرين والتابعين لهم بإحسان، ولست أكرهكم". (ص 143 - 144) وهذا النص نقله المؤلف من تاريخ الطبري (3:
__________
(1) البطاح: بضم الباء، وقد ضبطت في الكتاب (ص 136) بكسرها، وهو خطأ.
(1/241)

241 طبعة الحسينية) واختصره بعض الاختصار، وحرَّفه بعض التحريف، وإن أتى بجملته ومعناه تقريبًا, ولا بأس، ولكنَّ في هذه الرواية شيئًا من الشذوذ، تحتاج معه إلى نقد وفحص؛ فليس من منطق الحروب ولا منطق الولايات أن يعهد الأمير الأكبر أو القائد الأعلى إلى من دونه من القواد والولاة بعهد ثم يعهد في الوقت نفسه إلى الجند أو إلى من دون القائد والوالي ممن يأتمرون بأمره بعهد آخر خاصٍّ بهم، بل المعروف في الدنيا كلها، وفي تاريخ الولايات في صدر الإِسلام خاصة، أن الأمير أو القائد له الطاعة الكاملة على من هو في ولايته من الجند والقواد، حتى لو كان أرفع درجة منه أو أقدم إسلامًا وهجرة، والمثل على ذلك حاضرة، يعرفها كل من قرأ شيئًا من التاريخ. فهذه الرواية إما أن يكون فيها شيء من الخطأ من رواتها، وإما أن يكون أبو قتادة - رضي الله عنه - ومن معه من الأنصار سمعوا شيئًا من أبي بكر، ظنوه عهدًا خاصًّا إليهم، فأخطؤوا سمعه أو فهمه، ثم أخطؤوا فيما ذهبوا إليه من الخلاف على خالد، فلما استبانوا خطأهم، بعد أن سار وتركهم، أرسلوا وراءه من استمهله حتى أدركوها ندمًّا على ما كان منهم، ودخلوا معه في أمره.
وفي الطبري رواية أخرى تساير منطق الحوادث، وتساير منطق العهود والولايات (3: 225) فهي تقول: "لما أراح أسامة وجندُه ظهرهم، وجمُّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم، قطع أبو بكر بالبعوث وعَقَد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً، عقد لخالد بن
(1/242)

الوليد وأمره بطُليحة بن خُويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبُطاح إن أقام له". فهذا هو العهد الصحيح، وهو المعقول في شأن الولاة والقواد، أن يكون العهد لهم، وأن تصدر الأوامر إليهم، لا إلى من دونهم من القادة أو الجند.
ولسنا نأخذ على المؤلف أن أتى بتلك الرواية, ولكنا كنا ننتظر منه أن ينقدها ويظهر ما فيها من ضعف، ونأخذ عليه أن أعْرض عن الرواية الصحيحة التي تصوّر الأمر تصويرًا منطقيًّا معقولاً، وتفسر تلك الرواية وتظهر ما فيها من ضعف أو وهم.
ومما يدل على ضعف تلك الرواية أو بطلانها، أن أبا قتادة بعد أن عاد هو ومن معه إلى خالد، وبعد مقتل مالك بن نويرة، عاد إلى سخطه على خالد، فجادلهُ في مقتل مالك بن نويرة، يقول الطبري (3: 242) وصاحب الأغاني (14: 65 طبعة الساسي): "فزبره خالد، فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر، حتى كلمهُ عمر فيه، فلم يرضَ إلَّا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة". فهذا الخليفة، وهو القائد الأعلى إذ ذاك، يغضب على أبي قتادة، على فضله وسابقته، أن خالف عن أمر أميره وقائده، وأن ترك الجيش ورجع إلى المدينة يشكو أميره، لم يقبل له عذرًا, ولم يسمع له شكوى، وأبى إلَّا أن يرجع إلى أميره يكون في طاعته، لم يمنعهُ من ذلك شفاعة عمر، فأطاع وكافي مع أميره حتى وردا المدينة معًا، بعد تمام الغزو الذي خرجوا له.
(1/243)

أفرأيتم هذا يلائم تلك الرواية: أن أبا بكر عهد إلى أبي قتادة ومن معه من الأنصار عهدًا خاصًّا لا يعلمه أميرهم خالد؟ ! وأين احتجاج أبي قتادة بأنه إنما صنع هذا طاعة للعهد الخاص به، وماذا يكون جواب أبي بكر إن حجَّهُ أبو قتادة بما عهد إليه به؟ !
ولست أدري لماذا أعرض المؤلف عن هذا النص القاطع أيضًا؟ إلَّا أن يكون يسوقُ الروايات والأخبار كما يحب ويَرى!
ثم قصَّ المؤلف قصة مقتل مالك بن نويرة، وتزوج خالد أو تسرّيه امرأة مالك بعد قتله، وحكى الروايات المتضاربة التي وردت في ذلك، ويطول القول لو أردنا أن نفصل ما فصلهُ أو نجملهُ. ولكن الثابت من مجموع الروايات أن ضرار بن الأزور الأسديّ قتل مالكًا، فبعضها يجعل هذا القتل عن خطأ في فهم اللغة! تزعم الرواية؛ أن خالدًا أمر مناديًا فنادى "دافئوا أسراكم. وكان في لغة كنانة إذا قالوا: دافأنا الرجل وأدفئوه. فذلك معنى اقتلوه، وفي لغة غيرهم أدفئوه من الدفء، فظنَّ القوم أنهُ يريد القتل، فقتلوه. فقتل ضرار بن الأزور مالكًا" (عن الأغاني 14: 65، والطبري 3: 242). وهذه رواية باطلة، تشبه أن تكون من خيالات الأدباء وفكاهاتهم، وبطلانها ظاهر من أول سياقها؛ فإنها تبدأ بأن الخيل جاءَت إلى خالد "بمالك بن نويرة وفيهم أبو قتادة، وكان ممن شهد أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بحبسهم" وقد بيّنا فيما مضى من قبل أن الأذان وإقام الصلاة مع منع الزكاة لا يحقن الدم ولا يمنع من الحكم عليهم
(1/244)

بحكم الردة، فاختلاف السرية - في هذه الرواية - أو اتفاقها على أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا لا يقدّم ولا يؤخر، إذا كانوا لا يزالون مصرين على منع الزكاة، وإنما هذه الرواية أشبه بالأحاجي والألاعيب.
وتذهب الروايات غيرها إلى أن خالدًا جادل مالكًا وطاوله، فلما استيقن من أمره أمر بقتله، وإن اختلفت ألفاظها فيما حكت من الحوار بينهما ففي تاريخ الطبري (3: 243) "وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعهُ: ما إخال صاحبكم إلَّا وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أو ما تعده لك صاحبًا؟ ! . ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه". وفي تاريخ ابن كثير (6: 322): "ويقال بل استدعى خالد مالكَ بن نويرة فأَنَّبَهُ على ما صدر منه من متابعة سَجَاحِ - المتنبئة الكاذبة - وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك! فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه". وفي ابن خلكان (2: 227 طبعة بولاق): فكلمه خالد في معناها - يعني الزكاة - فقال مالك: إني آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تقبل واحدة دون أخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك! قال خالد: وما تراه لك صاحبًا! والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجاولا بالكلام طويلًا فقال له خالد: إني قاتلك. قال: أو بذلك أمرك صاحبك! قال: وهذه بعد تلك والله لأقتلنك".
(1/245)

وفي رواية لصاحب الخزانة (1: 237 طبعة بولاق) من رسالة لأبي رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي، أن أبا بكر بعث خالد بن الوليد "وأمره أن لا يأتي الناس إلَّا عند صلاة الغداة، فمن سمع فيهم مؤذنًا كفَّ عنهم، ومن لم يسمع فيهم مؤذنًا استحلهم، وعزم عليه ليقتلن مالكًا إن أخذه" وإن خالدًا لما أخذ مالكًا قال له: "يا بن نويرة هلمَّ إلى الإِسلام. قال مالك: وتعطيني ماذا؟ قال: ذمة الله وذمة رسوله وذمة أبي بكر وذمة خالد بن الوليد. فأقبل مالك وأعطاه بيديه، وعلى خالد تلك العزمة من أبي بكر. قال: يا مالك إني قاتلك. قال: لا تقتلني. قال: لا أستطيع غير ذلك. قال: فأت ما لا تستطيع إلَّا إياه. فقدمهُ إلى الناس فتهيبوا قتله، وقال المهاجرون: أتقتل رجلًا مسلمًا! غير ضرار بن الأزور الأسدي من بني كوز، فإنه قام فقتله".
فهذه الروايات وغيرها تدل على أن خالدًا لم يقتل مالكًا إلَّا بعد حوار وجدال، وأنه لم يقتل لخطأ في فهم الأمر بالدفء كما تزعم الرواية الأولى، وإن كان في الرواية الأخيرة ما يفهم منه أن خالدًا أمّن مالكًا وأعطاه الذمة، فيكون قتله بعد ذلك غدرًا, ولكنها لا تدل هي ولا غيرها على أنه عاد إلى الإِسلام وأقر بالزكاة، وهذه الرواية تساير ما روى ابن خلكان وغيره أن متمم بن نويرة جاء إلى أبي بكر يستعديه على خالد ويعتب على أبي بكر، قال ابن خلكان: "فلما بلغه مقتل أخيه حضر إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح خلف أبي بكر الصديق، فلما فرغ من صلاته وانفتل في محرابه، قام متمم فوقف
(1/246)

بحذائه واتكأ على سِيَة قوسه، ثم أنشد:
نِعْمَ القتيلُ إذا الرياح تناوجت ... خلفَ البيوت قَتلتَ يا بنَ الأزْوَرِ
أَدَعَوتَهُ بِاللهِ ثُمّ غَدَرْتَهُ ... لَوْ هُو دَعاكَ بِذِمَّةٍ لَمْ يَغْدِرِ
وأومأ إلى أبي بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غدرتُهُ".
وأكثر الروايات وأرجحها تدل على أن خالدًا كان موقنًا من ردة مالك، وإصراره على منع الزكاة، ولم توجد رواية قط تثبت إثباتًا قاطعًا أن مالكًا رجع عن ردته، وأعطى مقاده مخلصًا للدَّين، وإنما أعطى مقاده مغلوبًا على أمره، وكان يرجو أن يضع يده في يد أبي بكر لعله يجد عنده عطفًا أو لينًا، فلم يمكنه خالد من ذلك، وأخذه بالعزم وقتله.
وهذا متمم أخو مالك لم يدَّع قط أن أخاه قتل بعد توبةٍ، إنما ادعى أن خالدًا غدر به، بل هو يدعي في شعره أن الغدر كان من ضرار بن الأزور، وإنما أشار إلى أبي بكر أن كان هو الأمير الأكبر، فهو المسؤول عن أعمال عماله؛ خالدٍ فمن دونه. ولو أيقن متمم أن أخاه تاب عن ردته وأقرَّ بالزكاة كما أقرَّ بالصلاة، لكان له قول غير هذا القول، وشأن غير هذا الشأن. وكذلك كان قوله حين قال له عمر: "لوددت أنك رثيت أخي زيدًا بمثل ما رثيت به مالكًا أخاك. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته" (ابن
(1/247)

خلكان 1: 228 والأغاني 14: 68) فهذه الرواية تدل على أن متممًا لم يكن يجزم بأن أخاه مات مسلمًا، إن لم تدل على معرفته بأنه قتل في ردته؛ لأن زيد بن الخطاب، أخا عمر بن الخطاب، قتل شهيدًا يوم اليمامة، فيشير متمم إلى هذا، أن زيدًا صار إلى الجنة؛ إذ قتل شهيدًا مسلمًا، ويشك - على الأقل - في أن مصير أخيه مالك كمصير زيد.
فلم يك خالد متجنيًا ولا عاديًا، وإنما كان حازمًا سريع الفصل، يعرف ما يأتي وما يدع، ويرى الإِسلام في خطر من دعاة الردة، ويرى الموقف على حقيقته بنظرة رجل الحرب، ويعرف عواقب التردد أو التهاون، ويعرف خصمه مالكًا، ويعرف قوته وأثره في قومه، والشاهدُ يرى مالا يرى الغائب، فلن يؤخذ على خالد - إن كان عليه فيما أتى مأخذ، إلَّا أنه تسرَّع، أو تأول فأخطأ، ولا حرج.
وأما ما يرجف به المرجفون، من أنه إنما صنع هذا بمالك رغبةً في امرأته ليلى بنت سنان، وأنه كان بينهما هوًى في الجاهلية، فما نظنه إلَّا من نسج الخيال، ومن أقوال الأعداء المغرضين، فالثابت أن خالدًا أخذ ليلى سبيًا بعد مقتل زوجها، وأنه بني عليها بعد انقضاء طهرها، وبعض الرواة يعبر عن هذا بالزواج، ففي الطبري (3: 242) "وتزوَّج خالد أم تميم ابنة المنهال - هكذا سميت في هذه الرواية - وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره" وهذا تعبير شاذ يذهب الثقة بهذه الرواية وأمثالها؛ فإن كراهة
(1/248)

العرب النساء في الحرب - إن صحت - لا تكون حجة في الإِسلام، وهو تشريع أُنفٌ، لا يقرّ كثيرًا من تقاليد العرب في الجاهلية، بل ينهاهم عن أكثر ما كانوا عليه وما كان عليه آباؤهم من قبل.
والظاهر من سياق الروايات في الوقعة وما دار حولها، أن خالدًا سبى نساء القوم، أي أخذهنَّ رقيقًا غنيمة، كحكم الإِسلام في حرب الكفار والمشركين، واصطفى لنفسه من السبي امرأة مالك، والإِسلام يجيز ذلك، وأنهُ استبرأها بحيضة واحدة، ثم دخل بها، وهذا عمل مشروع جائز، لا مغمز فيه ولا مطعن، وأن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم، فانتهزوا، وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم، وأن خالد قتله من أجل امرأته، وذهبوا ينسجون حول هذا الأكاذيب، حتى بلغوا بذلك عمر، وكان سيئ الظن بخالد، ولم تكن بينهما مودة، يقول صاحب الأغاني (14: 66): "فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر، وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته" وأكثر عمر في ذلك على أبي بكر، حتى قال له: "هبه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد". وحمى أبو بكر قائده العظيم من الأراجيف، وقضى على الفتنة بأن أدى دية مالك، وكتب إلى خالد برد السبي (الطبري 3: 242) فهذا من أبي بكر سياسة واحتياط، فإن كان القوم قد تابوا ورجعوا إلى الإِسلام، كما يزعم خصوم خالد والمخالفون عليه، فالدية للقتل الخطأ، والسبي يرد على أهله، وإن تكن الأخرى لم يكن
(1/249)

بذلك بأس.
وتجري بعض الروايات، بأن أبا بكر أمر خالدًا أن يفارق امرأة مالك (الإصابة 6: 36 - 37)، ولكني لا أظنها رواية ثابتة، فإن أكثر الروايات على أن أبا بكر حين جاءه خالد واعتذر إليه، عذره "وتجاوز عنهُ ما كان في حربه تلك". (الطبري 3: 243، والأغاني 14: 66) ويروي صاحب الخزانة عن رسالة أبي رياش (1: 238): "وأخذ خالد بن الوليد ليلى بنت سنان امرأة مالك، وابنها جراد بن مالك فأقدمهما المدينة، ودخلها وقد غرز سهمين في عمامته فكأن عمر غضب حين رأى السهمين، فقام فأتى عليًّا فقال: إن في حق الله أن يقاد هذا بمالك، قتل رجلًا مسلمًا، ثم نزا على امرأته كما ينزو الحمار! ثم قاما فأتيا طلحة، فتتابعوا على ذلك، فقال أبو بكر: سيف سله الله لا أكون أول من أغمده، أكلُ أمره إلى الله. فلما قام عمر بالأمر، وفد عليه متمم فاستعداهُ على خالد، فقال: لا أرد شيئًا صنعه أبو بكر. فقال متمم: قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به؟ فقال عمر: لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلتُ، ولكني لا أرد شيئًا أمضاه أبو بكر. ورد عليه ليلى وابنها جرادًا".
ومجموع هذه الروايات وغيرها مما لم نذكر، يدل على أن امرأة مالك كانت سبيًا، كغيرها من النساء اللائي غنمنَ في الحرب، وأن خالدًا أخذها هي وابنها ملك يمين، لم يتزوّجها بعد مقتل زوجها، كما يوهم ظاهر بعض الروايات. وحكم السبي والرقيق في الشريعة
(1/250)

معروف، يخالف حكم الزوجة؛ فالزوجة إذا توفي عنها زوجها لا يحلّ زواجها إلّا أن تنقضي عدتها؛ إن كانت حاملًا بوضع حملها، وإن كانت غير حامل تربصت أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يجوز غير ذلك. فإذا عقد عليها في حملها أو قبل انقضاء الأربعة الأشهر والعشرة الأيام كان العقد باطلًا، وكان قربانها سفاحًا حرامًا. وأما السبي والرقيق فإنه يحل ملكها ملك يمين وإن كانت حاملًا؛ لأنه لا عدة عليها إذا سُبيت، وإنما يحرم حرمة قطعيةً أن يقربها مالكها إن كانت حاملًا قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة.
هذه أحكام بديهية في الشريعة، لا يعذر أحد بجهلها، فلا أدري كيف خفيت على المؤلف العلامة الكبير، حتى جزم في غير تردد ولا احتياط بأن خالدًا تزوَّج امرأة مالك، وأنه "نزا عليها قبل انقضاء عدتها"! !
ولست أتجنى عليه أو أحمل كلامه على محمل سيئ، بل حاولت أن أحمله على أحسن محامله؛ لأنزهه عن هذا الذي قال، فلم أستطع. وهاكم نص كلامه في هذا الخلاف بين أبي بكر وعمر، ثم الاعتذار عن خالد، قال في (ص 151) ما نصه بالحرف:
"الرأي عندي في هذا الخلاف أنه كان اختلافًا في السياسة التي يجب أن تُتَّبع في هذا الموقف، وهو اختلاف يتفق وطبائع الرجلين. أما عمر، وكان مثال العدل الصارم، فكان يرى أن خالدًا عدا على
(1/251)

امرئٍ مسلم ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها، فلا يصح بقاؤه في قيادة الجيش، حتى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب، ولا يصح أن يترك بغير عقاب على ما أثِمَ مع ليلى، ولو صح أن تأول فأخطأ في أمر مالك، وهذا ما لا يجيزه عمر، فحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحدّ. وليس ينهض عذرًا له أنه سيف الله، وأنه القائد الذي يسير النصر في ركابه، فلو أن مثل هذا العذر نهض لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم، ولكان ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله؛ لذلك لم يفتأ عمر يُعيد على أبي بكر ويلحَّ حتى استدعى خالدًا وعنّفه على فعلته، أما أبو بكر فكان يرى الموقف أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن، وما قَتْلُ رجل أو طائفة من الرجال لخطأ في التأويل أو لغير خطأ، والخطر محيق بالدولة كلها، والثورة ناشبة في بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها، وهذا القائد الذي يُتَّهم بأنه أخطأ من أعظم القوى التي يُدفع بها البلاء ويُتقى بها الخطر! وما التزوج من امرأة على اختلاف تقاليد العرب، بل ما الدخول بها قبل أن يتم طهرها، إذا وقع من فاتح غزا فحقَّ له بحكم الغزو أن تكون له سَبَايا يصبحن ملك يمينه! ! إن التزمُّت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعظماء من أمثال خالد، وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر"!
ولقد ترون ما أرى، أن هذا المؤلف لبس رداءَ المحامي النابه وأخذ بقلم المكاتب الحزبي القدير، وهما صناعتاه المفضلتان،
(1/252)

اللتان مارسهما طول حياته حتى بلغتا به ما بلغ، وهما اللتان تحملان صاحبهما - عن غير قصدٍ - على أن ينظر للأمر من ناحية واحدة، فيبالغ فيها حتى يبلغ الغاية في القوة، حتى إذا ما أراد أن ينظر إليه من الناحية الأخرى غلبته ناحيته الأولى حتى يبلغ الغاية في الضعف! ! فلا يكاد يصل إلى تحقيق، ثم يضطرب في يده ميزان العدل.
وهكذا كان شأنه هنا، اتّجه به تحقيقه عن غير قصدٍ إلى أنَّ عملَ خالد جريمة، فصورَّها أقوى تصوير، وخفي عليه الفرقُ بين الزواج والسبي، وخفي عليه الفرق بين العدَّة والاستبراء، وخفي عليه حكم الإسلام فيمن تزوج امرأةً في عدَّتها، أو قارب ثيبًا من الرقيق قبل أن يستبرئها، وخفي عليه بعد ذلك كثير من مقاصد الإسلام وأحكامه، ومن خُلُق المسلمين الأولين وسيرهم، فذهب يجزم بأن خالدًا "عدا على امرئ مسلم، ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها" ينسب ذلك إلى عمر، لا يشك فيه ويجزم بأن الذي كان من خالد زواج ثم دخول قبل انقضاء العدة، ثم يصوّر أثر ذلك في قيادة الجيش وفي مكانة المسلمين بين العرب، ثم يرى رأي عمر أن الحدّ على خالد واجب. فلما أن أراد أن يدافع عن خالد، ويبرّر فعل أبي بكر في التجاوز عنه، تخاذل ثم تخاذل حتى جثا على ركبتيه فلم يصنع شيئًا، إلَّا أن أتى بما لا يقره شرع ولا عدل، لا في دين الإسلام ولا في سائر الأديان، فقد أتى بما لم يأت به الأوائل! !
وسأزيد الأمر بيانًا حتى لا يخفى على من لا يعرف شيئًا من
(1/253)

أحكام الإسلام، فقتل المرء المسلم عمدًا جريمة من أكبر الكبائر، يجب فيها القصاص، لا يملك أحد العفو عنه إلَّا وليّ الدم من عصبة القتيل وحده، لا يملكه خليفة ولا ملك ولا دولة، وتزوج المرأة في عدة زوجها بعد موت أو طلاق، زواج باطل لا أثر له، وقربان المرأة بسببه زنًا ليس فيه شبهة، ويجب فيه الحدّ، الرجم على المحصن والجلد على غيره، لا يملك أحد أبدًا العفو عنه، لا صاحب العرض، ولا المرأة، ولا الدولة، لا أحد قط، وكذلك حكم قربان الأمة المسبية في الحرب إذا كانت ثيبًا قبل استبرائها بحيضة واحدة. ثمَّ هذه المحرمات القطعية البديهية التحريم إذا وقع فيها أحد إنما يجب عليه ما يجب فيها من الحد أو القصاص، إذا كان لا ينكر أنها حرام، أما إذا أنكر أنها حرام واستحلها فإن حكمه في الشريعة أن يكون مرتدًّا خارجًا عن الإسلام، وحكم المرتد معروف، وكذلك يجري حكم الردة على من عرف وقوع ذلك وأقره ورآه أمرًا هينًا لا إثم فيه، أو فيه إثم قليل؛ لأنه ينكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.
ثم هذا الدين في عهد أبي بكر وعمر، كان دينًا فقط، لم تشبه شائبة السياسة، ولا شائبة الدنيا والغرور بها، وكان هؤلاء الناس إنما قاموا يقاتلون في سبيل الله، يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يقاتلون لترسخ قواعد الإسلام وأخلاقه وآدابه في العرب أولًا، ثمَّ في سائر الأمم من بعد. فإذا بدؤوا في أول أمرهم - كما يصوّرهم المؤلف - بالتهاون في أدق شيء عند العربي، وهو العرض وما يمس
(1/254)

النساء، وفي كبيرتين من أكبر الكبائر، القتل والزنا، فأنّى يستقيم لهم الدين، وأنّى يرجون من الله النصر؟ ثم ممن يكون هذا التهاون؟ من أبي بكر؟ حتى يرميه المؤلف بأنه "كان يرى الموقف أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن" وأنه "ما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب بل ما الدخول بها قبل أن يتم طهرها"! ! أتظنون أيها الناس أن يستطيع رجل من عامة المسلمين، فضلًا عن أصحاب رسول الله، فضلًا عن أبي بكر، أن يرى هذا الرأي، ثم يزعم أنهُ مسلم، أو يزعمَ له أحد أنهُ مسلم؟ !
أبو بكر يقول لعمر: "هبهُ يا عمر تأوَّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد". وهذا هو الحق، وتأول خالد واضح لمن فهم شرائع الإسلام وحقائقه، أيقن من ردة مالك بن نويرة، ولم يوقن من توبته إلَّا بما شهد له ناس أنهم سمعوا الأذان في ناحيته، وإلاَّ قوله لخالد في بعض الروايات أنهُ مسلم، ولم يشهد أحد لمالك أنهُ أقرَّ بالزكاة، ولم يقل هو ذلك أيضًا، بل قال لخالد: "إني آتي الصلاة دون الزكاة". ثم تفلت منهُ بعض كلمات تنبئ عن إصراره، فلا يرى خالد مناصًا من قتله، فتكون نساؤه سبيًا بحكم الشريعة، ثم نجد أخاه متمم بن نويرة لا يكاد يرثيه بكلمة تنبئ عن إسلامه، بل يدّعي غدر خالد وغدر ضرار، ويصرح بالفرق بين استشهاد زيد أخي عمر ومقتل مالك أخيه. أفلا يكون في كل هذا عذر ومتأوَّل لخالد؟ !
ثم بعد هذا كله تبقى ليلى وابنها في يد خالد ملك يمين، مدة
(1/255)

خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، حتى يأتي متمم بن نويرة فيستعدي عمر على خالد، وقد صار الخليفة وولي الأمر، فلا يعديه عمر، ويأبى أن يغير حكم أبي بكر، ولكنهُ يرضيه بأن يردّ عليه امرأة أخيه وابنها. ولسنا نفهم هذا الردّ إلَّا بأن عمر طلب إلى خالد أن ينزل عنهما، وهما ملك يمينه، فيرضى ولا يأبى، استجابةً لرغبة عمر، لا طاعة لحكمه، فليس في سلطان أمير المؤمنين أن يأخذ أموال الناس كرهًا، ولم يكن ذلك من عملهم ولا من خلقهم. أفيظن ظانٌّ أن الصدر الأول من أصحاب رسول الله كانوا يقرُّون خالدًا على استبقاء ليلى امرأة مالك وهم يعلمون أنها تعاشره بعقد باطل حرام، كما يصور المؤلف زواجه إياها قبل تمام طهرها! اللهمَّ غفرًا.
لشدّ ما أخشى أن يكون المؤلف تأثر بما قرأ من أخبار نابليون وغيره من ملوك أوربة في مباذلهم وإسفافهم، وبما كتب الكاتبون من الإفرنج في الاعتذار عنهم، لتخفيف آثامهم بما كان لهم من عظمة، وبما أسدوا إلى أممهم من فتوح وأيادٍ، حتى يظن بالمسلمين الأولين أنهم أمثال هؤلاء فيقول: "إن التزمُّت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعلماء من أمثال خالد"! ! ! وهذا قول يهدم كلَّ دِين وكلَّ خلق.
إن هذه النظرية، نظرية تبرير الجرائم والمنكرات، بعظمة العظماء، ونبوغ النوابغ وارتفاع الزعماء، وآثار القادة والكبراء، نظرية خطيرة، لا تقوم معها للأمم قائمة تنحدر بها إلى مهاوي
(1/256)

الشهوات، وتنتهي بها إلى الإباحية ثم إلى الانحلال، كما انحلت فرنسة وغيرها من الأمم، بما استرسل كبراؤهم وزعماؤهم في التبذل والترف، وتبعهم العامة والدهماء {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)} [الإسراء: 16]. ومعاذ الله أن نظن مثل ذلك بالصدر الأول من الصحابة والتابعين، عهد أبي بكر وعمر، وسيرهم معروفة، وآثارهم مشاهدة، وفضلهم على العالم كله لا ينكر.
وليت المؤلف الفاضل يشرح لنا في هذا الأمر وجهة نظره، ويبين لنا لحساب من يقرأ هذه النظرية الخطرة المدمرة؟ !
أما قسوة عمر في اتهام خالد عند أبي بكر، فإنها قسوة الرجل العادل الحازم، لم يشهد الأمر بنفسه، ولم يكُ قاضيًا فيه، إنما بلغهُ أمر، فكان لسان الاتهام يقرّر ما سمع، ويعرضه على الخليفة ولي الأمر، والخليفةُ بما يملك من سلطة القضاء، سأل خالدًا عما نسب إليه، وسمع قول أبي قتادة وغيره، ثم حكم بما استبان له، فعذرَ خالدًا، ولم يجد في عمله موضعًا للقصاص، ولا موجبًا للحدّ. فكان حكمًا قاطعًا، لا يجوز لعمر ولا لغيره أن يستأنف النظر فيه، ولذلك قال لمتمم في خلافته: "لا أرد شيئًا صنعهُ أبو بكر. فقال متمم: قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به. فقال عمر: لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلتُ، ولكني لا أرد شيئًا أمضاهُ أبو بكر". وما نظن عمر يفعل ما كان يريد لو كان خليفة ذلك اليوم، إنما هو يبين
(1/257)

عن رأيه في أمر قد نظر إليه من جانب واحد، هو جانب الاتهام، ولعله لو قد سمع الطرف الآخر - طرف الدفاع - ونظر إلى الأمر من الجانبين، كما نظر إليه أبو بكر، لانتهى إلى ما انتهى إليه حكم أبي بكر. وفي مثل هذا تختلف أنظار القضاة، ويختلف اجتهاد المجتهدين، في وزن الأدلة، وتقدير البراهين. فلن تكون كلمة عمر وحدها حجة على خالد، تثبت عليه إجرامًا لم يثبت عند الحاكم، وقد برَّأه الحاكم مما نسب إليه، ولن تكون كلمة عمر وحدها حجة على أبي بكر، حتى يُتهم بالتهاون في شأن جرم يوجب الحدّ أو القصاص، وبأنهُ كان يتزمَّت في تطبيق التشريع على العامة والدهماء، ولا يتزمَّت في تطبيقه على النوابغ والعظماء! ! كفعل ساسة هذا العصر!
ومع هذا كله، فإن عمر رجع عن كل ما كان يظن بخالد وينسبه إليه، فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبير (7/ 2/ 121) بإسناد من أصح الأسانيد التي يصححها المحدّثون في رواية السنَّة أنهُ: "لما مات خالد بن الوليد قال عمر: يرحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت". وليس بعد هذه الشهادة شهادة، من رجل كان من أشدّ الناس قسوة على خالد، وكان لسان الاتهام في هذه الوقعة بعينها. رضي الله عنهم جميعًا.
وبعد؛ فإن كتاب المؤلف لا يزال مع هذا كتابًا قيمًا، جديرًا بما نال من تقدير، أفدنا منهُ فوائد جمة، وأعجبنا بكثير من أبحاثه، ووقفت عند كثير من روائعه، مغتبطًا متذوقًا ما فيها من بلاغة، مهتزًّا
(1/258)

بما صدقت في الوصف، وبما احتوت من قوة التصوير. ومن أحسن كلماته التي أوفى فيها على الغاية، وأطلتُ الوقوف عندها، كلمة أقتبسها هنا؛ لتكون دستورًا لكثير من الباحثين والكاتبين، علهم ينتفعون بها، ويتعظون بما وعظهم المؤلف فيها. قال (ص 33): فما أكثر الذين لا يؤمنون بالكثير من آراء الناس ويرونها مينًا باطلًا وحديث خرافة، ثم يكتمون ذلك أو يتظاهرون بنقيضه، التماسًا للعافية وجرًّا للمنفعة، وحرصًا على ما بينهم وبين الناس من تجارة، وأنت لا تجد هذا النِّفاق في سواد الناس وعامتهم ما تجده في المثقفين منهم، بل إنك لتجدهُ فيمن نصبوا أنفسهم لزعامة الناس والإبانة لهم عن وجه الحق في الحياة".
* * *
(1/259)

الفاروق عمر (*)
تأليف الدكتور محمَّد حسين هيكل باشا (1)
وهذا أحدث كتاب أخرجه سعادة الدكتور محمَّد باشا هيكل في التاريخ الإسلامي، على النهج الذي سار عليه منذ عشر سنين، فكان عملًا جيدًا، أفادت منه الطبقة المحدثة من المثقفين، وقد ألف كثير منهم سهل الكلام ولينه، واستعصت عليهم كتب المتقدمين ونفروا منها، حتى جهلوا كثيرًا من تاريخ قومهم، فجاءت كتب سعادة المؤلف عملًا جديدًا، نهجًا وسطًا، بين كتب المتقدمين القوية الرائعة، وبين ما ابتليت به العربية، من القصص والروايات، الغالي منها والرخيص، والقوي منها والسخيف. عرض فيه التاريخ الإسلامي عرضًا شائقًا منظمًا، في لغة جيدة رائعة، رصعها بكثير مما اقتبس من عبارات المؤرخين السابقين؛ فقرب إلى المتوسطين ما بعد عنهم، وراض لهم ما استعصى عليهم، حتى إن الكتاب ليأخذ بلب القارئ، فلا يكاد يستطيع أن يضعه من يده إلَّا أن يأتي على آخره.
وهذا الكتاب كتاب جيد حقًّا، فيه تيسير للقارئ حتى يستوعب
__________
(*) مجلة الكتاب، المجلد الأول، السنة الأولى، الجزء الأول ذو القعدة 1364 - نوفمبر 1945.
(1) الجزء الثاني 368 صفحة من القطع الكبير، مطبعة مصر، القاهرة 1945
(1/260)

سيرة عمر وفتوحاته وأعماله استيعابًا مفيدًا، ويوفر عليه جهدًا عظيمًا في تتبع الأخبار في مظانها من كتب التاريخ والتراجم، إذا لم يكن من أرباب العزائم المجتهدين. ولو شئنا أن نأتي بشواهد من صعاب التاريخ وسياق الحوادث في تلك الحقبة، مما يسره المؤلف على القارئ وحققه بقلمه السلسال السيال؛ لطال الأمر جدًّا، ولكن الكتاب بين يدي القارئ فليفد منه ما شاء.
ولسنا بسبيل التقريظ والمدح، فما كان المؤلف ولا كتابه بحاجة إليهما، ولكنا بصدد نقد الكتاب نقدًا علميًّا صحيحًا، ببيان مزاياه، وقد أشرنا إلى بعضها، وبالاستدراك على ما وقع فيه من أخطاء، بعضها ظاهر، وفي بعضها موضع للنظر والتحقيق وتداول الآراء، أداءً لواجب الأمانة، وإخلاصًا في النصيحة للعلم والقراء. وسأسوق مآخذي مساق الكتاب، كما وردت في مواضعها أولًا فأولًا، وذلك خير من تصنيفها على الأنواع المتجانسة، وأيسر على القارئ المتتبع.
1 - وأول ما آخذه على سعادة المؤلف وعلى كثير من المتعرضين للتأليف في هذا العصر، أنهم يذكرون مصادر كتبهم، أعني المراجع التي يرجعون إليها أو يقتبسون منها، جملةً واحدةً في آخر الكتاب، ثم لا يشيرون إليها في كل موضع مناسب نقلوا فيه أو اقتبسوا، وفي ذلك إرهاق للقارئ وتعمية عليه وإعنات له، إذا ما أراد أن يتوثق من صحة النقل، أو يحقق موضعًا يرى فيه رأيًا يخالف ما ذهب إليه المؤلف، أو غير ذلك من المقاصد العلمية الدقيقة. وحقًّا لقد أتعبني
(1/261)

هذا الكتاب أيامًا طوالًا في تتبع النصوص والوقائع في مظانها من مراجعها ومن غيرها، ولعله فاتني التوثق من بعضها، بعد تجويد البحث وطول العناء.
وبمناسبة المراجع، هل يأذن لي المؤلف أن أذكّره بمراجع مهمة حافلة في ترجمة عمر؟ لا أدري لم أغفلها، فلم يرجع إليها ولم يذكرها في مصادره؟ وسأكتفي بالمراجع المطبوعة، أما المخطوطات فأمرها فيه عسر وتكلف، وهذه الكتب المطبوعة هي: "سيرة عمر بن الخطاب" للحافظ أبي الفرج بن الجوزي المتوفى سنة 597، وهو كتاب حافل في 256 صفحة. ترجمة عمر في كتاب "حلية الأولياء" للحافظ أبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة 430 (ج 1 ص 38 - 55). ترجمته في "صفة الصفوة" لابن الجوزي (ج 1 ص 101 - 112). ترجمته في تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي المتوفى سنة 748 (ج 1 ص 6 - 8). مسند عمر بن الخطاب للحافظ يعقوب بن شيبة المتوفى سنة 262، وهو مطبوع حديثًا، طبعه الدكتور سامي حداد في المطبعة الأمريكانية ببيروت سنة 1940، عن مخطوطة أثرية عتيقة. وترجمة عمر في كتاب "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد (ج 3 ص 92 - 180) وهي ترجمة واسعة حافلة.
ثم ترجمة عمر في كتب تراجم الصحابة والرجال؛ كالاستيعاب وأسد الغابة والإصابة وتهذيب التهذيب وغيرها.
2 - (ص 47) في فتح إصطخر ذكر المؤلف رئيس الفرس وقائدهم
(1/262)

باسم "الهربز" وضبطه بكسر الراء وفتح الباء وبالزاي في آخره، وكرره بعد ذلك كثيرًا بهذا الاسم، وضبط الهاء في بعض المواضع بالكسر. وهذا - فيما نرى - غلط لا نعرف له وجهًا، إلا أن يكون المؤلف يريد مقاربة الاسم الأعجمي، إن كان هو يعرف اللغة الفارسية، وما إخاله. وأما صحة الاسم الذي عربه إليه العرب، وهم كانوا في ذلك العهد عربًا على فطرة اللغة وقوتها، ونقله عنهم المؤرخون الأثبات "الهِرْبِذ" بكسر الهاء وسكون الراء وكسر الباء وآخره ذال معجمة، وبذلك عرفه أئمة اللغة، عرفوه لقبًا يوصف به، ففي المعرب للجواليقي (ص 351 طبعة دار الكتب المصرية بتحقيقنا): "الهربذ بالكسر: واحد الهاربذة، وهم خدم النار، وقيل حكام المجوس الذين يصلون بهم. أعجمي معرب". ثم قال: "ويجمع هرابذة وهرابذ". ونحو ذلك في معاجم اللغة، فما أرى وجهًا لما جاء به المؤلف ولا مصدرًا.
3 - (ص 84) نقل المؤلف حديثًا يستدل به على إيمان عمرو بن العاص، فنقله محرفًا، ولا نظنه غلطًا في التصحيح المطبعي، نقله هكذا "أسلمُ الناسِ وآمنُ الناسِ عمرو بن العاص" وضبطه في الطبع برفع أفعل التفضيل وبجر كلمتي "الناس" ولعله فهم أن "أسلم" و"آمن" صيغتا مبالغة من "الإسلام" و"الإيمان" وما هما كذلك في اللفظ الذي حكى، وإنما يكونان من "السلامة" و"الأمن". وصحة لفظ الحديث "أسلمَ الناسُ وآمنَ عمرو بن العاص" وهو حديث رواه
(1/263)

الترمذي في الجامع الصحيح (ج 2 ص 316 من طبعة بولاق، وج 4 ص 355 من شرح المباركفوري طبع الهند) وهو عندي حديث حسن جيد الإسناد، وإن وصفه الترمذي بأنه "غريب وليس إسناده بالقويّ".
4 - (ص 101) قال المؤلف: "منف عاصمة مصر حين كان العالم كله يتطلع إلى مصر على أنها مهبط الوحي ومستقرّ الحضارة فيه" وهذا غلو في العصبية، فما كان العالم إذ ذاك ينظر إلى مصر النظرة التي يراها بها المؤلف، وإنما هو يرى بنظر أهل هذا العصر أو بعضهم. ثم لم يزعم أحد قط أن مصر كانت "مهبط الوحي"! وأين كان هذا الوحي؟ أهو وحي الفراعين والأوثان؟ ! لم يعرف التاريخ نبيًّا أوحي إليه في مصر إلَّا ما أخبرنا القرآن الكريم عن يوسف وعن موسى - عليهما السلام - وهما يرجعان بأصليهما إلى جزيرة العرب.
5 - (ص 119 - 120) نقل المؤلف روايةً عن المستشرق بتلر أوردها عن الطبري، ثم نقدها نقدًا جيدًا فقال: "والطبري لا يورد مثل هذا التفصيل، على أن المؤرخين المسلمين جميعًا يذكرون أن عمرًا أجاب المقوقس إلى الصلح على الجزية بعد أن اقتحم المسلمون الحصن". وإلى هنا كان يحسن الوقوف، بتلر نقل شيئًا نسبه إلى الطبري، وتبيَّن المؤلفُ أنه غير صادق في نقله، وأن الطبري لم يقله، وأن المؤرخين المسلمين جميعًا يذكرون غيره، فماذا بعد ذلك؟ ! لا شيء. ولكن المؤلف يحاول أن يصحح كلام بتلر، فيقول عقب ذلك: "فإذا صح أن المقوقس لم يكن بالحصن وكان قد نُفيَ بعد
(1/264)

ذهابه إلى هرقل، فلعل قائد الحامية هو الذي صالح عمرًا على ما جاء في رواية بتلر"! ! ولم تكن لبتلر رواية، حتى نظن أنه لعله نقلها من مصادر لم نصل إليها، إنما هو ينقل شيئًا معينًا عن كتاب معروف في أيدي الناس، ثم يتبين أن نقله غير صحيح، وأن ما نسبه إلى ذلك الكتاب المعين ليس فيه، فماذا يحدونا إلى أن نعتبر كلامه رواية له، ثم نتأولها ونحاول تصحيحها؟ !
6 - (ص 152) نقل المؤلف كلامًا في وصف مرآة الإسكندرية، وضعه بين أقواس، كما اعتاد الناس أن يصنعوا حين ينقلون كلام غيرهم، ليدلوا القارئ على أن المنقول هو نصُّ ما قال المنقول عنه، فهذا ما قال المؤلف: ويقول السيوطي: "إن عرضها كان سبع أذرع، وإنها كانت تظهر السفن الآتية من بلاد أوربا، وكانت تستعمل لإحراق سفن العدو، فكان الموكلون بها يديرونها نحو الشمس وهي مائلة للغروب فتنعكس عليها الأشعة وتحرق سفن العدو. والإجماع على أنها تظهر السفن وهي أبعد من مدى البصر". وهذا ما نسبه للسيوطي على أنه نص عنه، وهاك ما قال السيوطي نصًّا في كتاب حسن المحاضرة (ج 1 ص 54 طبعة إدارة الوطن سنة 1299): "وكان عليها مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع، كانوا يرون فيها جميع من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم، فإن كانوا أعداءً تركوهم حتى يقربوا من الإسكندرية، فإذا قربوا منها ومالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس فاستقبلوا بها السفن حتى يقع
(1/265)

شعاع الشمس في ضوء المرآة على السفن، فتحرق السفن في البحر عن آخرها، ويهلك من كان فيها". فالسيوطي لم يقل "سبع أذرع" ولم يقل "من بلاد أوروبا" ولم يقل "والإجماع" ... إلخ! !
7 - (ص 181 - 184) تحدث المؤلف عن خرافة عروس النيل حديثًا طويلًا، نأخذ عليه فيه أنه أولًا: زعم "أن العلم قد أثبت من بعد أنه لم يحدث قط أن ألقيت عذراء في النيل حثًّا على الفيضان" وهذا كلام ضخم لا نظن أن عالمًا يقوله، فإن العلم لا يثبت نفيًا في الحوادث التاريخية، وكيف يثبت النفي وأنى؟ ! لو قال "لم يثبت التاريخ" أو "لم يثبت العلم ذلك" لكان أجدى به، وأقرب إلى الصحة! وثانيًا: أنه استنار بعلم الأستاذ سليم بك حسن ورأيه، وأنه كان من رأي سليم بك أنه إن صح أن عمر بن الخطاب أرسل كتابًا ألقي في النيل ليفيض، فلا يزيد هذا "على أنه كان مجاراة من الخليفة للمصريين في عادة لهم لا ضرر من مجاراتهم فيها؛ فقد كان من عادة الكهنة المصريين، ومن عادة بعض ملوكهم أن يقيموا لإله النيل احتفالًا في بدء الانقلاب الصيفي يقربون فيه للإله ثورًا وأوزة وقرابين أخرى من الخبز وغيره، ثم يلقون في النيل وثيقة مختومة من ورق البردي مخطوطًا عليها أمر للنيل أن يجري" ... إلخ. ونُجِلُّ أولئك الناس؛ عمر فمن دونه، عن ظن السوء، أن يجاروا الجهلاء الوثنيين في جهالاتهم وخرافاتهم، وإنما كان عمر وكان المسلمون يجاهدون ويهدمون الوثنية، ويَسْمُون بالعقل الإنساني أن تحيط به الأوهام
(1/266)

والخرافات والأساطير. ولم يكن لقصة عروس النيل وكتاب عمر أصل يثبت في التاريخ الإسلامي، لم يروها أحد - فيما نعلم - بإسناد له اعتبار، مما يثبت أهل العلم مثله، وهذا كاف جدًّا في نفيها.
8 - (ص 241) ذكر المؤلف فيما حكى من صور النكاح في الجاهلية: "أن يتزوج رجل من امرأة فيذرها في قومها، فإذا مر بهم في تجارته أو رحلته نزل عندها، وكان بعض النسوة يؤثرون البقاء في أهلهن؛ إذ كن ذوات مال وحسب، فكن لا يرضين مفارقة مالهن ومن يقومون على الإتجار فيه وتثميره، وكان الأبناء يبقون مع أولئك الأمهات حتى يشبون، ولذلك كانوا ينسبون إليهن وإلى قبيلتهن، وذلك كان شأن سلمى بنت عمرو أحد بني النجار من الخزرج أهل يثرب، فقد كانت امرأة ذات شرف ومال يتجر لها فيه قومها، ومر هاشم بن عبد مناف يومًا بيثرب عائدًا من الشام، فرآها تطل على قومها، فأعجبته فخطبها إلى نفسها فرضيته زوجًا، على أن تكون عصمتها بيدها، وولدت له شيبة، فأقام معها بين أخواله بني النجار حتى مات أبوه، ثم عاد به عمه المطلب إلى مكة". وهذا بحث تهافت فيه المؤلف تهافتًا شديدًا! فإن هذا النوع من الزواج الذي صوره وهو الزواج المعروف إلى الآن، ومكث المرأة في أهلها لا يؤثر في عقد الزواج، وإنما هو شيء يتراضى عليه الزوجان، واشتراط المرأة أن يكون أمرها بيدها لا يزال جائزًا في الشريعة الإسلامية في بعض المذاهب، ومنها الحنفية، وهو المذهب الرسمي للدولة وللقضاء
(1/267)

الشرعي في مصر. وإنما ننكر على المؤلف أن يجعل نتيجة لهذا الزواج أن ينسب الأولاد فيه إلى النساء وإلى قبيلتهن! ! فهذا شيء لم يعرفه العرب قط فيما أعلم، ولعل حوادث نادرة قد وقعت في الجاهلية نسب فيها الأبناء إلى قبائل أمهاتهم لأسباب اقتضت ذلك، نسيت مراجعها الآن، ولكني أوقن أن ليس من هذه الأسباب هذا النوع ولا غيره من أنواع الزواج. وأذكر أن بعض أرباب الأغراض من المستشرقين وأتباعهم رموا العرب بهذه الفرية السخيفة؛ نسبة الأنباء إلى أمهاتهم، وأنه كتبت ردود قوية لإبطال هذه الفرية، ولست أذكر الآن مواطن هذا البحث وتفصيله، فلعل المؤلف علق بذهنه شيء من هذه الأباطيل فكتبه الآن في كتابه، أو اعتمد على شيء قرأه لأعداء العرب، فأثبته تاريخيًّا يوهم أنه جاء به من مصادره.
وما كان أجدره بغير ذلك لو روّأ في أمره، فتحقق مما يكتب وينقل، أو نسب كل رواية لصاحبها، ليبرأ من عهدتها. وهذا أقرب مثل لما أقول: إنه جعل أم عبد المطلب مثلًا للنكاح الذي حكى ولنسبة الولد إلى أمه وأهلها. فإن الثابت في المصادر الصحيحة والذي لم نجد في الرواية غيره: أن هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشرطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلًا فارقته، فولدت لهاشم عبد المطلب فسمته شيبة، فتركه هاشم عندها، حتى كبر، ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه. إلى آخر ما جاء
(1/268)

في سيرة ابن هشام (ص 88 من طبعة أوربة). وهذه رواية مجملة، ولكنها واضحة في أن نسب الغلام كان معروفًا لأبيه. وفي رواية لابن سعد (ج 1 ق 1 ص 48) أن ثابت بن المنذر، والد حسان بن ثابت، جاء مكة معتمرًا "فلقي المطلب وكان له خليلًا، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالًا وهيبة وشرفًا". فهذا ثابت بن المنذر كان يعرف نسبه وأنه ابن هاشم أخي المطلب، فلم يكن يعرفه - وهو من بلد أمه - منسوبًا إليها وإلى أهلها. وفي تاريخ الطبري (ج 2 ص 176 - 177) أن هاشمًا تزوج سلمى وشرط عليه أبوها "ألا تلد ولدًا إلاّ في أهلها". وأنه "ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها". وأنها وضعت عبد المطلب "فمكث بيثرب سبع سنين أو ثمان سنين. ثم إن رجلًا من بني الحرث بن عبد مناف مر بيثرب فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسَق - أي أصاب الرمية ونفذ فيها - قال: أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء! فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف". فهذا الغلام يعرف نسبه ويفخر به عند النضال، وليس بعد هذا البيان بيان. فأين هذا كله مما وضع المؤلف في كتابه؟ بل أين ما وضع المؤلف من هذا كله؟ !
وتتمة للبحث نذكر أن المؤلف لم يعرف صور الزواج عند العرب في الجاهلية، وإن زعم أنه جاء بها! وهي ثابتة في الحديث الصحيح، في صحيح البخاري (ج 9 ص 158 - 159 من فتح الباري) وفي سنن
(1/269)

أبي داود (ج 2 ص 249 من عون المعبود).
9 - (ص 261) تحدث المؤلف عن تعصب العرب لجنسهم حديث غير العارف به، ثم عرض في أثناء ذلك لشأن القصاص في الشريعة فقال: "والقصاص حد من الحدود يقيمه ولي الأمر، ولا يتولاه ولي الدم بنفسه". وهذا غير صحيح، فإن حكم الشريعة أن يُرفع الأمر إلى ولي الأمر أو نوابه، من الولاة أو القضاة، فإذا ما ثبت حقُّ القصاص ووجب، وحكم الحاكم به تولاه وليُّ الدم بنفسه إن كان قادرًا عليه، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33]. وقد فرَّع الفقهاء في ذلك صورًا كثيرة، فيما إذا كان وليّ الدم عددًا أكثر من واحد، أو كان صغيرًا أو محجورًا، إلى غير ذلك من الصور.
وأقرب مَثَلٍ لذلك ما جاء في كتاب الأم للإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي (ج 6 ص 17 - 19) وفي كتاب البدائع لملك العلماء أبي بكر الكاساني الحنفي (ج 7 ص 243 - 244). ولقد أرى أن المؤلف قرأ كثيرًا من كتب المستشرقين وغيرهم من الإفرنج، ودرس القوانين الأجنبية وتوسع في دراستها، فتأثر تأثرًا قويًّا ظاهرًا بما قرأ وبما درس، فحين أراد أن يكتب في التاريخ الإسلامي، وما يتصل به من التشريع الإسلامي غلبه ما يعلم وملأ قلبه ونفسه يقينًا وإعجابًا، فنسب إلى تاريخ الإسلام وإلى الشريعة ما خُيِّل إليه أنه ينبغي أن يكون، ظنًّا منه أنه قد كان! !
(1/270)

10 - ومما يتصل بهذا أنه قال في تشبث العرب بالثأر (ص 261 - 262): "بل إن من الحضر الذين يمتون إلى البدو بصلة القربى من لا تزال فكرة الثأر متصلة في نفوسهم بكرامتهم وبحياتهم، فهم لا ينزلون عنها، ولا يجدون في القانون وقصاصه ما يرضي عاطفتهم ويعدل بهم عن جاهليتهم". وقد كتبت بهامش نسختي في هذا الموضع حين قرأت الكتاب: "تعبير موهم، وهو غير صحيح؛ فالقانون الذي ضُرب على بلادنا لا يحكم بالقصاص إلَّا نادرًا، ثم هو يجعل القصاص من حق الدولة لا من حق ولي الدم خلافًا للشريعة، فكان علاجه خطأ وضرره كبيرًا". وهذا بحث فصلت القول فيه في كتابي (الشرع واللغة ص 56 - 57، 81 - 83).
11 - (ص 306) يسوق المؤلف قصة مقتل عمر، فيقول فيها: "فلما بدأ ينوي الصلاة ليكبر، إذا رجل ظهر فجأة قبالته فطعنه بخنجره"! ! وهذا تعبير عاميّ عجيب في العامية! فما "بدأ ينوي الصلاة"؟ وما النية في علم المؤلف أو في ظنه؟ ثم انظر أين هذا من قول عمرو بن ميمون الأوديّ التابعي الكبير، وقد شهد مقتل عمر "فأقبل عمر، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فناجى عمر غير بعيد، ثم طعنه ثلاث طعنات". (ابن سعد ج 3 ق 1 ص 247) أو غير ذلك من نصوص المتقدمين البليغة! وليت شعري ما منع المؤلف أن يقتبس شيئًا منها يجمل به كلامه، كما كان دأبه أن يفعل؟ !
12 - (ص 309) استطرد المؤلف في حديثه عن مقتل عمر فترجم
(1/271)

لكعب الأحبار فقال: "وكان كعب هذا من كبار أحبار اليهود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يتردد عليه مظهرًا الميل إلى الإسلام، مرجئًا إعلان إسلامه حتى يتحقق من كل الأمارات التي يجدها في كتب قومه عن النبي العربي وأصحابه، فلما انتهى أمر الخلافة إلى عثمان أعلن إسلامه". وفي هذا الكلام ما يوهم أن كعبًا من يهود المدينة، وهو من يهود اليمن، وكعب لم يَرَ رسول الله قط، وإن كان من كبار الأحبار في عصره، وإنما جاء المدينة مسلمًا في خلافة عمر على الصحيح، وقيل: في خلافة أبي بكر. واليقين أنه كان مسلمًا في عهد عمر، فلم يتأخر إسلامه إلى عهد عثمان كما ادعى المؤلف، قال ابن سعد (ج 7 ق 2 ص 156): "وهو مِن حِمْيَر، من آل ذي رعين، وكان على دين يهود، فأسلم وقدم المدينة". ثم روى بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: "قال العباس لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ " ثم روى أيضًا عن قتادة "أن كعبًا أسلم في إمرة عمر". ولو قرأ المؤلف ترجمة كعب في مظانها، طبقات ابن سعد والإصابة والتهذيب، ما كتب كلمة مما قال، وما أدري ما يمنعه أن يستوثق ويحقق؟ ! هدانا الله وإياه بهدايته.
* * *
(1/272)

الفاروق عمر (*)
للدكتور محمَّد باشا هيكل (1)
نقدنا في عدد أغسطس الماضي كتاب "الصديق أبو بكر"، وأخذنا على سعادة مؤلفه صنيعه في قصة "مقتل مالك بن نويرة". ثم رأينا أن ننقد كتابه الجديد "الفاروق عمر"، ونتعقب بعض ما فيه من مآخذ، فكتبنا هذا البحث، ونشرنا بعضه في مجلة "الكتاب" الغراء في عددها الأول الذي صدر في أول نوفمبر سنة 1945، ورأينا أن ننشر بقيته في مجلة "المقتطف" الغراء، استيفاء للبحث، وأداء لواجب الأمانة، وإخلاصًا في النصيحة للعلم والقراء.

مآخذ واستدراكات
1 - زعم المؤلف في مقدمة كتابه (ج 1 ص 8) أن عمر "رأى إعفاء من أسلم من أهل البلاد المفتوحة من الجزية ومساواتهم بالمسلمين الفاتحين، فكان ذلك مغريًا لكثير منهم بالدخول في الإسلام ... وقد أعفاهم عمر وساواهم بالفاتحين، وهو يعلم ما سيترتب على ذلك من نقص في موارد المدينة، ومن ردَّ الحكم في هذه البلاد إلى أهلها مع ذلك لم يتردد في الأمر ولم تثنه هذه الاعتبارات عنه" إلى آخر ما قال.
__________
(*) مجلة المقتطف، ديسمبر 1945.
(1) جزءان 700 صفحة من القطع الكبير، مطبعة مصر، سنة 1945.
(1/273)

وهذا الذي حكاه عن عمر هو حكم الإسلام في القرآن والحديث نصًّا، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، ورسول الله يقول: "ليس على مسلمٍ جزية". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس. انظر تفسير القرطبي (8 ص 114)، ونيل الأوطار للشوكاني (ج 8 ص 219). والذي ننكره على المؤلف أن يجعل هذا من عمل عمر ورأيه وسياسته، كأنه حكم على اجتهادٍ منه، وهو حكم بديهي منصوص، وكان عمر فيه متبعًا لا مجتهدًا.
2 - وقد أنكر المؤلف على المؤرخين المتقدمين أنه بلغ من إكبارهم لسيرة عمر "أن أضافوا إليه أمورًا أدنى إلى المعجزات التي خصَّ بها الأنبياء، وأن ذكروا ما لا يستطيع المؤرخ الناقد إثباته، وعمر في غير حاجة إلى شيء من ذلك يضاف إلى سيرته، فما قام هو به وما تمَّ في عهده، مما يقره النقد التاريخيّ، يقيم له في صحف التاريخ صرحًا عاليًا باقيًا إلى الأبد، ولو أن المؤرخين الأقدمين لم يضيفوا هذه الخوارق إلى سيرة عمر لأغنوا من جاء بعدهم عن بذل الجهد في تمحيصها، ولجنّبوهم الاختلاف على مبلغ صحتها، ولما طفّف ذلك من قدر عمر، ولا نقص من جلال صنعه، وقد رأيت من الخير أن أغفل من هذه الحوادث ما لا يقره العقل ولا يثبت للنقد، ثمَّ رأيتُني بعد ذلك مضطرًّا إلى أن أثبت حوادثَ يتصوَّر العقل في شيء من العسر وقوعها، ومع هذا تضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواترٍ يدعو إلى النزول على حكمهم فيها". (ج 1 ص 9).
(1/274)

هكذا يقول سعادة المؤلف. ونحن نعلم أنه ينكر كل المعجزات الكونية التي رواها المسلمون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إلحاح وإصرار؛ لأنه "يجري في البحث على الطريقة العلمية الحديثة، ويكتبه بأسلوب هذا العصر" كما قال في كتابه "حياة محمد" ص 47، وإن كان لم يستطع إنكار معجزات الأنبياء السابقين؛ لأنها مذكورة في القرآن، كما قال في ذلك الكتاب ص 54، فهو أجدر إذن أن ينكر الكرامات والخوارق التي تنسب إلى عمر وإلى غير عمر؛ لأنها مما "لا يقره العقل ولا يثبت للنقد"! ولسنا نجادله في هذا، فما في الجدال فائدةٌ، وما أيسرَ الإنكارَ وادّعاءَ الكذب والوضع على رواة السنة والأخبار، أيًّا كان مبلغهم من الثقة والأمانة والصدق والضبط والتحري. وما أحكم الكلمة التي قالها له سماحة شيخ الإسلام مصطفى أفندي صبري في كتابه الجليل "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" قال في ص 43: "الطريقة العلمية التي يتبجح بها معالي المؤلف، ويباهي باتباعها في تحرير كتابه، والتي يدعي أنه بني عليها إنكار المعجزات، هي الطريقة نفسها التي يدَّعي ملاحدة الغرب أنهم بنوا عليها إنكارهم لوجود الله".
ولكنا نجد المؤلف أثبت حادثة "يا سارية الجبل" وسنذكرها في موضعها من هذا المقال (رقم 18)، وما كانت رواية هذا الحادث بأصحَّ ولا بأوثق من غيره مما أنكر، ولا بأصح ولا أوثق مما تواتر تواترًا علميًّا صحيحًا من معجزات رسول الله، ومن عجيب أن يدعي
(1/275)

المؤلف أن حادثة سارية من الحوادث التي "تضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر"! وأظن أن سعادته لم يطلع على شيء مما قاله المحدَّثون والأصوليون في معنى التواتر ودلالته العلمية، والفرق بينه وبين غيره من طرق النقل عند العلماء! ولو اطلع على ذلك لقال شيئًا غير هذا.
3 - وذكر المؤلف (ج 1 ص 35) أن عمر "لما استخلف كان أول دعائه قوله: اللهمَّ إني غليظ فليّني، اللهم إني ضعيف فقوِّني، اللهم إني بخيل فسخّني". ثم قال: "أما ما ذكر عن بخله فسببه أنه لم يكن غنيًّا، وأن أباه لم يكن غنيًّا". إلى آخر كلامه. وما كانت به حاجة إلى هذا التكلف، فإن هذا الدعاء لا يدل على أن عمر كان بخيلًا، وما زعم ذلك له أحد قط، وما كان الفقر سببًا للبخل أبدًا، وإنما البخل داءٌ نفسي قد يزيده الغنى تمكنًا. والمؤلف يستنبط أن عمر كان "متوسط الحال في الغنى طول حياته"، وأكثر ما يكون الكرم في المتوسطين والفقراء. ويعيذ الله عمر من داء البخل، ورسول الله يقول: "أيُّ داءٍ أدوى من البخل". وإنما كان مثل هذا الدعاء أن يظن الرجل الصالح بنفسه التقصير عن درجة الكمال، حتى ليسمي عمله باسم درجة النقص، رغبةً إلى ربه وتواضعًا، فيسأله أن يتمم من خلقه ما يظنه نقصًا، ولذلك لم يزعم أحد قط، ولم يستطع المؤلف أن يزعم، أن عمر كان ضعيفًا إذ يقول: "اللهم إني ضعيف فقوّني". بل قال: (1: 33) "ولما تدرَّج عمر من الصبا إلى الشباب بدا في مظهر
(1/276)

من القوة بَذَّ به أقرانه". ثم النقلُ الصحيح ثابت بأنه كان جوادًا، فقد روى ابن سعد في الطبقات (ج 3 ق 1 ص 210) عن عبد الله بن عمر قال: "ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حين قبض كان أجدَّ ولا أجودَ حتى انتهى من عمر". فهذا وغيره من أخباره وحوادثه لا يدع شكًّا في أنه كان من أكرم الكرماء.
4 - (ج 1 ص 36): "ثم إن المبشرين بالمسيحية في ذلك العصر كانوا ذوي نشاط في الدعوة إلى دينهم، والتبشير به مثل نشاطهم اليوم". وهذه دعوى عريضة، لا تكاد تجد دليلًا عليها، فما رأينا - على كثرة ما رأينا - في النصوص التاريخية الصحيحة أن قد كان للمبشرين نشاط في مكة وما حولها حيث نشأ عمر، كمثل نشاطهم اليوم ولا مقاربه. إلَّا أن يكون من أمثال آراء الأب لويس شيخو في كتاب "النصرانية وآدابها" ومقاصدُ هذا الكتاب معروفة، وما من أحد من أهل العلم والتوثق يرضى عن آرائه وتحقيقاته!
5 - (ج 1 ص 39 س 15) "طلحة بن عبد الله" خطأ مطبعي، صوابه "طلحة بن عُبيد الله".
6 - (ج 1 ص 80 - 83) تهافت المؤلف في كلامه فيما كان بين عمر وخالد بن الوليد في شأن مقتل مالك بن نويرة في حروب الردَّة بمثل ما صنع في كتابه "الصديق أبو بكر" وقد حققنا القول في ذلك في بحث مستوفي نشر في عدد شهر أغسطس سنة 1945 من مجلة المقتطف، ورجحنا فيه بالأدلة التاريخية الصحيحة, أن خالدًا أمر
(1/277)

بقتل مالك بن نويرة لإصراره على الردّة بمنع الزكاة، وأخذ امرأته وابنها سَبْيًا، وأن ليس في شيء من ذلك ما يُلام عليه خالد، لموافقته أحكام الشريعة، وأن عمر إنما سخط على خالد أن لم يتبين وجه حجته، وأن أبا بكر تبين معذرة خالد فبرأه، وكان إذ ذاك ولي الأمر الذي يملك فصل القضاء فيه، وقد قضى بالبراءة، فلا يملك أحد بعده أن يشكك في قضائه أو بعيد النظر فيه، لا أحد ولا عمر نفسُه، حتى إن متمم بن نويرة جاءه في خلافته يستعديه على خالد، لما كان يعرف من رأيه في هذه المسألة نفسها، فقال له: "لا أرد شيئًا صنعه أبو بكر". فقال متمم: قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به. فأجابه عمر الجواب الحازم الحاسم: "لو كنتُ ذلك اليوم بمكاني لفعلتُ، ولكني لا أردّ شيئًا أمضاه أبو بكر". وقد قلنا في ذاك المقال: "وما نظن عمر يفعل ما كان يريد لو كان خليفة ذلك اليوم، إنما هو يبين عن رأيه في أمر قد نظر إليه من جانب واحد، هو جانب الاتهام، ولعله لو قد سمع الطرف الآخر، طرف الدفاع، ونظر إلى الأمر من الجانبين كما نظر إليه أبو بكر، لانتهى إلى ما انتهى إليه حكم أبي بكر. وفي مثل هذا تختلف أنظار القضاة ويختلف اجتهاد المجتهدين، في وزن الأدلة، وتقدير البراهين، فلن تكون كلمة عمر وحدها حجة على خالد، تثبت عليه إجرامًا لم يثبت عند الحاكم، وقد برّأه الحاكم مما نسب إليه، ولن تكون كلمة عمر وحدها حجة على أبي بكر، حتى يُتهم بالتهاون في شأن جرم يوجب الحدّ أو القصاص،
(1/278)

وبأنه كان يتزمت في تطبيق التشريع على العامة والدهماء، ولا يتزمت في تطبيقه على النوابغ والعظماء! ! كفعل ساسة هذا العصر! ".
فلم يكن فعل خالد أنه تزوجَّ امرأة مالك بن نويرة بعد قتله زوجها، وأنه بني بها في عدَّتها، كما يصورّه المؤلف هنا وهناك، تمسكًا بظواهر ألفاظ في بعض الروايات من غير رجوع إلى باقيها، وما كان خالد ليأتي هذا المنكر الذي لا شك في حرمته والذي استحلاله خروجٌ من الإسلام، وما كان لأحد من عامة المسلمين أن يقره عليه، فضلًا عن أصحاب رسول الله، فضلًا عن أبي بكر.
وقد حكى المؤلف هنا (ص 82) رواية عن بعض المؤرخين "أن عمر كان سيئ الرأي في خالد من قبل إسلامه، وكان سيئ الرأي فيه في حياته". ثم علل ذلك تعليلًا عجيبًا! قال: "ولعلَّ عمر لم ينس لخالد غزوة أحد وموقفه منها، وانتصار المشركين على المسلمين بمهارته فيها، ثم مهاجمته رسول الله لولا أن وقف عمر في وجهه وصدَّه عن غرضه"! ! وما ظننت قط أن أحدًا يقول مثل هذا القول، فإن البديهي من قواعد الإسلام أن الإسلام يَجبُّ ما قبله، وكل أصحاب رسول الله كانوا مشركين قبل أن يسلموا، إلا القليل الذين كانوا صغارًا ونشؤوا على الإسلام، وكثير من الكبار حاربوا رسول الله قبل أن يسلموا، وكثير منهم كانوا أعداءه، ثم تابوا وآمنوا فتاب الله عليهم، لم يحقد من آمن منهم من قبل على من آمن منهم من بعد، وكانوا إخوانًا متناصرين، لا أعداءً متحاقدين، ولو كان لأحد أن يحقد على خالد ما
(1/279)

زعمه المؤلف، لكان أولى الناس أن يحقد عليه ذلك رسول الله ثم أبو بكر، وينزِّه الله رسوله وأبا بكر وعمر من ذلك، وهذه مداخل وددنا لو يحسن المؤلف الخروج منها أو يحجم عن ولوجها.
7 - (ج 1 ص 87) يروي المؤلف أن عمر "كان يذهب في تجارته إلى العراق وإلى الشام واليمن، فكان أشد حرصًا على مقابلة الأمراء والحكماء من أهل هذه البلاد؛ ليزداد بالتحدث إليهم علمًا منه على أن تزداد تجارته ربحًا فيصبح من الأغنياء". وما أدري أين وجد المؤلف أن عمر "كان أشد حرصًا على مقابلة الأمراء والحكماء منهم؛ ليزداد بالتحدث إليهم علمًا"؟ ! إني لأخشى أن يكون هذا خيالًا يصوِّر به مصدر علم عمر وحكمته، زعمًا بأن العرب لم يكن فيهم حكمة إلا ما أخذوا عن غيرهم! وعمر كان قوي الفطرة العربية، ثم أوتي العلم في الإِسلام من الكتاب والسنة وتأسيه برسول الله ثم بأبي بكر.
8 - (ج 1 ص 91 - 93) صوّر المؤلف موقف عمر أول وقت من خلافته بعد أن دفن أبو بكر وانطلق إلى داره بعد ما انتصف الليل: "ودخل مضجعه وجعل يفكر فيما يتنفس عنه الغد، فسيبايعه المسلمون من بكرة النهار؛ ليتولى أمورهم، فيواجه منهم من رضي استخلافه كارهًا، ثم يواجه الموقف الحربي الجليل الدقيق في العراق وفي الشام، فماذا عسى أن يفعل ليتغلب على هذين الأمرين، وهما بأعظم مكان من جلال الخطر في حياة الدولة الناشئة". ثم كتب صفحة
(1/280)

ونصف صفحة عما كان يجول في خاطر عمر تلك الليلة! ! وما أظن - وأنا رجل من المتحفظين في الرواية والنقل - أن مثل هذا العمل مما يجوز للمؤرخ، وما يبعد أن يأتي من بعده من ينقله عنه، ظنًّا أن هذا قد كان، رواه الدكتور محمَّد باشا هيكل! ! بل إني أومن أن هذا لا يجوز، ولقد كتبت بهامش نسختي من كتابه في هذا الموضع: "للمؤلف خيال قوي على الطريقة الأوربية، فالمظنون الراجح في مثل هذا الموقف أن يفكر عمر فيما هو مقدم عليه، ولكن سياق الكلام الموهم أن هذا حصل فعلًا يستدعي أن يكون هناك نقل صحيح بذلك، أو يكون تزيدًا وافتعالًا". وسأدع للقارئ بعد أن يحكم فيه بما يرى.
9 - (ج 1 ص 91 في الحاشية) نقل المؤلف رواية عن ابن سعد أن عمر خطب في الناس خطبة بعد دفن أبي بكر، ثم ردَّ هذه الرواية بأن أبا بكر دفن بعد ما جنَّ الليل، وأنه ليس طبيعيًّا أن يخطب عمر في القوم الذين تولوا الدفن "ثم إن أكثر الناس كانوا قد أوَوْا إلى منازلهم، فلم يكن منهم بالمسجد في هذه الساعة إلا قليلون، هم أهل الصُّفَّة؛ لأن المسجد لم يكن يضاء في ذلك العهد". وهذا لون من التحقيق العلمي! ! لا عهد لنا به، فإن الجزم بأنه لم يكن في المسجد في تلك الساعة إلَّا أهل الصُّفَّة لا يكون إلَّا عن نقل صحيح؛ لأنه شيء مادي لا يدرك بالعقل وحده، ويستحيل عادةً أن يدرك بالتعليل بأن المسجد لم يكن يضاء في ذلك العهد! والثابت في السنة والتاريخ أنهم كانوا يسهرون ويسمرون في المسجد، وكانوا يصلون الفجر
(1/281)

بغلس، يعني في الظلام. والظن في مثل هذه الحال - حال موت أبي بكر ودفنه - أن يحضرها كثير من الصحابة، إن لم يكونوا داخل بيت عائشة، ففي المسجد خارج البيت، والخطبة التي روى ابن سعد (ج 3 ق 1 ص 197) والتي يشير إليها المؤلف، كلمة قصيرة لا تزيد على أربعة أسطر، فليست مما يستبعد قوله في مثل هذا المقام، وما من دليل ينفيها، إلَّا أن في إسنادها جهالة؛ لقول راويها حميد بن هلال: "حدَّثنا من شهد وفاة أبي بكر". وهذا إسناد منقطع يراه المحدثون ضعيفًا، وما عمدنا بنقدنا على الجزم بصحة تلك الخطبة، وإنما أردنا أن نضع بين يدي القارئ مثالًا من أمثلة تحقيق المؤلف ورده من الروايات "ما لا يقره العقل ولا يثبت للنقد"!
10 - (ج 1 ص 91 في الحاشية أيضًا) عبر المؤلف عن "بيت عائشة" بكلمة "دار عائشة" وهو خطأ، فإن الدار أكبر من ذلك، هو اسم جامع للعرصة والبناء والمحلة، ولم تكن بيوت أزواج رسول الله تُسمى دورًا، وإنما كانوا يسمونها بيوتًا.
11 - (ج 1 ص 159 - 163) تحدَّث المؤلف عما دار من جدال وحديث بين الوفد الذين أرسلهم سعد بن أبي وقاص وبين يزدجرد، ثم نقل لنا عن بعض المستشرقين أنهم ذهبوا إلى "أن هذه الروايات وضعت من بعد، إن لم يكن في جوهرها، فعلى الأقل في تفاصيلها" وأن المستشرقين يؤيدون نقدهم بأن المؤرخين المسلمين لا يتورَّعون عن رواية أمور هي أدنى إلى الخرافة، وذكروا رواية عن رستم فيها
(1/282)

تطير واعتقاد بالتنجيم، ثم ذهب المؤلف يرد على المستشرقين ردًّا فاترًا ضعيفًا، حتى إذا أتى لحديث النجوم قال ما نصه: "أما القول بأن حديث النجوم أدنى إلى الخرافة، فذلك ما لا أتعرض للخوض فيه، فلست عالمًا بالنجوم، ولست أعرف لذلك مبلغ ما تهدينا إليه من علم بشؤون هذه الأرض التي نعيش عليها، وما يقع من الأحداث فيها، على أن كثيرين لا يزالون يؤمنون بها ويحسبون أن علمها يهديهم إلى ما يغيب عن غيرهم"! وما من شك في أن التنجيم والطيرة حديث خرافة، وأنه شيء لا يقبله العقل، وأن الإسلام نهى عنه نهيًا شديدًا، وتوعد من صدق بمثل هذه الخرافات وعيدًا كبيرًا. ولكن العجب الذي لا ينقضي، أن المؤلف يأخذه الرعب من حديث النجوم فيخشى أن يتعرض للحديث فيه، زعمًا منه أنه ليس عالمًا بها وبمبلغ ما تهدي إليه من علم بالأرض وأحداثها! ! ثم هو ينكر كل المعجزات الكونية لرسول الله، وكل الخوارق المنسوبة إلى عمر أو أكثرها، لا يجد في صدره من ذلك حرجًا، ولا يتواضع فيظن بنفسه أن قد فاته علم كثير من علوم الأسانيد الإسلامية، التي أتقنها المتقدمون، وأثبتوا بها الصحيح من الأخبار، ونفوا بها عنها ما وضع الوضَّاعون وما روى الضعفاء, حتى جاؤوا بالسنة بيضاء نقية. ثم هو قد وجد لنفسه عذرًا فيما أحجم عنه من الكلام في النجوم أن كثيرين لا يزالون يؤمنون بها، وأظنه يريد بذلك علماء الإفرنج! ! ولم يجد مثل ذلك العذر فيما أثبته علماء الإسلام من الأخبار المتواترة والأخبار
(1/283)

الصحيحة، وهو يعلم أنهم كلهم إلَّا من شذَّ منهم، لا يزالون يؤمنون بها، ويعتقدون أن طرق الإثبات التي وصلت بها إليهم هي أدق طرق علمية لإثبات الأخبار والروايات، وأن علمها يهديهم إلى ما يغيب عن المستشرقين وأتباعهم.
12 - (ج 1 ص 175) قال المؤلف في أعقاب يوم أغواث: "وكانت نساء المسلمين يعنين بالجرحى ويمرضنهم، ويبذلن من صنوف العناية ما يُرَفِّهُ عنهم وما ينسيهم ألمهم". ولسنا ننكر عليه في هذا إلَّا تعبيره بكلمة "الترفيه" في هذا المقام في هذا الوقت، فإن الحرب الأخيرة بين الدول أرتنا في بلادنا، وأسمعتنا عن غير ما رأينا، معاني منكرةً لما يسمى "الترفيه" عن الجرحى والمرضى والأصحاء من الجيوش، مما يقشعر له بدن كل ذي خلق وكل ذي دين، وأشاعت بذلك فسادًا لا يدري الناس ما عواقبه، وقد جعلت هذه المنكرات لكلمة "الترفيه" معنى يبادر إلى ذهن كل من سمعها، خصوصًا من الشبان. وكنا نظن بالمؤلف، على ما نعرف من دقته في التعبير، أن يتجاوز عن هذه الكلمة الآن، ويترفع عن وصف نساء الصحابة والتابعين بها، وقد آلت في أذهان الناس إلى ما آلت إليه، على ثقتنا بأنه لم يرم إلى هذا المعنى، وهو في ذلك فوق الشبهة عندنا، ولكنا لا نريد إلا الحذر والاحتياط.
13 - (ج 1 ص 191) وصف المؤلف المدائنَ عاصمة مملكة الفرس في ذلك العهد وصفًا خياليًّا، مما قال فيه: "فقد جمعت من
(1/284)

معاني الترف الشرقي أبهى صوره وأكثرها وحيًا لآلهة الفن وشياطين الشعر". فما "آلهة الفن" هذه؟ ! إني أرى كثيرًا من الكاتبين في هذا العصر يصطنعون كلمات يأخذونها عن الأمم الأخرى، يتزيَّدون بها ويتجملون، يظنون أن لا بأس بها، وفيها كلُّ العباس وكلُّ الشرّ. إن تسمية "آلهة" أخرى من دون الله كلمات وثنية، جاء الإسلام بحربها والقضاء عليها، وما تنفع المعذرة بأن مثل هذه الكلمات إنما هي ألفاظ لا تُعتقد معانيها ودلالاتها، فإنما وضعت الألفاظ للدلالة، ولا يطلع على خفايا القلوب إلا الله. ولا يجوز لأحد أن ينطق بمثل هذه الكلمات، لا هزلًا ولا جدًّا، وما أذن الله لأحد أن يقول شيئًا من ذلك {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]. وما أظن أحدًا يُكره هؤلاء الكتّاب على اتخاذ هذه الألفاظ الوثنية، أيًّا كان مقصدهم منها، أو تأولهم لدلالتها {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)} [الصافات: 86]. وليعلمْ هؤلاء وغيرهم أن الله نعى على المشركين تسميتهم آلهة من دونه، وما كانوا يزعمون أنهم الخالقون الرازقون، بل كانوا يؤمنون بالله، ويشركون بآلهتهم، أنهم يَدْعُونها ويعبدونها لتقرّبهم إلى الله زلفى، كما حكى الله عنهم في القرآن. فمهما يتأوَّل المتأوّلون في تسمية آلهة من دون الله، فلن يبعد بهم تأوُّلهم عن شيء لا يجوز أن يقوله من يدين بدين سماوي شرعه الله.
والمؤلف يؤلف كتابه في سيرة عمر، ويتمدَّح بأعمال عمر، ويرفع من شأن عمر، وأنا أوقن أن لو قد سمع هذه الكلمة عمر،
(1/285)

لكان له معه شأن أي شأن، نسأل الله العصمة والتوفيق.
14 - (ج 1 ص 205) يقول المؤلف: "وكان الناس يجتمعون بسعد في قصر كسرى: فيتحدَّث سعد إلى ذوي العلم منهم بماضي هذه البلاد، ويذكرون أيامًا سلفت كانت فيها مقر حضارة العالم". وهذا نقل لم أجده فيما بين يديَّ من المراجع، وأخشى، بل أرجح، أن يكون خيالًا لا حقيقة له، لا يكون من عالم يتحرى الحقائق في نقله.
15 - (ج 1 س 258 - 259) قال المؤلف: "يذهب بعض المستشرقين إلى أن عمر إنما اعتذر عن الصلاة بكنيسة القيامة لما كان بها من صور وتماثيل". وقد ذهب يناقش هذا القول، ويزعم أنه غير صحيح، بل ذهب يجرؤ على الفتيا، ويدعي أن الصلاة على الصور والتماثيل لا بأس بها، بل ذهب يتقوَّل على رسول الله وعلى الذين اتبعوه، ثم على الإسلام، بل أربى على ذلك أن كاد يبيح الوثنية صريحًا، ينتحل قولًا يشبه وحدة الوجود، وما هو إلا مذهب ينتهي بقائليه إلى إنكار وجود الله! ! قال ما نصه: "وما كان لمحمد والذين اتبعوه ألَّا يصلوا بمكان فيه صور أو تماثيل والإسلام إيمان بالله، والأعمال فيه بالنيات، فمن صدَق إيمانه وخلص لله وجهه فأينما ولّى فَثَمَّ وجه الله، وإنما حطم محمد الأوثان والأصنام حول الكعبة وفي جوفها يوم فتح مكة، حتى يكون بيت الله حرامًا على كل دين إلَّا على الدين الذي أوحاه الله إلى نبيه بينات من الهدى والفرقان؛ كي لا
(1/286)

تُذَكِّرُ هذه الأصنامُ والأوثانُ أحدًا بجاهليته، فيثور في نفسه إليها حنين، أما الذين صفت قلوبهم لله وتطهرت نفوسهم من كل عبادة إلَّا عبادته جل شأنه، فأولئك لا خوف عليهم أينما صَلَّوْا، وأولئك يرون وجه الله في كل خلقه، جلَّ ثناؤهُ وتباركت أسماؤه! " هكذا قال، حتى علامة التعجب وضعت في أصل الكتاب، ونعوذ بالله من حكاية هذا القول، لولا الضرورة إلى التحذير منه ما حكيناه، وكل مسلم يعلم أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل وإلى ما يوهم عبادة غير الله، والذي أراد أن ينفيه عن عمر قد صحَّ عنه وعن غيره، ففي صحيح البخاري (ج 1 ص 443 - 444 من فتح الباري طبعة بولاق) "قال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلَّا بيعة فيها تماثيل". فلا موضع لما افتعله المؤلف من رد الرواية عن عمر برأيه وهواه.
ويخيّل إليَّ أن للمؤلف في الوثنية رأيًا خاصًّا، لا يقره عليه أحد، يرجع بها إلى عهد الجاهلية وآراء الجاهلية، وقد جاء القرآن بحربها وهدمها؛ فإن المؤلف عاد إلى مثل هذا المعنى عند الكلام على فتح مصر (ج 2 ص 79) قال: "فالتوجّه الديني أصيل في الشعب المصري بحكم طبيعته، كذلك كان شأنه في عهود الفراعنة، وكذلك ظلَّ شأنه على القرون، ولعلَّ بساطة عقيدته، مع تغير الأديان التي دان بها، كانت ذات أثر في تمسكه بمذهبه، فهو موحَّد من أقدم العصور، وهو على توحيده يشعر بأن الإله الخالق المنعم جلَّ شأنه أعظم من أن
(1/287)

يسموا سواد الناس إلى الاتصال بذاته وإن تطهرت قلوبهم، فلا بد من زلفى تقرّبهم إليه، وتحلّهم منه محل الرضا"! ! فإن لم يكن هذا تمجيدًا للوثنية ودعوةً إليها، فخيرٌ للناس أن يلغوا عقولهم! ! وأين ما جاء به موسى من التوحيد في عصر الفراعنة، والكفر بألوهيتهم وبما كانوا يعبدون من دون الله؟ ! وإن الله يقول: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} الآية 3 من سورة الزمر، ويقول تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)}. الآية 106 من سورة يوسف.
وليت المؤلف لم يتقحم مثل هذه المآزق، أو سأل عنها من يرشده إلى وجه الحق فيها، أو اجتهد في البحث عنها في مصادرها، واصطنع الأناة والحكمة في اجتهاده! ! ليته ليته.
16 - (ج 1 ص 291 س 9) "أمراء الأنصار" خطأ مطبعي صوابه "أمراء الأمصار" كما هو واضح.
17 - يقول المؤلف (ج 1 ص 300): "فأول ما يقضى به الإيمان الصحيح ألَّا يهاب الجندي الموت، وأن يقدم عليه مغتبطًا به، فإن استشهد ففي سبيل الله وفي سبيل الوطن وفي سبيل القضية التي ينصرها". وقال أيضًا (ج 2 ص 220): "وما ضر أحدهم أن يقتل في سبيل الله وفي سبيل الإمبراطورية الإسلامية". وهذا تعبير موهم، وفي نسبته إلى "الإيمان الصحيح" مغالطة؛ فإن الإسلام لا يعرف
(1/288)

الاستشهاد إلا أن يكون في سبيل الله فقط، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري قال: (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله").
18 - (ج 2 ص 49 - 51) نقل المؤلف عن الطبري قصة فتح فَساودزا بجرد، والطبري ذكر القصة بروايتين (ج 5 ص 5 - 6) فأخذ المؤلف إحدى الروايتين وبقية الأخرى، وأعرض عن صدرها، ليتم له تأويله الذي يبغي، ففي الرواية الأولى أن عمر أري في المنام خطر موقف المسلمين، وأنهم إن استندوا إلى الجبل انتصروا، فنادى في الناس "الصلاة جماعة" فجمعهم في الوقت الذي رآه في نومه وقتًا للوقعة وأخبر الناس بما أريَ، ثم قال: "يا سارية الجبلَ الجبلَ" ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودًا ولعلَّ بعضها أن يبلغهم. هذا ملخص الرواية الأولى، ساقها المؤلف مفصلة في قليل من التحوير. والرواية الأخرى: "كان عمر قد بعث ساريةَ بن زُنيم الدئِلي إلى فساودزا بجرد فحاصرهم ثم إنهم تداعوا فأصحروا له وكثروه فأتوه من كل جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية ابن زنيم الجبلَ الجبلَ. ولما كان ذلك اليوم وإلى جانب المسلمين جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلَّا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم". ثم ذكرت الرواية ما أصابوا من المغانم
(1/289)

ومسير رسول سارية إلى عمر وعوده إلى البصرة، وأن أهل المدينة قد كانوا سألوه: "عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة؟ فقال: نعم سمعنا "يا سارية الجبل"، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله علينا". وقد أعرض المؤلف عن هذه الرواية واقتبس منها حديث الغنيمة وما أرسل منها إلى عمر وغداء رسول سارية معه، فضمه إلى الرواية الأولى بنصه، ثم ذكر سؤال أهل المدينة عن سارية وعن الفتح وجوابه كأنه رواية أخرى. فهذه هي القصة التي رأى المؤلف - فيما نقلناه عنه آنفًا (رقم 2)، أن يثبتها من روايات الخوارق؛ لأنه "تضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر يدعو إلى النزول على حكمهم فيها"! ! وهي من روايات التاريخ، إسنادها لا يكاد يصل إلى الصحة؛ لانقطاع في إسناديها اللذين رواها بهما الطبري، فضلًا عن أن يتضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر! ! ولا يبعد أن تصح فما ينكر الخوارق إذا صحت إلَّا من ينكر ما وراء المادة، ومن ينكر كل غيب لا يصل إليه حسُّه، أو لا يأتيه خبره إلَّا عمن يثق بهم من الأجانب.
19 - (ج 2 ص 59) ذكر المؤلف "دائرة المعارف البريطانية باسمها الإفرنجي مرسومًا بحروف عربية "الانسيكلوبيديا بريتانيكا" وما كانت به حاجة إلى هذا التكلف والإغراب، فإن أسماء الكتب تترجم إلى ما يقابل معانيها في اللغات الأخرى غالبًا، وقد ترجم هذا الاسم وعرف بين قراء العربية وهو أقرب إلى إفهامهم أن يذكر اسمها
(1/290)

المترجم الذي عرفت به.
20 - (ج 2 ص 84) تحدَّث المؤلف عن إسلام عمرو بن العاص، فلم يجد له إمامًا يقلده غير العقَّاد، في كتابه الذي ألفه عن عمرو بن العاص في سلسلة "أعلام الإسلام" فإنه زعم أن عمرًا كانت نظرته إلى الدنيا نظرة عملية، وأن مناط الرجحان في تلك النظرة الأخذ بالأحوط والأنفع "حتى ليكاد الأحوط والأنفع أن يكون عنده مقياسًا للحق أو لصحة الأشياء"، ثم ذهب يضرب على هذه النغمة ويحكي بعض الروايات يتأوَّلها عليها (ص 27 - 28 و 57 - 61) فنقل عنه سعادة المؤلف هنا مناقشة بين عمرو وبين فتى من قريش، ثم قال: "ولئن صحت تلك الرواية لتكوننَّ بالغة في الدلالة على اتجاه عمرو في تفكيره، وعلى أنه كان يؤمن بنظرية المنفعة إيمانًا قويًّا". ومعاذ الله أن نظن ذلك بأصحاب رسول الله، وخاصة بمثل عمرو بن العاص. وقد نقض المؤلف على نفسه ما قلّد فيه العقّاد، فصرَّح بعد بأن عمرًا "بادر إلى الإسلام عن بيّنة وإيمان، لا عن خوف ولا عن إذعان". فما ندري لم قال من قبل ما قال، ولم هذا الاضطراب؟ ! .
21 - (ج 2 ص 203 - 204) نسب المؤلف لعمر أن تأسّيَه بالرسول لم ينسِه أن يفرق بين الثابت على الزمان من سنته - صلى الله عليه وسلم - وبين ما قضت به أحداث الوقت، فمن المستطاع مراجعته وإعادة النظر فيه، من غير أن يكون ذلك إنكارًا له، اقتناعًا بأن رسول الله لو امتدّ به الأجل لراجعه وأعاد النظر فيه". وهذه نظرية خطيرة، لم ينسبها أحد قط لعمر،
(1/291)

ويبرئ الله عمر من التهمة بها، فإنها ليست إلَّا مخالفة السنة بالرأي والهوى، وما هي إلَّا نسخُ شيء من السنة بعد وفاة رسول الله، وما قال هذا أحد قط، ولعل للمؤلف رأيًا يحوم حوله، لا يكاد يصرح به، فإني أراه قال في أواخر الكتاب (ص 322): "فحق لعمر أن يُدفن مع صاحبيه، ليَنعم بجوارهما، وتطمئن روحه إلى أنه سار على سنتهما، وأنه أتم على الأرض ما قضى الله أن يَتم حين أوحى إلى نبيه رسالة السماء، وقد أتم عمر هذه الرسالة"! ! ولست أدري، أهو يعتقد حقًّا أن عمر أتمَّ على الأرض هذه الرسالة، أم هو يرى أن شؤون النبوة والرسالة كبعض ما يعرف من شؤون الدولة والسلطان، أم هو يلقي الكلام على عواهنه، لا يلقي له بالًا؟ ! اللهم غفرًا.
واسمعْ - يا سيدي - بعض ما قال إمام الأئمة محمد بن إدريس الشافعي في وجوب اتباع سنة رسول الله على كل أحدٍ، وهو قول كافة أهل العلم: "وكلُّ ما سَنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجًا". (الفقرة 294 من كتاب الرسالة للشافعي بتحقيقنا". وقال أيضًا في الفقرة 326: "فيما وصفتُ من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله: دليلٌ على أن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله، فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها، ولا تجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًّا بينًا إلَّا كتابه ثم سنَّة نبيه، فإذا كانت السنةُ كما وصفت، لا شبه لها من قول خلق الله، لم يجز أن
(1/292)

ينسخها إلَّا مثلها، ولا مثل لها غير سنة رسول الله؛ لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له، بل فرض على خلقه اتباعه، فألزمهم أمره؛ فالخلق كلهم له تبع، ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه، ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا منها".
أي لا عمر ولا غير عمر، لا أصغر من ذلك ولا أكبر، وقال أيضًا في الفقرة 599 فيما يقع من أقوال بعض العلماء مخالفًا للسنة: "وليس ذلك لأحد، ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمد خلافها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل". وقال أيضًا في الفقرة 905: "وإذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره". وكان عمر يقضي في دية أصابع اليد بالتفريق بينها، فجعل للإبهام 15 من الإبل، والتي تليها 10 وللوسطى 10 وللتي تلي الخنصر 9 والخنصر 6 ثم ثبت عند أهل العلم أن رسول الله قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل". فأخذوا به كلهم وتركوا قول عمر، فقال الشافعي في ذلك في الفقرتين 1167، 1168: "ولم يقل المسلمون: قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار. ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافهُ ولا غيركم، بل ساروا إلى ما وجب عليهم، من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل
(1/293)

خالفه، ولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله، بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله، وعلمه، وبأن ليس لأحدٍ مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله". وسيرة عمر في السنة معروفة، كان يجتهد فيما يعرض له، مما ليس فيه نص كتاب ولا يعلم فيه سنة، فإذا بلغته سنة رسول الله، عدل عن رأيه واتبع السنة، بل هو كان أشدَّ اتباعًا للسنة وتمسكًا بها في كل شأنه، وأقوى حجةً في ذلك موقفه حين مقتله؛ إذ يستدبر الدنيا ويستقبل الآخرة، قال له ابنه عبد الله بن عمر: "إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لكم، زعموا أنك غير مستخلف. فوضع رأسه ساعة ثم رفعه فقال: إن الله عَزَّ وَجَلَّ يحفظ دينه، وإني إنْ لا أستخلف فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن يَعدلُ برسول الله أحدًا، وأنه غير مستخلف". وهذا حديث صحيح جدًّا، رواه الإمام أحمد في مسنده (ج 1 ص 47) ورواه أيضًا مسلم في صحيحه (ج 2 ص 80 - 81) وأبو داود في السنن (ج 3 ص 93 - 94 من شرح عون المعبود) ورواه أيضًا البخاري مختصرًا (ج 9 ص 81 من الطبعة السلطانية). فهذا عمله كما ترى في شيء سلبي سكوتيّ، لم يستخلف رسول الله، ولكنه لم يَنْهَ عن الاستخلاف، واستخلف أبو بكر، وهو الصاحب الأول، والوزير الأول، والخليفة الأول، وهو كان أعلم برسول الله من عمر ومن غير عمر من الصحابة، وأقرَّه عمر
(1/294)

وأقرَّه المسلمون جميعًا فكان اتفاقًا منهم على أن الاستخلاف جائز غير ممنوع، ومع ذلك فإن عمر أبى إلَّا أن يتبع فعل رسول الله في ترك الاستخلاف، وعَرف ذلك منه ابنه عبد الله، وهو أعرف الناس به "فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن يعدل برسول الله أحدًا" فهذا هو عمر وعلى حقيقته "بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله، وعلمه" كما وصفه الشافعي حقًّا، لا على الصفة المنكرة التي اخترعها المؤلف، أنه يلعبُ بالسُّنة برأيه، فيفرق بين الثابت على الزمن وبين ما قضت به أحداث الوقت، فيراجعه ويعيد النظر فيه، توهمًا من المؤلف - لا اقتناعًا من عمر - "أن رسول الله لو امتدَّ به الأجل لراجعه وأعاد النظر فيه"! ! وهذا هو عمر التابع المطيع والخادم الأمين، ليس كما يصوّره المؤلف، مخالفًا كلَّ نصًّ وكل معقول، أنه أتمَّ على الأرض هذه الرسالة! ! وعمر يعلم أن الله أنزل على رسوله في يوم عيد، يوم عرفة يوم الجمعة في عرفة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3].
22 - (ج 2 ص 222) يتحدَّث المؤلف عن عمر يقول: "ولقد كان يرى نفسه مسؤولًا أمام ضميره وأمام الله". وهذا تعبير إفرنجيّ مستحدث، ومعنى باطل لا يعرفه عمر ولا يعرفه الإسلام، فإنما الذي يدين الناس ويسألهم عن أعمالهم، والذي يجب عليهم أن يتقوه ويخشوه هو الله وحده.
(1/295)

23 - (ج 2 ص 236) يقول المؤلف في شأن تدوين الدواوين: "فقد كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يكتبون له الكتب والرسائل، وكانت هذه الكتب تحفظ صورها وتحفظ الردود عليها في داره بالمدينة". وهذا نقل طريف، لا أذكر أني رأيته أو سمعت به قط، فعسى أن نُفيد من علم المؤلف وسعة اطلاعه، فيرشدنا إلى المصدر الذي نقله منه.
24 - (ج 2 ص 240) في إشارته إلى عبد المطلب بن هاشم قال: "وتذكر كيف أدى نذره". وما نظن هذا التعبير دقيقًا، فإن المعروف في كلام العرب أن يقال: "وفى بنذره" أو "أوفى بنذره" أو نحو ذلك.
25 - تحدَّث المؤلف عن صور النكاح في الجاهلية، فذكر منها أن يتزوَّج الرجل امرأةً فيذرها في قومها، ينزل عندها في رحلاته، وقد تعقبناه في ذلك المقال الذي نشر في مجلة "الكتاب". ثم عقب المؤلف كلامه السابق بقوله: "ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا الزواج أصل زواج المتعة الذي أبيح في صدر الإسلام إلى أن حرَّمه عمر". ولم يكن شيء من هذا، ولم يقل أحد من المؤرخين ما قال، بل نكاح المتعة كان أحد صور النكاح في الجاهلية، وقد أبيح في صدر الإِسلام ثم نسخ وثبت الأمر على تحريمه، وليس يصح ادّعاء المؤلف أنه بقي مباحًا إلى أن حرَّمه عمر، إلا على نظريته التي أنكرناها عليه: أن عمر كان يعيد النظر في سنة رسول الله، وأنه أتمَّ
(1/296)

الرسالة! ! وأما الثابت عند أهل العلم: "أن عمر لم ينه عنه اجتهادًا، وإنما نهى عنه سندًا إلى نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، كما قال الحافظ ابن حجر، وانظر فتح الباري (ج 9 ص 143 - 151). ولم يكن عمر ولا غيره يملك أن يحرّم الحلال، ولم يجعل الله ذلك لأحد من خلقه بعد رسول الله.
26 - (ج 2 ص 258) استعمل المؤلف فعل "تعمق" متعديًا بنفسه وهو فعل لازم، لا شك في ذلك ولا خلاف، وفي اللسان: (عمَّق النظر في الأمور تعميقًا، وتعمق في كلامه، أي؛ تنطَّع. وتعمق في الأمر: تنوق فيه فهو متعمق). والذي ابتدع هذا الخطأ ولهج به وأشاعه، هو الدكتور طه حسين بك، فقلده المؤلف وغيره من الكتَّاب، عن غير تدبر ولا بحث.
* * *
(1/297)

أسامة بن منقذ (*)
تأليف الأستاذ محمَّد أحمد حسين (1)
وهذا كتاب آخر من كتب التراجم، مما ألف شبابنا المتوثب إلى المجد، في درس سيرة بطل من أبطال الإسلام الكبار، وأديب من أدباء العرب الفصحاء، وسياسي من الطراز الأول.
ولي بهذا المترجم البطل شبه اختصاص، فقد أخرجت له في سنة 1935 كتاب "لباب الآداب"، ونشرته مكتبة سركيس بالفجالة بمصر، وهو كتاب من عيون كتب الأدب، وترجمت للمؤلف ترجمة متوسطة في 17 صفحة، وكنت شرعت فيها ترجمة وافية، ثم وجدت مجال النشر ضيقًا إذ ذاك، فأوجزت فيها، ووعدت أن أكتب له ترجمة في جزء خاص، أستوعب فيها أحواله وأحوال أسرته، وأستقصي ما أجده من شعره ومناسباته، ولكني لم أجد الفرصة المواتية للوفاء بهذا الوعد، وقد قام الأستاذ المؤلف بما كنت حريصًا على الوفاء به.
وأسامة بن منقذ رجل فذ ممتاز، يمثل فروسية العرب وشهامتهم، وكرمهم وشجاعتهم، ويمثل عصره وبيئته أصدق تمثيل، وعنه وعن أمثاله اقتبس الإفرنج في الحروب الصليبية كثيرًا من محاسن العرب وتقاليد الإسلام. قلت في وصفه في ترجمته التي أوجزتها في أول
__________
(*) مجلة الكتاب، عدد شوال 1365 ه، سبتمبر 1946 م.
(1) 140 صفحة من القطع الكبير. دار الكتب المصرية. القاهرة 1946.
(1/298)

"لباب الآداب" ص 20 - 21: "نشأ أسامة في كنف أبويه وعمته وجدته، وفي وسط أسرة من أعظم الأسر العربية، أكثر رجالها فرسان محاربون من الطبقة الأولى، وبعد ولادته بنحو سنتين بدأت الحروب الصليبية في بلاد الشأم سنة 490، ورباه أبوه على الشجاعة والفتوة والرجولة، ومرنه على الفروسية والقتال، وكان يخرجه معه إلى الصيد، ويدفع به بين لهوات الأسود، فأخرج منه فارسًا كاملًا، وسياسيًّا ماهرًا، ورجلًا ثابتًا كالرواسي، لا تزعزعه الأعاصير، ولا تهوله النكبات والرزايا، فهو يقول عن نفسه بعد أن جاوز التسعين، إذ يحكي بعض ما لقي من الأهوال: "فهذه نكبات تزعزع الجبال، وتفني الأموال، والله سبحانه يعوض برحمته، ويختم بلطفه ومغفرته، وتلك وقعات كبار شاهدتها، مضافة إلى نكبات نُكبتها، سلمتْ فيها النفس لتوقيت الآجال، وأجحفتْ بهلاك المال" (الاعتبار ص 3). ويقول أيضًا: "فلا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضحُ معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقَتلت الأسود، وضُربت بالسيوف، وطُعنت بالرماح، وجرحت بالسهام والجروخ (1)، وأنا من الأجل في حصن حصين إلى أن بلغتُ تمام التسعين ... فأنا كما قلت:
__________
(1) بالجيم في أوله والخاء المعجمة في آخره، وهي من أدوات الحرب ترمي عنها السهام والحجارة، والكلمة معربة عن التركية أو الكردية.
(1/299)

مع الثمانين عاثَ الدَّهْرُ في جَلَدِي ... وساءَنِي ضَعْفُ رِجْلِي واضطرابِ يَدِي
إذا كَتَبْتُ فَخَطِّي جِدُّ مضطرب ... كَخَطِّ مُرْتَعِشِ الْكَفَّيْنِ مُرْتَعِدِ
فاعْجَبْ لِضَعْفِ يَدِي عَنْ حَمْلِها قَلَمًا ... مِنْ بَعْدِ حَطْمِ الْقَنا فِي لُبَّةِ الْأَسَدِ
وَإِنْ مَشيتُ وفِي كَفِّي الْعَصا ثَقُلَتْ ... رِجْلي، كأنِّي أَخُوضُ الْوَحلَ فِي الجلدِ
فَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طُولَ مُدَّتِهِ: ... هَذِي عَواقِبُ طُولِ الْعُمْرِ والْمَدَدِ
(الاعتبار ص 163 - 164).
وقد عمر أسامة عمرًا طويلًا، عاش 25 يوم 2 شهر 96 سنة؛ لأنه ولد يوم الأحد 27 جمادى الآخرة سنة 488 (يوليو سنة 1095) ومات ليلة الثلاثاء 23 رمضان سنة 584 (نوفمبر سنة 1188). وكان المستشار الحربي لصلاح الدين الأيوبي، بما نال من خبرة طويلة، في الحرب والسياسة، وبما خاض من غمار الحروب الصليبية، وقد نشأ في عنفوانها، نقل أبو شامة في الروضتين (ج 1 ص 264) عن العماد الكاتب، مؤرخ صلاح الدين ولسانه الناطق، يصف مجيء أسامة إلى دمشق باستدعاء صلاح الدين، وهو شيخ قد جاوز الثمانين، قال: "فلما جاء مؤيد الدولة - يعني أسامة، فذا لقبه - أنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملكه من أعمال المعرفة ضيعة زعم أنها كانت قديمًا تجري في أملاكه، وأعطاه بدمشق دارًا وإدارًا، وإذا كان - يعني السلطان صلاح الدين - بدمشق جالسه وآنسه، وذاكره في الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو
(1/300)

يستشيره في نوائبه، ويستنير برأيه في غياهبه، وإذا غاب عنه في غزواته، كاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته، واستخرج رأيه في كشف مهماته، وحل مشكلاته".
فهذا الفارس كما قال المؤلف في تصدير الكتاب: "مثل أعلى للفروسية العربية التي ثقفها الغربيون عن فرسان العرب زمن الحروب الصليبية، فهو فارس حمل علم الجهاد في أعنف صراع شهده العالم الإسلامي، حينما وجه الغرب حملاته الصليبية عليه لانتزاع بيت المقدس". فهو جدير بأن يترجم وتدرس حياته وأحواله وآراؤه السياسية والاجتماعية والعلمية دراسة واسعة وافية؛ ليكون مثالًا يحتذى، وكما قال المؤلف أيضًا: "فنحن إذ ندرس سيرة أسامة بن منقذ، ندرس الخطوات التي خطاها العالم الإسلامي في جمع شمله وتوحيد صفوفه، حين نهض ليرد عادية الصليبيين، ويزيد في شأن هذه الدراسة التاريخية، قدرًا أن أسامة نفسه قد خلف في كتابه "الاعتبار" صورة لأحداث عصره، وقد اعتمد عليه كثير من المؤرخين في دراساتهم لهذه الحقبة الصاخبة من تاريخ الجهاد الإسلامي".
وهذا الكتاب سيرة ممتعة، درس فيها المؤلف حياة أسامة وحياة أسرته، والعصر الذي نشأ فيه، وتتبع آثاره العلمية والأدبية تتبعًا لا بأس به، وعني بتحقيق مسائل تاريخية هامة، وعني بجمع كثير من شعر أسامة، فقد كان شاعرًا فحلًا، وله ديوان مفقود، رآه ابن خلكان بخطه في مجلدين، وليت المؤلف أو غيره من الباحثين المتقنين ينشط
(1/301)

إلى البحث عنه لينشره، فإذا لم يوجد جمع كل ما يجد من شعره مفرقًا في الكتب، وينسب كل شيء منه إلى موضعه الذي نقل منه، فيخرج لنا كثيرًا من هذا الديوان الفريد النادر.
والكتاب مطبوع في مطبعة دار الكتب المصرية، وسيكون مرجعًا مفيدًا في أيدي العلماء والباحثين والأدباء، فكنا نرجو أن يخلو من الأغلاط المطبعية الكثيرة، وبعضها مما لا يجوز التساهل فيه، مثل قوله في (ص 9) في شعر لأسامة:
ظلومٌ أبت في الظلم إلا التماديا ... وفي الصد والهجران إلا تناهيا
ومن البين أن صواب الشطر الأول "إلا تماديا" دون حرف التعريف.
وفي (ص 25 س 3) "لم يشأ الفرنج أن يتركوا شيرز في هدوء هامدة طويلة"! وصوابه "في هدوئها مدة طويلة".
(وفي ص 37 س 16): "ما لم يكن يره فيه" وصوابه "ما لم يكن يراه فيه".
ومثل بيت لأسامة في (ص 54):
هل فيهمْ رجل يغني عَنَائي إذ ... جلَّى الحوادثَ حدَّ السيف والقلم
وصحته "فيهمُ" و"غَنَائي" بالغين المعجمة و"حدُّ السيف" بالرفع.
وفي البيت الذي بعده "ذَرَع الرجالُ" وصحته "ذَرْعُ الرِجالِ".
(1/302)

وفي البيت الأخير في الصفحة نفسها، "فاسلم فما عشتُ لي" وصوابه "عشتَ". وفي (ص 90 س 4) "كالجواد العلاف" وصوابه "كجواد العلاف" كما في الاعتبار الذي نقل عنه. وفي (س 16) "بالسهام والجروح" وصوابه "الجروخ بالخاء المعجمة"، كما شرحناها آنفًا، وكما هو في الاعتبار. والشعر الذي في (ص 107) فيه كثير من أخطاء الطبع أيضًا، ولو تتبعنا ذلك لطال جدًّا.
وقد أثبت المؤلف في آخر الكتاب ثبتًا بالمراجع التي اعتمد عليها في كتابه، وذكر طبعاتها وتاريخها، فلم يكن في حاجة للإطالة بوصف كل مرجع منها في الهوامش عند النقل عنها، وثبت المراجع كاف.
ومما أخذت عليه أن نقل فقرة طويلة (ص 4 - 5) ونسبها في الهامش إلى "ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق. ص 130". وهو تساهل غير جيد، بل خطأ يخشى أن يوقع الشك في صحة نسبة كثير من المقتبسات؛ لأن هذه الفقرة نقلها ناشر تاريخ ابن القلانسي في هامش (ص 130) عن تاريخ "سبط ابن الجوزي" فليست من كلام ابن القلانسي ولا صلة لها به، إلَّا نشرها بهامش كتابه!
وقال المؤلف في (ص 36) حين عرض لتعلم أسامة العلم: "وكان أبو الحسن السنبسي يعلمه الحديث، وابن المنيّرة يعلمه الأدب". وكتب على ذلك في الهامش مصدره وهو "أحمد أمين: فارس كنانة: فيض الخاطر، الجزء الرابع ص 120" وأنا أظن أن المؤلف الفاضل قرأ الترجمة التي كتبتُها لأسامة في أول "لباب
(1/303)

الآداب". فكان الأجدر به وبالأمانة في النقل أن يشير في هذه الفقرة إلى الموضع الذي نقل منه الأستاذ أحمد بك أمين، أو يتخطى هذين، المصدرين المعاصرين، ويرجع إلى المصادر التي أشرت إليها في هذا، فإني قلت في (ص 21) من الترجمة: "ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية، بل كان يحضر له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن سالم السِّنْبِسي في سنة 499 كما في تاريخ الإسلام للذهبي، وقد روى عنه حديثًا في أول (لباب الآداب ص 1) وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة 503، (الاعتبار ص 85) و (لباب الآداب ص 101 و 190) ".
وفي (ص 73) يقول المؤلف: "لم تحو المصادر التاريخية ما يشير إلى خوض أسامة وهو في بلاط نور الدين المعارك ضد الإفرنج كما عودنا ذلك، ولعل كبر سنه أقعده عن ذلك، ولكنا نجد أبا شامة المقدسي قد نوه بشجاعة أسامة في حصار قلعة حارم، فقال: "إنه كان من الشجاعة في الغاية التي لا مزيد عليها". إلى آخره. وأخشى أن يكون في هذا شيء من التناقض، نفي ثم إثبات! فماذا بعد أن يذكر أبو شامة اشتراكه في الحصار، وعوده من الغزو؟ أما يكفي هذا في الإشارة إلى خوض المعارك، وهو بالتصريح لا بالإشارة؟ !
والمؤلف يحرص على ذكر التاريخ الإفرنجي بجوار التاريخ الهجري، ولا بأس بذلك، ولكنه ينسى في بعض المواطن فيقتصر
(1/304)

على التاريخ الإفرنجي، وهو يؤرخ لبطل عربي إسلامي، ويؤرخ وقائع عربية عن كتب العرب! كما فعل في (ص 75، 76) مثلًا.
ويقول المؤلف (ص 89): "كنا نود أن تكشف لنا المصادر التاريخية عن الصلة بين أسامة والقاضي الفاضل عبد الرحيم البساني وزير مصر الكبير، ورسائل الفاضل التي بين أيدينا ليس منها رسالة واحدة إلى أسامة، غير أن العماد قد حفظ في الخريدة رسائل جرت بينهما عن كتاب العصا، ومن الغريب أن العماد هو الوحيد الذي حفظ هذه الرسائل، مما جعل الشك يتطرق إلى صحة نسبة هذه الرسائل إلى الفاضل"! !
وهذه طريقة طريفة في الشك وفي الاستدلال عليه! يستدل بما ذكر في هامش هذا الموضع من أنه "بين يدي المؤلف جميع المخطوطات التي تحوي رسائل القاضي الفاضل" وما أدري من أين جاء هذا الحصر الكلي، حتى يكون سببًا للشك في رواية مؤرخ ثقة كالعماد الكاتب؟ العماد ذكر رسائل من القاضي الفاضل لأسامة، وأثبت نصها، والمؤلف يقول إن بين يديه مخطوطات فيها رسائل القاضي وليس من بينها ما ذكر العماد، أليس ما ذكر العماد من المخطوطات التي تحوي رسائل القاضي أيضًا، وإن لم تكن خاصة بها، والعماد معاصر للمرسل وللمرسَل إليه؟ ! ولم يتهمه أحد بالوضع والاختلاف، فأنى يأتي الشك للمؤلف، إلّا أن يكون على طريقة المستشرقين! !
ومن مثل هذا، وإن كان المؤلف مقلدًا فيه فقط، ما جاء في
(1/305)

وصف النسخة المخطوطة الوحيدة من كتاب الاعتبار المحفوظة بالإسكريال (ص 93 - 94) فقد نقل ما كتب في آخرها من قراءتها على "مرهف بن أسامة" والقارئ حفيد مرهف؛ لأنه يقول: "قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره في عدة مجالس، على مولاي جدي الأمير" ... إلخ. وأن ذلك كان في 13 صفر سنة 610، وكتب مرهف عقيبه: صحيح ذلك. وكتب جده مرهف بن أسامة بن منقذ، حامدًا ومصليًا. فقال المؤلف عقيب ذلك: "وقد أوضح فيليب حتى إن (13 صفر سنة 610) ليس هو تاريخ نسخ مخطوطة الإسكوريال، بل هو تاريخ النسخة الأصلية التي نقل عنها مخطوطة الإسكوريال"! لماذا؟ ! لا أدري! هكذا أراد فيليب حتى وهكذا أراد المؤلف، لو كان لهما ممارسة طويلة بالمخطوطات العتيقة، وبطرق المتقدمين في الإجازات وإثباتها على الكتب، ونقل صورها عن أصولها إن لم تكن هي أصلًا، ما قال واحد منهما شيئًا من هذا. ومن المستطاع بهذا الاستنباط التحكمي العجيب أن ننفي كل شيء، وأن نكذب بكل شيء، ثم لا يؤثر ما نقول في الوثائق الصحيحة، والدلائل الثابتة. ولقد رددت مثل هذا التحكم على الدكتور موريتس في تشكيكه في أصل "كتاب الرسالة" للشافعي الذي بخط الربيع بن سليمان، والمحفوظ بدار الكتب، فليرجع إليه القارئ في مقدمة شرحي على الرسالة (ص 17 - 22 من المقدمة).
وقد صنع المؤلف مثل هذا في وصفه مخطوطة (ليدن) من "كتاب
(1/306)

العصا" لأسامة، إذ قال في (ص 97): "ولا يمكننا الجزم بأن التاريخ المكتوب عليها (1094 ه= 1683 م) هو تاريخ نسخها"! لماذا؟ ! لا أدري أيضًا، وليته تثبت قبل أن يلقي ظلال الشك على مخطوطين، أنا واثق أنه لم يرهما، وإنما نقل وصفهما عن غيره، لعله لو رآهما لقال غير ما قال. والله يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل.
* * *
(1/307)

الخطيب البغدادي (*)
تأليف الأستاذ يوسف العش (1)
يعجبني أن يشغف شبابنا الناهض المثقف بتراجم الرجال؛ فإن فن التراجم من أروع فنون العرب وأبدعها وأكثرها فائدة. وعلماء الإسلام هم الذين شقوا طريقه، ووطؤوا أكنافه، ورفعوا مناره، وجعلوه فنًّا معجبًا ممتعًا، حتى إن علماء الحديث وحفاظه اعتبروه من أهم فنون الحديث، بل قسموه فنونًا عدة، انظر مثلا كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح) إذ قسمه إلى أنواع أو علوم، من النوع "التاسع والثلاثين" إلى النوع "الخامس والستين".
وألف فيه حفاظ الحديث وكبار رجاله مئات المجلدات المطبوعة، إلى الآلاف التي لا تحصى مما لم يطبع، وإلى أضعافها مما فقد على أحداث الزمن، مما وجدنا خبرًا عنه في تراجم المؤلفين وفهارس الكتب، ومما لم يسمع به أحد. وما أظن أمة بلغت في القديم في هذا الفن ما بلغ حفاظ الحديث وعلماء العرب، ويكفي أن تعلم أن البخاري صاحب الصحيح ألف كتاب "التاريخ الكبير" وقد طبع منه بحيدر آباد بالهند نصفه في أربعة جلود كبار، وأن
__________
(*) مجلة الكتاب، عدد شعبان 1365 ه، يوليو 1946 م.
(1) 276 صفحة من القطع المتوسط. المكتبة العربية. دمشق 1945.
(1/308)

البخاري مات سنة 256، أي منذ أكثر من ألف ومائة سنة، وأن ابن سعد ألف كتاب "الطبقات الكبير" وقد طبع ما وجد منه في أوربة في ثمانية مجلدات ضخام، وأن ابن سعد مات سنة 230، أي قبل البخاري بستة وعشرين عامًا.
فما يثلج صدرنا حقًّا أن يعني شبابنا الباحثون بهذا الفن الجليل، وأن يخرجوا فيه الكتب الممتعة، والدراسات الجيدة، مرة يجيدون، ومرة غير ذلك، ولكنهم على السبيل، ثم لا يلبثون أن يصلوا، وأن يحيوا مجد السلف الصالح.
وقد قرأت هذا الكتاب "الخطيب البغدادي" الذي ألفه الأستاذ يوسف العش، ترجمة لهذا المؤرخ المترجم العظيم، فأعجبني حقًّا؛ أعجبني ما فيه من تعمق في البحث، واستقصاء للمراجع، وتحقيق وتحليل، وإرجاع كل شيء إلى مصدره، حتى لا يضل القارئ، ولا يشك فيما ينقل له. وهذه مهمة، فإني أرى أن كثيرًا من المؤلفين في هذا العصر، يضلون القارئ بذكر مراجع كثيرة ذكرًا إجماليًّا، ثم لا يسندون ما ينقلون إلى مواضعه من المراجع، فلا تكاد تتعقبه، ولا تكاد تعرف أنقل حقًّا أم أخطأ عن غير عمد، أم شيئًا آخر لا أحب أن أسميه. أما الأستاذ يوسف العش فإنه اتبع الطريق القويم.
ولقد وصف صديقنا الأستاذ أحمد بك أمين هذا الكتاب وصفًا جيدًا حين عرضه للقارئ في مقدمته: "ستشهد في هذا السفر صورة موجزة عن عصر متوسط من عصور الإسلام، وترى فيه حياة محدث
(1/309)

قد حفل بالعلم، وانكب عليه وأخلص له، فسعد بسببه، وعرف به، وقدر لأجله، وستقرأ صورته بطبعه السمح، ونفسه الطيبة، وقدرته على الإتقان، وتنتقل من ذلك إلى وصفه في ثقافته وعلمه، وهما يتكوّنان ثم يتوسعان ثم ينتجان، ويبدو لك بعد ذلك أدب براق، وشعر لطيف، فتتشوق إلى معرفة رأي الرجل، فتراه متحمسًا يعتقد وجوب الأخذ بشيء من التفكير والعقل، والوقوف عند نصوص الشرع، حتى إذا شاهد من لا يوافقه على رأيه، لم يخش من الكيل له بما يراه يستحقه، يخاصمه مستترًا بأقوال غيره فيه، يورد أشدها وأقواها دون أن يبدي رأيه فيه، أو يرفع صوته في استنكار أعماله، ولكن خصومه لا يقفون حيارى، بل يتناولونه بألسنتهم الحداد، ويتهمونه بما يرونه مستحقًّا له، ويضطرب رأيك فيه بعد الذي تسمع في نقده، وتود لو سمعت قول المنصفين ليتبين لك الحق، فترى أئمة المؤرخين معجبين به، مجلين له، معتقدين كماله وإتقانه، وتستخلص من ذلك صورة تختم بها رأيك فيه فتجده من خيار الناس الذين يكونون مجد الأمم، ويخدمون تراث العلم".
وصنف الأستاذ يوسف كتابه هذا تصنيفًا علميًّا دقيقًا، فقسمه إلى أبواب:
1 - عصر الخطيب.
2 - حياته في العلم وللعلم.
3 - صورته بمزاياه وطبعه.
4 - مصادر ثقافته وينبوع أثره.
5 - تعداد شيوخه وأقرانه وتلامذته.
6 - تسمية ما ورد به دمشق من روايته من الأجزاء المسموعة
(1/310)

والكتب الكبار المصنفة ... إلخ.
7 - أسماء المؤلفين الذين ورد الخطيب بمؤلفاتهم دمشق.
8 - فهرست مصنفاته.
9 - مقدمة البحث عن ثقافته وأثره.
10 - ثقافته في نشأتها واكتمالها.
11 - آثاره وأهدافه فيها إجمالا.
12 - الآخذون عنه وخاتمة القول في أثره.
13 - مذهبه ونزعاته.
14 - صفته في علمه.
15 - مكانته عند الناقدين.
وفي الكتاب هنات ومآخذ، لا تغض من قيمة ما بذل المؤلف الفاضل من جهد في التحقيق والتنقيب، وكثير منها كان يمكن تداركه، إلى شيوع الأغلاط المطبعية فيه، مما لا نستطيع أن نؤاخذ المؤلف وحده عليها، وكنا نتمنى أن يبذل في التصحيح المطبعي شيئًا من العناية، ونحن نسوق بعض ما رأينا من المآخذ؛ ليكون موضع نظر المؤلف والقارئ:
ص 53 س 4 "وبقيت ذاكرته ماثلة في أذهان أهل بغداد" يريد "وبقيت ذكراه".
ص 94 رقم 30 "قراءة ابن محص؟ " فكذا كتبها المؤلف ووضع بجوارها علامة الاستفهام. وصحتها "قراءة ابن محيصن"، وابن محيصن أحد القراء المعروفين، واسمه "محمد بن عبد الرحمن المكي".
ص 96 رقم 88 "كتاب العلل لعمرو بن علي (لعله القلاس) " هكذا كتب، و"عمرو بن علي" هو "الفلاس" يقينًا، وهو إمام ثبت حجة، صنف "المسند والعلل والتاريخ" فلا حاجة إلى الظن، ثم هو "الفلاس" بالفاء لا بالقاف. وما أظن هذا خطأ مطبعيًا، فقد تكرر في
(1/311)

ص 108 رقم 355 وفي ص 109 رقم 400.
ص 98 رقم 141 "كتاب الرد على محمد بن الحسين للشافعي" وصوابه "محمد بن الحسن" وهو الإمام صاحب أبي حنيفة، وهذا الكتاب مطبوع في مطبعة بولاق بمصر سنة 1325 ضمن كتاب (الأم للشافعي ج 7 ص 203 - 277)، وكان يجدر بالمؤلف - وهو بالكتب خبير - أن ينبه إلى ذلك، ولعل الخطأ في جعل "الحسن" "الحسين" خطأ مطبعيًّا.
ص 99 رقم 163 من العمود الثاني "كتاب مسائل أبي بكر (أحمد ابن محمد) المرودي" وصحته "المروذي" بتشديد الراء المضمومة وكسر الذال المعجمة، نسبة إلى "مرو الروذ" وهي مدينة قديمة معروفة، ينسب إليها "المرويذ" و"المروروذي"، انظر معجم البلدان. وأبو بكر هذا من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، له ترجمة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص 32 - 34 طبعة المكتبة العربية بدمشق سنة 1350 وتاريخ بغداد للخطيب 423 ص 420 - 425 وغيرهما. ولعل إهمال الذال من الخطأ المطبعي أيضًا.
ص 99 رقم 169 "كتاب الموطأ (لمالك) من طريق العنبي ومن رواية ابن وهب وابن العا؟ " هكذا بهذا الرسم وإهمال النقط، ولو رجع المؤلف الفاضل إلى ترجمة الإمام مالك وأسماء تلاميذه، وإلى ما كتب في كتب الحديث وغيرها عن الموطأ وأسماء رواته، لعلم أن صحة الاسم الأول "القعنبي" بفتح القاف والنون بينهما عين ساكنة،
(1/312)

نسبة إلى جده "قعنب" والقعنبي أحد رواة الموطأ الثقات، واسمه "عبد الله بن مسلمة بن قعنب" وهو شيخ البخاري ومسلم وغيرهما، مات سنة 221. ولعلم أن صحة الاسم الثاني "ابن القاسم" فلعله كتب في الأصل الذي نقل عنه من غير نقط على القاف، أو تآكل الورق، أو ضاع باقي الاسم، أو لعله كتب على طريقة الإملاء القديمة في سطرين "القا" في آخر السطر و"سم" في أول السطر الذي بعده، وهو "عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري الفقيه" أحد رواة الموطأ عن مالك وحملة فقهه، مات سنة 191.
ص 122 رقم 9 "محمد بن ححارة وبيان بن بشر" هكذا بدون نقط، وهما خطأ. والصحيح في الأول: "محمد بن جحادة" بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك. وفي الثاني "بيان" بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء التحتية، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس أيضًا.
ص 122 رقم 14 "مسند نعيم بن هماز العصعصاني" وهو خطأ، صحته: "نعيم بن همار الغطفاني" بفتح الهاء وتشديد الميم من "همار" و"الغطفاني" بفتح الطاء المهملة وبالفاء، نسبة إلى "غطفان".
ص 122 رقم 15 "جزء فيه أحاديث مالك بن أنس عوالي"، وهذا تعبير عجيب ليس بعربي قطعًا! لعله يكون إفرنجيًّا؟ ! العرب يقولون في مثل هذا "عوالي أحاديث مالك بن أنس" أو "أحاديث مالك بن أنس العوالي".
ص 123 رقم 20 "الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب تخريج
(1/313)

الخطيب لأبي القاسم المهرواني، ذكره ابن الجوزي في المنتظم 8: 304 بقوله: مشيخته". فهذه "المهرواني" غلطة لعلها مطبعية، صوابها "النهرواني" بالنون، وكذلك هو في المنتظم، و"مشيخته" خطأ أيضًا، صحتها "مشيخة" بدون الضمير، كما هو بديهي، وكما هو في المنتظم.
ص 123 رقم 24 كتاب "الفصل للوصل المدرج في النقل في تسعة أجزاء" وضعه المؤلف في كتب المصطلح، ولم أر الكتاب، ولكني أرجح أنه في الحديث لا في المصطلح؛ لأن الظاهر من اسمه ومن تجزئته أنه يذكر الأحاديث التي أدرج فيها ما ليس منها، وينبه على فصل المدرج عن أصل الحديث.
ص 124 رقم 25 كتاب "الكفاية للخطيب" نقل المؤلف عن بروكلمن أن دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد تعمل على إخراجه، والكتاب أخرج فعلًا، وجاء إلى مصر واقتنياه، وقد طبع سنة 1357، أي منذ ثماني سنين.
ص 125 رقم 31 كتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب. وصف المؤلف نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية أنها في عشرة مجلدات، وهو خطأ عذره فيه أنه نقله من فهرس مكتبة البلدية، ولكن الكتاب عشرة أجزاء صغار في مجلد واحد، وقد رأيته، ونسخه بخطه أحد إخواننا الشيخ علي عبد العليم، الذي كان قاضيًا بالمحكمة الشرعية بالإسكندرية رحمه الله، ورأيت نسخته أيضًا.
(1/314)

ص 129 رقم 54 كتاب "التطفيل" نقل المؤلف عن بروكلمن أنه مطبوع. وهذا إن رضيناه من أحد فلا نرضاه من الأستاذ يوسف العش، العارف بالكتب معرفة جيدة؛ فإن الكتاب مطبوع منذ عشرين سنة تقريبًا في دمشق، وما أظن أن مكتبة الظاهرية تخلو من نسخة من هذه الطبعة.
ومما لا يعجبني أن يحيل المؤلف القارئ في تراجم العلماء الكبار المعروفين على كتاب بروكلمن ليعرفوا مراجع تراجمهم! كما صنع في تراجم أبي نعيم ص 80، وابن الصباغ صاحب الشامل، وابن بشران ص 82، وأبي إسحاق الشيرازي وابن ماكولا ص 85، والخطيب التبريزي ص 90، وما أدري لم هذا؟ وكتب التراجم بين يديه، يستطيع أن يرشد القارئ إلى مواضع التراجم فيها تيسيرًا عليهم! وكثير من هذه الكتب يقتنيها المثقفون من القراء. أما كتاب بروكلمن، فإنه باللغة الألمانية أولًا، والعارفون بها قليلون، وقليل منهم من يعنى بالتراجم أو يقتني كتبها، ثم أين هو كتاب بروكلمن الآن؟ إن النسخة منه ليبلغ ثمنها أكثر من أربعين جنيهًا، ثم لا توجد.
وخير للمؤلف أن لا يغرب على القارئ، وإن كان مشكورًا على هذا الكتاب الممتع البديع.
ولئن كان لي أن أقترح على المؤلف أن يحبو المكتبة العربية بأثر آخر نفيس يكون صنوًا لكتابه، إني أقترح عليه أن يؤرخ للحافظ ابن عساكر مؤلف تاريخ دمشق، كما أرّخ للخطيب مؤلف تاريخ بغداد.
* * *
(1/315)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون (*)
بقلم أبي خلدون ساطع الحضري (1)
استوعب المؤلف درس مقدمة ابن خلدون، استيعابًا بديعًا دقيقًا، في كل ناحية من نواحيها، وكشف عن أسرارها وعن مزاياها، في هذا السفر الضخم النفيس.
إنهُ يكشف لأبناء العروبة عن كتاب هو مفخرة من مفاخر العرب في القرن الثامن الهجري، لم يلقَ من عنايتهم ما لقيه من عناية غيرهم من الترك والإفرنج، إلَّا قليلًا؛ فلا تزال طبعاته ناقصة محرفةً، ولا تزال نظرياته عندهم بكرًا لم يفترعوها، ولا يزال الكتاب عنهم محجوبًا.
أليس مما يؤسف لهُ أن تطبع "مقدمة ابن خلدون" في مصر والشأم طبعات عدة، ليس فيها طبعة معتمدة، ولا كاملة محققة، وأن تكون الطبعة الوحيدة التي يمكن الثقة بها هي طبعة باريس سنة 1858 م باعتناء المستشرق "كاترمير"، التي اعتمد فيها على أربع نسخ مخطوطات، والتي أثبت فيها زيادات جمة لم تذكر في غيرها؟ يقول المؤلف في ذلك: "فإذا قارنَّا إحدى هذه الطبعات بطبعة باريس
__________
(*) مجلة المقتطف، المجلد 105، يونيو - ديسمبر سنة 1944.
(1) 14,5 × 21,5 سم، جزآن، 324، 216 ص، مطبعة الكشاف، بيروت 1943 و 1944.
(1/316)

نجد أنه ينقص منها أحد عشر فصلًا كاملًا من الفصول المهمة، كما ينقص منها عدد غير قليل من الأبحاث والفقرات من الفصول المختلفة، وإذا أحصينا مجموع صفحات هذه الفصول والفقرات الناقصة نجد أنها تزيد على الستين".
ومن مزايا الكتاب أنه قد استكمل كثيرًا مما نقص في طبعات المقدمة، نقل بعض الفقرات الناقصة، ونقل بعض الفصول المتروكة، استكمالًا للبحث، وتقريبًا على القارئ، وقد صارت طبعة باريس من أندر النوادر.
أو ليس من العجائب أيضًا ما يقول المؤلف: "إن أهم الدراسات التي كتبت بأقلام بعض الشبان العرب ظلَّت خارجة عن نطاق المطبوعات العربية إلى الآن".
لقد درَس أبو خلدون سلفه العظيم "ابن خلدون" دراسة دقيقة جامعة، درس عالم محقق، يصيب كثيرًا ويخطئ قليلًا، إن أصاب فعن معرفة وثبت، وإن أخطأ فبعد بحث وجهد، وله لا عليه في الحالين: اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ.
ونظر نظرة عادلة في نقد كتب المتقدمين، ووضع له قاعدة دقيقة: أن لا ينظر إليها بمناظر العلوم في هذا العصر، وإنما تقاس إلى ما كان من قواعد العلم في العصر الذي ألفت فيه، وعلى هذه القاعدة العادلة سار المؤلف في دراسة المقدمة ونقدها والموازنة بينها وبين ما ثبت علميًّا في العصور السالفة والعصر الحاضر، وتتبَّع عمل
(1/317)

الرجل في طريقة درسه للمسائل، وطريقة تفكيره، وشهد له شهادة صحيحة قيمة حين يقول: "إن أبرز صفات تلك العقلية هي شدة التشوف، ودقة الملاحظة، ونزعة البحث، والتعميم وقدرة الاستقراء، فإننا نجد في المقدمة كثيرًا من الاستقراءات المستندة إلى ملاحظة الواقعات، وقلما نعثر على آثار الاندفاع وراء المجردات والاسترسال في سبيل الاستنتاجات" ج 2 ص 173. ونقل شهادة لابن خلدون لها قيمتها، من رجل أوربيّ من رجال الدين، هو روبرت فلينت الذي كان أستاذًا في جامعة أدنبرة، ونشر في سنة 1874 كتاب (فلسفة التاريخ في فرنسة وألمانية) قال فيه:
"من وجهة علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، يتحلى الأدب العربي باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم الكلاسيكي في القرون القديمة، ولا العالم المسيحي في القرون الوسطى يستطيع أن يقدّم اسمًا يضاهي في لمعانه ذلك الاسم. إذا نظرنا إلى ابن خلدون كمؤرخ فقط نجد من يتفوّق عليه حتى بين كتَّاب العرب أنفسهم، وأما كواضع نظريات في التاريخ فإنه منقطع النظير في كل زمان ومكان، حتى ظهور فيكو بعده بأكثر من ثلاثمائة عام، ليس أفلاطون ولا أرسطو ولا القديس أوغسطين بأندادٍ له، وأما البقية فلا يستحقون حتى الذكر بجانبه، إنهُ يستحق الإعجاب بما أظهره من روح الابتكار والفراسة والتعمق والإحاطة" ص 141.
ومن أجود ما في الكتاب وأنفسه أن المؤلف عقد موازانات
(1/318)

محكمة وافية بين نظريات ابن خلدون ونظريات من جاء بعده من أساطين أوربة؛ فقارن بين ابن خلدون وفيكو الإيطالي (المولود والمتوفى في نابولي 1667 - 1744) في كتابه (العلم الجديد) الذي سمي بسببه "مؤسس فلسفة التاريخ ومؤسس علم الاجتماع" ج 1 ص 143 - 170، ومما أثبت في المقارنة؛ أن فيكو يصدق قصص العمالقة، ويبني عليها قسمًا كبيرًا من آرائه ونظرياته، في حين أنَّ ابن خلدون يفندها بصراحة وشدة. ثم يوازن بين طريقتيهما في البحث والتفكير، ويقول: "فلا مجال للشك إذن في أن نزعة ابن خلدون الفكرية في هذا الصدد كانت أقرب من نزعة فيكو إلى مناحي الأبحاث العلمية بوجه عام، وإلى أصول علمي التاريخ والاجتماع بوجه خاص" ج 1 ص 167. ثم يسجل حكمًا في هذه المحاكمة العادلة بأن حق ابن خلدون في لقب "مؤسس علم التاريخ" أو "فلسفة التاريخ" أقوى وأثبت من حق كل كاتب سبق "فيكو"، كما قال "فلينت"، وأقوى وأثبت من حق "فيكو" نفسه؛ لأنه كان أقدم منه كثيرًا، ولأنه كان أقرب منه إلى الروح العلمي الحديث (ج 1 ص 170).
وعقد فصلًا آخر في المقارنة بين ابن خلدون ومونتسكيو (ولد سنة 1689 ومات سنة 1755) في كتاب (روح القوانين) (1) ج 1 ص 171 -
__________
(1) كتاب مونتسكيو ترجم منه يوسف آصاف النصف الأول، باسم (أصول النواميس والشرائع) وطبع هذا الجزء بالمطبعة العمومية بمصر سنة 1891 وهو عندي، ولا أدري أترجم النصف الثاني وطبع أم لا؟ .
(1/319)

192. ومما يقول في هذا الفصل: "من الثابت أن مونتسكيو كان قد أبدى طائفة من الآراء الاقتصادية التي ثبت بطلانها بعد مدة وجيزة، كما أنه أغفل كثيرًا من الحقائق الاقتصادية التي تمَّ اكتشافها قبل مرور مدة طويلة، مما يدل دلالة قطعية على أنه لم يتفوّق على معاصريه تفوقًا كبيرًا في أبحاثه الاقتصادية، في حين أن ابن خلدون كان قد سما فوق معاصريه سموًّا هائلًا في هذا المضمار، كما أنه ظل يحلق فوق مستوى الذين جاءوا بعده أيضًا، في الشرق وفي الغرب، مدة قرون عديدة" ج 1 ص 182.
وعقد أيضًا فصلًا جليلًا عن ابن خلدون وعلم الاجتماع ج 1 ص 193 - 205. بيّن فيه أن علم الاجتماع أحدث العلوم الأساسية، ويعزى تأسيسه إلى أوغست كونت (سنة 1798 - 1853)، وأن حق ابن خلدون بلقب "مؤسس علم الاجتماع" أقوى من حق كونت؛ لأنه فعل ذلك قبله بمدة تزيد على 460 سنة. أقول أنا: وقد أدرك ابن خلدون أنه يضع علمًا مستحدثًا في الاجتماع؛ إذ يقول: "وكأنّ هذا علم مستقلّ بنفسه؛ فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنساني ... واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة أعْثَر عليه البحثُ وأدَّى إليه الغوص ... وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة ... إلخ". المقدمة ص 36, 37 من طبعة بولاق سنة 1320 ه.
(1/320)

وهكذا من مزايا الكتاب، مما لا نستطيع أن نحصيه في هذا المقام، ولا نستطيع أن نفيه حقه من الثناء، إلّا أن نوصي كل قارئ عربيّ أن يستوعب الكتاب قراءة ودرسًا، ليفيد علمًا جمًّا، وعقلًا سديدًا.
* * *

وفي الكتاب مآخذ ليست بالكثيرة، جلها مما يرجع إلى مقدرة المؤلف وعلمه بالعربية، فإن الكتاب كُتب بلغة غريبة، في كثير منها نبوّ عن العربية في اللفظ والأسلوب.
ولسنا نفصل القول في ذلك، ولكنا نضرب فيه الأمثال: "حين كان مفكرو أوروبة لا يزالون يتيهون في فيافي التفكير الكلماني الدرساني" 1: 250. "يلاحظ أن مواضيع كل حد من حدود هذه السلسة أقل عمومية وأشد معضلية من التي قبلها، وأشد عمومية وأقل معضلية من التي بعدها" 1: 194. "وبهذه الصورة أصبح علم الاجتماع يسيطر على جميع العلوم الاجتماعية، أرضي أم أبى أصحابها، وأخذ ينفخ روحًا تقدميًّا فيها" 1: 198. "أن معظم مباحث المقدمة مكتوبة بنزعة علمانية وعقلانية" 1: 73 "أن الأفاعيل الحياتية أشد إعضالًا من الحادثات الكيماوية" 1: 193. وهكذا مما ملئ به الكتاب مما يباعد بينه وبين العربية.
وقد أتى المؤلف مرارًا بفعل "استهدف" متعديًّا، مثل: "فإنها لا تستهدف شيئًا" 1: 9. وهو فعل لازم، لا يؤدي المعنى المراد هنا، وليس هذا الخطأ خاصًّا بالمؤلف، بل رأينا كثيرًا من كبار الكتَّاب بمصر يقعون فيه.
(1/321)

وأنا أوقن أن ضعف لغة الكتاب لم يكن عن عمد من مؤلفه، ولا تقصيرًا منه في استكمال لغته، ولكن يبدو لي - ولم يسبق لي شرف التعرُّف إليه - أنه نشأ على دراسة أجنبية، شأن كثير من نبهاء هذا العصر، ثم شغلته الحياة عن التعمق في العربية وعن التمرس بفصيح الكلام.
* * *

وقد عقد المؤلف فصلًا عن تطور الألفاظ واختلاف دلالاتها باختلاف العصور والموضوعات، وهو شيء معروف في العربية، وإن كان يوهم كلامه أنه شيء مستحدث، ثم ضرب من أمثلة ذلك كلمتي "الأبنية" بمعنى الخيام و"المصانع" بمعنى المباني، جعلهما كأنهما اصطلاح خاص أو استعمال مستحدث لابن خلدون، وليس كذلك؛ فإن "الأبنية" كما تطلق في العربية على المباني تطلق على الخيام، بل لعلها في الخيام أقدم، ففي اللسان: "البناء واحد الأبنية وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها الطراف والخباء والبناء والقبة" و"المصانع" معروفة جاءت في القرآن الكريم: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)} سورة الشعراء آية: 129. والمصانع هي ما يصنعه الناس من الآبار والأبنية وغيرها، قال الأزهري: "ويقال للقصور أيضًا مصانع".
وقد ترجم المؤلف اصطلاحًا إفرنجيًّا ترجمة عجيبة، لا تطابق المعنى، وينبو عنها السمع، فإنه نقل عن علماء الاجتماع المتأخرين تقسيم الحكمة والسلطة إلى "السلطة المنتثرة" التي لا يختص بها
(1/322)

أشخاص معينون ولا تتعهدها هيئات منظمة، والسلطة "المتعضية" التي يختص بها أشخاص معينون وتتعهدها هيئات "متعضية" وفق أنظمة معينة. ج 1 ص 245. فهذه "المتعضية" يريد بها السلطة الموحدة المنظمة، يترجم بها كلمة Organise وأصل الكلمة الفرنسية، كما وجدت في المعاجم وكما أفادني بعض العارفين، معناها: ذو أعضاء، فاشتق منها المؤلف كلمة "متعضية" ولكن علماء الاجتماع لا يريدون هذا فإنهم نقلوها إلى إرادة معنى "السلطة الموحدة المنظمة".
فهذا تكلف من المؤلف، لم يكن به إليه حاجة، ألجأه إلى كلمة ثقيلة، وإلى اشتقاق إن وافق العربية وافقها على معنىً ينقض ما أراد؛ فإن "التعضية" التفريق، وهو مأخوذ من الأعضاء، كما في اللسان، وهيهات هذا من ذاك.
والمؤلف يؤرخ الحوادث العربية الخالصة في الكثير الأغلب بالتاريخ الإفرنجيّ يقتصر عليه، وقد يضم إليه التاريخ الهجري في بعض أحيانه. وليته جعل التاريخ الهجريَّ أساس تأريخه، وهو يؤرخ لمؤلف إسلاميّ يكتب في تاريخ الإسلام وعلوم الإسلام.
ثم خاض المؤلف في موضوع شائك، الجدال فيه بغيض وعقيم: موضوع الدين والعقيدة، والعقل والتفكير والعلم، في مواضع متعددة، انظر منها مثلًا (ج 1 ص 42 - 48، 76، 241 - 343 وج 2 ص 150 - 172) ويبدو لي أنه متأثر في كتابته بنظرية العِداء بين العلم
(1/323)

والدِّين وبين العقل والدِّين، وهي نظرية بالية، خجلت حتى احتجبت، وذلت حتى استكانت. ولو أعرض عن الخوض في هذا الموضوع أنصف نفسه؛ إذ يخيل لمن يقرأ ما كتب أنه قد خفي عليه كثير من دقائق الدين والشريعة وظواهرهما، وأن ذلك كان ذا أثر بيّن فيما فهم من كلام ابن خلدون وأدرك من مراميه.
والكتاب في جملته من أقوى الكتب التي ظهرت في بضع سنين، فيه علم جم وآراء سديدة. ونتمنى أن يعيد المؤلف النظر في لغته عند إعادة طبعه، إن شاء الله.
* * *
(1/324)

عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة (*)
تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة (1)
وهذا كتاب فيه فكرة جديدة، وقليلًا ما نرى ذلك في المؤلفات المحدثة، هو أثر من آثار دراسة القرآن دراسة بحث وتأمل وتفكير، لا دراسة مصطنعة في بحثِ الألفاظ، فقد كان أن سجن المؤلف بحكم ظالم من أحكام الفرنسيين الجائرة في سورية، قبل طردهم منها، فقضى شهورًا في سجن المزة العسكري وسجن القلعة بدمشق، فأتاح له الفراغ أن يصرف ذهنه ويقف تفكيره على مدارسة القرآن، حفظًا وتلاوة وتمعنًّا وتدبرًا. والقرآن بعيد الغور واسع المدى، فكلما أعطيته من نفسك ومن عقلك ومن روحك أعطاك من فتوحه ونفحاته، حتى تنكشف لك علوم وآفاق ما كنت لتصل إليها لولا مدارسة القرآن.
وهكذا كان شأن الأستاذ المؤلف، فهو يقول: "فلفت نظري ما فيه من آيات كثيرة جدًّا فيها وصف أو إشارات تساعد على رؤية صور كثيرة لما كانت عليه الحياة الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والمعاشية في عصر النبي وبيئته قبل البعثة، فقلت في نفسي: لم لا يكون القرآن مصدرًا لتصوير هذا العصر والبيئة، وفيه ما فيه من هذه
__________
(*) مجلة الكتاب، السنة الثالثة - المجلد الخامس.
(1) 508 صفحات من القطع الكبير. دار اليقظة العربية. دمشق 1946.
(1/325)

الآيات؟ وهو يعد أوثق وأصدق وأقدم ما يمكن أن يستند إليه كاتب أو باحث".
ثم يقول: "وهو على كونه مبلغًا بلسان السيد الرسول عن الله، إنما كان يقرر حوادث واقعة، ويصف حالات قائمة، وينزل الوحي به في المناسبات المشهودة، فهو الكلمة الفاصلة والقول الحاسم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في تلك الحوادث والحالات والمناسبات، على أن غير المسلم أيضًا لا يسعه إلا أن يأخذ بهذا الاعتبار إذا نظر فيه على أنه وثيقة معاصرة صادقة".
"ولما تتبعت آيات القرآن وأخذت أبوبها على مواضيع متنوعة، مما يتناول وصف عصر النبي وبيئته من مختلف نواحيها، ازددت يقينًا بإمكان رسم صور كثيرة لهما من القرآن، وإن لم تكن وافية بكل شيء، فإنها قد تكون محتوية الخطوط الرئيسية للصور التي يحسن أن تكون، بل وسيكون فيها صور جديدة كثيرة لم يتنبه إليها، وصور صادقة أخرى تتغاير قليلًا أو كثيرًا مع ما هو مستقر في الأذهان أيضًا، ثم إنها تكون إلى هذا طريفة في بابها، حتى ولو كان كثير منها يعد بدائه معروفة؛ لأني لا أذكر أن أحدًا حاول أن يرسم مثل هذه الصور، وفي نطاق القرآن الكريم وحده، هذا مع التنبه على أن ما يمكن رسمه منها إنما هو بطريق الاستلهام والاستدلال من خلال الأسلوب والتعابير والأوصاف القرآنية التي لم تكن بسبيل تقرير هذه الصور بالذات، وإنما كانت بسبيل الدعوة والموعظة والإنذار
(1/326)

والتبشير والترغيب والترهيب والتنويه والتنديد والحكاية إلخ".
(ص 10 - 12).
وقد قسم المؤلف الفاضل أبحاثه في هذا الكتاب إلى أربعة أبواب جامعة بعد المقدمة: الباب الأول: في الإقليم والسكان ومعايشهم. والثاني: في الحياة الاجتماعية. والثالث: في الحياة العقلية. والرابع: في الأديان والعقائد.
وإذا ما تتبعت تفاصيل الأبواب، ثم استرسلت في قراءة الكتاب، أخذك العجب من دقة المؤلف في الاستنباط، ومما فتح الله عليه فيه من معان لم يكن يظن أنها تستنبط من القرآن العظيم.
وسنريك مثالًا من الكتاب أو بعض مثال، لترى ما فيه من دقائق المعرفة والإلهام، لم نتخيره عن بحث وقصد، وإنما اتفق لي حين أردت أن أقتبس.
عقد المؤلف من فصول الباب الأول "الفصل الثالث: الجاليات الأجنبية في الحجاز" (ص 95 - 126) فتحدث في أوائله عن "النصارى والأجانب في مكة" وساق سبع عشرة آية من سور شتى يستدل بها، ثم قال (ص 99 - 100): "فهذه الآيات يمكن أن تلهمنا ما يلي:
1 - أنه كان في مكة أناس من أهل الكتب السماوية، وكانوا من جملة من اتصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاهم إلى التصديق برسالته ومتابعته.
2 - أنهم لم يكونوا قليلين، وأن منهم من كان ذا سعة وثروة
(1/327)

تمكنه من الإنفاق في سبيل البر والخير، كما أن منهم من كان قوي النفس والشخص، بحيث لا يبالي بلوم زعماء المشركين على عدم متابعتهم للنبي، وهذا وذاك يلهمان أن منهم من كان أرقى طبقة من أرقاء وغلمان في خدمة الزعماء والتجار وملك أيمانهم.
3 - أن منهم من كان متميزًا في ثقافته ومعارفه الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه واستشهاده في أمر رسالة النبي وصحة وحي الله إليه وصدق القرآن، وأن هذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة، بل كان موضع اعتماد وثقة من العرب أو أهل مكة، ومرجع استفتاآتهم في الأمور والمعارف الدينية والدنيوية.
4 - أنهم على العموم كانوا رقيقي العاطفة، دمثى الأخلاق، ثابتين في ما يعتقدون أنه الحق، ولو لقوا في سبيل ذلك العنت، جريئين في إظهار عقيدتهم، وقد تجلت جراءتهم في متابعة النبي، وسجودهم عند سماع القرآن وإعلانهم أنه الحق، وعدم مبالاتهم بما كان عليه أكثر أهل مكة وزعماؤهم الأقوياء من الموقف الجحودي.
5 - أن منهم من كان مجادلًا حجاجًا، بل متطرفًا في الجدل والحجاج إلى درجة عده ظالمًا متجنيًّا فيهما.
6 - أن إيراد قصتي ولادة يحيى وعيسى بسبيل الرد على زعم ألوهية عيسى أو بنوته لله، وإيراد خبر انكسار الروم النصارى مع بشرى انتصارهم بعد قليل، والجدل ثانية في أمر حقيقة عيسى ورسالته، يمكن أن يلهم أن الكتابيين الذين انطوت الآيات على
(1/328)

ملهمات وجودهم في مكة، هم أو أكثرهم من النصارى".
وقد ظننت حين تصفحت الكتاب لأول مرة، أن في المؤلف ميلًا إلى الشك في صحة الأحاديث الصحيحة عامة، وصارحت المؤلف بذلك؛ إذ تعرفت إليه مصادفة في مكتب صديقنا الأستاذ محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى، وتحدثنا في هذا كثيرًا، وأنكر المؤلف ما ظننته إنكارًا واضحًا، ولكني كلما قرأت في الكتاب ازددت ثقة بما ظننت، حتى خيل لي أنه إنما تأثر بما قرأ للمستشرقين وأتباعهم، فكانت الكلمات تجري على لسانه على نحو أقوالهم، وعلى نحو ما نسمع من ناصريهم وذيولهم.
فمما يقول المؤلف (ص 239) ليدل على أن لغة القرآن أصدق صورة للغة ذلك العصر: "فهو من جهة فوق كل مظنة أو شبهة في أنه وصل إلينا كما بلغه النبي، وهو من جهة ثانية الكلام الوحيد الذي وصل إلينا مدونًا وسليمًا من كل شائبة وشك من ذلك العصر، في حين أننا لا نستطيع أن نقول هذا القول بهذه القوة والجزم عن أي كلام مما روي من كلام ذلك العصر والبيئة؛ لأنه لم يدون إلا بعد مدة طويلة، وقد ظل طول هذه المدة تتناقله الألسن، وعرضة للتبديل والتحريف والزيادة والنقص، بل والتلفيق والصنع، والأهواء والأغراض".
ويقول في مقدمة الكتاب حين يتحدث عن كتب السيرة القديمة: "وإن ما ورد فيها من روايات قد اختلط حابله بنابله، وسمينه بغثه،
(1/329)

وصحيحه بباطله أيضًا، بحيث لا يمكن للمدقق المتدبر أن يقرأها إلا بتحفظ، وأن يتردد كثيرًا في أخذها حقائق وروايات تاريخية موثوقة أو مقاربة؛ ذلك لأن القديم منها لم يدون إلا بعد أمد طويل" (ص 7).
ويقول فيها أيضًا (ص 11): "وإذا كان يصح أن يحيك في صدر امرئ شبهات كثيرة في ما روته كتب السيرة وغيرها من روايات بسبب تأخر تدوينها، وما يمكن أن يكون قد اعتور حفظ الصدر وصحة النقل من لبس، وما يمكن أن يكون قد تسرب إلى الروايات من أصابع الأهواء والميول والأغراض والصنعة والتلفيق، فإن القرآن هو من جميع هذه الشوائب فوق كل مظنة" ... إلخ.
وتجد هذا المعنى مبثوثًا في ثنايا الكتاب في مواضع متفرقة: التعلل بتأخر التدوين لرد الروايات التي رويت عن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن بيئته وعصره، واتخاذ هذا التعلل تكأة لإنكار كل مروي، صحيح أو غير صحيح، في كتب السير أو في غيرها، حتى يعم "كل كلام مما روي من كلام ذلك العصر والبيئة"! فإن لم يكن هذا إنكارًا لصحة الأحاديث، ونفيًا لكل رواية إسلامية عن آثار رسول الله وعصره فما ندري ماذا يكون الإنكار والتكذيب! !
إني كنت وأنا أقرأ الكتاب إذا مرت بي كلمة من نحو هذه الكلمات أكاد أظن أني أقرأ كلمة من كلمات جلدزيهر ومرجليوث وأمثالهما من المستشرقين.
(1/330)

وما أظن أن المؤلف قصد إلى معنى هذه الكلمات حرفيًّا، بما فسر لي من رأيه، وبما تبرأ مما ظننا به.
ولكن المؤلف - فيما أرى - لم يدرس علوم الحديث دراسة وافية، ولم يطلع على ما بذل علماء الحديث في الصدر الأول من جهد، وما استنبطوا من قواعد لرواية الأخبار والآثار، حتى ينفوا عنها الدخيل، وينقوها من الخطأ والعمد في التغيير؛ حتى تبرز صحيحة واضحة نقية، فوضعوا الشروط الدقيقة في الراوي الذي يأخذون عنه الحديث، وفي المروي الذي يرويه، وجعلوا أساس هذا كله العدالة، عدالة الناقل المحدث، بما في شروط العدالة المعروفة من دقة، تجعل الراوي موضع الثقة، بما عرف عنه من أمانة وصدق، وشرطوا أن لا يخالف الحديث المروي كتاب الله، ولا المعلوم من الدين بالضرورة، ولا ما رواه كافة الرواة الثقات العدول.
وكانت الأمة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى أمة صدق وأمانة في مجموعها، وكان الجريء على الكذب نادرًا، وكان المسلمون - ولا يزالون - يعرفون أن الكذب على رسول الله من أعظم الجرائم، وهم يوقنون بما تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار". وكانوا أكثر ما يخافون من النقائص الكذب.
ومع هذا فإن النقاد الفطنين من أئمة الحديث لم يكتفوا بما عرفوا من أمانة الراوي وصدقه، وعدله في دينه، وعدله في خاصة نفسه، بل سبروا حديث كل راو، وعرضوه على كتاب الله، وعلى ما عرفوه من
(1/331)

دينهم، وما تواتر لديهم قولًا وعملًا من سنة رسول الله، ثم نفوا من الرواية ما خالف شيئًا من هذا، واحتاطوا في ذلك أشد حيطة، فلم يدعوا منفذًا لكذاب أو مخادع، حتى كانوا إذا ما كثر في رواية راو من الرواة شذوذ ما يرويه ومخالفته أسقطوا كل روايته، مهما يكن مبلغ صلاحه وتقواه والثقة به، يرفضون كل ما يروي مما وافق ومما خالف، إذا عرفوا عنه كثرة رواية الروايات المنكرة المخالفة.
وهذا فن طويل عويص، يريد المستشرقون وأتباعهم أن ينفوه ويسقطوه بكلمة واحدة ظاهرها الفتنة: أن هذه الأحاديث لم تدون إلّا بعد عصر النبي بأمد طويل! !
وما درى المغرورون بهم، والمخدوعون بقولهم، أن معنى هذا أن الأمة الإسلامية كلها؛ من أئمة الحديث والفقه، ومن أعلام البحث والتحقيق، ومن الصحابة والتابعين وأتباعهم كانوا رجالًا كذابين مخادعين منافقين، لا يتورعون عن الكذب في دينهم، والافتراء على رسولهم، وهدم هذا المجد العظيم الذي خصهم الله به، ببعثة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وحاشاهم من ذلك، وهم أعرف بالله ودينه، وأتقى لله من أن يرضوا لأنفسهم نقيصة الكذب والافتراء، وهم الذين جاؤونا بالصلاة والزكاة والحج وشرائع الإسلام عن رسول الله، فإذا ما كذبوا في بعض الأمر ارتفعت الثقة بكل شيء، وسقط كل ما جاؤوا به من الحق. ولا يقول هذا مسلم، بل لا يقوله عاقل.
(1/332)

ثم ما هذه الخدعة، خدعة التدوين؟ أفنظن أن التدوين أمارة الصحة؟ ! من قال هذا؟ ثم يقال هذا في عصرنا الذي انتشرت فيه الأكاذيب المدونة، من أخبار الصحف، ومن القصص الخيالي والتمثيل والسينما، ومن افتعال الأخبار في كل شيء، على الأحياء والأموات، مما جاءنا من أوربة، أو قلدنا فيه أوربة؟ حتى إن بعض من ينتسبون إلى الإسلام ذهب بهم التقليد ودفعتهم الجرأة إلى الكذب على رسول الله وعلى أصحابه، بما يزعمون أنهم يقربون التاريخ الإسلامي إلى البسطاء من القراء، فذهبوا يتخيلون القصص عنهم، ويضعون الكذب على ألسنتهم، ويقوّلون رسول الله ما لم يقل، ويقوّلون أصحابه وأئمة الإسلام ما لم يقولوا! ! هذا هو التدوين الذي يريدون أن يتخذوه تكأة لهدم الصرح الشامخ، والمجد السامق، من الأحاديث الثابتة، ومن التاريخ الإسلامي الصحيح! !
انظروا أيها الناس إلى تاريخ أئمة الهدى من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، في خوفهم من الله، وفي خلقهم وفي معاملتهم، ويكفيكم معاملتهم لأعدائهم في عصر الفتوح، ورأفتهم ورحمتهم بالضعفاء من النساء والولدان والشيوخ والرهبان ونحوهم، ثم وازنوا بينهم وبين تواريخ الأمم التي تعظمونها وتقلدونها في كل ما تقول وتفعل، في قديمهم، وقد كانوا في جهالة عمياء، وكانوا عباد الشهوات، لا يعرفون حرامًا من حلال، ولا يتورعون عن شيء، وفي حديثهم، ويا ويل ما رأيتم من حديثهم.
(1/333)

أفتظنون إذا وازنتم بعقل وحكمة وعدل، أنكم واجدو أئمتكم من السابقين الأولين، كانوا كذابين مخادعين هدامين! أترضون أن يقال هذا في مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وشيوخهم وإخوانهم وأتباعهم ممن حملوا إليكم الشريعة والسنن والتاريخ، ممن هدى الله واجتبى؟ !
* * *
(1/334)

فقه القرآن والسنة (*)
القِصَاص
تأليف الأستاذ الشيخ محمود شلتوت (1)
أما هذا فكتاب نفيس حقًّا، وكان جديرًا أن يكون أشد نفاسة مما كان لو أن الأستاذ المؤلف العلامة توسع في بعض أبحاثه، وإنما ألجأه إلى بعض الإيجاز أنه كتاب شبه مدرسي؛ إذ هو جملة محاضرات ألقاها على طلبة دبلوم الشريعة من خريجي كلية الحقوق في جامعة فؤاد الأول، في العام الماضي سنة 1945، فلم يكن ليتجاوز بهم مقدرتهم على التفهم والاستيعاب.
و"فقه القرآن والسنة" اسم طريف جميل لدراسة تفسير آيات الأحكام وأحاديث الأحكام.
والكتاب في الحقيقة مقدمة، ثم مسألة واحدة من مسائل الأحكام. المقدمة في معنى "الفقه" في اللغة ثم في استعمال القرآن الكريم، ثم في اصطلاح الفقهاء والأصوليين. وفي معنى "القرآن" في اللغة أيضًا، ثم في إطلاق هذا اللفظ على هذا الكتاب المعروف الذي أنزله الله على رسوله، وفيما يتصل بذلك. وفي معنى "السنة" على
__________
(*) مجلة الكتاب، نوفمبر 1946 م.
(1) 200 صفحة من القطع الكبير. مطبعة العلوم. القاهرة 1946.
(1/335)

ذلك النحو. وفي أسباب الاختلاف بين الأئمة في فقه القرآن والسنة. فهذه أربعة أبواب، هي مقدمة الكتاب، وهي مقدمة عامة لهذه الدراسة، لا لمسألة "القصاص" وحدها، وإنما اختار الأستاذ - حفظه الله - أن يدرس لطلابه من آيات الأحكام موضوع "القصاص". فهي مسألة واحدة من هذا العلم الواسع، جعلها في أربعة أبواب:
1 - العقوبات في الشريعة. 2 - جريمة القتل في الإسلام والشرائع الأخرى. 3 - حكم القرآن والسنة في القتل والقصاص في النفس. 4 - نصوص القصاص فيما دون النفس.
والكتاب جم الفوائد، لا لطلاب كلية الحقوق وخريجها وحدهم، بل لسائر طلاب العلم، من المثقفين تثقيفًا دينيًّا، ومن غيرهم. يظهر كل طائفة من الطائفتين اللتين تدرسان التشريع على وجهة نظر الشريعة مقارنة بالتشريعات الوضعية، ولعله يكون كبير الأثر في تقريب وجهتي النظر اللتين كادتا أن تكونا متباينتين، بما ضرب على الأمة المصرية، وعلى أكثر الأمم الإسلامية، من قوانين إفرنجية مترجمة "نقلت نقلًا حرفيًّا عن أمم لا صلة لنا بها، من دين أو عادة أو عرف، فدخلت لتشوه عقائدنا، وتمسخ من عاداتنا، وتلبسنا قشورًا زائفة تسمى المدنية" (1) و"هذه القوانين كادت تصبغ النفوس كلها بصبغة غير إسلامية، وقد دخلت قواعدها على النفوس
__________
(1) كتاب "الشرع واللغة" لأحمد محمد شاكر طبع دار المعارف ص 65.
(1/336)

فأشربتها، حتى كادت تفتنها عن دينها، وصارت القواعد الإسلامية في كثير من الأمور منكرة مستنكرة، وحتى صار الداعي إلى وضع التشريع على الأساس الإسلامي يجبن ويضعف، أو يخجل فينكمش، مما يلاقي من هزء وسخرية! ! ذلك أنه يدعوهم - في نظرهم - إلى الرجوع القَهْقَرى ثلاثة عشر قرنًا، إلى تشريع يزعمون أنه وضع لأمة بادية جاهلة! ! " (1).
فيقول الأستاذ العلامة الشيخ شلتوت في هذا الكتاب (ص 9): "ونرجو أن لا يطول عهد هذه الجفوة التي وقعت بين المسلمين وبين فقههم الزاخر بالأصول التشريعية العامة والخاصة، وقد بدا لنا الرجاء قويًّا في قرب هذا الرجاء، بتوجه أبناء الحقوق المصرية إلى البحث في الشريعة الإسلامية، والتخصص في فروعها، وبتضافر رجال القانون والشريعة على إنهاض هذا الفقه - الذي يعتبر بحق فقهًا قوميًّا للبلاد ويمثل حياتها تمثيلًا صحيحًا ويحدد عاداتها وتقاليدها التي درجت فيها وعاشت عليها - نصل إن شاء الله إلى ما نحب ونرجو".
وهو يقول أيضًا قولًا صريحًا قويًّا (ص 18): "وقد انعقد إجماع المسلمين على أن القرآن الكريم هو أساس الدين والشريعة، حتى صار ذلك عندهم مما علم من الدين بالضرورة، لا فرق في ذلك عندهم بين عصر وعصر، وإقليم وإقليم؛ فهو حجة الله العامة على
__________
(1) المصدر السابق ص 69.
(1/337)

الناس أجمعين، في كل زمان ومكان، وفي عقائده وأحكامه وأخلاقه، فمن زعم أنه حجة خاصة بقوم دون قوم، أو بعصر دون عصر، فهو خارج عن ربقة الإسلام".
ومن الأبحاث النفيسة العالية في هذا الكتاب، بحثه في "حق العفو لولي الدم" وبيانه عن حكمة الشريعة الإسلامية في وضع هذا الحق في يد أولياء دم المقتول، وبيان الأضرار التي تنشأ عن الوضع المعكوس في القوانين الوضعية، بجعل الحكومة أو الدولة صاحبة الحق في القصاص أو العفو دون نظر إلى أولياء الدم (ص 122 - 124).
ولم يخل هذا السفر الجليل، على نفاسته من مآخذ لا تغض من قيمته، ولعل كثيرًا منها يرجع إلى اختلاف وجهتي النظر بين المؤلف والناقد.
1 - في (ص 28) آيتان كتبتا كأنهما آية واحدة بين قوسين، وهما: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. وهي الآية 83 من سورة النساء، والثانية: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وهي الآية 43 من سورة النحل. وهذا إنما هو خطأ من الطبع والتصحيح، ولكن الإشارة إليه واجبة، فإن أكثر قارئي الكتاب ودارسيه لا يحفظون القرآن، بل لعلهم لا يقرؤونه إلّا قليلًا.
2 - (ص 29 - 30) فسر المؤلف معنى كلمة "السنة" في اللغة، واستشهد لها بآيات وأحاديث، ثم فسرها في صدر الإسلام ولسان الشرع فقال: "وقد اقتبسها علماء الإسلام من القرآن واللغة
(1/338)

واستعملوها في معنى أخص من المعنى اللغوي" ... إلخ. ثم قال بعد: "وبهذا المعنى عرفت كلمة السنة في صدر الإسلام، وقد وردت مقترنة بالكتاب في وصايا الرسول، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنة رسوله". وأنا أظن أن في قوله: "وقد اقتبسها علماء الإسلام". شيئًا من الإيهام، إن لم يكن من الغلط، فإن اللفظ إذا نقل عن معناه اللغوي إلى معنى أخص منه أو أعم أو لازم له، وكان نقله للمعنى الجديد في استعمال القرآن، أو على لسان رسول الله، لم يصح أن يطلق عليه أنه اقتباس علماء الإسلام، بل يكون المعنى الجديد "حقيقة شرعية" لا اصطلاحًا فقهيًّا أو أصوليًّا مثلا؛ لأن العلماء إنما استعملوه في المعنى الذي ورد به في لسان الشرع، ومثل كلمة "السنة" في ذلك مثل كلمات "الصلاة" و"الصوم" و"الزكاة" إلى آخر هذه الحقائق الشرعية المعروفة.
3 - تكلم المؤلف (ص 44 - 46) عن أشهر الكتب المؤلفة في فقه القرآن (تفسير آيات الأحكام) التي "أفرد طائفة من المفسرين آيات الأحكام بالتفسير والبيان". وظاهر من تعبيره هذا أنه يريد الكتب التي ألفت خاصة بهذا النوع، ولكني أجده ذكر فيها تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" الذي تقوم بطبعه دار الكتب المصرية، وهذا التفسير تفسير عام للقرآن كله، لم يفرد مؤلفه آيات الأحكام بالتفسير والبيان، بل هو تفسير كسائر التفاسير، يشرح كغيره آيات الأحكام
(1/339)

فيما يفسر من جميع آيات القرآن، فإدخاله في هذا النوع الخاص فيه كثير من التساهل.
ثم إن المؤلف الفاضل نسي من تفسير آيات الأحكام كتابًا معروفًا مشهورًا، هو: "التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية مع تعريفات المسائل الفقهية" تأليف الشيخ أحمد ملاجيون بن أبي سعيد الحنفي المكي الهندي، المولود سنة 1047، والمتوفى سنة 1130 هجرية، والكتاب طبع في الهند مرارًا، ذكر سركيس في معجم المطبوعات 1164، أنه طبع في كلكتة سنة 1847 م وسنة 1300 ه وسنة 1327 ه. وهذه الطبعة الأخيرة مذكورة أيضًا في فهرس دار الكتب المصرية، وعندي منه نسخة من الطبعة الأخيرة اقتنيتها في سنة 1329 ه (1911 م)، وأذكر أني رأيت طبعة أخرى منه حديثة، فهي طبعة رابعة.
ويقول الأستاذ المؤلف في هذا الموضع: إن المفسرين سلكوا في تفسير آيات الأحكام "في الوضع والترتيب مسلك وضعها القرآني، فأبقوها في سورها، ولم يتجه واحد منهم إلى جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ودراستها دراسة خاصة، ولو أنهم فعلوا هذا لكان نوعًا من التسهيل في دراستها، لا يكلف من يريدها البحث عن آيات الموضوع الواحد في مواضعها المختلفة من السور المتعددة، ولكان فيه أيضًا نوع من الدقة في الاستنباط، التي كثيرًا ما تفوت المفسر في تفسير الآية الواحدة المرتبطة بغيرها في موضعها".
(1/340)

وهذا الذي قاله جيد في بيان فوائد التفسير، إذا جمعت آيات الأحكام بحسب مسائلها على الأبواب. فما في فائدة هذا شك. ولكن فاته أن هذا الذي ينبغي وقوعه قد وقع فعلًا، ولكن في تفاسير علماء الشيعة الإمامية، ولم أره لغيرهم، وعندي في ذلك كتابان من كتبهم:
الأول: "درة البيان في أحكام القرآن" للأردبيلي، واسمه: "أحمد بن محمد الأفشار" المتوفى سنة 993 ه، وهو في 400 صفحة، وطبع في بلاد العجم سنة 1305 ه. والثاني: "قلائد الدرر في بيان أحكام الآيات بالأثر" تأليف أحمد بن إسماعيل بن عبد النبي الجزائري النجفي المتوفى سنة 1150، وهو في 384 صفحة من القطع الكبير جدًّا، وطبع في طهران سنة 1327 ه.
فهذان كتابان نافعان جدًّا. وقد كنت فكرت منذ بضع سنين في أن أحذو حذوهما، فأفسر آيات الأحكام على هذا النحو، وشرعت في ذلك فعلًا، فنقلت الآيات من ثانيهما مرتبة على الأبواب التي رتبها عليها، على أن أستوعب بعد ذلك كل ما في الكتاب الأول، وكل ما في سائر تفاسير آيات الأحكام، ثم أنقح ترتيب الأبواب وترتيب الآيات فيها، ثم أشرحها شرحًا وافيًا مؤيدًا بالأدلة القوية من الكتاب والسنة، ولكن شغلتني أعمال، فلم أوفق إلى إتمام ما كنت أريد، وأرجو أن يوفقني الله إليه بمنه وكرمه.
4 - (ص 45) في التعريف بالجصاص ينقل المؤلف العلامة؛ أنه
(1/341)

هو الذي يذكره بعض الحنفية بلقب الرازي "كما صرح بذلك صاحب القاموس في طبقاته للحنفية"! ولست أدري ألصاحب القاموس كتاب في طبقات الحنفية؟ وأين هو؟ وأنا أظن أني أعرف في الكتب، فما سمعت بهذا الكتاب قط، وأخشى أن يكون هذا خطأ لا أصل له.
5 - (ص 51) في الكلام على اختلاف الفقهاء في معنى "القروء" التي أمر الله بها عدة للمطلقة، وأن جماعة من الفقهاء ذهبوا إلى أنها الحيض، وذهب يسوق أدلتهم، فقال فيما قال: "ثم قالوا بعد هذا: قد صح عن ثلاثة عشر صحابيًّا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة"! !
ولست أدري ماذا أقول، ولا كيف كان هذا؟ إنما الذي لا شك فيه، بقدر ما أعرف من السنة ومن دراسة الحديث النبوي، ثم بعد طول البحث والتتبع، أن هذا الشيء لم يقله رسول الله، ولم يرو عنه بسند صحيح ولا ضعيف، وما هو بكلام من جنس الحديث، ومعاذ الله أن يكون في هذا مني ما يمس الأستاذ المؤلف في قريب ولا بعيد، إلّا التساهل في النقل، ثم الخطأ فيه؛ وذلك أن هذه الكلمة نقلها الجصاص في "أحكام القرآن ج 1 ص 364 من طبعة الآستانة سنة 1325 ه" ونص كلامه: "وروى وكيع عن عيسى الحافظ، عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلًا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس، قالوا: الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة". وفي هذا الخبر غلطتان،
(1/342)

يظهر أنهما من خطأ التصحيح المطبعي: أولاهما "عيسى الحافظ" صوابه "عيسى الحناط"، وثانيتهما "الخبر فالخبر" صوابه "الخير فالخير" يريد أن هؤلاء الثلاثة عشر من خيار الصحابة، بعضهم أعلى من بعض، منهم أبو بكر وعمر ... إلخ. وقد نقله ابن حزم في المحلى (ج 10 ص 259) مختصرًا على الصواب. فهذا خبر عن الصحابة، لا حديث من كلام رسول الله، وأنا أستطيع أن أكرر ما جزمت به: أنه لم يقله رسول الله، وما هو بحديث أصلًا.
نعم قد برئ الأستاذ المؤلف من عهدته؛ إذ أحال على غيره، فقال: "قالوا". ولكن الذي لا أرضاه له أن لا يذكر هؤلاء القائلين، ثم أن لا يتوثق مما قالوا، وهو الرجل المحقق المتثبت الذي ما أظنه يحدس الكلام على عواهنه. ولو أنه بحث وتوثق لعلم أن هذا الخبر، الذي نقله الجصاص وابن حزم، خبر ضعيف، وأن راويه "عيسى بن أبي عيسى الحناط" وهو "عيسى بن ميسرة الغفاري" ضعيف جدًّا، قال عمرو بن علي: "متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًّا". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال البخاري: "ضعفه يحيى القطان" (1).
ثم الذي لا أزال أطلب إلى الأستاذ المؤلف العلامة في إلحاح، أن يرشدني إلى من مِن الفقهاء المتأخرين هذا الذي صنع ما صنع،
__________
(1) انظر ترجمة الحناط هذا في التاريخ الصغير للبخاري 175، والضعفاء له أيضًا 26، والضعفاء والمتروكين للنسائي 22، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3/ 1/ 289، والتهذيب لابن حجر 8: 224، وغيرها.
(1/343)

فجاء إلى خبر ضعيف لا يثبت له إسناد قائم، فجرؤ على أن يرويه بصيغة الجزم، كأنه خبر ثابت، ثم ازداد جرأة فنسبه إلى رسول الله، جعله حديثًا من قوله؟ ! لأن الذي لا أكاد أشك فيه أن الأستاذ إنما نقل هذا عن غيره من العلماء قبله، وإن لم يكن معذورًا في نقله.
6 - (ص 87 - 88) تحدث المؤلف عن "عقوبة الاعتداء على الدين بالردة" حديثًا غريبًا، لا ندري ما وجهه! فكان مما قال: "أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية، وهو القتل، فيثبته الفقهاء بحديث يروى عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه". وقد تناول العلماء هذا الحديث بالبحث من جهات: هل المراد من بدل دينه من المسلمين فقط، أو هو يشمل من تنصر بعد أن كان يهوديًّا مثلًا؟ " إلى أن قال: "وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة، إذا لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين" إلى آخر ما قال!
أما أولًا: فإن حديث "من بدل دينه فاقتلوه" حديث صحيح لا شك في صحته، والراجح عند العلماء أنه فيمن ارتد عن الإسلام فقط. فاختلاف العلماء في فهمه وذهاب بعضهم إلى أنه عام يشمل غير المرتد، ممن خرج من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام، لا يكون علة للحديث حتى يبطل كل معناه، كما يريد المؤلف أن يذهب، فإن هذا مذهب عجيب في إبطال السنة ونقض
(1/344)

دلالتها على الأحكام، فما من حديث إلّا اختلف الناس في تأويله وفهمه، فمصيب ومخطئ.
وأما ثانيًا: فما أعرف "أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد؛ وما أرى لهذا دليلًا ولا شبه دليل، وإنما يتلاعب بعض المتقدمين ممن يرون نفي السنة كلها، منهم من يصرح، ومنهم من يتحايل بمثل هذه الألفاظ الموهمة. وقد تكفل العلماء بالرد على نفاة الأحاديث، وعلى متأوليها المتلاعبين بها، وعلى من زعم تحكيم اصطلاحات المتكلمين في الشريعة وأدلتها، فيفرقون بين "القطعي" و"الظني"، ويزعمون أن الأحاديث كلها من "الظني" وأن "الظن" الذي هو الشك أو نحوه لا يصلح دليلًا. وأنا أعتقد أن الأستاذ المؤلف العلامة يعرف من هذا الشيء الكثير، ويعرف أن دلالة الأحاديث الصحيحة دلالة قطعية في مجموعها، وأن اختلاف العلماء على اختلاف الروايات في بعض الشيء منها، لا ينفي حجتها القطعية فيما دل عليه مجموعها، ولا يبطل الاحتجاج بتفاصيلها المختلف فيها في الرواية بعد الاجتهاد في الترجيح، وقد قلت في نحو هذا المعنى في شرحي على "اختصار علوم الحديث" تأليف الحافظ ابن كثير (ص 25): "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما. وهذا العلم اليقين علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في
(1/345)

الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل".
وأما ثالثًا: فإن الأمر بقتل المرتد عن الإسلام لم يثبت بما يسميه المؤلف العلامة "حديث الآحاد"، وإنما هو شيء ثابت بالسنة المتواترة، معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه العلماء، أعني لم يختلفوا في أن "المرتد يقتل"، أعني أنهم لم يختلفوا فيما يسميه الناس في اصطلاحهم اليوم "المبدأ"، وإن اختلفوا في بعض التفصيل، تبعًا لاختلاف النظر. في التطبيق، تطبيق "المبدأ" على الفروع، وتطبيقه على الحوادث.
نعم، إن الدستور المصري نص على "حرية الأديان" ففهم الناس أن قصد واضعيه إباحة الردة عن الإسلام لمن شاء وحماية المرتدين، ثم صار هذا كالعقيدة البديهية عندهم، حتى صاروا يرون غيرها منكرًا، يعرفون المنكر، وينكرون المعروف، فأظن أن الأستاذ المؤلف، وهو يلقي هذا الكتاب دروسًا على خريجي كلية الحقوق (طلبة الليسانس) أراد أن يتألفهم ويقرب إليهم أحكام الشريعة حتى لا ينفروا منها، فغلبه ما أراد من ذلك، ليجمع بين ما ورد من الأحاديث في قتل المرتد، وبين ما قرره الدستور طبقًا لمبادئ "التشريع الحديث"! ! التي تأكد ضربها على بلادنا بما جاء في معاهدة "منترو".
وإن الأستاذ المؤلف العلامة لأجل في نفسي وأعلم، من أن أظن به أنه لم ير الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، ولم يقرأها في مصادرها من دواوين الحديث، فيما تلقى من شيوخه وأساتذته كما
(1/346)

تلقينا، وفيما قرأ لطلابه ومريديه كما يقرأ شيوخ العلم وأساطينه، ولكنه حين أراد أن يكتب هذا البحث، وجهه حرصه على تألف طلابه ورغبته في إقناعهم بفضل التشريع الإسلامي وجهة أخرى، أنسته شيئًا كثيرًا، وهو العالم الباحث الواسع الاطلاع.
ولقد جاء هو في كتابه (ص 128) في نصوص النهي عن القتل بحديث من الأحاديث الواردة في قتل المرتد، قال: "ومن الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وهذا حديث عبد الله بن مسعود في البخاري وغيره.
وقد جاء في معناه أيضًا حديث عثمان بن عفان، حين ثار به الثائرون وحصروه وأرادوا أن يقتلوه، فقال: (وبمَ يقتلونني؟ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا فيقتل بها". والله ما أحببت أن لي بديني بدلًا منذ هداني الله، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا قتلت نفسًا، فبم يقتلونني؟ ". وأظن أن هذا صريح وواضح في أن عثمان ومن سمعه من الصحابة - وهم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه وهم الذين حضروا التشريع وفهموا مقاصد رسول الله وأسرار الشريعة - فهموا أن الردة عن الإسلام وحدها موجبة لقتل المرتد، فما يظن واحد منهم
(1/347)

أن عثمان كان خارجًا على الدولة محاربًا للمسلمين! وهو رئيس الدولة والذين حرصوا على قتله هم الخارجون المحاربون.
ومن ذلك أيضًا حديث أبي موسى الأشعري، إذ بعثه رسول الله واليًا على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل "فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم، ثم راجع دينه فتهوَّد، قال لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. فقال: اجلس، نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات، فأمر به فقتل". وهذا حكم بين كان في حياة رسول الله.
7 - تحدث المؤلف الفاضل في أحكام القصاص فيما دون النفس (ص 183 - 191) في بحث نفيس، انتهى منه إلى أن الأمة اتفقت "من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - على مشروعية القصاص في الجروح، ثم تلاحقت أجيال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين على مشروعيته، من غير أن يعلم مخالف فيه أو منكر له". وهو كلام حق لا شك فيه، ولكنه في ثنايا استدلاله كاد يناقض ما قاله في آخره، وعلل حديثًا صحيحًا تعليلًا غير صحيح؛ فإنه ذكر قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} إلى آخر الآية 45 من سورة المائدة. ثم استعرض الآيات التي جاءت فيها هذه الآية قبلها وبعدها، ثم قال: (من هذا العرض يتبين أن ما جاء عن القصاص فيما دون النفس إنما هو تشريع لأهل التوراة، وقد اتفق العلماء على أنه لم يلحقه في القرآن
(1/348)

تقرير ولا نسخ، وبذلك كانت من جزئيات المسألة الأصولية التي اختلفت فيها العلماء، وهي: "شرع من قبلنا شرع لنا") إلى آخر ما قال.
فهذا كلام موهم، أعني قوله: "وقد اتفق العلماء على أنه لم يلحقه في القرآن تقرير ولا نسخ". فإن القول الصحيح عند العلماء: أن شرع من قبلنا إذا حكاه الله لنا عنهم، كهذه الآية في القصاص، لا يكون شرعًا لنا إلّا إذا لحقه تقرير في شرعنا، أي؛ إقرار العمل به من الشارع، وليس من الصحيح اشتراط أن يكون هذا التقرير في القرآن، ولكن المؤلف العلامة ذكر كلمة "في القرآن" في ثنايا كلامه طردًا لرأيه في هذه المسائل على وتيرة واحدة، بما ذهب إليه أو لمح له مرارًا من عدم الاحتجاج بالأحاديث إلَّا فيما يرى هو أنها فيه موضع حجة، وقد ذكر المؤلف نفسه في هذا البحث من السنة حديث أنس بن مالك الذي فيه "كتاب الله القصاص"، ثم عقب عليه ص 190 بأشياء يظن أنها إضعاف للحديث، وما هي بتضعيف، والحديث صحيح لا شك في صحته ولا يعيبه ما يذهب إليه المؤلف الجليل من أنه "حديث آحاد"؛ فإنه حتى الذين يحاولون الطعن في "أحاديث الآحاد" لم يخالفوا في أن الحديث الذي يوافق القرآن حجة مبين للقرآن، وهذا حديث موافق للقرآن، يأمر بالقصاص في السن التي كسرت، ويقول "كتاب الله القصاص"، فهو لم ينشئ حدًّا جديدًا، وإنما هو إقرار لعقوبة ثبتت بالقرآن حكاية عن شرع من قبلنا، فلا يدخل في إنكار "كثير من الأصوليين صحة الاستدلال به على مشروعية العقوبات
(1/349)

كالحدود والقصاص"! ! كما يقول المؤلف ص 191.
ثم جاء إجماع الأمة، أو "اتفاقها" كتعبير المؤلف مؤيدًا للحديث مصححًا له في إقراره هذا الحكم من شرع من قبلنا، فهو تواتر عملي قطعي الثبوت والدلالة على صحة هذا الحكم بالنص، لا باجتهاد المجتهدين، ولا باستنباط المستنبطين.
وبعد: فهل لي أن أطلب إلى الأستاذ المؤلف، إذا ما أعاد طبع كتابه، أن يعنى عناية كثيرة بتصحيحه، فإني أظن أن هذه الطبعة جاءت على عجل، لحاجة الطلاب للاستذكار.
وأهم من هذا: التوسع في ذكر المراجع والمصادر، والإشارة إلى مواضع الاستدلال أو الاقتباس منها، فائدة للطلاب أولًا، فإنهم سيلجؤون، إذا ما وجدوا وقتًا للبحث، إلى كتب لم يكن لهم بها عهد، فمما يحبب البحث إليهم ويرغبهم فيه، ويشوقهم إلى هذه العلوم العالية، أن ييسر لهم سبيل الرجوع إليها في مصادرها الصافية، كتب الأئمة والعلماء، ثم هذا الزمن، الذي يعيش فيه الناس على أعصابهم، وقد جنوا بجنون السرعة، لا يكاد الباحث يجد فيه متسعًا للتنقيب بدقة عن كل ما يريد، فمن الخير أن يكون الكتاب الحديث مرشدًا لقارئه وهاديًا.
* * *
(1/350)

باب المراسلة والمناظرة (*)
1 - استدراك على مقال
قرأت في مقتطف فبراير سنة 1944 مقالًا للدكتور أسعد طلس بشأن "دار الحديث النورية" (ص 132 - 137)، فرأيت فيه (ص 134) ما نصهُ: "وفي سنة تسع وتسعين وسبعمائة حين دخل التتار دمشق احترق قسم كبير من المدينة، وكانت هذه الدار وغيرها من معاهد العلم طعمة للنار، قال الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام: "وفي سنة تسع وتسعين وسبعمائة دخل التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والفسق ونهبوا الصالحية وسبَوا أهلها ووقع الحريق ... " إلى آخره.
وهذا الكلام منهُ مُحال، ومنهُ خطأ؛ أما المحال فأن يكون الحافظ الذهبي قال شيئًا من هذا، فإن الخبر عن حادث ينسب إلى سنة 799، والحافظ الذهبيّ مات سنة 748، أي؛ قبل التاريخ الذي أرَّخ به الحادث بأكثر من خمسين سنة. وأما الخطأ ففي تاريخ دخول التتار دمشق سنة 799؛ فإنهم لم يدخلوها إلّا سنة 803. وبذلك أرخها كل المؤرخين الذين رأينا مصادرهم بين أيدينا، لم يخالف أحد منهم في ذلك، فانظر مثلًا "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"
__________
(*) مجلة المقتطف، المجلد الرابع بعد المائة، يناير مايو سنة 1944.
(1/351)

للحافظ السخاوي (ج 3 ص 47 - 48) في ترجمة "تيمور لنك" فإنه ذكر أنهُ قصد سيواس في آخر سنة 802، ثم نزل يوم الخميس 9 شهر ربيع الأول سنة ثلاث يعني 803 على حلب. ثم ذكر أن التتار أقاموا بحلب يعاقبون ويأخذون الأموال إلى يوم السبت مستهل شهر ربيع الآخر أو ثانيه، ثم رحلوا على جهة دمشق وأخذوها. ثم قال: "واستمرَّ بدمشق - يعني تيمورلنك - إلى العشر الثاني من شعبان" إلى آخره. وكل ذلك في سنة 803، وانظر أيضًا "شذرات الذهب" لابن العماد (ج 7 ص 22، 64 - 265) فإنهُ يؤرخ دخول التتار إلى دمشق سنة 803، وانظر أيضًا "تاريخ ابن إياس" (ج 1 ص 334 طبعة بولاق) فإنهُ يؤرخ يوم حرق دمشق في حوادث سنة 803: "فلما كان يوم الخميس مستهل شعبان أمر تيمورلنك بإحراق مدينة دمشق" إلى آخره. ثم يقول (ص 335): "فلما كان يوم الجمعة ثاني شهر شعبان فيه - يعني في عام 803 - رحل تيمورلنك عن دمشق بعد ما فعل الذي فعلهُ، فأخذ عسكره وخرج من دمشق، وكانت مدة إقامته بدمشق إلى أن رحل عنها نحو ثمانين يومًا". وكذلك تجد تفصيل بعض هذه الحوادث في ذلك التاريخ في "خطط الشام" لمحمد كرد علي (ج 2 ص 179).
ولست أدري من أين أتى الخطأ لكاتب المقال ولمصدره الذي نقل عنهُ، وهو كتاب مخطوط للشيخ عبد القادر بدران. فلعلهُ يتفضل بالتحقيق أو التصحيح.
* * *
(1/352)

تَحْقِيقُ سِنِّ عَائِشَة (*)
يقول صاحب كتاب "الصديقة بنت الصديق" (1):
"كانت روايات من أقوال الأقدمين تذكر، أن النبي - عليه السلام - خطب السيدة عائشة وهي في السادسة، وبنى بها وهي في التاسعة، وكان هذا مجالًا لأعداء الإسلام وأعداء نبي الإسلام يبدؤون فيه ويعيدون، ويجدون المستمعين والمتشككين حتى بين المسلمين. فهنا مجال لإطالة الوقوف يعبره أمثال هذا الناقد الحاقد مهرولين، ويجهلون ما وراءه من الزور الأثيم والبهتان المبين. وهنا وقفنا بالعقل والنقل لنثبت أن محمدًا - عليه السلام - لم يبن بالسيدة عائشة إلا وهي في السن الصالحة للزواج بين بنات الجزيرة العربية، فأثبتناه على رغم الأقاويل والسنين" (2) (الرسالة 551 في 29 يناير سنة 1944).
وهذه الروايات التي تجهل ما وراءها "من الزور الأثيم والبهتان المبين" هي الروايات الصحيحة التي لا شك في صحة إسنادها والثقة، برواتها عن سن عائشة، حين زواج رسول الله بها، وأنه
__________
(*) مجلة المقتطف، عدد ربيع الثاني 1363 ه، أبريل 1944 م.
(1) انظر: نقد بشر فارس لهذا الكتاب في المقتطف، فبراير 1944، باب "التعريف والتنقيب".
(2) الصديقة بنت الصديق، لعباس محمود العقاد، دار المعارف بمصر.
(1/353)

عقد عليها وسنُّها ستُّ سنوات، وبنى بها وسنها تسع سنوات، وهي الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد بن حنبل وابن سعد، كلهم من حديث عائشة بالأسانيد الثابتة الصحاح، وبالألفاظ الواضحة التي لا تحتمل تأويل المتأولين ولا لعب العابثين، والتي رواها ابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود، وابن سعد من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومصعب بن أبي وقاص وابن شهاب الزهري وحبيب مولى عروة ابن الزبير، كل هؤلاء الأئمة الثقات الأثبات الذين يروون ويصدقون ما يروون، هم عنده مثلنا "يجهلون ما وراءه من الزور الأثيم والبهتان المبين" ويدركه هو وحده بما أوتي من جرأة وتهجم، وبما فقد من بحث وتحقيق، فهو يثبت وينفي "على رغم الأقاويل والسنين" فهو يلعب بالروايات ويحرفها كيف شاء ثم يقول: "ولهذا نرجح أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه" (كتاب الصديقة ص 65). ثم ينسى ما اجترحت يداه فيقول (ص 78):
"فعائشة البكر التي لم يتزوج النبي بكرًا غيرها، قد مات عنها - عليه السلام - وهي دون العشرين".
"فها هنا انفلات من ذلك الجزم" كما قال الدكتور بشر فارس في نقده (ص 193).
وهو يبني تحقيقه هذا العجيب على مقدمات اخترع بعضها اختراعا، وحرف بعضها تحريفًا منكرًا، بالتحوير أو التأويل، ثم
(1/354)

يسوق ذلك كله مساق الحقائق التاريخية الثابتة، شأن الرواة الثقات، ثم لا يذكر شيئًا من الحقائق التي تخالف هواه، فهو يقول:
"وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي - عليه السلام - في السنة الثانية من الهجرة، فيحسبها بعضهم تسعًا، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع سنوات" (الصديقة ص 64).
أما زعمه أن بعضهم يرفعها فوق ذلك بضع سنوات، فإنه قول مبتكر لم يقله أحد من العلماء، ولم يرد في رواية من الروايات، وإنما يريد أن يتزيد به ويصل إلى بغيته.
وأما جزمه بأن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، فإنه اعتمد فيه - فيما أرى - على قول الحافظ النووي في تهذيب الأسماء (ج 2 ص 351): "وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة، بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين بنت تسع سنين، وقيل: بنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وهو ضعيف، وقد أوضحت ضعفه في أول شرح صحيح البخاري". هكذا يقول النووي، ولكنه نسي، فإنه لم يوضح دليل ضعفه في أول شرحه للبخاري عند شرح الحديث الثاني من الصحيح، في نسختنا المخطوطة عن أصلها العتيق، وهذا الترجيح من النووي في تأريخ الزفاف خطأ صرف، والقول الذي ضعفه بغير دليل هو الصحيح الراجح، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج 7 ص 176 من طبعة بولاق): "وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى من الهجرة، قوي قول من قال أنه دخل بها
(1/355)

بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يخالف ما ثبت". والدليل على خطأ ما رجحه النووي حديث عائشة نفسها في طبقات ابن سعد (ج 8 ص 39 - 40): "تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة لثلاث سنين، وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال، على رأس ثمانية أشهر من المهاجر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين".
فالثابت من قول عائشة نفسها؛ أن رسول الله بنى بها في السنة الأولى من الهجرة، في شوال بعد مهاجره في ربيع الأول، بسبعة أشهر على رأس الثامن، وترجيح النووي أن ذلك كان بعد غزوة بدر في السنة الثانية ترجيح بغير دليل، والأدلة الثابتة تنفيه.
فحكاية الكاتب الجريء قولًا مرجوحًا لا دليل عليه، وإتيانه به في صيغة توهم أنه القول الواحد الذي لم يرو غيره، كأنه قضية مسلمة؛ إذ يقول: "وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي - عليه السلام - في السنة الثانية من الهجرة". هذا الصنيع منه لن يكون من الأمانة العلمية في شيء.
ومن هذا النوع من الأمانة قوله (ص 64): "فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة". والذي في ابن سعد (ج 8 ص 42): "أخبرنا محمد بن حميد العبدي
(1/356)

حدثنا معمر عن الزهري وهشام بن عروة قالا: نكح النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة وهي ابنة تسع سنوات أو سبع". وأنا أوقن، أن الكاتب الجريء أعرف باللغة العربية من أن يخفى عليه الفرق بين معنى نكح، وبين معنى خطب، وأنه لن يعبر لفظ إحداهما إلى لفظ الأخرى عن جهل بهما، وإنما يفعل ذاك عن عمد وهو يعرف ما يفعل.
ثم ما باله يدع الروايات الصحيحة المتواترة، ولا يستند إلا إلى الروايات الشاذة أو المنكرة، التي تخالف كل رواية صحيحة؟ أمامه الروايات الصحيحة في كتاب ابن سعد وغيره عن الزهري وعن هشام ابن عروة وعن غيرهما؛ أن رسول الله تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وفي بعضها "سبع سنين" ودخل بها وهي بنت تسع سنين. فما بال هذه الرواية التي لا شك أن راويها أخطأ فيها، أو اختصر فأخطأ من روى عنه فهم اختصاره، ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا معينًا، فلا عليه أن يتخير من الروايات أضعفها، ولا عليه أن يحرف ألفاظها إلى ما يشاء؛ لتصل به إلى ما يريد! ثم هو يريد أن يصور للقارئ أن الذي كان في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات هو خطبة فقط، يوهم أنه لم يكن هناك زواج، وإن لم يصرح بنفيه فيقول (ص 63):
"وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات". ويقول (ص 64): "فتمت الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات".
(1/357)

ويحرف رواية ابن سعد من كلمة "نكح" إلى كلمة "خطبت" ويقول (ص 65): "وإن خطبة النبي التي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة".
ويقول في (الرسالة) في الكلمة التي اقتبسناها أول مقالنا هذا: "كانت روايات من روايات الأقدمين تذكر أن النبي - عليه السلام - خطب السيدة عائشة وهي في السادسة" ... إلخ.
وهو يعرف كما يعرف المسلمون جميعًا، عالمهم وجاهلهم، ذكيهم وغبيهم، أن الخطبة عند المسلمين غير الزواج، وأنهما غير الزفاف والدخول! ولكن هكذا يكون الكاتب الجريء.
وأعجب من هذا كله، وأشد جرأة على الحق، وأشد تهجمًا على سيرة رسول الله، وأسوأ أثرًا على الجريء فيما قال وكتب، وفيما يقول أو يكتب، أن يقول (ص 64):
"فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال"!
أما القول الذي يصفه بأنه "أشهر الأقوال" فإنه لم يقله أحد قط، ولم يروَ في كتاب من كتب السنة أو السيرة أو التاريخ، هذا إلى محاولة تصوير هذه الفترة بأنها فترة خطبة، لا فترة زواج قبل البناء، ثم هو يصرُّ على ما ادعى إصرارًا عجيبًا لم يأت عليه ببرهان، فيقول
(1/358)

ما نقلنا من قبل: "وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات".
ويقول (ص 64 - 65):
"إذ لا يعقل أنها - يعنى خولة بنت حكيم - تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح الزواج على النبي، وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات أخرى"!
ومن أين يأتي بالخمس السنوات ويدعي أنها أشهر الأقوال؟ والأقوال كلها متضافرة على أنها ثلاث سنوات والشهور محدودة فيها بينة؟ يتمسك بالروايات الصحيحة التي فيها أن الزواج كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ثم يجزم بالرواية الضعيفة، أن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، ثم لا يجد مناصًا من قواعد الحساب أن الثنتين إذا أضيفتا إلى الثلاث كان الجميع خمسًا من غير تردد، فقد سلم له قوله ووصل إلى ما أراد، ولكنه نسي أو تناسى، أن الروايات كلها تذكر أن بين الزواج والزفاف ثلاث سنين فقط، وأنها حددت بالشهور من شوال إلى شوال، وأنهم كثيرًا ما يذكرون عدد السنين ويجبرون فيها الكسور، فتقول عائشة ما روينا من قبل: أن رسول الله تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي تريد سنتين وكسرًا؛ إذ حددت التاريخ بالشهور: أن الزواج كان في شوال سنة عشر من النبوة، وأنه قدم المدينة في 12 ربيع الأول، وهي السنة الأولى من الهجرة، وأنه دخل بها في شوال من السنة نفسها على رأس ثمانية
(1/359)

أشهر، وأنه تزوجها وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع، فهذا حسابها صحيحًا من شوال قبل الهجرة بثلاث إلى شوال في سنة الهجرة، ثلاث سنين كوامل، لا تحتمل تزيدًا ولا تحويرًا، فأين هذا الحق من ذاك الصنيع؟
ثم يزداد الكاتب الجريء جرأة، فيذهب يحتال حيلة غريبة في التأويل، يفتعلها افتعالًا، يزعم أنه ينصر رأيه، ويقيم حجته فيقول: (ص 65):
"ويؤيد هذا الترجيح من غير هذا الجانب أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة .. فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ لأنها بلغت سن الخطبة وهي في قرابة التاسعة أو العاشرة، وبعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة (1) على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين، وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانًا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية، قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام، فإذا كان أبو بكر - رضي الله عنه - وعد بها ذلك الوعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، عليه السلام".
__________
(1) المعروف في شرعة المسلمين أن الخطبة ليست عقدًا، ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا قد كشفنا عنه.
(1/360)

هكذا ينقل الكاتب الجريء ويتأول، واحفظوا عليه قبل كل شيء إصراره على أن الذي كان في السنة العاشرة للدعوة خطبة لا زواج، وإن لم ينف الزواج صراحة، ولكنه يوقعه في نفس القارئ ويقنعه به إقناعًا من لحن القول "يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، عليه السلام".
والقصة التي يشير إليها ويحاول أن يصبغها بصبغة رأيه، هي قصة مطولة في زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بسودة بنت زمعة وبعائشة رضي الله عنهما. رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج 6 ص 210 - 211) ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج 3 ص 131 - 133) وأشار إلى رواية مثلها عند البيهقي مؤيدة لإسنادها. وهذا الحديث فيه قصة وعد أبي بكر بابنته لمطعم بن عدي على ابنه جبير، وخطبة النبي إياها وزواجه بها، ثم زفافها إليه بعد قدومهم المدينة، وهذا موضع الشاهد منه: "قالت أم رومان - زوج أبى بكر - لخولة بنت حكيم - التي كان لها فضل السعي في هذا الزواج -: إن مطعم ابن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي، فقالت: يا بن أبي قحافة لعلك مصْبي صاحبنا، تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أَقَوْل هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله.
(1/361)

فدعته فزوجها إياه، وعائشة: يومئذ بنت ست سنين ... قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. قالت: فجاء رسول الله فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله في بيتنا، ما نحرت عليَّ جزور، ولا ذُبحت عليَّ شاة .. وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
هذه هي القصة التي يحاورها الكاتب الجريء ويداورها، ويلعب بها ويعبث، يستنبط منها. وما رأينا فيما قرأنا أشد جرأة على الحق ولا إيغالًا في الباطل، ولا لعبًا بالألفاظ والمعاني، ولا تحريفًا للكلم عن مواضعه، مما صنع هذا الرجل.
حديث صريح اللفظ، بيِّنُ المعنى، يقسره هذا الكاتب الجريء على أن يدل على ضد لفظه الصريح ومعناه الواضح، فلا يأتي بالحديث على وجه، بل يصرّف على لفظ من عنده، يُخدَع به القارئون، فلا يدركون ما وراءَهُ. ثم يبني استنباطه على غير علم بعادات العرب، وعلى غير معرفة بأحكام الشرع، فهو يقول ما
(1/362)

حكينا من قوله، ويصر عليه إصرارًا منكرًا فيما قرأنا له الآن (في العدد 559) من الرسالة المؤرخ يوم الإثنين 20 مارس إذ يقول:
"وبحسبنا أن نعلم أن عائشة خطبت قبل خطبتها للنبي، وأن الذي خطبت له كان من المشركين، بحسبنا أن نعلم هذا لنعلم أنها خطبت قبل الدعوة الإسلامية، وأن أبا بكر لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه، وهو البرهان الراجح على أنها حين خطبت لمحمد - عليه السلام - وبنى بها بعد الخطبة بسنوات، قد كانت في سن صالحة للزواج".
وليحفظ عليه القارئ أيضًا أنه فعل هنا ما فعل من قبل، فلم يأت بذكر لعقد الزواج بين رسول الله وبين عائشة، بل ساق القول من الخطبة إلى البناء، كما نبهنا عليه آنفًا؛ إذ هو لا يريد أن يعترف بعقد عقدة النكاح في السن المبكرة ثم نعود إلى ما نحن بسبيله.
بنى هذا الكاتب الجريء كل دعواه في هذا الحديث، وكل استنباطه منه على شيء واحد، يستبعده جدًّا في كتابه (ص 265) وينفيه نفيًا باتًّا في مقاله (الرسالة 559) وهو أن أبا بكر "لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه". وهو يخطئ في هذا جدًّا، فإن لفظ الحديث الذي سقناه يدل على أن أبا بكر كان عند وعده للمطعم بن عدي إن استمسك به المطعم، وأنه ذهب إليه لعله يجد من وعده مخرجًا، ففجأته أم الصبي بخشيتها أن يؤثِّر على ابنها، إن هو تزوج عائشة، فيدخله في دينه الذي هو عليه، وهو
(1/363)

الإسلام، فلم يجد أبو بكر من اختلاف الدين أو تخوف أم الصبي مخرجًا من عدته، فسأل الرجل، وهو ولي ابنه الصبي في التزوج، ليرى أيقر زوجه على قولها، فلما وافقها الرجل، وجد أبو بكر المخرج من وعده "فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد". وإنما أوقع الكاتب الجريء في هذا الخطأ وأوهمه، معرفته أن زواج المسلمة بغير المسلم زواج باطل لا ينعقد، وأن المسلم إذا ارتد عن الإسلام فسخ عقد زواجه بزوجه المسلمة، وأن غير المسلمة إذا أسلمت وكانت ذات زوج عرض على زوجها الإسلام، فإن أبى أن يسلم فرق بينهما، وهذه أحكام يعرفها العامة والخاصة، فبنى عليها أنه "بعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة مع افتراق الدين" وأنه "يستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية، قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام" وأنها "خطبت قبل الدعوة الإسلامية، وأن أبا بكر لن يزوج بنته بعد الدعوة الإسلامية لرجل يكفر بدينه". ولكنه لم يعلم أول هذا التحريم لزواج غير المسلم بالمسلمة، ولم يدرك مبدأ أمره، أكان في أول الإسلام، حتى يطبق في هذه الواقعة في وقتها، أم هو تشريع تأخر عنها، فلا يطبق عليها، ولا يستدل به فيها.
ألا فليعلم الكاتب الجريء أن زواج المسلمة بالمشرك كان جائزًا وواقعًا في أول الإسلام، على عادة القبائل والأسر من التزاوج والمصاهرة، وأنه لم يحرمه الله تعالى إلَّا بعد صلح الحديبية، في أواخر السنة السادسة من الهجرة، لما نزل قوله تعالى في سورة
(1/364)

الممتحنة: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (ج 8 ص 323 طبعة المنار): "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب رضي الله عنها، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها ... فأطلقه رسول الله على أن يبعث إليه ابنته، فوفَّى له بذلك ... وبعثها مع زيد بن حارثة، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين، إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه". وليس بعد هذا البيان بيان، وما إخال أن للكاتب الجريء حيلة في أن يجادل فيه، وهو ينقض كل ما بنى عليه استنباطه أو تحريفه.
وليعلم الكاتب الجريء أيضًا أن كل ما ينسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من (قول أو فعل أو تقرير) هو عند المسلمين من الحديث، وأنه لا يجوز لأحد أن ينسب إلى الرسول شيئًا من هذا إلا عن ثقة وثبت، وبإسناد صحيح، على النحو الذي قام به أئمة الحديث، ووضعوا له القواعد والقيود، في فن واسع المدى، لعله قد سمع به، وأنه لا يعذر أحد في التحدث عن رسول الله بغير ثبت، لقوله - عليه السلام -: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بحدَيثٍ يُرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبينَ". وأن العمد إلى التحدث عنه بما ليس بصحيح من أعظم
(1/365)

الآثام، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". فليعد نظرًا إلى ما قدمت يداه في هذه المسألة بعينها، يجد أنه أنكر الصحيح الثابت الذي لا خلاف فيه عند المحدثين وغيرهم؛ أن رسول الله تزوج عائشة قبل الهجرة وهي في السادسة أو السابعة من عمرها، ودخل بها في المدينة بعد ثلاث سنين من الزواج، وأنه لكي يصل إلى تأييد إنكاره، وتأييد دعواه أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إلى النبي، اضطر إلى تحريف ألفاظ الأحاديث وإلى تحريف معناها، وإلى سوق الكلام من الخطبة إلى الزفاف، خشية أن يذكر عقد الزواج قبل الهجرة فيكون حجة على نفي ما أراد إثباته وإثبات ما أراد نفيه، حتى لقد كاد يزل به قلمه إذ يقول: "وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات" (كتاب الصديقة ص 63).
فإنه يوهم القارئ، وإن لم يصرح الكاتب، أن الذي كان في مكة قبل الهجرة لم يكن فيه زواج، وأنه انتهى بالزواج بعد سنوات، يعني في المدينة، ولكنه لم يستطع أن يكون جريئًا كما يريد، فخشي أن يدعي أن هناك زواجًا كان بالمدينة؛ لئلا يكشف للناس عن فساد قوله ووهْي أدلته، وإن هو أنكر علينا هذا فليقل لنا كلمة صريحة، متى تزوج رسول الله عائشة؟ أعني العقد لا الخطبة، أكان ذلك قبل الهجرة حين خطبها على أبيها، أو كان بعد الهجرة حين بنى بها؟ ويجد أنه حرَّف عن عمدٍ كلمة "النكاح" التي هي الزواج إلى كلمة
(1/366)

"الخطبة"، وأنه جاء إلى أبْين حديث وأصرحه في الدلالة على سن عائشة، وهو القصة التي فيها سعيُ خولة بنت حكيم، فحرَّفه بالتأويل المنكر، ليستدلَّ به على ضدِّ ما يدلُّ عليه لفظهُ الصريح، أنها تزوجت بنت ست سنين وزفت بنت تسعٍ، وأَن أُمها أَخذتها يوم الزفاف من أَرجوحة كانت تلعب بها بين النخيل، ويجد أنه ادَّعى أن هناك من يرفع سن عائشة فوق التسع بضع سنوات، ولم يقل ذلك أحد. وأنه ادَّعى أن الزفاف لم يتم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال، ولم يوجد قط قول بهذا، فضلًا عن أن يكون أشهر الأقوال، ويجد أنه كان يجهل حكم الزواج بين المسلمة والمشرك في صدر الإسلام، وأنه تحدث فيه بغير علم، ويجد أنه فوق هذا كله جمح به قلمه، فوصف هذه السنن الصحاح بأنها "من الزور الأثيم والبهتان المبين" حين زعم أننا نجهل ما وراء روايات الأقدمين، وليت شعري بم يصف عمله في التحريف والتحوير والقول على رسول الله بما لم يأت عليه ببرهان، وفخر بأنه أثبته "على رغم الأقاويل والسنين".
ثم ليعلم أيضًا أن السنة النبوية (من قول وعمل وتقرير) مصدر عظيم للتشريع الإسلامي، وهي المصدر الثاني بعد القرآن، وهي المفسرة له المبينة، كما قال الله لنبيه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. وأن هذه الأحاديث التي أنكرها بتحريفه وتأويله، وأثبت ضد ما ثبت فيها "على رغم الأقاويل والسنين" فيها دلالة على
(1/367)

أحكام شرعية خطيرة الأثر، منها جواز تزويج الصغيرة للكبير، ومنها أن الصغيرة يلي أمر تزويجها وليها؛ إذ هي لا تملك أمر نفسها، ومنها أن البناء بالصغيرة جائز حلال، إلى غير ذلك من الأحكام، وأن إنكاره ما فيها إنكار لكل ما يستنبط منها بالطريق العلمي في الاستنباط، ونسبة شيء إلى رسول الله لم يثبت بالطريق الصحيح للإثبات، بل ثبت ضده ونقيضه، فإن لم يدرك هذا كله فقد أبلغناه، وما علينا من زوره من شيء.
وبعد: فما الذي دفع به إلى هذه المضايق، وأورده هذه الموارد وأقحمه؟ يظن أنه يسوغ عمله إذ يقول: "ذلك هو التقدير الراجح الذي ينفي ما تقوَّله المستشرقون على النبي بصدد زواج عائشة في سن الطفولة الباكرة" (كتاب الصديقة ص 66)، ويقول: "وإنما عنانا أن نبطل قول القادحين في النبي أنه - عليه السلام - بنى ببنت صغيرة لا تصلح للزواج، وقد أبطلنا ذلك بالأدلة التي لا نكررها هنا" (الرسالة في العدد 559). هذا عذره الظاهر لنا من كلامه، وليس لنا أن نخوض فيما وراءه.
ولكن أهذا هكذا؟ قال مستشرق، أو طعن مبشر، أو قدح ملحد، فقال أحدهم ما شاء من قدح في عمل بعينه، أفترى أنت هذا العمل معيبًا يجب التبرؤ منه، أم تراه جائزًا لا شيء فيه، ولا غبار على من يعمله، وأن العائب إنما ينظر إليه من ناحية غير صحيحة، وبعين مغرضة ليست بريئة، أفلا ترى أنك إذا نفيت هذا العمل
(1/368)

وأنكرته؛ فقد رأيته معيبًا كما رأى العائب، وقادحًا كما فعل القادح، فما حاجتك إلى التستر وراءه، وماذا يمنعك أن تصرح بأن هذا العمل غير جائز، وأنك توافق في استنكاره من سبقك من المستشرقين؟
هذا هو الطريق المنطقي للبحث العلمي، العالمُ لا يدافع عن نظرية علمية، ولا ينصرها إلَّا إذا رآها رأيهُ والتزمها قوله. ثم أَلم يكن الأجدرُ بالكاتب الجريء أن يصنع ما يصنع الرجالُ، فيصرح بإنكار كل الأحاديث التي فيها سن عائشة، وينقدها على طريقة المحدثين، فيبين ضعف أسانيدها وبطلان روايتها إن استطاع، فذلك خير له من تأويلها وتحريفها والتزيد فيها، ثم مناقضته نفسه بالاحتجاج ببعض ألفاظها على أسلوب عائشة المرسل السهل الجزل الفصيح (ص 57 - 58) كما استدرك عليه الدكتور بشر في نقد كتابه.
وبعدُ مرة أُخرى .. فإن شريعتنا شريعة الإسلام، أباحت تزويج البنات الصغار، وجعلت تزويجهنَّ للأَولياء، بدليل زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعائشة وبنائه بها وهي دون العاشرة، وبدليل قول الله تعالى في سورة الطلاق: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]. فاللائي لم يحضن هنَّ الصغيرات اللائي لم يأتهن الحيض، وهنَّ دون البلوغ عليهنَّ عدَّة ثلاثة أَشهر إذا طلقن، ولا يكون طلاق وعدة إلَّا بعد زواج، أليس كذلك؟ فمن رضي هذه الشرعية لم ينكر ولم يعبأ بقول العائبين المغرضين، ومن أبى {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
* * *
(1/369)

صَدَى النقد
تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد (*)
أعتذر للأخ الأستاذ الشيد صقر عن تأخير التحية له بمناسبة نقده إياي. وكلنا طالب علم، وكلنا طالب حقيقة رائد معرفة، ونرجو أن يكون ذاك خالصًا لوجه الله وحده. وليس بعد الاعتراف اعتذار.
والأستاذ السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصي ما استطعنا.
فإذا ما نقد كتابي فإنما يقوم ببعض ما يجب عليه نحو أخ أقدم منه سنًّا، ويراه هو أنه أكثر منه خبرة، أو أوسع اطلاعًا، وما أدرى: أصحيح ما يراه، أم هو حسن الظن فقط؟ فإن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، ويندر أن توجد في أنداده، بل في كثير من شيوخه وأستاذيه.
وقد نقد الكتاب الذى أخرجته بتحقيق "الشعر والشعراء لابن قتيبة" في مقالين بمجلة "الكتاب" الغراء فى عدد يونية سنة 1946، بعد ظهور الجزء الأول، ثم فى عدد ديسمبر سنة 1950، بعد ظهور الجزء الثاني.
__________
(*) مجلة الكتاب، عدد جمادى الآخرة 1370 ه، أبريل 1951 م.
(1/370)

وما أحب أن أدير مناظرة أو جدالا حول المآخذ التي أخذها عليّ. فما زعمت قط وما زعم لي أحد أني لا أخطئ، وكلنا نخطئ ونصيب. ثم هو قد يكون أنفذ بصرًا مني في "الشعر" وما إليه، بل هو كذلك فيما أعتقد. وليس وراء الجدال من فائدة إلا المراء، وقد نهينا عنه أشد النهي.
وقد عتب عليَّ الأستاذ السيد صقر، أن لم أف بوعدي له بنشر نقده للجزء الأول في آخر الثاني. وله العتبى فى ذلك. وقد أشار هو إلى بعض عذري: أن مشاغلي حالت دون الوفاء بما وعدت، وقد صدق؛ فإني وعدته وحرصتُ على الوفاء بوعدي، ثم أنسيته حين رجوت أخي الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب في أواخر الجزء الثاني، إذ اعتزمت السفر مع أهلي إلى الحج، فشغلني ذلك عن كل شيء، حتى أنساني ما وعدته به.
ووعدٌ بوعد: فكما وعدت الأستاذ صقر بنشر نقده الجزء الأول في آخر الجزء الثاني، وعدني هو - بعد رجائي - أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقي على النسخ المخطوطة التي أشار إليها في مقاله الأول، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف، تمهيدًا لتحقيق الكتاب مرة أخرى، لنخرجه في الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين. حتى نؤدي الأمانة حقها. ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله (1).
__________
(1) وهو إلى الآن لم يفعل. أحمد محمد شاكر.
(1/371)

ولقد زعم كثير من إخواننا، ووصل إليَّ ذلك: أني ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر في المرتين. وما أظن الذي زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئًا من خلقي. فما ضاق صدري بشيء من نقد قط، لَانَ أو قسا، والعلم أمانة.
بل إني لأرى أن الضيق بالنقد والتسامي عليه ليس أخلاق العلماء، وليس من أخلاق المؤمنين. إنما هو الغرور العلمي، والكبرياء الكاذبة، وحسبنا في ذلك قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}. وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر ابن الخطاب، إذ ردّت عليه امرأة، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، قال كلمة صريحة بينة: "امرأة أصابت ورجل أخطأ". لم تأخذه العزة بالإثم، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمي. وعمر هو عمر.
ثم ما هذه الفاشية المنكرة التي فشت بين المنتسبين للعلم؟ سأتحدث عن نفسي مضطرًا حتى لا أمَسَّ غيري:
أنا أرى أن من حقي أن أنقد من أشاء، وأن أقسو في النقد ما أشاء، فمن ذا الذي يزعم لي، أو يزعم لنفسه، أن ينقد الناس وأن يقسو عليهم في النقد، ثم يرى من حقه عليهم أن لا ينقدوه، وأن لا يتحدثوا عنه - إن أذن لهم في الحديث - إلا برفق ولين وملق ونفاق، مما يسمونه في هذا العصر العجيب "مجاملة"! !
لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من "الشعر
(1/372)

والشعراء" حين صدوره، وقرأت نقده قبل أن يطبع في مجلة "الكتاب" الغراء، ولم أجد في هذا غضاضة عليَّ قط، وإن كثيرًا من إخواني ليعرفون هذا الذي أقول، وقد عجبوا منه في حينه، ولم أره موضعًا للعَجَب. ثم رجوته أن ينقد الجزء الثاني حين صدروه أيضًا. ولم أر في نقده ما يمسني من قريب أو من بعيد.
وهذا رأيي الذى رُببت عليه واعتنقته طول حياتي: أن لي أن أنقد آراء الناس في حدود ما أستطيع من علم، وأن لهم أن ينقدوا آرائي في حدود ما يستطيعون من علم.
وسأذكر بعض المُثل، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة:
يذكر الناس ما يدور كل عام مرارًا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية: أبالرؤية أم بالحساب. وكتب الناس في هذا كثيرًا، وكتب مرارًا. وكان من رأي التمسك بالرؤية وحدها، وكان ذا رأي والدي الشيخ محمد شاكر رحمه الله، وكتب فيه وشدد. ثم بدا لي غير ذلك، في حياة أبي. فنشرت رسالة صغيرة في شهر ذي الحجة سنة 1357 (فبراير سنة 1939)، اسمها "أوائل الشهور العربية". وكان مما قلت فيها (ص 15) بالحرف الواحد: لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغي - منذ أكثر من عشر سنين: حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية - رأي في رد شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية، كالرأي الذي نقلته هنا عن تقي الدين السبكي، وأثار رأيه هذا جدالًا شديدًا، وكان والدي وكنت أنا
(1/373)

وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه. ولكني أصرح الآن بأنه كان على صواب وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب، في كل الأحوال، إلا لمن استعصى عليه العلم به" فلم أجد غضاضة على والدي رحمه الله - في علمه وفضله الذي يعرفه الجم الغفير من الناس - أن أعلن في كتاب منشور خلاف رأيه ورأيي، والردَّ عليه وعلى نفسي.
بل أنا أخرج منذ بضع سنين، كتاب (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيقي وشرحي، وقد أخرجت منه إلى الآن 8 مجلدات (1)، رأيت بعد إتمام المجلد الثاني منها أنه فاتني شيء كثير، من الشرح والتخريج، ومن التحقيق والتعليل، وأنه ندت عني أخطاء علمية مهمة، وأن مثل ذلك سيكون في الأجزاء القادمة، مهما أحرص على أن لا يكون، وأن الأمانة أن أبين كل شيء ما استطعت، فاستحدثت في آخر الجزء الثالث، ثم في آخر كل جزء ظهر أو سيظهر إن شاء الله، بابًا في "الاستدراك والتعقيب"، رجوت في أوله إخواني من علماء الحديث في أقطار الأرض أن يرسلوا لي كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث، وجعلت لهذه الاستدراكات أرقامًا متتابعة، وقد بلغ عدد الأحاديث التي نشرت في المجلدات السبعة 5580 حديثًا، وبلغ عدد الاستدراكات عليها، التي نشرت في آخر المجلدات الثامن 1789 استدراكًا، كلها مما تعقبته على عملي ونقدته.
__________
(1) صارت الآن 15 مجلدا، وأسأل الله التوفيق لإتمامه. أحمد محمد شاكر.
(1/374)

إن كثيرًا من الناس تغرهم المناصب والرتب، وتخدعهم الألقاب العلمية الضخمة، وما كان شيء من هذا ميزانًا صحيحًا للعلم، ولقد نقدت كثيرًا من أمثال هؤلاء، فتعاظموا واستكبروا، فمنهم من أنف أن يرد عليَّ، ومنهم من سلط بعض أذنابه يشتمني، فما عبأت بهذا ولا بهذا، لا استكبارًا ولا تعاظمًا، ولا لأني طالب علم ورائد حقيقة، ولكِنْ لأني لم أضع نفسي في موازينهم قط.
ومثال آخر من أروع الأمثلة في آداب المتقدمين من الأئمة:
هذا ابن حزم الإمام العظيم، وكل من سمع به يعرف قسوة قلمه، وبديع نقده، وطريف تشنيعه إذا ما بدا له أن يشنع على خصم، بحث بحثًا فقيهًّا في "المُحَلَّى" ليس من مجال القول هنا أن نفصله، فذكر فيه (6: 66 - 74) مسألة استدل فيها بعض العلماء بحديث رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي. ثم رد صحة الحديث بأن جرير بن حازم قرن في الإسناد بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحارث الأعور، وهو كذاب، وقال (ص 70): وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما في الآخر". وغلا ابن حزم غلوًّا شديدًا بعد ذلك، فقال: "هو حديث هالك، ولو أن جريرًا أسنده عن عاصم وحده، لأخذنا به".
وابن حزم كان يؤلف قبل عصر المطبعة، وكتابه في يده، فكان
(1/375)

مستطيعًا إذا شاء أن يعرض عما كتبه كله في هذه المسألة الطويلة، ويستأنف كتابتها على النحو الذى يريده بعد أن تغير اجتهاده وتغير رأيه. ولكنه أبى إلا أن يبقى ما كتب على ما كتب، ثم يرد على نفسه، على طريقته وبقوته، فيقول في آخر المسألة (ص 74): "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحاق أو جريرًا خلط إسناد الحارث بإرسال عاصم - هو الظن الباطل الذى لا يجوز. وما علينا من مشاركة الحارث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه شيء. وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم".
وهذا الجزء من "المُحَلَّى" طبع منذ أكثر من عشرين سنة، سنة (1349 هجرية) بتحقيقي: وقد كتبت فيه تعليقًا على صنيع ابن حزم هذا، ما نصه: "لله در أبي محمد بن حزم: رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذي لا يجوز. وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق، وهم الهداة القادة. وقليل ما هم".
وأظن في هذا مقنعًا لمن أراد أن يقنع أو يهتدي.
* * *
(1/376)

تصحيح القاموس (*) (1)
لحضرة صاحب السعادة الأستاذ الكبير أحمد تيمور باشا مآثر لا تحصى في خدمة لغة العرب الشريفة، وإن المطلع على كتابيه: تصحيح لسان العرب، وتصحيح القاموس يعلم مقدار عنايته بخدمة اللغة، ويعلم أن العناء في هذين الكتابين على صغر حجمهما لا يوازيه عناء تأليف في أدق موضوع.
وحسب القارئ أن يتخيل نفسه متتبعًا ألفاظ اللسان أو القاموس متحريًا صحة كل كلمة في موضعها، ثم صحة ضبطها، ثم الرجوع إلى مظانها في الكتب الأخرى، حتى يرى نفسه عاجزًا عن متابعة العمل في جزء واحد من أحدهما، وإنما أقدار الرجال بالهمم.
وقد رجع من تصحيح القاموس إلى أربع نسخ مخطوطة ومثلها مطبوعة، وإن تحت يدي نسخة مخطوطة من القاموس مكتوبة في شهر ربيع الأول سنة 1043 هجرية في جلد واحد نحو ثلاثمائة ورقة. ولما أخذتُ تصحيح القاموس رأيتُ أن أراجعه على نسختي هذه، فراجعته جميعه عليها فوجدتها غاية في الصحة والدقة والضبط وليس فيها من الأغلاط إلا النادر، ويظهر أن ناسخها باللغة شديد التحري في نسخه، والنسخة مشكولة بالشكل الكامل، غير أني وجدت فيها
__________
(*) مجلة الزهراء، شعبان 1343 ه.
(1) كتب الشيخ أحمد شاكر هذا المقال يوم أن كان قاضيًا لمحكمة السنطة الشرعية.
(1/377)

نادرًا من الأغلاط وبعضًا من الاختلاف بينها وبين ما ذكر في كتاب التصحيح. مما يحتاج إلى بحث وتحقيق وليس عندي كتب كثيرة في اللغة الآن وأنا بالأقاليم ومكتبتنا بمصر.
وإن بعض التصحيحات صححها سعادة تيمور باشا بالبحث والاجتهاد لعدم ضبطها في النسخ التي بين يديه، فوجدتها مضبوطة على الصحة في نسختي؛ لذلك رأيتُ أن أكتب هذه المواضع في مجلتكم (الزهراء) راجيًا من سعادة الباشا أن يتفضل ببيان ما أشكل من ذلك:
(1) مادة (ش ع ب) "الشَّعوبيُّ قرية باليمن" وردت في النسخ التي اطلع عليها سعادته "بلا ضبط إلا أن الياء منقوطة وبه يتأنس في عدم القصر" وقد ضبطت في نسختي بفتح الشين وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة على الصواب.
(2) مادة (س م ت) "ومُسَمّتُ النعل" وردت في نسختي "ومُتَسَمَّتُ" فأيهما الصواب؟ (1)
__________
(1) قد تجاوب الأستاذ أحمد تيمور مع مقال الشيخ أحمد شاكر، فأجاب عليه في مجلة الزهراء عدد شوال 1343 ه بالمقال التالي:
حول تصحيح القاموس
أشكر لصديقي الأستاذ الجليل السيّد أحمد شاكر عنايته بما كتبته في تصحيح القاموس. ولم يقعدني عن الإجابة على ما تفضَّل بالسؤال عنه إلا ما اعتراني من المرض أخيرًا فأسأله المعذرة. وهذا ما ظهر لي فيما كتب:
في مادّة (س م ت) "ومُسمّت النعل" والذي في نسخة الأستاذ "ومتسمّت". =
(1/378)

(3) مادة (ب ر ث) "البَرْثُ الأرضُ السهلةُ أو الجَبَلُ من الرمل السهلَ" بنصب السهل والصواب جرّة وهو كذلك في نسختي. ولكن بدل (الجَبَل) بفتح الجيم والباء (الحبل) بالحاء المهملة وسكون الباء وفي ظني أنها أصح؛ لأن من معاني (الحَبلْ) الرمل المستطيل كما ذكره المصنف في مادة (ح ب ل) وليس الرمل من معاني الجبل بالجيم.
(4) مادة (ز ل ج) "نلاقي بها يوم الصبّاح عدونا" بالصاد المهملة والباء الموحدة وفي نسختنا تشبه أن تكون (الصياح) بالياء المثناة التحتية فأيهما الصواب؟
(5) مادة (غ م ل ج) "قارتا" بالتاء المثناة الفوقية: وردت في نسختنا على الصواب (قارئًا) بالهمزة.
__________
= وقد وجدته كذلك في النسخ المخطوطة التي عندي والنسختين الهنديّتين. وورد المسمّت في نسخ مصر وشرح القاموس وفي ترجمته إلى التركية لعاصم ولم يذكره اللسان ولا المخصّص في باب النعال ولم أقف فيه على نص لقدماء اللغويّين إلا أن الشيرازيّ وهو من علماء القرن الثالث عشر أورده في معيار اللغة بلفظ (متسمّت) ونصَّ على أنه اسم المكان من التفعّل فلعلّه وقف فيه على نصٍّ. وفي مادة (ب ر ث) "والجبل من الرمل" وفي نسخة الأستاذ "والحبل" بالمهملة ولا ريب في أنه الأصحّ وهو الوارد في النسخة طبع الميمنيّة بمصر. وفي مادّة (ز ل ج) "نلاقي بها يوم الصباح عدونا" وفي نسخة الأستاذ "الصياح" بالمثناة التحتيّة وقد وجدته كذلك في إحدى النسخ المخطوطة التي عندي والمتبادر أنه الأصح بأن يكون المراد يوم الغارة وصياح القوم بعضهم ببعض. والذي في سائر النسخ التي اطلعت عليها بالموحّدة. =
(1/379)

(6) مادة (ف ج ج) "وهو أقبح من الفجج" وردت في نسختي "وهو أقبح من الفج" وصحح سعادته أنها (الفحج) وأظن أن الصواب ما ذكره.
(7) مادة (ن ح ر) "كالنحيرة" وذكر أن صوابها (كالنحير) بدون تاء ووردت في نسختي (كالنحرة) بالتاء وبدون ياء بين الحاء والراء فأيهما أصح؟
(8) مادة (ق ر ع) "وبثر أبيض يخرج بالفصال ودواؤه الملح وحَباب ألبان الإبل" وذكر أن صوابه جُباب، بضم الجيم وقد ورد كذلك في نسختنا، ولكن فيها بدل (ودواؤه الملح) (وَدُوّارَةُ المَسْلَخِ) بضم الدال وتشديد الواو وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث و (المسلخ) بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام والخاء المعجمة. وهذا مما يحتاج لبحث وتحقيق لبيان أيهما الصواب.
(9) مادة (ب ق ق) "كالبقَاقة" بفتح القاف الأولى من غير تشديد
__________
= وفي مادّة (ن ح ر) "والنحيرة أول يوم من الشهر أو آخره أو آخر ليلة منه كالنحيرة" فذكرت أن الصواب "كالنحير" وفي نسخة الأستاذ "كالنحرة" ولم أجد أحدًا ذكرها فالصواب ما ذكرته اعتمادًا على ما في القاموس واللسان. وفي مادّة (ق ر ع) "وبثر أبيض يخرج بالفصال ودواؤه الملح" وفي نسخة الأستاذ "ودوّارة المسلخ" والصواب الأول لقول صاحب اللسان "فإذا لم يجدوا ملحًا نتفوا أوباره ونضحوا جلده بالماء ثم جرّوه على السبخة" أي أنهم يداوون القرَع بالملح وجباب ألبان الإبل فإن لم يجدوا ملحًا داووه بالصفة التي ذكرها.
وفي مادة (ب ق ق) "كالبَقاقة" بالتخفيف وفي نسخة الأستاذ بتشديد القاف =
(1/380)

ولكن في نسختنا بتشديدها فأيهما أصح؟
(10) مادة (ش ن ن) "والقربةُ اخلقت كاستثنّت" وذكر أن صوابها فيما يظهر (كاشتنّت) على افتعل ويحتمل أن يكون كأشنّت على أفعل وفي نسختنا (كاشتنّت) على افتعل فقد صار متعينًا أنه الصواب.
(11) مادة (وذن) "التودن الصرف والإعجاب" وصوابها التوذّن بالذال ولكن في نسختنا بدل (والإعجاب) (والإهاب) فأيهما أصح؟
(12) مادة (ح وو) "الحُوَّة بالضم سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى سواد" وفي نسختنا "سواد إلى الحمرة أو حمرة إلى سواد" فأيهما الصواب؟
* * *
__________
= وقد ضبط في اللسان بلا تشديد وذكر أنَّ الهاء فيه للمبالغة والظاهر أن كليهما صحيح أخذًا من قول ابن الأثير في النهاية "يقال رجل لقّاق بقّاق ولقاق بقاق إذا كان كثير الكلام" أي بالتخفيف والتشديد. ونصَّ صاحب معيار اللغة على التخفيف فقط فضبط البقاق والبقاقة للرجل الكثير الكلام كسحاب وسحابة. وفي مادّة (وذن) "التوذّن الصرف والإعجاب" وفي نسخة الأستاذ (والإهاب) ومعنى الإهاب الجلد أو ما لم يدبغ منه وهو بعيد عما هنا والذي في اللسان الإعجاب أيضًا ويؤيده قول معيار اللغة "تؤذّنه عنه على تفعل صرفه وفلانًا أعجبه".
وفي مادّة (ح وو) الحوّة بالضمّ سواد إلى الخضرة أو حمرة إلى سواد" وفي نسخة الأستاذ "سواد إلى حمرة أو حمرة إلى سواد" والظاهر أن الصواب الأول ويؤيّده قول اللسان "الحوّة سواد إلى الخضرة، وقيل: حمرة تضرب إلى السواد" ومثله في معيار اللغة، والله أعلم.
(1/381)

ابن محيصن (*)
قرأتُ في "الزهراء" الغراء م 5 ج 5 ص 355 في مقال الأخ الأستاذ السيد محمد راغب الطباخ بشأن خط البغدادي ومؤلفاته أن له رسالة في 19 ورقة في توجيه قراءة ابن محيض في الاستبرق وتحقيق كونها معربة، وكتب فيها اسم القارئ ابن "محيض" بالضاد المعجمة في آخره وأنا أوقن أن هذا خطأ مطبعي وقع سهوًا ولكني أحببتُ التنبيه عليه لئلا يلتبس على بعض إخواننا قارئي المجلة إذا لم يكن سبق لهم معرفة هذا الاسم، وصحته "ابن محيصن" بضم الميم وفتح الحاء المهملة وإسكان الياء وكسر الصاد المهملة وفي آخره نون هكذا ضبطه الحافظ الذهبي في المشتبه والحافظ ابن حجر في التقريب والعلامة الزبيدي في شرح القاموس، وقد وقع خطأ مطبعي آخر في اسمه في كتاب "اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر" للبناء ص 4 طبع المطبعة الميمنية فذكر فيه باسم "ابن محيصين" بزيادة ياء ثانية بين الصاد والنون. ووقع فيه هذا الخطأ مرارًا.
وابن محيصن هو: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي أبو حفص قارئ أهل مكة، وقد اختلف في اسمه فقيل محمد بن عبد الرحمن - وهو الذي حكاه صاحب "اتحاف فضلاء البشر" -
__________
(*) مجلة الزهراء، الجزء السادس، المجلد الخامس.
(1/382)

وقيل عبد الله بن عبد الرحمن؛ أخذ القراءة عن مجاهد، وروى الحديث عن أبيه وصفية بنت شيبة وغيرهما، روى عنه ابن جريج وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم، روى له مسلم والترمذي والنسائي حديثًا واحدًا؛ قال الذهبي في الميزان: "ما علمت به بأسًا في الحديث ... ولكن ليس هو بعمدة في القراءات" (ج 2 ص 265) وقال شيخه مجاهد: "ابن محيصن يبني ويرص" يعني أنه عالم بالعربية والأثر (تهذيب 7: 474) ومع فضله وعلمه بالقراءة والعربية لم يذكره ياقوت في "معجم الأدباء" ولا السيوطي في "بغية الوعاة". مات ابن محيصن سنة 123 رحمه الله وقراءته التي ألف من أجلها البغدادي رسالته هي أنه قرأ "إستبرق" - وأصلها بكسر الهمزة وإسكان السين وفتح التاء وإسكان الباء وبالتنوين، في القراءات المشهورة عن جمهور القراء - قرأها "استبرقَ" بوصل الألف وفتح القاف، على صيغة الفعل الماضي، وفهم ابن جني أنه اسم منعه القارئ من الصرف فقال: "وهذا سهو أو كالسهو" ورد عليه أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (6: 122) بأنه "جعله فعلًا ماضيًا على وزن استفعل من البريق ويكون استفعل فيه موافقًا للمجرد الذي هو برق كما تقول قد "استقر" وانظر تفصيل الكلام في هذا البحر المحيط وانظر لسان العرب في مادتي "استبرق" و"برق".
* * *
(1/383)

بين أحمد شاكر وحامد الفقي
1 - بيني وبين الشيخ حامد الفقي
2 - حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي
3 - مقال الشيخ حامد الفقي:
أبرأ إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه
4 - التعقيب على مقاله
5 - بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر
6 - تعقيب أحمد شاكر
(1/385)

بيني وبين الشيخ حامد الفقي (*)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعينَ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فما كنتُ لأوَدَّ أن أقفَ من صديقي القديم الشيخ محمد حامد الفقي هذا الموقفَ، ولكنه أبَى إلَّا أن يُدَمِرّ صداقةً عاشتْ على الدهر قرابةَ نصف قرن، ولكنه سَئِمها فدمَّرها تدميرًا.
وليستْ فعلتُه هذه بأوّل ما فعل، ولكنها خاتمتَه التي اختارها وعمل لها بضعَ سنين إن لم يكن أكثر، ونحن لا ندري.
ولستُ أظنّ بصديقي القديم - وهو قويّ الذاكرة، حافظٌ للأحداث - أن ينسى ما فعل ويفعل، أو ينسى ما خطَّتْه يمينهُ مما لا نريد كشف الغطاء عنه.
وقد اعتدنا طول حياتنا الأخوية أن نختلف في الرأي، وأن يطول بيننا الخلافُ والجدال، فلا يُغضب أحدًا منّا خلافُ الآخر إياه، واعتدنا أن ينقدَ أحدُنا الآخرَ أشدَّ النقد، فلا يظهرَ لهذا النقد أثرٌ فيما
__________
(*) مجلة الهدي النبوي العدد 11، 12 ذي القعدة وذي الحجة 1374 ه.
(1/387)

بيننا، ولكنَّ الصديق القديم اختطَّ لنفسه منذُ سنين، خطةَ الاستعلاء والطغيان العلمي؛ بما اعتَقَد في نفسه أنه أعلمُ الناس في هذا العصر، كما صارحني بذلك حتى لقد صارحتهُ حينذاك بأن لا أجادله في العلم، لئلا أؤرِّثَ حقده الذي بَدا، ولا أثير طغيانه الذي اتخذه لنفسه سبيلًا.
ولكن كان يَغْلبُني الفينة بعد الفينة ما دَرَجْنا عليه عمرًا طويلًا، فأناقشُه في شيء من العلم، ثم أستدركُ خطئي وأسكتُ.
فكان آخرُ ذلك أن قرأتُ في مجلة (الهدي النبوي) في عدد (شهري رجب وشعبان سنة 1374) تعليقًا له على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فهمتُ من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك فكبُر علىّ الأمر، ولم أجد مناصًا من وضع الحق في نصابه، وتبرئةِ شيخ الإسلام - رحمه الله - من هذه التهمة، ومحاولةِ تبرئة الصديق القديم من أن يَرْمِي إلى هذا أو يَقصدَ إليه، ووضعتُ بين يديه فرصةً يَهْتَبِلُها، لتأويل ما أفلتَ من قلمه من الباطل، أو للاعتراف بالخطأ صراحةً والرجوع عنه علنًا، وإن لم يكن لي في ذلك أمل، فأنا أعرف صديقي، فكتبتُ مقالًا يوم الثلاثاء 3 رمضان سنة 1374، وأرسلتُه إليه بالبريد المسجّل، لما يشقّ علي من كثرة الحركة في رمضان، مع ارتفاع سنّي وضعف صحتي.
وكان أكثر ما أخشاه أن يطويَ المقال فلا ينشره في المجلة؛ لما
(1/388)

أعرفُه من خُلُقه، فحاولتُ الاتّصال به تلفونيًّا في منزله وفي مقرّ (جماعة أنصار السنة المحمدية) مرارًا، فلم أوفَّق، فحدثتُ صديقًا لي وله - كريمًا - في هذا الشأن، ورجوتُه أن ينصحه بنشر المقال والتعقيب عليه بما شاء. ثم زارني هذا الصديقُ الكريم، في رفقة من إخواننا مساء الخميس 20 رمضان فأخبرني أنه استطاع هذا اليوم الاتصال بالشيخ حامد، وحدَّثه بشأن المقال، فأنكر له أنه ورد إليه. فعجبتُ وسكتُّ. ثم جاء الصديق القديم الشيخ حامد مصادفةً ونحن بالمجلس، فلم أستحسنْ أن أتحدّث إليه في ذلك على ملإٍ من الحاضرين، ولكنّي حدّثته بشأنه منفردَين عند عزمه على الانصراف، فكان حديثًا عجبًا:
لم أخبره بما قال الصديق الكريم لئلا أُحْرِجَه، بل سألتُه عن المقال ونيّتِه فيه، فقال: ولماذا تهتمّ به وتريد نشره؟ وفهمتُ منه أنه لا يريد نشره، فأفهمتُه وجهةَ نظري: أني أرمي بذلك إلى تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية من شبهة تظهر من كلامه (أعني كلام الشيخ حامد). فقال لي، وهو يحاورني: "ابن تيمية بتاعي قبلك"! فأجبتُه بأن ابن تيمية ليس خاصًّا بي ولا بك، بل هو لجميع المسلمين. وتحاوَرْنا قليلًا نحوَ هذا المعنى، ثم سكتُّ - كعادتي معه - إذْ لم أجد فائدةً من الكلام، واستيقنتُ حينئذ أنه سيطوي المقال، وأنه غيرُ ناشِرِه، فلم أحّرِكْ ساكنًا بعد ذلك، حتى أرى عاقبةَ أمره.
ولم أعجب من إنكاره للصديق الكريم وصولَ مقالي إليه - صَدْرَ
(1/389)

النهار، واعترافِه لي ضمنَ كلامه - مساء اليوم نفسه! فإن الحقائقَ عند الصديق القديم تتغيَّر بتغيُّر المتحدَّث إليه، وأنا أعرف صديقي.
وكان من المصادفات التي لم يكن لي يَدٌ فيها: أنْ وصل إليّ يومَ الأربعاء 11 رمضان سنة 1374 كتابٌ طبع حديثًا، فيه أربع رسائل، ثلاث منها تأليف عالم فاضل من إخواننا علماء الحجاز السلفيّين، هو (الشيخ محمد سلطان المعصومي الخجندي)، حفظه الله. والرابعة من تأليف (الشيخ محمود شويل) رحمه الله. كلها في الردّ على الشيخ حامد الفقي.
وهي: (تنبيه النبلاء من العلماء إلى قول حامد الفقي: إن الملائكة غير عقلاء). و (القول الفصل، في حقيقة سجود الملائكة واتصافهم بالعقل)، وهذه للشيخ محمود شويل. و (الرد الوفي على تعليقات حامد الفقي). و (نغمة جديدة من رئيس أنصار السنة المحمدية).
فحين جاءني هذا الكتاب وقرأتُه تأكَّد مصيرُ مقالي عنده؛ فإن الصدبق القديم بعيدُ النظر في مثل هذه الشؤون، لا يأمنُ لأحدٍ من إخوانه، ولا يثقُ بصدق أحدٍ ولا بصداقته، يغلبُه سوءُ الظنّ بالناس، حتى بأقرب الناس إليه. ففهمتُ أنه سيربط بين مقالي وبين هذا الكتاب برباط وثيق، ويعتبرهما جزءًا من مؤامرةٍ يَنْسِجُ شباكَها (المعوِّقون الذين يُلْقُون في طريقه الغُبار والأشواك، كما يقول، وعلمتُ أني مهما أفعلْ لأَنْفَيَ العلاقة بين مقالي وبين الكتاب - ومع
(1/390)

معرفته بخُلُقي، ويقينه من نُفُوري من المؤامرات والدسائس - فما ذلك بنافِعي عندَه، ولا بمُبْرِئِي من سوء ظنّه. وأنا أعرف صديقي. فلم أقل شيئًا، ولم أحرّك ساكنًا، حتى أستبينَ عاقبةَ أمرِه.
ثم جاءني بالبريد، العددُ التالي من مجلة (الهدي النبوي) - عدد رمضان وشوال سنة 1374 - فتحقّق ما استيقنْتُ من قبل: طوى مقالي فلم ينشره، ولم يؤدّ الأمانة التي اؤتُمن عليها. ووجدتُ بدلًا منها مقالًا بقلمه، يبرأ فيه من رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، وحسنًا فعل. وليته اكتفى بهذا فسَتَرَ نفسَه! ولكنه ذهب يتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة، بطريقةٍ عجيبة، تثبت عليه الذي يتبرأ منه، والذي كنّا نحسن الظن به فنفهم أنه لم يقصد إليه، وأنه إنما أَفْلَتَ منه عن تعجُّل كعادته. ثم ملأ مقاله بمدح نفسه، بما الله أعلم بحقيقته منه. وختَمه بالغمز واللمز كعهدنا به، ولم يذكر اسمي في مقاله، ترفُّعًا منه واستكبارًا.
فرأيتُ أن أضعَ الحقَّ موضعَه، وأن أؤدّيَ الأمانةَ التي اؤتمنتُ عليها، ولم أجد من اللائق بي وبه، أن ألجأ إلى صحيفة أخرى غير مجلته، ووجدتُ أنّ خير ما أعمل، أن أنشر على الناس هذا الكتاب، أُثْبِتُ فيه مقالي كاملًا، ومقالَه كلَّه، غيرَ مُخْفٍ منهما حرفًا واحدًا، ثم أعقّبَ على مقاله فيما يتصل بالمعنى العلمي، معرضًا عن اللغو، وعمّا اجترأ عليه من الغمز واللمز؛ فما كان ذلك لينصر رأيًا، أو يُقيمَ حجّةً على أحد، وما كان ذلك من شأن أهل العلم.
(1/391)

وسيقرأ كتابي هذا إخوانُنا السَّلفيون، أنصارُ السنة، وغيرُهم من أهل العلم، في مصر وفي غير مصر - إن شاء الله - وسيكون رأيُهم الفيصلَ، وقولهم الحَكَم، فيما بيني وبينه.
والله يَهدينا جميعًا إلى سواء الصراط،
الإثنين، 8 شوال، سنة 1374 - 30 مايو، سنة 1955.
كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه
* * *
(1/392)

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة ورئيس تحرير مجلة (الهدي النبوي)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
تزامَلْنا وتآخَيْنا منذُ أكثر من خمسٍ وأربعين سنةً، لله وفي سبيل الله. نَصْدُر عن رأي واحد، وعقيدةٍ سليمة صافية، في الاستمساك بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا نحيد عنهما ما استطعْنا، وفي نُصرة العقيدة السَّلَفية، والذبّ عنها ما وَسِعَنَا ذلك. لم يَصْرفنا عما قُمْنا له وبه، واضطلعنا بالذبّ عنه، ما لَقينا وما نَلْقَى من أذًى أو عَنَت. ولعلنا - فيما قمنا به معًا - من أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في بلادنا هذه، وما أريدُ بهذا فخرًا بعملي ولا بعملك، فما كنّا نعمل إلَّا لله.
وكان من أعظم المصادر العلمّية التي استضأنا بنُورها - بعدَ الكتاب الكريم والسنة المطهرة - كتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام الحافظ ابن القيم، ثم كتب شيخ الإسلام (مجدّد القرن الثاني عشر) محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله جميعًا.
وكان مما قرأنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وما كتَب الناسُ حولَه، من مؤيدّيه وأتباعه، ومن خَصْمه وأعدَائه - أَنْ وجدناه رجلًا مكذوبًا عليه، يَفْتَرِى عليه عدوُّه الفِرَى، ويرمونه بالأكاذيب، ويقوّلونَه
(1/393)

ما لم يَقُلْ، وينسبون إليه ما لم يفعل، بعامل العصبية الجامحة، والحقد الذي ملأَ قلوبهم، مما يطول شرحُه أو تفصيله، ولعلك أعلمُ به منّى، بل أنا أثقُ بذلك.
ولكنّى - فيما قرأتُ، وما أكثرَ ما قرأتُ - لم أجد واحدًا من الناسِ، متقدّميهم ومتأخرّيهم، رَمَى شيخ الإسلام بالكذب فيما يَحْكِى أو يَنْقُل، أو بالوَهم والتخيُّل فيما يَرَى ويَسْمع ويقول. وأعتقد أنك لم تَقَعْ على شيء من ذلك أبدًا، فلقد أخذت مني الدهشة مأخذها - إذَنْ - حين قرأت في مجلة (الهدي النبوي)، في عدد شهريْ رجب وشعبان من المجلد 19 سنة 1374، في ص 31، أثناء فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، (في الردّ والإنكار على طوائف من الضُّلال) تعليقك على كلام الإمام شيخ الإسلام، حين يقول:
(وأما كونُه لم يتبيَّن له كيفيةُ الجِنّ ومقاماتُهم، فهذا ليس فيه إلا إخبارُه بعدم علمه، لم ينكرْ وجودَهم. إذْ وجودُهم ثابتٌ بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة، فإن من الناس مَنْ رآهم، ومنهم مَنْ رآى من رآهم، وثبت ذلك عندهم بالخبر اليقين، وفي الناس من كلَّمهم وكلَّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرَّف فيهم، وهذا يكون للصالحين ولغير الصالحين، ولو ذكرتُ ما جَرَى لي ولأصحابي معهم لطال الخطابُ. وكذلك ما جرى لغيرنا).
أدهشني أكبرَ الدهشة، وأنكرتُ أشدَّ الإنكار - تعليقكم في هامش الفتوى، عند قوله (ويتصرّف فيهم)، بما نصه: "ليس ثَمَّ دليل
(1/394)

على صدق أولئك المُخْبِرين، ولعل أكثرَهم كان واهمًا ومُتَخَيِّلًا. وقد قال الله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].
فأول ما آخذُه على قولتك هذه، أنها رميٌ صريح لشيخ الإسلام بالكذب والافتراء! أو على الأقل بالغفلة والغباء! ! فإن تراه يزعم أنّ "من الناس من رآهم" و"من الناس من كلَّمهم وكلّموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم" ثم يقول: "ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب". وليس لهذا الكلام معنى في لغة العرب إلا أن شيخ الإسلام - رحمه الله - كان له مع الجِنّ شيء ممّا حكاه: إمَّا أنه رآهم، وإما أنه كلمهم وكلموه، وإما أنه "يأمرهم وينهاهم ويتصرّف فيهم". فإذا عقَّبْتَ أنت على هذا القول بأنه "ليس ثَمَّ دليلٌ على صدق أولئك المخبرين" لم يكن معناه إلا أنّ هذا الذي حكاه شيخُ الإسلام لم يَقَعْ منه شيءٌ؛ لأنه ليس هناك دليل - عندك - على صدق المخبرين "ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"! ! وهؤلاء المخبرون: شيخ الإسلام، فيما زَعَمَ أنه جَرَى له، وغيرُه الذين لم يُسمِّهم "من أصحابه"، وليس لنا شأنٌ بمن لم يُسَمِّه هو من أصحابه، وإن كنّا موقنين من توثقه وتحريه فيما يحكي عنهم ولو إجمالًا، إنما الشأن فيما حكاه هو عن نفسه! !
وأُعيذُك بالله من أن تقصد إلى رمي شيخ الإسلام - عن عَمْدٍ - بما يُفهم من قولك، إذا فُهم بدلالة لسان العرب. وأقصى ما أستطيعُ من حمل كلامك على أحسن محامِله، بحسن الظن بك - أنك رأيت
(1/395)

رأيًا رسخ في قلبك، وغَلَبَك رأيُك فلم تستطعْ له دفعًا، فجرى به قلمُك حين رأيتَ القول بأنّ "من الناس ... ومن الناس ... "، فكتبتَ تعليقك عندَه، قبل أن تقرأ ما جاء بعده، من أن شيخ الإسلام يثبتُ شيئًا كثيرًا من ذلك جَرَى له ولأصحابه مع الجنّ، بل لعلك حين هَدَأتْ نفسُك، واستراح قلبُك بما خَرَج منه، لم تقرأ آخر الكلام، أو قرأتَه غير عابئٍ به، ولا مُلْقٍ له بالًا، ولا مُتَعَمّقٍ فيما وراءه من معنًى ولستُ أدري أيقومُ هذا الاعتذارُ أم ينهار؟ إنما هذا هو الذي صنعتْ يدُك.
* * *

ثم أكثرُ من هذا وأشدُّ خطرًا: أنّ إنكارَك ما أنكرتَ، فيه إنكارٌ لكثير مما ثبت بالسنّة الصحيحة، التي عِشْنَا عُمُرَنا نَدْفَعُ عنها، ونردُّ على منكريها، ونعيبُ متأوّليهما بما يُخرج الكلام عن معناه الصحيح، ولعلك تذكر من هذا الشيء الكثير.
ولستُ الآن بصدد تحقيق الأحاديث الثابتة، في رؤية بعضِ الصحابة - رضوان الله عليهم - للجنّ، وتصديق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، فيما حَكَوا عمّا رَأوْا، فأنا أثق أنك قرأت من ذلك ما قرأت أو أكثر منه، وأنك عرفته حقَّ المعرفة، وإنما يكفي من ذلك الإشارة:
فحديث أبي هريرة في صحيح البخاري (4: 396 - 398 من فتح الباري) - فيه قصتُه مع الجنّي الذي كان يأخذُ مما كُلِّف أبو هريرة بحفظه من زكاة رمضان، وأخذه إياه، ثم إنه خلى عنه حين أبدى له
(1/396)

حاجة عياله، وقولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: "أما إنه قد كَذَبك، وسيعودُ" ... فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال له الجنّي: "دَعْني أُعَلِّمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها"، ثم علَّمه أن يقرأ آية الكرسي، وأنه لن يزالَ عليه من الله حافظٌ ولا يقربه شيطانٌ، حتى يُصْبِح. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: "أمَا إنه صَدَقَك، وهو كَذُوبٌ. تَعْلَمُ من تخاطبُ مُذْ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال: ذاك شيطان". وهذا حديث صحيح صريح، لا يحتمل تأويلًا، إلا تأويلَ أهل الأهواء، ممَّن لا يأخذون بالسنة الصحيحة، أو بعبارة صريحةٍ مطابقة لحالهم: "من الذين لا يؤمنون بالغَيْب". وأعيذُك بالله أن تَميل إليهم، أو تأخذ مأْخَذَهم.
وقد أثبت الحافظُ في ذلك الموضع كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى، ثم عَرَض للاحتجاج بالآية التي تأَوَّلْتَها على غير وجهها - فيما كتبتَ - فذَكَر أن قوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}. "مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها". وهو تفسير لا بأس به عندي، وأجودُ منه أن يكونَ قولُه تعالى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}. خاصًّا بحالةٍ أو ناحية لا نراهم منها، بدلالة كلمة "من حيثُ"، وأنّ هذا لا ينفي رؤيتهم من نواحي أُخَر.
وأقوى من هذا دلالةً - فيما أرى -: أن الجنّ لم يكونوا، ولن يكونوا أرقى من الملائكة ولا أعظم خلقًا منهم، ورؤية الناس للملائكة ثابتةٌ ثبوت القطع الذي لا شك فيه، حين يتشكَّلون على
(1/397)

صورةٍ تستطاع رؤيتهم بها، ويكفي من هذا حديث جبريل، في سؤالاته عن الإسلام والإيمان والإحسان، الثابت في دواوين الإسلام، والذي لا يَشُكُّ في صحته ولا ثبوته أحدٌ يؤمن بالغيب.
وبعدُ: فهذه كلمة عابرة، لإزالةِ شبهةٍ عنك أولًا، وعن أهل العلم بالحديث ثانيًا، أمّا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فإنه أرفع منزلةً عندي وعندك من أن يصل إليه تكذيبٌ أو شكٌ في صدقه فيما يَحْكي أو ينقل، وأنت أولُ من يوافق على ذلك، إن شاء الله.
فآمل منك - إحقاقًا للحق، ورفعًا للشبهة، أن تنشرَ كلمتي هذه كاملةً بنصها، ثم كلُّ الحقّ أن تعلّق عليها أو تَرُدّ بما تشاء. والله سبحانه يتولانا جميعًا بهدايته وتوفيقه.
مساء الثلاثاء 3 رمضان سنة 1374 - 26 أبريل سنة 1955.
أحمد محمد شاكر
* * *
(1/398)

مقال الشيخ حامد الفقي بنصه حرفيًّا:

أبرأ إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه
لست أدري كيف تطرق على ذهن بعض الإخوان اتهامي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب من تعليقتي في الهدي (عددي رجب وشعبان) التي أقول فيها: "ليس ثَمَّ دليل على صدق أولئك المخبرين". أي؛ ليس ثم دليل من الكتاب والسنة يعتمد عليه في هذه الأمور الغيبية، ونفي الدليل على وقوع ما يذكره الناس من رؤيتهم للجن، لا يعطى مطلقًا رمي شيخ الإسلام بالكذب - حاشاه وبرأه الله - وما كنت أتصور مطلقًا أن يحملها حامل على أني أرمي شيخ الإسلام بالكذب، فهي والله عندي جدُّ عجيبة، ولكني قصدت إلى أن أقطع على الدجالين سبيل اتخاذهم لما يحكى من ذلك حجة لهم على ما يدجلون به على الدهماء، ويستغلونهم به أسوأ استغلال، كما هو شائع قد ابتلى به أكثر العوام وأشباههم، فاستولت عليهم الأوهام والخرافات حتى فسد تفكيرهم، وفسدت نظرتهم إلى كل شأن في الحياة، وترتب على ذلك ما أصيبوا به في هذه الأعصر من التأخر في ميادين الحياة العملية، وانحلال الأخلاق، ووهن العزائم.
وكيف يتوهم متوهم في حامد الفقي الذي وقف حياته على نشر علوم ابن تيمية، وتخصص فيها من يوم أن كان اسم ابن تيمية لا يذكر
(1/399)

إلَّا مقرونًا باللعنة على ألسنة الوثنيين الجاهلين، وما زلت - بحمد الله أصبر على ما ينالني من أذى - حتى أقبل الناس اليوم على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية يقدرونها قدرها، وينتفعون بها ويحرصون عليها. ولقد نفعني الله بكتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم نفعًا أعده من أجل نعم الله عليّ، ومن أشد وآكد وصاياي لإخواني أنصار السنة: أن من لم يتضلع من كتب الشيخين، لا يمكن أن يكون سلفيًّا بالمعنى الصحيح، ولكني أحمد الله وأدعو لشيخ الإسلام دائمًا بالمغفرة والرضوان، وأضعه من نفسي أجل موضع: أن تعلمت منه مقت التقليد أشد مقت، لما يفضي إليه - كما عرفت من شيخ الإسلام ابن تيمية - إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع، فلست أقلد ابن تيمية ولا ابن القيم ولا غيرهما، ولا أتخذهم أربابًا من دون الله، بل العلماء عندي بشر يخطؤون ويصيبون.
ونفي صدق الدليل الشرعي: أقصد منه خطأ من يثبت تيسر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية؛ فإن "الجن" بلا شك من عالم الغيب الذي نؤمن به، على ما صح وثبت عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا نزيد بعقلنا ولا بعقل غيرنا، فحديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة نؤمن به أصدق الإيمان، ونعتقد أنه ليس عامًّا بالنسبة إلى كل الناس، وفي جميع الأوقات، فهو كحادثة الجريدة التي شقها الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصفين، ووضع كل واحد من شقيها على قبر من القبرين اللذين كان يعذب أصحابهما وقال: "إن الله يخفف عنهما ما لم ييبسا". أو كما قال. فهي حادثة خاصة، لا تعطي حكمًا عامًّا أبدًا. وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي - رحمه الله - عن
(1/400)

الربيع بن سليمان أنه سمع الشافعي يقول "من زعم أنه يرى الجن رددنا شهادته، إلّا أن يكون نبيًّا". وراجع تفسير المنار لقول الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].
ومن قديم عودني ربي سبحانه، وله الحمد، على أن أمضي في طريقي ذاهبًا إلى ربي ليهديني، لا أعبأ بما يحاول المعوقون أن يلقوا في طريقي من غبار، أو أشواك، وأن يوهنوا من دعوتي بأنها شذوذ، وتشديد في أمور سهلة، هي التوسل بالأولياء، وترك لما هو أهم، وغير ذلك، فما كان - ولا يزال - يقعقع به المعوقون. فاليوم - وقد قطعت مع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وإخوانهما من السلفيين القدامى، رضي الله عنهم، نصف قرن - لا يهمني أن يقعقع حولي بهذه الشنان، فليرح نفسه من يحاول ذلك، ويذهب متتبعًا سقطات، فأين كان يوم نقدت ابن تيمية في رسالة العبودية، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم، وغيرها مما علقت عليه، وأعوذ بالله، وأعيذ إخواني بالله، أن أكون أو يكونوا من الذين يصدرون عن هوى أو شبهة، أو مقاصد لا تتفق وهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربنا لا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا.
غفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ورضي الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ما أحببته بقدر ما نفعني الله بعلمه وفقهه، فكان حبه سببًا في شديد أذًى صبرت عليه، بفضل الله وتوفيقه، حتى كانت العاقبة الحسنى، وجمعنا الله وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
(1/401)

التعقيب على مقاله
وقد بدأ الشيخ مقالَه بالبراءة إلى الله من سوء الظنّ بشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ذكر أن تعليقَه الذي أخذناه عليه "لا يعطى مطلقًا رَمْي شيخ الإسلام بالكذب، حاشاه وبرّأه الله".
أما سوءُ الظن بشيخ الإسلام، فما نسبناه إليه قَطُّ، ولا نستطيعُه؛ لأنه من أفعال القلوب، التي لا يطَّلع على حقائقها إلَّا الله تعالى، الذي يعلم ما تكن الأنْفُسُ وما تُخْفِى القلوبُ.
وإنما الكلام فيما يدلُّ عليه تعليقُه - أو يُوهِم - أنه نسبةُ الكذب على شيخ الإسلام، حاشاه الله وبرّأه منه. وإنما الكلام فيما حاوَلْنا أن نبرئ الصديق القديم مما يوهم كلامُه، ورجَوْنا أن يَبْرَأَ منه براءةً صحيحة واضحة صريحة، فأبَى.
وهذا من مواقف الرجال، التي لا يصلح فيها التأوُّلُ ولا الالتواءُ: فإما نفيٌ لما يوهمه الكلامُ نفيًا قاطعًا واعترافٌ بالخطأ في التعبير، وإما التزامٌ لما يقتضيه معنى الكلام، ثم الثبات عليه، أيًّا كانت العواقب، أما التأرجحُ بين النفي والإثبات، وأما المحاورةُ والمداورةُ، فلا تزيد الأمرَ إلَّا شَنَاعةً.
لقد حكى شيخ الإسلام أنّ من الناس من رأى الجنّ، ومن رأى
(1/402)

من رآهم، ومن الناس من كلّمهم وكلّموه، ثم قال بعد ذلك: "ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم [أي مع الجنّ، ببداهة السياق]، لطال الخطاب". وهذا كلام ليس له معنًى في لغة العرب إلَّا أنّ شيخ الإسلام يحكي أنه جَرَى له نفسه شيء من هذا، كما قلتُ لك في مقالي، فإذا جئتَ أنت وعلَّقْتَ على هذا القول بأنه "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين" - الذين منهم شيخ الإسلام، بدلالة صريح الكلام - ألا يُوقع هذا القولُ منك في وَهْم القارئ أن هذا القائل الذي يدعي أنه "جَرَى له" شيء من هذا مع الجنّ - لمْ يَكُ صادقًا، أو على الأقل أنه لم يكن متحريًا للصدق؟ ! ومع هذا فإني برّأتُك بالقول الصريح "من أن تقصد إلى رَمْيِ شيخ الإسلام - عن عَمْدٍ - بما يُفْهم من قولك"!
* * *

وأنا أثقُ كل الثقة، أنك لا تستطيع رميَ شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب والافتراء، ولا تَعمد إلى ذلك قطّ - على كثرة ما يَجْري على لسانك وعلى قلمك من الطعن في الأئمة والعلماء، ورميهم بالكذب والافتراء - لسبب واحد أعرفُه وتعرفُه: وهو أن لشيخ الإسلام ابن تيمية مَنْ يَغْضَبُ له، ويَقْلي شانئيه ومبغضيه، وأنت أحرصُ من أن تقف هذا الموقف، وخاصةً أنْ كنتَ في أول أمرك من مُحِبيه ومُعَظِّميه، وأنا أعرف صاحبي، يا صاحبي.
ولكنك أفلتَتْ منك كلمةٌ عابرةٌ، غَفَلْتَ عن مرماها وما وراءها،
(1/403)

فحين كشفتُ لك غطاءها، ووقَفْتُك على ما وراءها، ثارتْ ثائرتُك، وكبر عليك أن يُكْشَفَ الستارُ عما تُجِنُّ نفسُك، فاندفعتَ - كعادتك - غير متبصرٍ عاقبةَ أمرك، ولا ناظرٍ إلى ما تحت قدميك، وقد نصحتُك فكبُر عليك النصح، وحذَّرتُك - إبقاء عليك - فأسأتَ الظنَ بي، كعادتك مع إخوانك، فسقطتَ في الحفرة بين قدمَيْك، وكنتُ من هذا أخشى عليك.
إنك - في دفاعك المُنْهارِ - تفسر كلمتك "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين" بقولك في صدر مقالك: "أي ليس ثم دليل من الكتاب والسنة يعتمد عليه في هذه الأمور الغيبية، ونفيُ الدليل على وقوع ما يذكره الناس من رؤيتهم للجنّ، لا يعطى مطلقًا رمي شيخ الإسلام بالكذب - حاشاه وبرأه الله - وما كنتُ أتصور مطلقًا أن يحملها حامل على أني أرمي شيخ الإسلام بالكذب، فهي والله عندي عجيبة جدُّ عجيبة". ثم بقولك في وسط مقالك: "ونفي صدق الدليل الشرعي: أقصد منه خطأ من يثبت تيسُّر رؤية الجنّ كرؤية المرئيات العادية. فإن الجنّ بلا شك من عالم الغيب الذي نؤمن به، على ما صح وثبت عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا نَزِيد بعقلنا ولا بعقل غيرنا"! !
* * *

أين يُذْهَب بك أيها الرجل؟ ! أنحن بصدد إثبات حكم شرعي نتطلَّب الدليل عليه من الكتاب والسنة؟ أم نحن بصدد واقعةٍ أو وقائع معيَّنةٍ، وقعتْ بعد انقضاء الوحي بأكثر من سبعمائة سنة، في عصر
(1/404)

شيخ الإسلام؟ ألا تعرف - وأنت الرجل الذكي العالم - الفرقَ بين الأحكام والقواعد واستنباطها، وبين الوقائع المعيَّنة وثبوتها؟ !
وسأُعَلِّمُك:
لو كان كلامُ شيخ الإسلام مقرَّرًا لوجود الجنّ فقط، لطالبَه مُنَاظِره أو مُجادِله بالدليل على ذلك من الكتاب والسنة، وهذا هو الحكمُ الذي يُطْلَب من أجل إثباته دليلٌ منصوص من الكتاب والسنة، أو دليل مستنبط منهما، ولكنّ شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن هذا ليس موضعَ الردّ على المردود عليه.
فإنه يقول بالحرف الواحد: "وأمّا كونُه لم يتبيَّنْ له كيفيةُ الجنّ ومقاماتُهم، فهذا ليس فيه إلا إخباره بعدم علمه، لم ينكر وجودهم". فهذا هو الحكمُ بوجود الجنّ: لمَ ينسب شيخُ الإسلام للرجل المردود عليه أنه ينكر وجودهم، حتى يقيم عليه الدلائل من الكتاب والسنة، بل أثبت لخصمه أنه "لم ينكر وجودهم"، ولذلك لم يكتب له في هذا الموضع الدلائل من الكتاب والسنة؛ لأن وجودهم - عن هذه الدلائل - ليس موضعَ الخلاف والردّ على ذاك الرجل.
وقد فهم شيخُ الإسلام من كلام الرجل المردود عليه، أنه ليس فيه إلَّا إخبارُه بعدم علمه بكيفية الجنّ ومقاماتهم، فأراد أن يَحُجَّه بالحال المشاهدة عندَ بعض الناس، ومنهم شيخ الإسلام نفسُه. فقال: "إذْ وجودهم ثابتٌ بطرق كثيرة، غير دلالة الكتاب والسنة؛ فإن من الناس مَنْ رآهم ... ومن الناس من كلَّمهم وكلَّموه ... ولو
(1/405)

ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابي معهم لطال الخطاب".
وهذا كلامُ الرجل العالم الفاقِه لما يقول، الواثق من نفسه ومن صدقه، ومن تصديق خصمه له إذا حَكَى ما رأى بعينه وسمع بأذنه. إذْ هو يعلم أنه لا يُدْفَع عن الصدق فيما يقول عما شهده، ولا عن الصدق فيما يَنْقل من العلم، ويعلم أن أحدًا من خصمه لم يَنْبِزْه بالكذب قطّ.
فهذه واقعة - في رؤية شيخ الإسلام للجنّ وكلامه معهم - وقعتْ بعد انقطاع الوحي بأكثر من سبعمائة سنة، فليس لسامعها إلَّا إحدى اثنتين: أن يصدِّقَ راويَها الذي يدَّعي أنها وقعتْ له، بما يعرفه من صدق لهجته، ومن عدالته وأمانته، ومن أنه أهل للشهادة تُقبل شهادتُه، ولا يستطيع أن يَطلب منه دليلًا على صدقه من الكتاب والسنة، فما يُعقل قطّ أن يَطلبَ منه نصًّا من الوحي على أنه صادق في هذه الواقعة أو الوقائع بعينها! ! أو يكذِّب هذا الراوي فيما روى أنه وقع له.
وهذا التكذيب قد يكون للراوي نفسه، بدفعه عن الصدق، بما يعلم الدافعُ من حال الراوي وعدم عدالته؛ فيكون نفيًا خاصًّا قاصرًا على الواقعة أو الوقائع التي يحكيها هذا الراوي.
وقد يكون التكذيبُ عامًّا، غير قاصرٍ على موضع الرواية، بل نفيٌ لأصل المسألة، فكأنه يقول للراوي - حتى لو عَرَفَه بالصدق والعدالة: إن الذي تقول وتحكي لا يُعقل أن يقعَ قطّ؛ لأن دلائل
(1/406)

الكتاب أو السنة الصحيحة تنفيه، وتجعلُ وقوعَه محالًا، فأنت إمّا كاذب مخترع، وإما واهم متخيّل! !
وهذا هو الذي صنعته أنتَ، وحاولتُ أن أبرئك منه، ووضعتُ بين يديك الفرصة لتنفي عن نفسك الشبهةَ! فأبيت.
جئت لواقعة أو وقائع يَرْوي شيخ الإسلام - وهو الصادقُ القول، الثابتُ العقل، النيّرُ البصيرة - أنها وقعت له، كما وقعتْ لغيره، فنفيتها نفيًا قاطعًا عامًّا فقلت له: "ليس ثم دليل على صدق أولئك المخبرين، ولعل أكثرهم كان واهمًا ومتخيلًا"!
مَنْ أولئك المخبرون الذين "ليس ثم دليل على صدقهم" أيها العالمُ الذكيّ؟
ليس أمامَنا - في هذا الموضوع بعينه، وفي مقال شيخ الإسلام بعينه - إلّا مخبرٌ واحدٌ، هو شيخ الإسلام ابنُ تيمية، ثم مخبرون آخرون له، لم نعرف من هم، ولكنه هو الذي أخبرنا حاكيًا عنهم. أتريد أن يكون تكذيبُك إنما يقع على أولئك المخبرين له؟ فلنفرضْ هذا، ولكن ماذا عن إخباره هو بأنه جَرَى له مع الجنّ شيء مما حكى؟ أهو صادق فيه أم كاذب؟ أهو واهمٌ فيه ومتخِيَّل، أم ثابتُ العقل مستيقنٌ؟ !
هذا هو الذي تتحدَّثُ فيه، ودَعْ ما عداه!
* * *

ثم أينَ في كلام شيخ الإسلام - في رسالته التي علَّقتَ عليها -
(1/407)

إثباتُ "تَيَسُّر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية" حتى تدَّعى أنك تقصد بيان خطئه؟ ثم من ذا الذي زعم من العلماء، بل حتّى من المخرفين الأغبياء، من ادّعى "تيسُّرَ رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"؟ !
ألا تَفْقَهُ ما تقول؟ ! أتكون كلمتي لك مخلصة لوجه الله - سببًا لمثل هذا الهُرَاء، بل سببًا لخطإٍ في التعبير، لم تقصد إليه يقينًا، حين تقول "ونفي صدق الدليل الشرعي"! ! تريد "ونفي وجود الدليل الشرعي"! وأنا أعرف أنك ستزعم أنها غلطةٌ مطبعية، ولكنّ المصحح الذي كنتَ تُلصق به كل الأغلاط في كتبك ترَك العملَ معك منذُ عهد بعيد!
ثم تغالط وتقول عن حديث الشيطان الذي كان يسرق من تمر الصدقة "أنه ليس عامًّا بالنسبة لكل الناس"! ومَنْ ذا الذي زعم لك أنه "عامّ بالنسبة لكل الناس"؟ ! أتريد أن تقوّلني في مقالي ما لم أقل؟ ! إنك تنفي إمكان رؤية الجنّ نفيًا باتًّا عامًّا قاطعًا، وتستدل بالآية على غير وجهها، لتكذّب بها من يدَّعي أنه يراهم في بعض الأحيان، أي تجعل الآية دليلًا على الاستحالة الواقعية، لا الاستحالة العقلية، فهذا العمومُ في النفي يكفي في نقضِه ثبوتُ حادثة واحدة صحيحةٍ، وهذا هو موضع الاستدلال.
* * *

ثم قاصمةُ الظَّهْر، وتلك التي لا شَوَى لها:
إنك منذُ درستَ السُنّة، والتزمت منهاجها الحقّ، كنتَ تأخذ مأخذَ الاجتهاد، وتسيرُ على الطريق السويّ، ولستُ أرمي إلى إنكار
(1/408)

هذا عليك - حتى لا تتأولَ كلامي فتوجَّهَه إلى غير ما أقصد - ولعلي كنتُ من أوائل الدعاة في مصر إلى هذا الصراط المستقيم، وما أظنك تنكر على ذلك، وقد فَخَرْتَ بذلك في مقالك، ونفيتَ عن نفسك تهمة التقليد لابن تيمية أو ابن القيّم أو غيرهما. فانظرْ ماذا فعلتَ؟
نقلتَ عن أحد الكتب، ولستُ أُسَمِّيه لك الآن، أن البيهقي روى في مناقب الشافعي: "عن الربيع بن سليمان، أنه سمع الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجنّ رَدَدْنا شهادتَه، إلا أن يكون نبيًّا".
أفأستطيع أن أفهم من كلامك - بما أخذتَ به نفسَك من مذهب الاجتهاد - أنك لا تقلّد الإمامَ الشافعي في هذا القول، وأنْ قد أدَّاك اجتهادُك إلى مثل قوله، فالتزمتَه قولًا لك، تذهب إليه وترتضيه، وأنك جئت بكلمة الشافعي استئناسًا، لا استدلالًا؟ ! وهذا بديهيٌّ من معنى قولك، ومن سياق حكايتك، لا تستطيع منه تَفصِّيًا، ولا عنه نُكُوصًا.
أفتدري إلامَ ينتهي بك هذا القول وهذا الرأي؟ إنك باختيارك إيّاه قولًا، وبارتضائك. إيَّاه مذهبًا - تحكمُ حكمًا لا رجوعَ لك عنه، ولا مناصَ منه: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ممن لا تُقبل شهادتُه عندَك؛ لأنه ادَّعى رؤية الجن والكلامَ معهم، بصريح قوله الذي تتحدث عنه.
وأعيذُ شيخَ الإسلام بالله منك ومن اجتهادك، ومن ادّعائك نصرتَه والذّيادَ عنه، بل هو أرفعُ عندنا قدرًا، وأعلى علمًا، وأصدق قولًا، من أن نأخذه بمثل هذه الكلمة التي نقلت عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، والذي قاله شيخ الإسلام وحكاه عن نفسه وعن غيره
(1/409)

ممن يثق به، نصدقهُ فيه، ولا نرى من دلالة الآية ما ينفيه، وأمامَنا السُّنةُ الصحيحة تؤيدُه في إمكان الرؤية، لا نقصدُ بذلك إلى العموم الذي تحرف إليه الكلام: "تيسُّر رؤية الجنّ، كرؤية المرئيَّات العادية" مما لم يقل به أحدٌ قطُّ فيما علمنا.
فانظر أين ذهبتْ براءتُك إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام، وبراءتُك من رميه بالكذب في صدر كلامك؟ !
* * *

ما أجد كلمةً أصف بها عَمَلَكَ هذا، أحسن من كلمة قالها الطبري في تفسيره (1) يصوّر بها تناقض من يردّ عليه، قال: "ثم نَقَضَ ذلك من قوله، فأَسْرَعَ نَقْضَه، وهدَمَ ما بَنى، فأسرع هَدْمَهُ"! !
وتسألني - أيها الصديق القديم - أين كنتُ يومَ نقدتَ ابن تيمية في تعليقاتك على بعض كتبه؟
وسأُجِيبُكَ:
كنتُ حاضرًا، أرى وأسمعُ، وأقرأ وأعجبُ، ولا أزعم أنك كنتَ مخطئًا في كل ما تقول، ولا مصيبًا في كل ما تنقد، وكان الصواب قليلًا نادرًا. وكنتُ أحاول التفاهم معك في بعض الحالات، فكنتَ تستقبلني بالهزء والسخرية، وقلب الجدِّ مزاحًا، كعادتك التي اصطنعتها منذ بضع سنين، وكنتُ أسكتُ، ولا أظنك
__________
(1) تفسير الطبري 1/ 231، من طبعة دار المعارف، بتحقيقي مع أخي السيد محمود محمد شاكر.
(1/410)

تنسى ما كان من اشتراكنا في إخراج تهذيب السنن لابن القيم، وكيف كنتُ أعارضك في كثير مما تكتب من التعليقات، التي أتحرَّجُ من أن تُنْسَب إليّ بحكم اشتراكنا في العمل، حتى اضطُررنا إلى الاتفاق على أن يوقع كل واحد منَّا على ما يكتب، وكنتَ - في بعض الأحيان - إذا لم يعجبْك حديثٌ ثابت صحيح، ولم تستطع الحكم بضعفه، تذهبُ إلى تأويله بما يكاد يخرجه عن دلالة الألفاظ على المعاني، وكنتُ أنصحك بأن هذه الطريقة هي التي ننعاها وينعاها علماء السنة على أهل الرأي، فلم تكن ترجع عن اجتهادك، ثم ازداد الأمر حين كتبتَ هامشة معيَّنة، حاولتُ إقناعك ببطلانها، فأصررتَ على إثباتها، فعزمتُ عليك أن لا تفعل، وأعذرتُ إليك أنها إذا طُبعتْ في الكتاب نفضتُ يدي من الاشتراك في تصحيحه؛ إذْ لا أستطيع وضعَ اسمي على كتاب يُنْشَر فيه مثلُ هذا الكلام، فلم تعبأ بكلامي، فتركتُ العمل فيه.
ولا أذكر أني كتبت مقالًا، أو نشرتُ شيئًا تتبّعتُ فيه سقَطَاتِكَ، كما زعمتَ ذلك ونسبتَه إليَّ.
ولذلك لم يعجبني قولك عنّي: "فليُرحْ نفسَه من يحاول ذلك، ويذهبُ مُتَتَبعًا سقطات". وكنت أتمنى أن لا تقوله، فإنّ الصدق في غيره.
* * *

وبعدُ:
فما كنتُ يومًا ما من المعوّقين لك، يُلْقُونَ في طريقك الغبار والأشواك! فقد نسبت إليّ ما لم يكن، بل كان غيرُه هو الصحيح،
(1/411)

فكنتُ أنصرُك في أكثر مواقفك، وأدفعُ عنك قادحِيك. وكنتُ - إذا أخذتُ عليك مأخذًا - نصحتُك به مواجهةً صريحةً، غيرَ ملتوية ولا متخاذلة، وكنت في أول أمرك تقبل نصحي، أو تقنعني بخطئي، ثم كانت عاقبةُ أمرك - معي على الأقل - أن لا تقبل نصحًا، وأن تركبَ رأسك، وتَسير في طريقك، فنسكتُ ولا نعوَّقك ولا نُلقي في طريقك غبارًا ولا شوكًا، بل لطالما أسأتَ إليّ، وأنا أعفو وأصفح، وأقابل إساءتك بالوفاء، والحرص على المودة القديمة التي كانتْ قائمة.
ولماذا ألقي في طريقك الغبارَ والأشواك؟ وأنا أراك منذ أكثر من عشر سنوات واقفًا على هُوَّةٍ غطاؤها لا يكاد يَتَمَاسَكُ، مما تُحَمَّله من أعباء، وتصنع به من أحداث. وأنا أدِينُك بخطّك، لا بكلامي ولا بكلام غيري، وقد أحْكَمْتُ لك الحِكْمَةَ وزمامُها بيدي، وكان الظنُّ بك أن لا تضرب هذه اليدَ، إن [لم] يكن وفاءً للصداقة القديمة، فخوفًا أن يُفْلِتَ الزمامُ، ولكنَّك لا تُبْقِي ولا تَذَر.
هدانا الله جميعًا إلى سبل السلام، ووفّقنا للحق فيما نقول ونعمل، وجنَّبنا مواقف الزلل، ومهاويَ الأهواء، ونَزَوَاتِ الشيطان، وجعلنا من الهادين المهديّين، والسلام.
الإثنين، 8 شوال، سنة 1374، 30 مايو، سنة 1955.
كتبه
أحمد محمد شاكر
عفا الله عنه بمنه
(1/412)

بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر (*)
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} [الشورى: 43]
لقد فزع إخواني - الذين هم إخوان الشيخ أحمد شاكر - أشد الفزع حين قرؤوا ما كتب، وحزنوا أشد الحزن، وسألوني في لهفة وحسرة: ماذا بينك وبين أخي العمر، مما ولد هذه الفتنة؟
فأقول وأؤكد القول، أن الذي بيني وبين أخي العمر: هو الذي عليه عشنا ما عشناه، في ظل هذا الإخاء، المتين العرى، الوثيق الأواصر؛ لأنه نسج - بحمد الله - على نول العلم، وحِيك من خيوط مذهب السلف الصالح - رضي الله عنهم - واليد التي نسجته وحاكته يد الكتاب والسنة، ونحن بحمد الله، ورغم أنف كل حاسد وحاقد - لا نزال نكتسي بهذا الثوب الكريم، وننعم بزينته وتقاه - ونسأل الله سبحانه أن يديم علينا ذلك الثوب سابغًا، حتى نلقاه على ذلك، ولن نترك ثغرة لأي ممن حاول أن يسعى بالوقيعة بتأجيج نار الفتنة.
وأخي الشيخ أحمد شاكر، يعلم علم اليقين: أن أخاه حامد أعرف الناس بفضله، وأشكر الناس لجميله، وأصبرهم على صداقته،
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد 19، العددان 11، 12 ذي القعدة وذي الحجة 1374 ه.
(1/413)

وأحفظهم لعهده، وأحرصهم على وده، وأبعدهم عن مساءته، وأسرعهم إلى مسرته، ومهما نزغ الشيطان بيني وبينه، فالفيئة إلى معقل الود - إن شاء الله - سريعة والإخاء السلفي كفيل بالإسراع بهذه الفيئة، وأرجو من ربي سبحانه أن يجعل هذه خلقي مع كل أخ سلفي ينقدني، مهما طغى قلمه، واشتط نقده، ولن أزكي نفسي، فأزعم - كما زعم عني خطأ - أني أعلم إخواني، أو أفقهم في دين الله؛ فإني أعرف نفسي وأعرف: أنها دائمًّا بحاجة إلى علم جديد، وآداب نبوية جديدة والله عليم بذات الصدور (وكل الناس خطاء وخير الخطائين التوابون).
وعُتبي على أخي الشيخ أحمد شاكر: أنه أساء الظن بأخي العمر في الله، ونسبه إلى ما يعرف هو أنه أبعد الناس عنه، وأكره الناس له - وبالأخص مع أخيه الذي يحفظ عهده، ويحرص على إخائه ووده - فهو يعرف أنى أبغض الظلم، بل لا أستطيعه، ولا أحسنه، فضلًا عن أن أظلم أخي الشيخ أحمد شاكر، فلعله هو الذي ظلم نفسه فتعجل وكتب، وكان الأحرى أن يتريث، وهو القاضي الخبير.
فلقد جاءتني كلمات من غير الواحد من إخواني أنصار السنة، كما جاءني منه، ينبهونني فيها إلى ما نبهني إليه، في شأن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فكتبت كلمتي، وأجملت فيها القول، ليأخذ كل منهم جوابه، ولذا لم أذكر اسم واحد منهم؛ لأنه لا حاجة لأحد منهم إلى ذكر اسمه، فإنما كتبوا للعلم والحق، لا
(1/414)

لأنفسهم، فكانت غضبة - صعيدية - من أخي الشيخ أحمد شاكر - غفر الله لي وله - اتخذ منها الشيطان سبيلًا إلى أن ينزغ بيني وبينه، وقد عرف ذلك أخي فاستغفر. والله يغفر لي وله وللمؤمنين.
وأخيرًا: فليعلم الجميع: أن ليس بيني وبين أخي الشيخ أحمد إلّا الرجوع الدائم - إن شاء الله - إلى الله وإلى رسوله، وأني شديد الحرص على سد الثغور، وتوفير الجهود، وتركيزها لتوجيهها إلى أعداء الله ورسوله؛ فهم أعداؤنا. وبالأخص في هذه الحقبة من حياتنا. وإني لأجل هذا - لحريص أشد الحرص على التحقق يقول الله سبحانه لعباده المؤمنين: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} [الشورى: 43].
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله سبحانه: الهدى والإيمان والثبات والسداد والرشد، والتواصي بالحق والصبر، وصلى الله وسلم على إمامنا محمد وعلى آله.
* * *
(1/415)

تعقيب لفضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر
أما وقد عتب عليَّ الأخ الشيخ حامد الفقي فيما كتبت، فله العتبى، وما كنت لأرضى أن يكون اللدد في الخصومة، بل ما أرضى هذا بيني وبين أي إنسان، وليس من اليسير هدم الصداقة القديمة والأخوة في الله، وفي سبيل نصر الإسلام والحرب على أعدائه.
ولكني أظن، بل أوقن، أن الأخ الشيخ حامد لو نظر للأمر من زاوية أخرى ومن وجهة نظري، ولو استعرض الظروف التي ألجأتني للكتابة، والتي حكمت عليَّ أن أقف منه هذا الموقف. لعذرني بعض العذر، ولعلم أن الأمر لم يكن غضبة (صعيدية)، بل كان دفعًا لظلم ظننته وقع، أما وقد تبرأ منه فالحمد لله على هذا البيان.
وكان من عذري فيما رأيت إذا ذاك: أن الحديث دار بيني وبينه في شأن مقالي لينشره في المجلة، وكان منه الإباء. وكان أقصى ما أظن بشأن مقالي، بل أقساه: أن يطويه فلا ينشره: وكان الحديث مناسبة جيدة، بل موجبًا عليه أن يخبرني بأن قد جاءته كلمات أخر من غير واحد من إخواننا في هذا الشأن، إذن لما ظننت شيئًا، ولما فهمت أن مقاله موجه إليّ، أما ولم يفعل، فقد كان في كل العذر إن فهمت أن مقاله موجه إليّ وحدي خصوصًا وأنه رد على كل الأبحاث
(1/416)

التي أشرت إليها في مقالي على ترتيبها تقريبًا، ثم زاد يقيني بذلك أن كنا معًا يوم عيد الفطر مساءً فلم يخبرني عما كتب، مع توافر الدواعي لإخباري، ثم أجد مقاله في المجلة صبيحة اليوم التالي لعيد الفطر (2 شوال سنة 1374) حين جاءت المجلة بالبريد، ثم لم يحدثني بعد ذلك في شأن كلمته، وأنه لا يقصدني وحدي، بل يرد ردًّا عامًّا على ما جاءه فأنى لي العلم بذلك؟ ! ولذلك قلت له، وأنا صادق فيما أقول: لو أنه أخبرني بشيء من هذا ما كتبت، مهما تكن القرائن والدلائل على أنه يرد على كلمتي دون نشرها.
فهذه بعض الملابسات التي حفزتني على الكتابة، ولم يكن قط أن أحدًا حاول أن يسعى بيننا بالوقيعة وتأجيج نار الفتنة، وما كنت أنا ممن يخضع لهذه المؤثرات إن وجدت في هذا الظرف، وهو يعلم علم اليقين أن قد وجدت محاولات من هذا المعني دهرًا طويلًا فلم تؤثر علي، ولم تؤثر عليه، والحمد لله على كل حال، ولو كان لمثل هذا أثر، لما بقيت الصداقة والأخوة بضع سنين. وقد بقيت ثابتة راسخة بضعًا وأربعين سنة، فليطمئن إخواننا على ما بيننا.
وأما الجدل العلمي المبني على اتباع الدليل، وإحقاق الحق، فلا أثر له بين الإخوان مهما تختلف آرائهم ووجهات نظرهم، وكلنا طالب علم، وكلنا باحث عن الحق، وكلنا يهتدي بهدي الكتاب والسنة ما استطاع، وكلنا حسن النية والقصد، إن شاء الله. وما أكثر ما تصاولنا في العلم واختلفنا، وما أكثر ما بحثنا وتشعبت آراؤنا،
(1/417)

لمقصد واحد، وعلى هدي واحد، فمنا المخطئ ومنا المصيب، وكثيرًا ما يكون للمخطئ فيئة؛ إذ يستضيء بنور الله، ويهتدي بهدي كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله أن يبصرنا طريق الهدى، وسبيل الرشاد، وأن يوفقنا للاستمساك بما أمرنا به، وأن يجنبنا الزلل، ويعصمنا من الخطل والضلال، وأن يجعلنا هادين مهدين، موفقين للعلم النافع والعمل الصالح؛ إنه سميع الدعاء.
* * *
(1/418)

الدفاع عن الحق
1 - كلمة الحق
2 - صحف الهلال والدعاية ضد الإسلام
3 - عبد العزيز فهمي باشا: وعداؤه للعربية
4 - الإيمانُ قَيْدُ الْفَتْكِ
5 - على الطريقة الأمريكية
6 - خطاب مفتوح إلى شيخ الأزهر
7 - خواطر
8 - جرأة عجيبة على تكذيب القرآن
(1/419)

كلمة الحق (*)
ما أقل ما قلنا (كلمة الحق) في مواقف الرجال، وما أكثر ما قصرنا في ذلك، إن لم يكن خوفًا فضعفًا، ونستغفر الله وأرى أن قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا، كفارة عما سلف من تقصير، وعما أسلفت من ذنوب، ليس لها إلّا عفو الله ورحمته والعمر يجري بنا سريعًا والحياة توشك أن تبلغ منتهاها.
وأرى أن قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا، وبلادنا، بلاد الإسلام، تنحدر في مجرى السيل إلى هُوَّةٍ لا قرار لها، هُوَّة الإلحاد والإباحية والانحلال، فإن لم نقف منهم موقف النذير، وإن لم نأخذ بحُجَزِهم عن النار، انحدرنا معهم، وأصابنا من عقابيل ذلك ما يصيبهم، وكان علينا من الإثم أضعاف ما حملوا.
ذلك بأن الله أخذ علينا ميثاق {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (1)، وذلك بأن الله ضرب لنا المثل بأشقى الأمم، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} (2).
__________
(*) مجلة الهدي النبوي المجلد الخامس عشر، العدد الأول محرم 1370.
(1) آل عمران: 187.
(2) المائدة: 78، 79.
(1/421)

وذلك بأن الله وصفنا - معشر المسلمين - بأننا خير الأمم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (1). فإن فقدنا ما جعلنا الله به خير الأمم، كنا كمثل أشقاها، وليس من منزلة هناك بينهما.
وذلك بأن الله يقول: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} (2).
وذلك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم" (3).
وذلك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحقرن أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله - عز وجل - له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" (4).
نريد أن نقول (كلمة الحق) في شؤون المسلمين كلها، نريد أن ننافح عن الإسلام ما استطعنا، بالقول الفصل، والكلمة الصريحة، لا
__________
(1) آل عمران: 110.
(2) الأحزاب: 39.
(3) رواه أحمد في المسند، 11494 بإسناد صحيح.
(4) رواه ابن ماجه 2/ 252 بإسناد صحيح.
(1/422)

نخشى فيما نقول أحدًا إلَّا الله؛ إذ نقول ما نقول في حدود ما أذن الله لنا به، بل ما أوجب عليه أن نقوله بهدي كتاب ربنا وسنة رسوله.
نريد أن نحارب الوثنية الحديثة والشرك الحديث، اللذين شاعا في بلادنا وفي أكثر بلاد الإسلام، تقليدًا لأوربة الوثنية الملحدة، كما حارب سلفنا الصالح الوثنية القديمة والشرك القديم.
نريد أن ننافح عن القرآن، وقد اعتاد الناس أن يلعبوا بكتاب الله بين أظهرنا، فمن متناوّل لآياته غير مؤمن به، يريد يقسرها: على غير ما يدل عليه صريح اللفظ في كلام العرب، حتى يوافق ما آمن به، أو ما أشربته نفسه ومن عقائد أوربة ووثنيتها وإلحادها، أو يقربه إلى عاداتهم وآدابهم - إن كانت لهم آداب - ليجعل الإسلام دينًا عصريًّا في نظره ونظر ساداته الذين ارتضع لبانهم أو ربي في أحضانهم.
ومن منكر لكل شيء من عالم الغيب، فلا يفتأ يحاور ويداور، ليجعل عالم الغيب كله موافقًا لظواهر ما رأى من سنن الكون، إن كان يرى أو على الأصح لما فهم أن أوربة ترى! ! نعم، لا بأس عليه - عنده - أن يؤمن بشيء مما وراء المادة إن أثبته السادة الأوربيون، ولو كان من خرافات استحضار الأرواح! !
ومن جاهل لا يفقه في الإسلام شيئًا، ثم لا يستحي أن يتلاعب بقراءات القرآن وألفاظه المعجزة السامية، فيكذب كل الأئمة والحفاظ فيما حفظوا ورووا. تقليدًا لعصبية الإفرنج التي يريدون بها أن يهدموا هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ ليجعلوه مثل ما لديهم من كتب.
(1/423)

وهكذا مما نرى وترون.
نريد أن نحفظ أعراض المسلمين، وأن نحارب، ما أحدث (النسوان) وأنصار (النسوان) من المنكرات الإباحية والمجون والفجور والدعارة، هؤلاء (النسوان) اللائى ليس لهن رجال إلا رجال (يشبهن) الرجال! ! هذه الحركة النسائية الماجنة، التي يتزعمها المجددون وأشباه المجددين، والمخنثون من الرجال، والمترجلات من النساء، التي يهدمون بها كل خلق كريم، يتسابق وأولئك وهؤلاء إلى الشهوات، وإلى الشهوات فقط.
نريد أن ندعو الصالحين من المؤمنين، والصالحات من المؤمنات: الذين بقي في نفوسهم الحفاظ والغيرة ومقومات الرجولة، واللائي بقي في نفوسهن الحياء والعفة والتصون إلى العمل الجدي الحازم على إرجاع المرأة المسلمة إلى خدرها الإسلامي المصون، إلى حجابها الذي أمر الله به ورسوله، طوعًا أو كرهًا.
نريد أن نثابر على ما دعونا وندعو إليه من العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله في قضائنا كله، في كل بلاد الإسلام، وهدم الطاغوت الإفرنجي الذي ضرب على المسلمين في عقر دارهم في صورة قوانين، والله تعالى يقول {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ
(1/424)

صُدُودًا (61)} (1). ثم يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} (2).
نريد أن نتحدث في السياسة، السياسة العليا للأمم الإسلامية، التي تجعلهم (أمة واحدة، كما وصفهم الله في كتابه، نسموا بها على بدعة القوميات، وعلى أهواء الأحزاب نريد أن نبصر المسلمين وزعماءهم بموقعهم من هذه الدنيا بين الأمم، وتكالب الأمم عليهم بغيًا وعدوًا، وعصبية وكراهية الإسلام أولاً وقبل كل شيء.
نريد أن نعمل على تحرير عقول المسلمين وقلوبهم من روح التهتك والإباحية، ومن روح التمرد والإلحاد، وأن نريهم أثر ذلك في أوربة وأمريكا، اللتين يقلدانهما تقليد القردة، وأن نريهم أثر ذلك في أنفسهم وأخلاقهم ودينهم.
نريد أن نحارب النفاق والمجاملات الكاذبة، التي اصطنعها كتاب هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون! يظنون أن هذا من حسن السياسة، ومن الدعوة إلى الحق (بالحكمة والموعظة الحسنة) اللتين أمر الله بهما! وما كان هذا منهما قط، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق والحرص على عرض الحياة الدنيا.
وما نريد بهذا أن نكون سفهاء أو شتامين أو منفرين معاذ الله
__________
(1) النساء: 60, 61.
(2) النساء: 65.
(1/425)

"وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء" كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) ولكننا يزيد أن نقول الحق واضحًا غير ملتو، وأن نصف الأشياء بأوصافها الصحيحة، بأحسن عبارة نستطيعها، ولكننا نربأ بأنفسنا وبإخواننا، أن نصف رجل يعلن عداءه للإسلام، أو يرفض شريعة الله ورسوله - مثلًا - بأنه (صديقنا) والله سبحانه نهانا عن ذلك نهيًا حازمًا في كتابه، ونربأ بأنفسنا، أن نضعف ونستخذي فنصف أمة من الأمم تضرب المسلمين بالحديد والنار، وتهتك أعراضهم وتنتهب أموالهم، بأنها أمة (صديقة) أو بأنها أمة (الحرية والنور) إذا كان من فعلها مع إخواننا أنها أمة (الاستعباد والنار)! وأمثال ذلك مما يرى القارئ ويسمع كل يوم، من علمائنا، ومن كبرائنا وزعمائنا ووزرائنا! والله المستعان.
نريد أن نمهد للمسلمين سبيل العزة التي جعلها الله لهم ومن حقهم إذا اتصفوا بما وصفهم به: أن يكونوا (مؤمنين) نريد أن نوقظهم وندعوهم إلى دينهم بهذا الصوت الضعيف صوت مجلتنا هذه المتواضعة، ولكننا نرجو أن يدوي هذا الصوت الضعيف يومًا ما، فيملأ العالم الإسلامي، ويبلغ أطراف الأرض، بما اعتزمنا من نية صادقة، نرجو أن تكون خالصة لله وحده، جهادًا في سبيل الله، إن شاء الله.
فإن عجزنا أو ذهبنا، فلن يعدم الإسلام رجلًا أو رجالًا خير منا، يرفعون هذا اللواء، فلا يزال خفاقًا إلى السماء بإذن الله؟
__________
(1) رواه الترمذي (3/ 138 من شرح المباركفوري)، وأحمد في المسند 3839، 3948.
(1/426)

صُحُف الهِلاَل والدّعَاية ضِد الإسلام (*)
- 1 -
نشرت صحيفة الفكاهة بعددها رقم 50 ما نصه:
"تشاجر اثنان في الزنكلون، فسب أحدهما دين الآخر، وقدم هذا الأخير طلبًا إلى المحكمة الشرعية بأن خصمه قد ارتد. فوافقت المحكمة، وأخرجته من الإسلام وفصلت بينه وبين زوجته.
وهذا اعتداء من المحكمة الشرعية على اختصاص المحاكم الأهلية التي تنظر وتعاقب من يسب الدين، فأي عقاب تعاقب به الحقانية هذا القاضي الشرعي الذي لا يبالي بهدم عائلة، ولو كان هذا العمل من غير اختصاصه".
فلما قرأتها أرسلت لها كلمة أبين فيها خطأها في هذا النقد المستنكر، وطلبت منها نشرها. وبعد أيام ورد لي خطاب خاص بإمضاء صاحبيها، ولم ينشرا مقالي، وهذا حقهما. فرأيت أن أنشر كلمتي والجواب عليها في جريدة (الفتح)؛ ليرى الناس كيف يحترم ضيوفنا عادات هذه البلاد، ودينها الرسمي، وقضاءها الشرعي الذي
__________
(*) مجلة الفتح، العدد الثاني والسبعون، الخميس، 30 جمادى الأولى، سنة 1346 ه - 24 نوفمبر 1927 م.
(1/427)

هو أصل القضاء في هذا البلد. وهذا نص المقال والكتاب:

حضرة صاحب الفكاهة:
بعد السلام قرأت في العدد 50 بتاريخ 9 نوفمبر سنة 1927 من الفكاهة تعرضًا لحكم زعمت الجرائد؛ أنه صدر من محكمة شرعية بالتفريق بين رجل سب الدين وبين زوجه.
وليس فيما كتبتم شيء من النقد القانوني أو الشرعي، وإنما هو اعتداء صرف على كرامة القضاء واستقلاله، وتعرض بالسخط لأحكام الشريعة الإسلامية في بلد أهله مسلمون ودينه الرسمي الإسلام.
وقد لاحظت مرارًا في صحفكم (الهلال، وكل شيء، والفكاهة) كتابات تمس الدين الإسلامي وتهزأ بعلماء الإسلام، ولاحظ هذا غيري كثير من الناس، وآلمنا أشد الألم لصدوره من جرائد مسيحية، ليس لها أن تتعرض لدين الإسلام، وأظنكم لم تروا جريدة إسلامية في مصر تكلمت بكلمة تمس الدين المسيحي.
نعم إن في بلدنا هذا كثيرًا من الملحدين الذين تسموا بأسماء المسلمين، وهم يقولون كثيرًا، ولكن الناس مهما سكتوا عن أقوالهم أو سفهوا آراءهم فإنهم لا يحتملون المساس بدينهم من غيرهم، هذا من جهة المبدأ في الكتابة.
وأما من جهة الموضوع، فإنه يظهر أن كاتب الكلمة في الفكاهة لا يعرف الشريعة الإسلامية، ولا القوانين الوضعية، ولا قواعد
(1/428)

الاختصاص في المحاكم، ولا يشعر في نفسه بعاطفة احترام القضاء ولو أخطأ.
فالذي يسب الدين الإسلامي هو مرتد وخارج عن الإسلام، ويجب التفريق بينه وبين زوجه في الشريعة، وإذا حكم القاضي الشرعي بذلك، فإنه قد أدى ما وجب عليه ولم يتعد اختصاصه. والعقوبة المفروضة في قانون العقوبات شيء آخر. ولئن كان حكمه خطأ لسبب من الأسباب، فسبيله أن يطعن المحكوم عليه بالطرق الرسمية من معارضة واستئناف وغيرهما. وحتى لو كان القاضي مخطئًا ومتعديًا على اختصاص غيره، فليس للكاتب أي وجه في طلبه أن تعاقب الحقانية القاضي الذي حكم به، إلا إن كان القاضي متأثرًا بأشياء خارجة عن موضوع القضية، والخطأ القضائي المبني على اجتهاد في الرأي لا عقوبة عليه؛ فالقاضي غير معصوم، وها هي المحاكم الشرعية والأهلية والمختلطة كثيرًا ما يتعدى بعضها اختصاصه، وما رأينا ولا سمعنا أن قاضيًا امن قضاتها عوقب لشيء من ذلك، ولم نر جريدة من الجرائد كتبت كلمة تمس قاضيًا أهليًّا أو مختلطًا؛ لخروجه عن دائرة اختصاصه.
ويظهر أن هذا خاص عندكم بالمحاكم الشرعية لتنفيذها أحكام الشرعية الإسلامية.
ثم إن هذه الواقعة التي رواها مكاتب الأهرام بالزنكلون لم نسمع بحصولها في دائرة مديرية الشرقية، ولا ندري من أين أتى بها
(1/429)

حضرته، وكنا نود من الصحافة الشريفة النابهة أن تتحرى الوقائع قبل نقدها والتعليق عليها.
وإني أرجو أن تنشروا كلمتي هذه بنصها في جريدتكم وأن تتقبلوا مني التحية؟
وهذا نص الجواب الذي جاءني صادرًا من إدارة الهلال:
حضرة الفاضل الأستاذ أحمد محمد شاكر
تحية، واحترامًا. وبعد: ملحوظة فقد أخذت خطابكم وشكرت لكم عنايتكم. على أني قد أسفت لما تبادر إلى ذهنكم من أن مجلاتنا تنشر كتابات عن الدين الإسلامي، وتهزأ بعلماء المسلمين؛ فهذا أبعد شيء عن خطتنا منذ إنشاء الهلال.
على أننا مع رغبتنا الأكيدة في تجنب هذه الموضوعات لا يسعنا - ومجلاتنا تتناول الحوادث الجارية والمباحث الاجتماعية التي يتحدث عنها الناس - إلا أن نشير إلى ما يجرى في هذا البلد، ولما كان معظم محرري مجلاتنا من المسلمين؛ فهم بطبيعة الحال يبدون ما يعنّ لهم من الأفكار في هذه الشؤون كما يفعل الكتاب في جميع الجرائد والمجلات السيارة بصرف النظر عن دين أصحابها. وقد تكون أفكارهم مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور.
وأنتم تعلمون أن مجال الشرح والتفسير واسع جدًّا يختلف فيه العلماء أنفسهم اختلافًا كبيرًا.
(1/430)

وهذا وأننا نكرر لكم الشكر على ما أبديتم من الملاحظات، كما نكرر ونقرر بعدنا عن كل غرض ورغبتنا الأكيدة في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
أميل وشكري زيدان
* * *

قال الشيخ:
ولقد ترددت بعد أن جاء هذا الخطاب في نشره ونشر مقالي، ولكني رأيت فيه أشياء تحتاج إلى إيضاح.
وأراد الله أن أجد لي من قلم (الفكاهة) حجة أقيمها عليها، لأُري إخواني الفرق بين نقدها للقضاء الأهلي وبين نقضها القضاء الشرعي الذي يفصل بين الناس بالشريعة الإسلامية الغراء.
فإنها نشرت في العدد 51 ما نصه:
القضاء حر فيما يحكم به، ولكن للأحكام آثارها في الجمهور وفي النظام الاجتماعي، وقد حكم بإحالة الأستاذ محمود عزمي المحرر في السياسة إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالعيب في ذات الملك" ... إلخ.
إذن فالقاضي الأهلي إذا خالف رأي (الفكاهة) حر فيما يحكم به، وأما القاضي الشرعي فإنه يطلب من وزارة الحقانية عقابه.
ألهذا في نظر العقلاء معنى إلا ما قلناه من أن هذه الصحف لا
(1/431)

تبغي إلا التعرض لما كان مصبوغًا بصبغة الإسلام!
يعتذر أصحاب الصحيفة في كتابهم؛ بأن محرري مجلاتهم من المسلمين! وما لنا ولهذا، إنا لا نرى أمامنا إلا صحفًا بأسمائهم، ويزعمون أنها لا شأن لها بالأديان ولم تكن أنشئت للتبشير، فما بالهم كلما عرض لهم شيء يتعلق بالإسلام نبزوه بألسنتهم وتناولته أقلامهم!
لو أنهم أعلنوا أن صحفهم دينية جعلت للمناظرة بين الأديان، لما عبأنا بالرد عليهم - فنحن أشد الناس مقتًا للجدل حول الأديان - ولما قرأ صحفهم أحد من المسلمين.
والمدهش أن يقارنوا بين بحث في اختصاص القاضي والمحافظة على كرامة القضاء، وبين أفكار محرري صحفهم (وقد تكون مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور).
لا لا أيها الكُتَّاب، إنما ننعي عليكم طغيان أقلامكم وفلتات ألسنتكم، لا مخالفة آرائكم لآرائنا، ولا نبحث عن رضانا أو رضا غيرنا، وليست هذه المسألة مما يخالف فيه أحد من المسلمين فضلًا عن رجال الدين.
إنا لا نريد من صحف الهلال أن تكون نصيرة للإسلام، ولكنا نرجوها أن تبعد أقلام محرريها عن التعرض له في كتاباتها، وأن تنفذ رغبتهم الأكيدة (في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين) كما وعد أصحابها، ونكتفي بهذا الوعد منهم ونطلب منها أن تنشر اعتذارًا عن التعرض للقضاء؛ لأن طلب عقاب القاضي الذي أصدر الحكم
(1/432)

- في ظنهم - يعتبر إهانة للقضاء الشرعي كله، وهذا الذي نصرُّ على طلبه منهم حرصًا منا على كرامة القضاء الإسلامي، وإني أتمنى لو كانت الحادثة وقعت فعلا وحكم فيها القضاء، إذن لكان للقاضي شأن آخر مع (الفكاهة).
* * *

- 2 -
قال الشيخ (1):
يظهر أن "صحف الهلال" لا يروقها أن ترى في مصر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وهي ترى أن لواء الإسلام الآن بيد الأزهر وعلمائه، والمحاكم الشرعية وموظفيها، وأنهم القائمون بإحياء شعائره، والمظهرون سلطانه، والحافظون لما بقي من عزه ومجده في مصر تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة نصير الدين ورافع أعلامه "مولانا الملك فؤاد" كبير ملوك الشرق الإسلامي أيده الله بتأييده.
إن صحف الهلال ترى الأزهر والمحاكم الشرعية قذًى في أعين لا ندري كيف تبصر، وشجًى في حلق جمعيات التبشير وصحف الدعاية، فلا تفتأ تناوئهما بالحرب وتنادي - من وجودهما على ظهر الأرض - بالويل والثبور.
__________
(1) مجلة الفتح.
(1/433)

فما جاء ذكر للأزهر أو للمحاكم الشرعية إلا وانبرت ألسنتها تفري الأعراض وتزن بالسوء، وحاولت أفواهها أن تطفئ نورَ الله {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8]- باسم الإصلاح والغيرة على مرافق البلد {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} [البقرة: 11، 12]. ولقد كنا نود أن نحبس أقلامنا عن مساجلتهم في ميدان، لولا أن خشينا فتنتهم لشبابنا وناشئتنا، فيملؤون قلوبهم الطاهرة حقدًا وضغنًا على دينهم، وهو عنوان مجدهم، وهاديهم إلى سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.
يعتذرون بأن التعرض للدين الإسلامي والعلماء أبعد شيء عن خطتهم منذ إنشاء الهلال. قد يكون هذا حقًّا في حياة مؤسس الهلال، فقد كان فيما نرى حازمًا يحسن البعد عن مزالق الأقدام. ومهما قلنا عن أغلاطه في تاريخ الإسلام وفي كتبه الأخرى، فلن نبيح لأنفسنا الحكم على خفايا الصدور، ولن نتهمه بالقصد إلى ما أخطأ في نسبته من سيئات للمسلمين، مما نبه عليه في حينه كبار رجال العلم في الإسلام.
وأما خَلَفه مِنْ بعده فقد رسموا لأنفسهم طريقًا جديدًا - لأنهم مجددون - ورأوا أن يغيروا ما اختطه سلفهم لنفسه ثم لهم، وأرادوا أن ينشؤوا صحفًا أسبوعية إلى جانب هلالهم تدخل على العاتق في خدرها - حتى تخرجها منه - ويقرؤها الطالب والأستاذ والطفل والشيخ، تستهوي قلوب الناس بما تظهر من صور مكتوبة وأخرى
(1/434)

مصورة تثير من شهوات الشباب المتقد، وتنشر في الملأ أخلاقًا وآدابًا جاء الإسلام - وهو الهُدى ودين الحق - حربًا على كثير منها، وخشوا أن يثوب الناس إلى رشدهم ويرجعو إلى هدى ربهم بإرشاد علماء الإسلام، فلم يجدوا لهم سبيلًا إلا أن يدخلوا في أذهان قرائهم أن هؤلاء العلماء جامدون متعصبون رجعيون، وأنهم هم المجددون المصلحون.
فكلما لاح لهم مقصد رموا الشيوخ والأزهر والمحاكم الشرعية بما تجود به آدابهم، وكانوا لا يكادون يصرحون بما تضمنته قلوبهم إلّا لمامًا. وقد رددنا عليهم قولهم في محكمة شرعية في المقال السابق، وأظهرنا ما يكنون في صدورهم نحو المحاكم الشرعية، وأقمنا الحجة عليهم من نقدهم لمحكمة أهلية بجوار طعنهم في الشرعية.
وها هم الآن أبدوا لنا عن صفحتهم جوابًا عن مقالنا، فكتب كاتبهم في مجلة (كل شيء) في العدد 106 بتاريخ 21 نوفمبر سنة 1927 كلمة هذا نصها:
(لا مؤاخذة في وزارة الحقانية لجنة تنظر في حال المحاكم الشرعية وتحاول وضع نظام لإصلاحها، أو تحاول إصلاح نظامها الحاضر، ولست أريد أن أقول إن نظام هذه المحاكم سيئ؛ فإن هذه الحقيقة الأليمة معروفة يعلمها كل إنسان، فالذي أريد أن أقوله ولا مؤاخذة هو ... إلغاء ... هذه ... المحاكم.
وأضع إصبعي في عين من يدعي أني أعتدي على الشرع؛ لأني
(1/435)

أغار على الشرع أكثر منه ومن أبيه ومن أهله ومن أهل بلده جميعًا، ولكن أريد أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة.
عجز المصلحون عن إصلاح هذه المحاكم ووضعوا (أصباعهم في الشق)، ولست أدري ما المانع الشرعي من إلغائها وإحالة أعمالها إلى المحاكم الأهلية في جلسات يكون القاضي مسلمًا ويحضر معه شيخ من مشايخ القضاء الشرعي، إلى أن تتوسع مدرسة الحقوق في تعليم الشريعة الإسلامية، ويومئذ يلغى عمل الشيخ الذي يحضر مع قاضي المحكمة الأهلية هذا مع الاعتراف بأن بين القضاة الشرعيين رجالًا يستحقون الإعجاب بهم، وعددهم قليل لا يمنع شر هذا النظام.
هل المسلم لا يكون متفقهًا في دينه إذا كان أفنديًّا أو بيكًا). اه.
هذه كلمة (كل شيء) بألفاظها.
وإني قبل أن أرد عليها كلمتها، أرى من الواجب علي أن أعتذر لقراء (الفتح) الكرام من وضع مثل هذه القطعة بين أيديهم بنشرها في هذه الصحيفة الشريفة.
فما اعتادوا أن يروا فيها شيئًا من هذا الطراز، ولكن الضرورة ملجئة.
هل رأيتم أن صحف الهلال لا تريد أن ترى المحاكم الشرعية قائمة في البلد، بل ولا هؤلاء الشيوخ؟ وفي ظني أنها لو استطاعت أن تزيلهم من هذا الوجود لأزالتهم؛ ليرضى عنها المجددون ومن
(1/436)

ورائهم جمعيات التبشير، أستغفر الله، بل جمعية الشبان المسيحية.
هل رأيتم هذا الكاتب الأديب الذي يطعن في المحاكم الشرعية جملة ويذكر الآباء والأهل في مقال ينشر بجريدة سيارة أسبوعية بألفاظ السوقة؟ !
يريد حضرته أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة، يعني أنه يطعن في أشخاص جميع القضاة، وليس طعنه فيهم إلا من قبل أنهم شيوخ مسلمون!
وها هي المحاكم الشرعية قائمة بيننا الآن، فهل رأى الناس في قضاتها من يرتكبون المنكرات جهارًا، ويقتلون الأخلاق الفاضلة في وضح النهار؟
نحن لا يهمنا طلب الكاتب إلغاء هذه المحاكم؛ فإننا من أعرف الناس بها وبما فيها، ونعلم أنه لا يجرؤ شخص مسؤول في مصر على اقتراح هذا الإلغاء، ونعلم أن المسلمين من ورائها يحوطونها بقلوبهم، ويذبون عنها بما تملك أيديهم، فإنها البقية الباقية من السلطان للشريعة الإسلامية.
لسنا ننكر أن في بعض النظم في المحاكم ما يشكوا منه كثير من الناس، وبخاصة إذا كانوا ذوي غرض، وهذه الشكوى ليست من المحاكم الشرعية وحدها، بل هي أيضًا في المحاكم الأهلية والمختلطة، ولكن طرق الدعاية والنشر تجعل الأصوات لا ترتفع إلا
(1/437)

بما يمس المحاكم الشرعية، ولكنا نريد من هؤلاء الكتاب أن يتأدبوا بالأخلاق الفاضلة، ويكبحوا من جماح أقلامهم، وليضعوا في قلوبهم ما شاؤوا، فإن للكتابة آدابًا وللنقد حدودًا. وعفا الله عن سديف الشاعر حيث يقول:
لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن تحت الضلوع داء دويا
إن هؤلاء القوم أبعد الناس عن الأزهر والمحاكم الشرعية والعلماء، ليس لهم أبناء ولا إخوان يدرسون في المعاهد، وليس لواحد منهم صلة بمحكمة شرعية، ومع هذا فإنهم قد نصبوا أنفسهم لإصلاح هذا الأزهر، وهذه المحاكم، كأنهم لم يجدوا منكرًا إلا فيها، وكأنهم ألصق الناس بها، ولو خلصت نياتهم وتأدبت أقلامهم لتقبلنا منهم ذلك، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيثما وجدها.
في مصر بجوار المسلمين نصارى ويهود من كل الطوائف والمذاهب، وفيهم رجال لأديانهم ومجالس مالية تحكم بينهم - وهم أمس الناس بها رحما - فما بالهم لا ينقدون واحدًا من رجالها ولا يتعرضون لشيء من نظمها وتعاليمها وأحكامها - وفي كثير منها قول لقائل - أفكان هؤلاء منزهين عن الخطأ؟ وكانت نظمهم وتعاليمهم في الذروة العليا من الإتقان والعدالة، لا مغمز فيها لطاعن؟ أم هو الغرض والهوى والعصبية توقد نارها في قلوب جمعيات التبشير {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8].
* * *
(1/438)

- 3 -
قال الشيخ (1):
عز على صحف الهلال أن يمضي أسبوعان ولا تنشر الجرائد اليومية خبرًا - ولو كان غير صحيح - تعلق عليه بالطعن في الأزهر أو المحاكم الشرعية، فأوحت إلى أوليائها أن يوافوها ببعض بنات أفكارهم، فما لبثنا أن رأينا في (كل شيء) في العدد رقم (107) المؤرخ 28 نوفمبر سنة 1927 مقالًا طويلًا عريضًا في صدره ملأ صحيفة منه، ولسنا نجني على قراء (الفتح)؛ بأن نسمعهم جميع ما قال (كل شيء). وحسبنا أننا امتحنا بقراءة ما يكتب هؤلاء القوم، فرأى عاملهم كتابًا زعم أنه من أحد الطلاب في الأزهر الشريف، وقدمه إلى قرائه في نصف مقاله ثم علق عليه أخيرًا. وهو لا يقصد بما كتب إلا أن يبث في نفس من رآه أن هذا الأزهر وهذه المعاهد الدينية الإسلامية تفسد عقول الناشئة، وتمحق من تفكيرهم بما تعلمهم من الثقافة القديمة، وأن حضرات "أصحاب صحف الهلال" "في حاجة إلى أن تدخل العلوم الحديثة على جميع معاهدنا وقاية لعقول شبابنا من فساد هذه التعاليم القديمة" يقول حضرات (أصحاب صحف الهلال) في مقدمة مقالهم عن الأزهر:
__________
(1) مجلة الفتح.
(1/439)

يجب أن تكون مدارسنا معاهد لتثقيف الشباب بالثقافة الحديثة، وليس معنى ذلك أن نهجر الثقافة القديمة؛ فإنها يجب أن يختص لها علماء يدرسونها ويوضحون لنا منها تطور الفكر الإنساني، وكيف ارتقى من الجهل إلى العلم، وكيف كانت علومه في الأصل أساطير وحكومته استبداد وطغيان (كذا) ومدنه مباءة أقذار، ثم ارتقى ذلك كله إلى ما نرى من العلوم الدقيقة، والحكومات الدستورية والمدن النظيفة. ومن الغباوة الفظيعة بل المجرمة، أن تغرس في ذهن الشاب المصري أن العلوم القديمة كانت أنفع للناس من العلم الدقيق الراهن، أو أن حكومات القدماء كانت أنظم وأعدل من حكومتنا، فلندرس كل قديم، ولكن باعتبار أنه قديم لقيمته التاريخية فقط، ولكن لا لنقتدي به أو لنؤمن بصحته".
هذه مقالة يقولونها عن الأزهر، والمعاهد التي تعلم قاصديها علوم الشريعة الإسلامية، وآداب الإسلام، وفنون اللغة العربية، وبلاغة العرب - لا عن معاهد أوربا منذ قرنين، ولا عن محاكم التفتيش في الأندلس.
أفرأيتم أيها الناس أن هذه الصحف ترمي الثقافة الإسلامية العالية؛ بأن علومها إن هي إلا أساطير، وتنبز حكومات الإسلام العادلة؛ بأنها حكومات استبداد وطغيان، أو رأيتم أنها تريدنا على أن ندرس علومنا وآدابنا وتاريخنا الناصع وأحكام ديننا، لا لنقتدي بها ولا لنؤمن بصحتها ولكن لقيمتها التاريخية فقط؟ !
(1/440)

ألا تصدقون معي أن هذه الصحف أنما تمتح من البؤرة التي سبقها إليها أستاذ الآداب بالجامعة المصرية، وأنها إنما ينهزها إرضاء جمعيات التبشير؟ لا يزعم أن علوم الثقافة الإسلامية أساطير إلا من جهلها فعاداها، أو كان يدفعه الهوى فينكر ضوء الشمس. وها هم علماء أوربة من المستعربين يدرسون علوم العرب وتاريخهم وتشريعهم ويبذلون في نشرها والإشادة بذكرها من الجهود ما لو وفقنا إليه من بضع عشرات السنين؛ لكان للمسلمين شأن غير ما نرى، ولعاد إلينا كثير مما أضعنا من المجد والقوى و {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. وهذا هو الكتاب المفترى:
"أنا أزهري اسمًا، عصري ثقافةً ولحمًا ودمًا، تؤثر في كلماتك الغالية، حتى كأنها تسري في عروقي سري الدم؛ فأشعر عند قراءتها بخجل وحرارة معًا، فهي في عقلي ثقافة وفي جسمي حياة! وأريد أن أعرض عليك يا سيدي نوعًا من الذين يجلسون منا مجلس المعلمين ..
قال بعض "العلماء": إن القيامة ستقوم قبل سنة 1450 ه لا محالة ...
ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنه لا تأتي على أمتي سنة هجرية اسمها 1450 ... ". وقال غيره: إنّ النيل يأتينا من الجنة! ... فحزنت؛ لأن صموئيل بيكر دخل الجنة قبلنا ... وغيره يقول إنّ: حسانَ بن ثابت كان يمسح بلسانه شعر رأسه، كأن حسانًا لا يكون شاعر النبي
(1/441)

إلا بهذا اللسان (العجالي) الذي يريد أن يلحقه به الشيخ! .. ويقرؤون لنا في حصة (الأخلاق) خرافات المتصوفة وحكايات الصالحين! ...
كل هذا يا سيدي حضرته بنفسي، ولو أردت أن أكتب لك كثيرًا من هذا "العلم الشريف" لفعلت، ولكني أعلم أن نفثات قلمك الجريء لا يصح أن أقتطع منها أكثر من هذا متعة ومنفعة. محمود ... ".
تدعي هذه الصحف أن هذا الكتاب المخترع جاءها من أحد طلاب الأزهر الشريف، ولن يقرأه ذو مسكة من عقل إلا واستيقن أنه مصنوع لديهم، وأنه بقلم سلامة موسى.
وآية صنعه أن طلاب الأزهر - دعك من علمائه - وطلاب المدارس بل والدهماء من كاتب وأمي يعلمون أن تواطؤ المسلمين على بدء تأريخهم بعام هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في خلافة عمر - رضي الله عنه - في السنة الثالثة من خلافته في سنة 16، وأن التاريخ بذلك لم يكن معروفًا أصلًا في عصر النبوة، فمن غير المعقول إذن أن يتحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن انتهاء الحياة الدنيا سيكون قبل سنة 1450، ومن غير المعقول أن ينسب هذا إلى الرسول الكريم عالم أو جاهل من المسلمين، وإنما يتقحم هذه الحفر من لا يرى في نفسه للإسلام حرمة، ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، ولم يسمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن كذبًا علي ليس ككذبٍ عَلَى أحدٍ، فمَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ".
(1/442)

ثم هاتم خبرونا: من المسلمين - جاهلهم أو عالمهم - يرضى أن ينسب هذا الهراء إلى سيد الفصحاء والبلغاء، من أوتي جوامع الكلم واختصر لكم القول اختصارًا - صلى الله عليه وسلم -؟ !
أيرضى لنفسه كاتب أن تصدر عنه هذه الجملة "سنة هجرية اسمها 1450" أيا كان من طبقات الكتاب؟ اللهم إن هذا كذب من أوقح الكذب على رسولك.
وما أصدق قول العربي: إن كنت كذوبًا فكن ذَكُورًا. وإن مثل صاحب الأكذوبة المفضوحة، كمثل رجل سمعنا عنه فكاهة لطيفة في صبانا:
زعموا أن نفرًا اجتمعوا في مصر العليا - وهناك يتضايق وادي النيل - فتفاخروا بالصافنات الجياد وكان فيهم رجل فياش (1) فزعم لهم أنه ركب جواده فطار به في الوادي من الجبل إلى الجبل! ففجأه أحدهم: وأين البحر؟ فبهت وقال هذا الذي أنسيته.
فهذا نسي النيل بين الجبلين، وذاك نسي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يؤرخ المسلمون من الهجرة بست سنوات.
وأما كلمتهم في حسان بن ثابت - رضي الله عنه - فإنَّا نظنها لاحقة بسابقتها وقد جهدنا في البحث عنها فلم نجدها في شيء من كتب التراجم المعتمدة، ولكنا نذكر أنا قرأنا في بعض كتب الأدب أن
__________
(1) يقال: فلان فياش. إذا كان نفَّاخًا بالباطل، وليس عنده طائل.
(1/443)

حسان كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، وهذا على أننا لا نثق بصحته من طريق التحقيق العلمي - لا نراه شيئًا مستغربًا.
وانظروا إلى ألفاظهم حين يذكرون صحابيًّا جليلًا كان ينافح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! ! .
ويمينًا بالله إنهم لا يرضون أن يصفوا بأمثال هذه الكلمات أصغر قس من قساوستهم، فضلًا عن واحد من أصحاب سيدنا عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ولو فلتت فلتة مثل هذه من قلم أحد الكاتبين لهم في وصف رجل ممن ينسبون لدينهم، لغضبوا لها وأبوا نشرها.
وأما ما ذكروا من شأن النيل فليس كما خيل إليهم.
ولفظ الحديث في صحيح البخاري من حديث طويل في وصف المعراج: "وإذا أربعة أنهار؛ نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: ما هذان يا جبريل. قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". وفي حديث آخر في صحيح مسلم: "إن النيل والفرات من أنهار الجنة". ومن المعروف ببداهة الحس والعقل أن النيل والفرات في هذه الأرض التي نعيش على ظهرها، وأنهما شقا في أديمها، يعرف ذلك الجاهل والعالم ولا يخالف فيه أحد: لا قبل ارتياد منابع النيل ولا بعده. والفرات في العراق من الجهة الشرقية للمدينة المنورة، والنيل في مصر من الجهة الغربية لها وبينهما بلاد وأقطار، وهذه حقيقة يعرفها العرب قبل الإسلام وقد كانوا يسافرون شرقًا وغربًا ويدخلون العراق ومصر.
(1/444)

وقد أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق؛ أنه رأى النيل والفرات يجريان في الجنة، وهي عالم آخر غير هذه الأرض، وهو يعلم أن سامعيه يعرفون هذه الحقائق، وأنهم لن يشبه عليهم قوله، فيظنوا أن هذين النهرين اللذين رآهما في الجنة هما بعينهما النهران اللذان رأوهما في الدنيا، وهم يعرفون أن الدنيا عالم والجنة عالم آخر، هذه دار العمل وتلك دار الجزاء.
فهل تحب صحف الهلال والطالب الذي اخترعوه، أن ندلهم على قاعدة صغيرة من قواعد علم البيان، وهي أن المجاز: ما استعمل في غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ونأسف جدًّا أن نمثل لهم بالمثال الذي يُعطى لصغار الطلاب المبتدئين، كما تقول: رأيت أسدًا في الحمام. فإذا كان الحمام قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي مع أن وجود أسد حقيقي في الحمام غير مستبعد، إلا أنه ليس كثير الحصول. أفلا تكون كل هذه الحقائق البدائية التي قلنا كافية لدلالة السامع على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرد المعنى الظاهر للفظ، بل أراد معنى آخر أرقى من هذا المعنى المحال؟ وأنه يريد أن في الجنة نهرين هما نيل وفرات تنويهًا بذكر هذين اللذين في الأرض وإشادة بفضلهما، وأنهما مصدر لكثير من الخيرات والبركات على أهليهما، وأنهما مما أنعم الله به على خلقه فقامت على ضفافهما أقدم الحضارات في الدنيا، إلى معاني وإشارات أدق وأعلى.
(1/445)

ولعلنا نوفق إلى بيان كثير منها في مقال خاص إن شاء الله.
ويرحم الله أبا الطيب إذ يقول:
وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
وبعد فقد نرى أن عدونا بالقوم قدرهم، وقد كانت كلمتنا الأولى كافية في كشف خبيئتهم وفضح نياتهم، ولكنا أردنا أن نأخذ بحجزهم عن الوقوع في أعراض المسلمين، وأن نحمي أبناءنا وإخواننا من الوقوع في حبائلهم {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)}. [محمد: 29 - 31].
{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)}. [التوبة: 56، 57].
* * *
(1/446)

عبد العزيز فهمي باشا وعداؤه للعربية (*)
أثار حضرة صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا فتنة شعواء يحارب فيها لغة العرب، ويسعى لتمزيقها، ثم يحاول أن يظهر للناس في ثوب نصيرها المدافع عنها.
ولقد كنا سمعنا عن اقتراحه - كتابة العربية بالحروف اللاتينية - قبل أن ينشر نصه، فوقع في نفسي أنه استمرار لمحاولة قديمة من فئة معروفة كانت تدعو منذ عشرات قليلة من السنين إلى اتخاذ اللهجات العامية لغة رسمية للقراءة والكتابة والتعليم، وكان على رأسها مهندس إنجليزي كبير، وكاتب مصري مشهور، نال المناصب الرفيعة من بعد، ثم درست تلك المحاولة، وظننا أنها ماتت وانتهى أمرها، ولم نكن نظن أنها اختبأت في حصن حصين، في رأس رجل عظيم، حتى نبتت منه بشعبها، تظن أن سيكون لها في لغة العرب أثر.
وكنت قد فكرت في الرد على اقتراحه بإرجاعه إلى منبعه الأصلي ومصدره الصحيح، بما وقع في نفسي، ولكني خشيت أن أظلم الرجل باتهامه بتهمة لم يكن لدي عليها برهان.
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، السنة الثامنة، العدد الحادي عشر، ذو القعدة سنة 1363 ه.
(1/447)

حتى نشر المجمع اللغوي نص اقتراحه، فإذا البراهين فيه على ما ظننت واضحة بينة تترى، آخذ بعضها برؤوس بعض، وإذا الناس يتناولونه بأقلامهم من كل جانب، والباشا يصرخ هنا وهنا ويستغيث، ولغة العرب منصورة سائرة قدمًا في طريقها، لا تحس به ولا تشعر، وإذا اقتراحه يموت فلا يرثى له، وإن جامله المجمع اللغوي فلم يرفضه أول ما قدم إليه.
ولو سكت الرجل بعد ذلك لكان خيرًا له وأقوم، ولنسيه الناس ونسوا ما قدم، ولكنه أخذته العزة بالإثم، فأخرج في أواخر رمضان من هذا العام (1363 - أغسطس سنة 1944) كتابًا يرد على ناقديه، ويأخذ أعراضهم بقلمه الثائر العنيف، وأدلته المتهافتة المستنكرة، حتى ولو كان لاقتراحه موضع آخر للسقوط لبلغه.
وما بي أن أدافع من ردهم عليهم في كتابه، فكثير منهم أعرف باللغة العربية، وبأدب العرب، وأقدر على الكتابة من الباشا ومن كل أتابعه وأنصاره ومجامليه، ولكني أردت أن أكشف عن مقصده الحقيقي باقتراحه من كلامه وألفاظه، وأن أنقد بعض ما عرض له من مسائل في العلم، ظهر أنه لا يعرف فيها شيئًا، عرض لها عرضًا عجيبًا، ولو تركه ستر نفسه.
أما اقتراحه الميت السخيف (1)، فما أبالي أن لا أرد عليه، اكتفاء
__________
(1) يعذرني صاحب المعالي في استعمال هذه اللفظة النابية؛ فقد حاولت جهدي أن أجد صفة خيرًا منها في موضعها فأعجزتني المحاولة، ثم لم أر في استعمالها =
(1/448)

بما قيل من قبل، وثقة مني أن لا تقوم له قائمة من بعد.
وأنا أعلم أن معاليه سينطلق في أثري كما انطلق في أثر الذين من قبلي، ثائرًا عنيفًا مستعليًا مستكبرًا، كأن لم يسمع كلمة الحق، وأنه سيرميني كما رمى أخي (السيد محمود محمد شاكر بأنه يشتهي تجريح من هو أكبر منه سنًّا، حاسبًا أن ذاتيته تعلوا بهذا التجريح) ولكنني لا أبالي.
يعلن صاحب المعالي في كتابه ص (78) أنه: (يريد المحافظة على العربية الفصحى) ولكن سائر أقواله إنما تصدر عن عقيدة بفساد هذه اللغة وأنها لا تصلح للحياة، لثباتها على وتيرة واحدة إلا أن تتغير وتدور مع اللهجات فتنقسم إلى لغات، فهو يضع اللغم الأول في هذا الصرح الشامخ، حتى إذا ما اهتز الصرح وفقد تماسكه استطاع من بعده من أنصاره ومن أعداء العربية ومن أعداء الإسلام، ومن أعداء القرآن، أن يدمروه تدميرًا.
انظر إلى قوله الذي افتتح به اقتراحه المقدم للمجمع: (لا شك عندي أن حضرات المستشرقين - آه من عبادة المستشرقين ومن عبادة الإفرنج - من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان وأمريكيين، يعجبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت). ثم يقول عن بحث
__________
= بأسًا بعد أن وصف هو بها الرسم العربي عشرات المرات في كتابه.
(1/449)

المستشرقين عن الآثار: (لكن عملهم هذا الشيء وإمساك أية لغة بخناق أهلها دهرًا طويلًا شيء آخر.
وانظروا إلى قوله في الفقرتين 4 و 5 "لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة؛ لأنها مع سريان التطور في مفاصلها، وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله، لم يدر بخلد أي سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيًّا أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ وفي الكتابة معًا تيسيرًا على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، أو كما فعل اليونان، ولم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة، إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا، وأن يردعوا عقولهم على التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة، رغم أنوفهم في لهجات الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعًا لا حد لها ولا حصر، والتي تتسع كل يوم مسافة الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعًا بعيدًا، هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى، كما تصح قراءتهم وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي؛ لأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم، ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات
(1/450)

الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة".
هذا بعض قوله في اقتراحه، وما أظن عاقلًا يخدع بعد ذلك فيصدق الباشا في ادعائه أنه يريد المحافظة على العربية الفصحى، وهو يسخط عليها كل هذا السخط، ويندد بها كل هذا التنديد، بل يندد بالأمم المنفصلة سياسيًّا، أن لم يدر بخلد أحد من أهلها أن يجعل من لهجته لغة قائمة بذاتها لها نحوها وصرفها! ! فإن لم تكن هذه دعوة صريحة إلى تمزيق العربية إلى لغات عدة كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، فما ندري كيف تكون الدعوة، بل لا يدري أحد من الناس.
إن هذا الاقتراح تجديد للدعوة القديمة التي أشرنا إليها في أول هذا المقال، واستمرار لها، حتى تتمزق وحدة الأمم العربية ويحال بينها وبين قديمها، فلا يعرفه ولا يصل إليه إلا الأفذاذ من علماء الأثريات، كما هو الشأن الآن في اللغات القديمة الميتة، فيحال بين الأجيال القادمة وبين القرآن والحديث وعلوم العرب، كما يظنون، فيندثر هذا الإسلام من وجه الأرض ويطمئن القوم. ومهما يكابر معالي الباشا وأنصاره، فلن يستطيع التفصي من هذه النتائج، ومن حمل كلامه على القصد إليها، وإن تبرأ منها ألف مرة، وإن قال ألف مرة: (أنا مكتف بما يسر الله لي من ديني، وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين)! !
(1/451)

إن لم يكفكم هذا برهانًا على ما يقصد إليه ويرمي، فانظروا إلى قوله في الفقرتين 7 و 8: (تلك الأشواك والعقبات وهذا التعدد، تريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست لغة واحدة لقوم بعينهم، بل إنها مجموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة، جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم وجعلوها حجة على كل من يريد الانتساب للغة العربية، ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت، أفليس من الظلم البين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت، ولو فرض المستحيل وأمكن عزل أية واحدة منها لكانت دراستها بسبب قدمها أشق من تعلم عدة لغات أجنبية حية، كل منها يعين الإنسان في عمره القصير على مسايرة العالم في هذه الحياة الدنيا، في كل سنة نسمع صيحة مدوية يصخ البعض بها معلمي اللغة العربية بالمدارس، متهمًا إياهم بالقصور أو التقصير في تلقين التلاميذ، والحق الذي لا مرية فيه أن هؤلاء المعلمين المساكين براء من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فإن العيب إنما هو عيب اللغة التي ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، والتي لها في أدائها جرس ولوكة يضربان صماخ أذن الطفل لبعد ما بينهما وبين لهجة أمه، فينفر منها ومن المعلم نفور الطير روعته والظبي باغته).
إذن فالأمر واضح، ليس الأمر أمر تيسير الكتابة العربية حتى
(1/452)

تمثل النطق بها تمثيلًا صحيحًا طاعة لأمر تعبدي نصت عليه لائحة المجمع اللغوي، ولقرار خاص من وزير المعارف تجب طاعته وتنفيذه؛ لأن "مورد النص لا مساغ للاجتهاد فيه" كما قال صاحب المعالي في كتابه ص 36! ! ولكن الأمر أخطر من ذلك وأبعد أثرًا، الأمر أن لهذه اللغة جرسًا ولوكة يضربان صماخ أذن الطفل" فيجب أن نغير هذا، وأن نمهد له باصطناع الحروف اللاتينية التي لها جرس "يخالف جرس الحروف العربية في المخارج والحركات وتوقيت الكلمة في أثناء نطقها، وهو شيء في صميم اللغة كالمعنى ورسم الكتابة على السواء" كما قال الأستاذ العقاد (الرسالة 585 في 18 سبتمبر سنة 1944) حتى إذا ما تبلبلت الألسن العربية، ومرنت على هذه الحروف اللاتينية ولهجاتها وجرسها، وعلى الحروف المستحدثة التي ابتكرها المجمع اللغوي في قراره العجيب بشأن كتابة الأعلام الأعجمية بحروف عربية (1)، أمكن التدرج في الانتقال إلى اصطناع لغة أخرى أعجمية، أو خلق لغة بين بين، لا هي عربية ولا هي أعجمية وتفرقت الأمم العربية شذر مذر، ونسوا هذا القرآن الذي يجمع بينهم ويوحد لسانهم؛ إذ لن يستطيعوا إخضاعه لهذه اللكنة الأعجمية التي تدل عليها الحروف اللاتينية! !
__________
(1) هذه القرارات نشرت في مجلة المجمع (ج 4 سنة 1356 ص 18 - 21) وقد أشرنا إلى عيوبها ورددنا عليها في مقدمة كتاب المعرب للجواليقي بتحقيقنا طبعة دار الكتب.
(1/453)

وإذن فليس الأمر أمر إرادة المحافظة على العربية الفصحى كما يقول دفاعًا عن نفسه، وإنما هو رفع ظلم بَيِّن عن المصريين وغير المصريين ممن ألزموا تعرف تلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض، والتي لا يمكن عزل أية واحدة، والتي لو أمكن المستحيل بعزل واحدة منها لكانت دراستها بسبب قدمها أشق من تعلم عدة لغات أجنبية حية، والتي كل العيب فيها؛ إذ ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، ولن يكون رفع هذا الظلم إلا أن يرفع عن كواهل المظلومين ما أثقلها من (أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت)! !
لست أدري هل يغالط الباشا الحصيف نفسه ويخدعها، أو هو يظن أن الناس لا يفقهون!
أيها الرجل:
اقرأ كتابك، تجد أنك رضيت عن كل لغة حتى العبرية، وما اصطفيت لسخطك وسخريتك إلا العربية.
وقد أجاب صاحب المعالي عن سؤال من سأل: كيف تريد أن ترسم القرآن؟ بجوابين عجيبين مضحكين!
أما أحدهما فأن يرسم القرآن بحروف معاليه اللاتينية؛ لأن الحروف العربية وثنية منقولة مباشرة عن الوثنين، والحروف اللاتينية ينقلها معاليه الآن عن النصارى وهم أهل كتاب أقرب من الوثنيين إلينا نحن المسلمين (ص 25 - 26) ثم ارتأى أن يَمُنَّ على رجال الدين
(1/454)

المحترمين بإبقاء رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن! (ص 28) ولست أدري أعفى عنهما إرضاء لهم أم شفقة عليهم أم خوفًا منهم؟ إنما هو قد فعل هذا والسلام!
ثم أجاب بعض سائليه (ها أنت ذا ترى فيما أسلفت ما يطمئنك على بقاء القرآن والحديث مكتوبين بالرسم الحالي، فلن يندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائما من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية من يقرؤونه ويحافظون عليه" (ص 29).
وقد وجد معاليه لرجال الدين بعد ذلك عملًا خطيرًا عظيمًا، هو "أن يؤدوا لنا في المستقبل عمل المستشرقين، ويحلوا لنا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد من قديم الكتب والمؤلفات" (ص 28).
ولسنا نجادله في أن هذا الفعل حرام أو حلال، فإن معالي الباشا رجل قانون، وهو أبعد الناس عن معرفة الحرام والحلال، وكتابه شاهد عليه.
ولكنا نسأله سؤالًا واحدًا: أيمكن أن يؤدى نطق القرآن أداءً صحيحًا موافقًا للعربية إذا ما كتب بالحروف اللاتينية، وخاصة في حال الوقوف على رؤوس الآي أو في أثنائها؟ أظنه يعلم أن أواخر الكلم إذا كانت متحركة - وهو الأكثر - في الكلام - وجب الوقف عليها بالسكون، وإذا كان الحرف منونًا مفتوحًا وقف عليه بالألف، وهو يقترح أن يدل على الحركة بحرف مد يسميه (حرف حركة) وأن يدل على التنوين بحرف مد بعده حرف النون، فماذا يفعل القارئ،
(1/455)

أيحذف في كل وقف من المكتوب حرفًا أو حرفين، أم يقرأ القرآن إفرنجيًّا؟
ألسنا معذورين إذا ظننا صادقين أنه يبغي قطع الصلة بين هذه الأمة العربية وبين قديمها، وخاصة القرآن والحديث، تنفيذًا لخطة قديمة معروفة لم يخامرنا فيها شك دل عليها قلمه حين خانه، فجعل عمل رجال الدين أن يحلوا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد!
ثم ماذا يريد صاحب المعالي هذا أن يصنع بالقرآن؟ إنه يريد أن يفتح الباب للعبث به وبقراءاته عامدًا متعمدًا، فقد أدخل نفسه مداخل لا يحسن الخروج منها، ولا منجى له من عواقبها.
انظروا إلى قوله يخاطب "معالي السيد كامل الجاردجي" أحد الذين ردوا عليه اقتراحه (ص 78) (الظاهر يا سيدي أننا غير متفقين اتفاقًا واضحًا على الغرض الذي نسعى إليه، فلنتفق عليه ابتداء ثم ليتكلم كلانا بعد بما شاء، أنا أريد المحافظة على العربية الفصحى، وأنت تريدها كذلك، فلنحدد بالنص الصريح ما هي تلك الفصحى التي نريدها جميعًا، أما أنا فلا أرى مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر؛ فلغته هي وحدها المعنية لي عندما أذكر الفصحى، وأحدد أكثر فأقول: إن لغته المعنية لي هي ما تكون الأقيس والأسهل من وجوه قراءاته فقراءة (إنَّ هذين لساحران) هي المعنية لي (إنْ هذان لساحران مثلًا) هذا نص كلامه بحروفه.
أرأيتموه أيها الناس وعرفتم دخيلته! إنه يأتي بالكلام الحلو
(1/456)

المعسول فلا يرى "مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر" ثم يدس فيه ما يظن أنه يخفى على عامة المسلمين، بَلْهَ خاصتهم، بَلْهَ علماءهم فيزعم أنه يتخير من قراءات القرآن ما يوافق هواه ويعرض عما عداه، موهمًا أن الثابت، المتواتر هو ما حكى دون ما نفى، لكنه يسقط في ذلك سقطة ما لها من قرار.
وذلك أن الآية التي جاء بها مثالًا لما يريد، وهي قوله تعالى في سورة طه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}. رسمت في المصحف على هذا الرسم الذي رسمه أصحاب رسول الله واتفقوا عليه، وروي عنهم بالتواتر القطعي الثبوت رواية وكتابة، لم يَرْتَبْ في ذلك مسلم قط (هذن) بدون ألف بعد الذال، ورويت القراءات فيها بالتواتر القطعي سماعًا من عهد رسول الله إلى عصرنا هذا الذي نحيا فيه. والقاعدة الغالبة في رسم المصحف أن تحذف الألف وأن تثبت الياء.
والقراءة التي يقرأ لها أهل بلادنا، قراءة حفص عن عاصم، في هذه الآية (إن هذان) بسكون النون في (إن) وبثبوت الألف وكسر النون مخففة من غير تشديد في (هذان) ووافقه ابن محيصن وأبو حيوة والزهري، وغيرهم من أئمة القراءة، ووافقه أيضًا ابن كثير ولكن شدد النون المكسورة في (هذان) وقراءة حفص ومن وافقه التي نقرأ في بلادنا هي التى يرفضها الباشا العالم العجيب، وينفي أن تكون مما ارتضى من (العربية الفصحى)؛ وذلك أنه عسر عليه أن يدرك وجهها من العربية وإن كان واضحًا ميسورًا.
(1/457)

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر وحمزة الكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف والحسن والأعمش وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير الطبري وغيرهم (إن) بتشديد النون (وهذان) بالألف وتخفيف النون، وهذه القراءة نفاها معاليه ضمنًا أيضًا باختيار غيرها وإن لم يصرح بنفيها ولكنها، دخلت في غير (العربية الفصحى) عنده.
وهاتان القراءتان هما قراءة أكثر القراء من السبعة بل العشرة، بل الأربعة عشر بل من عداهم، ممن عرف معاليه ومن لم يعرف، وممن سمع به ومن لم يسمع:
ثم اختار لنفسه أستغفر الله - بل لأمم العرب جمعاء، غير مكلف أن يختار لهم، ولكن عاديًا على لغتهم وعلى قرآنهم - اختار قراءة أبى عمرو بن الجلاء وعيسى بن عمر ويونس وغيرهم (إن هذين) بتشديد النون في (إن) وبالياء في (هذين) اختارها من غير دليل إلَّا يسرها في مقدوره وعلمه، وهي قراءة صحيحة ثابتة كاللتين قبلها وإن عبر عنها بعضهم بالشذوذ كالإمام أبي عمرو الداني في كتاب (المقنع في رسم المصاحف) ص 127، وكالزجاج في قوله: "لا أجيز قراءة أبي عمرو؛ لأنها خلاف المصحف" (1).
__________
(1) ومن شاء التوسع في معرفة توجيه هذه القراءات وأدلتها فليراجع كتاب (التيسير في القراءات السبع) لأبي عمرو الداني، طبعة استنبول سنة 1930 ص 151، وكتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري، طبعة دمشق سنة 1345 (ج 2: 308)، وكتاب (اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر) للبناء الدمياطي طبعة مصر سنة 1359 ص 304، وتفسير الطبري طبعة بولاق (ج 16: 136)، والبحر لأبي حيان (ج 6: 255).
(1/458)

فهذا مبلغ هذا الرجل من العلم! قبِل من القراءة ما اختلف فيه وإن كان صحيحًا لأدلة يجهلها، ورفض ما لا خلاف فيه من القراءة بالهوى والجرأة من غير دليل ولا شبهة إلَّا أنه جهل شيئًا فعاداه.
"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" كما ثبت في الحديث الصحيح المتواتر الذي لا شك في صحته، وإن قراءه تلقوا قراءاته وروايات حروفه ولهجاته سماعًا ومشافهة من شيوخهم طبقة بعد طبقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثبتت قراءاته الصحيحة المعروفة بالتواتر الحقيقي الذي لم يثبت بمثله كتاب قط، رووها بأدق ما يُروى كلام وأوثقه، سواء أرضي عبد العزيز باشا فهمي عن هذا أم سخطه.
وإن هذا القرآن بقراءاته المتواترة قد حفظ على العرب لغتهم بحروفها وأوجهها ولهجاتها حفظًا عجيبًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يستطيع أحد أن ينفي شيئًا منها أو ينكره، كابر أو تعنت أو جهل، إنما هو الحق البين المعلوم من الدين بالضرورة، من أنكره فإنما ينكر على نفسه، وإنما يجني على نفسه، وحكم الإسلام فيه معروف، لا يحتاج إلى ذكر أو بيان.
أفيظن أحد أن المسلمين يكذبون علماءهم وقراءهم وحفاظ كتابهم الذين لا يحصيهم العد، طبقة طبقة إلى صحابة رسول الله، ثم يتبعون رجلًا بأنه نبغ في صناعة القانون الإفرنجي حتى نال أسمى منصب فيه، وبأنه وصل إلى مسند الوزارة، وبأنه وضع في غير موضعه: عضوًا في المجمع اللغوي؟ ، كلا ثم كلا! إن من يتوهم بعض هذا إنما يلغي عقله، وإنما يلغى كل منطق وكل دليل.
(1/459)

ولعل الباشا رجع فيما تعرف من القراءات وتوجيهها، لا إلى علم علماء الإسلام، ونقلهم ومؤلفاتهم، وإنما رجع إلى آراء المستشرقين، ونظرياتهم في القرآن والقراءات؛ فهم يرون أن كل علماء الإسلام وقراء القرآن كاذبون مفترون، اخترعوا هذه الروايات وهذه القراءات توجيهًا لما يحتمله رسم المصحف، تشكيكًا منهم في هذا الكتاب المحفوظ بحفظ الله، وتكذيبًا للوعد بحفظه، وبأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وثأرًا من المسلمين باتهامهم بالتحريف، كما اتهم الذين من قبلهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه.
ونظرية المستشرقين أوضحها أحدهم، جولدزيهر اليهودي المجري في كتاب (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن) الذي ترجمه أخونا الأستاذ الشيخ علي حسن عبد القادر ونشره في هذا العام (ص 3 - 4) قال: (وهذه القراءات المختلفة تدور حول المصحف العثماني، وهو المصحف الذي جمع الناس عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وأراد بذلك أن يرفع الخطر الذي أوشك أن يقع في كلام الله في أشكاله واستعمالاته، وقد تسامح المسلمون في هذه القراءات، واعترفوا بها جميعًا على قدم المساواة، بالرغم مما قد يفرض من أن الله قد أوحى بكلامه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وأن مثله من الكلام المحفوظ في اللوح، والذي نزل به الملك على الرسول المختار، يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد، وقد عالج هذا الموضوع بتوسع نولدكه في كتابه تاريخ القرآن. والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع بسبب في ظهوره إلى خاصية الخط
(1/460)

العربي، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب، فهذه التكميلات للرسم الكتابي، ثم هذه الاختلافات في الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن).
ألا ترون أيها الناس في هذا الكلام الروح الذي أوحى بالطعن في الرسم العربي، وأوحى باقتراح تيسيره أو تغييره، وأوحى بالتخير في القراءات بالهوى والرغبة؟
لست أزعم أن هؤلاء التابعين المقلدين أخذوا من جولدزيهر في هذا الكتاب، أو أخذوا من نولدكه في ذاك الكتاب، فلعلهم لم يقرؤوا الكتابين ولا سمعوا بهما، ولم يكن جولدزيهر ولا نولدكه أول من افترى هذه الفرية على القرآن وعلى قراء القرآن وعلى علماء الإسلام؛ فإن هذا الرأي معروف عن المستشرقين، نعرفه عنهم منذ عهد بعيد، وعليه تدور آراؤهم وأقاويلهم في القرآن والقراءات، وفي روايات الحديث وأسانيد المحدِّثين.
ذلك بأنهم أصحاب هوى، وذلك بأنهم لا يؤمنون بصدق رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك بأنهم يؤمنون بأن أصحاب رسول الله وتابعيهم من بعدهم لا خلاق لهم، يصدرون عن هوى وعصبية؛ فيظنون فيهم ما
(1/461)

تيقنوه في غيرهم من الكذب على الدين والجرأة على الله، وحاش لله.
وذلك بأنهم يتتبعون الشاذ من الروايات، الذي أخطأ فيه بعض رواته، أو الذي كذب فيه بعض الوضاعين، وهما اللذان بينهما علماء الإسلام، وخاصة علماء الحديث أدق بيان وأوثقه وأوضحه، فيجعلون هذا الشاذ المنكر أصلًا يبنون عليه قواعدهم التي افتعلوها ونسبوها للإسلام وعلماء الإسلام، ويدعون الجادة الواضحة، وضوح الشمس، ويغمضون عنها أعينهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم، ثم يستهوون منا من ضعفت مداركهم، وضؤل علمهم بقديمهم، من المعجبين بهم والمعظميهم، الذين نشؤوا في حجورهم ورضعوا من لبانهم، فأخذوا عنهم العلوم حتى علوم الفقه والقرآن، فكانوا قومًا لا يفقهون.
ولكن المسلمين يعرفون أن هذا القرآن قرأه رسول الله على الناس وأقرأهم إياه بقراءات معروفة، ثابتة بالأسانيد الصحيحة المتواترة، كل قارئ سمع من شيوخه قراءات كثيرة أو قراءة واحدة، لا ينكر بعضهم على بعض إلا ما كان مظنة الخطأ من الراوي أو الشك في صدقه، قبل أن تجمع الروايات وتستقر، وأما بعد أن عرفت أسانيدها وطرقها، وعرف المتواتر والصحيح، من الشاذ والمنكر، فلا، وهذا شيء يعرفه كل من شدا شيئًا من العلم بالأسانيد وفنون النقل والرواية، أو من أصول الدين وأصول الفقه.
والمسألة في صورة بينة ميسرة: أن هذا القرآن نقل إلينا نقل تواتر
(1/462)

قطعي الثبوت، مرسومًا في المصاحف هذا الرسم العربي المعروف، رسمه حفاظه والقائمون عليه من أصحاب رسول الله، تحت سمعهم وبصرهم جميعًا، وحُصرت طرق رسمه محدودة مفصلة في كتب القراءات وفي كتب خاصة بالرسم، ونقل إلينا أيضًا قراءاته الصحيحة موافقة لهذا الرسم نفسه، نقل تواتر قطعي الثبوت، أو على الأقل في بعضها القليل النادر نقلًا صحيح الإسناد برواية الثقات عن الثقات، نقل إلينا ذلك سماعًا ومشافهة، مبينًا فيه النطق وطرق الأداء (1).
فكنا وكان الناس في هذا بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون الرسم هو الذي ثبت أولًا ثم جاءت هذه القراءات احتمالات فيه، يمثلها كل قارئ بما يرى أو بما يستطيع، وإما أن تكون القراءات هي الأصل ثم رسم الكتاب على الوجه الذي يمثلها كلها ويحتملها حتى لا يخرج عنه شيء منها.
أما المستشرقون ومن قلدهم من الجهلة الأغرار ممن ينتسب إلى المسلمين فذهبوا إلى الوجه الأول واختاروه ونصروه، أعني أنهم فهموا أن القرآن (يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد) وأن هذا الشكل الواحد واللفظ الواحد رسم بهذا الرسم الذي من
__________
(1) وأما ما يروى في بعض كتب التفسير والحديث عن بعض الصحابة وغيرهم من القراءات التى تخالف رسم المصحف، فإن ما صحت روايته منها إنما هو على سبيل التفسير للآية، لم يثبت على سبيل التلاوة؛ لأن أول شروط إثباتها أن توافق رسم المصحف. وهذا بديهي من بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة.
(1/463)

خصائصه أن الكلمة الواحدة (قد تقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب) وبنوا على ذلك أن هذا الرسم بما يحتمل في النقط والحركات (كان السبب الأول لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكل من القرآن) كما قاله جولدزيهر في كتابه.
وليس لهذا الرأي وهذا الاستنباط معنى إلا شيء واحد: أن المسلمين، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن، اخترعوا هذه القراءات تمثيلًا لما يحتمل الرسم من القراءة، ونسبوها إلى كتابهم وإلى رسولهم، وأنهم كذبوا جميعًا في ادعاء نسبتها إلى رسول الله، وفي ادعاء أنهم تلقوها جيلًا بعد جيل وطبقة بعد طبقة.
وقد يعذر المستشرقون إذا ذهبوا هذا المذهب؛ لأنهم قوم جهلوا طرق الرواية عند المسلمين، ومن عرف منهم شيئًا منها فإنما يغلبه هواه، ويغلبه ما يراه بين يديه في كتبهم السابقة، وما لحق بها من عبث، وما أصابها من تحريف وتغيير، ويغلبه ما يعرف من فقدها أي نوع من الإسناد، وأي نوع من الرجال كان يرويها وينقلها، وما يعرف من انقطاع تواترها بل انقطاع أصل روايتها انقطاعًا تامًّا قبل بلوغها مصدرها الأول بقرون، يعرف كل هذا، ويجهل أو يتجاهل سير علماء الإسلام وما كانوا عليه من ثقة وصدق، وما كانوا يتحرون من دقة وأمانة في رواية الحرف الواحد من أحرف القرآن، وفي طرق أداء
(1/464)

كل حرف والنطق به، على اختلاف اللهجات والروايات، حتى إنهم وزنوا نطق الحروف بموازين معروفة في كتب القراءة وكتب التجويد، وحتى إنهم ليقيسون التنفس في أحرف اللين وأحرف المد بما اصطلحوا على تسميته بالحركات، إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق.
فلم يكن عجبًا من المستشرقين وقد جهلوا ذلك كله وغلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجه، وأن يجزموا بأن هذه القراءات نشأت عن الرسم العربي المهمل من النقط والشكل.
وأما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح، أن القراءات هي الأصل، وأن الرسم تابع لها مبني عليها، أعني أنهم عرفوا مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت أن رسول الله قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه بقراءات متعددة النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظًا له وتيسيرًا عليهم، وأنهم سمعوا منه وقرؤوا عليه شفاهًا وحفظًا في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابة وتقييدًا، وأنه قال لهم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر". فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرؤوا، مفصلًا موجهًا بأوجهه في الأداء والتلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصوا، وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذي رسموا، ليكون مؤديًا كل الأوجه التي عرفوا، والتي أذن لهم في القراءة بها، حتى إنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه
(1/465)

آخر يضبط به النطق على حال واحدة لأبوا أن يرسموا به؛ لئلا يضبط النطق على وجه واحد فتضيع سائر الأوجه، وكلها من عند الله أنزل، وكلها من لغة العرب، وكلها أذن لهم في القراءة به، وكانوا هم الأمناء على الوحي وهم الذين أمروا بتبليغ ما أنزل إليهم ما وسعهم البلاغ، ثم نقل عنهم من بعدهم من الثقات الأثبات الأمناء نقلًا فاشيًا واضحًا متواترًا، لم يجعلوا شيئًا منه سرًّا مصونًا ولا كنزًا مخفيًّا، بل هو الإذاعة بأقصى ما يستطيع الناس من الإذاعة حتى لا يكون شيء منه موضعًا لشبهة ولا معرضًا لشك ولا بابًا لزيغ.
فكان في رأي المستشرقين أن الرسم سبق القراءة، خيالًا منهم وتوهمًا، وكان عند المسلمين أن القراءة سبقت الرسم، حقًّا يقينًا ثابتًا بأوثق ما تثبت به الحقائق التاريخية.
ولم يكن للمسلمين - من أول الإسلام إلى الآن - مندوحة عن اليقين بهذا الوجه؛ إذ هو الذي لا يعقل سواه، وهو الذي تقتضيه طبيعة ما وصل إليهم من النقل والأدلة، وكانوا أعرف بأصحاب رسول الله ثم بالأئمة من العلماء والقراء الذين نقلوا إليهم العلم والدين والقرآن، من أن يظنوا بهم السوء والكذب والافتراء، وكانوا يوقنون بكفر من عمد إلى تحريف حرف واحد من القرآن بافتراء قراءة لم تنقل عن قارئه الأول - صلى الله عليه وسلم -. وها هي ذي كتب القراءات - ما نشر منها وما لم ينشر - وها هم أولاء قراء القرآن في أقطار الأرض كلهم يسوق أسانيد القراءة عن الأئمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من روايات الثقات
(1/466)

الأثبات الصادقين الذين لا يحصيهم العد، والذين لا موضع للطعن في صدقهم وأمانتهم وتقواهم لله.
فما كان لأحد من الناس بعد ذلك - ولو كان من المستشرقين أو من عبيد المستشرقين - أن يلقي ظلًا من الشك على هذه الحقائق البينة، وعلى هذا النهار الواضح، ولئن فعل لم يكن إلَّا جاهلًا أو متجنيًا {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
ولو عقل هؤلاء القوم الذين يعرضون لما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يفقهون؛ لعرفوا أن التعرض لتغيير الرسم العربي، أو ما يسمونه "تيسيره" إنما هو العمل على تمزيق لغة العرب وتفريق وحدة المسلمين، وهذا القرآن وهذه اللغة التي حفظهما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتماسك، ولفهموا ما وراء رأي المستشرقين من مقصد أو نتيجة لا يجوز في منطق العقول غيرها: أن القرآن بالوجه الذي أنزل على رسول الله خرج من أيدي المسلمين فيما قرئ بأوجه متعددة؛ لأنه "يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجه الواحد في أوجه متعددة غير معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه؛ لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرؤوا على أوجه يحتملها الرسم المكتوب، لا على أوجه أُنزل بها من عند الله، وثبتت صحتها وقراءتها عن الرسول الذي أمر بقراءته وإبلاغه للناس، فهذه القراءات في رأي المستشرقين ومن
(1/467)

تابعهم ليست كلها أُنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غير معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون، وحاش لله أن يكون شيء من هذا، و {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
هذه حقائق لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازن - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص 84 - 85) في شأن رسم المصحف والقراءة: "لقد كان القراء قليلين والكتاب أقل من القليل، والرقاع أندر من الندرة، فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سورة حرصت عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالًا مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتّاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى برسمها القاصر السخيف؛ إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحًا على مصراعيه؛ ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معان تتلاءم قليلًا أو كثيرًا حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصب لها. أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ ... على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن عمله لم ينحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربي السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة
(1/468)

وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات، أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين، وهو في ذاته علاج واهن ضئيل".
وما بعد هذا القول قول في نسبة التصحيف إلى القرآن الكريم في قراءاته؛ إذ بقي "منبع الشر الحقيقي وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف" والعلاج الذي وضع له "علاج واهن ضئيل". فما ظنك بداء - في نظر معاليه - لم يجتث من جذوره، وبقي يعمل ويفشو أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ولم يعالج إلا بعلاج واهن ضئيل؟ حتى يأتي في آخر الزمان، مثل هذا الرجل النابغة، فيتخير من القراءات ما طاب له، ويرفض سائرها؛ لأنها كلها نتيجة الاجتهاد في قراءة "الرسم العربي السخيف" "القابل لكل تصحيف" وقد تريد الصدفة في اختياره أن يختار غير "الشكل الواحد واللفظ الواحد الذي نزل به الملك على الرسول المختار" كما زعم المستشرقون.
وليس لنا بعد هذا إلا أن نقول له ولهم: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16].
أما بعد؛ وقد وفينا البحث حقه فيما نرى: فإني أرجو أن أظهر الناس على مبلغ علم معالي الباشا فيما هو أيسر من ذلك من العلم؛ فقد يبدو لي أنه - وإن كان من رجال القانون- عرف شيئًا من علم
(1/469)

أصول الفقه، ولو بالقدر الذي يعلم في كلية الحقوق لطلاب القانون، ولكن الباشا أتى بالعجب العجاب فإنه أراد أن يجادل أحد الرادين عليه، وأراد أن يذكر الأدلة الشرعية الأربعة المعروفة: الكتاب والسنة والقياس والإجماع؛ فذكر الثلاثة الأول وقال عن الإجماع (ص 27) ما نصه: "ثم نظروا - يعني المسلمين - فوجدوا أن أحوالًا قائمة أو تقوم في الناس، وعلى الأخص فيما فتحها المسلمون من الأمصار، من عادات في آداب السلوك وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضعات وعرف في المعاملات لم يأمر بها كتاب ولا سنة، ولم يمنع منها كتاب ولا سنة، فأوجبوا بقاء تلك الأحوال ما هو قائم منها وما يقوم واعتبارها أصلًا يصار إليه إذا حدث بسبب حال منها نزاع، وسموا علة هذا الاعتبار الإجماع، وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره"! !
ولست أحب أن أجادله في النظرية التي أتى بها: أصحيحة أم باطلة؟ وإنما أحب أن أسائله عن صحة نقله؛ فإنه نقل أن المسلمين عملوا هذا الذي زعم وأنهم سموه إجماعًا. فهو ينسب هذه النظرية لعلماء الإسلام على أنها هي الإجماع الذي يحتجون به ويجعلونه أحد الأدلة الأربعة، أي أنه يجعل هذا هو تعريف الإجماع عندهم، والذين بحثوا في الإجماع واستدلوا به واعتبروه أحد الأدلة هم علماء الفقه وعلماء الأصول.
فأنا أسأل معاليه: أين وجد في كتاب من كتب الفقه أو من كتب
(1/470)

الأصول هذا التعريف للإجماع؟ سواء أكان من كتب المذاهب الأربعة أم من غيرها من مذاهب الشيعة الإمامية أو الظاهرية أو الزيدية أو أي مذهب من مذاهب علماء الإسلام؟ !
وليس له أن يدّعي أن هذا رأيه وأنه حر أن يرى ما يعتقد صحته، فليس المقام مقام رأي له وإنما المقام مقام نقل أطلقه عن علماء الإسلام جميعًا، نسب إليهم فيه تعريفًا للإجماع لم يقله أحد منهم قط على كثرة الأقوال التي قالوا في تعريفه، ولا مناص له من أن يجيب، وعليه أن يذكر الكتاب الذي نقل منه، ويذكر الجزء والصفحة منه، ويُعَيِّن طبعة الكتاب إن كان مطبوعًا، ومكان وجوده إن كان مخطوطًا.!
فإن لم يفعل - ولن يفعل - فقد عرفنا مقدار أمانته في النقل، ومبلغ علمه ببديهيات الإسلام! وسنرى.
* * *
(1/471)

الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ (*)
روع العالم الإسلامي والعالم العربي، بل كثير من الأقطار غيرهما باغتيال الرجل، الرجل بمعنى الكلمة، النقراشي الشهيد غفر الله له، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين.
وقد سبقت ذلك أحداث، قدم بعضها للقضاء وقال فيه كلمته وما أنا الآن بصدد نقد الأحكام، ولكني كنت أقرأ كما يقرأ غيري الكلام في الجرائم السياسية وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟
وقد رأيت أن واجبًا عليَّ أن أبيِّن هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة؛ حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر، ولعل الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين؛ فيرجعوا إلى دينهم قبل أن لا يكون سبيل إلى الرجوع.
وما ندري من ذا بعد النقراشي في قائمة هؤلاء الناس.
إن الله سبحانه توعد أشد الوعيد على قتل النفس الحرام. في غير آية من كتابه {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} [النساء: الآية 93].
__________
(*) الأساس 2/ 1/ 1949.
(1/472)

وهذا من بديهيات الإسلام التي يعرفها الجاهل قبل العالم، وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس في الحوادث والسرقات وغيرها (القاتل يقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا).
أما القتل السياسي، الذي قرأنا جدالًا طويلًا حوله، فذاك شأنه أعظم، وذلك شيء آخر.
القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس، راضي القلب يعتقد أنه يفعل خيرًا؛ فإنه يعتقد بما بث فيه من مغالطات أنه يفعل عملًا حلالًا جائزًا، إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قصر فيه غيره، فهذا مرتد خارج عن الإسلام يجب أن يعامل معاملة المرتدين، وأن تطبق عليه أحكامهم في الشرائع، وفي القانون هم الخوارج كالخوارج القدماء الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله ويدعون من اعترف على نفسه بالكفر، وكان ظاهرهم كظاهر هؤلاء الخوارج بل خيرًا منه، وقد وصفهم رسول الله بالوحي قبل أن يراهم، فقال لأصحابه:
"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم ج 1 ص 292 - 293) وقال أيضًا "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم
(1/473)

القيامة". حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم ج 1 ص 293. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة متواترة، وبديهيات الإسلام تقطع بأن من استحل الدم الحرام فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
فهذا حكم القتل السياسي، هو أشد من القتل العمد الذي يكون بين الناس، والقاتل قد يعفو الله عنه بفضله، وقد يجعل القصاص منه كفارة لذنبه بفضله ورحمته، وأما القاتل السياسي فهو مصر على ما فعل إلى آخر لحظة من حياته، يفخر به ويظن أنه فَعَلَ فِعْلَ الأبطالِ.
وهناك حديث آخر نص في القتل السياسي، لا يحتمل تأويلًا فقد كان بين الزبير بن العوام وبين علي بن أبي طالب ما كان من الخصومة السياسية، التي انتهت بوقعة الجمل، فجاء رجل إلى الزبير بن العوام فقال: أقتل لك عليًّا؟ قال: لا، وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: أَلْحَقُ بِهِ فأَفْتِكُ به. قال: لا؛ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الإيمانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ". (حديث الزبير بن العوام رقم 1429 من مسند الإمام أحمد بن حنبل: بتحقيقنا.
أي أن الإيمان يقيد المؤمن عن أن يتردى في هُوَّةِ الرَّدَّة، فإن فعل لم يكن مؤمنًا.
أما النقراشي فقد أكرمه الله بالشهادة، له فضل الشهداء عند الله وكرامتهم، وقد مات ميتة كان يتمناها كثير من أصحاب رسول الله، تمناها عمر بن الخطاب حتى نالها فكان له عند الله المقام العظيم والدرجات العلى.
(1/474)

وإنما الإثم والخزي على هؤلاء الخوارج القتلة مستحلي الدماء، وعلى من يدافع عنهم، ويريد أن تتردى بلادنا في الهُوَّةِ التي تردت فيها أوربة بإباحة القتل السياسي، أو تخفيف عقوبته؛ فإنهم لا يعلمون ما يفعلون، ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون.
والهدى هدى الله.
* * *
(1/475)

على الطريقة الأمريكية (*)
كثيرًا ما نقرأ في التلغرافات الخارجية آراء عجيبة في التجني على الدول الإسلامية وأممها خاصة، وعلى الدول الشرقية وأممها عامة، ينعي فيها كاتبوها على الأمم المظلومة أن تتململ، وأن تحاول الإفلات من القيود التي كبلها بها هؤلاء الوحوش المستعمرون، من أقصى الأرض إلى أدناها.
ومن مثل ذلك ما نشرته جريدة البلاغ يوم الثلاثاء 5 فبراير الحالي سنة 1952 عن جريدة أمريكية، تدعى "نيويورك تيمس" قالت في مقال افتتاحي أمريكي: "إن إعلان دول الكتلة العربية الأسيوية عن نيتها عرض قضية تونس على مجلس الأمن، هو قرار يدعو إلى الأسف؛ فإن إصرار كل من الجانبين على عدم الاتفاق مع الآخر، وتدخل الدول الأخرى، يعتبر خير وسيلة لإمداد "مأساة" بالنسبة إلى جميع الدول التي يعنيها الأمر".
فهذه الجريدة الأمريكية شأنها شأن سائر قومها، وشأن سائر هؤلاء الناس الذين لا يفقهون، والذين لا يعرفون العدل إلا أن يكون للجنس الإفرنجي، من أقصى شرقي أوربة، إلى أقصى غربي أمريكا،
__________
(*) مجلة الهدي النبوي المجلد السادس عشر، العددان الخامس والسادس، جمادى الأول والثاني 1371 ه.
(1/476)

وإلى جنوبها، بل إلى جنوب إفريقية، بالنسبة للدخلاء هناك من الإفرنج ونسلهم الأبيض! ! نعم، ويضاف إلى ذلك شذان الأمم ونُفاية الشعوب، ولصوص الدنيا، من بني إسرائيل الذين لعنهم الله {عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} (1). والذين ضرب الله عليهم الجلاء أينما كانوا وحيثما وجدوا، والذين {تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (2).
ولا يزال بعض المخدوعين من العرب، من المسلمين، ومن الشرقيين، يحسنون الظن بهؤلاء الوحوش المتعصبين الطاغيين، ويجاملونهم بمعسول القول، ويتملقونهم بألوان من الملق لا تنبئ إلا عن ذلة وصغار، مهما يأتيهم منهم من نذر، ومهما يلاقوا منهم من صفعات مدوية أو مجاملات ساخرة، أو خداع كاذب.
وها هو ذا أحد وزرائهم الكبار، بل هو وزير الدولة التي تمسك الزمام في العالم الغربي المخادع المستعمر والتي تريد أن تأخذ مكان الإمبراطورية العجوز المنحلة الزائلة بإذن الله: هذا الوزير لا يستحي أن يقول ما نشرته جريدة المصري يوم 8 فبراير سنة 1952، لمراسلها في واشنطن، يقول: "أبدى وزير الخارجية الأمريكية أسفه عن ازدياد العواطف الوطنية عند بعض الدول الإسلامية، عند نظر بعض المسائل، كالمسائل الخاصة بمراكش ومصر وتونس! وقال: إن هذه
__________
(1) المائدة: 78.
(2) الأعراف: 167.
(1/477)

المسائل تستحق الدراسة بكل دقة، ولكن من المؤسف أنها عرضت بشكل عاطفي"! !
إذن فهذه المذابح في القنال بمصر، وفي تونس، وفي مراكش، وهذا التدمير المنظم لبعض البلاد، وهذه المذابح للأعراض، وغير ذلك من الفظائع الوحشية، التي لا تصدر إلَّا عن وحوش ليس لهم دين ولا خلق، وهذا الذي يصنع سادتهم اللصوص الكبار من اليهود: كل أولئك لا يزيد في نظر وزير أمريكا على "مسائل تستحق الدراسة بكل دقة" لولا أنها "عرضت بشكل عاطفي"! !
أي أن مسائل حقوق الأمم في الاستغلال، وفي إخراج المستعمر الغاصب من بلادها، وفي المحافظة على سيادة الدولة في بلادها، أو في المطالبة بهذه السيادة المعترف بها لكل أمة على وجه الأرض لا تزيد في نظر الوزير الأمريكي على مسائل الحب والغرام، ومسائل الفسق والفجور التي يسمونها "مسائل الحب" والتي هي ديدان هذه الأمم الفرنجية عامة، والأمة الأمريكية خاصة! !
أرأيتم أيها الناس، بل رأيتم أيها المسلمون مثل هذه النظريات الأمريكية؟ !

14 - خمارة حقيقية! !
إن حوادث القاهرة في يوم السبت 26 يناير سنة 1952، لا تكاد تنسى، فهي أشد ما رأينا من الفظائع والإجرام بما كان فيها من عدوان وبغي، وسرقة وتدمير، دون أن يردع المجرمين رادع،
(1/478)

والسلطة القائمة الآن بسبيل وضع اليد على المجرمين اللصوص، وعلى مَن وراءهم من المحرضين والمدبرين، ونحن على ثقة من وصول يد العدل إلى هؤلاء وأولئك، إن شاء الله.
ولكن لنا عبرة في بعض النواحي التي تكشف عنها هذه الأحداث المدمرة فمن مثل ذلك أنا كنا نسمع ونحن أطفال صغار، ثم شبان ناشئون، أن يطلق العامة وأشباههم على "لوكندة شبرد" اسم "خمارة شَبَتْ"، وكنا لا نعرف ما وراء هذا الاسم من حقيقة فظيعة، لم يكن خيالنا ليصور وجودها في بلد "إسلامي" أو هكذا يسمى، حتى جاءت هذه الأحداث الفظيعة، فكشفت لنا بعض هذه الحقائق المنكرة، وما ندري أيهما أشد فظاعة وأنكى؟ أهذه الحوادث أم هذه الحقائق؟ ! ! حتى أعلمتنا هذه الحقائق أن العامة في طفولتنا كانوا: ملهمين، وإما عارفين.
فقد رأينا في بعض الصحف التي تصف ما لقيت "لوكندة شبرد" من التدمير أن "قبو الفندق كان يحتوي على أكثر من 26 ألف صندوق من صناديق الويسكي" وقد ضاعت كلها في الحريق، وذلك يعنى أن مخزون الويسكي بالفندق زاد على ربع مليون زجاجة، كما يقولون إن نحو مائة ألف زجاجة شمبانيا قد ذهبت هي الأخرى طعمة للنيران، كما دمرت عدة صناديق من الكونياك المعروف باسم كونياك نابليون، وعمر الزجاجة الواحدة منه أكثر من 70 سنة، وكانت إدارة الفندق تحتفظ بهذه الزجاجات ولا تقدمها إلا لنزلائها من الملوك، فإذا
(1/479)

صدق ما قيل من أن المواد الكحولية هي التي ألهبت الحريق، وكانت السبب المباشر للتدمير الشامل، فإن ذلك يعني أن حريق شبرد قد غذته هذه المشروبات الروحية بأكثر من 70,000 سبعون ألف جالون من المواد الكحولية الملتهبة". (عن جريدة الأساس يوم الأربعاء 17 جمادى الأولى سنة 1371 - 13 فبراير سنة 1952). إذن فلم يكن "شبرد" فندقًا، أو لوكندة كما يسمى، بل كان "خمارة حقيقية" هي أجدر باسم "خمارة شبت"، كما كان يسميها العوام والدهماء. إذن فقد كان وصمة عار في جبين بلد يوصف بأنه "بلد إسلامي"، وفى جبين دولة ينص دستورها على أن "دين الدولة الإسلام".
وها نحن أولاء نرى الأخبار تبشر البلاد! بأن شركة مصرية قد تتشرف بإعادة هذه "الخمارة" إلى سابق مجدها المخزي المخجل! وما ندرى ما حقيقة هذا؟ ولكنا على ثقة بأن سيعود هذا الخزي والفجور سافرًا متهتكًا، سواء أقامه ناس من الحيوانات الأوروبية المنحلة، أم أقامه ناس من عبيدهم عقلًا وروحًا ممن ينتسبون عارًا بحق الوِلاد إلى هذه الأمة الإسلامية المسكينة! .
وما كانت "خمارة شبت" وحدها بالعار الذي تخزى به هذه الأمة المنتسبة إلى الإسلام، ولكن الحوادث أظهرتها مصادفة مثالًا بارزًا يتحدث عنه.
وأرى أنه يجب على الأمة الإسلامية عامة، وعلى الأمة المصرية خاصة، أن تحدد موقفها من الدِّين والخلق، ثم من الدنيا ومتاعها،
(1/480)

وأنا أعرف ما سيتحدث به عبيد أوربة وعبيد المال، من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وممن لا يستطيعون الصبر عن تلمس المتعة حيث كانت، وممن لا يستطيعون الصبر عن "الفن والجمال"! ! وعن الشهوات وعبادة المال.
أتريد هذه الأمة أن تعبد الله وحده، وتقف عند حدوده التي أمر بها كل من انتسب إلى الإسلام، أم تريد أن تعبد المال وحده، فتحرص على وروده من أوربة من أي طريق كان، ولو من طريق التهتك والفجور؟ ! .
على الأمة أن تختار أحد الطريقين: فإما إلى جنة وإما إلى نار، ولكن فليعلم المسلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه" (1).
وليعلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله الخمر، ولعن شاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" (2)، فليختر امرؤ لنفسه.

حضور المسلمين الصلاة في الكنائس
نشرت جريدة البلاغ، يوم الأحد 14 جمادى الأولى سنة 1371 = 10 فبراير سنة 1952 تلغرافيًّا في مدينة الفاتكان: أن بابا رومة لن
__________
(1) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند، رقم 1، 16، من حديث أبي بكر الصديق.
(2) حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند 5716، من حديث عبد الله بن عمر، ورواه أيضًا أبو داود وابن ماجه.
(1/481)

يُمثَّل رومة في جنازة ملك الإنجليز جورج السادس، على الرغم من أنه يشارك الأسرة المالكة في بريطانيا والشعب البريطاني الحداد إلخ. وقال التلغراف: "وتفسير عدم اشتراك البابا بمندوب في الجنازة: بأن الصلاة في الكنيسة ستجري حسب طقوس الكنيسة الإنجليكانية، وهي طقوس لا يستطيع المندوب البابوي المشاركة فيها".
فهذا رجل مسيحي، بل هو رأس المسيحية الغربية المعترف به في دول العالم قاطبة، وملك الإنجليز الميت مسيحي أيضًا، والكنيسة التي ستقام فيها جنازته مسيحية، وطقوس الجنازة مسيحية، ولكن الفارق بين الفريقين اختلاف المذهب، لا اختلاف أصل الدين، فهذا الرجل الذي يحرص على طقوس مذهبه، يأبى أن يمثل رسميًّا في كنيسة لها طقوس غير طقوسه، ولا يستطيع مندوبه المشاركة فيها.
يفعل البابا هذا ويراه حقًّا له، ولا تستطيع رأس أن ترتفع بالدهشة لما صنع، ولا يستطيع لسان أن يقول كلمة، ولا يستطيع قلم أن يكتب حرفًا، ولا يستطيع أحد من أتباعه أو من غير أتباعه أن يرميه بالتعصب الديني بل بالتعصب المذهبيّ الفرعي. أما نحن فإذا قلنا: إن شريعتنا تحرم على كل مسلم أن يحضر صلاة غير صلاة المسلمين، في بيعة أو كنيسة أو غيرهما، ولم يشارك فيها ولم يعتقد منها شيئًا وأن من فعل هذا فقد ظهر بين المسلمين بمظهر الكفر والردة، لا يقبل منه عذرًا بمجاملة سياسية، ولا بنفاق اجتماعي، ولا بأي عذر من الأعذار، إذا قلنا شيئًا من هذا ثارت الدنيا وأخذتنا الأقلام، والألسنة
(1/482)

من كل جانب، ونادوا بالويل والثبور من تعصب المسلمين تعصبًا دينيًّا، ورُمينا ببغض المسيحيين، وببغض الأجانب، وقال كلٌّ ما شاء، بل يقول ذلك وأكثر منه الكتاب الكبار، والمتعلمون العظماء، الذين يرون أنهم أعرف الناس بحقائق الإسلام وشرائعه، بما ارتضعوا من لبان أوربة، وبما شربوا من نتاج المبشرين، وبما ربوا في أحضان الخواجات! ! .
* * *
(1/483)

خطاب مفتوح إلى شيخ الأزهر (*)
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أتشرف بأن أرفع إليكم مع كتابي هذا مقالًا منشورًا في مجلة (السوادي) في العدد 93 الصادر يوم الجمعة 9 رمضان سنة 1367 (16 يوليو سنة 1947).
وهذا المقال بعنوان (الرقص فن وعبادة. بقلم الفنان أحمد البيه).
وستجدون فيه فضيلتكم أن الكاتب يكتب بروح وثنية أوربة قبل أن تدخلها النصرانية دخولًا شكليًّا، بل هي وثنية أوربة الآن. ويكفي أن يزعم هذا الكاتب الذي سماه أهله باسم إسلامي: أن رقص النساء العاريات عبادة، وأن يقول: (إن الراقصة تتعرى لتتجرد من مظاهر الدنيا، ولتكن أكثر انطلاقًا وأكثر روحانية وهي تؤدي صلاة الجسد في خضوعه للروح). وأن يختم مقاله بقوله: (هذا الفن الذي يحترمه الإحساس ويمجده العقل، وتتعبد في محرابه الروح، قبل أن تسجد له العواطف).
ولست أزعم أن هذا المقال أكثر من غيره فحشًا وفجورًا مما
__________
(*) مجلة الهدي النبوي، المجلد الثالث عشر، العدد الرابع، ربيع ثاني 1368 ه.
(1/484)

امتلأت به مجلات مصر وصحفها، كلا بل لعله من أخفها وأهونها، إنما أنكر فيه الروح الوثني الملعون، روح عبادة الجسد كعبادة الأصنام، بل هو أقبح، وهو الروح الذي قضى على الرومان واليونان القدماء، والذي سيقضي على أوربة وأمريكا قريبًا إن شاء الله، وهو الروح الذي بدأ يتغلغل في بلادنا، فيملأ عقول شبابنا وشيابنا ورجالنا ونسائنا، ونخشى أن يقضي علينا أيضًا من سبيل قبلنا.
وما رميت بكتابي هذا إلى أن أستعدي مولانا الأستاذ الأكبر بما له من سلطان على الكاتب الذي كتب، ولا على المجلة التي نشرت، ولا أن أستعدي سلطان الدولة عليهما، فما أيسر هذا عليَّ إن أردته.
ولكني أرمي إلى أعلى وأشرف، إلى العمل على حفظ عقائد هذه الأمة البائسة التي تتردى في مهاوي الإلحاد والكفر والوثنية وهي لا تشعر .. أستغفر الله. بل إن كثيرًا من كبرائها وعظمائها ومثقفيها يشعرون ويقصدون، ثم لا يستحون! ! وإلَّا فتكون أمة مسلمة: الأمة التي لا تحكم إلَّا بقوانين بنيت على عقائد وثنية مصبوغة بصبغة مسيحية، هي أبعد ما تكون عن المسيحية، وعن كل عقيدة من عقائد التوحيد، وعن كل خلق فاضل من أخلاق الأديان السماوية. قوانين تبيح الفسوق والفجور، وتعرف كل منكر، وتنكر كل معروف، وما قصة القانون الذي ضرب علينا أخيرًا ببعيدة، القانون الذي فرض على بلد إسلامي في عهد استقلاله بشؤونه، وبعد رفع نير الأجانب له من عنقه.
هذا القانون الذي جعل أساسه ما نسب إلى جستنيان (الإمبراطور
(1/485)

الوثني) والذي لم يستحيوا أن يسموا مجموعة ما نسب إليه (مدونة جستنيان) تشبيهًا باسم (مدونة الإمام مالك) بل استهزاءً بها وتحقيرًا.
وها نحن أولاء في فترة من أخطر الفترات التي تمر بالأمم، فترة الجهاد بالسيف لرد عدوان المعتدين على بلادنا وديننا من أعداء الله اليهود، وهو جهاد ديني لا شك فيه، له ما بعده من أخطر النتائج في مصائر الأمم العربية، والأمم الإسلامية، ومن أظهر الأحكام الإسلامية المنصوصة في القرآن: أحكام الغنائم، وقد أبى الله إلَّا أن يحكم فيها بنفسه في كتابه حكمًا واضحًا مفسرًا، فلم يتركها لاستنباط العلماء واجتهاد المجتهدين، ومع ذلك فإننا نرى أن قد وضعت لها أحكام أخيرة تخالف أحكام الله وآياته، وشكلت له محكمة خاصة تحكم فيها بما وضع لها من أحكام، تحكم صريحًا بغير ما أنزل الله.
أفتظن يا سيدي الأستاذ - أن أمة تصنع هذا، وهي تلجأ إلى الله تلتمس منه النصر والعون، وقد رمتها الأمم الوثنية المسيحية المتعصبة عن قوس، وليس لها أمل في النصر إلا من عند الله وحده، أتكون أمة هذا أملها وهذا ملجؤها أمة مسلمة وهى تخرج على دينها، وعلى ربها هذا الخروج الواضح الصريح؟ !
سيدي الأستاذ:
إن المسألة أخطر من أن تعالج بمحاكمة كاتب، أو مصادرة مجلة، أو الرد على كتاب يؤلفه معتد يعتدي على الدين.
(1/486)

المسألة مسألة الأزهر وهو سياج الإسلام في هذا الزمن، ومنه يرجى العلاج إن كان لذلك علاج، وهو المسؤول عن تعليم المسلمين دينهم، وبث عقائده الصحيحة فيهم على الوجه الصحيح الذي يأخذ الناس إلى النهج الواضح والصراط المستقيم، قبل أن يكون مسؤولًا عن التبشير بين أمم غير إسلامية، أو الدعاية إلى شرائعه وآدابه في بلاد غير بلاده.
وبيدكم سلطة واسعة، تستطيعون بها أن تجندوا كثيرًا من العلماء الأفذاذ الذين تثقون بهم، وتطمئنون إلى غيرتهم وعصبيتهم، وحميتهم؛ ليقروا ما ينشر ويبث من العقائد والنظريات والمبادئ الهدامة، في الصحف والمجلات والكتب وغيرها، ثم ينقبوا عن مصادرها العقلية والثقافية، وعن الدوافع لها في نفوس هؤلاء الهدامين، حتى يشخصوا العلة وأسبابها، ويصلوا إلى مصادرها في النفوس والعقول. ثم تأتي مهمتهم الكبرى، وواجبهم الأعظم، فيصفون العلاج الحكيم، ويضعونه موضعه، في خطط دقيقة حكيمة، خطط الجماعات الرشيدة، لا الأفراد الموزعة القوى، وبذلك قد يكون العلاج ناجعًا موافقًا للداء، بإذن الله.
هذا رأيي أرفعه إلى مولانا الأستاذ الأكبر، لا أريد إلا وجه الله والعمل على أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تنجو الأمة من الخطر المحيق بها، وفقنا الله وإياكم للعمل الصالح، ووفق المسلمين جميعًا إلى إعلاء كلمة التوحيد وإلى إحاطة المسلمين بما يحفظ عليها دينهم وعقائدهم.
(1/487)

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(الهدي النبوي):
هذا الخطاب عندنا من يوم أن أرسله فضيلة كاتبه إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وقد كنا نتربص بنشره حتى يأتي جواب فضيلة الشيخ الأكبر وننشرهما معًا، ليكون لذلك الأثر الصالح المرجو لخير هذه الأمة التي تعمل معاول التفرنج والنظريات الخطرة، والمبادئ الهدامة في هدم كل مقوماتها جاهدة، وهي مستسلمة لذلك في استخذاء ومذلة، لا سبب لهما إلَّا اتباع الأهواء والشهوات ثم التواكل، والفرار من ميادين الجهاد والعمل لنصرة الحق ومحاربة الفساد والبغي، وأغلب الظن أن فضيلة الأستاذ الأكبر قد أعطى هذا الموضوع ما ينبغي له من العناية، ولكن كثرة مشاغله بما يحمل من الأعباء الإدارية الجأته إلى إرجاء الجواب، وإنا لفي انتظار جواب الشيخ على ذلك وهو سيكون إن شاء الله جوابًا عمليًّا أكثر منه قوليًّا، والله يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، ويجعلنا ممن قال الله فيهم {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} (1).
* * *
__________
(1) الحج: 41.
(1/488)

خواطر
1 - في التعليم (*)
قال الشيخ:
يريد المجددون أن يجمعوا في التعليم بين الذكور والإناث - جريًا على ما اختطوا لأنفسهم من خطط في هدم الدين ونشر الإباحية، وأحسن ما رأيناه صالحًا للرد عليهم وكشف أغراضهم كلمة كاتب فاضل من رجال التعليم في أهرام الخميس (6 مارس سنة 1930) قال فيها:
إننا نرى الآن في المدارس أنه كثيرًا ما يختلط طالب السنة الخامسة الثانوية الذي تجاوز الثامنة عشر ربيعًا مع طالب السنة الأولى الذي لا يجاوز الثانية عشر، وهناك فارق عظيم بين سنيهما في الأخلاق والآداب، والاجتماع بينهما كثيرًا ما يكون قبل دخول الفصول وفي أوقات الفسح، وهذا الاجتماع بين كبار الطلبة وصغارهم كان من الواجب منعه؛ لأن أسباب الضرر التي تنتج عن ذلك معروفة ولا موضع لذكرها؛ ومن المحتم الفصل بين هاتين الطبقتين؛ فيحدد موعد لدخول كبار التلامذة، وموعد لدخول صغارهم ... وكذلك عند الانصراف من المدرسة حتى يمتنع الاختلاط.
__________
(*) الفتح، العدد رقم (190).
(1/489)

ولإمكان منع هذا الاختلاط أيضًا، يجب أن نمنع تناول الغداء في المدارس؛ لأنه فرصة للاجتماع.
ويظهر من كلام حضرة الكاتب أنه ممن مارس التربية، ووقف على أسرار المدارس، ودرس أخلاق الطلاب أدق درس.
فهل يخجل بعد هذا من يزعمون أنهم يجددون للأمة في كل نواحي حاجاتها - حتى الدِّين ما أظنهم يخجلون!

2 - في المحاضرة الحمقاء
قد أحسن جدًّا من وسمها بهذه السمة.
ولا ندري إلى متى تغضي الأمة - ولا أقول الحكومة - عمن يهاجمها في دينها وعقائدها، ويسب نبيها - صلى الله عليه وسلم -؟ كما فعل ذاك المحاضر الآخر بقاعة الجامعة الأمريكية.
أترضى أمة من الأمم أن تغضي عن مثل هذا! ! قام رجل مسلم في أي بلد من بلدان أوربة أو أمريكا وطعن علنًا في سيدنا عيسى - صلى الله عليه وسلم - بل في أحد من يقدسونهم من الرجال والنساء - وكثير ما هم - أقول هل يتركه القوم هناك يقول ما شاء؟ ! كلا والله، وإن الأمم التي تفقد الغيرة على دينها وأعراضها ليس لها إلا الدمار.
أيها المسلمون، الأمم تجدّ وأنتم تهزلون. بالأمس قام رجل مسلم غيور - هو صاحب الفتح - يعقد أعمالًا مما صنع أمان الله - ملك الأفغان السابق - يمقتها الإسلام، وما كتب إلا غيرة على دينه
(1/490)

وانتصارًا لعقيدته وللأخلاق، ومع هذا فقد كان جزاؤه الحبْس، ولو مع إيقاف التنفيذ. وها هم أولاء يهاجموننا في ديننا وعقائدنا ولا يستحون أن يطعنوا في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشخصه مقدس عند كل مسلم، ثم لا يرون أمامهم إلا جبنًا وخنوعًا.

3 - في الأعراض
بلغنا أن شابًا خدع فتاة قاصرًا لم تبلغ السادسة عشر وعاشرها، وظهر أنها حامل منه - وكثيرًا ما يحدث مثل هذا - فهذا أضاع عليها شرفها وما ترجو في حياتها، ولا يمكن تزويجها منه؛ لأنه مسيحي وهي مسلمة، ومن الأسف أن القانون لا يصل إليه لعقابه طبقًا للمادة (232 عقوبات)؛ لأن سنها زادت عن أربعة عشر عامًا.
تحدثت في هذا الأمر مع أحد أفاضل نوابنا الكرام، فكان من رأيه اقتراح رفع السن في هذه المادة إلى ستة عشر عامًا، وكان من رأيي رفعها إلى واحد وعشرين - إن لم يمكن الآن تحريم الزنا في القوانين كما هو محرم في الأديان - وحجتي واضحة في نظري وهي: أن القاصر لم يبح له في التشريع الحديث قبل بلوغ هذا السن أن يتصرف في شيء من ماله، وجعل اختياره في بيعه وشرائه كأنه لم يكن، فكيف تكون له الخيرة في التصرف في عرضه وهو أغلى من كل مال؟ !
إنا نعرض أمثال هذا الحادث على الغيورين من رجال الشريعة ورجال القانون؛ ليبدوا فيه آراءهم ويبحثوا عن الدواء وقد ظهر الداء.
وفقهم الله جميعًا.
(1/491)

4 - لصوص الثياب
لصَّ (1) المجددون من الشبان المفتونين بهم دينهم وعقولهم، وسرقوا من الفتيات عفافهن وحياءهن، والآن يريدون أن يسرقوا من الفريقين ثيابهم.
بالدعوة إلى "العري" قاتلهم الله أنى يؤفكون!
ألا ترى قائلهم يقول في المجلة السلموسية (يناير 1930): (إننا طغينا طغيانًا عظيمًا في تزيين اللباس، حتى باتت الزينة خطرًا على كل شاب مراهق تملأ رأسه خيالات كاذبة، لو أنه عرف حقيقتها لخفف من غلوائه في غرامة بجمال المرأة، ولو كنا نعيش كلنا عرايا كما تفعل الآن في أوقات معينة إحدى الطوائف في ألمانيا؛ لأخذ الاشمئزاز شيئًا كبيرًا من ذلك الغرام). ويقول أيضًا: ويجب أن لا يبرح من أذهاننا أن الإغراء الجنسي إنما يأتي من كثرة الملابس، وليس من قلتها، بل إن التجرد أو العري أدعى للاشمئزاز منه إلى الإغراء).
فما أوقح وما أفجر! !
وهذا نوع من تجديدهم لا يحتاج إلى تعليق.

5 - هل في شعائر الإسلام وثنية (2)؟
وهذا مجدد آخر من طراز راقٍ! ! كتب في الأهرام (7 مارس سنة
__________
(1) لص بمعنى سرق كما في المصباح، وهو من زياداته على اللسان.
(2) مجلة الفتح العدد (رقم 191).
(1/492)

1930) فوصف ما شاهد في روما (مدينته الخالدة) من تقبيل قدم صنم من أصنامهم ثم قال:
"وكذلك في مكة يقبلون الحجر الأسود، وكذلك يقبلون في طنطا عمود السيد، وهنا يقبلون قدم تمثال بطرس، فنحن وإن اختلفنا مذاهب وشيعة مازلنا حافظين منذ أجيال دون وعي منا شيئا من عبادة الأسلاف .. شيئًا من الوثنية ... ".
دعنا الآن مما يظهر في ثنايا كلمات حضرة الكاتب من تقديس النصرانية والحدب عليها - والكاتب يسمى باسم من أسماء المسلمين - فذلك من النتائج الخطيرة في حياة المسلمين من نظم التعليم في مدارس المبشرين، وفي البعثات إلى أوربا، بل وفي المدارس المصرية نفسها قاطبة، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ودعنا من محاسبته على لوازم أقواله ومراميها الدقيقة البعيدة، فلو حوسب حضرته عليها لكان من المدحضين.
ولكن نسأل الكاتب: هل قال مسلم قبل اليوم إن تقبيل الحجر الأسود من شعائر الوثنية ومن عبادة الأسلاف؟ بل هل كان الحجر الأسود سلفًا لأحد من الناس؟
اللهم إنا نعوذ بك من فلتات ألسنتنا ومن غلبة أهوائنا، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو
(1/493)

قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم" (1). وإذ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم" (2).
إن تقبيل الحجر الأسود ليس له في شعائر الحج عند المسلمين أي معنى من معاني العبادة، وإنما هو عمل نقتدي فيه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مما عمل من مناسك الحج، وقد أمرنا أن نأخذ عنه المناسك؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عند تقبيل الحجر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" (3).
وإنما أوهم حضرة الكاتب الفاضل جهله بالشريعة الإسلامية وفرائضها - إذ سمع من بعض الناس إنهم يقبلون الحجر الأسود، أنهم يقبلونه على معنى من معاني الوثنية، كما تفعل أمم ذات أديان أخرى، ولعله معذور في هذا الفهم؛ لأن النفس لا تتجه إلا إلى ما نشأت عليه وأشربته في قلبها، فتنساق إلى تأويل ما تسمعه أو تراه على ما رسخ فيها من عقائد وعادات، ولو كان المعنى الذي رآه حضرته مما يجول في خاطر أحد من المسلمين لكان أولى أن يجول
__________
(1) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه هو والترمذي. وانظر: الترغيب والترهيب (ج 4 ص 5)
(2) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وانظر: فتح الباري (ج 11 ص 245 - 246) والعيني (ج 23 ص 71 - 72).
(3) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(1/494)

في خواطر الصحابة - رضي الله عنهم - وهم كانوا قبل أن هداهم ربهم ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وثنيين متعمقين في الوثنية متعصبين لها يقاتلون عنها بأنفسهم وأموالهم، فما هو إلا أن أنقذهم الله بهدايته، وصدقوا رسوله حتى كانوا حربًا عليها وألدّ أعدائها. أقول: مع كل هذا لم يظن أحد منهم في تقبيل هذا الحجر معنى الوثنية التي كانت في أعماق قلوبهم وما توهموه قط، رحمهم الله ورضي عنهم.
وأما تقبيل عمود السيد فإنا ننكره على من يفعله، وما يفعله إلا العامة وأشباههم جهلًا منهم وكثيرًا ما أنكره المهتدون.
بل هذه القبور والقباب لا أصل لها في شريعة الإسلام، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتسوية القبور بالأرض؛ لأن الإسلام جاء بالحرب على الوثنية؛ لاقتلاعها بجذورها من القلوب.
ومن الفكاهات في هذا الموضوع أن حضرة الكاتب زعم أن عمود السيد في طنطا، مع أن المعروف أنه في القاهرة في المسجد المنسوب إلى سيدنا "الحسين بن علي" رضي الله عنه.
* * *

6 - بحث في تاريخ السيد البدوي
وبهذه المناسبة نريد أن نسأل المؤرخين العارفين عن تاريخ "السيد أحمد البدوي" الذي يقول بعضهم بوجوده وينكره بعضهم، وأعني بهذا أنه هل وجد شخص حقيقي بهذا الاسم هو المدفون في
(1/495)

طنطا والذي نسب إليه المسجد؛ لأن الذين كتبوا في ترجمة حياته إنما هم المتأخرون، ويزعمون أنه توفي في منتصف القرن السابع الهجري - أي؛ بين سنتي 600 و 650 هجرية - لأني لم أجد من ذكره من المؤرخين السابقين الذين يوثق بنقلهم إلا جلال الدين السيوطي الحافظ - رحمه الله - وهو من رجال أواخر القرن الثامن؛ لأنه مات سنة 911 هجرية، وبين التاريخين بون شاسع، ولم يذكر السيوطي عمن تلقى خبر تاريخه، والقاعدة الصحيحة عند علماء النقل وزعمائه - وهم حفاظ الحديث - أن المرسل لا تقوم به الحجة، وهو ما يرويه شخص عمن لم يدركه، ولم يتلق عنه مباشرة، لما فيه من جهالة الواسطة فلعله غير ثقة، وهذا أمر معروف، ولعل من يجيبنا عن هذا السؤال يذكر من أين نقل، والكتاب الذي نقل منه، على أنا لا نريد إلا التحقق من هذا الأمر، ونسأل الله العون والتوفيق.
* * *

7 - مقاطعة الملحدين
بث الملحدون دعوتهم بين كثير من الناس؛ فأفسدوا كثيرًا من عقائدهم، ولمسنا خطرهم على الإسلام بأيدينا، ورأيناه بأعيننا، ثم رأوا من المسلمين الصادقين التواكل والسكون؛ فراشوا سهامهم وأعدُّوا عدتهم وهاجمونا من كل جانب، والمبشرون من ورائهم يؤدونهم بأموالهم وصحفهم اتباعًا لخطة اختطوها بعد التجارب، وقد علموا أن تنصير المسلم دونه خرط القتاد، فاكتفوا الآن - مؤقتًا -
(1/496)

بالعمل على تنفيرهم من الإسلام وتحقيره في أعينهم، وانتزاع عقائده من صدورهم، وآية ذلك أن تجد هؤلاء المجددين لا يطعنون إلا في دين الإسلام وإن تظاهروا بمحاربة كل الأديان.
وقد قامت حركة مباركة بين المخلصين المجاهدين في سبيل الله بالكتابة ضد كل من تحدثه نفسه بالعدوان على الدين الحق، ولكن الكتابة في نظري غير كافية، والمناظرة لا تجدي إلَّا قليلًا، وإنما الجهاد عمل (1).
ولا يجوز لنا أن نعتمد في كل أمورنا - بل في أمر هو حياة الإسلام - على الحكومة، وما هي بمجيبة لنا دعوة، ولا بسامعة لصوتنا صدًى. والإسلام يكره العنف والهوج، ولكنه بجانب هذا يحتقر الجبن والذل ويرفض من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.
ويقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}. {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}. [الممتحنة: 4]. فكرت في هذا كثيرًا فما وجدت من طرق الجهاد السلمي الهادئ أجدى علينا من مقاطعة الملحدين.
لا أقصد بهذا أن لا نكلمهم فقط فذا أمر هين، ولكني أريد أن
__________
(1) الفتح العدد (رقم 194).
(1/497)

نقاطعهم في كل شيء، لا نأكل طعامهم ولا نضيفهم ولا نبايعهم ولا نصاهرهم، ونقطع كل صلة بأي فرد منهم، ونعلمهم بحكم الله تعالى بأنهم خرجوا من الإسلام وحاربوه؛ فلا صلة بينهم وبين المسلمين.
إذا مات أحدهم لا يرثه وارثه المسلم، وإذا مات قريب لهم لا يرثونه، وإذا علمت المرأة أن زوجها منهم وجب عليها أن تفارقه؛ فإن نكاح الكافر للمسلمة نكاح باطل ومعاشرتها له حرام.
إذا كان للرجل ولد منهم حرم عليه إبقاؤه معه تحت سقف واحد ووجب عليه إخراجه، وأن لا ينفق عليه، وكل ما يعطيه فإنما ينفقه في إعانة من يحارب دينه وهو عليه حرام.
وقد أعجبني من هذا النوع كلمة لأستاذنا السيد رشيد رضا للآنسة التي أيدت الأستاذ محمود عزمي في وجوب مساواة المرأة بالرجل، فإنه قال لها (في عدد رمضان سنة 1348 من مجلة المنار الغراء): "يجب أن تعلم هذه الفتاة هي وأهلها، أنها إذا كانت تعتقد ما يعتقده عزمي في هذه المساواة، وتنكر حقيقة ما قرره الإسلام وحسنه، فهي مرتدة لا يجوز لمسلم أن يتزوجها ولا ترث المسلمين ولا يرثونها".
وهكذا يجب أن نفعل؛ كل من أبدى للإسلام صفحته، صدعنا بأمر الله وصارحناه بحكم الإسلام فيه، وعاملناه بما تأمرنا به الشريعة في كل أموره.
هذه فكرة كانت تجول بخاطري من زمن بعيد، وكلما هممت
(1/498)

بكتابتها تريثت حتى تنضج، وأنا أعرضها الآن على إخواني المؤمنين، فما قولهم؟
* * *

8 - الكشف الطبي على راغبي الزواج (1)
في الأسبوع الماضي أبى مجلس النواب أن يوافق على مشروع هذا القانون الذي قدمه صديقنا النائب المحترم الدكتور عبد الرحمن عوض. وبالرغم من احترامنا الكثير لحضرة النائب واعتقادنا إخلاصه في اقتراح هذا المشروع وفي أنه يرجو - وهو نقي الضمير - أن يحارب الأمراض السرية المهلكة التي أضاعت على كثير من الشبان حياتهم وسعادتهم، بالرغم من كل هذا، نحبذ قرار المجلس الموقر ونرى أنه قرار حكيم.
إن محاربة الأمراض السرية لا تكون بزيادة القيود التي قيد بها الزواج، ويكفي ما أرهق به الناس منها، إلى إعراض أكثر الشبان النافعين، وهم زهرة الأمة عن الزواج.
حاربوا الأمراض السرية إن شئتم بإلغاء البغاء المعلن والخفي، حاربوها بمنع الخمور وبإقفال دور الفسق.
حاربوها بمنع الصور المتهتكة المخجلة التي تسمونها الصور
__________
(1) الفتح العدد (رقم 192) الصادر يوم الخميس 26 شوال سنة 1348 - 27 مارس 1930 م.
(1/499)

الفنية، حاربوها بمنع ما ترون كل يوم في دور التمثيل والملاهي، وقد أضاعت على فتيانكم وفتياتكم رونق الشباب وجدته.
حاربوها بإيجاب الزواج على كل من أطاقه من الرجال والنساء، وبمنع التغالي في المهور والجهاز والأفراح.
حاربوها بإعانة الأسر البائسة والأرامل واليتيمات؛ ممن يعانين شظف العيش ويجاهدن في سبيل الحياة، حتى يدفعهن الفقر المدقع إلى التفريط في الأعراض.
حاربوها بإقامة حدود الله لا تخافون لومة لائم.
أنا أعلم أن اقتراح إقامة الحدود في هذا البلد في هذا العصر يقابل بالسخرية والاستهزاء من فريق كبير من المسلمين - وأنا آسف - وآخرون منهم يرونه شيئًا فات ويشفقون على من يطالب به خشية أن يكون به مَسٌّ! !
هذا كله أعرفه وأشعر به، ولكني أفهم أني أخاطب قومًا مسلمين.
أيها الناس: إن الله تعالى يقول في كتابه - وهو القانون الأول والدستور الأعظم الذي لا يجوز لمؤمن أن يخرج على شيء من أحكامه -: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2].
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن
(1/500)

سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
أيها المسلمون: طغت عليكم سيول المدنية الكاذبة؛ فأنستكم دينكم، واقتلعت من قلوب كثير منكم حبه واحترامه والغيرة عليه، حتى صرتم تنكرون على من يدعوكم إليه ثم تحاربونه جهارًا.
لا والله لا فلاح لكم حتى تراجعوه وتهتدوا بهديه.
سيقول كثير منكم: أنعود إلى أحكام العصور الوسطى؟
ونعم يا سيدي؛ إن القرون الوسطى كانت على أوربا ظلمًا وظلامًا وضلالة، ولكنها كانت على المسلمين عدلًا ونورًا وهدًى.
أيها الناس: إن الله أرحم بعباده من رحمة الأم بطفلها، وأعلم بما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وقد حد لهم هذه الحدود - وهو عالم الغيب والشهادة - هداية لهم وزجرًا، يداوي بها أمراضهم العصية. وهأنتم قد رأيتم عاقبة تركها، وسيستعصي عليكم الداء حتى تلجؤوا إلى الدواء.
أين المجددون؟ !
ها هي أمة من الأمم تريد أن تعود القهقرى، فهلا أخذتم بيدها فأنقذتموها من (الرجعية)؟ ! أما قرأتم في البرقيات الخصوصية في مقطم الثلاثاء 18 مارس سنة 1930: (وافق مجلس النواب الإيطالي على مشروع القانون القاضي بإدخال التعليم الديني في المدارس
(1/501)

العالية، نعم! المدارس العالية - طبقًا لما جاء في المعاهدة بين الحكومة الإيطالية والفاتيكان، وقد بنى موافقته على أن الأمة لا تستطيع أن تبلغ درجة رفيعة من الرقي بغير التربية الدينية).
أين أقلامكم الماضية وأسلحتكم المرهفة في محاربة الأديان، وفي منع تعليمها! ! هذا مجال لكم واسع تجولون فيه، فإن فزتم نلتم أعظم فخر بهداية أمة أوربية وإنقاذها من ظلمات الرجعية!
أؤكد لكم أيها المصلحون أن أحدكم سيغص بريقه ألف مرة قبل أن ينطق لسانه بكلمة أو يخط بقلمه حرفًا، وما بكم من عجز أو عيّ، ولكنكم لا تحاربون من الأديان إلا دين الإسلام.
* * *

9 - تعليم الدين في المدارس (1)
فكرت كثيرًا في أنْ أجد وجهًا معقولًا، أو سببًا مقنعًا يمنع من تعليم الدين في المدارس - من كل نوع - فما اهتديت لشيء.
الأمة بحمد الله مسلمة، وحكومتها تعلن أن دينها الرسمي هو دين الإسلام، وبجانب هذا يخرجون ناشئتها تجهل دينها، ثم لا يزال بها الجهل حتى تعاديه - وقديمًا قالوا: "من جهل شيئًا عاداه".
__________
(1) الفتح العدد (رقم 193) المصادر يوم الخميس 4 ذي القعدة سنة 1348 ه - 3 إبريل 1930 م.
(1/502)

وصدقوا - لا تجد الآن في المدارس كلمة في تعليم الدين وتهذيب النفوس، حتى المدارس الابتدائية، وطلبتها أطفال، ليس فيها من ذلك إلا قشور إن لم تضر لم تنفع، ثم جعلوا درس الدين في آخر اليوم بعد أن يسأم الطفل ويملّ، وجعلوه علمًا إضافيًا - لا امتحان فيه - فأهمله المدرسون، وكثير منهم يشغل هذا الوقت الضئيل بتقوية الطلاب في العلم الذي يمتحنون فيه، ويسأل عنه إذا ساءت نتيجة الامتحان، هذه حقائق يعلمها كل من له أولاد في المدارس ويشعر بآثارها السيئة في نفوس الطلاب وأخلاقهم وآدابهم.
وبعد كل هذا يدخل الطالب المدارس الثانوية فينسى المسكين الكلمات القليلة التي حفظها في المدرسة الأولى، ولم ترسخ في عقله ولم تتشربها نفسه، فما يكاد يشبّ حتى تتناوله أيدي الشياطين من إخوانه وغيرهم، فإذا به مهيأ للإلحاد.
ثم لا يدخل المدارس العالية - قل: الجامعة - حتى يكون من أساطين الملحدين المجددين، فدينه محقر في نظره السامي!
وأهله جامدون، ومعلموه المتمسكون بدينهم رجعيون، وهو وحده النابغ. ولن أسترسل في وصف ما صرنا إليه من هذه الحال؛ فإنه معروف لكل من يخالطهم ويسمع آراءهم ويحضر محاضراتهم.
هذا هو الأكثر الأغلب إلا من هدى الله.
إثم كل هذه السيئات في عنق من يستطيع المداواة ثم لا يفعل.
(1/503)

أرادوا أن يعلموا الأمة ويهذبوها، فانقلبت عليهم أغراضهم، وجدوا أمامهم الأزهر يعلم الناس، وكان إذ ذاك قائمًا وحده بالتعليم، وكان ما فيه من علوم لا يكفي لما يناسب العصر الحاضر، وكان الطريق الصحيح للرقي أن يدخلوا عليه ما شاؤوا من التهذيب والإصلاح، ولكنهم لم يفعلوا، فتركوه جانبًا، وأنشأوا بجواره أنواعًا من المدارس، ثم جاؤوا إلى العلوم التي اختص بها، وهي الشرائع والعلوم اللغوية، فعملوا لها مدرستين، وزادوا أخيرًا ثالثة، هي "قسم الآداب بالجامعة" حتى يتم القضاء عليه فلا تقوم له قائمة، وما أدري هل عمدوا أو أخطؤوا؟ إنما نرى النتائج والآثار، وعلم النيات عند الله.
الأمة تريد العلم والتهذيب وتحرص على دينها، ولكن بجانب هذا يريد الإنسان الحياة، يريد أن يطرق سبل الكسب، يريد أن ينال حظه من نعيم الدنيا، وهذه المدارس قد احتكرت كل الفنون التي تنفع في اكتساب الرزق، فأقبل الناس على زجّ أبنائهم فيها وتكالبوا عليها، وليس في مقدورهم الإعراض عنها، وقد حببت إليهم العاجلة، وإن كثيرًا من الآباء ليبكون الدم أسفًا على ما وصل إليه أولادهم من استهزاء بالدِّين وإعراض عنه، وما فعلت بهم آراء الإباحية التي بُثت فيهم وامتزجت بأرواحهم.
وها قد صارت الأمة في خطر شديد من هذه الخطط التي وضعت فكادت تقضي على عقائد شبانها وأخلاقهم وتهذيبهم، فهل نجد في
(1/504)

رجالها وكبرائها من يغيثها ويحفظ عليها ما بقي من فضائل.
إن عاطفة تقليد الأجانب استولت على أكثر الأفئدة واستهوتهم، وقد قرر مجلس النواب الإيطالي بالأمس وجوب تعليم الدين في المدارس الإيطالية، فقلّدوهم أيها الناس في هذه الحسنة كما قلدتم كل أمة في سيئاتها! ! .

10 - الجامعة المصرية
يظهر أن الجامعة المصرية لا تريد أن تقف عند حد في بث الدعوات الإلحادية، ولا تكتفي بما يفعل بعض أساتذتها ومعلميها في نفوس الطلاب.
فقد رتبوا مناظرة في قاعة المحاضرات لا بأس بها في موضوعها لو لزم المتناظرون حدود ما يتكلمون فيه، وموضوعها (هل حققت المدنية كل أحلام الإنسانية) وهو موضوع بديع يجد القائل فيه مجالًا واسعًا للقول فيما يرى من حسنات وسيئات، ولكن هل من الضروري في نظر أي عاقل أن يقحم الجملة الآتية في مناظرته.
"إن في أديان الهمج شرورًا فوق شرور فهو (كذا) يعتقد بالشياطين والعفاريت" تقال هذه الكلمة في وسط أمة دينها الإسلام، ومن الأشياء المعروفة فيه المنصوصة صريحًا في القرآن والسنة وجود الشياطين والعفاريت - وإن لم يكن كما يتصوره بعض العوام - وهي من الأشياء الغائبة عنا، وكلفنا الإيمان؛ إذ أمرنا بتصديق القرآن
(1/505)

وبتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما كان من شأن المؤمن أن يُكَذَّب بكل ما لم يره؛ والله تعالى يصف المؤمنين في أول كتابه بأنهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. ثم إن كان لحضرة المناظر عقيدة في هذه الأشياء تخالف عقيدة المسلمين، فهل من حسن الذوق أن يرمي دينهم بالهمجية في بلدهم في وجوههم، وإن كان هو منهم بالاسم؟ !
ما نظن أن هذا القسم من الجامعة أنشئ إلا لهذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.
* * *
(1/506)

جرأة عجيبة على تكذيب القرآن (*)
وددت لو استطعت وصف ما صنع الأستاذ سليم بك حسن بغير هذا العنوان القاسي، ولكن ما صنع كان أشد تهافتًا وأسوء وقعًا مما يدل عليه العنوان:
فإنه أخرج في هذا العام الجزء السابع من كتابه (مصر القديمة)، ولست الآن بصدد نقد كتابه هذا، وكشف ما ينطوي عليه من الإشادة بوثنية قدماء المصريين، ومن تقديس الأحجار والأوثان، ولو بالقول دون العقيدة، بل من وصف أحد الفراعين الوثنيين بصفة النبوة (ص 590 من هذا الجزء). ولكنه عرض في هذا الجزء (قصة خروج بني إسرائيل من مصر) عرضًا عجيبًا جريئًا، فوق حدود العجب، وفوق حدود الجرأة (ص 106 - 138). كذَّب فيه التوراة تكذيبًا صريحًا تارة، وتكذيبًا ملتويًا تارة، وكذب فيه القرآن تكذيب (العلماء الأفذاذ في هذا العصر! )، الذين يتأولون القرآن تأولًا لا يَمُتُّ إلى لفظه ولا إلى معناه بسبب، يخرج به على كل دلالة، وعلى كل عقل، إلا عقولهم الجبارة المتوفزة للهدم! وكان في عمله هذا مقلدًا، لم يتقن الصنعة كما أتقنوا، وكذبه تكذيبًا آخر غير مباشر؛ بتقرير (حقائق! ) تُنافي ما أثبت القرآنُ وتناقضه، يقررها بعظمة العالم
__________
(*) مجلة الهدي النبوي المجلد الخامس عشر، العدد الأول محرم 1370 ه.
(1/507)

المتثبت! الذي لا يثبت صحة خبر في القرآن إلا أن تؤيده الأحجار (المقدسة) التي كتبها وثنيون مجهولون، من عبّاد الفراعنة، وعبّاد العجول، وعبّاد الأوثان.
ومن قرأ هذا الفصل الذي كتبه هذا (العالم المتثبت) عن قصة بني إسرائيل وخروجهم من مصر (ص 106 - 138) لا يخالجه شك في أن الأستاذ رضي على مضض أن يسلم بوجود شيء في مصر في عهد الفراعين اسمه "بنو إسرائيل"، وبخروجهم من مصر بقيادة رجل منهم اسمه "موسى" وأن ما عدا ذلك من التفاصيل إن هو إلا أساطير وأكاذيب إلى أن تظهر أدلة أخرى تثبت شيئًا منها.
إن شئتم فاقرؤوا قوله (ص 114): "ولكن ليس لدينا أي أثر يبرهن على وجود احتلال جدّيّ لأيّ صقع مصري تكون من نتائجه حدوث مأساة كالتي مثلت في كتاب الخروج، وإلى أن يظهر في الأفق براهين تختلف في شكلها عن التي في متناولنا الآن، فإني أومن بأن تفاصيل القصة يجب أن تُعدّ أسطورة، مثلها كمثل قصة بدأ الخليقة المذكور في سفر التكوين. وعلينا أن نسعى في تفسير هذه التفاسير، [كذا وصحتها التفاصيل] على فرض أنها أسطورة)! !
وما أظن أحدًا يشك بعد هذا في أن الأستاذ المؤلف ينكر كل التفاصيل التي في قصة خروج بني إسرائيل. والبقية تأتي! !
إن المؤلف - فيما أرى - يستغل الروح الوطني القومي الذي تغلغل في مصر للإشادة بقدماء المصريين وفراعينهم وأوثانهم، على النحو الذي نراه في الصحف والمجلات والمؤلفات، تقليدًا لأوربة من
(1/508)

جهة، ونتيجة لما رسمت أوربة ومبشروها ومستعمروها من محاولة هدم الإسلام في بلاده، بتربية الأمة تربية تستبطن الإلحاد مع مظهر التدين، أو تعلن الإلحاد ما وجدت الفرصة لذلك.
وأكبر ظني أن المؤلف لم يقرأ قصة بني إسرائيل في القرآن قط، أو هو على الأقل لم يتأملها تأمل المؤمن المستيقن بصدق هذا القرآن، وبأنه وحي من الله لرسوله لفظًا ومعنى، وبأنه أصدق مصدر تاريخي؛ لأنه ليس من علم البشر، بل هو من قول خالق الكون، الذي يعلم ما تقدم وما تأخر، وبأنه الكتاب المهيمن على ما سبقه من كتب الأنبياء، وبأنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يعقد مقارنة بينه وبين الكتب السابقة، فضلًا عن أن يعقد مقارنة بينه وبين نقوش على أحجار، أو كتابة في أوراق كتبها وثنيون مجهولون، مداحون متملقون، يمدحون ملوكهم بالحق تارة، وبالباطل تارات. إلى أن هذه النقوش والكتابات لم يتبين إلى الآن معناها على سبيل القطع واليقين، بل هو الظن والاجتهاد، بما بلغت إليه أسباب دارسيها.
أنا لا أدافع عن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود، ولا عن نسختها الأخرى التي بين يدي النصارى باسم "العهد القديم"؛ فإني أعرف أنها لم تصل إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بطريق يقيني أنها هي "التوراة" التي أنزل الله على نبيه موسى - عليه السلام - بل أكاد أجزم أنها تاريخ كتب بعد موسى بدهر طويل، فيها شيء من التوراة الصحيحة، وفيها تزايد كثير، لم يعرفه موسى ولا هارون. وقد أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لم يثبت من أخبارهم وأحكامهم في القرآن، ولم
(1/509)

نجد في كتاب الله ما ينفيه، أن نقف منهم موقف الحياد، فلا نصدقهم ولا نكذبهم، ونقول: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (1) [العنكبوت: 46].
ولا أرى لمسلم أن يستغل عداء اليهود للمسلمين، منذ قديم الزمان، وعدوانهم علينا في عصرنا هذا، فيكذب أخبار الله عنهم في القرآن، ويطعن في الأنبياء السابقين، كما يفعل بعض الناس في هذه الأيام.
والأستاذ سليم بك حسن يكاد يفعل هذا أو يقاربه فيقول في (ص 108): "وكان موسى من الوجهة المصرية أقل شأنًا من يوسف، فقد كان كما تقول التوراة لقيطًا في قصر فرعون، ثم هاربًا من وجه العدالة، ثم متكلمًا عن عبيد غرباء"! !
ووجهة (النظر المصرية) هذه لا يجوز لمسلم أن يحكيها إلا ليردها بما يكذبها في القرآن، إن كان أحد من المصريين قالها من قبل، فالله سبحانه يقول: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)} (2).
وكلمة "لقيط" التي سمح المؤلف لنفسه أن يصف بها نبيًّا من
__________
(1) رواه البخاري 13/ 282 من فتح الباري، وانظر: تفسير ابن كثير 6/ 399.
(2) القصص: 3 - 6.
(1/510)

أولي العزم من الرسل - ولا أظنه يرضاها لبعض من يعرف أو يحبّ - كلمة خارجة على كل الحدود، لا توافق دينًّا ولا خلقًا ولا أدبًا.
ثم نعود إلى الكلام من أوله:
يذكر الأستاذ المؤلف (ص 106 - 107): أن ذِكْرَ بني إسرائيل لم يعثر عليه في الآثار المصرية إلا مرة واحدة في "القصيدة الرائعة التي نقشها مرنبتاح تخليدًا لذكرى انتصاراته على أقوام لوبيا والبحار" وأنه لم يجدهم "يُذكرون بعد ذلك على الآثار إلّا بعد انقضاء أربعة قرون من ذلك التاريخ".
وهو من قبلُ ذكَرَ هذا الشيءَ الذي يسميه "القصيدة الرائعة" وترجم معانيها إلى عربيته (ص 96 - 101)، وقدمها إلى قراء كتابه بأنها "قصيدة عن انتصار مرنبتاح" وهو اسم أحد فراعينه الذي يزعم أن خروج بني إسرائيل كان على عهده! وقال: "هذه القصيدة منقوشة على لوحة تذكارية من الجرانيت الأسود، وهي المسماة: لوحة إسرائيل، وقد أقيمت في معبد الملك الجنازي". ثم يقول في التمهيد لمتنها: "وفي ختام هذه القصيدة الرائعة يعدّد لنا الشاعر القبائل أو الأقاليم التي أخضعها مرنبتاح، ومن بينها قبيلة بني إسرائيل. وهذه أول مرة ذكر فيها هؤلاء القوم في المتون المصرية؛ ولذلك سميت هذه اللوحة باسمهم. وكذلك قيل عن مرنبتاح إنه فرعون موسى الذي ذكر في القرآن وغيره من الكتب المقدسة. وهذا طبعًا لا يرتكز على حقائق تاريخية"! !
(1/511)

واعجبوا أيها الناس، إن هذا الشيء الذي لا يرتكز على حقائق تاريخية، يرتكز عليه المؤلف في تكذيب التوراة والقرآن! !
والجملة الوحيدة التي في قصيدته هذه، والتي بنى عليها بحثه المهلهل المتهافت، هي قول شاعره (الرائع): "وإسرائيل خربت وليس لها بذر". وقد علّق المؤلف هنا في الهامش على كلمة (إسرائيل) بقوله: "هذا هو أول عهدنا ببني إسرائيل، بل هي المرة الأولى التي ذكر فيها الاسم في نص مصري، وبموازنته بأسماء أخرى نجد أن كلمة إسرائيل كتبت لتدل على شعب لا على بلد، وعلى ذلك فإن الكاتب قد عدَّ الإسرائيليين قبيلة بدوية في فلسطين". وعلَّق على كلمة (بذر) بقوله "تشبيه كثير الاستعمال لبلدة خربت".
فهذه الجملة وحدها هي التي أقنعت المؤلف الأستاذ بأن إسرائيل كانوا في مصر وخرجوا أو أُخرجوا منها، وبها وحدها صَدَّق أصل القصة في القرآن والتوراة، وأنكر بعد ذلك كل التفاصيل التي في التوراة واعتبرها أساطير صراحة، كما نقلنا من كلامه آنفًا، وأنكر كل التفاصيل التي في القرآن ضمنًا، كما يفهم من مجموع كلامه، ومن بعض نصوصه التي سنذكر، ثم انتظر أن يظهر في الأفق براهين تختلف في شكلها عن التي في متناوله الآن، ليؤمن بما تثبته البراهين المنتظرة! !
وما هذه البراهين؟ وما ذلك البرهان؟
أما البرهان فهو ما سماه "القصيدة الرائعة"! وقد قرأنا ترجمتها التي ذكرها المؤلف، ولا أستطيع أن اسميها "قصيدة" فإن لي رأيًا في
(1/512)

الشعر قد لا يرضاه المؤلف، وقد لا يرضاه أكثر المتعلمين على المناهج الإفرنجية، ولا يهمني رضاهم ولا سخطهم، ولا أعبأ بموافقتهم ولا بمخالفتهم، ولكن المعاني التي قرأتها والبحث التاريخي الذي عرّفنا إياها به المؤلف، يدل على أنها كمثل غيرها، من النقوش الفرعونية الوثنية، كلام لناس مجهولين، مجهولةٍ أشخاصُهم، ومجهولةٍ صفاتُهم، ومجهولةٍ درجاتُهم من الصدق أو الكذب. ولكنها في مجموعها كلام أحد المدّاحين الكاذبين المتملقين، الذين نعرف لون كلامهم، ودرجة اعتقاد قائله في صحة ما يقول، ففيها من الغلوّ في مدح فرعونه ومعبوده ما يكاد يدل على أنه يهزأ به، أو يريد - على الأقل - بمغالاته أن يعرف القارئ أنه شاعر كاذب أو كاتب كاذب.
وفيها من الصفات التي يسبغها على فرعون ما هو كذب قطعًا، من وجهة نظرنا الإسلامية الثابتة في القرآن، والتي لا أظن أن للمؤلف من الشجاعة ما يجرئه على أن يكذبها صراحة، وإن كذبها ضمنا في لحن القول! ! فإنه حين لَخَّص قصيدته هذه (الرائعة) قال فيما قال (ص 96): "يضاف إلى ذلك أن الشاعر، وسط هذه المدائح وتلك الأعمال الجسام التي قام بها مرنبتاح للزود عن حياض بلاده وتخليصها من غارات اللوبيين وكسر شوكتهم -: لم يفته أنْ وصف الفرعون بالاستقامة والعدل، فهو يعطي كل ذي حق حقه"!
فرعون "مستقيم عادل يعطي كل ذي حق حقه"! ! والله سبحانه
(1/513)

وتعالى يقول في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)} (1). ويقول: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (2). ويقول في قذف موسى في اليم: {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} (3). ويحكي عن موسى أنه دعاه حين خرج خائفًا: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (4)، ويقول آمرًا موسى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)} (5)، ويقول: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (6). ويقول: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (7). ويقول: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} (8)، ويقول: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75)} (9).
__________
(1) القصص: 4.
(2) القصص: 8.
(3) طه: 39.
(4) القصص: 21.
(5) طه: 24، النازعات: 17.
(6) النمل: 12.
(7) القصص: 32.
(8) غافر: 37.
(9) يونس: 75.
(1/514)

ويقول: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)} (1). ويقول: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)} (2). ويقول في شأن فرعون وقومه: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (3).
هذا بعض ما أنزل الله علينا في كتابه في شأن فرعون، ومن أصدقُ من الله حديثًا؟ هذا الذي لعنه الله في القرآن، وأمرنا بلعنه بما أمرنا من تلاوة آياته مؤمنين بها مصدّقين. أفيجوز لمسلم بعد ذلك أن يحكي وصفه "بالاستقامة والعدل" عن كاتب وثني مجهول دون أن يعقب عليه بما يرفع به الشبه التي قد تخالج بعض قارئي كلامه، حتى ولو كان من علماء الآثار؟ !
هذا الفرعون الذي استجارت امرأته من جبروته وعمله؛ إذ آمنت بربها وبالرسول الذي أرسله إليهم، وهو موسى، فقالت فيما حكى الله عنها: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (4).
هذا الذي ملأه الكبر والغرور، حتى قال ما حكى الله عنه في
__________
(1) هود: 97 - 99.
(2) القصص: 42.
(3) غافر: 52.
(4) التحريم: 11.
(1/515)

سورة القصص: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (1)! ! والذي دمغه موسى بالكبر والكفر والظلم كما قال الله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)} (2).
وما أظن بعد ذلك ما قلنا إلَّا بيِّنًا واضحًا، لا يرتاب فيه مسلم.
ولم يسلك المؤلف في الشك في صحة ما ثبت في التوراة مسلك علماء الإسلام؛ فإن هذا ضعف لا يليق بعلماءٍ عظامٍ! فالمسلمون يعتقدون اعتقادًا معلومًا من الدين بالضرورة، مؤيدًا بنصوص القرآن الصريحة، أن الله أنزل التوراة على موسى، ولكنهم يشكون في صحة هذه النصوص التي في أيدي القوم، لما اعتورها من التحريف والتبديل، ولما أدخل عليها من أكاذيب اليهود وغيرهم، فلا يصدقون منها إلّا ما وافق القرآن الذي أنزل {مصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (3). ولا يكذبون إلّا ما ثبت كذبه بالدليل القطعي. وأما المؤلف الأستاذ فإنه يرتاب في تاريخ بني إسرائيل كله، سواء ما ثبت منه في التوراة مما يخالف القرآن، أو مما لم يذكر في القرآن، أو مما وافق القرآنَ، واعتقد المسلمون صحته؛ لأنه ينظر إلى تاريخهم من
__________
(1) القصص: 38.
(2) غافر: 26، 27.
(3) المائدة: 48.
(1/516)

"وجهة النظر المصرية"! ! حوادث تافهةً لا تستحق ذكرًا أو تدوينًا! !
انظروا إليه يقول في (ص 107) من كتابه:
"وتاريخ بني إسرائيل في مصر لم نجده في النقوش خلافًا للإشارة التي جاءت في الجملة السابقة، ولكن تاريخ هؤلاء القوم كما ذكره مؤلف التوراة - وهو إسرائيلي المنبت - قد أضفى على حوادثه أهمية لم يخطر ببال مؤلف مصريّ أن يسبغها عليه في هذا العهد بعينه، بل ربما كان لا يعرف شيئًا عنها، وحتى إذا كان يعلمها فإنها كانت في نظره من الحوادث التافهة التي لا تستحق ذكرًا أو تدوينًا، إذ أن كل ما كان يهم المؤرخ المصري في عصوره التاريخية كلها هو تدوين انتصارات الفرعون ومفاخره، وما قام به للآلهة الذين كانوا يؤازرونه وينصرونه في المواقع كلها"! !
هكذا - والله - يقول (المؤرخ الأستاذ المسلم)، وينسى أن تاريخ بني إسرائيل ختم بحادثة ضخمة زلزلت البلاد، وزلزلت عرش فرعون، وأثارت غضبه وكبرياءه، حتى خرج عن طوره، وحتى نسي وقار الملك، ولم يذكر إلا البطش والجبروت والطغيان. وقد قص الله علينا قصته في القرآن مرارًا كثيرة، بصور تضفي على هذا الحادث أكبر أهمية تهم البلاد وملكها، وتنفي نفيًا باتًّا قاطعًا ما ادعاه المؤلف العلامة! أن المؤرخ المصري في ذلك العهد لم يخطر بباله أن يسبغ عليها أهمية، وأنه "ربما كان لا يعرف عنها شيئًا" وأنه إذا كان يعرفها "فإنها كانت في نظره من الحوادث التافهة التي لا تستحق ذكرًا أو تدوينًا"!
(1/517)

وما أظن أن الأستاذ سليم بك يستطيع أن ينفي صحة ما ورد في القرآن، ولا أن يشكك نفسه ويشكك الناس في أنه كتاب أنزله الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
إذن فاقرؤوا قول الله سبحانه في سورة النازعات: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25)} (1).
واقرؤوا قوله سبحانه يحكي جدال فرعون لموسى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)} (2). ثم ذكر اجتماع السحرة وغلبة موسى إياهم ثم إيمانهم به وتوعد فرعون إياهم بتقطيع الأيدي والأرجل وبالصلب، وثباتهم في وجهه على الإيمان، ثم قال سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)} (3).
__________
(1) النازعات: 15 - 25.
(2) الشعراء: 23 - 29.
(3) الشعراء: 52 - 55.
(1/518)

واقرؤوا في نحو هذه المواقف قول الله تعالى: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)} (1).
إلى أن غلب السحرة فآمنوا وتوعدهم فرعون، فلم يعبئوا بوعيده: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)} (2).
يا سليم بك:
أفهذه حوادث تافهة في نظر المؤرخ المصري في ذلك العهد؟ أم هي من الحوادث التي لا يعرفها ذلك المؤرخ؟ أم هي من الحوادث التي إذا عرفها لم يسبغ عليها أهمية؟ ! ألا ترى أنك تستدل بدليل سلبيّ على نفي ما أثبته الله في القرآن؟ ! كل ما لديك أنه لم توجد أحجار من أحجار الوثنيين، أو كتابات مما يكتبون، تسرد هذه الأحداث الخطيرة التي هزَّت المُلْكَ وأخرجت المَلِكَ عن طوره، ثم أخرجتْه من هذه الحياة فأسلمتْه إلى مصيره، وأَوْرَدَتْه نارَ جهنم! وبينك وبين أولئك الناس آلافُ السنين، وأحداثُ الدهر. أفلا يمكن أن يكون (المؤرخ المصريّ الوثني) الذي تثق به ثقةً عمياء، كَتب هذه الأحداث مفصلةً أو مجملةً، ثم ضاعت فيما ضاع من آثارهم، بتكسير الأحجار، أو بحرق
__________
(1) طه: 57 - 60.
(2) طه: 72.
(1/519)

أوراق البَرْدِيّ؟ ! ثم أنتم لا تزالون تجدون من أحجارهم وكتاباتهم ما لم تعلموا. فما يُؤْمِنُك أن يوجد من قريب أو بعيد ما يسجل هذه الأحداث؟ فلا تكون قد أَفَدْتَ إلّا أن كَذَّبت القرآنَ، ثم كذّبتْك الأحجارُ والأوثان! ! ولا أزال أعتقد أنك أعقلُ من هذا.
وبعد: فإن الأستاذ سليم بك حسن كتب بعقب ما نقلناه عنه ما يكاد يفهم منه أنه لا يعتقد بنبوة موسى - عليه السلام - ولا رسالته، أو أنه لا يعرف هذه النبوة ولم يسمع بها، وأنا لا أجرؤ أن أتهمه بهذه التهمة الخطيرة، إني أخاف الله. ولكن ماذا أصنع وماذا يصنع القارئ في قوله (ص 107) ما مثاله حرفًا بحرف:
"وما ذكره لنا كتاب التوراة (1) عن إقامة بني إسرائيل في مصر ينحصر في العهدين اللذين شملا حياة كل من يوسف وموسى. وإذا كان موسى هو المؤلف لهذا التاريخ، كما يدّعي كل من الأستاذ نافيل والأستاذ سايس، فإنه من الطبيعي أن تكون محتويات هذا الكتاب كما هي"! !
ماذا أقوال في هذا الكلام؟ رجلان من (علماء! ) أوربة لا يؤمنان بالأديان، ولا يسلمان بأن هناك كتبًا منزلة من عند الله، يبحثان في تاريخ التوراة - كما يفهم من سياق ما نقل عنهما الأستاذ سليم بك - فيرجح لديهما أن هذه التوراة التي في أيديهم هي توراة موسى نفسه، لا كتابة أحد من بعده، فيزعمان أن موسى هو مؤلفها! ولكن الأستاذ
__________
(1) يريد (مؤلف التوراة؛ وهو إسرائيلي المنبت) كما قال آنفًا.
(1/520)

سليم بك حسن المسلم، الذي يعرف من دينه ومن قرآنه أن الله أنزل التوراة على موسى، يتردد في أن هذا الكتاب الذي في أيدي الناس هو الأصل، أو هو كتاب آخر صنع من بعده؟ أما إذا رجح أنه ليس هو الأصل كما نرجح نحن لأدلة غير التي يعلمها، فموقفه أقرب إلى السلامة، وأما إذا رجّح أنه هو الأصل، أو احتمل أن يكون كذلك عنده، فإنه لا يجوز له - في دينه دين الإسلام - أن يعبّر بأن "موسى هو المؤلف لهذا التاريخ" حتى لو كان مقلدًا لغيره من علماء أوربة الملحدين، أيًّا كان العذر، وأيًّا كان السبب. وأظن أن هذا من الوضوح بحيث لا يكون موضع ريبة أو تردد أو تأويل.
ثم أما بعد مرةً أخرى: فإني لم أكن أريد لأُسْهب القولَ في هذا الموضوع، مخالفًا ما رسمتُ لنفسي في "كلمة الحق" أن تكون كلماتٍ موجزةً في دقة وإحكام، لولا أنْ رأيت كلام المؤلف هذا، وما فيه من تكذيب القرآن صراحة وضمنًا، بل ما فيه من سخرية واستهزاء بما أثبته القرآن بالنص الواضح الصريح! ! فإن المؤلف الأستاذ رضي لنفسه أن يُعَبِّر بعبارة نابية عن أضخم حادث وقع في تاريخ بني إسرائيل، بل في تاريخ مصر كله فيما نعلم، وعن أكبر معجزة لنبي الله "موسى" عليه السلام، فسماه "خرافة غرق الفرعون"! ! ثم تناسى كل ما ورد عن هذا الحدث العظيم في القرآن الكريم، وذكر آيةً واحدةً لعب بتفسيرها وتأويلها لعبًا لم يضرَّ به إلَّا نفسه؛ فإنه قفا ما ليس له به علم، فكشف عن ذات نفسه في معرفته بقرآنه ودينه.
(1/521)

وهذه الجرأة من المؤلف الأستاذ، تصويره غرق فرعون الثابت في القرآن بأنه "خرافة" هي التي دعتني للكتابة في هذا الموضوع، على كراهتي للجدال وإعراضي عنه، ولكني لم أستجز لنفسي أن أسكت على مثل هذا التهجم على القرآن، أيًّا كان كاتبه أو قائله.
والمؤلف الأستاذ يضطرب في هذا البحث ويتردد، فيثبت شيئًا ثم ينفيه، أو يشكك فيه! فإنك تراه يقول في (ص 114) بعد الذي نقلنا من قوله آنفًا في أن عليه أن يسعى في تفسير التفاصيل عن قصة بني إسرائيل على فرض أنها أسطورة -: "وعلى ذلك فإني بعيد عن القول بأن كل قصة الخروج خرافية. وقد أوضحت وأكدت بكل صراحة اعتقادي بأن القصة في مجموعها تعكس لنا صورة حادثة تاريخية معينة، وهي طرد الهكسوس من مصر"! وانظروا واعجبوا إلى قوله "اعتقادي"، كأن له اعتقادًا أو رأيًا ثابتًا! ! وهو الذي يقول قبل ذلك بقليل (ص 113): "على أن كل ما ذكرناه هنا عن تاريخ خروج بني إسرائيل ومكثهم في أرض مصر لا يرتكز على حقائق تاريخية تشفي الغُلة [يريد الحجارة والأوثان ونحوها] إذ على الرغم من كل ما استعرضناه في هذا الموضوع، فإن بعض علماء الآثار لا يزالون ينظرون إلى موضوع خروجهم وأنه حقيقة تاريخية تنطبق على بني إسرائيل - بعين الحذر والحيطة، ونخص من بينهم الأستاذ جاردنر" إلخ. فهو يريد أن يستقل بالرأي تارة، ويغلبه الضعف والتقليد في الموضوع نفسه تارة أخرى، فلا يستطيع أن يثبت على رأي واحدٍ! إلا أن يكون في "خرافة غرق فرعون"! فإنه كان شجاعًا ثابت الرأي،
(1/522)

لم يتردد في نفي هذا الغرق، وفي وصفه بأنه (خرافة)! ..
وسنسوق في هذه المسألة الخطيرة كلامه بالنص، على طوله وتهافته ليظهر مرماه واضحًا غير محتمل لتأويل أو تحريف، وقد ذكر المؤلف أسماء المدن والأماكن التي سار فيها بنو إسرائيل "كما ذكرت في التوراة"، ثم تناولها بالبحث "واحدًا فواحدًا على حسب ترتيبها الطبيعي" (ص 121 - 135) مما لا يهمنا بشيء؛ لأنه كله تخرص من غير دليل ولا حجة، وهو عندنا إلى البطلان أقرب منه إلى الصحة.
وتكلم أثناء ذلك (ص 127 - 128) في شأن (بحر سوف) فقال:
"بحر سوف (يام سوف، أو يمّ البوص): يعتقد كثير من الكتاب الذين تناولوا موضوع خروج بني إسرائيل، أن (بحر سوف) هذا هو البحر الأحمر، بيد أن الحقائق التاريخية والبحوث الحديثة تكشف عن غير ذلك، وسنتحدث هنا عن كل ذلك ببعض الاختصار. كتبت التوراة في الأصل باللغة العبرية، وفي خلال القرن الثالث قبل الميلاد أمر بطليموس الثالث - على ما يقال - بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الإغريقية، وهذه الترجمة تعرف بالترجمة السبعينية نسبة إلى الكهنة السبعين الذين ترجموها، ومما يؤسف له جدّ الأسف؛ أنه لم تصل إلينا نسخة واحدة من الأصل القديم الذي ترجم عنه، وأقدم نسخة لدينا بالعبرية يرجع عهدها إلى القرن العاشر الميلادي، وبالموازنة بين النسختين وجد أنه لم تحدث اختلافات كبيرة بين نسخة القرن الثالث قبل الميلاد المترجمة، ونسخة القرن العاشر بعد الميلاد. وحيثما
(1/523)

وُجدت فروق فإنها أتت عن طريق المترجمين الذين أرادوا أن يتصرفوا في ترجمتهم بدلًا من تتبع الترجمة الحرفية، ومن ذلك أنهم وضعوا بدلًا من عبارة (يام سوف) (بحر سوف) عبارة (البحر الأحمر) أو (بحر القلزم) ولا نزاع في أن هذا التغيير كان ذا أثر بين فيما كتبه أولئك الذين فحصوا هذا الموضوع، كما ظهر أثره كذلك في بحوث علماء الآثار الذين قاموا بأعمال الحفر في خرائب وادي طميلات" ...
ثم قال المؤلف (ص 134 - 136) في ختام خروج بني إسرائيل:
(اليوم الرابع: وكان موسى حذرًا؛ لأنه على الرغم من أنه قد حصل على إذن من فرعون بالخروج من البلاد مع أتباعه، كان يخاف أن يغير رأيه، ولذلك سلك طريقًا غير الطرق المعتادة، فلم يأخذ طريق الفلسطينيين على الرغم من أنها كانت قريبة كما شرحنا ذلك من قبل. وعلى الرغم من حذره فإن الفرعون غيّر رأيه فعلًا وتبع موسى وقومه في ستمائة عربة من خيرة عرباته يسوقها نخبة من فرسانه، وقد لحق المصريون بالإسرائيليين في معسكرهم بالقرب من (يام سوف) ومعناها العبري حرفيًّا (بحيرة البوص). واليم بالعربية: البحر، وخُصَّ بنيل مصر كما جاء في لسان العرب ج 5 ص 104 (ويمكن الإنسان أن يراها على المصور) وتشغل منخفضًا قد بقي حتى الآن تحت مستوى البحر، وقد كتب عليه في مصور المساحة المصرية: يمكن ملؤه بالماء إذا احتاج الأمر، أي أنه إذا عمل قطع في الشاطئ الشرقي من قناة السويس، فإن ماء البحر يملؤه. وقد منعت قناة
(1/524)

السويس مياه مصرف بحر البقر القديم من إمداده بمياه النيل مما منع نمو البوص فيه. ويمكن أن يؤخذ منه الملح كما كانت الحال أيام الكاتب (بيبسا). وقد أصبح موسى بهذا الموقف في مأزق حرج، فقد كانت بحيرة البوص على يمينه، وحصن مجدول بما فيه من حامية أمامَه، سادًّا الطريق من جهة الشمال، وعلى يساره مستنقعات فرع النيل البلوزي، وخلفه الفرعون وجنوده، فلم يكن لديه أي وسيلة غير طلب العون والرحمة من الله، وقد نالهما، وأشار بعصاه نحو البحيرة على يمينه، ثم أرسل اللهُ ريحًا شرقيةً، وقد جاء في التوراة أنها ريحٌ شرقية عاتية ظلت تهب طول الليل، وهذه هي المعجزة، فكان الريح يهب في الاتجاه الصحيح في الوقت المناسب وكان هبوبه شديدًا حتى جفف الأرض، وبذلك سار موسى وقومه على اليابس: "ومد موسى يده على البحر فأرسل الربّ على البحر ريحًا شرقيةً شديدة طول الليل حتى جعل البحر جفافًا وانشق الماء" (راجع الخروج 14 - 21) (1) ولا يزال منسوب الماء حتى الآن متأثرًا بدرجة عظيمة بالريح في بحيرة المنزلة والبرلس، ويلاحظ أن الطريق من بلطيم حتى برج البرلس تُغَطَّى بالماء عندما يَهُبُّ الهواءُ غربًا ثم تصبح جافة عندما يهب الهواء من الشرق ويمكن الإنسان أن يسير عليها بالعربة (2) ".
__________
(1) يريد (سفر الخروج) مما يسمونه (التوراة) أو (العهد القديم).
(2) يلاحظ هنا أن المؤلف لم يستطع أن يصبر على ما جعله (المعجزة لموسى)، =
(1/525)

ثم كشف المؤلف عن ذات نفسه فقال بعقب ذلك:
"أما موضوع غرق فرعون فهو أمر قد فهم خطأ على حسب ما جاء في الكتب السماوية (1)، والواقع أنه لا يمكن الإنسان أن يتصور غرق الفرعون وعربته ومن معه في ماء ضحضاح لا يزيد عمقه على قدمين أو ثلاثة. بل المعقول أن خيل الفرعون وعرباته قد صاخت في الأوحال وسقط بعض ركابها مغشيًّا عليه، وهذا يفسر ما جاء في سفر الخروج 14 - 25: "وخلع دواليب المراكب فساقوها بمشقة" ومما سبق نعلم أن خرافة غرق الفرعون في البحر الأحمر وموته لا أساس لها من الصحة، وقد جاء كل ذلك الخلط من ترجمة (يام سوف) "بالبحر الأحمر أو ببحر القلزم" هذا فضلًا عن أن ما جاء في القرآن
__________
= وهو هبوب الريح (في الاتجاه الصحيح في الوقت المناسب) فيكاد ينكره أيضًا، ويجعله شيئًا طبيعيًّا معتادًا ويكاد يجعل الإعجاز أن دعاء موسى صادف الوقت المناسب فقط، فسواء أدعا أم لم يدع فإن هذا هو الشيء المتوقع الذي سيكون في ذلك الوقت وهي خطة لم ينفرد بها المؤلف ولم يخترعها بل كل الذين لا يؤمنون بالغيب وبالمعجزات، الذين يرونها شيئًا محالًا يخالف سنن الكون، يتأولون معجزات الأنبياء السابقين الثابتة في القرآن على النحو الذي توافق به السنن الطبيعية، حتى تخرج عن معنى الإعجاز، إلى الشيء الطبيعي المعتاد، خشية أن يهزأ بهم الأوربيون، فيروهم متأخرين جامدين يؤمنون بما لا يوافق عقولهم.
(1) هذا تعبير ملتو، عجيب في التوراة فما نكاد نفهم: أيريد المؤلف أن الناس قد فهمته خطأ في الكتب السماوية، حتى لو كانت صريحة اللفظ، أم يريد أن الكتب السماوية هي التي فهمته خطأ لا ندري، والكلام بين يدي القارئ، فليفهم وليحكم، ثم الله يحكم ويعلم وهو أحكم الحاكمين.
(1/526)

لا يشعر بأن الفرعون الذي عاصر موسى قد غرق ومات، بل على العكس نجاه الله ببدنه ليكون آية للناس على قدرة الخالق. والتعبير: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} يعادل التعبير العامي "خلص بجلده" هذا ويلاحظ أن كلمة "البحر" في اللغة العربية كما جاء في لسان العرب ج 5 ص 103 "تطلق على الماء المالح والعذب على السواء" وقد سبق أن قلنا أن اليم يطلق على النيل، وعلى ذلك يمكن فهم الآية القرآنية التي جمعت القصة كلها في اختصار رائع على حسب ما ذكرنا من إيضاحات وبراهين سابقة: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)} (1).
فأنت ترى - أيها القارئ الكريم - أن المؤلف الأستاذ سليم حسن أحال أن يتصور الإنسان غرق الفرعون وعربته ومن معه في ماء لا يزيد عمقه على قدمين أو ثلاثة، وأنه جزم بأن "خرافة غرقه وموته لا أساس لها من الصحة" ولقد كذَب على القرآن وافترى في قوله: "إن ما جاء في القرآن لا يشعر بأن الفرعون الذي عاصر موسى قد غرق ومات"، وأقولها صريحة وواضحة غير متردِّد ولا متأول، أنه "كذب وافترى على القرآن"، وأنا مسؤول عما أقول وأحمل تبعته أمام
__________
(1) يونس: 90 - 92.
(1/527)

المؤلف، وأمام العالم كله، وأمام أية جهة شاء أن يحتكم إليها، وأنا أعرف ما أقول، وأقصد إلى معناه بالدقة، وأعرف كيف أقيم الدليل القاطع من القرآن على صحته، وأنه أضاف إلى جريمة الكذب والافتراء على القرآن، جريمة التلاعب بألفاظه وتفسيره تفسيرًا، لا أقول إنه خطأ، بل أقول: إنه نزول به - والعياذ بالله - إلى أحقر المعاني العامية المبتذلة، بجعل قول الله سبحانه: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}. يعادل التعبير العامي: "خلص بجلده"، ثم في إشارته إلى أن الآية التي أشار إليها الله سبحانه في قوله: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}. بأن الله نجاه ببدنه "ليكون آية للناس على قدرة الخالق"! ! .
وليت شعري: أين الآية والمعجزة في نجاة فرعون وجنده كلهم من ماء ضحضاح لا يزيد عمقه على قدمين أو ثلاثة؟ ! وماذا في هذا من الدلالة على قدرة الخالق؟ ! إلا أن يريد المؤلف السخرية بعقول الناس! !
وقبل أن أسوق الأدلة على كذب المؤلف على القرآن وافترائه، أحب أن أسأله سؤالًا واحدًا واضحًا، وأحب أن يجيبَ جوابًا واضحًا، لا يلتوي فيه ولا يتأول ولا يجادل، إذْ هو - أعني السؤال - بطبيعته لا يصلح موضعًا للجدال. وهو:
إنك ذكرتَ في (ص 127 - 128) أن التوراة كُتبت في الأصل بالعبرية، وذكرتَ ما شئتَ عن ترجمتها، وأن المترجمين "وضعوا بدلًا من عبارة "يام سوف" (بحر سوف) عبارة "البحر الأحمر" أو
(1/528)

"بحر القلزم" وجعلتَ في أول ذلك الكلام أن كلمة (يام سوف) توازي "يمّ البوص". والقرآن الكريم لم يذكر في قصة غرق فرعون "البحر الأحمر"، ولا "بحر القلزم"، ولكنه ذكر كلمتي "اليمّ" و"البحر"، فهل تريد بهذه الإشارات الملتوية إيهام الناس أن القرآن نُقِل عن التوراة التي حرف المترجمون ترجمتها؟ !
لا مناص لك من أن تجيب، ولن أدع لك فرصة للحيدة أو التخلف، فسأرسل لك نسخة من هذا المقال بالبريد المسجَّل، وسأودع لك منه نسخة أخرى في المكتبة التي أعاملها وتعاملها، حتى لا يكون هناك شك في وصوله إليك. ثم نرى ماذا أنت قائل؟
وسأقرأ جوابك عن سؤالي، وردَّك - إن رددت - على مقالي وسأنشره كاملًا إذا أرسلته إليَّ بعنوان هذه المجلة (الهدي النبوي 8 شارع قولة بعابدين) وأرجو أن تثق بأني لن أغضب من شيء مما ستقول، وإني سأقرّ الحق إن أظهرتني على خطأ في مقالي وسأشيد بك إن أقررتَ بخطئك ورجعتَ. وإن أبيتَ وسكتَّ فهذا شأنك وهذا حسبي، هدانا الله وإياك.
ثم نعود إلى ما نحن بصدده. فها هي ذي آيات القرآن الكريم الواردة في غرق فرعون، ليقرأْها المؤلف الأستاذ سليم حسن وليقرأْها الناس، ليرى ويَرَوْا مقدار ما جنى فيما كتب، حتى يحدّد موقفه من ربه يوم الحساب، وموقفه من دينه، وموقفه من العقول السليمة:
قال الله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
(1/529)

فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} (1).
وقال: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)} (2).
وقال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)} (3).
وقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)} (4).
وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ
__________
(1) البقرة: 50.
(2) الأعراف: 134 - 136
(3) الأنفال: 54.
(4) يونس: 90 - 92.
(1/530)

يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103)} (1)
وقال: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)} (2).
وقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)} (3).
وقال: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)} (4).
وقال: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا
__________
(1) الإسراء: 101 - 103.
(2) طه: 77 - 79.
(3) الشعراء: 52 - 66.
(4) القصص: 39 - 40.
(1/531)

آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)} (1).
وقال في دعاء موسى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)} (2).
وقال: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)} (3).
أفبعد هذه الآيات البينات يجوز للمسلم مهما يكن مبلغه من العلم أو الجهل، أن يدعي أن غرق فرعون "قد فهم خطأ على حسب ما جاء في الكتب السماوية".
وأنه "خرافة لا أساس لها من الصحة"؟ !
أَوَلَا يكون كاذبًا مفتريًا على القرآن من يدعي مع هذه النصوص الواضحة الصريحة في "أن ما جاء في القرآن الكريم لا يشعر بأن الفرعون الذي عاصر موسى قد غرق ومات"؟ !
أيستطيع الأستاذ سليم حسن، أو أي شخص أجرأ منه ممن ينتسب إلى الإسلام أن يقرأ قول الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)} [الشعراء: 63]. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)} [الشعراء: 66]. ثم يجني عليه لسانه
__________
(1) الزخرف: 54 - 56.
(2) الدخان: 22 - 24.
(3) الذاريات: 38 - 40.
(1/532)

فيزعم أن (الواقع أنه لا يمكن الإنسان أن يتصور غرق الفرعون وعربته ومن معه في ماء ضحضاح لا يزيد عمقه على قدمين أو ثلاث"؟ ! أفيحسن في العقول، حتى عقول علماء الآثار - أن يكون "كل فرق" من الماء، أي كل جزء منفصل منه عن الآخر، "كالطود العظيم" أي كالجبل العظيم المرتفع إلى السماء، في ماء "لا يزيد عمقه على قدمين أو ثلاثة"؟ ! أم هي كلمة يقولها القائل (لا يرى بها بأسًا فتهوي به سبعين خريفًا في النار؟ ! (1).
وماذا هو قائل في قول الله سبحانه: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا}. وفي قوله: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}. بهذا التوكيد الشديد، الدال على أن فرعون وجنده هلكوا جميعًا غرقى لم ينج منهم أحد؟ أيستقيم معه لرجل يعقل دينه، ويؤمن بربه، وبأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يشك فيه، فضلًا على أن يجعله مما لا يمكن الإنسان تصوره؟ ! .
إن أحسن حالات المؤلف الأستاذ أن يدعي أو يدعي له أحد من الناس أنه لم يقرأ هذه الآيات ولم يسمع بها! ! ولا يعذر مسلم يجهل مثل هذا من دينه وقرآنه، فضلًا عن رجل قارئ مطلع مثل الأستاذ سليم حسن! وأنا أعرف أن لديه مكتبة حافلة بالكتب والمراجع، وما أظنها تخلو عن مصحف ولو من طبعة المستشرق فلوجل! التي معها فهرس أبجدي لمفردات القرآن. إن خفي عليه هذه الآيات من
__________
(1) إشارة إلى حديث صحيح رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، ورواه البخاري ومسلم أيضًا بنحو معناه.
(1/533)

القرآن، إنَّ شأنه لعجب! !
أيها الأستاذ المؤلف سليم بك حسن:
ارجعْ إلى ربك، واقبل موعظة رجل مخلص، لا يريد إلا أن يبصَّرك موقع قدميك إذا ما تقدمت إلى ربك يوم القيامة، ولا تأخذك العزَّة إذا قيل لك: (اتق الله). فالأمر جد لا هزل، واعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "وهل يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وجوهِهِم إلَّا حصائدُ ألسنتِهم" (1).
* * *

تَمَّ الجزءُ الأوَّلُ من جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر
ويليه إن شاء الله الجزء الثاني، وبه تمام المقالات
والحَمْدُ للَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ
__________
(1) حديث صحيح، رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(1/534)