Advertisement

بحوث وتحقيقات عبد العزيز الميمني 002


بحوث وتحقيقات

تأليف
العلامة عبد العزيز الميمني

[الجزء الثاني]
«نصوص محققة»

أعدها للنشر
محمد عزير شمس

تقديم
شاكر الفحام

مراجعة
محمد اليعلاوي
(2/)

دَار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
1995 م

دَار الغرب الإسلامي
ص. ب: 5787 - 113 بيروت
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة.
لَا يسمح بِإِعَادَة إصدار الْكتاب أَو تخزينه فِي نطاق إستعادة المعلومات أَو نَقله بِأَيّ شكل كَانَ أَو بِوَاسِطَة وَسَائِل إلكترونية أَو كهروستاتية، أَو أشرطة ممغنطة، أَو وَسَائِل ميكانيكية، أَو الاستنساخ الفوتوغرافي، أَو التسجيل وَغَيره دون إِذن خطي من الناشر.
(2/2)

بُحُوثٌ وتَحْقيقَات
[2]
(2/4)

القسم الثالث نصوص محققة
(2/5)

ثلاث رسائل
أولها
مقالة "كلَّا" وما جاء منها في كتاب الله لابن فارس
والثانية
كتاب (ما تلحن فيه العوامّ) للكسائي
والأخيرة
رسالة الشيخ ابن عربي
إلى الإِمام الفخر الرّازي
اعتنى بنسخها وتصحيحها والتعليق عليها
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
(2/7)

المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
طلبتني لجنة ندوة العلماء بلكنؤ (الهند)، في ذي القعدة الحرام سنة 1343 ه، لألقي عليهم خطبًا على أبي العلاء المعري (1) الذي كابدت في كتابي عليه عناء باهظًا. فقضيت طلبتهم، وزرت مدة مقامي بها صحبة صديقي السيد سليمان الندوي بعض دور الكتب الخصوصية، التي وجدت فيها خزانة المرحوم العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي أعمها نفعًا وأيسرها مؤونة على الطلاب والخطاب.
فاستعرت منها مجموعة نحوية كتبت في آخر القرن الثالث عشر فيها رسائل لابن هشام، وابن همام، والتقي السبكي، وابن مالك، وابن تيمية وقد طبع بعضها في الأشباه للسيوطي.
وفيها مما يهمني رسالتان: كتاب يفعول للصاغاني اللاهوري، إلا أن بعض المتسمين بالأدب قد سبقني إلى نشره في تونس، والأخرى هي هذه المقالة، فانتسختها وكانت بخط عجمي، مملوءة الوطاب بالتصحيف والتحريف، كأنها رسم عفا من أحقاب.
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
واختلست من ساعات الفراغ -التي كنت أقضيها في كتابين للسكائي والفراء- هنيهة، ونسختها ثانية، وعلقت عليها بعض فوائد نحوية.
وهذه الرسالة فيها علم جم، وهي تفيدنا أكثر مما في مباحث المغني الدقيقة
__________
(1) وقد طبع قسمها الأردي بمجلة "معارف" الصادرة في أعظم كره في جزءي سبتمبر ونوفمبر 1925 ولاء. وأما القسم العربي فيغنيك عنه كتابي "أبو العلاء وما إليه".
(2/8)

وهمع الهوامع وشرح ابن يعيش. على أنها كافلة بفسر حرف من القرآن وحسبه إفادة.
ورأيت المؤلف ذكرها في فقه اللغة (الصاحبي) له بعد حكايته قول ثعلب في تركب "كلا" والرد عليه بقوله "وقد ذكرنا وجوه كلا في كتاب أفردناه".
وذكر البلكرامي في "التاج" أن أبا بكر بن الأنباري جمع أقسام "كلا" ومواضعها في كتاب الوقف والابتداء.
وقد طبع للمؤلف رسالة في مثل هذا المعنى وهي "كتاب اللامات" في الجزء أول من مجلة إسلاميكا (Islamica)، بيد أن ناشرها حصل على نسخة قديمة. وبين يدي نسخة مسخها ناسخها، وظني أني تمكنت من ردها إلى الأصل، غير ألفاظ يسيرة لا يضر التصحيف فيها، وقد قيل: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وللصاحب جمال الدين القفطي رسالة سماها (المجلَّى، في استيعاب وجوه كلا) ذكرها ياقوت في معجم الأدباء 5: 484.
ربيع الآخر سنة 1344 ه
العاجز خادم العلم
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
(2/9)

مقالة "كلّا" وما جاء منها في كتاب الله لابن فارس
صاحب "مجمل اللغة"، و "مقاييس اللغة"، و "الصاحبي في فقه اللغة" المتوفى سنة 395 ه
نسخها وصححها ووشاها ببعض التعليقات
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
كرمه الله تعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمَّد بن حبيب رحمه الله تعالى:
هذه -أكرمك الله وأيدك ووفقك- مقالة كلا، ومعنى ما جاء من هذا الحرف في كتاب الله تعالى، واختلاف أهل العلم في موضوعه، وأين تقع نفيًا، ومتى تقع تحقيقًا. وقد فسرنا ما لاح من ذلك واتجه، ودللنا على الأصح من ذلك بشواهد من غير إحالة. وبالله التوفيق.
قال بعض أهل العلم (1) إن كلا تجيء لمعنيين: للرد، والاستئناف.
وقال قوم: تجيء كلا بمعنى التكذيب.
وقال آخرون (2): كلا ردع، وزجر.
وقال آخرون (3): كلا تكون بمعنى حقًّا.
__________
(1) هو أبو حاتم قال: هو للرد بمعنى لا، وعلى معنى ألا التي للتنبيه يستفتح بها الكلام، ووافقه الزجاج، ورجّحه ابن هشام في المغني على قول النضر والكسائي.
(2) هذا بعينه لفظ سيبويه في الكتاب (مصر 2: 312) قال "وأما كلا فرح وزجر". وبه قال الخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين.
(3) منهم الفراء في قوله تعالى {كَلَّا وَالْقَمَرِ} يعني أي القمر -شرح ابن يعيش 1219 - وهو قول النضر بن شميل أيضًا. =
(2/10)

وقال قوم (1): كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر. قال والكاف في قوله كلا كاف تشبيه، و"لا" نفي وتبرئة.
وقال بعضهم: كلا تنفي شيئًا وتوجب غيره. فهذا ما قيل في كلا.
وأقرب ما يقال في ذلك أن كلا تقع في تصريف الكلام على أربعة أوجه:
أولها الرد، والثاني الردع، والثالث صلة اليمين وافتتاح الكلام بها كألا، والوجه الرابع التحقيق لما بعده من الأخبار.
وسأذكر ما جاء منها في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ على ترتيب هذه الوجوه الثلاثة [كذا].
حكايته لمقالة من زعم (2) أن كلا منحوتة من كلمتين وأن الكاف للتشبيه، والرد على قائل ذلك إن شاء الله تعالى.
زعم بعض المتأخرين أن كلا رد وإبطال لما قبله من الخبر، كما أن كذلك تحقيق وإثبات لما قبله من الخبر، والكاف في كلا كاف تشبيه، وزعم أن أصل كلا التخفيف، إلا أنهم كانوا يكررون "لا" فيقولون: هذا الشيء كلا ولا (3). ثم
__________
= وقال الكسائي: إنه بمعنى حقا، وتبعه على ذلك ناس.
واعلم أن ابن فارس رحمه الله روى ألفاظ القوم كما رآها، وإلا فإنهم بأجمعهم متفقون على أحد المعنيين وهو الرد والردع والزجر، وأما الآخر فهو عند الكسائي حقًّا، وعند أبي حاتم ألا، وعند النضر أي، ويستعمل مع القسم وعليه خرج (كلا والقمر). وها هنا قول شاذ أغفل عنه لشذوذه؟ ونقله أبو حيان عن الفراء وأبي عبد الرحمن اليزيدي ومحمد بن سعدان أنه يأتي بمعنى صوف، قال: وهذا مذهب غريب.
(1) هو قول ثعلب، قال أبو حيان: وهذه دعوى لا يقوم عليها دليل. ونقل ابن يعيش عنه أيضًا أنه قال: لا يوقف على كلا في جميع القرآن لأنها جواب والفائدة فيما بعدها ه. وهذا القول كالأول بلادليل، مع أنهم مجمعون على جواز الوقف عليه إذا كان للرد.
(2) هو ثعلب وقد مر. وقوله "حكايته" كان في الأصل موضعه خطتر. ونقل قول ثعلب هذا في فقه اللغة 133 بقوله: وزعم ناس اه.
(3) أي كاللفظ بلا، وهي كناية عن قلة اللبث والسرعة، وفي الأمثال "أقل من لفظ لا" قال الكميت:
كلا وكذا تغميضهم ثم هجتمُ ... لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا
وفي شعر الحسن: أقل في اللفظ من لا.
من إيضاح المطرزي والشريشي (المقامة 39).
(2/11)

حذفوا إحداهما وشددوا الباقي طلبًا للتخفيف. قال ومنه قول الشاعر (1):
قبيلي وأهلي لهم ألاق مشوقهم ... لوشك النوى إلا فواقا كلا ولا
قال (2) وربما تركوه على خفته ولم يثقلوه. وذلك يقول ذي الرمة (3):
أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانغلّ سائره انغلالا
ومنه قول جرير (4):
يكون وقوف الركب فيها كلا ولا ... غشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل
قلنا (5) هذا كلام مدخول من جهتين: إحداهما أنه غير محفوظ عن القدماء من أهل العلم بالعربية. والثانية أنه مما لا يتأيد بدليل. والأمرين (كذا) كلا مشددة وكذا مخففة مبين جدًّا (6) وذلك أن قول القائل هذا شيء كلا، إنما هو تشبيه الشيء -وحقارته وقلته وأنه لا محصول له- بلا، وذلك أن لا كلمة نفي. وأما كلا فكلمة مشددة بعيدة التشبيه بلا، واعتبار ما قلناه، أنك لو حملت قوله تعالى [المدثر 35]: {كَلَّا وَالْقَمَرِ} على معنى أنه كلا ولا القمر لكنْتَ عند أهل العربية كلهم مخطئًا لأن كلا ولا ليس بموافق لقوله والقمر. فإن قال قائل فما الأصل فيها؟ قلنا: إن كلا كلمة موضوعة للمعاني التي قد ذكرناها مبنية هذا البناء، وهي مثل إن ولعل وكيف. وكل واحدة من هذه مبني بنا [ءً] يدل على معنى. فكذا كلا كلمة مبنية بناء يدل على المعاني التي نذكرها. وهذا قول قريب لا استكراه فيه.

باب الوجه الأول من "كلا" وهو باب الرد
اعلم أنك إذا أردت رد الكلام بكلا جاز لك الوقف عليها لأن المعنى قد تم عند
__________
(1) هو أبو تمام (في ديوانه: بيروت سنة 1889 م ص 225) ولا يجوز الاستشهاد بمثله.
(2) في الأصل "قالوا" مصحفًا.
(3) ديوانه عدد 75 ص 434، وقبله.
تريك بياض لبتها ووجها ... كقرن الشمس أفتق حين زالا
أي أصاب فتق السحاب فبدا منه -وكذا كقولك في السرعة- وانغل دخل في السحاب.
(4) النقائض 160 وديوانه 2: 68، وتبله:
وهاجد موماة بعثت إلى السرى ... وللنوم أحلى عنده من جنى النحل
الغشاش العجلة. وفيهما "رحلا إلى رحل" بالحاء كالإيضاح، وفي الشريشي رجلًا إلى رجل.
(5) الأصل "وهذا".
(6) لعل الصواب والله أعلم "والأمران ... مباينان جدًّا".
(2/12)

الرد. وذلك أن تقول [كذا] لقائل أكلت تمرًا؟ فتقول كلا أي إني لم آكله. فقولك كلا مبني على خبر قد ذكره غيرك ونفيته أنت، قال الله عَزَّ وَجَلَّ في قصة من قال (1) [مريم 80، 81] {لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا} أي إنه لم يطلع ولم يتخذ العهد. وأصوب ما يقال في ذلك أن كلا رد للمعنيين جميعًا. وذلك أن الكافر أدى [؟ ادعى] أمرًا فكذب فيه، ثم قيل: أتراه اتخذ عهدًا أم اطلع الغيب. كلا أي لا يكون ذا ولا ذاك.
وأما قوله تعالى [مريم 81]: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا} فكلا رد لما قبله وإثبات لما بعده؛ لأنهم زعموا أن الآلهة تكون لهم عزا. وذلك لقولهم [الزمر 3] {مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}. قيل لهم كلا أي ليس الأمر كما تقولون ثم جيء بعد بخبر وأكد بكلا وهو قوله {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}.
وأما قوله في سورة المؤمنين [102]: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ, كَلَّا}، فلها مواضع ثلاثة، أولها: لقوله ارجعون. فقيل له كلا أي لا ترد (2). والثاني قوله تعالى اعمل صالحًا، فقيل له كلا، أي لست ممن يعمل صالحًا وهو لقوله [الأنعام 28]: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} والموضع الثالث تحقيق لقوله إنها كلمة هو قائلها. وأما قوله في [الشعراء 13]: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَال كَلَّا} فهو رد في حالة وردع في أخرى. فأما إمكان [؟ مكان] الشرح فقوله أخاف أن يقتلون فقيل له كلا أي لا تخف هذا ردع. وأما الرد فقوله أن يقتلون فقيل له لا يقتلونك فنفى أن يقتلوه (3) وأعلم أنهم لا يصلون إلى ذلك. وأما قوله في هذه السورة [الشعراء 61]: {قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَال كَلَّا}. فهو نفى لما قبله وإثبات لما بعده. وأما قوله في [سبأ 27]: {قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا}، فلها ثلاثة مواضع: أحدها أن تكون ردًّا على قوله أروني أي أنهم لا يرون ذلك وكيف يرون شيئًا لا يكون. والموضع الثاني قوله ألحقتم به شركاء فهو رد له أي
__________
(1) هو العاص بن وائل السهمي كما في رواية الصحيحين وأحمد وفي السيرة بهامش الروض أيضًا 224: 1.
(2) في الأصل "لا يرد".
(3) في الأصل "أن يقتلون" وله وجه.
(2/13)

لا شريك له. والثالث أنها تحقيق لقوله بل هو الله العزيز الحكيم. وقال بعض أهل التأويل إنما رد على قوله ألحقتم به شركاء دون أن يكون ردًّا على قوله أروني، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بأن يقول لهم أروني قال لهم ذلك. فكأنهم قالوا هذه هي الأصنام التي تضرنا وتنفعنا فاروه أيضًا إياها فرد عليهم ذلك بقوله (1) بل هو أي إن الذي (2) يضركم وينفعكم ويرزقكم ويمنعكم هو الله. ومعنى قوله أروني ها هنا أعلموني. وأما قوله في سورة سأل سائل [المعارج 11 - 15]: {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ الآية كلا}. فرد لقولهم ثم ينجيه، أو رد لقوله لو يفتدى وقال في هذه السورة [المعارج 39. 40]: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ [مِمَّا يَعْلَمُونَ] (39)} من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا في بني آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإِيمان والعمل الصالح فلم يطمع كل امرئ منهم ليس بمؤمن ولا صالح أن يدخل الجنة ولا يدخلها إلا مؤمن صالح العمل. وأما قوله في سورة [المدثر 15، 16]: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا} فهو رد أن لا يزد [كلا]. وذلك أن الوليد كان يقول ما أعطيت أعطيته إلا من خير [؟ عز] ولا حرمه غيري إلا من هوان. فإن كان ما يقوله محمَّد حقًّا فما أعطاه في الآخرة أفضل، فقيل له ثم يطمع أن أزيد كلا أي لا يكون ذلك. وكذلك قوله [الفجر 15 - 17]: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) - إلى قوله أَهَانَنِ (16) كَلَّا}. ومن الرد قوله [المدثر 53,52]: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا}. أي لا مفر. أكد ذلك بقوله لا وزر تأكيد [آ] لقوله كلا. ومنه [المطففين 13, 14]: {إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا}. فهو رد أي أنها ليست بأساطير الأولين. ومن الرد قوله [الهمزة 3, 4]: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا}. أي ليس كما يظن فإن ماله لن يخلده.
هذا ما في القرآن من النفي والرد بكلا.
وما كان في أشعار العرب منه وهو كثير قول القائل:
فقالوا (3) قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
__________
(1) في الأصل "لقوله".
(2) الأصل "اتنذ" ولعله "الله" أو "الإله".
(3) وكذا رواه القالي فقالوا في النوادر والصواب كما قال ابن السيد (107، 292) "فقلن" وقد سرد بيتين قبله =
(2/14)

فنفى (1) بذلك قولهم "قد بكيت". وقال ابن الدمينة:
أردت لكيما تجمعينا ثلاثة ... أخي وابن عمي ضلة من ضلالك
أردت بأن نرضى ويتفق الهوى ... على الشرك - كلا لا تظني كذلك
وقال آخر:
أليس قليلًا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل (2)
وصف النظرة بالقلة، ثم تدارك فنفى أن تكون نظرته إليها قليلة.

باب كلا إذا كانت تحقيقًا لما بعدها
وذلك قوله [كلا] لأضربنك ومنه كتاب الله [عبس 11]: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} "إن" يكون تأكيدًا وكلا زيادة تأكيد. ومثله [النبأ 5,4] {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}. وكان بعض أهل التأويل يقول: هو (3) رد شيء قد تقدم إلا أنه لم يذكر ظاهرًا وذلك قوله {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} ثم قال كلا فهو رد على قوله مختلفون -ومعناها لا اختلاف فيه: ومن التحقيق قوله (عبس 23) {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} أي أنه لم يقض ما أمر به -وكان بعضهم يقول معناها إن- ومثله [المدثر 53]: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} ومنه [الانفطار 9] {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} وهو تحقيق لما بعده، ومنه [المطففين 7]: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)} و [المطففين 18]: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ} و [العلق 6]: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} [العلق 15]: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ}.
__________
= يدلان على ما ذهب إليه. قال ابن السيد كلا معناها الزجر والردع وقيل معناها النفي. والبيت يروى لبشار ويروى لعروة بن أذينة. وفي حاشية نسخة من أدب الكاتب أنه لِحكيم بن عبيد أبي جنة.
(1) الأصل "ونفى" وبيتا ابن الدمينة لا يوجدان في ديوانه ولا في كلمته الشهيرة على الكاف في الحماسة وأمالي القالي وغيرهما.
(2) هو ليزيد بن الطثرية من كلمة أبياتها عشرة، أولها:
عقيلية أما ملاث أزارها ... فدعص، وأما خصرها فبتيل
(3) الأصل "وهو" وظاهر كلامه في فقه اللغة 132 - وقد ألفه بعد هذه الرسالة كما صرح به- أن يرجع هذا القسم من كلا إلى قسم الردع، ولفظه: وهي إذا كانت صلة ليمين راجعة إلى ما ذكرناه قال الله جل ثناؤه {كَلَّا لَا تُطِعْهُ} فهي ردع عن طاعة من نهاه عن عبادة الله جل ثناؤه، ونكتة بابها النفي والنهي. وكان حق هذا القول أن يذكر في باب صلة الأيمان إلا أنا تبعناه في ذكره هنا.
(2/15)

باب الردع
وأما ما كان ردعًا فقوله (1) [التكاثر 1 - 5]: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [...] كَلَّا} ردعهم عن التكاثر ثم أعاد أخرى فقال كلا، أي إنكم افتخرتم وتكاثرتم وظننتم أن هذا ينفع شيئًا، ثم أكد ذلك بقوله كلا ثم كلا إبلاغًا في الموعظة. ومنه قوله [عبس 11,10]: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا}. أي لا تفعل ذلك، ومنه [العلق 21] {كَلَّا لَا تُطِعْه}.

باب صلة الأيمان
وأما ما كان من صلة اليمين فقوله [المدثر 35]: {كَلَّا وَالْقَمَرِ} فهو صلة اليمين وتأكيد لها، ويقال إن معناها ألا والقمر أي والقمر. كذا كان أبو زكريا الفراء يقوله. هذا ما في القرآن.
فإن سأل سائل عن كلا فقل: هي في كتاب الله على أربعة أوجه يجمعها وجهان: رد وردع وهما متقاربان، وتحقيق وصلة يمين وهما متقاربان (2). فالرد مثل {لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا}. وهو الذي يوقف (3) عليه، والردع مثل قوله {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}، والتحقيق مثل {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}، وصلة اليمين مثل قوله {كَلَّا وَالْقَمَرِ}.
واعلم أنه ليس في النصف الأول من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ كلا. وما كان منه في النصف الآخر فهو الذي أوضحنا معناه حسب ما لاح واتجه. والله ولي التوفيق.
(تم الكتاب والحمد لله وحده)
"وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وسلم"
نسخته بلكنؤ (الهند) بإملاء صديقي الشيخ خليل بن محمَّد بن شيخي المرحوم الراوية حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني حفظه الله، أواخر ذي الحجة الحرام سنة 1343 ه، حامدًا لله على أفضاله، ومصليًا على محمَّد وآله.
وأنا العاجز
عبد العزيز الميمني الأتري كرمه الله
__________
(1) الأصل: فقولهم.
(2) خلط هنا بين المذاهب الثلاثة: مذهب أبي حاتم، والنضر، والكسائي.
(3) في الأصل "توقف" مصحفًا.
(2/16)

فهرس
ما جاء فيه "كلا" من كتاب الله سبحانه
(19) مريم 82، 85
(23) المؤمنون 102
(26) الشعراء 14، 62
(34) سبأ 26
(70) المعارج 15، 39
(74) المدثر 16، 35، 53, 54
(75) القيامة 11, 20, 26
(80) عبس 11، 23
(82) الانفطار 9
(83) المطفيين 7، 14، 15، 18
(89) الفجر 18، 22
(96) العلق 6، 15، 19
(102) التكاثر 3 - 5
(104) الهُمزة 4
(2/17)

كتاب "ما تلحن فيه العوام" للكسائي
مما وضعه علي بن حمزة الكسائي للرشيد هارون رحمهما الله ولا بد لأهل الفصاحة من معرفته
(من نسخة خزانة جامع بومباي الهند)
"بفضل الأخوين الشيخين عبد القادر ومحمد يوسف الشافعيين"
نسخه وصححه وعارضه بالمجاميع اللغوية وعلق عليه فوائد
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
(لطف الله به)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب ما تلحن فيه العوام للكسائي، منه نسخة كتبت في نحو القرن الثاني عشر بخزانة جامع بومباي (الهند) في مجموعة فيها: كفاية المتحفظ، ونسيم السحر، والمثلث لقطرب، والألفاظ الكتابية، والمنقوص والممدود للفراء. من مقتنيات الأخوين ناظر الجامع الشيخ عبد القادر، وصديقي العلامة الجليل الشيخ محمد يوسف كتكتي الكوكني الشافعي. فاظهرت لصديقي رغبتي في نشر مثله، فرحب بي وبسؤالي وأسعفني حفظه الله بمأمولي، واستنسخه مع كتاب الفراء وأنفذهما إليّ. ولكن النسخة -وقابلتها على الأصل ببومباي- مشوهة رديئة.
فقمت بالأعمال اللازمة من التصحيح والمراجعة والمعارضة على كتب متقدمي اللغويين، كإصلاح المنطق لابن السكيت (مصر) وعلامته (ص)، والفصيح لثعلب مع شرح أبي سهل الهروي المتوفى 433 ه (مصر سنة 1325) وعلامته (ف)، وأدب الكاتب لابن قتيبة (ليدن 1905 م) وعلامته (ك)، وشرحه المسمى الاقتضاب لابن السيد البطليوسي وعلامته (سيد)، ودرة الغواص للحريري (لبسيك 1871 م)، وشرحه للخفاجي، واللسان، والتاج وغيرها.
(2/18)

والغرض أن تعلم أن هؤلاء اقتبسوا منه في معظم الأبواب إن لم نقل إنهم اختلسوها برمتها. وليس هذا ببدع فقد ذكر ابن خلكان في ترجمة الفراء أنه وقف على كتاب (البهاء) له رأى فيه أكثر الألفاظ التي توجد في الفصيح وهو في حجم الفصيح، وعلى الحقيقة ليس لثعلب في الفصيح سوى الترتيب وزيادة يسيرة، وفي كتاب البهاء أيضًا ألفاظ ليست في الفصيح، وليس في الكتابين اختلاف إلا في شيء قليل اه. أقول وسماه ابن النديم (ص 67) البهي ألفه لعبد الله بن طاهر، ومثله ما ذكره العلامة ابن السيد (141) أن ابن قتيبة نقل هذه الأبواب (لعله يريد أبواب الخيل) كلها من كتاب الديباجة لأبي عبيدة، أليس إذًا بممكن أن يكون كتابنا هذا منهلًا سائغًا محجوبًا عن العيون ارتوى منه الوارد والصادر والأول والآخر ولم يدلوا عليه لئلا يكدروه.
وبهذا يظهر لك فضل كتيب الكسائي هذا، فإن متأخري اللغويين لم يميزوا بين الغث والسمين، وخلطوا فصيح الكلام بغيره، ودونوا جميع اللغات من غير تنبيه على المستعمل منها والمهجور والمقبول والمردود. وهاك مثالًا لذلك قولهم: جبنة بضم فضم فتشديد، وهذا الضبط هو الفصيح كما قد تنبه له الخفاجي، ولكن اللسان والتاج يقدمان عليه لغتي الضم والضمتين.
وبحثت عن اللغات الشاذة في التعليق ونبهت على صور الكلمات الملحونة بعلامة (ل) أي كما كان يلفظ بها زمن الكسائي وما يقرب منه أخذًا من الكتب المذكورة سابقًا. وقد لقيت في هذا العراض عرق القربة، إلا أنه يصغر بجنب مقام الكسائي من اللغة، وإعجابنا معاشر المسلمين بهارون، رحمهما الله.
وقد نقبت عن الكتاب في جلّ المظانّ الحاضرة لعلَّي أقف منه على عين أو أثر، أو خبر، فلم يقدر لي الظفر بالوطر. غير أنه معزو إليه في الأصل كما قد أثبت صورته هنا: وأما مضمون الكتاب فجله لا يلائم ما رواه اللغويون عن الكسائي فانظر الأعداد 2 و 19 و 64 و 87 و 102 وفيه ما يلايمه بعض الملايمة أو تمامها، وانظر العددين 62 و 90.
وفيه مما فات القاموس واستدركه البلكرامي: المسرحة للمشط، ورجال كثير ونساء كثير، والناطف لنوع من الحلوى. وفيه من خلاف المشهور قوله: لا يقال
(2/19)

ضحية ولا أهرقت ولا سكن من غضبه ولا نصحته أو شكرته. وقوله قربوس بالضم، وإن الجهد في قولهم جهدت به كل الجهد بالضم لا بالفتح، فلا أدري أهي أقوال له شاذة أم الذي وصلنا من اللغة ليس على غره الأول. والله أعلم.
6 ربيع الآخر سنة 1344 ه عبد العزيز الميمني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على محمَّد وآله الطاهرين
هذا كتاب ما تلحن فيه العوام مما وضعه علي بن حمزة الكسائي للرشيد هارون. ولابد لأهل الفصاحة من معرفته.

(1) تقول حرَصت بفلان، بفتحر الراء. وقال الله عَزَّ وَجَلَّ [يوسف 103]: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ولا تقول تحرص بفتح الراء قال الله تعالى [النخل 37]: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ}.
(2) وتقول ما نقمت منه إلا عجلته. بفتح القاف لا يقال غيره. قال الله عز وجل: [البروج 8] {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ}.
(3) وتقول دعه حتى يسكت من غضبه بالتاء. ولا يقال يسكن بالنون. قال الله عَزَّ وَجَلَّ: [الأعراف 154 {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ}.
(4) وتقول قد نفِد المال والطعام، بكسر الفاء. قال الله تعالى [الكهف 109]: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا [لِكَلِمَاتِ رَبِّي] لَنَفِدَ الْبَحْرُ}.
__________
(1) ف 5، ك 424 ص 2: 53 وجوز هذا الأخير بأبي ضرب وسمع قال وقرئ أن تحرص على هداهم بالكسر والفتح. والأخير قراءة الحسن والنخعي في آخرين. وكذلك حكاهما ابن درستويه في شرح الفصيح وابن القوطية في الأفعال. ونقل ابن القطاع فيه باب نصر أيضًا. اللحن حرصت بالكسر في الماضي والفتح في المضارع ك.
(2) ف 5. وفي ص 52 وك 448 أن الأجود باب ضرب، وباب سمع لغة رديئة. والعجب أن الجوهري روى عن الكسائي اللغة الأخيرة وهو خلاف ما في هذا الكتاب. ل نقمت كسمعت ك.
(3) يسكن هو الأليط لغة، والكسائي أعلم.
(4) ف 9، ك 424 - نفد بالفتح ك.
(2/20)

(5) وتقول عجزت عن الشيء، بفتح الجيم، ومنه قول الله تعالى ذكره [المائدة 31]: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ}.
(6) وتقول كسرت ظُفُر زيد. بضم الظاء والفاء جيمعًا. قال الله تعالى [الأنعام 146]: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}.
(7) وتقول قد صرفت فلانًا، وقد صرف وجهه عني بغير ألف. ولا يقال قد [أ] صرفت فلانًا. قال الله عَزَّ وَجَلَّ [التوبة 127]: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وتقول قد صرفت الكلبة إذا طلبت المعاظلة.
(8) وتقول قد اشتريت بطانة جيدة، بكسر الباء قال الله جل ذكره [آل عمران 118]: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ}.
(9) وتقول أنا على المضيّ إلى فلان بتشديد الياء. قال الله [يس 67]: {فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}.
(10) وتقول شكرت لك، ونصحت لك. ولا يقال شكرتك ونصحتك. وقد نصح فلان لفلان وشكر له. هذا كلام العرب. قال الله تعالى [البقرة 152]: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [هود: 34] {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ}.
(11) وتقول عسيت أن أكلم زيدًا. بفتح السين. قال الله عَزَّ وَجَلَّ [محمد 22]: {فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}.
__________
(5) ف 5، ص 532، ك 425 - والكسر لغة حكاها الفراء، قال ابن القطاع أنه لغة لبعض قيس، أقول ولكن رديئة.
(6) بضمتين هو الأصل ف 96 والتسكين لغة كما قال الهروي في شرحه وهو قياس مطرد في مثله وفي ك 562 إذا توالت الضمتان في حرف واحد كان لك أن تخفف. ل ظفر كقفل.
(7) ف 11، ك 400 - والمعاظلة ملازمة السفاد- وكان في الأصل أصرفت الكلبة مصحفًا. ل أصرفت ك.
(9) كان في الأصل "على المضر" مصحفًا ص 1: 221.
(10) ف 26 باللام فقط ك 542 باللام أجود وأجاز الأخرى كسائر أصحاب المعاجم وأنشد للنابغة:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي
ولكنه في 549 سواهما. ومثله في ص 2: 59 وذكر لغة ثالثة وهو شكرت به. ل شكرته ونصحته.
(11) ف 5 ك و 449 وفي ص 2: 52 الأجود الفتح، والكسر لغة غير جيدة. ل عسيت (بالكسر) ك، عسيت السد ص.
(2/21)

(12) وتقول قد أريت فلانًا موضع زيد بغير واو، ولا يقال أوريت فإنه خطأ، قال الله تعالى [طه 56]: {وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} وقال [الأعراف 143]: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ}. وتقول قد أوريت النار إذا أشعلتها بالواو قال الله تعالى [الواقعة 71]: {أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ}. وقال عدي بن زيد في شاهد ذلك:
وأطف حديث السوء بالصمت إنه ... متى يور نارًا للعتاب تأججًا
(13) وتقول وقع القوم في صَعود وهَبوط وحَدور -مفتوحات الأوائل- وكذلك السَحور سَحور الصائم والفَطور أيضًا على مثال فَعول، قال الله عَزَّ وَجَلَّ [المدّثر 17]: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}. وكذلك الرَكوب، قال الله تعالى [يس 72]: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ}.
(14) وتقول شُد ثوبك، وشد عليه بضم الشين. قال الله تعالى [محمد 4]: {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}.
(15) وتقول ذره ودعه وذر الأمر. ولا يقال وذرته ولا ودعته. قال الله تعالى [الحِجر 3]: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا}، ولا يقال منه فعلته ولكن تركته.
(16) وتقول جَهدت به كل الجُهد، والجيم الأولى مفتوحة والثانية مضمومة، قال الله [التوبة 79]: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ}.
(17) وتقول دمعت عيني بفتح الميم.
(18) وتقول بخصت عينه بالصاد، ولا يقال بخست بالسين، إنما البخس والنقص أن تنقص الرجل حقه.
__________
(12) وفي الأصل أرويت فلان مصحفًا. والبيت في التاج عن ابن برى ولكن لم يسم الشاعر وروايته "تور".
(13) ف 47. ل الصعود. وغيره بالضم.
(14)
(15) ل وذرته وودعته.
(16) ضده في ص 1: 208 و 2: 52 وفي ك أيضًا 425. قال يعقوب: يقال أجود جهدك (بالفتح) ولا يقال جهدك (بالضم) فإن الجهد الغاية والجهد بالضم الطاقة. قال تعالى {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ}. ل جهدك.
(17) وحكى أبو عبيدة الكسر أيضًا ص 2: 52.
(18) بخصت عينه فقالها أو قلعتها كذا قال الهروي. ف 95 ص 2: 47 ك 412 سيد 204 - بخستها ك ص.
(2/22)

(19) وتقول ودِدت أني في منزلي بكسر الدال الأولى، قال بعض الأعراب:
أحب بنيتي ووددت أني ... حفرت لها برابية قبيرا
(20) وتقول شمِمت الريحان مثله بكسر الميم قال الشاعر:
ألا ليت أني قبل تدلو منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم
(21) [و] تقول عضِضت اللقمة بكسر الضاد، وكذلك غصِصت بالطعام؛ وكذلك صمِمت أيضًا، ومسِست بكسر السين وبررت والدري. قال الشاعر في شاهد عضضت:
ألآن لما أبيض مسرُبتي ... وعضضت من نابي على جذم
وقال آخر في شاهد صممت:
صممت ..... وكدت أعمى ... عن الأكبر الذي حُدثت أمس
(22) وتقول سخرت بفلان بالباء قال الله جل وعز [الحجرات 11]: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ} - بالميم [كذا].
(23) ويقال هذا خصم وأنت خصمي بفتح الخاء، ولا يقال بكسر الخاء، قال
__________
(19) ف 9 ك 424. والعجيب ما في التاج أن الزجاجي حكى عن الكسائي الفتح، وحكاه الليلي في شرح الفصيح والقزاز في الجامع والصاغاني في التكملة كلهم عن الفراء، ولكن ليس عينه أو لامه من حروف الحلْق فهو لحن عند البصريين شاذ لا يعول عليه. ل وددت بفتح الدال.
(20) ف 8 - قال ابن السيد 214، 231: ذكره ابن قتيبة في موضع من سمع، وفي آخر أجازه وأجاز باب نصر - ل شممت بالفتح.
(21) ف 8، 9 للأفعال جميعها - ووهم الجوهري فزعم أن ص بجيزه من منع: وإنما الخلاف في غصصت لا عضضت: قال ابن بري لفظ ص غصصت باللقمة فأنا أغص بها غصصًا وغصصت، لغة في الرباب. ل بالفتح في الجميع.
وقوله الآن الخ في اللسان قال ابن بري: أنه للحارث بن وعلة الذهلي وبعده:
وحلبت هذا الدهر أشطره ... وأتيت ما آتي على علم
ترجو الأعادي أن ألين لها ... هذا تخيل صاحب الحلم
والمسربة الشعر المستدق الثابت وسط الصدر إلى البطن كالسربة.
(22) كذا في الأصل ولعل الصواب سخرت من فلان بمن ولا تقل بالباء اه. ف 26 سخرت منه وهزئت به. أقول: وهو الأصل وقد ورد سخرت به قياسًا على هزئت به كما نقله أبو زيد على ما قال الجوهري. وأجازهما الأخفش معًا وأنكر الفراء به. ل سخرت به.
(23) ف 40 خصم للجميع، 43، ص 2: 21 - للجميع ونقل التثنية والجمع أيضًا عن بعض العرب. ك 474 - ل خصمي بالكسر ك ص.
(2/23)

الله عَزَّ وَجَلَّ [الحج 19]: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} فإذا جمعت قلت هم الخصوم يا هذا.
(24) وتقول جلست على شاطئ النهر بالألف، والدليل على ذلك قول الله تعالى [القصص 30]: {مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ}.
(25) وتقول تأذيت بالدخان بتخفيف الخاء قال الله تعالى [الدخان 10]: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} قال الكميت بن زيد الأسدي:
وأيسار إذ الأبرام أمسوا ... لغشيان الدواخن آلفينا
(26) وتقول قد شغلني فلان عن عملي، وشغلته بغير ألف، قال الله تعالى [الفتح 11]: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}.
(27) وتقول قد وعدت فلانًا خيرًا، ووعدته شرًّا بغير ألف، قال الله تعالى [إبراهيم 22]: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. فإذا لم تُظهر الخير والشر وأردت الوعيد قلت قد أوعدته، قال كعب بن زهير بن أبي سلمى قصيدة [كذا] يمدح فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
(28) وتقول صندوق بضم الصاد وزنبور وبهلول، والهلول من الرجال السيد والجمع البهاليل. وكذلك أيضًا يقال عصفور وقرقور وقربوس. قال الشاعر في شاهد ذلك:
للقمة بجريش الملح آكلها ... ألذ من سورة تحشى بزنبور
__________
(24) يريد بالألف الهمزة. ل شاطئ غير مهموز.
(25) ف 69، ك 109 دخان ودواخن وعنان وعوانن ولا يعرف لمهما نظير، سيد 126 بحث عن هذا الجمع بحثًا مشبعًا - ل دخان ف.
(26) ف 12، ك 299 قال: وأشغلته رديء. ل أشغلته ك.
(27) ف 24 زاد: فإن لم تذكر شيئًا قلت في الخير وعدته وفي الشر أوعدته. ومثل ما هنا في ك 376 - والذي في ف ناقضه الزجاج في مخاطبة جرت بينه وبين ثعلب (الأشباه 4: 135) وانتصر له ابن خالويه (أيضًا 139).
(28) ف 93، 61. ك 413. سيد 275 روى ضده عن أبي عمرو الشيباني في نوادره، قال صندوق ولا يضم أوله وهو شاذ لا يعول عليه. ك 408 قربوس محركًا وهو بالضم لغة مشهورة كما قال أبو الطيب الفارسيّ. والقرقور السفينة العظيمة. ل بالفتح في الجميع ص. ثم رأيت الخفاجي قال في شرح الدرة 145 إن الفتح في صندوق وقربوس لغة. وحكى ابن رشيق في عصفور لغة الفتح أيضًا.
(2/24)

وأكلة قدمت للهلك صاحبها ... كحبَّة الفخ دقت عنق عصفور
وكذلك برغوث وطنبور وغرمول الفرس وهو قضيبه وكذلك صعلوك.
(29) وتقول هي طرسوس بفتح الطاء والراء جميعًا، ومثله أسود حالك وحَلكوك. قال أبو زيد الأنصاري: عقيل وعامر يقولون في ذلك طرسوس بضم الطاء وتسكين الراء، ويزعمون أنهم ليسوا يعرفون حلكوكا اسمًا ثابتًا.
(30) وتقول سَمور وشبوط وكلوب وسفود، وكل ما كان على فعول بتشديد العين مفتوح الأول، وكذلك دبوق وعبود وحسون، إلا حرفين فإن العرب تكلمت بهما بالضم والفتح وهما السبوح والقدوس، وبعضهم يقول السُبوح والقَدوس.
(31) وتقول هذا بصل حِريف بكسر الحاء وتشديد الراء، وخل ثقيف بتشديد القاف، ورجل عنين كما قالوا سكير إذا كان كثير السكر وخمير إذا كان يشرب الخمر وعربيد [كذا] وهذا كله على مثال فعيل. وإنما تكلموا بهذه الأحرف على مثال قول الله تعالى [المطففين 7]: {لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} وكما قال [الفيل 4]: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} فتشدد لأنه مبني على مثل فعيل. فافهم وقس عليه إن شاء الله تعالى.
(32) وتقول هافت المحبرة بفتح الميم وضم الباء على مثال مفعلة، وكذلك
__________
(29) ف 45، ص 2: 32، ك 458 الجميع محركًا. واختار الأصمعي فيه الضم كما في التاج. وكان في الأصل "طرطوس بضم الطاء" مصحفًا. ونقل ابن عباد حلكوكا محركًا وحلكوكا بالضم أيضًا. وكان في الأصل "ليسوا يعرفون حلكوكا" مصحفًا. ل طرسوس بالفتح.
(30) ف 46 البحث بتمامه. وسوَّى ص 1: 212 في السبوح والقدوس الضم والفتح. ودبوق كان في الأصل دبوف مصحفًا. وأما عبود وحسون فقد قال أبو حيان في النضار هم يسمون عبد الله عبودًا ومحمدًا حمودًا. وانظر بغية الوعاة ص 61.
(31) في الأصل جفن حريف مصحفًا وحريف حاد محرق، في ف 53 وك 355 سكير وخمير فقط. ص 2: 38 بصل حريف فقط. ل كسميع مخففًا ص قوله وعربيد كذا في. الأصل وهو على فعليل لا فعيل، وفي اللسان ويقال للمعربد عربيد كأنه شبه بالحية. فلعل الأصل -والله أعلم- غريد وهو المغرد.
(32) هافت من الهيف عطشت، وأصله في الإبل كما في اللسان. المشربة وفي الأصل المشرفة فالصواب المشربة كما كتبنا أو المشرفة وهو بضم الراء وفتحها أيضًا كما في الصحاح والدرة 12. ك 577 المقبرة والمشربة بالفتح مشكولًا قال هي كالصفة بين يدي الغرفة، وفي القاموس المحبرة بفتح الباء وضمها. وله نظائر في ضم عين مفعلة ثلاثون أوردها التاج. والمشمل والمشملة نوع من البرود - =
(2/25)

جلست في المشربة، وكذلك مررت بالمقبرة وكذلك حلقت مسربتي والمسرُبة شعر الصدر. ومن صفة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان دقيق المسربة: وما كان من الآلات مما يرفع ويوضع مما في أوله ميم فاكسر الميم أبدًا إذا كان على مفعل ومفعلة تقول في ذلك هذا مِشعل ومثقب ومقود ومنجل ومبرد ومقنعة ومصدغة ومجمرة ومسرحة ومشربة ومرفقة ومخدة ومحسة ومظلة فهذا كله مكسور الأول أبدًا، سوى منخل ومسعط ومدهن ومدنَّ ومكحلة، فإن هذه الأحرف جاءت عن العرب بضم الميم.
(33) وتقول عليَّ بالطِنجير بكسر الطاء. وكذلك الحلتيت والجرجير والبطريق والقنديل أبدًا. ومثله في كتاب الله [فاطر 13]: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}. وكذلك دهليز.
(34) وتقول خرجنا في رفقة عظيمة بضم الراء. ومثله من الكلام جُلبة وجبلة والجلبة قشر القرحة وأثرها وجمعها جلب، قال الشاعر:
أصبر من عَود بجنبيه جُلب
ويقال رفقة أيضًا بكسر الراء.
(35) وتقول صعدت ذِروة الجبل أي أعلاه بكسر الذال. والجرية بفتح الجيم المرة الواحدة. وتقول هي بغيتي. لا يقال في هذه الحروف إلا بالكسر.
__________
= والمصدغة من الصدغ لأنها توضع تحته ك 417، والمسرحة والمسرح ما يسرح به الشعر وهي في المستدرك على القاموس وكان في الأصل مسرجة بالجيم ولعله تصحيف. والمشربة ما يشرب به. والمرفقة المخدة. والمحسة الفرجون. وأما المظلة فقد كان ابن السيد 206 كان ابن الأعرابي يقول المظلة بالفتح لا غير. والكلمات منخل ومسعط وغيرهما في ف 53 وك 583 قال: هي بالضم ولا يقال فيها غير ذلك. ل فتح الأول في الجميع ك.
(33) الطنجير هو باتيله بالفارسية وكان في الأصل الطنجين مصحفًا. والجرجير بقلة معروفة. ف 53. ل الفتح.
(34) في الأصل من رفقة مصحفًا. والجبلة السنام. ف 60 وص 2: 238 قال ورفقة (بالكسر) لغة وك 450 قال ويقولون رفقة (بالكسر) والأجود رفقة (بالضم) وفي 565 سوى بين الضم والكسر. والبيت من الرجز لحلحلة بن قيس بن أشيم قاله لما قدم ليقتل وقيل له أصبر وله خبر. ولفقه التالي: "قد أثر البطان فيه والحقب" الميداني 1: 276 جمهرة الأمثال 2: 39. والمستقصى للزمخشري نسختي الخطية وروايته "يدفيه" وهو كجنبيه لفظًا ومعنى. ل الكسر ك.
(35) أثبت 565 في الذروة الضم والكسر معًا. وفي ف 53 ر ك 417 تقول الماء شديد الجرية (بالكسر) والبغية أوردها ف 51 في باب المكسور أوله. أقول: والمعروف في المتأخرين تسوية الكسر والضم في ذروة وبغية. والقياس يؤيد فتح جرية. ل ذروة وبغية بالضم وجرية بالفتح.
(2/26)

(36) وتقول جراب كبير بكسر الجيم مثل حمار وجوار وخمار. ويقال أنا في جوار زيد وله جوار قديم بكسر الجيم. ويقال سوار المرأة للذي يكون في يدها، ويقال إسوار بالألف وبغير ألف، قال الشاعر في السوار:
ألا طرقت بعد الهدوء نوار ... تهادى، عليها دملج وسوار
(37) وتقول هذه زبيل بإسقاط النون، قال الشاعر:
لخرط قتادة ولحملُ فيل ... وماء البحر يغرف في زبيل
ويقال أترج وإجانة وإجاص، هذه الأحرف بإسقاط النون.
(38) وتقول غسلت رأسي بخطمي بكسر الخاء، وعندي غسلة بكسر الغين قال علقمة بن عبدة:
__________
(36) الجراب بالكسر في ص 2: 34 وك 418 أو الجوار في ك 570 بالكسر والضم والسوار في ك 570 بالكسر والضم أيضًا وفي 452 ويقولون: سوار المرأة والسوار أجود وأما الأسوار فهو على ما قال أبو عمرو بن العلاء -وأنشد له صاحب اللسان أربعة شواهد ليس فيها بيتنا هذا - قوله "للذي" في الأصل "الذي" مصحفًا. وقوله "تهادى عليها" في الأصل علينا. ل الجراب والجوار بالفتح، والسوار بالضم ص ك.
(37) وفي "غلط الفقهاء" لابن بري (من مجموعة المقالات الشرقية المقدمة لنولدكه سنة 1906 م) 221: ويقولون زنبيل بفتح الزاي وصوابه بكسر الزاي إذا كان فيه النون وزبيل بفتح الزاي إذا حذفت النون. وفي القاموس زبيل مشددًا أيضًا كخمير. وأما زنبيل بالفتح فلغة حكاها الصغاني عن الفراء والأترج اه. الثلاثة هكذا في ف 67 ودون أترج في ص 2: 36 وك 395 و 401 قال هي الأترجة والأترج، وأبو زيد يحكي ترنجة وترنج أيضًا. وها هنا موضع حكاية معروفة. وهي أن المتنبي قال:
شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل
إلى آخر القطعة فاعترض عليه ابن خالويه بأن الصواب أترج، فأثبت أبو الطيب الترنج برواية أبي زيد وقال:
أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما عاينت قيلي
القطعة.
وقال ابن السيد 195: قد حكى اللغويون أن قومًا من أهل اليمن يبدلون الحرف الأول نونًا فيقولون حنظ يريدون حظًّا وانجاص وانجانة فإذا جمعوا رجعوا إلى الأصل. وهذه لغة لا ينبغي أن يلتفت إليها فإن اللغة اليمانية فيها أشياء منكرة خارجة عن المقاييس. وإنما ذكرنا هذا ليعلم أن لقول العامة مخرجًا على هذه اللغة اه. ل أترج مخففة الجيم وانجانة والجانة وانجاص ص وك وسيد.
(38) الغسلة ف 51 وص 34: 2. والغسل ص 1: 17 وك 337. قوله أنقى في الأصل انقًا. وقوله "قال الشاعر" لعل قبله أو بعده خرما فإن البيت -وهو للأعشى في زرقاء اليمامة وخبرها معروف- شاهد لكتف. وبعده: =
(2/27)

كأن غسلة خطميٍّ بمشفرها ... في الخد منها وفي اللحيين تلغيم
وتقول للرجل امض راشدًا أنقى الله غسَلك؛ لأن الغسل هو الخطمى قال الشاعر [لعل هنا خرمًا]:
قالت أرى رجلًا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفًا آية صنعا
(39) وتقول كبد أيضًا بفتح الكاف وكسر الباء، قال الآخر:
أو كان بالفرد لحوال [كذا] لانصدعت ... من دونه كبد المستعصم الفرِد
ويقال هذه فَخِذ أيضًا بفتح الفاء وكسر الخاء، قال الشاعر:
على فخذيه من بُراية عودها ... شبيه سمى البهمى إذا ما تفتّلا
وتقول هذه كرش الشاة بفتح الكاف وكسر الراء. وكذلك الفحث والحفث، وهو مثل الرمانة أسفل كرش البعير.
(40) تقول فلان حسن الفقه أي الذكاء.
(41) وتقول فعلت [كذا] الميزاب -بغير راء- وهي الميازيب.
__________
= فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
ولعل الأصل "قال عبد الرحمن بن دارة".
فيا جمل إن الغسل ما دمت أيما ... عليَّ حرام لا يمسني الغسل (...)
ويقال كتف بفتح الكاف وكسر التاء، قال الشاعر: قالت أرى رجلًا اه. ل الخطمي والغسلة بالفتح الدرة 155.
(39) ف 48 الكبد والكرش والفخذ والفحث، وفي ص 2: 27 الثلاثة غير فحث، قال: وقد يخفف بعض العرب ثانيه ويلقى كسرته على أوله، وفي اللسان: الفخذ ككتف، قال سيبويه: لم يجاوزوا به هذا البناء، وقيل فخذ وفخذ بكسر الفاء اه. أقول: ومعروف أن المتأخرين جعلوا الفتح والكسر قياسًا مطردًا في مثله، وقوله لحوال كذا هو مصحفًا، ولعل الأصل "من جولان" أو من فعلان من أسماء الجبال أيًّا ما كان.
(40) والفطنة قال الجوهري قال أعرابي لعيسى بن عمر شهدت عليك بالفقه.
(41) كذا في الأصل فعلت -والصواب إن شاء الله سألت- وفي ص 1: 229 يقال هو المئزاب وجمعه مآزيب ولا تقل المرزاب ولا الميزاب. وفي المعرب 143: قال أبو حاتم سألت الأصمعي عن الميزاب والجمع المآزيب فقال: هذا فارسي معرب وتفسيره مازآب كأنه الذي يبول الماء، وقد استعمله أهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة يقولون: صلى تحت الميزاب اه قال أبو الطيب الفاسي: ومنع المرزاب ابن السكيت والفراء وأبو حاتم. وفي التهذيب عن ابن الأعرابي يقمال الميزاب مرزاب =
(2/28)

(42) وتقول هو السبع بفتح السين وضم الباء، وكذلك الضبع.
(43) وتقول هي وقر حطب ووقر حنطة، وكل ما يحمل فهو وقر. قال الله تبارك وتعالى [الذاريات 2]: {فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا}. وتقول في أذنيه وقر بفتح الواو وهو رجل موقور إذا كان به صمم، وقال الله تعالى: [فصلت 5]: {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ}.
(44) وتقول هي المحلبة [؟] بفتح الميم وهو حب المحلب بفتح الميم، والمحلب بكسر الميم الإناء الذي يحلب فيه.
(45) وتقول قد أشكل على هذا الأمر -بالألف- قال الشاعر:
وإذا الأمور عليك يومًا أشكلت ... فلما يزينك لا يشينك فاعمد
(46) وتقول قد حرمته، والحمد لله الذي حرمك، بغير ألف، وقد حُرمه، قال عبيد:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
(47) وتقول جرو لولد الكلب بكسر الجيم، وكذلك ثوب رخو، وكذلك رطل
__________
= ومزراب، ونقله الليث وجماعة. وفي أمالي ابن المعافى في الميزاب معروف والمرزاب السفينة. ل المرزاب ص.
(42) السبع - الأصل فيه الفتح فالضم. وقرئ في المصحف كفرس وكفلس أيضًا فلعلهما لغتان فيه. والضبع روى القاموس فيها سكون الباء أيضًا وهو قياس مطرد في مثلها. ل السبع بسكون الباء والضبع مثله.
(43) مثله في ف 56 وص 1: 4، ولا خلاف فيهما أصلًا.
(44) كذا في الأصل والصواب المحلبية بلدة قرب الموصل يكون بها حب المحلب بالفتح وهو دواء من الأفاويه. ومثله في ص 2: 22 وك 414 و 348. ل المحلب بالفتح في الطيب ص.
(45) ف 25. وحكى القاموس من شكل باب نصر أيضًا. ل شكل ف.
(46) ف 12. وبيت عبيد في ديوانه 8 وشرح المعلقات للتبريزي وجمهرة الأشعار في بائيته المعلقة. ل أحرمته ف.
(47) ف 43، 49 وص 2: 33 قال وهو جرو الكلب وقد يضم ويفتح إلا أن بالكسر أفصح وثلاثة أجر والجمع جراء. وهو الرطل للمكيال والمسترخى والأفصح في المكيال الكسر وفي الرخو الفتح. ك 553 سوى الحركتين في الرطل فقط. وفي القاموس الرخو مثلثة واقتصر الجوهري على الكسر والفتح وفي التهذيب عن الليث الكسر والفتح لغتان. قال الأصمعي والفراء كلامهم الكسر والفتح مولد، وفي المصباح الضم لغة الكلابيين. والبيت لابن أحمر كما في اللسان والتاج وروايتهما بها. وفي التاج "منه" بدل "فيه". ل الفتح في الجميع.
(2/29)

للذي يكال فيه، قال الشاعر:
لها رطل تكيل الزيتَ فيه ... وفلاج يسوق لها حمارا
(48) وتقول هذه أتان للأنثى من الحمير بغير هاء، فإذا كانت ثلاثًا قلت ثلاث أتن. هي الأتن الصحف والرسل، قال الشاعر:
فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان
والأتان أيضًا الصخرة الراسية في جوف الماء والأودية، قال الشاعر:
هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جُلذية كأتان الضحل علكوم
فشحطوا بعدوا. وجلذية ناقة شديدة قوية. وكذلك العلكوم شبهها من قوتها بالصخرة. والضحل الماء القليل.
(49) وتقول غثت نفسي ولا يقال غثيت بالياء، وكذلك غلت القدر بلا ياء.
(50) وأغلقت الباب فهو مغلق ولا يقال مغلوق قال حاتم الطائي [كذا]:
ولا أقول لقدر القوم قد غليت ... ولا أقول لباب الدار مغلوق
(51) ويقال قصُّ الشاة وقصصها بالصاد ولا يقال بالسين. والقس بالسين هو قس النصارى.
(52) ويقال عندي قريس طيب بالسين، وقرَس البرد، ويومنا قارس بالسين -
__________
(48) ف 722 وفي القاموس الاتانة قليلة. والبيت الأول من مشهور شعر يزيد بن مفرغ الحميري في استلحاق معاوية زياد بن أبيه بأبي سفيان، انظر طبقات ابن قتيبة (ليدن) 212 والمروج بهامش النفح 2: 394 ورواية ابن قتيبة ألك وكأل. وقبله:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني
والبيت الثاني لعلقمة بن عبدة وهو في اختيار المفضل وشرحه الأنباري 798. ل الأتانة.
(49) هما في ف 7، ص 54: 2 وك 425، وغثت جاشت قبل القيء. ل غثيت وغليت كسمعت ص.
(50) ف 25 ص 2: 54 ك 396. واما البيت فالمجمع عليه أنه لأبي الأسود الدئلي وإن لم أجده في ديوانه صفع السكري ولا في الأغاني، ولا غير أن عزوه إلى حاتم خطأ. ل غلقت الباب ك.
(51) زورها وهو رأس صدرها موضع المشاش ف 93 ص 2: 48 ك 412. ل القس والقسس ك ص.
(52) القريس من السمك ما طبخ وعمل فيه صباغ وترك فيه حتى جمد. وفي التاج: والصاد لغة فيه والسين =
(2/30)

واللبن قارص بالصاد إذا كان حامضًا.
(53) ويقال هذا ثوب صفيق بالصاد، ووجه فلان سفيق بالسين، وإنما تكلمت العرب بهذا فرقًا بين صفاقة الوجه وصفاقة الثوب.
(54) ويقال جورب بفتح الجيم، وكذلك رجل كوسج، وكل ما أشبه هذا.
(55) ويقال هذه امرأة جميل، وليلة مطير، وعين كحيل، ولحية دهين بغير
__________
= لغة قيس. ك 411. 412. قرس البرد مثله في ف 5 وك 412 وص 2: 47 ولفظه نبيذ قارص ولبن قارص أي يقرص اللسان (من الحموضة والبرد) اليوم قارس والقرس البرد (ع الصواب القرس بتحريك الراء البرد والقرس مصدر) وأصبح الماء اليوم قريسًا أي جامدًا وقارسًا. ومنه سمك قريس وليلة ذات قرس ذات برد ولا يقال البرد اليوم قارص. ومثله في الدرة 181.
(53) وبالعكس أيضًا في القاموس أي ثوب سفيق ووجه صفيق. قوله فرقا بين الخ كذا ولعل الصواب سفاقة الخ. ل ثوب سفيق ووجه صفيق.
(54) ف 44 ك 419 ص 2: 25 المعرب 45، 128 الدرة 128. ل ضمهما ك.
(55) ك 316 - 318. الوديق التي تشتهي الفحل. وأما قريب في الآية ففيه كلام مشبع للمجد الروزراوردي وابن مالك وابن هشام في الأشباه 3: 105 - 127. قوله قد بنت العرب فعيلًا في الأصل فعلًا. والآية مكررة كذا بلا فائدة. وعقمت يأتي لازمًا ومتعديًا، فهو في عقيم على التعدية في ك دراعة جديد لأنها في تأويل مجدودة أي مقطوعة حين تطعها الحائك. وفي المستدرك على القاموس: روى النضر بن شميل عن يونس رجال كثير وكثيرة ونساء كثير وكثيرة. وقوله في البيت "لسن" في الأصل "ليس" مصحفًا. والقياس في فعيل بمعنى المفعول التسوية بين التذكير والتأنيث، وفي فعيل للفاعل تأنيثه بهاء إلا ما شذ وندر، فتمحل له الصرفيون تأويلات ركيكة.
وزنة فعول في ف 47، 48, 71 وك 318. والرمكة محركة الفرس والبرذونة تتخذ للنسل.
والبيت للعباس بن مرداس كما قال أبو تمام أو لمعاوية بن مالك كما قال أبو رياش القيسي أو لكثير عزة على ما في التاج من قصيدة معروفة، والمقلات التي لا يعيش لها ولد.
وزنة مفعال يدخلها الهاء للمبالغة كما في ف 71، 72 وغيره. وفي الأصل مفتاح لدل مغناج مصحفًا وبيت ذي الرمة آخر جمهرة الأشعار من بائيته وهي من خيرة شعره وروايته "تزداد في العين أبهاجًا" وفي ديوانه عدد 1 ص 5 مثله إلَّا في العين وفيه قوله تحرج أي تبقى وتتحير. وكان في الأصل تخرج مصحفًا.
وزنة فاعل في ف: 71 وفي ك 320 مستقصاة، والبيت للأعشى ميمون وكان تزوج امرأة من هزان فوجد عندها شابًّا فقال لها من هذا؟ قالت ابن عمي، فنهاها عنه، فلما رآها لا تنتهي طلقها وقال "أيا جارتا" أراد الزوجة، وبعده:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وألا تزال فوق رأسك بارقة
وهي ستة أبيات في ديوانه 17 والاقتضاب 368.
وزنة فعالة ومفعالة للمبالغة في ف 72.
(2/31)

هاء وكذلك كل ما كان على فعيل [؟] وكذلك كف خضيب وحمارة وديق قال الله تعالى [الشورى 17]: {لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}. وقد بنت العرب فعيلًا بغير هاء أيضًا، ومنه قول الله جل ذكره: {لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} لأنه على فعيل، وقال الله تعالى [الذاريات 29]: {وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} ولم يقل عقيمة، وكذلك دراعة جديد. وقد يكون فعيل أيضًا للجميع فتقول في الدار نساء كثير، وهذه حباب جديد، قال الشاعر:
يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمين
فقال بأمين ولم يقل بأمينة وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل.
وقد بنت العرب فعولًا بغير هاء أيضًا من ذلك هذه امرأة ولود وكسوب وخدوم وودود ورمكة عضوض وجموح وعثور وأم نزور إذا كانت قليلة الولادة قال الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخًا ... وأم الصقر مقلات نزور
ومنه قوله تعالى [التحريم 8]: (يا أيها الذين أمنوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}.
وقد بنت العرب مفعالًا بغير هاء منه قولهم امرأة مكسال ومطعان ومغناج ومبهاج ومضحاك، قال الله جل ثناؤه [النبأ 21]: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}. وقال ذو الرمة:
غراء [في العين] مبهاج إذا سفرت ... وتحرج العينُ فيها حين تنتقب
ويقال امرأة طالق وطاهر وحائض وريح عاصف كل هذه الأحرف بغير هاء فإن قال لك وقد قال الله تعالى [الأنبياء 81]: {وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} فأثبت الهاء، قيل هذا على مبالغة المدح. والعرب قد تدخل الهاء في فعيل وفعول على مبالغة المدح. قال الأعشى:
أيا جارتب بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة
وكذلك قولهم رجل شتامة وغلامة وطلابة وجماعة وبذارة وسيارة في البلاد وجوالة، ورجل راوية وباقعة وداهية، ورجل لجوجة وصرورة وهو الذي لم يحج قط.
(56) ويقال قد نقه فلان بفتح القاف، ونقهت الحديث إذا فهمته بكسر القاف قال الشاعر:
__________
(56) مثله في ف 17 - 425 ونقه من المرضى بالفتح والكسر عند الجوهري ونقهت الحديث بالفتح رواه =
(2/32)

يا أيها البدر الكريم الأروع ... أنقه عني ما أقول وأسمع
(57) ويقال عليّ ثياب جدد بضم الدال والجدد بفتح الدال هي الجبال، قال الله جل ثناؤه [فاطر 27]: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ}.
(58) ويقال نكلت عنه بفتح الكاف.
(59) وتقول رمكة كميت، ويرذون كميت، يكون المذكر والمؤنث فيه سواء. فإن قال قائل فلم هذا؟ فقل لأنه لا يحسن أن تقول رمكة كمتاء ولا برذون أكمت كما قالوا أبلق وبلقاء، وأدهم ودهماء، وأصفر وصفراء.
(60) وتقول هذه جبنَّة وهو الجبن بتشديد النون وضم الباء، قال الشاعر:
كأنها جبنة لم تعصر ... أو بيضة مكنونة لم تعبر
(61) وتقول مشيت حتى أعييت بالألف ولا تقول عييت إنما يقال في الأمر
__________
= اللسان. ل نقه من المرض بالكسر. ك وانقه بكسر الهاء للضرورة كقوله:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس
والروى مقيد.
(57) ف 59، ك 420، ص 24: 2، سيد 210 قال أجاز المبرد وغيره في كل جمع يكون على فعل من المضاعف فتح الثاني لثقل التضعيف وقد قرئ (على سرر) كنكت. ل جدد كنكت ص ك.
(58) ف 6، ص 2: 52 قال الأصمعي ولا يقال بالكسر، ك 424، سيد 212 حكى ابن درستويه الكسر في شرح الفصيح وفي 233 حكى ابن درستويه نكل ينكل (من سمع). ل نكل من سمع ك ص.
(59) مثله 321. ل رمكه كميتة ك.
(60) ف 59 بضمتين. ص 1: 195 جبن وجبنة وجبنة وبعضهم يثقل النون فيقول جبن وجبنة. وقال الخفاجي في شرح الدرة 232 هو بضمتين فالتشديد في اللغة الفصيحة وفيه لغة كقفل. ويدل فحوى اللسان أن الثقيل لغة. وفي التاج أن الأفصح الضمة ثم الضمتان ثم هما مع الشديد. ومن هذا تتعرف ما طرأ على الفصحى من اللغات الشاذة بحيث عكس الأمر ولم يبق ميزًا بين الهر والبر. ل جببة بالضم.
(61) مثله في ف 20 وك 383, 397. وهذه الكلمات كانت سبب اشتغال الكسائي بالنحو كما في النزهة 82 عن الفراء قال: إنما تعلم الكسائي النحو على الكير، وكان سبب تعلمه أنه جاء يومًا وقد مشى حتى أعيى فجلس إلى قوم فيهم فضل وكان يجالسهم كثيرًا فقال قد عييت. فقالوا له تجالسنا وأنت تلحن. فقال كيف لحنت؟ فقالوا له إن كنت أردت من التعب فقل أعييت، أو من انقطاع الحيرة والتحير في الأمر فقل عييت. فأنف من هذه الكلمة ولزم معاذًا الفراء وغيره حتى برع. ومثله في معجم الأدباء 5: 184 والأنساب للسمعاني.
وقوله تزحزحي الخ الأبيات من الرجز وردت في باب بلاغات النساء من كتاب المنثور والمنظوم لأبي =
(2/33)

الذي ينسد عليك فيقال فلا تكن بأمره من العي قال الشاعر:
تزحزحي عني يا برذونة ... إن البراذين إذا جرينه
مع العتاق ساعة أعيينه
(62) ويقال برذون وبرذونة، وغلامة وغلام، ورجل ورجلة، وشيخ وشيخة قال الشاعر:
بانت على إرم رابية ... كأنها شيخة رقوب
وقال آخر:
وتضحك مني شيخه عبشمية ... كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيا
(63) ويقال سبت وسبتان وأسبت وسبوت وأسبات، وأحد وأحدان وآحاد مثل أس الحائط وأساس وأس أجود، وإثنين وإثناوان وأثانين يا هذا وأثاني كما ترى، وثلاثاء وثلاثاوان وثلاثوات وأثلثة، وأربعاء وأربعاوان وأربعاوات وأرابيع، وخميس وخميسان وخميساوات وأخمسة، وجمعة وجمعتان وجمعات وجمع.
__________
= طاهر بن طيفور ص 116 ولفظه "قال أبو الحسن: تهاجت امرأتان من العرب كانتا عند رجل -سمينة ومهزولة- فقالت المهزولة تزحزحي الأبيات وقالت السمينة:
يا بنت مهراس قفي أقل لك ... ما أقبح الوجه وما أذلك
فلو ركبت جندبًا أقلك ... ولو أردت ظله أظلك
وهذا صواب الأبيات. وأبو الحسن هو المدائني.
(62) في التاج وأنشد الكسائي:
رأيتك إذ جالت بك الخيل جولة ... وأنت على برذونة غير طائل
وأنشد الجوهري لأوس بن غلفاء الهجيمي، ويروي لعمرو بن سفيان الأسدي:
ومركضة صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام
وأنشد في التاج:
خرقوا جيب فتاتهم ... لم يبالوا حرمة الرجله
وقوله بانت البيت هو لعبيد بن الأبرص من البائية المذكورة. وقوله وتضحك البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي من قصيدته المعروفة في يوم الكلاب الثاني انظرها في شرح الأنباري على المفضليات 315 وفي النقائض 153 وأمالي القالي 3: 133 والخزانة 1: 193، 313 والعيني 4: 206، و 589.
(63) قوله مثل أس الخ لا أعرف معنى الكلام هنا والله أعلم. قوله اثناوان ولكن في ك 111 أن الاثنين لا يثنى ولا يجمع فإن أحببت أن تجمعه كأنه لفظ مبني للواحد قلت أثانين وفي بعض نسخه في التثنية أثناوان. ذكر 111 ثلاثاوات وأربعاوات فقط وزاد في جميع الخميس أخمساء.
(2/34)

(64) وتقول أحددت السكين بالألف، وحدت المرأة على زوجها إذا لبست الحداد فهي تحد تحديدًا [؟] وأحددت [؟] أنا فأنا أحد حدة من الغضب، وأحددت [؟] حدود الدار فأنا أحد، وأحددت [؟] الرجل فأنا أحده من الضرب حدًّا.
(65) وتقول صحا السكران إذا أفاق بغير ألف، وأصحت السماء فهي تصحي إصحاء بألف، وتقول أصحو هي أم غيم؟ ويقال يومٌ غير، قال الشاعر:
كم من زمان [قد] عمرت حرسا ... يومين غيمين ويومًا شمسا
نستأنف الغد ونمضي الأمسا
ويقال هذا يوم مغيوم أيضًا قال علقمة:
حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم
(66) وتقول عندي كوز صفر بضم الصاد. قال النابغة:
كأن شواظهن بجانبيه ... نحاس الصفر تضربه القيون
والصفر بكسر الصاد الخالي من كل شيء، قال الشاعر:
__________
(64) هذا الباب مختلف فيه، وزاده ارتباكًا تصحيف الناسخ فلعل الأصل وحدت المرأة على ... فهي تحد حدادًا وحددت أنا ... وحددت حدود الدار ... وحددت الرجل. وفي ف 38 أن المرأة حاد ومحد من الحداد والأحداد أيضًا - وأحددت السكن وإليه النظر وحددت حدود الدار وعليه غضبت ومثله في ك 386 أيضًا، وسوى القاموس والتاج بين جلها قال حددت عليه أحد بالكسر عن الكسائي غضبت وحددت مثله وأحد السكين وحده وحدده وحددت وأحدت المرأة حدادًا وإحدادًا وعلى الأخير اقتصر الأصمعي وحكى الكسائي عن عقيل أحدت. وقال الفراء كان الأولون من النحويين يؤثرون أحدت فهي محد. قال والأخرى أكثر في كلام العرب اه.
(65) مثله في ف 22 وك 386 وقد بت ابن السيد به 188. قوله الغد شدد للضرورة وذلك أن تقرأ الغدو ردًّا إلى الأصل كما قال لبيد:
وما الياس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع
وقوله الأمسا ضرورة كما قال الآخر:
لقد رأيت عجبًا مذ أمسا
وضمير تذكر في بيت علقمة يعود على الظليم، انظر شرح الأنباري 802.
(66) ف 64 ص 1؛ 52 مثله: وفي ك 450 ويقولون (بالكسر للنحاس) والأجود صفر (بالضم) ولكن سوى بين اللغتين في 557, , وييت النابغة أصلح من نسخة الديوان الساوية التي نشرها درنبوغ في المجلة الأسيوية بباريس سنة 1899 م ص 21 - 55. وكان في الأصل "شواظهم" وبيت حاتم يوجد في ديوانه طبع ابن الكلبي وروايته اهلكت. ل الصفر النحاس.
(2/35)

ولا تظهرن للناس إلا تجملًا ... وإن بت صفر الكف والبطن طاويا
وقال حاتم طيء:
ترى أن ما قدمت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
(67) وتقول خاصمت فلانًا فكان ضلعك على، والضلع الميل، والضلع بكسر الضاد هي ضلع الإنسان وأنشد:
هي الضلع [العوجاء أنت تقيمها ... ألا أن تقويم الضلوع انكسارها]
(68) ويقال عندي دقيق سميذ بالياء لأنه على فعيل. ولا يقال سمذ لأنه فعل وليس في كلام العرب فعل إلا القليل.
(69) ويقال عندي جدي سمين بفتح الجيم، فإذا جمعت قلت ثلاثة أجد، وكذلك لحى وثلاثة ألح، وجرو وثلاثة أجر، والكثير الجراء والجداء ولا تقل جداي.
(70) وتقول دواة ودواتان ودوي، قال الشاعر:
لو يكتب الكتاب عرفك فرغوا ... ليس الدوى وأنفدوا الأقلاما
(71) وتقول هات المرآة على مثال المرعاة قال الشاعر:
والشمس كالمرآة في كفِّ الأشلِّ
__________
(67) مثله في ص 1: 75 و 2: 22 و 28. ضلع الإنسان و 53 و 28: 2 ولكن في 1: 172 ضلع (بالفتح) أيضًا وعن تميم الكسر ك 409 قال والضلع (بالكسر) قليلة، وفيه 450 ضلع (بالكسر) ضعيف وضلع أجود ولكن سواهما في 561. وكان بعد قوله هي الضلع بياض نحو سطر سددته من اللسان والتاج. والبيت لحاجب بن ذبيان، ورواه ابن بري بني الضلع.
(68) بالذال الأفصح والأشهر، وقال كراع هو بالدال المهملة. ل سمذ بلا ياء.
(69) ف 43 و 49 و 56. وفي ص 2: 20 غير جرو وقال كثعلب والكثير لحى كسلى. وك 414 غير جرو. ل. جدى ولحى بالكسر وجرو بالفتح. وفي جمع جدي جدايا وجدى كعدى ص ك ف. وقد مر الكلام على جرو في العدد 47.
(70) دوى بكسر الدال وضمها. ويقال في جمع دواة دوي أيضًا بحذف التاء فقط.
(71) ف 52 وص 1: 231 وك 115 و 294 ل المراة بحذف الهمزة ص ك. والبيت اختلف في قائله فقيل الشماخ وقيل ابن أخيه وقيل أبو النجم وقيل ابن المعتز وهذا القول الأخير مردود إن صح عزو هذا الكتاب إلى الكسائي لتأخره عن الكسائي انظر المعاهد 1: 144. ثم رأيت البيت في رجز لجبار بن جزء أخي الشماخ وأوله: =
(2/36)

(72) وتقول هي الأضحية ولا يقال الضحية، وقد جاء الأضحى. قال بعض الأعراب:
يا قاسم الخيرات يا مأوى الكرم ... قد جاءت الأضحى وما لي من غنم
وكذلك هي الأرجوحة والأرجوزة والأحدوثة، ولا تقل حدثة (؟ حدوثة).
لا تكونوا قومنا أحدوثة ... كبني طسم وكالحي إرم
وكذلك أعجوبة أيضًا.
(73) ويقال فلان معدِن العلم. ولا يقال معدن بفتح الدال.
(74) ويقال كبت الله عدوك بغير ألف قال الله تعالى [المجادلة 5]: {كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}.
(75) وتقول قد خصيت الفحل بغير ألف وهو الخصاء، ولا يقال الإِخصاء.
(76) وتقول قد شيب الرجل وشيَّخ وشاخ.
__________
= قالت سليمي لست بالحادي المدل
إلى أن قال في عَنْسَة:
كأنّها والنِّسعُ عنها قد فضَلْ ... ونَهَلَ السوطُ بدفْيها وعلّ
مُوَلّعٌ يقرو صريمًا قد بَقلْ ... صبّ عليه قانصٌ لما غفَلْ
والشمسُ كالمرآة في كِفّ الأشلّ ... مقلّدَاتِ القِدِّ يقرونَ الدغَلْ
قال العلامة الميمني: [المولّع] أي ثور الوحش. و [مقلْدات القدّ] يريد الكلاب. والدغل النبت الملتفّ.
هذا وقد أتممنا الرواية من الخزانة طبعة هارون، 4/ 233 إلى 241. والعنسة هي الناقة الصلبة (م. ي).
والذي في الخزانة 2: 174 وفي "مشرف الأفاويز في محاسن الأراجيز" لبعض الفرنجيين ص 204 في اسمه خيار وهو تصحيف، وقد ضبطه صاحب الخزانة 2: 175 جبارًا بالجيم والباء الموحدتين من تحت، وكذا على الصواب بآخر ديوان الشماخ.
(72) وفي ص 2: 30 أضحية (بالضم والكسر) وجمعها أضاحي، وضحية وجمعها ضحايا، وأضحاه وجمعها أضحى. والضحية في اللسان أيضًا، وأنشد على تأنيث الأضحى قول الآخر: يا قاسم ... البيت وجوز تذكيره أيضًا. والأرجوحة والأحدوثة في ص 2: 30، قوله حدثة لعل أصل اللحن حدوثه. ل بحذف ألف الجميع.
(73) في التاج وحكى بعضهم كمقعد أيضًا وليس بثبت. ل معدن بفتح الدال.
(74) لا خلاف فيه أصلًا. ل أكبت.
(75) مثله في ف 12 وك 197. ل أخصيت ف.
(76) شيخ في ف 32.
(2/37)

(77) وتقول عليَّ بالدجاج بفتح الدال، قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
(78) وتقول شهدنا إملاك فلان بالألف، وهذا ملاك الأمر بإسقاط الألف.
(79) وتقول عقدت الخيط والحبل وأشباهه بلا ألف، وتقول أعقدت العسل والناطف بالألف فهو معقد، والخيط معقود.
(80) وتقول أتيتك يوم عرفة بغير ألف ولام، ووقفت على دجلة.
(81) ويقال هو الكتان بفتح الكاف.
(82) وتقول فرخ وأفرخ، قال العجاج:
يا ابن كسيب ما علينا مَبذخ ... قد غلبتك فيلق تصيَّخ
لما أتت باب الأمير تصرخ ... است حبارى طار عنها الأفرخ
والفراخ جمع الجميع.
__________
(77) مثله فيه 46. وفي ص 1: 183 بالكسر والفتح ك 414 بالفتح والكسر لحن العامة وفي 50 الأجود الفتح والكسر ضعيفة، ولكن سوْاهما في 569. وتناقضه هذا تنبه له ابن السيد 205. وبيت جرير في ديوانه 1: 148. ل الدجاج بالكسر.
(78) مثله في ف 52 وك 64 و 394. والملاك في ف 50. ل الملاك موضع الأملاك. ك.
(79) مثله في ف 22 و 59. ك 382 و 396. ل أعقدت الحبل. عقدت الرب ك والناطف نوع من الحلوى، وفات القاموس.
(80) ف 66 و 89. ك 432. الدرة 43. ل معرفتين بأل ك.
(81) ف 43. ص 2: 21 ك. 413 ل الكتان بالكسر ص ك.
(82) وحكى التاج من جموعه أفراخًا وفروخًا وفرخًا (بضمتين) وأفرخة وفرخانًا. والرجز لا يوجد في ديوان العجاج وفي الأصل يا بن كسيت ما عليا ... فليق. ثم وجدت الرجز في ديوان جرير المطبوع بمصر 1: 44. وذكر صاحب مشرف الأفاويز الافرنجي ص 97 أن الرجز يوجد في نسخة ديوان رؤبة باستراسبورغ العدد 218 وفي ديوان جرير نسخة بطرسبورغ. ولا شك أن عزوه إلى العجاج وهم مصدره أن جريرًا قاله يجيب العجاج عن رجزه:
تالله لولا أن يحش الطبخ
انظر المشرف المذكور 187، وفيهما تضمخ بدك تصح. ويا است. وكنت صححت البيتين قبل الوقوف عليهما على الصواب، والحمد لله على ذلك.
وابن كسيب لعله أبو الخنساء عباد بن كسيب الذي وصفه الجاحظ في البيان (سنة 1332) 1: 74 وترجم له غير واحد.
(2/38)

(83) وتقول هديت العروس إلى زوجها بغير ألف، وأهديت إلى البيت هديًا.
(84) ويقال صدقته الحديث بغير ألف، وأصدقت المرأة صداقًا وهو الصداق.
(85) ويقال مَسك الشاة وهو جلدها، والمسك بالكسر هو الطيب الذي يشم. وكل جلد فهو مسك.
(86) ويقال عاث في البلاد وعثا إذا أفسد.
(87) تقول أقبسته العلم بالألف، وقبسته النار بلا ألف.
(88) ويقال عندي درهم بكسر الدال وفتح الهاء.
(89) ويقال حاطك الله بعونة بغير ألف.
(90) وتقول دع الثوب حتى يجف بكسر الجيم.
(91) ويقال رمان [إ] مليسي وعنب ملاحي.
__________
(83) مثله في ف 20. وفي التاج هداها بعلها وأهداها عن الفراء وهداها مشددًا واهتداها عن أبي علي. وقال الزمخشري أهداها لغة تميم. ل اهديت العروس.
(84) مثله في ف 24. ولا خلاف فيه.
(85) ف 55 ص 1: 6 ك 415. ل مسك الشاة بالكسر ك.
(86) عاث من العيث وعثا من العثو وهو من رمى ورضى وسعى.
(87) مثله في ف 21 ولكن في ك 385 أقبست الرجل علمًا وقبسته نارًا إذا جئته بها فإن كان طلبها له قال اقبسته. هذا قول اليزيدي. وقال الكسائي اقبسته نارًا وعلمًا سواء قال وقبسته أيضًا فيهما جميعًا. أقول ولكن يباين ما هنا ومثله في التاج. وقال ابن الأعرابي أقبسني علمًا وقد يقال قبسني. وفات هذا القاموس.
(88) ك 413 سيد 204 قال درهم أفصح اللغات وقد حكى اللحياني وغيره أنه قال درهم (كزبرج) ودرهام أيضًا. ل درهم كزبرج ك.
(89) لا خلاف فيه.
(90) ف 6 ركيعض لغة حكاها أبو زيد وردها الكسائي كما في الصحاح والعباب. ل كيعض.
(91) ف 52 وهو الذي لا عجم في حبه. وكان في الأصل مليسي مصحفًا: ل أمليسي بالفتح ف. والملاحي ذكره سائر القدماء مخففًا انظر ف 69 ص 2: 45 ك 67، و 403. سيد 121 وينشدون عن الأصمعي أو المفضل:
ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغريب
وقال أنس فاتحت في ذلك نفطويه في بغداد فقلت إجماعكم ومن تقدمكم من أئمة اللغة على تخفيفه واحتجاجكم بهذا البيت علام بنيتموه؟ قال لا نشدد إلا الياء. قلت الياء ياء النسبة لا بد من تشديدها
(2/39)

(92) وتقول عندي منا دهن ومنوان وأمناء كثيرة.
(93) وتقول رجل جنب ورجلان جنب ونسوة جنب للمذكر والمؤنث سواء.
(94) وتقول ما لقي الناس من الجدري؟ بضم الجيم وفتح الدال.
(95) وتقول هو الخوان، للذي يؤكل عليه، بكسر الخاء.
(96) ويقال عقار بفتح العين.
(97) وتقول دفقت الإِناء وهرقته، ولا يقال أدفقت ولا أهرقت.
(98) وتقول فسد الشيء بفتح السين، وكذلك سبحت بفتح الباء.
(99) وتقول قد ذهب القر وأقبل الدفء قل الله عَزَّ وَجَلَّ [النحل 5]: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}.
__________
= ولكن اللام. فقال هكذا رويت. قلت فأين أنت من قول أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاح في الصبح الثريا لمن يرى ... كعنقود ملاحية حين نوَّرا
وهو أحسن بيت قيل في تشبيه الثريا، قال لا أعرفه، قلت عدك لا تعرف هذا فأين أنت من قول أهيب بن سماع صاحب الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
قطوفها والثريا النجم واقفة ... كأنها قطف ملاح من العنب
قال لا أدري. ل ملاحي بتشديد اللام.
(92) ف 93. وقال الجوهري هو أفصح من المن ونقل القالي عن تميم من ومنان وأمنان.
(93) مثله في ك 322.
(94) مثله في ف 78 ولكن في 84 وص 1: 211. 32: 2 وك 589 بضم الجيم وفتحها أيضًا وعلى الفتحتين يصح الإيهام في قول أبي العلاء المعري من اللزوم:
أضر من جدري شأن حامله ... يحمله جدري جاء من جدري
أي شراب من هذه القرية وهي بين حمص وسلمية تجلب منها الخمر.
(95) مثله في ف 50 وفي ك 551 يقولون خوان والأجود خوان وفي 422 الخوان مكسور والعامة تضمه ولكن سواهما في 570. وقد تنبه لتناقضه هذا ابن السيد فنعاه عليه 212, 267. وفي المعرب 57 أن لغتي الكسر والضم جيدتان ولغة دونهما وهي أخوان ل خوان ك.
(96) مثله في ص 2: 19 وك 62. 413. والأصل عفار بالفاء مصحفًا. ل عقار بالكسر ص ك.
(97) مثله في ف 10. وزعم ك 412 إن هرقت وأهرقت فعلت وأفعلت وهذا خطأ من التصريف رده عليه ابن السيد 227. وفي التهذيب من قال أهرقت فهو خطأ في القياس ولكن كثيرًا من اللغرفي نقلوه. وانظر الافتضاب والتاج: نعم لا يقال أدفقت. ل أدفقت وأهرقت.
(98) مثله في ف 4. وفي ص 2: 53 وفسد وصلح (بالضم) لغة. وفي ك 446 الأسود الفتح. وسبحت في ف 6. ل فسد.
(99) القرفي ف 34. والدفء وسيد 198. =
(2/40)

(100) ويقال فص الخاتم بفتح الفاء، ويأتيك بالأمر من فصه أيضًا قال الشاعر:
وآخر تحسبه أنوكًا ... ويأتيك بالأمر من فصه
أي من عينه وصوابه.
(101) ويقال خاتم بفتح التاء، وخاتم الشيء آخره بكسر التاء [و] منه قول الله عَزَّ وَجَلَّ [الأحزاب 40]: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}.
(102) ويقال المال ينمو، والخضاب وأشباهه ينمي، قال الشاعر:
يا حب ليلى لا تَغير وازدد ... وانم كما ينمي الخضاب في اليد
* * *

تم الكتاب بعون الملك الوهاب، والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمَّد وآله وصحبه أجمعين الطيبين الطاهرين
* * *

تم نسخه ثانية وعراضه على كتب اللغة
وتعليق الفوائد وتصحيحه على يد العاجز
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
وصلى الله على صيدنا محمَّد نبي الرحمة وسلم وعلى ذويه وحزبه
غرة جمادى الآخرة سنة 1344 ه وديسمبر سنة 1925 م
__________
(100) مثله في ف 43 وك 414 وفيه 452 وص 2: 20 يقولون فص بالكسر وهو رديء والأجود الفتح والمثل ويأتيك الخ أي من مفصله ومجزء وتمام البيتين:
وكم من فتى شاخص عقله ... وقد تعجب العين من شخصه
وآخر .. البيت. ويروي: ورب امرئ خلته مائقًا.
وروى الفاخر 233 والميداني 2: 252:
ورب امرئ تزدريه العيون
وعزوهما لعبد الله بن جعفر. ل الفص ك ص.
(101) في ف 83 بفتح التاء وكسرها أيضًا لهذا الذي يجعل في الأصبع.
(102) ف يمي للمال وغيره. ثم أنشد البيت 4. وفي ص 1: 221 ينمي وينمو فلم يفرق. وقال أبو عبيدة قال الكسائي ولم أسمع ينمو بالواو إلا من أخوين من سليم. قال ثم سألت عنه جماعة سليم فلم يعرفوه. من اللسان.
وقوله يا حب ليلى: البيتان يوجدان في أساس البلاغة أيضًا (نمي) غير معزوين.
(2/41)

رسالة شيخ الطريقة محيي الدين بن عربي إلى الإِمام ابن خطيب الري المعروف بالفخر الرازي
نسخها وأبرزها وصححها
عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى وليي في الله فخر الدين محمَّد، أعلى الله همته.
أما بعد فأنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو. وقال رسول الله - عليه السلام - "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلم إياه أني أحبك". ويقول الله تعالى: [العصر 3]: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}.
وقد وقفت على بعض تواليفك، وما أيدك الله تعالى به من القوة المتخيلة، وما تتخيله (1) من الفكر الجيد. متى تستعذب (2) النفس كسب بدنها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب، وتكون ممن أكل من تحت رجله. والرجل من أكل من فوقه. كما قال الله تعالى: [المائدة 66]: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة} الآية.
وليعلم وليي وفقه الله أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من جميع الوجوه لا من
__________
(1) في الأصل: يتخيله.
(2) الأصل: تعذب.
(2/48)

بعضها. والعلماء ورثة الأنبياء، فينبغي للعاقل أن يجهد أن يكون وارثًا من جميع الوجوه، ولا يكون ناقص الهمة.
وقد علم وليي وفقه الله أن حسن الطبيعة (1) الإنسانية إنما يكون بما يحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك. وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها فيفوته حظه من ربه. وينبغي له أيضًا أن يشرح نفسه من سلطان فكره. فإن الفكر يُعلم مأخذه، والحق المطلوب ليس كذلك، وأن العلم بالله خلاف العلم بوجود الله. فالعقول تعرف الله من حيث كونه موجودًا ومن حيث السلب، لا من حيثية الإِثبات، وهذا خلاف (2) الجماعة من العقلاء والمتكلمين، إلا سيدنا أبا حامد فإنه معنا في هذه القضية.
ويجل الله سبحانه أن يعرفه العقل بنظره وفكره. فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله من حيث المشاهدة.
وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون يتقيد (3) عند هذا من عالم الخبال، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها. فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن والفرآن في صورة [...] والد [...] في صورة [...].
وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثًا متعلقًا بالأخذ من النفس الكلية، كما ينبغي له أن لا يتعلق بالأخذ متفقير أصلًا، فكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير.
فإذا حال كل ما سوى الله عَزَّ وَجَلَّ، فارفع الهمة في أن لا تأخذ علمًا إلا منه سبحانه على الكشف. فإن عند المحققين أن لا فاعل إِلا الله، فأذن لا يأخذون إلا عن الله، لكن كشفًا لا عقلًا. وما فاز أهل الهمة إلَّا بالوصول إلى عين اليقين، أنفة بقاء مع علم اليقين.
واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيه العناية القصوى أداهم فكرهم إلى خيال المقلد المصمم، فإن الأمر أعظم من أن يقف فيه الفكر. فما دام الفكر فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن.
__________
(1) الأصل: اللطيفة.
(2) الأصل: خلاق.
(3) الأصل: يلقيه.
(2/49)

وللعقل (1) حد يقف عنده من حيث قوتها في التعرف (؟ التغرق) الفكري. ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى.
فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود، ولا يبقى ماسورًا في قيد نظره وكسبه، فإنه على شبهة في ذلك.
ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك؛ وممن له فيك نية حسنة جميلة أنه رآك وقد تكتب يومًا، فسألك هو ومن حضرك عن مكانك فقلت: مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاحٍ لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي فنكبت (2) وقلت: ولعل هذا الذي لاح لي أيضًا مثل الأول، فإذا قولك (3).
ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح، ولا سيما في معرفة الله تعالى: إذ من المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر.
فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة، ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول الله - عليه السلام -، فتنال ما نال من قال فيه سبحانه [الكهف 65]: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ [رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ] مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} الآية.
ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة، والمرتبة العظيمة الرفيعة.
وليعلم وليي أن كل موجود عند سبب (4) ذلك السبب محدث مثله. فإن له وجهين وجه ينظر إلى سببه، ووجه ينظر به إلى موجده وهو الله سبحانه. فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم، والحكماء كلهم من الفلاسفة وغيرهم إلا المحققون من أهل الله كالأنبياء والأولياء والملائكة فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم. ومنهم من نظر إلى ربهم من وجه سببه لا من وجهه فقال حدثني ربي.
وإليه أشار صاحبنا العارف بقوله: أخذتم علمكم عن الرسوم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت.
__________
(1) كذا. ولعله "وللعقول".
(2) الأصل: فنكتب.
(3) لعله: فهذه قواك، أو فهذا قولك.
(4) لعله: مسبب.
(2/50)

ومن كان وجوده مستفادًا من غيره فحكمه عندنا حكم لا شيء، فليس للعارف [أن] يقول غير الله ألبتة.
ثم ليعلم وليّي أن الحق وإن كان واحدًا فإن له إلينا وجوهًا كثيرة مختلفة. فاحذر عند الموارد الإِلهيات وتجلياتها من هذا الفصل فليس الحق من كونه ربا عندك حكمه (1) كحكمه من كونه مهيمنًا، ولا حكمه من كونه رحيمًا حكمه من كونه منتقمًا، وكذلك جميع أسماء الله تعالى.
واعلم أن الوجه الإِلهي الذي هو الله اسم جامع لجميع الأسماء، مثل الرب والقدير والشكور، وجميعها كالذات الجامع لما فيها من الصفات. فاسم الله مستغرق جميع الأسماء فتحفظ (2) عند المشاهدة منه، فإنك لا تشاهده مطلقًا، فإذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به، وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة أو تلك المشاهدة. فانظر أي (3) اسم من الأسماء الإِلهية ينظر إليها. فذلك الاسم هو الذي خاطبك أو شاهدته، فهو المعبر عنه بالتحول في الصورة، كالغريق إذا قال يا الله فمعناه يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ. وصاحب الألم إذا قال يا الله فمعناه يا شافي أو يا معافي وما أشبه ذلك، فقولي لك (؟) التحول ما ذكره مسلم في صحيحه: الباري يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيقرون بعد الإنكار، وهذا (4) هو معنى المشاهدة هنا والمناجاة والمخاطبات الربانية.
وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل فيه (5) ذاته وينتقل معه حيث انتقل، وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى من حيث الوهب والمشاهدة. فإن علمك بالطب مثلًا إنما يحتاج إليه في عالم الأسقام والأمراض. فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه مرض ولا سقم فمن تداوي بذلك العلم؟ فالعاقل لا يسعى من حيث أن لا يكون له غير [كذا] وإن أخذه من طريق الوهب كطب الأنبياء عليهم السلام فلا يقف معه (6) وليطلب العلم بالله. وكذلك العلم بالهندسة إنما يحتاج إليه في عالم المساحة، فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساذجة ليس عندها شيء. وكذلك الاشتعال
__________
(1) الأصل: حكم.
(2) الأصل: يحفظ.
(3) الأصل: إلى.
(4) الأصل: هكذا.
(5) بدل "به".
(6) الأصل: فلا تقف.
(2/51)

بكل علم تتركه النفس عند انتقالها إلى عالم الآخرة.
فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست الحاجة الضرورية إليه، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث انتقل. وليس ذلك إلا علمان خاصة العلم بالله، والعلم بمواطن الآخرة وما تقتضيه مقاماتها حتى يمشي فيها كمشيه في منزله فلا ينكر شيئًا أصلًا، فإنه من أهل العرفان لا أهل النكران، وتلك المواطن مواطن التمييز لا مواطن الامتزاج التي تعطي (1) الغلط، وليتخلص (2) إذا حصل في هذا المقام أن يتميز من حزب (3) الطائفة التي قامت عندما تجلى لها ربها: نعوذ بالله منك لست ربنا، ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا. فلما جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها أقروا به، فما (4) أعظمها من حسرة!
فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة.
وكنت أذكر الخلوة وشروطها وما يتجلى فيها على الترتيب شيئًا بعد شيء، لكن يمنع من ذلك الوقت، وأعني بالوقت علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الاذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تمت
على يد العاجز
عبد العزيز الميمني
أواخر محرم الحرام 1344 ه
بحيدر أباد
عن نسخة مشوهة
__________
(1) كذا.
(2) الأصل: الخلص.
(3) الأصل: حرب.
(4) الأصل: فلما.
(2/52)

رسالة الملائكة
من إنشاء
أبي العلاء المعريّ
أبرزها وصححها وشرحها
(عبد العزيز الميمنيّ الراجكوتيّ السلفيّ الهنديّ)
الأستاذ بالجامعة الإِسلامية في مدينة علي كره (الهند)
لطف الله به وكرمه
القاهرة 1345
المطبعة السلفية - ومكتبتها
(2/53)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كلمة للناشر
رسالة الملائكة للمعرّيّ أخت رسالتي الغفران والطير في التمثيل، الذي لم يسبقه فيه عديل له أو مثيل. فهو إذًا ابن بَجْدَته، وعُيير وحده. وما مِلْتون الإنكليزي صاحب الفردوس الغابر إلَّا من الأتباع (1)، بيد أنّا أهل المشرق لم نحتفظ بمآثر أسلافنا ولم نؤمنها من بوائق الضياع.
والرسالة وإن كان سبق لها نَشْر، إلَّا أنه لم يتنبه له فيما أظنِّ إلَّا شِرذمة نَزْر. على أن الطبعة كانت من التحريف والتشويه، بحيث يُمجّهَا طبع كل خامل ونبيه. ولم يخلُ من عِدّ أغلاط وتصحيفات، بَلْهَ السطورَ والصحيفات. ولم ننبّه منها إلَّا على فطرة من عِدّ، أو نهر مستمدّ.
ولا أدّعي أنني برّأتها من كلّ عيب، أو جلوتُها جلاءَ الهديّ النقيِّة الجيب. وكيف ولم تصل يدي إلى نسخة منها أخرى، فكيف أتمكن من السَبْح في الصَرَى. إلا أنني ولا كفران لله أرى، أن "عند الصباح يحمد القومُ السُرَى".
وقد بقي مع ما عانيتُه عدّة أغلاط، مطويةَ الرياط. حِرتُ في أمرها، فوكلتُها إلى أعرف مني بخبَرها وخُبرها. وبخزانة ليدن (هولاندة) منها نسخة فيا حبذا لو تولَّى بعض المستعربين عراض هذه عليها. ثم قدَّر الله مقابلتها على نُسخة خطيّة سَدَّت بعض الخلل وأنْعَشَتْ من الزَلَل (2).
ويظهر من فحواها أنها أُلَفت نحو سنة 435 ه تقريبًا. والله أعلم،
مصححها وشارحها
عبد العزيز الميمني السلفي الراجكوتي (الهندي)
الأستاذ بالجامعة الإسلامية في على كره (الهند)
__________
(1) ومثله شاعر الطليان دانتي في كتابه جهنم. وقد أورد الأب آسين (Asin) أدلة تاريخية على أن دانتي قد أخذ عن المعري في رسالة الغفران- مجلة المجمع العلمي بدمشق ص 360 سنة 1339 ه.
(2) نشرت الرسالة ببيروت بتحقيق محمَّد سليم الجندي وقال في مقدّمته إنْ ما نشره سابقوه منها إنَّما هي المقدمة (م. ي).
(2/54)

قال أبو الفضل المؤيّد بن الموفّق الصاحبيّ في كتاب (الحكم البوالغ في شرح الكلم النوابغ):

رسالة الملائكة
ألفها أبو العلاء المَعَريّ على جواب مسائل تصريفية ألقاها إليه بعض الطَلَبة (1) فأجاب عنها بهذا الطريق المشتمل على الفوائد الأنيقة، مع صورتها المستغرَبة الرشيقة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليس مولاي الشيخ أدام الله عِزّه بأول رائد ظَنَّ (2) في الأرض العازبة فوجدها من النَبات قَفْرًا. ولا آخِرِ شائم ظَنَّ الخيرَ بالسحابة فكانت من قطَرٍ صِفْرًا. جاءتني منه فوائد كأنها في الحسن بناتُ مَخْرٍ (3)، متمثلًا ببيت صَخْر (4):
لعمري لقد نَبَّهْتِ مَن كان نائمًا ... وأسمعتِ من كانت له أُذُنانِ
إن الله يُسْمعُ من يشاء وما أنت بمُسْمِعٍ مَنْ في القبور. أولئكَ يُنادَوْن من مكان بعيد. وكنت في عُنْفُوان (5) الشَبيبة أوَدُّ أنني من أهل العلم فَسجَنَتْنِي عنه سواجنُ (6)، غادرتني مثل الكُرَةِ رَهْنَ المحَاجن (7). فالآنَ مشيتُ رُويدًا، وتركت عمرًا للضارب وزيدًا. وما اُوْثرُ أن يزاد في صحيفتي خطأ في النحو، فيَخْلُدَ آمنَا من المحْو. وإذا صَدَقَ فجْر الِلمَّة فلا عُذْرَ لصاحبها في الكَذِب، ومن لمعذَّب العَطَش بالعَذِبِ (8)؟
__________
(1) الذي يظهر من فحوى الرسالة أنه بعض أكابر الفضلاء.
(2) لعل صوابه ظعن.
(3) سحائب بيض يأتين قبل الصيف قال طرفة:
كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر
وكل قطعة منها على حيالهما بنات مخر. وكان الزجاج يقول: إن مخرًا مقلوب من بخر من البخار.
ولو قال قائل أن مخرًا من قوله تعالى {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} لكان مصيبًا.
(4) في خبر معروف راجع الشعر والشعراء ليدن ص 199 والخزانة الكبرى 1: 209.
(5) وفي أخرى خطية غيسان وكلاهما بمعنى.
(6) عدتني العوادي. وفي أخرى شجنتني عنه شواجن بذلك المعنى عينه.
(7) جمع محجن الصوالج.
(8) الماء الكدر.
(2/55)

وصِدْق الشَعَر في المَفْرِق، يوجب صدق الإنسان الفَرِقِ (1). وكون الحالية بلا خُرُص (2)، أجملُ بها من التخرُّص. وقيام النادبة بالمنَادب (3)، أحسنُ بالرجل من القول الكاذب (4). وهو أدام الله الجمال به يلزمه البحثُ عن غوامض الأشياء لأنه يُعتَمَد بسؤال رائحٍ وغادٍ، وحاضِرٍ يرجو الفائدَة وبادٍ. فلا غَرْوَ أن كشَفَ عن حقائق التصريف، واحتجّ للتنكير والتعريف. وتكلَّم على هَمْزٍ وإدغام، وأزال الشُبَه عن صُدور الطَغام. فأما أنا فحِلسُ البيت، إن لم أكن المَيتَ فشبيهٌ بالميت. لو أعرضتِ الأغربةُ عن النَعيب، إعراضي عن الأدب والأديب. لأصبحت لا تُحِسُّ نعيبًا (5)، ولا يُطيق هَرِمُها زعيبًا. ولمّا وافى شيخُنا أبو فلان بتلك المسائل ألفيتُها في اللذّة كأنها الراح، يَستَفزُّ مَنْ سَمِعَها المِراحُ. وكانت الصهباءَ الجُرجانيّة طَرَقَ بها عميدُ كَفر، بعد ميل الجوزاء وسقوط الغَفْر (6) وكان على يجباها (7) جلب الينا الشمس وإياها. فلما جُليَتِ الهَدِيُّ ذكرتُ ما قال الأسدي:
فقلت اصطبِحْها أو لغيري فأهْدِها ... فما أنا بعد الشيب، ويبك (8)! والخمر
تجاللتُ (9) عنها في السنين التي مضت ... فكيف التصابي بعد ما كلَّا العُمر (10)
__________
(1) وكان في الأصل "في الفرق" والفرق كالفروقة الإنسان الخائف كثيرًا.
(2) خرص كعنق وأصله كقفل الحلقة من الذهب أو الفضة قال ابن جني ليس فعل (بوزن قفل) يمتنع فيه فعل (بوزن عنق) السهيلي 1: 25.
(3) وفي أخرى بالنادب.
(4) وفي أخرى من أقوال الكاذب.
(5) النعيب والزعيب صوت الغراب.
(6) الكفر القرية. والغفر منزل للقمر ثلاثة أنجم صغار وهي من الميزان. انظر كتاب الأزمنة للمرزوقي 1: 311 و 193. يريد بعد وهن من الليل.
(7) كذا في الأصل وهو مصحف لا محالة فلعل الأصل والله أعلم "وكأن غلي حمياها جلب إلينا الشمس وإياها". والحميا السورة والحدة والأيا بالكسر مقصورًا والآياء بالفتح ممدودًا والاياة بالفتح والكسر ضوء الشمس.
والعجب أنّ سليم الجندي (ص 4) لم يتعرّض لما قاله العلامة الميمنيّ (م. ي).
(8) الشعر للأقشير. والأبيات خمسة في طبقات ابن قتيبة (ليدن ص 354) وروايتها "ويبك" وفي نسخة "ويحك" وفي الأصل "وتيك".
(9) تعظمت وفي التاج والأساس تعففت.
(10) طال وتأخر.
(2/56)

وما رَغبتي في كوني كبعض الكِرْوان (1) تكلم في خطب جَرَى، والظليم يسمع وَيرَى. فقال الأخفش أو الفَرّا: أطْرق كَرا! إن النعامةَ في القُرى (2). وحَقُّ مثلي أن لا يُسأَل. فإن سُئِلَ تعيَّنَ عليه أن لا يجيب. فإن أجاب ففرضَّ على السامع أن لا يَسْمَعَ منه، فإن خالفَ باستماعه ففريضةٌ أن لا يكتُبَ ما يقول. فإن كتبه فواجبٌ أن لا ينظر فيه. فإن نظر فقد خَبَط خَبط عَشْوَاءَ. وقد بلغتُ سِنَّ الأشياخ. وما حارَ (3) بيدي نفعٌ من هذا الهَذَيانِ. والظَعْنُ إلى الآخرة قريب. افتَراني أُدافع مَلك الموت فأقول:
أصل مَلَكٍ مألكٌ وإنما أُخذ من الأُلوكة وهو الرسالة ثم قُلِبَ ويَدُلّنا على ذلك ... [1] قولهم في الجمع الملائكة لأن المجموع تَرُدّ الأشياءَ إلى أُصولها، وأُنْشِدُ قول الشاعر (4):
فلستَ لإنسيٍّ ولكنْ لَملأَكٍ ... تَنزَّلَ من جَوَّ السماء يَصُوبُ
فيُعجبه ما سمع فيُنْظرني ساعة لاشتغاله بما قلتُ. فإذا همَّ بالقبض قلت وزن مَلَكَ على هذا مَعل لأن الميم زائدة. وإذا كان الملك من الألوكة فهو مقلوبٌ من ألك إلى لأك. والقلب في الهمز وهمز العلّة معروف عند أهل المقاييس. فأما جَبذَ
__________
(1) جمع كروان محركًا كشقذان وشقذان.
(2) مثل أي تأتي فتدوسك بأخفافها. وأطرق أي غض من بصرك. يضرب للذي ليس عنده غناء ويتكلم. قيل يصيدونه بهذه الكلمة فإذا سمعها يلبد في الأرض فيلقى عليه ثوب فيصاد. الفرائد 1: 366 ولقد أفاض في البحث وأوعب وأعجب وأسهب صاحب الخزانة 1: 394 ونقل عن ابن السيد فيما كتبه على الكامل أن الصواب أنه شعر من الرجز:
أطرق كرا أطرق كرا ... أن النعام في القرى
والكرا الكروان أو مرحَّمه.
(3) حار رجع وفي الأصل حاز وهو تصحيف.
(4) قال أبو عبيدة هو رجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك. وقال السهيلي البيت مجهول قائله وقد نسبه ابن سيدة إلى علقمة وأنكر ذلك عليه اه. وأنا رأيت البيت مع ثلاثة أبيات أخرى في بعض النسخ من ديوان علقمة بن عبدة وفيه يصوب كيقول مع ندوب ويذوب ونضوب وما أكثر من يشكله فلستُ بالضم ويصَوَّب كيبشر. وأما أصل ملك ففيه خلاف كثير اقتنع منه على قول واحد. انظر شرح الرضيّ على الشافية. قوله مقلوب من ألك إلى لأك الأولى من مالك إلى ملأك حتى يفيد هذا القلب تسهيل الهمزة قياسًا مطردًا كما قالوا يسل في يسأل. قوله (في أول الصفحة التالية) فكأنهم فروا الخ غير واضح ولا دال على الغرض وقال غيره أنهم لو جمعوا على مآلكة وردوا المفرد عند الجمع إلى أصله لاشتبه بجمع مالكة وانظر السهيلي 2: 122 وأنشد البيت سيبويه أيضًا 2: 379 غير معزو إلى قائل بعينه لكن الأعلم نسبه إلى علقمة كما مر.
(2/57)

وجذب ولَقَمَ (1) الطريق ولمقه فهو عند أهل اللغة قلب والنحويون لا يرونه مقلوبًا بل يرون اللفظين كل واحد منهما أصلًا في بابه. فوزن الملائكة على هذا معافلة لأنها مقلوبة عن مآلكة. يقال ألِكْني إلى فلان قال الشاعر (2):
ألِكني إلى قومي السلامَ رسالة ... بآيةِ ما كانوا ضعافًا ولا عُزْلا
وقال الأعشى في المأْلُكة:
أبلغْ يزيد بني شيبان مالُكةً ... أبا ثُبيت (3) أما تنفكَ تأتكل
فكأنهم فرّوا من المألُكة من ابتدائهم ثم بحثوا بعدها بالألف فرأوا أن مجيء الألف أوّلا أخفُ كما فرّوا من شَأَى إلى شاءَ ومن نَأَى إلى ناءَ قال عمر بن أبي ربيعة (4):
بانَ الحُمولُ فما شَأوْنَكَ نَقْرَةً ... ولقد أراكَ تُشاءُ بالأَظعان
وأنشد أبو عبيدة (5):
أقول وقد ناءت بهم غُرْبةُ النَوَى ... نَوَّى خَيتَعورٌ لا تَشِطُّ دِيارُكِ
فيقول الملك مَن ابن أبي ربيعة؟ وما أبو عبيدة؟ وما هذه الأباطيل؟ إن كان
__________
(1) من باب نصر: سد فيه.
(2) هو عمرو بن شأس كما في التاج. والسلام مفعول ثان ورسالة بدل منه وإن شئت حملته إذا نصبت على معنى بلغ عني رسالة. وأورده سيبويه مع قال له: 1: 101 قال الأعلم وصف تغربه عن قومه بني أسد الخ.
(3) يريد أبا ثابت فصغره على التجريد. وتأتكل في التاج إنما أراد تأتلك حكاه يعقوب في المقلوب اه. أقول ولم أجده في كتاب القلب له. وقيل من الايتكال وهو الفساد والسعي جابر وقالوا تأتكل تحتك من الغيظ- وورد أبو ثابت مكبرًا في بيت للأعشى أنشده سيبويه 2: 150:
أبا ثابت فاذهب وعرضك سالم.
(4) نقبت عن البيت في النسخ الثلاث المطبوعة من ديوانه فخاب رجائي وفي اللسان والتاج إنه للحرث بن خالد المخزومي. في اللسان وشآني الشيء أعجبني شاوا وقيل حزنني ثمّ أنشد البيت. وقيل: شآني: طرّبني. وقيل: شاقني. ابن سيدة: وشاءني الشيء: سبقني، وشاءني حزنني مقلوب من شآني ... وقال الحرث بن خالد المخزومي فجاء بهما مر الحمول البيت.
تحت الخدور وما لهن بشاشة ... أصلًا خوارج من ففا نعمان اه
وأنا أظن أنه سمع أن البيت للمخزومي فظنه عمر وهو الذي علق بحفظه. ونقرة أدنى شيء - وفي المقتضب لابن جني طبع أوربا ص 5 مشوء محزون ثم أنشد البيت.
(5) وفي التاج واللسان وأنشد يعقوب: وخيتعور كل ما لا يدوم على حالة.
(2/58)

لك عمل صالح فأنت السعيد وإلَّا فاخْسَأْ وَرَاءَكَ! فأقول فأمْهلني ساعة حتَّى أُخْبِرَك بوزنِ عِزْرائيل وأُقيم الدليل على أن الهمزة فيه زائدة. فيقول الملك هيهاتَ! [2] ليس الأمرُ إليَّ [الأعراف 34]: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. أم تُراني أُداري (1) مُنْكَرًا ونكيرا؟ فأقولَ كيف جاء اسماكُما عربيَّين [3] منصرفين وأسماء الملائكة كلّها من الأعجميّة مثل إسرافيل وجبرائيل وميكائيل (2). فيقولان هاتِ حُجَّتَكَ! وخَلِّ الزُخْرُفَ عنك. فأقولَ متقرِّبا إليهما كان ينبغي لكما أن تعرفا ما وزن جبرائيل وميكائيل علي اختلاف اللغات إذ كانا أخويكما في عبادة الله عز وجل. فلا يزيدهما ذلك إلَّا غيظًا. ولو علمتُ أنهما يرغَبان في مثل هذه العِلَل لأعددتُ لهما (3) شيئًا كثيرًا من ذلك. ولقلت ما تَرَيان في وزن موسى (4) اسم كليم الله [4] الذي سألتماه عن دينه وحُجّته، فأبان وأوضَح. فإن قالا موسى أعجميّ إلَّا أنَّه يوافق من العربية على وزن مُفْعَل وفُعْلَى، أما مُفْعَل إذا كان من بنات الواو مثل أوْسَيتُ وأوريتُ فإنك تقول موسًى ومورًى. وإن كان من ذوات الهمزِ فإنك تخفِّفِ حتَّى تكون الواو خاليةً من مُفْعَل. تقول آنيتُ العَشاء فهو مُؤنَي وإن خفّفتَ قلتَ مُوْنَي قال الحُطيئةُ (5):
وآنيتُ العشاءَ إلى سُهيل ... أو الشِعْرَى فطال بيَ الأناءُ (6)
__________
(1) وفي نسخة إذ أرى.
(2) هذه أسماء من الأعجمية لم تكن العرب تعرفها ووردت في كثير من شعر الجاهلية انظر المعرب 143 و 50 وغيرهما وأما هذه التعنتات التي عاناها أبو علي الفسوي في وزن أمثالها فليس الغرض منها إلَّا التمرين وشحذ الخاطر ليس إلَّا. ومن ظن أن منشأها عدم معرفتهم بغير العربية من اللغات وظن هذه الكلمات عربية فقد باعد ولم يصب الغرض. وهذا التبريزي ذكر (4: 3) اشتقاق موسى كما هنا ثم قال إنه تعريب موسى بالعبرانية وقال أبو العلاء نفسه على ما نقل عنه الجواليقي 135 لم أعلم أن في العرب من سمى موسى زمان الجاهلية وإنما حدث هذا في الإِسلام لما نزل القرآن وسمى المسلمون أبناءهم بأسماء الأنبياء على سبيل التبرك. فإذا سموا بموسى فإنما يعنون الاسم الأعجمي لا موسى الحديد وهو عندهم كعيسى اه وهذا نص على ما ذهبنا إليه- فتنبه له ولا تكن مع شعوبية العصر الحاضر في الغض من العرب والتنقص لهم. وموسى معناه بالعبرية المنتشل من الماء.
(3) في نسخة "لهم".
(4) راجع لاتمام البحث التبريزي مصر 4: 2 والمعرب للجواليقي 135 والتاج مادة موسى وشروح الشافية مبحث ذي الزيادة. مفعل على قول البصريين وفعلى على قول الكوفيين.
(5) ديوان الحطيئة صنع السكري 25.
(6) هذه رواية أبي عمرو بن العلاء. ورواية ابن الأعرابي: بي العشاء. أي أخرت عشائي عندكم إلى آخر الليل. يهجو الزبرقان ورهطه.
(2/59)

وحكى بعضهم (1) همزَ موسى إذا كان اسمًا. وزعم النحويون أن ذلك لمجاورة الواو الضمّةَ. لأن الواو (2) إذا كانت مضمومة ضَمًّا لغير إعراب أو غير ما يشاكِلُ الإعرابَ جاز أن تُحَوَّلَ همزةً كما قالوا أُفَيتْ (3) ووُفيتْ وَحمام وُرْق وأُرْق ووُشِّحَتْ وأُشَحتْ. قال الهذلي (4):
أَبا مَعْقِل إن كنت أشّحتَ حُلّةً ... أبا معقلٍ فانظرُ لسهمك من تَرْمي
وقال حُميد بن ثَور الهِلاليّ (رض):
وما هاجَ هذا الشوقَ إلَّا حَمامةً ... دعت ساقَ حُرٍّ تَرحَةً وتَرَنُّمَا
ومن الأُرق حَمّاءُ العِلاطَين باكرت ... عسيبَ أشاءَ مَطلِعَ الشَّمس أسحمَا (5)
وقد ذكر الفارسي هذا البيت مهموزًا (6):
أَحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ مُؤْسَى ... وحَرْزةُ لو أضاءَ ليَ الوَقودُ
وعلى مجاورة الضمة جاز الهمز في سُوْق (7) جمع ساق في قراءة من قرأ كذلك ويجوز أن يكون جُمع على فُعُل مثل أُسُد فيمن ضمّ السين ثم هُمزت الواو
__________
(1) هو أبو علي الفسوي كما قال الرضيّ (358 لاهور سنة 1315 ه) أنَّه حكى همز المؤقدين ومؤسى في البيت الآتي وكما صرح أبو العلاء نفسه فيما بعد. وأرى النحاة لهجين بالهمزة فرووا الهمز في قول العجاج:
فخندف هامة هذا العالم.
وروى ابن السكيت في الألفاظ 672 عن امرأة قيل لها ما أذهب أسنانك؟ قالت: أكل الحأر وشرب القأر بالهمز فيهما.
(2) انظر شروح الشافية مبدأ بحث الإبدال وابن يعيش ص 1359 والقلب لابن السكيت 56 والنوادر للقالي 2: 168 وغيرها.
(3) في قوله عز من قائل: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} الآية (آل عمران، 25).
(4) هو معقل بن خويلد. أشعار الهذليين ق 1: 108. وروى شارحها اللغتين جميعًا. وأبو معقل هو عبد الله بن عتيبة. وروايتها فانظر بنبلك.
(5) البيتان من كلمة له معروفة أورد جلها ابن السبكي في طبقات الشافعية 1: 111. وغيره وساق حر ذكر القماري تزعم العرب أن جميع الحمائم تبكيه وكان في الدهر الأول فهلك ويدعونه تارة الهديل. حماء العلاطين الحماء السوداء. والعلاطان والعلطان الرقمتان اللتان في أعناق القمارى. عسيب ورؤاية اللسان قضيب.
(6) لجرير انظر ديوانه 1: 58 وروايته لحب الوافدان .... وجعدة لو أضاءهما. وشرح شواهد المغني 325 وموسى ابنه كحرزة الذي كان جرير يكنى به وجعدة ابنته.
(7) في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} (ص، 33).
(2/60)

ودخلها السكونُ بعد أن ذهب فيها حكم الهمز. وإذا قيل إن موسى فُعْلَى. فإن جُعل أصله (1) الهمز وافق فُعْلَى من مَأسَ بين القوم إذا أفسد بينهم. قال الأفوَهُ (2):
إما تَرَىْ رأسيَ أَزْرَى به ... مأْسُ زمان ذي انتكاس مَؤُوْسْ
ويجوز أن يكون فَعلَى من ماسَ يَمِيسُ فقُلبت الياءُ واوًا للضمّة كما قالوا الكُوْسَى (3) من الكيس. ولو بَنوا فُعلى من قولهم هذا أعيشُ من هذا وأغيظ منه لقالوا العُوشى والغُوظَى. فإذا سمعتُ ذلك منهما قلتُ لله دَرّ كما! لم أكن أحسب أن الملائكة تنطِق بمثل هذا الكلام وتعرف أحكام العربية. فإن غُشيَ عَليَّ من الخيفة ثم أفقتُ وقد أشار إليّ بالإرزَبَّة (4) قلت تثبّتَا رحمكما الله كيف تصغّران الإرزبّة [5] وتجمعانها جمعَ تكسير؟ فإن قالا أُرَيزبَّة وأرازبُّ بالتشديد. قلتُ: هذا وهمٌ إنما ينبغي أن يقال أرَيزِبَةٌ وأرازبُ بالتخفيف. فإن قالا كيف قالوا علانيّ فشددوا كما قال القريعيّ (5):
وذي نجواتٍ طامحِ الطَرْفِ جاوبت ... حوالي فلوّى من علابيّه مرى (6)
قلت ليس الياء كغيرها من الحروف. فإنَّها وإن لحقها التشديد ففيها عُنصر من اللِين. فإن قالا: أليس قد زعم صاحبكم عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه أن الياء إذا شُددت ذهب منها اللين وأجاز في القوافي ظبأ مع ظي (7)، قلت: وقد زعم (8) ذلك إلَّا أن السماع عن العرب لم يأت فيه نحوُ ما قال إلَّا أن يكون نادرًا قليلًا. فهذا عجبتُ مما قالاه أظهرا لي تهاونًا بما يعلمه بنو آدم. وقالا لو جُمع ما علمه أهل الأرض على
__________
(1) في نسخة إن أصله.
(2) الأودي من سينيته الشهيرة ولكن لم أر من نقل هذا اليت. والمعنى واضح.
(3) انظر الكتاب 2: 371 مصر. وحكى ابن خالويه (ليس 46 مصر) طيبى وكيسى أَيضًا.
(4) مشددًا والمرزبة بالكسر مخففًا عصية من حديد.
(5) وفي أخرى العريفي وكلاهما نكرة لم تتعرف. وقد ورد في الأدباء 5: 276 اسم شاعر يدعى العريفي العنسي بالنُّون.
(6) قوله ذي فجوات في أخرى ذي نخوات. وقوله جاوبت في أخرى جادبت. وقوله علابيه في أخرى علانية وهو تحريف. وقوله مرى في أخرى مدى أومد لي. وأكثر هذه الروايات مصحف قد حرت فيه.
(7) كذا في الأصل. وفي نسخة طيا مع طيّ.
(8) في نسخة ولقد زعم.
(2/61)

اختلاف اللغات والأزمنة ما بلغ علمَ واحد من الملائكة يَعُدّونه فيهم ليس بعالم.
[6] فأُسبّح الله وأمجّده وأقول قد صارت لي بكما وسيلة فوسِّعا لي في الجَدَث إن شئتما بالثاء وإن شئتما بالفاء (1) فإن إحداهما تبدل من الأخرى كما قالوا مغاثيرُ ومغافيرُ وأفافيُّ وأثافيُّ وفُوم وثُوم. وكيف تقرآن رحمكما الله هذه الآية [البقرة 61]: {وَثُومِهَا وَعَدَسِهَا} بالثاء كما في مصحف عبد الله بن مسعود أم بالفاء كما في قراءة النَّاس. وما الذي تختاران في تفسير القوم (2) أهو الحنطة كما قال أبو مِحْجَنٍ (3).
قد كنتُ أحسَبني كأغنَى واجد ... قَدِمَ المدينةَ من زراعة فُوم
أم الثوم الذي له رائحة كريهة وإلى ذلك ذهب الفراء وجاء في الشعر الفصيح قال الفرزدق:
من كل أغبر كالراقود حُجْزَتُهُ ... إِذا تَعَشَّى عتيقَ التَمْرِ والفُوْم (4)
[7] فيقولان أو أحدُهما أنك لتهدم الحول (5) وإنما يوسّع لك في ريمك عَمَلك. فأقول لهما ما أفصحكما! لقد كنتُ سمعت من الحياة الدنيا أن الرَيم القبر وسمعتُ قول الشَّاعر:
إذا مُتُّ فاعتادِي القبورَ فسلِّمي .... على الرَيم أُسقيتِ السحابَ الغواديا (6)
__________
(1) البحث موعب في كتاب القلب 34 والنوادر 2: 36. وحكى الفراء المغافير والمغاثير وهو شيء ينضحه الشَّام والرمث والعشر كالعسل. وثومها في قراءة ابن مسعود ذكره ابن السكيت والقالي أَيضًا. ولكن الذي حكاه القالي عن اللحياني وابن السكيت عن بعض تميم الأثافي والأثاثي لا كما هنا.
(2) وراجع الأقوال في معناه في اللسان.
(3) أغفل البيت العسكري في ديوانه وهو مذكور في اللسان برواية واحد بالمهملة وما هنا أصلح. وورد في الروض الأنف 45: 2 معزوًا لأبي أحيحة بن الجلاح أو أبي محجن الثَّقَفيّ رضي الله عنه - بلفظ: قد كنت أغنى النَّاس شخصًا واحدًا.
(4) في ديوانه (مصر):
من كل أقعس كالراقود حجزته ... مملوءة من عتيق التمر والثوم
ومثله في طبعة بوشر ص 11.
(5) كذا. وفي نسخة لمهدم الخ.
(6) رواية غير أبي العلاء وسلمى، وعلى الرمس. ولكن في اللسان على الريم والبيت من قصيدة معروفة لمالك بن الريب سردها القالي 3: 136 والبغدادي 1: 319 وقبل البيت:
فيا ليت شعري هل بكت أم مالك ... كما كنت لو عالوا نعيَّك باكيًا
(2/62)

وكيف تبنيان رحمكما الله من الرَيم مثل إبراهيم؟ أتَريان فيه رأي الخليل وسيبويه فلا تبنيان مثله من الأسماء العربية. أم تذهبان إلى ما قاله سعيد بن مَسْعَدة فتجيزان أن تَبنيا من العربيّ مثل الأعجميّ؟ فيقولان تُرْبًا لك! ولمن سَمّيتَ. أيُّ علم في وُلْد آدم؟ إنهم القوم الجاهلون.
وهل أتودّد (1) إلى مالكٍ خازنٍ النَّار فاقولَ رحمك الله أخبرني ما واحد الزَبانِيَة (2)؛ فإن بني آدم فيه مختلفون: يقول بعضهم (3) الزَبانية لا واحد لهم من لفظهم. وإنما يُجْرَونَ مُجرى السَواسية أي القوم المستوين في الشرّ قال (4):
سَواسيةٌ سُوْدُ الوجوه كأنّما ... بطونُهم من كثرة الزاد أوْطُبُ
ومنهم من يقول واحد الزبانية زبْنِيَةٌ وقال آخرون واحدهم زِبْنى أو زبانيُّ (5). فيُعبِّس لِما سمع وَيَكْفَهِرُّ. فأقول يَا مال! رحمك الله ما ترى في نون غسْلِينٍ وما [9] حقيقة هذا اللفظ؟ أهو مصدر (6) كما قال بعض النَّاس أم واحد أم جمع أُعربت نونه تشبيهًا بنون مِسْكين كما أثبتوا نون قُلِينَ وَسِنِينَ في الإِضافة وكما قال سُحيم بن وَثيل (7):
__________
(1) في نسخة أتردد.
(2) في نسخة رحمك الله ما واحد الزبانية.
(3) منهم الأخفش كما في التاج، وهو الصواب.
(4) لم أجد البيت في مظانه الحاضرة. وأوجب جمع وطب اللبن.
(5) كان في الأصل زبني أو زبني؟ وفي نسخة زبني أو زبني بفتح فسكون في الأولى وفتحتين في الثَّانية مع تشديد الياء. والزبنية نقله الأخفش والزجاج. والزبني بالكسر عن الكسائي كما في التاج وإن ثبت فيه الفتح يصح ما كان في الأصل أعني "زبني أو زبني" غير مشكول والزباني بتشديد الياء على ما هو الظاهر وضبطه في التاج كسكارى نقله في الصحاح عن الأخفش. وهناك قول آخر في مفرده أنَّه زابن عن الأخفش كما في الصحاح واللسان.
(6) في نسخة هذا اللفظ هو مصدر.
(7) من قصيدته الشهيرة انظرها في الأصمعيات 74 والخزانة 1: 126 وحماسة البحتري 25 وغيرها. ويدري يختل. ويروي إذا جاوزت والبيت من شواهد النحو. وأما إعراب الون فالقول فيه قول ابن مالك:
وبابه ومثل حين قد يرد ... ذا الباب وهو عند قوم مطرد
يريد إعراب النُّون بالتزام الياء في الحالات الثلاث وأنشدوا على إثبات النُّون في الإضافة:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا
(2/63)

وماذا يدَّري الشعراءُ منّي ... وقد جاوزتُ حَدَّ الأربعين
[10] فاعربَ النونَ. وهل النُّون في جَهَنَّمَ زائدة؟ أمَّا سيبويه فلم يذكر في الأبنية فَعَنَّلًا (1) إلَّا قليلا. وجهنم اسم أعجميّ (2). ولو حملناه على (3) الاشتقاق لجاز أن يكون من الجهَامة في الوجه ومن قولهم تجهّمتُ الأمر إذا جعلنا النُّون زائدةً واعتقدنا زيادتها في هَجَنَّف (4) وأمنه هِجَفّ وكلاهما صفة الظليم قال الهُذَلِيّ (5):
كأنّ مُلاءَتيَّ على هِجفٍّ ... تفِرُّ مع العشيّة للرِئال
وقال جِرانُ العَوْدِ (6):
يشبِّهُها الرائي المشبِّه بَيضةً ... غدَا في الندَى عنها الظليمُ الهَجَنَّفُ
وقال قوم رَكيّةٌ جِهِنّام إذا كانت بعيدةَ القَعْر. فإن كانت جهنّم عربية فيجوز أن تكون من هذا. وزعم قوم أنَّه يقال أحمرُ جِهنّام (7) إذا كان شديد الحُمرة. ولا يمتنع [11] أن يكون اشتقاق جهنّم منه. فأما سَقَرُ فإن كان عربيًّا فهو مناسب لقولهم سقرْتُه (8) إذا آلمتَ دِماغَه. قال ذو الرُمّة:
__________
(1) وفي نسخة فعللا بفتحتين وتشديد اللام الأولى.
(2) فارسي أو عبراني أصله كهنام. وانظر البحث مستقصى في المعرب 47 والتاج مادة جهم.
(3) وفي نسخة ولو حملنا على.
(4) كذا هو مشكولًا في اللسان وهو كالهجف بالكسر الظليم الجافي الكثير الزف.
(5) هو الأعلم انظر أشعار الهذليين ق 1: 62 وحماسة البحتري 80 وروايتهما على هزف يعن فلا استشهاد. نعم قال السكري: وهزف وهجف واحد فلعل هجفًا أَيضًا رواية. ويعن (بضم العين) لغة هذيل ويعن (بالكسر) لغيرهم بمعنى يعترض وتفر هنا تصحيف. نعم ورد هجف في بيت ابن تُرْنَى يجيب عمرا ذا الكلب لا في بيت عمرو كما ذهب على صاحب اللسان (أشعار الهذليين ق 1: 239):
فلا تتمنني وتمن جلفا ... قراقرة هجفًا كالخيال
والخيال هو الصواب وتصحف في اللسان بالجبال.
(6) من فائية له معروفة مطربة ولكن لم أجد هذا البيت في مظانه الموجودة والضمير إلى امرأة. والنعامة يضرب بها المثل في الغفلة عن البيض قال:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا
(7) هذا المعنى ليس في معاجم اللغة المعروفة. وهذا دليل على ما منحه الرَّجل من سعة النظر والاطلاع، وطول الباع والاضطلاع، بغرائب اللغة والأنواع، وجهنام بكسرتين أو مثلث.
(8) من باب نصر.
(2/64)

إذا دانَتِ الشمسُ اتَّقى سَقَراتها ... بأفنان مربوعِ الصريمةِ مقبلِ (1)
والسين والصاد يتعاقبان في الحرف (2) إذا كان بعدهما قاف أو خاء أو غين أو طاء. تقول سَقَبٌ وصقَبٌ، وسويق وصويق، وبَسطَ وبَصَطَ، وسِلَغَ (3) الكبش وصَلَعَ. فيقول مالكٌ: ما أجهلك! وأقل تمييزَك! ما جلستُ هنا للتصريف وإنما جلستُ لعِقاب الكفرَة والقاسطين. وهل أقول للسائق والشهيد اللّذَين ذُكرا في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ [ق 21] {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}: يَا صاحِ! أنْظراني. [12] فيقولان تخاطبنا مخاطبة الواحد ونحن اثنان. فأقولَ ألم تعلما أن ذلك جائز مِن الكلام. وفي الكتاب العزيز [ق 23] {وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ, أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}. فوَحَد القَرين وثنّى في الأمر كما قال الشَّاعر (4):
فإن تَزْجُراني يَا ابن عَفانَ أنزجِرْ ... وإن تَدَعاني أحْمِ عِرْضَا ممنَّعا
وكما قال امرؤ القيس:
خليليَّ مُرّا بي على أُمّ جُنْدَب ... لنقضيَ حاجاتِ الفُؤاد المعذَّب
__________
(1) دانت النعاج فاعلت من الدنور. اتقى الثور ورواية الديوان ص 504:
إذا دانت الشَّمس اتقى صقراتها ... بأفنان مربوع الصريمة معبل
وفي الشرح الصقرات شدة وقع الشَّمس. ومعبل مورق وقيل الذي سقط ورقه ومن اللزوم:
لتستريحا فكم عانى أذى قرس ... عند الشتاء ولاقى وغرة فصقر
(2) راجع للتفصيل شروح الشافية بحث الابدال وابن يعيش 139 أو القلب 42 والخفاجي على الدرة 33 والدرة 9 ووفيات الأعيان 2: 162 وحكى النضر بن شميل أنَّه لغة بلعنبر بن عمرو بن تميم.
(3) كمنع خرج نابه وكان في الأصل بالعين المهملة في اللفظتين وهو تصحيف.
(4) أنشد البيت كثيرون منهم صاحب الصاحبي 186 والتبريزي في شرح القصائد العشر كلكتة ص 1 مع تال له وهو:
أبيت على باب القوافي كأنما ... أصادي بها سربًا من الوحش نزَّعا
وهذا التالي موجود دون السابق في البيان 2: 6 (الثَّانية) وطبقات ابن قتيبة (ليدن ص 17 و 403) في أبيات لسويد بن كراع ومن القصيدة:
وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولا جريدًا ومربعًا
فلم يبق ريب في أن الشاهد له من هذه القصيدة عينها: ولسويد مع عثمان رضي الله عنه خبر ذكره ابن قتيبة ثم رأيت صاحب اللسان ذكره (جزز) ونقل عن ابن بري أبياتًا من القصيدة تدل على أن الخطاب هنا لاثنين حقيقة ورواية ابن بري فإن تزجراني بابن (بالباء) عفان قال والمخاطبان سعيد بن عثمان ومن ينوب عنه أو يحضر معه وانظر تصحيح لسان العرب القسم الأول لأحمد تيمور باشا ص 33.
(2/65)

ألم تَرَ أني كما جِئتُ طارقًا ... وجدتُ لها طِيبا وإن لم تَطَيَّبِ
هكذا أنشده الفَرَّاء. وبعضهم يُنشد ألم ترِياني (1). وأنشد أيضًا (2):
فقلتُ لصاحبي لا تحْبِسانا ... بنَزْع أصوله واجْتزَّ شِيحا
فهذا كله يدل على أن الخروج من مخاطبة الواحد إلى الاثنين ومن مخاطبة الاثنين إلى الواحد شائع عند الفصحاء. وهل أجيءُ في جماعة من جهابذة الأدباء قَصَرَتْ أعمالهم عن دخول الجنة ولحقهم عفوُ الله فزُحزحوا عن النَّار فنَقِفَ على باب [13] الجنة فنقول يَا رِضْوَ (3) لنا إليك حاجة ويقول بعضنا يَا رِضْوُ فيضمّ الواو. فيقول رضوانُ ما هذه المخاطبة التي ما خاطبني بها قبلكم أحد. فيقولَ إنَّا كنا في الدار الأولى نتكلم بكلام العرب وأنهم يُرخّمون الذي في آخره أَلْف ونون فيحذفونهما للترخيم. وللعرب في ذلك لغتان يختلف حُكماهما. قال أبو زُبيد (4):
يَا عُثْمَ! أدركني فإنَّ رَكِيَّتي ... صَلَدَتْ فأعيتْ أن تَفيض بمائها
فيقول رضوان ما حاجتكم؟ فيقول بعضنا إنَّا لم نَصل إلى دخول الجنة لتقصير الأعمال وأدْرَكَنا عفوُ الله فنجونا من النَّار. فبقينا بين الدارَين ونحن نسألك أن تكون واسطتنا إلى أهل الجنة فإنهم لا يستغنونَ عن مثلنا. وإنه قبيح بالعبد المؤمن أن يَنال
__________
(1) وهي الموجودة في نسخ الديوان المتداولة.
(2) البيت أنشده التبريزي 1: 225 والرضي 366 والجوهري مادة جز وابن فارس في الصاحبي 186 والتبريزي في شرح القصائد العشر الطوال 1 كلكتة وتكلما على المبحث تكلما شافيًا كالنحاس في شرح معلقة امرئ القيس ص 3 و 4. وهو ليزيد بن الطثرية ويروى واجدز بإبدال التاء دالًا خلافًا للقياس والمعنى قلت لصاحبي لا تحبسني بنزع أصول الكلأ واقطع شيحًا ودع أصوله في الأرض لئلا يطول المكث هنا كذا في الجار بردي 328 استنبول.
(3) وزن قوله هذا بقوله من اللزوم:
أفهم أخاك بما تشاء ولا تبل ... يا حار قلت هناك أو يا حارُ
غرض الفتى الإخبار عما عنده ... ومن الرجال بقوله شحار
وقوله: يا رضو لا أرجو لقاءك ... بل أخاف لقاء مالك
(4) وفي الأصل أبو زيد ويا غنم. يريد عثمان رضي الله عنه وكان أبو زبيد خصيصًا به كما قال ابن عساكر في ترجمته 4/ 108 إلَّا أنَّه قلب فجعل الابن أَبا وبالعكس وهو منذر بن حرملة. ولم أجد البيت الشهد فيما وصلته يدي. وصلدت من باب ضرب. والمعنى ظاهر. ثم وجدته والحمد لله على ما أصلحت في كتاب صفة البئر لابن الأعرابي إلَّا أن فيه تبض بدل تفيض.
(2/66)

هذه النعَمَ وهو إذا سبّحَ الله لَحَنَ. ولا يحسُنُ بساكن الجنان أن يصيبَ من ثِمارها في الخلود وهو لا يعرف حقائق تسميتها. ولعل في الفردوس قومًا لا يدرون [14] أحروف الكُمَّثْرَى كلها أصلية أم بعضها زوائد؟ ولو قيل لهم ما وزن كمّثرى على مذهب أهل التصريف لم يعرفوا فعَّلَّى. وهذا بناء مستنكر لم يذكر سيبويه له نظيرًا. وإذا صحّ قولهم للواحدة كمَّثراة فألف كمّثرَى ليست للتأنيث. وزعم بعض أهل اللغة أن الكَمثرَةَ (1) تداخُلُ الشيء بعضِه في بعض. فإن صحّ هذا فمنه اشتقاق الكمثرى (2). وما يجْمُل بالرجل من الصالحين أن يصيب من سَفَرْجَل الجنة [15] وهو لا يعلم كيف تصغيره وجمعُه؟ ولا يشْعُرُ إن كان يجوز (3) أن يُشتق منه فعل أم لا؟ والأفعال لا تُشتق من الخُماسيّة. لأنهم نقصوها عن مرتبة الأسماء فلم يَبْلُغوا بها بناتِ الخمسة. مثل إسْفَرْجَل يَسْفَرْجِل اسفرجالا وهذا السُنْدُس (4) الذي يطأه [16] المؤمنون وَيفْرشونه كم فيهم من رجل لا يدري أوزنه فعْلل أم فُعْلُلُ؟ والذي نعتقد فيه أن النُّون زائدة وأنه من السُدُوس (5) وهو الطيلسان الأخضر قال العَبْدِيّ (6):
ودوايتُها حتَّى شَتَتْ حَبشيَّةً ... كانَ عليها سُنْدُسًا وسُدُوسًا
ولا يمتنع أن يكون سندس فُعْلُلًا ولكن الاشتقاق يوجب ما ذُكر. وشجرةُ [17] طُوْبى كيف يستظلّ بها المتقون ويجتنونها آخر الأبد وفيهم كثير لا يعرفون أمن ذوات الواو هي أم من ذوات الياء؟ والذي نذهب إليه إذا حملناها على الاشتقاق أنها من
__________
(1) ولفظ اللسان الكمثرة فعل ممات وهو تداخل الشيء بعضه في بعض. وقيل أن الكمثرى ليست بعربية وراجع التاج. وذكره الجواليقي 133 مخففًا ونقل عن أبي حاتم أن قومًا يزعمون أنَّه لا يجوز غير التَّخفيف. قال وأما الأصمعيّ فإنَّه لم يعرف التَّخفيف أصلًا. ولم يذكر في تعريبه شيئًا.
(2) هذا قول ابن دريد ولفظه.
(3) وفي نسخة أن يجوز.
(4) رقيق الديباج وغليظه الاستبرق. قال الجواليقي 79 لم يختلف أهل اللغة في أنَّه معرب ومثله في القاموس والتاج.
(5) بالضم وقد يفتح وهو أحد الأسماء الأربعة التي أتت على فعول بالضم كما قال ابن خالويه في ليس له 40.
(6) هو يزيد بن خذاف بالمعجمات الثلاث. وفي التاج وغيره حذاق بالحاء المهملة وهو تصحيف. من شعراء المفضليات (مصر 2: 46 و 47) والبيت ثاني أحد عشر بيتًا والأول:
ألا هل أتاها أن شكة حازم ... لديّ وأني قد صنعت الشموسا
صنعت يريد ضمرت وكذلك داويت. والشموس فرسه. وشتت أخضرت من العشب وسمنت.
(2/67)

ذوات الياء. لأنا إذا بنينا فِعلًا ونحوه من ذوات الواو قلبناها ياءً فقلنا عِيدٌ وقِيل وهما من عاد يعود وقال يقول. فإن قال قائل فلعل قولهم طاب يطيب من ذوات الواو وجاء على مثال حَسِب يحسِب وقد ذهب إلى ذلك قوم في قولهم تاهَ يتيهُ وهو من تَوهتُ (1). قيل له يمنع من ذلك أنَّهم يقولون طَيبتُ الرجلَ ولم يحكِ أحد طَوَّبتهُ. والمطيِّبون (2) أحياء من قريش احتلفوا فغَمَسوا أيديَهم في طيب. فهذا يدلّك على أن الطِّيب من ذوات الياء. وكذلك قولهم أطيب من هذا. فأما حكاية أهل اللغة أنَّهم يقولون أوْبَةً وطَوبةً (3) فإنما ذلك على معنى الإتباع كما يعتقد بعض النَّاس في قولهم حَيّاك الله وبَيّاك (4) أنَّه إتباع وأن أصل بَيّاك بوّاك أي بوّأك منزلًا تَرْضاه (5). وأما قولهم للآجُر طُوْب (6) فإن كان عربيًّا صحيحًا فيجوز أن يكون اشتقاقه من غير لفظ الطِّيب إلَّا على رأي أبي الحسن سعيد بن مسعدة فإنَّه إذا بني فُعلًا من ذوات الياء يَقْلبه إلى الواو فيقول الطُوْب والعُوْش (7). فإن كان الطُوْبُ الآجُرُّ اشتقاقُه من الطِّيب فإنما أريد به والله أعلم أن الموضع الذي يبنَى به طابت الإقامة فيه. ولعلنا لو سألنا من يرى طوبى في كل حين (8) لِمَ حُذف منها الألف والسلام لم يُحرْ في ذلك جوابًا. وقد زعم سيبويه
__________
(1) نقله في التاج عن ابن سيده. ومما يدل له التوه بالفتح ويضم الهلاك عن أبي زيد لغة في التيه. وتاه يتوه لغة. وما أتوه. وتوه تتويهًا. وفلاة توء بالضم.
(2) في المنسوب للثعالبي 110 هم أحلاف من قريش اجتمعوا لذلك وغمسوا أيديهم في الطِّيب ثم تصافحوا وتحالفوا وتعاقدوا. وحلف الفضول غير هذا الحلف لا هذا كما ذهب على اللغويين. وانظر التاج (طيب) والمنسوب 110 والسهيلي مع السيرة 1: 90 - 92.
(3) لفظ اللسان يقال للداخل طوبة وأوبة يريدون الطِّيب في المعنى دون اللفظ لأن تلك ياء وهذه واو. وهذا الاتباع أغفله ابن فارس في كتابه.
(4) وفي كتاب الاتباع لابن فارس بياه اضحكه.
(5) وفي الأصل يرضاه.
(6) في المعرب 105 الطوبة لغة شامية وأحسبها رومية. قال الجوهري مصرية وابن دريد شامية وأظنها رومية وجمع بينهما ابن سيده.
(7) وفي الأصل الغوش بالمعجمة وهو تصحيف إذ ليس مادة غيش ثمة أصلًا. على أنَّه مضى له ذكر العوشي من العيش تحت عدد 4.
(8) هذا الاستشكال على رأي من يراه من أفعل منك وأما من يزعمه مصدرًا كالرجعى والسقيا فلا يستشكل شيئًا وقال الرضيّ والجاربردى إما أن يكون طوبى مصدرًا كالرجعى قال تعالى طوبى لهم أي طيبًا وإما أن يكون أنثى أطيب منك فحقه الطوبى بأل وفي شرح الهادي أنَّه هو إلَّا أنَّه أجري مجرى الأسماء لأنه لا يكون وصفًا بغير أل فأجري مجرى الأسماء التي لا تكون صفات. ومثله كرسي.
(2/68)

أن الفُعلى التي تؤخذ من أفعل منك لا تُستعمل إلَّا بالألف والسلام أو الإِضافة تقول هذا أصغر منك فإذا رددته إلى المؤنّث قلتَ هذه الصُغرى أو صُغرى بَناتك. ويقْبُح عنده أن يقال صغرى بغير إضافة ولا أَلْف ولام (1) وقال سُحيم (2):
ذهبنَ بمِسْواكي وغادرن مُذهَبًا ... من الصَوْغ في صُغرى بَنانِ شماليا
وقرأ بعض القراء [البقرة 83]: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَى} على فُعْلى بغير تنوين. وكذا قرأ في الكهف [الكهف 86]: {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنَى} على فُعلى بغير تنوين. فذهب سعيد بن مَسْعدة أن ذلك خطأ لا يجوز وهو رأي أبي إسحاق الزَجّاج لأن الحسنى عندهما وعند غيرهما من أهل البصرة يجب أن تكون بالألف والسلام كما جاء في موضعٍ [الليل: 9] {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}. وكذلك اليُسرى والعُسرى لأنها أُنثى أفعل منك. وقد زعم سيبويه أن أخرى معدولة عن الألف والسلام. ولا يمتنع أن يكون حُسنى مثلَها. وفي الكتاب العزيز [النجم 20] {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} وفيه: [طه 23] {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}. قال عمر بن أبي ربيعة (3):
وأخرى أتَتْ من دون نعْمٍ ومثلها ... نَهى ذا النهي لو يَرْعوي أو يُفَكّرُ
فلا يمتنع أن تعْدَلَ حُسنى عن الألف والسلام كما عُدِلتْ أُخرى. وأفعل منك إذا خذفَتْ منه "من" بقي على إرادتها نكرة أو عُرّف باللام. ولا يجوز أن يجمع بين مِنْ وبين حرف التعريف. والذين يشربون ماء الحَيوان في النعيم المقيم هل [18] يعلمون ما هذه الواو التي بعد الياء (4) وهل هي منقلبة كما قال الخليل؟ أم هي على الأصل كما قال غيره من أهل العلم. ومَنْ هو مع الخور العِين مخلَّدًا هل يدري [19]
__________
(1) ولكني رأيت صاحبنا خالفه في اللزوم حيث يقول:
ومرآة المنجم وهي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر.
فكان كالحكمي في قوله:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
(2) عبد بني الحسحاس الخبيث الفاجر من يائيته المعروفة ولم أجد البيت فيما نقلوا من قصيدته - والمعنى ظاهر- وكان ابن الأعرابي يسميها الديباج الخسرواني. وهي يتمامها في نسخة منتهى الطلب لابن ميمون الخطية في بعض حواضر أوربا.
(3) من أشهر قصائده وهي في نسخ ديوانه وفي الكتاب الكامل وغيره.
(4) مذهب سيبويه وأصحابه أنَّه لم يأت في كلامهم ياء بعدها واو فيقولون أن حيوان أصله حيبان والمازني يرى الواو فيه أصلًا كما هو في شروح الشافية بحث الإعلال.
(2/69)

ما معنى الحَوَر؟ فيقول بعضهم هو البياض ومنه اشتقاق الحُوّارَى من الخُبزة (1) والحَواريّين إذا أريد بهم القَصّارون والحَوارِيّات إذا أريد بهنّ نساءُ الأمصار. وقال قوم الحَوَر في العَين أن تكون كلها سوداءَ وذلك لا يكون في الإِنس وإنما يكون في الوحوش، وقال آخرون الحَوَر شدَة سواد العين وشدّة بياضها. وقال بعضهم الحور سعة العين وعِظَمُ المقلة. وهل يجوز أيها المتمتِّع بالحُور العين أن يقال حِيرٌ كما يقال حُور فإنهم ينشدون هذا البيت بالياء:
إلى السَلَف الماضي وآخرَ وافقٍ ... إلى رَبْرَبٍ حيرٍ حِسانٍ جآذرهْ (2)
فإذا صحّت الرواية في هذا البيت بالياء قَدَحَ ذلك في قول من يقول إنما قالوا الحير إتْباعًا للعِين كما قال الراجز (3):
هَلْ تعرف الدارَ بأعلى ذي القُورْ ... قد دَرَسَتْ غيرَ رَمادٍ مَكفورْ
مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ ... أزمانَ عَينَاءُ سرورُ إلى المسرورْ
حَوْراءُ عَيناءُ من الجينِ الحِيرْ (4)
[20] وكيف يستجيز (5) مَنْ فرشهُ من الإستبْرَق (6) أن يمضي عليه أبدٌ بعد أبد
__________
(1) والأصل الحيرة فلعلها هذه الحيرة حيرة آل منذر ويصفونها بالبياض على ما قال ياقوت وغيره ومن شعر صاحبنا في اللزوم:
وقف بالحيرة البيضاء فانظر ... منازل منذر وبني بقيلة
أرى الحيرة البيضاء حارت قصورها ... خلاء ولم يثبت لكسرى المدائن
(2) هذا البيت أنشده التبريزي في تهذيب الإصلاح 1: 59 غير معزو إلى قائل. واستشهد به كما هنا على أن الحير ليس اتباعًا للعين كما زعم الفراء وتبعه أبو الحسن الأخفش فيما كتبه على نوادر أبي زيد 238: بل هو لغة في الحور.
(3) هو منظور بن مرثد الأسدي من أرجوزة ذكرها أبو زيد ص 236 وفسرها الأخفش، وابن السكيت بعضها وهو ما هنا، وفسره التبريزي في تهذيب الإصلاح 1: 59.
(4) القور جمع قارة وهو جبل صغيره والمكفور الذي غطاه الريح بتراب سفته. مريح ويروى مروح وكلاهما من الريح. وعيناء امرأة. وروايتهما إعيناء حوراء. قال الأخفش وادعى الاتباع وهذا عند حذاق أهل العربية يجري على الغلط كما قالوا جحر ضب خرب الخ. وفي اللسان 6: 435 الأربعة الأولى فقط مفسرة.
(5) وفي نسخة يستخبر.
(6) في المعرب (خرومه التي طبعوها بالمجلة الألمانية مفرزة 1879 م) حرم ص 9 أصله بالفارسية استبره وقال ابن دريد استروه فلو حقر أو كسر لكان أبيرق وأبارق بحذف السين والتاء جميعًا اه مختصرًا.=
(2/70)

وهو لا يدري كيف يجمعه جمع التكسير وكيف (1) يصغره النحويون يقولون في جمعه أبارق وفي تصغيره أبيرق. وكان أبو إسحاق الزجّاج يزعم أنَّه في الأصل سُمّي بالفعل الماضي (2) وذلك الفعل استفعلَ من البَرَق (3). أو من البرْق. وهذه دعوى من أبي إسحاق. وإنما هو اسم أعجميّ عُرب. وهذا العَبقَريّ (4) الذي عليه اتّكاء [21] المُؤْمنين إلى أيّ شيء نُسب؟. فإِنا كنا نقول في الدار الأولى أن العرب كانت تقول أن عَبقَرَ بلاد يسكنُها الجنُّ، وأنهم إذا رأوا شيئًا جيّدًا قالوا عَبْقَرِيٌّ أي كأنه عَملُ الجنّ إذ كانت الإنس لا تقدر على مثله. ثم كثُرَ ذلك حتَّى قالوا سَيد عبقريّ وظُلْم عبقريّ قال ذو الرُمّة (5):
حتَّى كأن حُروفَ القُفّ أَلبَسَها ... من وَشي عَبْقَرَ تجليلٌ وتنجيدٌ
وقال زُهير:
بخيلٍ عليها جِنّةٌ عَبْقريّة ... جديرون يومًا أن ينالوا وَيسْتَعلوْا (6)
وإِن كان أهل الجنَّة عارفين بهذه الأشياء قد ألهمهم الله العلمَ بما يحتاجون إليه فلن يستغنى عن معرفته الولدانُ المخلّدون. فإن ذلك لم يقع إليهم. وإنا لنرضى بالقليل مما عندهم أجرًا على تعليم الولدان- فيبسم (7) إليهم رِضوانُ ويقول إنَّ أصحابَ الجنة اليوم في شُغُل فاكهون؛ هم وأزواجُهم في ظلال على الأرائك متَّكؤُون. فانصرفوا رحمكم الله فقد أكثرتم الكلامَ فيما لا منفعةَ فيه، وإنما كانت هذه الأشياء أباطيلَ زُخرفتْ في الدار الفانية فذهبتْ مع الباطل. فإذا رَأَوْا جِده في ذلك
__________
= ومثله في التاج. قال الفقير: فارسيته سطبر أو ستبر كما هو في جميع معاجمها لكل غلظ.
(1) في نسخة ولا كيف.
(2) ونقل في التاج عن ابن جني في كتاب الشواذ [المحتسب] عن ابن محيصن أنَّه ظنه فعلًا إذ كان على زنته فتركه مفتوحا في قوله تعالى {بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} على حالة. أقول فجل اللغوين المتأخرين ذكروه في مادة برق وهذا أَيضًا دليل على توهمتهم زيادة أس ت.
(3) البرق بالسكون معروف وبالتحريك مصدر برق بصره كطرب تحير برقًا.
(4) انظر معجمي البكري وياقوت واللسان والتاج رسم عبقر والمنسوب للثعالبي ص 187 وغيرها. وقال أعرابي ظلمني ظلمًا عبقريًّا ذكره الثعالبي فقط.
(5) ديوانه ص 136. القف ما غلظ من الأرض والتنجيد التزيين.
(6) الرواية الشائعة فيستعلوا.
(7) في نسخة فتبسم.
(2/71)

قالوا رحمك الله نحن نسألك أن تُعرّف بعض علمائنا الذين حصَلوا في الجَنّة بأنّا واقفون على الباب يزيد أن نخاطبه في أمر. فيقول رضوانُ من ثُؤْثِرون أن أُعْلِمَ بمكانكم من أهل العلم الذين غفر لهم. فيشتورون (1) طويلًا ثم يقولون عَرِّفْ بمَوْقِفِنا هذا الخليل بن أَحْمد الفُرْهُوديّ (2) -فيرسل إليه رضوانُ بعض أصحابه- فيول على باب الجنّ قوم قد أكثروا القولَ وإنهم يريدون أن يخاطبوك. فيُشْرفُ عليهم الخليل فيقول أنا الذي سألتم عنه فماذا تريدون؟ فيَعْرِضون عليه مثل ما عرضوا على رضوانَ فيقول الخليل إن الله جلّت قدرته جعل في من يَسْكُن الجنة ممن يتكلّم بكلام العرب ناطقًا بأفصح اللغات كما نطق بها يَعْرُبُ بن قَحْطان أو مَعَدُّ بن عَدْنان، لا يدركهم الزَيعُ ولا الزَلَلُ. وإنما افتقر النَّاس في الدار الغَرّارة إلى علم اللغة والنحو, لأن العربية الأولى أصابها تغييرٌ. فأما الآن فقد رُفع عن أهل الجنة كلُّ الخطإ والوهم. فاذهبوا راشدين إِن شاء الله. فيذهبون وهم مُخْفقون (3) مما طلبوه. ثم أعود إلي ما كنت متكلِّمًا فيه قبل ذكر الملائكة مَنْ أهْدَى البَريرةَ (4) إلى نُعْمان، وأراقَ النُطْفةَ على الفرات، وشرح القضيَّةَ لأمير المُؤْمنين (5) فقد أساءَ فيما فعل. ودَلّني كلامُه على أنَّه بحرٌ يستجيش مني ثَمَدًا. وجبلٌ يستضيف إلى صخور حَصىً. وغاضِيَةٌ (6) من النيران تجتلِب إلى جمارِها سِقْطًا. وَحسْبُ تِهامةَ ما فيها من السَمُرِ (7) وسؤال الشيخ مولاي كما قال الأول:
فهذِي سيوف يَا عَدِي بن مالك ... كثيرٌ ولكن أين بالسيف ضارب (8)
__________
(1) في نسخة فيتسارون.
(2) الفرهود أو الفراهيد قبيلة ينسب إليها الخليل.
(3) في نسخة محققون ما.
(4) ثمر الأراك أو هو أول ما يبدو منه. ونعمان الأراك واد قال:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلغه هندا
وقال الآخر:
أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك
(5) وهو الذي جرى فيه المثل "قضية ولا أَبا حسن لها" على ما سيأتي.
(6) متوقدة.
(7) السمر تكثر بتهامة.
(8) أنشده ابن خالويه أَيضًا في ليس ص 64 ولكن لم يعزه. وكثير يستوي فيه التذكير والتأنيث روي ابن شميل عن يونس رجال كثير ونساء كثير أيضًا كما في التاج.
(2/72)

لا هَيثم الليلة للمَطيِّ (1) قضيةٌ ولا أَبا حَسَنٍ لها (2) وشَكاة فأين الحارث بن كَلَدَةَ (3). وخيل لو كان لها فوارسُ. [يوسف 18] {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}. والواجب أن أقول لنفسي وَراؤكِ أوسعُ لك (4) فالصيفِ ضيعت اللبن (5) ولا يكذب الرائدُ أهلَه (6). ولو كان معي ملءُ السِقاء، لسلكتُ في الأرض المقّاء (7). وسوف (8) أذكر طرفًا مما أنا عليه غريبٌ في العامة مِنْ شَبَّ إلى دَبَّ (9). يَزْعمون أنني من أهل العلم. وأنا منه خِلْوٌ إلَّا ما شاء الله. ومنزلتي إلى الجُهّال، أدنى منها إلى الرَهْط العُلَماء. ولن أكون مثلَ الرَبداء (10) أزعُمُ في الإبل أنني طائرٌ، وفي الطير أني بعير سائر. والتمويه خُلُق ذميم. ولكني ضَبَ لا أحمل ولا أطير. ولا ثمني في البيع خطير. أقتنع بالحيلة والسِحاء (11). والعَوْذِ من بني آدم في مَساء وضُحاء. وإذا خلوتُ في بشِي تَعللتُ. وإن فارقتُ مأوايَ ضَللتُ. ذكر ابن حَبيبَ أنَّه يقال في
__________
(1) مثل يرد في كتب النحو خلا عنه معاجم الأمثال المعروفة.
(2) مثل في كتب النحو.
(3) الثَّقَفيّ من الطائف طبيب العرب مخضرم. بقي إلى امرة معاوية ترجم له ابن أبي أصيبعة 1: 109 - 113.
(4) مجمع الأمثال 2: 273، 219، 294 الطبعات الثلاث ولاء. والفاخر رقم 481.
(5) يروي الصيف وفي الصيف. ويلزم التاء الكسر في الحالات. وانظر قصته في المجمع 2: 13، 15: 13، والفاخر رقم 186 والجمهرة 2: 29.
(6) راجع المجمع 2: 154، 122، 164.
(7) البعيدة.
(8) هذا الفصل يضاهي مضاهاة تامة فصلًا في الغفران ص 122 - 123، والرسالة إلى 26 من رسائله.
(9) وفي المثل لغات من شُبّ إلى دُبّ التاج مادة دبب والاتباع لابن فارس وجاء المثل في رسائله ص 30 وبيروت ص 72 مشكولًا من شُبَّ إلى دُبَّ.
(10) النعامة. قال يحيى بن نوفل يهجو خالدًا القسري ويذكر عيه (البيان 2: 140 الثَّانية):
ومثل نعامة تدعى بعيرًا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري
وإن قيل احملي قالت فإنِّي ... من الطير المربة بالوكور
ومثله بالفارسية:
كر بكوئي بربكويد أشترم ... وربكوئي بر بكويد طائرم
(11) كذا ولعل الأصل والله أعلم من الحيلة بالسحاء وهو بالفتح والكسر ما يؤخذ من القرطاس قليلًا والسحاء ككتاب نبت شائك يرعاه النحل عسله غاية. والظاهر الأول يريد اقتنعت بغفة من العيش أتبلغ بها ولم أحتل للزيادة. والعوذ وفي أخرى التعوذ.
(2/73)

المثل أحْيَرُ من ضَبّ (1) وذلك أنَّه إذا فارق بيته فأبْعَدَ لم يهتدِ أن يرجع إليه. وقد علم الله تعالت (2) قدرته أني لا أبْتَهجُ بأن أكون في الباطن استحق تثريبًا. وادْعَى في الظاهر أريبًا. ومَثَلِي مَثَلُ البِيعة الدامرة. تُجْمعُ (3) طوائف من المسيحية أنها تبْرئ من الحُمَّى أو من كذا. وإنما هي جُدُر (4) قائمة لا تفرق بين مِلْطسِ (5) الهادم والمبيعة (6) بيد الهاجريّ وسِيّان عندها صِنُّ الوَبْر (7) وما يُعْتَصَر من ذكيّ الوَرْد. وليس بِدعا من كُذِبَ (8) عليه وادُّعِيَ له ما ليس عنده. وقد ناديتُ (9) بتكذيب القالة (10) نداءَ مَنُ خَصَّ وَعَمَّ. واعترفَ بالجهالة عند من نَقَص وأم (11) واعتذرت بالتقصير إلى من هَزَلَ وَجدّ. وقد حُرِمَ عليَّ الكلامُ في هذه الأشياء لأني طلقتها طلاقًا بائنًا لا أمْلكُ فيه الرَجْعةَ. وذلك لأنى وجدتُّها فواركَ فقابلت فَرَكَها بالصَلَف. وألقيتُ المَرامى (12) إلى النازع. وخَلَّيتُ الخُطَبَ لرُقاة المنَابر وكنتُ في عِداد المُهلة (13) أجدُ إذا زاولتُ الأدبَ كأنني عارٍ ينضمُّ. أو أقطعُ الكفين يتختَّم. وينبغي له أدام الله تمكينَه إن
__________
(1) المجمع الطبعات الثلاث 1: 200، 153، 208 والجمهرة 1: 267.
(2) في نسخة بغالب.
(3) في نسخة تدعي.
(4) في نسخة صدر.
(5) كمنبر المعول الغليظ لكسر الحجارة.
(6) كذا الأصل. والهاجري البناء.
وقال الجندي ص 52 ه 1 المسيعة خشبة ملساء يطيّن بها (م. ي).
(7) صن الوبر بوله. والوبر دويبة كالسنور بوله يخثر للأدوية وهو منتن جدًّا قال جرير:
تطلى وهي سيئة المعرى ... بصن الوبر تحسبه ملابا
والصن والوير أَيضًا يومان من أيام برد العجوز السبعة ولكن لم يردهما هنا. وما يعتصر يريد ماء الورد وهو الجلاب.
(8) في نسخة "ولست بدعًا ممن كذب الخ". وكان يقول على ما في الغفران أَيضًا ص 122 أنا شيخ مكذوب عليه ومعناه ظاهر إلَّا أن ابن الوردي زعم في تاريخه أنَّه يشير به إلى ما نحله النَّاس إياه من الشعر المؤذن بانحلال عقيدته.
(9) في نسخة "بؤت".
(10) جمع القائل.
(11) ظاهر أنَّه يريد معنى زاد وأغفلته المعاجم فلعله من الأمم وهو الوسط من كل شيء أو لعل الصواب رم بمعنى أصلح ونقض بالضاد المعجمة. ثم وجدته في أخرى خطية نقض بالضاد المعجمة.
(12) جمع المرماة وهو السهم الصغير يتعلم به الرمي.
(13) الظاهر أنَّه يريد زمان العزلة 400 - 449 ه فالمهملة السكينة والتؤدة. ويمكن أن يريد بالمهملة العدة =
(2/74)

ذكرني عنده ذاكرٌ أن يقول دُهْدُرَّين! سَعدُ القْينُ (1)! إنَّما ذلك أجهلُ من صَعلِ الدَوّ (2). خالٍ كخُلْوّ البَوّ (3). ولو كنتُ في حسن العمر (4) كما قيل لكنتُ قد أنسيتُ أو نسِيتُ (5). لأن حديثي لا يُجْهَل في لزوم عَطَنِي الضيق. وانقطاعي عن المعَاشِرِ ذَهابَ السَيِّق (6). ولو أنني كما يُظَن لفعلتُ (7) كما اخترت (8) وبرزتُ للأعين فما استترتُ. وهو يروي البيت السائر لزُهير (9):
والسِتْرُ دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من سِتْر
وإنما ينال الرُتَبَ من الآداب من يُباشرها بنفسه. ويُفنى الزَمَنَ بدَرْسه. ويستعين الزِهْلِق (10). والشُعاعَ المتألِّق. لا هو العاجز ولا هو المحاجز (11).
ولا جثّامة في الرحْلِ مثلي ... ولا بَرَمٌ إذا أمسى نَؤُومُ
ومثله لا يَسأل مثلي للفائدة. بل للامتحان والخبرة (12) فإن سَكَتُّ (13) جاز أن
__________
= والمعنى في زمان مزاولة العلم. ثم رأيت في نسخة أخرى بدله عدان وهو بالفتح كل سبعة أعوام من الزمان. وينضم في نسخة يعتم.
(1) مثل انظر النجم 239 ورسائله ص 26 وفي أصله خلاف كثير. يضرب لمن جاء بالباطل. وحذفوا تنوين سعد وكانوا عرفوا كذبه من قبل.
(2) مثل أغفله أصحاب الكتب والصعل الصغير الرأس والظليم. والدر الصحراء. وجهله أنَّه يغفل عن بيضته فلا يهتدي لها على ما مر لنا.
(3) جلد الحوار يحشى تبنًا كما هو معروف.
(4) كذا. وصوابه إن شاء الله في عمر الحسل. قال ابن جني إن الحسل يعيش ثلثمائة سنة وقال رؤبة:
فقلت لو عمرت سن الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطمل
والصخر مبتل كطين الوحل ... صرت رهين هرم أوقتل
انظر ديوانه 128 والكامل لبسيك 348 والمنسوب للثعالبي 515 وغيرها. ثم رأيت في نسخة جن العمر وهو أوله وهو الصواب.
(5) في الأصل مصحفًا أنست ونسيت؟.
(6) السحابة الفارغة تزجيها الريح. وكان في الأصل الشيق.
(7) في الأصل تظن أفعلت؟.
(8) في نسخة لبغلت ما أخبرت.
(9) الديوان بشرح الأعلم مصر 63 يمدح هرم بن سنان ويخاطبه.
(10) السَّرَّاج ما دام في القنديل.
(11) وفي نسخة المحائز.
(12) في نسخة والحيرة.
(13) في نسخة نسكت.
(2/75)

يَسْبق اليَّ الظنُّ الحَسَنُ. أن (1) السكوت سِتْر يُسْبَل على الجَهول. وما أُحِب أن يَفترِيَ عليَّ الظنونُ. كما افترت الألسُنُ في ذِكْرها أني من أهل العلم. وأحلف بمُرُوَّةِ (2) الكذُوب لأن أرمي صابة (3). أو مَقرًا آثرُ لديَّ من أن أتكلّم في هذه الصِناعة كلمةً وقد تكلّفتُ الإجابة. فإن أخطات فمَنْبتُ الخطإِ ومَعْدِنه. غاوٍ تعرَّض لما لا يُحْسِنه. وإن أصبت فما أحْمَدُ على الإِصابة رُبَّ دواءٍ ينفع وَصفه مَنْ ليس بناسٍ (4). وكلمة حكم (5) تسْمَع من حليفِ وَسْواس.
تمّت الرسالة (6) بحمد الله وعونه. ولُطفه وصَوْنه. والحمد لله على أفضاله. وصلى الله على سيدنا محمَّد وصحبه وآله. أجمعين.
__________
(1) في نسخة لأن.
(2) تصحيف لم أهتد لأصله فلعله بمروأة الكذوب أي الخائن أو المراد بالمروة هذه الحجارة التي يقتدح بها والكذوب التي لا توري والغرض من الحلف بها أنَّه يخلف رجاء آمليه كهذه يقدحونها فتصلد. والله أعلم. وفي نسخة بجروة.
(3) الصابة شجرة مرة. والمقر ككتف وفلس الصبر أو شبيه به. وفي نسخة "لأن أرمّ صابة" والرم من بابي نصر وضرب الأكل.
(4) وفي نسخة لمن ليس بناس. وفي أخرى قمن ليس بآس.
(5) بالضم الحكمة.
(6) تمّت المقدّمة حسب قول الجندي (ص. ح) وتتواصل الرسالة عنده من ص 57 إلى ص 286 (م. ي.).
(2/76)

فائت شعر أبي العلاء
جمعه
(عبد العزيز الميمني السلفي الراجكوتي)
القاهرة سنة 1345
بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الحمد لله وحده * وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
وبعد فهذا فائت شعر أبي العلاء مما لا يوجد في كتبه المعروفة، جمعته أثناء تأليفي كتابي (أبو العلاء وما إليه) وفيه بعض شعر نُحل له، حتَّى يتمَّ فائدة تأليفي المذكور. ثم رأيت أن أُلحقه بآخر رسالة الملائكة لأبي العلاء حتَّى يكونا كتيّبين، وأثرين من آثار أبي العلاء حيَّين. ومن الله أطلب العونَ والتوفيق.
غرة شوال سنة 1343
صدر بازار راجكوت كانهيادار - (الهند) عبد العزيز الميمني السلفي الراجكوتي
* * *

(1) من جامع الأوزان. التنوير 2: 207.
يا قرة العين أم حفص ... وأمّ عثمان جارتاك
فتلك لا تحذرين منها ... وهذه تبتغي رداك
أم عثمان الحية وعثمان ولدها.
(2) ومنه أَيضًا.
لعمرك ما أبو بكر لدينا ... بمرموق ولا يخشى أذانا
وعثمان الذي يقليه منا ... أكابرها ويقتله فتانا
أبو بكر الفحل من الإِبل. وعثمان ولد الحية.
(3) في ركابي السرج. نهاية الأرب 3: 165.
خليلان نيطا في جوانب مجلس ... جداراه قدام له ووراء
متى يضع الرجلين ماش عليهما ... يزل عنه في وشك حفًا وحفاء
(2/77)

جداراه قربوسه ورادفتاه، والحفا وجع الرجل. والحفاء المشي بغير نعل.
(4) من كتاب استغفر واستغفري كشاف: ومن يرتدد منكم عن دينه (الآية) والإيضاح للمطرزي ص 171 وروايته ووالاها.
آمت سجاح ووافاها مسيلمة ... كذابة من بني الدنيا وكذاب
(5) من جامع الأوزان التنوير 1: 12.
وطريق ركبته جرهم ... وجديس قبلنا فهو ركوب
سلكته الخيل عن آخرها ... وكذا الإبل وما ثار العكوب
(6) منه أيضًا.
ما للغراب لا يزال ساقطًا ... وليس في مسقطه بناعب
أقام عشرًا ما أراه ماقطا ... وستر الأرض على الطوالب
(7) من الشريشي 94: 1.
عرفت جدودك إذ نطقت وطالما ... لغط القطا فأبان عن أنسابها
(8) من تذكرة دولت شاه 25 ليدن وليس بمحلّ للثقة.
من راعه سبب أو هاله عجب ... فلي ثمانون حولا لا أرى عجبا
الدهر كالدهر والأيام واحدة ... والناس كالناس والدنيا لمن غلبا
(9) وله في الخطاف (نثار الأزهار 85).
ولابسة من حندس الليل ظلمة ... مفرجة عن صدرها تشبه (1) القبا
برأس يحاكي (2) شاه بلوط أعجم ... تغني بصوت معجم ليس معربا
لقد أتقن الصباغ جري سوادها ... وقد طوسوا منها قذالا ومنكبا
تراها إذا ما أقبل الصبح ضاحكا ... وولى الدجى عنها هزيما مقطبا
تصفق لا أدري أحزنا على الدجى ... وإما إلى ضوء الصباح تطربا
إذا أقبلت في دار قوم تباشروا ... وقالوا لها أهلًا وسهلًا ومرحبا
(10) روى محمَّد بن عليّ الكازروني -وكان زاره بالمعرة- قال أنشدنا أبو العلاء (وانظره في باب التلامذة):
__________
(1) لعله مشتبه.
(2) الأصل تحاكي.
(2/78)

يغدو الفقير وكل شيء ضدّه ... والأرض تغلق دونه أبوابها
فتراه محقوقًا (مجفوًا) وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتَّى الكلاب إذا رأت ذا بزة ... هشت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يومًا فقيرًا بائسا ... نبحت عليه وكشرت أنيابها
(11) في المِلح نهاية الأرب 3: 167.
وبيضاء من سر الملاح ملكتها ... فلما قضت أربي حبوت بها صحبي
فباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثهم بعد الطعام على الشرب
(12) رواية عن أبي اليسر المعري النكت 105 الأدباء 1: 179.
غريت بذمي أمة ... وبحمد خالقها غريت
وعبدت ربي ما استطع ... ت ومن برِيّته بريت
وفرتني الجهال حا ... شدة عليّ وما فريت
وفي الأدباء حاسدة.
سعروا عليّ فلم أحس ... وعندهم أني هريت
وجميع ما فاهوا به ... كذب لعمري حنبريت
والبيت الآخر من النكت فقط.
(13) ابن أبي الحديد 4: 307.
أزرى بكم يَا ذوي الألباب أربعة ... يتركن أحلامكم نهب الجهالات
ود الصديق وعلم الكيمياء وأح ... كام النجوم وتفسير المنامات
(14) من تذكرة دولت شاه ص 25.
إلَّا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلبن من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات
(15) من الوافي بالوفيات للصفدي (نسخته الخطية بلكنو الهند).
لم يكن الدن غير نكر ... سلافة الراح عرّفته
كآدم صيغ من تراب ... ونفخة الروح شرّفته
(2/79)

(16) من المنحول (1) - البلدان "اللاذقية".
اللاذقية فتنة ... ما بين أحمد والمسيح
هذا يعالج دلبة ... والشيخ من حنق يصيح
(17) الغيث 34: 2.
أتعبتم السابح في لجة ... ورعتم في الجو ذات الجناح
هذا وأنتم غرض للردى ... فكيف لو خلد تمو يا قباح
(18) الأنساب ورق 110 في الثلج.
أتانا في الولادة وهو شيخ ... فأزرى بالشباب وبالشيوخ
فقال أريد عندكم تنوخا ... فقلت أصبت أنا من تنوخ
(19) ابن أبي الحديد 4: 323 و 2: 388.
نفسي وجسمي لما استجمعا صنعا ... شرًّا إليّ فجلّ الواحد الصمد
فالجسم يعذل فيه النفس مجتهدًا ... وتلك تزعم أن الظالم الجسد
إذًا هما بعد طول الصحبة افترقا ... فإن ذاك لأحداث الزمان يد
وأصبح الجوهر الحساس في محن ... موصولة واستراح الآخر الجمد
(20) لغز في أل التي للتعريف (الأشباه 2: 289).
وخلين مقرونين لما تعاونا ... أزالا قصيا في المحل بعيدًا
وينفيهما أن أحدث الدهر دولة ... كما جعلاه في الديار طريدا
(21) من جامع الأوزان التنوير 1: 11.
كأن سنور العتيك إذا ... ناب أمر يفرس الأسدا
__________
(1) ومعنى البيتين لا يجذب إلى الإلحاد والمروق فليس فيهما إلَّا الخبر كما قال ابن بطلان في رسالته إلى هلال الصابي (انظر حكماء القفطي مصر 195) ولفظه وذكر اللاذقية: وفيها قاض للمسلمين وجامع يصلون فيه وأذان في أوقات الصلوات الخمس. وعادة الروم إذا سمعوا الأذان أن يضربوا الناقوس اه. ومثله في البلدان وزاد كيادًا لهم -فكأنه يريد ما بين أتباع أَحْمد الخ- وأوردهما كولدزيهر في المجلة الألمانية 29: 637 وروايته في القدس قامت ضجة ما بين الخ وهي محرّفة وماله وللقدس. وكان سافر إلى اللاذقية كما حققناه وزاد ثالثًا وهو:
كل يشيد دينه ... يا ليت شعري ما الصحيح
وما أراه إلَّا اختلاقًا، فالبيت ركيك البنية لا يشبه سائر شعر المعري.
(2/80)

وتبيت الفأر دانية ... منه إن نومًا وإن سهدا
نابهم دهر بقطهم ... فرأوا من عيشهم نكدا
السنور السد والعتيك حي من الأزد. والفأر فأر المسك. والقط النصيب أو الضيون.
(22) لغز في كاد * (الأشباه 2: 288).
أنحوي (1) هذا العصر ما هي لفظة؟ ... جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود
(23) قيل إنه أوصى أن يكتب على قبره.
(الوفيات 1: 34 الذهبي 133 البغية 137 الغيث 2: 198).
هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد
(24) من كتاب الاستغفار وهو استغفر واستغفري. ابن أبي أصيبعة 1: 88.
سقيًا ورعيًا لجالينوس من رجل ... ورهط بقراط غاضوا بعد أو زادوا
فكل ما أصلوه غير منتقض ... به استغاث أولو سقم وعواد
كتب لطاف عليهم خف محملها ... لكنها في شفاء الداء أطواد
(25) في المرقص والمطرب لصاحب المغرب في حلى المغرب ص 46.
وصبح قد فلونا الليل عنه ... كما تفلي عن النار الرماد
(26) في الوافي بالوفيات (خط) في تأخر مشيبه.
قد أورقت عمد الخيام وأعشبت ... فلك الحبال (؟) ولون رأسي أغبر
ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
(27) من جامع الأوزان- التنوير 1: 13.
أن تخمدي يَا نار ... فما عليك عار عار فأين الغار
(28) الغيث 244: 2.
راح من راح والثريا الثريا ... والسماك السماك والغفر غفر
ونجوم السماء تعجب منا ... كيف تبقى من بعدنا ونمرّ
__________
(1) أجاب عنه ابن مالك وابن الوردي فراجع الأشباه.
(2/81)

(29) ابن أبي الحديد 3: 53.
استغفر الله ما عندي لكم خبر ... وما خطابيَ إلَّا معشرًا قبروا
أصبحتمُ في البلى غبرا ملابسكم ... من الهباء فأين البرد والقطر
كنتم على كل خطب فادح صُبُرا ... فهل شعرتم وقد جادتكم الصبر
وما درى يومُ أخْد بالذين ثوَوا ... فيه ولا يوم بدر أنَّهم نصروا
(30) تتمة اليتيمة (خط باريس) أدبا 1: 173 إملاء في جواب كتاب عن بعض الرؤساء.
وافي الكتاب فأوجب الشكرا ... فضممته ولشمته عشرًا
وفضضته وقرأته فإذا ... أحلى كتاب في الورى: يقرا
فمحاه دمعي من تحدره ... شوقًا إليك فلم يدع سطرا
(31) ذهبي 131 وأدبا 1: 193 والعياذ بالله.
ولا تحسب مقال الرسل حقًّا ... ولكن قول زور سطروه
وكان النَّاس في عيش رغيد ... فجاؤوا بالمحال فكدروه
(32) أدباء 1: 176 من خبر ذكرناه في كتابنا.
هذا أبو القاسم أعجوبة ... لكل من يدري ولا يدري
لا ينظم الشعر ولا يحفظ الق ... رآن وهو الشَّاعر المقري
(33) الشريشي 2: 152.
عجبت هند من تسرع شيبي ... قلت هذا عقبى فطام السرور
عوضتني يد السفاسف من مس ... ك عذاري ريشا من الكافور
كان لي في انتظار شيبي حساب ... غالطتني فيا (1) صروف الدهور
(34) ومما عزي له الغيث 2: 193 والنكت 72 والعجب منه حيث عزاه مع آخر بعد أربع صفحات 76 إلى أبي الحسن الحصري كما في الشريشي 2: 89 ولفظه ومما يعزى للحصري. قال ياقوت 5: 262 إن البيتين متنازعان بين الحصري وبين تلميذه أبي العباس الأعمى.
سواد العين زاد سواد قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور
__________
(1) في طبعة عبد المعم خفاجي، ج 4 ص 14: فيه (م. ي.).
(2/82)

(35) أبو الفداء 2: 176 والعياذ بالله:
عجبت لكسرى وأشياعه ... وغسل الوجوه ببول البقر
وقول النصارى اله يضام ... ويظلم حيا ولا ينتصر
وقول اليهود اله يحب ... رسيس الدماء وريح القتر
وقوم أتوا من أقاصي البلاد ... لرمي الجمار ولثم الحجر
فواعجبا! من مقالاتهم ... أيعمى عن الحق كل البشر
(36) وله فيما ظن الصفدي في الغيث 2: 199.
النَّاس كالناس إلَّا أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر
والايك مشتبهات في مناظرها ... وإنما يقع التفضيل في الثمر
(37) في روضات الجنات والعهدة على صاحبه أن المعري لما خرج من العراق سئل عن المرتضى فقال:
يَا سائلي عنه لما جئت أسأله (1) ... ألا هو الرَّجل العاري من العار
لو جئته لرأيت النَّاس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
(38) لغز في القمح. الشريشي 2: 59.
وسمراء في بيض الحسان شربتها ... بصفر من العين الشبيهة بالشمس
وقد غيبت في الخدر عصرًا مصونة ... محجبة عن أعين الجن والإنس
فلما بدت عنه بدت سيمة النوى ... عليها ولم تجزع لحادثة الأمس
فأهلًا بأنثى لم ترد يد لامس ... بسوء ولا أبدت نفارًا من اللمس
(39) أبو الفداء 2: 177 والبراءة إليه تعالى.
زعموا أنني سأبعث حيا ... بعد طول المقام في الأرماس
وأحوز الجنان أرتع فيها ... بين حور وولدة أكياس
أي شيء أصاب عقلك يا مس .... كين حتَّى رميت بالوسواس
(40) في مدح حلب الدر المنتخب لابن الشحنة ص 154.
يَا شاكي النوب انهض طالبًا حَلبا ... نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس
__________
(1) ذكرنا ما دار بينهما من الأسئلة في غير هذا الموضع من كتابنا وإن كنا نرى هذا تلفيقًا.
(2/83)

وفي الأصل "لجسم" مصحفًا.
واخلع حذاك إِذا حاذيتها ورعا ... كنعل موسى كليم الله في القدس
(41) دمية القصر (خط. ورق 6).
وما ازدحمت عير على ورد منهل ... دنا خمسًا ترعى الخيل من الحمض
في نسخة المتحف البريطاني من الدُمْية ترعى النحيل من الحمض. بين العرنين. صفوةَ المحضِ وهو الصواب. بعد الظائعن أم يمضي. وفي أخرى بلُندره بالخط المغربي خمسها يرعى النخيل. بعد العرينين. صفوة المحض. أم تمضي. واسم الراوي أبو محمد الحمداني بالحاء.
كذا والنسخة محرفة ولعل الأصل دنت بعد خمس ترتعي النحل بالحمض.
تزاحم دمعي في الجفون وقد غدت ... ركائبهم بين العريين فالعرض
العريين كذا. وورد في معجم البكري عريات والعرينات وأما العريان فإنِّي لم أجده في المعجمين.
ولا أم خشف أقبلت بعد فيقة ... لتمنحه من درها -صفوه- المحض
ولا أم بكر ساف عنها حوارُها ... ظلوم سعاة في الزكاة من الفرض
بأوجع مني يوم قال رسولهم ... أمستوطن؟ بعد الظعائن لم تمض!
(42) رواية السلفي عن أبي المكارم الأبهري عنه ذهبي 133.
رغبت إلى الدنيا زمانا فلم تجد ... بغير عناء والحياة بلاع
وألقى ابنه النَّاس (؟) الكريم وبنته ... لدي فعندي راحة وفراغ
وزاد فساد النَّاس في كل بلدة ... أحاديث مين تفترى وتصاغ
ومن شر ما أسرجت في الصبح والدهى؟ ... كميت لها بالشاربين مراغ
والدهى كذا - ولعله والضحى أو الدجى.
(43) الدميري سنة 1319 ه مصر 1: 297.
يا طالب الرزق الهنيء بقوة ... هيهات أَنْتَ بباطل مشغوف
رعت الأسود بقوة جيف الفلا ... ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف
(44) الأدباء 1: 272 زيادة على ما في اللزوم 2: 87.
فلا تشرف بدنيا عنك معرضة ... فما التشرف بالدنيا هو الشرف
(2/84)

واصرف فؤادك منها مثلما انصرفت ... فكلنا عن مغانيها سينصرف
يَا أم دفر البيت، لو أنك العرس البيت، ولكن البيت الثاني أفسد اللزوم الذي التزمه أبو العلاء.
(45) وقال الأدباء 1: 192 ولعله منحول.
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل ... وترزق مجنونًا وترزق أحمقا
فلا ذنب يَا رب السماء على امرئ ... رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
(46) الأدبا 1: 179 والنكت والمعاهد والبغية.
لا أطلب الأرزاق وال ... مولى يفيض علي رزقي
إن أعط بعض القوت أع ... لم أن ذلك ضعف حقي
والبيتان ضد لما مضى.
(47) الغيث 1: 48 ولفظه ووجدت منسوبًا إلى أبي العلاء المعري ونزهة
الجليس 1: 283 ونسمة السحر 1: 110.
زعم الجهول ومن يقول بقوله ... أن المعاصي من قضاء الخالق
إن كان حقًّا ما يقول فلم قضى ... حد الزناء وقطع كف السارق
(48) وزعم ابن السبكي في طبقاته 3: 97 إن هذين البيتين:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وسير العالم النحرير زنديقا
له -وكالإِجماع أنهما لابن الراوندي وانظر المعاهد 1: 53 - ومر آنفًا بيتان في معناهما.
(49) في مطالع البدور (1: 2 - 1) قال أبو العلاء المعري الشروي (؟ وانظره) يهجو النرجس.
انظر إلى نرجس تبدت ... صبحا لعينيك منه طاقه
واكتب اسامي مشبهيه ... بالعين- في دفتر الحماقه
كراثة ركبت عليها .... صفرة بيض على رقاقه
(50) الأدباء 1: 175 والمعاهد 1: 50.
يَا ظبية علقتني في تصيدها ... أشراكها وهي لم تعلق بأشراكي
(2/85)

رعيت قلبي وما راعيت حرمته ... فلم رعيت وما راعيت مرعاك
أتحرقين فؤادًا قد حللت به ... بنار حبك عمدًا وهو مأواك
نسخة ما راك مخفف ما رآءك لغة في رأي.
أسكنته حين لم يسكن به أحد ... وليس يحسن أن تسخي بسكناك
ما بال داعي غرامي حين يأمرني ... بأن أكابد حر الوجد ينهاك
وكم غدا القلب ذا بأس وذا طمع ... يرجوك أن تحميه ثم يخشاك
(51) نهاية الأرب للنويري 1: 34.
يَا ليت شعري وهل ليت بنافعة ... ماذا وراءك أو ما أَنْتَ يَا فلك؟
كم خاض في أثرك الأقوام واختلفوا ... قدما فما أوضحوا حقًّا ولا تركوا
شمس تغيب ويقفو أثرها قمر ... ونور صبح يوافي بعده حلك
طحنت طحن الرحى من قبلنا أمما ... شتى ولم يدر خلق آية سلكوا
وقال إنك طبع خامس نفر ... عمري! لقد زعموا بطلا وقد أفكوا
داموا سرائر للرحمن حجبها ... ما نالهن نبي لا ولا ملك
(52) وعزا إليه صاحب روضات الجنات ص 74 ولعله منحول:
فلا تيأس إذا ما سد باب ... فأرض الله واسعة الممالك
ولا تجزع إذا ما اهتاض أمر ... "لعل الله يحدث بعد ذلك" (1)
البيتان من العمدة. ثم رأيت في التكملة لابن الأبار في ترجمة أبي طالب محمَّد بن إبراهيم القيسي الذي عاش إلى سنة 490 ه: "قرأت بخطه لأبي القاسم بن المغربي الوزير: بَعُدوا فلا .. البيت لم يبق غير. البيت.
الليل عندي والنهار كأدهم ... لا غُرّةٌ فيه ولا تحجيل
فتعين أن المعري في العمدة مصحّف المغربيّ وكم قد تصحف أحدهما بالآخر لتشابههما في الخطّ.
(53) العمدة لابن رشيق 2: 82.
لم يبق غير العذل من أسبابهم ... فأحب من يدنو إلى عذول
يغدو فلا مستخبِر عن حالهم ... غيري ولا مستخبَر مسؤول
__________
(1) كذا، ويمكن أن يكون اعتاص.
والتضمين من سورة الطلاق، 1 (م. ي.).
(2/86)

(54) بدائع البدائة بهامش المعاهد 2: 114 والوفيات 1: 233 واليافعي 70: 3 قال القاضي أبو الطّيب الطبري كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد:
وما ذات در لا يحل لحالب ... تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حيا وميتا ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل
إذا طعنت في السنن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل
وخرفانها للأكل فيها كزازة ... فما لحصيف الراي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلَّا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل
فأجابني وأملى على الرسول في الحال ارتجالا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرما فليس بكاذب ... ومن ظنله نخلا فليس يجهل
لحهومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل- والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تمر وغض الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلًا ... هي النجم قدرًا بل أعز وأطول
ولو لم أحب عنها لكنت بجهلها ... جديرًا ولكن من يودك مقبل
فأجبته عنه وقلت:
أثار ضميري من يعز نظيره ... من النَّاس طرا سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار يشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها ... ومعضلها باد لديه مفصل
ولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيرًا بأنواع البيان يكبل
وقربه من كل فهم بكشفه ... وإيضاحه حتَّى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعا ... ومرتجلًا من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه ... جلالا إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول
فأجاب مرتجلًا وأملى على الرسول:
ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل
(2/87)

فإن كنت بين النَّاس غير ممول ... فأنت من الفهم المصون ممول
إِذا أَنْتَ خاطبت الخصوم مجادلًا ... فأنت -وهم مثل الحمائم- أجدل
كأنك من في الشَّافعيّ مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارسًا ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتَّى ضاق ذرعي بشكر ما ... فعلت وكفى عن جوابك أجمل
لأنك في عنه الثريا فصاحة ... وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذري! في أني أجبتك واثقًا ... بفضلك فالإِنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخيرٌ وأوَّل
ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عاطرًا ... بها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلًا ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقًّا من به تتجمل
زد أني وجدتُ في الصارم البَتار في رحلة سالار لعبد الله بن قائد المكيّ المطبوع بكلكتة نحو سنة 1256 ه وليس صاحبه من الأثبات هذه الأبيات منسوبة لأبي العلاء والعُهدة عليه:
الدهر يقصر ساعة ويطول ... والمرء يصمت ساعة ويقول
والقول مختلف إِذا ميَّزته ... هذا يردّ وبعضه مقبول
لا تقعدن مع البخيل بمجلس ... إن البخيل على الفراش ثقيل
لا تقطعن مع البخيل مسافة ... إن الطريق مع البخيل طويل
(55) وأملى على الهكاري في خبره مع وزير محمود بن صالح وقد ذكرناه في موضعه النكت 108 وسر العالمين بومباي ص 39 من البيت العاشر وكذا نسمة السحر 1: 109"خط".
أستغفر الله في أمني وأوجالي ... من غفلتي وتوالي سوء أعمالي
قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في ... مشاة وفد ولا ركبان أجمال
فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأي رأوا غير الحج أمثالي
ما حج جدي ولم يحجج أبي وأخي ... ولا ابن عمي ولم يعرف مني خالي
وحج عنهم قضاء بعد ما ارتحلوا ... قوم سيقضون عني بعد ترحالي
(2/88)

فإن يفوزوا بغفران أفز معهم ... أو لا فإني بنار مثلهم سأل
ولا أروم نعيمًا لا يكون لهم ... فيه نصيب وهم رهطي وأشكالي
فهل أسر إذا حمت محاسبتي؟ ... أم يقتضي الحكم تعتابي وتسآلي
من لي برضوان أدعوه فيرحمني ... ولا أنادى مع الكفار أمثالي
باتوا وحتفي أمانيهم مصورة ... وبت لم يخطروا مني على بال
وفوقوا لي سهامًا من سهامهم ... فأصبحت وقَّعًا مني بأميال
فما ظنونك إذ جندي ملائكة ... وجندهم بين طواف وبقال
لقيتهم بعصا موسى التي منعت ... فرعون ملكا ونجت آل اسرال
أقيم خمسي وصوم الدهر آلفه ... وأدمن الذكر أبكاري وآصالي
عيدين أفطر في عامي إذا حضرا ... عيد الأضاحيّ يقفو عيد شوال
إذا تنافست الجهال في حلل ... رأيتني وخسيس القطن سربالي
لا آكل الحيوان الدهر مأثرة ... أخاف من سوء (1) أعمالي وآمالي
[وكيف أقرب طعم الشهد وهو كذا ... غصب لمكسب نحل ذات أطفال
نهيتهم عن حرام الشرع كلهم ... ويأمرني بترك المنزل العالي
وأعبد الله لا أرجو مثوبته ... لكن تعبد إكرام وإجلال]
أصون ديني عن جعل أؤمله ... إذا تعبد أقوام باجعال
(56) ومن بديع أفانينه- الغيث 2: 215 والوافي للصفدي:
هزت إليك من النقد ابن ذي يزن (سيفا) ... ولاحظتك بهاروت على عجل
أرتك عم رسول الله منتقبًا (عباسًا) ... أَبا حذيفة يحكي أو أَبا حمل (بدرا)
(57) ابن أبي الحديد 4: 476.
ما قضى الحاجات إلَّا شملّ ... نومه فوق فراش من نمال
(58) عن التبريزي عنه أدبا 1: 175 والصواب ما قاله ابن القارح ص 200 قال أنشدني الظاهر لنفسه:
أرى جيل التصوف شر جيل ... فقل لهم وأهون بالحلول
أقال الله حين عشقتموه ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
__________
(1) في نسمة السحر عن سر العالمين وابن أبي أصيبعة (أقوالي وأفعالي).
(2/89)

(59) في المجلة الألمانية 38: 518 بعد قوله من اللزوم (2: 722) عقيمها زيادة بيت وهو:
يبل ويبلي البدر من سقم به ... فما لنفوس لا يبل سقيمها
(60) البعوض- من الوافي للصفدي.
إذا هي عنت لم يشقني غناؤها ... فبعدًا لها من قينة لم تكرم
تجمش من لا يبتغي اللهو عندما ... وتطرد نوم الناسك المتأيم
وأحلف لا عانقتها ولقد غدا ... لها إِبَرٌ ما بين كفي ومعصمي
(61) من العدل والتحري لابن العديم الحَلبي.
وقال في ابن أخيه القاضيِ أبي محمَّد عبد الله بن أبي المجد وكان يستملي له ومرضه في عدة أمراض وكان برًّا بعمه مشفقًا عليه:
أعبد الله ما أسدى جميلًا ... نظير جميل فعلك غير أمي
سقتني درها ودعت وباتت ... تعوذني وتقرأ أو تسمي
هممت بأن تجنبني الرَّزايا ... فرمت وقايتي من كل هم
كأن الله يلهمك اختياري ... فتفعله ولم يخطر بوهمي
حمدتك في الحياة أتم حمد ... وأيامي ذممت أتم ذم
أجدك ما تركت وأنت قاض ... تعهد مقعد أعمى أصم
جزاك البارئ ابن أخ كريمًا ... أبو بمعجز في بِرعمِّ
(62) منه أَيضًا.
وقال فيه أَيضًا لما مرضه بمرضه الأخير:
وقاض لا ينام الليل عني ... وطول نهاره بين الخصوم
يكون أبرَّ بي من فرخ نسر ... بوالده وألطف من حميم
سأنشر شكره في يوم حشر ... أجلْ وعلى الصراط المستقيم
(63) فهرست دار الكتب ببرلين العدد 3319 قصيدة أولها:
ضاقت عليّ برحبها الدنيا ... وجرى من الجفن القريح دما
(64) لغز في الأبرة الخزانة الصغرى 393.
سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثرًا والله شاف من السم
كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم
(65) في الشريشي 2: 256 زيادة بيت على ما في اللزوم 2: 260.
(2/90)

لا يستوي ابناك في خلق ولا خلق ... إن الحديدة أم السيف والجلم
فاضرب وليدك البيت. فرب شق البيت.
(66) وفي الغيث 2: 198 زيادة بيت وهو الثالث على ما في اللزوم 2: 249.
(أرى ولد الفتى عبئًا عليه ... لقد سعد الذي أضحى عقيما
فإما أن يربيه عدوًا ... وإما أن يخلفه يتيمًا)
وإما أن يصادفه حمام ... فيبقى حزنه أبدًا مقيما
(00) وزعم صاحب النفح 3: 130 مصر أن بيت اللغز المعروف للمعري وهو:
أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم
ومعناه أقول لعبدة اتقي الله، أو لعبد الله لما وهي سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس: شِم لنا البرقَ.
وهذا خطأ منه فإن البيت عائد (؟) وضع للمعاني وانظر مقدمة اللزوم 1: 5.
(67) ومن المنحول له (النكت 75 والغيث 2: 188. ونزهة الجليس 1: 279 ونسمة السحر 1: 107 وفي الشريشي 1: 89 أنَّه لبشار وفي غرر الخصائص أنَّه لأبي العيناء ص 161):
قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدانكم يهون
والله ما في الوجود شيء ... تأسى على فقده العيون
(68) وله (النكت 75 وابن الشيخ 1: 382 وتذكرة دولت شاه 25. والتكملة لابن الأبار العدد 1957 مسندًا):
أَبا العلاء ابن سليمانا ... عماك قد أولاك إحسانا
لو أبصرت عيناك هذا الورى ... لم هي انسانك إنسانا
(69) حسن التوسل 61.
لم يبق غيرك إنسانًا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانًا
(70) أيضًا 62.
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانًا ونحن في حفر الأجداث أحيانًا
(71) الأدباء 1: 190 والنكت 106 والعياذ بالله.
إذا ما ذكرنا آدمًا وفعاله ... وتزويجه بنتيه لابنيه في الخنى
علمنا بأن الخلق من أصل ريبة ... وأن جميع النَّاس من عنصر الزنا
(2/91)

(72) أدبا 1: 173 عن التتمة، وليس في نسخة باريس منها.
لست أدري ولا المنجم يدري ... ما يريد القضاء بالإنسان
غير أني أقول قول محق ... قد يرى الغيب فيه مثل العيان
إن من كان محسنًا فأبكي ... ه لجميل عواقب الإِحسان
كذا ولعل الأصل فأبكى لجميل بل فأبكيه جميل.
(73) وفي المجلة الألمانية 38: 521 بعد قوله من اللزوم (2: 285) أشطان زيادة بيت وهو:
وتزهر القيظ بالخرصان مثمرة ... بالهام وهي من الخطي خيطان
(74) ذهبي 134.
أتتني من الأيام ستون حجة ... وما أمسكت كفاي ثني عنان
ولا كان لي دار ولا ربع منزل ... وما مسني من ذاك روع جنان
ويمكن أن يكون ربع.
تذكرت أني هالك وابن هالك ... فهانت علي الأرض والثقلان
(75) روى أبو اليسر أن المستنصر الفاطمي بذل له ما ببيت المال بالمعرة من الحلال فلم يقبل وقال (أدبا 1: 178).
كأنما لي غاية من غنى ... فعد عن معدن أسوان
سرت برغمي عن زمان الصبا ... يعجلني وقتي وأكواني
ضد أبي الطِّيب لما غدا ... منصرفًا عن شعب بوان
وفي الأصل غاية لي وهو قلب غلطا. وصد إلا أننا نرجح ضد.
(76) أدبا 1: 179 النكت 105 والمعاهد 1: 50.
حاول اهواني قوم فما ... واجهتهم إلا بأهواني
يحرشوني بسعاياتهم ... فغيروا نية إخواني
لو استطاعوا لوشوا بي إلى الم ... ريخ في الشهب وكيوان
(77) أدبا 1: 192 و 194 وذهبي 131 والنكت 106:
صرف الزمان مفرق الألفينِ ... فاحكم الهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدًا ... وبعثت أنت لقبضها ملكين
وزعمت أن لها معادًا ثانيًا ... ما كان أغناها عن الحالين
(2/92)

(78) حسن التوسل 87.
طول حياة مالها طائل ... نغص عندي كل ما يشتهى
أصبحت مثل الطفل في ضعفه ... تشابه المبدأ والمنتهى
فلا تلم سمعي إذا خانني ... "إن الثمانين وبلغتَها"
(79) في الغيث 1: 48 زيادة بيتين على ما في اللزوم 2: 345 بعد قوله فإذا كان ما يقولون البيت.
وإذا كان راضيًا بقضاهم ... فاشكروهم لأجل ما عذبوه
وإذا كان ساخطًا بأذاهم ... فاعبدوهم لأنهم غلبوه
(80) من جامع الأوزان التنوير 1: 12.
ألا يا عالمًا ما العلم ... جار منه في نيَّة
وفقيه خامل أدْلَجَ ... يطوي تحتك الطيه
وخفاك عروضيا ... ن والناقة نحويه
يقال فحل فقيه إذا كان حاذقًا بالضراب. وعروض مكة وما والاها أي عملا من أديمها. ونحو حيّ:
إن المقَّرِيَّ (مصر 1: 505) نقل عن أبي حيّان عن شيخه الرضيّ الشاطبي أنَّه أنشده للمعري (1) لُغزًا في وَرْد:
إذا ما شئت معرفة ... لما حار الورى فيه
فخذ خمسًا لأربعة ... ودع للثوب رافيه
__________
(1) وفي طبعة ليدن من النفح ص 711 بدله "المقري" وأظنه تصحيفًا.
(2/93)

كم ترك الأوّلُ للآخر
هذه

زيادات ديوان شعر المتنبيء
نَتَفْتُها
وهي نيّف وأربعون قطعة أو قصيدة من ثلاث نُسخ خطّية من الديوان أهمها نسخة الرئيس الشيخ حبيب الرحمن خان الشِرْوانيّ ومن طبعتين قديمتين من الديوان سنة 1257 ه و 1261 ه ومن كثير من الدواوين الأدبية والمجاميع
وأنا العاجز
عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري
خادم العلم بالجامعة الإِسلامية في على كَره (الهند)
شعبان سنة 1344 ه وفبراير سنة 1926 م
القاهرة 1345
المطبعة السلفية- ومكتبتها
(2/95)

اسِمُ كتَيبي هذا
باسم مالك أزمة النظم والنثر ذي الرياستين عُصرة أهل العصر العلّامة
الشيخ حبيب الرَّحْمَن خان الشزواني
صاحب حبيب كَنج وصدر الصدور بايالة حيدر آباد الإِسلامية لأن تكوُّنَه حَسَنة من حسناته، فأخْلِقْ به أن يبدو منه وإليه يعود أدامه الله ما اخضرّ عُود
خادم العلم
عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري
ربيع الآخر سنة 1344 ه
بسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مصلّيًا على نبيّه الكريم ومسلّمًا * وعلى آله وصَحْبه، وذويه وحِزبه.
مررتُ في رِحلاتي الأخيرة في ذي الحجة الحرام سنة 1343 ه (بحبيب كَنج) قرية في أعمال عَلِي كَرْ (الهند) عند صاحبها وسائسها، وسُرسورها وحارسها، حضرة الفاضل اللوْذعيّ الرئيس مولانا الشيخ (حبيب الرَّحْمَن خان الشِرْواني) صَدْرِ الصدور بإِيالة حيدر آباد الإِسلامية. فلقيني بالبرّ والسناء، وحَفِيَ بي شأنَه بغيري من العلماء. وأكرم مثواي، ووسَّع مأواي. وأراني خزانته الحافلة بالأعلاق الفارسية والعربية، ولكن ضيق الفرصة حدا بي إلى أن آثرتُ التنقيبَ عن الآثار العربية فرأيتُ فيها من النوادر جُملة وصفتُها في مقالة لي بمعارف (أعظم كَر. الهند) ومنها نسخة من ديوان المتنبيء، وكتاب المُستجاد من فَعَلات الأجواد للقاضي أبي علي المحسّن التنوخي صاحب النِشْوار، والفَرَج بعد الشدَّة.
وكان بوُدي أن أعلّق من نسخة الديوان ما تمتاز به على سائر النُسَخ من الزيادات فأخذتُ في تقييده ولكن قلَّة الفراغ كان يثبّتُ من جأشي. إذ سألني صاحبها أن أصف له بعض ما يَهُمُّني شأنه من محتويات مكتبته فأبديتُ له بعض ذلك فوعد حفظه الله وَحرسَه عن نوائب الحدَثان بإِعارة النسخة مهما تهيَّأتُ للاستفادة وفَرَغتُ. فهذه نسخته لديَّ دالّةً على كرمه الذي وَرِثه كابرًا عن كابر، وأوصى به أوَّلهُم للآخر.
(2/96)

فاستخرتُ الله تعالى وجمعتُ منها فائتَ شعر المتنبيء وكله 25 قطعة وعارضته على ما عثرت عليه في دواوين الأدب لا سيما على ثلاث نسخ من الديوان: إحداها نسخة خزانة جامع بومباي التي وقفها صاحبنا العلامة الجليل الشيخ محمَّد يوسف كَتْكَتي الكَوْكني الشَّافعيّ أبقاه الله غُرَّةً في جبين الآداب، وهي ترتقي إلى القرن السادس الهجريّ، وأخرى بها حديثة الخط ليس فيها كبير فائدة، وأخرى رأيتها بخزانة حيدر آباد وقد كتبت سنة 1153 ه. ثم جمعتُ إلى هاتيك المقطوعات قطعات أخرى تُضاهيها في العِداد من مطاوي المجاميع الأدبية. فاجتمع لديَّ ولله الحمد ما يُناهز ديوان الحادرة الذِبْياني أو يَفْضل عليه ألبتَّة.
وغالبُ معوَّلي في الفائت على ما لم أجده في متن شرح العُكْبَريّ إذ هو المتداول بأيدي النَّاس ومتنه هو المبثوث في الشرق والغرب. والعناوين جُلُّها من (نش) إلَّا ما صُرّح فيه أنَّه من نسخة أخرى.

وهذا جَدْول العلامات
(نش) نسخة الشيخ حبيب الرَّحْمَن خان الشرواني وسنصفها.
(نب) نسخة خزانة جامع بومباي وأظنها كتبت في نحو المائة السادسة.
(نح) نسخة خزانة حيدر آباد المسماة الأصفية وهي حديثة الخط كنسخة أخرى بخزانة جامع بومباي.
(طك) طبعة كلكتة سنة 1257 ه وقد تقدّمتها طبعة أخرى بها سنة 1230 ه ولكن لم أعثر عليها. وأنا أجزم بأنهما شيء واحد.
(محبى) شرح فارسي مبني على المتن المذكور طبع بكلكتة سنة 1261 ه ولا يختلف عن المتن المذكور في شيء.
وجُلُّ هذا الشعر سخيف في مَناحٍ من أغراض الحياة معتادة وأحوالٍ في مجالس الرؤساء طارئة فلم يتمكن الرجل من إحكام نسيجه وتثقيف وشيجه. فأثرُ الفجاجة عليه واضح بادٍ, ولم يكن فيه كبير فائدة لمنقب مرتاد، إلَّا أني رأيت إثبات آثار الرجل لنُبوغه وكَتْبَ شعر الصبي ليبلّغنا إلى إدراكه وبلوغه. على أن بعضه يَهُمّ من جهة تأريخ الرّجل، ويدلّنا على البِيئة التي نشأ فيها وعاش فَكوّنتْه أَبا الطِّيب المتنبيء، أي ذلِك الشاعرَ الطائرَ الصِيت والجسور الإصليتَ. على أن فيه
(2/97)

مقطعاتٍ مستملحةً مستَطْرَفَة.
وأما استناد جلّه إلى أبي الطِّيب فأظنه ما لا يتطرق إليه أدنى ريبة فإن ما في نسخة الشِرْوانيّ كله منقول من المخطوط المنسوبة وأصحابُها آحاد الدهر وأقطاب العصر. وغيره يعتزي إلى الثعالبيّ أو إلى أبي على الحاتمي صاحب المُوْضِحة (انظر لها معجم الأدباء 504: 6 والصبح المنبيء للبديعي بهامش التبيان 1: 144 والوفيات 1: 510 وغيرها) في مساوي المتنبّئ الذي زار أَبا الطِّيب في منزله ببغداد ونعَى عليه سَرِقاتِه ونَدّد بها، أو إلى صاحب إيضاح المشكل وكأنه عاصر المتنبيءَ، أو إلى الصاحب العَميديّ في الإبانة عن سَرِقات المتنبيء لفظًا ومعنى المتوفي سنة 433 ه، أو إلى من يُضاهيهم في قرب العهد، أو يتعلق من أبي الطِّيب بسبب الودّ.
على أن التاريخ حَفِظ لنا أنْ ليس الموجودُ في جُلّ النُسَخ كل شعر الرَّجل قال صاحب إيضاح المشكل (خزانة البغدادي 1: 383) أخبرني أبو الفتح عثمان بن جني أن المتنبيء أسقط من شعره الكثيرَ وبقي ما تداوله النَّاس اه. وقال الشيخ أبو العلاء المعري في مقدمة لزومه (1: 21 سنة 1323 ه) أن أَبا الطِّيب استعمل السين المكسورة دون المفتوحة والمضمومة والساكنة اه. مع أن له قصيدة على المفتوحة وهي (1):
هذِي بَرزتِ لنا فهجتِ رسيسا
وأبو العلاء الحُفَظة ليس ممن يُظنّ بمثله النسيان، فليس حُكمه هذا إلَّا على خلوّ نسخته عن هذه الكلمة. وورد في نسخة بومباي العتيقة في عنوان رائيّته في هجاء كافور التي ذكرناها في الزيادات هذه: أن له جُملة من الأشعار توجد مبعثرة في بعض النسخ دون سائرها. ويؤكده بيتان وجدتهما في إبانة الصاحب العميديّ والظاهر أنهما من قصيدتين عبثتْ بهما أيدي الضياع فلم نقف لهما على عين ولا أثر. وقال ابن نُباتة المصري في سَرْح العيون (بهامش الغيث سنة 1305 ه 1: 32): وله أشعار ولم تُدْخَلْ في ديوانه. ثم أورد بيتيه على اللام المنحولين. فهذا وأمثاله هو الذي حدا بي إلى جمع ما فات مخافة ضياعه.
__________
(1) ولعل المتنبيء أسقطها من الديوان لأن الممدوح بها وصله بعشرة دراهم (راجع معجم الأدباء: 204).
(2/98)

هذا وثبت بآخر شرح الواحدي طبعة بومباي (ص 357 سنة 1269 - 71 ه). دون طبعة برلين (سنة 1276 ه) "هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتّبه بنفسه وهو خمسة آلاف وأربعمائة وأربعة (كذا) وتسعون قافية" وهذا مُحال من القول ويدل عليه كلمة "أربعة" فإن كلمة القافية لو كانت في الأصل لكان يجب أن يقال "أربع" بالتذكير فلعل الأصل "بيتًا" موضع قافية. وهو يَقْرُب ما وجدتُه على وجه إحدى نسخَتي بومباي، ونصه "شعر المتنبيء، خمسة آلاف وأربعمائة وثمانية وسبعون بيتًا. قوله في الصبي وما والاه ألفان ومائتان وأربعة وستون بيتًا. وشعره في بني حَمْدان أَلْف وثمانمائة وخمسة وثمانون بيتًا. وشعره بعد مفارقة سيف الدولة أَلْف وثلاثمائة وتسعة وعشرون بيتًا" اه وهذا هو الصواب الذي لا مَحيد عنه.
ونسب الثعالبيّ (1) -ومنزلته من الأدب والنقد وسعة الرواية ما هو معلوم- هذين البيتين الفَذَّين إلى أبي الطيّب:
أفيكم فَتى حيٌّ فيخبرني عني ... بما شَرِبت مشروبةُ الراح من ذهني
(اليتيمة 1: 103 و 124).
ألا إن الندى أضحى أميرًا ... على مال الأمير أبي الحسين
وهما لأبي تمّام ويوجدان في ديوانه (طبعة بيروت سنة 1889 م ص 352 و 287).
ورُوي للمتنبيء نثر لطيف (الوفيات 1: 36 وسرح العيون 1: 32) وهو -وقد مرض بمصر فعاده بعض أصحابه مرارًا ثم انقطع عنه بعد ما شفي- "وصلتني وصلك الله معتلًا، وهجرتَني مُبتلًا (وبليلا تصحيف) فإن رأيت أن لا تحبّب العلَّةَ إليّ، ولا تكدِّر الصحَّةَ عليَّ، فعلتَ إن شاء الله".
وروى البديعيّ (1: 418) عن ياقوت قال: كان المتنبيء يومًا جالسًا بواسطَ فدخل عليه بعض النَّاس فقال أريد أن تجيز لنا هذا البيت:
زارنا في الظلام يطلب سِتْرا ... فافتضحنا بنوره في الظلام
فرفع رأسه وكان ابنه المُحَسَّد واقفًا بين يديه فقال يَا محمَّد [قد جاءك بالشمال فأتِه باليمين فقال المحسَّد ارتجالًا].
__________
(1) وقال ابن خلكان أن الثعالبي قد نسب أشياء إلى غير أهلها. انظر الوفيات سنة 1310 ه 1: 308.
(2/99)

فالتجأنا إلى حَنادس شَعْر ... سترتْنا عن أعيُن اللوّام
ومعنى قول المتنبيء لولده: جاءك بالشمال فأته باليمين أي أن اليسرى لا يتم بها عمل وباليمين تتمّ الأعمال. ومراده أن المعنى يحتمل الزيادة فأوردها (كذا) اه.
وهذه صفة المخطوط المثبتَة بآخر (نش) كما هي وهي خطوط الأمّ المنقول سنة 615 ه وخطوط أمّهاتها وجُلُّها نُسخت في القرن الرابع قرن المتنبيء وكل أصحابها أصحابُ المتنبيء:
تم شعر أبي الطِّيب بزياداته والحمد لله كما هو أهلُه
نقلتُ هذا الديوان من نسختين: إحداهما (1) بخط رجاء بن الحسن بن المَرْزبان وقد صُحّحت (1) على عدة أصول إحداها مقروأة على أبي الطِّيب ومقروأةٌ أَيضًا على ابن جني وفيها تصحيحاته بخطّ يده. والأخرى (2) (2) على كلّ قصيدة ومقطوعة منها خط المتنبيء صح. وقابلت بها ثلاثة أصول بعد مقابلتي بها الأصلين المنقول منهما. (أ) أحد الأصول الثلاثة بخط علي (3) بن عبد الرَّحِيم السُلَمي الرَقيّ وهي منقولة من خط الأرْزَنيّ (4). وكان في أول نسخة الأرزني بخطه "قال عليّ بن حمزة البَصْرِيّ (5) سأَلتُ أَبا الطِّيب أَحْمد بن الحسين المتنبيء عن مولده فقال وُلدتُ بالكوفة في كِنْدةَ سنة ثلاث وثلثمائة وهذا على جهة التقريب لا التحقيق ونشأتُ بالبادية والشَّام. قال وقال أبو الطِّيب الشعر صَبيًّا فمن أول قوله في الصِبا: أبلى الهوى أسفًا (البيت) ".
__________
(1) نسخة ابن المرزبان.
(2) هذا ظاهره وهو مستبعد أن البزَّاز وقف على نسخة المتنئ.
(3) المعروف بابن العصار تلميذ الجواليقي وتخرج عليه العكبري وكان عارفًا بديوان المتنبي ومات سنة 576 ه (الأدباء 5: 247، والبغية 341).
(4) هو أبو محمَّد يحيى بن محمَّد بن عبد الله الأرزني شاعر متأدب مليح الخط هكذا قاله ابن ماكولا. وذكره ابن الحجاج في شعره فقال:
مثبتة في دفتري ... بخط يحيى الأرزني
كذا ذكر السمعاني وياقوت. وترجم له ياقوت في الأدباء 7: 291 قال: ومات سنة 415 ه.
(5) الجهبذ النقاد صاحب كتاب (التنبيهات على أغاليط الرواة) وراوية المتنبيء نزل عليه المتنبيء ببغداد تُوفِّي بصقلية سنة 375 ه (الأدباء 5: 203 والبغية 203).
(2/100)

وقد عارض الرقّي بنسخته عدّة أصول إحداها نسخة علي بن الساربان (1) الكاتب (ب) والأصل الثاني المعارض به نسخة الشيخ تاج الدين الكِنْديّ (2) بخط ابن جَرير المصريّ وقد اعتنى بتصحيحها عناية لا تُحْكَى وصَحّح على كل موضع مشكل فيها وعلى كل موضع اختلفت الرواية فيه (ج) والأصل الثالث نسخة عليها عدة طبقات سماع منقولة من خط الرَبَعي (3). وبذلت الوُسْعَ في ذلك فصَحّت بحمد الله ومَنّه.
وكتب عبد العزيز بن عبد الرَّحْمَن بن مكيّ البزَّاز البغداديّ بمدينة دمشق حرسها الله تعالى في شهور سنة خمس عشرة وستمائة حامدًا لله على نعمه ومصلّيًا على رسوله محمَّد وآله وصحبه ومسلِّمًا.
وكان في آخر نسخة الرَقّيّ حكايةُ ما كان مكتوبًا في آخر نسخة السماع ما صورته وحكايته.
وكان في آخر نسخة عليّ بن عيسى الرَبَعيّ الذي (كذا) عارضت به هذه النسخة بخطّه أني قابلتُ به خمس عشرة نسخة وعوّلتُ على كتاب ابن حمزة لأنه وافَقَ حِفْظي من بينها. وذكر عليّ بن حمزة أن القصيدة الكافيّة آخر قصيدة قالها أبو الطِّيب. قال وكتبتُها والذي قبلها (4) منه بواسط يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسار عنها فقُتل بنَبْزَعَ (5) قتله بنو أسد وابنَه واحد غلمانه (6) وأخذوا ماله يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه. والذي تولّى قتله منهم فاتك بن
__________
(1) هو أبو الحسن علي بن أَيُّوب بن الساربان الكاتب القمي الذي روي عن المتنبي بيتيه الآتيين على القاف. ترجم له ابن حجر في اللسان 4: 207. ومولده سنة 347 ووفاته سنة 435 ه.
(2) هو الإمام زيد بن الحسن أبو اليمن (بالضم) النحوي اللغوي الراوية المقرئ المحدث الحافظ صاحب الحواشي على ديوان المتنبيء تُوفِّي سنة 613 ومولده 520 ه الوفيات 1: 196 والبغية 249.
(3) النحوي خليفة أبي علي الفارسيّ المتوفي سنة 420 ه عن نيف وتسعين سنة وله كتاب في الرد على ابن جني سماه التنبيه- نزهة 404 والأدباء 5: 283.
(4) يريد قوله ما أجدر الأيام والليالي وهي طردية. وهي قبل الكافية في النسخ المرتبة على السنين دون نش لأنها على الحروف.
(5) هذا الموضع أهمله البكري وياقوت في معجميهما. وفي الوفيات إن مقتله بالصافية قرب النعمانية كما سيأتي هنا أَيضًا ومثله في النزهة وعند البديعي عن الخالديين بضيعة تقرب من دير العاقول.
(6) وهو المسمى مفلحًا.
(2/101)

[أبي] الجهل بن فراس بن بَداد (1) وكان من قوله "قبحًا لهذه اللحية يَا سَبّابَ" وذلك إن فاتكا هذا قرابة الضبّة بن يزيد العُتْبي الذي هجاه المتنبي بقوله: ما أنصف القوم ضبه. وهي من سخيف شعره فكان سبب قتله وذهب دمه فِرْغا (2). قال وفي نسخة أخرى أنَّه سار من حضرة عضد الدولة ومعه خيل مختارة ومطايا منتخبة مُوْقرَة بالعين والوَرِق وفاخرة الكِسَى وطرائف (3) التُحَف وغرائب الألطاف يُغِدّ (4) السير بنفسه وعَبيدِه وعين أعدائه ترمقُهُ وأخباره إلى كل بلدة تسبقه حتَّى إذا كان بجبال الصافية (5) من الجانب الغربي من سواد بغداد عرض له فاتك ابن أبي الجهل الأسدي في عِدّة من أصحابه فاغتاله هناك وقتله وابنه محسدًا وغلامًا له يدْعى مُفْلِحًا وأخذ جميع ما كان له معه لستّ ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
ووجدتُ في أول نسخة عليّ بن عيسى أنَّه وُلد أبو الطِّيب أَحْمد بن الحسين المتنبيء بالكوفة في كِنْدة سنة ثلاث وثلاثمائة على التقريب لا على التحقيق ونشأ بالشَّام والبادية وقال الشعر في صباه. فمن أول قوله مما نُسخ من نسخته وقرأتُ (6) عليه: أبلى الهوى أسفًا .. وذكر بعده. قال وقد مرّ برجلين قد قتلا جُرَذًا وأبرزاه يُعجبان النَّاس من كبَره فقال لهما: لقد أصبح الجرذ ... العَطَبْ .. الأربعةَ الأبياتَ- ولم يكن علي بن عيسى يروي هذه القطعة. ووجد في آخِرة النسخة لست أدري بخط من هو (الخبر مع الأربعة الأبيات مذكور في قافية الدال) وأنا أستغفر الله عَزَّ وَجَلَّ من جميع السقط في هذا الديوان وأُنيب إلى الله سبحانه وتعالى والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
قد تم هذا الديوان في صبيحة الأحد من الأسبوع الأول من العشر الأول من الشهر الرابع من السنة السادسة من العشر الثامن من المائة الثالثة من الألف الثاني من
__________
(1) في الأصل برار والإصلاح من الصبح المتنبي 1: 229.
(2) في الأصل فرعا مصحفًا.
(3) الأصل ظرائف.
(4) في الأصل يفذ مصحفًا.
(5) بلفظ ضد الكدرة.
(6) كذا.
(2/102)

الهجرة النبوية المصطفويّة في أرض الغَرِيّ (1) على مشرفها آلاف التحيّة والسلام بيد العبد الآثم محمَّد صالح بن محمَّد قاسم الخُرَاسَانِيّ اللهمَّ اغفر له ولوالديه وارحمهما كما ربَّياه صغيرًا - اه.
ولعل مراده والله أعلم سابع ربيع الآخر سنة 1286 ه وهذا الرَّجل هو الذي صحّف النسخة لعجميته وإلا فالأصل كان من التصحيح بمكان لا يجارى - وقد صحّحت مهما تيسّر لي وأعوذ بالله من خلل البيان وذلل اللسان.
غرة ربيع الآخر سنة 1344 ه وأكتوبر سنة 1925 م
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
الأستاذ بالكلية الشَّرقية في لاهور الهند
كرمه الله
* * *

الباء
(1)
نش 62 والبديعي 1: 35.
وقال أَيضًا رواه ابن الزمقدم (2) عنه (بعد قوله لحى الله وردانا وأُمّا أتت به. زاد البديعي خبر الاعتقال ويأتي في الفاء).
بيديّ (3) أيها الأمير الأريبُ ... لا لشيء إلَّا لأنّي غريبُ
أو لأُمّ لها إذا ذكرتْني ... دمُ قلب بدمع عينٍ مشوب
إن أكن قبل أن رأيتُك أخطأ ... تُ فإِنّي على يَديك أتوب
عائب عابَني لديك ومنه (4) ... خُلقتْ في ذوي العيوب العيوب
__________
(1) في الأصل الغري (بتسكين الراء) مصحفًا وهو كغني طربال كالصومعة بظاهر الكوفة قرب مشهد علي كرمه الله وهو معتكف الشيمة وبه صنف الرضى شرح الكافية له. وهما في الأصل غريان ولهما خبر طريف.
(2) لعله الذي دعاه أبو الفداء (2: 152 سنة 1325) بابن الزمكدم الموصلي وكان حيا سنة 401 ه.
(3) أي خذ بيدي.
(4) أي الواشي هو الذي اختلق عيوبًا اتهمني بها.
(2/103)

(2)
نش 53، وطك 53، ومحبي 92 بعد (مُنَى كنّ لي أن البياض خضاب) والوساطة (125 غير الثاني) والواحدي (برلين 704 وبومباي 315) بعد (الأكل ماشية الخيزلي) ولكن العكبريّ أغفل عنه كسائر نسخ المتن غير طك ونش.
وقال يهجو كافورا:
وأسودَ أمَّا القلب منه فضيّقٌ ... نخيبٌ (1) وأمّا بطنه فرحيب
أعدتُ على مَخْصاه (2) ثم تركتُه ... يُتبِّع منّي الشَّمس وهْي تغيب
يموت به غيظًا على الدهر أهلُهُ ... كما مات غيظًا فاتك (3) وشَبيب (4)
إذا ما عَدِمتَ الأصلَ والعقل والندى ... فما لحياة في جنابك طِيب
(3)
روى السيوطي في تحفة المُجالس (مصر سنة 1326 ه ص 3) له بيتين ولستُ أجزم بكونهما له فالعُهدة عليه-.
خيرُ المُحادث والجليسِ كتابُ ... تخلو به إن مَلَّكَ الأصحاب
لا مُفشِيًا سرّا إذا استَودعتَه ... وتُنال منه حكمةٌ وصواب
__________
(1) الجبان كان نخبة قلبه وهو سويداؤه مصاب.
(2) خصيته بالهجاء ثانية ولم يدركني لما أفلت.
(3) الرومي الكبير المعروف بالمجنون أخذ من الروم صغيرًا قرب حصن يعرف بذي كلاع فتعلم الخط بفلسطين وهو ممن أخذه ابن طغج بالرملة غصبا من سيده. فحصل في أيديهم حرًّا في عدة المماليك كريم النفس بعيد الهمة. وكان في أيام الأسود بالفيوم من أعمال مصر وهو بلد كثير الأمراض وكان الأسود يخافه ويكرمه فزعًا وفي نفسه منه ما في نفسه فاستحكمت العلة في بدنه ودخل إلى مصر للتداوي فكان يراسل أَبا الطِّيب بالسلام ولا يمكنه الاجتماع معه ثم اجتمعا في الصحراء فأرسل إلى أبي الطِّيب هدية خطيرة قيمتها أَلْف مثقال فقال: "لا خيل عندك تهديها ولا مال" ثم أنَّه مات فرثاه بعينيته الطنانة الحزن يقلق ... القصيدة.
(4) هو ابن جرير العقيلي وكان الأستاذ اصطنعه وولاه عمان والبلقاء وما يليهما فعَلت منزلته واشتدت شوكته وكثرت العرب حوله وطمع في الأسود فسولت له نفسه أخذ دمشق فسار إليها في عشرة آلاف فارس فقاتله سلطانها وأهلها واختلف في قتله ولم يصح لأحد كيف قتل وانهزم أصحابه.
(2/104)

(4)
روى أبو علي الحاتميُّ وهو من علماء مجلس سيف الدولة المتوفي سنة 388 ه في الرسالة الحاتمية في موافقة شعر المتنبي لكلام أرسطاطاليس له:
والمرء من حَدَث الزمان كأنَّه ... عَوْدٌ (1) تداولَه الرُعاة ركوبا
غرض لكل منيَّة يرمَى بها ... حتَّى يصاب سواده منصوبا
وقال أرسطاطاليس نفوس الحيوان أغراض لحوادث الزمان.
(5)
نش 56 و 57 ونب (بعد لقد أصبح الجرذ- العَطَبْ).
وقال في معنى ما جرى عنده بمدينة السلام - (ولفظ نب وسأله رجل بمدينة السلام عن شعر أن منشدًا أنشد إياه فأنكره وقال):
في الصدق مندوحة عن الكَذِب ... والجِدُّ أولَى بنا من اللَعِب
(6)
نش 216 طك 59، محيي 102 بعد (ما أنصف القوم ضبّه) والواحدي في الطبعتين (برلين 60 وبومباي 30) ولكن العكبري أغفل عنه كسائر النسخ وقال في صباه لإِنسان قال له سلّمتُ عليك ولم تردّ علي السلامَ:
أنا عاتب لتعتُّبك ... متعجّب لتعجّبك
إذ كنتُ حين لقيتني ... متوجّعًا لِتَغَيُّبكْ (2)
فشُغلتُ عن ردّ السلا ... م وكان شغلي عنك بكْ
__________
(1) المسن من الإبل. وبدار الكتب في حيدر آباد نسخة من الحاتمية هذه رأيتها وأنا أستغرب من الحاتمي أن يؤلف على هذا المغزى شيئًا وهو المندد بسرقات المتنبيء والمنهي بها.
(2) وفي غير نش لنعتبك.
(2/105)

التاء
نش 66 قبل قافية الجيم.
وقال أَيضًا:
لي مَنْصِب (1) العرب البيض المصاليت ... ومنطقٌ صِيغَ من دُرّ وياقوت
وهِمَّةٌ صار دون العرش أسفلُها ... وصار ما تحته (2) في لُجّة أخوتِ
الحاء
(8)
نش 72 بعد كلمته (وطائرةٍ تتبعها المنايا -الجَناحِ- الكلمةَ).
وقال عندما ادُّعيت قصيدته الحائية التي قدّمنا ذكرَها - (يريد قوله جَلَلا كما بي فَلْيَكُ التبريحُ):
لِمْ لا يُغاث الشعر وهْو يَصيح ... ويرَى (3) مَنارُ الحق وهو يلوح
يا عُصبةً مخلوقةً من ظُلمة ... ضُمّوا جوانبكم فإنِّي يوح (4)
وإذا فشا طُغيانُ عادٍ فيكم ... فتأمّلوا وجهي فإنِّي الريح
يَا ناحتي (5) الأشعار من آباطهم ... فالشعر ينشد والصبا يفوح
أنا مَن علمتم بَصُبِصوا (6) فانْبَحُوا ... (7) فالكلب في إِثر (8) الهزبر يبوح
لكم الأمانُ من الهجاء فإنَّه (9) ... فِيمن به يُهْجَى الهجاءُ مديح
__________
(1) كالنصاب الأصل.
(2) الضمير يعود على أسفلها.
(3) أي لم لا يرى.
(4) بالياء المثناة من تحت من أسماء الشَّمس.
(5) كذا.
(6) حركوا أذنابكم كالكلاب.
(7) الأصل والله أعلم "أو فانبحوا" أو "ثم انبحوا".
(8) أي لا ينبح إلَّا في غيبوبة الأسد.
(9) مديح فيمن يهجي الهجاء به أي أن الهجاء يشينه ملابستكم فإنكم تصغرون عن الهجاء أَيضًا. وله في المعنى:
صغرت عن المديح فقلت أهجي ... كأنك ما صغرت عن الهجاء
(2/106)

ويدلكم تركانَ (1) توبى أنَّه ... من بعد سَرْق قصائدي مربوح
(9)
نش 72 بعد السابق.
وقال جوابًا عن أبيات أُنفذت إليه يُعاتبه على ذكر النبوءة (أقول لعلّ الصواب مُعاتبةً):
نار الذَرابة من لساني تنقدح (2) ... يغدو عليَّ من النُهَى ما لم يرُحْ
بحرٌ لو اغتُرِفتْ لطائم موجه ... بالأرض والسبع الطباق لما نُزح (3)
أمري إنِّي فإِن سَمَحْتُ بمُهْجة ... كرُمت عليّ فإِنّ مثلي من سَمَح
[وفي ترجمة المتنبي من كتاب إيضاح المشكل من شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الأصفهاني على ما في الخزانة 1: 382 أن الضَّبِّيّ هجاه.
فقال:
إلْزَمْ مَقال الشعر تَحْظَ بقُربة ... وعن النُبوّة لا أبا لكَ فانتزح
تَرْبَحْ دمًا قد كنتَ تُوْجِبُ سَفْكَه ... إن الممتَّعَ بالحياة لَمَنْ رَبِحْ
فأجابه المتنبيء امري إليّ البيتَ اه. أقول وهذا الضَّبِّيّ لعله هو الذي دعاه الضبّ في شعر لهُ على النُّون يأتي].
الدال
(10)
طك 90 ومحبّى 153 بعد البيت (ومن نَكَدِ الدنيا على الحُرّ أن يرى- بُدُّ).
فيا نكد الدنيا متى أَنْتَ مُقْصِرٌ ... عن الحُرّ حتّى لا يكون له ضِدُّ
تروح (4) وتغدو كارها لوصاله ... وتضطرّه الأيّام والزمن النكد
__________
(1) كذا.
(2) في الأصل يقدح، والذرابة الحدة. أي أن في عقله سعة فإن عزب عنه شيء منه بقي عنده منه طائفة.
(3) الأصل وما ثرح.
(4) أي يَا نكد الدنيا تروح أَنْتَ. على أن يريد بالنكد عين الدنيا وهو بعيد.
(2/107)

(11)
نش 125 بعد سيف الصدود على أعلى مقلّدِه الكلمة
وقال يهجو ابن حَيدرةَ:
قطعًا (1) فقدتَ من الزمان تليدا ... من كان عند وجوده مفقودا
غلب التبسُّمُ يوم مات تفجّعي ... وعذابَه [وَ] رأى الحِمامَ شديدًا (2)
يَا صاحب الجَدَث الذي شَمِل الورى ... بالجُود أن لو كان لؤمُكَ (3) جودا
قد كنت أنتنَ منكَ قبل دُخوله ... ريحًا وأكثر في الحياة صَديدا
وأذلَّ جُمْجُمَةً وأعيا مَنْطِقا ... وأقل معرفةً وأذوَى عُودًا
أسلمتَ لِحْيَتكَ الطويلةَ للبِلى ... وثويتَ لا أحدًا (4) ولا محمودا
ودَرَى الأطِبّةُ أن داءَك (5) قاتل ... حُمُقٌ - شِفاؤك كان منه بعيدًا
وفسادُ عقلك نال جسمك معذبا (6) ... ولَيُفْسِدنٌ ضريحَه والدُودا
قَسمتْ سِتاهُ بَنِيه ميرات آسْتِه ... من بعده فغدوا بقًا (7) سُودا
لو وَصّلوا ما استدخَلوا من فَيشة (8) ... في طولهم بلغوا السماءَ قُعودا
بُلِيَتْ بما يَجْدُوْنَ كُلُّ بخيلة ... حَسناءَ - كي لا تستطيع صُدودا (9)
أولادُ حيدرةَ الأصاغرُ أنفسًا ... ومناظرًا ومخابرًا وجُدودا
سُوْدٌ ولو بَهَرُوا النجومَ إضاءةً ... قُلٌّ ولو كَثَروا التُّرابَ عديدا
شيء كلا شيء لو أنّك منهمُ ... في جَحْفل لَجِبٍ لكنتَ وحيدا
أسرِفْ لو أنّك صادق في شَتْمِهم ... في كلّ شيء ما خلا التوحيدا
__________
(1) كذا ولم أهتد لوجه صوابه.
(2) الأصل: سديدًا.
(3) في الأصل لومك.
(4) لا إنسانًا يقال له أحد.
(5) له في المعنى:
قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم ... هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
(6) الأصل معذبًا.
(7) كذا ولعل الأصل بغايا.
(8) الأصل فبعثه.
(9) امتنعت الحسناء من الصدود لظنها أن الرجال يستغنون بهم عنها. وجدا عليه يجدو أعطاه.
(2/108)

(12)
نش 126 بعد قوله الآتي أحاول منك تليينَ الحديد.
وله من قصيدة لم يَخْرُج أوَّلُها:
أبى الرحمنُ إلَّا أن أسودا ... وحيث حَلَلْتُ لم أَعْدَمْ حَسُودا
يقول فيها:
أُفَكِّر في ادّعائهمُ قُريشًا ... وتَرْكِهمُ النصارى واليهودا
وكيف تَكاوَنُوا (1) من غير شيء ... وكيف تَناوَلوا الغَرَضَ البعيدا
أما من كاتب في الناس (2) يأخُذْ ... ضِياعَهمُ ويُشْبِعْهُمْ ثريدا
ومَنْ يَحْمِي قُرونَهمُ بنار ... ويَجعلها لأرجلُهم قُيودا
كذبتم ليس للعبَّاس نَسْلٌ ... لأن الناس لا تَلِدُ القُرودا
أتُكْذِب فيكم الثقلين طُرا ... ونَقْبَلكم لأنفُسكم شُهودا
أتاني عن أُبَيَ (3) الفَضْل قول ... جعلتُ جوابَه عنه القصيدا
وآنَفُ أن أُجازيَه ولكن ... رأيتُ الحِلْمَ لا يَزَعُ العَبيدا
(13)
وبآخر طبعة الواحدي ببرلين سنة 1276 ه ص 875 - وفي صلب طبعة بومباي 110 بزيادة ثلاثة أبيات أحطناها بالمعكَّفين وهي كلها غير مشروحة وله في سيف الدولة وكان قد أمر بخَيمة فصُنعت له فلما فرغ منها نَصَبَها لينظُرَ إليها وكان على الرحيل إلى العدو فهبت ريح شديدة فسقطت فتشاءم بذلك ودخل الدار واحتجب عن الناس- فدخل عليه المتنبيء بعد ثلاثة أيام فأنشده:
يا سيف دولةِ دين الله دُم أبدًا ... وعِش برَغم الأعادي عِيشَةً رَغَدا
هل أذهَلَ الناسَ إلا خيمة سقطت ... من المهابة (4) حتى ألقتِ العَمدا
__________
(1) تكونوا ولكني لم أجده في المعاجم.
(2) ليس همهم إلا البطن فمالهم ولا صلاح الضياع فليت بعض الكتاب استلم عنهم أمرها.
(3) الأصل أبي. ومثله في التصغير له:
وقيد أبي الطيب الكلب مالكم ... فطنتم إلى الدعوى وما لكم عقل
(4) من عند بعض العصريين وفي نش المكارم ولعله مصحف المكاره.
(2/109)

[لما رأت أنها تعلو عليك وقد ... أضاء نورك في الأفاق والبلد (1)]
خرَّت لوجهك نحو الأرض ساجدةً ... كما يَخِرَّ لوجه الله مَن سَجدا
[... (2) ولو أن رب العرش أنطقها ... ونحن نسألها قالت لنا سَدَدًا
هذا الأمير الذي لا شيء يشبهه ... وما رأى ناظر شِبْهًا له أبدا]
قال فسُرّي عنه واستَبْشر بذلك ورحل نحو العدو فأظفره الله.
(14)
نش 126 ونح. بعد قوله قطعًا فقدت من الزمان تليدا.
وقال في أبي دُلَفَ [نح وكتب إلى أبي دُلَفَ (3) ابنِ كُنْداجَ وقد وجد علَّةً.
ليس العليلُ حُمَّاه في الجَسَد ... مثلَ العليل الذي حُمَّاه في الكبِد
أقسمتُ ما قتل الحُمَّى (4) هوى مَلِك ... قبلَ الأمير ولا اشتاقت إلى أحد
فلا تَلُمْها رأت شيئًا فأعجَبَها ... فعاودتْك ولو مَلتك لم تعد
أليس من مِحَن الدنيا أبا دُلَفٍ ... ألا أزورَك (5) والرُوْحان في بَلَد
(وفي نح من عَجَب الدنيا).
(15)
نش 126 بعد السابق -
وقال مُجيبًا مقتضيًا:
أحاول منك تليينَ الحديد ... واقتبس الوصال من الصدود
__________
(1) كذا، وهو خال من تصحيف قريب.
(2) لعل الأصل خرت ولو أن الخ.
(3) هو سبحان الوالي الذي مدحه المتنبيء بقوله:
أيا خدد الله ورد الخدود
وكان أبو دلف أهدى إلى أبي الطيب هدية وكان بلغه عنه قبل ذلك أنه عند السلطان الذي اعتقله وكتب إليه من السجن: أهون بطول الثواء والتلف (الأربعة الأبيات) نش من عنوان الأبيات الفائية. وظني أن هذه الأبيات الدالية فيه بعد أن تحقق عند أبي الطيب أنه برّأه مما نبز به.
(4) كل من يرى الأمير يفتتن حتى الحمى.
(5) لأني في السجن.
(2/110)

أخيَرَ جَديلةٍ (1) أخلفتَ ظني ... كأنك لسْتَ طائيَ الجُدود
فعجِّلْها أكنْ قارون إِمَّا ... جَعَلتُ جُنوبها (2) عَدَدُ الوُعود
(16)
نش في أثناء المخطوط المثبتة بآخر النسخة ص 418 كما مر.
ووُجد في آخرة النسخة أيضًا لستُ أدري بخط من هو. وله عند اجتيازه برامَ هُرْمُزَ إلى أبي الفضل عبد الرحمن بن الحسين (3) الغَنْدجانيٌ جوابٌ عن كتاب:
لئن حُمَّ (4) بعد النأي قُرْبي ولم أجد ... من الوصل ما يشفي الفؤادَ من الوجد
ولم تكتحِل عيناي منك بنظرة ... يعود بها نحس الفراق إلى سعد
فلسي لحظات في الفؤاد بمُقلة ... من الشوق تُدنيكم كأنكمو عندي
إذا هاج ما في القلب للقلب وَحْشَةٌ ... فَزِعتُ (5) إلى أمر التذكر من بعد
(17)
نش 156، ونح، وطك 141، ومحبي 241 - (نش بعد قوله بادٍ هواك صبرتَ أم لم تصبرا. وطك ومحبي بعد بقية قوم آذنوا ببوَارِ).
وكان مع الأمير (6) فأخذه عندما سار معه إليها (؟ المطر) قدام المطر والريح وسقطت الخِيَمُ فقال ولم ينشدها أحد [ا]، فلما مات ألحقناها بديوانه مع ما قال وهي هذه الأبيات. (نح. وقال أيضًا وقد كثر المطر بآمِدَ وهبَّت ريحٌ شديدة قلبت الخِيَم).
__________
(1) أي يا من هو خير جديلة وهي اسم لعدة قبائل منها بطن من طيء من القحطانية، وجديلة أمهم وهي بنت سبيع بن عمرو من حمير.
(2) كذا وهو مصحف لا محالة ولعل الأصل جعلت جنودها. أي لو نظرت التي وعودك الخالية فإنها لا تقل عن خزائن قارون عديدًا.
(3) وترجم السمعاني لأبي الفضل عبد الرحمن ابن مهدي الغند جاني فانظر هل ما هنا تصحيف.
(4) الأصل لا من قربا.
(5) الأصل فرعت فلعله فرغت أو فرغت من قوله تعالى {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ}.
(6) لعل كلمة "بآمد" سقط من هنا.
(2/111)

أآمِدُ هل ألمٌ (1) بكِ النهارُ ... قديمًا أو أُثير بكِ الغُبارُ
إذا ما الأرض كانت فيك ماءً ... فأين بها لغَرْقاكِ القَرارُ
تغضَّبت الشُموسُ بها علينا ... وماجتْ فوق أرؤسنا البحار
حَنينَ (2) البُخْت وَدَّعها حجيجٌ ... كأنٌ خِيامَنا لهمُ جِمار
(في نش وطك ومحبي حِمارُ. وفي نح خِمار وكلاهما تصحيف والعجيب من محبي حيث ترك الترجمة مخافة الغلط ولكن أثبت البيت. والصواب جِمار جمع الجَمْرَة).
فلا حَيَّ الإلهُ ديار بكر ... ولا رَوَّى مَزارعَها القِطار
بلادٌ لاسمينٌ من رَعاها ... ولا حَسَنٌ بأهْلِيها اليَسار
إذا لُبس الدُروعُ ليوم بُؤْس ... فأحسنُ ما لَبِستَ بها الفِرارُ
(وفي نش ليوم حرب وما لبستَ لها).
(18)
وجرى في مجلسه بمدينة السلام ذكرُ مسيره في كلّ وقت ولقائِه القِتال والطِرادَ فقال له أبو إسحاق ابن البازيار: يا أبا الطيب إني أشفق عليك مما قيل:
أخاف عليك من رمح وسيف ... طويلُ العمر بينهما قصيرُ
فقال أبو الطيب:
فإن أغمدتَ ذا وكسرتَ هذا ... فإن كثيرَ ما تُبْقي يَسيرُ (3)
(19)
البديعي 1: 99، وطك 142 بعد قوله: إذا ما كنت مغتربًا فجاور الآتي ومحبي 242 ونب الخبر مع المطلع فقط، ونح الخبر فقط.
قال البديعي ووجدتُ له قصيدتين في هجاء كافور ومدح سيف الدولة ونقلتُهما
__________
(1) نسينا عهد الغبار والصحو يواصل المطر والغيم.
(2) مصدر من غير لفظ ماجه.
(3) أي إنك لا تبقى بإهمالك أدوات الحرب أيضًا.
(2/112)

من خط أبي منصور الثعالبي وقال أنهما وُجدتا في رحله لما قتل وعملهما بواسط (وهما هذه والعينيَّة الآتية). وفي نح وقال يهجوه (كافورًا) أيضًا وأنفذها من بغداد سنة 354 ه وهي ثلاثون بيتًا (ولم يذكرها. والموجود عندنا 36 بيتًا) وفي نب وقال عند مسيره من بغداد يريد أرَّجان وكتب بها من هناك التي سيف الدولة ولم يُمْهِلها على أحد ووُجدت بواسطَ بعد خروجه فانتسخت وقيل إنها منحولة وقد تركنا كتْبَها هنا وأشباهًا مفردةً في جملة شعر ذُكر أنه له ولم يوجد في كثير من نسخ ديوانه وأولها: أفيقا البيت اه.
أفيقا خُمارُ الهمّ تَغصني (1) الخمرا ... وسُكري من الأيام جنبني السكرا
تَسُرّ خليليَّ المُدامةُ والذي ... بقلبي يأبى أن أسَر كما سُرّا
لبستُ صروفَ الدهر أخشن ملبس ... فَعَرّقنني نابَا ومَزّقنني ظُفْرا
وفي كل لحظ لي ومَسْمَعِ نغمة ... يلاحظني شَزْرا ويوْسِعني هُجْرا
سَدِكْتُ بصرف الدهر طفلا ويافعًا ... فأفنيتهُ عزمًا ولم يُفنني صبرا
أريد من الأيام ما لا يريده ... سِوايَ ولا يَجري بخاطره فِكرا
وأسألها ما استحق قضاءه ... وما أنا ممن رام حاجته قَسْرا (2)
ولي كَبِدٌ (3) من رأي همتها النوَى ... فتُرْكِبني من عزمها المركب الوَعْرا
تروق بني الدنيا عجائبُها -ولي ... فؤادٌ (4) ببيض الهند- لا بيضها - مُغرى
[أخو هِمَمٍ رَحَّالةٌ لا تزال بي ... نَوَى تقطع البيداء أو أقطع العمرا]
ومن كان عزمي بين جنبيه حَثَّه ... وصيّر (5) طولَ الأرض في عينه شبرا
صَحِبتُ ملوك الأرض مغتبِطًا بهم ... وفارقتُهم ملآنَ من حَنق (6) صدرا
ولما رأيت العبد للحُر مالكا ... أبَيتُ إباء الحُر مُسْترزِقا حُرا
ومصرٌ لعمري أهلُ كل عجيبة ... ولا مثلَ ذا المخصيٌ أُعجوبةً نُكْرا
__________
(1) ويروى بغضن.
(2) ويروى بسرا أي عبوسًا.
(3) عند البديعي همة.
(4) فؤادي مُغْرى ببيض الهند لا بيض نسائها.
(5) ويروى خيل.
(6) ويروى شنف.
(2/113)

يُعَدُّ إذا عُدَّ العجائب أولًا ... كما يُبتدَى في العد بالإصبع الصغرى
فيا هَرَمَ (1) الدنيا ويا عبرة الورى ... ويا أيها المخصيّ من أَمُّك البَظرا
نوَيبية (2) لم تدر أن بُنَيهَا الن ... وَيبيَّ دون الله يُعْبَدَ في مصرا
وَيستخدم البيض الكواعب كالدُمى ... وَرُوْمَ العبيد (3) والغطارفة الغُرَّا
قضاء من الله العلي أراده ... ألا ربما كانت إرادته شَرا
ولله آيات وليست (4) كهذه ... أظُنُّكَ يا كافور آيته الكبرى
لعمرك ما دهر به أنت طيبٌ ... أيحسبني ذا الدهر أحسبه دهرًا
وأكفر يا كافور حين تلوح لي ... ففارقتُ مذ فارقتك الشرك والكفرا
عثرت بسيري نحو مصر فلا لَعًا (5) ... بها ولعًا بالسير عنها ولا عَثْرا
وفارقت خير الناس قاصدَ شرهم ... وأكرمَهم طُرا لِألأمِهم طُرَّا
فعاقبني المخصيُّ بالغدرِ جازيا ... لأن رحيلي كان عن حَلَب غَدْرا
وما كنتُ إلَّا فائلَ الرأي لم أُعَنْ ... بحزم ولا استصحبتُ في وجهتي حجْرا (6)
وقَدَّرني الخنزيرُ أني هجوتُه ... ولو عَلِموا قد كان يُهْجى بما يُطْرَى
(كذا في الأصول وأصلحه بعض أهل العصر إلي وقد أريَ الخنزير).
جَسَرتُ على دهياءِ مصرَ ففتُّها ... ولم يكن الدهياءَ (7) إلا من استجرا
سأجلبُها (8) أشباه ما حَمَلَتْه من ... أسنَّتها خرْدًا مقسطلةً غُبْرا
(من طك وعند البديعي خُزْرا موضع جُرْدا).
وأُطْلعُ بِيضا كالشموس مُظِلّةً ... إذا طَلعت بِيضا وإن غَرَبت حُمرا
__________
(1) يريد أحد أهرام مصر لأنه احدى العجائب يزار على ثنائي الديار.
(2) مصغر نوبية.
(3) ويروى العبدي.
(4) الأصل ليس والصواب لسن ويروى ليست.
(5) كلمة تقال للعاثر لينتعش أي أن عثرت بمصر فلا أنعش وإن سرت عنها فلا عثرت حتى أنعش بلما.
(6) عقلًا.
(7) أي كنت أنا الداهية حيث فت الداهية كافورًا بجراحي.
(8) الخيول وإن لم يجر لها ذكر- أي سأجلب الخيول وهي جرد ماضية كالأسنة التي حملتها - ويروى موضع جردا شزرا. ومقسطلة مغبرة اختلقه من القسطل وهو الغبار وهذه الخيول هي التي كان صاحبنا يحلم بها في اليقظة كما قال: فإنما يقظات العين كالحلم.
(2/114)

(من طك وعند البديعي مُطِلّة وكلاهما متجهٌ).
فإن بلغت نفسي المُنَى فبعزمها ... وإلا فقد أبلغتُ في حرصها (1) عُذْرا
(20)
الإبانة للعميدي 17 - (والظاهر أن البيت من قصيدة تلفت).
إن أيَّامنا (2) دهور إذا غب ... تَ وساعاتِنا القصارَ شهورُ
(21)
طك 142 ومحبي 242 قبل الكلمة المارة وبعد بَسيطةُ مَهْلًا سقيت القطارا.
إذا ما كنتَ مغتربًا فجاورْ ... بني هَرِمِ بن قُطْبةَ (3) أو دِثارًا
إذا جاورتَ أدنى مازنيّ ... فقد ألزمتَ أفضلَها الجوارا
(22)
نش 159 - بآخر قافية الراء.
وله يهجو ابن كَيغَلَغَ (4).
ألا لا خلقَ أشجعُ من حسين ... وأطعَنُ بالقنا منه النُّحورا
يَفر من الرماح إذا التقينا ... ويَبْلعها إذا كانت أُيورا
والبيتان يوجدان في نسخة الخطيب (5) أيضًا ص 141.
__________
(1) كذا والأولى نصحها.
(2) قال العميدي هو مأخوذ من قول أبي تمام:
أعوام وصل كاد ينسي طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
الثلاثة الأبيات
(3) ويقال ابني قطنة الفزاري صحابي وهو الذي ثبت عيينة بن حصن وقت الردة. وهو ككثف. عند الميداني قطبة (1: 196 - 150 - 204 - من طبعاته الثلاث) وعند العسكري في الجمهرة (106 - و 1: 270 من الطبعتين) قطنة.
(4) وله ثلاث قطعات في هجو ابن كيغلغ ورد اسمه في عنوانها إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ وفي الأبيات إسحاق فقط وهي قافية ولامية وميمية.
(5) هي نسخة مخطوطة بعث بها إليّ صديقي محب الدين الخطيب من القاهرة بعد أن بلغنا بالطبع إلى هذا الموضع وسأذكر في آخر الكتاب شيئًا عنها واستدرك ما فاتنا الإشارة إليه مما يتعلق بالقطع المطبوعة قبل الاطلاع على هذه النسخة.
(2/115)

(23)
روى بعضهم عن بعض أهل الأدب.
أن المتنبيء التقى في بعض منازل سفره بعبد أسود قبيح المنظر فقال له ما اسمك يا رجل؟ فقال زيتون. فقال المتنبيء يداعبه:
سَمَّوْك زيتونًا وما أنصفوا ... لو أنصفوا سَمَّوْك زُعرورًا (1)
لأن في الزيتون زيتًا يُضيْ ... وأنت لا زيتًا ولا نورًا
(24)
نش 159 بعد (أآمدهل) المارّ وقيل (ألا لا خلق) المارّ.
وله في بستان المُنْية بمصر وقد وقعت حيطانه من النِيل (وفي أخرى السَيل):
ذي الأرضُ عما أتاها الأمسِ غانيةٌ ... وغيرها كان محتاجًا إلى المطر
شَق النباتَ من البُستان رَيِّقُه ... مُحْيَّ به جارُه الميدانُ بالشجر
(وفي أخرى: مْحَيِّيًا جارَهُ الميدان).
كأنما مُطرت فيه صوالجةٌ ... تُطَرِّح السِدْرَ فيه موضعَ الأكر (2)
والثلاثة الأبيات توجد في نسخة الخطيب أيضًا ص 141.
(25)
بعض العصريين:
قال في مُعاذ الصيداني يُعاتبه:
أفاعلٌ بي فِعَال المُوكَس (3) الزاري ... ونحن نُسأل فيما كان من عار
قال لي بحُرمة مَن (4) ضيعتَ حُرمته ... أكان قَدْرُك ذا أم كان مِقداري
لا عشْتُ إن رضيت نفسي ولا رَكِبتْ ... رِجل سعيتُ بها في مثل دينار (5)
__________
(1) ر شجر معروف.
(2) شبه الأغصان المتدلية بالصوالجة في التعكف وتمر النبق بالكرات.
(3) على زنة المفعول الخاسر في تجارته.
(4) يريد نفسه -أي كنت تجل عن مثل هذا الصنيع كما كنت أجل عنه.
(5) ضربه مثلًا للغرض الطفيف.
(2/116)

وَليُّك الله! لِمْ صَيَّرتَني مثلًا ... (كالمستجير من الرمضاء بالنار) (1)
(26)
بعض العصريين. قبل السابق:
وله فيه أيضًا:
مُعاذ مَلاذ لزُوّاره ... ولا جارَ أكرمُ من جاره
كأن الحطيم على بابه ... وزمزمَ والبيتَ في داره
وكم من حَريق أرَى مرَّةً ... فلم يَعْمل الماءُ في نارِه (2)
(27)
الإِبانة عن سرقات المتنبي للصاحب العميدي المتوفي سنة 433 ه ص 51 (والظاهر أن البيت من شعر ضاع فيما ضاع من شعر الرجل).
جفتني كأني لستُ أنطقَ قومها ... وأطعنَهم والنجم في صورة الدهر (؟)
الطاء
(28)
نش 171.
وله بعدما هرب من مصر يتشوق ويذكر [شيخًا] له يسمى الحسين. (ورواه بعض العصريّين ولفظه: قرأت في بعض المجاميع أنه وُجد له في إحدى نُسَخ الديوان هذه الأبيات بعد فراره من مصر يتشوّق ابنه محمدًا وشيخًا له يقال له الحسين).
ما لي كأنّ اشتياقًا ظَل يَعْنُف بي ... بمصرَ لا بسواها كان مرتبطا
وما أفدت الغنى فيها ولا ملكت ... كفي بها مَليكا بالجود مغتبطا
__________
(1) في خبر حرب البسوس أن كليبًا خرج لا يخاف شيئًا فتبعه جساس واتبعه عمرو بن الحارث فلم يدركه حتى طعن جساس كليبًا فدق صلبه فقال يا جساس أغثني بشربة ماء فقال تركت الماء وراءك وانصرف عنه فلحقه عمرو فقال يا عمرو أغثني بشربة فنزل فأجهز عليه فضرب به المثل: المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير الخ. أيضًا المطرزي ص 129 وكتاب حرب البسوس عن محمد بن إسحاق وابن الكلبي ص 39 والمعاهد 2: 191 وفرائد اللآل 116.
(2) لم يستطع أحد أن يطفيء نار غضبه.
(2/117)

أأن هَرَبْتُ ولم أغلَطْ (1) تَجَدَّدَ لي ... وجدٌ يحسِن عندي الجَوْرَ والغلطا
لولا مُحمَّدُ (2) بل لولا الحسين لَمَا ... رأيتَ رأيي بوهْن العزم مختلِطا
هذا هواي وذا ابني خُطّ ذا سكَن (3) ... بمصر والشام ألقى دائمًا خططا
ولي من الأرض ما أنضي رواحلَه ... عُمْري (4) لقدحكمت فينا النوى شَطَطا
يا قاتل الله قلبي كيف ينزع بي ... أما أُرَى من عقال الهم منتشِطا
والسبعة الأبيات توجد في نسخة الخطيب أيضًا ص 151.
العين
(29)
نش 187، نب، نح- بعد القصيدة (الحزن يُقلق والتجمّل يردع).
(نب) وأنشده صديق له بمصر من كتاب الخيل لأبي عُبيدة وهو نشوان.
تلوم على أن أمنح الوَرْدَ لِقْحةً ... وما تستوي والوردَ ساعة تُفْزَع (5)
فأجابه أبو الطيّب:
بلى تستوي والوردَ والوردُ دونها ... إذا ما جرى فيكَ الرحين المشعشع (6)
هما مركبا أمنٍ وخوف فصِلْهما ... لكلّ جوادٍ من مُرادك موضعُ
والبيتان يوجدان في نسخة الخطيب أيضًا ص 166.
(30)
قال البديعي (1: 115) وله قصيدة ليست في ديوانه يرثي بها أبا بكر ابن طغْج
__________
(1) أي لم أبق عند كافور الذي كان يريد أن يبطش بي.
(2) لعله ابن له صغير توفي بمصر أو الشام. أو لعل صِوابه محسد ومنع ما ينصرف جائز في الشعر في الأعلام كما حققه السهيلي 1: 121 و 137 وراجع الإنصاف للكمال بن الأنباري.
(3) وفي الأصل حط وفي نسخة الخطيب "حط مسكن ذا" والله أعلم.
(4) أي لعمري.
(5) البيت لرجل من الخوارج يدعي الأعرج المعنى، والمعروف في الرواية ساعة نفزع بالنون- وبعده:
إذا هي قامت حاسرًا مشمعلة ... نخيب الفؤاد رأسها ما يقنع
وقعت إليه باللجام ميسرًا ... هنالك يجزيني بما كنت أصنع
وقبله:
أرى أم سهل ما تزال تفجع ... تلوم وما أدري علام توجع
(6) هما متساويان في المركوبية بل المرأة تفضل على الفرس في الحاجة إليها حينما تنثني.
(2/118)

الإِخشيديَّ أوّلها (وبآخر طبعة الواحدي 876 قال عبد الله المحسن بن علي بن كوجك (1) قرأت قصيدة لأبي الطيّب يرثي بها أبا بكر بن طغج الإِخشيديّ ويعزّي ابنه أنوجور بمصر وليست في ديوانه (2) أوّلها):
هو الزمان مُشِتّ بالذي جَمعا ... في كل يوم ترى من صرفه بِدَعا
إن شئتَ مت أسفًا أو فابق مُضْطَربًا ... قد حَلّ ما كنتَ تخشاه وقد وَقعا
لو كان ممتنع تُبقيه (3) منعتُه ... لم يصنع الدهر بالإِخشيد ما صنعا
قال: وهي طويلةٌ ولم يحضرني منها إلا هذه الأبيات.
ثم إني عثرت على بعض طولها وهو:
ذاق الحِمامَ فلم تدفع كتائبهُ ... عنه القضاءَ ولا أغناه ما جمعا
لقد نَعَى مَنْ نعاه كلَّ مفتخَرَ ... وكلَّ جود لأهل الأرض حين نعى
لله ما حلّ بالإِسلام حين ثوى ... لقد وَهَى شعْبُ هذا الدين فانصدعا
فمَن تراه يقود الخيلَ ساهمةً ... سَدّ الفضاءِ ومِلءَ الأرض ما وَسِعا
تَرَى الحُتوفَ غلوقا في أسنّته ... لدى الوَغى وشهابَ الموت قد لمَعا
لو كان يسطيع قبرٌ ضَمَّه لسعَى ... إليه شوقًا ليلقاه وإن شَسَعا
فلْيَعْجَب الناس من لحد تَضَمَّن مَنْ ... تَضَمَّن الرزق بعد الله فاضطلعا
لو يعْلَمَ اللحدُ ما قد ضَمّ من كَرم ... ومن فَخارٍ ومن نَعْماءَ لاتَّسعا
يا لحده إنْ تَضق عنه فلا عجب ... فيه الحِجا والنُهَى والبأس قد جُمعا
يا لحدُ طُلْ إنَّ فيك البحر محتبسا ... والليثَ منهصِرا والجُوْدَ مجتمعا
يا يومه لم تَخُصَّ الفَجْع أسرته ... كلُّ الورى بِرَدَى الإِخشيد قد فُجعا
يا يومَه لم تدعْ صبرًا لمصطبر ... ولم تدعْ مدْمعًا إلا وقد دَمعا
أردى الرِفاق ردى الإِخشيد فانقرضوا ... فما ترى منهم في الأرض منتجِعا
يا أيها الملِك المُخْلي مجالسه ... أحميت أعيُننا الإِغماض فامتنعا
ومنه:
لئن مضيت حميد الأمر مفتقَدا ... لقد تركت حميد الأمر متَّبعًا
__________
(1) روى خبرًا عن والده كان من الطارئين على حضرة سيف الدولة انظر البديعي 1: 64.
(2) ذكر المقريزي مطلعها في المقفّى 2/ 315 (م. ي).
(3) بآخر الواقدي تغنيه.
(2/119)

ثم خرج من الرثاء إلى مدح ولد الإِخشيد:
ثبْت الجنان فلا نِكْسُ ولا ورعٌ ... تلقاه متزرًا بالحزم مدَّرِعا
أعطت أبا القاسم الأملاكُ بيعتَها ... ولو أبتْ أخذتْ أسيافُه البِيعا
وانقاد أعداؤه ذُلًّا لهيبتهِ ... وظل متبوعُهم من خوفه تبعا
أضحتْ بهِ هِممُ الغلمان عاليةً ... كأنَّ مولاهم الإخشيد قد رجعا
(31)
طك 172 محبي 302 بعد قوله (الحُزن يُقلق والتجمل يردع) والبديعي 103: 1 ومرّ خبره في (أفيقا خمارُ الهم نغّصني الخمرا).
وقال وهي توجد في بعض النسخ دون بعض.
قطعتُ بسيري كلّ يهماء مَفزَع ... وخبْت بخيلي كلَ صَرْماءَ (1) بلقع
وثلّمتُ سيفي في رؤوس وأذرع ... وحطمتُ رمحي في نحور وأضلُع
وصَيّرتُ رأيي بعد عزميَ رائدي ... وخلَّفْتُ آراءً توالت بِمسْمَعي
ولم أَتَّرِك أمرًا أخاف اغتياله ... ولا طمِعت نفسي إلى غير مَطْمَع
وفارقت مصرا والأسيود عينهُ ... حِذارَ مسيري تستهلّ بأدمُع
ألم تفهم الخُنْثَى (2) مقالي وأنني ... أفارق من أقلي بقلب مشيَّع
[ولا أرعوي إلا إلى من يودّني ... ولا يَطَّبيني (3) منزل غير مُمْرع (4)]
أبا النَتْن (5) كم قيدتَني بموَاعد ... مَخافةَ نظم للفؤاد مروِّع
وقدّرتَ من فرط الجهالة أنني ... أقيم على كذب رصيفٍ مصنَّع
أقيم على عبد خصّي مُنافِقٍ ... لئيم رديء الفعل للجود مُدّعِ
وأترك سيف الدولة الملك الرضي ... كريمَ المحّيا أروعا وابن أروعَ
فتى بحره عذب ومقصده غِنَّى ... ومرتع مرعى جوده خير مرتع
تَظلّ إذا ما جئتَه الدهر آمنًا ... بخير مكان بل بأشرف موضع
__________
(1) المفازة لا ماء بها.
(2) عند البديعي ولم يفهم المخصي.
(3) يستميلني.
(4) هذا البيت عند غير البديعي.
(5) كناه به بدل أبا المسك سخرية.
(2/120)

(الفا
(32)
البديعي 71: 1.
لما وصل المتنبيء (مُنْشدًا قصيدته: واحرّ قلباه ممن قلبه شَبِمُ) إلى قوله "إن كان سرّكمو ما قال حاسدنا .. البيتَ" وأخذ عليه أبو فراس لم يلتفت سيف الدولة إلى ما قال أبو فراس وأعجبه بيت المتنبيء ورضي عنه في الحال وأدناه إليه وقبل رأسه وأجازه بألف دينار ثم أردفه بألف أخرى فقال المتنبيء:
جاءت دنانيرك مختومة ... عاجلة ألفًا على ألف
أشبهها فعلُك في فَيلَق ... قلبتَه صفًّا على صفّ
(33)
البديعي 34: 1 وآخر الواحدي طبعة برلين ص 876.
لما اشتهر أمر المتنبيء وخرج بأرض سَلميةَ من عمل حِمْصَ في بني عديّ وظهر منه ما خيف عاقبته قبض عليه ابن عليّ الهاشمي في قرية يقال لها كوتكين وأمر النجار أن يجعل في رجله وعنقه قُرْمتين من خشب الصَفْصاف (1) فقال المتنبيء:
زعم المقيم بكوتكين (2) بأنه ... من آل هاشم أبن عبد مناف
فأجبته مذ صرتَ من أبنائهم (3) ... صارت قيودهم من الصفصاف
القاف
(34)
في كتاب عمدة المؤمّل (4) (93: 1) أخبرني شيخي الإمام الزاهد الفاضل
__________
(1) القرمة الجليدة المقطوعة من فوق خطم البعير لتبقي سمة. وعند أهل الشام ومصر القرمة (أو القرمية) القطعة الكبيرة من جذع الشجرة.
(2) كذا وبآخر الواحدي بكوثلين ولم أجد هذه اللفظة في معاجم اللغة ومعجمي البكري وياقوت ككوتكين.
(3) عند البديعي مذ صرت في أبنائهم متنبئًا.
(4) عمدة المؤمل وبغية المتمثل لعبد الله بن عبد الرحمن النخعي الفرياني الأندلسي ألفه بمكة في جزئين سنة 646 ه ورأيت نسخته بدار الكتب الآصفية في حيدر آباد حرسها الله.
(2/121)

شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإِربليّ (1). بالمسجد الجامع بدمشق عام 646 ه وقرأت عليه كتاب أبي الطيّب قال أخبرنا .... تاج الدين (أبو اليُمْن) زيد بن الحسن بن زيد الكنديّ قال أخبرني شيخي الإِمام أبو محمد عبد الله بن عليّ بن أحمد المقريء النحوي رحمه الله قراءة عليه عن أبي البركات محمد بن عبد الله بن يحيى بن الوكيل قراءة عليه عن أبي الحسن علي بن أيوب بن الساربان القُمّيّ الكاتب عن أبي الطيب. ومن طريق ثان قال سمعتُ كتابَ أبي الطيب يقرأ على أبي بكر محمد بن عبد الله (2) الزاغونيّ بحقّ سماعه من أبي طاهر أحمد بن الحسين بن الباقلاويّ عن أبي (؟ ابن) الساربان قال قرأت على أبي الطيّب. وأنشدني شرف الدين أعزّه الله ونسبهما لأبي الطيّب المتنبيء: أبعين البيتين اه وقال ابن خلكان (36: 1) كان الشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإِسناد الصحيح المتصل الخ (أقول ولعل ذلك في كتابه على ديوان المتنبيء الذي ذكره البديعي 424: 1) وقال الصَفَديّ في الغيث 21: 1 وهو مما رواه تاج الدين الكنديّ ولم يكن في ديوانه اه وقد ألحقهما ناشر طبعة كلكتة سنة 1257 ه بآخر باب القاف نقلًا عن غيث الصَفَديّ. (أقول ولكن نقل ياقوت في الأدباء 154: 5 في ترجمة صاحب الأغاني عن هلال الصابي. أن الأصبهانيّ هجا الوزير المهلبي ثم ذكر البيتين وروايته بعد الغني فرميت بي من حالق أمَلتُ للإِحسان غير الخالق وكذلك عزاهما صاحب الفوات 131: 1 إلى الأصبهاني ثم قال ويروى أن هذين للمتنبيء رواهما له الكندي اه وروايته كما سيأتي سواه).
أبعين مفتقِر إليكَ نظرتَني ... فأهنتَني وقذفتني من حالق (3)
لستَ الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلتُ آمالي بغير الخالق
__________
(1) العلامة اللغوي الأديب المولود سنة 568 ه والمتوفي سنة 656 ه بدمشق قال الذهبي: عنيَ عناية وافرة بالأدب وحفظ ديوان المتنبي الخ.
(2) قال ياقوت هو ابن عبيد الله أقول وهو الصواب وما هنا تصحيف وللرجل ذكر في كتابي "أبو العلاء وما إليه" في فصل طلب العلم وكان مجلدًا للكتب حاذقًا ولد سنة 468 ومات سنة 551 ه.
(3) المكان المرتفع.
(2/122)

الكاف
(35)
نش 220 بآخر قافية الكاف، وبعض العصريّين.
قال أبو بكر الشيباني حضرت عند أبي الطيب وقد أنشده [بعض من حضر]:
فلو أن ذا شَوق يطير صبَابةً ... إلى حيث يهواه لكنتُ أنا ذاكا
وسأله إجازته فقال:
من الشوق والوجد المبرّح أنني ... يمثّل لي من بعد لُقياك لُقياكا
سأسلو لذيذَ العيش بعدك ذاهبًا (1) ... وأنسى حياةَ النفس من قبلِ أنساكا
والبيتان في نسخة الخطيب أيضًا ص 195.
اللام
(36)
نش 249 بعد (لياليَّ بعد الظاعنين شُكول) ونح.
وقال وقد وجد سيف الدولة علّةً وقد دخل عليه رسول ملك الروم فقال الساعة يُسَرّ الرسول بهذه العلّة:
فُديتَ بماذا يُسَرَ الرسو ... ل وأنت الصحيح بذا لا العليل
عواقب هذا تسوء العِدَى ... وتثبت (2) فيك وهذا يزول
(37)
نش 306 بعد (ما أجدر الأيام والليالي).
وقال في صباه في الشِطْرَنْج:
أرى الشِطْرَنْجَ لو كانتْ (3) رجالًا ... تَهُزُّ صفائحًا وقنًا طِوالا
__________
(1) ويروى دائمًا.
(2) وفي نح يثبت.
(3) في الأصل لو كان. وقد أرجع إلى الشطرنج ضمائر المؤنثات فيما بعد أيضًا ولم أر من نص على تأنيثها إلا أني رأيت في ترجمة أسامة بن منقذ من معجم الأدباء بيتًا وهو:
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها ... مغالبًا ثم بعد الجمع يرميها
(2/123)

لغادرت الثواكلَ مُعْولاتٍ ... بساحتنا وأطولت القِتالا
ولكني أرى جيشًا ضعيفًا ... إذا شهد الوغى لم يَدْعُ آلا (1)
ولم يَصْدُرْن حُمراكُنّ بِيضًا ... ولم يَغْشينَ من موت ظِلالا (2)
فلو كنّا نحارب حربَ هذي (3) ... لباقَينا (4) على الدهر الجبالا
والأبيات الخمسة في نسخة الخطيب أيضًا ص 272.
(38)
شرح رسالة ابن زيدون لابن نُبابة على هامش الغيث 22: 1 ونسمة السحر فيمن تَشَيّع وشعر لبعض متأخرة الزيديّين اليمانيّين (نسخة حيدرآباد الخطيّة في مجلَّدتين ضخمتين) ونزهة الجليس عن النسمة 235. والعنوان هنا منه، وآخر طبعة الواحدي 876. (وارى البيتين نحَلَهما بعضُ الشيعة له).
آخر شعر قاله (5) وقد عوتب في تركه مديح أهل البيت سيّما أمير المؤمنين عليًّا فقال:
وتركتُ مدحي للوصيّ تعمّدًا ... إذ كان نورًا مستطيلًا شاملًا
وإذا استطال الشيء قام بنفسه ... وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا
__________
(1) لم يقهر له ناصر من عشيرته الأدنين.
(2) ضميرا المؤنثتين يعودان على السيوف وإن لم يسبق ذكرها.
(3) الأصل هدى.
(4) كذا في نسخة الخطيب. وفي نش لعاقبنا.
(5) هذا هو الدليل على أنهما منحولان فبآخر نش عن علي بن حمزة البصري مضيف المتنبيء ببغداد أن آخر ما قال كافيته. على أن المتنبيء لم يكن ممن يهمه حب علي ولا بغض معاوية. وصنع مثل هذا صاحب النسمة في عد أي العلاء المعري من شعراء الشيعة زعمًا أنه قال:
لقد عجبوا لأهل البيت لما ... أتاهم علمهم في مسك جفر
البيتين من اللزوم. وذهب عليه أنه القائل:
فالحق يحلف ما علي ... عنده إلا كنفبر
أرادوا الشر وانتظروا امامًا ... يقوم بطي ما نشر النبي
وله في المعنيين نحو عشرين بيتًا سردتها في مسودة كتابي نظرة في النجوم من اللزوم.
(2/124)

(39)
نش 307 - بعد: أرى الشطرنج .. البيت المار آنفًا.
وقال في الشمعة:
ومجدولة (1) في حُسْنها ... تحكِي لنا قَدَّ الأسل
فكأنها عمر الفَتَى ... والنار فيها كالأجل
الميم
(40)
نسخة الخطيب 188 - 189:
وللضب الشاعر إليه في بعض النسخ:
أطلتَ يا أيها الشقيُّ دَمكْ ... لارحِمَ الله روحَ من رحمك
لو أن هذا الأمير يعجلُ في ... قتلك قبل العشيّ ما ظلمك
فأجابه أبو الطيب:
إيهًا أتاك الحِمامُ فاخترمكْ ... غيرُ سفيهِ عليك من شتمكْ
هَمك في أمرد تقلّب في (2) عي ... ن دواة من صلبه قَلَمكْ
وهمتي في انتضاء ذي شُطَب ... أقُدُّ يومًا بحدّه أدَمك
فاخسأ كليبٌ واربع على ضَلَع (3) ... والطخْ بما بين إليتيك فمك
وورد أيضًا في الخزانة للبغدادي 382: 1 عن إيضاح المشكل المنوه به سابقًا بإسقاط البيت الأول من أبيات أبي الطيب ولم يسمّ الشاعر المهجوّ.
__________
(1) قوله ومجدولة وقوله فكأنهما كلاهما على الخرم وروى أبو العلاء في غفرانه ص 87 (الطبعة الأولى) أن رواة بغداد كانوا ينشدون في "قفا نبك" هذه الأبيات بزيادة الواو: وكأن ذرى رأس المجيمر البيت وكأن مكاكي البيت وكأن السباع البيت وقال أنهم تبعوا من لا غريزة له في قرض الشعر.
(2) يريد حلقة حرف العين وهي (ع).
(3) بالأصل: فاخس كليب وارتع على ضلع. وفي الخزانة: فاخسأ كليبًا واقعد على ذلك واطل.
(2/125)

(41)
تاج العروس 99: 4 عن الغيث ولم أجده فيه بعد طول التنقيب أيضًا اجتمع المستكفي بالمتنبيء في مصر وروى عنه قوله:
لاعبتُ بالخاتَم إنسانةً (1) ... كمثل بدر في الدُجى الناجم
وكلما حاولت أخذي له ... من البنان المُتْرَف الناعم
ألقته في فيها فقلتُ انظروا ... قد أخفتِ الخاتَمَ في الخاتم
النون
(42)
نش 403 بعد (لئن مرَّ. الشعْرَ الآتي).
وله إلى الضبّ الشاعر (أقول ولعله الضبيّ المذكور في الحاء).
أيُّ شعر نظرتُ فيه لضَبّ ... أوَحدُ (2) ماله على الدهر عَوْن
كلُّ بيت يجيء يبرُز فيه ... لك من جوهر الفصاحة لون
يا لك الويلُ! ليس يُعْجز موسى (3) ... رجل حَشْوُ جِلْده فرعونُ
أنا في عينك الظلام كما أ ... نَّ بياض النهار عندك جَوْن
والأبيات الأربعة توجد في نسخة الخطيب ص 357 بلا اختلاف.
(43)
نش 402 و 403 قبل المارّ وبعد:
"مغاني الشعب طيبًا في المغاني"
وله في عبد العزيز الخُزاعي قبل رحيله عن مصر (وله فيه قطعة في الديوان بعد رحيله عنها في النون):
• لئن مَر بالفُسطاط عيشي لقد حلا ... بعبد العزيز الماجد الطرفين
__________
(1) لم تسمع في شعر من يحتج به إلا أن الثعالبي استعمله في بعض تآليفه المطبوعة في قوله:
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
(2) بالرفع وليس هنا للنصب -يعني أن أبيات شعره غير متراصة وكل بيت منها كأنه فذ منفرد بمكانه.
(3) لا يمكنك أن تعجزني فإني أبطل سحرك.
(2/126)

فتىً زان (1) قيسًا بل معدًّا فَعالُه ... وما كل سادات الشُعوب بزَين
تناول وُدّي من بعيد فناله ... جرى (2) سابقًا في الودّ ليس برَين
(44)
نش 403 بعد (أي شعر المارّ).
وله في جعفر بن الحسين:
أتَظْغن يا قلب مع من ظَعَنْ ... حبيبَين أندبُ نفسي إذنْ
ولم لا تُصاب وحربُ البَسُو ... س بين جفوني وبين الوَسَنْ (3)
وهل أنا بعدكما عائشٌ ... وقد بنْتَ عني وبان السَكَنْ
فِدَى ذلك الوجهِ بدر الدجى ... وذاك التثنّي تثنّي الغُضن (4)
فما للفراق وما للجميع ... وما للرياح وما للدِمَن
كأن لم يكن بعدَ ما كان ليِ ... كما كان لي بعد أن لم يكن
ولم يَسْقني الراحَ ممزوجةً ... بماء اللثى لا بماء المُزن
له (5) لونُ خديه في كفّه ... وريحُك يا جعفر بن الحسن
كأن المحاسن غارت عليك ... فسَلَّت عليك (6) سيوف الفِتَن
فلم يَرَكَ الناس إلا غَنُوا ... برؤياك عن قول "هذا ابن مَنْ"
ولو قُصد الطفلُ في طيّىِءٍ ... لشارَك قاصدَه في اللبن (7)
فما البحر في البَرّ إلا يداك ... وما الناس في الناس إلَّا اليمنْ
__________
(1) ومثله له فيه:
فتي زان في عيني أقصى قبيلة ... وكم سيد في حلة لا يزينها
(2) المصراع لا يليط بلفقه فكأنه من شعر لم يثقف ولا اخرج.
(3) يكنى بحرب البسوس عن الشقة الشاسعة فيما بين الجفون والنوم.
(4) ويروى الفنن.
(5) كذا وفي نسخة الخطيب "لها" وكذلك عند بعض المصريين.
(6) كذا في نسختين. وفي نسخة الخطيب "لديك" وأصلحه بعض المعاصرين إلى "علينا" ولا أرى داعيًا إلى تغيير ما في الأصل.
(7) يعني أن رضيعهم من كرمه المفطور عليه يدعو وافده إلى المشاركة في اللبن الذي هو غذاؤه. وهذا يدل على أن جعفرًا هذا طائي يماني.
(2/127)

والأبيات الاثنا عشر في نسخة الخطيب أيضًا ص 357 - 358.
الياء
(45)
نش 414 الأوّلان فقط وعليهما ختام النسخة، نح، يتيمة الدهر 14: 1 ومنه العنوان هنا ومنه نُقل الأبيات في طك 373 ومحبي 660 - ونزهة الجليس 335 وروايته العسكر المصري وكثرة حتى كأنك.
حدث أبو عبد الله الحسين بن خالويه قال لما كانت الشام بيد الإِخشيد محمد بن طُغْجَ سار إليها سيف الدولة فافتتحها وهزم عساكره عن صفّين فقال المتنبيء:
يا سيفَ دولةِ ذي الجلال ومن له ... خيرُ الخلائف والأنام سميّ
أو ما ترى صِفّينَ كيف أتيتَها ... فانجاب عنها العسكر الغَرْبي (1)
فكأنَّه جيش ابن حرب (2) رُعته ... حتى كأنك يا عليّ عليّ
آخر الزيادات ولله الحمد أولًا وآخرًا
* * *

استدراك
ذكرتُ في مقدمة كتاب (زيادات ديوان المتنبيء) صفة المخطوط المثبتة بآخر النسخة الشيروانية. وبعد الشروع في الطبع أرسل إليّ صديقي (محب الدين الخطيب) الذي لا يزال يبذل لي نخيلة صدره، ويصطفيني ويؤثرني بجميل رأيه فيَّ نسخته المخطوطة من ديوان أبي الطيب فوصلتني في 8 شوال سنة 1345 ه (11 أبريل سنة 1927 م). فقابلت ما أمكنني مقابلته وأحلت الباقيَ عليه. ثم رددتُها إليه في اليوم التالي شاكرًا له نعماه مني ومن كل ناظر في كتابي فذا.
وما نقلته في المقدمة (ص 8) من خاتمة النسخة الشيروانية بيانًا للأصول المنقولة عنها يوجد أيضًا بآخر نسخة صديقي الكريم الأستاذ محب الدين الخطيب.
__________
(1) عسكر مصر فمصر على الغرب من صفين ويروى العربي والمصري أيضًا.
(2) معاوية رض. وعلي الثاني هو ابن أبي طالب كرم الله وجهه رحمهما الله تعالى وعفا عما جنيا وحشرنا في زمرتهم آمين.
(2/128)

مع اختلاف عدّة من الحروف وهو: "نقلت هذا الديوان من نسخة نُقلتْ من نسختين .... وقابلها بثلاثة أصول بمد مقابلته بهذا الأصلين".
ولكن هذا الاختلاف الأخير بقلم بعض الناظرين كما يظهر من آثار المحو.
وثبت في الحاشية على قوله: "احداهما بخط رجاء الخ": "مؤرخة في شهر صفر سنة 409 ه".
ثم في نسخة الخطيب بعد قوله "السلمي الرقي" ما نصّه:
"هذا ما وجدته في النسخة التي نقلتها منها وأنا قابلت هذه النسخة بأصلها المذكور وكان الفراغ من كتابتها يوم السبت رابع ذي القعدة سنة 1103 ه على يد الفقير علي بن عثمان الشهير بمخلصي زاده المدني .... ".
ولما كان اطلاعي على نسخة صديقي الخطيب بعد طبع 24 صفحة من هذا الكتاب فقد أدخلت ما استفدته منها في المتن المطبوع (من ص 25 إلى الآخر) وما كان متعلقًا بالأربعة والعشرين صفحة الأولى استدركته فيما يلي:
قوله (ص 12 - 13):
وأسود أمّا القلب منه فضيّق ... نخيب وأما بطنه فرحيبُ
الأربعة الأبيات. توجد في نسخة الخطيب أيضًا ص 49 بتقديم الثالث على الثاني.
قوله (ص 14):
لي مَنصِب العرَب البيضِ المصاليتِ ... ومنطقٌ صيغ من درّ وياقوت
البيتين. يوجدان في نسخة الخطيب أيضًا ص 58.
قوله (ص 15)
لم لا يُغاث الشعر وهو يصيح ... ويرَى منارُ الحق وهو يلوحُ
السبعة الأبيات. توجد في نسخة الخطيب ص 63. وهذا تقييدها على ترتيب الأبيات: 4 والصنان يفوح 5 الهزبر نبوحُ 7 تُرْكانُ ثوبي.
قوله (ص 15 - 16):
نار الذرابة من لساني تنقدحْ ... يغدو عليَّ من النُهى ما لم يَرُحْ
(2/129)

الثلاثة الأبيات: توجد في نسخة الخطيب أيضًا ص 64.
قوله (ص 16 - 17):
قطعًا فقدت من الزمان بليدا ... من كان عند وجوده مفقودا
وهي 16 بيتًا (1). جاء في نسخة الخطيب (ص 110) في ترجمتها: "وقال وقد مرَّ بقبر محمد بن أحمد بن حيدرة".
وثبت على الحاشية ما نصه: "إلى هنا (يريد ختام البيت:
نفس تصغّر نفس الدهر من كِبَر ... لها نُهى كهله في سن أمرده)
آخر حرف الدال في أكثر النسخ. وهذه الزيادة نقلتها من بعض النسخ لئلا يشذّ منه ما وُجد في نسخة وعزي إليه" ه.
وهذا تقييد روايات نسخة الخطيب: 1 الزمان بليدًا 2 وغدا بهِ رأيُ الحمام سديدًا 3 لَوْمُك 8 معديًا
9 حاز التراثَ بنوكَ عنك فما عدا ... فُلجًا واستاهًا بغايا سودا
13 وإن كثروا 14 في عسكر ... 15 فإنك صادق
قوله (ص 17 - 18):
أبى الرحمنُ إلا أن أسودا ... وحيث حللتُ لم أعدم حسودا
التسعة الأبيات. جاء في نسخة الخطيب (ص 111) في الترجمة: "وله من قصيدة لم يخرج أوّلها".
قوله (ص 19):
ليس العليل الذي حمّاه في الجسَدِ ... مثل العليل الذي حمّاه في الكبِد
الأربعة الأبيات. جاء في حاشية نسخة الخطيب (ص 111) "قال أبو محمد الحسن بن وكيع: قال المتنبّيء هذه الأبيات وهو (كذا) مما لم يَرْوه ابن جني".
قوله (ص 20):
أحاول منك تليينَ الحديدِ ... وأقتبس الوصال من الصدود
الثلاثة الأبيات. جاء في نسخة الخطيب (ص 111) في الترجمة: "وقال
__________
(1) منها 15 في المتن وبيت واحد على الحاشية.
(2/130)

أيضًا مقتضيًا". والبيت الثالث في نسخة الخطيب "جعلت حبوبها".
قوله (ص 21):
أآمد هل ألمَّ بكِ النهارُ ... قديمًا أو أُثيرَ بكِ الغُبار
السبعة الأبيات. توجد بلا اختلاف في نسخة الخطيب أيضًا ص 140.
قوله (ص 22 - 23):
أفيقا خُمارُ الهمّ نغّصني الخمرا ... وسُكري من الأيام جنَبني السكرا
الثلاثين الأبيات "غير قوله: تروق بنى الدنيا .. مُغرَي" وهذا تقييد روايات نسخ الخطيب ص 135 على ترتب الأبيات: 4 تُلاحظني وتُسمعني / فأسألها 8 همتها الهوى 10 أقطع البيداء 26 لم أُعَنْ بحُر 27 ولم يدر أن قد كان يُهجى 28 جريت على دهياء 29 سأحملها أشباه 30 مطلّةً. وفي ترجمتها "وقال يهجو كافورًا وأنفذها إليه من بغداد سنة 354 ه".
وما بعد هذا أشرنا إليه. في مواضعه من المتن المطبوع (ص 25 وما بعدها".
والأبيات الثلاثة (الواردة في ص 37): في الدجى الفاحم (وهو الصواب)، في الخاتم نقلها المقَّريُّ في نفح الطيب (مصر 1: / 427) عن الصلاح الصفدي.
(2/131)

النُتَف مِن شِعر ابنِ رشيق وزميله ابنُ شرَف القيروانيّين
ويليه
مُلْحَق فيه لمَعٌ من شعر الشاعر الحكيم
(أبي الفضل جعفر بن محمد بن أبي سعيد بن شَرَف)
الجُذامي الأنْدَلُسي
صُنعُ
(أبي البركات عبد العزيز المَيمَني)
السَّلَفِي الرَّاجكوتي لطف الله به
خادم العلم بالكلية الشرقية في لاهور من عواصم الهند
عُنيَتْ بنشرِه
المطبعة السلفية - ومكتبتُها
لصاحبيهما: محب الدين الخطيب وعبد الفتاح قبلان
القاهرة
(حقوقُ الطبع محفوظة للمطبعة السَّلفِية ومكتبتها)
(2/133)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصَلَّى الله على (محمد) سيد أنبيائه وأكرم أوليائه وسلّم وكرّمَ، ومَجّدَ وعَظم.
هذه نُتَفٌ من شعر ابن رشيق القيرواني أبي على الحَسنِ مبثوثةٌ في مَطاوي دواوين الأدَب ودفاتره. اقتطفنا من أزاهرها، وانتقينا من أًخايرها، لتكون نموذجًا من شعره، ينؤَه بذكره، ويمَيّزه عن أبناء عَصْره، ويُطيّب من نَشْره.
قافية الهمزة
(1)
قال رحمه الله في العُمدة (1) وصنعتُ أنا في زَرافة أتت في الهديَّة من مصر إلى (يريد المعزٌ بن باديس) خلَّد الله ملكه من قصيدة طويلة:
وأتتك من كسب الملوك زَرافةٌ ... شَتَّى الصفات لكونها إثناء
جمعت محاسنَ ما حَكتْ فتناسبت ... في خَلقها وتنافت الأعضاء
تَحْتثُّها بين الخوافق مِشْيةٌ ... بادٍ عليها الكبْرُ والخُيَلاءُ
وتَمُدُّ حِيدًا في الهواء يَزِينُها ... فكأنَّه تحت اللِواءِ لِواءُ
حُطَّتْ مَآخِرُها وأشْرفَ صَدرُها ... حتى كان وقوفَها إِقعاء
وكأنَّ فِهْرَ الطِيب ما رَجَمَتْ به ... وجْهَ الثَرَى لو لُمَّتِ الأجزاءُ
وتخيَّرت دون الملابس حُلَّةً ... عيَّتْ لصنعة مثلها صَنْعاءُ
لونًا كلون الزَبْل إلَّا أنَّه ... حِلْى وجزع بعضَه الجُلَّاءُ
أو كالسحاب المكفهِرَة خَيّطتْ ... فيه البروق وميضُها إيماءُ
أو مثل ما صَدِئتْ صَفَائحُ جوْشَنِ ... وجرى على حافاتهنّ جِلاء
نِعْم التجافيفُ التي ادّرعت به ... من جِلْدها لو كان فيه وقاء
__________
(1) طبعة مصر سنة 1225 ه 2: 228 - و 229، وبساط العقيق 43 - 44. ولأبي عبد الله بن زمرك في زرافة أهداها ملك الحبش إلى السلطان أبي سالم ملك المغرب قصيدة أنشأها بأمره أولها:
لولا تألق بارق التذكار
راجع الإحاطة لابن الخطيب 2: 227.
(2/134)

وقال من خَمْريّة (1):
قدر المُدامة فوق قدر الماءِ ... فارغبْ بكأسِك عن سِوى الأكْفاءِ
ما لي ومزْجَ الراح إلا في فمي ... بالرِيق من فمِ غادةٍ حسْناء
ذاك المِزاجُ وإِن تعدّاني الذي ... في المُزْن من ذي رِقَّة وصفاء
أشهى وأبلغ في الفؤاد مسرَّةٌ ... من غيره وأدبُّ في الأعضاء
لي الصِرْفُ إِن فرِح النديم ولم أكن ... مستأثرًا فيها عن النُدماء
(3)
وقال يرثي (2):
المنايا حَتْمٌ فطوبى لنفس ... سَلَّمَتْ بالرِضى لحكم القضاءِ
لو بوَدِّي قَتلتُ نفسي لألقا ... ه ولكنْ خشِيت فوق اللِقاء
الباء
(4)
وقال من قصيدة (3):
تَثَبَّتْ لا يُخامِرْك اضطراب ... فقد خضعتْ لعِزَّتك الرِقابُ
__________
(1) بساط العقيق ص 70 وهناك سوا (موضع سوى) ودأب (موضع أدب) وفرج (موضع فرح) ومستأثر (موضع مستأثرًا).
(2) الغيث المنسجم في شرح لامية العجم للصلاح الصفدي 2: 262 - 263 - الود الحبيب يقول يا ليتني قتلت نفسي بدل حبيبي أو فداء عليه حتى ألقاه في الآخرة ولكنني أخشي العذاب فإن قتل الرجل نفسه حرام أوعد عليه.
(3) الذخيرة لابن بسام (ونقلناه عن مجموعة أماري الإيطالي في تاريخ صقلية ص 650) والبساط ص 60 - قال ابن بسام وذكر هجوم أسطول الروم ليلًا على المهدية فأصبح البحر ثنايا، تطلع منايا. واكاما، تحمل موتا زؤاما. فدخل على المعز حين وضح الفجر فوجده في مصلاه والرقاع عليه ترد، والشمع بين يديه تتقد. فقام ينشده قصيدته التي أولها "تثبت" البيت فقال له مه! متى عهدتني لا أتثبت؟ إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا فمالك لا تسكت عنا. ثم أمر بالرقعة التي فيها القصيدة فمزقت ولم يقنعه حتى أدناها إلى الشمع فأحرقت فخرج ابن رشيق من عنده على غير طريق وكان وجهته إلى صقلية. إلى آخر =
(2/135)

وقال (1):
فأُوْصِيكُم بالبَغْل شرًّا فإنَّه ... من العَير في سُوءِ الطِباع قريبُ
وكيف يَجيء البغلُ يومًا بحاجة ... تسُرُّ وفيه للحمار نصيبُ
(6)
وقال في غلام (2):
عزيزٌ يُبارِي الصُبْحَ إشراق خَدِّه ... وفي مَفْرِق الظلماء منه نَسِيبُ
يزف إليه ضاحكًا أقحوانه ... ويهتزُّ في بُرْدَيه منه قَضيب
(7)
وقال في الخمر (3):
قلتُ لمن ناوَلَنى مُرَّةً ... ما بِيَ حُبُّ الغِيد بل حُبُّها
لا تَسْقِني الراح (؟) (4) ممزوجةً ... واشرَبْ فما يُمْكِنني شُرْبُها
ما راحتي في الراح إن غُيّرتْ ... دَعْني كما جاء بها ربُّها
(8)
وقال (5):
إن كنتَ تُنْكِرُ ما منكَ ابتُلِيتُ به ... فإن بُرْءَ سَقامِي عَزَّ مَطلَبه
__________
= ما نقل ابن فضل الله عن الذخيرة. وإنما طولنا لأن صاحب البساط نقل عن الذخيرة في جواب المعز أنه قال "متى عهدتني يا نديمي لا أتثبت" وهذا خلاف المنقول ولا يلائم سائر القصة فكأنه لم يتثبت في النقل والله أعلم.
(1) شرح الشريشي على مقامات الحريري 2: 176 والبساط 75 - وله في البغل كلمتان أخريان راجعهما في الراء وثالثة وراجعها في اللام.
(2) الشريشي 2: 259 - كذا وانظر هل الصواب نصيب ويرف بالراء المهملة.
(3) البساط 70 - 71.
(4) كذا في البساط والصواب "راحك" أو ما يشبهه أن شاء الله.
(5) الشريشي 2: 215 والبساط 69 وشرح دي ساسي على المقامات 548 ولكن هذا الأخير عكس الترتيب وهو خطأ منه.
(2/136)

أَشِرْ بعُود (1) من الكبريت نحو فمي ... وانظُرْ التي زَفراتي كيف تُلْهبه
(9)
وقال في غَرض يظهر من الأبيات (2):
ومن حَسَنات الدهر عندي لَيلة ... من العمر لم تَتْركْ لأيّامها ذنْبا
خلَوْنا بها نَنْفي القَذى عن عيوننا ... بلؤلؤة مملوءةٍ ذهَبًا سَكْبا
ومِلْنا لتقبيل الثغور ولَثْمِها ... كمثل جنوح الطير تلتقط الحَبّ
(10)
وقال يشكو حُرْفَة الأدب (3):
أشقَى لعقلكَ أن تكون أديبًا ... أو أن يرى فيك الورَى تهذيبًا
ما دمْت مستويًا ففعلك كلُّه ... عِوَجٌ وإن أخطات كنت مُصيبًا
كالنقْش ليس يصِحُّ مَعْنى ختْمِه ... حتى يكون بِناؤه مقلوبًا
(11)
وقال وأجاد (4):
سألت الأرض لِمْ كانت مصلَّى ... ولمْ كانت لنا طُهْرًا وطيبا
فقالت غيرَ ناطقة لأني ... حوْيت لكلِّ إنسان حبيبا
(12)
وقال يصف سوْداء (5):
دعا بكِ الحسنْ فاستَجيبي ... يا مِسْكُ في صِبْغة وطِيب
__________
(1) يريد الطاقة التي يشعل بها المصباح.
(2) الشريشي 1: 177 والبساط ص 68 والحلل السندسية ومعجم الأدباء لياقوت البيتان الأولّان فقط 72: 3.
(3) معاهد التنصيص 1: 56 والغيث 2: 75 والبساط 66.
(4) المعاهد 2: 16 والبساط 76 وحسن التوصل 79 - 80. ويروي بدل "كانت" الأولى "جعلت" وهو أحسن.
(5) الشريشي 1: 100 والغيث 2: 161 والمعاهد 2: 23 وديوان الصبابة على هامش تزيين الأسواق 68 =
(2/137)

تِيْهِي على البِيض واستطيلي ... تِيهَ شباب على مشيب
ولا يرُعْكِ اسوداد لَوْنِ ... كمقْلة الشادن الرَبيب
فإنَّما النور عن سوادٍ ... في أعْين الناس والقلوب
(13)
وقال يذكر ماضي العهد (1):
قرعت سنّي على مما فاتني ندمًا ... من الشباب. ومنْ باللَهْو للشيبِ
فقد رددت كُؤُوس الراح متْرعةً ... على السقاة وكانت جُلَّ مشروبي
أُنَزِّه السمع والعينين في نَغَمٍ ... ومنظرٍ عابث بالحسن والطِيب
من كلّ لافظة بالدرّ باسمةٍ ... عنه محلاةِ نوع منه مثقوب
أيام تَصْحبني الغِزْلان آنسةً ... هذا على أنني أعْدى من الذيب
(14)
وقال في زرافة أهديت إلى المعز ومرّ ذكرها في قافية الهمزة (2):
ومجنوبه أبدًا لم تكن ... مذلَّلَة الظهر للراكب
__________
= والبساط 68 - زاد الشريشي قال ابن رشيق أخذته من قول الآخر أنشده الجاحظ:
مشبهات الشباب والمسك تفدي ... هن نفسي من السردى والخطوب
كيف يهوى الفتى اللبيب وصال البي ... ض والبيض مشبهات المشيب
قال الشريشي وأخذ بيته الآخر من قول الآخر أنشده الجاحظ:
وإن سواد العين في العين نورها ... وما لبياض العين نور فيعلم
وفي معنى قول صاحبا قول ابن رباح:
وسوداء الأديم إذا تبدت ... يرى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها ... وشبه الشيء منجذب إليه
أقول هذا المصراع صدر بيت للمتنبيء ولفقه التالي:
وأشبهنا بدنيانا الطعام
وقد أكثر الشعراء في نعت السود وأتوا بمعاني مبتكرة ولكن أضربنا عن سرد أشعارهم إذ لم يكن هذا من غرضنا.
(1) الشريشي 2: 16 والبساط 77 غير البيت الآخر.
(2) العمدة 2: و 229 عقيب الهمزية المارة. وصحح صدر البيت الأول وعجز البيت الأخير من نسخة (العمدة) المخطوطة المحفوظة في إدارة مجلة (الزهراء).
(2/138)

قد اتصل الجِيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب
ملمَّعةٍ مثل ما لُمعتْ ... بِحنّاء وشْيء يد الكاعب
كأنَّ الجواري كنَّفنها ... لخالخ من كل ما جانب
(15)
وقال في الشيب (1):
وإن لم تَعجَبي ببياض شعرْ ... فلا تستغرِبي بَلَقَ الغراب
تَعافِين المشيب وليس هذا ... ولكن هذه شِيَة الشباب
(16)
وقال في القناعة (2):
يُعْطَى الفتى فينال في دَعةٍ ... ما لم ينلْ بالكدّ والتعب
فاطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب
إن كان لا رِزْقٌ بلا سبب ... فرجاء ربّك أعظم السبب
(17)
وقال في الشيب (3):
أراك للشَيْب ذا اكتئاب ... فأين تمضِي عن الصواب
إن كنت تَرْعَى الوفاءَ حقًّا ... فالشيب أوفَى من الشباب
(18)
وقال في استهلال الهلال (4):
لاح لي حاجبُ الهلال عشيًّا ... فتمنيت أنني من سحاب
__________
(1) الشريشي 2: 18 والبساط 76 - قال الشريشي أخذه ابن رشيق من قول البحتري يعتذر من الشيب:
عيرتني بالشيب وهي رمته ... في عذاري بالصد والاجتناب
لا تريه عارًا فما هو بالشي ... ب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أصدق حسنًا ... إن تأملت من سواد الغراب
(2) الشريشي 1: 103 والبساط 66.
(3) الشريشي 2: 18 والبساط 76.
(4) الشريشي 2: 179 والبساط 71 - قوله لعدو وهو هلال رمضان وقوله لما قلت كذا ولعل صوابه كما.
(2/139)

قلت أهلًا وليس أهلًا لما ق ... لت ولكنْ أسمعتها أصحابي
مظهِرًا حبَّه وعنديَ بُغْضٌ ... لعدوّ الكؤوس والأكواب
(19)
وقال وأحسن في التعليل (1):
وأهْوى الذي أهْوى له البدر ساجدًا ... ألست ترى في وجهه أثر الترْب
(20)
وقال (2):
ومهفهفٍ يَحْميه عن نظر الورى ... غيْرانُ سُكْنى الموت تحت قبابه
أوْمَى إليَّ أن آئتني فأتيته ... والفجر يرمُق من خِلال نقابه
فلثمْت خدًّا منه ضرَّم لوْعتي ... وجعلت أطفيءُ حرَّها برضابه
وضممته للصدر حتى اسْتوهَبتْ ... مني ثيابي بعضَ طِيب ثيابه
فكأنَ قلبي من وراء ضلوعه ... طرِبًا يخبّر قلبه عمّا به
(21)
وقال في النفور عن البحر، والتجانف عن مركبه الوعْر (3):
خلقتُ طينًا وماء البحر يتْلِفه ... والقلب فيه نُفُورٌ من مراكبه
فالبحر خير رفيق بالرفيق له ... والبرَ مثل اسمِه بَرُّ براكبه
__________
(1) المعاهد 2: 18.
(2) الشريشي 2: 85 والمعاهد 2: 20 - 21 وفي كل منهما أربعة أربعة فالفائت في الشريشي الثاني وفي المعاهد الثالث- هذا وقد ألطف تعليل خفقان القلب. ومثله للحظيري.
يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جا ... بخفقة تعتريه
فقلت وصلك عرس ... والقلب يرقص فيه
وقال البهاء زهير:
لا تنكروا خفقان قلبي ... والحبيب لدي حاضر
ما القلب إلا داره ... دقت له فيها البشائر
(3) البساط 61 - 62. وله بيتان في المعنى نفسه انظرهما في قافية الياء.
(2/140)

(22)
وقال في أن التآسي، لا يبعث على السلْوة والتناسي (1):
رأيت التعزّيَ مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه
وما نال ذو أسوةٍ سلْوةً ... ولكنْ أتى الحُزْن من بابه
تفكّر في مثل أرزائه ... فذكَّرَه ما به ما به
(التاء)
(23)
وقال في الإعراض عن الجاهل (2):
أيّها المُوْحِي إلينا ... نَفْثةَ الصِلِّ الصمَوتِ
ما سكتْنا عنك عِيًّا ... ربّ نطق في السكوت
لك بيتٌ في بيوت (3) ... مثل بيت العنكبوت
إن يهنْ وهْنًا ففيه ... حِيلتا سُكْنى وقوت
(24)
وقال يذكر إبليس (4):
أرى الشيخ إبليس ذا علَّة ... فلا بَرأ الشيخ من علته
__________
(1) الشريشي 2: 194 والبساط 75. هذا رد على الخنساء وقد اقتفى أثر ابن الرومي وهو مجلي الحلبة قال:
رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... يؤسي أو يعوض أو ينسى
أبت نفسي الهلاع لرزء شيء ... كفى رزءًا لنفسي رزء نفسي
أتجزع وحشة لفراق ألف ... وقد برّأتها لحلول رمى
قال ابن رشيق أخذته من قول عمر بن أبي ربيعة:
وذو الشوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
وأخذه عمر من قول متمم بن نويرة:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعوتي فهذا كله قبر مالك
(2) العمدة 1: 162 ويأتي له في الغين بيتان في المعنى.
(3) وفي النسخة المطبوعة من العمدة البيوت محلى باللام. وهذا البيت والذي بعده غير موجودين في النسخة المخطوطة التي في إدارة مجلة (الزهراء).
(4) الشريشي 283: 2 - وهناك بريء وفلا تدخروا بالدال المهملة - ولابن رشيق أبيات في لعن إبليس =
(2/141)

يقود على الحِبّ مستيقظًا ... ويأتيك في الليل في صورته
فيؤتيك ما شاء من نفسه ... ويَبْلغُ ما شاء من لذته
ومن كان ذا حيلة هكذا ... تمثَّل للمرء في يَقْظته
فلا تَدْخُروا دونه لعنة ... لأن رضي الله في لعنته
الثاء
(25)
وقال وأبدع ما شاء (1) ويعْزى لابن شرف:
لك مجلس كملت بشارة لهْونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب فظلَّ يَزْمِر حوله ... فيه البعوض ويرقص البُرغوث
الجيم
(26)
قال في العمدة (2) ومن قصيدة صنعتها بديهةً بالمَهْدية ساعة وصولي إليه أدام
__________
= لامية - والسابق إلى المعنى الحكمي حيث يقول:
عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر من نيته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادًا لذريته
(1) بدائع البدائه للأزدي على هامش المعاهد 2: 176 - وعزاهما الشريشي 2: 45 لابن شرف وقد حرفهما الناسخ وكذا في المعاهد 1: 220 ونفح الطيب مصر 2: و 209 أوروبا 2: 222 - وأنشد الحافظ ابن دحية:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض
والمعنى مبتذل تداوله الشعراء قديمًا وحديثًا وقد أحسن الكمال أبن الأعمى المتوفي سنة 692 ه في ذم دار سكناه:
من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سباتها
وتبيت تسعدها براغيث متى ... غنت لها رقصت على نغماتها
رقص بتنقيط ولكن قافه ... قد قدمت فيه على أخواتها
وقد أوجز ابن رشيق وأعجز.
(2) العمدة 1: 154.
(2/142)

الله عِزَّه عن اقتراح بعض شعراء وقتنا هذا:
وذيّالٍ له رِجْل طَحونٌ ... لما نزلت به ويَدٌ زَجوجُ
يَطير بأربع لا عيب فيها ... لظُهْرانِ الصَفا منها عَجيج
خرجت به عن الأوهام سَبْقًا ... وقلَّ له عن الوَهْم الخُروج
إلى المَلِك المعِزِ أبي تميم ... أمُرَ بمن سِواه فلا أعيج
(27)
وقال في النسيب (1):
من ذا يعالج عني ما أعالجه ... من حَر شوق أذاب القلب لاعجُه
ومن يكن لرسيس الشوق داخلُه ... يكن لفرْطِ الضَنى والسُقم خارجه
كادت خلاخيل من أهوى تبوح به ... سرًّا - وغصّت بما فيها دمالجه
(28)
وقال (2) - وركب متن البحر إلى صِقليَّة - وقد أحسن كلَّ الإِحسان:
ولقد ذكرتُك في السفينة والرَدى ... متوقَّعُ بتلاطم الأمواجِ
والجو يهْطِل والرياح عواصف ... والليِل مُسْودُّ الذوائب داج
وعلى السواحل للأعادي غارةٌ ... يتوقَعون لغارةٍ وهِياج
وعلتْ لأصحاب السفينة ضجّة ... وأنا وذكْرُك في ألذ تَناج
__________
(1) البساط 67 وهناك الصبي (موضع الضنى) وعصت (موضع غصت) فأصلحناهما.
(2) الغيث 23: 2 والبساط 65 وديوان الصبابة 182 وهناك للأعادي عسكر وغارة أيضًا صحيح فالمراد به المدى وهم المغيرون - والمعنى مطروق ورده الشعراء وقد أحرز قصبتي السبق والإحسان أبو عطاء السندي الحمامي في قوله:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
الثناءة الأبيات - وعزاها صاحب تزيين الأسواق 219 للشريف البياضي وأورد قبيلها أبياتًا رائية لابن رشيق (ستأتي في رقم 53 ص 31) وهي:
ولقد ذكرتك والطبيب معبس ... والجرح منغمس به المسبار
الثلثة، فانظر هل انقلب على كاتب الأمر فكتب على الرائية اسم ابن رشيق بدل الشريف البياضي وعلى الجيمية اسم الشريف بدل اسم ابن رشيق.
(2/143)

وقال في العمدة (1): وقد كنت صنعت بين يدي سيِّدنا (ابن أبي الرجال الكاتب وفي نعمه) عن أمره العالي زاده الله علوًّا:
الشعر شيء حسنُ ... ليس به من حَرَجِ
أقلُّ ما فيه ذها ... ب الهمٌ عن نفس الشجى
يُحْكِم في لطافة ... حل عقود الحُجج
كم نظرة حسَّنها ... في وجه عذْرٍ سَمِج
وحُرْقةٍ برَّدها ... عن قلب صبٍ مُنضَج
ورحمةٍ أوقعها ... في قلب قاسٍ حَرِج
وحاجةٍ يسَّرَها ... عند غَزال غنج
وشاعر مطرَحٍ ... مُغلق باب الفرج
قرَّبَه لسانه ... من مَلِك مُتَوَّج
فعلموا أولادكم ... عَقار طِبِّ المهج
(30)
وقال (2) يذمّ الباذِنجانَ:
وإذا صنعتَ غَداءَنا ... فاجعله غير مُبَذْنَج
إيّاك هامة أسْودٍ ... عُرْيانَ أصْلَعَ كَوْسَجِ
(31)
وقال (3):
وقد أطْفأوا شمسَ النهار وأوقدوا ... نجومَ العوالي في سماء عَجاج
__________
(1) العمدة 1: 23 - وفارس هذا المضمار أبو العباس الناشئ راجع نونيته 2: 91 - 93 من العمدة.
(2) حلبة الكميت للنواحي ص 269 - وهناك غدانا موضع غداءنا ومنبذج بدل مبذنج وهو مفعول مصنوع من الباذنجان- وورد البيتان في "نزهة الأنام في محاسن الشام" ص 286 غير معزوين لشاعر بعينه - وقال آخر يصفه:
وروضة ابذنج تكامل حسنها ... لها منظر يزهو بكل نظير
وقد لاح في أقماعه فكأنه ... قلوب ظباء في أكف نسور
(3) خزانة الأدب لابن حجة 1: 70، حسن التوسل 69.
(2/144)

الحاء
(32)
وقال (1) يصف الثريّا:
يا حبّذا من بنات الشمس سائلة ... على جوانبها تهفو المصابيحُ
كأنّها رَبْوةٌ سمعاء كَلَّلها ... نَوْرُ البَهار وقد هَبّت لها ريح
(33)
قال ابن شَرَف (2) استخلانا المعزّ يومًا وقال أريد أن تصنعا شِعرًا تمدحان به الشَعَرَ الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء فإني أستحسنه وقد عاب بعض الضرائر بعضًا به وكلهنِ قارئات كاتبات فأحب أن أرِيَهن هذا وأدّعى أنه قديم لأحتج به على من عابه وأسُرَّ مَنْ عِيبَ عليه. فانفرد كل منا (من ابن شرف وابن رشيق) وصنع في الوقت، فكان الَّذي (3) قلتُ "وبلقيسةٍ" الأربعة الأبيات، وكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرْحا
وقد زادها التزغيبُ مِلْحًا كمثل ما ... يزيد خُدودَ الغِيد تزغيبُها مِلْحًا
فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون وقال: قد أوجدتَ لخصمها حجَّةً بأنَّ بعض الناس عابه. وهذا نقد ما فَطِنتُ له.
__________
(1) البساط 65 - وسمعاء لم أهتد لوجه صوابه ولا عثرت على البيتين في موضع آخر- و "سائلة" كذا وانظر هل هي سائرة.
(2) في كتابه أبكار الأفكار على ما في بدائع البدائه 1: 228 والبساط 49.
(3) انظر أبياته في باب الحاء من شعره.
(2/145)

(34)
وقال (1):
أيها الليل طِرْ بغير جَناح ... ليس للعين راحة في الصباح
كيف لا أبغض الصباحَ وفيه ... بانَ عني أولو الوجوه الصِباح
(35)
وقال (2) وقيل إنهما لابن حَمْديس الصِقِلّي:
باكِرْ إلى اللّذّات واركَبْ لها ... نجائبَ اللهو ذواتِ المِراحْ
من قبل أن تَرْشُفَ شمسُ الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأَقاحْ
(36)
وقال في العُمْدة (3) ونقل قول المتنبّيء:
"نُسقوا لنا نسق الحساب مقدَّما ... وأتى فذلكَ إذ أتيتَ مؤخَّرا"
تفسير مليح قليل النظير في أشعار العرب وتعلّقتُ به في مدح السيد أبي الحسن فقلت:
أنى بعد أهل العُلَى ... كجُملة شيء شُرِحْ
__________
(1) الشريشي 1: 226 وتزيين الأسواق 201، ديوان الصبابة 109، شرح دي ساسي على المقامات ص 212 - ويروى في قافية البيت الثاني بدل الصباح الملاح - البساط 75 - والنثار 25.
(2) الغيث 1: 182 والمعاهد 1: 188 والخزانة للحموي 49 ونثار الأزهار 46 ونزهة الأنام في محاسن الشام 149 والبساط 70 وزاد عليهما مطلعًا نقلًا عن ابن خلكان وهو:
قم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح
وزعم أن ابن خلكان غير مصيب في عزو الأبيات التي ابن حمديس. أقول ابن خلكان أعرف الجميع وأيًّا ما كان فإن المطلع لم يعزه أحد إلى ابن رشيق وإنما نقله نفسه عن ابن خلكان في ترجمة ابن حمديس 1: 302 معزوًا إليه فعزاه إلى صاحبنا - وما أرشق البيتين وأبدعهما!
(3) العمدة 2: 30.
(2/146)

الدال
(37)
قال (1) سألني بعض أصحابنا أن أضمِن له قول الشاعر:
"فإن فخرتَ بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا"
ولا أزيدَ على بيت واحد فقلتُ:
أصبحتَ من جملة الأشراف إن ذُكروا ... كواحد الآس لا يزكو له عدد
(38)
وقال (2) في أدب المشاورة:
أشاورُ أقوامًا لأخُذَ رأيَهم ... فيَلْوُوْن عني أعينا وخدودا
وليس برأي حاجةٌ غير أنني ... أؤنسه كيلا يكون وحيدًا
ولا أنا ممن يبعث السهمَ راميًا ... إلى غرض حتى يكون سديدًا
فلا يتّهمْ عقلي الرجال فإنني ... أعرفهم أني خُلقتُ ودُودًا
(39)
وقال (3):
كم ركعة ركع الضِبعانُ تحت يدي ... ولم يقل سمع اللهُ لمن حمِدهْ
(40)
وقال (4) والبيتان سائران وعزاهما ابن خلكان لذي الوزارتين أبي بكر بن عمار المقتول وأخْلِقْ به أن يكون صوابا:
__________
(1) الشريشي: 2: 116.
(2) الشريشي 2: 281.
(3) نفح الطيب أوروبا 1: 799.
(4) المعجب طبعة أوروبا ص 50 ونفح الطيب مصر 1: 99 أوروبا 131 ومعالم الإيمان 3: 239 البساط 61 - ونسبهما ابن خلكان لابن عمار في ترجمته 2: 7 وملخص ما روى أنه كان وزيرًا للمعتمد ووجهه =
(2/147)

مما يزهدني في أرض أندلس ... سماعُ معتضدٍ فيها ومعتمد
أسماءُ مملكة في غير موضعها ... كالهرّ يحكي انتفاخًا صولة الأسد
(41)
وقال (1) في النارنج:
ودوحة نارنج بُهتنا بحسنها ... وقد نشرت أغصانها للتأوُّد
ونارنجها فوق الغصون كأنه ... نجومُ عقيق في سماء زبرجد
(42)
وقال (2):
معتدل القامة والقدٌ ... مورَّد الوجنة والخدٌ
لو وضع الورد على خدِّه ... ما عُرف الخدِّ من الورد
__________
= أميرًا فملك مدينة تدمير وكان سيء التدبير ثم وثب يبخس حقوق مولاه ويعقه فتحيل المعتمد عليه وقتله بيده سنة 477 ه بقصره في إشبيلية. ومن جملة ذنوبه عند المعتمد ما بلغه عنه من هجائه وهجاء أبيه المعتضد في بيتين هما كانا من أكبر أسباب قتله وهما:
مما يقبح عندي ذكر أندلس البيتين - ولا بد أن يكون أخذ الخبر من مصدر يوثق به ولم يذكرهما صاحب القلائد فإذن لا يعد إذًا أن قلنا أن صاحبنا تمثل بهما وكم من شعر عزى التي المتمثل به لما جهل قائله. وأما خبر البيتين فإنا نذكره أن شاء الله في شعر ابن شرف وهو به أليط. وفي النفح 2: 475 ما يدلك أيضًا على أن البيتين لغير صاحبنا حيث سمى قائلهما كافرًا لنعم بني عباد عليه ومعلوم أن لم يصل إلى ابن رشيق شيء من نعمهم حيث لم يفد عليهم وكذا في مجموعة تاريخ بني عباد. والعجب كل العجب من ابن خلدون حيث عزاهما في مقدمته (مصر سنة 1311 ه) ص 3 و 136 إلى ابن شرف.
(1) البساط وحلبة الكميت غير معزو إلى أحد 266 - وما أحسن قول ابن المعتز:
كأنما النارنج لما بدت ... صفرته في حمرة كاللهيب
وجنة معشوق رأى عاشقا ... فاصفر ثم احمر خوف الرقيب
وقوله:
وكأنما النارنج في أغصانه ... من خالص الذهب الذي لم يخلط
كرة رماها الصولجان إلى الهوا ... فتعلقت في جوه لم تسقط
(2) الشريشي 1: 46 ودي ساسي 37 وديوان الصبابة غير البيت الثاني 190 - وله في المعنى بيتان يأتيان في الهاء.
(2/148)

قل للذي يعجبُ من حسنه ... إقرأ عليه سورة الحمد
(43)
وقال (1) في مغنّ:
غنني يا مجوّد الخلق عندي ... "حَيّ نجدًا ومن بأكناف نجد"
واسقني ما يصير ذو البخل منها ... حاتمًا والجبانُ عمرَو بن معدي
في زمان الشباب عاجلني الشي ... بُ فهذا أوائل الدَّن دُرْدى
(44)
وقال (2) في غرض يظهر من الأبيات:
قد أحكمت مني التجا ... ربُ كل شيء غير جودي
أبدًا أقولُ لئن كسب ... تُ لأقبضنَّ يَدي شديد
حتى إذا أثريتُ عُدْ ... تُ إلى السماحةِ من جديد
إن المُقام بمثل حا ... لي لا يتمّ مع القعود
لا بدَّ لي من رحلةٍ ... تُدْني من الأمل البعيد
(45)
وقال (3):
إذا لم تجد بُدًّا من القول فانتصفْ ... مجدُ لسان كالحُسام المهنّد
فقد يدفع الإِنسانُ عن نفسه الأذى ... بمِقْوله إن لم يدافعه باليد
__________
(1) الشريشي 2: 11 والبساط 71 - ولفظ المثل "أول الدن دردي" راجع الأمثال البغدادية للطالقاني رقم 120 ص 8 وأمثال الميداني -وأرى- المثل مترجمًا من الفارسي- وعمرو بن معد يكرب هو أبو ثور الزبيدي أنجد فرسان العرب وأشدهم بأسًا صاحب الصمصامة أسر كثيرًا من الفرسان كعنترة ودريد بن الصمة وأخته ريحانة والحارث بن ظالم وعامر بن الطفيل واخته والعباس بن مرداس ثم منّ عليهم وأطلقهم وأمره معروف.
(2) معجم الأدباء ج 3: ص 72 (وهناك حملت بدل أحكمت ولعله محرف عن جملت) والحلل السندسية.
(3) العمدة 142: 2 والبساط 66 و 67.
(2/149)

وقال (1) وناوله محبوبه الصائغ يومًا تفاحة:
وتُفَّاحة من كفّ ظبي أخذتها ... جناها من الغصن الذي مثل قدّه
لها لمس رِدفَيه وطيبُ نسيمه ... وطعم ثناياه وحمرة خده
(47)
وقال (2) وجمع ستة أمثال:
خذ العفو وَأبَ الضيمَ واجتنبِ الأذى ... وأغْضِ تَسُدُ وارفْقْ تَنَلْ واسخُ تُحْمَدِ
(48)
وقال (3) في البنفسج:
بنفسج جاءك في حين لا ... حَريُرى فيه ولا فرطُ بَرْدْ
كأنه لما أُتينا به ... منغمِس الأثواب في اللازَورْدْ
(49)
وقال (4):
رأيت شقيقة حمراءَ بادٍ ... على أطرافها لطخ السواد
يلوح بها كأحسن ما تراه ... على شفة الصبي من المداد
الذال
(50)
قال ابن شَرَفَ (5) استدعاني المعز بن باديس يومًا واستدعى أبا علي الحسن بن
__________
(1) الشريشي 2: 269 - وتحفة المجالس للسيوطي 219 ونزهة الأنام في محاسن الشام 205.
(2) العمدة 1: 193.
(3) حلبة الكميت 246.
(4) نزهة الأنام في محاسن الشام 166.
(5) في أبكار الأفكار له وبدائع البدائه 1: 226 والبساط 55.
(2/150)

رشيق الأزدي وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه فقال: أحب أن تصنعا بين يديَّ قطعتين في صفة الموز على قافية الغين فصنعنا حالًا من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر فكان الذي صنعته "يا حبذا الموز .. " الأبيات الثلثة. والذي صنعه ابن رشيق "موز سريع." الأبيات الأربعة - فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال فعملنا ولم يُرِ أحدُنا صاحبِه ما عمل فكان الذي عملته "هل لك .. " الأبيات الستة من الرجز - وما عمله ابن رشيق:
لله مَوْز لذيذُ ... يُعيذه المستعيذ
فواكهٌ وشرابٌ ... به يُداوى الوقيذ
تَرَى القذى العينُ في ... كما يُريها النبيذ
قال ابن شرَف فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحدًا. ولقد قال من حضر ذلك اليوم ما ندري ممٌ نتعجّب أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية أم من حسن الاتفاق.
(51)
وقال (1):
يا ربّ لا أقْوى على دفْع الأذى ... وبكَ استعنت على الضعيف الموذِي
ما لي بعثتَ إليَّ ألف بعوضة ... وبعثتَ واحدةً إلى نمْرُوذ
الراء
(52)
وقال (2):
بين أجفانك سِحْرُ ... ولأغصانك بَدْرُ
جرّدت عيناك سَيفَي ... ن لذا أمْرُك أمْرُ
فعلى خدّيك من نزْ ... ف دِما العُشَّاقِ أثر
__________
(1) ابن خلكان 1: 133 والشريشي 2: 45 والبساط 75 وغيرها.
(2) الشريشي 2: 261.
(2/151)

ومن الكُثْبان شطر ... لك والأغصانُ شَطر
وسواءٌ قلتُ دُرّ ... ما أرى أو قلت ثَغْر
وبما إذا أصفُ الخص ... ر وما إن لكَ خصْرُ
بك شُغلي واشتغالي ... ومضى زيد وعمرو
(53)
وعزيت الأبيات الآتية له (1) والله أعلم:
ولقد ذكرْتك والطبيبُ مُعبّسٌ ... والجرح منغمس به المسبارُ
وأديمُ وجهي قد فَراه حديدُه ... ويمينُه حذرا عليَّ يسار
فشغلتني عما يليق وإنَّه ... ليضيق عن بُرَحائها الأقطار
(54)
وقال (2) يعرّض بكاتب ردَّ أمر محمد بن هرون:
أرى بعض من أنت صيَّرته ... من الناس يعروك تعبيرُه
تُنافِس أفعالك أفعالُه ... وينقُص جاهَك تأثيره
كما كسف الشمسَ بَدْرُ الدُجى ... وإن كان من نورها نوره
(55)
وقال (3) في معنى التقفّز والرحلة:
وماءٍ بعيد الغوْر كالنجم في الدُجى ... وردتُ طروقًا أو وردتُ مهجّرا
على قدم أخت الجَناح وأخمصٍ ... يخال حصا المعْزاء جمرا مسعرا
فريدا من الأصحاب صلتا من الكُسى ... كما أسلَمَ الغِمدُ الحسامَ المذكرا
__________
(1) معزوة إليه في تزيين الأسواق ص 219 ولعله خطأ من بعض كتابه وانظر حاشية قطعة جيمية (تقدمت في رقم 28 ص 143). وقوله حديدة وفي التزيين جديدة بالجيم وهو خطأ.
(2) الغيث 2: 148.
(3) العمدة 1: 154.
(2/152)

(56)
وقال (1) في خال تحت لحْي:
حبذا الخال كامنًا منه بي ... ن الجيد والخدّ رِقبةً وحِذارا
رام تقبيله اختلاسا ولكن ... خاف من سيف لحظه فتَوارى
(57)
وقال (2) في الصبح من الرجز:
كأنما الصبح الذي تفرَّا ... ضمَّ إلى الشرق النُجوم الزُهْرا
فاختلطت فيه فصارت فجْرا
(58)
قال ابن رشيق في أنموذجه (3) من قصَّة: أنشدته (بريد عبد الوهاب بن محمد الأزديّ المعروف بالمثقال) من قصيدة لي:
والثريا قبالة البدر تحكي ... باسطًا كفه ليقبض جاما
وأنشدته أيضًا لي:
رأيت بَهْرامَ والثريّا ... والمشتري في القرآن كَرَّه
كراحة خُيّرت فحارت ... ما بين ياقوتة ودرّه
__________
(1) قال ابن رشيق (في الأنموذج): وكان كثيرًا ما ينتابني غلام وضيء الوجه ذو خال تحت لحيه. فنظر إليه يومًا بعض أصحابي ثم أطرق فعلمت أنه يعمل فيه. فصنعت بيتين وسكت عنهما خوف الوقوع دونه. فلما رفع رأسه قال اسمع وأنشد:
يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد
فقلت رأي ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعا مثل ما خضع العبد
فقلت: أحسنت ولكن اسمع وأنشدت "حبذا ... " البيتين. فقال: فضحتني- بدائع البدائة 1: 240 والمعاهد 2: 19 وهناك بهر الجمال من لحظ طرفه. والبساط 69 - وسمى في المعاهد بعض أصحابه بابن حبيب.
(2) نثار الأزهار 71 والبساط 65 وهناك نجوم الزهرا والصواب ما كتبنا أو نجوما زاهرا.
(3) فوات الوفيات 2: 24 والمعاهد 4: 139 وفيه يا ساقي الكأس في أبيات عبد الوهاب الأزدي ونسب بيتي ابن رشيق الآتيين إلى عبد الوهاب أيضًا وهو خطأ منه.
(2/153)

فاستظرفه وأنشدني:
(يا ساقيَ الراح إسقِ صحبي ... وواسِني إنني أُواسي)
(وانظر إلى حيرة الثُرَيّا ... والليل قد شد باندماس)
(ما بين بهرامها الملاحي (1) ... وبين برجيسها المواسي)
(كأنّها راحة أشارت ... لأخذِ تُفاحة وكاس)
(59)
وقال (2) وهو من سائر شعره:
في الناس من لا يرتجى نفعُه ... إلا إذا مُسّ بإضرار
كالعُوْد لا يُطمَع في طِيبه ... إلا إذا أُحرق بالنار
(60)
وقال الزاهي (3) وقيل لابن رشيق في الغيم والمطر والبرق:
خليلَيَّ هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار في أحشائها وهي لا تدري
سحابٌ حكت ثكلَى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياضِ على قبر
ترقرق في دمعًا في خدود توشَّحت ... مطارفُها بالبرق طرزًا من النبرِ
فوشي بلا رَقْم ونسجٌ بلا يد ... ودمع بلا عين وضِحكُ بلا ثغر
(61)
وقال في الحمام (4):
ومرتَهَنٍ لدَى الحمّام أضحى ... وحالاه لأصحاب السعير
إذا سَئِموا العذاب أو استغاثوا ... أغاثوهم بباب الزَمهَرِير
__________
(1) يريد اللاحي واللائم.
(2) معجم الأدباء 3: 72 وبغية الوعاة 220 والحلل السندسية والبساط 66 و 85 - والعجب من ياقوت حيث يقول 6: 143 في ترجمة أبي القاسم الفضل بن محمد النحوي قال القاسم بن محمد بن الحريري أنشدنا شيخنا المذكور لنفسه في الناس البيتين اه ملخصه. وعزا الصفدي البيتين (في نكت الهميان ص 227) إلى أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني شيخ الحريريّ والتبريزي.
(3) هذا لفظ النواجي في حلية الكميت ص 329.
(4) الشريشي 1: 54.
(2/154)

كذلك حاله حَرًا وبَرْدًا ... ببيت الحوض أو بيت الطَهور
وطال به انتظارُ مواعِدِيهْ ... فقد زاد الشقيُّ على النظير
(62)
وقال في بَغْل (1):
أوْصِيك بالبغل شرًّا ... فإنه ابن الحمار
لا يصلح البغل إلا ... للكدّ والأسفار
كالعبد إن لم تُهِنْه ... جَنَى على الأحرار
ما اعتاض بغلا بطِرْف ... إلا أخو إدْبار
(63)
وقال (2):
الأسر خير من الفرار ... والقتل خير من الإسار
وشر ما خفته حياةُ ... أدَّتْ إلى ذلة وعار
(64).
وقال في الهجاء (3)، وقد أثبتناه كما وجدناه والعياذ بالله عن سفساف الهراء:
عِرْسُه من غير ضَير ... عِرْسُ زيد بن عُمير
أبدًا تَزْنِي فإن حا ... ضَتْ تَقُدْ حِبَّا لأير
ولها رِجْلان من نا ... قة كعب بن زُهَير
هكذا تبنى المعالي ... ليس إلا كل خير
__________
(1) الشريشي 2: 176 - وله في البغل مقاطيع بائية ورائية ولامية- وأخبار أبي دلامة وشعره في لغله معروف.
(2) البساط 67.
(3) العمدة 2: 72 - قال: زيد بن عمير هو الذي يقول في زوجته:
تقود إذا حاضت وان طهرت زنت ... فهي أبدًا يزنى بها وتقود
وكعب بن زهير يقول في وصف ناقته:
تهوي على يسرات وهي لاهية ... ذوابل وقعهن الأرض تحليل
وكأن هذه المرأة في حاليها لا تقع رجلاها بالأرض إما لكثرة مباضعة أو شدة مشي في فساد. انتهى بلفظه البذيء.
(2/155)

(65)
وقال (1):
لا يُبْعِدِ اللهُ أبا جعفر ... دُعابةً بِتُّ على نارها
وإن تأذّيتُ فيا ربما ... تأذت العينُ بأشفاره
(66)
وقال (2):
كتبتُ: ولو أنني أستطيع ... لإجلال قدرك دون البشرْ
قددتُ اليراعة من أنمُلي ... وكان المِدادُ سوادَ البَصَر
(67)
وقال في بَغْل (3):
كأنيَ بعضُ نجوم السماء ... تَصَعَّدَ في الجو ثم انحَدَرْ
على رَسْلةٍ من هِبات الملوك ... سَفْواءَ ملمومةٍ كالحَجَرْ
تَعاوَنَ في جَدْلِ أعضائها ... بنو أخْدَرٍ وبنات الأغَرّ
__________
(1) العمدة 2: 143 باب الاعتذار نهى فيه أولًا عن الاحتجاج وإقامة الدليل لا سيما مع الملوك ثم أنشد قول إبراهيم بن المهدي وغيره ثم قال وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية فقال:
لم أجن ذنبًا فإن زعمت ... جنيت ذنبا فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت: لا يبعد: التبيتين.
(2) الشريشي 2: 259.
(3) الشريشي 2: 176 وهناك سلمومة بالسين وبنو حذر بالذال المعجمة وكلاهما خطأ - والرسالة بالفتح السهلة السير أصله في النوق وأراد هنا البغلة -والسفواء البغلة السريعة- وملمومة مجتمعة الخلق- وأخدر حمار معروف وقيل فرس وهو أفره الحمر هكذا تزعم العرب والعادة أن يكون ما تناتج منه بغالا - من العمدة 181: 2 - والأغر اسم عدة أفراس معروفة وهي عشر على ما ساقه الصغاني واثنتا عشرة كما في التاج.
(2/156)

السين
(68)
وقال (1)
ظنَّ أن الحصون مُلكُ سليما ... ن وليلى بجهله بِلْقيسا
وله في العصا مآرب أخرى ... حاشَ لله أن تكون لموسى
(69)
قال (2) ابن بسّام في الذخيرة دخل ابن رشيق على المعز بن باديس يومًا وفي يده أتْرجة كأنها واسطة ذهب أو جِذْوة لهب فأشار إليَّ بوصفها (؟) فارتجل:
أتْرُجَّة سَبطةُ الأطراف ناعمة ... تلقى النفوسَ بخطّ غير منحوس
كأنما بسطت كفًّا لخالقها ... تدعو بطول بقاء لابن باديس
(70)
قال ابن رشيق (3) ومما قلته على عقب وداع:
ولم أدخل الحمَّام ساعة بينهم ... لأجل نعيمٍ، قد رَضيتُ ببوسى
ولكن لتجري عَبرتي مطمئنة ... فابكي ولا يَدْرِي بذاك جليسي
(71)
وقال (4):
كأن ثناياه أقاح وخدَّه ... شقيق وعينيه بقيةُ نرجس
__________
(1) الشريشي 1: 242 قال ابن رشيق كنت أميل إلى قينة اسمها ليلى فعشقها بعض خدام الحصون وكان يحسب خدمتها وكنسها منزله لا يثلم جاه متوليها فنهيته عنها فلم ينته فقلت فيه- البساط 74 - .
(2) هذا لفظ الأزدي نقلًا عن ابن بسام - البدائع 2: 39 والبساط 59 وذكره ابن خلكان في ترجمة المعز 2: 105 باختلاف يسير قال كان المعز يومًا جالسًا في مجلسه وعنده جماعة من الأدباء وبين يديه أترجة ذات أصابع (إلى أن قال) فاستحسن ذلك منه وفضله على من حضر من الجماعة (؟) الأدباء - ومنحوس كذا هو في المواضع كلها والعمل صوابه مبخوس من البخس وتصحف على النساخ - وورد البيتان في نزهة الأنام في محاسن الشام 332.
(3) الشريشي 1: 54 وطراز المجالس للخفاجي 122 والبساط 75 - وراجع حماميانه في الراء والنون.
(4) العمدة 1: 199.
(2/157)

(72)
وقال يمدح صقلية (1):
أخت العدَينة في اسم لا يشاركها ... فيه سواها من البلدان والْتمِس
وعظّم الله معنى لفظها قَسَمًا ... قلَدْ إذا شئتَ أهل العلم أو فقِس
الضاد
(73)
وقال يتغزل (2):
وفاتن الأجفان ذي وجنة ... كأنها في الحسن ورد الرياضْ
قلت له يا ظبي خذ مهجتي ... داو بها تلك الجفون المراض
فجاوبت من خده خجلة ... كيف ترى الحمرة فوق البياض
الطاء
(74)
وقال (3):
تنازعني النفس أعلى الأمور ... وليس من العجز لا أنشَط
ولكن بمقدار قرب المكان ... تكون سلامة من يسْقط
__________
(1) ديوان صلة السمط (مجموعة أماري 212) قال فأما سقلية بالسين مكسورة فضيعة في غوطة دمشق قال والأصل فيما يظهر فيهما (صقلية وسقلية) واحد عربت هذه وقيلت بالصاد وبقيت تلك على حالها وسقلية اسم رومي تفسيره تين وزيتون قال والي هذا المعنى أشار أبو علي الحسن بن رشيق رحمه الله حين مدح صقلية بقوله: أخت .. البيتين. أقول وأما العُدينة فلعله فيما أرى والله أعلم مصغر عدن يريد الغوطة وهي من جنات الدنيا الأربع.
(2) الشريشي 2: 261 وهناك داوى بإثبات الياء.
(3) الغيث 2: 27. وقال آخر:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما وقعت ... تقوم ورجلك في عافية
(2/158)

وقال (1) يصف طول الليل من قصيدة مدح بها السيد أبا الحسن:
قد طال حتى خلته ... من مناحية وَسطْ
وتكرّرت فيه المنا ... زل منه لا مني الغلط
(76)
وقال (2) كلمةً يعاتب فيها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي- منها:
وقد كنتُ لا آتِي إليك مُخاتِلًا ... لديك ولا أثْنى عليك تَصَنُّعا
ولكن رأيتُ المدح فيك فريضةً ... عليَّ إذا كان المديح تَطَوُّعا
فقمتُ بما لم يخفَ عنك مَكانُه ... من القول حتى ضاق مما تَوَسَّعا
ولو غيرُك الموسوم عني بِريبة ... لأعطيتُ منها مُدَّعي القوم ما ادّعى
فلا تَتخالجْكَ الظُنونُ فإِنَّها ... مآثمُ واترك فِيَّ للصُنْع موضعا
فوالله ما طَوَلتُ باللوم فيكم ... لسانًا ولا عَرَضتُ للذمِّ مسمَعا
ولا ملتُ عنك بالوداد ولا انطوتْ ... حِبالي ولا وَلَّى ثنائي مودِّعا
بلى ربَّما أكرمتُ نفسي فلم تَهُنْ ... وأجللتُها عن أن تذِلّ وتَخْضَعا
ولم أرض بالحظّ الزهيد ولم أكن ... ثقيلا على الإِخوان كَلًّا مدفَّعا
فباينتُ لا أن العداوة باينتْ ... وقاطعتُ لا أن الوفاء تَقَطَّعا
__________
(1) العمدة 2: 196 - والبيتان على حسن المعنى من باب التوجيه أو محتمل الضدين: منه الغلط لا مني -أو منه الغلط لا لا! بل هو مني. وجعله وسط من مناحية كخط الدائرة.
(2) العمدة 2: 131 - ابن خلكان 2: 343 وفيه ففهت بدل فقمت وعنده ثمانية ترتيبها 1، 2، 3، 4، 5، 6، 8، 10 - معجم الأدباء 3: 74 وفيه ستة 4، 5، 6، 7، 8، 10 ولفظه ثم قال (ابن رشيق) في ورقة أخرى (من فسح اللمح) تمام الأبيات العينية (قال ياقوت) وما وجدتها أعني الأبيات التي هذه تمامها (ثم أنشدها) - البساط 73، 74 وعنده تسعة 1، 4 والباقي على ما هنا - قال ابن خلكان قبيل الأبيات وكان الشيخ موفق الدين (أبو البقاء بن يعيش النحوي) المذكور كثيرًا ما ينشد منسوبًا إلى أبي علي الحسن بن رشيق المقدم ذكره ثم كشفت ديوانه فلم أجد هذه الأبيات فيه والله أعلم وهي (ثم أنشدها). أقول وقد علمت أن صاحبنا ذكرها في كتابيه المذكورين- البيت الرابع في البساط كما هنا وفي معجم الأدباء وابن خلكان عندي موضع عني- وأما هذا القاضي فذكره صاحب المعالم 3: 243 وذكر أن أبيات ابن رشيق الميمية التي حصلنا منها على بيتين فقط كانت السبب في عزل ابنه محمد بن جعفر عن القضاء.
(2/159)

ألوذ بأكناف الرجاء وأتّقي ... شماتَ العِدَى إِن لم أجد فيكَ مطْمَعا
(77)
وقال يهجو (1):
يا مُوجِعي شتمًا على أنه ... لو فَرَكَ البُرْغوثَ ما أوجعا
كُلٌّ له من نفسه آفةٌ ... وأفةُ النَحْلة أن تلْسَعَا
(78)
وقال في خيانة الأصدقاء (2):
صديق المرء كالدينار طبعًا ... وكيف يفارق المرء الطِباعا
تراه إذا أقام يقيم جاهًا ... وإن فارقتَه أجدى انتفاعا
(79)
وقال يرثي (3) وأنشدها في الأنموذج:
أما لئن صَحّ ما جاء البريد به ... ليَكْثُرَنَّ من البَاكين أشياعي
ما زلت أفزَع من يأس إلى طمع ... حتى ترفّع يأسي فوق أطماعي
فاليوم أنفق كنزَ العمر أجمعَه ... لمّا مضى واحد الدنيا بإجماعي
(80)
وقال (4) في دقّة الخصر ورجاحة الكفل:
أحمل أثقالي على رِدْفه ... وأمسك الخَصْرَ لئلا يضيع
الغين
(81)
وقال (5):
وأخرقَ أكّالٍ للحم صديقه ... وليس لجاري ريقه بمُسيغ
__________
(1) العمدة 2: 137 والبساط 74، 75.
(2) الشريشي 1: 45.
(3) معجم الأدباء 3: 71 والأولى بإجماع بدون الياء.
(4) الغيث 1: 243.
(5) العمدة 1: 162 والبساط 74 محرفًا.
(2/160)

سكتُّ له ضنًّا بعرضي فلم أجب ... وربّ جواب في السكوت بليغ
(82)
وقال (1) في المَوْز ومرّ خبره في قافية الذال:
مَوْز سريع أكلُهُ ... من قبل مَضْغ الماضغ
مأكلة لآكل ... ومشرب لسائغ
فالفم من لِينٍ به ... ملآنُ مثلُ فارغ
يخال وهو بالغ ... للح[لْ]ق غير بالغ
الفاء
(83)
قال في العمدة (2) وقلت من قصيدة اعتذرت بها إلى مولانا خلّد الله أيامه من طول غيبة غِبْتُها عن الديوان:
إليك يخاض البحر فَعْمًا كأنه ... بأمواجه جيش إلى البَرِّ زاحفُ
ويبعث خَلفَ النُجْح كلُّ مُنيفة ... تُريك يداها كيف تطوى التنائف
من المُوجِفات اللاء يَقْذِفْن بالحصا ... ويرْمَى بهنّ المهْمَهُ المتقاذف
يَطير اللُغامُ الجعَدُ عنها كأنه ... من القطن أو ثلج الشتاء ندائف
وقد نازعت فضل الزمام ابن نكبةٍ ... هو السيف لا ما أخلصتْه المشارف
فكيف تراني لو اُغنت على الغنى ... بجد وإني للغنى لمشارف
وقد قرَّب الله المسافة بيننا ... وأنجزَني الوعدَ الزمانُ المساوف
__________
(1) أبكار الأفكار لابن شرف على ما في بدائع البدائة 1؛ 226 والبساط 54.
(2) العمدة 1: 153 و 154 والبساط 72 محرفا على جاري عادته- قوله ابن نكبة يريد الماضي المتصلت في الأمور والمشارف قرى تشارف الشام أي تصاقبها ردوها في النسبة الي الواحد وحكي الواحدي هي قرى باليمن وقال أبو عبيدة تنسب إلى مشرف وهو جاهلي قال ابن الكلبي هو المشرف بن ملك بن دعر بن حجر (راجع النسب في معجم البلدان 8: 62 مصر) من قحطان- هذا هو المعروف والعجب من صاحبنا حيث يقول في العمدة 180: 2 مشرف منسوب إلى مشرف وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها وليس قول من قال أنها منسوبة إلى مشارف الشام أو مشارف الريف بشيء عند العلماء وإن قاله بعضهم اه ومع هذا ينسب السيوف إلى المشارف في هذا البيت. فقوله "وليس قول من قال". هذا القائل هو ابن أخت خالته.
(2/161)

ولولا شَقائي لم أغِبْ عنك ساعةً ... ولا رامَ صرفي عن جنابك صارف
ولكنني أخطات رُشدي فلم أصِبْ ... وقد يُخطيء الرُشْدَ الفتى وهو عارف
(84)
وأنشد (1) لنفسه في كتاب فسح اللمح:
المرء في فسحة كما علموا ... حتى يرى شعره وتأليفه
فواحد منهما صفحتَ له ... عنه وجازت له زخاريفه
وآخر تجري؟ منه في غَرَر ... إن لم يوافق رضاك تثقيفه
وقد بعثنا كيسَين ملؤهما ... نقد امرئ حاذق وتزييفه
فانظر وما زلت أهل معرفة ... يا من لنا علمه ومعروفه
(85)
وقال (2) في نفسه -وكان أحول- وفي الطوسي الأعمى الشاعر وفي محمد بن شرف الأعور:
لا بد في العور من تيه ومن صلف ... لأنهم يبصرون الناس أنصافا
وكل أحول يلفى ذا مكارمة ... لأنهم ينظرون الناس أضعافا
والعمْى أولى بحال العور لو عَرَفوا ... على القياس ولكن خاف من خافا
(86)
وأنشد (3) لنفسه في الأنموذج:
قالوا رأينا فراتًا ليس يوجعه ... ما يوجع الناس من هجر إذا قذفا
__________
(1) معجم الأدباء 3: 73.
(2) الغيث 2: 225. وقال آخر في المعنى:
شمس الضحى يغشى العيون ضياؤها ... إلا إذا رمقت بعين واحدة
فلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف فضيلتهم وخذها فائدة
نقصان جارحة أعانت أختها ... فكأنما قويت بعين زائدة
ومن أبيات لأبي عثمان الخالدي:
وربما ابتهج الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور
(3) معجم الأدباء 3: 73.
(2/162)

(87)
وقال (1):
من جفاني فإنني غير جاف ... صلة أو قطيعة في عفاف
ربما هاجر الفتى من يصاف ... يه ولاقى بالبشر من لا يصافي
(88)
وقال (2):
ما أنت يا دهر بالأهوال تفجعنا ... إلا كمن يقرع الجلمود بالخزف
إن كنت أنت لسيف الغدر منتضيًا ... فإنني من جميل الصبر في زغف
(89)
وأنشد لنفسه (3) في تشبيه أربعة بأربعة:
بفرع ووجه وقدّ وردف ... كليل وبدر وغصن وحِقف
(90)
وقال في البهار (4):
يا حسن ما سُمّيَ البهارُ به ... لو تركته عيافة العائِفْ
قلبتهُ راهبًا فأشْعرني ... خوفًا ويا ويل راهب خائف
القاف
(91)
اجتمع أبو عبد الله بن شرف الجُذاميّ يومًا بأبي علي بن رشيق فوصف له منزلًا
__________
(1) معجم الأدباء 3: 73.
(2) الغيث 2: 177.
(3) العمدة 1: 200.
(4) الغيث 2: 263 و 264 - ولآخر في المعنى:
حكاني بهار الروض حتى ألفته ... وكل بهار للمحب صاحب
فقلت له ما بال لونك شاحبًا ... فقال لأني حين أقلب راهب
(2/163)

ضيّقًا كان فيه ثم صنع في صفته فقال (1):
ومنزلٍ قبّحَ من منزل ... النتن والظلمة والضيق
كأنني في وسطه فَيشة ... ألوطه والعَرَق الريق
وكان ابن شرف أعور أصلع فقال ابن رشيق يُداعِبه على طريق الإجازة:
وأنت أيضًا أعور أصلع ... فوافَقَ التشبيهَ تحقيق
(92)
وقال (2):
بكؤوس حكين من شفّ قلبي ... شفَةً لم تُذَق وثغرًا وريقا
(93)
وقال (3):
أراك اتهمْتَ أخاكَ الثقَهْ ... وعندك مقْتّ وعندي مقَهْ
وأثني عليكَ وقد سُؤْتني ... كما طيّبَ العودُ مَنْ أحرَقه
(94)
وقال يرثي أبا إسحاق إبراهيم بن حسن المعافري التونسيّ (4):
__________
(1) البدائع 1: 114 وهكذا كله لفظه ثم قال ولو قال ابن شرف كأنني في وسطه فيشة في فقحة لكان أوضح في تشبيه المنزل اه. فيا لله! ألبس فيهم رجل رشيد وقد صدق ابن القيم.
فإن لم تكونوا قوم لوط حقيقة ... فما قوم لوط منكم ببعيد
وإنهم في الخسف ينتظرونكم ... على مورد من جهلكم وصديد
قوله منزلًا هو الحمام على ما في الغيث 2: 225 وأول البيت هناك: كأنما حمامنا فقحة- فإذا لا يحتاج الغيث في الإصلاح إلى هذا الثالث المعزز به وليس بدونهم وأيضًا هناك ألوطها بدل ألوطه وهو الصواب ولكن الصحيح أن كلاهما خطأ جلل، وزلل وخطأ. أعاذنا الله.
(2) العمدة 1: 199 قال وقال (صاحب الكتاب) على جهة التفسير وأنشد البيت ثم قال يريد حافة (؟ ولعله حالة) والكاس والحباب والخمر.
(3) قوله هذا وقوله (في الناس. . . بأضرار) البيتين هما مأخوذان من قول أبي تمام:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل طيب العود
البساط 85.
(4) معالم الإيمان 3: 223 - وتوفي أبو إسحاق هذا سنة 443 ه. وحضر جنازته المعز بن باديس في جمع عظيم.
(2/164)

يا للرزيئةِ في أبي إسحاق ... ذهبَ الحِمام بأنفس الأعلاق
ذهبَ الحِمائم بخاشع متبتّل ... تبكي العيون عليهِ باستحقاق
ذهبَ الحمامُ ببدرِ تمّ لم يدَعْ ... منهُ الردى إلا هلال محاقِ
وَحوتْ جُنوبُ اللحد بحرًا زاخرًا ... تركَ البحار الخُضْرَ وهي سَواقِ
فاليوم أغْلقَ كلُّ فهم بابَه ... لمّا فقدنا فاتحَ الأغلاق
ما القيروان أذقت ثكلك وحدها ... قد ذاق ثُكلك سائر الآفاق
(95)
وقال في الأنموذج (1) خرج أبو العباس ابن حُديدة القيروانيّ في جماعة من رفقائه طالبًا للتنزه فحلوا بروضة قد سفرت عن وجنات الشقيق وأطلعت في زبرجد الأرض الخضراء نجومًا من عقيق، والجو قد أفرط في تعبيسه ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه. فقال ابن حديدة:
(أو ما ترى الغيث المعرِّس باكيا ... يذري الدموع على رياض شقيق)
(فكأن قطر دموعه من فوقها ... ذرّ تبدَّد في بساط عقيق)
قال وأنشدنيهما فأجزتهما بأن قلت:
فاجمع إلى شكليهما بزجاجة ... شكلين من حبب وصفو رحيق
فكأنما انتصرا لعبرة عاشق ... مهراقةٍ في وجنتي معشوق
وقال (2):
نظرت إلى البستان أحسن منظر ... وقد حجب الأغصانُ شمسَ المشارق
به زوج رمّان يلوح كأنه ... قناديل تبر محكمات العلائق
(96)
وقال في غلام معتمّ بعمامة حمراء (3):
__________
(1) بدائع البدائه 1: 121 والبساط 64.
(2) نزهة الأنام في محاسن الشام 200.
(3) قال ابن خفاجة في ديوانه وخرجت يومًا بشاطبة إلى باب السمارين ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية وذلك سنة 480 ه وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك=
(2/165)

يا من يَمُرّ ولا تم ... رّ به القلوب من الفَرَقْ
بِعمامة من خَدّه ... أو خَدُّه منها اسْتَرَقْ
فكأنّه وكأنّها ... قمرٌ تَعَمَّمَ بالشفَقْ
فإِذا بدا وإذا انثنى ... وإذا شدا وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... نح والمسامعَ والحَدَقْ
(97)
وقال (1):
اختر لنفسك من تُعا ... دِي كاختيارك من تُصادِقْ
إنّ العدوّ أخو الصدي ... ق وإن تخالفت الطرائقْ
(98)
وقال (2) -: وكتب به إلى بعض الرؤساء-:
__________
= فألفيته جالسًا على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن فسلمت عليه وجلست إليه مستأنسًا به فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق "يا من" الخمسة الأبيات فقلت -وقد أعجب بها جدًّا وأثنى عليها كثيرًا- أحسن ما في القطعة سياقة الأعداد وإلا فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كل واحدة منها ما يلائمها وهل ينزل بإزاء قوله وإذا نطق قوله شغل. . الحدق. وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد فقلت بديها:
ومهفهف طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورة ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر
فجن بها استحسانا اه نفح الطيب مصر 2: 204 وليدن 2: 216 و 217 والبدائع 2: 146 وفيه باب الشمارين وإذا انطلق في الموضعين والجوارح موضع الجوانح و"في أن هذا غاية الجهل" موضع "في هذا غاية الجهد" والنعامة بدل والغمامة- والأبيات فقط بدون الرابع في الشريشي 2: 22 والخمسة بتمامها فقط في البساط 69 - وفي هذين من الحرق. وسرق والجوانح- وأما صاحب البدائع فقال بعد سرد الحكاية بطولها "قال علي بن ظافر والقطعة الأولى ليست لابن رشيق بل هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة".
(1) الشريشي 1: 193 والبساط 67.
(2) المعاهد 1: 131.
(2/166)

إني لقيتُ مَشقَّهْ ... فابعث إليّ بشقّهْ
كمثل وجهك حسًا ... ومثل دينيَ رقَّه
[والعياذ بالله] فقال له الرئيس: أما مثل دينك رقةً فلا يوجد بوزن أمثال رمال الرقة.
الكاف
(99)
لما مات المُعِزّ رثاه الشعراء ومنهم ابن رشيق فقال (1):
لكل حيّ وإن طال المَدَى هَلَكُ ... لا عِزّ مملكة يبقَى ولا مَلِك
وَلّى المعز على أعقابه فرمي (؟) ... أو كاد ينهدُّ من أركانه الفلك
مضى فقيدًا وأبقى في خزائنه ... هامَ الملوك وما أدراك ما ملكوا
ما كان إلا حُسامًا سَلّه قَدَرٌ ... على الذين بَغَوْا في الأرض وانهمكوا
كأنه لم يَخُضْ للموت بحرَ وَغًى ... خُضْرُ البحار إذا قيست به بِركُ
ولم يَجُدْ بقناطيرٍ مقنطرةٍ ... قد أرعيت باسمه إبريزها السِكَكُ
راحُ المُعزِّ ورُوحُ الشمسِ قد قُبضا ... فانظر بأيّ ضياء يصعد الفلك
(100)
وقال (2) وقد غاب المعزّ عن حضرته وكان العيد ماطرًا:
تجهَّمَ العيدُ وانهلّت بوادره ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنما جاء يَطْوي الأرض من بَعَدٍ ... شوقًا إليك فلما لم يجدك بَكَى
__________
(1) ولفظ كامل ابن الأثير الزهرية سنة 1301 ه 10: 7 فمنهم أبو الحسن (كذا) ابن رشيق-البساط 47 - وأرعيت لعل صوابه أرعبت باسمه ابريزها يعني قطعت- وراح المعز كفه وذكرها على التغليب في التثنية.
(2) هذا لفظ المعاهد 2: 16، ومثله في البساط 58 وزاد عيد الفطر وإنه لما سمع البيتين وصل شاعر حضرته بصلة فاخرة. ولكن الشريشي خالفهما فقال: "وعد ابن رشيق محبويه الصائغ أن يكون عنده يوم عيد فصلى وارتقبه فإذا بالسماء قد أرعدت وأبرقت فكتب إليه البيتين. وعنده كأنه بدل كأنما: وفي الخزانة للحموي 214 كما في المعاهد من الحكاية إلا أن روايتهما: وكان يعهد منك: وهي أغير ظاهرة.
(2/167)

وقال (1):
قم فاسقني قهوة إذا انبعثت ... في باخل جاد بالذي مَلكَهْ
كأنّ أيدي الرياح قد بسطت ... في متنه أظهرت لنا حُبُكَهْ
اللام
(102)
قال (2) على ما حكاه ابن بسام في الذخيرة:
أسْلَمَني حُبُّ سُلَيما كمو ... إلى هَوًى أيسرهُ القتل
قالت لنا جُند مَلاحاته ... لما بدا ما قالت النَمْل
"قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أن ... تَحْطِمَكم أعينه النُجْلُ"
(103)
قال في الأنموذج (3): كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله فإذا حضر لم يأته وكثر ذلك منهما فقال لي يومًا: تَعال حتى نصنع في ذلك، فصنعتُ:
ما بالنا نُجفَى فلا نوصل ... إلَّا خلافًا مثلَ ما تَفْعَل
تأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جَعلتَ لا تأتي ولا تَسْأل
كهاجرٍ أحبابَه زائرٍ ... أطلالهم من بعد أن يرحَلوا
وصنع هو:
(يا تاركًا إن لم أغِبْ زَوْرتي ... وزائري دأبًا إذا غبتُ)
__________
(1) حلبة الكميت 285. وضمير "حبكه" يرجع إلى متنه.
(2) ابن خلكان 1: 133 وهناك سليمانكم وهو مصحف والبساط 67 و 68 وهناك سليمى منكم وهو أيضًا تصحيف والأبيات في البساط كلها مصحف والصواب ما كتبنا إن شاء الله وقد عزا العماد هذه الأبيات في الخريدة وابن المستوفي في تاريخ إربل إلى الأمير دبيس صاحب (الحلة المزيدية)، وعزاها صاحب "الذخيرة" إلى ابن رشيق، وذكر ابن خلكان (1: 178) أنها به أليط. فراجعه.
(3) بدائع البدائة: 1: 239.
(2/168)

(وَدِدتُ أنْ وُدُّك لا ينثني ... يزور فُقْدانيَ لو مُتُّ)
(104)
وقال (1):
طيرٌ أبابيلُ جاءتْنا فما بَرِحت ... إلَّا وأقواسُنا الطير الأبابيل
ترميهم بحَصَى طيرٍ مسوَّمةٍ ... كأنّ مَعْدِنَها للرَمْي سِجِّيلْ
تعدو على ثقة منا بأطيبها ... فالنارُ تقدحُ والطنجيرُ مغسول
(105)
وقال (2):
بنفسي من سُكان صَبْرَةَ واحد ... هو الناس والباقون بعد فُضُول
عزيز له نصفان: ذا في إزاره ... سمينٌ وهذا في الوشاح نحيل
مَدَارُ كئوسِ اللحظ منه مكحَّلٌ ... ويقطف (؟) وَرْد الخَدِ منه أسيلُ
(106)
وقال (3) ويا ليته حُرِمَ المقال:
يا سوء ما جاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحْذَقَ الناسَ بصَوْغ الخَنا ... صِيغَ من الخاتَم خَلْخال
__________
(1) العمدة 2: 221 قال ونقل قول امريء القيس:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب
ثم ذكر أقوال شعراء نقلوا معناه وقال: نقلته أنا إلى قوس البندق فقلت. . وسرد الثلثة الأبيات.
(2) معجم البلدان مصر 3: 336 أوربا 3: 366. وصبرة بلد قريب من القيروان وتسمى المنصورية باسم جد المعز بن باديس قال ياقوت وهي الآن خراب يَباب- وصواب "يقطف" مقطف إن شاء الله.
(3) حكى ابن بسام في الذخيرة قال ذكر أبو عبد الله. الصفار الصقلي قال كان بالقيروان غلام وضيء كان يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق فكان يحذره من المخالطة فخرج يومًا يتنزه مع جماعة فأشيع عنه ما ينكر وبلغ أبا علي فقال -بديها- بدائع البدائة 2: 119 والشريشي 1: 125.
(2/169)

(107)
وقال (1):
غبْ عن بلادك وارج حُسْنَ مغِبَّةٍ ... إن كنتَ حقًّا تشتكي الأقلالا
فالبدر لم يُجحِفْ به إدباره ... أنْ لا يسافِر يَطْلُبُ الإقبالا (؟)
(108)
وقال (2) يشبه الثريا:
كأنها كأس بَلُّوْرٍ منبَّتَةٌ ... أو نرجس في يد الندمان قد ذبلا
(109)
وقال (3):
رأيتُ إبليسَ من مُروءته ... لكل ما لا يُطاقُ محتملا
إذا هَويتُ امرءًا وأعجزني ... جاء به في الظلام معتَقَلا
تبذُّلًا منه في حوائجنا ... ولا يزالُ الكريم مبتذلًا
(110)
وقال (4):
إصحب ذوي القدر واستعدَّ بهم ... وعَدِّ عن كلّ ساقط سَفِلْه
فصاحب المرء شاهد ثقةٌ ... يُقْضى به غائبًا عليه وله
ورُقعة الثوب حين تَلْبَسه ... شهرته أو تكون مشتكله (كذا)
__________
(1) الشريشي 1: 102 وفيه قال ابن رشيق كتبت إلى بعض إخواني "مثل الرجل القاعد أعزك الله كمثل الماء الراكد إن ترك تغير، وإن ترك تكدر. ومثل المسافر كالسحاب الماطر: هؤلاء يدعونه رحمة وهؤلاء يدعونه. نقمة فإذا اتصلت أيامه، وثقل مقامه، وكثر لوامه، فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة، والسلام" وقد انصف في الحكم ولم يذهب مذهب الشطط.
(2) نثار الأزهار 113 والبساط 65 وراجع له في المعنى قطعتين أخريين في الخاء والميم.
(3) الشريشي 2: 283.
(4) الشريشي 1: 192 قال وقد قيل "الصاحب رقعة في الثوب فلينظر الإنسان ما يرقع به ثوبه" والبساط 66 وفيه "غالبًا" موضع غائبًا ولا عبرة به.
(2/170)

(111)
وقال في استبطاء (1):
أحسنتَ في تأخيرها مِنّةً ... لو لم تؤخَّر لم تكن كاملة
وكيف لا يحسُنُ تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصلة
وجنَّةُ الفردوس يُدْعَى بها ... آجلةً للمرْءِ لا عاجلة
لكنما أضْعَفَ من همتي ... أيّامُ عُمْرٍ دونها زائلة
(112)
وقال في طول ليلته (2):
أقول كالمأسور في ليلة ... ألقت على الآفاق كلكالها
يا ليلة الهجر التي ليتها ... قَطَّعَ سيفُ الهجر أوصالها
ما أحسنت جملًا ولا أجملت ... هذا وليس الحسن إلَّا لها
(113)
قال في الأنموذج (3) في ترجمة نفسه: ومن مَدْح القصيدة التي دخل بها (يعني نفسه) في جملته ونسب إلى خدمته فلزم الديوان وأخذ الصلة والحملان:
لَدْنُ الرماح لما يَسقى أسنَّتها ... من مُهْجة القَيل أومن ثُغْرة البطلِ
لو أثمرت من دم الأعداء سُمْرُ قنًا ... لأورقتْ عنده سُمْرُ القنا الذُبُل
إذا توجَّهَ في أولَى كتائبِه .. لم تَفْرق العين بين السهل والجبل
فالجيش ينفضُ حولَيهِ أسنَّته ... نَفْضَ العقاب جناحيه من البَلل
يأتي الأمور على رِفق وفي دعَةٍ ... عَجْلانَ كالفلك الدوّار في مَهل
__________
(1) العمدة 2: 128 و 129، البساط، الشريشي 1: 44 و 45 بدون البيت الآخر.
(2) معجم الأدباء 3: 73 وفيه "جمله" بدل جملًا. وجملا كذا هو في الحلل والبساط 76 منصوبًا ولعل صوابه والله أعلم جعل بالرفع اسم امرأة- وكذا فيهما "ليلها" بل ليتها وهو تصحيف.
(3) معجم الأدباء 3: 71 - وفي البساط ص 64 ثلثه 2 و 3 و 4 والرابع فقط أيضًا فيه في 84 - وانظر هل الأبيات التالية عقيب هذه من هذه القصيدة؟
وفي طبعة تونس من الأنموذج، ص 441 تسقي عوض يسقي (م. ي.).
(2/171)

(114)
وقال من قصيدة بَعْدَ تعديد ذنوبه تقبَّل الله عنه (1):
إذا أتى الله يومَ الحشْرِ في ظُلَل ... وجيء بالأمم الماضين والرسل
وحاسب الخلق من أحصى بقدرته ... أنفاسَهم وتوفاهم إلى أجل
ولم أجدْ في كتابي غيرَ سيّئة ... تسوءني وعسى الإِسلام يسلم لي
رجوت رحمة ربّي وهي واسعةٌ ... ورحمة الله أرجى لي من العمل
(115)
وقال من قصيدة خاطب بها بعض مني مناد (2):
من يصحب الناس مطويًّا على دَخَل ... لا يصحَبوه فَخلّوا كل تدخيل
لا تستطيلوا على ضَعْفي بقُوّتكم ... إن البَعوضة قد تعدو على الفيل
وجانِبوا المَزْح إن الجِدَّ يتْبعه ... ورث مُوْجِعة في إثْر تقبيل
قال ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:
يا قومُ لا يُلقينّي منكم أحدٌ ... في المُهلكات فإني غيرُ مغلول
لا تدخلوا بالرضَى منكم على غَرَر ... فتُخْرِجوا الليث غصْبانًا من الغِيل
إلَّا تكن حملت خيرًا ضمائرُكم ... أكن تأبط شرًّا ناكحَ الغُول
(116)
وقال من قصيدة (3):
أو بغلة سفواءَ تعرض للفتى ... فتخال تحت السرج أمَّ غزال
سألَت إلى الأمّ النجابةَ من أب ... وزهت على الأعمام والأخوال
وكأنها قد أفرغت في قالب ... لا أنها خلقت على تمثال
__________
(1) الشريشي 2: 67 و 68 والبساط 77 مصحفًا ودي ساسي ص 370 - وادعى صاحب البساط أنه قالها في آخر حياته ولا أراه صوابًا إذ لم ينقل إلينا من أخباره بصقلية شيء.
(2) العمدة 2: 137 والبساط 67 أربعة فقط 1 و 2 و 3 و 5.
(3) الشريشي 2: 176 - وفيه خلقتي؟.
(2/172)

وقال (1):
إن زارني يومًا على خلْوةٍ ... أو زرتُه في موضع خال
كنتُ له رفعًا على الابتدا ... وكان لي نصبًا على الحال
(118)
وقال (2):
فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميلْ
وغير من أنت سوى غيره ... وغيره من غيرك غير البخيل
(119)
وقال (3):
ما أغربتْ في زِيّها ... إِلَّا يعاقيبُ الحَجَلْ
جاءتك مُثقَلة الترائب ... بالحُلي وبالحُلل
صُفرَ العيون كأنها ... باتت بتبر تكتحل
وتخالها قد وُكلتْ ... بالنون والصوتِ الزجِل
وكأنما باتتْ أصا ... بعُها بحنّاءٍ تُعَلّ
من يستحلّ لصيدها ... فأنا امرؤٌ لا أستحلّ
(120)
وقال (4):
تفاحة شاميّةٌ ... من كفِّ ظبي أكحل
ما خُلقت مذ خلقت ... تلك لغير القُبَل
كأنما حمرتها ... حمرةُ خدٍّ خجل
__________
(1) الشريشي 2: 15.
(2) المعاهد 3: 8.
(3) حياة الحيوان في رسم اليعقوب (التبج).
(4) نزهة الأنام في محاسن الشام 205.
(2/173)

الميم
(121)
وقال (1):
سقطتْ ثنيّتُه فأوجع قلبه ... لسقوطها وجرى عليه عظيم
فإذا مررتَ به فسلِّ فؤاده ... عنها وقل صبرا كذاك الريم
عجبًا للؤلؤة هَوَتْ من سلكها ... والسلك لا واهٍ ولا مفصوم
أتعدّيًا يا خطبُ وهو مصوَّنٌ ... أبدًا بخاتم ربّهِ محتومُ
(122)
وقال (2) وفيه أربعة أمثال:
كل إلى أجل والدهر ذو دولٍ ... والحرص مَخْيَبةٌ والرزق مقسوم
(123)
وقال (3) في محبوبه الصائغ وقد عَذَّرَ:
وأسمرِ اللون عسجديٍ ... يكاد يَسْتمطر الجهاما
ضاق بحَمْل العذار ذَرْعا ... كالمُهْر لا يعرف اللجاما
ونكَّسَ الرأسَ إذ رآني ... كآبةً واكتسى احتشاما
وظَنَ أن العِذار ممّا ... يُزيح عن قلبيَ الغَراما
وما دَرَى أنَّه نباتٌ ... أنبت في جِسميَ السَقاما
وهل ترى عارضَيه إلَّا ... حمائلا حُمّلتْ حُساما
__________
(1) الشريشي 1: 126.
(2) العمدة 1: 193.
(3) بدائع البدائه 2: 38، المعاهد 2: 22 الشريشي 1: 223 - وفي البدائع ومجموعة أماري ص 651 قصة الأبيات وفيها فائدة فأحبَبْنا إيرادها على طولها: روي عن ابن بسام في الذخيرة قال قال أبو عبد الله الصفار الصقلي كنت ساكنًا بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد علي فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا فخرجت فارًا بمهجتي تاركًا لكل ما ملكت يدي وقلت أجتمع بأبي على فبرقة وشمائله وطيب مشاهدته سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن، على مفارقة الأهل والوطن، فجئت القيروان ولم أقدم شيئًا على الدخول إلى منزله فاستأذنت ودخلت فقام الي وهو ثاني اثنين فأخذ بيدي وجعل يسألني فأخبرته =
(2/174)

(124)
وقال (1) يصف -الثريا ومرّ في الراء-:
والثريا قبالة البدر تحكي ... باسطًا كفَّه ليَقْبِضَ جاما
(125)
وقال (2) يمدح وسَلسَلَ بالعَنْعنة:
أصحّ وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر الماثور منذُ قديم
أحاديثُ ترويها السيولُ عن الحَيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم
__________
= بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى بمجالسته قال لي يومًا: يا أبا عبد الله أن ها هنا بالقيروان غلامًا قد سلب كبدي، واستولى هواه على خلدي، منذ عشرة أعوام. فانهض بنا إليه فإن أنت ساعدتني عليه قدمت عندي يدًا لا يعدلها إلا رضاه. فقلت سمعًا وطاعة وسرت معه حتى جئنا صاغة الجوهريين (؟) فإذا غلام وكأنه بدر تمام، صافي الأديم عطر النسيم، كأنما يبسم عن در ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه ومسك صدغيه، على بياض يجرحه الوهم يخاطره ويدنيه الطرف بناظره. فلما رآنا الغلام علتْهُ خجلة سلبت وجه أبي على ماءه، وأنشدته قول الصنوبري:
إنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي علي ولكنني أنست بك وشغلت بعذوبة لفظك مع أني لم أرو طرفي من وجهه المقمر، ولا متعته بقده المثمر لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه. فقلت ولم ينكس رأسه فوالله ما رأيت أشبه بالبدر منه خدًا، وبالغصن قدًّا، ولا بالدر ثغرًا، ولا بالمسك شعرًا. فقال يا أبا عبد الله ما أبصرك بمحاسن الغلمان لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته وذهّبت وجنته، وخافت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا عبد الله ينكس رأسه لأني علقته وخده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي، فكأن طرفي يشرب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق، حتى بدا عذاره، فأبدى من نميمه، نقشًا على فضي أديمه، فتوهم ذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما يضعف قوى محبتي، ويمحو رسوم مودتي. فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي إلا قلت في هذا المعنى شيئًا فأطرق قليلًا ثم أنشد. . انتهى هرفه وسرفه.
(1) وراجعه مع أبيات عبد الوهاب وبيتي ابن رشيق في الراء- المعاهد 1: 140، البساط 65، فوات الوفيات 2: 24.
(2) ابن خلكان 1: 98، المعاهد 1: 219، البساط 73، حسن التوسل 113.
(2/175)

(126)
وقال (1):
أحِبّ أخي وإن أعرضتُ عنه ... وقَلَّ على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيبُ راضٍ ... كما قَطّبتَ في إثر المُدام
ورث تقطُّب من غير بُغض ... وبغضٍ كامنٍ تحت ابتسام
(127)
وقال (2):
وقائلة ماذا الشُحُوبُ وذا الضَنى ... فقلت لها قولَ المشوق المتيَّم
هواكِ أتاني وهو ضيف أعِزّه ... فأطعمتهُ لحمى وأسقيتُه دمي
(128)
وختم العمدة بهذه الأبيات (3):
إنّ الذي صاغت يدي وفمي ... وجرى لساني فيه أو قَلَمي
مما عُنيتُ بسَبْك خالصه ... واخترتهُ من جوهر الكَلمِ
لم أهده إلا لتكسوَه ... ذكرًا يجدده على القدَم
لسنا نزيدك فضل معرفة ... لكنهن مصايد الكرم
فاقبل هدية من أشدتَ به ... ونسخت عنه آية العَدَم
لا تحْسِنُ الدنيا أبا حسن ... تأتي بمثلك فائقَ الهِمَمَ
(129)
وقال (4):
فكّرت ليلة وصلها في صَدّها ... فجرت بقايا أدمُعي كالعندم
__________
(1) ابن خلكان 1: 133 ومعجم الأدباء 3: 73 والغيث 1: 265 والبساط 66 والترجمة في أول العمدة 3.
(2) ابن خلكان 1: 133 والبساط 68 والترجمة في أول العمدة 3.
(3) العمدة 2: و 343 ومعجم الأدباء 3: 74 - وأبو الحسن هذا هو ولي نعمة الكاتب علي بن أبي الرجال الشيباني، وصنف الكتاب باسمه.
(4) حياة الحيوان في رسم الرباح. والبساط 68.
(2/176)

فطفِقتُ أمسَحُ مقلتي في نحرها ... إن عادة الكافور إمساكُ الدم
(130)
وقال كان الحُصْرى أخذ في عمل (طبقات الشعراء) على رتب الأسنان وكان صاحبنا أصغرهم سنّا فصنع (1):
رفقًا أبا إسحاق بالعالم ... حصلتَ في أضيق من خاتمَ
لو كان فضل السبق مندوحةً ... فُضّل إبليس على آدم
(131)
وقال في أبي عبد الله محمد بن جعفر الكوفي قاضي صبرة من أبيات (2):
يا سالكًا بين الأسنة والظُبَى ... إني أشمّ عليك رائحةَ الدم
يا ليت شعري من رقاك بُعوده ... حتى رقِيتَ إلى مكان الأرقم
(132)
وقال (3) في حسن التعليل:
خط العذار له لامًا بصفحته ... من أجلها يستغيث الناس باللام
(133)
وقال (4) من قصيدة مدح بها المعزّ عند انتصاره:
وكأنما راياته ... مشهورةً يوم اقتحامِهْ
أيدٍ تشير إلى العد ... وّ بِسلْمه أو بانهزامه
__________
(1) فبلغه البيتان فأمسك عنه- معجم الأدباء 1: 359.
(2) معالم الإيمان 3: 244 وذكر الدباغ أن البيتين جرا على القاضي محنة وعزلًا عن القضاء ومصادرة بالمكروه وفرارًا من القيروان إلا أنه لم يلمم بسببه حتى يعلم أي الفريقين أحق بالأمن -وفي المعالم "الضبا" وهذه عادة المغاربة أن يكتبوا الظاء ضادًا.
(3) المعاهد: 2: 22 واللأمة مهموزًا الدرع وجمعها لأم مهموزًا ولام ملينًا.
(4) البساط 2: 72 و 73.
(2/177)

(134)
وقال (1):
قد كنتُ كاتبَ جيش الأمير ... ومُجْرِي الأمور على رسمها
فما أنا تاجر سوق المُحال ... وسوق المحال كفى باسمها
(135)
وقال (2) مَصّحِفا الدينار والدرهم:
صحّفتُ دالين من دي ... ينار يلوح ودِرْهَمْ
فقال لي ذلكم "ذي ... نار" وذا قال "ذَرْهُمْ"
النون
(136)
قال (3):
لِمْ كَرهَ النَّمامَ أهلُ الهَوَى ... أساء إخواني وما أحسنوا
إن كان نَمَامًا فمعكوسه ... من غير تكذيب لهم مَأمَنُ
(137)
وقال (4):
سأشكر للحمّام بَدْأً وعَوْدةً ... أياديَ بيضًا ما لهنّ ثمين
جَلاكَ على عينَيَّ عُرْيانَ حاسرًا ... فَرحْت بتطليق وأنت ثمين
وطَهَّرَ قلبي من هواكَ بباردٍ ... وسُخنٍ فقَر الجفن وهْو سَخين
__________
(1) من جزء يوجد بمكتبة اسكوريال فيه نخب أشعار عدة من الشعراء منهم ابن رشيق وهاك لفظه على ما في مجموعة أماري ص 681 وأنشدني أبو محمد (ابن حمود) لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني الأبيات (منها) و"فما" صوابه أن شاء الله "فها".
(2) 1: 43 وانظر بيتي ابن شرف في المعنى في قافية الراء من شعره.
(3) الغيث 2: 264، حلبة الكميت 231.
(4) الشريشي 1: 54.
(2/178)

(138)
وقال (1):
إذا ما خَففْتُ لعهد الصِبَي ... أبت ذلك الخمسُ والأربعون
وما ثَقُلت كِبَرًا وَطْأتي ... ولكنْ أجُرُّ ورائي السِنِينا
(139)
وقال (2):
تأذَّى بلحظي مَن أحبُّ وقال لي ... أخاف من الجُلّاس أن يَفْطَنُوا بنا
وقال إذا كرّرت لحظَك دونهم ... إليَّ فما يخفَى دليلٌ مُرِيبُنا
فقلت بُلينا بالرقيب فقال ما ... بُلينا ولكنَّ الرقيبَ بُلِي بنا
(140)
وأنشد في الأنموذج (3) لنفسه يمدح المعز سنة 410 ه وهو ابن عشرين من قصيدة أولها:
ذمّت لعينك أعين الغزلان ... قمر أقرَّ لحسنه القَمَران
ومشت ولا والله ما حِقْف النقا ... مما أرتك ولا قضيب البان
وثن الملاحة غير أن ديانتي ... تأبى عليَّ عبادة الأوثانِ
ومنها:
يا ابن الأعزة من أكابرِ حميَرٍ ... وسُلالة الأملاك من قحطان
من كل أبلجَ آمِرٍ بلسانه ... يضع السيوفَ مواضعَ التيجان
(141)
وقال (4) يرثي مجد القيروان الغابر ويقف على رسمها الداثر- وهي طويلة:
__________
(1) ابن خلكان 1: 133 وترجمته في أول العمدة 3 والبساط 76، 77.
(2) الغيث 1: 238.
(3) معجم الأدباء 3: 71 وفيه واضح بلسانه (؟) والبساط 72 والحلل السندسية- وتأمل البيت الأول. ص 440 من طبعة المطوي والبكوش (م. ي.).
(4) معالم الإيمان وذيله 1: 15 - 18 وجملة الأبيات 36 من جملة 122 والبساط 46 و 47 وجملتها 27 وترتيبها 51 - 55 مسلسلًا ثم 43 و 45 - 48 و 50 و 20 - 30 و 32 و 33 و 35 و 36 و 56 والقصيدة=
(2/179)

كم كان فيها من كرام سادةٍ (1) ... بيض الوجوهِ شوامخِ الإيمان
متعاونين على الديانة والتقى ... لله في الإسرار والإعلان
ومهذَّبٍ جَمّ الفضائل باذلٍ ... لنواله ولعرْضه صَوَّان
وأئمةٍ جَمعوا العلوم وهذَّبوا ... سُنن الحديث ومُشكل القرآن
عُلماءَ أن ساءلتهم كشفوا العَمى ... بفقاهةٍ وفصاحةٍ وبيان
وإذا الأُمور استَبْهمت واستَغْلقتِ ... أبوابها وتَنازعَ الخصمان
حَلوا غوامضَ كلّ أمر مشكل ... بدليل حقّ واضح البرهان
هجروا المضاجع قانتين لربهم ... طلبًا لخيرِ معرَّس ومَعان (2)
وإذا دجا الليل البهيمُ رأَيتهم ... متبتّلين تبتّلَ الرهْبان
في جنة الفردوس أكرم منزلٍ ... بين الحِسان الحُوْر والغلمان
تجروا بها الفردوس من أرباحهم ... نعم التجارةُ طاعةُ الرحمان
المتّقين الله حقَّ تُقاته ... والعارفينَ مكايدَ الشيطان
وترَى جبابرَة الملوك لديهم ... خُضُعَ الرقاب نواكس الأذقان
لا يستطيعون الكلامَ مهابَةً ... إلا إشارةَ أعين وبنان
خافوا الآله فخافهم كلُّ الورى ... حتى ضِراءُ الأسد في الغيران
تُنسيكَ هَيبَتُهم شماخةَ كلّ ذي ... مُلكٍ وهيبةَ كلّ ذي سلطان
أحلامُهم تَزِنُ الجبال وفضلهم ... كالشمس لا تخفى بكلّ مكان
كانت تعدّ القيروانُ بهم إذا ... عُدَّ المنابر زَهْرةَ البلدان
وزهت على مصر وحُقَّ لها كما ... تزهو بهم (3) وغدت على بغدان
حَسُنت فلما إذ تكاملَ حسنها ... وسما إليها كلُّ طَرْف رانٍ
__________
= تضاهي قصيدة الشريف الرندي وصاحبنا أقدم منه، وأولها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
ثم أن شمس الدين الكوفي الواعظ عارض نونية صاحبنا بنونية مثلها يذكر فيها خراب بغداد وأولها:
إن لم تفرح أدمعي أجفاني ... من بعد بعدكم فما أجفاني
انظرها في فوات الوفيات 1: 238 - وهذا مما يدل على جودة شعر صاحبنا وطيران صيته.
(1) كان في الأصل "وسادة".
(2) المنزل من "م ع ن".
(3) كذا؟ وبغدان لغة في بغداد.
(2/180)

وتجمّعت فيها الفضائل كلّها ... وغدتْ محلّ الأمن والايمان
نظرت لها الأيام نظرةَ كاشحٍ ... ترنو (1) بنظرة كاشح مِعْيان
حتى إذا الأقدارُ حُمَّ وقوعُها ... ودنا القضاءُ لمدّةٍ وأوان
أهدت لها فِتنا كليل مُظلم ... وأرادها كالناطح العَيدَان
بمصائبٍ من فادع وأشائب (2) ... ممّن تجمَّعَ من بني دُهْمان
فتكوا بأمة أحمد أتراهم ... أمِنوا عقابَ الله في رمضان
نقضوا العهودَ المبرَمات وأخفروا ... ذِمَمَ الإله ولم يَفُوا بضمان
فاستحسنوا غَدْرَ الجوارِ وآثروا ... سبيَ الحريم وكشْفةَ النسوان
سامُوهمُ سوءَ العذاب وأظهروا ... متعسّفين كوامنَ الأضعان
والمسلمون مقسَّمون تنالهم ... أيدي العُصاة بذلّة وهَوان
ما بين مضطرّ وبين معذَّبٍ ... ومقتَّلٍ ظلمًا وآخَرَ عان
يستصرخون فلا يُغاثُ صريخُهم ... حتى إذا سَئِموا من الإِرنان (3)
بادوا (4) نفوسهم فلما أنفذوا ... ما جمَّعوا من صامت وصُوان
واستخلصوا من جوهر ومَلابس ... وطرائفٍ وذخائرٍ وأوانٍ
خرجوا حُفاةً عائذين بربهم ... من خوفهم ومصائب الألوان
هربوا بكلّ وليدة وفطيمةٍ ... وبكلّ أرملة وكلّ حَصان
وبكلَ بكْر كالمَهاة عزيزة (5) ... تَسبي العقولَ بطرفها الفَتّان
خَوْدٍ مبتَّلةِ الوشاح كأنها ... قمر يلوح على قضيب البان
والمسجدُ المعمور جامعُ عُقْبة ... خَرِبُ المعاطن مُظْلم الأركان
قَفْر فما تغشاه (6) بعدُ جماعةٌ ... لصلاة خمس لا ولا لِأذان
بيت به عبدَ الآله وبُطلتْ (7) ... بعد الغُلوّ عبادةُ الأوثان
__________
(1) وفي المعالم ترموا (كذا)
(2) وفي الكتابين أشالب وهو تصحيف- وفادع كذا؟
(3) وفي البساط الأزمان وهو لحن منه.
(4) كذا؟
(5) لعله غريرة.
(6) كذا؟
(7) لعل صوابه بدلت وفيه أيضًا تجوز.
(2/181)

بيت بوَحْي اللهُ كان بناؤه ... نعم البِنا والمبتني والباني
أعظِمْ بتلك مصيبةً ما تنجلي ... حَسَراتها أو ينقضي المَلوان
لو أن ثهلانًا أصيب بعشْرها ... لتدكدكت منها ذُرا ثهلان (1)
حَزِنت لها كُوَرُ العراق بأسْرها ... وقُرَى الشآم ومصرَ والخرْسان (2)
وتزعزعت لمصابها وتنكَدَت ... أسفًا بلاد الهند والسندان (3)
وعفا من الأقطار بعد خَلائها ... ما بين أنْدَلُس إلى حُلْوان
وأرى النجومَ طلعن غير زواهر ... في أفقهنّ وأظْلَمَ القَمَران
وأرى الجبال الشُمَّ أمست خُشَّعًا ... لمُصابها وتزعزعَ الثَقَلان
والأرضُ من وَلَهٍ بها قد أصبحت ... بعد القَرار شديدة المَيَلان
أتُرَى الليالى بعد ما صنعت بنا ... تقضي لنا بتواصل وَتدانِ
وتُعيد أرض القيروان كعهدها ... فيما مضى من سالف الأزمان
من بعدما سَلبت نَضائرَ حسنها ... أيّامُ واختلفت بها مبتان (4)
وغدت كأن لم تَغْنَ قَطُّ ولم تكن ... حَرَمًا عزيز النصر غيرَ مُهان
أمست وقد لعب الزمان بأهلها ... وتقطَّعت بهمُ عُرَا الأقران
فتفرقوا أيدي سَبا وتَشتَّتوا ... بعد اجتماعهمُ على الأوطان
(142)
وقال (5) والصحيح أن البيت لابن شرف:
غلف تَمنّوا في البيوت أمانيًا ... وجميع أعمار اللئام أماني
(143)
وله من كتاب سرّ السرور (6):
__________
(1) كانت في الموضعين بالتاء المثنّاة. وهو جبل معروف.
(2) مخفف خراسان إقليم من أقاليم فارس كبير.
(3) جمع السند على إرادة الأطراف جمع الفارشة بالألف والنون.
(4) كذا ولعله الملوان.
(5) البساط 67 - وفي المعاهد 1: 183 معزوًا لابن شرف، وكذا في الغيث 2: 100، وديوان الصبابة 167 - وفي المعاهد بلفظ شرف الدين.
(6) معجم الأدباء 3: 72 والبساط 71.
(2/182)

معتَّقةً يعلو الحبَابُ متُونَها ... فتحسبه فيها نثير جُمان
رأت من لُجين راحةً لمديرها ... فطافت له عن عسجد ببنان
(144)
وقال في تعليل حمرة الخدّ (1):
همّتْ عِذاراه بتقبيله ... فاستلّ من عينيه سيفين
فذلك المحمرّ من خذه ... دم جرى بين الفريقين
(145)
قال منصور بن إسماعيل التميمي الفقيه قال ابن رشيق (2):
لو قيل لي خذ أمانًا ... من حادثات الزمان
لما أخذت أمانًا ... إلَّا من الإخوان
(146)
وقال (3):
فارقتُ بالكُره من أهوى وفارقني ... شتان لكننا في الودّ سِيّان
كأنما قد طولا (4) (؟) يوم فُرْقتنا ... شرقًا وغربًا فأمسى وهو يومان
__________
(1) الشريشي 2: 155 والبساط 69 - وفي المعاهد 2: 19 دماء ما بين.
(2) هذا لفظ الشريشي 1: 225 - وفي المعنى للبحتري:
أما العدو فيبدي ... ما عنده ويكاشف
لكن توق وحاذر ... من الصديق الملاطف
(3) البساط 85 وسبقه إلى المعنى ابن دراج القسطلي حيث يقول:
إذا غرب الحادي بهم شرقت بنا ... نوى يومها يومان والحين أحيان
هكذا قال صاحب البساط وتأمل المعنيين فإنك تجد بينهما بونًا بعيدًا فمعنى قول القسطلي أن كل يوم من أيام النوى يساوي يومين وكل حين منها أحيانًا على ما هو متداول بين الشعراء في تطويل أيام الفراق فأين هذا من معنى قول صاحبنا. وقوله شتان كأنه حال ولا يجيز النحويون مثله.
(4) كذا في البساط ولعل صوابه أن شاء الله تولى.
(2/183)

(147)
وقال (1) في وليّ نعمته ابن أبي الرجال الكاتب:
إني لأعجب كيف يحسن عنده ... شعر من الأشعار مع إحسانه
ما ذاك إلا أنه درّ النُهى ... يف (؟) التجار به على دهقانه
الواو
(148)
وقال (2) من باب التقسيم:
إذا أقبلت أقعَت وإن أدبرت كبَتْ ... وتَعْرِضُ طولًا في العِنان فتستوي
وكلفْتُ حاجاتي شبيهة طائر ... إذا انتشرت ظلّت لها الأرض تَنطَوي
الهاء
(149)
قال (3):
شكوتُ بالحبّ إلى ظالمي ... فقال لي مستهزئًا ما هو؟
قلتُ غرام ثابت قال لي ... إقرأ عليه "قل هو الله"
الياء
(150)
قال في العتاب بعد اليأس المتحكم (4):
__________
(1) العمدة 1: 163 البساط 73 وفي الموضعين "يف" والمعنى بن قول المتنبي:
ملك منشد القريض لديه ... واضع الثوب في يدي بزاز
(2) العمدة 2: 20 - قال بعد أن أنشد قول الأسعر الجعفي في وصف فرسه في باب التقسيم واختاره أيضًا قدامة وليس عندي بأفضل من قول امرئ القيس إلا بشرف الصفات (ثم أنشد أبيات امريء القيس- إذ أقبلت قلت دباءة- الثلثة) ولو لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض وانقطاع ذلك بعضه من بعض. . . وقد صنعت على ضعف متني (منتي؟) وتأخر وقتي (ثم أنشد بيته).
(3) الشريشي 1: 46 والبساط 68 - ومر له في الدال أبيات في المعنى.
(4) العمدة 2: 128 والبساط 74 - ومر له نحو هذا المعنى في عينية.
(2/184)

رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمنّي النفس فيها الأمانيا
فساوفتَ بي الأيامَ حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعتَ رجائيا
وكُنتُ كأني نازفُ البئر طالبًا ... لا جمامها أو يرجعَ الماءُ صافيا
فلا هوَ أبقى ما أصابَ لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
(151)
وذكر (1) في الأنموذج قال اجتمعت بأبي حديدة (؟) الشاعر يومًا وأنا سكران فسألني عن حال المكان الذي كنت فيه فوصفته وأفضت بي صفته إلى ذكر غلام كان ساقيًا فقلت في عُرض الكلام ولم أرد الوزن:
فشربتها من راحتي ... ه كأنها من وَجْنَتَيه
وكأنَّها في فِعْلها ... تحكي الذي في نَاظِرَيه
وقلت له أجز فقال:
(وشَمِمْت ورْدة خدّهِ ... نظرًا ونرجِسَ مُقْلَتَيه)
فقلت له أحسنت في شمك بالنظر كما سمع أبو الطيب بالبصر حيث يقول:
كالخطّ يملأ مِسْمَعَي مَنْ أبصرا
(152)
وقال (2):
البحر صَعْب المرام مُرٌّ ... لا جعلت حاجتي إليهِ
أليس ماءً ونحن طين ... فما عسى صبرُنا عليهِ
__________
(1) البدائع 1: 114 والبساط 71 - وأبو حديدة. وفي البدائع 1: 120 أبو العباس بن حديدة ولعله الصواب.
الأنموذج ص 72 (م. ي.).
(2) المعاهد 2: 25، البساط 61 - قال ابن حمديس اجتمعت مع أبي الفضل الكاتب جعفر بن المقترح بسبتة فذكر لي بيتي ابن رشيق ثم قال لي أتقدر على اختصار هذا المعنى قلت نعم أقدر على ذلك وأنشدته:
لا أركب الماء خوْفًا ... علي منه المعاطب
طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب
فاستحسن ذلك إذ كان على الحال وأقام عني أيامًا ثم اجتمعت به فأنشدني لنفسه في المعنى: =
(2/185)

(153)
قال (1) الصلاح الصفديّ وقال ابن رشيق فيما أظنّ:
أخاف تجنِّيه فأصفرّ إن بدا ... ويصفرّ خوفًا أن أنِمَّ عليه
وأكثر ظنّي أنّ مرآة خده ... توصِّل ألوانَ الوجوه إليه
(154)
وقال (2) في محبوبه الصائغ:
وظبيٍ من بني الكتّاب يَسبي ... قلوب العاشقين بمقلتيه
رفعت إليه أستقضي رضاه ... وأسأله خلاصًا من يديه
فوَقع "قد رددت فؤاد هذا ... مسامحة فلا يُعْدَى عليه"
* * *

وأنشد ابن خلدون (3) في باب صناعة الشعر ووجه تعلمه كلمة الناشئ في وصف الشعر أولها:
لعن الله صنعة الشعر ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا
إلى آخرها وقال "أظنه ابن رشيق" وهذا وهم منه فإن ابن رشيق نفسه عزاها إلى الناشئ في العمدة (4) في باب أعراض الشعر وصنوفه ولقد زاد ضغثًا على إبّالة صاحب المجاني على جاري عادته في عدم التثبُّت إذ جعل الظن يقينًا. ولا غرو فإن ظن ابن خلدون يساوي يقينه على عكس قول أبي تمام:
ولذاك قيل من الظنون جلية ... صدق وفي بعض القلوب عيون
__________
= إن ابن آدم طين ... والبحر ماء يذيبه
لولا الذي فيه يتلى ... ما جاز عندي ركوبه
يعني قوله تعالى: {وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} فأنشدته لي:
وأخضر لولا آية ما ركبته ... ولله تصريف القضاء بما شاء
أقول حذارا من ركوب عبابه ... أيا رب أن الطين قد ركب الماء
(1) الغيث 2: 258 - يقول أن اصفراري انعكس في وجهه ليس إلا - والمعنى معْتور ومما قيل فيه:
ظبي ترى وجهك في وجهه ... وتشرب الخمرة من فيه
(2) الشريشي 2: 269، ديوان الصبابة 136. والكتاب: المكتب.
(3) المقدمة (مصر سنة 1311 ه) 372.
(4) 3: 91، 93.
(2/186)

شعر ابن شرف من كتاب النُتف مِنْ شِعْرِ ابنِ رَشيق وَزميله ابن شَرَف
بسمِ الله الرحمن الرحيم

شعر أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد بن شَرَفَ الجُذاميّ
وشرف غير مُجْرىً لاجتماع العلَمية والتأنيث فيها وهي أمُّه. هكذا يستفاد من
كلام لابن رشيق أورده صاحب معجم الأدباء -ولم أر من صَرحّ بهذا-
(1)
قال مُلْغِزا في الشمس (1):
وبلقيسيةٍ في الملك ليست ... كمن أوهَى سليمانُ قواها
يراها كل ذي بصر فيعشُو ... لبهجتها إلى أن لا يراها
إذا العُليا يبالغ ناسِبوها ... عَزَوها في السموّ إلى علاها
وَملْك الأرض من بر وبحر ... فليس يرومه ملك سواها
نُعوت كلهن غدت نعوتًا ... لعَبّاد سوى نعتٍ عداها
وذلك أنها مهما أقامت ... بأرض أيبست منها ثَراها
وعَبّاد إذا ما حَلَّ أرضًا ... تَفَجَّرَ يَبْسُ تُرْبتها مِياها
(2)
وقال (2):
إذا صَحِبَ الفتى جَدّ وسعد ... تحامته المكارهُ والخطوب
__________
(1) الغيث 2: 154.
(2) الغيث 2: 75 والمعاهد 1: 55، م المقامة، فوات الوفيات 2: 205 وفيه سعي بدل سعد وهو خطأ.
(2/187)

ووافاهُ الحبيب بغير وعد ... طفيليًّا وقاد له الرقيب
وعدّ الناس ضَرْطتَه غِناءً ... وقالوا إن فسا قد فاح طيب
(3)
وقال (1):
وقال لقد نَعِمتُ بليلةٍ جمدَ الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوبُ
جمعَ العشائين المصلي وانزَوى ... فيها الرقيبُ كأنه مرقوب
والكأس كاسيةُ القميص كأنها ... لونًا وقَدْرًا مِعْصَمٌ مخضوب
هي وردة في خذه وبكأسها ... تحت القناني عسجد مصبوب
مني إليه ومن يديه إلى يدي ... فالشمس تطلع بيننا وتغيب
(4)
وقال (2):
وقد وَخَطَتْ أرماحُهم مَفْرِقَ الدجى ... فبان بأطراف الأسنة شائبا
(5)
وقال (3):
عتابًا عسى إن الزمان له عُتْبى ... وشكوىً فكم شكوى ألانت له القلبا
إذا لم يكن إلَّا إلى الدمع راحةٌ ... فلا زال دمع العين منهملًا سَكْبا
(6)
وقال مُلْغِزًا في الإِبرة (4):
ضئيلة الجسم لها ... فعل متين السبَبِ
حافِرُها في رأسها ... وعَينها في الذنَبِ
__________
(1) فوات الوفيات 2: 205، م المقامة.
(2) تأصيل الغريب 2: 241، م المقامة، وثمرات الأوراق 1: 267 بهامش المستطرف.
(3) م المقامة.
(4) الشريشي 2: 216.
(2/188)

(7)
وقال (1):
وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلّا كأشعبَ يرجو وعد عُرْقوب
وقد تخالف مكتوب القضاء به ... فكيف لي بقضاء غير مكتوب
(8)
وقال (2): في القبارية -نوع من الخسّ البري يسمى الكركر أيضًا-:
ورأس قبّارية برأسه ... أثوابه تحميه والمخالب
في مثل خلق الخلق إلا أنه ... قلب عدوّ كله مخالب
(9)
وقال (3) وينسب إلى ابن رشيق:
لك منزل كملت بشارته لنا ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذبابُ وظلّ يَزْمِرُ حوله ... فيه البعوض وَيرْقُصُ البرغوث
(10)
وقال (4) من خمريَّة:
خليلَ النفس لا تخْلِ الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجوّ ماجا
وجاهرْ في المدامة من يرائي ... فما فوق البسيطة من يُداجَى
أمطْ عنكَ الكَرَى والليلُ ساج ... ودعنا نَلْبسُ الظلماء ساجا
وهاتِ على اهتمام الروحِ راحأً ... يَعُدْ هَمُّ النفوسِ لها افتراجا
إذا مِزّيخُها اتّقد احمرارًا ... صَبَبنا المشتري فيها مزاجًا
__________
(1) الشريشي 2: 44، م المقامة.
(2) شفاء العليل للخفاجي 81.
(3) كذا في نفح الطيب مصر 2: 209 ليدن 2: 222 المعاهد 1: 220 الشريشي 2: 45 - وفي البدائع 2: 167 معزوًا إلى ابن رشيق- وراجع حاشيتنا على شعره.
(4) م المقامة.
(2/189)

(11)
قال (1): ومرّ الخبر في الحاء من شعر ابن رشيق:
وبلقيسية زينت بشعر ... يسيرٍ مثلَ ما يهَبُ الشحيحُ
رقيقٌ في خدلَجةٍ رَداحٍ ... خفيفٍ مثلَ جسم فيه روح
حكى زَغْبَ الخدود وكل خدٍّ ... به زَغْب فمعشوق مليح
فإن يك صَرْحُ بلقيسٍ زُجاجا ... فمن حَدَقَ العيون لها صُروح
(12)
وله من قصيدة (2):
كُسيتُ قناعَ الشيب قبل أوانه ... وجسمي عليه للشباب وشاح
ويا ربَّ وجه فيه للعين نزهةٌ ... أمانع عيني منه وهو مُباح
وأهجُرُه وهو اقتراحي من الوَرى ... وقد تهْجَرُ الأمواهُ وهي قَرَاح
(13)
وقال (3):
بكيتُ دمًا والقاصرات سوافرٌ ... فلاحت خدودَ كلُّهُنَّ مورَّد
وقد وقف الواشون في كل وَجنة ... على محضر فيه المدامع تشهد
(14)
وقال ابن النعمة قال ابن شرف (4):
ألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخُدُودْ
جرْح بجُرْح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجَب جُرح الصُدود
__________
(1) البدائع 1: 288، البساطة 49، م المقامة.
(2) معالم الإيمان 3: 240 و 241.
(3) م المقامة.
(4) نفح الطيب مصر 2: 402 ولفظه وقال بعض أهل الجزيرة الخضراء (ثم أنشدهما) وقال ابن النعمة أنهما لابن شرف وقد ذكرناهما مع جوابهما في غير هذا الموضع أه أقول يعني 2: 429 حيث نقل عن الحافظ ابن دحية في كتابه المطرب من أشعار المغرب أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة أمة=
(2/190)

(15)
وقال لما أشار الناس على المعز بتقليد ابن القاضي ابن هاشم بعد أبيه وكان عظم على الناس توليته من قصيدة أنشده على خلوة منه (1):
لله من يوم أغرَّ سعيد ... متميِّز من عصره معدود
__________
= العزيز الحسنية لنفسها (ثم أنشدهما) أه قال المقري قلت هذا السؤال يحتاج إلى جواب وقد رأيت لبلدينا القاضي أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني جوابه والغالب أنه من نظمه وهو قوله:
أوجبه مني يا سيدي ... جرح بخد ليس فيه الجحود
وأنت فيما قلته مدع ... فأين ما قلت وأين الشهود
وقال ابن نباتة في شرح الزيدونية 1: 11 (على هامش الغيث المنسجم سنة 1305 ه) ومما ينسب إليها (إلى ولادة بنت المستكفي صاحبة الوزير ابن زيدون صاحب الرسالة) وهو عندي كثير على شعر امرأة (ثم أنشدهما).
وفي الطالع السعيد للكمال الأدفوي ص 315 نقلًا عن العماد في الخريدة أنه قال في ترجمة محمد بن علي بن الغمر المنعوت أنجب لدين الهاشمي أبي الغمر الإسنائي: ذكره لي بعض الكتبيين من أهل مصر وأنشدني من شعره قوله ألحاظكم البيتين.
(1) معالم الإيمان 3: 233 وفيه أعز وهو تصحيف. وآرائه كذا هو وإبدال مثل هذه الواو همزة قياس مطرد مثل أكاف وأسادة إلا أني لم أجده بالهمزة فيما بيدي من معاجم اللغة كالتاج والأساس والنهاية وغيرها - وأنا ألخص الخبر عن المعالم قال في ترجمة أبي بكر أحمد بن أبي محمد بن أبي زيد وكان تولى القضاء بعد ابن هاشم سنة 435 ه وكان ابن هاشم لما توفي خلف ولدًا سعى أشياخه ليرث خطة أبيه وأرضوا السلطان أيضًا إلا أن الخبيرين بتعجرفه ومنهم صاحبنا كانوا يكرهون ذلك قال فجعلت شعرًا أمدح السلطان وأغالطه فيما شاء من توليته فاستأذنته وأنشدته على خلوة -لله البيت- حتى بلغت إلى "كان القضاء" البيتين. فأكب على يده وقبضها كالمطرق حتى أتممت الشعر ثم رفع رأسه وقال اصرف السعر وأعد به غدًا ثم أنشده في آخر المجلس وإياك أن تخبر أحدًا. فلما كان الغد وتهيأ ابن ابن هاشم في خلعة القضاء وحضر الناس دعا السلطان ابن أبي زيد هذا فقدمه للقضاء بغتة ثم قمت فأنشدت الشعر قال فالقوم يتعجبون من لغته ونسخ النية وآخرون من تضمين الشعر للمعنى في وقته وسر الناس من توليته وابتهلوا ودعوا للسلطان -وأما أشياخ ابن ابن هاشم وأتباعه فما زالوا ينصبون له الحبائل من بعد اليوم حتى جمعهم السلطان في جامع القيروان وغيرهم واجمع الأعيان على تعديل ابن أبي زيد إلا أن الأمر كان قد تفاقم بإنكار العوام فقال السلطان له قد رأينا أن عزلك اروح لك في الدارين فأخرناك لا لجرحة. وكان ذلك سنة 436 ه وأما السيرة العمرية فإنه رضي الله عنه سئل أن ينص على أحد بعينه حتى يولى مكانه إلا أنه اقتدى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عدم التصريح ولم يقتد في التصريح بأبي بكر فإنه كان نص على عمر رضي الله عنه.
(2/191)

حتى بلغ إلى قوله:
كان القضاء إراثةً فرددْته ... شورى ففاز بحقه المردود
يا فضلها من سيرة عُمَريّة ... هي للعباد رضًى وللمعبود
(16)
وقال (1) ومرّ خبره:
هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا
فيه شراب وغِذا ... يُريك كالماء القذى
لو مات من تَلذَّذا ... به لقيل ذا بِذا
(17)
وقال (2) يصف خلاء القيروان وتهتك أستارها:
ألا منزل فيه أنيس مخالط ... ألا منزل فيه أنيس مُجاور
تُرى سيّآت القيروان تعاظمت ... فجلت عن الغفران والله غافر
تراها أصيبت بالكبائر وحدها ... ألم تك قدمًا في البلاد الكبائر
ترحل عنها قاطنوها فلا ترى ... سوى سائر أو قاطن وهو سائر
تكشفت الأستار عنهم وربما ... أقيمت ستورا (3) دونهم وستائر
إذا جاذبت أستارها (4) تبتغي لها ... لأقدامها سترا تبدت غدائر
تبدت على فرش الحصى ستارها (5) ... دوارس أسمال عليها حقائر
فيا ليت شعرى القيروان مواطني ... أعائدة فيها الليالي القصائر
ويا روحَتي بالقيروان وبُكرتي ... أراجعة روحاتُنا والبواكرُ
__________
(1) البدائع 1: 227، البساط 54، م المقامة- وتراجع الخبر في الذال من شعر ابن رشيق.
(2) معالم الإيمان 1: 15، أيضًا 3: 240 الثاني والثالث والخامس فقط المعجب للمراكشي ليون ص 260 الثاني والثالث فقط. وستأتي له أبيات رائية وأخرى لامية في المعنى وانظر ما قال ابن فضال الحلواني 1: 14، وأبو القاسم الفزاري: 19، وابن عبد الغني الفهري 1: 21 في المعالم.
(3) هذا لفظ المعالم في الجزء الثالث وفي الأول ستورا عنهم (؟).
(4) وفي الأصل اتبتغي وهو تصحيف.
(5) كذا والظاهر وستارها.
(2/192)

كأن لم تكن أيّامنا فيك طَلْقَةً ... وأوْجُهُ أيام السرور سوافر
كأن لم يكن كلٌّ ولا كان بعضه ... به قد مَضى عَصْر وتمضي العصائر
(18)
وقال (1):
إحْذَرْ محاسنَ أوجهٍ فَقدتْ محا ... سِنَ أنفُس ولو أنها أقمار
سُرُجٌ تلوح إذا نظرتَ فإنها ... نور يضيء وإن مَسِسْتَ فنار
(19)
وقال (2) يذكر جلاء أهل القيروان وابتذالهم بعد الصون:
بعد خطوب خُطبت مهجتي ... وكانَ وشكُ البين إمهارَها
ذا (3) كبدٌ أفلاذها حولها ... وقسمت الغُرْبَةَ أعشارَها
أطفالُها ما سمعت بالفلا ... قطُّ فعادتِ الفلا دارها
ولا رأت أبصارُها شاطئًا ... ثم جَلَتْ باللجّ أبصارَها
وكانت الأستارُ آفاقها (4) ... فعادت الآفاقُ أسْتارَها
ولم تكن تعلو سريرًا علا ... إلا إذا وافقَ مِقْدارها (5)
ثم علت فوق عشور (6) الخطا ... ترْمي به في الأرض أحجارها
ولم تكن تلحظها مُقْلةٌ ... لو كَحلتْ بالشمس أشفارها
فأصبحت لا تَتّقي لحظةً ... إلَّا بأن نجْمَع أطمارها
__________
(1) فوات الوفيات 2: 205، م المقامة- ومعنى البيت الأول من قول أبي الطيب:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ... ولكنه في فعله والخلائق
(2) المعالم 1: 13 و 14 م المقامة.
(3) كذا وهو مصحف فإن كلا من مهجة وكبد مؤنث فلعل الصواب ذي -وقسمت أيضًا مصحف ولعل صوابه قسم- اللهم إلا أن يسكن الوسط ويقرأ وقسمت.
(4) قد أحسن في هذا القلب ورمي هدف الإجادة.
(5) يريد كانت السرر أعدت على مقادير جسومها وكان لكل أحد سرير مختص به.
(6) كذا وصوابه عثور الخطأ بالعين والثاء المثلثة -وبه الضمير يرجع على العثور- وترمي على زنة المجهول.
(2/193)

(20)
وقال (1):
كأنما الأغصان لما علا ... فروعَها قطرُ الندى نثرا
ولاحت الشمس عليها ضحى ... زبرجد قد أثمر الدرّا
(21)
وقال (2):
يا ثاويًا في معشر ... قد اصطلى بنارهم
إن تَبْكِ من شرارهم (3) ... على يَدَي شِرارهم
أو تُرْم من أحْجارهم ... وأنت في أحجارهم
فما بقيت جارهم ... ففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم
(22)
وقال (4) في الدينار والدرهم:
ألا رب شيءِ فيه من أحرف اسمه ... نواةٍ لنا عنه وزجر وإنذار
فُتنا بدينار وهِمنا بدِرهَم ... وآخرُ ذا هَمٍّ وآخرُ ذا نار
(23)
وقال (5) ملغزًا في. . . .:
ما آكلٌ يعطى على أُكلةٍ ... إعطاءَ إقلال وإكثار
لُقْمتُه قيمتُها وحدَها ... من غير خُلف ألفُ دينار
__________
(1) شفاء الغليل 21.
(2) المعاهد 2: 70 م المقامة. ويأتي له بيتان في المعنى في الضاد.
(3) الشرار الأول بالفتح والآخر بالكسر.
(4) الشريشي 1: 45، من المقامة.
(5) الشريشي 2: 216.
(2/194)

(24)
وقال (1):
ما لي أجاذِب ذي الدنيا موليةً ... فكل ثوب عليها قُدَّ من دُبُر
أتى الزمان على يأس به لبني ال ... دنيا لَبشرَى بمولود على الكبر
(25)
وقال (2) يمدح المتوكل بن المظفر بن الأفطس:
يا ملكا أمست تَجيبُ به ... تحسد قحطانَ عليها نزارْ
لولاه لم تشرف معدّ بها ... جلّ أبو ذَرٍّ فجلّت غِفارْ
(26)
وقال في السيف (3):
إن قلت نارًا أتندَى النارُ مُلهبَةً ... أو قلتُ ماءً أيَرْمي الماءُ بالشرَر
(27)
قال (4) في العذار وذكر التعزيز بثالث:
قد كنتَ في وَعْدِ العِذار فأنجَزَا ... وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا
وافى لنصر الحسن إلا أنه ... ولَّى إلى فئة الهوَى متحيزا
عطفٌ تعلَّم منه قلبي عطفَهُ ... وَجدَ الفؤادُ به السبيلَ إلى العزا
لم يكفِ وجهك حسنه وبهاؤه ... حتى اكتسى ثوبَ الجمال مطرَّزا
سبحان من أعطاك حسنًا ثانيًا ... وبثالث من حسن فعْلك عزَّزا
__________
(1) الشريشي 2: 100 - ولبنى لعل صوابه بيني.
(2) تصحيح بيان العذارى لدوزي 99 ولعله عن بعض نسخ "الحلة السيراء" لابن الآبار.
(3) م المقامة -والأولى نار وماء بالرفع-.
(4) الشريشي 2: 265.
(2/195)

(28)
وقال (1) في مغنية وعودها -:
سقى الله أرضًا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنَّى عليه الطيرُ والعود أخضرٌ ... وغَنَّى عليه الغِيدُ والعود يابس
(29)
وقال (2) ومر خبر البيتين في الدال من شعر ابن رشيق- ويعزيان لابن فضالة (؟) المجاشعي:
إن ترمك الغربة في معشر ... قد جُبل الطبع على بُغضهم
فدارهم ما دمت في دراهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
(30)
وقال (3) يشتكي الزمان وأشار إلى أبيات لصريع الغواني في المعنى:
سل عن رِضايَ عن الزمان فإنه ... كرضى الفرزدق عن بني يربوع
لله حالٌ قد تنقل عهدها ... كخلاف نقل الدهر حال صريع
دارت دراريُّ الخطوب قواصدًا ... حتى نظرن إليَّ من تربيع
__________
(1) الشريشي 2: 12 - وفيه ذكت وهو تصحيف- وفي الحلية 200 و 201 وغنى عليه الناس 2 م المقامة، فوات الوفيات 2: 205.
(2) الشريشي 1: 205، المعالم 3: 240، البساط 61، = المقامة، وفي المعاهد 2: 70 معزوين لابن فضالة (؟) المجاشعي القيرواني وقيل ابن شرف -فإذا تمثل كل من القرينين بشعر سابق قائله: ابن رشيق بشعر ابن عمار وابن شرف بشعر بلديّهِ ابن فضالة- ثم أن ابن شرف نظم خمسة أبيات في المعنى والصنعة عينهما امتحانًا للسوس وقد مرت وهي:
يا ثاويا في معشر ... قد اصطلى بنارهم
-إلى آخر الخمسة-
وابن فضالة كذا هو والصواب ابن فضال وترجم له ياقوت 5: 289.
(3) الشريشي 2: 100 - ويربوع رهط جرير بن عطية بن حذيفة وهو الخطفي بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع- وظاهر أن الفرزدق لا يسوي بين يربوع ودارم وقد اتفقوا على أن الفرزدق أشرف وأحق بالفخر- وصريع يعني صريع الغواني مسلم بن الوليد ونقل في الفخري أنه كان نديمًا للفضل بن سهل قبل الوزارة وكان أنشده قوله: =
(2/196)

(31)
وقال (1) وانظر الأبيات هل هي مع السابقة في نسق؟:
سلك الورى آثار فضلك فانثنى ... متكلف عن مسلك (ال) مطبوع
أبناء جنسك في الحُلى لا في العُلى ... وأقول قولًا ليس بالمدفوع
أبدًا ترى البيتين يختلفان في ال ... معنى ويتفقان في التقطيع
(32)
وقال (2) ومرّ الخبر في الذال من شعر ابن رشيق:
يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ
لانَ إلى أن لا مَجَسَّ له ... فالفم ملآنُ به فارغ
سِيّانِ قلنا مأكل طيّبٌ ... فيه وإلّا مشربٌ سائغ
(33)
وقال (3) ملغِزًا في زُحَل:
وشيخٍ له غُرفةٌ فخْمة ... علت وهو فيها جميعَ الغُرَفْ
يمر ويرجع طُولَ الزمان ... فكم مَرَّ من مَرّة وانصرف
ويفسِد كل مكان حواه ... على أنه غاية في الشرف
(34)
وقال (4) يهجو حماما وانظر خبر إجازة ابن رشيق وبيته في شعره:
__________
= وقائل ليست له همة ... كلا ولكن ليس لي مال
لا جدة ينهض عزمي بها ... والناس سؤال وبخال
فاصبر على الدهر إلى دولة ... يرفع فيها حالك الحال
ثم أنه قصده لما تولى الوزارة فسر به وقال هذه الدولة التي يرفع فيها حالك الحال وأمر له بثلاثين ألف درهم وولاه بريد جرجان فاستفاد من ثم مالًا طائلًا والتربيع مصطلح في الهيأة معروف.
(1) المعاهد 1: 152 وال في اليت الأول لم يكن في الأصل.
(2) البدائع 1: 227، البساط 34، م المقامة.
(3) الغيث 2: 156.
(4) الغيث 2: 225، البدائع 1: 114، فوات الوفيات 2: 204 و 205 وبعض روايتهم يختلف عن بعض وقد كتبنا الصحيح منها وأضربنا عن غيره -وهذا قذع وخنا والعياذ بالله عن حصائد الألسنة.
(2/197)

كأنما حَمّامُنا فَقحةٌ ... النتن والظلمة والضيق
كأنني في وسطه فَيْشةٌ .... ألوطها والعَرَقُ الريق
(35)
وقال (1):
قالوا تصاهلت الحمي ... ر فقلت من عدم السوابق
خَلتِ الدُسوتُ من الرِخا ... ح فَفرْزنتْ فيها البَياذقْ
(36)
قال (2) مِلغزًا في المرآة:
ما يقول الشيخ في ... شيء تراه ويراكا
ثمَّ لا تلقاه إلَّا ... حين لا يلقى سواكا
(37)
قال (3)
لا تسأل الناسَ والأيام عن خبر ... هما يُبِثَانِك الأخبارَ تطفيلا
ولا تعاتب على نقص الطباع أخًا ... فإِن بدر السما لم يُعْطَ تكميلا
لا يؤيسنّك من أمر تَصعُّبُهُ ... فالله قد يُعْقِب التصعيب تسهيلًا
بع من جفاك ولا تبخَلْ بسِلْعته ... واطلب به بدلًا إِن رام تبديلا
(38)
وقال (4):
ومن يَطُلْ عمره يَفْقِدْ أحبّتَه ... حتى الجوارحَ والصبرَ الذي عِيلا
__________
(1) الغيث 2: 120، فوات الوفيات 2: 205.
(2) الشريشي 2: 216.
(3) الأولان من المعاهد 2: 205 وفه "تفيصلًا" وهو تصحيف، فوات الوفيات -والأربعة م المقامة- والرابع فقط في الشريشي 1: 52.
(4) الغيث 2: 221 قال أخذه من قول الشاعر: =
(2/198)

(39)
وقال شرف الدين القيرواني (كذا في الغيث 1: 69 وهو خطأ إن شاء الله):
وصيّر الأرض دارًا والورى رجلًا ... حتى ترى مقبلًا في الناس مقبولًا
(40)
وقال (1) وهي قصيدة فريدة يمدح الكاتب ابن أبي الرجال:
رَسْمُ الشَّجيِّ البكا في الرُّسْم والطلل ... والدمع حِيلَةُ أهلِ الفَقْدِ للحِيَلِ
__________
= من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانهُ ثقتاه السمع والبصر
وانظر هل البيت مع السابقة من كلمة؟
(1) ألف با لابن الشيخ 1: 498 إلا أن فيه في البيت 9 يثني بالثاء وهو تصحيف والصواب ما كتبنا وهو من الشنآن. وفي الشريشي 2: 137 من البيت 5 إلى الآخر وفيه في البيت 8 تميز في: وفي تأهيل الغريب 2: 196 البيتان 5 و 10 وكذا في المعاهد 1: 233. وفي الفوات 2: 205 الثلاثة 5، 7 و 10. وفي الغيث 2: 177 البيت 4. وفي حسن التوسل 91 البيت 10. م المقامة من 5 إلى الآخر كالشريشي. قال ابن الشيخ ما ملخصه: تقدم قول النعمان أردت أن تذيمه فمدحته مثل هذا قول الشاعر:
إن الذي تكرهون مني ... ذاك الذي يشتهيه قلبي
وكما قال ابن شرف وربما عابه البيت وهو من قصيدة من أحسن ما قال رحمه الله وفيها بيت عجيب وهو الذي أخبرتك عنه في أول الكتاب أن القاضي أبا الفضل عياضًا رحمه الله استشهد به في بعض تآليفه في ضرب من البلاغة ولعمر الله أنه لغريب وهو "سل عنه" البيت- فانظر كيف بنى هذا البيت على ثلاثة ألفاظ وهي سل وانطق وانظر ثم أتى في الجواب ثلاثة ألفاظ تقابل كل لفظ مقابلتها على التوالي بلا تقديم ولا تأخير (يريد صنعة اللف والنشر المرتب) ويكفي ابن شرف من الشرف أن استشهد به القاضي أبو الفضل وتلك غاية الفضل -وقد رأيت أن أثبت لك هنا من القصيدة ما أحفظه فإنها من غرر القصائد، وحسنها للألباب صائد- وقال بعد إنشاد البيت 4 وهذا البيت أيضًا غرة في المعنى وذلك أن السبل داء (غشاوة رقيقة تبدو معها عروق حمر) ويكسب العين ملاحة وجمالًا يقول فلا تغترر بحسن صبري فإنه يؤدي آخرًا إلى الهلاك اه. قوله حاز العليين مثل هذه التثنية مع اختلاف معنى المفردين قول الحريري:
جاد بالعين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين
وهما الذهب والجارحة، ولبعض المتأخرين:
فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواءين مقصور وممدود
وهذا كله من كلام المتأخرين ومن كلام العرب قول النابغة (الجعدي):
وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني
يصمم وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان
(صححنا البيت الثاني وكان مصحفًا) فسره أبو عبيد البكري وغيره بأنه أراد الجارحة والأيد الذي =
(2/199)

أفْنَى دموعي وجسمي طُولُ هجركُم ... حتى جرتْ دمعتي طَلًّا على طَلَل
أبكِي فلا جَسَدي أبْقَى ولا جَلَدِي ... ما لو أصيبَ به جسمُ البِلَى لبَلى
وحُسْنُ صبْرِي فلا يَغْرُرْكَ عن ضَرَرٍ ... مثلُ المَلاحة في أجفان ذي السَبلَ
ومنها في غرض المديح:
جاوِرْ عليًّا ولا تحْفِلْ بحادثة ... إذا ادَّرعتَ فلا تَسألْ عن الأسلَ
اسم حكاه المسَمَّى في الفَعال فقد ... حاز العَليَّينِ من قول ومن عمل
فالسيّد الماجد الحُرُّ الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العُلَى وسواه شانها، وكذا ... للشمس حالان في الميزان والحَمل
ورُبّما عابَه ما يَفْخَرُوْنَ به ... يُشنَا من الخَصْرِ ما يُهْوَى من الكَفَل
سَلْ عنه وانطِقْ به وانظُرْ إليه تجِدْ ... مِلْءَ المَسامعِ والأفواهِ والمُقَل
وهذا الأخير بيت القصيدة وغرَّة شادخة في وجهها وان كان كلّها غُرَرًا ظاهرة ودُررًا باهرة، بنورها زاهرة.
(41)
وقال (1) يندُبُ القيروان ويتلهَّف على عهده بها:
يا قيروان وددت أني طائر ... فأراكِ رؤية باحث متأمِّل
يا لو شهدتك إذْ رأيتك في الكرى ... كيف ارتجاع صِبايَ بعد تكهل
وإذا تجدَّدَ لي أخ ومُنادِمٌ ... جدَّدتُ ذكر أخ خليل أوَّل
لا كثرة الإحسان تنسي حسرتي ... هيهات تذهب علتي بتعلل
[لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل]
__________
= هو القوة فجمع (يريد ثنى) على الأخف (كالعُمرين) اه ملخصًا من الشريشي وأكثره كان محرفًا فأصلحناه- وأما قول البكري هذا فإنه شاذ لا يقاس عليه ومع هذا لا حاجة إليه أيضًا فإن الضرب باليدين (الجارحتين) يدل على بطش الضارب وتمكنه من الضريبة -أو يكون المعنى أنه أعسر يسر تارة يضرب باليمنى وأخرى باليسرى فالمعنى إحدى اليدين- فالحق أن المتأخرين اخترعوا هذه التثنية.
(1) معالم الإيمان 3: 240، م المقامة- وفي 1: 15 من المعالم ثلثة وترتيبها 1، 4، 2.
(2/200)

(42)
وقال في خدمته الكريم أصحابه (1):
خادمنا خيرنا وأفضلنا ... يطرح أعباءنا ويحملها
فنحن يُسرى اليدين تخدمها ... يمناهما الدهر وهي أفضلها
(43)
وقال (2):
قلِ لمن لا يرى المعاصر شيئًا ... ويرى للأوائل التقديما
إنَّ ذاك القديم كان جديدًا ... وسيغدو هذا الجديد قديما
(44)
وقال (3) في المعنى عينه:
اغرِيَ الناسُ بامتداح القديم ... وبِذم الحديث غير الذميم
ليس إلَّا لأنهم حَسَدوا الح ... يَّ ورقوا على العظام الرميم
(45)
وقال (4):
إني وإن عزَّني نيل المني لأرى ... حرص الفتى خَلةً زيدت على العدم
تقلَّدتني الليالي وهي مُدْبِرة ... كأنني صارم في كفّ منهزِم
__________
(1) الغيث 2: 168.
(2) مقامة مسائل الانتقاد ص 253.
(3) مقامته 253، الشريشي 1: 12، ألف باء 1: 59 - 60، وعزا صاحب تاج العروس البيتين إلى ابن رشيق خطأ. قال ابن الشيخ ولى أيضًا في المعنى قطعة ابتدأت بها كتابي كتاب التكميل وآخرها:
ولكن حرمة الموتى تراعى ... لهم والحي مهتضم طليح
فيعطى للقديم من السهام ال ... معلى والحديث له المنيح
(4) الشريشي 2: 100، م المقامة.
(2/201)

(46)
وقال (1):
غيري جَنَى وأنا المعاقَب فيكم ... فكأنَّني سَبَّابةُ المتندِّمِ
(47)
وقال:
ونجوم كاساتي طوالع بالمنى ... والسعد يستغنى عن التقويم
(48)
وقال (2):
يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان
ما وجه من أجنيته قُبْلة ... قلت ولا قولَك قرآن
(49)
وقال (3):
لمختلفي الحاجات جمعٌ ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العُليا وللمعدِم الغنى ... وللمذنب العُتْبى وللخائف الأمن
(50)
وقال (4):
بحيث يهون المرء يكرم ضده ... وحيث هبوط الشمس يشرُفُ كيوان
__________
(1) م المقامة.
(2) تزيين الأسواق 202، م المقامة، الغيث من غير عزو لشاعر بعينه 2: 211 - وفيها بأجمعها أحببته وهو تصحيف لا معنى له والعجب من صاحب م المقامة حيث نقله دون تفهم وعذره بين فإن التفهم أمر لم يؤمر به ولا ورد به كتاب ولا سنة وما لي وترك غريزته التي جبل عليها وعادته التي مشى عليها.
(3) تأهيل الغريب 2: 196، المعاهد 1: 247.
(4) الغيث 2: 165.
(2/202)

(51)
وقال (1):
قل للعذول لو اطلعت على الذي ... عاينته لعناك ما يَعنيني
أتصدّني أم للغرام تردُّني ... وتلومني في الحب أم تغريني
دعني فلستَ معاقبًا بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني
(52)
وقال (2) يذكر عموم خطب الغدر وشيوعه:
ولقد يهوّن أن يخونك ذو هوى ... كون الخيانة من أخ وخدين
لقَّى أخو يعقوب يعقوبَ الأذى ... وهما جميعًا في ثياب جنين
ومضى عليٌّ عن عقيل خاذلًا ... ورأى الأمين جناية المأمون
فعلى الوفاء سلام غير معاين ... شخصًا له إلا عيان ظنون
(53)
وقال (3) في مليح اسمه عمر:
يا أعدل الناس إسما كم تجور على ... فؤادِ مُضناك بالهجران والبين
أظنهم سرقوك القاف من قمر ... فأبدلوها بعين خيفة العين
(54)
وقال (4) في رجل عجز عن. . . . . عرسه ليلة البناء:
كم ذكَر في الورى وأُنثَى ... أولى من اثنين باثنتين
إن الليالي أتت بلحن ... لجمعها بين ساكنين
__________
(1) الغيث 2: 213، المعاهد 1: 227، ديوان الصبابة 112، م المقامة- وفي كلها شيء من التحريف وما كتبنا هو الصحيح المنتقى.
(2) الغيث 203: 2.
(3) فوات الوفيات 2: 205، م المقامة.
(4) المعاهد 2: 45 - وقوله أولى يعني لعجزه يجب أن تغلب الأنثى على الذكر في الثنية- وفيه بلفظ شريف الدين (9) القيرواني.
(2/203)

(55)
وقال (1):
غلف تمنوا في البيوت أمانيا ... وجميع أعمار اللئام أماني
(56)
وأحال صاحب الف باء (2: 123) لبيتين له -منهما: أن زارَ زارٍ- على كتاب "التكميل" له.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ملحق
فيه
شعر الحكيم الفيلسوف أبي الفضل جعفر بن محمد بن أبي سعيد بن شَرَفَ الجذاميّ.
(1)
قال من قصيدة:
سروا ما امتطوْا إلا الظلام ركائبا ... ولا اتخذوا إلا النجوم صواحبا
وهي 12 بيتًا في القلائد ص 294.
(2)
وله من أخرى.
أرحْ خطاك فحليُ النجم قد نُهبا ... وقد قَضى الشوقُ من وصل الدجى أرَبا
وهي 9 أبيات في القلائد ص 294 و 295.
__________
(1) كذا في الغيث 2: 100، وديوان الصبابة 167، والمعاهد 1: 185 بلفظ شرف الدين (؟) القيرواني (كما في البيتين المارين انظر طرتهما) وفي البساط 67 معزوًا لابن رشيق.
(2/204)

(3)
وقال وكان سار إلى المتوكل في يوم ماطر:
صاحبنا الغيث إلى الغيث ... لكنه غيث بلا عَيث
وهي 4 أبيات في القلائد ص 298، 299 مع خبرها.
(4)
وقال في بلد برْجة بهجةٍ وهي على واد نزه يسمى العذراء:
حُطَّ الرحال ببرجهْ ... وارتدْ لنفسك بهْجَهْ
وهي 4 أبيات في نفح الطيب مصر 1: 73، أوروبا 1: 95.
(5)
وقال في جواب أبيات كتبها إليه ابن اللبانة:
يا مُنجدي والدهر يبعث حربَهُ ... شعثاءَ قد لبستْ رداءَ عجاجها
وهي 15 بيتًا في القلائد ص 298 من أبيات ابن اللبانة.
(6)
وله:
خيال زارني عند الصباح ... وثغر الشرق يبسم عن أقاح
وهي 45 بيتًا في القلائد من ص 295 إلى 297.
(7)
وقال:
قد وقف الشكر بي لديكم ... فلست أقوى على الوفادة
ونلت أقصى المراد منكم ... فصرت أخشى من الزيادة
نفح الطيب مصر 2: 242، أوروبا 2: 269.
(8)
وقال:
قامت تجر ذيول العصب والحِبر ... ضعيفة الخطو والميثاق والنظر
(2/205)

وهي طويلة منها في القلائد طبعة باريس 16 بيتًا في ص 292، وفي النفح مصر 2: 242 أوروبا 269 بيتان 1، والآخر مما ليس في القلائد، وفي الشريشي 2: 228 خمسة وهي 1، 2، 5، 7، 8 من ترتيب القلائد ونقلها برمتها صاحب م المقامة زاعمًا أنها لمحمد بن شرف على ما يوهمه قول الشريشي "وقال ابن شرف"، وفي الخزانة ص 214 بيت النفح لم يبق البيت بلفظ "الفضل ابن شرف" وهو تصحيف أو وهم- وبيت"ادخلت نارًا" في ألف باء 2: 392.
(9)
وقال في بَرْجَة:
رياض تعشَّقها سُنْدسٌ ... تَوَشَّت معاطفُها بالزَهر
وهي 3 أبيات في النفح مصر 1: 73، أوروبا 1: 95.
(10)
وقال:
إذا ما عدوّك يومًا سما ... إلى رتبة لم تُطِق نقضها
فقبِّلْ ولا تأنفن كفَّه ... إذا أنت لم تستطع عضَّها
النفح مصر 2: 242، أوروبا 2: 269.
(11)
وقال:
رأى الحسن ما في خده من بدائع ... فأعجبه ما ضم منه وحرّفا
وقال لقدْ ألفيت فيه نوادرًا ... فقلت له لا بل غريبًا مصنفًا
نفح الطيب مصر 2: 242، أوروبا 2: 269.
(12)
وقال يمدح المعتصم بن صُمادح لما وفد عليه بحضرة بَرْجَةَ والقصيدة طنانة:
مطَلَ الليلُ بوعد الفلق ... وتشكّى النجم طول الأرق
وهي 41 بيتًا كلها غرر في نفح الطيب مصر 2: 241، أوروبا 2: 267.
(2/206)

(13)
وله من قصيدة أخرى أولها:
ما الرسم من حاجة المهريّة الرُسُم ... ولا مرام المطايا عند ذي إرَم
وهي 29 بيتًا في القلائد ص 292 - 294، وفي الخزانة البيت السابع عشر منها فقط ص 214.
(14)
وقال:
لعمرك ما حصلتُ على خطير ... من الدنيا ولا أدركت شيّا
وهي 7 أبيات في النفح مصر 2: 158، أوروبا 2: 153.
(15)
وقال:
يا من حكى البيذق في شكله ... أصبح يحكيك وتحكيه
أسفله أوسع أجزائه ... ورأسه أصغر ما فيه
النفح مصر 2: 230 أوروبا 2: 252.
(16)
ولأبي الفضل جعفر أرجوزة في الزهد وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم حدّثني بها الشيخ أبو بكر بن عتيق بن عيسى بن مؤمن. هذا لفظ أبي بكر بن أبي الخير الأشبيلي في فهرسته طبع سرُقُسطة ص 423.

خاتمة
قال المقرِيُّ في نفح الطيب (2: 243 من طبعة مصر وص 269 من طبعة ليدن) وذكر أبا الفضل جعفرًا ما لفظه:
"وله ابن فيلسوف شاعر مثله وهو أبو عبد الله محمد ابن [أبي] الفضل المذكور وهو القائل:
وكريم أجارني من زمان ... لم يكن من خطوبه لي بدُّ
منشد كلما أقول تناهى ... "ما لمن يبتغي المكارم حَدَ"
(2/207)

فهرس (شعر ابن رشيق) "على القوافي"
صفحة ... رقم ... عدد ... القافية
الأبيات
(أ)
1 ... 11 وصف زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء
2 ... 5 خمرية ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء
3 ... 2 رثاء ... سلمت بالرضى لحكم القضاء
(ب)
4 ... 1 هجوم اسطول الروم ... فقد خضعت لعزتك الرقاب
5 ... 2 البغل ... من العير سوء الطباع قريب
6 ... 2 غزل ... وفي مفرق الظلماء منه نسيب
7 ... 3 الخمر ... ما بي حب الغيد بل حبها
8 ... 2 غزل ... فإن برء سقامي عن مطلبه
9 ... 3 غزل ... من العمر لم تترك لأيامها ذنبًا
10 ... 3 حرفة الأدب ... أو أن يرى فيك الورى تهذيبا
11 ... 2 الحب ... ولم كانت لنا طهرًا وطيبا
12 ... 4 وصف سوداء ... يا مسك في صبغة وطيب
13 ... 5 ذكري الشباب ... من الشباب ومن باللهو للشيب
14 ... 4 وصف زرافة ... مذللة الظهر للراكب
15 ... 2 الشيب ... فلا تستغربي باق الغراب
16 ... 3 القناعة ... ما لم ينل بالكد والتعب
17 ... 2 الشيب ... فأين تمضي عن الصواب
18 ... 3 الهلال ... فتمنيت أنني من سحاب
19 ... 1 غزل ... ألست ترى في وجهه أثر الترب
20 ... 5 خفقان القلب للمحبوب ... والفجر يرمق من خلال نقابه
21 ... 2 النفور عن البحر ... والقلب فيه نفور من مراكبه
22 ... 3 التآسي ... على المرء سكن أوصابه
(ت)
23 ... 4 الأعراض عن الجاهل ... نفثة الصل الصموت
24 ... 5 إبليس ... فلا برأ الشيخ من علته
(2/208)

(ث)
25 ... 2 ... مجلس كثير الهوام ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
(ج)
26 ... 4 ... وصوله إلى المهدية ... لما نزلت به ويد زجوج
27 ... 3 ... النسب ... من حر شوق أذاب القلب لاعجه
28 ... 4 ... ركوب البحر المضطرب ... متوقع بتلاطم الأمواج
29 ... 10 ... الشعر ... ليس به من حرج
30 ... 2 ... الباذنجان ... فاجعله غير مبذنج
31 ... 1 ... الليل ... نجوم العوالي في سماء عجاج
(ح)
32 ... 2 ... الثريا ... على جوانبها تهفو المصابيح
33 ... 2 ... زغب المرأة ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا
34 ... 2 ... ليلة الوداع ... ليس للعين راحة في الصباح
35 ... 2 ... صباح اللذات ... نجائب اللهو ذوات المراح
36 ... 1 ... فضل المتأخر ... كجملة شيء شرح
(د)
37 ... 1 ... خلف السوء ... كواحد الأس لا يزكو له عدد
38 ... 4 ... أدب المشاورة ... فيلوون عني أعينا وخدودا
39 ... 1 ... ولم يقل سمع الله لمن حمده
40 ... 2 ... الألقاب الكاذبة ... سماع معتضد فيها ومعتمد
41 ... 2 ... النارنج ... وقد نشرت أغصانها للتأود
42 ... 3 ... غزل ... مور الوجنة والخد
43 ... 3 ... في مغنّ ... حتى نجدا ومن بأكناف نجد
44 ... 5 ... في إسرافه ... كل شيء غير جودي
45 ... 2 ... الانتصاف بالبيان ... بحد لسان كالحسام المهند
46 ... 2 ... التفاحة والمحبوب ... جناها من الغصن الذي مثل قده
47 ... 1 ... ستة أمثال ... وأغض تسد وارفق تنل واسخ تحمد
48 ... 2 ... البنفسج ... حريري فيه ولا فرط برد
49 ... 2 ... شقائق النعمان ... على أطرافها لطخ السواد
(ذ)
50 ... 3 ... الموز ... يعيذه المتعيذ
51 ... 2 ... البعوض ... وبك استعنت على الضعيف الموذي
(2/209)

(ر)
52 ... 7 ... غزل ... ولا غصانك بدر
53 ... 3 ... الذكرى في المرض ... والجرح منغمس به المسبار
54 ... 3 ... تعريض بكاتب ... من الناس يعروك تعييره
55 ... 3 ... التقفز والرحلة ... وردت طروقًا أو وردت مهجرا
56 ... 2 ... خال تحت لحي ... بين الجيد والخد رقبة وحذارا
57 ... 3 ... الصبح ... فاختلطت فيه فصارت فجرا
58 ... 2 ... الثريا والمشترى ... والمشترى في القرآن كره
59 ... 2 ... اللئيم ... إلا إذا مس بأضرار
60 ... 4 ... المطر والبرق ... أم النار في أحشائها وهي لا تدري
61 ... 4 ... الحمام ... وحالاه لأصحاب السعير
62 ... 4 ... وصف بغل ... فإنه ابن الحمار
63 ... 2 ... الجهاد ... والقتل خير من الأسار
64 ... 4 ... الهجاء ... عرس زيد بن عمير
65 ... 2 ... الاعتذار ... دعابة بت على نارها
66 ... 2 ... المراسلة ... لإجلال قدرك دون البشر
67 ... 3 ... وصف بقلة ... تصعد في الجوثم انحدر
(س)
68 ... 2 ... الهجاء ... وليلي بجهله بلقيسا
69 ... 2 ... وصف اترجة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس
70 ... 2 ... دخول الحمام للبكاء ... لأجل نعيم، قد رضيت ببوسي
71 ... 1 ... غزل ... شقيق وعينيه بقية نرجس
72 ... 2 ... مدح صقلية ... فيه سواها من البلدان والتمس
(ض)
73 ... 3 ... غزل ... كأنها في الحسن ورد الرياض
(ط)
74 ... 2 ... اجتناب المعالي ... وليس من العجز لا أنشط
75 ... 2 ... طول الليل ... من كل ناحية وسط
(ع)
76 ... 11 ... معاتبة القاضي جعفر ... لديك ولا أثنى عليك تصنعا
77 ... 2 ... هجاء ... لو قرك البرغوث ما أوجعا
78 ... 2 ... خيانة الأصدقاء ... وكيف يفارق المرء الطباعا
79 ... 3 ... رثاء ... ليكثرن من الباكين أشياعي
80 ... 1 ... الخصر والكلفل ... وأمسك الخصر لئلا يضيع
(2/210)

(غ)
81 ... 2 ... المغتاب ... وليس لجاري ريقه بمسيغ
82 ... 4 ... الموز ... من قبل مضغ الماضغ
(ف)
83 ... 9 ... اعتذار عن غيبة ... بأمواجه حبش إلى البر زاحف
84 ... 5 ... النقد ... حتى يرى شعره وتأليفه
85 ... 3 ... الحول والعور والعمى ... لأنهم يبصرون الناس أنصافًا
86 ... 1 ... الهجو ... ما يوجع الناس من هجر إذا قذفا
87 ... 2 ... الهجر ... صلة أو قطيعة في عفاف
88 ... 2 ... الصبر على المصائب ... إلا كمن يقرع الجلمود بالخزف
89 ... 1 ... تثبيه أربعة بأربعة ... كليل وبدر وغصن وحقف
90 ... 2 ... البهار ... لو تركته عيافة العائف
(ق)
91 ... 3 ... ضيق منزل ... النتن والظلمة والضيق
92 ... 1 ... الكأس ... شفة لم تذق وثغرًا وريقًا
93 ... 2 ... الثناء على المسيء ... وعندك مقت وعندي مقه
94 ... 6 ... رثاء المعافري ... ذهب الحمام بأنفس الاعلاق
95 ... 2 ... لؤلؤ القطر في المرج ... شكلين من حبب وصفو رحيق
2 ... الرمان ... وقد حجب الأغصان شمس المشارق
96 ... 5 ... غزل ... به القلوب من الفرق
97 ... 2 ... الصديق والعدو ... كاختيارك من تصادق
98 ... 2 ... استجداء ... فابعث الي بشقه
(ك)
99 ... 7 ... رثاء المعز ... أو كاد ينهد من أركانه الفلك
100 ... 2 ... المطر في العيد ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا
101 ... 2 ... الخمر ... في باخل جاد بالذي ملكه
(ل)
102 ... 3 ... نسيب ... إلى هوى أيسره القتل
103 ... 3 ... العتاب ... إلا خلافا مثل ما تفعل
104 ... 3 ... قوس البندق ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل
105 ... 3 ... غزل ... هو الناس والباقون بعد فضول
106 ... 2 ... أن كان ما قالوا كما قالوا
107 ... 2 ... السفر ... أن كنت حقًّا تشتكي إلا قلالا
(2/211)

108 ... 1 ... الثريا ... أو نرجس في يد الندمان قد ذبلا
109 ... 3 ... إبليس ... لكل ما لا يطاق محتملا
110 ... 3 ... الصحبة ... وعد عن كل ساقط سفله
111 ... 4 ... الاستبطاء ... لو لم تؤخر لم تكن كامله
112 ... 3 ... طول الليل ... القت على الأفاق كلكالها
113 ... 5 ... المدح ... من مهجة القيل أو من ثغرة البطل
114 ... 4 ... الاستغفار ... وجيء بالأمم الماضين والرسل
115 ... 6 ... الصحبة على دخل ... لا يصحبوه فخلوا كل تدخيل
116 ... 3 ... البغلة ... فتخال تحت السرج أم غزال
117 ... 2 ... غزل ... أو زرته في موضع خال
118 ... 2 ... العتب ... فيه خلاف لحلاف الجميل
119 ... 6 ... يعاقيب الحجل ... إلا يعاقيب الحجل
120 ... 3 ... التفاحة ... من كف ظبي أكحل
(م)
121 ... 4 ... سقوط ثنية ... لسقرطها وجرى عليه عظيم
122 ... 1 ... أربعة أمثال ... والحرص مخيبة والرزق مقسوم
123 ... 6 ... البذار ... يكاد يستمطر الجهاما
124 ... 1 ... الثريا والبدر ... باسطا كفه ليقبض جاما
125 ... 2 ... المدح ... من الخبر المثور منذ قديم
126 ... 3 ... الصداقة ... وقل على مسامعه كلامي
127 ... 2 ... النسيب ... فقلت لها قول المشوق المتيم
128 ... 6 ... خاتمة العمدة ... وجرى لساني فيه أو قلمي
129 ... 2 ... النسيب ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم
130 ... 2 ... فضل المتأخر ... حصلت في أضيق من خاتم
131 ... 2 ... خطر العلو ... أني أشم عليك رائحة الدم
132 ... 1 ... العذار ... من أجلها يستغيث الناس باللام
133 ... 2 ... رايات المعزّ ... مشهورة يوم اقتحامه
134 ... 2 ... يذكر نفسه ... ومجرى الأمور على رسمها
135 ... 2 ... التصحيف ... دينار يلوح ودرهم
(ن)
136 ... 2 ... معكوس نمام ... أساء أخراني وما أحسنوا
137 ... 3 ... الحمام ... إيادي بيضا مالهن ثمين
138 ... 2 ... المثيب ... ابت ذلك الخمس والأربعونا
139 ... 3 ... الرقيب ... اخاف من الجلاس أن يفطنوا بنا
140 ... 5 ... مدخ المعز ... قمر أقر لحسنه القمران
141 ... 56 ... رثاء القيروان ... بيض الوجوه شوامخ الإيمان
(2/212)

142 ... 1 ... الهجو ... وجميع أعمار اللئام أماني
143 ... 2 ... الخمر ... فتحسبه فيها نثير جمان
144 ... 2 ... حمرة الخد ... فاستل من عينيه سيفين
145 ... 2 ... الأخوان ... من حادثات الزمان
146 ... 2 ... يوم الفراق ... شتان لكننا في الود سيان
147 ... 2 ... المدح ... شعر من الأشعار مع إحسانه
(و)
148 ... 2 ... وصف الفرس ... وتعرض طولا في العنان فتستوي
149 ... 2 ... غزل ... فقال لي مستهزئا ما هو
(ي)
150 ... 4 ... العتاب بعد اليأس ... بقايا أمتي النفس فيها الأمانيا
151 ... 2 ... الخمر ... كأنها من وجنتيه
152 ... 2 ... ركوب البحر ... لا جعلت حاجتي إليه
153 ... 2 ... صفرة الحبيبين ... ويصفر خوفًا أن أثم عليه
154 ... 3 ... غزل ... قلوب العاشقين بمقلتيه
(2/213)

القصيدة اليتيمة لدوقلة المنْبَجِيّ (*)
تقدم لي بحث عن صاحب هذه القصيدة في السنة الماضية (الزهراء 3: 224)، وتلاه مقال لبعض فضلاء لبنان (الزهراء 3: 362). ثم لم أزل بعد ذلك أنقب عنها إلى أن سنَّى الله لي زيارة خزانة رامبور غرة رجب الفرد سنة 1346 ه وهي ثانية مكاتب الهند الثلاث الباقية بعد النَهْب والغارة، وهي على هذا الترتيب: خزائن بانكي بور، ورامبور، وحيدرآباد. وهناك خزائن أخرى خصوصية لا تخلو من الأعلاق الخطيرة، وهي زُهاء خمس وعشرين فيما أُقدّر. فرأيت كثيرًا من نفائس الأسفار (1) مما لعله لا يوجد بكثير من البلاد الإِسلامية وممَّا لا يخلو من فائدة زائدة. وبينما أنا أُقلب نسخة من المقامات مكتوبة سنة 1055 ه بخط محمد السنهوري وقد بقيت بصفد وكيرها من عواصم الشام إذ عثرت بعد ختامها على نص اليتيمة مع خبرها. وأني مع علمي بأن نسخها كثيرة في مصر والشام أحببت أن أطبعها كما هي حتى يضيفوا إلى ما هو عندهم من نسخها نسخة أخرى لا تخلو من فائدة في
__________
(*) نشرت في مجلة "الزهراء" عدد شعبان 1346 ه.
(1) كتفسير النكت والعيون للماوردي، الأنوار في التفسير لابن مقسم صاحب المبرد، التعريف والأعلام للسهيلي، الإبانة لابن بطة، انتقاض الاعتراض رد على العيني لابن حجر، تجريد الستة لرزين العبدري، غريب الحديث لأبي عبيد، كتاب الغريبين للهروي، عقلاء المجانين، العشرة المختارة للثعالبي، الأفعال لابن القطاع الصقلي، مجلد ضخم من آخر تهذيب الأزهري، دستور اللغة، ديوان الآدب للفارابي، الارتشاف لأبي حيان، وشروح التسهيل للدماميني وأبي حيان والمرادي، شرحا المفصل للتاج الخجندي والسخاوي، شرح الألفية لابن الوردي، أمثال أبي عبيد، جاويدان خرد لابن مسكويه، حاشبة شرح ابن هشام على بانت سعاد لعبد القادر البغدادي ديوان أبي فراس صنعة ابن خالويه، ديوان الأعشى وصردر والحادرة بخط ياقوت وأبي محمد فتيان الأسدي، شرح المعلقات للنحاس، أنساب السمعاني خير نسخة رأيتها، جمهرة التسب لابن حزم، شذرات الذهب لابن العماد، البارع في أحكام النجوم لابن أبي الرجال ممدوح ابن رشيق وعمدة الكتاب للمعز بن باديس صاحب المهدية .. إلى غيرها.
(2/217)

المقابلة. والأسف أنها لا تخلو من تحريف كثير. وهذا ما تخلص لي منها بعد تنقيحها مع مغامز بقيت فيها:
هذه يتيمة الدهر وفريدة العصر، غزيت إلى سبعة عشر شاعرًا كل منهم قد ادَّعاها وهو يكذَّب في دعواه. وسبب تسميتها بذلك أن ملكة اليمن آلت على نفسها أن لا تتزوج إلا بمن يقهرها بالفصاحة والبلاغة ويذلها في الميدان، فلم يتفق ذلك لأحد مدة طويلة، فسمع بها بعض الشجعان البلغاء وجاء يطلب محلها فمر ببعض أحياء العرب فأضافه كبير الحي وسأله عن حاله، فأخبره بما هو فيه وأطلعه على القصيدة المذكورة. وكان ممن خطب المرأة سابقًا فحمله الطمع على أن رضخ رأس الرجل بحجر إلى أن مات. وأخذ القصيدة المذكورة وأضافها لنفسه وذهب إلى المرأة ليخطبها وذكر أنه كفؤ لها - فقالت له: من أيّ الديار [أنت]؟ قال من العراق. فلمَّا اطَّلعتْ على القصيدة رأت فيها بيتًا يدلّ على أن قائلها من تهامة، فصرخت بقومها وقالت: الزموا هذا فإنه قاتل بَعْلي. فأخذوه وعذَّبوه فأقرّ بما فَعل. فرجعوا إليها به، فأمرت بقتله، فقتلوه. وآلت على نفسها أن لا تتزوّج بأحد بعده كرامةً لهذه القصيدة، وهي هذه:
الطلل
هل بالطلول لسائل رَدُّ ... أم هل لها بتكلّمٍ عهدُ
درس الجديد جديد مَعْهدِها ... فكأنّما هي رَيطة جَرْد
من طول ما تبكي الغيومُ على ... عَرَصاتها ويُقَهْقِة الرعد
وتُلِثُّ ساريةٌ وغادية ... وَيَكُرُّ نحس خلفَه سعد
تِلْقاءَ شاميةِ يمانيةٌ ... لهما بِمَوْرٍ (1) تُرابها سَرْد
فكست بواطُنها ظواهرَها ... نَوْرًا كأنّ زَهَاءَه بُرد (2)
يعدى فيسري نهجه حدب ... وامي العرا ويزيده عهد (3)
فوقفتُ أسألها وليس بها ... إلَّا المَها ونقانقٌ زبْدُ
__________
(1) في الأصل "يمور" وأظنه مصحفا.
(2) الزهاء بالفتح النضرة.
(3) كذا.
(2/218)

فتبادرت دِرَرُ الشئون على (1) ... خذِّي كما يتناثر العقد
أو نَضحُ عَزْلاءِ الشَّعيب وقد ... راحَ العسيفُ بِمِلْئِها يَعْدُو (2)
خَلق دعد
لهفي على دَعْد وما خُلقت (3) ... إلا لجرّ تلهّفي دعدُ
بيضاءَ قد لبس الأديمُ بَها ... ءَ الحُسن فهو لجلدها جلد
ويزين فَوْدَيها إذا حَسرت ... ضافي الغدائر فاحمٌ جَعْد
فالوجه مثلَ الصبح مبيضُّ ... والشَعر مثلَ الليل مسودّ (4)
ضدّان لما استَجْمَعا حَسُنا ... والضدّ يُظهر حُسْنَه الضِدّ
وجبينها صَلْت وحاجبها ... شَخْتُ المخَط أزَجُّ ممتدّ
وكأنها وَسْنَى إذا نظرتْ ... أو مُدْنَفٌ لما يفِقْ بَعْدُ
بفُتور عينٍ ما بها رَمَدٌ ... وبها تُداوى الأعيُنُ الرُمْدُ
وتُريك عِرنينًا يزيّنه ... شَمَمٌ وخَدًّ [ا] لونُه الورد
وتجيل مسواكَ الأراك على ... رَتِلٍ (5) كأنَّ رُضابه الشَهْد
والجيد منها جيدُ جازئة ... تعطو إذا ما طالهَا المَرْد
وامتدّ من أعضادها قَصَبٌ ... فَعْمٌ تلتْه مرَافق دُرْد (6)
والمِعْصَمان فما يُرَى لهما ... من نعْمة وبضاضةٍ (7) زَند
ولها بنان لو أردتَ له ... عَقْدًا بكفّك أمكن العَقد
وكأنما سُقيت ترائبُها ... والنحرُ ماءَ الورد إذ تبدو
وبصدرها حُقَّان خِلْتُهما ... كافورتين علاهما نَدّ
__________
(1) في الأصل "دور الشئون" مصحفا ودرر جمع درة ما يدر من المطر واللبن.
(2) هذا ما فتح الله به على. والا فإن الأصل "غزلان ... بمالها بعد". ولله الحمد على ذلك.
(3) في الأصل "وما حفلت الاتجر".
(4) هذا البيت والذي يتلوه أنشدهما ابن جني في شرح قول المتنبي وبضدهما تتبين الأشياء على أنهما للمنبجي وهو دوقلة على ما كنا نقلنا في الزهراء (3: 225) عن أبي بكر ابن خير. انظر التبيان 1: 16 والواحدي بومباي 8 وبرلين 197.
(5) سن كثير البياض والماء. والمصدر رتل محركا.
(6) ليس بها نتوء عظم كالذين لا أسنان لهم. وفي الأصل بدل تلته "دهته" ولعل الأصل زهته.
(7) هذا الصواب. وغضاضة في بلوغ الأرب 2: 20 أظنه مصحفا.
(2/219)

والبطن مطويّ كما طُويتْ ... بِيضُ الرِياط يصونها المَلْد (1)
وبخصْرها هيَفٌ يزيّنه ... فإذا تنوء يكاد ينقدّ
والتفّ فَخْذاها وفوقهما ... كَفَل يجاذِب خِصْرَها نَهْد (2)
فقيامُها مَثْنًى إذا نَهضت ... من ثقله (3) وقعودها فَرْد
والساق خرْعبة منعَّمةٌ ... عَبِلتْ فطَوْق (4) الحَجْل منسدّ
والكَعْب أدرمُ لا يَبين له ... حَجْم وليس لرأسه حَد
ومشت على قدمين خضّرتا ... والُينتا (5) فتكامَلَ القدّ
[ما عَابها طول ولا قِصْرٌ ... في خلْقها فقِوامُها قَصْد (6)]

شكوى الهجر والصدود
إن لم يكن وصل لديكِ لنا ... يشفي الصبابةَ فليكُن وعد
قد كان أورق وصلُكم زمنا ... فذَوَى (7) الوصال وأورق الصَدّ
لله أشواقي إذا نَزحتْ ... دارٌ بنا ونأَى بكم بُعْدُ
إنْ تُتْهِمي فتهامةٌ وطني ... أو تُنْجدي يكن الهوى نجد
وزعمتِ أنّكِ تضمرين لنا ... وُدَّا فهلَّا ينفع الوُدّ!
وإذا المحبّ شكا الصدود ولم ... يُعْطَفْ عليه فقتلُه عَمْد (8)
تختصّها بالوُدّ وهْي على ... ما لا تُحِبّ فهكذا الوجد (9)

الفخر بأخلاق النفس
أو ما تَرَى طِمْرَيَّ بينهما ... رجُل ألَحَّ بهَزْله الجِدُّ
__________
(1) الرجل الناعم.
(2) وفي البلوغ بدله "كفل كدعص الرمل مشتد".
(3) ويروى "لينها" وما هنا هو الصواب.
(4) وفي الأصل "فطرق" وهو تصحيف.
(5) ويروى والتفتا.
(6) هذا البيت من غير الأصل.
(7) و "فزوى" عند البعض مصحف.
(8) يظهر منه أن الرجل ليس ذا الرمة ولا خاطب ملكة اليمن.
(9) كذا والظاهر أن يكون "أهكذا الوجد؟! ".
(2/220)

فالسيف يقطَع وهو ذو صَدَإِ ... والنصل يعلو (1) الهامَ لا الغِمْد
هل تنفعنَّ السيفَ حِليتُه ... يوم الجِلاد إذا نبا الحَدّ
ولقد عَلِمْتِ بأنني رجل ... في الصالحات أروح أو أغدو
سَلمٌ على الأدنى ومَرْحمة ... وعلى الحوادث هادِنٌ (2) جَلْدُ
مُتَجَلْببٌ ثوبَ العَفاف وقد ... غفل الرقيبُ وأمكن الورد
ومُجانبٌ فعلَ القبيح وقد ... وصل الحبيبُ وساعد السعدُ
منع المطامعَ أن تُثَلِّمني ... أني لمِعْوَلها صفًّا صَلْدُ
فأروح حُرًّا من مَذلّتها ... والحُرُّ - حين يطيعها - عَبْدُ
آليتُ أمدح مُقْرَفًا أبدا ... يبقَى المديحُ ويَنْفَدُ الرفد
هيهات يأبى ذاك لي سَلَفٌ ... خَمَدُوا ولم يخمدْ لهم مجد
والجَدُّ كِندةُ والبنون همُ ... فَزَكَا (3) البنون وأَنْجَب الجدّ
فلئن قفوتُ (4) جميل فعلهم ... بذميم فعلي إنني وَغْد
أجمِلْ إذا حاولتَ في طلب ... فالجدّ يغني عنك لا الجَدّ
وإذا صبرت لجِهْد نازلة ... فلكاته ما أمسك الجهد (5)
ليكُنْ لديكِ لسائل فَرَجٌ ... إن لم يكن فليَحْسُنِ الرَدُّ
وطريد ليل ساقَه سَغَبٌ ... وعلى الكريم لضيفه الجُهْد
أوسعتُ جُهْدَ بشاشة وقِرَّى ... وعلى الكريم لضيفه الجُهْد
فتصرَّم المُثْني ومنزله ... رَحْبٌ لديَّ وعيشه رَغْد
ثم اغتدَى وردؤاه نِعَمٌ ... أسأرتُها (6) وردائيَ الحمد
يا ليت شعري بعد ذلكُمٍ ... ومصيرُ كلّ مؤمَّلٍ لحد
أصريعُ كَلْم أم صريع ضَنًّا ... أودى فليس من الردى بُدّ
جامعة عليكرة الإسلامية (الهند) عبد العزيز الميمني الأثري
__________
(1) ويروى "يفري".
(2) في الأصل "هازن" مصحفًا. وهادن: ساكن. أي لا أجزع ولا أقلق. أو هو "هاون" بضم الواو مخفف "هاوون". أو هو "هادى" كهادن.
(3) في الأصل تزكي "مصحفا".
(4) في الأصل "تفوت" مصحفًا.
(5) كذا.
(6) أبقيتها (أي ذكرًا جميلًا وسمعة حميدة) أو نعم أي إبل كانت بقيت عندي.
(2/221)

الربيع بن ضبع الفزاري
أخباره وشعره (*)
قال أبو محمد: ومما ذكرت العرب به ذا القرنين في أشعارها قول الرُّبيع إن ضبُع (1) بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فَزارة بن ذُبيان (2). وكان معمَّرًا عُمّر مائتي عام. وكان أحكم العرب في زمانه وأشعرهم وأخطبهم. وشهد يوم الهباءة وهو ابن مائة عام فكان أنجد فارص في حرب داحس، وهو القائل في يوم بشم (3) وأمرهم "ظلمتم يا بني فَزارة، والظلم عاقبته وخيمة. فداووا الظلم بالرِفق أو فأنتم شاة الذئب وغرض الرامي". وقال لحَمل بن بدر عند هزيمتهم:
يا حمل هل تعلم ما لا أعلمُهْ ... سديت (3) عُزْلًا لا تطيق ملحمه
والظلم للظالم حتمًا يُلْجمُهْ ... ألا ترى قيسًا تأطت أسهمه
يقتل ذا الظلم ومن لا يظلمه
وكان أنجد فارس في يوم الهبَاءة حبس خَلْف بني فَزارةَ حتى خلّفوا حريمهم.
وهو القائل في يوم الهباءة لما حبس خلف بني فزارة حتى أثخن جراحًا:
رأيت موتين علينا نازلا (4) ... موتي وموت الغُرّ من قومي الملا
بذلت روحًا دونهم معجلًا ... كما أُلاقي الموت منها المنهلا
__________
(*) نشر في مجلة "الزهراء" عدد جمادي الثانية 1346 ه، وهو منقول من كتاب (التيجان في ملوك حمير) لأبي محمد بن هشام، بعناية العلامة الشيخ عبد العزيز الميمني الراجكوتي. عن النسخة المخطوطة الوحيدة فيما نعلم. (انظر وصفها في الزهراء 3: 300).
(1) الربيع وضبع يرويان مكبرين ومصغرين، ولكن المشهور الربيع مصغرًا وضبع مكبرًا.
(2) وسيأتي في ص 236 وص 238 قول الربيع في ذي القرنين.
(3) كذا.
(4) كذا. ولعله نزلا أو انزلا.
(2/222)

قال أبو محمد (1): لما كبر وخَرِف وأدرك الإِسلام فقال قوم أسلم وقال قوم لم يسلم منعه قومه ذلك. قال أبو محمد جمع بين بنيه فقال (2):
ألا أبلغ بَنِي بَنِيَّ ربيع ... فأشرارُ البنين لهم فداء
بأني قد كَبِرتُ ودَقّ عظمي ... فلا يَشْغُلكم عني الحَياء
وأن كِنانتي لنساء صدق ... وأني لا أسَرّ ولا أساء
إذا جاء الشتاء فدَثّروني ... فإن الشيخ يَهْدِمه الشتاء
وإن دَفع الهواجرُ كُلَّ قُرَّ ... فسربالٌ خفيف أو رداء
[إذا عاش الفتى مائتين عامًا ... فقد أودَى المسرّة والفَتاء]
ثم قال: يا بَنِي اجمعوا إليَّ بني ذبيان. ثم قال: يا بني بني فزارةَ بن ذبيان مَن أعزّكم؟ قالوا أنت يا أبا سالم. قال إن لكم أن تدوسوا عزكم عليكم بأرجلكم فذلك أرفع قدره (؟ لقدره) عندكم. يا بني ذبيان آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالحلم فإِنه يُحْسن المعاشرة، والجودِ فإنه يزرع المودّةَ. وآمر بالحفظ لبعضكم بعضًا يهابكم الناس الأباعدُ. وآمركم بالعلم فإنه زَين ومحبَّة في قلوب العالم. وأنهاكم عن السفه فإنه باب النَدَم ومنزل الذُل، وأنهاكم عن البُخل فإِنه سُلَّم السباب (3)، وأنهاكم عن التخاذُل فإنه آفة العزّ، وأنهاكم عن الجهل فإنه رزيّة ومَهلكة، واسألوا عما جهلتم فإن السؤال هُدىً وفي الصمت عن الجهل عَميَّ، ولا تستصغروا مَن لا تعرفونه، ولا تحسُدوا من لا تدركونه، ولا تحمدوا غيرَ كريم، ولا تُبَجِّلوا (4) غير شريف، ولا تُفْضِلوا على غير محتاج فيذهب فضلكم هَباءً، ولا تمنعوا السائل فإن منعه مَقْت، ولا غيبة (؟) فإِنها قرض مردود ولا سيما أنها تعقب. يا بني ذبيان اجعلوا قبري علمًا فإِنْ (5) قذمت في الناس خيرًا فإِنه شأن وذِكر حسن وتركت فخرًا للبنين، ولو قَدَّمت سيئًا أمرتُكم أن تُخفوه فإنه عَلَمُ السَبّ. احفظوا قولي فإنه مقامي فيكم ورأي. وأنشأ يقول:
__________
(1) ونقل هذا صاحب الإصابة عن ابن هشام.
(2) الأبيات في كتاب المعمرين طبع مصر ص 7، والقالي 3: 220، وأمالى المرتضي 1: 184 والخزانة للبغدادي 3: 306 - ومنها زدنا البيت السادس هنا.
(3) في الأصل السبب ولعله جمع سبة.
(4) في الأصل تبخلوا.
(5) في الأصل فاني.
(2/223)

لقد عزَفتْ نفسي عن اللهو حمه (1) ... وإن نهلت من لهوها ثم عَلّتِ
رأيتُ قرونًا من قرون تقدَّمت ... فلم يبق إلَّا ذكرها حين وَلَّت
ألا أين ذو القرنين أين جُموعه ... لقد كَثُرت أسبابه ثم قلَّت
خَرِفتُ وأفنتْني السنون التي خلت ... فقد سئِمتْ نفسي الحياةَ ومَلَّت
تجاوزت في يوم الهباءة غدوة ... وألفيت عودًا حينما حين حلت (1 م)
فكم مشهد أوردت نفسي وكلته (1 م) ... أجشمها مكروهَه حين كَلَّت
وكم غمرة ماجت بأمواج غمرة ... تجرَّعتُها بالصبر حتى تجلَّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عَزْمي على الأمر ذلّت
هي النفس ما مَنّيتها تاقَ شوقُها ... وإلَّا فنفس أن يئستَ تسلَّت
وقال أيضًا الربيع بن ضبع (2):
ألا يا لَقومي قد تبدّد إِخواني ... نداماي في شرب الخمور وأخداني
وأمشي قليلًا ثم آتي سبيلَهم ... فتبلى عظامي يا لسعد وذبيان
وأبلى ويبقَى منطقي بعد ميتتي ... وكلّ امرئ - إلَّا أحاديثه - فإن
سيدركني ما أدرَك المرِءَ تُبعًا ... ويغتالني ما اغتال أنسُرَ لقمان
[كلا الرجلين كان جَلدًا مشيَّعًا ... كثيرَ الأداة من بنين وأعوان]
أجار مجير الرمل (3) من غير مُلكه ... وأنزل سيف الباس من رأس غمدان
وألوى بذي القرنين بعد بلوغه ... مطالع قرن الشمش بالإِنس والجان
أنا بين يومينا فأمس (4) الذي مضى ... وصَرْفُ "غد" لا بُدَّ بالحَتْم يلقاني
ألم تَرَ أن الدهر للقوم طالبٌ ... وإن لم أكن يومًا لأوتار مجّان (1 م)
سيأخذ ما أعطَى وإن كان مُحْسِنا ... وما كان من شرخ الشبيبة أولاني
__________
(1) كذا ولعله "جملة".
(1 م) كذا.
(2) الأربعة الأبيات الأولى في حماسة البحتري وزيادة الخامس منها. وروايتها البيت الثاني "أضحى قليلًا ثم آتى الخ ... " وفيها في البيت الرابع "أسرة لقمان" وما هنا أصلح.
(3) كذا ولعله مُجير الرجل أي رجل الجراد، والمجير هو مدلج بن سويد الطائي وانظر المثل "أحمى من مجير الجراد" في الميداني 1: 195، 149، 202 للطبعات الثلاث والعسكري 1: 272 والاشتقاق لابن دريد 232.
(4) الأصل بأمس.
(2/224)

وقال أيضًا الربيع بن ضبع (1):
قل للذي راح عن أخيه وقد ... أودعه - حين وَدّع - الحَجَرا
هل أبصرت عينه له أثرًا ... أو سمعتْ أُذنُه له خبرا
أين همام (2) الجَديل إذ أمرا ... وأين ربّ السَدير إذ قَدرا
أين بنو هُودٍ النبيّ ومَن ... شَمَّر عن راحتيه وابتكرا
والصعب لمّا عنت (كذا) أرومتهُ ... وحان ريب الزمان فادّ كرا
لم يدفع الموت بالجنود ولا ... رَدّ بأسباب علمه القدرا
فاز على الدهر يحني (كذا) فرَمَى ... فوق جَناحي ومَفْرِقي شرَرا
لا تعجبي يا أُميم من صفتي ... فقبل ما كنت أخسف القمرا
صبوًا بهند وزينبٍ أَممًا ... ونسوةٍ كنَّ قبلها درَرَا
لمّا رماني الزمان من عُرَض ... وقامرتني خطوبهُ قَمَرا
أصبح عني الشباب قد حسرا ... إن ينا عني فقد ثوَى عُصُرا
ودَّعَنا قبل أن نودّعه ... لمّا قَضى من جِماعنا الوطرا
أصبحتُ لا أحمل السِلاحَ ولا ... أمسك رأس البعير إن نفرا
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به ... وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا
من بعد ما قوَّة أُسَرُّ بها ... أصبحتُ شيخًا أعالج الكِبَرا
ها أناذا آمُلُ الخلودَ وقد ... أدركَ عقلي ومولدي حُجُرا
أبا امرئ القيس هل سمعتَ به ... هيهات هيهات طال ذا عُمرا
وقال أيضًا الربيع بن ضبع:
طال الثواءُ على السنين أُمَيْما ... ألقى عذابًا للزمان ألما
__________
(1) الأبيات توجد في نوادر أبي زيد 158 والمعمرين 6 والقالي 2: 187 والبحتري 293 المرتضى 1: 185 وألف با 2: 88 والخزانة 3: 308 وغيرها من قوله أصبح إلى قوله والكبرا. إلا أن في الكتابين الأول والثالث زيادة وهي:
أقفر من ميَّة الجَريب إلى ... الزُجَّين إلَّا الظباءَ والبقرا
كأنها دُرَّة منعَّمة ... من نسوة كنَّ قبلها دررا
أصبح مني الخ. وهذا الثاني كأنه رواية لقوله: صبوا بهند. البيت.
(2) هو النعمان بن المنذر. والجديل فحل له.
(2/225)

أنسيتَ أم لم تنسَ أم عاهدته ... فوجدتَه بعد السَفاه حليما
لا بُدّ أن ألقى المنَون -وإن نأتْ ... عنّي الخطوبُ- وصَرْفه المحتومَا
هلَّا ذكرتَ له العَرَنْجَجَ حِمْيرًا ... ملكَ الملوك على القليب مُقيما
والصعبُ ذو القرنين عُمِّر ملْكُه ... ألفين - أمسى بعد ذاك رميما (1)
وثقتْ به أسبابُه حتى رأى ... وجهَ الزمان بما يسوء نسيما (1 م)
أمِنَ الأمورَ أخو الدهور فهل أرى ... ذا مِرة من قبله معصوما
طال الزمان وطال فيَّ عَيثه ... ما زال من قبلي الزمانُ قديما
ألوَى بشَمّر والمقعقع (2) بعده ... وأبار سعدا بعده وتميما
لما حثون على لطيفة (كذا) ... واستحسن القَيصوم والتَنُّوما
وفيه يقول الربيع بن ضبع بسوق عكاظ عند صلح عيسى وذبيان * قال أبو محمد: لما همَّت عبس بصح ذبيان قام بأمر الصلح بينهم عوف بن حارث وحِصْن بن حذيفة - وكان عوف عن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وكان حصن عن فزارة بن ذبيان - وقام هرم بن سنان ابن أبي حارثة المزني عن بني عبس قال: لما أتى بنو عبس بدية بني ذبيان وأتى بنو ذبيان بدية بني عبس وقع على حُصين بن ضمضم المزنّي عشرة أبكار، وكان نَهِما أكولا لَحَما وكان فارس بني ذبيان فأدركه البُخل فأراد نقضَ الصلح فقال: والله يا بني عبس لا نصالحكم إلا الصلح المخْزيةَ جَدْع الأنف والأذنين. فقال الربيع بن زياد " ... الحريم ولَجّ الغريم وطال الشرّ وغدر الدهر". فغضب عنترة وقال: يا حصين الحرب خير لي والصلح خير لك، فدونك أضعفنا حقًّا خسره الله. فأرسلها مثلًا. قال له الحصين: أيها الغراب حار بك الخطاب اسكت يا بني عبد شمس. قال له عروة بن الورد العبسي وكان رأس الصعاليك وأجسرهم: يا حصين شهدتك وأباك وأخاك وأنتم تَشُلَّون القِرَبَ بسوق عكاظ سنة المَسْغَبة. قال حصين: كُفّ أيها الصعلوك الشاعر. فقال عروة ارتجالًا:
أرى الناس في الآفاق جمّا وإني ... على فجّ كلّ خائف الشِعب واحدُ
__________
(1) البيت يوجد في بلوغ الأارب 1: 177 و 3: 211.
(2) هو السكسك بن وائل بن حمير انظر ص 288 من التيجان في باب ملك مالك بن عمرو بن يعفر -وإن أردنا بشمر شمر يرعى أشكل الأمر فإنه بعد المقعقع بزمن كثير.
(2/226)

ليَ الذئب نَدْمانٌ ولي الليث صاحبٌ ... يثور -إذا أحدو- النعامُ الشوارد
أظَلَّ الطَوَى حتى إذا بَرحَ الخفا ... طعِمتُ يسيرا والتجملُ رائد
وما بي إفراق (1) ولكن تكرّما ... أشيّد ما شاد الكرام الأماجد
ولست كمن يمسي بطينا، وإنه ... يبيت خميصًا جاره وهو راقد
أنيل نوالي الأقربين وإنه ... لَيُدرك معروفي الأقاصي الأباعد
افرّق جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قرَاحَ الماء والماءُ بارد (2)
وقال الربيع بن ضبع: يا حصين تعرَّضت للسَبّ. وقال الربيع:
دارِ الصديقَ إذا استشاط تغيظًا ... والغيظُ يُخرج كامنَ الأحقاد
ولربّما كان التغضّب باحثًا ... لمثالب الآباء والأجداد
وقال عروة بن الورد يهجو حصين بن ضمضم (3):
إن يكن فارس الهياج هجينًا ... إنّ شدّادَ لم تلدْه العبيدُ (4)
هل يجوز الخطاب ليث عزيز ... ولنار الخطاب فيه وَقود
إن خير العشير من جمّع الشَمْ ... لَ وغاد بما تسود السيد (5)
ويكَ أمرُ الإِله في كل حين ... وقضاءٌ بكل يوم جديد
أين طسم ورائس وجديس ... ثم عادٌ من قبلها وثمود
ما أتيتَ الرشادَ من سلم عبس ... وأتانا من دون ذاك الوعيد
أنت أوعدت للحروب وعيدًا ... ذاك وعد يأتي بك الموعود
إنما عاقكَ العشارُ عن السِلْ ... م وطعمُ الحروب مُرٌّ شديد
صدَّك البخل عن حريمك حتى ... جئت بالشؤم - والبخيلُ صَدود
هل تخوَّفت ما مضى من سؤال ... وزمانُ الرَدى عليك يعود
إن من عَضّت الكلابُ عصاه (6) ... ثم أثرَى حقيقٌ ألّا يجود
__________
(1) كذا ولعله تصحيف أفقار أو أقفار.
(2) لا يوجد في طبعتي ديوان عروة غير هذا البيت في خبر مختلف عما هنا.
(3) لا يوجد في طبعتي ديوان عروة.
(4) شداد منع صرفه ضرورة وهو سائغ في الأعلام وهو أبو عنترة.
(5) كذا.
(6) يريد أنه يتكفّف كالصعاليك فتنبحه الكلاب فيضربها بعصاه.
(2/227)

فجعل بنو عبس وذبيان أمرهم إلى حكم الرُبيع بن ضبع. فقام الرُبيع بعكاظ بين عبس وذبيان خطيبًا فقال: أيها الناس، أصاب الإِياس، وأخطانا القياس، وبين الحقّ والباطل التباس. أيها الناس، من عَبَرَ غَبَرَ، وكل عِثار جُبار، وكل قائت مظلوم. يا بني ذبيان، الخير والشر على اللسان، والنجاة فيِ البيان. يا بني ذبيان، داروا الحروب فإِنها تذلّ. يا بني ذبيان، طلب الثأر ضالَّة الأشرار، ومن إلف الأغمار وهلاك الأخيار. أخوكم عبس، وعدوّكم أمس، فطِلاب أمس الذاهب هلاك عند المقبل. هلا سألتم عن الأحقاد طَسما وجَديسا؟ اعلموا أن كل ذاكر لَناسِ، وكل مقيم لظَاعنٌ، وكل ثابت زائل، وبين الأموات موت الأحياء، والسرعة إلى الآجل ذهاب العاجل، والذلُّ (1) غنيمة الظالم. وقال:
على حَرَج يا عبس أضحى أخوكُم ... وبَتَّ على أمر بغير جَناح
عقاب حروب الأقربين وإنه ... ليأتي افتلاتًا وجه كل صباح
أخاك أخاك! إن من لا أخًا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح (2)
وإن ابن عمّ المرء فاعلم جَناحهُ ... وهل ينهض البازي بغير جَناح
لنا عظةٌ في الذاهبين وعِبرة ... تفيد ذوي الألباب أمرَ صلاح
ألم تعلموا ما حاول الصعب مُدَّة ... وما صبَّح الساعي وآل رِزاح
فهل بعد ذي القرنين مَلْكٌ مخلَّد ... وهل بعد ذي المُلكين يومُ فلاح
تَريش له الأطيارُ عند غُدوّه ... وتَجنح إن أومَى لها برواح
فاصطلحوا على حكمه
قال أبو محمد: قال أبو مِخْنَف عن يحمل (؟ يحمد) بن زياد النَخَعيّ أنه سار عمر بن الخطاب في الشام في خلافته سار بعلي بن أبي طالب من المدينة إلى الشام فلما بلغ إلى الشام وعبر وادي الأزدِّيين قال: قاتل الله الرُبيع بن ضبع حيث يقول: وكم غمرة ماجت .. الأبيات الثلاثة التي تقدمت في ص 222 إلا أن البيت الثالث هنا "وإلَّا فنفس أو بستْ الخ" فزاد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عليه بيتًا فقال:
وما جُزتُ وادي الأزديين (3) تطرُّبًا ... ولكن أمورٌ وُكّلت بي فَحلّت
__________
(1) في الأصل اوم الذيل.
(2) هذا البيت والذي يتلوه عزاهما البحتري إلى قيس بن عاصم المنقري ويرويان لمسكين الدارمي أيضًا.
(3) خفف ياء النسبة كالأشعرين في الجمع والنسبة إلى الأشعر.
(2/228)

(ثم أورد قطعتين من الشعر في الصعب لطرفه وأوس بن حجر لا توجدان في ديوانيهما) انتهى.
(تتمة)
وروى الأصبهاني (1) في خبر طويل شعرًا للربيع في مدح السموأل:
قل للمنيّة أي حين نلتقي ... بفِناء بيتك في الحضيض المُزْلق
وهي طويلة يقول فيها:
ولقد أتيت بني المُصاص مفاخرًا ... وإلى السموأل زرته بالأبلق
فأتيت أفضل من تحمَّل حاجة ... إن جئته في غارم أو مُرْهَق
عرفت له الأقوام كلَّ فضيلة ... وحوى المكارم سابقًا لم يُسْبَق
وروى نشوان الحميري له في (شمس العلوم) في ظفَار:
وقل في ظفارٍ يوم كانت وأهلُها ... يُدينون قهرا شرقها والمغاربا
لهم دانت الدنيا جميعًا بأسرها ... يؤدّي إليهم خَرْجَها الرومُ دائبًا
وغُمدان إذ غمدانُ لا قصر مثلُه ... زُهَاءً وتشييدًا يحماذي الكواكبا
وأربابِ يَبْنُونٍ وأربابِ ناعط ... خلا مُلكهم منهم فأصبح عازبا
ومأربَ إذ كانت وأربابِ مأربٍ ... تُوافي جُباة الصين بالخرج ماربا
فمن ذا يرجّي الملكَ من بعد حمير ... ويأمن تكرارَ الردى والنوائبا
أولئك مأوى للنعيم كفاهُمُ ... ولكن وجدنا الشرّ للخير صاحبا
وروى له ياقوت في صنم لهم كان يدعى "الأقيصر" عن كتاب الكلبيّ:
فإِنني والذي نُعْمُ الأنام له ... حول الأقيصر تسبيح وتهليل
* * *
__________
(1) الأغاني الطبعة الثانية 8: 70 و 19: 99.
(2/229)

أقدم كتاب في العالم على رأي أوجاويذان خرد (*)
كانت معرفتي بهذا الكتاب بادئ بدءٍ وأنا في غَيسات شبيبتي برامبور أدرس الفارسية في كتاب المعجم في آثار ملوك العجم (طبعة إيران سنة 1301 ه) الذي ألفه الأديب فضل الله لنصرة الدين أحمد بن أتابك يوسف شاه قال ما معناه أن جاويذان خرد لهوشنك ترجمه الحسن بن سهل وزير المأمون وقد سرده أبو علي مسكويه في مقدمة كتابه (1) "مظهر آداب العرب والفرس".
ثم رأيت ترجمته الفارسية مطبوعة وأنا في بِشَاوَرَ طبعها الموبذ الباريسي (المسافر المظلوم مانك جي ليم جي هوشنك هاتريا الملقب بالدرويش الفاني) كذا كان يسمي نفسه كان رحل إلى إيران لجلب الكتب القديمة نحو سنة 1268 ه فحصل على نسخة منها وطبعها بقطع صغير سنة 1294 ه ببومباي في 436 ص. وهذه الترجمة عملها محمد حسين بن الحاج شمس الدين- سنة 1065 بأمر بعض أمراء صُوْبة (عمالة) مالوه (بالهند) وقد قدم وأخر وزاد وتصرف في الكتاب تصرفًا كثيرًا جريًا على سُنَة مسكويه وتبعه طابعها الموبذ فألحق بآخرها مواعظ ونصائح.
والكتاب لم أر ذكره في التواريخ القديمة العربية والفارسية أصلًا (2) بَلَى ذكره الخفاجي (3) وبهرام بن فرهاد البارسي صاحب شارستان جهارجمن المطبوع ببومباي
__________
(*) هذا المقال قرأه العلامة السيد عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأستاذ في جامعة عليكرة من بلاد الهند وأحد أعضاء المجمع العلمي العربي - في مؤتمر المستشرقين الخامس (للهند) في جلسته المنعقدة في 23 نوفمبر سنة 1928 م في لاهور. ونشره في مجلة المجمع على حلقتين 9/ 129 - 139، 193 - 200.
(1) ليس هذا الاسم لكتاب مسكويه الموجود بخزانة رامبور.
(2) في حفظي أني قرأت اسمه في بعض تآليف الجاحظ أو غيره ولكن فاتني تقييده.
(3) طراز المجالس ص 108.
(2/230)

سنة 1270 ه وقد سرد الكتاب مترجمًا إلى الفارسية ص 32 - 45 وهو متأخر كصاحب نامه خَسْرُوان المطبوع بأوربا ص / 27 وكان في آخر القرن ال (13) الهجري والحاج خليفة.
ثم وقفت على أن كتاب مسكويه يوجد بخزانة رامبور ونهضت بُعيد عيد الفطر سنة 1346 ه (28 مارس سنة 1928 م) إليها لأعرض طبعة الأستاذ رودُلف غاير من ديوان الأعشى الذي صرف في إتقانه شبيبته أي نحو ربع قرن على نسخة غير منقوطة منه توجد هناك وبعد الفراغ من ذلك نسخت من كتاب مسكويه أصل جاويذان خرد وحذفت ملحقاته وهي طويلة. والنسخة جميلة عتيقة يظهر أنها كتبت في نحو القرن السابع مخرومة الآخر تحتوي على وصايا لقمان لابنه أي قد بقيت آداب الروم برمتها.
وبينما أنا أنقب عن مخطوطاتها إذ وقع بصري على رسالة في 22 صفحة هذه ترجمتها: "كتاب تصفية الأذهان ونفاذ الفكر وشحذ القلوب تأليف كنجور بن إسفنديار تولى الله مكافأته" وثبت تحت العنوان خطان سنة 1104 ه و 1155 ه والظاهر أنها كتبت في القرن ال (11) وهي مصحفة للغاية ورديئة بالمرة وثبت لي بعد إمعان النظر أنها هي (جاويذان خرد) قبل أن تتصرف فيه يد مسكويه ولا يبعد أن يكون الأصل الذي وقف عليه الجاحظ ويتحقق لك ذلك من أن مسكويه ترك إسجاع ذوبان كما قد اعترف بذلك وهي موجودة في التصفية التي اعملت لها في الحواشي علامة (ت) بل إنه تصرَّف في نقل خبر الكتاب تصرفًا مجحفًا بالمعنى تجزم بذلك من قراءة حاشيتنا على قول المأمون "أفرّ من اللؤم ثم أرجع إليه؟ " ولولا ما بالنسخة من السقم لجعلتها الأصل. وثبت خبر إخراج الكتاب بأوله كما هي العادة لا كما ألحقه الأستاذ بالآخر ولا ذكر فيه للجاحظ ولا لكتابه ألبتة ولا عزي إلى هوشنك الملك - وقد جاء فيه ذكر أوراق ذوبان فأثبته في محله هكذا (وا) أي الورقة الأولى وهلم جرا غير أنه لا يوجد فيه الأوراق الأربعة 25 و 27 - 29 ويظهر من سياق العبارة عند مسكويه أن ليست عنده أيضًا هذه الأوراق فلعل هذا الخرم من الحسن بن سهل من جهة أن يكون أضاع هذه الأوراق أو يكون لم يقدر على ترجمتها من سقم أو خلل فيها. والله أعلم - وأما الأرقام الغير المصحوبة بالواو فهي لنسخة مسكويه الموجودة بخزانة رامبور.
(2/231)

وأما عزو الكتاب فالأكثرون على أنه لهوشنك وترجمه من اللسان القديم إلى اللسان الفارسي كنجور بن اسفنديار وزير ملك ايرانشهر ونقله إلى العربية الحسن بن سهل أخو ذي الرياستين الفضل بن سهل وزير المأمون كذا في ترجمة مسكويه وفي أكثر المواضع في الخبر أيضًا غير سند الجاحظ فإن الذي فيه "حدثني الواقدي قال قال لي الفضل بن سهل" وغير تصفية الأذهان فإن الذي فيه في جملة المواضع الفضل بن سهل وأراه الصواب وهما أخوان توليا وزارة المأمون والفضل متقدم.
وأما هوشنك فإنك ترى أخباره عند الطبري والثعالبي في غرر أخبار ملوك الفرس وحمزة (برلين ص 10 و 12) ومروج الذهب (بهامش النفح 1 - 278) والتواريخ الفارسية المتقدمة وشاهنامة وغيرها. وهم مختلفون فيه اختلافًا عظيمًا قال الطبري (1 - 84 ليدن) ذكر نسّابو الفرس أنه مهلائيل بن قينان وهو أوشهنج الذي ملك الأقاليم السبعة وكان بين موت جِيَوْمرث (آدم الفرس) إلى مولد أوشهنج وملكه 223 سنة (وعند حمزة 170 ونيف). وقالوا إن قينان هو ابن أنوش بن شيث بن آدم اه أي أنه حفيد حفيد آدم وفي المروج سياقة نسبه هكذا: هوشنج بن قروال بن سيامك بن ميشا بن كيومرث وفي كتاب (فارس نامه) لابن البلخي وكان مستَوفي فارس في زمن السلطان محمد السلجوقي .... بن فروال .... بن ميشي الخ وقيل إنه أخو كيومرث وقيل ولده كما في المروج وقيل إنه أبو خنوخ (أخنوخ) وخنوخ إدريس. وقيل كان له أخ يسمى برد (صوابه يَرْدُ) وهذا كان أبا خنوخ أي أبا إدريس ويرد هذا يدعى عندهم ويكرت كما قال ابن البلخي وفي نامة خسروان أنه هو إدريس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غيرها من الأقوال التي تورث السآمة والتواريخ القديمة كما قال أبو معشر مدخولة فاسدة.
وملك أربعين سنة قال ابن البلخي أصل اسمه هوش هنك أي العقل والأدب وفي شارستان أنه بمعنى الأمر الأول أيضًا وأُمه هرانك من بنات كيومرث وهو عندهم إدريس المسمى والد الحكماء. وقال صاحب شارستان بعد سرد جاويذان برمته أنه لطهمورث الملك ولي عهد هوشنك وقد تقدم منه عزوه إياه إلى هوشنك.
هذا وقد عرفت أن الكتاب منسوب في تصفية الأذهان إلى كنجور رأسًا (لا ترجمة) ولا ذكر هناك لهوشنك البتة. وهذا هو الكتاب:
(2/232)

كتاب جاويذان خرد خلَّفه أوشهنج الملك وصية على من خلَفه
" ونقله من اللسان القديم إلى اللسان الفارسي كنجور بن إسفنديار وزير ملك إيرانشهر ونقله إلى العربية الحسن بن سهل أخو ذي الرياستين وتممه الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه رحمه الله تعالى، بأَن أَلحق به حكم الفرس والهند والعرب والروم".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد مسكويه أطال الله بقاءه، بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على النبي محمد وآله الطيبين الأخيار.
إني كنت قرأت في الحداثة كتابًا لأبي عثمان الجاحظ يعرف بكتاب (1) (استطالة الفهم) يذكر فيه كتابًا يعرف باسم (جاويذان خرد) ويحكي كلمات يسيرة فيه ثم يعظمه تعظيمًا يخرج عن العادة في تعظيم مثله فحرصتُ على طلبه في البلدان التي جلتُ فيها حتى وجدته بفارس عند موبذان موبذ فلما نظرت فيه وجدت له أشكالًا ونظائر كثيرة من حكم الفرس والهند والعرب والروم وإن كان هذا الكتاب أقدمها وأسبقها بالزمان فإنه وصية أوشهنج لولده وللملوك من خلفه وهكذا الكتاب كان بُعيد الطوفان وليس يوجد لمن كان قبله سيرة ولا أدب يستفاد.
فرأيت أن أنسخ هذه الوصية على جهتها ثم ألحق بها جميع ما التقطته من وصايا وآداب الأمم الأربع أعني الفرس والهند والعرب والروم ليرتاض بها الأحداث وتذكر بها العلماء ما تقدم لهم من الحكم والعلوم والتمست بذلك تقويم نفسي ومن يتقوم به بعدي وغرضي الأقصى فيه الأجر والمثوبة من الله عز وتعالى وهو وليّ الخيرات والمثيب على الحسنات ولا قوة إلَّا به.
__________
(1) لم أقف له على عين ولا أثر في تآليفه التي صردها في مقدمة الحيوان ولا في الثبت الذي أورده ياقوت في الأدباءِ. بلى ذكره الخفاجي في طراز المجالس (ص 108) كما ذكر جاويذان خرد وكتاب مسكويه وكان وقف على جميعها وأورد فصولًا من جاويذان - و (استطالة الفهم) في معنى جاويذان.
(2/233)

"قال أوشهنج"
من الله المبتدأ وإليه المنتهى (1) وبه التوفيق وهو المحمود من عرف الابتداء شكر ومن عرف الانتهاء أخلص ومن عرف التوفيق خضع ومن عرف الإِفضال أناب بالاستسلام والموافقة.
أما بعدُ فإن أفضل ما أُعطي العبد في الدنيا الحكمة، وأفضل ما أُعطي في الآخرة المغفرة (2)، وأفضل ما أُعطي في نفسه الموعظة، وأفضل ما سأل العبد العافية، وأفضل ما قال (3) كلمة التوحيد.
(و 2) رأس اليقين المعرفة (4) بالله وملاك العلم العمل وملاك العمل السُنّة وإصابة السنة لزوم القصد (5).
الدين بشعبه كالحصن بأركانه فمتى تداعى واحد منها تتابع بعده سائرها.
(و 3) أعمال البر على أربع شعب: العلم والعمل وسلامة الصدر والزهد. فالعلم بالسنن، والعمل (6) بإصابة السنة وسلامة الصدر بإماتة الحسد والزهد بالصبر.
(و 4) جِماع أمر العباد في أربع خصال: العلم والحلم والعفاف والعدالة. فالعلم بالخير للاكتساب وبالشر للاجتناب والحلم في الدين للإِصلاح وفي الدنيا للكرم والعفاف في الشهوة للرزانة وفي الحاجة للصيانة والعدالة (7) في الرضى والغضب للقسط.
العلم على أربعة أوجه: أن تعلم (8) أصل الحق الذي لا يقوم إلا به وفروعه
__________
(1) ت وبالله التوفيق والله المحمود.
(2) ت الرحمة.
(3) ت ما قال العبد لا إله إلا الله.
(4) ت المعرفة وملاك المعرفة العمل.
(5) ت القسط.
(6) ت بالمعرفة والزهد وسلامة الصدر بإماتة الحسد.
(7) والعدل في الرضى والسُخط للقسط والاستقامة.
(8) ت تتعلم.
(2/234)

التي لا بد منها وقصده الذي لا يقع إلا فيه وضده الذي لا يفسده إلا هو.
العلم والعمل قرينان كمقارنة الروح للجسد لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، الحق يُعرف من وجهين ظاهر يعرف بنفسه وغامض يعرف بالاستنباط (1) من الدليل وكذلك الباطل.
أربعة أشياء تتقوّى بها على العمل والصحة والغنى والعزم والتوفيق.
(و 5) طرق النجاة ثلاث: سبيل الهدى وكمال التقوى وطيب الغذاء.
العلم روح والعمل بدن والعلم أصل والعمل فرع والعلم والد والعمل مولود وكان العمل لمكان (2) العلم ولم يكن العلم لمكان (3) العمل.
(6) الغنى (4) في القناعة والسلامة في العزلة والحرية في رفض الشهوة والمحبة (5) في ترك الطمع والرغبة. واعلم أن التمتع في أيام طويلة يوجد بالصبر على أيام قليلة.
الغنى الأكبر في ثلاثة أشياء (6): نفس عالمة تستعين بها على دينك وبدن صابر تستعين به في طاعة ربك وتتزود به لمعادك وليوم فقرك وقناعة بما رزق الله باليأس عما عند الناس.
أخرج الطمع عن قلبك تحلّ القيد عن رجلك وتُرحْ بدنك.
الظالم نادم وإن مدحه قوم، والمظلوم سالم وإن ذمه قوم، والمقتغ غني وإن جاع وعري، والحريص فقير وإن ملك الدنيا.
الشجاعة (7) سعة الصدر بالإِقدام على الأمور المختلفة (8) والصبر (9) احتمال الأمور المؤلمة والمكاره الحادثة والسخاء (10) سماحة النفس لمستحق البذل وبذل
__________
(1) ت يستنبط بالدليل.
(2) ت بمكان في الموضعين.
(3) ت بمكان في الموضعين.
(4) ت الغنيمة.
(5) ت رفض الرغبة.
(6) ت عالم تستعين به.
(7) ت حد السماحة سعة الصدر والإقدام.
(8) ت المتلفة وأراه الصواب.
(9) ت وحدّ وسع الصدر احتمال المكاره المؤلمة.
(10) ت وحد السخاء.
(2/235)

الرغائب الجليلة في مواضعها (1) والحلم ترك الانتقام مع إمكان القدرة والحزم انتهاز الفرصة.
(و 7) الدنيا (2) دار عمل والآخرة دار ثواب وزمام (3) العافية بيد البلاء ورأس السلامة تحت جناح العطب وباب الأمن مستور بالخوف فلا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها ولا تجعل نفسك للسهام المهلكة فإن الزمان عدوٌّ لابن آدم فاحترز (4) من عدوّك بغاية الاستعداد وإذا فكرت في نفسك وعدوّها استغنيت عن الوعظ.
أجل قريب في يد غيرك وسوق حثيث من الليل والنهار وإذا انتهت المدة (5) كان قد حيل بينك وبين العُدّة فاحتل قبل المنع وأكرم أجلك (6) لصحبة السابقين.
(و 8) إذا آنستك السلامة فاستوحش من العطب وإذا فرحت للعافية فاحزن للبلاء فإليه يكون الرجعة وإذا بسطك (7) الأمل فاقبض نفسك بقرب الأجل فهو الموعد.
الحيلة خير من الشدة، والتأنّي أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل والتفكر هناك في العاقبة مادة الجزع.
(و 9) أيها المقاتل احتل تغنم ولا تفكر في العاقبة فتنهزم (8).
التأتي فيما لا تخاف عليه الفوت أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل.
أضعف الحيلة أنفع من أقوى الشدة، وأقل التأني أجدى من أكثر العجلة والدولة (9) رسول القضاء المبرم، وإذا استبدَّ الملك برأيه عميت عليه المراشد.
__________
(1) ت وحدّ.
(2) ت أيها الملك أن الدنيا.
(3) ت واعلم أن زمام.
(4) واحتذر.
(5) ت المدة حيل.
(6) ت أحلك (؟) بحسن صحبة ..
(7) ت ابسطك الأمل فاقبض نفسك محبة الأجل (كذا).
(8) في ت زيادة إذا لم تصل بسيفك فصله (كذا) بإلقاءِ خوفك.
(9) ت والعجلة.
(2/236)

(و 10) يحرم (1) على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث هن غير الحق: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغضَ من أحسن إليه، وحماة أحبَّت كَنَّةً (2).
ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك، وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والقناعة في المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. (و 11) وثلاث لا يشبع منهن: العافية والحياة والمال.
إذا كان الداء من السماء بطل الدواء وإذا قدّر الرب بطل حذر المربوب ونعم الدواء الأجل وبئس الداء الأمل والمال (3).
ثلاث هن سرور الدنيا وثلاث غمها فأما السرور فالرضى بالقسم والعمل بالطاعة في النعم ونفي الاهتمام لرزق غد وأما الغم فحرص مسرف وسؤال ملحف وتمني ما بلهف (4).
الدنيا أربعة أشياء البناء والنساء والطلاء والغناء.
أربعة من جهد البلاء كثرة العيال وقلة المال والجارُ السوء (5) وزوجة خائنة.
شدائد الدنيا في أربعة الشيخوخة مع الموحدة والمرض في الغربة وكثرة الدين مع القلة وبُعد الشُقَّة مع الرُجلة.
المرأة الصالحة عماد الدين وعمارة البيت (6) وعون على الطاعة.
(و 12) ليسَ بكامل الأمر من (7) غزا ولم يبنِ على امرأة تزوجها أو بنى بناءً ولم يكمله أو زرع زرعًا ولم يحصده.
ثلاث ليس للعاقل أن ينساهن: فناء الدار (8) وتصرف أحوالها والآفات التي لا أمان منها.
ثلاث لا تدرك بثلاث الغنى بالمنى والشباب بالخضاب والصحة بالأدوية.
(و 13) أربع خلال إذا أعطيتهن فليس يضرك ما فاتك من الدنيا عفاف (9) طعمة
__________
(1) ت محرم.
(2) ت كَنَّتها.
(3) لا يوجد في ت.
(4) ت وهموم تتلف.
(5) ت وجار السوء.
(6) ت البيت على الطاعة.
(7) ت من تزوج امرأة ولم الخ.
(8) ت الدنيا.
(9) ت كفاف.
(2/237)

وحسن خليقة وصدق حديث وحفظ أمانة.
ستة أشياء تعدل الدنيا الطعام المريء والسيد الرؤوف والولد البر (1) والزوجة الموافقة والكلام المحكم وكمال العقل.
(و 14) صقلك السيف وليس له من سنخه جوهر خطأ ونثرك الحب قبل أوانه (2) في الأرض السبخة وحملك الصعب المسن على الرياضة عناء (3).
الدليل (4) الناصح غريزة الطبع، القائد المشفق حسن المنطق، العناء (5) المعنّى تطبُّع من لا طبع له، الداء العياء رعونة مولودة، الجرح (6) الدَوي المرأة السوء، الحمل الثقيل الغضب.
ثلاثة أشياء حسنها (7) عند ثلاثة مواضع المواساة (8) عند الجوع والصدق عند السخط والعفو عند القدرة (9).
العاقل لا يرجو ما يعنَّف برجائه ولا يسأل ما يخاف منعه ولا يضمن ما لا يثق بالقدرة عليه.
ثلاث ليس معهن غربة حسن الأدب وكف الأذى واجتناب الريَبِ.
(و 15) ثماني خصال من طباع الجهال: الغضب في غير معنى، والإِعطاء في غير حق، وإتعاب البدن في الباطل، وقلة معرفة الرجل صديقه من عدوه، ووضعه السر في غير أهله، وثقته بمن لا يجربه، وحسن ظنه بمن لا عقل له ولا وفاء، وكثرة الكلام بغير نفع.
__________
(1) ت السويّ.
(2) لا يوجد قبل أوانه في ت.
(3) ت عياء وهو الداء العُضال.
(4) ت سئل الحكيم ما الدليل الناصح قال غريزة الطبع قيل فما القائد المشفق الخ على هذه الوتيرة.
(5) ت العياء المعيي.
(6) ت الجزع.
(7) ت في.
(8) ت السماحة.
(9) الغضب.
(2/238)

(و 16) من ظلم من الملوك (1) فقد خرج من كرم الملك والحرية وصار إلى دناءَة الشره (2) والنقيصة والتشبه بالعبيد والرعية.
إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام.
إذا ظهرت الخيانات تمحَّقت (3) البركات.
الهزل آفة الجد، والكذب عدو الصدق، والجور مفسد العدل. فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته وإذا استصحب الكذب استُخف به وإذا أظهر الجور فسد سلطانه.
(و 17) الحزم انتهاز الفرصة عند القدرة وترك الونى فيما يخاف عليه الفوت.
الرياسة لا تتم إلا بحسن السياسة ومن طلبها صبر على مضضها.
باحتمال المؤن يجب السؤدد، وبالإِفضال تعظم الأخطار، وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال.
إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
(و 18) على الملك أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل مكافاة المحسن، والأناة فيما يحدث. فإن له في تأخير العقوبة إِمكان العفو وفي تعجيل المكافأة بالإِحسان المسارعة بالطاعة من الرعية والجند وفي الأناة انفساح الرأي واتِّضاح الصواب.
(و 19) الحازم فيما أشكل عليه من الرأي بمنزلة من أضلّ لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب فنخله حتى وجدها كذلك الحازم جامع جميع الرأي في الأمر المشكل ثم يُخلّصه ويسقط (4) بعضه حتى يخلص منه الرأي الخالص.
لا ضَعة (5) مع حزم، ولا شرف مع عجز، والحزم مطية النجح، والعجز يورث الحرمان.
__________
(1) من ظلم المملوك.
(2) ت الشر والمعصية وتشبه.
(3) استخفت.
(4) ت الخطأ.
(5) ت لا ضيعة.
(2/239)

أربع خصال (1) ضَعة في الملوك والأشراف: التعظم، ومجالسة الأحداث والصبيان والنساء، ومشاورتهن (2)، وترك ما يحتاج إليه من الأمور فيما يعمله بيده ويحضره بنفسه.
(و 20) لا يكون الملك ملكًا حتى يأكل من غرسه ويلبس من طرازه وينكح من بلاده ويركب من نتاجه.
إحكام هذه الأمور بالتدبير بالمشورة والمشورة بالوزراء (3) الناصحين المستحقين لرتبهم.
استحق (4) على من دونك بالفضل وعلى نظرائك بالإنصاف وعلى من فوقك بالإِجلال تأخذ بوثائق (5) أزمة التدبير.
يجب على العاقل من حق الله عزَّ وجلَّ التعظيم والشكر، ومن حق السلطان الطاعة والنصيحة، ومن حقه على نفسه الاجتهاد في الخيرات واجتناب السيئات (6)، ومن حق الخلطاء الوفاء بالودّ والبذل للمعونة (7)، ومن حق العامة كفّ الأذى وبذل الندى وحسن المعاشرة.
(و 21) لا يكمل المرء إلا بأربع (8): قديم في شرف وحديث في نفس وإخطار في مال (9) وصدق عند بأس (10).
من لم يبطره الغنى ولم يستكن في الفاقة ولم يِهُدّه المصائب ولم يأمن الدوائر ولم ينس العواقب فذاك الكامل.
الكمال في ثلاثة: الفقه في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التقدير في المعيشة.
__________
(1) ت ضيعة.
(2) ت ومشاورتهم وترك ما يحتاج من الأمور أن يعملها بيده أو يحضرها بنفسه أن لا يعملها (كذا).
(3) ت بالوزراء المستجمعين الرأي.
(4) ت استطل.
(5) ت بوثاق.
(6) ت الذنوب.
(7) ت بالمعونة.
(8) الرجال إلا بأربعة.
(9) ت عند تنال (؟).
(10) ت عند الناس.
(2/240)

يستدل على تقوى المرء بثلاث: التوكل (1) فيما لم ينل، وحسن الرضى فيما قد نال، وحسن الصبر عما فات (2).
(و 22) ذروة الإِيمان أربع خلال: الصبر للحكم والرضى بالقدر والإِخلاص بالتوكل (3) والاستسلام للرب.
* * *

(2)
ليس للدين عوض، ولا للأيام بدل، ولا للنفس خلف.
من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر.
من (4) جمع السخاء والحياء فقد استجاد الإِزار والرداء.
من لم يبال بالشكاية فقد اعترف بالدناءَة.
من استرجع هبته فقد استحكم اللؤم.
أربعة أشياء القليل منها كثير: الوجع والفقر والعار والعداوة.
من جهل قدر نفسه فهو لقدر غيره أجهل، من أنف من عمل نفسه اضطُرَّ إلى عمل غيره (و 23)، من استنكف من أبويه فقد انتفى من الرشدة، ومن لم يتصنَّع عند نفسه لم يرتفع عند غيره.
اذكُرْ مع كل نعمة زوالها، ومع كل بلية كشفها. فإن ذلك أبقى للنعمة وأسلم من البطر وأقرب إلى الفرج (5).
__________
(1) ت حسن التركل.
(2) وحسن العزاء عما قد فات.
(3) ت للتوكل.
(4) من هنا إلى قوله (إلى عمل غيره) وليس في ت.
(5) بعده في ت (و 24) من جمع السخاء والحياء فقد استجاد الإِزار والرداء ومن لم يبال بالشكاية اعترف بالدناءة ومن استرجع في هبته فقد استحكم اللؤم. أربعة أشياء القليل منها كثير: الوجع والفقر والنار والعداوة.
من جهل قدر نفسه فالناس لقدره أجهل من أنف من عمل نفسه اضطُرّ إلى عمل غيره. (و 26) من ركوب رشد العالم ركوب مطية العلم الخ. والوزنة ال 25 ساقطة من أُم الأصل فليس ثم في الأصل علامة على سقوطها.
(2/241)

إذا لم يكن العدل غالبًا على الجَور لم يزل يحدُث ألوان البلاء والآفات.
ليس شيء لتغيير نعمة وتعجيل نقمة أقرب من الإِقامة على الظلم.
الأمل قاطع من كل خير وترك الطمع مانع من كل خوف والصبر صائر إلى كل ظفر والنفس داعية إلى كل شرّ.
باستصلاح المعاش يصلح أمر العباد، وبصدق التوكل يستحق الرزق، وبالاستخلاص يستحق الجزاء، وبسلامة الصدر توضع المحبة في القلب، وبالكف عن المحارم ينال رضي الربّ، وبالحكمة يكشف غطاء العلم، ومع الرضى يطيب العيش، وبالعقول تنال ذروة الأمور، وعند نزول البلاء تظهر فضائل الإِنسان، وعند طول الغيبة يظهر مواساة الإِخوان، وعند الخبرة يستكشف عقول الرجال، وبالأسفار يختبر الأخلاق، ومع الضيق يبدو السخاء، وفي الغضب يعرف صدق الرجال، وبالإِيثار على النفوس تملك الرقاب، وبالأدب الصالح يلهم العلم، وبترك الخطأ يُسلم من العيوب، وبالزهد تقام الحكمة، وبالتوفيق تحرز الأعمال، وعند الغايات تظهر العزائم، وبصاحب الصدق يُتَقوّى على الأمور، وبالملاقاة يكون ازدياد المودّات، ومع الزهد في الدنيا يثبت المواخاة، ومن الوفاء دوام المواصلة، ومن قبول (1) رشد العالم ركوب مطية العلم، ومن استقامة النية اختيار صحبة الأبرار، ومن (2) مصاحبة الغرور ركوب البحر، ومن عز النفس لزوم القناعة، ومن سلطان اليقين (3) التجلد على من يطمع في دينك (4)، ومن الدخول في كامن (5) الصدق الوقوع (6) على ما لا تعرفه العوامّ، ومن حب الصحة (7) الانقطاع عن الشهوات، ومن خوف المعاد (8) الانصراف عن السيئات، ومن طلب الفضول الوقوع في البلايا، ومن لم تجد للإِساءة إليه مضضًا لم تجد لإِحسان عنده موقعًا.
قطيعة الجاهل تعدل صلة (9) العاقل.
الحسود لا يسود.
__________
(1) ت ركوب.
(2) ليست هذه الجملة في ت.
(3) ت النفس.
(4) ت دمك.
(5) ت مكان وهو الصواب.
(6) ت الوقوف وهو الصواب.
(7) ت الجنة.
(8) ت النار.
(9) ت وصل.
(2/242)

مُنازع الحق مخصوم.
أولى الناس بالفضل أعودهم بفضله.
أعون الأشياء على تزكية العقل التعلم (1) وأدل الأشياء على عقل العاقل حسن التدبير.
المستشير متحصّن عن السقط، المستبد متهور في الغلط.
من ألبسه الحياء ثوبه غطَّى عن الناس عيبه.
أحسن الآداب أن لا يفخر المرء بادبه، ولا يظهر القدرة على من لا قدرة له عليه، ولا يتوانى في العلم إذا طلبه.
ثلاثة ضروب من الناس لا يستوحشون في غربة ولا يقصَّر بهم عن مكرمة: الشجاع حيثما توجه فإن بالناس حاجة إلى شجاعته وبأسه، والعالم فإن بالناس حاجة إلى علمه (2)، والحلو اللسان الظاهر البيان فإن (3) الكلمة تجوَّز له بحلاوة لسانه ولين كلامه فإن لم تعطَوْا في أنفسكم رباطة الجأش وجراءة الصدر فلا يفوتنكم العلم وقراءة الكتب فإنه علم وأدب قد قيَّده لكم من مضى من قبلكم تزدادون به عقلًا (4).
اجعل الحلمَ عُدّة للسفيه.
ثم قال أبو عثمان الجاحظ: قال الحسن بن سهل أخو ذي الرياستين الفضل بن سهل فهذا ما تهيأ لنا ترجمته من الأوراق التي أخذناها من كتاب (جاويذان خِرْد) على أنا أسقطنا الكثير منها لانقطاع آخر الكلام عن أوله لأن ذوبان لم تسمح نفسه بدفع الأوراق إلينا على الولاء والنظم والتأليف وتركنا سائرها اذ لم يكن لنا مطمع فيها ومن لم يتعظ بالقليل لم ينفعه الكثير. وفيما أوردناه غنى وكفاية وبلاغ لمن أراد الانتفاع به. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم.
__________
(1) في ت إلى هنا آخر الورقة ال 26 ثم يتلوها ال 30 فهنا في أمّ الأصل خرم مقدار ثلاثة أوراق ثم (و 30) العلم يرشدك وترك ادّعائه ينفي عنك الحسد والمنطق يبلُغ بك حاجتك والصمت يكسبك المحبة وأنت في الاستماع أكثر فائدة أحسن الأدب أن لا يفخر المرء بأدبه الخ.
(2) ت إلى علمه وفهمه.
(3) ت فإن الكلام منه يجوز له؟
(4) ت لتزدادوا به عقلًا ومهارة (؟) وفهمًا. وبالله التوفيق. ثم الموجود من ذلك على الوفاءِ والتمام وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
(2/243)

حكى أبو عثمان الجاحظ خبر هذا الكتاب في كتابه المسمى (استطالة الفهم) فقال حدثني الواقدي قال قال لي الفضل بن سهل: لما دُعي للمأمون بكُوَر خراسان بالخلافة (1) وجاءتنا هدايا الملوك ووجّه ملك كابلستان بشيخ يقال له ذوبان وكتب يذكرانه وجّه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أنبل ولا أفخر منها فعجب (2) المأمون وقال سل الشيخ ما معه من الهدايا فسألته فقال ما معي شيء أكثر (3) من عملي قلت فأي شيء عملك فقال (4) تدبير ورأي ودلالة. فأمر المأمون بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره، فلما أجمع على التوجه إلى العراق (5) لقتال أخيه محمد فقال رأي مصيب وملك قريب. ثم حكى الجاحظ عن ذوبان بإسناده أنه كان يسجع سجاعة الكهان ويصيب في كل ما يسأله المأمون. فلما ورد كتاب فتح العراق عليه دعا بذوبان وأكرمه وأمر له بمائة ألف درهم. فلم يقبلها وقال أيها الملك إن ملكي لم يوجهني إليك (6) لأنتقصك فلا تجعل ردّي نعمتك تسخطّا (7) فإني
__________
(1) ت تحاماه الملوك وسروا بمكانه من الولاية ووجّه ملك الجبل - وفي الترجمة كابل كما هنا.
(2) فأعجب المأمون بذلك وقال لي الخ.
(3) ت أكبر.
(4) ت رأي ينفع ودلالة تجمع وتدبير يقطع.
(5) ت العراق بعث إلى الشيخ فقال ما ترى في التوجه إلى العراق قال رأي وامر رسو (لعلها وثيق) وحزم مصيب وملك قريب والسرّ ماض. فاقض ما أنت قاض. قال فمن نوجّه على مقدمتنا؟ قال العير الأعور، الطاهر المطهّر، يسير ولا يفتر، قويٌّ مرهوب، غلوب غير مغلوب. فال فكم نوجّه معه من الجند؟ قال أربعة آلات. صوارم الأسياف طول الرماح لا ينقصون في العدد، ولا يحتاجون الي المدد. قال فما رأيت المأمون سُرَّ سرورًا كسروره ذلك اليوم، ووجَّه طاهر بن الحسين، فلما تهيأَ للخروج سأل ذوبان في أي وقت يخرج من النهار؟ قال يخرج بعد طلوع الفجر يجتمع له الأمر ويصير إلى النصر، فخرج في الوقت. فلما كتب طاهر بذكر مقدمه دعا المأمون بذوبان وقال له قد قرب صاحبنا من العدو وقربوا منه فهل عندك دلالة أو عليه بينة؟ قال نعم قد تعرّفتُ ذلك من شأنه، إذا صار إلى فسطانه، (صوابه فُسْطانة بلدة على مرحلة من الري على طريق ساوة) فحينئذ يكون نصر سريع يفرّق تلك الجموع بقتل ذريع، والنصر له لا عليه. فلما كتب طاهر بقتل علي بن عيسى وكذلك استيلائه على عسكره وأمواله وحسن ما أولاه الله عزَّ وجلَّ من النصر والظفر دعا المأمون بذوبان وأَمر له بعشرة آلاف دينار الخ. فهذه هي أسجاع ذوبان التي أغفل عنها ابن مسكويه.
(6) ت هدية لأنقصك.
(7) ت سخطًا لك. قال فلا بد من قبض الهدية أو مسأَلتي حاجةً قال أما هذا فنعم كتابًا من كتبنا لا يوجد إلا بالعراق فيه مكارم الأخلاق وعلوم الآفاق من كتب عظيم الفرس فيه شفاء النفس من صنوف الآداب مما ليس في كتاب عند عاقل لبيب أو فطن أديب يوجد في الخزائن الخ.
(2/244)

لست أردّها عن استصغار لقدرها وسوف أقبل منك ما يفي بهذا المال ويزيد وهو كتاب يوجد في الخزائن تحت الإِيوان بالمدائن. فلما قدم المأمون بغداد واستقرّت به دار ملكه اقتضاه ذوبان حاجتئه. فأمر بأن يكتب الصفة ويذكر الموضع - فكتبه (1) ذوبان وعيّن على الموضع وقال إذا بلغت الحجر ووصلتَ إلى الساحة فاقلعها تجد الحاجة فخذها ولا تعرض لغيرها فيلزمَك غِبُّ ضيرها فوجه المأمون في ذلك رسولًا حصيفًا فوجد هناك صندوقًا صغيرًا من زجاج أسود وعليه قفل منه (2) وأدخل يده فأخرج خرقة ديباج ونثرها فسقط منها أوراق فعدّها فإذا هي مائة ورقة ثم نفض الصندوق فلم يكن فيه سوى الأوراق فردّ الأوراق إلى الخرقة وحملها ونهض ثم قال أيها الملك هذا الصندوق يصلح لخبيئات (3) خزائنك فأمر به فرُفع. قال الحسن (4) بن سهل فقلت يرى أمير المؤمنين أن أسأله (5) ما في الكتاب؟ فقال يا حسن أفِرّ من اللؤم ثم أرجع إليه (6). فلما خرج صرت إليه في منزله فسألته (7) عنه فقال هذا كتاب (جاويذان خِرد) أخرجه (8) (كَنجور وزير ملك أيرانشهر (9) من الحكمة القديمة.
__________
(1) ت فكتب صِرْ إلى وسط الإِيوان بلا زيادة ولا نقصان واجعل القسمة بالذرعان ثم احفر المدر وافلع الحجر فإذا وصلت إلى الساحة فاقلعها تجد الحاجة فخذها ولا تتعرض لغيرها الخ.
(2) ت منه فحمله وردّ الحفر إلى حاله الأول قال فحدثني الفضل بن سهل قال إني لعند المأمون إذ دخل ذلك الصندوق عليه فجعل يتعجب منه فدعا بذوبان فقال أهذه بغيتك. قال نعم أيها الملك قال فخذها وانصرف ولا تفتحه بين أيدينا. قال ذوبان أيها الملك لستَ ممن تنقضه رغبته زمام عهده ولا تحل طعمته (؟ طَمْعته) عقد وفائه. ثم تكلم بلسانه ونفخ في القفل فانفتح وأدخل يده الخ.
(3) ت لرفيع خبيئات الخ.
(4) ت الفضل بن الخ.
(5) ت عن هذا الكتاب وما الذي فيه قال يا فضل أَفرّ الخ.
(6) ت إليه أمرته أن لا يفتح بين أيدينا قطعًا للطمع فيه ثم أطلبه بالمسأَلة عند تجديد (؟ تجدد) الرغبة فيه والله لا كان هذا أبدًا. قال الفضل بن سهل فلما الخ. أقول قوله افرّ الخ يدل على أنه تقدم بعدم مسأَلة ذوبان مع أن ابن مسكويه قد ترك تلك العبارة عن ت في الحاشية. فهذا صريح في أن تشحيذ الأذهان في أصل كتاب ابن مسكويه.
(7) ت عن ذلك مسألة غير راغب فيه فقال الخ.
(8) ت تأليف كنجور.
(9) بعده في ت وذلك أنه كان بعض الأكاسرة زاهدًا في الكتب والأدب زائغًا منها متكبرًا عن النظر فيها متعظمًا عن الاشتغال بشيءٍ منها وكان له وزير يقال له كنجور بن إسفنديار فصنع ترجمة كتاب ولم يُعْلمه أحدً [ا] وجعلها في رقّ وألقاه إلى الملك وكان الترجمة "هذا كتاب تصفية الأذهان ونفاذ الفكر وشحذ =
(2/245)

فقلت أعطني ورقة منه أنظر فيها. فأعطاني فأجلت فيها نظري وأحضرت لها ذهني فلم أزدد مما فيها إلَّا بُعدًا فدعوت بالخضر (1) بن علي وذلك في صدر النهار فلم ينتصف حتى فرغ من قراءتها بينه وبين نفسه ثم أخذ يفسرها وأنا أكتب ثم رددت الورقة وأخذتُ منه أخرى والخضر (1) عندي فجعل يفسر وأنا أكتب حتى أخذتُ منه نحوًا من ثلاثين ورقة وانصرفتُ في ذلك اليوم ثم دخلت يومًا عليه فقلت يا ذوبان هل يكون في الدنيا (2) أحسن من هذا العلم؟ فقال لولا أن العلم مضنونٌ به وهو سبيل الدنيا والآخرة لرأيت أن أدفعه إليك بتمامه ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت. ولم تكن (3) الأوراق التي أخذتها على التأليف (4) لأنها تتضمن أمورًا لا يمكن إخراجها. فحدثني الحسن بن سهل قال قال لي المأمون يومًا أي كتب العرب أنبل وأفضل (5) فجعلت أُعدّد كتب المغازي والتواريخ حتى ذكرتُ تفسير القرآن. فقال كلام الله لا يشبهه شيء ثم قال أي كتب العجم أشرف فذكرت كثيرًا منها ثم قلت كتاب (جاويذان خرد) يا أمير المؤمنين فدعا بفهرست كتبه وجعل يقلبه فلم ير
__________
= القلوب من تأليف واضع (الأصل واضح) عمود الحكمة" فلما نظر الملك إلى هذه الترجمة شغفه حبها فقال لكنجور لقد علمت أن هذه الترجمة قد غلبت على هواي وقادت عزمي وبعثت رأيي على طلب هذا الكتاب فاسأل سؤالًا حفيًّا يرجع بجلية الخبر وابعث الأدلاء في تفتيش منازل الحكماء فإن وجد في شيءٍ من مملكتي كنت أولى الناس باصطناع صاحبه وأدات (؟) من قرابته وإن وصف إنه في شيءٍ من أقاليم الروم والهند كتبت إلى ملك ذلك الإقليم وسأَلته أن يمنّ على بدفع نسخة منه إليَّ وكافأت مهديه مكأفاة مثلي على وجوب (لعلها وجود) طلبته. فقال كنجور لست أَغفل عن ذلك ايها الملك باستفراغ مجهودي والله المعين وصار إلى منزله فلم يخرج حتى وضع هذا الكتاب وهو من أنبل كتب العجم فقلت له أعطني الخ.
(1) ت بالخليل فقط هنا وفيما يأتي.
(2) ت من يحسن مثل هذا الكتاب. فقال يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب ولا يجوز أن يكون فيها أن (؟ من) يحسن مثل هذا الكتاب. فقلت هل تعرف الذي يترجمه. قال نعم وأصفه لك قال هو طُوال أنزع إذا تكلم يتتعتع يخرج منه كلام وهو فيه إمام يفوق أهل زمانه بما يرتفع من تبيانه اسمه الخليل يقوم بأمر جليل لو كان له عمر طويل ولولا العلم سبيل الدنيا والآخرة وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الظن (؟ الضنّ) به لرأيت أن أدفع الخ.
(3) ت قال الفضل بن سهل ولم تكن الخ.
(4) ت والنظم غير أنا كتبنا أبوابًا يشهدها القلوب بحقيقة الصحة وتحلف لها الألسن بغاية النهاية. قال الفضل بن سهل قال لي المأمون يومًا الخ.
(5) قلت المبتدي (كذا) قال لا قلت فالمغازي، قال لا قلت فالتاريخ. قال لا فسكتُّ. قال تفسير القرآن لأن كلام العرب (؟ لعله الرب) لا شبيه له وتفسيره لا شبيه له. ثم قال فأَي كتب العجم الخ.
(2/246)

لهذا الكتاب ذكرًا فقال كيف يسقط ذكر هذا الكتاب عن الفهرست. فقلت يا أمير المؤمنين هذا هو كتاب ذوبان وقد كتبت بعضه. قال فأتَين به الساعة فوجهت في حمله فوافاه الرسول وقد نهض للصلاة فلما رآني مقبلًا والكتاب معي انحرف عن القبلة وأخذ يقرأ الكتاب (1) فلما فرغ من فصل قال لا إله إلَّا الله فلما طال (2) ذلك قلت يا أمير المؤمنين الصلاة تفوت وهذا لا يفوت فقال صدقت ولكن أخاف السهو في صلاتي لاشتغال قلبي به (3) ثم صلى وعاود قراءته ثم قال أين تمامه؟ قلت لم يدفعه إليّ فقال لولا أن العهد حبل طرفه بيد الله وطرفه (الآخر) بيدي لأخذته منه فهذا والله الحكمة لا ما نحن فيه من ليّ ألسنتنا في فجوات أشداقنا.
قال الأستاذ أبو علي أحمد بن مسكويه: (أدام الله علوّه) فهذا آخر كتاب أوشهنج وخبره مع ذوبان وقد سمعت شغف المأمون به وبخل الناس بما تضمنه وستسمع مما أضفناه إليه ما لا يخفي زيادة حسنه عليه من قرائح الحكماء ونتائج أفكارهم واتفاقهم مع تباعد أقطارهم.
وأبدأ بكلام أفتتح بذلك دفائن الحكماء وأسرارهم وأغراضهم لتؤمه بقريحتك وتسلك طريقه حتى يؤديك إلى مقصدك ولا تعدل عنه فتضل وتقع في التيه الذي لا آخر له فإن الطريق إذا كان قصدًا قرب الوصول منه إلى الغرض الأقصى وإذا كان غير قصد فكلما زاد إمعانًا فيه ازداد من غرضه بُعدًا، وأسأل الله الذي بيده مفاتح الخيرات العصمة والتوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فأقول كل إنسان يحب نفسه وكل من أحب شيئًا أحب أن يحسن إليه فليت شعري عمن لا يعرف نفسه كيف يحسن إليها ومن لا يعرف طريق الإِحسان كيف يسلكه. ولقد سمعت وزيرًا من وزراء عصرنا وقد أقام لنفسه وظيفة استقر فيها طباخه وصاحب شرابه وزيّن مجلسه كل يوم بريحان الوقت وفاكهته وأحضر اليوم الذي دعاني
__________
(1) ت وكلما فرغ الخ.
(2) ت طال عليه قعد وجعل يقرأه فقلت الصلوة الخ.
(3) ت بلذيذ ما في هذا الكتاب وما أجد للسهو حائلًا إلا ذكرت الموت وجعل يقرأ "إنك ميت وأنتم ميتون" ثم وضع الكتاب وقام وكبّر فلما فرغ من صلاته نظر فيه حتى أتى [على] آخره ثم قال فأين تمامه الخ قال ابن سهل وهذا صدر الكتاب من الله المبتدا وإليه المنتهى إلى آخر ما يوجد من الكتاب.
(2/247)

فيه من أغانيه ما كان يعجبه ويطرَب له فقال في عرض كلامه إن عشت فسأحسن إلى نفسي. فتدبرت كلامه وفعاله وإذا هو لا يدري كيف يحسن إلى نفسه ولا يفرق بين الإِحسان إلى بدنه بركوب الشهوات وبين الإِحسان إلى نفسه بمعرفة الحقائق والتقرب إلى الله عزّ وجل بأنواع القربات فكان من عاقبة أمره أن حسده نظراؤه فأزالوه عن موضعه ونكبوه في نعمته وأشمَتوا به أعداءه ثم وقع في أمراض لم يجنها عليه إلا انهماكه في مطعمه ومشربه وتمكنه من نيل لذَّته.
ثم أقول أيضًا لو كانت معرفة النفس أمرًا سهلًا ما تعبت بها الحكماء ولا تبرّمت بها الجهال ولما أنزل في الوحي القديم (يا إنسان أعرف ذاتك) وقد قال الله عزَّ من قائل في محكم كتابه {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك} إلى آخر الآية. وروينا في الخبر الصحيح أن من عرف نفسه عرف ربه. وفي حديث آخر من عرف ربه لم يشقَ. وقال المسيح - عليه السلام - بماذا نفع امرؤ نفسه؟ باعها بجميع ما في الدنيا ثم ترك ما باعها به ميراثًا لغيره وأهلك نفسه ولكن طوبى لامريءٍ خلَّص نفسه واختارها على جميع الدنيا. وفي الوحي القديم من لم يعرف نفسه ما دامت في جسده فلا سبيل له إلى معرفتها بعد مفارقتها جسده، من لم يتفكر في كل شيء خفي عليه كل شيء، من لم يعرف معدن الشر لم يقدر على النجاة منه.
اعلم أن الأفلاك المختلفة دائرة بالحركات المختلفة للعلل المعروفة عند الراسخين في العلم فلذلك يقع التضادّ بين الخلق في عالمنا هذا ولا يقع هناك تضادّ البتة. والكون والفساد لاحق بعالم النشءِ والبلى وليس هناك كون ولا فساد فرياح الآفات تهبُّ عندنا بالهلكات وتتبعها الزلازل والرجفات ولا سبيل إلى الاحتراس منها إلا بالهرب منها إلى حيث لا يلحقها شيءٌ من مكروهها.
تمييز الباقي من الفاني أشرف النظر، اطَّراح المُؤَن أشرف قِنية، نظر النفس للنفس هو العناية بالنفس، ردع النفس للنفس هو العلاج للنفس، عشق النفس للنفس هو المرض للنفس، النفس العزيزة هي التي لا تؤثر فيها النكبات، النفس الكريمة هي التي لا تثقل عليها المؤونات، ولا تصديق بما لا برهان عليه، الكذب فضّاح، والكاذب يستشهد أبدًا بالحلف، لسان العلم الصدق، من عَدِم الفهم عن الله عزّ وجل لم يجز أن يستمع موعظة حكيم.
(2/248)

فهذه جمل نحكمها قبل تفصيلها بالجزئيات. ولولا أنا قد أحكمنا لك الأصول كلها في كتابنا الموسوم ب (تهذيب الأخلاق) لأوجبنا لك إيرادها ها هنا ولكن هذا كتاب غرضنا فيه إيراد جزئيات الآداب بمواعظ الحكماء من كل أمة وكل نحلة وتبعنا فيه صاحب كتاب (جاويذان خرد) كما وعدناك به في أوله. ولأن الموضوع الأول كتاب فارسي فوجب أن نبدأ أولًا بآداب الفرس ومواعظهم ثم نتبعها بآداب الأمم الآخرين.
فمن ذلك مواعظ آذرباد.
"ثم أتبعه بهذه الأبواب والفصول ترى (3) ما اخترته من آداب بزرجمهر (4) حكم تؤثر عن انوشروان (5) جوابات كسرى (6) نسخة كتاب وصية لبزرجمهر إلى كسرى لما سأله ذلك (6) مجلس العلماء بحضرة بَهْمَنَ (8) وقال حكيم الفرس آذرباد (9) صدر من كلام حكيم آخر فارسي (10) وصية أخرى للفرس (11) فصل - (12) فصل من كلام حكيم آخر (13) ومما يؤثر من حكم الهند (14) ومن حكم العرب (15) ما يؤثر عن أمير المؤمنين علي - عليه السلام - وعن غيره (16) ما اخترته من وصايا لقمان لابنه -وهو آخر الموجود بالنسخة التي سقطنا عليها وهي عتيقة جميلة تنتهي على ص 248".
(المجمع) لعل هذه الرسالة من أوضاع الشعوبيين الذين كانوا يعظمون من شأن الفرس وتقديمهم. وتهوين أمر العرب وعلومهم.
(2/249)

كتاب المداخلات أو المداخل لأبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المطرز غلام ثعلب (*)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 (باب الطليل (1)) - الطَلِيل (2) الحصير والحصير الحَبْس (3) والحبس الجَبَل (4) الأسود والأسود سواد العين والعين مطرُ أيام لا يُقْلِع والمطر (5) كثرة السِواك والسِواك مشي الجائع. والسواك أيضًا مَشْى بضَعف يقال تساوكت الإبل تساوكًا وساوكت غيرها مساوكة وسواكًا والمشي النميمة والنميمة حركة الصائد في الناموسة والناموس صاحب سرّ الخير والجاسوس صاحب سرّ الشرّ والسرّ فَرْج الرجل وأنشد (6) للأفوه الأودي:
لما رأت سِرِّي تغيَّر وانثنى ... من دون نعمة شَبْرها حتى انثنى
قال أبو عمر والنَهْمة الشهوة والحركة. والحركة (7) منعُ البحر الصيدَ.
__________
(*) (المجمع) أرسل إلينا بهذا الكتاب (أو الرسالة) المفيدة في اللغة الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي أخذها عن نسخة فريدة بخزانة أيالة رامبور الإسلامية بالهند بعد أن اعتنى بتصحيحها وعرضها على المعاجم وجمع أخبار مؤلفها (أبي عمر) وقدمها إلى مجمعنا العلمي لتكون كأطروحة على انتخابه عضوًا في المجمع وسننشر في هذين الجزءين كتاب (أبي عمر) نفسه ثم ننشر ترجمته في الجزءين التاليين. انظر 9/ 449 - 460، 532 - 544، 601 - 616.
(2) في الأصل الظليل في الموضعين مصحفًا.
(3) يريد المحبِس والسجن.
(4) في الأصل الحبل مصحفًا.
(5) الموجود في لسان العرب الممطور والمَطِرة للرجل والمرأة الكثيري السواك. ابن الأثير العَطِرة المَطِرة المتنظفة بالماء أُخذ من لفظ المطر كأنها مُطرت (وهذا مما زيد على المعاجم) ولم يذكروا المصدر بهذا المعنى.
(6) في الأصل شادها وفي اللسان شَبْرها معين. والشاد لا معني له.
(7) الذي في اللسان عن ابن الأعرابي حرك إذا مَنع من الحق الذي عليه. نعم يوجد في مختصر الوجوه والتاج الفعل والحُراك فالحركة (وهذا مما زيد على المعاجم) ويتكرر في الباب ال 16.
(2/250)

والمنع (1) السرطان. والسرطان داء البيل (2) وهو انتفاخ الفخذ والساق. والساق النفس (3) والنفس (4) الماء وأنشد ثعلبة عن ابن الأعرابي فقال:
أتجعل النفس (5) التي تُدِيرُ ... في جِلْد شاة ثم لا تَسِيرُ
قال أبو عمر: أما قولهم الساق النفس فمن ذلك قدح في ساقه وفتَّ في عضده فالساق النفس والعضد القرابة (6) ومن ذلك أيضًا قول أمير المؤمنين فنظرتُ فإذا ساقي قد أُخذت ويميني فسمعتُ وأطعتُ قال كان أُخذتْ عليهم اليمين التي (7) أخرج نفسه من الشورى أنه مَنْ خالف قُتل وقوله فإذا ساقي أُخذتْ ويميني أي إن خالفت ساقي وهي النفس لليمين التي أخذت عليَّ.
2 (باب الكِرْبِزْ) - قال وأخبرنا ثعلب عن ابن (8) الأعرابي قال الكربز القثاء الكبار والكبار (9) جمع الكَبَر والكَبَر الطبْل والطبْل (10) السدّ والسدّ السلّة والسلة (11) الناقة لم يبق لها سن من الكِبر أي الهرم والسنّ الثور (12) والثور السيّد والسيّد الزوج
__________
(1) يتكرر في الباب ال 27.
(2) لم أجده ولعله مصحف الدُبَيْلة ففي التاج السرطان داءٌ يشبه الدبيلة اه وفي اللسان الدبيلة خُراج ودُمَّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا ثم جزمت بأنه داء الفيل وفارسيته بيل والعصمة لله.
(3) اللسان ومنه قول علي في حرب الشراة لا بدّ لي من قتالهم ولو تلفتْ ساقي. التفسير لأبي عمر الزاهد عن أبي العباس (النهاية واللسان).
(4) الجُرْعة يقال اكرَعْ في الإناء نفَسًا أو نفَسين (محركًا من التنفس) اللسان وفي مختصر الوجوه ص 100 أنه الماء (فهذا مما زيد على المعاجم).
(5) في اللسان والتاج النَفْس من الدباغ قدر دبغة أو دبغتين مما يدبغ به الأديم من القَرَظ وغيره يقال هب لي نفْسًا مِن دباغ ثم أنشد الشطرين.
(6) والأعوان والأنصار وهذا التفسير يوجد في اللسان حرفًا حرفًا.
(7) العبارة قلقة البنية والمعنى معلوم وأهل الشورى الذين عينهم عمر عند موته وكان على أخرج نفسه من بينهم كما أشاربه العباس عليه رضوان الله عليهم.
(8) وكذا في اللسان عنه.
(9) وأكبار أيضًا والكَبَر معرَّب.
(10) الطبل والسدّ سلّة الطعام: اللسان ومختصر الوجوه.
(11) كذا في المعاجم.
(12) أي الوحشي.
(2/251)

والزوج الديباج والديباج (1) الناقة الليّنة المسّ والمسّ الجنون والجنون (2) سواد الليل والليل فرخ الكَرَوان قال أبو عمر قال المبرّد (3) وجمع الكَرَوانِ كِروان وكذلك الباب (4) كله قال أبو عمر وأنشدني أبو أحمد الكاتب قال أنشدني الجُريري هذا:
أكلت (5) النهار بنصف النهار ... وليلًا أكلت بليل بهيم
والنهار فرخ الخبارى والليل فرخ الكَرَوان والسلّة السرقة والسرقة بالفتح (6) والكسر واحدة السرَق والسرَق الحرير الأبيض والأبيض (7) عِرق في القفا وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابيِ قوله (8):
(لا يتشكَّى ضرَبان أبيضِهْ ... قريبةٌ ندوته من محْمَضِةُ)
قال الندوة أكلةٌ بين شربتين للابل والمحْمض موضع الحمض.
3 (باب الفِرْسِكة) -أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الفرسكة (9) الخوخة والخوخة الثوب الأحمر (10) والأحمر الذي لا سلاح معه والسِلاح شحم (11) الإِبل
__________
(1) الذي في اللسان عن ابن الأعرابي الفتية الشابة فكأن هذه مما زيد على المعاجم.
(2) مصدر جنّ عليه الليل.
(3) أي في كامله (طبعة لبسيك ص 261) وهذا لفظه الكِرْوان جمع كرَوان وهو طائر معروف وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله ولكنه على حذف الزيادة فالتقدير كرى وكِروان كما تقول أخ وإخوان الخ.
(4) كشَقَذان وشِقْذان انظر طبقات ابن قتيبة أخبار طرفة.
(5) البيت في اللسان أيضًا غير معزوّ.
(6) فتح راء السرَقة (وهذا مما زيد على المعاجم).
(7) في اللسان الأبيضان عرقان في حالب البعير وفي البطن وعرقا الوريد (وهذا مما زيد على المعاجم) وفي مختصر الوجوه أنه عرق في العنق.
(8) الرجز لِهميان ابن قحافة وتمامه (وقرَّبوا كلَّ جُماليّ عَضِه، قريبةٍ نُدونه من محمضه، بعيدة سرَّنه من مَغرِضِه، كأنما يسجع عِرقا ابيضه، وملتقى قائله وأَبُضه) والندوة بالضم موضع شرب الإبل (اللسان) (بيض وندا).
(9) الذي في اللسان الفِرْسك فهذه مما زيد على المعاجم.
(10) الذي في اللسان عن الأزهري ثوب أخضر يسميه أهل مكة الخوخة فهذه مما زيد على المعاجم ولا مجال للتصحيف.
(11) يخالفه ما في اللسان أخذت الإبل سلاحها سمِنت وليس السلاح اسمًا للسِمَن ولكن لما كانت السمينة تحسن في عين صاحبها فيُشفق أن ينحرها صار السمن كأنه سلاح لها فهذه مما زيد على المعاجم ويوجد في مختصر الوجوه.
(2/252)

والشحم البياض (1) والبياض اللَبن واللَبن وجِع الغنق من الوسادة والعُنق جماعة من الناس والناس (2) [أبو] قبيلة والقبيلة رقعة يرقَّع بها (3) قَبُّ القميص والقميص غلاف القلب والقلب العقل والعقل ضرب من الوشْي والوشي كلام الواشي بين المحبَّين والواشي ضرَّاب الدنانير وجمعه وُشاة وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
فما (4) هِبرِزيٌّ من دنانير أيلةٍ ... بأيدي الوشاة ناصع يتأكَّل
بأحسن منه يوم أصبح غاديًا ... ونفَّسني فيه الحِمام المعجَّل
قال أبو عمر نفَّسني أعني رغَّبني ونافسني راغبني ومنه قول الله عزَّ وجل: {فليتنافس المتنافسون} أي فليتراغب المتراغبون.
4 (باب الشاصُونة) -أخبرنا ثعلب عن (5) ابن الأعرابي قال الشاصونة البَرْنيّة والبرنية ديك (6) النَبَط والنَبَط البلق الذي بلغ إلى البطن والبلق الفسطاط والفسطاط (7) الجمع الكثير من الناس والجمع النخل (8) الذي يحمل رُطبًا كبير النوى. والديك أيضًا العظم الذي يكون خلف (9) أُذن الفرس والأُذن الذي يسمع من كل أحد لكرم فيه والكرم (10) البنات الطاهرات والبنات اللعب (11) واللعب الحوالس والحوالس (12) بيوت
__________
(1) لا يوجد هذا على إطلاقة في اللسان فالمرجود الشحم بياض البطن نعم وجدته في مختصر الوجوه (فهذه مما زيد على المعاجم).
(2) لعل صوابه أبو قبيلة وهو قيس عيلان أخو ألياس بن مضر.
(3) ما يُدخل في جيب القميص من الرِقاع.
(4) يوجدان في اللسان بلفظ وما الخ.
(5) وفي اللسان عن أبي عمرو.
(6) مثله عن ابن الأعرابي في اللسان أيضًا وقيل البرانيّ بلغة أهل العراق الديَكة الصغار حين تدرك.
(7) غيره مجتمع أهل الكورة.
(8) هذه مما زيد على معاني اللسان ففيه النخل خرج من النوى لا يعرف اسمه وقيل تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبًا فيه ثم وجدته في مختصر الوجوه.
(9) وهو الخُششاء (اللسان).
(10) جاء في قول قطري (فتنبو العين عن كرم عجاف) ولا اختصاص له بالبنات فهو مصدر يوصف به الواحد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث سواء بلفظ واحد.
(11) التماثيل الصغار تلعب بها الجواري.
(12) الكلمة فاتت اللسان وهي في التاج ومتنه. ولفظه: الحوالس لُعبة لصبيان العرب تخط خمسة أبيات في =
(2/253)

الأربعة عشر والبيوت العرائس وأحدها بيت والبيت العروس (1) وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
عض (2) على شِبْدِعه الأديبُ ... فظلّ لا يُلحى ولا يحوب
قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الشِبْدِع العقرب والشبدع أيضًا اللسان والشبدع الداهية ويلحى يُلام ويحوب يأثم.
5 (باب الكِلواذ) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي الكلواذ تابوت التوراة والتابوت مجتمع (3) الأضلاع في أعلى البطن والبطن من بطون العرب والعرب النفوس واحدتها عَربة (4) يقال أصبحت طيب العَربة والنفوس الدماء والدماء معروفة والمعروفة الجارية تخرج عن يدها العَرْفة (5) وهي البثرة والعرفة الريح والريح الغَلبة ومنه قول الله عزَّ وجلَّ {وتذهب ريحكم} أي غلبتكم قال وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
يا (6) صاحبيَّ ألا لاحي بالوادي ... إلا عبيدٌ وآم بين أذواد
أنتظران قليلًا ريث غفلتهم ... أو تعدُوان فإن الريح للعادي
6 (باب العرار) - قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال العَرار البهار الأصفر والبهار (7) لَبَب الفرس واللبب المسترقّ من الرمل والرمل نسج الحُصُر والحصر جمع الحَصور والحصور الذي لا يحب النساء والمحب البعير المتعَب والمتعب المملوء من الآنية والمملوء المزكوم والمزكوم الولد الملقى يقال زكمت به أمه فهو زُكمة وهو موحد في جميع الحالات قال أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
زُكْمَةُ عمّار بنو عمار ... مثل الحراقيص على الحمار
__________
= أرض سهلة ويجمع في كل بيت خمس بعرات وبينها خمسة أبيات ليس فيها شيء ثم يجر البعر إليها. كل خط منها حالس قاله ابن السكيت وقال الغنوي هي لعبة مثل أربعة عشر.
(1) أي المرأة التي بني بها.
(2) أي الأديب يكف من لسانه ولا يلاحي ولا يأْثم.
(3) (اللسان) الأضلاع وما تحويه كالقلب والكبد وغيرهما تشبيهًا بالصندوق.
(4) بالفتح.
(5) قرحة تخرج في بياض الكفّ.
(6) للسليك وقيل لتأبط شرًّا ابن برّي وقيل لا عشى فهم وذكر من أول الكلمة بيتين (اللسان) (أمو، روح).
(7) (اللسان) البياض في لبب الفرس.
(2/254)

الحرقوص دويبة مثل القراد تدخل في أرفاغ الأبكار وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
ويحك يا خرقوص مهلًا مهلا ... أإبلًا أعطيتني أم نخلا
أم أنت شيءٌ لا تبالي جهلا
وأنشدنا أيضًا ثعلب (1):
ما لقي البيض من الحرقوص ... يدخل بين الغلق المرصوص
بمهر لا غالٍ ولا رخيص
7 (باب الحرقوص) - قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الحرقوص (2) نواة البُسرة والنواة الحاجة والحاجة (3) الشوكة والشوكة (4) النقّابة التي يقال لها الدويبة والنقّابة الطوّافة والطوّافة الجارية والجارية السفينة قال وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
ولقد رأيت مطيةً معكوسة ... تمشي بكلكلها وتزجيها الصبا
يصف السفينة الطوّافة والطوّافة أيضًا (5) السنّور والسنّور (6) عظم حلق الفرس والحلق (7) الشؤم والشؤم النكد والنكد منع الخير وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
نكدتَ (8) أبا زنيبة إذ سألنا ... بحاجتنا ولم تنكدْ ضباب
__________
(1) لأعرابية والشطر الثاني في (اللسان) من مارد لصّ من اللصوص.
(2) فات (اللسان) وذكره المجد وصاحب مختصر الوجوه ص 35.
(3) من (ح ي ج) ولا يوجد في المعاجم على إطلاقه فلفظ (اللسان) نبت من أحمض وقيل من الشوك ابن سيده الحاج ضرب من الشوك وهو الكبر الخ فههنا (زيادتان) في اللفظ حاجة وفي المعنى أنه كل شوك وجدتهما في مختصر الوجوه.
(4) ليس في معاني الشوكة النقَّابة ولا في معاني النقّابة الدويبة ومعاني الشوكة في مختصر الوجوه (62) واحدة الشوك والأذى والجمرة تعلو الوجه وطينة يُغرَز فيها سُلّاء النخل ويخلص بها الكَتّان وقرحة بالجوف وجماعة القوم ومثله في (اللسان) وفي (تاج العروس).
(5) ومنه الحديث (إنها من الطوّافين عليكم أو الطوّافات).
(6) يتكرر في الباب ال (25).
(7) وكذا في تاج العروس عن ابن الأعرابي ومنه قولهم في الدعاء عقرا حلقا.
(8) (اللسان) البيت الأول برواية أبا زُبَيبة (مصحفًا) عن ثعلب قال عدّاء بالباء لأنه بمعنى بخل وفي مادة (زنب) البيتان برواية أبا زُنيبة مصغر زَينب أن سألنا قال وأبا زُنيب مرخم - نعم الزَنَب السمن ولكن لا يظهر أن يكون زُنيب في البيت مصغره.
(2/255)

فجنبتَ الجيوشَ أبا زُنيبٍ ... وجاد على منازلك السحاب
زُنيب تصغير زَنَب وهو السِمَن قال ثعلب قلت لابن الأعرابي أهذا دعاء عليه أم له قال بل عليه فقلت لِمَ قال لأن الأعرابي إذا كان له مال وأثاث جاءته الجيوش (1) إلى الغارة وإذا كان له إبل وغنم وجاء الغيث ونبت الكلأ رعى فيه وإذا لم تكن له إبل ولا غنم وجاء الغيث اشتكت كَبده من الغمّ كيف لا تكون له إبل ترعى ها هنا وههنا. أخبرنا ثعلب عن أبي نصر عن الأصمعي قال العرب تقول (2) في صفة الكلأ كلأ تنجيع منه كبد المُصْرم والمُصْرم صاحب الصِرْمة والصِرْمة قليل من الغنم وسائر الحيوان قال أبو نصر قال الأصمعي في مثل هذا كلاءٌ الحابسُ فيه كالمقيم وكلأ المقيمُ فيه كالمسافر.
8 (باب المِجَنَّة) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال المجنَّة طبق (3) الخيزران والطبق (4) الحال والحال الحمأة والحماة (5) عظم الساق والساق ساق حرّ والحر حيّ (6) من العرب والحر الرماد والرماد (7) الهلاك والهلاك الشَرَه وأنشد (8):
أتبعتُه الرمح إذ مالتِ عمامتُه ... تحت الغُبار ولم أَهلِك إلى اللبن
أي طلب بثأري ولم أشره إلى دية. والشره أكل (9) الشولقيّ والشولقيّ الطُفَيلي أكله بالعجلة لئلا يفنى والعجلة الطينة وجمعها العَجَل وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
__________
(1) كذا في الأصل موضع "للغارة".
(2) يوجد القول مع التفسير في (اللسان) "صرم".
(3) المعروف إنها الترس (وهذا مما زيد على المعاجم).
(4) قال تعالى: {لتركبنَّ طبقًا عن طبق}.
(5) غير مهموز وإنه عضلة الساق كما في اللسان ومختصر الوجوه ص 33 فيجب أن تسهل الهمزة في (والحال الحماة).
(6) لم أجد معنى حُرّ في اللسان والتاج ومختصر الوجوه (وهذا مما زيد على المعاجم).
(7) المعروف في المعنى الرمادة (وهذا مما زيد على المعاجم).
(8) (اللسان) أنشده الكسائي في نوادره وروايته (جلَّلته السيف إذ مالت كوارته - تحت العجاج الخ) والمعنى مجاز.
(9) في الأصل أكل الشولق والشولق الصفيلي مصحفًا. والذي في اللسان (مصحفًا) والتاج الأساس الشولقي المحب للحلاوة المولع بها (وهذا مما زيد على المعاجم).
(2/256)

والنبع (1) في الصخرة الملساء منبِتُه ... والنخل ينبت بين الطين والعجل
ومنه قول الله عزّ وجل {خلق الإِنسان من عجل} قال ابن عباس من طين.
9 (باب الحياء) - الحياء (2) فرج المرأة والفرج الثغر والثغر الأسنان وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
وسربِ ملاحٍ قد رأيت وجوهه ... إناث أدانيه ذكور أواخره
السرب ها هنا أسنان (3) الجارية والأسنان تؤنث والأضراس تذكر وأراد بالسرب ها هنا أسنان الجارية لاجتماعها وكل مجتمع سرب. قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الحياء هو من الاستحياء والحياء فرج كل أنثى بهيمة أو إنسية ممدود (4) ومقصور وبعد المد أفصح والحيا الغيث مقصور لا غير.
10 (باب اللواص) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال اللواص العسل والعسل عَدْوُ الذئبة والذئبة كوّة (5) السرج والسرج الحسن (6) وأخبرني السياري قال سمعت المبرد يقول الحسن والحسن (7) العُظيم الذي يلي المرفق مما يلي البطن والقبح (؟ القباح) (8) والقبيح العُظيم الذي يلي الكتف قال السياري وأنشدني المبرد لبعضهم:
الحسن والقبح في عضو من الجسد ... فوق الذراع وتحت المنكب العضد
__________
(1) يوجد في اللسان بلفظ الصخرة الصماء ... بين الماء والعجل.
(2) المجمع عليه أنه فرج ذوات الظِلف والخُفّ والسباع (وهذا مما زيد على المعاجم) نعم عن الأزهري في (اللسان) الحيّ فرج المرأة.
(3) كما في مختصر الوجوه ص 55 والمعنى فات (اللسان) و (التاج) (وهذا مما زيد على المعاجم).
(4) لا يرى الأزهري قصره إلا ضرورةً وغلَّط الليثَ في إِطلاقه المدّ والقصر.
(5) كذا في مختصر الوجوه ص 46 وفي كتاب السرج واللجام لابن دريد الذئبتان باطنا العضدين ففي كل قربوس عضدان وذئبتان وعضداه رجلاه اللتان تقعان على الدفتين وفي اللسان هو ما تحت مقدم الحنوين وهو الذي بعض على منسج الدابة الخ.
(6) في الأصل الحسين مصحفًا. والمعنى (مما زيد على المعاجم) فالمذكور جبين سارج كالسراج في الحسن فقط.
(7) في الأصل الحسين مصحفًا والحسن كالقبح ذكره المجدُ دون (اللسان).
(8) الذي في التاج واللسان قباحٌ لغة في القبيح بهذا المعنى وفي تفسيره خلاف وقال الأصمعي في خلق الإنسان له (ص 205) رأْس العضد الذي يلي رأْس الذراع قبيح.
(2/257)

والبطن مصدر بطنتُ العير أبطنه بطنًا إذا ضربتَ بطْنَه والعير (1) الناتيءُ في وسط الأُذْن بين الرَوْم والمحارة (2) والرَوْم (3) شحمة الأذن والوسط خيار الأُمّة والأُمّة القامة والقامة (4) الخشبة التي تكون على رأس البئر تعلَّق عليها البكرة وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
لما رأيت أنَّها لَا قامهْ ... وأنني ساق على السآمهْ
نزعتُ نزعًا زعزع الدِعامهْ
قال قلت لأبي نصر ما سمعتَ الأصمعي يقول قال قال هذا مثلٌ لم يكن ثم قامةٌ ولكنه نزع بيديه أي استقى استقاء لو كانت ثم دعامة تزعزعت. قال أبو العباس قلتُ لابن الأعرابي ما معنى هذا الكلام كان فيه مطالبة وقد نفى وأوجب وقلت له ما قال الأصمعي فقال أخطأ الجاهل قال قد كانت ثم قامة وكانت ثم دِعامة ولكنه كان شيخًا ضعيفًا. وقوله قامة لم يرد الخشبة وإنما أراد قولهم قائم وقامة (5) كما تقول بائع وباعة وهم (6) المُعينون فلما فقدهم تنشَّط (7) واستقى فزعزع الدعامة التي كانت ثم ومنه قوله:
وقامةٌ ربيعةُ بن كعب ... حسبك أخلاقهمُ وحسبي
11 (باب الإِفت) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الإِفت (8) اليَفَنة واليفنة
__________
(1) في خلق الإنسان (ص 204 و 227) الحاجز الذي في وسط الكتف يقال له العير وعير القدم الشاخص في وسطها.
(2) في الأصل الحارة مصحفًا ومحارة الأذن صدفتها كما في خلق الإنسان (ص 170) وفي (ص 196) وأعلى الحنك المستدير.
(3) بالفتح ويضم.
(4) هذا التفسير في كتاب صفة البئر عن ثعلب عن ابن الأعرابي للدعامة. والدعامة والقامة كأنهما شيءٌ والأشطار في اللسان (دعم وقوم) بلفظ وأنني موف وفي صفة البئر أيضًا.
(5) يوجد القول في اللسان عن ثعلب قال كأنه أراد لا قائمين على الحوض يستقوق منه ومثله فيما ذهب إليه الأصمعي (؟؟؟) وقامتي ربيعة الشطرين.
(6) في الأصل وهو.
(7) في الأصل تنسط.
(8) الذي في المعاجم الإفت بالكسر أو الفتح الكريم من الإِبل والأفت بالفتح ويكسر السريع الذي يغلب الإبل على السير وليس هذان المعنيان من جملة معاني اليفنة (فهذه مما زيد على المعاجم).
(2/258)

الحامل (1) من البقر والبقر التحير ويقال بَقر وبحر وبعل وعقر (2) كله إذا تحير من الفَرَق والفرق (3) تباعد ما بين ثنايا الإنسان والثنايا الطرُق في الجبل والطرق جمع الطريق والطريق (4) الطوال من النخل وهي الكتائل وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
قد أبصرت (5) سُعدى بها كتائلي ... مثل الجواري الحُسر العطابل
الحسَّر اللاتي لا ثياب عليهن والعطابل جمع عُطبول وهي الطويلة من النساء.
12 (باب المصاب) - قال وأخبرنا (6) ثعلب عن ابن نجدة عن أبي زيد قال المصاب (7) قصب السكر والقصب قصب السباق في الحلبة وغيرها والسباق سباق (8) الصقر والصقر الدبس (9) والدبس الخلق (10) الكثير والخلق الفَرْي والفَرْي الإصلاح وأنشد ثعلب عن ابن نجدة عن أبي زيد:
ولأنت (11) تَفري إذ خلقتَ وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفْري
يخلق يقدر ويفري يقطع (12) وأفرْىَ الأديم إذا شقه للفساد أو، فراه بغير ألف إذا شقه للإِصلاح.
13 (باب الموشِق) - أخبر ثعلب عن ابن الأعرابي قال الموشِق (13) غلاف
__________
(1) أو هو البقر.
(2) كان في الأصل عَفِر وقد أوقعنا في أتعاب وكل هذه الأفعال توجد في التاج واللسان.
(3) والوصف أفرق نقله تلميذ أبي عمر ابن خالويه في كتاب (ليس) له.
(4) الواحدة طريقة (اللسان).
(5) في اللسان والثاني والثالث:
طويلة الأقناء والعَثاكل ... مثل العذارى الخُرَّد العطابل
(6) كان في الأصل أنشدنا مصحفًا.
(7) بلفظ المصاب بمعنى المصيبة.
(8) قيده من سير أو غيره.
(9) عند أهل المدينة.
(10) الناس.
(11) من قصيدة للأعشى تراها في زياداتنا على ديوانه وتنسب للمسيب بن علس والبيت يوجد في قصيدة لزهير أيضًا.
(12) هذا قول الجوهري وخالفه غيره.
(13) غيره قراب القوس.
(2/259)

القوس والقوس الكتلة من التمر تبقي في الجلة للقلنفا والقلنفا والقفيز كلة الحيلة والقفيز الجلنفاة (1) الطعام بلا أدْم والأدْم الخِلْط والخِلْط تصغيره خليطْ (2) وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
وكنا خُلَيطى في الجِمال فأصبحت ... جِمالي تُوالي وُلها من جِمالكا
أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال يقال مِزْ ذا من ذا ووالِ ذا من ذا وزِلْ (3) ذا من ذا.
14 (باب الحادور) - قال أبو عمر أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال قال الحادور (4) القُرْط والقُرط (5) الحَلَمة والحلمة القُراد والقُراد (6) الذي في اللَوْع واللَوْع السعدانة (7) التي حول الثدي والسعدانة الحمامة والحمامة البكْرة التي يستقى (8) عليها وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو أن من يزجُر بالحمام ... يقوم يوم وردها مقامي ... إذًا أضل سائرَ الأحلام
15 (باب البسل) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال البسل الحرام والحرام (9) النملة والنملة قروح تخرج في الجنب والجنب القَرَب والقَرَب الخاصرة وهو واحد الأقرب والخاصرة الجارية التي تجد البرد كثيرأوالبرد النوم قال ثعلب ومنه أن جارية كانت تحب رجلا وكان يحبها فيخلو معها بلا فساد فجاء ذات يوم يسأل (10) عنها فقال أولياؤها ادخل إليها واقعد معها لحظةً واخرج فدخل وخرج بالعجلة فقال له أولياؤها
__________
(1) ويسمى القفار أيضًا.
(2) كأنه ظن خُليطى في البيت مصغر خلط وليس كذلك فإنه مقصور وهو مشددًا ومخففًا بمعنى الاختلاط وكان في الأصل (خليطًا في الجمال) وفي اللسان أن البيت أنشده اللحياني وتوالي يتميز (اللسان) (ولى) وفي الأساس والِ من غنمك أي اعزلها وميزها.
(3) زاله يزيله لغة في أزاله.
(4) غيره القرط في الأذن.
(5) وهي نبات كالرطبة إلا أنه أجل منها وأعظم ورقًا.
(6) أي حلمة الثدي واللوعة السواد حول حلمة المرأة.
(7) غيره سعدانة الثُنْدوة حلمتها.
(8) في الأصل يسقى.
(9) لا يوجد في غير مختصر الوجوه ص 34 قال محشية لم أر ذلك غير هنا (وهذا مما زيد على المعاجم).
(10) في الأصل ليسأل مصحفًا.
(2/260)

أقبلتها واحدةً وخرجت. قال لا منعني البرد. قال فدخلوا فإذا هي ميتة والنوم الموت والموت الهدوء والسكون عند العمل وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي قوله (1):
يا قوم من يحلب شاةً ميّتة ... قد حُلبتْ خطةُ مجنبًا مسفته
قال يقال مسفته للمقيَّرة وهو السفت (2) والزفت والقير قال وأخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء عن الكسائي قال العرب تقول لعن الله غنمًا خيرها خُطَة وكتَة (3) وبطان (4) قال وهذه شرار الغنم ولا تنصرف ويقال للعُلبة جنبة وجنب ويقال لها السمراء.
* * *

(2)
16 (باب اللَعا) - قال: أخبرنا ثعلب عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال اللَعا (5) النعشة والنعشة النهضة والنهضة (6) العتبة والعتبة (7) حمارة الطنبور والحمارة واحدة الحمائر وهي حجارة تجعل حول الحوض وأنشدنا (8) أبو عمر:
ومبلد (9) بين موماة ومهلكة ... قطعته بعلاة الخلق عليان
__________
(1) البيت في اللسان (خطط) ميتة ساكنة عند الحلب. والجنب العلبة. ومسفتة مدبوغة. والشطران مع التفسير والمثل الآتي يوجدان في الميداني طبعاته الثلاث (2: 108، 85، 115) ولاءً والعسكري بطبعتيه (161 و 2: 123) والمستقصى (مخطوط) ونوادر أبي زيد (ص 241) وشرح المفضليات (ص 335).
(2) لغة في الزفت أو لثغة.
(3) كان في الأصل كبشة بالمثلثة وأوقعنا في عناء.
(4) ككتاب.
(5) في الأصل بالموضعين ممدودًا مصحفًا. ولعَا تقال للعاثر دعاءً له بالانتعاش.
(6) النهض والنهضة العتبة أي الغليظ من الأرض تبهر فيه الدابة.
(7) كما في مختصر الوجوه ص 76 وفي المعاجم العتبة العيدان المعروضة على وجه العود منها تمد الأوتار إلى طرف العود. وانظر لمعاني الحمارة مختصر الوجوه ص 33 والتاج.
(8) هذا قول أبي عبد الله العباسي راوي المداخل عن أبي عمر.
(9) البيتان في التاج واللسان (بلد، حمر) عن ابن الأعرابي بلفظ جاوزنه بعلاة الخ قال أصله ملْبِد فقلب وهو اللاصق بالأرض. والمبلد بكسر اللام وتفتح الحوض القديم والعليان بالكسر وتفتح الناقة المشرقة والمعنى سريعة (وهذا مما زيد على المعاجم).
(2/261)

كأنما الشحط في أعلى حمائره ... سبائب الريط من قزّ وكتان
أراد مبلدًا وهو الحوض القديم وعلاة الخلق قوية الخلق والعلاة سندان الحداد، عليان سريعة والشحط ذرق الطير شبّهه بشقاق (1) بيض فقال هذا الماء على بعده وهجر الناس له (2) قد جئته واستقيت منه. والحوض (3) الحركة والحركة (4) منع البحر الصيد والصيد (5) الماء يصاب بلا طلب والطلب البعد والبعد الهلاك والهلاك الفناء والفناء (6) الثناء في بعض اللغات والثناء (المدح و) الذم والمدح خلاف الذم والذم جمع ذَمة وهي البئر القليلة الماء وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي (7).
أرجِّي نائلًا من سَيب رب ... له نعمى وذَمَّته سِجال
ويروى وذمته بالكسر. قال ومن روى بالفتح أراد ماء البئر يعني قليله وكثيرَه وسِجال مع فتح الذال الدلاء واحدها سَجل وهي الدلو الكبيرة ومن روى بالكسر أي كسر الذال أراد عقده محكم وسجال من سَجَل إذا فسق (8).
17 (باب البرطيل) - قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي وعن عمرو عن أبيه قال: البِرْطيل الحجر والحجر الذهب والذهب (9) مكيال لأهل اليمن والمكيال
__________
(1) جمع شِقَّة القطعة من الثوب.
(2) في الأصل (إليه) مصحفًا.
(3) هذه (زيادة) ففي اللسان والتاج عن الأصمعي أني لأدور حول ذلك الأمر وأحَوض (مشددًا) حوله بمعنى.
(4) (هذا مما زيد على المعاجم) كما مر في الباب الأول والحركة بمعنى منع البحر الصيد في مختصر الوجوه ص 34 وفي التاج يقال حرك البحر يحرك إذا قل صيده وذلك في زمن الصيف وهي أيام الحراك.
(5) الموجود في اللسان ومستدرك التاج عن ثعلب صدنا ماء السماء أخذناه فهذه مما زيد على المعاجم ويأتي في الباب (إلى 18).
(6) أي بالفتح فيهما وليست في اللسان والتاج بل الموجود فيهما هذه اللغة في فِناء الدار وثنائها فهذه مما زيد على المعاجم.
(7) كما في اللسان (ذم) سجل ابن سيده قد يجوز أن يعني به الغزيرة والقليلة الماء أي قليله كثير ورواه الأصمعي بالكسر أي عهده محكم من قولك سجل القاضي لفلان مسألة أي استوثق به.
(8) لم أقف على هذا المعنى وكلامه يقتضي "إذا أحكم".
(9) كما في اللسان والقاموس وفي مستدرك التاج ورأيت في هامش نسخة لسان العرب ما صورته في نسخة التهذيب بسكون الهاء. أقول لا يوجد على هامش المطبوعة. وأبو عمر الزاهد ثقة.
(2/262)

المجازاة يقال كِلْت له أكِيل كيلًا إذا جازيته والكيل السعر يقال كيف الكيل عندكم أي كيف السعر وأنشدنا ثعلب عن عمرو عن أبيه (1):
فإن يك في كيل اليمامة عسرة ... فما كيل ميافارقين بأعسرا
18 (باب الجُحال) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال سألت أعرابيًّا وما رأيت أفصح منه مذ ثلاثون سنة فقلت له ما الجُحال (2) قال القشب قلت فما القشب قال الذُعاف قلت فما الذعاف قال الذئفان (3) قلت فما الذئفان قال الذيفان (3) قلت فما الذيفان (4) قال الأرقد (5) قلت فما الرقد (5) قال الجوزل قلت فما الجوزل (6) قال الحِرسم (7) قلت فما الحرسم (7) قال السم قلت فما السم قال ثقب الإِبرة قلت فما الإِبرة قال رأس الرَوْق قلت فما الروق قال المِدرى قلت فما المدرى قال قرن الجارية قلت فما الجارية قال الخولة (8) قلت فما الخولة قال الظبية (9) قلت فما الظبية قال الجراب الصغير قلت فما الجراب قال بَدَن (10) البئر قلت فما البدن قال الدرع الحديد (11) قلت فما البدن أيضًا قال الرجل (12) المتماسك في جسمه. قال أبو
__________
(1) البيت في البلدان ومعجم ما استعجم رسم "ميافارقين" ولفظ الأخير أنشد ثعلب عن عمرو عن أبيه فإن الخ. قال والكيل هنا السعر يقال كيف الكيل عندهم أي كيف السعر والكيل المجازاة قلت له أي جازيته اه فكأنه من المداخل وعمرو هو ابن أبي عمرو الشيباني المتوفي سنة 231 ه.
(2) بتقديم الجيم (وكان في الأصل بتقديم الحاء عليها) السم كالقشب محركًا.
(3) في الأصل الذيقان مصحفًا والذئفان بالكسر والهمز السمّ.
(4) في الأصل الذيعان مصحفًا والذيفان بالفتح ويكسر ويحرك السم.
(5) الأرقد والرقد لم أجدهما ولا مصحفاتهما بمعنى السم.
(6) السم: أبو عبيدة لم نسمعه إلا في شعر ابْنِ مقبل.
(7) كان في الأصل الحرشم مصحفًا. وحرسم كزبرج وضفاع السم القاتل ولكن الحاء غير ثابت والثابت جُرْسْم كقنفذ مقيدًا بخط اللحياني قال الأزهري وهو الصواب وكذا رواه كراع أيضًا وضبطه بعضهم بالحاء ورده الأزهري.
(8) لم أجد من معاني الجارية شيئًا يوافق المقام اللهم إلا أن يكون الخولة وردت بمعنى الخوَل "محركًا نعمة الله" وهي معنى الجارية في مختصر الوجوه ص 23 وغيره.
(9) كما في المعاجم.
(10) يريد جوفها من الأعلى إلى الأسفل.
(11) كذا باللسان ولا بأس به.
(12) لم أجد المعنى في المعاجم الحاضرة فهذه مما زيد على المعاجم.
(2/263)

عبد الله (1) العباسي وسمعت بعض أصحاب أبي عمر رحمه الله يقرأ عليه في غير نسختنا قلت فما البدن قال الشيخ (2) المسن قلت وما البدن (3) أيضًا قال الثيتل قلت وما الثيتل قال الحطان (4) قلت وما الحطان قال البغيبغ (5) قلت وما البغيبغ قال العلهب (6) قلت وما العلهب قال قيس الجبل. وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
قد (7) قلت لما بدت العُقاب ... وضمتها والبدن الحِقابُ
جِدَي لكل عمل ثواب ... الرأس والأكرُعُ والإِهابُ
19 (باب العربج) - قال أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال العربج كلب (8) الصيد والصيد (9) أخذ الشيء بلا تعب يقال صدت ظبيًا وصدت بيضةً وصدت كمأة إذا أخذته بلا تعب والأخذ (10) نجوم منازل القمر كل ليلة والقمر بؤبؤ (11) العين والعين (12) خاصة الملك ووليه. قال ابن الأعرابي ومنه خبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن عليًّا لطمني فقال له عمر يا أبا الحسن ألطمتَ عين هذا الرجل. قال نعم. قال فلمَ يا أبا الحسن؟ فقال: لأني رأيته ينظر إلى حرم المسلمين في الطواف فقال له أحسنت. ثم أقبل على الملطوم فقال وقعت عليك عين من عيون الله تعالى. قال ثعلب فسألت ابن الأعرابي عنها فقال خاصة من خواص الله وولي من أوليائه وحبيب من أحبائه.
__________
(1) هو الحسين بن أحمد بن بريهة راوي المداخل تقدم في المقدمة.
(2) يوجد المعنى.
(3) البدن والثيتل الوعل المسن "اللسان والتاج".
(4) التيس من ح ط ط.
(5) تيس الظباء السمين.
(6) التيس الطويل القرنين.
(7) اللسان يصف وعلًا وكلبة اسمها عُقابُ والحِقاب جبل بعينه. يقول اصطادي هذا التيسَ وأجعل ثوابك الرأس والأكرُع والإهاب.
(8) غيره الكلب الضخم.
(9) تقدم في الباب (ال 16) أنّه الماء يصاب بلا طلب.
(10) نجوم الأخذ منازل القمر لأن القمر يأخذ كل ليلة في منزل منها وهي نجوم الأنواء "التاج".
(11) بياض المقلة كما في مختصر الوجوه ص 90.
(12) هذا بعينه لفظ مختصر الوجوه (ص 78) والعجب أن المعنى فات "التاج" فهذه مما زيد على المعاجم.
(2/264)

والعين الركية والركية (1) أصل الصفيانة إذا قطعت والقطع (2) الخنق وهو مصدر خنقه خنقًا قال القاضي والأصل في الصلّيانة شجرة تأكلها الخيل عند عدم العلف ويقال لأصول الصفيان الدِندِن وأنشد الخليل بن أحمد لحسان (3):
المال يغشى رجالًا لا طَباخَ بهم ... كالسيل يغشى أصول الدِندِن البالي
قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي يقال خنقتُه (4) وقطعته وذعته وذعطته وذرعته قرئت هذه اللفظة على أبي عمر وأنا أسمع وحلقته وزردمته وفطأته وسأبته وسأتُه. قال وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
ولا تزال بَكْرة قطّاره ... يسأتها بحبلها عُماره
قال أبو عمر البكرة التي يستقى (5) عليها مسكنة الكاف لا غير فإذا حركت فهي جمع باكر مثل جاهل وجهلة.
20 (باب السندل) - قال وأخبرنا ثعلب عن عمرو عن أبيه قال السندل (6) جورب الخفّ والخف الجمل (7) المسن والجمل دابة في البحر يقال لها الكُبع (8) طويلة الوجه هائلة من دواب البحر ومنه قول الجارية للجارية تُسابتها يا وجه الكبع والبحر الماء الملح والملح (9) الإِرضاع يقال ملحنا في بني فلان وملحناهم أي
__________
(1) لم أجد المعنى في المعاجم لا معتلًا ولا مهموزًا (فهذا مما زيد على المعاجم).
(2) قطع الرجل الحبل أو بخبل اختنق فالقطع الاختناق وإطلاق الخنق تجوّز بل زيادة.
(3) من معروف شعره راجع ديوانه ليدن (ص 69).
(4) كلمات الخنق توجد كلها في المخصص (6: 115 و 116). زعته عن العين زعتًا وكان في الأصل دعته مصحفًا. وقطعته كأنه يراه متعديًا فهذه مما زيد على المعاجم وذرعته (في الأصل درعته وهو أيضًا بمعنى خنقته) وأبو زيد زرعت له وضعت عنقه بين ذراعي وعضدي فخنقته. وحلفته أصبت حلقه وزردمته وزردبته فارسية أصله أزار دمه بمعنى وجع النفس (وغلط ابن سيده في تفسيره). وفطأته ضربته على ظهره مثل حطأته وقيل هو الضرب في أي عضو كان ومعنى الخنق (هذا مما زيد على المعاجم) وسأبته وسأته خنقته حتى مات.
(5) بالأصل يسقى.
(6) أهمله الجوهري والمجد والصاغاني وهو في اللسان ومستدرك التاج.
(7) كما في المعاجم.
(8) في اللسان والتاج الكُبع جمل البحر وجمل الماء قيل إنّه البجع والحوصل.
(9) انظر الكامل لبسيك ص 284.
(2/265)

أرضعناهم ورضعناهم والإِرضاع (1) الوصال يقال أرضعت الشيء بالشيء إذا واصلته وأنشدنا ثعلب عن عمرو عن أبيه:
وترضع (2) حاجةً بلبان أخرى ... كذاك الحاج ترضع باللبان
21 (باب الدفو) - أخبرنا ثعلب عن ابن نجدة عن أبي زيد قال الدفو (3) غير مهموز القتل والقتل مزج الشراب والمزج (4) العسل والعسل اضطراب القصبة إذا حركت والقصبة النالة (5) والنالة وسط المِجدل والمجدل القصر والقصر المنع يقال قصر جاريته إذا منعها من التبرج فهو قاصر وهي مقصورة وقصيرة وقصورة (6) وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
وأنتِ (7) التي حببت كل قصيرة ... إليّ وما تدري بذاك القصائرُ
عنيتُ قصيرات الحِجال ولم أُرد ... قِصار الخطأ شر النساء البهائر
البهائر القصائر ومثله البحاتر.
22 (باب القطاج) -قال أخبرنا ثعلب عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال القطاج (8) قلس السفينة والقلس (9) ما يخرج من فم الصائم من الطعام والشراب والشراب الخمر والخمر الخير والعرب (10) تقول ما عند فلان خل ولا خمر أي شر ولا خير والخير الخيل ومنه قول الله عَزَّ وَجَلَّ {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ
__________
(1) لم أجد الإرضاع للمواصلة في المعاجم (فهو مما زيد على المعاجم).
(2) البيت في اللسان "لبن" وأرضع الخ عن ابن سيده.
(3) الإجهاز على الجريح.
(4) المعروف بالكسر ويفتح.
(5) النالة وسط القرية وجوفها كالقصبة.
(6) كما في المعاجم.
(7) من معروف شعر كثيّر عزة. والبحترة والبهترة القصيرة. ويروى البحائر.
(8) بالفتح ويكسر.
(9) أي خروج ما يخرج الخ فإنه في الأصل مصدر.
(10) مثل انظره في المستقصى (خطّ) وجمهرة أبي هلال بطبعتيه 193 و 2: و 21.
(2/266)

رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} والخيل (1) الظن والظن (2) القسم قال وأخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال من العرب من يقول أظن أن زيدًا لخارج يعني والله إن زيدًا لخارج وأنشدنا (3) عن سلمة عن الفراء:
أظن لا تنقصني عنا زيارتكم ... حتى يكون بوادينا البساتينُ
23 (باب القطامي) (4) - أخبرنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال القطامي النبيذ والنبيذ (5) الملقوط في الصبيان والملقوط الثوب المرفوُّ والمرفو المسكَن وأنشدنا ثعلب عن الفراء عفي عنه:
رَفوْني وقالوا يا خويلد (6) لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوه همُ همُ
والمسكّن المقوّم من الرماح بالسكن (7) والسكن النار والنار السِمَة قال وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
حتى (8) سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار
الأبال جمع إبل والأوار العطش وأوار الحر شدته وأول (9) ما يستقبلك منه يقول هذه إبل (10) اسم سمتها النار فتقدم شرفه أهلها عند الورد فقد شفي أوارها.
__________
(1) مصدر خاله كذا.
(2) المعروف أنه يأتي بمعنى العلم واليقين. في اللسان والتاج. ومعنى القسم (وهذا مما زيد على المعاجم).
(3) ثعلب.
(4) بالفتح ويضم النبيذ الشديد.
(5) والمنبوذ ولد الزنا الملقى على الطريق كما في التاج.
(6) اسم أبي خراش الهذلي صاحب البيت قال التبريزي رفوني خدعوني وقالوا لا بأس عليك ويقال سكّنوني ذكر قومًا قعدوا له على طريقه وقد عاد من الحج ليقتلوه. تهذيب الألفاظ ص 119 و 581 والخزانة 1: 211 - 213.
(7) محركًا النار وكل ما يسكن إليه وفيه وبه.
(8) كذا في اللسان وفي الكتاب الكامل "لبسيك ص 279" قد سقيت آبالهم.
(9) في الأصل أقل مصحفًا.
(10) لعبارة بحيث ترى قلقة البنية والمغزى واضح أي أن هذه إبل عليها سمة النار لأربابها فعرفوا بها فتقدم شرفهم عند أهل الماء سقي إبلهم الماء عن الورد.
(2/267)

24 (باب القتَع) - قال وأخبرنا ثعلب عن عمرو عن أبيه قال القتع (1) الدود والدود (2) الحصف والحصف (3) إحكام فتل الحبل والحبل العهد والعهد العقد والعقد (4) الجمل القصير القوائم الطويل السنام فإذا (5) مشى مع الجمال قصَر عن طولها وإذا برَك معها طالها لطول سنامه وأنشدنا ثعلب عن عمرو عن أبيه:
أرسلتُ (6) فيها زَجِلًا لُكالِكا ... يقصرُ يمشي ويطول باركًا
قال ثعلب الزَجَل الصوت والزَجِل من الجمال الذي يصيح واللُكالك العظيم الخَلق.
25 (باب القيعم) - قال وأخبرنا ثعلب عن عمرو عن أبيه قال القيعم السنور والسنور السيد قال أبو عمرو الشيباني وأتى أعرابي بعض القبائل فقال مَن سنوركم يا بني فلان قال فزمَّ القوم. فقال رجل منهم أقولها يا بني فلان؟ قالوا قلها أنت لها قال أنا سنورهم أي سيدهم قال أبو عمر قلت لثعلب كيف سموا السيد سنورًا قال لأن عظم حلق الفرس يقال له السنور (7) وهو أعز موضع في الفرس لأنه مستقر رأسه والسيد الرئيس والرئيس الشاة التي عقر (8) رأسها والشاة الثور والثور (9) ظهور الحصبة والحصبة حصاة الجمرة والجمرة الفحمة والفحمة القسورة والقسورة ظلمة أول الليل والأول يوم الأحد قال أبو عمر وأنشدنا أبو موسى الحامض عن ثعلب:
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأولَ أو بأهونَ أو جبارِ
__________
(1) محركة دود حمر تأكل الخشب والواحدة قتعة وقيل هي الأرِضة.
(2) في التاج بشر صغار تقيح ولا تعظم وربما خرجت في مراق البطن أيام الحر هذا معنى الحصَف وليس من معاني الدود في شيء (وهذا مما زيد على المعاجم).
(3) المعروف بهذا المعنى الإحصاف (وهذا مما زيد على المعاجم).
(4) في اللسان والتاج العقد الجمل الموثق الظهر (وهذا مما زيد على المعاجم).
(5) مثل هذا في اللسان (لكلك) عن أبي علي.
(6) في اللسان قطِمًا وهو الجمل الهائج والثاني والرابع:
من الذريحيات جعدًا آركًا، كأنه مجلل دَرانكا، واللكالك الجمل المكتنز اللحم.
(7) كذا في التاج عن ابن الأعرابي. غيره السنورة فقارة العنق من أعلى.
(8) أصيب.
(9) في اللسان والتاج الثور ثوران الحصبة وثارت بفلان ثورًا وثؤرًا وثوارًا وثورانًا انتشرت وحكى اللحياني ثار الرجل ثورًا ظهرت فيه الحصبة وهو مجاز.
(2/268)

أو التالي دُبار فإن أفُته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
قال أبو عمر قال لي أبو موسى (1) قلت لثعلب هذا الشعر موضوع قال لم قلت لأن جبار ومونس وشيار تنصرف فقال الشعر يحتمل ما لا يحتمله الكلام. قال والأول يوم الأحد والأهون يوم الاثنين والجُبار يوم الثلاثاء والدُبار يوم الأربعاء والمؤنس يوم الخميس وعَروبةُ يوم الجمعة وشِيارٌ يوم السبت فأول الأيام الأحد وأول الأسبوع السبت. قال هذا كان عند العرب. قال أبو عمر أخبرني الكديمي عن رجاله عن ابن عباس قال إن الله تعالى خلق الجنة يوم الخميس وسماه مونسًا.
26 (باب البرطنج) - قال وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال البرطنج (2) الحِزام العريض والعريض الجَدْي والجدي النجم والنجم الذي تعرف به الكعبة والكعبة البيت المربع والبيت المرأة وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال:
لم يختر البيت على التغرّب ... ولا اعتناق رحله عن مركب
فهو مُمَرّ كمِقاط (3) القُنَّب
27 (باب القَسْوَرَة) - قال أبو عمر: وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال (4) القسورة ظلمة الليل والليل فرخ الكَرَوان والكروان ضرب من الطير والضرب (5) الرجل بين الرجلين لا طويل ولا قصير والقصير الممنوع يقال قصره قصرًا أي منعهُ منعًا والمنع السرطان وقد مضى ذكره (6) والسرطان داءٌ يعرض في الساق ويجوز (7) بالفتح
__________
(1) رواية أبي موسى عن ثعلب توجد في اللسان (عرب).
(2) فاتت اللسان والتاج والمعرب للجواليقي ولأدّي شير. وذكرها ابن دريد في كتاب السرج واللجام له وهذا لفظه: البَرْطنج حزام يُشدّ فوق السرج اه وهي فارسية أصلها (برتنك) بمعنى الحزام الأعلى (وهذا مما زيد على المعاجم).
(3) الحبل الصغير يكاد يقوم من شدة قتله.
(4) مضى أكثر الباب.
(5) طرفة:
أنا [ا] لسرجل الذي تعرفونه ... [خشاش كرأس الحية المتوقُدِ] (م. ي.)
(6) في الباب الأول.
(7) ظاهره إن لم يكن مصحفًا أنه يجوز بالفتح وإن كان الأصل تحريكه ولم أجده في المعاجم (وهذا مما زيد عليها).
(2/269)

والساق النفس والنفس (1) الدم والدم الطلاء بالقطران والطلاء (2) الخيط وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي فقال:
ما زال مذ فرّق عنه (3) خُلبُه
28 (باب الهُلْج) (4) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الهلج أحلام (5) نائم وأحلام نائم ثياب غلاظ كانت تعمل بالمدينة واحدها ثوب والثوب (6) القلب والقلب العقل والعقل الرقم والرقم الروضة والروضة (7) الماء يبقى في الحوض وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
وروضةٍ سقيتُ منها نضوتي
29 (باب فسوة الضبُع) - أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال فسوة (8) الضبُع شجرة تحمل كالخشخاش حملًا لا يتحصل منه شيء قال أبو عمر الزاهد ويجوز (9) الخشخاش بكسر الخاء والخشخاش (10) الكتيبة والكتيبة الطبية (11) إذا جمعت ظبيتُها
__________
(1) مشددة لغة في الدم المخفف وهذا ليصح قوله والدم الطلاء فإنه مشدد.
(2) في التاج الطلاء الحبل الذي يشد به رجل الطلى وفي اللسان الطلي والطِلْو والطلوة والطَلْي والطُلْية والطِلية.
(3) بالضم الحبل الصغير قال: كالمسد اللدْن أمِرَّ خُلْبه "اللسان".
(4) الباب نقله الحاج خليفة في رسم المداخل.
(5) أي أضغاث الأحلام.
(6) في قول امريءِ القيس: (فسُلْي ثيابي من ثيابك تنسلي) قال النحاس في شرحه ص 19 يعني قلبه من قلبها قال الله عَزَّ وَجَلَّ (وثيابك فطهر) ومثله قول عنترة: (فشككت بالرمح الطويل ثيابه).
(7) قدر ما يغطي أرض الحوض من الماء والشطر في اللسان أيضًا ومثله لهميان السعدي:
(وروضة في الحوض قد سقيتها ... نِضوي وأرض قد أبت طويتها)
(8) هذا قول ابن خالويه كما في اللسان وغيره ضرب من الكمأة. أبو حنيفة: هي القعبل.
(9) هذه مما زيد على المعاجم.
(10) اللسان عن الصحاح الجماعة عليهم سلاح ودروع.
(11) إن لم تكن تصحيف الظبية فإنها كغنية الناقة المشرخية الأطباء والظبية (الثانية) حياؤها (مختصر الوجوه ص 70) وإنما رجحنا الطبية لأن أرباب المعاجم لفظهم في هذا المقام المكتوية الناقة أو البغلة التي شد حياؤها بالكُتبة لئلا ينزى عليها والمذكور في اللسان الكتيب للقربة المشدودة الفم فالكتيبة بالمعني (وهذا مما زيد على المعاجم).
(2/270)

والظبية الجراب والجراب (1) الفتح والفتح النَهر (2) والنِهر الدم المسال والمسال (3) التراب وأنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
أحثو (4) التراب على محاسنه ... وعلى غراوة وجهه النضر
قال الغراوة الحسن وإنما سمي الغَرّي غرّيًا لحسن من فيه. قال أحثُوْ إخبار ليس أمرًا ولو كان أمرًا كان مجزومًا مضموم الألف.
30 (باب الفواس) (5) - وأخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال الفواس (6) تشنيج سعف النخل والسعف (7) جهاز العروس والعروس المعروف (8) أو المرأة وضده المنكر والضد الخلاف والخلاف الكُم يقال جعلته في خلافي أي في وسط كمّي وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
إلا (8) بزعزاع يسلي همي ... يسقط منه فتخشي في كمي
تم الكتاب بفضل الملك الوهاب وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
__________
(1) لم أجده بالمعنى (وهذا مما زيد على المعاجم) وقد مرّ في الباب (إلى 18) أن الجراب بدن البئر أي جوفها.
(2) غيره الماء الجاري في الأنهار.
(3) لا يوجد المعنى فهذه مما زيد على المعاجم.
(4) في الأصل على محاسن وجهه مصحفًا ومختل الوزن والبيت من كلمة من خير شعر العرب أنشدها المفضل لامرأة ترثي ابنًا لها ومطلعها:
يا عمرو ما لي عنك من صبر ... يا عمرو يا أسفي على عمرو
لله يا عمرو وأي فتى ... كفنت يوم وضعت في القبر
أحثو التراب على مفارقه ... وعلى غضارة وجهه النضر
وهي (33) بيتًا انظرها في زهر الآداب الحصري (الرحمانية 2: 106 - 108).
(5) لم أجد المعنى لهذه الكلمة ولا لشيء من مصحفاتها معنى ولم يذكر معظم اللغوين مادة (ف وس) أصلا.
(6) كذا في مختصر الوجوه.
(7) يريد الزوج أي الرجل.
(8) الشطران مصحفان في الأصل وهما من رجز روى ابن طاهر في باب بلاغات النساء من كتاب المنثور والمنظوم (ص 113) عن الكلبي. امرأة يقال لها أم الورد تزوجت برجل فعجز عنها فتقدمت إلى والي اليمامة فقالت له: والله ما يمسكني بضم ولا بتقبيل ولا بشم إلا الخ يطيح منه فتخي في كمي قال =
(2/271)

قال مصحح الكتاب: وهذه زيادات على كبار المعاجم: كاللسان والتاج وغيرهما مرتبةً. وذلك أن هذه المعاجم لم تأخذ حوشي اللغات وشواذّها المروية عن أبي عمر بطريق ابن خالويه وأبي الطيب اللغوي وإسحاق بن محمَّد الآسي صاحب (الوجوه) إلَّا قليلا ولهذا ترى بعضها مدوَّنة في مختصر الوجوه مع أن صاحبه ألغى عويصها بالمرة ولكن لما كان صاحب الوجوه أكثر من النقل عن يواقيت أبي عمر بقي في مختصره أيضًا بعض أشياء.
وهذه الزيادات في صور الكلمات وصيغها تارةً وأخرى في خصوصيات معانيها, ولا ادعي البراءة فربما يكون نظري شذ عن بعض هاتيك المعاجم فحسبته فائتًا وهو موجود، والعصمة لله وحده.
الباب
19 فطأته بمعنى خنقته
9 السِرْب أسنان الجارية
19 الكتيبة الناقة جمع حياؤها وشد بالكُتبة
29 الجِراب الفتح (؟)
11 الإفت اليفنة (؟)
26 البرطنج الحزام العريض
7 الحاجة الشوكة
المقدمة الخُواج بمعنى الجوع
2 الديباج الناقة اللينة المس
,ؤ السرج الحسن
3 السلاح شحم الإبل
3 الخوخة الثوب الأحمر
24 الدود الحصف (؟)
__________
= ففرق بينهما إلى آخر الخبر ولكن في أضداد الجاحظ في باب مساوئ العنين أن هذا الخبر والأشطار في العجاج بزيادة (يطير منه حزني وغمتي). وفي محاضرات الراغب (2: 119 سنة 1326 ه) من غير عزو بزيادة ليس بهذا أمرتني أمي في الأول وفي الآخر لمثل هذا ولدتني أمي.
(2/272)

18 الأرقد والرقد السمّ
8 الرماد الهلاك
16 و 18 الصيد الماء وكل ما يصاب بلا تعب
24 العقد الجمل القصير القوائم الطويل
السنام فإذا مشى مع الجمال قصر من طولها وإذا برك معها طالها لطول سنامه
8 الحُر حي من العرب
8 الحُر الرماد
1 المطر كثرة السواك
1 النفس الماء
30 الفواس (إن لم يكن مصحفًا) تشنيج
سعف النخل
29 الخشخاش (بالكسر)
2 الأبيض عرق في القفا
16 الحوض الحركة
27 السرطان (بالفتح) هذا الداء المعروف
4 الجمع النخل الذي يحمل رطبًا كبير النوى
20 الإرضاع المواصلة
19 قطعته بمعنى خنقته
24 الحصف إحكام فتل الحبل
2 مسرفة الحرير بفتح الراء وكسرها
واحدة السرق
8 الشولقي الطفيلي
1 و 16 الحركة منعُ البحر الصيدَ
3 الفرسكة بالتاء الخوخة
29 المُسال التراب
15 الحرام النملة
3 الشحم البياض
(2/273)

18 البدن الرجل المتماسك في جسمه
8 المِجنَة طبق الخيزران
22 الظن القسم
19 العين خاصة الملك ووليه
9 الحياء فرج المرأة
19 الركية أصل الصليانة
16 العليان الناقة السريعة
16 الفناء هو الثناء لغة
تم ولله الحمد على ذلك سلخ ذي القعدة الحرام سنة 1346 (مايو سنة 1928) بعليكره (الهند) على يد العاجز
عبد العزيز الميمني
الراجكوتي
(2/274)

أبو عمر الزاهد غلام ثعلب الحُفَظة اللغوي المحدث "وكتاب المداخَل له"
نبغ للمسلمين في منتصف القرن الثالث من الهجرة علمان من كبار الأعلام ورحلتان عليهما المعول عند الاختلاف والمفزع في الخلاف. فأخذ طلاب العلوم يهرعون إليهما من كل صُقع وينسلون من كل حدب. وهما حاملًا لواء العربية ببغداد ومنتدى أهلها. وعليهما انتهت رياسة العربية وإليهما كان مرجع علماء المصرين (البصرة والكوفة) في تحقيق المسائل وتقييد الروايات كما قال:
أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعُذْ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
فخرج لهم من جهابذة التلامذة من ملأوا الآفاق وبثوا فيها من كل علم ما رق وراق. وكان القرن الثالث للإِسلام هو الذهبي من جهة استقرار الخلافة وتوطد الإمامة في قراراتها في أنحاء المعمور الشاسعة، ثم أخذ ظلها الوارف يتقلص عن الأطراف وينضوي إلى ما استعطف من مراكز الخلافة غير أن بزور العلم التي نثروها وأشجار الحضارة العربية التي غرسوها لم تكن لتذوي أو تذبل بعد ما سقوها من ينابيع عنايتهم الجارية وفيوضها الهامية المتوالية فنضرت وزهرت لما لم يخطر في الحسبان والظنون وأثمرت وأينعت على هنات هناك وشجون.
فمِمَّن تخرَّج على المبرَّد الزجَّاج وابن السراج وأبو علي الطوماري وأبو بكر بن أبي الأزهر وابن درستويه وأبو علي الصفار وأبو جعفر الصفار.
وممن أخذ عن ثعلب ابن الأنباري وأبو عمر الزاهد غلامه وأبو موسى الحامض كبير أصحابه وإبراهيم الحربي وأبو عبد الله اليزيدي وابن مقسم.
وممن أخذ عنهما أو خلط بين المذهبين أبو حسن الأخفش ثالث الأخافش وأصغرهم ونفطويه وابن كيسان والصولي وابن المعتز.
(2/275)

ثم برع لهؤلاء من التلامذة من فاقوا عليهم وتصدروا للرئاسة وأنافوا وبرزوا وطار لهم دوي في أكناف البسيطة كأبي علي الفارسي والسيرافي والزجاجي وأبي الطيب اللغوي وابن خالويه والرماني وابن فارس والأزهري إلى غيرهم.
ولكن مما لا يستهان به في مثل هذا المقام أن أبا عمر الزاهد مع شهرته لم يطبع إلى الآن شيء من تآليفه الخطيرة التي هي مادة اللغة وينبوعها الصافي ولا عُرف بالبقاءِ منها غير فائت الفصيح عند بعض منتحلي العلم بدهلي وغير العشرات بخزانة برلين وغير هذا الكتاب الذي نحن بصدده مع أن ثلاثة منها غير هذه كانت توجد إلى آخر المائة (11) كما تراه في الثبت.
وهذه النسخة فريدة فيما بلغه علمي وأحاطه نظري توجد بخزانة رامبور (الهند) في 13 صفحة وهي حديثة غير مضبوطة (1) ولا عارية عن الأغلاط بخط وسط ولم يثبت عليها تاريخ نسخها غير أني أقدر نظرًا إلى نوع خطبها وورقها أن تكون كتبت في آخر المائة الثانية عشرة للهجرة نسختها في جلستي الصباح والمساء في بعض أيام شوال سنة 1346 ه (3 أبريل سنة 1928).
وثبت على النسخة ترجمته (بكتاب المداخلات) والمجمع عليه (المداخل) انظر فهرستي النديم وابن خير والوفيات وكشف الظنون وأبا العلاء (2) وما إليه عن الغفران ومعجم الأدباء وغيرها. قال خليفة أنه مختصر في اللغة وعليه (زيادات) وهو أحد وثلاثون بابًا سبعة منها زيادات عليه. قال العاجز الموجود في نسختنا وحاشاها من الخرم الحادث ثلاثون فقط. فلعل خليفة غَلِتَ في الحساب أو يكون أصل نسخة رامبور مقتضبًا.
وهذه الزيادات لم يذكرها أحد ممن ترجم لأبي عمر. نعم ذكروا له عليه كتابًا آخر رسمه عند ابن النديم (حلى المداخل) وعند ياقوت (حل المداخل) وفي الوفيات (علل المداخل). وليس في نسختنا علامة تدلنا على إفراز الزيادات عن الأصل.
ولأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي صاحب مراتب النحويين كتاب في مثل هذا المعنى سماه شجر الدُر ذكر أبو العلاء (2) أنه سلك فيه مسلك أبي عمر في
__________
(1) والذي يظهر لي أن أصلها كان مصححًا.
(2) ص 64.
(2/276)

المداخل ترى فصلًا منه بآخر هذه الطبعة. وهذا النوع يسمى المشجر وهو يسهل على الأبناء حفظ اللغة ويناظره من علم الحديث المسلسل وقد سمى أبو الطاهر محمَّد بن يوسف التميمي (1) صاحب المقامات (2) اللزومية المتوفي سنة 538 كتابه المسلسل في اللغة الذي يوجد منه نسخة عتيقة مكتوبة سنة 565 ه في الخزانة المصرية قال ابن خير وهو في معنى المداخل.
وهذا إسناد الكتاب (3) لابن خير الأشبيلي إلى المؤلف قال: حدثني به الشيخ أبو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر المزحجيّ رحمه الله قال حدثني به الوزير أبو بكر محمَّد بن هشام بن محمَّد المصحفي رحمه الله قال حدثني به أبي رحمه الله وأبو الحسن علي بن محمَّد بن أبي الحسين وأبو بكر محمَّد بن خشخاش وأبو الحسن الزهريّ المفسر قراءة منه عليهم قالوا كلهم حدثنا به أبو سليمان (4) عبد السلام بن السمح قراءة عليه قال قرأته باليمن على أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن بريهة العباسي قال قرأته على أبي عمر المطرز رحمه الله. قال أبو بكر المصحفي قال لي أبي رحمه الله كانت قراءتي له على أبي سليمان بالمدينة الزهراء سنة 379 ه قال أبو بكر المصحفي وأبو سليمان هذا من أهل مورور هواري النسب رحل إلى المشرق وأقام بها مدة طويلة وحج ولقي جماعة من أهل العلم وتقفه وكان حفظه لمذهب الشافعي أغلب عليه فعرف وأحكم قراءة القرآن على القراء وروى كتبًا كثيرة فلما انصرف من المشرق أنزله الحكم بالزهراء ووسَّع عليه فصار زهراويًّا مستوطنًا بها إلى أن مات وفيها قرأ الناس عليه وأخذوا عنه وكان يروي عن المطرز نفس كتبه ما خلا المداخل فإنه لم يدرك قراءته عليه فقرأه باليمن عند انصرافه عن العراق على ابن بريهة من أئمة جامع بغداد. قال الوزير أبو بكر المصحفي كنت أقرأ المداخل على ابن خشخاش وصاعدٌ اللغوي حاضر إذ كان جارنا ببيت بلد (كذا) وكنت أنحط في
__________
(1) ترجم له ابن بشكوال رقم 1175 وابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي رقم 124 وصاحب البغية ص 120.
(2) بقي منها نسخة بدير الاسكوريال ونسختان بجامع اللاله لي بالقسطنطينية وصفتا بالزهراء ص 402 سنة 1345 ه وذكرت المقامات في تكملة ابن الأبار رقم 1722 وتحت 312 من طبعة الجزائر وفي المعجم المذكور تحت 266 والمعاهد 2: 106.
(3) ص 358.
(4) ترجم له ابن الفرضي رقم 588 قال توفي سنة 387 ه.
(2/277)

ذلك الوقت عن القراءة عليه لصغر سنين فكان جدي رحمه الله يشير على ابن خشخاش بأن تكون قراءتي عليه وقت حضور صاعد فربما يردّ عليّ فيما أقرأه ويسبقني إلى قراءة بعضه وكان صاعد قرأ المداخل بمصر على الوزير أبي الفضل (1) جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمَّد بن موسى بن الفرات المعروف (بابن) حِنْزابة عن أبي عمر محمَّد بن عبد الواحد المطرز قراءة عليه ببغداد وكان ابن حنزابة لا يفارق صاعدًا يسامره.
وحدثني به أيضًا إجازةً الشيخ الوزير أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن طريف رحمه الله قال أخبرني به .... أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني قراءة عليه عن أبي بكر فضل .... بن محمَّد بن فضل الكاتب عن أبي سليمان عبد السلام بن السمح الزهراوي الشافعي عن أبي عبد الله الحسن (2) بن أحمد بن بريهة لقيه باليمن عن أبي عمر (الزاهد) رحمه الله.
[....] وحدثني به أيضًا غير واحد من شيوخي رحمهم الله منهم أبو الحسن علي بن عبد الله بن موهب وأبو عبد الله محمَّد بن سليمان النفزي رحمهم الله عن الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري ثم الدلائي قال حدثني به أبو بكر محمَّد بن سعيد بن سختويه الأسفرائني قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن بُندار البارع الضرير باسفرائن سنة 371 ه قال حدثنا أبو عمر محمَّد بن عبد الواحد المطرّز الزاهد المعروف بغلام ثعلب مؤلفه رحمه الله اه.
قال العاجز وأبو عبد الله العباسي هو راوي نسختنا عن أبي عمر جاء ذكره في الباب الثامن عشر.
ترجمة أي عمر 261 - 345 ه: عن فهرست ابن النديم، 76, 77 ونزهة الألباء للكمال ابن الأنباري (345 - 354) ومعجم الأدباء (7: 26 - 30) ووفيات الأعيان سنة 1310 ه (1: 500) و 501) وتذكرة الحفاظ للذهبي (3: 84 - 86) وطبقات الشافعية لابن السبكي (2: 171) ولسان الميزان لابن حجر
__________
(1) وهو الذي أساءَ المتنبيء إليه إذ قال:
بها نبطيّ من أهل السواد ... يُدرّس أنساب أهل الفلا
(2) وفيما تقدم الحسين ولم أقف على ترجمته.
(2/278)

(5: 268) وبغية الوعاة (69) وغيرها.
اسمه ونسبه وبلده: هو أبو عمر محمَّد بن عبد الواحد بن أبي هاشم الباوردي المطرز الزاهد غلام ثعلب. لم يزد أحد من مترجميه شيئًا على هذا وهو بغدادي المنشأ قال النديم وكان ينزل في سكة أبي العنبر وجاء عنده بعد أسطر (منله أبي العنبر) ولم يذكرهما ياقوت في معجمه. وباوَرْدُ الذي نُسب إليه هو بليدة خراسان أبيورد التي منها أبو المظفر الأبيوردي الشاعر وكانت صناعة أبي عمر تطريز الثياب فسمي من أجل ذلك المطرّز وأبو عمرو بالواو والمطرزي بياء النسبة على ما جاء في خزانة البغدادي تصحيفان. ولم يذكره السمعاني في ترجمة المطرز من أنسابه قال ابن خلكان ولكن ذكره في ترجمة غلام ثعلب أقول ولكني لم أجده في طبعة الأنساب لا في غلام ثعلب ولا في الباوردي أيضًا. وأما تسميته بالزاهد فما أدري ما وجهه غير أن أبا بكر بن خير الإِشبيلي روى بسنده إلى أبي ذر الهروي أنه قال أبو عمر المطرز الزاهد زاهد في الدنيا والآخرة ولعله كما قال (1) أبو نصر المغازي وقد شكا إليه أبو العلاء حسد الناس وكذبهم عليه "على ماذا حسدوك فقد تركت لهم الدنيا والآخرة" فقال أبو العلاء والآخرة!!! وجعل يكررها أي أنه نبز أبا عمر وآذاه بالطعن.
شيوخه وتلامذته: صحب أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبًا زمانًا طويلًا وأكثر من النقل عنه ولذلك سمي غلام ثعلب ويظهر من اليواقيت أنه أخذ عن المبرد أيضًا وقال النديم (2) في كتاب الألفاظ لكلثوم بن عمرو العتابي أنه رواه أبو عمر الزاهد عن المبرد قال وهذا طريق. وسمع الحديث من موسى بن سهل الوشاء ومحمد بن يونس الكديمي وأحمد بن عبيد الله النرسي وإبراهيم بن الهيثم البلدي وأحمد بن سعيد الجمال وبشر بن موسى الأسدي وجماعة غيرهم. روى ابن (3) القارح عن شيخه أبي الطيب اللغوي قال: قرأت على أبي عمر الفصيح وإصلاح المنطق حفظًا وقال لي أبو عمر كنت أعلق اللغة عن ثعلب على خزف وأجلس على دجلة أحفظها وأرمي بها. قال الذهبي ولا أعلمُه رحل.
أخذ عنه أبو علي الحاتمي الأديب من علماء حضرة سيف الدولة وصاحب
__________
(1) انظر أبو العلاء وما إليه ص 223.
(2) ص 121.
(3) رسالته سنة 1331 ه ص 211.
(2/279)

الرسالة الموضحة لكشف مساوئ المتنبيء وأبو القاسم ابن برهان (بفتح الباء) وأبو علي القالي وابن خالويه وأبو إسحاق (1) الطبري وهو غلام (2) أبي عمر الزاهد وأبو عبد الله المرزباني صاحب الموشح وأبو الفضل ابن حنزابة المحدّث وزير كافور وأبو عبد الله الحسين (3) بن أحمد بن بريهة العباسي راوي نسختنا من المداخَل عن أبي عمر وأبو سليمان عبد السلام بن المسح الموروري الشافعي راوي تآليف أبي عمر عنه ما خلا المداخل فإنه أخذه عن أبي عبد الله العباسي عن أبي عمر وهو الذي ادخلها الأندلس وأبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي جخجخ صاحب ابن دريد وراوي جمهرته وأبو محمَّد الصفار وأبو محمَّد بن سعد القُطرَبليّ وأبو محمَّد الحجازي (ولعله وهب) وأبو الطيب اللغوي وآخرون وجعفر بن محمَّد بن جعفر الطيالسي صاحب المكاثرة عند المذاكرة وأبو بكر أحمد بن إبراهيم المقرئ الجلاء (؟) وأبو الحسين بن بشران.
وروى عنه أبو الحسن محمَّد بن (4) رزقويه والحاكم وابن منده والقاضي أبو القاسم بن المنذر وأبو الحسين بن بشران وعلي بن أحمد الرزاز وأبو علي بن شاذان وهو آخر من حدث عنه محمَّد (5) بن أحمد بن القاسم المحاملي.
قال الذهبي قرأت على أبي المعالي أحمد بن إسحاق المؤيدي أخبركم ظفر بن سالم ببغداد أخبرنا هبة الله بن أحمد الشبلي سنة 557 أخبرنا أبو الغنائم محمَّد بن علي بن الحسن سنة 478 أخبرنا محمَّد بن أحمد بن القاسم المحاملي سنة 407 أخبرنا أبو عمر الزاهد أخبرنا موسى بن سهل الوشاء أخبرنا إسحاق الأزرق أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يصور عبد صورة إلا قيل له يوم القيامة أحي ما خلقت.
قال الخطيب سمعت غير واحد يحكي أن الأشراف والكتاب وأهل الأدب كانوا
__________
(1) لعله هو الذي سماه ابن خير كما مر أبا إسحاق إبراهيم بن بندار البارع الضرير.
(2) نشوار المحاضرة 144.
(3) من عند ابن خير وجاء عنده أخرى الحسن.
(4) وفي بعض الكتب بتقديم الزاي وفي بعضها رزق.
(5) كذا عند الذهبي وعند ابن السبكي أحمد بن عبد الله المحاملي.
(2/280)

يحضرون عند أبي عمر الزاهد ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها وكان قد جمع جزءًا في فضائل معاوية فكان لا يمكن أحدًا من السماع منه حتى يبتدئ بقراءة ذلك الجزء قال ابن حجر رأيته وفيه أشياء كثيرة موضوعة والأفة فيها عن غيره. ولكن النديم غالى لتشيعه في الطعن عليه فقال "كان نهاية في النصب والميل على علي - عليه السلام - وكان يقول إنه شاعر مع عاميته فمن شعره:
إذا ما الرافض الشاميّ تمت ... معايبه تخثم في يمينه
فأما إن أتاك بسمت وجه ... فإن الرفض باد في جبينه
ويكفيه جهلًا هذا الشعر". أقول: إن جمع فضائل معاوية ليس من النصب في شيء غير أن النديم قد صرح محضه عن زبده وأبدى بما عنده والبيتين اظنهما منحولين لضعف بنيتهما ولأن الرفض والتختم باليمين لم يكونا مخصوصين بالشام وهو الذي عانى المتاعب حتى بعد وفاته كما سيأتي على أيدي روافض الكرخ. وتراه في الباب الأول يسمى عليًّا بأمير المؤمنين وفي الباب التاسع عشر بولي الله وحبيبه. ويأتيك بيت لأبي عمر يدل على أنه وإن لم يكن شاعرًا إلا أنه لم يكن بلغ هذا المبلغ على أن هذه الشكاة كما قيل:
(وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها)
فلأبي عمر أسوة بخيار علماء العربية المنبوزين بذلك قال أبو علي (1) التنوخى أكثر رواة العرب فيما بلغني عنهم إما خوارج وإما شعوبية كأبي عبيدة معمر بن المثني وأبي حاتم سهل السجستاني وفلان وفلان وعدَّد جماعة ومنهم أبو خليفة الجُمحي وياقوت الحموي. وقال ابن حجر بعد أن نقل بعض قول النديم قلت هذا أوضح الأدلة على أن النديم رافضي لأن هذه طريقهم يسمون أهل السنة عامة وأهل الرفض خاصة وقال في ترجمة النديم إنه غير موثوق به ومصنفه المذكور ينادي على من صنفه بالاعتزال والزيغ نسأل الله السلامة ونقل عن تاريخ الإِسلام للذهبي أنه معتزلي شيعي ثم قال لما طالعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي فإنه يسمي أهل السنة الحشوية ويسمي الأشاعرة المجبرة ويسمي كل من لم يكن شيعيًّا عاميًّا ثم ذكر جملة من افتراآته وافتياتاته.
__________
(1) الأدباء (6: 140).
(2/281)

كرمه مع ضيق ذات يده: قالوا إن اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه عن اكتساب الرزق والتحيل له فلم يزل مضيَّقًا عليه يتجرع غصص الحياة النكداء ويلتصق بالدقعاء على نجار كريم وطيب عنصر وخيم. حدّت عباس بن محمَّد الكلواذاني قال سمعت أبا عمر الزاهد يقول ترْك قضاء حقوق الإخوان مذلة وفي قضائها رفعة فاحمدوا الله تعالى على ذلك وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسارّهم تُكافؤوا عليه. وقال تلميذه الحاتميّ اعتللت فتأخرت عن مجلس أبي عمر الزاهد قال فسأل عني لما تراخت الأيام فقيل له إنه كان عليلًا فجاءني من الغد يعودني فاتفق أني كنت قد خرجت من داري إلى الحمام فكتب بخطه على بأبي باسفيداج:
وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يعاد فلا يوجد
قال والبيت له. وقال أبو الحسن المرزباني إنه كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر الزاهد وقتًا بوقت كفايته فقطع بذلك عند مدة لعذر انفذ إليه جملة ما كان في راتبه وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخير ذلك فردَّه وأمر بعض من كان عنده من أصحابه أن يكتب على ظهر رقعته:
أكرمتنا فملكتنا ... وتركتنا فأرحتنا
وايم الله أن هذا لهو الغنى ولكن الذهبي قال إنه وإن كان الأمر كما قال لكنه لم يحسن الرد إذ قد كان تملكه بالإِحسان القديم فما تغير التملك وأما التأخر فجبره المحسن بتكميله وباعتذاره قلت ولكنه انتهز فرصة فكاك الرق فقد أحسن إلى نفسه إذ لم يحسن إلى غيره. قال الخطيب وابن ماسي لا شك أنه إبراهيم بن أيوب والد أبي محمَّد.
سعة حفظه وسيلان ذهنه: بحيث جرّ له تهمة التزيّد والاختلاق وبعض فضائله عده أبو بكر (1) الزبيدي في الطبقة الخامسة من اللغويين الكوفيين. قالوا إنه كان أكثر ما يملي تصانيفه يلقيها بلسانه من غير صحيفة وكان كما قال (2) علي ابن أبي علي عن
__________
(1) مختصر طبقاته المطبوع برومة ص 147.
(2) في النزهة والأدباء أبو علي ابن أبي علي وفي الحفاظ علي بن علي وكله تصحيف وهو القاضي التنوخي الأصغر أبو القاسم علي بن القاضي التنوخي الأوسط أبي علي المحسن (بكسر السين المشددة) ابن القاضي التنوخي الكبير الشاعر أبي القاسم علي. والأوسط هو صاحب النشوار والفرج بعد الشدة والمستجاد راجع تراجمهم وأخبارهم أبو العلاء وما إليه ص 130 - 134.
(2/282)

أبيه ومن الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر الزاهد أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة في اللغة فيما بلغني وكان لسعة حفظه يطعن عليه بعض أهل الأدب ولا يوثقونه في علم اللغة حتى قال عبيد الله ابن أبي الفتح (أو الأزهر كما هو في لسان الميزان) لو طار طائر في الجو لقال أبو عمر الزاهد حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ويذكر في معنى ذلك شيئًا. قال ابن خلكان وكان ينقل غريب اللغة وحوشيها وأكثر ما نقل أبو محمَّد بن السيد البطليوسي في كتاب المثلث عنه وحكى عنه غرائب. وقال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي أنشدنا أبو العباس اليشكري في مجلس أبي عمر محمَّد بن عبد الواحد يمدحه:
أبو عمر يسمو من العلم مرتقى ... يَزِلّ مساميه ويردى مطاوله
فلو أنني أقسمتُ ما كنت حانثًا ... بأن لم ير الراؤون حبرًا يعادله
هو الشخت جسمًا والسمين فضيلةً ... فأعجب بمهزول سمانٍ فضائله
تضمن من دون الجناحين زاخرًا ... تغيب على من لجَّ فيه سواحله
إذا قلتُ شارفنا أواخر علمِه ... تفجَّر حتى قلت هذي أوائله
وقال النديم لسوءِ رأيه في معتقده سمعت جماعة من العلماء يضعّفون حكايته وانتسبوا به إلى التزيد ولا غرو أن صاحبنا كان منبوزًا بذلك فهذا شيخ المعرفة يقول في لزومه:
توَخَّ نقل أبي زيد وكتب أبي ... عمرو وخل كلامًا في أبي عمر
وها أنا ذا أنقل لك ثلاث حكايات في ذلك ثم أجيب عنها. قالوا وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه قد وضعه فيجيب عنه ثم يسأل عنه بعد سنة فيجيب بذلك الجواب ويروي:
(1) إن جماعةً من أهل بغداد اجتازوا على قنطرة الصراة وتذاكروا كذبه فقال بعضهم أنا اصحف له القنطرة وأسأله عنها فننظر ماذا يجيب. فلما صرنا بين يديه قال له أيها الشيخ ما الهرطنق عند العرب فقال كذا وكذا وذكر شيئًا فتضاحك الجماعة وانصرفوا فلما كان بعد شهر أرسلوا إليه شخصًا آخر فسأله عن الهرطنق فقال أليس قد سئلتُ عن هذه المسألة منذ كذا وكذا ثم قال هو كذا وكذا كما أجاب أولًا قال القوم فما ندري من أي الأمرين نعجب: أمن حفظه إن كان علمًا أم من ذكائه إن كان كذبا
(2/283)

فإن كان علمًا فهو اتساع عجيب وإن كان كذبًا فكيف تناول ذكاؤه المسألة وتذكر الوقت بعد أن مر عليه زمان فأجاب بذلك الجواب بعينِه أه.
(2) قال الخطيب وكان معز الدولة قد قلَّد شرطة بغداد غلامًا تركيًّا مملوكًا يعرف بخُواجا فبلغ أبا عمر الزاهد وكان يملي كتاب الياقوتة في اللغة فقال للجماعة في مجلس الإملاء اكتبوا ياقوتة خواجا الخواج في أصل اللغة الجوع ثم فرَّغ على هذا بابًا بابًا وأملاه عليه فاستعظم الناس كذبه وتتبعوه اه.
(3) حكى رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن عمن حدثه أن أبا عمر كان مؤدب ولد القاضي أبي عمر محمَّد بن يوسف فأملى على الغلام نحوًا من ثلاثين مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر وحضر أبو بكر بن دريد وأبو بكر بن الأنباري وأبو بكر ابن مقسم العطار المقرئ عند القاضي فعرض عليهم تلك المسائل فما عرفوا منها شيئًا وأنكروا الشعر فقال لهم القاضي ما تقولون فيها فقال ابن الأنباري أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ولست أقول شيئًا وقال ابن مقسم مثل ذلك واعتذر باشتغاله بالقراآت (وفي بعض الكتب بالقرآن) وقال ابن دريد هذه المسائل من موضوعات أبي عمر ولا أصل لشيء منها في اللغة وانصرفوا. فبلغ ذلك أبا عمر فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة منها ويخرج لها شاهدًا من تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميع المسائل ثم قال وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني فأحضر القاضي الكتاب فوجد البيتين على ظهره كما ذكر أبو عمر وانتهت القصة إلى ابن دريد فلم يذكر أبا عمر بلفظه إلى أن مات اه.
فأنت ترى أنه لم يأخذ أحد على أبي عمر كلمة لم يعرف لها مستندًا من كلام العرب. ولئن كان كذب أبي عمر يروج على مثل هؤلاء الجهابذة فما أكبره إذًا وما أضعف منزلتهم. وقد قالوا إن من حفظ حجة على من لم يحفظ وإن زيادة الثقة مقبولة فلم يبق إلا أمر العجب وحيرة الناس في ذكائه. فأما النديم فقد عرفت ما قاله حافظًا الحديث في شأن تحريه وأمانته وأما جخجخ فإنه وإن كان من تلامذة أبي عمر فإنه من خصيصي أصحاب ابن دريد وهو راوي جمهرته وحامل علمه وكان ابن دريد يطعن
(2/284)

على أبي عمر كما قد عرفت فلعل هذا الداء سرى إليه من شيخه ولعل إعجابه به حمله على تسليم رأيه في معاصر له وقد تقرر عند المحدثين وهم أصحاب هذا الشأن وفرسان هذا الميدان إن المعاصرين والأقران لا يعبأ يقول بعضهم في بعض ولئن جنحنا لذلك لم يسلم لنا أحد ولا أبو بكر بن دريد نفسه فهذا نفطويه وصاحبه أبو منصور (1) الأزهري يرميان أبا بكر بكل سوأة سوآء وحسب أبي عمر بتوثيق (2) أصحاب الحديث له بلا خلاف فقد رووا أن المحدثين كانوا يوثقونه وقال الخطيب البغدادي رأيت جميع شيوخنا يوثقونه ويصدقونه:
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وأما أصل الخواج (3) فقال أبو علي الحاتمي أخرجنا في أمالي (أبي موسى) الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخواج الجوع. ونقل الذهبي عن رئيس الرؤساء قال قد رأيت أشياء كثيرةً على أبي عمر ونسب إلى الكذب فيها مدونة في كتب أئمة العلم وخاصة في غريب المصنف لأبي عبيد أو كما قال. والأصل في ذلك أن رواة الكوفة معروفون بسعة الاطلاع وغزارة المادة ووفرة الرواية وبالتسامح في أمر التحفظ خلافًا للبصريين الذين قلت روايتهم لتثبتهم وعدم مسامحتهم. فقد صدق ما قاله تلميذ أبي عمر أبو القاسم عبد الواحد بن بَرهان الأسدي فيه: "لم يتكلم في اللغة أحد من الأولين والآخرين بأحسن من كلام أبي عمر الزاهد".
وفاته: وُلد بلا خلاف سنة 261 ه وعن ابن رزقويه تلميذه أنه توفي سنة 344 ه قال الخطيب والصحيح أنه توفي يوم الأحد (ودفن يوم الإثنين) لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 345 ه وذلك في خلافة المطيع ودُفن في الصفة التي تقابل قبر معروف الكرخي وبينهما عرض الطريق ولعل سبب إبطائهم بنعشه إلى
__________
(1) قال في مقدمة تهذيبه (أدبا 6: 486 والمزهر 1: 158) وممن ألف الكتب في زماننا فرمى بافتعال العربية وتوليد الألفاظ وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر بن دريد وقد سألت عنه إبراهيم من غرفة يعني نفطويه فلم يعبأ به ولم يوثقه في روايته الخ.
(2) قال ابن جني في الخصائص (المزهر: 2: 262) ولله أبو العباس أحمد بن يحيى وتقدمه في نفوس أصحاب الحديث ثقة وأمانة وعصمة وحصانة وهم عيار هذا الآن وأساس هذا البنيان.
(3) الكلمة أغفلها صاحبا اللسان والتاج فلتستدرك عليهما.
(2/285)

اليوم التالي هو ما نقلنا عن تاريخ ابن الوردي في كتابنا على أبي العلاء (1) عن أبي العلاء أن البغداديين حدثوه بها إنه لما عبرت السُنَّة (أهل السنة) بأبي عمر [الزاهد] في الكرخ وهم شيعة بغداد وحوله التكبير والتهليل قال قائل هذا والله لا كمن دُفنت ليلًا يعني فاطمة عليها السلام فثار أهل الكرخ وقُتل بينهم جماعة وطُرح أبو عمر عن النعش وجرح جراحًا كثيرة.
ثبتُ تأليفه مرتبة على حروف المعجم:
(1) كتاب البيوع.
(2) كتاب التُفاحة.
(3) كتاب تفسير أسماء الشعراء كما عند النديم وفي الأدباء القراء وفي الكشف أسماء الشعراء.
(4) جزء كذا في الكشف (ولعله الذي في فضائل معاوية المار ذكره).
(5) حل المداخل مر ذكره.
(6) كتاب الساعات.
(7) كتاب السريع.
(8) شرح الفصيح.
(9) كتاب الشورى.
(10) كتاب العشرات أحال عليه ياقوت في بلدانه كثيرًا وقد بقى منه نسخة بخزانة برلين انظر فهرستها رقم 7014 وأوله حدثنا ابن خالويه .... هذا كتاب العشرات لأبي عمر الزاهد ألفها للحُصَري (كذا مشكولًا) صاحب أبي عمر القاضي خاصة وكان أبو عمر يعارض بكتبه ويؤلف له فاعتل أبو عمر فأرسل إليه أن أنفذ إلي أجرة شهر فإني عليل الخ وهو في 87 ورقة.
(11) غريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل قال النديم (2) هو للحضرمي (كذا وطبعة الفهرست مصحفة للغاية) ألفه عن أبي عمر الزاهد قال ابن خلكان وكان يستحسنه جدًّا. وذكره ابن الأثير في مقدمة نهايته أيضًا.
__________
(1) ص 148.
(2) ص 88.
(2/286)

(12) فائت الجمهرة والرد على ابن دريد وقف عليه البغدادي وأحال (1) عليه.
(13) فائت العين.
(14) فائت الفصيح جزء لطيف كنت رأيت منه نسخة قبل نحو خمسة أعوام عند من يحتكره وفي فهرست (2) ابن خير حدثني به أبو عبد الله جعفر بن محمَّد بن مكي عن أبي مروان عبد الملك بن سراج (ككتاب) عن أبي القاسم ابن الإفليلي عن أبي عمر بن أبي الحباب عن أبي علي البغدادي عن أبي عمر الزاهد -وهو في كراسة.
(15) فائت المستحسن الآتي.
(16) كتاب القبائل.
(17) كتاب الجرجاني.
(18) الكتاب الحصري (الأدباء الحضري) كتاب على الكلمات عمله للحصري وانحله إياه.
(19) ما أنكره الأعراب على أبي عبيد فيما رواه أو صنفه كذا عند النديم وغيره وفي الأدباء والبغية أبي عبيدة ولعله تصحيف.
(20) كتاب المداخَل هو الذي نعرضه على الأنظار ومر وصفه وذكر زيادات له عليه والحل أيضًا.
(21) كتاب المرجان.
(22) كتاب المستحسن في اللغة ومر فائته.
(23) معجم الشعراء في الكشف فقط.
(24) كتاب المكنون والمكتوم.
(25) كتاب الموشح وفي الوفيات فقط الموضح.
(26) كتاب النوادر لا أدري هل هو كتاب له أو هو نوادر أبي شبل العقيلي الذي قال فيه النديم (3) رأيته بخط عتيق بإصلاح أبي عمر الزاهد.
__________
(1) الخزانية (3: 421).
(2) ص 339.
(3) ص 46.
(2/287)

(27) كتاب اليواقيت أو الياقوتة وقف عليه صاحب (1) الخزانة وقال ابن خير (2) الإِشبيلي حدثني به الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرحمن بن معمر رحمه الله قال حدثني به الوزير أبو بكر محمَّد بن هشام بن محمَّد المصحفي قال حدثني به أبي رحمه الله وأبو الحسن علي بن محمَّد بن أبي الحسين قراءة مني عليهما وقالا معًا قرأناه على أبي سليمان عبد السلام بن السمح الموروري الشافعي قال قرأته ببغداد على أبي عمر محمَّد بن عبد الواحد المطرز الزاهد غلام ثعلب وذلك في شهري ربيع من سنة 334 ه وذكر النديم خبر هذا الكتاب وكيف صح قال قرأت بخط أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي عليه وكان صدوقًا بحاثًا منقرا وكان أبو عمر .... ابتدأ بإملاء هذا الكتاب يوم الخميس لليلة بقيت من المحرم سنة 326 ه في جامع المدينة مدينة أبي جعفر ارتجالًا من غير كتاب ولا دستور فمضى في الإملاء مجلسًا مجلسًا إلى أن انتهى إلى آخره وكتبت ما أملاه مجلسًا ثم رأى الزيادة فيه فزاد في أضعاف ما أملى وارتجل يواقيت أخر واختص بهذه الزيادة أبا محمَّد الصفار لملازمته وتكرير قراءته لهذا الكتاب على أبي عمر فأخذت الزيادة منه. ثم جمع الناس على قراءة أبي إسحاق الطبري له وسمى هذه القراءة الفذلكة فقرأ عليه وسمعه الناس ثم زاد فيه بعد ذلك فجمعت أنا في كتابي الزيادات كلها وبدأت بقراءة الكتاب عليه يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 329 ه إلى أن فرغت منه في شهر ربيع الآخر سنة 331 ه وحضَّرتُ النسخ كلها عند قراءتي نسخة أبي إسحاق الطبري ونسخة أبي محمَّد الصفار ونسخة أبي محمَّد بن سعد القُطْرَبلي ونسخة أبي محمَّد الحجازي وزاد لي في قراءتي عليه أشياء. فتوافقنا في الكتاب كله من أوله إلى آخره ثم ارتجل بعد ذلك يواقيت أخر وزيادات في أضعاف الكتاب واختص بهذه الزيادة أبو محمَّد وهب لملازمته. ثم جمع الناس ووعدهم بعرض أبي إسحاق عليه هذا الكتاب وتكون آخر عرضة يتقرر عليها الكتاب فلا يكون بعدها زيادة وسمى هذه العرضة البحرانية واجتمع الناس يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة 331 ه في منزله بحضرة (منله أبي العنبر) فأملي على الناس ما نسخته:
__________
(1) انظر حوالاته (1: 11: 165 - 2: 525 - 3: 429).
(2) ص 357 - وفي ص 60 إسناد ياقوتة الصراط في غريب القرآن عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم المقرئ عن أبي عمر، وعن أبي الحسين بن بشران عنه. ومن ذلك يظهر انهم كانوا يفرزون هذه الياقوتة بن جملة اليواقيت.
(2/288)

"قال أبو عمر محمَّد بن عبد الواحد هذه العرضة هي التي تفرد بها أبو إسحاق الطبري آخر عرضة أسمعها بعده (بعدها) فمن روى عني في هذه النسخة هذه العرضة حرفًا واحدًا ليس من قولي فهو كذاب عليَّ وهي من الساعة ... إلى الساعة ... من قراءة أبي إسحاق على سائر الناس وأنا أسمعها حرفًا حرفًا". قال أبو الفتح وبدأ بهذه العرضة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة 331 ه اه على طوله.
أقول ولله من قال:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النوى ... كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ
قال العاجز وقفت بخزانة رامبور على نسخة مضبوطة صحيحة من شرح الفصيح تأليف أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحيم الأصفهاني وقد بقيت في ملك الشيخ محمَّد الشيبي فاتح بيت الله الحرام. وثبت على الصفحة الأولى منه فصل من اليواقيت سطا عليه المجلد وهذا نصه وفصه: قال الفرَّاء (1) كلام الفصحاء من العرب أحببته فهو محبوب على غير القياس إلا أن عنترة جاء به على القياس وقال:
ولقد نزلتِ فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
ومن العرب من يقول حببته أحبه ومنهم من يقول إحِبُّه قال وأنشدني أبو ثروان:
إحِبّ لحبها السودانَ حتى ... إحِبّ لحبّها سودَ الكلاب
قال الفراء فكسر الألف وفتح الباء. وسلطان "حتى" أن ترفع وتنصب وتخفض على ما نص .... من الإِعراب تقول من ذلك أكلت السمكة حتى رأسُها وحتى رأسِها وحتى رأسَها قال وأنشدني (2) الكسائي:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعلُه القاها
ونعلَه ونعِله: وسلطانها على الم[ستقبل] .... فتنصبه وترفعه فنصه على بابه (أي بإِضمار أنْ) ورفعه على أن يكون في معنى الماضي. قال وقرأت القراء "وزُلزلوا حتى يقولَ الرسول" و"حتى يقولُ الرسول" أي حتى قال. وسمعت المبرد
__________
(1) حكى مثله الأزهري عن الفراء أيضًا كما في اللسان.
(2) لأبي مروان النحوي وللمتلمس.
(2/289)

يقول وقد سئل عنها فقال إذا رفع .... فمعناه وزلزلوا حتى الرسول قائل. وأنشد (1) ثعلب والمبرد جميعًا:
مطوتُ بهم حتى تكِلُّ مطيتهم ... وحتى الجياد ما تُقاد بارسان
أي حتى كلّت مطيهم. قال الفراء: وأخبرني الكسائي أنه سمع العرب ... سرت حتى أدخُلُها وحتى أدخُلَها وما زلت أسير حتى أدخُلُها وحتى أدخُلَها ولا أزال أسير حتى أدخُلها اه. من كتاب اليواقيت (2) لأبي عمر الزاهد.
(28) كتاب يوم وليلة وتمام اسمه عند البغدادي في خزانته وقد (3) وقف عليه كتاب اليوم والليلة والشهر والسنة والدهر.
عليكرة (الهند):
عبد العزيز الميمني الراجكوتي
__________
(1) لأمريء القيس.
(2) قالوا إنّه أملى في آخر كتابه اليواقيت في اللغة قوله:
لما فرغنا من نظام الجوهرة ... اعورْت العين وفُضَّ الجمهرة
ووقف الفصيح عند القنطرة
يريد بالجوهرة كتاب الياقوتة.
(3) راجع حوالاته في الخزانة (1: 11 - 2: 291 - 3: 483 و 484).
(2/290)

أبواب مختارة من كتاب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الأصبهاني
من النسخة الفريدة بالخزانة الشرقية العمومية
في بانكي بور- بتنه (الهند)
نسخها وعلق عليها ثم أبرزها
عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري
الأستاذ بجامعة كره
القاهرة - 1350
المطبعة السلفية - ومكتبتها
(2/291)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذه أبواب اخترتها من الأبواب التي ألفها أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الأصبهاني رحمه الله.
أعلم أن العرب سَمَّت أشياءَ عرفتْ ما أرادت بها فكثرت اليوم في أفواه الناس وجازت على غير ما قيلت عليه.
فمن ذلك البناء (1): كان الرجل يتزوج المرأة فإذا أرادَ الدخولَ بها بني عليها بيتًا من شَعَر أو صوف أو وَبَر فيقال بني على فلانة بيتًا. فأكثر ذلك في كلامهم حتى صار الرجل يُدْخِل المرأة دارًا قد بُنيت قبلها بزمان فيقال بَنَى عليها.
ومن ذلك المَلة: وهي التراب الذي (2) أوقدت عليه النارُ وما طُرح في النار فهو المليل فكثر ذلك في كلامهم حتى قالوا أكلنا مَلةً، وكيف يؤكل الرماد الحار.
ومن ذلك العقيقة: وهي شعر الصبي الذي يولد وهو عليه. فيقال عقَّ عنه يوم أسبوعه أي حُلقت عنه عقيقته وهي شعر رأسه وهريق عنه دم. فلما صار الذَبح يكون مع الحَلْق قالوا للشاة عقيقة. وأصل العقيقة الشعر الذي يكون على رأس الصبيّ من بطن الله. وكذلك الشعر الذي يكون على الحمار حين يولد يقال له عقيقة وعِقَّة.
قال زُهير:
أذلك أم أقَبُّ البطن جَأبٌ ... عليه من عقيقته عِفاءُ (3)
__________
(1) مثله في اللسان وغيره.
(2) في الأصل التي مصحَّفا.
(3) أذلك الظليم. وأقبّ البطن لاحقه. والجأب الغليظ من الحُمر. والعِفاء الشعر والوَبر. ومثل ما هنا في مقصور ابن ولّاد (مصر ص 79) وفي الديوان بشرح الأعلم شتيم الوجه وهو كريهه. جأب وكان في الأصل جاءت مصحفا.
(2/292)

وقال ابن الرقاع (1):
تحسّرتْ عِقّةٌ عنه فأنسَلَها (2) ... واجتابَ أخرى جديدًا بعد ما ابتَقَلا
ومن ذلك الغانية: وهي المرأة ذات الزوج التي قد استغنت بزوجها عن الرجال (3) وأنشد:
أيامُ ليلى عَروبٌ غير غانية ... وأنت خِلْو من الأحزان والفِكَر (4)
ثم كثر في الكلام حتى صار يقال في النساء كلهن ذوات الأزواج وغيرهنَّ.
ومن ذلك الغائط: وهو المطمئن من الأرض، كان الرجل يقول: حتى آتيَ الغائطَ فأقضِيَ حاجتي، فأكثر ذلك في كلامهم حتى صاروا يقولون ذهب إلى الغائط وذهب يضرب الغائطَ (5).
ومن ذلك العَذِرة: إنما هي فِناء الدار. وكانوا يلقون الرجيع يابسه بافنية الدور فكثر ذلك في كلامهم حتى قالوا للرجيع عَذِرة. قال الحطيئة:
لعمري لقد جربتكم فوجدتكم ... قِباح الوجوه سيِّئِي العذرات
يريد أفنية البيوت (6) أنها ليست بنظيفة.
__________
(1) عديّ يصف عيرا وبعد البيت:
مولع بسواد في أسافله ... منه احتذَى وبلون مثله اكتحلا
فجعل العقيقة الشعر لا الشاة يقول لما تربع وأكل يقول الربيع انسلَ الشعَر المولود معه وأنبت الآخر فاجتَابه أي اكتساه من اللسان.
(2) كان في الأصل عقيقته فانسلها مصحفا.
(3) هو المعروف وهو قول أبي عبيدة. وقيل التي غنيت بجمالها عن الحلى وقيل التي تُطلب (مجهولا) ولا تَطلبُ وقيل التي غنيت بيت أبويها ولم يقع عليها سباء قال ابن سِيده وهذه أغربها وهي عن ابن جني وقيل الشابة العفيفة كان لها زوج أو لم يكن. وابن السكيت عن عُمارةَ الغواني الشواب اللواتي يعجبن الرجال ويعجبهن الشبان وقال ابن شميل كل امرأة غانية. من اللسان. والبيت أنشده ابن بري لنُصَيب مع آخر متقدم:
أيامُ لَيلى كَعاب غير غانية ... وأنت أمرد معروف لك الغزل
(4) كان في الأصل حلو مصحْفا.
(5) ضرب الخلاء وضرب الغائطَ قضى حاجته. اللسان.
(6) كذا في الاشتقاق لابن دريد 315 والفاخر 40 وقال شارح ديوانه السكري العِذِرات (بكسرتين) من الاعتذار ... ويروى العَذِرات وهي الساحة (؟) والأفنية يريد أنهم ضيقو الأعطان ... يريد تضيق أفنينكم عن جيرانكم وضيفانكم فلا تضيفون ولا تجيرون وهذا مثل. وفي تهذيب الإصلاح 2: 26 كما =
(2/293)

ومن ذلك اللطم: وهو الضرب بالكفّ وجهًا أو ظهرًا فأكثر ذلك في كلامهم حتى جعلوا اللطم خاصة للوجه دون سائر الجسد. قال نابغة بني جَعْدة:
كأنَ مَقَط شراسيفه ... إلى طرف القُنْب فالمَنْقَب
لُطمن بُترس شديد الصِفاق ... من خشبِ الجَوْز لم يُثْقَبِ (1)
ومن ذلك أن العرب كانوا إذا فَجِئَتْهُم الغارةُ وهم غارون لم يستعدَوا لذلك لم يلتفت أب إلى ولده ولا أُم إلى ابنها فقيل: غارة لا يُنادى وليدها (2). فكثر ذلك في كلامهم حتى قالوا خَير لا ينادى وليده.
ومن ذلك الجائزة: وهي أن يعطَى الرجلُ الرجلَ ما يُجيزه ليذهب. يقول الرجل لقيم الماء: أجِزْني أي اسقني حتى أجوز وأذهب فأكثر ذلك حتى قيل جائزة السلطان لما وهب. قال الراجز:
يا قَيِّم الماء فدتْك نفسي ... عَجِّلْ جَوازي وأقِل حَبْسي (3)
ومن ذلك المأتم: وهو كل مجتمع نساء في حزن أو فرح وكذلك الجماعة من الرجال. قال الشاعر:
كما ترى حول الأمير المأتَما (4)
ثم كثر حتى خصوا به الموت.
ومن ذلك فرج المرأة: وإنما الفرج ما بين اليدين والرجلين فيقال عفيف البطن
__________
= هنا ثم قال وقال أبو محمَّد الأعرابي (وهو الأسود الغندجاني) أنهم ضيّقو الأعطان تضيق الخ كما عند السكري وأنشد أبو محمَّد بيتًا آخر من الكلمة:
رأيتكمو لم تجبروا عظم هالك ... ولا تنحرون النِيب في الحُجَرات
(1) مقط الشراسيف منقطعها والقُنْب جِراب قضيب الدابة والمنقب كمذبح قدّام السرة وخشب الجوز معروف بالصلابة والبيتان في اللسان (قط، جوز، نقب) والأساس (لطم) وفي طبقات ابن قتيبة ص 160 برواية شديد الصقال. وكان في الأصل القلب وشديد الصناف مصحفين.
(2) كان في الأصل وليده مصحفًا. وهذا مثل معروف راجعه بلفظ: هم في أمر لا الخ في الميداني (الطبعات الثلاث 2: 289، 232، 312) وجمهرة الأمثال 2: 275 بلفظ لا الخ وطبعة بمباي ص 218 والفاخر أمر لا الخ ص 10 وفي ص 215 وقعوا في شيء لا الخ (والتفسير يشبه ما هنا) والكتاب الكامل لبسيك أمر الخ 146 والمستقصى بتفسير طويل (خط) وأمالي المرتضي طعام لا الخ 1: 160 وأمثال أبي عبيد وغيرها.
(3) الشطران يوجدان في الأساس ورواية اللسان يا صاحب.
(4) صدره كما في اللسان: حتى تراهنّ لديه قيَّما.
(2/294)

والفرج أي لا يصير (1) في بطنه ما يأثَم منه. وأما الفرج الذي يذهب إليه الناس اليوم فهو الذكر من الرجل والقُبُل من المرأة. قال امرؤٌ القيس (2):
لها ذَنَب مثل ذيل العروس ... تَسُدُّ به فرَجها من دُبُرْ
وإنما يصف طول ذَنَبها فلو كان إنما يريد ظَبْيَتَهَا لسدَّها أصلُ ذَنَبها.
ومن ذلك الراوية: وهو بعير القوم الذي يستقون عليه الماءَ. وأما الوعاء الذي يُحمل فيه الماء فهو المزادة.
فكثر ذلك في كلامهم حتى قالوا للمزادة راوية. قال أبو النجم:
تَمْشي من الرِدّة مشي الحُفّلِ ... مشي الروايا بالمَزاد الأثقل (3)
ويقال فلان راوية للعلم أي حامل له.
ومن ذلك الأسير: وأصله أن يؤخذ الرجل من العدوَ فيشدَ بالقِدّ (4) فهو أسير في معنى مأسور -ويقال أسر الرجلُ قَتَبَه إذا شد عليه القِد (4) فكأنَ الأسير يُشَد بالقِدّ قال الراجز:
حول قَلوصٍ صَعْبة أسير ... تَدُقّ حَنْوَى قَتَبٍ مأسور
ثم أكثر حتى قالوا لكل مأخوذ أسير وإن لم يُشد ولم يقيَّد.
العرب ربما ذكرت الثوب وإنما يريدون به البدن ويريدون به صاحب الثوب يقولون فِدىً لك ثوباي وفِدىً لك إزاري. قال الشاعر (5):
ألا أبلِغْ أبا حفص رسولًا ... فِدى لك من أخي ثقة إزاري
أي فِدى لك نفسي وما ضمَ إزاري. قال الراعي (6):
__________
(1) في الأصل لا يصر.
(2) من رائيته المعروفة في طبعات ديوانه وغيره.
(3) الجوهري: الردّة امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج عن الأصمعي. والشطران في اللسان والصحاح (زود، ردد) وأضداد الأصمعي 46 وابن السكيت 200 وابن الأنباري مصر 141 والأرجوزة توجد في شرح شواهد المغني 154 والخزانة 1: 401 ويروى المثقل.
(4) كذا في الموضعين. والقيد أيضًا صحيح.
(5) نُفيلة الأكبر الأشجعي من أبيات كلها في اللسان وغيره وانظر لمعنى الإزار السهيلي 1: 276 وكنايات الثعالبي 3.
(6) أبياته بتمامها في الحماسة مع التبريزي مصر 4: 36 وروايته كرواية الكتاب 1: 302 والخزانة 4: 98: =
(2/295)

فقام إليها حبتْرٌ بسِلاحه ... فللهِ ثوبا حبتر أيما فتى
يريد لله ما ضَمَّ ثوبا حَبْتَر. وقال الفرزدق (1):
فِدىً لسيوف من تميم وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
والإِزار: تؤنث في لغة هذيل. ويقال فلان طاهر الثوب أي هو عفيف وإنما المعنى للرجل لا للثوب، قال امرؤٌ القيس:
ثياب بني عوف طَهَارى نقيَّةٌ ... وأوجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرانْ (2)
وكانت العرب تقول لمن وقع في خِزْية أو فضيحة دَنِستْ ثيابه وقد دَنَّسها.
قال (3):
يا رب يشح من لُكيز قَحْمِ ... أوذَمَ حجًّا في ثيابٍ دُسْم
أي حج وهو غادر متدنِّس بالذنوب.
آخرُ من معناه: يقال للرجل إنه لطويل النِجاد إذا كان طويلًا جسيمًا. والنجاد حمائل السيف، قال طفيل:
طويل نجاد السيف ليس بجَيدَرِ (4)
ويقال فلان غمر الرداء إذا كان واسع المعروف وإن كان رداؤه صغيرًا قال الشاعر (5):
__________
= فأومأت إيماء خفيًّا لحبترِ
ولله عينا الخ. وفي اللسان (ثوب) كما هنا وعند الجمحي (ليدن 120) فأومضت إيماضًا الخ.
(1) ديوان جرير 2: 134 والنقائض (ليدن 371) في خبر طويل يدل على أن الرداء في البيت هو الرداء نفسه لا النفس التي اشتمل عليها. وقد شرح البغدادي هذه القطعة في الخزانة (3: 303).
(2) ورواية الديوان عند المشاهد. وغران ساكن النون.
(3) الشطران في اللسان (وذم) وروايته لا همّ إن عامر بن جهم أو ذم الخ وفي كتاب الضرائر 102 رجز يشبهه وهو:
يا رب شيخ من لكيز ذي غنم ... في كفّه زيغ وفي الفمّ فَقَمْ
وأوذم على نفسه حجًّا أو سفرًا أوجبه- وكان في الأصل أودم.
(4) بقصير.
(5) كثير يمدح عبد العزيز بن مروان. انظر القالي الثانية (2: 291 و 3: 5) قال يريد بالرداء ها هنا البدن وتهذيب الإصلاح 1: 4 ويروي جزل العطاء ورقاب الأموال نفسها والأموال الإبل والماشية، واللسان (عمر).
(2/296)

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكًا ... غَلِقَتْ لضَحْكته رِقابُ المال
قال الشاعر:
يا ليت بعلَكِ قد غزا (1) ... متقلدًا سيفًا ورُمْحًا
أراد متقلِّدًا سيفًا وحاملًا رمحًا. وقال آخر (2):
علفتها تبْنًا وماء باردًا ... حتى غدت همّالةً عيناها
أراد علفتها تِبْنًا وسقيتها ماء باردًا. وقال آخر:
كم قد تمشّشتَ من قَصٍ فإنْفَحَةٍ ... جاءت إليك بهنَّ الأضؤُنُ السُوْدُ (3)
والإِنفحة لا تُتَمَشَّش فيريد كم تَمشَشت من قَصّ وأكلتَ من إنفحة أي أنك كثير المال لا تزال الغنم تولد لك فتأكل إنفحةً وتذْبَح فتتمشش قَصًّا. ومثله:
شَراب ألبان وسَمْن وأقِطْ ... قد جَعَل الحِلْسَ على بَكْر عُلَطْ (4)
أراد شراب ألبان وآكل سَمن وأقِط ... وقال الزِبْرقان بن بدر (5):
تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بات له وَفْر
__________
(1) ويروي قد غدا والبيت في الكامل لبسيك (و 18، و 209 , 403) وأمالي المرتضى 4: 170 والأشباه 1: 208 واللسان (زجج) والإنصاف للكمال ابن الأنباري 253.
(2) قال العيني هذا رجز مشهور لم أر أحدًا عزاه إلى راجزه وتمامه حتى شتت همالة الخ. العيني 4: 181 وشرح شواهد المغني 314 واللسان (زجج) والبيت كما هنا يوجد في أمالي المرتضى 4: 170 والإنصاف 253 ونقل بعضهم أن صدره:
لما حططت الرحل عنها واردا ... علفتها الخ
وتكلم عليه البغدادي في خزانته (1: و 49) ونقل عن حاشية نسخة من الصحاح أنه لذي الرمة ولا يوجد في نسخ ديوانه والصدر فقط في الأشباه 1: 208.
(3) التمشش مصّ العظم والمشاش العظم اللين والقَص والقَصَص الصدر والأنفحة عن أبي زيد كرش الجدي والحمل ما لم يأكل فإذا أكل فهو غرض. الأزهري عن الليث الأنفحة لا تكون إلا لذي كرش وهو شيء يستخرج من بطن ذيه أصفر يعصر في صوفة مبتلّة في اللبن فيغلظ كالجُبن. الصحاح واللسان. والبيت الأساس (نفح): جاءت بذاك إليك.
وكان في الأصل حتى بهن إليك مصحفًا.
(4) بلا خطام أو بلا سمة. والصدر فقط في الكامل (لبسيك 189 و 210 و 403) واللسان (زجج) والإنصاف 253.
(5) العيني 4: 171 هو للزبرقان عن كراع ونسبه الجاحظ لخالد بن الصليفان (كذا) وعنده ثاب له وفر كما في الإنصاف 210 و 253.
(2/297)

والعين لا تُجْدَعُ أراد يَجْدَع أنفه ويَفْقَأ عينيه. وقال آخر:
يُعالِجُ عِرْنينًا من الليل باردًا ... تَلُفّ شَمالٌ ثوبَهُ وبُرُوق
أراد تلف شمال ثوبه وتلمع له بروق. وقال آخر (1):
إذا ما الغانيات خرجن يومًا ... وزَجّجن الحواجب والعيونا
أراد وكحلن العيون فإنها لا تُزَجَّج.
قال الراجز:
ولم تَرَىْ إذ جُبّتي من طاقِ ... ولمّتي مثلُ جَناح غاقِ
تخفق عند المَشْي والسِباق (2)
أراد مثل جناح غراب يقول غاقِ غاقِ فسمّاه بصوته وقال آخر:
إذا عُقيل عقدوا الرايات ... ونقع الصارخ بالبَيَات
أبَوْا فما يُعْطَون شيئًا هاتِ (3)
يريد لا يعطون شيئًا لقائل هات. وقال آخر (4):
ألا إنني شُربتُ أسودَ حالكا ... ألا بَجَلِي من الشراب ألا [بَجَلْ]
يعني شُربتْ سُم أسودَ. وقال آخر (5):
إذا حَملتُ بِزّتي على عَدَسْ ... على الذي بين الحمار والفرس
__________
(1) هو الراعي النميري وصدره:
وهِزّةِ نسوة من حيّ صدق ... يزجّجن الخ
وقيل صدره إذا ما الخ، كما هنا وعند الجوهري والإنصاف 253 - وزججن قال ابن بري صوابه يزجِجن -شرح شواهد المغني 263 واللسان (زجج) - ورواية العيني (3: 91): برزن يومًا.
(2) الأشطار في اللسان (عدس) والشطران الأولان في الاقتضاب 395 واللسان (غاق وطوق) وعزاهما إلى رؤبة ولا يوجدان في ديوانه بل في زياداته ص 180 والثالث هناك:
ذا غدوات قلبَ الأخلاق
وذو دغوات لا أثبت على خُلق. والدَّغْوة والدغية العوراء والسَّقْطة والطاق الطيلسان أو هو الأخضر.
وكان في الأصل عند المشي وال. وهذا الثالث يوجد في اللسان أيضًا منسوبًا إلى رؤية مفردًا في (دغوى) ورواية هؤلاء ولو تَرَى على التذكير.
(3) أضداد الأصمعي 54 وابن السكيت 209 وابن الأنباري.
(4) هو طرفة شرح ديوانه للشنقيطي 20 وشرح شواهد المغني 119 وقيل أراد بالشراب كأس المنية أو شرابًا فاسدًا.
(5) قال ابن السِيد لا أعرف قائله. ويروي الثالث: =
(2/298)

عَدَسْ زجر للبغل فسمّاه به. وقال آخر:
تحسب خَزًّا تحته وقَزًا ... أو فُرُشًا محشوَةً إوَزا (1)
أراد ريش إوَزٍّ.
إذا اجتمع للشيء اسمان فإن العرب تأتي بهما جميعًا يؤكدون الأول بالآخر فيجعلونه شبه الصفة له. قال رؤبة (2):
أغدو قرين الفارغ السَبَهْلَل
والسبهلل الفارغ. وقال زهير (3):
تالله ذا قسما لقد علمتْ ... ذيبانُ عام الحَبْس والأصْر
والحبس الأصر. وقال الفَزاري لمزرِّد (4):
فإن الفزاريّ الذي بات فيكم ... غدا عنكم والمرء غرثانُ ساغب
والغرثان والساغب جميعًا الجائع. وقال الحطيئة (5):
ألا حبَّذا هند وأرض بها هند
البيت. وقال لبيد (6):
__________
= فلا أبالي من غزا أو من جلسْ ... و: من غدا ومن جلس
والأشطار الثلاثة في الخزانة للبغدادي (2: 517) من غير عزو عن الجاحظ. وفي الاقتضاب 395 واللسان على التي. والبغل يقع على الذكر والأنثى من الخيل وقيل إن عدَسًا وحَدَسًا كانا رجلين يبيعان البغال على عهد سليمان - عليه السلام - فكان البغل إذا رآهما طار فَرقًا. والبزّة السلاح.
(1) وفي اللسان كأن خزّا ... وفُرشا. وذكر تأويلًا آخر وهو أن يكون أراد الأوزَ بأعيانها.
(2) لم أجده في ديواني رؤبة وأبيه العجاج.
(3) وفي شرح ديوانه من شرح أشعار الستة للأعلم مصر 61:
تالله قد علمت سراة بني ذبيان
(4) في الأصل بمزرد مصحفا. ومزرّد بن ضرار أخر الشماخ معروف بشُحّه وكراهته للضيوف.
(5) ديوانه بشرح السكري 19 ولكن الشاهد في المصراع الثاني وهو:
وهند أتى من دونها النأي والبُعْد
فإن الناي والبعد شيء.
(6) رواية ديوانه صنع الطوسي بني جعفر بأرضهم. وقبله وهو المطلع:
طافت أُسيماءُ بالرحال فقد ... هيج مني خيالها طَرَبًا
(2/299)

إحدى بني جعفر كَلِفْتُ بها ... لم تُمْسِ مني نَوْبًا ولا قَرَبا
والنَوْبُ القَرَب (1). وقال عَبيد (2):
أزعمتَ أنك قد قتل ... تَ سَراتَنا كذِبًا ومَينا
وهما واحد.
وإذا اجتمع للشيء اسمان واختلف لفظاهما فربما أضافوا الأول إلى الآخر.
قال الكميت (3):
وميراث ابن أبجر حين ألقى ... بأصل الضنء ضئضئه الأصيل
والضنء والأصل واحد. ومن ذلك قول الله تعالى {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيرٌ}، وقوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} والدين والحنيفية القيمة (4). ومن ذلك قول الناس مسجد الجامع وإنما هو المسجد الجامع (5). قال أبو ذؤيب (6):
فإِن تك أنثى من معدّ كريمةً ... علينا فقد أُعطيتِ نافلةَ الفَضْلِ
والنافلة هي الفضل. وقال النمر بن تَوْلب:
سقيَّةُ بين أنهار ودُوْر (7) ... وزرعٍ نابت وكُرومِ جَفْنِ
والجَفْنة الأصل من الكَرْم فقال وكروم جفن وهما واحد وإنما جاز ذلك لما اختلف اللفظان. وقال رؤبة:
__________
(1) الثوب ما كان منك مسيرة يوم وليلة وكذا القَرَب. وكان في الأصل في البيت وبعده ثوب محرفًا.
(2) ديوانه ص 27.
(3) هذا البيت لم أقف عليه.
(4) كذا في الأصل والظاهر والدين والقيمة الحنيفية أو ودين الحنيفية القيمة يشير إلى كلمة حُنفَاء المتقدمة في الآية.
(5) النحاة يجعلونه من باب إضافة الموصوف إلى الصفة.
(6) من كلمة في الخزانة 4: 498. وقبله:
ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها ... فقلت بلى لولا ينازعني شغلي
جزيتك ضعف الودّ لما اشتكيته ... وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي
فإنْ ... البيتَ.
(7) من الصاحبي 206 وكان في الأصل أنهار وزون محرفا وفي اللسان (الجفن) أنهار عذاب قال أراد وجفن كروم فقلب والجفن الكرم أضافه إلى نفسه اه أقول لما كانا شيئًا واحدًا فأي حاجة إلى هذا القلب.
(2/300)

إذا استعيرت من جفون الأغمادْ ... فقأن بالصَقْع يرابيعَ الصادْ (1)
والجفون هي الأغماد. وقال خِداش بن زهير:
ويوم تخرج الأرماس فيه ... لأبطال الكُماة به أوَامُ
شهدتم غَمَّه ففرجتموه ... بضرب ما يصيح عليه هام (2)
فأضاف الكماة إلى الأبطال والأبطال هم الكماة وقال أبو ربيعة الطائي:
وخُلقان دِرْسان حوالَيْ عرينه ... ورقص (3) سلاح أو قَنًا متكسِّر
والخُلقان والدِرسان واحد. وقال جرير:
يخرُجْنَ من رَهَج الغبار عوابسا ... بالدارعين كأنهنَّ سَعالى (4)
والرَهَج والغبار واحد.
باب (*)
أعلم أنهم ربما أرادوا أن يجيئُوا بالمعنى فيجيئون.
ببعضه فيستدل به على المعنى. فمن ذلك قول الأعشى:
الواطؤون على صدور نعالهم ... يمشون في الدَفَني والأبرادِ (5)
قال: على صدور نعالهم وهم لا يطؤون على الصدور دون الأعقاب (6)، وإنما أراد أنهم يلبسون النعال ولا يمشون حُفاةً يعني أنهم ملوك وليسوا برِعاء. قال:
__________
(1) الصقع شجّ الرأس والصاد في اللسان (صقع وربع) أراد الصيد فأعلّ على القياس المتروك. واليرابيع دوابّ كالأوزاغ تكون في الرأس. والشطران في الديوان ص 40 وقبلهما:
نَعْصَى بغَرْبَيْ كل نصل قداد
وبعدهما:
نكفي قريشًا من سعى بإفساد
(2) في الأصل يصح والصواب ما كتبنا يريد مزعم العرب أن القتيل إن لم يقد به كان كالهامة تصيح على قبره اسقوني. يعني أن ضربكم مبيد مفن لا يبقى بعده الروح حتى تفسير هامة تصيح.
(3) هذه الكلمة معرفة ولم أهتد لوجه صوابها.
(4) لم أجده في ديوان جرير والذي فيه 2: 73:
إنا لننزل ثغر كل مخوفة ... بالْمُقْربات كأنهن سعالى
(*) هذا الباب يوجد في سر العربية 404 مقتضبا.
(5) الرواية الشائعة الواطئين. والدَفَنى ضرب من الثياب وقيل هي المخططة. والبيت في اللسان (دفن).
(6) كان في الأصل "دون الافعا" وهو محرف عن الأعقاب إن شاء الله.
(2/301)

ويقال جاء فلان على صدر راحلته. قال طُفيل الغنوي (1):
وأطنابه أرسان جُرد كأنها ... صدور القنا من بادئ ومعقب
أراد كأنها القنا في صلابتها وضُمرها. وقال ابن أحمر (2):
أرى ذا شَيبة حمَّال ثِقْل ... وأبيضَ مثلَ صدر السيف بالا (3)
أي حاله مثل صدر السيف. يقول يعتز كأنه سيف وقال حميد بن ثور وذكر أرضَين قطعهما:
قطعتهما بيدَي عَوْهَجِ (4)
وهو لا يمكن[ه] قطعهما باليدين دون الرجلين. وقال لبيد:
تَراك أمكنة إذا لم أرضَها ... أو يرتبِطْ بعض النفوسِ حمامُها
والموت لا ينزل ببعض النفس دون بعض.
باب
هذا باب اتَّسعتْ فيه العرب فجعلوا المفعول به فاعلا والفاعل مفعولًا في اللفظ. وأنشد للحطيئة (5):
فلما خَشِيتُ الهُونَ والعَيرُ مُمْسِكٌ ... على رَغْمِهِ ما أمسك الحبلَ حافرُهُ
__________
(1) الأغاني (الثانية 14: 87) وفيه كأنّه. وضمير أطنابه على كلمة (بيت) في البيت السابق.
(2) لم أجده في مظنة أخرى مع طول الفحص وهو وشرحه مصحف والله أعلم بصوابه.
(3) من قصيدة لابن أحمر مطلعها:
أغدوًا واعدَ الحيّ الزيالا ... لوجه لا يريدُ به بِدالا
والبيت من شواهد سيبويه. وقد ذكر العيني (2: 421) أبياتًا من القصيدة. وتفسيره على ما قال الأصمعي: أي فيهم شيخ حمال ثقل، وهو الذي ينيل ويعطي، وفيهم شابّ مثل صدر السيف بالا - أي حالًا- وهو كالسيف في حاله وبأسه. قال: وفَسر هذا في البيت الثاني فقال:
بهم يسعى المفاخر حين يسعى ... إذا ما عدِّ بأسًا أو نوالًا
البأس للشاب والنوال للشيخ. وكان ابن الأعرابي صحف "بالا" في البيت بلفظ "نالا" انظر التحصيف للعسكري ص 86.
(4) هي الطويلة العنق من النُوق والظباءِ والظلمان.
(5) ديوانه صنع السكري ص 10 وفيه ما أثبت الحبل قال أي ما دام الحمار مقيدا فهو ذليل، وهذا مقلوب أراد ما أثبت الحبل حافرَه. وأنشده قدامة 87 شاهدًا للقلب ويوجد في أضداد ابن الأنباري 86: 112. وانظر مبحث القلب في الصاحبي والمرتضى 1: 155 و 2: 117 وأضداد ابن الأنباري 84 والأشباه 1: 294 وسر العربية سنة 1341 ه 397.
(2/302)

فجعل الفعل للحافر وإنما الحبل يمسك الحافر. وقال الأعشى (1):
ما كنتَ في الحرب العَوانِ مُغمَّرا ... إذ شَبّ حَر وَقودها أجذَالها
فجعل الفعل للوقود وإنما الأجذال [هي] التي تَشُبّ الوقودَ. وقال آخر:
فلا تكسِروا أرماحنا في صدوركم ... فتغشِمكم إن الرماح من الغَشْمِ
يريد أن الغشم من الرماح. وقال الشاعر:
وقد أراني في زمان ألعبُهْ ... في رونق من الشباب أعجِبُهْ
أراد يُعْجِبُني. ويروي أعجَبَهْ أي أعجَب منه (2). وقال آخر:
ياطول ليلى وعادتي (3) سهري ... ما تلتقي مقلتي على شُفُري
أراد ما يلتقي شُفْري على مقلتي. وقال العجاج يذكر السيوف:
يَشْقى (4) بأم الرأس والمطوَّق
وإنما أمَّ الرأس تَشْقى بالسيوف فقلَبَ المعنى. وقال العباس بن مرداس (5):
فديتُ بنفسه نفسي ومالي ... ولا آلوك إلَّا ما أُطيقُ
يريد فديت نفسه بنفسي فقلب المعنى. وقال آخر:
إن سراجًا لكريمٌ مَفخَرُهْ ... تَحْلَى به العينُ إذا ما تَجْهَرُهْ (6)
والعين لا تحلَى به إنما يحلَى بها. وقال الأخطل:
مثلَ القنافذ هَدّاجون قد بلَغتْ ... نجرانَ أو بلغتْ سوآتِهم هَجَرُ
__________
(1) ديوانه طبعة المتقدم ص 17 وقبله (وروايته محرفة):
فلعمر من جعل الشهور علامة ... قَدَرا فَبين نصفها وهلالها
وأضداد ابن الأنباري مصر 84.
(2) ويمكن أن يكون أعْجَبه (مجهولا) أي أعجَب به. من الإعجاب.
(3) كذا في الأصل وهو ظاهر ويمكن أن يكون عادني.
(4) وكان في الأصل تشقى مصحفا. والبيت في ديوانه ص 41 وقبله:
نعْصَى بكل مشرفي مِخْفق ... مطردِ القَدَ رقاقِ الرونق
(5) كذا في أضداد ابن الأنباري مصر 84 وأمالي المرتضى 1: 156. وفي شرح ديوان الحطيئة للسكري 10 ونقد الشعر 87 والموشح 85 وشرح شواهد المغني 328 والأشباه 1: 294 أنه لعروة الصعاليك ولا يوجد في ديوانه. وقبله:
ولو أني شهدت أبا معاذ ... غداة غدا بمهجته يفوق
ويروي أبا سعاد ولعله تصحيف.
(6) الشطران في أمالي المرتضى مصحفان 1: 155.
(2/303)

يريد [أ] وبلغتْ سوآتُهم هَجَرَ (1). وقال النابغة [الجعديّ]:
كانت فريضةَ ما تقول كما ... أن الزناء فريضةُ الرَجْم (2)
يريد كان الرجمُ فريضةَ الزناء.
واعلم أنهم ينقلون لفظ المفعول إلى الفاعل يقول الشاعر:
إن البغيض لَمَنْ يُمَلُّ حديثهُ ... فانشَحْ (3) فؤادَك من حديث الوامق
يريد الموموق. وقال آخر:
لقد عيَّل الأيتامَ طعنةُ ناشرَهُ ... أناشرَ لا زالتْ يمينُك آشره (4)
__________
(1) هَجَر محركا ممنوع الصرف وكان في الأصل هجرا مصحفًا. وبيت الأخطل هذا انظره في ختام رسالة المبرد.
(2) أمالي المرتضى 1: 155 والإنصاف 165. وفي أضداد السجستاني 152 ما أتيتَ وفي سر العربية ذيل فقه اللغة سنة 1341 ه ص 398 أن البيت للفرزدق ولعله وهم.
(3) من نشح بعيره سقاه ماء قليلًا وكان في الأصل فانشخ مصحفًا. وفي أضداد ابن الأنباري 28 والصاحبي 187 فانقع. وفي فانشح حسن ظاهر ثم وجدت في سر العربية (ذيل فقه اللغة سنَة 1341 ه ص 344) أن البيت لجرير، وروايته:
إن البليّة من تَملّ كلامه فانقع ... البيت
وهو في ديوانه 2: 19 على ما كتبته في المتن وحسنته في الحاشية سواء ولله الحمد.
(4) قال التبريزي في تهذيب الإصلاح 1: 67 ما ملخَّصه: أن ناشرة هذا من تغلب وكان مقدمه في بني شيبان وكان رباه همام بن مرّة ووقعت حرب البسوس وناشرة مع همام فلما كان يوم واردات بين بكر وتغلب قاتل همام قتالًا شديدًا وأثخن في تغلب ثم عطش فجاء إلى رحله يستسقي فلما رأى ناشرة غفلته طعنه بحربة فقتله وهرب إلى تغلب فقالت نائحة همام تبكيه. ويجوز أن تكون آشرة بمعنى ذات أشر. وقال مهلهل في قتل همام:
وهمام بن مرة قد تركنا ... عليه القشعمان من النسور
أقول ويشهد ما في الأغاني (الثانية 4: 143) والذي في كتاب حرب البسوس 51 عن محمَّد بن إسحاق أنه ناشرة بن أغواث وأنه كان فارس تغلب وفاتِكها وكانت أمه مولاة لهمام بن مرة وكانت حين وضعته أرادت قتله خشية الضَيعة والعيلْة فأمر لها بلقحة وجمل فكان ناثرة غذيا لهمام حتى صار من فرسان ربيعة المعدودين ودخل بيع قومه تغلب في الحرب ثم إنه خرج همام يوم واردات يسقي الناس اللبن فقتله ناشرة على غِرّة فقالت أم ناشرة:
ألا ضيّع الأيتام .... البيت.
قتلتَ رئيس الناس بعد رئيسهم ... كليب ولم تشكر وإني لشاكره
قال وعظم مُصاب همام في ذهل فحمل عباد اليشكري على ناشرة وقتله فحمل مهلهل على اليشكري فقتله. اه ملخصا والبيت في الخصائص أيضًا 1: 157.
(2/304)

أي مأشورة يعني مقطوعة بالمئشار. ومنه قولهم تطليقة بائنة والمعنى مُبانة من قولك أبنتُها.
ويجعلون الفاعل مصدرًا كقوله تعالى: {لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي بكذب، وكذلك {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} أي لغوًا، وكذلك {فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} أي بطغيانهم وكفرهم، وكذلك قوله {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} أي بقاء.
وقد ينقلون لفظ مُفْعِل إلى فاعل كقوله تعالى: {الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} المعنى مَلاقِحَ لأنها جمع مُلْقِحَة وهي التي تلْقِحُ السحاب. وقال نهشل بن حَرّى (1):
لِيَبْكِ (2) يزيدَ ضارعٌ لخصومه ... ومختبِط مما تُطيح الطوائح
أي مما تُطيح المَطاوح. وقال لبيد [صوابه رؤبة (3)]:
يخْرُجن من أجواز ليل غاض
أي مغْضٍ مُطْرِق. وقال العجاج:
يَكْشِف عن جَفاتِه (4) دَلْوُ الدالْ
أراد المُدْلِي لأنه من أدلى دَلْوَه. وقال النابغة:
كِلِيني لهمّ يا أميمَةَ ناصبِ ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
ناصب أي مُنْصِب من النَصَب. وقال آخر:
__________
(1) هذا هو الصواب، ونسب أيضًا للحارث بن نهيك النهشلي ولضرار النهشلي ولمزرود (؟) وللمهلهل.
وذكر العيني (2: 434) أبياتًا من الكلمة.
(2) ليبك على زنة المعروف والنحاة يحرّفون الرواية ويجعلونه على زنة المجهول كأن أصله ليبكَ بزيدُ فقيل من يبكيه فقال يبكيه ضارع وهو تمحل ظاهر نعاه عليهم ابن قتيبة في طبقاته 33 وانظر الكلام على البيت بغاية الاستيعاب في الخزانة 1: 147، وهو من أبيات الكتاب مصر 1: 185 و 145 وعزاه للحارث بن نهيك ولكن الأعلم نسبه للبيد.
(3) هذا مما زدته في المتن وتحريف رؤبة بلبيد لا يبعد في خطّ النسّاخ - انظر ديوان رؤبة 82 واللسان (غضى، دلو) والاقتضاب 475 وليل غاضٍ مظلم. ويخرجن أي العيس. قال ابن قتيبة غاض بمعنى مغض قال ابن السيد وهذا لا يلزم لأن الأصمعي وغيره حكوا غضا الليل وأغضى اه.
(4) كان في الأصل عن حماته مصحفًا. والشطر في زيادات ديوان العجاج 86 واللسان (دلو). ودلو الدال أي نزع النازع وفي الأزمنة للمرزوقي أيضًا 157: 2 وقال علي بن حمزة قد غلط جماعة من الرواة في تفسيره آخرهم ثعلب وإنما المعنى فيه أنه لما كان المدلي إذا أدلى دلوه عاد فدلاها أي أخرجها ملأى إلى آخر ما قال.
(2/305)

تَنْدَى أكفّهُم بخير فاضل ... إذا سمت (كذا) أكف الخُيّب
أراد أكف المخيِّبين.
أعلم أنهم يعلّقون المعنى من الشيء إلى الشيء هو معه أو فيه (1) كقول الأعشى:
حتى إذا احتدمَتْ وصار ... الجمرُ مثلَ ترابها
يريد صار ترابها مثلَ الجمر مِن الحر. وقال آخر (2):
كأنَّ لونَ أرضِهِ سماؤهُ
يريد كأن لون سمائه من غُبرتها لونُ الأرض. وقال امرؤٌ القيس:
يضيء الفِراشَ وجهُها لضجيعها ... كمباح زيت في قناديل ذُبّال
أراد في ذُبال قناديل والذبال القناديل (3) الواحدَة ذُبالة.
باب
أعلم أن العرب ربما أرادت أن تذكر الشيء من جسد الإنسان فتجمعه بما حوله (4). فمن ذلك:
قولهم: امرأة ضخمة الأوراك، وإنما لها وَرِكان. وامرأة حسنة اللَبّات، يريدون اللَبة وما حولها. قال ذو الرمة (5):
بَرَّاقةُ الجيد واللَبَّات واضحةٌ ... كأنها ظبية أفضى بها لَبَبٌ
ومنه قولهم: ألقاه في لَهَوات الأسد وإنما له لهاة واحدة.
وقولهم: قد شابت مَفارق فلان، وإنما له مَفْرِق واحد. قال الأعشى:
__________
(1) هذه الكلمة غير ظاهرة في الأصل.
(2) هو رؤية انظر ديوانه ص 1 وأمالي المرتضى 1: 155 والأشباه 1: 294. وصدره على ما هو المعروف:
ومهمهٍ مغبرّة أرجاؤه
وفي الديوان والإنصاف 215: وبلد عامية أعماؤه.
(3) كذا وهو قول غريب على أنه لا معنى للقلب إذا كانت الذبال هي القناديل والمعروف أن الذبالة هي الفتيلة التي يُصْبَح بها السراج وبه فسّر بيت امرئ القيس.
(4) التثنية والجمع على إرادة الأطراف ليسا مما يختص بجسد الإنسان بل هما شائعان في أسماء البقاع وانظر البحث عند السهيلي 1: 95 و 125.
(5) انظر القصيدة بآخر جمهرة أشعار العرب وبديوانه ص 3. وأفضى بها صار بها إلى فضاء وهو الخالي من الأرض. واللبب منقطع الرمل ومشرفه.
(2/306)

فإنْ تك لمّتي [يا قَتْلَ (1)] أضحتْ ... كأن على مفارقها ثَغاما
أراد المَفْرِق وما حوله. وقال ابن الرِقاع:
وعلى الزَوْر مَنْبِضُ القلب منه ... وحيازيمُ بينها أستار
وإنما له حيزوم واحد. وقال امرؤٌ القيس يصف الفرس:
يُطير الغُلامَ الخَفَّ عن صَهَوَاته ... ويُلْوي بأثواب العنيف المثقّل
فقال صَهَواته وإنما للفرس صَهْوة واحدة فجمعها بما حولها، والصهوة موضع اللبد.
ومنه قولهم: امرأة بيضاء المعاصم وإنما لها مِعْصَمان قال الأعشى:
وبيضاءِ المعاصم إلْفِ لَهْوٍ ... خلوتُ بشَكْرِها ليلًا تِماما (2)
باب
أعلم أن العرب ربما احتاجت إلى الشيء فتضع غيره مكانه مما يدل عليه.
فمن ذلك قولهم: أتانا فلان حافيًا مشقَقَّ الأظلاف، إذا كان مشققَ القدمين.
وإنما الأظلاف للشاء والبقر فيجعلونه في الناس. وقال رجل من بني سعد (3):
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى مَلِك أظلافُه لم تُشَققِ
ويقال للرجل إنه لغليظ المشافر إذا كان غليظ الشفة وإنما المشافر للإبل فاستعملوها في الناس. قال الفرزدق:
__________
(1) من نسخة ديوان الأعشى بخزانة رامبور وطبعة التقدّم ص 30 وقد أخبرت الأستاذ رودُلْف غَيرَ مصحّح ديوان الأعشى بعثوري على هذه النسخة وفيها من شعر الأعشى زيادة 23 قصيدة على المطبوعة بمصر وقَتْلَ مرخّم قَتْلة. وقَتْلة تغيير قُتيلة التي أكثر من ذكرها الأعشى. والقصيدة آخر كلمة في نسخة رامبور.
(2) الشكر بالفتح والكسر فرج المرأة أو لحمه. والبيت من القصيدة المذكورة.
(3) قيل أن البيت للأخطل وقيل لعقفان بن قيس بن عاصم وبعده:
سواء عليكم شؤمها وهجانُها ... وإن كان فيها واضح اللون يبرق
والشؤم السود من الإبل (اللسان - ظلف). وأنشد القالي البيت في أماليه (الطبعتان 2: 121 و 120) وتكلم عليه أبو عبد الله البكري (ص 183) وعزاه لِعُقْفان كما قال ابن بري وذكر خبر القصيدة ثم قال: وهذه من أقبح الاستعارات وإنما يريد بقوله أظلافه لم تشقق أنه منتعل مترفّه فلم تشقق قدماه. وضميرا المؤنثة يعودان على هجائنه، ويريد بالملك النعمان.
(2/307)

فلو كنتَ ضَبِّيًا عرفتَ قرابتي ... ولكنّ زنجيًّا غليظَ المشافر (1)
ومنه قولهم: فلان لَوَى عِذَاره. وليس للرجل عذار. وإنما العِذار للدابة وأصل ذلك أن يلوي (2) رأسه.
ومنه قولهم: رمى بحبله على غاربه وإنما الغارب للإبِل وهو مقدّم السنَام.
تم الاختيار
من خزانة بانكي بور (بتنه) في المحرم 1346 ه
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات
لما زرتُ خزانة الكتب المشرقية ببانكي بور -التي أسسها المرحوم خُدَابَخْشْ خان المحامي الشهير والقاضي بحيدرآباد- بدء سنة 1346 ه انتسخت منها -فيما انتسختُه- هذه الرسالة ورسالة (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد) لأبي العباس المبرد. ويغلب على ظني أن مؤلف أصل هذه الرسالة هو ابن السكيت. وإن نسخة أصليهما في خزانة بانكي بور بخط واحد دقيق رديء غير مشكول، وربما أغفل كاتبها عن النُقَط اللازمة ولولا هذا التنقيب الذي كابدتُ فيه عناءً لبقي الكتابان كما قال النابغة:
فاستعْجَمتْ دار نعْمٍ ما تُكلّمنا ... والدار لو كلَّمَتْنا ذاتُ أخبار
غير أن الخط يرتقي -كما بدا لي- إلى القرن السادس أو السابع الهجري، وقد بقي -بعد كل ما عُنيت به، خللٌ ليس بهيّن وعذري أنني أعوزتني الوسائل. فسدلًا ذيل أغماضك أيها القاريء إن مرَّ بك قصور أو نقص، فالكمال لله وحده.
عبد العزيز الميمني
بجامعة عليكرة الإِسلامية
__________
(1) كذا رواه عدة من النحاة والصواب غليظًا مشافرُهُ. والكلمة توجد مع خبرها في الأغاني (19: 24) ونقلها في شرح شواهد المغني 239 عن طبقات الجمحي أيضًا ولم أجدها فيها وروايتهما مختلفة عما هنا اختلافا يسيرًا.
(2) وكان في الأصل "أن يكون" مصحفًا.
(2/308)

كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد
تأليف
أبي العباس محمد بن يزيد المبرَّد النحوي
المتوفي سنة 285 ه
عن النسخة الموجودة بخزانة بانكي بور (بتنه- الهند)
باعتناء الأستاذ العلّامة
عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأثري
الأستاذ بجامعة على كَره الإسلامية (الهند)
القاهرة 1350 ه
المطبعة السلفية ومكتبتها
(2/309)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال المبَّرد:
هذه حروف ألّفناها من كتاب الله عزَّ وجلَّ متّفقة الألفاظ مختلفة المعاني متقاربة في القول مختلفة في الخبر على ما يوجد في كلام العرب لأن من كلامهم اختلافَ اللفظين واختلاف المعنيين، واختلافَ اللفظين والمعنى واحدٌ، واتفاقِ اللفظين واختلاف المعنيين.
فأما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فنحو قولك: ذهب، وجاء، وقام، وقعد، ويد، ورجل، وفرس.
وأما اختلاف اللفظين والمعنى واحد فقولك، ظننت وحسبت، وقعدت وجلست، وذراع، وساعد، وأنف، ومَرْسِن.
وأما اتّفاق اللفظين واختلاف المعنيين فنحو: وَجَدت شيئًا إذا أردتَ وجدانَ الضالّة، ووجَدتُ على الرجل من المَوْجِدة، ووجَدتُ زيدًا كريمًا علمت (1). وكذلك ضربت زيدًا، وضربت مثلًا، وضربت في الأرض إذا أبعدتَ. ومن ذلك عين التي يُبْصَر بها. وتقول هذا عين الشيء أي حقيقته، والعين المال الحاضر، والعين عيني الميزان، والعين سحابة تأتي من قِبَل القِبلة، وعين الماء. وهذا كثير جدًّا (2). وقولهم: أمر جلل كقوله:
كلّ شيء ما خلا الله جَلَلْ (3)
__________
(1) في الأصل "وعلمت" مصحفًا.
(2) ولابن فارس قصيدة قافية كل بيت منها عين في معنى من معانيه راجعها في معجم الأدباء 2: 11 وللبهاء ابن السبكي مثلها. ومعانيه ال 47 مذكورة في التاج.
(3) نسب في أضداد الأصمعي 9 وابن الأنباري مصر 3 لِلَبيد، وعندهما ما خلا الموت. والتالي:
"والفتى يسعى ويُلهيه الأمل"
ولكن لا يوجد في ديوانه.
(2/310)

أي صغير. وقال لبيد (1):
وأرى أَرْبَدَ قد فارقني ... ومن الرُزْء كثيرٌ وجَلَلْ
ويكون للتعظيم كقول جميل:
رَسْمِ دار وقفتُ في طللهْ ... كدتُ أقضي الحياة من جلَلِهْ (2)
أي من عِظَمِه في عيني.
ومن ذلك الجَوْن الأسود وهو الأكثر، قال الراجز:
فغَلَّستْ (3) والليلُ جَوْنٌ حالكُ
وقال عمرو بن شأسٍ الأسدي:
وإن عِرارًا إن يكن غير واضح ... فإِني أُحِبُّ الجَوْنَ ذا المَنْكِب العَمَمْ (4)
والجون الأبيض كقول الراجز:
غيّرَ يا بنت الجُنَيد لوني ... كَرُّ الليالي واختلافُ الجَوْنِ (5)
ويروي الحُلَيس. قال: وحدّثني التَّوَّزِيُّ (6) عن الأصمعي قال: عُرضتْ على
__________
(1) من لاميته المعروفة وهي في تتمة ديوانه 17 وأضداد الأصمعي 84 ولكن فيهما "ومن الأرزاء رزء ذو جلل، ومعناه ذو عظم فلا استشهاد للمصنف على هذه الرواية إلا على المعنى الثاني. (ذكر هذا البيت أبو العباس في كامله: المطبوعة المصرية ج 1 ص 42 قال: قال لبيد في الكبير .. ثم ذكره وعجزه هناك "ومن الأرزاء رزء ذو جلل" ولعل الرواية الأولى خطأ من الناسخ على انها بينة التوليد والوهن والثانية رواية الأئمّة.
(2) انظره في أضداد ابن السكيت 168 ومثله عند الأصمعي 10 ولفظه أي من أجله قال الأصمعي من عظمَه في صدري والقولان مقدمًا ومؤخرًا في أضداد السجستاني 84 واستشد به النحاة كصاحب الإنصاف 172 والمغني وابن مالك على إِضمار رب من غير أن يكون ثم واو أو غيرها. والبيت في الأغاني 7: 74 وشرح شواهد المغني 126 والقالي الثانية 1: 246 وفي أضداد ابن الأنباري مصر 76 أن القول بأن من جلله معناه هنا من أجل هو قول الكسائي والفراء.
(3) أي سارت في الغَلَس وكان في الأصل فعلّست مصحفًا.
(4) انظره في الحماسة مع التبريزي مصر 1: 150 والكامل لبسيك 154 والقالي الثانية 2: و 189 والجمحي 46.
(5) في اللسان (جون) أن الأصمعي أنشده والثالث:
وسَفَر كان قليل الأَوْنِ
والأَوْن الرِفق والدعَةَ.
قلت وذلك في أضداده 36 وأنشده السجستاني 92 وابن الأنباري 96 وأبو طالب في الفاخر 104.
(6) كان في الأصل "الثوري" مصحفًا ومثله أي تصحيف التوزي بالثوري يوجد في أمالي المرتضى =
(2/311)

الحجّاج دروع فقال: نَحُّوها فإِن الشمس جَوْنة.
ومن ذلك المُقْوي للقويّ والضعيف. قال الله تعالى (56: 74) {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ} أي الضعفاء تقول العرب أكثِرْ من فلان فإنه مُقْوٍ أي ذو إبل قويَّة.
ومن ذلك الرجاء يكون في معنى الخوف. قال أبو ذُؤيب:
إذا لَسَعَتْه النَحْلُ لم يرجُ لسْعَتها ... وخالفَها في بيتِ نُوْب غوافلُ (1)
وقال الأنصاري (2):
لعمرك ما أرجو إذا مُتُّ مؤمنًا ... على أيّ جنب كان لله مَصْرَعي
وقال المفسرون في قوله تعالى (71: 12) {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} تخافون لله عظمة. وكل من آثَرَ أن يقول ما يحتمل معنيين فواجب عليه أن يضع على ما يقصد له دليلًا لأن الكلام وُضع للفائدة والبيان.
فمما اتفق لفظُه واختلف معناه قوله تعالى (2: 72) {إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا
__________
= 2: 21. والتوزي هو عبد الله بن محمد بن هارون أبو محمد الراوي عن الأصمعي وأبي عبيدة وقرأ عليه المبرَّد. وحكاية الحجاج توجد عند السجستاني ولفظة: قالوا أُتيَ الحجاج بن يوسف بدرع حديد فعرضت عليه في الشمس -وكانت صافية- فجعل لا يرى صفاءها فقال له رجل كان فصيحًا الشمس جونة فقد قهرت لونَ الدرع أراد بيضاء شديدة البريق. وقال بعضهم بل عرضها على الحجاج فقال الحجاج الشمس جونة أي نَحِّها عن الشمس. وفي أضداد ابن السكيت الحكاية الأولى فقط. وانظر أمالي القالي المطبوعة الثانية ج 1 ص 9.
(1) ويروي عوامل وعواسل. والضمير يعود على مشتار النحل. ولم يرج لم يخف والنوب النحل وخالفها ويروى حالفها. والبيت في أضداد الأصمعي 24 والجستاني 81 وابن الأنباري 9 وشرح المفضليات 267 وأضداد ابن السكيت 179 وابن ولاد مصر 45 واللسان (نوب) من كلمة مذكورة في الخزانة 2: 462.
(2) خُبَيب بن عدي انظر السيرة على الروض 2: 170 وطبعة غوطا 643 وروايته:
فولله ما أرجو إذ مُتُّ مسلمًا ... في الله إلخ
قال ابن هشام وبعضِ أهل. العلم بالشعر ينكرها له. قلت ولكن البخاري رحمه الله رواه في صحيحه في المغازي وروايته:
ما إن أبالي حين أُقتل مسلما
وراجعه على فتح الباري 7: 269 سنة 1325 ه وفي أضداد ابن الأنباري أنه لعُبيدة بن الحارث الهاشمي قُتل مع حمزة رضي الله عنه يوم أُحُد.
(2/312)

يَظُنُّونَ} هذا لمن شكّ. ثم قال (1) (2: 46) {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} فهذا يقين لأنهم لو لم يكونوا مستيقنين لكانوا ضُلّالًا شُكّاكًا في توحيد الله تعالى. ومثله في اليقين قول المؤمن (69: 20) {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} أي أيقنتُ. ومثله قوله تعالى (18: 53) {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} أي أيقنوا ومما (2) جاء في كلام العرب في الظنّ الذي هو يقين قول دُريد بن الصِمَّة:
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُقاتِل ... سَراتهمُ في الفارسيّ المسرَّدِ (3)
أي أيقِنوا ولذلك قال بألفي مُقاتِل لأنه خوّفهم لَحاقَ جيش غطفان إيَّاهم. وقوله تعالى (45: 32) {إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا} فهو من الشك. وللنحويين فيه قولان أحدهما أن تكون (إلَّا) في غير موضعها (4) فيكون التقدير إن نحن إلَّا نظنّ ظَنًّا لأن المصدر إذا وقع بعد فعله مستثنىً لم تكن فيه فائدة إلا أن يكون موصوفًا أو زائدًا على ما للفعل. [و] لو قال قائل ما ضربتُ إلَّا ضربًا لم يُفد بقوله ضربًا معنى لم يكن في ضربت فمن قال إلَّا في غير موضعها فهو مثل ليس الطيب إلا المسك مرفوعًا ولا وجه (5) لهذا إلا على تقديم إلَّا ليكون المعنى ليس إلا الطيبُ المسكُ ليتحقق أن أصحّ الأشياء أن
__________
(1) ليست الآية في التلاوة بعد الآية المارة بل قبلها فالتراخي هنا في بيان المبرَّد لا في موقع الآية.
(2) في الأصل فمما مصحفًا.
(3) انظره في أضداد ابن الأنباري 12 من كلمة مذكورة في الحماسة مع التبريزي مصر 2: 156 وجمهرة الأشعار والأغاني 9: 4 ويروي بألفي مدجَّج.
(4) هذا القول نقل في البحر المحيط لأبي حيان 8: 51 وفتح البيان 8: 341 عن المبرَّد كما هنا قال أبو حيان واحتاج إلى هذا التقدير كون المسك مرفوعًا بعد إلَّا وأنت إذا قلت ما كان زيد إلا فاضلًا نصبت فلما وقع بعد إلَّا ما يظهر أنه خبر "ليس" احتاج أن يزحزح إلَّا عن موضعها ويجعل في ليس ضمير الشأن ويرفع إلَّا الطيبُ المسكُ على الابتداء والخبر فيصير كالملفوظ به في نحو ما كان إلَّا زيد قائم ولم يعرف المبرد أنَّ ليس في مثل هذا التركيب عاملتها بنو تميم معاملة ما فلم يُعملوها إلَّا باقية مكانها "وليس" غير عاملة. وليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب في نحو ليس الطيب إلا المسك ولا تميمي إلّا وهو يرفع وفي ذلك حكاية جرت بين عيسى بن عُمر وأبي عمرو بن العلاء ذكرناها فيما كتبناه من علم النحو. ونظير "أن نظن إلَّا ظنّا" قول الأعشى:
وجدَّ به ... إلَّا اغترارًا أي اغترارًا بيّنًا. اه.
أقول: هذه الحكاية مذكورة في أمالي القالي 3: 39 والأشباه 3: 24.
(5) في الأصل "إلا المسك يرفعون لا وجه" وفيه قلق ظاهر أصلحناه إلى ما ترى.
(2/313)

الطيب المسك قال الأعشى (1)
أحَلَّ به الشيبُ أثقالهُ ... وما اغترّه الشيبُ إلا غِرار (2)
وقوم يقولون معناه أن نظن إلا منكم أيها الداعون لنا تظنون أن الذي تدعو (؟) إليه ظنّ منكم (3) وما نحن بمستيقنين أنكم على يقين. وكلا القولين حسن وأكثر التفسير على الأوّل. وقالوا في قوله:
وما اغترّه الشيب إلا غِرارًا
أي إلا لاغتراره ونصبه للمصدر الذي هو مضاف إليه والفعل للشيب كما أن نظن ناصبة للمصدر المضاف إلى ما يخاطبونه.
وقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ} لمعنى واحد: كقولك نظرته وانتظرته، وقدرت عليه واقتدرت عليه، وحفظت واحتفظت، وجرح واجترح من الكسب كقوله تعالى (5: 6) {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} أي الكواسب ويقال فلان جارحُ أهلِه أي كاسبهم، وفلوتُ الفَلُوّ وأفتليتهُ عن أُمِّه. قال الأعشى (4):
مُلْمِعٍ لاعةِ الفؤاد إلى جَحْ ... ش فلاه عنها فبئس الفالي (5)
ويقال رجل هاعٌ لاع وامرأة لاعة إذا كانت مضطرِبةَ الفؤاد على نهاية الهَلَع وإنما وصف بهذا أتانًا، ومثله سرقه واسترقه ومثله (2: 19) {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ} في معنى يختطف.
__________
(1) من كلمة له بعضها في الخزانة 1: 575 و 2: 30.
(2) في الخزانة: أحلّ له الشيب ... إلَّا اغترارًا. وكان في الأصل وحلَّ به ولعله تصحيف. وإلا غِرارًا مصدر من غير لفظ اغترَّة أي مُغارَّة.
(3) المعنى ظاهر وفي العبارة قلق ولعل أصلها "لنا نظن أن الذي تدعوننا إليه الخ" وهذا التخريج ذكره أبو حيان بقوله: وقدّره بعضهم أن نظن إلَّا أنكم تظنون ظنًّا. قال وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام ما ضربت إلا ضربًا فاهتدى إلى هذه القاعدة النحوية وأخطأ في التخريج وهو محكى عن المبرد ولعله لا يصح.
(4) يوجد البيت في الكامل مصر 1: 67 وكتاب مَسائية لأبي زيد 236 واللسان (لوع) من كلمة له معروفة مسرودة في جمهرة الأشعار.
(5) ملمع أتان رافعة ذنبها للفحل تُريد أنها لاقح. وفلاه فطمه والفاطم الحمار المذكور في بيت سابق.
(2/314)

وقوله تعالى (1): (2: 190) {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ} المعنى فاقتصُّوا منه يخرج اللفظ كلفظ ما قبله كقول العرب الجزاء بالجزاء والأول ليس بجزاء. وتقول فعلت بفلان مثل ما فعل بي أي اقتصصتُ منه والأول بدأ ظالمًا والمُكافِئ إنما أخذ حقَّه فالفعلان متساويان والمخرجان متباينان إذ كان الأول ظالمًا والثاني إنما أخذ حقه. ومثله (42: 38) {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} والثانية ليست بسيِّئةٍ تُكتب على صاحبها ولكنها مثلها في المكروه لأن بالثاني يُقتصُّ. ومثله (2: 42) {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} وقال (80: 9) {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} وقال (8: 30) {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} لِما ذكرتُ من أوجُهِ الكلام وإنما مكرهم واستهزاؤهم وسُخرهم معصية لله تعالى وتوثبٌ على أوليائه، ومكر الله واستهزاؤه وسُخره عذاب لهم وتنكيل قال عمرو بن كلثوم (2):
ألا لا يجهلنْ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لم يمتدح بأنه جاهل إنما قصد المكافأة والشرف في قوله: فوق جهل الجاهلينا. وقال الفرزدق:
أحلامنا تَزِنُ الجبال رَزانةً ... وتخالنا جِنًّا إذا لم نجهلِ (3)
[الصواب: إذا ما نجهل].
أي إذا جُهل علينا فكافأنا به لم نعجِزْ عن الجهل.
وأما قوله:
وأنزلني طولُ النوى (4) دار غربة ... إذا شثتُ صاحَبْتُ امرَأً لا أُشاكِلُهْ
__________
(1) هذا باب من أبواب البديع يسمى المشاكلة وقد أكثر العلماء من سرد أمثلته في كتبهم وانظر المرتضى 4: 56 و 170.
(2) هذا البيت معروف في معلّقته ولكن لا يوجد في شرح ابن كيسان نعم يوجد في الجمهرة وهو آخر بيت في معلقته في شرح التبريزي. وقد بحث عن المشاكلة فيه المرتضى 2: 8.
(3) كذا هو هنا مجرورًا والصواب الرفع كما في النقائض 188 وديوان جرير 2: 47 وهذه القصيدة مشهورة طويلة أولها:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطولُ
والرواية إذا ما نَجْهَلُ وقول المصنف لم نعجز الخ يرشد أن ما في المتن تصحيف. وبعض القصيدة في المعاهد 1: 37.
(4) في الأصل دار النوى مصحفًا والتصحيح اتّكالًا على الحفظ.
(2/315)

فحامقتُه حتى يقال سجيَّةٌ ... ولو كنتُ ذا عقل لكنت أُعاقِله
فليس من هذا مخرجه وهذا قاصد إلى مواتاة الأحمق وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من كان له صبيٌّ فليتصَبَّ له (1) " أي فليكلّمه بكلام الصبيان ويفعل معه أفعالهم الناس (؟) بالمقاربة. وقالوا قوله تعالى (6: 9) {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} ذكرنا لأن الرجل إلى مثله أسكنُ وبشكله آنسُ. قال أبو الأسود الدئلي (2).:
إذا قلتُ أنصِفْني ولا تظلمنني ... رمى كُلَّ حقّ أدّعيه بباطل
فباطَلْتُه حتى أرعوى وهْو كارهٌ ... وقد يرعوي ذو الشَغْب يوم التجادُل
وقول الله تعالى عند ذكر الغيث (2: 20) {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} وقال (22: 63) {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} (6: 6) {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيهِمْ (3) مِدْرَارًا} و (56: 69) {أَأَنْتُمْ (4) أَنْزَلْتُمُوهُ} الآية ثم ذكر المطر فقال (15: 74) {وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} و (7: 82) {وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ} الآية. وقال (8: 32) {فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} فلم يذكر المطر إلا عذابًا. فالإِمطار إنزال ولو أُريد به الغيث لصلح. وقد تصلح اللفظة لشيئين فتُستعمل في أحدهما لأنها له كما للآخر فلا نقص في ذلك ولا تقصير، ولو ذُكرت في غيره مما هي له لكان ذلك محلّها. قال جرير (5):
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما يُرجى (6) من المطر
يعني به الذي هو غيث. وقال:
ظعن الخليط وبشّرت في إثْرِهم ... ريح يمانية بيوم ماطر
__________
(1) ورواية ابن عساكر عن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له صبي فليتصابَ له".
(2) من كلمة له في ديوانه صنع السكري رقم (67) ونشر بمجلّة المستشرقين بفينا ج 27 ص 375 - 397 سنة 1913 م وعنوانها قال أبو الأسود لعويمر بن شريك المخزومي في خصومة كانت بينهما. وروايته: رمى كل حق من سواه ... بعد التجادل وهي خمسة أبيات.
(3) في الأصل "عليكم" مصحفًا.
(4) ليس في الأصل همزة الاستفهام.
(5) في سيرة ابن عبد العزيز لابن الجوزي مصر 167 ولا يوجد في ديوانه بل يوجد في ضمن الشذرات الملحقة بآخره 2: 176.
(6) في شرح شواهد المغني 71 روايته ما نرجو.
(2/316)

وقال:
يرجون منك إذا ما الغيث أخلفهم ... سَجْلا وتُمْطِرهم من كفّك الدِيَمُ
[و] هذا كثير في كلامهم كما جاء في ذكر الغيث (50: 9) {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ} الآية. فلم يكن الإنزال مخصوصًا به الغيث دون غيره ولكن يكون له كما يكون لغيره. ألا تراه تعالى لمّا ذكر العذاب فأجراه فيه فقال (2: 56) {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} فهذا ما ذكرنا أن لفظه مشترك فيه معنيان يختص (1) به أحدهما في الموضع. وقوله تعالى عند ذكر السحاب الغيث (كذا) (15: 22) {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} وقال (30: 48) {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} وقال عند ذكر العذاب (69: 6) {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}. وقال (3: 117) {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} الآية. وقال (30: 50) {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا} و (51: 41) [{وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} فليس هذا من (2) قوله تعالى (15: 23) {وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} هذا الذي ذكرنا مما هو للغيث أو العذاب. ولأهل العناية (3) فيه قولان: قال بعضهم: لا تلقح السحاب بريح واحدة ولكن تبدأ ريح وتقابلها أخرى وكذا إن جرت ثلاث من الرياح كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا هبّت الريح: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" (4). وقال هؤلاء قوله الرياح لريحين فأكثر كقوله (4: 11) {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} يعني أخوين فصاعدا وكقوله (38: 20) {تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} ثم أبان عن العدد بقوله {إِنَّ هَذَا أَخِي} وهذا كقول الإنسان إذا كان معه آخر: نحن جعلنا كما يقول إذا كانوا جماعة واحتجوا بقول جميل (5):
سبيحان (كذا) مرفضّا من الماء صاديا ... إذا ما نسيم من نداها عراهما
إذا ما الصبا حارتهما سرباتها (كذا) ... ودانى دُنوّا وارجحنّتْ رحاهما
__________
(1) في الأصل: "ليختصّ".
(2) في الأصل فليس من هذا من الخ.
(3) في الأصل "ولأهل العنا".
(4) رواه ابن ماجه بلفظ "اللهم اجعلها رياحًا اللهم اجعلها رحمة" وانظر الكامل مصر ج 2 ص 58.
(5) لم أجد البيتين في موضع آخر مع طول التنقيب.
(2/317)

وقال آخرون: بل يستقيم أن يقال الرياح لريح واحدة من الرياح الأربع ونَكْباواتها إذا كان يهبّ منها شيء بعد شيء فإن (1) كل جزء منها يسمَّى ريحًا وهذه المتابعة تستنزل الغيث، واحتجّوا بأنها إحدى الأرواح بقول أبي ذؤيب:
مَرَتْه النُعامَى ولم يعترف ... خِلافَ النُعَامَى من الشأم ريحا (2)
وقال آخر يمدح رجلًا:
فتىً خُلِقت أخلاقُه مطمئنّةً ... لها نَفَحاتٌ ريحهن جَنوبُ
يريد أن الغيث إنما تأتي به الجَنوب. واحتجّوا في تسمية كل جزء من الريح بقول العرب: بعيرٌ ذو عثانين جعلوا كل خُصلة عُثنونًا، ويقولون: شابت مَفارقُه يجعلون كل جزء من رأسه مَفْرِقًا. قال جرير (3):
قال العواذل ما لجهلك بعدما ... شاب المفارق واكتسين قتيرا
ولم يرووا أن الاجتياح كان قطّ إلا بريح واحدة. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] قال "نُصرتُ بالصَبا وأُهلكت عاد بالدَبور" (4).
ومما جاء متفق اللفظ مختلف المعنى (55: 39) {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [و] مثله (77: 35) {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} الآية. ثم قال (5) (36: 24) {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} فليس هذا ناقضًا للخبر الأول تعالى عن ذلك. وكان مجاز قوله {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} (6) أي لا يُسأل عن
__________
(1) في الأصل فلان.
(2) البيت في الأزمنة للمرزوقي 2: 77 ومقصور ابن ولّاد مصر 111 واللسان (نعم) والكامل مصر ج 2 ص 56 ويروى فلم يعترف. وهو من كلمة يقولها في عبد الله بن الزبير أورد بعضها ابن قتيبة في طبقاته وابن عساكر في تاريخه. والنعامى الجنوب.
(3) ديوانه 1: 133 وسيبويه 2: 138.
(4) هذا الحديث ثبت في الصحيحين كما قاله ابن كثير في تفسيره بهامش فتح البيان 15: 63 وصاحب كنوز الحقائق.
(5) التراخي في بيان المؤلف لا في مواقع الآيات كما قد سلف لنا التنبيه عليه.
(6) والذي أجاب به الإمام أحمد في الردّ على الجهمية المطبوع بآخر جامع البيان بدهلي سنة 1296 ه ص 31 في باب ما ضلّت فيه الزنادقة من متشابه القرآن بعد أن قرّر دعواهم التناقض بين الآيتين {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} الخ وبين {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال أما تفسير هذا يوم الآية فهذا أول ما تبعث الخلائق على مقدار ستين سنة لا ينطقون ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون ثم =
(2/318)

ذنبه ليُعْلمَ ذلك من قِبَله والدليل عليه قوله (55: 41) {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} وقوله (37: 24) {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} يقول موبَّخون كما يقول المُعَاقِب للمعاقَب ألستَ الفاعلَ كذا أتذكر يوم كذا ما فعلتَ كذا ليس ليُعْلَمَ ذلك من قِبَله ولكن لتوبيخه بما فعل وقد يقال لغير صاحب الذنب احتجاجًا على الذنب وتوبيخًا له: أما قال لك هذا ذنب وذنب، أما تعرف من هذا مثل ما أعرف، أأنت قلت لهذا ما ذكره عنك. على علم السائل أنه لم يَقُل، كقوله تعالى (5: 116) {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} الآية ليوبّخ بذلك من (1) حكاه عنه فمجاز يقع (2) من هذا تقريرًا لا استفهامًا في مدح أو ذمّ مجاز قال جرير (3):
ألستم خيرَ من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطونَ راح وكقول كُثَيِّر:
أليس أبي بالنَضْر أم ليس [والدي] ... لكل نجيب من قُضاعة أزهر (4)
وقال الله تعالى (39: 36) {أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (29: 68) {أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ}.
وقوله (4: 80) {إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} إلى قو [له "قُلْ] قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي يأتي هذا إذا شاء وهذا إذا شاء ثم قال (4: 79) {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} تفضُّلًا {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} أي مجازاةً بما
__________
= يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون فذلك قوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا} الآية فإذا أذن لهم في الكلام فتكلموا واختصموا فذلك قول {ثُمَّ إِنَّكُمْ} الآية عند الحساب وإعطاء المظالم ثم يقال لهم بعد ذلك لا تختصموا لديَّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد يعني في الدنيا فإن العذاب مع هذا القول كائن إلى آخر ما أورده من مثله من الآيات التي أثبتوا فيها التناقض وما أجاب به عنه.
(1) في الأصل ممن.
(2) كذا ولعل صوابه فمجاز ما يقع ... مجاز قول جرير.
(3) ديوانه 1: 36 وشرح شواهد المغني 15.
(4) البيث أنشده سيبويه 1: 485 وروايته أزهرا. وكان بدل والدي في الأصل "الدى" بمحو يسير وهي ثلاثة أبيات في السيرة (1 ص 61 طبع ألمانيا وبهامش الروض 1: 271) وفيها:
أليس أي بالصلت أم ليس إخوتي ... لكل هجان من بني النضر أزهرا
ورَويُّ الأبيات الثلاثة منصوب. وعند أبي ذرّ الخُشي في املائه على السيرة "أم ليس أسرتي". والصلت هو ابن النضر. والبيت في الخزانة (2: 381) وفي الأغاني الثانية (8: 29) أربعة أبيات.
(2/319)

فعلتَ كقوله {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ} ولو كان من الطاعة والمعصية لكان حق الكلام ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيِّئة ومن هذا قوله (19: 83) {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ} الآية وقال (71: 1) {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وقال (23: 44) {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} وقال (37: 181) {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181] فليس لقائل أن يقول من أهل القبلة إن الشياطين دخلوا في هذا الإرسال. ولا أن قوله {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} كقوله {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} ولكن مجاز قوله {أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي خَلَّينا بينهم وبينهم كقول القائل: أرسلت حمارك على زرعي، أي لم تَحْبِسْه فسمى التخلية بالإِرسال كقوله (1):
فأرسلها العِراكَ ولم [يَذُدْها] ... ولم يَشْفِقْ على نَغَص الدِخالِ (2)
هذا لم يرسل الحمير لتعتركَ ولكنّه لم يحبِسها. وكذلك قولهم: أرسلتَ الأمرَ من يديك إنما هو لم تلزمه. وأما قوله تعالى (51: 56) {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [وقوله] (3: 178) {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} مجازه مصيرهم إلى ذا كقوله (28: 8) {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} وهم لا يلتقطون مقدِّرين فيه أن يُعاديهِم ويحزِنهم ولكن تعدس (كذا) (3) فالتقطه آل فرعون فكان مصيره إلى عدوانهم وحزَنَهم ومثله:
ودُوْرُنا لَخراب الدهر نَبْنِيها
أي إلى هذا تصير. ومثل قول ابن الزِبَعْرَى (4):
لا يُبْعِدُ الله ربُّ العبا ... د والمِلْحُ ما ولدت خالده
__________
(1) هو لبيد بن ربيعة انظر ديوانه صنع الطوسي 121 والخزانة 1: 525.
(2) أرسل العير أُتُنَه تعدو إلى الماء دفعة مزدحمة ولم يشفق عليها أن تتنغَّصَ عند الشرب ولم يذدها مخافة الصيّاد أي أنه ليس بِتْرعية. ويروي فأوردها. وهو من أبيات الكتاب 1: 187.
(3) هذه الكلمة مشكوكة في الأصل، ولعلها "تقديره".
(4) الأبيات نقلها السيوطي في شرح شواهد المغني عن هذا الكتاب 195 كما هنا سواء ولكن المبرد أنشد الأول في كامله (لبسيك 284 التقدم 1: 239) من غير عزو إلى أحد بعينه. وفي مقطعات المراثي عن ثعلب عن ابن الأعرابي ص 106 أنها للحارث بن عمرو الفَزاري يرثي بني خالدة كردما وأخوته وهم بنو سعد بن حرام وفي الخزانة 4: 164 عن نوادر ابن الأعرابي أنها لنُهيكة بن الحارث المازني مازن فزارة وهذا عجب من الاختلاف وفي الفاخر 9 أنها لشُتَيم بن خويلد الفزاري وفي الروض 2: 306 من غير عزو. والملحُ في البيت مرفوع وهو الرضاع.
(2/320)

همُ يطعُنون صدورَ الكمُا ... ة والخيل تُطْرَد أو طارده
فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالدة (1)
أي إن هذا مصيرهم.
ومما جاء في القرآن على هيأتين في الاستفهام فوقع مع أحدهما التبيين ولم يقع على (كذا) الآخر على أن يخرج الاستفهام فيهما جميعًا مخرج التقرير والتعظيم قوله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ} {وَمَا يُدْرِيكَ} مما كان من قوله يدريك بغير مبيِّن ما هو في القرآن (2)، وأكثر ما جاء في قوله (101: 10) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - ثم قال- نَارٌ حَامِيَةٌ} وقال (69: 17) (وما أدراك ما يوم الدين - ثم قال - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا} وقال (101: 3) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ} الآية وقال (104: 5) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} {وَمَا أَدْرَاكَ (3)} الآية وقال (74: 27) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} ثم قال في الحاقة (69: 3) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} ولم يقع بعد ذلك تفسير ومجاز هذا عند أهل النظر حذف الخبر لعلم المخاطب يريد تعظيم الأمر كقولك: لو رأيت فلانًا وفي يده السيف. أي لرأيت بارعًا فاستغنى عن ذلك، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استسقى على المنبر فسقي فقال (4): يا أبا طالباهْ لو رأيتَ ابن أخيك إذ تقول:
وأبيضَ (5) يُسْتَسْقى الغمامُ بوجهه
__________
(1) هذا المصراع يوجد في شعر عدّة من الشعراء كعَبيد بن الأبرص (القالي الثانية 3: 195) وراجع الخزانة.
(2) المعنى واضح ولكن العبارة قلقة. يريد أن "ما يدريك" وقع في كلّ الأماكن في القرآن بدون الجواب كما أن "ما أدراك" يتبعه جواب إلا قليلًا.
(3) بياض في الأصل وهاك سائر الآيات التي وقع فيها ما أدراك (77: 14) "وما أدراك ما يوم الفصل" (83: 9) وما أدواك ما سجّين (83: 19) وما أدراك ما عِلِّيُّونَ (86: 2) وما أدراك ما الطارق (90: 12) وما أدراك ما العقبة، (97: 2) {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ}. وكل هذه المظانّ وقع فيها التفسير بعد ما أدراك.
(4) الحديث رواه ابن هشام في السيرة بتغيير يسير بهامش الروض 1: 179 وطبعة ووستنفلد 177. وجواب لو (لَسَرَّه) مذكور هناك.
(5) بالنصب عطفًا على سيّدًا المنصوب في البيت المتقدّم:
وما تركُ قوم لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذِمارَ غيرَ ذَرْب مُواكِل =
(2/321)

ولم يقل لرأيت ما يَسُرُّكَ. وفي القرآن (13: 30) {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى - ثم قال - بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} فخبره عند المفسّرين (لكان هذا القرآن) وكان جوابَ قولهم {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} وعلى حذف الخبر كقول (كذا) الراجز:
لو قد حداهن أبو الجُوْدِيِّ ... برجز مُسْحَنِفْرِ الرويِّ (1)
مُسْتَوياتٍ كنوَىَ البَرْنِيِّ
وقال (2):
إن مَحَلًّا وإن مُرْتَحَلا ... [وإنَّ في السَفْر إذ مَضَوْا مَهَلا]
يريد أن لنا فحذف لعلم السامع. وكل شيء جاء في القرآن {وَمَا يُدْرِيكَ} فغير مشروح خبره. فمن ذلك (33: 66) {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} (80: 3) {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}. وأما قوله (31: 34) {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ} فليس من هذا لأن "ما" ها هنا نافية وما قبله كان استفهامًا.
وفي القرآن مختصرات فإن مجاز كلام للعرب يحذف كثيرًا من الكلام إذا كان فيما يَبْقَى دليل على ما يُلْقى فمن ذلك (12: 82) {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [........] وَالْعِيرَ} لمّا كانت القرية والعير لا يُسألان ولا يجيبان عُلم أن المطلوب غيرهما. ولا يجوز على هذا جاء زيد وأنت تريد غلام زيد لأن المجيء يكون له (3) ولا دليل في مثل هذا على المحذوف. ومثل الأول قوله (2: 172) {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أي ولكن البارَّ (4) من آمن بالله لأن البِّر لا يكون البار. نظيره للنابغة:
وقد خفتُ حتى ما تزيد مخافتي ... على وَعلِ في ذي الفَقارة عاقل (5)
__________
= وتمام البيت: ثِمال اليتامي عصمةً للأرامل
انظر السيرة بهامش الروض 1: 177 وطبعة ووستنفلد 174 والخزانة 1: 257 وقد سردا الكلمة بطولها.
(1) الرجز يوجد في الضرائر 203 من غير عزو. وفي الخزانة: (1713) معزوًّا إلى أبي الجودي الراجز.
(2) الأعشى من قصيدة معروفة توجد في الأغاني الثانية 8: 82 وشرح شواهد المغني. وانظر البيت في الصاحبي 102 والكتاب 1: 284.
(3) يريد أن المجيء يكون للغلام كما أنه يكون لمولاه زيد.
(4) كان في الأصل هنا البرير وفيما يتلوه البارّ. ولكن البرير لم أجده صفة.
(5) يوجد في ديوانه مما أغفله الوزير البطليوسي وروايته في ذي المَطارة وفي نسخة في ذي المُطارة =
(2/322)

أي على مخافة وَعِل. وعلى قول النابغة الجعديّ:
وكَيفَ تواصُلُ من أصبحت ... خِلالتُه كأبي مَرْحَب (1)
وقال آخر:
كأن عذيرهمْ بجُنوب سِلَّى ... نَعامٌ قاف في بلد قِفار (2)
أي عذيرُ نعام (كان المبرَّد ينشد سَلَّى وسِلَّى بالفتح والكسر وهو موضع) (3).
ومن المختصر في القرآن قوله تعالى (2: 171) {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} معناه أن الذين كفروا يتشبّهون بالمنعوق به وهي الشاء
__________
= (بالضم) قال ياقوت هو جبل قال الأصمعي يقول قد خفت حتى ما تزيد مخافة الوعل على مخافتي فلم يمكنه فقلب وروايته من ذي مَطارة وعند البكري بذي المطارة قال ويروى بالفتح والضم. وقد رأيت لابن الأعرابي أنه يعني بذي المُطارة بضم الميم ناقته المطارة الفؤاد من النشاط ويعني بذي ما عليها من الرحل والأداة. يقول كأني على رحل هذه الناقة وعلٌ عاقل من الخوف والفرق. ورواه في رسم ذي الفقارة كما أثبته في المتن وقال أنه جبل، ثم أنشد البيت. ولكن ياقوت لم يذكر ذا الفقارة. وكان في الأصل في ذي القفارة بتقديم القاف مصحفًا.
(1) الخلالة الخُلة وقبله:
أدوم على العهد ما دام لي ... إذا كذبت خُلّة المِخْلَب
وبعض الأخلّاء عن البلا ... ء والرزء أروغ من ثعلب
وكيف .. الخ.
فهذا صريح أن تواصل ها هنا مصدر وما أكثر من ضبطه على صيغة المخاطب. ويروي تصادق. انظر أمالي القالي الثانية 1: 192 وأمالي المرتضى 1: 144 والإنصاف 33 واللسان خل.
(2) صحفه في اللسان (قوق) بغديرهم. والعذير الحار أراد عذير نعام في الفرار. والبيت ينسب للنابغة (أقول ولعله غير الذبياني فإني لم أجده في جميع نسخ ديوانه المعروفة). ونسبه أبو النَدَى لشقيق بن جَزء بن رَباح الباهلي. وقاق النعام صوّت من ق وق وانظر البيت في الكامل لبسيك 635 مصحفًا كما في اللسان وياقوت. ثم رأيته في اللسان على الصواب في (سلل) وهو يوجد في الإنصاف 33 وابن ولّاد مصر 56 ثم رأيت في الكتاب مصر 1: 109 أنه للجعديّ وكذا هو في شرح شواهد الأعلم.
(3) هذا من زيادة راوي هذا الكتاب عن أبي العباس كما هو الظاهر. وقد وقع سلّى وسِلَّبْرَى أو سِلَّيِرَى في الكامل في عدّة مواضع 641 - 633 قال ياقوت هو بالكسر ماء لضبّة باليمامة وقال الأخفش الصغير فيما كتبه على الكامل 633: سَلّى وَسلَّيرَى بالفتح فيهما موضعان بالأهواز وسِلَّى بالكسر موضع بالبادية وهكذا ينشد هذا البيت: كأنه غديرهم (مصحفًا) البيت. أقول الذي يظهر من جمع ما عند الأخفش والبكري وياقوت وابن منهظور أنهما موضعان بالبادية والحاقول (الذي كان به وقعة المهلّب والأزارقة) وضبطهما مختلف فيه والعجب أن سُلّى يوجد عند ياقوت مضمومًا أيضًا.
(2/323)

وأنتم كمن ينعق بها، فتأويل الكلام مثل الذين كفروا ومثلكم (1) أو مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق بما لا يسمع إلَّا دعاءً ونداءً فاختصر وحذف كقول النابغة الذيباني:
كأنك من جِمال بني أُقَيش ... يقعقَع خلف رجليه بشَن (2)
فقال خلف رجليه ولم يذكر أوّلًا ما ترجع الهاء إليه ولكنه دلّ عليه بقوله [من جمال بني أُقيش] فكأنه قال كأنك جمل.
ومثله في الحذف والاختصار "ما من أيّام أحبّ إلى الله تعالى فيها الصوم من عشر ذي الحِجّة (3) " وما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه [في عين زيد] وما رأيت رجلًا أحبّ إليه الشرّ منه إلى زيد. وقال الشاعر (4):
مررتُ على وادي السِباع ولا أرَى ... كوادي السباع حين يُظلم واديًا
أقلَّ به ركبٌ أتَوْه تَئِيَّةً ... وأخوَفَ إلَّا ما وَقَى الله ساريا
يريد أقلَّ ركب أتوه تئيةً منهم به ولكن اختصر وحذف.
ومما جاء في القرآن من المختصرات قوله تعالى (4: 159) {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} أي أحد وكذلك (2: 234) {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} والمعنى أزواجهم يتربصن بأنفسهن فهذا كثير منه قول الشاعر (5):
وما الدهر إلَّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى ابتغى العيش أكْدَحُ (6)
__________
(1) في الأصل تصحيف وهو زيادة "الذين كفروا" بين كلمتي (ومثلكم) و (أو مثلكم).
(2) يوجد في طبعات ديوانه وفي غيرها وفي الكتاب 1: 375 قال: أي كأنك جمل من جمال بني أُقيش.
(3) لفظ الحديث عند البخاري وأبي داود وأحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من أيام العملُ الصالح فيها أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من هذه الأيام يعني أيام العشر الحديث ولفظه عند أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحبّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر الحديث وعند الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة "ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يُتعبَّد له فيها من عشر ذي الحجة" الحديث وهو الأوفق ألفاظًا بما هنا.
(4) سُحيم بن وَثيل الرِياحي الخزانة 3: 521 وأنشدهما ياقوت موهمًا أنهما للسفّاح بن بُكير. وهما في الكتاب 233: 1.
(5) تميم بن أُبَيّ بن مقبل.
(6) البيت من شواهد الكتاب 1: 376 والخزانة 2: 309 أي فمنهما تارة أموت فيها الخ وورد في اللآليء =
(2/324)

ومن كلامهم: ما منهما مات حتى رأيتُه.
ومما في القرآن مما يجيء مثله في كلام العرب من التحويل كقوله (28: 76) {وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} وإنما العُصبة تنوء بالمفاتح، ومن كلام العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزتها. ويقولون: أدخلت القَلَنْسُوَة في رأسي، وأدخلت الخُفَّ في رِجلي. وإنما يكون مثل هذا فيما لا يكون فيه لَبْس ولا إشكال و [لا وَ] هْمٌ. ولا يجوز ضربت زيدًا وأنت تريد غلام زيد (1) على حكم قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ومثل قوله تعالى {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} من كلام العرب قول الأخطل:
أمّا كُلَيبُ بن يربوع فليس لها ... عند التفاخر إيراد ولا صَدَرُ
مخلّفون ويقضي الناسُ أمرَهُم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
مثلَ القنافذ هدّاجون قد بَلَغتْ ... نجرانَ أو بَلَغَتْ سَوْآتِهم هَجَرُ
كذا رواه أبو عبيدة (2) وغيره ممن أخذنا عنه.
تمّ الكتاب، بعون الملك الوهاب
نسخه العاجز عبد العزيز الميمني
من خزانة بانكي بور (بتنه) في المحرَّم سنة 1346 ه
خاتمة
الحمد لله رب العالمين
وبعد فإن هذه الرسالة الطريفة للإمام أبي العباس المبرَّد قد عُني بتصحيحها وضبطها وشرحها العلّامة المحقق الأستاذ الشيخ عبد العزيز الميمني أستاذ الآداب
__________
= ص 191 (ونسب في ص 51 منه إلى العجير السلولي) وغير البيت عند العيني (2: 85).
(1) مرّ له هذا المنع فيما تقدّم في صفحة 322.
(2) يريد ما يروى من حُدّثتْ وبُلّغتْ مجهولًا مشددًا كما في الديوان رواية ابن الأعرابي ص 109 و 110 وفيه عند التفارط وهو التقدم في طلب الماء وفيه بين البيتين الثاني والثالث يتخلل ثلاثة أبيات أخرى. ثم قوله علي العِيارات هذاجون: البيت. قال العيارات جمع عير وهو الحمار والهدج السير الضعيف وهَجَرُ أي أهل هجر. ويوجد البيت في الخزانة 4: 58 واللسان 7: 48 والتاج 3: 336 والجوهري 1: 402 والكامل 209 والمخصص 8: 94 والمغني وشرح شواهده 328 وأمالي المرتضى 2: 116 برواية على العيارات الخ وقوله هداجون يشير به إلى أنهم يتلصّصون.
(2/325)

العربية في الجامعة الإِسلامية بمدينة عليكَره (الهند)، وقد عثر عليها في خزانة كتب المرحوم خُدَابَخش خان التي أسسها في بانكي بور وكانت تتلو رسالة (أبواب مختارة من كتاب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الأصبهاني) التي طبعناها في مطبعتنا بتحقيق هذا الأستاذ الجليل، وكلاهما بخطّ واحد رديئ كثير الخطأ والتصحيف، فردَّهما الأستاذ ببصيرته وتنقيبه إلى ما يقرب من الصواب إن شاء الله.
وكتاب (ما اتفق لفظه واختلف معناه) سماه بهذا الاسم أيضًا ياقوت في معجم الأدباء، والسيوطي في بغية الوعاة 116 والحاج خليفة. وسماه ابن النديم في الفهرست 59 (ما اتفقت ألفاظه واختلفت معانيه). وكان السيوطي قد وقف على هذا الكتاب ونقل عنه في شرح شواهد المغني ص 195 قول ابن الزبعرى:
لا يبعد الله رب العباد ... والملحُ ما ولدت خالدة
الثلاثة الأبيات وهي موجودة هنا (ص 27).
ونقل أبو حيّان في البحر، وصاحب فتح البيان في تفسير "إن نظنّ إلَّا ظنا" في الجاثية قولَ المبرَّد في إعراب الآية، وهو موجود هنا أيضًا (ص 9 - 10).
ولا شك أن رسالة المبرد هذه ورسالة (أبواب مختارة) من نوادر المصنفات القديمة، ولعلهما مما تفردت به خزانة بانكي بور، والمظنون أن نسخة الأصلين كتبت بين القرن السادس والسابع للهجرة وهما مما كان باعه الشيخ أمين الحلواني المدني في الهند، والحلواني هو الذي طبع لزوميات المعري للمرة الأولى وهو مؤلف (تاج الطبقات) في تراجم العلماء إلى القرن الثالث عشر ومنه نسخة بخطه في خزانة بانكي بور.
فجزى الله الأستاذ الميمني أحسن الجزاء على عنايته بالأداب العربية وقيامه على خدمتها قيامًا قصّر عن شأوه فيه الناطقون بالضاد.
محب الدين الخطيب
(2/326)

1 - الرسائل النادرة

نسب عدنان وقحطان
لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد
عن أبي العباس محمد بن يزيد رحمة الله عليه، رواية أبي الحسن علي بن عيسى بن علي النحوي، عن أبي بكر محمد بن السراج النحوي، عن أبي العباس رواية الرئيس أبي الحسين هلال بن المحسّن بن إبراهيم عن الرمّاني، رواه لنا عنه الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد [الجبار] بن أحمد الصيرفي
سماعٌ
لموهوب بن أحمد بن محمد بن الخَضِر الجواليقيّ
نفعه الله به وجميع المسلمين
نسخه عن ثلاث نسخ وصححه وشكله وضبطه وعارضه بالدواوين وأحياه
عبد العزيز الميمنيّ الراجكوتيّ
خادم العلم بجامعة عليكَره - الهند
مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر
1354 - 1936
(2/327)

بسم الله الحمن الرحيم
بعث إليّ الشابّ المتأدّب الدكتور الأستاذ معظم حسين بجامعة دَهاكَهْ الهند بهذه الرسالة، وكان نَسَخها بالآستانة عارية عن الشكل - مَرْجِعَه من أوربّا - من مجموعة فيها سبع (1) رسائل كلّها من سماع ابن الجواليقي، بخزانة جامع ولي الدين جار الله، الرقم 3178، لم يثبت عليها تاريخ نَسْخها، وعارضها بنسخة أخرى حديثة الخطّ، عثر عليها بخزانة عاطف أفندي رقم 2003، ونُسخت سنة 1110 ه. قال الأستاذ: وأولاهما أصحهما. وأنا وإن كنت لم أقف على الأمَّين إلَّا أني لم أر فيهما شيئًا من غرائب الأسماء، بل ولا معارف الأعلام، إلَّا مصحَّفًا، يترك القارئ في مَضِلّة مَسْبَعَةَ، ويسير به في تِيهِ أوهام، لا يهتدي لوجه صوابها، ويُضَيّع عليه من العمر العزيز آناءَ كان في فَسْحة عن إضاعتها:
فاختَرْ وما فيهما حَظٌّ لمختار
وتوجد من هذه المجموعة نسخة قديمة منسوبة، عليها خطوط السماع، صحيحة للغاية، بخزانة دير الإِسكوريال في إسبانيا، رقمها في فهرست كاسيري: 1700، طبع منها المستشرق الإِيطالي ج. ل. دلّاويدا رسالتين في الخيل، ونقل في مقدّمته لهما صورة صفحتي الأولى والآخرة من رسالة المبرد، تنُمَّان عن مبلغ الأغلاط الموجودة في نسختي الآستانة. وزعم المستشرق أن نسخة المجموعة هذه فريدة.
ثم إن الأستاذ بعد إيابه إلى الهند اجتهد في إصلاحها، ولمّا وجد أغلاطها عَقَبَةً كَؤُدًا في طريقه أنفذها إلى المجمع العلمي بدمشق، ففوّض أمر تصحيحها إلى
__________
(1) كتاب الوحوش وكتاب الشاة للأصمعي، نشرهما الأستاذ فايز في مجلة مجمع فين م 125 سنة 1888 م، تسمية الخيل لأبي البختري (لعل صوابه لابن الأعرابي)، وكتب الخيل لابن الكلبي طبعهما الأستاذ دِلّاويدا سنة 1982 م، وهذه الرسالة، وكتاب ما يذكر ويؤنث من الإنسان واللباس لأبي سليمان محمد النحوي، وكتاب الأمثال لأبي عكرمة الضبي. وهذه الرسالة ذكرها ابن النديم 59 باسم كتاب قحطان وعدنان.
(2/328)

العلّامة الكبير الأستاذ عبد القادر المغربيّ، ولكنّه سرّح طرفه في سبع صفحات، ورأى أن التصحيح لا يقلّ عناءً عن تأليفها، فزهد فيها وردّها بخِتامها بعدما أتعب جواده وأَدْمَى أَظَلَّه.
ثمّ بدا له أن يرسلها إليّ، فلمّا وقفت عليها تحقّقت أنّ دون تصحيحها خَرْطَ القتاد، فألقيتها ورائي ظهريًّا، وأضربت عنها صفحا بُرهة من الزمان. ثم إنَّ الأستاذ زارنا في عليكَره، وجرى معه ذكر الرسالة، وعزم عليّ في تصحيحها فأبديت له عذري، وأنَّى لي أن أخوض في عُبابها وأتمكّن من ردّها إلى الأصل إلّا بعد مُكابدة الأَمَرَينَ. ومما كان يثّبِط من جأشي، وينكّبني عنها، أنها بعد كلّ هذا رسالة للمبرَّد لا يبدو لي عليها أثرٌ، وهي بعد كيت وذيت لا ناقة لي فيها ولا جمل، ولستُ منها في قبيل ولا دبير، ولا عير ولا نفير، يذهب فيها وُكْدى وكَدّى أدراجَ الرياح، إن قُدّر لي فيها النَجاح، لأني رددتُ كل كلمة إلى أصلها، من دون أن أذكر غلطها وخللها.
ولمّا صَحّت عزيمتي هذا العام (1355 ه) على الرحيل إلى البلاد العربيّة بادرتُ إلى تصحيحها لأقدّمها لُهْنَةً للشُداة، فكابدتُ لها ما كابدت من عناء مُعَنٍّ، في الفَحْص عن أسماء البطون والأفخاذ في دواوين العلم الحاضرة، حتى توفَقْتُ إلى ردّها إلى أصلها بقدر الجهد والطاقة، غير كلمات يسيرة، لا يضرّك جهلها، كما لا يزيدك فضلًا علمها.
ووعدني صديقي المستشرق الألماني الأستاذ آتوشييز أن يطلب لي صور النسخة الإسبانية، إلّا أنّ أهْبة السفر أعجلتني أن أنتظرها.
فجاء ولله المنّة كتابًا خلا من شوب التصحيفات، وصفا مورده من الأكدار، لم يُرد مصحّحه أن يعزو الفضل لنفسه، ويجلب النار إلى قُرصه، فلم يذكر مما يوجد من مئآت الأغلاط شيئًا، ولم يَسْرُدْ جريدتها ضَنَّا بعُمر القارئ أن يضيع فيما قد كفاه مؤونتَه.
ثمّ إني رأيت بدار كتب مصر نسختين أخريين 1 - 2 مجاميع ش، و 1839 تاريخ - مصحفتين، وأولاهما نسخة المرحوم الشنقيطي، أصلح فيها بعض الأغلاط الحقيرة، وقد أحلتُ على صفحاتها في الطرّة، وعارضتُ بها نسختي هذه وعلامتها ش، ويظهر أنهما من أصل استنبول.
(2/329)

وقد تقدّم لي نشر ما اتّفق لفظه للمبرَّد، وهذا أثر ثان له يحيى حياة طيّبة، على أنه لا يوجد بين أيدينا كتاب في الأنساب صغير الجِرْم، يَضْمَنُ حاجةَ المتأدّبين ويفي بضَرورتهم، ينوب عن الدواوين الضِخام، والدفاتر الكبار، وهو عِلْم لا مندوحة للمتأدّب أن يَشْدُوَ منه بطرف، ويحصل منه بنصيب، ويجني من الأدب غُصْنَهُ الرطيب.
وفي الختام أقوم بشكري لصديقي الدكتور معظم حسين وقاه الله من كل شين، لظنّه بي كلَّ جميل وللَجْنة التأليف والترجمة والنشر ورئيسها الفاضل الأستاذ أحمد أمين الذيِ كان السببَ في نشرها وإمتاع العلماء بها حرسه الله والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.
تتميم أسماء الكتب التي جرى الإِلماع بها مُقْتَضَبة
الاشتقاق لابن دريد، غوتنغن 1854 م.
الأغاني الطبعة الثانية.
الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر. القاهرة 1350 ه.
الخزانة للبغدادي. بولاق 1299 ه.
ديوان الشاعر المذكور.
السيرة لابن هشام. طبعة غوتنغن، ومع شرح السهيلي، كلتاهما معًا.
ش نسخة الشنقيطي بالدار.
الشعراء لابن قتيبة، ليدن، 1904 م.
العقد لابن عبد ربه. مصر 1331 ه، في أربعة أجزاء.
الكامل للمبرد طبعة لبسيك.
المعارف لابن قتيبة مصر 1300 ه.
النهاية نهاية الأرب من أنساب العرب للقلقشندي. بغداد 1332 ه.
العاجز عبد العزيز الميمني بجامعة عليكره الهند
13 صفر 1354 ه 16 مايو 1935 م
ثم عارضها بالأصل للطبع في ثغر الاسكندرية على البحر طريقه إلى استنبول 21 فبراير سنة 1936 م
(2/330)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
كُتب من خطّ علي (1) بن عيسى بن عليّ الرمّاني، وأخبرنا به الشيخ أبو الحسين (2) المبارك بن عبد الجبّار بن أحمد الصيرفي، قرئ عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسين (3) هلال بن المحسِّن بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن علي النحوي قراءةً عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو (4) بكر محمد بن السَّرِيّ السَرّاج، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرَّد قال:
مُضَر بن نِزار بن مَعَدّ بن عَدْنان بن أُدَد ذكروا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم انتسب إلى أُدَد ثمّ قال: كذب النَّسّابون. قال الله تبارك: "وقرونا بين ذلك كثيرًا". ومضر بن نِزار (5) حيّان، وهما: خِنْدِف وقيس فأمّا خِنْدِف فهي امرأة اليأْس بن مضر، نُسب ولد اليأس إليها وهي وَالدتُهمِ. وأما قيس فهو الناس بن مضر (بالنون) ويقال إن عَيلان كان عبدًا لمضر حَضنَ ابنه الناسَ فنُسب إليه قيس، فقيل: قيس بن عيلان بن مضر قال (6) العجّاج:
لا قَدْحَ إنْ لم تُوْرِ نارًا بهَجَرْ ... ذاتَ سَنَى يوقِدها مَنِ افْتَخَرْ
مَنْ شاهَدَ الأمصارَ مِنْ حَيَّي مُضَرْ
يعني قيسًا وخندف، وقال جرير (7):
إذا أَخَذَت قيس عليك وخِنْدِفٌ ... بأقطارها لم تَدْرِ من حيث تَسْرَحُ
__________
(1) النحوي 296 - 384 صاحب إعجاز القرآن المطبوع بدهلى حديثًا ترجمتُه في الأدباء 5/ 280.
(2) ابن الطيوري عرف بابن الحمامي 411 - 500 ه ترجمته في لسان الميزان 5/ 9 رقم 33.
(3) 359 - 448 نزهة الألباء 423.
(4) صاحب الأصول - 310 ه النزهة 313 النديم 62.
(5) السيرة 90. 1/ 60 والمعارف 12.
(6) درقم 11 ب 125 - 127.
(7) د 1/ 47 يخاطب الأخطل.
(2/331)

فمن قبائل خندف: قريش (1)، واسمه النَضْر بنَ كِنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن اليأْس بن مُضَرَ. وتفرّقت قبائل قريش من بني فِهْر بن مالك، فيقال لهم: بنو فِهْر، قال الحُطيئة:
وإن الذي أعطيتَهم أو منعتَهم ... لكالتمر أو أحلى لحلف بني فِهْر
فمن قبائل قريش بنو عبد مَناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَضْر بن كِنانة. وبنو (2) عبد مَناف أربعةٌ: هاشم، والمطّلِب رهط (3) عُبيدة بن الحارث المقتول يوم بدر، وعبدُ شمس، ونَوْفَل رهط جُبير (4) بن مُطْعِم لم (5) يتشعَّبْ منهم إلَّا عبد شمس. فمن بطون عبد شمس: أُمَيّة بن عبد شمس، وعبد العُزيَّ بن عبد شمس، رهط أبي العاصي ابن الرَبِيع (6) زوج ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وحَبيب بن عبد شمس، رهط [عامر (7)] بن كُرَيز، وربيعة بن عبد شمس أبو عُتْبة وشَيبة. وبنو أُمَيّة بن عبد شمس صنفان (8): الأعياص، والعَنابس، فالأعياص: العاصي وأبو العاصي والعِيص وأبو العِيص بنو أميّة. والعنابس: حَرْب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان بنو أميّة، واسم أبي سفيان عَنْبَسَةُ. من الأعياص عثمان بن عَفّان، وعَتّاب (9) بن أَسِيد عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكّة، وآل سعيد (10) بن العاصي. ومن العنابس آل أبي سفيان بن حرب معاويةُ وولده وإخوته، هؤلاء بنو عبد مناف بن قُصَيّ، وبنو قصيّ: عبد مناف، وعبد العُزَّى، وعبد الدار سَدَنة البيت وأصحاب الألوية. ثم أسد بن عبد العزّى بن قصّي، رهط خَديجة بنت خويلد، والزُبَير بن العَوّام، فهؤلاء بنو قصيّ بن كلاب. وبنو كلاب اثنان: قُصيّ
__________
(1) السيرة 60، 1/ 70 المعارف 23 الإنباء 65.
(2) السيرة 68، 1/ 76، المعارف 24.
(3) السيرة 506، 2/ 101.
(4) الإصابة رقم 1091.
(5) كذا وهو ظاهر البطلان، إن كان يريد لم يعقب.
(6) بن عبد العزى بن عبد شمس المعارف 24 الإنباه 70.
(7) الإصابة رقم 4418.
(8) المعارف 25، الاشتقاق 45، والأشهر العاص وأبو العاص دون الياء.
(9) الإصابة 5391.
(10) الإصابة 3268.
(2/332)

وزُهرة. فزهرة رهط عبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وَقّاص، ومنهم آمنة بنت وهب أمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. هؤلاء بنو كلاب بن مُرّة. وبنو مرة ثلاثة: كلاب وتَيم وَيقَظَةُ أبو مخزوم. فتَيْم رهط أبي بكر الصِّدّيق، وطلحة (1) بن عبيد الله وعبد الله (2) بن جُدْعان كان سيّدَ قريش في الجاهلية. وبنو مخزوم بن يَقَظَة منهم آل المُغيرة (3)، ومنهم أُمُّ سَلَمَة بنت أبي أميَّة ابن المغيرة زوجُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخالدُ بن الوليد بن المغيرة، وسعيد (4) بن المسيَّب الفقيه هؤلاء بنو مرّة بن كعب. وبنو كعب ثلاثة: مُرّة، وعديّ، وهُصَيص فعديّ بن كعب رهط عمر بن الخطّاب وزيد (5) بن عمرو بن نُفَيل. وأما هُصيص فهم: سَهْم وجُمَحُ ابنا عمرو بن هُصيص، من بني سهم عمرو بن العاص، ومن بني جُمَحَ: عثمان بن مظعون، وصفوان بن أُمَيّة، وأبو مَحْذورة (6) مؤذّن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء بنو كعب بن لؤيّ. وبنو لؤيّ جماعة تَبَنًا (7) منهم ثلاثة: كعب، وعامر، وسامة. فمن عامر بن لؤيّ: بنو مالك بن خِسْل بن عامر رهط سهيل (8) بن عمرو وسَوْدَةَ بنت زَمْعَةَ زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وبنو معِيص بن عامر، منهم ابن (9) قيس الرُقَيّات، ومنهم ابن (10) العَرِقَة الذي رمى سعدَ بن مُعاذ يوم الخندق فأصاب أكحله فقال: خذها وأنا ابن العَرَقَة، فقال (11) النبي - صلى الله عليه وسلم -: عرّق الله وجهك في النار. وبنو سامة منهم بنو ناجية رهط عبّاد بن منصور قاضي البصرة (12) هؤلاء بنو
__________
(1) المعارف 77.
(2) الإصابة 4587، الاشتقاق 88.
(3) الاشتقاق 61 وشرح نهج البلاغة 2/ 292 - 300.
(4) المعارف 151.
(5) الإصابة 2923 مؤمن الجاهلية.
(6) المعارف 103: هو سليمان، الاشتقاق 83.
(7) كذا يريد أعقب وفي ش كتبنا غلطا.
(8) الإصابة 3573.
(9) هو عبيد الله شاعر مصعب، الاشتقاق 71 وطبع ديوانه.
(10) بكسر الراء وتفتح: هو حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي، السيرة 679، 1/ 192 التاج.
(11) هذا قول سعد في حديث ابن إسحاق.
(12) لسليمان بن علي، الاشتقاق 68 و 316 السيرة 63، 1/ 73 المعارف 165.
(2/333)

لؤي بن غالب. وبنو غالب اثنان: لؤيّ وتيم الآدْرَم رهط (1) ابن خَطَل الذي أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقتله يوم الفتح فقتله عليّ بن أبي طالب. هؤلاء بنو غالب بن فِهْر. وبنو فِهْر ثلاثة: غالب والحارث ومُحارِب بن فِهْر رهط الضّحّاك (2) بن قيس فهؤلاء قبائل قريش.
ثم كِنانة بن خُزيمة فمن بطون [بني] عبد مناة بن كنانة بنو ليث بن بكر بن عبد مناة. من بطون بنو ليث بنو سعد بن ليث، وبنو جُنْدَع بن ليث رهط نصر (3) بن سَيَّار، وبنو يَعْمَرَ (4) الشُذّاحِ، قال الشّمّاخ:
لقد غاب من خيل بمُوْقان أُسْلِمَتْ ... بُكيرُ بني الشُدّاخ فارسُ أطلال
يعني فرسه. والدُئِل (5) بن بكر بن عبد مناة رهط أبي الأسود الدُؤليّ، والحارثُ بن بكر رهط التي (6) رفعت اللواء حين (7) انهزم المشركون يوم أُحُد، فقال فيها حسّان:
لولا لواء الحارثية أصبحوا ... يُباعونَ في الأسواق بالثمن الوَكْس
وضَمْرَة بن بكر. فمن بني ضمرة غِفار بن مُلَيل بن ضمرة رهط أبي (8) ذرّ ونُعَيلة (9) بن مُلَيل رهط الحكم بن عمرو الغفاريّ وَالِي خراسانَ، وعُرَيجُ بن بكر،
__________
(1) الاشتقاق 66.
(2) ترجمته في الوفيات 1/ 230 والمعارف 142.
(3) المعارف 141.
(4) الاشتقاق 106. ويكبر بن شداد من يعمر، الشداخ بالضم كما في التاج، وبيت الشماخ من أربعة في البلدان رسم موفان وهو في أذربيجان، ونسب الخيل لابن الكلبي 41، وابن الأعرابي 53، وأسلمت: انهزمت.
(5) الاشتقاق 107 المعارف 22 و 150.
(6) هي عمرة بنت علقمة الحارثية، السيرة 570، 2/ 134 حواشي ديوان حسان ليدن رقم 35. والصواب في بيت حسان كما هو فيهما (في الأسواق بيع الحلائب).
(7) الأصل حيث انهزمت المشركين.
(8) الإصابة السكني 384، المعارف 85، الأنباه 74.
(9) جهينة من تعل والحكم هو ابن عمرو بن مجاع (مفطم) بن حذيم (بكسر الحاء) بن الحارث بن حيلة الإصابة 1784، الطبري ليدن 2/ 80 التاج. ولى خراسان لزياد.
(2/334)

ومُدْلِج (1) بن مرة بن عبد مناة فيهم القيافة. ومنهم سُراقة (2) بن مالك بن جُعْشُم كان إبليس يأتي المشركين في صورته، وهو الذي طلب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين هاجر، فساخت قوائم فرسه. وبنو مالك بن كنانة منهم ربيعة (3) بن مُكَدُّم كان فارس بني كنانة، وبطن منهم يقال لهم بنو (4) فِراس بن غَنْم، وبطن يقال لهم بنو فُقَيم، هم (5) الذين كانوا يَنْسَأون الشهورَ في الجاهلية، فأبطل الله ذلك في الإِسلام، فهذه قبائل بني كنانة.
ثم أسد بن خُزيمة من بطونهم بنو فَقْعسَ بن طَريف بن عمرو بن قُعين بن الحارث بن ثعلبة بن دُوْدان بن أسد رهط خالد المهزول، وطُليحَة (6) بن خويلد الذي كان تنبّأ ثم تاب وشهد القادسيّة، وكان يُعْدَل بألف فارس. وبنو الصَيداء بن عمرو بن قعين رهط شيخ (7) بن عميرة، وبنو نصر بن قعين. ووالبة بن الحارث بن ثعلبة بن دُوْدان رهط بشر (8) ابن أبي خازم الشاعر. وسعد بن الحارث بن ثعلبة، وسعد بن ثعلبة، ومالك بن ثعلبة، ومالك بن مالك بن ثعلبة. يقال لهم (9) بنو الذِينَة (10)، وبنو غاضرة بن مالك بن ثعلبة، وبنو غَنْم بن دُوْدان بن أسد رهط زينب بنت جَحْش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبنو عمرو بن أسد، وبنو صعب بن أسد يقال لهم بنو نعامة، وكاهل بن أسد رهط عِلْباء قاتل حُجْر بن الحارث أبي امرئي القيس، وفيه يقول امرؤ (11) القيس:
وأَفلتهنّ علباء جَرِيْضا ... ولو أدركنه صَفِرَ الوِطابُ
__________
(1) المعارف 22.
(2) السيرة 331, 2/ 6.
(3) التبريزي بون 411 بولاق 2/ 188. الكامل 768.
(4) صبح الأعشى 1/ 351.
(5) الإنباه 71، المعارف 312، السيرة 29، 1/ 40.
(6) الإصابة 4290.
(7) القائد العقد 2/ 119.
(8) الشعراء 145.
(9) في نسخة ش له.
(10) المعارف 22.
(11) د من السنة، وعلباء هو ابن الحارث الكاهلي.
(2/335)

فهذه قبائل بنو أسد.
ومن بطون هذيل بن مُدْرِكة بنو لِحْيان وبنو صاهلة وبنو قُرَيم وبنو قِرْد (1) وغيرهم، وعامّة النسب فيهم إلى القبيل الأكبر، فهؤلاء بنو مدركة بن اليأس، وهم قريش وكنانة وأسد وهذيل. ومن قبائل بني طابخة بن اليأس بنو أُدّ بن طابخة، وهم بنو مُرّ بن أُدّ، وعبد مناة بن أُدّ، وضَبّة بن أُدّ، وعمرو بن أُدّ، وهم مُزينة نسبوا إلى أُمّهم، فأمّا بنو عبد مناة فهم أربع قبائل: تَيم، وعديّ، وعُكل، وثورُ أَطْحَلَ رهط سفيان (2) الثوريّ. ثم قبائل تميم بن مُرّ بن أُدّ. ولد تميم ثلاثة: عمرًا وزيد مناة والحارث أبا شَقِرة، وإنَّما سمّي أبا شَقِرة (3) ببيت قاله:
وقد أَخْضِبُ الرُمْحَ الأصمَّ كعوبهُ ... به من دماء القوم كالشَقِرات
فمن قبائل عمرو العنبر وأُسَيِّد والهُجَيم والقُلَيب (4) وكعب ومالك أبو مازن والحِرْماز والحارث (5) الحَبِط يقال لولده الحَبِطات رهط عَبّاد (6) بن الحُصَين كان يُعْدَل بألف فارس، ذكروا أن الحسن قال: ما علمت أن رجلًا يقوم مقام ألف حتى رأيت عبادًا ليلة كابُلَ، فهؤلاء السبعة بنو عمرو بن تميم. ثم زيدُ مَناة، منهم بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة، فمن قبائل حنظلة بنو دارم بن مالك بن حنظلة، من بطون بني دارم عبد الله بن دارم رهط حاجب (7) بن زُرارة ونهشلٌ ومُجاشِعٌ (8) ومَنافٌ وأبانٌ وفُقيمٌ وجَريرٌ بنو دارم. وزيد (9) والصُدَيّ ويربوع بنو مالك بن حنظلة وهم بنو العَدَويّة نسبوا إِلى أُمّهم (10) من بني عَدِيّ تيم. وأبو سُوْد وعوف ابنا مالك أمهما طُهيَّةَ (11) بنت
__________
(1) قرد بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل. التاج.
(2) المعارف 170 وأطحل جبل.
(3) الأنباه 76 شقرة بن معاوية بن الحارث بن عمرو بن تميم وانظر 80 أيضًا. وفي العقد 2/ 221 أنه معاوية الخ وانظر الاشتقاق 121.
(4) الاشتقاق 126، المعارف 26.
(5) الاشتقاق 124، والكامل و 3 و 268.
(6) كان على شرطة مصعب العقد 2/ 222. والاشتقاق 124.
(7) الاشتقاق 144.
(8) الاشتقاق 145.
(9) العقد 2/ 223 المعارف 126.
(10) الخزانة 2/ 395.
(11) الإنباه 77، الاشتقاق 142.
(2/336)

عبد شمس بن سَعْد يُنْسَبون إليها، وربيعة بن مالك أبو العجيف (1) بن ربيعة رهط (2) الحَنْتَف بن السِجْف صاحب جيش الرَبَذة قَتل بها حُبَيش بن دُلْجَةَ القَينِيّ، هؤلاء بنو مالك بن حنظلة، ومن بني حنظلة أيضًا البَراجم (3) وهم مرّة وهو الظُلَيم وغالب وكُلْفةُ وعمرو وقيس بنو حنظلة. ومن قبائل يربوع بن حَنْظلة: ثعلبة وعمرو والحارث أبو سَليط (4) وصُبيرٌ، هؤلاء الأربعة يلّقبون الأحمال أُمّهم السَفْعاء بنت غَنْم بن قُتيبة بن معن باهليّة، ومعن هو زوج باهلة ورياح بن يربوع كانت فيهم الرِدافة وهي بينهم (5)، وبنو غُدانة رهط وكيع (6) ابن أبي سُوْد وحارثةَ (7) بن بدر، وكليبُ بن يربوع رهط جرير والعنبرُ (8) بن يربوع رهط سَجَاحِ التي تنبأت، ومنهم عُقفان الذين يقول فيهم جرير (9):
هلّا طعنتَ الخيل يوم لقيتَها ... طَعْنَ الفوارس من بني عُقفان
وربيعة بن حنظلة رهط بني حَبْناء (10) المغيرةِ وإِخوته كانوا شعراء، ومنهم (11)
أبو بِلال مِرْداس بن أُدَيَّةَ الحَرُوْريّ كان من رؤوسهم وأخوه عُروة، ويقال لربيعة بن حنظلة وربيعة بن مالك بن حنظلة وربيعةَ بن مالك بن زيد مناة الربائعُ قال الفرزدق (12):
إذا خَذلْتني نَهْشَل والربائع
__________
(1) الاشتقاق 143 والعقد 2/ 224.
(2) انظر حاشية مغلطاي على الاشتقاق 121، وفي يوم الهنيم (كأمير) ولم أعرفه، والنقائض 699 كان مروان بعث حبيشًا إلى أهل المدينة ليعمل بهم ما عمل في وقعة الحرة، وأخباره في المعارف 143.
(3) المعارف 26، الاشتقاق 134، العقد 3/ 223، الإنباه 77.
(4) هذا لم أره لغيره وانظر الاشتقاق 135، 138 والتاج. ثم وجدت كمالها في النهاية 42 و 260.
(5) كذا ولا أنكر بيتهم. والردامه ردافة الملوك وهي تكرمة.
(6) الكامل 764.
(7) الكامل والمرتضى 2/ 47 الخ.
(8) العقد 2/ 223، وفي المعارف 26 حزام بن يربوع.
(9) د 2/ 147 والنقائض 896.
(10) هو أبوهم والمغيرة في الشعراء 240 والاشتقاق 135.
(11) الاشتقاق 134، والكامل والمعارف 141.
(12) النقائض 699 باختلاف.
(2/337)

هؤلاء بنو حنظلة بن مالك. ومن بني ربيعة بن مالك بن زيد مَناةَ: علقمةُ (1) الفحلُ الشاعر ورُجّاز كثير منهم حُميد (2) الأرقط. هؤلاء بنو مالك بن زيد مناة بن تميم وامرؤ القيس بن زيد مناة بن تميم. ثم قبائل بني سعد بن زيد مناة وبطونها عُوافةُ (3) وكعب والحارث وجُشَمٌ وعَبْشمس وعوف ومالك وعمرو رهط (4) البَسوس بنو سعد، والخُدَعَة (5) وعبد شمس ابنا كعب بن سعد، والأعرج وهو الحارث بن كعب رهط زُهْرة بن (6) حَويَّة كان شهد القادسيَّةَ وقتل الجالينوس وكانت دِرْعُه عنده، والأجارب (7) ولد كعب ما خَلا عمرًا وعوفا وهم حرام وربيعة أبو المستوغَر (8) المشهور بطول العمر، وعبد العزّى أبو حِمّان (9) ومالك وجُشَم وعبد شمس والحارث الأعرج، فهؤلاء الأجارب، ومُقاعِس وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد، ومن بطون (10) مُقاعِس عُبيد وصَرِيم رهط كَهْمَسٍ (11) الحَروريّ وعُمير رهط السُليك (12)، وكان شجاعًا رَجَلِيًّا، ورُبَيع رهط (13) ابن عَرادة الشاعر بنو الحارث وهو مُقاعس. ومن بطون بني عُبيد بن مُقاعس مُرّة بن عبيد رهط (14) الأحنف ومِنْقَر بن عبيد رهط قيس (15) بن عاصم. وعوف وعامر رهط زيد بن جلبة كان شريفًا
__________
(1) الاشتقاق 133.
(2) الخزانة 2/ 454، ويقال أنه من سعد بن زيد مناة.
(3) الاشتقاق 150، الحارث هو عوافة و 154، وكذا في المعارف 26.
(4) الاشتقاق 158.
(5) الخزانة 4/ 590.
(6) الاشتقاق 155: بن عبد الله بن الحوية.
(7) العقد 2/ 222.
(8) المعمرين رقم 9.
(9) الاشتقاق 150.
(10) الاشتقاق 151.
(11) حروبه في الكامل 586 - 610.
(12) الاشتقاق 151، والعقد 2/ 222، والشعراء 213، والتاج. ورجلي: محركًا منسوب إلى رجل بالكسر.
(13) حنظلة الاشتقاق 151، الحيوان 1/ 107، الخزانة 2/ 395 ذيل الأمالي 31.
(14) الاشتقاق 154، الإصابة 429.
(15) الاشتقاق 154، الإصابة 4194.
(2/338)

وكان الأحنف يقول كنا نخرق النعال في طلب المروءَة من بيت زيد، وعبد (1) عمرو رهط سلامة بن جندل الشاعر بنو عبيد بن الحارث، فهؤلاء مُقاعِس وهم ولد الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد. ثم عوف بن كعب وبطونهم بَهْدلة رهط الزِبْرِقان (2) وعطارد رهط كَرِب (3) بن صَفْوان كان يدفع بالناس في المَوْسم، وفيه يقول أَوْسُ بن مَغْراء:
ولا يَرِيمون في التعريف مَوْقِفَهم ... حتّى يقال أجيزوا آلَ صَفْوانا
وقَريع بن عوف رهط (4) المخبَّل وبني أنف الناقة الذين مدحهم الحطيئة.
فُرغ من سعد بن زيد مناة ومن سائر بني تميم. فهؤلاء خندف وهم بنو اليأس بن مضر.
ثم قيس بن عيلان بن مضر. ولد قيس ثلاثةً سعدًا وعَمْرًا وخَصَفَةَ، فأما سعد فهم أَعْصُر وغَطَفان وقبائل أعصر غَنيُّ وباهلةُ والطُفاوةُ، ومن قبائل غَنِيّ بن أَعْصُرَ عُبَيد وزَبّان وصُريم وضَبِينة الذين يقول فيهم لبيد (5):
أبني كلاب كيف تُنْفَى جعفر ... وبنو ضَبِينة حاضرو الأَجبَابِ
وبنو عِتْرِيف وفيهم أفخاذ أُخَر، وعُظْمُ النسب فيهم إلى الأب الأكبر، وكذلك باهلة، ومن بطون باهلة بنو قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر، ومعن هو زوج باهلة، ومن بطون بني قتيبة بنو سهم رهط صُدَيّ (6) بن عَجْلان أبي أمامة الباهليّ صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبنو أصمع رهط الأصمعيّ، وغيرهم من البطون، ووائل بن معن رهط قتيبة (7) بن مسلم وفَرّاض بن معن رهط ابن (8) أحمر الشاعر وأبو عُلَيم بن مَعْن
__________
(1) هو سلامة بن جندل بن عبد عمرو بن عبيد بر الحارث بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة ح 2/ 86.
(2) الإصابة رقم 2782، الاشتقاق 155.
(3) الاشتقاق 157، السيرة 77، 1/ 85.
(4) الاشتقاق 157، وفي الخزانة 2/ 536، المخبل هو: ربيع بن ربيعة بن عوف بن قتال (ككتاب) بن أنف الناقة جعفر بن قريع بن عوف بن سعد.
(5) د خالدي 146.
(6) الاشتقاق 165، الإصابة 4059.
(7) الوفيات 1310 ه 1/ 428، المعارف 139.
(8) الشعراء 207، الخزانة 3/ 38.
(2/339)

رهط بكر (1) بن معاوية صاحب الديوان، وبنو أود بن مَعْن رهط حُبَّى (2) بنت قُرّط أمّ الأحنف بن قيس، وبنو جِآوَةَ (3) بن معن رهط الأصمّ (4) الشاعر وهلال (5) بن معن رهط الحجّاج (6) بن الفرافِصَة الفقيه، وأما الطفاوة فلا يعرف فيهم بطن ينسب إليه غير القبيل الأكبر. فهؤلاء أعصر بن سعد واسم أعْصُر (7) مُنَبه، وإنما سمّي ببيت قال:
أعُمَيرَ إنَّ أباكِ شَيَّبَ رأسَه ... مَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ
ومن قبائل غَطَفان بن سعد: ذبيان وعبس ابنا بغيض بن رَيث بن غَطَفان، وعبد الله بن غطفان، وأشجع بن رَيث. ومن بطون ذبيان: فزارة بن ذبيان، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، ومرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. ومن بطون فزارة: عَدِيّ بن فزارة رهط حُذيفة (8) بن بدر وهم بيت قيس وشَمْخ بن فَزارة رهط مالك (9) بن حمار، ومازن بن فزارة رهط منظور (10) بن زَبّان، وبنو غراب بن ظالم بن فزارة رهط بَيهَس (11)، وهو نَعامةُ الذي أدرك بثأره وذكرته الشعراء، ورهط بني عَدِيّ بن فزارة يقال لهم بنو سُكَين رهط عُمر بن هبيرة (12). فهؤلاء بنو فزارة. ومن بطون بني مُرّة بنو
__________
(1) صاحب ديوان الجند: كان من قواد أبي جعفر، المعارف 27، وعاش إلى زمن المهدي، الطبري 3/ 46، والأصلان وش معاوية بن بكر.
(2) بالباء الموحدة كحبلي المعارف 146، الإصابة 429.
(3) كعناية.
(4) هو عبد الله بن الحجاج الباهلي عن الأمدي ورفع الأصبهاني 12/ 24 نسبة إلى مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذيبان، ولم يذكر جآوة.
(5) في نسختي الدار (والليل بن معن).
(6) كان عابدًا صوامًا ولي قضاء جنديسابور، الاشتقاق 116، وفي الوفيات 1/ 428، هلال بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن.
(7) ويعصر أيضًا.
(8) صاحب حرب داحس معروف، الاشتقاق 172.
(9) كان شريفًا قتله خفاف بن ندبة السلمي، الاشتقاق 172.
(10) شريف تزوج ابن الزبير بنته التي يقول فيها الفرزدق:
وشفعت بنت منظور بن زبانا
الفاخر 230.
(11) الاشتقاق 171، الحماسة بون 322 بولاق 2/ 102.
(12) بن معية (كجهينة) بن سكين (ككميت) بن خديج (كأمير) بن بعيض بن حمة (كلقطة) بن سعد بن عدي الاشتقاق 173. وترجمة عمر في المعارف 140.
(2/340)

غيظ بن مرّة رهط النابغة وسنان ابن أبي حارثة وابنه هَرِم (1) الجواد، ومالك بن مرّة رهط عامر (2) بن ضُبارة، ومُسلم (3) بن عُقبة صاحب جيش الحَرّة، وعثمان (4) بن حَيّان أمير المدينة وسهم بن مرّة رهط الحُصَين (5) بن الحُمام الشاعر، وبنو صِرْمة بن مرة رهط هاشم (6) بن حَرْمَلَةَ.
ومن بطون بني عَبْس: بنو (7) جَذيمة بن رواحة رهط قيس بن زهير، وبنو جِرْوَة بن الحارث بن قُطيعة بن عبس رهط حُذيفة (8) بن اليمان، وبنو بجاد رهط رِبْعيّ (9) بن خِراش الفقيه، وبنو هَرِم بن عَوْذ بن غالب بن قُطَيعَة رهط الكَمَلَة (10) بني زياد الربيعِ وإخوته، ورهط عُروة بن الورد. فهؤلاء بنو سعد بن قيس. وأمّا عمرو بن قيس فهم (11) قبيلان: فَهْم وعَدْوان ابنا عمرو بن قيس.
ثم قبائل خَصَفَة بن قيس، منهم محارب بن خَصَفَة فمن بطون بني محارب بنو جَسْر وبنو طَرِيف، وفخذ منهم يقال لهم: الخُضْر، إليهمِ يُنسب الحَكَم (12) الخضْرِيّ الشاعر. ثم بطون سُليم بن منصور بن عِكْرِمَة بن خَصَفة، منهم بنو عُميرة بن خُفاف بن امرئي القيس بن بُهْثة بن سُليم، وبنو عُصيّة بن خُفاف رهط آل الوحيد (13) وهم بيتهم وناصرة بن خفاف، ومالك بن خفاف. وعوف بن امرئ القيس
__________
(1) ممدوح زهير.
(2) الاشتقاق 172، المعارف، 144 صاحب مروان الحمار.
(3) الاشتقاق 174.
(4) الكامل 375.
(5) الاشتقاق 176، الشعراء 410، وحمام كغراب.
(6) الاشتقاق 176، الكامل 108 و 569 الخ، الفاخر 230.
(7) الاشتقاق 169، وقيس صاحب حرب داحس.
(8) وله ولنسبه المعارف 88، الإصابة 1647 و 1720.
(9) الاشتقاق 170، نهاية القلقشندي 147.
(10) الاشتقاق 169، المعارف 27، الخزانة 2/ 80 و 3/ 536، وفي الأغاني وديوان عروة: هرم بن لديم (ككميت) بن عوذ.
(11) الاشتقاق 162.
(12) الأغاني 2/ 95 وسمط اللآلي من تأليفي 5 من الأصل المكي.
(13) وفي النهاية 69 والتاج أنهم بنو الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وسيأتي في هذا الكتاب بعد صفحتين في بني كلاب بن ربيعة بن عامر فهما وحيدان. وفي ش بخط الشنقيطي الشريد، وفي الأخرى بالدار الرشيد.
(2/341)

[منهم] بنو حرام بن سَمّال (1) رهط عبد الله (2) بن حازم وبنو يربوع بن سَمّال رهط مجاشع (3) بن مسعود. ورِعْلٌ ومطرود وقُنْفُذ بنو نُشْبة بن مالك. وبنو بَهْز بن امرئ القيس، ومن بني بَهْز بنو ظَفَر. وبنو الحارث بن بُهْثة، ومن بطون بني الحارث بنو رفاعة وبنو ذكوان بن ثعلبة بن بُهْتة، وفالج بن ذكوان رهط عُمير (4) بن الحُباب وبَجْلة بن ثعلبة فهؤلاء بنو سُليم. ومازن بن منصور رهط عُتبة (5) بن غزوان الذي بَصَّرَ البصرةَ وكان واليَها.
ثم بطون هوازن بن منصور. منهم ثقيفْ واسمه قَسِيّ بن منبِّه بن بكر بن هوازن، من بطونهم بنو معتِب رهط عُرْوَة (6) بن مَسْعُود الذي يروَى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: مَثَلُه مَثَلُ صاحب ياسين، وبنو (7) غِيَرَةَ بن عوف بن ثقيف، وبنو عُقْدة بن غِيَرَةَ رهط (8) الحارث بن كَلَدَة كان طبيب العرب، وبنو حبيب بن الحارث (9) بن حُطَيط بن جُشَم بن ثقيف، وبنو اليَسَار بن مالك بن حُطيط رهط عثمان (10) والحكم ابنَي أبي العاص. من ولد الحكم عبد (11) الوفاب بن عبد المجيد الثقفي الفقيه، فهؤلاء ثقيف بن منّبِه بن بكر، وسعد بن بكر رُضَعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونصر بن معاوية بن بكر منهم بنو هَمْدان وبنو غَلابِ (12) وجُشَم بن معاوية بن بكر رهط بن دُرَيد بن الصِمَّة
__________
(1) الأصول سماك مصبحها في الموضعين.
(2) ولي خراسان الخ المعارف 144، والتاج سمل، والاشتقاق 187، والنهاية 244، وسمال هو ابن عوف.
(3) الصحابي الإصابة 7721.
(4) فارس الفتنة أيام عبد الملك الاشتقاق 187.
(5) مهاجر الاشتقاق 189.
(6) الاشتقاق 186، الإصابة 5526، وفيه الحديث وتمامه دعا قومه إلى الله فقتلوه وفي الإنباه أيضًا 92.
(7) الاشتقاق 185.
(8) وفي الاشتقاق 185 أنه من بني علاج بن أبي سلمة، وفي السيرة 191، 1/ 188 كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وترجم له ابن أبي أصيبعة.
(9) وفي المعارف 30 الحارث بن مالك بن حطيط، وهو الصواب.
(10) الاشتقاق 183، المعارف 9 الإصابة 5441.
(11) المعارف 175.
(12) الاشتقاق 178 اسم امرأة كقطام.
(2/342)

هو من فخذ منهم يقال لهم بنو (1) جُداعةَ. ثم بنو سَلولَ (2) وهم بنو مُرّة بن صَعْصعة بن معاوية بن بكر. ثم عامر بن صعصعة ولد أربعة: ربيعة ونميرا وهلالا وسُواءةَ، فمن بطون ربيعة عمرو (3) بن عامر بن ربيعة، وهو أبو البكّاء بن (4) عامر رهطِ الخرقاء صاحبةِ ذي الرُمّة، وعمرو بن عامر رهطُ خِداش (5) بن زهير الشاعر، وفيه يقول خِداش:
أبي فارس الضَحْياء عمرُو بن عامر ... أَبَى الذَّمَّ واختار الوفاء على الغَدْر
وأبان بن كُلَيب بن رَبيعة الذي يقول فيه الجعديّ:
بما وَلدتْ نساء بني هِلال ... وما وَلدتْ نساء بني أَبان
ثم بنو كعب بن ربيعة بن عامر. من بطونهم (6) عُقيل والحَرِيش وجَعدة وقُشير بنو كعب، والعجلان بن عبد الله بن كعب رهط ابن (7) مُقْبِل الشاعر، البيت في قُشير والعدد في عُقيل. ثم كلاب بن ربيعة بن عامر. من بطونهم الوَحيد بن كعب بن عامر بن كلاب وبنو أبي بكر بن كلاب، واسم (8) أبي بكر عُبيد، ومن بني أبي بكر بنو هِصّان (9)، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر. وجعفرُ بن كلاب وهم بيتهم رهط (10) عامر مُلاعِب الأَسِنّة، ولبيدِ بن ربيعة الشاعر. وكعبُ بن كلاب وربيعة بن كلاب، والضِباب (11) وهو معاوية بن كلاب رهط (12) شَمِر ابن ذي الجَوْشَن. ووَبْرُ بن الأضبط
__________
(1) الاشتقاق 177.
(2) المعارف 29.
(3) الاشتقاق 179.
(4) الأصول عامر.
(5) الشعراء 409.
(6) الاشتقاق 181، المعارف 30.
(7) تميم بن أبيّ بن مقبل، الشعراء 278.
(8) وكذا في الأنباه 87 وفي الاشتقاق 180 أنهما ابنا كلاب.
(9) في الأصول محلى بأل وانظر التاج. وفي الأصول كعب بن عبد ابن أبي بكر.
(10) الاشتقاق 180.
(11) لأن أبناءه حسل وحسيل وضب الاشتقاق والإنباء 88.
(12) الاشتقاق 180.
(2/343)

ابن كلاب، وعبدُ الله بن كلاب والد الصَموت (1) بن عمرو بن عبد الله، ونُفاثةَ بن عبد الله ورُؤاس بن كلاب رهط وكيع (2) بن الجَرّاح الفقيه، وعمرو بن كلاب والد نفيل بن عمرو رهط يزيد (3) بن الصَعِق وزُفَر (4) بن الحارث، فهؤلاء بنو كِلاب بن ربيعة بن عامر ليس فيهم كبير بطن ينسب إليه إلّا الأب الأكبر. ومن بطون بني نُمير بن عامر قُريع بن الحارث بن نُمير، وعبد الله بن الحارث فيه العدد والشرف، وجَعْوَنة (5) بن الحارث وبنو قَطَن بن ربيعة رهط عُبيد (6) الراعي، وبدر بن ربيعة وبنو عامر بن نمير، وبنو عمرو بن رهط نمير رهط الأصمّ الذي يقول فيه الخطيم (7) اللِّص:
فلو كنت من رهط الأصمّ بن مالكٍ ... أو الخُلَعاء أو زهير بني عَبْس
هؤلاء قيس بن عيلان بن مضر، فهذه مضر بن نزار.
ثم ربيعة بن نزار. من قبائل ربيعة بكر وتغلب ابنا وائل بن قاسط بن هِنْب بن أَفْصَى بن دُعْمّى بن جَدِيلة بن أَسَد بن ربيعة، ومن قبائل بكر بنو الحِصْن (8) وهو الأغرّ وهو ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن عليّ بن بكر. وبنو ثعلبة أربعة شيبان وذُهْل وعائذ وهو تيم الله وقيس، فمن بطون بني شيبان بنو محلِّم وبنو (9) [الحرث و] ربيعة وبنو مرّة كلّهم بنو ذُهل بن شيبان، وبنبر الوَرْثة وهم: شيبان بن ذُهْل، وبنو هند وهم عدّة من بني مُرّة يُنْسبون إلى أُمّ لهم، وبنو الشَقيقة (10) منهم أيضًا، وبنو أَسْعَد بن
__________
(1) الاشتقاق 180، وفي النقائض 674 أن معاوية بن الصموت بن الكاهل الكلابي وكان يسمى الأسد المجدع قتل يوم جبلة.
(2) المعارف 172.
(3) الاشتقاق 181.
(4) الكامل 532 - 535، الانشقاق 180.
(5) الاشتقاق 179.
(6) الشعراء 246.
(7) ذكر القالي في الذيل 83 الخطيم بن نويرة العكلي، ولعله هو هذا. وفي التاج أن مالك بن جناب بن هبل الكلبي كان يسمى الأصم ببيت أنشده، ولكنه ليس هذا.
(8) المعارف 32.
(9) الأصول بنو أبي ربيعة.
(10) المعارف 33.
(2/344)

هَمّام بن مُرّة، وبنو الحارث (1) بن هَمّام فيهم البيت وهم رهط بِسْطام (2) بن قيس من بني ذي (3) الجَدَّين بيت ربيعة كلّها، وبنو مرة بن همام بن مرّة وبنو الحارث بن ذُهْل الذين ذكرهم أبو زُبَيد (4) فقال:
يا بني الحارث بن ذُهْل وما د ه ... ري ببُقْيا فيكم ولا برَجاء
وبنو ثعلبة بن شيبان. ومن ولده مَصْقَلة (5) بن هُبيرة. فهؤلاء بنو شيبان بن ثعلبة، ومن بطون تيم الله عامر (6) والحارث بن تيم الله وعائش بن مالك بن تيم الله وبنو زِمّان بن تيم الله وبنو هلال بن تيم الله وفيهم بطن يقال لهم بنو حَنْتَم (7). ومن بَطون ذُهل بن ثعلبة سَدوس ومازن بن شيبان بن ذُهْل وبنو رَقاشِ رهط الحُصين (8) بن المنذر والقعقاع (9) بن شَوْر ودغفلٍ (10) النسّابة، وبنو عامر (11) بن ذهل وبنو عمرو بن شيبان بن ذُهل. ومن بطون قيس بن ثعلبة الحُرَقَتان (12) وهما سعد وتيم ابنا قيس وبنو جَحْدر (13) وهو ربيعة بن ضُبَيعة بن قيس، منهم المسامعة (14) وعُيَادُ (15) بن ضُبيعة أبو الحارث بن عُباد فارس النَعَامة وسعد بن ضبيعة رهط الأعشى وبنو سعد بن مالك بن ضُبيعة رهط المراثدِ (16) وطَرَفَةَ الشاعر. فهؤلاء بنو قيس بن ثعلبة. فهؤلاء بنو
__________
(1) المعارف 33. والأصول دون ال.
(2) الاشتقاق 213 العقد 2/ 230، ولمقتله الكامل 130.
(3) هو كما في التاج والاشتقاق 216 والكامل: خالد جد أبي بسطام قيس بن مسعود بن قيس بن خالد.
(4) الطائي، والبيت من همزية له بعضها في الخزانة.
(5) المعارف 33 و 139 والاشتقاق 198.
(6) المعارف 33 والأصول عائد.
(7) بن عدي بن الحارث بن تيم الله نهاية القلقشندي 200.
(8) المنذر بن الحارث بن وعلة بن المجالد بن يثربي بن ريان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل. اللسان (حضن). ورقاش كقطام. وحضين بالضاد المعجمة كان صاحب راية عليّ يوم صفين انظر سمط اللآلي 193 من الأصل والاشتقاق 210.
(9) أخباره في شروح الحريري المقامة 22.
(10) المعارف 181.
(11) لعامر وعمرو نهاية القلقشندي 269 و 303.
(12) المعارف 33.
(13) الاشتقاق 113 والمعارف 33.
(14) آل أبي غسان مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب سيد بكر بن وائل في الإسلام، الكامل 131، المعارف 144.
(15) كغراب، والنعامة فرسه في حرب البسوس.
(16) لعله يريد آل مرثد ومنهم عبد عمرو بن بدير بن مرثد زوج أخت طرفة.
(2/345)

ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب.
ثم حنيفة بن لُجَيم بن صَعْب، من بطونهم الدُوْل بن حنيفة وعبد الله بن الدُوْل وسُحيم بن مرة بن الدُوْل رهط هَوْذة (1) بن عليّ وعَدِيّ بن حنيفة رهط مُسيلمة الكَذّاب ونَجْدَةَ (2) الحَرُوْري وعامرُ بن حنيفة، فهؤلاء بنو حنيفة بن لُجيم. ثم عِجْلُ بن لجيم، من بطونهم بنو حاطبة (3) بن جذيمة بن سعد بن عِجْل وسيّار (4) بن الأسعد وكعب بن الأسعد وبنو (5) دُلَفَ بن جُشَمِ بن قيس بن سعد وعبد العُزَّى بن دُلَفَ رهط عيسى بن إدريس، وضُبَيعة [وربيعة] بن عجل رهط أبي النجم الراجز، فهؤلاء بنو عِجْل بن لُجيم بن صعب، وبنو زِمّان (6) بن مالك بن صَعْب.
ثم يشكر بن بكر من بطونهم بنو غُبَر (7) بن غَنْم بن حَبيب بن كعب بن يشكر وبنو كنانة بن [يشكرو] حرب بن يشكر رهط ابن (8) الكَوّاء وذبيان بن كنانة بن يشكر رهط سُوَيد (9) ابن أبي كاهل، فهذه بكر بن وائل.
ثم تغلب بن وائل، من بطونهم الأراقم، وهم ستّة: جُشَمِ ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث بنو (10) بكر بن حُبَيب بن عمرو بن [غَنم بن تغلب، وعتاب بن سعد بن زهير بن جُشَم ومنهم عمرو (11) بن] كلثوم وبنو فدَوْكَس (12) رهط الأخطل،
__________
(1) ممدوح الأعشى صاحب اليمامة ذو التاج كتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) الاشتقاق 209 والكامل والمعارف 32، ولنسب مسيلمة السهيلي 2/ 340، والمعروف أنهما من ولد الدول ولكن في المعارف أن مسيلمة من عدي كما هنا.
(3) كذا في الأصول وفي الاشتقاق بنو الظاعنية من عجل أمهم من بني ظاعنة وانظر التاج.
(4) كذا في الأصل ولم أعرفهما ولعل الصواب فيهما سعد لا أسعد.
(5) هذا نسب أبي دلف: هو القاسم بن إدريس بن معقل بن عمرو بن شنج بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزى بن دلف بن جثم الخ وهو صاحب الكرج من قواد المأمون له ترجمة في الوفيات.
(6) الاشتقاق 207، المعارف 32.
(7) الاشتقاق 205.
(8) النسابة، المعارف 181.
(9) الأغاني 11/ 165 لنسبه وترجمته.
(10) المعارف 32، الاشتقاق 203.
(11) كلثوم بن مالك بن عتّاب بن سعد بن زهير بن جثم بن بكر بن حبيب (ككميت) الخ.
(12) كذا بدون أل في المعارف 32 وفي الاشتقاق 204 محلى بها كالأغاني 7/ 161 ونسبه هو غياث بن =
(2/346)

فهؤلاء تغلب بن واثل والشُخَيص (1) بن وائل وعَنْز بن وائل، انقضت وائل بن قاسط.
ثم النَمِر بن قاسط بن هِنْب، ثم عبد القيس بن أَفْصَى، من بطونهم بنو صُباح (2) بنُ لُكيز بن أفصى بن عبد القيس، ونُكْرَةُ (3) بن لُكَيز ومحارب بن عمرو وعِجْل (4) بن عمرو بن وديعة بن لُكيز، وثعلبة بن أنمار بن عمرو بن وَدِيعة رهط هَرِم (5) بن حَيّان العابد، وغَنْم بن وديعة وعامر بن الحارث رهط مِهْزَم (6) بن الفِزْر، وبنو جَذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار رهط الجارود (7)، وبنو عَصْر بن عوف بن عمرو بن بكر رهط الأشجّ (8) الوافد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والدِيل (9) بن عمرو بن وديعة. وشنّ بن أَفْصَى بن عبد القيسِ. وعميرة (10) بن أسد بن ربيعة، وهم في عبد القيس ثم عَنزَة بن أسد بن ربيعة ثم ضُبَيعة بن ربيعة منهم بنو (11) الكَلْبة وأفخاذ قلّما يُنْسَب إليها إلَّا الأب الأكبر، فهؤلاء ربيعة بن نزار.
* * *

ثم قبائل اليمن: من قبائل اليمن: سَبَأ وهو عامر بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان، ونسب ابن الكلبيّ قحطانَ إلى إسماعيل - عليه السلام - فقال قحطان بن الهَمَيسَع بن
__________
= غوث الصلت بن الطارفة، ويقال ابن سيحان بن عمرو بن الفدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر الخ.
(1) درج الاشتقاق 202 كتاب بكر 4.
(2) المعارف 31.
(3) منهم المفضل النكري صاحب المنصفة في الأصمعيات.
(4) المعارف 31.
(5) الاشتقاق 197 أدرك عمر رض.
(6) كان من قواد المنصور، طرة الاشتقاق 197 وفيه أنه من الصيق (كفيل) بن مالك.
(7) بن المعلى العبدي وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، السيرة 945، 2/ 340، الإصابة 1042 الاشتقاق 197، المعارف 115.
(8) المعارف 115 و 31، الإصابة 8218.
(9) المعارف 31 منهم مصقلة وآل المعذل بن غيلان.
(10) المعارف 30.
(11) الاشتقاق 193 وطرته، وفي المعارف 30 أبو الكلبة مصحفا.
(2/347)

تَيمَن بن نَبْت بن إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليه، ومنهم نَبْت وهو الأشعر بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عُرِيب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ، وإنّما تفرّقت قبائل اليمن من كهلان والعَرَنْجَج وهو حِمْيَر، وليس لسائر بني سَبَأ قبائل يُعْرَفون بها، وإنما يقال لهم السَبَئِيّون، وطيّىِء (1) ومالك ابنا أُدَد بن زيد أمّهما دَلَّةُ (2) وهي مَذْحِج فهم مذحج، فمن بطون طَيء بنوتيم (3) بن ثعلبة الذين يقول لهم امرؤ القيس:
أقَرَّ حشا امرئ القيس بن حُجْر ... بنو تيم مصابيحُ الظلام
وبنو نَبْهان بن عمرو وثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طَيّء وجَرْم بن عمرو، وبنو سِنْبِس (4) حاتم بن عبد الله الجواد بن بني عَدِيّ بن أخزم ابن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثعَل، وفيهم أفخاذ أخر وجمهور النسب فيهم إلى طيّء.
وأمّا مالك بن أُدَد فمن قبائلهم سعد العَشيرة بن مالك ويحابِر بن مالك وهم مراد والحارث بن كعب بن عمرو بن عُلَةَ بن جَلْد بن ملك، والنَخَع (5) وهو جَسْر بن عمرو بن عُلَةَ. ومن بطون سعد العشيرة: الحَكَم بن سعد رهط الجَرّاح (6) بن عبد الله الحَكَمِيّ، وجُعْفِيّ بن سعد، ومن بطون جُعْفيّ: مَران وحَرِيم، اللّذان يقول فيهما لبيد (7):
ولقد بَلَتْ يوم النُخَيل وقبله ... مَرّانُ من أيّامنا وحَريمُ
__________
(1) في المعارف طئ بن أدد ومالك بن زيد، وفي الاشتقاق 218 هما ابنا زيد بن كهلان.
(2) وفي التاج أن دلة امرأة أدد هلكت فتزوج أختها مدلة (بضم الميم وكسر الدال) وأولدها مالكا وطيئا، والمعروف أن مذحج أكمة ولدا عندها.
(3) الاشتقاق 228، المعارف 35.
(4) كذا وهو تصحيف فسنبس هو ابن معاوية بن جرول بن ثمل وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج ابن امريء القيس بن عدي الخ انظر سبائك الذهب 56 والأغاني 16/ 93 والاستيعاب بالهامش 3/ 141 والاشتقاق 232.
(5) كذا في نهاية القلقشندي 67 وخالفه في 179، وفي المعارف 36 النخع بن جسر، وفي الاشتقاق 237 هما أخوان.
(6) صاحب خراسان مولى هانئ أبي أبي نواس الاشتقاق 242.
(7) ديوانه الخالدي 106 وفي ص 3:
شق النفس ما خبرت مران أرهقت ... وما لقيت يوم النخيل حريم
(2/348)

ومنبّهِ (1) بن سعد رهط عمرو بن معد يكرب، وبطون أيضًا ليست في شهرة ما ذكرنا. ومن بطون مراد بطن يقال لهم: بنو جَمَل، يُنْسَب إليهم فلان (2) الجَمَليّ. ومن بطون بني الحارث بن كعب [قوم] يقال لهم: بنو النار (3)، وبنو الحماس (4) رهط النَجاشي الشاعر، وبنو زياد رهط بني عبد المدان (5) وبنو قَنَان. وفي النَخَع بطون كثيرة، لكلّ بطن منهم مسجد بالكوفة، وليس يكاد [ينسب] منهم [إلّا] إلى القبيل الأكبر. ومن بني حرب (6) بن عُلَةَ رُهاء (7) بن مُنَبّه بن حرب، وصُداء وهو يزيد بن حرب، والحارث والغَلِيُّ وسَيحَان وشِمْرَانُ وهِفّان ومُنَبّه بنو يزيد بن حرب والحارث، هؤلاء الستة يقال [لهم] جَنْب لهم يقول مهلهل (8):
أنكحها فقدُها الأراقمَ في جَنْ ... ب وكان الحِباء من أَدَم
فهؤلاء بنو جَلْد بن مالك. وعَنْس وهو زيد بن مالك وهم (9) أخو مَذْحِج، من عنس عَمّار (10) بن ياسر، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والأسودُ العَنْسيّ الذي تنبّأ باليمن. ثم من قبائل بني مُرّة بن أُدَد: مالك وهو لخم (11) بن عديّ بن الحارث بن مُرّة، وعمرو بن عديّ وهو جُذام، والحارث بن عديّ وهو عاملةُ (12)، وثور بن عُفير بن
__________
(1) هو زبيد، الاشتقاق 245 لنسب عمرو.
(2) هو هند قتل مع علي يوم الجمل وإياه عنى عمر بن يثربي:
قتلت علياء وهند الجملي
الإنباه 118.
(3) ابن الحارث بن مالك بن ربيعة بن مالك بن كعب بن الحارث بن كعب النهاية 33، المعارف 36.
(4) الاشتقاق 239 الخزانة 2: 106.
(5) العقد 2/ 250.
(6) النهاية 195.
(7) كغراب وكلامهم مضطرب في هذه الأنساب انظر التاج والاشتقاق 242 والعقد 2/ 249 والإنباه 117. وجنب لأنهم جانبوا أخاهم صداء وحالفوا سعد العشيرة، وحالفت صداء بني الحارث بن كعب.
(8) معروف سائر من ستة في كتاب بكر 91، والحباء يريد المهر.
(9) من ش وأصلنا آخر ولا معنى له وانظر الاشتقاق 35.
(10) الإصابة 5704.
(11) التاج وفيه اسم جذام عامر وانظر الاشتقاق 223.
(12) عاملة زوجة الحارث وفي النسب خلاف انظر النهاية 272 وقيل إن الحارث هو عاملة نفسه، العقد. 2/ 234 والإنباه 103.
(2/349)

عَدِيّ وهو كِنْدة. ومن بطون كِندة: بنو معاوية (1) الذين يقول فيهم الأعشى (2):
وإنّ معاوية الأكرمينَ ... حِسانُ الوجوه طِوالُ الامَمْ
وهم رهط الأشعث (3) بن قيس، والرائش رهط شُرَيح (4) القاضي. ومن بطونهم السَكون (5) والسّكاسك وبنو حُجْر (6) وبنو الجَوْن وبنو الحارث وأولاده (7) وقبائل أخرى، وجمهور النسب منهم إلى القبيل الأكبر، فهؤلاء بنو مرّة بن أُدَد بن زيد بن يَشْجب بن عَرِيب بن زيد بن كهلان. ثم هَمْدان وهو أَوْسلة بن مالك بن زيد بن أَوْسلَة بن رَبيعة بن الخِيار بن مالك بن زيد بن كهلان. من بطونهم وادعةُ رهط مسروق (8) بن الأجدع الفقيه، والسَبِيع رهط أبي (9) إسحاق السَّبيعيّ، وخَوْلان وهو فَكْل (10) بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرة.
ثم نسب الأَزْد وهو ابن الغوث بن نَبْت بن مالك بن زَيد. منهم غَسّان، وهو مازن بن الأَزْد، وإنّما غَسّان ماء نُسبوا إليه، من قبائلهم بنو جَفْنة رهط الملوك من غَسّان، منهم عمرو (11) بن عامر وهو ماء السماء بن حارثة الغِطْرِيف بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن، وعمرو بن عامر هو مُزَيقياء.
ومنهم الأنصار الأوس والخَزْرَج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر. من قبائل الأوس بن النَبِيت (12) وبنو عمرو بن عوف وبنو (13) السَمِيعَةِ، وبنو عبد
__________
(1) النهاية 341.
(2) ديوانه الرقم 4 ب 46، والأمم القامات.
(3) الإصابة 205.
(4) ابن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية إلخ، الإصابة 3880 والاشتقاق 218، والمعارف 150.
(5) ابنا أشرس بن ثور بن كندي، الاشتقاق 221، وكندي هو كندة، الإنباء 114 و 115.
(6) النهاية 45، 41, 43.
(7) ش الولادة؟
(8) المعارف 149 و 35، والاشتقاق 253، والعقد 2/ 246.
(9) المعارف 156.
(10) الاشتقاق 227، والنهاية 208 والإنباه 115.
(11) الاشتقاق 258 عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء، الإنباه 111 و 118.
(12) وفي الاشتقاق 259 النبيت عمرو بن مالك وأخوه عوف وكما هنا في الإنباه 109.
(13) كأميرة كما في التاج، وفي العقد 238، والنهاية 53 عمرو بن عوف بن مالك هم بنو السميعة بها يعرفون وهم عوف وثعلبة ولوذان بنو عمرو.
(2/350)

الأشهل رهط سعد (1) بن معاذ وغيرهم. ومن قبائل الخزرج بنو النَجّار رهط حَسّان بن ثابت وبنو سالم (2) الحُبْلى رهط عبد الله بن أُبَيّ وغيرهم.
ثم خزاعة وهم ولد عمرو بن ربيعة وهو لُحَيُّ (3) بن حارثة بن عمرو بن عامر. من بطونهم بنو مُلَيح وبنو قُمَير (4) رهط قَبيصة بن ذؤيب ورهط عبد (5) الله بن مالك وبنو (6) حُلَيل بن حُبْشِيَّةَ رهط بني (7) كُرْزٍ القافَةِ. ثم أَسْلَم (8) بن أَفْصَى بن حارثة، وهم من خزاعة، وبارق (9) بن عديّ بن حارثة، والعَتِيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن عامر رهط (10) المهلَّب ابن أبي صُفرة، وهَدَادُ (11) بن زيدِ مَناة بن الحَجْر، وطاحية (12) بن سُود بن الحَجْر. وفيهم بطن يقال لهم النَدَب (13) وغامد (14). وزَهْران (15) بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، منهم: دَوْس (16) بن عُدْثان بن عبد الله بن زَهْران رهط أبي هريرة، وجذيمة الأبرِش بن مالك بن فَهْم (17) بن غَنْم بن دَوْس الذي قتلته الزَّبّاءُ (18) الرُوميةُ. وجَهْضم
__________
(1) الصحابي الاشتقاق 263.
(2) سمى بذلك لعظم بطنه الاشتقاق 271 النهاية 45.
(3) الاشتقاق 276، والسيرة 50، 1/ 61.
(4) العقد 2/ 242، المعارف 36 و 155، الاشتقاق 277.
(5) المعارف 36.
(6) الاشتقاق 276، العقد 2/ 242.
(7) الأصول ابن. وهو كرز بن علقمة قفا أثر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الغار الاشتقاق 277/ 471 "فرأى عليه نسج العنكبوت فقال: ههُنا انقطع الأثر" (م. ي) والاصابة 7397، والمعارف 36.
(8) النهاية 36.
(9) النهاية 147.
(10) الاشتقاق 283، المعارف 137.
(11) الاشتقاق 284، والحجر هو ابن عمران.
(12) الاشتقاق 285.
(13) في الاشتقاق 286 و 287 أنه الندب بن الهون بن الهنؤ (بالكسر) بن الأزد، وكذا في التاج (ندب) والندب محرك والهون بالفتح.
(14) الاشتقاق 288.
(15) الاشتقاق 288 و 291 والعقد 2/ 243 والنهاية 319 و 228. ونصر هو شنوءة.
(16) الاشتقاق أو 2 النهاية 212.
(17) النهاية 319، العقد 2/ 244.
(18) الشريشي 2/ 3.
(2/351)

ابن (1) مالك يقال لهم: الجهاضم، رهط جرير (2) بن حازم. وسَلِيمَة بن مالك رهط أبي حمزة (3) الحارجيّ، وهُناءة بن مالك رهط عُقبة (4) بن سَلْم، ومعن بن مالك رهط مسعود (5) الذي وقعت الفتنة في البصرة في مقتله. ومنهن بطن يقال لهم اليَحْمَدُ (6)، ومنهم بنو سلامان بن مُفْرِج (7) من بني دُهْمان بن نصر، ومنهم بنو مُرَّة بن عَكّ بن قَرن بن عبد الله بن الأزد. ثم خثعم (8) وبَجِيلة وهما من ولد عمرو بن الغوث أخي الأزد بن الغوث، وبجيلة امرأة. ومن بطون بَجِيلة قَسْرٌ رهط خالد (9) بن عبد الله القَسْري، وبطن يقال لهم بنو أَحْمَسَ (10) رهط شِبْل بن مَعْبَد البَجَليّ، وبطون أخر. فهؤلاء بنو كهلان بن سَبَأ.
ومن بني حِمْيَر بن سَبَأ: قُضاعة بن مالك بن عمرو بن زيد بن مالك بن حِمْيَر، قال بعض رجّازهم (11):
قُضاعةَ بن مالك بن حِمْيَرْ ... النسبِ المعروفِ غيرِ المُنْكَرْ
فمن قبائل قُضاعة كَلْب (12) بن وَبَرَة، فمن بطون كلب: بنو عَدِيّ (13) بن جَناب، وبنو عُلَيم بن جَناب ذكرهم (14) زُهير، وبنو حِصْن بن كعب بن عُليم ذكرهم زُهَير (15)، وبطن يقال لهم بنو العُبيد (16)، قال الأعشى:
__________
(1) وفي الاشتقاق 292 جهضم بن جذيمة بن مالك، وكما هنا في المعارف 36.
(2) الجهضمي أبو النضر من التابعين وأصحاب الحديث، المعارف 171.
(3) الاشتقاق 292 والأصلان بحذف (أبي).
(4) ممدوح بشار طرة الاشتقاق 292.
(5) ابن عمرو العتكي وانظر الخبر في الكامل 81.
(6) بن الحمى (كالحبلى) بن عبد الله بن نصر بن زهران، الاشتقاق 296 والنهاية 69.
(7) انظر الاشتقاق 301 و 300. والأصول خثعم بن بجيلة.
(8) الاشتقاق 302، الإنباه 100.
(9) نسبه في الاشتقاق 303.
(10) الاشتقاق 304. والأصول بن عبد الله.
(11) كتابي أبو العلاء وما إليه والإنباه 59 - 63.
(12) الاشتقاق 314.
(13) النهاية 291.
(14) و (15) فتشت عنهما في شعره فإذا البيتان هما:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
لقد زارت بيوت بني عليم ... من الكلمات آنية ملاء
(16) الاشتقاق 316 وديوانه رقم 24 ب 1.
(2/352)

بنو الشهر الحرام فلستَ منهم ... ولستَ من الكرام بني العُبيد
وهم رهط (1) منصور بن جُمهور مع بطون كثيرة فيهم، ورُفيدة ومَصاد. ومن سائر قصاعة بنو القَين وبنو سَلِيح وتنوخُ وجَبْرم ورايسب بن جَرْم وبَهْراء وبَلِي ومَهْرة وعُذرةُ وسع بن هُذَيم والحارث بن هُذَيم وضِنَّة بن سعد بن هُذيم وسلامان بن سعد، هؤلاء كلّهم في عُذرة، وهم إخوتهم، وجُهينة ونَهْدة (2)، ومن سائر حمير غير قضاعة التبابعة، منهم ذو الكَلَاع وذو نُواس وذو أصبَحَ إليه تُنسب السياط الأَصْبَحية وذو جَدَن وذو فائش وذو رُعَين وذو يَزَن وجُرَشُ، والسَحول بطن منهم، وبطون كثيرة أيضًا غير هؤلاء.
تمّ الكتاب والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على سيّدنا محمد النبيّ وعلى آله الطيّبين الطاهرين. وكتب موهوب بن أحمد بن محمد بن الخَضِر الجواليقيّ في جمادى الأولى من سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
__________
(1) أحد الستة الذين قتلوا الوليد بن يزيد، الاشتقاق 316 ولرفيدة 314 ولمصاد 316 وللقين 317 ولسليح 314 الخ ولذي يزن وجرش 310 وللسحول 313.
(2) وفي ش فقط نهد.
(2/353)

كتاب أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى وما يَنبُتُ عليها من الأشجار وما فيها من المياه
رواية
أبي سعيد السيرافي عن أبي محمد السكّري
عن ابن أبي سعد الورّاق عن أبي الأشعث الكندي
عن عرّام بن الأصبغ السُلَمِيّ [الأعرابيّ]
(أوّل جُغرافيا الحجاز وتهامة)
عن
نسخة الكتبخانة السعيديّة المحرَّفة للغاية بحيدرآباد بالهند
بعناية
عبد العزيز الميمني بعليكَره الهند
(2/355)

هذا الكتاب كما تراه في نسختنا هذه يحمله ابن أبي سعد الورّاق عن أبي الأشعث الكندي، ويقول البكري في معجمه (1) (وجميع ما أُورده في هذا الكتاب عن السكوني فهو من كتاب أبي عبيد الله عمرو بن بشر بن مرثد السَكوني في جبال تهامة ومحالّها يحمل جميع ذلك عن أبي الأشعث الكنديّ عن عرّام بن الأصبغ السُلَمي الأعرابيّ)، وكذلك يقول ياقوت في رسم النَقِرة (قال أبو عبيد الله السَكوني هكذا ضبطه ابن أخت الشافعيّ بكسر القاف) فما لنا لا نترك إذنْ عزوه إلى أحد الرجلين ابن أبي سَعْد أو السكونيّ، ونُلزقه (2) بمُمليه وهو عَرّام؟ الذي لا محيد عنه.
ولا أعرف عنه غير أن البكري وياقوت وقفا عليه وانتشلا جُلّ ما فيه أو كلّه، وربّما ينقل البكري كلام عَرّام على طوله في نحو صفحة، كما فعل في عدّة أماكن تراها في التعليقات. ولكن عبارة ياقوت أوْفَقُهما لنسختنا هذه. وجعلت (مم) علامة لمعجم ما استعجم للبكري و (مي) علامة لمعجم البلدان لياقوت. وألمّ به الحاجّ خليفة (3) إلمامة خفيفة تدل على أنه لم يره رأي العين.
ويظهر أن نسخ الكتاب كانت مختلفة جدَّ اختلاف منذ قديم. وقد أورث هذا الاختلاف تضاربًا في الأقوال واختلافًا في تسمية الأماكن ووصفها وتحديدها فاحشًا غير هيّن. ولا أرى العناية برفعه الآن ونحن في القرن الرابع عشر إلَّا نوعا من الخبل وضربًا في حديد بارد، فتركته على غَرة بعد التنبيه عليه ولَفْت الأنظار إليه. هذا وترى عند البكري في رسم بُحرة ص 140 كلامًا عنه لا أثر له في هذه النسخة.
__________
(1) 5 و 415 وترجم في الأدباء 1: 409 لأبي عبيد أو عبد الله السكوني ولكنه سمّاه أحمد بن الحسن بن إسماعيل.
رجعنا إلى طبعة مصطفى السقّا من معجم البكري للتثبت من النقول وكلما احتجنا إلى المراجعة (محمد اليعلاوي).
(2) 415.
(3) باريس رقم 7242.
(2/356)

والذي عرفته عن عرّام بعد البحث والفحص الطويلين هو أنه كان في جملة (1) الأعراب الذين قدم بهم عبد الله بن طاهر خراسان وكان وليها سنة 317 ه من قِبَل المأمون وهم: عرّام، وأبو العميثل، وأبو العَيسجور، وأبو العجنس، وعوسجة، وأبو العُذافر. أو ما يقوله ياقوت في رسم (ثاقل) بعدما روى قوله في معنى الأيدع وأردفه بما قاله اللغويون، ثم قال: (والصواب عندنا قول عَرّام لأنه بدويّ من تلك البلاد وهو أعرف بشجر بلاده الخ) وفي رسيم زَبيّة (كذا هو مضبوط في كتاب عَرّام) فلنستبشرْ إذنْ باكتشاف أوّل كتاب عَرَبيّ في جغرافيا الحجاز المقدس أمْلِيَ في بدء القرن الثالث ولله الحمد.
وأبوالأشعث عرفته بعد بُرهَة وهو عُزير بن الفضل بن فضالة بن مِخراق بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن مخراق الهذلي ذكر النديم (2) وياقوت له هذا الكتاب في ترجمته، ولكن في عنوان نسختنا هذه في اسمه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك والله أعلم.
والنسخة من ص 151 - 159 في المجموعة الحديثيّة الموجودة بالخزانة السعيدية بحيدرآباد. وأولها خلق أفعال العباد للبخاري، ورقم كتابنا هذا فيها 14، وجملة ما فيها من الرسائل القيّمة 27 رسالة وافق الفراغ من كتابتها في 18 جمادى الأولى سنة 786، وعلى طرّة الخاتمة (بلغ مقابلة على الأصل المنقول منه في مجالس آخرها في ليلة يُسفر صباحها عن يوم الخميس [من ذي] الحجّة الحرام سنة 787 كاتبه محمد بن علي ...) ولكنّه مع هذه الدعوى الطنّانة الفارغة آية في التصحيف والتحريف، ولولا المعجمان (3) لم أَحْلَ منها بطائل. والله يشهد أن الفضل كل الفضل في بعث هذه الرسالة نشأةً أخرى وخلقَها كتابًا سَويًّا يعود إلى العِراض بالمعجمين. هذا وقد أورثني شكاية النساخ في أعمالي التي قمت بها حتى الساعة ضَجَرًا وشَنَفا وتكريرًا من القول وإعادة فأكتفي بهذا القدر ولا أُسهب.
وهذه الكتبخانة تعزى إلى المفتي محمد سعيد خان بحيدرآباد كان. وهو
__________
(1) الأدباء ترجمة أبي سعيد الضرير. ونقل في التاج (حتل) بيتًا في إحليل عن عرّام بن الأصبغ.
(2) الفهرست 114 الأدباء 5: 56.
(3) أي معجم البلدان لياقوت (ورمز إليه ب: مي) ومعجم ما استعجم للبكري (ورمزه: م. م) (محمد اليعلاوي).
(2/357)

جوهرة هذه العائلة العالمة العربيّة التي أقامت بسواحل جَنوب الهند أكثر من ثلثة قرون (بيجابور، كُوْوَهْ، بِيدَرْ، أركات، مَدْراس)، وفي، هذه انتقل المرحوم سنة 1284 ه إلى حيدرآباد، بعد أن تبدّد شَمْل الإِمارات الإِسلامية الوطنيَّة هناك بتخاذلهيم أمام الأُمّة الأجنبيّة التي جاءتهم بما لا قِبَلَ لهم به، حيث عُيّن قاضيًا ثم مُفتيًا وتوفّي سنة 1312 ه. وكان ورث هذه المجموعة عن أسلافه وزاد إليها ما جمعه من الأعلاق فصارت 2120 نسخة خطّيّة أغلبها في الفقه والحديث، ومعظمها مما جُلب من البلاد العربيّة التي كانت لهم بها صِلةٌ. وقد طبعوا عنها بيانًا مختصرًا بالإنكليزية ونشروه سنة 1937 م وذكروا هذه الرسالة في صفحته الأخيرة.
وفي الختام أقدّم دواعي الشكر الخالص والودّ المَحْض إلى مُديرها الشابّ الفاضل الصالح شاه محمد غوث وإلى صديقي الكريم الفاضل المتفنّن الأستاذ عبد القدوس الهاشمي لأنه حفظه الله تكلّف نسخها أوّلًا بخطّ يمينه حتى أمكنني بعد ذلك معارضتها بالأصل في إلمامتي بحيدرآباد في وسط يوليه سنة 1938 بمعونة الأستاذ الفاضل إبراهيم بن أحمد حمدي مُدير كتبخانة شيخ الإِسلام بالمدينة المنوَّرة حفظهم الله وأمتع بهم.
غرة رجب الفرد سنة 1357 ه
38 أغسطس سنة 1938 م
عبد العزيز الميمني عليكَره - الهند
* * *

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي أنبأ أبو محمد عبيد الله بن عبد الله السكّري قراءة عليه ثنا (*) عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن الورّاق المعروف بابن أبي سعد، ثنا عبد (* *) الرحمن بن محمد بن عبد الملك أبو الأشعث قال:
أملَى عليَّ عَرّام بن الأصبغ السُلَميّ قال:
__________
(*) وفي تصحيف العسكري نسخة مصر ق 6 و 16 ب (طبعة 1908 م ص 8 و 03) أخبرنا أبو العباس بن عمّار أخبرنا عبد الله بن أبي سعد الوراق الخ وأصلنا بابن أبي سعيد. وابن أبي سعد عند النديم 47 أيضًا.
(* *) سمى النديم وياقوت أبا الأشعث صاحب جبال تهامة عزيز بن الفضل كما مرّ لنا في المقدّمة.
(2/358)

أسماء جبال تهامة وسُكانها وما فيها من القرى وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه.
أولها (رَضْوَى) (1) من يَنْبُع على يوم ومن المدينة على سبع مراحل، ميامنة طريق المدينة (2) ومياسرة طريق (البُريراء) (3) لمن كان مُصعِدا إلى مكة. وأهو، على ليلتين من البحر. وبحذائه أعَزْوز، وبينه وبين رضوى طريق المُعْرِفة تختصره العرب إلى الشام وإلى مكة وإلى المدينة بين الجبلين قدر شوط فرس. وهما جبلان شاهقان منيعان لا يرومُهُما أحد. نباتهما الشوْحط والقَرَظ والرَنف وهو شجر يشبه الضَهْيأ والضَهْيَا شجر يشبه العُنّاب تأكله الإِبل والغتم لا ثمر له، وللضَهْيَأ ثمر يشبه العَفْص لا يؤكل وليس له ريح ولا طعم، وفي الجبلين جميعًا مياه أوشال والوشل ماء يخرج من شواهقه لا يطورها أحد ولا يعرف منفَجَرُها. وليس شيء من تلك الأوشال يجاوز الشفةَ وأنشد في (4) الرِمْث يصف جبلًا:
مراتعه رَفْفٌ فملْقَى (*) سيالِه ... مَدافع أوشال [يَصب] مَعينها
ويسكن دارهما وأحوازهما (* *) نهد وجُهينة في الوَبرِ خاصة دون المَدَر ولهم هناك يسار ظاهر. ويصبّ الجبلان في (وادي غيقة) وغيقة يصبّ في البحر ولها مُسُك (5) تمسك الماء واحدها مَسَاك. ومن عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى (6) (يَنْبُعُ) وبها منبر وهي قرية كبيرة غناء، سُكانها الأنصار وجهينة وليث أيضًا وفيها عيون عِذاب غزيرة وواديها (يَلْيَل) يصبّ في غَيقة. و (الصفراء) (7) قرية كثيرة النخل والمزارع وماؤها عيون كلّها و [هي] فوق ينبع مما
__________
(1) رضوى: مي مم 415.
لقد رقّم العلامة الميمني الأماكن بأرقام متسلسلة في الطرّة وجعل كل موضع بين قوسين () وجمع أسماءها في الفهرست آخر الكتاب (م. ي.).
(2) كذا مم وفي مي مكة.
(3) الأصل البربر وفي مم البر وفي مي البريراء.
(4) الأصل (وأنشد في) ولكن الخَلل لم يَزل بعد لأن الرمث وهو مرعى الإبل من الحَمْض لم يتقدم ذكره، ثم أن الوارد في الشاهد إنما هو الرَنْف.
(*) الأصل فملغى ... برافع أو شال يربّ، ولم أقف على البيت في مظنة أخرى ويرث كذا هو وأنا أنكره.
(* *) الأصل أجوادهما.
(5) الأصل ولها مساك وهو موضع يمسك الماء واحدها مساك والإصلاح من مم.
(6) زيادة في المعجمين راجعهما 415.
(7) في مي وفي مم ما يشبه.
(2/359)

يلي المدينة وماؤها يجري إلى ينبع. وهي لجهينة والأنصار ولبني فِهْر ونَهْد، ورضوى منها من ناحية مغيب الشمس [على يوم]، وحواليها قِنَان واحدها قُنّة وضعاضع صغار واحدها ضعضاع. والقِنان والضعاضع جبال صغار لا تسفَى. وفي يَلْيَل هذه عين كبيرة تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماء تجري في رمل فلا تمكن الزارعين غلّتها (1) إلا في مواضع (1) يسيرة من أخاء (2) الرمل، وفيها نخيل ويتخذ البقول والبطيخ وتسمّى هذه العين (البُحير) (3) و (الجار) (4) على شاطئ البحر ترفأ إليه السُّفُن من أرض الحبشة ومصر ومن البحرين والصين، وبها منبر، وهي قرية كبيرة آهلة شِرب أهلها أمن، البُحير. وبالجار قصور كثيرة. ونصف الجار في جزيرة من البحر تكون ميلًا في ميل لا يُعبر إليها [إلا] في سُفُن، وهي مرفأ (5) للحبشة خاصة [يقال لها] (قَرَاف)، وسكانها تجار لنحو (4) أهل الجار يؤتَوْن بالماء من على فرسخين [من (6)] وادي يَلْيَل [الذي (7)] يصب في البحر ثم من عُدوة غَيقة اليسرى يلي المدينة [من (8)] عن يمين المُصعد إلى مكّة من المدينة وعن يسار المُصعد من الشام إلى مكة جبلان يقال لهما ثافل (9) الأكبر وثافل الأصغر) وهما (10) [لبني] ضمرة خاصَة وهم أصحاب (11) حِلال ودَعَة ويسار، وبينهما ثنية لا تكون ترمية سهم، وبينهما وبين رضوى وعَزْوَرٍ ليلتان، نباتهما العَرْعَر والقَرَظ والظَيّان والأيدَع والبَشام. وللظَيان ساق غليظة وهو شاك أي غليظ الشوك ويُحتطب وله سِنْفة كسِنفة العِشْرِق والسِنفة ما تدلَّى من الثمر وخرج عن أغصانه. والعِشْرِق وَرَق يشبه الحَنْدَقُوْقَا مُنْتِنَة الريح والأيدَع شجر يشبه الدُلب إلَا أن
__________
(1) من مم والأصل (عليهما)، (كثيرة).
(2) الأصل أخباء.
(3) وكذا مي (البُحير) ولكن في مم 608 البحيرة.
(4) مي ومم 333 بزيادة.
(5) الأصل برية والتصحيح من مم وفي مي مرسى.
(6) من مي واصلنا محرّف.
(7) من مم. قال والصحيح أن يليل يصب في [غيقة- م. ي.] وغيقة تصب في البحر.
(8) منى.
(9) مم 90 ومي.
(10) بن بكر بن عبد مناة- مي.
(11) مي: جَلال ورُغبة ومم: حِلال ويرعى ولعله الصواب.
(2/360)

أغصانه أشدّ تقاربًا من أغصان الدُّلب لها وردة حمراء ليست (1) طيّبة الريح وليس لها ثمر، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كسر شيء من أغصانها وعن السدر والتَنضُب والشَهَامة، لأن هؤلاء جميعًا ذوات ظلال يسكن الناس فيها من البرد والحَر وللتنضب (2) ثمر يقال له الهُمَّقِع يشبه المِشْمِش يؤكل طيبًا، وللسَرْح ثمر يقال (3) له الآعُ يشبه الموز وأطيب منه كثير الحَمْل جِدًا. وفي ثافل الأكبر عِدّة آبار في بطن واد يقال له (يَرْثد) (4)، يقال للآبار الدباب وهو ماء عذب كثير غير منزوف أناشيط (*) قدر قامة. وفي ثافل الأصغر ماء في دَوَار في جوفه يقال له (القاحة) (5) وهما (6) بئران عذبتان غزيرتان، وهما جبلان كبيران شامخان، وكل جبال تهامة تنبت الغَضْوَر. وبينهما وبين رضوى وهَزْوَرٍ سبع مراحل، وبين هذه الجبال جبال صغار وقراددُ وينسب إلى كل جبل ما يليه، ولمن صدر من المدينة مُصْعِد أؤل جبل يلقاه عن يساره (وَرِقان) (7) وهو جبل أسود عظيم كاعظم ما يكون من الجبال ينقاد من سَيَالة إلى المتعشَّى بين العَرْح والرُوَيثة، ويقال للمتعشى (الجِيُّ) (8). وفي وَرِقان الشجر المُثْمِر كله، وفيه القَرظَ والسُماق والرُمان والخَزَم، وأهل الحجاز يسمّون السُماق الضَبْح (* *) وأهل نجد (9) يسمّونه العَرْتَن واحدته عرتونة. والخَزَم شجر يشبه ورقه ورق البَرْدي وله ساق كساق النخلة تُتخذ منه الأرشية الجياد، وفيه أوشال وعيون وقِلات، سُكانه أوس من (10) مُزينة أهل عمود ويسارهم قوم صدق. وبسفحه من عن يمينٍ (سَيالةُ ثم الروحاءُ ثم الرُويثةُ) ثم الجِيُّ ويعلو (11) بينه وبين قُدْسَ الأبيض ثنية بل
__________
(1) الأصل ليست تجد طيب الريح.
(2) الأصل: للسدر.
(3) الأصل (له اللكاي يشبه) الإصلاح من. ل.
(4) من مي. واصلنا ريد: في مم 5 أرشد.
(*) جمع أنشاط بالفتح ويكسر بئر قريبة يخرج منها الدلو بجذبته.
(5) مي مم 724.
(6) مي: ولها.
(7) مي ومم 841.
(8) مي مم 187.
(* *) في القاموس أنه المقل إذا نضج وفي مم الضِمْخ.
(9) مم 841 جَنَد
(10) مي: بن.
(11) الأصل وبينه: في مم رسم قدس ويقطع بينه.
(2/361)

عَقَبة يقال لها (رَكوبةُ) (1). و (قُدْس) هذا جبل شامخ ينقاد إلى المتعشّى بين العَرْج والسُقيا، ثم (3) يقطع بينه وبين قُدْسَ الأسود عَقَبة (4) يقال لها (حَمْت) (5). ونَبات القُدسين جميعًا العَرْعَر والقَرَظ والشَوحط و [العسكب] (* *) شجر له أساريع كأنها الشُطَب التي في السيف يُتخذ منها القِسِيّ. والقُدسان جميعًا لمزينة، وأموالهم ماشية من الشاء والبعير أهل عمود وفيها أوشال كثيرة، ويقابلها من غير الطريق المصعد جبلان يقال لهما (نَهْبان) (6) نهب الأسفل ونهب الأعلى وهَما المزينة ولبني ليث فيها شِقْص، ونباتهما العَرْعَر والإثرار وقد يُتخذ من الإِثرار الفَطِران كما يُتَّخذ من العَرعَر، وفيهما القَرَظ، وهما مرتفعان شاهقان كبيران. وفي نهب الأعلى ماء في دَوار منِ الأرض بئر واحدة كبيرة غزيرة الماء عليها مباطخُ (7) وبُقول ونَخَلات يقال لها (ذو خَيْمى) (8)، وفيه أوشال وفي نهب الأسفل [أوشال] (9) يفرَق بينهما وبين قُدْسَ ووَرِقان الطريقُ. وفيه (العَرْج) ووادي العرج يقال له (مُسَيحة) (10)، نباته المرخ والأراك والثمام، ومن عن يسار الطريق مقابلا قُدسًا (11) الأسود جبل من أشمخ ما يكون يقال له (آرة) (12) وهو جبل أحمر تخِرّ (13) من جوانبه عيون عن كل عين قرية، فمنها قرية غنّاء كبيرة يقال لها (الفُرُع) (14) وهي لقريش والأنصار ومزينة. ومنها (أُمّ العِيال) (15) قرية صَدَقةِ فاطمةَ بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليها قرية غناء كبيرة يقال لها (المَضِيق) (16)، ومنهما قرية يقال لها (المَحْضة) (17) ومنها قرية يقال لها (الوَبْرة) (18) وبها قرية يقال لها (خَضِرة) (19) ومنها قرية يقال لها (الفَغْوة) (20) تكتنف آرة من جميع جوانبه. وفي كل هذه القرى
__________
(1) مي مم.
(2) مي مم 728.
(3) الأصل ينقطع والإصلاح من مي ومم.
(4) الأصل وعقبته.
(5) منهما والأصل خمت.
(* *) شجر والأصل (السقب) وانظر.
(6) مي مم 739.
(7) جمع مَبطخة بالفتح موضع البطيخ.
(8) وكذا مي وفي مم ذو خيم.
(9) من مي.
(10) من مم والأصل كشيحة وراجع رقم 79.
(11) كذا مصروفا.
(12) مي مم 738.
(13) مم تنفجر وفي مي تخرج.
(14) مي (الفرع) مم 707.
(15) مي مم 100.
(16) مي مم 739.
(17) مي مم 229.
(18) مي.
(19) مي مم 321.
(20) كذا مي وفي مم و 729 و 716 قريه الفعْو.
(2/362)

نخيل وزروع، وهي من السُقيا على ثلاث مراحل، من عن يسارها مطلع الشمس، وواديها يَصُب على الأبواءِ ثم في (ودّان) (1) وهي من أمهات القرى، لضَمْرة وكنانة وغفار وفِهْر قريش، ثم في (الطُريفة) (2) قرية ليست بالكبيرة على شاطئ البحر. واسم وادي آرة (حَقْل) (3)، وقرية يقال لها (وَبِعان) (4)، و (خَلْص (5) آرة) واديه قرىً وأجزاع ونخل وقد قال فيه الشاعر (6):
فإن بَخْلص فالبُريراء فالحَشا ... فوَكْد إلى النقعاء من وَبِعان
جواريَ من حَيَّي عِداء كأنها ... مَها الرمل ذي الأزواج غير عَوان
جُنِنَّ جنونا من بعول كأنها ... قرود تَنازَى في رِياط يمان
ثم يتصل (ذَرَة) (7) وهي جبال كثيرة متصلة ضعاضع ليست بشوامخ دواراها (8) المزارع والقرى، وهي لبني الحارث بن بُهثةَ بن سُليم، وزروعها أعذاء، ويسمون الأعذاء العَثَري، وهو الذي لا يُسْقَى. ومنها (9) مَدَر وأكثرها عَمود، ولهم عيون في صخور لا يمكنهم أن يُجروها إلى حيث ينتفعون به، ولهم من الشجر العَفار والقَرَظ والطَلْح والسِدر بها كثير وَالنَشَم وألتَألب، وقد يعمل من النَشَم القِسِي والسهام، وهو عيدان (10) لا ورق له، والإِثرار [و] له ورق يشبه ورق الصَعتر وشوك نحو شوك الرُمان ويُقدح تارة إذا كان يابسًا فيقتدح سريعًا، والعَفار وردة بيضاء طيبة الريح كأنها السوسن. وتطيف بذَرةَ قرية من القرى يقال لها (جَبَلة) (11) و (السِتارة) (12) قرية
__________
(1) مي ومم 840 وانظر 50.
(2) مم 453.
(3) كذا في مي وفي مم 294 حَقيل.
(4) مي مم 835.
(5) مي مم 316.
(6) مم 739. مي (وبعان وخلص). والترتيب في أصلنا 1، 3، 2، وهي منسوبة لأبي المزاحم في مم 297 وفيه فوكز.
(7) وكذا مي وفي مم 739 و 383. ذكروة.
(8) مي: (في ذراها).
(9) مم هي وفي مي ومنها.
(10) الأصل حيطان.
(11) مي.
(12) مي.
(2/363)

تتصل بجَبَلَة، وواديهما واحد يقال له (لَحْف) (1) ويزعمون أن جبلة أول قريِة اتخذت بتهامة، وبجبلة حصون منكرة مبنية بالصخر لا يرومها أحد. ومن شرقي ذرَة قرية يقال لها (القَعْر) (2)، وقرية يقال لها (الشَرْع) (3) وهما شرقيتَان، في كُل واحدة من هذه القرى مزارع ونخيل على عيون، وهما على واد يقال له (رُخيم) (4)، وبأسفله قرية يقال لها (ضَرْعاء) (5) [فيها] قصور ومنبر وحصون يشرك بني الحارث فيها هذيل (6) وغاضرة بن صعصعة. ثم يتصل (شَمَنْصِير) (7) وهوجبل مُلَمْلَم لم يَعْلُه قط أحد، ولا [أ] دري ما على ذِروته، وبأعلاه القرود، ويقال إن أكثر نباته النبع والشَوحط عليها النخيل والحُمّاض (8). وفي كل جبال تهامة الشقع (*) نبت [في حَدورها (* *)]، والحماض التبن والشقح الريباس. ويطيف بشَمَنْصِير من القرى قرية كبيرة يقال لها (رُهاط) (9) وهي بواد يسمى (غُرانا) (10) وأنشد:
فإن غُرانا بطنُ واد أحبه ... لساكنه عهدٌ على وثيقُ
وبغربيه قرية يقال لها (الحُدَيبيَة) (11) ليست بالكبيرة، وبحذائها جبل صغير يقال له (ضُعاضِع) (12) وعنده حَبْس يجتمع عنده الماء، والحَبْس حجارة مجتمعة يوضع بعضها على بعض قال بعض الشعراء:
__________
(1) كذا مي وفي مم 494 و 393 لَقُف وانظر 169.
(2) كذا مي وفي مم 750 و 384 القَعْواء.
(3) أخلّ به المعجمان. ولكنّه مذكور في مي (القَعْر).
(4) مي مشكولا كعليم مم 403 مضبوطا ككميت.
(5) كذا مي شمنصير أو في مم 384 ضرْغد.
(6) كذا مم 384 وفي مي عامر.
(7) مي ومم (812/ 810).
(8) وفي مي الحمص.
(*) لا معنى له ولا أعرف صوابه وأما الريباس فهو نبت ذكره المجد ولكن في اللسان عن التهذيب قال شمر لا أعرف للريباس اسمًا عربيًّا هذا يذهب إلى أن الريباس لا مرادف له عربيًّا وهو خلاف ما هنا.
(* *) الأصل حروزها والله أعلم.
(9) مي مم 435.
(10) مي مم 693 وتأتي 81 والبيت فيهما 813.
(11) ه ا 373.
(12) ه امي مم 813 وفيهما البيت. وضعا ضع ذكره المجد.
(2/364)

وإن التفاتي نحو حَبْس ضُعاضع ... وإقبال عيني الصَبا لَطويلُ
فهؤلاء القُرَيات لسعد وبني مسروح و [سعد (1) هذه] هم الذين نشأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم ولهذيل فيها شيء ولفَهْم أيضًا، ومياههم بثور وهي أحساء وعيون [و] ليست بآبار (2). ومن الحديبية إلى المدينة تسع مراحل وإلى مكة مرحلة وميل أو ميلان. ومن (3) عن يمين آرة ويمين الطريق للمصعد (الحَشا) (4) وهو جيل الأبواء، وهو بواد يقال له (البُعْق) (5)، وبكنفه (6) الأيسر واد يقال له (شَس) (7) وهو بلد مَهْيَمَة بَوباة لا تكون بها الإِبل تأخذها الهُيام عن نُقوع بها ساكرة لا تجري، والهُيام حُمى الإبلِ، وهو بجبل مرتفع شامخ ليس به شيء من نبات غير الخَزَم والبشام وهو لخُزاعة وضمْرة. قال الشاعر (8) في البَعْق:
كأنك مردوع بشَس مطرد ... يُقارفه من عَقرة البُعْق هِيمُها
والأبواء منه على نصف ميل، ثم (هَرْشَى) (9) وهو في أرض مستوية وهي هضبة مُلَمْلَمة لا تُنبت شيئًا [و] أسفل منها (وَدان) (10) على ميلين ما يلي مغيب الشمس يقطعها المصعدون من حُجاج المدينة وينصبون منها منصرفين (11) إلى مكة. ويتصل بها ما يلي مغيبَ الشمس من عن يمينها بينها وبين البحر (خَبْت (12) والخبت الرمل الذي لا يُنبت غير الارْض وهو حَطب وقد يُدبغ [به] (13) أسقيه اللبن خاصة وفيها
__________
(1) من مم 13، وكما هنا في مي (رهاط).
(2) من مم 813 والأصل (لها).
(3) من مي (الحشا) والأصل (ومن عين عيزارة).
(4) مي مم 296.
(5) مي مم 297.
(6) من مم 397 والأصل (ألبعق واد يكتنفه اليسرى يقال لها).
(7) مي مم 297 و 821 وراجع 170.
(8) البيت عنه في مي ومم 297، ومنه إصلاح الأصل ومي (يفارقه من عقدة). والبيت أحد ثلثة لكثير عزة في مي (شس).
(9) مي مم 828.
(10) مر برقم 36.
(11) منهما واصلنا (من).
(12) مي (هرشي وخبت) مم (829/ 1351).
(13) مني والأصل بدل اسقية (اشفية) ثم رأيته على صواب في مم (829/ 1351).
(2/365)

متوسطا للخَبتْ جُبيل أسود شديد السواد [صغير] (1) يقال له (طَفيل) (2). ثم ينقطع عند (3) الجبال من عن يَمنة وَيسرة. وعلى الطريق من ثنية هرشى بينها وبين الجُحفة ثلثة أودية مسميات منها (غَزال) (4) وهو واد يأتيك من ناحية شَمَنْصِيرَ وذَرَةَ وفيه (5) ماء آبار، وهو لخزاعة خاصة وهم سُكانه أهل عمود و (ذو (6) دَوْران) وهو واد يأتيك أيضًا من شمنصير وذَرَةَ [وبه] (7) بئران معلومتان يقال لإحداهما (رُحْبة) وللأخرى (سَكوبة) وهو لخزاعة أيضًا. والثالث (كُلَية) (8) وهو واد يأتيك أيضًا من شمنصير وذَرة. وكل هذه الأودية تُنبت الأراك والمَرْخ والدَوْم وهو المُقْل والنخل وليس هناك جبال (9). [و] بِكُلَية على ظهر الطريق ماء آبار يقالُ للآبار كُلَية وبهن يسمّى الوادي، وبأعلى كُلية هذا أجبل (10) ثلثة صغار منفردات من الجبال يقال لهن (شنائك (11) وهي لخزاعة. ودون (12) الجُحفة على ميل (غدير خُم) (13) وواديه يصب في البحر لا يُنبت غير المرخ والثُمام والأراك والعُشَر، وغدير خُمّ هذا من نحو مطلع الشمس لا يفارقه ماء أبدا من ماء المطر، وبه أناس من خُزاعة وكنانة غيركثير. ثم (الشَراة) (14) وهو جبل مرتفع شامخ في السماء تأويه القرود، يُنبت النبع والشوحط والقَرَظ وهو لبني ليث خاضة ولبني ظَفَر من بني سُليم، وهو من دون عُسفان من عن يسارها.
__________
(1) من مي.
(2) مي مم 829.
(3) كذا ويمكن أن يكون صوابه (عنه).
(4) مي مم 829 و 695.
(5) منهما والأصل وفيها.
(6) مي مم 825 و 354 ومنهما الإصلاح وأصلنا دوران.
(7) من مي.
(8) مي مم 829 و 475.
(9) من مي.
(10) من مم 829 والأصل جبال.
(11) كما في مي وفي مم 829 و 786 سنابك وأصلنا شنايل.
(12) كما في مي وأصلنا (ودور الجحفة هذا جبال ثلثة صغار منفردات من الجبال على ميل) كأنه كرر ما مضى.
(13) مي مم 829 و 318.
(14) مي ولكن في مم 804 شراءِ.
(2/366)

وفيه عَقَبة تذهب إلى ناحية الحجاز لمن سلك [من] (1) عُسفان يقال لها (الخَريطة) (2) مصعدة مرتفعة جدًّا، والخريطة تلي الشراة جبل صلد لا يُنبت شيئًا. ثم يُطْلَع من الشَراة على (ساية) (3) وهو واد بين حاميتين وهما حَرتان سوداوان به قرى كثيرة مسماة وطرق كثيرة من نواحي كثيرة، فاعلاها قرية يقال لها (الفارع) (4) بها نخل كثير وسُكّانها من كل أفناء الناس، ومياهها عيون تجري تحت الأرض فُقُر كلها والفُقُر والقُنِيّ واحد وواحد الفُقُر فقير. ثم أسفل منها (مَهاج) (5) وهي قرية كبيرة غنّاء بها ناس كثير وبها منبر، ووالي ساية من قِبَل صاحب المدينة، وفيها نخيل ومزارع وموز ورُمان وعنب، وأصلها لِوالد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيها من أفناء الناس وتجار من كل بلد. ثم خيف يقال له (خيف (6) سَلام) والخَيف ما كان مجنبًا عن طريق الماء يمينًا وشمالا متسِعًا، وفيه منبر وناس كثير من خزاعة، ومياهها فُقُر أيضًا، وباديتها قليلة وهي جشم وخزاعة وهذيل. وسَلَام هذا رجل من أغنياء هذا البلد من الأنصار. وأسفل من ذلك (خيف (7) ذي القبر) وليس به منبر وإن كان آهلًا، وبه نخيل كثير وموز ورُمَان، وسُكانه بنو مسرُوح وسعدُ كِنانة وتجار الفاق (8)، وماؤه فُقُر وعيون تخرج من ضَفّتي الوادي كلتيهما، وبقبر أحمد بن الرِضا سُمى خيف ذي القبر وهو مشهور (9) به. وأسفل منه (خيف (10) النَعَم) به منبر وأهله غاضرة وخزاعة وتجار بعد ذلك وناس، وبه نخيل ومزارع وهو إلى (11) والي عُسفان، ومياهه عيون خرارة كثيرة. ثم (عُسفان) (12) وهو على ظهر الطريق لخزاعة خاصّة،
__________
(1) من مم.
(2) مم 804 أخلّ به مي وهو فيه في الشراة.
(3) مي مم 804.
(4) مي مم 708.
(5) في مم 804.
(6) مي مشددا مضبوطا مم 804 مخففا.
(7) مي مم 804.
(8) من مي وهي الصحراء والأرض المتسعة واصلنا الفاف.
(9) البكري وزعم محمد بن علي بن حمزة العلوي أن هذا غلط ليس للرضا ولد غير علي بن موسى وقبره ببغداد.
(10) كذا مي وفي مم 805 خيف النعمان.
(11) مي: إلى عسنان مم: وهو والي.
(12) مي مم 805.
(2/367)

بها منبر ونخيل ومزارع كثيرة. ثم البحر ويذهب عنك الجبال والقرى إلا أودية مسماة بينك وبين مَر الظَهْران يقال لواد منها (مَسِيحة) (1) وواد يقال له (مُدْرَكة) (2) وهما واديان كبيران بهما مياه كثيرة، منها ماء يقال له (الحُدَيبِيَة) (3) بأسفله (4) مياه تنصب من رئُس الحَرة مستطيلين إلى البحر، ثم (مَر الظَهْران) (5) ومَر هي القرية والظهْران الوادي، وبمَر عيون كثيرة ونخيل وجُميز، وهي لأسلم وهذيل وغاضرة، ثم تخرج منه في طريق ثم تؤم مكة منحدرًا من ثنية يقال لها (الجَفْجف) (6) وتتخذُ في حد مكة [في (7)] واد يقال له (وادي (8) تُرَبَةَ) ينصب إلى (9) (بستان ابن عامر)، وأسفله بِركة (10) لبني هلال، وحواليه من الجبال (السراة (11) ويسوم وقِرْقِد ومعدن البُرْم)، وجبلان يقال لهما (سُوانان) (12) واحدهما سوان، وهذه الجبال كلها لغامد ولخثعم ولسَلول ولسُواءةَ بن عامر ولخَولان ولعَنزَة، وكل هذه الجبال يُنبت القرَظَ، وهي جبال متقاودة بينها فُتوق، وقال الشاعر (13) يصف غيثًا:
أنْجَدَ غوري وحَن مُتْهِمُهْ ... وآستن بين رَيقَيه حَنْتَمُهْ
وقلتُ أطراف السَراة مَطْعَمُهْ
وفي جبال السراة الأعناب وقصب السُكر والقَرَظ والإِسحل وفي كل هذه الجبال
__________
(1) مي ومر برقم 27.
(2) مي.
(3) مي مم ومرّت.
(4) من مي (المدركة) وأصلنا (بضأن من رؤس الخ).
(5) مي مم 805 و 520.
(6) مي وأخلّ بها مم.
(7) من مي.
(8) مي مم 805 و 195 والتنبيهات على الإصلاح 58.
(9) كذا مم وفي مي: في. وانظر لهذا البستان الاقتضاب 226.
(10) كذا وفيهما (وأسفل تربة لبنى) ولهذه الصواب وبركة تصحيف.
(11) كذا في مي وفي مم 805، (من الجبال يسوم وبدبد معدن البرام، وانظر لمعدن ألبرم رقم 105.
(12) مي مضبوطًا بالضم (ولكنه أغرب في أدراجه في باب الشين أيضًا شوانان بكل الشين المعجمة بالفتح) أو في رسم السراة وفي مم 805 و 791 مضبوطًا بالفتح واصلنا بالشين.
(13) في مي والسراة.
(2/368)

نبات وشجر من الغَرَب والبَشام، إلا يسوم وقِرْقِد (1) فإنهما (2) لا يُنبتان غير النبع والشوحط، ولا يكاد أحد يرتقيهما إلا بعد جهد، وإليهما تأوي القرود، وإفسادها على أصحاب قصب السكر كثير. وفي هذه الجبال أوشال عِذاب وعيون، غير قِرْقِد ويسوم فليس فيهما إلَّا ما يُجمع في القِلات من مياه الأمطار بحيث لا يُنال ولا يُعرف مكانه، وقال الشاعر (3) في يسوم وقِرْقِد:
سمعتُ وأصحابي تَحُث ركابُهم ... بنا بين رُكن من يسومَ وقِرْقِد
فقلت لأصحابي قِفوا لا أبا لكم ... صدورَ المطايا إن ذا صوت مَعْبد
والطريق من بستان ابن عامر إلى مكة على (قَفَل) (4) وقَفَل الثنية التي تُطلعك على قرن المنازل حيال الطائف تُلْهِزك من عن يسارك وأنت تؤم مكة متقاودة، وهي جبال حُمر شوامخ أكثر نباتها القَرَظُ.
ومن جبال مكة (أبو قُبيس) ومنها (الصَفا) و (الجبل (5) الأحمر) وجبل أسود مرتفع يقال له (الهَيلاء) (6) يُقطع منه الحجارة للأرحاء، و (المروة) (7) جبل إلى الحُمرة ما هو، و (ثَبير) جبل شامخ يقابله (حِراء) (8) وهو جبل شامخ أرفع من ثبير في أعلاهُ قلّة شامخة زَلوج ذكروا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتقى ذِروتَه ومعه النفر من الصحابة فتحرك فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسكُنْ حِراءُ، فما عليك إلا نبيّ أو صِديق أو شهيد (9) وليس في شيء (10) منهما ماء. ثم جبال (عَرَفات) تتصل بها (جبال
__________
(1) من مي (يسوم وترتد) وفي مم 805 و 142 ابَدْبَد وأصلنا فرقد.
(2) الأصل مالهما.
(3) مي (يسموم وقرفد) مم 805، ومعبد هو المغني المعروف صاحب قصبات السَبْق.
(4) كذا مي وفي مم 805 قفيل.
(5) أخلا به.
(6) مي وأخل بذمم.
(7) هما.
(8) مي.
(9) زاد مي: وليس بهما نبات ولا في جميع جبال مكة إلا شيء يسير من الضيهأ يكون في الجبل الشامخ وليس في شيء منها ماء.
(10) منّي والأصل منها وهو صحيح أن كان الخرم.
(2/369)

الطائف) وفيها مياه كثيرة أوشال وكظائمَ (1) يَفِر (2) منها المُشاشُ (3)، وهو الذي يخرج بعَرَفات. ويتصل إلى مكة اثنى عشر ميلًا على طريق الجَوْف (4) إلى اليمن (قُعيقعان) (5) قرية بها مياه وزروع ونخيل وفواكه وهي اليمانية. وبين مكة والطائف قرية يقال [لها] (6) (راسب) (7) لخثعم، و (الجوبة؟) (*) قرية للأنصار، والمعدن (معدن (8) البُرْم) وهي كثيرة النخيل والزروع والمياه مياه آبار يسقون زروعهم بالزرانيق.
و (الطائف) (9) ذات مزارع ونخيل وموز وأعناب وسائر الفواكه، وبها مياه جارية، وواديه ينصب منها إلى تَبالة، وجُل أهل الطائف ثقيف وحمير وقوم من قريش- و (غُويث) (10) من اليمن وهي من أمهات القرى، و (مُطار) (11) قرية من قراها كثيرة الزرع والموز، و (تَبالة) أكبر منها بينهما ليلتان. وبالطائف منبر وبتبالة منبر وأهلها (12) سَلول وعقيل وغامد وعامر بن ربيعة وقيس كُبة (13). وفي حد تبالة قرية يقال لها (زَبية) (14) وقرية يقال لها (بِيشة) (15) و (تثليث) (15) و (يَبَمْبَم) (16) و (العقيق (17)
__________
(1) جمع كِظامة وكظيمة فم الوادي وبئر حبب بينهما مجرى في بطن الأرض.
(2) يزيد منها.
(3) المشاشة الأرض الصلبة تتخد فيها ركايا ومن ورائها حاجز فإذا مُلئت الركية شربت المشاشة الماء فكلّما استقى منها دلو جم مكانها أخرى.
(4) مي (قعيقعان) الحوف وأصلنا الحرف.
(5) مي.
(6) من مي.
(7) مي.
(*) كذا وقد قلبته على أوجه فلم أحلَ بطائل.
(8) مي ومر ص 368.
(9) مي.
(10) مي ولم يتحققه هل هو بالغين أو بالعين.
(11) مي مم 531.
(12) كذا بالإفراد.
(13) [وكبّة] فرس قيس بن الغوث بن أنما من كهلان.
(14) كذا بالشدّ بلا ضبط في مي وفي مم 186 رَنْيَة قال هكذا نقلته من خطّ يعقوب وغيره يقول رَقْبة وتُرَبة أيضًا. وادٍ من خط يعقوب.
(15) مم 186.
(16) الأصل تميم. مي ومم.
(17) مي.
(2/370)

عقيق تَمْرة وكلها لعُقيل، مياهها بثُور، والبَثْر يشبه الأحساء تجري تحت الحصاة على مقدار ذراع وذراعين ودون الذراع وربما أثارته الدواب بحوافرها.
حد (الحجاز). قال عَرام أحدّ الحجاز من (معدن (1) النَقِرة) إلى المدينة فنصف المدينة حجازي ونصفها تهامي وهو جبل شامخ لا ينبت غير أكلاء نحو الصِليان والغَضْور والغَرَف (2). ثم (الطَرَف) (3) لمن أم المدينة يَكْنُفه ثلثة أجبُل، أحدهما (ظلم) (4) وهو جبل أسود شامخ لا يُنبت شيئًا و (حزْم بني (5) عُوال) وهما جميعًا لغطفان، وفي عُوال آبار منها (بئر ألْيَةَ) (6) اسم ألية الشاة، و (بئر هَرْمة) (7)، و (بئر عُمير) (8)، و (بئر السِدرة) (9) وليس بها (10) ما يُنتفع [به] إلا (السُد) (11)، وهو ماء سماء أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسَده، وهو القَرْقر [ة] (12) ماء سماء. لا تنقطع هذه المياه لكثرة ما يجتمع فيها. ومن السُد قناة إلى قُباء. ويحيط بالمدينة من الجبال (عَير) (13) وعَير جبلان أحمران من عن يمينك وأنت ببطن العقيق تريد مكة، ومن (14) عن يسارك (شَوْران) (15)، وهو جبل يطِل على السُد كبير
__________
(1) مم 8 لي: والنقرة بالفتح فالسكون أو فانكسر كل أرض منصوبة في وَهْدة. وأصلنا (العصر كذا. وقوله تهامى الأصل حجازي ويدلّ على أن هنا خرمًا وسداده من مي الحجاز وبحذائه جبل يقال له (الأسود).
نصفه نجدي ونصفه حجازئ.
(2) مني والأصل الغرز.
(3) مي.
(4) مي مم 492.
(5) مي (حزم وعوال) مم 462.
(6) مم 462 مي (ألية).
(7) مم 462 مي (هرمة).
(8) مي 467 مي (عمير) وهو رجل.
(9) كذا مم 462 ولكن انظر مي (السديرة).
(10) أصلحته بما في مي (السديرة والسُدّ) ومم 462. والأصل (بها ولا ما ما ينتفع هو السند ما سما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة).
(11) مي مم 462.
(12) من مم 412 وهي قرقرة الكُدر.
(13) مي.
(14) من مي والأصل (وهي عير يشارك).
(15) مي (عير، شوران) مم 462.
(2/371)

مرتفع [و] في قبلي المدينة جبل يقال [له] (الصارِي) (1) واحد. ليس على هذه نبت ولا ماء غير شَوران فإن فيه مياه سماء كثيرة يقال لها (البَحَرات) (2) وفي كلها سمك أسود مقدار الذراع وما دون ذلك، أطيب سمك يكون. وجبل حذاء شَوران هذا يقال له (مِيطان) (3) به ماء بئر يقال لها (ضفة) (4) وليس به شيء من النبات وهو لسُليم ومُزينة. وبحذائه جبل يقال له (شِي) (5) وجبال شواهق كبار يقال لها (الحِلاء) (6) واحدها حِلاءة لا تُنبت شيئًا ولا يُنتفع بها إلا ما يُقطع للأرحاء والبناء [و] يُنقل إلى المدينة وما حواليها. ثم إلى (الرحضِيّة) (7) قرية للأنصار وبني سُليم من نجد، وبها آبار عليها زروع كثيرة ونخيل. وحذاءها قرية أو أرض يقال لها (الحِجْر) (8)، وبها مياه عون وآبار لبني سُليم، وحذاءها جبل ليس بالشامخ يقال له (قُنة الحِجْر)، وهناك واد عال يقال له (ذو رَوْلان) (9) لبني سُليم [به] قرى كثيرة تُنبت النخيل منها (قَلَهَى) (10) وهي قرية كبيرة، و (تَقْتَد) (11) قرية أيضًا، وبينهما جبل يقال له (أديمة) (12)، وبأعلى هذا الوادي رياض تسمى (الفِلاج) (13) جامعة للناس أيام الربيع، وبها مَساك كبير لماء السماء يكتفون به صيفهم وربيعَهم إذا أمطروا. وليس بها آبار ولا عيون منها غدير يقال له (المختبِئ) (14) لأنه بين عِضاه وسَلَم وخِلاف
__________
(1) مي مم 818. ضبطه الأول على زنة الفاعل والآخر بألف المقصورة. ولكن هناك فرقا في مواقعهما.
(2) من مم 264 والأصل البجرات وفي مي (شوران) البجيرات ولكنه أخل بها في رسمي البجيرات والبحيرة وبعد كلمة (البحرات) زيادة ولا توجد في مم 462، ومي ولا تفهم وهي (وكرم وعين دمعا وهم ما يكون السين).
(3) ضبطه مي بالفتح وميم 567، 462 بالكسر.
(4) مم 623، 462 وأخل بها مي.
(5) مم 462، 825 وفي مي شيى بالفتح ولا أدري هل هو هنا. وغيره؟ ثم وجدته فيها (الحلاءة) السِنّ.
(6) مي وفي مم 462 و 342 الجِلاه مضبوطًا.
(7) مي (الرحضية وحجر) وفي مم 462، 403، 636 الرحيضة كجهينة. واراه تصحيفا منه.
(8) كذا مضبوطا في مي وفي مم 462 بفتحتين مشكولا مصحفا.
(9) كذا مي مضبوطا وفي مم 843 و 462 مضبوطا ذوِورْلان (بالكسر).
(10) مم 462، 743 ومي (رولان وقلهى) وهي محرّكة عند سيبويه وغيره يسكن.
(11) مي مضبوطًا وكذا مم 204 وفي 462 تقدر مصحفًا سيبويه 1: 75.
(12) مم 81 مي.
(13) مي مم 463.
(14) وكذا مي (انفلاج) ولكن في مم 563 و 507 المَجْنَبي.
(2/372)

وإنما يؤتَى من طرفيه دون جَنْبَيه لأن له حَرْفًا لا يقدر عليه أحد. ومنها قَلْت يقالُ له (ذات القرنَين) (1) لأنه بين جبلين صغيرين وإنما يُنزع الماء منه نزعًا بالدِلاء إذا انخفضتَ (*) قليلًا. ومنها غدير يقال له (غدير السِدرة) (2) من أنقاها ماء وليس حواليه شجر. ثم تمضي مصعدًا نحو مكة فتميل الي واد يقال له (عُرَيفطان) (3) معرفة ليس به ماء ولا رِعْي، وحذاءه جبل يقال له (ابْلَى) (4)، وحذاءه قُنة يقال لها (السَوْدة) (5) لبني خُفاف من بني سُليم، وماؤهم (الصَعْبيَة) (6)، وهي آبار يُنزع عليها، وهو ماء عذب وأرض واسعة، وكانت بها عين يقال لها (النازِية) (7) بين بني خُفاف وبين الأنصار فتضاربوا فسدوها، وهي عين ماؤها عذب كثير، وقد قُتل ناس بذلك السبب كثير، وطلبها سلطان البلد مِرارًا [بالثمن] (8) الكثير فأبَوْا ذلك. وفي أَبْلَى مياه منها (بئر معونة) (9) و (ذو (10) ساعدة) و (ذو جَماجم أو حَماجِم (11) شكَ) و (الوَسْباء) (12)، وهذه لبني سُليم، وهي قِنان متصلة بعضها إلى بعض قال فيها الشاعر (13):
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... أروم فأرآمٌ فشابةُ فالحَضْرُ
وهل تركتْ أبْلَى سوادَ جبالها ... [وهل زال بعدي عن قنينتهِ الحِجْرُ]
[وحِذاءَ (14) أبلَى من شرقيّها جبل يقال له (ذو المَرْقَعة) وهو] معدن بني سُليم
__________
(1) مم 463، 734 واصلنا الفريقين.
(*) منى والأصل انحفطت.
(2) مم 463 ولكن فيه 768 بئر السدرة.
(3) في مم 463 وراجع 176.
(4) مم 59 مي.
(5) كذا مي (السودة، عريفطان) وفي مم 60 و 823 الشوْرة.
(6) مي (السودة، الصعبية) واخل به مم واصلنا الصعيدة.
(7) مخففة مي ومم ونيه 60 بالشد غلطا انظر 578.
(8) من مي (الصعبية) ومم 60 والأصل بياض.
(9) مي مم 60 و 548.
(10) مي مم 60.
(11) كذا بالشك من السكوني في مي ومم 60 و 244.
(12) مي (أبلى، الوسباء) وأخل بها مم.
(13) مي (ابلى).
(14) سداد الخرم ولا بياض له في أصلنا من مم 60 وذو المرقعة ذكره مم مرتين وأخلّ به مي.
(2/373)

يكون فيه الأروى كثيرًا. وفي أسفل من شرقية بئر يقال [لها] (الشقيقة) (1) وحذاءه من عن يمينه ممن قِبَل القبلة جبل يقال له (بُرْثُم) (2)، وجبل يقال له (تِعار) (3) وهما جبلان عاليان لا يُنبتان شيئًا فيهما النُمران (4) كثيرة، وفي أصل بُرثم ماء يقال له (ذَنَبان (5) العِيص)، وليس قرب تِعار ماء، و (الخَرِب) (6) جبل بينه وبين القبلة لا يُنبت شيئًا ثابتًا قال الشاعر (7):
بَليتُ وما يَبْلَى تعار ولا أرى ... يَرَمْرَمَ إلا ثابتا يتجدد
ولا الخَرِبَ الداني كأن قِلاله ... بخاتٍ عليهن الأجفةُ هُجَّد
وتجاوز (8) عين النَازية فترد مياهًا يقال لها (الهَدبية) (9) وهي ثلاث آبار ليس عليهن مزارع ولا نخل ولا شجر، وهي بقاع كبير [ةٌ] تكون ثلثةَ فراسخ في طول ما شاء (10) الله، وهي لبني خُفاف، بين حَرتين سودادوين، وليس ماؤُهنّ بالعذب، وأكثر ما عندها من النبات الحمض. ثم تنتهي إلى (السوارقية) (11) على ثلاثة أميال منها، [وهي] قرية غناء كثيرة الأهل فيها منبر ومسجد جماعة وسوق كبيرة تأتيها التجار من الأقطار، لبني سُليم خاصة ولكل بني سُليم منها شيء، وفي مائها بعض ملوحة، ويستعذِبون من آبار في واد يُقال له سُوارق، وواد يقال له (الأبطُن) (12) ماء خفيفًا عذبًا. ولهم مزارع ونخيل كثيرة وفواكه من موز وتين ورُمان وعنب وسفرجل وخوخ ويقال له الفِرْسِك، ولهم خيل وإبل وشاء وكبرياؤهم (13) بادية إلا من وُلد منهم فيها
__________
(1) مم 60 ومي.
(2) أخلّ به مم وهو في مي وراجع 376.
(3) مي ومم.
(4) من مي والأصل النمر كثير.
(5) كذا مي (برثم، العيص) وفي مم 824 ذنابة العيص وسيتكرر 377.
(6) كذا مضبوطا في مي وفي مم 60، 78 الأخرب بضم الراء وفتحها.
(7) مي (يرمرم وخرب) ومم 60، واصلنا إلا كافرا.
(8) من مي ومم 60 وأصلنا محرّف.
(9) مي مم 60.
(10) من مي ومم والأصل (ما سال منه).
(11) مي مم 60 و 793.
(12) مم 60 ومي (السوارقية) واخل به في رسمه.
(13) من مي والأصل وكبراؤهم ثلاثة.
(2/374)

فإنهم ثابتون بها والآخرون بادون حواليها، ويَميرون طريق الحجاز ونجد في طريق الحاج، والحدّ (ضَريّه) وإليها ينتهي حدهم على سبع مراحل. ولهم قرى من حواليهم، منها قرية يقال لها (قِيا) (1) ماؤها أجاج نحو ماء السُوارقيه، وبينهما ثلثة فراسخ، وبها سُكّان كثير ونخيل ومزارع وشجر قال الشاعر:
ما أطيبَ المذقَ بماء ألقِيا ... وقد أكلتُ بعده بَرْنِيها
وقرية يقال لها (المَلحاء) (2) وهي ببطن واد يقال له (قَوران) (3) يصب من الحَرة، فيه مياه وآبار كثيرة عِذاب طيبة ونخل وشجر، وحواليها هضبات (ذي مَجْر) (4) قال فيهن الشاعر:
بذي مَجرَ أُسقيتَ صَوْبَ الغوادي
وذو مَجْر غدير كبير في بطن وادي قوران هذا، وبأعلاه ماء يقال له (لَقْف) (5) ماء آبار كثيرة عذب ليس عليها مزارع ولا نخل لغلظ موضعها وخشونته، وفوق ذاك ماء يقال له (شَس) (6) ماء آبار عذاب، وفوق ذلك بئر يقال لها (ذات الغار) (7) عذبة كثيرة الماء تسقي بواديهم قال الشاعر وهو عذيرة (8) بن قطاب السلمي:
لقد رُعْتموني يوم ذي الغار رَوعةً ... بأَخبار سَوء دونهنّ مَشيبي
نعيتم فتى قيس بن عَيلان غدوة ... وفارسَها تنعونه لحبيبي
وحذاءها جبل يقال له (أقراح) (9) شامخ مرتفع أجرد لا يُنبت شيئًا كثير النمور والأراوي. ثم تمضي من الملحاء فتنتهي إلى جبل يقال له (مُغار) (10) في جوفه أحساء
__________
(1) مي مم 20 وذكر الشطرين.
(2) مم 60.
(3) مي مم 60.
(4) مم 61 و 507 ضبطه محركا وفي مي كفلس ولا يستقيم البيت إلا بالتحريك وبقطع الألف أيضًا قاله عرّام اه قلت وفي مم صواب غوادي.
عند البكري، 100: بذي مَجَرٍ أُسقيتُ ... فيكون من الطويل (م. ي.).
(5) مي ومم 494 وفي 61 منه ليث مصحفا وانظر 44.
(6) مي مم 821 وانظر 365.
(7) كذا مضبوطا في مم 692 و 61 ومي.
(8) وفي مي (الغار) عُذيرة مشكولا بالضم وفي فهرسته عن محاسن ابن تغرى بردى غزيرة. والبيتان في مم 61 أيضا وفيه عيلان عنوة وأصلنا عدوة.
(9) مم 41، 117 وأخلّ به مي.
(10) وكذا مي مضبوطا وفي مم 549 و 61 مضبوطا مُعان بالضم.
(2/375)

منها حِسْي يقال له (الهَدار) (1) يفور بماء كثير وهو في سَبِخ، بحذائه حاميتان سوداوان في جوف إحداهما ماء [ة] مِلحة يقال لها (الرِفْدة) (2)، وواد بها يسمى (عُريفطان) (3)، وعليها نخلات وآجام يستظل فيهن المار وواحدها أجَم وهي شبيهة بالغَضْوُرَ (3 م)، وحواليها (حُموض) (3 م) وهي لبني سُليم وهو على طريق (زبيدة) يدعوه بنو سُليم (مغفار زبيدة) (3 م) وحذاءها جبل يقال له (شُواحط) (4) كثير النمور وكثير الأراوي وفيه الأوشال يُنبت الغَضْور والثُمام: وبحذاثه واد يقال له (بِرْك) (5) كثير النبات من السَلَم والعُرْفُط وأصناف الشجر، وبه ماءة يقال لها (البُويرة) (6) وهي عذبة طيبة (6 م) [ينبت عليها الغَيْقة الشجرة] لكنها لا تُنْزَفُ. وهنالك (يَرْثُم) (7) وهو جبل شامخ كثير النمور والأروى قليل النبات إلا ما كان من ثمام وغضور وما أشبهه. وحذاءه واد يقال له (بَيضان) (8) به مياه آبار كثيرة واشجار كثيرة يزرع على هذه الآبار الحنطة والشعير والفت. وحذاءه واد يقال له (الصَحْن) (9) قال فيه الشاعر (10):
جلبنا من جنوب الصَحْن جُرْدا ... عتاقا سِرها نسلا لنَسْل
فوافينا بها يومَيْ حنين نبي ... الله جدًّا غير هَزْل
وفيه ماءة يقال لها (الهباءة) (11)، وهي أفواه آبار كثيرة مخرقة الأسافل يفرغ
__________
(1) مي مم 61 و 827.
(2) مم 61، و 430 مضبوطا بالكسر وفي مي مشكولا بالفتح.
(3) مرّ ص 373.
(3 م) الأصل: بالقصور وحموص، ولا أجزم بشيء. وزبيدة لا تُعرف في الأمكنة وإنما المعروف زبية (انظر ص 370) أو زبيدية (377).
(4) مي مم 823.
(5) مي مم 823.
(6) مي مم 823.
(6 م) الأصل (من مرسك وهي الغيقة الشجرة) وأعياني أمره.
(7) بالياء المثناة وفي مي (برثم بالباء الموحدة) ولكن في مم 823 و 49 أبرس وانظر ص 374.
(8) مم 823 و 84 وأخل به مي.
(9) مم 823 وفيه بلد وفي مي جبل موضع (وادٍ).
(10) مم 823 مي (صحن).
(11) مم 823 مي (الهباءة وصحن).
(2/376)

بعضها في بعض من موضع الماء، عذبة طيبة يُزرع عليها الحنطة والشعير وما أشبهه. وماء آخر بئر واحدة يقال لها (أرساس) (1) كثيرة الماء [لا] يُزرع عليها لضيق موضعها. وبأسفل بَيضان هذا موضع يقال له (العِيص) وبه ماء يقال له (ذَنَبان (2) العِيص) والعِيص ما كثرت أشجاره من السَلَم والضال يقال له عِيص وخَمَر (3) وحِذاءه جبل يقال له (الحَراس) (4) أسود ليس به نبات حَسَن وفي أصله أضاة يقال لها (الحُواق) (5) تمسك الماء من السماء كثيرًا. وهو كفه لبني سُليم. وحذاء ذلك قرية يقال لها (صَفَينة) (6) بها مزارع ونخيل كثير، كل ذلك على الآبار، ولها جبل يقال له (السِتار) (7)، وهي على طريق (الزُبيدية) (8) يعدِل (9) اليها الحاجّ إذا عطِشوا. وحذاءها مياه أخرى يقال لها (النُجير) (10) [وبحذائِها ماءة يقال لها النُجار بئر واحدة] وكلاهما فيه ملوحة وليست بالشديدة. وأسفل منها بصحراء مستوية عمودان طويلان لا يرقاهما أحد إلا أن يكون طائرًا يقال لأحدهما (عمود ألْبانٍ) (11) وللآخر (عمود السَفْح) وهو من عن يمين طريق المُصْعِد من الكوفة [إِلى (12) مكة] على ميل من أفَيعِيَةَ، و (أفاعيةُ) (13) هضبة كبيرة شامخة. وإنما اسم القرية (ذو النخل) (14) وهي مرحلة من مراحل الطريق، وبها مِلح ويستعذب (15) لها من النُجار
__________
(1) هم 823 و 473 رِساس.
(2) كذا في مي (العيص) وفي عم 824 ذِنابة ومر ص 374.
(3) منى والأصل حبس.
(4) مم 824 و 273 و 463 وأخل به مي.
(5) من مم 824 ولأصل الحناف. وفي مي الحُواق موضع.
(6) مي وأخل بها مم.
(7) مم 763 و 824 ومي.
(8) كذا في (صفينة) ولكنه أخل بها في رسمها كمم وأصلنا ربدة وراجع 376 هامش 3 م.
(9) من مي (صُفينة) وأصلنا يفد.
(10) البئران في مي برسمهما ومنه سداد الخرم وفي مم 763 و 214، الثِجار والثُجير.
(11) مم 763 ومي (عمود).
(12) من مم.
(13) بالضم مي مم 764.
(14) مم 576 نخل قال السَكُوني هي ماء بين القَصَّة والثاملية ألخ ولا يوجد في هذه النسخة. ولم أجد هذه القرية فيهما ولا أعرف ما صوابه؟
(15) مني والأصل استعذب لها من التجارة والنحير.
(2/377)

والنُجير هاتين، ومن ماء يقال له (ذُو نخيلة) (1) وعن يسارها ماءة يقال لها (الصُبْحية) (2) وهي بئر واحدة ليس عليها مزارع ويُستعذب منها لأهل أفاعيةَ. وحذاءها هضبة كبيرة يقال [لها] (خَطْمة (3) ولابةُ) وهي (4) حَرة سوداء لا تنبت شيئًا يقال لها (مَنيحةُ) (5)، وهي لجَسْر وبني سُليم، وقرية يقال لها (مران) (6) قرية غَناء كثيرة العيون والآبار والنخيل والمزارع، وهي على طريق البصرة لبني هلال وجُزءٌ (7) لنبي ماعز، وبها حِصن ومنبر، وبها ناس كثير، وفيها يقول الشاعر (8):
أبعد الطوال الشُمّ من آل ماعز ... يُرجى بمَرانَ القِرَى ابنُ سبيل
مررنا على مَران ليلًا فلم نَعُج ... على أهل آجام بها ونخيل
ومن خلفه قرية أخرى يقال لها (قُباء) كبيرة عامرة لجَسْر ومحارب وعامر بن ربيعة، [من (8 م) حواليها] مزارع كثيرة على آبار ونخيل ليس بكثير، وبحذائها جبل يقال لها (هَكْران) (9)، وجبل يقال له (عُن) (10) قال الشاعر (11):
أعيان هَكْران الخُداريات
وهو قليل النبات، في أصله ماء يقال له (الصِنْو) (12). وعُنّ هذا في جوفه مياه وأوشال قال فيه الشاعر (13):
__________
(1) الأصل ذو نحيلة وذكر مي النخيلة ماء الخ وأظنّه هذا.
(2) مم 764 وفي 598 بئر كأنها منسوبة إلى صُبْح ولست على يقين في صحة هذا الاسم. وفي مي صبح وصباح ما آن من جبال نَمَلَى لبني قريط بقرب المدينة.
(3) كذا الأصل وفي مي موضع في أعلى المدينة الخ، ولكن في مم 764 و 212 حُدَمة وكذا في مي مضبوطًا.
(4) الأصل (وهي خرسفة حرّة) والحذف على ما في مم.
(5) على ما في مم 764 و 547 وأخل بها مي. وأصلنا سِبَخة.
(6) مي مم 764 و 837.
(7) على ما في مي (مران) والأصل (وَجسر ولبنى ماعز).
(8) البيتان في مي وهي ثلثة ليس فيها ثانينا في الحماسة 475، 3 × 52 لرحبل من ابن عم له.
(8 م) الأصل من هواريها كذا.
(9) مي مم 764.
(10) مم 764 مي (عن، هكوان).
(11) الشطر في مي (هكران) ومم 764.
(12) مم 764. ومي (هكران) ولم يذكره في رسمه.
(13) مم 764.
(2/378)

فقالوا هلاليّون جئنا من آرضنا ... إلى حاجة جُبنا لها الليل مِدْرَعا
وقالوا خرجنا في القَفا وجُنوبه ... وعُنِّ فهم القلب أن يتصدّعا
و (القفا) (1) جبل لبني هلال حذاء عُن هذا. وحذاءه جبل آخر يقال له (بَيش) (2) وفي أصله ماء يقال له (نقعاء) (3) لبني هلال بئر كثيرة الماء ليس عليها زرع، وحذاءها أخرى يقال لها (الجَدْر) (4)، وعُكاظ منها على دَعْوة (5)، و (عُكاظ) (6) صحراء مستوية ليس بها جبل ولا عَلَم إلا ما كان من الأنصاب التي كانت في الجاهلية وبها الدماء من دماء البُدْن كالأرحاء العظام، حذاءَها عين يقال لها (خُليص) (7) للعُمرَيين، وخُليص هذا رجل، وهو ببلاد تسمى (رُكْبة) (8) قال الشاعر:
أقول لركب ذات يوم [لقيتُهم] (9) ... يُزَجُّوْنَ أنضاءً حوافيَ ظُلّعا
من أنتم فإنا قد هوينا مجيئكم ... وأن تخبرونا حال رُكبة أجمعا
* * *

وتم الكتاب نَسخهُ وإنشاؤه خلقًا آخر وتدييله بالتعليقات على يد العاجز عبد العزيز الميمني بعليكَره الهند عشية الجمعة و 29 جمادي الأخرى سنة 1357 ه 26 أغسطس سنة 1938 في ستة أيام ولله الحمد.
* * *
__________
(1) مم 764 و 751.
(2) مم 764 و 186 وأخل به مي.
(3) مي مم 764 و 665 وأصلنا بقعاء قرية.
(4) مم 764 وفي مي ذو جَدْر مَشْرَح على ستّة أميال من المدينة بناحية قُباء. وأصلنا (الخدود) وهو كما في مي عن نصر صُقع نجدي قرب الطائف.
(5) قدر ما بينهما.
(6) مم: 66.
(7) مم 661 وفي مي خليص حصن بين مكة والمدينة.
(8) مم 661 و 408 مي.
(9) زدت الكلمة ليتم الوزن. ويزَجّون أنضاء أصلنا (يرحون أيضًا) وفإنا الأصل بأنّا وإن تخبرونا حال الأصل ما حال. وكأن هذين البيتين يتقدمان السابقين في رسم عن من كلمة والله أعلم ولم أقف عليهما في غير هذا الكتاب.
(2/379)

السفر الأول من تحفة المجد الصريح في شرح الكتاب الفصيح (*)
تأليف صدر الدين أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللبلي النحوي تلميذ أبي علي الشلوبين وشيخ أي حيان قرأ عليه هذا الكتاب وغيره من مصنفاته لَطف الله بهم
الدار 20 ش لغة وهي بخط الشنقيطي ص 168 س 19 وينتهي على قول الفصيح (وانقُطع بالرجل فهو منقطَع به) وشرحه في سطرين بعد الحمد في س 19 ص 3
وبعد فإن الوزير الأجلّ القائد الأعلى الأمجد الأرفع الأحسب الأكمل العماد الأشرف الأطول ذا الشيم الجميلة والفضائل الجزيلة والهمة السامية إلى نيل كل منقبة وإحراز كل فضيلة أبو بكر ابن الوزير الجليل الماجد الأرفع الأعلى الأحق كان بكل فضيلة الأول المبارك المعظم المقدس المرحوم أبي الحسن وصل الله سعوده وحفِظ على المعالي والمآثر وجوده أشار على إشارة النصيح بشرح كتاب الفصيح حين استحسن ما شاهده من تفسيري لغريبه وشرحي لمعانيه واستصوب تنبيهي عند الإقراء على سهو مَن نسب السهو لمؤلفه فيه فأجبته إلى ما سأل وبادرت إلى أمره المُمْتثَل وشرعت في عمله شروعَ من انشرح صَدْرًا بما نُدِب إليه وأكببت على تتبع ألفاظه وتبيين معانيه إكبابَ من بذل من الاجتهاد أقصى ما لديه فشرحت الكتاب شرح استيفاء واستيعاب وتكلمت على شواهد أبياته بما عن في معانيها من إغراب وفي ألفاظها من إعراب، واستدركت ما يجب استداركه مذيلًا لكلامه، وقاصدًا لإكمال ما تحصل الفائدة به وإتمامه، وانتصرت له حيث أمكنني الانتصار، ورددت على من تعقَب عليه ردًّا يُرْتضَى بحكم الإنصاف ويختار، ورتبت الكلام فيه أولًا على مدلول اللفظ ومعقوله، ومسموعه ومقوله، وإن كان فعلًا أتيت بلغاته وأنواع مصادره واسم فاعله ومفعوله
__________
(*) نشر في مجلة المجمع 35/ 541 - 545.
(2/380)

وربما أتيت بالمرادف والمشترك، وسلكت من التعليل في بعض المواضع واضح المسلك، وأخذت ذلك من كتب أئمة اللغة المشهورين بالتبريز، ونفضت فيه الدواوين ما بين المستوعب منها والوجيز، ككتاب السماء والعالم لأبي عبد الله محمد بن أبان بن سيد (1) القرطبي، وموعب اللغة لأبي غالب تمام بن غالب المعروف بابن التباني، وجامع اللغة لأبي عبد الله محمد بن جعفر المعروف بابن القَزاز، وواعي اللغة لأبي محمد عبد الحق بن عبد الله الأزدي المحدث الأشبيلي، والمخصِص (2)، والمحكم، والعويص، وشرح الغريب المصنف لأبي الحسن علي بن سِيده، والصِحَاح (3) لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، والمبرز لأبي عبد الله محمد بن يونس الحِجاري (4)، والجمهرة لابن دريد، والمجمل لابن فارس، ومختصر العين للزبيدي، وأبنية الأفعال لأبي القاسم علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع، والأفعال لابن القوطية، ولابن طريف، والمنظم لكراع، والمجرد والمنجّد له، والإِصلاح، والمثنى، والألفاظ، و (5) أن، والمثنى، وفعلت وأفعلت ليعقوب بن السكيت، واليواقيت، وغريب أسماء الشعراء للمطرِّز، والفصوص (6) لصاعد، والغريب لأبي عبيد، والزاهر لابن الأنباري، وكتاب ليس لابن خالويه، وكتاب اطرغش، وكتاب أبنية الأفعال له أيضًا، والأفق له أيضًا، وكتاب الوحوش لهشام الكَرَتبْائي، وكتاب صعاليك العرب لأبي الحسن الأخفش، والمصادر للفراء، وكتاب فعل وأفعل لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب الأبدال (7) لعبد الواحد بن علي اللغوي، وكتاب المصادر والنوادر لأم البهلول الفقعسية، والفاخر لأبي طالب المفضل بن سلمة، والألفاظ لأبي نصر البصري، والمحتَسِب (8)، وشرح شعر المتنبي لأبي الفتح عثمان بن جني، وفصل المقال في شرح الأمثال، ومعجم ما
__________
(1) بالشد مضبوطًا.
(2) بالفتح والكسر وعليهما (معا).
(3) بالفتح والكسر وعليهما (معا).
(4) بالكسر مخففًا بعلامة صح.
(5) كذا ولعله والمكنّى.
(6) نسخته بالقرويين في فاس.
(7) بفتح الهمزة كذا سماه- وقد نشره المجمع العلمي العربي في هذا العام.
(8) بالفتح والكسر معًا.
(2/381)

استعجم لأبي عبيد البكري، وكتاب المُعاقِبات لابن الأعرابي، والألفاظ له أيضًا، وشرح الأمثال لابن أغلب المُرْسي، وحُلَى العُلَى لعبد الدائم القيرواني، ولحن العامة للزبيدي ولأبي حاتم السجستاني، وإصلاح المنطق لأبي علي أحمد بن جعفر الدينوري، والأضداد لأبي بكر بن الأنباري، والمقصور والممدود لابن ولاد ولأبي علي القالي، وخلق الإنسان (1) لثابت ولأبي حاتم وللأصمعي أيضًا، والفرق لثابت ولأبي حاتم، والتذكير والتأنيث والحشرات لأبي حاتم، والغرائز وحيلة ومحالة والهمز وفعلت وأفعلت لأبي زيد الأنصاري، وفعلت وأفعلت أيضًا لأبي إسحاق الزجاج ولأبي علي القالي، والمثلث وشرح (2) الكامل وشرح أدب الكتاب لأبي محمد بن السِيد البطليوسي، والمثلث أيضًا لأبي عبد الله القزاز والصوابِ لابن عُديس وشرح ابن عُليم، والاشتقاق لابن النحاس، والبَهي للفراء، وكتاب الأزمنة لقطرب، وفعلت وأفعلت ونوادر (3) القالي، وأبي عبد الله (4) ابن الأعرابي وأبي الحسن اللحياني ويونس وأبي زيد وثعلب وأبي مِسحل (5) وأبي موسى الحامض وأبي محمد اليزيدي- وما وقع في الأغربة كغريبي الهروي والقتبي وغيرهما وما سقط إليَّ من شروحاته ككتاب ابن دَستوريه وابن خالويه والمطرِّز ومكي والتُدْمِيري وابن هشام السبتي وابن طلحة الإشبيلي وغير ذلك مما يطول إيراده، ويوجد في أثناء الكتاب نقله عن قائله وإسناده.
ولما استوفى هذا الشرح شرط صحته وكماله، وتلخص منه الفريد الذي لم يُحْذَ مثالُه ولا نُسج على منواله، رأى الوزير الأجلّ العماد الأطول أبو بكر أبقاه لِما له من جميل الرأي وجليل السعي، أن يكون هذا الكتاب مشرفًا يرفعه إلى أسمى المحالّ وأعلاها، وتطريزه باسم من تطرزت به السيادة فراقت حلاها، وهو نجل الشرف الذي ثبت أصله في قرارة السناء، وسما فرعه في دوحة العلياء، ونجم الفخار الذي يطأ بأخمصه قِمَّةَ السماك ومنكبَ الجوزاء، شخصُ النفاسة وشمس الرئاسة
__________
(1) رأيت منه نسختين.
(2) عندي مع شرح الوقشي.
(3) هي والأمالي شيء.
(4) يوجد منه الأول فقط.
(5) عندي، والمجمع العلمي العربي يقوم اليوم بنشره بدمشق.
(2/382)

ذو الوزارتين الهمام الأسعد السيد الأوحد الأمجد متلقي راية المفاخر [ب]مينيه، المتألق نور الحسب الوضاح في جبينه، قطب المكارم أبو القاسم ابن ذي الوزارتين الشريفتين والرئاستين المُنيفتين عَلَم الأعلام، ومُساجل الغمام، وجمال الدول والأيام، وحامي حمى الحق والحقيقة بالعزم والحسام ... أبي علي حرس الله وجودهم الذي تبأى به المحامد، وكافأ جودهم الذي يعجز عن مكافاته الشاكر والحامد، وأبقاهم للعلم يرفعون عَلَمه ومناره، ويجمعون منتقاه ومختاره، ويعِزُّون من اقتفى آثاره، أو كانت عنده منه أثارة، فعمِلت بالرأي الأرشد في رفعه إلى محلهم العالي وشرفته بنسبته إلى سيد تزهى به المآثر والمعالي، فصار باسمهم الموقع مجموعًا ولخزانتهم الجليلة مرفوعًا، وكان الذُخر الأنفس سيق إلى مستحِقه، وملكه من يعترف الفضلُ بأنه مالك رِقِّه، وتشرف بذلك المؤلف والتأليف، واعتز المجموع الغريب والتصنيف، وعندما كَمُل المقصد، وآن أن يتاحف به السيد الأسعد انتقيت له اسمًا يوافق المسمى، وينطق بانتخابه للمحل الأسمى، فسميته (تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح) وإني لأرجو فيه أن يحل محل القبول والاستحسان، ويرتضي منه الصواب المقول في علم اللسان، إِن شاء الله تعالى.
كنت نسخته سنة 1935 م
العاجز عبد العزيز الميمني
بدمشق 19/ 7 / 1960 م
(2/383)

المجلد الأول من كتاب العباب الزاخر واللباب الفاخر (*)
تأليف الملتجي إلى حرم الله تعالى الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني نظر الله إليه نظرة رحيمة (من 19 مجلدًا وقفية 797 ه لغة 141 الدار)
(1 ظ) بعد الحمد: قال الملتجي إلى حرم الله تعالى الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي بن إسماعيل العمري ثم الصغاني أماله الله إلى الخير وأهله: هذا كتاب جمعت فيه ما تفرق في كتب اللغة المشهورة والتصانيف المعتبرة المذكورة وما بلغني مما جمعه علماء هذا الشأن والقدماء الذين شافهوا العرب العرباء وساكنوها في داراتها وسايروها في نُقَلها من مورد إلى مورد ومن منهل إلى منهل ومن منتجع إلى منتجع، ومَن بعدهم ممن أدرك زمانهم ولحق أوانهم آتيًا على عامة ما نطقت به العرب خلا ما ذهب منها بذهاب أهلها من المستعمل الحاضر والشارد النادر مستشهدًا على صحة ذلك بآي من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبغرائب أحاديث من هو بمعزل من خطل القول وخَلْفه، فكلامه هو الحجة القاطعة والبيّنة الساطعة، وبغرائب أحاديث صحابته الأخيار وتابعيهم الأحبار وبكلام من له ذكر في حديث أو قصة في خبر وهو عويص، وبالفصيح (ق 2 و) من الأشعار والسائر من الأمثال ذاكرًا أسامي خيل العرب وسيوفها وبقاعها وأصقاعها وبُرَقها وداراتها وفرسانها وشعرائها آتيًا بالأشعار على الصحة غير مختفة ولا مغيرة ولا مداخلة معزوًّا ما عزوت منها إلى قائله، غير مقلد أحدًا من أرباب التصانيف وأصحاب التأليف لكن مراجعًا دواوينهم، معتامًا أصحّ الروايات، مختارًا أقوال المتقنين الثقات.
وموجبُ ما ذكرت أني رأيت فيما جمع مَن قَبلي أطلقوا في أغلب ما أوردوا وقالوا: "وفي الحديث" غير مبيني النبوفي من الصحابي والصحابي من التابعي،
__________
(*) نشر في مجلة المجمع 35/ 546 - 566.
(2/384)

وربما أطلقوا لفظ الحديث على المثل ولفظ المثل على الحديث، وربما قالوا: "وقولهم" وهو من صحاح الأحاديث وقد سردت الأحاديث الغريبة المعاني المشكلة الألفاظ تامَّة مستوفاة، فإن كان في حديث عدة ألفاظ مشكلة أتيت به تامًّا وفسرت كل لفظة منها في بابها وتركيبها وذكرت أن تمام الحديث مذكور في تركيب كذا ليعلم سياق الحديث ويؤمن التكرار والإعادة.
وأقدم قبل الشروع في بيان اللغة فصلين:
الفصل الأول في معرفة أسامي جماعة من أهل اللغة لا غنى بممارس هذا الكتاب وسائر كتب اللغة عن معرفتها، فإن أهل اللغة ذكروا بعضهم بكُناهم وبعضهم بنسبهم وبعضهم بحِرَفهم.
الفصل الثاني: في أسامي كتب حوى هذا الكتاب اللغات المذكورة فيها.

الفصل الأول: في أسامي جماعة من أهل اللغة (ق 2 ظ) / غير مراعى توتيب مواليدهم:
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبو إسحاق الحربي.
إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج.
إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة أبو عبد الله العتكي المعروف بِنَفْطويه (1).
أحمد بن حاتم أبو نصر صاحب الأصمعي.
أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب.
أحمد بن داود بن عبد الله أبو حنيفة الدينوري.
أبو الحسين الرازي.
أحمد بن محمد البُشتي الخارزنجي.
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبيد الهروي.
أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبو العباس الشيباني المعروف بثعلب.
إسحاق بن مِرار الشيباني أبو عمرو.
إسماعيل بن حماد أبو نصر الجوهري النيسابوري.
__________
(1) شكل في الأصل بفتح النون وكسرها بعلامة "معًا".
(2/385)

إسماعيل بن عباد أبو القاسم الصاحب.
حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب أبو سليمان الخطابي.
الحسين بن خالويه أبو عبد الله اللغوي.
خالد بن يزيد أبو القاسم اليزيدي مؤدب ولد يزيد بن منصور الحميري خالِ المهدي.
خلف بن حيان أبو صالح الأحمر.
الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الفرهودي البصري.
سحيم بن حفص أبو اليقظان.
سعيد بن أوس بن ثابت أبو زيد الأنصاري.
سعيد بن مسعدة أبو علي ويقال أبو شعيب الأخفش الكبير البلخي المجاشعي.
سهل بن محمد بن عثمان أبو حاتم السجستاني.
شَمِر بن حَمْدويه أبو عمرو الهروي.
عبد الرحمن بن بُزُرْج (1) الفارسي.
عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص أبو محمد الأموي أخو يحيى.
عبد الله بن محمد بن هانئ أبو عبد الله النيسابوري.
عبد الملك بن قُريب بن (ق 3 و) عبد الملك بن علي بن أصمع أبو سعيد الأصمعي.
علي بن حمزة أبو الحسن الكسائي الأسدي.
علي بن حازم أبو الحسن اللحياني.
علي بن سليمان بن الفضل أبو الحسن الأخفش الصغير.
علي بن المبارك الحراني الأحمر.
عمرو بن عثمان بن قنبرٍ سيبويه أبو بِشر مولى بلحارث بن كعب.
عمرو بن كِرْكِرة أبو مالك البصري.
الفضل بن خالد أبو معاذ الباهلي مولاهم النحوي.
القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي.
الليث بن المظفر.
__________
(1) بضمتين وسكون الراء، فارسية بمعنى: الكبير والشيخ.
(2/386)

محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري أبو منصور.
محمد بن حبيبَ وحبيبُ أمه وكان ولد ملاعنة أبو جعفر.
محمد بن الحسن بن دريد بن العتاهية أبو بكر الأزدي.
محمد بن زياد أبو عبد الله مولى بني هاشم المعروف بابن الأعرابي.
محمد بن سلّام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله الجُمَحي.
محمد بن السري أبو بكر السراج.
محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عُمر الزاهد اللغوي غلام ثعلب.
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري.
محمد بن المستنير أبو علي المعروف بقُطْرُب.
محمد بن مسلم بن قتيبة أبو عبد الله الدينوري (1).
محمد بن يزيد أبو العباس الثُمالي المعروف بالمبرد.
محمود بن عمر بن محمد أبو القاسم الزِمخشري.
معمر بن المثنى أبو عبيدة التيمي.
المفضل بن معلمة بن عاصم أبو طالب.
المفضل بن محمد بن يعلى الضبي الكوفي.
نُصير بن أبي نصير الرازي.
النَضرْ بن شميل بن خَرَشة أبو الحسن المازني البصري أقام بالبادية أربعين سنة.
يحيى بن زياد أبو زكريا الفراء العبسي.
يحيى بن العلاء بن زَبان أبو عمرو البصري وقيل هو ابن العلاء بن جَزْء وقيل (ق 3 ظ) زبان بن العلاء وقيل اسمه كنيته.
يحيى بن المبارك أبو محمد اليزيدي كان يؤدب ولد يزيد بن منصور الحميري خال المهدي.
يزيد بن عبد الله أبو زياد الكلابي.
__________
(1) ذهب عليه، بينما الصواب كما سيأتي في أسماء الكتب: أبو محمد عبد الله بن مسلم.
(2/387)

يعقوب بن إسحاق أبو يوسف السكّيتِ (1).
يونس بن حبيبٍ أبو عبد الرحمن الضبي.

الفصل الثاني في أسامي كتب حوى هذا الكتاب اللغات المذكورة فيها، وهي:
غريب الحديث لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيميّ.
- ولأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي (2).
- ولأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي.
- ولأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
- ولأبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب بن طهمان بن عبد الرحمن بن أنْبُوي هزاربنده الخطابي النيسابوري.
والملخص في غريب الحديث لأبي الفتح عبد الواحد بن الحسن بن محمد بن إسحاق الباقرحي.
والفائق لأبي القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري.
والغريب لأبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني.
وجُمَل الغرائب لمحمود النيسابوري.
والمنمق لأبي جعفر محمد بن حبيب (3).
- والمنمنم له.
- والمحبَّر له.
- والموشَّى له.
- والمفوَّف له.
- والمؤتلف والمختلف له.
وما جاء اسمان أحدهما أشهر من صاحبه له.
- وكتاب أيام العرب له.
__________
(1) الكسر بعلامة "صح" في الأصل، كأنه يرى أن "السكيت" أبوه لا هو.
(2) هو وما سيأتي من "الأغربة" رأيت نسخها في استانبول، مع عدة "أغربة" أخرى لم يعرفها ولا ألمّ بها.
(3) وهو موجو بلكنو.
(2/388)

وكتاب الطير لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني.
- وكتاب النخلة له.
وكتاب الزينة لأحمد بن حمدان أبي حاتم الرازي وطبع منه جزآن لأبي حاتم السجستاني (1).
- وكتاب المُفْسَد من كلام العرب والمُزال عن جهته له (2).
- وكتاب المعمرين له (2).
وجمهرة النسب لمحمد بن السائب الكلبي.
- وكتاب المعمرين له.
- وأخبار كندة له.
- وكتاب افتراق العرب له.
- وكتاب أسماء سيوف العرب المشهورة له.
- وكتاب اشتقاق أسماء البلدان له.
- وكتاب ألقاب الشعراء له.
- وكتاب الأصنام له.
وكتاب أيام العرب لأبي عبيدة.
والكتب المصنفة في أسامي خيل العرب.
والكتب المصنفة في المذكر والمؤنث.
وفي المقصور والممدود.
وفي أسماء الأسد.
وفي الأضداد.
وفي أسامي الجبال والمواضع والبقاع والأصقاع.
ودارات العرب.
والكتب المؤلفة في النبات والأشجار.
وفيما جاء على فَعالِ مبنيًّا.
والكتب المؤلفة فيما اتفق لفظه وافترق معناه.
__________
(1) هذا العنوان غامض: أبو حاتم الرازي توفِّي سنة 322، وأبو حاتم السجستاني (سهل بن محمد) سنة 248، وكتاب "الزينة في الأحرف ومعانيها في الكلمات العربية والدخيلة" للأول دون الثاني (م. ي.).
(2) له: أي للسجستاني (م. ي.).
(2/389)

وفي الآباء والأمهات والبنين والبنات.
ومعاجم الشعراء لدِعبِل.
- والآمدي.
- والمرزباني.
- والمقتَبس له (1).
- وكتاب الشعراء وأخبارهم له.
- وكتاب أشعار الجن له.
وكتاب التصغير لابن السكيت.
- وكتاب البحث له (2).
- وكتاب الفرق له.
- وكتاب القلب والإِبدال له.
- وكتاب إصلاح المنطق له.
- وكتاب الألفاظ له.
وكتاب الوحوش للأصمعي.
- وكتاب الهمز له.
- وكتاب خلق الإِنسان له.
- وكتاب الهمز لأبي زيد.
- وكتاب يافع ويَفَعَة له.
- وكتاب خَبْأةٍ له.
- وكتاب أيمان عيمان له.
- وكتاب نابه ونبيه له.
وكتاب النوادر للأخفش.
- ولابن الأعرابي (3).
- ولمحمد بن سلّام الجمحي.
__________
(1) يوجد في استانبول منتخب مختارة في مجلد.
(2) منه نسخة حديثة ناقصة في الدار.
(3) بالخالدية في القدس مجلده الأول.
(2/390)

- ولأبي الحسن اللحياني.
- ولأبي مِسْحَل (1).
- وللفراء.
- ولأبي زياد الكلابي.
- ولأبي عبيدة.
- وللكسائي.
وكتاب المُكنّى والمُبَنّى لأبي سهل الهروي.
- والمثلث أربع مجلدات له.
- والمنمَّق له.
وكتاب (ظ) معاني الشعر لأبي بكر بن السراج.
والمجموع لأبي عبد الله الخوارزمي.
وكتاب الآفق لابن خالويه.
- وكتاب ليس له.
- وكتاب اطرغشّ وابرغشّ له.
وكتاب النسب للزبير بن بكار.
وكتاب المعمرين لابن شَبَّة.
والمجرد للنُهائي (2).
واليواقيت لأبي عمر الزاهد.
- والموشَّح له.
- والمداخلات له (3).
وديوان الأدب للفارابي.
وديوان الأدب وميدان العرب لابن عُزَيزٍ (4).
والتهذيب للعجلي.
__________
(1) اكتشف منه نسخة جليلة باستانبول برواية ثعلب عن أخي ابن الأعرابي، وكنت أعلنت عن نشره قبل 25 عامًا ولم أوفق إلى ذلك.
(2) وهو موجود في الدار وفي استانبول.
(3) نشرته في مجلة المجمع (وفي هذا الكتاب ص 249 - 290).
(4) بزايين مصغرًا مصروفًا.
(2/391)

والمحيط لابن عباد (1)
وكتاب العين للخليل.
وحدائق الأداب للأبهري (2).
والبارع للمفضل بن سَلَمة.
- والفاخر له.
- وإخراج ما في كتاب العين من الغلط له.
والتهذيب للأزهري.
- وكتاب المدخل إلى علم النَحْت له.
- وكتاب المقاييس له.
- وكتاب الموازنة له.
- وكتاب علل الغريب المصنف له.
وكتاب ذو وذواه (3).
وكتاب الترقيص للأزدي.
وكتاب الجمهرة لابن دريد.
- وكتاب الاشتقاق له.
وكتاب الزبرج للفتح بن خاقان.
وكتاب الحروف لأبي عمرو الشيباني.
وكتاب الجيم له.
وكتاب الزاهر لابن الأنباري (4).
والغريب المصنف لأبي عبيد.
وكتاب التصحيف للعسكري (5).
وكتاب الجبال لابن شُميل.
وضالَّة الأديب لأبي محمد الأسود.
__________
(1) منه مجلدة في الدار وأخرى في استانبول ورأيته كاملًا في النجف.
(2) منه نسخة جليلة باستانبول.
(3) على الهاء السكون بعلامة "صح".
(4) منه أصل قديم باستانبول، ويقال إن اختصاره للزجاجي أحسن منه.
(5) تام في ثلاثة أجزاء في الدار وكان طبع أولها قديمًا مصحفًا.
(2/392)

- وفَرْحة الأديب له (1).
- ونزهة الأديب له.
وسقطات ابن دريد في الجمهرة لأبي عمَر.
- وفائت الجمهرة له.
وجامع الأفعال.
وسميته العباب الزاخر واللباب الفاخر. (ق 5 و).
ولما كان مولانا المولى المالك الوزير الأعظم الصاحب الكبير المعظم العالم العادل المؤيد المظفر المنصور المجاهد سيد صدور العالم مؤيد الدنيا والدين عماد الإسلام والمسلمين عضد الدولة تاج الملة ركن الملك ظهير الخلافة المعظمة صفي الإِمامة المكرمة ملك وزراء الشرق والغرب غياث الورى أبو طالب محمد بن السعيد المرحوم كمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن العلقمي نصير أمير المؤمنين ذو الفضائل المشهورة والفواضل المشكورة والمنائح المبوورة والمآثر المأثورة الواقف على مصالح البلاد همه ولهاه، الباذل في حراسة نفائسهم ونفوسهم أقصى جُهده ومنتهاه، الذي مُنِحَتْ الوزارة منه قطب الأمة وحبرها وأسَدَها وزهيت وسادتها علمًا بأنه أعلم من وطئها وأكرم من توسدها:
إن الوزارة لم يكن كفؤًا لها ... إلا الوزير محمد بن العلقمي
الذي أخصب به ربع الفضائل وكان دارسًا، ووضح بسعيه مَعلم العلوم بعد أن كان طامسًا، وحُميت بسياسته الموهوبة ثغور الإسلام وكانت مخوفة، وأصبحت (2) بفوائض مكارمه جوامع الآمال وأضحت نوافرها آلفة مألوفة، وأفاض على حفدة الأدب سجال مواهبه الغامرة، وحَببه إليهم بما أناله من مِنحه السابغة، فأضحت رباعه بعد الدروس عامرة، فتنبهت هِمَمُ أولي العلوم وكانت راقدة، وفاضت شعاب الفوائد (ق 5 ظ) فيض أياديه الغزار وكانت تلك الشعاب جامدة.
كلما قيلَ قد تناهى أرانا ... كرمًا ما اهتدتْ إليه الكرامُ (3)
__________
(1) نسخته العتيقة بالدار وفيها أخرى منه بخط البغدادي.
(2) انقادت وأخاف أنه في الأصل: "أصبحت".
(3) البيت للمتنبي.
(2/393)

لا زال الإِسلام محروسًا بعوالي هِممه، والإِيمان مَحْمِيّ الجناب بماضي سيفه وقلمه، والرعايا في ظل رعايته وادعين، وملوك الممالك تظل أعناقهم له خاضعين، نفق بضاعتي من العلم بعد أن كانت كاسدة، وأصلح بحسن نظره لي طوية الدهر وكنت أعهدها فاسدة، وشرّفني بمطالعة مصنفاتي وارتضاء مؤلفاتي ولقد أسفت على كل ساعة قضيتها في غير ظله، وكلم عرضتها على غير فضله، ووددت أن تلك الساعة لم تسعني، وعلمت أن تلك الكلمة كانت تقول دعني. ولمنافستي في هذا الشرف أن ينقرض فيه ذكري بعد انقضاء عمري لم أزل أفكر فيما يخلد لي مزية الانتماء إلى مكرم جنابه، ويجعل لوجودي خلفًا يقوم في الخدمة بإحسان منابه، إلى أن أوعز إلى أنفذ الله تعالى في الآفاق عالي أمره، وعضد الإِسلام وأهله بإفاضة البركة على عمره، بان أؤلَف كتابًا في لغة العرب يكون إن شاء الله تعالى بيُمن نقيبته وفقَ الأدب جامعًا شتاتها وشواردها، حاويًا مشاهير لغاتها وأوابدها، يشتمل على أداني التراكيب وأقاصيها، ولا يغادر منها سوى المهملة صغيرة ولا كبيرة إلا وهو يحصيها. فنبهني مرسومه الشريف على ما كنت أرتاده وجريت في طاعته وتوخّي كريم رِضاه على ما أنا معتادة وزففت هذه الخريدة الغيداء والفريدة العذراء إلى أكرم كفؤ وخِطْب، وأعلم كل ذي نهية ولب، فإنه في استحقاق زفاف عقائل نتائجِ العقول إليه طبقة، وفي المثل السائر وافق شنّ طبقة. ولعل من سماه الناس عالما (1) ولم يغن في العلم يومًا كاملًا أو بعض المتحذلقين ومن هو دون القلتين يطالع هذا الكتاب ويطلع على بيت منه غير منسوب وهو في غيره من كتب اللغة كالتهذيب والصحاح والمجمل وغيرها منسوب أو بيت منسوب إلى غير من نسب إليه في هذه الكتب أو صدر بيت عجزه مغير فيها أو حديث وقد جعلوه مثلًا أو مثل وقد جعلوه حديثًا فظن أنه وجد تمرة الغراب أو سبق الهجين العِراب.
هيهات تضرب في حديد بارد
أوردها سعد وسعد مشتملْ ... ما هكذا تورد يا سعد الإِبل
صَمّي صَمامِ.
أطرِق كرا أطرق كرا ... إن النعام في القُرى (2)
__________
(1) كذا في الأصل بدل (عاملًا).
(2) تكلم عليهما البغدادي في الخزانة وأفاض.
(2/394)

انظر (1) لرجلك قبل الخطو موقعها ... فمن علا زَلَقا عن غِرة زلجا
رُب كلمة تقول دعني إذا ما رأت الرجال فاصبر ليس بعشك فادرجي ما اسمك اذكر فلا يسيء الظن بي بل غيري في ذلك أولى بأن ينسب إلى التزييف أو يرمى بالتصحيف والتحريف فإني قد نخلت الكتب المتداولة بين الناس نخل محصِلة وأثرت مُبَحْتِرًا فصّ كل كتاب منها ومفصِلَة، فوجدتُها مَشاكةً يحتميها الحافي ويعافها العافي وفحصت عن بيت بيت، وركضت في ميادينها الكميت، فوجدتهم قد خلطوا الهَمَل بالمرعيّ، ولم يكن بالمرء عِي، وتناعوا (ق 6 ظ) فتمادى بهم النوم، وطاب لهم الكرى في ظل (2) الدَّوم.
هذا أبو منصور الأزهري
شيخ عهده وزمانه وإمام عصره وأوانه والمشار إليه في كثرة النُقَل والمضروب إليه أكبادُ الإِبل أنشد في ك ل ل للعجاج:
حتى يَحُلون الرُبَى كلا كلا
وهو لرُؤْية لا للعجّاج والرواية قومًا يحلّون، وأنشد في ركض لرؤبة:
والنسر قد يَرْكُض وهو هافِ
وهو للعجّاج لا لرؤبة. وأنشد في ك دس لعَبِيد:
(وخيل تَكَدَّسُ بالدارعين ... كمشي الوعول على الظاهرة)
وهو لمهلهل لا لعبيد، وأنشد في س ك ر لأوس:
خُذْلت على ليلة ساهره ... فليست بطَلْق ولا ساكره
وهو مُدَاخل الرواية.
خُذلت على ليلة ساهره ... بصحراء شَرْج إلى ناظره
تُزاد ليالي في طولها ... فليست بطَلْق ولا ساكره
وفي كتابه من هذا الجنس أكثر من ألف موضع.
وأما أبو منصور إِسماعيل بن حماد الجوهري
الذي تَخرُّ له جباه أهل الفضل، وحُكم له بحيازة السبق والنَضْل، فقد قال في
__________
(1) في الحماسة.
(2) ويقال: إن الدوم لا ظل له فوجه الكلام إذن "الظل الدوم" أي الدائم.
(2/395)

تركيب س ع ب قال ابن مقبل:
يعلون بالمَرْدفوْش الوردِ ضاحيةً ... على صعابيب ماءِ الضالة اللَّجِزِ
ثم قال أراد اللّزج فَقَلَبَه. وذكر في فصل اللام من باب الزاي اللجز قلب اللزج وأنشد البيت، فلو كان هذا المقبل اطلع على ديوان شعر ابن مقبل لعلم أنه ليست له قصيدة زائية وأنها نونية وأول القصيدة:
قد فرق الدهرُ بين الحي بالظَعَن ... وبين أهواءِ شَرب يوم ذي يَقَن
وقبل البيت الذي ذكره:
يَثْنِينَ أعناقَ آدْم يختلِبن بها ... حَب الأراك وحب الضأل من دَنَن
يعلون [.... البيت]، فقد أخطأ في اللغة حيث قال اللجِز وفي الإِنشاد حيث جعل القافية النونية زائية.
وقال في تركيب ش س ب قال الوقّاف العقيلي:
فقلت له حان الرواحُ ورُعْتُه ... بأسمرَ مَلْوي من القِد شاسب
وهو لمُزاحِم العقيلي لا للوقاف. وقال في تركيب رقء وفي الحديث لَا تسبوا الإِبل فإن فيها رَقوءَ الدم: وإنما هو قول أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى طيء والوصية بطولها مذكورة في كتاب المعمرين لابن الكلبي. وقال في تركيب خضم والخِضَمّ أيضًا في قول أبي وَجزة السعدي: المُسِن من الإبل وإِنما هو المِسَنَ بكسر الميم وفتح السين وهو الحَجَر الذي يُحَدّ به السكين ولو لم (7 ظ) يقل من الإبل لحُمل على الغلط من النساخ وبيت أبي وجزة الذي يذكره هو قوله:
شاكت رُخَامى قذوفِ الطرفِ خائفةٍ ... هول الجنان نزور غير مخداج
حَرى موقَعةٍ ماجَ البنانُ بها ... على هخعضم يُسَقى الماءَ عَجاجِ
وقال في تركيب زرر وإذا كانت الإِبل سِمانا قيل (بها ززة). هذا والأغرب أنه يروي عن الأصمعي في (بَهْزَر) البهزرة الناقة العظيمة والجمع البهازر. والصواب (بَهَازِرَة) على مثال فَعَالِلَةٌ، والكلمة رباعية وفي هذا الكتاب ما يشاكل ما ذكرتُ منيف على ألفي موضع نبهت عليها كلها في كتابي التكملة ومجمع البحرين، وقد صحح نسختَه وحشاها من قرأ علي هذا الكتاب بالهند والسند واليمن والعراق وقد صحَحتُ نسخةً وحشيتها بخطي بمدينة السلام حماها الله تعالى للخزانة الميمونة المعمورة الوزيرية المؤيدية زاد الله صاحبها من الارتقاء في دَرَج الجلال ووقاه وذُريته عَينَ
(2/396)

الكمال فمن رام مصداق ما ذكرت فليُقِر عينه بإدارتها فيها وليرتع في رياض فرائدها وفوائد حواشيها.
وأما شيخ هذه الصناعة وفارس ميدان البراعة أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي فإنه مع كثرة تصانيفه وجودة تآليفه لم يسلَم جَواده في جَواد هذا المِضمار من الكَبْوة والعِثار وقد ذكر في المجمل في تركيب ت م م والمتتمم المكسر وهو في قول الشاعر:
(أو كانهياض المُتْعَب المتَتَممِ)
فمن كانت بضاعته في حفظ أشعار العرب مُزْجاةً وَشدا طَرفًا من علم العروض حكم أنه من البَحر الكامل على وزان قول أبي كبير الهذلي:
أزهيرَ هل عن شيبة من مَعْهَم ... أم لا خلود لباذلٍ مُتكرِّم
والرواية (كانهياض) بغير كلمة (أو) والبيت من الطويل وهو لذي الرمة وصدره (1):
إذا نال منها نظرةً هِيص قلبه ... بها كانهياضِ
وقال في تركيب ث غ ر ثغرة النحر الهزْمة في اللبة قال:
وتارة في ثُغَر النحور
وهو مغير والرجز للعجاج والرواية:
يَنْشِطُهن في كُلى الخصورِ ... مَرًا ومَرًا ثُغَرَ النحورِ
وتارة في طبَق الظُّهور
يصف ثورًا وحشيًّا يطعن الكلاب برَوْقَيه. وقال في تركيب ج ل ل:
فعلته من جلالك أي عَظَمتك قال: (واكرامي العدى من جلالها)
والرواية: (وإكراميَ القومَ العِدَى ...)،
وصدره: (حيائي من أسماءَ والخَرف دونها)
وفي هذا الكتاب من هذا النوع حدود خمسُ مائة موضع، وفي سائر تصانيفه
__________
(1) اللجنة: ورواية اللسان:
(إذا ما رآها رؤبة هيض قلبه ... بها كانهياض المتعب المتَيَمّمِ)
(2/397)

من هذا الجنس من الخلل كثير وقد ذكر (1) في كتابه الموسوم بالصاحبي في فقه اللغة في حروف المعاني في ذكره كلمة رُوَيد:
وقال (8 ظ) قالوا هو تصغير رود وهو المَهَل قال:
(كأنها مثل من يمشي على روْدِ)
وهذا الإِنشاد مقلوب محرف والرواية:
كأنه ثَمِلٌ يمشي على الروْدِ
وصدره:
يمشي ولا تكلِم البطحاءَ خطوته
ويروي وَطأته، ويروي (كأنه فاتن) أي صَبي، وقيل جارية، والبيت للجَموح الظَفَري قاله يوم نَبْط وهو يوم ذاه (2) البَشام وكذلك سائر تصانيفه وأكثرها عندي.
وأما شيخ شيوخ هؤلاء السَلْف الإصليت يَعقوب بن إسحاق السكيت فمشار إليه في هذا الفن، وكتابه (الإِصلاح) محتاج إلى الإِصلاح، وقد قال في باب فَعْل وفِعْل قال الراجز:
مهْرَ أبي الحَبْحاب لا تَشَلّ ... باركَ فيك الله من ذي أل
والرواية (مهر أبي الحَرث) وهو أو الحارث بِشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان الذي يقول فيه بَشير بن النِكْث:
(بِشر بن عبد الملك بن بِشر ... كالنيل يَسقي فَرَيَاتِ مصرِ)
والرجز لأبي الخضْري اليربوعي. وقال في باب فَعْل وفَعَل قال أبو ذؤيب:
ومُدَّعَس فيه الأنيض اختفيته ... بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
صدر البيت من قصيدة رائية وعجزه (9 و):
بجرداء ينتاب الثميل حمارها
وليس فيه شاهد على الوكف وعجزه من قصيدة بائية وصدره:
تَدلّى عليها بين سبّ وخَيطة
__________
(1) في ص 124.
(2) ذاه بعلامة صح بدل ذات المنتشرة غلطًا.
(2/398)

وقال في الباب: وقد أجرسني السَبُعُ إذا سمع صوتَ جَرْسي قال:
حتى إذا أجرسَ كل طائر ... قامت تغنظي (1) بك سِمْعَ الحاضر
وبين المشطورين مشطوران وهما:
وألجأ الكلب إلى المآخر ... تَمَيُّزُ الليل لأحوَى جاثر
والرجز لجندل بن المثنى الطُهوي. وقال في باب ما جاء مضمومًا: الأبُلة أيضًا القِدْرة من التمر قال الشاعر:
فيأكل ما رُضَّ من زادنا ... ويأبى الأبُلةَ لم تُرْضَض
والرواية من زادها ومن تمرها، وهو الصحيح أي من تمر الظبية المذكورة في البيت الذي قبله وهو:
لها (2) ظَبية ولها عُكَّة ... إذا أنفضَ القومُ لم تُنفِض (3)
والشعر لأبي المثلم الهذلي. وقال في باب ما يفتح أوله وثانيه: ومن العرب من يخفف ثانيه وقال:
وقد علتني ذُرأةٌ بادي بدِي
ورَثْيةٌ تنهض في تشددي ... وصار للفحل لساني ويدي
(9 ظ) والرجز لأبي نُخيلة السعدي والمشطور الثالث ليس في رجزه. وقال في باب ما جاء على أفعلت والعامة تقول بَفْعلت قال الهذلي: (وقد همّت بإِشجانِ) والرواية (عُراةً بعدَ إشحانِ) والهذلي هذا هو أبو قلابة وأول البيت:
إِذْ عارت النبلُ والتف اللفوفُ وإِذ ... سَلّوا السيوف ...............
وهلم جرّا.
وأما الصاحب بن عبّاد فإن كتابه المسمى بالمحيط لو قيل إنه أحاط بالأغلاط والتصحيفات لم يبعد عن الصواب، وكان علماء زمانه خافوا أنهم لو نطقوا بشيء منها قطع رسومَهم وتسويغاتهم فلبُّوا نداءَه وأمنوا على دعائه ونجوا بالصمت. ومن جملة تصحيفاته أنه قال في تركيب ن زم: النُزْم شدة العض، والمِنزم السِن، والنَّزِيم حُزمة من بقل، وكل هذا بالباء الموحدة.
__________
(1) إلى أنه يروى بالإهمال والإعجام، وراجع السمط.
(2) وله معًا.
(3) بالياء والتاء معًا.
(2/399)

(وكم مثلِها فارقتُها وهي تَصفِر)
ولم أذكر ما ذكرت مما وقع فيه السهو أو انحرف عن سَنَن الصواب ونهج السداد والعياذ بالله إزراءً بهم أو غضًّا منهم أو تنديدًا بالهَفوات، أو وضعًا من رَفيعات أقدارهم بالسقطات، وكيف وما استفدت إلا من تصانيفهم ولا انتفعت إلا بتآليفهم، وما اهتديت إلا بأنوارهم ولا اقتفيت إلا لواحِب آثارهم، وما حملت ذلك إلا على الغلط من الناسخين لا من الراسخين أو أنهم لفرط اهتمامهم بالإفادة لم يَتفرَّغوا للمعاودة والمراجعة، فهم القدوة وبهم الأسوةُ رحمنا الله تعالى وإياهمٍ وجَزاهم عن جِدّهم وجُهدهم خيرًا، ولو ذكرتُ لكل كتاب صُنف في اللغة نموذجا لطال الكلام وسَلِس النظام؛ فلما رأيت مسلكَ التناول من هذه الكتب شائكًا وَعْرًا قلتُ لنفسي (1) "أطِري فإنك ناعلة" وسُقت هذا الكلام أمام شروعي في الكتاب مَزجرةً لكل ناقص وقد قيل:
لا تَهنَّأ من تمنَّى مَع نفسٍ جاهلة ... أن يساوي من تَعنَّى في نفيس الجاه له
وأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه ومقربًا من رحمته فقد فسرت فيه عدة آيات من كتاب الله تعالى وقطعة صالحة من غرائب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحاديث الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين وأرجو من عميم فضله أن يُسيّر هذا الكتاب في الآفاق ويُهِب عليه قَبولَ القَبول ويَعْصِم من الزلل والخلل والخطأ والخَطَل وهو حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
عبد العزيز الميمني
بدمشق الفيحاء 17/ 7 / 60 م
__________
(1) في الأصل بالطاء والظاء معًا؛
(لجنة المجلة): وهو مَثَلٌ جاء في اللسان (نعل) تفسيره بأنه أراد أدّلي على المشي فإنك غليظة القَدَمين غير محتاجة إلى النعلين، وأحال الأزهري تفسير هذا المثل على موضعه في حرف الطاء.
(2/400)